صفحة 1
الكتاب: تفسير كتاب الله العزيز
المؤلف: الشيخ هود بن محكم الهواري (القرن الثالث الهجري)
حققه وعلق عليه: بالحاج بن سعيد شريفي
الناشر: دار الغرب الإسلامي
مكان النشر: بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى
تاريخ النشر: 1990م
عدد الأجزاء: أربعة
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
[مقدمة المحقق لم ترقن]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) تفسير كتاب الله العزيز
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
للشيخ هود بن محكم الهواري
من علماء القرن الثالث الهجري
حققه وعلق عليه
بالحاج بن سعيد شريفي
الجزء الأول
دار الغرب الإسلامي (1/1)
صفحة 2
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1990
دار الغرب الإسلامي
ص. ب: 5787 – 113
بيروت -لبنان (1/2)
صفحة 3
الإهداء (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
المقدمة
[صفحة لم ترقن] (1/5)
صفحة 6
[صفحة لم ترقن] (1/6)
صفحة 7
[صفحة لم ترقن] (1/7)
صفحة 8
[صفحة لم ترقن] (1/8)
صفحة 9
[صفحة لم ترقن] (1/9)
صفحة 10
[صفحة لم ترقن] (1/10)
صفحة 11
[صفحة لم ترقن] (1/11)
صفحة 12
[صفحة لم ترقن] (1/12)
صفحة 13
[صفحة لم ترقن] (1/13)
صفحة 14
[صفحة لم ترقن] (1/14)
صفحة 15
[صفحة لم ترقن] (1/15)
صفحة 16
[صفحة لم ترقن] (1/16)
صفحة 17
[صفحة لم ترقن] (1/17)
صفحة 18
[صفحة لم ترقن] (1/18)
صفحة 19
[صفحة لم ترقن] (1/19)
صفحة 20
[صفحة لم ترقن] (1/20)
صفحة 21
[صفحة لم ترقن] (1/21)
صفحة 22
[صفحة لم ترقن]
[ (1/22)
صفحة 23
[صفحة لم ترقن] (1/23)
صفحة 24
[صفحة لم ترقن] (1/24)
صفحة 25
[صفحة لم ترقن] (1/25)
صفحة 26
[صفحة لم ترقن] (1/26)
صفحة 27
[صفحة لم ترقن] (1/27)
صفحة 28
[صفحة لم ترقن] (1/28)
صفحة 29
[صفحة لم ترقن] (1/29)
صفحة 30
[صفحة لم ترقن] (1/30)
صفحة 31
[صفحة لم ترقن] (1/31)
صفحة 32
[صفحة لم ترقن] (1/32)
صفحة 33
[صفحة لم ترقن] (1/33)
صفحة 34
[صفحة لم ترقن] (1/34)
صفحة 35
[صفحة لم ترقن] (1/35)
صفحة 36
[صفحة لم ترقن] (1/36)
صفحة 37
ر [صفحة لم ترقن] (1/37)
صفحة 38
[صفحة لم ترقن] (1/38)
صفحة 39
[صفحة لم ترقن] (1/39)
صفحة 40
[صفحة لم ترقن] (1/40)
صفحة 41
[صفحة لم ترقن] (1/42)
صفحة 42
[صفحة لم ترقن] (1/43)
صفحة 43
[صفحة لم ترقن] (1/44)
صفحة 44
[صفحة لم ترقن] (1/45)
صفحة 45
[صفحة لم ترقن] (1/46)
صفحة 46
[صفحة لم ترقن] (1/47)
صفحة 47
[صفحة لم ترقن] (1/48)
صفحة 48
[صفحة لم ترقن] (1/49)
صفحة 49
[صفحة لم ترقن] (1/50)
صفحة 50
[صفحة لم ترقن] (1/51)
صفحة 51
[صفحة لم ترقن] (1/52)
صفحة 52
[صفحة لم ترقن] (1/53)
صفحة 53
[صفحة لم ترقن] (1/54)
صفحة 54
[صفحة لم ترقن] (1/55)
صفحة 55
[صفحة لم ترقن] (1/56)
صفحة 56
[صفحة لم ترقن] (1/57)
صفحة 57
[صفحة لم ترقن] (1/58)
صفحة 58
[صفحة لم ترقن] (1/59)
صفحة 59
[صفحة لم ترقن] (1/60)
صفحة 60
[صفحة لم ترقن] (1/62)
صفحة 61
[صفحة لم ترقن] (1/63)
صفحة 62
[صفحة لم ترقن] (1/64)
صفحة 63
[صفحة لم ترقن] (1/65)
صفحة 64
[صفحة لم ترقن] (1/66)
صفحة 65
[صفحة لم ترقن] (1/67)
صفحة 66
[صفحة لم ترقن] (1/68)
صفحة 67
[صفحة لم ترقن] (1/69)
صفحة 68
[صفحة لم ترقن] (1/70)
صفحة 69
[صفحة لم ترقن] (1/71)
صفحة 70
[صفحة لم ترقن] (1/72)
صفحة 71
سْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)
تفسير فاتحة الكتاب، وهي مكية كلها
[قوله: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}]. ذكروا عن الحسن قال: هذان اسمان [ممنوعان] لم يستطع أحد من الخلق أن ينتحلهما: الله والرحمن. قال بعض أهل العلم: إن المشركين قالوا: أما الله فنعرفه، وأما الرحمن فلا نعرفه، فأنزل الله: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ}، يا محمد، {هُوَ رَبِّي} [سورة الرعد: 30].
ذكروا عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله: أنا الرحمن. شققت الرحم من اسمي فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته».
ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نكتب باسمك اللهم [زماناً]، فلما نزلت: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} [الإِسراء: 110] كتبنا: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ} فلما نزلت: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [سورة النمل: 30] كتبنا {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. (1/73)
صفحة 72
ذكروا عن سلمان الفارسي أنه قال: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم]: «إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة كل رحمة منها طباقها السماوات والأرض، فأنزل الله منها رحمة واحدة، فبها تتراحم الخليقة حتى ترحمَ البهيمةُ بهيمتَها، والوالدة ولدها. فإذا كان يوم القيامة جاء بتلك التسع والتسعين رحمة، ونزع تلك الرحمة من قلوب الخليقة فأكملها مائة رَحمةٍ، ثم يضعها بينه وبين خلقه. فالخائب من خُيِّب من تلك المائة رحمة».
ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يدخل الجنةَ إلا رحيم»، قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، يرحم الرجل نفسه ويرحم ولده، ويرحم أهله. قال: «لا، حتى يرحم الناس جميعاً».
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما يضع الله رحمته على كل رحيم».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «السبعُ المثاني فاتحةُ الكتاب» غير (1/74)
صفحة 73
العلماء قال: السبع المثاني هي فاتحة الكتاب. وإنما سمّيت السبع المثاني لأنهن يثنّين في كل قراءة، يعني في كل ركعة.
ذكر أبو زيد قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة نمشي في بعض طرق المدينة، ويدي في يده، إذ مررنا برجل يتهجَّد من الليل، وهو يقرأ فاتحة الكتاب، فذهبت أكلم النبي عليه السلام، فأرسل يدي من يده وقال: صه، وجعل يستمع. فلما فرغ الرجل منها قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما في القرآن مثلُها».
ذكروا عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأُبيّ: «لأعلمَنَّك سورة ما في القرآن مثلُها، ولا في التوراة ولا في الإِنجيل ولا في الزبور مثلُها هي أعظم: هي فاتحة الكتاب».
ذكروا عن أُبيّ بن كعب قال: قال الله: «يا ابن آدم أنزلت عليك سبع آيات ثلاث منهن لي، وثلاث منهن لك، وواحدة بيني وبينك، {الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، هذه لله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [هذه بين الله وابن آدم]. {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}. هذه لابن آدم». (1/75)
صفحة 74
ذكروا عن الحسن قال: هذا دعاء أمر اللهُ رسولَه أن يدعوَ به، وجعله سنةً له وللمؤمنين.
ذكروا عن ابن عباس أنه كان يجهر بِ {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في الصلاة، ويقول: من تركها فقد ترك آية من كتاب الله. وابنُ عباس كان يجعل {صِرَاطَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} آية واحدة.
قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ}. قال الحسن: حمد الرب نفسه، وأمر العباد أن يحمدوه. والحمد شكر النعمة. {رَبِّ الْعَالَمِينَ}. العالَمون الخَلق. يقول: الحمد لرب الخلق.
قوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يقرأونها: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. وتفسيرها على هذا المقرإ مَالِكه الذي يملكه، من قِبَل المِلك. وبعضهم يقرأونها: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يعنون بهذا المقرإ أنه من قِبَل المُلك. وبعضهم يقرأها: {مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ} يجعلها نداء. وتفسيره على الدعاء: يا مالكَ يَوْمِ الدِّينِ. ويوم الدين هو يوم الحساب في تفسير مجاهد والحسن. وقال بعضهم: يوم يدين الله الناس فيه بأعمالهم. وقولهم جميعاً في هذا واحد. (1/76)
صفحة 75
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)
[قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}. هذا دعاء؛ سأله المؤمنون الهدى والاستقامة في كل قول وعمل. {اهْدِنَا} أي: أرشدنا. قال بعض المفسرين: {الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ}، يعني الطريق المستقيم إلى الجنة، وهو دين الإِسلام. ذكروا عن ابن مسعود وابن عمر قالا: ترك النبي عليه السلام طرفَ الصراط عندنا وطرفَه في الجنة.
قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. يعني بالإِسلام. قال بعضهم: {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} هم الأنبياء؛ وهو كقوله: {أُوْلَئِكَ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ. . .} إلى آخر الآية. [سورة مريم: 58] والإِسلام يجمعهم جميعاً.
قوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ} يعني اليهود. {وَلاَ الضَّالِّينَ} يعني النصارى. والمشركون كلهم مغضوب عليهم وكلهم ضالون، ولكن اليهود والنصارى يقرأون الكتابين: التوراة والإِنجيل وينتحلونهما، ويزعمون أنهم يدينون بهما. وقد حرَّفوهما، وهم على غير هدى. ذكروا عن الحسن أنه قال: المغضوب عليهم اليهود، والضالون النصارى. (1/77)
صفحة 76
تفسير سورة (البقرة). وهي مدنية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. قوله: {الم}. كان الحسن يقول: ما أدري ما تفسير {الم وَ الر والمص} وأشباه ذلك [من حروف المعجم]. غير أن قوماً من المسلمين كانوا يقولون: أسماء السور ومفاتحها.
ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه قال: {الر، حم، و ن} هو الرَّحْمَنُ. يقول: إنه يجعلها اسماً من أسماء الله حروفاً مقطعة في سور شتى، فإذا جمعها صار اسماً من أسماء الله، وهو مبتدأ الاسم.
وكان الكبي يقول: هي الأُخَر المتشابهات.
قال: بلغنا أن رهطاً من اليهود، منهم كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، وأبو ياسر، دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عن {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 1 - 2] فقال حيي: إنه بلغني أنك قرأت {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ}. أناشدك الله، إنها أتتك من السماء؟ فقال رسول الله: نعم، والله لكذلك نزلت. قال (1/78)
صفحة 77
حيي: إن كنت صادقا أنها أتتك من السماء إني لأعلم أُكُل هذه الأمة. ثم نظر حيي إلى أصحابه فقال: كيف ندخل في دين رجل إنما ينتهي أُكُل أمته إلى إحدى وسبعين سنة. فقال له عمر: وما يدريك أنها إحدى وسبعون سنة؟ فقال لهم حيي: أما الألف فهي في الحساب واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له حيي: هل غير هذا؟ فقال نعم. قال: ما هو؟ قال: {المص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 1 - 2]. فقال: هذا أكثر من الأول: هذا إحدى وثلاثون ومائة سنة؛ نأخذه من حساب الجُمَّل. قال: هل غير هذا؟ قال: نعم. قال: ما هو؟ قال: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1]. قال حيي: هذه أكثر من الأولى والثانية. فنحن نشهد لئن كنتَ صادقاً ما ملك أُمتِك إلا إحدى وثلاثين ومائتا سنة، فاتَّق الله ولا تقل إلا حقاً. فهل غير هذا؟ قال: نعم. قال: ما هو؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الرعد: 1]. قال حيي: فأنا أشهد أنا من الذين لا يؤمنون بهذا القول، لأن (1/79)
صفحة 78
هذه الآية أكثر؛ هذه إحدى وسبعون ومائتا سنة. فلا أدري بأيِّ قولك نأخذ، وبأي ما أنزل عليك نتِّبع. قال أبو ياسر: أما أنا فأشهد أن ما أنزل الله على أنبيائنا أنه الحق، وأنهم قد بَيَّنوا على ملك هذه الأمة ولم يوقِّتوا كم يكون أُكلهم حتى كان محمد، فإن كان محمد صادقاً كما يقول، إني لأراه سيجمع لأمته هذا كله: إحدى وسبعين، وإحدى وثلاثين ومائة، وإحدى وثلاثين ومائتين، وإحدى وسبعين ومائتين [فهذه] سبعمائة وأربع سنين.
فقال القوم كلهم: قد اشتبه علينا أمرك، فلا ندري بالقليل نأخذ أم بالكثير.
فذلك قوله: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [سورة آل عمران: 7] هن ثلاث آيات من آخر سورة الأنعام؛ أولاهن: {قُلْ تَعَالُوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إِمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 151 - 153]. هذا في تفسير الكلبي.
وفي تفسير غيره من السلف، فإنه يجعل الأَنعام مكيةً كلَّها. وكان هذا الأمرُ بالمدينة. (1/80)
صفحة 79
قال الكلبي: وأمَّا المتشابه [ف] {الم والاماصاو الر}. قال الله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} لهؤلاء النفر من اليهود، مما كانوا يحسبون من ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله كم يكون أُكل هذه الأمة؛ ولا يعلم ما كتب الله لهذه الأمة من الأُكل، أي: المدة، إلا الله.
وغير الكلبي يفسِّر المتشابهات على وجه آخر. وسنفسِّر ذلك في سورة آلِ عِمْرَانَ إن شاء الله.
قوله: {ذََلِكَ الْكِتَابُ} أي هذا الكتاب {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك فيه. {هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ} يعني بياناً للمتَّقين الذين يتَّقون الشّرك؛ يهتدون به إلى الجنة. وبلغنا عن ابن مسعود أنه كان يقرأها: (لاَ شَكَّ فِيهِ).
{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} أي: الذين يصدِّقون بالبَعثِ وبالحساب وبالجنة وبالنار، وكل هذا غُيِّب عنهم.
قوله: {وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ}. يقول: ويقيمون الصلواتِ الخمسَ المفروضةَ عليهم، يحافظون على وضوئها ومواقيتها، وركوعها وسجودها على ما سنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في كل صلاة منها.
قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} يعني الزَّكاة المفروضة على ما سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهب والفضة، والإِبل والبقر والغنم، والبر والشعير، والتمر والزبيب. وفي قول الحسن وغيره من أصحابنا: وما سوى ذلك فليس فيه زكاة حتى يُباع فتكون فيه زكاة الأموال، يُزكِّيه مع ماله إِذا زكَّى إن كان له مال. وبعض أصحابنا (1/81)
صفحة 80
يجعل الذُّرة مع البر والشعير. وقد فسَّرنا ذلك في أحاديث الزكاة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «السنة سنتان، وما سوى ذلك فريضة: سنة في فريضة، الأخذ بها هدى وتركها ضلالة، وسنة في غير فريضة، الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة».
قوله: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} أي والذين يصدِّقون بما أنزل إليك من القرآن {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} أي من التوراة والإِنجيل والزبور؛ نؤمن بها ولا نعمل إلا بما في القرآن. قال: {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} أي أنها كائِنَة. {أُوْلَئِكَ} أي الذين كانت هذه صفتهم {عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} أي على بيان من ربهم. {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} يعني هم السعداء، وهم أهل الجنة.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} فهؤلاء الذين يلقون الله بكفرهم، لأنهم اختاروا العمى على الهدى. {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [يعني طبع، فهم لا يفقهون الهدى] {[وَعَلَى سَمْعِهِمْ} فلا يسمعونه (1/82)
صفحة 81
{وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} فلا بيصرونه {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ]} بفعلهم الكفرَ الذي استحبوه واختاروه على الإِيمان، فهؤلاء أهل الشرك.
ثم ذكر الله صنفاً آخر من الناس، يعني المنافقين فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} يقول: أقروا لله بألسنتهم وخالفت أعمالهم. وما هم بمؤمنين، أي: حتى يستكملوا دين الله ويوفوا بفرائضه كَ {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [سورة النجم: 37] أي الذي أكمل الإِيمان وأكمل الفرائض.
قوله: {يُخَادِعُونَ اللهَ وَالذِينَ ءَامَنُوا} أي بما أعطوهم من الإِقرار والتصديق، وأعطوا الحقوق من الزكاة، يخادعون بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛ فجعل الله مخادعتهم رسولَه والمؤمنين كمخادعة منهم لله. وهو كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ} [الفتح: 10]. والإِيمان بالنبي عليه السلام إيمان بالله، والكفر به هو كفر بالله، وكذلك مخادعة الله. قال: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} أي: إن ذلك يرجع عليهم عذابه وثواب كفره. وتفسير خدعة الله إياهم في سورة الحديد {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي أن ذلك يصير عليهم.
ثم قال: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} يعني بذلك النفاق. يقول: في قلوبهم نفاق، فنسب النفاق إلى القلب كما نسب الإِثم إليه، كقوله في الشهادة: {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [سورة البقرة: 283] قال: {فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً} أي الطبع على قلوبهم بكفرهم. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يعني عذاباً موجعاً {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} مخفّفة؛ أي: بقولهم: إنا مؤمنون وليسوا بمؤمنين إذ لم يستكملوا فرائض الله ولم يوفوا بها. فهذا تفسير من قرأها بالتخفيف. ومن قرأها بالتثقيل: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} فهو يريد: بعض (1/83)
صفحة 82
العمل أيضاً تكذيب؛ يقول: إن التكذيب تكذيبان: تكذيب بالقول وتكذيب بالعمل. ومثله في اللغة أن يقول القائل للرجل إذا حمل على صاحبه فلم يحقق في حملته: كَذَب الحملةَ، وإذا حقّق قالوا: صدق الحملة. فمن قرأها بالتخفيف فهو يريد الكذب على معنى ما فسّرناه أولاً. وأخت هذه الآية ونظيرتها التي في براءة: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [سورة التوبة: 77]. يقول: أعقبهم، بالخلف والكذب الذي كان منهم، نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه. ومن قرأها بالتثقيل فهو بالمعنى الآخر الذي وصفناه آخراً، ولا يعني به جحداً ولا إنكاراً، لأن مرض النفاق غير مرض الشرك، وكذلك كفر النفاق غير كفر الشرك.
قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} بالعمل بالمعصية {قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} يزعمون أنهم بمعصية الله والفساد في الأرض مصلحون. قال الله تعالى: {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} أي: لا يشعرون أن الله يعذبهم في الآخرة ولا [ينفعهم] إقرارهم وتوحيدهم. وهذا يدل على أن المنافقين ليسوا بمشركين. (1/84)
صفحة 83
قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا ءَامَنَ النَّاسُ} يعني: وإذا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون آمنوا كما آمن الناس أي: أكملوا إيمانكم بالفعل الذي ضيعتموه. كما آمن الناس أي: كما آمن المؤمنون المستكملون القول والعمل {قَالُوا} يقول بعضهم لبعض: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} أنؤمن كما آمن سفيه بني فلان وسفيه بني فلان ممن آمن ووفّى، يعيبونهم بالوفاء والكمال، ولم يعلنوا ذلك للنبي عليه السلام. قال الله: {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} أنهم سفهاء في تفسير الحسن. وفي تفسير السّدّي: ولا يعلمون أن الله يخبر نبيّه بقولهم.
قال تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} يعني الكفار في تفسير الحسن. وفي تفسير غيره من أصحابنا: إلى كبرائهم وقادتهم في الشر {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} بمحمد وأصحابه. وتفسير الاستهزاء في هذا الموضع: إنما نحن مخادعون محمداً وأصحابه. يقول الله: {اللهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} أي الله يخدعهم بمخادعتهم رسولَه. وقال في سورة النساء: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142].
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُجاء بالمستهزئين يوم القيامة فيُفتح لهم باب من الجنة، فيُدعون ليدخلوها، فيجيئون ليدخلوها، فإذا بلغوا الباب أُغلِق دونهم فيرجعون. ثم يُدعون ليدخلوها، فإذا بلغوا الباب أُغلِق دونهم فيرجعون. ثم (1/85)
صفحة 84
يدعون، حتى أنهم ليُدعَوْن فما يجيئون من الإِياس».
وهذه الرواية عن الحسن تحقِّق ما تأوَّلنا عليه هذه الآية أن الاستهزاء في هذا الموضع هو الخداع؛ يخدعهم الله في الآخرة كما خدعوا النبي عليه السلام والمؤمنين في الدنيا؛ وهو قوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}.
قوله: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. قال بعضهم: في ضلالهم يلعبون. وقال بعضهم: في ضلالتهم يتمادون.
قوله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى} يعني اختاروا الضلالة على الهدى. وقال بعضهم: استحبّوا الضلالة على الهدى. قال الله: {فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}.
ثم ضرب مثلهم فقال: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ}. [قال الحسن: يعني مثلهم كمثل رجل يمشي في ليلة مظلمة في يده شعلة من نار، فهو يبصر بها موضع قدميه. فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فلم يبصر كيف يمشي] وإن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له في الدنيا، فحقن بها دمه وماله وسباء ذريته، وناكح بها المسلمين وغازاهم ووارثهم بها، وأخذ الحقوق، فلما جاءه الموت ذهب ذلك النور لأنه لم يحققه بعمله ولم يكمِّل فرضه، فطفىء نوره القليل الذي كان معه، وهو التوحيد، كما طفئت النار التي استوقدها صاحبها فأضاءت ما حوله، فبقي في ظلمة حين طفئت النار.
ثم قال: {صُمٌّ} يعني عن الهدى فلا يسمعونه {بُكْمٌ} عنه فلا ينطقون به {عُمْيٌ} عنه فلا يبصرونه. ثم قال: {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي إلى الإِيمان، يعني أنهم لا يتوبون من نفاقهم (1/86)
صفحة 85
ثم ضرب مثلاً آخر فقال: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ}. يقول هذا المثل أيضاً مثل المنافق. والصيِّب المطر. ذكروا عن النبي عليه السلام أنه كان إذا استسقى قال: «اللهم صيّباً هيّناً» وهو تفسير مجاهد: {فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} قال [بعضهم]: كان المنافقون إذا أصابوا في الإِسلام رخاء وطمأنينة طابت أنفسهم في ذلك وسروا به في حال دنياهم، وإذا أصابتهم فيه شدة لم يصبروا عليها ولم يرجوا عاقبتها. فالظلمات هي الشدة، والرعد هو التخوّف إذا تخوّفوا أن تأتيهم شدّة. والمطر فيه الرزق، وتكون فيه الظلمة والرعد والبرق، فضرب الله ذلك مثلاً، والبرق مَثَل نور الإِسلام في تفسير الحسن. وقال ابن عباس: هو نور القرآن. وهو واحد.
{يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} وهذا كراهية من المنافقين للجهاد لأنهم لم تكن لهم حسبة في الشهادة والجهاد في سبيل الله.
قال الله: {وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرينَ}. يقول: والله محيط بالمنافقين، وهو كفر دون كفر الشرك. يقول: هو من وراء المنافقين حتى يخزيهم بنفاقهم وكفرهم.
قوله: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ} أي مضوا فيه {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} [أي بقوا لا يبصرون]، يعني بذلك المنافقين يقول: إن (1/87)
صفحة 86
المنافقين إذا رأوا في الإِسلام رخاء وطمأنينة طابت أنفسهم بذلك وسرّوا به في حال الدنيا، وإذا أصابتهم شدة قطع بهم عند ذلك فلم يصبروا على بلائها، ولم يحتسبوا أجرها، ولم يرجوا عاقبتها. قال: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} حين أقروا ولم يوفوا. {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} أي لا تشركوا به شيئاً {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي وخلق الذين من قبلكم {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي لكي تتقوا.
قوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً} فرشكموها ثم جعلكم عليها. وهو مثل قوله: {بِسَاطاً} [نوح: 19] و {مَهْداً} [طه: 53، والزخرف: 10] قال: {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً}. ذكروا عن الحسن أن الرسول صلى الله عليه وسلم «قال يوماً لأصحابه: ما تسمُّون هذه؟ أو قال: هذا، يعني السماء» قالوا: السماء. قال: «هذا الرقيع، موج مكفوف. غلظها مسيرة خمسمائة عام، وبينها وبين السماء الثانية مسيرة خمسمائة عام، وغلظها مسيرة خمسمائة عام. وبينها وبين السماء الثالثة مسيرة خمسمائة عام، وغلظها مسيرة خمسمائة عام. وبينها وبين السماء الرابعة مسيرة خمسمائة عام، وغلظها مسيرة خمسمائة عام. وبينها وبين السماء الخامسة مسيرة خمسمائة عام، وغلظها مسيرة خمسمائة عام. وبينها وبين السماء السادسة مسيرة خمسمائة عام، وغلظها مسيرة خمسمائة عام. وبينها وبين السماء السابعة مسيرة خمسمائة عام، وغلظها مسيرة خمسمائة عام. وبين السماء السابعة وبين العرش كما بين سماءين. وغلظ هذه الأرض مسيرة خمسمائة عام. وبينها وبين الثانية مسيرة خمسمائة عام وغلظها مسيرة خمسمائة عام. وبينها وبين الثالثة مسيرة خمسمائة عام، وبين الرابعة إلى الخامسة مثل ذلك وبين الخامسة إلى السادسة مثل ذلك. وبين السادسة إلى السابعة مثل ذلك».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [بينما كان] في مسير له في يوم شديد الحرّ، إذ نزل (1/88)
صفحة 87
منزلاً فجعل رجل ينتعل ثوبه من شدّة الحرّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أراكم تجزعون من حر الشمس وبينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام، فوالذي نفسي بيده لو أن باباً من أبواب جهنم فُتح بالمشرق ورجل بالمغرب لغلا منه دماغه حتى يسيل من منخريه».
قوله: {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً} يعني أعدالاً، تعدلونهم بالله وتعبدونهم، وهو الله لا شريك له. {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه خلقكم وخلق السماوات والأرض وأنه رازقكم؛ كقوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ} [الزخرف: 87]، وكقوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف: 9]. وقال في آية أخرى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ} [العنكبوت: 91].
قوله: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ} أي في شكٍّ {مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} على نبينا محمد {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} أي: من مثل هذا القرآن {وَادْعُوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللهِ} فيشهدوا أنه مثله {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} بأن هذا القرآن ليس من كلام الوحي، وذلك أن اليهود قالت: إن هذا ليس من كلام الوحي.
قال: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا} أي: فإن لم تستطيعوا {وَلَن تَفْعَلُوا} أي ولن تقدروا على ذلك ولا تفعلونه، أي ولا تستطيعونه. وهذا الحرف يُثبت أن الاستطاعة مع الفعل، كقول الحواريّين: {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} [المائدة: 112] أي: هل يفعل ربك. ثم قال: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}؛ من كافر مشرك، أو كافر منافق. وهو كفر فوق كفر، وكفر دون كفر. والحجارة من كبريت يفور دخانه ونتنه، فلا يزالون في نتن وغم.
قوله: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا (1/89)
صفحة 88
الأَنْهَارُ}. ذكروا عن أنس بن مالك خادم رسول الله قال: أنهار الجنة تجري في غير أخدود: الماء واللبن والعسل والخمر. وهو أبيض كله؛ فطينة النهر مسك أذفر، وضراضه الدر والياقوت، وحافاته قباب اللؤلؤ.
قوله: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} أي في الدنيا، يعرفونه بأسمائه. وقال بعضهم: كلما أُتوا منه بشيء فأكلوه، ثم أُتوا بعدُ بغيره: قالوا: هَذَا الذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ، أي: يشبِّهونه به في طعمه ولونه ورائحته.
قوله: {وَأُتُوا بِهِ مَتَشَابِهاً}، قالوا: خياراً كله، لا رذلَ فيه. وقال الكلبي: متشابهاً في المنظر مختلفاً في المطعم.
قوله: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْواجٌ مُّطَهَّرَةٌ} ذكر الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في نساء أهل الجنة: «يدخلنَها عُرُباً أتراباً لا يحضن ولا يلدن ولا يمتخطن ولا يقضين حاجة فيها قذر» وقال بعضهم: مطهّرة من الإِثم والأذى، قال: ومن مساوىء الأخلاق. {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لا يموتون ولا يخرجون منها.
قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}. وما هاهنا كلمة عربية ليس لها معنى؛ زيادة في الكلام. وهو في كلام العرب سواء: بعوضة فما فوقها وما بعوضة فما فوقها. وذلك أن الله لما ذكر في كتابه العنكبوت والنملة والذباب قال المشركون: ماذا أراد الله بذكر هذا في كتابه، وليس يقرون أن الله أنزله، (1/90)
صفحة 89
ولكن يقولون للنبي عليه السلام: إن كنت صادقاً فماذا أراد الله بهذا مثلاً. فأنزل الله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}.
{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً} قال الله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} أي: إلا المشركين. وهذا فسق الشرك، وهو فسق فوق فسق، وفسق دون فسق. والمعاصي كلها فسق.
ثم قال: {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} وهو الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم. وتفسيره في سورة الأعراف.
قال: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} قال ابن عباس: ما أمر الله به من الإِيمان بالأنبياء كلهم، لا نفرق بين أحد منهم. وقال بعضهم: ما أمر الله به من صلة القرابة.
قال: {وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ} والفساد فيها العمل بمعاصي الله، وأعظم المعاصي الشرك. {أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}؛ أي: خسروا أنفسهم أن يغنموها فيصيروا في الجنة فصاروا في النار، وخسروا أنفسهم من الحور العين. وتفسيره في سورة الزمر.
ثم قال: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يعني كنتم أمواتاً في أصلاب آبائكم، نطفاً في تفسير بعضهم، وفي تفسير الكلبي: نطفاً وعلقاً ومضغاً وعظاماً، ثم أحياهم فأخرجهم إلى الدنيا، ثم أماتهم، ثم يحييهم يوم القيامة. وهو قوله: {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11]. وعلى هذا أمر العامة. فأما خواصّ من الناس فقد أُمِيتوا عقوبة؛ صُعِق بهم، ثم (1/91)
صفحة 90
بُعِثوا حتى استوفوا بقية آجالهم، وليس ببعث النشور. منهم السبعون الذين كانوا مع موسى، وتفسيره في سورة الأعرف، وعزير، و {الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 243]، وتفسير ذلك في غير هذا الموضع بعد هذا. وقد أحيى الله أقواماً عبرة للناس وليس بحياة النشور؛ منهم أصحاب الكهف، وصاحب بقرة بني إسرائيل، ومن كان يحيي عيسى عليه السلام بإذن الله، ثم أماتهم الله مكانهم، فلم يعيشوا ولم يأكلوا ولم يشربوا.
قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم} أي سخَّر لكم {مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. في تفسير بعض أهل العلم أن الله خلق السماوات قبل الأرض، ثم خلق الأرض ثم استوى إلى السماء.
وفي تفسير الحسن أنه كان بدءُ خلقِ اللهِ الأرضَ قبل أن يبسطها؛ كانت في موضع واحد، موضع بيت المقدس، ثم خلق السماوات، ثم بسط الأرض فقال لها: انبسطي أنت كذا، وانبسطي أنت كذا.
ذكروا عن عطاء أنه قال: بلغني أن الأرض دحيت دحياً من تحت الكعبة. وقال بعضهم: من مكة دحيت الأرض. ذكروا عن مجاهد قال: كان البيت قبل الأرض بألفي عام، ومدّت الأرض من تحته.
ذكروا عن ابن عباس في قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة: 29] وعن قوله: {ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 27 - 30] قال: إنه خلق الأرض ثم خلق السماوات، ثم عاد فدحا الأرض وخلق فيها جبالها وأنهارها وأشجارها ومرعاها، ثم استوى إلى السماء. وقوله هنا: ثم استوى إلى السماء صلة: يقول: خلق الأرض ثم خلق السماء. (1/92)
صفحة 91
وذكروا عن الحسن أنه قال: لما خلق الله الأرض جعلت تميد فلما رأت ذلك ملائكة الله قالوا: ربَّنا هذه الأرض لا يقرُّ لك على ظهرها خلق؛ فأصبح وقد وَتَدها بالجبال. فلما رأت ملائكة الله ما أرسيت به الأرض قالوا: ربنا هل خلقت خلقاً أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد. قالوا: ربنا هل خلقت خلقاً أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار. قالوا: ربنا هل خلقت خلقاً هو أشد من النار؟ قال: نعم، الماء. قالوا: ربنا هل خلقت خلقاً أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح. قالوا: ربنا هل خلقت خلقاً هو أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم.
قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}. في تفسير الحسن أن الله أخبر الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، وأن من ولده من يسفك الدماء فيها، فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [أي: نصلي لك في تفسير بعضهم] {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.
وفي تفسير بعض أهل العلم أن الملائكة قد علمت من علم الله أنه ليس شيء أكره إليه من سفك الدماء والفساد في الأرض والمعاصي، {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. قال علم الله أنه سيكون من تلك الخليفة أنبياء ورسل وقوم صالحون يسكنون الجنة. وقال مجاهد: علم من إبليس المعصية وخلقه لها. (1/93)
صفحة 92
وفي تفسير الكلبي قال: خلق الله كل شيء قبل ءادم عليه السلام؛ فجعل الملائكة هم عمارَ السماوات. وفي كل سماء ملائكة. ولكل أهل سماء دعاء وتسبيح وصلاة. وكل أهل سماء فوق سماء أشدُّ عبادة وأكثر دعاء وتسبيحاً وصلاة من الذين تحتهم. فكان إبليس في جند من الملائكة في السماء الدنيا. وفي تفسير بعضهم كان إبليس مع الخزنة في السماء الدينا: قال: وكانوا أهونَ أهل السماوات عملاً. وكان الجنّ بنو الجانّ الذي خلقه الله من مارج من نار عُمَّارَ الأرض؛ وهو عند الحسن إبليس. (1/94)
صفحة 93
وقال الكلبي فلما وقع بينهم التحاسد والفتن اقتتلوا. فبعث الله جنداً من السماء الدنيا فيهم إبليس، وهو رأسهم. فأمروا أن يهبطوا إلى الأرض فيُجلوا منها الجن بني الجان. فهبطوا فأجلوهم عن وجه الأرض، فألحقوهم بجزائر البحور. وسكن إبليس والجند الذين كانوا معه الأرض، فهان عليهم العمل فيها، وأحبّوا المكث فيها. ثم أحب الله تبارك وتعالى أن يخلق ءادم عليه السلام وذريته، فيكونوا هم عمّارَ الأرض، فقال للملائكة الذين كانوا في الأرض، يعني إبليس وأصحابه، إني جاعلٌ في الأرض خليفة ورافعُكم منها. فوَجَدوا من ذلك وقالوا: أتجعل فيها من يُفسد فيها كما أفسدت الجن، ويسفك الدماء كما سفكوا، ونحن نسبّح بحمدك ونقدس لك؟ قال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. وقد علم أنه سيكون من بني آدم من يسبح بحمده ويقدّس له ويطيع أمره. فخلق آدمَ وصوّره جسداً ينظرون إليه ويعجبون منه، ولم يكونوا رأوا فيما خلق الله شيئاً يُشبِهُه.
ذكروا أن إبليس جعل يطوف بآدم قبل أن يُنفخ فيه الروح، فلما رآه أجوف عرف أنه لا يتمالك. ذكر بعضهم أنه جعل يطوف به ويقول: إن كنت أجوف فلي إليك سبيل، وإن لم تكن أجوف فمالي إليك سبيل.
ذكر بعضهم قال: أوّل ما خلق الله في الأرض طير وحوت؛ فجعل الطير يخبر الحوتَ خبرَ السماء، وجعل الحوت يخبر الطيرَ خبرَ الأرض. فلما خلق الله آدم جاء الطير إلى الحوت فقال: لقد خلق الله اليوم خلقاً كذا وكذا. فقال الحوت للطير: فإن كنت صادقاً ليستَنْزِلنَّكَ من السَّماء وليستخرجَنِّي من الماء. قال الكلبي: فأشفق إبليس عدوُّ الله منه وقال: إني لأرى صورة مخلوق سيكون له نبأ. فقال لأصحابه: أرأيتم هذا الذي تروا على خلقه شيئاً من الخلق إن فضِّل عليكم ما تفعلون؟ قالوا: نطيع ربَّنا ونفعل ما يأمرنا به. قال إبليس في نفسه: إن فُضِّل عليَّ لا أطيعه، وإن فضِّلت عليه لأُهلكَنَّه. فلما نفخ الله الروح في آدم جلس فعطس فقال: الحمد لله رب العالمين. فكان أول شيء تكلَّم به. فردّ الله عليه عند ذلك: يرحمك الله، لهذا خلقتك؛ لكي تسبّح باسمي وتقدّس لي. ذكر بعضهم قال: لما نفخ في آدم الروح فعطس فحمد ربه (1/95)
صفحة 94
قال الله له: يرحمك ربك، فكانت هي الرحمة التي سبقت لآدم عليه السلام.
قوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. [قال مجاهد]: خلق الله آدم آخر ساعة النهار، من يوم الجمعة، من بعد ما خلق الخلق كلَّهم. قال الكلبي: ثم علَّمه الأَسماء كلها، أَسماءَ الخلق. ثم إن الله حشر عليه الدوابَّ كلَّها والسِّباع والطيور وما ذرأ في الأرض ثم قال للملائكة: {أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. قال بعضهم: إن كنتم صادقين أني أجعل فيها من يُفسد فيها؛ أي: إِن منهم من يعمل بطاعتي. علَّمه أسماءهم باللغة السريانية سرّاً من الملائكة.
{قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} ثم {قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ} فقال آدم: هذا كذا وهذا كذا، فسمَّى كل نوع باسمه: هذا هكذا، وهذا هكذا. قال بعضهم: سمَّى كل شيء باسمه وألجأه إلى جنسه.
قال: {فَلَمَّا أَنبَأَهُم} آدم {بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ} الله للملائكة {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} أما الذي أبدوا فحين قال إبليس لأصحابه: أرأيتم إن فضِّل عليكم ما أنتم فاعلون؟ قالوا: نطيع أمر ربنا. فهذا الذي أبدوا. وأما الذي كتموا فالذي أسرَّ إبليس في خاصة نفسه من المعصية.
وتفسير الحسن وغيره في هذا الحرف: {وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}: أنهم لما قال الله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} قالوا فيما بينهم: ما الله بخالق خلقاً أكرم عليه منا ولا أعلمَ منا، فهو الذي كتموا. قال: فابتُلُوا بخلق آدم. وكل شيء مبتَلىً كما ابتُليت السماوات والأرض فقال: {ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} [فصِّلت: 11].
قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لأَِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ (1/96)
صفحة 95
مِنَ الْكَافِرِينَ}. يعني إن الطاعة كانت لله والسجدة كانت لآدم. [قال بعضهم]: أكرم الله آدم بأن أسجد له ملائكته فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين.
تفسير الحسن أنه لم يكن كافر قبله، كما أن آدم كان من الإِنس ولم يكن إنسي قبله. وقال بعضهم: خلق الله الخلق شقياً وسعيداً: فكان إبليس ممن خلق الله شقياً، فلما أمر بالسجود له أبى واستكبر وكان من الكافرين. أي كان ممن خلقه الله شقياً بفعله الذي شقي به إذ ترك السجود لآدم.
وقال بعضهم: تفسير كان في هذا الموضع صار؛ يقول: أبى إبليس واستكبر وصار بإبائه السجود واستكباره كافراً. وهذا أولى كل تأويل تأوّلوه بالحق.
وتفسير آدم أن الله خلقه من أديم الأرض. وتفسير المرأة أنها خلقت من المر.
ذكر عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله آدم من طينة من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ منهم الأبيض والأحمر والأسود، والسهل والحزن، والحسن والقبيح. والخبيث والطيب» ذكروا عن ابن عباس (1/97)
صفحة 96
قال: خلق الله آدم من طينة بيضاء وحمراء وسوداء.
قوله: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} أي لا حساب عليكما فيه. {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} لأنفسكما بخطيئتكما. وقال في آية أخرى: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى} [طه: 120].
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: الشَّجرة التي نهى عنها آدم وحواء هي السنبلة وقال بعضهم: هي التينة.
قوله: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}. قال بعضهم: بلغنا أن إبليس دخل في الحية فكلّمهما منها. وكانت أحسن الدوابّ فمسخها الله، ورد قوائمها في جوفها وأمشاها على بطنها.
وقال الكلبي: دعا حواء من باب الجنة فناداها، فدعاها إلى أكل الشجرة، وقال: أيُّكما أكل منها قبل صاحبه كان هو المسلَّط على صاحبه.
وتفسير الحسن أنه وسوس إليهما من الأرض. قال: ولم يكن له أن يلبث فيها بعد قول الله: {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} [الحجر: 34].
قال الكلبي: فابتدرا الشجرة، فسبقته حواء، وأعجبهما حسن الشجرة وثمرتها، فأكلت منها وأطعمت آدم. فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما. وكانا كُسِيَا الظفَر، فبدت سوءاتهما وأبصر كل واحد منهما ما كان وُوري عنه من سوأته فاستحييا {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ} [الأعراف: 22] يرقعانه كهيئة الثوب ليُواريَا سوءاتهما. ثم {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ (1/98)
صفحة 97
لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [الأعراف: 22] أي: بَيَّن العداوة. فاعتل آدم بحواء وقال: هي أطعمتني فأكلته.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لولا بنو إسرائيل ما خنز لحم وما أنتن طعام، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها».
ذكر بعضهم أن حواء هي التي كانت دلت الشيطان على ما كان نهى عنه آدم في الجنة.
ذكر الحسن عن النبي عليه السلام أن آدم كان رجلاً طويلاً كأنه نخلة سحوق، جعد الشعر. فلما وقع بما وقع بدت له عورته، وكان لا يراها قبل ذلك، فانطلق هارباً، فأخذت شجرة من الجنة برأسه، فقال لها: أرسليني. فقالت: لست بمرسلتك. فناداه ربه: يا آدم، أمني تفرّ؟ فقال رب إني استحييتك.
قوله: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}. يعني آدم معه حواء وإبليس. والحية التي دخل فيها إبليس لا تقدر على ابن آدم في موضع إلا لدغته، ولا يقدر عليها في موضع إلا شدخها. وقال في رواية أخرى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} [الكهف: 50] قال بعضهم: من قتل حيّةً فقد قتل كافراً.
قوله: {وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} المستقر من يوم يولد إلى يوم يموت. وهو مثل قوله: {فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ} [الأعراف: 25] ويعني بالمتاع معايشهم في الدنيا، يستمتعون بها. وقوله: إلى حين، يعني الموت. (1/99)
صفحة 98
قوله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} وعلى حواء. ذكروا عن ابن عباس قال: هو قولهما: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]. وبعضهم يقول: قال آدم: يا رب أرأيت إن تُبتُ وأصلحتُ. قال: أرجعك إلى الجنة.
قوله: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً} قد فسّرناه في الآية الأولى. قال: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى}. والهدى في هذا الموضع هو الرسل. وهو حجة الله عليهم في الآخرة حيث يقول: {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} [الأعراف: 35]. قال: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} في الآخرة من النار {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي على الدنيا.
ذكر بعض أهل العلم أنه ذكر هذه الآية فقال: ما زال لله في الأرض أولياء منذ هبط آدم، ما أخلى الله الأرض لإِبليس إلا وفيها أولياء لله يعملون بطاعته. وقال الكلبي: فعند ذلك أخذ عنهم الميثاق في صلب آدم.
قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} أي أهل النار {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. لا يموتون ولا يخرجون منها.
قوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} يقول لمن بقي من بني إسرائيل ممن أدرك النبي عليه السلام: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} يذكرهم ما فعل بأوائلهم وما أنجاهم من آل فرعون؛ كانوا يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم فلا يقتلونهن، وأنجاهم من الغرق، وظلّل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وما أنزل عليهم من الآيات مع نعمته التي لا تحصى.
قوله: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}. قال [بعضهم]: هي التي في (1/100)
صفحة 99
المائدة: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً}؛ من كل سبط رجل شاهد على سبطه، {وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ} في الميثاق {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} أي ونصرتموهم {وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} قال مجاهد: أي قرضاً حلالاً. وقال غيره: القرض الحسن أن يكونوا محتسبين في قرضهم: {لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [المائدة: 12]. فهو كقوله: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}.
وقال الكلبي: كان الله عهد إلى بني إسرائيل على لسان موسى عليه السلام وأنبياء بني إسرائيل أني باعث من بني إسماعيل نبيّاً أميّاً. فمن اتّبعه وصدّق به وبالنور الذي أنزل معه، أي الذي أتى به، أي الذي أنزل عليه، أغفر له ذنبه، وأدخله الجنة، وأجعل له أجرين اثنين: أجراً باتباعه ما جاء به موسى وأنبياء بني إسرائيل، وأجراً آخر بإيمانه بالنبيّ الأميّ. فلما بعث الله محمداً عليه السلام بما يعرفونه ذكَّرهم الله عهده فقال: أوفوا بعهدي في هذا النبي أوف بعهدكم الذي عهدت لكم من الجنة. {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} مثل قوله: {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة: 41].
{وَءَامِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ} [يعني القرآن] {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} من الكتب. {وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} يعني قريظة والنضير، لأن نبي الله قدم عليهم المدينة، فعصوا الله، وكانوا أول من كفر به من اليهود، ثم كفرت خيبر وفدك، وتتابعت اليهود على ذلك من كل أرض. (1/101)
صفحة 100
قال: {وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ}. يعني الآيات التي وصف الله بها محمداً عليه السلام في كتابهم، فأخفوها من الأميين والجهال من اليهود. وكان الذين يفعلون ذلك الرهط الذين سمّيت في أول السورة: كعب بن الأشرف وأصحابه. وكانت لهم مأكلة من اليهود كل عام، فلذلك الثمن القليل. خافوا إن تابعوا محمداً عليه السلام أن تذهب مأكلتهم.
وقال الحسن: هو مثل قوله: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 79]، يعني عرضاً من الدنيا يسيراً، وهو ما أخذوه عليه من الثمن.
قوله: {وَلاَ تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ} أي لا تخلطوا الحق بالباطل. وقال بعضهم: ولا تلبسوا الإِسلام باليهودية والنصرانية. قوله: {وَتَكْتُمُوا الحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: وأنتم تعلمون أن محمداً رسول الله، وأن الإِسلام دين الله، يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل.
قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} أي: مع المصلّين أهل الإِسلام، أمرهم أن يدخلوا في دين رسول الله.
قوله: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} أي: وتتركون العمل بما تأمرون به {وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ} بخلاف ما تفعلون {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} ما تأمرون به. يعني أحبار اليهود والمنافقين.
قوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ}. قال الحسن: استعينوا بالصبر على الصلاة وعلى الدين كله، فخص الصلاة [لمكانها] من الدين. وقال بعضهم: (1/102)
صفحة 101
الصبر هاهنا الصوم. وقال بعضهم: استعينوا على الدنيا بالصبر والصلاة.
قوله: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} أي: لثقيلة، يعني الصلاة. {إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} والخشوع هو الخوف الثابت في القلب. وقال بعضهم: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} أي: إلا على المتواضعين، وهو كقوله: {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] أي: متواضعين.
{الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} يعني البعث.
قوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} وهي مثل الأولى. {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} يعني عالم زمانهم، ولكل زمان عالم.
قوله: {وَاتَّقُوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} أي: لا تفديها. {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} لأن الشفاعة لا تكون إلا للمؤمنين. {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي: فداء، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} أي: من فضة وذهب {وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} [المائدة: 36]. وكقوله {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا} [الأنعام: 70] أي: وإن تفد بكل فدية ما تُقُبّل منها.
قال: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي: لا أحد ينتصر لهم من بعد نقمة الله إياهم. هذا تفسير الحسن. وقال الحسن: الفدية يومئذ الإيمان، أي: أن يقبل منهم وهم يومئذ يؤمنون فلا يقبل منهم. (1/103)
صفحة 102
قوله: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} أي: شدة العذاب، وتفسير يسومونكم أي: يذيقونكم سوء العذاب {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} فلا يقتلونهن {وَفِي ذَلِكُم بَلاَءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} أي نعمة من ربكم عظيمة إذ نجاكم منهم.
قوله: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} يَعني حين جازوا البحر {فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} يعني أَوَّليهم. وقال بعضهم: وأنتم تنظرون كأنَّمَا عهدكم بهم أمس.
قوله: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ} أي لأنفسكم. {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: لكي تشكروا. يعني التوبة التي جعلها الله لهم، فقتل بعضهم بعضاً فغلَّظ عليهم في المتاب.
قوله: {وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} الكتاب التوراة، والفرقان حلالها وحرامها. {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}. يقول: لكي تهتدوا بالكتاب وبالحلال والحرام.
قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} أي: إلى خالقكم {فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ} أي خالقكم {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.
ذكروا أن موسى عليه السلام لما قطع البحر ببني إسرائيل، وأغرق الله آل فرعون، قالت بنو إسرائيل لموسى: يا موسى، ايتنا بكتاب من عند ربنا كما وعدتنا، (1/104)
صفحة 103
وزعمت أنك تأتينا به إلى شهر. فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً لينطلقوا معه. فلما تجهّزوا قال الله لموسى: أخبر قومك أنك لن تأتيهم إلى أربعين ليلة، وذلك حين أتممت بعشر، وهي ثلاثون من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة. قال الحسن: كانت أربعين من أوّل؛ يقول: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] وبعدها عشراً، كقوله: {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196].
قال الكلبي: فلما خرج موسى بالسبعين أمرهم أن ينتظروا في أسفل الجبل. وصعد موسى الجبل فكلّمه ربه، وكتب له في الألواح. ثم إن بني إسرائيل عدّوا عشرين يوماً وعشرين ليلة فقالوا: قد أخلَفَنَا موسى الوعد. وجعل لهم السامري العجل {فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى} [طَهَ: 88] فعبدوه.
قال الكلبي: فبلغنا والله أعلم أن الله قال عند ذلك: يا موسى إن قومك قد عبدوا من بعدك عجلاً جسداً له خوار. فرجع موسى إلى قومه ومعه السبعون، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدثت بنو إسرائيل من بعده بالذي قال له ربه. فلما غشي موسى محلّة قومه سمع اللغط حوله العجل، فقال السبعون: هذا قتال في المحلَّة. فقال موسى ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة. فلما دخل موسى ونظر ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل غضب، وألقى الألواح فانكسرت، فصعد عامة ما فيه من كلام الله.
{وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} [الأعراف: 150] فقال له هارون: {يَا ابْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِيَ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 94]. فأرسله موسى وأقبل على السامري وقال: ما خطبك يا سامري؟ ولم صنعت ما أرى؟ قال: بصرت بما لم يبصروا به، يعني بني إسرائيل. قال: وما الذي بصرت به؟ قال: رأيت جبريل على فرس، فألقي في نفسي أن أقبض من أثره قبضة، فما ألقيت عليه من شيء كان له روح ودم. فحين رأيت قومك سألوك أن تجعل (1/105)
صفحة 104
لهم إلهاً فكذلك سوّلت لي نفسي أن أصنع إلهاً، ثم ألقي عليه القبضة فيصير ربّاً لبني إسرائيل، فيعبدونه بين ظهرانيهم.
فغضب موسى فأمر بالسامري أن يخرج من محلّة بني إسرائيل ولا يخالطهم في شيء، فأمر بالعجل فذبح ثم أحرقه بالنار. فمن قرأ {لَّنُحَرِّقَنَّهُ} [طه: 97] فهو يريد لنبردنه ومن قرأها لنحرّقنه فهو يريد لنحرّقنه بالنار. وهي أعجب القراءتين إلي، لأن الحريق للذهب الذي لا تحرقه النار آية عجيبة لموسى. فسلّط الله عليه النار فأحرقته فلما أحرقته النار ذراه موسى في اليم، وهو البحر.
ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض. فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا فيما أتيتنا به، فإن العجل الذي حرّقته كان أحبّ إلينا مما أتيتنا به، فلسنا قابليه ولا آخذين ما فيه. فقال موسى: يا رب، إن عبادك بني إسرائيل ردّوا كتابك، وكذّبوا نبيّك، وعصوا أمرك. فأمر الله الملائكة فرفعوا الجبل، فغشوا به بني إسرائيل، حتى أظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء. فقال موسى: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل فيشدخكم. فقالوا: سمعنا وعصينا. أي: سمعنا الذي تخوّفنا به، وعصينا الذي تأمرنا به. ثم أخذوا الكتاب، ولم يجدوا بداً من أخذه. ورفع عنهم الجبل. فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره، ومؤمن وكافر. يقول الله: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: لكي تشكروا. فندم القوم على ما صنعوا وعابتهم موسى وعيَّرهم بالذي صنعوا، وقال: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتِّخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم، أي إلى خالقكم. فقالوا: كيف التوبة يا موسى؟ قال: فاقتلوا أنفسكم، يعني يقتل بعضكم بعضاً. (1/106)
صفحة 105
ذلكم، أي: المتاب، خير لكم عند خَالِقكم. قالوا: قد فعلنا يا موسى. فأخذ عليهم العهد والميثاق: لتصبرنَّ للقتل ولترضَوُنَّ به. قالوا: نعم. قال: فأَصبِحوا في أفنية بيوتكم، كل بني أب على حدتهم، ففعلوا. فأمر موسى السبعين الذين لم يكونوا عبدوا العجل من بني إسرائيل أن يأخذوا السيوف ثم يقتلون من لقوا. ففعلوا، فمشوا في العكسر، فقتلوا من لقوا. فبلغنا والله أعلم أن الرجل من بني إسرائيل كان يأتي قومه في أفنية بيوتهم جلوساً فيقول: إن هؤلاء إخوانكم أتوكم شاهرين السيوف، فاتقوا الله واصبروا، فلعنة الله على رجل حل حبوته، أو قام من مجلسه، أو أحدَّ إليهم طرفاً، أو اتَّقاهم بيد أو رجل، فيقولون: آمين. فجعلوا يقتلون من لَقُوا. ثم نزلت الرحمة من الله فرفع عنهم السيف وتاب الله عليهم. [وذلك قوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. وكانت قتلاهم فيما بلغنا، والله أعلم سبعين ألفاً.
وقال بعض المفسرين: أمروا أن ينتحروا بالشِّفار. فلما بلغ الله فيهم نقمته سقطت الشفار من أيديهم، فكان للمقتول شهادة، وللحي توبة.
قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} أي لن نصدّقك. {حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً} أي عياناً {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}. يعني أنهم أُميتوا عقوبة ثم بُعِثوا ليستكملوا بقية آجالهم.
وقال الكلبي: بلغني أنهم هم السبعون الذين اختار موسى من قومه فذهبوا معه إلى حيث كلمه ربه، فقالوا: يا موسى، لنا عليك حق؛ كنا أصحابك، لم نختلف ولم نصنع الذي صنع قومنا، فأرنا الله جهرة كما رأيته أنت. فقال لهم موسى: ما رأيته، ولا كانت مسألتي إياه أن أنظر إليه بالمجاهرة كما سألتم. وتجلَّى للجبل فصار دكّاً، وخررتُ صعِقاً. فلما أفقتُ سألت الله واعترفت بالخطيئة. فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم. فظن موسى أنما احترقوا بخطيئة أصحاب العجل فقال موسى لربه: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ. (1/107)
صفحة 106
أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ} [الأعراف: 155]. فبعثهم الله من بعد موتهم لعلهم يشكرون. أي: لكي يشكروا الله. فلما قدم نبي الله المدينة، فكلّمته اليهود، ودعاهم إلى الله وإلى كتابه، فكذّبوه وجحدوه، أنزل الله {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75]. قال الحسن: هو ما حرّفوا من كلام الله.
قوله: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى}. ذكروا أن مجاهداً قال: الغمام غير السحاب.
قال الكلبي: لما سلكوا مع موسى أرض التيه والمفاز ظلّل الله عليهم الغمام بالنهار، يقيهم حر الشمس، وجعل لهم بالليل عموداً من النار يضيء لهم مكان القمر، وأنزل عليهم المنّ والسلوى.
قال بعضهم: المنّ صمغة تسقط عليهم من السماء. وكان ينزل عليهم المنُّ في محلّتهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. وكان أشد بياضاً من الثلج، وأحلى من العسل؛ فيأخذ أحدهم ما يكفيه يومه، وإن تعدّى ذلك فسد ولم يبق عنده. حتى إذا كان يوم سادسهم، يعني يوم الجمعة، أخذوا ما يكفيهم ذلك اليومَ ويومَ سابعهم، يعني السبت، فيبقى عندهم، لأن يوم السبت إنما كانوا يعبدون الله فيه، لا يشخصون لشيء من الدنيا ولا يطلبونه. قال: والسلوى السُّمَانَى، طير إلى الحمرة كانت تحشرها (1/108)
صفحة 107
عليهم الجنوب، فيذبح الرجل ما يكفيه يومَه، فإن تعدّى ذلك فسد ولم يبق عنده، إلا يوم الجمعة فإنهم كانوا يذبحون ليومهم والسبت.
قوله: {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} يعني بالطيبات المن والسلوى {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي بمعصيتهم. وقال بعضهم يضرّون أنفسهم. وقال بعضهم ينقصون أنفسهم، وذلك تعدّيهم في المن والسلوى.
قوله: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ} أي بيت المقدس {فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} أي لا حساب عليكم فيه. {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً} قال بعضهم: هو باب من أبواب بيت المقدس {وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} فازدحموا على أوراكهم خلافاً لأمر الله.
وقال الحسن: رفع لهم باب، فأمروا أن يسجدوا لله، يضعوا جباههم ويقولوا حطّة، وهو كقولك: احطط عنا خطايانا. وإنما ارتفعت لأنها حكاية. قال: قولوا: كذا وكذا. قال الحسن: فدخلوا وقد حرفوا وجوههم، ولم يسجدوا وقالوا: حنطة. وقال بعضهم: بل قالوا حبة شعيرة.
قال الله: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً [أي: عذاباً] مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}. قال بعضهم: بلغنا أن ذلك العذاب كان الطاعون، فمات منهم سبعون ألفاً.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الطاعون بقية رجز وعذاب عذِّب به من كان (1/109)
صفحة 108
قبلكم، فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإن وقع بأرض ولستم فيها فلا تقدموا عليها» وذكروا عن النبي عليه السلام أنه قال: «الطاعون رجز أرسل من قبلكم على بني إسرائيل، فإذا وقع بأرض فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوا عليه».
وتفسير مجاهد: أمر موسى قومه أن يدخلوا سجداً ويقولوا حطة، وطؤطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يسجدوا، وقالوا حنطة، فنتق فوقهم الجبل، أي: قطع؛ فجعل فوقهم وأشرف به عليهم. فدخلوا الباب سجداً على خوف وأعينهم إلى الجبل، فرفع عنهم.
وقال الكلبي: لما فصلت بنو إسرائيل من أرض التيه ودخلوا العمران، وكانوا بجبال أريحا من الأردن قيل لهم: ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً. وكانت بنو إسرائيل قد أخطأوا خطيئة، فأحبّ الله أن يستنقذهم منها إن تابوا، فقيل لهم: إذا انتهيتم إلى باب القرية فاسجدوا، وقولوا حطة تحط عنكم خطاياكم، وسنزيد المحسنين الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطايا إحساناً إلى إحسانهم. فأما المحسنون ففعلوا ما أمروا به. وأما الذين ظلموا فبدّلوا قولاً غير الذي قيل لهم فقالوا: حطتا سمقتا بالسريانية: أي: حنطة حمراء استهزاءً وتبديلاً لقول الله. قوله: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}. أي: من كان محسناً زيد في إحسانه، ومن كان مخطئاً غفرت له خطيئته. (1/110)
صفحة 109
قوله: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ}. كان هذا وهم في البرية، فاشتكوا إلى موسى الظمأ فسقوا من جبل الطور، أي: من حجر كان موسى عليه السلام يحمله معه؛ فكانوا إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم، أي: لكل سبط منهم عين مستفيض ماؤها. وقال الحسن: كانت عصا اعترضها من الشجر.
قوله: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ}. قال بعض المفسرين: ولا تسيروا في الأرض مفسدين. وقال الحسن: لا تكونوا في الأرض مفسدين.
قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا. قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} يعني بالذي هو خير، المنَّ والسلوى.
قال بعض المفسرين: لما أنزل الله عليهم المن والسلوى في التيه ملّوه، وذكروا عيشاً كان لهم بمصر، فقال الله: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير. كان قد ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المنّ والسلوى فطلبوا الذي هو أدنى مما هم فيه. والفوم الحَبُّ الذي يختبزه الناس. (1/111)
صفحة 110
قوله: {اهْبِطُوا مِصْراً} يعني مصراً من الأمصار. وتفسير الكلبي: اهبطوا مصرَ، بغير ألف، يعني مصر بعينها {فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ} إن رجعتم إلى مصر، فكرهوا ذلك. وهي عند الحسن مصرُ هذه.
قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} يعني بالذلة الجزية يستذلون بها. {وَالْمَسْكَنَةُ} ينبئك اليهودي أنه مسكين. {وَبَآؤوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ} يعني استوجبوا غضباً من الله. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ} يقول: بدين الله. وقال بعضهم: كَانَ خُرُوجُهُمْ إِلَى مصر هذه بأمر الله {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ}.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} يعني تهوَّدوا {وَالنَّصَارَى} يعني تنصَّروا. وقال في آية أخرى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} [المائدة: 14] وإنما سمّوا نصارى لأنهم كانوا بقرية تسمى ناصرة، في تفسير بعضهم. {وَالصَّابِئِينَ} هم قوم يقرأون الزبور ويعبدون الملائكة. وقال مجاهد: قوم بين اليهود والمجوس، لا دين لهم. قوله: {مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} يعني الجنة عن ربهم {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} أي في الآخرة {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي على الدنيا. يعني من آمن بمحمد وعمل بشرائعه. والإِيمان بمحمد أنه رسول الله إيمان بالله.
قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} والطور الجبل. {خُذُوا مَا ءَاتَيْنَاكُم} أي ما أعطيناكم {بِقُوَّةٍ} أي بجِدّ. قال بعض المفسّرين: جبل كانوا بأصله. فاقتلع الجبل من أصله فأشرف عليهم به. فقال: لتأخذُنّ أمري أو لأرمينّكم به. وفي تفسير بعضهم: لأرمينّكم به فلأقتلنّكم. وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. (1/112)
صفحة 111
قوله: {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} أي ما في الكتاب، يعني التوراة، أي احفظوا ما فيه [واعملوا به] {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي لكي تتقوا. ففعلوا.
قال: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ} فنقضتم الميثاق {فَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ} بعد نقض الميثاق الأول حين اتخذوا العجل ثم عفا عنهم بالتوبة التي أمرهم أن يقتلوا أنفسهم [بها] {وَرَحْمَتُهُ} إذ لم يعجّل عليك بالعذاب {لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ} أي من المعذَّبِينَ.
قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدُوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}.
قال الكلبي: ذكر لنا أنهم كانوا في زمان داود بأرض يقال لها أَيْلَة وهو مكان من البحر تجتمع فيه الحيتان في شهر من السنة كهيئة العيد، تأتيهم فيها حتى لا يروا الماء. وتأتيهم في غير ذلك الشهر كل يوم سبت كما تأتيهم في ذلك الشهر. قال بعض أهل التفسير: وذلك بلاء من الله ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. قال الكلبي: فإذا جاء السبت لم يمَسّوا منها شيئاً. فعمد رجال من سفهاء تلك المدينة فأخذوا من الحيتان ليلة السبت ويوم السبت. فأكثروا منها وملَّحوا وباعوا. ولم تنزل بهم عقوبة فاستبشَروا وقالوا: إنا نرى السبت قد حلَّ وذهبت حرمته، إنما كان يعاقَب به آباؤُنا في زمان موسى، ثم استَنَّ الأبناءُ سنةَ الآباء. وكانوا يخافون العقوبة، ولو أنهم فعلوا لم يضرَّهم شيءٌ. فعملوا بذلك حتى أَثْرَوا منه، وتزوّجوا النساء، واتخذوا الأموال. (1/113)
صفحة 112
فمشى إليهم طوائف من صالحيهم فقالوا: يا قوم، إنكم قد انتهتكم حرمة سبتكم، وعصيتم ربّكم، وخالفتم سنة نبيّكم، فانتهوا عن هذا العمل الرديء من قبل أن ينزل بكم العذاب؛ فإنا قد علمنا أن الله منزل بكم عذابه عاجلاً ونقمته. قالوا: فلم تعظوننا إن كنتم علمتم بهذا العمل منذ سنين منا، فما زادنا الله به إلا خيراً، وإن أطعتمونا لتفعلُنَّ كالذي فعلنا. وإنما حرّم هذا على من قبلنا. قالوا لهم: ويلكم لا تغتروا ولا تأمنوا بأس الله فإنه كأَنْ قد نزل. قالوا: ف {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً}. قال الذين آمنوا: {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ}. إما أن تنتهوا فيكون لنا أجر، وإما أن تهلكوا فننجو من معصيتكم. قال الله: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 164 - 165]، يعني فسق الشرك. فأصبح الذين استحلوا السبت قردة خاسئين.
وقال بعضهم: صاروا ثلاث فرق: فرقة اجترأت على المعصية، وفرقة نهت، وفرقة كفّت ولم تصنع ما صنعوا ولم تنههم، فقالوا للذين نهوا لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون.
قوله: {قِرَدَةً خَاسِئِينَ}. والخاسىء الذي لا يتكلم وقال بعضهم: فصاروا قروداً تعاوى لها أذناب بعدما كانت رجالاً ونساءً. وقال الحسن: خاسئين: صاغرين.
قوله: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} الذين بعدهم. (1/114)
صفحة 113
قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}. . . . إلى قوله: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتَى وَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تعقلوا.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: قتل رجل ابن عمه فألقاه بين قريتين، فأعطوه ديتين فأبى أن يأخذ. فأتوا موسى فأوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها فشدّدوا فشدّد الله عليهم. ولو أنهم اعترضوا البقر أول ما أمروا لأجزاهم ذلك، حتى أمروا ببقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلّمة لا شية فيها، صفراء لا فارض ولا بكر، عوان. الفارض الكبيرة، والبكر الصغيرة، والعوان وسط بين ذلك. لا تثير الأرض ولا يُسنى عليها. فطلبوها أربعين سنة فوجدوها عند رجل بار بوالديه، والبقرة عليها باب مغلق، فبلغ ثمنها ملء مسكها دنانير. فذبحت، فضرب المقتول ببعضها فقام، فأخبر بقاتله، ثم مات.
وقال بعضهم: هو قتيل كان في بني إسرائيل من عظمائهم، فتفاقم به الشر فأوحى الله إلى موسى أن اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها فإنه يحيا ويخبر بقاتله. ففعلوا فأحياه الله، فدل على قاتله ثم مات. وذكر لنا أنهم ضربوه بفخذها، وأن وليه الذي كان يطلب دمه هو الذي قتله من أجل ميراث كان بينهم، فلم يورث بعده قاتل. (1/115)
صفحة 114
وقال الكلبي: عمد رجلان أخوان من بني إسرائيل إلى ابن عمهما، أخي أبيهما، فقتلاه، وكان عقيماً، فأرادا أن يرثاه. وكانت لهما ابنة عم شابة مثلاً في بني إسرائيل، فخافا أن ينكحها ابن عمهما، فلذلك قتلاهُ.
قوله: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} ذكروا عن الحسن قال: الفارض الهرِمة، والبكر الصغيرة والعوان بين ذلك. وقال بعضهم: العوان النصف بين الصغيرة والكبيرة. قال: {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ}.
{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا} عن الحسن قال: صافية الصّفرة. قال: {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}. قال بعضهم تعجب الناظرين.
{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَآءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ}.
ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما أُمِر القوم بأدنى البقر، ولكنهم لما شدّدوا شدّد الله عليهم، والذي نفسي بيده لو لم يستثنوا ما بُيِّنَت لهم إلى آخر الأبد».
قوله: {قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ} أي: صعبة لا ذلول {تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ}. ذكروا عن ابن عباس قال: لا ذلول: لا يُحرث عليها ولا تسقي الحرث، أي: لا يُسقى عليها. ذكر بعض المفسرين أنه قال: شدَّدوا فشُدِّدَ عليهم، فكلِّفوها وحشية. (1/116)
صفحة 115
قوله: {مُسَلَّمَةٌ}. قال: سليمة من العيوب. قال الحسن: مسلّمة القوائم والجسد، ليس فيها أثر رجل ولا يد للعمل. قوله: {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} أي: لا بياض فيها. وتفسير مجاهد: لا سواد فيها ولا بياض.
قوله: {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} أي الآن بيّنتَ. قال الله: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}.
قوله: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} أي تدافعتم بعضكم على بعض، أي: يحيله بعضهم على بعض {وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} وقد فسّرناه في قصة البقرة. ذكر قصة البقرة قبل تداريهم في قتل النفس.
قوله: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تعقلوا. قال بعضهم: يريكم آياته أي عِبَرَه. وذكروا عن ابن عباس في قوله: اضربوه ببعضها، أي: بعضدها. وقال مجاهد: بفخذها. ففعلوا فقام فأخبرهم بقاتله، ثم مات.
قوله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} أو في هذا الموضع بل، أي بل هي أشد قسوة. وهو كقوله: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُون} [الصافات: 147] أي: بل يزيدون.
ثم قال: {وَإِنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ}. واللام هاهنا صلة أي: من عيونها ما يكثر ماؤه. {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} يعني ما يتشقق فيخرج منه الماء حتى تجري منه الأنهار، ومن عيونها ما يقل ماؤه. {وَإِنَّ (1/117)
صفحة 116
مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ}. واللام هاهنا صلة. قال الحسن: يعني سجودها. إن الجبل يسجد لله ويسبح، وإذا قطع منه شيء فالذي قطع لا يسجد ولا يسبح. {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.
وقال بعضهم: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ}، أي: من بعدما أراهم الله من إحياء الموتى ومن أمر العجائب فقست قلوبهم من بعد ذلك؛ فعذر الحجارة ولم يعذر شقي ابن آدم فقال: {وَإِنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ. . . .} إلى آخر الآية. {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.
قوله: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ} يقول للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أفتطمعون أن يصدقوكم، يعني به جماعة اليهود، وقد قال: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} [البقرة: 145]، يعنى به جماعتهم، لأن الخاصة قد تتبع قبلته. {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. قال الحسن: التوراة، حرّفوا كلام الله في محمد والإِسلام، يجعلونها قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً. وقد فسّرنا قول الكلبي فيها قبل هذا الموضع. وقول الحسن أحبّ إلي، والله أعلم.
قوله: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا} وهم اليهود {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ} أي بما بيّن الله لكم في كتابكم من بعث محمد عليه السلام. {لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ. أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}. فما يسرون: مما قال اليهود بعضهم (1/118)
صفحة 117
لبعض، وما يعلنون: إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا. وقال بعضهم: ما يسرّون كفرهم بمحمد وهم يجدونه مكتوباً عندهم.
وقال مجاهد: هذا حين شَتَمهم النبيُّ وقال: يا إخوة القردة والخنازير قالوا: من حدّثه بهذا؟.
قال الكلبي: قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابكم من أمر نبيهم ثم لا تتبعونهم ولا تدخلون في دينهم؟ فهذه حجة لهم عليكم ليحاجوكم بها عند ربكم. قالوا وهم يتلاومون: أفلا تعقلون. يقول الله لنبيه: أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون. وهذا قول علمائهم، وهم الذين كتموا وكذبوا فاتَّبَعتهم السوقة.
يقول الله: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} أي: إلا أحاديث لا يعلمون إلا ما حُدِّثُوا. {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ}. أي: هم على غير يقين، أي: إن صدقت قراؤهم صدقوا، وإن كذبت قراؤهم كذبوا.
وقال الحسن: إلا أماني. أي: إلا أن يتمنّوا فيه الكذب من قولهم: {لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111]. تقول اليهود: نحن الذين يدخلون الجنة. وقالت النصارى: نحن الذين يدخلون الجنة. وتمنوا أيضاً {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} [البقرة: 80].
وقال بعضهم: إلا أماني وإن هم إلا يظنون، يقول: لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه إلا أماني، يتمنّون على الله ما ليس لهم، ويظنون الظنون بغير الحق. (1/119)
صفحة 118
قوله: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً}. قال الكلبي: هم أحبار اليهود وعلماؤهم؛ عمدوا إلى نعت النبي عليه السلام في كتابهم، فزادوا فيه ونقصوا منه، ثم أخرجوه إلى سفلتهم فقالوا: هذا نعت النبي الذي يبعثه الله في آخر الزمان، ليس كنعت هذا الرجل. فلما نظر السفلة إلى محمد صلى الله عليه وسلم لم يروا فيه النعت الذي في كتابهم الذي كتبت أحبارهم. وكانت للأحبار مأكلة، فقال الله: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً}. أي: تلك المأكلة: {فَوَيْلٌ لَّهُم} في الآخرة {مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبَونَ}.
{وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}. قال بعض المفسّرين: قالت اليهود: لن يدخلنا الله النار إلا تحلّة القسم، عدد الأيَّام التي عبدنا فيها العجل، فإذا انقضت عنا تلك الأيام انقطع عنا العذاب والشر.
قال الله للنبي عليه السلام: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ِمَا لاَ تَعْلَمُونَ}. أي: إنكم لم تتخذوا عند الله عهداً وإنكم لتقولون على الله ما لا تعلمون.
وقوله: {أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْداً}، يعني التوحيد وهو مثل قوله: {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [سورة ن: 39]. وتفسير ذلك في سورة ن.
ذكروا عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على عباده، من جاء بهن تامة فإن له عند الله عهداً أن يدخله الجنة. وإن لم يجىء بهن تامة فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء رحمه». (1/120)
صفحة 119
وتفسير مجاهد: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْداً} أي: موثقاً بأنه كما تقولون: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}.
وقال الكلبي: إن اليهود زعمت أنهم يعذَّبون أربعين يوماً عدد أيام العجل الذي عبدوه فيها. فقال الله: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ}. قال: فإذا أدخلهم الله النار عذّبهم عدد تلك الأيام لكل يوم سنة، فتلك أربعون سنة، ثم يُقال لهم: يا أعداء الله، هذه الأيام قد مضت والأجل الذي قلتم وبقي الأبد، لا تخرجون منها أبداً؛ فعند ذلك انقطع الرجاء، وأيقنوا بالخلود في النار، وقيل لهم:
{بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} يعني الشرك {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} ثم مات ولم يتب منه {فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. أي لا يموتون ولا يخرجون منها أبد الأبد. عن الحسن قال: بلى من كسب سيئة، سيئة الشرك. وأما قوله: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْداً}، إِنْ شاء عذَبه وإن شاء غفر له.
قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} قال الحسن: تأمرونهم بما أمرهم الله به، وتنهونهم عما نهاهم الله عنه. قال: قال لهم نبيهم أمروهم أن يقولوا إن محمداً رسول الله.
قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} أي كفرتم وجحدتم {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ} القليل الذين اتبعوا النبي. {وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ} عما جاءَ به النبي جاحدون له. (1/121)
صفحة 120
وقوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ} [أي لا يخرج بعضكم بعضاً] {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} [أن هذا حق] {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاَءِ} [قيل أراد يا هؤلاء] {تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم} [أي تعاونون عليهم] {بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [يعني الظلم] {وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ}.
قال الحسن: فنكثوا فجعل يقتل بعضهم بعضاً ويخرج بعضهم بعضاً من ديارهم يظاهرون عليهم بالإِثم والعدوان، وإن أسِر من أصحابهم أحد فادوهم.
وكان ذلك الفداء مفروضاً عليهم، فاختلفت أحكامهم، فقال الله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ} أي الفداء {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} أي القتل والإِخراج من الدور.
قوله: {فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال الكلبي: الخزي النفي والقتل. فقتلت قريظة ونفيت النضير، أخزاهم الله بما صنعوا. وقال الحسن: الخزي الجزية.
قال الله: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ العَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} يعنيهم. وهي تقرأ على ثلاثة أوجه: بالتاء جميعاً: تُرَدُّون وتعملون، والوجه الآخر بالياء؛ يقول للنبي: يُرَدُّونَ ويَعْمَلُونَ. والوجه الثالث يقوله لهم: فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌّ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ العَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ جَميعاً.
قوله: {أُوْلَئِكَ الَّذينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ} قال بعضهم: استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة؛ استحبوا قليل الدنيا، لأن ما فيها ذاهب، على كثير الآخرة الباقي. قال الحسن: اختاروا الحياة الدنيا على الآخرة. (1/122)
صفحة 121
قال: {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي ليس لهم ناصر ينصرهم من عذاب الله.
قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ} أي التوراة {وَقَفِّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} أي اتبعناه بهم {وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ}. قال الكلبي: يعني الآيات التي كان يريهم عيسى من إحياء الموتى، وما سوى ذلك مما سمّاه الله: {وَأَيَّدْنَاهُ} أعنَّاهُ {بِرُوحِ الْقُدُسِ} يعني جبريل عليه السلام. الروح جبريل والقدس هو الله. وهو اسم به كان عيسى يحيي الموتى، وأيّده على عدوهم فأصبحوا ظاهرين على الكفار، وأيّده بما أتاه من العجائب والآيات.
قوله: {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ}.
قال الكلبي: لما أنزل الله وآتينا عيسى بن مريم البينات قالت اليهود عند ذلك للنبي عليه السلام: فلا مثل ما جاء به موسى جئتنا به، ولا مثل ما عمل موسى. كما زعمت عملت، ولا كما يقص علينا أنبياؤنا فعلت، قال الله: {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ}، أي: قتلتم، فلما قال لهم النبي عليه السلام ذلك سكتوا وعرفوا أنه الوحي من الله عيّرهم بما صنعوا.
{وَقَالُوا} يا محمد {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} في أكنة لا تعقل ولا تفقه ما تقول، وكانت قلوبنا أوعية للعلم، فلو كنت صادقاً سمعنا ما تقول. ذكروا عن الحسن أنه (1/123)
صفحة 122
قال: غُلْفٌ قلف لم تختن لقولك يا محمد. وقال ابن مجاهد عن أبيه: غلف أي: في أكنة.
قال الله: {بَل لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ}. قال بعضهم: قلَّ من آمن من اليهود.
وقال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو آمن بي وصدّقني واتَّبعني عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودي إلاَّ اتَّبعني» قال كعب: اثنا عشر من اليهود، ومصداق ذلك في كتاب الله: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} [المائدة: 12].
وقال بعض المفسِّرين: لا نعلم أحداً من اليهود أسلم على عهد النبي إلا رجل واحد. والحسن يذكر آخر، ولا ندري من هو.
وقال بعض المفسّرين: في قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} [القصص: 52] ذكروا عن رِفاعة القُرَظي في قوله: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} قال نزلت في عشرة من اليهود أنا أحدهم. وذكر بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو آمن بي واتبعني وصدَّقني عشرة من اليهود. . .» بعد ما أسلم الرجلان اللذان ذكر بعض أهل التفسير، فيكونون تمام اثني عشر كما قال كعب، والله أعلم. (1/124)
صفحة 123
قوله: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ} أي القرآن {مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} أي: التوراة والإِنجيل {وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} والاستفتاح الدعاء {فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}.
قال بعض المفسّرين: كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على كفار العرب. كانوا يقولون: اللهم ايت بهذا النبي الذي يقتل العرب ويذلهم. فلما رأوا أنه من غيرهم حسدوه وكفروا به. قال الله: {فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}.
قوله: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ} أي: باعوا به {أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللهُ بَغْياً} كفروا به حسداً {أَن يُنَزِّلَ اللهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} أي: استوجبوا غضباً على غضب {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. قال بعض المفسرين: غضب على غضب: غضب عليهم بكفرهم بالإِنجيل، وغضب عليهم بكفرهم بالقرآن.
وقال الكلبي: تفسير اشتروا به أنفسهم، يعني أحبارهم أن جحدوا نبي الله مخافة أن تذهب مأكلتهم فباعوا أنفسهم بما يصيبون فأهلكوا أنفسهم فصاروا في النار.
قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} أي بما بعده. كفرت اليهود بالإِنجيل وبالقرآن. قال الله: {وَهُوَ الحَقُّ} ويعني القرآن {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ} أي التوراة والإِنجيل، موافقاً للذي في كتبهم. قالوا: فإنك لم تأتنا بمثل الذي أتى به نبينا. ولم يكن لنا نبي إلا يأتينا بقربان تأكله النار. وكان أعداء الله يتولون آباءهم الذين قتلوا أنبياء الله من قبل، فلذلك يقول: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
قال الحسن: يعني به أوَّليهم: يقول إن كانوا يؤمنون بما أنزل الله عليهم (1/125)
صفحة 124
فليس فيما أنزل الله عليهم قتل أنبيائهم. فكذَّبهم الله في قولهم: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا}.
قوله: {وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى بِالبَيِّنَاتِ} يعني أوليهم {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ} قد فسَّرنا أمر العجل قبل هذا الموضع.
قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا ءَاتَيْنَاكُم بَقُوَّةٍ} وقد فسّرناه قبل هذا الموضع.
قوله: {وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} سمعنا ما تقول، وعصينا أمرك. {وَأُشْرِبُوا فَِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ}. قال الحسن: ليس كلهم تاب وقَبِل ذلك: فمن لم يتب فهم الذين بقي حبُّ العجلِ في قلوبهم، وهم الذين قال الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا. . .} [الأعراف: 152].
قوله: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. أي لو كان الإِيمان في قلوبكم لحجزكم عن عبادة العجل. يقول: بيسما يأمركم به إيمانكم أن تعبدوا العجل. وهو مثل قوله: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35] وأشباه ذلك يقول: إن كنتم مومنين فإن إيمانكم لا يأمركم بعبادة العجل. ثم رجع إليهم لقولهم: {لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111]، ولقولهم: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} [البقرة: 80]. فقال:
{قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي أنكم من أهل الجنة حتى تدخلوا الجنة بزعمكم. قال: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: بما أسلفوا من الأعمال الخبيثة، لأنهم يعلمون أنهم معذَّبون، يعني به الخاصة الذين جحدوا وكفروا حسداً وبغياً من بعد ما تبيّن لهم. {وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}. (1/126)
صفحة 125
قال: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ ِأَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ}. قال الحسن: يعني مشركي العرب. و [قال ابن عباس: الذين أشركوا هم المجوس، وذلك أن المجوس كانوا يلقون الملك بالتحية في النَّيْرُوزِ والمَهرجان فيقولون له: عش أيها الملك ألف سنة كلها مثل يومك هذا]. وذكر سعيد بن جبير عن ابن عباس: [هو قول أحدهم إذا عطس: «زه هزار سال»].
قال: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أَن يُعَمَّرَ} أي: وما عمره بمزحزحه أي بمنجيه من العذاب {وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}.
قوله: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ} قال الحسن: إن اليهود قالوا: إن جبريل لا يأتينا إلا بالشتم والذمّ، وإنما يفعل ذلك لعداوة بيننا وبينه، وميكائيل ليِّن؛ فعادَوا جبريلَ. فأنزل الله: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ}. أي نزّل القرآن الذي فيه شتم اليهود وعيبهم بإذن الله {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي من كتب الله المتقدّمة.
وقال بعضهم: إن اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: من صاحبك الذي يأتيك بالوحي؟ فقال: «جبريل» فقالت: ذلك عدوّنا من الملائكة، وإنه ينزل بالعذاب والنقمة، وإن ميكائيل ينزل باللّين والرحمة، أو كما قالوا. (1/127)
صفحة 126
وقال بعضهم: فإنه نزله على قلبك، أي نَزَّل القرآنَ على قلبك.
قال: وذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى نفراً من اليهود. فلما أبصروه رحّبوا به، فقال: أما والله ما جئتكم لحبّكم، ولا لرغبة فيكم، ولكن جئت لأسمع منكم. فسألهم وسألوه. فقالوا له: من صاحب صاحبكم؟ فقال: جبريل. قالوا: ذاك عدونا من أهل السماء، يطلع محمداً على سرنا، وهو إذا جاء جاء بالحرب والسنة. وكان صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء بالسلام وبالخصب. فقال لهم عمر: أفتعرفون جبريل وتنكرون محمداً. ففارقهم عند ذلك، وتوجه نحو النبي عليه السلام ليحدثه حديثهم فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ. . .} إلى أخر الآية.
وقال بعضهم: جادلهم عمر حين قالوا إن جبريل عدوّنا من الملائكة وميكائيل وليُّنا. فقال لهم: حدثوني عن وليّكم من الملائكة، هل يتولّى عدوّكم من الملائكة. فإن كان يتولى وليُّكم من الملائكة عدوَّكم من الملائكة فلِمَ عاديتم من يتولاه وليّكم؟ فمن عادى جبريل فهو عدو الله والملائكة والمؤمنين. فأنزل الله مصداق عمر:
{مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} قال الكلبي: إنَّ اليهود قالت: إِنَّ جبريل عدوٌّ لنا. فلو أنَّ محمداً يزعم أنَّ ميكائيل هو الذي يأتيه صدَّقناه. وإن جبريل عدوٌّ لميكائيل؛ فقال عمر: فإني أشهد أن من كان عدوّاً لجبريل فإنه عدوٌّ لميكائيل؛ فأنزل الله هذه الآية.
قوله: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الفَاسِقُونَ} يعني جميع من كفر بها. (1/128)
صفحة 127
قوله: {أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ} أي: نقضه {فَرِيقٌ مِّنْهُم} يعني اليهود. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} كقوله: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88].
قوله: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} يعني محمداً عليه السلام {نَبَذَ} أي نقض {فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي كأنهم ليس عندهم من الله فيه عهد، وعندهم من الله فيه العهد، يعني من كفر منهم.
قوله: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}.
ذكر بعض المفسرين أن الشياطين ابتدعت كتاباً فكتبت فيه سحراً وأمراً عظيماً، ثم أفشته في الناس وعلَّموهم [إياه]. فبلغ ذلك سليمان فتتبع تلك الكتب، فدفنها تحت كرسيه كراهة أَن يتعلَّمها الناس. فلما قبض الله سليمان عمدت الشياطين فاستخرجوها من مكانها وعلّموها الناس، وقالت: هذا علم كان سليمان يستأثر به ويكتمه. فعذر الله سليمان، وأخبر أن الشياطين هي التي كتبت تلك الكتب. فقال: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ}. أي من الكهانة والسحر، {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ. وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ}. أي: وما كان ذلك عن مشورته ولا عن أمره، ولا عن رضى منه، ولكنه شيء افتعلته الشياطين دونه، ولكن الشياطين الذين افتعلوا ذلك هم الذين كفروا يعلّمون الناس السحر.
قال الكلبي: إن سليمان كان أصاب ذنباً فأَحبّ الله أن يعجِّل عقوبتَه في الدينا. فابتلاه بما كان من أمر الشيطان الذي كان خَلَفَه، وذهب ملك سليمان. فلما انقضت المُدَّة ونزلت رحمة الله عليه ألقى الله في نفس الناس استنكار الشيطان، فمشوا إلى أصف، أحدِ الثلاثة خزان بيت المقدس، فقالوا: يا أصف، (1/129)
صفحة 128
إنا قد أنكرنا قضاء الملك وعِلمَه، فلا ندري أنكرت ما أنكرنا أم لا. فقال نعم. ولكني سوف أدخل على نسائه، فإن كُنَّ أنكرن منه مثل الذي أنكرنا فذلك أمر عمّ الناس، فاصبروا حتى يكشف الله عنكم، وإن لم ينكرن منه مثل الذي أنكرنا فهو أمر خُصِصنا به، فادعوا الله لملكِكم بالصلاح والعافية. فانطلق أصف فدخل على نسائه، فسألهن عنه، فقلن: إن كان هذا سليمانَ فقد هلكنا وهلكتم. فخرج أصف إلى الناس فأخبرهم، فدعوا الله ربهم أن يكشف عنهم.
فلما رأت الشياطين الذي فيه الناس من الغفلة كتبوا سحراً كثيراً على لسان أصف، ثم دفنوه في مصلّى سليمان وفي بيت خزانته وتحت كرسيه وضربوا عنه.
وفشا الاستنكار من الناس للشيطان وانقضت أيامه، ونزلت الرحمة من الله لسليمان. فعمد الشيطان إلى الخاتم فألقاه في البحر. فأخذه حوت من حيتان البحر. وكان سليمان يؤاجر نفسه من أصحاب السفن، ينقل السمك من السفن إلى البَرِّ، على أن له سمكتين كل يوم.
فأخذ سليمان في أجرته يوماً سمكتين فباع إحداهما برغيفين، وشقَّ بطن الأخرى، فجعل يغسلها، فإذا هو بالخاتم. فأخذَه، والتفت إليه الملاّحون فعرفوه، فأقبلوا إليه فسجدوا له. وتفسير السجود في سورة يوسف. فقال: ما أحمدكم الآن على السجود، ولا ألومكم على ما كنتم تفعلون. وذلك أنه كان إذا أصابه الجهد استطعم وقال: أنا سليمان بن داود فيكذبونه ويستخِفّون به.
فأقبل سليمان إلى ملكه فعرفه الناس واستبشروا به، وأخبرهم أنه إنما فعله به الشيطان. فاستغفر سليمان ربه فقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَِحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ} [ص: 35]. (1/130)
صفحة 129
فسخَّر الله له الريح والشياطين، وسخّر له الشيطان الذي فعل به ذلك الفعل، واسمه صخر، فأخذه سليمان فجعله في تخت من رخام، ثم أطبق عليه، وسدّ عليه بالنحاس، ثم ألقاه في عرض البحر. فمكث سليمانُ في ملكه راضياً مطمئنّاً حتى قبضه الله إليه حميداً، صلّى الله عليه وسلم.
ثم أتت الشياطين إلى أوليائهم من الأنس فقالوا: ألا ندلكم على ما كان سليمان يملك به الأنس، وتدين له به الجن، وتُسخَّر له الرياح؟ فقالوا: بلى. قالوا: احفروا في مصلاّه وبيت خزائنه وتحت كرسيه. ففعلوا. فاستخرجوا كتباً كثيرة مكتوباً [عليها]: «هذا ما عمل آصف للملك سليمان. فلما قرأوها إذا هي الشرك بالله. وقال صلحاء بني إسرائيل: معاذ الله أن نتعلمه! ولئن كان سليمان يعمل بهذا ويدين الله به لقد هلك سليمان. فتعلَّمه سفلةُ الناس من بني إسرائيل وقالوا: الملك خير منا يتعلم ما كنا نتعلم. وفشت اللائمة والقالة السيئة لسليمان في بني إسرائيل حتى عذره الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ}.
قوله: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}. وهذا الكلام موصول بما قبله. يقول: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} واتبعوا {وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ} يعني الفرقة بين المرء وزوجه.
قال بعض المفسرين: إن السحر سحران: سحر تعلِّمه الشياطين، وسحر يعلِّمه هاروت وماروت.
وقال الحسن: إن المَلَكَين ببابل إلى يوم القيامة. وإن من عزم على تعلُّم السحر ثم أتاهما سمع كلامهما من غير أن يراهما ويلقاهما بالنظر.
ذكر مجاهد أن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم وقد جاءتهم الرسل بالكتب فقال لهم ربهم: اختاروا منكم اثنين أنزلهما يَحكُمَان في الأرض، فكانا هاروتَ (1/131)
صفحة 130
وماروتَ. فحكما فعدلا حتى نزلت عليهما الزُّهرة في صورة أحسن امرأة تخاصم. فقالا لها: ائتينا في البيت. فكشفا لها عن عوراتهما وافتتنا بها. فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت. ورجعا إلى السماء فزُجِرا فاستشفعا برجل من بني آدم، فقالا له: سمعنا ربَّك يذكرك بخير [فاشفع لنا]. فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟ ثم واعدهما يوماً يدعو لهما فيه.
فدعا لهما. فخيِّرا بين عذاب الدنيا وبين عذاب الآخرة. فنظر أحدهما إلى الآخر فقال: ألم تعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا وفي الخلد أيضاً؟ فاختارا عذاب الدنيا. فهما يعذَّبان ببابل.
ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه قال: كانت الزهرة امرأة جميلة معجبة؛ فخاصمت إلى الملكين فراوداها فقالت: لا أفعل حتى تعلِّماني الاسمَ الذي إذا تُكُلِّم به عُرِجَ إلى السماء. فعلَّماها إياه. فعرجت، فمسخها الله كوكباً.
ذكروا عن ابن عباس في هاروت وماروت أنه قال: أتتهما امرأة تخاصم إليهما، فافتتنا بها، فأراداها على نفسها، فقالت: لا أمكنكما من نفسي حتى تشربا هذا الخمر، وتعبدا هذا الصنم؛ وجاءهما رجل فقتلاه مخافة أن يقول عليهما.
ذكروا عن صفوان بن سليم أنه قال: ما نهض ملك من الأرض إلى السماء حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ذكروا عن ابن عمر أنه كان يقول إذا رأى الزهرة: لا مرحباً بك ولا أهلاً.
ذكرواعن ابن عباس أنه قال: أتدرون ما كانت تسمّى هذه الكوكب الحمراء في قومها؟ يعني الزهرة، كانت تسمى بيدخت. ذكروا عن علي أنه قال: كان يقال لها أناهيذ. (1/132)
صفحة 131
قوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ}.
قال بعض المفسرين: كان أخذ عليهما ألا يعلما أحداً حتى يقولا له: إنما نحن فتنة، أي بلاء، فلا تكفر.
قال: {فَيَتَعَلََّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} وهو أن يُؤَخَّذَ كل واحد منهما عن صاحبه، ويُبَغَّضَ كلُّ واحد منهما إلى صاحبه.
قوله: {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} قال الحسن: من شاء الله سلّطهم عليه، ومن شاء مَنَعهم منه، وقال بعضهم: إلا بأمر الله.
قوله: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ} أي: لمن استحبه، أي اختاره على التوراة {مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}.
قال بعض المفسرين: قد علم أهل الكتاب في عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة عند الله يوم القيامة. وقال الكلبي: ما له في الآخرة من خلاق، أي ما له من نصيب. قال وهو مثل قوله: {وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20] أي من الجنة. {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ} أي: باعوا به أنفسهم. وكل شيء في القرآن شروا وشروه فهو بيع. وكل شيء فيه اشترى واشتروا فهو الشراء إلا قوله: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ} [البقرة: 90] فإنه يعني بيسما باعوا به أنفسهم. (1/133)
صفحة 132
قوله: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} قال الحسن: لو كانوا علماء أتقياء ما اختاروا السحر.
قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللهِ} يعني الثواب يوم القيامة {خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أي: لو كانوا علماء لآمنوا بعلمهم ذلك واتقوا؛ ولا يوصف الكفار بأنهم علماء.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا}. قال الحسن: راعناً: الهجر من القول، نهاهم الله أن يقولوا كما قالت اليهود، وهو قوله: {مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ} [النساء: 46]. وقال بعضهم عن الحسن: وهو التحريف للوحي الذي يأتيهم من الله.
قال: {وَقُولُوا انظُرْنَا} أي انتظرنا نتفهّم. {وَاسْمَعُوا} ما يأمركم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: {وَلِلْكَافِرينَ} الذين لا يقولون انظرنا ولا يسمعون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم {عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي موجع.
وقال الكلبي: راعنا كلمة كانت العرب يتكلَّمون بها. يقول الرجل لصاحبه: ارعني سمعك. فلما سمعتهم اليهود يقولونها للنبي أعجبهم ذلك. وكان راعنا في كلام اليهود هو الشيءَ القبيحَ يَسُبُّ به بعضهم بعضاً. قالوا: كنّا نسبّ محمداً سرّاً؛ فالآن فأَعلِنوا له السَّبّ. فكانوا يأتونه ويقولونه: يا محمد راعنا ويضحكون. فعرفها رجل من الأنصار كان يعرف لغتهم، فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده لو سمعت رجلاً منكم بعد مجلسي هذا يعيدها لأضربَنَّ عنقه. فقالوا: أولستم تقولونها؟ فقال الله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا}. فقال المسلمون: الآن فمن سمعتموه من اليهود يقول لنبيّكم: راعنا فأوجعوه ضرباً. فانتهت عنها اليهود. (1/134)
صفحة 133
وقال بعضهم: انظرنا انظر إلينا واسمعوا ما يقول لكم.
قوله: {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الِكَتَابِ وَلاَ المُشْرِكِينَ} أي: ولا من المشركين {أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ} أي: الوحي الذي يأتي رسول الله، لا يسرّهم ذلك، حسداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. {وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ} قال الحسن: يعني النبوّة. {وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ}.
قوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا} [قال بعضهم]: ينسها رسولَه فيرفعها. يقول: قد نُسِّيَ رسول الله بعض ما كان نزل من القرآن فلم يثبت في القرآن. وقد نسخ بعض ما أثبت في القرآن. قال: ألا تراه يقول: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ} [الأعلى: 6 - 7] أن ينسى منه. وبعضهم يقرأها: ما ننسخ من آية أو نَنْسَأْهَا. أي: نؤخرها فلم تثبت في القرآن. وبعضهم يقرأها: أو ننسها فنتركها ولا ننسخها.
وتفسير مجاهد: ما ننسخ أي: ما نمح من آية أو نبدل حكمها ناتِ بخير منها أو مثلها.
قوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} يقول: هذه الآية التي نسَخَت خير في زمانها هذا لأهلها، وتلك الأولى المنسوخة خير لأهلها في ذلك الزمان، وهي مثلها بعدُ في حقِّها وصدقها.
قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ} أي ذلك لتعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يحكم في خلقه بما يريد. كقوله: {اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ (1/135)
صفحة 134
الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} [الطلاق: 12].
قوله: {وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} أي يمنعكم إذا أراد بكم عذاباً.
قوله: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ} ذكر بعض المفسِّرين أنه قال: كان الذي سألوا موسى من قبل أن قالوا: {أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً} [النساء: 153]. قال الحسن: وقد سألوا ذلك النبي عليه السلام فقالوا: {أَوْ تَأْتِي بِاللهِ والمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً} [الإِسراء: 92]، وقالوا: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا المَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} [الفرقان: 21].
قوله: {وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإِيمَانِ} أي: ومن يقل ذلك فقد بدّل الكفر بالإِيمان، يعني تبدّل اليهودية والنصرانية بالإِسلام. {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} أي قصد الطريق.
قوله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم} يعني من لم يؤمن منهم. {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ} أي: أن محمداً رسول الله وأن دينه الحق {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْْءٍ قَدِيرٍ}.
قال بعض المفسرين: نزلت قبل أن يؤمر بقتال أهل الكتاب، ثم أنزل الله بعد ذلك سورة براءة فأتى بها بأمره فقال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ}. وذلك أن أهل الكتاب لا يُقِرّون أن الناس يُبعثون في أجسادهم ويقولون: إنما تبعث الأرواح في غير أجساد. قال: {وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ} أي الإِسلام {مِنَ الِّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ (1/136)
صفحة 135
وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]. قال بعض المفسرين: أمر الله فيها بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يقروا بالجزية.
قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ} أي أنهما فريضتان واجبتان لا رخصة لأحد فيهما. قوله: {وَمَا تُقَدِّمُوا لأَِنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ} أي تجدون ثوابه في الآخرة. {إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
قوله: {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى} قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ}. قال الله: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} على ذلك. قال الحسن: هاتوا حجّتكم. وقال غيره من المفسّرين: هاتوا بيّنتكم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي إن كنتم تدخلون الجنة كما زعمتم.
ثم كذّبهم وأخبرهم أن الجنة إنما هي للمؤمنين ولستم بمومنين فقال: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} أو وجهته في الدين {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي وهو مُكْمل العمل {فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.
قوله: {وَقَالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الكِتَابَ} يعني التوراة والإِنجيل، أي فكيف اختلفوا وتفرَّقوا والكتاب واحد جاء من عند الله، يصدّق بعضه بعضاً قال: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني النصارى {مِثْلَ قَوْلِهِمْ} يعني مثل قول اليهود. قال الله: {فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فيكون حكمه فيهم أن يكذبهم جميعاً ويدخلهم النار. (1/137)
صفحة 136
قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} أي لا أحَدَ أَظلم مِمَّن فعل ذلك. {أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ}. ذكر مجاهد أنهم النصارى أعانوا بختنصر على خراب بيت المقدس. وقال بعض المفسرين: هم النصارى حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس.
وذكر الكلبي أن الروم غزوا بني إسرائيل فحاصروهم، فظهروا عليهم، فقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذراريهم، وأحرقوا التوراة، وهدموا بيت المقدس وألقوا فيه الجيف، فلم يعمر حتى بناه أهل الإِسلام، فلم يدخله رومي بعدُ إلا خائفاً. يعني قوله: {أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ} فقضى الله على الذين خرّبوه أن لهم الخزي في الدنيا.
قوله: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} وهو فتح مدائنهم الرومية، وقتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، فهذا خزيهم. {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي: جهنم؛ فلا شيء أعظم من عذابها. وإذا عظَّم الله شيئاً فهو عظيم.
قال بعض المفسرين: قوله: {أوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ} أي: لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلى اليوم إلا أُنْهِكَ عقوبةً وأُخْرِجَ منه. وقال بعضهم: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} أي: الجزية يؤدّونها عن يد وهم صاغرون، فذلك خزيهم في الدنيا. {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
قوله: {وَلِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا} أي وجوهكم في الصلاة {فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} أي: فثمَّ الله. وقال بعضهم: فثمَّ قِبلة الله. {إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. (1/138)
صفحة 137
قال بعض المفسّرين: كانوا يصلون نحو بيت المقدس ورسول الله بمكة. وبعدما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى بالمدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس. ثم وجّهه الله بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام. فقال في آية أخرى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] أي: تلقاءه. فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر القبلة في حديث بعضهم. وفي حديث بعضهم: ما كان قبلها من قبلة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر، ونزلوا منزلاً في لية ظلماء بجعل أحدهم يجمع الحصباء فيجعل مسجداً فيصلي [فلما أصبحوا إذا هم] لغير القبلة، فأنزل الله عز وجل: {وَلِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا} أي: وجوهكم في الصلاة، {فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.
ذكروا عن الكلبي عن ابن عباس أن النبي عليه السلام كان في سفر في يوم غائم فصلّوا الصلاة، صلى بعضهم نحو المشرق وصلّى بعضهم نحو المغرب، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية.
وقال بعضهم: إن رهطاً من أصحاب النبي عليه السلام انطلقوا في سفر، وذلك قبل أن تصرف القبلة إلى الكعبة، فتحيّروا، والقبلة يومئذ نحو بيت المقدس؛ فمنهم من صلّى قِبَل المشرق، ومنهم من صلّى قِبَل المغرب.
فلما طلعت الشمس استبان لهم. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له، فأنزل الله: {وَلِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.
ذكروا عن الحسن أنه سئل عن رجل صلَّى، فلما فرغ من صلاته إذا هو لغير القبلة، فقال: جازت صلاته. قال الله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ}.
ذكروا عن بعض السلف أنه قال: إذا صلّى ثم استبان له أنه صلّى لغير القبلة (1/139)
صفحة 138
مضت صلاته، وإن استبان له بعدما صلّى ركعة انحرف إلى القبلة فيما يستقبل.
قوله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ} ينزِّه نفسه عمَّا يقولون. ثم قال: {بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ}. أي مُقِرّون بالعبودية. وقال بعضهم: يعني اليهود والنصارى ومشركي العرب، كلٌّ لَهُ قَانِتُونَ، أي: كل له قائم بالشهادة بأنهُ عبدٌ له. وإنما خصّ المفسّر، وهو الحسن، اليهود والنصارى ومشركي العرب لأنهم هم الذين كانوا بحضرة النبي عليه السلام يومئذ. وقال في آية أخرى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ} [الزخرف: 87] وقال الكلبي: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} أي: مطيعون في الآخرة، أي فلا يقبل ذلك منهم إذا لم يكونوا آمنوا في الدنيا.
قوله: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: أنه ابتدعها من غير مثال. {وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ} قبل أن يكون {كُن فَيَكُونُ}.
قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم مشركو العرب {لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا ءَايَةٌ} هو كقوله: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5] وكقوله: {أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً} [الإِسراء: 92] وكقوله: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا المَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} [الفرقان: 21]. قال الله: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} أي مثل قوم موسى إذ قالوا: {أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً} [النساء: 153] وما سألوه من الآيات. قال الله: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} أي على الكفر، وهو كقوله: {يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} [التوبة: 30]، وكقوله: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 53].
قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} يعني محمداً عليه السلام {بِالْحَقِّ بَشِيراً} أي بشيراً بالجنة لمن أطاعك {وَنَذِيراً} أي من النار لمن عصاك. {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجَحِيمِ} أي: لا تُسأل عنهم إذا أقمت عليهم الحجّة. وهي تقرأ على وجه آخر: (لا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الجَحِيمِ). فمن قرأها بالنصب قال: النبي (1/140)
صفحة 139
عليه السلام كان سأل عن أمه فأنزل الله: {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجَحِيمِ}.
قوله: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى} يعني بذلك العامة منهم، لأنه قد تسلم الخاصة منهم. وهذا الحرف من العام والخاص. {حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى} أي: إن الدين دينُ الله، وهو الإِسلام الذي أنت عليه. {وَلَئِن اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} يثبّته بذلك، وقد علم جلّ جلاله أنه لا يتَّبع أهواءهم.
قوله: {الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ}. قال بعضهم: يقرأونه كما أنزله الله، ولا يحرّفونه عن مواضعه. وقال بعضهم: هؤلاء أصحاب النبي عليه السلام؛ آمنوا بكتاب الله وصدّقوا به، فأحلّوا حلاله، واجتنبوا حرامه، وعملوا بما فيه.
وذكروا عن ابن مسعود أنه قال: والله إن حق تلاوته أن يُحَلَّ حلالُه ويُحرَّم حرامُه، وأن يُقرأ كما أنزله الله، ولا يُحَرَّفَ عن مواضعه.
وقال مجاهد: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} أي: يتَّبعونه حقّ اتباعه. قال مجاهد: وهو كقوله: {وَالقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا} [الشمس: 2] أي: إذا تبعها. يعني صبيحة الهلال.
قال: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ} يعني بتأويله، {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ} أي خسروا أنفسهم أن يُنجوها من عذاب الله فصاروا في النار.
قال الكلبي: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} هم الرهط الذين آمنوا به من أهل الكتاب: اثنان وثلاثون من الحبشة الذين أقبلوا مع جعفر من أرض الحبشة، وثمانية من رهبان الشام، وسبعة من اليهود؛ منهم عبد الله بن سلام وابن صوريا. (1/141)
صفحة 140
قوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} قد فسّرناه في الآية الأولى {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} أي على عالم زمانه، ولكل زمان عالم، أي ولكل زمان خلق.
قوله: {وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي فداء. وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. {وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} أي لا يشفع لها أحد عند الله، لأنه لا تكون الشفاعة إلا للمؤمنين خاصة. {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي: لا أحد ينصرهم يومئذ؛ كقوله: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} [الصافّات: 25 - 26].
قوله: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} أي: عمل بهن. وقال بعضهم: فأكملهن ووفّى بهن، وهو واحد.
ذكروا عن ابن عباس أنه كان يقول: هي المناسك.
وكان الحسن يقول: ابتلاه الله بأمور فصبر عليها؛ ابتلاه الله بالكوكب والقمر والشمس فحبس نفسه في ذلك، وعلم أن الله دائم لا يزول، فوجَّه وجهه للذي فطر السماوات والأرض. ثم ابتلاه بالنار فصبر على ذلك. ثم ابتلاه بالهجرة، فخرج من بلاده ومن عند قومه حتى لحق بالشام مهاجراً إلى الله. ثم ابتلاه بذبح ابنه فصبر. وابتلاه بالختان على كبر سنه فصبر على ذلك كله. ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم (1/142)
صفحة 141
أنه قال: «اختتن إبراهيم بعدما أتى عليه ثمانون سنة بالقدوم».
وتفسير الكلبي أنها العشر خصال: خمسة في الرأس وخمسة في الجسد. فأما اللواتي في الرأس: فالمضمضة والاستنشاق وقصّ الشارب والسواك وفرق الرأس. وأما اللواتي في الجسد: فالاختتان وحلق العانة ونتف الابطين وتقليم الأظافر والاستنجاء.
وقال بعضهم: ابتلي إبراهيم بعشرة أشياء، هن في الإِنسان سنة: الاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، ونتف الإِبطين، وتقليم الأظفار، وغسل البراجم، والختان، وحلق العانة، وغسل الدبر والفرج.
قال الكلبي: فلما فعلهن سأل ربه كلمات فأعطاهن إياه. منهن قوله: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} [البقرة: 128 - 129] ففعل الله ذلك، ثم زاده ما لم يسأل.
{قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ} يا إبراهيم {لِلنَّاسِ إِمَاماً} يقتدون بك فيهتدون بهداك وبسنتك. فأعجب ذلك إبراهيم ف {قَالَ} صلى الله عليه وسلم {وَمِن ذُرِّيَّتِي} وفي الآية إضمار. يقول: يا رب ومن ذريتي فاجعل إماماً، أي من كان من ذريتي، فأجابه ربه ف {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} وفي الآية إضمار فتفهموها فإنها تقضي بين الخلائق. أي لا ينال عهدي الظالمين من ذريتك، أي: لا أجعلهم أئمة يقتدى بهم في ظلمهم. (1/143)
صفحة 142
وقال مجاهد: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات هو قوله: {إِني جاعلك للناس إِماماً} والمقام والآيات التي في المناسك.
وقال بعضهم: {لا ينال عهدي الظالمين} أي: ينقطع عهدهم في الآخرة. والتأويل ما وصف أولاً.
وقال مجاهد: لا عهد لظالم في ظلم يأمرك به أن تطيعه فيه. وقول مجاهد: عدل صحيح.
وقال بعضهم: ذلك يوم القيامة عند الله لا ينال عهدَه ظالم. فأما في الدنيا فقد نالوا عهد الله؛ يعني بذلك المنافقين؛ قال: فوارثونا بالعهد الذي أقرّوا به للمسلمين وغازوهم به وناكحوهم به: فإذا كان يوم القيامة قصر الله عهده وكرامته على أوليائه وأهل طاعته الذين أوفوا بعهده، وأكملوا فرائضه. وهو كقوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40] فالوفاء بعهد الله إكمال فرائضه وإتمام شرائعه والوفاء بعهدهم أن يدخلهم الجنة إذا فعلوا ذلك.
(1/ 55)
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)
قوله: {وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} أي: مجمعاً لهم. وقال بعضهم: بثوبون إليه كل عام. وهو قول الكلبي.
قوله: {وَأَمْناً}. كان ذلك في الجاهلية؛ لو أن رجلاً جَرَّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب ولم يُتناول. وأما في الإِسلام فإن الحرم لا يمنع من حدٍّ؛ من قَتل قُتِل ومن أصاب حداً أُقيم عليه.
وذكروا عن ابن عباس أنه قال: إذا أصاب الرجل حداً ثم لجأ إلى الحرم فإنه لا يُبَايَع ولا يُجالَس ولا يُؤْوَى حتى يخرج من الحرم؛ فإذا خرج من الحرم أقيم عليه الحدّ.
قوله: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} أي موطىء قدميه. (1/144)
صفحة 143
ذكر بعضهم أنه قال: أمروا بالصلاة عنده ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة أشياء ما تكلفها الناس قبلهم؛ ما زالوا يمسحونه مسحاً وإن أثر قدميه وعقبيه فيه حتى اخلولق وامّحى.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: مقام إبراهيم الحرم كله.
ذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم، لما استأذن سارة في زيارة إسماعيل وهاجر فأذنت له، اشترطت عليه ألا ينزل. فقدم وقد ماتت هاجر، فانتهى إلى بيت إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت له: ليس هو ها هنا. وكان يخرج من الحرم ويتصيّد؛ فقال لها إبراهيم: هل عندك من ضيافة؟ هل عندك طعام؟ هل عندك شراب؟ قالت: ليس عندي شيء. قال لها: إذا جاء صاحبك فأقريا السلام، وقولي له فليغير عتبة بابه، ثم ذهب.
فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه إبراهيم. فقال لها: هل جاءك أحد؟ فقالت: جاءني شيخ كذا وكذا، كأنها مستخفة بأمرة. قال: فما قال لك؟ قالت: قال: قولي له: غيّر عتبة بابك فطلَّقها وتزوّج أخرى.
ثم إن إبراهيم استأذن سارة بعد ذلك فأذنت له، واشترطت عليه أن لا ينزل. فجاء حتى انتهى إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: ذهب إلى الصيد، وهو يأتي الآن إن شاء الله، انزل يرحمك الله. قال: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم. قال: هل عندك خبز؟ قال: لا. قال: هل عندك بر؟ قالت: لا. قال: هل عندك شعير؟ قالت لا؛ وجاءته بلبن ولحم. فدعا لها بالبركة في اللبن واللحم الذين جاءته بهما؛ ولو جاءته يومئذ ببر وشعير لكانت أكثر أرض الله براً وشعيراً. قالت: فانزل حتى أغسل رأسك. فلم ينزل. فجاءته بالمقام فوضع عليه (1/145)
صفحة 144
إحدى قدميه، فغسلت أحد شقي رأسه، وبقي أثر قدمه فيه. ثم حولته إلى الجانب الآخر، فوضع قدمه الأخرى على المقام فغسلت شق رأسه الآخر وبقي أثر قدمه فيه.
ذكروا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة قبل حجته طاف بالبيت، فمشى إلى المقام وهو يقول: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً}، فصلى خلفه ركعتين قرأ فيهما: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}.
قال بعض أهل العلم: بلغني أن المقام قبلة البيت، وأن البيت قبلة المسجد الحرام، وأن المسجد الحرام قبلة الحرم، وأن الحرم قبلة مكة، وأن مكة قبلة أهل الآفاق.
قوله: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ} أي من عبادة الأوثان وقول الزور والمعاصي.
ذكروا عن عائشة أنها قالت: كسوة البيت على الأمراء، ولكن طيِّبوا البيت، فإن ذلك من تطهيره.
قوله: {لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} الطائفون من يعتقبه من الناس، والعاكفون أهل مكة، والركع السجود أهل الصلاة.
وقال بعضهم: الطائفون الذين يطوفون حوله، والعاكفون القعود حوله ينظرون إليه، والركع السجود الذين يصلون إليه. ذكروا عن مجاهد وعطاء أن النظر (1/146)
صفحة 145
إلى البيت عبادة ويكتب له به حسنات.
قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً ءَامِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} قال الكلبي: تحمل إلَيه من الآفاق.
قال بعضهم: ذكر لنا أن سيلاً أتى على المقام فاقتلعه، فإذا في أسفله كتاب، فدعوا إليه رجلاً من حمير فزبره لهم في جريدة، ثم قرأه عليهم، فإذا فيه: هذا بيت الله المحرم، جعل رزق أهله من معبرة تأتيهم من ثلاثة سبل مبارك لأهله في الماء واللحم. وأول من يحله أهله.
ذكروا عن مجاهد أنه قال: وجد عند المقام كتاب فيه: إني أنا الله ذو بكة صغتها يوم خلقت الشمس والقمر، وحرمتها يوم خلقت السماوات والأرض، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، وجعلت رزقها يأتي من ثلاث سبل، مبارك لأهلها من الماء واللحم، وأول من يحلها أهلها. قال: وسمعت بعضهم يقول: ويوم وضعت هذين الجبلين، لا تزول حتى يزول الأخشبان قال: فسألت بمكة ما الأخشبان؟ فقيل لي: هذان الجبلان.
قوله: {مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ (1/147)
صفحة 146
إلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ المَصِيرُ}. قال الحسن: لما قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات قال الله: إني مجيبك وأجعله بلداً آمناً، ولكن لمن آمن منهم بالله واليوم الآخر إلى يوم القيامة، ومن كفر فإني أمتعه قليلاً وأرزقه من الثمرات وأجعله آمناً في البلد، وذلك إلى قليل، إلى خروج محمد. وذلك أن الله أمر محمداً عليه السلام أن يخرجهم من الحرم، إلى خروج محمد. وذلك أن الله أمر محمداً عليه السلام أن يخرجهم من الحرم، وهو المسجد الحرام. قال: وهو مثل قوله: {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ} [الزخرف: 29] وأشباهها. قال: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} [أي أدفعه] إلى عذاب النار وبيس المصير.
قوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} يعني بنيانه. ودفعهما إياه بالبناء: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
قال بعضهم: ذكر لنا أن قواعدهما من حراء. قال: وذكر لنا أن البيت بني من خمسة أجبل: من حراء ولبنان وطور سيناء وطور زيتاء والجودى.
قوله: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً} أي: عصبة وهي الجماعة {مُّسْلِمَةً لَّكَ} ففعل الله ذلك، فبعث الله محمداً عليه السلام.
قوله: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} أي: مذابحنا. قال بعضهم: أراهم مناسكهم وهي الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، والإِفاضة منها، والوقوف بجمع، والإِفاضة منها، [ورمي الجمرات]. (1/148)
صفحة 147
وذكروا عن ابن عباس أن إبراهيم لما أصّل المناسك عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان عندها، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرما بسبع حصيات حتى ذهب. . . قال وثمَّ تلَّه للجبين. وعلى إسماعيل قميص أبيض. قال إسماعيل لأبيه: يا أبت: ليس لي ثوب تكفنني فيه غير هذا. فاخلعه حتى تكفّنني فيه. فالتفت فإذا هو بكبش أبيض أقرن فذبحه. ثم ذهب به إلى الجمرة القصوى، فعرض له الشيطان عندها، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب. ثم أتى به منى فقال: هذا مناخ الناس. ثم أتى به جمعاً فقال: هذا المشعر الحرام. ثم ذهب به إلى عرفات. قال: فقال: ولم سمّيت عرفة. قال: قال له: هل عرفت. قال نعم.
وقال الحسن: إن جبريل أرى إبراهيم المناسك كلها، حتى إذا بلغ عرفات قال: يا إبراهيم: أعرفت ما رأيت من المناسك؟ قال نعم! فلذلك سميت عرفات. فلما كان عند الشجرة، يعني جمرة العقبة يوم النحر، ذهب يزور البيت، فعرض له الشيطان فسدّ عليه الطريق، فأمره جبريل أن يرميه بسبع حصيات مثل حصى الخذف، ففعل. فذهب. ثم عرض له في اليوم الثاني في الجمار كلها، وفي اليوم الثالث، وفي اليوم الرابع، كل ذلك يرميه بأمر جبريل بسبع حصيات.
وقال الحسن: إن جبريل أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم المناسك كلها، ولكنه أصل عن إبراهيم. وقد كان المسلمون قبل إبراهيم يؤمون نحو الكعبة في صلاتهم. (1/149)
صفحة 148
قوله: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ} يعني في ذريته {رَسُولاً مِّنْهُمْ} فاستجاب الله له، فبعث محمداً عليه السلام في ذرية إبراهيم، يعرفون وجهه ونسبه. قوله: {يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيْهِمْ} أي يطهرهم. وقال بعضهم: يأخذ صدقاتهم وهي الطهارة. وقال بعضهم: القرآن: الكتاب، والحكمة: السنة [قوله: {إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} العزيز في نقمته الحكيم في أمره].
قوله: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} أي عن سنته {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} أي عجز رأيه عن النظر لنفسه فضَلّ.
قوله: {وَلَقَد اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} أي: بالنبوة، والاصطفاء هو الاختيار {وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} وهم أهل الجنة. {إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} أي: أخلص قال: أَسْلَمْتُ أي: أخلصت {لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}. قال الحسن: ذلك حين أفلت الشمس، ف {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 78].
قوله: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ} أي: بهذه الكلمة، يعني التوحيد. {وَيَعْقُوبُ} أي: وأوصى بها أيضاً يعقوب بنيه بعد إبراهيم. {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} أي: اختار لكم الدين، وهو الإِسلام {فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} أي: إلا وأنتم مكملون فرائض الله وشرائعه.
وقوله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ} أي لم تكونوا شهداء يومئذ {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}.
ذكروا عن الحسن أنه كان يقرأها وإله أبيك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق. (1/150)
صفحة 149
قوله: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛ يعني بذلك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب.
قوله: {وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} قالت اليهود: كونوا يهوداً تهتدوا، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا. قال الله: {قُلْ} يا محمد {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ}. أي إن اليهود والنصارى مشركون. قال الحسن: حنيفاً مخلصاً. وقال الكلبي: الحنيف المسلم.
قال الحسن: ثم أمر الله المؤمنين أن يقولوا: {ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ}. والأسباط: يوسف وإخوته الاثنا عشر {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}.
قال: {فَإِنْ ءَامَنُوا} أي أهل الكتاب {بِمِثْلِ مَا ءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} أي في فراق الإِيمان. قال الحسن، فجعل الله ذلك، يعني هذه الآية، محنة فيما بين المسلمين واليهود والنصارى.
وسئل بعض السلف فقيل له: إن قوماً يجالسوننا فيقولون لنا: أمومنون أنتم؟ فقال: إذا قالوا لكم ذلك فقولوا: {آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل. . .} إلى آخر الآية. (1/151)
صفحة 150
وقال الحسن في قوله: {وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ}، قال: الشقاق هو التعادي إلى يوم القيامة. وقال بعضهم: الشِقاق هو الفراق، والفراق هو العداوة.
وقوله: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ} أي حتى يظهرك عليهم وينصرك، فيكونوا من تحت يديك {وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ}.
قوله: {صِبْغَةَ اللهِ} أي دين الله {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً} أي: ومن أحسن من الله ديناً {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}.
وقال بعض المفسّرين: صبغة الله الإِسلام، إلا أن اليهود تصبغ أولادها يهوداً وأن النصارى تصبغ أبناءها نصارى. وأن صبغة الله الإِسلام.
قوله: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} أي: إن ديننا هو الإِخلاص الذي لا شكَّ فيه.
قوله: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ} يا محمد لهم {ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللهِ} أي: لا أحد أظلم منه {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قال الحسن: يعني بذلك علماءهم؛ إنهم كتموا محمداً ودينه، وفي دينه أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا مسلمين، ولم يكونوا مشركين. ذكروا عن الحسن قال: قد علم القوم أن عندهم من الله شهادة أن أنبياءهم بُرآء من اليهودية والنصرانية. وقال بعضهم: كتموا الإِسلام وهم يعلمون أنه دين الله، وكتموا محمداً وهم يعلمون أنه رسول الله.
قوله: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ} أي: لها ثواب ما عملت، ولكم ثواب ما عملتم {وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} هم. يعني بذلك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط. (1/152)
صفحة 151
قوله: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} وهم مشركو العرب في تفسير الحسن. وقال مجاهد: هم اليهود. {مَا ولاهم} أي: ما حوَّلهم في تفسير الحسن. وقال مجاهد: ما صرفهم؛ وهو واحد. {عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} يعني بيت المقدس.
نزلت هذه الآية بعدما صُرِف النبيُّ عليه السلام إلى الكعبة. وهي قبلها في التأليف، وهي بعدها في التنزيل. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما حوله الله إلى الكعبة من بيت المقدس، قال المشركون: يا محمد، أرغبت عن قبلة آبائك ثم رجعت إليها؟ وأَيْضاً والله لترجعن إلى دينهم؛ فأنزل الله: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} يعني بيت المقدس.
قال: {قُل لِّلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. أي: مستقيم إلى الجنة، وهو الإِسلام.
قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} أي: عدلاً [يعني أمة محمد] {لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} أي يوم القيامة بأن الرسل قد بلغت قومها عن ربها {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} على أنه قد بلغ رسالة ربه إلى أمته.
قوله: {وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} يعني بيت المقدس {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} أي: إلا ليكون ما علمنا كما علمنا. وهو علم الفعال. {مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً} يعني صرف القبلة {إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ} يعني تحوّلهم عن بيت المقدس؛ لأن العرب لم تكن قبلة أحب إليها من الكعبة. فقال: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً}، أي: لعظيمة، {إلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ}. (1/153)
صفحة 152
قال بعض المفسرين: كانت القبلة فيها بلاء وتمحيص؛ صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم إقامته بمكة إلى بيت المقدس، وصلّت الأنصار إلى بيت المقدس حولين قبل قدوم النبي عليه السلام المدينة. وصلى النبي بعد قدومه المدينة نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً. ثم وجَّهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام، فقال قائلون: {مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا}؛ لقد اشتاق الرجل إلى مولده.
وقال أناس لما صُرِفت القبلة: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل من قبل في قبلتنا الأولى، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}. وقد يبتلي الله العباد بما يشاء من أمره، الأمر بعد الأمر، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. وكل ذلك مقبول إذا كان في إيمان بالله وإخلاص له وتسليم لقضائه.
قوله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} قال الحسن: محفوظ لكم إيمانكم عند الله حيث أقررتم بالصلاة إلى بيت المقدس إذ فرضها عليكم. وقال بعضهم: عن الحسن وعن جماعة من المفسرين: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي: صلاتكم التي كنتم تصلّون إلى بيت المقدس. وهذا حقيقة التأويل. {إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.
قوله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} أي فلنحولنّك ولنصرفنك {قِبْلَةً تَرْضَاهَا} أي تحبها. ولم يكن قبلة أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة.
وتفسير الكلبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: «وددت أن ربي صرفني عن (1/154)
صفحة 153
قبلة اليهود إلى غيرها» فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك؛ فادع ربك واسأله. ثم ارتفع جبريل، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل، فأنزل الله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}.
قال: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} أي تلقاءه.
وقال بعضهم قد نرى تقلُّب وجهك في السماء أي: قد نرى نظرك إلى السماء.
ذكروا عن محمد بن عبد الله بن حجش أنه قال: صلّيت القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية ونحن في صلاة الظهر، وقد صلَّينا ركعتين من الظهر فاستدرنا وإنا لفي الصلاة.
ذكروا عن مجاهد أنه قال: نزلت هذه الآية وهم في الصلاة، فجاء الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال.
قوله: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}. قال الحسن: يعلمون أن القبلة هي الكعبة. وقال الحسن: لم يبعث الله نبياً إلا وهو يصلِّي إلى الكعبة.
قوله: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ (1/155)
صفحة 154
بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ}. قال: لما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس قالت اليهود: إنا لنرجو أن يرجع محمد إلى ديننا كما صلّى إلى قبلتنا، فأنزل الله: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ}. {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} [هذا الخطاب للنبي عليه السلام ولسائر أمته].
قوله: {الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنه الحق. قال الحسن وغيره من المفسرين: وهم يعلمون أي: وهم يعرفون أن محمداً رسول الله فكتموه.
قال الكلبي: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام: إن الله أنزل على نبيه، وهو بمكة، أن أهل الكتاب يعرفون النبي عليه السلام كما يعرفون أبناءهم، فكيف هذه المعرفة يا ابن سلام؟ فقال: نعرف نبي الله بالنعت الذي نعته الله به إذا رأيناه فيكم، كما يعرف الرجل ابنه إذا رآه مع الغلمان؛ والذي يحلف به عبد الله بن سلام لأنا بمحمد أشد معرفة مني لابني. فقال له عمر: كيف ذلك؟ قال: عرفته بما نعته الله لنا في كتابنا أنه هو، وأما ابني فلا أدري ما أحدثت أمه؛ فقال له عمر بن الخطاب. وفَّقك الله، فقد أصبت وصدقت.
قال بعض المفسّرين: إن هذه الآية نزلت بمكة أولاً في سورة الأنعام: {الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 20] (1/156)
صفحة 155
{الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ} أي: من الشاكين؛ أنهم يعرفون أنك رسول الله ويعرفون الإِسلام.
قوله: {وَلِكُلٍّ وَجْهَةٌ} أي ولكل قوم وجهة وشريعة {هُوَ مُوَلِّيهَا} أي: الله موليها، مثل قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48] أي سبيلاً وسنة، والدين واحد وإن اختلفت الشرائع والأحكام. وقال مجاهد: ولكل صاحب ملّة وجهة هو مستقبلها. وقال بعضهم: ولكل قبلة هو مستقبلها.
قوله: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} قال بعض المفسرين: لا تُغْبَنُنَّ عَن قبلتكم {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ}. قوله: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} كقوله: {قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ} [سورة محمد: 13] أي أهلها، يعني أهل مكة {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} أي تلقاءه {لِئَلاَّ} أي لكيلا {يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ}.
قال بعض المفسّرين: إن أهل الكتاب قالوا حين صرف النبي إلى الكعبة: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه. قال: {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} يعني مشركي العرب في تفسير الحسن. وقال مجاهد: مشركي قريش.
قال الحسن: أخبره أنه لا يحوّله عن الكعبة إلى غيرها أبداً، فيحتج عليك (1/157)
صفحة 156
محتجون بالظلم كما احتج عليك مشركو العرب من قولهم لك: رغبت عن قبلة أبائك ثم رجعت إليها، وأيضاً والله لترجعن إلى دينهم؛ فقال الله: {لئلا يكون للناس عليكم حجة}. أي لا يحتج بمثل تلك الحجة إلا الذين ظلموا.
وقال بعضهم: هم مشركو قريش يقولون: إنهم سيحتجون عليك بذلك وكانت حجتهم عليهم بانصرافه إلى البيت الحرام أنهم قالوا: سيرجع إلى ديننا كم رجع إلى قبلتنا؛ فأنزل الله في ذلك هذا كله.
قال: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} في أمر الله، أي امضوا على ما أكرمكم به. {وَاخْشَوْنِي} أي في تركه. {وَلأُِتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي: لكي تهتدوا. ويعني بالنعمة الجنة.
قوله: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ} أي: ويطهركم من الشرك {وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ} الكتاب: القرآن. والحكمة: السنة. {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [يقول: كما فعلت ذلك بكم فاذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي] {وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} أي ولا تكفروني النعمة. وهذا الكفر في هذا الموضع كفر النعم.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. قال بعض المفسّرين: ليعلم أنهما عون على طاعة الله. وقال بعضهم: الصبر ها هنا الصوم. وقال بعضهم: الصبر على ما أمروا به وعما نهوا عنه؛ وهو حقيقة التأويل.
قوله: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} أنتم كيف تلك الحياة التي هي حياة الشهداء.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن أرواح الشهداء في حواصل طير (1/158)
صفحة 157
خضر ترعى في الجنة، ثم تأوى إلى قناديل معلقة بالعرش.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما بين حياة الشهيد في الدينا وبين حياته في الآخرة إلا كمضغ تمرة.
وقال بعضهم: كنا نُحدَّث أن أرواح الشهداء تعارف في طير بيض وخضر يأكلن من ثمار الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد في سبيل الله ثلاث خصال: من قتل في سبيل الله صار حيّاً مرزوقاً، ومن غُلِب آتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه رزقاً حسناً.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد ألم القرصة».
قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ}. نقص الأنفس: الموت.
ذكروا عن ابن مسعود أنه ذكر الدجال فقال: كيف أنتم والقوم آمنون وأنتم خائفون، والقوم شِباع وأنت جِياع، والقوم رواء وأنتم عطاش، والقوم في الظِل وأنتم في الضِّحّ. [أي حر الشمس].
ذكروا عن رجاء بن حيوة قال: سيأتي على الناس زمان لا تحمل فيه النخلة (1/159)
صفحة 158
إلا تمرة واحدة؛ قال: {وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ}.
{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ}. وصلاة الله على العباد الرحمة. وقال بعضهم: صلاة الله على العباد الثناء والمدح والتزكية للأعمال {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}، أي هُدوا للاسترجاع عند المصيبة. وقوله: {صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} مثل قوله: {وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} [الأعراف: 157] وهو واحد، وهي كلمة عربية وبعضهم يقول: الصلاة هاهنا المغفرة؛ وكل صحيح جائز.
ذكر عطاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أصاب أحدَكم مصيبةٌ فليذكر مصيبته فيَّ فإنها أعظم المصائب».
ذكر الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصبر عند الصدمة الأولى. والعبرة لا يملكها أحد؛ صبابة المرء إلى أخيه».
ذكر عبد الله بن خليفة قال: كنت أمشي مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فانقطع شسع نعله فاسترجع، فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين؟ فقال: انقطع شسع نعلي، فساءني ذلك، وكل ما ساءك مصيبة. (1/160)
صفحة 159
قوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ} أي: من حرمات الله. {فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَو اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}.
ذكر عاصم الأحول أنه قال: قرأت هذه الآية على أنس بن مالك، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قلت له: أكنتم تكرهون الطواف بينهما؟ قال: نعم؛ إنهما كانتا من شعائر الجاهلية؛ فلما أسلمنا قالوا: يا رسول الله، هل علينا من حرج إن طفنا بينهما؟ فأنزل الله هذه الآية. قال أنس: والطواف بينهما تطوّع.
وقال بعضهم: كان حي لا يطوفون بينهما، فأمر الله بالطواف بينهما؛ وكانت ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل.
ذكر عن جابر بن عبد الله الأنصاري، صاحب النبي عليه السلام أنه قال: «لا حج لقريب ولا لبعيد إلا بطواف بين الصفا والمروة».
وسئل جابر عن عبد الله: هل تحل النساء للرجل قبل الطواف بين الصفا والمروة؟ فقال: لا. وقال جابر: أما من كان من أهل الآفاق فإنه لا يطوف بينهما قبل أن يأتي منى، وأما من كان من أهل مكة فبعد ما يرجع من منى. ذكروا عن عطاء قال: أهل مكة يبدأون بمنى، وأهل الآفاق يبدأون بالطواف. (1/161)
صفحة 160
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ} قال الكلبي: يعني أهل الكتاب. قال الكلبي: أما البينات فالذي يكتمون من نعت نبي الله في كتابهم، وأما الهدى فما آتاهم به أنبياؤهم. وقال بعضهم: كتموا الإِسلام وكتموا محمداً وهم يجدونه مكتوباً عندهم.
قال: {أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون} أي من ملائكة الله والمؤمنين. وقال بعضهم: دوابّ الأرض؛ والتأويل ما وصفناه أولاً.
قال الحسن: هذا الميثاق أخذه الله على العلماء ألا يكتموا علمهم. ذكروا عن عطاء أنه قال: من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار.
قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} أمر محمد أنه حق. يعني بهذا أهل الكتاب {فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. فبرحمته جعل لهم متاباً ومرجعاً.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}. يعني بالناس هاهنا المؤمنين. {خاَلِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي ولا هم يؤخرون بالعذاب.
قوله: {وإلهكم إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} لا إله غيره ولا معبود سواه.
قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ (1/162)
صفحة 161
الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} حين لم يكن فيها نبات فأنبتت {وَبَثَّ فِيهَا} أي خلق فيها {مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} والرياح أربعة: الجَنوب والشَّمال والصَّبا والدَّبور. فالجنوب فيما بلغنا من مطلع الشمس إلى مطلع سهيل، والشمال من مغرب الشمس إلى بنات نعش، والصبا من بنات نعش إلى مطلع الشمس، والدبور من مطلع سهيل إلى مغرب الشمس. قال: {وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وهم المؤمنون.
قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً} أي أعدالاً يعدلونهم بالله، يعني ما يعبدون من دون الله {يُحِبُّونَهُمْ} أي يحبون آلهتهم التي يعبدون {كَحُبِّ اللهِ} إذ جعلوهم آلهة كحب المؤمنين اللهَ، قال الله: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِّلَّهِ} من المشركين لآلهتهم.
{وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي الذين أشركوا {إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أَنَّ القُوَّةَ} أي: القدرة {لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ العَذَابِ}. قال الحسن: يقول لمحمد عليه السلام: إنك ستراهم إذا دخلوا النار، وهنالك يعلمون أن القوة، أي القدرة لله جميعاً، وأن الله شديد العذاب. قال الحسن: وقد كانوا عن قدرة الله وعزته في الدنيا غافلين.
قوله: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا} وهم الجبابرة والقادة والرؤوس في الشرك والنفاق {مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} والأتباع: الضعفاء الذين اتبعوهم على عبادة الأوثان. قال: {وَرَأَوُا العَذَابَ} جميعاً، أي: القادة والأتباع {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} أي: المواصلة [التي كانت بينهم] في الدنيا لأنهم كانوا أولياءهم.
قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} أي: رجعة إلى الدنيا {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤوا مِنَّا}. قال الله: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهَُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} (1/163)
صفحة 162
والحسرة والندامة {وَمَاهُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}.
قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أي ما يأمركم به الشيطان {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي: بَيِّن العداوة وقال بعضهم: خطوات الشيطان: ما حرَّم عليهم من الحرث والأنعام. {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي ما لا تعلمون أنه الحق.
قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا} أي: ما وجدنا عليه آباءنا، وهم مشركون بالله. قال الله: {أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}. وهذا على الاستفهام. أي: أيتبعونهم ولو كانوا لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟ يُسفِّه بذلك عقول الأبناء إذا تبعوا الآباء، وهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون.
قوله: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا} فيما يدعوهم إليه النبي {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً} أي مثلهم كمثل الراعي الذي يصيح بالبعير والشاة. وقال الحسن: كمثل الراعي الذي يصيح بالغنم فترفع رؤوسها لا تدري ما يقول. ثم تضع رؤوسها. قال: فكذلك هم إذا دعوا إلى الهدى. وقال مجاهد: هو دعاء النعق بآلهتهم.
قوله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}. قال: صمّ عن الحق. أي: عن الهدى فلا يسمعونه، وبكم عنه فلا ينطقون به وعمي عنه فلا يبصرونه.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} يعني: بالطيبات الحلال. وذلك لما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم (1/164)
صفحة 163
من الأنعام والحرث. مثل قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا. . .} إلى آخر الآية [الأنعام: 136]. وهو كقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59]. فأمر الله المؤمنين أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم، وأخبرهم أنه {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ} يعني ذبائح المشركين إلا من كان من أهل الكتاب؛ قال في سورة المائدة: {وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} [المائدة: 5]. والطعام هاهنا هو الذبائح.
قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} يأكل حتى يشبع ولا يتزوّد. وقال بعضهم: يأكل ما يزوّد به نفسه ولا يشبع. {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
وقال بعضهم: غَيْرَ بَاغٍ: أي في أكله، وَلاَ عَادٍ: أي: لا يتعدى حلالاً إلى حرام وهو يجد عنه مندوحة قوتاً أو قوة. وقال الحسن: {غَيْرَ بَاغٍ}: يحمله على أكله ابتغاء الاثم على غير اضطرار منه إليه، {وَلاَ عَادٍ}، أي: لا متعد لما أحل الله له من ذلك عند الاضطرار منه إليه، فيحرمه وهو موضوع عنه.
وقال مجاهد: غير باغ: يبغى على الناس، ولا عاد: يقطع عليهم الطريق. وكل ما تأوّلوه عليه يخرج صحيحاً.
ذكروا عن سهل بن عبد الله بن عون قال: دخلت على الحسن فإذا عنده كتاب كتبه سمرة لولده فإذا فيه: يجزى من الضرورة أو من الضارورة صبوح أو غبوق. (1/165)
صفحة 164
ذكر الحسن أن رجلاً قال: يا رسول الله متى تحرم علي الميتة؟ قال: «إذا رويت من اللبن وجاءت ميرة أهلك».
ذكروا عن بعض السلف أن من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ثم مات دخل النار.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: إن الله يحب أن تُقبل رخصه كما يحب أن تقبل عزائمه.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ}.
فهؤلاء أهل الكتاب الذين حرّفوا كتاب الله. وهو كقوله: {إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [التوبة: 34]. وكانت لهم مأكلة من السلطان وكانوا يضعون لهم ما يهوون.
وقوله: {مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ}، يقول: فسوف يأكلون به النار. وقوله: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: بما يحبون؛ وقد يكلّمهم ويسألهم عن أعمالهم ويأخذهم بها.
وقال بعضهم: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي لا يدخل عليهم الملائكة بالسَّلام من الله؛ فأضاف ذلك السلام الذي هو كلام الملائكة أنه كلامه؛ أي: فلا تأتيهم (1/166)
صفحة 165
الملائكة بكلام الله الذي هو السلام. ولا يزكيهم، أي لا يطهرهم من آثامهم. ولهم عذاب أليم؛ أي: موجع. وقال بعضهم: أي ولا يثني عليهم بخير ولا يمدحهم، لأن التزكية ثناء ومدح. وكل ما تأولوا في هذا جائز صحيح.
قوله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ} أي: استحبوا الضلالة على الهدى. وقال الحسن: اختاروا الضلالة على الهدى والعذاب على المغفرة، {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} أي: فما أجرأهم على العمل الذي يدخلهم النار.
قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الكِتَابَ بِالحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}. أي لفي فراق، أي لفي ضلال طويل، وهم أهل الكتاب، فارقوا الحق. وقال بعضهم: بعيد: أي: بعيد عن الحق.
قوله: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ} قال بعض المفسرين: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ}: أي: أن تكونوا نصارى فتصلوا إلى المشرق. ولا أن تكونوا يهوداً فتصلوا إلى المغرب، أي: إلى بيت المقدس.
قوله: {وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَءَاتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ}. ذكر بعضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً سأله عن البر، فأنزل الله هذه الآية. وذكر لنا أن النبي عليه السلام دعا الرجل فتلاها عليه.
ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: {آتى المال على حبّه}: أن تنفق وأنت صحيح شحيح تأمل الحياة وتخشى الفقر. (1/167)
صفحة 166
قال: {ذَوِي القُرْبَى} يعني القرابة. {وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} يعني الضيف {وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} يعني المكاتب، {وَأَقَامَ الصَّلاَة} الموقوتة {وَءَاتَى الزَّكَاةَ} المفروضة {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} أي فيما عاهدوا عليه من الحق {وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ}. قال بعض المفسرين: البأساء: البؤس والفقر، والضراء: السقم والوجع. قال أيوب: رَبِّ {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} [الأنبياء: 83] وحين البأس؛ أي: عند مواطن الجهاد والقتال. {أُوْلَئِكَ} أي الذين هذه صفتهم {الَّذِينَ صَدَقُوا} في إيمانهم ووفائهم {وَأُوْلَئِكَ} الذين هذه صفتهم {هُمُ المُتَّقُونَ} فأخبرهم بالبر وهو الإِيمان وبيَّنه لهم.
ذكروا عن مجاهد عن أبي ذر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإِيمان فقرأ عليه هذه الآية: {لَّيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ}. . . . إلى آخر الآية، ثم سأله فأعادها عليه، ثم سأله فأعادها عليه فقال: إذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سرّته حسناته وساءته سيئاته فذلك المؤمن».
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ} أي: فرض عليكم القصاص {فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى}. قال الحسن: كان أهل الجاهلية قوم فيهم عز ومنعة؛ فكان الحي منهم إذا قُتِلت امرأة منهم، قتلتها امرأة من حي آخر، قالوا: لا نقتل بها إلا رجلاً. وإذا قتل منهم عبد قتله عبد حي آخر، قالوا: لا نقتل به إلا حراً، فأنزل الله هذه الآية. [ونهاهم عن البغي]. قال: (1/168)
صفحة 167
ثم أنزل بعد ذلك في سورة المائدة: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45]. قال الحسن: النفس التي قَتَلت بالنفس التي قُتِلت.
قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أََخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بَالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}. قال: من وجبت له الدية فليتبع بالمعروف، ومن وجبت الدية عليه فليؤد بإحسان. قال: وتؤخذ الدية في ثلاثة أعوام. والنصف في عامين، والثلث في عام.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الدية مائة بعير، يعني دية الخطأ، فمن ازداد بعيراً فهو من أمر الجاهلية».
ذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العقل على العصبة والدية على الميراث» ذكر بعض السلف قال: لا تعقل العاقلة عبداً ولا عمداً ولا اعترافاً قال: ويقولون: إذا اعترف اعترافاً كان عليه في خاصة ماله. ذكر بعضهم قال: ما فرض رسول الله فعلى العاقلة، يعني بذلك الموضحة فما فوقها؛ يقولون: لم يفرض رسول الله فيما دون الموضحة شيئاً. (1/169)
صفحة 168
قوله: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ} ذكر جابر بن زيد عن ابن عباس قال: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبَِّكُمْ} مما كان فرض على بني إسرائيل في العمد، إذ لم يحل لهم الدية.
ذكر بعض المفسرين أن أهل التوراة كانوا أمروا بالقَوَد، وأن أهل الإِنجيل أمروا بالعفو، وجُعل لهذه الأمة إن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفواً، وإن شاءوا أخذوا الدية، يعني إذا تراضوا عليها.
قوله: {وَرَحْمَةٌ} أي رحيم بهذه الأمة إذ أحل لهم الدية في القتل عمداً. {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يعني من قتل بعد أخذ الدية فله عذاب أليم، يعني القتل؛ يقتله الوالي ولا ينظر في ذلك إلى عفو الولي.
ذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا أعافي رجلاً قتل بعد أخذه الدية» ذكر ذلك جابر بن عبد الله الأنصاري.
قوله: {وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي لكي تتقوا وليتناهى الناس عن القتل؛ يخاف الرجل القصاص؛ وفي ذلك حياة لهم، أي بقاء. تفسير الحياة هاهنا البقاء. يقول: {وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ} أي: بقاء. {يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}، يعني يا ذوي العقول، يعني بذلك المؤمنين. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: لكي تتقوا القتل الذي فيه القصاص بينكم.
قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى المُتَّقِينَ}. يعني بالخير المال؛ أي: إن ترك مالاً. (1/170)
صفحة 169
وكان بعضهم يقول: الخير ألف فما فوق ذلك. فأمر الله في هذه الآية أن يوصي لوالديه وأقربيه، ثم نسخ ذلك في سورة النساء بقوله: {وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] وجعل لكل ذي ميراث نصيبَه من الميراث وصارت الوصية لمن لا يرث من قريب أو غير قريب.
قال الحسن: نسخ منها الوالدان ومن كانت له قرابة ممن يرث، وصارت الوصية لأقربيه الذين لا يرثون؛ ولم تكن عنده منسوخة. قال [بعضهم]: والعامة من الفقهاء على أنها منسوخة.
ذكروا أن علياً دخل على رجل من قومه يعوده في مرضه، فأراد أن يوصي، فقال له علي: إنما قال الله: {إِن تَرَكَ خَيْراً} وأنت مقلٌّ لا مال لك.
ذكروا عن ابن عمر أنه قال: ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي فيه أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده.
قوله: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} قال الحسن: هي الوصية، من بدّلها بعد ما سمعها فإنما إثمها على الذي يبدلها. تفسيره: من بدّل ما في الوصية، يعني الولي أو الشهود، فإنما إثمه على الذين يبدلونه. {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
قوله: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} قوله: {فَمَنْ خَافَ} (1/171)
صفحة 170
أي: فمن علم، من موص، يعني الذي يوصي، {جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} يعني بين من أوصى له وبين الورثة {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ}. قال بعضهم: من أوصى في وصيته بجور أو جنف، فردها الولي أو إمام من أئمة المسلمين إلى كتاب الله وسنة نبيه، فذلك له. قوله: {جَنَفاً أَوْ إِثْماً}: الجنف: أن يوصي بجور وهو لا يتعمد الجور، كقوله: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِِّثْمٍ} [المائدة: 3] أي غير متعمد لإِثم. والإِثم أن يوصي بجور وهو يعلم أنه جور. {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ} أي فرض عليكم {الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ} أي كما كتب {عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} يعني أمة موسى وعيسى {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
قال بعضهم: هو رمضان كتبه الله على من قبلكم؛ وكان فيما كتب عليهم لا يأكلوا ولا يشربوا ولا يطأوا النساء بعد رقادهم من الليل إلى مثلها من القابلة. وكان قوم من أصحاب النبي عليه السلام يصيبون ذلك بعد رقادهم فأنزل الله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}، والرفث: الغشيان، {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}. أي: هن سكن لكم وأنتم سكن لهن. {عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ. فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187].
قال الحسن: كتب على النصارى صيام رمضان فصاموا زماناً. فجعل أحياناً يكون في الحر الشديد فحوّلوه، ووضعوه في زمان لا يكون فيه حر. فصاموا ذلك زماناً. ثم قالوا: لنزيدنَّ في صيامنا لمّا حوّلناه؛ فزادوا فيه عشرة أيام. فصاموا كذلك زماناً. ثم إن ملكهم اشتكى؛ فنذر إن عافاه الله أن يزيد في الصيام سبعة أيام. فعافاه الله، فزاد في الصيام سبعة أيام، فصاموا كذلك زماناً. ثم إن ذلك الملك (1/172)
صفحة 171
هلك، فاستُخْلِف ملِكٌ آخر، فقال: ما بال هذه الثلاثة أيام ناقصة من صيامنا، فأتمَّها خمسين يوماً.
ذكر عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الفجر فجران؛ فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئاً ولا يحرمه، وأما المستطير الذي يأخذ بالأفق فإنه يحل الصلاة ويحرّم الصيام» قال: ومجمل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويحرم الصيام أن يوجب الصيام فلا يحل إذا طلع الفجر أكل ولا شرب ولا وطء».
قوله: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ} [البقرة: 187] أي: من الولد، يطلبه الرجل فإن كان ممن كتب الله من الولد رزقه الله الولد. وقال بعضهم: {مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ} أي ما أحل الله لكم.
قوله: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احصوا هلال شعبان لرمضان، صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غُمِّيَ عليكم فأتموا ثلاثين يوماً (1/173)
صفحة 172
فإن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً».
ذكروا عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الشهر تسعة وعشرون وقال: يكفيه هكذا وهكذا وهكذا، وضم الخنصر في الثالثة، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وإن حالت دونه غمامة أو غيابة فأكملوا العدة ثلاثين فإن فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحّون».
غير واحد من العلماء أنهم قالوا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم ستة أيام من السنة: يوم الفطر ويوم النحر، وأيام التشريق، واليوم الذي يشك فيه من رمضان.
ذكر محمد بن سيرين قال: انطلقت في اليوم الذي يختلف فيه من رمضان فلم أجد أحداً ممن كنت آخذ عنه إلا رجلاً واحداً كان يحسب حساباً له، ولو لم يحسبه كان خيراً له؛ فكان فيمن أتيت أنس بن مالك ومسلم بن يسار.
قوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}. ذكروا عن حمزة الأسلمي أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر فقال: «إن شئت صمت وإن شئت أفطرت».
ذكر بعض أصحاب النبي عليه السلام قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى (1/174)
صفحة 173
حنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رمضان فصام طوائف من الناس، وأفطر آخرون، فلم يعب بعضهم على بعض.
قوله: {وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}. قال بعضهم: كان رخص فيها للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا ويطعمان مكان كل مسكيناً، ثم نسخ ذلك في هذه الآية الأخرى. {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فبقيت الرخصة للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا.
ذكروا أن أنس بن مالك ضعف عن الصوم عاماً قبل موته فأفطر وأمر أهله أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً.
أما قوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} أي: من أقام منكم الشهر فليصمه. فحدثنا عن الثقة من أصحاب النبي عليه السلام وهو أبو سعيد الخدري أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى حنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رمضان فصام طوائف من الناس وأفطر آخرون فلم يعب بعضهم على بعض.
ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه قال: من خرج في رمضان فإن الصوم عليه واجب يصومه في السفر. قال بعضهم: والعامة على أنه إن شاء صام وإن شاء أفطر.
قوله: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} قال: من أطعم مسكينين. {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} يعني الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة وهما يطيقان الصوم. ثم نسخ ذلك في الآية الأخرى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. (1/175)
صفحة 174
قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءَانُ}. نزل في رمضان ليلة القدر جملة واحدة إلى السماء الدنيا. وهو قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1].
ذكر الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة. ثم جعل بعد ذلك ينزل نجوماً، ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات وأقل من ذلك وأكثر. ثم تلا هذه الآية: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة: 75].
قوله: {هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} والفرقان: الحلال والحرام. وقال بعضهم: الفرقان: المُخرِج من الشبهة والضلالة.
{فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} أي: من كان مقيماً فليصمه، ومن خرج من رمضان فإن شاء صام وإن شاء أفطر {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}.
قوله: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} ذكروا عن ابن عباس أنه قال: إنما يريد الله بالإِفطار في السفر التيسير عليكم؛ فمن يسّر عليه الصوم فليصم، ومن يسر عليه الإِفطار فليفطر. ذكر أبو حمزة عن ابن عباس أنه قال: عسر ويسر فخذ بأيهما شئت.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن خير دينكم أيسره» ذكروا عن بعض السلف أنه قال: إن كتاب الله قد جاءكم بذلك ورب الكعبة؛ قال الله: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}.
ذكروا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما عرض لرسول الله أمران إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثماً، وكان أبعد الناس عن الإِثم. وما غضب رسول الله لنفسه قط. (1/176)
صفحة 175
قوله: {وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ} أي ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين يوماً. وقد فسّرناه في الآية الأولى.
قوله: {وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. ذكر جعفر بن محمد أن أباه كان يكبّر ليلة الفطر، فلا يزال يكبّر حتى يصلّي مع الإِمام صلاة العيد. وكان بعضهم يجهر بالتّكبير حتى يغدو إلى المصلّى.
وذكروا أن علياً كان يكبّر على بغلته يوم الفطر وهو متوجّه إلى المصلّى. ومن السنة أن يكبّر الإِمام على المنبر في المصلى يوم العيد تسع تكبيرات قبل أن يخطب الخطبة الأولى، ثم يكبّر قبل أن يخطب الخطبة الأخيرة سبع تكبيرات.
قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ، إِذَا دَعَانِ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.
ذكر بعض المفسرين قال: ذكر لنا أنه لما أنزل الله {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] قال رجل: كيف ندعو يا رسول الله. قال الله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. . . إلى آخر الآية.
ذكر بعضهم أن موسى صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء قال: يا رب، أقريب أنت فأناجيك، أم بعيد فأناديك؟ فأوحى الله إليه: أنا عند حسن ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني.
قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفْثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}. . . إلى قوله: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}. قد فسّرناه قبل هذا الموضع.
قوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ} ذكروا عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في سفر، فغابت الشمس فقال: «انزل فاجدح (1/177)
صفحة 176
لنا، فقلت: إن عليك النهار. فقال: انزل فاجدح لنا. قلت: لو أمسيت قال: فانزل فاجدح لنا. فنزلت فجدحت له. فشرب. ثم قال: إذا جاء الليل هاهنا، وأومأ بيده إلى المشرق، فقد أفطر الصائم».
وذكر بعضهم قال: ثلاثة من فعل النبوة: تعجيل الإِفطار، والتبليغ في السحور، والأخذ باليمين على الشمال في الصلاة. وبلغنا عن أبي ذر مثل ذلك، غير أنه قال: وتأخير السحور.
قوله: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ}. قال بعضهم: كان أحدهم يعتكف، فإذا [خرج من مُصلاَّهُ] فلقي امرأته غشيها، فنهى الله عن ذلك. وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف للعشر الأواخر من رمضان، ويشمر فيهن للصلاة. وإذا غشى المعتكف نقض اعتكافه.
ذكر الحسن أن المعتكف إذا غشي أعتق. فإن لم يجد أهدى بدنة؛ فإن لم يجد أطعم عشرين صاعاً.
قوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} أي لا تقربوا ما نهاكم الله عنه. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ ءَايَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي لكي يتقوا.
قوله: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ} قال الحسن: هو الرجل يأكل مال الرجل، يظلمه ويجحده، ثم يأتي به إلى الحكام. فالحكام إنما يحكمون بالظاهر، وإذا حكم له استحلَّه بحكمه. (1/178)
صفحة 177
وقال الكلبي: هي اليمين الكاذبة يقطع بها الرجل مال أخيه. ذكروا عن بعض السلف أنه قال: من مشى مع خصمه وهو له ظالم، فهو آثم حتى يرجع إلى الحق.
ذكر: بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنه قد يُدلَى إلي بالخصومة؛ فلعل أحد الرجلين أن يكون ألحن بحجته من صاحبه فأقضي له. فمن قضيت له من مال أخيه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من النار».
ذكر الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيبة نفس فلا تظلموا».
قوله: {لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه ليس لكم بحق.
قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} أي: وللحج. كقوله: {وَإِنْ أَرَدْتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ} أي: لأولادكم [البقرة: 233].
ذكر بعض المفسرين قال: ذكر لنا أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم خلقت هذه الأهلة؟ فأنزل الله هذه الآية: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ}؛ أي لصومهم ولإِفطارهم ولحجهم، ولعدة نسائهم ولمَحِلّ دَيْنهم. (1/179)
صفحة 178
قوله: {وَلَيْسَ البِرُّ بِأَن تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ} ولا تعصوه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
ذكر البراء بن عازب قال: كان المشركون إذا أحرموا لم يدخل أحدهم بيتاً من بابه إلا أن يتسوّر من الحائط، فأنزل الله هذه الآية.
وقال الحسن: كانوا في الجاهلية إذا أراد أحدهم سفراً فلم يتمَّ له سفره، لم يأت بيته من الباب الذي خرج منه، ولكن يغلق الباب، فيأتي الباب من قِبَلِ ظهره. وكانوا يتقرّبون بذلك، لأنهم زعموا أن ذلك في دينهم، وهو مما أدخل عليهم الشيطان. فأنزل الله: {وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
وقال الكلبي: كانوا في الإِحرام لا يدخلون البيوت من أبوابها، إلا أن ينقب أحدهم نقباً في ظهر بيته فيدخل منه أو يخرج، أو يتخذ سلماً فيصعد فيه وينحدر، إلا أن يكون من الحُمْس. والحُمْس قريش وكنانة وخُزاعة وبنو عامر بن صعصعة الذين لا يلتقطون الأقط ولا يسلأون السمن ولا يفتلون الوبر، ولا الشعر في أيام حجهم، حرم عليهم عندهم في هذا ما أحل للناس، وأحل لهم ما حرم على الناس في أشياء كانوا يفعلونها، فنزلت هذه الآية.
وقال بعضهم: كان هذا الحي من الأنصار إذا أهلَّ أحدهم لم يدخل بيتاً ولا داراً من بابه، إلا أن يتسوَّر حائطاً تسوّراً، وأسلموا على ذلك حتى نهاهم الله.
قوله: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} وذلك قبل أن يؤمروا بقتال المشركين كافة، فكانوا لا يقاتلون إلا من قاتلهم. قوله: {وَلاَ تَعْتَدُوا} أي في حربكم فتقتلوا من لا يقاتلونكم، وتقتلوا من قد آمنتموه وتَحرَّم بحرمتكم (1/180)
صفحة 179
{إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، ثم أمر بقتالهم في سورة براءة فقال: {فَاقَْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5].
قوله: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} يعني من مكة {والفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} والفتنة هاهنا الشرك. وقال مجاهد: ارتداد المؤمن عن الدين أشد عليه من أن يقتل مُحِقّاً.
قال: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}. قال بعض المفسِّرين: كانوا لا يبدأون في الحرم بقتال إلا أن يقاتلوهم فيه. ثم أنزل الله: {فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] فأمروا أن يقاتلوهم في الحلّ والحرم. وعند البيت حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله.
وقوله: {فَإِن انتَهَوْا} أي من قتالكم ودخلوا في دينكم {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي شرك {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِن انتَهَوْا} عن شركهم {فَلاَ عُدْوَانَ} أي: فلا سبيل {إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} أي الظالم الذي يأبى أن يقول لا إله إلا الله.
قوله: {الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالحُرُمَاتُ قِصَاصٌ}. ذكروا عن مجاهد أنه قال: كان المشركون صدُّوا النبي عليه السلام عام الحديبية، وفخروا عليه بذلك؛ فصالحهم على أن يرجع من العام المقبل في ذلك الشهر، فيدخل مكة، فيقيم فيها ثلاثة أيام. وكان ذلك في ذي القعدة. فأدخله الله من العام المقبل مكة واقتصّ له منهم. وهو قوله: {الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ}.
وقال الحسن: إن استحللتم منا القتال في الشهر الحرام استحللناه منكم، (1/181)
صفحة 180
فإن الحرمات قصاص. وكان ذلك قبل أن يؤمر بقتالهم كافة.
قال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} فاستحلَّ منكم القتال {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} أي: فاستحلوا منه. وتأويل الاعتداء هنا هو المجاوزة. يقول: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}. أي جاوز إليكم ما كان يحرمه منكم {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}. أي فجاوزوا ما كنتم تحرّمون منه.
وقال الكلبي: قوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة من العام المقبل لما كان صالحهم عليه من دخولها ويقيم فيها ثلاثة أيام، فقدم مكة وخرجت قريش كهيئة البزاء، فخاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يفي لهم المشركون، فقال الله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} يقول: إن قاتلوكم دون البيت فقاتلوهم.
وقال السدي: إن اعتدوا عليكم فقاتلوكم في ذلك العهد فقاتلوهم.
وقال بعضهم: أقبل نبي الله وأصحابه فاعتمروا في ذي القعدة ومعهم الهدي حتى إذا كانوا بالحديبية صدّهم المشركون. فصالحهم نبي الله أن يرجع عامه ذلك حتى يرجع من العام المقبل، فيكون بمكة ثلاثة أيام وثلاث ليال، ولا يدخلها إلا بسلاح الراكب، ولا يخرج بأحد من مكة. فنحروا الهدي بالحديبية، وحلقوا وقصّروا. فأقصّه الله منهم، فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كان ردوه فيه في ذي القعدة، فقال: {الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ}. . . إلى آخر الآية. قال: {وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}.
قوله: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. ذكر البراء (1/182)
صفحة 181
ابن عازب قال: كان الرجل يذنب فيلقي بيده فيقول: لا يغفر الله لي، فلا يجاهد، ولا يعمل، ولا ينفق في سبيل الله.
ذكروا عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: تمتَعْ في سبيل الله ولو بسهم. وذكر بعضهم أنه قال: أعطاهم الله رزقاً ومالاً فكانوا يسافرون ويغزون ولا ينفقون أموالهم، فأمرهم الله أن ينفقوا في سبيل الله.
قال مجاهد: لا يمنعكم نفقةً في حق خيفةُ القتل.
وكان الحسن يفسر: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} يقول: إن ترككم الإِنفاق في سبيل الله إلقاء منكم بأيديكم إلى التهلكة. والتهلكة ما أهلككم عند الله. وهذا حقيقة التأويل. وذكروا عن حذيفة أنه قال: هي في [ترك] النفقة. وذكروا عن الحسن أنه قال: لم يقبض رسول الله حتى صار الجهاد تطوّعاً.
قوله: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}. أي: وأحسنوا في نفقاتكم وما افترض الله عليكم. وقال بعضهم: أمرهم أن ينفقوا في سبيل الله وأن يحسنوا فيما رزقهم الله.
قوله: {وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ}. قال بعض المفسرين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما حج وعمرة فمن قضاهما فقد قضى الفريضة أو قضى ما عليه. فما أصاب بعد ذلك فهو تطوع». (1/183)
صفحة 182
ذكروا عن مسروق أنه قال: أمرتم في القرآن بإقامة أربع: الصلاة والزكاة والحج والعمرة. وذكروا عنه أيضاً أنه قال: العمرة من الحج كالزكاة من الصلاة.
ذكر داود بن حصين عن ابن عباس أنه قال: العمرة واجبة كوجوب الحج، وهي الحج الأصغر. والعامة مجمعون على أن الحج والعمرة فريضتان ما خلا عبد الله بن مسعود، فإنه كان يقول: الحج فريضة والعمرة تطوع فيقرأ على هذا التفسير بنصب الحج ويرفع العمرة؛ يقول: والعمرةُ لله. وتقرأ العامة على حديث النبي صلى الله عليه وسلم كليهما بالنصب، وهو العدل المأخوذ به.
قوله: وأتموا الحج أي: إلى عرفات، والعمرة إلى البيت. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفات، والعمرة الطواف.
قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [الإِحصار أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض أو عدو]. إذا أهل بالحج ثم أحصر: حبسه مرض، أو ضلّت راحلته وكل ما حبسه، أقام محرماً وبعث بهدي؛ فإذا نحر يوم النحر حلّ من كل شيء إلا النساء والطيب. فإن احتاج إلى شيء قبل أن ينحر الهدي الذي بعث به مما لا يفعله المحرم، من دواء فيه طيب، أو حلق رأس، أو لبس ثوب لا يلبسه المحرم، أو شيء لا يَصلُح للمحرم، فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك.
فإذا برَأَ، وهو قوله: {فَإِذَا أَمِنتُمْ} فمضى إلى البيت وكان حاجاً فجعلها عمرة، ثم حج من قابل، فعليه هدي آخر، لأنه قد تمتع بالعمرة إلى الحج. وإن رجع إلى بلده، أو أقام مكانه، أقام على إحرامه، كافاً عن النساء والطيب، ثم حج، فليس عليه هدي؛ ووَقْتُ نحر هديه يوم النحر إذا كان حاجاً.
وإذا كان معتمراً وقَّتَ للذي يبعث الهدي معه: يشتري يوم كذا وكذا، ويَقدِم يوم كذا وكذا، وينحر يوم كذا وكذا؛ فإذا جاوز الحد حلّ له كل شيء إلا النساء (1/184)
صفحة 183
والطيب، حتى يطوف بالبيت متى طاف، فيقضي عمرته. ويُستَحَبّ له أن ينتظر بعد اليوم الذي وقَّت أن يُنحَر الهدي فيه بيوم أو يومين مخافة ما يحدث.
ذكروا في قول الله: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قالوا: شاة. وذكر مجاهد عن ابن عباس أنه قال: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ من الأزواج الثمانية، من الضأن اثنين، من المعز اثنين، ومن الإِبل اثنين، ومن البقر اثنين. وذكروا عن ابن عمر أنه قال: ما استيسر من الهدي من الإِبل والبقر.
قوله: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَديُ مَحِلَّهُ} ذكروا عن عطاء أنه قال: كل هدى دخل الحَرَم ثم عطب فقد بلغ مَحِلَّه إلا هدي المتعة [والمحصر] فإنه لا بد له أن يهريق دماً يوم النحر.
قوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}.
ذكر مجاهد قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ عام الحديبية وهو محرم، وهو يوقِد تحت قِدر له. فنكس رأسه، فإذا الهوام تجول في رأسه، وتتنثر على وجهه ولحيته، فقال أَتُؤْذِيكَ هوام رأسك يا كعب؟ قال: نعم. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احلقه وصم ثلاثة أيام أو أطعم فَرَقاً بين ستة، أو اهد شاة» قال: والفَرَق ثلاثة أصواع، كل صاع بين اثنين. (1/185)
صفحة 184
قوله: {فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} يقول: من أهلَّ بعمرة في أشهر الحج، في شوال، أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة ثم حج من عامه فهو متمتع عليه ما استيسر من الهدي. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
قال عمران بن حصين صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فيها القرآن.
وذكر بعضهم قال: قيل لابن عباس: إنهم يروون عنك أنك تقول: من طاف البيت فقد حلّ. فقال: تلك سنة نبيّكم وإن رغمتم.
ذكر عطاء عن جابر بن عبد الله أنه قال: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صباح أربعة مضين من ذي الحجة مهلّين بالحج.
فلما طفنا بالبيت، وصلينا الركعتين، وسعينا بين الصفا والمروة، أمرنا فقال: «قصّروا فقصّرنا» ثم قال: «أحلوا» فقلنا: يا رسول الله، نحلّ مماذا. قال: «حل ما يحل الحلال؛ من النساء والطيب» ثم قال: فغشيت النساء، وسطعت المجامر. وبلغنا أن بعضهم يقول: ينطلق أحدنا إلى مِنًى وذكره يقطر مَنِيّاً. فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولو لم أسق الهدي لحللت: ألا فخذوا عني مناسككم». (1/186)
صفحة 185
قال: فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج من البطحاء، فكان الهدي على من وجد، والصيام على من لم يجد. وأشرك بينهم في الهدي البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة. قال: وكان عطاء يقول: كان طوافهم طوافاً واحداً وسعيهم سعياً واحداً لحجهم ولعمرتهم.
ذكروا عن أنس بن مالك خادم النبي عليه السلام أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لبيك بالعمرة والحج جمعياً».
ذكر عمرو عن مجاهد قال: أهلّ الضبي بن معبد بالعمرة والحج فمرّ على سليمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وهو يلبي بهما فقالا: لهذا أضل أو أقل عقلاً من جَمَل أهله. فلما قدم على عمر ذكر ذلك له فقال: هُدِيت لسنة نبيك.
قوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} العامة على أن صيام ثلاثة أيام في الحج قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة. ذكروا أن علياً قال: قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة. ذكروا عن ابن عمر مثل ذلك. ذكروا عن الحسن وعطاء أنهما قالا: في العشرة.
ذكروا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: من يوم أن يُهِلَّ إلى يوم عرفة، فإن فاته ذلك صام أيَّام منى.
ذكروا أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومَ النحر فقال: يا أمير المؤمنين، إني تمتّعت ولم أجد الهَدى ولم أَصُمْ. فقال: سَلْ في قومك، ثم قال: يا (1/187)
صفحة 186
مُعَيْقِيبُ. أعطه شاة. ذكروا عن سعيد بن جبير قال: يبيع ثيابه ويهريق دماً.
قوله: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} ذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إذا رجع إلى أهله. ذكروا عن مجاهد قال: إن شاء صامها في الطريق.
قوله: {ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} أي إذا عاقب.
ذكروا عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: يا أهل مكة، ليست لكم متعة، فإن كنتم فاعلين لا محالة فاجعلوا بينكم وبين مكة وادياً.
ذكروا عن عطاء أنه قال: قدر ما تقصر إليه الصلاة فهو من حاضري المسجد الحرام. وتفسير ذلك أنه يقول: إذا كان من وراء ذلك كانت له المتعة. وقال عطاء: من كان منها على رأس ليلة فهو من حاضري المسجد الحرام.
قوله: {الحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} ذكر جماعة من العلماء أنها شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ} أي فمن أَوجب فيهن الحجَّ.
ذكر بعضهم أن عكرمة لقى أبا الحكم البجلي فقال: أنت رجل سوء، يقول الله: {الحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ}، وَأَنْتَ تُهِل بالحج في غير أشهر الحج موجهاً إلى خراسان أو إلى كذا وكذا.
ذكروا عن جابر بن عبد الله أنه قال: لا يهل بالحج في غير أشهر الحج.
ذكر أنه ذكروا للحسن رجلاً يحرم السنة إلى السنة، فقال: لو أدركه عمر بن الخطاب لأوجع له رأساً. وقال: في أي شهر أحرم فقد وجب عليه الإِحرام؛ وأحسن ذلك أن يكون في أشهر الحج. (1/188)
صفحة 187
قوله: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} ذكر عطاء عن ابن عباس أنه قال: الرفت: الجماع، والفسوق: المعاصي، والجدَال أن يُماري بعضهم بعضاً حتى يغضبوا.
قوله: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمُهُ اللهُ}، يعني التطوّع والفريضة. وهو كقوله: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ} [آل عمران: 115].
قوله: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}. قال بعض المفسرين: كان أناس من أهل اليمن يحجون ولا يتزوّدون، فأمرهم الله بالزاد والنفقة في سبيله، وأخبرهم أن خير الزاد التقوى. وقال الحسن: يقول: إذا أراد أحدكم سفراً تزوّد لسفره خيراً.
قوله: {وَاتَّقُونِ يَا أُْولِي الأَلْبَابِ} يعني يا أولي العقول، وهم المؤمنون.
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} ذكر عن عبيد الله بن أبي يزيد أنه قال: سمعت عبد الله بن الزبير، وبلغه أن أناساً يأنفون من التجارة في الحج فقال: يقول الله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} يعني به التجارة في مواسم الحج.
ذكروا عن الحسن أنه كان لا يرى بأساً بالتجارة في الحج، في الفريضة وغيرها.
قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ}. ذكر بعض المفسّرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من عرفات بعد غروب الشمس.
ذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تدفعوا حتى يدفع الإِمام فإنها السنة».
ذكر عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفاض من عرفات قال: «يا أيها (1/189)
صفحة 188
الناس عليكم بالسكينة، لا يشغلنّكم رجل عن الله أكبر».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل عرفة موقف، وارتفعوا عن عرَنَة، وكل جمع موقف، وارتفوا عن محسِّر».
ذكروا أن عمر بن الخطاب أفاض من عرفات وبعيره يجتر، أي: إنه سار على هيئته.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن عُرَنة.
ذكروا عن عطاء أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وقف بعرفات قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج».
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفات، والعمرة الطواف.
قوله: {فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ} قال بعض المفسّرين: هي ليلة المزدلفة، وهي جمع. وإنما سمي جمعاً لأنه يجمع فيه بين المغرب والعشاء. (1/190)
صفحة 189
ذكر أبو الطفيل أن ابن عباس قال: إن جبريل ذهب بإبراهيم إلى جمع فقال: هذا المشعر الحرام.
ذكروا عن عبد الله بن الزبير أنه قال: ألا لا صلاة إلا بجمع، ألا لا صلاة إلا بجمع، ألا لا صلاة إلا بجمع، يعني المغرب والعشاء. وذكروا عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: لا يصلي المغرب والعشاء ولو انتصف الليل إلا بجمع.
ذكروا عن جابر بن عبد الله أنه قال: إن رسول الله لما صلى الصبح وقف بجمع، ثم أفاض.
ذكروا أن إبراهيم النبي عليه السلام بات بجمع، حتى إذا كان من الغد صلّى صلاة المعجلة، ثم وقف إلى صلاة المصبحة ثم أفاض. ذكروا عن جابر بن عبد الله أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طلع الفجر صلى الصبح، ثم وقف.
وذكروا عن عبد الله بن الزبير أنه قال: رأيت أبا بكر الصديق واقفاً على قزح وهو يقول: يا أيها الناس اصبحوا.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من جمع قبل طلوع الشمس.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الصبح ثم وقف عند المشعر الحرام فقال: «قد وقفت هاهنا والمزدلفة كلها موقف» ذكروا عن ابن عباس أنه كان يقول: ما بين الجبلين كله موقف. (1/191)
صفحة 190
قوله: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} أي: في مناسككم وحجكم ودينكم كله.
قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وهي الإِفاضة من عرفات. رجع إلى الإِفاضة من عرفات وهي قبل جمع.
قال بعض المفسرين: كانت قريش وكل ابن أخت لهم وحليف لا يقفون بعرفة ويقولون: نحن أهل الله، لا نخرج من حرمه: وكانوا يفيضون من المشعر. وكان الناس في الجاهلية يفيضون من عرفة قبل غروب الشمس، ومن جمع بعد طلوع الشمس، فخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدفعتين جميعاً؛ فأفاض من عرفة بعد غروب الشمس، ومن جمع قبل طلوع الشمس، وكانت تلك سنة إبراهيم وإسماعيل.
قوله: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً}.
ذكر بعض المفسّرين قال: كان أهل الجاهلية إذا قضوا مناسكهم ذكروا آباءهم وفعل آبائهم؛ به يخطب خطيبهم إذا خطب، وبه يحدّث محدثهم إذا حدّث، فأمرهم الله إذا قضوا مناسكهم أن يذكروه كذكرهم آباءهم أو أشد ذكراً [يعني بل أشد ذكراً].
قوله: {فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} وهم المشركون، ليس لهم هِمَّة إلا الدنيا. لا يسألون الله شيئاً إلا لها، ولا يدعونه أن يصرف عنهم سوءاً إلا لها، وذلك لأنهم لا يُقِرّون بالآخرة، ولا يؤمنون بها. وقد فسّرنا الخلاق قبل هذه الموضع.
{وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} فهؤلاء المؤمنون. والحسنة في الدنيا، وفي تفسير الحسن، طاعة الله، وفي (1/192)
صفحة 191
الآخرة الأجر، وهو الجنة. وبعضهم يقول: الحسنة في الدنيا كل ما كان من رخاء الدنيا، ومن ذلك الزوجة الصالحة. وهو الذي في أيدي العامة من التفسير.
قوله: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا} أي ثواب ما عملوا، وهي الجنة. {واللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.
قوله: {وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ}. قال ابن عباس: هي أيام التشريق. قال الحسن: يُذكر الله فيها، يُرمى فيها الجمار، وما مضت به السنة من التكبير في دبر الصلوات.
ذكروا عن علي أنه كان يكبّر دبر الصلاة من يوم عرفة من صلاة الصبح إلى أيام التشريق، ويكبّر في العصر ثم يكفّ.
ذكروا عن ابن مسعود أنه كان تكبيره: الله أكبر الله أكبر. لا إله إلا الله، الله أكبر، ولله الحمد كثيراً. وذكروا عن علي مثل ذلك.
وذكروا عن الحسن أنه كان يكبر من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الظهر من يوم النفر الأول، وربما قال إلى العصر. قال: وسمعت سعيداً يذكر أن الذي أخذ به الناس عن الحسن إلى صلاة الظهر. وكان تكبيره فيما حدثنا الثقة الله أكبر الله أكبر. يسكت بين كل تكبيرتين.
قوله: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ} إلى اليوم الثالث {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى}.
ذكر ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان يقول: من أدركه الليل من اليوم الثاني ولم ينفر فلا ينفر حتى يرمي الجمار اليومَ الثالث. وذكروا عن الحسن أنه كان يقول: من أدركته صلاة العصر ولم ينفر فلا ينفر إلى اليوم الثالث. (1/193)
صفحة 192
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرمي يوم النحر الجمرة [بعد طلوع الشمس] ويرمي الجمار أيام التشريق بعد زوال الشمس. وكان يرمي بمثل حصى الخذف.
ذكروا عن ابن عمر أنه كان يكبر مع كل حصاة.
قوله: {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ}. قال: يرجع مغفوراً له.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».
قوله: {وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} يعني البعث.
قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} وهو المنافق الذي يقر بالإِيمان ولا يعمل بالفرائض. {وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} أي: من ترك الوفاء بما أقر لله به. {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}. أي كذاب. إذ لم يوف لله بما أقر به إذ لم يعمل بفرائضه. وهو كقوله: {وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} [مريم: 97] أي: ذوي خصومة ولَدَدٍ. وقال مجاهد: ألدُّ الخصام: ظالم.
وقال الحسن: قول المنافقين في هذا كقوله: {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى} [التوبة: 107] و {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} (1/194)
صفحة 193
[النساء: 62 - 63] من ترك الوفاء بالعمل الذي أقروا به.
وقال بعضهم: {وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} يقول: يشهد العباد على ما في قلبه. قال: فلولا أن الله بعث عليه دليلاً من عمله ما عرفه الناس، ولكن الله عرّفه للمؤمنين بعمله، عمل السوء. وقال في تأويل ألد الخصام أي: إنه شديد الخصومة في معصية الله جَدِلٌ بالباطل.
قوله: {وَإِذَا تَوَلَّى} [أي: فارقك] {سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} ذكروا أن رجلاً من بني تميم سأل ابن عباس عن قوله: {وَيُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ} فقال: نسل كل دابة.
وتفسير الكلبي: إنها نزلت في الأخنَس بن شَرِيق الثقفي. وإنما سمّيَ الأخنس لأنه خنس يوم بدر. وكان شديد الخصام. فأما إهلاكه الحرث والنسل فإنه قطع الرحم التي بينه وبين ثقيف؛ أتاهم ليلاً فأهلك مواشيهم، وأحرق حروثهم، وقطع الرحم. وكان سَيّء السريرة سيء العلانية.
وقال بعضهم: إذا تولى: إذا ولِّي عمل بالظلم والعدا فأمسك الله المطر، فأهلك الحرث والنسل. وهذا شبيه بقول ابن عباس: نسل كل دابة.
قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإِثْمِ} أي فكفاه جهنم. {وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} وهو كقوله: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف: 41] ومثل قوله: {لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ}. والمهاد والفراش واحد. (1/195)
صفحة 194
وذكر بعضهم قال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإِثْمِ} يقول: إني لأزداد بهذا عند الله قربة.
قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} أي بالمؤمنين من عباده. قال: إن المؤمن دعا الكافر إلى طاعة الله فأبى، فشرى المؤمن نفسه بالجنة، أي باع نفسه بالجنة فاشتراها. قال: {ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ} بالجهاد في قتال المشركين. وهو مثل قوله: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة: 111].
وقال بعضهم: إن أصحاب النبي من المهاجرين والأنصار، لما رأوا المشركين يدعون مع الله إِلهاً آخر، شروا بأنفسهم غضب الله، وجاهدوا في سبيل الله حتى أظهر الله دينَه.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} والسلم: الإِسلام قال الحسن: هو مثل قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَءَامِنُوا بِرَسُولِهِ} [الحديد: 28]، ومثل قوله: {اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] أي المؤمنين الذين صدقوا في قلولهم وفعلهم، أي أَكمِلوا الدين ولا تنقصوه فإنكم لا تستوجبون ثوابه إلا بالإِكمال والوفاء. وقال الحسن: هو كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ} [الأحزاب: 1] ولا يجعلها من هذا الوجه.
وقال الكلبي: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}، يعني شرائع الإِسلام، كأنه يقول: استكملوا الإِيمان.
قوله: {وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أي أمر الشيطان. وهو أن يأخذوا شرائع دينهم الأول. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أخبرهم أن الشيطان لهم عدو مبين، أي بيّن العداوة.
{فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} يعني بالزلل الكفر قال بعض (1/196)
صفحة 195
المفسّرين: أنزلها الله وقد علم أنه سيزلّ زالّون.
وقال بعضهم في تأويل خطوات الشيطان قال: هي العداوة والمعاصي. وقال بعضهم {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} أي: في الإِسلام جميعاً.
قوله: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ} أي: في نقمته {حَكِيمٌ} أي: في أمره. وقال السدي: تفسير العزيز: هو المنيع في نقمته.
وقلة: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ} [يوم القيامة] {فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ وَالمَلاَئِكَةُ} [أي: وتأتيهم الملائكة] {وَقُضِيَ الأَمْرُ} [يعني الموت] {وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} يعني عواقبها.
قال بعض المفسّرين: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ} أي بأمره {فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلاَئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ}. أي: الموت.
ذكر بعضهم قال: إذا كان يوم القيامة مُدَّت الأرض مدَّ الأديم العكاظي، ثم يحشر الله فيها الخلائق من الجن والأنس. ثم أخذوا مصافهم من الأرض، ثم ينادي منادٍ: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ} [غافر: 17]، ثم أتت عنقاء من النار تسمع وتبصر وتكلّم، حتى إذا أشرفت على رُءُوس الخلائق نادت بصوتها: ألا إني قد وكلت بثلاثة: بمن دعا مع الله إلهاً آخر، ومن ادعى أن لله ولداً، ومن زعم أنه العزيز الكريم. ثم صوبت رأسها وسط الخلائق فالتقطتهم كما يلتقط الحمام حبّ السمسم، ثم غاصت بهم في جهنم فألقتهم في النار. ثم عادت، حتى إذا كانت بمكانها نادت: إني قد وكلت بثلاثة: بمن نسب الله، وبمن كذب على الله، وبمن آذى الله. فأما الذي نسب الله، فالذين زعم أنه اتخذ صاحبة وولداً، وهو الواحد الصمد الذي {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} (1/197)
صفحة 196
[الإِخلاص: 3 - 4]. وأما الذي كذب على الله فالذي قال الله فيهم: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} [النحل: 38] وأما الذي آذى الله فالذي يصنع الصور. فتلتقطهم كما يلتقط الطير الحب حتى تغوص بهم في النار.
ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، والدابة، وخويصة أحدكم، يعني موته، وأمر العامة»، يعني النفخة التي يميت الله بها كل حي.
قوله: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَاهُم مِّنْ ءَايَةٍ بَيِّنَةٍ} قال الحسن يعني ما نجاهم الله من آل فرعون، وفلق لهم البحر، وظلل عليهم الغمام وآتاهم بيّنات من الهدى، أي: بيّن لهم الهدى من الكفر. وقال بعضهم: أراهم الله عصا موسى ويده، وأقطعهم البحر، وأغرق عدوّهم وظلّل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى.
قال: {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ} أي يكفرها، يقول: بدّلوا ذلك واتخذوا اليهودية والنصرانية. {فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ} يخبر الله أنه ستشتد نقمته على اليهود والنصارى الذين بدَّلوا دين الله، وكل من يفعل ذلك.
قوله: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا} في طلبهم الآخرة؛ يقول بعضهم لبعض: انظروا إلى هؤلاء الذين تركوا الشهوات يطلبون بذلك، زعموا، نعيماً في الآخرة.
قال الله: {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا} وهم المؤمنون {فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: خير (1/198)
صفحة 197
منهم يوم القيامة. وقال الحسن: أعطاهم الله الدولة عليهم فيسخرون منهم ويضحكون كما كان الكفار يضحكون منهم في الدنيا. وهو قوله: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا يَضْحَكُونَ}. . . . إلى آخر الآية. قال: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} [المطففين: 29 - 34]. بلغنا أن هذا في أصحاب الأنبياء. وبعضهم يقول: أصحاب النبي.
ذكر بعضهم أن كعباً قال: إِن بين الجنة وبين النار كوى؛ فإذا أراد الرجل من أهل الجنة أن ينظر إلى عدو له كان في الدنيا من أهل النار اطلع فرآه، وهو قوله: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} أي أشركوا {كَانُوا مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا يَضْحَكُونَ}. . . إلى آخر الآيات. قال بعض المفسّرين: هي مثل قوله في الصّافّات: {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} أي صاحب {يَقُولُ} لصاحبه المؤمن في الدنيا: «إِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ» [الصافات: 51 - 55]. قال بعضهم: كان شريكه، وقال بعضهم: كان أخاه، ورثا مالاً. وتفسير أمرهما في سورة الكهف.
قوله: {وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي لا ينقص ما عند الله كما ينقص ما في أيدي العباد.
قوله: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: على الإِسلام. كانوا على شريعة واحدة من الحق كلهم.
ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون، يعني عشرة آباء، كلهم يعمل بطاعة الله على الهدى وعلى شريعة الحق. ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله نوحاً؛ وكان أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض.
وقال بعضهم: ما قسم الله للعبد من رزق فلا يستطيع أحد صرفه. (1/199)
صفحة 198
وقال الكلبي: كانوا أمة واحدة في زمان نوح الذين ركبوا معه في السفينة وأبناؤهم فاختلفوا بعد.
قوله: {فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي: حسداً بينهم؛ فكان في الناس مسلمون فيما بين نوح إلى صالح. ثم اختلفوا، فولد إبراهيم في جاهلية؛ فكان إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ويوسف وموسى وهم النبيون الذين بشروا وأنذورا. قال: {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} قال بعض المفسّرين: بلغنا أن أول كتاب أنزل فيه الحلال والحرام التوراة كتاب موسى. قال: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي: حسداً بينهم.
قوله: {فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ} [أي بأمره]. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نحن الآخرون ونحن السابقون؛ وذلك أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم. ثم هذا يومهم الذي عرض عليهم، يعني يوم الجمعة، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له. فاليوم لنا، وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى. (1/200)
صفحة 199
قوله: {وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: إلى الجنة، والطريق: الإِيمان.
قوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم} أي سنن الذين مضوا من قبلكم. {مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ} البأساء: البؤس، وهو الحاجة، والضراء: المرض والجراح. وقال بعضهم: الضرّاء: الشدة والبلاء. {وَزُلْزِلُوا} أي أصابتهم الشدة {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ}. قال الله: {أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ}.
ذكروا عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية جعل أصحاب النبي عليه السلام يقولون: ما أصابنا هذا بعد. فلما كان يوم الأحزاب وأصابهم ما أصابهم من الجهد أنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} [الأحزاب: 9 - 11]. وقال: {وَلَمَّا رَءَا المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُم إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} [الأحزاب: 22].
وقال بعضهم عن الحسن في قوله: {وَزُلْزِلُوا} أي: وحُرِّكوا بالخوف. {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ}. وذلك أن الله وعدهم النصر والظفر، فاستبطأوا ذلك لما وصل إليهم من الشدة. فأخبر الله النبي عليه السلام والمؤمنين بأن من مضى من قبلهم من الأنبياء والمؤمنين كان إذا بلغ البلاء بهم هذا عجلتُ لهم نصري. فإذا ابتليتم أنتم بذلك فأبشروا، فإن نصري قريب.
قوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ}. نزلت هذه الآية قبل أن تنزل آية الزكاة، ولم يكن ذلك يومئذ شيئاً موقوتاً. (1/201)
صفحة 200
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أنبئكم بخمسة الدنانير أفضلها ديناراً وأحسنها ديناراً؟ أفضل الخمسة دنانير الذي تنفقه على والدتك، وإن أفضل الأربعة دنانير الذي تنفقه على والدك، وأن أفضل الثلاثة دنانير الذي تنفقه على ولدك وزوجتك وعيالك. وإن أفضل الدينارين الباقيين الذي تنفقه على ذي قرابتك. وإن أخسها وأقلها أجراً الذي تنفقه في سبيل الله».
قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ} أي فرض عليكم القتال {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}.
قال الحسن: إذا أتيت ما أمر الله من طاعته فهو خير لك، وإذا كرهت ما نهاك الله عن معصيته فهو خير لك. وإذا أصبت ما نهى الله عنه من معصيته فهو شرّ لك، وإذا كرهت ما أمر الله به من طاعته فهو شر لك. وكان أصل هذا في الجهاد. كان المؤمنون كرهوا الجهاد في سبيل الله وكان ذلك خيراً لهم عند الله.
قال الكلبي: وكان هذا حين كان الجهاد فريضة، فلم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أظهر الله الإِسلام فصار الجهاد تطوّعاً. فإن جاء المسلمين عدو لا طاقة لهم بهم تحيزوا إلى البصرة. وإنما قالوا تحيزوا إلى البصرة، لأنه كان بالبصرة. فإن جاءهم عدو لا طاقة لهم به تحيزوا إلى الشام، فإن جاءهم عدوّ لا طاقة لهم به تحيّزوا إلى المدينة. فإن جاءهم عدو لا طاقة لهم به فليس ثَم تحيّز وصار الجهاد فريضة.
ذكروا أن رجلاً سأل بعض السلف أيام الكرك، وكانوا قد دخلوا يومئذ في (1/202)
صفحة 201
جدة فقال: إن لي والدة أفأخرج إلى قتال الكرك. قال: كنا نقول: إذا هجم عليكم العدو فقد وجب عليك القتال.
وقال الكلبي في قوله: {وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي: علم أنه سيكون منكم من يقاتل في سبيل الله فيستشهد.
قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} قال الحسن: إنما سألوا عن قتال فيه. وهذا تقديم وتأخير: يقول: يسألونك عن الشهر الحرام وعن المسجد الحرام عن قتال فيه. وذلك أن مشركي العرب سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهر الحرام عن قتال فيه، ليعلموا أهو على تحريمه ذلك أم لا؛ فقالوا: يا محمد، أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام؟ فقال: «نعم»، فأرادوا إن كان على تحريمه اغتزوه فقاتلوه. فقال الله: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} وهذا منسوخ، كان قبل أن يؤمر بقتالهم عامة. {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ} أي كفر بالله {وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللهِ} اي: إخراج أهل المسجد الحرام، وهو الحرم كله، يعني إخراج النبي والمؤمنين أخرجهم المشركون أكبر من قتالهم. فقال الله: {الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ وَالحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: 194]. ذكر الحسن قال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} فاسْتَحَلّوا منكم القتل {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} أي: فاستحِلوا منهم، أي جاوزوا ما كنتم تحرِّمون منهم قبل ذلك.
قال بعض المفسّرين: ذكر لنا أن واقد بن عبد الله التميمي، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قتل عمرو بن الحضرمي، رجلاً من المشركين، في أول يوم رجب، فعيّر (1/203)
صفحة 202
المشركون أصحاب النبي عليه السلام، فأنزل الله {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ}.
يقول الصد عن سبيل الله والكفر بالله أشد من القتل في الشهر الحرام. وإخراج أهله، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر عند الله.
ثم عيَّر المشركون بأعمالهم، أعمال السوء، فقال: {وَالفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ}.
قال مجاهد: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً في سرية، فمرّ بابن الحضرمي وهو يحمل خمراً من الطائف إلى مكة، فرماه بسهم فقتله. وكان بين نبي الله وبين قريش عهد، فقتله آخِرَ ليلة من جمادى الثانية وأول ليلة من رجب؛ فقالت قريش: أفي الشهر الحرام ولنا عليكم عهد؟ فأنزل الله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْه}، يعني النبي وأصحابه، فهذا كله أكبر من قتل ابن الحضرمي، والفتنة، أي: الكفر بالله وعبادة الأوثان، أكبر من هذا كله.
وقد كان المسلمون أخذوا بعض من كان مع ابن الحضرمي أخذا، وأفلت أحدهم، وهو نوفل بن عبد الله، فسبقهم إلى مكة فأخبرهم بالذي صنع أصحاب محمد، فأمسوا فنظروا إلى هلال رجب، فلم يستطيعوا الطلب. ومضى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدموا المدينة بأسراهم وبالذي أصابوا. فلما أمسى أصحاب رسول الله من يوم أصابوا ابن الحضرمي نظروا إلى هلال رجب، فكانوا في شك: في جمادى أصابوه أو في رجب. وأقبل المشركون من أهل مكة على من كان بها من المسلمين يعيِّرونهم بالذي فعل إخوانهم من قتل ابن الحضرمي، وأخذهم الأموال والأسارى، وقالوا: عمدتم إلى شهر يأمن فيه الخائف، وتربط فيه الخيل، وتوضع فيه الأسنة، ويتفرغ فيه الناس إلى معايشهم، فسفكتم فيه الدماء، وأخذتم الأسارى، (1/204)
صفحة 203
وذهبتم بالأموال، وأنتم زعمتم أنكم على دين الله. فكتب المسلمون من أهل مكة إلى عبد الله بن جحش بالذي عيّرهم به المشركون، فكلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: قتلنا ابن الحضرمي، فلما أمسينا نظرنا إلى هلال رجب، فلا ندري أفي رجب قتلناه أم في جمادى الأخيرة. وقد عيّرنا المشركون بذلك، أفحلال ما أصبنا أم حرام؟ فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ}. . . إلى قوله: {وَالفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ} أي: أكبر عند الله من قتل ابن الحضرمي. وقال: الفتنة الشرك. وكان هذا قبل أن يؤمر بقتالهم عامة.
قال: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} ولن يستطيعوا. قال: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ} أي بطلت، {أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} أي: أهل النار {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
ذكروا عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه».
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ} أي يطمعون في رحمة الله، يعني الجنة {وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال الحسن: هو على الإِيجاب، يقول: يفعل ذلك بهم.
[قال بعض المفسّرين] ذكر في الآية الأولى قصة قتل ابن الحضرمي، وما قال المشركون، وما أنزل الله في ذلك، ثم أثنى الله على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الثناء فقال: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا}. . . إلى آخر الآية.
قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}. والميسر: القمار كله. (1/205)
صفحة 204
قوله: {فِيهمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} كانوا إذا شربوا الخمر فسكروا عدا بعضهم على بعض. وكانوا يتقامرون حتى لا يبقى لأحدهم شيء. فكانوا يتوارثون العداوة.
قوله: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}: أي ما كانوا ينتفعون به من شربها وبيعها ومن القمار قبل أن يحرمهما الله.
قال بعضهم: بلغنا أن رسول الله لما نزلت هذه الآية قال: إن الله يقرّب في تحريم الخمر. ثم أنزل الله بعد ذلك في الخمر آية هي أشد منها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] فكانوا يشربونها حتى إذا حضرت الصلاة أمسكوا. وكان السكر عليهم منها حراماً، وأحل لهم ما سوى ذلك.
ثم أنزل الله تحريمها في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] فجاء تحريمها في هذه الآية، قليلها وكثيرها، ما أسكر منها وما لم يسكر.
ذكر بعضهم عن أنس بن مالك أنه سئل عن خليط البسر والتمر، فقال: أهرقناه مع الخمر حين حرمت. (1/206)
صفحة 205
ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الخمر من هاتين الشجرتين العنبة والنخلة».
ذكروا أن عمر بن الخطاب قال: إن هذه الأنبذة تنبذ من خمسة أشياء: التمر والزبيب والبر والشعير والعسل. فما عتقتم فخمّرتم فهو خمر.
والعامة عندنا على أن ما عتق من الأنبذة كلها فازداد جودة في إنائه كلما ترك فيه فلا خير فيه. وكل نبيذ له حد ينتهي إليه ثم يفسد فلا بأس به إذا كان في سقاء.
قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} يعني الصدقة. {قُلِ العَفْوَ}، كان هذا قبل أن تنزل آية الزكاة.
وكان الحسن يقول: {قُلِ العَفْوَ} قل: الفضل، أي ما فضل عن نفقتك ونفقة عيالك. ثم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى، ولا يلوم الله على الكفاف» وكذلك ذكروا عن الحسن عن النبي عليه السلام.
وقال الكلبي في قوله: {قُلِ العَفْوَ}: كان الرجل حين نزلت هذه الآية إن كان من أصحاب الذهب والفضة أمسك منه ما يكفيه سنةً، ويتصدق بسائره، فنسخ ذلك في آية الزكاة. (1/207)
صفحة 206
ذكروا عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه، ثم ليبدأ مع نفسه بمن يعول، ثم يبدأ بقرابته، فإن فضل شيء فهاهنا وهاهنا وهاهنا، وما بين يديه، وعن يمينه وعن يساره، ومن خلفه».
قوله: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} قال بعض المفسّرين: أي: لعلكم تتفكرون أن الدنيا دار بلاء وفناء، وأن الآخرة دار جزاء وبقاء.
قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ}. قال بعض المفسّرين: لما نزلت هذه الآية: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام: 152]، و [الإِسراء: 34] [اشتدّت عليهم] فكانوا لا يخالطونهم في المال ولا في المأكل، ثم أنزل الله هذه الآية فنسختها. قال: {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ} [فَرَخص لهم]. قال الحسن: {إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} أي توفير لأموالهم خير، والله يعلم المفسد الذي يأكل يتيمه ولا يكافيه من المصلح. قال: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَعْنَتَكُمْ} أي لترككم في المنزلة الأولى لا تخالطونهم، فكان ذلك عليكم عنتاً شديداً والعنت الضيق.
وقال بعض المفسّرين: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَعْنَتَكُمْ} أي: لجهدكم، فلم تقوموا بحق، ولم تودوا فريضة.
وقال مجاهد: {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} في الدين. ويعني بالمخالطة مخالطة (1/208)
صفحة 207
اليتيم في الراعي والإِدام. قال: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَعْنَتَكُمْ} فحرّم عليكم الراعي والإِدام. قال: {إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
قوله: {وَلاَ تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ} يتزوجها المسلم إذا لم يجد طولاً {خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ}. ثم نسخ منها المشركات من أهل الكتاب الحرائر في سورة المائدة، وأحل نساء أهل الكتاب فقال: {وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] والمحصنات في هذه الآية: الحرائر؛ فلا يحل تزويج الإِماء من أهل الكتاب، وتوطأ بملك اليمين، لأن الله يقول: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المُحَصَناتِ المُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]. ولا توطأ الأمة من المشركات من غير أهل الكتاب حتى تسلم، ولا تنكح حرة منهن حتى تسلم. قال الحسن: إذا قالت لا إله إلا الله وطئها.
قوله: {وَلاَ تُنكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} فحرّم الله أن يتزوّج المسلمةَ أحدٌ من المشركين. وهو قوله: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10].
قوله: {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ} تتزوجه المسلمة {خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} قال بعض المفسّرين: ولو قال: أنا ابن فلان بن فلان {أُوْلَئِكَ} يعني المشركين، {يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الجَنَّةِ وَالمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} أي بأمره. {وَيُبَيِّنُ ءَايَاتِهِ} أي الحلال والحرام {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي لكي يتذكّروا.
قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} قال الحسن: إن الشيطان أدخل على أهل الجاهلية في حيض النساء ما أدخل على المجوس؛ فكانوا لا يجالسونهن في بيت، ولا يأكلون معهن ولا يشربون.
وقال بعضهم: كان أهل الجاهلية لا تساكنهم حائض ولا تؤاكلهم في إناء. قال الحسن: فلما جاء الإِسلام سأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله: {قُلْ (1/209)
صفحة 208
هُوَ أَذًى}؛ أي: قذر {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ} أي: في الدم {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}.
{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} فاغتسلن {فَأْتُوهُنَّ}.
ذكروا عن سعيد بن جبير قال: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ}، أي: في الدم {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} فاغتسلن {فَأْتُوهُنَّ}.
ذكروا عن أبي هريرة أنه قال: الحيضة تبدأ فتكون دماً خاثراً، ثم يرق الدم فيكون صديداً، ثم يكون صفرة، فإذا رأت المرأة القصة البيضاء فهو الطهر.
ذكروا عن عبد الله بن الزبير أنه قال: يا أيها الناس لا تغتروا بنسائكم، فإن المرأة لا تطهر حتى ترى القصة البيضاء.
ذكروا عن عائشة أنها قالت: يكره للنساء أن ينظرن إلى أنفسهن ليلاً، وقالت: بذلك تكون الصفرة والكدرة.
وذكروا عن عائشة أنها قالت: إذا أدخلت المرأة القطنة فخرجت متغيّرة فلا تصلّي حتى تطهر.
ذكر بعضهم قال: إذا كانت الترية واصلة بالطهر فلا تصلي حتى تذهب.
ذكروا عن عقبة بن عامر أنه كان يكره أن يطأ امرأته في اليوم الذي تطهر فيه.
ذكروا عن عائشة أنها سئلت: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً. فقالت: كل شيء ما خلا الفرج. غير واحد من العلماء أنهم سألوا عائشة ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً. قالت: كل شيء غير شعار الدم.
قوله: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ}. ذكروا عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: من حيث نهاكم الله، يعني قوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ}، يقول: فلا تأتوهن في الفرج وهو تفسير مجاهد. (1/210)
صفحة 209
قوله: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ} أي من الذنوب. ذكر بعض أهل العلم أنه قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له؛ ثم تلا هذه الآية: {إنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ} قال: إذا أحبّ الله عبداً لم يضره ذنب.
قوله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أي: كيف شئتم.
ذكر جابر عن عبد الله قال: قالت اليهود إن الرجل إذا أتى امرأته من خلفها جاء ولده أحول؛ فأنزل الله {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أي: كيف شئتم: من بين يديها، وإن شئتم من خلفها، غير أن السبيل موضع الولد.
ذكروا عن الحسن أنه قال: قالت اليهود: يا أصحاب محمد، إنه لا يحل لكم أن تأتوا النساء إلا من وجه واحد، فأنزل الله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أي كيف شئتم: من بين يديها: وإن شئتم من خلفها في فرجها.
ذكروا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذي يأتر امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى».
ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تأتوا النساء في موضع حشوشهن». (1/211)
صفحة 210
ذكروا عن رجل من أصحاب النبي أنه سأله رجل عن الذي يأتي إمرأته في دبرها فقال: أفّ، أيريد أن يعمل عمل قوم لوط.
قوله: {وَقَدِّمُوا لأَِنفُسِكُمْ} يعني الولد. ذكروا عن أبي ذر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله الجنة بفضل رحمته إياهم».
ذكروا عن ابن عمر أنه قال: لولا أن أصيب ولداً فيموت قبلي فأوجر فيه أو يبقى بعدي فيدعو لي ما باليت ألا أصيب ولداً.
ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن أقدم سقطاً أحب إليّ من أن أخلف مائة فارس كلهم يجاهد في سبيل الله».
قوله: {وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ} أي بالجنة.
قوله: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَِيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. قال الحسن: كان الرجل يقال له: لم لا تبر أباك أو أخاك أو قرابتك، أو تفعل كذا، لخير، فيقول: قد حلفت بالله لا أبره، ولا أصله، ولا أصلح الذي بيني وبينه، يعتل بالله، فأنزل الله: لا تعتلوا بالله فتجعلوه عرضة لأيمانكم، يعني الحلف.
وقال بعض المفسّرين: لا تعتلوا بالله؛ أن يقول أحدكم: أنه لا يصل رحماً، ولا يسعى في صلاح، ولا يتصدق من ماله.
ذكروا عن إبراهيم أنه قال: سمعت رجالاً من أهل العلم يقولون في هذه الآية: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَِيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} أي لا يحلف (1/212)
صفحة 211
على معصية الله وقطيعة الرحم. فإن فعل فما أوجب الله من الكفارة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإِمارة، فإنك إن تعطها عن مسألة تُكَلْ إليها، وإن تعطها عن غير مسألة تُعَن عليها. وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فات الذي هو خير، وكفر عن يمينك».
ذكروا عن الحسن أنه قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه إلا طلاقاً أو عتاقاً.
ذكروا عن الحسن أنه كان يقول في الرجل يقول: عليّ المشي إلى بيت الله إن كلمت أبي أو أمي أو كل معصية، أن يكفر عن يمينه.
قوله: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. ذكروا عن عطاء أنه قال: دخلت أنا وعبيد [بن عمير] على عائشة فسألناها عن هذه الآية فقالت: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله.
ذكروا عن الحسن أنه قال: هو الشيء تحلف عليه وأنت ترى أنه كذلك فلا يكون كذلك.
ذكروا عن جعفر بن أبي وحشية أنه قال: قلت لسعيد بن جبير: قول الله {لا (1/213)
صفحة 212
يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم}: أهو الرجل يحلف على الشيء وهو يرى أنه كذلك فلا يكون كذلك؟ فقال لا، ولكنه تحريمك في يمينك ما أحلّ الله لك، فذلك الذي لا يؤاخذك الله بتركه.
قوله: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} قال بعض المفسرين: ولكن يؤاخذكم بما تعمّدت قلوبكم، أي بما تعمّدت فيه المأثم، فهذا عليك فيه الكفارة. {وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}.
قوله: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ} أي يحلفون من نسائهم {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآؤوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
قال بعضهم: كانوا في الجاهلية وفي صدر من الإِسلام يغضب أحدهم على امرأته فيحلف بالله لا يقربها كذا وكذا، فيدعها لا أيما ولا ذات بعل؛ فأراد الله أن يعصم المؤمنين عن ذلك بحدّ يحدّه لهم، فحدّ لهم أربعة أشهر. والإِيلاء الحلف.
ذكروا عن الحسن عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إذا مضت أربعة أشهر ولم يف فهي تطليقة بائنة. قال: وهو قول علي وعثمان وزيد بن ثابت وابن عباس.
وقال ابن عباس: عزم الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر.
ذكروا عن ابن عمر وأهل المدينة أنهم قالوا: إذا مضت الأربعة الأشهر وقف فقيل له: إما أن تفيء وإما أن تطلق.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: كل يمين منعت جماعاً فهي إيلاء؛ يعني (1/214)
صفحة 213
أن المولى إذا وطىء في الأربعة الأشهر كانت عليه الكفارة. فأما الذي يطأ بغير كفارة فليس بإِيلاء. وذلك أنه إذا حلف أن لا يطأها في موضع كذا وكذا كان له أن يطأها في غير ذلك الموضع، وليس عليه كفارة، وأشباه ذلك مما لا تكون فيه الكفارة.
قوله: {فَإِن فَآؤوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. ذكروا عن الحسن عن ابن عباس أنه قال: الفيء الجماع. وذكر مثل ذلك عن سعيد بن جبير. وقال إبراهيم: إذا كان له عذر من حيض أو غيره أشهد أنه قد فاء، فهو يجتزىء به. ذكروا عن الحسن مثل ذلك. وكان سعيد لا يرى الفيء إلا الوطء.
قوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ}. والقرء: الحيض في قول أهل العراق. وفي قول أهل المدينة القرء: هو الطهر.
ذكروا عن عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما قالا: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة. ذكروا عن الحسن عن أبي موسى الأشعري مثل ذلك. وذكروا عن علي وابن عباس مثل ذلك. وذكروا عن عمران بن حصين مثل ذلك، وهو قول الحسن وإبراهيم والعامة عندنا.
ذكروا عن زيد بن ثابت وعائشة أنهما قالا: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت منه. وذكروا عن ابن عمر ذلك، وهو قول أهل المدينة.
وتفسير قول أهل المدينة: إن القرء هو الطهر، أَن الرجل إذا طلق امرأته، ثم (1/215)
صفحة 214
حاضت، فإن ما بين طلاقه إلى حيضتها قرء. فإذا طهرت من حيضتها كان من ما بين الحيضة الأولى إلى الحيضة الثانية قرءاً. فإذا طهرت من الثانية صار ما بين الثانية والثالثة قرءاً. فبانت حين رأت الدم. فالقرء الأول، على قولهم إنه طهر، ربما كان يوماً واحداً أو أكثر من ذلك، فيما بينها وبين الحيضة، وليس بس.
وقول أهل العراق إنه إذا طلقها ثم حاضت كان الحيض هو القرءَ. فإذا طهرت لم تعد الطهر فيما بين الحيضتين قرءاً. فإذا دخلت في الحيضة الثانية فقد دخلت في القرء. فإذا طهرت منها ما لم تعد الطهر فيما بين الحيضة الثانية والثالثة قرءاً. فإذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد دخلت في القرء الثالث. فإذا اغتسلت منه فقد مضت الأقراء الثلاثة وبانت منه. فالحِيَض ثلاث والقروء صحيحة. والطهران [الأخيران] من قول أهل المدينة صحيحان، والقرء الأول ينكسر. ويختلف القرء لأنه ربما طلقها قبل أن تحيض بيوم، ثم تحيض من الغد، فيكون ذلك اليوم في قولهم قرءاً، وربما كان يومين أو أكثر من ذلك إلى الحيضة الثانية. فالقرء الأول مختلف.
قال بعض المفسّرين: [جعل عدة المطلقة في هذه الآية ثلاث حيض ثم] نسخ منها ومن الثلاثة قروء أربع نسوة: التي طلقت قبل أن يدخل بها زوجها؛ قال الله تعالى في سورة الأحزاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 49]؛ فهذه ليست لها عدة، تتزوج من يومها إن شاءت. ونسخ منها العجوز التي قعدت من الحيض. والبكر التي لم تحض. قال في سورة النساء (1/216)
صفحة 215
القصرى {وَالَّلائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّلائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4] أيضاً ثلاثة أشهر. ونسخ منها المطلقة الحامل فقال: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}
[الطلاق: 4].
قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ}. قال مجاهد: لا تقول: إني حائض وليست بحائض، ولا تقول: إني لست بحائض وهي حائض. ولا تقول إني حامل وليست بحامل، ولا تقول: لست بحامل وهي حامل. قال: لتَبِينَ من زوجها قبل انقضاء العدة ويضاف الولد إلى الزوج الثاني، أو تستوجب الميراث إذا مات الرجل فتقول: لم تنقض عدتي وقد انقضت عدّتها.
قوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: في العدة، وفي التطليقة والتطليقتين ما لم يطلق ثلاثاً. {إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحاً} أي: حسن صحبة.
قال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [يعني فضيلةً في الحق]. {وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. وقال في آية أخرى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34].
قوله: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} يقول: هو أحق بها في التطليقتين. ولا يجمع بين التطليقتين ولا ثلاثاً جميعاً.
قال بعض المفسّرين: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}: مرة بعد مرة، فجعل حد الطلاق ثلاثاً. فإذا طلقها الثالثة حرمت عليه. قال: وذلك أنه بلغنا أن أهل الجاهلية كانوا ليس لهم حد في الطلاق؛ كان يطلق أحدهم عشراً أو أقل من ذلك أو أكثر.
ذكر الحسن أن علياً كان يكره أن يطلق الرجل امرأته ثلاثاً جميعاً، ويلزمه ذلك، (1/217)
صفحة 216
ويقول: إنه عصى ربه. ذكروا عن ابن عمر مثل ذلك، وليس فيه اختلاف.
قوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. قال مجاهد: هذا حين ملكها وجب ذلك لها. قال: وإن طلقها تطليقتين فهو أيضاً إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ما لم تنقض العدة. وبلغنا أن رجلاً قال: يا رسول الله. قول الله الطلاق مرتان فأين الثالثة قال هو قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}.
قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ} أي: أمر الله في أنفسهما. وذلك أنه يخاف من المرأة في نفسها إذا كانت مبغضة لزوجها فتعصى الله فيه؛ ويخاف من الزوج إن لم يطلقها أن يتعدّى عليها.
قال مجاهد: تقول المرأة: لا أبر قسمه، ولا أطيع أمره، فيقبله الرجل خشية أن يسيء إليها وتفتدى.
قال: {فَإِنْ خِفْتُمْ} أي: فإن علمتم، يعني الولاة {أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ} أي سنته وأمره في الطلاق. {فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} أي لأنفسهم.
ذكروا عن الحسن قال: يعني الخلع؛ إذا قالت لا أغتسل لك من جنابة.
قال بعضهم: إذا قالت لا أطيع لك أمراً، ولا أبرّ لك قسماً، ولا أغتسل لك من جنابة، فقد حلّ له أن يقبل منها.
ذكر عكرمة أن جميلة بنت [أبي بن] سلول أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا (1/218)
صفحة 217
رسول الله، إن أبا قيس تعني زوجها ثابت بن قيس والله ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإِسلام.
فقال: «أتردين عليه حديقته»؟ قالت: نعم. قال: «خذ منها ما أعطيتها، ولا تزيديه».
ذكروا عن عمر بن الخطاب أنه قال: إذا سألكم النساء الخلع فلا تكفروهن. تأويل ذلك أنه ليس يعني أن ذلك واجب عليه، إلا أن يشاء. ومعنى قوله: لا تكفروهن يعني أن تكفر زوجها كقول النبي عليه السلام: «لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير» يعني الصاحب، وهو زوجها. (1/219)
صفحة 218
ذكر ابن عباس أنه قال: إن الخلع جائز عن السلطان وغيره.
ذكروا عن شريح أن امرأة رفعت إليه، وكانت اختلعت من زوجها، فأجازه؛ فقال رجل عنده،: لا يجوز الخلع إلا عند السلطان. فقال شريح: الإِسلام إذاً أضيق من حدّ السيف. وكان الحسن لا يجيز الخلع إلا عند السلطان. والعامة على غير قول الحسن.
قوله: {فَإِن طَلَّقَهَا} أي الثالثة {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}. ذكر بعضهم أن تميمه بنت عبيد بن وهب القرظية كانت تحت رفاعة القرظي فطلقها ثلاثاً. فخلف عليها عبد الرحمن بن الزبير، ثم طلقها. فأتت النبي عليه السلام فسألته: هل ترجع إلى زوجها. فقال: هل غشيك؟ فقالت: ما كان ما عنده بأغنى عنه من هدبة ثوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا، حتى تذوقي عسيلة غيره» فقالت: يا رسول الله، قد غشيني، فقال: «اللهم إن كانت كاذبة فاحرمها إياه» فأتت أبا بكر بعده فلم يرخص لها. ثم أتت عمر فلم يرخص لها.
قوله: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا} [أي إن أيقنا] {أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ}. قال ابن عباس والحسن: يعني المختلعة. رجع إلى قصتهما. قال: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ}. قال: هذه (1/220)
صفحة 219
الآية مثل قوله في الآية الأولى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ}.
وتفسير قول الحسن: إن أخذه الفداء تطليقة بائنة؛ يعني بقوله: {فَإِن طَلَّقَهَا} أي فإن خالعها؛ وهو قول العامة في الخلع.
وكان ابن عباس لا يرى الخلع طلاقاً، يراها تحرم عليه بدون طلاق؛ ويقول: قال الله: {فَإِن طَلَّقَهَا} يقول: طلقها طلاقاً، ويذكر أن النبي عليه السلام قال لثابت بن قيس: «شاطرها الصداق وطلقها» والعامة على قول الحسن: إن الفداء طلاق ويذكر عن النبي وعن عثمان بن عفان.
وبعضهم يفسّرها: {فَإِن طَلَّقَهَا} يعني الزوج الآخر {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} على المرأة والزوج الأول الذي طلقها ثلاثاً أن يتراجعا إن أحبا. وفي تفسيرهم: فإن طلقها، أو مات عنها، فلا جناح عليهما أن يتراجعا.
قال: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.
قوله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة إن كانت ممن تحيض في قول أهل (1/221)
صفحة 220
العراق، وفي قول أهل المدينة إذا رأت الدم. وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. وإن كانت ممن لا تحيض فما لم تنقض الثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً فما لم تضع حملها.
وأما قوله: {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} فإن العدة إِذا انقضت قبل أن يراجعها زوجها فهو التسريح.
قوله: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} كان الرجل يطلق امرأته ثم يدعها حتى إذا كان عند انقضاء عدتها راجعها ولا حاجة له فيها، ثم يطلقها؛ فإذا كان عند انقضاء عدتها راجعها. ثم يطلقها، يكون ذلك لتسعة أشهر ليطوّل عليها بذلك، فنهى الله عن ذلك.
ذكر أن رجلاً قال لامرأته: والله لأطلقنك، ثم لأحبسنك لتسع حيض، لا تقديرين أن تتزوجي. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك تطليقة ثم أدعك، حتى إذا كان عند انقضاء عدتك راجعتك. ثم أطلقك، فإذا كان عند انقضاء عدتك راجعتك.
ثم أطلقك أخرى ثم تعتدين ثلاث حيض؛ فأنزل الله هذه الآية: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً}. . . إلى آخر الآية.
قوله: {وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُواً} ذكر الحسن عن أبي الدرداء أنه قال: كان الرجل يطلق، فإذا سئل قال: كنت لاعباً، ويعتق، فإذا سئل قال: كنت لاعباً، ويتزوج، فإذا سئل قال: كنت لاعباً. فأنزل الله: {وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُواً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طلق لاعباً، أو تزوج لاعباً، أو أعتق لاعباً فهو جائز عليه كله». (1/222)
صفحة 221
ذكر بعضهم أن رجلاً طلق امرأته على عهد النبي عليه السلام فأنزل الله: {وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُواً}.
ذكر الحسن عن أبي الدرداء قال: ثلاث لا يلعب فيهن أحد، واللاعب فيهن كالجادّ: العتاق والطلاق والنكاح.
قوله: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الكِتَابِ وَالحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ} الكتاب الفرقان، والحكمة السنة. {وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
قوله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي فانقضت العدة {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} أي: فلا تحبسوهن {أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ}. ذكروا عن الحسن قال: قدم رجل المدينة فرغب فيه معقل بن يسار فزوّجه أخته، فكان بينهما شيء، فطلقها واحدة. فلما انقضت العدة خطبها، فأرادت أن تتزوّجه، فغضب معقل فقال: زوجته ثم طلَّقها، والله لا ترجع إليه آخر ما عليه، فأنزل الله هذه الآية.
قوله: {ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} أي لقلب الرجل وقلب المرأة من الريبة {وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}. علم الله حاجته إليها وحاجتها إليه.
قوله: {وَالْوَالِدَاتُ} [يعني المطلقات في تفسير مجاهد] {يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ (1/223)
صفحة 222
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}. ذكر بعض المفسرين قال: أنزل الله في أول هذه الآية: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} ثم أنزل اليسر والتخفيف فقال: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}.
ذكروا عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا لا يريان الرضاع بعد الحولين شيئاً.
قوله: {وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ} يعني الأب {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي كلٌّ على قدر ميسرته. {لاَ تُكَلِّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا}. كقوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ مَا ءَاتاهَا} [الطلاق: 7] أي ما أعطاها. وكقوله: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} [الطلاق: 7].
قوله: {لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} ذكر بعض المفسّرين قال: نهى الله الوالد عن الضرار: أن ينزعه من أمه إذا رضيت أن ترضعه بما كان مسترضعاً به غيرَها ويدفعه إلى غيرها. ونهيت الوالدة أن تضارّ بولدها فتدفعه إلى زوجها إضراراً، إذا أعطاها ما كان مسترضعاً به غيرَها.
قوله: {وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [تفسير قتادة. قال: على وارث المولود إن كان المولود لا مال له {مِثْلُ ذَلِكَ} أي: مثل الذي كان على والده لو كان حيّاً من أجر الرضاع]. وقال الحسن: على الرجال دون النساء. والوارث: وارث الصبي إذا مات والد الصبي وبقي وارثه، فعليه يكون وليس على الأم منه شيء، ولا على الأخوة من الأم، وذلك في النفقة والضرار. [وقال ابن عباس: {وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} هو في الضرار]. (1/224)
صفحة 223
قوله: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً} [يعني فِطاماً] {عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ} قبل انقضاء الحولين، بعد أن يستطيع الطعام ولا تدخل عليه ضرورة فيه.
قال بعض المفسّرين: {عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ} إذا كان ذلك عن رضى منهما ومشورة. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}.
قال: {وَإِنْ أَرَدتُمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ} أي لأولادكم {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا ءَاتَيْتُم بِالمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} يقول: إن تراضيا إن يسترضعاه {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا ءَاتَيْتُم بِالمَعْرُوفِ} [تفسير مجاهد: حساب ما رضع الصبي إذا تراضيا أن يسترضعا له، إذا خافا الضيعة عليه].
قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}. وفي العشر ينفخ في الولد الروح. نسخت هذه الآية الآية التي بعدها في التأليف: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَِزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة: 240] وهذه قبل هذه في التنزيل، ووضعت في هذا الموضع. قال الحسن: وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي عليه السلام فيقول: يا محمد، إن الله يأمرك أن تضع آية كذا بين ظهراني كذا وكذا من السورة كذا. وذكروا عن ابن عباس وعثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الثلاث الآيات والأربع الآيات والخمس الآيات جميعاً، أو أقل من ذلك أو أكثر، فيقول: اجعلوا آية كذا وكذا في سورة كذا وكذا في موضع كذا وكذا، واجعلوا آية كذا وكذا في سورة كذا وكذا في موضع كذا وكذا.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: نسخ من هذه الآية الحاملُ المتوَفَّى عنها زوجُها فقال في سورة النساء القصرى: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4].
وذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبي بن كعب عن عدّة الحامل (1/225)
صفحة 224
المتوفّى عنها زوجها فقال: أجلها أن تضع حملها؛ فقال: أقاله رسول الله؟ قال: نعم. وقال ابن عباس وعلي: أجلها أبعد الأجلين. ويقول ابن عباس وعلي: بهذا نأخذ وعليه نعتمد. وإنما قول الله: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} في المطلقات دون المتوفى عنهن أزواجهن.
قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي انقضاء العدة {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أي: فلا إثم عليكم {فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ} يعني التزويج {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ} أي: أسررتم وأضمرتم.
ذكر مجاهد عن ابن عباس قال: التعريض ما لم ينصب للخطبة. وقال عكرمة: التعريض أن يقول: إنك في نفسي، وما يقدَّر من أمر يكن. وقال الحسن: يقول: احبسي نفسك علي، فإني أفعل بك كذا وكذا، وأصدقك كذا وكذا.
قال: {عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً}. قال بعض المفسّرين: لا يأخذ ميثاقها في عدّتها أن لا تنكح غيره، نهى الله عن ذلك وعن الفاحشة والخضع من القول. وقال مجاهد: لا يقول: لا تفوتيني بنفسك فإني أنكحك. وقال (1/226)
صفحة 225
الحسن: {لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} هو الزنا.
قوله: {إِلاَّ أَن تَقُولُوا قَوْلاً مَّعْرُوفاً} هو التعريض ما لم ينصب للخطبة.
قوله: {وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ} قال: حتى تنقضي العدة. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} يقول: احذروا أن تخفوا في أنفسكم شيئاً من الزنا في تفسير الحسن: أو تزوّجوهن في العدّة، وفي جميع الأشياء بعد.
قوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} يعني ما لم تجامعوهن {أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} المُوسِعِ الذي وسع عليه في الرزق، والمقتر الذي قتر عليه في الرزق. قال: {مَتَاعاً بِالمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ}.
إذا طلقها قبل أن يدخل بها، ولم يفرض لها فليس لها صداق، ولها المتعة واجبة. والمتعة على قدر ما يجد؛ وليس فيه شيء مؤقت يؤخذ به الرجل إلا ما أحب لنفسه من طلب الفضل في ذلك.
ذكروا عن الحسن أنه قال: كان منهم من يمتِّع بالخادم، ومنهم من يمتّع بالكسوة، ومنهم من يمتِّع بالطعام. وذكر بعضهم قال: أدنى ما يكون من المتعة درع وخمار وجلباب ومئزر، ومن لم يجد فعلى قدر ما يجد.
قوله: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ} يعني النساء {أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} هو الزوج. {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. يقول: ذلك من التقوى. وقوله: {إِلاَّ أَن يَعْفُونَ} يعني (1/227)
صفحة 226
إِلا أن يتركن {أَوْ يَعْفُوَا} أي: أو يترك {الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} يقول: إلا أن تعفو المرأة عن نصف الصداق فلا تأخذ منه شيئاً، أو يعفو الرجل عن نصف الصداق فيسلّم الصداق كله للمرأة.
قال: {وَلاَ تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ} أي في هذا حض كل واحد منهما على صاحبه. وإن تشاحّا فلها نصف الصداق.
ذكروا عن جبير بن مطعم أن تزوّج امرأة قبل أن يدخل بها، فسلّم لها الصداق كله وقال: أنا الذي بيده عقدة النكاح.
وقال الحسن: الذي بيده عقدة النكاح هو الولي. {إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
قوله: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} يعني الصلوات الخمس على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها {وَالصَّلاَةِ الوُسْطَى}. يعني صلاة العصر في قول الحسن. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة الوسطى صلاة العصر».
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: هي صلاة الصبح. ويقول ابن عباس بهذا نأخذ وعليه نعتمد. (1/228)
صفحة 227
قوله: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أي مطيعين، لأن [أهل] كل دين، غير دين الإِسلام، يقومون لله عاصين. ذكروا عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أي مطيعين.
قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً}. قال بعضهم: هو عند الضراب بالسيوف، راكباً كنت أو ساعياً، أو ماشياً؛ فإنك تومىء برأسك ركعتين إن استطعت، وإلا فركعة حيث كان وجهك. وإذا كان الأمر أشد من ذلك فكبّر أربع تكبيرات. عن الحسن أنه قال: إذا كنت تطلب عدواً أو يطلبك عدو فإنك تومىء بركعة حيث كان وجهك.
قال: {فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ} أي فصلّوا الصلوات الخمس {كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}.
قال: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَِزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ} أي أن يتزيّنَّ ويتشوَّفن ويلتمسن الأزواج. {وَاللهُ عَزيزٌ حَكِيمٌ}.
قال بعضهم: كانت المرأة إذا توفى زوجها أنفق عليها من ماله حولاً ما لم تخرج، فإن خرجت فلا نفقة لها؛ فنسخ الحول في قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} ونسخ النفقة في الحول في هذه الآية: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12].
ذكروا عن زينب ابنة أم سلمة أن أم حبيبة زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم قالت إن امرأة (1/229)
صفحة 228
قالت: يا نبي الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد خشيت على بصرها أفأكحلها؟ قال: «إن كانت إحداكن لترمي بالبعرة على رأس الحول، وإنما هي أربعة أشهر وعشر».
قال بعضهم: كانت إحداهن إذا تمّ الحول ركبت حماراً، وأخذت معها بعرة، ثم ترمي بالبعرة خلفها وقد حلّت.
ذكروا عن زينب بنت أم سلمة أنها دخلت على أم حبيبة حين توفي أبوها أبو سفيان. فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره، فمسّت بعارضيها منه، ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً».
ودخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمست منه ثم قالت: والله ما أبالي بالطيب ولا لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً».
قالت زينب بنت أبي سلمة: وسمعت أمي أم سلمة تقول: إن امرأة جاءت إلى (1/230)
صفحة 229
النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينيها أفأكحلها بالإِثمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا» فقالت ذلك ثلاث مرات، كل ذلك والرسول يقول: «لا»، إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول.
وأما قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ} فبتزويج: أن يتزيَّنَّ ويتشوّفن ويلتمسن الأزواج.
قوله: {وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. قال: عزيز في نقمته، حكيم في أمره.
قوله: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ}. ذكروا عن الحسن أنه قال: لكل مطلقة متاع. وليس بالواجب الذي يؤخذ به الرجل، إلا التي طلقت قبل أن يدخل بها ولم يفرض لها.
قال محمد بن سيرين: شهدت شريحاً فرّق بين رجل وامرأته فقال: متّعها، قال: لا أجد. قال: ما قلّ أو أكثر. قال لا أجد. قال: أفٍ، قم، لا تريد أن تكون من المحسنين، لا تريد أن تكون من المتّقين.
قال: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. أي لكي تعقلوا.
قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} أي لا يؤمنون.
ذكر بعض المفسّرين قال: هم قوم فرّوا من الطاعون فمقتهم الله على فرارهم من الموت، فقال لهم الله: موتوا عقوبة، ثم بعثهم ليستوفوا بقيّة أرزاقهم وآجالهم. (1/231)
صفحة 230
قال الكلبي: كانوا ثمانية آلاف فأماتهم الله، فمكثوا ثمانية أيام. وقال بعضهم: فخرج عشائرهم ليدفنوهم، فكثروا عليهم، وكانوا جيفاً قد أنتنوا، فحَظَروا عليهم الحظائر.
قوله: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي يعلم ما تنوون وما تفعلون.
قوله: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} أي حلالاً. وقال بعضهم: محتسباً. {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً}. قال الحسن: هذا في التطوع. لما نزلت هذه الآية قالت اليهود: هذا ربكم يستقرضكم، وإنما يستقرض الفقير، فهو فقير ونحن أغنياء. فأنزل الله: {لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181]. وكان المشركون يخلطون أموالهم بالحرام، حتى جاء الإِسلام، فنزلت هذه الآية، وأمروا أن يتصدقوا من الحلال.
ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة بغير طُهور، ولا صدقة من غُلول».
قوله: {وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} أي يقبض عمن يشاء ويبسط الرزق لمن يشاء. وهو كقوله: {اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} [العنكبوت: 62] أي: وينظر للمؤمن فيكف عنه. قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يعني البعث.
قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ}.
قال الكلبي: إن بني إسرائيل مكثوا زماناً من الدهر ليس عليهم ملك. فأحبّوا أن يكون عليهم ملك يقاتل عدوّهم. فمشوا إلى نبي لهم من بني هارون يقال له اشمويل. (1/232)
صفحة 231
وقال بعضهم: سمعت من يسمّيه بالعربية إسماعيل؛ فقالوا له: ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله. {قَالَ} لهم نبيّهم {هَلْ عَسَيْتُمُ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا}. وكان عدوهم من قوم جالوت، وكانوا يسكنون بساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين.
وقال بعضهم: كان جالوت من الجبابرة. قال الكلبي: فلقي بنو إسرائيل منهم بلاء، حتى غلبوهم على أرضهم، وسبوا كثيراً من ذراريهم.
قوله: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}. قال: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} وكان طالوت من سبط قد عملوا ذنباً عظيماً، فنزع منهم الملك في ذلك الزمان، فأنكروه. {قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ}.
قال بعضهم: كان في بني إسرائيل سبطان: سبط نبوة وسبط مملكة؛ كانت النبوة في سبط بني لاوى، وكان الملك في سبط يهوذا. وكان طالوت في سبط بن يامين أخي يوسف. فلما رأوا أنه ليس من سبط بني لاوى ولا من سبط يهوذا قالوا: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا} أي كيف يكون له الملك علينا {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ}، وليس من سبط النبوة ولا من سبط المملكة.
قال الكلبي: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا} وهو من سبط الاثم، للذنب الذي كانوا أصابوه. (1/233)
صفحة 232
قال: {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} أي اختاره عليكم {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. وكان طالوت أعلمهم يومئذ وأطولهم وأعظمهم، وكان مغموراً في قومه.
ذكروا عن الحسن أنه قرأ هذه الآية فقال: فإذا الجسم نعمة من الله ذكرها.
فقالوا لنبيهم: لا نصدّق أن الله بعثه علينا، ولكنك أنت بعثته مضادّة لنا إذ سألناك ملكاً: فأْتنا بآية نعلم أن الله اصطفاه علينا.
{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ المَلاَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
قوله: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ}. وسار بهم أخذ بهم مفازة من الأرض فعطشوا {قَالَ} لهم نبيهم {إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم} أي مختبركم {بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} قال الله: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ}. جعلوا يشربون منه ولا يروون. أما القليل فكفتهم الغرفة. ورجع الذين عصوا وشربوا. فقطع طالوت والذين معه، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً بعدة أهل بَدْرٍ، وَبَدَرَهم جالوت وجنوده.
{فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللهِ} أي: صالحوهم {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
قال بعضهم في قوله: {أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ} يعني رحمة {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَارُونَ}. قال بعضهم: كان فيه عصا موسى، ورُضاض الألواح؛ وكان موسى تركه عند فتاه يوشع بن نون، وهو في البريّة، فأقبلت تحمله الملائكة {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
وقال بعضهم: كان التابوت في أرض جالوت، قد غلبوا عليه زماناً من الدهر، فقالوا لنبيّهم: إن أتيتنا به فأنت صادق، وطالوت ملك كما زعمت، فدعا النبي ربَّه، (1/234)
صفحة 233
فأتاه بالتابوت حتى وضع في أرض بني إسرائيل، فصدّقوه وعلموا أن الله هو الذي بعث طالوت ملكاً عليهم.
وقال بعضهم: كان التابوت إذا قابلت بنو إسرائيل العمالقة مشى التابوت بين السماء والأرض، والصفوف والرايات خلفه، فكانوا ظاهرين عليهم، حتى ظفرت العمالقة على التابوت فأخذوه فدفنوه في ملقى كناسة لهم، وذلّت بنو إسرائيل. وألقى الله على رجال العمالقة وعلى نسائهم الناسور فقال بعضهم: ما نرى هذا الذي أصابكم إلا بما صنعتم بالتابوت، فهل لكم أن تردوه على بني إسرائيل؟ فقالوا: لا نفعل؛ لكنا نحمله على بقرة ونحبس عجلها، ثم نُوَجِّهها إلى صفوف بني إسرائيل، فإن أراد الله أن يرجع التابوت إلى بني إسرائيل رجعت البقرة إليهم وإلا رجعت إلى عجلها. ففعلوا، فنزل ملكان من السماء فأخذ أحدهما برأس البقرة وساقها الآخر، حتى دخلت صفوف بني إسرائيل؛ فذلك قوله: {تَحْمِلُهُ المَلاَئِكَةُ}: كقول الرجل: وجاء فلان يحمل. وليس يحمله هو، وإنما تحمله الدواب.
وقال بعضهم في قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ} هو نهر بين الأردن وفلسطين وقال بعضهم هو نهر أبي فطرس.
وقال الحسن في قوله: {هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا}: عسيتم أي ظننتم.
إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا. {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ (1/235)
صفحة 234
وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} قال الله: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} قال: لم يقبلوا ذلك وكفروا إلا قليلاً منهم.
وإنما سألوا من الملك الذي بعثته الله فقال لهم: {إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً. قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْه} إِلى آخر الآية. قالوا ما آية ملكه التي يعرف بها أنه الملك، قال: {إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَبِّكُمْ}. والسكينة هي الوقار في تفسير الحسن. والتابوت من خشب. قال بعضهم: بلغنا أن طوله كان ذراعين وشبراً في ذراعين وشبر. قال كان موسى يضع فيه التوراة ومتاعه ومتاع هارون، وهم يعرفونه. وكان الله رفعه حين قبض موسى بسخطه على اليهود، وبما أحدث القوم بعده. فقال آيَة ملكه أن يأتِيكم التابوت من السماء، وأنتم تنظرون إليه، فتحمله الملائكة عياناً من غير أن يكونوا رأوا الملائكة.
وقال الحسن وغيره في قوله: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي}: كان أحدهم يغترف الغرفة بيده فتجزيه، يعنيان المؤمنين الذين استثنى في قوله: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} وقال بعضهم: أما الكفار فجعلوا يشربون، ولا يروون. وأما المؤمنون فجعل الرجل منهم يغترف غرفة فترويه وتجزيه.
قال بعض المفسّرين: وهي تقرأ على وجهين: بفتح العين ورفعها: غَرفة وغُرفة. فمن قرأها غَرفة فهو يعني الغرفة التي اغترف [مرة واحدة] كما تقول: إلا من فعل الفَعلة. ومن قرأها غُرفة، فهو يعني الغُرفة بعينها [ملء اليد]. وبعضهم يقرأها بمقرإ ثالث: إلا من اغترف غِرفة، يقول: إلا من فعل فِعلة، اغترف اغترافاً. (1/236)
صفحة 235
{قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} فقيل للحسن: أليس القوم جيمعاً كانوا مؤمنين، الذين جاوزوا؟ قال: بلى! ولكن تفاضلوا بما سخت أنفسهم من الجهاد في سبيله.
وقال بعضهم: ذكر لنا أن نبي الله قال لأصحابه يوم بدر: أنتم اليوم بعدة أصحاب طالوت يوم لقى. وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً.
قوله: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} أي أنزل علينا صبراً {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الكَافِرِينَ}.
قال الله: {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَءَاتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ}. والحكمة هاهنا النبوّة. {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} من الوحي الذي كان يأتيه من الله.
قوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} ذكر بعض المفسّرين قال: يبتلى المؤمن بالكافر ويعافى الكافر بالمؤمن.
قال: {تِلْكَ ءَايَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ}.
قوله: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} قال الحسن: بما أتاهم الله من النبوّة والرسالة، فقال: {مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} وهو كقوله: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ} [الإِسراء: 55]. قال الحسن: يعني في الدنيا على وجوه ما أعطوا. (1/237)
صفحة 236
ذكر بعضهم أنه قال: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر، الجمّ الغفير. قيل يا رسول الله، أكان آدم نبيّاً مكلّماً أم لم يكن مكلّماً؟ قال: «بل كان نبياً مكلماً».
قوله: {وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} قال الحسن: أيّدناه: أعناه بروح القدس، والقدس الله، والروح جبريل.
قوله: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} قال بعضهم: من بعد موسى وعيسى. {وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ} أي ولا صداقة إلا للمتقين. وهو مثل قوله: {الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] والأخلاء من باب الخليل.
قوله: {وَلاَ شَفَاعَةٌ} أي للكافرين {وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} أي لأنفسهم، وهو كفر دون كفر وكفر فوق كفر.
قوله: {اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ القَيُّومُ} قال الحسن: الله والرحمن اسمان ممنوعان لم يستطع أحد من الخلق أن ينتحلهما.
قوله: الحيّ القيّوم، أي القائم على كل نفس. قال الحسن: القائم على كل نفس يكسبها، يحفظ عليها عملها حتى يجازيها به.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ هذا الحرف: الحيُّ القَيَّامُ، وهو من باب الفيعال، والقيّوم الفيعول. (1/238)
صفحة 237
قوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ}. قال بعضهم: كسل، وقال بعضهم: فترة. {وَلاَ نَوْمٌ}. قال الحسن: السِّنَة النعاس، والنوم النوم الغالب.
{لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي: لا أحد. وهو مثل قوله: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]. وكقوله: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: 3].
قوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}. قال الحسن: أول أعمالهم وآخرها. وقال بعضهم: ما بين أيديهم من أمر الآخرة، وما خلفهم من أمر الدنيا، أي: إذا صاروا في الآخرة.
قوله: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ} أي ما أعلم الأنبياءَ من الوحي.
{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}. ذكر بعضهم أن الكرسي عماد الشيء وقوامه، ولا يعلم قدر العرش إلا الذي خلقه. وقال بعضهم: وسع كرسيّه السموات والأرض أي: ملأ كرسيّه السماوات والأرض.
قوله: {وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}. قال مجاهد: أي لا يثقل عليه حفظهما {وَهُوَ العَلِيُّ} قال الحسن: لا شيء أعلى منه. {العَظِيمُ} الذي لا منتهى له ولا قدر ولا حدّ.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتفكروا في الله وتفكروا فيما خلق». (1/239)
صفحة 238
ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوماً: «أي القرآن أعظم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: سورة البقرة. قال: أتدرون أيها أعظم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ الْقَيُّومُ. . . إلى آخر الآية».
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: أشرف سورة في القرآن سورة البقرة قيل له: أيها أعظم؟ قال: آية الكرسي.
قوله: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}. ذكروا عن سعيد بن جبير قال: كان قوم من أصحاب النبي عليه السلام استرضعوا لأولادهم من اليهود في الجاهلية، فكبروا على اليهودية؛ فلما جاء الإِسلام أسلم الآباء؛ فأرادوا أن يكرهوا أولادهم على الإِسلام، فأنزل الله: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}.
ذكروا عن بعضهم أنه قال: أكرِه على الدين ولم يُكره فيه. أكره عليه العرب، إن هذه الأمة كانت أمة أمية ليس لها كتاب تقرأه أتى من عند الله، فأكرهوا على الإِسلام. أما من كان على ملة من يهودي أو نصراني فأقر بالجزية قُبِلت منه ولم يُفتن عن دينه. قال: وما كان سوى أهل الكتاب من المشركين ما خلا العرب فأقر بالجزية قبلت منه ولم يقتل.
وقال مجاهد: كانت النضير أرضعت رجالاً من الأوس؛ فلما أمر الرسول بإجلائهم قالت أبناؤهم من الأوس: لنذهبن معهم ولندينن بدينهم، فمنعهم أهلوهم، وأكرهوهم على الإِسلام ففيهم نزلت: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ}. الرشد الهدى، والغي الضلالة (1/240)
صفحة 239
قوله: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} الطاغوت هو الشيطان {وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. قال مجاهد: العروة الوثقى الإِيمان. وقال بعضهم: العروة الوثقى لا إله إلا الله. {لاَ انفِصَامَ لَهَا} أي لا انقطاع لها. وقال الحسن: لا انفصام لها دون أن تهجم بأهلها على الجنة.
قوله: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا} [قال الحسن: ولي هداهم وتوفيقهم] {يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي يخرجهم من وحي الشيطان إلى وحي الله، ولم يكونوا في وحي الشيطان قط. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} أي من وحي الله إلى وحيهم، ولم يكونوا في وحي الله قط، وهو كقوله: {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا ءَامَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس: 98]، كشف عنهم عذاباً لم ينزل بهم أي صرف عنهم. وقال بعضهم: {يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}، أي من الضلالة إلى الهدى، لأنهم كانوا في ضلالة. قال: {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي لا يموتون ولا يخرجون منها أبداً.
قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ ءَاتَاهُ اللهُ المُلْكَ} أي آتى المُلك الذي حاجّ إبراهيم في ربه، وهو نمروذ. ذكر بعض المفسّرين قال: ذكر لنا أنه نمروذ، وهو أول ملك تجبّر في الأرض، وهو صاحب الصرح ببابل.
قوله: {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}. قال بعضهم: ذكر لنا أن نمروذ دعا برجلين فقتل أحدهما واستحيى الآخر ف {قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} أي أنا استحيي من شئت وأقتل من شئت.
{قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ}. قال: لا يهدي القوم المشركين الذين يلقون الله وهم مشركون [أي لا يهديهم إلى الحجة ولا يهديهم من الضلالة إلى دينه]، وقال بعضهم: لا يكونون مهتدين وهم ظالمون؛ وهو ظلم فوق ظلم وظلم دون ظلم. قال الحسن: هكذا حجة الله على ألسنة الأنبياء والمؤمنين. (1/241)
صفحة 240
قوله: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} قال: هذا من حجة الله أيضاً وعجائبه. {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} أي خراب. {قَالَ أنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} يعني كيف يحيي هذه الله بعد موتها. {فَأَمَاتَهُ اللهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ}.
قال بعض المفسّرين: هو عزيز، والقرية بيت المقدس بعدما خرج منها بخت نصّر، فقال: أنى تعمر هذه بعد خرابها. {قَالَ: كَمْ لَبِثْتَ، قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. قال بعضهم: ذكر لنا أنه مات ضحى وبعث قبل غروب الشمس فقال: {لَبِثْتُ يَوْماً}؛ ثم التفت فرأى بقيّة من الشمس [ظنّ أنها] من ذلك اليوم فقال: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. {قَالَ} الله {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهُ} أي لم يتغيّر. {وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ}.
قال بعض المفسّرين: أول ما خلق الله منه رأسه، ثم ركبت فيه عيناه، ثم قيل له: انظر؛ فجعلت عظامه يتواصل بعضها إلى بعض، وبعينيه كل ذلك؛ فقال: أعلم أن الله على كل شيء قدير.
قال بعضهم: إنما أراه الله خلق حماره بعدما أحياه بجميعه؛ وهذا أحق التأويلين وأولاهما بالصواب.
وقال الكلبي في طعامه وشرابه: كان معه سلتان: سلة من تين وسلة من عنب وزق فيه عصير، والقرية إنما هي دبر هزقل،. . . . . . . . . (1/242)
صفحة 241
وكان الرجل عزيراً؛ وكان فيمن سباه بخت نصّر من أرض إسرائيل، فحملهم إلى أرض بابل.
وفي قوله: {وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ}: فنظر إلى حماره فإذا هو عظام بالية. قال: فرأى العظام قد ارتهشت أي تحرّكت وسعى بعضها إلى بعض؛ فرأى الصلب تسعى كل فقرة منه إلى صاحبتها، ثم رأى الوركين يسعيان إلى أماكنهما، وكل شيء منه يسعى بعضه إلى بعض. ثم جاء الرأس إلى مكانه، ثم رأى العصب والعرق ألقي عليه، ثم وضع عليه اللحم، ثم بسط عليه الجلد، ثم رد عليه الشعر، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق؛ فخر عزير ساجداً وقال: أعلم أن الله على كل شيء قدير. فهكذا أراه الله خلق حماره. فأما خلق نفسه إذ لم يتكامل خلقه ويتم، فإن الله لم يفعل هذا بأحد.
قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى}. قال بعض المفسّرين: بلغنا أن إبراهيم، خليل الرحمن، خرج يسير على حمار له، فإذا هو بجيفة دابة يقع عليها طير السماء، فيأخذ منها بضعة بضعة، وتأتيها سباع البر، فتأخذ منها عضواً عضواً، فيقع من أفواه الطير من ذلك اللحم فتأخذه الحيتان. فقام إبراهيم متعجباً فقال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى}.
{قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّ} أعلم حتى {يَطْمَئِنَّ قَلْبِي} كيف يجتمع لحم هذه الدابة بعدما أرى بعضه في بطون سباع البر، وبعضه في بطون الطير، وبعضه في بطون الحيتان. ف {قَالَ} له: يا إبراهيم، {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ (1/243)
صفحة 242
فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [يَعني فضمّهن إليك] {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً}. فأخذ أربعة أطيار مختلفة ألوانها وأسماؤها وريشها؛ فأخذ ديكاً وطاووساً وحماماً وغراباً، فقطع أعناقها، ثم خلط ريش بعضها ببعض، ودماء بعضها ببعض، ثم فرّق بينها على أربعة أجبل، فجعل على كل جبل ريشاً وعظماً ودماً. ثم نوديت من السماء بالوحي: أيتها العظام المفترقة، وأيتها اللحوم المتمزقة، وأيتها العروق المتقطعة، اجتمعي يرجع فيك أرواحك؟ فجعل يجري الدم إلى الدم، وتطير الريشة إلى الريشة، ويثب العظم إلى العظم، فعُلِّق عليها رؤوسها وأُدخِلَ فيها أرواحها. فقيل: يا إبراهيم، إن الله لما خلق الأرض وضع بيته في وسطها، وجعل للأرض أربع زوايا، وللبيت أربعة أركان، كل ركن في زاوية من زوايا الأرض، وأرسل عليهم من السماء أربعة أرياح: الشمال والجنوب والصبا والدبور. فإذا نفخ في الصور يوم القيامة اجتمعت أجساد القتلى والهلكى من أربعة أركان الأرض وأربعة زواياها كما اجتمعت أربعة أطيار من أربعة أجبل، ثم قال: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 28].
وقال بعض المفسّرين: ذكر لنا أن إبراهيم أتى على دابة توزعتها الذئاب والسباع فقال: {رَبِّ أََرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} أي ليسكن قلبي، أي أنظر إليه. قال الحسن: أراد أن يعلم كيف ذلك. {قَالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِن، قَالَ: بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}. فدعا ربه لينظر إلى ذلك معاينة، ليزداد به علماً. قَالَ: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ}. . . . إلى آخر الآية.
وقال ابن عباس: {قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}، أي: أعلم أني أدعوك فتجيبني وأسألك فتعطيني. (1/244)
صفحة 243
وقال بعضهم: أمر أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن، ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن، ثم يجزئهن على أربعة أجبل. وذكر لنا أنه فعل ذلك وأمسك رؤوسهن بيده، فجعل العظم يذهب إلى العظم، والريشة إلى الريشة والبضعة إلى البضعة. ثم دعاهن فأتينه سعياً على أرجلهن، وتلقى كل طير رأسه. وهذا مثل ضربه الله لإِبراهيم؛ يقول كما بعثت هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة، كذلك يبعث الله الناس يوم القيامة من أقطار الأرض.
قال بعض المفسّرين: بلغنا أن هذه الأطيار الأربعة: الطاووس والديك والغرنوق والحمام، والعامة يقولون: إنها الطاووس والديك والحمام والغراب.
وقال مجاهد في قوله: {ادْعُهُنَّ}، أي: قل لهن تعالين بإذن الله. قال: وبلغنا في قوله: {يَأْتِينَكَ سَعْياً} أي: مشياً على أرجلهن.
قوله: {وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ} أي: في ملكه {حَكِيمٌ} أي: في أمره.
قوله: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ} لخلقه {عَلِيمٌ} بأمرهم.
ذكروا عن عطاء قال: بلغنا أنه من جهّز غيره في سبيل الله كان له بكل درهم سبعمائة ضعف، ومن خرج بنفسه وماله كتب له بكل درهم سبعمائة ضعف، وبكل ضعف سبعون ألف ضعف، و {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ} [المائدة: 27].
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام، يقول الله: الصيام لي وأنا أجزي به، لا يدع طعامه وشرابه وشهوته إلا من أجلي، وإنما الصيام لي وأنا أجزي به». (1/245)
صفحة 244
ذكر بعض السلف قال: الذكر في سبيل الله يضاعف كما تضاعف النفقة: الدرهم بسبعمائة.
قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، ما أنفق عبد من نفقة أفضل من نفقة من قول».
قوله: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ} [يعني في طاعة الله] {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.
ذكروا أنه قيل: يا رسول الله، من المنّان؟ قال: «الذي لا يعطي شيئاً إِلاَّ منَّه» وقال بعضهم: علم الله أن أناساً يمنّون عطيتهم فنهى عن ذلك وقدم فيه.
قوله: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ} [أي حسن]، يعني بذلك دعاء المرء لأخيه {وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} أي يمنّ بها المتصدّق على من تصدّق بها عليه. {وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}.
ذكروا عن عبد الله أنه قال: كل معروف صدقة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل معروف يصنعه المسلم لأخيه المسلم فهو صدقة». (1/246)
صفحة 245
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالمَنِّ وَالأَذَى} فيصير مثلكم فيما يحبط الله من أعمالكم {كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ}.
قال الحسن: كان بعض المسلمين يقولون: فعلت كذا وكذا، وأنفقت كذا وكذا، فقال الله: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر}، وهو المنافق. قال: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ} كذلك الكفار الذين يطلبون بنفقتهم في سبيل الله الرياء لا يقدرون على شيء منه يوم القيامة. والصفوان الصفا. {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} والوابل المطر الشديد. {فَتَرَكَهُ صَلْداً} أي نقياً. قال: {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا} يومئذ {وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ}.
قال بعضهم: هذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة. يقول: لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ كما ترك المطر الوابل هذا الصفا، أي الحجر، ليس عليه شيء.
قوله: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ} قال الحسن: ينوون إذا تصدقوا أنهم يريدون به ما عند الله، يعلمون أن لهم به الجزاء من الله. وقال بعضهم: تثبيتاً أي: احتساباً قال الحسن: فمثلهم في نفقتهم {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} أي بنشز من الأرض {أَصَابَهَا وَابِلٌ} وهو المطر الشديد. {فَأَتَتْ أُكُلَهَا} أي ثمرتها {ضِعْفَيْنِ} أي مرّتين {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} أي الطش. {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. (1/247)
صفحة 246
وقال الحسن: لا تخلف خيرها على كل حال، كذلك لا تخلفهم نفقاتهم أن يصيبوا منها خيراً. وقال بعضهم: يقول: ليس لعمل المؤمن خلف كما ليس لهذه الجنة خلف على أي حال كان، إن أصابها وابل وإن أصابها طل.
قوله: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ} والإِعصار الريح الشديدة التي فيها النار {فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الأَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}.
يقول: هل منكم من يود ذلك؟ على وجه الاستفهام، أي: ليس منكم من يود ذلك، يقول: فاحذروا ألا تكون منزلتكم عند الله كذلك، أحوج ما تكونون إلى أعمالكم يحبطها ويبطلها، فلا تقدرون منها على شيء؛ فكما لا يسرّكم ذلك في حياتكم، فكذلك لا يسرّكم ذلك في الآخرة. وهذا مثل ضربه الله لكم لعلكم تتفكرون.
ذكروا عن الحسن قرأ هذه الآية فقرأ: مثلٌ واللهِ قلَّ من يعقله من الناس، حين كبرت سنة، وكثر عياله، وأحوج ما يكون إلى جنته. وإن أحدكم والله أحوج ما يكون إلى عمله إذا انقضت الدنيا ومضت لحال بالها.
وقال مجاهد: هذا مثل المفرّط في طاعة الله حتى يموت.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ}. قال الحسن: هذا في النفقة الواجبة؛ كانوا يتصدّقون بأردإ درهمهم، وأردإ فضتهم، وأردإ طعامهم، فنهاهم الله عن ذلك فقال: ولا تيمّموا [يعني ولا تقصدوا] الخبيث، وهو الرديء، منه تنفقون. أي: منه تزكون. (1/248)
صفحة 247
وقال مجاهد: {مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ}. أي من التجارة.
قال: {وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ} يقول: ولستم بآخذي هذا الرديء بثمن هذا الجيّد إلاَ أن يُهضَم لكم منه.
قال بعضهم: كان الرجل يكون له حائطان عل عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعمد إلى أردئهما، فيتصدق به، ويخلطه بالحشف، فنهاهم الله عن ذلك. قال: {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه}؛ أي: ولستم بآخذي هذا الرديء بسعر هذا الطيب إلا أن يهضم لكم منه. قال الحسن: فكما لا يستوي عندكم هذا الجيّد والرديء فكذلك لا يستوي عند الله في الآخرة.
وقال الكلبي: ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه، قال: لو كان لبعضكم على بعض حق فأعطِيَ دون حقه لم يأخذه منه إلا أن يرى أنه قد تغامض له عن بعض حقه، وكذلك الله، إلا أن يتراحم عليكم، لا تستكملون به الأجر له، إلا أن يتغمّدكم الله برحمته.
وقال مجاهد: إلا أن تغمضوا فيه: إلا أن تأخذوه من غرمائكم بزيادة على الطيّب في الكيل.
قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} أي غني عما عندكم لمن بخل بصدقته، حميد لمن احتسب بصدقته.
ثم قال: {الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ} يخبرهم أنهم حين ينفقون الرديء إنما هو ما يلقي الشيطان في قلوبهم من الفقر. {وَيَأْمُرُكُم بِالفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُم} على ما تنفقون {مَّغْفِرَةً} منه لذنوبكم {وَفَضْلاً} أي الجنة. (1/249)
صفحة 248
ذكروا أن عبد الله بن مسعود كان يقول: لابن آدم لَمّتان كلَّ صباح: لَمَّة من المَلَك، ولَمَّة من الشيطان: فأما لمّة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، وتطييب للنفس، وأما لمّة الشيطان فإيعاد بالفقر، وتكذيب بالحق، وتخبيث للنفس، وهو قوله: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً}
قوله: {وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي واسع لخلقه عليهم بأمرهم.
قوله: {يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُّؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} ذكر بعض المفسّرين قال: الحكمة الفقه في القرآن. قوله: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} أي أولو العقول، وهم المؤمنون.
قوله: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أََوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ} أي فلم تريدوا به الله، فإن الله لا يتقبله منكم إلا أن تريدوه به. وقال مجاهد: فإن الله يعلمه أي: يحصيه.
ذكر بعض أصحاب النبي، عن النبي عليه السلام أنه قال: «إن النذر لا يأتي بشيء لم يقدره الله، وقد يوافق النذر القدر ليستخرج به من البخيل، فيؤتى على يديه في الشيء لم يأت عليه قبل ذلك». (1/250)
صفحة 249
قال: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} أي للمشركين {مِنْ أَنْصَارٍ}.
قوله: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. أجمعت العلماء أنه يُستحب أن تكون الزكاة علانية، وصدقة التطوع سراً؛ فإذا كانت سرّاً كانت أفضل منها في العلانية.
ذكر الحسن عن كعب بن عجرة أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا كعب بن عجرة، الصلاة برهان، والصوم جنة، والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار، يا كعب، الناس غاديان: فغاد فمشتر رقبته فمعتقها، وغاد فبائع رقبته فموبقها».
قوله: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ} قال بعض المفسّرين: ذكر لنا أن رجلاً من أصحاب النبي عليه السلام قال: أتصدق على من ليس من أهل ديننا؛ فأنزل الله: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ}.
قال: {وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}.
وقال بعض المفسّرين: هذه الصدقة التي هي على غير المسلمين إنما هي تطوع، ولا يعطَون من الواجب شيئاً: لا من زكاة، ولا من كفارة، ولا في فداء من صوم أو حج ولا كل واجب، ولا يطعمون من النسك. ذكروا عن عطاء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تطعموا المشركين من نسككم شيئاً». (1/251)
صفحة 250
قوله: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ} قال الحسن: أحصرهم الفقر وهم أهل تعفف. {يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ} بفقرهم {أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} أي بتعففهم، أي فأعطوهم من نفقاتكم.
قال مجاهد: هم مهاجرو قريش بالمدينة مع النبي عليه السلام، أمر الله بالصدقة عليهم.
وقال الكلبي: هم أصحاب صُفّة مسجد النبي عليه السلام، قوم لم تكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر، وكانوا يلتمسون الرزق بالنهار بالمدينة، ويأوون إلى صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسوا، وهم الذين أحصروا في سبيل الله.
قال: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} أي: بعلاماتهم {لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} [أي إلحاحاً] ذكروا عن أبي ذر أنه قال: من كانت له أربعون ثم سأل فقد ألحف، يعني أربعين درهماً: وبعض الفقهاء يقول: إذا كانت له خمسون درهماً لم تحل له الصدقة.
عامة فقهائنا: أبو عبيدة وغيره، يقولون: صاحب الخادم والمسكن والغلام وصاحب المائة والمائتين يعطى من الزكاة إذا كان لا تقوتهم ولا يبلغ ما في يديه قوتهم. وقد يستحب لصاحب المائتين والخادم والمسكن والغلام أن يستعفف عن المسألة وعن الأخذ، وإن أخذ فلا بأس. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن المسكين ليس بالطواف الذي ترده التمرة (1/252)
صفحة 251
والتمرتان والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غناء يغنيه ولا يسأل الناس إلحافاً».
قوله: {وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} من مال {فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} أي يحفظه لكم حتى يجازيكم به.
قوله: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْْوَالَهُم بِالَّيْلِ والنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} أي: في الآخرة {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي على الدنيا.
ذكر بعضهم أنها نزلت في علف الخيل.
وذكروا أن هذه الآية لما نزلت عمد رجل من فقراء المسلمين إلى أربعة دراهم، لا يملك غيرها، فقال: إن الله يقول: {الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار سراً وعلانية}. فتصدّق بدرهم بالليل ودرهم بالنهار، وبدرهم في السر ودرهم في العلانية؛ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «أأنت الذي أنفقت درهماً بالليل ودرهماً بالنهار، ودرهماً في السر ودرهماً في العلانية؟ فقال الرجل: الله ورسوله أعلم؛ إن كان الله أطلع رسوله على شيء فهو ما أطلعه عليه؛ فقال له رسول الله: نعم، قد أطلعني الله على فعلك، والذي نفسي بيده ما تركت للخير مطلباً إلا وقد طلبته، ولا من الشر مهرباً إلا وقد هربت منه؛ اذهب فقد أعطاك الله ما طلبت، وآمنك مما تخوفت». (1/253)
صفحة 252
قوله: {الَّذِينَ يأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ}. ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حدّث عن ليلةِ أسرِيَ به فكان في حديثه أنه أتى على سابلة آل فرعون حيث ينطلق بهم إلى النار، يعرضون عليها غدواً وعشياً؛ فإذا رأوها قالوا: ربنا لا تقومن الساعة، مما يرون من عذاب الله. قال: فإذا أنا برجال بطونهم كالبيوت، يقومون فيقعون لظهورهم ولبطونهم، فيأتي عليهم آل فرعون فيثردونهم بأرجلهم ثرداً. قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا، ثم تلا هذه الآية: {الَّذِينَ يأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ}.
وقال الحسن: إن لأَِكَلَةِ الربا عَلَماً يعرفون به يوم القيامة أنهم أكلة الربا، يأخذهم خبل؛ فشبه الخبل الذي يأخذهم في الآخرة بالجنون الذي يكون في الدنيا.
وقال مجاهد: {يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ}، يوم القيامة في أكل الربا في الدنيا.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} هو الذي كانوا يعملون به في الجاهلية؛ إذا حل مال أحدهم على صاحبه قال المطلوب: إن هذا ربا قالوا، لا، سواء علينا زدنا في أول البيع أو عند محل الأجل. فأكذبهم الله فقال: {وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}.
ذكروا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرطين في بيع، وعن بيع وسلف، وعن بيع ما ليس عندك، وربح ما لم تضمن. (1/254)
صفحة 253
ذكروا عن الحسن أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر.
وذكروا عن الحسن أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع البسر حتى يحمر، وعن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يبيض.
قوله: {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ} يعني البيان الذي في القرآن في تحريم الربا {فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} أي غفر الله له ما سلف. (1/255)
صفحة 254
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل ربا في الجاهلية فهو موضوع».
ذكروا عن عروة بن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أسلم على شيء فهو له».
وقال الحسن في قوله: فله ما سلف {وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ}: غفر لَهُ ما سلف من ذلك، ووقع أجره على الله لقبوله الموعظة. وقال السدي: وأمره إلى الله: إن شاء عصمه من بعد، وإن شاء لم يفعل.
قوله: {وَمَنْ عَادَ} أي ومن عاد فاستحل الربا بعد تحريمه {فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
قوله: {يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا} أي: يمحقه يوم القيامة فيبسط له {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} لأهلها أي: يضاعفها.
[يحيى عن عثمان عن سعيد المقبُري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما تصدق عبد بصدقة فتقع في يد السائل حتى تقع في يد الله، ثم يربّيها لصاحبها كما يربّي أحدكم فَلُوَّه أو فصيله، حتى تصير اللقمة مثل أحد]» {وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}. أثيم لأكله الربا، والكفر أعظم الإثم.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} يعني ما افترض الله عليهم {وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ} وهما فريضتان واجبتان {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أي الجنة {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. (1/256)
صفحة 255
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي إذ كنتم مؤمنين. نزلت هذه الآية فيما بقي مما أربوا فيه في الجاهلية ألا يأخذوه، وما أخذوه قبل إسلامهم فهو لهم حلال. ذكروا عن عروة بن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أسلم على شيء فهو له».
قوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} أي فاشعروا أنكم بحرب من الله ورسوله {وَإِن تُبْتُمْ} أي أسلمتم {فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} يقول يبطل الفضل إذا كان قد بقي ديناً على المطلوب {لاَ تَظْلِمُونَ} فتأخذون الفضل {وَلاَ تُظْلَمُونَ} من رؤوس أموالكم شيئاً.
ذكروا عن الحسن أنه كان يقول: من أربى في شيء فلا يأخذ إلا رأس ماله. تفسير ذلك أنه إذا فات البيع ولم يقدرا على أن يردّاه. ومن كان في يده ربا لم يقدر على رد تلك السلعة تصدّق بها على المساكين.
قوله: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله من يسر على معسر أو محا عنه».
ذكر يعلى بن شداد بن أوس قال: كنت مع أبي إذ أبصر غريماً له، فلما رآه الغريم أسرع حتى دخل بيته وأغلق بابه. فجئنا فقمنا على بابه فطلبناه. فقالوا: ليس هاهنا. فقال أبي أنا أنظر إليه آنفاً حتى دخل. فلما سمع الغريم خرج. فقال له أبي: (1/257)
صفحة 256
ما حملك على ما صنعت؟ قال: العسرة. قال: آللهِ فقال: اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أنظر معسراً أو تصدق عليه، وأشهدك يا رب أني تصدقت عليه».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أنظر معسراً أو وضع عنه أظلّه الله يوم القيامة في ظله».
قوله: {وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي إن علمتم أن الصدقة خير لكم من أخذها.
قوله: {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ} قال الحسن: خير لكم في يوم ترجعون فيه إلى الله: {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي لا يُنْقَصُون، يعني المؤمنين، يُوَفَّون حسناتهم يوم القيامة. قال الحسن: هي موعظة يعظ بها المسلمين.
قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} بين البائع والمشتري، يعدل بينهما في كتابه، لا يزيد على المطلوب ولا ينقص من حق الطالب.
{وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ} الكتابة وترك غيره فلم يعلمه. {فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ} يعني المطلوب. وقال الحسن: فإن كان الطالب يقدر على من يكتب فهو واسع. قال: {وَلْيَتِّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً} أي لا ينقص من حق الطالب. (1/258)
صفحة 257
ثم قال: {فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً} يعني جاهلاً بالأموال أو عاجزاً أو أخرق أو أحمق. {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُّمِلَّ هُوَ} يعني الذي عليه الحق لا يحسن أن يمل {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} أي ولي الحق، يعني الطالب {بِالْعَدْلِ} أي لا يزدد شيئاً. وقال بعضهم: السفيه: المرأة الضعيفة والأحمق الذي لا يحسن أن يملّ.
قوله: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ} أي من أحراركم {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَ} ليكن {رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَونَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجوز شهادة ذي الظِّنة وذي الحِنّة وذي الجِنة» وتفسير ذي الظنة المتهم، والحنة العداوة بين الرجلين، والجنة الجنون.
ذكروا عن شريح أنه قال: لا أجيز شهادة الخصم، ولا الشريك، ولا دافع المغرم، ولا شهادة الأجير لمن استأجره في تلك الضيعة بعينها.
قوله: {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} أي أن تنسى إحداهما الشهادة {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} أي تذكر التي حفظت شهادتها الأخرى. وهي تقرأ بالتخفيف والتثقيل؛ فمن قرأها بالتخفيف فهي قد ذكر لها فذكرت. وقد يكون أن يذكر الإِنسان صاحبه فلا (1/259)
صفحة 258
يذكر، ولكن هذه قد ذكرت، فهي في كلا الوجهين قد ذكرت.
قوله: {وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال بعضهم: كان الرجل يأتي الحِواء العظيم يطلب من يشهد له فلا يتبعه منهم رجل واحد، فنهى الله عن ذلك. وقال الحسن إذا وجد غيره فهو واسع.
ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يفيض المال ويظهر العلم ويكثر التجار» قال الحسن: لقد أتى على الناس زمان وما يقال إلا تاجر بني فلان، وكاتب بني فلان، ما يكون في الحي إلا التاجر الواحد والكاتب الواحد.
قوله: {وَلاَ تَسْأَمُوا} ولا تمَلوا {أَن تَكْتُبُوهُ} يعني الحق {صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ} أي أعدل {عِندَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} أي أصوب للشهادة {وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا} أي أجدر ألا تشكوا في الحق والأجل والشهادة إذا كان مكتوباً.
قال: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً} أي حالة {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} ليس فيها أجل {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي حرج {أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} يعني التجارة الحاضرة.
قوله: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} أي أشهدوا على حقكم، كان فيه أجل أو لم يكن فيه أجل. ذكروا عن الحسن أنه قال: نسخها {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} [البقرة: 283]. قال الحسن: فأنا أشك، ذكر الكتاب وحده أنه ذكر الكتاب والشهادة بغير كاتب. ذكروا عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى بنقد أو بنسئة أشهد عليه.
قوله: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}. قال بعضهم: لا يجيء يقيمه في حال شغله. وقال بعضهم: هي في الكاتب والشاهد يدعوهما إلى الكتاب والشهادة عند البيع، ولهما حاجة فيشغلهما عن حاجتهما، يضارّهما بذلك، وهو يجد غيرهما، (1/260)
صفحة 259
فيقول لهما: قد أمركما الله بالشهادة، فلْيَدَعْهما لحاجتهما، وليلتمس غيرَهما. وقال مجاهد: لا يُقامُ عن شغله وحاجته في نفسه أو يخرج.
قال: {وَإِن تَفْعَلُوا} أي تضاروا الكاتب والشهيد {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} أي معصية لكم. وبلغنا عن عطاء أنه قال قال: هي في الوجهين جميعاً: إذا دعي ليُشهَد أو ليَشهَد بما عنده من الشهادة.
قال: {وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ} أي فاتقوا الله ولا تعصوه فيهما.
قال: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ}.
ذكروا أن شريحاً والحسن قالا: الرهن بما فيه. ذكروا عن علي بن أبي طالب قال: يتراددان الزيادة والنقصان.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الرهن لا يغلق من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه».
ذكروا عن جابر بن زيد وأبي عبيدة أنهما قالا: إن كان بأقل مما فيه فهو بما فيه، وإن كان بأكثر مما فيه فإنه يرد الفضل.
قوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً} يعني فإن كان الذي عليه الحق أميناً عند صاحب الحق، فلم يرتهن منه في السفر لثقته به وحسن ظنه بوفاء الذي عليه، قال: {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} أي ليؤد الحق الذي عليه إلى صاحبه {وَلْيَتَّقِ اللهَ (1/261)
صفحة 260
رَبَّهُ}. وكان الحسن يقول: نسخت هذه الشهادة، أو قال: الكتابَ والشهادة.
قوله: {وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} أي عند الحاكم، إذا دعي إليها فليُقِمها على وجهها. {وَمَن يَكْتُمْهَا} فلا يشهد إذا دعي إليها {فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي من كتمان الشهادة وإقامتها {عَلِيمٌ}.
ذكر الحسن قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يمنعَنَّ أحدَكم مخافةُ الناسِ أن يقول الحق إذا شهده أو علمه».
ذكروا عن الحسن عن النبي عليه السلام مثل ذلك. قال الحسن: أما والله ما هو بالرجل يوانب السلطان. ولكن الرجل تكون عنده الشهادة فيشهد بها.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسْأَلَهَا».
قوله: {لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فِيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
قال بعض المفسّرين: نزلت هذه الآية فجهدتهم، وكبرت عليهم، فأنزل الله (1/262)
صفحة 261
بعدها آية فيها يسر وتخفيف وعافية، فنسختها: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286].
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لأمتي عمَّا حدثت به أنفسَها ما لم تعمل أو تتكلم به».
وتفسير مجاهد: {وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ}، أي: من اليقين أو الشك.
قوله: {ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ}.
قال الحسن: هذا دعاء أمر الله رسوله والمؤمنين أن يدعوا به.
ذكر بعضهم أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي سنة، فوضعه تحت العرش، فأنزل الله منه آيتين ختم بها سورة البقرة، لا تقرآن في بيت فيقربه الشيطان ثلاث ليال: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه}. . . إلى آخر السورة».
ذكروا عن الحسن قال: كان فيما منّ الله به على النبي عليه السلام: ألم أعلمك خواتم سورة البقرة؟.
قوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي إلا طاقتها. وهذا في حديث النفس. {لَهَا مَا كَسَبَتْ} أي من خير {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} أي من شر. (1/263)
صفحة 262
قوله: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا} هذا فيا يتخوّف فيه العبد المأثم، أن ينسى أن يعمل بما أمر به، أو ينسى فيعمل بما نُهي عنه.
{أَوْ أَخْطَأْنَا} هذا فيما يتخوّف فيه العبد المأثم، أن يخطىء فيكون منه أمر يخاف فيه المأثم لم يتعمّده، فوضع الله ذلك عنه، كقوله: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] أي: ما تعمّدت فيه المأثم.
قوله: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} يعني ما كان شدِّدَ به على بني إسرائيل، والإِصر العهد، فيما كانوا نهوا عنه. وهذا دعاء أمر الله المؤمنين أن يدعوا به. وقد وضع الله على المؤمنين ما كان شدّد على بني إسرائيل. فقال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} أي يجدونه مكتوباً عند أهل الكتاب في كتابهم {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] وقال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 155] أي اتبعوا ما أحل فيه {وَاتَّقُوا} أي ما حرّم فيه. وكان من ذلك الإِصر ما حرّم عليهم من الشحوم، وكل ذي ظفر وأمر السبت، وكل ما عهد إليهم ألا يفعلوه مما أحلّ لنا.
قوله: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} وهو الوسوسة في تفسير ابن عباس.
ذكروا عن الحسن أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني لأحدث نفسي بالشيء ما يسرّني أني تكلّمت به وأن لي الدنيا. قال: ذلك محض الإِيمان. (1/264)
صفحة 263
قوله: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الكَافِرِينَ}. قال الحسن: هذا دعاء أمر الله به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في هاتين الآيتين: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ}. . . إلى آخر السورة. وقد أخبر الله النبي عليه السلام أنه قد غفر له (1/265)
صفحة 264
تفسير سورة آل عِمْرَانَ. وهي مدنية كلها.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: {الم اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ} أي الحي الذي لا يموت. قوله: ألَمّ، قد فسّرناه في أول سورة البقرة. وقال بعضهم: القيّوم: القائم على كل شيء. وهو تفسير مجاهد. وقال الحسن: القائم على كل نفس بكسبها حتى يجازيها.
قوله: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ} أي القرآن {بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي من التوراة والإِنجيل. {وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ مِن قَبْلُ} أي من قبل القرآن. {هُدًى لِّلنَّاسِ} أي أنزل هذه الكتب جميعاً هدى للناس {وَأَنزَلَ الفُرْقَانَ} أي: أنزل الله الحلال والحرام، فرّق الله في الكتاب بين الحلال والحرام. وقال بعضهم: فرّق الله فيه بين الحق والباطل. وقال بعضهم: الفرقان: القرآن.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ} قال الحسن: بدين الله {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ} في نقمته {ذُو انتِقَامٍ} من أعدائه.
قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي (1/266)
صفحة 265
يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} أي خلق الله كل إنسان على صورة واحدة، وصوّره كَيف يشاء. وهو كقوله: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 8] ذكر بعض المفسّرين قال: يشبه الرجل الرجلَ ليس بينهما قرابة إلا من قبل الأب الأكبر: آدم.
قوله: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} أي العزيز في ملكه وفي نقمته، الحكيم في أمره.
قوله: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} قال بعضهم: المحكم هو الناسخ الذي يعمل به، فأحلّ الله فيه حلاله وحرّم وحرامه، والمتشابه هو المنسوخ الذي لا يُعمل به ويُؤمَن به. وتفسير الكلبي: هو الم، والر، المر، والمص، وأشباه ذلك.
وبلغنا عن أبي حازم عن ابن عباس قال: هو التقديم والتأخير، والمقطوع والموصول، والخاص والعام، وتفسير مجاهد: {هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ}، يعني ما فيه من الحلال والحرام، وما سوى ذلك فهو المتشابه.
قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} والزيغ: الشك. وتفسير الكلبي أنها في النفر من اليهود الذين دخلوا على النبي عليه السلام: كعب بن الأشرف وأصحابه. وقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة.
ذكروا عن عائشة أنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال: «قد سمّاهم الله لكم؛ فإذا رأيتموهم فاحذروهم».
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال: «أرأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين سمّى الله؛ فإذا رأيتموهم فلا تجالسوهم، أو قال: فاحذروهم». (1/267)
صفحة 266
قوله: {ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}. كان الكلبي يقول: {ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ} أي: ابتغاء الشرك يعني أولئك اليهود. وقال الحسن: {ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ} أي: ابتغاء الضلالة، {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}، أي ابتغاء الحرابة. وقال الكلبي: هو ما نظر فيه أولئك اليهود من ألم وأشباه ذلك، وكانوا حملوه على حساب الجمل، حساب بقاء هذه الأمة زعموا حين التبس عليهم، قال: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ} أي: تأويل ما كتب الله لهذه الأمة من الأكل، {إِلاَّ اللهُ}، فقال عند ذلك عبد الله بن سلام والنفر الذين أسلموا من اليهود، وهم الراسخون في العلم: {ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}. هذا تفسير الكلبي.
وبلغنا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أنزل القرآن على أربعة أوجه: حلال وحرام لا يسع الناسَ جهلُهُ، وتفسير يعلمه العلماء، وعربية يعرفها العرب، وتأويل لا يعمله إلا الله، يقول الراسخون في العلم: آمنا به كل من عند ربنا. ذكر بعض المفسّرين قال: نزل القرآن على ستّ آيات: آية مبشّرة، وآية منذرة، وآية فريضة، وآية تأمرك، وآية تنهاك، وآية قصص وأخبار. (1/268)
صفحة 267
قوله: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} أي أولو العقول، وهم المؤمنون.
قوله: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ}. قال الحسن: هذا دعاء أمر الله المؤمنين أن يدعوا به. وقال الكلبي: هم النفر الذين أسلموا من اليهود: عبد الله بن سلام وأصحابه.
وقد فسّرناه في الآية الأولى من تفسير الكلبي.
قوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ}. ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: ليوم لا شك فيه، وهو يوم القيامة: {إنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ}.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ} أي لن تنفعهم {أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئاً وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ} أي: حطب النار. هو مثل قوله: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ} [الشعراء: 88].
قوله: {كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ} الدأب: العادة والحال. {وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ العِقَابِ} يعني ما أهلك به الأمم السالفة حين كذبوا رسلهم.
وقال بعضهم: {كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ}، أي: كفعل آل فرعون والذين من قبهلم. وقال الحسن: هذا مثل ضربه الله لمشركي العرب؛ يقول: كفروا وصنعوا كصنيع آل فرعون {وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الكفار {كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ}، وهو عذابه أتاهم حين كذبوا رسله. (1/269)
صفحة 268
قال: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ} أي: بيس الفراش. وقال في آية أخرى: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف: 41]: وقال في آية أخرى: {لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [الزمر: 16]؛ وهو واحد كله. وقال الحسن: فهزمهم الله يوم بدر وحشرهم إلى جهنم.
قوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا} وهما فئتا بدر، فئة المؤمنين، وفئة مشركي العرب في تفسير الحسن ومجاهد وغيرهما. فقال: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ} يعني النبي عليه السلام وأصحابه {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} يعني المشركين {يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ}. قال الحسن: يقول: قد كان لكم أيها المشركون آية في فئتكم وفئة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذ ترونهم مثليهم رأى العين لمّا أراد الله أن يُرعب قلوبهم [ويخذلهم] ويخزيهم، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الملائكة وجبريل، لما أراد الله.
وقال الكلبي: لما هزم الله المشركين يوم بدر قالت اليهود: هو والله النبي الذي ذُكِر لنا؛ لا والله لا تُرفع له راية إلا أظفره الله عليها؛ فقال بعضهم لبعض: اتبعوه ترشدوا وتفلحوا. وتربّصوا به إلى يوم أحد؛ فلمّا نكب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكّت اليهود وارتابوا. فأنزل الله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا. . .} إلى آخر الآية.
قال: {وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ} قال بعض المفسّرين: أي: ما أيّد به رسول الله من الملائكة ومن نصره. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُِوْلِي الأَبْصَارِ} أي مُتَفَكَّراً لأولي العقول، وهم المؤمنون. (1/270)
صفحة 269
قوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا}.
ذكروا عن الحسن أنه قال: القنطار ألف دينار ومائتا دينار. وقال بعضهم: ثمانية آلاف مثقال من ذهب أو فضة. وقال بعضهم: القناطير المقنطرة المال الكثير، بعضه على بعض.
وقال بعضهم: الخيل المسوّمة، سيماها، يعني غرّها وتحجيلها. وقال الحسن: الراعية. قال وهي مثل قوله: {شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10] أي: ترعون. وقال بعضهم: هي من السيما مثل قوله: {مُسَوِّمِينَ} [سورة آل عمران: 125] أي معلمين. وقوله: {ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا}، والمتاع ما يُستمتع به ثم يذهب. {وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ} أي: حسن المرجع، أي الجنة للمؤمنين.
قوله: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيرٍ مِّن ذَلِكُمْ} أي من هذا الذي ذكر من متاع الحياة الدنيا. {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحتِهَا الأَنْهَارُ}. ذكروا عن أنس بن مالك قال: أنهار الجنة تجري في غير خدود: الماء واللبن والعسل والخمر؛ وهو أبيض كله؛ فطينة النهر مسك أذفر، ورضراضه الدر والياقوت، وحافاته قباب اللؤلؤ.
قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا} أي لا يموتون ولا يخرجون منها. (1/271)
صفحة 270
قوله: {وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} أي مطهّرة من الاثم والأذى. قال الحسن: ومن مساوىء الأخلاق.
ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساء أهل الجنة: «لا يحضن ولا يلدن ولا يمتخطن ولا يبلن ولا يقضين حاجة إلا حاجة ليس فيها قذر».
قوله: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}. ذكروا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أدخل الله أهل الجنة الجنة ورأوا ما فيها قال لهم: لكم عندي أفضل من هذا. قالوا: ربنا ليس شيء أفضل من الجنة. قال: بلى، أُحِلّ عليكم رضواني»
قوله: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} أي: واصرف عنا عذاب النار.
قوله: {الصَّابِرِينَ} صبروا صبراً على طاعة الله وعن محارمه {وَالصَّادِقِينَ} قال بعضهم: صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم، فصدقوا في السر والعلانية. {وَالقَانِتِينَ} وهم المطيعون لله. {وَالمُنْفِقِينَ} وهم المنفقون أموالهم في حقها. {وَالمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} وهم أهل الصلاة.
قال الحسن: هل يستوي هؤلاء والكفار؟ أي أنهم لا يستوون عند الله، يعني (1/272)
صفحة 271
الذين وصفهم الله في الآية الأولى في قوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ}. . . إلى آخر الآية. ثم قال {قُلْ أَوُْنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ}، ثم ذكر هذه الأعمال الصالحة.
قوله: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ}. فيها تقديم وتأخير. يقول: شهد الله أنه لا إله إلا هو قائماً بالقسط، أي بالعدل، وشهد الملائكة وشهد أولو العلم، وهم المؤمنون. {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ} العزيز في ملكه، بعزته ذلّ من دونه. وبعضهم يقول: العزيز في نقمته، الحكيم في أمره.
قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ} هو كقوله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]. قال: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ} وكانوا على الإِسلام {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً} أي حسداً {بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ} من بعدما جاءته، أي جاءهم ما عرفوا فكفروا به. {فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ} يعني عذابه؛ إذا أراد أن يعذبهم لم يؤخرهم عن ذلك الوقت؛ هذا في تفسير الحسن. وقال مجاهد: يعني إحصاءه عليهم.
قوله: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ} أي: أخلصت {وَجْهِيَ} أي ديني {لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ} أي من اتبعني أسلم وجهه لله. {وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ} يعني مشركي العرب، وكانت هذه الأمة أمية ليس لها كتاب من السماء تقرأه، حتى أنزل الله القرآن. {ءَأَسْلَمْتُمْ} يقول: أأخلصتم لله، أي أقررتم وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة؟ على الاستفهام. قال: {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا} عن ذلك {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاَغُ} أي في الحجة تقيمها عليهم. {وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} أي بأعمال العباد، بصير بهم.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ} يعني بدين الله في تفسير الحسن. وقال بعضهم يقول: بالقرآن. {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ (1/273)
صفحة 272
بِالْقِسْطِ} أي بالعدل {مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي موجع.
ذكر بعض المفسّرين قال: ذكر لنا أن عيسى لما رفع انتخبت بنو إسرائيل أربعة من فقهائهم فقالوا للأول: ما تقول في أمر عيسى. فقال: هو الله، هبط إلى الارض، فخلق ما خلق، وأحيى ما أحيى، ثم صعد إلى السماء؛ فتابعه على ذلك أناس من الناس، فكانت اليعقوبية من النصارى. فقال الثلاثة الآخرون: نشهد إنك كاذب. فقالوا للثاني: ما تقول في أمر عيسى؟ قال: هو ابن الله؛ فتابعه على ذلك أناس من الناس، فكانت النسطورية من النصارى؛ فقال الاثنان: نشهد إنك كاذب. فقالوا للثالث: ما تقول في عيسى؟ فقال: هو إله وأمه إله، والله إله. فتابعه على ذلك أناس من الناس. فكانت الإِسرائيلية من النصارى؛ فقال الرابع: أشهد إنك كاذب، ولكنه عبد الله ورسوله، ومن كلمة الله وروحه، فاختصم القوم، فقال المسلم: أناشدكم الله، هل تعلمون أن عيسى كان يطعم الطعام. فقالوا: اللهم نعم. قال: فهل تعلمون أن عيسى كان ينام والله لا ينام؟ قالوا: اللهم نعم. فخصمهم المسلم فاقتتل القوم. وذكروا لنا أن اليعقوبية ظفرت يومئذ، وأصيب المسلمون، فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بَعَذَابٍ أَلِيمٍ}.
{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} وهذه الأصناف في كتاب الله في ثلاثة مواضع؛ قال الله: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17 و 72]. وقال: {وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ} [التوبة: 30] وقال: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاََثَةٍ} [المائدة: 73]. فهذه الأصناف الثلاثة موصوفة في هذه المواضع التي سمّينا من كتاب الله.
قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ (1/274)
صفحة 273
لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ}. يعني أهل الكتاب في تفسير الحسن. وقال غيره: هم اليهود خاصة. دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المحاكمة إلى كتاب الله، وأعلمهم أن الكتاب الذي أنزله الله عليه موافق لكتابهم الذي أنزل عليهم، فتولوا عن ذلك وأعرضوا عنه.
قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل، يعني به أوليهم وقد فسّرناه في سورة البقرة، ثم رجع الكلام إليهم فقال: {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [أي يختلفون] على الله فيه الكذب. قال بعض المفسّرين: هو قولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18].
قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك فيه، وهو يوم القيامة، لا شك أنه كائن. {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ} أي جزيت كل نفس {مَا كَسَبَتْ} أي ما عملت من خير أو شر {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. فأما المؤمن فيُوفَّى حسناته في الآخرة، وأما الكافر فيجازى بها في الدنيا وله في الآخرة عذاب النار. وهو كقوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} وهو الكافر لا يريد إلا الدنيا، لا يقرُّ بالآخرة. قال: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ} أي حسناتهم {فِيهَا} أي في الدنيا {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} أي: لا ينقصون {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15 - 16]. وكقوله: {مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ} يوم القيامة {كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ} [إبراهيم: 18].
قوله: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن (1/275)
صفحة 274
تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
قال الحسن: أمر الله رسوله أن يدعوه فيعطيه ملك فارس والروم، ويرد ذلّ العرب عليهما؛ أمره بذلك وفي حكمه أن يستجيب له ويعطيه ذلك. وهكذا منازل الأنبياء عندهم؛ إذا أمرهم بالدعاء في شيء أو على قومهم استجاب دعاءهم.
وقال بعضهم: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته، فأنزل الله هذه الآية: {قُل اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ}. . . إلى آخر الآية.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تقاتلون جزيرة العرب فيفتح الله عليكم، وتقاتلون فارس فيفتح الله عليكم، وتقاتلون الروم فيفتح الله عليكم، وتقاتلون الدجال فيفتح الله عليكم» وكان عقبة بن نافع يحلف بالله لا يخرج الدّجّال حتى تفتح الروم.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات كسرى فلا كسرى بعده، وإذا مات قيصر فلا قيصر بعده».
قوله: {تُولِجُ الَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ} وهو أخذ كل واحد منهما من صاحبه. وقال بعضهم: نقصان الليل في زيادة النهار ونقصان النهار في زيادة الليل.
قوله: {وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ}. قال مجاهد: هي النطفة والحبة؛ يخرج من النطفة الميتة الخلق الحي، ويخرج من النبات (1/276)
صفحة 275
الحي الحبة اليابسة. وقال بعضهم: والبيضة مثل ذلك. وقال في آية أخرى: {إِنَّ اللهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ} [الأنعام: 95]. وهذا موافق لقول مجاهد. وقال الحسن وغيره: يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن. {وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي لا ينقص ما عند الله، أي بغير محاسبة منه لنفسه في تفسير الحسن.
قوله: {لاَّ يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ} [يعني في النصيحة] {مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْْسَهُ} أي عقوبته.
وقال بعضهم: ويحذركم الله نفسه، أي ويحذركم الله منه، ويحذركم الله إياه. {وَإِلَى اللهِ المَصِيرُ}.
قال بعضهم: تقيّة الرحم من المشركين، من غير أن يتولوهم في دينهم، إلا أن يصل الرجل رحماً له من المشركين.
وقال غيره: هذا رجل صار في أيدي المشركين فأعطاهم بلسانه ما ليس في قلبه حتى يجعل الله له مخرجاً.
ذكر أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن (1/277)
صفحة 276
ياسر فلم يدعوه حتى سبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر آلهتَهُم بخير، [ثم تركوه] فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما وراءك؟» قال: شر يا رسول الله، والله ما تُرِكتُ حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير. «قال: فكيف تجد قلبك؟» قال: أجده مطمئناً بالإِيمان «. قال: فإن عادوا فعد».
قوله: {قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ} أي تظهروه {يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً} هذا المؤمن. قال بعضهم: {مُّحْضَراً} أي: موفّراً مكَثَّراً. {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَْو أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً} فلا يجتمعان أبداً {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ} أي عقوبته {وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} أي رحيم. أما المؤمن فله رحمة الدنيا والآخرة، وأما الكافر فرحمته في الدنيا ما رزقه الله فيها، وليس له في الآخرة إلا النار.
قوله: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} قال الحسن: جعل محبةَ رسوله محبتَه، وطاعتَه طاعتَه؛ فقال: {مَّن يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} [النساء: 80] وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ} [الفتح: 10].
قوله: {قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا} أي عن دينه {فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ}.
قوله: {إِنَّ اللهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً} أي: اختار آدم ونوحاً للبلاغ عن الله (1/278)
صفحة 277
الرسالة. {وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ} يعني إبراهيم وولده وولد ولده {وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} قال بعض المفسّرين: أي في النية والإِخلاص والعمل الصالح والتوجيه له. {وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
{إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ}. قال مجاهد: محرراً للمسجد يقوم عليه.
قال الحسن: ألهمت ذلك حتى علمت أنه لله رِضاً، فنذرت وسألت الله أن يتقبل ذلك منها.
وقال بعضهم: كانت امرأة عمران حررت لله ما في بطنها. وكانوا يحررون الذكور. وكان المحرَّر إذا حُرِّر يكون في المسجد لا يبرحه، يقوم عليه ويكنسه. وكانت المرأة لا يُستطاع أن يُصنعَ ذلك بها لِما يصيبها من الأذى، يعني الحيض.
قوله: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} وهي تقرأ على وجه آخر: والله أعلم بما وضعتُ. فمن قرأها بالسكون، فهو من قول الله، ومن قرأها بالرفع، فهو من قولها. قال: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى}.
قال الكلبي: كانت امرأة عمران قد دخلت في السنّ، ولم يكن لها ولد، فحملت، فجعلت ما في بطنها محرّراً لبيت المقدس. ولم يكن يحرّر في ذلك الزمان إلا الغلمان، فحرّرته قبل أن تعلم ما هو، فقال لها زوجها: ويحك ما صنعت؟ أرأيت لو كان أنثى، وعورة المرأة ما قد علمت، ما تصنعين؟ فلم تزل في همّ مما قال لها زوجها حتى وضعت، فقالت: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا (1/279)
صفحة 278
وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى}. فلفّتها في خرقة ثم أرسلت بها إلى المسجد، مسجد بيت المقدس، فوضعتها فيه، فتنافسَها الأحبار بنو هارون.
قال مجاهد: حين دخلت عليهم قال لهم زكرياء، وهو يومئذ رأس الأحبار: أنا أحقكم بها؛ عندي أختها، فذروها لي. فقالت الأحبار: لو تركت لأقرب الناس إليها لتركت لأمها التي ولدتها؛ ولكنا نقترع عليها، فهي لمن خرج سهمه. فاقترعوا عليها بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي، فقرعهم زكرياء فضمَّها إليه، واسترضع لها، حتى إذا شبت بنى لها محراباً في المسجد، فجعل بابه في وسطه، لا يرتقى إليها إلاّ بسلّم، ولا يأمن عليها أحداً غيره.
وقال الحسن: لم يسترضع لها ولم تلقم ثدياً قط، أنبتها الله بغير رضاع. قال الكلبي: وكانت امرأة زكريا أيضاً عاقراً قد دخلت في السّن، وزكرياء شيخ كبير، فهنالك طمع زكرياء في الولد.
قوله: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أي أن يضلّها وإياهم.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل بني آدم يطعنه الشيطان في جنبه حين تلده أمه إلا عيسى بن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب» وقال بعضهم: أرأيتم هذه الصرخة التي يصرخها حين تلده أمه، فإنها منه. وذكروا عن بعضهم قال: كل آدمي طعن الشيطان في جنبه إلا عيسى وأمه، جعل بينهما وبينه حجاب، فأصابت الطعنة الحجاب، ولم ينفذ إليها بشيء.
قوله: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} أي: (1/280)
صفحة 279
ضمّها زكرياء في تفسير من خَفّف قراءتها، ومن ثقّل قراءتها يقول: وكفّلها اللهُ زكريا، بنصب زكرياء.
قوله: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} ذكر بعضهم قال: كان يجد عندها فاكهة الصّيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. {قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا} أي: من أين لك هذا. {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
قال الله: {هُنَالِكَ َدَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} [أي تقيّةً] {إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} فاستجاب الله له {فَنَادَتْهُ المَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} أي في المسجد. فبينما هو قائم يصلي إذا هو برجل قائم، عليه ثياب بيض، قائم مقابله، وهو جبريل عليه السلام؛ فناداه وهو قائم يصلي في المحراب: {أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيىَ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ}. والكلمة عيسى عليه السلام.
قوله: {يُبَشِّرُكَ بِيَحْيىَ} قال بعض المفسّرين: أحياه الله بالإِيمان. {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ}، يعني عيسى على سنته ومنهاجه.
قال: {وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ}. قال بعض المفسّرين: السيد الحسن الخلق، والحصور الذي لا يأتي النساء، يقول: حصر عنهن فلا يستطيعهن. وقال بعضهم: سيد بالعبادة والحلم والورع. والحصور الذي لا يأتي النساء. وقال مجاهد: السيد هو الكريم على الله.
{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ} أي كيف يكون {لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ وَامْرَأَتِي (1/281)
صفحة 280
عَاقِرٌ} أي لا تلد. قال الحسن: أراد أن يعلم كيف وهب ذلك له وهو كبير، وامرأته كبيرة عاقر. وإنما ذلك بمنزلة قول إبراهيم: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى} [البقرة: 260]. أراد أن يزداد علماً.
{قَالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ. قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً} أي: إلا إيماء. فعوقب، فأخذ عليه بلسانه في تفسير الحسن. وقال غيره: فجعل لا يفيض الكلام إلا ما أومأ إيماء.
وقال بعضهم: إنما عوقب لأن الملائكة شافهته مشافهة، فبشّر ته بيحيى مشافهة، فسأل الآية بعدما شافتهه الملائكة. فقال الله: {ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً} أي إلا إيماء. قال مجاهد: بالشفتين: وقال الكلبي: بالشفتين والحاجبين واليدين.
قوله: {وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالعَشِيِّ وَالإِْبْكَارِ} يعني الصلاة.
قوله: {وَإِذْ قَالَتِ المَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ} أي اختارك لدينه، {وَطَهَّرَكِ} من الكفر في تفسير الحسن. وقال مجاهد: جعلك طيبة إيماناً. {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العَالَمِينَ}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كفاك من نساء العالمين بأربع: مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد». (1/282)
صفحة 281
قوله: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ}. قال مجاهد: أطيلي الركوع في الصلاة، أي القيام في الصلاة. {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}. قال الحسن: هي الصلوات: فيها القنوت، وهو طول القيام، كما قال مجاهد، وفيها الركوع والسجود.
قوله: {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الغَيْبِ} أي من أخبار الغيب، أي الوحي {نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} أي عندهم {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ} أي يستهمون بها {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} أي أيّهم يضمّها إليه.
قال بعض المفسّرين: كانت مريم بنت إمامهم وسيّدهم، فتشاحّ عليها بنو إسرائيل فاقترعوا فيها بسهامهم أيّهم يضمّها إليه، فقرعهم زكرياء وكان زوج أختها.
قوله: {إِذْ قَالَتِ المَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} قال الحسن: مُسِحَ بالبركة. {وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ المُقَرَّبِينَ} أي عند الله يوم القيامة.
بلغنا عن عبد الله بن سلام قال: إذا كان يوم القيامة ووضع الجسر على جهنم، جاء النبيّون على مراكزهم، فيكون أولهم مركز نوح، وآخرهم مركز محمد عليه السلام. فيجيء المنادي [فينادي]، أين محمد وأمته؟ فيقدمون حتى يأخذوا الجسر، فينجو النبي والصالحون، ويسقط من يسقط. فإذا جازوا تلقتهم الملائكة ينزلونهم منازلهم على يمينك ويسارك. ثم ينطلق بمحمد فيستأذن في دار الله، أي الجنة، فيؤذن له، فيوضع له كرسي عن يمينه. ثم يجيء المنادي فينادي: أين عيسى وأمته؟ فيقدمون حتى يأخذوا الجسر، فينجو النبي والصالحون، (1/283)
صفحة 282
ويسقط من يسقط. فإذا جازوا تلقَّتهم الملائكة ينزلونهم منازلهم على يمينك وعلى يسارك. ثم يأتي عيسى فيستأذن فيؤذن له، ويوضع له كرسي عن يساره، ثم النبيّون كذلك حتى يكون آخرَهم نوح صلى الله عليهم أجمعين.
قوله: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ} أي في حجر أمه {وَكَهْلاً}. والكهل ما زاد على ثلاثين سنة في تفسير الكلبي. وقال بعضهم: الكهل منتهى الحلم. وقال الحسن وغيره. يكلّمهم صغيراً وكبيراً.
{وَمِنَ الصَّالِحِينَ}. فعلمت بذلك أن الله رزقها إياه، فأرادت أن تعلم كيف ذلك ف {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ} أي كيف يكون لي ولد {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.
قال: {وَيُعَلِّمُهُ الكِتَابَ} يعني الخط {وَالحِكْمَةَ}. قال بعضهم: الحكمة السنة، وقال بعضهم: الفهم والعلم. {وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ} [أي أصور] {كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} أي كشبه الطير {فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ} ذكروا عن الحسن أنه قال: الأكمه هو الأعمى. وقال بعضهم: هو الأعمى الذي ولدته أمه مطموس العينين. {وَأُحْيِي المَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
قال الكلبي: كان يقول لبني إسرائيل: إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفح فيه فيكون طائراً بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله، فقالوا: ما نرى الذي تصنع إلا سحراً، فأرنا آية نعلم أنك صادق. قال: أرأيتم إن أخبرتكم بما أكلتم في بيوتكم قبل أن تخرجوا، وما ادّخرتم من الليل، أتعلمون أني صادق؟ قالوا: نعم. فأخذ يقول للرجل: أكلت كذا وكذا، وشربت كذا وكذا، ورفعت كذا وكذا؛ فمنهم من يقبل ويؤمن، ومنهم من ينكر. (1/284)
صفحة 283
وقال مجاهد: وأنبئكم بما أكلتم البارحة، وبما خبأتم في بيوتكم.
وقال: بعضهم: كان القوم لما سألوا المائدة وكانت خواناً ينزل عليهم أينما كانوا ثمراً من ثمار الجنة، فأمروا أن لا يخونوا منه ولا يخبئوا ولا يدخروا لغد؛ فكانوا إذا فعلوا شيئاً من ذلك أنبأهم عيسى بما صنعوا.
قوله: {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُِحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}.
قال بعض المفسّرين: كان الذي جاء به عيسى أيسر مما جاءَ به موسى؛ أحلّت لهم في الإِنجيل أشياء كانت عليهم في التوراة حراماً. كان حرم عليهم لحوم الإِبل والثروب، فأحلّها لهم عيسى، ومن السمك ما لا حرشفة له، ومن الطير ما لا صيصة له، في أشياء حرّمها الله عليهم، فجاء عيسى بتخفيف منه في الإِنجيل.
قال: {وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي: هذا طريق مستقيم إلى الجنة، وهو دين الإِسلام.
قوله: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الكُفْرَ} قال الحسن: لما علم أنهم قد أجمعوا على قتله {قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ} [أي: مع الله] {قَالَ الحَوَارِيُّونَ} وهم أنصاره. وقال بعضهم: الحورايون أصفياء الأنبياء. {نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ ءَامَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} فقاتلوهم فأظهره الله عليهم فأصبحوا (1/285)
صفحة 284
ظاهرين.
{رَّبَّنَا ءَامَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}. أي: بما جاء عيسى أنه حق.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لكل نبي حواريون، وأنا حواري تسعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون».
قوله: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ} أي مكروا بقتل عيسى، ومكر الله بهم فأهلكهم، ورفع عيسى إليه، فوصف كيف مكر بهم فقال: {إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} وهذه وفاة الرفع في قول الحسن فيما أحسب. وفيها تقديم، أي: رافعك ومتوفيك بعدما تنزل. قال: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي في النصر وفي الحجة {إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ} والذين اتبعوه محمد صلى الله عليه وسلم وأهل دينه، اتبعوا دين عيسى، وصدّقوا به.
وقال بعضهم: هم أهل الإِسلام الذين اتبعوه على فطرته وملّته وسنّته، ولا يزالون ظاهرين على أهل الشرك إلى يوم القيامة. وهو قوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ العَذَابِ} [الأعراف: 167] أي: شدة العذاب، وهي الجزية. وقال بعضهم: بعث الله عليهم هذا الحي من العرب فهم منه في ذلك إلى يوم القيامة. (1/286)
صفحة 285
قوله: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}. قال الحسن: حكمه فيهم يوم القيامة أن يعذب الكافرين ويدخل المؤمنين الجنة.
قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} أما في الدنيا فهو ما عذب به الكفار من الوقائع والسيف حين كذبوا رسلهم، وأما في الآخرة فالنار. {وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} قال: {وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} أي الجنة {وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} أي كل ظالم من ظالم مشرك، وظالم منافق، وهو ظلم فوق ظلم، وظلم دون ظلم.
قوله: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ} أي المحكم، وهو كلام مثنى في قول الحسن.
قوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.
قال الكلبي: لما قدم نصارى نجران قالوا: يا محمد، أتذكر صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى بن مريم، أتزعم أنه عبد؟ فقال لهم نبي الله صلى الله عليه وسلم: أجل، هو عبد الله. فقالوا: أَرِنا في خلق الله عبداً مثله فيمن رأيت أو سمعت به. فأعرض عنهم نبيُّ اللهِ يومئذ. ونزل جبريلُ عليه السلام فقال: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.
{الحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّنَ المُمْتَرِينَ} أي: من الشاكّين. وقال بعضهم: {فلاَ تَكُن مِّنَ المُمْتَرِينَ}. أي: لا تكن في شك مما قصمنا عليك في شأن عيسى. (1/287)
صفحة 286
قال: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ} أي في عيسى {مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الكَاذِبِينَ}.
قال الكلبي: ثم عادوا إلى النبي عليه السلام فقالوا: هل سمعت بمثل صاحبك؟ قال: نعم. قالوا: من هو؟ قال: آدم، خلقه الله من تراب {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}. قالوا: إنه ليس كما تقول. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: {تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ}، أي نتلاعن، {فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الكَاذِبِينَ}. أي: منا ومنكم. قالوا: نعم، نلاعنك. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذاً بيد علي وفاطمة والحسن والحسين؟ فهمّوا أن يلاعنوه؛ ثم نكثوا، وعلموا أنهم لو فعلوا لوقعت اللعنة عليهم، فصالحوه على الجزية.
وقال بعضهم: ذكر لنا أن نبي الله دعا وفد نجران من النصارى، وهم الذين حاجّوه، فنكصوا وأبوا. فذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقد كاد العذاب أن ينزل على أهل نجران. والذي نفسي بيده لو فعلوا لاستؤصلوا عن جديد الأرض».
وذكر لنا أن سيدي أهل نجران وأسقفهم لقيا نبي الله فسألاه عن عيسى فقالا له: كل آدمي له أب، فما شأن عيسى لا أب له؟ فأنزل الله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّنَ المُمْتَرِينَ}. . . إلى آخر الآية. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقد كاد العذاب يُدلَى على أهل نجران».
قوله: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}. قوله: {فَإِن تَوَلَّوْا} أي عما جاء به النبي عليه السلام {فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} أي بالمشركين. والمفسدون في هذا الموضع هم المشركون. (1/288)
صفحة 287
قوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} أي عدل بيننا وبينكم، وهي لا إله إلا الله. {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا} يعني النبي والمؤمنون {اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}.
ذكر بعض المفسّرين قال: ذكر لنا أن نبي الله دعا يهود أهل المدينة إلى كلمة السواء لما أنزل الله {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ}. . . إلى آخر الآية. وهم الذين حاجوا في إبراهيم، وزعموا أنه مات يهودياً، فأكذبهم الله ونفاهم منه فقال: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ}. . . الآية.
أما قوله: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ} فقد ذكروا أن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: يا عديّ، ألق هذا الوثن من عنقك. قال: وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى انتهى إلى هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ}. . [التوبة: 31] فقلت: إنا لا نتخذهم أرباباً من دون الله. فقال النبي عليه السلام: أليسوا يحلّون لكم ما حرّم الله عليكم فتستحلونه، ويحرّمون عليكم ما أحلّ الله لكم فتحرّمونه؟ قلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم.
قوله: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. قال الحسن: وذلك أنهم نحلوه أنه كان على دينهم، (1/289)
صفحة 288
فقالت اليهود ذلك، وقالت النصارى ذلك، فكذبهم الله جميعاً وأخبر أنه كان مسلماً. ثم احتج عليهم أنه إنما أنزلت التوراة والإِنجيل من بعده. وقال بعضهم: وما أنزلت التوراة والإِنجيل إلا من بعده، أي: إنما كانت اليهودية بعد التوراة، والنصرانية بعد الإِنجيل؛ أفلا تعقلون.
قوله: {هَأَنتُمْ هَؤُلاَءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ} قال الحسن: يقول: حاججتم فيما كان في زمانكم وأدركتموه {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ} أن إبراهيم لم يكن نصرانياً ولا يهودياً {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك.
قوله: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} قال مجاهد: برأه الله من اليهودية ومن النصرانية حين ادَّعت كل أمة أنه منهم وألحق به المؤمنين من كانوا من أهل الحنيفية.
قوله: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} وسمعوه {وَهَذَا النَّبِيُّ} محمد {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا} كلهم به، وذلك أن دينهم واحد، وفيه ولاية الله الذي يتولى المؤمنين. قال الله: {وَاللهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ}.
وذكر بعضهم قال: الذين اتبعوه، أي: على مِلَّته، وهذا النبي محمد، والذين آمنوا، وهم المؤمنون الذين صدقوا نبي الله واتبعوه.
ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حدّث عن ليلة أسري به فكان في حديثه أنه أتى على إبراهيم في السماء السابعة فإذا أمتي عنده شطران: شطر عليهم ثياب بيض، وشطر عليهم ثياب رمد؛ فخرج الذين عليهم الثياب البيض، وحبس الذين عليهم (1/290)
صفحة 289
الثياب الرمد، فقلت: من هؤلاء يا جبريل، قال: هؤلاء الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وكل إلى الخير، ثم قيل لي: هذه مَنزلتك ومنزلة أمتك، ثم تلا هذه الآية: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ المُؤمِنِينَ}.
قوله: {وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ} يعني من لم يؤمن منهم {لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} أي بما يودّون من ذلك، لأن الذي يودّون من ذلك ضلال وكفر {وَمَا يَشْعُرُونَ}.
ثم أقبل عليهم فقال: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} أي أنها آيات الله وأنه رسوله، يعني بذلك خاصة علمائهم. وقال بعضهم: وهم يشهدون أن نعت محمد في كتابهم، ثم يكفرون به وينكرونه.
قال الحسن: ثم قال: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ} أي لِمَ تخلطون {الحَقَّ بِالْبَاطِلِ} أي تلبسون الإِسلام باليهودية والنصرانية في تفسير الحسن وغيره، وذلك لما حرفوا من التوراة والإِنجيل بالباطل الذي قبلوه عن الشيطان. {وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} قال الحسن: تعلمون أن محمداً رسول الله وأن دينه حق. وقال غيره: كتموا محمداً وهم يجدونه مكتوباً عندهم.
قوله: {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ءَامِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ} أي آمنوا بمحمد وجه النهار {وَاكْفُرُوا ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.
قال الكلبي: كتب يهودُ خيبرَ إلى يهود المدينة أن آمنوا بمحمّد أوّل النهار واكفروا آخره، أي: واجحدوا آخره، ولَبِّسوا على ضَعَفَة أصحابه حتى تشكِّكوهم في دينهم، فإنهم لا علم لهم، ولا دراسة يدرسونها، لعلّهم يرجعون عن محمد وعمّا جاء به. (1/291)
صفحة 290
وقال مجاهد: صلّت اليهود مع النبي أول النهار صلاة الصبح، وكفرت آخره، مكراً منهم، ليرى الناس أنه قد بدت لهم [منه] الضلالة بعد أن كانوا اتبعوه.
وقال بعضهم: وجه النهار: أول النهار، صلاة الصبح. لعلهم يرجعون؛ أي: يَدَعون دينهم ويرجعون إلى الذين أنتم عليه.
قوله: {وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} يقوله بعضهم لبعض، أي: ولا تصدِّقوا إلا لمن تبع دينكم فأخذ به. {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ} أي إن الدين دين الله، وهو الإِسلام. قال: {أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} إنما قالوا لأصحابهم اليهود؛ قال يهود خيبر ليهود المدينة: (لاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ)، فإنه لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ} بمثل دينكم أحد {عِندَ رَبِّكُمْ}. فقال الله: {قُلْ إِنَّ الهُدَى هُدَى اللهِ}، وقال: {قُلْ إِنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ} وفضل الله الإِسلام {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي واسع لخلقه، عليم بأمرهم. {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ} أي: بدينه وهو الإِسلام {مَن يَشَاءُ} وهم المؤمنون {وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ}.
وقال بعضهم: يقول لليهود: لما أنزل الله كتاباً مثل كتابكم وبعث نَبيّاً مثل نبيّكم [حسدتموهم على ذلك]. ثم قال للنبي عليه السلام: {قُلْ: إِنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ}.
وقال مجاهد: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ تقوله اليهود حسداً أن تكون النبوة في غيرهم، وأرادوا أن يُتَابَعوا على دينهم. (1/292)
صفحة 291
قوله: {وَمِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} يعني من آمن منهم. قال بعضهم: كنا نُحَدَّثُ أن القنطار مائة رطل من الذهب، أو ثمانون ألفاً من الورق. قال: {وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً} بالطلب، أي إلا ما طلبته واتَّبعته. قال الكلبي: إن سألته حين تعطيه إياه رده إليك، وإن أنظرته به أياماً ذهب به.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}. قال الحسن: يعنون بالإِميين مشركي العرب. قالوا: إنما كانت لهم هذه الحقوق وتجب لنا، وهم على دينهم، فلما تحوّلوا عن دينهم الذي بايعناهم عليه لم يثبت لهم علينا حق. وقال: بعضهم: قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل، أي إثم.
قال الله: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ} أي يقولون لأصحابهم هذا كذباً على الله. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم كاذبون.
قوله: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى} قال الكلبي: يقول: من كان [وفيا بعهده] فأدوا إليه الأمانة. وقال الحسن: بلى من أدّى الأمانة وآمن {فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ}.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً}. هم أهل الكتاب كتبوا كتباً بأيديهم، وقالوا هذا من عند الله، فاشتروا به ثمناً قليلاً، أي عرضاً من الدنيا يسيراً، وحلفوا لهم أنه من عند الله. وكان ما ادّعوا من قولهم: ليس علينا في الأميين سبيل ما اشتروا به من عند الله وأيمانهم ثمناً قليلاً. (1/293)
صفحة 292
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين كاذبة ليقطع بها مال أخيه المسلم لقى الله وهو عليه غضبان» قال عمر: إن ذلك لفي كتاب الله: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً}. . . . إلى آخر الآية.
ذكروا عن الحسن أنه قال: ذكرت الكبائر عند النبي عليه السلام فقال: «فأين تجعلون اليمين الغموس».
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: إذا رأيتم الرجل يريد أن يحلف في يمين وجبت عليه، فاقرأوا عليه هذه الآية: {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً}. . . إلى آخر الآية.
قوله: {أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ} [أي لا نصيب لهم من الجنة] {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ} أي بما يحبون، وقد يكلّمهم ويسألهم عن أعمالهم. {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ} نظر رحمة {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} أي: ولا يطهّرهم من ذنوبهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
قوله: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي: حرّفوه عن مواضعه وجعلوه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً.
وقال بعضهم: حرّفوا كتاب الله وابتدعوا فيه، وزعموا أنه من عند الله، ثم احتج (1/294)
صفحة 293
عليهم بهذا لقولهم: إن عيسى يَنبغي أن يُعبَد، وإنهم زعموا قَبِلوا ذلك من عند الله، وهو في كتابهم زعموا الذي نزل من عند الله. فقال الله {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} كما آتى عيسى {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللهِ} أي اعبدوني من دون الله، يقول: لا يفعل ذلك من آتاه الله الكتاب والحكم والنبوءة {وَلَكِن} يقول لهم: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} أي علماء فقهاء في تفسير الحسن وغيره. وفي تفسير مجاهد: ولكن كونوا حكماء فقهاء {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} أي تقرأون.
{وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا المَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً} أي من دون الله. {أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} على الاستفهام، أي لا يفعل ذلك.
ذكروا عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعلّموا القرآن وعلّموه الناس، وتعلّموا العلم وعلّموه الناس، وتعلّموا الفرائض وعلّموها الناس، ألا إنه يوشك أن يختلف الرجلان في الفريضة فلا يجدان أحداً يفصل بينهما».
ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: اغد عالماً أو متعلّماً، ولا تكن فيما بين ذلك، (1/295)
صفحة 294
فإن ما بين ذلك جهل. وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع.
ذكروا عن أبي الدرداء قال: ألا حبذا العالم والمتعلم، ولا تكن الثالث فتهلك.
ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: تعلّموا العلم قبل أن يقبض، فإن ذهاب العلم أن يُقْبَضَ أهلُه، وإن أحدكم سيحتاج إلى غيره أو يُحتاج إليه، فإنكم ستجدون قوماً يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والبدع والتنطّع، وعليكم بالعتيق.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم»؛ فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله، أيرفع العلم ونحن نقرأ القرآن أبناؤنا ونساؤنا؟ فقال: «ثكلتك أمك. قد كنت أعدّك من فقهاء المدينة؛ أوليس كتاب الله عند اليهود والنصارى فما أغنى عنهم؟ إن ذهاب العلم ذهاب العلماء».
قوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} قال بعضهم: أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم {لَمَا ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ} يعني محمداً عليه السلام {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ}.
قال الحسن: هذا ميثاق أخذه الله على الأنبياء في محمد، ما خلا محمداً (1/296)
صفحة 295
فإنه لا نبي بعده، ولكنه قد أخذ عليه أن يصدّق بالأنبياء كلهم ففعل. ف {قَالَ ءَأقْرَرْتُمْ} فأقروا بذلك كلهم {وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} أي ميثاقي. وقال مجاهد وغيره: عهدي. {قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} يقول الله: أنا شاهد معهم وعليم بما أعطوا من الميثاق والإِقرار. {فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ} أي فمن كفر بعد ذلك {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ}.
قال بعضهم: هذا ميثاق أخذه الله على الأنبياء أن يصدّق بعضهم بعضاً، وأن يبلّغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده، وأخذ ميثاق أهل الكتاب فيما بلّغتهم رسلهم أن يؤمنوا بمحمد ويصدّقوا به. فقال: {فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ}، أي بعد الميثاق والعهد {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ}.
قوله: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ} أي تطلبون. {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}. قال الحسن: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ}. ثم انقطع الكلام، فقال: {وَالأَرْضِ}، أي: ومن في الأرض طوعاً وكرهاً؛ يعني طائعاً وكارهاً. [وقال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله] لا يجعل الله من دخل في الإِسلام طوعاً كمن دخله كرهاً» قال بعضهم: لا أدري أراد المنافق أو الذي قوتل عليه. وفي تفسير عمرو عن الحسن أنه قال: الذي قوتل عليه. وقال بعض المفسّرين: أما المؤمن فأسلم طائعاً فنفعه ذلك وقُبِل منه، وأما الكافر فأسلم كارهاً فلم ينفعه ذلك ولم يُقبل منه.
قوله: {قُلْ ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ}، يعني يوسف وإخوته الاثني عشر {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}. قال الحسن: هذا ما (1/297)
صفحة 296
أخذ الله على رسوله، وذلك ليعلم أنه لا نبيّ بعده، ولم يؤخذ عليه ما أخذ على الأنبياء في قوله: {ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ}.
قوله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ} أي خسر نفسه فصار في النارِ وخسر أهله من الحور العين. وتفسير ذلك في سورة الزمر.
قوله: {كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} ذكر عن عمرو عن الحسن قال: هم أهل الكتاب، يعني عامّتهم، وقد أسلم الخاصة منهم. كان أصل أَمرِ أهل الكتاب الإِيمان، فكفروا به وحرّفوا كتاب الله.
ثم قال: {وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ} يعني محمداً، خاصة من يدرس ذلك ويعلمه منهم {وَجَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ} يعني الكتاب الذي فيه البيّنات والحجج {وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} يعني من لا يهديه الله منهم.
وقال بعضهم عن الحسن: هم أهل الكتابين: اليهود والنصارى، أقرّوا بنعت محمّد في كتابهم، وشهدوا أنه حق، فلما بعثه الله من غيرهم كفروا به. وقال مجاهد: هو رجل من بني عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه.
قال: {أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} يعني بالناس المؤمنين خاصة. {خَالِدِينَ فِيهَا} أي في تلك اللعنة وثوابها، لأن ثوابها (1/298)
صفحة 297
النار، وهو كقوله: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ [أي عن القرآن] فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ وِزْراً خَالِدِينَ فِيهِ} [طه: 100 - 101] أي في ثواب ذلك الوزر الذي حملوه. قوله: {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي ولا هم يؤخرون بالعذاب.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} قال الحسن: هم أهل الكتاب، كانوا مؤمنين ثم كفروا. {ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً} أي ماتوا على كفرهم {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} أي لن يَقْبل الله إيمانهم الذي كان قبل ذلك إذا ماتوا على كفرهم. {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} وقال بعضهم: هم اليهود كفروا بالإِنجيل، ثم ازدادوا كفراً حين بعث النبي عليه السلام فأنكروه وكذبوا به.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرايت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم، يا رب. فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك».
قوله: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي موجع. {وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} أي ينصرونهم من عذاب الله.
قوله: {لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قال الحسن: يعني الزكاة الواجبة. ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: إيتاء المال على حبه أن تنفق وأنت صحيح شحيح تأمل الحياة وتخشى الفقر.
قوله: {وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ} يعني الصدقة {فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} أي يحفظه لكم حتى يجازيكم به. (1/299)
صفحة 298
قوله: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.
ذكر سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان يعقوب اشتكى عرق النسا فكان له بالليل زقاء كزقاء الديك، فحرّم ذلك العرق على نفسه من كل دابة. وقال الحسن: حرّم لحوم الإِبل. وقال بعضهم: وألبانها، وقال بعضهم: كل الطعام كان حِلاًّ لهم إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه. فلما أنزل الله التوراة حرّم عليهم أشياء وأحلّ لهم أشياء. وكان الذي حرّم إسرائيل على نفسه أن الأنساء أخذته ذات ليلة فأسهرته، فقال: لئن شفاه الله لا يطعم نسا أبداً، فتتبَّعَت بنوه العروق يخرجونها من اللحم.
قوله: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أنَّ فيها ما تذكرون أنه حرَّمه عليكم، إنما حرَّم عليكم ما حرّمتم ببغيكم وظلمكم.
قال: {فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ثم قال: {قُلْ صَدَقَ اللهُ} أي أن إبراهيم كان مسلماً {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} والحنيف في تفسير الحسن: المخلص، وفي تفسير الكلبي: المسلم، وهو واحد. {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
قوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} قال الحسن: وضع للناس قبلة لهم. {لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}. قال سعيد بن جبير: بكّت الرجال بالنساء، والنساء بالرجال في الطواف.
وقال بعضهم: إن الله بكَّ به الناس جميعاً، فتصلّي النساء أمام الرجال، ولا يصلح ذلك ببلد غيره. (1/300)
صفحة 299
ذكر بعضهم قال: البيت وما حوله بكّة، وإنما سمّيت بذلك لأن الناس يتباكّون فيها ويتزاحمون، وأسفل من ذلك مكة.
قوله: {فِيهِ ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} قال الحسن: إن مقام إبراهيم من الآيات البينات. قوله: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً}.
ذكروا عن الحسن وغيره قالوا: ذلك في جاهليتهم؛ لو أن رجلاً جَرَّ كلَّ جريرة ثم لجأ إلى الحرم، لم يُطلب ولم يُتَناول. فأما في الإِسلام فإن الحرم لا يمنع من حدّ؛ من قتَل قُتِل، ومن أصاب حداً أقيم عليه.
وفي تفسير عمرو عن الحسن: إن أصاب رجل فيه حدّاً ليس فيه قَوَد ولا رجم أقيم عليه، وإن كان فيه قتل أُخرِج من الحرم فقتل. وأما الحدود كلها دون النفس فتقام عليه في الحرم.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: إذا أصاب الرجل حدّاً ثم لجأ إلى الحرم لم يبايَع ولم يُجَالَس، ولم يُؤْوَ حتى يخرج من الحرم؛ فإذا خرج من الحرم أُقِيم عليه.
قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}. ذكر الحسن أن رجلاً قال: يا رسول الله، قول الله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ}، أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت النبي عليه السلام، ثم قال: «والذي نفسي بيده، لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ولو تركتموها لكفرتم، فذروني ما تركتكم» وزاد فيه بعضهم: «فذروني ما تركتكم، فإنما هلك من هلك ممن كان قبلكم بكثرة سؤالهم أنبياءَهم، واختلافهم عليهم». (1/301)
صفحة 300
وذكر بعضهم مثل ذلك الحديث عن النبي عليه السلام وزاد فيه: إنما هي حجة وعمرة فمن قضاهما فقد قضى الفريضة وقضى ما عليه.
قوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله: {من استطاع إليه سبيلاً} فقال: الزاد والراحلة.
قوله: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}. ذكروا عن عطاء قال: الكفر أن [يقول ليس بفريضة] فيكفر به. وذكروا عن الحسن مثل ذلك. وقال بعضهم: {وَمَن كَفَرَ}، يعني أهل الكتاب، لأنه ذكر قصَّتهم قبل هذه الآية.
قوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي: تصدّون من آمن عن سبيل الله. {تَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي إنكم تدعون إلى خلاف سبيل الله، وهو العِوَج. {وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ} إنكم تبغونها عوجاً {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} يحذرهم ذلك.
وقال بعضهم: تصدون عن سبيل الله، أي عن الإِسلام وعن نبي الله من آمن به وأنتم شهداء على ذلك أي فيما تقرأون من كتاب الله أن محمداً رسول الله وأن الإِسلام دين الله.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ} أي من لم يؤمن منهم {يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ (1/302)
صفحة 301
ءَايَاتُ اللهِ} أي كتابه {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ} [أي يستمسك بدين الله] {فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. أي إلى الجنة.
قال الحسن: اعتصامه بالله اعتصامه بحبله، وهو القرآن.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوماً «أي الخلق أعجب إيماناً؟ قالوا: الملائكة. قال الملائكة في السماء فما لهم لا يؤمنون. أي الخلق أعجب إيماناً؟ قالوا: النبيون. قال: النبيون ينزل عليهم الوحي فما لهم لا يؤمنون. أي الخلق أعجب إيماناً قالوا: أصحابك. قال: أصحابي يرونني ويسمعون كلامي فما لهم لا يؤمنون. أعجب الخلق إيماناً قوم يأتون من بعدكم يجدون كتاباً في رَقٍّ فيؤمنون به».
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: حق تقاته أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
[قال قتادة: نزلت هذه الآية فثقلت عليهم، ثم أنزل الله اليسر والتخفيف فقال]: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} [التَّغابن: 16]، وعليها بايع رسول الله على السَّمع والطَّاعَةِ فِيما استطاعوا.
قوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا}. قال الحسن: إنما قال واعتصموا بحبل الله لأنه حبل نزل من السماء هبط عليهم، وهو القرآن. قال علي بن أبي طالب: حبل الله القرآن.
قوله: {ولا تفرّقوا}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «افترقت بنو إسرائيل على (1/303)
صفحة 302
سبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرهم في النار، ولتفترقن هذه الأمة على إحدى وسبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرهم في النار».
قال: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ} أي احفظوا واشكروا نعمة الله عليكم {إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} بالإِيمان، إذ كانت العرب يقتل بعضهم بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً. {فَأَصْبَحْتُم} أي فصرتم {بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} بالإِسلام {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي لكي تهتدوا.
ذكر بعضهم قال: كنتم تذابحون فيها؛ يأكل شديدُكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإِسلام، فآخى به بينكم، وأَلَّف به بينكم.
ذكر لنا ابن مسعود قيل له: كيف أصبحتم؟ قال أصبحنا بنعمة الله إخواناً.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتيتكم وأنتم تهافتون في النار، فأخذت بحُجَزِكم فأخرجتكم منها».
وقال الحسن: وكنتم على شفا حفرة النار. أي: من مات مات إلى النار ومن كان حياً كان على ضلالة وشفا، فأنقذكم منها برسوله وبكتابه.
قوله: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} أي (1/304)
صفحة 303
بتوحيد الله وطاعته. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} أي عن الشرك بالله ومعصيته {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي السعداء.
ذكروا أن عمر بن الخطاب قال في حجّةٍ حجّها ورأى من الناس رِعَةً سيئة فقرأ هذه الآية: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} فقال: يا أيها الناس من سَرَّه منكم أن يَكُون من تلكم الأمّة فليؤد شرط الله فيها.
وتفسير عمرو عن الحسن في قوله: {وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ} [التوبة: 71] أي: يأمرون بالإِيمان بالله وينهون عن كفر به.
ذكروا عن الحسن أنه قيل له: ألا تخرج إلى الامام فتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر فقال: إنما يُعَلَّم من يُرجى أو جاهل لا يَعْلم، وأما من هو أقرأ منك وأعلم منك، قد وضع سيفه حده وَرَهَفَه يقول: اتَّقِني اتَّقِني، فما يوقفك فيه؟.
ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يُذِلّ نفسه» قيل: يا رسول الله، وكيف يُذِل نفسه؟ قال: «يتعرّض من البلاء لما لا يقوى عليه. ولا يقوم به».
ذكر أبو خمصة قال: قال لي أبو هريرة: هل تخشى أن تعيش في قوم لا ينكر خيارهم المنكر؟ قال: قلت: ما أولئك بخيار. قال: بلى، ولكنَّ أحدَهم يكره أن يُشتَم عرضُه ويُضرَب بَشَرُه. (1/305)
صفحة 304
قوله: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. هم أهل الكتاب. يقول: لا تفعلوا كفعلهم.
ذكروا عن عطاء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتتبعنّ سَنَنَ الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه» قيل: يا رسول الله، أهم اليهود والنصارى؟ قال: «فمن إذاً؟».
قوله: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} قد فسّرناه قبل هذا. {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} يعني الجنة، أي: لا يموتون ولا يخرجون منها.
قوله: {تِلْكَ ءَايَاتُ اللهِ} أي هذه آيات الله {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} أي عواقبها في الآخرة.
[قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} يعني بتوحيد الله {وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ} يعني عن الشرك بالله {وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ} ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنتم توَفّون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله» (1/306)
صفحة 305
وقال الكلبي: إن من كان قبل هذه الأمة من الأمم، كانوا يستحلون ظلم من دخل فيهم ممن هو على غير دينهم. فلما بعث الله هذه الأمة جعلهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وجعلهم خير الأمم.
قوله: {وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم} يعني عامَّتهم. ثم قال: {مِّنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ}. يعني من آمن منهم هم المؤمنون، وأكثرهم الفاسقون وهو فسق دون فسق، وفسق فوق فسق. وكان فسق أهل الكتاب شركاً، يعني به الذين ثبتوا على اليهودية والنصرانية.
قوله: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى}. أي بالألسنة، في تفسير الحسن وغيره، وأما أنتم فتنصرون عليهم. {وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ}. يقول: وإن ينصبوا لكم الحرب {يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}.
قوله: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} أي: حيثما وجدوا {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ} قال مجاهد: إلا بعهد من الله وعهد من الناس {وَبَآؤوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ} أي استوجبوا غضباً من الله وغضباً من الناس، أي المؤمنين {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ} يعني ما يؤخذ منهم من الجزية.
قال بعضهم: لا تلقى اليهودي إلا يُنْبِيك أنه مسكين.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} يعني أوَّليهم، وليس يعني الذين أدركوا النبي عليه السلام. {ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ}.
قوله: {لَيْسُوا سَوَاءً} يقول: ليس كل أهل الكتاب كافرين. بل {مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} أي: بأمر الله، مهتدية. يعني من آمن منهم بالنبي عليه السلام في تفسير الحسن. (1/307)
صفحة 306
وقال غيره: ليس كل القوم هلك، قد كان فيهم بقيّة أمة قائمة على كتاب الله وحدوده وفرائضه. وقال مجاهد: أمةٌ عَدْلٌ. {يَتْلُونَ} أي يقرأون {ءَايَاتِ اللهِ ءَانَآءَ الَّيْلِ} أي: ساعات الليل {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} أي: يصلّون. {يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ} [يعني بالإِيمان] {وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ} [يعني عن التكذيب بمحمد] {وَيُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ} أي الأعمال الصالحة {وأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} وهم أهل الجنة.
ذكروا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم وإن قيام الليل قربة إلى الله، وتكفير للسيئات، ومنهاة عن الاثم، ومَطرَدة للداء عن الجسد».
قوله: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ} يقول: تُجَازَون به. هو مثل قوله: {وَمَا تُقَدِّمُوا لأَِنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ} [البقرة: 110]، في تفسير الحسن. وقال غيره: فلن تكفروه، أي: فلن يضل عنكم.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئاً} أي في الآخرة ولو افتدى به، وهو قوله: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 - 89]، وكقوله: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} [سبأ: 37]. وقال في آية أخرى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 36]. وقال في آية أخرى: {يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمَئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ} [المعارج: 11 - 12] (1/308)
صفحة 307
قال: {وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
قوله: {مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} قال مجاهد: يعني نفقة الكفار. وقال الحسن: نفقة المشركين والمنافقين، يقول: لا يكون لهم في الآخرة منها ثواب، وتذهب كما ذهب هذا الزرع الذي أصابته الريح التي فيها الصّر. والصّر: البرد الشديد في تفسير الحسن ومجاهد وغيرهما.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} [أي من غير المسلمين] {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} [أي: شراً] وهي مثل قوله: {وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} [التوبة: 16]، في تفسير الحسن.
وقال الحسن: نهاهم الله أن يتولوا المنافقين، وقال مجاهد: المنافقين من أهل المدينة. {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} أي: وَدُّوا مَا ضَاقَ بكم، كقوله: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} [آل عمران: 120].
قال: {قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} قال: قد ظهرت البغضاء من أفواههم لبغضهم الإِسلام ورسول الله والمؤمنين. {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} أي في البغض والعداوة، ولم يظهروا العداوة، أسرّوها فيما بينهم، فأخبر الله بذلك رسوله.
وقال بعضهم: {قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}، أي إلى إخوانهم من الكفار، من غشِّهم الإِسلامَ وأهلَه وبغضِهم إياه: {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}، أي ما تكنّ صدورهم من العداوة والبغض أكبر، أي: أعظم مما أبدوا. (1/309)
صفحة 308
قال: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}
قوله: {هَأَنتُمْ أُوْلاَءِ تُحِبُّونَهُمْ}. يقول للمؤمنين: أنتم تحبّون المنافقين [لأنهم أظهروا الإِيمان، فأحَبّوهم على ما أظهروا، ولم يعلنوا ما في قلوبهم] {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتَابِ كُلِّهِ} أي: وهم لا يؤمنون، وفيها إضمار.
قوله: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} أي أطراف الأصابع، أي: عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين. وقالوا بعضهم: إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم. {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ}، لِمَا يَجِدُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مِّنَ الغَيْظِ والكراهة للذي هم عليه.
قال الله لنبيه: {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: بما في الصدور.
قوله: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} يعني بالحسنة الظهور على المشركين والنصر عليهم. {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ} أي نكبة من المشركين {يَفْرَحُوا بِهَا} في تفسير الحسن.
وقال بعضهم: إِنْ تُصِبْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا، أي: إذا رأوا من أهل الإِسلام أُلفةً وجماعة وظهوراً على عدوّهم غاظهم ذلك وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإِسلام اختلافاً وأصيب طرف من الله أطراف المسلمين سرّهم ذلك وأعجبوا به.
قال: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً}، يعني المنافقين، لأنهم لا شوكة لهم إلا بالأذى، ولا يضرّون إلا أذى بالألسنة. {إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي بأعمالهم يحفظها حتى يجازيهم بها. (1/310)
صفحة 309
قوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} يعني يوم أُحُدٍ {تُبَوِّىءُ المُؤْمِنِينَ} يعني توطىء المؤمنين {مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
قال بعضهم: غدا نبيُّ الله من أهله إلى أُحُدٍ يبوىء المؤمنين مقاعد للقتال.
قوله: {إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ} وهم بنو حَارِثَة وبنو سَلِمَة حيان من الأنصار، في تفسير مجاهد، فعصمهما الله وكان وليَّهما، [وهو قوله: {وَاللهُ وَلِيُّهُمَا] وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ}.
وقال الكلبي: كان بنو حارثة وبنو سلمة همّا أن لا يخرجا مع رسول الله، ثم عزم الله لهما على الرشاد. وقال غيره مثل قوله: هما بنو حارثة وبنو سَلِمة همّوا يوم أحد بأمر فعصمهم الله من ذلك.
وذكر لنا أنهم لما نزلت هذه الآية قالوا: واللهِ ما يسرّنا أنا لم نهُمَّ بالذي هممنا وقد أخبرنا الله أنه وليُّنا. وقال مجاهد: هم بنو حارثة كانوا من نحو أحد، وبنو سلمة كانوا من نحو سلع، وذلك يوم أحد.
قوله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ} قبل ذلك {وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ} يذكرهم نعمته عليهم {فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. وكان أصحاب رسول الله يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وكان المشركون ألف رجل؛ وقال بعضهم: تسعمائة وخمسين (1/311)
صفحة 310
أو قاربوا، فنصرهم الله بألف من الملائكة مردفين أي: متتابعين.
قوله: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ} رجع إلى قصة أحد {أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنزَلِينَ} أي ينزلهم عليهم من السماء. {بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا} أي من وجههم هذا في تفسير الحسن. وقال مجاهد: أي: من غضبهم هذا. {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِّنَ المَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} أي مُعلَمين. قال أمِدّوا بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف.
وقال بعضهم في قوله: {أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9] قال: وثلاثة آلاف منزلين، فصاروا أربعة آلاف. وقال: {بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِّنَ المَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ}، وعَدَه خسمةَ آلاف [إن جاءوا من ذلك الفور، فلم يجيئوا من ذلك الفور ولم يُمِدّه بخمسة آلاف، وإنما أمدّه بألف مردفين وبثلاثة آلاف منزلين] فهم أربعة آلاف، وهم اليوم في جنود المسلمين.
قوله: مسوَّمين، أي: معلَمين. قال مجاهد: بالصوف الأبيض في نواصي خيلهم. وقال بعضهم: كان سيما الملائكة يوم بدر العمائم.
وقال بعضهم مسوّمين، أي: عليهم سيما القتال، وذلك يوم بدر. قال: وسيماهم الصوف الأبيض في نواصي خيلهم وأذنابها، وهم على خيل بُلق. وذكر (1/312)
صفحة 311
بعضهم أن الخيل البلق لم تر بعد غزوة الأحنف.
قوله: {وَمَا جَعَلَهُ اللهُ} يعني المدد {إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ} أي: ما أنزل من الملائكة تستبشرون بها وتفرحون بها {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ} أي ولتسكن قلوبكم به {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ}.
قوله: {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ} قال بعضهم: أي: يخزيهم {فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ}. قال بعضهم: قطع الله يومئذ، أي يوم بدر، طرفاً من الكفار وقتل صناديدهم ورؤوسهم في الشرك.
قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} ذكروا عن الحسن قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد، وشُجَّ في وجهه فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم؛ فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}. ذكر بعضهم عن رسول الله مثل ذَلك، غير أنه قال: خضبوا وجه نبيهم بالدماء وهو يدعوهم إلى الله.
وقوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فيه تقديم؛ لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ (1/313)
صفحة 312
قوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فيرجعوا إلى الإِيمان، وإن يعذبهم فبإقامتهم على الشرك في تفسير الحسن. قال: وهو كقوله: {وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [الأحزاب: 24] أي: فإن يعذبهم فبإقامتهم على النّفاق أو يتوب عليهم فيرجعوا عن نفاقهم.
قوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} يعني المستوجبين للعذاب {وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} كانوا في الجاهلية إذا حلَّ دَيْن أحدهم على صاحبه فتقاضاه قال: أخِّر عنّي وأزيدك، فيكون ذلك أضافاً مضاعفة.
قوله: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي لكي ترحموا.
قوله: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} ذكروا عن كُرَيْبٍ، مولى ابن عباس، أنه بلغه أن سبع سماوات وسبع أرضين يُلفقن جميعاً كما تلفق الثياب بعضها إلى بعض، فهذا عرضها ولا يصف أحد طولها. وقال الحسن: في انبساطهن بعضهن إلى بعض؛ وهو واحد.
وبلغنا أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} فقال: «هي مائة درجة، كل درجة منها عرضها السماوات والأرض».
قال: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} أي في الرخاء والشدة. وقال بعضهم: في اليسر والعسر، والجهد والرخاء {والكَاظِمينَ الغَيْظَ}. (1/314)
صفحة 313
ذكروا عن عطاء بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من جرعة يتجرّعها الرجل أفضل من جرعة غيظ».
قوله: {وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}. ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل أخلاق المؤمنين العفو».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أراد أن يشرف له البنيان، وأن يرفع له الدرجات يوم القيامة، فليصل من قطعه، وليعط من حرمه، وليعف عمن ظلمه، وليحلم على من جهل عليه».
قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ} في أنفسهم وعلموا أن سائلهم عن ذلك فخافوه وتابوا إليه من ذلك. {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} ثم قال: {وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ}. وكان جابر بن زيد إذا قرأ هذه الآية: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} قال: لا أحد يغفرها غيرك يا الله.
ذكروا عن أبي موسى الأشعري قال: جلست إلى رجل من المهاجرين فسمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، استغفروا الله وتوبوا إليه، إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة» ذكر بعض السلف قال: ما جاور عبداً في قبره خير له من الاستغفار. (1/315)
صفحة 314
قوله: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} أي من المعصية {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
ذكروا عن ابن عباس قال: كل ذنب أقام عليه العبد حتى يموت فهو كبيرة، وكل ذنب تاب منه العبد قبل أن يموت فليس بكبيرة. وقال بعضهم: كان يقال: لا قليل مع الإِصرار ولا كثير مع الاستغفار.
قوله: {أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} قد فسّرناه قبل هذا الموضع. {خَالِدِينَ فِيهَا} أي لا يموتون ولا يخرجون منها {وَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ} أي الجنة.
قوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} يعني ما عذب الله به الأمم السالفة حين كذبوا رسلَهم. وقال في آية أخرى: {سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} [غافر: 85] والتي قد خلت من قبل في الكفار أنهم إذا كذبوا رسلهم أَهلكهم الله.
قال: {فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ}. كان عاقبتهم أن دمّر الله عليهم، ثم صيّرهم إلى النار؛ يحذّرهم ذلك.
قوله: {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} قال بعضهم: هذا القرآن بيان للناس عامة {وَهُدًى} يهديهم الله به {وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} أي: خصّهم الله به.
قوله: {وَلاَ تَهِنُوا} أي لا تضعفوا عن قتال المشركين {وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} أي وأنتم الظاهرون عليهم والمنصورون. إنهم لما انكشفوا يوم أحد، فصعدوا الجبل علاهم خالد بن الوليد من فوق الجبل وجاءهم أبو سفيان، فقال الله: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. (1/316)
صفحة 315
وأمر رسول الله أصحابه بطلب القوم، فكرهوا ذلك وشكوا إليه الجراح، فأنزل الله: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}. أديل المؤمنون يومَ بدر عليهم، فقتلوا سبعين وأسروا سبعين، وأديل المشركون عليهم يوم أحد، فقتلوا سبعين من أصحاب النبي وجرحوا سبعين.
قال: {وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا} أي: ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، وهذا علم الفعال. {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} أي المشركين. قال الحسن: فيها تقديم؛ يقول: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ. وقال: قد مسّ القومَ قرح مثله يوم بدر. والقرح الجراح.
وقال مجاهد: جراح وقتل. وقال بعضهم: القرح والجراح، وذلك يوم أحد، وقد فشا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ القتل والجراحات، فأخبرهم الله أن القوم أصابهم من ذلك مثل ما أصابكم، [وأن الذي أصابكم] عقوبةٌ قال: وتفسير تلك العقوبة بعد هذا الموضع.
قوله: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}، قال: لولا أن الله جعلها دولاً بين الناس ما أوذي المؤمنون، ولكن قد يُدال الكافر من المؤمن، ويُدال المؤمن من الكافر.
قوله: {وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا} أي وليبتلي الله الذين آمنوا {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} أي يمحق أعمالهم يوم القيامة. قال بعضهم: فكان تمحيصاً للمؤمنين ومحقاً للكافرين.
قوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} هو كقوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ (1/317)
صفحة 316
خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ}. . إلى آخر الآية [البقرة: 214].
قوله: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} أي الموت بالسيوف في أيدي الرجال.
إن المؤمنين لما أخبرهم الله بما فعل بمن استشهد منهم يوم بدر ومنازلهم في الجنة في هذه الآية: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ}. . إلى آخر الآية [آل عمران: 169 - 170] لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآية رغبوا في ذلك وقالوا: اللهم ربّنا أرِنا قتالاً لنستشهد فيه؛ فأراهم الله إياه يوم أُحد؛ فلم يثبت منهم إلا من شاء الله. نزلت هذه الآية في الشهداء في هذا الموضع قبل هذه الآية: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ} وهي بعدها في التأليف.
وقال بعضهم: قال أناس من المسلمين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطى الله أهل بدر من الفضل والشرف، وكانوا يتمنَّون أن يرَوْا قِتالاً فيقاتلوا؛ فَسِيق إليهم القتال، حتى كان القتال بناحية المدينة يومَ أُحد، فقال الله ما تسمعون: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}.
قوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَايْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} أي إلى الشرك {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً} أي إنما يضر نفسه. وقد أخبر الله محمداً أنه لا يُقتَل أبداً ولا يُظْهَر عليه بقتل أبداً فقال: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} [الإِسراء: 60] فمنعتك منهم أن يصلوا إليك. قال: {وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ} أي المؤمنين، يجزيهم الجنة. (1/318)
صفحة 317
وقال بعضهم: ذلك يوم أحد حين أصابهم القرح والقتل، فتنازعوا نبي الله على تفئة ذلك، فقال أناس منهم: لو كان نبياً ما قتل، وقال أناس من علية أصحاب النبي عليه السلام: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى يفتح الله عليكم أو تلحقوا به: فقال الله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}، أي: كفاراً بعد إيمانكم.
قوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} أي لا تستقدم عنه ولا تستأخر.
ذكروا عن سعيد بن جبير قال: أجله مكتوب في أول الكتاب، ثم يكتب في أسفل الكتاب: ذهب من أجله يوم كذا وكذا. وذهب كذا وكذا حتى يفنى عمره. قال: وهو قوله: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} [فاطر: 11].
قوله: {وَمَن يُّرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} هو مثل قوله: {مَّن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ} [الإسراء: 18] {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} يعني الجنة، يثاب على قدر عمله، {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} أي المؤمنين.
قوله: {وَكَأَيِّن} أي: وكم {مِّن نَّبيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} يقول: جموع كثيرة. قوله: {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ}. قال الحسن: علماء كثير. وقال عبد الله بن مسعود جموع كثيرة، وقال مجاهد: جموع كثيرة. وقال بعضهم: الرّبيّون اثنا عشر ألفاً. وبعضهم يقرأها: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ}. (1/319)
صفحة 318
قوله: {فَمَا وَهَنُوا} أي فما ضعفوا في تفسير الحسن ومجاهد. {لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا} وهو كلام مثنى في تفسير الحسن. وقال بعضهم: فما وهنوا: فما عجزوا وما ضعفوا لقتل نبيهم.
وكذلك قال مجاهد. وقال بعضهم في قوله: {وَمَا اسْتَكَانُوا} أي وما ارتدوا عن بصيرتهم، أي: قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله. {وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}.
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ} حيث لَقُوا عَدوَّهم {إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} أي على أنفسنا، يعنون خطاياهم. {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ فآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ}. أما ثواب الدنيا فالنصر الذي نصرهم على عدوّهم في تفسير الحسن. وقال بعضهم: الفتح والظهور والتمكين والنصر على عدوهم؛ وأما ثواب الآخرة فالجنة. {وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا} يعني اليهود في تفسير الحسن {يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} أي إلى الشرك {فَتَنقَلِبُوا} إلى الآخرة {خَاسِرِينَ}. {بَلِ اللهُ مَوْلاَكُمْ} أي وليّكم {وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [ينصركم ويعصمكم من أن ترجعوا كافرين].
قوله: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} قال الحسن: يعني مشركي العرب. ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر» قوله: {بِمَا أَشْرَكُوا بِاللهِ} أي نلقي في قلوبهم الرعب بما أشركوا بالله (1/320)
صفحة 319
{مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} أي حجة بما هم عليه من الشرك {وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} أي: مصيرهم النار. {وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} أي المشركين.
قوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ} أي إذ تقتلونهم بإذنه في تفسير الحسن ومجاهد وغيره. {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ}. قال بعضهم: جبنتم {وَتَنَازَعْتُمْ} أي اختلفتم {فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ}.
ذلك يوم أحد؛ عهد إليهم نبي الله عهداً، وأمرهم بأمر، فنسوا العهد. يعني قول النبي لهم: فإن هزمتموهم فلا تتبعوا المدبرين.
وقال بعضهم: خالفوا إلى غير ما أمرهم به فصرف عنهم عدوهم بعد ما أراهم ما يحبون فيهم.
وقال مجاهد: نصر الله المؤمنين يومئذ على عدوهم من المشركين حتى ركب نساء المشركين على كل صعب وذلول، بادية سوقهن، ثم أديل عليهم المشركون بمعصيتهم النبي حتى خطبهم على بغلته الشهباء وقال: ربّ اكفنيهم بما شئت.
قوله: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ}. . . الآية. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت البارحة كأن علي درعاً حصينة فأوّلتها المدينة، فاكمنوا للمشركين في أزقتها حتى يدخلوا عليكم في أزقتها فتقتلوهم» فأبت الأنصار من ذلك فقالوا: يا رسول الله، منعنا مدينتنا من تبّع والجنود، فنخلي بين هؤلاء المشركين وبينها يدخلونها. فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه. فلما خرجوا من عنده أقبل بعضهم على بعض فقالوا: ما صنعنا؟ أشار علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرددنا رأيه. فأتوه فقالوا: يا رسول الله، نحن نكمن لهم في أزقتها حتى يدخلوها فنقتلهم فيها؛ فقال: «إنه ليس لنبي لبس لامته، (1/321)
صفحة 320
أي سلاحه، أن يضعها حتى يقاتل» قال: فبات رسول الله دونهم بليلة، فرأى رؤيا، فأصبح فقال: «إني رأيت البارحة كأن بقراً منحّراً، فقلت بقر والله خير؛ وإنها كائنة فيكم مصيبة، وإنكم ستلقونهم غداً وتهزمونهم، فإذا هزمتموهم فلا تتبعوا المدبرين» ففعلوا؛ فلقوهم فهزموهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاتبعوهم على وجهين؛ أما بعضهم فقالوا: مشركون وقد أمكننا الله من أدبارهم فنقتلهم، فقتلوهم على وجه الحِسبة. وأما بعضهم فقتلوهم لطلب الغنيمة. فرجع المشركون عليهم فهزموهم حتى صعدوا أحداً. وهي قوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ} لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم ستلقونهم فتهزمونهم فلا تتبعوا المدبرين».
قال: حتى إذا فشلتم أي: ضعفتم في أمر رسول الله، وتنازعتم أي: اختلفتم فصرتم فريقين تقاتلونهم على وجهين، وعصيتم الرسول من بعد ما أراكم ما تحبّون من النصر على عدوّكم.
قال: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} قد فسّرناه قبل هذا ونرجع فيه؛ يقول: من يريد الدنيا فهي الغنيمة. {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ} الجنة والثواب {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ} إذ لم يستأصلكم {وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ تُصْعِدُونَ} الجبل.
أي أُحُداً {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} جعل يقول: إليّ عباد الله! حتى خصَّ الأنصار فقال: يا أنصار الله! إلي، أنا رسول الله. فتراجعت الأنصار والمؤمنين. (1/322)
صفحة 321
قال: {فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ} بما قتلوا من إخوانكم من فوق الجبل بالغم الذي أصابهم يوم بدر.
قال الكلبي: هو إشراف خالد بن الوليد عليهم من فوق الجبل. وقال بعضهم: إِذْ تُصْعِدُونَ: صعدوا في الوادي فرأوا نبي الله يدعوهم: إلي عباد الله، إلي عباد الله. [كانوا تحدثوا يومئذ أن نبي الله أصيب]. وكان الهمّ الآخر قتل أصحابهم والجراحات التي فيها. قال: وذكر لنا أنه قتل يومئذ سبعون رجلاً: ستة وستون من الأنصار، وأربعة من المهاجرين.
قوله: {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ} من الغنيمة {وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ} من قتل إخوانكم، إنما همّ كل رجل منكم بقتله في تفسير الحسن. وقال غيره: وما أصابكم في أنفسكم من القتل والجراح. قال: {وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
قال: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ}. قال بعضهم: ذلك يوم أحد؛ كانوا يومئذ فريقين؛ فأما المؤمنون فغشَّاهم الله النعاسَ أمنة منه ورحمة. قال أبو طلحة: أنا يومئذ ممن غشيه النعاس، فجعل سيفي يسقط من يدي فآخذه، فيسقط فآخذه. والطائفة الأخرى: المنافقون ليس لهم همة إلا أنفسهم. (1/323)
صفحة 322
قوله: {يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحََقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ}. قال الكلبي: هم المنافقون قالوا لعبد الله بن أبي: قتل بنو الخزرج، فقال: وهل لنا من الأمر من شيء.
قال الله: {قُلْ إِنَّ الأَمْرَ} [يعني النصر] {كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ، يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} قال الكلبي: كان ما أخفوا في أنفسهم أن قالوا: لو كنا على شيء من الحق ما قتلنا هاهنا، ولو كنا في بيوتنا ما أصابنا القتل.
قال الله للنبي: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} أي يظهر ما في قلوبكم. وقال: {مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179] أي فقد ميّز يوم أحد المنافقين من المؤمنين. {وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي بما في الصدور.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ} وهو يوم أحد {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}.
كان الله قد أوجب لمن فرَّ يوم بدر النار، ثم كانت أُحُد بعدها، فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}. وقال بعضهم: كان أناس من أصحاب النبي عليه السلام توَلّوا عن القتال وعن النبي يوم أُحُد، وكان ذلك من أمر الشيطان وتخويفه، فأنزل الله: {وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}.
وقال الكلبي: لما أصاب رسول الله المشركين يوم أحد جعل الرماة خمسين، فأمَّر عليهم رجلاً من الأنصار، وجعلهم قِبَل خيل المشركين، وأمرهم أن (1/324)
صفحة 323
لا يريموا مكانهم؛ وقال: إِنِ الخَيْلُ تحرّكت فارموا برشق من النَّبل، واستنفدوا النبل. فلما هزم الله المشركين ودخل المؤمنون عسكرهم رأتهم الرماة، وهم يأخذون الأسلاب، قالوا: أدركوا الغنيمة لا يسبقكم بها الناس. وقالت طائفة منهم: بل نثبت مكاننا. فرجعت طائفة وثبتت طائفة. فحملت الخيل على من ثبت منهم فقتلوهم، ثم دخلوا العسكر، وقتلوا من وجدوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلبوهم.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ} يعني التجارة {أَوْ كَانُوا غُزًّى} يعني في الغزو {لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا}. قال مجاهد: هو ابن أبي سلول. وقال الحسن: هؤلاء المنافقون وقالوا لإِخوانهم، يعني إخوانهم فيما يظهر المنافقون من الإِيمان، يزعمون أنهم إخوانهم. قوله: {لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} قالوا هذا لأنه لا نية لهم في الجهاد.
قال الله: {لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} كقوله: {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} [التوبة: 54 - 55]، وذلك أنهم كانوا يجاهدون قوماً كانوا يوادّونهم لكفرهم، فذلك عليهم عذاب وحسرة. {وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
قال الله: {وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ} والمغفرة من الله مغفرة الذنوب، والرحمة: الجنة. {خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} من الدنيا. (1/325)
صفحة 324
{وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ}.
قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ}. قال رجل من المسلمين من أصحاب النبي عليه السلام. لقد أحسن الله إلينا الإِحسان كله؛ كنا قوماً مشركين، فلو جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الدين جملة واحدة فيه قتال الآباء والأبناء، وتحريم الحرام والربا، والأحكام والحدود، لما دخلنا في الإِسلام؛ ولكنه دعانا إلى كلمة، فلما دخلنا فيها، وعرفنا حلاوة الإِسلام والإِيمان، قبلنا ما جاء به من عند الله.
قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ} أي: فبرحمة [وما صلة زائدة] قال: فبرحمة من الله وتوفيقه دخل المسلمون في الإِسلام لِمَا جعل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من اللين والرحمة للمؤمنين. قال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَليْهِ مَا عَنِتُّمْ}، - أي: ما ضاق بكم، - {حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128]. وهي آخر آية نزلت من القرآن فيما قال أبي بن كعب.
قوله: {وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ} أمره أن يعفو عنهم مما لم يلزمهم من حكم أو حدّ. {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}. (1/326)
صفحة 325
قال الحسن: ما كان في الأرض أحسن رأياً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان له حاجة إلى أصحابه في مشورة، ولكن الله أراد بذلك أن يطمئنّ المسلمون إلى رسول الله بمشاورته إياهم. وكانت المشورة فيما لم ينزل من الله فيه حكم ولا أمر ولا نهي في الحرب، أو أشباه ذلك.
وذكر بعضهم قال: أمره الله أن يشاور أصحابه في الأمر وهو يأتيه الوحي من السماء، لأنه أطيب لأنفس القوم. وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضاً، فأرادوا بذلك وجه الله، عزم الله لهم على الرشاد.
وبعضهم قال: ما اجتمع قوم يتشاورون في أمر، فعلم الله أنهم يريدون الخير، إلا وُفِّقوا لأرشد أمرهم.
وذكر بعضهم أن سعداً لم يحكم في قريظة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليه فجاء على حمار، فقال له رسول الله: أشر عليّ فيهم، فقال: قد عرفت أن الله أمرك فيهم بأمر أنت صانع ما أمرك به. فقال: أشر عليّ فيهم. فقال: لو وليت أمرهم لقتلت مقاتلهم، وسبيت ذريتهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لقد أشرت بالذي أمرني الله به».
قال: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} قال بعضهم أمره الله إذا عزم على أمر أن يمضي فيه [ويستقيم على أمر الله] ويتوكل على الله.
قوله: {إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} أي من ينصره الله فلا غالب له {وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ} أي من خذله الله فلا ناصر له. (1/327)
صفحة 326
{وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ}. ولقد أعلم الله رسوله والمؤمنين أنهم منصورون، وكذلك إن خذلهم لم ينصرهم من بعده ناصر. ومثل ذلك من كلام الله قول موسى: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: 143]. والجبل لا يستقر مكانه.
{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ} قال بعضهم: يعني أن يَغُلَّه أصحابُه من المؤمنين. ذكر لنا أنها نزلت على نبي الله يوم بدر، وقد غل طوائف من أصحابه؛ فمن فسّر هذا التفسير فمقرأه على «أَن يُغَلَّ». ذكروا عن ابن عباس أنه كان يقرأها: أَنْ يَغُلَّ؛ روى ذلك عنه مجاهد. وقال مجاهد: يَخُون أو يُخَوّن، وهي تفسير على الوجهين.
قوله: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لا يغل أحد من هذا المال بعيراً إلا جاء يوم القيامة حامله على عنقه له رغاء، ولا بقرة إلا جاء بها يوم القيامة حاملها على عنقه ولها خوار، ولا شاة إلا جاء بها يوم القيامة حاملها على عنقه ولها ثغاء».
ذكروا عن ابن عمر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث سعد بن عبادة على صدقة أرض كذا وكذا قال: «انظر لا تأتي ببعير تحمله يوم القيامة على عنقك» قال: وإن ذلك لكائن؟ قال: «نعم. قال: لا جرم والله لا أكون لك على عمل أبداً»؛ فرجع إلى أهله. (1/328)
صفحة 327
ذكر الحسن قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله: استُشهِد فلان. قال: «كلاَّ، إني رأيته يُجَرُّ إلى النار بعباءة غَلَّها».
قوله: {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}، قد فسّرناه في أول السورة.
قوله: {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللهِ} أي: كمن استوجب سخط الله، يقول: أهما سواء؟ على الاستفهام؛ أي إنهما ليسا سواء. {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ}.
قوله: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللهِ} يعني أهل النار، بعضهم أشد عذاباً من بعض، وأهل الجنة أيضاً، بعضهم أرفع درجات من بعض، قال: {وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}.
ذكر بعضهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدرجة في الجنة فوق الدرجة كما بين السماء والأرض. وإن العبد ليرفع بصره فيلمع له برق يكاد يخطب بصره فيقول: ما هذا؟ فيقال: هذا نور أخيك فلان. فيقول: أخي فلان! كنا نعمل في الدنيا جميعاً وقد فُضِّل عليّ هكذا؟ فيقال: إنه كان أحسن منك عملاً. قال: ثم يجعل في قلبه الرضا حتى يرضى». (1/329)
صفحة 328
قوله: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} أي: يصلحهم {وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ} أي القرآن {وَالحِكْمَةَ} يعني السنة. {وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ} أي من قبل أن يأتيهم النبي عليه السلام {لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}.
قوله: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ} أي يوم أُحُد {قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا} أي: يوم بدر. {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} أي: من أين هذا؟ من أين أوتينا ونحن مؤمنون والقوم مشركون. وقال بعضهم: {أَنَّى هَذَا} أي: كيف هذا؟ {قُلْ هُوَ مِنْ عِندَ أَنفُسِكُمْ} أي: بمعصيتكم؛ أي بمعصيتهم رسول الله، حيث أمرهم ألا يتّبعوا المدبرين، وبأخذهم الفدية من أهل بدر في تفسير الحسن. {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
قوله: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ} أي جمع المؤمنين وجمع المشركين يوم أحد، وقد فسّرناه قبل هذا الموضع {فَبِإِذْنِ اللهِ} [أي الله أذن فِي ذلك] أي عاقبكم الله بذلك. {وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا} وهذا علم الفعال. {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَو ادْفَعُوا} أي كثِّروا السواد {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ} قال الله: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} أي إنهم كفروا.
قال الحسن: وإذا قال الله أقرب فهو اليقين، أي إنهم كافرون. كقوله: {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقُوَى} [البقرة: 237] أي: والعفو هو من التقوى. كذلك النفاق هو من الكفر، وهو كفر فوق كفر وكفر دون كفر. وقد يقول القائل لخصمه: حجتي أقرب إلى الحق من حجتك، أي: إن حجتي حق ويقين، وحجتك باطل وضلال. (1/330)
صفحة 329
وقال الكلبي: {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ}: كانوا ثلاثمائة منافق رجعوا مع عبد الله بن أبي فقال لهم [أبو] جابر عبد الله: أناشدكم الله في نبيكم وذراريكم ودينكم، فقالوا: والله لا يكون قتال اليوم، ولو نعلم قتالاً لاتبعناكم يقول الله: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ}.
{يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} أي: يقولون الإِيمان بألسنتهم وقلوبهم مضمرة على ترك الوفاء بما أقروا به من القول والعمل. {وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} أي من ترك الوفاء بالعمل بالذي أقروا به من القول والعمل.
قوله: {الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ} يعني من قتل من المؤمنين يوم أُحُد، هم إخوانهم بزعمهم لإِقرارهم بدينهم وادعائهم ملتهم ورضاهم بأحكامهم؛ فقال {الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ} بهذا المعنى وعلى هذا التفسير. {وَقَعَدُوا} أي: عن القتال {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} أي لو أطاعونا ما خرجوا مع محمد، ولعملوا كما عمل المنافقون [ولما قتلوا]. قال الله: {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ المَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. أي: لا تستطيعون أن تدفعوا عن أنفسكم الموت.
ثم أراد أن يعلمهم أنهم مقتولون أو ميّتون، وأن القتل في سبيل الله أفضل فقال: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. ذكر بعض المفسّرين أنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول. وذكر لنا (1/331)
صفحة 330
أن رجلاً من أصحاب النبي عليه السلام قال: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا في سبيل الله يوم أحد؛ فأنزل الله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.
{فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ} أي من الشهادة والرزق {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي: إخوانهم الذين فارقوهم على دينهم وأمرهم، لِمَا قدموا عليه من الكرامة والفضل الذي أعطاهم الله.
ذكروا عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: لما قَدِمَت أرواح أهل أحد على الله، جُعلت في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، ثم تأوي إلى قناديل من ذهب معلّقة بالعرش يجاوب بعضُها بعضاً بصوت رخيم، لم تسمع الخلائق بمثله يقولون: يا ليت إخواننا الذين خلّفنا من بعدنا علموا مثل الذي علمنا فسارعوا في مثل الذي سارعنا فيه، فإنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا [فوعدهم الله ليخبرن نبيّه بذلك حتى يخبرهم]. قال: فأنزل الله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.
قال الله: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ} أي ورزق {وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمِنِينَ} قال الحسن: فرحين بما ءاتاهم الله من الشهادة والرزق. وتأويل الشهيد: أنه يشهد كرامة الله. وإن بعضهم ليقول لبعض: تركنا إخواننا فلاناً وفلاناً في صفوفهم يقاتلون عدوّهم فيُقتَلون إن شاء الله، فيصيبون من الرِزق والكرامة والأمن والشهادة ما أصبنا؛ وهو قوله: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ}. (1/332)
صفحة 331
قوله: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ} والقرح الجرح {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقُوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي الجنة.
وذلك يوم أحد، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله قوماً ينتدبون حتى يعلم المشركون أننا لم نُستأصَل، وأن فينا بقيةً» فانتدب قوم ممّن أصابتهم الجراح ذلك اليوم.
وقال بعض المفسّرين: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقُوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ}. أي الجنة. ذلك يوم أُحُد، بعد القتل والجراحات، وبعد ما انصرف المشركون: أبو سفيان وأصحابه، فقال نبي الله لأصحابه: «ألا عصابة تنتدب لأمر الله فنطلب عدوَّنا، فإنه أنكى للعدو وأبعد في السّمع» فانطلق عصابة منهم على ما يعلم الله من الجهد بهم، حتى إذا كانوا بذي الحليفة فجعل الأعراب والناس يأتون عليهم ويقولون: هذا أبو سفيان مائل عليكم بالناس فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل؛ فأنزل الله:
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ}. قال الكلبي: بلغنا أن أبا سفيان وأصحابه مرّ بهم قوم من السفار من التجار، وبلغوهم أن القوم يأتونهم، فقالوا للتجار: قولوا (1/333)
صفحة 332
لمحمد وأصحابه: إنا راجعون إليكم فقاتلوكم، فأنزل الله هذه الآية.
قال الكلبي: وبلغنا أن أبا سفيان يوم أحد أراد أن ينصرف قال: يا محمد، موعد ما بيننا وبينكم موسم بدر الصغرى أن نقتتل بها إن شئت. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك بيننا وبينك» فانصرف أبو سفيان وقدم مكة، فلقي رجلاً من أشجع يقال له: نُعيم بن مسعود، فقال: أني واعدت محمداً وأصحابه أن يخرج نلتقي بموسم بدر، فبدا لي ألا أخرج إليهم، وأكره أن يخرج محمد وأصحابه ولا أخرج فيزيدهم ذلك علي جرأة، فيكون الخلف من قِبَلهم أحبَّ إلي، فلك عشرة من الإِبل إن أنت حبسته عني فلم يخرج. فقدم الأشجعي المدينة، وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يتجهّزون لميعاد أبي سفيان. فقال: أين تريدون؟. قالوا: واعدنا أبا سفيان أن نلتقي بموسم بدر فنقتتل بها. فقال: بئس الرأي رأيتم؛ أتوكم في دياركم وقراركم فلم يُفلِت منكم إلا الشديد، وأنتم تريدون أن تخرجوا إليهم، وقد جمعوا لكم عند الموسم؛ والله إذاً لا يُفلت منكم أحد. فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لأخرجن وإن لم يخرج معي منكم أحد» فخرج معه سبعون رجلاً حتى وافوا معه بدراً. ولم يخرج أبو سفيان ولم يكن قتال، فسوَّقُوا في السوق، ثم انصرفوا. فهو قوله: (1/334)
صفحة 333
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ}، يعني الأشجعي، {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ}.
قال: {فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ} يعني الأجر {وَفَضْلٍ} يعني ما تسوّقوا {لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} أي نكبة قتال ولا حرب. {وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}.
قوله: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} أي يخوفكم بأوليائه المشركين. {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. قال بعض المفسّرين: يخوّف المؤمن بالكافر، ويرهب الكافر بالمؤمن.
قوله: {وَلاَ يُحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} يعني المنافقين في تفسير الحسن ومجاهد. وقال الحسن: اختاروا الكفر على الإِيمان. {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً} وهو كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإِيمَانِ} [آل عمران: 177].
قوله: {يُرِيدُ اللهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ} أي من الثواب في الجنة؛ يقول: لا يجعل لمن يختار الكفر على الإِيمان حظاً، أي: نصيباً في الآخرة، أي من الثواب في الجنة. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
{إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإِيمَانِ} أي اختاروا الكفر على الإِيمان {لَن يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي موجع.
قوله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذّابٌ مُّهِينٌ} أي من الهوان. (1/335)
صفحة 334
قوله: {مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} أي المنافق من المؤمن. وقد ميّز المنافقين من المؤمنين يوم أحد. وقال بعضهم: يعني الكفار؛ لم يكن ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالة، حتى يميز الخبيث من الطيب، فميَّزَ بينهم بالجهاد والهجرة.
قوله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} ذكروا أن المنافقين قالوا: ما شأن محمد، إن كان محمد نبياً لا يخبرنا بمن يؤمن به قبل أن يؤمن به. فقال الله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ}. {وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ}.
يقول: يستخلص من رسله من يشاء فيطلعه على ما يشاء من الغيب، ثم يعرضه عليكم. كقوله: {عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} [الجن: 25 - 26].
قوله: {فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي: الجنة.
قوله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُم} أي ليس ذلك بخير لهم {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ}. قال مجاهد: يعني اليهود. {سَيُطَوَّفُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يجيء كنز أحدكم يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان فيقول: أنا كنزك فيطلبه، فما زال يطلبه حتى يُلْقِمَهُ يده فيقضقضها حتى يأتي على سائر بدنه».
قال الكلبي: يُطَوَّق شجاعين في عنقه فيلدغان جبهته ووجهه فيقول: أنا كنزك الذي كنزت، أنا الزكاة التي بَخِلت بها. وقال بعضهم: يحملونها على رقابهم وظهورهم فلا تقبل منهم. وقال مجاهد: سيكلَّفون أن يأتوا بما بَخِلوا به يوم القيامة. (1/336)
صفحة 335
قوله: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي يبقى وتفنون أنتم. {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خِبِيرٌ}.
قوله: {لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ} قالت اليهود: إن الله استقرضكم، وإنما يستقرض الفقير. يعنون قول الله: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [الحديد: 11]، وقالوا: فهو فقير ونحن أغنياء.
وقال بعضهم: ذكر لنا أنها نزلت في حيي بن أخطب؛ لما أنزل الله: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} قال: يستقرضنا، افتقر إلينا. وقال مجاهد: لِم يستقرضنا وهو غني. قال الله: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} يعني بهذا أوَّليهم الذين قتلوا الأنبياء. {وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ} يعني في الآخرة.
{ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} من الكفر والتكذيب {وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}.
ثم قال: {الَّذِينَ قَالُوا} ببغيهم {إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} قال الله: {قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ} من القربان الذي تأكله النار، وأنتم تنظرون فلم تؤمنوا بهم، وقتلتموهم. {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أن الله عهد إليكم ذلك، يعني أوليهم. وكانت الغنيمة قبل هذه الأمة لا تحلّ لهم؛ كانوا يجمعونها فتنزل عليها نار من السماء فتأكلها.
قال مجاهد: كان الرجل إذا تصدّق بصدقة فقُبِلت منه أنزلت عليها نار من السماء فأكلتها. ذكر عكرمة قال: ما أحلّت الغنائم لأحد قبلكم، ولا حرّمت الخمر على أحد قبلكم.
قوله: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ المُنِيرِ} قال الكلبي: أما الزبر فكتب الأنبياء، وأما الكتاب المنير فالحلال والحرام. قال الحسن: جاءوا بالبينات، أي: الحجج، والزبر والكتاب المنير، وهما شيء واحد. وقال: فأمر الله نبيه بالصبر، وعزاه، وأعلمه أن الرسل قد لقيت في جنب الله الأذى. (1/337)
صفحة 336
قوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} قال الحسن: أخبر الله نبيّه أن ما بينهم وبين أن يذوقوا العذاب الموت، فسوف يذوقونه، ثم يوفون أجورهم فيصير الخلق فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير.
قوله: {فَمَن زُحْزِحَ} أي: فمن نُحّي {عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} أي نجا وفاز بالجنة. {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ}.
عزّى الله رسوله والمؤمنين عن الدنيا، وأخبرهم أن ذلك إنما يصير باطلاً.
ذكروا أن أبا الدرداء قال: الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر الله وما أدّى إليه.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها».
اقرأوا إن شئتم قول الله: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ}. ذكر الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقاب قوس أحدكم أو موضع سوطه من الجنة خير من الدنيا وما فيها».
قوله: {لَتُبْلَوُنَّ} أي لتختبرن {فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكَمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} أي مشركي العرب {أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}. أي من حق الأمور. (1/338)
صفحة 337
ابتلاهم الله في أموالهم، أي اختبرهم فيها ففرض عليهم حقوقاً، وهو أن يجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وأن يؤتوا الزكاة وما فرض عليهم. ثم أخبرهم أنهم سيؤذون في جنب الله، وأمرهم بالصبر.
قوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} وهذا ميثاق أخذ على العلماء من أهل الكتاب أن يبيّنوا للناس ما في كتابهم، وفيه رسول الله والإِسلام. {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} وكتبوا كتباً بأيديهم فحرفوا كتاب الله {وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} يعني ما كانوا يصيبون عليه من عرض الدنيا {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} إذ اشتروا النار بالجنة.
وذكر بعضهم قال: هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم؛ من عَلِم علماً فليُعَلِّمه، وإياكم وكتمان العلم.
ذكر عطاء قال: من سئل عن علم عنده فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار جهنم. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الذي يتعلم العلم ولا يحدّث به كمثل الذي يكنز ولا ينفق منه».
قوله: {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا} هم اليهود. قال الحسن: دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم إلى الإِسلام، فصبروا على دينهم، فخرجوا إلى الناس فقالوا لهم ما صنعتم مع محمد، فقالوا: آمنا به ووافقناه. فقال الله: {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا}، يقول: فرحوا بما في أيديهم حين لم يوافقوا محمداً. {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا}. (1/339)
صفحة 338
قال الكلبي: قالوا: نحن أهل الكتاب الأول، وأهل العلم وأهل الصلاة والزكاة، ولم يكونوا كذلك، أحبّوا أن يحمدهم الناس وأن يطأوا أعقابهم بما لم يفعلوا.
وقال مجاهد: يفرحون بما أتوا، أي: بما فعلوا من تبديلهم التوراة، حرّفوها عن مواضعها، ففرحوا بذلك، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، يعني أن يُحمدوا على أن لهم علماً، وليس عندهم علم بما حَرَّفوا، إنما ابتدعوا من قِبل أنفسهم.
وذكر لنا أن يهود خيبر أتوا نبي الله فزعموا أنهم راضون بالذي جاء به، وأنهم يتابعونه، وهم متمسكون بضلالتهم، وأرادوا أن يحمدهم نبي الله بأمر لم يفعلوه.
ذكر بعضهم قال: من طلب والحديث ولم يحدّث به لم يرح ريح الجنة.
قوله: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ} أي بمنجاة {مِّنَ العَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي موجع.
قوله: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُِولِي الأَلْبَابِ} أي لذوي العقول وهم المؤمنون {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} يقولون: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً} أي أن هذا سيصير إلى الميعاد. {سُبْحَانَكَ} ينزَّهون الله {فَقِنَا} أي: فاصرف عنا {عَذَابَ النَّارِ}.
قال الحسن: هذا دعاء علّمه الله المؤمنين يدعون به الله، ويسألونه الجنة، لأنه إذا وقاهم عذاب النار أدخلهم الجنة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ليلة عند عائشة فقال: «يا عائشة، دعيني (1/340)
صفحة 339
لربي» فخرج فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية، ثم استاك، ثم توضأ ثم صلّى، ثم قعد يذكر الله، ثم وضع جنبه فذكر الله، أحسبه فعل ذلك ثلاث مرات، فسألته عائشة، فتلا هذه الآية، ثم قال: «ذكرت الله قائماً وقاعداً وعلى جنبي، فويل لمن لاكها بين لحييه ثم لم يتفكر فيها».
وبعضهم قال: {يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ}، يعني الصلاة المكتوبة، إذا لم يستطع أن يصلي قائماً فقاعداً، وإذا لم يستطع قاعداً فعلى جنبه.
قال بعضهم: هذه حالاتك يا ابن آدم كلها: اذكر الله وأنت قائم، فإن لم تستطع فاذكره وأنت جالس، فإن لم تستطع فاذكره على جنبك، يسراً من الله وتخفيفاً.
قوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} أي: فقد أهنته {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} أي للمشركين {مِنْ أَنصَارٍ}.
{رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِْيمَانِ} يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم {أَنْ ءَامِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}.
{رَبَّنَا} أي يا ربنا {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ}. قال الحسن: أمرهم الله أن يدعوا بتكفير ما مضى من الذنوب والسيئات والعصمة فيما بقي.
{رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ} أي: على أَلسنة رسلك. كقوله: {لُعِنَ (1/341)
صفحة 340
الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [المائدة: 78]. قال الحسن: وعد الله المؤمنين على ألسنة رسله أن يدخلهم الجنة إذا أطاعوه.
قوله: {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ} أي: ولا تعذّبنا. والخزي يوم القيامة دخول النار. {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ المِيعَادَ}.
قال الله: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} أشرك الله بين الذكر والأنثى.
{فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّنْ عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}.
هذه للرجال دون النساء. وهذا ما سأله المؤمنون أن يعطيهم، وهو ما وعده الله على ألسنة رسله. فسألت عائشة النبي عليه السلام: هل على النساء جهاد؟ فقال: «نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة».
قوله: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي البِلاَدِ} أي: بغير عذاب فإنما هو {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} أي ذاهب: {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي مصيرهم جهنم. {وَبِئْسَ المِهَادُ} مثل قوله: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ} والمهاد الفراش {وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} (1/342)
صفحة 341
[الأعراف: 41]. وقال: {لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [الزمر: 16].
ثم قال: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللهِ} أي ثواباً من عند الله [ورزقاً] أي ثواب الآخرة. {وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ}.
قوله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ} يعني من آمن من أهل الكتاب. وهم الذين قال [فيهم] {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا ءَامَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83] {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} والخشوع: المخافة الثابتة في القلب. وقال بعضهم: الخشوع التواضع، وهما واحد.
{لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً} كما اشترى به غيرهم من أهل الكتاب. {أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أي الجنة {إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ}.
ذكر بعض المفسّرين قال: إنما نزلت في النجاشي وأناس من أصحابه آمنوا بنبي الله وصدّقوه.
ذكر الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا بلغه موت النجاشي قام وأمر أصحابه فصلّوا عليه؛ فقال من قال: يأمرنا أن نصلي على علج من الحبشة، فأنزل الله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ}. . . إلى آخر الآية.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا}. قال بعضهم: اصبروا على طاعة الله، وصابروا أهل الضلالة، ورابطوا في سبيل الله.
وقال بعضهم: اصبروا على الفرائض، ورابطوا العدو. (1/343)
صفحة 342
وقال الحسن: اصبروا على أمر الله الذي فرض عليكم من الجهاد وغيره، وصابروا عليه، ورابطوا في سبيل الله، أي الكفار.
وقال الكلبي: اصبروا على البلاء، وصابروا عدوكم ورابطوهم.
قوله: {وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي لكي تفلحوا، وهي واجبة لمن فعل والمفلحون: السعداء، وهم أهل الجنة. (1/344)
صفحة 343
تفسير سورة النساء، وهي مدنية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني آدم {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي حواء من ضِلَع من أضلاعه القصيرى، من جنبه الأيسر وهو نائم.
قال مجاهد: فاستيقظ فقال: أثا أثتى، أي: امرأة امرأتي. أثا بالسريانية. أشا اشتي. أي: امرأة، امرأتي، إلا أنه بالتاء عبراني، وبالشين سرياني. وإِثا: تعالى.
ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المرأة خلقت من ضِلَع، وإنك إن ترد إقامتها تكسرها، فدارها تعش بها». (1/345)
صفحة 344
ذكر أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المرأة خلقت من ضِلَع، لا تستقيم على خلقة واحدة، إنما هي كالضلع، فإن أقمتها كسرتها وإن تركتها استمتعت بها على عوجها».
قوله: {وَبَثَّ مِنْهُمِا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً} أي: وخلق منهما رِجالاً كثيراً ونساءً.
{وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} أي: واتقوا الأرحامَ أَن تقطعوها، في تفسير من قرأها بالنصب. ومن قرأها بالجر فهو كقول القائل: أنشدك بالله وبالرحم. قوله: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} أي حفيظاً.
قوله: {وَءَاتُوا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} أي أعطوا اليتامى أموالهم، أي: إذا بلغوا. {وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ}. قال مجاهد: ولا تتبدلوا الحرام بالحلال. وقال الحسن: الخبيث: أكل أموال اليتامى، والطيّب: الذي رزقكم الله؛ يقول: لا تذروا الطيّب وتأكلوا الخبيث الذي حرَّم الله عليكم.
قوله: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} أي لا تأكلوا أموالهم ظلماً إلى أموالكم، أي مع أموالكم. {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً}. قال الحسن: ذنباً كبيراً. وقال غيره ظلماً كبيراً. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أكل أموال اليتيم من الكبائر». (1/346)
صفحة 345
قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا} أي ألا تعدلوا {فِي اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم} أي ما حل لكم {مِّنَ النِّسَاءِ}. قال بعضهم: يقول: كما خفتم الجور في اليتامى فما دون ذلك؛ فخافوا في جمع النساء. وكان الرجل يتزوج في الجاهلية العشر فما دون ذلك؛ فأحل الله له أربعاً، فقال: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} {مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا} في أربع فانكحوا ثلاثاً، وإن خفتم ألا تعدلوا في ثلاث فانكحوا اثنتين، فإن خفتم ألا تعدلوا في اثنتين {فَ} انكحوا {وَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}. تطأ بملك يمينك كم تشاء.
قال الحسن: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى أي: إن علمتم فيهم مخافة إثم؛ وذلك أن الرجل كان يكون عنده يتامى النساء، هو وليُّهن، التسع، والسبع، والخمس، والثلاث، والواحدة، فيكره أن يزوّجهن، يريد أن يحبسهن حتى يمتن فيرثهن، أو يتزوج منهن من يشاء.
ذكروا عن مجاهد أنه قال: كان الرجل في الجاهلية يتزوج بمال اليتيم لا يبالي، فنهاهم الله عن ذلك. وبلغنا عن ابن عباس أنه قال: إنما قصروا على أربع من أجل أموال اليتامى.
قوله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} أي: أجدر ألا تعولوا. ذكروا عن مجاهد قال: ذلك أدنى ألا تضلوا. وقال بعضهم: ذلك أدنى ألا تعولوا، أي: أدنى ألا تميلوا؛ وهو واحد.
قوله: {وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} أي فريضة. (1/347)
صفحة 346
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا على أحدكم على ما تزوّج من قليل أو كثير إذا ما سمَّى وأشهد».
ذكروا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل مهور نساء المؤمنين أربعمائة درهم، فما اصطلحوا عليه دون ذلك فهو جائز. وقال بعضهم: كانوا يكرهون أن يكون مثل مهر النبي، ولكن بالعشرة والعشرين.
قوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً} أي: عن شيء من الصداق {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً}.
ذكروا أن عمر بن عبد العزيز كتب: أيما امرأة تصدقت على زوجها بصداقها بطيب نفس فهو جائز. قال بعضهم: يقول: ما طابت به نفسها في غير كره أو هوان، فقد أحل الله أن يأكله هنيئاً مريئاً.
قوله: {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} أي: النساء هن السفهاء.
وقال مجاهد: هن النساء من كن: بنات أو أخوات أو أمهات. وقال الكلبي: (1/348)
صفحة 347
هن النساء والأولاد؛ إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة، أو ابنه سفيه مفسد، فلا ينبغي له أن يسلّط واحداً منهما على ماله.
قوله: {الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً} لمعايشكم وصلاحكم. قال: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} أي في أموالكم {وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} أي العِدَة الحسنة. وقال بعضهم: أمر الله بهذا المال أن يُخزَن فتُحسَن خِزانتُه، ولا تملكه المرأة السفيهة ولا الصبي السفيه.
قوله: {وَابْتَلُوا اليَتَامَى} أي اختبروا عقولهم ودينهم {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} قال مجاهد: يعني الحلم. {فَإِنْ ءَانَسْتُم} أي رأيتم {مِّنْهُمْ رُشْداً} أي صلاحاً في دينهم {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أن يَكْبَرُوا} أي تبادرون باليتيم أن يكبر فيمنعكم ماله.
قوله: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}. قال بعضهم: المعروف ما سدّ الجوع ووارى العورة.
وقال بعضهم: كان الرجل يلي مال اليتيم، له الحائط من النخل، فيقوم على صلاحه وسقيه، فيصيب من ثَمَره. وتكون له الماشية فيقوم على صلاحها، ويلي علاجها ومؤونتها، فيصيب من جزازها وعوارضها ورِسلها. فأما رقاب المال، فليس له أن يستهلكه ولا أن يأكله. (1/349)
صفحة 348
ذكروا أن رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سئلوا عن قول الله عز وجل: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} فقالوا: فينا والله نزلت؛ كان الرجل يلي مال اليتيم له النخل، فيقوم عليها، فإذا طابت الثمرة كانت يده مع أيديهم، مثلما كانوا مستأجرين به غيره في القيام عليها. ذكروا عن سعيد بن جبير أنه قال: يأكل قرضاً.
ذكروا أن رجلاً قال: يا رسول الله: إن في حجري يتيماً أفأضربه؟ فقال: اضربه مما كنت ضارباً منه ولدك. قال أفآكل من ماله؟ قال: بالمعروف غير متأثل من ماله مالاً، ولا واق مالك بماله. قال مجاهد والحسن: هي طعمة أطعمه الله أياها.
قوله: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً} أي: حفيظاً فيما بينكم وبينهم.
قوله: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوِلدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً}. هذا حين بيّن الله فرائض المواريث؛ نزلت آية المواريث قبل هذه الآية، وهي بعدها في التأليف؛ فكان أهل الجاهلية لا يعطون النساء من الميراث شيئاً، ولا الصغير شيئاً، وإنما كانوا يعطون من يحترف وينفع ويدفع، فجعل الله لهم من ذلك مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً.
قوله: {وَإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُوْلُوا القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}. وهذه الآية مع الآية الأولى بعد آية المواريث، والآية الأولى قبلها في التأليف.
ذكروا عن الحسن قال: إن كانوا يقتسمون مالاً أو متاعاً أعطُوا منه، وإن كانوا يقتسمون دوابّ أو رقيقاً قيل لهم: ارجعوا رحمكم الله، فهو قوله: {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً (1/350)
صفحة 349
مَّعْرُوفاً} وقال بعضهم عن الحسن: قولوا لهم قولاً معروفاً قال: أي بارك الله عليك.
قال سعيد بن المسيب: القسمة قسمة المواريث. وقال سعيد بن جبير: قسمة الثلث. وقال سعيد بن جبير: هي منسوخة نسختها آية المواريث. وكان الحسن يقول: ليس بمنسوخة. وكذلك قول أبي موسى الأشعري فيها أيضاً. ذكروا عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: ليست بمنسوخة. قال [يحيى] والعامة على أنها منسوخة.
قوله: {وَلْيَخْشَ الذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ} أي بعد موتهم. {فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً}.
ذكروا عن عطاء عن ابن عباس قال: إذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فليحثهم على أن يعطوهم، وليَخَفْ عليهم كما يخاف إذا ترك ذرية ضعافاً. وكان بعضهم يقول: من حضر ميتاً فليأمره بالعدل والإِحسان ولينهه عن الحيف.
ذكروا عن سعيد بن جبير أنه قال: يحضرهم اليتيم والمسكين فيقولون له: اتق الله وضلهم وأعطهم، ولو كانوا هم لأحبوا أن ينفعوا أولادهم، ولا يَجُرْ في وصيته، وليخش على عياله ما كان خائفاً على عياله إذا حضره الموت.
وقال بعضهم: إذا رأوه قد أوصى فأكثر أمروه أن يعدل، ولا يجحف بورثته.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز من الوصيَّة الثلث.
ذكروا أن علياً دخل على رجل من قومه يعوده فأراد أن يوصي، فقال له علي: إنما قال الله: {إِن تَرَكَ خَيْراً} [البقرة: 180] وأنت مُقِلّ لا مال لك.
قوله: {إِنَّ الذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً} أي يذهبون به لا يريدون رده، (1/351)
صفحة 350
أي استحلالاً له. {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَونَ سَعِيراً}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسري به فقال: «أتيت على رجال يلقم أحدهم الحجر فيخرج من دبره. قال: فقلت: من هؤلاء يا جبريل، قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً أو سيصلون سعيراً» وتفسير الحسن: إنما يأكلون فيه ناراً. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أكل مال اليتيم من الكبائر».
قوله: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} وإن ترك اثنتين فأكثر من ذلك فلهن ثلثاِ المال. {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} وإن ترك ابنته وابن ابن فللبنت النصف، وما بقي فلابن الابن؛ وإن كان مع ابن الابن أخت، فما بقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين.
وإن ترك ابنتين أو أكثر وابن ابن فللبنات الثلثان، ولابن الابن ما بقي. وإن كانت معه أخت فما بقي بينهما، للذكر مثل حظ الأنثيين.
وإن ترك ابنته وابنة ابنه فلابنته النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وإن كن بنات ابن مع ابنته، فلهن السدس بينهن تكملة الثلثين. وليس لبني البنات من الميراث شيء. ذكوراً أو أناثاً. (1/352)
صفحة 351
وإن ترك ابنته وبنات ابن، وابن ابن أسفل من ذلك، فلابنته النصف، ولبنات الابن السدس تكملة الثلثين، ولابن الابن الأسفل ما بقي. وإن كانت معه أخت فما بقي بينهما، للذكر مثل حظ الأنثيين. وإن لم يكن لها أخ فليس لها شيء.
وإن ترك ابنته وبنات ابنه، وبنات ابن أسفل من ذلك، وابن ابن أسفل من ذلك، فلابنته النصف، ولبنات الابن السدس تكملة الثلثين، ويقاسم الابن الأسفل بنات ابن الابن اللاتي فوقه، للذكر مثل حظ الأنثيين.
قوله: {وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ} ذكر، أو ولد ابن ذكر، فلكل واحد من الأبوين السدس.
ذكروا عن جابر بن عبد الله أنه قال: مرضت فجاءني النبي عليه السلام وأبو بكر وعمر، وقد أغمي علي، فلم أفق حتى توضأ النبي عليه السلام، فصب علي من وَضوئه فأفقت، فقلت: يا رسول الله، كيف أقسم مالي؛ فلم يدر ما يقول، فأنزل الله: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين}. . . . إلى آخر الآية.
وإن ترك ابنتين أو أكثر وأبويه فكذلك أيضاً. وإن ترك ابنته وأبويه فلابنته النصف، وللأم ثلث ما بقي وما بقي فللأب، وليس للأم مع الولد، واحداً كان أو أكثر، ذكراً كان أو أنثى إلا السدس.
قوله: {فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ} هذا إذا لم يكن وارث غيرهما، في قول زيد والعامة.
وإن ترك رجل امرأته وأبويه فهي من اثني عشر سهماً؛ فلامرأته الربع: ثلاثة أسهم، وللأم ثلث ما بقي: ثلاثة أسهم، وللأب ما بقي: ستة أسهم. (1/353)
صفحة 352
وإن كانت امرأة تركت زوجها وأبويها فهي من ستة أسهم؛ فللزوج النصف: ثلاثة أسهم، وللأم ثلث ما بقي: سهم، وللأب ما بقي: سهمان.
ذكر الحسن أن أبا بكر الصديق كان يجعل الجد أبا. والجد: أب الأم لا يرث، والجدات لا يرثن مع الأم شيئاً.
والجدة لها السدس إذا لم تكن أم. والجدتان: أم الأم وأم الأب بينهما السدس.
ويرث مع الجدات ثلاث ولا ترث الرابعة: أم أب الأم إذا كانت الجدة قبل الأم أقرب فهو لها دون الأخرى، وإذا كانت الأخرى أقرب، وإذا كانتا سواء، فهو بينهما. ولا ترث الجدة وابنها حي.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعم ثلاث جدات السدس؛ قالت العلماء: اثنتين من قبل أبيه، وواحدة من قبل أمه.
ذكروا أن زيد بن ثابت كان يورث ثلاث جدات، اثنتين من قبل أبيه وواحدة من قبل أمه.
قوله: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِّهِ السُّدُسُ}. إذا كان له أخوان فأكثر حجبوا الأم عن الثلث، وكان لها السدس. ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث إلى السدس. (1/354)
صفحة 353
والاخوة إذا كانوا إخوة من أبيه وأمه، أو إخوته لأبيه، أو إخوته لأمه، أو بعضهم من الأم، فهو واحد، ذكوراً كانوا أو إناثاً، أو بعضهم ذكور وبعضهم إناث، يحجبون الأم عن الثلث ولا تأخذ إلا السدس.
ذكر بعضهم فقال: كان بعض أهل العلم يقول: إنما حجبت الاخوة الأم عن الثلث ولا يرثون، لأن أباهم يلي إنكاحهم والنفقة عليهم دون أمّهم.
قوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}. فيها تقديم. ذكروا عن علي بن أبي طالب قال: أنتم تقرأون من بعد وصية يوصي بها أو دين، وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدين قبل الوصية. يقول: من بعد دين يكون عليه أو وصية يوصى بها.
ذكروا عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدين قبل الوصية، ثم الوصية، ثم الميراث».
قوله: {ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} قال الكلبي: لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً في الآخرة؛ إذا كان هو أفضلَ من ولده سأل الله أن يجمع بينه وبينه في الجنة، ولا ينقصه من رزقه شيئاً. وإن كان الولد هو خيرٌ عملاً من الوالد سأل الله أن يجمع بينه وبين والده، ولا ينقصه من رزقه شيئاً. قال: وهي مثل قوله: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم}، أي: وما أنقصناهم، {مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} [الطور: 21].
ذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: إن الله يرفع ذرية المؤمن معه في الجنة في الدرجة إن كانوا دونه في العمل ليُقِرَّ به عينَه، ثم قرأ: {والذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ}. . . الآية. وقال مجاهد: {لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} أي: في الدنيا. (1/355)
صفحة 354
قوله: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ}. أو ولد ابن. وولد البنات لا يرثون شيئاً ولا يحجبون [وارثاً] {فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ} ذكر أو أنثى {فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} وهي مثل الأولى.
{وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ} أو ولد ولد {فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم} وإن ترك رجل امرأَةً أو امرأتين أو ثلاثاً وأربعاً، فالربع بينهن سواء، إذا لم يكن له ولد أو ولد ولد، فإن كان له ولد، أو ولد ولد، ذكر أو أنثى، فالثمن بينهن سواء. {مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} وهي مثل الأولى.
{وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} من الأم {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ}. ذكروا أنهم الإِخوة من الأم؛ فإن كان واحداً فله السدس، وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث. ذكرهم وأنثاهم فيه سواء.
ذكر بعض المفسّرين قال: الكلالة الذي لا ولد له ولا والد ولا جد.
ذكروا أن أبا بكر الصديق قال في خطبته: إلا إن هذه الآية التي في أوّل سورة النساء من شأن الفرائض، أنزلها الله في الولد والوالد، والآية التي بعدها أنزلها الله في الزوج والزوجة، والآية التي بعدها في الاخوة من الأم، والآية التي أنزلها الله في آخر النساء أنزلها في الاخوة من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال، يعني قوله: {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ} [الأنفال: 75] مما جرّت الرحم من العصبة. قوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} قد فسّرناه في الآية الأولى.
قوله: {غَيْرَ مُضَارٍّ} أي: في الميراث أهله. يقول: لا يقرّ بحق ليس عليه، ولا يوصي بأكثر من الثلث مضارة لهم. قوله: {وَصِيَّةً مِّنَ اللهِ} أي تلك القسمة، {وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ}. (1/356)
صفحة 355
قوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ} أي: سنته وأمره في قسمة المواريث. {وَمَن يُّطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ} أي في قسمة المواريث كما أمره الله، {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ} قد فسّرناه الفوز العظيم قبل هذا الموضع.
وقال بعضهم: تلك حدود الله التي حدّ لخلقه، وفرائضه بينهم من الميراث وقسمته، فانتهوا إليها، ولا تتعدوا ذلك إلى غيره.
قال: {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ} في قسمة المواريث ولم يقسمها كما أمره الله، وذلك أن [المنافقين كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان الصغار، كانوا يظهرون الإِسلام وهم على ما كانوا عليه في الشرك وكان] أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان، وإنما كَانُوا يُوَرِّثُونَ من يحترف وينفع ويدفع. قوله: {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} أي يخالف أمره في قسمة المواريث {يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي من الهوان.
ذكر عن عبد الله بن عمر قال: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى إذا كان عند موته حاف في وصيته، فجعل ذلك خاتمة عمله فأدخله النار. (1/357)
صفحة 356
وقال بعضهم: من أجنف في وصيته سلكت به في وادي ألوى تفرغ في جهنم.
قوله: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ} يعني الزنا {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} قيل: هذه الآية نزلت بعد الآية التي بعدها في التأليف.
{وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا} يعني الفاحشة {مِنكُمْ} من الرجال، {فَآذُوهُمَا} أي: بالألسنة {فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً}. ثم نزلت هذه الآية {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً}. ثم نزل في سورة النور: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]. وهذا تفسير الحسن.
وقال غيره: {فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً} قال: كان هذا بدءَ عقوبة الزنا. كانت المرأة تحبس، ويؤذيان جميعاً بالقول والشتيمة، قال: {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً}. فجعل سبيلهن الجلد والرجم: إن كانا محصنين رجماً، وإن كانا غير محصنين جلد كل واحد منهما مائة جلدة.
قال الحسن: إن جاء الشهود الأربعة جميعاً أقيم بشهادتهم الحد، وإن جاءوا مفترقين جلد كل إنسان منهم جلد القاذف ثمانين.
ذكر عكرمة عن ابن عباس قال: لا يقام الحد حتى يشهدوا أنهم رأوه يدخل كما يدخل المرود في المكحلة.
قوله: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ} أي إنما التجاوز من الله {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ (1/358)
صفحة 357
بِجَهَالَةٍ} ذكر بعض العلماء قال: كل ذنب أتاه عبد فهو بجهالة. قال: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} أي: ما دون الموت؛ يقال: ما لم يغرغر بنفسه. {فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً}.
قال الحسن: نزلت هذه الآية في المؤمنين: ثم ذكر الكفار فقال: {وَلَيْسَتِ التَّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} يعني الشرك بالله {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ} عند معاينة ملك الموت قبل أن تخرج نفسه من الدنيا {قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ} أي رجعت الآن {وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}.
قال الحسن: لا يقبل إيمان الكافر عند الموت ولا توبته ولا توبة صاحب الكبائر.
ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لما بينهما لمن اجتنب الكبائر».
ذكروا عن الحسن قال: إن إبليس لما أهبط إلى الأرض قال: وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده، فقال الله: وعزتي لا أمنعه التوبة ما لم يغرغر بنفسه.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: كل ذنب أقام عليه العبد حتى يموت فهو كبيرة. قال: وكل ذنب تاب منه العبد قبل أن يموت فليس بكبيرة.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً}.
كان الرجل في الجاهلية يموت عن امرأته فيُلقِي وليُّه عليها ثوباً، فإن أَحبَّ (1/359)
صفحة 358
أن يتزوّجها تزوّجها، وإلا تركها حتى تموت فيرثها، إلا أن تذهب إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ثوباً، فتكون أَحقَّ بنفسها.
وقال بعضهم: إذا ألقى عليها ثوباً كان ذلك تزويجه إياها، فإن كان راغباً فيها عجّل الدخول بها، وإن لم تكن له فيها رغبة حبسها، فلم يدخل بها حتى تفتدي بمالها أو ببعضه.
قال الحسن: كان وليّه يقول: ورثت امرأته كما ورثت ماله، فإن شاء تزوّجها بالصداق الأول، وإن شاء زوّجها وأخذ صداقها.
وقال بعضهم: كان هذا في حي من الأنصار؛ إذا مات لهم ميت قصد ولي الميت ولي المرأة فنكحها أو أنكحها من شاء، ما لم يكن أباها أو عمَّها، أو يعضلوهن حتى يفتدين بأموالهن، فنهاهم الله عن ذلك.
قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} أي لا تحبسوهن {لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} أي: ببعض ما أعطيتموهن. قال الحسن: يعني الصداق. {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}. قال بعضهم: نُهِيَ الرجل إذا لم يكن له بامرأته حاجة أن يضارّها فيحبسها لتفتدي منه، إلا أن يأتين بفاحشة مبيّنة. قال بعضهم: إلا أن تكون هي الناشزةَ فتختلع منه. والفاحشة المبيّنة: عصيانها ونشوزها.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المختلعات المنتزعات هن المنافقات» ذكر الحسن قال: إنما كان عامة من يصيب هذه الحدود وأشباه هذا من الفعل يومئذ (1/360)
صفحة 359
المنافقين. وذكر الحسن: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، أي: الزنا، إلا أن تقوم عليها البينة. وهي منسوخة.
قوله: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ} أي: اصحبوهن بالمعروف {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}. أي: يكره الرجل المرأة، فيحبسها، ويمسكها وهو لها كاره، فعسى الله أن يرزقه منها ولداً، ثم يعطفه الله عليها، أو يطلقها فيتزوجها غيره، فيجعل الله للذي تزوّجها فيها خيراً كثيراً.
قوله: {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ} أي طلاق امرأة ونكاح أخرى {وَءَاتَيْتُمْ} أي وأعطيتم {إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً}. ذكروا عن الحسن أنه قال: القنطار ألف دينار ومائتا دينار. وذكر بعضهم قال: القنطار مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألفاً من الورق.
قال: {فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأخُذُونَهُ} على الاستفهام {بُهْتَاناً} أي: ظلماً {وَإِثْماً مُّبِيناً} أي إن أخذتموه على ذلك كان بهتاناً وإثماً مبيناً، أي بيّناً.
لا يحل له أن يأخذ مما أعطاها شيئاً إلا أن تنشز فتفتدي منه، ولا يحل له أن يضارّها فتفتدي منه.
قوله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} يعني المجامعة في تفسير مجاهد وغيره: قال: [بعضهم]: كل مدخول بها فلها الصداق كاملاً. وإن كانت محرماً منه تزويجها، وهو لا يعلم، فدخل بها، فلها الصداق كاملاً. وكان الحسن يقول: إن كانت لا تحل له فلها ما أخذت منه ولا تتبعه بما بقي.
قال: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} هو قوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]، وهو قول الحسن وغيره. وقال مجاهد: هي كلمة النكاح التي تُسْتَحلّ بها الفروج. (1/361)
صفحة 360
قال بعضهم: وقد كان في عقد المسلمين عند إنكاحهم: ءآلله عليك لتمسكنَّ بمعروف أو لتسرِّحَنَّ بإحسان. وحُدِّثنا عن بعض السلف أنه كان يتلو هذه الآية عن النكاح.
قوله: {وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} أي إلا ما قد مضى قبل التحريم. {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً} أي وبغضاً من الله {وَسَاءَ سَبِيلاً} أي: بئس المسلك.
إذا تزوَّجَ الرجل المرأة لم تحل لابنه إذا طلّقها الأب، أو مات عنها، دخل بها أو لم يدخل بها. والجد كذلك، والجد أب الأم كذلك. وإذا وطىء الرجل أمته أو أمة غيره، أو حرة، أو جرّدها، أو مسّ منها شيئاً بشهوة لم تحل لأبيه ولا لابنه.
قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}. والجدات كلهن مثل الأم، وأم أب الأم من حيث ما ولدته فهي أم.
قوله: {وَبَنَاتُكُمْ} وبنات الابن وبنات الابنة وأسفل من ذلك من حيث ما ولدها فهي ابنته.
قوله: {وَأَخَوَاتُكُمْ} إن كانت لأبيه وأمّه، أو لأبيه، أو لأمه، فهي أخت.
قوله: {وَعَمَّاتُكُمْ} فإن كانت عمته أو عمة أبيه أو عمة أمه وما فوق ذلك فهي عمة.
قوله: {وَخَالاَتُكُمْ} فإن كانت خالته أو خالة أمه أو خالة أبيه وما فوق ذلك فهي خالة. (1/362)
صفحة 361
قوله: {وَبَنَاتُ الأَخِ} فإن كانت ابنة أخيه أو ابنة أخيه لأبيه وأمه، أو لأبيه أو لأمه، أو ابنة ابنة أخيه وما أسفل من ذلك، فهي بنت أخ.
قوله: {وَبَنَاتُ الأُخْتِ} إن كانت ابنة أخته أو ابنة ابن أخته أو ابنة ابنة أخته وأسفل من ذلك فهي ابنة أخت.
قوله: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ}. يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. فلا تحل له أمه من الرضاعة ولا ما فوقها من الأمّهات، ولا أخته من الرضاعة، ولا عمته من الرضاعة، ولا عمة أبيه من الرضاعة، ولا عمة أمه من الرضاعة، ولا ما فوق ذلك. ولا خالته من الرضاعة، ولا خالة أبيه من الرضاعة، ولا خالة أمه من الرضاعة، ولا ما فوق ذلك. ولا ابنة أخيه من الرضاعة، ولا ابنة ابن أخيه من الرضاعة، ولا ابنة أخته من الرضاعة ولا ابنة ابن أخته، ولا ابنة ابنة أخته من الرضاعة، ولا ما أسفل من ذلك.
وإذا ارضعت المرأة غلاماً لم يتزوّج ذلك الغلام شيئاً من بناتها. لا ما قد وُلد معه ولا قبل ذلك ولا بعده. ويتزوَّج إخوتُه من بناتها إن شاءوا. وكذلك إذا أرضعت جاريةً لم يتزوج تلك الجاريةَ أحدٌ من أولادها. لا ما وُلِد قبل رضاعها ولا ما بعده. ويتزوّج إخوتُها من أولادها إن شاءوا.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وقال (1/363)
صفحة 362
الحسن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة».
(1/ 220)
ذكروا أن علياً وابن مسعود قالا: يحرم من الرضاع قليله وكثيره.
ذكروا عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا لا يريان الرضاع بعد الحولين شيئاً.
وأما لبن الفحل، فإذا أرضعت امرأة الرجل من لبنه غلاماً أو جارية فهي بمنزلة ولده في قول من يحرّم لبن الفحل. ومنهم من لا يرى الفحل أباً. ومن كره لبن الفحل فهو يقول: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} أي: إذا أرضع من لبنه فاللبن من صلبه، فهو ابنه.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: الرضاع للرجل؛ خرج من ذكر واحد؛ يقول: إن المراة التي أرضعت هذا الصبي إنما أرضعته من لبن هذا الرجل فهو سواء: هي أمه وهو أبوه.
ومن رخص في لبن الفحل قال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ. . .} قال: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ}. ولم يقل: وبناتكم من الرضاعة. قال: فلو كانت ابنة لحرِّمت كما حرِّمت بناتكم.
قوله: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} فلا يحل للرجل أم امرأته ولا أمهاتها.
حرّم الله من النسب سبع نسوة، والرضاعة مثل النسب، وحرّم من الصهر سبع نسوة؛ فلا يتزوج الرجل أمه ولا أم امرأته، ولا ابنته ولا ابنة امرأته، ولا أخته ولا أخت امرأته، ولا عمته ولا عمة امرأته، ولا خالته ولا خالة امرأته، ولا ابنة أخيه ولا ابنة أخ امرأته، ولا ابنة أخته ولا ابنة أخت امرأته، فهؤلاء الأربعة عشر امرأة حرَّمهن الله. (1/364)
صفحة 363
وقال في سورة الفرقان: 54: {وَهُوَ الذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً} فإذا تزوّج الرجل المرأة ثم طلّقها أو ماتت، دخل بها أو لم يدخل لم تحلّ له أمُّها.
قوله: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي جُحُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فإذا تزوّج الرجل المرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، أو ماتت ولم يدخل بها، تزوّج ابنتها إن شاء. وإن كان قد دخل بها لم يتزوّج ابنتها، ولا ابنة ابنتها، ولا ما أسفل من ذلك.
وحرّم الله امرأتين أُخريين: امرأة الأب وامرأة الابن فقال في الآية الأولى. {وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ} وقال هاهنا: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} امرأة ابنه، وامرأة ابن ابنه، وامرأة ابن بنت ابنه وما أسفل من ذلك. وإنما قال: {مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} لأن الرجل كان يَتَبنّى الرجلَ في الجاهلية.
وقد كان النبي عليه السلام تبنّى زيداً، فأحلّ الله نكاح نساء الذين تبنّوا. وقد تزوّج النبي عليه السلام امرأة زيد بعد ما طلقها زيد.
قوله: {وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} أي إلا ما مضى قبل التحريم {إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} فإن كانت أختها لأبيها وأمّها، أو أختها لأبيها، أو أختها لأمها، فهي أخت.
ذكروا عن مسروق أنه قال: يحرم من الإِماء ما يحرم من الحرائر.
ذكر بعضهم أن رجلاً من المشركين أسلم وعنده أختان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق إحداهما. (1/365)
صفحة 364
ذكروا أن عبد الله بن مسعود سئل عن الأختين الأَمَتين أيطأهما الرجل جميعاً بملك اليمين فقال: لا. فقيل له: يقول الله: إلا ما ملكت أيمانكم، فقال: بعيرك مما ملكت يمينك.
ذكروا أن علياً سئل عنها فقال: أحلتها آية وحرمتها آية أخرى، وأنا أنهى نفسي وولدي عنها. قال بعضهم يعني بالآيتين: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}، والأخرى {وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ}.
ذكروا عن ابن عمر أنه كان عنده أختان فوطىء إحداهما ولم يطأ الأخرى حتى خرجت الأولى من ملكه. ذكروا عن الحسن أنه قال: لا يطأ الأخرى حتى يخرج الأولى من ملكه، لا يجمع بين الأمة وبين ابنتها ولا أمها ولا ابنتها ولا ابنة ابنها فأسفل من أسفل، ولا أمها ولا أم أب أمها فما فوق ذلك. وجميع النسب والرضاع من الإِماء بمنزلة الحرائر.
قوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} والمحصنات هاهنا اللاتي لهن الأزواج. يقول: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم. . . إلى هذه الآية ثم قال: والمحصنات من النساء، أي وحرمت عليكم المحصنات من النساء. قال: {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أي من السبايا. فإذا سُبِيت امرأة من أرض الشرك ولها زوج ثم وقعت في سهم رجل، فإن كانت من أهل الكتاب وكانت حاملاً لم يطأها حتى تضع حملها. وإن كانت ليست بحامل لم يقربها حتى تحيض. وإن لم يكن لها زوج فكذلك أيضاً. وإن كانت من غير أهل الكتاب لم يطأها حتى تتكلم بالإِسلام وتصلي. فإذا قالت لا إله إلا الله محمد رسول الله وما جاء به حق، وصلّت، استبرأها بحيضة، إلا أن تكون حاملاً فيكف عنها حتى تضع حملها. (1/366)
صفحة 365
ذكر أبو سعيد الخدري قال: أصبنا يوم أوطاس سبايا نعرف أنسابهن وأزواجهن، فامتنعنا منهن، فنزلت هذه الآية: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم، أي من السبايا.
قوله: {كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ} يعني حرمت عليكم أمّهاتكم وبناتكم وأخواتكم إلى هذا الموضع، ثم قال: كتاب الله عليكم، يعني بتحريم ما قد ذكر.
قوله: {وَأَحَلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} يعني ما بعد ذلكم من النساء. {أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم} أي: تتزوّجوا بأموالكم. لا تتزوجون فوق أربع. {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} أي ناكحين غير زانين.
قال: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ} أي من النكاح، نكاح المتعة {فَآتُوهُنَّ} أي فاعطوهن {أُجُورَهُنَّ} أي صَدُقَاتهن {فَرِيضَةً}. وهذا شيء كان في المتعة.
زعم بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في المتعة يوم فتح مكة إلى أجل، على أن لا يرثوا ولا يورثوا، ثم نهى عنها بعد ثلاثة أيام، قال: فصارت منسوخة، نسخها الميراث والعِدة.
وقال بعضهم: بل أحلّها الله ولم ينزل تحريمها ولم ينسخها. وكان ابن عباس ممن يقول ذلك ويُفتي به ويقول: لو أطاعني عمر في المتعة لم يُجلد في الزنا إلا شقي. (1/367)
صفحة 366
قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}.
قال الحسن: لا بأس على الرجل أن تدع له المرأة من صداقها الذي فرض لها كقوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} [النساء: 4].
وقال بعضهم: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ} يقول: ما تراضيا عليه من قليل أو كثير أحله الله له.
وقال بعضهم: هذا في المتعة إذا مضى الأجل الذي كانا أجّلاه بينهما، فإن كان له حاجة بها قال لها: زيديني في الأجل وأزيدك في الصداق، فذلك قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ}، أي الفريضة الأولى.
وهو هذا.
قوله: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} أي غنى، وقال بعضهم: سعة. وهو واحد. {أَن يَنكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ} أي الحرائر المؤمنات {فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ} يعني من إمائكم {المُؤْمِنَاتِ}. ولا يحل نكاح إماء أهل الكتاب. {وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} وفي الآية تقديم. يقول: من فتياتكم المؤمنات بعضكم من بعض، يعني المؤمنين: حرّهم ومملوكهم، ذكرهم وأنثاهم والله أعلم بإيمانكم.
قوله: {فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ}: أي ساداتهن، وكذلك المرأة الحرّة، إنما يُنكِحها وليُّها. (1/368)
صفحة 367
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «السلطان ولي من لا ولي له» ذكره عروة بن الزبير، ورواه عن [عائشة عن] رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذكر الحسن وسعيد بن المسيب في المرأة يزوّجها غير وليها قالا: ذلك إلى الولي، إن شاء أجاز وإن شار ردّ.
قوله: {وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي: ما تراضوا عليه من المهر. {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} أي ناكحات غير زانيات {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} والمسافحة هي المجاهرة بالزنا، وذات الخدن التي لها خليل في السر. وقال مجاهد: هي الخليلة يتخذها الرجل، والمرأة تتخذ الخليل، ويقول: نكاح ليس بسفاح ولا خليل في السر.
وقال الحسن: لا تحل المسافِحَة لمسلم أن يتزوّجها ولا ذات الخدن.
وذكر بعضهم إن المسافحة البَغِي التي تواجر نفسَها مَنْ عَرَض لها، وذات الخدن ذات الخليل الواحد. والعامة على التفسير الأول.
قوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} أَي: أحصنتهن البعولة {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} يعني الزنا {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ} يعني الحرائر {مِنَ العَذَابِ} أي من الجلد؛ فجلد خمسين جلدة إن لم يكن لها زوج. يقول: تجلد وإن كان لها زوج؛ ليس عليها رجم. ويلقى عنها من الثياب إذا جلدت ما يصل إليها العذاب. وكذلك (1/369)
صفحة 368
المملوك أيضاً يجلد خمسين، كانت له امرأة حرة أو مملوكة، أو لم تكن له امرأة. وتوضع عنه ثيابه إذا جلد.
ولا تُحصن المملوكةُ الحرَّ، ولا يحصن الحرُّ المملوكة. ولا تحصن اليهودية ولا النصرانية. ذكروا عن إبراهيم أنه قال: لا رجم عليهما حتى يكونا حرين مسلمين.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يعنفها. ثم إن زنت فليجلدها ولا يعنفها، ثم إن زنت فليجلدها ولا يعنفها ثم إن زنت فليبعها ولو بضفير» والضفير الحبل. قوله: ولا يعنفها؛ إن الزانيين كانا قبل أن ينزل حدهما يعيران ويشتمان وتحبس المرأة. حتى نزل حد الزنا.
قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ} أي إنما أحل الله نكاح الإِماء المؤمنات أن يتزوجهن من خشي العنت؛ والعنت الضيق، يعني الزنا؛ أي لا يجد ما يستعفّ به ولا يصبر فيزني.
وقال في أول الآية: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ} ذكر عطاء بن السايب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: لا يحل نكاح الأمة إلا لمن لا يجد طولاً وخشي العنت.
ولا يتزوج الحرُّ إلا أمة واحدة.
ذكر سعيد بن جبير أنه قال: ما ازلحفّ ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلاً، وما رخص له إلا إذا لم يجد طولاً وخشي العنت. (1/370)
صفحة 369
ذكروا عن الحسن أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تزويج الأمة على الحرة. ذكروا أن عمر بن الخطاب كان ينزع الإِماء إذا زُوِّجْنَ على الحرائر. وقال الحسن: إذا تزوج الرجل الأمة على الحرة فُرِّق بينه وبينها. ولا بأس أن يتزوج الحرة على الأمة.
ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه قال: إن شاء تزوَّج الحرة على الأمة، فيكون للحرة يومان وللأمة يوم.
ذكروا عن الحسن وسعيد بن المسيب أنهما قالا: يتزوّج الحرة على الأمة إن شاء ويقسم بينهما: يومين للحرة ويوماً للأمة، والنفقة كذلك. ولا يتزوج الأمة على اليهودية ولا على النصرانية، ويتزوّج اليهودية والنصرانية على الأمة ويقسم بينهما: لليهودية والنصرانية يومان وللأمة يوم.
قوله: {وَأَن تَصْبِرُوا} أي عن نكاح الإِماء {خَيْرٌ لَّكُمْ} في تفسير مجاهد وغيره. {وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
قوله: {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} أي حلاله وحرامه {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي شرائع الذين من قبلكم من المؤمنين فيما حرّم من الأمهات والبنات والأخوات. . . . إلى آخر الآية. قوله: {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} أي يتجاوز عما كان من نكاحكم إياهن قبل التحريم {وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عليم بخلقه حكيم في أمره.
قوله: {وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَّتُوبَ عَلَيْكُمْ}. وهي مثل الأولى. قال: {وَيُرِيدُ الذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ} وهم اليهود في استحلالهم نكاح الأخوات {أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً} أي أن تخطئوا خطأً عظيماً. وقال مجاهد: {الشَّهَوَاتِ}: الزنا، وقوله: {أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً}: أن تزنوا.
ذكروا عن مجاهد أنه قال: لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مد من خمر، ولا من أتى ذات محرم، ولا مهاجر رجع إلى أعرابيته. (1/371)
صفحة 370
قوله: {يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ} في نكاح الإِماء، ولم يكن أحلَّ نكاحهن لمن كان قبلكم، في تفسير مجاهد وغيره، وقال مجاهد: وفي كل شيء يكون فيه يسر.
قوله: {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً} أي لا يصبر عن النساء.
قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالبَاطِلِ} [يعني بالظلم] ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفس فلا تظلموا».
قوله: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} أي تجارة حلال ليس فيها ربا.
قوله: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكَمْ رَحِيماً} أي لا يقتل بعضكم بعضاً ولا يقتل أحدكم نفسه.
ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً في سرية فأصابه كَلْمٌ، فأصابته عليه جنابة فصلّى ولم يغتسل؛ فعاب عليه ذلك أصحابه. فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فجاء فأخبره، فأنزل الله: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}.
قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً} أي وكان عذابه على الله هيّناً. (1/372)
صفحة 371
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل نفسه بحديدة فهو يوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلَّداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسُمّ فهو يتجرّعه في نار جهنم خالداً مخلّداً فيها أبداً. ومن تردى، أو قال: ألقى نفسه من رأس الجبل فهو في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً».
قوله: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً}. ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين، ثم قال: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ. . .}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الكبائر تسع: الإِشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين المسلمين، وقدف المحصنات، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والسحر، والفرار من الزحف، واستحلال البيت الحرام قبلتكم التي فيها تَوَجَّهُون».
ذكروا عن الحسن قال: الفرار من الزحف يوم بدر من الكبائر. وقال بعضهم: الفرار يوم ملحمة الروم الكبرى من الكبائر لأن المسلمين مجتمعون يومئذ كما كانوا يوم بدر.
قال الحسن: ذكرت الكبائر عند النبي عليه السلام فقال: أين تعدون اليمين الغموس. (1/373)
صفحة 372
ذكروا أن أبا العالية الرياحي قال: يقولون: الكبائر سبع، وأنا أراها سبعاً وسبعاً وسبعاً حتى عدّ أربعين أو أكثر. جماع الكبائر أن كل ما أوجب الله عليه الحد في الدنيا فهو كبيرة.
وقال الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تعدّون السرقة والزنا وشرب الخمر؟» قالوا الله ورسوله أعلم. قال: «فواحش وفيهن عقوبة. ثم قال: أكبر الكبائر الإِشراك بالله وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، ثم قال: ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، ألا وإن لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة بقدر غدرته يركز عند دبره، ألا ولا غدرة أكبر من غدرة أمير عامة».
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن ولا يقتل النفس وهو مؤمن فإذا فعل ذلك فقد خلع ربقة الإِسلام من عنقه».
وقوله: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} أي التي دون الكبائر: وندخلكم مدخلاً كريماً أي الجنة.
قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهما لمن اجتنب الكبائر». (1/374)
صفحة 373
ذكروا عن أنس بن مالك أنه قرأ هذه الآية {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّر عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً} فقال: قد تجاوز لكم عن السيئات، فما بال الكبائر.
ذكروا أن رجلاً من أصحاب النبي قال: الذنوب درجات فأعظمها القتل: ألا إن الإِشراك بالله مقتلة.
قوله: {وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ}. ذكر بعضهم قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة شيئاً ولا الصبي؛ وإنما يجعلون الميراث لمن يحترف وينفع ويدفع. فلما ألحق الله للمرأة نصيبها وللصبي نصيبه وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين قالت النساء: لو كان جعل أنصباءنا في الميراث كأنصباء الرجال، وقالت الرجال، إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ}؛ يقول: المرأة تجزى بحسناتها عشر أمثالها كما يجزى الرجل.
وتفسير مجاهد: تقول النساء: يا ليتنا كنا رجالاً فنغزو ونبلغ ما يبلغ الرجال.
قال: {وَاسْأَلُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}. وقال الحسن: لا يتمنّى مال فلان، ولا دار فلان، لعله يكون هلاكه فيه.
قوله: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ}. بنو الأم. قال بعضهم: هم العصبة.
ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه قال: أعياني بنو الأم، يتوارثون دون (1/375)
صفحة 374
بنى العلات؛ الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. والأخ من الأب والأم أولى من الأخ للأب. والأخ للأب أولى من ابن الأخ للأب والأم. وابن الأخ للأب والأم أولى من ابن الأخ للأب. وابن الأخ للأب أولى من ابن ابن الأخ للأب والأم. وابن الأخ للأب أولى من العم. والعم أخو الأب للأب والأم أولى من العم أخ الأب للأب. والعم أخو الأب للأب أولى من ابن العم للأب والأم. وابن العم للأب والأم أولى من ابن العم للأب. وابن العم للأب أولى من ابن ابن العم للأب والأم.
ولا تكون النساء عصبة في قرابة ولا ولاء. ولكن الأخوات من الأب والأم، أو من الأب إذا لم تكن الأخوات من أب وأم، فإنهن مع البنات عصبة، لهن الفضل: إلا أن يكون مع الأخوات إخوة أو أخ فيصيرون جميعاً عصبة.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا المال بالفرائض، فما أبقت الفرائض فلأولى رحم ذكر».
ذكروا عن علي أنه كان يرد على كل ذي سهم بقدر سهمه إلا الزوج والزوجة. وكان ابن مسعود لا يرد. قال بعضهم: وكان زيد بن ثابت يجعل ما يبقى في بيت مال المسلمين؛ وهذا إذا أخذ كل ذي سهم نصيبه ولم يكن ذو رحم ذكر يرث الفضل.
قوله: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً}. قال بعضهم: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية ويقول: دمي دمك، وهَدَمي هدَمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، فجعل له السدس من جميع المال ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم فنسختها هذه الآية: {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ (1/376)
صفحة 375
بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75] فذهب ما كان من عقد يُتوارث به وصارت المواريث لذوي الأرحام.
قوله: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} أي مسلَّطُون على أدب النساء والأخذ على أيديهن. {بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} جعل شهادة امرأتين شهادة رجل واحد، وفضلوا في الميراث {وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} يعني الصّداق.
ذكروا أن رسول الله قال: «المرأة مسكينة ما لم يكن لها زوج. قيل: وإن كان لها مال. قال نعم: وإن كان لها مال {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}».
ذكر بعضهم قال: ذكر لنا أن رجلاً لطم امرأته على عهد النبي عليه السلام فأتت المرأة نبيّ الله. فأراد نبي الله أن يَقُصّها منه، فأنزل الله: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}. ذكروا عن الحسن أن رجلاً لطم امرأته فَرُفِع ذلك إلى النبي فقال: بئس ما صنعت فأنزل الله: {الرَّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}.
وقال الحسن: ليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون الموضحة. أي: أنه يرى ذلك أدباً.
قوله: {فَالصَّالِحَاتُ} يعني المحسنات إلى أزواجهن {قَانِتَاتٌ} أي: مطيعات لأزواجهن في تفسير الحسن. وقال غيره: مطيعات لله ولأزواجهن {حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ} أي لغيب أزواجهن في فروجهن. {بِمَا حَفِظَ اللهُ} أي بحفظ الله إياهن في تفسير الحسن. وقال غيره: حافظات لما استودعهن الله من حقِّه، حافظات لغيب أزواجهن. (1/377)
صفحة 376
قوله: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنُّ} [عصيانهن، يعني تنشز على زوجها فلا تدعه أن يغشاها] {فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ}.
قال بعضهم: يبدأ فيعظها بالقول، فإن أبت هجرها، فإن أبت ضربها ضرباً غير مبرح، أي غير شائن. قال بعضهم: ثم يرتفعان إلى السلطان.
قوله: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أي إذا تركته يغشاها فلا يطلب عليها العلل. وقال الحسن في قوله: واهجروهن في المضاجع: لا يقربها. وقال الكلبي: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أي: لاَ تكلفوهن الحب: فإنما جعلت الموعظة لهن في المضجع والسبّ في المضجع، والضرب في المضجع؛ ليس على الحبّ، ولكن على حاجته إليها. {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً}.
قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} أي: اختلافاً، أي: إن نشزت المرأة حتى تشاقّ زوجها {فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ} أي من أهل الرجل {وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا} أي: من أهل المرأة {إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً}.
أي إذا نشزت ورفع ذلك إلى الإِمام بعث الإِمام حكماً من أهل المرأة وحكماً من أهل الرجل يُصلحان بينهما، ويجمعان ولا يُفرّقان، وينظران من أين يأتي الضرر والمدافعة؛ فإن اصطلحا فهو من الله، وإن أبيا ذلك وأبت المرأة إلا النشوز وقّفها. الإِمام على النشوز؛ فإن افتدت من زوجها حلّ له أن يخلعها، والخلع جائز عند السلطان وغيره.
وقال بعضهم: فابعثوا حَكَماً عدلاً مِن أَهلها وحَكَماً عدلاً من أهل الرجل (1/378)
صفحة 377
ينظرن في النصيحة لهما فيعظان الظالم.
وذلك أنه يخلو حَكَم الرجل بالرجل فيقول: أخبرني بما في نفسك فإني لا أستطيع أن أفرّق أو أجمع إلا بأمرك. فإن كان الرجل هو الناشز الظالم قال له: فرّق بيني وبينها، فلا حاجة لي فيها. وإن لم يكن هو الناشز قال له: أرضها من مالي بما أحبّت ولا تفرّق بيني وبينها. ويخلو حكم المرأة بالمرأة فيقول: أخبريني بما في نفسك. فإن كانت هي الناشزة قالت له: أعطه من مالي ما شاء وفرّق بيني وبينه. فإن لم تكن هي الناشزة قالت له: اتق الله ولا تفرق بيني وبينه، ولكن استزده لي في نفقتي، ومره أن يحسن إلي. ثم يلتقي الحكمان. وقد علم كل منهما ما قال له صاحبه. فإن أرادا إصلاحاً بين الرجل والمرأة أخذ كل منهما على صاحبه يميناً لتصدقني وأصدقك. فإذا صدق كل واحد منهما صاحبه عرفا من أيٍّ جاء النشوز. فإن كان من قِبل الرجل قالا له: اتّقِ الله، فإنك أنت الظالم الناشز، فارجع إلى أمر الله، فيأمرانه بالعدل، ويأخذانه بالنفقة حتى يرجع إلى أمر الله ولا يطلقها. وإن كانت المرأة هي الناشز، الظالمة لزوجها، قالا لها: أنت الناشز الظالمة لزوجك، فيأمرانها بالعدل، لعل الله يُصلح ما بينهما على أيديهما.
وقال بعضهم: إنما يُبعث الحكمان ليُصلحا. فإن أعياهما أن يُصلحا بينهما شهدا على الظالم بظلمه وليس بأيديهما الفرقة ولا يملكان ذلك.
وبلغنا عن علي بن أبي طالب أنه قال للحكمين: ذلك إليكما إن رأيتما أن تفرّقا ففرّقا. (1/379)
صفحة 378
قوله: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} [أي لا تعدلوا به غيره]. {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى} أي الجار الذي له قرابة، {وَالجَارِ الجُنُبِ} أي الأجنبي الذي ليست له قرابة {وَالصَّاحِبِ بَالجَنبِ} أي الرفيق والنزيل في السفر.
وقال بعضهم: الصاحب بالجنب هي المرأة التي يلصق جنبها بجنبك، وجنبك بجنبها، أوصاك الله بها، لأنها أقرب الخلق إليك.
ذكر عطاء الخرساني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجيران ثلاثة: جار له ثلاثة حقوق، وجار له حقان، وجار له حق واحد. فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم ذو القرابة، له حق الإِسلام، وحق القرابة، وحق الجوار، وأما الجار الذي له حقان فالجار المسلم؛ له حق الإِسلام وحق الجوار، وأما الذي له حق واحد فالجار المشرك؛ له حق الجوار».
قال بعضهم: إذا كان له جار له رحم فله حقان: حق الجوار وحق الرحم. والجار الجنب له حق الجوار. والصاحب بالجنب وهو الرفيق والنزيل في السفر.
قوله: {وَابْنِ السَّبِيلِ} هو الضيف.
ذكروا عن علي بن أبي طالب قال: الجوار أربعون داراً.
الخليل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت». (1/380)
صفحة 379
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل فما زال يوصيني بالجار حتى ظننت، أو رأيت أنه سيورثه».
ذكروا عن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوماً وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، وما سوى ذلك فهو صدقة».
قوله: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ذكروا عن أم سلمة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من آخر وصيته عند موته: الصلاة وما ملكت أيمانكم، حتى جعل يجلجلها في صدره، وما يفيض بها لسانه.
ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المملوك أخوك، فإن عجز فخذ معه، ومن رضي مملوكه فليمسكه، ومن كرهه فليبعه ولا تعذبوا خلق الله الذي خلق».
ذكروا عن أبي ذر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في المملوكين: «أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلّفوهم ما لا يطيقون».
قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً الذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ (1/381)
صفحة 380
بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ} قال الحسن: هم اليهود، منعوا حقوق الله في أموالهم، وكتموا محمداً صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون أنه رسول الله مكتوباً عندهم. وقال بعضهم: هم أهل الكتاب بخلوا بحق الله عليهم، وكتموا الإِسلام ومحمداً، وهم يجدونه مكتوباً عندهم. وقال بعضهم: ويأمرون الناس بالبخل فهو كتمان محمد.
قال: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} فأخبر أنهم كفار. وقوله {مُهِيناً} من الهوان.
قوله: {وَالذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ}. قال بعضهم: هم اليهود، وقال بعضهم: هم المنافقون. {وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً} أي فبئس القرين.
قوله: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ} يعني الزكاة الواجبة {وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً} فهو عليم بهم إذ هم مشركون.
قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} أي لا ينقص وزن مثقال ذرة. {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ} أي: ويعط {مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} أي الجنة.
ذكر بعضهم قال: إذا حوسب المؤمن بحسناته وسيئاته، فإذا لم يفضل له إلا حسنة واحدة ضاعفها الله له. وهو قوله: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}.
ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: إن في سورة النساء آياتٍ هنَّ خير من الدنيا جميعاً: الأولى قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 40]. والثانية قوله: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً} [النساء: 31]. والثالثة: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]. والرابعة: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 110]. والخامسة: {وَالذِينَ (1/382)
صفحة 381
ءَامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 152].
قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} أي يوم القيامة يشهد على قومه أنه قد بلغهم. قال بعضهم: شاهدها نبيُّها من كل أمة. {وَجِئْنَا بِكَ} يا محمد {عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيداً}. قال: {يُوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ}. قال بعضهم: ودّوا لو أن الارض تخرّقت بهم فساخوا فيها.
وقال بعضهم: إن الله إذا حشر الخلائق يوم القيامة قصَّ لبعضهم من بعض حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء، ثم قال: كوني تراباً، يطأ عليها أهل الجمع، هذا ما سوى الثقلين. فعند ذلك {وَيَقُولُ الكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} [النبأ: 40]. وهو قوله: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ}.
قوله: {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً} ذكر أبو حازم عن ابن عباس في قوله: {وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] فبألسنتهم، وأما قوله: {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً} فبجوارحهم.
ذكروا عن أبي موسى الأشعري قال: {قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فختم الله على أفواههم فقال للجوارح انطقي، فإن أول ما يتكلم من أحدهم لفخذه، قال الحسن: نسيت اليمنى قال أم اليسرى. وهذا في سورة يس: {اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: 65]. وقال الحسن: في موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همساً، أي وطء الأقدام، وفي موطن آخر يتكلمون فيكذبون، وَقَالُوا: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ} [النحل: 28]، و {قَالُوا: وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23]. وفي موطن يعترفون على أنفسهم بالكفر، (1/383)
صفحة 382
ويسألون الله أن يردّهم إلى الدنيا فيؤمنوا. وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم، وتتكلم أيديهم وأرجلهم.
قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}. ذكر بعضهم قال: لما نزلت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ} والميسر القمار كله {قُلْ فِيهمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة: 219] فذمّها الله في هذه الآية ولم يحرّمها، وهي لهم يومئذ حلال. قال: فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية: إن الله قد يقرّب في تحريم الخمر. ثم أنزل في الخمر بعدها آية هي أشد منها: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} فكان السكر عليهم منها حراماً، وأُحِل لهم ما سوى ذلك؛ فكانوا يشربونها، حتى إذا حضرت الصلاة أمسكوا عنها. ثم أنزل الله تحريمها في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]. فجاء تحريمها في هذه الآية قليلها وكثيرها، ما أسكر منها وما لم يسكر.
قوله: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا}. ذكروا عن ابن عباس قال: هو المسافر إذا لم يجد الماء تيمم وصلّى. وقال بعضهم: الجنب يعبر المسجد ولا يقعد فيه، ويتلوا هذه الآية: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ}.
قوله: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} أي [تعمّدوا] تراباً نظيفاً.
والملامسة في قول علي وابن عباس والحسن وعبيد هو الجماع. وكان ابن (1/384)
صفحة 383
مسعود يقول: هو اللمس باليد، ويرى منه الوضوء. ومن قال: إنه الجماع لم ير من اللمس باليد ولا من القبلة وضوءاً.
ذكروا عن عائشة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ، ثم يقبّلها، ثم ينطلق إلى الصلاة ولا يتوضأ.
قوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُواً غَفُوراً}.
ذكروا عن عمار بن ياسر قال: أجنبت وأنا في الإِبل، فتمعّكتُ في الرمل كتمعُّكِ الدابة. ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخل الرمل في رأسي ولحيتي، فأخبرته فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بكفيه إلى الأرض، ثم نفضهما، فمسح بهما وجهه وكفيه [ثم قال: كان يكفيك أن تصنع هكذا]».
ذكروا عن عمار بن ياسر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التيمّم ضربة واحدة».
ذكروا عن ابن عمر أنه كان يتيمم ضربتين: ضربة للوجه وضربة للذراعين. وذكروا عن الحسن مثل ذلك. (1/385)
صفحة 384
[ذكر سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الجريح، والمجدور، والمقروح إذا خشي على نفسه تيمّم].
قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الكِتَابِ} يعني اليهود {يَشْتَرُونَ الضّلاَلَةَ} أي يختارون الضلالة، في تفسير الحسن. وقال غيره يستحبون الضلالة على الهدى، حرَّفوا كتاب الله. {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ} يعني محمداً وأصحابه. وذلك أنهم دعوهم إلى دينهم. {وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} يعني اليهود، وهو كقوله: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82] قال: {وَكَفَى بِاللهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللهِ نَصِيراً}.
قوله: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ}. قال مجاهد: تبديل اليهود التوراة. وقال الحسن: تحريفهم؛ حرَّفوا كلام الله، وهو الذي وضعوا من قِبَل أنفسهم من الكتاب، ثم ادَّعوا أنه من كتاب الله. قال: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ} [البقرة: 79].
قوله: {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} وهم اليهود. قال الكلبي: {غَيْرَ مُسْمَعٍ} أي: لا سمعت. وقال الحسن: غير مسمع منا ما تحب. وقال مجاهد: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} أي: سمعنا ما تقول ولا نطيعك. {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} أي: غير مقبول ما تقول.
قوله: {وَرَاعِنَا} قال الكلبي: يلوي لسانه بالسبّ. وقد فسّرناه في سورة البقرة. وقال الحسن: (رَاعِنَا): السخريّ من القول: {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ} يعني ما يلوون به ألسنتهم من كتمانهم محمداً والإِسلام. وقال مجاهد: كان أحدهم يقول: ارعني سمعك، يلوي بذلك لسانه. قال: {وَطَعْناً فِي الدِّينِ} أي في الإِسلام. (1/386)
صفحة 385
قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا} حتى نتفهم {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ} لأمرهم. {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}.
قال بعضهم: قلَّ من آمن من اليهود. ذكر محمد بن سيرين قال: ما نعلم أحداً من اليهود أسلم على عهد النبي محمد عليه السلام غير عبد الله بن سلام، والحسن يذكر آخر، ما أدري من هو.
ذكروا عن رفاعة القرظي في قوله: {الذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} [القصص: 52] قال: نزلت في عشرة ممن أسلم من اليهود أنا أحدهم.
ذكر أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو آمن بي واتبعني وصدقني عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودي إلا اتبعني» فقال كعب: اثنا عشر. وفي حديث الحسن: عشرة. ومصداق ذلك في كتاب الله: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِّنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} [المائدة: 12]. وقال بعض العلماء: إن لم يكن قال هذا النبي بعدما أسلم الاثنان اللذان قال محمد بن سيرين فما أدري ما هو.
قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا}. قال بعضهم: فنردها من قِبَل أقفائها. وقال الحسن ومجاهد: فنردها على أدبارها في الضلالة. وقال الحسن: نطمسها عن الهدى.
قوله: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ}. مسخ أصحاب السبت قردة. {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً} أي إذا أراد الله أمراً أن يقول له كن فيكون.
قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُّشْرَكَ بِهِ} [أي أن يعدل به غيره] {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} {وَمَن يُّشْرِكُ باللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً}. (1/387)
صفحة 386
ذكر عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الموجبتين فقال: «من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات وهو مشرك بالله دخل النار».
قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ}. قال: بعضهم: هم اليهود، زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه، وقالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] وقالوا: لا ذنوب لنا.
ذكروا عن مجاهد قال: هم يهود؛ كانوا يقدّمون صبيانهم فيؤمّونهم في الصلاة، يقولون: لا ذنوب لهم، تزيكة.
وقال الحسن: هم أهل الكتابين {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111].
وقال الكلبي: هم اليهود جاءوا بأبنائهم أطفالاً إلى النبي عليه السلام فقالوا: يا محمد، هل على أولادنا من ذنوب فيما اقترفوا؟ قال: لا، أو كما قال، فقالوا: فوالذي يُحلَف به إن نحن إلا كهيئتهم، ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفِّر عنا بالليل، وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفِّر عنا بالنهار، فهو الذي زكوا به أنفسهم.
قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ} أي لا ينقصون {فَتِيلاً} الفتيل: الذي في بطن النواة. وهو تفسير العامة. وقال مجاهد: هو دلكك أصابعك بعضها ببعض، فما خرج منها فهو الفتيل. (1/388)
صفحة 387
قوله: {انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً} أي: بَيِّناً. قال الحسن: هم اليهود والنصارى حرّفوا كتاب الله وافترقوا عليه، وقالوا: هذا كلام الله.
قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} قال بعضهم: كنا نحدث أن الجبت هو الشيطان، والطاغوت الكاهن. وقال مجاهد: الطاغوت الشيطان في صورة إنسان. وقال مجاهد: الجبت الكاهن، والطاغوت الشيطان. وقال الحسن: الجبت: السحر.
قوله: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الذِينَ ءَامَنُوا سَبِيلاً}. قال الحسن: يعنون به أصحابهم من اليهود أنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلاً.
وقال الكلبي: هم قوم من اليهود، فيهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، أتوا مكة فسألتهم قريش وأناس من غطفان؛ فقالت قريش: نحن نعمر هذا المسجد، ونحجب هذا البيت، ونسقي الحاج، أفنحن أمثل أم محمد وأصحابه؟ فقالت اليهود: بل أنتم أمثل. فقال عيينة بن حصن وأصحابه الذين معه: أما قريش فقد عدّوا ما فيهم ففُضِّلوا على محمد وأصحابه، فناشدوهم: أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فقالوا: لا والله، بل أنتم والله أهدى. فقال الله: {أُولَئِكَ الذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً}.
ذكر بعضهم قال: إنها نزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب اليهوديين من بني النضير؛ لقيا قريشاً بالموسم، فقال لهم المشركون: أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فإنا أهل السدانة، وأهل السقاية، وأهل الحرم. فقالا: بل أنتم أهدى من محمد وأصحابه، وهما يعلمان أنهما كاذبان، وإنما حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه؛ فأنزل الله هذه الآية: {أُولَئِكَ الذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ}.
قوله: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ المُلْكِ فَإِذَا لاَّ يُؤتُونَ النَّاسَ نَقِيراً} والنقير النقرة (1/389)
صفحة 388
تكون في ظهر النواة في تفسير مجاهد وغيره. [المعنى: أنهم لو أعطوا الملكَ ما أعطوا الناس مقدار النقير].
قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ} قال الحسن: هم اليهود يحسدون محمداً وأصحابه على ما آتاهم الله من فضله في الدين.
قال الكلبي: الناس في هذه الآية محمد عليه السلام. قالت اليهود: انظروا إلى هذا الذي لا يشبع من الطعام. ولا والله ما له همٌّ إلا النساء؛ حسدوه لكثرة نسائه وعابوه بذلك، وقالوا: لو كان نبياً ما رغب في كثرة النساء. فأكذبهم الله فقال:
{فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إِبْرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} يعني النبوة {وَءَاتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً} فسليمان بن داود من آل إبراهيم؛ وقد كان عند سليمان ألف امرأة، وعند داود مائة، فكيف يحسدونك يا محمد على تسع نسوة.
وقال الحسن: {وَءَاتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً}، ملك النبوّة.
قوله: {فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِ} أي بما أتاهم الله من النبوة والإِسلام. {وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ} قال مجاهد: فمنهم من آمن به، أي: بما أنزل على محمد، ومنهم من صدَّ عنه. قال: {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} أي لمن صدَّ عنه. وتأويل صدّ عنه: جحدوه.
قوله: {إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} أي: كلما احترقت جلودهم جدد الله لهم جلوداً أخرى. قال: {لِيَذُوقُوا العَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً}. أي عزيزاً في نقمته، حكيماً في أمره.
قال بعضهم: تأكل كل شيء حتى تنتهي إلى الفؤاد، فينضج الفؤاد، فلا يريد الله أن تأكل أفئدتهم؛ فإذا لم تجد شيئاً تتعلق به منهم خبت، وخبّوها: سكونها. ثم يعادون خلقاً جديداً؛ فتأكلهم كلما أعيد خلقهم. (1/390)
صفحة 389
قوله: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} أي لا يحضن ولا يلدن ولا يبلن ولا يقضين حاجة ولا يمتخطن؛ ليس فيها قذر. قال: {وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً}. قال الحسن: أي: دائماً. وقال بعضهم: لذلك الظل ظلال.
قوله: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}.
لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن طلحة فقال: أرنا المفتاح. فلما أتاه به قال العباس: يا رسول الله أجمعه لي مع السقاية، فكفَّ عثمان يده مخافة أن يدفعه إلى العباس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فأرنا المفتاح» فقال: هاك في أمانة الله. فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففتح باب الكعبة، فأفسد ما كان فيها من التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم فوضعه حيث وضعه. ثم طاف بالبيت مرة أو مرتين. فنزل عليه جبريل، فأمره برد المفتاح إلى أهله. فدعا عثمان بن طلحة فقال: هاك المفتاح، إن الله يقول: أدوا الأمانات إلى أهلها.
قال: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّاً يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}.
ذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للحجبي يومئذ: هاك، ورمى إليه بالمفتاح، خذها فإن الله قد رضيكم لها في الجاهلية والإِسلام. (1/391)
صفحة 390
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي إلا السدانة والسقاية، فإني قد أمضيتهما لأهلهما».
قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} قال الحسن: أولو الأمر منكم: أهل الفقة والعلم والرأي. غير واحد أنه قال: أولو الأمر منكم: العلماء.
ذكروا عن عطاء أنه قال: يا أيها الذين ءَامنوا أطيعوا الله، يعني كتابة، وأطيعوا الرسول، يعني ما سَنَّ رسول الله، وأولي الأمر منكم: العلماء من كانوا، وحيثما كانوا. وتفسير مجاهد: أولو الفقه في الدين والعقل.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «السنة سنتان: سنة في فريضة، الأخذ بها هدى وتركها ضلالة، وسنة في غير فريضة الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة».
وكان الكلبي يقول: أولو الأمر منكم أمراء السرايا.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني». (1/392)
صفحة 391
قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ} يعني فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله. قال: {إِن كُنتُمْ تُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي أحسن ثواباً وخيرٌ عاقبةً.
وقال مجاهد: أحسن ثواباً أي: أحسن جزاءً. قال هو مثل قوله: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف: 53] أي ثوابه في الآخرة.
وقال الكلبي: فإن تنازعتم في شيء، يعني في السرية وأميرها فردوه إلى الله والرسول.
قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ}.
قال الحسن: إن رجلاً من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق فدعاه المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى وثن بني فلان الذي كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه، وعند ذلك الوثن رجل يقول للخصمين: قضى بينكما بكذا وكذا. وإنما عبادة الوثن عبادة الشيطان. والأوثان هي الطواغيت.
وقال الكلبي: إن رجلاً من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود خصومة فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد نختصم إليه. وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي يُسمَّى [هاهنا] الطاغوت في قول الكلبي: وقال بعضهم: أراد أن يحاكمه إلى كاهن بالمدينة فقال الله: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ}.
قال تعالى: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً}. والطاغوت الشيطان. والكاهن من أمر الشيطان. والإِيمان بالشيطان كفر بالله، والإِيمان بالله كفر بالشيطان. قال الله: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤمِنُ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى} [البقرة: 256]. (1/393)
صفحة 392
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من أتى عرّافاً فصدّقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد».
ذكروا أن عبد الله بن مسعود قال: من أتى كاهناً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد.
قال الكلبي: فأبى المنافق أن يخاصمه إلى النبي، وأبى اليهودي إلا أن يخاصمه إلى النبي. فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى لليهودي. فلما خرجا من عنده قال المنافق لليهودي: انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب أخاصمك إليه. فأقبل معه اليهودي، فدخلا على عمر، فقال اليهودي: يا عمر، إنا قد اختصمنا أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه، فلم يرض هذا بقضائه، وزعم أنه يخاصمني إليه، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. قال عمر: رويدكما حتى أخرج إليكما. فدخل البيت فاشتمل على سيفه، ثم خرج إلى المنافق فضربه حتى بَرَد. فأنزل الله على نبيه {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ (1/394)
صفحة 393
بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء: 64 - 65].
ذكر بعضهم أنها نزلت في رجل من الأنصار يقال له بشر وفي رجل من اليهود في حق كان بينهما، فتنافرا إلى كاهن كان في المدينة ليحكم بينهما وتركا نبيَّ الله. وذكر لنا أن اليهودي يدعوه إلى النبي ليحكم بينهما، وقد علم أنه لن يجور عليه فجعل الأنصاري يأبى، ويزعم أنه مسلم، فنزلت فيهما هذه الآية.
قوله: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}. قال الحسن: هذا كلام منقطع عما قبله وعما بعده. يقول: إذا أصابتهم مصيبة، يعني إن تباينوا بنفاقهم فيقتلهم رسول الله. وفيه إضمار. والإِضمار الذي فيه: يقول: إذا أصابتهم مصيبة لم ينجهم منها ولم يغثهم. ثم رجع إلى الكلام الأول، إلى قوله: {يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً} {ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} [أي إن أردنا إلا الخير].
قال الله: {أُولَئِكَ الذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} أي من النفاق {فأَعْرِضْ عَنْهُمْ} ولا تقتلهم ما أظهروا لك الإِقرار بدينك والتصديق لقولك. قال: {وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قُوْلاً بَلِيغاً}. يعني يقول لهم: إن باينتم بنفاقكم قتلتكم؛ فهذا القول البليغ.
قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ}. قال مجاهد: أوجب الله لهم، يعني الرسل، أن يطيعهم من شاء الله [من الناس، ثم أخبر أنه] لا يطيعهم أحد إلا بإذن الله. (1/395)
صفحة 394
قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً}.
قال الحسن: إن اثني عشر رجلاً من المنافقين اجتمعوا على أمر من النفاق، وائتمروا به فيما بينهم، فأتى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك. وقد دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم [فقال رسول الله]: «إن اثني عشر رجلاً من المنافقين قد أجمعوا على أمر من النفاق، فليقم أولئك، فليستغفروا ربهم، وليعترفوا بذنوبهم حتى أشفع لهم» فجعلوا لا يقومون؛ فقال رسول الله: «ألا يقومون؟ ألا يقومون؟ مراراً، ثم قال: قم يا فلان، وأنت يا فلان، وأنت يا فلان. فقالوا: يا رسول الله، نحن نستغفر رسول الله، ونتوب إليه، فاشفع لنا. فقال: آلآن؟ لأنا كنت أول مرة أطيب نفساً بالشفاعة، وكان الله أسرع بالإِجابة، اخرجوا عني، فأخرجهم من عنده حتى لم يرهم».
قوله: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}. قد فسّرناه قبل هذا الموضع.
قوله: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ}. تفسير مجاهد: هم اليهود ومشركو العرب من آمن منهم بموسى.
قال الكلبي: كان رجل من المسلمين ورجال من اليهود جلوساً فقالت اليهود: لقد استتابنا الله من أمر فتبنا إليه منه، وما كان ليفعله بأحد غيرنا؛ قتلنا أنفسنا في طاعته (1/396)
صفحة 395
حتى رضي عنا؛ يعنون بذلك قوله: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54] فقال ثابت بن قيس بن شمّاس: إن الله يعلم لو أمرنا محمد أن نقتل أنفسنا لقتلت نفسي. فأنزل الله: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ}؛ قال الحسن: أخبر الله بعلمه.
قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} أي في العاقبة {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} أي في العصمة والمنعة من الشيطان.
{وَإِذَاً لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً} أي الجنة {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} إلى الجنة.
قوله: {وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً}.
ذكر بعضهم قال: ذكر لنا أن رجالاً قالوا: هذا نبي الله نراه في الدنيا، فأما في الأخرة فيرفع بفضله، فلا نراه، فأنزل الله هذه الآية.
وقال الكلبي: قال رجل: يا رسول الله لقد أحببتك حبّاً مَا أَحببته شيئاً قط، ولأنت أحب إلي من والدي وولدي والناس، فكيف لي برؤية رسول الله إن أنا دخلت الجنة. فلم يرد عليه شيئاً. فأنزل الله: {وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ). . . إلى آخر الآية. فدعاه رسول الله فتلاها عليه.
قال: {ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفَى بِاللهِ عَلِيماً}.
قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعاً} (1/397)
صفحة 396
الثبات: السرايا، والجميع الزحف. وقال مجاهد: الثبات: الزُّمَر.
قوله: {وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} عن الغزو والجهاد في سبيل الله، في تفسير الحسن وغيره. قال: {فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ} أي نكبة {قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيداً} [أي حاضراً] {وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللهِ} يعني الغنيمة {لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً}.
وهؤلاء المنافقون. وذلك حين كان النبي يأمر بالسرايا، فيبطىء رجال؛ فإن لقيت السرية نكبة قال من أبطأ: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً فيصيبني ما أصابهم، {وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللهِ}، أي الغنيمة والسلامة، ليقولن {يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً}، أي أصيب من الغنيمة.
وقوله: {كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ}، أي: كأنه لم يدخل في دينكم إلا عند ذلك، كأن لم يكن قبل ذلك مع المسلمين. يقول الله للمسلمين: كأن لم يكن بينكم وبينه مودة، أي موافقة في الإِسلام والإِقرار به.
قوله: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ} أي: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة. كقوله: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ} [التوبة: 111]. {وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}. أي: الجنة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة لمائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها للمجاهدين في سبيل الله. ولولا أن أشق على أمتى ولا تطيب أنفسهم أن يتخلّفوا بعدي ما قعدت خلف سرية تغزو، ولوددت لو أقاتل في سبيل الله فأقتل، ثم أُحيى ثم أقتل، ثم أُحيى ثم أقتل». (1/398)
صفحة 397
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده ما من نفس تموت لها عند الله خير ويسرها أن ترجع إلى الدنيا وأن لها نعيم الدنيا إلا الشهيد، فإنه يود لو رجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لفضل ما قد رأى وعاين».
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا وأن لها نعيم الدنيا إلا الشهيد فإنه يود لو رجع إلى الدنيا فيقتل في سبيل الله مرة أخرى لتعظيم الأجر».
قوله: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالمُسْتَضْعَفِينَ} قال الحسن: يعني وعن المستضعفين من أهل مكة من المسلمين. {مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ}.
قال مجاهد: أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفين كانوا بمكة {الذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} وهم مشركو أهل مكة {وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً} أي على أعدائنا في تفسير الحسن.
قال الكلبي: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عتّاب بن أسيد أميراً على مكة فاشتد على الظالمين من أهلها، ولان للمسلمين حتى أنصف الضعيف من الشديد.
قوله: {الذِينَ ءَامَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} والطاغوت الشيطان. قال الله: {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ} وهم (1/399)
صفحة 398
المشركون {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} أخبرهم أنهم يظهرون عليهم في تفسير الحسن.
قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} أي: بل أشد خشية.
قال بعضهم: هؤلاء قوم من أصحاب النبي عليه السلام، وهو يومئذ بمكة قبل الهجرة، تنازعوا إلى القتال وسارعوا إليه حتى قالوا: يا نبي الله، ذرنا نتخذ معاول فنقاتل بها المشركين؛ فنهاهم النبي عن ذلك. فلما كانت الهجرة، وأمروا بالقتال كره القوم ذلك. {وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ لَوْلاَ أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} فقال الله: {قُلْ} يا محمد {مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} وكانوا أمروا بالقتال في سورة الحج في قوله: {أُذِنَ لِلذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39]، وفي سورة العنكبوت {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} أي لا يقاتلون. . . إلى قوله: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ} [العنكبوت: 1 - 6].
وقال الكلبي: كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قبل أن يهاجر رسول الله إلى المدينة. وكانوا يلقون من المشركين أذى كثيراً فقالوا: يا رسول الله، ألا تأذن لنا في قتال هؤلاء القوم؟ فقال لهم رسول الله: «كفوا أيديكم عنهم، فإني لم أومر بقتالهم»، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار إلى بدر فعرفوا أنه القتال، كرهوا أو بعضُهم.
قال الله: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ لَوْلاَ أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} أي إلى الموت. قال الله لنبيه: {قُلْ} يَا محمد: {مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ}. . . إلى آخر الآية. (1/400)
صفحة 399
وقال الحسن: قالوا: يا رسول، ألا نأتي المشركين بمعاولنا فنقتلهم في رحالهم. قال ذلك عبد الرحمن بن عوف وأصحابه. {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}. وذلك لما في قلوبهم من الخشية، لما طبع عليه الآدميون وهم مؤمنون.
{لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ لَوْلاَ} أي: هلا {أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ}. قالوه في أنفسهم. والأجل القريب أجلهم. لولا أخرتنا إلى أجل، أي لولا أخرتنا حتى نموت على فُرُشنا بغير قتال؛ وذلك لكراهتهم لقتال آبائهم وأبنائهم وإخوانهم، وهو قوله تعالى: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 5] وليس بكراهية يردون فيها أمر الله وأمر نبيه؛ فقال الله لمحمد: قُل لهم {مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} أي: إنكم على كل حال ميّتون والقتل خير لكم.
قال الله: {والآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً}. والفتيل هو الذي في بطن النواة.
ثم أخبرهم ليعزيهم ويصبّرهم فقال: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} قال بعضهم: في قصور محصّنة.
قال الحسن: ثم ذكر المنافقين خاصة فقال: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} أي: النصر والغنيمة {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي: نكبة من العدو {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ} أي إنما أصابتنا هذه عقوبة مذ خرجتَ فينا، يتشاءمون به. {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللهِ} أي: النصر على الأعداء والنكبة؛ نكبوا يوم أحد عقوبة.
ثم قال: {فَمَالِ هَؤُلاَءِ القَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} فظفرت بها ونصرت على المشركين {فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ} أي: من نكبة {فَمِن نَّفْسِكَ} أي بذنوبهم، وكانت يوم أحد [عقوبة من الله بمعصيتهم رسول الله (1/401)
صفحة 400
حيث اتبعوا المدبرين]، وبأخذهم الفدية من أسارى أهل بدر.
وفي تفسير الحسن: ليست هذه المعصية في المنافقين خاصة. وقال بعضهم: مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ، أي: عقوبة بذنبك.
قال: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً} أي على عباده.
قوله: {مَّن يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} جعل الله طاعة رسوله طاعته وقامت به الحجة على المسلمين وعلى الخلق أجميعن. {وَمَن تَوَلَّى} أي كفر {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي تحفظ عليهم أعمالهم حتى تجازيهم بها.
قوله: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} يعني به المنافقين، يقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. {فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ} أي: خرجوا من عندك {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ} قال بعضهم: غيّرت طائفة منهم. {غَيْرَ الذِي تَقُولُ} أي: ما عهدوا إلى نبي الله. قال الحسن: في خلاف النبي. وقال مجاهد: غيّرت طائفة منهم ما قال لهم النبي. {وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} أي: ما يغيّرون. وقال الحسن: ما يغيرون من تبييت الكلام. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي لا تقتلهم ولا تحكم عليهم بأحكام المشركين ما أعطوك الطاعة. {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} فإنه سيكفيكهم. {وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً} أي: لمن توكل عليه.
قوله: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ} يقول: لو تدبّروه لم ينافقوا ولآمنوا. {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً}.
قال بعضهم: قول الله لا يختلف، هو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس مختلف. قال بعضهم:. . . . . . . (1/402)
صفحة 401
وسمعت في بعض الحديث: «لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض».
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: اقرأوا القرآن ما اجتمعتم، فإذا اختلفتم فقوموا.
قوله: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ} أي من أن إخوانهم آمنون ظاهرون {أَوِ الخَوْفِ} يعني القتل والهزيمة {أَذَاعُوا بِهِ} أي أشاعوه وأفشوه. {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ} قال الحسن: الفقهاء. قال: {لَعَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي الذين يفحصون عنه ويهمّهم ذلك. وقال مجاهد: الذين يتبعونه ويتحسّسونه منهم.
قوله: {وَلَوَْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً}. ولولا فضل الله (1/403)
صفحة 402
الإِسلام، ورحمته القرآن. وأما قوله: {لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} فإنه تقديم وتأخير؛ يقول: لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلاً، ولو فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان.
قال: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ} أي على القتال، أي أخبرهم بحسن ثواب الله في الآخرة للشهداء {عَسَى اللهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذِينَ كَفَرُوا}. وعسى من الله واجبة. {وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} أي أشد عذاباً وأشد عقاباً. وقال بعضهم: عقوبة، وهو واحد.
قوله: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا} قال بعضهم: حظ منها. {وَمَن يَّشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا}. والكفل الاثم.
قال الحسن: الشفاعة الحسنة ما يجوز في الدين أن يُشفَع فيه، والشفاعة السيئة ما يحرم في الدين أن يشفع فيه. والكفل الوزر، وهو الذنب كقوله: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ} [الأنعام: 31]، وقوله: {وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 12 - 13] أي: من اتبعهم على السيئة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً.
قوله: {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} أي مقتدراً. (1/404)
صفحة 403
قوله: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}. التحية: السلام قال الحسن: معنى أحسن منها: إذا قال الرجل السلام عليكم رُدَّ عليه: السلام عليكم ورحمة الله، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله رُدَّ عليه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قوله: {أَوْ رُدُّوهَا}. أي: أي ردوا عليه مثل ما سلَّم، وهذا إذا سلم عليك المسلم. {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً}.
ذكر بعضهم أن رسول الله كان جالساً إذ جاء رجل فقال: السلام عليكم فقال رسول الله: «عشر»، أي: عشر حسنات. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال النبي عليه السلام: «عشرون حسنة»، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثون حسنة. ثم قال: هكذا تفاضل الناس من قعد فليسلم، ومن قام فليسلِّم. ثم قام رجل فلم يسلِّم فقال رسول الله: ما أسرع ما نسي هذا».
ذكروا عن عبد الله بن عمر قال: إلى وبركاته انتهى السلام.
ذكروا أن رجلاً من اليهود مر بالنبي عليه السلام فقال: السام عليكم. فقال النبي: «وعليكم السلام» فأخبر جبريل النبي أنه قال: السام عليكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا: عليك. أي عليك ما قلت». (1/405)
صفحة 404
وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه».
قوله: {اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك فيه {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً}. على الاستفهام. أي: لا أحد.
قوله: {فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ}. هم قوم من المنافقين كانوا بالمدينة. فخرجوا منها إلى مكة، ثم خرجوا منها إلى اليمامة تجاراً [فارتدوا عن الإِسلام وأظهروا ما في قلوبهم من الشرك] وتخلفوا عن نبي الله في الهجرة؛ فلقيهم المسلمون فكانوا فيهم فئتين أي فرقتين. [قال فريق منهم: قد حلت دماؤهم وهم مشركون مرتدون، وقال بعضهم: لم تحل دماؤهم، هم قوم عرضت عليهم فتنة. فقال الله: فما لكم في المنافقين فئتين، وليس يعني أنهم في تلك الحال التي أظهروا فيها الشرك منافقون، ولكنه نسبه إلى أصلهم الذي كانوا عليه بما كان في قلوبهم من النفاق؛ يقول]: قال بعضكم كذا وقال بعضكم كذا، فهلا كنتم فيهم فئة واحدة [ولم تختلفوا في قتلهم]. ثم قال الله:
{وَاللهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا} [أي ردهم إلى الشرك] بما اقترفوا من النفاق. {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً. وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [أي في الكفر شرعاً سواء]. {فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ} أي: لا توالوهم. {حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ} فيرجعوا إلى الدار التي خرجوا منها، يعني المدينة. {فَإِن تَوَلَّوْا} أي أبوا الهجرة {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ (1/406)
صفحة 405
وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}.
ثم استثنى قوماً فنهى عن قتالهم فقال: {إِلاَّ الذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} هؤلاء بنو مدلج كان بينهم وبين قريش عهد، وكان بين رسول الله وبين قريش عهد، فحرم الله من بني مدلج ما حرم من قريش. وهذا منسوخ نسخته الآية التي في براءة: {فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5].
قال: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُرُهُمْ} أي كارهة صدورهم {أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} نسختها هذه الآية {فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}.
قال بعضهم: ذكر لنا أنهما رجلان من قريش كانا مع المشركين بمكة، وكانا قد تكلَّما بالإِسلام ولم يهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلقيهما أناس من أصحاب النبي عليه السلام وهما مقبلان إلى مكة؛ فقال بعضهم: إن دماءهما وأموالهما حلال، وقال بعضهم: لا يحل لكم ذلك، فأنزل الله: {فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} حتى انتهى إلى قوله. . . {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ}، أي كارهة صدورهم.
ذكروا أن مجاهداً قال: هم قوم خرجوا من أهل مكة حتى أتوا المدينة ليأتوا ببضائع لهم يتَّجِرون فيها؛ فاختلف فيهم الناس فبيَّن الله نفاقهم وأمر بقتالهم. (1/407)
صفحة 406
قوله: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ}. قال الحسن: إذا لقوا المؤمنين قالوا: إنا منكم، وإذا لقوا المشركين قالوا: إنا منكم. {كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وََيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ} أي عن قتالكم {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي حجة بيِّنة.
وقال بعضهم: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ}، كانوا حياً بالحجاز فقالوا: يا نبي الله، لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، وأرادوا أن يأمنوا نبي الله ويأمنوا قومهم، فأبى الله ذلك عنهم.
وقال مجاهد: هم أناس من أهل مكة، كانوا يأتون النبي عليه السلام فيسلّمون عليه رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأُمِروا بقتالهم إن لم يعتزلوا ويكفوا.
قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً}. قال الحسن: ما كان لمؤمن، فيما فرض الله عليه من حق أخيه المؤمن، أن يقتل مؤمنا. إلا خطأ. أي إلا أن يكون قتله إياه خطأ لم يتعمَّده.
وقال بعضهم: ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه في عهد الله الذي عهده إليه. وقال إن عياش بن أبي ربيعة كان قتل رجلاً مؤمناً كان يعذبه مع أبي جهل في اتباع عيّاشٍ النبيَّ، وعياش يحسب أن ذلك الرجل كافر كما كان. (1/408)
صفحة 407
قال: {وَمَن قَتَلَ مُؤمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}. قال بعضهم: {رَقَبَةٍ مُّؤمِنَةٍ} مَن عَقَل دينَه. وأخبرت عن الحسن أنه قال: لا تجزي إلا رقبة قد صلت وصامت، ليست صغيرة.
قوله: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} أي: إلى أولياء المقتول.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العقل على العصبة والدية على الميراث» العقل على العصبة، يعني دية الخطأ.
ذكروا عن سعيد بن المسيب قال: إن امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب تطلب ميراثها من دية زوجها، فقال عمر: أيكم سمع من رسول الله في هذا شيئاً. فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال: أشهد أَنِّي كتب إِلَيَّ رسولُ الله عليه السلام أن أورِث امرأة الضَّبَابي من دية زوجها؛ فوَرَّثها عمر. قال هذا في قتل الخطأ. فأما في (1/409)
صفحة 408
قتل العمد فهو إلى العصبة، فإن رضوا بالدية كانت لهم دون غيرهم من أهل الميراث.
ذكر بعضهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدية مائة بعير، يعني دية الخطأ، فمن ازداد بعيراً فهو من أهل الجاهلية».
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: هي أخماس: عشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقّة، وعشرون بني لبون ذكوراً، وعشرون جذعة.
قوله: {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا} أي إلا أن يصدّق أولياء المقتول فيتجاوزوا عن الدية. قال الحسن: وذلك لِمَا حضّ الله عليه عباده من الخير، وليس بواجب عليهم.
قوله: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤمِنَةٍ}. قال الحسن: كان الرجل يُسلِم وقومه حرب، فيقتله رجل من المسلمين خطأ ففيه تحرير رقبة مؤمنة ولا دية لقومه. وإن كان في قومه، وهو مؤمن لا يظهر لقومه الإِسلام، وهو فيهم بالتقية، فلا يعطون دية.
{وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}. (1/410)
صفحة 409
كان بين النبي وبين قوم من مشركي العرب عهد إلى أجل معلوم؛ فمن قتل منهم في ذلك العهد دفع إلى أوليائه الدية، وعلى قاتله عتق رقبة. قال: فما كان من عهد بين النبي وبين مشركي العرب فهو منسوخ، نسخه القتال. وما كان من عهد بين المسلمين وبين المشركين من غير العرب وأهل الذمة يودون الجزية فقتل منهم رجل، ففيه الدية لأوليائه وعتق رقبة مؤمنة.
قوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ} أي تجاوزا من الله {وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي عليماً بخلقه، حكيماً في أمره.
وقال بعضهم: وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ولا دية لأهله من أجل أنهم كفار، ليس بينهم وبين رسول الله عهد ولا ذمة.
ذكروا عن بعضهم أنه قال: من أصاب دماً خطأً فكتمه لقي ربه به عمداً.
قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}.
ذكروا عن ابن عباس أنه سئل عن قاتل المؤمن فقال: ذلك قفل ضلَّ مفتاحه.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: إن رجلاً سأل رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان قتل، فشدّد عليه، ثم قال: هل أحد من والديك حيّ؟ قال: نعم، أمي. قال: ويلك، برها واحملها فإن دخل الابعد النار فأبعد من أبعده الله، أو كالذي قال له.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: إن هذه الآية مدنية، والتي في البقرة مدنية ما نسختها من آية.
ذكروا أن رجلاً أتى إلى ابن عباس فقال: ما تقول فيمن قتل مؤمناً؟ قال: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}. فقال: ما كنت تعرف: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82] قال: وَأنى له الهدى، ثكلته أمه، والذي نفس ابن عباس بيده لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ثكلته (1/411)
صفحة 410
أمه رجلاً الذي قتل مؤمناً متعمداً يجيء يوم القيامة آخذاً قاتله بيمينه، ممسكاً رأسه بيده الأخرى، تشخب أوداجه دماً في قبل العرش يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني. وأيم الله لقد نزلت هذه الآية في عهد نبيكم وما نسختها من أية، وما نزل بعدها برهان».
ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء».
قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} ذكر بعضهم أنهم نزلت في شأن مرداس رجل من غطفان. (1/412)
صفحة 411
ذكر لنا أن نبي الله بعث جيشاً عليهم غالب الليثي إلى أهل فدك، وبه أناس من غطفان. وكان مرداس منهم؛ ففر أصحابه، فقال لهم مرداس: إني مؤمن وإني غير متابعكم. فصبَّحته الخيل غدوة. فلما لقوه سلّم عليهم، فقتلوه، وأخذوا ما كان معه من متاع؛ فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤمِناً}. لأن تحية المؤمنين السلام، بها يتعارفون، وبها يلقى بعضهم بعضاً، وهي تحية أهل الجنة.
{تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ}. وذلك في تفسير الحسن أن رجلاً من المشركين لما غشيه المسلم في سيره، ومعه متاع له فرغب فيه وهو على حمار له فذهب ليقتله فقال: إني مسلم فلقيه فقتله، فأخذ متاعه فأنزل الله هذه الآية: {فَعِندَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} يعطيكموها. . . إلى آخر الآية.
{كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ} أي ضُلاَّلاً {فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ} بالإِسلام وهداكم له.
وقال الحسن: كذلك كنتم من قبل مشركين مثلهم فأعطيتم ما أعطاكم فقبل منكم، فهلاَّ قبلتموه منهم. {فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}.
قوله: {لاَّ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَر وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بَأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ}. ذكروا عن البراء بن عازب قال: لما نزلت هذه الآية: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله جاء ابن أم مكتوم إلى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله، أنا كما ترى، كان أعمى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادعوا لي زيداً وليأتني باللوح أو الكتف» فأنزل الله: {غَيْرُ أُوْلي الضَّرَرِ}، فأنزل الله عذره.
وقال الحسن: هو كقوله: {لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ} [الفتح: 17]. (1/413)
صفحة 412
قوله: {فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ} أي المجاهد والقاعد {وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى} والحسنى الجنة. وعد الله المجاهدين من المؤمنين الجنة. وهذه نزلت بعد ما صار الجهاد تطوّعاً.
{وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أقام الصلاة وآتى الزكاة ومات لا يشرك بالله فإن حقاً على الله أن يغفر له، جاهد أو قعد».
وفي قوله: {فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ} ذكروا عن عطاء أنه قال: من جهَّز غيره بمال في سبيل الله كان له بكل درهم سبعمائة ضعف، ومن خرج بنفسه وماله كان له بكل درهم سبعمائة ضعف وبكل ضعف سبعون ألف ضعف، و {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ} [المائدة: 27].
قوله: {إِنَّ الذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا} أي قالت لهم الملائكة {فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} يعني [مقهورين في أرض] مكة {قَالُوا} أي قالت لهم الملائكة {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} أي إليها. قال الله: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} أي بئس المصير من صار إلى جهنم.
ذكروا عن بعضهم قال: هؤلاء قوم كانوا بمكة تكلَّموا بالإِسلام، فلما خرج أبو جهل وأصحابه خرجوا معه فقتلوا يوم بدر، فاعتذروا بغير عذر، فأبى الله أن يقبل ذلك عنهم. ثم عذر الذين بمكة واستثناهم فقال: {إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} [أي لا قوة لهم فيخرجون من مكة إلى المدينة] {وَلاَ (1/414)
صفحة 413
يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} أي لا يعرفون طريقاً إلى المدينة {فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ} وعسى من الله واجبة. {وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً}.
وقال مجاهد: هم أناس كانوا بمكة لم يستطيعوا أن يخرجوا معهم، فعذرهم الله. وقوله: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً}. قال مجاهد: طريق المدينة.
قوله: {وَمَن يُّهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً}. قال الحسن: وجوهاً كثيرة من الطلب. {وَسَعَةً}. وقال بعضهم: يجد في الأرض مراغماً: مهاجَراً يهاجر إليه، يخرج مهاجراً ومراغماً للمشركين. وتفسير مجاهد: مراغماً. أي: متزحزَحاً عما يكره وسعة.
قوله: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. ذكروا أن رجلاً من بني كنانة لما سمع أن بني كنانة قد ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم يوم بدر، وقد أدنف للموت، قال لأهله احملوني؛ فحملوه إلى النبي عليه السلام فمات في الطريق فأنزل الله فيه هذه الآية. (1/415)
صفحة 414
قوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ} أي أن يقتلكم {الذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} هذا قصر صلاة الخوف.
قال: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ} أي يضعون أسلحتهم وهم حذرون {إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}. أي من الهوان. وقد فسّرنا صلاة الخوف في سنن الصلاة.
وتفسير مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا بعُسفان والمشركون بضَجْنَان فتواقفوا، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه الظهر أربعاً، ركوعهم وسجودهم وقيامهم (1/416)
صفحة 415
وقعودهم جميعاً؛ فهمَّ به المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله عليه: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ}. . . . إلى آخر الآية. فصلّى رسول الله العصر؛ فصفَّ أصحابه خلفه صفين، ثم كبَّر بهم وكبَّروا جميعاً؛ فسجد الأوّلون بسجود النبي، والآخرون قيام؛ ثم سجد الآخرون حين قام النبي والصفّ الأول، ثم كبّر بهم وكبّروا جميعاً. فتقدم الصف الآخر وتأخر الصفّ الأول، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة، فقصرت العصر إلى ركعتين.
ذكروا أن أبا موسى الأشعري صلّى بأصحابه صلاة الخوف بالدير من أصبهان، وما بهم يومئذ كثير خوف، إلا أنه أراد أن يعلمهم دينهم؛ فجعل طائفة وراءه وطائفة مقبلة على عدوهم معهم السلاح؛ فصلى بالذين معه ركعة، ثم تأخروا على أعقابهم حتى قاموا مقام أصحابهم. وجاء الآخرون يتخللونهم حتى قاموا مقام أصحابهم، فصلى بهم ركعة أخرى، ثم قاموا فصلوا ركعة، ثم سلم كل إنسان منهم على يمينه وعلى يساره.
ذكروا عن ابن عمر أنه كان يقول في صلاة الخوف: يكونون فرقتين: فرقة تصلي مع الإِمام، وطائفة تحرسهم؛ فيصلي بالذين يلونه ركعة، ثم يتأخرون على أعقابهم، فيقومون في مصاف إخوانهم، ويتقدم الآخرون، فيصلي به ركعة أخرى ثم يسلم؛ ثم يصلي كل إنسان منهم ركعة.
ذكروا عن إبراهيم قال: يكونون طائفتين: طائفة خلفه وطائفة قبالة العدوّ؛ فيصلي بالذين خلفه ركعة، ثم يتأخرون حتى يقوموا في مقام أصحابهم، ويجيء الآخرون حتى يقوموا في مقام خلف الإِمام، فيصلي بهم ركعة، ثم يسلم. ثم يرجعون إلى مقام أصحابهم، ويجيء أصحابهم فيصلون ركعة، ثم يرجعون إلى مقام أصحابهم، ويجيء الآخرون إلى مقام أصحابهم فيصلون ركعة ثم يسلمون. (1/417)
صفحة 416
ذكروا عن جابر بن عبد الله أنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الخوف فصفّهم خلفه، ثم كبر فكبروا جميعاً، ثم ركع فركعوا جميعاً، ثم رفع رأسه فرفعوا جميعاً، ثم سجد فسجد الذين يلونه والآخرون قيام.
فلما رفعوا رؤوسهم من السجود سجدوا. قال بعضهم: كان العدو فيما بين أيديهم وفيما بينهم وبين القبلة.
وقال بعضهم: عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى بهم صلاة الخوف فقامت طائفة وراءه، وطائفة خلفه مقبلة على العدو. فصلّى بالذين خلفه ركعتين، ثم تأخروا، وجاء آخرون فصلّى بهم ركعتين ثم سلّم؛ فتمت للنبي أربع ركعات، وللناس ركعتان. قال بعضهم: نرى أنه إنما كان هذا قبل أن تقصر الصلاة.
قال بعضهم: إذا هجم العدو على قوم في مدينتهم صلّوا هكذا لا يقصرون الصلاة، ثم يقضون ركعتين ركعتين، ويكون قضاؤهم: أنَّ الذين صلى بهم آخراً يتأخرون حتى يقوموا في مقام أصحابهم، ثم يجيء أصحابهم إلى مكانهم فيقضون ركعتين، ثم يسلّمون، ثم يتأخرون إلى مقام أصحابهم، ثم يجي أصحابهم إلى أماكنهم فيقضون ركعتين ثم يسلمون.
أما صلاة المغرب في الخوف فقال بعضهم: يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، ثم يتأخرون ويتقدم الآخرون فيصلّي بهم ركعة ثم يسلّم. ثم يتأخرون إلى مقام أصحابهم، ثم يجيء أصحابهم فيصلون الركعة التي بقيت عليهم، ثم يرجعون إلى مقام أصحابهم، ويتقدم الآخرون، ويصلون ركعتين ثم يسلّمون.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بين مكة والمدينة ركعتين لا يخاف إلا الله.
ذكروا عن حارثة بن وهب الخزاعي أنه قال: صليت مع رسول الله بمنى ركعتين، أكثر ما كان الناس وآمنهم. (1/418)
صفحة 417
ذكروا أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني رجل تاجر اتّجر إلى البحرين، فكيف تأمرني بالصلاة؟ قال: صلّ ركعتين.
قوله: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} قال بعضهم: إذا لم يكن مريضاً صلّى قائماً، وإذا كان مريضاً صلى قاعداً ويسجد على الأرض إن استطاع، فإن لم يستطع أن يسجد على الأرض أومأ إيماء، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن كان لا يستطيع أن يصلي قاعداً صلى مضطجعاً على جنبه الأيمن إلى القبلة، وإن كان مرضه أشد من ذلك صلى مستلقياً، وإن كان مرضه أشد من ذلك كبّر، ويقال: عدد تكبير تلك الصلاة. وإن أغمي عليه يوماً أو أياماً كانت عليه إعادة يوم وليلة، وفيه اختلاف؛ وهو في سنن الصلاة.
وقال بعض المفسّرين في قوله: {فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} قال: افترض الله ذكره عند القتال. وقال الحسن: قوة المؤمن في قلبه، يذكر الله قائماً أو قاعداً أو مضطجعاً على فراشه.
قوله: {فَإِذَا اطْمَأَنَنتُمْ} أي فإذا أمنتم {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} [يقول: فأتموا الصلاة] {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} قال الحسن: كتاباً (1/419)
صفحة 418
مفروضاً. وقال مجاهد: كتاباً واجباً.
وقال بعضهم: {فإِذا اطمأننتم} أي: إذا انقضى سفركم {فأقيموا الصلاة} أي: فأقيموا الصلاة أربعاً. وقال مجاهد: {فَأقيموا الصلاة} أي: فأتموا الصلاة.
قوله: {وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ} أي: لا تضعفوا في طلب القوم، وذلك يوم أحد. وقد فسرنا ذلك قبل هذا الموضع. {إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَألَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ} قال الحسن: يعني الوجع من الجراح {وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ} في ذلك من ثوابه {مَا لاَ يَرْجُونَ} أي: ما لا يرجو المشركون. يرغبهم بذلك في الجهاد.
وقال بعضهم: {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ} أي: ييجعون كما تيجعون. {وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} من الثواب في الآخرة. {وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً}.
قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ} أي في (1/420)
صفحة 419
الوحي {وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً}. ذكر عن الحسن أن رجلاً من الأنصار سرق درعاً فاتُّهِمَ عليها. فلما فشت عليه القالة استودعها رجلاً من اليهود. ثم أتى قومه فقال: ألم تروا إلى هؤلاء الذين اتَّهموني بالدرع، فوالله ما زلت أسأل عنها حتى وجدتها عند فلان اليهودي. فأتوا اليهودي فوجدوا عنده الدرع؛ فقال: والله ما سرقتها، إنما استودعنيها. ثم قال الأنصاري لقومه: انطلقوا إلى النبي عليه السلام فقولوا له فليخرج فليعذرني فتسقط عني القالة. فأتى قومُه رسولَ الله فقالوا: يا رسول الله، اخرج فاعذر فلاناً حتى تسقط عنه القالة. فأراد رسول الله أن يفعل، فأنزل الله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} يعني الأنصاري.
{وَاسْتَغْفِرِ اللهَ} مما كنت هممت به أن تعذره. {إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}.
قوله: {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ} أي أن الأنصاري هو الذي سرقها، أما اليهودي فهو منها برىء {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً}. وهو طعمة بين أبيرق الأنصاري، وكان منافقاً، في حديث الحسن.
قال: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ} أي يستحيون من الناس ولا يستحيون من الله {وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ القَوْلِ}. تفسير يبيتون أي يفترون. وقال بعضهم: يبيتون أي: يلقون. (1/421)
صفحة 420
وقال بعضهم: يعذرون، وهو ما قال الأنصاري: إن اليهودي سرقها. {وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً}.
ثم أقبل على قوم الأنصاري فقال: {هَا أَنتُمْ هَؤُلاَءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} أي حافظاً لأعمالهم في تفسير الحسن. قال الحسن: ثم استتابه الله فقال:
{وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً}.
قال: {وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً} يعني اليهودي أنه منها بريء {فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً} والبهتان الكذب {وَإِثْماً مُّبِيناً} أي بيّناً.
قال الحسن: ثم أقبل على النبي وقال: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ} فيما أرادوا من النبي أن يعذر صاحبهم {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا}.
ثم قال: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}. قال الحسن: فلما أنزل الله في الأنصاري ما نزل [استحيى أن يقيم بين المسلمين] فلحق بالمشركين فأنزل الله.
{وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} والشقاق في تفسير بعضهم الفراق. وقال بعضهم: (1/422)
صفحة 421
ومن يشاقق الرسول، أي: ومن يخالف الرسول {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ} أي غير دين المؤمنين {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً}.
قال الحسن: ثم استتابه الله فقال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا}. فلما نزلت هذه الآية رجع إلى المسلمين. ثم إنه نقب على بيت من المسلمين بيتاً، فأدرك وقد وقع عليه الحائط فقتله.
وقوله: {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ} والمعروف القرض.
وأما قوله: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} أي من آلهة الباطل.
قوله: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً} فبلغنا أنها لما نزلت قال إبليس وجنوده: ذهب عملنا باطلاً؛ إذا فتنّاهم استغفروا فغفر لهم. فقال إبليس: لأحملنهم على أمر يدينون به فيقتل بعضهم بعضاً.
قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكن في التحريش بينهم وما يحقرون من أعمالهم قد رضي».
قوله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً} قال الحسن: إلا أمواتاً. غير أن بعضهم روى عنه أنه قال: شيئاً ميتاً لا روح فيه. قال بعضهم هو مثل قوله: {وَالذِينَ يَدْعُونَ من (1/423)
صفحة 422
دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ} [النحل: 20 - 21] يعني أصنامهم. {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً}. قال بعضهم: مَرَد على المعصية.
وقال الحسن: أي أن تلك الأوثان التي عبدوها من دون الله لم تدعهم إلى عبادتها وإنما دعاهم إلى عبادتها الشيطان.
قوله: {لَّعَنَهُ اللهُ وَقَالَ} إبليس {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً وَلأُضِلَّنَّهُمْ} أي لأغوينَّهُمْ؛ كقوله: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإِسراء: 62] أي لأستوليَنَّ عليهم، أي لأُضِلَّنَّهم إلا قليلاً. وذلك ظنٌّ منه. وكان الأمر على ما ظنَّ. وهو كقوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سبأ: 20].
ذكر الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله لآدم: قم فابعث بعث أهل النار. قال: يا رب وما بعث أهل النار. قال: من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعون».
قوله: {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} أي: بأنه لا عذاب عليهم {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ الأَنْعَامِ} وهي البحيرة؛ كانوا يقطعون أطراف آذانها ويحرّمونها على أنفسهم. {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ}. قال مجاهد: دين الله، أي يأمرهم بالشرك.
وقال ابن عباس: هو الإِخصاء. وقال الحسن: هو ما تَشِمُ النساء في أيديها ووجوهها من هذا الوشم. كان نساء أهل الجاهلية يفعلن ذلك.
قال الله: {وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً} أي (1/424)
صفحة 423
بَيِّنًا {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً} أي ملجأ.
قوله: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} أي لا يموتون ولا يخرجون منها أبداً {وَعْدَ اللهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً} أي لا أحد.
قوله: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا}.
قال الحسن: قالت اليهود للمؤمنين: كتابنا قبل كتابكم، ونبيّنا قبل نبيّكم، ونحن أهدى منكم. وقال المؤمنون: كذبتم؛ إنا صدّقنا بكتابكم ونبيكم وكذّبتم بكتابنا ونبينا، وكتابنا القاضي على ما قبله من الكتب؛ فأنزل الله: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا}.
ذكروا أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال له النبي عليه السلام: «أي آية يا أبا بكر؟ قال يقول الله: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ}. قال: يغفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء؟ قال: بلى، قال: فهو ما تجزون به».
قال مجاهد: هذا في مشركي قريش: قالوا: لن نبعث ولن نعذب.
ذكروا عن أمية أنها سألت عائشة عن قوله تعالى: {وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ} [البقرة: 284]، وعن قوله: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} فقالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عائشة هذه (1/425)
صفحة 424
متابعة الله على العبد بما يصيبه من الحمى والحزن والشوكة حتى البضاعة يضعها في كمّه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في ضبنه، حتى أن المؤمن ليخرج من خطاياه كما يخرج التبر الأحمر من الكير».
قوله: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}. وهي النقرة التي في ظهر النواة.
ذكر بعضهم قال: ثلاثة في النواة: الفتيل والنقير والقطمير. أما الفتيل فو الذي يكون في بطن النواة، والنقير الذي يكون في ظهر النواة، والقطمير الذي يكون على النواة والمعروف بقِمع العنبة.
قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ} أي: أخلص {وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} أي لا أحد أحسن ديناً منه. {وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}.
قال الكلبي: لما قالت اليهود للمؤمنين: إن كتابنا قبل كتابكم؛ ونبيِّنا قبل نبيكم، ونحن أهدى منكم، قال لهم المؤمنون ما قالوا، فأنزل الله: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الكِتَابِ}. . . إلى قوله: {وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} ففضَّل الله المؤمنين على اليهود.
قوله: {وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا} أي أحاط علمه بكل شيء.
قوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} أي من الميراث في تفسير الكلبي (1/426)
صفحة 425
وغيره. قال الكلبي: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لهن من الميراث، فأنزل الله الربع والثمن. قوله: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ}.
قال الحسن: كان الرجل يكون عنده من اليتامى التسع والسبع والخمس والثلاث والواحدة وهو عاصبهن ووارثهن؛ فيرغب عن نكاحهن أن يتزوجهن، ويكره أن يزوّجَهُنَّ، يريد أن يرثهن، فيحبسهن ليمتن فيرثهن: فأنزل الله: {اللاَّتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} أي ما أحل الله لهن من التزويج وترغبون أن تنكحوهن.
ذكروا عن مجاهد قال: كانت المرأة اليتيمة في الجاهلية تكون دميمة، فيكره الرجل أن يتزوجها لأجل دمامتها، فيتزوّجها غيره إذا لم يكن لها مال؛ وإذا مات حميم لها لم يعطها من ميراثها شيئاَ. وإذا كانت حسنة الوجه ذات مال تزوّجها. وكانوا يعطون الميراث لذوي الأسنان من الرجل ولا يعطون الولدان الصغار ولا النساء شيئاً.
ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه قال في قوله: {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} قال: تكون المرأة عند الرجل بنت عمه، يتيمة في حجره، ولها مال فلا يتزوّجها لدمامتها، ولكن يحبسها حتى يرثها، فأنزل الله هذه الآية، فنهوا عن ذلك، وقال: {لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} قال: ميراثهن.
قال: {وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدَانِ}. يقول: يفتيكم فيهن وفي المستضعفين من الولدان ألا تأكلوا أموالهم.
وقال بعضهم: [وكانوا لا يورثون الصغير وإنما] كانوا يورثون من يحترف وينفع ويدفع.
وقال الكلبي: كانوا لا يعطون الميراث إلا من قاتل الأقوام، وحاز الغنيمة، وكانوا لا يورّثون الجارية، وكانوا يرون ذلك في دينهم حسناً. فلما أنزل الله فرائض الميراث وجدوا من ذلك وجداً شديداً فقال عيينة بن حصن لرهط من قومه: انطلقوا بنا (1/427)
صفحة 426
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نذكر له، فلعلّه يدعه إلى غيره. فأتوه فقالوا: يا رسول الله: أتعطى الجارية نصف ما ترك أبوها وأخوها، ويعطى الصبي الميراث كله، وتعطى المرأة الربع والثمن، وليس من هؤلاء من يركب الفرس أو يحوز الغنيمة أو يقاتل أحداً؟ قال: «نعم بذلك أمرت».
قوله: {وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} أي بالعدل. وهو تبع للكلام الأول؛ قل الله يفتيكم فيهن، وفي يتامى النساء، وفي المستضعفين في الولدان، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط. وكانوا يفسدون أموال اليتامى وينفقونها، فأمرهم الله أن يصلحوا أموالهم. قال: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً}.
قوله: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا} أي علمت من زوجها {نُشُوزاً} يعني بغضاً. {أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}.
قال بعضهم: هي المراة تكون عند الرجل فتكبر فلا تلد، فيريد أن يتزوج عليها أشب منها، ويوثرها على الكبيرة، فيقول لها: إن رضيت أن أوثرها عليك وإِلا طلقتك؛ أو يعطيها من ماله على أن ترضى أن يوثر عليها الشابة؛ وهو قوله: فلا جناح عليهما أي لا حرج على الزوج وامرأته أن يصلحا بينهما صلحاً، والصلح خير من غيره.
قوله: {وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ}. قال بعضهم: يعني الحرص على المال فترضى بما يعطيها بنصيبها من زوجها. وقال الكلبي: شحّت بنصيبها من زوجها للأخرى أي: فلم ترض. {وَإِن تُحْسِنُوا} البعل {وَتَتَّقُوا} الميل والجور فيهن {فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}. (1/428)
صفحة 427
قوله: {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} أي في النكاح والحب. قال مجاهد: أي: لن تستطيعوا العدل بينهن {فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ} أي لا تعمّدوا الإِساءة. وقال الحسن: {فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ} فتأتي واحدة وتترك الأخرى. قال: {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} أي كالمسجونة. قال الحسن: أي لا أيّم ولا ذات بعل. {وَإِن تُصْلِحُوا} الفعل في أمرهن {وَتَتَّقُوا} الميل والجور {فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}.
قوله: {وَإِن يَتَفَرَّقَا} أي بالطلاق {يُغْنِ اللهَُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ} أي من فضله {وَكَانَ اللهُ وَاسِعاً حَكِيماً} يعني واسعاً لهما في الرزق، حكيماً في أمره.
قوله: {وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} أي غنياً عن خلقه حميدا بما أنعم عليهم.
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} أي لمن توكَّل عليه.
قوله: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ} أي بعذاب الاستئصال {وَيَأتِ بِآخَرِينَ} أي يطيعونه {وَكَانَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً} وهو كقوله: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} [محمد: 38] في الخلاف والمعصية: يعني بهذا المشركين. (1/429)
صفحة 428
قوله: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} أي: فعنده ثواب الآخرة لمن أراد الآخرة {وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً} وهو كقوله: {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ً} [الإِسراء: 18 - 19].
قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} أي بالعدل {شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا} في الشهادة إذا كانت عنده. يقول: اشهدوا على أنفسكم، أي على أبنائكم وآبائكم وأمهاتكم وقرابتكم، أغنياء كانوا أو فقراء. وهو قوله: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا} أي أولى بغناه وفقره.
وقال بعضهم: لا يمنعكم غنى غني، ولا فقر فقير أن تشهدوا عليه بما تعلمون، قال: الله أعلم بغناهم وفقرهم.
قوله: {فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى} فتدعوا الشهادة {أَن تَعْدِلُوا} فتقيموا الشهادة {وَإِن تَلْوُوا} بِأَلسنتكم، أي تلجلجوا فتحرّفوا الشهادة {أَوْ تُعْرِضُوا} فلا تشهدوا بها. وقال مجاهد: إن تلووا، أي تبدّلوا الشهادة، أو تعرضوا، أي تكتموها {فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}.
قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالكِتَابِ الذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالكِتَابِ الذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ} قال الكلبي: يعني من آمن من أهل الكِتَابِ، فإنهم قالوا عن إسلامهم: أنؤمن بكتاب محمد ونكفر بما سواه؛ فقال الله: بل آمِنُوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل. {وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً}. (1/430)
صفحة 429
قوله: {إِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً}. هم أهل الكتابين.
ذكر بعضهم قال: آمن أهل التوراة بالتوراة، وآمن أهل الإِنجيل بالإِنجيل، ثم كفروا بهما، يعني ما حرَّفوا منهما، ثم ازدادوا كلهم كفراً، أي: بالقرآن. {لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} قال الحسن: يعني من مات منهم على كفره، {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً}، أي سبيل الهدى، يعني عامّتهم؛ وقد أسلم الخاصة منهم. وقال بعضهم: ولا ليهديهم سبيلاً، أي طريق هدى، وقد كفروا بكتاب الله.
قوله: {بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً الذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ} كانوا يتولون اليهود وقد أظهروا الإِيمان وأجابوا إليه. {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ} أي أيريدون بهم العزة {فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً}.
قوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ} من أهل الإِقرار {وَالكَافِرِينَ} من أهل الإِقرار والكافرين من أهل الإِنكار {فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً}.
قال الكلبي: نُهِيَ المؤمنون أن يجالسوا المنافقين والكفار إذا سمعوهم يستهزئون بشيء من كتاب الله ويعيبونه. وأما قوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ} فيعني ما أنزل في سورة الأَنعام بمكة قبل الهجرة: {وَإِذَا رَأَيْتَ الذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68] وكان ذلك قبل أن يؤمر بقتال مشركي العرب ثم أمر بقتالهم. فأما المنافقون الذين أظهروا الإِيمان، واليهود إذا أدّوا الجزية، فلا يقاتَلون.
قوله: {الذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} يعني المنافقين؛ كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين. {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللهِ} أي نصر وغنيمة {قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} أي نكبة على المؤمنين {قَالُوا} (1/431)
صفحة 430
للكافرين {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} أي: ألم نغلب عليكم بمودتنا إياكم {وَنَمْنَعْكُم مِّنَ المُؤْمِنِينَ} يقولون: إنهم آمنوا بمحمد، وكنا لكم عيوناً، نأتيكم بأخبارهم، ونغينكم عليهم؛ وكان ذلك في السِّرّ.
قال الله: {فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} فيجعل المؤمنين في الجنة ويجعل الكافرين في النار {وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} أي حجة في الآخرة؛ وقد تكون في الدنيا الدولة للكافرين؛ وربما ابتلي المؤمنون.
قوله: {إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ} بكونهم {وَإِذَا لَقُوا الذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} [البقرة: 14] {وَهُوَ خَادِعُهُمْ}.
قوله: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى} عنها {يُرَاءُونَ النَّاسَ} بصلاتهم ليظنوا أنهم مؤمنون، وليسوا بمؤمنين {وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي التوحيد الذي قِبَلَهم. وقال الحسن: إنما قلّ لأنه لغير الله.
قوله: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ} لا إلى المؤمنين ولا إلى المشركين. وقال بعضهم: ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا بمصرّحين بالشرك.
ذكروا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وتعير إلى هذه مرة، لا تدري أيهما تتبع».
وذكر بعضهم أن نبي الله كان يضرب مثلاً للمؤمن والكافر كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر فوقع المؤمن فقطع، ثم وقع المنافق، حتى إذا كاد أن يصل إلى المؤمن (1/432)
صفحة 431
ناداه الكافر: هلمّ إليّ فإنني أخشى عليك، وناداه المؤمن: هلم إليّ فإن عندي وعندي، يحصي له ما عنده. فما زال المنافق يتردد حتى أتى عليه آذى فغرقه. وإن المنافق لم يزل في شبهة وشك حتى أتى عليه الموت.
قوله: {وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أي سبيل الهدى.
قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ} أي: لا تفعلوا كفعل المنافقين اتخذوا المشركين أولياء، أي في المودة، من دون المؤمنين. {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي حجة بيّنة في تفسير ابن عباس. وقال مجاهد: حجة.
قوله: {إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} وهو الباب السابع الأسفل، وهو الهاوية.
قوله: {إِلاَّ الذِينَ تَابُوا} أي من نفاقهم {وَأَصْلَحُوا} أي بعد التوبة {وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ المُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً} أي الجنة.
قوله: {مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِِراً عَلِيماً} شاكراً أي: يشكر للمؤمن عمله حتى يجازيه به. عليماً بأفعال العباد. قال بعضهم: لا يعذب الله شاكراً ولا مؤمناً.
قوله: {لاَ يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ} يقول: لا يحب الله الجهر (1/433)
صفحة 432
بالشتم من القول. {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} ذكروا عن الحسن أنه قال: رخص للمظلوم أن يدعو على من ظلمه.
ذكروا عن مجاهد أنه قال: هو الضيف ينزل فيحوّل رحله فإنه يجهر لصاحبه بالسوء ويقول: فعل الله به، لم ينزلني. قال: {وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً}.
قوله: {إِن تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} هو كقوله: {إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ} [آل عمران: 29].
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} قال بعضهم: هم اليهود والنصارى. آمنت اليهود بالتوراة وبموسى وكفروا بالإِنجيل وبعيسى، وآمنت النصارى بالإِنجيل وبعيسى وكفروا بالقرآن وبمحمد على جميعهم السلام. قوله: {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} أي دنيا؛ يقوله للذين اتخذوا اليهودية والنصرانية وتركوا الإِسلام. قال الله: {أُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقّاً وَاعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}.
قوله: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً} وهي مثل قوله: {قُولُوا ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزَلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ} الآية [البقرة: 136].
قوله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ} قال بعضهم: كتاباً من السماء، أي خاصة عليهم. {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً} أي عياناً {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} وهو قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} [البقرة: 55].
قوله: {ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي حجة بينة. وقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة. (1/434)
صفحة 433
قوله: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ} أي الجبل {بِمِيثَاقِهِمْ} أي أخذ ميثاقهم على أن يأخذوا ما أمرهم به بقوة، أي بجدّ {وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا البَابَ سُجَّداً} قال بعضهم: هو باب حطة. {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُّوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيْثَاقاً غَلِيظاً} وقد فسَّرنا تعديهم في السبت في سورة البقرة.
قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} أي فبنقضهم ميثاقهم {وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي لا نفقه قولك يا محمد. قال الحسن غُلْف أي: قلف لم تختن لقولك يا محمد. وقال مجاهد: يعني الطبع. قال الله: {بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} قال بعضهم: قلَّ من آمن من اليهود.
قوله: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً}. وهو ما قذفوا به مريم. والبهتان العظيم الكذب. وهم اليهود.
{وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} أي مسح بالبركة {رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} أي ألقى الله على رجل شبه عيسى فقُتِلَ ذلك الرجلُ.
وقال بعضهم: ائتمروا بقتل عيسى وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه.
ذكروا أن عيسى قال لأصحابه: أيّكم يُلقى عليه شبهي وأنه مقتول؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله. فقُتِل ذلك الرجل ومنع الله نبيَّه ورفعه إليه.
وقال مجاهد: صلبوا رجلاً غير عيسى يحسبونه إياه، ورفع الله عيسى حيّاً.
قوله: {وَإِنَّ الذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} كان بعضهم يقول: هم النصارى (1/435)
صفحة 434
اختلفوا فيه فصاروا فيه ثلاث فرق. وقال بعضهم: صارت النصارى فيه فرقتين: فمنهم من شهد أنه قتل، ومنهم من زعم أنه لم يقتل.
قال الله: {مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} أي ما قتلوا ظنهم يقيناً {بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسري به أنه أتى على يحيى وعيسى في السماء الثانية.
قوله: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} يقول: قبل موت عيسى إذا نزل علهيم. {وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} أي يكون عليهم شهيداً يوم القيامة أنه قد بلغ رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه.
وبعضهم يقول: {إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} يقول: عند موت أحدهم.
وقال مجاهد: {إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} يعني كل صاحب كتاب قبل موت صاحب الكتاب.
ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد. وأنا أولى الناس بعيسى لأنه ليس بيني وبينه نبي. وإنه نازل لا محالة، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، بين ممصرتين إلى الحمرتين والبياض، سبط الرأس، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب ويقتل الخنزير، ويقاتل الناس على الإِسلام، فيهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإِسلام. وتقع (1/436)
صفحة 435
الأمانة في الأرض حتى ترتع الأسد مع الإِبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان بالحيَّاتِ لا يضر بعضهم بعضاً».
قوله: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً} قال مجاهد: صدوا أنفسهم وصدوا غيرهم. {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} وقد فسّرنا ذلك في سورة آل عمران. {وَاعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} أي للظالمين {مِنْهُمْ} من لم يؤمن {عَذَاباً أَلِيماً} أي موجعاً. يعني من لم يؤمن من أهل الكتاب.
قال الكلبي: لما نزلت {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} قالت اليهود عند ذلك: لا والله ما حرم الله علينا حلالاً قط؛ وإن كان هذا الذي حرم علينا لحراماً على آدم ومن بعده إلى يومنا هذا؛ فقال من آمن منهم: كذبتم، وقرأوا عليهم آيات من التوراة يخصمونهم بها فقال الله:
{لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} أي الجنة.
قال بعضهم: استثنى الله منهم؛ فكان منهم من يؤمن بالله وما أنزل عليهم وما أنزل على نبي الله. قال الحسن: {لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ} هذا كلام مستثنى. (1/437)
صفحة 436
قوله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ} أي: وكما أوحينا إلى إبراهيم {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ} وهم يوسف وإخوته الأنبياء الاثنا عشر. قال: {وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} يعني كتاباً. وكان داود بين موسى وعيسى.
قال بعضهم: ليس في الزبور حلال ولا حرام، إنما هو تمجيد وتحميد وتعظيم.
قوله: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نََقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً}. [أي كلاماً من غير وحي].
ذكروا عن أبي قلابة قال: يا رسول الله: كم المرسلون؟ قال: «ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً جماً غفيراً» قيل: يا رسول الله، أكان آدم نبياً مكلماً أو غير مكلم؟ قال: «بل كان نبياً مكلّماً».
قوله: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} أي مبشرين بالجنة ومنذرين من النار. {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً} أي عزيزاً في نقمته، حكيماً في أمره.
قوله: {لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ} يعني القرآن {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ} أنه أنزله إليك {وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً}. (1/438)
صفحة 437
قوله: {إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلاَلاً بَعِيداً} ثم قال: {إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا} أي وظلموا أنفسهم بالكفر {لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} يعني إذا ماتوا على كفرهم. وهو كقوله: {إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ} [سورة محمد: 34] {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً} أي طريق الهدى، يعني العامّة من أحيائهم، وهم أهل الكتاب. {إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً}.
قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ} يعني محمداً {بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي عليماً بخلقه حكيماً في أمره.
قوله: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} الغُلوّ تعدّي الحق. {وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الحَقَّ إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} [أي أنه كان من غير بشر] {فَآمِنُوا باِللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ} أي: آلهتنا ثلاثة {انتَهُوا خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ}. ينزّه نفسَه أن يكون له ولد. {لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً} أي لمن توكل عليه.
قوله: {لَّن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ}. قال بعضهم: لن يحتشم المسيح أن يكون عبداً لله {وَلاَ المَلاَئِكَةُ المُقَرَّبُونَ} أي: أن يكونوا عباداً لله {وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً} أي الكافرين والمؤمنين. (1/439)
صفحة 438
{فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} أي تضعيف الحسنات {وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}.
قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ} قال مجاهد: البرهان الحجة. وقال غيره: بيّنة. قال: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} يعني القرآن. {فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ} وهي الجنة {وَفَضْلٍ} وهو الرزق في الجنة {وَيَهْدِيهِمْ} أي في الدنيا {إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} أي إلى الجنة.
قوله: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} [قال بعضهم: الكلالة الذي لا ولد له ولا والد ولا جد]. {إِنِ امْرُؤٌاْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ} من أب وأم أو من أب إذا لم تكن من أب وأم {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ} أيهما مات توارثا إن لم يكن لهما ولد أو ولد ولد.
{فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}.
فإن كانت أخت معها أخ أو إخوة لأب وأم كانوا عصبة، للذكر مثل حظ الانثيين.
وإن كانوا إخوة رجالاً ونساءً من أب وأم، وإخوة رجالاً لأب فإن الاخوة من الأب والأم أولى من الإِخوة لأب، وليس للأخوة من الأب معهم شيء.
فإن كانت أخت لأب وأم وأخت لأب، فللأخت للأب والأم النصف وللأخت للأب السدس تكملة الثلثين. وإن كان مع الأخت للأب أخ وإخوة صار ما بقي بعد النصف للإِخوة والأخوات للأب، للذكر مثل حظ الأنثيين.
وإن كانتا أختين لأب وأم وأخت وأخوات لأب، فللأختين من الأب والأم الثلثان، وما بقي فهو بين الإِخوة والأخوات، للذكر مثل حظ الأنثيين. (1/440)
صفحة 439
فإن كانتا أختين لأب وأم وأخت واحدة من الأب فليس لهما بعد الثلثين شيء، إلا أن يكون معها ذكر فيصيران عصبة فيما بقي، للذكر مثل حظ الأنثيين.
ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه قال: أعياني بنو الأم، يتوارثون دون بني العلات؛ الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. وإن ترك إخوة لأبيه وأمه وإخوة لأمه فلإِخوته من أمه الثلث، ذكرهم وأنثاهم فيه سواء، ولإِخوته من الأب والأم، أو من الأب إذا لم يكن إخوة من أب وأم، الثلثان.
وإن كانت امرأة زوجها وأمها وإخوتها لأمها وإخوتها لأبيها وأمها فلزوجها النصف، ولأمها السدس، والثلث الباقي بين الإِخوة من الأم وبين الإِخوة من الأب والأم، ذكرهم وأنثاهم فيه سواء. وهذه المشتركة.
ذكروا أن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت كانوا يشركون بينهم. ذكر بعضهم أن عمر بن الخطاب كان يشرك بينهم إذا لم يبق إلا الثلث.
ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه كان لا يشرك بينهم ويجعل الثلث الباقي للإِخوة من الأم.
ذكروا عن عقبة بن عامر الجهني أن رجلاً سأله عن الكلالة قال: ألا تعجبون من هذا، يسألني عن الكلالة، فوالله ما عُمِّيَ على أصحاب محمد شيء ما عُمِّيَ عليهم من أمر الكلالة.
ذكروا عن عمر بن الخطاب قال: أشهدكم أني مفارقكم ولم أقل في الجدّ شيئاً ولا في الكلالة. (1/441)
صفحة 440
ذكروا عن عمر بن الخطاب قال: ما أخلّف بعدي شيئاً أهمّ إليّ من أمر الكلالة، وما راجعت رسول الله في شيء ما راجعته فيها حتى طعن بأصبعه في جنبي فقال: «يا عمر، أما تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر النساء؟».
ذكروا أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فقال: «أما تقرأ هذه الآية؟ {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلاَلَةِ}».
قوله: {يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا} أي لئلا تضلوا {وَاللهُ بِكُلِّ شَيْْءٍ عَلِيمٌ}. (1/442)
صفحة 441
تفسير سورة المَائِدَة وهي مدنية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} يعني عقود الجاهلية. ويقال: ما كان من عقد في الجاهلية، فإن الإِسلام لا يزيده إِلا شدّة، ولا حلف في الإِسلام، يقول: إلا ما نسخ منها. وقد فسْرنا نسخ تلك الأشياء المنسوخة في مواضعها. منها: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [النساء: 33]. قال بعضهم: كان يقال: الحلف في الإِسلام لا يزيده الإِسلام إلا ذلاً، وإنه من تعزز بمعاصي الله أذلّه الله. وقال بعضهم: العهد فيما بين الناس.
وقال الكلبي: ما أخذ الله على العباد من العهد فيما أحلّ لهم وحرّم عليهم.
قوله: {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ}. والأنعام: الإِبل والبقر والغنم. {إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} أي إلا ما يقرأ عليكم، أي: من {الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} نزلت هذه الآية [المائدة: 3] التي حرّمت هذه الأشياء قبل الآية الأولى: {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} من هذه الأشياء التي سمّى، وهي قبلها في التأليف.
قال بعضهم: البهيمة: ما في بطونها؛ إذا أشعر فكله. (1/443)
صفحة 442
قال: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} أي من غير أن تحلوا الصيد وأنتم حُرُم. قال مجاهد: لا يحل لأحد الصيد وهو محرم. قال: {إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} قال الحسن: هو حكم الله الذي يحكم، والله يحكم ما يريد.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ القَلاَئِدَ وَلاَ ءَامِّينَ البَيْتَ الحَرَامَ}.
ذكروا أن رجلاً سأل ابن عمر عن أعظم الشعائر فقال: أوفي شك أنت منه؟ هذا أعظم الشعائر، يعني البيت.
قوله: {وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ} فكان هذا قبل أن يؤمر بقتال المشركين كافة.
قوله: {وَلاَ الهَدْيَ وَلاَ القَلاَئِدَ}. ذكروا أن مجاهداً قال: كانوا يعلّقون لحاء الشجر في أعناقهم وكان هذا من الشعائر؛ فقال أصحاب النبي عليه السلام: هذا من أعمال الجاهلية، فحرّم الله ذلك كله في الإِسلام، يعني الآية: {لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ وَلاَ الهَدْيَ وَلاَ القَلاَئِدَ وَلاَ آمِّينَ البَيْتَ الحَرَامَ}، يعني الحجاج؛ إلا القلائد في أعناق الناس فإنه ترك. ثم أمر بقتال المشركين فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] وهو العام الذي حج فيه أبو بكر ونادى فيه علي بالأذان.
قال بعضهم: كان أحدهم يعلق قلادة من لحاء السمر إذا خرج من مكة (1/444)
صفحة 443
فيقول: هذا حرمي، فلا يعرض له حيثما توجّه؛ فنسخ آمين البيت الحرام، وهم حجاح المشركين فقال: اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم. وتفسير آمين، يؤمون، [يقصدون] البيت الحرام.
وقال الكلبي: إنما كانوا يستحلون فيصيبون الهدي وأصحاب القلائد.
وكانت القلائد أن الرجل إذا خرج من أهله حاجاً أو معتمراً ليس معه هدي جعل في عنقه قلادة من شعر أو وبر، فأمِن به إلى مكة. وإذا خرج من مكة يعلّق من لحاء شجر مكة فأمِن به إلى أرضه.
قوله: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً}. قال بعضهم: الفضل والرضوان اللذان كانوا يبتغون أن يصلح الله معيشتهم في الدنيا، ولا يعجل لهم العقوبة فيها. وقال مجاهد: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ}: التجارة.
قال الكلبي: نزلت فيما بلغنا في رجل من بني بكر بن وائل من بني قيس بن ثعلبة؛ قدم على النبي بالمدينة فقال يا محمد، ما تأمرنا به وما تنهانا عنه؟ فأخبره النبي بالذي له وبالذي عليه في الإِسلام. فلم يرض فقال: أرجع إلى قومي فاعرض عليهم ما ذكرت، فإن قبلوا كنت معهم، وإن أدبروا كنت معهم على هذا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد دخل علي بوجه كافر، وخرج من عندي بقفا غادر، وما الرجل بمسلم» فلما خرج من أرض المدينة مرّ بسرح من أهل المدينة فانطلق به، فبلغ الخبر أهل المدينة فطلبوه فسبقهم. وحضر الحج، فأقبل تاجراً حاجاً فبلغ ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأرادوا أن يطلبوه فيقتلوه فيأخذوا ما معه، فنهوا عنه في هذه الآية.
وكان ذلك قبل أن يؤمروا بقتال المشركين. (1/445)
صفحة 444
وقال الكلبي في قوله: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً}: التجارة بعد الحج. وأما الرضوان فالناس كانوا يحجّون بين مسلم وكافر قبل أن تنزل هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] وأصحاب الرضوان المسلمون.
قوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} أي إذا رمى أحدكم جمرة العقبة يوم النحر فقد حلّ له كل شيء، إلا النساء والطيب فحتّى يطوف بالبيت. وهي رخصة إن شاء اصطاد وإن شاء ترك. يقول: (إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) وقال في آية أخرى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95].
قوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ} قال بعضهم: لا يحملنكم بغض قوم {أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا}. قال الكلبي: يعني بالقوم أهل مكة؛ يقول: لا تعتدوا عليهم لأن صدوكم عن المسجد الحرام؛ وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم.
وقال مجاهد: هو رجل مؤمن من حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم قتل حليفاً لأبي سفيان من هذيل يوم الفتح بعرفة، لأنه كان يقتل حلفاء النبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله من يقتل بذَحْل الجاهلية».
قال: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ}، قال الحسن: هذا حين صدّوه يوم الحديبية عن المسجد الحرام. (1/446)
صفحة 445
قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ} أي: ما ذبح لغير الله. {وَالمُنْخَنِقَةُ}. قال بعضهم: المنخنقة: التي تختنق في حبلها فتموت، كانوا يأكلونها. {وَالمَوْقُوذَةُ} كانوا يضربونها بالخشبة حتى تموت ثم يأكلونها. {وَالمُتَرَدِّيَةُ} التي تتردّى في بئر فتموت فيأكلونها. {وَالنَّطِيحَةُ} الكبشان ينتطحان فيموت أحدهما، كانوا يأكلونه. {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} أي إلا ما أدركتم ذكاته.
قال بعضهم: كل ما أدركتم من هذا كله، ما خلا الخنزير، من عين تطرف، أو قائمة ترتكض، أو ذَنَب يتحرّك، فأدركت ذكاته، فذكرت اسم الله عليه، فقد أحلْ الله لك أكله.
ذكروا عن بعضهم قال: إنما تكون الذكاة في العين والطرف والرجل. ثم أنزل الله بعد ذلك: {اليَومَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} [المائدة: 5]. والطعام الذبيحة في تفسير مجاهد والناس.
قوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ}. قال بعضهم: هي حجارة كان يعبدها أهل الجاهلية فيذبحون لها.
قوله: {وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ} قال بعضهم: قِداح كانوا يستقيسمون بها في الأمور، فكان الرجل إذا أراد سفراً أخذ قِدحاً فقال: هذا يأمرني بالخروج، وأنا مصيب في سفري خيراً، ويأخذ قِدحاً ويقول: هذا يأمرني بالمكوث، ولست بمصيب في سفري خيراً، والمنيح بينهما، فنُهوا عن ذلك.
وقال الكلبي: إذا كانت بينهما مداراة جعلوا لكل رجل سهماً وللحضر (1/447)
صفحة 446
سهماً، ثم أجالوا السهام، فمن خرج سهمه فهو أولى بالحق. وكانوا يجعلون للسفر سهماً وللحضر سهماً، ثم يقولون: ربنا أيهم كان خيراً لفلان فأخرجه؛ فأيهما خرج رضي به.
وقال مجاهد: كانوا يجعلون ذلك لكل سفر وحرب وتجارة.
قوله: {ذَلِكُمْ فِسْقٌ} يعني أن الله حرَّمه.
قوله: {اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}. قال بعضهم: ذكر لنا أنها نزلت على نبي الله يوم عرفة، يوم جمعة، حين نفى الله المشركين عن المسجد الحرام وأخلص الله للمسلمين حجَّهم. قال: وفي تفسير بعضهم: فلم يحجَّ بعدُ مشرك.
ذكروا عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وعنده رجل من اليهود فقال اليهودي: لو أن هذه الآية نزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم جمعة ويوم عرفة.
وقال الكلبي: نزلت يوم عرفة حين فرغ من تنزيل الحلال والحرام فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام، غير أنه في سورة البقرة على رأس ثمانين ومائتي آية: {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [سورة البقرة: 281]. نزلت هذه الآية بمنى بعد يوم النحر في حجة رسول الله التي يقال لها: حجة الوداع، والآية التي في آخر سورة النساء مُخْرَجَةُ إلى حجة الوداع: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلاَلَةِ}.
. إلى آخر السورة؛ وكان يقال لها آية الصيف.
وقال الحسن: {اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ} أي يئسوا أن يستحلوا فيه ما استحلوا في دينهم {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ}. (1/448)
صفحة 447
{اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يعني باليوم زمان النبي عليه السلام كله. {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} أي بالجنة. قال: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}.
قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} أي في مجاعة خمص لها بطنه. رجع إلى الكلام الأول في قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ}. . . إلى آخر الآية {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} أي غير متعمِّد لإِثم، في تفسير الحسن. وقال بعضهم: غير متعرّض لمعصية الله. قال الله: {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
قوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} يعني الحلال من الذبائح {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوارِحِ} قال مجاهد: هي من الطير والكلاب. {مُكَلِّبِينَ} أي: مُضْرِين {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ}.
ذكروا عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إن لنا كلاباً مكلّبة نرسلها فتأخذ الصيد وتقتل. قال: كل، قلت: وإن قتلن، قال وإن قتلن ما لم يخالطها كلب من غيرها.
ذكروا عن الحسن قال: ما قتل الكلب أو الصقر أو البازي فكل.
وقيل لبعضهم: ما تقول في رجل يستعير كلب اليهودي والنصراني يصيد به؟ (1/449)
صفحة 448
قال: لا بأس به، إنما هو بمنزلة شفرته، يعني مثل ذبيحته. ولا يصلح ما صيد بكلاب المجوس ولا ما أخذت كلابهم.
ذكروا عن الحسن أنه قال: يكره ما سوى كلاب المسلمين، يقول: إلا ما علّمتم أنتم لقوله: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ}.
ذكروا عن ابن عمر أنه سئل عما أكل الكلب. قال: كل، وإن أكل ثلثيه، قلت: عمّن؟ قال: عن سلمان الفارسي.
ذكروا عن عطاء بن السايب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما أكل الكلب فلا تأكله فإنك تستطيع أن تمنعه، وما أكل الصقر والبازي فكله فإنك لا تستطيع أن تمنعه. قال بعضهم: كره ما رخص فيه الناس، ورخص فيما كره الناس.
ذكر نافع قال: قرأت في كتاب علي بن أبي طالب: ما قتل الكلب فكل، وما قتل الصقر والبازي فلا تأكل.
قوله: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} يعني بطعام الذين أوتوا الكتاب ذبائحهم.
ذكروا عن الحسن أنه قيل له: إن النصارى إذا ذبحوا قالوا: باسم المسيح، قال: كلوا ذبائحهم، فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون.
ذكروا عن القاسم أنه قال: لو سمعت نصرانياً يذبح لجرجيس ولبولس ولكنائسهم لأكلتها. (1/450)
صفحة 449
قوله: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ}. هذا مثل قوله: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ التِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] أي: ما كان شدد عليهم فيه من أمر السبت والشحوم وكل ذي ظفر، وكل ما كان حرم عليهم فليس يحرم على المسلمين شيء مما حرم عليهم من تلك الأشياء. قال الله: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا} [الأنعام: 155] أي اتّبعوا ما أحلّ فيه واتقوا ما حرّم فيه. فالخمر اليوم عليهم حرام، وكل ما حرّم الله على المسلمين فهو عليهم حرام.
{وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} والمحصنات هنا الحرائر، ولا يحل نكاح إماء أهل الكتاب، ويوطأن بملك اليمين. يقول الله: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنْكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]. ولا يتزوّج العبد المسلم الأمة اليهودية ولا النصرانية في قول الحسن: وبه نأخذ.
قوله: {إذَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي صداقهن. فإذا سمّاه لها فلا بأس بأن يدخل عليها قبل أن يعطيها شيئاً.
قوله: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}. قال مجاهد: ناكحين غير زانين، قال تزويجاً غيرَ زنى. {وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} أي الخليل في السر، والخليلة في السر؛ يقول نكاحاً غير سفاح. والسفاح الزنا الظاهر. {وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} غير متخذها خليلة، ولكن نكاحاً حلالاً.
قوله: {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ}. ذكر بعضهم أنه لما نزل تحليل نساء أهل الكتاب قال بعضهم: كيف نتزوّج نساء من غير أهل ديننا فأنزل الله: {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ}. تفسير ذلك: ومن (1/451)
صفحة 450
يكفر بتصديق تحليلهن فقد حبط علمه. قال مجاهد: {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ}. أي: بالله.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ}.
ذكروا عن بعضهم قال: رأيت عليّاً توضّأ فمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغَسل وجهه وغسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه ثلاثاً، وغسل رجليه. فلما فرغ من وُضوئه استتمَّ قائماً فأخذ فضل وَضوئه فشربه وهو قائم، ثم قال: إني رأيت رسول الله فعل ما فعلت فأحببت أن أريكم.
ذكروا أن الربيّع بنت معوذ بن عفراء قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بوَضوء، فأتيته بإناء فيه ماء قدر مدّ وثلث، أو مدّ وربع، فغسل يديه ثلاثاً [قيل أن يدخلهما في الإِناء]، ثم مضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه ما أقبل منه وما أدبر، ومسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه. قالت فأتاني غلام من بني عبد المطلب، تعني ابن عباس، فسألني عن (1/452)
صفحة 451
هذا الحديث فأخبرته، فقال: أبى الناس إلا الغسل، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح.
ذكر بعضهم أنه رأى عمر بن الخطاب خرج من حدث فمضمض مرّتين، واستنشق مرّتين، وغسل وجهه مرتين وذراعيه مرتين مرتين، ومسح برأسه مرتين.
قوله: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} أي: تراباً نظيفاً.
ذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الجريح والمجدور والمقروح إذا خشي على نفسه تيمّم. ذكروا عن سعيد بن جبير وعلي وابن عباس مثل ذلك وزاد فيه بعضهم: وكل مريض.
ذكروا عن عبيد بن عمير وعطاء وسعيد بن جبير أنهم اختلفوا في الملامسة فقال سعيد وعطاء: هو ما دون الجماع، وقال عبيد بن عمير: هو الجماع. فخرج عليهم ابن عباس فسألوه وأخبروه عما قالوا فقال: أخطأ الموليان وأصاب العربي، الملامسة: الجماع، ولكن الله يكني ويعفّ.
ذكروا عن علي أنه قال: اللمس: الجماع، ولكنه كنى. وقال ابن مسعود: الملامسة: اللمس باليد، والقول عندنا قول ابن عباس وعلي، وبه نأخذ.
قوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ}. ذكروا عن عمار بن ياسر قال: أصابتني جنابة وأنا في الإِبل، فتمعّكت في الرمل كتمعّك الدابة، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دخل الرمل في رأسي ولحيتي فأخبرته فقال: «يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بكفّيه الأرض، ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه مرة واحدة». (1/453)
صفحة 452
ذكروا عن الحسن أنه سئل عن الرجل يكون مسافراً، وهو يعلم أنه لا يقدر على الماء. قال: يطأ أهله ويتيمم.
ذكروا عن علي أنه قال: إذا كان المسافر يجد الماء يوماً ولا يجده يوماً فلا يطأ أهله.
قوله: {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} أي من ضيق {وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} أي من الذنوب {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} أي بدخول الجنة. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي لكي تشكروا النعمة فتدخلوا الجنة.
قوله: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} وهو الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم. وتفسير ذلك في سورة الأعراف. وقال مجاهد: الذي واثق به بني آدم في ظهر آدم عليه السلام. قال: {وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي بما في الصدور.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} أي: بالعدل، وهي الشهادة تكون عند الرجل. قوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا} قال بعضهم: ولا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا. قال الكلبي يعني به قريشاً الذين صدوهم عن المسجد الحرام وصدوا الهديَ، فأمر الله رسوله بالعدل فيهم، ولم يكن أُمِر بقتال المشركين يومئذ عامة.
قوله: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [أي فإنه من التقوى]. قال: {وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}. وإنما ارتفعت لأن إضمارها وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وفي الوعد لهم مغفرة، أي لذنوبهم وأجر عظيم: أي الجنة. (1/454)
صفحة 453
قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ} أي أصحاب النار، وهو اسم من أسماء أبواب جهنم.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.
قال الحسن: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل محاصراً غطفان، وهو متقلد سيفه؛ فجاءه رجل كانت قريش بعثته ليفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد أرني سيفك هذا حتى أنظر إليه، فقال: «هاكه» فأخذه فجعل ينظر إلى السيف مرة وإلى رسول الله مرة، فقال: يا محمد، أما تخافني؟ قال: «لا».
وقال بعضهم: ذكر لنا أنها نزلت على نبي الله وهو بنخل في الغزوة السابعة فأراد بنو تغلب وبنو محارب أن يفتكوا به، فأطلعه الله على ذلك. وذكر لنا أن رجلاً انتدب لقتله، فأتى نبيَّ الله وسيفه موضوع، فقال: آخذه؟ قال: «خذه» قال: أسلّه؟ قال: «سلّه» فلما انتصاه قال: ما يمنعك؟ قال الله يمنعني منك. فتهدده أصحاب النبي وأغلظوا له، فشام السيف فرده، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل. وأنزلت عليه صلاة الخوف عند ذلك.
ذكر جابر بن عبد الله قال: نزلت صلاة الخوف في الغزوة السابعة.
قوله: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً} ذكر بعضهم قال: أي: شاهداً؛ من كل سبط شاهد على قومه. (1/455)
صفحة 454
قال الحسن: ما ضمنوا عنهم من شيء قبلوه من الدين، فهم ضامنون له قابلوه. وقد جعل رسول الله أيضاً بما أمره الله اثني عشر نقيباً ليلة العقبة. وقال مجاهد: من كل سبط رجلاً، فأرسلهم موسى إلى الجبّارين.
قوله: {وَقَالَ اللهُ: إِنِّي مَعَكُمْ} على الشرط {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} أي ونصرتموهم {وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} أي: الصدقة والنفقة في الحق. {لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}. وهو كقوله في سورة البقرة: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40] وقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة.
وتفسير مجاهد: إن موسى أرسل نقيباً من كل سبط إلى الجبارين فوجدوهم يدخل في كُمِّ أحدهم اثنان منهم، فرجع النقباء كلهم ينهى سبطه عن قتالهم، إلا يوشع بن نون وطالوت فإنهما أمرا الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم، فعصوهما فتاهت بنو إسرائيل أربعين سنة.
قوله: {فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} أي قصد الطريق، وقال بعضهم: عدل الطريق.
قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ} أي فبنقضهم ميثاقهم لعناهم. يعني باللعن المسخ، فجعل منهم قردة وخنازير؛ مسخوا في زمان داود قردة، وفي زمان عيسى خنازير. قال: {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} أي غليظة {يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} وهو ما حرّفوا من كتاب الله. قال: {وَنَسُوا} أي تركوا {حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُوا (1/456)
صفحة 455
بِهِ} في الكتاب. وقال الحسن: تركوا عرى دينهم.
وقال بعضهم: نسوا كتاب الله وراء ظهورهم، وعهده الذي عهده إليهم، وضَيَّعوا فرائضه وعطّلوا حدوده.
قوله: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ} يعني حيث دخل النبي حائطاً لليهود فهمّوا به. وتفسيره في غير هذا الموضع. قال: {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} أي من آمن منهم.
قوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}. قال بعضهم: نسختها هذه الآية: {قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَومِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29].
قوله: {وَمِنَ الذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} كما أخذنا ميثاق اليهود.
قال بعضهم: إنما سمّوا نصارى لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة نزلها عيسى. وهو اسم تَسَمَّوا به ولم يؤمروا به.
قال: {فَنَسُوا حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} وهي مثل الأولى. قوله: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ} بكفرهم، يعني به أهل الكتاب، بما فعلوا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء. {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}.
قوله: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} هو محمد صلى الله عليه وسلم {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ} أي ما حرّفوا من الكتاب وأخفوا من الحق فيه {وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ} مما كان حرّم عليهم فأحلّه لهم.
قوله: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وكِتَابٌ مُّبِينٌ} يعني به القرآن. {يَهْدِي (1/457)
صفحة 456
بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ} والسلام هو الله، كقوله: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]. وكقوله: {وَاللهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلاَمِ} [يونس: 25].
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السلام اسم من أسماء الله».
قوله: {وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي من الكفر إلى الإِيمان {بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي إلى الجنة.
قوله: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} يحتج عليهم بما يعرفون. قال: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
قوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} قالت اليهود لأنفسها، وقالت النصارى لأنفسها، وقال الحسن: يقولون: قربنا من الله وحبُّه إيانا كقرب الولد من والده وكحب الوالد ولدَه، ليس على حدّ ما قالت النصارى لعيسى. قال الله للنبي عليه السلام: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} فيجعل منكم القردة والخنازير؛ لو كان لكم هذا القرب وهذه المحبة ما عذّبكم أبداً.
وقال الكلبي: إنهم يقرون أن الله معذبهم عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل، وليس يقرون بما وراء ذلك، فاحتج عليهم بما يقرّون به.
قوله: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المَصِيرُ} أي المرجع. (1/458)
صفحة 457
قوله: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا} أي: لئلا تقولوا يوم القيامة {مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ} يبشر بالجنة {وَنَذِيرٌ} ينذر من النار، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. والفترة ما بين عيسى ومحمد خمسمائة سنة، وفي تفسير بعضهم: ستمائة سنة أو ما شاء الله من ذلك.
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى الناس بعيسى لأنه ليس بيني وبينه نبي».
قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً}. قال الكلبي: إذ جعل فيكم أَنْبِئَاءَ: كان منهم في حياة موسى اثنان وسبعون نبياً. وقال في قوله: {وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً}: الرجل ملك بيته لا يدخل عليه إلا بإذن.
ذكروا أن مجاهداً قال: جعل لكم أزواجاً وبيوتاً وخدماً. وقال الحسن: وجعلكم ملوكاً، أحراراً، لأنهم كانوا في قوم فرعون بمنزلة أهل الجزية فينا فأخرجهم من ذلك الذل.
قوله: {وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤتِ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ} أي فيما ظلل عليهم من الغمام، وأنزل عليهم من المن والسلوى وأشباه ذلك مما أوتوا. وقال مجاهد: يعني المن والسلوى والحجر والغمام.
قوله: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} التي بورك فيها. قال بعضهم: يعني الشام وقال مجاهد: يعني الطور وما حوله. قوله: {الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ} أي كتب الله لبني إسرائيل، أي أمر بني إسرائيل أن يدخلوها فدخلها أبناؤهم، ولم يدخل إلا رجلان يوشع بن نون وكالوب وأبناؤهم، وهم بنو إسرائيل. {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى (1/459)
صفحة 458
أَدْبَارِكُمْ} أي كافرين {فَتَنقَلِبُوا} إلى الآخرة {خَاسِرِينَ} أي قد خسرتم الجنة.
قال الكلبي: كانوا بجبال أريحا من الأردن فجبُن القوم أن يدخلوها، فأرسلوا جواسيس، من كل سبط رجلاً، ليأتوهم بخبر الأرض المقدسة. قال الله جل ثناؤه لإِبراهيم عليه السلام، وإبراهيم إذ ذاك بأرض فلسطين: يا إبراهيم إن هذه الأرض التي أنت فيها ميراث لولدك من بعدك، فدخل الاثنا عشر، فمكثوا فيها أربعين ليلة، ثم خرجوا، فصَدَق اثنان وكَذَب عشرة؛ فقالت العشرة: رأينا أرضاً تأكل أهلها ورأينا فيها حصوناً منيعة، ورأينا رجالاً جبابرة ينبغي لرجل منهم مائة منا، فجَبُنَت بنو إسرائيل وقالوا: والله لا ندخلها.
{قَالُوا} لموسى عليه السلام {يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ. قَالَ رَجُلاَنِ} أحدهما يوشع بن نون والآخر كالب، وهما اللذان قال الله فيهما {مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا} بمخافتهما الله: نحن أعلم بالقوم من هؤلاء، إن القوم قد ملئوا منا رعباً. {ادْخُلُوا عَلَيِْهِمُ البَابَ} قال مجاهد: باب مدينة الجبارين {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
قال الكلبي: قالوا: يا موسى أيُكذّب منا عشرة ويُصَدّق اثنان؟ {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}. وكان موسى صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء حديداً ف {قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي} أي: وأخي لا يملك إلا نفسه {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ} يعني قومه.
{قَالَ} الله لموسى: إذ سميتهم فاسقين: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ} أي فلا تحزن {عَلَى الْقَوْمِ الفَاسِقِينَ} فتاهوا أربعين سنة. (1/460)
صفحة 459
قال الكلبي: لما قالوا {إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً} قال الله: فإنها محرمة عليهم أبداً، مع ذلك يتيهون في الأرض أربعين سنة. قال: فلم يدخلها أحد ممن كان مع موسى؛ هلكوا أجمعون في التيه إلا رجلين: يوشع بن نون وكالوب، وأنزل الله عليهم في تلك الأربعين سنة المن والسلوى وثياباً لا تخرق ولا تدنس، تشبّ مع الصغير، وخِفافاً لا تخرق، فكان لهم ذلك في تيههم حى دخلوا أَريحاً مع يوشع بن نون بعد وفاة موسى صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء.
وقال بعضهم: ذكر لنا أن يوشع بن نون وكالوب بعثوا اثني عشر رجلاً من كل سبط رجلاً عيوناً لهم ليأتوهم بأمر القوم. فأما عشرة فجنبوا وكرهوا الدخول إليهم. وأما يوشع وصاحبه فأمرا بالدخول فاستقاما على أمر الله ورغبا قومهما في ذلك. وقال بعضهم: جبن القوم عن عدوهم وتركوا أمر ربهم. قال الله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً}، إنما يشربون ماء الآبار، لا يهبطون قرية ولا مصراً، لا يهتدون لها ولا يقدرون على ذلك.
{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ}. قال بعضهم: ذكر لنا أنه كان فيها قوم لهم أجسام وَخَلق منكر. قوله: {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا}، أي حتى يخرج الجبارون منها، {فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ. قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ}، أي فإذا دخلتم باب مدينة الجبارين فإنكم غالبون. {وَعَلَى اللهِ فتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}.
قال الحسن: قال الله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} أبداً في الإِضمار، ثم قال: (1/461)
صفحة 460
{أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ}. أربعين سنة كانوا يرتحلون من المنزل فيسيرون يومهم وليلتهم، ثم يصبحون حيث ارتحلوا، أربعين سنة عذاباً عذّبهم الله بدعوة موسى.
قال مجاهد: كانوا يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا، وفي تيههم ذلك ضرب لهم موسى الحجر. قال الله: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ}.
ذكر لنا أنه كان طول موسى سبعة أذرع، وطول عصاه سبعة أذرع، ووثب من الأرض سبعة أذرع فأصاب كعب ذلك الجبار الذي قتل. وذلك أنه بلغنا أنه أشرف على عسكرهم يريدهم.
قوله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ} أي خبر ابني آدم {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ}.
قال الكلبي: كانت حواء تلد في كل بطن اثنين: غلاماً وجارية؛ فولدت في أول بطن قابيل ابن آدم وأخته، وفي البطن الثاني هابيل وأخته. فلما أدركوا أُمِر آدمُ أن يُنكح قابيلَ أختَ هابيلَ وهابيلَ أختَ قابيل. فقال آدم لامرأته الذي أمر به؛ فذكرته لابنيها، فرضي هابيل بالذي أمر به، وسخط قابيل لأن أخته أحسنهما، فقال: ما أمر الله بهذا قط، ولكن هذا عن أمرك يا آدم. قال آدم: فقرّبا قربانكما فأيّكما كان أحق بها أنزل الله ناراً من السماء فأكلت القربان. فرضيا بذلك. فعمد هابيل، وكان صاحب ماشية، إلى خيار غنمه وزبد ولبن وكان قابيل زرّاعاً فأخذ من سوء زرعه، ثم (1/462)
صفحة 461
صعد الجبل وآدم معهما. فوضعا القربان على الجبل، فدعا آدم ربه، وقال قابيل في نفسه: لا أدري أيقبل مني أم لا، لا ينكح هابيل أختي أبداً. فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وتجنّبت قربان قابيل لأنه لم يكن زاكي القلب. فنزلوا من الجبل. فانطلق قابيل إلى هابيل وهو في غنمه فقال: لأقتلنّك، قال: لِمَ، قال: لأن الله تقبّل منك وردّ عليّ قرباني، وتنكح أختي الحسناء وأنكح أختك القبيحة، ويتحدث الناس بعد اليوم أنك خير مني، فقال له هابيل:
{لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَِقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلاً فخذوا بخيرهما ودعوا شرهما.
ذكر بعضهم قال: كان من قبلكم إذا تقربوا بقربان فتقبل الله منهم نزلت عليه من السماء نار فأكلته، فإذا رد عليهم خلوا عنه فأكلته السباع والطيور.
{إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} أي تستوجب إثمي وإثمك {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}. وقال بعضهم: إني أريد أن تبوء بإثمي إن قتلتني، وإثمك الذي مضى من قبل قتلي.
قوله: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ}. قال مجاهد: فشجعته نفسه. وقال غيره: فزَيَّنت له نفسه قتل أخيه فقتله. {فَأَصْبَحَ مِنَ الخَاسِرِينَ}، قال الحسن: الذين خسروا الجنة.
{فَبَعَثَ اللهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ: يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} قال الحسن: بعث الله غرابين فقتل أحدهما صاحبه، ثم جعل يحثي عليه التراب وابن آدم ينظر فقال: يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي. (1/463)
صفحة 462
ذكر بعضهم قال: كانا غرابين فقتل أحدهما الآخر فجعل الحي يحثي على الميت، وذلك بعين ابن آدم. قال الكلبي: وكان قتله عشية، وغدا إليه غدوة لينظر ما فعل فإذا هو بغراب حي يحثي التراب على غراب ميت، فقال: يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي كما يواري هذا الغراب سوءة أخيه فدعا بالويل {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}.
ذكروا عن السدي أنه قال: ثلاثة لا يقبل الله منهم توبة أبداً: إبليس، وابن آدم الذي قتل أخاه، رأس الخطيئة، ومن قتل نبيّاً.
قوله: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ} أي ما يستوجب به القتل. {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}.
ذكروا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو قتل نفساً متعمداً، أو زنى بعد إحصانه» قال جابر بن زيد: وأنا أقول الرابعة من كتاب الله: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ} [الحجرات: 9].
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «القتيل دون ماله شهيد».
ذكروا أن رجلاً قال: يا رسول الله، الرجل يعرض لي يريد نفسي ومالي. قال: (1/464)
صفحة 463
«تناشده بالله، قال: ناشدته بالله فلم ينته، قال: استعد عليه السلطان، قال: ليس بحضرتنا سلطان. قال: استعن عليه بالمسلمين، قال: نحن بأرض فلاة ليس قربنا أحد. قال: فجاهده دون مالك حتى تمنعه أو تكتب في شهداء الآخرة في الجنة».
قوله: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه سنَّ القتلَ».
ذكروا أن مجاهداً قال في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ} [فصلت: 29] قال: هما إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه.
ذكروا عن ابن مسعود في قوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [الانفطار: 5]. قال: {مَّا قَدَّمَتْ} أي: ما قدمت من خير، {وَأَخَّرَتْ} أي ما أخرت من سنة حسنة فعمل بها بعده، فإن له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجره شيئاً، أو سنة سيئة فعمل بها بعده فإن عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزاره شيئاً.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه كان له أجر من تبعه ولا ينقص من أجره شيئاً».
قوله: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} أي من أحياها من القتل في تفسير الكلبي وغيره. (1/465)
صفحة 464
وقال الحسن: من إحيائها أن ينجيها من القود فيعفو عنها، ويفاديها من العدو، وينجيها من الغرق ومن الحرق ومن السبع، وأفضل إحيائها أن ينجيها من كفرها وضلالتها.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علياً على جيش وأمره بأمره ثم قال: «واعلم يا علي أنه أن يحيي الله بك رجلاً خير لك من الدنيا وما فيها».
قوله: {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ} يعني أهل الكتاب {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ في الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} أي لمشركون، وهو سرف فوق سرف. وإنما يعني بهذا من لم يؤمن منهم.
قوله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
ذكروا أن أناساً من عرينة قدموا على النبي المدينة فأسلموا، فاستوخموا المدينة، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا في إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها [وأبوالها]. ففعلوا حتى صحّوا فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم وساقوا الإِبل وكفروا بعد إسلامهم. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمر أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا. (1/466)
صفحة 465
قال بعضهم: إن هذا كان من قبل أن تنزل الحدود. وذكر أبو هريرة أنهم لما جيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمّر أعينهم نزلت هذه الآية: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ}. . . إلى آخر الآية، فترك سمر الأعين.
وذكروا عن بعضهم أنه قال: تلك حدود أنزلها الله: إذا حارب فأخذ المال وقتل صُلِب، وإذا حارب فقتل ولم يأخذ مالاً قُتِل، وإذا حارب فأخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا حارب فلم يقتل ولم يأخذ مالاً نفي.
ذكر الحسن أنه قال: نفي بالسيف. وذكر عنه قال: ذلك إن الوالي يصنع ما شاء، يعني أنه [مخيَّر]. والعامة من فقهائنا على قول الحسن: إلى الولاي يصنع من ذلك ما شاء، وليس للولي من ذلك شيء.
ومن رأى أن هذا حكم في المسلمين ماضٍ فيأخذها من هذا الموضع {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً}. ذكروا عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ} أي أن يعجزوا فلا يقدر عليهم. وأما قوله: {مِّنْ خِلاَفٍ} فإنه تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى. فذلك تفسير قوله: من خلاف.
قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ذكروا أن هذه كانت في أهل الشرك خاصة. ذكروا عن مجاهد قال: {مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} على عهد الرسول.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ} أي القربة إليه. قال بعضهم: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه. قال: {وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي لكي تفلحوا.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ (1/467)
صفحة 466
مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قد فسّرناه في سورة آل عمران.
قوله: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي دائم لا يفتر عليهم. قال الحسن: كلما رفعتهم بلهبها حتى يرتفعوا إلى أعلاها وطلبوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها. وهو قوله: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} [السجدة: 20].
قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وهي في قراءة ابن مسعود: فاقطعوا أيمانهما {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} أي بما عملا {نَكَالاً مِّنَ اللهِ} أي عذاباً من الله وعقوبة {وَاللهُ عَزِيزٌ} في نقمته {حَكِيمٌ} في أمره.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لا تقطع يد السارق إلا في الدينار وعشرة الدراهم.
ذكروا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقطع يد السارق في أقل من ربع دينار».
ذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا تقطع الخمسة إلا في الخمسة؛ يعني خمسة دراهم.
ذكروا أن إبراهيم قال: لا تقطع يد الذي يدخل البيت بإذن.
ذكروا أن عثمان بن عفان قال: لا تقطع يد السارق حتى يخرج المتاع من البيت. (1/468)
صفحة 467
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق من الكوع وحسمها.
قوله: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ} أي من بعد سرقته {وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وفي هذه الآية دليل على أنه ظلم دون ظلم وظلم فوق ظلم، وكذلك الكفر كفر دون كفر وكفر فوق كفر.
ذكروا أن رجلاً جاء إلى النبي عليه السلام فأقر عنده أن سرق؛ فقال له النبي: «ما أخالك سرقت» قال: بلى يا رسول الله. فأمر بقطعه، فقطع. ثم قال له النبي: «قل: أستغفر الله وأتوب إليه» فقال: أستغفر الله وأتوب إليه؛ فقال النبي: «اللهم تب عليه».
ذكر عن بعضهم أنه قال في السارق إذا قطع أنه لا يغرم ما سرق، إلا أن توجد السرقة بعينها.
قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي إنك قد علمت أن الله له ملك السماوات والأرض {يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} أي الكافر {وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ} أي: للمؤمن {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْْءٍ} يريده {قَدِيرٌ}.
قوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا ءَامَنَّا (1/469)
صفحة 468
بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} وهم المنافقون. يقول: لا يحزنك كفرهم، فإن ذلك لا يضرّك، إنما ضرّه عليهم.
ثم قال: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} وهم اليهود {يَقُولُونَ} أي يقول الذين لم يأتوك {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
ذكر بعضهم قال: كان قتيل من بني قريظة قتله النضير، وكان قتيل عمد. وكانت النضير إذا قتلت من قريظة قتيلاً لم يعطوهم القود ويعطونهم الدية. وإذا قتلت قريظة من النضير قتيلاً لم يرضوا دون القود، فكانوا على ذلك حتى قدم نبي الله المدينة على تفئة قتيلهم؛ فأرادوا أن يرفعوا ذلك إليه ليحكم بينهم. فقال رجل من المنافقين: إن قتيلكم قتل عمداً، ومتى ترفعوه إلى محمد أخشى عليكم القود، فإن قبل منكم الدية فخذوه، وإلا فكونوا منه على حذر. فأنزل الله هذه الآية ثم قال: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} أي الرشى، يعني اليهود {فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ} أي بالعدل {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ}.
ذكروا عن الحسن في قوله: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} قال: كان أحدهم يجيء مع خصمه إلى القاضي ويجيء برشوته في يده ليراها القاضي فلا يسمع القاضي إلا لها ولا ينظر إلا إليها. وأما قوله: {فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}. . . الآية فإنه كان رخص له في هذه الآية إن جاءوا أن يحكم بينهم أو يعرض عنهم إن شاء، ثم نسخ ذلك بعد فقال: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا (1/470)
صفحة 469
جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ} [المائدة: 48] فنسخت هذه الآيةُ الآيةَ الأولى.
قوله: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}. قال بعضهم: {وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ}، أي بيان ما تشاجروا فيه من شأن قتيلهم، يعني القَوَد؛ أي إن في التورَاةِ أن النفس بالنفس.
قال الحسن: إن رجلاً من أشراف اليهود زنى وهو محصن، فرفعه أحبارهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجوا أن يصيبوا عنده رخصة وقد علموا أنه رسول الله، وكان عندهم في التوراة الرجم. فأتوه به وقالوا: يا محمد، إن هذا قد زنى وهو محصن، فماذا عليه في دينك؟ فأبى الله إلا أن يقرّرهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أناشدكم بالله ما عليه؟ فقالوا: يا أبا القاسم، إنا لم نرد هذا، وإنا قد رضينا بحكمك. فأبى الله إلا أن يقرّرهم له، فقال لهم رسول الله: أناشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما عليه؟ فقالوا مثل ذلك. فأبى الله لرسوله إلا أن يقرّرهم له. فقال لهم مثل ذلك. فقالوا: الرجم. فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجم».
ذكروا عن ابن عمر أن يهوديين أصابا فاحشة، فرفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما في كتابكم؟» فقالوا: يحمّمان ويجبّهان ويجلدان ويغلظ لهما في القول؛ ثم يخرجان عن أوطانهما ويطردان. فقال عبد الله بن سلام: كذبوا؛ في كتابهم الرجم يا رسول الله. فقال لهم: {فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93]. قال: فأتوا (1/471)
صفحة 470
بها فجاءوا بقارئهم فوضع يده على آية الرجم وجعل يقرأ. فقال عبد الله بن سلام: أرخ كفك. فباعدها، فإذا آية الرجم تلوح. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما. قال ابن عمر فلقد رأيتهما وهما يرجمان وإنه ليقيها الرجمَ بنفسه.
ذكروا عن عكرمة قال: إن يهوديين رفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصابا فاحشة فسألهم فقال: «أيكم أعلم؟» فقالوا: ابن صوريا، رجل أعور. فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أنت أعلم اليهود؟» فقال: إنهم ليقولون ذلك. فقال: «إني أناشدك بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التوراة على موسى، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، ما تجدون في كتابكم؟» فقال: لقد سألتني بعظيم ولا ينبغي لي أن أكتمك؛ في كتابنا الرجم، ولكنا كنا نتكاتمه بيننا، فرجمهما رسول الله.
وقال بعضهم: بلغنا أن اليهود قالت حين زنى ذلك الرجل منهم؛ إنه بلغنا أن محمداً يجلد الزاني مائة، وفي كتابنا الرجم، فنرفع هذا إليه. فقال لهم بعض المنافقين: سلوه عن ذلك فإن أخبركم بالجلد فاقبلوه، وإن أخبركم بالرجم فاحذروا.
وهو قوله: {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ}. أي: ليسوا منهم؛ أي إن المنافقين قوم آخرون ليسوا من اليهود المشركين ولا من المؤمنين، كقوله: {مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ} [سورة المجادلة: 14] وكقوله: {لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ} [النساء: 143] فقال: {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا} يقول المنافقون لليهود: إن أوتيتم، أي إن أعطيتم هذا، أي الجلد {فَخُذُوهُ} أي: من محمد، {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ}، أي: وإن لم تعطوه {فَاحْذَرُوا}. فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه جاء جبريل إلى النبي عليه السلام فقال: يا محمد، سلهم عن شاب أعور يقال له ابن صوريا: ما حاله فيهم؟ فسألهم عنه فقالوا: هو أعلم أهل الدنيا بما أنزل على موسى. فقال لهم رسول الله: «أترضون به؟» فقالوا نعم. فبعثوا إلى ابن صوريا فجاء. فقال له رسول الله: «أنت ابن صوريا؟» فقال نعم. فقال: «أنت أعلم اليهود؟» قال: كذلك تقول اليهود. فقال رسول الله: «ما على الزاني المحصن في كتابكم؟ وناشده بالله فقال له: بالذي نجّاكم من آل فرعون، وفلق لكم البحر، وأنزل عليكم المنّ (1/472)
صفحة 471
والسلوى، وبالذي أنزل التوراة على موسى لما أخبرتني بما في كتابكم» فقال ابن صوريا: الرجم، ولولا أني تخوّفت أن تحرقني التوراة ما أخبرتك. فسأل النبيَّ عن أشياء فأخبره بها النبيُّ. فآمن ابن صوريا. فقالت له اليهود: والله ما كنت بأهل لما أثنينا به عليك. ولكن كرهنا أن نعيبك، وأنت غائب.
قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا}. قال الحسن: يعني موسى وعيسى ومحمداً حكموا بالرجم جميعاً؛ يقول: يحكم بها النبيون المسلمون {لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ} يعني علماءهم الذين رفعوا اليهودي الزاني إلى النبي. {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ} أي بعد أنبيائهم {وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ}. قال بعضهم: الربانيون العبّاد، والأحبار العلماء. {فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ} أي في إقامة الحدود على أهلها من كانوا {وَاخْشَوْنِ} أي في إقامتها {وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ}.
قال بعضهم: نزلت في اليهود في القتيل عمداً؛ كانوا أمروا فيه بالقَوَد، والآية الأخرى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} في النصارى؛ كانوا أمروا بالعفو في القتيل عمداً، والآية الأخرى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} [في الكفار كلهم]. قال: كل هذه الآي في أهل الكتاب.
وقال جابر: سئل حذيفة بن اليمان عن هذه الآي الثلاث: قوله: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ وَالظَّالِمُونَ وَالفَاسِقُونَ) أي خاصة في أهل الكتاب من اليهود والنصارى أم هي عامة فيهم وفيمن أقر بالإِسلام ودان به؟ فقال (1/473)
صفحة 472
حذيفة: بخ بخ نعم الإِخوة بنو إسرائيل إن كان لكم حلوها وعليهم مرها، بل هي السنة في إثر السنة كالقذة تحذى على القذة. يعني أنها عامة لأهل الكتاب من اليهود والنصارى ولأهل الإِسلام؛ من لم يحكم منهم جميعاً بما في كتابه وبما عهد إليه ربه وأمره به نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر ظالم فاسق، غير أن كفر أهل الكتاب في ذلك كفر جحود وهو شرك، وكفر أهل الإِقرار بالله والنبي كفر نفاق، وهو ترك شكر النعمة، وهو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق.
قال الحسن: ومن لم يحكم بما أنزل الله أي: من لم يتخذ ما أنزل الله ديناً ويُقِرَّ به فهو كافر ظالم فاسق.
قوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} أي في التوراة {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ (1/474)
صفحة 473
بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ}. وهذه الآية مفروضةِ على هذه الأمة. وكل ما ذكر الله في القرآن أنه أنزله في الكتب الأولى ثم لم ينسخه في القرآن فهو ثابت يعمل به، لأنه في كتاب الله ولم ينسخه. وفي ذلك دليل على أن من لم يحكم من أهل القرآن بما أنزل الله فيه فهو كافر ظالم فاسق كما كان يكفر به من حكم من أهل الكتاب بغير ما أنزل الله في التوراة والإِنجيل. ألا ترى أن علينا في كتابنا مثل ما عليهم في كتبهم من أن النفس بالنفس والعين بالعين.
. إلى آخر الآية. كذلك من لم يحكم منا ومنهم بما أنزل الله في كتابه وعلى ألسنة رسله فهو كافر ظالم فاسق.
قوله: والجروج قصاص. ذكروا أن أبا بكر وعمر قالا: ليس فيما لا يستطاع منه قصاص قصاص. (1/475)
صفحة 474
ذكروا عن الحسن أنه قال: أربع ليس فيهن قصاص: الآمة والجائفة والمنقلة والهاشمة.
وذكر بعضهم قال: كان يقال: لا قصاص في الكسر؛ يقال فيما لا يستطاع منه القصاص: إن فيه الأرش.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال في جراحات الرجال والنساء: يستويان في السن والموضحة ويختلفان فيما فوق ذلك، يقول: تصير المرأة على النصف، ذكروا أن علياً قال: لها النصف من كل شيء. ذكروا عن الحسن قال: يستويان في الثلث ويختلفان فيما فوق ذلك.
قوله: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ}. يعني كفارة لذنبه.
ذكروا عن رجل من الأنصار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فمن تصدّق به فهو كفارة له قال: هو الرجل تكسر سنه أو يجرح في جسده فيعفو، فيحط عنه بقدر ما عفا من خطاياه؛ فإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه، وإن كان نصف الدية فنصف خطاياه وإن كانت الدية كلها فخطاياه كلها» وهو تفسير الحسن؛ غير أنه قال: كفّارة له إن أراد بذلك وجه الله. وكان الحسن يشترط في هذا ونحوه الصدقَ. صدق والله الحسن؛ إنه كفّارة له إذا أراد به وجه الله؛ {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ} [المائدة: 27].
ذكروا أن مجاهداً قال: هو كفارة للجارح. (1/476)
صفحة 475
قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} قد فسّرناه في الآية الأولى.
قوله: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}. {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} والفسق هاهنا الشرك. وهو فسق أهل الجهود. وقد فسّرناه في الآية الأولى وفسّرنا أنه فسق فوق فسق وفسق دون فسق. وكذلك الظلم والكفر.
قد كان أهل التوراة أُمِروا في القتيل عمداً بالقوَد، وكأن أهل الإِنجيل أُمِروا بالعفو، فعاتب الله اليهود والنصارى في هذه الآية بما حرّفوا من كتاب الله، وهم يشهدون عليه أنه من كتاب الله فكتبوا كتاباً بأيديهم، ثم أنزل الله القرآن فدعاهم إلى أن يعملوا بما فيه. ومن حكمهم بما أنزل الله في كتابهم أن يتّبعوا محمداً فيما جاء به.
قال: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ} يعني التوراة والإِنجيل وإن اختلفت الشرائع فإن الدين واحد. قال: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48].
قوله: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} ذكروا عن رجل من بني تميم قال: سألت ابن عباس عن قوله: ومهيمناً عليه فقال: ومؤتمناً عليه. ذكروا عن عبد الله بن الزبير قال: المهيمن القاضي على ما قبله من الكتب. وتفسير الكلبي: ومهيمناً عليه، أي: شهيداً عليه. وذكر بعضهم قال: مهيمناً عليه، أي: أميناً عليه وشاهداً على الكتب التي قد خلت قبله.
قوله: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ}. قال الحسن ورجل من أهل العلم؛ قال أحدهما: يخلّى بينهم وبين حكامهم فإذا ارتفعوا إلينا حكمنا عليهم بما في كتابنا، وقال الآخر: بما في كتابهم. (1/477)
صفحة 476
ذكر جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم رجلاً من اليهود وامرأة زنيا وقال لليهود: «نحن نحكم عليكم اليوم» ذكر بعضهم قال: ذكر لنا أن نبي الله لما نزلت هذه الآية: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا}. . . إلى آخر الآية قال: «نحكم اليوم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان».
ذكر محمد بن سيرين أن رجلاً من اليهود زنى وهو محصن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعالوا نحكم عليهم بما في كتابهم إذ ضيّعوه».
قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}. ذكروا عن رجل من بني تميم قال: سألت ابن عباس عن قول الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}. قال: شرعة ومنهاجاً: سبيلاً وسنة. وهو تفسير مجاهد. وتفسير مجاهد: الشرعة السنة والمنهاج السبيل. ذكروا عن بعضهم أنه قال: شرعة ومنهاجاً: سبيلاً وسنة. والشرائع مختلفة؛ للتوراة شريعة، وللإِنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يُحلّ الله ما يشاء ويحرّم ما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولكن الدين واحد لا يقبل الله إلا الوفاء والإِخلاص والتوحيد له.
قوله: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي ملّة واحدة {وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَاتَاكُمْ}. أي ليختبركم فيما أعطاكم من الكتب والسنن. وقال الحسن: ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، أي على الهدى، كقوله: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَى} [الأنعام: 35].
وقال: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي في وجهتكم {إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً (1/478)
صفحة 477
فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.
قوله: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} قد فسّرناه في الآية الأولى. قوله: {وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ} أي: يصدوك {عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا} يعني اليهود عن بعض ما أنزل الله إليك، أي عن حكم الله الذي يحكم به محمد {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} فيقتلهم ويجليهم ويخزيهم وتؤخذ منهم الجزية بالصَّغَار والذّلّ، ففعل الله ذلك بهم.
ذكروا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله أمر أن يخرج اليهود من جزيرة العرب.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود من جزيرة العرب حتى لا يبقى فيها إلا مسلم» فمات قبل أن يفعل.
{وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} يعني اليهود وغيرهم من الكفار، وهو فسق فوق فسق، وفسق دون فسق، وكفر فوق كفر.
ثم قال: {أَفَحُكْمَ الجَاهِلَيَّةِ يَبْغُونَ} أي: ما خالف كتاب الله وحكمه فهو حكم الجاهلية. قال: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي لا أحد أحسن من الله حكماً.
ثم قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [أي في الدين] {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ}. (1/479)
صفحة 478
قوله: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} يعني المنافقين {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} أي في أهل الكتاب، أي يسارعون في مودتهم ونصيحتهم {يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} لليهود فينصروا علينا، فنكون قد اتخذنا بيننا وبينهم مودة.
قال الله: {فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} أي علي أهل الكتابين {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} يقول: فيباين المنافقون بنفاقهم فيقتلون. {فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ} أي على ما أسروا في أنفسَهم من موادتهم لليهود ومِن غشِّهم للإِسلام {نَادِمِينَ}. وهم أناس من اليهود كانوا يوادّون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين. قال الله: فعسى الله أن يأتي بالفتح، أي: بالفصل. وقال مجاهد: {نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} أي: نخشى أن تكون الدائرة لليهود. قال الله فعسى الله أن يأتي بالفتح حينئذ.
وفي تفسير الكلبي في هذه الآية: إنها نزلت وقد علم الله أن المؤمنين برآء من ولاية اليهود والنصارى. قال: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} يعني المنافقين {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} أي في مودة اليهود، فجاء الله بالفتح فنصر نبيَّه، وجاء أمر الله من عنده، فأجلى بني النضير، وقتل بني قريظة وسبى ذراريهم، فندم المنافقون حين باينُوا بنفاقهم وأظهروه للمؤمنين. ولما أجلى بني النضير وأجلى أهل ودّهم عن أرضهم فعند ذلك قال الذين آمنوا بعضهم لبعض: {أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ}.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الكَافِرِينَ}. هو كقوله: {أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.
قال بعضهم: أنزل الله هذه الآية وقد علم أنه سيرتد مرتدون. فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد الناس عن الإِسلام إلا أهل ثلاثة مساجد، مسجد المدينة ومسجد (1/480)
صفحة 479
مكة ومسجد جواثا من عبد القيس من البحرين فقالوا: أما الصلاة فنصلّي وأما الزكاة فوالله لا نعطي أموالنا. فكُلِّم أبو بكر أن يتجاوز عنهم وأن يخلّي عنهم وقيل له: إنهم لو قد فُقِّهوا أعطوا الزكاة طائعين. فأبى أبو بكر وقال: لا أفرِّق بين اثنين جمع بينهما الله وجمع بينهما رسوله: الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عِقَالاً مما فرض الله ورسوله لقاتلناهم عليه.
وذكروا أن أبا بكر إنما قال: لو منعوني عقالاً مما فرض الله ورسوله أنه من وجب عليه في الزكاة بعير وجب عليه أن يعطي مع البعير عقالاً. فبعث الله عصابة مع أبي بكر فقاتلوا على ما قاتل عليه نبيُّ الله حتى أقروا بالماعون، وهي الزكاة المفروضة.
ثم إن وفود العرب أتوه بعد ذلك فخيّرهم بين حرب مُجْلِية أو خطة مُخْزِية فاختاروا الخطة المخزية؛ وكانت أهونَ عليهم أن يشهدوا أن قتلاهم في النار وأن قتلى المسلمين في الجنّة؛ وأن ما أصابوا من مال المسلمين فرَدٌّ عليهم، وأن ما أصاب المسلمون من أموالهم فهو لهم حلال.
قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}. قال الحسن: هو كقوله: {وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] وكقوله: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا} [البقرة: 257] وكقوله: {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196].
قال الكلبي: بلغنا أن عبد الله بن سلام ورهطاً من مسلمي أهل الكتاب أتوا النبي عند صلاة الظهر فقالوا: يا رسول الله، إن بيوتنا قاصية، ولا نجد متحدثاً دون (1/481)
صفحة 480
المسجد، وإن قومنا لما رأونا قد قصدنا الله ورسوله وتركناهم ودينهم أظهروا لنا العداوة، وأقسموا ألا يخالطونا ولا يجالسونا، فشق ذلك علينا. فبينما هم يشكون ذلك إلى النبي إذ نزلت هذه الآية، فلما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: رضينا الله ورسوله والمؤمنين أولياء. وأذن بلال بالصلاة. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بين قائم وراكع وساجد.
قوله: {وَمَن يَّتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ} قال الحسن: يعني أنهم منصورون على المشركين.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ}. يعني بالكفار هنا مشركي العرب {وَاتَّقُوا اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
قوله: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} قال الكلبي: إذا نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة قال اليهود والمشركون: قد قاموا، وإذا ركعوا وسجدوا استهزأوا بهم وضحكوا فقال الله لنبيه عليه السلام:
{قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن (1/482)
صفحة 481
قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ}؛ قال الحسن: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} يقول: بفسقكم نقمتم ذلك علينا.
ثم قال: {قُلْ هَل أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ} أي ثواباً عند الله {مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ والْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} قال الحسن: جعل الله ذلك بما عبدوا الطاغوت، يعني الشيطان، يذكرهم بأمر قد علموه من أصحابهم الأوّلين. قوله: {أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً} أي في الآخرة لأنهم في النار {وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ} أي: عند قصد الطَّريق.
قوله: {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} قال الكلبي: هؤلاء منافقو أهل الكتاب، كانوا إذا دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا آمنا، وقد دخلوا حين دخلوا على النبي كفاراً، وخرجوا من عنده وهم كفار لم ينتفعوا بما سمعوا منه بشيء، وهم من اليهود. قال: {وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ} أي: كانوا يكتمون دين اليهود.
وقال بعضهم: هم أناس من اليهود كانوا يدخلون على النبي فيخبرونه أنهم مؤمنون راضون بالذي جاء به، وهم مستمسكون بضلالتهم بالكفر، فكانوا يدخلون بذلك ويخرجون به من عند نبي الله.
قوله: {وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ} يعني اليهود {يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالعُدْوانِ} [يعني المعصية والظلم] {وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} يعني أخذهم الرشوة على الحكم {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يعني حكامهم وعلماءهم.
قال: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ} أي هلا ينهاهم {الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} يعني أخذهم الرشوة. قال الحسن: الربّانيون علماء الإِنجيل والأحبار علماء أهل التوراة. وهو تفسير مجاهد. (1/483)
صفحة 482
وقال الكلبي: الربّانيّون العلماء والفقهاء، والأحبار من كان من ولد هارون. فعاب بذلك الرّبانيين والأحبار فقال: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ}.
وقال بعضهم: الربّانيون العباد، والأحبار العلماء. ذكر بعضهم قال: كان هذا في حكام اليهود بين أيديكم ولا ينهاهم الربّانيون والأحبار. {لَبِئسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}.
قال الحسن: لبيس ما كانوا يصنعون حين سارعوا في الإِثْم والعدوان وأكلهم السحت، أي: الرشوة؛ وبيس ما صنع الربّانيون والأحبار حين لم ينهوهم عن ذلك.
قوله: {وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ}. قال بعضهم: قالوا: بخيل غير جواد، لِمَ يستقرضنا؟ قال الكلبي: كانوا من أخصب الناس وأكثرهم خيراً، فلما عصوا الله وبدّلوا نعمة الله كفراً كَفَّ الله عنهم بعض الذي كان بسط لهم، فعند ذلك قالت اليهود: كفّ الله يده عنا، فهي مغلولة. ولم يقولوا: مغلولة إلى عنقه، ولكن قالوا عن قول الله للنبي عليه السلام: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} أي فلا تنفق شيئاً {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ} [الإِسراء: 29]، وذلك أن ينفق في معصية الله. قال الكلبي: وكذلك قالت اليهود: {يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ} فلا يبسطها علينا بشيء.
وقال مجاهد: قالوا: لقد تحمّدنا الله بقوله: يا بني إسرائيل، حتى جعل يده إلى نحره وكذبوا.
قوله: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} قال الحسن: غلّت أيديهم في النار. (1/484)
صفحة 483
قوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} أي جواد، مبسوطتان، أي: بالنفقة ينفق كيف يشاء، وهو مثل قوله: {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الرعد: 26].
قولبه: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} وهم اليهود من بعد ما تبيّن لهم فكفروا به. وقال بعضهم: حملهم حسد محمد والعرب على أن كفروا به وهم يجدونه مكتوباً عندهم.
قال: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ} يعني اليهود والنصارى. {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ} قال الحسن ومجاهد: {لِّلْحَرْبِ} يعني حرب محمد. قال الحسن: فأذلَّهم الله ونصره عليهم.
قال الكلبي: كلما مكروا مكراً أطفأ الله نار مكرهم. وقال بعضهم: أولئك اليهود، فلم تجد اليهود ببلد إلا وجدتهم أذلَّ أهله. لقد جاء الإِسلام حين جاء وهم تحت أيدي المجوس، أبغض خلق الله إليه، نقمة وتصغيراً لهم بأعمالهم، أعمال السوء.
قال: {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللهُ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ} يعني يدعون فيها إلى خلاف دين الله وهم يعلمون ذلك.
ثم قال: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ ءَامَنُوا وَاتَّقُوْا}. قال بعضهم: لو آمنوا بما أنزل الله واتقوا ما حرّم الله {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} قال بعضهم: إذاً لأعطتهم السماء قطرها، أو قال: بركتها، والأرض نباتها.
وقال الحسن: لأوسعنا لهم في الرزق بهذا المطر. وهو قوله: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ، [أي على الإيمان]، لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً} [الجن: 16] أي رَوَاء. وكقوله: {فَقُلْتُ استْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً} [نوح: 10 - 11]. وإقامتهم التوراة والإِنجيل أن يؤمنوا بمحمد وما جاء به، لأنهم قد أمروا بذلك في كتابهم. (1/485)
صفحة 484
قوله: {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} أي متَّبعة، يعني من آمن من أهل الكتاب برسول الله وبما جاء به. قال: {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} يعني من ثبت منهم على اليهودية والنصرانية.
قوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}. ذكروا عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمداً نقص شيئاً من الوحي لم يخبر به فقد أعظم على الله الفرية؛ لأن الله يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}.
قوله: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} أي فلا يصلون إليك حتى تبلغ عن الله الرسالة {إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ} وقال في سورة بني إسرائيل: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} [الإسراء: 60] أي فلا يصلون إليك حتى تبلغ عن الله الرسالة.
وقال الحسن: إن رسول الله شكا إلى ربه ما يلقى من قومه فقال: «يا رب إن قومي خَوَّفوني فأعطني من قبلك آية أعلم أني لا مخافة علي» فأوحى إليه أن يأتي وادي كذا وكذا فيه شجرة، فليدع غصناً منها يأته. فانطلق إلى الوادي فدعا غصناً منها فجاء يخط في الأرض خطاً حتى انتصب بين يديه، فحبسه ما شاء الله أن يحبسه، ثم قال له: ارجع كما جئت، فرجع. فقال رسول الله: «علمت يا رب ألا مخافة علي». (1/486)
صفحة 485
قوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ والإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَبِّكُمْ} وفي إقامة التوراة والإِنجيل الدخول في دين محمد وحكمه وشريعته لأن ذلك في كتبهم. قال: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} وقد فسَّرنا ذلك في الآية الأولى. قال: {فَلاَ تَأْسَ} أي فلا تحزن {عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ} أي لا تحزن عليهم إذا لم يؤمنوا وقد أقمتَ عليهم الحجة.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} أي تهوّدوا {وَالصَّابِئُونَ} وقد فسّرنا أمرهم في سورة البقرة {وَالنَّصَارَى} أي: والذين تنصروا {مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً} يعني من آمن منهم بمحمد ودخل بيته وشريعته وحكمه. {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.
قوله: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} قد فسَّرنا أمر الميثاق في سورة آل عمران. {وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} يعني أوليهم. هو مثل قوله: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ} [البقرة: 61].
قوله: {وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ}. قال الحسن: حسبوا ألا يكون بلاء. وتفسير عمرو عن الحسن: وحسبوا ألاَّ يُبتلوا في الدين، أي يجاهدون فيه وتفرض عليهم الطاعة فيه لمحمد. قال: {فَعَمُوا وَصَمُّوا} يعني الذين حسبوا ألا تكون فتنة، {عَمُوا وَصَمُّوا} أي عن الهدى. {ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ} أي جعل لهم متاباً فاستنقذهم بمحمد صلى الله عليه وسلم {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} يعني من كفر منهم.
ذكر بعضهم قال: {فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا} قال: كلَّما عرض بلاء وابتلوا هلكوا فيه. قال: {وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}.
قوله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ المَسِيحُ يَا بَنِي (1/487)
صفحة 486
إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}.
{لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} قال بعضهم: قالوا: عيسى إله، وأمه إله والله إله، وقد فسّرنا أصناف النصارى الثلاثة في سورة آل عمران.
قال الله: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. أي موجع، يعني من ثبت على الكفر منهم.
قال: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. مَّا المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ} أي فكيف يكونان إلهين، وهما مخلوقان محتاجان إلى الغذاء لأنهما لا يقومان إلا به، ولا يبقيان إلا عليه. {انظُرْ} يا محمد {كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ} أي الحجج {ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} أي كيف يوفكون عقولهم، أي كيف يصرفون عنها، أي عن الآيات والحجج التي احتج الله عليهم بها.
قال: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي فلا أسمع منه ولا أعلم.
قوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ} والغلوّ مجاوزة الحق. {وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ} يعني اليهود {وَأَضَلُّوا كَثِيراً} أي ممن اتبعهم. {وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ} أي عن قصد السبيل، وهو طريق الحق والهدى.
قوله: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ}.
قال بعض المفسرين: {عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ} أي في زمان داود فمُسخوا قردةً حين (1/488)
صفحة 487
أكلوا الحيتان. وأما في زمان عيسى فَمُسِخِوا خنازير حيث قال الله: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 115]. فكفروا فمسخوا خنازير.
وقال الكلبي: لُعِنوا على لسان داود لمّا اعتدوا في السبت، دعا عليهم باللعن وقال: اللهم اجعلهم آية ومثلاً لخلقك، فأصبحوا قردة خاسئين. وأما لعنة عيسى، فمن أكل من المائدة ولم يؤمن قال عيسى حين كفروا: اللهمّ إنك قد وعدت من لم يؤمن بك وكفر بعد ما يأكل من المائدة تعذبه عذاباً لا تعذبه أحداً من العالمين. اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت؛ فأصبحوا خنازير.
قال: {كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}. وسنفسر ذلك في سورة الأعراف.
قوله: {تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ} يعني من لم يؤمن منهم. {يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي يتولون مشركي العرب. قال الله: {لَبِئسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ} [أي لأن سخط الله عليهم] {وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ}.
قال: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} قال مجاهد: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ} أي: يتَّقون الله ويتَّقون النبي، يعني المنافقين، {مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ} أي ما وادّوهم ولا ناصحوهم.
قوله: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} يعني مشركي العرب، وهم الذين كانوا بحضرة النبي من المشركين يومئذ. {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} يعني من آمن منهم وكان على النصرانية في الأصل فآمن. (1/489)
صفحة 488
قوله: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ} يعني محمداً {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا ءَامَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} أي فاجعلنا مع الشاهدين، أي مع من يشهد بما جاء به محمد أنه حق.
وقال بعضهم: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} أي مع أمة محمد الذين يشهدون يوم القيامة على الأمم أن رسلها قد بلغتها.
{وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القَوْمِ الصَّالِحِينَ} وهم أهل الجنة.
وقال الكلبي: في قوله: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} قال: هم أربعون رجلاً آمنوا بالنبي عليه السلام من النصارى: اثنان وثلاثون رجلاً من الحبشة، وثمانية من رهبان الشام. فلما رجعوا إلى أرضهم لامهم قومهم وقالوا: تركتم ملة عيسى ودين آبائكم، فردوا عليهم وقالوا: {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القَوْمِ الصَّالِحِينَ}.
قال الله: {فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} أي: في الجنة {وَذَلِكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ} أي أهل النار.
وقال بعضهم: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً}. قال: هم أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى؛ فلما بعث الله محمداً صدّقوه وآمنوا به، فأثنى الله عليهم ما تسمعون. وقال في القصص: {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} [القصص: 54] أي بإيمانهم بعيسى وإيمانهم بمحمد عليهما السلام.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ}. (1/490)
صفحة 489
ذكروا عن الحسن أن ثلاثة من أصحاب النبي عليه السلام جعل أحدهم على نفسه ألا ينام أبداً، وجعل الآخر على نفسه ألا يفطر نهاراً أبداً، وجعل الآخر على نفسه ألا يغشى النساء أبداً [وكان عثمان بن مظعون ممن جعل على نفسه ألا يغشى النساء. وكانت امرأته تأتي أزواج النبي في شارة حسنة وريح طيبة. فلما جعل عثمان على نفسه ما جعل أتتهن على غير تلك الشارة، فأنكرن عليها، فقالت: إنما تصنع المرأة لزوجها وإن فلاناً وفلاناً جعلوا على أنفسهم كذا وكذا. فلما جاء رسول الله ذكرن ذلك له، فغضب وبعث إليهم فقال: «ألم أحدّث عنكم بكذا وكذا؟» قالوا: بلى] قال: «لكني أنا أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأغشى النساء وأدع، فمن رغب عن سنتي فليس مني» فاستغفر القوم من ذلك وراجعوا أمرهم الأول.
وفي تفسير عمرو عن الحسن: {لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا} فإن ذلك اعتداء.
قوله: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنَونَ}. قال بعضهم: ذكر لنا رجالاً من أصحاب النبي عليه السلام رفضوا النساء واللحم وأرادوا أن يتخذوا صوامع. فلما بلغ ذلك نبي الله قال: ليس في ديني ترك النساء واللحم ولا اتخاذ الصوامع.
قوله: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. (1/491)
صفحة 490
ذكروا عن جعفر بن أبي وحشية قال: قلت لسعيد بن جبير: قول الله: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} أهو الرجل يحلف على الشيء وهو يرى أنه كذلك فلا يكون كذلك؟ قال: لا، ولكنه تحريمك ما أحلّ الله لك في يمينك، فذلك الذي لا يؤاخذك الله بتركه.
وقال الحسن وغيره: هو الشيء يحلف عليه الرجل وهو يرى أنه كذلك فلا يكون كذلك.
ذكروا عن عطاء أنه قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة فسألناها عن هذه الآية فقالت: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله.
{وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ} أي: ما حلفتم فيه معمّدين. وقال بعضهم: ما تعمّدت فيه المأثم فعليك فيه الكفارة.
قال: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رََقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
ذكروا عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الرحمن لا تسأل الإِمارة، فإنك إن تُعْطِهَا عن مسألة تُكَلْ إليها، وإن تُعْطَهَا عن غير مسألة تُعَن عليها. وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأْت الذي هو خير وكفر عن يمينك».
ذكروا عن الحسن أنه قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه إلاَّ طلاق أو عتاق. (1/492)
صفحة 491
قوله: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}، أي يشبعهم. إن شاء أعطى كل إنسان منهم مدّين قمحاً، وإن شاء مدّاً واحداً وإن شاء جمعهم على ثريد بخبز ولحم، أو خبز وسمن، أو خبز وزيت، أو خبز ولبن؛ إن شاء غَداء وعَشاء، وإن شاء أكلة واحدة غَداء أو عَشاء؛ وإن كانوا صغاراً فغداء وعشاء. وإن لم يجد عشرة مساكين جميعاً أطعم من وجد منهم اليوم، ثم أطعمهم غداً، ثم أطعمهم بعد غد حتى يتموا عشرة.
وأما قوله: أو كسوتهم فإن شاء كسا كل واحد منهم ثوبين وإن شاء ثوباً واحداً. وقال بعضهم: إن كسا ثوباً واحداً كان ثوباً جامعاً كساء وملحفة.
وذكر الحسن أن أبا موسى الأشعري كسا في كفارة اليمين لكل مسكين ثوبين معقدين من معقد البحرين.
وبه كان يأخذ الحسن.
قوله: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} إن شاء أعتق رقبة صغيرة أو كبيرة، وإن كانت من أهل الكتاب فلا بأس.
قوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} أي: فمن لم يجد من هذه الأشياء الثلاثة شيئاً من الإِطعام أو الكسوة أو العتق فهو في ذلك مخيّر يفعل أيَّ ذلك شاء. وكل شيء في القرآن أو، أو، فهو في ذلك مخيّر، وكل شيء في القرآن كذا وكذا، فمن لم يجد فكذا وكذا، فمن لم يستطع فكذا وكذا فإنه يبدأ بالأول فالأول.
قوله: {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ}. أي: متتابعة، وهي في قراءة عبد الله بن مسعود: (ثَلاَثَةِ أَيِّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ).
قال: {ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي لكي تشكروا نعمة الله.
ذكر بعضهم قال: الأََيمان أربعة: يمينان تكفران، ويمينان لا تكفّران فأما اللتان تكفّران [فهو أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل، أو يقول: والله لأفعلن ثم لا يفعل، (1/493)
صفحة 492
وأما اللتان لا تكفران] فالرجل يقول: والله ما فعلت وقد فعل، والرجل يقول: والله قد فعلت ولم يفعل ذلك.
ذكروا عن ابن عباس أن رجلين تخاصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلف المدَّعِيَ البينةَ فلم تكن له بينة، فاستحلف المدَّعى عليه بالله الذي لا إله إلا هو، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندي حق. فنزل جبريل فقال له: قل له يرد على الرجل حقّه، وكفارته شهادته أو معرفته أن لا إله إلا الله.
قال بعضهم: إنما تكون الكفارة في المستقبل إذا حلف أن يفعل أو لا يفعل؛ فإذا أخبر عما مضى فليس عليه كفارة، وإن كان لم يتعمد فليس عليه فيه مأثم، فإن تعمّد الكذب فهو آثم، وليس على واحد منهما كفارة، ولكن يستغفر الله ولا يعود.
وذكروا عن الحسن في الرجل يقول للرجل؛ والله لتفعلن ويقول الآخر: والله لا أفعل فلا يفعل، فليس على أحد منهما كفارة؛ يقول: إنما تكون الكفارة عليه إذا حلف على نفسه، وأما إذا حلف على غيره فلا كفارة. وليس ينبغي أن يحلف على الغير أن يفعل أو لا يفعل حتى يقول: إن شاء الله؛ وهو قوله: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ} [الكهف: 23 - 24] أي: تقول: إن شاء الله.
وكان بعضهم يقال: إذا استثنى في اليمين قبل أن يتكلّم بَينهما بشيء فله ثنياه. (1/494)
صفحة 493
ذكروا عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن استثنى فله ثنياه».
وقال بعضهم: ليس الاستثناء بشيء حتى يجهر باليمين.
وسئل بعضهم عن الرجل يحلف على الشيء الواحد فقال: كفارة واحدة. وكان الحسن يقول ذلك. وقال أبو عبيدة: إن جمع فكفارة واحدة وإن فرّق فلكل يمين كفارة.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
أما الميسر فهو القمار كله. والأنصاب هي أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. والأزلام القداح، وهي السهام. كان أحدهم إذا أراد سفراً أخذ قدحين فقال: هذا يأمرني بالخروج، وهذا يأمرني بالمقام، مكتوب عليهما هذا. والمنيح بينهما؛ فأيهما خرج عمل به. وأما ذكر الخمر في هذه الآية ففيها نزل تحريم الخمر، وقد فسّرناه في سورة البقرة.
قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشِّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} كانوا إذا شربوا الخَمر فسكروا عدا بعضهم على بعض فكانوا يتقامرون حتى لا يبقى لأحدهم شيء. فكان يورث ذلك بينهم عداوة.
وقال بعضهم: الميسر القمار كله. قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم نهى عن اللعب بالكعبين، وقال: «هو ميسر العجم».
وكان الرجل في الجاهلية يقامر على عز ماله وأهله فيقعد حزيناً سليباً ينظر إلى ماله في يد غيره، فكانت تورث بينهم عداوة فنهى الله عن ذلك. (1/495)
صفحة 494
قوله: {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَل أَنتُم مُّنتَهُونَ}. كان أنزل في سورة البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة: 219] فذمّها في هذه الآية وهي يومئذ حلال. وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال: «إن الله يقرب في تحريم الخمر» ثم نزلت أية أشدّ منها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]. فكانوا يشربونها حتى إذا حضرت الصلاة أمسكوا. وكان السكر عليهم منها حراماً، وأحل لهم ما سوى ذلك. ثم جاء تحريمها في هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [فجاء تحريم الخمر قليلها وكثيرها ما أسكر منها وما لم يسكر].
ذكر بعضهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر ثم لم يسكر أعرض الله عنه أربعين ليلة، ومن شرب الخمر ثم سكر لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً أربعين ليلة، فإن مات فيها مات كعابد الأوثان، وكان حقاً على الله أن يسقيه الله من طينة الخبال» قيل يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: «عصارة أهل النار في النار: القيح والدم».
قوله: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلاَغُ المُبِينُ}.
{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا (1/496)
صفحة 495
وَّءَامَنُوا}. قال بعضهم: شربها القوم على تقوى من الله وإحسان، وهي يومئذ لهم حلال، ثم حرمت بعدهم، فلا جناح عليهم فيما شربوا قبل التحريم وقال السدي: {فِيمَا طَعِمُوا} أي فيما شربوا، يعني الحي منهم والميت قبل تحريمها. {ثُمَّ اتَّقَوا وَّءَامَنُوا} أي صدقوا بتحريمها {ثُمَّ اتَّقَوا} أي اتقوا شربها {وَّأَحْسَنُوا} العمل بعد تحريمها فلم يشربوها، ومن فعل ذلك فهو محسن. {وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} أي الذين يأخذون بالسنة.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ} أي ليختبرنَّكم الله {بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} قال مجاهد: رماحكم ونبالكم تنال كبير الصيد، وأيديكم تنال صغير الصيد أخذاً. قوله: {لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْد ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قال مجاهد: إن قتله ناسياً لإِحرامه غير متعمد لقتله فعليه الجزاء. وإن قتله ذاكراً لإِحرامه غير متعمد لقتله فعليه الجزاء. وإن قتله ذاكراً لإِحرامه متعمّداً لقتله فله عذاب أليم، لكن ليس عليه الجزاء. قال الحسن: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} أي بعد التحريم [وصاد] في الإِحرام فله عذاب أليم.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النِّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً}.
كان الحسن يقول: حكم الحكمين ماض أبداً. وقد يحكم الحكمان بما حكم به رسول الله، ولكن لا بد أن يحكما.
ذكروا عن الحسن وعطاء أنهما قالا: إذا أصاب الرجل صيداً حكم عليه مثل من النعم، فإن لم يجد قوّم وَرِقاً، ثم قوّم طعاماً ثم صام لكل مد يوماً في قول عطاء وقال الحسن: لكل مدين يوماً.
وقال بعضهم: يحكمان في النعم، فإذا كان صيداً لم يبلغ النعم حَكَمَا طعاماً (1/497)
صفحة 496
وصوماً. قال سعيد بن جبير: يحكمان في النعم، وإنما الطعام والصوم فيما لم يبلغ ثمن النعم. والصوم فيه من ثلاثة أيام إلى عشرة أيام.
ذكروا أن عمر بن الخطاب جعل في الظبي شاة، وفي الضبع كبشاً، وفي الأرنب عناقاً وفي اليربوع جفرة.
ذكر أبو يزيد المدني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل في الضبع كبشاً. وقال عطاء: في الضبع كبش نجدي. ذكر أبو المليح أن عمر بن الخطاب جعل في الظبي شاة عفراء. ذكر أبو المليح الهذلي أن عبد الله بن مسعود قال: في النعامة بدنة.
ذكروا أن رجلاً قال لعبد الله بن عمر: أصبت ولد أرنب وأنا محرم، قال: يا عمر، قل فيها. قلت: أنت أحق أن تقول. قال: أجل، ولكن الله يقول: يحكم به ذوا عدل منكم، فقلت: ولد شاة، فقال: ولد شاة.
ذكر بعضهم قال: في البقرة الوحشية بقرة. ذكروا عن عطاء أنه قال في رجل أصاب بقرة نتوجاً، فقال: فيها بقرة نتوج حامل. وذكروا عن عطاء في رجل أصاب ظبية والداً، فقال: فيها شاة والد.
ذكر بعضهم قال: يحكم عليه في الخطأ والعمد، وهو قول العامة. تفسيرهم على أنه ذاكر لإِحرامه، وإن كان قتله خطأ؛ ويوجبون أيضاً على من قتل ناسياً لإِحرامه الجزاء. (1/498)
صفحة 497
قال بعضهم: يحكم عليه حيث أصابه. ذكروا عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: يؤكل من الهدي إلا من جزاء الصيد، أو فداء أو نذر.
قوله: {لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} أي عقوبة فعله. {عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ}. ذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لا جزاء دون نقمة الله. ذكروا عن عطاء بن السايب عن شريح قال: يحكم عليه كلما عاد. ذكروا عن سعيد بن جبير قال: يحكم عليه كلما عاد.
قال بعضهم: إن كان أصابه خطأ يحكم عليه كلما عاد، وإن كان أصابه عمداً ترك والنقمة. وقال بعضهم: ذكر لنا أن رجلاً عاد فبعث الله عليه ناراً فأكلته. قوله: {وَاللهُ عَزِيزٌ} قال عزيز في نقمته {ذُو انتِقَامٍ}.
قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ}. ذكر عمرو عن الحسن أنه كان لا يرى بأساً أن يصيد المحرم الحيتان. وسئل الزهري عن ذلك فقال: لا بأس به. قوله: {وَطَعَامُهُ} يعني بطعامه ما قذف وكان ابن عمر يقول ذلك.
قوله: {مَتَاعاً لَّكُمْ} أي بلاغاً لكم {وَلِلسَّيَّارَةِ} أي للمسافرين. قال بعضهم: {مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} هو السمك المملوح الذي يتزوّده الناس لأسفارهم.
قوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.
ذكروا عن أبي هريرة أنه قال: استفتاني قوم بالبحرين على لحم صيد صاده حلال، أيأكله المحرم؟ فأفتيتهم بأكله. فبلغ ذلك عمر بن الخطاب. فلما قدمت قال (1/499)
صفحة 498
لي، ما أفتيت به القوم، فأخبرته، فقال: لو أفتيت بغير هذا لأوجعتك ضرباً؛ وقال: إنما يحرم عليك صيده، أي: أن تصيده.
ذكروا أن عثمان بن عفان لما نزل بقديد أوتي بالحجل في الجفان، فقال: كلوا، ولم يأكل وقال: لولا أظن أنه صِيدَ من أجلي أو أميت من أجلي لأكلته.
ذكروا عن جابر بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صيد البر لكم حلال إلا ما صدتم أو صيد لكم» يعني في الإِحرام.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى إليه أعرابي بيضات نعام و [رجل] حمار وحشي فقال: «أطعمهم أهلك فإنا قوم حُرُم».
ذكر عكرمة عن ابن عباس أنه كان يكرهه ويقول: هي مبهمة، أي قوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً}.
قوله: {جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ}. ذكروا عن الحسن قال: ما يزال الناس على دين ما حجوا البيت واستلموه. ذكروا عن ابن عباس أنه قال لو تركوا هذا البيت عاماً واحداً ما مطروا. (1/500)
صفحة 499
قوله: {وَالشَّهْرَ الحَرَامَ} الأشهر الحرم الأربعة دائم تحريمها إلى يوم القيامة.
قوله: {وَالهَدْيَ وَالقلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
قال بعضهم: كانت هذه في الجاهلية حواجز. قال: كان الرجل لو جرّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يُتناول. وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يمسَّه. وكان الرجل لو لقي الهدي مقلّداً وهو يأكل العصب من الجوع لم يسمَّه. وكان الرجل إذا أراد البيت الحَرامَ تَقلَّدَ قِلادةً من شعَر حتى يبلغ مكة. وإذا أراد أن يصدر من مكة تقلّد قلادة من لِحَاء السَّمُر أو من الإِذخر فتمنعه حتى يأتي أهله.
ذكروا عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلَّدَ هديه نعلين. وقد فسّرنا أمر القلائد قبل هذا الموضع. ذكروا عن عائشة بنت سعد أن أباها كان يقلد هديه نعلاً.
قوله: {إِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ} أي لمن أراد أن ينتقم منه {وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قوله: {مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاَغُ} كقوله: {وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاَغُ} [آل عمران: 20] ثم قال: {وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ}.
قوله: {قُل لاَّ يَسْتَوِي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} يعني الحلال والحرام {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ} أي كثرة الحرام {فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} يا ذوي العقول {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. أي لكي تفلحوا.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}.
قال الحسن: سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكثروا حتى غضب غضباً شديداً. وسألوه عن أمور الجاهلية التي قد عفا الله عنها، قال: «سلوني، فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به إلى يوم القيامة»، حتى أتى رجل فقال يا رسول الله من أبي؟ (1/501)
صفحة 500
فقال: «أبوك حذافة» ذكروا عن أنس بن مالك أن ابن حذافة بن قيس هو الذي سأله: من أبي، فقال: أبوك حذافة. قال الحسن: فأتاه رجل فقال: أين أنا يا رسول الله فقال: «أنت في النار».
فلما رأى عمر بن الخطاب الجواب قام فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، رضينا بالله رباً وبالإِسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، ونعوذ بالله من شر عاقبة الأمور. فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ}. . . إلى آخر الآية.
ذكروا عن سلمان الفارسي أنه قال: ما أحل الله فهو حلال، وما حرّم الله فهو حرام، وما سكت عنه فقد عفا عنه. قال الحسن: ثم قال الله:
{قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} ذكروا عن الحسن أن رجلاً قال: يا رسول الله، قول الله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ} [آل عمران: 97] أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: «والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ولو تركتموها لكفرتم، فذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم أنبياءهم واختلافهم عليهم. وما أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، أو فأتموه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا» وزاد فيه بعضهم: عن الحسن عن النبي عليه السلام: «إنما هي حجة وعمرة فمن قضاهما فقد قضى الفريضة أو قضى ما عليه، فما أصاب بعد ذلك فهو تطوّع» وبعضهم يقول: وفي هذا أنزلت هذه الآية. (1/502)
صفحة 501
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعظم الناس في المسلمين جرماً من سأل عن مسألة لم تكن فحرمت من أجل مسألته لم تكن قبل ذلك حراماً» ذكروا عن عمر بن الخطاب أنه قال: أحرّج بالله على كل امرىء سأل عما لم يكن فإن الله قد بيّن فيما هو كائن.
قوله: {مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} ذكروا عن أبي الأحوص أنه قال: كان هذا فينا معشر قريش؛ البحيرة التي يقطع أطراف آذانها، والسائبة التي كانوا يسيّبونها لآلهتهم، والوصيلة الشاة تلد سبعة أبطن السابع جدياً وعناقاً فيقولون: قد وصلت، وسمعت بعضهم يقول: قد وصلت أخاها، فيتركونها، والحام: الجمل يَضرِب لصلبه العشرةُ من ولده فيقولون: حمى ظهره، فيُترك فلا يُزمّ ولا يُخطَم ولا يُركب ولا يُرَد عن حوض الماء حتى يموت.
قال بعضهم: كانت البحيرة من الإِبل، كانت الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن نظر إلى البطن الخامس فإن كان سقباً أكله الرجال دون النساء، وإن كان ميتة اشترك فيه ذكرهم وأنثاهم. وإن كانت هي أنثى فتُبَتَّك أذنها، وتركت، فلم يُجزّ لها وبر، ولم يُشرب لها لبن، ولم يُركب لها ظهر، ولم يُذكر لله عليها اسم. وكانت السائبة، يسيّبون ما بدا لهم من أموالهم فلا تمنع من مرعى ترعى فيه. ولا من حوض تشرع فيه. وكانت الوصيلة من الشاء؛ كان الرجل إذا أنتج سبعة من غنمه نظر إلى البطن السابع (1/503)
صفحة 502
فإن كان ذكراً ذُبح وكان للرجال دون النساء، وإن كان ميتة اشترك فيه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت، وإن جاءت بذكر وأنثى جميعاً قيل: قد وصلت أخاها، فمنعته الذبح. وكان الحامي إذا ركب من ولد ولده الفحل عشرة قيل له حام، حمى ظهره فلا يُزم ولا يُخطم ولا يُركب.
وقال الحسن: هو مثل قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59].
قوله: {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}. قال بعضهم: لا يعقلون تحريم الشيطان الذي حرِّم عليهم.
قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا} وهم مشركو العرب، يعنون ما وجدوا عليه آباءهم من الشرك وعبادة الأوثان. قال الله: {أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} أي يطيعونهم ولو كانوا لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ} أي: إذا لم يُقبل منكم {لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} ليس هذا في ضلال الكفر، ولكن في ضلال عن الحق في الإِسلام. {إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
ذكر عن الحسن أنه قرأ هذه الآية فقال: اللهم لك الحمد عليها وعلى أشباهها.
وعن [الحسن قال: قرئت هذه الآية عند] عبد الله بن مسعود فقال: [ليس هذا بزمانها] قولوها ما قُبِلت منكم، فإذا ردّت عليكم فعليكم أنفسكم.
ذكر أبو مازن قال: قدمت المدينة في حياة عثمان بن عفان، فرفعت إلى حلقة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا رجل من القوم هذه الآية. فقال رجل من أسنِّ (1/504)
صفحة 503
القوم: دع هذه الآية فإنما تأويلها في آخر الزمان. قال بعضهم: قد جاء تأويلها. [إذا] أقبل رجل على نفسه ولها من الناس إلا بخير.
ذكر شيخ من أهل دمشق قال: كنا قعوداً بالجابية في مجلس فيه كعب وأبو الدرداء. فجاءهم رجل فسلّم ثم جلس فقال: رأيت أمراً كرهته لله. إن صاحبه لخليق أن يعاقَب ويُنكل. فقال رجل من القوم: أقبل على نفسك ودع الناس عنك، إن الله قال في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} فقال كعب: لا تطعه، ذبّ عن محارم الله ذَبَّك عن عَيْبتك حتى يقع تأويل هذه الآية. فقال أبو الدرداء: متى يقع تأويلها؟ فقال: إذا رأيت كنيسة دمشق هدمت وبني مكانها مسجد فذاك من تأويلها، وإذا رأيت العصب فذاك من تأويلها، وإذا رأيت الكاسيات العاريات فذلك من تأويلها.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ (1/505)
صفحة 504
اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} وفي هذه الآية تقديم: يا أيها الذين آمنوا إذا حضر أحدكم الموت فأشهدوا ذوي عدل منكم.
قال الحسن أي: من المسلمين، من العشيرة، لأن العشيرة أعلم بالرجل وبولده وماله، وأجدر ألا ينسوا ما يشهدون عليه. فإن لم يكن من العشيرة أحد، فآخران من غيركم، أي من غير العشيرة.
قال: {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ المَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ} فإن شهدا وهما عدلان مضت شهادتهما، وإن ارتبتم في شهادتهما حبسا بعد صلاة العصر. وفيها تقديم؛ ثم تحبسونهما من بعد الصلاة إن ارتبتم. قال الحسن: ولو كانا من غير أهل الصلاة ما حلفا دبر الصلاة.
قال: {فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الآثِمِينَ} فتمضي شهادتهما.
{فَإِنْ عُثِرَ} أي اطلع {عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً} أي شهدا بزور، ردت الأشياء على الورثةَ الشاهدين، وهو قوله: {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ} يعني من الورثة {فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ}.
قال الله: {ذَلِكَ أَدْنَى} [أي أجدر] {أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ}.
قال الحسن: أراد الله أن ينكل الشهود بعضهم على بعض، ولم تكن عند الحسن منسوخة.
ذكر عبد الله بن عون قال: قلت للحسن: هل نسخ من المائدة شيء. قال: لا. (1/506)
صفحة 505
ذكروا عن الحسن قال: كان المسلمون أمروا أن يُشهدوا من عشائرهم، ثم رخص لهم بعدُ أن يشهدوا من غير عشائرهم.
قال بعضهم: هذا رجل مات بغربة من الأرض في غير عشيرته، وأوصى بوصية، وأشهد عليها رجلين. فإن ارتيب في شهادتهما استُحْلِفا بعد العصر؛ وكان يقال: وعندها تصير الأَيْمان. {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً} قال: فإن اطُّلِعَ منهما على خائنة أنهما كذبا أو كتما، أو جاء شاهدان يشهدان بغير ما شهدا به. أجيزت شهادة الآخرين وأبطلت شهادة الأولين. قال الله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي ذلك أحرى أن يصدقوا فيها وأن يخافوا العَقِب.
ذكروا عن عطاء بن السائب في قوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي من أهل الكتاب.
وقال الكلبي: إن رجلاً لبني سهم انطلق في تجارة ومعه تميم الداري ورجل آخر، وهما نصرانيان يومئذ. فلما حضر الرجلَ الموت كتب وصية ثم جعلها في ماله ومتاعه، ثم دفعه إليهما فقال: أبلغا هذا أهلي: فانطلقا لوجههما الذي توجها إليه.
وفتّشا متاع الرجل بعد موته فأخذا ما أعجبهما فيه، ثم رجعا بالمال إلى أهل الميت. فلما فتش القوم المال افتقدوا بعض ما خرج به صاحبهم معه. ونظروا في الوصية فوجدا المال فيها تاماً. فكلموا تميماً وصاحبه فقالوا: هل باع صاحبنا شيئاً أو اشترى (1/507)
صفحة 506
شيئاً فوُضِعَ فيه؟ قالا: لا. فقالوا: هل مرض فطال مرضه فأنفق على نفسه؟ فقالا: لا. فقالوا: إنا نفتقد بعض ما أبدى به صاحبنا، فقالا: لا علم لنا بالذي أبدى به ولا بما كان في وصيته، ولكنه دفع إلينا المال فبلّغناه كما هو. فرفعوا الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. فقدما فحلفا عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم دبر صلاة العصر، فخلّى سبيلهما. فاطلع على إناء من فضة منقوش مموّه بذهب عند تميم، فقالوا: هذا من آنية صاحبنا التي كانت مع صاحبنا، وقد زعمتما أنه لم يبع شيئاً ولم يشتره. قالا: لا، فإنا كنا قد اشتريناه منه فنسينا أن نخبركم به. فرفع أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ}. فقام رجلان من أولياء الميّت، يزعمان أنهما عبد الله بن عمر والمطلب بن أبي رفاعة، فحلفا بالله إن ما في وصيته حق، وإن خيانة بتميم وصاحبه. فأخذ تميم وصاحبه بما وجد في وصيته لما اطلع عليه عندهما من الخيانة لقول الله: {ذَلِكَ أَدْنَى}، أي أجدر، {أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا}. . . إلى آخر الآية.
وبعضهم يقول: هي منسوخة. لا يحلف الشاهدان اليوم؛ إن كانا عدلين جازت شهادتهما، وإن لم يكونا عدلين لم تجز شهادتهما. قال الله في سورة البقرة: 282: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} وقال في سورة الطلاق: 2: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} ولم يجعل على الشاهد أن يحلف. ولا يستوجب المدَّّعي بنفسه الحق، إن شهد له شاهدان ذوا عدل قُضِيَ له، وإن لم تكن له بيّنة استحلِف له المدعى عليه. (1/508)
صفحة 507
ذكروا عن ابن عباس في قوله: {وَءَاتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَابِ} [ص: 20] قال: البيّنة على المدَّعِي واليمين على المدَّعَى عليه.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المدعى عليه أولى باليمين إذا لم تكن بيّنة».
ذكروا أن مجاهداً قال: هو أن يموت المؤمن فيحضر موته مؤمنان أو كافران، لا يحضر غير اثنين. فإن رضي ورثته عما غابا عليه من تركته فذاك، وإلا حلف الشاهدان أنهما صادقان، فإن عثر، أي: إن وجد لطخ أو لبس أو سبة، حلف اثنان من الأوْليين من الورثة فاستحقا وأبطلا أيمان الشاهدين.
قال: {وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ} أي المشركين الذين يموتون على شركهم.
قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ} ذكروا عن مجاهد قال: تنزع أفئدتهم فلا يعلمون [ثم ترد إليهم فيعلمون] وقال الحسن: يعنون أنهم لا علم لهم بباطن أمورهم، إنما علمنا الظاهر ولم نعلم الباطن.
قوله: {إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ} قال الحسن: يقوله يوم القيامة. كقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ} [غافر: 49] أي إنهم سيقولون ذلك، وكقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} [سبأ: 33] وأشباه ذلك من كتاب الله. (1/509)
صفحة 508
قال: {إِذْ أََيَّدتُّكَ بِرُوحِ القُدُسِ} أي إذ أعنتك بروح القدس، والقدس: الله، والروح جبريل، له اسمان: جبريل والروح. {تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ} أي في حجر أمك. {وَكَهْلاً} أي كبيراً.
{وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي}. قال الحسن: الأكمه الأعمى. وقال غيره هو الأعمى الذي ولدته أمه مطموس العينين. {وَإِذْ تُخْرِجُ المَوْتَى بِإِذْنِي} قال: {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}. وقد فسّرناه في سورة آل عمران.
قوله: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحَوَارِيِّينَ} والحواريون أنصار عيسى {أَنْ ءَامِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} يعني وحيه إلى الحواريين يأمرهم أن يتبعوه {قَالُوا ءَامَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}.
قوله: {إِذْ قَالَ الحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ} قال الحسن: يقولون: هل ربك فاعل ذلك؟ وهو كلام من كلام العرب؛ ما استطيع ذلك، أي: ما أنا فاعل ذلك، وهو معروف في اللغة.
ذكروا عن عائشة قالت: هم كانوا أعلم بالله من أن يقولوا: هل يستطيع ربك، ولكن قالوا: هل يستطيع ربك، أي هل تقدر على هذا منه. (1/510)
صفحة 509
قوله: {قَالَ اتَّقُوا اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي لما سمع عيسى ذلك منهم قال: اتقوا الله إن كنتم مؤمنين.
{قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} أي وتسكن قلوبنا إذا نظرنا إلى المائدة. قال الحسن: ليس ذلك منهم على وجه الشك. وهو كقوله: {أَوَلَمْ تُؤمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} {وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا} وهم عالمون بذلك {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} أي أنها نزلت من عند الله.
{قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَِوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا} قال الحسن: يعني أول المسلمين وآخرهم. وقال مجاهد: لأولنا: لأهل زماننا، وآخرنا: من يأتي بعدنا. {وَءَايَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}.
{قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} على شرط {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ} يعني عذاب الدنيا {عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ العَالَمِينَ}. فلما اشترط عليهم كرهوا ذلك الشرط فلم ينزلها. قال بعضهم: والعامّة على أنها قد نزلت.
ذكروا عن عمار بن ياسر قال: قد نزلت: ذكروا عن سعيد بن جبير وغيره عن ابن عباس قال: قد أنزل عليهم كل شيء غير اللحم. قال بعضهم: نزل عليهم خبز وحيتان.
وقال مجاهد: المائدة طعام كان ينزل عليهم حيث نزلوا.
قوله: {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ العَالَمِينَ}. ذكر بعضهم قال: ذكر لنا أنهم لما صنعوا في المائدة ما صنعوا من الخيانة وغيرها حُوِّلوا خنازير. وذكر لنا أن المائدة كانت خواناً؛ ينزل عليهم ثمر من ثمر الجنة على خوان فيأكلون منه، فأمر القوم أن لا يخونوا فيه ولا يخبأوا ولا يدّخروا لغد. فخان القوم وخبأوا وادَّخروا لغد. قال: وهو قوله: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [المائدة: 78] أي مُسخوا في زمان داود قردة، ومسخوا في زمان عيسى خنازير.
قوله: {وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ} [يعني لبني (1/511)
صفحة 510
إسرائيل خاصة]. قال الحسن؛ يقوله يوم القيامة أأنت قلت للناس {اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ} ينزّه الله أن يكون قاله {مَا يَكُونُ لِيَ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} أي تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم أنت {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ} وقد علم الله أنه لم يقله.
{مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَن اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} وهذه وفاة الرفع إلى السماء {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} أي الحفيظ عليهم {وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}.
{إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} أي: فبإقامتهم على كفرهم {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ} فَبِتَوْبَةٍ كانت منهم {فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}.
{قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} والصادقون هاهنا هم النبيون. {يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} أي: أنهم قد بلغوا الرسالة. وهي تقرأ على وجه آخر: هذا يومٌ، منونة، يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} وقد فسّرنا الأنهار في غير هذا الموضع. {خَالِدِينَ فِيهَا} لا يموتون ولا يخرجون منها. {رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} أي الثواب. {ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ}. قال بعضهم: فازوا من النار إلى الجنة. وقال الحسن: الفوز العظيم: النجاة العظيمة.
{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ} [أي وملك ما فيهن] {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. (1/512)
صفحة 511
تفسير سورة الأنعام
وهي مكية كلها في قول بعضهم وقال الكلبي: إلا ثلاث آيات مدنيات في آخرها: {قُلْ تَعَالَوا اتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}. . . إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ لِلَّهِ} حمد نفسه، وهو أهل للحمد.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه ليس أحد أحبَّ إليه الحمد من الله ولا أكثر معاذير من الله» أي أنه قطع العذر الذي بينه وبين خلقه حتى لا يجدوا عذراً.
قوله: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} أي وخلق الظلمات والنور. الظلمات الليل، والنور ضوء النهار. قال بعضهم خلق السماوات قبل الأَرض، والنور قبل الظلمة، والجنة قبل النار.
قال: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} يعني المشركين، عدلوا به الآلهة وهي أصنامهم التي عبدوها من دون الله. (1/513)
صفحة 512
ذكروا عن كعب قال: فتحت التوراة بهذه الآية: {الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} وختمت ب {الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} [الإِسراء: 111].
قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ} قال: خلق آدم من طين، ثم جعل نسله بعد من سلالة من ماء مهين.
قوله: {ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِندَهُ} قضى أجلاً، يعني الموت، وأجل مسمّى عنده، ما بين الموت إلى البعث. فأنت يا ابن آدم بين أجلين من الله. وقال مجاهد: قضى أجلاً، أي: أجل الدنيا، وأجل مسمّى عنده، يعني الآخرة. قوله: {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} أي: تشكّون في الساعة.
قوله: {وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} أي ما تعملون. يحذرهم سرَّهم وعلانيتَهم لأنه يعلم ذلك كله.
ذكروا عن الحسن قال: اجتمع أربعة أملاك فقال أحدهم: جئت من السماء السابعة من عند ربي. وقال أحدهم: جئت من الأرض السفلى من عند ربي، وقال أحدهم: جئت من المشرق من عند ربي، وقال أحدهم: جئت من المغرب من عند ربي، ثم تلا هذه الآية: {هُوَ الأَوَّلُ وَالأَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3].
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أذن لي أن أحدّث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه خفقان (1/514)
صفحة 513
الطير مسيرة سبعمائة سنة، وهو يقول سبحانك» قال بعضهم: بلغنا أن اسمه روفيل.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتفكّروا في الله وتفكّروا فيما خلق».
قوله: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَاتِ رَبِّهِمْ} يعني القرآن {إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} يعني به مشركي العرب.
قال: {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ} يعني القرآن. {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَآءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي يأتيهم علمه في الآخرة فيأخذهم الله به ويدخلهم النار.
قوله: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} هذا على الخبر {مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ} يعني من أهلك من الأمم السالفة حين كذَّبوا رسلهم. يحذّر مشركي العرب ويخوّفهم ما أهلك به الأمم حين كذّبوا رسلهم. {وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي وخلقنا من بعدهم {قَرْناً ءَاخَرِينَ}.
قوله: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} قال بعضهم: فعاينوه معاينة ومسّوه بأيديهم. وذلك أنّهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بكتاب يقرأونه؛ قالوا لن نؤمن بك حتى تنزّل علينا كتاباً نقرأه من الله إلى فلان بن فلان، إلى كل رجل باسمه واسم أبيه أن آمن بمحمد فإنه رسولي. {لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي بيّن.
قوله: {وَقَالُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} أي في صورته. قال مجاهد: وقد قالوا (1/515)
صفحة 514
في آية أخرى: {لَوْلاَ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} [الفرقان: 7]. وفي تفسير الحسن: لولا أنزل عليه ملك، أي يأمرنا باتباعه.
قال الله: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأَمْرُ} أي بعذابهم. {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} أي لا يؤخرون بعد نزول المَلَك، لأن القوم إذا سألوا نبيَّهم الآية فجاءهم بها، ثم لم يؤمنوا، لم يؤخروا، أي أهلكهم الله. وقالوا: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} قال الله: {مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 5 - 6] على الاستفهام، أي أنهم لا يؤمنون.
وقال بعضهم: يقول: لو أنزل ملكاً فبعثناه إليهم ثم لم يؤمنوا لقضى بينهم أي العذاب والعقوبة، ثم لا ينظرون أي لا يؤخرون.
قوله: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} قال مجاهد: في صورة رجل حتى لا يعرفوا أنه ملك، ثم قال: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}.
قال بعضهم: اللبس، الخلط، أي ولخلطنا عليهم ما يخلطون، لأنهم طلبوا أن يكون ملك مع آدمي. قال: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً}، أي لجعلنا ذلك الملك في صورة آدمي، ولو فعلنا ذلك لدخل عليهم اللبس في الملَكِ كما دخلهم اللبس في أمرك.
قوله: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} فحاق بهم، أي وجب عليهم ونزل بهم استهزاؤهم، يعني عقوبة استهزائهم، فأخذهم العذاب بكفرهم واستهزائهم.
قوله: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ} كان عاقبتهم أن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار.
قوله: {قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [أي أوجبها]. (1/516)
صفحة 515
ذكروا عن الحسن أن بني إسرائيل قالوا لموسى: سل لنا ربك هل يصلي لعلنا نصلي بصلاة ربنا، فقال: يا بني إسرائيل {اتَّقُوا اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. فأوحى الله إليه: إنما أرسلتك لتبلّغهم عني وتبلّغني عنهم. قال: يا رب، يقولون ما قد سمعت: يقولون سل لنا ربك هل يصلي لعلنا نصلي بصلاة ربنا. قال: فأخبرهم أني أصلي، وَإِن صلاتي لَسَبْق رَحمتي غضبي، ولولا ذلك لهلكوا.
ذكروا عن ابن عباس في قوله: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ} [الأحزاب: 43] قال: صلاة الله هي الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار.
قوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك فيه {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}: أي خسروا أنفسهم فصاروا في النار.
قوله: {وَلَهُ مَا سَكَنَ في الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي فلا أسمع منه ولا أعلم.
{قُلْ} يا محمد {أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي خالق السماوات والأرض {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} أي يرزق ولا يُرزق. وقال في الذاريات: {وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 57] وبعضهم يقرأها: ولا يَطعَم. {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} يعني من أمته {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ}.
{قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ مَّن يُّصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ} يعني من يُّصرف عنه يومئذ عذابه {فَقَدْ رَحِمَهُ}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لن ينجي أحداً منكم عملُه»، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمَّدني الله برحمته، ولكن قاربوا وسدّدوا، واغدوا ورُوحوا، وشيء من الدُّلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا». (1/517)
صفحة 516
قوله: {وَذَلِكَ الفَوْزُ الْمُبِينُ} قد فسّرناه في غير هذا الموضع.
قوله: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ} أي بمرض {فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} أي بعافية {فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} من ذلك {قَدِيرٌ}.
{وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} قهرهم بالموت وبما شاء من أمره {وَهُوَ الحَكِيمُ} في أمره {الخَبِيرُ} بأعمال عباده في تفسير الحسن. ويقال: الخبير بخلقه، وهو واحد.
قوله: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} قال الكلبي: قال المشركون من أهل مكة للنبي: من يعلم أنك رسول الله فيشهد لك؟ فأنزل الله: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} {قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} فهو يشهد أني رسوله.
وقال مجاهد: أمر النبي أن يسأل قريشاً: {أيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً}، ثم أمر أن يخبرهم فيقول: {اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}، أي: إن لم تؤمنوا.
قوله: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُِنذِرَكُم بِهِ} قال الحسن: عذاب الله في الدنيا والآخرة. قوله: {وَمَن بَلَغَ} أي: ومن بلغه القرآن. قال بعضهم: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «يا أيها الناس، بَلِّغوا ولو آية من كتاب الله، فمن بلغه أية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذه أو تركه».
وذكر لنا أنه كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي يدعوهم إلى الله. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بلغه أنني أدعو إلى لا إله إلا الله فقد بلغته الحجة وقامت (1/518)
صفحة 517
عليه» وقال مجاهد: ومن بلغ، أي: من أسلم من العجم وغيرهم.
قوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ ءَالِهَةً أُخْرَى} وهذا على الاستفهام؛ يقول: نعم، قد شهدتم أن مع الله آلهة أخرى. {قُل لاَّ أَشْهَدُ} أن مع الله آلهة أخرى. {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}، يعني أوثانهم أشركوها بعبادة الله.
وقال الكلبي: إنما قال لهم النبي: أينكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى. قالوا: نعم، نشهد، فقال الله للنبي عليه السلام. {قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}.
ثم قال: {الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} يعني مشركي أهل مكة.
لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام: إن الله أنزل على نبيّه وهو بمكة أن أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فكيف هذه المعرفة يا ابن سلام؟ قال: نعرف نبي الله للنعت الذي نعته به إذا رأيناه كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه مع الغلمان؛ والذي يحلف به عبد الله بن سلام، لأنا بمحمد أشد معرفة مني بابني، فقال عمر: كيف ذلك؟ قال عرفته بما نعته الله لنا في كتابنا، وأشهد هو نبي الله، وأما ابني فلا أدري ما أحدثت أمه. فقال له عمر: وفَّقك الله، فقد أصبت وصدقت.
وقال بعضهم: يعرفون أن الإِسلام دين الله، وأن محمداً رسول الله. قوله: {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} يعني من كفر من أهل الكتاب.
قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} فعبد معه الأوثان {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} وهذا على الاستفهام، يقول: لا أحد أظلم منه {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} أي المشركون. (1/519)
صفحة 518
قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} يعني أوثانهم الذين يزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى، أي قربة. ذلك في أمر دنياهم ليصلحها لهم، ولا يقرّون بالبعث.
قوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ} قال مجاهد وغيره: معذرتهم، وقال الكلبي: معذرتهم وحجتهم {إِلاَّ أَن قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. قال مجاهد: قالوا ذلك حين خلدوا في النار.
قال: {انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} قال الحسن: جحدوا أنهم لم يكونوا في الدنيا مشركين. وقال بعضهم: انظر كيف كذبوا على أنفسهم باعتذارهم بالكذب والباطل {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي يشركون.
وقال الحسن: {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي: الأوثان التي عبدوها ضلّت عنهم فلم تغن عنهم شيئاً. وقال مجاهد: {انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ}: بتكذيب الله إياهم.
قوله: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمُ أَكِنَّةً} أي غُلُفاً {أَن يَفْقَهُوهُ} أي لئلا يفقهوه {وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} أي صمماً عن الهدى.
{وَإِن يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ} يعني ما سألوا النبي عليه السلام من الآيات. {لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ} ومجادلتهم أن {يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} أي كذب الأولين وباطلهم. يعنون القرآن.
وقال الكلبي: كان النضر بن الحارث أخو بني عبد الدار كثير الأحاديث عن الأعاجم. فلما حدثهم نبي الله صلى الله عليه وسلم عن القرون الأولى قال النضر: {إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}.
قوله: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} ذكروا أنها نزلت في أبي طالب؛ كان (1/520)
صفحة 519
ينهى عن النبي من يؤذيه وينأى عما جاء به، أي يتباعد عنه. وقال الحسن: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} أي عن [اتِّباع] محمد وينأون عنه أي ويتباعدون عنه فراراً {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} بذلك {وَمَا يَشْعُرُونَ} أنهم يهلكون أنفسهم بذلك.
قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ} [إلى الدنيا] {وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ}.
قال الله: {بَلْ بَدَا لَهُم} في الآخرة {مَّا كَانُوا يُخْفُونَ} ما كان يخفيه بعضهم إلى بعض {مِن قَبْلُ} إذ كانوا في الدنيا وكانوا يكذبون بالبعث.
وقال بعضهم: هم المنافقون؛ وليس تكذيبهم هذا تكذيباً بالبعث، ولكنه بالعمل الذي لم يكمّلوه، ولم يتمّوا فرائضه.
ومن قال: إنها في المنافقين فيقول: إن التكذيب تكذيبان: تكذيب بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، وهو تكذيب المشركين، والمنافقون منه برآء. وتكذيب آخر، هو تكذيب المنافقين، وهو ترك الوفاء وانتقاص الفرائض التي لا يكون أهلها مؤمنين إلا باستكمالها. فالمنافقون مكذّبون بهذه الحجة وبهذا المعنى، لا على الإِنكار والجحود، لكن على ترك الوفاء واستكمال الفرائض كان تكذيبهم.
قوله: {وَلَوْ رُدُّوا} إلى الدنيا {لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} من التكذيب {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي إنهم لم يكونوا ليؤمنوا؛ أخبر بعلمه فيهم.
{وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} أي يكذبون بالبعث.
قال: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ} الذي كنتم (1/521)
صفحة 520
تكذبون به إذ أنتم في الدنيا {قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا} فآمنوا حيث لا ينفعهم الإِيمان. {قَالَ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} أي في الدنيا.
قوله: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ} يعني الذين تقوم عليهم الساعة الدائنين بدين أبي جهل وأصحابه {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا} والتحسّر التندّم {عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} أي في الساعة إذ لم يؤمنوا بها. والتفريط هو التضييع. فآمنوا حيث لا ينفعهم الإِيمان. قال: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ} أي بئس ما يحملون، وهي ذنوبهم.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الكافر إذا خرج من قبره مثل له عمله في أقبح صورة رآها قط، أقبحه وجهاً وأنتنه ريحاً وأسوده لوناً، فيقول: من أنت، أعوذ بالله منك، فما رأيت أقبح منك وجهاً ولا أنتن منك ريحاً ولا أسود منك لوناً. فيقول: أتعجب من قبحي؟ فيقول نعم. فيقول: أنا والله عملك الخبيث. إن عملك كان والله خبيثاً. إنك كنت تركبني في الدنيا! وإني والله لأَركَبَنَّك اليوم فيركبه، فلا يرى شيئاً يَهُوله ولا يَرُوعه إلا قال: أبشر يا عدو الله، أنت والله الذي يُراد، وأنت الذي يُعنى، وهو قوله: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ}».
قوله: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [أي إن أهل الدنيا أهل لعب ولهو] كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا} [يونس: 7] ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». (1/522)
صفحة 521
قال: {وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.
قوله: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} أي إنك ساحر وإنك شاعر، وإنك كاهن وإنك مجنون {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ} يعني المشركون {بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ} أي يكذّبون.
وقال الكلبي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تظاهرت عليه قريش بالتكذيب شقَّ عليه ذلك وحزن، فأخبره الله أنهم لا يكذبونك وقد عرفوا أنك صادق، {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ}. وهي مثل قوله: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ} [النمل: 14].
قوله: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ} أي سينصرك الله ويظهر دينك كما نصر الرسل الذين كُذِّبوا من قبلك {وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِىْ المُرْسَلِينَ} أي من أخبار المرسلين أنهم قد نصروا بعد الأذى وبعد الشدائد. قال [في آية أخرى]: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ} قال الله: {أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]. فأتاهم الله بنصره.
قوله: {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} عنك وتكذيبهم إياك {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ} أي سرَباً فتدخل فيه {أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ} أي إلى السماء فترقى إليها {فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} وهذا حين سألوه الآية. قال: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِينَ} كقوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} [يونس: 99].
قوله: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ}. قال الحسن: إنما يستجيب لك الذين يسمعون الحجة فيؤمنون. كقوله: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ (1/523)
صفحة 522
بِالْغَيْبِ} [يس: 11]. قال بعضهم: المؤمن حيّ؛ حيّ القلب، حيّ النظرة، سمع كتاب الله فعقله.
قال: {وَالمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ} قال الحسن: يعني بالموتى المشركين الصمّ، بعثهم الله، يعني كل من منّ الله عليهم بالإِيمان ممن كان على الشرك؛ يبعثهم الله، أي يحييهم من شركهم حتى يؤمنوا {ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ} يوم القيامة.
وقال مجاهد: الذين يسمعون هم المؤمنون [يسمعون الذكر] والموتى هم الكفار، حتى يبعثهم الله مع الموتى [أي مع الكفار].
قوله: {وَقَالُوا لَوْلاَ} أي هلا {نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلَ ءَايَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم المشركون.
قوله: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} ذكروا أن مجاهداً قال: هم أصناف مصنّفة تعرف بأسمائها.
قوله: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} يعني من آجالها وأعمالها وأرزاقها وآثارها. أي: إن ذلك كله مكتوب عند الله. {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} أي يوم القيامة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما يدعى إلى الحساب البهائم، فتجعل الشاة الجماء قرناء والقرناء جمّاء حتى يقتصّ لبعضها من بعض، ثم يقال لها. كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: {يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}» [النبأ: 40]. (1/524)
صفحة 523
قوله: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ} أي عن الهدى فلا يسمعونه {وَبُكْمٌ} عنه فلا ينطقون به {فِي الظُّلُمَاتِ} أي ظلمات الكفر {مَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي الجنة. وقال بعضهم: الكافر أصمّ أبكم لا يسمع خيراً ولا يعقله، ولا يتكلم به ولا يَقْبَلُه.
قوله: {قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ} قال الحسن: يعني عذاب الله بالاستئصال {أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ} أي بالعذاب {أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} على الاستفهام، أي إنكم لا تدعون إلا الله فتؤمنون حيث لا يقبل الإِيمان عند نزول العذاب. قال الله: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} أي عذابنا {سُنَّتَ اللهِ التِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} [غافر: 85].
قال: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيهِ إِن شَاءَ} وهذه مشيئة القدرة، ولا يشاء أن يكشف عنهم عند نزول العذاب. {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} بالله من هذه الأوثان. وقال بعضهم: {أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ} أي إذا أصابكم الضرّ في الدنيا.
قوله: {وَلَقَدَ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} والبأساء البؤس، وهي الشدائد من الجدوبة وشدة المعاش. والضراء هي الأذى من الأمراض والأوجاع.
قوله: {فَلَوْلاَ} أي فهلا {إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} أي إنهم لم يتضرعوا. {وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} أي غلظت قلوبهم فلم يؤمنوا. وهذا الذي كان يصيب الأمم من البأساء والضراء إنما هو شيء يبتليهم الله به قبل العذاب لعلّهم يؤمنون، فإذا لم يؤمنوا أهلكهم الله. قال: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
قال: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} أي ما وُعِظُوا به، أي تركوا ما جاءتهم به (1/525)
صفحة 524
الرسل. وفي قول الحسن: أعرضواعما جاءت به الرسل. {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} أي من الرزق. وقال مجاهد: أبواب كل شيء من رخاء الدنيا. {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً} أي بالعذاب فجأة. وقال مجاهد: فجأة آمنين وهم لا يشعرون. {فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} أي يئسون.
وقال بعضهم: ما ذكروا به من أمر الله {أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً} أي بغت القومَ أمرُ الله. وقلّ مَا أخذ الله قوماً قط إلا عند سلوتهم وغبطتهم. قال: {فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي القوم الذين أشركوا {وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ}.
وهي مثل الآية التي في الأعراف: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ} أي القحط {الحَسَنَةَ} أي الرخاء {حَتَّى عَفَوْا} أي حتى كثروا {وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ ءَابَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} فلم يكن شيء. قال الله: {فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [الأعراف: 94 - 95].
قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ} فأذهبه {وَأَبْصَارَكُمْ} فأعماها {وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مِّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ} أي ليس غيره إله {يَأْتِيكُم بِهِ} أي بما اذهب من أسماعكم وأبصاركم فإنه ليس يفعل ذلك حتى يرده عليكم إن شاء إلا هو. قوله: {انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ} يقول: كيف نبيّن الآيات {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} يقول: يعرضون عنها.
قوله: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً} قال الحسن: بغتة: ليلاً {أَوْ جَهْرَةً} نهاراً. وقال في آية أخرى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً} [يونس: 50] وعذاب الله إن جاء ليلاً أو نهاراً لا يأتي إلا بغتة. قوله: {هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القَوْمُ الظَّالِمُونَ}. أي أنه لا يهلك إلا القوم الظالمون. يخوفهم العذاب. (1/526)
صفحة 525
قوله: {وَمَا نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} يقول: مبشّرين بالجنة ومنذرين من النار. قال الحسن: مبشّرين إن هم آمنوا بالنعمة في الدنيا والجنة في الآخرة. وإن لم يؤمنوا أهلكهم الله بالعذاب في الدنيا وأدخلهم النار في الآخرة.
قوله: {فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ العَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} يعني بما كانوا يشركون.
قوله: {قُلْ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللهِ} أي علم خزائن الله الذي فيه العذاب، لقولهم: {ائْتِنَا بِعَذَابٍ ألِيمٍ} [الأنفال: 32]. قوله: {وَلاَ أَعْلَمُ الغَيْبَ} أي متى يأتيكم العذاب. قوله: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} يعني من الملائكة، وإنما أنا بشر، تعرفونني وتعرفون نسبي، ولكني رسول الله. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} أي إنما أبلغ عن الله ما أمرني الله به.
قوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ} يقول: لا يستوي الأعمى في الدين والبصير فيه. [هذا مثل المؤمن والكافر]، يقول كما لا يستوي البصير والذي لا يبصر، كذلك لا يستوي المؤمن والكافر. {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} وهذا على الاستفهام، أي إنهما لا يستويان.
قوله: {وَأَنذِرْ بِهِ} أي بالقرآن {الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ} يعني المؤمنين. وهذا كقوله: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ} [يس: 11]، يقول: إنما يقبل منك من آمن. قوله: {لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ} أي من دون الله {وَلِيٌّ} يمنعهم من عذابه {وَلاَ شفِيعٌ} يشفع لهم إن لم يكونوا مؤمنين. {لَّعَلَّهُمْ} لعل المشركين {يَتَّقُونَ} هذا فيؤمنوا.
قوله: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاوَةِ وَالعَشِيِّ} قرّة بن خالد عن الحسن قال: يعني صلاة مكة، حين كانت ركعتين غدوة وركعتين عشية، قبل أن تفرض الصلوات الخمس. (1/527)
صفحة 526
وذكر بعضهم قال: نزلت في سلمان الفارسي وبلال وصهيب وخبّاب بن الأرتّ؛ قال: أشك في خبّاب، لا أدري في حديث بعضهم هو أو في حديث غيره.
قرة بن خالد عن الحسن قال: إن المشركين من أهل الحرم قالوا للنبي عليه السلام: يا محمد، إنا قوم لنا أخطار وأحساب، فإن كنت تريد أن نجالسك ونسمع منك فاطرد عنا دعِيّ بني فلان ومولى بني فلان [لأناس كانوا دونهم في الذكر]، فإنا نستحيي أن نجالسهم؛ فأنزل الله: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاوَةِ وَالعَشِيِّ}. {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي يريدون الله ورضوانه {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} أي إن طردتهم.
قوله: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} أي ابتلى بعضهم ببعض. ابتلى الله المؤمنين بالمشركين والمشركين بالمؤمنين. {لِّيَقُولُوا} يعني ليقول المشركون {أَهَؤُلاَءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا} أي: أهؤلاء أفضل عند الله منا؛ قال الله: {أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} يقول: إن الله عليم بالشاكرين.
قوله: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا} قال الحسن: يعني هؤلاء الذين أمر المشركون النبيَّ بطردهم {فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} أمر الله النبي أن يسلم عليهم من الله.
قوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. قال بعضهم: كل ذنب عمله العبد فهو بجهالة.
وأما قوله: {ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فقال الكلبي: إن أناساً من أصحاب النبي من المنظورين إليهم قالوا: يا رسول الله: صدق عمك فاطرد عنا سفلة الموالي. وفي تفسير الكلبي: إن أبا طالب هو الذي قال له ذلك. قال: فعاتبهم (1/528)
صفحة 527
الله في الآية الأولى. فجاءوا يعتذرون إلى رسول الله من سقطتهم ويسألونه أن يعفو عنهم فأنزل الله: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
قوله: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ} أي: ولتستبين سبيل المشركين، بالآيات التي فصَّلها الله، فصَّل سبيل المهتدين من سبيل الضلالة.
قوله: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ} يعني الأوثان. {قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ} يعني إنما أعبد الله، ولا أتبع أهواءكم في عبادة الأوثان. {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ}.
قوله: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} أي: النبوّة. {وَكَذَّبْتُم بِهِ} أي: بالقرآن {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} أي من العذاب لقولهم: {عَجِّلْ لَّنَا قِطَّنَا} [سورة ص: 16] أي عذابنا، ولقولهم: {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]، وأشباه ذلك. قال الله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذَابِ} [الحج: 47].
قوله: {إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} أي: إِنِ القضاء إلا لله. {يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ} أي: يحكم بالحق وهو خير الفاصلين. وهي تقرأ على وجه آخر، يقصّ الحق. من قبل القَصَص. والوجه الأول أحسنهما، لأنه ذكر في آخر الآية الفصل. فالفصل فصل القضاء، يقول: يقضي الحق. وهو خير الفاصلين، أي القاضين.
{قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} أي من عذاب الله {لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} الساعةَ فآتيكم بالعذاب {وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} أي فهو يعلم أنكم ظالمون مشركون. وهو ظلم فوق ظلم وظلم دون ظلم. (1/529)
صفحة 528
قوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} أي خزائن الغيب، لا يعلمها إلا هو، فهو يعلم متى يأتيكم العذاب في تفسير الحسن، وبعضهم يقول: مفاتح الغيب هي قوله: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلَيْمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34].
ذكروا عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس لا يعلمهنّ إلا الله: {إن الله عنده علم الساعة}. . . إلى آخر الآية».
ذكر موسى بن علي عن أبيه قال: كنت عند عمرو بن العاص بالاسكندرية إذ قال رجل: زعم قسطار هذه المدينة أن القمر يُخسَف به الليلة، فقال رجل: كذب هذا، لا ظننت تعلمون ما في الأرض، فكيف تعلمون ما في السماء. فقال عمرو بن العاص: إن الله يقول: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ}. . . إلى آخر الآية، وما سوى ذلك يعلمه قوم ويجهله آخرون.
ذكر الحسن قال: أضَلَّ رجل من المسلمين راحلته فذهب يطلبها، فلقي رجلاً من المشركين فَنَشَدها إياه، فقال: ألستَ مع هذا الذي يزعم أنه نبيّ؟ قال: أفلا تقول له فيخبرك بمكان راحلتك. فمضى الرجل قليلاً فردّ الله عليه راحلته. فلما جاء إلى النبي أخبره بقول الرجل؛ قال له: فما قلت له؟ فقال: ما عسيت أن أقول لرجل من (1/530)
صفحة 529
المشركين مكذِّب. قال: أفلا قلت له: إن الغيب لا يعلمه إلا الله، وإن الشمس لم تطلع قط إلا بزيادة أو نقصان.
قوله: {وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فقال: ربّ وما أكتب، قال: ما هو كائن. قال: فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. فأعمال العباد تعرض على العباد كل يوم اثنين ويوم خميس فيجدونه على ما في الكتاب.
ذكروا أن سورة الأنعام نزلت كلها جملة، شيّعها سبعون ألف ملك. ومع هذه الآية الواحدة منها اثنا عشر ألف ملك: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ}. . . . إلى آخر الآية.
قوله: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ} يعني النوم {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ} أي ما عملتم بالنهار. ذكروا أن أبا موسى الأشعري قال: الذنوب جراحات. وأعظمها القتل، والإِشراك بالله مقتلة.
قال: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} أي يبعث أحدكم في أجله حتى يستوفي أجله، في تفسير الحسن. وقال مجاهد: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} أي في النَّهار. وقال: {لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمّىً} يعني الساعة باختلاف الليل والنهار. {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} يوم القيامة {ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
قوله: {وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} أي قهرهم بالموت وبما شاء من أمره {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} من الملائكة يحفظون أعمال العباد ويكتبونها، ويحفظونه ممّا لم يقدر له حتى يأتي القدر.
ذكر بعضهم عن بعض أصحاب النبي قال: ما من آدمي إلا ومعه ملكان (1/531)
صفحة 530
يحفظانه في ليله ونهاره، ونومه ويقظته، من الجن والإِنس والدوابّ والسّباع والهوامّ، وأحسبه قال: والطير، إن أراده شيء قالا له: إليك حتى يأتي القدر.
وقال بعضهم: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} يحفظون عليك يا ابن آدم رزقك وعملك وأجلك، فإذا وفّيتَ ذلك قُبِضت إلى ربك.
قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفْرِّطُونَ} أي في أمر الله. وبلغنا أن لملك الموت أعواناً من الملائكة هم الذين يسُلون الروح من الجسد، حتى إذا كانت عند خروجها قبضها ملك الموت، ولا يعلمون آجال العباد حتى يأتيهم علم ذلك من قِبَل الله.
قال: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الحَقِّ} يعني مالكهم، والحق اسم من أسماء {أَلا لَهُ الحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الحَاسِبِينَ}.
ذكر بعضهم قال: يفرغ الله من القضاء بين الخلق [إذا أخذ في حسابهم] في قدر نصف يوم من أيام الدنيا.
وفي تفسير الحسن: إذا أراد الله أن يعذّب قوماً في الدنيا كان حسابه إياهم، أي عذابه إياهم، أسرع من لمح البصر.
قوله: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ} أي من كروب البر والبحر {تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} أما التضرع فالخضوع، والخفية السّرّ بالتضرع {لَّئِنْ أَنجَانَا (1/532)
صفحة 531
مِنْ هَذِهِ} الشدة {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} يعني المؤمنين.
قوله: {قُلِ اللهُ يُنْجِيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ} أي لا ينجي من الكرب إلا هو؛ أي كل كرب نجوتم منه فهو الذي أنجاكم منه. قال: {ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ}
قوله: {قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ}.
ذكروا أن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت {قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهم إني أعوذ بوجهك» قال: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ} قال: هو ما كان بعد النبي عليه السلام من الفرقة والاختلاف.
ذكروا عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوماً صلاة فأطالها فقيل: يا رسول الله: قد رأيناك اليوم تصلي صلاة ما رأيناك تصليها قال: «إنها صلاة رغبة ورهبة، وإني سألت ربي فيها ثلاثاً، فأعطاني منها اثنتين ومنعني واحدة؛ سألته ألا يسلّط على أمتى عدواً من غيرها، فأعطانيها، وسألته ألا يسلط على أمتى السَّنَةَ فيهلكهم، فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فَمنعنيها».
ذكروا أن رسول الله قال: «استقيموا ونِعِمَّا إن استقمتم، وخير أعمالكم الصلاة، ولن تجوعوا ولن تُعلَو ولا أخاف عليكم إلا أنفسكم». (1/533)
صفحة 532
وفي تفسير عمرو عن الحسن في قوله: {عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} أي فيحصبكم بالحجارة كما حصب قوم لوط أو ببعض ما ينزل من العذاب، {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} أي بخسفة أو برجفة، {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} أي اختلافاً يخالف بعضكم بعضاً {وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ} أي فيقتل بعضكم بعضاً. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سألت ربي ألا يظهر على أمتى أهل دين غيرهم فأعطاني ذلك، وسألته ألا يهلكهم جوعاً فأعطاني ذلك، وسألته ألا يجمعهم على ضلالة فأعطاني ذلك، وسألته ألا يلبسهم شيعاً فمنعني ذلك».
قوله: {انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ} أي كيف نبيّن الآيات {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} أي لكي يفقهوا.
قوله: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} أي بالقرآن {وَهُوَ الحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ} أي: بحفيظ لأعمالكم حتى أجازيكم بها. إنما أنا منذر، والله المجازي لكم بأعمالكم.
قوله: {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ}. قال الحسن: حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها. فلما عمل ذنبها أرسلت عقوبتها. وفي تفسير عمرو عن الحسن: {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ}: عند الله خيره وشره، حتى يجازيكم به. {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي يوم القيامة. وهذا وعيد من الله للكفار. لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث.
قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِنَا} أي يكذبون بآياتنا. وقال مجاهد: يستهزءون بآياتنا {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} كان هذا قبل أن يؤمر بقتالهم، وهو يومئذ بمكة، ثم أمر بعد بقتالهم. (1/534)
صفحة 533
قال: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ} قال مجاهد: نهى [نبي الله صلى الله عليه وسلم] أن يقعد معهم إلا أن ينسى، فإذا ذكر فليقم، وذلك قوله: {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ}.
قال: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ} يعني المؤمنين {مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} أي من حساب المشركين من شيء. قال مجاهد: أي إن قعدوا معهم، ولكن لا تقعد معهم. قال: {وَلَكِن ذِكْرَى} أي: يذكرونهم بالقرآن {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي فيؤمنوا.
وقال الكلبي: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِنَا} أي: يستهزءون بها {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}؛ إن أصحاب رسول الله قالوا: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بكتاب الله قمنا وتركناهم لا ندخل المسجد ولا نطوف بالبيت، فرخّص الله للمؤمنين فقال: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، فكان على المؤمنين أن يذكروهم ما استطاعوا.
قوله: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} قال بعضهم: نسختها آية القتال.
قال: {وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ} أي بالقرآن {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ}. قال مجاهد: أن تسلم نفس {بِمَا كَسَبَتْ} أي بما عملت، أي تسلم في النار. قال: {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ وَلِيٌّ} يمنعها منه {وَلاَ شَفِيعٌ} يشفع لها عنده، وهذا الكافر. قال: {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ} أي إن تفتد بكل فدية {لاَ يُؤْخَذْ مِنْهَا} أي لا يقبل منها.
قال الله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا} أي أسلموا في النار {بِمَا كَسَبُوا} بما (1/535)
صفحة 534
عملوا {لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} والحميم الحار الذي قد انتهى حره. {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ} أي موجع {بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} أي يعملون.
قوله: {قُلْ أَنَدْعُوا مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا} أي لا نفعل {وَنُرَدُّ عََلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ} أي نرجع إلى الكفر بعد الإِيمان {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ} أي: غلبت عليه الشياطين واستحوذت عليه {حَيْرَانَ} يعني أنه متحيّر لا يبصر الهدى {لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الهُدَى ائْتِنَا} أي بمنزلة رجل ضلّ في فلاة، له أصحاب كلهم يدعونه إلى الطريق فهو متحيّر.
وقال مجاهد: هو رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق، وذلك مثل من ضلّ بعد الهدى. وقال بعضهم: هذه خصومة علَّمها الله النبيَ وأصحابَه يخاصمون بها أهل الضلالة.
قال الله للنبي: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى} وهو الذي أنت عليه. {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العَالَمِينَ}.
قوله: {وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي يوم القيامة.
{وَهُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي للحق، يعني الميعاد. {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ} يعني يوم القيامة.
{قَوْلُهُ الحَقُّ وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ} أي ينفخ فيه صاحب الصور، مَلك يقوم بين السماء والأرض في تفسير ابن مسعود. وقال بعضهم: من الصخرة من بيت المقدس. والصور قرن ينفخ فيه أرواح الخلق، فيذهب كل روح إلى جسده فيدخل فيه، ثم ينطلقون سراعاً إلى المنادي صاحب الصور إلى بيت المقدس. (1/536)
صفحة 535
{عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} فالغيب السر والشهادة العلانية {وَهُوَ الحَكِيمُ} في أمره {الْخَبِيرُ} بأعمال عباده. ويقال: العليم بخلقه.
قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَِبِيهِ ءَازَرَ}. قال [مجاهد] آزر الصنم، وأبوه تارح. المقرأ على هذا التفسير استفهام: آزر؟ {أَتتخذ أصناماً ءَآلهة} أي أتتخذه إلهاً؟ ومقرأ الحسن بالرفع؛ آزرُ، يقوله إبراهيم لأبيه؛ أتتخذ أصناماً آلهة.
وبعضهم يقرأها بالنصب ويقول: اسم أبيه آزر؛ يقرأها بغير استفهام في أولها. يقول: وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر، ويستفهم في آخرها. وكذلك استفهام الحسن في آخرها.
قال: {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي بيّن.
قوله: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ} [أي مُلْك] {السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}.
قال بعضهم: ذكر لنا أن إبراهيم فُرَّ بِهِ من جبَّار مُتْرَف، فَجُعِل في سرب (1/537)
صفحة 536
وجعل رزقه في أطراف أصابعه، فجعل لا يمصّ إصبعاً من أصابعه إلا وجد فيه رزقاً. وإنه لما خرج من ذلك السّرب أراه الله ملكوت السماوات؛ أراه شمساً وقمراً ونجوماً وغيوماً وخلقاً عظيماً، وأراه ملكوت الأرض؛ فأراه جبالاً وبحاراً وأنهاراً وأشجاراً ومن كل الدواب وخلقاً عظيماً.
وقال مجاهد: {مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: آيات السماوات والأرض.
وقال الكلبي: بلغنا أن إبراهيم وُلد في زمان النمرود الجبّار، وأنه كان مع نمرود كهنةٌ يخبرونه أنه يولد في هذه السنة غلام يفسد آلهة أهل الأرض ويدعو إلى غير دينهم، ويكون هلاك أهل بيته على يده. فقال النمروذ: فإن دواء هذا هيّن: أن نعزل النساء عن الرجال، وننظر كل حبلى، فإذا ولدت غلاماً قُتِل، إلى أن تمضي السنة. قالوا: افعل ذلك، وإلا فهو الذي قلنا لك. ففعل النمرود، فعزل الرجال عن النساء، وجعل على كل عشرة وكيلاً أميناً؛ فكان أمين العشرة إذا طهرت امرأة رجل منهم حال بينه وبينها، فإذا حاضت تركها إلى أهلها حتى تطهر. فرجع أبو إبراهيم إلى أهله فوجد امرأته قد طهرت، فواقعها فحملت. فقال الكهان: إن الغلام قد حُمِل به الليلة. قال: فانظروا إلى كل امرأة قد استبان حملها فخلوا سبيلها، وانظروا اللائي يبقين، وكلما ولدت امرأة غلاماً فاقتلوه فلما دنا وِلاَدُ إبراهيم، وأخذ أمَّه المخاضُ، خرجت هاربة فوضعته في نهر يابس، وألقته في حفرة تحت حلفاء. ثم رجعت إلى زوجها فأخبرته أنها ولدت غلاماً، وأنه في مكان كذا وكذا. فانطلق إليه أبوه فأخذه فحفر له سرباً. فواراه فيه، وسدّ عليه بصخرة مخافة السّباع. وكانت أمه (1/538)
صفحة 537
تختلف إليه وترضعه حتى فُطِم وعقل، فقال لأمه: من ربي؟ فقالت: أنا. قال: فمن ربّك أنتِ؟ قالت: أبوك، فقال: فمن ربّ أبي؟، فضربته وقالت له: اسكت، فسكت، فرجعت إلى زوجها فقالت: أرأيت الغلام الذي كنا نَتَحَدَّث به أنه يغيِّر دين أهل الأرض، فإنه ابنك. فانطلق أبوه، فسأله إبراهيم، قال: يا أبت، من ربّي؟ قال: أمك.
قال: فمن ربّ أمي؟ قال: أنا. فمن ربّك؟ فضربه وقال اسكت.
فلما أمسى دنا إبراهيم من باب السرب فإذا الكوكب ويزعم الناس أنه الزهرة قال: هذا ربي. وذلك قوله تعالى:
{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} أي لا أحب ربّاً ليس بدائم.
{فَلَمَّا رَأَى القَمَرَ بَازِغاً} أي طالعاً. وليس هذا من حديث الكلبي. {قَالَ: هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ} أي غابت رفع إبراهيم الصخرة عن باب السرب ثم خرج فأتى قومه، فإذا هم عاكفون على أصنام لهم {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}.
قالوا فمن تعبد؟ قال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً} والحنيف المسلم، وقال الحسن: المخلص {وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ}.
قال الله: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ} قالوا يا إبراهيم أما تخاف من آلهتنا أن تخبلك أو تفسدك وأنت تسبّها؟ فقال: {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ. وَكَيْفَ أَخَافُ مَا (1/539)
صفحة 538
أَشْرَكْتُمْ} [يعني من هذه الأوثان] {ولاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً} أي حجة {فَأَيُّ الفَرِيقَينِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ} على الاستفهام {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: من عبد إلهاً واحداً أحق أن يأمن، أو من يعبد آلهة شتى، ذكراناً وإناثاً، صغاراً وكباراً، كيف لا يخاف من الكبير إذ يسوّيه بالصغير؟ وكيف لا يخاف من الذكر إذ يسوّيه بالأنثى؟ اخبروني أي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون.
قال الله: {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا} [أي ولم يخلطوا] {إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} أي: بشرك {أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}.
قوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}.
وقال الحسن: {مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ} أي: ملك السماوات والأرض. {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ} أي: أتاه الليل {رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} أي لا أحب الذاهبين. وأَهمَّه النظر في ذلك فراعى الكوكب حتى ذهب وغاب، قال: وطلع القمر، وكان ذلك في آخر الشهر. {فَلَمَّا رَأَى القَمَرَ بَازِغاً}، أي طالعاً {قَالَ هَذَا رَبِّي}. فراعاه حتى غاب، {فَلَمَّا أَفَلَ} أي: ذهب {قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالِّينَ}. قال: فأراد تقرباً من معرفة الله؛ {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً}، أي طالعة {قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ} أي من القمر والكوكب. قال فراعاها حتى غابت. {فَلَمَّا أَفَلَتْ}، أي ذهبت {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}، أي للذي خلق السماوات والأرض {حَنِيفاً}، والحنيف المخلص {وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكَين. وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ} أي: إلى الإِسلام {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} يعني أصنامهم التي كانوا يعبدون (1/540)
صفحة 539
{إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمَا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ. وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ}. قال الحسن: وكيف أخاف ما أشركتم من هذه الأوثان المخلوقة {وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً} أي حجة، أي بعبادة الأوثان، ولم يأمر بعبادتها، ولم يأمر إلا بعبادة نفسه، وأنتم لا تخافون الذي يملك موتكم وحياتكم. {فَأَيُّ الفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: من عبد الله أو من عبد الأوثان. وقال مجاهد: هي حجة إبراهيم. وقول الله: {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} أي بشرك {أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ} يوم القيامة {وَهُم مُّهْتَدُونَ} أي: في الدنيا. على طريق الجنة.
ذكر الحسن أن عمر بن الخطاب قال لأبي بن كعب: يا أبا المنذر، آية في كتاب الله أحزنتني. قال: وأيّ آية يا أمير المؤمنين؟ قال: قول الله: {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} قال: أينا لم يظلم؟ قال: يا أمير المؤمنين إنها ليست حيث تذهب، ألم تسمع إلى قول العبد الصالح حيث يقول لابنه: {يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، إنما هو الشرك.
ذكروا أن أبا بكر الصديق قال: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُم بِظُلْمٍ} أي بشرك.
وقال بعضهم: الآية محتملة لظلم الشرك وظلم النفاق، جامعة لهما جميعاً، وهو ظلم فوق ظلم، وظلم دون ظلم. وهذا حقيقة التأويل.
قوله: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ} قال الحسن: بالنبوّة. (1/541)
صفحة 540
قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا} بالنبوّة {وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ} أي من قبل إبراهيم. قوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ} أي ومن ذرية نوح هدينا {دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَاليَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العَالَمِينَ} أي: على عالم زمانهم.
{وَمِنْ ءَابَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ} أي استخلصناهم للنبوّة {وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: إلى الجنة. {ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ} يعني الفهم والعقل {وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ} يعني المشركين {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا} أي بالنبوّة {قَوْماً لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} يعني النبيين الذين ذكر.
وقال بعضهم: {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ} يعني أهل مكة {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا} أي بالنبوّة {قَوْماً لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} يعني أهل المدينة.
{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ} يعني النبيين الذين قصّ الله {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} يا محمد. {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي: على القرآن {أَجْراً إِنْ هُوَ} أي القرآن {إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ}.
قوله: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي وما عظّموا الله حقّ عظمته، يعني المشركين {إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ}، يعني المشركين في تفسير بعضهم. وقال الحسن: هم اليهود، كانوا يقولون: هؤلاء قوم أميّون، يعنون النبي وأصحابه، ولَبِسوا عليهم فكانوا يقولون، أي يقول بعضهم لبعض: {ءَامِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا}، أي بمحمد {وَجْهَ النَّهَارِ} أي أول النهار {وَاكْفُرُوا ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ (1/542)
صفحة 541
يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]، أي إلى دين اليهود، وقد فسّرناه في سورة آل عمران. ثم قالوا: {مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} فقد كانت الأنبياء تجيء من عند الله فلم تكن تجيء بالكتاب، فأين جاء محمد بهذا الكتاب؟ قال الله لمحمد عليه السلام.
{قُلْ} لهم {مَنْ أَنزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ} أي: لمن اهتدى به {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ} مقرأ الحسن على التاء. {تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} والقراطيس الكتب التي كتبوا بأيديهم بما حرّفوا من التوراة. {وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ} يقول: علّمتم علماً فلم يصر لكم علماً بتضييعكم إياه ولا لآبائكم. {قُلِ اللهُ} الذي أنزل الكتاب {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} وهذا قبل أن يؤمر بقتال أهل الكتاب.
وقال مجاهد: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} يعني مشركي العرب. {قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} وهو مقرأ مجاهد على الياء، يعني أهل الكتاب {وَعُلِّمْتُم} أنتم معاشر العرب {مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ} أنزله. {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}.
قوله: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} أي القرآن {مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} من التوراة والإِنجيل. {وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى} أي مكة، منها دحيت الأرض؛ لتنذر أهل مكة {وَمَنْ حَوْلَهَا} أي سائر الأرض {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي بالقرآن {وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ}. قال الحسن: يعني صلاة أهل مكة، حين كانت الصلاة ركعتين غدوة وركعتين عشية. (1/543)
صفحة 542
وقال بعضهم: {وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} أي يحافظون على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها. وقال: كل ما ذكر من الصلاة في المَكّيّ قبل أن تفرض الصلوات الخمس فهو الصلوات الأولى، ركعتين غدوة وركعتين عشية؛ وما كان بعد ما أسرى بالنبي وافترضت عليه الصلوات الخمس تلك الليلة يعني به الصلوات الخمس. وكان أسري بالنبي، فافترضت عليه الصلوات الخمس، فيما بلغنا، قبل أن يخرج من مكة بسنة.
قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} وهذا على الاستفهام، يقول: لا أحد أظلم منه {أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللهُ}.
قال بعضهم: نزلت في مسيلمة الكذاب، وهو قول الحسن.
ذكر بعضهم قال: ذكر لنا أن نبي الله قال: رأيت فيما يرى النائم أن في يدي سوارين من ذهب فكبُرا علي وأهمَّاني. فأوحى الله إلي أن أنفخهما فنفختهما، فطارا فأولتهما في منامي الكذابين اللذين أنا بينهما: كذاب اليمامة مسيلمة، وكذاب صنعاء العنسي. وكان يسمّى الأسود.
وذكر الحسن أن مسيلمة كان قاعداً عند النبي، فلما قام قال النبي عليه السلام هذا سقب هلكة لقومه. (1/544)
صفحة 543
قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ}.
ذكر بعض أصحاب النبي قال: هذا عند الموت، يقبضون روحه ويعدونه بالنار ويشدد عليه، وإن رأيتم أنه يهون عليه. ويقبضون روح المؤمن ويعدونه بالجنة، ويهون عليه، وإن رأيتم أنه يشدد عليه.
وقال الحسن: هذا في النار، يقال لهم: أخرجوا أنفسكم إن استطعتم لأنهم يتمنون الموت ولا يموتون. كقوله: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} [إبراهيم: 17] قوله عذاب الهون أي: الهوان.
قوله: {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ} كقوله: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ} [النحل: 38]. قال: {وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} أي في الدنيا.
قوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي خلقنا كل إنسان فرداً ويأتينا يوم القيامة فرداً {وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ} أي ما أعطيناكم من مال وخول {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} أي في الدنيا.
قوله: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ} يعني بالشفعاء ما قال المشركون في آلهتهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] أي في أمر الدنيا، في صلاحهم فيها ومعايشهم، وليس يقرّون بالآخرة. {الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} أي أنهم شركاء لله فيكم فعبدتموهم من دون الله. (1/545)
صفحة 544
قال: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} قال مجاهد: وصلكُم. وقال الحسن: الذي كان يواصل به بعضكم بعضاً على عبادة الأوثان، يعني الوصلَ نفسه. وهذا تفسير من قرأها بالرفع. ومن قرأها بالنصب {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} أي ما بينكم من المواصلة {وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي أنها تشفع لكم، كقوله: {هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ} [يونس: 18].
قوله: {إِنَّ اللهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى} أي ينفلق عن النبات في تفسير الحسن. وقال مجاهد: هم الشّقّان اللذان فيهما. {يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ} قال مجاهد: هي النطفة والحبة. يخرج من النطفة الميتة الخلق الحي، ويخرج من الحبّة اليابسة النبات الحي، ويخرج النطفة الميّتة من الحيّ، ويخرج الحبة اليابسة من النبات الحي.
وقال الحسن: يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن.
{ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} أي فكيف تُصرف عقولُكم.
قوله: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ} أي حين يضيء الصبح في تفسير الحسن ومجاهد. وقال الحسن: صَبَح وصَبْح وصُبْح وجماعتها الإِصْبَاح. ذكروا عن جابر بن عبد الله في قوله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} قال: فلق الصبح. ذكروا عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الفلق شجر في جهنم». (1/546)
صفحة 545
قوله: {وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَناً} أي يسكن فيه الخلق {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً} كقوله: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5]. قال الحسن: به تجري. وقال مجاهد: كحسبان الرحا، وهي أيضاً تجري. وقال بعضهم: الحسبان الشيء المعلّق؛ كقوله: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] والفلك يدور دون السماء، يجري بها الفلك وَ {يَسْبَحُونَ}: يدورون. وقال بعضهم: {حُسْبَاناً} أي ضياء. وقال الكلبي: حساب منازل الشمس والقمر، أي من قبل الحساب، كل يوم بمنزل.
قال: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ} أي العزيز في سلطانه، العليم بخلقه.
قوله: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، يعني التي يهتدى بها منها.
قال بعض السلف: من قال في النجوم شيئاً سوى هذه الثلاث فهو كاذب آثم مفتر مبتدع: قال الله: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ} [المُلك: 5]. وقال: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ} فهي مصابيح ورجوم ويُهتدى بها.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أخاف على أمتي حيف الأئمة والتكذيب بالقدر والتصديق بالنجوم».
ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فكفوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا». (1/547)
صفحة 546
قوله: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني آدم {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} وهي تقرأ على وجهين: فمستقِر ومستودع، فمستَقَر ومستودَع {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} أي عن الله فيؤمنون.
ذكروا عن ابن عباس أنه كان يقرأها (فَمستَقَر ومستودَع) فالمستقَر: الرحم، والمستودع الصلب. وكان الحسن يقرأها فمستقِر [بكسر القاف] ومستودع؛ أي مستقر من أجله من يوم يولد إلى يوم يموت، ومستودع في قبره من يوم يوضع فيه إلى يوم يبعث.
وبيان قول ابن عباس: المستقَر الرحم في هذه الآية الأخرى: {وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [الحج: 5]. وبيان قول الحسن: فمستقِر في أجله من يوم يولد إلى يوم يموت في هذه الآية الأخرى: {وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأعراف: 24] أي إلى الموت. وتفسير الحسن أن المستقر هو المخلوق.
قوله: {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} أي من النبات الذي ينبت. {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً} أي يركب بعضه بعضاً، والحب: الزرع {وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} والقِنوان العذُوق. والدانية في تفسير الحسن: قريب بعضها من بعض، وفي تفسير الكلبي قريبة من الأرض. وقال بعضهم: قنوان دانية: عذوق متهدّلة.
وقوله: {وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ} يعني العنب {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ} يقول: وأخرجنا الزيتون والرمان {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} يقول مشتبهاً في طعمه ولونه، وغير متشابه. وقال الكلبي: مشتبهاً في المنظر مختلفاً في الطعم. وقال بعضهم: مشتبهاً (1/548)
صفحة 547
ورقه مختلفاً ثمره، ألا تراه يقول: {انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} يعني حين يكون غضاً {وَيَنْعِهِ} أي ونضجه في تفسير الحسن وغيره.
قال: {إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. قال الحسن: فالذي أخرج من هذا الماء هذا النبات وهذا الخضر وهذه الجنات وهذه الأعناب قادر على أن يحيي الموتى.
قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ} يعني الشياطين من الجن لأن الشياطين هي التي دعتهم إلى عبادة الأوثان، ولم تدعهم الأوثان إلى عبادتها، فأشركوا الجن بعبادة الله.
قال: {وَخَلَقَهُمْ} أي الله خلقهم {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ} أي جعلوا له بنين وبنات في تفسير الحسن. وقال بعضهم: كذِبوا له بنين وبنات. وقالوا: له بنون وبنات. قال الحسن: يعني قوله: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ} [النحل: 57] قوله: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي أتاهم من الله {سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه عما قالوا: {وَتَعَالَى} أي من قبل العلو والارتفاع، أي ارتفع {عَمَّا يَصِفُونَ} أي عما يكذبون.
قوله: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي ابتدعها على غير مثال. {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} أي كيف يكون له ولد {وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. (1/549)
صفحة 548
قال: {ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي حفيظ لأعمال العباد.
قوله: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} أي اللطيف بخلقه فيما أعطاهم، الخبير بأعمالهم.
قوله: {قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ} أي القرآن {فَمَنْ أَبْصَرَ} أي اهتدى {فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ} أي عن الهدى {فَعَلَيْهَا} أي فعلى نفسه {وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ} أي أحفظ أعمالكم حتى أجازيكم بها.
قوله: {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ} وهي تقرأ على أربعة أوجه: درَسْتَ وَدَارَسْتَ وَدُرِسَت وَدَرَسَت. ذكروا عن ابن عباس قال: درستَ أي: قرأتَ وتعلّمتَ. وقال مجاهد مثل ذلك. وبعضهم يقول: دارستَ، أي: قارأت أهل الكتابين. ومن قرأ: دُرِسَت فهو يقول: قُرِئت: ومقرأ الحسن: دَرَسَتْ، أي: قد دَرَست وذهبت مع كذب الأولين وباطلهم. قال: {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.
قوله: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} أي ادعهم إلى لا إله إلا هو والعمل بفرائضه. {وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ}. وقد نسخها القتال.
قوله: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا} وهو كقوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي: لأعمالهم حتى تجازيهم بها. {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ}.
قوله: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ}. وهي تقرأ على وجهين: عَدْواً وَعُدُوّاً. وهو من العدوان، والعدوان الظلم. (1/550)
صفحة 549
قال الحسن: كان المسلمون يسبون آلهة المشركين، أي أوثانهم، فإذا سبّوها سبَّ المشركون الله. وقال بعضهم: كان المسلمون يسبّون أوثان الكفّار فيردون عليهم، فنهاهم الله أن يستسبّوا لربهم قوماً جهلة لا علم لهم بربهم.
وقال الكلبي: قال المشركون: والله لينتهين محمد عن سبّ آلهتنا أو لنسبَّنَّ ربه، فنزلت هذه الآية.
{كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} وهي مثل قوله: {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} [النمل: 4] {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي في الدنيا.
قوله: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} لقولهم: {فَلْيَأتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5] وأشباه ذلك. قال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} كقوله: {مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 6] على الاستفهام أي: إنهم لا يؤمنون. لأن القوم إذا سألوا نبيَّهم الآيةَ فجاءتهم فلم يؤمنوا أُهلِكُوا.
قوله: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} أي: نطبع عليها بكفرهم {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي لو جاءتهم الآية لم يؤمنوا بها، فإذا جاءهم العذاب فآمنوا حين رأوا العذاب لم يقبل منهم؛ {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي من قبل أن يجيئهم العذاب. (1/551)
صفحة 550
قوله: {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي في ضلالتهم يلعبون. وقال الحسن: يعمهون: يتمادون.
قوله: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ المَلاَئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ المَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} قال الحسن وغيره: هذا حين قالوا ابعث لنا موتانا نسألهم أحق ما تقول أم باطل، لقولهم: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا المَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} [الفرقان: 21] ولقولهم: {أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً} [الإِسراء: 92]؛ يقول: لو فعلنا هذا بهم حتى يروه عياناً {مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} أي لا يعلمون: كقوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 37] يقول: أي جماعتهم. يعني من ثبت منهم على الكفر.
قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِْنسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} قال مجاهد: تزيين الباطل بالألسنة. وقال الحسن: جعل الله أعداء الأنبياء شياطين الإِنس والجن، وهم المشركون: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً} وهو ما توحي الشياطين إلى بني آدم وتوسوس إليهم مما يغرونهم به.
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} أي لو شاء الله ما أوحى الشياطين إلى الأنس. {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} ثم أوحى بقتالهم بعد. قال بعضهم: كل شيء في القرآن: ذر، وذرهم فهو منسوخ نسخه القتال.
قال الكلبي: بلغنا أن إبليس بعث جنوده فريقين، فبعث فريقاً إلى الإِنس وفريقاً (1/552)
صفحة 551
إلى الجن، فإذا التقوا أعلم هؤلاء هؤلاء، وأعلم هؤلاء هؤلاء ما يقولون؛ فذلك قوله: {زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً}، وكل ذلك عداوة من إبليس وجنوده لأنبياء الله وأتباعهم.
ذكروا أن أبا ذر قام إلى الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، تعوَّذ بالله من شياطين الإِنس والجن»؛ فقال: يا رسول الله أوللإِنس شياطين كشياطين الجن؟ فقال: «نعم».
ذكر بعضهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: توشك الشياطين أن تجالس الناس في مجالسهم وتفتنهم في الدين.
ذكروا عن عبد الله بن عمر أنه قال: إن شياطين أوثقها سليمان بن داود فألقاها من وراء البحر توشك أن تظهر حتى تقرىء الناس القرآن.
ذكروا أن أبا موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن إبليس اتخذ عريشاً على البحر، فإذا أصبح ندب جنوده فقال: أيّكم فتن اليوم مسلماً ألبسه التاج. قال: فيجيء أحدهم فيقول: لم أزل اليوم برجل حتى سبَّ آخر، فيقول: سوف يصطلحان. ثم يجيء آخر فيقول: لم أزل اليوم برجل حتى عقّ والديه. فيقول: سوف يبرّهما. ثم يجيء آخر فيقول: لم أزل اليوم برجل حتى زنى. فيقول: أنت. ثم يجيء آخر فيقول: لم أزل اليوم برجل حتى سرق. فيقول: أنت. ثم يجيء آخر فيقول: لم أزل اليوم برجل حتى شرب الخمر. فيقول: أنت. قال بعضهم: فأعظمهم عنده منزلة أعظمهم فتنة. قال بعضهم: بلغنا أن جهنم موضع البحر». (1/553)
صفحة 552
قوله: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} يعني أفئدة المشركين تصغي إلى ما توحي إليها الشياطين وترضاه. والإِصغاء الميل. يقول: ولتصغى أي: ولتميل إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة. {وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} أي: وليكتسبوا ما هم مكتسبون، أي سيعلمون ما هم عاملون.
قوله: {أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلاً} أي: مبيَّناً فصَّل فيه الهدى والضلالة والحلال والحرام.
قوله: {وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالحَقِّ} يعني أهل الدراسة من أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحقّ {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ} أي من الشاكّين [أن هذا القرآن من عند الله وأن الدارسين من أهل الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالحَقِّ].
قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً} فيما وعد {وَعَدْلاً} فيما حكم. وقال الحسن: صدقاً وعدلاً بالوعد والوعيد الذي جاء من عند الله. {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ}. فيما وعد، كقوله: {لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [سورة ق: 28 - 29]. قوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي لا أسمع منه ولا أعلم منه.
قوله: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ} لأن المشركين كانوا يدعونه إلى عبادة الأوثان. {إِن يَتَّبِعُونَ} بعبادتهم الأوثان {إِلاَّ الظَّنَّ} أي: ادَّعوا أنهم آلهة بظنٍّ منهم. {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي ألا يكذبون.
قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ} أي: فهو أعلم أن محمداً على الهدى وأن المشركين هم الذين ضلَّوا عن سبيله.
قوله: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} [يعني ما أدرك ذكاته]. قال الحسن: (1/554)
صفحة 553
وذلك أن مشركي العرب كانوا يأكلون الميتة والدم والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، فحرَّم الله ذلك كله إلا ما أدرك ذكاته. قال الله: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3] قال: {إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ}.
ثم قال: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} أي: فكلوه فهو لكم حلال {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} من الميتة والدم ولحم الخنزير. . . إلى آخر الآية {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} أي من تلك الأشياء التي حرّم. وقال بعضهم: إلا ما اضررتم إليه من الميتة.
قال: {وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} يعني المشركين، بغير علم أتاهم من الله ولا حجة. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} فهو يعلم أنكم أيها المشركون أنتم المعتدون، تعتدون أمر الله.
قال الكلبي: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} فلما حرّم الله الميتة قال المشركون للمؤمنين: ما قتل الله لكم أحق أن تأكلوه أو ما قتلتم بسكاكينكم وأنتم زعمتم أنكم تعبدون الله ولا تأكلون ما ذبح لكم وتأكلون أنتم ممّا ذكرتم عليه اسم الله. فقال الله للمؤمنين: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ}، أي بيّن لكم ما حرّم عليكم.
قوله: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ}. قال الحسن: علانيته وسرّه. وقال (1/555)
صفحة 554
بعضهم: قليلَه وكثيرَه وسرّه وعلاَنيّتَه. قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ} أي يعملون الإِثم {سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} أي يكتسبون، أي يعملون.
قوله: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لِفِسْقٌ} قال بعضهم: وإنه لشرك. أي: إن أكل الميتة على الاستحلال لشرك. وقال بعضهم: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} أي: وإنه لمعصية؛ والفسوق المعاصي.
{وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} أي من المشركين {لِيُجَادِلُوكُمْ} في أكل الميتة.
[قال مجاهد: كان المشركون يجادلون المسلمين في الذبيحة] ويقولون: يا صِحاب محمد، أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون، وأما ما قتل الله فلا تأكلونه وأنتم تزعمون أنكم تتبعون أمر الله.
قال الله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} أي فاستحللتم الميتة فأكلتموها على وجه الاستحلال لها كما يستحلها المشركون {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}.
وقال بعضهم: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُم} أي صدقتم المشركين فيما قالوا واحتجوا به {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} أي في تصديقكم المشركين، لأنكم إن صدقتموهم في ذلك فقد كذبتم الله، فأنتم بتصديقكم المشركين وتكذيبكم الله مشركون.
قوله: {أَوَمَن كَانَ مَيْتاً} أي كافراً {فَأَحْيَيْنَاهُ} بالإِسلام في تفسير الحسن. وقال مجاهد: ضالاًّ فهديناه. وهو واحد. {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} قال مجاهد: يعني الهدى {كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} أي ظلمات الكفر في تفسير الحسن. وقال مجاهد: في ظلمات الضلالة، وهو واحد. {لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} أي: هو مقيم في ظلمات الكفر والضلالة.
وقال بعضهم: {فَأَحْيَيْنَاهُ} هذا المؤمن معه من الله بيّنة، عليها يعمل، وبها (1/556)
صفحة 555
يأخذ، [وإليها ينتهي]. قال: {كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا}؛ هذا الكافر في الضلالة متحيّر فيها. قال هل يستويان مثلاً، أي هل يستويان هذان؟ على الاستفهام، أي إنهما لا يستويان.
[قال بعضهم]: بلغنا أَنَّها نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل بن هشام، ثم هي عامة بعدُ.
ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أيد الإِسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام» فأيده بعمر بن الخطاب، وأحسبه قال: وأهلك أبا جهل بن هشام أو كما قال.
قال: {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا}. قال بعضهم: أكابر مجرميها: جبابرتها. وقال مجاهد: عظماؤها، وهو واحد. قال: {لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} أنهم إنما يمكرون بأنفسهم، وهم المشركون الذين كذبوا رسلهم. (1/557)
صفحة 556
قوله: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} أي الذين أشركوا {صَغَارٌ عِندَ اللهِ} أي ذلة عند الله {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ} أي في الآخرة {بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} أي: يشركون.
قوله: {فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ} أي يوسع صدره {لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدِ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} والحرج الضيق، وهو كلام مثنى وهو الشك {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} أي يثقل عليه ما يُدْعَى إِليه من الإِيمان. وفي تفسير الحسن: كأنما يكلّف أن يصعّد في السماء. قال الله: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ} يعني رجاسة الكفر {عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}.
قوله: {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ} أي الإِسلام {مُسْتَقِيماً} مستقيماً إلى الجنة. وإنما انتصب لأنه من باب المعرفة، كقولك: هذا عبد الله مقبلاً.
قوله: {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ} أي بَيَّنَّا الآيات {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} أي إنما يتذكر المؤمن كقوله: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ} [يس: 11] أي: إنما يقبل نذارتك من اتبع الذكر.
قوله: {لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ} والسلام هو الله وداره الجنة. قال: {عِندَ رَبِّهِمْ} كقوله: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} [الغاشية: 10] أي في السماء. وكقول امرأة فرعون: {رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ} [التحريم: 11] أي في السماء، وكقوله: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 55] أي في السماء. يقول: إن الجنة في السماء عند الله، ولو كانت الجنة في الأرض لكانت أيضاً عند الله، ولكنه أخبر بموضع الجنة أنها في السماء عند الله كما أن النار في الأرض عند الله.
وفيما يؤثر أن أربعة أملاك التقوا فتساءلوا فيما بينهم من أين جاءوا. فقال (1/558)
صفحة 557
أحدهم: جئت من السماء السابعة من عند ربي، وقال الآخر: جئت من الأرض السفلى من عند ربي، وقال الآخر: جئت من المشرق من عند ربي. وقال الآخر: جئت من المغرب من عند ربّي.
ذكروا أن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السلام اسم من أسماء الله».
قال: {وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الجِنِّ} أي: ثم نقول يَا مَعْشَرَ الجِنِّ {قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ} ذكروا أن مجاهداً قال: {قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ} أي قد كثر من أغويتم وأضللتم من الأنس، وهو قول الحسن. {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الإِنسِ} أي الذين أضلوا من الإِنس {رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ}.
قال الكلبي: كانت الجن قد أضلوا كثيراً من الإِنس حتى تولَّوْهم وعَدَوا بهم. وكان استمتاع الإِنس بالجن أن الرجل كان إذا خاف الضلال وهو بأرض قفراء واستوحش بها قال: أعوذ بسيّد هذا الوادي من سفهاء قومه فيبيت في جواره وكان استمتاع الجن بالإِنس أن يقولوا: لقد سوّدتنا الإِنس مع الجن فيزدادون بذلك شرفاً من قومهم. وقال في سورة الجن: {وَإنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ} أي إذا حل أحد من الإِنس بالوادي القفر أو بالمكان المخوف قال: أعوذ بسيّد هذا الوادي من سفهاء قومه. قال: {فَزَادُهُمْ رَهَقاً} [الجن: 6] والرهق هو الإِثم، إذ استعاذوا بمن لا يعيذ وتركوا أن يستعيذوا بالله الذي يعيذ من استعاذ به.
قوله: {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا} قال الكلبي: الموت {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ} أي مصيركم ومنزلكم {خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ} إلا قدر ما يخرجون (1/559)
صفحة 558
من قبوركم فتحاسبون بأعمالكم الخبيثة فتعاقبون عليها وتخلدون في النار. فلذلك استثنى من الخلود ما ذكرنا إلا قدر ما وصفنا. {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} أي حكيم في أمره عليم بخلقه.
قوله: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. قال الحسن: المشركون بعضهم أولياء بعض كما أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض. قال بعضهم الآية محتملة جامعة لجميع الظالمين، وهو ظلم فوق ظلم وظلم دون ظلم.
قوله: {يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنْسِ} يعني من كفر منهم {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} أي من الإِنس خاصة، ولم يبعث الله نبياً من الجن ولا من النساء ولا من أهل البدو. وإن كان خاطب بهذه المقالة الثقلين جميعاً من الجن والإِنس، وأرسل فيهم الرسل من الإِنس خاصة، فقال وهو يخاطبهم جميعاً: الجن والإِنس: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} أي: من أحدكم، أي من الإِنس. كقوله: {يُخْرُجُ مِنْهُمَا} أي من البحرين {اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] وإنما يخرج من أحدهما، وليس يخرج منهما جميعاً، وكذلك قوله: {يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} أي من أحدكم، وهو الإِنس. قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحَى إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى} [يوسف: 109] أي من أهل الحضر لأنهم كانوا أعلم وأفضل من أهل العمود.
ذكروا أن معاذ بن جبل كان على بعض قرى أهل الشام فجاء أناس من أهل البادية فقالوا: قد شقّت علينا الإِقامة، فلو بدأت بنا، فقال لعمري لا أبدأ بكم قبل أهل الحضارة أهل العبادة وأهل المساجد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تنزل عليهم السكينة، وإليهم يأتي الخير، وبهم يبدأ يوم القيامة». (1/560)
صفحة 559
قوله: {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا} أنه قد جاءتنا الرسل في الدنيا، وهذا بعد ما صاروا إلى النار.
يقول الله: {وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا} إذ كانوا فيها {وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهمْ} أي في الآخرة {أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} أي في الدنيا.
{ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} أي: لم يبعث إليهم رسولاً، يعني من أهلك من الأمم السالفة حين كذبوا رسلهم. يقول: لم أكن لأهلكهم حتى أبعث فيهم رسولاً احتج به عليهم، ولم أكن لأظلمهم فأعذبهم قبل مبعث الرسل والاحتجاج بالكتب.
قوله: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا} أي: على قدر أعمالهم. قال الله في أهل النار {جَزَاءً وِفَاقاً} [النبأ: 26] أي وافق أعمالهم الخبيثة. وقال في أهل الجنة: {جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً} [النبأ: 36] أي على قدر أعمالهم.
ذكر بعض الفقهاء قال: يقول الله: ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم.
قوله: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}.
قوله: {وَرَبُّكَ الغَنِيُّ} أي عن خلقه وعن عبادتهم {ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أي بعذاب الاستئصال، يعني المشركين {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم} أي كما خلقكم {مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ}.
قوله: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لأَتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} أي ما أنتم بالذين يعجزون الله فتسبقونه حتى لا يقدر عليكم.
قوله: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} وهذا وعيد، أي عملوا على ناحيتكم، أي على كفركم، {إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} أي دار الآخرة، وعاقبتها الجنة، أي فستعلمون يوم القيامة أنَّا أهل الجنة وأنكم أهل النار. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} أي المشركون، وهو ظلم فوق ظلم، وظلم دون (1/561)
صفحة 560
ظلم. وقد تحمل الآية على جميع الظالمين من المشركين وغيرهم، وقد تكون الآية خاصة ثم تعمّ.
قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ} [أي مما خلق] {مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}.
كان هذا في الجاهلية. كانوا قد جعلوا من أنعامهم وحروثهم جزءاً لله وجزءاً لآلهتهم؛ فكانوا يحرثون الحرث فيخطون فيه خطاً فيقولون: ما دون هذا الخط لآلهتنا، وما وراءه فهو لله. ثم يبذرون البذر، فإن سقط فيما سموا لله شيء من البذر [الذي] جعلوه لآلهتهم لقطوه فردوه إلى ما جعلوا لآلهتهم تعظيماً لآلهتهم، وإن سقط من البذر شيء في ما سموا لآلهتهم من الذي جعلوه لله تركوه. ويرسلون الماء في الذي سمّوا لله؛ فإن انفجر في الذي سمّوا لآلهتهم قالوا: أقِرّوه فإن هذا فقير إليه، وإن انفجر في الذي خطّوه لله سدّوه. وهذا في تفسر الكلبي.
وفي تفسير الحسن: إذا حسن الزرع جعلوه لآلهتهم إن كان هو الذي جعلوه لآلهتهم. فهو لها عندهم وإن كان هو الذي جعلوه لله أحسن جعلوه لآلهتهم، ولا يجعلون لله مما جعلوا لآلهتهم، إذا حسُن، شيئاً. وأما في الأنعام فإذا اختلط مما جعلوا لله شيء فيما جعلوه لآلهتهم تركوه ولا يُمَيَّز. فإذا اختلط مما جعلوا لآلهتهم فيما جعلوا لله ردّوه في الذي جعلوه لآلهتهم. وإذا ذبحوا شيئاً لآلهتهم ذبحوه في وطاء فاستقر الدم مكانه، وإذا ذبحوه لله ذبحوه على مشرف فيسيل الدم إلى المكان الذي ذبحوا لآلهتهم. قال الله: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}.
وقال بعضهم: عمد ناس من أهل الضلالة فجزأوا من حروثهم ومواشيهم (1/562)
صفحة 561
جزءاً لله وجزءاً لشركائهم؛ فكانوا إذا خالط شيء مما جزأوا لله شيئاً مما جزأوا لشركائهم تركوه، وإذا خالط شيء مما جزأوا لشركائهم شيئاً مما جزأوا لله ردّوه إلى شركائهم. وإذا أصابتهم سَنَة استعانوا بما جزّأوا لله ووفّروا ما جزأوا لشركائهم. قال الله: {أَلاَ سَاءَ} أي بئس ما {يَحْكُمُونَ}.
[وقال مجاهد]: كانوا يسمّون لله جزءاً من الحرث ولأوثانهم جزءاً فما ذهبت به الريح مما سموا لله إلى جزء أوثانهم تركوه، وقالوا: الله غني عن هذا، وما ذهبت به الريح من جزء أوثانهم إلى ما سمّوا لله ردّوه إلى جزء أوثانهم.
قوله: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} يعني الشياطين الذين عبدوهم من دون الله، لأن الشياطين هي التي حملتهم على عبادة أوثانهم، وإنما عبدوا الشياطين. قال الله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً} أي: أمواتاً، يعني أوثانهم، {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً} [النساء: 117] وقال: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس: 60] وقال: {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ} أي الشياطين من الجن. [سبأ: 41].
وقال مجاهد: شركاؤهم: شياطينهم، أمروهم بقتل أولادهم خشية العَيْلة. وقال بعضهم: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} يقول: شركاؤهم زيّنوا لهم قتل أولادهم.
قال: {لِيُرْدُّوهُمْ} أي ليبعدوهم عن الله. وقال بعضهم: ليُهْلِكوهم، وهو واحد. {وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} أي وليخلطوا عليهم دينهم الذي أمرهم الله به. أي الإِسلام. {وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا فَعَلُوهُ} كقوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} [يونس: 99]. قال: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}.
قوله: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} أي حرام {لاَ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاءُ (1/563)
صفحة 562
بِزَعْمِهِمْ} وهذا ما كان يأكل الرجال دون النساء، وتفسيره في الآية التي بعد هذه. قال: {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} وهو الحام في تفسير الكلبي. وقال الحسن: {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} هو ما حرَّموا من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. وقد فسّرنا أمر الحام في سورة المائدة.
قوله: {وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا} قال الحسن: هو ما استحلوا من أكل الميتة وأشباه ذلك. وهو قوله: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121]. قال: {افْتِرَاءً عَلَيْهِ} أي على الله {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} زعموا أن الله أمرهم بهذا.
قوله: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ}.
أما قوله: {خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا} فذلك [لأنها] صارت جماعة وهو قوله في الآية الأولى: {لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاءُ بَزَعْمِهِمْ}. نزلت هذه الآية قبل الأولى، وهي بعدها في التأليف. قال: {وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} أي ما في بطون تلك الأنعام من ذكر أو أنثى. رجع إلى الكلام الأول: إلى [مَا]. وما مذكر، فهو محرّم على النساء كلُّه عندهم.
كان ما ولد من تلك الأنعام من ذكر يأكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت محرّمة على الرّجال والنساء، وإن كانت ميّتة فهم فيه شركاء، أكلها الرجال والنساء جميعاً فيما ذكر مجاهد. (1/564)
صفحة 563
وبعضهم يقرأها (خَالِصٌ) أي: لبن خالص، أي لَبَنُه خالص لذكورنا، مثل قوله: {لَّبَناً خَالِصاً} [النحل: 66] {وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} أي ذلك اللّبن. والعامّة على المقرأ الأول والتفسير الأول.
قوله: {سَيَجْزِيهِمْ} أي في الآخرة {وَصْفَهُمْ} أي كذبهم بما فعلوا في ذلك، في تفسير الحسن ومجاهد: وقال الحسن: بما زعموا أن الله أمرهم به. {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}.
وبلغنا أن ابن عباس على المقرأ الأول؛ قال: وكانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن عمدوا إلى السابع، فإن كان ذكراً ذبح وكان لحمه للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى استحيوها فتركوها لآلهتهم، وإن كانت أنثى وذكراً استحيوا الذكر من أجل الأنثى وسمّوها الوصيلة التي وصلت أخاها، وإن ولدت ميتاً من ذكر أو أنثى أكله الرجال والنساء.
وقال بعضهم في قوله: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} أي: ألبان البحائر؛ كانت ألبانها خالصة للرجال دون النساء، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء: الذكور والإِناث. قوله: {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} أي حكيم في أمره عليم بخلقه.
قوله: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهَاً بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي سفه الرأي، بغير علم أتاهم من الله يأمرهم فيه بقتل أولادهم، وهي الموءودة. كانوا يدفنون بناتهم وهن أحياء خشية الفاقة، ويقولون: إن الملائكة بنات الله، والله صاحب بنات، فألحقوا البنات به.
وقال بعضهم: هذا صنيع أهل الجاهلية، كان أحدهم يقتل ابنتَه ويغذو كلبَه.
قال: {وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ} أي ما حرّموا من الأنعام والحرث على (1/565)
صفحة 564
أنفسهم. وهو الذي فسّرنا قبل هذا، وهو تفسير العامة. {افْتِرَاءً علَى اللهِ}، قال: {قَدْ ضَلُّوا} عن الحق، أي عن الهدى {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}.
قوله: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ}. والمعروشات في تفسير الكلبي العنب، وغير معروشات الشجر والنخل. وفي تفسير مجاهد: العنب منه معروش وغير معروش. قال: {وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ}. تفسير الكلبي: منه الجيِّد ومنه الرّدىء. {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مَتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} أي متشابهاً في المنظر وغير متشابه في المطعم.
ذكروا عن مجاهد عن ابن عباس قال: اختلاف الطعم والشجر. وتفسير بعضهم في الآية الأولى: متشابهاً في الورق مختلفاً في الثمر.
قوله: {كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} أي: الزكاة المفروضة فيما ذكر الحسن. وقال غيره: هي الصدقة التي فيه. وكذلك قال سعيد بن جبير: هي الزكاة.
ذكروا عن ابن عمر ومجاهد قالا: هو سوى العشر ونصف العشر أن يُتَنَاوَل منه يوم يحصد.
ذكر الحسن قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يُصرم ليلاً، أو يُحصد أو يُضَحّى ليلاً. قال بعضهم: نراه من أجل من يحضره من المساكين؛ كقوله: في سورة ن في {أًصْحَابَ الجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} [ن: 17]. . . إلى قوله {أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ} [سورة ن: 24].
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنّ فيما سقت السماء والعيون السائحة وما سقي الطّل والطل الندى وكان بعلاً، العشر، كاملاً، وما سقي بالدوالي والسَّواني نصف العشر. (1/566)
صفحة 565
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة».
ذكر بعضهم أنه قال: كان رجال من أهل العلم يقولون: لا يؤخذ من الحب اليابس شيء حتى يبلغ ثلاثمائة صاع، فإذا بلغ ثلاثمائة صاع ففيه الزكاة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذ بن جبل إلى اليمن فأمره أن يأخذ الزكاة من لتمر والزبيب والبر والشعير والذرة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس في الخضراوات صدقة».
ذكروا عن الحسن قال: الزكاة في تسعة: الذهب والفضة، والإِبل والبقر والغنم والبر والشعير، والتمر والزبيب.
قوله: {وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ}. أي لا تحرّموا ما حرّم أهل (1/567)
صفحة 566
الجاهلية من الأنعام والحرث، وهو الذي فسّرنا قبل هذا.
قوله: {وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} أي: وأنشأ من الأنعام، تبعاً للكلام الأول، {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشاتٍ} وأنشأ حمولة، أي: وخلق حمولة وفرشاً.
قال بعضهم: الحمولة ما حمل من الإِبل، والفرش الصغار التي لا تطيق الحمل. وتفسير الحسن وغيره: الحمولة الإِبل والبقر، والفرش الغنم.
قال: {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ} أي الحلال منه {وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أي خطايا الشيطان وقال بعضهم: أمر الشيطان فيما حرّم عليهم من الأنعام والحرث الذي ذكرنا قبل هذا الموضع. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي: بيّن العداوة.
قوله: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ} أي ذكر وأنثى، والواحد زوج {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ} على الاستفهام {أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ} من ذكر وأنثى، أم كل ذلك حرام، فإنه لم يحرّم منه شيئاً. {نَبِّئونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. أي إن الله حرم هذا؛ وهو ما حرموا من الأنعام التي ذكرنا مثل هذا الموضع. (1/568)
صفحة 567
قال: {وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ} من ذكر وأنثى أم كل ذلك حرام فإنه لم يُحَرّم منه شيء، يقول: أي كل هذا حرمت؟ فإني لم أحرّم منه شيئاً، ذكراً ولا أنثى.
قال الكلبي: يقول: إنما الأنعام كلها ثمانية أزواج، فمن أين جاء التحريم؟ من قبل الذكرين أم من قبل الأنثيين. {نَبِّيُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. فسألهم النبي عليه السلام. فسكتوا ولم يجيبوه. قال الله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا} فقال ذلك لهم النبي عليه السلام فقالوا: يا محمد: فبم هذا التحريم الذي حرّمه أباؤنا وآباؤهم قبلهم؟ فقال الله للنبي عليه السلام: قل يا محمد لا أجد فيما أوحي إلي محرّماً. . . . إلى آخر الآية.
قوله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا} بزعمكم أن الله حرّم هذا، أو أمركم بهذا. أي: إنكم لم تكونوا شهداء لهذا ولم يوصكم الله بهذا.
ثم قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمِّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} يقول: لا أحد أظلم منه. {لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} جاءه من الله {إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} يعني من يموت على شركه.
ثم قال: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} أي على آكل يأكله أي لِما كانوا حرّموا على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. قال: {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} وهو المهراق، وأما دم في عرق أو مخالط لحماً فلا. {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً} فيها تقديم: إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو فسقاً فإنه رجس؛ وإنما انتصب فسقاً لأنه تبع للكلام الأول: (لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ فِسْقاً). قوله: {أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ} أي ما ذبحوا على أصنامهم.
قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} أي فأكل من هذه الأشياء على الاضطرار منه {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. (1/569)
صفحة 568
ذكروا عن محمد بن الحنفية أنه كان سئل عن الطحال والأسد والحرباء وأشباه ذلك مما يكره فتلا هذه الآية: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً}. . . .
ذكروا عن جابر بن عبد الله أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وذكر عن الحكم الغفاري مثل ذلك، قال: وأبي البحر. قال عمرو بن دينار: وأبي البحر، قلت: من البحر؟ قال: ابن عباس. قال: {قل لا أجد فيما أوحى إلي محرماً}. . . إلى آخر الآية.
ذكر الحسن قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وألبانها.
وقال بعضهم: إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر إبقاء على الظهر ولم يحرّمها تحريماً. وهذا يشد قول ابن عباس في قوله: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً}.
ذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع. وهذا حديث شاذ ليس بالمجمع عليه. وقال: أهل المدينة: لا نعرف هذا الحديث. (1/570)
صفحة 569
ذكر قرة بن خالد قال: سألت الحسن عن السباع والضباع والضباب فقال: قد أغنى الله عنها، كانت طعام هذه الرعاء. قلت: أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كل سبع ذي ناب فقال: لا والله، ما سمعنا بذلك.
وكان عبادة بن الصامت يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. ولم يجمع الناس على هذا الحديث. وقال ابن أبي ذئب: هذا حديث لا يعرفه أهل المدينة.
قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} قال بعضهم: غير باغ في أكله ولا عاد، أي يتعدّى حلالاً إلى حرام. وقال مجاهد: غير باغ على الناس ولا عاد يقطع عنهم السبيل.
ذكر الحسن قال: إن رجلاً قال: يا رسول الله، متى تحرم عليّ الميتة. قال: «إذا رويت من اللبن وجاءت ميرة أهلك».
ذكر عبد الله بن عون قال: دخلت على الحسن فإذا عنده كتاب فقال: هذا كتاب سمرة لولده فإذا فيه يجزي من الضرورة أو من الضارورة صبوح أو غبوق.
ذكروا عن بعض السلف أنه قال: من اضطر فلم يأكل أو لم يشرب ومات دخل النار.
قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} يعني البعير والنعامة في أشياء من الطير والحيتان. وقد فسّرناه في سورة آل عمران: من الطير ما لا صيصة له، ومن الحيتان ما لا حرشفة له.
وقال مجاهد: النعامة والبعير. وقال الكلبي: كل ذي ظفر يجرج به أو ذي ظفر يجترّ. (1/571)
صفحة 570
قوله: {وَمِنَ البَقَرِ وَالغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أوِ الحَوَايَا} يعني المبعر في تفسير العامة. {أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ}. قال: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ} أي بكفرهم {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}.
قوله: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} أي لمن تاب من شركة وقَبِل ما أنزل الله {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ} أي عذابه {عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ} أي المشركين في هذا الموضع، يعني عذاب الساعة، أي النفخة التي يهلك الله بها كفار آخر هذه الأمة في تفسير الحسن، بتكذيبهم النبيَّ عليه السلام.
قوله: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ ءَابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} أي ما حرّموا على أنفسهم من الأنعام والحرث. قال مشركو العرب: لو كره الله ما نحن عليه لحوَّلَنا عنه.
قال الله: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا} أي عذابنا، يعني من أهلك منهم من الأمم السالفة حين كذَّّبُوا رسلهم، فقال الله للنبي عليه السلام: {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ} أن الذي أنتم عليه من الشرك أني أمرتكم به {فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} أي: إِنْ هذا منكم إلا ظن. {وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} أي تكذبون.
قوله: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ البَالِغَةُ} أي فقد قامت عليكم الحجة وجاءكم الرسول. {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} كقوله: {وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13].
قوله: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذَا} يعني ما حرّموا من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وما حرَّموا من الحرث. {فَإِن شَهِدُوا} أي فلا يجدون من يشهد لهم {فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} وإنما هذه صفة، ولا يكون ذلك {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} أي يعدلون به الأصنام فيعبدونها. (1/572)
صفحة 571
قوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} وهذا ما حرّم عليكم {أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إِمْلاَقٍ} وهو الوأد: دفنهم البنات أحياء مخافة الفاقة ومخافة السبي في تفسير بعضهم. وتفسير أول الآية عن الحسن. {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}.
قال: {وَلاَ تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ} يعني الزنا {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} فما ظهر منها علانيتها وما بطن سريرتها. وقال الكلبي: ما ظهر منها السِّفاح، يعني الزنا الظاهر، وما بطن المخادنة؛ وكانوا يستقبحون السِّفاح ولا يرون بالمخادنة بأساً، فنهاهم الله عنهما جميعاً.
قوله: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ}. ذكروا أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرىء إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً متعمداً» وبعضهم يقول: والرابعة ما حكم الله من قتل الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله.
وفيما يؤثر عن النبي عليه السلام أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم إلا بحقها» فينبغي أن يتفهَّم الناس هذه النُّكتة: إلا بحقّها؛ وحقُّها ما وصفنا من رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً متعمداً، أو قاتل على البغي فقُتل عليه.
قال: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تعقلوا. (1/573)
صفحة 572
قوله: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}. نزلت هذه الآية فكانت جهداً عليهم ألا يخالطوهم في المال ولا في المأكل، ثم أنزل: {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ} [البقرة: 220] فنسختها.
قرة بن خالد قال: سألت الضحاك بن مزاحم عن مخالطة اليتيم في ماله فقال: في نفسي لو قدمت الكوفة إن شاء الله أن أنظر إلى بني أخت لي أيتام، فأخلط طعامي وطعامهم كما يخلط الخليط الأسحم ثم نضرب بأيدينا في نواحيه.
قوله: {وَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} أي بالعدل {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي إلا طاقتها، وقد فسَّرناه قبل هذا الموضع.
قال: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} يعني الشهادة {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} أي ولو كانت الشهادة على ذي قربى، يعني المسلمين. كقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَو الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [النساء: 135] قال: {وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا} أي ما كان من الحق. {ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي لكي تتذكروا.
قوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} أي الإِسلام، طريقاً مستقيماً إلى الجنة. وإنما انتصب لأنه من باب المعرفة، كقولك: هذا عبد الله مقبلاً.
قوله: {فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} اليهودية والنصرانية وما كان غير ملّة الإِسلام {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} أي عن سبيل الله، أي الإِسلام. {ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. أي لكي تتقوا.
وقال مجاهد: {وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ}، أي: البدع والشهوات. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كلّ بدعة ضلالة». (1/574)
صفحة 573
قوله: {ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ} أي التوراة {تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ}. ذكر بعضهم قال: من أَحسن في الدنيا تمّت عليه النِّعمة في الآخرة، يعني الجنة.
قوله: {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} قال بعضهم: تبييناً لكل شيء. وقال الحسن: لكلِّ شَيء من الحلال والحرام والأحكام والهدى والضلالة. {وَهُدىً} أي يهتدون به إلى الجنة. {وَرَحْمَةً} يقتسمونها {لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} يعني البعث.
قوله: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} يعني القرآن. {فَاتِّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. قال بعضهم: اتَّبِعوا ما أحلّ الله فيه، واتَّقُوا ما حرّم فيه.
قوله: {أَن تَقُولُوا} يوم القيامة أي لئلا تقولوا يوم القيامة. قال مجاهد: يعني قريشاً. {إِنَّمَا أُنزِلَ الكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} قال بعضهم: اليهود والنصارى {وإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} قال:
{أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ} أي من أهل الكتاب. {فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ} أي موعظة {مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} يعني القرآن {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا} أي وصدَّ عنها في تفسير الحسن. وقال غيره: وأعرض عنها. أي لا أظلم منه. {سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونُ عَنْ ءَايَاتِنَا سُوءَ العَذَابِ} أي أشدّه {بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} أي يصدون في تفسير الحسن. وقال غيره: يعرضون.
قوله: {هَلْ يَنُظُرونَ} أي ما ينظرون، يعني المشركين {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ المَلاَئِكَةُ} أي بالموت {أَوْ يَأْتِي رَبُّكَ} أي بأمره {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ} وقال بعضهم: {إِلاَّ أَن تَأتِيَهُمُ المَلاَئِكَةُ} بالموت، {أَوْ يَأتِيَ رَبُّكَ} أي بالقيامة. وهو قوله: {وَجَآءَ رَبُّكَ} [الفجر: 22] أي بأمره. {وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}. وكقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ وَالمَلاَئِكَةُ} [البقرة: 210].
قال: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ} أي: طلوع الشمس من مغربها {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً}. (1/575)
صفحة 574
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت آمنوا كلهم أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن باب التوبة مفتوح من قبل المغرب مسيرة خمسمائة عام لا يزال مفتوحاً للتوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت أغلق».
ذكروا عن عبد الله بن عمر قال: إن الشمس تطلع من حيث يطلع الفجر، وتغرب من حيث يغرب الفجر، فإذا أرادت أن تغرب تقاعست حتى تضرب بالعمد فتقول: يا رب، إني إذا طلعت عُبدت دونك، فتطلع على ولد آدم كلهم. فتجري إلى المغرب فتسلّم فيرد عليها فتسجد فينظر إليها، ثم تستأذن فيؤذن لها فتجري إلى المشرق، والقمر كذلك.
حتى يأتي عليها يوم تغرب فيه، فتسلّم ولا يُرَد عليها، وتسجد فلا يُنظر إليها، ثم تستأذن فلا يُؤذن لها. ثم يقال لهما: ارجعا من حيث جئتما فيطلعان من المغرب كالبعيرين المقترنين.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: الليلة التي صبيحتها تطلع الشمس من مغربها قدرها ثلاث ليال. (1/576)
صفحة 575
قوله: {لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً}. قال الكلبي: لا تقبل التوبة يومئذ ممن لم يكن مؤمناً، ولا ممن كان يدّعي الإِيمان بغير وفاء. فأما المؤمنون الصادقون فإن العمل يقبل منهم كما كان يقبل قبل ذلك.
قوله: {قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ} كان المشركون ينتظرون بالنبي عليه السلام الموت، وكان النبي ينتظر بهم العذاب.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً} [أي أحزاباً]. قال مجاهد: هم أهل الكتاب اليهود والنصارى. وقال بعضهم: اليهود والنصارى والصابون وغيرهم. قال: {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} قوله: {مَن جَآءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} هذه في المؤمنين. والحسنة هاهنا الأعمال الحسنة. وكان هذا قبل أن تنزل الآية التي في البقرة: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ} [البقرة: 261].
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام، يقول الله: هو لي وأنا أجزي به، لا يذر طعامه ولا شرابه ولا شهوته إلا من أجلي، فأنا أجزيه به».
قوله: {وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ} وهذه في المنافقين {فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} وقال بعضهم: هي في أهل الشرك. وقال السيئة هاهنا الشرك.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من همَّ بحسنة فعملها كتبت عشراً وهذا في المؤمنين ومن همّ بسيئة وعملها كتبت له سيئة واحدة. ومن همَّ بسيئة ولم يعملها لم (1/577)
صفحة 576
يكتب عليه شيء. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه يقول الله للملائكة: اكتبوها له حسنة، وإنما تركها من خشيتي».
قوله: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} والحنيف المخلص في تفسير الحسن. وفي تفسير الكلبي: المسلم.
قوله: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} قال بعضهم: (نُسُكِي): حجي وذبحي. قال: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ} قال: {لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ} أي من هذه الأمة.
قوله: {قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [وهذا جواب من الله للمشركين حيث دعوا النبي إلى أن يعبد ما كان يعبد آباؤهم] {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} أي على نفسها {وَلاَ تَزِرُ} أي: ولا تحمل {وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} والوزر: الذنب. أي لا يحمل أحد ذنب أحد. {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي ما اختلف فيه المؤمنون والمشركون فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل المشركين النار.
قوله: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ}.
قال بعضهم: خَلَفاً بعد خلف. وقال الحسن: خلائف بعد الهالكين. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنتم توافون سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله». (1/578)
صفحة 577
قوله: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} فيما أعطاكم [من الفضائل في الدنيا] {لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَاتَاكُمْ} أي ليختبركم فيما أعطاكم {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ} أي إذا جاء الوقت الذي يريد أن يعذبهم فيه حين كذّبوا رسله {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} غفّار لمن تاب من شركه وآمن، ومن تاب في الإِيمان من ذنوبه رحيم لهم. (1/579)
صفحة 578
[صفحة بيضاء] (1/580)
صفحة 579
فهرس الجزء الأل
الإهداء ................................................... -أ-
مقدمة المحقق ............................................ 5 – 45
لوحة المخطوطات ......................................... 47 – 58
بيان الإشارات والرموز الواردة في الكتاب .................. 59
مقدمة المؤلف ............................................ 61 – 72
رقم السورة ... اسمها ... صفحاتها
1 الفاتحة 73 - 77
2 البقرة 78 - 256
3 آل عمران 266 – 344
4 النساء 345 – 442
5 المائدة 443 – 512
6 الأنعام 513 – 579 (1/581)
صفحة 580
دار الغرب الإسلامي
بيروت - لبنان
لصاحبها: الحبيب اللمسي
شارع الصوراتي) المعماري (الحمراء- بناية الأسود
تلفون: 340131 - 340132 - ص. ب 5787 - 113 بيروت -لبنان (1/582)
صفحة 581
تفسير كتاب الله العزيز
الجزء الثاني (2/1)
صفحة 582
[صفحة بيضاء] (2/2)
صفحة 583
تفسير كتاب الله العزيز
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
للشيخ هود بن محكم الهواري
من علماء القرن الثالث الهجري
حققه وعلق عليه
بالحاج بن سعيد شريفي
الجزء الثاني
دار الغرب الإسلامي (2/3)
صفحة 584
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1990 (2/4)
صفحة 585
تفسير سورة الأَعْرَافِ
وهي مكية كلها إلا آية واحدة
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {المص} كان الحسن يقول: لا أدري ما تفسير {المص} و {الم} و {الر} غير أن قوماً من السلف كانوا يقولون: أسماء السور ومفاتيحها. وقد فسّرنا ما بلغنا في هذا في غير هذا الموضع.
قوله: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} أي القرآن: {فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} أي: شك منه بأنه من عند الله، في تفسير الحسن ومجاهد وغيرهما. {لِتُنذِرَ بِهِ} أي من النار {وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} يذكرون به الآخرة.
قوله: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} أي القرآن {وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} يعني الأوثان. {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} أي أقلُّكُم المتذكّر. كقوله: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103].
قوله: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} يعني ما أهلك من الأمم السالفة حين كذّبوا رسلهم. {فَجَاءَهَا بَأْسُنَا} أي عذابنا {بَيَاتاً} أي ليلاً {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} أي عند (2/5)
صفحة 586
القائلة بالنهار. وهو كقوله: {قُلْ أرَءَيْتُمْ إِنْ أتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً} [يونس: 50].
(1/ 401)
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)
قال: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ} أي: [قولهم] إذ جاءهم بأسنا، أي عذابنا {إِلاَّ أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}. قال بعضهم: لم يكن لهم هجّيري حين جاءهم العذاب إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين. كقوله في سورة الأنبياء: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً}، أي مشركة، يعني أهلها، إلى قوله. . .: {يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ} [سورة الأنبياء: 10 - 15] أي لم يكن لهم هجِّيري (إِلاَّ أَن قَالُوا: يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ). قال: الهجّيري: الذي يلزمه الرجل يردده.
ذكروا عن الحسن أنه كانت هجيراه سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده. وكانت هجّيري بعضهم: {أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ}. يعني بهجِّيراهم أنه لم يكن لهم قول حين جاءهم العذاب {إِلاَّ أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}.
قال الحسن: فَمَا كَان دَعْوَايهُمْ، أي ما دعوا به حين جاءهم العذاب إلا أن قالوا: يا ويلنا إنا كنا ظالمين. فاقرّوا بالظلم على أنفسهم ونادوا بالتوبة حين لم تنفعهم التوبة. قال: فهي مثل قوله: {فَنَادَوْا وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} [سورة ص: 3] أي ليس حين نزو ولا فرار. وكقوله: {وَقَالُوا ءَامَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ} [سورة سبأ: 52 - 53]، وأنّى لهم التَّناوُش، أي وأني لهم الرّدّ إلى الدنيا، أي فيؤمنوا، فهذا تفسير ابن عباس. وقال الحسن: التَّناوُش: الإِيمان، أي: وكيف لهم بالإِيمان وقد جاءهم العذاب.
قوله: {فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ}، كقوله: {يَوْمَ (2/6)
صفحة 587
يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} [المائدة: 109] أي ماذا أجابكم قومكم.
(1/ 402)
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9)
{فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم} أي أعمالهم {بِعِلْمٍ} بها {وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} أي عن أعمالهم.
قوله: {وَالوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} أي: السعداء، وهم أهل الجنة. {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم} فصاروا إلى النار. {بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} أي يظلمون أنفسهم. وهو ظلم فوق ظلم وظلم دون ظلم.
وبلغنا أن المؤمن توزن حسناته وسيئاته، فمنهم من تفضل حسناته على سيئاته، وإن لم تفضل إلا حسنة واحدة يضاعفها الله له فيدخله الجنة: وهو قوله: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 40]، ومنهم من تستوي حسناته وسيئاته، وهم أصحاب الأعراف، ومنهم من تفضل سيئاته على حسناته. قال الله: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ أَلَمْ تَكُنْ ءَايَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنون: 103 - 105].
قوله: بما كانوا بِآياتنا يظلمون، أي: أنفسهم، وهو ظلم فوق ظلم، وظلم دون ظلم. فالآية محتملة لظلم الشرك وظلم النفاق.
(1/ 403)
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)
قوله: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ}. قال الحسن: يعني المشركين بعد الماضين، فجعلناكم خلائف بعدهم. {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي: أقلكم الشاكرون، يعني أقلكم المؤمنون، أي أقلكم من يؤمن.
قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} أي الخلق الأول: آدم من طين، ونسله بعده من نطفة {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ} أي: بعد خلق آدم، قبل خلقكم من النطف {اسْجُدُوا لأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ}.
قال بعضهم: خلق الله آدم من طين، ثم صوّرناكم في بطون أمهاتكم. وقال مجاهد: ثم صورناكم في ظهر آدم.
وقال الكلبي: خلقناكم من نطفة، ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم لحماً، ثم صورناكم، أي العينين والأنف والأذنين واليدين والرجلين صوراً نحوا من هذا. ثم جعل حسناً وقبيحاً، وجسيماً وقصيراً وأشباه ذلك. ثم رجع إلى قصة آدم عليه السلام فقال: ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين. قال بعضهم: كانت الطاعة لله والسجود لآدم.
قوله: {إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ}. وقال في آية أخرى: {فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ} [الكهف: 50]. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود. وقال بعضهم: كان من الجن وهم جنس من الملائكة يقال لهم الجن. وقال بعضهم: (2/7)
صفحة 588
جن عن طاعة ربّه.
وقال الحسن: إن إبليس ليس من الملائكة وإنه من نار السّموم، وإن الملائكة خلقوا من نور الله، وإن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم وأمر إبليس أيضاً بالسجود له، فجمع المأمورين جميعاً.
قوله: {قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ (2/8)
صفحة 589
وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ. قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} يعني في السماء {فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ. قَالَ أَنظِرْنِي} أي أخِّرني {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ} وقال في آية أخرى: {إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} [سورة ص: 81] أي إلى النفخة الأولى. وأما قوله ها هنا: {إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} ففيها إضمار: إلى يوم الوقت المعلوم.
{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي} أي: فبما أضللتني. وقال الحسن: فبما لعنتني {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ} أي: فأصدّهم عنه.
ذكروا عن الحسن قال: ليس من هذا الخلق شيء إلا وقد توجه حيث وجه. ولولا أن ابن آدم قعد له على الطريق، أي الشيطان، فيخبل له حتى عدله، مضى كما مضى سائر الخلق. يعني أن بني آدم ابتلوا بما لم يُبتل به غيرهم من الخلق.
(1/ 404)
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)
قوله: {ثُمَّ لأَتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ} من حيث لا يشعرون {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} أي مؤمنين.
أما قوله: {مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} فمن قِبَلِ الآخرة فأخبرهم أنه لا بعث بعد الموت ولا جنة ولا نار. وأما قوله: {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} فمن أمر دنياهم [فازينُها في أعينهم وأخبرهم] أنه لا حساب عليهم في الآخرة فيما صنعوا في الدنيا، لأنهم إذا كانوا في الآخرة كانت الدنيا خلفهم. كقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من أمر الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ} [البقرة: 255] من أمر الدنيا إذا كانت الآخرة. وقوله: {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} فأثبطهم عن الخير، كقوله: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليَمِينِ} [الصافات: 28] أي من قِبَل الخير فتثبِطوننا عنه. وأما {عَن شَمَائِلِهِمْ} فيعني من قبل المعاصي. يأمرهم بمعصية الله. {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} أي مؤمنين. وكان ذلك ظناً منه، فكان (2/9)
صفحة 590
الأمر على ما ظن. كقوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ المُؤْمِنِينَ} [سبأ: 20] أي إلا الفريق الذين آمنوا.
(1/ 405)
قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20)
قوله: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً} قال الحسن: مذموماً. وقال مجاهد: منفياً. قوله: {مَّدْحُوراً}. قال مجاهد: مطروداً منفياً. وقال بعضهم: مباعداً. وقال بعضهم: مقصياً. وقال بعضهم: {اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً} أي: مقيتاً منفياً. وتفسير مجاهد فيها على التقديم: اخرج منها مطروداً منفياً. قال: {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ}.
قوله: {وَيَاءَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} أي لأنفسكما بخطيئتكما.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: الشجرة التي نهى عنها آدم وحواء هي السنبلة التي فيها رزق ابن آدم. وقال بعضهم: هي التين. قوله: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} وكانا كسيا الظفر، فلما أكلا الشجرة بدت لهما سوءاتهما.
ذكروا عن الحسن عن أبي كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان آدم طوالاً كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما وقع فيما وقع فيه بدت له عورته، وكان لا يراها قبل ذلك، فانطلق هارباً في الجنة، فأخذت شجرة من شجر الجنة برأسه، فقال لها: أرسليني. فقالت: لست بمرسلتك. فناداه ربه: أَمِنِّي تفرّ؟ قال: يا رب إني استحييتك.
قوله: {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} أي من الملائكة {أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ} أي من الذين لا يموتون. أي إنكما إذا أكلتما من الشجرة كنتما مَلَكين من ملائكة الله.
(1/ 406)
وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24)
{وَقَاسَمَهُمَا} بالله {إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}. قال: [بعضهم]: حلف لهما بالله وقال لهما: خُلِقْتُ قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما. قال: إنما يخدع المؤمن بالله. قال الله: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} وقد فسّرناه قبل هذا الموضع.
قوله: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ} ذكروا أن مجاهدا قال: يرقِّعان كهيئة الثوب. {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي بيِّن العداوة.
{قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ}.
{قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} آدم معه حواء وإبليس والحية التي دخل فيها إبليس فكلمهما فيها، فهي لا تقدر على ابن آدم في موضع إلا لدغته، ولا يقدر عليها في موضع إلا شدخها. (2/10)
صفحة 591
ذكر بعضهم قال: من قتل حية أو عقرباً فقد قتل كافراً. وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحيات: «ما سالمناهن منذ حاربناهن»
ذكر عن عبد الله بن عمر قال: الحيات مما مسخ من ذرية إبليس، وما سالمناهن منذ حاربناهن، فمن تركهن تقية منهن قال في ذلك قولاً عظيماً.
ذكروا عن عائشة أنها قالت: من ترك حية خشية ثأرها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. (2/11)
صفحة 592
ذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى في بيته من هذه الحيات شيئاً فَلْيُحَرِّج عليه ثلاثاً فإن ظهر بعد ذلك فليقتله فإِنه كافر»
قوله: {وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} أي تكونون فيها {وَمَتَاعٌ} يعني متاع الدنيا تستمعون به {إِلَى حِينٍ} أي: إلى الموت.
(1/ 407)
قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25) يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)
{قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ} أي في الأرض تولدون {وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} أي يوم القيامة.
قوله: {يَابَنِي ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ} يعني الثياب {وَرِيشاً} يعني المال والمتاع في تفسير الحسن. وقال مجاهد: المال. قال: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} {ذَلِكَ خَيْرٌ} كلام مستقل، ومن قرأها بالنصب يقول: أنزلنا عليكم لباس التقوى، أي العفاف. إن العفيف لا تبدو له فيه عورة وإن كان عارياً، وإن الفاجر بادي العورة وإن كان كاسياً. قال: {ذَلِكَ مِنْ ءَايَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}.
قوله: {يَابَنِي ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ} أي: لا يضلّنّكم الشيطان. {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا} إنه لما أمرهما بالأكل من الشجرة فأكلا بدت لهما سوءاتهما.
قال: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}. ذكروا أن مجاهداً قال: قبيله الجن والشياطين. وقال بعضهم: (2/12)
صفحة 593
إن عدوا يراك من حيث لا تراه لشديد المؤونة إلا من عصمه الله. وقال الحسن: قبيله، الجن وهم ولده. وقال الكلبي: قبيله جنوده.
(1/ 408)
وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)
قوله: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} أي من الكفر والشرك {قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. وهذا على الاستفهام، يقول: نعم، قد قلتم على الله ما لا تعلمون.
قوله: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} أي بالعدل {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} كقوله: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً} [الجن: 18] أي: إن كل قوم سوى المسلمين إذا صلوا في مساجدهم أشركوا بالله، وقال مجاهد: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أي إلى الكعبة حيث صلّيتم في كنيسة أو غيرها.
قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} أي عراة كما خلقوا.
ذكروا عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يبعث الله الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً»
قال: {فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ} ذكروا أن مجاهداً قال: يعني شقياً وسعيداً. (2/13)
صفحة 594
قال: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} قال مجاهد: يعني قريشاً لتركهم الثياب في الطواف.
(1/ 409)
يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)
قوله: {يَابَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}. قال الحسن: كان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت عراة، الرجال والنساء، فأمر الله المسلمين فقال: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، أمرهم أن يلبسوا الثياب.
قال: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} أي الحلال في الإِضمار {وَلاَ تُسْرِفُوا} أي: فتحرموا ما أحل الله لكم كما حرم أهل الجاهلية من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وما حرموا من زروعهم {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} أي المشركين. وقال مجاهد: هم السافكون الدماء بغير حلّها.
قوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ}، يعني الثياب، لأنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة {وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} أي ما حرموا من أنعامهم وحروثهم. {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} وقد خالطهم المشركون والمنافقون فيها في الدنيا، وهي للذين ءامنوا {خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَةِ} دون المشركين والمنافقين.
قال بعضهم: من عمل بالإِيمان في الدنيا خلصت له كرامة الله يوم القيامة.
قال: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ} أي نبين الآيات بالحلال والحرام والأمر والنهي: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} وهم المؤمنون الذين قبلوا ذلك عن الله. فأما المشركون فصدوا عنه وجحدوه، والمنافقون فرَّطوا وضيّعوا، ولم يوفّوا بما أقرّوا به من العمل الذي انتقصوه. (2/14)
صفحة 595
ذكر بعضهم قال: كان هذا الحي من كندة يطوفون بالبيت وهم عراة، إلا أن يستعير أحدهم مئزراً من أهل مكة فيطوف فيه. فأنزل الله ما تسمعون حتى انتهى إلى قوله: قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، وهو ما حرّم أهل الجاهلية من أموالهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
قوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} ما ظهر منها: العلانية، وما بطن منها: السّرّ. وقال بعضهم: الزنا، سرُّه وعلانيته. {وَالإِثْمَ} المعاصي كلها {وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ} [يعني الظلم] {وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} أي حجة، يعني أوثانهم التي عبدوا من دون الله {وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} زعموا أن الله أمرهم بعبادتها بغير علم جاءهم من الله.
قوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} يعني أن القوم إذا كذّبوا رسلهم فجاء الوقت الذي يأتيهم فيه العذاب، فإنهم لا يستأخرون ساعة عن العذاب ولا يستقدمون.
قوله: {يَابَنِي ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. وهي مثل قوله: {اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى}، والهدى ها هنا الرسول {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38] أي في الآخرة.
ذكر بعضهم أنه ذكر هذه الآية فقال: ما كان الله ليخلي الأرض لإِبليس حتى لا يجعل له فيها من يعمل بطاعته.
قوله: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي لا يموتون ولا يخرجون منها.
قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} أي لا أحد (2/15)
صفحة 596
أظلم منه {أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكِتَابِ} قال بعضهم: ما كتب لهم من أعمالهم التي عملوا. وقال بعضهم: ما كتب في أم الكتاب من أعمالهم التي هم لها عاملون. قال مجاهد: هذا شقي وهذا سعيد ينالهم ما كتب عليهم. وقال الكلبي: نصيبهم من الكتاب أي أن الله قضى أنه من افترى عليه سوّد وجهه. قال: {وَيَوْمَ القِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} [الزمر: 60].
قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا} أي الملائكة {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} قال الحسن: هذه وفاة إلى النار. {قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ} يعني أوثانهم {قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا} في الدنيا {كَافِرِينَ}.
(1/ 411)
قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40)
{قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ} أي مع أمم {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} كقوله: {ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً} [العنكبوت: 25]. قوله يكفر بعضكم، أي بولاية بعض.
{حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً} أي إذا صاروا فيها جميعاً {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاَءِ أَضَلُّونَا} كل أمة تقوله أخراها لأولاها. {فَئَاتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ}. ذكروا أن مجاهداً قال: لكل ضعف مضاعف لأُولاَهُم ولأُخراهُم. [وقوله: ولكن لا تعلمون أي أيها المخاطبون ما لكل فريق منكم].
قوله: {وَقَالَتُ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} أي في تخفيف العذاب قال الله: {فَذُوقُوا العَذَابَ} أي: جميعاً {بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} أي تعملون.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} أي: لأعمالهم ولأرواحهم إذا ماتوا. (2/16)
صفحة 597
[ذكر بعضهم قال] إن المؤمن إذا مات صعد بروحه ملائكة، فإذا بلغوا السماء الدنيا شيعتهم منها ملائكة إلى السماء الثانية، وكذلك كل سماء حتى ينتهي به [إلى الله، فيؤمر بالسجود فتسجد الملائكة قبله، ثم يسجد]، ويقوم الملائكة المقربون فيصلون عليه كما تصلون أنتم على موتاكم وأنتم ها هنا. ثم يقول: ردوه فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى. وأما الكافر فينتهي بروحه إلى السماء الدنيا فيقال: ردوه إلى برهوت أسفل الثرى من الأرض السفلى.
قوله: {وَلاَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ} وهي تقرأ على وجه آخر: حتى يلج الجُمَّل في سمّ الخياط. ذكروا عن الحسن قال: هو الذي يقوم في المربد على أربع. ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: هو الجمل زوج الناقة. وقال مجاهد: هو حبل السفينة.
وقوله: في سم الخياط، أي: حتى يلج الجمل، في القراءتين جميعاً، في سم الخياط، أي في ثقب الإِبرة، ولا يدخل في ثقب الإِبرة أبداً.
قال: {وَكذَلَكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ} أي المشركين والمنافقين جميعاً، وهو جرم فوق جرم، وجرم دون جرم.
(1/ 412)
لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) (2/17)
صفحة 598
{لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} يعني بالمهاد الفراش، ومن فوقهم غواش، ما يغشاهم من النار. وهو كقوله: {لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [الزمر: 16]. {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} أي المشركين والمنافقين جميعاً وهو ظلم فوق ظلم وظلم دون ظلم.
قوله: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي إلا طاقتها {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي لا يموتون ولا يخرجون منها.
قوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} [يعني العداوة والحسد].
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يحبس أهل الجنة على باب الجنة، أو قال: على قنطرة باب الجنة، حتى تذهب عنهم ضغائن كانت في الدنيا».
وقال بعضهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحبس أهل الجنة كلهم دون الجنة حتى يقضي لبعضهم من بعض ويفاضل بينهم كمثل كوكب بالمشرق وكوكب بالمغرب».
ذكروا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إذا توجه أهل الجنة عرضت لهم عينان فاغتسلوا في إحداهما فجرت عليهم نضرة النعيم، ثم يشربون من الأخرى فيخرج ما في بطونهم من أذى وقذى وغلّ. فإذا جاءوا إلى منازلهم تلقتهم الملائكة وقالت لهم: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73]. وبعضهم يقول: فيخرج ما في بطونهم من أذى وقذى أو غل وغش.
ذكر بعضهم عن علي في قوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} قال: منهم عثمان بن مظعون وطلحة والزبير. (2/18)
صفحة 599
قال: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} وقد فسّرنا الأنهار من قبل هذا الموضع.
{وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} أي للإيمان {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} أي لم نكن لنهتدي له لولا أن هدانا الله. {لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالحَقِّ} أي في الدنيا. {وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. أي على قدر أعمالكم.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الدرجة في الجنة فوق الدرجة كما بين السماء والأرض. وإن العبد من أهل الجنة ليرفع بصره فيلمع له برق يكاد يخطف بصره فيقول: ما هذا؟ فيقال: هذا نور أخيك فلان. فيقول أخي فلان! كنا نعمل في الدنيا وقد فضِّل عليّ هكذا. فيقال له: إنه كان أحسن منك عملاً»
(1/ 413)
وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)
قوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ}. هذا من قول الله وانقطع كلام الفريقين. {أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} أي المشركين والمنافقين، وهو ظلم فوق ظلم، وظلم دون ظلم.
قوله: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ} هذا الآن في الدنيا، وانقطعت القصة الأولى من قول أهل الجنة وقول أهل النار. قال: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي ويبغون سبيل الله، أي طريق الهدى، عوجاً. {وَهُم بِالأَخِرَةِ كَافِرُونَ}.
قوله: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} أي بين الجنة والنار حجاب. {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} والحجاب هو الأعراف. والأعراف هو المكان المشرف المرتفع فيما ذكروا عن ابن عباس. وذكروا أن مجاهداً قال: الأعراف حجاب بين (2/19)
صفحة 600
الجنة والنار. وقال بعضهم: الحجاب حائط بين الجنة والنار.
قوله: {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} قال بعضهم: السيما الأعلام، فهم يعرفون أهل الجنة ببياض الوجوه، ويعرفون أهل النار بسواد الوجوه. وقال مجاهد: بسواد وجوههم وزرقة عيونهم.
ذكروا عن ابن عباس قال: أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تفضل حسناتهم على سيئاتهم ولا سيئاتهم على حسناتهم، فحبسوا هنالك. وقال بعضهم: وقد نباكم الله بمكانهم من الطمع إذ قال: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ}.
قوله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ} [الحديد: 13]. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أُحُداً جبلٌ يحبّنا ونحبه. وإنه يمثل يوم القيامة بين الجنة والنار، يحشر عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم، هم إن شاء الله من أهل الجنة».
وقال بعضهم عن حذيفة بن اليمان قال: أصحاب الأعراف رجال تجاوزت بهم حسناتهم عن النار، وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة {إِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القَوْمِ الظَّالِمينَ}. فبينما هم كذلك إذ قال الله لهم: ادخلوا الجنة.
قوله: {وَنَادَوْا أَصْحَابَ الجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} أي سلموا عليهم. وقال بعضهم: يميل بهم الصراط مرة إلى الجنة ومرة إلى النار، ثم يدخلون الجنة. (2/20)
صفحة 601
قال الله: {لَمْ يَدْخُلُوهَا} يعني أصحاب الأعراف {وَهُمْ يَطْمَعُونَ} أي: في دخولها. قال الحسن: هذا طمع اليقين كقول إبراهيم عليه السلام: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 82].
قال: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ} أي نحو {أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي من ظالم مشرك ومن ظالم منافق، وهو ظلم فوق ظلم وظلم دون ظلم، وهم أهل النار جميعاً.
قوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ} وهؤلاء ملئكة نادوا {رِجَالاً يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ} أي بسواد وجوههم وزرقة أعينهم، يعني أهل النار {قَالُوا} لهم {مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ} في الدنيا {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} أي عن عبادة الله.
{أَهَؤُلاَءِ} على الاستفهام، يعنون أهل الجنة. {الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}. يعني أصحاب الأعراف في تفسير مجاهد. وفي تفسير الحسن يعنون أهل الجنة كلهم. يقول: لأن أصحاب الأعراف من أهل الجنة، كقوله: {وَقَالُوا مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُم} في الدنيا {مِّنَ الأَشْرَارِ} [سورة ص: 62]، وكقوله هنا: {أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يُنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ} ثم انقطع كلام الملائكة، وقال لهم الله: {ادْخُلُوا الجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}. وهذا كلام مقطوع من كلام الملئكة يعرفه الراسخون في العلم. وهذا من نحو حديث حذيفة إذ قال: فبينما هُم كذلك إذ قال الله لهم: ادخلوا الجنة.
قوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ المَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ} أي الطعام. قال بعض التابعين: الخبز. {قَالُوا} أي قال أهل الجنة: {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الكَافِرِينَ} أي الكافرين جميعاً من كافرِ مشرك أو كافر منافق.
{الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ} أي في الدنيا {لَهْواً} أي ملهاة يتلاهون به (2/21)
صفحة 602
{وَلَعِباً} أي من جهة اللعب والباطل {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} بزخرفها وغرورها {فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ} أي نتركهم في النار {كَمَا نَسُوا} أي كما تركوا {لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} أي كما تركوا العمل للقاء هذا اليوم. وإنما نسوا من الخير ولم ينسوا من الشر: أي: تركوا من الخير ولم يتركوا من الشر. قال:
{وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} يعني أنه ليس أصحاب النار كلهم جاحدين. يقول: وما كانوا، أي ولم يكونوا. أي: أهل النار جميعاً بآياتنا يجحدون. أي: إن من أهل النار الجاحد بآياتنا وغير الجاحد. وهذا حقيقة التأويل؛ لأنه قد دُخِلت النار بغير الجحود؛ دخلها أكلة الربا، وراكبو الزنا، وقاتلو الأنفس، وآكلو أموال اليتامى وأموال الناس بالباطل، وغير ذلك من الكبائر الموبقة. والآية جامعة لجميع الكفار من كافر مشرك وكافر منافق على المعنى الذي فسّرنا. فمن قال إن أهل النار كلهم جاحدون أكذبه الوجود، فقد دخلها بغير جحود من وصفنا. ومن قال إنهم جميعاً غير جاحدين لقول الله وما كانوا بآياتنا يجحدون، أي: إنهم جميعاً لم يكونوا جاحدين، أكذبه الوجود أَنْ أهل الجحد والإِنكار من أهل النار. قال الله: وما كانوا بأياتنا (2/22)
صفحة 603
يجحدون، فانقطعت قصة أهل الجنة وأهل النار ها هنا.
(1/ 415)
وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)
ثم ابتدأ الكلام فقال: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم} يعني المشركين {بِكِتَابٍ} يعني القرآن ومعنى جئناهم أي: جاءتهم به الرسل، إنه جاءهم به، أي فجعل ما جاءتهم به الرسل أنه جاءهم به، أي بالرسل والكتاب {فَصَّلْنَاهُ} أي بيَّنّا فيه الحلال والحرام، والأمر والنهي، والوعد والوعيد والأحكام {عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ} أي هدى يهتدون به طريق الجنة.
ثم قال: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} أي ثوابه في تفسير الحسن وغيره. وقال مجاهد: جزاءه، وهو واحد. قال: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} أي ثوابه والجزاء به [في الآخرة {يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ} أي الذين تركوه {مِن قَبْلُ} أي في الدنيا. أي: اعرضوا عنه. والإِعراض من وجهين: أحدهما لم يؤمنوا به، والآخر لم يعملوا بفرائضه وأحكامه. وهذا إعراض المنافقين. كقوله: {وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم} [النور: 47] أي عن العمل بما أقروا به والاستكمال لما عاهدوا عليه {مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ} [النور: 48] أي عن استكمال الفرائض التي أقرّوا بها.
{قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالحَقِّ} إذ نحن في الدنيا فآمنوا حيث لا ينفعهم الإِيمان. {فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا} أن لا نعذب {أَوْ نُرَدُّ} إلى الدنيا {فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} سألوا الله أن يَرُدُّهُم إلى الدنيا فيعملوا بالإيمان ويكملوا الفرائض. (2/23)
صفحة 604
قال الله: {قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ} فصاروا في النار {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي أوثانهم التي عبدوها فلم تغن عنهم شيئاً.
(1/ 416)
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)
قوله: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} وفيها إضمار، وإضمارها: الذي خلق السماوات والأَرض وما بينهما. وهذا موضع الإضمار. كقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [سورة ق: 38].
قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ} [أَي أن الليل يأتي على النهار] ويغطيه ويُذهبه {يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} فيذهبه {وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ} من البركة، وهو تفاعل {رَبُّ العَالَمِينَ}.
قوله: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً} أي من الضراعة والخضوع {وَخُفْيَةً} أي: وسرّا {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ}.
{وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} قال بعضهم، يعني بعدما بعث النبي عليه السلام واستجيب له {وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} أي خوفاً منه وطمعاً في رحمته. {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ} أي إنها للمحسنين دون سواهم.
قوله: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} قال بعضهم: أي يبسطها بين يدي المطر. وتفسير الحسن في قوله نشرا، أي: تلفح السحاب.
قال: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً} قال بعضهم: الثقال، التي فيها الماء {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} أي: إلى بلد ليس به نبات {فَأَنزَلْنَا بِهِ المَاءَ} أي: بذلك البلد. قال الحسن: إن الله ينزل الماء من السماء فيسكنه السحاب ثم يصرفه حيث يشاء. {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} أي أنبتنا بالماء {مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ}.
قال: {كَذَلِكَ} أي هكذا {نُخْرِجُ المَوْتَى} يعني البعث. (2/24)
صفحة 605
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: يرسل الله مطراً منياً كمنى الرجال، فتنبت به لحمانهم وجسمانهم كما تنبت الأرض الثرى. ثم تلا هذه الآية: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فاطر: 9] أي كذلك البعث. وقال مجاهد: {كَذَلِكَ النُّشُورُ}، أي: بمطر السماء حتى تنشق عنهم الأرض.
قوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} قال الحسن: يقوله للمشركين. يقول: فالذي أنزل الماء فأخرج به هذا النبات من هذه الأرض الميتة قادر على أن يحيي الموتى.
(1/ 417)
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)
قوله: {وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} قال الحسن: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر: إن عمل المؤمن مقبول، وعمل الكافر ليس بمقبول؛ مثل الأرض التي ليست بطيبة والتي لا يخرج نباتها إلا نكداً.
وقال الكلبي: هذا مثل المؤمن والمنافق. أما البلد الطيب فمثل المؤمن يعمل ما عمل من شيء ابتغاء وجه الله، وأما الذي خبث فالمنافق لا يفعل شيئاً، ولا يعمله إلا رياء وسمعة، إلا نكداً، ليست له فيه حسبة.
وقال مجاهد: كل هذا من الأرض، الخبيث وغيره، مثل آدم وذريته، كلهم منه؛ منهم طيب وخبيث.
وقال بعضهم: {البَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ}، هذا مثل المؤمن، سمع كتاب الله فأقر، فانتفع به وعقله، كمثل هذه الأرض الطيبة أصابها الغيث فأنبتت وأمرعت. {وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} أي إلا عسراً. هذا مثل الكافر، سمع كتاب الله فلم يعقله ولم ينتفع به، كمثل هذه الأرض الخبيثة أصابها الغيث فلم تنبت شيئاً ولم تمرع عنه. (2/25)
صفحة 606
قال: {كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الأَيَاتِ} أي نبّين الآيات. وقال بعضهم: أي نكرر الآيات ونأتي بها من الوجوه التي فيها البيان والشرح. {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} أي لقوم يؤمنون.
(1/ 418)
لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64) وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66)
قوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ! إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي في ضلال بيِّن، أي فيما تدعونا إليه. {قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.
قال الحسن يقول: أعلم من الله أنه مهلككم ومعذبكم إن لم تؤمنوا.
قال: {أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ}، أي وحي {مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ} [أي على لسان رجل منكم] وذلك أنهم عجبوا من ذلك {لِيُنذِرَكُمْ} أي لكي ينذركم العذاب في الدنيا والآخرة. {وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي لكي ترحموا إن اتَّقيتم. ولعل من الله واجبة للمؤمنين.
{فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً عَمِينَ} أي عن الهدى.
قوله: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} يقول: وأرسلنا أخاهم هوداً، تبعاً للكلام الأول: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً}. هو أخوهم في النسب وليس بأخيهم في الدين. {قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَالَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ}.
{قَالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} [يعني الرؤساء] {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} أي من (2/26)
صفحة 607
الرأي، سفّهوه وسفّهوا دينه وزعموا أنه مجنون. {وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِينَ} كان تكذيبهم إياه بالظن.
{قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ} أي ادعوكم إلى الله وإلى ما ينفعكم في الدنيا والآخرة {أَمِينٌ} على ما جئتكم به من عند الله.
قوله: {أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي بيان من ربكم {عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} عذاب الله في الدنيا والآخرة، ولم يبعث الله نبياً إلا وهو يحذر أمته عذاب الله في الدنيا وعذابه في الآخرة إن لم يؤمنوا.
{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} أي استخلفكم في الأرض بعدهم. {وَزَادَكُمْ فِي الخَلْقِ بَسْطَةً} يعني الأجسام والقوة التي أعطاكم. قال الله: {الَّتِي لَمْ تُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلاَدِ} [الفجر: 8].
قوله: {فَاذْكُرُوا ءَالاَءَ اللَّهِ} أي نعماء الله. وقال بعضهم: نعمة الله {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي لكي تفلحوا.
{قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ} دعاهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام. {وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا} يعنون أصنامهم {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}.
{قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ} أي قد وجب عليكم من ربكم رجس، والرجس العذاب {وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم} يعني أصنامهم {مَّا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} أي من حجة تأمركم بعبادتها {فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ المُنتَظِرِينَ} أي فارتقبوا إني معكم من المرتقبين، فإن عذاب الله نازل بكم.
{فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ} يعني من ءامن معه {بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} أي: بمنّ منا {وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} أي أصلهم {وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ}. (2/27)
صفحة 608
قوله: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} أي وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً، تبعاً للكلام الأول: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ} هو أخوهم في النسب وليس بأخيهم في الدين. {قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} يعني النبوة التي جاءهم بها {هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} أي لا تعقروها {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي موجع.
{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ} أي استخلفكم في الأرض من بعد عاد {وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ} أي واسكنكم في الأرض {تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا ءَالاَءَ اللهِ} أي: نعم الله {وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ}. قال بعضهم: لا تسيروا في الأرض مفسدين. وقال الحسن: ولا تكونوا في الأرض مفسدين.
{قَالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ} أي عن عبادة الله {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} وهم المؤمنون {لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} أي مصدقون. {قَاْلَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي ءَامَنتُم بِهِ} أي صدقتم به {كَافِرُونَ}.
{فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} والعتوّ الاستكبار {وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ المُرْسَلِينَ}.
{فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} قال الحسن: تحركت بهم الأرض فكان موتهم في ذلك. وقال في ءاية أخرى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} [الحجر: 73]. والصيحة اسم موت إلا أنه على وجوه. {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أي موتى. (2/28)
صفحة 609
{فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} وهذا بعد ما هلكوا.
قوله: {وَلُوطَاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} أي: وأرسلنا لوطاً، تبعاً للكلام الأول في قصة نوح وهود وصالح {أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ} أي إن هذا لم يكن فيما خلا من الأمم قبلكم أن ينكح الرجال بعضهم بعضاً.
{إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} أي: مشركون. قال الحسن: كانوا لا يفعلون ذلك إلا بالغرباء، ولا يفعله بعضهم ببعض.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخوف ما أخافه على أمتى عمل قوم لوط»
قال: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} أي يتنزهون عن إتيان الرجال في الأدبار. وقال مجاهد: يتطهرون من أدبار الرجال وأدبار النساء. وقال الحسن: يتطهرون من أعمالكم، فلا يعملون ما تعملون. وهذا وقول مجاهد واحد في إتيان الرجال في أدبارهم إلا أن مجاهداً ذكر النساء.
قال: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ} أي في عذاب الهالكين. {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً} أي الحجارة التي رموا بها، رمى بها من كان خارجاً من المدينة في حوائجهم وأهل السفر منهم، وأصاب قريتهم الخسف. قال: {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجْرِمِينَ} وهذا جرم شرك. وهو جرم فوق جرم، وجرم دون جرم. وقال بعضهم: عاقبتهم أن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار.
قوله: {وإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} أي وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيباً، تبعاً (2/29)
صفحة 610
للكلام الأول، هو أخوهم في النسب، وليس بأخيهم في الدين.
{قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَالَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي النبوة التي أتاهم بها. {فَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالمِيزَانَ} وكانوا يطففون في المكيال وينقصون الميزان. {وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} أي: لا تنقصوا الناس أشياءهم {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا}. قال بعضهم: هذا بعدما بعث إليكم النبي عليه السلام واستجيب له. {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} يقول: ولا ينفعكم أن توفوا المكيال والميزان في الآخرة إن لم تكونوا مؤمنين.
(1/ 422)
وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88)
قوله: {وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ} قال: توعدون من أتى شعيباً وغشيه وأراد الإسلام. من آمن به: أي تصدون المؤمنين عن سبيل الله. {وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي تبغون طريق الهدى عوجاً؛ وهو قعودهم على الطريق يتهددون المؤمنين الذين يأتون شعيباً بالقتل، ويصدونهم عنه. وقال مجاهد: وتبغونها عوجاً. أي تلتمسون لها الزيغ.
قال: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} يذكرهم نعمته. {وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ} يعني من أهلك من الأمم السالفة حين كذّبوا رسلهم؛ كانت عاقبتهم أن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار.
قال: {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ ءَامَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ}. كقول هود: {فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ المُنتَظِرِينَ} [الأعراف: 71]، وكقول الله للنبي عليه السلام: {فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ} [الدخان: 59].
قوله: {قَالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ} أي: عن عبادة الله {لَنُخْرِجَنَّكَ (2/30)
صفحة 611
يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَكَ} أي الذين صدقوا معك {مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} أي: في دِينِنَا حتى تعبدوا ما نعبد {قَالَ} شعيب {أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} أي لدينكم. وهذا على الاستفهام.
(1/ 423)
قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92)
قوله: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} قال بعضهم: ملأ ربنا كل شيء علماً {عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا} أي اقضِ بيننا وبين قومنا {بِالحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ} أي خير القاضين. وقال في الآية الأخرى: {وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ} [الأعراف: 87]. وهذا واحد؛ احكم بيننا، وافتح بيننا، واقضِ بيننا واحد. وإذا دعا النبي ربه أن يحكم بينه وبين قومه جاءهم العذاب، في تفسير بعضهم. وقال الحسن: إن النبي إذا جاءهم الوقت الذي يهلك الله فيه القوم أمره الله بالدعاء عليهم، ثم استجاب له فأهلكهم.
قوله: {وَقَالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ} يقوله بعضهم لبعض {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} قال الله: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} أي الصيحة. قال: {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أي قد هلكوا.
قال: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أي: كَأَن لَّمْ يَعِيشُوا فِيهَا {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمُ الخَاسِرِينَ}. (2/31)
صفحة 612
قوله: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ} وهذا بعدما هلكوا {فَكَيْفَ ءَاسَى} أي فكيف أحزن، {عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} أي لا أحزن عليهم.
قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} البأساء: البؤس والجوع وقحط المطر، والضراء: اللأواء من الأمراض والشدائد. {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ}.
قال: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ} أي مكان البأساء والضراء، وهي الشدة {الحَسَنَةَ} والحسنة ها هنا، الرخاء والعافية. {حَتَّى عَفَواْ} أي حتى كثروا. قال الحسن: سمنوا بعد الجوع، فهو من الكثرة {وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ ءَابَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} أي الشدة والرخاء فلم يكن شيء، يعنون ما كان يعد النبي به قومه من العذاب إن لم يؤمنوا.
قال الله: {فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً} أي فجأة بالعذاب {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}.
قوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقُوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}. قال بعضهم: لأعطتهم السماء قطرها والأرض نباتها. {وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم} بالعذاب {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي: بما كانوا يعملون يعني: يشركَهم.
قوله: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا} أي عذابنا {بَيَاتاً} أي: ليلاً {وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى} أي نهاراً، مثل قوله: {وَالضُّحَى وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى} [الضحى: 1 - 2]. قال: {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} أي ليسوا بآمنين من ذلك. وقد كان المشركون يقولون للنبي عليه السلام: إيتنا بعذاب الله.
قال: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ} أي إنهم ليسوا بآمنين من ذلك {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ} أن يمكر بهم فيهلكهم {إِلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ}. وهو قوله: ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس ءَابَاءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون هكذا مكره بهم.
قوله: {أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ} وهي تقرأ على وجهين: {يَهْدِ} (2/32)
صفحة 613
و {نَهْدِ}. فمن قرأها {نَهْدِ} فيقول نُبين. ومن قرأها {يَهْدِ} فيقول: يبيّن الله للذين يرثون الأرض. {مِن بَعْدِ أَهْلِهَا} أي الذين هلكوا من الأمم السالفة {أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ} فأهلكناهم بالعذاب كما أهلكنا من كان قبلهم حين كذّبوا رسلهم. {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} أي لو شئنا أصبناهم بذلك.
ثم قال: {تِلْكَ القُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا} أي: من أخبارها، يعني ما قص في هذه السورة من أخبار الأمم ورسلها وكيف أهلكهم. قال: {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ} أي بما كفروا به من قبل. {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الكَافِرِينَ} وهي مثل قوله: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} [يونس: 13].
قوله: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} يعني الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب ءادم. {وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ}.
قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِئَايَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ} أي: العصا واليد {فَظَلَمُوا بِهَا} أي: فظلموا أنفسهم بتكذيبهم بالآيات {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ}. فكان عاقبتهم إن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار.
قوله: {وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَيَّ أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} يعني الوحي والنبوءة التي جاء بها {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ} وكان بنو إسراءيل في أيديهم كمثل أهل الجزية فينا في ذلّ.
{قَالَ} فرعون {إِن كُنتَ جِئْتَ بِئَايَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} أي بيّن إنها حيّة.
قال بعضهم: فإذا هي أشعر ذكر، تكاد تبلغ وتسترط فرعون. (2/33)
صفحة 614
{وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ}، أي أخرج يده من جيب قميصه. ذكروا عن مجاهد أنه قال: من جيبه: أي: من جيب قميصه. قال الحسن: أخرجها والله كأنها مصباح.
وقال الكلبي: بلغنا أن موسى عليه السلام قال: يا فرعون، ما هذه بيدي؟ قال: هي عصا. فألقاها موسى، فإذا هي ثعبان مبين قد ملأت الدار من عظمها، ثم أهوت إلى فرعون لتبتلعه فنادى: يا موسى يا موسى، فأخذ موسى بذنبها فإذا هي عصا بيده. فقال فرعون: يا موسى، هل من آية غير هذه؟ قال: نعم. قال: ما هي. فأخرج موسى يده فقال: ما هذه يا فرعون؟ قال هذه يدك. فأدخلها موسى في جيبه ثم أخرجها فإذا هي بيضاء للناظرين تعشى البصر من بياضها. وبلغنا عن ابن عباس أنه قال: غرزت ذنبها في الأرض ورفعت صدرها ورأسها وأهوت إلى فرعون لتأخذه فجعل يميل ويقول: يا موسى، خذها يا موسى خذها، فأخذها موسى.
{قَالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} أي بالسحر {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} أي إنه إذا أخرج بني إسرائيل عنكم فقد أخرجكم من أرضكم، وهو كقوله: {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلَى} [طَهَ: 63] أي بعيشكم الأمثل؛ يعني بني إسرائيل.
قوله: {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} أي احبسه وأخاه {وَأَرْسِلْ فِي المَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ}. قال له أصحابه: لا تقتله، فإنما هو ساحر، وليس سحره بالذي يغلب سحر سحرتك؛ فإنك إن قتلته أدخلت على الناس في أمره شبهة، ولكن أرجه وأخاه واجمع له السحرة.
قوله: {وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً} يعنون العطية {إِن كُنَّا نَحْنُ الغَالِبِينَ. قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المُقَرَّبِينَ} أي في المنزلة والقربة. (2/34)
صفحة 615
{قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ. قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} أي من الرهب والمخافة {وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}. فخيّل إلى موسى أن حبالهم وعصيهم حيات كما كانت عصا موسى. فألقى موسى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، أعظم من حياتهم. ثم رموا فازدادت حبالهم وعصيهم عظماً في أعين الناس، وجعلت عصا موسى تعظم، وهم يرمون حتى أنفدوا سحرهم، فلم يبقَ منه شيء، وعظمت عصا موسى حتى سدّت الأفق، ثم فتحت فاها فابتلعت ما ألقوا. ثم أخذ موسى عصاه بيده فإذا حبالهم وعصيهم قد ذهبت.
قال: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} قال الحسن: فإذا هي تسترط حبالهم وعصيهم، أي تلقفه بفيها. قوله: {مَا يَأْفِكُونَ} قال مجاهد: ما يكذبون. وَسَرطَتْ حبالهم وعصيهم.
قوله: {فَوَقَع الحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} قال بعضهم: فظهر الحق، وهو تفسير مجاهد وبطل ما كانوا يعملون.
قال: {فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ}. قال الكلبي: فقال السحرة بعضهم لبعض: لو كان هذا سحراً لبقيت حبالنا وعصينا.
{وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِرَبِّ العَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} فبهت فرعون وألقى بيده، وخلّى سبيل موسى، ولم يعرض له.
{قَالَ فِرْعَوْنُ} لَهم {ءَامَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ} على الاستفهام، أي إنكم فعلتم {إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المَدِينَةِ} أي: قلتم لموسى: يا موسى اذهب فاصنع شيئاً، فإذا صنعت ذلك دعانا فرعون فصدَّقنا مقالتك {لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا}. (2/35)
صفحة 616
أي لتخرجوني وقومي بسحركم وسحر موسى. {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ} اليد اليمنى والرجل اليسرى {ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ}.
(1/ 428)
قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)
{قَالُوا: إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} فآمنوا. {وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءَامَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا} وهو كقوله في أصحاب الأخدود {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ} [البروج: 8] {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}. قال بعضهم: كانوا أول النهار سحرة وآخره شهداء.
قوله: {وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} أي أرض مصر فيخرجوا منها بني إسرائيل. وقال بعضهم: ليقتلوا أبناء أهل مصر، كقول فرعون: {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ} [غافر: 26]. أي يقتل أبناءكم كما قتلتم أبناءهم، وإنما عيشكم من بني إسرائيل.
قال: {وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ} أي فلا يعبد ما تعبد. قال الحسن: وكان فرعون يعبد الأوثان. وكان بعضهم يقرأها: ويذرك وإلاهتك. أي: وعبادتك. ومن قرأها بهذا المقرأ قال: ألا تراه يقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 24].
قوله: {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} أي فلا نقتلهن {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} أي: إنا قاهرون لهم.
{قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} وكان الله قد أعلم موسى أنه مهلك فرعون وقومه وأن الله سيورث بني إسرائيل الأرض من بعدهم وقال في آية أخرى: {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 59]. قوله: {وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} العاقبة هي الجنة، وهي للمتقين ليست لمن سواهم.
(1/ 429)
قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) (2/36)
صفحة 617
قوله: {قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} يقوله بنو إسرائيل لموسى عليه السلام؛ يعنون ما كان يصنع بهم فرعون وقومه. قال مجاهد: من قبل إرسال الله إياك ومن بعده.
وقال الكلبي: إنه لما ألقى السحرة ساجدين فبهت فرعون فألقى بيده وخلّى سبيل موسى، قال الملأ من قوم فرعون لفرعون: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك والهتك. قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون. فأمر فرعون ببني إسرائيل أن يكلفوا من العمل ما لا يطيقون. فمر موسى عليهم كذلك فقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا.
{قَالَ} لهم موسى {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} فأخذ الله آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات.
قال: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} فأجدبت أرضهم وهلكت مواشيهم ونقصت ثمارهم فقالوا: هذا مما سحرنا به هذا الرجل.
قوله: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ} قال الحسن: أي نحن أولى بالحسنة ومنا جاءت. قال مجاهد: الحسنة في هذا الموضع العافية والشبع والرخاء والمطر والخير والخصب. {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي جدوبة أو شدة {يَطَّيَّرُا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ} ويقولوا: إنما أصابنا هذا من شؤم موسى ومن معه.
قال الله: {أَلاَ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهِ} أي محفوظ. عليهم حتى يجازيهم به يوم القيامة. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}.
{وَقَالُوا} له يا موسى {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ ءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا} أي ما تأتنا به، (2/37)
صفحة 618
وهي كلمة عربية: ما تأتنا به، ومهما تأتنا به، وهو واحد، لتسحرنا بها {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} أي بمصدقين.
(1/ 430)
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134)
قال الله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالجَرَادَ وَالقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ}.
قال بعضهم: فمطروا الليل والنهار ثمانية أيام ولياليهن لا يرون فيها شمساً ولا قمراً، فصرح الناس إلى فرعون، وخافوا الغرق. فأرسل فرعون إلى موسى فأتاه فقال له: يا موسى اكشف عنا فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا موسى ربه فأقلعت السماء ونَشِفَت الأرض ماءها، وأنبتت من الكلأ والزرع ما لم يروا مثله قط في مصر. فقالوا: لا والله، لا نؤمن لك ولا نرسل معك بني إسرائيل. ولقد جزعنا من أمر كان خيراً لنا فنكثوا وعصوا. فأرسل الله عليهم الجراد فأكل ما أنبتت الأرض وبقي الجراد عليهم ثمانية أيام ولياليها لا يرون الأرض. وركب الجراد بعضه بعضاً ذراعاً. وفي تفسير مجاهد، إن الجراد أكل مسامير أبوابهم وبنيانهم. قال الله: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى}. . . الآية.
قال الكلبي: فصرخ أهل مصر إلى فرعون فأرسل إلى موسى فقال: أيها الساحر، {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} فدعا موسى ربه فأرسل الله ريحاً شديدة فاحتملت الجراد فألقته في البحر، فلم تبقِ منه جرادة واحدة. فنظر أهل مصر فإذا قد بقيت لهم بقية من زروعهم وكلإهم ما يكفيهم عامَهم ذلك. فقالوا له: والله لقد بقي لنا ما يكفينا هذه السنة، فلا والله لا نؤمن لك ولا نرسل معك بني إِسرائيل. فأرسل الله عليهم القمَّل، وهو الدبى فلم يُبْقِ في أرضهم عوداً أخضر إلا أكله. فصرخوا إلى فرعون. فأرسل إلى (2/38)
صفحة 619
موسى فأتاه، فقال: يا موسى اكشف عنا هذا الدبى فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا موسى ربه فأمات الدبى حتى لم تبقَ منه واحدة. فلما نظر القوم أنه لم يبقَ لهم شيء يعيشون به قالوا: يا موسى، هل تستطيع أن تفعل بنا أسوأ مما فعلت، فوالله لا نؤمن لك، ولا نرسل معك بني إسرائيل. فأرسل الله عليهم الضفادع، فدبت في أرضهم وبيوتهم ومخادعهم وظهور بيوتهم، حتى جعل الرجل منهم يستيقظ وعليه منهم ما لا يحصى. فصرخوا إلى فرعون. فأرسل إلى موسى فأتاه فقال: ادع لنا ربك فليهلك هذه الصفادع من أرضنا ونؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا موسى ربه فأذهب الضفادع من أرضهم، فأماتها. ثم أرسل مطراً فاحتملها فألقاها في البحر. فقالوا: لا والله لا نؤمن لك ولا نرسل معك بني إسرائيل. فأرسل عليهم الدم فجرت أنهارهم دماً، ودكا ماؤهم، فلم يكونوا يقدرون على الماء، وأنهار بني إسرائيل تجري ماء عذباً طيباً. فإذا دخل الرجل من آل فرعون في أنهار بني إسرائيل صار ما دخل فيه دماً، والماء من بين يديه ومن خلفه صافٍ عذب لا يقدر منه على شيء. فمكثوا ثمانية أيام ولياليهن، لا يذوقون الماء حتى بلغهم الجهد. فصرخ أهل مصر إلى فرعون: إنا قد هلكنا وهلكت دوابنا ومواشينا من الظمإ، فأرسل فرعون إلى موسى فدعاه. فأتاه فقال: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الرجز ونعطيك ميثاقنا لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل.
(1/ 431)
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136)
قال الله: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ} [أي العذاب] {إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي اليَمِّ} أي البحر {بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}.
وقال بعضهم في قوله: ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات، (2/39)
صفحة 620
قال: جهدهم الله بالجوع عاماً فعاماً. وفي قوله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالجَرَادَ وَالقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ والدَّمَ. . .} إلى آخر الآية: أما الطوفان فالماء أرسله الله عليهم حتى قاموا فيه قياماً. فدعوا موسى، فدعا ربه، فكشفه عنهم، ثم عادوا لسوء ما يخطر لهم؛ فأرسل الله عليهم الجراد، فأكل عامة حروثهم. فدعا موسى ربه، فكشفه عنهم. ثم عادوا لسوء ما يخطر لهم. فأرسل الله عليهم القمل، وهو الدبى، فأكل ما أبقى الجراد من حروثهم ولحسه. فدعوا موسى فدعا ربه، فكشفه عنهم. ثم عادوا لسوء ما يخطر لهم، فأرسل عليهم الضفادع حتى ملأت فرشهم وأفنيتهم، فدعوا موسى، فدعا ربه، فكشف عنهم، ثم عادوا لسوء ما يخطر لهم، فأرسل عليهم الدم فجعلوا لا يغترفون إلا دماً أحمر، حتى لقد ذكر لنا أن فرعون جمع رجلين أحدهما إسرائيلي والآخر قبطي على إناء واحد، فكان الذي يلي الإِسرائيلي ماء، والذي يلي القبطي دماً. فدعوا موسى فدعا ربه فكشفه عنهم.
قال الله: {فَاسْتَكْبَرُواْ}، أي: عن عبادة الله، {وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ}. وهذا جرم شرك، وهو جرم فوق جرم وجرم دون جرم.
قوله: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ}، أي العذاب، في تفسير مجاهد والعامة. قوله: {فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي اليَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}، أي: تاركين لها معرضين عنها.
(1/ 432)
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139)
قوله: {وَأَوْرَثْنَا القَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ} وهم بنو إسرائيل {مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} قال الحسن وغيره: أرض الشام. وقال الكلبي: مقدس فلسطين والأردن. وإنما سكنها أبناء من كان مع موسى، لم يبقَ منهم يومئذٍ إلا يوشع بن نون معه، دخل أبناؤهم.
قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَى} يعني ظهور قوم موسى على فرعون في (2/40)
صفحة 621
تفسير مجاهد {عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ بِمَا صَبَرُوا} أي على دين الله.
قوله: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ}. قال بعضهم: وما كانوا يبنون. وقال مجاهد: وما كانوا يبنون [من البيوت والمساكن ما بلغت]، قال: وكان عنبهم غير معروش.
قوله: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَاءِيلَ البَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاَءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. قال بعضهم: إن هؤلاء مفسَد ما هم فيه. قال بعضهم: بلغنا إنها نزلت بالسريانية.
قال الحسن: لما قطعوا البحر خرجوا إلى أرض بيضاء ليس معهم فيها طعام ولا شراب ولا بناء. فظلل الله عليهم الغمام وأنزل الله عليهم المنّ والسلوى. وقال بعضهم: فعل ذلك بهم في تيههم.
قال الحسن: فبينما هم كذلك نجاهم الله من البحر ومن آل فرعون، وأغرق فرعون وقومه، وأنزل عليهم المنّ والسلوى وظلل عليهم الغمام. وفيهم نبيهم، (2/41)
صفحة 622
وحجرهم معهم، فيه آية عظيمة، إذا استسقوا ضربه موسى بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، لكل سبط عين، قد علم كل أناس مشربهم، لا يخالط بعضهم بعضاً، إذ أتوا على قوم عندهم أوثان يعكفون على أصنام لهم، {قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةً}، فارتدّوا كفاراً.
(1/ 433)
قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)
قوله: {قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العَالَمِينَ} يعني عالَمي زمانهم، ولكل زمان عالَم.
قوله: {وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذَابِ} قال الحسن: يذيقونكم سوء العذاب. {يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} أي فلا يقتلونهن {وَفِي ذَلِكُم بَلاَءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} أي نعمة عظيمة من ربكم إذ نجاكم منهم.
قوله: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} الثلاثون: ذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
قال الكلبي: إن موسى لما قطع البحر ببني إسرائيل، وأغرق الله آل فرعون قالت بنو إسرائيل لموسى: يا موسى، أيتنا بكتاب من عند ربنا كما وعدتنا وزعمت أنك تأتينا به إلى شهر. فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً لينطلقوا معه، فلما تجهزوا قال الله لموسى: أخبر قومك أنك لن تأتيهم أربعين ليلة، وذلك حين أتمت بعشر. وقال الحسن: كانت أربعين من أول؛ يقول: وواعدنا موسى ثلاثين ليلة، وبعدها عشر، مثل قوله: {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196].
قال الكلبي: فلما خرج موسى بالسبعين، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل. وصعد موسى عليه السلام الجبل؛ فكلمه الله أربعين يوماً وأربعين ليلة وكتب له فيها بالألواح. ثم إن بني إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة فقالوا: قد أخلفنا موسى (2/42)
صفحة 623
الوعد. وجعل لهم السامري العجل، فقال: {هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى} [طه: 88]. فعبدوه. وقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة.
قوله: {وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ}. هذا حيث انطلق موسى للميعاد.
(1/ 434)
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)
قوله: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}. قال الحسن: لما كلّمه ربه دخل قلبَ موسى من السرور من كلام الله ما لم يصل إلى قلبه مثلُه قطّ. فدعت موسى نفسُه إلى أن يسأل ربّه أن يريَه نفسَه. ولو كان فيما عهد إليه قبل ذلك أنه لا يُرى لم يسأل ربه ما يعلم أنه لا يعطيه إياه.
{قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ولَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} أي إن الجبل لا يستقرّ مكانه، وكذلك لا تراني لأني لا تدركني الأبصار وأنا أدرك الأبصار.
{فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً} يعني أنه أبدى بعض آياته للجبل فجعله دكاً، وخرّ موسى صعقاً. قوله: جَعَلَهُ دَكّاً. قال بعضهم: جعل بعضه على بعض. وبعضهم يقرأها: دكاء، ممدودة. وسمعت بعضهم يقول: إن الدكاء الأرض المستوية.
قال: {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً}. غشيته الصاعقة. {فَلَمَّا أَفَاقَ} قال بعضهم: فلما ردّ الله إليه نفسَه. وقال بعضهم: فلما أفاق من غشيته، أي أنه غشى عليه. وكانت صعقة موسى أن غشى عليه، ولم تكن صعقةَ موت، ألا تراه يقول: فلما (2/43)
صفحة 624
أفاق، أي من غشيته، والإِفاقة لا تكون من الموت. وكان دل على صعقةٍ أنها صعقة موت؛ دل على ذلك قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً} قال: {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} قال: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 55، 56].
قال: فلما أفاق {قال سُبْحَانَكَ} ينزه الله {تُبْتُ إِلَيْكَ} أي مما تقدمت بين يديك من المسألة. {وَأَنَا أَوَّلُ المُؤْمِنِينَ}. قال مجاهد: وأنا أول قومي إيماناً. وقال بعضهم: وأنا أول المؤمنين بأنك لا ترى، وهو أيضاً أول قومه إيماناً بهذا، وقد آمن الناس قبله.
(1/ 435)
قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)
قوله: {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ} أي اخترتك {عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا ءَاتَيْتُكَ} أي ما أعطيتك {وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} أي لأَنْعُمِي عليك.
قوله: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} قال (2/44)
صفحة 625
الحسن: تفصيلاً من الحلال والحرام والأحكام والهدى والضلالة. وقال مجاهد: ما أمروا به وما نهو عنه، وهو واحد.
قال: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} أي بجد. قال بعض العلماء: إن الله يحب أن يؤخذ أمره بقوة، والقوة: الجد. {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} وأحسنها أن يأخذوا بما أمرهم الله به وأن ينتهوا عما نهاهم الله عنه.
{سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِينَ}، يعني دار فرعون وقومه، يريد مصر، يعني منازلهم في الدنيا في تفسير بعضهم. قال: فأراهم الله إياها. كقوله: {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 59]. وقال مجاهد: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِينَ} أي مصيرهم في الآخرة.
(1/ 436)
سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)
قوله: {سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ} قال الحسن: سأصرفهم عنها بفعلهم حتى لا يؤمنوا بها. قال: {وَإِن يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا} يخبر بعلمه فيهم. {وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} أخبر أَنهم لا يؤمنون أبداً. ثم أخبر لِمَ ذلك وبِمَ هو، فقال:
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} أي معرضين جاحدين.
قوله: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الأَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أي حسناتهم في الآخرة، أي استوفوها في الدنيا {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. كقوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمُ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} [هود: 15] أي لا ينقصون {أوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الأَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 16].
(1/ 437)
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149) (2/45)
صفحة 626
قوله: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ} أي من بعد موسى حين ذهب للميعاد. {مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ}. قال بعضهم: جعل يخور خوار البقرة. وقال مجاهد: خوار فيه الريح.
وقال الحسن: إن موسى عليه السلام لما مضى للميعاد عمد السامري فألقى ما كان معه من الحليّ، وألقى بنو إسرائيل ما كان معهم من الحليّ أيضاً. وكانت معهم تلك الحليّ عوارى استعاروها من آل فرعون ليوم الزينة، يوم العيد الذي وعدهم موسى حيث يقول: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} [طه: 59]. وهو قول بني إسرائيل: {حُمِّلْنَا أَوْزَاراً}، أي: آثاماً، {مِّن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ} [طه: 87] أي ما معه كما ألقيّنا ما معنا. وكان الله أمر موسى أن يسير بهم ليلاً، فكره القوم أن يردوا العواري على آل فرعون، فيفطن بهم آل فرعون، فساروا من الليل والعواري معهم. فعمد السامري فصاغ عجلاً من ذلك الحليّ؛ قال: وكان صائغاً. قال: وقد كان أخذ تراباً من أثر فرس جبريل يوم قطعوا البحر فكان معه، فقذف ذلك التراب في ذلك العجل، فتحول لحماً ودماً له خوار للبلا. {فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} [طه: 88] أي ولكن نسى موسى إلهه فأضله فذهب في طلبه، وهو عندكم.
قال الله: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ} يعني العجل {وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} أي طريقاً. {اتَّخَذُوهُ} إلَهاً {وَكَانُوا ظَالِمِينَ} لأنفسهم باتخاذهم إياه.
قوله: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} [أي ندموا] {وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ (2/46)
صفحة 627
يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا} أي: لئن لم يفعل ذلك بنا {لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ}. وهي تقرأ على وجه آخر: {لَئِن لَّمْ تَرْحَمْنَا رَبَّنَا} أي لئن لم ترحمنا يا ربنا، صراخ منسوب، {لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ}. قالوا ذلك لما صنع موسى بالعجل ما صنع، فطلبوا التوبة، فأبى الله أن يقبل منهم إلا أن يقتلوا أنفسهم، فَغَلِظَ عليهم في المتاب. وهو قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ}. أي إلى خالقكم {فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ. . .} إلى آخر الآية. [البقرة: 54].
(1/ 438)
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153)
قوله: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} أي حزينا. وقال بعضهم: الأسف شدة الغضب {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ} قال مجاهد: مع أصحاب العجل.
{قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ} يعني الجنة {وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني بالذلة الجزية. {وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ} أي لعبادتهم العجل. افتروا على الله إذ زعموا أن العجل إلَههم.
قوله: {وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا} أي من بعد تلك السيئات {وَءَامَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
(1/ 439)
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)
قوله: {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغَضَبُ} أي سكن {أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا} يعني الكتاب الذي نسخت منه التوراة {هُدىً وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} والرهب الخوف. وقال بعضهم: {وَفِي نُسْخَتِهَا هُدىً} قال:
إن موسى لما أخذ الألواح قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويسارعون في طاعة الله، رب فاجعلهم من أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال رب أني أجد في الألواح أمة هم الآخرون والسابقون يوم القيامة، أي الآخرون والسابقون في دخول الجنة، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونها، وأجد قوماً يقرأون كتابهم نظراً، إذا رفعوه لم يحفظوا منه شيئاً ولم يعوه؛ فإن الله أعطى هذه الأمة من الحفظ شيئاً لم يعطه أحداً من الآدميين، قال: رب اجعلهم أمتي: قال: تلك أمة أحمد. قال رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقتلون فضول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، رب فاجعلهم أمتي (2/47)
صفحة 628
، قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم ويؤجرون عليها، وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم، وكان من قبلكم إذا تصدق أحدهم بصدقة أنزلت عليها نار من السماء فأكلتها، فاجعلها اللهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. [قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة، رب اجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد]. قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بسيئة لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، رب فاجعلهم أمتي. قال تلك أمة أحمد.
وذكر لنا أنه نبذ الألواح، وقال: رب اجعلني من أمة أحمد. فأعطى اثنتين لم (2/48)
صفحة 629
يعطوهما. قال: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرسَالاَتِي وبِكَلاَمِي} فرضي. ثم أعطى الثانية: {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159] فرضى موسى كل الرضى.
(1/ 440)
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)
قوله: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} أي بليّتك {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ} أي تأمر وتنهي، لا يكون أحد ضالاً ولا مهتدياً إلا بعد الأمر والنهي، فمن فعل ما أمر به كان مهتدياً، ومن فعل ما نُهِيَ عنه كان ضالاً. {أَنتَ وَلِيُّنَا} في المنّ والتوفيق والعصمة {فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الغَافِرِينَ}.
قال الكلبي: إن السبعين قالوا لموسى عليه السلام حين كلمه ربه: يا موسى، إن لنا عليك حقاً؛ كنا أصحابك، لم نختلف ولن نصنع الذي صنع قومنا، فأرنا الله جهرة كما رأيته. فقال موسى: لا والله ما رأيته. [ولقد أردته على ذلك فأبى]، ولا يُرى. ولقد أبدى الله بعض آياتِه للجبل فكان دكاً، وهو أشد مني، وخررت صعقاً، فلما أفقت سألت الله تعالى واعترفت بالخطيئة التي كانت مني إذ تقدمت بين يدي الله. فقالوا: فإنا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم. فظن موسى أنهم إنما احترقوا بخطيئة أصحاب العجل. فقال: لربه: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا}، يعني أصحاب العجل، {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ. . .} إلى آخر الآية. ثم بعثهم اللهُ من بعد موتهم فقال: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 56]. وقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة.
قال بعضهم: ذكر لنا أن ابن عباس قال: إنما تناولت الرجفة السبعين لأنهم لم (2/49)
صفحة 630
يزايلوا القوم حتى نصبوا العجل، وقد كرهوا أن يجامعوهم عليه. وذكر لنا أولئك السبعين كانوا يلبسون الثياب الطاهرة ثم يبرزون صبيحة شاتية إلى البرية فيدعون الله فيها، فوالله ما سأل القوم يومئذ شيئاً إلا أعطاه الله هذه الأمة.
ذكر بعضهم في قول الله: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} [القصص: 46]. قال: نودي بأمة محمد: أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني.
(1/ 441)
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)
قوله: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الأَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ}. قال مجاهد: إنا تبنا إليك. {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ} يعني النار.
قال: {وَرَحْمَتِي} يعني الجنة {وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} يعني أهلها. وهذا الحرف من خفي القرآن.
قال بعضهم: لما نزلت هذه الآية تطاول لها إبليس والأبالسة وقالوا: إنا من ذلك الشيء، وطمع فيها أهل الكتابين والمنافقون، فقال الله: {فَسَأَكْتُبُهَا} أي فسأجعلها {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} قال بعضهم: يتقون الشرك. وقال بعضهم. . . {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}. قال بعضهم: الزكاة في هذا الموضع التوحيد؛ كقوله: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 6 - 7] أي لا يوحّدون الله ولا يُقِرّون به. {وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} أي يصدّقون.
{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ} يعني أهل الكتاب. {يَأْمُرُهُم بِالمَعْرُوفِ} أي ما يعرف العباد عدله {وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ} أي ما ينكر العباد عدله. {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتُ} أي الحلال منه والشحوم وكل ذي ظفر {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ} أي الحرام. (2/50)
صفحة 631
{وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} وهي تقرأ على وجهين: إصرهم وآصارهم. فمن قرأها إصرهم فيقول عهدهم، ومن قرأها آصارهم فيعني عهودهم فيما كان حرم عليهم ببغيهم، أي بكفرهم. {وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} يعني ما كان شدد عليهم فيه؛ فأمرهم الله أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام ويتبعوا ما جاء به.
وقال بعضهم في قوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} فقال إبليس: أنا من ذلك الشيء، فأنزل الله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}. ثم زاد في نعتهم ليبينهم الله ممن سواهم فقال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ. . .} إلى آخر الأية.
وقال: {فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ} [أي عظموه] {وَنَصَرُوهُ} وهو كلام مثنى {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ} وهو القرآن، فأحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، وعمِلوا بفرائضه، وانتهوا عن زواجره {أُوْلَئِكَ} أي: الذين هذه صفتهم، {هُمُ المُفْلِحُونَ} أي: هم السعداء؛ أولئكَ الذين جعلت رحمتي لهم، فأيس منها إبليس وجميع جنوده، وجميع الكفار {كَمَا يَئِسَ الكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ القُبُورِ} [الممتحنة: 13].
(1/ 442)
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)
قوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} ذكروا عن الحَسَن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت إلى كل أحمر وأسود» وفي تفسير عمرو عن الحسن قال: بعثت إلى الناس كافة، ولم يُعْطَ هذه المنزلة نبي قط، قال: {إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}. (2/51)
صفحة 632
{الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَئَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ} وهي تقرأ على وجهين: {وكَلِمَاتِهِ} {وكَلِمَتِه}. وكان الحسن يقرأها: {وَكَلِمَاتِه} قال: كلمات الله وحيه الذي أنزل على محمد عليه السلام. ومن قرأها: {وَكَلِمَتِهِ} فهو يعني عيسى روحَ الله وكلمته. وقال بعضهم: {وَكَلِمَاتِهِ} أي: وآياته. قال: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي لكي تهتدوا. ولعلّ من الله واجبة.
(1/ 443)
وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)
قوله: {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ} أي عصابة وجماعة. {يَهْدُونَ بِالحَقِّ} أي يهتدون بالحق {وَبِهِ يَعْدِلُونَ}. به يحكُمون. وقال بعضهم: يهدون بالحق أي: يدعون بالحق؛ كقوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء: 73] أي يدعون بأمر الله. وقد فسّرناه في الآية الأولى. قال فرضي موسى كل الرضا.
قوله: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَمَاً} يعني بني إسرائيل. {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذْ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً}. قال بعضهم: كان موسى احتمل معه من الجبل، جبل الطور، حجراً؛ فإذا نزلوا ضربه موسى فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، لكل سبط عين مستعذَب ماؤها {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} وذلك في تيههم.
قوله: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى}. قال بعضهم: كان المن ينزل عليهم من السماء في محلتهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وكان أشد بياضاً من الثلج وأحلى من العسل، والسلوى السّمّان. وهو هذا الطائر الذي يقال له السمّان، كانت تحشرها عليهم الجَنوب. وقد فسَّرنا أمرهم في سورة البقرة. وقال الحسن: السلوى السمّان.
قوله: {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} يعني المنّ والسلوى. وقال الحسن: هذا حين خرجوا من البحر، أعطاهم الله ذلك لأنهم خرجوا إلى أرض بيضاء ليس فيها (2/52)
صفحة 633
نبات ولا بناء، وليس معهم طعام ولا شراب. قال: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.
(1/ 444)
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162) وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)
قوله: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ} قال بعضهم: بيت المقدس {وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا البَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ} قد فسّرناه في سورة البقرة.
قال: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ}. وقد فسرناه في سورة البقرة.
قوله: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ البَحْرِ} ذكر بعضهم قال: ذكر لنا أنها كانت قرية على ساحل البحر يقال لها أيلة. فكان إذا كان السبت أقبلت الحيتان فتنبطح على سواحلهم وأفنيتهم لما بلغها من أمن الله في الماء. فإذا كان غير يوم السبت بعدت في الماء حتى يطلبها طالبهم. فخدعهم الشيطان فقال: إنما نهيتم عن أكله ولم تنهوا عن صيده. فاصطادوها يوم السبت، ثم أكلوها بعد ذلك.
وقال الكلبي: هي أيلة، وهو مكان من البحر تجتمع فيه الحيتان في شهر من السنة كهيئة العيد، تأتيهم منها [حتى لا يروا الماء وتأتيهم في غير ذلك الشهر كل يوم سبت] كما تأتيهم في ذلك الشهر. قال: وذلك بلاء من الله ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. وذلك في زمان داود عليه السلام.
وقال الكلبي: فإذا جاء السبت لم يمسوا منها شيئاً. فعمد رجال من سفهاء تلك (2/53)
صفحة 634
المدينة فأخذوا الحيتان ليلة السبت ويوم السبت، فأكثروا منها، وملّحوا وباعوا؛ ولم تنزل بهم عقوبة فاستبشروا وقالوا: إنا نرى السبت قد حلّ وذهبت حرمته؛ إنما كان يعاقب به آباؤنا في زمن موسى، ثم استنَّ الأبناء سنة الآباء، وكانوا يخافون العقوبة، ولو كانوا فعلوا لم يضرهم شيء. فعملوا بذلك سنين، حتى أثروا منه، وتزوجوا النساء، واتخذوا الأموال.
فمشى إليهم طوائف من صالحيهم فقالوا: يا قوم، إنكم قد انتهكتم حرمة سبتكم، وعصيتم ربكم، وخالفتم سنة نبيّكم، فانتهوا عن هذا العمل الرديء قبل أن ينزل بكم العذاب، فإنا قد علمنا أن الله منزل بكم عذابه عاجلاً ونقمته. قالوا: فلمَ تعظوننا إذ علمتم أن الله مهلكنا، والله لقد عملنا هذا العمل منذ سنين، فما زادنا الله به إلا خيراً؛ وإن أطعتمونا لتفعلن مثل الذي فعلنا؛ فإنما حرم هذا على من قبلنا، وهم الذين نهوا عنه. قالوا: ويلكم لا تغتروا ولا تأمنوا بأس الله، فإنه كأن قد نزل بكم. قالوا: ف {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً}. قالوا: معذرة إلى ربكم؛ إما أن تنتهوا فيكون لنا أجر، أو تهلكوا فننجو من معصيتكم. فأنزل الله: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيِسٍ}، أي شديد، {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}. فأصبح الذين استحلّوا السبت قردة خاسئين.
(1/ 445)
وقال بعضهم: إنهم صاروا ثلاث فرق: فرقة اجترأت على المعصية، وفرقة نهت، وفرقة كفّت فلم تصنع ما صنعوا ولم تنههم؛ فقالوا للذين نهوا: لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً، قالوا معذرة إلى ربكم. ولعلهم يتقون.
قوله: {إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ} أي يعتدون في السبت، وهو من الاعتداء {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً} قال الحسن: إن الله حرم عليهم أخذ الحيتان يوم السبت بخطيئة كانت منهم، وأحل لهم الأيام كلها إلا يوم السبت. فإذا كان يوم السبت أتتهم على أبوابهم فتنبطح وتشرع. {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ} أي في غير يوم (2/54)
صفحة 635
السبت {لاَ تَأْتِيهِمْ}. قال الله: {كَذَلِكَ نَبْلُوهُم} أي نبتليهم {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}. أي بما تعدوا وأخذوا في السبت.
(1/ 446)
وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)
{وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}.
قوله: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} أي ما وعظوا به، أي ما نهاهم عنه المؤمنون الذين نهوهم عما يصنعون، أي ذكروهم الله {أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ}. قال الحسن: نجت فرقتان وهلكت فرقة، وهم الذين أخذوا الحيتان. {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيِسٍ} قال مجاهد: بعذاب أليم شديد {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}.
قوله: {فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} قال مجاهد: إلا طائفة منهم لم يفعلوا.
قال الحسن: {خَاسِئِينَ}: صاغرين. قال: وهي كقوله: {اخْسَئُوا فِيهَا} أي اصغروا فيها، أي في النار {وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108]. قال بعضهم: فصاروا قردة تَعَاوى لها أذناب بعد أن كانوا رجالاً ونساء.
ذكروا أنه دُخِل على ابن عباس، وبين يديه المصحف، وهو يبكي، وقد أتى على هذه الآية: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيِسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} فقال: قد علمتُ أن الله أهلك الذين أخذوا الحيتان، ونجّى الذين نَهَوْهُم، ولا أدري ما صنع بالذين لم ينهوا ولم يواقعوا المعصية.
وقال الحسن: وأي نهى أشد من أنهم أثبتوا لهم الوعيد، وخوّفوهم العذاب (2/55)
صفحة 636
فقالوا: {لِمَ تَعِظُوْنَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً}.
(1/ 447)
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168)
قوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} قال مجاهد: وإذ قال ربك. وقال الحسن: أعلم ربك {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ العَذَابِ} أي يذيقهم سوء العذاب، أي شدته.
وقال بعضهم: بعث الله عليهم هذا الحي من العرب فهم منهم في عذاب إلى يوم القيامة يعني بالجزية والذل، يعني أهل الكتاب.
{إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقَابِ} قال الحسن: إذا أراد الله أن يعذِّب قوماً كان عذابه إياهم أسرَع من الطرف. {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيْمٌ} أي لمن تاب وآمن وعمل صالحاً.
قوله: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ} [أي فرّقناهم] {أُمَماً} مختلفين. قال الحسن: بني إسرائيل. وقال مجاهد: يعني اليهود. {مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ} يعني المؤمنين {وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ} يعني المنافقين، ومنهم مشركون. {وَبَلَوْنَاهُم} أي ابتليناهم، أي اختبرناهم {بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ} أي بالشدة والرخاء. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي لكي يرجعوا إلى الإيمان.
(1/ 448)
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) (2/56)
صفحة 637
قال: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد الماضين {خَلْفٌ} والخلْف هو الخلف السوء، والخلَف الصالح. قال بعضهم: الخلف: اليهود، وقال مجاهد: النصارى بعد اليهود، وقال بعضهم: الخلف من كل، وهو الخلف السوء من جميع الخلق.
قال: {وَرِثُوا الكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَّأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ}. [قال مجاهد: يعني ما أشرف لهم في اليوم من حلال أو حرام أخذوه ويتمنّون المغفرة، وإن يجدوا الغد غيره يأخذوه]. وقال الحسن: لو عرضت لهم الدنيا ومثلها معها لاصطلموها ولتمنوا المغفرة بعد ذلك.
قوله: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ} أي وقرأوا ما فيه، أي ما في هذا الكتاب بخلاف ما يقولون وما يعملون. {وَالدَّارُ الأَخِرَةُ} يعني الجنة {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} والتقوى اسم جامع لخصال الإِيمان. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يقول: أفلا تعقلون ما تدرسون؛ ينبههم لكي ينتبهوا.
قوله: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المُصْلِحِينَ} قال الحسن: هؤلاء أهل الإِيمان منهم. وقال مجاهد: من آمن من اليهود والنصارى.
قوله: {وَإِذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} أي بجِدّ. {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. أي واحفظوا ما فيه، أي: من الأمر والنهي فاعملوا به. (2/57)
صفحة 638
قال بعضهم: اقتلع الجبل من أصله، فأشرف به عليهم فقال: لتأخذنّ أمري أو لأرمينّكم به.
(1/ 449)
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175)
قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا}.
ذكروا عن عطاء بن السايب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أهبط الله آدم بالهند بأرض يقال لها بجنا ثم مسح على ظهره فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثم قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا}. ثم أعادهم في صلب آدم.
وقال الكلبي: مسح ظهر آدم فأخرج منه كل خلق هو خالقه إلى يوم القيامة ثم قال: ألست بربكم قالوا بلى، فقال للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا.
قوله: {أَن تَقُولُوا} أي لئلا تقولوا: {يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}. قال: {أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ، ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ} [وجدناهم على ملة فاتبعناهم] {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المُبْطِلُونَ}.
قال الله: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ} أي هكذا نبين الآيات {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي إلى الإِيمان.
قوله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا} أي كفر {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ} أي الضالّين.
ذكروا عن مجاهد قال: هو بلعام بن بعران. وقال بعضهم هو بلعم آتاه الله (2/58)
صفحة 639
علماً فتركه وكفر. وبعضهم يقول: هو أمية بن أبي الصلت. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في أمية بن أبي الصلت: «آمن شعره وكفر قلبه».
(1/ 450)
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)
قوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} أي بآياتنا {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ} أي اختار الدنيا. وقال مجاهد: سكن، أي اطْمَأَنَّ إلى الدنيا. وقد قال في آية أخرى: {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا} [يونس: 7] قال: {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} قال بعضهم: أبى أن يصحب الهدى. فضرب الله مثلاً فقال:
{فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} قال: فمثله في العلم الذي آتاه الله فتركه كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، فهو على كل حال يلهث، أي فلم ينتفع بالعلم الذي علم.
وقال مجاهد: إن تحمل عليه أي: أن تطرده بدابتك أو برجلك، وهو مثل الكافر بالكتاب. وقال بعضهم: فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، وأذل ما يكون الكلب إذا لهث، يقول: فكذلك مثل هذا الذي يعلم ولا يعمل بما يعلم هو كالكلب الذليل.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه». (2/59)
صفحة 640
وقال الكلبي: {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} يقول: هو ضال على كل حال، وعظته أو تركته.
{ذَّلِكَ} يقول هذا المثل {مَثَلُ القَوْمِ الَّذِيْنَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ} أي الحق يا محمد {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أي لكي يتفكروا فيما يقص عليهم.
ثم قال: {سَاءَ مَثَلاً} أي: بئس المثل مثل: {القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ}.
(1/ 451)
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)
قوله: {مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ} أي: خسروا أنفسهم فصاروا في النار وخسروا الجنة.
قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجِنِّ وَالإِنسِ} ذرأنا، أي: خلقنا لجهنم في تفسير الحسن وغيره {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} الهدى {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} الهدى {وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا} الهدى {أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} من الأنعام فيما تُعُبِّدُوا به {أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ} عن الآخرة.
قوله: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}. ذكر بعضهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة غير واحد، من أحصاها دخل الجنة» قال الحسن: منها الله ومنها الرَّحْمَنُ قال: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} أي الذين يكذبون في أسمائه.
قال الكلبي: من أسمائه الله والرحمن والرحيم والعزيز وأشباه هذا؛ قال: {فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ}، أي يميلون في أسمائه، فسموا مكان الله اللات، ومكان العزيز العُزَّى، يعبدون اللات والعُزّى. كل ذلك نهى الله عنه. نهاهم أن يسموا آلهتهم بشيء من أسمائه. (2/60)
صفحة 641
قال: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. وذروا في هذا الموضع منسوخ نسخه القتال.
(1/ 452)
وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)
قوله: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ} أي عصابة، أي جماعة {يَهْدُونَ بِالحَقِّ}: أي يهتدون بالحق {وَبِهِ يَعْدِلُونَ} أي بالحق يعدلون، أي يحكمون. قال الكلبي: يعني الذين أسلموا مع النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب.
وذكر بعضهم قال: ذكر لنا أن نبي الله عليه السلام قال: هذه لكم، وقد أعطى الله القوم بين أيديكم مثلها؛ يعني قوله: {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ، وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159].
قوله: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} هو كقوله: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]. وكقوله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]. وقد فسَّرناه في غير هذا الموضع في هذه السورة وفي سورة الأنعام.
قوله: {وَأُمْلِي لَهُمْ} أي [وأطيل لهم] {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} أي عذابي شديد.
قوله: {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ} وهذا جواب من الله للمشركين لقولهم للنبي عليه السلام إنه مَجنون. يقول: لو تفكروا لعلموا أنه ليس بمجنون {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ} ينذر عذاب الله {مُّبِينٌ} يبين عن الله.
قوله: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي ما أراهم الله من آياته (2/61)
صفحة 642
فيهما {وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ} مما يرونه، فيتفكروا فيعلموا أن الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يحيي الموتى. قال: {وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} فيبادروا للتوبة قبل الموت. {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ} أي بعد القرآن {يُّؤْمِنُونَ} أي يصدقون.
(1/ 453)
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187)
قوله: {مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. قال الحسن: في ضلالتهم يتمادون، وقال غيره: في ضلالتهم يلعبون.
قوله: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} أي متى قيامها في قول الكلبي. وقال الحسن: متى مجيئها.
قال: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} أي إنما علم مجيئها عند ربي {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا} أي [لا يظهرها في وقتها] الذي وقت {إِلاَّ هُوَ} قال مجاهد: لا يأتي بها إلاَّ هو.
قال: {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ذكرواعن عبدالله بن القاسم بن يسار مولى أبي بكر الصديق، رضي الله عنه قال: إن الوحي إذا نزل سمع أهل السماوات، قال بعضهم مثل جر السلاسل على الصخور قال: فيفزغون ويخافون أن تكون الساعة. فإذا انجلى الخوف عن قلوبهم قال أهل كل سماء لأهل السماء الذين فوقهم: ماذا قال ربكم؟ فيقولون الحق، يعنون الوحي، وهو العلي الكبير. فلا يزال ذلك من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء الدنيا. وهو قوله في سورة سبإ [الآية: 23] {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِم} أي انجلى عن قلوبهم {قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ} وقد قال في آية أخرى: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحَقُّ} [الشورى: 18]. (2/62)
صفحة 643
وقال الحسن: ثقلت على أهل السماوات حتى تشققت لها السماوات، وانتثرت لها النجوم، وذهب الشمس والقَمر، وعلى الأرض، حتى ذهبت جبالها وذهبت بحارها.
قوله: {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} أي فجأة. ذكر بعضهم قال: قضى الله لا تأتيكم إلا بغتة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه، فما يطويانه حتى تقوم الساعة. وتقوم الساعة والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، وتقوم الساعة والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم الساعة. وتقوم الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه، فما تصل إلى فيه حتى تقوم الساعة»
قوله: {يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيُّ عَنْهَا}. فيها تقديم. يسألونك عنها، يعني الساعة متى قيامها، كأنك حفيٌّ بهم. وقال الكلبي: كأنك بينك وبينهم صداقة، وهو واحد.
وذكر بعضهم عن مجاهد أنه قال: كأنك استحفيت عنها السؤال حتى علمتها. ومن قال بهذا فليس فيها على هذا التفسير تقديم. قال الحسن: يعني قريشاً؛ يقول: تعلمّهم ما لا تعلّم غيرهم، أي: لقرابتهم منك. قال الكلبي: كأنك عالم بها؛ وهي عنده مقدمة.
وقال بعضهم: قالت قريش: يا محمد، أَسِرَّ إلينا أمر الساعة لما بيننا وبينك من (2/63)
صفحة 644
قرابة. فقال الله: {يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا}، أي كأنك حفي يهم. قال: وهي في هذا التفسير مقدمة؛ (يَسْأَلُونَكَ عَنْهَا كَأَنَّكَ حَفِيٌّ بِهِمْ).
قال: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خمس لا يعلمهن إلا الله: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}» [لقمان: 34].
(1/ 454)
قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)
قوله: {قُل لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ} أي إنما ذلك بما شاء الله {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ} أي: لو اطلعني الله على أكثر مما أطلعني عليه من الغيب لكان أكثر لخيري عنده؛ ولم يطلعني الله على علم الساعة متى قيامها.
قوله: {وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} هذا جواب لقول المشركين إنه مجنون؛ فقال الله له: قل: {وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} أي الجنون، كقولهم لنوح عليه السلام: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54] أي بجنون. {إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ} أي من العذاب {وَبَشِيرٌ} بالجنة {لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ} وهذا تبع للكلام الأول: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}.
قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي: آدم {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يعني حواء من ضلعه القصيري اليسرى وهو نائم {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}. (2/64)
صفحة 645
قال: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ} أي [استمر بها الحمل فأتمته]. {فَلَمَّا أَثْقَلَت} قال بعضهم: استبان حملها، أي فاشتهر بها الحمل. {دَّعَوا اللهَ رَبَّهُمَا} أي: آدم وحواء {لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَالِحاً} أي غلاماً {لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} أي لأنعمك.
(1/ 455)
فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)
قال الله: {فَلَمَّا ءاتاهما} أي أعطاهما {صَالِحاً} أي غلاماً {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا ءاتاهما}. قال لهما إبليس: سمِّياه عبد الحارث، فسمَّيَاه عبدالحارث؛ فكان شركا في طاعة إبليس في تسميتهما إياه عبد الحارث، ولم يكن شركاً في عبادة، في تفسير بعضهم. انقضت قصة آدم وحواء من هذا الموضع.
قال: {فَتَعَالَى اللهُ} أي ارتفع الله وعلا، من قبل العلو {عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
وقال الكلبي: {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً}، يعني حواء {فَمَرَّتْ بِهِ} أي قامت به وقعدت. ثم أتاها الشيطان في غير صورته فقال: يا حواء، ما هذا في بطنك؟ فقالت: لا أدري. قال: لعله بهيمة من هذه البهائم. قالت: لا أدري. فأعرض عنها. حتى إذا أثقلت أتاها، فقال لها: كيف تجدين نفسك يا حواء؟ قالت: إني أخاف أن يكون في بطني الذي خوفتني؛ ما أستطيع القيام إذا قعدت. فقال: أفرأيت إن دعوت الله فجعله إنساناً مثلك، أو مثل آدم، أتسمينه بي؟ قالت نعم، فانصرف عنها. فقالت لآدم: إن الذي في بطني بهيمة من هذه البهائم، وإني لأجد له ثقلاً. ولقد خفت أن يكون كما قال، [فلم يكن لآدم ولا لحواء همٌّ غيره] حتى وضعت. فلذلك قوله: {دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَالِحاً}، أي إنساناً، {لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}.
كان هذا دعاءهما قبل أن تلد. فلما ولدت أتاها إبليس فقال: ألا تَسمّينه بي كما وعدتني. قالت: وما اسْمُكْ؟ قال: اسمي عبد الحارث. فسمته عبدالحارث، (2/65)
صفحة 646
فمات. يقول الله: {فَلَمَّا، ءاتاهما صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا ءاتاهما}. ثم انقضت قصة آدم وحواء ها هنا. ثم قال الله: {فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} يعني المشركين من بني آدم.
(1/ 456)
أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195)
قوله: {أَيُشْرِكُونَ} أي: أيشركون بالله، على الاستفهام، أي قد فعلوا. {مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً} يعني الأوثان. {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} كقوله: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 95 - 96] أي بأيديكم، يعني أصنامهم. قال: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً} أي ولا تستطيع الأوثان أن تنصر من عبدها. {وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} أي: ولا تنصر الأوثان أنفسها. قال في آية أخرى: {وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ} أي الوثن {وَالمَطْلُوبُ} أي الذباب [الحج: 73].
قال: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهُدَى} يعني المشركين {لاَ يَتَّبِعُوكُمْ} أخبر بعلمه فيهم. {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ} وهو كقوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6].
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ} يقوله للمشركين، يعني أوثانهم {عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} أي مخلوقون {فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أنهم آلهة.
ثم قال: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا} على الاستفهام، يعني الأوثان {أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} أي: إنه ليس لهم شيء من هذا، كقوله: {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ} [النحل: 21] {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ} يعني أوثانكم التي أشركتموها بالله. {ثُمَّ كِيدُونِ} أنتم وأوثانكم {فَلاَ تُنظِرُونَ} أي: اجهدوا عليّ جهدكم.
(1/ 457)
إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) (2/66)
صفحة 647
قال: {إِنَّ وَليِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتَابَ} أي: القرآن، وأولياؤكم أنتم أيها المشركون الشياطين. قال: {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِين} أي: يتولى المؤمنين، وهو وليهم.
{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} يعني الأوثان {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ} من عذاب الله {وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} ثم قال: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهُدَى} يعني المشركين {لاَ يَسْمَعُوا} أي: الحجة، لا يسمعونها سمع قبول، وقد سمعوها بآذانهم وقامت عليهم الحجة. {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} يعني النبي عليه السلام {وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} يعني الحجة.
قوله: {خُذِ العَفْوَ} ذكروا عن عبد الله بن الزبير قال: خذ العفو من أخلاق الناس. [وقال مجاهد: يقول: خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تجسس].
وقال الحسن: خذ العفو من المؤمنين من أنفسهم ما لا يجهدهم، يعني الصدقة. والعفو: الفضل عن نفقتك ونفقة عيالك. وكان هذا قبل أن تفرض الزكاة.
ذكرواعن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وأبداً بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى، ولا يلوم الله على الكفاف»
وقال الكلبي: {خُذِ العَفْوَ} أي: ما عفا من أموالهم، وهو الفضل، وذلك قبل أن تفرض الزكاة.
قوله: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} أي بالمعروف {وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ} أي عن (2/67)
صفحة 648
المشركين. الجاهلون ها هنا المشركون. قال بعضهم: نسخها القتال.
(1/ 458)
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202)
قوله: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ} قال بعضهم: الغضب. وقال الحسن: وساوسه. {فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ} ذكروا أن مجاهداً قال: الطائف: الغضب. وقال الحسن: الطائف من الطَّوَفَان، أي: يطوف عليهم الشيطان بوساوسه؛ يأمرهم بالمعصية، فتقبل وساوسه من معاصي الله. قال: {تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} أي تائبون من المعصية.
قال: {وَإِخْوَانُهُمْ} يعني من الشياطين. {يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ} يمدون المشركين في الغي استجهالاً {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} عن هلكتهم. (2/68)
صفحة 649
وبلغنا عن الحسن أنه قال: الناس في الغضب أربعة: رجل بطيء الغضب سريع الرضا؛ فذلك له ولا عليه، ورجل سريع الغضب سريع الرضا؛ فذلك لا له ولا عليه، ورجل بطيء الغضب بطيء الرضا؛ فذلك أيضاً لا له ولا عليه، ورجل سريع الغضب بطيء الرضا؛ فذلك عليه ولا له.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغضب جمرة من نار توقد في جوف ابن آدم؛ ألم ترَ إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه؛ فإذا غضب أحدكم فإن كان قاعداً فليلزم الأرض، وإن كان قائماً فليجلس»
(1/ 459)
وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)
قوله: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِئَايَةٍ قَالُوا لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا} أي: لولا تلقيتها من الله، في تفسير مجاهد. وقال بعضهم: {لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا} أي: لولا جئت بها من قِبَلك. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أبطأ عنه الوحي، قال له المشركون: لولا اجتبيتها، أي هلا اجتبيتها من عندك فأتيت بهذا الوحي، فإنما تجيء به من عندك. وإذا أتاهم بآية كذّبوا بها، يعني بآية من القرآن. وإذا أبطأ الوحي سألوا أن يأتيهم بآية.
قال الله: {قُلْ} يا محمد {إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي} ليس ذلك من عندي، إنما هو من عند الله {هَذَا بَصَائِرُ} يعني القرآن {مِن رَّبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
قوله: {وَإِذَا قُرِىءَ القُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي لكي ترحموا. قال بعضهم: ذلك في الصلاة، وهو قول الحسن. (2/69)
صفحة 650
وقال الحسن: كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية. قال: وصارت سنة بعد في غير الصلاة، أن ينصت القوم إذا جلسوا لمن يقرأ عليهم القرآن.
قال الكلبي: بلغنا أنهم كانوا، قبل أن تنزل هذه الآية، يتكلم الرجل بالحاجة وهو في صلاته، فيجيء الرجل إلى القوم وهم يصلون، فيقول: كم صليتم، فيقولون: كذا وكذا، يسألهم عما فاته، فأنزل الله هذه الآية.
(1/ 460)
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)
قوله: {وَاذْكُرْ رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً} أي مخافة منه {وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بالغُدُوِّ وَالأَصَالِ}. يقول: واذكره في نفسك أيضاً بالغدو والآصال. والأصال العشيات، يعني صلاة مكة، حين كانت الصلاة ركعتين غدوة، وركعتين عشية قبل أن تفرض الصلوات الخمس.
قال: {وَلاَ تَكُن مِّنَ الغَافِلِينَ} أي عن الله وعن دينه.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} يعني الملائكة {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} أي في الصلاة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَطَّتِ السماء وحقَّ لها أن تئِطَّ؛ ليس فيها موضع شبر إلا وعليه ملك راكع أو ساجد، أو مسبّح أو مهلّل، أو معظّم لله»
(1/ 461) (2/70)
صفحة 651
تفسير سورة الأنفال، وهي مدنية كلها
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)
تفسير سورة الأنفال
وهي مدنية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ} والأنفال الغنائم.
{قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ}.
قال الحسن: كانت السرية تسري، فينفلهم الرسول ما شاء بعد الخُمْس.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث؛ فقيل لبعضهم: لِمَ كان يجعل في الرجعة أكثر؟ قال: لأنهم إذا رجعوا كانوا أشد لخوفهم.
ذكروا أنا أبا إدريس [قال]: إن الناس كانوا معسكرين؛ فأتاهم أبو عبيدة بْنُ الجراح حتى بلغ حبيب بن مسلمة أن علجا من الروم يقال له بن توجه نحو أرمينية؛ فطلبه فأدركه، فقتله وأخذ سلبه. فوجد معه وقر خمسة أبغال ديباج ولؤلؤ من أصناف المتاع. فلما رجع قال أبو عبيدة: أرنا ما جئت به. فقال: إنما هو ولي، وأنا قتله، ولي سلبه. فقال له أبو عبيدة: ليس كذلك، إنما لك ما أعطيتك منه وطابت به نفسي. فقال: أناشدك الله أن تظلمني وأن تأخذ مني ما أعطاني الله، حتى ارتفعت أصواتهما. فسمعهما معاذ بن جبل، فجاء فقال: يا حبيب بن مسلمة، لا تسأل ما ليس (2/71)
صفحة 652
لك. فقال حبيب: أليس يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلاً فله سلبه؟» فقال: إنما قال ذلك في غزوة واحدة عام حُنين، ولم يقله لأبد. وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ذلك إلى الإِمام، إن شاء أعطى وإن شاء منع» وهو على ما يرى الإِمام. فأخذه منه أبو عبيدة فخمّسه، ثم أعطاه الخمس بعد الخمس. فبلغ ما أعطي عشرة آلاف.
ذكروا عن الحسن أنه قال: ما نفل الإِمام فهو جائز.
ذكروا عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا نفل بعد رسول الله. وقال سعيد بن المسيب: إنما ينفل الإِمام في الخمس. معنى قوله: إن النبي كان ينفل الخمس من بعد الخمس، ولا يُنفل بعده إلا في الخمس.
ذكروا عن ابن عمر أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فبلغت سهامهم اثني عشر بعيراً، قال: ونفّل كل إنسان منا بعيراً سوى ذلك.
ذكروا عن الحسن أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم زماماً من شعر قبل أن تقسم الغنيمة، فقال: «سألتني زماماً من نار، فوالله ما كان لك أن تسألينه، وما كان لي أن أعطيكه، ولو أعطيتكه لأعطيتك به زماماً من نار» (2/72)
صفحة 653
وأما قوله: {قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} فيقول: ذلك كله لله، وجعل حكمه إلى رسول الله.
قوله: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}.
قال الكلبي: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما صافّ المشركين يوم بدر، قال ليحرض الناس على القتال:
(1/ 462)
«إن الله وعدني أن يفتح لي بدراً، وأن يغنمني عسكرهم، فمن قتل قتيلاً فله كذا وكذا إن شاء الله من غنيمتهم، ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا إن شاء الله» فلما تواقفوا ألقى الله في قلوب المشركين الرعب، فانهزموا، واتبعهم سرعان من الناس، فقتلوا سبعين رجلاً، وأسروا سبعين، وغنموا العسكر وما فيه. وأقام وجوه الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصافّه، فلم يشذ عنه منهم أحد.
ثم قام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري بن بني سلمة، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنك وعدت من قتل قتيلاً أو أسر أسيراً من غنيمة القوم، الذي وعدتهم، وإنا قد قتلنا سبعين، وأسرنا سبعين. ثم قام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، إنه ما منعنا أن نطلب كما طلب هؤلاء زهادة في الأجر، ولا جبن عن العدو، ولكنا خفنا أن نعري صفك، فتعطف علينا خيل المشركين فأعرض عنهما رسول الله. ثم قال أبو اليسر مثل كلامه الأول. وعاد سعد فتكلم مثل كلامه الأول وقال: يا رسول الله، الأسرى والقتلى كثير، والغنيمة قليلة، وإن تعطِ هؤلاء الذي ذكرت لهم لم يبقَ لسائر أصحابك كبير شيء، فنزلت هذه الآية: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ (2/73)
صفحة 654
وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ. . .} إلى آخر الآية.
ذكروا عن الكلبي أنه قال: كان النبي وعد الأنصار المغنم، فتكلَّم فيه المهاجرين فأنزل الله هذه الآية وقال: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} فقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار.
ذكر بعضهم قال: كان نبي الله ينفل الرجل من المؤمنين سلَب الرجل من الكفار إذا ما قتله، فأمرهم الله أن يردّ بعضُهم على بعض فقال: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} أي: لِيَرُدَّ بعضكم على بعض.
قال: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
(1/ 463)
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)
قوله: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: رقّت قلوبهم مخافة عقابه. وقال مجاهد: {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}، أي: فَرِقت قلوبهم.
قال: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} أي: تصديقاً. أي كلما نزل من القرآن شيء صدّقوا به. كقوله: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً} هذا قول المنافقين. قال الله: {فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124].
قوله: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} أي: يقيمونها على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها. {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} أي الزكاة المفروضة على ما سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة وسورة الأنعام.
قال: {أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} أي في الجنة على (2/74)
صفحة 655
قدر أعمالهم. قال {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا} [الأحقاف: 19]. قوله: {وَمَغْفِرَةٌ} أي لذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي في الجنة.
(1/ 464)
كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7)
قوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ} أي: أخرجك من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى قتال أهل بدر. وقال مجاهد: لهم درجات عند ربهم. كما أخرجك ربك من بيتك كذلك لهم درجات عند ربهم.
قوله: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ} قال مجاهد والحسن: يعني: في القتال. قال الحسن: ومعنى مجادلتهم أنهم كانوا يريدون العير، ورسول الله يريد ذات الشوكة، أي القتال، بما وعده الله أن ينصره على أهل بدر.
قوله: {بَعْدَمَا تَبَيَّنَ}. قال الحسن: من بعد ما أخبرهم الله أنهم منصورون، إلا أن بين ذلك قوماً يقتلون. {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} وهم في ذلك ماضون لأمر الله.
وذلك أن عيراً أقبلت من الشام لقريش تحمل التجارة فيها أبو سفيان، وهو أمير القوم، وخرج المشركون العرب من الحرم [فيهم] أبو جهل لقتال رسول الله، فوعده الله إحدى الطائفتين فقال: (2/75)
صفحة 656
{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} ووعدهم الله ذات الشوكة في الإِضمار. [ومعنى الشوكة السلاح الحرب].
{وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} وكلمات الله وعده الله الذي وعدهم أن لهم إحدى الطائفتين. {وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ} أي أصل الكافرين.
(1/ 465)
لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)
{لِيُحِقَّ الحَقَّ} فيظهر محمداً، ومعه الحق {وَيُبْطِلَ البَاطِلَ} أي ما جاء به المشركون. {وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ} وهم المشركون في هذا الموضع.
وهذه الآية نزلت قبل قوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ}، وهي بعدها في التأليف. هذا في تفسير الحسن. وكان جبريل يأتي النبي بالوحي فيقول: إن الله يأمرك أن تضع أية كذا وكذا بين ظهراني آية كذا وكذا من السورة.
وقال بعضهم: الطائفتان: إحداهما أبو سفيان أقبل بالعير من الشام، والطائفة الأخرى: أبو جهل معه نفير قريش؛ فكره المسلمون الشوكة والقتال، وأحبوا أن يصيبوا العير، وأراد الله أن يصيبوا ثَمَّ ما أراد.
قوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ المَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ} أي متتابعين. وقال مجاهد: مردفين: ممدين. وقال الحسن: دعوا الله أن ينصرهم على عدوهم، فاستجاب لهم فقال: إني ممدّكم بألف من الملائكة مردفين. (2/76)
صفحة 657
قوله: {وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى} أي ما جعل المدد من الملائكة إلا بشرى {وَلِتَطْمَئِنَّ} أي [لتسكن] {بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي عزيز في نقمته، حكيم في أمره.
قوله: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} أي: أماناً منه. قال الحسن ومجاهد: أماناً من الله. {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ} أي يطهّر ما في قلوبكم من الخوف {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} أي ترهيب الشيطان الذي كان دخل قلوبكم في تفسير الحسن: {وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ}. فأنزل الله ذلك الماء على المسلمين. فاذهب الله ما في قلوبهم مما كان أوقع الشيطان في قلوبهم من تخويفه.
وقال بعضهم: ذكر لنا أنهم مطروا يومين حتى سال الوادي ماء واقتتلوا على كثيب أعفر، فلبّده الله بالماء، وشرب المسلمون، وتوضأوا، واستقوا، وأذهب الله عنهم وساوس الشيطان.
قال الكلبي: بلغنا أن المشركين سبقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل حيالهم، وبينه وبينهم الوادي؛ ونزل على غير ماء؛ فقذف الشيطان في قلوب المؤمنين أمراً عظيماً فقال: زعمتم أنكم عباد الله، وعلى دين الله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلّون محدثين مجنبين، فأحبّ الله أن يذهب من قلوبهم رجز الشيطان، فأغشى المؤمنين نعاساً أمنة منه، وأنزل عليهم من السماء ماء ليطهرهم به من الإِحداث والجنابة، ويذهب عنهم رجز الشيطان [أي ما كان قذف في قلوبهم] وليربط على قلوبهم ويثبّت به الأقدام.
وكان بطن الوادي فيه رملة تغيب فيه الأقدام؛ فلما مطر الوادي اشتدت الرملة (2/77)
صفحة 658
، فمشى عليها الرجال، واتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حياضاً على الوادي، فشرب المسلمون منها واستقوا، ثم صفّوا. وأوحى {ربك إلى الملائكة أني معكم فثبّتوا الذين ءامنوا. . .} إلى قوله {واضربوا منهم كل بنان}؛ وهي أطراف الأيدي والأرجل.
(1/ 467)
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)
قوله: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ} قال الحسن: يعني فاضربوا الأعناق {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} أي كلّ عُضو. وقال الكلبي: أطراف الأيدي والأرجل. وقال بعضهم: كل بنان، أي: كل مفصل.
قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ} قال الحسن: حادّوا الله وعادوه ورسوله. وقال بعضهم: الشقاق هو الفراق. {وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ}.
قال: {ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ} أي في الدنيا، يعني القتل {وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ} بعد القتل {عَذَابَ النَّارِ} أي في الآخرة.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} أي: منهزمين {وَمَن يُوَلِّهِمْ} أي: ينهزم {يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} أي: يوم بدر {إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ} أي يتحرّف للقتال، أن يدع موقف مكان لمكان. {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ} أي ينحاز إلى جماعة {فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ} أي استوجب غضباً من الله {ومأواه جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ} أي بئس مصير من صار إلى جهنم. (2/78)
صفحة 659
قال الحسن: لم يكن الفرار من الزحف من الكبائر إلا يوم بدر، لأن تلك العصابة من المسلمين لو أصيبت لذهب الإِسلام. فكان الله قد افترض في هذه الآية: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنفال: 65] فأمر الله المسلمين أن يصبروا لعشرة أمثالهم إذا لقوهم. ثم أنزل الله بعد ذلك التخفيف فقال: {«الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ} [الأنفال: 66]. فلم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اظهر الله الإِسلام وصار الجهاد تطوّعاً.
فإن جاء المسلمين عدوٌّ لا طاقة لهم به تحيّزوا إلى البصرة، أو قال: إلى بصرتهم. وإن جاءهم ما يغلبهم تحيّزوا إلى الكوفة، فإن جاءهم ما يغلبهم تحيّزوا إلى الشام، وإن جاءهم ما يغلبهم تحيّزوا إلى المدنية، فإن جاءهم ما يغلبهم فليس ثَمَّ تحيّز، وصار الجهاد فريضة.
ذكروا عن الحسن أنه قال: إن عمر بن الخطاب لما بلغه قتل أبي عبيدة بن الجراح وأصحابه بالقادسية قال: يرحم الله أبا عبيدة؛ لو انحاز إلينا لكنا فئته.
ذكروا عن الحسن قال: لو أن أهل سمرقند انحازوا إلينا ونسأل الله العافية من ذلك لكنا فئتهم.
ذكروا أن أبا بكر وعمر كانا يقولان للجيوش: وإن غلبكم أمر فانحازوا إلينا، فإنا فئتكم.
ذكر بضعهم قال: أوجب الله لمن فرّ يوم بدر النار، ثم كانت أُحُد بعدها فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}
(1/ 468)
[آل عمران: 155]. ثم كانت حنين بعدها (2/79)
صفحة 660
بسبع سنين فأنزل الله: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 25 - 27].
قال بعضهم: يوم الدجّال كيوم بدر. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الشهداء شهداء بدر، وشهداء الأعماق، والأعماق أنطاكية»
ذكروا عن عبد الله بن عون أنه قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الفرار من الزحف، فقال: إنما كان يوم بدر.
(1/ 469)
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)
قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى}. قال الحسن: لما واقف رسول الله المشركين يوم بدر أمره الله أن يرميهم بثلاثة أحجار، فكان النصر فيما رماهم به، وألقى في قلوبهم الرعب. قال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} أي: بقوتكم، حين قال هذا: قتلت، وقال هذا: قتلت. {وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى}.
وقال الكلبي: لما صافّ رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين دعا بقُبضة من حصى الوادي وترابه، فرمى بها في وجوه المشركين، فملأ الله منها وجوههم وأعينهم تراباً، وقذف في قلوبهم الرعب، فانهزموا، واتبعهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم.
وقال بعضهم: ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ ثلاثة أحجار يوم بدر، فرمى بها في وجوه الكفار، فهزموا عند. (2/80)
صفحة 661
قوله: {وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَناً} أي ينعم على المؤمنين بقتلهم المشركين يوم بدر. {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
(1/ 470)
ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22)
قوله: {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوَهِنُ كَيْدِ الكَافِرِينَ} أي مُضعِف كيد الكافرين الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: {إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الفَتْحُ} قال الكلبي: إن المشركين لما صافّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر قالوا: اللهم ربنا أيُّنا كان أَحبَّ إليك، وأرضى عندك، فانصره. فنصر الله نبيَّه، وقال: {إِن تَسْتَفْتِحُوا} يعني أن تستنصروا {فَقَدْ جَاءَكُمُ الفَتْحُ} والفتح النصر.
قال: {وَإِن تَنتَهُوا} عن قتال محمد {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُوا} لِقِتاله {نَعُدْ} عليكم بالهزيمة {وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ}.
وقال مجاهد: {فَقَدْ جَاءَكُمُ الفَتْحُ} بدعاء كفار قريش في قولهم: ربنا افتح بيننا وبين محمد، ففتح الله بينه وبينهم يوم بدر.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ} أي عن رسول الله {وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ} يعني الحجة.
{وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [الهدى]. قال مجاهد: يعني عاصين. وقال الحسن: ليسوا سمعاء ولا بصراء بالحق إذ لم يقبلوه.
قوله: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ} أي الخلق {عِندَ اللهِ الصُّمُّ} أي عن الهدى فلا يسمعونه، أي فلا يقبلونه {البُكْمُ} أي عنه فلا ينطقون به {الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} أي الهدى. وقال مجاهد: لا يتبعون الحق و هو واحد.
(1/ 471)
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) (2/81)
صفحة 662
قال الله: {وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً} أي إيماناً {لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ}. قال الحسن: هي كقوله: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28] أخبر بعلمه فيهم.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} قال مجاهد: لما يحييكم به، أي الحق، يعني الهدى، وقال بعهضم: هو القرآن. وقال: هو القرآن، فيه الحياة والبقاء.
قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ}. قال بعضهم: يحول بين قلب المؤمن وبين معصيته بفعله، وبين قلب الكافر وبين طاعته بفعله. قال: {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي يوم القيامة.
قوله: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً} [يعني أنها إذا نزلت تعم الظالم وغيره]. قال بعضهم: يعني [يوم] الجمل. وقال الحسن: يعني أَصحاب النبي عليه السلام.
ذكروا أن الزبير بن العوام كان يقول: لقد تلوتُ هذه الآية زماناً ما أحدث نفسي أن أكون من أهلها، فإذا نحن أصحاب النبي المعنيّون بها: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ}.
قوله: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ} [أي مقهورون في أرض (2/82)
صفحة 663
مكة] {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} أي فارس والروم في تفسير بعضهم. {فئاواكم} [أي ضمّكم] إلى المدينة حين أسلمتم. {وَأَيَّدَكُم} أي أعانكم {بِنَصْرِهِ} أي نصركم على المشركين {وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} أي: الحلال من الرزق والغنيمة بعد، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي لكي تشكروا هذه النعم.
(1/ 472)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}. قال الكلبي: أما خيانتكم الله فمعصيتُه، وكذلك خيانتكم الرسول هي معصية الرسول. أما خيانتكم أماناتكم فكل عبد مؤتمَن على ما افترض الله عليه، لم يطلع عليها إلا الله.
وقال بضعهم: إن أَبَا لُبَابة أشار لليهود إلى النحور حتى لا ينزلوا على الحكم، [فكانت خيانة منه وذنباً].
وقال الحسن: لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم كما صنع المنافقون الذين قالوا ولم يعملوا فإنهم خانوا الله والرسول في ترْكهم الوفاء بفرائضه، إذ لم يستكملوا العمل مع القول. {وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} يقول: إذا خنتم الله والرسول خنتم أماناتكم إذ لم توفوا بالعمل الذي أقررتم به مع القول، {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنكم قد خنتم. وتخونوا أماناتكم أيضاً فيما بينكم وبين الناس.
قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} أي بلية، ابتلاكم الله بالأموال والأولاد لكي تطيعوه فيما ابتلاكم به. {وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي الجنة.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}. قال مجاهد: (2/83)
صفحة 664
يجعل لكم فرقاناً، أي حجة. وقال بعضهم: مخرجاً [في الدين من الشبهة والضلالة]. وقال بعضهم: يجعل لكم نجاة. وقال الحسن: {فُرْقَاناً}. أي: يفرق فيه بين الحق والباطل، فتعرفون ما أحل لكم وما حرم عليكم. {وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} أي ذنوبكم {وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ}.
(1/ 473)
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)
قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ}.
قال الكلبي: بلغنا أن عصابة من قريش اجتمعوا في دار الندوة يمكرون بنبي الله عليه السلام، فدخل معهم إبليس عليه لعنة الله، عليه ثياب له أطمار، في صورة شيخ كبير، فجلس معهم؛ فقالوا ما أجلسك في جماعتنا بغير إذننا، فقال لهم: أنا رجل من أهل نجد، قدمت مكة فأحببت أن أسمع من حديثكم، وأقتبس منكم خيراً، ورأيت وجوهكم حسنة، وريحكم طيبة؛ فإن أحببتم جلست معكم، وإن كرهتم مجلسي خرجت. فقال بعضهم لبعض: هذا رجل من أهل نجد، ليس من أهل تهامة، فلا بأس عليكم منه.
فتكلموا بالمكر بنبي الله؛ فقال أبو البَخْتري بن هشام، أحد بني أسد بن عبد العزى: أما أنا فأرى لكم من الرأي أن تأخذوا محمداً فتجعلوه في بيت ثم تسدّوا عليه بابه، وتجعلوا فيه كوّة، فتدخلوا إليه طعامه وشرابه، ثم تذروه فيه حتى يموت.
فقال القوم: نعم الرأي رأيت. فقال إبليس: بئس الرأي رأيتم، تعمدون إلى رجل له فيكم صغو، وقد سمع به من حولكم، فتحبسونه وتطعمونه وتسقونه، فيوشك ذلك (2/84)
صفحة 665
الصغو الذي له فيكم أن يقاتلوكم عليه، فتفسد فيه جماعتكم، وتسفك فيه دماؤكم. فقالوا صدق والله.
ثم تكلم أبو الأسود، وهو هاشم بن عمير بن ربيعة، أحد بني عامر بن لؤي، فقال: أما أنا فأرى أن تحملوا محمداً على بعير، فتخرجوه من أرضكم، فيذهب حيث شاء، ويليه غيركم. فقالوا: نعم والله الرأي رأيت. فقال إبليس: بئس الرأي والله رأيتم؛ تعمدون إلى رجل أفسد جماعتكم، واتبعته منكم طائفة فتخرجونه إلى غيركم، فيأتيهم فيفسدهم كما أفسدكم؛ يوشك والله أن يُقبل بهم عليكم. قالوا: صدق والله.
ثم تكلم أبو جهل فقال: أما أنا فأرى من الرأي أن تأخذوا من كل بطن من قريش رجلاً، ثم تعطوا كل رجل سيفاً، فيأتونه، فيضربونه جميعاً، فلا يدري قومه من يأخذون به، وتؤدي قريش ديته. فقال إبليس: صدق والله هذا الشاب، إن الأمر لَكَما قال؛ فاتفقوا على ذلك.
فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، وأمره بالخروج؛ فخرج من ليلته إلى المدينة. قال الله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ}.
قال بعضهم: في قوله: {لِيُثَبِتُوكَ} أي وثاقاً، أرادوا ذلك ونبي الله بمكة.
(1/ 474)
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)
قوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}.
قال الكلبي: لما قصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه شأن القرون الأولى قال النضر إبن الحارث، أخو بني عبد الدار: لو شئت لقلت مثل هذا {إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}، أي: كذب الأولين و باطلهم. (2/85)
صفحة 666
قال الكلبي: يقول له عند عثمان بن مظعون: اتقِ الله يا نضر، فإن محمداً يقول الحق. قال النضر: وأنا أقول الحق. قال عثمان: فإن محمداً يقول لا إله إلا الله. فقال النضر: وأنا أقول: لا إله إلا الله، ولكن هذه بنات الله عندنا: اللات والعزى ومناة. فأنزل الله: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ} [الزخرف: 81] وتفسيرها في حَمَ الزخرف؛ فقال النضر: ألاَ تَرون أنه قد صدّقني: إن للرحمن ولداً؟ فقال الوليد بن المغيرة: لا والله ما صدقك، ولكن قال: {إِن كَانَ}، منكراً لقولك. فصعق لها النضر فغضب، فقال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك.
(1/ 475)
وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)
قوله: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ} أي إن كان ما يقوله محمد حقاً {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.
قوله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال مجاهد: وهم يسلمون.
وقال الكلبي: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا قومه إلى الهدى قال الحارث بن عامر بن نوفل. يا محمد، {إِن نَّتَّبِعِ الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} (2/86)
صفحة 667
[القصص: 57] وإنما تتقي العربُ حرمَنا أنا على دينهم. يقول الله قد متعتهم بهذا الحرم، وهم يأكلون رزقي، ويعبدون غيري، وقد مكنت لهم حرماً آمناً تجبى إليه ثمرات كل شيء، فكانوا يخافون أن لو عبدوني أن أسلط عليهم من يقتلهم ويسبيهم، ما كنت لأفعل ذلك بهم لو فعلوا واستغفروا، فلما لم يفعلوا [عذبوا].
(1/ 476)
وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34)
يقول الله: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم الذين لا يؤمنون.
قال الحسن: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} أي: حتى يخرجك من بين أظهرهم. وقد قضى الله أنه إذا أهلك قوماً نجّى المؤمنين. {وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أي: لا يزال منهم مستغفر يستغفر من الشرك ويدخل في الإيمان. ولا يعذب الله قوماً حتى يبلغوا الحدَّ الذي لا يؤمن منهم أحد.
وقال بعضهم: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أي: يعملون عمل الغفران. قال: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدَّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} [زعم المشركون أنهم أولياء المسجد الحرام فقال الله: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المُتَّقُونَ}. أي: من كانوا وأين كانوا {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} يقول: إن القوم لم يكونوا يستغفرون، أي يعملون عمل الغفران؛ ولو عملوا عمل الغفران ما عذبوا.
وكان بعض أهل العلم يقول: هما أمانان أنزلهما الله. أما أحدهما فمضى، وهو نبي الله صلى الله عليه وسلم. وأما الآخر فأبقاه الله رحمة: هذا الاستغفار.
وذكر بعض أهل العلم قال: ما من أمة يكون فيها خمسة عشر رجلاً من المسلمين يستغفرون الله إلا رحم الله تلك الأمة بهم. (2/87)
صفحة 668
ذكروا عن رجل من المهاجرين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استغفروا الله وتوبوا إليه، إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة»
(1/ 477)
وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)
قوله: {وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِندَ البَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} قال ابن عمر: المكاء الصفير، والتصدية التصفيق، يقول: يفعلون ذلك مكان الصلاة. وقال مجاهد: يخلطون على النبي عليه السلام بذلك صلاته. وقال بعضهم: كنا نحدث أن المكاء التصفير في الأيدي، يعارضون به القرآن؛ مثل قوله: {وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 36].
قال: {فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} يعني القتل بالسيف قبل عذاب الآخرة.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ}. لما هزم رسول الله أهل بدر رجعوا إلى مكة، فأخذوا ما جاءت به العير من الشام فتجهزوا به لقتال النبي، واستنصروا بقبائل من قبائل العرب؛ فأوحى الله إلى النبي عليه السلام، وهو بالمدينة: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ. . .} إلى قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} فبيّن الله لنبيه أنهم سيغلبون من قبل أن يقاتلوا. قوله: {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} أي: النفقة يعذِّبون عليها كما يعذَّبون على كفرهم.
وقال بعضهم: لما قدم أبو سفيان بالعير إلى مكة ندب الناس ودعاهم إلى القتال حتى غزا نبي الله يوم أُحد في شوَّال، يوم السبت لإِحدى عشرة ليلة خلت من شوّال في العام المقبل الذي يلي بدراً. (2/88)
صفحة 669
وقال مجاهد في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ليَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا} قال: هذا في نفقة أبي سفيان على الكفار يوم أُحد.
(1/ 478)
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)
قوله: {لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} أي ليميز نفقة المؤمنين من نفقة الكفار. {وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ} أي نفقاتهم التي أنفقوها في حرب النبيّ من كسبهم الخبيث. {فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً} أي بعضه على بعض {فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ} أي معهم {أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ} قال الحسن: هي كقوله: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} [التوبة: 35].
قوله: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا} لقتال محمد {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ} أي بالقتال، والاستئصال. وقال مجاهد: في قريش يوم بدر، وفي غيرهم من الأمم [قبل ذلك].
قوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي: حتى لا يكون شرك. وهذه في مشركي قريش خاصة؛ وأما من سواهم من المشركين فإذا أرادوا الجزية قبلت منهم ولم يقتلوا إذا أقروا بالجزية، إلا من كان دخل من العرب في دين أهل الكتاب، فإن عمر لم يقتلهم، وقبِل منهم الضِّعف مما يؤخذ من المسلمين من مواشيهم؛ وهو قول العامة. وكان علي يرى قتلهم.
قوله: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} يعني الإسلام. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (2/89)
صفحة 670
«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله».
قوله: {فَإِنِ انتَهَوْا} أي عن كفرهم {فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. قال الكلبي فإن انتهوا عن القتال، وهو واحد. {وَإِن تَوَلَّوْا} أي: وإن أبو إلا القتال {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مولاكم} أي وليّكم {نِعْمَ المَوْلَى} أي نعم الولي {وَنِعْمَ النَّصِيرُ} أي لأوليائه.
(1/ 479)
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)
قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}.
ذكر عبد الله بن الخير قال: بينما نحن جلوس بهذا المربد إذ أقبل علينا أعرابي أشعر الرأس، أو مشعار الرأس، قال: قلنا: والله لكأَنَّ هذا ليس من أهل البلد. قال: أجل. قال وإذا معه أديم أو قطعة من جواب، قال: هذا كتاب كتبه لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذنا الكتاب، فقرأناه. فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبي، رسول الله، لنبي زهير بن أٌقَيْش: إنكم إن شهدتم أن لا إله (2/90)
صفحة 671
إلا الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وفارقتم المشركين، وأعطيتم من الغنائم الخمس، وسهم الصفي، وربما قال: وصفيّه، فأنتم آمنون بأمان الله وأمان رسوله.
وسهم الصفي فيما بلغنا أنه إذا جمعت الغنائم كان للنبي شيء يُصْفَى به قبل أن تقسم الغنائم، فرساً كان أو بعيراً أو غير ذلك.
وقال الحسن: كانت إذا جمعت، للنبي أن يأخذ منها ما شاء قبل أن تقسم الغنائم، وهو الصفي الذي أصفاه الله محمداً عليه السلام. وأن النبي عليه السلام لم يستأثر على المسلمين من ذلك السهم قط. وقد جعله الله له يريد بذلك كرامته. فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين، وصار أجره وذخره لرسول الله عند الله. ثم يجعل الغنائم على خمسة أخماس؛ يقوم ويقسم، ثم يقرع عليها، فيخرج منها خمساً لله.
وبلغنا أن عثمان بن عفان كان يقول لصاحب الجيش إذا بعثه: إذا غنمتم غنيمة فاقسمها على خمسة أخماس. ثم خذ خمسة أسهم، فاكتب على سهم منها: لله. ثم ألقها عليها، فأيها وقع عليها ذلك السهم فاجعله الخمس.
قال الحسن: فيأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخمس ما شاء. وليس فيه وقت. ويعطي قرابته من ذلك ما رأى. ويعطي اليتامى والمساكين وابن السبيل على قدر ما يرى من قتلهم وكثرتهم وفقرهم. وليس ذلك على الأمراء. ثم يقسم رسول الله والأئمة بعده تلك الأربعة الأخماس على أهل العسكر، فيعطي الفرس سهمين وفارسه سهماً. (2/91)
صفحة 672
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، ما أعطيكم شيئاً ولا أمنعكموه، إنما أنا خازن أضع حيث أمرت»
ذكروا عن معاوية أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما أنا قاسم، والله يعطي»
ذكر بعض أهل العلم قال: تقسم الغنائم على خمسة أخماس؛ فخمس منها لله والرسول، فهذا سهم واحد، ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وأربعة أخماس لأهل القتال. فأما سهم ذي القربى فإن أبا بكر وعمر حملا عليه في سبيل الله.
(1/ 480)
ذكروا أن نجدة كَتَبَ إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى فكتب إليه: إنا كنا نراه لقرابة رسول الله فأبى ذلك علينا قومنا.
ذكر بعض أهل العلم قال: ما بيع بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين. ولا بأس بأكل الطعام ما لم يُبع فيصير ذهباً أو فضة.
ذكر ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يوم خيبر للفارس سهمين وللراجل سهماً.
ذكروا أن أربعة من المسلمين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ومعهم فرس، فأعطى الفرس سهمين، وأعطاهم سهماً سهماً. (2/92)
صفحة 673
ذكروا عن خالد بن الوليد أَنه أُتِي بهجين فقال: لأَن أَسَفَّ التراب أحبُّ إليّ من أن أقسم له. ذكر بعضهم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم للهجين سهماً.
وسئل بعض أهل العلم عن الرجل يكون معه الأفراس فقال: لا يقسم لأكثر من فرسين، ولو كانت معه عشرة أفراس.
ذكروا أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن المرأة والعبد يشهدان الغنيمة، فقال: ليس لهما من الغنيمة شيء، إلا أنه قال: يُحْذَيَان.
وقال بعضهم: إذا قسمت الغنائم فلا يُخَص أحد دون أحد إلا راعٍ أو دليل.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى إلى جنب بعير ثم أخذ وَبَرَه منه فقال: ما لي ولكم منها مثل هذه، إلا الخُمُس، ثمَّ هو ردٌّ عليكم، فأَدُّوا الخيط والمِخيط، فإن الغلول نار وشنار على أهله يوم القيامة.
ذكروا أن رجلاً من يعلين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أحد أحق بالمغنم من (2/93)
صفحة 674
أحد؟ قال: «لا، حتى السهم يأخذه أحدكم من جنبه فليس بأحق منه»
ذكروا عن الحسن قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: استُشْهِدَ فتاك فلان قال: «كلاَّ، إني رأيته يُجَر إلى النار بعباءة غَلّها»
قوله: {إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلى عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَانِ} أي يوم بدر، فرق الله فيه بين الحق والباطل [فنصر الله نبيه وهزم عدوه]. قال: {يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ} أي جَمْع المسلمين وجمع المشركين {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
(1/ 481)
إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)
قوله: {إِذْ أَنتُم بِالعُدْوَةِ الدُّنْيَا} أي عدوة الوادي بأعلى الوادي {وَهُم بالْعُدْوَةِ القُصْوَى} أي أسفل الوادي. {وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ} يعني أبا سفيان وأصحاب العير.
قال الكلبي: كان أبو سفيان والعير أسفل من الوادي زعموا بثلاثة أميال في طريق الساحل، لا يعلم المشركون مكان عيرهم، ولا يعلم أصحاب العير مكان المشركين.
قال بعضهم: العدو كان شفير الوادي؛ كان المسلمون بأعلاه، وكان المشركون بأسفله، والركب يعني به أبا سفيان والعير، الخدم فانطلق على حورمه. (2/94)
صفحة 675
قال: {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ} أي: أنتم والمشركون {لاَخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعَادِ} قال الحسن: لو تواعدتم فيما بينكم فقلتم نصنع كذا وكذا لاختلفتم في الميعاد. {وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} أي فيه نصركم والنعمة عليكم.
قوله: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} أي بعد الحجة والبيان. كقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ} [إبراهيم: 4] أي بعد البيان. {وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
(1/ 482)
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)
قوله: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أراكهم كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ} قال الكلبي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر وأخبره الله بسير المشركين أراه المشركين في منامه قليلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبشروا فإن الله أراني المشركين في منامي قليلاً،» فقال المسلمون عند ذلك: رؤيا رسول الله حق، والقوم قليل.
قوله: {وَلَوْ أراكهم كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ} قال الحسن: لجبنتم. {وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ} أي: ولاختلفتم في الأمر، أي أمر الله ورسوله. وقال مجاهد: لفشلت يا محمد فيفشل بذلك أصحابك. {وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ} أي من ذلك، سلم للمسلمين أمرهم، وهزم عدوهم. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. أي بما في الصدور. قال الحسن: من علمه بما في صدوركم قلّلهم في أعينكم، وأذهب الخوف الذي كان في صدوركم.
قوله: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ}. قال الكلبي إن المسلمين لما عاينوا المشركين يوم بدر رأوهم قليلاً فصدقوا رؤيا رسول الله. وقلّل الله المسلمين في أعين المشركين، فاجترأ المؤمنون على المشركين لقلتهم في أعينهم، واجترأ المشركون على المؤمنين لقلتهم في أعينهم. {لِيَقْضِيَ (2/95)
صفحة 676
اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} أي: فيه نصركم والنعمة عليكم. {وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ}.
(1/ 483)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً} يعني من المشركين {فَاثْبُتُوا} في صفوفكم {وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي لكي تفلحوا.
قال بعضهم: افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون الناس، عند الضراب بالسيوف.
ذكروا عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتمَنَّوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإن جاءوكم يرجفون ويصيحون ويبرقون فالزموا الأرض جلوساً، واعلموا أن الجنة تحت الأبارق»
ذكر الحسن عن قيس بن عباد قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند ثلاثة: عند القتال، وعند الجنائز، وعند قراءة القرآن.
ذكروا عن ابن عباس أنه كان يكره التلثم عند القتال.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اطلبوا إجابة الدعاء عند ثلاثة: عند إقامة الصلاة، وعند التقاء الجيوش، وعند نزول الغيث»
قوله: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} قال بعضهم: لا تختلفوا فتجبنُوا. قوله: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} أي يذهب نصركم. قال مجاهد: ويذهب نصركم؛ قال: فذهب نصر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أُحد. قال: (2/96)
صفحة 677
{وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} أي في العون والتأييد.
(1/ 484)
وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48)
قوله: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ} يعني المشركين. {وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي: يحفظها عليهم حتى يجازيهم بها.
قوله: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ العِقَابِ}.
قال الكلبي: إن المشركين لما خرجوا من مكة إلى بدر أتاهم الخبر، وهم بالجحفة قبل أن يصلوا إلى بدر، أن عيرهم قد نجت؛ فأراد القوم الرجوع. فأتاهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا قوم، لا ترجعوا حتى تستأصلوهم، فإنكم كثير، وعدوكم قليل، فتأمن عيركم. وإني جار لكم على بني كنانة ألا تمروا على حي من بني كنانة إلا أمدوكم بالخيل والرجال والسلاح. فمضوا كما أمرهم للذي أراد الله من هلاكهم.
فالتقوا هم والمسلمون ببدر؛ فنزلت الملائكة مع المسلمين [في صف]، وإبليس في صف المشركين في صورة سراقة بن مالك. فلما نظر إبليس إلى الملائكة مع المسلمين نكص على عقبيه. وأخذ الحارث بن هشام المخزومي بيده فقال: يا سراقة، على هذه الحال تخذلنا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، أي الملائكة، إني أخاف الله والله شديد العقاب. فقال له الحارث: ألا كان هذا القول أمس. فلما رأى (2/97)
صفحة 678
إبليس أن المؤمنين أقبلوا إليهم، دفع في صدر الحارث فخرّ، وانطلق إبليس وانهزم المشركون.
فلما قدموا مكة قالوا: إنما انهزم بالناس سراقة بن مالك ونقض الصف، ثم انهزم الناس. فبلغ ذلك سُرَاقة، فقدم عليهم مكة فقال: بلغني أنكم تزعمون أني انهزمت بالناس؛ فوالذي يحلف به سراقة ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فجعلوا يذكّرونه: أما أتيتنا يوم كذا وكذا، وقلت لنا كذا وكذا؟ فجعل يحلف لهم. فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.
ذكروا أن مجاهداً قال: هو أبو جهل وأصحابه يوم بدر.
ذكر بعضهم قال: كان الذين قاتلوا نبي الله يوم بدر خرجوا ولهم بغي وفخر. وقد قيل لهم يومئذٍ: ارجعوا فقد انطلقت عيركم، وقد ظفرتم. فقالوا: لا والله حتى يبلغ أهل الحجاز مسيرُنا وعددُنا.
وأما قوله: {لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النَّاسِ} أي إنه ليس أحد من الناس يغلبكم اليوم في تفسير الحسن. {وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} أي معكم. وقوله: {نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ} أي رجع على عقبيه هارباً. وقوله: {إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ} إِنِّي أَخَافُ اللهَ أي أنه رأى جبريل يزع الملائكة. وقال الحسن: رأى الملائكة تضرب وجوه المشركين. وقال بعضهم: ذكر لنا أن الشيطان رأى جبريل تنزل معه الملائكة.
قوله: {إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ} قال بعضهم: كذب، ولكن علم أن لا طاقة لهم بهم. قال الكلبي: أما قوله: {إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ} فصدق. وأما قوله: {إِنِّي أَخَافُ اللهَ} فكذب.
(1/ 485)
إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)
قوله: {إِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} وهم المنافقون أيضاً.
والمرض في تفسير الحسن الشك. وفي تفسير العامة المرض النفاق، وهو واحد، إلا أنه كلام مثنى. (2/98)
صفحة 679
{غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ} قال الكلبي: بلغنا أن المشركين لما نفروا من مكة إلى بدر لم يخلفوا بعدهم أحداً قد احتلم، فنفر معهم أناس كانوا أجابوا إلى الإِسلام وتكلموا به. فلما رأوا قلة المؤمنين ارتابوا ونافقوا وقاتلوا مع المشركين، وقالوا: {غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ}، يعنون المؤمنين. قال الله: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي عزيز في نقمته، حكيم في أمره.
(1/ 486)
وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55)
قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} يعني في يوم بدر ضربت الملائكة وجوه المشركين وأدبارهم {وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ} أي في الآخرة. {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}.
قوله: {كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ} قال الحسن: كفعل آل فرعون وجحودهم؛ يقول فعل المشركون كما فعل آل فرعون. {وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي الكفار {كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ} أي فعذبهم الله {إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقَابِ}.
قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} أي إذا جحدوا الرسول وكذبوه أهلكهم الله. {وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
قوله: {كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ} وفرعون معهم. أي غيّر هؤلاء كما غيّر آل فرعون والذين من قبلهم فأهلكهم الله. كقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البَوَارِ} [إبراهيم: 28] وهم المشركون من أهل بدر. والبوار الهلاك. قال: {وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ} لأنفسهم.
قوله: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي الذين (2/99)
صفحة 680
يموتون على كفرهم. وقوله: {شَرَّ الدَّوَابِّ} أي: شر الخلق. كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ البَرِيَّةِ} [البيِّنة: 6] والبرية خلق الله.
(1/ 487)
الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57)
قوله: {الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ}. قال الكلبي: هؤلاء قوم ممن كان وادع رسول الله عليه السلام، وكانوا ينقضون العهد فأمر الله فيهم بأمره فقال:
{فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحَرْبِ} [أي تظفر بهم] {فَشَرِّدْ بِهِم مِّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي لعل من بقي منهم أن يذكر ما فعل بمن عذب. وقال مجاهد: أهل قريظة مالأوا على النبي يوم الخندق.
وقال الحسن: لعلهم يؤمنون مخافة أن ينزل بهم ما نزل بالذين نقضوا العهد.
قال بعضهم: كان أنزل في سورة محمد [الآية: 4]: {فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} فكانوا إذا أخذوا أسيراً لم يكن لهم إلا أن يفادوه، أو يمنوا عليه فيرسلوه، فنسختها هذه الآية: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ} أي: فعظ بهم من سواهم لعلهم يذكرون.
ذكر رجل من خولان قال: كنا مع عبد الله بن مسعود صاحب النبي عليه السلام في غزوة فكان إذا أُتي بأسارى قال: لعل لأحد منهم عندكم عهداً، فإن قالوا لا قُسِم أو قُتِل. (2/100)
صفحة 681
(1/ 488)
وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)
قوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً} أي تعلمن من قوم خيانة، أي: نقضاً للعهد، يعني إذا هم نقضوا. كقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} [النساء: 35] أي: وإن علمتم شقاق بينهما، وذلك إذا كانا قد وقع الشقاق بينهما. {فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} أي على أمر بَيِّن. أي أعلمهم أنك حَرْبٌ لهم. وقوله: {عَلَى سَوَاءٍ} أي: يكون الكفار كلهم عندك سواء. {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ} لدينهم إذا نقضوا العهد. وقال مجاهد: هم أهل قريظة.
قوله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا} [أي: فاتوا. ثم ابتدأ فقال] {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} أي لا يعجزون الله فيسبقونه حتى لا يقدر عليهم.
قوله: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} قال بعضهم: النَّبل. وقال الحسن: ما استطعتم من قوة تقوون بها عليهم.
ذكر عمرو بن عبسة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رمى سهماً في سبيل الله فأصاب العدو أو أخطأه فهو كعتق رقبة»
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ليدخل الجنة بالسهم الواحد الثلاثة من الناس: صانعه يحتسب به في صنعته الخير، والمُمِدَّ به، والذي يرمي به» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارموا واركبوا، وأن ترموا أحبّ إليّ من أن تركبوا، ومن ترك الرمي بعد ما علمه فهي نعمة كفرها»
قوله: {وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ} أي تخوفون به عدو الله وعدوكم. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ارتبط فرساً في سبيل الله فهو كباسط يده بالصدقة لا يقبضها» (2/101)
صفحة 682
ذكروا عن علي بن أبي طالب قال: من ارتبط فرساً في سبيل الله روثه وأثَرُهُ في أجره.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الخيل: «من اتخذها يعدها في سبيل الله فله بكل ما غيّبت في بطونها أجر. وإن مرت بمرج فرعت فيه كان له بكل ما غيبت في بطونها أجر. وإن استنّت شرفاً كان له بكل خطوة أجر، حتى ذكر أرواثها وأبوالها»
قوله: {وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} أي: من دون المشركين {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ} قال مجاهد: هم قريظة. وقال الحسن: هم المنافقون. وقال بعضهم: الجن. قوله: {وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}.
(1/ 489)
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)
قوله: {وَإِن جَنَحُوا} أي مالوا {لِلسِّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} والسلم هو الصلح.
قوله: {فَاجْنَحْ لَهَا} أي للموادعة. قال مجاهد: هم قريظة. وقال بعضهم: نسخها في هذه الآية: {فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5]. قوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي فلا أسمع منه ولا أعلم منه.
قوله: {وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ} قال مجاهد: هم قريظة. (2/102)
صفحة 683
وقال الحسن: يعني المشركين، يقول: إن هم اظهروا لك الإِيمان وأسرّوا الكفر ليخدعوك بذلك [لتعطيهم حقوق المؤمنين وتكف عن دمائهم وأموالهم] فإن حسبك الله.
{هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} أي أعانك بنصره {وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} يعني قلوب المؤمنين {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} يعني أنهم كانوا أهل جاهلية يقتل بعضهم بعضاً ويسبى بعضهم بعضاً، متعادين، فألّف الله بين قلوبهم حتى تحابّوا وذهبت الضغائن التي كانت بينهم بالإِسلام {إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي عزيز في نقمته حكيم في أمره.
(1/ 490)
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)
قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} أي حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين.
قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ} أي: حثهم على القتال، حرضهم بما وعد الله الشهداء في الجنة والمجاهدين.
قوله: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} قال الحسن: كان الله افترض هذا في هذه الآية فأمر المسلمين أن يصبروا لعشرة أمثالهم إذا لقوهم. ثم أنزل الله التخفيف بعد ذلك فقال:
{الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} فأمر الله المسلمين أن يصبروا لمِثلَيْهم إذا لقوهم. فلم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أظهر الله الإِسلام وصار الإِسلام تطوّعاً. (2/103)
صفحة 684
ذكروا عن ابن عباس قال: كان جعل على كل رجل عشرة فجعل بعد ذلك على كل رجل رجلين.
(1/ 491)
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68)
قوله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الأَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. كان هذا في أسارى بدر.
قال بعضهم: كان أبو بكر أحب أن يقبل منهم الفداء، وأراد عمر أن يُقتَلُوا. فأنزل الله هذه الآية ثم قال: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
وقال الكلبي: ما كان لنبي قبلك يا محمد أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض. قال: لولا كتاب من الله سبق أنكم الذين تأكلون الغنائم لمسَّكم فيما أخذتم عذاب عظيم.
وقال الحسن: يقول: فأخذتم الفداء من الأُسارى في أول وقعة كانت في المشركين من قبل أن تثخنوا في الأرض. وقال الحسن: لم يكن أوحِيَ إلى النبي في ذلك بشيء فاستشار المسلمين فأجمع رأيهم على لفداء.
ذكر بعضهم قال: كان أراد أصحاب نبي الله يومئذٍ الفداء، ففادوا أسارى بدر يومئذٍ بأربعة آلاف أربعة آلاف. وما أثخن نبي الله يومئذٍ في الأرض.
وقال بعضهم في قوله: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ} أي سبق لهم من الله الخير، وسبق لهم أنهم استُحلَّ لهم الغنائم.
وقال الحسن: لولا كتاب من الله سبق أن لا يعذب أهل بدر لمسَّكم فيما أخذتم عذاب عظيم.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار من شهد بدراً (2/104)
صفحة 685
والحديبية»، فقالت حفصة بلى، فانتهرها، في حديث بعضهم، فقالت: أليس يقول الله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} فقال: أوليس قال: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيِهَا جِثِيّاً} [مريم: 71 - 72].
ذكروا عن عكرمة قال: ما أُحلّت الغنيمة قبلكم ولا حُرّمت الخمر على أحد قبلكم. وقال بعضهم: لم تحل الغنيمة إلا لهذه الأمة؛ كانت تجمع فتنزل عليها نار من السماء فتأكلها.
(1/ 492)
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71)
قال: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ} أي فلا تعصوه {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} أي إسلاماً {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ} أي يعطيكم في الدنيا خيراً مما أخذ منكم {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} أي كفركم وقتالكم النبي. {وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لمن تاب وآمن وعمل صالحاً.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم عليه من مال البحرين أمر العباس أن يأخذ منه. فجعل العباس يحثى في جيوبه ويقول: هذا خير مما أخذ منا، وأرجو المغفرة مع ذلك.
وقال الحسن: إن النبي أطلق الأسارى فمن شاء منهم رجع إلى مكة، ومن شاء منهم أقام معه. ذكروا أن الطلقاء أهل مكة، والعتقاء أهل الطائف.
قوله: {وَإِن يُّرِيدُوا خِيَانَتَكَ} قال الحسن: يعني الطلقاء، بما أقروا لك به من الإِيمان. {فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِن قَبْلُ} أي من قبل إقرارهم لك بالإِيمان. وهي خيانة (2/105)
صفحة 686
فوق خيانة، وخيانة دون خيانة. قال: {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} حتى صاروا أسارى في يديك. {وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
ذكر بعضهم قال: ذكر لنا أن رجلاً كان يكتب لرسول الله ثم نافق ولحق بالمشركين بمكة فقال: والله ما كان محمد يكتب إلا ما شئت. فلما سمع ذلك رجل من الأنصار نذر لئن أمكنه الله منه ليضربنّه بالسيف. فلما كان يوم الفتح جاء به رجل من عامة المسلمين كانت بينه وبينه رضاعة فقال: يا نبي الله، هذا فلان قد أقبل تائباً نادماً. فأعرض عنه نبي الله. فلما سمع به الأنصاري أقبل متقلداً سيفه. فطاف به ساعة. ثم إن نبي الله قدم يده للمبايعة فقال: أما والله لقد تَلَوَّمتك هذا اليوم لتوفِي فِيه نذرَك. فقال: يا نبي الله، هَيْبَتُك والله منعتني، فلولا أومضت إليّ. قال: إنه لا ينبغي لنبي أن يومض، إنما بعثوا بأمر علانية ليس فيه دنس ولا رمس.
(1/ 493)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا} أي إلى المدينة {وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ} يعني المهاجرين {وَالَّذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا} يعني الأنصار آووا المهاجرين لأنهم أهل الدار ونصروا الله ورسوله. {أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} يعني المهاجرين والأنصار.
ذكروا أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن بذلاً في كثير، ولا أحسن مواساة في قليل، قد كفونا المؤونة، وأشركونا في المَهْنَإِ؛ قد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: كلاّ ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم. (2/106)
صفحة 687
قوله: {وَالَّذِينَءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} هذا في الميراث.
قال بعضهم: نزلت هذه الآية فتوارث المسلمون زماناً بالهجرة. وكان الأَعرابي المسلم لا يرث من قريبه المهاجر شيئاً. [ثم نسخ ذلك] في سورة الأحزاب في هذه الآية: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُهَاجِرِينَ} [الأحزاب: 6] فخلط الله المؤمنين بعضهم ببعض وصارت المواريث بالملل.
غير واحد من العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتوارث أهل ملتين»
ذكر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر، لا يتوارث أهل ملتين شتى»
وقال الحسن: أراد أن يحض الأَعراب على الهجرة، فلم يكن الأَعرابي يرث المهاجر ولا المهاجر الأَعرابي. وهو منسوخ.
قوله: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} لهم، يعني الأعراب، لحرمة الإِسلام. {إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} يعني أهل الموادعة وأهل العهد من مشركي العرب، من كان بينه وبين رسول الله عهد، فنِهُي المسلمون عن أهل ميثاقهم {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.
قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} أي في الألفة والجماعة على معاصي الله. {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}. (2/107)
صفحة 688
نزلت هذه الآية حين أُمِر النبي بقتال المشركين كافة، وقد كان قوم من المشركين يكونون بين رسول الله وبين حربه من قريش. فإذا أرادهم رسول الله قالوا له: ما تريد منا ونحن كافّون عنك، وقد نرى ناركم. وكان أهل الجاهلية يعظمون النار لحرمة قرب الجوار، لأنهم إذا رأوا نارهم فهم جيرانهم. وإذا أرادهم المشركون قالوا: ما تريدون منا ونحن على دينكم. فأنزل الله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} أي: فألحقوا المشركين بعضهم ببعض حتى يكون حكمكم فيهم واحداً. {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ} أي شرك {فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}.
وقال بعضهم: كان [ينزل] الرجل بين المشركين والمسلمين فيقول: أيهم ظفر كنت معه، فأنزل الله في ذلك.
(1/ 494)
فلا تراءى ناران: نار مشرك ونار مسلم إلا صاحب جزية مُقِرّ بها.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى أناس من خثعم كان فيهم لهم وليجة ولجوا إليهم. فلما رأوهم استعصموا بالسجود فقتل بعضهم. فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال: «أَعطوهم نصف العقل» ثم قال يومئذٍ عند ذلك: «ألا إني بريء من كل مسلم مع مشرك في داره» قيل: لِمَ يا رسول الله؟ قال: «ألا لا تراءى ناراهما» (2/108)
صفحة 689
ذكر الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فهو منهم» وهذا مثل الحديث الأول.
(1/ 495)
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)
قوله: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا} يعني الأنصار {أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ} أي لذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي الجنة.
{وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مِن بَعْدُ} أي: من بعد فتح مكة {وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ} أي مع النبي عليه السلام والمؤمنين {فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ} أي مؤمنون مثلكم، ولا هجرة بعد فتح مكة. قال الحسن: يعني الهجرة التي كانت مع النبي عليه السلام. قال: إلا أن الهجرة إلى الأمصار قائمة إلى يوم القيامة.
ذكروا أن صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو ورجل آخر قد سموه قدموا على النبي عليه السلام المدينة فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: إنا سمعنا أنه لا يدخل الجنة إلا من هاجر. فقال: إن الهجرة قد انقطعت، ولكن جهاد ونية حسنة. ثم قال: أقسمت عليك أبا وهب، يعني صفوان بن أمية، لترجعن إلى أباطيح مكة.
قوله: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. (2/109)
صفحة 690
ذكروا أن أبا بكر الصديق قال: إن هذه الآية التي ختم الله بها سورة الأنفال: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ} ممن جرت الرحم من العصبة.
ذكروا أن مجاهداً قال: هذه الثلاث الآيات في خاتمة الأنفال فيهن ذكر ما كان كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مهاجري المسلمين من كانوا وبين الأنصار في الميراث، ثم نسخ ذلك في آخر السورة: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. (2/110)
صفحة 691
(1/ 496)
بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2)
[فقرة لم ترقن]
قوله: {بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ} يعني بالبراءة براءة من العهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين مشركي العرب. يقول للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: {بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ}، ثم أقبل على أهل العهد من المشركين فقال:
{فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} وكان ذلك بقية عهدهم من يوم النحر إلى عشر ليالٍ يمضين من ربيع الآخر، وهو العام الذي حجّ فيه أبو بكر الصديق ونادى فيه عليّ بالآذان. (2/111)
صفحة 692
وفي تفسير الحسن أن النبي عليه السلام أمر أبا بكر أن يؤذن الناسَ بالبراءة. فلما مضى دعاه فقال: إنه لا يبلغ عني في هذا الأمر إلا من هو من أهل بيتي. وقال بعضهم: إلا من هو مني. فأمر بذلك علي بن أبي طالب، رضي الله عنه.
ذكر الأعمش عن بعض أشياخه أن النبي بعث ببراءة مع أبي بكر، ثم أتبعه علياً. فأمره أن ينادي بها. ورجع أبو بكر إلى النبي يبكي، فقال: يا رسول الله، هل أنزل في شيء؟ قال: لا. فذكر ما لا أحفظه وحج أبو بكر بالناس ذلك العام.
ذكروا أن مجاهداً قال: {إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ}، يعني خزاعة ومدلج ومن كان له عهد غيرهم.
أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ منها، فأراد أن يحج. ثم إِنه قال: «إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة، ولا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك» فأرسل أبا بكر وعلياً فطافا بالناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون فيها، وبالموسم كله، فآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر، وهي الأربعة الأشهر المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الأخر، ثم لا عهد لهم.
ذكروا أن أبا بكر أُمِّر يومئذٍ على الحاج، ونادى فيه علي بالأذان. وكان عام حجّ فيه المسلمون والمشركون، فلم يحج المشركون بعده. (2/112)
صفحة 693
قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ} أي إنكم لستم بالذين تعجزون الله وتسبقونه في الأرض حتى لا يقدر عليكم. {وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الكَافِرِينَ}.
(1/ 497)
وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
قال: {وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} [أي وإعلام من الله ورسوله]، يعني بالأذان أن يؤذن للناس بذلك. {إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ} أي يوم النحر.
ذكروا عن علي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر فقال: «هو يوم النحر»
ذكر عن الحسن قال: إنما كان عاماً ولم يكن يوماً، يعني ذلك العام.
ذكروا عن مجاهد قال: وأذان من الله ورسوله إلى الناس كلّهم بالقتال إلا أن يؤمنوا وقال: الحج الأكبر، حين الحج، أيامه كلها.
قوله: {أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} أي إِن لم يؤمنوا {فَإِن تُبْتُمْ} يقول للمشركين: فإن تبتم من الشرك فأسلمتم {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي عن الله ورسوله وعن دينه {فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ} أي لستم بالذين تعجزون الله فتسبقونه حتى لا يقدر عليكم.
{وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي بالقتل قبل عذاب الآخرة.
ثم رجع إلى قصة أصحاب العهد فقال: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً} أي لم يضروكم شيئاً {وَلَمْ يُظَاهِرُوا} أي لم يعاونوا {عَلَيْكُمْ أَحَداً} من المشركين {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} أي إلى الأجل الذي عاهدتموهم عليه من يوم النحر إلى عشر يمضين من شهر ربيع الآخر. {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ}.
قوله: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} ذكروا (2/113)
صفحة 694
عن بعضهم قال: إنه ذكر في أول السورة أهل العهد فقال: {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ} من يوم النحر خمسين ليلة إلى انسلاخ المحرم لمن لا عهد له. فأمر الله نبيه إذا مضى هذا الأجل في المشركين ممن لم يكن له عهد فقال: {فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}.
قال: {وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} فأمر بقتالهم في الحلّ والحرم وعند البيت حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وأمره في أهل العهد أن يتم لهم عهدهم أربعة أشهر بعد يوم النحر إلى عشر يمضين من ربيع الآخر، ثم يُقتَلون حيث وَجَدَهم.
قال الحسن: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ} الأشهر الحرم في هذا الموضع الأشهر التي أُجِّلُوا فيها والتي كانوا يَحْرُمون فيها على المسلمين لأنهم في عهد منها، آخرها عشر ليالٍ يمضين من شهر ربيع الآخر؛ وسمّاها حرماً لأنه نهى عن قتالهم فيها وحرّمه. وقول الكلبي مثل القول الأول، لهم خمسون ليلة إلى انسلاخ المحرّم ثم يقتلون حيث وُجِدوا.
قال: {فَإِن تَابُوا} أي من الشرك {وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ} أي وأقروا بالزكاة، لأن من المسلمين من لا تجب عليهم الزكاة {فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي يغفر لهم الكفر إذا آمنوا. كقوله: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38].
وقال بعضهم: في قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ}. . . إلى آخر الآية، قال: هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبي الله زمان الحديبية، وكان عهدهم أن لا إغلال ولا أسلال. فغلّوا نبي الله ونكثوا العهد وظاهروا المشركين على المسلمين. (2/114)
صفحة 695
(1/ 498)
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)
قوله: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} ليسمع كلام الله {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} فإن أسلم أسلم وإن أبى أن يسلم ف {أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} أي لا تحركه حتى يبلغ ما منه. قال الحسن: هي محكمة إلى يوم القيامة.
وقال مجاهد: هو إنسان يأتيه فيسمع كلام الله ويسمع ما أنزل الله فهو آمن حتى يبلغ مأمنه من حيث جاء. قال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ} وهو المشركون.
وقال الكلبي: إن أناساً من المشركين ممن لم يكن لهم عهد ولم يوافوا الموسم ذلك العام بلغهم أن رسول الله أمر بقتال المشركين ممن لا عهد له إذا انسلخ المحرم. فقدموا على رسول الله بالمدينة ليجدّدوا حِلفاً، وذلك بعد ما انسلخ المحرّم. فلم يصالحهم رسول الله إلا على الإِسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأبوا، فخلَّى رسول الله سبيلَهم حتى بلغوا مأمنهم. وكانوا نصارى من بني قيس بن ثعلبة، فلحقوا باليمامة حتى أسلم الناس، فمنهم من أسلم، ومنهم من أقام على نصرانيته.
قوله: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ} [أي ليس العهد إلا لهؤلاء الذين لم ينكثوا].
وقال مجاهد: هم قوم كان بينهم وبين النبي عهد ومدة، فأمره أن يوفي لهم بعهدهم ما أوفوا، ولا ينبغي للمشركين أن يقربوا المسجد الحرام.
قال: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ} أي على العهد {فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} عليه {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ}.
قال: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} أي: كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله وأن يظهروا عليكم {لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}. قال بعضهم: الإل: الجوار، والذمة: العهد. (2/115)
صفحة 696
وقال مجاهد: إلاًّ ولا ذمة: عهداً ولا ذمة. وقال الكلبي: الإل: الحلف، والذمة: العهد. وقال بعضهم: الإل: القرابة، والذمة: العهد.
قوله: {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ} وهم المنافقون في تفسير الحسن؛ وهو ما أقروا به من التوحيد فأصابوا به الغنائم والحقوق، وحقنوا دماءهم وأموالهم وذراريهم {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} وهذا فسق نفاق، وهو دون فسق الشرك.
(1/ 499)
اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11)
{اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي: عرضاً من الدنيا يسيراً. {فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ} أي: فصدّوا الناس عن دينه {إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: بئس ما كانوا يعملون.
وقال مجاهد: هو أبو سفيان أطعم حلفاءه وترك حلفاء محمد عليه السلام.
قوله: {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}. وقد فسّرنا ذلك واختلافهم فيه. {وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ} وهو من باب الإِعتداء. اعتدوا على الله وعلى رسوله وأهل دينه.
{فَإِن تَابُوا} أي: من الشرك {وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الأَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.
ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة»
ذكر أبو هريرة وغيره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» وقد فسرنا «إلا بحقها» في غير هذا الموضع. (2/116)
صفحة 697
وقد زعم الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» وفي ذلك دليل على أن الإِيمان قول وعمل، كقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ} [البينة: 5]. ومن قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فهو يقول: هو أول ما يدعون إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، ثم يدعون بعد ذلك إلى الصلاة وإلى الزكاة، فإن أبوا لم يقبل منهم.
(1/ 500)
وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12)
قوله: {وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الكُفْرِ} قال بعضهم: من أئمة الكفر أبو سفيان وأمية بن خلف وأبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا العهد بينهم وبين نبي الله وهمّوا بإخراجه من مكة.
قال: {إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} أي لا عهد لهم {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} أي لعل من لم يقتل منهم أن ينتهي عن كفرة مخافة القتل.
وفي تفسير الكلبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وادع أهل مكة سنين، وهو يومئذٍ بالحديبية، فحبسوه عن البيت، وصالحوه على أنك ترجع عامك هذا، ولا تطأ بلدنا، ولا تنحر البدن بأرضنا، وأن نخليها لك عاماً قابلاً ثلاثة أيام، ولا تأتينا بالسلاح. إلا سلاحاً يجعل في قرابه، وأنه من صبا إليك منا إلينا ردّ. فصالحهم رسول الله على ذلك، فمكثوا ما شاء أن يمكثوا.
ثم إن حلفاء رسول الله من خزاعة قاتلوا بني أمية من كنانة، فأمدت بنو أمية حلفاءهم بالسلاح والطعام. فركب ثلاثون رجلاً من حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة، فيهم بديل بن ورقاء؛ فناشدوه الله والحلف. فأُمِر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعِين حلفاءه، فأنزل الله على نبيه: {وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا (2/117)
صفحة 698
أَئِمَّةَ الكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ}، أي لا عهد لهم {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ}.
(2/ 1)
أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)
قوله: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ} قال الحسن: من المدينة {وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} فاستحلّوا قتال حلفائكم {أَتَخْشَوْنَهُمْ} على الاستفهام، فلا تقاتلوهم {فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: إذ كنتم مؤمنين، فالله أحق أن تخشوه، وليس أحد أشدَّ خشية لله من المؤمنين.
{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ} يعني القتل في الدنيا {وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبَ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ}. والقوم المؤمنون الذين شفى الله صدورَهم حلفاءُ رسول الله من مؤمني خزاعة؛ فأصابوا يومئذٍ، وهو يوم فتح مكة، مقيس بن صبابة في خمسين رجلاً من قومه.
وقال مجاهد: وهم بدأوكم أول مرة، أي قاتلوا حلفاء محمد عليه السلام. قال: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} أي: خزاعة، حلفاء محمد، من آمن منهم.
ذكر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة، «كُفّوا السلاح إلا خزاعة من بني بكر» (2/118)
صفحة 699
ذكر بعضهم قال: كان يقال: ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإِسلام لا يزيده إلا شدة، ولا حلف في الإِسلام.
قوله: {وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يشَاءُ} أي من أهل مكة {وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
(2/ 2)
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16) مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)
قوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا} أي: فلا يفرض عليكم الجهاد {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ} أي: ولما يعلمكم فاعلين لما فرض عليكم، وهو علم الفعال. {الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً}. أي: دخلا. وقال بعضهم: بطانة، وهو واحد. أي: مثل ما صنع المنافقون: {إِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} أي: إلى الكفار المشركين {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} [البقرة: 14] أي: في المودة والهدى. قال الله: {وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
قوله: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ} وهذا كفر الشرك، وهذا حين نفي المشركون من المسجد الحرام.
قوله: {شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ} يقول: كلامهم يشهد عليهم بالكفر. {أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} في الدنيا والآخرة. {وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ}.
{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ} يعني الكعبة لأنها مسجد جميع الخَلْقِ، إليها (2/119)
صفحة 700
يؤُمُّون. {مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الأَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ} وعسى من اللهِ واجبة.
(2/ 3)
أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)
قوله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَالْيَومِ الأَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} أي لا يكونون بالظلم عند الله مهتدين. وهو ظلم فوق ظلم وظلم دون ظلم.
ذكروا أن مجاهداً قال: أمروا بالهجرة فقال عباس بن عبد المطلب: أنا أسقي الحاج، وقال طلحة، أخو بني عبد الدار: وأنا حاجب الكعبة، فلا نهاجر. فنزلت هذه الآية. . . . إلى قوله: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. وكان هذا قبل فتح مكة.
وقال الحسن: اختلف أناس من أصحاب النبي عليه السلام فقال بعضهم: من أقام على السقاية للمسجد الحرام أفضل ممن جاهد. وقال بعضهم: المجاهد في سبيل الله أفضل ممن أقام على السقاية وعمَر المسجد الحرام. وقال بعضهم: بلغنا أن الذي ذُكِر بالجهاد في هذا الموضع علي بن أبي طالب.
قوله: {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ} قال الحسن: أي: إن المؤمن المجاهد أفضل. أي أهل هذه الصفة ليسوا سواء. (2/ 4)
الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)
قال: {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ} ممن أقام على السقاية وعَمَر المسجد الحرام. {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ} أي: الناجون من النار إلى الجنة.
{يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا} أي: في الجنة {نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} أي: دائم لا يزول. {خَالِدِينَ فِيهَا} أي في الجنة {أَبَداً} أي: لا يموتون ولا يخرجون منها {إِنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا ءَابَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ} أي لا تتولوهم على معاصي الله {إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ} أي إن اختاروا الكفر على الإِيمان {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ} أي من المؤمنين على الكفر {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
يقول: من تولى مشركاً فهو مشرك، ومن تولى منافقاً فهو منافق، وهو بولايتهما جميعاً ظالم، وهو ظلم فوق ظلم، وظلم دون ظلم. وهو كقوله: {لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمُ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] أي لا يكونون بظلم الشرك والنفاق مهتدين عند الله.
قوله: {قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا (2/120)
صفحة 701
وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ} قال الحسن: الغنيمة. وقال مجاهد: فتح مكة. {وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ}.
قال بعضهم: الفاسقون ها هنا المشركون الذين يموتون على شركهم.
وقال بعضهم: الآية جامعة محتملة لفسق الشرك والنفاق، يقول: {وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ} أي لا يكونون بالفسق مهتدين عند الله، من فاسق مشرك أو (2/121)
صفحة 702
منافق؛ وهو فسق فوق فسق، وفسق دون فسق.
(2/ 5)
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)
قوله: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} يعني يوم بدر والأيام التي نصر الله فيها النبي عليه السلام والمؤمنين. وقال مجاهد: يعرفهم بنصره ويوطئهم لغزوة تبوك!.
قال: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} أي بسعتها {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} أي منهزمين.
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار إلى حنين، بعد فتح مكة، فلقي بها جمع هوازن [وثقيف وهم] قريب من أربعة آلاف، ورسول الله في قريب من عشرة آلاف في تفسير الكلبي. وقال بعضهم: وهو في اثني عشر ألفاً.
فلما التقوا قال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن نغلب اليوم من قلّة. فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلمته وجداً شديداً. وخرجت هوازن ومعها دريد بن الصمة، وهو شيخ كبير، فقال دريد: يا معشر هوازن، أمعكم من بني كلاب أحد؟ قالوا: لا. قال: أفمن بني كعب أحد؟ قالوا: لا. قال: أفمن بني عامر؟ قالوا: لا. قال: أفمعكم من بني هلال بن عامر أحد؟ قالوا: لا. قال: أما والله لو كان خيراً ما سبقتموهم إليه، فأطيعوني وارجعوا، فعصوه فاقتتلوا. فانهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إليّ عباد الله» فأخذ العباس بثفر بغلة رسول الله ثم نادى: يا (2/122)
صفحة 703
معشر المهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة، يا معشر الأنصار الذي آووا ونصروا، إن هذا رسول الله عليه السلام، هلمّ لكم. وكان العباس رجلاً صيّاحاً. فاسمع الفريقين كليهما. فأقبلوا جميعاً. فأما المؤمنون فأقبلوا لنصر الله ونصر رسوله، وأما المشركون فأقبلوا ليطفئوا نور الله. فالتقوا عند رسول الله، واقتتلوا قتالاً شديداً.
(2/ 6)
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27)
{ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ}. والسكينة في تفسير الحسن الوقار. وقال بعضهم: الرحمة. {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} يعني الملائكة {وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي بالقتل. وهو عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة {وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ}.
ذكروا أن رجلاً من بني نصر قال للمؤمنين وهو في أيديهم أسير: أين الخيل البلق والرجال الذين عليهم الثياب البيض؟ وإنما كان قتلنا بأيديهم، ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة. قالوا: تلك الملائكة.
قال الله: {ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
ذكروا أن حنيناً ما بين مكة وبين الطائف، قاتل عليه نبي الله يومئذٍ هوازن وثقيفاً.
ذكر لنا أنه خرج مع نبي الله يومئذٍ اثنا عشر ألفاً؛ عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وألفان من الطلقاء. فقال رجل يومئذٍ: لن نغلب اليوم لكثرة. فجلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل عن بغلته الشهباء فقال: يا ربّ أين ما وعدتني. وجعل ينادي: يا معشر المهاجرين، [يا معشر الأنصار]. فالتفت فإذا عصابة من الأنصار (2/123)
صفحة 704
فقال: أما معكم غيركم؟ فقالوا: والله يا نبي الله، والله لو عمدت بنا إلى نعمان من ذي يمن لكنا معك. ثم أنزل الله نصره، وهزم عدوه وتراجع المسلمون.
(2/ 7)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ} قال بعضهم: الأنجاس: الأخباث. وقال بعضهم: الأقذار. {فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} يعني العام الذي حج فيه أبو بكر ونادى فيه علي بالأذان. وقد فسّرناه قبل هذا الموضع.
قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} وهي الفاقة {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِّن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. كانوا يصيبون (2/124)
صفحة 705
في مواشيهم في أسواقهم. فلما أمر الله أن يُنفى المشركون عن المسجد الحرام إذا انقضى الأجل الذي بقي من عهدهم فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ذلك العام، قال: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} لما كانوا يصيبون من أسواقهم في المواشي {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
(2/ 8)
قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)
{قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الأَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ} أي دين الإِسلام، وهو دين الحق {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} فأمر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يقروا بالجزية. فجعل الله للمسلمين مكان ما كانوا يصيبون في أسواقهم في مواشيهم الجزية الدَّارّة، تؤخذ عن أهل الكتاب كل عام عن ظهر يد. وجميع المشركين، ما خلا العرب، بتلك المنزلة. إذا أقروا بالجزية قبلت منهم.
وقال بعضهم: كان المسلمون يبايعون المشركين وينتفعون منهم؛ فلما عزلوا عن ذلك اشتد ذلك على المسلمين، فأنزل الله هذه الآية، فأغناهم الله بالجزية الجارية، يأخذونها شهراً شهراً، وعاماً عاماً.
وقال مجاهد: قال المؤمنون: كنا نصيب من متاجر المشركين، فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله عرضاً لهم بألا يقربوا المسجد الحرام.
قال مجاهد: هذه الآية مع أول براءة في القراءة، ومع آخرها في التأويل. وقال مجاهد: {حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}: أمر النبي وأصحابه بغزوة تبوك.
ذكر الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس البحرين وأخذ عمر من فارس.
ذكر أن عمر سأل عن المجوس فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سنّوا فيهم سنّة أهل الكتاب» (2/125)
صفحة 706
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس البحرين، وأخذ عمر من فارس، وأخذ عثمان من البربر. قال: وأما من دخل من العرب في أهل الكتاب فقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة.
ذكروا أن خالد بن الوليد صالح نصارى بني تغلب بالشام على الضعف مما يؤخذ من المسلمين من مواشيهم، ثم كتب بذلك إلى عمر فأجازه.
ذكروا أن علياً قال: لا تأكلوا ذبائح نصارى العرب، فإنهم لم يبلغوا من النصرانية إلا شرب الخمر. قال: فكان يرى قتلهم إن لم يسلموا. وأحبّ ذلك إلينا أنه من كان دخل في أهل الكتاب قبل أن تنزل الآية فهم منهم، ومن دخل بعد نزول الآية لم يقبل منه ذلك وقتل.
(2/ 9)
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)
قوله: {وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ} قال الله عزّ وجلّ: {ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ} أي يشابهون {قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ} قال بعضهم: ضاهت النصارى قول اليهود قبلهم، قالت النصارى المسيح بن الله، وقالت اليهود عزير بن الله. {قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} أي لعنهم الله جميعاً كيف يُصرفون، أي عن الحق.
قوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} أي اتخذوه ربا {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً} وهو الله {لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} لا شريك له {سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه {عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
ذكروا عن عدي بن حاتم الطائي أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: «يا عديّ، ألقِ هذا من عنقك» قال: وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة. فلما أتى على هذه الأية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ} قلت: إنا لا (2/126)
صفحة 707
نتخذهم أرباباً من دون الله. قال: «أليس يحلّون لكم ما حرّم عليكم فتستحلونه، ويحرّمون عليكم ما أحلّ الله لكم فتحرمونه؟ قلت بلى. قال: فتلك عبادتهم»
(2/ 10)
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)
قوله: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} أي ما يدعون إليه من اليهودية والنصرانية، وما حرّفوا من كتاب الله. {وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أن يُتِمَّ نُورَهُ} أي القرآن والإِسلام والنصر لنبيه والمؤمنين {وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ} أي الكافرون جميعاً، من كافر مشرك وكافر منافق، وهو كفر فوق كفر وكفر دون كفر.
قوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ}.
ذكر الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد. وأنا أولى الناس بعيسى لأنه ليس بيني وبينه نبي. وإنه نازل لا محالة. فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، بين ممصرتين من الحمرة والبياض، سبط الرأس، كأن رأسه يقطر وإن يصبه بلل. فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويقاتل الناس على الإِسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإِسلام، حتى يقع الأمان في الأرض، حتى ترتع الأسد من الإِبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضاً»
ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى إِبْنُ مريم، فيقتل الخنزير ويكسر الصليب، وحتى يكون الدين واحداً» (2/127)
صفحة 708
ذكرواعن عائشة أنها قالت: لا تقولوا لا نبي بعد محمد، وقولوا خاتم النبيين، فإنه سينزل عيسى بن مريم حاكماً عدلاً، وإماماً مقسطاً، فيقتل الدّجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، وتضع الحرب أوزارها.
ذكروا أن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يبقى بيت وبرولا مدر إلا أدخله الله كلمة الإِسلام، تعز عزيزاً وتذل ذليلاً؛ إما أن يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، وأما أن يذلهم فيدينون لها»
وفي تفسير الحسن: حتى يكون الحاكم على الأديان كلها. فكان ذلك حتى ظهر على عبدة الأوثان كلها، وحكم على اليهود والنصارى فأخذ منهم الجزية ومن المجوس.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: [في قوله تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}] يعني شرائع الدين كلها فلم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتمّ الله ذلك كله.
(2/ 11)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ} يعني ما كانوا يأخذون من الرشى في الحكم وعلى ما حرفوا من كتاب الله، وكتبوا كتاباً بأيديهم على ما يهوون، ثم قالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً أي عرضاً من الدنيا يسيراً، وهو ما كانوا يأخذون. {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ} أي: عن محمد والإِسلام.
قوله: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي موجع {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}.
قال الحسن: تُحشر تلك الأموال يوم القيامة بأعيانها، فيُحمى عليها، فتُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. {هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} يعني من وجب عليه الانفاق في سبيل الله. (2/128)
صفحة 709
ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: والذي لا إله غيره، لا يُكوى رجل بكنزٍ فيمسي دينار ديناراً، ولا درهم درهماً، ولكن يُوسّع لذلك جلده.
ذكروا عن أبي ذر وأبي هريرة أنهما قالا: كلّ صفراء وبيضاء أوكأ عليها صاحبها فهي كنز حتى يفرغها، فينفقها في سبيل الله.
ذكروا عن الزهري أنه قال: نسخت آية الزكاة الكنز. وقال بعضهم: نَسَخت الزكاةُ كلَّ صدقة كانت قبلها.
ذكروا عن ابن عمر أنه قال: كل مال تؤدى زكاته فليس بكنز وإن كان مدفوناً، وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً. وذكروا عن ابن عباس مثل ذلك.
ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أدّى زكاة ماله فقد أَدّى حقَّ الله في ماله، ومن زاد فهو خير له»
(2/ 12)
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)
قوله: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ} [قال الحسن: في كتاب الله] الذي نسخ منه كتب الأنبياء وفي جميع كتب الله {يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرّم {ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ} يعني أنه حرّم على ألسنة أنبيائه هذه الأربعة الأشهر.
قوله: {فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} أي في الاثني عشر كلها. وفيها تؤدى الزكاة في كل اثني عشر شهراً مرة. وقد عظّم الله هذه الأربعة الأشهر فجعلها حُرُماً.
وقال بعضهم: {لاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} يقول: إن الظلم فيهن أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سوى ذلك. (2/129)
صفحة 710
ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «سيِّد الشهور رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة»
ذكر الحسن قال: قيل يا رسول الله: أي الشهور بعد رمضان أفضل؟ قال: «شهر الله الأصم: المحرم»
قوله: {وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} أي: جميعاً، كما يُقَاتِلُونَكُمْ جميعاً {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ} بالعون لهم والنصر على عدوهم.
(2/ 13)
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)
{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ} قال الحسن: النسيُّ من النسئة، وهو التأخير، كانوا يجعلون هذه الأربعة الأشهر الحرم في عام متوالية، فيجعلون ذا القعدة وذا الحجة والمحرم وصفر، فيقولون: قد أنْسَأْنا العام رجباً، أي أخرناه، فيجعلونها في العام المقبل على منزلتها، فقال الله: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةً فِي الكُفْرِ}. يقول: إنساؤهم رجباً. أي: تأخيرهم رجباً، وتحريفهم أمر الله زيادة في الكفر، أي زيادة في كفرهم.
{يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ} أي: وهم في ذلك يواطئون العدة فيها ولا ينقصون منها، إلا أنهم يحلّون ما حرّم الله؛ ورجب مما حرّم الله.
قال الكلبي: النسي هو المحرم؛ كانوا يسمّونه صفر الأول. وكان الذي يُحله للناس جنادة بن عوف الكناني. كان ينادي بالموسم: ألا إن صفر الأول حلال، فيحلُّه للناس، ويحرّم صفر مكان المحرم. فإذا كان العامُ المقبلُ حرّم المحرمَ وأحلَّ صفرَ. (2/130)
صفحة 711
ذكروا أن مجاهداً قال: كانوا يحرمون المحرم عاماً ويحرمون صفر عاماً. وكانت هوازن وغطفان وبنو سليم يفعلونه.
وقال بعضهم: كان أناس من أهل الضلالة زادوا صفرَ في الأشهر الحرم؛ فكان يقوم قائمُهم في الموسم فيقول: ألا إن آلهتكم قد حرّمت العامَ صفرَ، فيحرّمونه ذلك العام، فكانا يسمونهما الصفرين. وكان أول من أنسا النسي صفوان بن أمية أبو ثمامة من بني مالك بن كنان، أحد بني فقيم.
وذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم منى: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» وكان هرم يسمى رجب في الجاهلية منتصل الأسنة.
ذكروا أن مجاهداً قال: {يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً} رجب. وذكر ابن مجاهد أن مجاهداً قال: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ليعرف بها الناس النسي، أي: ما ينقص من السنة.
قوله: {زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ} أي ما كانوا يصنعون من ذلك. {وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ} أي: الذين يموتون على كفرهم، أي: لا يكونون بما صنعوا من ذلك مهتدين عند الله.
(2/ 14)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ مَالَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اتَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} وهو مثل قوله: {أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ} [الأعراف: 176] وهو الرضا بالدنيا.
قال: {أَرَضِيتُم بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الأَخِرَةِ} أي ليست الدنيا عوضاً من الآخرة {فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الأَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} أي يستمتع به في الدنيا ثم يفنى، ويذهب ولا يبقى. وما في الآخرة باقٍ دائم، لا يفنى ولا يذهب. كقوله: {مَا (2/131)
صفحة 712
عِندَكُمْ} أي في الدنيا {يَنفَذُ وَمَا عِندَ اللهِ} أي في الآخرة {بَاقٍ} [النحل: 96]. وكقوله: {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} [سورة ص: 54] أي: من فناء.
(2/ 15)
إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)
{إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي موجعاً. قال الحسن: يعني به العامة الذين فرض عليهم الجهاد مع النبي عليه السلام. وكان الجهاد يومئذٍ مع النبي فريضة. وقد كان النبي يخلف قوماً بالمدينة، وفيهم من قد وضع عنه الجهاد. وكان هذا حين أمروا بغزوة تبوك [في الصيف حين طابت الثمار واشتهوا الظل] {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} يقول: يهلككم بالعذاب ويستبدل قوماً غيركم {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً} إن أهلككم {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
وفي هذه الآية دليل على أهل الفراق أن هؤلاء الذين وعدوا بالعذاب ممن ناداهم الله بالإِيمان، وسماهم بما قِبَلهم من خصال الإِيمان كلما قيل المؤمنون فقال: {إِلاَّ تَنفِرُوا} أنتم الذين نودوا بالإِيمان وسموا به، {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} فلا يجوز لِوَاصِفٍ أن يصف الله أنه يعذبهم إن لم ينفروا كما استنفرهم وهم مؤمنون.
قال بعضهم: استنفر الله المؤمنين في شدة لَهَبَان الحرِّ في غزوة تبوك على ما يعلم من الجهد. وفيها قيل ما قيل.
قوله: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ} يعني النبي عليه السلام {فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي من مكة {ثَانِيَ اثْنَيْنِ} أي أخرجوه ثاني اثنين {إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا}. (2/132)
صفحة 713
وذلك أن قريشاً لما اجتمعوا في دار الندوة، فتوامروا بالنبي، أجمع رأيهم على ما قال عدو الله أبو جهل من قتله. وقد فسّرنا ذلك في سورة الأنفال.
فأوحى الله عزّ وجلّ إليه فخرج هو وأبو بكر ليلاً حتى انتهيا إلى الغار، ونام علي على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم. فطلبه المشركون، فلم يجدوه. ووجدوا علياً على فراشه، فطلبوا الأثر. وقد كان أبو بكر دخل الغار قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمس الغار ينظر ما فيه، لئلا يكون في سبع أو حية، يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه.
ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الغار، وأخذ ثمامة فوضعها على باب الغار، فجعلا يستمعان وقع حوافر دواب المشركين في طلبهما. فجعل أبو بكر يبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك يا أبا بكر؟» قال: أخاف أن يظهر عليك المشركون فيقتلوك يا رسول الله، فلا يعبد الله بعدك أبداً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا}.
فجعل أبو بكر يمسح الدموع عن خده. وكان أبو بكر أرق الخلق كلهم وأحضره دموعاً.
{فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} قال الحسن: السكينة: الوقار. وقال بعضهم: السكينة: الرحمة.
قال: {وَأَيَّدَهُ} أي وأعانه {بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} يعني الملائكة عند قتالهم المشركين بعد.
قال مجاهد: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ} يقول: فالله فاعل ذلك به، أي ناصره كما نصره إذ هو ثاني اثنين.
قال: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى} وهي كلمة الكفر {وَكَلِمَةُ اللهِ} أي: ودين الله، وهو الإِيمان بلا إله إلا الله والعمل بفرائضه. {هِيَ العُلْيَا} أي: (2/133)
صفحة 714
هي الظاهرة {وَاللهُ عَزِيزٌ} أي في نقمته {حَكِيمٌ} أي: في أمره.
قال بعضهم: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ}: كان صاحبَه أبو بكر، والغار في جبل بمكة يقال له ثَوْر.
(2/ 16)
انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42)
قوله: {انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً}، ذكروا أن أبا طلحة وأبا أيوب قالا: استنفَرَنا الله على كل حال، شباباً وشيوخاً، وهو تفسير الحسن وقال: الخِفاف: الشباب. والثِقال: الشيوخ. وقال بعضهم خفافاً وثقالاً: نِشاطاً وغير نِشاط. وقال بعضهم: فقراء وأغنياء.
قال: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي الجهاد خير لكم في الثواب عند الله {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} هذا في غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الكلبي: وذلك حين استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في حر شديد وعسرة من الناس، فكره بعض الناس الخروج، وجعلوا يستأذنونه في المقام من بين صاحب علة ومن ليست به علة، فيأذن لمن يشاء أن يأذن له. وتخلف كثير منهم بغير إذن، فأنزل الله فيها نفاقهم، فقال:
{لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً} أي: غنيمة قريبة {وَسَفَراً قَاصِداً} أي: هيّناً. وقال الحسن: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً}، أي: غنيمة حاضرة {وَسَفَراً قَاصِداً} أي: قريباً {لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ} [يعني السفر] قال: وتخلّف المنافقون وقال بعضهم لبعض: أترى هذا الرجل أنه يظهر على الشام، وما الشام، إنما الشام الدّهم، وتبوك في أدنى الشام؛ فقال الله: لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة أي السفر. (2/134)
صفحة 715
{وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ} أي: بالكذب. {وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي أنهم إنما اعتلوا بالكذب.
(2/ 17)
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)
قوله: {عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ} كان المنافقون يأتون النبي عليه السلام فيعتلون بالمرض وبأشياء أكذبهم الله فيها فقال: {وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. ثم قال للنبي عليه السلام: {عَفَا اللهُ عَنكَ} والعفو من الله لا يكون إلا بعد ذنب، {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}، أي للمنافقين، {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا}، أي: من له عذر، {وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ} أي: من لا عذر له.
ثم قال: {لاَ يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} أي يتقون الله {وَالْيَوْمِ الأَخِرِ} أي ويتقون اليوم الآخر {أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} كراهية للجهاد، فيتخلفوا عنك ولا عذر لهم. {وَاللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ} والتقوى اسم للأعمال الصالحة.
{إِنَّمَا يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ} أي لا يتقون الله. {وَالْيَوْمِ الأَخِرِ} أي ولا يتقون اليوم الآخر. كقوله: {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ} [البقرة: 281]، كراهية للجهاد.
قوله: {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} أي وشكت قلوبهم في أن لا يعذبهم الله بالتخلف عن الجهاد بعد إقرارهم بالله وبالنبي. {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ} أي في شكهم {يَتَرَدَّدُونَ} أي: متحيِّرون. ولم يكن ارتيابهم شكاً في الله ولا في نبيه ولا في شيء مما جاء به، بل كانوا موقنين بذلك كله، وإنما كان لارتيابهم وشكهم في أن لا يعذبهم الله بتخلفهم عن نبي الله بعد إقرارهم وتوحيدهم.
قال مجاهد: قال أناس من المنافقين: استأذنوا رسول الله، فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا. (2/135)
صفحة 716
وقال بعضهم: نزلت هذه الآية: {عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} فيما اعتذروا به إليك، وهم المؤمنون، وتعلم الكاذبين فيما اعتذروا به إليك وهم المنافقون. ثم أنزل الله بعد ذلك الرخصة للمؤمنين خاصة دون المنافقين: {فَإِذَا اسْتَئْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} قال في سورة النور: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَئْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَئْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 62].
(2/ 18)
وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)
قوله: {وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ} أي خروجهم، لما يعلم منهم أنهم عُيُون للمشركين على المؤمنين، ولِمَا يمشون بين المؤمنين بالنمائم والفساد. {فَثَبَّطَهُمْ} أي عن الخروج لما يعلم منهم من الفساد {وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ}.
(2/ 19)
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49) (2/136)
صفحة 717
ثم قال للمؤمنين {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ} أي: مشوا بينكم بالنميمة والكذب. {يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ} أي: يبغون [أَنْ تَكُونُوا مُشْرِكِين و] أن يظهر عليكم المشركون، وظهور الشرك فتنة. {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي للمشركين، يعني المنافقين؛ إنهم عيون للمشركين عليكم، يسمعون أخباركم فيرسلون بها إلى المشركين، في تفسير الحسن. {وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} أي من المشركين والمنافقين جميعاً، وهو ظلم فوق ظلم وظلم دون ظلم.
قوله: {لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ} أي الشرك {مِن قَبْلُ} أي من قبل أن تهاجروا {وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ} وهو قوله عزّ وجلّ {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} [الأنفال: 30] وقوله: {أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} [الزخرف: 79]، وهو اجتماع المشركين في دار الندوة يتشاورون في أمر النبي. وقد فسَّرنا ذلك في سورة الأنفال.
وقال الحسن: {لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ}: أي القتل قبل أن تقدم المدينة، يعني المنافقين.
قال: {حَتَّى جَاءَ الحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ} أي دين الله {وَهُمْ كَارِهُونَ} أي لظهوره.
{وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي} يا محمد أُقِم في أهلي {وَلاَ تَفْتِنِّي} أي بالنساء فافتتن بهن. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اغزوا تبوك تغنموا من بنات الأصفر»، أي بنات الروم، فقال المنافقون: إيذن لنا ولا تفتنا بالنساء فنفتتن. قال بعضهم: هو عبد الله بن أبي السلولي. (2/137)
صفحة 718
قال الله: {أَلاَ فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا} أي في الهلكة، وهو الكفر، سقطوا، أي وقعوا. {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} جميعاً، من كافر مشرك، أو كافر منافق. كقوله: {إِنَّ اللهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} [النساء: 140]. وكقوله: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} [الإِسراء: 8] أي: سجنا. وكقوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29] أي: سورها.
(2/ 20)
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52)
ثم قال: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ} يعني النصر فتظهر بها على المشركين {تَسُؤْهُمْ} أي تلك الحسنة {وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} أي نكبة من المشركين {يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} أي [أخذنا الوثيقة] في مخالفة محمد والتخلف عنه. {وَيَتَوَلَّوا} إلى منازلهم {وَّهُمْ فَرِحُونَ} أي بالذي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من النكبة.
وقال مجاهد: {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا} أي: أخذنا حذرنا من قبل.
قال الله للنبي عليه السلام: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا} أي إلا ما قضى الله لنا {هُوَ مولانا} أي هو ولينا {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ}.
قوله: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا} أي هل تنتظرون بنا، يعني المنافقين {إِلاَّ إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ} قال الحسن: أن نظهر على المشركين فنقتلهم ونغنمهم، أو نقتل فندخل الجنة {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ} فيهلككم به (2/138)
صفحة 719
{أَوْ بِأَيْدِينَا} أي تظهروا نفاقكم فنقتلكم عليه؛ فإنا إنما كففنا عن قتلكم بكفكم عن إظهار نفاقكم. وهو كقوله: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ} وكل هؤلاء المنافقون، وهو كلام مثنى {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} يا محمد {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً. سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ} [الأحزاب: 60 - 62] أي: كذلك سنّة الله في منافقي كل أمة خلت من قبلك، القتل إن لم ينتهوا عن نفاقهم. وكذلك سنّته في منافقي أمتك، إن هم لم ينتهوا عن إظهار نفاقهم. فكفوا عن إظهار نفاقهم. فبالكف عن إظهار نفاقهم كفَّ النبي عن قتالهم.
قال: {فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ}.
وقال مجاهد: {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ} أي القتل في سبيل الله أو الظهور على أعداء الله.
(2/ 21)
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54)
{قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} مما فرض عليهم من النفقة في الجهاد. {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ}. أي فسق النفاق لأنه فسق دون فسق الشرك، لأنكم ليست لكم حسبة ولا نية.
قال: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ} أي: خالفوا الله ورسوله وإن أقروا بهما. {وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى} يراءون الناس بها، ولا يذكرون الله إلا قليلاً، أي: بتوحيدهم إياه، وإقرارهم به وبنبيّه؛ وهو كقوله: {بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 155] يعني بالقليل إقرارهم وتوحيدهم: وكقوله: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88]. يعني بهذا كله إقرارهم وتوحيدهم، فهو قليل إذ لم يستكملوا جميع فرائض الإِيمان، فيكمل لهم الإِيمان. (2/139)
صفحة 720
قال: {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} أي: الإِنفاق في سبيل الله وما فرض الله عليهم.
وفي هذه الآي كلها حجّة على أهل الفراق أَن لو كان المنافقون مشركين لم يفرض عليهم الجهاد الذي لم يقِرّوا به ولا نفقة.
(2/ 22)
فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)
قوله: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال الحسن: ليعذّبهم بالزكاة في الحياة الدنيا.
وفي تفسير عمرو عن الحسن: يعني أنهم ينفقون أموالهم، ويُشخِصون أبدانهم، ويقتلون أحباءهم وأهل مودتهم من المشركين مع أعدائهم من المؤمنين، لأنه يسرّون لهم العداوة. وهو كقوله: {قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ} من العداوة والبغضاء {أَكْبَرُ} [آل عمران: 118] أي أعظم من الذي بدا من أفواههم.
وقال الكلبي: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} يقول: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. فيها تقديم وتأخير. وهذا من خفي القرآن.
قوله: {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ} أي تموت أنفسهم {وَهُمْ كَافِرُونَ} أي كفر النّفاق.
قوله: {وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} فيما أظهروا لكم من الإِقرار بدينكم، والادعاء لملّتكم {وَمَا هُم مِّنكُمْ} إذ لم يعملوا بأعمالكم ويوفوا بوفائكم {وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} أي يخافون على دمائهم إن هم أظهروا نفاقهم وباينوا به.
{لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً} يلجأون إليه، أي حصوناً يدخلونها {أَوْ مَغَارَاتٍ} أي: (2/140)
صفحة 721
غيراناً {أَوْ مُدَّخَلاً} أي: بيوتاً. وقال الكلبي: الملجأ: الحرز، والمغارات: الغيران في الجبل، والمدخل: السرب في الأرض.
قال: {لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} أي: وهم يسرعون الانطلاق إليه، يعني المنافقين. وقال مجاهد: لو يجدون محرزاً لولوا إليه أي: لفروا إليه منكم.
(2/ 23)
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58)
قوله: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [أي: يعيبك ويطعُن عليك]. قال مجاهد: يَرُوزُكَ. {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يوماً يقسم ذهباً وفضة، إذ جاء رجل من المنافقين، قال بعضهم: ناتىء الجبين، مشرف الحاجبين، غائر العينين، فقال: يا محمد، إن كان أمرك الله أن تعدل فما عدلت هذا اليوم. فقال: «ويلك فمن يعدل عليك بعدي. ثم قال: احذروا هذا وأشباهه، فإن في أمتى أشباه هذا؛ قوم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»
ذكروا أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: إن رجلاً أتى النبي وهو يقسم ذهباً وفضة، فقال: يا محمد، إن كان الله أمرك أن تعدل، فما عدلت اليوم. فقال له النبي: «لقد شقيت، إن لم أعدل فمن يعدل» (2/141)
صفحة 722
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، ما أعطيكم شيئاً ولا أمنعكموه؛ إنما أنا خازن أضع حيث أمرت»
(2/ 24)
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)
قوله: {وَلَو أَنَّهُمْ رَضُوا مَا ءَاتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ} أي ما أعطاهم الله ورسوله {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} وهي تقرأ على وجه آخر بالنصب: سيوتينا الله ورسوله، أي: ويؤتي رسوله {إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ}. وفيها إضمار. أي: لكان خيراً لهم من النفاق الذي كفروا به.
قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
فالفقير: الذي به زمانة، أي عاهة في بعض جسده، وهو محتاج. والمسكين: الذي ليست به زمانة وهو محتاج. والعاملون عليها، أي على الصدقات الذين يسعون في جمعها. والمؤلفة قلوبُهم: قوم كانوا يتألفهم النبي صلى الله عليه وسلم ليُسلِموا؛ منهم أبو سفيان ابن حرب، وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، والحارث بن هشام، وصفوان بن أمية ابن خلف، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس، أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين؛ أعطى أبا سفيان ورهطاً معه مائة مائة من الإِبل، وأعطى الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن خمسين خمسين من الإِبل. وفي الرقاب، يعني المكاتَبين، والغارمون: قوم عليهم دين [أو غرم] من غير فساد. وفي سبيل الله؛ يُحمل من ليس له حملان ويعطى منها. وابن السبيل: الضيف والمسافر إذا قُطع به وليس له شيء جعل الله له فيها نصيباً. قال بعضهم: ويُحمل في سبيل الله من الصدقة، ويعطى إذا كان لا شيء له، ثم يكون له سهم مع المسلمين. (2/142)
صفحة 723
ذكروا أن علياً وابن عباس قالا: إنما هو عَلَم جعله الله، ففي أي صنف منهم جعلتها أجزأك.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن المسكين ليس بالطواف الذي ترده الأكلة والأكلتان، والتمرة والتمرتان، ولكن الذي لا يجد ما يغنيه ولا يسأل الناس إلحافاً»
ذكروا عن الحسن قال: ليس للعاملين عليها ولا للمؤلفة قلوبهم اليوم شيء، إلا ما جعل الإِمام للعاملين عليها. وكان يقول: ليست بسهام تقرع، ولكن على ما يرى الإِمام، فربما كان بنو السبيل قليلاً والفقراء كثيراً. وربما كان الفقراء كثيراً والمساكين كثيراً. وكذلك المكاتَبون والغارِمون. وإنما هو على ما يرى الإِمام من كثرتهم وقلّتهم وفقرهم.
قال: {وَفِي سَبِيلِ اللهِ} إذا لم يسعهم الفيء رُضِخَ لهم من الصدقة.
{وَابْنِ السَّبِيلِ}: الرجل المنقطع به في الأرض، فإنه يُرضخ له من الصدقة، وإن كان في أرضه ذا مال كثير، ولا يكون ذلك ديناً عليه.
ذكر بعض السلف قال: إن حقاً على الناس إذا جاءهم المصدّق أن يرحِّبُوا به، وأن يُطعموه من طعامهم، فإن أخذ الصدقة على وجهها فسبيلٌ ذلك، وإن تعدّى لم يضرّ إلا نفسه، وسُيخلِف الله عليهم.
(2/ 25)
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المتعدي في الصدقة كمانعها» (2/143)
صفحة 724
ذكروا أن عقبة بن عامر الجهني قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعياً، فاستأذنته أن نأكل من الصدقة فأذن لنا.
ذكروا عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا ساعياً فأمره أن يأخذ الصدقة من أغنيائنا فيجعلها في فقرائنا؛ وكنت غلاماً فأعطاني منها قلوصاً.
ذكروا أن أول مكاتب كوتب في الإِسلام أبو مؤمل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعينوا أبا مؤمل» فأعطي حتى فضل منه فضلة من مكاتبته، فسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أنفقتها في سبيل الله».
ذكروا أن مكاتباً قام إلى أبي موسى الأشعري فقال: إني رجل مكاتب، فَحُثَّ عليَّ الناسَ. قال: فَحَثَّ أبو موسى عليه الناس. فألقى إليه من الدراهم والثياب حتى قال، حسبي. فانطلق إلى منزله فوجد معه فضلة ثلاثمائة درهم. فسأل عن ذلك أبا موسى الأشعري، فأمره أن يجعلها في مثله من الناس.
ذكروا أن مكاتباً كان في عهد علي تُصُدِّقَ عليه، ففضل عن مكاتبته فضل، فأمره علي أن يجعله في المكاتَبين.
قال: وكذلك الغارمون الذين لزمهم دين من غير فساد، يجمع لهم من الصدقة ويأخذون منها كفاف ديونهم. فإن أعطوا أكثر من ذلك حتى تفضل في أيديهم منه فضلة ردوا تلك الفضلة على مثلهم في مثل حالهم.
وسئل بعض السلف عن الرجل العالم الفقيه الذي قد اتخذه المسلمون سلفاً (2/144)
صفحة 725
وإماماً، فاستقل بأمور المسلمين والنظر في حوائجهم، وهو فقير، هل ينظر المسلمون له نظراً يُغْنونه عن المسألة، ويفضِّلونه على من سواه ممن لم يحتمل من أمور المسلمين ما احتمل؟ فقال نعم. وهل ينبغي للمسلمين إلا هذا؟ وهل يجوز لهم أن يحتاج فيهم مثل هذا؟ وقد كان عمر بن الخطاب يفضل أهل الفضل في الإِسلام، ويخصُّهم من الصدقة والفيء بما لا يخص به غيرهم لما يحتملون من أمور المسلمين، ويشغلون أنفسهم بحوائج المسلمين عن حوائجهم. فأهل أن يُفضّلوا، وأهل أن يُشرَّفوا، وأهل أن ينظر لهم المسلمون بما يسعهم ويقوتهم ويقوت عيالهم.
قوله: {فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ} أي: لهؤلاء الذين سمّى في هذه الآية. وذلك في جميع الزكاة، في الذهب والفضة والماشية والثمار والحبوب والزروع. {وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} عليم بخلقه، حكيم في أمره.
(2/ 26)
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61)
قوله: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} يعني المنافقين.
قال الحسن: كانوا يقولون: ما هذا الرجل إلا أذن، من شاء صرفه حيث شاء، [ليست له عزيمة] فقال الله: {قُلْ} يا محمد {أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} أي: هذا الرجل الذي تزعمون أنه أذن، خير لكم. {يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} [أي يصدق الله ويصدق المؤمنين] {وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ} أي: وهو رحمة للذين ءامنوا منكم. أي إنه رحمة للمؤمنين، رحمهم الله بها واستنقذهم من الجاهلية وظلمتها إلى النور، وأنقذهم من النار إلى الجنة.
وقال مجاهد: {ويَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} أي: سنقول له فيصدّقنا. يعني المنافقين (2/145)
صفحة 726
يقولون: نحلف له فيعذرنا. وبعضهم يقرأها: قل اذنٌ خيرٌ لكم. أي: هو أذن خيرٌ لكم.
(2/ 27)
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63) يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64)
قوله: {يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ}. أي بالعلل والكذب {وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُّرْضُوهُ} أي بالصدق والوفاء {إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ} أي: إنهم يزعمون أنهم مؤمنون بالإِقرار والتوحيد دون العمل بجميع الفرائض التي فرض الله عليهم. وليسوا بمؤمنين حتى يكملوا جميع فرائض الله في القول والعمل. فقال: {وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} من أن يرضوكم بالعلل والكذب.
{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ} أي: من يشقاق الله ورسوله، وقال بعضهم: من يخالف الله ورسوله {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ} أي: قد أنزل الله ذلك عليهم، وأعلمهم به، واتخذ به الحجة عليهم. وهو كقوله: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً} [الأنبياء: 30]؛ وكقوله: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ} [التوبة: 78].
قوله: {يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ} من النفاق وما كانوا يحذرون. ففعل الله ذلك بهم، فأخرج أضغانهم، وهو ما كانو يكنون في صدورهم. وإنما حذروا من شيء تَيَقّنوا به، ولو كانوا مشركين لم يحذروه لأنهم يجحدونه ولا يقرون به.
وقال مجاهد: يقولون القول بينهم ثم يقولون: نخشى الله أن يُفشِي علينا سرَّنا هذا.
ذكر بعضهم قال: كانت هذه السورة تسمى جاهرة أي: جهرته. وبعضهم (2/146)
صفحة 727
يقول: حافرة، أي حفرت عن ذنوب القوم، يعني المنافقين. وقال بعضهم: كانت هذه السورة تسمى فاضحة المنافقين؛ لأنها أنبأت بمقالتهم وأعمالهم. وقال الحسن: كانت تسمى حافرة، أنبأت بما في قلوب المنافقين.
{قُلِ اسْتَهْزِءُوا} أي بمحمد وأصحابه، وهو وعيد هَوْلُه شديد. كقوله: {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] وهو وعيد. {إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} أي: ما أكننتم في قلوبكم من النفاق فمخرجه، فذاكره عنكم.
وأما قوله: {اسْتَهْزِءُوا} فهو جواب من الله لقولهم. {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} يعني كفار المشركين {قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} أي في المودة {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} [البقرة: 14]. أي إنما نحن مخادعون. والاستهزاء في هذا الموضع إنما هو الخداع. ألا تراه يرد عليهم جوابهم: {اللهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} [البقرة: 15] أي يخدعهم في الآخرة كما خدعوه في الدنيا.
وقد أوضح ما تأولنا عليه الآية في النساء فقال: {إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142] يخادعونه بما أظهروا من التوحيد والإِقرار، وليس من شأنهم الوفاء بالأعمال. وهو خادعهم إذ جعل مساقهم مع المؤمنين. وبيان خدعه إياهم في سورة الحديد. وسنذكر ذلك أيضاً في سورة الحديد إذا أتينا عليه، كيف خدعهم الله عند ضرب السور بينهم وبين المؤمنين إذ طمعوا أن يكونوا من المؤمنين، إذ سبقوا في زمرتهم بالنور القليل الذي كان معهم، وبه ناكحوا المسلمين ووارثوهم. فَطفِىءَ نور المنافقين، ومضى نور المؤمنين من بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم. وسنأتي على بقيّة ما بقي من هذا في سورة الحديد إذا نحن بلغناها إن شاء الله.
(2/ 28)
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66)
قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ}.
قال الكلبي: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع من تبوك، بينما هو يسير إذا برهط أربعة يسيرون بين يديه وهم يضحكون. فنزل جبريل على النبي عليه السلام (2/147)
صفحة 728
فأخبره أنهم يستهزءون بالله تعالى ورسوله وكتابه. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر فقال: «أدركهم قبل أن يحترقوا واسألهم مما يضحكون، فإنهم سيقولون مما يخوض فيه الركب إذا ساروا» فلحقهم. فقال لهم: مم تضحكون وما تقولون؟ فقالوا: مما يخوض فيه الركب إذا ساروا فقال عمار: صدق الله وبلغ الرسول، احترقتم لعنكم الله. وكان يسايرهم رجل لم ينههم ولم يُمَالِئْهُم. فأقبل ذلك الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، والذي أنزل عليك الكتاب ما مالأتهم ولا نهيتهم. وجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعتذرون فأنزل الله:
{لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} فأخبر أن لهم إيماناً كفروا بعده، وأن المشركين لم يتطاعموا إيماناً قد فيكفروا بعد إيمانهم.
{إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} أي جرم نفاق، لأنه جرم دون جرم، وجرم فوق جرم، فيرجى أن يكون العفو من الله لمن لم يمالئهم ولم ينههم.
وقال بعضهم: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وبين يديه ناس من المنافقين، فقالوا: أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها؟ هيهات، هيهات له من ذلك. فأطلع الله نبيه على ذلك فقال: احبسوا علي هذا الركب [فأتاهم] فقال: قلتم كذا وكذا. قالوا: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. (2/148)
صفحة 729
قوله: {قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}، أي: قد نافقتم بعد إقراركم وتوحيدكم، يعني أهل هذه الكلام الذي تكلّموا به، وهو كفر نفاق، وهو كفر المحدثين من أهل الإِقرار بالله والنبي والكتاب.
(2/ 29)
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69)
قوله: {المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ} أي في الألفة والاجتماع على معاصي الله {يَأْمُرُونَ بِالمُنكَرِ} وهو كل ما يعرف العباد جوره. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ} وكل ما يعرف العباد عدله فهو معروف.
وقال بعضهم: {يَأْمُرُونَ بِالمُنكَرِ} أي بالكفر، وهو النفاق. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ} وهو الإِيمان، أي: عن العمل بالصالحات، وهي الإِيمان، وهذا يرجع إلى التأويل الأول، وهو واحد.
{وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} أي عن النفقة في سبيل الله وعن الزكاة. وقال مجاهد: لا يبسطونها بالنفقة في الحق. وقال بعضهم: لا يبسطونها إلى الخير.
قال: {نَسُوا اللهَ} أي: تركوا فرائض الله فلم يكملوها ولم يعملوا بجميعها. {فَنَسِيَهُمْ} أي فتركهم كمن ليس مذكوراً. وقال بعضهم: {فَتَرَكَهُمْ} أي: لم يذكرهم بما يذكر به المؤمنين أهل الوفاء والصدق من الخير. {إِنَّ المُنَافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُونَ} يعني فسق النفاق، وهو فسق دون فسق، وفسق فوق فسق.
قوله: {وَعَدَ اللهُ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ} أهل الإِقرار بالله والنبي والكتاب. {وَالكُفَّارَ} أهل الإِنكار والجعود. {نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} لا يموتون ولا يخرجون منها. {هِيَ حَسْبُهُمْ} جميعاً: المشركين والمنافقين. كقوله: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا} [المجادلة: 8] {وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي: دائم في الآخرة.
قال: {كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} يعني من الكفار {كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ (2/149)
صفحة 730
أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً} يقول: لعنهم وأهلكهم وأوجب لهم النار. يقول: فسيعذبكم كما عذب الذين من قبلكم من الكفار، يعني الذين تقوم عليهم الساعة الدائنين بدين المشركين أبى جهل وأصحابه.
قال: {فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاَقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ} قال الحسن: أي بدينكم {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ} أي: بدينهم {وَخُضْتُمْ} في الكفر والتكذيب. رجع بهذا كله إلى كفار قريش دون المنافقين. وخضتم في الكفر {كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالأَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ} جميعاً من الماضين والباقين {هُمُ الخَاسِرُونَ}.
وقال الكلبي: {فَاسْتَمْتَعْتُم} في الدنيا بنصيبكم من الآخرة {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم} في الدنيا بنصيبهم من الآخرة.
(2/ 30)
أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)
قوله: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالمُؤْتَفِكَاتِ} قريات قوم لوط الثلاث، خسف بهم، رفعها جبريل بجناحه حتى سمع أهل سماء الدنيا صراخ كلابهم ثم قلبها. والمؤتفكات هي المنقلبات. وقال في آية أخرى: {وَالمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} [النجم: 53] وهي قريات قوم لوط الثلاث، فهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة. يقول: ألم يأتهم خبرهم فيما أنزل الله في كتابه.
قال: {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتِ} أي أتت جميع هؤلاء رسلهم بالبينات {فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أي بإهلاكه إياهم بعد قيام الحجج عليهم برسلهم {وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي بجحودهم وبشركهم، يحذر هؤلاء ما فعل بمن كان قبلهم.
قوله: {وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} أي في الالفة والاجتماع على دين الله {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} وهو ما يعرف العباد عدله، {وَيَنْهَوْنَ (2/150)
صفحة 731
عَنِ المُنكَرِ} وهو ما يعرف العباد جوره. وقال الحسن: {يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ} أي بالإِيمان بالله {وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ} أي: عن الكفر بالله.
قال: {وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} أي على ما أمرهم الله به لا ينقصونها، ولا يقومون إليها كسالى، ولا يراءون الناس بها كما يفعل المنافقون. {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} المفروضة، طيبة بها أنفسهم، ليس كما يصنع المنافقون الذين لا ينفقون إلا وهم كارهون.
قال: {وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} في القول والعمل، وفي كل ما تعبّدهم به من جميع فرائضه، ليس كما صنع المنافقون الذين لم يطيعوا الله في كل ما تعبّدهم به من القول، أي إنهم قالوا ولم يعملوا، يعني المنافقين.
{أُوْلَئِكَ} يعني المؤمنين الذين هذه صفتهم {سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ} أي: سيثيبهم الله {إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: عزيز في نقمته حكيم في أمره.
(2/ 31)
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)
قوله: {وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ} أهل الصدق والوفاء {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}. وقد فسّرنا الأنهار في غير هذا الموضع. {خَالِدِينَ فِيهَا} أي في الجنة {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً}. ذكر الحسن قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة آخرهم دخولاً. فيقال له: انظر ما أعطاك الله، فيفسح له في بصره. فينظر مسيرة مائة ألف سنة كله له، فليس فيه موضع شبر إلا وهو عامر قصور الذهب والفضة، وخيام اللؤلؤ والياقوت. فيها أزواجه وخدمه، يُغدَى عليه كل يوم بسبعين ألف صَحْفَة من الذهب، ويُراح عليه بمثلها. في كل واحدة منها لون من الطعام ليس في صاحبتها، يأكل من آخرها كما يأكل من أولها. لو نزل عليه الجن والإِنس في غداء واحد وسعهم، ولا ينقص ذلك مما عنده شيئاً.
وذكروا عن ابن عباس قال: الخيمة درّة مجوّفة، فرسخ في فرسخ، لها أربعة آلاف مصراع من ذهب. ذكروا عن أبي موسى الأشعري قال: إن الرجل من أهل الجنة لتكون له الخيمة طولها في السماء سبعون ميلاً، وإن له فيها لأهلاً يطوف عليهم ولا يشعر بهم الآخرون. (2/151)
صفحة 732
وقال: {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} قال الحسن: عدن اسم من أسماء الجنة. وقال بعضهم: هي أشرف الجنان. ذكروا عن ابن عباس قال: عدن: بطنان الجنة.
وقال: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ} أي أعظم مما هم فيه من ملك الجنة. قال الحسن: وصل إلى قلوبهم من رضوان الله من اللذة والسرور ما هو ألذ عندهم وأقر لأعينهم من كل شيء أصابوه من لذة الجنة.
ذكروا عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة فرأوا ما فيها قال الله عزّ وجلّ لهم: لكم عندي أفضل من هذا. قالوا: ربنا ليس شيء أفضل من الجنة. قال: بلى، أحلّ عليكم رضواني»
قوله: {ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ}. قال الحسن: النجاة العظيمة. وقال بعضهم: فازوا من النار إلى الجنة. وقد قال: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ} أي نجا من النار {وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185] أي فقد سعد.
(2/ 32)
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73)
قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} أي جاهد الكفار المشركين بالسيف، واغلظ على المنافقين بالحدود، وهو تفسير الحسن. وقال الحسن: كان أكثرُ من يصيب الحدود يومئذٍ المنافقين. قال الكلبي: وَاغلظ على (2/152)
صفحة 733
المنافقين، أي: بالقول. قال: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي: ومصيرهم، أي منزلهم، جهنم. {وَبِئْسَ المَصِيرُ}.
(2/ 33)
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (74)
قوله: {يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ}.
ذكروا عن الحسن قال: قال رجل من المنافقين لرجل من المسلمين: إن كان ما يقول محمد حقاً لنحن أشرُّ من الحمير. فقال المسلم: فأنا أشهد أن ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم حق وإنك شر من حمار. ثم أتى النبي عليه السلام فأخبره بذلك. فأرسل النبي إلى المنافق فقال: أَقُلتَ كذا وكذا فقال: [والله] يا رسول الله ما قلته، [وحلف المسلم لقد قاله] فأنزل الله: {يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} أي بعد إقرارهم وتوحيدهم.
{وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} قال مجاهد: هو المنافق الذي قال ما قال، أراد أن يقتل المسلم الذي أخبر النبي عليه السلام يقول المنافق للمؤمن: إن كان ما يقوله محمد حقاً فنحن أشر من الحمير.
قال بعضهم: بإظهار النفاق. وكان يقول: كانوا نفراً، وكان الرجل الذي أخبر النبي عليه السلام حاضرَهم حين قال بعضهم: لئن كان ما يقول محمد حقاً لنحن أشر من الحمير؛ فلم يفطنوا بمكان الرجل، فأرعب الله قلوبهم، فقال في سورة الأحزاب: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ} [الأحزاب: 60] بالنبي وأصحابه، وهم المنافقون، يقولون: يهلك محمد وأصحابه، ونرجع إلى دين مشركي العرب. (2/153)
صفحة 734
وقال بعضهم: نزل هذا حين قالوا: {لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ} [المنافقون: 8] فقال الله لئن لم ينتهوا عن إرجافهم وإظهارهم نفاقَهم {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} أي لنسلِطنَّك عليهم فتقتلهم، {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً} [الاحزاب: 60].
وقال بعضهم: {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} أي: حين قالوا {لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ}.
قوله: {وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} يقول: لم ينقموا من الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا أنهم أصابوا الغنى في الدنيا، ولو تمسّكوا به لأصابوا الجنة في الآخرة. وهو كقوله: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمُ إِلاَّ أَن يُّؤْمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ} [البروج: 8] وكقوله: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ}.
قوله: {فَإِن يَتُوبُوا} أي: يرجعوا عن نفاقهم {يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا} عن التوبة، ويباينوا بالنفاق {يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا} بالسيف {وَالأَخِرَةِ} بالنار {وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ} يمنعهم من عذاب الله {وَلاَ نَصِيرٍ}.
(2/ 34)
وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)
قوله: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ} فأوسع علينا من الرزق {لَنَصَّدَّقَنَّ} يعني الصدقة {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} أي: ممن يطيع الله ورسوله. قال هذا المنافقون.
قال الله: {فَلَمَّا ءاتاهم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ} عن الإِنفاق في سبيل الله وعن الصدقة ومنعوا حق الله. {وَتَوَلَّوا} أي عن الصلاح والطاعة {وَّهُم مُّعْرِضُونَ} أي عن أمر الله.
{فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ} لا يتوبون منه {إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ (2/154)
صفحة 735
مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} قال الحسن: ثلاث من المنافق: إذا وعد أخلف، وإذا حدَّث كذب، وإذا اؤتمن خان.
ذكروا عن الحسن قال: هؤلاء المنافقون؛ ائتمنهم الله فخانوه، أي: لم يكملوا بما كانوا أقروا الله من القول والعمل. أي: قالوا ولم يفعلوا، ووعدوه فأخلفوه حين قالوا: {لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ}. أي المؤمنين المستكملين للقول والعمل.
(2/ 35)
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)
قوله: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} فسرهم الذي يخفونه والذي في قلوبهم من النفاق، ونجواهم ما يتناجون به من النفاق فيما بينهم. أي: قد عملوا ذلك فيما أنزل الله في كتابه، وقامت به الحجة عليهم. {وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ}.
قوله: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
ذكروا أن عبد الرحمن بن عوف جاء بنصف ماله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقرّب به (2/155)
صفحة 736
إلى الله فقال: يا رسول الله، هذا صدقة [وأحسبه قال: يا رسول الله هذا نصف مالي أتيتك به، وتركت نصفه لعيالي. فدعا الله أن يبارك له فيما أعطى وفيما أمسك]. فلمزه المنافقون، وقالوا: ما أعطى إلا رياء وسمعة.
وجاء الحثحاث أبو عقيل، رجل من الأنصار، إلى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله: بت البارحة أجر الجرير على صاعين من تمر. فأما صاع فأمسكته لأهلي، وأما صاع فهذا هو. [فقال له نبي الله عليه السلام خيراً]؛ فقال المنافقون: والله إن كان الله ورسوله لغنيِّيْنِ عن صاع أبي عقيل. فأنزل الله هذه الآية. وقال:
{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} أي خالفوا الله ورسوله {وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ} أي لا يكونون بالفسق مهتدين عند الله. وهذا فسق النفاق، وهو فسق دون فسق، وفسق فوق فسق.
وكانوا يأتون النبيَّ عليه السلام ويعتذرون إليه، ويقولون: {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحُسْنَى} [التوبة: 107] و {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} [النساء: 62]. فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد خيّرني ربي، فوالله لأزيدنَّهم على السبعين»؛ فأنزل (2/156)
صفحة 737
الله هذه الآية في سورة المنافقون {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ} [المنافقون: 6] وهو فسق النفاق.
وهذا مما يدل أهل الفراق أن لو كانوا مشركين كما وصفوا لم يستغفر لهم رسول الله، ولم يقل لأزيدن على السبعين مرة في الاستغفار لهم؛ وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجهل الشرك فيستغفر لأهله، وقد قال الله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ} [التوبة: 113].
(2/ 36)
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81)
قوله: {فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الحَرِّ} قال مجاهد: بعد الفتح وبعد الطائف وبعد حنين في الصيف، حين اختُرِفَت النخلُ، وطابت الثمار، واشتُهِيَ الظلّ، وشَقَّ عليهم الخروجُ في إبّان الحرّ.
قال الله للنبي عليه السلام: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً} من نار الدنيا في تفسير الحسن. {لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} لعلموا أن نار جهنم أشد حراً من نار الدنيا.
ذكر بعضهم قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له في يوم شديد الحر إذ نزل منزلاً وجعل أحدهم ينتعل ثوبَه من شدة حرّ الأرض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أراكم تجزعون من شدة حرّ الشمس بينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام، والذي نفسي بيده لو أن باباً من أبواب جهنم فتح بالمشرق ورجل بالمغرب لغلا دماغه حتى يسيل من منخريه»
وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن غرباً من جهنم وضع في الأرض لأذى حرّه ما بين المشرق والمغرب» (2/157)
صفحة 738
وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ناركم هذه التي توقدون بها جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم» قيل: يا رسول الله، إن كانت لكافية. قال فإنها فضلتها بتسعة وستين جزءاً كلها مثل حرّها. وزاد فيه بعضهم قال: ضربت بالماء مرّتين لكي تنتفعوا بها وتدنوا منها.
(2/ 37)
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)
قوله: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} يعني المنافقين. فليضحكوا قليلاً في الدنيا، أي: إلى موتهم، وليبكوا كثيراً، أي في النار إذا صاروا إليها.
ذكروا عن أبي موسى الأشعري أنه قال: إن أهل النار ليبكون الدموع، حتى لو أن السفن أرسلت في دموعهم لجَرَت، ثم يبكون بعد ذلك الدم.
ثم قال للنبي عليه السلام: {فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ} أي: من غزوة تبوكَ {إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ} أي من المنافقين {فَاسْتَئْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} معك {فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} فبذلك كفرتم، وبذلك نُهِيتُ أن أستصبحكم {فَاقْعُدُوا مَعَ الخَالِفِينَ}. أي مع النساء في تفسير الحسن. وفي تفسير الكلبي: مع الأشرار. ذكر بعضهم قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلاً قيل فيهم ما قيل.
قوله: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} ثم أخبره لم ذاك وبم هو، فقال: {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} أي: خالفوا الله وخالفوا رسوله {وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} وهو فسق النفاق. (2/158)
صفحة 739
قال بعضهم: بلغنا أنه عبد الله بن أبي بن سلول؛ لما مات جاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أعطني قميصك أكفّنه فيه. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه فكفنه فيه، وصلّى عليه النبي. فأنزل الله: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} ثم أخبره لم ذاك وبم هو فقال: {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} أي خالفوا الله وخالفوا رسوله {وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ}.
وقال بعضهم: ذكر لنا أنه مات منافق فكفنه رسول الله في قميصه وصلى عليه ودلاَّه في قبره. فأنزل الله هذه الآية. فذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وما يغني عنه قميصي من عذاب الله. والله إني لأرجو أن يسلم به ألف من قومه»
وقال بعضهم: إن رسول الله تقدم ليصلِّيَ عليه، فأخذ جبريل بثوبه فقال: والله لا تصل على أحد منهم مات أبداً. . إلى آخر الآية.
وفي هذا دليل على أهل الفراق أن لو كانوا مشركين كما قالوا ما صلّى عليهم رسول الله، ولا وقف على قبورهم، ولا كفنهم في ثيابه، ولا دلاّهم في قبورهم بعد قول الله: {إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]، وبعد قوله: {مَا كَانَ لِلنَّبيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ} [التوبة: 113].
(2/ 38)
وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85)
قوله: {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهِا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ} أي: وتموت أنفسهم {وَهُمْ كَافِرُونَ} أي: وهم مخالفون لله ورسوله. أخبر أنهم يموتون على الكفر. وقد فسَّرناه في الآية الأولى التي قبل هذه الآية.
(2/ 39)
وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) (2/159)
صفحة 740
قوله: {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا باللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَئْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ} أي: ذوو السّعة والغِنى في المُقَامِ والتخلّف عن الجهاد {وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ القَاعِدِينَ} قال: {رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ} أي مع النساء في تفسير الحسن وغيره من العامة. {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ}.
قال: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الخَيْرَاتُ} قال الحسن: الخيرات: النساء الحسان. وقد قال: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} [الرحمن: 70] {وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} أي: السعداء.
{أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} قد فسّرنا الأنهار في غير هذا الموضع {خَالِدِينَ فِيهَا} أي: لا يموتون {ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ}. قد فسرناه قبل هذا الموضع.
قوله: {وَجَاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ} يعني المنافقين من الأعراب {لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} في القعود {وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ} فيما أقروا به من الإِقرار والتوحيد إذ تخلفوا في غزوة تبوك {سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع. وذلك يقع على جميع المنافقين.
قوله: {لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى المَرْضَى} نزلت في عبد الله بن أم (2/160)
صفحة 741
مكتوم الأعمى وأصحابه {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ} أي جناح في التخلف عن الغزو {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} إذا كان لهم عذر. {مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي غفر لهم مقامهم ووضع الخروج عنهم.
{وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا} أي: انصرفوا من عندك {وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} ذكروا أن مجاهداً قال: هم بنو مُقرِّن، من مُزَينَة. وقال بعضهم: هم الأشعريون، رهط بني موسى الأشعري.
{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ} يعني المنافقين {رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ} أي مع النساء {وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}.
قوله: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ} من غزاتكم، وهي غزوة تبوك.
{قُل لاَّ تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} أي لن نصدقكم {قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} يعني ما أنزل فيهم {وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} الغيب: السر، والشهادة: العلانية {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: في الدنيا.
قوله: {سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ} من غزاتكم {لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ} لا تقتلوهم ما أظهروا لكم الإِيمان واعتذروا {إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي يعملون.
{يَحْلِفُونَ لَكُمْ} أي: بالكذب والعلل {لِتَرْضَوْاعَنْهُمْ} أي بما أظهروا لكم من الإِيمان والاعتذار. {فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ} بما أظهروا لكم من الإِيمان {فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفَاسِقِينَ}. أي لا يرضى عنهم بالفسق والنفاق الذي بطن منهم، ولم تطلعوا عليه أنتم منهم.
قوله: {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً} يعني المنافقين من الأعراب. أي: هم (2/161)
صفحة 742
أشد نفاقاً من نفاق أهل المدينة، وأشد كفراً من كفرهم. {وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ} أي: أقل علماً بالسنن، وأجفى في الدين. {وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: عليم بخلقه، حكيم في أمره.
(2/ 41)
وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)
قوله: {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً} أي: في الجهاد في سبيل الله {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ} أي أن يهلك محمد والمؤمنون فيرجع إلى دين مشركي العرب. {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} أي عاقبة السوء {وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
قوله: {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الأَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللهِ} أي يتقرّب به إلى الله {وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} أي: ويتخذ صلوات الرسول أيضاً قربة إلى الله عزّ وجلّ. وصلوات الرسول استغفاره ودعاؤه. {أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ} أي الجنة {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، ومات لا يشرك بالله فإن حقاً على الله أن يغفر له، هاجر أو قعد في مولده. وإنما يتقبل الله من المتقين. وإن في الجنة لمائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها الله لمن جاهد في سبيله. ولولا أن أشق على أمتي ولا أجد ما أحملهم عليه ولا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا بعدي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أن أقاتل في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل»
وقوله في أول الحديث: هاجر أو قعد في مولده، إنما هو بعد ما انقطعت الهجرة، وذلك بعد فتح مكة، فصارالجهاد تطوعاً.
قوله: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ}. ذكروا عن سعيد بن (2/162)
صفحة 743
المسيب قال: هم الذين صلّوا القبلتين مع النبي صلى الله عليه وسلم. {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} لا يموتون ولا يخرجون منها {ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ}. وقد فسرناه قبل هذا الموضع.
(2/ 42)
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101)
قوله: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} أي اجترأوا عليه، والمتمرد الجريء على المعاصي. {لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} أي لا تعرفهم أنت يا محمد. نحن نعرفهم.
وقد عرفهم الله رسوله وأعلمه بهم بعد ذلك، وأسرّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حذيفة ابن اليمان.
ذكروا عن الحسن أنه قال: مات رجل له صحبة إلى جانب حذيفة فلم يصلِ عليه حذيفة. فأرسل إليه عمر فأغلظ له، ويقال: يموت رجل من أصحاب النبي إلى جانبك ولا تصلي عليه. قال: يا أمير المؤمنين، إنه من القوم. فقال له عمر: أناشدك بالله، أنا منهم، قال: لا، والله لا أؤمن منها أحداً بعدك.
وقال بعضهم: قال له عمر: يموت رجل من أصحاب النبي إلى جانبك لا تسأل عليه؟ فقال له حذيفة: لو كنت مثله ما صليتُ عليك. قال: أمنافق هو يا حذيفة؟ قال: ما كنت لأخبرك بسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: أناشدك الله، أنا منهم. قال حذيفة: اللهم لا.
وفي هذا دليل لأهل الفراق أن عمر لم يَلُم حذيفةَ على أن لا يصلي عليه، وهو عند عمر مسلم. وفي قول عمر: يا حذيفة أناشدك الله أنا منهم ما يدل كل ذي نُهى وحِجى أن عمر لم يكن يخاف على نفسه أنه مشرك، بل إنه خاف أن تكون له معاصِ في الإِسلام توجب عليه النفاق، أو يكون نبي الله قد أسرَّ إلى حذيفة شيئاً من ذلك. (2/163)
صفحة 744
وأما الشرك، فلم يكن يخافه عمر على نفسه، ولا يظنه به.
قوله: {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} فأما إحداهما فبالزكاة تؤخذ منهم قهراً، وأما الأخرى فعذاب القبر في تفسير بعضهم. {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} يعني المنافقين. وعذاب القبر أيضاً في سورة طه [124] في قوله: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكَاً} ذكروا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن [عن أبي هريرة] عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكروه عن عبد الله بن مسعود، وذكروه عن أبي سعيد الخدري أنه قال: هو عذاب القبر يلتئم على صاحبه حتى تختلف أضلاعه. وقال بعضهم: {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} أي: عذاب الدنيا وعذاب القبر، {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ}، أي جهنم.
(2/ 43)
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)
قوله: {وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَءَاخَرَ سَيِّئاً} قيل: هم نفر من المؤمنين، منهم أبو لبابة بن عبد المنذر، وأُوَيْس بن ثعلبة في تفسير الكلبي. وكان الحسن لا يسميهم ويقول: كان عرض في هممهم شيء، ولم يعزموا على ذلك، ثم تابوا من بعد ذلك، وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترفوا بذنوبهم.
قال: {عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمُ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وعسى من الله واجبة.
وقال بعضهم: ذكر لنا أنهم كانوا سبعة رهط تخلّفوا عن غزوة تبوك، فأما أربعة فهم الذين خلطوا: جدّ بن قيس، وأوس، وحرام، وأبو لبابة، وكلهم من الأنصار (2/164)
صفحة 745
، فقيل فيهم: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ. . . .} الآية. قال: كانوا وعدوا أن ينفقوا ويجاهدوا ويتصدّقوا. والمُرجَوْن لأمر الله: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية.
وقال مجاهد: وآخرون اعترفوا بذنوبهم: أبو لبابة إذ قال لقريظة ما قال: أشار إلى حلقه أن محمداً ذَابِحُكم إذا نزلتم على حكمه. أخبرهم وأيأسهم من العفو.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث عن ليلة أسري به، فكان في حديثه أنه رأى إبراهيم في السماء السابعة قال: وإذا أمتي عنده شطران: شطر عليهم ثياب بيض، وشطر عليهم ثياب رمد. فدخل الذين عليهم الثياب البيض، واحتبس الذين عليهم الثياب الرمد. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وكل إلى خير. ثم تلا هذه الآية: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلِّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاللهُ وُلِيُّ المُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68]. قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} [من الذنوب] {وَتُزَكِّيهِم بِهَا}. وليست بصدقة الفريضة، ولكنها كفارة لهم. وقال بعضهم: هم الذين اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وهم ناس من أصحاب النبي عليه السلام، فتاب الله عليهم، وقال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيْهِم بِهَا}.
قال: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} أي: واستغفر لهم {إِنَّ صَلاَتَكَ} أي استغفارك {سَكَنٌ لَّهُمْ} أي تثبيت منك لهم على ما هم عليه من الإِيمان. {وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
(2/ 44)
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106) (2/165)
صفحة 746
قوله: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} أي: ويقبل الصدقات {وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.
ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة بغير طُهور، ولا صدقة من غُلول»
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ} أي بما يطلعهم الله عليه، في تفسير الحسن. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه بنور الله ينظر»
ذكروا عن أبي الدرداء قال: إياكم وفراسة العلماء، إن شهدوا عليكم شهادة تكبّكم في النار، فوالله إنه الحق، يقذفه الله في قلوبهم وعلى أبصارهم.
ذكروا عن عثمان بن عفان أنه قال: لو أن رجلاً عمل في قعر سبعين بيتاً لكساه الله رداء عمله، خيراً كان ذلك أو شراً.
ذكر لنا أنه مُرَّ على رسول الله بجنازة فأثنوا عليها خيراً، حتى تتابعت الألسن لها بخير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وجبت» ثم مُرَّ عليه بجنازة، فأثنوا عليها شراً، حتى تتابعت الألسن عليها بشر فقال: «وجبت، أنتم شهداء الله في الأرض»
قوله: {وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
قوله: {وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. (2/166)
صفحة 747
قال بعضهم: هم هلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكعب بن مالك. وقال مجاهد: هم الثلاثة الذين في آخر السورة الذين خُلِّفوا، وهم الذين أرجئوا في هذه الآية، ثم تاب عليهم في الآية التي في آخر السورة.
(2/ 45)
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)
قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحُسْنَى} أي: إن أردنا ببنيانه إلا خيراً {وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.
في تفسير الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك نزل بين ظهراني الأنصار وبنى مسجد قباء وهو الذي أسس على التقوى. وقد كان المنافقون من الأنصار بنوا مسجداً، فقالوا نميل به. فإما يأتينا رسول الله فيه وإما لا يأتيه، ونخلو فيه لحوائجنا. ونبعث إلى أبي عامر الراهب [لمحارب من محاربي الأنصار كان يقال له الراهب] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسره فيأتينا ونستشيره في أمورنا.
فلما بنوا المسجد وهو الذي قال الله عزّ وجلّ: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ} أي: بين جماعة المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، يعني أبا عامر المحارب. قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر الوحي، فجعل لا يأتيهم ولا يأتونه. فلما طال ذلك عليه دعا بقميصه ليأتيهم. قال: فإنه ليزُرُّه عليه إذ أتاه جبريل فقال: (2/167)
صفحة 748
{لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} يعني ذلك المسجد {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} يعني مسجد قباء، في تفسير الحسن، {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ}. أي من الذنوب.
ذكروا أنه لما نزلت هذه الآية: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أهل قباء، إن الله قد أحسن عليكم الثناء [في الطُّهور] فماذا تصنعون؟ قالوا نغسل أدبار المقاعد»
وقال بعضهم: ذكروا لنا أن أناساً من أهل النفاق ابتنوا مسجداً بقباء ليضاهوا به مسجد نبي الله عليه السلام. وبعثوا إلى نبي الله ليصلِّيَ فيه. وذكر لنا أنه أخذ قميصه ليأتيهم حتى أطلعه الله على ذلك. وكان رجل فرّ من الإِسلام يقال له أبا عامر، فلحق بالمشركين فقتلوه بإسلامه وقالوا: إذا جاء صلى فيه. قال مجاهد: {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ} أي: لأبي عامر.
ذكروا عن عثمان وعلي رضي الله عنهما في قوله: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} قالا: هو مسجد النبي عليه السلام.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوَى} قال: «هو مسجدي هذا، وفي ذلك خير»، يعني مسجد قباء. (2/168)
صفحة 749
وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا المنافقين الذين بنوا ذلك المسجد فقال: «ما حملكم على بناء هذا المسجد؟» فحلفوا له بالله: إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون.
(2/ 46)
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)
قوله: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} يقول: لا يكونون بالظلم مهتدين عند الله، وهو ظلم النفاق، وهو ظلم دون ظلم، وظلم فوق ظلم. أي إن الذي أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير من الآخر. قال بعضهم: ما تناهى أن وقع في النار. وذكر لنا أنهم حفروا فيه بقعه فَرِىءَ منها الدخان.
وقال الحسن: شبه الله أعمال المنافقين مثل إنسان بنى على الرمل فانهار، فلم يثبت البناء عليه. وكذلك أعمال المنافقين لا تثبت عند الله لأنها ليس لها أصل تثبت به، فانهارت لهم أعمالهم في نار جهنم.
وبعضهم يقرأها بالنصب: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ}، بالنصب جميعاً، {عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ}.
قوله: {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوا رِيبَةً} أي: شكا {فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تُقَطَّعَ (2/169)
صفحة 750
قُلُوبُهُمْ} أي: إلا أن يموتوا. أخبر أنهم يموتون على النفاق. {وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: عليم بخلقه، حكيم في أمره.
(2/ 47)
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)
قوله: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالقُرْءَانِ} أي: هذا حكم الله في هذا في التوراة والإنجيل والقرآن.
{وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ} على الاستفهام، أي: لا أحد. قال: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ} أي النجاة العظيمة.
قوله: {التَّائِبُونَ} قال الحسن: تابوا من الشرك وبَرِئُوا من النفاق {العَابِدُونَ} أي عبدوا الله مخلصين. {الحَامِدُونَ} أي الحامدون الله على السراء والضرّاء. قال الحسن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قضى الله خيراً لكل مسلم؛ إن أعطاه شكر، وإن ابتلاه صبر»
{السَّائِحُونَ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن السائحين فقال: «هم الصائمون» وذكروا عن الحسن قال: السياحة كثرة الصيام. (2/170)
صفحة 751
{الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ} يقول: أهل الصلاة. {الأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} وهو كل ما يعرف العباد عدله. {وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ} وهو كل ما يعرف العباد جوره.
{وَالحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ} فيما أمروا به ونهوا عنه. {وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ} وهم أهل هذه الصفة. أي: بشِّرهم يا محمد بالجنة.
(2/ 48)
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115)
قوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ}.
ذكر بعضهم قال: كان أنزل في سورة بني إسرائيل: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإِسراء: 23 - 24]؛ ثم أنزل الله في هذه السورة: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى. . .} الآية؛ فلا ينبغي [للمسلم] إذا كان أبواه مشركين أن يستغفر لهما، ولا يقل: ربّ ارحمهما؛ وكذلك إذا كانا منافقين.
قال الحسن: {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ} أي: ما توا على الكفر والنِّفاق. وقال بعضهم: كان يقال: ليقل: اللهم اهده، ولا يقل: اللهم اغفر له.
قوله: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}.
في تفسير ابن عباس والحسن: فلما مات تبيّن له أنه عدوٌّ لله. وكان إبراهيم يرجوه ما كان حيّاً، فلما مات تبيّن له أنه عدوّ لله، لأنه مات على الكفر.
وقال الكلبي: إن النبي عليه السلام سأل: أيّ قرابته أحدث به عهداً، فقيل: أمك. فأراد أن يستغفر لها، وقال استغفر إبراهيم لأبويه، وهما مشركان. فلما همّ أن (2/171)
صفحة 752
يستغفر لأمه جاءه جبريل وقال: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}. يقول: فلما مات علم أنه لا توبة له، فتبرأ منه.
وقال بعضهم: ذكر لنا أن رجلاً قال لنبي الله عليه السلام: إن من آبائنا من كان يُحسِن الجوار، ويصل الأرحام، ويفي بالذِّمم، أفلا نستغفر لهم. قال: «بلى، فوالله إني لأستغفر لهم، يعني والديه، كما استغفر إبراهيم لوالديه» فأنزل الله هذه الآية: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ}. وقال في قوله: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ} أي: لما مات على شركه {تَبَرَّأَ مِنْهُ}.
قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} قال بعضهم: الأوّاه: الرحيم. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الأوّاه: الرحيم. وبعضهم يقول: هو الدَّعَّاء. [وقال ابن عباس: الأوَّاه: الموقن].
قوله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
بلغنا أن أناساً من أصحاب النبي عليه السلام ماتوا قبل أن تفرض الفرائض أو بعضها، فقال قوم من أصحاب النبي: مات إخواننا قبل أن تفرض هذه الفرائض، فما منزلتهم، وقد كانوا مؤمنين بما فرض عليهم يومئذٍ، فأنزل الله هذه الآية، فأخبر أنهم ماتوا على الإِيمان.
(2/ 49)
إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (116) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) (2/172)
صفحة 753
قوله: {إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ} أي: يمنعكم من عذاب الله {وَلاَ نَصِيرٍ}. قال الحسن: يقول: إن كفرتم، يعني المؤمنين.
قوله: {لَقَد تّابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسْرَةِ} يعني حين العسرة، وهي غزوة تبوك.
قال بعضهم: هم الذين اتبعوا رسول الله في غزوة تبوك في لَهَبان الحرِّ على ما يعلم الله من الجهد. أصابهم منها جهد شديد، حتى لقد بلغنا أن الرجلين كانا يشقّان التمرة بينهما. وكان النفر يتداولون التمرة بينهم، يمصّها هذا، ثم يشرب عليها الماء، ثم يمصّها الآخر.
ذكروا أن عثمان بن عفان حمل في جيش العسرة على ألف بعير إلا خمسين، فكمّلها خيلاً.
قوله: {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} قال الحسن: تزيغ عن الجهاد فينصرفون؛ فعصمهم الله من ذلك، فمضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رِّحِيمٌ}. قال بعضهم: الثلاثة الذين خلِّفوا هلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكعب بن مالك، وهو تفسير مجاهد والعامّة. قال: أما أحدهم فأوثق نفسه إلى سارية وقال: لا أطلقها [ولا أطلق نفسي]، حتى يطلقني نبي الله [فقال رسول الله: «والله لا أطلقه حتى يطلقه ربه إن شاء»]. وأما الآخر فعمد إلى حائطه الذي كان تخلف عليه وهو مونع [فجعله صدقة في سبيل الله]. وأما الآخر فركب المفاوز حتى لحق نبي الله ورجلاه تسيلان دماً.
(2/ 50)
وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) (2/173)
صفحة 754
قوله: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} أي: وتاب على الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك: كعب بن مالك، وهلال بن أمية ومرارة بن ربيعة، وهم الذين أرجئوا في الآية الأولى حيث يقول: {وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللهِ} في تفسير مجاهد. وهم عند الحسن آخرون غير المُرجَيْن.
قال: {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} أي بسعتها. {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا} أي: وعلموا {أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.
بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمر الناس ألاَّ يكلّموهم ولا يجالسوهم، ثم أرسل إلى أهلهم ألا يؤووهم ولا يكلّموهم. فلما رأوا ذلك ندموا وجاءوا فأوثقوا أنفسهم إلى سواري المسجد، حتى أنزل الله توبتهم في هذه الآية.
ذكروا عن كعب بن مالك أنه لما تِيبَ عليه جاء بماله كله إلى النبي صدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمسك عليك الشطر فهو خير لك»
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.
قال الكلبي: الذين آمنوا من أهل الكتاب، أمرهم أن يكونوا مع الصادقين، وهم المهاجرون والأنصار. وقال بعضهم: الصدق في النية، في السر والعلانية.
وقال بعضهم: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}: صدقوا بقولهم فهاجروا، فكونوا معهم، أي: فهاجروا إلى المدينة.
(2/ 51)
مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121) (2/174)
صفحة 755
قوله: {مَا كَانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللهِ} وهذا في غزوة تبوك {وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} يعني من خرج منهم {لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} أي عطش {وَلاَ نَصَبٌ} أي: في أبدانهم {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} أي: جوع تخمص له بطونهم {في سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
ذكروا أن مجاهد إذا خرج من بيته جعل ذنوبه جسراً على باب بيته، فإذا خرج قطعها، فيكون من ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ فما من خطوة يخطوها إلا كُتِب له بها سبعُمائة حسنةً، ولا بطشة يبطشها، ولا عمل يعمله إلا كتب له سبعمائة حسنة، فإن مات أو قتل كان على الأرض حراماً حتى يرى مقعده في الجنة، ويغفر له كل ذنب هو له. (2/175)
صفحة 756
ذكروا أن ابن عمر قال: صفرة في سبيل الله خير من خمسين حجة. قال: يعني بالصفرة أن يذهب زاده حتى يبقى صفراً ليس معه طعام، وإنما يتقبّل الله من المتقين.
ذكروا عن أبي المصبّح قال: غزونا مع مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم، فسبق الناسَ رجل، ثم نزل يمشي ويسوق فرسه. فقال له مالك: يا عبد الله. ألا تركب: فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من اغبرّت قدماه في سبيل الله ساعة من نهار فهما حرام على النار» وأصلح دابتي لتقيني من قومي. قال: فلم أَرَ نازلاً أكثر يومئذٍ.
ذكروا عن سعيد بن المسيب أنه قال: العمل في سبيل الله يضاعف كما تضاعف النفقة الواحدة بسبعمائة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان نار جهنم في منخري عبد مسلم أبداً»
(2/ 52)
وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)
قوله: قوله: {وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً} أي جميعاً. قال الحسن: فَيُعْروا مقامَ (2/176)
صفحة 757
رسول الله. {فَلَوْلا} أي: فهلاَّ {نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ} أي: من الكفار {إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} فيخبروهم بنصر الله النبيِّ والمؤمنين، ويخبروهم أنهم ليس لهم بقتال النبي طاقة {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} أي لا ينزل بهم ما نزل بغيرهم من القتل والسبإ والغنيمة، فيؤمنوا.
وقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع من تبوك، وقد أنزل الله في المنافقين الذين تخلّفوا عنه ما نزل، قال المؤمنون: لا والله، لا يرانا الله متخلفين عن غزوة غزاها رسول الله أبداً ولا عن سرية. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم السرايا، أن تخرج. فنفر المسلمون من آخرهم، وتركوا نبيَّ الله عليه السلام وحده، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً} أي جميعاً، فيتركوك وحدك بالمدينة. {فَلَوْلاَ}، أي: فهلا، {نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [أي ليتفقه المقيمون] {وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ}، أي من غزاتهم، {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}، أي لِيُعْلِم المقيمُ الغازيَ، إذا رجع، ما نزل بعده من القرآن.
وقال بعضهم: إن أحياء من بني أسد بن خزيمة أقحمتهم السنة إلى المدينة، فأقبلوا معهم بالذراري، فنزلوا المدينة، فغلوا أسعارها، وأفسدوا طرقها، فنزلت: {وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}.
وقال مجاهد: إن أناساً من أصحاب النبي عليه السلام كانوا خرجوا إلى البوادي، فأصابوا من الناس معروفاً، ومن الخصب ما ينتفعون به، ودعوا من لقوا من الناس إلى الهدى؛ فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتم صاحبكم وجئتمونا. فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرّجاً، وأقبلوا من البادية حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال الله: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، أي: بعض، وقعد بعض يبتغون الخير، ليتفقهوا، أي ليستمعوا ما في الناس وما أنزل بعدهم، ولينذروا قومهم، أي الناس كلهم.
(2/ 53)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (127) (2/177)
صفحة 758
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ}. قال الحسن: كان هذا قبل أن يؤمر بقتال المشركين كافة، ثم أمر بقتال المشركين كافة بعدُ.
قوله: {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} أي: شدة عليهم {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ} أي بالنصر والتأييد. أي: إنه سينصركم عليهم.
قوله: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم} يعني المنافقين؛ رجع إليهم قوله: {مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ} يعني السورة {إِيمَاناً} يقوله بعضهم لبعض.
قال الله جواباً لقولهم قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} أي تصديقاً إلى تصديقهم قوله: {وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أي بما يجيء من عند الله.
{وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} وهم المنافقون {فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ} أي كفراً إلى كفرهم {وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} يقول: أنهم يموتون على الكفر.
قوله: {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ}. قال الحسن: يعني: يبتلون بالجهاد في سبيل الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرون نصرَ اللهِ رسولَه {ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ} من نفاقهم {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ}.
وقال مجاهد: يفتنون في كل عام مرة أو مرتين بالسنين والجوع.
قوله: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} يعني المنافقين {هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ} يعني من المسلمين؛ يقوله بعضهم لبعض قوله: {ثُمَّ انْصَرَفُوا} قال (2/178)
صفحة 759
الحسن: يعني عزموا على الكفر. {صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُم} هذا دعاء واجب عليهم {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} أي لا يرجعون إلى الإيمان.
(2/ 54)
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)
قوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} يعني النبي صلى الله عليه وسلم. [قال السدي: أي: من جنسكم] {عَزِيزٌ عَلَيْهِ} أي شديد عليه {مَا عَنِتُّمْ} أي: ما ضاق بكم. وقال الحسن: ما ضاق بكم في دينكم. {حَرِيصٌ عَلَيْكُم} أي: على أن تؤمنوا. {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي: إنما يرأف بالمؤمنين الذين تجب لهم الرأفة، ولا يرأف بغيرهم ممن نزع الله الرأفة عنهم.
قوله: {فَإِن تَوَلَّوْا} أي: أعرضوا عن الله وعما بعث به رسوله {فَقُلْ}: يا محمد {حَسْبِيَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ}.
ذكروا عن ابن عباس قال: لا يعلم قدر العرش إلا الذي خلقه.
ذكروا عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: إن آخر القرآن بالسماء عهاً هاتان الآيتان: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ}.
(2/ 55)
الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (2) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4) (2/179)
صفحة 760
تفسير سورة يونس
وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. قوله: {الر}. ذكروا أن علياً قال: الر وحَمَ، ونون: الرَّحمن. وكان الكلبي يقول في هذا وأشباهه: هو من الذي قال الله فيه: {وَاُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]. وكان الحسن يقول: ما أدري ما تفسير الر وأشباه ذلك، غير أن قوماً من السلف كانوا يقولون: أسماء السور وفواتحها.
قوله: {تِلْكَ ءَايَاتُ الكِتَابِ الحَكِيمِ} أي: هذه آيات الكتاب الحكيم. أي المحكم؛ أحكمت آياته بالأمر والنهي.
قوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً} على الاستفهام {أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، أي: إنه ليس بِعَجَبٍ. وقد قال في آية أخرى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى} [يوسف: 109]؛ ولم يبعث الله رسولاً من أهل البادية، ولا من الجن، ولا من النساء.
قوله: {أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ} أي: عذاب الله في الدنيا والآخرة إن لم يؤمنوا، كما أهلك قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم حين كذبوا رسلهم.
وهذا جواب من الله لقول المشركين حيث قالوا: {وَانطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا (2/180)
صفحة 761
واصْبِرُوا عَلَى ءَالِهَتِكُمْ} أي على عبادتها {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [سورة ص: 6]. وقال في الآية الأخرى: {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [سورة ص: 5]. فقال الله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا} أي بأن أوحينا {إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ} يعرفونه ويعرفون نسبه.
قوله: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} أي سلف صدق عند ربهم أي إنهم يثابون به الجنة. كقوله: {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم: 44].
{قَالَ الكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} يعنون القرآن. وبعضهم يقرأون: {لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} يعنون النبي، وهم مشركو العرب. فأراد الله أن يحتج عليهم وأن يبيّن لهم؛ فقال تبارك وتعالى:
{إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}، وفيها إضمار؛ قال في آية أخرى: {اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} [السجدة: 4] {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} والأيام كل يوم ألف سنة. قال: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47].
قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ}.
ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه: «ما تسمون هذه أو قال: هذا؟ قالوا: السماء. قال: هذه الرقيع، موج مكفوف، وغلظها مسيرة خمسمائة سنة، وبينها وبين السماء التي فوقها مسيرة خمسمائة عام وغلظها خمسمائة سنة، وبينها وبين السماء الثالثة مثل ذلك، حتى عد سبع سماوات وأرضين هكذا. قال: وبين السماء السابعة وبين العرش كما بين سماءين. وغلظ هذه الأرض مسيرة (2/181)
صفحة 762
خمسمائة سنة، وبينها وبين الثانية مسيرة خمسمائة عام، وبينها وبين الثالثة مسيرة خمسمائة عام حتى عدَّ سبع أرضين هكذا»
(2/ 56)
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أذن لي أن أحدّث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى، وعلى قرنه العرش. وَبَيْنَ شحمة أذنه إلى عاتقه خفقان الطير مسيرة سبعمائة سنة يقول: سبحانك حيث كنت»
قوله: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ} قال الحسن: يعني في خلقه، ما يحيي ويميت، وما يرزق ويفعل. وهو كقوله: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29]. وقال مجاهد: يدبّره أي: يقضيه.
قوله: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} يقول: ليس أحد يشفع يوم القيامة إلا أن يؤذن له. كقوله: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] وكقوله: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] وقال: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18].
قوله: {ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} يوم القيامة. يقول: إن الذي خلق السماوات والأرض، ثم استوى على العرش، يدبر الأمر، والذي لا يشفع عنده إلا بإذنه، هو ربكم، أي فإن ذلكم الله ربكم فاعبدوه. أفلا تذكرون. إليه مرجعكم جميعاً، يعني البعث يوم القيامة لأنهم لا يقرون بالبعث.
قوله: {وَعْدَ اللهِ حَقّاً} [أي في المرجع إليه] {إِنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} وهو كقوله: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنشِىءُ النَّشْأَةَ الأَخِرَةَ} [العنكبوت: 20] أي: يوم القيامة. وقال مجاهد: {إِنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}: يحييه ثم يميته، ثم يبدؤه فيحييه.
قال: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالقِسْطِ} أي: بالعدل، أي: (2/182)
صفحة 763
يجريهم الجنة. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} وهو الذي قد انتهى حرّه. {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ} أي موجع {بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ}. أي: إن ذلك جزاؤهم بما كانوا يكفرون.
(2/ 57)
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6) إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9)
ثم احتجّ عليهم أيضاً فقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} يعني القمر {لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِسَابَ} بالليل والنهار.
{مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ} أي: إن ذلك يصير إلى الحق والمعاد. ثم قال: {يُفَصِّلُ الأَيَاتِ} أي: نبِيّها {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} وهم المؤمنون.
ثم قال: {إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ} من شمسها وقمرها ونجومها {وَ} ما خلق في {الأَرْضِ} من جبالها وأشجارها وثمارها وأنهارها {لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} وهم المؤمنون.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [أي لا يخافون البعث، وهم المشركون، لأنهم لا يقرون بالبعث] {وَرَضُوا بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا} أي: لا يقرون بثواب الآخرة {وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي يعملون.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}.
ذكروا عن الحسن أن نبي الله قال: إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول له: ما أنت، فوالله إني لأراك أمرأَ صِدقٍ. فيقول: أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة. وأما الكافر فإذا خرج من قبره صور له عمله في صورة (2/183)
صفحة 764
سيئة وشارة سيئة، فيقول له: ما أنت، فوالله إني لأراك أمرأ سوء، فيقول: أنا عملك، فينطلق به حتى يدخل النار.
وقال مجاهد: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ} أي يكون لهم نوراً يمشون به.
(2/ 58)
دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11)
قوله: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا} أي: قولهم فيها: أي في الجنة {سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} أي سبحانك ربنا في تفسير الحسن. وكذلك قال غيره: ذلك قولهم فيها {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} أي يحيي بعضهم بعضاً بالسلام، وتحيتهم بالملائكة عن الله عزّ وجلّ بالسلام. والسلام اسم من أسماء الله، وهي تحية أهل الإِسلام في الدنيا. وقال الحسن: السلام اسم من أسماء الله الحسنى.
قوله: {وَءَاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ} أي إن أول كلامهم التسبيح وآخره الحمد لله. قال الحسن: إن أهل الجنة يلهمون الحمد والتسبيح كما يُلهمون النفَس.
قوله: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ} أي: فلو يجعل الله للناس ذلك الشر كاستعجاله بالخير {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} [وهو ما يدعو به الإِنسان على نفسه وولده وماله، ولو استجاب الله عزّ وجلّ له لأهلكه]. وقال مجاهد: لأمات الذي يدعو عليه، مثل قول الرجل لولده وماله: اللهم لا تبارك فيه والعنه. (2/184)
صفحة 765
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنَّيَنَّ أحدُكم الموتَ، ولا يدعو به، فإن أحدكم إذا مات انقطع عنه عمله، وإن أحدكم يزداد في أجله خيراً»
وقال في آية أخرى: {خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ ءَايَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37]. أي إن آدم خلق آخر ساعات النهار من يوم الجمعة بعدما خلق الله الخلق. فلما أحيا الله الروح في عينيه ورأسه ولم يبلغ أسفله قلا: ربّ استعجل بخلقي، قد غربت الشمس؛ فهو قوله: {خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ}.
قوله: {فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} يعني أهل الشرك {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} قال الحسن: في كفرهم يتمادون. وقال غيره: في ضلالتهم يلعبون. قال: والضلالة والكفر واحد.
(2/ 59)
وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13)
قوله: {وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ} يعني المرض. والإِنسان ها هنا المشرك. {دَعَانَا لِجَنبِهِ} أي: وهو مضطجع على جنبه {أَوْ قَاعِداً} يقول: أو دعانا قاعداً {أَوْ قَائِماً} قال: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ} أي: مَرَّ معرضاً عن الله عزّ وجلّ الذي كشف عنه الضر. {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ}، أي: لنكشفه عنه.
{كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ} أي للمشركين {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
قوله: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ} يريد من أهلك من القرون السالفة {لَمَّا ظَلَمُوا} أي: لما أشركوا، وهذا ظلم شرك. {وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتِ} فكذبوا رسلهم فأهلكهم الله.
قوله: {وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} [أخبر بعلمه فيهم]. ذكروا عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس أنه كان يقرأ هذا الحرف {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ (2/185)
صفحة 766
يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95]. قال: وجب على قرية أهلكناها أنهم لم يكونوا ليؤمنوا.
قوله: {كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} وهذا جرم شرك. يقول: كذلك نجزي القوم المشركين. يعني ما عذبهم به في الدنيا فأهلكهم حين كذبوا رسلهم ولهم في الآخرة النار.
(2/ 60)
ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18)
قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد الهالكين جعلناكم خلفاء في الأرض من بعدهم. {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}.
قوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} أي الذين لا يؤمنون بالبعث {ائْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} أي أو بدل آية الرحمة بآية العذاب، أو بدل آية العذاب بآية الرحمن [وهذا قول] مشركي العرب.
قال الله لنبيه محمد عليه السلام {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي} أي من عندي {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.
{قُل} يا محمد {لَّوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ} يعني القرآن {وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ} أي: ولا أعلمكم الله به {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ} أي من قبل القرآن لا أدعى هذه النبوة. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} قال: لبثت أربعين سنة ضالاً. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: إن النبي عليه السلام بعث وهو ابن أربعين سنة.
قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} يقول: لا أحد أظلم منه. وهذا على الاستفهام. قال: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ} أي المشركون.
قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ} إن لم يعبدوه {وَلاَ يَنفَعُهُمْ} إن عبدوه، يعني الأوثان {وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ} أي: إن الأوثان تشفع (2/186)
صفحة 767
لهم زعموا عند الله ليصلح لهم معايشهم في الدنيا من غير أن يقروا بالبعث. قال الله: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ} [النحل: 38].
قوله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ} أي لا يعلم أن في السماوات ولا في الأرض إلَهاً غيره. وهو كقول مؤمن آل فرعون: {تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [غافر: 42] أي: لا أعلم أَنَّ في السماوات والأرض إلهاً غيره. {سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه عما قال المشركون. {وَتَعَالَى} من قبل العلو، أي ارتفع، مثل قوله: {الكَبِيرُ المُتَعَالِ} [الرعد: 9]. {عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
(2/ 61)
وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20)
قوله: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً}. قال بعضهم: على الإِسلام ما بين آدم إلى نوح. وكان بينهم عشرة آباء.
وقال مجاهد: كان الناس أمة واحدة، وآدم وحده. وقال غيره: كان الناس أمة واحدة: آدم وحواء.
{فَاخْتَلَفُوا} أي: حين قتل ابن آدم أخاه.
وقال الحسن: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} أهل ضلالات، إلا الخاصة من الناس. وذلك من وفاة آدم إلى مبعث نوح، فإن الأرض لم تخل من أن تكون فيها حجة. {فَاخْتَلَفُوا} أي حتى أتتهم الأنبياء، فآمن بعضهم وكفر بعضهم.
وقال مجاهد: فاختلفوا حِيْن قتل ابن آدم أخاه.
قوله: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}، تفسير الحسن أنه يعني المؤمنين والكافرين. لولا أن الله قضى ألا يحاسب بحساب الآخرة في الدنيا لحاسبهم في الدنيا بحساب الآخرة، فأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.
قوله: {وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ} أي هلا أنزل عليه {ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ} يعنون الآيات التي كانت الأمم تسألها أنبياءها. فقال: {فَقُلْ إِنَّمَا الغَيْبُ لِلَّهِ} وهو كقوله (2/187)
صفحة 768
{إِنَّمَا الأَيَاتُ عِندَ اللهِ} [الأنعام: 109] أي: إذا شاء أنزلها. {فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ المُنتَظِرِينَ} أي فستعلمون بمن ينزل عليه العذاب.
(2/ 62)
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)
قوله: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً} والرحمة في هذا الموضع العافية. {مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ} أي من بعد مرض أو شدة أصابتهم، يعني المشركين. {إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي ءَايَاتِنَا} قال الحسن: يعني جحوداً وتكذيباً بآياتنا. وقال مجاهد: {مَّكْرٌ فِي ءَايَاتِنَا} أي: استهزاء وتكذيب.
{قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً} أي: أسرع عذاباً. قال الحسن: إن الله إذا أراد أن يهلك قوماً كان عذابه إياهم أسرع من لمح البصر.
قوله: {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} وهي تقرأ بالتاء والياء. فمن قرأها بالتاء فيقول للمشركين: {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ}. ومن قرأها بالياء فهو يقول للنبي عليه السلام: {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ}، يعني المشركين، ويعني الحفظة الذين يكتبون أعمال العباد. يعني ما يمكرون من كفرهم وتكذيبهم. وفي الآية تقديم: إذا لهم مكر في ءاياتنا قل إن رسلنا يكتبون ما تمكرون قل الله أسرع مكراً.
قوله: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الفُلْكِ} أي: في السفن. [يقول هذا للمشركين، ثم قال للنبي عليه السلام] {وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} للمسير {وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} أي شديده {وَجَاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} أي: أنهم مغرقون {دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ} أي من هذه الشّدّة {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}. أي: من المؤمنين.
(2/ 63)
فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23) إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) (2/188)
صفحة 769
{فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ} أي يكفرون في الأرض ويفسدون فيها، ويعبدون غير الله، وذلك بغي في الأرض.
ثم قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم} يعني بالناس في هذا الموضع المشركين. {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم} يعني أنه يصير عليكم ثوابه، أي النار ثواب البغي والكفر. {مَّتَاعَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا}. يقول: وإنما بغيكم وكفركم في الدنيا، ثم ينقطع فترجعون إلى الله. وهو قوله: {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
ثم ضرب مثل متاع الحياة الدنيا فقال: {إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ}. قال بعضهم: فأخرجت الأرض ألوانها من النبات. وقال بعضهم: فاختلط ذلك الماء بالنبات الذي أنبت الله بذلك الماء. {مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا} أي زينتها، أي من نباتها من صفرة وحمرة وخضرة. {وَازَّيَّنَتْ} يعني الزينة من زهرتها {وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} أي: أن ذلك الزرع في أيديهم {أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً} أي: قد حصد وذهب أجمع. {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} أي: كأن لم يكن ذلك الزرع بالأمس قائماً.
قال: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ} أي نبيّن الآيات {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. يقول: فالذي أنبث هذه الزرع في الأرض المواتِ حتى صار زرعاً حسناً، فاهتز فأخرج زينته، ثم أهلكه بعد حسنه وبهجته، قادر على أن يحيي الموتى. وهو كقوله: {كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} [الكهف: 45] قال: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي: إنما يقبل ذلك ويعقله المتفكرون، وهم المومنون. وهو كقوله: {وَمَا يَعْقِلُهَا إلاَّ العَالِمُونَ} [العنكبوت: 43].
(2/ 64)
وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27) (2/189)
صفحة 770
الكتاب: تفسير كتاب الله العزيز
المؤلف: الشيخ هود بن محكم الهواري (القرن الثالث الهجري)
حققه وعلق عليه: بالحاج بن سعيد شريفي
الناشر: دار الغرب الإسلامي
مكان النشر: بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى
تاريخ النشر: 1990م
عدد الأجزاء: أربعة
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
[مقدمة المحقق لم ترقن]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) قوله: {وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ} والسلام هو الله، وداره الجنة.
ذكروا أن أبا الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما طلعت شمس إلا بُعِثَ بجنبتيها ملكان ينادينان، يسمعان من على الأرض. إلا الثقلين الجن والإِنس: أيها الناس، هلموا إلى ربكم، فإنه ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. ولا غابت إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان، يسمعان من على الأرض إلا الثقلين: اللهم أعطِ كل منفق خلفاً، وكل ممسك تلفاً» وزاد بعضهم: {وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ}.
قوله: {وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: إلى الجنة.
قوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى} أي الجنة. {وَزِيَادَةٌ} يعني الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.
قوله: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ} أي: ولا يغشى وجوههم {قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ} القتر: السواد، والذلة: الذل. {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ} أي: أهل الجنة. {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي لا يخرجون منها ولا يموتون.
قوله: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ} أي والذين عملوا السيئات. والسيئات ها هنا الشرك. {جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} أي: جزاء الشرك النار. وهو مثل قوله: {وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ} أي الشرك: {فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} [الأنعام: 160] أي: النار.
قوله: {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي: وتغشاهم ذلة، أي: إنهم أذلاء. {مَّا لَهُم مِّنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ} أي: يعصمهم من عذاب الله. {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الَّيْلِ مُظْلِماً}. قال الحسن: لم يخلق الله شيئاً أشد سواداً من الليل. قال: {كَأَنَّمَا (2/190)
صفحة 771
أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الَّيْلِ مُظْلِماً} قطعة، ثم قطعة، ثم قطعة، الله أعلم كم ذلك بعضها فوق بعض، وهو أشد لسواد وجوههم. {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} أي: أهل النار {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي لا يخرجون منها ولا يموتون.
(2/ 65)
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29)
قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} أي نحشر المشركين من قبورهم وما كانوا يعبدون من دون الله جميعاً. {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ} يعني الأوثان التي عبدها المشركون في الدنيا. قال الحسن: إن الله يحشر الأوثان المعبودة في الدنيا بأعيانها، فتخاصم عُبَّادها الذين عبدوها في الدنيا.
قال: {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} أي بالمسألة؛ فسألنا المشركين على حدة، والأوثان على حدة. {وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم} يعني الأوثان تقول للمشركين {مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ}. أي ما كانت عبادتكم إيانا دعاء منا لكم، وإنما كان دعاكم إلى عبادتنا الشيطانُ. وهو كقوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} يعني الصابين ومن عبد الملائكة {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ} يعني الملائكة {فَيَقُولُ} للملائكة {ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} على الاستفهام، وهو أعلم بذلك، تعالى وتقدّس. {قَالُوا} أي الملائكة {سُبْحَانَكَ} ينزهون الله عن ذلك {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [الفرقان: 17 - 18] أي: ما كان ينبغي لنا أن نتولاهم على عبادتهم إيانا دونك، ولم نفعل ذلك. وبعضهم يقرأها: {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ}. يقول: ما كان ينبغي لنا أن يتخذونا أولياء من دونك يعبدوننا.
قوله: {فَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا} [أي لقد كنا] {عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} أي إنا لم نأمركم بذلك.
(2/ 66)
هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) (2/191)
صفحة 772
قوله: {هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ}. ذكروا أن مجاهداً قال: هنالك تختَبِر كل نفس ما أسلفت، أي تختَبِر ثواب ما أسلفت في الدنيا.
وقال بعضهم عن مجاهد: تخبُر. وهي تقرأ على وجه آخر: {هُنَالِكَ تَبْلُوا} أي تتبع كل نفس ما أسلفت.
ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: تحشر الأمم بأوثانها وما كانت تعبد من دون الله.
قوله: {وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الحَقِّ} والحق اسم من أسماء الله. وهو كقوله {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ}. وكقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ البَاطِلُ} [لقمان: 30].
قوله: {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} عن عبادتهم الأوثان.
ثم قال للنبي عليه السلام: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} وهو على الاستفهام {أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ} أي: أن يذهبهما أو يبقيهما. {وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ} يعني النطفة والحبة. أي: يخرج من النطفة الميتة الخلق الحي، ويخرج من الخلق الحي النطفة الميتة، ويخرج من الحبة اليابسة النبات الحي، ويخرج من النبات الحي الحبة اليابسة. وهذا تفسير مجاهد.
وقال الحسن: يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن.
{وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ} أي فيما يحيي ويميت، ويقبض ويبسط، وينزل الغيث، ويدبّر الأمر في السماوات والأرض. {فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي: الله. وأنتم تقرون بالله عزّ وجلّ أنه هو الذي يفعل هذه الأشياء ثم لا تتقونه، وتعبدون هذه الأوثان من دون الله.
{فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ} أي الذي تقرون أنه خلقكم؛ والأوثان هي الباطل، أي: الأموات، لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون.
{فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ} والحق هو الله. يقول: فماذا بعد الحق {إِلاَّ الضَّلاَلُ} (2/192)
صفحة 773
أي: إلا هذه الأوثان. وقال بعضهم: الباطل: إبليس. قوله في سبأ: {قُلْ جَاءَ الحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ البَاطِلُ} يعني إبليس، يقول: وما يبدىء إبليس خلقاً {وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49] أي: وما يعيده كما لم يبدئه، فكذلك لا يعيده، والله هو المبدىء وهو المعيد.
قوله: {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} أي: فكيف تصرف عقولكم فتعبدون غيره، وأنتم مقِرّون أنه خالق هذه الأشياء.
(2/ 67)
كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35)
قوله: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} يعني الذين يلقون الله بشركهم. وهذا فسق شرك، وهو فسق فوق فسق، وفسق دون فسق.
قوله: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} وهذا على الاستفهام. يعني هل من هذه الأوثان من يخلق ثم يميت ثم يحيي؟ أي إنها لا تقدر على ذلك؛ إنما هي أموات غير أحياء. ثم قال:
{قُلِ} يا محمد {اللهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي الله يبدأ الخلق في الدنيا، ثم يعيده يوم القيامة. {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} أي: عنه. كقوله: {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 9] أي: يصرف عنه من صُرف، ويُصَد عنه من صُدَّ، وهو واحد.
قوله: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الحَقِّ} أي: إلى الدين والهدى، أي: أنها لا تفعل ولا تعقل. {قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى} على الاستفهام. أي: فالذي يهدي للحق أَحَقُّ أن يُتَّبع، وهو الله الذي يهدي إلى الحق.
وفي تفسير مجاهد: {لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى} أي الأوثان؛ الله يهدي منها ومن غيرها ما يشاء.
قال: {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} أي: إنكم تقرون بأن الله هو الخالق وأنه الرازق، ثم تعبدون الأوثان من دونه.
(2/ 68)
وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36) وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) (2/193)
صفحة 774
قوله: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً} أي يعبدون الأوثان يتقربون بها إلى الله - زعموا لِيُصلح لهم معايشهم في الدنيا، وما يعملون ذلك إلا بالظن. {إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}.
قوله: {وَمَا كَانَ هَذَا القُرْءَانُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللهِ} يقول: لم يكن أحد يستطيع أن يفتريه فيأتي به من قِبَل نفسه {وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: من التوراة والإِنجيل {وَتَفْصِيلَ الكِتَابِ} أي من الحلال والحرام والأحكام والوعد والوعيد. {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي: لا شك فيه {مِن رَّبِّ العَالَمِينَ}.
قوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} أي: إن محمداً افتعل هذا القرآن؛ على الاستفهام. أي: نعم، قد قالوا افتراه، أي: افتعله.
قال الله: {قُلْ} يا محمد {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} أي مثل هذا القرآن {وَادْعُوا مِنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ} حتى يشهدوا أنه مثل هذا القرآن {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. يقول: إن كنتم صادقين فأتوا بسورة مثله؛ أي: إنكم لستم بصادقين ولا تأتون بسورة مثله. ثم قال:
{بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} أي: لم يكن لهم علم بما كذبوا أن الله لا يحيي الموتى، ولا يجزي الناس بأعمالهم بعد الموت. {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} [أي: ولم يأتهم تأويله]، أي: الجزاء به، أي: ثوابه. يقول: ولو قد أتاهم تأويله لآمنوا به حيث لا ينفعهم الإِيمان.
{كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني قوم نوح وعادا وثمود ومن بعدهم. {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} أي: المشركين. ذكر بعضهم قال: كان عاقبتهم أن دمّر الله عليهم، أي: أهلكهم بتكذيبهم رسلهم ثم صيّرهم إلى النار.
(2/ 69)
وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (43) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45) (2/194)
صفحة 775
قوله: {وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ} أي: ومن المشركين من يؤمن بالقرآن، ومنهم من لا يؤمن به {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ} أي: المشركين.
قوله: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} أي: ليس عليكم من عملي شيء، وليس عليّ من عملكم شيء. {أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُوْنَ}.
قوله: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} وإنما صارت يستمعون لأنهم جماعة. {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ} أي: عن الهدى {وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ} أي: لا تسمعهم أنت، وهذا سمع قبول. كقوله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56].
قوله: {وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ} وهذا على الواحد، لا على الجماعة. [أي: ومنهم من يقبل عليك بالنظر] {أَفَأَنتَ تَهْدِي العُمْىَ} [يعني عمى القلب] {وَلَوْ كَانُوا لاَ يُبْصِرُونَ} هي مثل الأولى. واستماعهم ونظرهم كقوله: {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [الأعراف: 198] أي: الهدى. وكقوله: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً} [البقرة: 171] أي: مثل الغنم إذا صاح بها الراعي فسمعت فرفعت رءوسها، ثم وضعت رؤوسها لا تدري لم صاح بها. فكذلك هم لا يسمعون بقلوبهم إلا ما سمعت آذانهم: أي: لا يقبلونه.
قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. أي: يضرّون. وقال الحسن: ينقصون، أي: بمعصيتهم.
قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأن لَّمْ يَلْبَثُوا} أي: في الدنيا {إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ} أي: في طول ما هم لابثون في النار.
قوله: {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة مواطن لا يعرف (2/195)
صفحة 776
فيهن أحد أحداً: عند الميزان، حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند تطاير الكتب، حتى يعلم أبيمينه يأخذ كتابه أم بشماله، وعند الصراط، حتى يعلم أيجوز الصراط أم لا يجوز» وقال في آية أخرى: {وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} [المعارج: 10]. وهي مواطن؛ فمنها ما يتعارفون فيها، ومنها ما لا يتعارفون فيها. وهذا قول الحسن.
قوله: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ} أي: الذين كذبوا بالبعث، خسروا أنفسهم أن يغنموها فصاروا في النار. {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} أي: لو كانوا مهتدين ما خسروا أنفسهم.
(2/ 70)
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (47) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48)
قوله: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ} من العذاب، أي: عذاب الدنيا {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} فيكون بعد وفاتك {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} أي: من أعمالهم.
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالقِسْطِ} أي: بالعدل {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} في تفسير الحسن: إذا بعث رسولهم فكذبوه، فدعا عليهم، فاستجيب له أهلكهم الله. وإنما يدعو عليهم إذا أُمِر بالدعاء.
ذكروا أن مجاهداً قال: فإذا جاء رسولهم يوم القيامة؛ وهو كقوله: {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ} [الزمر: 69].
قوله: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} يقوله المشركون لما كان يعدهم به النبي عليه السلام من عذاب الله إن لم يؤمنوا؛ فكانوا يستعجلونه بالعذاب استهزاءً وتكذيباً. أي: إنه لا يأتيهم العذاب، ويقولون: متى هذا الوعد، و {ائْتِنَا (2/196)
صفحة 777
بعَذَابِ اللهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [العنكبوت: 29].
قال الله لمحمد عليه السلام: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} أي: النبوة {وَكَذَّبْتُم بِهِ} أي: بالقرآن {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} أي: من عذاب الله {إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} أي: إنِ القَضَاءُ {إِلاَّ لِلَّهِ} أي: إنما ذلك إلى الله {يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57] أي القاضين.
(2/ 71)
قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51)
قوله: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} يخبرهم أن الذي يستعجلون به من العذاب ليس في يده. {إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَئْخِرُونَ سَاعَةً} عن عذاب الله إذا نزل بهم {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} العذاب، أي: فيعذبون قبل أن يأتيها رسولها بكتابها من عند الله بعذابها. وهو كقوله: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} [الحجر: 4] أي: يأتيها به رسولها، ووقت ذلك الكتاب أن يكذبوا رسولهم فيدعو عليهم بأمر الله فيهلكهم الله.
قوله: {قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً} أي: ليلاً {أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المُجْرِمُونَ} أي: المشركون.
{أَثُمَّ إذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِ} وهو على الاستفهام. يقول: ماذا يستعجلون به من عذاب الله، فإنه سينزل بهم فيؤمنون به، إذا نزل بهم العذاب فلا ينفعهم الإِيمان ولا يقبل منهم عند نزول العذاب ويصيرون إلى النار، ويقال لهم: إذا آمنوا عند نزول العذاب: {آلآنَ} أي: الآن تؤمنون به {وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} يعني بالعذاب. يقول: قد نزل بكم ما كنتم تستعجلون به من عذاب الله فآمنتم حين لا ينفعكم الإِيمان. وقد قال لفرعون: {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المُفْسِدِينَ} [يونس: 91] أي: لا ينفعك الإِيمان عند نزول العذاب.
وكقوله: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} أي: عذابنا إذا نزل بهم {قَالُوا ءَامَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ (2/197)
صفحة 778
وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} أي: عذابنا {سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} أي: إن القوم إذا كذّبوا رسولهم أهلكهم الله، وإن هم، إذا جاءهم العذاب، آمنوا لم يُقبَل منهم.
(2/ 72)
ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (55) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57)
قال: {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: أَشركوا {ذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ} أي: النار. وعذابها خالد دائم لا انقطاع له، أي: ذوقوه بعد عذاب الدنيا. {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ}. أي: تجزون النار بشرككم.
قوله: {وَيَسْتَنبِئُونَكَ} أي: [يستخبرونك] ويسألونك {أَحَقٌّ هُوَ} أي: القرآن {قُلْ إِي وَرَبِّيَ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} أي: ما أنتم بالذين تعجزوننا فتسبقوننا فلا نقدر عليكم.
قوله: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} أي: أشركت فظلمت بذلك نفسها {مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ} أي: لو أن لها ما في الأرض من ذهب أو فضة لافتدت به يوم القيامة من عذاب الله {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا العَذَابَ} أي: أسروا الندامة في أنفسهم لما دخلوا العذاب {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ} أي: بالعدل {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.
قوله: {أَلاَ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ} أي: إن الذي وعدكم في الدنيا حق، إنه سيجزيكم به في الآخرة على ما قال في الدنيا من الوعد والوعيد؛ أي من الوعد بالجنة والوعيد بالنار. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم المشركون وهم أكثر الناس.
قوله: {هُوَ يُحْيِي} أي: يخلق {وَيُمِيتُ} أي: ويميت من خلق {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: بالبعث.
قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} يعني القرآن {وَشِفَاءٌ لِّمَا (2/198)
صفحة 779
فِي الصُّدُورِ} أي: يُذهب ما فيها من الكفر والنفاق. {وَهُدىً} أي: يهتدون به إلى الجنة {وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} وأما الكافرون فإنه عليهم عذاب.
(2/ 73)
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60) وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)
{قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ} ذكر بعضهم قال: فضل الله الإِسلام، ورحمته القرآن.
قوله: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} إن كانوا فرحين. قال الحسن: فبذلك فليفرحوا. {هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} أي: في الدنيا. وبعضهم يقرأها: {فَلْيَفْرَحُوا} يعني المؤمنين. {هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} أي: مما يجمع الكفار.
قوله: {قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً} يعني مشركي العرب. وإنما أرزاق العباد من المطر؛ به ينبت زرعهم، وتعيش ماشيتهم {فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً} أي: ما حرموا من الأنعام من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وما حرَّموا من زروعهم؛ وهو قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا: هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا} [الأنعام: 136] أي: لأوثاننا التي كانوا يعبدونها من دون الله.
قال: الله لمحمد عليه السلام: {قُلْ ءَآللهُ أَذِنَ لَكُمْ} يعني أمركم بما صنعتم من ذلك {أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ} وهو على الاستفهام، أي: إنه لم يفعل ذلك.
ثم أوعدهم على ذلك فقال: {وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيَامَةِ} وهو على الاستفهام، يقول: ظنهم أن الله سيعذبهم، وظنهم ذلك في الآخرة يقين منهم. وقد كانوا في الدنيا لا يقرون بالبعث، فلما صاروا إلى الله علموا أن الله سيعذبهم.
ثم قال: {إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} أي: بما أنعم عليهم وبما أرسل إليهم الرسل {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} أي: لا يؤمنون.
قوله: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} يعني النبي عليه السلام، أي: في شأن من حوائجك في الدنيا {وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ} يعني النبي عليه السلام {وَلاَ (2/199)
صفحة 780
تَعْمَلُونَ} يعني العامة {مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً} أي: بذلك {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} أي: في ذلك العمل أجمع {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ} أي: وما يضل عن ربك، وبعضهم يقول: وما يغيب عن ربك {مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ} أي: وزن ذرة. {فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ} أي: حتى لا يعلمه ولا يعلم موضعه {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} أي: بيّن عند الله. يحذر الله العباد ويخبرهم أنه شاهد لأعمالهم.
(2/ 74)
أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)
قوله: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي: في الآخرة. {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا}.
ذكروا عن عمرو بن دينار قال: قدم علينا فقيه من أهل مصر فسألته عن هذه الآية فقال: سألت عنها أبا الدرداء فقال: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هي الرؤيا الحسنة يراها المؤمن أو تُرى له».
قال: {وَفِي الأَخِرَةِ} يعني الجنة.
وتفسير الحسن: يبشّرهم الله في القرآن بالجنة، كقوله: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [البقرة: 25]. وقال: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2] وقال: {وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً} [الأحزاب: 47] أي الجنة، قال: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ} أي الجنة، على الكلام الأول، على قوله: {لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الأَخِرَةِ}. (2/200)
صفحة 781
وقال بعضهم: فازوا من الجنة إلى النار. وقال الحسن: الفوز العظيم: النجاة العظيمة من النار. قال الله: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185].
(2/ 75)
وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69)
قوله: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} يقوله للنبي عليه السلام، لقول المشركين له: إنك مجنون وإنك شاعر، وإنك ساحر، وإنك كاذب. {إِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} أي: فسينصرك عليهم ويذلهم لك. {هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي: لا أسمع منه ولا أعلم منه.
قوله: {أَلاَ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ} أي: جميع من في السماوات ومن في الأرض وأصنامهم التي يعبدونها من دون الله وأنفسهم [يفعل فيهم وبهم ما يشاء] قوله: {وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ} يقول: إن الذين يعبدون من دون الله ليسوا بشركاء الله. {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} يقول: ما يعبدون أوثانهم ويقولون إنها تقربهم إلى الله زلفَى، وما يقولون ذلك بعلم، إن هو منهم إلا ظن. {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي: إلا يكذبون.
قوله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} يعني لتستقروا فيه من النصب {وَالنَّهَارَ مُبْصِراً} أي: منيراً لتبتغوا فيه معايشكم {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} وهم المؤمنون سمعوا عن الله ما أنزل إليهم فقبلوه.
قوله: {قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً} يعني مشركي العرب. وذلك أنهم قالوا: إن الملائكة بنات الله {سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه عن ذلك {هُوَ الغَنِيُّ} أي: عن الولد {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ}. ثم قال: {إِنَّ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا} أي: ما عندكم من حجة بهذا الذي قلتم {أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي: نعم قد قلتم على الله ما لا تعلمون.
قوله: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} ثم انقطع الكلام.
(2/ 76)
مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) (2/201)
صفحة 782
{مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا} يقول: وإنما الدنيا وما هم فيه متاع قليل ينقطع، متاع يستمتعون به ثم يذهب إذا فارقوا الدنيا {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذَابَ الشَّدِيدَ} أي: عذاب جهنم {بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ}.
قوله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} أي: خبر نوح {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم} أي: عظم عليكم {مَّقَامِي} أي: بالدعاء إلى الله عزّ وجلّ {وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} [أي: وأجمعوا شركاءكم].
وقال بعضهم: وليجمع أوثانكم أيضاً أمرهم. قال الحسن ومجاهد: ما في أنفسكم وكيدكم. والعامة على الوجه الأول: فأجمعوا أمركم وشركاءَكم، أي: واجمعوا شركاءَكم.
{ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} أي: في ستر وشبهة، أي: ليكن ذلك علانية.
قال: {ثُمَّ اقْضُوا، إِلَيَّ} أي: اجهدوا عليَّ جهدَكم {وَلاَ تُنظِرُونِ}، أي: طرفة عين. أي: إنكم لا تقدرون على ذلك. وذلك حين قالوا: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ} [الشعراء: 116]. وهو كقوله: {فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} [القمر: 9] أي: ويهدد بالقتل.
{فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي: بكفركم {فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ}. أي: إِنْ ثَوابي إلاَّ عَلَى الله {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ} يقول: فما سألتكم على ما أدعوكم إليه من هذا الدين أجراً فيحملكم ذلك على ترك ما أدعوكم (2/202)
صفحة 783
إليه. وقد قال الله لمحمد عليه السلام: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} [القلم: 46] أي: فقد أثقلهم الغرمُ، فإنما يحملهم على ترك الهدى الأجرُ الذي تسألهم. أي: إنك لا تسألهم ذلك.
(2/ 77)
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78)
قوله: {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الفُلْكِ} أي: في السفينة: وكان مع نوح في السفينة أمرأته وثلاثة بنين له: سام وحام ويافث ونساؤهم، فجميعهم ثمانية. {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ} أي: بعد الهالكين يخلفون في الأرض بعدهم. {وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُنذَرِينَ} أي: الذين أنذرهم نوح كان عاقبتهم أن عذبهم الله ثم صَيَّرَهم إلى النار.
قال: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ} أي: من بعد نوح {رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالبَيِّنَاتِ} أي: من عند الله {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ} أي: من قبل أن يأتيهم العذاب. {كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ} أي: المشركين بشركهم.
قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ} يعني: قومه {بِآيَاتِنَا} أي: التسع الآيات: يده وعصاه والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف: 130]. قال: {فَاسْتَكْبَرُوا} أي: عن إجابة الرسل {وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ} أي: مشركين.
قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ مِنْ عِندِنَا} [يعني اليد والعصا] {قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ}.
{قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا} قال الله: {وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ}.
قوله: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا} أي: لتأفكنا، أي: لتصدنا ولتحولنا {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا} أي: إنا وجدناهم عبدة أوثان، فنحن على دينهم، وأنت تريد أن تحوّلنا (2/203)
صفحة 784
عن ذلك {وَتَكُونَ لَكُمَا الكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ} أي: وتريد أن يكون لك ولهارون الملك والطاعة {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} أي: بمصدّقين.
(2/ 78)
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83)
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} أي: عليم بالسحر.
{فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ} أي: للميعاد الذي اتعدوا له هم وموسى {قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ} وذلك أنهم قالوا لموسى {إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ المُلْقِين} [الأعراف: 115] قال لهم موسى: {أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ} {فَلَمَّا أَلْقَوْا} يعني حيَّاتِهم وعصيَّهم {قَالَ} لهم {مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ} ليس بشيء {إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ} أي: حتى لا يكون شيئاً {إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ} أي: السحرة والمشركين.
{وَيُحِقُّ اللهُ الحَقَّ} أي: الذي جاء به موسى {بِكَلِمَاتِهِ} أي: بوعده الذي وعد موسى بقوله: {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى} [طه: 68] أي: إنك أنت الظاهر الظافر. {وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ} أي: المشركون. أي: إن فرعون وقومه كانوا يكرهون الحق، وأن يظهر عليهم موسى وهارون فيظهر دينهما، ويغرق آل فرعون وهم ينظرون.
قوله: {فَمَا ءَامَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} ذكروا عن ابن عباس قال: الذرية: القليل. ذكروا أن مُجاهداً قال: أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الدهر ومات أباؤهم.
قوله: {عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ} أي: أن يقتلهم فرعون، وكانوا سبعين أهل بيت من قوم فرعون وإخوانهم بنو إسرائيل. (2/204)
صفحة 785
قوله: {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ} أي: لباغٍ في الأرض، يبغي عليهم ويتعدى. {وَإِنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ} أي: لمن المشركين.
(2/ 79)
وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)
قوله: {وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللهِ} وقد علم أنهم قد آمنوا وصدقوا، ولكنه كلام من كلام العرب. تقول: إن كنت كذا فاصنع كذا، وهو يعلم أنه كذلك، ولكنه يريد أن يعمل بما قال له.
قال: {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} أي: إن كنتم مؤمنين فامضوا على ما يأمركم به الله.
{فَقَالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.
ذكروا أن مجاهداً قال: قالوا: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول فرعون وقومه: لو كان هؤلاء على حق ما عذِّبوا وما سُلِّطنا عليهم [فيفتتنوا بنا] {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكَافِرِينَ} أي: من فرعون وقومه.
قوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً}.
قال مجاهد: حين خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلوا في مساجد ظاهرة أمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سراً. وقال الحسن: كانت قبلة النبيين كلهم الكعبة؛ قال بعضهم إلا ما صلى النبي عليه السلام إلى بيت المقدس، ثم صرف إلى الكعبة.
وقال الحسن: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} أي: حين دخل موسى وبنو إسرائيل مصر بعد ما أهلك الله فرعون وقومه، أمروا أن يبنوا بمصر بيوتاً، أي: مساجد مستقبلة (2/205)
صفحة 786
القبلة. كقوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36] يعني المساجد.
قال: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ} أي: بالجنة.
(2/ 80)
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)
قوله: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً} أي: زينة الدنيا {وَأَمْوَالاً فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} وهذا دعاء، أي: يا ربَّنَا فأضلهم عن سبيلك، وهذا حين جاء وقت عذابهم وأمرهم بالدعاء عليهم. {رَبَّنَا} أي: يا ربنا {اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} فمسخت دنانيرهم ودارهمهم وزروعهم حجارة. ذكر لنا أن زروعهم تحولت حجارة. {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} أي: بالضلالة التي كانت منهم {فَلاَ يُؤْمِنُوا} أي: فَحِيل بينهم وبين أن يؤمنوا بفعلهم في تفسير الحسن. وقد فعل. {حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ} أي: الموجع.
و {قَالَ} مجيباً لهما: {قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا} على أمري وديني {وَلاَ تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ} أي: طريق {الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني المشركين.
قوله: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ البَحْرَ} وهذا حين خرجوا من مصر. قال الله لموسى: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} [الدخان: 23] {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً} والعدو هو العدوان. وهي تقرأ على وجه آخر: وعُدُوا، من التعدّي.
وكان جبريل يومئذٍ على فرس قائداً لموسى وأصحابه. وأوحى الله لموسى أن يضرب بعصاه البحر ففعل. {فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ} [الشعراء: 63] وصار لهم اثني عشر طريقاً، لكل سبط طريق. واجتمع الماء وصار كالجبلين على تلك الطرق. وكان بنو إسرائيل يومئذٍ ستمائة ألف مقاتل سوى الحشم. وكان مقدمة (2/206)
صفحة 787
فرعون على ألف ألف حصان ومائتي ألف حصان. وكان جميع جنوده أربعين ألف ألف. حتى إذا خرج آخر أصحاب موسى ودخل فرعون وأصحابه أوحى الله عزّ وجلّ إلى البحر أن يلتئم عليهم ففعل.
قال الله عزّ وجلّ: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ}.
(2/ 81)
آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93)
يقول الله عزّ وجلّ: {الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المُفْسِدِينَ}. أي إنه آمن في حين لا يقبل الله منه الإِيمان. وقد مضت سنة الله في الذين خلوا من قبل أن لا يقبل الله الإِيمان عند نزول العذاب.
قال: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} أي: بجسدك. مَجَّه البحر، أي: قذفه البحر عرياناً على شاطىء البحر. قال: {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً} أي: لمن بعدك آية فيعلمون أنك عبد ذليل قد أهلكك الله وغرقك. فرآه العالمون.
قوله: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَاتِنَا لَغَافِلُونَ} يعني المشركين، أي لا يتفكرون فيها ولا ينظرون.
قوله: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} أي: أنزلنا بني إسرائيل منزل صدق، أي: مصر، في تفسير الحسن، بعدما أهلك الله فرعون وقومه.
{وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} قال تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الدخان: 25، 26] أي: ومنزل حسن في الدنيا {وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 27] أي مسرورين. وقال بعضهم: مُعْجَبِين وهو واحد. قال: {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 59] أي هكذا أورثناها بني إسرائيل. (2/207)
صفحة 788
قوله: {فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ العِلْمُ} مثل قوله: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105]. وكقوله: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53] وهم من أهل الكتاب.
{إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}.
قوله: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} [يعني من آمن منهم]. ذكروا لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا أشك ولا أسأل»
(2/ 82)
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97) فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98)
قال الحسن: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ} يقول: لو سألت الذين يقرأون الكتاب من قبلك لأخبروك، وليس يقول: سَلْهم لتعلم ذلك منهم.
قال: {لَقَدْ جَاءَكَ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ} أي: من الشاكّين.
{وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذِّبُوا بِآيَاتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الخَاسِرِينَ}.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} وهم الذين يلقون الله عزّ وجلّ بكفرهم. {وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ} أي: الموجع. أي: إن الآية إذا جاءتهم فلم يؤمنوا جاءهم العذاب، فإذا رأوا العذاب آمنوا فلا يُقبل منهم.
قوله: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} يقول: لو آمنت قبل نزول العذاب عليها لنفعها إيمانها. فلم يفعل ذلك أهل قرية فيما خلا {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا (2/208)
صفحة 789
ءَامَنُوا} أي: قبل أن ينزل عليهم العذاب {كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ} أي عذاب الهون {فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: عن الذين لو كانوا لم يؤمنوا قبل أن ينزل بهم العذاب نزل بهم الخزي. ولو كان نزل بهم ثم آمنوا لم يقبل منهم الإِيمان. قال الله: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ} [غافر: 85].
قال بعضهم: يقول: لم يكن هذا في الأمم قبلكم، لم يكن ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين عاينت عذاب الله إلا قوم يونس.
وقال: ذكر لنا أن قوم يونس كانوا من أرض الموصل. فلما فقدوا نبيَّهم قذف الله في قلوبهم التوبة، فلبسوا المسوح، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، فَحَجُّوا إلى الله أربعين ليلة. فلما عرف الله الصدق من قلوبهم، والتوبة والندامة على ما مضى منهم، كشف عنهم العذاب بعدما نزل بهم.
وقال بعضهم: كان بينهم وبين العذاب أربعة أميال.
وذكروا أن مجاهداً قال: {فَنَفَعَهَا} أي: كما نفع قومَ يونس إيمانُهم، فلم يكن ذلك. قوله: {كَشَفْنَا عَنْهُمْ}، أي: صرفنا عنهم.
قوله: {وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} يعني إلى الموت بغير عذاب.
(2/ 83)
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101)
قوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} على الاستفهام؛ أي: لا تستطيع أن تجبر الناس على الإِيمان، إنما يؤمن من أراد الله أن يؤمن.
قوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} أي رجاسة الكفر بكفرهم.
قوله: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ} أي: من شمسها وقمرها ونجومها وما فيها من العجائب {وَالأَرْضِ} أي: من بحارها وشجرها وجبالها، أي: ففي هذه آيات وحجج عظام. (2/209)
صفحة 790
ثم قال: {وَمَا تُغْنِي الأَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} أي: ما تغني عنهم الآيات إذا لم يقبلوها ولم يتفكروا فيها.
قوله: {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ} أي: وقائع الله في الأمم السالفة، أي: ما أهلكهم به حين كذبوا رسلهم. قال: {قُلْ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ المُنتَظِرِينَ} أي: فسينزل بكم ما نزل بهم، يعني الذين تقوم عليهم الساعة، الدائنين بدين أبي جهل وأصحابه. إن الله أخَّر عذاب كفار هذه الآمة إلى النفخة الأولى، بها يكون هلاكهم، ولم يهلكهم حين كذبوا النبي عليه السلام بعذاب الاستئصال، كما أهلك من قبلهم بعذاب الاستئصال، فلم يبقَ منهم أحد.
قوله: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا} أي: وكنا إذا أهلكنا قوماً أنجينا النبيَّ والمؤمنين. {كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ المُؤْمِنِينَ}.
قوله: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي} يعني المشركين {فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} أي: الذي يميتكم {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ}.
قوله: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ} أي: وجهتك {لِلدِّينِ حَنِيفاً} أي: مخلصاً {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ}.
{وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ} يعني الأصنام {فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ} أي: من المشركين. {فَإِن فَعَلْتَ} أي: ولستَ فاعلاً.
قوله: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ} أي: بمرض أو بلية {فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} أي بعافية أو سعة {فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} يعني السراء والضرّاء في النصب وغيره {وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
قوله: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} يعني القرآن {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي: على نفسه، كقوله: {مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [سورة فصلت: 46]. (2/210)
صفحة 791
قوله: {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} أي: بحفيظ لأعمالكم حتى أجازيكم بها. إنما أنا منذر أُبَلِّغُكُمْ رسالة ربي.
(2/ 85)
وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)
قال: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ} من ربك {وَاصْبِرْ} على ما يقول لك المشركون من أنك ساحر وأنك شاعر وأنك مجنون وأنك كاهن وأنك كاذب {حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ} فيأمرك بالهجرة والجهاد. وكان هذا قبل أن يؤمر بالقتال. وقد كان الله أعلم محمداً عليه السلام أنه سيفرض عليه الجهاد، جهاد الكفار {وَهُوَ خَيْرُ} أي أفضل {الحَاكِمِينَ}.
(2/ 86)
الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) (2/211)
صفحة 792
تفسير سورة هود
وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الر} قد فسّرناه في أول سورة يونس.
قوله: {كِتَابٌ} [أي: هذا كتاب]، يعني القرآن {أُحْكِمَتْ ءَايَاتُهُ} أي: بالأمر والنهي. {ثُمَّ فُصِّلَتْ}. قال مجاهد: ثم فسّرت.
وقال الحسن: ثم فسِّرت، بُيِّن فيها الحدود والأحكام. وقال بعضهم: فصّلها فبيّن فيها حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.
{مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ} أي: من عند حكيم، وهو الله تبارك وتعالى، أحكمه بعلمه {خَبِيرٍ} أي: بأعمال العباد.
قوله: {أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ} يقول للنبي عليه السلام: قل لهم ألا تعبدوا إلا الله {إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ} يحذِّركم عقابه، أي النار إن لم تؤمنوا {وَبَشِيرٌ} أي يبشر بالجنة من أطاعه وآمن به.
قوله: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} أي: من الشرك {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} منه (2/212)
صفحة 793
{يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً} والمتاع معايشهم. {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً} أي: إلى الموت، ولا يهلككم بالعذاب إن آمنتم. يقول: أنتم في ذلك المتاع إلى الموت.
قوله: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} أي: على قدر ما عمل واحتسب. كقوله: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا} [الأنعام: 132].
وبلغنا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: من عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، ومن عمل سيئة واحدة كتبت عليه واحدة، فإن عوقب بالسيئة في الدنيا بقيت له العشر حسنات، فإن حُوسِبَ بها في الآخرة بقيت له تسع حسنات.
وقال مجاهد: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} في الآخرة.
قال: {وَإِن تَوَلَّوْا} أي: عن هذا القرآن فيكذبوا به. {فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} يحذرهم عذاب الله في الآخرة، ولم يبعث الله نبياً إلا حذر أمته عذاب الدنيا وعذاب الآخرة إن لم يؤمنوا.
(2/ 87)
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4) أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)
قوله: {إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يقول: فيعذبكم في الآخرة إن لم تؤمنوا في الدنيا لقدرته عليكم، فيعذبكم بكفركم.
قوله: {أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} أي: ما هم عليه من الكفر. وقال مجاهد: ثنيُهم صدورَهم شكٌّ وامتراء.
قال: {لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ} أي: من الله إن استطاعوا، ولن يستطيعوا. وقال الحسن: ليستخفوا منه بذلك، يظنون أن الله لا يعلم الذي استخفوا منه.
قال: {أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي: ما يظهرون من الكفر.
وقال بعضهم: هم المنافقون يثنون صدورهم بما هم عليه من الكفر، وهو ما (2/213)
صفحة 794
يسرّون، أي: من ترك الوفاء بما أَقرُّوا به من الأعمال التي لم يُوَفّوا بها، وما يعلنون أي: ما يظهرون من الإِيمان للنبي والمؤمنين.
قال: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: بما تخفي الصدور.
وقال بعضهم: {يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} يقنعون رؤوسهم، ويحنون صدوركم لكي لا يسمعوا كلام النبي عليه السلام؛ فكانوا يحنون صدورهم لكي لا يسمعوا كتاب الله ولا ذكره.
وقال بعضهم: {أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} وذلك أخفى ما يكون فيه ابن آدم إذا حنى صدره واستغشى ثوبه، وأهمّ همّا في نفسه، فإن الله لا يخفى ذلك عليه.
(2/ 88)
وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)
قوله: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا}.
كان الحسن يقول في قوله: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} [الأنعام: 98]: مستقر في أجله إلى يوم يموت، ومُستودَع في قبره إلى يوم يبعث. كأنه يريد هذه الآية: {وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36].
وقال الكلبي: مستقرّها: حيث تأوي بالليل.
وذكر عكرمة عن ابن عباس أنه قال: المستقر: الرحم، والمستودع: الصلب؛ يعني مستقرها في الرحم قبل أن تخرج إلى الدنيا، ومستودعها في الصلب قبل أن تقع إلى الرحم.
وبلغنا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: مستقرها الأرحام، ومستودعها الأرض التي تموت فيها. (2/214)
صفحة 795
قوله: {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} يعني عند الله، وقد فسَّرناه قبل هذا الموضع.
(2/ 89)
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (8)
قوله: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} يعني: وما بينهما. وقد فسّرنا ذلك في غير هذا الموضع. وهذا من الإِضمار.
قوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ} قال مجاهد: قبل أن يخلق شيئاً. {لِيَبْلُوَكُمْ} أي ليختبركم بالأمر والنهي. {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي: فيما ابتلاكم.
قوله: {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي: إن هذا القرآن إلا سحر مبين، تكذيباً منهم بالبعث.
قوله: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} أي: إلى سنين معدودة، في تفسير الكلبي. وقال مجاهد: إلى حين. وقال بعضهم: إلى أجل معدود. وذلك عند بعضهم عذاب الآخرة.
وتفسير الحسن: إلى النفخة الأولى، لأن الله قضى ألا يعذّب كفار هذه الأمة بعذاب الاستئصال إلا بالساعة.
{لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} قال بعضهم: لما قالوا: {مَا يَحْبِسُهُ}، يعنون العذاب.
قال الله: {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ}. ثم أنزل بعد ذلك: {أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1] فذلك قوله: {مَا يَحْبِسُهُ} أي ما يحبس العذاب.
قال الحسن: وذلك قولهم للنبي: {ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ} [العنكبوت: 29]. قال الله: {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَجَاءَهُمُ العَذَابُ} [العنكبوت: 53]. (2/215)
صفحة 796
قال: {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} يعني الذين تقوم عليهم الساعة، الدائنين بدين أبي جهل وأصحابه. {لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} أي ليسوا بالذين يستطيع أحدهم أن يصرف عنهم عذاب الله إذا نزل بهم.
{وَحَاقَ بِهِم} يومئذٍ {مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} وتفسير الكلبي: عذاب الآخرة.
(2/ 90)
وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11) فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12)
قوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} والإِنسان ها هنا المشرك، والرحمة في هذا الموضع الصحة والسعة في الرزق.
قال: {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} أي من رحمة الله أن تصل إليه فيصيبه رخاء بعد شدة {كَفُورٌ} أي: لنعمة الله.
قال: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ} فعافيناه من تلك الضراء. والضرّاء: المرض واللاواء، وهي الشدائد {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي} أي: بعد إذ نزلت به {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} أي ليست له حسبة عند ضراء، ولا شكر عند سراء. {فَرِحٌ} أي بالدنيا، مثل قوله: {وَفَرِحُوا بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الرعد: 26] وهم أهل الشرك.
ثم استثنى الله أهل الإِيمان فقال: {إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا} أي: على هذه اللاواء والشدائد {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي: إنهم لا يفعلون ذلك الذي وصف من فعل المشركين. {أُوْلَئِكَ} الذين هذه صفتهم {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} أي: لذنوبهم {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} أي: الجنة.
قوله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ} يعني النبي عليه السلام، حتى لا تبلّغ عن الله الرسالة مخافة قومك {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا} أي: بأن يقولوا: (2/216)
صفحة 797
{لَوْلاَ} أي: هلا {أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} أي: مال فإنه فقير ليس له شيء {أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} فيخبرنا أنه رسول الله فنؤمن به.
وقوله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ} على الاستفهام، أي: لست بتارك ذلك حتى تبلغ عن الله الرسالة.
{إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ} أي: تنذرهم عذاب الله في الدنيا والآخرة إن لم يؤمنوا {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي: حفيظ لأعمالهم حتى يجازيهم بها.
(2/ 91)
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15)
قوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} أي: افترى محمد هذا القرآن، على الاستفهام، يقول: قد قالوا ذلك. قال: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ} أي: مثل هذا القرآن {مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ} أي: من هذه الأوثان التي تعبدون من دون الله {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.
قال: {فَإِ لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ} فيأتوا بعشر سور مثله، ولن يفعلوا، يعني الأوثان. {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ} أي: القرآن {بِعِلْمِ اللهِ} أي: من عند الله {وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ}. يقول: قل لهم فهل أنتم مسلمون. وهو كقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحَي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} يعني المشرك الذي لا يؤمن بالآخرة {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ} [أي جزاء حسناتهم] {فِيهَا} أي: في الدنيا. (2/217)
صفحة 798
{وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} أي في الدنيا لا يبخسون، أي: لا يظلمون، لا يُنقصون حسناتهم التي عملوها في الدنيا. يُجَازَوْنَ بِهَا في الدنيا.
(2/ 92)
أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17)
{أُوْلَئِكَ} يعني المشركين {الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الأَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: من حسنات الآخرة لأنهم جوزوا بها في الدنيا.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»
ذكروا عن الحسن قال: قيل يا رسول الله: هذا المؤمن المعروف إيمانه شدد عليه عند الموت، وهذا الكافر المعروف كفره يهوَّن عليه عند الموت. قال: سأخبركم عن ذلك. «إن المؤمن يكون قد عمل السيئة فشدد عليه عند الموت ليكون بها، وإن الكافر يكون قد عمل الحسنة فيهون عليه عند الموت ليكون بها»
قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} أي: على بيان ويقين. قال بعضهم: يعني محمداً صلى الله عليه وسلم: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ}. قال الحسن: شاهد منه لسانه. يعني النبي عليه السلام. وفي تفسير الكلبي: {شَاهِدٌ مِّنْهُ}: جبريل، أي: شاهد من الله.
قال: {وَمِن قَبْلِهِ} قال الكلبي: ومن قبل القرآن {كِتَابُ مُوسَى} أي: التوراة {إِمّاماً وَرَحْمَةً} يقول: تلا جبريل على موسى التوراة إماماً ورحمة.
وقال ابن عباس: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} قال: هو المؤمن. {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} أي: من أهل الكتاب. قال: {وَمِن قَبْلِهِ} أي من قبل القرآن {كِتَابُ (2/218)
صفحة 799
مُوسَى} أي التوراة {إِمَاماً} أي يأتم به من قبله وعمل به، {وَرَحْمَةً} له.
قوله: {أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} يعني المؤمنين يؤمنون بالقرآن والتوراة والإِنجيل.
{وَمَن يَكْفُرْ بِهِ} أي: بالقرآن {مِنَ الأَحْزَابِ} أي: من اليهود والنصارى. قال الله: {فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} أي: في شك منه. يقول للنبي عليه السلام: ومن يكفر به فالنار موعده {إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}.
قال: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} هل يستوى هو ومن كفر يكفر بالقرآن والتوراة والإِنجيل؛ إنهما لا يستويان عند الله.
(2/ 93)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18)
قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} على الاستفهام، أي: لا أحد أظلم منه. وافتراؤهم على الله أن قالوا إن الله أمرهم بما هم عليه من عبادة الأوثان، وتكذيبهم بمحمد، يعني به مشركي العرب.
قوله: {أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ} [أي: الأنبياء] {هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}.
ذكروا عن صفوان بن محرز أنه قال: بينما أنا أحدث ابنَ عمر إذ عارضه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة الربِّ عبدَه المؤمنَ يوم القيامة. قال: سمعته يقول: «إن الله يسأل عبده المؤمن يوم القيامة، ويخبره بستره (2/219)
صفحة 800
من الناس، فيقرّره بذنوبه فيقول: عبدي، أتعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: يا رب، أعرف؛ حتى إذا قرّره بذنوبه، وظنّ في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم؛ ثم يُعطى كتابَ حسناته. وأما الكافر والمنافق فإنه ينادي الأشهاد: {هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}»
والكذب على الله من وجهين: فكذب المشركين ادعاؤهم الأنداد والأولاد لله. وكذب المنافقين في نصبهم الحرام ديناً، وادعاؤهم على الله ديناً غيرَ دينه، واستخلالُهم ما حرّم الله.
(2/ 94)
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20)
قوله: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ} أي عن طريق الله {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي: ويدعون الناس إلى الطريق الأعوج، إلى الشرك، وطريق الله مستقيم إلى الجنة، وهو طريق المؤمنين، وهو الإِسلام، طريق إلى الجنة.
قال: {وَهُم بِالأَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} أي: يكذبون بالبعث.
{أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ} أي: سابقين في الأرض، أي: لم يكونوا ليسبقونا حتى لا نبعثهم ثم نعذبهم.
قوله: {وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ} يمنعونهم من عذاب الله. قال: {يُضَاعَفُ لَهُمُ العَذَابُ} أي: في النار {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} أي: سمع الهدى، أي: لا يقدرون أن يسمعوه سمع قبول في الدنيا. {وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} أي: بصر قبول الهدى. قال بعضهم: هي مثل التي في البقرة: {خَتَمَ اللهُ عَلَى (2/220)
صفحة 801
قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وعَلَى أبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7] أي: بكفرهم فعل ذلك بهم.
(2/ 95)
أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26)
{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ} فصاروا في النار {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي: من عبادة الأوثان. ضلّت عنهم فلم تغن عنهم شيئاً؛ كقوله {ضَلَّوا عَنَّا} [غافر: 74].
{لاَ جَرَمَ} وهي كلمة وعيد {أَنَّهُمْ فِي الأَخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ} أي: خسروا أنفسهم.
ثم قال: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ} أي: اطمأنوا إلى ربهم، أي: خلصت قلوبهم بالإِيمان. كقوله: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} وقال مجاهد: أخبتوا اطمأنوا. وقال بعضهم: وأخبتوا: وأنابوا إلى ربهم {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ} أي: أهل الجنة {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي: لا يخرجون منها.
قوله: {مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَستَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي: لا يستويان مثلاً. أي: فكما لا يستوي عندكم الأعمى والأصم والبصير والسميع في الدنيا. فكذلك لا يستويان عند الله في الدين. ومثل الكافر مثل الأعمى والأصم، لأنه أعمى أصم عن الهدى، والبصير والسميع هو المؤمن، أبصر الهدى وسمعه فقَبِله.
قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي: أنذركم عذاب (2/221)
صفحة 802
الله في الدنيا والآخرة. {أَن لاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} أي: موجع.
(2/ 96)
فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30)
{فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتِّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} أي: سفلتنا {بَادِيَ الرَّأْيِ} أي: فيما ظهر لنا {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} أي: في الدين {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} يعنون نوحاً ومن آمن معه.
{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} أي: بيان من ربي {وَءَاتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} يعني بالرحمة النبوةّ {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} أن تبصروها بقلوبكم وتقبلوها. {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}. وقد علم الله أنه على بيّنة من ربّه، وهذا استفهام على معرفة.
{وَيَا قَوْمِ لاَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي: على ما أدعوكم إليه من الهدى {مَالاً} فإنما يحملكم على ترك الهدى المالُ الذي أسألكموه. {إِنْ أَجْرِيَ} أي: ثوابي {إِلاَّ عَلَى اللهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ} فيحاسبهم بأعمالهم.
وقد قال الله في آية أخرى: {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} [الشعراء: 113]. {وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ}.
{وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللهِ} أي: من عذاب الله، فيمنعني من الله حتى لا يعذبني {إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}.
وقال أهل الحرم من مشركي العرب للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إن أردت أن نجالسك فاطرد عنا فلاناً وفلاناً، فقال الله: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] وقال في آية أخرى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} إلى غيرهم {تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28].
(2/ 97)
وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31) قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)
قال نوح: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللهِ} أي: خزائن علم الله. {وَلاَ أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} من الملائكة {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ} من المؤمنين {لَن يُّؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً} قال بعضهم: إيماناً، وقال الحسن: {لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً} أي: في العاقبة.
{اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ} أي: إنه سيؤتيهم بذلك خيراً إن كانت قلوبهم صادقة. {إِنِّي إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ}.
{قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا} أي: ماريتنا، {فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} أي: مِرَاءَنا. (2/222)
صفحة 803
{فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} من عذاب الله {إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}.
{قَالَ}: ليس ذلك إليّ، وهذا إضمار. {إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللهُ إِن شَاءَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} أي: بالذين تعجزون الله فتسبقونه حتى لا يقدر عليكم فيعذبكم.
{وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} أي: أن يهلككم. مثل قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ} [إبراهيم: 4] بعد البيان. قال الله: {هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
{أَمْ يَقُولُونَ} يعني مشركي العرب {افْتَرَاهُ} أي: إن محمداً افترى القرآن، على الاستفهام، أي: قد قالوا. {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ} من قبل الجرم. يقول: فعليّ عملي وأنا بريء مما تعملون. وهو كقوله {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 50].
قال: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءَامَنَ} قال: بعضهم: (2/223)
صفحة 804
ذلك حين دعا نوح عليهم السلام فقال: {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً} [نوح: 26] {فَلاَ تَبْتَئِسْ} أي: لا تحزن عليهم {بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} قال بعضهم: لا تأسَ ولا تحزن.
(2/ 98)
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)
قوله: {وَاصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} أي: بأمرنا {وَوَحْيِنَا} أي: وبوحينا فعملها على مثل جؤجؤ الطير. قال بعضهم: رأسها مثل رأس الحمامة، وذنبها مثل ذنب الديك.
قوله: {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ}، أي: ولا تراجعني في الذين ظلموا أنفسهم بشركهم {إِنَّهُم مَّغْرَقُونَ}.
قال: {وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} أي: إن نوحاً عمل الفلك بيده، فكان يمر عليه الملأ من قومه، فيقولون له استهزاءً به: يا نوح، بينما تزعم أنك رسول رب العالمين إذ صرت نجّاراً.
{قَالَ} لهم: {إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ}. وكان الرجل من قومه يأخذ بيد ابنه فيذهب به إلى نوح فيقول: يا بُنَيّ، لا تطع هذا، فإن أبى قد ذهب بي إليه، وأنا مثلك، فقال لي: لا تطع هذا.
قوله: {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} يعني عذاب الدنيا، أي: الغرق.
قال: {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي: دائم في الآخرة. وهي تقرأ على وجهين: يحِل ويحُل؛ فمن قرأها: ويحل، أي: يجب. ومن قرأها: ويحُل: أي وينزل به.
قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ} والتنور في تفسير الحسن: الباب الذي يجتمع فيه ماء السفينة؛ ففار منه الماء، والسفينة على الأرض. [فكان ذلك (2/224)
صفحة 805
علامة لإِهلاك القوم].
وقال بعضهم: التنور عين ماء كانت بالجزيرة يقال لها التنور.
وبعضهم يقول: كان التنور في أقصى داره. وقال بعضهم: كان التنور أعلى الأرض وأشرفها.
وقال مجاهد: {وَفَارَ التَّنُّورُ} حين ينبجس الماء منه. فأوحى الله إليه إذا فار التنور أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، وهو قوله:
{قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} أي: من كل صنف اثنين. والزوج هو الواحد، والزوجان اثنان. وقال مجاهد: ذكر وأنثى من كل صنف. فحمل فيها من جميع ما خلق الله من البهائم والهوام والسباع والدواب، دوابّ البر والبحر والطير والشجر. وشكوا إلى نوح في السفينة الزبل، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى نوح أن يمسح بيده على ذنب الفيل، ففعل؛ فخرج منه خنزيران كانا يأكلان الزبل. وشكوا إليه الفار، فأوحى الله إلى الأسد، أي ألقى في قلبه، مثل قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68]، فعطس الأسد فخرج من منخريه سنّوْران فكانا يأكلان الفار. وشكوا إلى نوح عرامة الأسد، فدعا عليه نوح فسلط الله عليه الحمى، فقال له نوح: «إزناتاعت لسري» وهي بالسريانية. فقال له نوح: أيها الأسد: أتريد لحماً؟ فأومأ الأسد: لا. (2/225)
صفحة 806
قوله: {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ} أي: الغضب، وهو ابنه الذي غرق، وقال الحسن: {مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ} أي: كل من غرق يومئذٍ.
(2/ 99)
وقال الحسن: وأهلك إلا من سبق عليه القول: {وَمَنْ ءَامَنَ} يقول: احمل أهلك ومن آمن. وهم الذين كانوا في السفينة، هم أهله، وهم الذين آمنوا إلا من سبق عليه القول.
قال: {وَمَا ءَامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ}. قال بعضهم: لم ينج في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنين له: سام وحام ويافث ونساؤهم، فجميعهم ثمانية.
ذكروا عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سام أبو العرب، وحام أبو الروم، ويافث أبو الحبش»
قال الحسن: وكان طول السفينة ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، مطبِّقَة تسير ما بين الماءين، بين ماء السماء وماء الأرض.
وقال بعضهم: كان طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثين ذراعاً، وبابها في عرضها. وإنما استقلَّت بهم في عشر خلون من رجب، وكانت بهم في الماء خمسين ومائة يوم، واستقرّت بهم على (2/226)
صفحة 807
الجودي شهراً، وأهبطوا إلى الأرض في عشر خلون من المحرم.
قال: وذكر لنا أن نوحاً عليه السلام بعث الغراب لينظر إلى الماء، فوجد جيفة، فوقع عليها، فبعث الحمامة فأتته بورقة زيتون، فأعطيت الطوق الذي في عنقها، وخضاب رجليها. وأن السفينة لما مرّت بالبيت طافت به أسبوعاً.
قال: وكان للسفينة ثلاثة أبواب، باب للسباع والطير، وباب للبهائم، وباب للناس. وفصل بين الرجال والنساء بجسد آدم عليه السلام، حمله معه نوح. وكان إبليس على الكوثل، وهو ذنب السفينة. فعرض عليه نوح التوبة، فقال إبليس: كيف أصنع؟ قال تسجد لجسد آدم، أي: بالوحي قال: ما سجدت له حياً فكيف أسجد له ميتاً.
(2/ 100)
وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)
قوله: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْريهَا ومرساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} وهو تعليم من الله علمهم إياه، ودَلَّهُم عليه.
قال بعضهم: قد بيّن الله لكم ما تقولون إذا ركبتم في البر وإذا ركبتم في البحر؛ إذا ركبتم في البحر فقولوا: {بِسْمِ اللهِ مَجْريهَا ومرساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} وإذا ركبتم في البر فقولوا: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} [الزخرف: 13 - 14].
وتفسير الحسن أن الله علّمهم يومئذٍ {بسم الله مَجْريهَا ومرساها}. يقول: بسم الله تُجرى وبسم تُرسى.
وتفسير مجاهد: {بِسْمِ اللهِ مَجْريهَا ومرساها}. قال: بسم الله حين يركبون وحين يجرون وحين يرسون.
وقال بعضهم في مصحف أبي بن كعب: {وقال اركبوا فيها على بسم الله (2/227)
صفحة 808
مجرايها ومرسايها} وبعضهم يقرأها: بسم الله مجرايها، أي المجرى الذي يجري، ومرسيايها أي المرسى الذي تُرسي.
(2/ 101)
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
قوله: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكَافِرِينَ. قَالَ سَئَاوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ} يعني الذين كانوا في السفينة {وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ} أي: بين ابن نوح وبين الجبل {فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ}.
{وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} أي: ابلعي ما كان عليك {وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ} أي: ونقص الماء. غاض فذهب، أي نَشِفَتْه الأرض، وقال بعضهم: {يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ}، أي: ابلعي ما كان عليك، {وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي} أي: أمسكي، وغيض الماء والغيضوضة: ذهابه.
[{وَقُضِيَ الأَمْرُ} أي فرغ منه، يعني هلاك قوم نوح].
قال: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ} أي: السفينة. والجودي جبل بالجزيرة بموضع يقال له: باقِردَى. قوله: {وَقُضِيَ الأَمْرُ} قال مجاهد: وهلك قوم نوح. (2/228)
صفحة 809
قال بعضهم: قال الله لآدم عليه السلام: يا آدم، أَهبِط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي. فطافَ آدم ومن معه من المؤمنين. فلما كان زمان الطوفان، حيث أغرق الله قوم نوح، رفعه الله وطهّره من أن تصيبه عقوبة أهل الأرض، فصار معموراً في السماء.
قال: وبلغنا أن السفينة لما أرادت أن تقف تطاول لها الجبال، كل جبل منها أحب أن تقف عليه، وتواضع الجودي، فجاءت حتى وقفت عليه.
وقال بعضهم: أبقاها الله بباقردي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة بعدها صارت رماداً.
قوله: {وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمينَ} أي المشركين، قوم نوح.
(2/ 102)
وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)
قوله: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ. قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} الذين وعدتك أن أنجيهم لك. وهو قوله: {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ}.
وكان ابنه منافقاً، ونوح لا يعلم في تفسير الحسن. فناداه، وكان عنده مؤمناً، ولولا ذلك لما يناده، وهو يعلم أن الله مغرق المشركين الكفار. وقد قضى أنه إذا نزل العذاب على قوم كذبوا رسلهم ثم آمنوا لم يقبل منهم.
قوله: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} ذكروا عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذا الحرف: {إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ}. (2/229)
صفحة 810
ذكرو عن ابن عباس أنه قال: هو ابنه ولكنه عمل غير صالح.
وكان الحسن يقرأها: {عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}. وكان عنده ليس بابنه. وهي قراءة عروة بن الزبير. وبعضهم يقرأها على مقرأ الحسن وعروة ويقول: إن سؤالك إياي يا نوح ما ليس لك به علم عملٌ غير صالح.
وقال بعضهم: كان يقال: ما بغت امرأة نبيّ قط.
قوله: {فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}. قال الحسن: إنك لم تكن تعلم ما كان يُسِرّ من النفاق. {إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ}.
(2/ 103)
قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)
{قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الخَاسِرِينَ} أي: في العقوبة.
{قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا} [يعني بسلامة من الغرق] {وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} يعني نسول من كان معه في السفينة {وَأُمَمٌ} من نسول من كان معه في السفينة {سَنُمَتِّعُهُمْ} أي: في الدنيا {ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
ذكروا أن عبد الله بن مسعود قال: ذنب ابن آدم دخل على الجعل في جحره فأسرى في ساعة ثم قال ومن غرق قوم نوح.
وبلغنا عن ابن عباس أنه قال: القوس الذي كان في السماء أمان للأرض من الغرق يوم أهلك قوم نوح. وقال ابن عباس: لا تقولوا قوس قزح، فإن القزح الشيطان، وقولوا القوس، وذكروا عن ابن مسعود مثل ذلك.
قوله: {تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ} يقول للنبي عليه السلام حين (2/230)
صفحة 811
انقضت قصة نوح: ذلك من أخبار الغيب، يعني ما قصَّه عليه {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ} يعني قريشاً {مِن قَبْلِ هَذَا} أي: من قبل هذا القرآن {فَاصْبِرْ} أي: على قولهم أنك مجنون، وإنك ساحر، وإنك شاعر، وإنك كاذب، وإنك كاهن. {إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} والعاقبة الجنة.
(2/ 104)
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55)
قوله: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} يقول: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً، على الكلام الأول: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ}. وقوله: أخاهم هوداً أي: أخوهم في النسب، وليس بأخيهم في الدين.
{قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} أي: كل من عبد غير الله سبحانه فقد افترى الكذب على الله تعالى، لأن الله عزّ وجلْ أمر العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. وهو قوله: {أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} [يوسف: 40].
قوله: {يَاقَوْمِ لاَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي: على ما أدعوكم إليه من الدين {أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ} أي: إن ثوابي {إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي} أي: الذي خلقني {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.
{وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} أي: من الشرك {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً} أي: يوسع لكم من الرزق، وإنما أرزاق العباد من المطر. {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} قال مجاهد: يعني شدة إلى شدتكم {وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} أي: مشركين.
{قَالُواْ يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} فجحدوا وكذبوا {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}.
{إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ} أي بجنون، لأنك عبت آلهتنا (2/231)
صفحة 812
وسفَّهْتها، فآلهتنا التي صنعت بك هذا الجنون بشتمك لها. وقال بعضهم: إنما تصنع هذا لأن بعض آلهتنا أصابك بسوء.
{قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ} أي: الذين تعبدون من دونه، أي الأوثان {فَكِيدُونِي جَمِيعاً} أنتم وأوثانكم التي تعبدون، أي: اجهدوا جهدكم {ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} أي: طرفة عين. أي: إن الله سيمنعني منكم. قوله: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً} قال هذا وقد علم أن الأوثان لا تقدر على أن تكيد، وأنها لا تضر ولا تنفع.
(2/ 105)
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)
قوله: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} أي: كل دابة ناصيتها بيد الله، [أي هي في قبضته] وقدرته، لا يخرجون منها.
قوله: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: على الحق.
{فَإِن تَوَلَّوْا} أي: عما جئتكم به {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}.
قال الله: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} أي عذابنا {نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} يعني عذاب الدنيا الذي عذبوا به.
{وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ} يعني هوداً {وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أي: واتبع بعضهم بعضاً على الكفر. والعنيد المعاند للهدى المجتنب له.
قوله: {وَأُتْبِعُوا} [أي ألحقوا] {فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً} يعني العذاب (2/232)
صفحة 813
الذي عذبوا به {وَيَوْمَ القِيَامَةِ} أي: ولهم يوم القيامة أيضاً لعنة، يعني عذاب جهنم. {أَلاَ إِنَّ عَاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ}.
(2/ 106)
وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63)
قوله: {وَإِلَى ثَمُودَ} يقول: وأرسلنا إلى ثمود {أَخَاهُمْ صَالِحاً} على الكلام الأول في عاد. {قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ} أي مبتدأ خلقكم من آدم، وخلق آدم من طين، فهو خلقكم من الأرض {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} قال مجاهد: أعمركم فيها. وقال الحسن: جعلكم عمار الأرض، وهو واحد. كقوله: {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ} [الأعراف: 129] أي: بعد الماضين: {فَاسْتَغْفِرُوهُ} أي: من الشرك {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} منه {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} أي: قريب ممن دعاه، مجيب لمن دعاه.
ذكروا أن موسى عليه السلام قال: يا رب، أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك، فأوحى الله إليه: أني عند ظن عبدي، وأنا معه إذا دعاني.
{قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا} أي كنا نرجو ألا تشتم آلهتنا ولا تعبد غيرها. {أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} أي: من الريبة.
{قَالَ يَاقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} أي: على أمر بيّن، أي من النبوة {وَءَاتَانِي} وأعطاني {مِنْهُ رَحْمَةً} أي: النبوة {فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ} فيمنعني منه، أي لا أحد. {فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} يعني إن أجبتكم إلى ما تدعونني إليه لم أزدد به إلا خسراناً.
(2/ 107)
وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) (2/233)
صفحة 814
{وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ ءَايَةً} وكان قوم صالح سألوه أن يأتيهم بآية فأتاهم بالناقة. قال: {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} أي: لا تعقروها {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ}. فقالوا آية ذلك ماذا، فنعلم أنك صادق. قال: آية ذلك أن وجوهكم تصبح أول يوم مصفرّة، واليوم الثاني محمرّة، واليوم الثالث مسوّدة.
فلما كان ذلك عرفوا أنه العذاب، فتحنّطوا وتكفّنوا. فلما أمسوا تلفّفوا في الأنطاع. ثم صبّحهم العذاب في اليوم الرابع بالرجفة.
ذكر بعضهم قال: ذكر لنا صالحاً حين أخبرهم أن العذاب يأتيهم لبسوا الأنطاع والأكسية وأطلوا وقيل لهم آية ذلك أن تصفر ألوانكم في أول يوم، ثم تحمر من الغد، ثم تسود في اليوم الثالث. وإنهم لما عقروا الناقة تذامروا وقالوا: عليكم بالفصيل. وصعد الفصيل القارة، والقارَة الجبل. حتى إذا كان اليوم الثالث استقبل القبلة، وقال: يا رب أمي، يا رب أمي، فأرسلت عليهم الصيحة عند ذلك.
قال: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} أي: عذابنا {نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} أي: عذاب يومئذٍ {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ} أي: القوي في قدرته، العزيز في نقمصه.
{وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} أي: العذاب {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ}. قال بعضهم: قد هلكوا. وقال الحسن: موتى. وقال بعضهم: الجاثم: الملقى على وجه الأرض ميتاً.
(2/ 108)
كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68) وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) (2/234)
صفحة 815
قوله {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أي: كأن لم يعيشوا فيها. {أَلاَ إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ}.
قوله: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالبُشْرَى} أي: بشّروه بإسحاق {قَالُوا سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}.
قيل إنهم أتوه على صورة الآدميين، فاستضافوه، وكان صاحب ضيافة، وهو أول من أضاف. {فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} أي: نضيج مشويّ. قال بعضهم: إنه مشويّ. ويقال: إنه شبه مَلّة.
وفي تفسير الكلبي أن جبريل أتى إبراهيم ومعه ملكان، وكان إبراهيم تأتيه الضيفان فيتلقاهم. فتلقاهم إبراهيم، ولا يظن إلا أنهم بشر. فأرسل فأوتي بعجل فذبحه، ثم أمر به فحنذ، ثم أمر بطعام فصنع، ثم قرّبه إليهم.
{فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} أي: أنكرهم {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} أي: خافهم إذ لم يأكلوا {قَالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} وفيها إضمار، أي: لنهلكهم.
قال: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ} أي: امرأة إبراهيم سارّة. {فَضَحِكَتْ} أي: ضحكت تعجّباً أن قوماً قد أتاهم العذاب وهم في غفلة.
قال الكلبي: {فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} عرف (2/235)
صفحة 816
أنهم ملائكة. {قَالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ}. فلما رأت سارة فَرَقَ إبراهيم عجبت من فَرَقه فضحكت، وهي لا تدري من القوم.
قال: {فَبَشِّرْنَاهاَ بِإِسْحَاقَ}. فبشروها بإسحاق، وقالوا نرجع إليك [عاماً] قابلاً، وقد ولدت غلاماً اسمه إسحاق. {وَ} يكون {مِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}. قال الحسن: {مِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ} أي: من بعد إسحاق {يَعْقُوبَ} بشر بِنُبوّته وهو ابن إسحاق، وهو نبي يوحى إليه.
(2/ 109)
قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74)
{قَالَتْ يَا وَيْلَتَى ءَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ}، وكانت قعدت من الولد {وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ. قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ}. هذا كلام مستقبل، مقطوع من كلام الملائكة.
{إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} حميد، أي: مستحمد إلى خلقه بنعمته عليهم. والمجيد هو الكريم، فلا أكرم منه.
قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه ليس أحد أحب إليه الحمد من الله، ولا أكثر معاذير من الله»
قوله: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ} يعني الخوف {وَجَاءَتْهُ البُشْرَى} أي: بإسحاق، {يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} أي: يخاصمنا في قوم لوط. وإنما كانت مجادلته مخاصمة للملائكة.
ذكروا عن حذيفة بن اليمان أنه قال: لما بعثت الملائكة إلى قوم لوط عُهِد إليهم (2/236)
صفحة 817
ألا يُهلكوا قوم لوط حتى يشهد عليهم لوط ثلاث شهادات. فأتوا على إبراهيم، وكان الطريق عليه، {فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} فقال: أتهلكون قوم لوط وفيهم لوط؟ {قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ} [العنكبوت: 32] فقال: أتهلكون قوم لوط وإن كان فيهم أربعون من المسلمين؟ قالوا: لا. قالوا: أتهلكون قوم لوط وإن كان فيهم ثلاثون من المسلمين؟ قالوا: لا. قال: أتهلكون قوم لوط وإن كان فيهم عشرون من المسلمين؟ قالوا: لا. قال: أتهلكون قوم لوط وإن كان فيهم عشرة من المسلمين؟ قالوا: لا. فذكر لنا أن مجادلته إياهم هي هذه. وذكر لنا أنهم ثلاث قريات فيها ما شاء الله من الكثرة.
(2/ 110)
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77)
قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ}. ذكر بعضهم قال: الأَوَّاهُ: الرحيم، والمنيب: التائب. وقال بعضهم: الأوّاه: الدّعّاء، والمنيب: المخلص لله المصلّي. وقال ابن مسعود: الأواه: الرحيم. وقال مجاهد: أواه منيب: فقيه مؤمن، وقال بعضهم: الموفق.
قوله: {يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} قال الكلبي: سأل إبراهيم ربه ألا يهلك لوطاً وأهله، وأن يعفو عن قوم لوط، فقيل له: {يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} قال: {إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ}.
قوله: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} قال بعضهم: سيء بقومه الظن، وضاق بأضيافه الذرع. أي سيء بقومه الظن لما كانوا يفعلون من الفاحشة، وضاق بأضيافه الذرع مخافة عليهم منهم.
وفي تفسير الحسن: سيء بهم، أي: ساءه دخولُهم عليه لما يتخوّفه عليهم من (2/237)
صفحة 818
قومه، وضاق بهم ذرعاً. {وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} أي: شديد في تفسير الحسن وغيره. وقال الحسن: العذاب الذي أخبر أنه نازل بهم.
وقال الكلبي: ساءت جَيئتهم، وضاق بهم ذرعاً، أي: لم يدرِ أين ينزلهم. قال: وكان قوم لوط لا يُؤوون ضيفاً بليل، وكانوا يعترضون من يمرّ بالطريق نهاراً للفاحشة؛ فلما جاءت الملائكة لوطاً حين أمسوا كرههم ولم يستطع دفعهم فقال هذا يوم عصيب، أي شديد.
(2/ 111)
وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78)
قال: {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} أي: يسرعون إليه. ذكروا أن مجاهداً قال: الإِهراع الإِسراع في المشي.
قال الحسن: يبتدرونه أي: يبتدرون أضيافه للفاحشة.
قال: {وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} أي: يأتون الرجال في أدبارهم. وكان لا يفعل ذلك بعضهم ببعض، إنما كانوا يفعلون ذلك بالغرباء.
{قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} أي: هن أحل لكم من الرجال. قال الحسن: فتزوجوهن. ولم يكن حرم يومئذٍ المسلمات على المشركين قال: وكان ذلك في صدر الإِسلام حتى نزلت: {وَلاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ. . . وَلاَ تُنكِحُواْ المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة: 221] وقال بعضهم: أمرهم أن يتزوجوا النساء.
وفي تفسير الكلبي قال: {هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} أي: من الرجال. أي: هن أحل لكم فتزوجوهن، وقد كان لوط قبل ذلك يأبى أن ينكح في قومه، فلما راودوه (2/238)
صفحة 819
عن ضيفه طابت نفسه أن ينكحهن. قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، أي أحلّ لكم. يقول التزويج أحلّ لكم من الفاحشة.
[وقال مجاهد: كل نبي أبو أمته، وإنما عنى ببناته نساء أمته].
قوله: {فَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ} أي: ولا تفضحون {فِي ضَيْفِي} كقوله: {إِنَّ هَؤُلاَءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونَ} [الحجر: 68] والأضياف ضيف، والضيف الواحد ضيف.
قال: {أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ} أي: ليس منكم رجل شديد. وهو على الاستفهام، كقوله الرجل: أما منكم رجل رشيد، وهو يعلم أنه ليس فيهم رجل رشيد.
(2/ 112)
قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)
قوله: {قَالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} أي: من حاجة {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} أي: إنا نريد أضيافك دون بناتك.
{قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}. قال بعضهم: أي: إلى عشيرة.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله لوطاً، لقد كان يأوى إلى ركن شديد»
ذكروا عن حذيفة بن اليمان قال: لما جاءت الملائكة بعذاب قوم لوط، أتوا على لوط وهو في زرع له يسقيه. فسألوه الضيافة، فقال: اجلسوا حتى أفرغ لكم. (2/239)
صفحة 820
فلما فرغ جاءهم فتوجّه بهم إلى منزله. وقد عُهِدَ إلى الملائكة ألا يُهلكوا قوم لوط حتى يشهد عليهم لوط ثلاث شهادات.
فبينما هو متوجّه إلى القرية إذ قال: قفوا. فقال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ قالوا: وما يعملون؟ قال: ما أعلم لله خلائق أشرّ منهم، فقالوا: واحدة. ثم مشى معهم، ثم قال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ قالوا: وما يعملون؟ قال: ما أعلم لله خلائق أشرّ منهم. فقالوا: اثنتان. ثم مشى معهم، ثم قال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ قالوا: وما يعملون؟ قال: ما أعلم لله خلائق أشرّ منهم. قالوا: ثلاثة. فجاء بهم إلى منزله.
فلما رأت العجوز، عجوز السوء، القومَ لم ترَ قوماً أحسن وجوهاً، ولا أحسن ثياباً، ولا أطيب ريحاً. وكان العلم بينها وبين قومها إذا نزل بلوط ضيف أن تدخِّن. فلما رأتهم له تملك نفسها أن ذهبت بنفسها إليهم فقالت: لقد نزل الليلة بلوط ضيف ما نزل به أحسن وجوهاً ولا أحسن ثياباً ولا أطيب ريحاً. فجاءوه يُهرعون إليه، {وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ}. فراودوه عن ضيفه، فقال: {يَاقَوْمِ هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِي إِلَى رُّكْنٍ شَدِيدٍ}.
(2/ 113)
قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)
فقالت الملائكة: {قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّيْلِ} [أي: سر بهم في ظلمة من الليل] {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} فقال: لا، بل أهلكوهم الساعة. قالوا: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}. (2/240)
صفحة 821
ثم مال جبريل بجناحه فطمس أعينهم فباتوا عمياناً يستكفون فذلك قوله: {فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 37].
فلما كان السحر خرج لوط وأهله، ثم رفعها جبريل عليه السلام حتى سمعت ملائكة سماء الدنيا نباحَ كلابهم. وذلك قوله: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا}.
قال حذيفة: ثم قلبها، ثم اتبعها الحجارة. فلما سمعت العجوز الهدة التفت فأصابها حجر. وقال: فأصابها ما أصاب قومها. فأصاب سُفّارَهم الحجارةُ، وأصاب أرضَهم الخسف.
وفي تفسير الكلبي أن جبريل عليه السلام استأذن الله في هلاكهم فأذن له؛ فأتاهم بعدما أصبح، فأدخل جناحه تحت مدائن لوط، وهي أربع مدائن، وقال بعضهم: كانت ثلاث قرى. قال الكلبي: ثم رفعهم حتى بلغ السماء، فسمع أهل السماء أصوات الدجاج والكلاب، ثم قلبها. وأرسل الله الحجارة على من كان خارجاً من المدائن.
قال الحسن: ولم يبعث الله نبياً بعد لوط. إلا في عز من قومه، وقال بعضهم: إلا في ثروة من قومه.
قوله: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّيْلِ} قال بعضهم بطائفة من الليل.
وكان الحسن يقول: وكانت امرأة لوط منافقة، تظهر له الإِسلام وتخالفه في الأعمال. وكذلك ابن نوح أظهر له الإِسلام وخالفه في الأعمال. (2/241)
صفحة 822
وقوله: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ} أي: يكون هلاكهم حين تشرق الشمس. وكذلك قال في الآية الأخرى التي في الحجر: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ} [الحجر: 73] أي: حين أشرقت الشمس.
وقوله: {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} أي: بلى الصبح قريب، في الإِضمار.
وقال الحسن: خسف بهم فهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة.
قوله: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ}. قال بعضهم: هو الطين. وقال مجاهد: هي بالفارسية؛ أولها حجر وآخرها طين. وقال في الآية الأخرى التي في الذاريات: {حِجَارَةً مِّن طِينٍ} [الذاريات: 33] قال بعض الكوفيين: هي بالفارسية سنك وكل.
قوله: {مَّنضُودٍ} أي بعضه على بعض {مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ} أي: مُعلمة عند ربك في تفسير الحسن. وقال الحسن: هي من السماء، مسوّمة، أي: عليها سيما. إنها ليست من حجارة الدنيا، وإنما هي من حجارة العذاب. وتلك السيما على الحجر منها مثل الخاتم.
قوله: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} قال مجاهد: يرهب به قريشاً، يعني المشركين. وبعضهم يقول: وما هي من ظالمي أمتك، يا محمد، يعني المشركين، ببعيد، أي: أن يحصبهم بها كما حصب قوم لوط. (2/242)
صفحة 823
ذكر جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: «إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط»
(2/ 114)
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)
قوله: {وَإِلَى مَدْيَنَ} أي وأرسلنا إلى مدين، تبعاً للكلام الأول {أَخَاهُمْ شُعَيْباً} هو أخوهم في النسب، وليس بأخيهم في الدين.
{قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ} أي بخير من الله في السعة والرزق. وقال بعضهم: رأي عليهم يسراً من يسر الدنيا، وكانوا أصحاب تطفيف في الكيل ونقصان في الميزان. {وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} أي: يحيط بكم عذاب الله في الدنيا قبل عذاب الآخرة.
{وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} أي: بالعدل {وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} أي: ولا تنقصوا الناس حقهم الذي لهم. وقال بعضهم: ولا تظلموا، وهو واحد.
قوله: {وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي: ولا تسيروا في الأرض مفسدين. وقال الحسن: ولا تكونوا في الأرض مفسدين.
قوله: {بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ} قال بعضهم: حظكم من ربكم خير لكم، يعني الجنة. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: إن آمنتم.
بعضهم: ما أبقى الله لكم من أموالكم الحلال هو خير لكم مما تبخسون الناس. وقال مجاهد: بقيت الله: طاعة الله. (2/243)
صفحة 824
قوله: {وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ} أي: أحفظ أعمالكم عليكم حتى أجازيكم بها.
(2/ 115)
قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)
قوله: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا} يعنون أوثانهم. {أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} أي: أو أن نترك [أن نفعل]. وبعضهم يقرأها أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء، أي: أو تأمرك أن تفعل في أموالنا ما تشاء.
{إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} أي: إنك أنت السفيه الضال. قال الحسن: أي: إنك لست بالحليم الرشيد. كقوله: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ} [الدخان: 49] أي: إنك لست كذلك.
وأما قوله: {أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ} فقال الحسن: إن الله لم يبعث نبياً إلا فرض عليه الصلاة والزكاة. وهي مثل قوله: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ} [البينة: 5].
{قَالَ يَاقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} أي: على أمر بيِّن من النبوة {وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً} أي: النبوة {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} فأفعله، في تفسير الحسن. وقال غيره: لم أكن لأنهاكم عن أمر فأركبه.
{إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ} أي: وما اعتصامي إلا بالله؛ أي: إن الله الموّفِقُ الهادي إلى كل خير. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أي بقلبي وعملي.
(2/ 116)
وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93)
{وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي} أي: لا يحملنكم فراقي {أَن يُصِيبَكُم} قال الحسن: بكفركم {مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} أي: أن ينزل بكم من عذاب الله مثل ما نزل بهم.
{وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ} لمن استغفره وتاب إليه {وَدُودٌ} أي: يود أهل طاعته. وقال الحسن: يتودَّدُ إلى خلقه.
{قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ} [أي: لا نقبل ما تقول، وقد فهموه وقامت بينهم به الحجة] {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً} أي: مصاب البصر؛ كان أعمى. {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} أي: بالحجارة فقتلناك بها. {وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} وكان من أشرافهم.
{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ} على الاستفهام {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} قال مجاهد: فضلاً. وقال غيره: أعززتم قومكم وأظهرتم بربكم، يعني أنكم جعلتموه منكم بظهر. (2/244)
صفحة 825
{إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي: خبير بأعمالكم. كقوله: {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً} [الكهف: 91] وكقوله: {أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} [الطلاق: 12].
قوله: {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ} أي: على ناحيتكم، أي: على (2/245)
صفحة 826
الكفر. وهذا وعيد {إِنِّي عَامِلٌ}. على ناحيتي، أي: على ديني {سَوْفَ تَعْلَمُونَ} وليس يأمرهم أن يثبتوا على دينهم، ولكن يخوفهم أنهم إن ثبتوا على دينهم جاءهم العذاب.
قال: {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي: في الدنيا قبل عذاب الآخرة. {وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} أي: سيعلمون إذا جاءهم العذاب من الكاذب. {وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} كقوله: {فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ} [الأعراف: 71].
(2/ 117)
وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99)
قوله: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} أي: بالعذاب {نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أي: موتى قد هلكوا.
قوله: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أي: كان لم يعيشوا فيها {أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ}.
قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بآيَاتِنَا} أي: بآياتنا التي تدل على صحة نبوته. {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي: بحجة بينة. {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ} أي: وقومه. {فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ}. قال الحسن: يكون قائدهم إلى النار حتى يدخلها معه قومه.
قال: {وَبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ}. أي: النار.
{وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ} أي: في الدنيا {لَعْنَةً} [يَعني العذاب الذي عذّبهم به من الغرق] {وَيَوْمَ القِيَامَةِ} أي: واتبعوا يوم القيامة لعنة. {بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ}. قال بعضهم: ترادفت عليه لعنتان: لعنة بعد لعنة، لعنة الدنيا، ولعنة الآخرة.
(2/ 118)
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105)
قوله: {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ القُرَى} أي: من أخبار القرى، أي: الأمم السالفة. {نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} يا محمد؛ يعني ما قص من أخبارهم إلى هذا الموضع {مِنْهَا قَائِمٌ} أي: تراه، وقد هلك أهله {وَ} منها {حَصِيدٌ} لا تراه. وقال بعضهم: منها قائم ترى مكانه، وحصيد لا ترى له أثراً.
قوله: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} وهو كقوله: {وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [الزخرف: 76] أي: لأنفسهم، وكقوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44].
قوله: {فَمَا أغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ}. يعني الأوثان التي كانوا يعبدونها. {لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} يعني العذاب. {وَمَا زَادُوهُمْ} أي تلك الأوثان في عبادتهم {غَيْرَ تَتْبِيبٍ} أي: غير تخسير. وقال الحسن: غير تدمير. (2/246)
صفحة 827
قوله: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ} أي: هكذا أخذ ربك {إِذَا أَخَذَ القُرَى} يعني أهلها، أي: الكفار. {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} أي: وهي مشركة، يعني أهلها {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}.
قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: فيما قصصت من أخبار الأمم السالفة، ومن إهلاكي القرى الظالمة {لأَيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الأَخِرَةِ}.
قوله: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ} أي: يوم القيامة يجتمع فيه الخلق. {وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} أي: يشهده أهل السماوات وأهل الأرض. قال: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ} أي: ذلك اليوم، يوم القيامة {إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} أي: عند الله.
قوله: {يَوْمَ يَأْتِ} أي: يوم القيامة {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} وهو كقوله: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ} أي: روح كل جسد {وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ (2/247)
صفحة 828
الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً} [النبأ: 38] أي: في الدنيا. وقوله: {صَوَاباً} أي: لا إله إلا الله.
ذكروا عن حذيفة بن اليمان أنه قال: يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد حفاة عراة، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، قال: فأول ما يدعى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: لبّيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك. المهديّ من هديت، عبدك بين يديك، وبك وإليك، لا منجى ولا ملجأ إلا إليك. تباركت ربنا وتعاليت، وعلىعرشك استويت، سبحانك رب البيت، ثم يقال له: اشفع؛ فذلك المقام المحمود الذي وعده الله.
قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطنه أمه.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: حدثنا الصادق المصدّق قال: إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون أربعين يوماً علقة، ثم يكون أربعين يوماً مضغة، ثم يبعث الملك فيؤمر أن يكتب رزقه وعمله وأجله وأثره وشقي أو سعيد. والذي لا إله غيره إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار حتى يدخلها. وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة حتى يدخلها.
(2/ 119)
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) (2/248)
صفحة 829
قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} قال بعضهم: هذا حين ينقطع كلامهم حيث يقول الله: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108]. وذلك أن أهل النار يدعون مالكاً، فيذرهم مقدار أربعين خريفاً، ثم يجيبهم: {إِنَّكُم مَّاكِثُونَ} [الزخرف: 77]. ثم يدعون ربهم: فيذرهم قدر عمر الدنيا ثم يقول: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}؛ فلا ينبسون بعدها بكلمة، ولا كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم. فشبّه أصواتهم بأصوات الحمير، أولها زفير وآخرها شهيق.
قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} أي: إن الجنة في السماء والنار في الأرض، وذلك ما لا ينقطع أبداً.
قوله: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} [يعني ما سبقهم به الذين دخلوا قبلهم] كقوله: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً} [الزمر: 71] وقال: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الجَنَّةِ زُمَراً} [الزمر: 73]. فالزمرة تدخل بعد الزمرة، إلا ما شاء ربك. قال: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}.
(2/ 120)
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) (2/249)
صفحة 830
قوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} أي: إلا ما سبقهم به الذين دخلوا قبلهم. وذكر ها هنا ما افترت الفرقة الشاكة من أن قوماً يدخلون النار. ثم يخرجون منها بالشفاعة؛ فإن هذا موضعه وموضع الرد عليهم.
قوله: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أي: غير مقطوع.
قوله: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ} يقول للنبي صلى الله عليه وسلم. فلا تك في شك {مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ} يعني مشركي العرب. {مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُهُم} أي: إلا ما كان يعبد آباؤهم {مِّن قَبْلُ} أي: كانوا يعبدون الأوثان. {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ} أي: من العذاب {غَيْرَ مَنقُوصٍ}. وهو كقوله: {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً} [الإسراء: 63].
قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ} [أي: آمن به قوم وكفر به قوم] {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} ألا يعذب بعذاب الآخرة في الدنيا {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي: لقضى الله بينهم في الدنيا، فأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ولكن أخر ذلك إلى يوم القيامة. {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} يعني المشركين. وقوله مريب، من قِبَلِ الريبة.
(2/ 121)
وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) (2/250)
صفحة 831
قوله: {وَإِنَّ كُلاًّ} يعني الأولين والآخرين {لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
قوله: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} على الإِسلام {وَمَن تَابَ مَعَكَ} يعني المؤمنين الذين تابوا من الشرك. {وَلاَ تَطْغَوْا} فترجعوا عن الإِسلام وتطغوا فيما أحل لكم كما طغى أهل الجاهلية فحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام والزرع. ولا تقارفوا كبائر ما نهاكم الله عنه فتطغوا. وهو طغيان فوق طغيان. وطغيان دون طغيان؛ بعضه شرك، وبعضه نفاق دون الشرك. {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
قوله: {وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} والركون إلى الظلمة من وجهين: يقول: لا تلحقوا بالمشركين ولا ترضوا بأعمالهم، وهم ظلم شرك. وكذلك لا تركنوا إلى الذين ظلموا من المنافقين ولا ترضوا بأعمالهم، وهو ظلم فوق ظلم، وظلم دون ظلم. {فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} أي: فتدخلوها، إذا أنتم ركنتم إلى الظالمين من المشركين والمنافقين. {وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ} أي: يمنعونكم من عذاب الله {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} أي: لا ناصر لكم من الله.
قوله: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ} يعني الصلوات الخمس: أن تقام على وضوئها وركوعها وسجودها ومواقيتها.
وطرفا النهار، في الطرف الأول صلاة الصبح، وفي الطرف الآخر صلاة الظهر (2/251)
صفحة 832
والعصر، وزلفا من الليل، يعني صلاة المغرب وصلاة العشاء. وزلف الليل [أدانيه]، يعني أوائله.
قال: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} أي: إن الصلوات الخمس يذهبن ما دون الكبائر.
ذكر أبو عثمان النهدي قال: كنت مع سلمان الفارسي تحت شجرة فأخذ غصناً منها، فهزّه حتى تساقط ورقه، ثم قال: إني كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، فأخذ غصناً منها، فهزّه حتى تساقط ورقه، ثم قال: إن الرجل المسلم إذا توضأ وأحسن وضوءه، ثم صلّى الصلوات الخمس تحاتّت عنه ذنوبُه كما تَحَاتُّ هذا الورق، ثم تلا هذه الآية: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى للذَّاكِرِينَ}.
ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر»
قوله: {ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} أي: توبة للتائبين. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن كفارتها، فنزلت هذه الأية: {أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ. . .} إلى قوله: {ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}.
(2/ 122)
وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) (2/252)
صفحة 833
قوله: {وَاصْبِرْ} أي: على ما فرض الله عليك، وعلى ما يقول لك المشركون من الأذى {فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.
قوله: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ} [يعني طاعة] {يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} يقول: لم يكن ذلك إلا قليلاً ممن أنجينا منهم أي: من المؤمنين. وأولو بقية عند بعضهم مثل قوله: {بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ} [هود: 86] أي: حظكم عند ربكم خير لكم، يعني الجنة.
قال: {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ} يعني المشركين، اتبعوا ما أترفوا فيه، أي: من دنياهم. وقال الحسن: ما وسّع الله عليهم فيه من الدنيا. {وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} أي: مشركين.
قوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} كقوله: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40]، يعني بشركهم وتكذيبهم رسلهم. ولو آمنوا لم يهلكوا بالعذاب.
قوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: على الإِيمان. مثل قوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} [يونس: 99] {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} والمختلفون هم الكفار، وهم في اختلاف [على أديان شتى] في تفسير مجاهد وغيره، مثل قوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ} [سورة ق: 5] أي: ملتبس. وعامة الناس كفار.
وقوله: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} والمختلفون هم الكفار، وهم المؤمنون، لا يختلفون في البعث كما اختلف الكفّار، وهم في شك منه، وذلك منهم اختلاف، (2/253)
صفحة 834
وهم منه في لَبس. فأهل رحمة الله أهل جماعة وإن تفرّقت ديارهم، وأهل معصية الله أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم. والآية محتملة لاختلاف الكفار في البعث وشكهم فيه، واختلاف من اختلف من أهل القبلة مما شرعوا من الأديان ما لم يأذن به الله، وادعائهم على الله في ذلك الكذب، وبقولهم في ذلك على الله ما لا يعملون.
قوله: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} قال الحسن: للاختلاف، وتلا هذه الآية: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ العَظِيمِ الَّذَي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} [النبإ: 1 - 3]. ولا اختلاف اليوم أعظم وبالاً ولا أشد فرقة ولا ادعاء على الله من مختلفي أهل القبلة فيما شرعوا من أديانهم. وتَقَوَّلُوا على الله من أباطيلهم. قال: ولذلك خلق أهل الرحمة لا يختلفون.
قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} أي: وسبقت كلمة ربك {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي: من كلا الفريقين: الجن والإِنس، يعني الكفار أهل النار. كقوله: {اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف: 18] أي: من كلا الفريقين ممن عصى الله وارتكب الكبائر.
(2/ 123)
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)
قوله: {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} فتعلم أن الأنبياء قد لقِيَت من الأذى ما قد لَقِيَت. قوله: {وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ} قال بعضهم: وجاءك في هذه السورة الحق. وقال الحسن: في هذه الدنيا الحق. وتفسير مجاهد: في هذه السورة.
ذكروا أن أبا بكر قال: يا رسول الله، ألا أراك قد شِبْتَ. قال: «شيَّبتني هود والواقعة والمرسلات وعمَّ يتساءلون وإذا الشمس كوّرت»
قوله: {وَمَوْعِظَةٌ} أي: ما في القرآن من مواعظ. {وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}. (2/254)
صفحة 835
قوله: {وَقُلِ لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} أي: على ناحيتكم، على كفركم. يخوفهم العذاب إن ثبتوا على كفرهم {إِنَّا عَامِلُونَ} أي: على ديننا {وَانتَظِرُوا} أي: ما ينزل بكم من العذاب، أي: الذين تقوم عليهم الساعة، يعني آخر كفار هذه الأمة الدائنين بدين أبي جهل وأصحابه. {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} أي: أن يأتيكم العذاب.
قوله: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: لا يعلم غيب السماوات والأرض إلا هو. وهو مثل قوله: {يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الفرقان: 6]. {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ} أي: يوم القيامة {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} لا يغفل، ولا تخفى عليه خافية.
(2/ 125)
الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) (2/255)
صفحة 836
تفسير سورة يوسف
وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الر تِلْكَ ءَايَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ} قد فسّرناه في غير هذا الموضع. {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً} أي: بلسان عربي مبين {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: لكي تعقلوا ما فيه فتؤمنوا به.
قوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} من الكتب الماضية وأمور الله السالفة في الأمم {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ} [أي: بوحينا إليك هذا القرآن] {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ} أي: من قبل أن ينزل عليك القرآن {لَمِنَ الغَافِلِينَ}. وهو كقوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ} [الشورى: 52]، وكقوله: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى} [الضحى: 7].
قوله: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبَاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}.
فتأّوّلها يعقوب إن إخوة يوسف، وكانوا أحد عشر رجلاً، وأبويه سيسجدون له؛ أعلمه الله بذلك. فإخوته هم الأحد عشر كوكباً، والشمس والقمر أبواه.
(2/ 126)
قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) (2/256)
صفحة 837
{قَالَ يَابُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً} يقول: يحسدوك، ظناً منه؛ فكان حقاً، كما ظن. {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي: بيّن العداوة للإنسان.
{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} أي: يصطفيك ويختارك للنبوة. وهذا شيء أعلمه الله يعقوب عليه السلام، أن الله سيعطي يوسفَ النبوةَ.
قوله: {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ}. قال مجاهد: تفسير الرؤيا. وتفسير الحسن: عواقب الأمور التي لا تعلم إلا بوحي النبوة. {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} أي: بالنبوة. {وَعَلَى ءَالِ يَعْقُوبَ} فأعلمه أنه سيعطي ولد يعقوب كلهم النبوة. {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ}. قال بعضهم: حيث أراد ذبحه، في قول من قال: إنه إسحاق، ففداه الله بكبش. {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: عليم بخلقه، حكيم في أمره.
قوله: {لَّقَدْ كَانَ في يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ} أي: عبرة لمن كان سائلاً عن حديثهم.
قوله: {إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي: جماعة {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: من الرأي، أي: في حب يوسف وأخيه، وليس يعنون في ضلال في الدين. ولم يكونوا يوم قالوا هذه المقالة أنبياء، وقد كانوا مسلمين.
قوله: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ}. تفسير الحسن قال: يعنون في الدنيا، أي: في صلاح الدنيا، وليس يعنون صلاح الدين. وبعضهم يقول: وتتوبون من بعد قتله، فتكونون قوماً صالحين.
(2/ 127)
قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10) قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15) (2/257)
صفحة 838
{قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ} قال بعضهم: هو روبيل، وكان أكبر القوم، وهو ابن خالة يوسف وهو الذي قال: {أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقاً مِّنَ اللهِ} [يوسف: 80]. وقال مجاهد: كبيرهم شمعون، وأكبر منه في التلاد روبيل.
{لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الجُبِّ} أي: في بعض نواحيها {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ} أي: بعض مارة الطريق {إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} ولا تقتلوه.
{قَالُوا يَا أَبَانَا مَالَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَع وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وهي تقرأ على وجهين: بالياء والنون. فمن قرأها بالياء فهو يعني يوسف، يقول: يرتع ويلعب. ومن قرأها بالنون فهو يعني جماعتهم. وقراءة الحسن بالياء، وقراءة مجاهد بالنون. وقال مجاهد: تفسير نرتع ونلعب، أي: ننشط ونلهو.
قوله: {إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي: جماعة {إِنَّا إِذاً لَّخَاسِرُونَ} أي: إِنا إذاً لعَجَزَة.
قال الله: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الجُبِّ} ففعلوا وألقوه في الجبّ. {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} قال مجاهد: إلى يوسف. قال الحسن: أعطاه (2/258)
صفحة 839
الله النبوة وهو في الجبّ. وقال بعضهم: هو إلهام {لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: أنك يوسف. ولم يكن إخوة يوسف يومئذٍ أنبياء، وإنما أوتوا النبوّة بعد ذلك، وهم الأسباط.
وقال بعضهم: أتاه وحي الله وهو في البئر بما يريدون أن يفعلوا به، {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}. أي: بما أطلع الله عليه يوسف من أمرهم.
(2/ 128)
وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19)
قوله: {وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ قَالُوا يَأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} أي: بمصدِّق لنا {وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} أي: ولو صَدَقناك.
{وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} أي: لطخوا قميصه بدم سخلة، قال مجاهد: سخلة شاة.
{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} أي: زيّنت لكم أنفسكم أمراً {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي: ليس لي فيه جزع، في تفسير مجاهد. {وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} أي: ما تكذبون.
قال الحسن: فعلم يعقوب، بما أعلمه الله، أن يوسف حي، ولكن لا يعلم أين هو.
وذكروا عن الحسن أنه قال: لما جيء بقميص يوسف إلى يعقوب، نظر إليه فلم يرَ شقاً ولا خرقاً، وقال: ما كنت أعهد الذئب حليمً [أكل ابني وأبقى على قميصه].
قوله: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ} الذي يرد الماء ليستقي للقوم. (2/259)
صفحة 840
وقال بعضهم: واردهم: رسولهم. {فَأَدْلَى دَلْوَهُ} أي: في الجب، وهي بئر بيت المقدس. فلما أدلى دلوه تشبّث بها يوسف.
قال الحسن: ف {قَالَ} الذي أدلى دلوه في البئر: {يَا بُشْرَىَ هَذَا غُلاَمٌ} يقول لصاحبه: البشرى! قال له صاحبه: ما وراءك؟ قال: هذا غلام، فأخرجوه. وقال بعضهم: يا بشراي هذا غلام، أي: تباشروا به حين أخرجوه.
قوله: {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} قال بعضهم: أخفوه من أصحابهم. وقالوا: هو بضاعة استبضعناه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر.
وقال بعضهم: كان إخوة يوسف، وهم عشرة، قريباً منهم حين أخرجوه من الجب؛ فجاءوا فقالوا: هذا غلام لنا أبقَ منا، فباعوه منهم، فهم الذين أسروه بضاعة فباعوه.
وقال مجاهد: وأسروه بضاعة، أي: صاحب الدلو ومن كان معه قالوا لأصحابهم: إنما استبضعناه، مخافة أن يستشركوهم فيه إن علموا بثمنه. قالوا: إنما استبضعناه، وإخوته معه يقولون: استوثقوا منه لا يأبِق حتى تبيعوه بمصر. وقال يوسف: من يبتاعني فليبشر.
(2/ 129)
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)
{وَشَرَوْهُ} أي: باعوه {بِثَمَنٍ بَخْسٍ} أي ظلم، أي حرام ولم يكن يحل بيعه {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ}. قال مجاهد: باعوه باثنين وعشرين درهماً. (2/260)
صفحة 841
قال الكلبي: المعدودة ما كان دون الوقية والوقية أربعون درهماً! فما دون الوقية فهو معدود، لا يوزن.
قوله: {وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} أي الذين التقطوه. وزهادتهم فيه أنهم لم يكونوا يعرفون منزلته من الله، فباعوه من ملك مصر.
(2/ 130)
وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)
قوله: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} أي منزلته {عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} أي نتبناه. قال الحسن: يقول: نتبناه.
قال الله: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ} يعني أرض مصر وما أعطاه الله وما مكنه {وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ}. قال مجاهد: تعبير الرؤيا. {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} هو مثل قوله: {إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} [الطلاق: 3] {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم المشركون.
قوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} [يقال: بلغ عشرين سنة] {ءَاتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً}. قال الحسن: أعطى الرسالة عند هذه الحال. وقد كان أعطى النبوّة قبل ذلك في الجب. {وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ}.
قوله: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ} أي: امرأة العزيز {وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} أي: هلمّ لك. وهي تقرأ على وجه آخر: هيتُ لك، أي: تهيأت لك {قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي} أي: سيّدي، يعني العزيز. {أَحْسَنَ (2/261)
صفحة 842
مَثْوَايَ} أي: أكرم منزلتي. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}. ذكروا أن أول ما قالت: يا يوسف، ما أحسن شعرَك! قال: أما إنه أول شيء يبلى مني.
(2/ 131)
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25)
قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} أي: ما أرادته به على نفسها حين اضطجعت له. {وَهَمَّ بِهَا} أي: حلّ سراويله. قال: {لَوْلاَ أَنْ رَّءَا بُرْهَانَ رَبِّهِ}.
ذكروا عن الحسن أنه قال: زعموا أنه رأى يعقوب في صورته قد فرج عنه سقف البيت عاضاً على إصبعه. وكذلك قال غيره. قال مجاهد: مثل له يعقوب فاستحيى منه. وقال بعضهم: قد مثل له يعقوب، قد فرج سقف البيت، مشرفاً عليه، فصرف الله عند وأذهب كل شهوة كانت في مفاصله. وفي تفسير الكلبي: إنه ملك تشبه بيعقوب.
قال الله: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ} يعني أنه نبي أخلص بالنبوة. (2/262)
صفحة 843
قال بعضهم: فولّى هارباً فاتبعته {وَاسْتَبَقَا البَابَ} فسبقها إلى الباب ليخرج {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ} أي: شقّته من خلفه. {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا} أي زوجها. ولو لم يعلم حق الزوج وحرمته، إلا أن الله سمّاه سيداً، أي: سيداً للمرأة. قال: وألفينا سيّدها. {لَدَا الْبَابِ} أي: عند الباب. {قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً} تعني الفاحشة {إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع.
(2/ 132)
قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29)
{قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي} قال: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا} أي: من أهل المرأة. قال بعضهم: أخوها، وقال بعضهم: ابن عمها. فجعله العزيز بينهما حكماً، فقضى بينهما بالحق.
قال: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ}.
وفي تفسير الكلبي: إنه كان شاهداً. قال: سمعنا الجلبة وقَدَّ القميص؛ فإن كان قُدَّ من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، أي: فهو الذي أرادها على نفسها فقَدَّت قميصه. وإن كان قُدَّ من دبر فهو الذي فَرَّ منها فقدَّت قميصَه.
وقال مجاهد: وشهد شاهد من أهلها، أي: قميصه مشقوق من دبر، فذلك شاهدها.
وقال بعضهم: وشهد شاهد، أي: وحكم حاكم من أهلها. وقال بعضهم: شهد رجل حكيم. وكان لعمري حكيماً إذ حكم بهذا، فقال: القميص يقضي بينهما؛ إن كان قُدَّ من قُبُل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قُدَّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين.
قوله: {فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ} زوجها {إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}. قال الحسن: ثم قال ليوسف: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} ولا تذكره ولا تُفْشِه. وقال لها: {وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكَ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخَاطِئِينَ} يعني الخطيئة. (2/263)
صفحة 844
وقال الكلبي: إن قريبها، وهو ابن عمها، رغب إلى يوسف أن يُعرض عن ذلك، ولا يذكره لأحد، وقال لها استغفري لذنبك من زوجك واستعفيه ألا يعاقبك إنك كنت من الخاطئين.
(2/ 133)
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)
قوله: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المَدِينَةِ امْرَأَتُ العَزِيزِ} يعني غير الملِك {تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ}، أي: غلامها {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً} قال الحسن: قد بطنها حبه؛ وكان يقرأها: قد شعفها حُبّاً. وقال والشغف أن تكون مشغوفاً به. وقال بعضهم: قد شغفها، أي: ملأها حبه.
وقال الكلبي: قد شغفها حباً، والشغاف حجاب القلب [وقال مجاهد: أي: دخل حبه في شغافها]. والعامة على شغفها. وبعضهم يقرأها: قد شعفها.
قال الكلبي: والنسوة امرأة صاحب السجن، وامرأة ساقي الملك، وامرأة أمير الخبازين، وامرأة صاحب الدواب. والعزيز كان دون الملك على أمر الملك. وقوله تعالى: {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: بيِّن. يعنين مراودتَها فتاها عن نفسه.
قوله: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} [أي: بغيبتهن] {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} [وأرادت أن توقعهن فيما وقعت فيه]. . . {وَأَعْتَدَتْ} أي: وأعدّت {لَهُنَّ مُتَّكَئاً}. وهي تقرأ على وجهين: مثقلة ومخففة. فمن قرأها مثقلة جعلها مجلساً (2/264)
صفحة 845
وتُكَأة، وهو قول مجاهد. ومن خفّفها جعله شيئاً يحز بالسكاكين، وقال بعضهم: هو الأترج. وقال الحسن: هو طعام يحز بالسكاكين.
قوله: {وَءَاتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً} أي: ليقطعن ويأكلن. {وَقَالَتِ} ليوسف {اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ}.
قال: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} أي: أعظمنه. قال الحسن: لما رأين من جماله وهيئته. وقال الكلبي: أعظمنه أن يكون من البشر.
قوله: {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} أي: وحززن أيديهن. قال الكلبي: لا يعقلن ما يصنعن. {وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} أي: معاذ الله {مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ} من ملائكة الله. {كَرِيمٌ} أي: على الله.
(2/ 134)
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)
{قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} أي: فهذا الذي لمتنَّنِي فيه {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} أي: فاستعصى. وقال الحسن: فامتنع. {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ} أي: من الأذلاء.
فدعا يوسف ربه ف {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ} [قال الحسن: قد كان من النسوة عون لها عليه] {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} أي: أتابعهن. [وقال بعضهم: أَمِلْ إِليهن ميل جهل وصبا]. {وَأَكُن مِّنَ الجَاهِلِينَ}.
(2/ 135)
فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)
{فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي: لا أسمع منه ولا أعلم منه.
قوله: {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الأَيَاتِ} قال مجاهد: يعني قدّ القميص من دبر، وقطع الأيدي، أيدي النسوة. {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} أي: حتى زمان، في تفسير الكلبي.
قال الكلبي: بلغنا أنها قالت لزوجها: صدّقته وكذّبتني وفضحتني في المدينة، فأنا غير ساعية في رضاك إن لم تسجن يوسف، وتسمع به وتعذرني، فأمر بيوسف، فحمل على حمار، ثم ضرب بالطبل: إن هذا يوسف العبراني أراد سيدته على نفسها. فطيف به في أسواق مصر كلها، ثم أدخل السجن. قال الكلبي: قال أبو صالح: لم أرَ ابن عباس قط يذكر هذا الحديث على يوسف إلا بكى.
قوله: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ. قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً} وهي في قراءة ابن مسعود: أعصر عنباً. {وَقَالَ الأَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً} وفي في قراءة ابن مسعود: قصعة من ثريد. {تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِينَ}.
قال بعضهم: كان إحسانه، فيما بلغنا، أنه كان يداوي جرحاهم، ويعزّي حزينهم، ورأوا منه إحساناً فأحبّوه على فعله. (2/265)
صفحة 846
وكان الذي قال: إني أراني أعصر خمراً ساقي الملك على شرابه، وكان الذي قال: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه خباز الملك على طعامه. فقال للخباز: إنك تصلب وتأكل الطير من رأسك، وقال لساقيه: أما أنت فترد على عملك. فذكر لنا أنهما قالا حين عبّر لهما الرؤيا: لم نرَ شيئاً، فقال: {قُضِيَ الأَمْرُ الذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ}. (2/266)
صفحة 847
وقال الكلبي: قال الساقي: إني أريت فيما يرى النائم أني دخلت الكرم، فإذا أنا بحبلة حسنة الورق والظل، ذات قضبان ثلاثة. فنظرت إلى القضبان فإذا أنا فيها بعنب قد طاب. فأخذت من العنب، فعصرته في كأس الملك، ثم أعطيته إياه، فأخذه من يدي فشربه. فقال له يوسف: نعم الرؤيا رأيت. أما الحبلة التي رأيت وظلها وحسن ورقها فهو عملك الذي كنت عليه، وأما القضبان الثلاثة فهي ثلاثة أيام تكون في السجن، ثم يسأل عنك الملك، فيردك إلى عملك، ثم تعطيه الكأس فيأخذها من يدك ويشربها. ثم قال له يوسف: اذكرني عند ربك، أي: عند الملك، لعله يخرجني من مكاني.
وقال الخباز: رأيت أني أحمل فوق رأسي خبزاً، وقال: يا يوسف، عبر رؤياي كما عبرت لصاحبي، فقال له يوسف: وما رؤياك؟ فقال: رأيت فيما يرى النائم أني خارج من مطبخ الملك، وعلى رأسي ثلاث سلل من خبز، فإذا فوق أعلاها طير تأكل منها. قال له يوسف: رؤياك قبيحة.
(2/ 136)
أما السلل الثلاثة فثلاثة أيام تكون في السجن، ثم يخرجك الملك فيصلبك فتأكل الطير من رأسك. فقال: يا يوسف، فإني لم أرَ شيئاً. قال: {قُضِيَ الأَمْرُ الذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} كالذي قلتما، كذلك يقضى لكما، لصاحب الخير خير، ولصاحب الشر شر.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الرؤيا عند عُبِرت»
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الرؤيا معلقة برجل طير ما لم يحدث بها صاحبها، فإذا حدث بها وقعت. فلا تحدثَنَّ بها إلا عالماً أو ناصحاً، أو قال: حبيباً، أو كالذي قال» (2/267)
صفحة 848
ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان في آخر الزمان، أو إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن. وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً. والرؤيا ثلاثة: منها بشرى من الله، ومنها تحزين من الشيطان، ومنها ما يحدث به الرجل نفسه»
(2/ 137)
قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)
قوله: {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} أي: بمجيئه. قال بعضهم: أي: بلون الطعام {قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي}. فكان يخبرهما بما يأتيهما من الطعام قبل أن يأتيهما، بما يطلعه الله عليه، كما أطلع عيسى ابن مريم، فكان ينبىء بني إسرائيل بما يأكلون وما يدّخرون في بيوتهم. فكان يقول للرجل: أكلت كذا وكذا، وادّخرت كذا وكذا.
قوله: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالأَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} يقول: لم أتبع ملتهم. {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَاءِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا} يعني النبوة التي أعطاهم الله {وَعَلَى النَّاسِ} يعني الإِسلام. ويقال: رب شاكر نعمة على غيره. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} أي: لا يؤمنون.
قوله: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ} يعني الفتيين اللذين سجنا معه {ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ}، على الاستفهام، أي: يفهمهم، يعني الأوثان التي يعبدون من دون الله من صغير وكبير ووسط {خَيْرٌ أَمِ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ} أي: إن الله خير منهم. هو مثل قوله: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ (2/268)
صفحة 849
يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} [الزمر: 29]، يعني به مثلاً لنفسه، ويعني بالرجل السلم الذي يعبده ويوحده، ويعني بالشركاء المتشاكين الآلهة التي يعبدونها من دون الله.
(2/ 138)
مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)
قوله: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} أي: من حجة {إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} أي: إن القضاء إلا لله {أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ} أي: لم يأمر العباد إلا بعبادته. قال الله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
ذكر بعضهم قال: لما علم يوسف أن أحدهما مقتول دعاهما إلى حظهما من ربهما، فقال: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ} أي: إنه قهر العباد بالموت وبما شاء من أمره.
قوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم الذين لا يؤمنون، وهم أكثر الناس. ذكروا عن الحسن قال: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم] يقول الله لآدم، يا آدم قم فابعث بعث أهل النار. قال: يا رب، وما بعث أهل النار؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة، فلما سمعوا ما قال نبيهم أبلسوا حتى ما يُجلى أحدهم عن واضحة. فلما رأى ما بهم، قال: أبشروا، فما أنتم في الناس إلا كالرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير. وإنكم لمع الخليقتين ما كانتا مع شيء قط إلا كثَّرَتاه: ياجوج وماجوج ومن هلك من بني إبليس، فتكمل العدة من المنافقين.
قوله: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الأَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} وقد فسّرناه في الآيات الأولى. (2/269)
صفحة 850
قوله: {وَقال لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُما اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} أي: اذكر أمري عند سيدك، أي: الملك.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقولن أحدكم عبدي ولا أمتي، وليقل فتاي وفتاتي، ولا يقولن المملوك لسيده ربي وربتي، وليقل سيّدي وسيّدتي؛ كلكم عبيد، والله هو الرب»
قوله: {فَأَنساهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} ذكر أن يوسف قال للساقي حين عبر له رؤياه: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}، وذلك بعد ما لبث في السجن خمس سنين يتضرّع إلى الله بالليل والنهار ويدعوه، فأنساه الشيطان ذكر ربه، يعني يوسف. ورغب يوسف إلى الساقي أن يذكره عند الملك.
قال: {فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ}. قال بعضهم: سبع سنين بعد ذلك، عقوبة من الله لقوله: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}، وقال الحسن: البضع ما بين الثلاثة إلى العشرة.
وقال مجاهد: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} أي: عند الملك؛ فلم يذكره حتى رأى الملك الرؤيا. وذلك أن يوسف عليه السلام أنساه الشيطان ذكر ربه وأمره أن يذكره للملك ابتغاء الفرج عنده. فلبث في السجن بضع سنين عقوبة [لقوله ذلك].
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل (2/270)
صفحة 851
اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ما لبث»
(2/ 140)
وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46)
قوله: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} أي: سبع بقرات عجاف {وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ} أي: ورأيت سبع سنبلات {خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} أي: وسبعا يابسات {يَاأَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ}.
{قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} أي: أخلاط أحلام. وقال الحسن: ألوان أحلام. وقال بعضهم: فعل أحلام، وقال الأضغاث الأَحْلاَمِ الكاذبة. {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ}.
{وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا} أي: من المسجونين، وهو الساقي {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} يقول: ادَّكر بعد حين، في تفسير مجاهد. وقال الكلبي: بعد سبع سنين. وقال بعضهم، {بَعْدَ أُمَّةٍ} أي: بعد سنين.
وذكر عكرمة أن ابن عباس كان يقرأها: {بَعْدَ أُمَّهٍ} أي: بعد نسيان.
{أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ}. وفيها إضمار، وإضمارها. [فأرسله الملك، فأتى يوسف في السجن فقال: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} يعني الصادق.
وقال بعضهم: أيها الرجل الصالح {أفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمَانٍ} أي: أخبرنا عن سبع بقرات سمان {يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّيِ أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ}.
فأجابه يوسف فقال: أما السبع البقرات السمان والسبع السنبلات الخضر فهي سبع سنين تخصِب. وأما السبع البقرات العجاف والسنبلات اليابسات فهي سبع سنين مجدبة يابسات. قال: يا يوسف، ثم ماذا بعد ذلك؟ قال: {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ (2/271)
صفحة 852
ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}. هذا في تفسير الكلبي.
وقوله: {فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ}، أي: أهل مصر يغاثون بالمطر. {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} أي: العنب والزيتون في تفسير بعضهم. قال: وهذا علم أتاه الله علمه لم يسأل عنه.
(2/ 141)
قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)
قوله: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً} [أي: دائبين كعادتكم] {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ} أراد بذلك البقاء. لأنه إذا كان في السنبل كان أبقى له {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ}.
قال: {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ} أي: مجدبة {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} أي: في السنين المخاصب {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ} أي: إلا قليلاً مما [تحرزون وتدخرون].
{ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} قد فسّرناه في الآية الأولى.
فأخبرالملك أن يوسف هو الذي عبر الرؤيا.
{وَقَالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ} أي: رسولُ الملك جاء يوسفَ. {قَال} له يوسف {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} أي: إلى سيدك، يعني الملك، وهذا كلامهم يومئذٍ، قال: {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} أي: حززن أيديهن {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}.
ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أخي يوسف، لو كنت أنا دعيت لأسرعت في الإِجابة»، قال بعضهم: أراد ألا يخرج حتى يكون له عذر. (2/272)
صفحة 853
فأرسل إليهن الملك، فدعاهن ف {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ} في يوسف، أي: ما حجتكن. {إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} أي: بالكلام والدعاء إلى المرأة. قال الحسن: قد كان منهن عون للمرأة عليه، وكان منهن شيء. {قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} فانتفين من ذلك {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ} أي: من زنا. والسوء ها هنا الزنا.
{قَالَتِ امْرَأَتُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ} أي: الأن تبيّن الحق {أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} فانقضى كلام المرأة.
(2/ 142)
ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)
فقال يوسف عليه السلام: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالغَيْبِ} لما قالت امرأة العزيز {الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} بلغ ذلك يوسف فقال: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالغَيْبِ} وكان الملك فوق العزيز.
قوله: {وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ} أي: لا يصلح عمل الزناة.
قال بعضهم: فلما قال يوسف هذا قال الملك الذي تشبه بيعقوب حين فرج سقف البيت، فأشرف عليه حين همّت به وهمّ بها، قال: ولا حين حللت سراويلك، أي: لم تخنه ولا حين حللت سراويلك. وقال بعضهم: إن جبريل عليه السلام قال: فما فعلت السراويل؟ قال يوسف:
{وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِى إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يعني الهمّ الذي همّ بها.
كان بعض السلف يقول: إذا أذنب أنبياؤه عجّلَ لهم العقوبة في الدنيا والتنبيه (2/273)
صفحة 854
والتذكير، يريدهم التطهير. وإنما أخرنا نحن إذ لم يعجل عقوبتنا، لعقاب الآخرة، وليس ذلك لما هو خير لنا. بل ذلك شرّ لنا.
قال الحسن: {الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ} أي: الآن جاء الحق. وذكر بعضهم في قوله: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالغَيْبِ} قال: ذكر لنا أن الملك الذي كان مع يوسف قال له: اذكر ما كنت هممت به، فقال يوسف: وما أبرىء نفسي.
(2/ 143)
وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)
قوله: {وَقَالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} أي: أتخذه لنفسي. فأتوه به من السجن. {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنَا} أي: عندنا {مَكِينٌ} أي: في المكانة والمنزلة. {أَمِينٌ} أي: من الأمانة، كقول الجارية لأبيها في موسى. إذ قالت: {يَا أَبَتِ اسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَئْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص: 26] يعني موسى صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء. وسنذكر ذلك إذا أتينا عليه في سورة القصص [إن شاء الله].
فولاَّه الملك وعزل العزيز. {قَالَ} يوسف: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ} يعني أرض مصر، أي: على أقوات أهل الأرض {إِنِّي حَفِيظٌ} لما وليت عليه، {عَلِيمٌ} بأمره. وقال الحسن: يعني عليم بما يصلحهم من ميرتهم.
قال بعضهم: باع منهم يوسف قوتهم عاماً بكل ذهب عندهم، فصار ذهبهم كله له. ثم باعهم عاماً آخر بكل فضة عندهم، ثم باعهم عاماً آخر بكل نحاس عندهم، (2/274)
صفحة 855
ثم باعهم عاماً آخر بكل رصاص عندهم، ثم باعهم عاماً آخر بكل حديد عندهم، ثم باعهم عاماً آخر برقاب أنفسهم، فصارت رقابهم وأموالهم كلها له.
(2/ 144)
وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57) وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)
قوله: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ} أي: أرض مصر {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} [أي: ينزل منها حيث يشاء] وإنما كان ذلك لتمكين الله له وعطيته إياه. {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ} يعني النبوة. {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ}.
قال: {وَلأَجْرُ الأَخِرَةِ} أي: الجنة {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} يعني ما يعطي الله في الآخرة أولياءَه خير من الدنيا.
قوله: {وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} أي: من أبيه {فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} فأكرمهم وأنزلهم.
{وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ} أي: من الميرة {قَالَ ائتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ} يعني أخاه، وكان أصغرهم كلّهم. قال بعضهم: هو بنيامين، وهو أخو يوسف من أبيه وأمه.
قال: {أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيَ أُوفِي الكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ المُنزِلِينَ} أي: خير المضيفين، أي: خير من يضيف بمصر. وقد رأوا ذلك؛ إنه قد أحسن نزلهم وأكرمهم [لما] عرف أنهم إخوته ولم يعرفوه. قال: {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلاَ تَقْرَبُونَ} يعني إذا رجعوا.
{قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ} أي: ليرسله معنا {وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ}.
{وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ} يعني غلمانه {اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ} أي: دراهمهم في متاعهم {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. أي: لكي (2/275)
صفحة 856
يرجعوا إليّ. يقول: هو أحرى أن يرجعوا إذا رُدت عليهم بضاعتهم.
(2/ 145)
فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)
{فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيِهمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ} أي: فيما يستقبل، أي: إن لم نأته بأخينا. {فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ} يعني يوسف {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} وهي تقرأ على وجهين: حفظاً وحافظاً. فمن قرأها حفظاً يعني: حفظ الله خير من كل حفظ. ومن قرأها حافظاً يعني إن الله هو الحافظ وهو خير الحافظين.
{وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ} أي: دراهمهم {رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي} أي: وراء هذا {هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا} وقد أوفى لنا الكيل. قال: {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} يقولون: إذا أرسلت معنا أخانا {وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ}. وإنما ذلك لأنه كان يكال لكل إنسان حمل بعير بمصر. وتفسير الحسن إنه يزيدنا كيل بعير، أي: بغير ثمن، إذا أرسلت معنا أخانا وكان يوسف وعدهم، في تفسير الحسن، إن هم جاءوهم بأخيهم، أن يزيدهم حمل بغير بغير ثمن.
وقال بعضهم: كيل بعير، أي: حمل بعير. وقال مجاهد: حمل بعير، أي: حمل حمار، وهي لغة لبعض العرب.
{ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ} [قال السدي: يعني سريعاً لا حبس فيه] وقال الحسن: أي: يسير علينا الكيل، لأنه قد كان القوم يأتونه للمَيْر فيُحبَسون الزمانَ حتى يُكال لهم. وبعضهم يقول: {ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ} هذا من قول الله.
قوله: {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ اللهِ} أي: حتى تعطون موثقاً من الله {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} أي: إلا أن تغلبوا عليه. وقال بعضهم: أي: إلا أن تهلكوا جميعاً.
{فَلَمَّا ءَاتَوْهُ} أي: أعطوه {مَوْثِقَهُمْ قَالَ} يعقوب: {اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} أي: حفيظ لهذا العهد.
(2/ 146)
وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)
قوله: {وَقَالَ يَابَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ}. قال بعضهم: خشى على بنيه العين؛ وكانو ذوي صورة وجمال.
ذكروا عن أسماء بنت عميس أنها قالت: يا رسول الله، إن بني جعفر أسرع شيء إليهم العين، أفأسترقى لهم؟ فقال: استرقي لهم. لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين.
ذكروا عن داود بن حصين عن علي بن عبدالله بن عباس أن يتيمة كانت عند ميمونة، فافتقدها (2/276)
صفحة 857
النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها. فقالوا: اشتكت عينيها. فقال: استرقوا لها، فإنه أعجبتني عيناها. (2/277)
صفحة 858
ذكروا عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أنه عان سهل بن حنيف فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أعجب أحدَكم أخوه فليبرّك»
قوله: {وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ}.
(2/ 147)
وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70)
قوله: {وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} يعني قوله: {لاَ تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ}.
قوله: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} قال الحسن: لما آتاه الله من النبوة. وقال بعضهم: لعالم لما علمناه. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم المشركون، وهم أكثر الناس. قال: فأرسل معهم أخاهم.
قوله: {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ ءَاوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ} أي: ضمَّه إليه {قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ} قال مجاهد: فلا تحزن {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يعني إخوته. وقال الحسن: يقول: لا تغتمَّ بما كان من أمرك وأمر إخوتك.
قال: {فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ} يعني ميرتهم التي جاءوا لها، ووفّى لهم الكيل، وقضى حاجتهم {جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} والسقاية إناء الملك الذي كان (2/278)
صفحة 859
يُسقى فيه، وهو الصواع، والصواع الإِناء الذي كان يشرب فيه؛ جعله في متاع أخيه.
وخرج إخوة يوسف، وأخوهم معهم، من عنده وساروا معه، فاتبعهم مناد {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} أي: ثم نادى منادٍ {أَيَّتُهَا العِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}.
(2/ 148)
قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)
{قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم} أي: إخوة يوسف أقبلوا عليهم {مَّاذَا تَفْقِدُونَ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ المَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} أي: من الطعام، والطعام يومئذٍ عزيز. {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} أي: وأنا به كفيل لمن جاء به.
قال مجاهد: الزعيم هو المؤذن [الذي قال: {أَيَّتُهَا العِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}].
{قَالُوا تَاللهِ} وهو يومئذٍ قَسَم يُقسم به {لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ} لما كانوا يأتونهم قبل ذلك في المَيْر، وأنهم لم يروا منهم فساداً، {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ}.
{قَالُوا فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ قَالُوا جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَآؤُهُ} أي يؤخذ به عبداً. وكانت تلك سنتَهم. {كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} أي: السارقين.
وكذلك كان الحكم عندهم: أن يؤخذ بسرقته عبداً [يستخدم على قدر سرقته] وكان في قضاء أهل مصر أن يغرم السارق ضعفي ما أخذ، ثم يرسل. فقضوا على أنفسهم بقضاء أرضهم، وهو مما صنع الله ليوسف، فذلك قوله: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} أي: صنعنا ليوسف {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ المَلِكِ} أي: في قضاء الملك، ملك مصر؛ أي: لو كان القضاء إليه غرمه ضعفي ما أخذ، ثم خلّى سبيله.
قوله: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ} ففتشها {قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ (2/279)
صفحة 860
أَخِيهِ}. قال الله: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}. قال الحسن: كاد الله ليوسف ليضمَّ إليه أخاه.
ذكر بعضهم قال: ذكر لنا أن يوسف عليه السلام كان لا ينظر في وعاء من أوعيتهم إلا استغفر الله تائباً مما قذفهم به.
قال الله: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ المَلِكِ} قال بعضهم: أي: ما كان ذلك في قضاء الملك. قال: {إِلاَّ أَن يَّشَاءَ اللهُ} أي: أن يستعبد رجلاً بسرقة.
قال مجاهد: وكان الملك مسلماً. وقال مجاهد: {إِلاَّ أَن يَّشَاءَ اللهُ}، أي: إلا بعلّة كادها الله له، فاعتلّ بها يوسف.
قوله: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ} قال: بالنبوة. {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٍ} قال: إن الله علا علمه فوق كل علم.
قال الحسن: أجل والله، لفوق كلّ ذي علم عليم، حتى ينتهي العلم إلى الذي جاء منه، وهو الله. وكل شيء فعله يوسف من أمر أخيه، وما صنع من أمر الصُّواع، إنما هو شيء قَبِلَه عن الله.
(2/ 149)
قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77)
قوله: {قَالُوا إِن يَّسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِنْ قَبْلُ} يعنون يوسف.
وكان جدُّه، أبو أمه، يعبد الأوثان؛ فقالت له أمه: يا يوسف، اذهب فخذ القفة التي فيها أوثان أبي، ففعل، فجاء بها إلى أمه. فتلك السرقة التي عيّروه بها. قال الحسن: كَذَبوا عليه، ولم يكونوا يوم قالوا هذه المقالة أنبياء، إنما أُعطوا النبوة بعد ذلك. وقال بعضهم: كان الصنم لجده، أبي أمه، وإنما أراد به الخير. (2/280)
صفحة 861
قوله: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} أي: هذه الكلمة.
وفي تفسير بعضهم: أسرّ في نفسه هذا القول: {أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً}. وهذا من مقاديم الكلام، أي: في الإِضمار.
{قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} ممن قلتم له هذا. {وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} أي: إنه كذب.
(2/ 150)
قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (79) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80)
{قَالُوا يَاأَيُّهَا العَزِيزُ} يعنون يوسف، يعنون على الملك. قال الكلبي: إن يوسف كان العزيز بعد العزيز، سيده الذي ملكه. {إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} عبداً، ورُدَّه على أبيه، فإنه شيخ كبير. {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِينَ}.
{قَالَ} يوسف {مَعَاذَ اللهِ أَن نَّأْخُذَ} فنستعبد {إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ} أي: على ما قضوا به على أنفسهم حيث {قَالُوا جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَآؤُهُ} يؤخذ عبداً بتلك السرقة. {إِنَّا إِذاً لَّظَالِمُونَ} [أي: إن أخذنا غير الذي وجدنا متاعنا عنده].
قوله: {فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ} أي: يئسوا من أن يرد عليهم أخاهم {خَلَصُوا نَجِيّاً} أي: خلصوا وحدهم نجِيّاً. جعلوا يتناجون ويتشاورون فيما بينهم في ذلك.
{قَالَ كَبِيرُهُمْ} وهو روبيل، وهو الذي قال: {لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَاتِ الجُبِّ}. وقال مجاهد: كبيرهم شمعون، وأكبر منه في الميلاد روبيل. {أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقاً مِّنَ اللهِ، وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ} (2/281)
صفحة 862
قال الحسن: وقد كانو أعطوا أباهم في يوسف أيضاً عهداً أن يردوه عليه.
{فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ} يعني أرض مصر {حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي} في الرجوع إليه {أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي} بغير الرجوع. وقال بعضهم: أو يحكم الله لي بالموت {وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ}.
(2/ 151)
ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)
{ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَاَ إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} أي: من سرقته {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} أي: ما كنا نرى أنه يسرق.
قال: {وَاسْئَلِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} أي: أهل القرية {وَالعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} أي: أهل العير التي أقبلنا فيها {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}.
قالوا ذلك له فلم يصدقهم و {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ} أي: زيَّنت لكم أنفسكم {أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}. قال مجاهد: الصبر الجميل: الذي ليس فيه جزع. كان مفزع يعقوب في يوسف وأخيه جميعاً إلى الصبر الجميل الذي لم يخالطه الجزع. وكل صبر فيه جزع فليس بجميل.
قوله: {عَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً} أي: يوسف وأخيه [وروبيل] {إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ} أي: العليم بخلقه {الحَكِيمُ} أي: في أمره.
{وَتَوَلَّى عَنْهُمْ} أي: وأعرض عنهم {وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} أي: يا حزنا على يوسف {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ} أي: عمي {مِنَ الحُزْنِ} على يوسف. وقد علم بما أعلمه الله بالوحي أن يوسف حي، وأنه نبي، ولكنه لا يعلم حيث هو، فمكث يبكي. {فَهُوَ كَظِيمٌ} أي: قد كظم على تردد حزنه في جوفه. (2/282)
صفحة 863
وبلغنا أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء في السجن، فقال له يوسف: أيها الملك الطاهر المطهَّر، الكريم على الله، ما أدخلك هذا المكان الرجس النجس مع القوم الظلمة. قال جبريل: إن المكان الذي تكون فيه ليس بنجس. فقال له يوسف: أيها الملك الكريم على الله، أخبرني ما بلغ وجد يعقوب على يوسف؟ قال: وجد سبعين ثكلى. قال: فما بلغ منه؟ قال: ذهب بصره. قال فما بلغ أجره؟ قال: على قدر ذلك.
وذكر بعضهم أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له يعقوب: أيها الملك الكريم على ربه، أسألك بعظمة إلاهك وجبروته هل قبضت روح يوسف فيما قبضت من الأرواح؟ فقال: لا والله ما قبضت روحه وإنه لحي كما أنك حي.
(2/ 152)
قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)
قوله: {قَالُوا تَاللَّهِ} وهو قسم {تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ} أي: لا تزال تذكر يوسف {حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً} أي: حتى تبلى {أَوْ تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ} أي: أو تموت. وقال مجاهد: {تَفْتَؤُا} أي: لا تفتأ، أي: لا تفتر عن ذكر يوسف أو تكون من الميتين.
{قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي} أي: هَمِّي {وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. قال الحسن: أي: أعلم أن يوسف حي.
ذكر بعضهم قال: إنه لم ينزل بيعقوب بلاء قط إلا أتى حسن ظنه بالله من ورائه.
(2/ 153)
يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91)
قوله: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} [اي: تَبَحَّثُوا عن خبرهما] {وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ} أي: من رحمته {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ}.
قوله: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ} أي: فلما رجعوا إلى مصر، فدخلوا على يوسف وهم لا يعرفونه {قَالُوا يَاأَيُّهَا العَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} أي: الحاجة {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} أي: يسيرة، في تفسير بعضهم. وقال الحسن: خفيفة قليلة. وقال مجاهد: قليلة. وقال بعضهم بدارهم ردية، وكانوا لا يأخذون في الطعام إلا الجياد.
قوله: {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ} أي: بضاعتنا {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} أي: بأخينا. {إِنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ}.
{قَالَ: هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} أي: إن ذلك كان منكم بجهالة، ولم يكونوا حين ألقوه في الجب بأنبياء.
{قَالُوا: أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ} على الاستفهام {قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ}. (2/283)
صفحة 864
{قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا} وهذا منهم قَسَم يُقسمون به {وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} أي: وقد كنا خاطئين. من الخطيئة التي انتهكوها منه ومن أبيهم.
(2/ 154)
قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) (2/284)
صفحة 865
{قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [أي: لا تخليط ولا شغب ولا إفساد ولا معاقبة] قد غفرت لكم ذَلك. {يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.
وهكذا يكون العفو الكريم، والصفح الجميل. وفيما يؤثر عن النبي عليه السلام إذا أظهره الله على مكة، وأظفره بها أنه قام على باب الكعبة، فأخذ بعضادتي الباب، وقد اجتمعت قريش أجمعها، فحمد الله وأثنى عليه؛ وصلى على نفسه وعلى الأنبياء، ثم قال: يا معشر قريش، ما تقولون وما تظنون؟ قالوا: نقول خيراً ونظن خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت، فما تقول؟ قال: أقول كما قال أخي يوسف صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ}، وأنتم اذهبوا فأنتم عتقاء الله وطلقاؤه.
فأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم، ولم يثرّب عليهم شيئاً مما فعلوه به، كما فعل يوسف بإخوته إذ قال: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} أي: أرحم من رحم. دعا لهم.
قوله: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً} [أي: يرجع بصيراً] وإنما بعث بقميصه إلى أبيه بأمر الله، ولولا أن ذلك عَلِمَه من قِبَل الله، لأنه كان نبياً مرسلاً، لم يكن له بذلك علم أنه يرجع إليه بصره إذا ألقي القميص على وجهه.
قوله: {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}.
(2/ 155)
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) (2/285)
صفحة 866
قوله: {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ} أي: خرجت العِير مِن مصر بالقميص وجد يعقوب ريح يوسف فقال: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ}.
قال بعضهم: وجد ريحه حين خرجوا بالقميص من مصر، وهو بأرض كنعان، وبينهما ثمانون فرسخاً.
وقوله: {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} أي: لولا أن تسفِّهون. وقال الحسن: لولا أن تهرِّمون. وهو واحد. يقول: لولا أن تقولوا هرم واختلط عقله فتسفِّهون. وقال مجاهد: لولا أن تقولوا: ذهب عقله.
{قَالُوا تَاللَّهِ} وهو قسم يقسمون به {إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ القَدِيمِ} أي: في حبِّك يوسف، أما تنساه. وبعضهم يقول: في طمع من يوسف.
وبلغنا أن هذا قول أبنائهم، وكان آباؤهم في العير، وأنه كان يقول منذ فقد يوسف إلى أن وجد ريح القميص: ما أنا بيائس منه كلما ذكرت رؤياه.
قوله: {فَلَمَّا أَن جَاءَ البَشِيرُ} ذكروا أن مجاهداً قال: البشير يهوذا بن يعقوب. {أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} قال الحسن: يعني من فرج الله ونعمته وعطائه. وكان الله قد أخبره بأن يوسف حيّ، ولم يعلم أين مكانه.
قوله: {قَالُوا: يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} أي: أوخر ذلك إلى السحر. {إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
قوله: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ ءَاوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ ءَامِنِينَ} قال بعضهم: يعني بأبويه أباه يعقوب وخالته. وقال بعضهم: كانت جدته (2/286)
صفحة 867
أم أمه. وكان الحسن يقول: هي أمه التي ولدته.
(2/ 156)
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102)
قوله: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ} والعرش هو السرير {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً} قال الحسن: خرّوا له بأمر الله، أمرهم بالسجود له لتأويل الرُّؤيا.
قال بعضهم: كان السجود تحية من كان قبلكم، وأعطى الله هذه الأمة السلام، وهي تحيّة أهل الجنة. وقال بعضهم: كان سجودهم لله تلقاء يوسف.
{وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيَايَ مِنْ قَبْلُ} أي: تحقيق رؤياي من قبل {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً}.
قوله: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِيَ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ البَدْوِ}. وكانوا بأرض كنعان، أهل مواشِ وبرّيّه {مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ} أي: لطف بيوسف حتى أخرجه من الجب ومن السجن، وجمع له شمله وأقرّ عينه. {إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ}.
قوله: {رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. {فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: خالق السَّماواتِ والأرض {أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالأَخِرَةِ} أي: لا أتولى في الدنيا والآخرة غيرك. {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} أي: بأهل الجنة.
وقال بعضهم: لما جمع الله شمله، وأقر عينيه ذكر الآخرة فاشتاق إليها فتمنى الموت؛ قال: فلم يتمنى نبي قط الموت قبل يوسف عليه السلام.
قوله: {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الغَيْبِ} أي: من أخبار الغيب، يعني ما قص من قصتهم من أول السورة إلى هذا الموضع. {نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} أي: عندهم {إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} أي: بيوسف إذ يلقونه في الجب.
{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} قال: {وَمَا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ} أي: على القرآن {مِنْ أَجْرٍ} فيكونون إنما حملهم على تركه الغرم. وقال في آية أخرى: {قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 90] قوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} يذكرون به الجنة والنار.
قوله: {وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍ} أي: وكم من آية ودليل {فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا} أي: يرونها {وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} يعني بآيات السماوات الشمس والقمر والنجوم، وبالآيات التي في الأرض ما خلق الله فيها وآثار من أهلك الله من الأمم السالفة. يقول: لا يتعظون بالآيات.
قوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} وهي مثل قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ} [الزخرف: 87]: قال بعضهم: إيمانهم أنك لا تَسأل أحداً إلا أنبأك أَنَّ الله ربُّه، وهو في ذلك مشرك في عبادته.
قوله: {أَفَأَمِنُوا} يعني المشركين {أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللهِ} على الاستفهام، أي: غاشية تغشاهم من عذاب الله، وهم آمنون من ذلك غافلون. أي: إنهم ليسوا بآمنين أن يأتيهم (2/287)
صفحة 868
ذلك في تفسير الحسن. وقال غيره: {غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللهِ}، أي: عقوبة من عذاب الله، {أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً} أي تبغتهم فجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: وهم غافلون. يعني الذين تقوم عليهم الساعة بالعذاب.
قوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِيَ} أي: طريقي، وهو الهدى {أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [أي: على يقين] {أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} أي: أنا على الهدى ومن اتبعني على بصيرة، أي: على الهدى الذي أتانا من ربنا {وَسُبْحَانَ اللهِ} أمره أن ينزِّه الله عما قال المشركون. {وَما أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ}.
قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى}. قال الحسن: لم يبعث الله نبياً من أهل البادية، ولا من النساء، ولا من الجن. قال: لأن (2/288)
صفحة 869
أهل القرى كانوا أعلم وأحلم من أهل العمود.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فضيلة أهل المدائن على أهل القرى كفضيلة الرجال على النساء، وفضيلة أهل القرى على أهل العمود كفضيلة الرجال على النساء، وأهل الكفور كأهل القبور. فقيل ما الكفور؟ قال: البيت بعد البيت»
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ثلاثة يكونون في قرية أو بدو ولا يجمعون للصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان. وإنما يأخذ الذيب من الغنم القاصية»
ذكروا عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشيطان ذئب الإِنسان كذئب الغنم، يأتي الشاذة والقاصية والناحية. عليكم بالمساجد والجماعة والعامة، وإياكم والشعاب»
(2/ 158)
ذكروا أن معاذ بن جبل كان على بعض أهل الشام فجاءه ناس من أهل البادية فقالوا: قد شقّت علينا الإِقامة، فلو بدأت بنا، فقال لعمري، لا أبدأ بكم قبل الحاضرة، أهل العبادة وأهل المساجد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: عليهم تنزل السكينة، وإليهم يأتي الخبر، وبهم يبدأ يوم القيامة. قال والخبر أي الوحي. (2/289)
صفحة 870
قوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يقول: قد ساروا في الأرض فرأوا آثار الذين أهلكهم الله من الأمم السالفة حين كذبوا رسلهم. كان عاقبتهم أن دمر الله عليهم فصيّرهم إلى النار. يقول: أفلم يسيروا في الأرض فيحذروا أن ينزل بهم ما نزل بالقرون من قبلهم. {وَلَدَارُ الأَخِرَةِ} هي دار المؤمنين في الآخرة {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا} أي: خير لهم من الدنيا {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.
(2/ 159)
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)
قوله: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ} أي: بئس الرسل {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا}.
ذكروا عن سعيد بن جبير أنه قال: حتى إذا استيئس الرجل من قومهم أن يؤمنوا وظن قومهم أن الرسل قد كَذَبوا.
وقال مجاهد: استيئس الرسل أن يُعذَّب قومُهم. قال: [ظنَّ قومهم أن الرسل قد كَذَبوهم] وهذا تفسير من قرأها بالتخفيف. كذَبوا. ومثل ذلك في هذه الآية الأخرى في سورة الأنبياء. {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَا المُسْرِفِينَ} [الأنبياء: 7 - 9].
قوله: {كُذِبُوا} [أي: ما] وعدوا. كان الرسل وعدوا أن ينزل على قومهم العذاب إن لم يؤمنوا، فظن القوم أن الرسل كذبوا بما وعدوا به، أي: من مجيء العذاب.
وكان الحسن يقرأها بالتثقيل: {كُذِبُوا} وتفسيرها حتى إذا استيئس الرسل من (2/290)
صفحة 871
أن يجيبهم قومهم بشيء قد علموه من قِبَل الله، {وَظَنُّوا} أي: وظن الرسل، أي: وعلموا أنهم قد كذِّبُوا التكذيب الذي لا يؤمن القوم بعده أبداً، استفتحوا على قومهم بالدعاء عليهم، أي: حين أذن الله بالدعاء عليهم، فدعَوا عليهم، فاستجاب الله فأهلكهم.
وقوله: {جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} أي: عذابنا {فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ} أي: النبي والمؤمنين {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا} أي: عذابنا {عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ} أي: عن القوم المشركين.
(2/ 160)
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)
قوله: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ} يعني قصص يوسف وإخوته {عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَاب} أي: لذوي العقول يعتبرون بها، وهم المؤمنون.
قوله: {مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى} أي: ما كان يفتريه محمد، أي: لقول المشركين {إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ} [الفرقان: 4] أي: كذب افتراه؛ يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء. قال الله: {مَا كَانَ} يعني القرآن {حَدِيثاً يُفْتَرَى} أي: يُفْتَعَلْ وَيُتَقَوَّل {وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: من التوراة والإِنجيل. وفيها تصديق بالقرآن وإيمان به وبمحمد عليه السلام. {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} أي: من الحلال والحرام والأحكام والوعد والوعيد {وَهُدًى} يهتدون به إلى الجنة {وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ} أي: يصدّقون.
(2/ 161)
المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) (2/291)
صفحة 872
تفسير سورة الرعد،
وهي مدنية
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {المر} قد فسّرنا نحوها قبل هذا الموضع. قوله: {تِلْكَ ءَايَاتُ الكِتَابِ} أي: القرآن. وبعضهم يقول: التوراة والإِنجيل. {وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحَقُّ} أي: القرآن {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}. وقد فسّرناه في غير هذا الموضع.
قوله: {اللهُ الذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} فيها تقديم في تفسير الحسن. يقول: الذي رفع السماوات ترونها بغير عمد. وقال الكلبي أيضاً: إن رفعها بغير عمد. وقال ابن عباس: لها عمد ولكن لا ترونها.
قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}. وهو مثل قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} [سورة طَهَ: 5]. قال: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: القيامة وقال بعضهم: يجري مجرًى لا يَعْدُوه.
قوله: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ} أي: [يقضي القضاء] في خلقه فيما يخلق ويحيي (2/292)
صفحة 873
ويميت ويرزق ويفعل {يُفَصِّلُ الأَيَاتِ} أي: يبيّنها {لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} أي: تصدّقون بالبعث. يقول: {لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}، أي: إذا سمعتم ما في القرآن.
(2/ 162)
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)
قوله: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ} أي: بسطها. وبسطها ودحاها واحد.
وفي تفسير الحسن: إن بدء خلق الأرض كان في موضع بيت المقدس. قال الله لها انبسطي أنت كذا، وانبسطي أنت كذا، وانبسطي أنت كذا. وفي تفسير عطاء إن الأرض دحيت دحوا من تحت الكعبة. وقال مجاهد: كان البيت قبل الأرض بألفي سنة ومدّت الأرض من تحته. وقال بعضهم: من مكة دحيت الأرض.
قوله: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} يعني الجبال {وَأَنْهَاراً وَمِن كُلَّ الثَّمَرَاتِ} قال بعضهم: أهبط الله من الجنة ثلاثين ثمرة؛ عشرة يؤكل داخلها ولا يؤكل خارجها، وعشرة يؤكل خارجها ولا يؤكل داخلها، وعشرة يؤكل داخلها وخارجها.
قوله: {جَعَلَ فِيهَا} أي: خلق {زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} أي: من كل لونين اثنين من كل ما خلق الله من النبات. والواحد زوج.
قوله: {يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ} أي: يُلبس الليل النهار. وقال الحسن: فيذهبه. وهو كقوله: {يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ} [الزمر: 5] يعني أحدهما يذهب الآخر. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} وهم المؤمنون.
قوله: {وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ}. قال مجاهد: هي الأرض العَذِبَة الطيّبة تكون مجاورة أرضاً سَبِخة مالحة. وقال بعضهم: قرى متجاورات قريب بعضها من بعض. (2/293)
صفحة 874
قال: {وَجَنَّاتٌ مِّنْ أعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} ذكروا أن البراء بن عازب قال: إذا كان أصل النخلات واحداً فهو صنوان، وغير صنوان إذا كانت النخلات مفترقات.
قوله: {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} قال مجاهد: بماء السماء. وقال بعضهم: وكل ماء عذب فهو من السماء. قال الله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ} [الزمر: 21] والينابيع العيون تنبع.
ذكروا أن أبا مسعود رحمه الله قال: كل النخل قد نبت من مستنقع الماء الأول إلا العجوة فإنها من الجنة.
قوله: {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ} قال مجاهد: أي: بعضها أطيب من بعض. [وقال: هذا مثل لبني آدم صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد] {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي: فيعلمون أن الذي صنع هذا قادر على أن يحيي الموتى.
(2/ 163)
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5)
قوله: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} أي: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك فَعَجب لتكذيبهم بالبعث حين قالوا: {أَءِذَا كُنَّا تُرَاباً أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}. وهذا على الاستفهام. أي: إنا لا نبعث، وهذا استفهام على إنكار، أي: قولهم ذلك عَجَبٌ.
قال الله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
قوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ} أي: بالعذاب. وذلك قولهم: {اللَّهُمَّ إِن (2/294)
صفحة 875
كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَو ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]، وقولهم: {رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحِسَابِ} [سورة ص: 16]. وذلك منهم تكذيب واستهزاء.
(2/ 164)
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8)
قال الله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ}. والحسنة ما هم فيه من الرخاء والعافية، أي: أرادوا تعجيل العذاب: {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهمُ المَثُلاَثُ} قال بعضهم: يعني وقائع الله في الأمم السالفة. وقال مجاهد: {المَثُلاَثُ} الأمثال، وهذا مثل القول الأول.
قال: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} أي: إذا تابوا إليه. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقَابِ} أي: إذا دامواعلى شركهم.
قوله: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ} هذا قول مشركي العرب. وقال الحسن: ولست من تأتيهم بآية في شيء.
{إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} أي: داعٍ يَدعو إلى الله، يعني النبيين. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما أنا منذر والله هو الهادي. وقال بعضهم: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}، أي: نبي.
قوله: {اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى} أي: من ذكر أو أنثى. {وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ}. ذكروا عن الحسن قال: الغيضوضة أن تلد المرأة في تسعة أشهر، وما تزداد: أن تلد لأكثر من تسعة أشهر. (2/295)
صفحة 876
قال عكرمة: الغيضوضة في الحمل: لا تغيض يوماً في حملها إلا ازدادته في طهورها. وقال مجاهد: الغيضوضة: إراقة المرأة تحبس الولد. {وَمَا تَزْدَادُ} أي: وإذا لم تهرق المرأة تمّ الولد وعظم. والغيضوضة: النقصان.
وفي تفسير بعضهم: السقط الذي تسقط الأرحام من غير تمام، وإذا ولدته لتمام فهو الزيادة فوق السقط إلى التمام كقوله: {مُّخَلَّقَةٍ} أي: التمام، {وَغَيْرِ مُخَلّقَةٍ} [الحج: 5] أي: السقط.
قوله: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} أي: بقدر.
(2/ 165)
عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)
قوله: {عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} الغيب السرّ، والشهادة العلانية. {الكَبِيرُ المُتَعَالِ} أي: المتعالي عما قال المشركون.
قوله: {سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ القَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ}. قال بعضهم: فيها تقديم. يقول: من أسر القول ومن جهر به ذلك عند الله سواء، سره وعلانيته.
{وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ} أي: يعمل الذنوب والمعاصي سرّاً بالليل {وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} أي: وظاهر بالنهار.
وقال الكلبي: {مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ}: يعمل الذنوب والمعاصي سراً بالليل، {وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ}: أي: خارج بالنهار ومُعَالِنٌ لتلك الذنوب بالنهار، يقول: الليل والنهار والسر والعلانية عنده سواء.
قوله: {لَهُ مُّعَقِّبَاتٌ} أي: لهذا المستخفي وهذا السارب معقبات {مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ} فيها تقديم: أي: له معقبات من بين يديه ومن خلفه، من أمر الله ملائكة يحفظونه. (2/296)
صفحة 877
قال مجاهد: الملائكة من أمر الله بالليل والنهار. وإنهم يجتمعون عند صلاة الصبح وعند صلاة المغرب. وبعضهم يقول: يحفظونه من أمر الله، أي: بأمر الله. وقال بعضهم: هم ملائكة الله يتعاقبونكم.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيجتمعون عند صلاة الصبح وعند صلاة العصر فيسألهم ربهم، وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلّون وتركناهم وهم يصلّون»
ذكر مجاهد قال: ما من آدمي إلا ومعه ملكان يحفظانه في ليله ونهاره، ونومه ويقظته، من الجن والإِنس والدواب والسباع والهوام، وأحسبه قال: والطير، كلما أراده شيء قالا: إليك حتى يأتي القدر.
وقال بعض أصحاب النبي عليه السلام: ما من آدمي إلا ومعه ملكان: ملك يكتب علمه، وملك يقيه ما لم يقدر له.
وقال الحسن: إن الملائكة المعقبات الذين يتعاقبون بالليل والنهار أربعة أملاك: ملكان بالليل وملكان بالنهار.
ذكر بعضهم أن في مصحف أبي بن كعب: له معقّبات من بين يديه، ورقيب من خلفه.
وتفسير الكلبي {يَحْفَظُونَهُ} أي: يحفظون عمله؛ كقوله: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10 - 12]، وهم يتعاقبون، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، يتعاقبون ببني آدم ويحفظون أعمالهم.
قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}. وقال في الآية (2/297)
صفحة 878
الأخرى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البَوَارِ} [سورة إبراهيم: 28]، وذلك أن الله، إذا بعث إلى قوم رسولاً فكذبوه، أهلكهم. كقوله: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 12] وهم أهل مكة {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [النحل: 113]. وذلك العذاب هو الجوع الذي كان أصابهم، ثم عذِّبوا بعد ذلك بالسيف يوم بدر.
قال: {وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءاً} يعني عذاباً {فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} يمنعهم من عذاب الله.
(2/ 166)
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13)
قوله: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} يخاف أذاه [ومعرته] والنصب فيه، وطمعاً للمقيم يرجوا منفعته وبركته ويطمع في رزق الله.
وبعضهم يقول: خوفاً من البَرَدْ أن يهلك الزرع، وطمعاً في المطر أن يُنتَفَع به في الزرع. وتفسير الحسن: خوفاً: يخيف به عباده لما فيه من الخوف والصواعق، وطمعاً يرجون به المطر. وقال: والبرق ضوء خلقه الله عَلَماً للمطر.
قوله: {وَيُنشِىءُ السَّحَابَ الثَّقَالَ} قال مجاهد: هي التي فيها الماء. وهو مثل قوله: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً} [الأعراف: 57].
قوله: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} أي: والملائكة أيضاً يسبّحون بحمده من خيفته. (2/298)
صفحة 879
قال بعضهم: والرعد ملك يزجر السحاب بالتسبيح. وكان بعض الصحابة إذا سمع الرعد قال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته.
وقال الكلبي: هو ملك اسمه الرعد، والصوت الذي يسمع هو تسبيحه، يؤلف به السحاب بعضَه إلى بعض، ثم يسوقه حيث أمر. وبعضهم يقول: كما يسوق الحادي الإِبل.
ذكرواعن عبدالله بن عمر قال: ليس شيء أشد سياقاً من السحاب. ذكروا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: البرق مخاريق الملائكة.
ذكروا عن ابن عباس أنه كتب إلى أبي الجلد يسأله عن البرق، فكتب إليه أن البرق ماء.
وقال بعضهم: إن البرق لمحة يلمحها الملك إلى الأرض، وهو الملك الذي يزجر السحاب.
وذكر بعضهم قال: من سمع الرعد فقال: سبحان ربي وبحمده لم تصبه صاعقة.
قوله: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَّشَاءُ}. ذكروا عن الحسن أن الملك يزجر السحاب بسوط من نار، وربما انقطع السوط، وهو الصاعقة. (2/299)
صفحة 880
قوله: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ} أي: المشركون يجادلون نبي الله، أي: يخاصمونه في عبادتهم الأوثانَ دون الله {وَهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ}.
ذكروا أن رجلاً أنكر القرآن وكَذَّب بالنبي عليه السلام، فأرسل الله عليه صاعقة فأهلكته، فأنزل الله: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَّشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ}.
قال بعضهم: المِحال: القوة والحيلة. وقال مجاهد: شديد القوى. وقال الحسن: شديد النقمة. وقال الكلبي: شديد الجدال.
(2/ 167)
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14)
قوله: {لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ} أي: لا إله إلا الله، هي دعوة الحق. قال: {والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} أي: الأوثان {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} وهو مثل الذي يعبد الأوثان إذا رجا الحياة في عبادته كالذي يرفع بيده الإِناء الذي فيه الماء يرجو به الحياة فمات قبل أن يصل إلى فيه.
وقال بعضهم: كباسط كفّيه إلى الماء يدعو الإِناء الذي فيه الماء ليأتيه فمات قبل أن يأتيه الإِناء. يقول: فكذلك المشركون حيث رجوا منفعة آلهتهم ضلّت عنهم فهلكوا. (2/300)
صفحة 881
قال: {وَمَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ} أي: آلهتَهُم {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}.
وقال مجاهد: يدعو الماء بلسانه، ويشير إليه بيده ولا يأتيه أبداً.
ذكر بعضهم قال: هذا مثل ضربه الله؛ إن هذا الوثن الذي يدعو من دون الله، إنه لا يستجيب له بشيء، أي: لا يسوق له خيراً، ولا يدفع عنه شراً حتى يأتيه الموت، كمثل هذا الذي يبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، ولا يصل ذلك إليه حتى يموت عطشاً.
(2/ 168)
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (15)
قوله: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلاَلُهُم بِالغُدُوِّ وَالأَصَالِ}. أي: العشي.
قال الحسن: ولله يسجد من في السماوات، ثم انقطع الكلام. ثم قال: والأرض، أي: ومن في الأرض، طوعاً وكرهاً [أي: طائعاً وكارهاً]. ثم قال: لا يجعل الله من دخل في الإِسلام طوعاً كمن دخله كرهاً.
وفي تفسير الكلبي: يسجد أهل السماوات طوعاً، ومن ولد في الإِسلام، والذي يسجد كرهاً من جبر على الإِسلام.
وقال مجاهد: سجود المؤمن طائعاً، وسجود ظل الكافر كارهاً. يقول: يسجد ظله والكافر كاره. وقال الحسن: {وَظِلاَلُهُم بِالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ} يعني سجود ظل الكافر. يعني أنه يسجد له بالغدو والأصال. أما ظله فيسجد له. وأما هو فلا يسجد. وتفسير الكلبي: إذا سجد الرجل سجد ظله معه.
(2/ 169)
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)
قوله: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ} هو مثل قوله: {قُلْ مَن رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} [المؤمنون: 86 - 87] قال الله: فإذا أقروا بذلك اي: أنه الله ف {قُلَ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} وهو على الاستفهام. {لاَ يَمْلِكُونَ لأِنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} ولا تغني عنهم أوثانهم التي يعبدون من دون الله. وهذا استفهام على معرفة. أي: قد فعلتم.
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ} وهذا مثل الكافر والمؤمن؛ الكافر أعمى عن الهدى، والمؤمن أبصر الإِيمان. {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} على الاستفهام، أي: إن ذلك لا يستوي.
{أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ} يقول: هل يدَّعون أن تلك الأوثان خلقت مع الله شيئاً، فلم يدروا أي الخالقين يعبدون؟ هل رأوا ذلك. وهل يستطيعون أن يحتجوا به على الله يوم القيامة؟ أي: إنهم لا يدّعون ذلك، وإنهم يعرفون أن الله خالق كل شيء، فكيف (2/301)
صفحة 882
يعبدون هذه الأوثان من دون الله. وهذا تفسير الحسن.
ثم قال الله: {قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ}.
وقال مجاهد: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ} فحملهم ذلك على أن شكّوا في الأوثان، فاتخذوهم آلهة.
قوله: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} الكبير بقدره، والصغير بقدره {فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} أي: عالياً، يعني الزبد الذي قد ربا فوق الماء.
{وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ} هذه ثلاثة أمثال في مثل واحد ضربها الله للمؤمن والكافر.
فأما قوله: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ} فإنه يعني الذهب والفضة إذا أذيبا، فعلا خبثهما، وهو الزبد، فخلص خالصهما تحت ذلك الزبد. {أَوْ مَتَاعٍ} أي: وابتغاء متاع، ما يستمتع به، زبد مثله، أي: مثل زبد الماء. والذي يوقد عليه (2/302)
صفحة 883
ابتغاء متاع هو الحديد والنحاس والرصاص إذا صُفِّيَ ذلك أيضاً فخلص خالصه وعلا خبثه، وهو زبده.
قال الله: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ وَالبَاطِلَ}.
قال: {فَأَمَّا الزَّبَدُ} زبد الماء وزبد الحلي وزبد الحديد والنحاس والرصاص {فَيَذْهَبُ جُفَاءً} أي: باطلاً لا ينتفع به، وهذا مثل عمل الكافر لا ينتفع به في الآخرة {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} أي: فينتفع بالماء، فينبت عليه الزرع والمرعى، فينتفع به. وينتفع بذلك الحلي والمتاع الخالص من الصفر والحديد والرصاص. فهذا عمل المؤمن يبقى ثوابه في الآخرة.
قوله: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثالَ}. ثم فسّر تلك الأمثال فقال:
{لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ} أي: آمنوا بربهم {الحُسْنَى} أي: الجنة. {وَالّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ} أي: الكفار {لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ}.
(2/ 170)
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «يقال للكافر يوم القيامة: لو أن لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم. فيقال له: كذبت. قد سئلت ما هو أهون من ذلك»
قال: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الحِسَابِ} أي: لافتدوا به من سوء الحساب؛ يؤخذون بسيئاتهم، وتحبط حسناتهم؛ أي: قد استوفوها في الدنيا، فلهم سوء الحساب في الآخرة. وسوء الحساب شدته. وحسابهم أن يصيروا إلى النار. (2/303)
صفحة 884
{وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي: ومنزلتهم جهنم {وَبِئْسَ المِهَادُ} أي: وبئس الفراش. والمهاد والفراش والقرار واحد. مثل قوله: {جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً} [البقرة: 22] ومهاداً وبساطاً وقراراً.
(2/ 171)
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)
قوله: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحَقُّ} أي: القرآن الحق، {كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} أي: عنه. يعني به الكافر، وهو على الاستفهام. يقول: فهل يستوي هذا المؤمن وهذا الكافر؟ أي: إنهما لا يستويان. {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} أي: أولو العقول، وهم المؤمنون.
{الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يَنقُضُونَ المِيثَاقَ} أي: الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم حيث قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172]. يقول: أوفوا بذلك الميثاق، يعني المؤمنون الذين آمنوا بمحمد عليه السلام.
وقال بعضهم: هو ميثاق الله الذي أخذه على جميع المؤمنين إذ كلّفهم طاعته. ف {قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: 285]. وهذا الميثاق لكل من وجب عليه التكليف من البالغين الأصحاء.
قوله: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: الذي أمر الله به أن يوصل هو أن يؤمن بالنبيين كلِّهم لا يفرق بين أحد منهم. وقال بعضهم: ما أمر الله به أن يوصل من القرابة.
قوله: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ}. ذكروا عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} [الانشقاق: 8] فقال: «ذلِكِ العرض، ولكن من نوقش الحساب عذب».
قال: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ}، أي: الصلوات الخمس، وحافظوا على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها. (2/304)
صفحة 885
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها يراه حقاً لله عليه حرُم على النار»
قوله: {وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} يعني الزكاة المفروضة في تفسير الحسن. {سِرّاً وَعَلاَنِيَةً}. يستحب أن تعطى الزكاة علانية والتطوع سراً. قال {وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} يقول: يعفون عن السيئة إذا أسيء إليهم، ولا يكافؤونَ صاحبها. فالعفو عنهم حسنة.
{أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} أي: دار الآخرة. والعقبى الثواب، وهو الجنة.
ذكروا أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن لي جاراً يسيء مجاورتي، أفأفعل به كما يفعل بي؟ قال «لا، إن اليد العليا خير من اليد السفلى»
(2/ 172)
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)
قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. {وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَائِهِمْ} أي: من آمن وعمل صالحاً من آبائهم {وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ}. وقال في آية أخرى: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21] اي: إن الله يرفع إلى المؤمن ولده في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقَرَّ بهم عينُه.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة يكون لها الزوجان في الدنيا. امرأة أيهما تكون في الجنة؟ قال: «امرأة الآخر»
قال: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ} أي: في الدنيا {فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}. (2/305)
صفحة 886
ذكروا ن ابن عباس أنه قال: إذا أثاب الله أهل الجنة بالجنة انطُلِق بالرجل منهم إلى سرادق من لؤلؤ في خمسين ألف فرسخ، فيه قبة حمراء من ياقوتة، ولها ألف باب، وله فيها سبعمائة امرأة، فيتكىء على أحد شقيه، فينظر إليها كذا وكذا سنة، ثم يتكىء على الشق الآخر، فينظر إليها مثل ذلك. ثم يدخل عليه من كل باب ألف ملك من ألف باب، معهم الهدية من ربهم، فيقولون له: السلام عليك من ربك، فيوضع ذلك فيقول: ما أحسن هذا! فيقول الملك للشجر حوله: إن ربكن يأمركن أن تقطعن له كل ما اشتهى عن مثل هذا. قال: وذلك كل جمعة، وهو المزيد.
(2/ 173)
وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27)
قوله: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} أي: ينقضون الميثاق الذي وثقوه على أنفسهم لله، إذا أقروا بالسمع والطاعة. قال: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ في الأَرْضِ}. وقد فسّرناه قبل هذا. {أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} أي: الدار الآخرة. وسوءها النار، يعني منازلهم في النار.
قوله: {اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ} أي: يوسّع عليه {وَيَقْدِرُ} أي: ويقترّ عليه الرزق {وَفَرِحُوا بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني المشركين {وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الأَخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ} أي: ذاهب زائل يستمتع به ثم يذهب. وإن الآخرة باقية.
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»
قوله: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ} أي: هلا {أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} أي: إلى الله فأخلص له. وقال بعضهم: أي: من تاب.
(2/ 174)
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29)
قوله: {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم} أي: تسكن قلوبهم {بِذِكْرِ اللهِ} قال الحسن: بوعد الله الذي وعدهم من الجنة.
قال: {أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ} أي: بوعد الله {تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ} كقوله: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27 - 30]. وقال بعضهم: {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ} أي: هشّت قلوبهم إلى ذكر الله فاستأنست به.
قوله: {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ} ذكروا عن ابن عباس أنه قال: طوبى شَجرة في الجنة. وقال بعضهم: طوبى: الجنة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «طوبى شجرة في الجنة لو سار الراكب المجِدّ في ظلها مائة عام ما خرج من ظلها»
[وقال بعضهم]: ولو أن غراباً طار من أصلها لم يبلغ فرعها حتى يبيض شيباً. ولو أن أمة من الأمم كانت تحت ورقة من ورقها لأظلتهم.
ذكروا عن بعضهم قال: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يسير في ظلها الراكب مائة عام لا (2/306)
صفحة 887
يقطعها، زهرها رياط، وورقها برود، وبطحاؤها الياقوت، وكثبانها عنبر، وترابها كافور، من أصلها تنبع أنهار الجنة: الماء والخمر والعسل واللبن. وهي مجلس من مجالس أهل الجنة ومُحَدَّثهم. (2/307)
صفحة 888
وقال بعضهم: طوبى شجرة في الجنة، أصلها في دار محمد صلى الله عليه وسلم، وليس في الجنة دار ولا غرفة إلا وغصن منها في تلك الدار.
قوله: {وَحُسْنُ مَئَابٍ} أي: وحسن مرجع. أي: صاروا إلى الجنة ونعيمها مثل قوله: {وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ المَئَابِ} [آل عمران: 14]. وقال مجاهد «: وحسن مآب، أي: الجنة.
(2/ 175)
كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30)
قوله: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ} يقول: كذلك أرسلناك في أمة كما أرسلنا في الأمم التي قد خلت من قبل هذه الأمم. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنتم توافون سبعين أمة أنتم خيرها وآخرها وأكرمها على الله»
قوله: {لِّتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} أي: القرآن {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ}؛ كانوا يقولون: أما الله فنعرفه، وأما الرحمن فلا نعرفه. قال الله: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى} [الإسراء: 110]. وقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} [الفرقان: 60]. هذا في تفسير الحسن.
وقال بعضهم: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم زمان الحديبية حين صالح قريشاً كتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. فقال مشركو العرب: إن كنت رسول الله ثم قاتلناك لقد ظلمناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، دعنا نقاتلهم. (2/308)
صفحة 889
قال: «لا، ولكن اكتبوا ما يريدون. إِنّي لمحمد بن عبد الله [وإِني لرسول الله]» فكتب الكاتب: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فقالت قريش: أما الرحمن فلا نعرفه. وكان أهل الجاهلية يكتبون: باسمك اللهم؛ فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، دعنا نقاتلهم. قال: «لا، ولكن اكتبوا كما يريدون»، فأنزل الله {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ}.
{قُلْ هُوَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ مَتَابِ}. قال الحسن: يعني التوبة.
(2/ 176)
وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)
قوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْءَاناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَى}.
وذلك أن رهطاً من قريش قالوا: يا محمد، إن كنت كما تزعم فسيِّر لنا هذه الجبال من مكة، فإنها ضيّقة. قال لا أطيق ذلك. قالوا: فسخّر لنا الريح لنركبها إلى الشام فنقضي عليها مَيْرنا وحاجتنا حتى نرجع من يومنا إن كنت رسول الله، فإنها قد سخّرت لسليمان بن داود، ولست بأهون على الله من سليمان بن داود. قال: لا أستطيع. قالوا فابعث لنا بعض من قد مات منا فنسألهم أحق ما تقول أم باطل، فإن عيسى قد كان يحيي الموتى كما زعمت لقومه، ولست بأهون على الله منه إن كنت رسوله. قال: لا أستطيع ذلك، فأنزل الله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْءَاناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَى} يقول لو أنا فعلنا ذلك بقرآن غير قرآنك فعلنا بالقرآن الذي أنزلناه إليك.
وقال الحسن: قالوا إن أرضنا أرض ضَيِّقة، فادع لنا ربك بقرآنك هذا حتى تسير عنا جبال تهامة حتى نزرع فيها، وتفجر لنا أنهاراً وعيوناً فإنا أصحاب آبار، وأَحْيِ لنا أمواتنا حتى يشهدوا أنك رسول الله فنؤمن بك. وهو قوله: {وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ. . .} إلى آخر الآيات. [الإِسراء: 90 - 93] فقال الله: لو أن بلاغة قرآن بلغت عند الله ما يسيِّر به الجبال أو يفجّر به الأنهار أو يحيي الموتى لبلغت بلاغة هذا القرآن بمنزلته وكرامته عند الله. (2/309)
صفحة 890
قال الله: {بَل لِّلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً}.
وقال مجاهد: سألت قريش النبي عليه السلام أن يفسح لهم جبال مكة، ويقطع لهم الأرض بينهم وبين الشام، ويحيي لهم موتاهم، فقال الله لمحمد: لو فعلنا هذا بنبي قبلك فعلناه بك.
وذكر بعضهم قال: ذكر لنا أن قريشاً قالت لنبي الله: إن سرك أن نتبعك فسيّر لنا جبال تهامة، وزد لنا في حرمنا حتى نتخذ قطائع نحترث فيها، وأحي لنا فلاناً وفلاناً، لأناس ماتوا في الجاهلية، فأنزل الله هذه الآية. يقول: لو فعلنا هذا بقرآن غير قرآنكم فعلناه بقرآنكم.
قوله: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً}. وهو على الاستفهام، أي: قد تبيَّن للذين آمنوا. وقال في آية أخرى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً}.
وقال بعضهم: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا} يقول: ألم يعرف الذين آمنوا ويتبيّن لهم {أَن لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً}.
قوله: {وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ} وهي السرايا، سرايا رسول الله عليه السلام، يصيبهم الله منها بعذاب، يعني المشركين. {أَوْ تَحُلُّ} أنت يا محمد {قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ} [يعني فتح مكة في تفسير مجاهد وقتادة {إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ}.
(2/ 177)
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35) (2/310)
صفحة 891
قوله: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} أي: لم آخذهم عند استهزائهم بأنبيائهم، ولكن أمليت لهم، أي: أخرتهم حتى بلغ الوقت. {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}. على الاستفهام. أي: كان شديداً. وكان الحسن إذا أتى على هذا قال: كان والله شديداً.
قوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}. قال بعضهم: ذلكم الله. وهذا على الاستفهام. قال الحسن: هو الله القائم على كل نفس بما عملت حتى يجزيها به.
قال: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} يقول هل يستوي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت هو وهذه الأوثان التي عبدوها؟ قال: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} {قُلْ سَمُّوهُمْ} وقال في آية أخرى: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم مَّا أَنَزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} [النجم: 23] أي: من حجة أنها آلهة.
قال: {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ} على الاستفهام. يقول: قد نبَّأتموه بما لا يعلم في الأرض، أي: لا يعلم أن في الأرض آلهة معه، أي: أنه يعلم أنه ليس معه إله في الأرض ولا في السماء. {أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القَوْلِ} قال مجاهد: أو بظن من القول. وقال بعضهم: الظاهر من القول الباطل. وقال الكلبي: {أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القَوْلِ} أي: الزور من القول، وهو واحد.
{بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ} أي: شركهم. قال مجاهد: قولهم، وهو الشرك. {وَصَدُّوا عَنِ السَّبِيلِ} أي: سبيل الهدى.
قال: {وَمَن يُّضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يهديه {لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني مشركي العرب، بالسيف يوم بدر، ولآخر كفار هذه الأمة بالساعة، يعني النفخة الأولى. {وَلَعَذَابُ الأَخِرَةِ أَشَقُّ} من عذاب الدنيا {وَمَا لَهُم مِّنَ اللهِ مِن وَاقٍ} أي: يقيهم عذابه.
قوله: {مَّثَلُ الجَنَّةِ} أي: صفة الجنة {الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}. (2/311)
صفحة 892
ذكروا أن أنهار الجنة تجري في غير خدود: الماء واللبن والعسل والخمر، فهو أبيض كله، فطينة النهر مسك، ورضراضه الدرّ والياقوت، وحافاته قباب اللؤلؤ المجوّف.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا في الجنة، يعني ليلة أسري به، إذا أنا بنهر، حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فضربت بيدي إلى مجرى الماء، فإذا مسك أذفر، فقلت ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله»
قوله: {أُكُلُهَا دَائِمٌ} أي: ثمرها لا ينفد {وَظِلُّهَا} أي: دائم.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة ليتناولون من قطوفها وهم متكئون على فرشهم؛ فما تصل إلى في أحدهم حتى يبدّل الله مكانها أخرى»
ذكروا عن ابن مسعود قال: نخل الجنة نضيد ما بين أصلها إلى فرعها. وتمرها كالقلال. كلما نزعت تمرة عادت تمرة. وأنهارها تجري في غير خدود، العنقود منها إثنا عشر ذراعاً منضود من أعلاه إلى أسفله، ليس في شيء منه عجم، أحلى من العسل، وأشد بياضاً من الثلج واللبن، وألين من الزبد. كلما نزع منه شيء أعاده الله كما كان.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث عن ليلة أسري به فكان في حديثه:. . . ثم أعطيت الكوثر فسلكته حتى انفجر بي في الجنة، فإذا الرمّانة من رمّانها مثل جلد البعير المقتّب.
قوله: {تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا} يعني الجنة. {وَّعُقْبَى الكَافِرِينَ النَّارُ}.
(2/ 178)
وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39) (2/312)
صفحة 893
قوله: {وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} قال بعضهم: يعني من آمن منهم. وقال بعضهم: هؤلاء أصحاب النبي عليه السلام فرحوا بكتاب الله. {وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} الأحزاب ها هنا اليهود والنصارى ينكرون بعض القرآن، ويُقرّون ببعضه، أي: بما وافقهم.
{قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أعْبُدَ اللهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَئَابِ} أي: وإليه مرجعي.
قوله: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً} يعني القرآن {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم} أي: أهواء المشركين حتى لا تبلغ عن الله الرسالة {بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} قال: {مَالَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ} أي: يتولى دفع العذاب عنك {وَلاَ وَاقٍ} أي: يقيك عذابه إن فعلت، ولست فاعلاً.
قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً}. نزلت حين قال اليهود: لو كان محمد رسولاً لكان له همّ عيرُ النساء والتماس الولد.
قوله: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَّأْتِيَ بِئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} أي: إلا بأمر الله. قال مجاهد: قالت قريش لما نزلت: يا محمد، ما نراك تملك من الأمر شيئاً، ولقد فرغ من الأمر، فأنزل الله هذه الآية تخويفاً ووعيداً لهم.
قال: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} قوله: {يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} تفسير مجاهد: يمحو الله ما يشاء ويثبت في كل ليلة القدر إلا الشقاء والسعادة. وذكر بعضهم فقال: هي مثل قوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا} [البقرة: 106].
وتفسير الحسن أن آجال العباد عند الله؛ في الكتاب أجل فلان كذا وكذا، وأجل فلان كذا وكذا فيمحو الله من ذلك الكتاب ما يشاء، أي: يمحو منه من انقضى (2/313)
صفحة 894
أجله، ويثبت من لم يجيء أجله، فيدعه مثبتاً في الكتاب حتى ينقضي أجله، فيمحي من ذلك الكتاب.
وبعضهم يقول: قال الله: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [سورة ق: 18] اي: يكتب ما يقول، فإذا كان كل يوم اثنين وخميس مُحِيَ منه ما لم يكن خيراً أو شراً، وأثبت ما سوى ذلك من خير أو شر.
ذكروا أن عمر بن الخطاب كان يطوف بالبيت ويقول: اللّهم إن كنت كتبت علي ذنباً أو إثماً أو ضغناً فامحه عني، فإنك قلت: {يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثَبِتُ}.
قوله: {وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} ذكروا أن كعباً قال لعمر بن الخطاب: لولا هذه الآية لحدثتك بما هو كائن إلى يوم القيامة: {يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثَبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}. وأم الكتاب: اللوح المحفوظ.
ذكروا عن كعب أنه قال: إن أقرب الملائكة إلى الله إسرافيل، وله أربعة أجنحة: جناح بالمشرق، وجناح بالمغرب، وقد تسرول بالثالث، والرابع بينه وبين اللوح المحفوظ. فإذا أراد الله أمراً أن يوحيه جاء الله حتى يصفق جبهة إسرافيل فيرفع رأسه فينظر. فإذا الأمر مكتوب؛ فينادي جبريل فيلبيه فيقول: أمرت بكذا، أمرت بكذا. فلا يهبط جبريل من سماء إلى سماء إلا فزع أهلها مخافة الساعة، حتى يقول جبريل: الحقّ من عند الحقّ فيهبط على النبي. فيوحي إليه. [وتفسير أم الكتاب جملة الكتاب وأصله].
(2/ 179)
وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40)
قوله: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} في تفسير الحسن أن الله أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم أن له في أمته نقمة، ولم يخبره أفي حياته تكون أم بعد موته. قال: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} وفيها إضمار. وإضمارها: {فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمَونَِ}. وهي مثل الآية الأخرى: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ} [الزخرف: 41 - 42]. (2/314)
صفحة 895
ذكروا عن الحسن في تفسير هذه الآية أنه قال: كانت نقمته شديدة؛ أكرم الله نبيّه أن يريه ما كان في أمته من النقمة بعده.
قوله: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاَغُ} أي: إنما عيك أن تبلغهم، {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}، أي: أن تكرههم على الإِيمان، كقوله: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99].
قوله: {وَعَلَيْنَا الحِسَابُ} أي: يوم القيامة. ثم أمر بقتالهم على الإِيمان. ولا يستطيع أن يكرههم على الإِيمان. إنما يقاتلهم عليه. وإنما يؤمن من شاء الله أن يؤمن.
(2/ 180)
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41)
قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا}. ذكروا عن عكرمة أنه قال: ينقصها من أطرافها بالموت. وقال بعضهم: موت الناس. وقال مجاهد: موت أهلها؛ وهو واحد.
وذكر ابن عباس قال: موت فقهائها وعلمائها.
وقال الحسن: ننقصها من أطرافها بالفتوح على النبي عليه السلام؛ ألا تراه يقول في الآية الأخرى: {أَفَهُمُ الغَالِبُونَ} [الأنبياء: 44] أي: أنهم ليسوا بالغالبين، ولكن رسول الله وأصحابه هم الغالبون.
وتفسير الكلبي: ننقصها من أطرافها بالقتل والسبي، موافقاً لقول الحسن.
وذكر الحسن أن الله يبعث ناراً قبل يوم القيامة تطرد الناس إلى الشام، تنزل معهم إذا نزلوا، وترتحل معهم إذا ارتحلوا، تطردهم إلى الشام، ثم تقوم عليهم الساعة بالشام.
ذكر بعضهم قال: ما ينقص من الأرضين يزداد في الشام، وما ينقص من الشام يزداد في فلسطين. (2/315)
صفحة 896
قوله: {وَاللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} أي: لا راد لحكمه {وَهُوَ سَرِيعُ الحِسَابِ} إذا أراد الله أن يعذّب قوماً كان عذابه إياهم أسرع من الطرف، يعني الذين كذبوا رسله. يخوف بذلك المشركين.
(2/ 181)
وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43)
قوله: {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: من قبل مشركي هذه الأمة، فكان مكرهم في تباب، أي: في خسار.
قال الله: {فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعاً} فمَكَر بِهِم؛ أهلكهم أحسن ما كانوا في دنياهم حالاً وأعزَّه. وقال في آية أخرى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ. ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَة} أي: مكان الشدة الرخاء {حَتَّى عَفَوا} أي: حتى كثروا {وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ ءَابَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} أي: قد أتى على آبائنا مثل هذا فلم يكن شيء. قال الله: {فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً} أي: فجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [الأعراف: 94 - 95].
قوله: {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} أي: ما تعمل كل نفس {وَسَيَعْلَمُ الكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ} أي: لمن الجنة.
قوله: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي: يقولون لمحمد {لَسْتَ مُرْسَلاً} أي: لستَ برسول الله. {قُلْ} يا محمد {كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ} أي: إني مرسل.
وهو كقوله: {الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [سورة البقرة: 146] أي: يعرفون أن محمداً رسول الله؛ بل معرفتهم لمحمد أنه رسول الله، لِمَا جَاءتهم به أنبياؤهم وما يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل، أثبتُ؛ لأن أبناءهم لا يدرون ما أحدثت نساؤهم فيهم؛ ومحمد لا يشكّون أنه رسول الله، بما جاءتهم به أنبياؤهم من عند الله، وبما وجدوا في كتبهم التي أنزلها الله عليهم.
ذكروا عن عبد الله بن سلام قال: فيّ نزلت هذه الآية: {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ}. (2/316)
صفحة 897
قال الحسن: هو الله. وقال بعضهم: علم الكتاب أي: أصل الكتاب وجِماعه.
وبعضهم يقرأ هذا الحرف: {وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتَابِ} يقول: من عند الله علم الكتاب.
وقال بعضهم: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسِلاً} يعني مشركي العرب. {قُلْ} يا محمد {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ} قال: قد كان من أهل الكتاب قوم يهدون بالحق ويعرفونه؛ منهم عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وكعب.
(2/ 182)
الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3) (2/317)
صفحة 898
تفسير سورة إبراهيم عليه السلام،
وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. قوله: {الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ} يعني من أراد الله أن يهديه {مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي: من الضلالة إلى الهدى. {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي: بأمر ربهم {إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ} أي: إلى طريق العزيز {الحَمِيدِ} وهو الإِسلام، طريق إلى الجنة.
وتفسير العزيز، أي: العزيز في نقمته. والحميد المستحمد إلى خلقه؛ استوجب عليهم أن يحمدوه. بلغنا أن عبد الله بن مسعود أو ابن عمر قال: ترك النبي صلى الله عليه وسلم طرف الصراط عندنا وطرفه في الجنة.
{اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} أي: في الآخرة. {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ} أي: يختارون {الحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الأَخِرَةِ} أي: لا يقرون بالآخرة {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي: يبغون السبيل أي: الطريق، عوجاً، أي: الشرك {أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ}.
(2/ 183)
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) (2/318)
صفحة 899
قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [قال بعضهم: بلغة قومه]. {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ} أي: بعد البيان {وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} أي: العزيز في نقمته الحكيم في أمره.
قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا} قال الحسن: بديننا. وقال مجاهد: بالبيان. {أَنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي: من الضلالة إلى الهدى {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللهِ} أي: بنعم الله في تفسير الحَسن ومجاهد. قال الحسن: التي أنعم الله عليهم بها إذ نجاهم من آل فرعون، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وما أنعم عليهم به.
وقال الكلبي: {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللهِ}: النعيم والبلاء؛ يذكّرهم ما أنعم الله عليهم، ويذكرهم البلاء، كيف أهلك قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب. يقول: ذكرهم هذا وهذا. وقد قال في آية أخرى: {قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ} [الجاثية: 14] أي: أيام الآخرة، وهم المشركون، ثم أمر بقتالهم بعدُ. قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} والشكور هو المؤمن.
قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ} ثم أخبر بتلك النعمة فقال: {إِذْ أَنْجَاكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذَابِ} أي: يذيقونكم شدّة العذاب {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} أي: فلا يقتلونهن {وَفِي ذَلِكُم} أي: فيما نجاكم منهم {بَلاَءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} أي: نعمة من ربكم عظيمة. وقال (2/319)
صفحة 900
في آية أخرى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ} أي: بغى في الأرض {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} [القصص: 4] أي: فرقاً؛ يقتل طائفة، ويستحيي طائفة، ويستعبد طائفة، فهو الذي كان يسومهم سوء العذاب.
(2/ 184)
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9)
قوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} قال بعضهم: وإذ قال ربكم. وقال الحسن: {تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} يقول: أعلمكم ربكم {لَئِن شَكَرْتُمْ} أي: آمنتم {لأََزِيدَنَّكُمْ} أي: في النعم {وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} أي: الآخرة.
وهو كقوله: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً} [سورة هود: 52]. وكقوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقُوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} أي: إذا لأعطتهم السماء مطرها والأرض نباتها. {وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96] أي يعملون، يخوِّفهم ما أهلك به الأمم السالفة.
قوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي: خبر الذين من قبلكم {قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ} أي: كيف أهلكهم. وقوله: {والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ} كقوله: {وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً} [الفرقان: 38 - 39] أي: دمرنا تدميراً.
قوله: {جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} أي: جعلوا أيديهم في أفواههم، أي: في أفواه الأنبياء، تكذيباً لهم بما جاءوا به من عند الله. وقال بعضهم: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} أي: بأفوههم [أي: بألسنتهم] فكذبوهم. وقال بعضهم: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} أي: عضّوا أناملهم، أي: غيظاً عليهم؛ مثل قوله في المنافقين {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ} [آل عمران: 119]. (2/320)
صفحة 901
{وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ}.
قوله: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ} أي: قالت لهم رسلهم {أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: خالق السماوات والأرض أنه لا إله غيره. وهو على الاستفهام. أي: إنه ليس في شك أنه خالق السماوات والأرض وأنه لا إله غيره. فأنتم تقرون أنه خالق السموات والأرض فكيف تعبدون غيره؟.
قوله: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ} أي: إن آمنتم. {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: إلى آجالهم بغير عذاب إن آمنوا، فلا يكون موتهم بالعذاب.
{قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} أي: لا يوحى إليكم {تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا} يعنون الأوثان {فأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي: بحجة بينة.
{قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي: بالنبوة فيوحي إليه. {وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ} أي: بحجة {إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} أي: إلا بأمر الله {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ}.
{وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} أي: سبل الهدى {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا ءَاذَيْتُمُونَا} يعنون قولهم للأنبياء: إنكم سحرة، وإنكم كاذبون.
قال الله: {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ}.
قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ} أي: الذين أرسلوا إليهم {لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} وهذا حيث أذن الله للرسل فدعوا عليهم فاستجاب لهم.
{وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ} أي: من بعد إهلاكهم. قال [بعضهم] وعدهم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة.
{ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}. والمقام في تفسير الحسن المقام (2/321)
صفحة 902
بين يدي الله للحساب. وفي تفسير مجاهد: من خاف الله أنه قائم عليه بعمله. قال: مثل قوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 33].
(2/ 186)
وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)
قوله: {وَاسْتَفْتَحُوا} يعني الرسل كلهم في تفسير مجاهد؛ دعوا على قومهم فاستجاب لهم.
وفي تفسير الكلبي: لما دعا عليهم الرسل قال قومهم: اللهم إن كان رسلنا صادقين فيما يقولون فأهلكنا، وإن كانوا كاذبين فأهلكهم.
قال بعضهم: استنصرت الرسل على قومها حين استيقنوا أنهم لا يؤمنون.
قال الله: {وَخَابَ} أي: وخسر {كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} وهو المشرك. قال مجاهد: معاند للحق مجتنبه.
قوله: {مِّن وَرَائِهِ} أي: من بعد هذا العذاب الذي كان في الدنيا {جَهَنَّمُ} أي: عذاب جهنم. {وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ} والصديد غسالة أهل النار، أي: ما يسيل من جلودهم من القيح والدم. وقال بعضهم: هو ما يسيل من بين جلده ولحمه.
{يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي: من كراهيته له؛ وهو يسيغه، لا بد له منه، فتتقطع أمعاؤه. {وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} وهي النار لشدة ما هم فيه، ولكن الله عزّ وجلّ قضى عليهم ألا يموتوا. هذا تفسير الحسن. وبعضهم يقول: حيات وعقارب تنهشه من كل ناحية. {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} كقوله: {فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} [النبأ: 30].
ذكروا أن رجلاً من أصحاب النبي عليه السلام قال: لما ذكر الله النار قلت: ابن (2/322)
صفحة 903
آدم ضعيف، فإنما تكفيه لذعة من النار حتى يقضي. ثم أنزل الله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ} و {لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى} [سورة طَهَ: 74] فقلت: الآن حين أخذ الله نقمته من أعدائه.
ذكروا عن عبدالله بن مسعود قال: غلظ جلد الكافر سبعون ذراعاً، وضرسه مثل أُحُد، وفخذه مسيرة يومين، وزاد فيه بعضهم عن ابن مسعود: وإني لأظنه يشغل من جهنم مثل ما بيني وبين المدينة. وبلغنا عن بعضهم قال: أهل النار يعظمون لها ولولا ذلك لألهبتهم كما تلهب الذبّان.
(2/ 187)
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21)
قوله: {مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} يعني شدة الريح {لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ} أي: مما عملوا من خير على شيء في الآخرة، أي: قد جوزوا به في الدنيا، مثل الرماد الذي اشتدت به الرياح في يوم عاصف فأطارته، فلم يقدر منه على شيء، فكذلك أعمال الكفار. قال: {ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ البَعِيدُ} أي: من الهدى.
قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي: يصير الأمر إلى البعث والحساب والجنة والنار. كقوله: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي: ألا بعث ولا حساب، ولا جنة ولا نار. {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [سورة ص: 27].
قوله: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أي: يهلككم بعذاب فيستأصلكم {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} أي: آخرين. {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بَعَزِيزٍ} [اي: لا يشق عليه].
قوله: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء} وهم السفلة والأتباع {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} وهم الرؤساء والكبار والدعاة إلى الكفر {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً} أي: (2/323)
صفحة 904
بدعائكم إيانا إلى الشرك. {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِن شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} أي: من مهرب ولا من معدل من عذاب الله.
وقال بعضهم: إنهم يقولون إذا اشتد عليهم العذاب وجزعوا تعالوا نصبر، فيصبرون فلا ينفعهم شيئاً، فيقولون: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} أي: من منجاة.
(2/ 188)
وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)
{وَقالَ الشَّيْطَانُ} يعني إبليس {لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ} أي: لما حكم وفصل بين العباد، وقضي بينهم بالقسط، فأبان الله أهل الجنة من أهل النار، قام إبليس خطيباً بإذن الله، وبئس الخطيب، يريد الله بذلك توبيخ أهل النار، فيسمع الخلق كلهم فقال: {إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ} أي: وعدكم الجنة على التّمسك بدينه، والحفظ لحدوده {وَوَعَدتُّكُمْ} أنا {فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ} أستكرهكم به {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ} أي: بالوسوسة {فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ} أي: ما أنا بمغيثكم من عذاب الله {وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ} أي: بمغيثي من عذاب الله {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} أي: في الدنيا أي: عصيت الله قبلكم.
وقال بعضهم: {بِمَا أشْرَكْتُمُونِ} أي: مع الله في الطاعة لي في الشرك به.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين فقضى بينهم وفرغ من القضاء قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا، فمن يشفع لنا إلى ربنا. قالوا: فانطلِقوا إلى آدم عليه السلام، فإنه أبونا، وخلقه الله بيده وكلمه. فيأتونه ويكلمونه أن يشفع لهم، فيقول آدم: عليكم بنوح. فيأتون نوحاً، فيدلّهم على إبراهيم عليه السلام. ثم يأتون إبراهيم فيدلّهم على موسى عليه السلام، ثم يأتون موسى فيدلّهم على عيسى، (2/324)
صفحة 905
صلى الله عليه، ثم يأتون عيسى فيقول: أدلكم على النبي الأمّيّ محمد صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء والرسل، فيأذن الله لي أن أقوم. فأثني عليه، وأقوم فيفور من مجلسي أطيب ريح شمّها أحد، حتى أقوم المقام المحمود الذي وعدني ربي أن أقومه، وأسأل ربي الشفاعة للمؤمنين فيشفّعني، ويجعل لي نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكافرون عند هذا: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فقم أنت فاشفع لنا، فإنك أنت أضللتنا. فيقوم فيفور من مجلسه أنتن ريح شمّها أحد ثم يعظهم بجهنم، ويقول عند ذلك {إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ. . .}» إلى آخر الآية.
قوله: {إِنَّ الظَّالِمِينَ} أي: المشركين والمنافقين {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع.
(2/ 189)
وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23)
قوله: {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي: بأمر ربهم {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} أي: تحيّيهم الملائكة عن الله بالسلام، فتستأذن عليهم حتى تدخل عليهم بالتحيّة من عند الله والكرامة والهدية، وبأن الله عنهم راضٍ، ويسلّم أهل الجنة بعضهم على بعض بالسلام، وهو تحيّة أهل الجنة.
وذكر بعضهم أن طوبى شجرة في الجنة، وقد وصفناها قبل هذا الموضع. (2/325)
صفحة 906
وهي مجلس من مجالس أهل الجنة ومتحدثهم فيما بينهم. فبينما هم في ظلها ذات يوم يتحدّثون إذ أتتهم الملائكة بنوق بُخْتٍ، مزمومة بسلاسل الذهب، كأنما وجوهها المصابيح من حسنها، ذلِّلن من غير مهانة، نُجُبٍ من غير رياضة، عليها رحائل الذهب، وكسوتها سندس وإستبرق، حتى تدفع إليهم، تم يسلّمون عليهم ويقولون: إن ربكم بعث إليكم بهذه الرواحل لتركبوها وتتفسحوا في الجنة، وتنظروا إلى ما أعدّ الله لكم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحد مثله. قالِ: ويتحوّل كل رجل منهم على راحلته، ثم يسيرون صفّاً في الجنة؛ الرجل منهم إلى جنب أخيه، لا تجاوز أذنُ ناقة منها أذنَ صاحبتها، ولا ركبة ناقة منها ركبةَ صاحبتها. وإنهم ليمرّون بالشجرة من شجر الجنة فتتأخر من مكانها، فيرسل إليهم ربهم الملائكة بالسلام؛ فيقولون: ربنا أنت السلام، ومن عندك السلام، ولك حق الجلال والإِكرام، فيقول لهم: وعليكم السلام مني، وعليكم رحمتي ومحبّتي. مرحباً بعبادي الذين أطاعوني بالغيب، وحفظوا وصيتي. فيقولون: لا وعزّتك، ما قدرناك حقّ قدرك، وما أدَّينا إليك كلّ حقِك، إيذن لنا يا ربّنا أن نسجد لك. فيقول: وعزتي وجلالي إني وضعت عنكم مؤونة العبادة، وقد أفضيتم إلى كرامتي، وبلغ الموعد الذي وعدتكم، تمنّوا، فإن لكل إنسان منكم ما تمنّى. . . وقد بقي من هذا الحديث شيء كثير، وهو في أحاديث الجنّة.
(2/ 190)
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)
قوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً} وهي لا إله إلا الله {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} وهي النخلة، وهي مثل المؤمن {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} أي: في الأرض {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} يعني طولها، وفرعها هو رأسها الذي تكون فيه الثمرة {تُؤتِي أَكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} أي: بأمر ربها.
قال بعضهم: كل ستة أشهر. وقال بعضهم: هي النخلة تؤتي أكلها كل حين. والحين ما بين السنة إلى السنة. وهي تؤكل شتاءً وصيفاً؛ يعني الطلع والبلح والبسر (2/326)
صفحة 907
والرطب والتمر، وهي مثل عمل المؤمن، هو في الأرض وعمله يصعد إلى السماء، وهو ثابت يُجَازَى به.
وقال الحسن: إن المؤمن لا يزال من كلام طيّب وعمل صالح، كما تؤتي هذه الشجرة أكلها، أي: ثمرتها، كلَّ حين.
{وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: لكي يذّكروا.
وبلغنا عن ابن عباس أنه قال: الحين غدوة والحين عشية، وقرأ هذه الآية: {فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17]. وقال مجاهد: {كُلَّ حِينٍ}: كل سنة.
ذكروا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المؤمن، فأي شجرة هي؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة. وكنت غلاماً أصغر القوم؛ فسكتّ. فقال رسول الله: «هي النخلة»
(2/ 191)
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)
قوله: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ} أي: الشرك والنفاق {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} أي: مُرّة، يعني الحنظلة {اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ} [أي: قطعت من أعلى الأرض] {مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} أي: ليس لأصلها ثبات في الأرض. فالريح تصرفها؛ كذلك مثل عمل الكافر، ليس لعمله الحسن أصل ثابت يجزى به في الآخرة. (2/327)
صفحة 908
ذكر أبو موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجّة طعمها طيب وريحها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا رائحة لها. ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر. ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها»
قال بعض السلف: مثل الجليس الصالح مثل حامل المسك، تجد منه ريحه، ومثل الجليس السوء مثل صاحب الكير، إن لم يحرق ثوبك يؤذك دخانه.
(2/ 192)
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29)
قوله: {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الأَخِرَةِ}.
بلغنا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: إن المؤمن إذا وضع في قبره ورجع عنه أصحابه أتاه ملك فأجلسه، ثم يقول له: من ربك؟ فيقول: الله ربي. ثم يقول له: وما دينك؟ فيقول: الإِسلام. ثم يقول له فمن نبيك؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم. فيقال له: صدقت. ثم يفتح له باب إلى النار، ثم يقال له: انظر إلى هذه النار التي لو أنك كذبت صرت إليها، وقد أعاذك الله منها. ثم يفتح له باب إلى الجنة، ثم يقال له: هذه الجنة، ثم يرى منزله فيها فلا يزال يأتيه من ريح الجنة وبردها، حتى تأتيه الساعة.
وإن الكافر إذا وضع في قبره، ورجع عنه أصحابه أتاه مَلَك فأجلسه، ثم قال له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، ثم يقول له: من نبيّك؟ فيقول له: لا أدري، فيقال (2/328)
صفحة 909
له: لا دريت، ثم يفتح له باب إلى الجنة فينظر إليها: ثم يقال له: هذه الجنة التي لو أنك آمنت بالله، وصدقت رسوله، وعملت بفرائضه صرت إليها، لن تراها أبداً، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقال له: هذه النار التي أنت صائر إليها، ثم يضيق عليه قبره، ثم يضرب ضربة لو أصابت جبلاً ارفض ما أصابت منه، قال: فيصيح عند ذلك صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين. قال: فهو قوله: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
قال: {وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ}.
ذكر جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها. إذا أدخل المؤمن قبره وتولىعنه أصحابه جاءه ملك شديد الانتهار فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: إنه رسول الله وعبده. فيقول: انظر إلى مقعدك الذي كان لك من النار، قد أعاذك الله منه، وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من الجنة، فيراهما كليهما، فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي، فيقال له: اسكن.
وأما المنافق فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دريت، هذا مقعدك الذي كان لك من الجنة قد أبدلت مكانه مقعدك من النار».
قال جابر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يبعث كل عبد في القبر على ما مات عليه؛ المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه» (2/329)
صفحة 910
ذكر البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبع جنازة رجل من الأنصار، فلما انتهى إلى قبره وجده لم يلحد.
(2/ 193)
فجلس وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، وبيده عود ينكث به الأرض، ثم رفع رأسه فقال: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر. قالها ثلاثاً.
إن المؤمن إذا كان في قِبَل من الآخرة وانقطاع من الدنيا أتته ملائكة وجوههم كالشمس بحنوطه وكفنه، فجلسوا منه بالمكان الذي يراهم منه. فإذا خرج روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماوات، وفتحت أبواب السماء، كل باب منها يعجبه أن تصعد روحه منه. فينتهي الملك إلى ربه فيقول: يا ربّ، هذا روح عبدك. فيصلي الله عليه وملائكته ويقول: ارجعوا بعبدي وأرُوه ما أعددت له من الكرامة، فإني عهدت إلى عبادي أني {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ} [سورة طَهَ: 55] فيرد إليه روحه حتى يوضع في قبره. وإنه ليسمع قرع نعالهم حتى ينطلقون عنه، فيقال: من ربّك، وما دينك، ومن نبيّك؟ فيقول: الله ربّي، والإِسلام ديني، ومحمد نبيّي، فنادى منادٍ: {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الأَخِرَةِ}.
ويأتيه عمله في صورة حسنة وريح طيبة فيقول: أبشر بحياة فيها نعيم مقيم، فقد كنت سريعاً في طاعة الله، بطيئاً عن معصية الله، فيقول: وأنت فبشّرك الله بخير، فمثل وجهك يبشّر بالخير، فمن أنت؟ فيقول: أنا عملك الحسن. فيفتح له باب من أبواب النار فيقال له: هذا منزلك، فأبدلك الله خيراً منه. ثم يفتح له منزله من الجنة، فينظر ماذا أعد الله له من الكرامة فيقول: يا رب متى تقوم الساعة كي ارجع إلى أهلي ومالي، فيوسّع له في قبره ويرقد. (2/330)
صفحة 911
وأما الكافر فإذا كان في قِبَل من الآخرة وانقطاع من الدنيا أتته الملائكة بسرابيل من قطران، ومقطعات من نار. فجلسوا منه بالمكان الذي يراهم. وينتزع روحه كما ينتزع السّفود الكثير شعبه من الصوف المبتل من عروقه وقلبه. فإذا خرج روحه لعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماوات، وغلقت أبواب السماء دونه، كل باب يكره أن يصعد روحه منه. فينتهي لملك إلى ربه فيقول: يا ربّ هذا روح عبدك فلان لا تقبله أرض ولا سماء، فيلعنه الله وملائكته فيقول: ارجعوا بعبدي فأروه ما أعددت له من الهوان، فإني عهدت إلى عبادي أني منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم. فيردّ إليه روحه حتى يوضع في قبره، وإنه ليسمع قرع نعالهم حين ينصرفون عنه. فيقال له: ما دينك ومن ربك؟ فيقول: لا أدري. فيقال له: لا دريت.
فيأتيه عمله في صورة قبيحة وريح منتنة فيقول: أبشر بعذاب مقيم، فيقول: وأنت فبشّرك الله بشرّ، فمثل وجهك يبشّر بالشر، فمن أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث. ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له: هذا منزلك لو أطعت الله.
(2/ 194)
ثم يفتح له منزله من النار فينظر إلى ما أعدّ الله له من الهوان، ويُقيَّض له أصم أعمى بيده مرزبة لو توضع على جبل لصار رفاتاً، فيضربه ضربة فيصير رفاتاً. ثم يعاد فيضربه بين عينيه ضربة يصيح بها صيحة يسمعها من على الأرض إلا الثقلين، وينادي منادٍ أن أفرشوه لوحين من النار، فيفرش لوحين من نار، فيضيّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه.
قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً} أي: نعمة الله التي أنعمها عليهم جعلوامكانها كفراً. كقوله: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] (2/331)
صفحة 912
أي: تجعلون مكان شكر النعمة تكذيباً وكفراً. فكان كفر المشركين تكذيباً، وكان كفر المنافقين كفراً لأنعم الله، لم يشكروها. وإذا لم تشكر النعم فقد كفرت.
قوله: {وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القَرَارُ} [هم المشركون من أهل بدر] أخرجوا قومهم إلى قتال النبي صلى الله عليه وسلم ببدر؛ يعني أخرج بعضهم بعضاً فقتلهم الله ببدر فحلوا في النار.
وقوله: {دَارَ البَوَارِ}، أي: دار الفساد، أي: أفسدت أجسادهم في النار. وقال الحسن: دار البوار شرهم، قوله: {وَبِئْسَ القَرَارُ}، أي: وبئس المأوى والمنزل الذي استقروا فيه فصار قرارهم.
قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً} أي: آلهتهم التي يعبدون، عدلوها بالله فجعلوها آلهة مثله. {لِّيُضِلُّوا عَن سَبِيلِهِ} أي: عن سبيل الهدى. {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} كقوله: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي البِلاَدِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المِهَادُ} [آل عمران: 196 - 197].
قوله: {قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ} أي: الصلوات الخمس، يحافظون على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها {وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} أي: الزكاة الواجبة {مِّن قَبْلِ أَن يَّأْتِيَ يَوْمٌ} أي: يوم القيامة {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} أي: لا يتبايعون فيه {وَلاَ خِلاَلٌ} أي: تنقطع كل خلّة إلا خلّة المتقين. كقوله: {الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المُتَّقِينَ} [الزخرف: 67]، وكقوله: {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} [البقرة: 254].
قوله: {اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِن الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} إنما الرزق من المطر. {وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي البَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ} قال مجاهد: في كل بلد فجرت. {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ دَائِبَيْنَ} أي: يجريان إلى يوم القيامة {وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ} يختلفان (2/332)
صفحة 913
عليكم {وَءَاتَاكُم} أي: وأعطاكم {مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} أي: وما لم تسألوه، في تفسير الحسن. وليس كل ما سألوا. وبعضهم يقرأها: {مِنْ كُلٍّ} أي: من كل شيء، {مَا سَأَلْتُمُوهُ} يقول: أعطاكم ما لم تسألوه.
قال: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا} [روى الحسن عن أبي الدرداء قال: من لم يرَ نِعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قلّ عمله وحضر عذابه]. {إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} أي: ظلوم لنفسه، كفار بنعم ربه [حين أشرك] وقد أجرى عليه هذه النعم.
(2/ 196)
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38)
قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ ءَامِناً} يعني مكة {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ} يعني المؤمنون منهم، كقوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} [البقرة: 128] {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ} يعني الأصنام أضللن {كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ} يقول: ضل المشركون بعبادتها من غير أن تكون هي التي دعت إلى عبادة أنفسها. {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي} فعبد الأوثان ثم تاب إليك بعد ذلك {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
{رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي} يعني إسماعيل {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ} أي: إنما أسكنتم مكة ليعبدونك {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً} أي: قلوباً {مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} أي: تنزع إليهم {وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} أي: لكي يشكروا نعمك.
ذكر عن ابن عباس أنه قال: لو كان قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم لَحَجَّه اليهود والنصارى وكل أحد. ولكنه قال: {أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}.
قوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ}. تفسير ابن عباس أن إبراهيم جاء (2/333)
صفحة 914
بهاجر وإسماعيل حتى وضعهما بمكة، ثم رجع. فلما قفا نادته هاجر: يا إبراهيم، إنما أسألك؛ فالتفت، فقالت له: من أمرك أن تَضَعَنِي بأرض ليس بها زرع ولا ضرع ولا أنيس؟ قال: ربي. قالت: إذاً لا يضيّعنا. فلما وَلَّى إبراهيم قال: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} أي: من الحزن. {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِن شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ}.
(2/ 197)
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)
قوله: {الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} وقد دعا في هذه الآية الأخرى: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 100].
{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي} أي: واجعل من ذريتي من يقيم الصلاة. {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} يعني دعائي لمحمد وأمته. قال الحسن: هو كقوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَكَ} [البقرة: 128].
قوله: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ}. قال الحسن: إن إبراهيم دعا لأبيه أن يُحوِّله الله من الكفر إلى الإِيمان، ثم يغفر له، وهو يرجو أن يُسلم. فلما مات كافراً تبرأ منه وعرف أنه قد هلك، وهو كقوله: {وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء: 86]. قال هذا قبل أن يموت.
قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} أي: المشركون والمنافقون {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ} تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ} أي: إلى إجابة الداعي حين يدعوهم من قبورهم.
{مُهْطِعِينَ} أي: منطلقين مسرعين إلى إجابة الداعي إلى بيت المقدس في تفسير بعضهم حين يدعوهم من الصخرة من بيت المقدس.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: يقوم ملك بين السماء والأرض بالصور فينفخ فيه، والصور قرن، فيذهب كل روح إلى جسده حتى يدخل فيه، فيقومون من قبورهم، فيجيبون بإجابة رجل واحد. (2/334)
صفحة 915
بلغنا عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة قال: تجعل الأرواح في الصور مثل النحل، ثم ينفخ فيه صاحب الصور، فيذهب كل روح إلى جسده.
وقال في آية أخرى: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ} أي: من القبور سِرَاعاً [المعارج: 43] أي: إلى المنادي إلى بيت المقدس.
{مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} قال بعضهم: رافعي رؤوسهم شاخصة أبصارهم. {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} أي: يديمون النظر. {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} قال: انتزعت القلوب فغصّت بها الحناجر، فلا هي تخرج من أفواههم ولا تعود إلى مكانها.
وذكروا عن أبي هريرة قال: يحشر الناس ثلاث أمم: أمة على الإِبل، وأمة على أقدامهم، وأمة على وجوههم. قال: قيل يا رسول الله: كيف يمشي على وجهه؟ قال: «إن الذي أمشاه على قدميه قادر أن يمشيه على وجهه»
(2/ 198)
وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45)
قوله: {وَأَنذِرِ النَّاسَ} أي: في الدنيا {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذَابُ} أي: أنذرهم اليوم ذلك اليوم {فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: الذين أشركوا والذين نافقوا {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ}. سألوا الرجعة إلى الدنيا حتى يؤمنوا ويجيبوا الدعوة ويتّبعوا الرسل ويكملوا الفرائض. قال الله:
{أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ} أي: في الدنيا {مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ} أي: من الدنيا إلى الآخرة، يعني المشركين خاصة. ثم انقطع الكلام.
ثم قال للذين بعث فيهم محمد {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} (2/335)
صفحة 916
أي: بشركهم، يعني من أهلك من الأمم السالفة، فخلفتموهم بعدهم في مساكنهم {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} أي: كيف أهلكناهم. أي: إنكم لتمرون بمنازلهم ومساكنهم وترون آثارهم. {وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ}. قال مجاهد: الأشباه. وقال الحسن: يعني أنكم إن كفرتم أهلكناكم كما أهلكناهم؛ يُخوِّفهم بذلك.
(2/ 199)
وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)
قال: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللهِ مَكْرُهُمْ} أي: محفوظ لهم حتى يجازيهم به. {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ}.
قال الكلبي: إن نمروذ الذي بنى الصرح ببابل أراد أن يعلم علم السماء، فعمد إلى تابوت فجعل فيه غلاماً. ثم عمد إلى نسور أربعة فأجاعهن، ثم ربط كل نسر بقائمة من قوائم التابوت، ثم رفع لهم لحماً في أعلى التابوت، فجعل الغلام يفتح الباب الأعلى فينظر إلى السماء فيراها كهيئتها. ثم يفتح الباب الأسفل فينظر إلى الأرض فيراها مثل اللجة. فلم يزل كذلك حتى جعل ينظر فلا يرى الأرض، وإنما هو الهواء، وينظر فوق فيرى السماء كهيئتها. فلما رأى ذلك صوّب اللحم، فتصوّبت النسور. فيقال، والله أعلم، إنه مرّ بجبل فخاف الجبل أن يكون أمر من الله، فكاد الجبل أن يزول من مكانه. فذلك قوله: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ}.
وذكر بعضهم أن نمروذ كان في التابوت ومعه صاحبه. فهو الذي جعل بأمره أن ينظر. فلما هاله ذلك أمره، فنكس اللحم، فانحدرت النسور. فبعث الله عليه أضعف خلقه: بعوضة، فدخلت في منخره حتى وصلت إلى دماغه فمات.
وقال بعضهم: في قراءة عبدالله بن مسعود: {وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبَالُ}. وذلك تفسيرها عندهم.
قال بعضهم: ذلك المكر ما عمل بالنسور، فلا أعلمه إلا قوله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَد جِئْتُمْ شَيْئاً إِداً} أي: عظيماً {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} أي: يتشقّقنَ منه {وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا} أي: بأن دعوا {لِلرَّحْمَنِ وَلَداً} [سورة مريم: 88 - 91]. (2/336)
صفحة 917
وتفسير الحسن في هذا الحرف. {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ} يقول: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، أي: هم أهون على الله من ذلك.
(2/ 200)
فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51)
قوله: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} أي: ما وعدهم من النصر في الدنيا والجنة في الآخرة {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ} أي: عزيز في نقمته، ذو انتقام من أعدائه بعذابه.
قوله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ} أي: قهر العباد بالموت وبما شاء من أمره. ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: تبدَّل الأرض بيضاء كأنها فضة لم يعمل عليها خطيئة، ولم يسفك عليها محجمة من دم حرام. وبرزوا حفاة عراة كما خلقوا حتى يلجهم العرق، و {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [هود: 105].
ذكروا عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} وقوله: {وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]، فأين يكون الناس يومئذٍ؟ قال: هم يومئذٍ على جسر جهنم.
قوله: {وَتَرَى المُجْرِمِينَ} أي: المشركين والمنافقين {يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ} أي: في السلاسل؛ كل إنسان وشيطانه الذي كن قرينه في الدنيا في سلسلة واحدة. {سَرَابِيلُهُم} [أي: قمصهم] {مِّن قَطِرَانٍ}. قال الحسن: القَطِرَان (2/337)
صفحة 918
الذي تُطلى به الإِبل. قال: {قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ} [سورة الحج: 19]. وهي نار. وقال مجاهد: {مِنْ قِطْرٍ آنٍ}، يقول: من صفر حارٌ قد انتهى حرّه. {وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ}. وقال في آية أخرى: {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ} [الزمر: 24] أي: يُجَر على وجهه في النار. {لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} أي: ما عملت. {إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ}. قال بعضهم: يقضي بين الخلق يوم القيامة في قدر نصف يوم من أيام الدنيا. وقال في آية أخرى: {وَهُوَ أَسْرَعُ الحَاسِبِينَ} [الأنعام: 62].
(2/ 201)
هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)
قوله: {هَذَا بِلاَغٌ لِّلنَّاسِ} أي: القرآن بلاغ للمؤمنين، والناس ها هنا المؤمنون. بلاغ، أي: يبلغهم إلى الجنة. {وَلِيُنذَرُوا بِهِ} أي: بالقرآن {وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ليس له شريك، وقد علموا ذلك وتيقّنوه {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}. أي: أولو العقول، وهم المؤمنون.
(2/ 202)
الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (1) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2) (2/338)
صفحة 919
تفسير سورة الحجر،
وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ}. قد فسّرناه في غير هذا الموضع.
قوله: {رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} هو كقوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون: 99 - 100] وكقوله: {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ ولاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} [الأَنعام: 27] وكقوله: {يَا ياَ لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ} [الأَحزاب: 66]. وذلك لما رأوا من (2/339)
صفحة 920
كرامة الله للمؤمنين وثوابه إياهم، فتمنّوا أن لو كانوا مسلمين ومؤمنين لينالوا ما نال المسلمون من ثواب الله وجزيل عطائه.
وقد تأوّلت الفرقة الشاكّة هذه الآية على غير تأويلها، وردّت على الله تنزيله، فقالوا: هم قوم من أهل التوحيد يدخلون النار، فيعيّرهم أهل النار، ويقولون: قد كان هؤلاء مسلمين فما أغنى عنهم؛ قالوا: فيغضب لهم ربهم فيخرجهم زعموا من النار ويدخلهم الجنة. قالوا: فعند ذلك {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ}. فزعموا أن الله مخرج أقواماً من النار قد احترقوا وصاروا حمماً. فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة هؤلاء الجهنّميون. قالوا: فيدعون ربّهم فيمحي ذلك الاسم عنهم، فيسمّون عتقاءَ ربّ العالمين، افتراء على الله، وكذباً عليه، وجحوداً بتنزيله إذ يقول:
{بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} يعني الشرك {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} يعني الكبائر الموبقة {فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] وقال: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [المائدة: 37]. وقال: {وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} [الصافات: 9] أي: دائم لا ينقطع. وقال: {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف: 75] أي: يائسون. وقال: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَّخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ} [الحج: 22]. وقال: {لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} [فاطر: 36] وقال: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ} [الزخرف: 77] وقال: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ} [غافر: 49] قالت لهم الخزنة: {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَما دُعَاء الكَافِرِينَ} أي: أهل النار {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} [غافر: 50].
فكيف بعد هذا من تنزيل الله ومحكم كتابه تزعم الفرقة الشاكة أن أهل جهنم يخرجون منها ويدخلون الجنة؟ يتّبعون الروايات الكاذبة التي ليس لها أصل في كتاب الله، وينبذون كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون فالله الحاكم بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين.
(2/ 203)
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8) (2/340)
صفحة 921
قوله: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا} يعني المشركين، يأكلوا ويتمتعوا في الدنيا {وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ} الذي يأملون من الدنيا {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} أي: يوم القيامة وهذا وعيد هوله شديد. وكان هذا قبل أن يؤمر بقتالهم، ثم أمر بقتالهم، ولا يدعهم حتى يسلموا أو يقتلوا، يعني مشركي العرب.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن يأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء»
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»
قوله: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} يعني الوقت الذي يهلكون فيه، يعني من أهلك من الأم السالفة بتكذيبهم رسلهم. {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} أي: وقت العذاب {وَمَا يَسْتَئْخِرُونَ} عنه.
قوله: {وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ} يعني القرآن فيما تدَّعي {إِنَّكَ (2/341)
صفحة 922
لَمَجْنُونٌ} يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم. {لَّوْ مَا تَأْتِينَا} أي: لولا، فلوما ولولا واحد. {بِالمَلاَئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} أي: حتى تشهد لنا أنك رسول الله، فنصدقك حينئذٍ.
قال الله: {مَا نُنَزِّلُ المَلاَئِكَةَ} حتى تعاينوهم {إِلاَّ بِالْحَقِّ} أي: بعذابهم واستئصالهم {وَمَا كَانُوا إِذاً مُّنظَرِينَ} طرفة عين، أي: بعد نزول الملائكة.
وقال مجاهد: {مَا نُنَزِّلُ المَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ} أي: بالرسالة والعذاب.
(2/ 204)
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13)
قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} يعني القرآن {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} أي: حفظه الله من إبليس أن يزيد فيه شيئاً أو ينقص منه شيئاً. كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَّ يَأْتِيهِ البَاطِلُ} والباطل هو إبليس {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} فينقصَ منهُ {وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} [فصّلت: 41 - 42] فيزيد فيه شيئاً. حفظه الله من ذلك.
وقال مجاهد: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} أي: عندنا.
قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ} أي: أرسلنا الرسل في فرق الأولين، أي: أمم الأولين، أمة بعد أمة. {وَمَا يَأْتِيهِم} يعني تلك الأمم {مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ} أي: نسلك التكذيب {فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ} أي: المشركين {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: بالقرآن {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} يعني ما أهلك به الأمم السالفة بتكذيبهم، يخوّف المشركين بذلك.
قوله: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ} أي: فصاروا فيه (2/342)
صفحة 923
{يَعْرُجُونَ} أي: الملائكة {لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} أي: سدّت أبصارنا {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ}.
وقال بعضهم: {فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ} أي: يختلفون فيه بين السماء والأرض. وقال ابن عباس: الملائكة تختلف فيه، يبصرونهم عياناً، لقال من يكذّب بهذا الحديث: {إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ}.
وقال الحسن: فاختلف فيه بنو آدم لقال من يكذب بهذا الحديث: {إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ}.
وقال بعضهم: إن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: {أَوْ تَأْتِي بِاللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً} [الإسراء: 92] أي: عياناً، معاينة، فتخبرنا الملائكة أنك رسول الله، فنؤمن بك. فهو قوله الله: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ}. جواباً لذلك.
قوله: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً} قال ابن عباس: أي: نجوماً {وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} أي: زينا السماء بالنجوم للناظرين. كقوله: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الكَوَاكِبِ} [الصافات: 6].
قال: {وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} والرجيم الملعون. قال الحسن: رجمه الله باللعنة.
{إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ} أي: فإنها لم تحفظ منه، أي: يسمع الخبر من أخبار السماء، ولا يسمع من الوحي شيئاً. وهو قوله: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} (2/343)
صفحة 924
[الشعراء: 212]. أي: عن سمع القول. وقال في آية أخرى: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا} أي: من السماء {مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} [الجن: 9].
وقال في هذه الآية: {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ}: أي: مضيء. وقال في آية أخرى: {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 10]. وثقوبه ضوءه.
ذكروا أن أبا رجاء العطاردي قال: كنا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم ما نرى نجماً يرمى به، فبينما نحن ذات يوم إذا النجوم قد رمي بها؛ فقلنا ما هذا إلا أمر قد حدث. فجاءنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بُعِث. فأنزل الله هذه الآية في سورة الجن: 9: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} ذكروا عن ابن عباس أنه قال: إذا رأيتم الكوكب قد رمي به فتواروا فإنه يحرق ولا يقتل.
وفي تفسير الكلبي: إنهم سُراة إبليس يَسْرون بأنفسهم ليأتوا إبليس بخبر السماء. قال: فإذا قذفوا خبلوا فذهبت قوتهم، فلم يستطيعوا أن يصعدوا إلى السماء.
وفي تفسير الحسن أنه يحرقه فيقتله في أسرع من الطرف. ويقول: إن أحدهم يسترق السمع وقد علم أنه سيحرق وأن له عذاب السعير. وهو قوله: {وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} [الملك: 5].
قوله: {وَالأَرْضَ مَدَدْنَهاَ} أي: بسطناها {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} وهي الجبال، وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. وقال في آية أخرى: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30] قال لها انبسطي أنت كذا، وانبسطي أنت كذا. وقد فسرناه قبل هذا.
قوله: {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ}. قال الحسن: من كل شيء يوزن، مثل الزعفران والعُصْفُر وكل ما ينبت مما يوزن من النبات. (2/344)
صفحة 925
وتفسير الكلبي: أنبت الله في الجبال الذهب والفضة والصفر والرصاص والحديد والجوهر وكل شيء لا يباع إلا وزناً.
وقال بعضهم: كل شيء موزون، أي: معلوم مقسوم. وقال مجاهد: من كل شيء موزون: أي معدود يعد، أي: يقدر.
قال الحسن: ثم ذكر الأرض فقال: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} أي: مما أخرج الله لهم فيها، ومما عمله بنو آدم.
قوله: {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} أي: جعلنا لكم ومن لستم له برازقين معايش قال مجاهد: يعني الأنعام والدوابّ، وقال الحسن: البهائم وغيرها من الخلق. وقال السكلبي: يعني من لا تمونونه، أي: ليس عليكم من مئونته شيء من الوحوش والطيور وكل شيء لا يمونه بنو آدم.
قوله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} يعني المطر. وهذه الأشياء كلها إنما تعيش بالمطر. {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}.
ذكروا أن علياً قال: إن هذا الرزق ينزل من السماء كقطر المطر، كل نفس بما كتب الله لها. وذكروا عن ابن عباس أنه قال: ما من عام بأكثر من عام مطراً، أو (2/345)
صفحة 926
قال: ماء، ولكن الله يصرفه في الأرض حيث يشاء، ثم تلا هذه الآية: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا} [الفرقان: 50].
(2/ 207)
وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24)
قوله: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} أي: للسحاب. قال: {فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: إن الله يرسل السحاب فتحمل الماء بين السماء، ثم يرسل الرياح فتمري السحاب كما تُمرَى اللقحة حتى تدرّ بمطر. وقال في آية أخرى: {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً} [نوح: 11] أي: تدرّ بالمطر.
قوله: {وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} أي: بحافظين.
وفي تفسير الحسن أن الله ينزل الماء من السماء فيسكنه السحاب، ثم يصرفه حيث يشاء، وللماء خزّان من الملائكة. وقال في آية أخرى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} [الحاقة: 11] أي: على خزانة يوم غرق قوم نوح؛ كان يجري بقدر فطغى يومئذٍ على خزانه.
قوله: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ} أي: نخلق ونميت الخلق {وَنَحْنُ الوَارِثُونَ} أي: [يموت الخلق] والله الوارث الباقي بعد خلقه، وإليه ترجعون. أي: فكما أحيى هذه الأرض بعد موتها بهذا الماء كذلك يحيي الموتى. قال: {وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ}.
قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ} يعني آدم ومن مضى من ذريته. {وَلَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَئْخِرِينَ} أي: [من بقي] في أصلبة الرجال.
وقال بعضهم: المستقدمين الأموات، والمستأخرين الأحياء بعد الأموات.
(2/ 208)
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31)
{وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} أي: هو يحشر الخلق يوم القيامة {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} أي: حكيم في أمره، عليم بخلقه.
قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} الصلصال التراب اليابس الذي تجمّع، يسمع له صلصلة. وقال في آية أخرى: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} [الرحمن: 14]. يعني الذي يجف من الطين المنتن. وقال مجاهد: الصالّ، يعني المنتن، أي: قد صلّ، مثل قوله: {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} أي: الطين المنتن. ذكروا عن ابن عباس قال: المنتن. قال الحسن: نشأ ذريته على صورته.
قوله: {وَالجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ} الجان، يعني إبليس في تفسير بعضهم. خلقناه من قبل، قال الحسن: أي: من قبل آدم. {مِن نَّارِ السَّمُومِ} أي: سموم جهنم.
قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ المَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم.
قال الحسن: إن إبليس أمره الله بالسجود كما أمر الملائكة، وإنه ليس من الملائكة، وإن الملائكة (2/346)
صفحة 927
خلقوا من نور، وخلق إبليس من النار [وقال ابن عباس: لو لم يكن إبليس من الملائكة لم يؤمر بالسجود].
قال: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} قال الحسن: أبى أن يسجد معهم. وكان لإِبليس اسم قبل أن يعصي الله، فسمّاه حين عصى إبليسَ. وأبلس من الإِبلاس، والإِبلاس هو الإِياس من رحمة الله. كقوله: {أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم (2/347)
صفحة 928
مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] أي: آيسون من رحمة الله. وكقوله: {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف: 75] أي: آيسون من رحمة الله.
(2/ 209)
قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)
قوله: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَالَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا} أي: من السماء {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} أي: ملعون {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} أي: إلى يوم الحساب؛ أي: إلى يوم القيامة، وعليك اللعنة أبداً.
{قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي} أي: أخّرني {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ} أي: إلى النفخة الأولى التي يموت بها كل حيّ. وأراد عدوّ الله أن يؤخره إلى النفخة الآخرة التي يبعث بها الخلق.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بين النفختين أربعون؛ الأولى يميت الله بها كل حيّ؛ والآخرة يحيي الله بها كل ميّت» ذكر بعضهم قال: النفخة الأولى من الدنيا والثانية من الآخرة.
{قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} قال الحسن: يريد قوله في أول الكلام {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} أي: لعنتني {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ} أي: يزين لهم الدنيا فيأمرهم بها ويخبرهم أنه لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار، يوسوس ذلك إليهم.
قال: {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ} أي: الذين أخلصوا القول والعمل فوفوا لله بهما. (2/348)
صفحة 929
هو كقوله: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَليلاً} [الإسراء: 62] وكقوله: {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 17] أي: مؤمنين. وكان الحسن يقرأها: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} [سبإ: 20] يرفع الظن وينصب إبليسَ. يقول صدق عليهم ظنه ولم يقل ذلك بعلم. وكان مجاهد يقرأها مثقلة: {وَلَقد صَدَّقَ عَلَيْهُم إِبْلِيسُ ظَنَّه فَاتَّبَعُوهُ} يرفع إبليس وينصب الظنّ.
(2/ 210)
قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44)
قوله: {قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} مثل قوله: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} [الّيل: 12] ومثل قوله: {وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} [النحل: 9] أي: الهدى.
وقال مجاهد: الصراط الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه [لا يعرّج على شيء]، يعني أن الله هو الهادي لمن يشاء إلى صراط مستقيم، أي: إلى الجنة.
وبعضهم يقرأها: {صِراط عَلِيٌّ مستقيم}، يرفعها، يقول: صراط رفيعٌ مستقيم.
قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} مثل قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99] أي: لا يستطيع أن يضل من هدى الله. قال: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} أي: يتولون إبليس قال: {وَالَّذِينَ هُم بِهِ} أي: بالله {مُشْرِكُونَ} [النحل: 100].
قوله: {إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ} وهم من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعون.
{وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} أي: لهؤلاء الغاوين {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} بعضها تحت بعض مطبقة، الباب الأعلى جهنم، ثم سقر، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم الجحيم، ثم الهاوية؛ وجهنم والنار يجمعان الأسماء. (2/349)
صفحة 930
وكان الحسن يقول: {وَالجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ} أي: اسم من أسماء جهنم، ويدع بعض هذه الأسماء، ولا أدري أي اسم هو.
{لَّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} بلغنا والله أعلم أن الباب الأعلى لمشركي العرب، والباب الثاني للنصارى، والثالث للصابئين، والباب الرابع لليهود، والخامس للمجوس، والسادس لعبدة الأوثان، والسابع للمنافقين. فقال في آية أخرى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} [النساء: 145] أي: الباب الأسفل.
وتفسير مجاهد في قول الله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذِيْنَ أَضَلاَّنَا مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ} [فصلت: 29] يعني: إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه.
(2/ 211)
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47)
قوله: {إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} والعيون هي الأنهار، وقوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} [القمر: 54] يعني به جميع الأنهار.
قوله: {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ءَامِنِينَ} وذلك حين تتلقّاهم الملائكة تقول لهم: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73]. وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. وقوله {آمِنِين} أي: آمنين من الموت، أي: خالدين فيها لا يموتون، وهو كقوله: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى} [الدخان: 56].
قوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} أي: من غلِّ الدنيا الذي كان يكون بينهم في الدنيا، والضغائن التي كانت بينهم.
وبلغنا أنهم إذا توجَّهوا إلى الجنة مروا بشجرة يخرج من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم، فلا تشعث رؤوسهم، ويغتسلون في الأخرى فيخرج ما في بطونهم من أذى أو قذى أو غلّ أو غش. ثم يتوَجّهون إلى منازلهم، فتتلقاهم الملائكة فتقول لهم: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ. فقال الله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِّنْ غِلٍّ}. (2/350)
صفحة 931
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يخلُص المؤمنون من النار فيحبسون عند قنطرة بين الجنة والنار، فَيُقتصُّ بعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذّبوا ونقّوا قيل لهم: ادخلوا الجنة؛ فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى إلى منزله في الجنة منه إلى منزله كان في الدنيا» وذلك قوله: {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [سورة محمد: 6] أي: عرفوها حين دخلوها، كأنهم كانوا قبل ذلك فيها. قال بعضهم: ما شبهوا إلا بأهل جمعة انصرفوا من جمعتهم.
قوله: {إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} قال بعضهم: ذلك في الزيارة إذا زار بعضهم بعضاً. وقال بعضهم: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.
(2/ 212)
لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54)
قوله: {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ} أي: تعب، والنصب والتعب واحد. {وَمَا هُم مِّنْهَا} أي: من الجنة {بِمُخْرَجِينَ}.
قوله: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ} أي: لا أغفَرَ منه ولا أرحمَ، يغفر للمؤمنين ويرحمهم، فيدخلهم الجنة. {وَأَنَّ عَذَابِي} يعني النار {هُوَ العَذَابُ الأَلِيمُ} أي: الموجع.
{وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَماً قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ} أي: خائفون. مثل قوله: {نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ} [سورة هود: 70] وقال ها هنا: {قَالُوا لاَ تَوْجَلْ} أي: لا تخف، والخوف والوجل واحد. {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ} فعرف أنهم ملائكة.
ف {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ}. قال مجاهد: عجِب من كِبَره وكِبَر امرأته.
(2/ 213)
قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60) فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67)
{قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ القَانِطِينَ} أي: من الآيسين. {قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ}.
{قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ} [أي: ما أمركم] {أَيُّهَا المُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} أي: مشركين، وهذا جرم شرك، يعني قوم لوط لِنعذبهم. {إِلاَّ ءَالَ لُوطٍ} يعني أهله المؤمنين {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الغَابِرِينَ} أي: الباقين في عذاب الله، في تفسير بعضهم. وقال الحسن: لمن الهالكين. (2/351)
صفحة 932
قوله: {فَلَمَّا جَاءَ ءَالَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ} أي: الملائكة {قَالَ} لوط {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ}. قال مجاهد: أنكرهم نبي الله لوط.
{قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ} يعني جئناك بعذاب قوم لوط، في تفسير مجاهد، وقوله: {بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ} أي: يشكّون، ويقولون لا نعذب، لأنه كان يخوفهم بالعذاب إن لم يؤمنوا.
{وَأَتَيْنَاكَ بِالحَقِّ} يعني وجئناك بعذابهم {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّيْلِ} أي: بطائفة من الليل، والسُّرَى لا يكون إلا ليلاً {وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ} أي: كن آخرهم. {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُم أَحَدٌ} أي: لا ينظر وراءه إلى المدينة. {وَامْضُوا حَيْثُ تُؤمَرُونَ}.
{وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ} أي: أعلمناه ذلك الأمر. والقضاء ها هنا إعلام. {أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاَءِ} أي: أصل هؤلاء {مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ} وهو كقوله: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود: 81].
قوله: {وَجَاءَ أَهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ} أي: قوم لوط يستبشرون بضيف لوط، (2/352)
صفحة 933
أي: لما يريدون من عمل السوء، إتيان الرجال في أدبارهم.
(2/ 214)
قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75)
{قَالَ إِنَّ هَؤُلاَءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ وَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ}. وكانوا إنما يفعلون ذلك بالغرباء، ولا يفعله بعضهم ببعض.
{قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العَالَمِينَ} أي: أن تضيف أحداً. وكان لا يأوون ضيفاً بليل، فكانوا يعترضون من مر بالطريق بالفاحشة.
{قَالَ هَؤُلاَءِ بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} أمرهم بتزويج النساء. وقد فسّرناه في غير هذا الموضع. وقوله: {إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} أي: إن كنتم متزوّجين.
قوله: {لَعَمْرُكَ} وهذا قسم {إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي: لفي ضلالتهم يلعبون، في تفسير بعضهم. وفي تفسير الحسن: يتمادون.
{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} أي: بالعذاب {مُشْرِقِينَ} أي: حين أشرقت الشمس. {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا}. رفعها جبريل حتى سمع أهل السماء الدنيا ضواغي كلابهم ثم قلبها. {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} أي: أرسل الله عليهم بعد ما قلبها حجارة فاتبعت سفّارهم ومن كان خارجاً من المدينة، وقوله: {مِّن سِجِّيلٍ} هي بالفارسية سند وكل: أولها حجر وآخرها طين.
قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ} أي: للمتفرسين. وقال بعضهم: للمعتبرين. يقول: فيما أهلك الله به الأمم السالفة.
(2/ 215)
وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (84) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85)
قوله: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ}، يعني قرية قوم لوط؛ يقول: إنها لبطريق واضح. وقال مجاهد: لبطريق معلم.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} وقال في آية أخرى: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِالَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الصافات: 137 - 138].
قوله: {وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ} يعني الذين بعث إليهم شعيب {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} والأَيكة الغيضة.
كانوا أصحاب غيضة. كان عامة شجرهم المقل، وهو الدوم، فسلّط الله عليهم الحرّ سبعة أيام، فكان لا يكنهم منه شيء. فعبث الله عليهم سحابة فلجأوا تحتها يلتمسون الروح فجعلها الله عليهم ناراً، فاضطرمت عليهم فماتوا فيها. وهو قوله: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 189]. (2/353)
صفحة 934
قوله: {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} يقول: إن منزل قوم لوط وأصحاب الأَيكة {لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} يعني بطريق واضح، أي: بيّن.
قوله: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ} يعني ثمودَ، قومَ صالح. {وَءَاتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً ءَامِنِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} أي: العذاب. {مُصْبِحِينَ} حين طلع الفجر. {فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.
قوله: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} أي: للبعث (2/354)
صفحة 935
{وَإِنَّ السَّاعَةَ} أي: القيامة {لأتِيَةٌ} أي: لجائية {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ} والصفح ها هنا منسوخ بالقتال. وهو كقوله: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ} يعني المشركين {وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 89]. ثم أمره بقتالهم في سورة براءة فقال: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5].
(2/ 216)
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86) وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)
قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخَلاَّقُ العَلِيمُ} أي: لا خالق غيره ولا أعلم منه.
قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المَثَانِي وَالقُرْءَانَ العَظِيمَ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «السبع المثاني فاتحة الكتاب» قال بعضهم: إنما سميت المثاني لأنهن يثنين في كل ركعة.
قوله: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} [أي: أصنافاً منهم] قال مجاهد: يعني الأغنياء.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خصلتان من كانتا فيه كتبة الله شاكراً صابراً، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً: من نظر إلى من فوقه في الدين ومن دونه في الدنيا فاقتدى بهما كتبه الله شاكراً وصابراً»
قوله: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي: على المشركين إن لم يؤمنوا. {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي: [ألنه لمن آمن بك] أي: أرأف بهم. وهو مثل قوله: (2/355)
صفحة 936
{بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128]. ومثل قوله: {وَلَوْ كُنتَ فَظَّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوَا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].
قوله: {وَقُلْ إِنِّيَ أَنَا النَّذِيرُ المُبِينُ} أي: أنذر الناس النار.
قوله: {كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْءَانَ عِضِينَ}.
تفسير الحسن: يقول [الله]: إنا أنزلنا عليك القرآن كما أنزلنا على المقتسمين. والمقتسمون أهل الكتابين الذين اقتسموه فجعلوه كتباً بعد إذ كان كتاباً واحداً، فجعلوه كالأعضاء، وحرّفوه عن مواضعه، ثم قالوا: هذا من عند الله. وكتب الله كلها قرآن. وقال في آية أخرى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]. وهي تقرأ على وجهين: زُبَراً و زُبُراً؛ فمن قرأها زُبَراً فهو يقول: قِطَعاً، ومن قرأها زبُراً فهو يقول: كتباً.
ذكروا عن ابن عباس قال: هم اليهود والنصارى آمنوا ببعض وكفروا ببعض.
وذكر بعضهم قال: هم رهط خمسة من قريش عضهوا كتاب الله، فزعم بعضهم أنه سحر، وزعم بعضهم أنه شعر، وزعم بعضهم أنه كهانة وزعم بعضهم أنه أساطير الأولين، وزعم بعضهم أن محمداً مجنون، وزعم بعضهم أنه كاذب.
قال: أما أحدهم فالأسود بن عبد يغوث، أتى على نبي الله وهو عند البيت، فقال له المَلَك: كيف تجد هذا؟ فقال: بئس عبد الله. قال: قد كفيتكه. ثم أتى عليه الوليد بن المغيرة، فقال له: كيف تجد هذا؟ فقال: بئس عبدالله. (2/356)
صفحة 937
قال: كفيتكه، ثم أتى عليه الأسود بن المطلب، فقال المَلَك: كيف تجد هذا؟ قال: بئس عبد الله. قال: كفيتكه. ثم أتى عليه العاص بن وائل، فقال له الملَك: كيف تجد هذا؟ قال: بئس عبد الله. قال: كفيتكه.
فأما الأسود فأتى بغصن من شوك فضرب به على رأسه ووجهه حتى سالت حدقتاه، فكان يقول بعد ذلك: دعا عليّ محمد بدعوة، ودعوت عليه بأخرى، فاستجاب الله له فيّ، واستجاب لي فيه: دعا علي أن أُثكَل وأن أَعمى فكان كذلك. ودعوت عليه أن يصير طريداً شريداً وحيداً مع يهود يثرب وسراق الحج، فكان كذلك. وأما الوليد بن المغيرة فذهب يرتدي فتعلق بردائه سهم لا يدري راميه فأصاب أكحله فمات. وأما العاص بن وائل فوطئ على شوكة فأوتى في ذلك حتى تساقط لحمه عضواً عضواً فمات وهو كذلك. وأما الأسود بن المطلب وعدي بن قيس فلا أدري ما أصابها، وهم المستهزؤون، استهزأوا بكتاب الله وبنبيه.
وقال بعضهم: هم خمسة نفر من قريش اقتسموا القرآن خمسة أجزاء، كل رجل منهم جزءاً نقضاً على محمد ورداً عليه.
وفي تفسير الكلبي: إنهم سبعة عشر رجلاً قسموا على عِقَاب مكة لمن قدم مكة من الناس، يسألونهم عن محمد؛ فقالت طائفة: هو كاهن، إنما قوله كهانة، وقالت طائفة: إنما هو شاعر، وقالت طائفة: إنما هو مجنون يهذي من أم رأسه، وقالت طائفة منهم: إنما هو ساحر فعضهوا القرآن.
فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)
قال: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. (2/357)
صفحة 938
قوله: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} قال الكلبي: أظهر ما أمرت به، وهذا بعد ما اكتتم سنتين بمكة، ثم أمره أن يظهر ما أمره الله به.
وقال مجاهد: اجهر بالقرآن في الصلاة.
قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ}. نسخها القتال.
قوله: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِءِينَ} قال بعضهم: هم المقتسمون الخمسة.
وقال الكلبي: إن المقتسمين السبعة عشر. والمستهزءون خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس، وهو عم عبد الله بن الزبعرى، والأسود بن المطلب، وهو أبو زمعة بن أسد، والأسود بن عبد يغوث الزهري، [ابن] خال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخي أمه. قال: {الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً ءَاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}.
قوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} أي: إنك ساحر، وإنك كاهن، وإنك مجنون، وإنك شاعر، وإنك كاذب. {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} أي: المصلين.
{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ}. يعني الموت. وهو تفسير مجاهد.
وقال بعضهم: عند الموت يأتيك يقين، أي: من الخير أو الشر. وكان الحسن يقول: ابن آدم عند الموت يأتيك اليقين.
(2/ 220)
أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) (2/358)
صفحة 939
تفسير سورة النّحل.
وهي من أولها إلى صدر هذه الآية:
{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [الآية: 41] مكية وسائرها مدني.
{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ}. قال الحسن: هذا جواب من الله لقول المشركين للنبي عليه السلام: {ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]، ولقولهم: {عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا} [سورة ص: 16]. فقال: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذَابِ} [العنكبوت: 54]. وقال: {أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} أي: إن العذاب قريب. وبعضهم يقول: يستعجلونك بعذاب الآخرة، وذلك منهم تكذيب واستهزاء. فأنزل الله: {أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ}.
قوله: {سُبْحَانَهُ} أي: ينزّه نفسه عما يقول المشركون. {وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} من العلو، أي: ارتفع عما يشركون به.
(2/ 221)
يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7)
قوله: {يُنَزِّلُ المَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ} أي: بالرحمة والوحي {مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}.
ذكروا عن كعب قال: إن أقرب الملائكة إلى الله إسرافيل. وإذا أراد الله أمراً أن يوحيه جاء اللوح حتى يصفق جبهة إسرافيل، فيرفع رأسه، فينظر، فإذا الأمر مكتوب، فينادي جبريل فيلبّيه، فيقول: أمرت بكذا، أمرت بكذا، فلا يهبط جبريل من سماء (2/359)
صفحة 940
إلى سماء إلا فزع أهله مخافة الساعة، حتى يقول جبريل: الحق من عند الحق، فيهبط على النبي عليه السلام، فيوحي إليه.
قوله: {أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ} أي: لا تعبدوا معي إلهاً آخر.
قوله: {خَلَقَ الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ} يعني بالإنسان ها هنا المشرك {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينُ} وهو كقوله: {أَوَ لَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 77 - 78].
قوله: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا} يعني الإِبل والبقر والغنم {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} أي: ما يصنع من الكسوة من أصوافها وأوبارها وأشعارها. {وَمَنَافِعُ} في ظهورها. هذه الإِبل والبقر. وألبانها في جماعتها. قال: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} أي: من جماعتها، أي: لحومها. ويؤكل من البقر والغنم السمن.
وقال بعضهم: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} أي: لباس. وقال مجاهد: لباس ينسج.
وقال مجاهد في قوله: {وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} قال: منها مركب ولحم ولبن.
قوله: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ} أي: حين تروح عليكم راجعة من الرعي. {وَحِينَ تَسْرَحُونَ} أي: تسرحونها إلى الرعي.
وقال بعضهم: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ} يعني الإِبل. وهي أعجب ما تكون إذا راحت عظاماً ضروعُها، طوالاً أسنمتها، {وَحِينَ تَسْرَحُونَ} إذا سَرّحَت لرعيها.
قوله: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ} أي: البلد الذي تريدونه. وفي تفسير الحسن أنها الإِبل والبقر. {إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ} أي: لولا أنها تحمل أثقالكم لم تكونوا بالغي ذلك البلد إلا بمشقة على أنفسكم. وقال بعضهم: إلا بجهد الأنفس. ومن فسّرها بجهد الأنفس فهو يقرأها بشق الأنفس. (2/360)
صفحة 941
{إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} يقول: فبرأفة الله وبرحمته سخّر لكم هذه الانعام، وهي للكافر رحمة الدنيا ليرزقه فيها من النعم.
(2/ 222)
وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9)
قوله: {وَالخَيْلَ} يقول: وخلق الخيل {وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} أي: في ركوبها. وذكر بعضهم أن الله خلقها للركوب وللزينة.
ذكروا عن جابر بن عبد الله أنهم أكلوا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمير والبغال ولم ينه عن الخيل.
ذكر عطاء عن جابر بن عبد الله أنهم كانوا يأكلون لحم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذكر عن الحسن قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وعن ألبانها.
ذكر الحكم الغفاري مثل ذلك. قال: وأَبَى البحر ذلك. قيل: من البحر؟ قال: ابن عباس. قال: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ. . .} إلى آخر الآية. [الأنعام: 145].
قال: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي: من الأشياء كلها مما لم يذكر لكم.
قوله: {وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} أي: قصد الطريق، أي: طريق الهدى إلى الجنة، كقوله: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} [الّيل: 12]. وكقوله: {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} [الحجر: 41].
وقال بعضهم: قصد السبيل: بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته.
قوله: {وَمِنْهَا جَائِزٌ} أي: وعنها، أي: عن السبيل جائز، وهو الكافر جار عن (2/361)
صفحة 942
سبيل الهدى. وجار عنها وجار منها واحد، وهي في قراءة ابن مسعود: ومنكم جائر. قال بعضهم: جائر من السبيل، أي: عن سبيل الهدى، ناكب عنها. وذلك تفسيرها.
قال: {وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}. مثل قوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} [يونس: 99]. وكقوله: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذِينَ ءَامَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَميعاً} [الرعد: 31].
(2/ 223)
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13)
قال: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ}. أي: ترعون أنعامكم، أي: تسرحونها فيه. وقال مجاهد: {تُسِيمُونَ} أي: تُرْعون.
قوله: {يُنبِتُ لَكُم بِهِ} أي: بذلك الماء {الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} ذكر بعضهم قال: إن الله أهبط إلى الأرض من الجنة ثلاثين ثمرة؛ عشر يؤكل داخلها ولا يؤكل خارجها، وعشر يؤكل خارجها ولا يؤكل داخلها، وعشر يؤكل داخلها وخارجها.
قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} وهم المؤمنون. قال: فالذي ينبت من ذلك الماء الواحد هذه الألوان المختلفة قادر على أن يحيي الموتى.
قوله: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ} يختلفان عليكم {وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} يذكر عباده نعمته عليهم، وينبههم بها على لسان نبيه مما لم ينتبهوا له إلا بالمنبهين، وهم الأنبياء. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وهم المؤمنون.
قوله: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ} أي: وما خلق لكم في الأرض {مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} قال الحسن: من النبات. وقال بعضهم: من الدواب والشجر والثمار. قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} وهم المؤمنون.
(2/ 224)
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17)
قوله: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّر البَحْرَ} أي: خلق البحر {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً} أي: الحيتان {وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} أي: اللؤلؤ. {وَتَرَى الفُلْكَ} أي: السفن {مَوَاخِرَ فِيهِ} يعني شقها الماء في وقت جريها.
وقال بعضهم: {مَوَاخِرَ فِيهِ} أي: سفن البحر مقبلة مدبرة تجري فيه بريح واحدة. وقال مجاهد: ولا تُجري الريح من السفن إلا العظام {وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} يعني طلب التجارة في البحر. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: لكي تشكروا. وهو مثل قوله: {لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 81].
قوله: {وَأَلْقَى في الأَرْضِ رَوَاسِيَ} وهي الجبال {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} أي: لئلا تتحرك بكم. وقال مجاهد: أن تكفأ بكم. وقد فسّرناه في غير هذا الموضع. {وَأَنْهَاراً} أي: جعل فيها أنهاراً (2/362)
صفحة 943
{وَسُبُلاً} أي: طرقاً {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي: لكي تهتدوا الطرق.
{وَعَلاَمَاتٍ} أي: جعلها في الطرق تعرفونها بها. {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} والنجم جماعة النجوم التي يهتدون بها.
قوله: {أَفَمَن يَخْلُقُ} يعني نفسه {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} يعني الأوثان، على الاستفهام، هل يستويان. أي: لا يستوي الذي يخلق والأوثان التي لا تخلق والتي تعبدون من دون الله، التي لا تملك ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، والنشور البعث. (2/363)
صفحة 944
{أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} يقوله للمشركين. والمؤمنون هم المتذكرون. يقول: أفمن يخلق كمن لا يخلق. والله هو الخالق، وهذه الأوثان التي تعبدون من دون الله تُخلَق ولا تَخلق شيئاً.
(2/ 225)
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23)
قوله: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ} أي: ما يسر المشركون من نجواهم في أمر النبي، أي: ما يتشاورون في أمره، مثل قوله: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: الذين أشركوا {هَلْ هَذَا} يعنون محمداً {إِلآَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} [الأنبياء: 3] أي: أنه سحر. يعنون القرآن. قال الله: {وَمَا تُعْلِنُونَ} أي: من شركهم وجحودهم.
{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ} يعني الأوثان {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي: يصنعون بأيديهم. قال إبراهيم: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 95 - 96] أي: بأيديكم.
قوله: {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ} أي: الأوثان أموات لا أرواح فيها {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}.
قال بعضهم: تحشر الأوثان بأعيانها فتخاصم عابديها عند الله بأنها لم تدعهم إلى عبادتها، وإنما كان دعاهم إلى عبادتها الشيطان. قال الله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً} أي: أمواتاً لا أرواح فيها {وَإن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً} [النساء: 117].
قوله: {إِلَهُكُم إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ} أي: لا يصدّقون. بالآخرة {قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} أي: لهذا القرآن. وبعضهم يقول منكرة لا إله إلا الله {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} عن عبادة الله وعما جاء به رسول الله. وقال بعضهم: عن القرآن، وهو واحد.
ثم قال: {لاَ جَرَمَ} وهي كلمة وعيد. {أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا ي (2/364)
صفحة 945
عْلِنُونَ}. وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ}.
(2/ 226)
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25)
قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ} أي: إذا قال المؤمنون للمشركين ماذا أنزل ربكم {قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}. وإنما ارتفعت لأنهم قالوا: إنه أساطير الأولين، وهذه حكاية، أي: كذب الأولين وباطلهم. فليس يقرون أن الله أنزل كتاباً، ويقولون: إن النبي افتراه من عنده. وإنما قال ذلك ناس من المشركين، مشركي العرب، كانوا يرصدون بطريق مكة من أتى النبي؛ فإذا مرّ بهم من المؤمنين من يريد النبي قالوا: إنما هو أساطير الأولين.
وفي تفسير الكلبي: إن المقتسمين الذين تفرقوا على عقاب مكة أربعة نفر على كل طريق؛ أمرهم بذلك الوليد بن المغيرة فقال: إن الناس سائلوكم عن محمد غداً بعد الموسم؛ فمن سألكم عنه فليقل بعضكم إنه ساحر، وليقل الآخر: كاهن، وليقل الآخر شاعر، وليقل الآخر مجنون يهذي من أمّ رأسه؛ فإن رجعوا ورضوا بقولكم فذاك، وإلا لقوني عند البيت. فإذا سألوني صدّقتكم كلّكم.
فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فشقّ عليه، فبعث مع كل الأربعة أربعة من أصحابه وقال لهم: إذا سألوا عني فكذبوا عني فحدّثوا الناس بما أقول. فكان إذا سئل المشركون ما صاحبكم، فقالوا: ساحر قال الأربعة الذين هم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلقوا حتى تسمعوه، بل هو رسول الله حقاً، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويأمر بصلة ذي القربى، وبأن يُقرَى الضيف، وبأن يُعبد الله، في كلام حسن جميل؛ فيقول الناس للمسلمين: والله لما تقولون أنتم أحسن مما يقول هؤلاء، والله لا نرجع حتى نلقاه، فهو قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}.
قال: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ} أي: آثامهم في تفسير الحسن. وقال بعضهم: (2/365)
صفحة 946
ذنوبهم، وهو واحد. {كَامِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ} يعني الذين قالوا أساطير الأولين {وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ} أي: بئس ما يحملون. أي: يحملون آثام أنفسهم ومثل آثام الذين دعوهم إلى الضلالة فاتّبعوهم عليها. وهو كقوله {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13] أي: يحملون آثامهم ومثل آثام الذين دعوهم إلى الضلالة فاتبعوهم عليها إلي يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزار الذين اتبعوهم شيء. هذا في القادة والأتباع.
ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما داع دعا إلى هدى فاتّبع عليه كان له مثل أجر من اتبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. وأيما داعٍ دعا إلى ضلالة فاتبع عليها كان عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً»
(2/ 227)
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27)
قوله: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ} يعني الذين أهلك بالرجفة من الأمم السالفة، رجفت بهم الأرض. {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} أي: سقطت سقوف بيوتهم ومنازلهم عليهم. {وَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: أتاها أمر الله من أصلها، فخر عليهم السقف من فوقهم. والسقف أعلى البيوت، فانتقضت بيوتهم بهم.
قال مجاهد: يعني [مكر] نمروذ [بن كنعان، وهو الذي حاج إبراهيم في ربه].
قال: {ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ} أي: في النار بعد عذاب الدنيا {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِيَ} أي: الذين زعمتم أنهم شركائي {الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} أي: (2/366)
صفحة 947
تفارقون فيهم، يعني المحاربة والعداوة، أي: عادوا الله في الأوثان يعبدونها من دونه.
{قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ} وهم المؤمنون {إِنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ} أي: الهوان {وَالسُّوءَ} أي: العذاب {عَلَى الكَافِرِينَ} وهذا الكلام يوم القيامة.
(2/ 228)
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30)
قوله: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ} قال بعضهم: توفتهم عند الموت. وقال الحسن: هي وفاة إلى النار، أي: حشر إلى النار.
{فَأَلْقَوُا السَّلَمَ} قال بعضهم: استسلموا. وقال الحسن: أعطوا السلم أي: أسلموا فلم يقبل منهم؛ وقال: إن في القيامة مواطن، فمنها موطن يقرّون فيه بأعمالهم الخبيثة، وهو كقوله: {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} [الأنعام: 130] أي: في الدنيا. وموطن يجحدون فيه فقالوا: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ} فقيل لهم: {بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: في الدنيا إذ أنتم مشركون. وموطن آخر {قَالُوا: وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] فقال الله: {انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} [الأنعام: 24] {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي: من عبادتهم الأوثان، فلم تغن عنهم شيئاً، وموطن آخر، وهو آخرها، أن يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم {وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [سورة: يس: 65].
قوله: {فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ} أي: عن عبادة الله عزّ وجلّ.
{وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً} أي: أنزل خيراً. ثم انقطع الكلام. ثم قال: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا} أي: آمنوا {فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الأَخِرَةِ خَيْرٌ}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ المُؤمِن حسنة؛ يثاب عليها بالرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة» (2/367)
صفحة 948
وقال الحسن: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ}: تكون لهم حسنتهم في الآخرة الجنة. قال: {وَلَدَارُ الأَخِرَةِ خَيْرٌ} أي: الجنة خير من الدنيا. {وَلَنِعْمَ دَارُ المُتَّقِينَ}.
(2/ 229)
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33)
قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}. وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. وعدن أشرف الجنان، نسبت الجنان كلها إليها.
قال: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ المُتَّقِينَ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ} [أي: تقبض أرواحهم] {طَيِّبِينَ}. قال مجاهد: طيبين أحياء وأمواتاً أينما كانوا بالعمل الصالح {يَقُولُونَ} لهم {سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
ذكروا أن الملائكة تأتي ولي الله عند الموت فيقولون: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرئك السلام وتبشره الملائكة بالجنة. ذكروا أن الله يقول لهم: ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الدرجة في الجنة فوق الدرجة كما بين السماء والأرض. وإن العبد ليرفع بصره فيلمع له برق يكاد يخطف البصر، فيقول: ما هذا؟ فيقال له: هذا نور أخيك فلان. فيقول أخي فلان! كنا نعمل في الدنيا جميعاً، وقد فضل عليّ هكذا؟ فيقال: إنه كان أحسن منك عملاً. قال: ثم يجعل في قلبه الرضا حتى يرضى»
قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ} أي: ما ينظرون {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ المَلاَئِكَةُ} أي: بالموت {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} أي: القيامة في تفسير بعضهم: وقال الحسن: هل (2/368)
صفحة 949
ينتظرون إلا أن تأتيهم الملائكة، أي: بعذابهم، يعني مشركي العرب، أو يأتي أمر ربك، يعني النفخة الأولى التي يهلك بها آخر كفار هذه الأمة الدائنين بدين أبي جهل وأصحابه قبل عذاب الآخرة.
قال: {كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: كذلك كذب الذين من قبل مشركي العرب، فأهلكناهم بالعذاب. قال: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي: يضرون، وقال الحسن: ينقصون.
قوله: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا} أي: ثواب ما عملوا {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي: بآيات الله والرسل.
قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاَ ءَابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} أي: ما حرّموا على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام والزرع. وهو قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا: هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا. . . .} إلى آخر الآية. [الأنعام: 136]. وقالوا لو كره الذي نحن عليه لحوّلنا عنه. فقال الله جواباً لقولهم: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا} أي: عذابنا. وقد ذكر عنهم في سورة الأنعام قبل هذا القول فقال: {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} أي: هل عندكم من حجة أنه لا يكره ما أنتم عليه {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} [الأنعام: 148] وقال في هذه الآية: {كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ البَلاَغُ المُبِينُ} أي: ليس على الرسل إلا أن تبلغ أممها ما أرسلها به ربها إليهم، ليس عليهم أكثر من ذلك.
قوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} يعني ممن أهلك بالعذاب {أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} والطاغوت الشيطان، هو دعاهم إلى عبادة الأوثان وهو مثل قوله: {إِن يَّدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً} [النساء: 117]. قال: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ} كقوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105]. والذين حقّت عليهم الضلالة والذين شقوا إنما ضلوا وشقوا بأعمالهم. (2/369)
صفحة 950
قال: {فَسِيرُوا في الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ} أي: الرسل. كان عاقبتهم أن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار.
(2/ 231)
إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)
قوله: {إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} كقوله: {مَن يُّضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} [الأعراف: 186]. وهي تقرأ على وجه آخر: {لا يَهْدِي من يُضِل}: أي: من أضله الله، وقد حقت عليه الضلالة بفعله، فإن الله لا يهديه. وقوله: {إِنْ تَحْرِصْ} كقوله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} [القصص: 56] {وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} أي: إذا جاءهم العذاب.
قوله: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ} قال: {بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ} ليبعثنهم. ثم قال {حَقّاً} فأقسم بقوله حقاً. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} قال: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ} أي: يوم القيامة {الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} أي: ما يختلفون فيه في الدنيا، أي: ما اختلف فيه المؤمنون والكافرون. {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} أي: في قولهم في الدنيا: {لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ}.
قوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ} [قبل أن يكون] {كُن فَيَكُونُ}.
قوله: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ} أي: إلى المدينة {مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} أي: من بعد ما ظلمهم المشركون وأخرجوهم من ديارهم، أي: من مكة، وهو قوله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39] {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدَّنْيَا (2/370)
صفحة 951
حَسَنَةً} أي: المدينة منزلاً في تفسير مجاهد. قال الحسن: لنعطينهم في الدنيا النصر. {وَلأَجْرُ الأَخِرَةِ أَكْبَرُ} من الدنيا {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} لعلموا أن الجنة خير من الدنيا. أي: إن الله يعطي المؤمنين في الآخرة أفضل مما يعطي في الدنيا.
ذكر بعضهم قال: هؤلاء أصحاب نبي الله؛ ظلمهم أهل مكة وأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طوائف منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله بعد ذلك المدينة.
(2/ 232)
الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)
قوله: {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} قال الحسن: هم الذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا.
وقال الكلبي: هم صهيب وخبّاب بن الأرت، وبلال، وعمار بن ياسر، وفلان مولى أبي بن خلف الجمحي، أخذوا بعد ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فعذبهم المشركون على أن يكفروا بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعذبوا حتى بلغ مجهودهم.
قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} يقوله للمشركين، يعني أهل الكتابين. وقال بعضهم: يعني أهل التوراة. [وقال بعضهم: أهل الذكر عبد الله بن سلام وأصحابه الذين أسلموا]. مثل قوله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} [الأنبياء: 7 - 8] أي: لا يموتون.
قوله: {بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} فيها تقديم، وتقديمه: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالاً يوحى إليهم. والزبر الكتب. قال: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ} أي: (2/371)
صفحة 952
القرآن {لِتُبَيِّنَ للنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أي: ولكي يتفكروا في القرآن.
(2/ 233)
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48)
قوله: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ} أي: عملوا السيئات، والسيئات ها هنا الشرك {أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} قال: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} في البلاد، أي: في أسفارهم في غير قرار {فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} أي: بسابقين {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} أي: يهلك القرية، يخيف بهلاكها القرية الأخرى لعلهم يرجعون، أي: لعل من بقي منهم على دينهم، دين الشرك، أن يرجع إلى الإِيمان.
وقال الكلبي: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} في البلاد بالليل والنهار. {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} أي: على تنقص. أي: يبتليهم بالجهد حتى يرقوا ويقلّ عددهم. فإن تابوا وأصلحوا كشف عنهم. فذلك قوله: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي: إذ جعل لكم متاباً ومرجعاً.
قوله: {أَوَ لَمْ يَرَوا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلاَلُهُ}، أي: يرجع ظل كل شيء، من الفيء {عَنِ اليَمِينِ وَالشَّمَائِلِ} والفيء الظل. وقال الحسنِ: ربما كان الفيء عن اليمين، وربما كان عن الشمال. وقال الكلبي: هذا يكون قبل طلوع الشمس وبعد غروبها. وقال بعضهم: {عَنِ اليَمِينِ وَالشَّمَائِلِ}. أما اليمين فأول النهار، وأما الشمائل فآخر النهار.
قوله: {سُجَّداً لِّلَّهِ} فظل كل شيء سجوده. {وَهُمْ دَاخِرُونَ} أي: وهم (2/372)
صفحة 953
صاغرون فيسجد ظل الكافر كارهاً. أي: يسجد ظله والكافر كاره.
(2/ 234)
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50) وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55) وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57)
قولِه: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالمَلاَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} أي: عن عبادة الله. يعني الملائكة. قال بعضهم: [في قوله: {وَالمَلاَئِكَةُ} أي: تسجد ملائكة الأرض] {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.
قوله: {وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} أي: لا تعبدوا مع الله إلهاً غيره {إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} أي: فخافون.
قوله: {وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً} أي: دائماً {أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ} يعني المشركين. على الاستفهام، أي: قد فعلتم، فعبدتم الأوثان من دونه.
قوله: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ} أي: المرض وذهاب الأموال والشدائد {فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ} أي: [تصرخون]، أي: تدعونه ولا تدعون الأوثان. وقال مجاهد: {تَجْئَرُونَ} أي: تضّرعون.
قال: {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} يعني بالفريق المشركين. {ليَكْفُرُوا بِمَا ءَاتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا} أي: في الدنيا {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وهذا وعيد هوله شديد.
قوله: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ} يعني آلهتهم. أي: (2/373)
صفحة 954
يجعلون لما لا يعلمون أنه خلق مع الله شيئاً ولا أمات ولا أحيى ولا رزق معه شيئاً، {نَصِيباً مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ}. يعني قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا} [الأنعام: 136]. وقد فسَّرناه قبل هذا الموضع. [وقال بعضهم: هم مشركو العرب جعلوا لأوثانهم وشياطينهم نصيباً مما رزقهم الله].
قال: {تَاللَّهِ} وهو قسم، أقسم الله بنفسه {لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ} يقوله لهم، لما يقولون إن الأوثان تقربهم إلى الله زلفى، وإن الله أمرهم بعبادتها.
قوله: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَنَاتِ} كان مشركو العرب يقولون إن الملائكة بنات الله. قال الله {سُبْحَانَهُ} ينزِّه نفسه عما قالوا {وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ} أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، أي: الغلمان.
(2/ 235)
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59)
قال: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَى} التي جعلها الله زعم حيث جعلوا لله البنات، يعنون الملائكة {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً} أي: مغبّراً {وَهُوَ كَظِيمٌ} أي: قد كظم على الغيظ والحزن.
قال: {يَتَوَارَى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ} يقول: يتفكّر كيف يصنع بما بشِّر به، أيُمسكه، أي: يُمسك الذي بشّر به، أي: الابنة {عَلَى هُونٍ} أي: على هوان {أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} أي: فيقتل ابنته، يدفنها حية حتى تموت مخافة الفاقة.
كان أحدهم يقتل ابنته مخافة الفاقة ويغذو كلبه، وكانوا يقولون الملائكة بنات الله، فالله صاحب بنات. جلّ ربنا عن اتخاذ الولد عمّا وصفه به أهل الجاهلية، فألحقوا البنات به. (2/374)
صفحة 955
قال الله: {أَلاَ سَاءَ} أي: بئس {مَا يَحْكُمُونَ} إذ جعلوا لله ما لم يرضوا أن يخصّوه لأنفسهم. وهذا مثل ضربه الله لهم.
(2/ 236)
لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62)
ثم قال: {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى} أي: إنه {لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ} [الإسراء: 111] {وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}.
قال بعضهم: في قوله: {وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى} قال: الإِخلاص والتوحيد.
قوله: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ} أي: لحبس المطر فأهلك حيوان الأرض. {وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ} أي: يؤخر المشركين والمنافقين {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: إلى الساعة لأن آخر كفار هذه الأمة أخر عذابها بالاستئصال إلى النفخة الأولى. {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} أي: بعذاب الله {لاَ يَسْتَئْخِرُونَ} أي: عن العذاب {سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}.
قوله: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} أي: يجعلون لله البنات ويكرهونها لأنفسهم {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ} أي: يتكلمون به ويعلنون به {أَنَّ لَهُمُ الحُسْنَى} أي: الغلمان. وفي تفسير الحسن: {أَن لهم الجنة}، إن كانت جنة؛ كقول الكافر: {وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى} [فصلت: 50] أي: إن رجعت، وكانت ثمّ جنة.
قال الله: {لاَ جَرَمَ} وهي كلمة وعيد {أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ}. أي: معجّلون إلى النار. وبعضهم يقرأها {مفرَطون} أي: منسيون فيها مضيَّعون وبعضهم يقرأها {مفرِّطون} يعني أنهم مفرِّطون؛ كقوله تعالى: {يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} [الأنعام: 31].
(2/ 237)
تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67)
قوله: {تَاللَّهِ} قسم، أقسم الله بنفسه {لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} يعني من أهلك بالعذاب من الأمم السالفة. {فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليَوْمَ} وإلى يوم القيامة {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: في الآخرة.
قوله: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ} أي: القرآن {إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ}.
قوله: {وَاللهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي: الأرض اليابسة التي ليس فيها نبات فيحييها بالمطر فتنبت بعد إذ لم يكن فيها نبات. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} فيعلمون أن الذي أحيا هذه الأرض الميتة حتى أنبتت قادر على أن يحيي الموتى، لأن المشركين لا يقرون بالعبث.
قوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَائِغاً (2/375)
صفحة 956
لِّلشَّارِبِينَ} يقول: في هذا اللبن الذي أخرجه الله من بين فرث ودم آية لقوم يعقلون، فيعلمون أن الذي أخرجه من بين فرث ودم قادر على أن يحيي الموتى.
قوله: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} أي: وجعل لكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: السكر ما حرم الله من ثمراتها، والرزق الحسن ما أحل الله من ثمراتها.
قال بعضهم: نزلت قبل تحريم الخمر؛ قال: أما الرزق الحسن فهو ما أحل الله (2/376)
صفحة 957
من ثمراتها مما تأكلون وما تعصرون وتنتبذون وتخللون. وأما السكر فهو خمور الأعاجم.
ذكروا عن أبي موسى الأشعري أنه قال: إن لكل قوم خمراً، وإن خمر فارس العنب، وخمر المدينة البسر والتمر، وخمر اليمن البتع، يعني العسل، وإن خمر الحبشة السكركة، يعني الذرة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة»
وذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن هذه الأنبذة تُنبَذُ من خمسة أشياء، من التمر والزبيب والبر والشعير والعسل، فما خمّرتم منه فعتَّقتم فهو خمر.
قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِّقَوْمٍ يَّعْقِلُونَ} وهي مثل الأولى.
(2/ 238)
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)
قوله: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} وهذا وحي إلهام. {أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} أي: ومما يبنون.
{ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} يعني طرق ربك التي جعل الله لك ذللاً، أي: مطيعة. وقال مجاهد: {اسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} أي: ذلّلت لها السبل لا يتوعَّر عليها مكان [سلكته].
{يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ} يعني العسل {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ} أي: دواء. (2/377)
صفحة 958
ذكروا أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنَّ أخي يشتكي بطنه. قال: «اذهب فاسقه عسلاً» فذهب فسقاه فلم ينفعه شيئاً. فأتى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله سقيته فلم ينفعه شيئاً. قال: «فاذهب فاسقه عسلاً» فذهب فسقاه فلم ينفعه شيئاً. فأتى النبي فقال: يا رسول الله سقيته فلم ينفعه شيئاً. قال: «فاذهب فاسقه عسلاً» فذهب فسقاه فلم يغن عنه شيئاً. فأتى النبي فأخبره؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثالثة أو الرابعة: «صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلاً» فذهب فسقاه فبَرَأ بإذن الله.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
(2/ 239)
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71)
قوله: {وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} أي: يميتكم. {وَمِنكُم مَّن يُّرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ} أي: إلى الهرم {لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً} أي: يصير بمنزلة الطفل الذي لا يعقل شيئاً. {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}.
قوله: {وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ}. يقول: هل منكم من أحد يكون هو ومملوكه في أهله وماله سواء؛ أي: إنكم لا تفعلون ذلك بمملوكيكم حتى تكونوا في ذلك سواء، فالله أحق أن لا يُشرك به أحد من خلقه. وهو كقوله: {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مَّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [الروم: 28] أي: كخيفة بعضكم بعضاً. قال: فهذا مثل ضربه الله. يقول: فهل أحد منكم يشارك مملوكه في زوجته وفراشه وماله، أَفتعدلون بالله خلقه؟.
قال: {أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ} على الاستفهام، أي: قد جحدوا نعمة الله.
(2/ 240)
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (74) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75)
قوله: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} يعني النساء، والنساء من الرجال. {وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} والحفدة الخدم، يعني ولداً يخدمونه وولد ولده.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: الحفدة الأختان.
قوله: {وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ} على الاستفهام، أي: قد آمنوا بالباطل، والباطل إبليس. {وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} وهو كقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً} [إبراهيم: 28]. وكقوله: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] يقول: تجعلون مكان الشكر التكذيب.
قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً} يعني آلهتهم التي يعبدون من دون الله {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} مثل قوله: {وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً (2/378)
صفحة 959
وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً} [الفرقان: 3]. أي: ولا بعثاً.
قال: {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} أي: الأشباه، فتشبهوا هذه الأوثان الميتة التي لا تحيي ولا تميت ولاترزق بالله الذي يحيي ويميت ويرزق ويفعل ما يريد. {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}.
قوله: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} يعني الوثن {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً} يعني المؤمن {فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً} قال: {هَلْ يَسْتَوُونَ} يعني هل يستوي هذا الذي يعبد الوثن الذي لا يقدر على شيء، والذي (2/379)
صفحة 960
يعبد الله يرزقه الرزق الحسن، أي: إنهما لا يستويان. ثم قال: {الحَمْدُ لِلَّهِ} أي: الشكر لله {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}.
قال بعضهم: هذا مثل ضربه الله للكافر؛ رزقه الله مالاً فلم يقدم فيه خيراً، ولم يعمل فيه بطاعة الله، قال الله {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ ينفق مِنْهُ} فهذا المؤمن؛ أعطاه الله رزقاً حلالاً طيباً، فعمل فيه بطاعة الله، وأنفق منه في سبيل الله، وأخذه بشكر. قال الله: هل يستويان مثلاً، أي: إنهما لا يستويان.
(2/ 241)
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79)
قال: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ}، أي: لا يتكلم، يعني الوثن {لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ} أي: على وليه الذي يتولاه ويعبده، أي: إنه عمله بيده وينفق عليه كسبه ويعبده ويتولاه {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ} هذه العابد له، يعني دعاءه إياه {لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ} أي: هذا الوثن {وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} وهو الله {وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [وهو الله].
قوله: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: يعلم غيب السماوات ويعلم غيب الأرض {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} أي: بل هو أقرب من لمح البصر، ولمح البصر يعني أنه يلمح مسيرة خمسمائة عام إلى السماء، يعني سرعة البصر. {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ}.
قوله: {وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: لكي تشكروا هذه النعم.
قوله: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ} أي: متحلقات في جو السماء، فيما بين السماء والأرض، وهي كلمة عربية، كقوله: {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} (2/380)
صفحة 961
[إبراهيم: 24] يعني بذلك طولها. أي: ما ارتفع فقد سما. كذلك الطير متحلقة في السماء، أي: قد سمت، والسمو من الارتفاع. {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ}. يبيّن قدرته للمشركين. يقول: هل تصنع آلهتكم شيئاً من هذا. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ} أي: يصدّقون، وهي مثل الأولى.
(2/ 242)
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81)
قوله: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً} تسكنون فيه {وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً} يعني من الشعر والصوف {تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} يعني في سفركم {وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} يعني في قراركم في غير سفر {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً} والأثاث المتاع في تفسير الحسن، وقال مجاهد: الأثاث الغنى. وقال بعضهم: الأثاث المال، وهو واحد. {وَمَتَاعاً} أي: تستمتعون به {إِلَى حِينٍ} أي: إلى الموت.
قوله: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً} يعني من المنازل، تظلكم من الشمس والمطر، وجعل لكم أيضاً ظلالاً من الشجر. {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الجِبَالِ أَكْنَاناً} أي: غيرانا تكنّكم أيضاً من الحرّ والبرد والريح والأمطار، يعني الغيران التي تكون في الجبال. {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ} أي: من القطن والكتان والصوف. وقد قال في أول السورة: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} [النحل: 5] أي: من البرد. قال: {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} يعني دروع الحديد تقيكم القتال. {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} أي: لكي تُسلِموا. يقول: إن أسلمتم تمّت عليكم النعمة بالجنة. وإن لم تسلموا لم تتمّ نعمته عليكم إذا صرتم إلى عذابه. (2/381)
صفحة 962
وبلغنا عن ابن عباس أنه كان يقرأها: لعلّكم تسلَمون أي: من الجراح في لبس الدروع.
(2/ 243)
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (85) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (87)
قوله: {فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاَغُ المُبِينُ}. وكان هذا قبل أن يؤمر بقتالهم. يقول: ليس عليك أن تهديهم؛ كقوله: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هَدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} [البقرة: 272].
قوله: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا} أي: يعرفون ويقرّون أن الله هو الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض، وأنه هو الرزاق، ثم ينكرونها، أي: بتكذيبهم. قال مجاهد: يعني نعمة الله التي قصّ في هذه السورة. قال: {وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} يعني جماعتهم كلهم. كقوله: {يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء: 223]. أي: كلهم.
قوله: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} أي: نبيّها يشهد عليهم أنه قد بلغهم. {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} هي مثل قوله: {هَذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} أي: بحجة. وهي مواطن، لا يؤذن لهم في موطن في الكلام، ويؤذن لهم في موطن.
قوله: {وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذَابَ} يعني المشركين {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي: سألوا الله أن يؤخرهم ويردهم إلى الدنيا حتى يتوبوا فلم ينظرهم، أي: لم يؤخرهم.
{وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ} أي: إذا رأوا الشياطين الذين كانوا يضلونهم في الدنيا، أي: يعرف كل إنسان شيطانه {قَالُو رَبَّنَا} أي: يقول بنو آدم ربنا {هَؤُلاَءِ شُرَكَاؤُنَا} يعني من إبليس {الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ} لأنهم هم الذين دعوهم إلى عبادة الأوثان. قال الله: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً} [النساء: 117] {فَأَلْقَوا إِلَيْهِمُ القَوْلَ} أي: فألقى بنو آدم إلى بني إبليس القول فقالوا لهم: {إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} أي: إنكم كذبتمونا في الدنيا وغررتمونا {وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ (2/382)
صفحة 963
السَّلَمَ} أي: أعطوا الإِسلام يومئذٍ واستسلموا له، أي: آمنوا بالله وكفروا بالشياطين والأوثان {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي: عبادتهم إياهم في الدنيا افتراء على الله، وهو الكذب. وهو كقوله: {ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا} [غافر: 73 - 74].
(2/ 244)
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)
قوله: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العَذَابِ} بلغنا عن ابن مسعود أنه قال: حيّات وعقارب، لها أنياب مثل النخل الطوال تنهشهم. وقال الحسن: هو كقوله: {فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} [النبأ: 30] قوله: {بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} يعني الشرك، وهو أعظم المعاصي.
قوله: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنفُسِهِمْ} يعني نبيّهم. وهو شاهد عليهم {وَجِئْنَا بِكَ} يا محمد {شَهِيداً عَلَى هَؤُلاَءِ} يعني أمته {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} أي: ما بيّن فيه من الحلال والحرام والكفر والإِيمان والأمر والنهي وكل ما أنزل الله فيه.
ذكروا عن أبي الدرداء قال: أنزل القرآن على ست آيات: آية مُبَشّرة، وآية منذرة وآية فريضة، وآية تأمرك وآية تنهاك، وآية قصص وأخبار. قال: {وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}.
قوله: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى} أي: حق القرابة. ذكروا عن الحسن قال: حق الرحم ألا تحرمها ولا تهجرها. قال بعضهم: إن لم يكن لك مال تعطيه فامشِ إليه برجلك.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرحم معلقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافىء، ولكن الذي إذا انقطعت رحمه وصلها» (2/383)
صفحة 964
قوله: {وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ} أي: عن المعاصي {وَالمُنْكَرِ} أي: الكذب {وَالبَغْيِ} أي: أن يبغي بعضهم على بعض. وكل هذا من المعاصي. {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ذكر مجاهد عن ابن عباس قال: لو أن جبلاً بغى على جبل لَدُكَّ الباغي منهما.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ذنب أجدر أن يعجّل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدّخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم»
بلغنا أنه لما نزلت هذه الآية قال بعض المشركين: إن هذا الرجل، يعنون محمداً، ليأمر بمحاسن الأخلاق.
(2/ 245)
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92)
قوله: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ} يعني المؤمنين، على السمع والطاعة. {وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} أي: بعد توكيد العهد، يقول: بعد تشديدها وتغليظها {وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}. قال الحسن: عهد الأنبياء، وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً، يقول: وقد تكفّل الله لكم بالجنة إن تمسّكتم بدينه.
قوله: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً} أي: تنكثون العهد، يعني المؤمنين، ينهاهم عن ذلك. قال: فيكون مثلكم، إن نكثتم العهد، كالتي نقضت غزلها من بعد قوة، أي: من بعد ما أبرمته، فنقضته بعد ما كان غزلاً (2/384)
صفحة 965
قوياً، {أَنْكَاثاً} أي: عن العهد. قال: {وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} وهو تقديم، وفيه إضمار.
قال: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ} أي: عهدكم {دَخَلاً بَيْنَكُمْ} أي: خيانة وغدراً، كما صنع المنافقون الذين خانوا الله إذ نقضوا الأَيمان فقالوا ولم يعملوا، وتركوا الوفاء بما أقروا لله به. والدخل هو الخيانة. {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} أي: أكثر من أمة. يقول فتنقضوا عهد الله لقوم هم أكثر من قوم. وقال بعضهم {أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} أي: [أن يكون قوم] أعز من قوم.
وقال بعضهم: يقول: العهد بين الناس فيما وافق الحق.
والمرأة التي ضربت مثلاً في غزلها كانت حمقاء تغزل الشعر، فإذا غزلته نقضته، ثم عادت فغزلته.
وتفسير مجاهد قال: هذا في الحلفاء؛ كانوا يحالفون الحلفاء، ثم يجدون أكثر منهم وأعزَّ، فينقضون حلف هؤلاء، ويحالفون الذين هم أعز؛ فنهوا عن ذلك.
قوله: {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ} أي: بالكثرة، يبتليكم، يختبركم {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي: من الكفر والإِيمان.
(2/ 246)
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)
{وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: على الإيمان. وهو كقوله: {وَلَوْ (2/385)
صفحة 966
شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاها} [السجدة: 13]. وكقوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} [يونس: 99]. {وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ} أي: بفعله {وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
قوله: {وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ} أي: فتخونوا الله ولا تكملوا فرائضه. {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} أي: تزل إلى الكفر والنفاق بعد ما كانت على الإِيمان. فتزل إلى النار {وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وإذ عظّم الله شيئاً فهو عظيم. والسوء عذاب الدنيا، وهو القتل بالسيف. يقول: إن أنتم نافقتم فباينتم بنفاقكم قتلتم في الدنيا ولكم في الآخرة عذاب عظيم.
قوله: {وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي: من الدنيا.
ذكروا أنه قدم وفد من كندة وحضرموت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإِسلام ولم يهاجروا، وأقروا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ثم إن رجلاً من حضرموت قام فتعلق برجل من كندة يقال له امرأ القيس، فقال يا رسول الله، إن هذا جاورني في أرض لي فقطع طائفة منها فأدخلها في أرضه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «هل لك بينة على ما تزعم؟» فقال: القوم كلهم يعلمون أني صادق وأنه كاذب، ولكنه أكرم عندهم مني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا امرأ القيس، ما يقول هذا؟» قال: ما يقول إلا الباطل. (2/386)
صفحة 967
قال: «فقم فاحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له قِبَلك من شيء مما يقول، وإنه لكاذب فيما يقول» قال: نعم. قال الحضرمي، إنا لله، أتجعلها يا رسول الله إليه، إنه رجل فاجر لا يبالي بما حلف عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه من اقتطع مال رجل مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه ساخط» فقام امرؤ القيس ليحلف، فنزلت هاتان الآيتان: {وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي: عرضاً من الدنيا يسيراً {إِنَّمَا عِندَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. قال: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
فقام الأشعث بن قيس فأخذ بمنكبي امرىء القيس فقال: ويلك يا امرأ القيس إنه قد نزلت آيتان فيك وفي صاحبك، خيرتهما له، والأخرى لك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع مال رجل مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه ساخط» فأقبل امرؤ القيس فقال: يا رسول الله، ما أنزل في؟ فتلا عليه الآيتين.
(2/ 247)
فقال امرؤ القيس: أما ما عندي فينفد، وأما صاحبي فيجازى بأحسن ما كان يعمل؛ اللهم إنه صادق، وإني أشهد الله إنه صادق، ولكن والله ما أدري ما بلغ ما يدّعي من أرضه في أرضي، فقد أصبتها منذ زمان، فله ما ادّعى في أرضي ومثلها معها. فنزلت هذه الآية.
{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فقال امرؤ القيس: إليَّ هذه الآية يا رسول الله؟ قال: نعم، فكبّر امرؤ القيس. وحمد الله وشكره.
ذكر بعضهم في قوله: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} قال: هي القناعة، وقال بعضهم: هي الجنة.
(2/ 248)
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) (2/387)
صفحة 968
قوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}. والرجيم الملعون، رجمه الله باللعنة.
قال الحسن: نزلت في الصلاة، ثم صارت سنة في غير الصلاة إذ أراد أن يقرأ، وليس بمفروض.
قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} وهو كقوله: {إِنَّ عِبَادِي} يعني المؤمنين {لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] أي: لا تستطيع أن تضلّهم؛ وكقوله: {وَمَن يَّهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ} [الزمر: 37].
قال: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} أي: الشيطان، أي: يعبدونه ويطيعونه، قال الحسن من غير أن يستطيع أن يكرههم هو عليه. وهو مثل قوله: {مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} أي: بِمُضِلِّينَ {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيمِ} [الصافات: 162 - 163] أي: لا تضلوا إلا من هو صالى الجحيم. وكقوله: {وَمَن يُّضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ} [الأعراف: 178] أي: لا يضل إلا خاسراً.
قوله: {وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} أي: والذين هم بالله مشركون. فيها تقديم. وتقديمها فاستعذ بالله، ثم قال: {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}، أي: بالله؛ رجع إلى الكلام الأول. قال الحسن: أشركوا الشيطان بعبادة الله.
قوله: {وَإِذَا بَدَّلْنَا ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنْزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وهذا في الناسخ والمنسوخ في تفسير بعضهم.
قال الحسن: كانت الآية إذا نزلت فعُمِل بها وفيها شدّة، ثم نزلت بعدها آية فيها لين قالوا: إنما يأمر محمد أصحابه بالأمر، فإذا اشتد عليهم صرفهم إلى غيره، ولو كان هذا الأمر من عند الله لكان أمراً واحداً وما اختلف، ولكنه من قِبَل محمد.
قال الله: {قُلْ} يا محمد {نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالحَقِّ} والقدس الله، وروحه جبريل. فأخبر أنه نزل به جبريل من عند الله، وأن محمداً لم يغيّر منه شيئاً. قال: {لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}.
(2/ 249)
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) (2/388)
صفحة 969
قوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} يعنون عبداً لابن الحضرمي في قول الحسن وغيره. وبعضهم يقول: عداس، غلام عتبة. وكان الكلبي يجمعهما جميعاً ويقول: كان عداس يهودياً فأسلم. وكان يقرآن كتابهما بالعبرانية، وكانا أعجمي اللسان.
قال: {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيُّ} أي: يميلون إليه في تفسير الكلبي. وقال الحسن: الذي يذهبون إليه أنه يعلِّم محمداً أعجمي، أي: كيف يعلّم صاحب اللسان الأعجمي صاحب اللسان العربي، والعربي لا يفهم اللسان الأعجمي ولا يعلم ما يقول: ألا تراه يقول: {وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} أي: بيّن.
وفي قول الحسن: هو عبد لابن الحضرمي، وكان كاهناً في الجاهلية.
وقال مجاهد: هو عبد لابن الحضرمي، رومي وصاحب كتاب. قال: يقول الله: {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ} أي: يتكلم بالرومية، وهذا لسان عربي مبين. فكيف ينقل اللسان العجميَّ [ذو] اللسان العربي بما لا يفهمه عنه من لسانه.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بآيَاتِ اللهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللهُ} هؤلاء الذين لا يريد الله أن يهديهم يلقونه بكفرهم. وهو كقوله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَن يَّطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} [المائدة: 41] أي: بكفرهم. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع.
قوله: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ} يعني المشركين {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَاذِبُونَ}.
قوله: {مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} نزلت (2/389)
صفحة 970
في عمار بن ياسر وأصحابه. أخذهم المشركون فوقفوهم على الكفر بالله وبرسوله، فخافوا منهم، فأعطوهم ذلك بأفواههم.
ذكروا أن عمار بن ياسر قال: أخذني المشركون فلم يتركوني حتى شتمت رسول الله وذكرت آلهتهم بخير. قال: [فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم] فقال لي: «ما وراءك؟» قلت: شرٌّ يا رسول الله، والله ما تُرِكتُ حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. قال فقال لي رسول الله: «كيف تجد قلبك؟» قلت: أجد قلبي مطمئناً بالإِيمان. قال: «فإن عادوا فعد» فبلغنا أن هذه الآية نزلت عند ذلك: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإِيمَانِ} أي: راضٍ بالإِيمان.
قال: {وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} قال بعضهم: يعني عبد الله بن أبي سرح، {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي: في الآخرة.
(2/ 250)
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109)
قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الأَخِرَةِ} أي: اختاروا الحياة الدنيا على الآخرة {وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ} يقول: لا يكونون بالكفر مهتدين عند الله، يعني الذين يلقون الله بكفرهم.
{أُوْلَئِكَ} أي: الذين هذه صفتهم {الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} أي: بكفرهم {وَأُوْلَئِكَ} أهل هذه الصفة {هُمُ الغَافِلُونَ}.
{لاَ جَرَمَ} وهي كلمة وعيد {أَنَّهُمْ فِي الأَخِرَةِ هُمُ الخَاسِرُونَ} أي: خسروا أنفسهم أن يغنموها فصاروا في النار، وخسروا أهليهم من الحور العين، فهو الخسران المبين. وتفسيره في سورة الزمر.
(2/ 251)
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) (2/390)
صفحة 971
قوله: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا} أي: من بعد ما عذِّبوا {ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال الحسن: إنهم قوم كانوا بمكة، فعرضت لهم فتنة، فارتدّوا عن الإِسلام، وشكوا في نبي الله، ثم إنهم أسلموا وهاجروا إلى رسول الله بالمدينة، ثم جاهدوا معه وصبروا، فنزلت فيهم هذه الآية.
وقال بعضهم: ذكر لنا أنه لما أنزل الله إن أهل مكة لا يقبل منهم إِسلام حتى يهاجروا، كتب بذلك المؤمنون إلى أصحاب لهم بمكة، وخرجوا فأدركهم المشركون فردوهم. فأنزل الله: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُّتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2]، والآية الأخرى التي بعدها. فكتب بها أهل المدينة إلى أهل مكة. فلما جاءهم ذلك تبايعوا أن يخرجوا، فإن لحق بهم المشركون أن يقاتلوهم، حتى يلحقوا بالله أن ينجوا، فأنزل الله: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ للَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا. . .} إلى آخر الآية.
قوله: {يَوْمَ تَأتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} قال الحسن: إن كل نفس توقف بين يدي الله للحساب، ليس يسألها عن عملها إلا الله.
قال: {وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} من خير أو شر {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أما الكافر فليس له من حسناته في الآخرة شيء، قد استوفاها في الدنيا. وأما سيئاته، فيُوفّاها في الآخرة، يجازى بها النار. وأما المؤمن فهو الذي يوفّى الحسنات في الآخرة، وأما سيئاته فإنّ منهم من لم يخرج من الدنيا حتى ذهبت سيئاته بالبلايا والعقوبة؛ كقوله: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]. ومنهم من تبقى عليه من سيئاته فيفعل الله فيه ما يشاء. وقد بلغنا أن منهم من تبقى عليه عند الموت فيشدّد عليه في خروج نفسه. ومنهم من تبقى عليه فيشدد عليه في القبر، ومنهم من تبقى عليه فيشدد عليه في الموقف. ومنهم من تبقى (2/391)
صفحة 972
عليه منها فيشدد عليه عند الصراط حتى يلقى الله وقد غفر له ذنوبه كلها.
(2/ 252)
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116)
قوله: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ}.
فالقرية مكة، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم، كفروا بأنعم الله فكذبوا رسوله ولم يشكروا وهم {الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [إبراهيم: 28]. وأما قوله: {فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} فإنه الجوع الذي عذبوا به بمكة قبل عذابهم يوم بدر، ثم عذبهم بالسيف قوم بدر. وأما الخوف فبعدما خرج النبي عنهم.
قوله: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّباً} يعني المؤمنين؛ ما أحلّ الله لهم من الرزق ومن الغنيمة وغيرها. {وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}.
قال: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ} أي: ذبائح المشركين، ثُمَّ أحلّ ذبائح أهل الكتاب من المشركين.
قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة وسورة الأنعام.
قوله: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ} نزلت هذه الآية في المشركين لما حرموا من الأنعام والحرث وما استحلّوا من أكل الميتة، ثم صارت للناس عامة. تقدّم إليهم ألا يستحلوا التّقَوُّلَ على الله، ولا يفتروا الكذب فيحلّوا ما حرّم الله، ويحرِّموا ما أحلّ الله بالادّعاء على الله والكذب عليه فقال: (2/392)
صفحة 973
{إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ} من المشركين فيما حرّموا من الأنعام والحرث وما استحلوا من أكل الميتة، وممن ادعى من أهل القبلة على الله الكذب، ودان بالأباطيل، واستحلّ وحرّم ما لم يحلّ الله ولم يحرّمه {لاَ يُفْلِحُونَ} جميعاً. وهو كقوله: {قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59].
(2/ 253)
مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)
قوله: {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} أي: إن الذي هم فيه من الدنيا متاع قليل ذاهب. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة.
قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا} يعني اليهود؛ سمّوا أنفسهم اليهود وتركوا الإِسلام {حَرَّمْنَا} عليهم بكفرهم {مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} في سورة الأنعام وهي مكية، وهذا الموضع من هذه السورة مدني؛ يعني قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ البَقَرِ وَالغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُرُهُمَا أَوِ الحَوَايَا} والحوايا المبعر {أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} [الأنعام: 146].
قال: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} وإنما حرّم ذلك عليهم بظلمهم. وقد بيّن ذلك في سورة النساء فقال: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ. . .} إلى آخر الآية [النساء: 160].
قوله: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} أي: من بعد تلك الجهالة إذا تابوا منها {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وكل ذنب عمله العبد فهو بجهالة، وذلك منه جهل.
(2/ 254)
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124) (2/393)
صفحة 974
قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} والأمَّة السيد في الخير؛ يعلّم الخير ويفقه الناس ويبصّرهم معالم دينهم وسبل رشادهم، أي: إنه كان في الخير إماماً. {قَانِتاً} أي: مطيعاً لله. كان إمام هدى يقتدي به، ويؤخذ عنه.
وقال مجاهد: {كَانَ أُمَّةً} أي: كان وحده مؤمناً والناس كفاراً. {قَانِتاً} أي: مطيعاً لله.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن معاذ بن جبل كان أمة. وقال ابن مسعود: إن معاذاً كان يعلّم الخير؛ وكل من يعلّم الخير فهو أمة، وهو إمام، وهو القائد الذي يُقتَدَى به.
{حَنِيفاً} أي: مخلصاً {وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ}.
{شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ} أي: للنبوة، اختاره لها واصطفاه، واجتبى واصطفى واختار واحد. {وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: إلى الجنة.
قوله: {وَءَاتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} وهو كقوله: {وَءَاتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا} [العنكبوت: 27]. ذكر بعضهم قال: ليس من أهل دين إلا وهم يَتَوَلَّوْنَهُ أي: يرتضونه. قال: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأَخِرِينَ} [الصافات: 108] أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن في الآخرين. قال: {وَإِنَّهُ فِي الأَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} والصالحون أهل الجنة، وأفضلهم الأنبياء.
قوله: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} يا محمد {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} قال بعضهم [استحلّه بعضهم (2/394)
صفحة 975
وحرّمه بعضهم] {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} وحكمه فيهم أن يدخل المؤمنين منهم الجنة ويدخل الكافرين النار.
وقال الكلبي: إن موسى أمر قومه أن يتفرّغوا إلى الله في كل سبعة أيام يوماً يعبدونه ولا يعملون فيه من صنعتهم شيئاً، والستة أيام لصنعتهم؛ فأمرهم بالجمعة فاختاروا هم السبت وأبوا إلا السبت. فاختلافهم أنهم أبوا الجمعة واختاروا السبت.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نحن الآخرون السابقون، ذلك بأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم. وهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فاليوم لنا [يعني الجمعة] وغدا لليهود [يعني السبت]، وبعد غد للنصارى [يعني الأحد]»
(2/ 255)
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126)
قوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ} أي: إلى الهدى وهو الطريق إلى الجنة. {بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ} أي: بالقرآن {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} يأمرهم بما أمرهم الله به وينهاهم عما نهاهم الله عنه {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} أي: عن طريق الهدى {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} أي: أنهم مشركون ضالّون وأن محمداً وأصحابه مؤمنون مهتدون.
قوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ}.
ذكر ابن عباس قال: مثل المشركون بحمزة يوم أحد، وقطعوا مذاكيره [فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم جزع جزعاً شديداً فأمر به فغطى ببردة كانت عليه، فمدّها على (2/395)
صفحة 976
وجهه ورأسه، وجُعِل على رجليه إذ خر] ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا مثّلن بثلاثين من قريش» فأنزل الله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لَّلصَّابِرِينَ}.
(2/ 256)
وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)
قوله: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ} فصبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يمثّل. ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن المثلة.
قوله: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي: على المشركين إن لم يؤمنوا {وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} أي: لا يضيق صدرك بمكرهم وكذبهم عليك فإن الله معك.
{إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا} أي: في العون والنصر والتأييد {وَّالَّذِين هُم مُّحْسِنُونَ}.
(2/ 257)
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) (2/396)
صفحة 977
تفسير سورة بني إسرائيل
وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {سُبْحَانَ} يعني نفسه وينزّهُها {الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى} يعني بيت المقدس. {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} يعني ما أراه الله ليلة أُسْرِيَ به.
ذكروا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين. فأُتِيتُ، فَانْطُلِقَ بِي. فأُتِيت بطست من ذهب، فيها من ماء زمزم، فشُرِح صدري إلى مكان كذا وكذا. [قال قتادة: فقلت للذي معي: ما يعني] قال: يعني إلى أسفل بطني. فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم، ثم كنز أو قال حشي إيماناً وحكمة، ثم أعيد مكانه.
ثم أُتيت بدابة أبيض يقال له البراق، فوق الحمار ودون البغل، يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحُملت عليه. (2/397)
صفحة 978
ثم انطلقا حتى أتينا السماء الدنيا. فاستفتح جبريل؛ فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد عليه السلام. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم. ففتِح لنا، فقالوا: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء. قال: فأتيت على آدم، فقلت لجبريل: من هذا؟ قال أبوك آدم. فسلّمت عليه فقال: مرحباً بالابن الصالح والنبيّ الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الثانية، فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل؛ قيل: ومن معك؟ قال: محمد عليه السلام. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم. ففتح لنا، وقالوا: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء. فأتيت على يحيى وعيسى، فقلت: يا جبريل، من هذان؟ قال: هذان يحيى وعيسى، وأحسب أنه قال: ابنا الخالة. فسلّمت عليهما فقالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الثالثة، فكان نحو هذا من كلام جبريل وكلامهم. فأتيت على يوسف، فقلت: يا جبريل: من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف، فسلّمت عليه، فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الرابعة. فأتينا على إدريس فقلت: من هذا يا جبريل، فقال: هذا أخوك إدريس، فسلّمت عليه، فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. وعندها قال: [قتادة] قال الله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِياً} [مريم: 57] فانطلقنا حتى أتينا السماء الخامسة، فأتينا على هارون، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك هارون. فسلّمت عليه، فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء السادسة، فأتيت على موسى فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك موسى، فسلّمت عليه فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. فلما جاوزته بكى؛ فقيل له: وما يبكيك؟ قال: رَبِّ، هذا غلام بعثته بعدي (2/398)
صفحة 979
يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل من أمتي.
(2/ 258)
ثم انطلقنا حتى أتينا السماء السابعة فأتينا على إبراهيم، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك إبراهيم. فسلّمت عليه فقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رفع لنا البيت المعمور بحيال الكعبة فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لا يعودون فيه أخر ما عليهم. ثم رفعت لنا سدرة المنتهى؛ فحدّثَ نبيُّ الله أن ورقها مثل آذان الفِيَلة، وأن نبقها مثل قلال هجر.
وحدّث نبيّ الله أنه رأى أربعة أنهار يخرجن من تحتها: نهران باطنان ونهران ظاهران. فقلت يا جبريل ما هذه الأنهار؟ فقال: أما النهران الباطنان فنهران بالجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات. وأُتِيت بإناءين أحدهما لبن والآخر خمر، فعُرِضا عليّ فأخذت اللبن؛ فقيل لي: أصبت، أصاب الله بك أمتك على الفطرة. وفُرِضَت عليّ خمسون صلاة، أو قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم. فجئت بهن، حتى أتيت على موسى فقال لي: بِم أُمرت؟ فقلت: بخمسين صلاة كل يوم. فقال: إن أمتك لا يطيقون ذلك؛ إني قد بلوت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، ارجع إلى ربك وسله التخفيف لأمتك. فما زلت أسأل ربي ويقول لي موسى مثل مقالته هذه حتى رجعت بخمس صلوات كل يوم. فلما أتيت عليه قال لي: بم أمرت. قال: فقلت بخمس صلوات كل يوم. فقال: إن أمتك لا يطيقون ذلك. إني قد بلوت الناس من قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، راجع ربّك واسأله التخفيف لأمتك. فقلت: لقد راجعت ربي حتى لقد استحييت، ولكني أرضى وأسلِّم. قال: فنوديت، أو نادى منادٍ: إني قد أمضيت فريضتي وخفّفت عن عبادي وجعلت الحسنة بعشر أمثالها. فانتهى هذا الحديث إلى ها هنا. (2/399)
صفحة 980
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أُتِي بالبراق ليركبه استصعب، فقال له جبريل: اسكن، فوالذي نفس محمد بيده ما ركبك مخلوق أكرم على الله منه. قال: فارفضّ عرقاً وقرّ.
وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مررت ليلة أسري بي على رجال تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالخير والبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون»
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما أنا في الجنة إذ أنا بنهر حافاته قباب اللؤلؤ المجوّف، فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا مسك أذفر. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله»
وذكر بعض أصحاب النبي عن النبي عليه السلام هذا الحديث غير أنه أغزر منه وأطول، فيه ما ليس في الحديث الأول.
قال: بينما أنا في البيت إذ أتيت، فشق النحر، فاستخرج القلب، فغسل بماء زمزم، ثم أعيد مكانه.
(2/ 259)
ثم أتيت بدابة أبيض يقال له البراق، فوق الحمار ودون البغل، مضطرب الأذنين، يقع خطوه عند منتهى طرفه. فحملت عليه فسار بي نحو بيت المقدس؛ فإذا منادٍ ينادي عن يمين الطريق: يا محمد، على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك. فمضيت ولم أعرج عليه. ثم إذا أنا بمنادٍ ينادي عن يسار الطريق: يا محمد، على رسلك أسألك، يا محمد (2/400)
صفحة 981
على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك، ولم أعرج عليه.
ثم إذا بامرأة على قارعة الطريق، أحسبه قال: حسناء جملاء، عليها من كل الحليّ والزينة، ناشرة شعرها، رافعة يديها تقول: يا محمد، على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك. فمضيت ولم أعرج عليها حتى انتهيت إلى بيت المقدس، فأوثقت الدابة بالحلقة التي يوثق بها الأنبياء. ثم دخلت المسجد فصلّيت فيه ركعتين ثم خرجت.
فأتاني جبريل بإناءين: إناء من لبن وإناء من خمر. فتناولت اللبن فقال: أصبت الفطرة.
ثم قال لي جبريل: يا محمد، ما رأيت في وجهتك هذه؟ قلت: سمعت منادياً ينادي عن يمين الطريق: يا محمد على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك. قال: فما صنعت؟ قلت: مضيت ولم أعرّج عليه. قال: ذلك داعية اليهود. أما إنك لو عرّجت عليه لتهوّدت أمتك. قلت: ثم ماذا؟ قلت: ثم إذا أنا بمنادٍ ينادي عن يسارِ الطريق: يا محمد على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك، يا محمد على رسلك أسألك، قال: فما صنعت؟ قلت: مضيت ولم أعرج عليه. قال: ذلك داعية النصارى. أما إنك لو عرّجت عليه لتنصّرت أمتك. قلت: ثم إذا أنا بامرأة على قارعة الطريق، أحسبه قال: حسناء جملاء عليها من كل الحليّ والزينة، ناشرة شَعرَها، رافعة يديها، تقول: يا محمد على رِسلك أسألك، يا محمد على رِسلك أسألك، يا محمد على رِسلك أسألك. قال: فما صنعت؟ قلت: مضيت ولم أعرّج عليها. قال: تلك الدنيا؛ أما إنك لو عرجت عليها لمِلت إلى الدنيا.
ثم أتينا بالمعراج فإذا أحسن ما خلق الله، ألم تَرَ إلى الميّت حيث يشقّ بصره، (2/401)
صفحة 982
فإنما يبعه المعراج عجباً به. ثم تلا هذه الآية: {تَعْرُجُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 4] فقعدنا فيه، فعرج بنا حتى انتهينا إلى باب السماء الدنيا، وعليها ملك يقال له: إسماعيل، جنده سبعون ألف ملك، جند كل ملك سبعون ألف ملك، وتلا هذه الآية: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر: 31] فاستفتح جبريل فقال: من هذا؟ قال جبريل؛ قيل: ومن معك؟ قال محمد.
(2/ 260)
قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا مرحباً به، ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا. فأتيت على آدم، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم. فرحّب بي ودعا لي بخير. قال: وإذا الأرواح تعرض عليه. فإذا مرّ به روح مؤمن، قال: روح طيّب ورائحة طيّبة، وإذا مرّ به روح كافر قال روح خبيث ورائحة خبيثة.
قال: ثم مضيت فإذا أنا بأخاوين عليها لحوم منتنة وأخاوين عليها لحوم طيبة وإذا رجال ينهسون اللحوم المنتنة ويدَعون اللحوم الطيّبة، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة يَدَعُون الحلال ويبتغون الحرام.
قال: ثم مضيت فإذا أنا برجال تُفَكَّ أَلْحِيهِم وآخرين يجيئون بالصخور من النار فيقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم. قال: قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً. ثم تلا هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [النساء: 10].
قال: ثم مضيت فإذا أنا بقوم يقطع من لحومهم بدمائهم فيُضْفَزُونها ولهم جؤار؛ (2/402)
صفحة 983
فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الهمّازون اللّمّازون، ثم تلا هذه الآية: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12] قال: وإذا أنا بنسوة معلقات بثُدِيهن، وأحسبه قال: وإذا حيّات وعقارب ينهشنهن؛ فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الظؤورة اللاتي يقتلن أولادهن.
قال: ثم أتيت على سابلة آل فرعون حيث ينطلق بهم إلى النار يعرضون عليها غدواً وعشياً؛ فإذا رأوها قالوا ربنا لا تقومن الساعة لما يرون من عذاب الله، وإذا أنا برجال بطونهم كالبيوت يقومون فيقعون لظهورهم ولبطونهم فيأتي عليهم آل فرعون فيثردونهم بأرجلهم ثرداً. فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا. ثم تلا هذه الآية: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ} [البقرة: 275].
ثم عرج بنا حتى انتهينا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة بحيى وعيسى. فرحبا بي، ودعوا لي بخير. ثم عرج بنا حتى انتهينا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطى نصف الحسن، قال: فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا حتى انتهينا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل. فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال نعم. قالوا: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس.
(2/ 261)
فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى (2/403)
صفحة 984
السماء الخامسة، فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال محمد. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا. فإذا أنا بهارون. وإذا لحيته شطران: شطر أبيض وشطر أسود. فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا المحبب في قومه وأكثر من رأيت تبعاً. فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا حتى انتهينا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل. فقيل من؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل أوقد بعث إليه؟ قال نعم. قالوا: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا فإذا أنا بموسى، وإذا هو رجل أشعر، لو لبس قميصين لنفذهما الشعر. فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك موسى. فرحب بي ودعا لي بخير. قال: فمضيت، ثم سمعت موسى يقول: يزعم بنو إسرائيل أني أكرم الخلق على الله، وهذا أكرم على الله مني. ولو كان النبي وحده لهان عليّ، ولكن النبي ومن تبعه من أمته. ثم عرج بنا حتى انتهينا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، فقيل له: من هذا قال جبريل. قيل: ومن معك؟ قال محمد. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. ففتح لنا. فأتيت على إبراهيم فإذا هو مستند إلى البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة. فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم. فسلمت عليه. فرحب بي ودعا لي بخير. فإذا أمتي عنده شطران: شطر عليهم ثياب بيض، وشطر عليهم ثياب رمد؛ فدخل أصحاب الثياب البيض واحتبس الآخرون. فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً. وكل إلى خير. ثم قيل لي: هذه منزلتك ومنزلة أمتك. ثم تلا هذه الآية: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68].
قال: ثم انتهينا إلى سدرة المنتهى فإذا أحسن ما خلق الله، وإذا الورقة من ورقها لو غطّيت بها هذه الأمة لغطّتها. ثم انفجر من تحتها السلسبيل، ثم انفجر من (2/404)
صفحة 985
السلسبيل نهران: نهر الرحمة ونهر الكوثر؛ فاغتسلت من الرحمة فغُفِر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر. ثم أعطيت الكوثر فسكلته حتى انفجر بي في الجنة، فإذا طيرها كالبخت، وإذا الرّمانة من رمانها كجلد البعير المقّتب. قال: ونظرت إلى جارية فقلت: لمن أنت يا جارية؟ فقالت: ليزيد بن حارثة. قال: فبشّرت بها زيداً. قال: ثمّ نظرت إلى النار، فإذا إِنَّ عذاب ربي لشديد، لا تقوم له الحجارة ولا الحديد. قال: ثم إني رُفِعت إلى سدرة المنتهى فغشّاها من أمر الله ما غشّى، ووقع على كل ورقة منها ملك، وأيّدها الله بأيده، وأوحى لي ما أوحى، وفرض عليّ في كل يوم وليلة خمسين صلاة.
(2/ 262)
فرجعت إلى موسى فقال: ما فرض عليك ربك؟ فقلت: فرض عليّ في كل يوم وليلة خمسين صلاة. قال ارجع إلى ربك واسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: أي ربّ حُطَّ عن أمتي، فإن أمتي لا تطيق ذلك. فحطّ عني خمساً. فرجعت إلى موسى عليه السلام فقال: ما فرض عليك ربك؟ قال: قلت: حطّ عني خمساً. فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك. قال: فرجعت إلى ربي فحطّ عني خمساً. قال: فلم أزل أختلف ما بين ربي وبين موسى حتى قال: يا محمد: لا تبديل، إنه لا يُبَدَّل القولُ لَدَيَّ؛ هي خمس صلوات في كل يوم وليلة، كل صلاة عشر، فتلك خمسوة صلاة. ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن عملها كتبت له عشراً. ومن همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، ومن عملها كتبت عليه سيئة واحدة. قال: فرجعت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف. فقلت: قد راجعته حتى لقد استحييت. (2/405)
صفحة 986
وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مررت ليلة أسري بي على سرير وعليه ملك قائم بيده حربة. فقلت: من هذا يا جبريل؟ فقال: إن نبياً أسري به قبلك فمر على هذا وهو قاعد، فظن أنه ربه، فأهوى له ساجداً، فأقامه الله منذ يومئذٍ ليعلم أنه عبد»
قوله: تعالى: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} أي: ما أراه الله من الآيات والعبر في طريق بيت المقدس. قال: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} يعني نفسه، لا أسمع منه ولا أبصر.
قال الكلبي: لما أخبر النبي عليه السلام بذلك المشركين قال المشركون: تحدثنا أنك صليت الليلة في بيت المقدس ورجعت من ليلتك، وهو مسيرة شهر للذاهب وشهر للمقبل.
وقال بعضهم: رويدك يا محمد نسألك عن عيرنا، هل رأيتها في الطريق؟ قال: نعم. قالوا أين؟ قال: مررت على عير بني فلان بالروحاء، وقد أضلّوا ناقة، وهم في طلبها، فمررت على رحالهم وليس بها منهم أحد [فوجدت في إناء من آنيتهم ماء فشربته، فسلوهم إذا رجعوا هل وجدوا الماء في الإِناء]. قالوا هذه والله آية بينة. قال: فمررت على عير بني فلان فنفرت مني الإِبل ساعة كذا وكذا. ووصف جملاً منها؛ قال: كان عليه أجير بني فلان، عليه جُوالق أسود مخطط ببياض. قالوا: هذه والله آية وقد عرفنا الجُوالق. قال: ثم مررت على عير بني فلان بالتنعيم. قالوا فإن كنت صادقاً فإنها تقدم الآن. قال: أجل.
(2/ 263)
قالوا: فأخبرنا بعدتها وأحمالها ومن فيها. قال: كنت مشغولاً عن ذلك. قال: فبينما هو يحدثهم إذ مثل له عدتها وأحمالها في الحَدور يقدمها جمل أورق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ها هي ذي منحدرة من ثنية كذا (2/406)
صفحة 987
وكذا من طلوع الشمس، يقدمها جمل أورق، وعدتها كذا وكذا، وأحمالها كذا وكذا، وفيها فلان وفلان وفلان، وسمّي الرهط الذين فيها بأسمائهم لم يغادر منهم أحداً. فخرج رهط من قريش يسعون، قِبَل الثنية فإذا هم بها حين انحدرت من الثنية يقدمها جمل أورق كما قال. وفيها الرهط الذين سمّي مع طلوع الشمس؛ فرموه بالسحر، وقالوا: صدق الوليد بن المغيرة فيما قال: إنه ساحر.
وجاء أبو بكر فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، حدثني ما رأيت عن يمينك حين دخلت بيت المقدس، وما رأيت عن يسارك. فحدثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدّقه أبو بكر وقال: أشهد أنك صادق فيومئذٍ سمّي الصديق، فقال رسول الله: «وأنت الصديق يا أبا بكر»
(2/ 264)
وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)
قوله: {وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} أي: التوراة {وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} أي: لمن آمن منهم. {أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلاً} أي: ألا تتخذوا من دوني شريكاً. وقال بعضهم: ربّا.
{ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} أي: في السفينة، أي: يا ذرية من حملنا مع نوح، ولذلك انتصب. وقال بعضهم: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} أي: الناس كلهم ذرية من أنجى الله في تلك السفينة. وذكر لنا أنه نجّى فيها نوحاً وثلاثة بنين له: سام وحام ويافث وامرأته ونساءهم، فجميعهم ثمانية.
قال: {إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً}. قال بعضهم: ذكر لنا أنه كان إذا استجد ثوباً (2/407)
صفحة 988
حمد الله. والعامة على أن الشكور المؤمن، وهو حقيقة التفسير.
(2/ 265)
وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)
قوله: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ} قال الحسن: يقول: أعلمناهم. كقوله: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ} [الحجر: 66] أي: أعلمناه: ذكروا أن مجاهداً قال: {وَقَضَيْنَا} أي: كتبنا. {لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} [يعني لتهلكن في الأرض مرّتين] {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} [يعني لتقهرن قهراً شديداً].
{فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أَولاَهُمَا} أي: أولى العقوبتين {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} تفسير مجاهد: إنهم فارس. {فَجَاسُوا خَلاَلَ الدِّيَارِ} فقتلوهم في الدِّيار وهدموا بيت المقدس وألقوا فيه الجيف والعذرة {وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} أي: إنه كائن.
ذكر بعضهم قال: عوقب القوم على علوّهم وفسادهم، فبعث الله عليهم في الأولى جالوت الجزري، فسبى وقتل وجاسوا خلال الدّيار كما قال الله. ثم رجع القوم على دخن فيهم كثير.
قال: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} أي: أكثر عدداً. قوله: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} ففعل ذلك بهم في زمان داود يوم طالوت.
قال: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} أي: فلأنفسكم. {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الأَخِرَةِ} أي: من العقوبتين {لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ} وهي تقرأ على وجهين: {لِيَسوءَ} مخففة، أي ليسوءَ الله وجوهَكم، والوجه الآخر {لِيسُؤا} مثقلة، يعني القوم وجوهَكم. {وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ} يعني بيت المقدس {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي: كما دخله عدوّهم قبل ذلك. (2/408)
صفحة 989
قال: {وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً} أي: وليفسدوا ما غلبوا عليه فساداً. فبعث الله في الآخرة بختنصر البابلي المجوسي فقتل وسبى وخرب بيت المقدس، وقذف فيها الجيف والعذرة. ويقال إن فسادهم الثاني قتل يحيى بن زكرياء، فبعث الله بختنصر عقوبة عليهم بقتلهم يحيى، فقتل منهم سبعين ألفاً.
وذكر بعضهم قال: كان يحيى بن زكرياء في زمان لم يكن للرجل منهم أن يتزوج امرأة أخيه بعده. فإذا كذب متعمداً لم يُوَلَّ الملك. فمات الملك. وولى أخوه، فأراد أن يتزوج امرأة أخيه [الملك الذي مات]. فسألهم فرخصوا له. وسأل يحيى بن زكرياء فأبى أن يرخص له. فحقدت عليه امرأة أخيه. وجاءت بابنة أخي الملك الأول إليه، فقال لها: سليني اليوم حكمك. فقالت: حتى انطلق إلى أمي. فلقيت أمها فقالت: قولي له: إن أردت أن تفي لنا بشيء فأعطني رأس يحيى بن زكرياء، فقالت: أقول له خيراً من هذا. فقالت هذا خير لك منه. فأتت إليه فسألته. فكره أن يُخلِفها ولا يُوَلَّى الملك. فدفع إليها يحيى بن زكرياء. فلما وضعت الشفرة على حلقة قال: [قولي] بسم الله هذا ما بايع عليه يحيى بن زكرياء عيسى بن مريم على أن لا يزني ولا يسرق ولا يلبس إيمانه بسوء. فلما أمَرَّت الشفرة على أوداجه فذبحته ناداها منادٍ من فوقها فقال: يا ربة البيت الخاطئة الغاوية. قالت: إنها كذلك فماذا تريد منها؟ فقال: لِتَبْشِر، فإنها أول من تدخل النار. قال فخسف بابنتها. فجاءوا بالمعاول فجعلوا يحفرون عنها وتدخل في الأرض حتى ذهبت ولم يُقدر عليها.
(2/ 266)
عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11) (2/409)
صفحة 990
قوله: {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ}. قال بعضهم: فعاد الله عليهم بعائدته. قال: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} عليكم بالعقوبة. كان أعلمهم أن هذا كله كائن.
قوله: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} قال الحسن: إن الله عاد عليهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأذلّهم بالجزية. [قال بعضهم: هو ك] قوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} أي: وإذ قال ربك في تفسير بعضهم. وقال الحسن: أشعر ربك {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [الأعراف: 167]. قال بعضهم: إنهم عادوا فبعث الله عليهم ما شاء من نقمته. ثم كان كتب أن يبعث عليهم العرب فهم منهم في عذاب إلى يوم القيامة.
قوله: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} أي: سجناً، أي: يحصرهم فيها.
قوله: {إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي} أي: يدعو {لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} وقال في المزمل [6] {وَأَقْوَمُ قِيلاً} أي: أصوب. {وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} أي: الجنة {وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي: موجعاً.
قوله: {وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالخَيْرِ} أي: يدعو بالشر على نفسه وعلى ولده وماله كما يدعو بالخير. وقال في آية أخرى: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} [يونس: 11] أي: لأمات الذي يدعو عليه.
قال: {وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً} وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. وقال (2/410)
صفحة 991
بعضهم: يدعو على ماله فيلعن ماله وولده، ولو استجاب الله له لأهلكه.
(2/ 267)
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)
قوله: {وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ فَمَحَوْنَا ءَايَةَ الّيْلِ} وهي السواد الذي في القمر. ويقال مُحِيَ من ضوء القمر من مائة جزء تسعة وتسعون جزءاً وبقي منها جزء واحد. قال: {وَجَعَلْنَا ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} أي: منيرة، يعني به ضوء النهار. {لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمِْ} يعني بالنهار. {وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِسَابَ} بالليل والنهار.
{وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} أي: بيّنّاه تبييناً، وقال الحسن: فصّلنا الليل من النهار وفصلنا النهار من الليل، والشمس من القمر والقمر من الشمس.
قوله: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} قال الحسن: طائره: عمله. قوله: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} قال بعضهم: سيقرأ يومئذٍ من لم يكن قارئاً في الدنيا.
ذكروا عن أبي بن كعب قال: يُدعى الخلائق يوم القيامة للحساب؛ فإذا كان الرجل في الخير رأساً، يدعو إليه ويأمر به، ويكثر عليه تبعه، دعِيَ باسمه واسم أبيه، فيقوم، حتى إذا دنا أخرج له كتاب أبيض بخط أبيض في باطنه السيئات، وفي ظاهره الحسنات، فيبدأ بالسيئات فيقرأها فيشفق ويتغير لونه. فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه سيئاتك وقد غفرت لك فيفرح. ثم يقلب كتابه فيقرأ حسناته، فلا يزداد إلا فرجاً. ثم إذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه حسناتك وقد ضوعفت لك، فيبيض وجهه، ويؤتى بتاج فيوضع على رأسه ويكسى حلتين، ويحل كل مفصل منه ويطول ستين ذراعاً، وهي قامة آدم. ويعطى كتابه بيمينه، فيقال له: انطلق إلى أصحابك فبشرهم وأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا. فإذا أدبر قال: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍِ حِسَابِيَه} يقول الله: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} (2/411)
صفحة 992
[الحاقة: 19 - 23] فيقول لأصحابه: هل تعرفونني؟ فيقولون: قد غيرتك كرامة الله، من أنت؟ فيقول: أنا فلان بن فلان، ليبشر كل رجل منكم بمثل هذا.
وإذا كان في الشر رأساً يدعو إليه، ويأمر به، ويكثر عليه تبعه، نودي باسمه واسم أبيه فيقدم إلى حسابه فيخرج له كتاب أسود بخط أسود، في باطنه الحسنات وفي ظاهره السيئات. فيبدأ بالحسنات فيقرأها، فيفرح ويظن أنه سينجو. فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه حسناتك وقد ردت عليك، فيسود وجهه ويعلوه الحزن ويقنط من الخير. ثم يقلب كتاب فيقرأ سيئاته فلا يزداد إلا حزناً، ولا يزداد وجهه إلا سواداً. فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه سيئاتك وقد ضوعفت لك، فيعظم للنار حتى إن فخذه لتكون مسيرة ثلاثة أيام وجلده مقدار أربعين ذراعاً؛ وتَزْرَقُّ عيناه، ويسودّ لونه، ويكسى سرابيل القطران. ثم تخلع كفه اليسرى فتجعل وراء ظهره، ثم يعطى كتابه بشماله ويقال له: انطلق إلى أصحابك وخَبِّرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا.
(2/ 268)
فينطلق به وهو يقول: {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ القَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} قال الله تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ} [الحاقة: 25 - 32] فيسلك فيها سبعين ذراعاً كما قال الله؛ يسلك فيها سلكاً تدخل من فيه حتى تخرج من دبره. فينادي أصحابه فيقول: هل تعرفونني؟ فيقولون: لا ندري. ولكن نرى ما بك من الحزن، فمن أنت؟ فيقول: أنا فلان بن فلان، ولكل إنسان منكم مثل هذا. ثم يُنصب للناس فتبدو فضائحه حتى [يُعيّر و] يتمنى أن لو انطلق به إلى النار استحياء مما يبدو منه.
قوله: {كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} أي: شاهداً.
قوله: {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي: على نفسه. {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى} أي: لا يحمل أحد ذنب آخر. (2/412)
صفحة 993
قوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} قال الحسن: لا يعذب قوماً بالاستئصال حتى يحتجّ عليهم بالرسل. كقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً} [القصص: 59]. وكقوله: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] يعني الأمم التي أهلك الله بالعذاب.
قوله: {وَإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} أي: أكْثَرْنَا جَبَابرتَها. قال الحسن: جبابرة المشركين فاتَّبعهم السفلة {فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ} أي: الغضب {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}.
وكان ابن عباس يقرأها: {أَمَرْنا مُتْرَفِيهَا}، مثقلة، من قبل الإِمارة. كقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا} [الأنعام: 123]. وكان الحسن يقرأها: {آمرنا}، وهي أيضاً من الكثرة. وبعضهم يقرأها: {أمرنا} أي: أمرناهم بالإِيمان ففسقوا فيها، أي: أشركوا ولم يؤمنوا.
قوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} وهو كقوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُاْ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} إلى آخر الآية. [إبراهيم: 9].
قوله: {مَّن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ} [وهو المشرك الذي لا يريد إلا الدنيا، لا يؤمن بالآخرة] {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُوماً} أي: في نقمة الله {مَّدْحُوراً} مطروداً مباعداً عن الجنة في النار.
قوله: {وَمَنْ أَرَادَ الأَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} أي: عمل لها عملها {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي: وهو مُوَفٍّ بالقول والعمل {فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم} أي: عملهم (2/413)
صفحة 994
{مَّشْكُوراً} أي: يثيبهم الله به الجنة.
(2/ 270)
كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22) وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23)
قوله: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ} يعني المؤمنين والمشركين في رزق الله في الدنيا. {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} أي: مقبوضاً. وقال بعضهم: ممنوعاً. يقول: يستكملون أرزاقهم التي كتب الله لهم.
قوله: {انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي: في الدنيا، في الرزق والسعة وخَوَّلَ بعضهم بعضاً، يعني وملك بعضهم بعضاً. {وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً}.
قوله: {لاَّ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهاً ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً} أي: في نقمة الله {مَّخْذُولاً} في عذاب الله.
قوله: {وَقَضَى رَبُّكَ} أي: وأمر ربك {أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} يقول: وأمر ربك بالوالدين إحساناً، أي: بِرّاً. {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} أي: إن بلغا عندك الكبر أو أحدهما، فوَليتَ منهما ما وَلِيَا منك في صغرك، فوجدت منهما ريحاً يؤذيك، فلا تقل لهما أُفٍّ. وقال الحسن: (وَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٍّ) أي: ولا تؤذهما. قوله: {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} يعني الانتهار. وقال مجاهد: لا تغلظ لهما. قوله: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} أي: قولاً ليّناً سهلاً.
(2/ 271)
وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) (2/414)
صفحة 995
قوله: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} أي: لا تمتنع من شيء أحبّاه.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بعض أهل بيته فكان فيما أوصاه: أطع والديك وإن أمراك أن تخرج من مالك كله فافعل.
قوله: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} هذا إذا كانا مسلمين، وإذا كانا مشركين فلا يقل رب ارحمها، هذا الحرف منسوخ نسخه {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن يَّسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} [التوبة: 113].
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح باراً بوالديه أصبح له بابان مفتوحان إلى الجنة، [ومن أمسى مثل ذلك]، وإن واحد فواحد، ومن أصبح عاقاً لوالديه أصبح له بابان مفتوحان إلى النار، وإن واحد فواحد، وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه»
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رضا الرب مع رضا الوالد، وسخط الرب مع سخط الوالد»
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن فوق كل بِرّ بِرّاً حتى إن الرجل يهريق دمه في سبيل الله، وإن فوق كل فجور فجوراً حتى إن الرجل ليعق والديه»
قوله: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} أي: من برّ الوالدين {إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} الأوّاب التائب الراجع عنه ذنبه.
(2/ 272)
وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) (2/415)
صفحة 996
قوله: {وَءَاتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ} يعني ما أمر الله به من صلة القرابة. يقال: إن كان لك مال فصله بمالك، وإن لم يكن لك مال فامشِ إليه برجلك. قال الحسن: حقُّ الرحم ألا تحرمها ولا تهجرها.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الرّحم معلّقة بالعرش. وليس الواصل بالمكافىء، ولكن الذي إذا انقطعت رحمه وصلها»
قوله: {وَالمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} وهما صنفان من أهل الزكاة الواجبة. وكانت نزلت قبل أن يُسمّى أهل الزكاة.
{وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} أي: لا تنفق في غير حقّ.
ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنفقتم في سبيل الله فلكم، وما أنفقتم على أنفسكم فلكم، وما أنفقتم على عيالكم فلكم، وما تركتم فللوارث»
ذكروا عن علي قال: ما أنفقت على نفسك فلك، وما أنفقت على عيالك فلك، وما أنفقت رياء وسمعة فهو للشيطان.
قوله: {إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} يعني المشركين ينفقون في معاصي الله، فهو للشيطان. وما أنفق المؤمن لغير الله لا يقبله الله. وإنما هو للشيطان. قال: {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً}.
قوله: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا} أي ابتغاء الرزق {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً}. (2/416)
صفحة 997
ذكروا عن الحسن أن سائلاً قام فقال: يا رسول الله، لقد بتنا البارحة بغير عَشاء، وما أحسبنا الليلة نرجوه. فقال: يرزقنا الله وإياك من فضله، اجلس. فجلس. ثم قام آخر فقال: مثل ذلك. فردّ عليه رسول الله مثل ذلك. فأُتِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع أواق من ذهب، فقال: أين السائلان؟ فقام الرجلان فأعطى كل واحد منهما أوقية، ولم يسأله أحد، فرجع بأوقيتين، فجعلهما تحت فراشه. فسهر ليلته بين فراشه ومسجده، فقالت أم المؤمنين: يا رسول الله ما أسهرك؟ أوَجَع أم أمر نزل؟ فقال: يا عائشة، أُتِيت بأربع أواق فأمضيت وقيتين وبقيت وقيتان، فخشيت أن يحدث بي حدث ولم أوجّههما.
قال بعضهم: بلغنا أن قوله: {فَقُلْ لَّهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً} أن يقول لهم: يرزقنا الله وإياك.
ذكر عن عائشة أنها قالت: لا تقولوا للسائل: بارك الله فيك، فإنه قد يسأل البَرُّ والفاجرُ، ولكن قولوا: يرزقنا الله وإياك.
قوله: {ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا} يعني انتظار رزق من ربك.
ذكر الحسن قال: كان السائل يسأل فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما أصبح في بيوت آل محمد صاع من طعام، وهي يومئذ تسعة أبيات. ولم يكن به شكوى، ولكن والله اعتذار منه عليه السلام.
(2/ 273)
وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29)
قوله: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} أي لا تدع النفقة في حق الله فيكون مثلك الذي غُلَّتْ يده إلى عنقه فلا يستطيع أن يبسطها.
قال: {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ} أي: فتنفق في غير حق الله {فَتَقْعُدَ مَلُوماً} في عباد الله لا تستطيع أن تُوسِع الناس {مَّحْسُوراً} أي: قد ذهب ما في يديك. يقول: قد حسر.
وقال بعضهم: يقول: لا تمسكها عن طاعة الله ولا عن حقه، ولا تبسطها كل (2/417)
صفحة 998
البسط أي: لاتنفقها في معصية الله وفيما لا يصلح، وهو الإِسراف. قال: {فَتَقْعُدَ مَلُوماً} في عبادالله {مَّحْسُوراً} أي: على ما سلف من أمره وفرط.
(2/ 274)
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33)
قوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} أي: ويقتر. وتقتيره على المؤمن نظرٌ له. {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً}.
قوله: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ} يعني الموءودة {خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ} أي: خشية الفاقة. كان أحدهم يقتل ابنته، يدفنها وهي حية حتى تموت مخافة الفاقة، ويغذو كلبه. {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} أي: ذنباً كبيراً. أي: قتل النفس التي حرّم الله من الكبائر.
قوله: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} أي: وبئس الطريق.
قوله: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} أي: إلا بالقوَد؛ أن يقتل قتيلاً فيُقتل بمن قتل. قوله: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} أي: القَوَد، إلا أن يعفو الولي أو يرضى بالدية إن أُعطِيهَا. قوله: {فَلاَ يُسْرِف فِّي القَتْلِ} أي: لا يقتل غير قاتله. {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} أي: ينصره السلطان حتى يُقيدَه منه.
وقال بعضهم: {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} أي: في الآخرة، يعني الذي يُعتَدى عليه فقُتِل، وليس هو قاتل الأول، أي: يُنصر على الذي اعتدى عليه فقتله.
قوله: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} والتي هي أحسن أن يوفر عليه ماله {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} أي: حتى إذا بلغ أشده دفع إليه ماله إِنْ أُونس منه رشد. (2/418)
صفحة 999
قال بعضهم: لما نزلت هذه الآية اشتدّت عليهم فكانوا لا يخالطونهم في المال ولا في المأكل فجهدهم ذلك فنسختها هذه الآية {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ} [البقرة: 220].
قوله: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ} يعني ما عاهدتم عليه فيما وافق الحق. {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُواً} أي: مطلوباً، يُسأل عنه أهله الذين أعطوه.
قوله: {وَأَوْفُوا الكَيْلَ إذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالقِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ} والقسطاطس العدل بالرومية {ذَلِكَ خَيْرٌ} أي: إذا وفيتم الكيل وأقمتم الوزن. {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي: خير ثواباً وخير عاقبة.
قوله: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} أي: لا تقل رأيت ولم ترَ، أو سمعت ولم تسمع فإن الله سائلك عن ذلك كله.
قال الحسن: لا تقف أخاك المسلم من بعده إذا مرّ بك فتقول: إني رأيت هذا فعل كذا وكذا، ورأيت هذا يفعل كذا وكذا، وسمعته يقول كذا وكذا لما لم ترَ ولم تسمع. {كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}. أي: لا تقل رأيت وسمعت فإن الله سائلك عن ذلك كله. أي: يسأل السمع على حِدَة عما سمع، ويسأل البصر على حِدة عما رأى، ويسأل القلب عما عزم عليه.
قوله: {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً} أي: على الأرض. و {في} في هذا الموضع بمعنى على. {مَرَحاً} أي: كما يمشي المشركون، فتمرح في الأرض، وهي مثل قوله: {ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} (2/419)
صفحة 1000
[غافر: 75] وكقوله: {وَفَرِحُواْ بالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الرعد: 26] يعني المشركين الذين لا يقرون بالآخرة.
قال: {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ} أي: بقدميك إذا مشيت. {وَلَن تَبْلُغَ الجِبَالَ طُولاً كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً} في قراءة من قرأها بالرفع، يقول: سيء ذلك الفعل، ومن قرأها بالنصب يقول كل ذلك كان سيئةً توجب عند ربك مكروهاً.
(2/ 276)
ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (40) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (41) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42)
{ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا} أي: ملوماً في نقمة الله، مدحوراً في عذاب الله. والمدحور المطرود المبعد المقصى عن الجنة في النار.
قوله: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثًاً} على الاستفهام. أي: لم يفعل ذلك، لقولهم: إن الملائكة بنات الله. {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً}.
قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُوا} أي: ضربنا في هذا القرآن الأمثال، فأخبرناهم أنا أهلكنا القرون الأولى ليذّكروا فيؤمنوا، لئلا ينزل بهم العذاب مثلما نزل بالأمم السالفة قبلهم من عذاب الله. {وَمَا يَزِيدُهُمْ} ذلك {إِلاَّ نُفُوراً} أي: إلاَّ تَرْكاً لأمر الله، يعني أنهم كلَّما نزل من القرآن شيء كفروا به ونفروا.
ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لتدخلُنْ الجنة إلا أن تَشْرَدوا على الله كما يَشرُدُ البعيرُ على أهله، ثم تلا هذه الآية: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً}».
قوله: {قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ} وهي تقرأ على الياء والتاء. فمن (2/420)
صفحة 1001
قرأها بالياء فهو يقول: إنه قال للنبي: قل لهم: {لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ}، ثم أقبل على النبي فقال: كما يقولون. ومن قرأها بالتاء فهو يقول: إنه قال للنبي: قل لهم: {لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ} كما تقولون؛ {إِذاً لاَّبْتَغَوْا} يعني الآلهة لو كانت آلهة {إِلَى ذِي العَرْشِ سَبِيلاً} أي: إذاً لطلبوا إليه الوسيلة والقربة. وقال بعضهم: إذاً لعرفوا له فضله عليهم ولابتغوا ما يقرّبهم إليه.
قوله: {سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه {وَتَعَالَى} أي: ارتفع {عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً} أي: ارتفاعاً عظيماً.
(2/ 277)
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45)
{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ} أي: ومن فيهن {وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} أي: من المؤمنين ومن يسبّح له من الخلق. {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}.
قال الحسن: إن الجبل يسبّح، فإذا قطع منه شيء لم يسبّح ذلك المقطوع ويسبّح الأصل. وكذلك الشجرة ما قطع منها لم يسبح وتُسبّح.
قال: {وَلَكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} كقوله: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ} [النحل: 61] أي: إذاً لحبس عنهم القطر فأهلكهم. قال: {غَفُوراً} لهم أي: إن تابوا. وقال بعضهم: {حَلِيماً} أي: عن خلقه فلا يعجل كعجلة بعضهم على بعض، غفوراً لهم إذا تابوا وراجعوا الحق.
قوله: {وَإِذَا قَرَأْتَ القُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي: لا يصدّقون {بِالأَخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً} أي: جعل الله الكفر الذي كان منهم حجاباً لهم حجبهم به عن الإِيمان.
(2/ 278)
وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (47) (2/421)
صفحة 1002
{وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} أي: لئلا يفقهوه {وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} وهو مثل قوله: {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23]. وكل هذا إنما فعله الله بهم لفعلهم الكفر الذي كان منهم.
قال بعضهم: {حِجَاباً مَّسْتُوراً} وهو أكنة على قلوبهم بأن لا يفقهوه. أي: إنما جعل الله الكفر حِجَاباً على أهله لا يفقهون معه الحق ولا يقبلونه لتديّنهم بالكفر وتعلّقهم به.
قوله: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي القُرْءَانِ وَحْدَهُ} أي: إذا قلت لا إله إلا الله {وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} أي: أعرضوا. وقال بعضهم: إن المسلمين لما قالوا لا إله إلا الله أنكر ذلك المشركون وكبرت عليهم وضاق بها إبليس وجنوده. وهو كقوله: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [سورة ص: 5]. قوله: {وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} أي: أعرضوا عنه ونفرت منه قلوبهم، وما برحت أبدانهم من أماكنها، وإنما نفروا بقلوبهم بالإِعراض والتكذيب.
قوله: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} أي: يتناجون في أمر النبي عليه السلام. {إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ} أي: المشركون {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً}.
قال بعضهم: بلغنا أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة في رهط من قريش قاموا من المسجد إلى دار أهل الصفا فيها نبي الله يصلي، فاستمعوا. فلما فرغ نبي الله من صلاته قال أبو سفيان لعتبة: يا أبا الوليد، أناشدك الله هل تعرف شيئاً مما يقول؟ فقال عتبة: اللهم أعرف بضعاً وأنكر بعضاً. فقال أبو جهل: وأنت يا أبا سفيان؟ قال أبو سفيان: اللهم نعم. فقال أبو سفيان لأبي جهل: يا (2/422)
صفحة 1003
أبا الحكم هل تعرف شيئاً مما يقول؟ قال أبو جهل: لا والذي جعلها بَنِيّة، يعني الكعبة، ما أعرف مما يقول قليلاً ولا كثيراً وإن يتبعون إلا رجلاً مسحوراً، يعني المؤمنين اتبعوا رجلاً مسحوراً.
وقال بعضهم: [نجواهم أن زعموا أنه] مجنون وأنه ساحر، وقالوا أساطير الأولين.
(2/ 279)
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48) وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49)
قال الله: {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ} أي: الأشباه {فَضَلُّوا} بقولهم ذلك {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} قال مجاهد: مخرجاً [مما قالوا] يعني الوليد بن المغيرة وأصحابه. وقال في قوله: {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ}: [هو مثل] قول الوليد بن المغيرة ومن معه في دار النَّدوة.
{وَقَالُوا أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً} أي: تراباً في تفسير مجاهد. {أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} على الاستفهام، أي: لا نبعث. وهو كقوله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُّحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [سورة يس: 78]. كان أبيُّ بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم نَخِر ففتَّه، ثم قال: يا محمد، أَيُحيي الله هذا؟ قال الله {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ «مَرَّةٍ»} [يس: 79].
(2/ 280)
قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (52) وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53) (2/423)
صفحة 1004
قوله: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} لما قالوا: {أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً}. قال الحسن: فقال الله: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} أي: الموت، أي: إذاً لأماتكم ثم يبعثكم يوم القيامة {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا} أي: خلقاً جديداً {قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ} أي: فسيحرّكون إليك رؤوسهم تكذيباً واستهزاءاً. قال: {وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ} يعنون البعث {قُلْ} يا محمد {عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً}. وعسى من الله واجبة؛ وكل ما هو آتٍ قريب.
قال: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ} أي: من قبوركم؛ ينادي صاحب الصُّور أن ينفخ فيه. {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} أي: بمعرفته في تفسير الحسن. وقال بعضهم: بطاعته ومعرفته. والاستجابة خروجهم من قبورهم إلى الداعي صاحب الصور إلى بيت المقدس.
قال: {وَتَظُنُّونَ} أي: في الآخرة {إِن لَّبِثْتُمْ} أي: في الدنيا {إِلاَّ قَلِيلاً} وهو مثل قوله: {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [المؤمنون: 113] أي: تصاغرت الدنيا عندهم، ومثل قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ} أي: المشركون {مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} قال الله: {كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} أي: يصدّون عن الهدى. وقال: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُّمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ البَعْثِ} [الروم: 55 - 56]، وهي مقدّمة؛ يقول: وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله والإِيمان لقد لبثتم إلى يوم البعث. وقال في الآية الأولى: {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} [المؤمنون: 114] أي: إن الذي كانوا فيه من الدنيا قليل في الآخرة لأنها لا تنقضي، فعلموا هنالك، أي: في الآخرة، أنه كذلك. وقال بعضهم: وذلك مما تحاقرت الدنيا في أنفسهم لمّا عاينوا يوم القيامة.
قوله: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي: يأمروهم بما أمرهم الله به وينهوهم عما نهاهم الله عنه. {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} أي: يفسد بينهم. {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} أي: بيّن العداوة.
(2/ 281)
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (54) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) (2/424)
صفحة 1005
قوله: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} أي: بأعمالكم، يعني المشركين {إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ} أي: يتوب عليكم فيمنّ عليكم بالإِيمان {أَوْ إِن يَّشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} أي: بإقامتكم على الشرك {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} أي: حفيظاً لأعمالكم حتى تجازيهم بها.
قوله: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ}. قال الحسن: كلَّم بعضَهم، واتخذ بعضهم خليلاً، وأعطى بعضهم إحياءَ الموتى. {وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً}. وهو اسم الكتاب الذي أعطاه الله. قال بعضهم: بلغنا أن الزبور دعاء علّمه الله داود، وهو تحميد وتمجيد لله، وليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تخيّروا بين الأنبياء» وذكر الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة».
قوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ} يعني الأوثان {فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا} يملكون {تَحْوِيلاً} أي: لما نزل بكم من الضر. أي: أن تحولوا ذلك الضر إلى غيره أهون منه.
قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ} أي: القربة {أَيُّهُمْ (2/425)
صفحة 1006
أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ} أي: الجنة {وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} أي: النار {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراًً} أي: يحذره المؤمنون.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نَفَراً من لجن، فأسلم الجنيون ولم يعلم بذلك النفر من العرب. قال الله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ} يعني الجنيين الذين يعبدهم هؤلاء {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ. . .} إلى آخر الآية.
وتفسير الحسن: أنهم الملائكة وعيسى. يقول: أولئك الذين يعبدهم المشركون والصابئون والنصارى. لأن المشركين قد كانوا يعبدون الملائكة والصابئون يعبدونهم.
قال بعضهم: بلغنا أن آل بني مليكة كانوا يعبدون الملائكة والنصارى تعبد عيسى. قال: فالملائكة وعيسى الذين يعبد هؤلاء {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}.
(2/ 282)
وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58) وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59)
قوله: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ} أي: تموت بغير عذاب {أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً} أي: يكون موتهم بالعذاب.
قال بعضهم: قضى الله إما أن يُهلكوا بموت أو بعذاب إذا تركوا أمرَه وكذبوا رسلَه، يعني إهلاك الأمم بتكذيبها الرسل.
{كَانَ ذَلِكَ فِي الكِتَابِ مَسْطُوراً} أي: مكتوباً. وقال في آية أخرى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ} [آل عمران: 185].
قوله: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالأَيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ} أي: إن القوم كانوا إذا سألوا نبيَّهم الآيةَ فجاءتهم الآية، لم يؤمنوا فيُهلكهم الله. وهو كقوله: (2/426)
صفحة 1007
{قَالُوا} يعني مشركي العرب للنبي: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} أي: موسى وعيسى والرسل التي جاءت قومها بالآيات. قال الله: {مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ} أي: من أهل قرية {أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 5 - 6] أي: لا يؤمنون لو جاءتهم أية. وقد أخَّر الله عذاب كفار آخر هذه الأمة بالاستئصال إلى النفخة الأولى. قال: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالأَيَاتِ} إلى قومك يا محمد {إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ} وكنا إذا أرسلنا إلى قوم بآية فلم يؤمنوا أهلكناهم، فلذلك لم نرسل لهم بالآيات، لأن آخر كفار هذه الأمة أُخِّروا إلى النفخة الأولى.
قال بعضهم: قال أهل مكة للنبي عليه السلام: إن كان ما تقول حقّاً، ويَسُرُّك أن نؤمن لك فحوِّل لنا الصفا ذهباً، فأتاه جبريل فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكن إن هم لم يؤمنوا لم يُنظَروا، وإن شئت استأنيتَ بقومك. قال: لا، بل أستأني بقومي. فأنزل الله: [{وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالأَيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ}] وأنزل: {مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ}.
قوله: {وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} أي: بيّنة. [وقال مجاهد: آية] {فَظَلَمُوا بِهَا} أي: ظلموا أنفسهم بعقرها {وَمَا نُرْسِلُ بِالأَيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً}. أي: يخوّفهم الله بالآيات فيخبرهم أنهم إذا لم يؤمنوا بعد مجيء الآية عذَّبهم.
(2/ 283)
وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (60)
قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ} أي: أوحينا إليك {إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} قال: (2/427)
صفحة 1008
عصمك من الناس، أي: منعك منهم فلا يصلون إليك حتى تبلغ عن الله الرسالة. كقوله: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] أي: أن يصلوا إليك حتى تبلغ عن الله الرسالة. وكقوله: {عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} أي: من بين يدي ذلك الرسول {وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} أي: رصداً من الملائكة {لِّيَعْلَمَ} أي: ذلك الرسول {أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} [الجن: 28] أي: أحاط الله بما لديهم حتى يبلغوا عن الله الرسالة.
ذكروا أن مجاهداً قال: أحاط بالناس، فهم في قبضته.
ذكروا عن الحسن أن النبي عليه السلام شكا إلى ربه أمر قومه فقال: يا ربّ، إن قومي قد خوَّفوني، فأعطني من قِبَلك آية أعلم ألا مخافة عليّ. فأوحى الله إليه أن يأتي وادي كذا وكذا فيه شجرة، فليدع غصناً منها يأته. فانطلق إلى الوادي فدعا غصناً منها، فجاء يخط في الأرض خطاً حتى انتصب بين يديه. فحبسه ما شاء الله أن يحبسه، ثم قال: ارجع كما جئت، فرجع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «علمت يا رب ألا مخافة عليّ»
قوله: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّءْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ} يعني ما أراه الله ليلة أُسرِي به، وليس برؤيا المنام، ولكن بالمعاينة {إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} يعني مشركي مكة.
إن النبي عليه السلام لما أخبرهم بمسيره إلى بيت المقدس ورجوعه من ليلته كذّب بذلك المشركون فافتتنوا بذلك.
وقال بعضهم: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ} أي: ما أراه الله من الآيات والعبر في مسيره إلى بيت المقدس {إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} أي: إلا بلاء للناس. أي: المشركين.
وقال الحسن: إن نفراً كانوا أسلموا ثم ارتدوا عند ذلك. (2/428)
صفحة 1009
قال: {وَالشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ فِي القُرْءَانِ} يقول: وما جعلنا أيضاً الشجرة الملعونة في القرآن، يعني شجرة الزَّقُّوم، وهو تفسير مجاهد والحسن، إلا فتنة للناس، أي: للمشركين.
لما نزلت دعا أبو جهل بن هشام لعنة الله بتمر وزبد فقال: تعالوا تزقَّموا، فما نعلم الزقّوم إلا هذا. فأنزل الله: {إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ} أي: للمشركين {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الجَحِيمِ. . .} إلى آخر الآية [الصّافّات: 63 - 64] فوصفها ووصف كيف يأكلونها في النار. وقال الحسن: يعني بقوله: {المَلْعُونَةَ فِي القُرْءَانِ} أي: إن أَكَلَتَها ملعونون في القرآن. كقوله: {وَاسْأَلِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: 82]، وإنما يعني أهل القرية.
قال: {وَنُخَوِّفُهُمْ} أي: بشجرة الزَّقُّوم {فَمَا يَزِيدُهُمْ} أي: تخويفنا إياهم بها وبغيرها {إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً}.
(2/ 284)
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62)
قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} أي: من طين. كقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ} [الأنعام: 2] وقال إبليس: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [سورة ص: 76]، وقول إبليس: {ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} على الاستفهام، أي: لا أسجد له.
ثم قال: {قَالَ أَرَءَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} فأمرتني بالسجود له {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً}. قال مجاهد: لأحَتِويَنَّهم. وقال الكلبي: لأستولِيَن على ذريّته، أي: فأضلّهم، إلا قليلاً. وقال الحسن: لاستأصلن ذريته، يعني يهلكهم، إلا قليلاً، يعني المؤمنين.
وهذا القول منه بعد ما أمر بالسجود، وذلك ظنٌّ منه حيث وسوس إلى آدم فلم (2/429)
صفحة 1010
يجد له عزماً، أي: صبراً. فقال: بنو هذا في الضعف مثلُه. وذكروا أن إبليس كان يُطِيف بآدم قبل أن ينفخ فيه الروح، فلما رآه الخبيث أجوف عرف أنه لا يتمالك.
(2/ 285)
قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64)
قوله: {قَال اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً} قال مجاهد: وافراً.
قوله: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} يعني بدعائك، أي: بوسوستك. {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ}.
قال مجاهد: كل فارس في معصية الله فهو من خيل إبليس، وكل راجل في معصية الله فهو من رَجل إيليس. وقال بعضهم: رجاله الكفار والضّلاّل من الجِنّ والإِنسِ. وكان الحسن يقرأها: {وَرِجَالِكَ} وقال: وإن له خيلاً وإن له رجالاً.
قوله: {وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ} قال الحسن: شركته إياهم في الأموال أنه أمرهم، أي: وسوس إليهم، فأخذوها من حرام وأنفقوها في غير حقها. وشركته إياهم في الأولاد أن الله أعطاهم أولاداً على الفطرة فصبغوهم يهوداً ونصارى أو مجوساً أو عابدي وثن.
وقال الكلبي: شركته إياهم في الأموال ما كانوا يحرّمون مما أحلّ الله لهم، وكل ما أصابوا من غير حلّه ووضعوه في غير حقّه، وشركته إياهم في الأولاد ما ولد من الزنا.
قوله: {وَعِدْهُمْ} أي: بالأماني، أي: بأنه لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار. وهذا وعيد من الله للشيطان، كقول الرجل: اذهب فاجهد على جهدك، وليس على وجه الأمر له.
قال: {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً}.
(2/ 286)
إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65) رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (66) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69)
قال: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} يعني المؤمنين، أي: من يلقى الله مؤمناً فليس له عليهم سلطان أن يضلهم. {وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً} أي: حرزاً ومانعاً لعباده المؤمنين.
قوله: {رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ فِي البَحْرِ} أي: يجريها في البحر {لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} أي: طلب التجارة في البحر {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} فبرأفته ورحمته سخر لكم ذلك. والرحمة على الكافر في هذا رحمة الدنيا.
{وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ} أي: الأهوال {فِي البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ} أي: ما تدعون من دونه ضلّ عنكم. قال: {إِلاَّ إِيَّاهُ} تدعونه. كقوله: {بَلْ إِيَاهُ تَدْعُونَ} [الأنعام: 41]، يعلمون أنه لا ينجيهم من الغرق إلا الله. قال: {فَلَمَّا نَجَّاكُم إِلَى البَرِّ أَعْرَضْتُمْ} عن الذي نجاكم ورجعتم إلى شرككم {وَكَانَ الإِنسَانُ كَفُوراً} يعني المشرك.
قال: {أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البَرِّ} كما خسف بقوم لوط وبقارون. {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} أي: حجارة من السماء يحصبكم بها كما فعل بقوم لوط، يعني الذين خرجوا (2/430)
صفحة 1011
من القرية فأرسل عليهم الحجارة وخسف بأهل القرية. {ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً} قال بعضهم: منيعاً ولا نصيراً.
{أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ} أي: في البحر {تَارَةً أُخْرَى} أي: مرة أخرى {فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ الرِّيحِ} والقاصف من الريح الشديد {فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً} أي: لا تجدوا أحداً تبيعاً بذلك لكم فينتصر لكم. وهو كقوله: {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا} [الشمس: 14 - 15] أي: فسواها عليهم بالعذاب. {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا} اي: التبعة، فينتصر لهم. وقال بعضهم: ولا يخاف أن يُتْبَع بشيء مما أصابكم. وقال مجاهد: {تَبِيعاً} أي: ثائراً.
(2/ 287)
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) (2/431)
صفحة 1012
قوله: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا في سفر فأتوا على برك من ماء فكرعوا فيها فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغسلوا أيديكم واشربوا منها فنزلت هذه الآية عند ذلك»
وقال الحسن: فضل الله بني آدم على البهائم والسباع والهوام. وقال بعضهم: {وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} هو جميع ما رزق بني آدم من الخبز واللحم والعسل والسمن وغيره من طيبات الطعام والشراب فجعل رزقهم أفضل من رزق الدواب والطير.
(2/ 288)
يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (72) وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75) (2/432)
صفحة 1013
قوله: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}. أي: بكتابهم، أي: ما نسخت عليهم الملائكة من أعمالهم. وقال بعضهم: {بِإِمَامِهِمْ} أي: بنبيّهم قال: {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ} وقد فسّرناه قبل هذا الموضع {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} وقد فسّرناه في سورة النساء.
قوله: {وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} قال بعضهم: من كان في هذه الدنيا أعمى، أي: عما عاين فيها من نعم الله وخلقه وعجائبه فيعلم أن له معاداً وأشباه هذا مما جعله الله تبصرة للعباد فيعلمون أن البعث حق، فهو فيما يغيب عنه من أمر الآخرة أعمى وأضل سبيلاً، أي: وأضل طريقاً.
وقال الحسن: من كان في هذه الدنيا أعمى، وهو الكافر عمي عن الهدى، فهو في الآخرة أعمى في الحجة، أي: ليست له حجة. كقوله: {لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى} [طه: 125].
قوله: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} أي: ليضلونك. وقال بعضهم: ليصدونك {عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} أي: القرآن {لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} أي: لو فعلت.
وذلك أن المشركين خلوا بنبي الله عليه السلام بمكة ليلة حتى الصباح فقالوا: يا محمد، إن الذي جئت به لم يجيء به أحد من قومك، ورفقوا به، وقالوا له: كُفَّ عن شتم آلهتنا وذمّها وانظر في هذا الأمر، فإن هذا لو كان حقاً لكان فلان أَحقَّ به منك، وفلان أحق به منك. فأنزل الله: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ. . .} الآية.
قوله: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} أي: بالنبوة، أي: عصمناك بها {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ (2/433)
صفحة 1014
إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لأَذَقْنَاكَ} لو فعلت {ضِعْفَ الحَيَاةِ} أي: عذاب الدنيا {وَضِعْفَ المَمَاتِ} أي: عذاب الآخرة {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} أي: فينتصر لك بعد عقوبتنا إياك.
(2/ 289)
وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77)
قوله: {وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ} أي: قد كادوا يستفزونك من الأرض، يعني أرض مكة {لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ} أي: بعدك {إِلاَّ قَلِيلاً سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً}.
قال بعضهم: همَّ أهل مكة بإخراجه من مكة، ولو فعلوا ذلك ما نوظروا؛ ولكن الله كفَّهم من إخراجه حتى أمره الله بالخروج. ولَقَلَّ مع ذلك ما لبثوا بعد خروجه حتى بعث الله عليهم القتل يوم بدر. وهي في هذا التفسير: [قوله في سورة الأنفال [آية: 30] {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}، وقد فسرناه]. وقال الحسن: {لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ} أي: ليقتلوك، أي: ليخرجوك منها بالقتل. {وَإذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ} أي: بعدك {إِلاَّ قَلِيلاً} حتى نستأصلهم بالعذاب فنهلكهم أجمعين لو قتلوك. {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} أي: إنهم إذا قتلوا نبيّهم أهلكهم الله بالعذاب. {وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} أي: إن سنّة الرسل والأمم كانت قبل كذلك؛ إذا كذّبوا رسلهم وأخرجوهم لم ينظروا أن يبعث الله عليهم عذاباً.
ذكروا أن عبد الله بن مسعود قال: أَشَد النّاسِ عذاباً يوم القيامة من قتل نبياً أو قتله نبي أو مصوِّر.
(2/ 290)
أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) (2/434)
صفحة 1015
قوله: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} أي: لزوال الشمس من كبد السماء، يعني صلاة الظهر والعصر بعدها. {إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ} أي: بدو الليل واجتماعه وظلمته؛ صلاة المغرب عند بدو الليل، وصلاة العشاء عند اجتماع الليل وظلمته إذا غاب الشفق.
ذكروا عن الحسن أنه قال: إن رسول الله حين جاء بالصلوات الخمس إلى قومه، خلّى عنهم حتى إذا زالت الشمس عن بطن السماء نودي فيهم: الصلاة جامعة، ففزعوا لذلك واجتمعوا، فصلّى بهم الظهر أربع ركعات لا يعلن فيهن القراءة، جبريل بين يدي نبي الله، ونبي الله بين أيدي الناس، يقتدي الناس بنبيّهم، ويقتدي نبيّ الله بجبريل. ثم خلّى عنهم حتى إذا تصوبت الشمس وهي بيضاء نقية نودي فيهم: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصلى بهم العصر أربع ركعات دون صلاة الظهر، لا يعلن فيهن القراءة؛ جبريل بين يدي نبي الله، ونبي الله بين أيدي الناس، يقتدي الناس بنبيهم، ونبي الله يقتدي بجبريل. ثم خلى عنهم، حتى إذا غابت الشمس نودي فيهم: الصلاة جامعة. فاجتمعوا فصلى بهم المغرب ثلاث ركعات، يعلن في الركعتين الأوليين، ولا يعلن في الركعة الآخرة. جبريل بين يدي نبي الله، ونبي الله بين أيدي الناس. يقتدي الناس بنبيهم، ويقتدي نبي الله بجبريل. ثم خلى عنهم حتى غاب الشفق وانقضى العَشاء نودي فيهم: الصلاة جامعة. فاجتمعوا؛ (2/435)
صفحة 1016
فصلى بهم العشاء أربع ركعات، يعلن في الركعتين الأوليين ولا يعلن في الآخرتين؛ جبريل بين يدي نبي الله، ونبي الله بين يدي الناس. يقتدي الناس بنبيهم ويقتدي نبي الله بجبريل. ثم بات الناس ولا يدرون أيزدادون على ذلك أم لا. حتى إذا طلع الفجر نودي فيهم الصلاة جامعة. فاجتمعوا فصلى بهم الصبح ركعتين أطالهما وأعلن فيهما بالقراءة. جبريل بين يدي نبي الله، ونبي الله بين أيدي الناس. يقتدي الناس بنبيهم ويقتدي نبي الله بجبريل.
ذكروا أن عبد الله بن مسعود قال: والذي لا إله غيره إن هذه الساعة لميقات هذه الصلاة، يعني المغرب، ثم قال: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} يعني غروبها. أي: زوالها حين تغيب، في قول ابن مسعود. {إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ}. أي: مجيء الليل، والصلاة فيما بينهما.
وتفسير ابن عباس: [دُلُوكُهَا]: زوالها وميلها. وهذا قول العامة، يعني وقت صلاة الظهر.
وقال بعضهم: لو كانت الصلاة من دلوكها إلى غسق الليل لكانت الصلاة من زوال الشمس إلى صلاة المغرب. وقول ابن عباس أعجب إلينا. وهو قول العامة.
قوله: {وَقُرْءَانَ الفَجْرِ} يعني صلاة الصبح {إِنَّ قُرْءَانَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} أي: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. يجتمعون عند صلاة الصبح وعند صلاة العصر. (2/436)
صفحة 1017
ذكروا أن عبدالله بن مسعود كان يقول: عند صلاة المغرب يجتمع الحرسان من ملائكة الليل وملائكة النهار.
(2/ 291)
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80)
قوله: {وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} أي: عطية من الله لك. وقال الكلبي: النافلة: الفضل. وقال بعضهم: إن صلاة الليل على النبي فريضة وهي للناس تطوّع. وقال الحسن: لم يقم النبي أقل من ثلث الليل.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شغله شيء عن صلاة الليل صلّى من النهار اثنتي عشرة ركعة. وقال بعضهم: النافلة لا تكون إلا للنبي.
قوله: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} وعسى من الله واجبة. يقول: سيبعثك ربك مقاماً محموداً؛ يعني الشفاعة للخلق في الحساب بعد طول قيام وحبس على أرجلهم.
قال حذيفة بن اليمان: يبعث الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد حفاة عراة كما خُلِقوا، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر حتى يلجمهم العرق، ولا تكلّم نفس إلا بإذنه. قال: فأول من يدعى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: لبّيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، عبدك بين يديك، وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، وعلى عرشك استويت، سبحانك رب البيت. ثم يقال له: اشفع. قال: فذلك المقام المحمود الذي وعده الله.
قوله: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} يعني مدخله المدينة حين هاجر إليها. أمره الله بهذا الدعاء. {وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} قال الحسن: مخرج صدق، أي: إلى قتال أهل بدر؛ وقد كان الله أعلمه أنه سيقاتل المشركين ببدر، ثم يظهره الله عليهم. وقال بعضهم: {أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ}: الجنة {وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} أخرجه الله من مكة إلى الهجرة بالمدينة. (2/437)
صفحة 1018
{وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} فأظهره الله عليهم يوم بدر فقتلهم.
وقال بعضهم: علم نبي الله ألا طاقة بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطاناً نصيراً. أي: لكتاب الله ولحدوده ولفرائضه ولإِقامة الدّين.
وقال مجاهد: {سُلْطَاناً نَّصِيراً} أي: حجّة بَيِّنة.
(2/ 292)
وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (84) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)
قوله: {وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ} أي: القرآن. {وَزَهَقَ البَاطِلُ} أي: إبليس {إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} والزهوق: الداحض الذاهب.
قوله: {وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْءَانِ} أي: ينزل الله من القرآن {مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً} أي: كلما جاء من القرآن شيء كذبوا به فازدادوا فيه خساراً إلى خسارهم.
قوله: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ} يعني المشرك، أعطيناه السعة والعافية. {أَعْرَضَ} عن الله وعن عبادته {وَنَئَا بِجَانِبِهِ} أي: تباعد عن الله مستغنياً عنه. وقال مجاهد: تباعد منا؛ وهو واحد. {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ} أي: الأمراض والشدائد. {كَانَ يَئُوساً}. يقول: يئس أن يفرّج ذلك عنه لأنه ليست له نية ولا حسبة ولا رجاء.
{قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} أي: على ناحيته ونيّته؛ أي: المؤمن على إيمانه، والكافر على كفره {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً} أي: فهو أعلم بأن المؤمن أهدى سبيلاً من الكافر.
قوله: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} ذكر مجاهد أن ناساً من اليهود لقوا النبي عليه الصلاة والسلام وهو على بغلته فسألوه عن الروح فأنزل الله: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}.
وفي تفسير الكلبي أن المشركين بعثوا رسلاً إلى المدينة فقالوا لهم: سلوا اليهود عن محمد وصِفوا لهم نعته وقوله، ثم ائتونا فأخبرونا. (2/438)
صفحة 1019
فانطلقوا حتى قدموا المدينة فوجدوا بها علماء اليهود من كل أرض قد اجتمعوا فيها لعيد لهم. فسألوهم عن محمد ووصفوا لهم نعته. فقال لهم حبر من أحبار اليهود: إن هذا لنعت النبي الذي نُحدَّث أن الله باعثه في هذه الأرض. فقالت له رسل قريش: إنه فقير عائل يتيم لم يتّبعه من قومه من أهل الرأي أحد ولا من ذوي الأسنان. فضحك الحبر وقال: كذلك نجده. فقالت رسل قريش: إنه يقول قولاً عظيماً: يدعو إلى الرحمن ويقول: إن الذي باليمامة الساحر الكذاب، يعنون مسيلمة. فقالت لهم اليهود: لا تكثروا علينا. اذهبوا فاسألوا صاحبكم عن خلال ثلاث، فإن الذي باليمامة قد عجز عنهن. فأما اثنتان فإنهما لا يعلمهما إلا نبي، فإن أخبركم بهما فإنه صادق. وأما الثالثة فلا يجترىء عليها أحد. قالت لهم رسل قريش: أخبرونا بهن. فقالت لهم اليهود: سلوه عن أصحاب الكهف والرقيم، وقصوا عليهم قصتهم، واسألوه عن ذي القرنين، وحدثوهم بأمره، واسألوه عن الروح، فإن أخبركم فيه بشيء فهو كاذب.
فرجعت رسل قريش إليهم فأخبروهم بذلك. فأرسلو إلى نبيّ الله فلقيهم فقالوا له: يا ابن عبد المطلب، إنا سائلوك عن خلال ثلاث، فإن أخبرتنا عنهن فأنت صادق، وإلا فلا تذكر آلهتنا بسوء.
(2/ 293)
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما هن؟» قالوا: أخبرنا عن أصحاب الكهف، فإنا قد أخبرنا عنهم بآية بيّنة، وأخبرنا عن ذي القرنين، فإنا أخبرنا عنه بأمر بيّن. وأخبرنا عن الروح. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنظروني حتى أنظر ما يُحدِث إليَّ فيه ربّي» قالوا: فإنا ناظروك فيه ثلاثة أيام. فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً لا يأتيه جبريل. ثم أتاه جبريل. فاستبشر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا جبريل، قد رأيت ما (2/439)
صفحة 1020
سألني عنه قومي، ثم لم تأتني. فقال له جبريل: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} [مريم: 64]. فإذا شاء ربك أرسلني إليك. ثم قال له جبريل: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}. ثم قال: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} [الكهف: 9]، فذكر قصتهم. ثم قال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِّنْهُ ذِكْراً} [الكهف: 83]. فذكر قصته.
ثم لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً في آخر اليوم الثالث فقالوا: ماذا أحدث لك ربك في الذي سألناك عنه، فقصّه عليهم. فعجبوا، فغلب عليهم الشيطان أن يصدقوه.
ذكروا أن ابن عباس فسّر الروح مرة واحدة ثم أمسك عن تفسيرها. وفسّرها بعض السلف مرة واحدة، ثم كفّ عن تفسيرها. وأما الحسن فقال الروح: القرآن. قال: {الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} أي: القرآن من أمر ربي {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}.
وذكروا عن بعض التابعين أنه قال: الروح خلق من خلق الله لهم أيد وأرجل.
وقال بعضهم: لقيت اليهود نبيُّ الله فتعنّتوه وسألوه عن الروح وعن أصحاب (2/440)
صفحة 1021
الكهف وعن ذي القرنين؛ فأنزل الله: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} أي: اليهود.
(2/ 294)
وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92)
قوله: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} أي: القرآن، حتى لا يبقى منه شيء {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} أي: وليّاً يمنعك من ذلك.
{إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} فيها إضمار. يقول: وإنما أنزلناه عليك رحمة من ربك {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا} يقول: أعطاك النبوة وأنزل عليك القرآن.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: ليُسْرَيَنَّ على القرآن ليلة فلا تبقى منه آية في قلب رجل ولا في مصحف إلا رفعت.
قوله: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}. أي: عوينا.
قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي: ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل. {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} أي: لن نصدقك {حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً} أي: عيوناً ببلدنا هذا.
{أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلاَلَهَا} أي: خلال تلك الجنة. {تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} أي: قطعاً. وقال في آية أخرى: {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السَّمَاءِ} [سبأ: 9]. وقال: {وَإِن يَرَوْا كِسْفاً} والكسف القطعة {مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} [الطور: 44].
وقال الكلبي: في قوله: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً} قال: بلغنا والله أعلم أن عبد الله بن أبي أمية المخزومي هو الذي قال ذلك حين (2/441)
صفحة 1022
اجتمع الرهط من قريش بفناء الكعبة، فسألوا نبي الله أن يبعث لهم بعض موتاهم، أو يسخر لهم الريح، أو يسير لهم جبال مكة فلم يفعل شيئاً مما أرادوا، فقال عبد الله بن أبي أمية عند ذلك: ما تستطيع يا محمد أن تفعل لقومك بعض ما سألوك، فوالذي يحلف به عبد الله بن أبي أمية لا أؤمن لك، أي لا أصدقك، {حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً}، أي: عيوناً {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ}. . . إلى قوله {كِسَفاً}، أي: قطعاً.
{أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً} أي: عياناً، نعاينهم معاينة. وقال مجاهد: {قَبِيلاً} أي: على حدتها، أي: على قبيلة. وقال في آية أخرى: {أَوْ جَاءَ مَعَهُ المَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} [الزخرف: 53].
(2/ 295)
أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94)
{أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} والزخرف: الذهب فيما ذكروا عن ابن عباس {أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ} أي: تصعد في السماء {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ} أي: لصعودك {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كَتَاباً نَّقْرَؤُهُ} من الله إلى عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة أني أنا أرسلت محمداً، وتجيء بأربعة من الملائكة يشهدون أن الله هو الذي كتبه؛ ثم والله ما أدري بعد ذلك هل أؤمن لك، أي: هل أصدقك، أم لا.
فقال الله لنبيه عليه السلام {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً}. (2/442)
صفحة 1023
وقال مجاهد: {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ} من رب العالمين، كل رجل منا تصبح عند رأسه صحيفة موضوعة يقرأها.
وقال بعضهم: {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} خاصة نؤمر فيه باتباعك. قال: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} أي: من ذهب. {أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ} أيضاً، فإن السحرة قد تفعل ذلك فتأخذ بأعين الناس. {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} إلى كل إنسان منا بعينه من الله إلى فلان بن فلان وفلان بن فلان أن آمن بمحمد فإنه رسولي. وأظنه تفسير الحسن: قال: وهو كقوله: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُّؤتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} [المدثر: 52] يعني كتاباً من الله. {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} أي: هل كانت الرسل قبلي تأتي بهذا فيما مضى، أي: تأتي بكتاب من الله إلى كل إنسان بعينه. كلا: لأنتم أهون على الله من أن يفعل بكم هذا. فقالوا: لن نؤمن لك أي: لن نصدقك، حتى تأتينا بخصلة من هذه الخصال.
(2/ 296)
قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (96) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97)
قال الله للنبي عليه السلام: {قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلاَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ} أي: مقيمين قد اطمأنت بهم الدار، أي: هي مسكنهم {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً}. ولكن فيها بشر فارسلنا إليهم بشراً مثلهم.
{قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [إني رسوله] {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً}.
قوله: {وَمَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ} أي: لا يستطيع أحد أن يضلّه {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ} أي: يمنعونهم من عذاب الله. (2/443)
صفحة 1024
قال: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً}. قال بعضهم: هذا حشر إلى النار. قال الحسن: {عُمياً وَبُكْماً وَصُمّاً} عموا في النار حين دخلوها فلم يبصروا فيها شيئاً، وهي سوداء مظلمة لا يضيء لهبها. {وَبُكْماً} أي: خرساً انقطع كلامهم حين قال: [الله لهم] {اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108]. وقد فسَّرناه قبل هذا الموضع. {وَصُمّاً} أي: ذهب الزفير والشهيق بسمعهم فلا يسمعون شيئاً. وقال في آية أخرى: {وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} [الأنبياء: 100].
قوله: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً}. وخبّوها أنها تأكل كل شيء: الجلد واللحم والعظم، والشعر والبشر والأحشاء حتى تهجم على الفؤاد، فلا يريد الله أن تأكل أفئدتهم، فإذا انتهت إلى الفؤاد خبت، أي: سكنت فلم تستعر بهم، وتركت فؤادهم ينضج، ثم يجدّد جلدهم فيعود، فتأكلهم، فلا يزالون كذلك. وهو قوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} [النساء: 56]. وقال مجاهد: {كُلَّمَا خَبَتْ} أي: كلما طفئت أسعرت.
(2/ 297)
ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99)
قوله: {ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} على الاستفهام. أي: إن هذا ليس بكائن؛ يكذّبون بالعبث.
قال الله: {أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} وهم يقرّون أنه خلق السماوات والأرض. وهو قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ} [الزمر: 38] فخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، والله خلقهما؛ فهو {قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ}، يعني البعث، وقال في آية أخرى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [سورة يس: 81].
وقال: {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ} أي: لا شك فيه، أي: يوم القيامة. {فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً} أي: بالقيامة.
(2/ 298)
قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (100) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102)
قوله: {قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} يعني مفاتيح الرزق {إِذاً لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ} [أي: خشية الفاقة] {وَكَانَ الإِنسَانُ قَتُوراً} أي: بخيلاً يقتّر على نفسه وعلى غيره. يخبر أنهم بخلاء أشحاء، يعني المشركين. وقال بعضهم: {قَتُوراً} أي: مِسِّيكاً.
قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ}: يده، وعصاه، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، {وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ، وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف: 130].
قوله: {فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ}. يقول للنبي عليه السلام: فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم موسى {فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً}. (2/444)
صفحة 1025
{قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاَءِ} أي: الآيات {إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ} أي: حججاً. يقول: لقد علمتَ يا فرعون، وهذا مقرأ ابن عباس والعامة. وقال ابن عباس: مثل قوله: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} [النمل: 14].
وقرأة عليّ بن أبي طالب: {لَقَدْ عَلِمْتُ}، موسى يقوله. أي: لقد علمتُ ما أنزل هؤلاء الآيات إلا ربّ السماوات والأرض بصائر.
قوله: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً} أي: مسحوراً في تفسير مجاهد (2/445)
صفحة 1026
وغيره؛ أي: يدعو بالحسرة والثبور في النار. والثبور الدعاء بالويل والهلاك. وقال الكلبي: {مَثْبُوراً} أي: ملعوناً.
(2/ 299)
فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106)
قوله: {فَأَرَادَ أَن يَّسْتَفِزَّهُم} أي: أن يخرجهم {مِّنَ الأَرْضِ}. أي: أرض مصر. وقال الحسن: يقتلهم، يخرجهم منها بالقتل.
قال: {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الأَخِرَةِ} أي: القيامة {جِئْنَا بِكُمْ} يعني بني إسرائيل وفرعون وقومه {لَفِيفاً} أي: جميعاً في تفسير مجاهد وغيره.
قوله: {وَبِالحَقِّ أَنزَلْنَاهُ} أي: القرآن {وَبِالحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً} بالجنة {وَنَذِيراً} تنذر الناس.
قوله: {وَقُرْءَاناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} أنزله الله في ثلاث وعشرين سنة. {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً}.
فمن قرأها بالتخفيف، قال فرَقناه أي: فرَق فيه بين الحق والباطل والحلال والحرام. وكان الحسن يقرأها مثقلة فيقول: وقرآناً فَرَّقناه. قال: فرّقه الله، فأنزله يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وعاماً بعد عام، حتى بلغ به ما أراد.
وقال مجاهد: {عَلَى مُكْثٍ} أي: على ترسل في قريش.
وذكر الكلبي عن ابن عباس قال: نزل القرآن إلى السماء الدنيا جملة واحدة ليلة القدر، ثم جعل ينزل نجوماً: ثلاث آيات وأربع آيات، أو أقل من ذلك أو أكثر. ثم تلا هذه الآية: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة: 75].
(2/ 300)
قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110)
قوله: {قُلْ ءَامِنُوا بِهِ} يعني القرآن. يقول: قل للمشركين آمنوا به {أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ} أي: من قبل هذا القرآن، يعني المؤمنين من أهل الكتاب {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} أي: القرآن {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ} أي: للوجوه {سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} أي: لقد كان وعد ربنا مفعولاً. {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ} أي: للوجوه {يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ} أي: القرآن {خُشُوعاً}. والخشوع الخوف الثابت في القلب.
قوله: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} وذلك أن المشركين قالوا: أما الله فنعرفه، وأما الرحمن فلا نعرفه، فقال الله: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} أي: إنه هو الله وهو الرحمن.
{أَيّاً مَّا تَدْعُوا} يقول أي الاسمين دعوتموه به {فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى} وقال: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالْرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي} [الرعد: 30].
ذكروا عن الحسن أنه قال: الله والرحمن اسمان ممنوعان لا يستطيع أحد من الخلق أن ينتحلهما. (2/446)
صفحة 1027
قوله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}.
قال الكلبي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بمكة، كان يجتمع إليه أصحابه، فإذا صلّى بهم ورفع صوته سمع المشركون صوته فآذوه. وإن خفض صوته لم يُسمع من خلفه؛ فأمره الله أن يبتغي بين ذلك سبيلاً.
وقال مجاهد: حتى لا يسمعك المشركون فيسبوك.
وقال بعضهم: كان نبي الله، وهو بمكة، إذا سمع المشركون صوته رموه بكل خبث، فأمره الله أن يغض من صوته وأن يقتصد في صلاته. (2/447)
صفحة 1028
وكان يقال: ما أسمعتَ أذنيك فليس بتخافت.
وذكر بعضهم قال: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} أي: في الدعاء والمسألة.
وذكروا عن ابن عباس أنه قال: إن من الصلاة سرّاً، وإن منها جهراً، فلا تجهر فيما تسرّ فيه، ولا تسرَّ فيما تجهر فيه، وابتغ بين ذلك سبيلاً.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع أبا بكر وهو يصلّي من الليل وهو يخفي صوته، وسمع عمر وهو يجهر بصوته، وسمع بلالاً وهو يقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة فقال لأبي بكر: لم تخفي صوتك؟ قال: إن الذي أناجي ليس ببعيد. قال: صدقت. فقال لعمر: لم تجهر بصوتك؟ قال: أرضي الرحمن وأرغم الشيطان وأوقظ الوسنان. قال: صدقت. وقال لبلال: لم تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة؟ قال: أخلط طيباً بطيب. قال: صدقت. فأمر أبا بكر أن يرفع من صوته، وأمر عمر أن يخفض من صوته، وأمر بلالاً إذا أخذ في سورة أن يفرغ منها. فأنزل الله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}.
(2/ 301)
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)
قوله: {وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} يتكثر به من القلة. {وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ} أي: خلق معه شيئاً. {وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ} أي: يتعزز به {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} أي: وعظّمه تعظيماً. (2/448)
صفحة 1029
ذكروا أن نبي الله عليه الصلاة والسلام كان يعلّمها الصغير والكبير من أهله.
وذكروا عن كعب قال: فتحت التوراة ب {الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] وختمت ب {الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً}.
[ذكروا عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلّى ركعتي الفجر قال: اللهم إنا نشهد أنك لست بإله استحدثناه، ولا برب يَبيدُ ذكره، ولا مليك معه شركاء يقضون معه، ولا كان قبلك إله ندعوه ونتضرع إليه، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشك فيك، لا إله إلا أنت، اغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت].
(2/ 302)
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5) (2/449)
صفحة 1030
تفسير سورة الكهف
وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الحَمْدُ لِلَّهِ} حمد نفسه وهو أهل للحمد. {الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ} أي: محمد عليه السلام {الكِتَابَ} أي: القرآن {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجاً قَيِّماً}. فيها تقديم. يقول: أنزل على عبده الكتاب قيّماً ولم يجعل له عوجاً.
ذكروا أن مجاهداً قال: أنزله قيماً لا عوج فيه ولا اختلاف.
{لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً} أي: عذاباً شديداً. {مِّن لَّدُنْهُ} أي: من عنده، من عند الله. {وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً} أي: عند الله في الجنة. وقال في آية أخرى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا} [الأنعام: 132]. قوله: {مَّاكِثِينَ فِيهِ} أي: في ذلك الثواب، وهو الجنة. {أَبَداً}.
{وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ} أن لله ولداً {وَلاَ لأبَائِهِمْ} قبلهم الذين كانوا في الشرك.
{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}. هي على قراءة النصب عمل في باب كان. وكان الحسن يقرأها بالرفع {كَبُرَتْ كَلِمَةٌ}، أي: كبُرت تلك الكلمة أن قالوا: إن لله ولداً. قال: {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً}.
(2/ 303)
فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) (2/450)
صفحة 1031
قوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} أي: قاتل نفسك في تفسير العامة {عَلَى ءَاثَارِهِمْ} أي: آسفاً، أي: حزناً عليهم في تفسير مجاهد. {إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ} أي: القرآن. {أَسَفاً}. قال بعضهم: غضباً. وهي مثل قوله: {فَلَمَّا ءَاسَفُونَا} [الزخرف: 55] أي: أغضبونا. وقال مجاهد: أسفاً: أي: جزعاً.
قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا} أي: لأهلها. {لِنَبْلُوَهُمْ} أي: لنختبرهم {أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي: أيهم أطوع لله. وقد علم ما هم فاعلون.
قال: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا} أي: ما على الأرض {صَعِيداً جُرُزاً} والجُرُز ها هنا الخراب. وقال بعضهم: التي ليس فيها شجر ولا نبات. وقال مجاهد: بلقعاً. وقال في موضع آخر: {أَوَ لَمْ يَرَوا أَنَّا نَسُوقُ المَاءَ إِلَى الأَرْضِ الجُرُزِ} أي: اليابسة التي ليس فيها نبات {فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً} [السجدة: 27].
قوله: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} أي: قد كان في آياتنا ما هو أعجب منهم.
وقال مجاهد: هم عجب. [قال بعضهم] يقول: ليس هم أعجب آياتنا. والكهف كهف الجبل. والرقيم الوادي الذي فيه الكهف.
(2/ 304)
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15) (2/451)
صفحة 1032
قوله: {إِذْ أَوَى الفِتْيَةُ إِلَى الكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا ءَاتِنَا} أي: أعطنا {مِن لَّدُنْكَ} أي: من عندك {رَحْمَةً} أي: رزقاً {وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً}، كانوا قوماً قد آمنوا ففروا بدينهم من قومهم. وكان قومهم على الكفر وخشوا على أنفسهم القتل.
قال: {فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِي الكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً} أي: المنتهى الذي بعثوا فيه، أي: لم يكن لواحد من الفريقين علم، لا لمؤمنهم ولا لكافرهم. وقال مجاهد: {أَمَداً} أي: عدداً، أي: لم يكن لهم علم بما لبثوا.
قوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ} أي خبرهم بالحق {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} أي أيماناً.
{وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} أي: بالإِيمان {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَا مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} أي: جوراً وكذباً.
قوله: {هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً لَّوْلاَ} أي: هلاّ {يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} أي: بحجة بيّنة.
تفسير الحسن وابن عباس في هذا الحرف في القرآن كله: حجة بيّنة. وقال بعضهم: هذا الحرف حيث كان في القرآن كله: عذر بيّن. وقال الحسن: بَيِّن بأن الله أمرهم بعبادتهم.
قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} أي: لا أحد أظلم منه.
(2/ 305)
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (16) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18) (2/452)
صفحة 1033
قوله: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ} يقوله: بعضهم لبعض {وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ} أي: وما يعبدون من دون الله، أي: وما يعبدون سوى الله. وفي مصحف عبد الله بن مسعود: وما يعبدون من دون الله، وهذا تفسيرها. {فأَوُوا إِلَى الكَهْفِ} [أي: فانتهوا إلى الكهف] {يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ} أي: من زرقه {ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً}.
قوله: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ} أي: تعدل عن كهفهم وقال بعضهم: تميل عن كهفهم {ذَاتَ اليَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت} أي: غابت {تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} أي: تتركهم ذات الشمال. وقال الحسن: لا تدخل الشمس كهفهم على كل حال.
{وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ} أي: في فضاء من الكهف. وتلك آية. وقال بعضهم: {فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ} أي: في عزلة منه.
{ذَلِكَ مِنْ ءَايَاتِ اللهِ مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً}.
قال: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ} أي: مفتّحة أعينهم وهم موتى. {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} قال بعضهم: وذلك في رقدتهم الأولى قبل أن يموتوا. وقال بعضهم: لهم في كل عام تقليبتان.
{وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} أي: بفناء الكهف {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} أي: لحالهم.
(2/ 306)
وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20) وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21) (2/453)
صفحة 1034
{وَكَذَلِكَ} أي: بهيئاتهم {بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. وكانوا دخلوا الكهف في أول النهار. قال: فنظروا فإذا هو قد بقي من الشمس بقيّة، فقالوا: أو بعض يوم. ثم إنهم شكّوا، فردّوا علم ذلك إلى الله ف {قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} يقوله بعضهم لبعض.
قال: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ} أي: بدراهمكم هذه {إِلَى المَدِينَةِ} وكانت معهم دراهم {فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً} قال بعضهم: أحل طعاماً، وقد كان من طعام قومهم ما لا يستحلون أكله قط. وقال بعضهم: أزكى أي: أطيب {فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ} أي: لا يعلمنّ {بِكُمْ أَحَداً إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} أي: يطلعوا عليكم {يَرْجُمُوكُمْ} أي: يقتلوكم بالحجارة {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} أي: في الكفر {وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً} أي: إن فعلتم ذلك.
قال: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} أي: أطلعنا عليهم، أي: على أصحاب الكهف، أي: أطلعنا أهل ذلك الزمان الذي أحياهم الله فيه، وليس بحياة النشور.
قال: {لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ}.
وكانت تلك الأمة الذين هربوا منهم قد بادت، وخلفت من بعدهم أمة أخرى، وكانوا على الإِسلام. ثم إنهم اختلفوا في البعث؛ فقال بعضهم: يُبعث الناس في أجسادهم، وهؤلاء المؤمنون، وكان الملك منهم، وقال بعضهم: تبعث الأرواح بغير أجساد، فكفروا. وهذا قول أهل الكتاب اليوم؛ فاختلفوا. فبعث الله أصحاب الكهف آية ليُعلِمهم أن الناس يُبعثون في أجسادهم، وقال في آية أخرى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ} [النبأ: 38] أي: روح كل شيء في جسده، وهو قوله: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ} [المطفّفين: 6].
فلما بعث أصحابُ الكهف صاحبَهم بالدراهم ليشتري بها طعاماً، وهم يرون (2/454)
صفحة 1035
أنها تلك الأمّة المشركة الذين فرّوا منهم، أمروا صاحبهم أن يتلطّف ولا يشعرنّ بهم أحداً.
فلما دخل المدينة، وهي مدينة بالروح يقال لها فسوس، وكان ملكهم يقال له دقيانوس، فأخرج الدراهم ليشتري بها الطعام اسْتُنْكِرَت الدراهم، فأُخِذ وذُهِب به إلى ملك المدينة، فإذا الدراهم دراهم الملك الذي فرّوا منه، فقالوا: هذا رجل وجد كنزاً. فلما خاف على نفسه أن يعذّب أطلع على أصحابه. فقال لهم الملك: إن الله قد بيّن لكم ما اختلفتم فيه، فأعلمكم أن الناس يبعثون في أجسادهم.
فركب الملك والناس معه حتى انتهوا إلى الكهف. وتقدمهم الرجل. حتى إذا دخل على أصحابه فرآهم ورأوه ماتوا، لأنهم قد كانت أتت عليهم آجالهم.
فقال القوم كيف نصنع بهؤلاء ف {فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} وهم رؤساؤهم وأشرافهم، وقال بعضهم: مؤمنوهم {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً}.
(2/ 307)
ذكر عكرمة أنهم كانوا بني الأكفاء والرقباء ملوك الروم، رزقهم الله الإِسلام ففروا بدينهم، واعتزلوا قومهم حتى انتهوا إلى الكهف فضرب الله على أصمختهم (2/455)
صفحة 1036
فلبثوا دهراً طويلاً حتى هلكت أمتهم، وجاءت أمة مسلمة. وكان ملكهم مسلماً. فاختلفوا في الروح والجسد. فقال قائلون: يبعث الروح والجسد معاً. وقال قائلون: تبعث الأرواح، أما الأجساد فتأكلها الأرض فلا تكون شيئاً.
فشق على ملكهم اختلافُهم؛ فانطلق فلبس المسوح، وقعد على الرماد. ثم دعا الله فقال: إنك ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبيّن لهم بها. فبعث الله لهم أصحاب الكهف. فبعثوا أحدهم ليشتري لهم من الطعام. فجعل ينكر الوجوه ويعرف الطرق، ورأى الإِيمان في المدينة ظاهراً. فانطلق. وهو مستخف، حتى انتهى إلى رجل ليشتري من طعامه. فلما أبصر صاحب الطعام الورِق أنكرها. قال له الفتى أليس ملككم فلاناً؟ قال الرجل: بل ملكنا فلان. فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك.
فأخبره صاحب الكهف بحديثه وأمره. فبعث الملك في الناس فجمعهم فقال: إنكم اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله قد بعث لكم آية وبيّن لكم الذي اختلفتم فيه؛ فهذا رجل من قوم فلان، يعني ملكهم الذي مضى. فقال صاحب الكهف: انطلقوا إلى أصحابي. فركب الملك وركب الناس حتى انتهوا إلى الكهف. فقال الرجل: دعوني حتى أدخل إلى أصحابي. فلما أبصرهم وأبصروه ضرب الله على أصمختهم. [فلما استبطأوه] دخل الملك ودخل الناس معه، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئاً، غير أنه لا أرواح فيها. فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم. {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِم}، وهو ملوكهم وأشرافهم {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً}.
(2/ 308)
سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)
قال الله: {سَيَقُولُونَ} أي: سيقول أهل الكتاب {ثَلاَثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ} أي: قذفاً بالغيب {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ (2/456)
صفحة 1037
وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ} أي: إلا قليل من الناس.
ذكروا أن ابن عباس كان يقول: أنا من أولئك القليل الذين استثنى الله؛ كانوا سبعة وثامنهم كلبهم.
قال: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِراً} يقول الله للنبي عليه السلام: لا تمار، أي: لا تجادل أهل الكتاب في أصحاب الكهف إلا مراءً ظاهراً أي: إلا بما أخبرتك. وحسبك ما قصصت عليك من أمرهم. {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِم} أي: في أصحاب الكهف {مِنْهُمْ أَحَداً} أي: من أهل اليهود. يقول: لا تسأل عنهم من اليهود أحداً، وهم الذين سألوه عنهم ليعنتوه بذلك.
(2/ 309)
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24)
قال: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ} يقول: إلا أن تستثنى. بلغنا أن اليهود لما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الكهف قال لهم رسول الله: أخبركم عنهم غداً، ولم يستثن، فأنزل الله هذه الآية.
قال: {وَاذْكُرْ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [أي: إذا نسيت الاستثناء] {وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً}. ومتى ما ذكر الذي حلف فليقل إن شاء الله، لأن الله أمره أن يقول: إن شاء الله.
ومن حلف على يمين فاستثنى قبل أن يتكلم بين اليمين وبين الاستثناء بشيء فله ثنياه، ولا كفارة عليه. وإن كان استثنى بعدما تكلم بعد اليمين قبل الاستثناء، أو (2/457)
صفحة 1038
متى ما استثنى، فالكفارة لازمة له، وسقط عنه المأثم حيث استثنى، لأنه كان قد ركب ما نهى عنه من تركه ما أمر به من الاستثناء. أي: لا يقول: إني أفعل حتى يقول إن شاء الله، ولا يقول: لا أفعل حتى يقول إن شاء الله.
ذكر ابن عمر أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا استثنى فله ثنياه»
وقال بعضهم: ليس الاستثناء بشيء حتى يجهر به كما يجهر باليمين. أي: إن الاستثناء في قبله ليس بشيء حتى يتكلم به لسانه.
ذكروا عن الحسن أنه قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأتِ الذي هو خير وليكفر عن يمينه إلا طلاق أو عتاق.
(2/ 310)
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)
قوله: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ} ثم أخبر ما تلك الثلاثمائة فقال: {سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً} أي: تسع سنين.
قال بعضهم: هذا من قول أهل الكتاب. أي: إنه رجع إلى أول الكلام: {سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، ويقولون: {لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً}. فردّ الله على نبيه فقال: {قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ}. يقول: ما أبصره وما أسمعه كقول الرجل للرجل: أَفْقِه به، وأشباه ذلك،. فلا أحد أبصر من الله، ولا أسمع من الله. (2/458)
صفحة 1039
{مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ} أي: يمنعهم من عذاب الله {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً}. وهي تقرأ بالياء والتاء. فمن قرأها بالتاء فهو يقول: ولا تشرك يا محمد في حكمه أحداً، أي: لا تعجل معه شريكاً في حكمه وقضائه وأموره. ومن قرأها بالياء فهو يقول: ولا يشرك الله في حكمه أحداً.
(2/ 311)
وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)
قوله: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} أي: لا يحكم في الآخرة بخلاف ما قال في الدنيا. وهو كقوله: {مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ} [سورة ق: 29].
قوله: {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} أي: ولياً ولا موئلاً.
قوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} وهم الصلاتان: صلاة الصبح وصلاة العصر. وإنما فرضت الصلوات الخمس قبل خروج النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة بسنة. ثم نزلت هذه الآية في سلمان الفارسي، وبلال، وصهيب، وخباب بن الأرتّ، وسالم، مولى أبي حذيفة.
قال المشركون للنبي: إن أردت أن نجالسك فاطرد عنا هؤلاء القوم، فأنزل الله: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ} [الأنعام: 52].
قال: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} مَحْقَرَةً لهم إلى غيرهم {تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدَّنْيَا} قال بعضهم: ذكروا عن عبدالله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَذِكر الله بالغداة والعشي أفضل من حطم السيوف في سبيل الله ومن إعطاء المال سحّاً» (2/459)
صفحة 1040
قوله: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} أي: ضياعاً. وهو مثل قوله: {يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} [الأنعام: 31] أي: على ما ضيعنا فيها.
(2/ 312)
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)
قال: {وَقُلِ الحَقَّ مِن رَّبِّكُمْ} يعني القرآن {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} وهذا وعيد هو له شديد، أي: من آمن دخل الجنة، ومن كفر دخل النار.
قال: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} أي: للمشركين والمنافقين {نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} أي: سورها، ولها عمد. فإذا مدّت تلك العمد أطبقت على أهلها، وذلك حين يقول: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108]. فإذا قال ذلك أطبقت عليهم؛ وهو قوله: {إِنَّهُا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ} أي: مطبقة {فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ} [الهمزة: 98].
قوله: {وَإِن يَّسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ}.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه أهديت له سقاية ذهب وفضة. فأمر بخدود فخدّت في الأرض. ثم قذف فيها من جزل الحطب. ثم قذف فيها تلك السقاية، حتى إذا أزبدت وماعت قال لغلامه: ادع من بحضرتنا من أهل الكوفة. فدعا رهطاً. فلما دخلوا عليه قال: أترون هذا؟ قالوا: نعم. قال: ما رأينا في الدنيا شبهاً للمهل أدنى من هذا الذهب وهذه الفضة حين أزبد وماع.
وقال بعضهم: المهل كعكر الزيت. وقال مجاهد: المهل: القيح والدم.
قوله: {يَشْوِي الوُجُوهَ} أي: يحرق الوجوه إذا أهوى ليشربه. {بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً} أي: منزلاً ومأوى. وقال مجاهد: {وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً} أي: (2/460)
صفحة 1041
مجتمعاً. وقوله: وساءت أي: بئس المنزل والمأوى هي جهنم. وهذا وعيد هوله شديد لمن كفر.
(2/ 313)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)
ثم أخبر بوعده لمن آمن فقال: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَرُ}. قد فسّرناه في غير هذا الموضع.
قوله: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل من أهل الجنة لو بدا سواره لغلب على ضوء الشمس».
ذكروا أنه ليس من أهل الجنة أحد إلا وفي يده ثلاثة أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ. وهو قوله: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤلُؤاً} [الحج: 23]، وقوله: {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} [الإنسان: 21].
قوله: {وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} قال بعضهم: أما لسندس فالخز الذي يقال له الرقيم. وأما الإِستبرق فالديباج الغليظ. وبعض الكوفيين يقول: هي بالفارسية: استبره.
قوله: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ} أي: على السرر [في الحجال] ذكر ابن عباس في قوله: {عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} [الواقعة: 15] قال: مرمولة بالذهب. وقال الحسن: مرمولة بالدر والياقوت. (2/461)
صفحة 1042
وقال بعضهم: يعانق الرجل زوجته قدر عمر الدنيا، لا تملّه ولا يملّها.
ذكروا عن معاذ بن جبل أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل من أهل الجنة ليتنعم في تكأة واحدة سبعين عاماً»
ذكروا ابن عباس قال: إن الرجل من أهل الجنة ليتكىء على أحد شقيه فينظر إلى زوجته كذا وكذا سنة. ثم يتكىء على الشق الآخر، فينظر إليها مثل ذلك في قبة حمراء، من ياقوتة حمراء، ولها ألف باب، وله فيها سبعمائة امرأة.
قوله: {نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} أي: منزلاً ومَأوى، يعني الجنة.
(2/ 314)
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34)
قوله: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً كِلْتَا الجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا} أي: أطعمت ثمرتها {وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً} أي: ولم تنقص منه شيئاً {وفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَراً} أي: بينهما {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ}. وهي تقرأ على وجهين: ثُمُر، وهو الأصل. قال بعضهم: من كل المال. وثَمَر، وهي الثَمَرة. وقال مجاهد: يعني ذهباً وفضة.
{فَقَالَ لِصَاحِبِهِ} بلغنا أنهما كانا أخوين من بني إسرائيل ورثا عن أبيهما مالاً فاقتسماه، فأخذ كل واحد منهما أربعة آلاف دينار. فأما أحدهما، فكان مؤمناً، فأنفقه في طاعة الله، وقدّمه لنفسه. وأما الآخر، فكان كافراً، فاتخذ بها الأرضين والجنان والدور والرقيق وتزوّج.
واحتاج المؤمن فلم يبقَ في يده شيء فجاء إلى أخيه يزوره ويتعرّض لمعروفه. فقال له أخوه: فأين ما ورثت يا أخي؟ فقال له: أقرضته ربّي وقدّمته (2/462)
صفحة 1043
لنفسي. فقال له أخوه: لكنني اتخذت به لنفسي ولولدي ما قد رأيت.
قال الله: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ} {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} أي: يراجعه الكلام {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} أي: أكثر رجالاً وناصراً.
(2/ 315)
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38)
قال الله: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} يعني بشركه {قَالَ مَا أَظُنُّ} أي: ما أوقن {أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً} أي: أن تفنى هذه أبداً، أي: إنها لا تفنى فتذهب. ولكن ظن أن يعيش فيها حتى يأكلها حياتَه. كقوله: {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} [الهُمَزة: 3] أي: يحسب أنه يخلد في ماله حتى يأكله.
{وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} أي: وما أوقن أن الساعة قائمة. أي: يجحد البعث. {وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا} أي: من جنتي {مُنْقَلَباً} أي: في الآخرة إن كانت آخرة. كقوله: {وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى} [فصلت: 50] أي: الجنة إن كانت جنة. أي: ولكن ليس جنة ولا مردّ.
وهي تقرأ على وجه آخر: {لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهُمَا مُنْقَلَباً} يعني الجنتين؛ هي في موضع جنة، وفي موضع جنتان. قال: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} وقال: {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ} كانت جنة فيها نهر، فصارت جنتين، فهي جنة وهي جنتان.
{قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ} المؤمن {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ} يعني أول خلق الإِنسان، يعني آدم. {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً}.
(2/ 316)
وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44) (2/463)
صفحة 1044
{وَلَولاَ} أي: فهلا {إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ} ثم قال: {إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً فَعَسَى رَبِّيَ أَن يُؤْتِيَنِ} في الآخرة {خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ} أي: ناراً من السماء، يقول: عذاباً من السماء، وهي النار {فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً} أي: لا نبات فيها. والصعيد الزلق التراب اليابس الذي لا نبات فيه. وقال بعضهم: قد حصد ما فيها فلم يترك فيها شيء. {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً} أي: ذاهباً قد غار في الأرض {فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً}. وقال الكلبي: الغور: الذي لا تناله الدلاء.
قال الله: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} أي: من الليل {فَأَصْبَحَ} من الغد قائماً عليها {يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ} أي: يصفق كفيه. قال الحسن: يضرب إحداهما على الأخرى ندامة. {عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا} وقال بعضهم: تلهفاً على ما فاته منها. {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} قال الحسن: عروشها: التراب، قد ذهب ما فيها من النبات. [وبعضهم يقول: مقلولة على رؤوسها]. {وَيَقُولُ} أي: في الآخرة {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي} أي: في الدنيا {أَحَدَاً}.
قال الله: {وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ} أي: عشيرة {يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً} أي: ممتنعاً في تفسير بعضهم.
قوله: {هُنَالِكَ الوَلاَيَةُ لِلَّهِ الحَقِّ} أي: في الآخرة. هنالك يتولَّى الله كلُّ عبد. أي: لا يبقى أحد يومئذٍ إلا تولى الله. ولا يقبل ذلك من المشرك. (2/464)
صفحة 1045
وهي تقرأ على وجهين: أحدهما برفع الحق والآخر بجرّه. فمن قرأها بالرفع يقول: هنالك الولاية الحقُّ، فيها تقديم؛ أي: هنالك الولاية الحقُّ لله. ومن قرأها بالجر فهو يقول: هنالك الولاية لله الحقِّ، والحق اسم من أسماء الله.
{هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً} أي: خير من أثاب، وهو خير ثواباً للمؤمنين من الأوثان لمن عبدها. {وَخَيْرٌ عُقْباً} أي: خير عاقبة.
(2/ 317)
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47)
قوله: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ} وقد فسّرناه في غير هذا الموضع {فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} أي: هشمته الرياح فأذهبته. فأخبر أن الدنيا ذاهبة زائلة كما ذهب ذلك النبات بعد بهجته وحسنه. {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً}.
قوله: {المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً} قال الحسن: الفرائض.
ذكروا عن علي أنه قال: الباقيات الصالحات هن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وكان ابن عباس يجمعهما جميعاً فيقول: الصلوات الخمس وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً} أي: عاقبة. {وَخَيْرٌ أَمَلاً} أي: وخير ما يأمل العباد في الدنيا أن يثابوه في الآخرة.
قوله: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبَالَ وَتَرى الأَرْضَ بَارِزَةً} أي: مستوية ليس عليها بناء ولا شجر. [وقال مجاهد: ليس عليها خَمَر ولا غياية]. {وَحَشَرْنَاهُمْ} أي: (2/465)
صفحة 1046
وجمعناهم {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} أي: أحضروا فلم يغب منهم أحد.
(2/ 318)
وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48)
{وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً} أي: صفوفاً.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم: «أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أيسركم أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: الناس يوم القيامة عشرون ومائة صف، وأنتم منهم ثمانون صفاً»
ذكروا عن عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} [الانشقاق: 8] قال: ذلكم العرض ولكن من نوقش الحساب عُذّب.
قوله: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي: حفاة عراة غرلاً {بَلْ زَعَمْتُمْ} يقول للمشركين {أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً} يعني أن لن تبعثوا.
وبلغنا عن الحسن أن عائشة قالت: يا رسول الله، أما يحتشم الناس يومئذٍ بعضهم من بعض؟ قال: «هم أشغل من أن ينظر إلى بعض» أي: إلى عورة بعض.
(2/ 319)
وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51) (2/466)
صفحة 1047
قال: {وَوُضِعَ الكِتَابُ} أي: ما كانت تكتب عليهم الملائكة في الدنيا من أعمالهم. {فَتَرَى المُجْرِمِينَ} أي: المشركين والمنافقين {مُشْفِقِينَ} أي: خائفين {مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً} أي: في كتبهم {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}.
قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ}. قال الحسن: هو أول الجن كما أن آدم من الإِنس وهو أول الإِنس.
وقال بعضهم: كان ممن الجن، وهم قبيل من الملائكة يقال لهم الجن. وكان ابن عباس يقول: لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود، وكان على خزانة السماء الدنيا في قول بعضهم؛ قال: جُن عن طاعة ربه. وكان الحسن يقول: ألجأه الله إلى نسبه.
قال: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} أي: عصى أمر ربه، أي: عن السجود لآدم، في تفسير مجاهد. {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ} يعني الشياطين الذين دعوهم إلى الشرك. {أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} أي: ما استبدلوا بعبادة ربهم إذ أطاعوا إبليس. فبئس ذلك بدلاً لهم.
قوله: {مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ} وذلك أن المشركين قالوا: إن الملائكة بنات الله. وقال في آية أخرى: {وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عبَادُ الرَّحْمَنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} [الزخرف: 19] أي: ما أشهدتهم شيئاً من ذلك، فمن أين ادَّعوا أن الملائكة بنات الله. (2/467)
صفحة 1048
قال: {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} أي: أعواناً. وقال بعضهم: المضلين: الشياطين.
(2/ 320)
وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (55)
قوله: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَاءِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَّوْبِقاً}. والموبق وادٍ في جهنم.
وبعضهم يقول: {مَوْبِقاً} أي: مهلكاً. يقول: وجعلنا بينهم أي: وصلهم الذي كان في الدنيا مهلكاً. وقال بعضهم: هو وادٍ يفرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة. وقال بعضهم: يقول: أوبقناهم، أي: أدخلناهم في النار بفعلهم فأُوبِقوا فيها.
قوله: {وَرَءَا المُجْرِمُونَ النَّارَ} أي: المشركون والمنافقون {فَظَنُّوا} أي: فعملوا {أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً} أي: معدلاً إلى غيرها.
قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} كقوله: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} [الزمر: 27] {وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} أي: الكافر يجادل في الله.
قوله: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ} أي: من (2/468)
صفحة 1049
شركهم {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} أي: ما عذب الله به الأمم السالفة {أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ قُبُلاً} أي: عياناً. وقال مجاهد: فجأة.
(2/ 321)
وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59)
قوله: {وَمَا نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ} أي: بالجنة {وَمُنذِرِينَ} أي: من النار. ويبشرونهم أيضاً بالرزق في الدنيا قبل دخول الجنة إن آمنوا. وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. وينذرونهم العذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة إن لم يؤمنوا.
قوله: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا} أي: ليذهبوا {بِهِ الحَقَّ} فيما يظنون؛ ولا يقدرون على ذلك. قال: {وَاتَّخَذُوا ءَايَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُواً}.
قال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بآيَاتِ رَبِّهِ} يقوله على الاستفهام. وهذا استفهام على معرفة {فَأَعْرَضَ عَنْهَا} أي: لم يؤمن بها. {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي: ما سلف منه. قال الحسن: عمله السوء. أي: لا أحد أظلم منه.
قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} أي: غلفاً {أَن يَفْقَهُوهُ} أي: لئلا يفقهوه. {وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} وهو الصمم عن الهدى. {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً} يعني الذين يموتون على كفرهم.
{وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} أي: لمن آمن. ولا يغفر أن يشرك به {لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا} أي: بما عملوا {لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلاً} قال الحسن: ملجأً.
قوله: {وَتِلْكَ القُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} أي: لما أشركوا وجحدوا رسلهم. {وَجَعَلْنَا لِمَهْلكِهِم مَّوْعِداً} أي: الوقت الذي جاءهم فيه العذاب. وقال مجاهد: موعداً: أجلاً.
(2/ 322)
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) (2/469)
صفحة 1050
قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ} وهو يوشع بن نون، وهو اليسع {لاَ أَبْرَحُ} أي: لا أزال أمضي قدماً {حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ} بحر فارس والروم حيث التقيا، وهما محيطان بالخلق.
وبعضهم يقول: الرسّ والكرّ، وهما بالرومية. والعامة على أنهما بحر فارس والروم. وبحر الروم نحو المغرب، وبحر فارس نحو المشرق.
{أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} أي: سبعين سنة في تفسير مجاهد. وبعضهم يقول: الحقب ثمانون سنة.
وذلك أن موسى عليه السلام قام في بني إسرائيل مقاماً فقال: ما بقي اليوم أحد أعطاه الله مثل ما أعطاكم: أنجاكم من آل فرعون، وقطع بكم البحر، وأنزل عليكم التوراة. ورأى في نفسه حين فعل الله ذلك به وعلمه أنه لم يبقَ أحد أعلم منه. فَأوحى الله إليه: إن لي عبداً أعلم منك يقال له الخضر، فاطلبه. فقال له موسى: رب كيف لي بلقائه. فأوحى الله إليه أن يجعل حوتاً في متاعه، ويمضي حتى يبلغ مجمع البحرين، بحر فارس والروم. وجعل العلم على لقائه أن يفتقد الحوت، فإذا فقدت الحوت فاطلب صاحبك عند ذلك.
فانطلق هو وفتاه، وهو يوشع بن نون. وحملا معهما مكتلاً فيه حوت مملوح. قال: فسايرا البحر زماناً، ثم أويا إلى صخرة على ساحل البحر الذي عند مجمع البحرين؛ عندها عن ماء، فباتا بها. وأكلا نصف الحوت، وبقي نصفه. فانسرب الحوت في العين. وقال بعضهم: أدنى فتاه المكتل من العين فأصابه الماء فعاش (2/470)
صفحة 1051
الحوت فدخل في البحر. [وذلك قوله: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَباً}].
وارتحل موسى وفتاه فسايرا البحر حتى أصبحا. {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ ءَاتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً} أي: شدة، يعني نصب السفر.
(2/ 323)
قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63)
{قَالَ} فتاه: {أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَن أَذْكُرَهُ} وفي بعض القراءات {أَن أُدْرِكَهُ}.
وقال بعضهم: إن موسى لما قطع البحر، وأنجاه الله من آل فرعون جمع بني إسرائيل فخطبهم فقال: أنتم اليوم خير أهل الأرض وأعلمهم. قد أهلك الله عدوكم، وأقطعكم البحر، وأنزل عليكم التوراة. قال: فقيل له: إن ها هنا رجلاً هو أعلم منك. فانطلق هو وفتاه يوشع بن نون يطلبانه. وتزوّدا بحوت مملوح في مكتل لهما. وقيل لهما: إذا نسيتما بعض ما معكما لقيتما رجلاً عالماً يقال له: خضر. فلما أتيا ذلك المكان ردّ الله إلى الحوت روحه فسرب لهما من المكتل حتى أفضى إلى البحر، ثم سلك فيه. فجعل لا يسلك فيه طريقاً إلا صار الماء جامداً.
ومضى موسى وفتاه. فلما جاوزا قال لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً. قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة، يعني إذ انتهينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره. وفي مصحف عبد الله بن مسعود: أن أدركه. فرجعا عودهما على بدئهما فارتدا على آثارهما قصصاً. فلقيا الخضر.
وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما سمي الخضر خضراً لأنه جلس على قردد (2/471)
صفحة 1052
بيضاء فاهتزّت به خضراء»
قال: {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَباًً}. أي: موسى اتخذ سبيل الحوت في البحر عجباً. وهو تفسير مجاهد.
(2/ 324)
قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)
{قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} أي: قال: قيل لي: إذا فقدت الحوت فيحنئذٍ تلقى الخَضِر.
قال: {فَارْتَدَّا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصاً} أي: عودهما على بدئهما راجعين حتى أتيا الصخرة. فاتبعا أثر الحوت في البحر. وكان الحوت حيث مر ببدنه ييبس، فصار كهيئة الطريق في البحر. فاتبعا آثاره حتى خرجا إلى جزيرة، فإذا هما بالخضر في روضة يصلي. فأتياه من خلفه، فسلم عليه موسى. فأنكر الخضر السلام في ذلك الموضع. فرفع رأسه فإذا بموسى، فعرفه فقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. فقال موسى: وما يدريك أني نبيّ بني إسرائيل؟ فقال: أدراني بك الذي أدراك بي.
قوله: {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن (2/472)
صفحة 1053
لَّدُنَّا عِلْماً قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} أي: أن ترشدني.
(2/ 325)
قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78)
{قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْراً قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} أي: أتيت شيئاً عظيماً. وقال مجاهد: منكراً.
{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً} وكان موسى ينكر الظلم. {قَالَ} له موسى {لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً}.
قال: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً} أي: لم تذنب {بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً} والنكر المنكر.
{قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً}. أي: قد أعذرت فيما بيني وبينك.
{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا} وزعموا أنها أنطاكية. {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ} أي: رفعه بيده {قَالَ} له موسى {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} أي: ما يكفينا اليوم.
{قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ} أي: سأخبرك {بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً}.
(2/ 326)
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82) (2/473)
صفحة 1054
{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} قال مجاهد: أن أخرقها. {وَكَانَ وَرَاءَهُم} يقول: بين أيديهم {مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} وفي بعض القراءة: {وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْباً}. قال بعضهم: ولعمري لو عمّ السفن ما انفلتت، ولكن كان يأخذ خيار السفن.
{وَأَمَّا الغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنَ} قال بعضهم: في بعض القراءة: كان أبواه مؤمنين وكان كافراً.
قوله: {فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً}. ذكر بعضهم قال: في مصحف عبدالله بن مسعود: فخاف بك أن يرهقهما طغياناً وكفراُ. وتأويل فخاف ربك: أي: فكره ربّك؛ وهو مثل قوله تعالى: {وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ} [التوبة: 46] وتفسير كره: لم يُرد. {فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً} أي: في التقوى {وَأَقْرَبَ رُحْماً} أي: بِرّاً. وقال الحسن: {وَأَقْرَبَ رُحْماً} أي: أقرب خيراً.
{وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} قال الحسن: مال، وقال مجاهد: صحف علم.
وقال الكلبي: بلغنا أنه كان لوحاً من ذهب فيه حكمه: ثلاث كلمات فقط: (2/474)
صفحة 1055
عجباً لمن أيقن بالموت كيف يضحك، وعجباً لمن أيقن بالرزق كيف يتعب، وعجباً لمن أيقن بالدنيا وتقلّبها كيف يطمئن إليها. {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً}.
{فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} لهما {وَمَا فَعَلْتُهُ} أي: وما فعلت ما فعلت {عَنْ أَمْرِي} أي: إنما فعلته عن أمر الله.
{ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} قال الكلبي: بلغنا أنهم لم يفترقوا حتى بعث الله طائراً، فطار إلى المشرق، ثم طار إلى المغرب، ثم طار نحو السماء، ثم هبط إلى البحر، فتناول من ماء البحر بمنقاره، وهما ينظران، فقال الخضر لموسى: أتعلم ما يقول هذا الطير؟ قال موسى: وما يقول؟ قال: يقول: ورب المشرق، ورب المغرب، ورب السماء السابعة، ورب الأرض السابعة، ما علمك يا خضر وعلم موسى في علم الله إلا قدر هذا الماء الذي تناولته من البحر في البحر.
(2/ 327)
وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86)
قوله: {وَيَسْئَلُونَكَ عَن ذِي القَرْنَيْنِ} فإنما سألته اليهود. {قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً} أي: خبراً.
{إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَءَاتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} أي: بلاغاً لحاجته. وقال بعضهم: علماً، وهو علمه الذي أُعْطِيَ. بلغنا أنه ملك مشارق الأرض ومغاربها.
{فَأَتْبَعَ سَبَباً} أي: طرق الأرض ومنازلها. وقال بعضهم: منازل الأرض ومعالمها. {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} وهي تقرأ على وجهين: حمئة وحامية.
ذكر عطاء قال: اختلف ابن عباس وعمرو بن العاص في عين حمئة؛ فقال عمرو: حامية، وقال ابن عباس حمئة. فجعلا بينهما كعباً فقال كعب: نجدها في التوراة تغرب في ماء وطين كما قال ابن عباس. وإنما يعني بالحمأة الطين والمنتن. ومن قرأها حامية يقول: حارّة. (2/475)
صفحة 1056
قال: {وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا القَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ} قال الحسن: يعني القتل؛ وذلك حكم الله فيمن أظهر الشرك إلا من حكم عليه بالجزية من أهل الكتاب إذا لم يسلم وأقر بالجزية، ومن تقبل منه الجزية اليوم. {وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} يعني العفو. قال: فحكَّموه، فحكَم بينهم، فوافق حكمُه حكمَ الله.
(2/ 328)
قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90)
{قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ} يعني من أشرك ونافق {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} يعني القتل {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} أي: عظيماً في الآخرة.
{وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الحُسْنَى} أي: الجنة، يقول: فله ثواب الجنة، والحسنى هي الجنة. {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا} أي: ما صحبناه في الدنيا وصحبنا {يُسْراً} يعني المعارف. وقال مجاهد: {مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} أي: معروفاً. وهو واحد.
قال: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} أي: طرق الأرض ومعالمها لحاجته على ما وصفت من تفسيرهم فيها. {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً}.
قال بعضهم: ذكر لنا أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه البناء، وأنهم يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت الشمس عنهم خرجوا في معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: إذا طلعت الشمس انسربوا في البحر، فكانوا في البحر، فكانوا فيه حتى تغيب الشمس. فإذا غابت الشمس خرجوا وتسوّقوا وتبايعوا في أسواقهم وقضوا حوائجهم بالليل.
(2/ 329)
كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) (2/476)
صفحة 1057
قوله: {كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً} أي: هكذا كان ما قص من أمر ذي القرنين.
قال: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} أي: طرق الأرض ومعالمها لحاجته {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} أي: بين الجبلين {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} أي: لا يفقهون كلام غيرهم. وهي تقرأ على وجه آخر: {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} أي: لا يفقه أحد كلامهم.
{قَالُوا يَا ذَا القَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ} أي: قاتلون الناس في الأرض {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً} أي: جُعلا {عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً}.
{قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} أي: من جُعلكم {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} أي: بعدد، عدد من الرجال {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً}.
{ءَاتُونِي} أي: أعطوني {زُبَرَ الحَدِيدِ} أي: قطع الحديد في تفسير مجاهد {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} أي: رأس الجبلين، ساوى ما بينهما فسدّه. {قَالَ انفُخُوا} أي: على الحديد {حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} يعني أحماه بالنار {قَالَ ءَاتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} فيها تقديم؛ أي: أعطوني قطراً أفرغ عليه. والقِطر النحاس؛ فجعل أساسه الحديد، وجعل ملاطه النحاس ليلزمه. (2/477)
صفحة 1058
قال بعضهم: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا رسول الله، قد رايت سدّ ياجوج وماجوج. قال: «أنعته لي» قال: هو كالبُرد المُحَبَّر، طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته»
(2/ 330)
فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)
قال: {فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ} أي: أن يظهروا عليه من فوقه. {وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً} أي: من أسفله.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أن يأجوج ومأجوج يخرقونه كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدا. فيعيده الله كأشد ما كان. حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم على الناس. حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غداً إن شاء الله، فيغدون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيخرقونه، فيخرجون على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون سهامهم إلى السماء، فترجع وفيها كهيئة الدماء، فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله نغفاً في أقفائهم فيقتلهم بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن دواب الأرض لتسمن وإنها لتشكر من لحومهم شَكَرَا»
(2/ 331)
قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) (2/478)
صفحة 1059
قوله: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مَّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي} يعني خروجهم {جَعَلَهُ دَكَّاءَ} أي: الجبلين، أي: السّدّ. وهي تقرأ على وجه آخر: {دَكَّا} ممدودة، أي: أرضاً مستوية. {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً}.
ذكروا عن عقبة بن عامر الجهني قال: كان يومي الذي كنت أخدم فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فخرجت من عنده فإذا أنا برجال من أهل الكتاب معهم مصاحف أو كتب. فقالوا: استأذن لنا على رسول الله. فانصرفت إليه، فأخبرته بمكانهم. فقال: مالي ولهم يسألونني عما لا أدري. وإنما أنا عبد لا أعلم إلا ما علمني الله. ثم قال: ايتوني وَضوءاً. فأتيته بوَضوء. فتوضأ، ثم قام إلى المسجد فركع ركعتين. فما انصرف حتى بدا لي السرور في وجهه. فقال: اذهب فأدخلهم وأدخل من وجدت بالباب من أصحابي.
فلما وقفوا عليه قال: إن شئتم أخبرتكم بما أردتم أن تسألوني عنه قبل أن تتكلموا. وإن شئتم سألتم وأخبرتكم. قالوا: بل أخبرنا بما جئنا له قبل أن نتكلم. قال: جئتم تسألونني عن ذي القرنين. وسأخبركم عما تجدونه مكتوباً في كتبكم:
إن أول أمره أنه كان غلاماً من الروم، وأعطي ملكاً. فسار حتى انتهى إلى أرض مصر، فبنى عندها مدينة يقال لها الإِسكندرية. فلما انتهى من بنائها أتاه ملك فعرج به حتى استقله فرفعه ثم قال له: انظر ما تحتك. فقال: أرى مدينتي وأرى مدائن أخرى. ثم عرج به فقال: انظر، فقال: قد اختلطت مدينتي مع المدائن. ثم زاد فقال: انظر، فقال: أرى مدينتي وحدها لا أرى غيرها. فقال له الملك: إنما تلك الأرض كلها، وهذا السواد البحر. وإنما أراد الله أن يريك الأرض. وقد جعل لك سلطاناً فيها. فسر في الأرض، فعلّم الجاهل، وثبّت العالم. فسار حتى بلغ مغرب الشمس، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس، ثم أتى السّدّين، وهما جبلان ليّنان يزلق عنهما كل شيء، فبنى السد. فوجد ياجوج وماجوج يقاتلون قوماً وجوههم كوجوه الكلاب، ثم قطعهم فوجد أمة قصاراً يقاتلون الذين وجوههم كوجوه الكلاب. ثم مضى فوجد أمة من الغرانيق يقاتلون القوم القصار. ثم مضى فوجد أمة من الحيات (2/479)
صفحة 1060
تلتقم الحية منها الصخرة العظيمة. ثم أفضى إلى البحر المدير بالأرض.
فقالوا: نحن نشهد أن أمره كان هكذا، وإنا نجده في كتابنا هكذا.
ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال: إن خلف ياجوج وماجوج ثلاث أمم [لا يعلم عدتهم إلا الله]: تارس وتاويل وميسك.
ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن ذي القرنين فقال: لم يكن ملكاً ولا نبياً، ولكنه كان عبداً صالحاً، ناصحاً لله فنصحه. دعا قومه إلى الإِيمان فلم يجيبوه.
(2/ 332)
فضربوه على قرنه فقتلوه، فأحياه الله. ثم دعا قومه أيضاً فضربوه على قرنه فقتلوه فأحياه الله فسمِّيَ ذا القرنين.
ذكروا أن رجلاً سأل عبد الله بن عمرو عن ياجوج وماجوج: الأذرع هم أم الأشبار؟ فقال: ما أجد من ولد آدم بأعظم منهم ولا أطول. ولا يموت الميت منهم حتى يولد له ألف ولد فصاعداً. قال: قلت فما طعامهم؟ قال: هم في شجر ما هضموا، وفي ماء ما شربوا، وفي نساء ما نكحوا. ذكر بعضهم قال: إن هؤلاء الترك ممن سقط دون الردم من ولد يأجوج ومأجوج.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: يخرج ياجوج وماجوج يموجون في الأرض فيفسدون فيها. ثم قرأ عبدالله: {وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} [الأنبياء: 96] ثم يبعث عليهم دابة مثل النّغف، فتلج في أسماعهم ومناخرهم فيموتون منها. قال: فتنتن الأرض منهم، فتجأر إلى الله، فيرسل الله عليهم ماء فيطهر الأرض منهم. (2/480)
صفحة 1061
وذكروا عن كعب قال: إن ياجوج وماجوج ينقرون كل يوم بمناقرهم في السّدّ، فيسرعون فيه. فإذا أمسوا قالوا: نرجع غداً فنفرغ منه؛ فيصبحون وقد عاد كما كان. فإذا أراد الله خروجهم قذف على ألسن بعضهم الاستثناء، فيقولون نرجع غداً إن شاء الله فنفرغ منه، فيصبحون وهو كما تركوه فينقبونه، ويخرجون على الناس، فلا يأتون على شيء إلا أفسدوه. فيمر أولهم على البحيرة فيشربون ماءها، ويمر أوسطهم فيلحسون طينها، ويمر آخرهم عليها فيقولون: قد كان ها هنا مرة ماء، فيقهرون الناس، ويفر الناس منهم في البرّيّة والجبال، فيقولون: قهرنا أهل الأرض فهلمّوا إلى أهل السماء. فيرمون نشابهم نحو السماء فترجع تقطر دماً، فيقولون: قد فرغنا من أهل الأرض وأهل السماء، فيبعث الله عليهم أضعف خلقه: النغف: دودّة تأخذهم في رقابهم فتقتلهم حت تنتن الأرض من جيفهم، ويرسل الله الطير فتلقي جيفهم إلى البحر. ثم يرسل الله السماء فتطهر الأرض. وتخرج الأرض زهرتها وبركتها، ويتراجع الناس حتى إن الرمانة لتشبع أهل البيت. [وتكون سلوة من عيش. فبينما الناس كذلك إذ جاءهم خبر ان ذا السويقتين قد غزا البيت] فيبعث المسلمون جيشاً فلا يصلون إليهم، ولا يرجعون إلى أصحابهم، حتى يبعث الله ريحاً طيبة يمانية من تحت العرش، فتكفت روح كل مؤمن. ثم لا أجد مثل الساعة إلا كرجل أنتج مهراً له فهو ينتظر متى يركبه. فمن تكلّف من أمر الساعة ما وراء هذا فهو متكلِّف.
ذكروا أن عيسى عليه السلام يقتل الدجال [بباب لد أو عندها] فبينما هم كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عباداً لي لا ندين لاحد بقتالهم فحرّز عبادي في الطور. ويبعث الله ياجوج وماجوج، وهم كما قصّ {مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} [الأنبياء: 96]. فيمر أولهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: قد كان ها هنا ماء مرة.
فيسيرون حتى ينتهوا إلى الجبل الأحمر لا (2/481)
صفحة 1062
يعدونه. فيقول بعضهم لبعض: قد قتلنا من في الأرض [إلا من دان لنا] فهلمّوا فلنقتل من في السماء. فيرمون بسهامهم نحو السماء فيردها الله مخضوبة دماً. ويحصرون نبي الله عيسى وأصحابه. فبينما هم كذلك إذ رغبوا إلى الله، فأرسل الله عليهم نغفاً في رقابهم فيصبحون فرسي كموت نفس واحدة. فيهبط نبي الله عيسى وأصحابه فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم ودماؤهم. فيرغب عيسى ومن معه إلى الله فيرسل الله عليهم كأعناق البخت فتلقيهم في البحر.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَيُحَجَّنَّ البَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بعد خروج ياجوج وماجوج»
(2/ 334)
وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100)
قوله: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} يعني يوم يخرجون من السد.
قال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً} وقد فسّرنا الصور في غير هذا الموضع.
قوله: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً} أي: عرضها عليهم فأدخلوها خالدين.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ليس أحد من الخلق كان يعبد من دون الله شيئاً إلا وهو مرفوع له بنعته فيقال لليهود: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد عزيراً. فيقال لهم: هل يسرّكم الماء؟ فيقولون: نعم. فيرون جهنم وهي كهيئة السراب. ثم قرأ: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً} ثم يلقى النصارى، فيقال لهم: من تعبدون؟ فيقولون: المسيح. فيقال لهم: هل يسرّكم الماء؟ فيقولون: نعم، فيرون (2/482)
صفحة 1063
جهنم وهي كهيئة السراب، ثم كذلك بمن كان يعبد من دون الله شيئاً. ثم قرأ {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} [الصافّات: 24].
قوله: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي} أي: كانت على أعينهم غشاوة الكفر. كقوله: {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ} أي: غطاء الكفر {فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ} [سورة ق: 22] أي: أبصر حين لا ينفعه البصر. {وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً} أي: لا يسمعون الهدى بقلوبهم. وقال مجاهد: لا يعقلون.
قوله: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِيَ مِن دُونِي أوْلِيَاءَ} يعني من عبد الملائكة؛ أي أفحسبوا أن تتولاهم الملائكة على ذلك، أي: لا يتولونهم. وليس بهذا أمرتهم؛ إنما أمرتهم أن يعبدوني ولا يشركوا بي شيئاً. {إِنَّا أَعْتَدْنَا} أي: أعددنا {جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً}.
قوله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} وهم أهل الكتاب، ضَلَّ أوائلهم فاتَّبعهم أواخرهم على ضلالتهم، {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}.
قوله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً}. وهي مثل قوله: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون: 103] قال: {ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا ءَايَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً}.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلاً} ذكروا عن أبي هريرة قال: الفردوس جبل في الجنة تتفجر منه أنهار الجنة. {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} أي: مُتَحَوِّلاً في تفسير مجاهد.
قوله: {قُل لَّوْ كَانَ البَحْرُ مِدَاداً} أي: مداداً للقلم يستمد منه للكتاب {لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} أي: آخر (2/483)
صفحة 1064
مثله من باب المدد. وهي تقرأ على وجه آخر: {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} يُسْتَمَدُّ مِنْهُ لِلْقَلَمِ، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، أي: علمه الذي خلق الأشياء كلها.
(2/ 336)
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)
قوله: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} وذلك أن المشركين قالوا له: {مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} [الشعراء: 154] فقال الله له: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} ولكن يوحى إليّ، وأنتم لا يوحى إليكم. {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} وهو الله، لا إله إلا هو ولا معبود سواه. {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} أي: يخلص له العمل، فإنه لا يقبل إلا ما أُخلِص له.
ذكروا أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني أقف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يُرَى مكاني. فسكت النبي عليه السلام [ولم يردّ عنه شيئاً] فأنزل الله هذه الآية: {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}. (2/484)
صفحة 1065
[صفحة لم ترقن] (2/485)
صفحة 1066
[صفحة لم ترقن] (2/486)
صفحة 1067
فهرس الجزء الثاني
رقم السورة
رقم السورة ... اسمها ... صفحاتها
7 ... الأعراف ... 5
8 ... الأنفال ... 71 ... 110
9 ... التوبة ... 111
10 ... يونس ... 180
11 ... هود ... 212
12 ... يوسف ... 256
13 ... الرعد ... 292
14 ... إبراهيم ... 318
15 ... الحجر ... 339
16 ... النحل ... 359
17 ... بني إسرائيل الإسراء ... 397
18 ... الكهف ... 450
دار الغرب الإسلامي
بيروت – لبنان
لصاحبها: الحبيب اللمسي
شارع الصوراتي) المعماري (الحمراء- بناية الأسود
تلفون: 340131 – 340132 – ص. ب 5787 - 113 بيروت -لبنان (2/487)
صفحة 1068
دار الغرب الإسلامي
بيروت – لبنان
لصاحبها: الحبيب اللمسي
شارع الصوراتي) المعماري (الحمراء- بناية الأسود
تلفون: 340131 – 340132 – ص. ب 5787 - 113 بيروت -لبنان (2/488)
صفحة 1069
تفسير كتاب الله العزيز
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
للشيخ هود بن محكم الهواري
من علماء القرن الثالث الهجري
حققه وعلق عليه
بالحاج بن سعيد شريفي
الجزء الثالث
دار الغرب الإسلامي (3/1)
صفحة 1070
[صفحة بيضاء] (3/2)
صفحة 1071
تفسير كتاب الله العزيز
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
للشيخ هود بن محكم الهواري من علماء القرنالثالث الهجري
حققه وعلق عليه
بالحاج بن سعيد شريفي
الجزء الثالث (3/3)
صفحة 1072
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1990
دار الغرب الإسلامي
ص ب 5787 - 113
بيروت - لبنان (3/4)
صفحة 1073
تفسير سورة مريم
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {كهيعص} كان الكلبي يقول: كاف، هاد، عالم، صادق؛ ويقول كاف لخلقه، هاد لعباده، عالم بأمره، صادق في قوله. وكان الحسن يقول: لا أدري ما تفسيره، غير أن قوماً من أصحاب النبي عليه السلام كانوا يقولون: أسماء السور ومفاتيحها.
قال: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} يقول: ذكره لزكرياء رحمة من الله له. (3/5)
صفحة 1074
(2/ 338)
إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7)
{إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً} أي: دعاء لا رياء فيه، في تفسير الحسن. وقال قتادة: خفياً: سرّاً.
{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي} أي: ضعفت العظام مني، في تفسير قتادة. وقال الحسن: ضعف. قال يحيى: ضعف العظم مني: رقّ.
قال: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَم أَكُن بِدُعَائِكَ} أي: لم أكن بدعائي إياك {رَبِّ شَقِيّاً}. يقول: لم أزل بدعائك سعيداً لم تردده عليّ. وقال الكلبي: لم يكن دعائي مما يخيب عندك.
قوله: {وَإِنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ} أي الورثة من بعدي، يعني العصبة وهو تفسير السدي، الذين يرثون ماله. فأراد أن يكون من صلبه من يرث نبوّته في تفسير قتادة، ويرث ماله. وتفسير الحسن: يرث علمه ونبوّته.
سعيد قال قتادة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثة». وحدثنا المبارك بن فضالة والحسن بن دينار عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثة».
قوله: {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً} أي: لا تلد {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ} ملكَهم وسلطانَهم. كانت امرأة زكرياء من ولد يعقوب؛ ليس يعني يعقوب الأكبر، إنما يعني يعقوب دونه. {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً}. (3/6)
صفحة 1075
فأوحى الله إليه: {يَازَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى} أي: أحياه الله بالإِيمان.
قوله: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} أي: لم نسمّ به أحداً قبله يحيى. وقال ابن عباس: لم تلد العواقر مثله، يقول: سمياً يساميه، [أي] نظيراً له في ذلك.
(2/ 339)
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)
قوله: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} أي: من أيْنَ يكون لي غلام {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً} لا تلد {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً}. قال الحسن: أراد زكرياء أن يعلم كيف ذلك.
قوله: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيّاً} قال مجاهد: قحول العظم. وقال الكلبي: العتي: اليبس وهي في قراءة عبد الله بن مسعود: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيّاً}. قال بعضهم: يبس جلدي على عظمي. وقال بعضهم: {عِتِيّاً}، أي غاية ومنتهى.
{قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} الله يقوله. وهو كلام موصول؛ أخبره المَلَك عن الله أني أعطيك هذا الولد. {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}.
{قَالَ} زكرياء {رَبِّ اجْعَل لِّي ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً} أي صحيحاً. أي لا يمنعك من الكلام مَرَض.
قال بعضهم: إنما عوقب لأنه سأل الآية بعدما شافهته الملائكة مشافهة، فبشّرته بيحيى عليه السلام، فأُخِذَ عليه لسانه فجعل لا يفيض الكلام، أي لا يبين الكلام إلا (3/7)
صفحة 1076
ما أومأ إيماء، وهو قوله تعالى: {ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا} [آل عمران: 41].
(2/ 340)
فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)
قوله: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرَابِ} قال الحسن: من المسجد {فَأَوْحَى إِلَيْهِمُ} أي: أومأ إليهم. وقال مجاهد: أشار إليهم {أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} قال الحسن: أي: صلوا لله بالغداة والعشي.
قوله: {يَايَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ} أي: بجدّ. {وَءَاتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيّاً} أي: الفهم والعقل. وبلغنا أنه كان في صغره يقول له الصبيان: يا يحيى تعال نلعب؛ فيقول: ليس للعب خُلِقنا.
قوله: {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا}. قال مجاهد: تعطُّفاً عليه من ربه. وقال الحسن وقتادة: الحنان الرحمة، وهو واحد.
قوله: {وَزَكاةً}. قال: الزكاة العمل الصالح. وهو قوله في سورة طَهَ: 76: {خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّى} وقال الحسن: زكاة لمن قُبِل عنه حتى يكونوا أزكياء. وقال الكلبي: الزكاة الصدقة.
قوله: {وَكَانَ تَقِيّاً} ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من آدمي إلا قد عمل خطيئة أو همّ بها غير يحيى بن زكرياء».
قوله: {وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ} [يعني مطيعاً لوالديه] {وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً} أي مستكبراً عن عبادة الله وطاعته.
{وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً} ذكر الحسن أن يحيى وعيسى التقيا فقال له عيسى: استغفر لي، أنت خير مني، فقال له يحيى: استغفر (3/8)
صفحة 1077
لي، أنت خير مني. فقال له عيسى: أنت خير منّي: سلّمتُ على نفسي، وسلّم الله عليك. قال الحسن: عرف واللهِ فضلَه. وإنما يعني بقوله: سلّم الله عليك قوله تعالى في يحيى: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً}. وقال عيسى: {إِنِّي عَبْدُ اللهِ ءَاتَانِي الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ. . .} إلى قوله: {وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} [مريم: 33].
(2/ 341)
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)
قوله: {وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ} يقول للنبي عليه السلام: اقرأ عليهم أمر مريم {إِذِ انْتَبَذَتْ} يعني إذ انفردت {مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا} يعني جبريل {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} أي سوي الخلق. أرسل إليها جبريل في صورة آدمي.
وقال الكلبي: كان زكرياء كفل مريم، وكانت أختها تحته. وكانت تكون في المحراب. فلما أدركت كانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله، إلى أختها. فإذا طهرت رجعت إلى المحراب. فطهرت مرة، فلما فرغت من غسلها قعدت في مشرقة في ناحية الدار وعلّقت عليها ثوباً سترة. فجاء جبريل إليها في ذلك الموضع. فلما رأته {قَالَتْ} له: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً} أي: إن كنت لله تقياً فاجتنبني. {قَالَ} يعني جبريل قال: {إِنَّمَآ أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً} أي: صالحاً. (3/9)
صفحة 1078
(2/ 342)
قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23)
{قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} أي من أين يكون لي غلام. وقال بعضهم: كيف يكون لي غلام {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} أي: ولم أك زانية. {قَالَ: كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أن أخلقه {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا} أي: لمن قبل دينه. قال: {وَكَانَ أَمْرَاً مَقْضِيّاً} أي: كائناً. [قال بعضهم: يعني كان عيسى أمراً من الله مكتوباً في اللوح المحفوظ أنه يكون. فأخذ جبريل جيبها بأصبعه فنفخ فيه فسار إلى بطنها فحملت.
قال تعالى: {فَحَمَلَتْهُ} قال الحسن: تسعة أشهر في بطنها. وقال بعضهم في قوله: {فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً} أي: سترة من الأرض بينها وبينهم. {فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً} أي منتحياً. أي: انفردت به مكاناً شاسعاً منتحياً.
{فَأَجَآءَهَا المَخَاضُ} قال مجاهد: فألجأها المخاض {إِلى جِذْعِ النَّخلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} قال الحسن: مما خشيت من الفضيحة. {وَكُنْتُ نِسْياً} لا أذكر {مَّنْسِيّاً} أي: لم أذكر.
وقال بعضهم: شيئاً لا يعرف ولا يذكر. وذكر بعضهم فقال: حيضة نسيتها. وقال بعضهم: المرأة النسوء. وقال الكلبي: {نِسْياً مَّنْسِيّاً} قال القوم ينزلون المنزل (3/10)
صفحة 1079
ثم يرحلون فينسون الشيء، فيسمّى ذلك الشيء النسيَ.
(2/ 343)
فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)
قوله: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَآ} أي: الملَك، يعني جبريل. وقوله: تحتها، أي تحتها من الأرض. وقال بعضهم: {فَنَادَاهَا مَن تَحْتَهَآ} يعني عيسى. {أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً}.
ذكروا عن البراء بن عازب قال: هو الجدول. وقال بعضهم: السري هو الجدول، وهو النهر [الصغير]، وهو بالسريانية: سري.
قوله تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} وهي تقرأ: تَساقط ويُساقط. فمن قرأها يساقط يقول: يساقط عليك الجذع. وكان جذع النخلة يابساً وكان آية. ومن قرأها تساقط بالتاء فهو يقول: تساقط عليك النخلة رطباً جنياً. [أي حين اجتني].
قوله: {فَكُلِي} أي من الرطب {وَاشْرَبِي} أي من الجدول {وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً} قال بعضهم: كانت تقرأ في الحرف الأول: صمتاً. وذكروا عن أنس بن مالك أنه كان يقرأها صوماً صمتاً.
{فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنْسِيّاً} قال بعضهم: بلغني أنه أذن لها في هذا الكلام. (3/11)
صفحة 1080
وقال بعضهم: إنما كانت آية جعلها الله لها يومئذ. وإن شئت رأيت امرأة سفيهة تقول: أصوم صوم مريم ولا تتكلم في صومها.
(2/ 344)
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)
قوله تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} أي أتيت شيئاً عظيماً.
{يَآأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ} أي: رجل سوء، يعني ما كان أبوك زانياً. {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} أي: ما كانت أمك زانية.
قال بعضهم: ليس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر كان يسمى هارون الصالح المحبّب في عشيرته. ذكر لنا أنه اتبع جنازته يوم مات أربعون ألفاً كلهم يسمى هرون من بني إسرائيل. أي: فقالوا لها: يا شبيهة هرون في عبادته وفضله ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً.
قوله: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} أي: بيدها. قال بعضهم: أي أمرتهم بكلامه. {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ} أي من هو {فِي المَهْدِ صَبِيّاً}. قال بعضهم: المهد هو الحجر.
{قَالَ} عيسى {إنِّي عَبْدُ اللهَ ءَاتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ}. قال بعضهم: جعلني معلماً ومؤدباً.
ولا أحد أيمن ولا أعظم بركة من المعلم المؤدب، الفقيه العالم؛ يعلّم الناس (3/12)
صفحة 1081
الحكمة ويؤدّبهم عليها، ويفقههم فيها. فمقامه مقام الأنبياء، وحقّه حق الأصفياء، وما يفضلهم الأنبياء إلا بالرسالة.
{وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرَّاً بِوَالِدَتِي} أي: وجعلني بَراً بوالدتي. {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً} أي: مستكبراً عن عبادة الله، ولم يجعلني {شَقِيّاً وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً}. ولم يتكلم بعد ذلك بشيء حتى بلغ مبلغ الرجال.
(2/ 345)
ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36)
قال الله تعالى: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ} قال الحسن: الحق هو الله؛ وهو قوله: {قَوْلُهُ الحَقُّ} [الأنعام: 73] {الذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ}.
قال بعضهم: امترت فيه اليهود والنصارى؛ أما اليهود فزعموا أنه ساحر كذاب، وأما النصارى فزعموا أنه ابن الله، وثالث ثلاثة، وإله.
قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَّلَدٍ سُبْحَانَهُ} ينزه نفسه عما يقولون. {إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. [يعني عيسى، كان في علمه أن يكون من غير أب].
قوله: {وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} هذا قول عيسى لهم (3/13)
صفحة 1082
ذكر جماعة من العلماء في عيسى بن مريم أن مريم لم تلد من فرجها، وإنما كان خروجه من الخاصرة. وبعضهم يقول: من تحت إبطها، والله أعلم.
(2/ 346)
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38)
قوله: {فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.
قال بعضهم: ذكر لنا أن عيسى لما رُفع انتخبت بنو إسرائيل أربعة من فقهائهم فقالوا للأول: ما تقول في عيسى؟ قال: هو الله، هبط إلى الأرض فخلق ما خلق، وأحيى ما أحيى، ثم صعد إلى السماء. فتابعه على ذلك أناس من الناس. فكانت اليعقوبية من النصارى. فقال الثلاثة الآخرون: نشهد أنك كاذب. فقالوا للثاني: ما تقول في عيسى؟ قال: هو ابن الله. فتابعه على ذلك أناس من الناس، فكانت النسطورية من النصارى. فقال الاثنان: نشهد أنك كاذب. فقالوا للثالث: ما تقول في عيسى؟ فقال: هو إله، وأمه إله، والله إله. فتابعه أناس من الناس، فكانت الإسرائيلية من النصارى. فقال الرابع: أشهد أنك كاذب، أشهد أنك كاذب، ولكنه عبد الله ورسوله، من كلمة الله وروحه. فاختصم القوم؛ فقال المسلم: أناشدكم الله، هل تعلمون أن عيسى كان يأكل الطعام وأن الله لا يطعم الطعام؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال: هل تعلمون أن عيسى كان ينام، وأن الله لا ينام؟ قالوا: اللهم نعم، فخصمهم المسلم، فاقتتل القوم. فذكر لنا أن اليعقوبية ظهرت يومئذ وأصيب المسلمون، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الذِينَ يَأمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21]. قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.
قوله: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأتُونَنَا} أي يوم القيامة، أي: ما أسمعهم يومئذ وما أبصرهم! أي: سمعوا حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم (3/14)
صفحة 1083
البصر. قال تعالى: {لَكِنِ الظَّالِمُونَ} يعني المشركين والمنافقين {الْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}.
(2/ 347)
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39)
قوله: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ}. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه ذكر حديثاً في البعث فقال: فليس من نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار، فيقال لصاحب النار: هذا منزلك لو أطعت الله، فتأخذه الحسرة. ويقال لصاحب الجنة: هذا منزلك، لولا أن الله منّ عليك؛ فهو قوله: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ}.
وذكروا عن بعض أصحاب النبي عليه السلام أنه قال: يجاء بالموت في صورة كبش أملح أبلق - وهو الذي يخالط بياضَه شيءٌ من سواد - حتى يجعل على سور بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة ويا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ هذا الموت. فيقولون: نعم، فيذبح على السور وهم ينظرون. ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. فهو قوله عز وجل: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ}.
ذكروا عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار ينادي مناد: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، وكل خالد فيما هو فيه» (3/15)
صفحة 1084
(2/ 348)
قوله: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} أي في الدنيا. وهذا كلام مستقبل {وَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} يعني المشركين.
قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} أي: نهلك الأرض ومن عليها {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} أي يوم البعث.
قوله عز وجل: {وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِبْراهِيمَ} أي: اذكر لأهل مكة أمر إبراهيم واقرأه عليهم. {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِّياً إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَآ أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً} يعني الأصنام.
{يَآأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءنِي مِنَ العِلْمِ مَا لَمْ يَأتِكَ} يعني النبوّة. {فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيّاً} أي: عدلاً، وهو الإِسلام، أي: طريقاً مستقيماً إلى الجنة.
{يَآأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيّاً} أي: إن عبادة الوثن عبادة الشيطان، لأن الوثن لم يدعه إلى عبادة نفسه، ولكن الشيطان دعاء إلى عبادته. كقوله: {إِن يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلآ إِنَاثاً} إلا أمواتاً، شيئاً ليس فيه روح، {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيدًا} [النساء: 117].
قوله: {يَآأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً} أي: إذا نزل بك العذاب لم تقبل توبتك، وما لم ينزل بك العذاب فتوبتك مقبولة إن تبت. وقد كان إبراهيم يرجو أن يتوب أبوه. فلما مات على الكفر ذهب ذلك الرجاء.
قوله: {قَالَ: أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ ءَالهَتِي يَآإِبْراهِيمُ} أن تعبدها. {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ} أي: عن شتمها وذمها {لأَرْجُمَنَّكَ} أي بالحجارة فأقتلنك بها {وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً} أي واهجرني سالماً. قال مجاهد: واهجرني حيناً. وقال الحسن: واهجرني طويلاً، أي: أطل هجراني {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ}. قال الحسن: وهذه كلمة حِلم. {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} أي: بدعائي فلا يرده عليّ. وفي تفسير الكلبي: إنه كان بي (3/16)
صفحة 1085
رحيماً. وقال بعضهم: كان بي لطيفاً. وقال بعضهم: الحفي: ذو المنزلة. وأما قوله: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} فهو كقوله: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ} [التوبة: 114].
(2/ 349)
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54)
قوله: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} يعني أصنامهم {وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً} أي: عسى أن أسعد به.
قوله عز وجل: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاً جَعَلْنَا نَبِيّاً} أي إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
{وَوَهَبْنَا لَهُم مِّنْ رَّحْمَتِنَا} أي: النبوة {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} أي: سنة يَقتدي بها من بعدهم، ويثني عليهم من بعدهم. كقوله عز وجل: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الأَخَرِينَ} [الشعراء: 84] أي: الثناء الحسن، وهو قوله: {وَءَاتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا} [العنكبوت: 27] أي: أبقينا عليه الثناء الحسن في الآخرين.
قوله: {وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مُوسَى} [يقول اذْكُرْ لأَهْلِ مَكَّةَ أَمْرَ مُوسَى]، أي: اقرأه عليهم. {إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ} أي: أيمن الجبل، وهو كقوله: {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} [سورة طه: 11 - 12] قوله: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} أي: حين كلّمه الله. {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً} أي: جعله الله وزيراً وأشركه معه في الرسالة.
قوله عز وجل: {وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ} أي: اقرأ عليهم أمر إسماعيل ابن إبراهيم {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدَ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} ذكروا أن إسماعيل وعد رجلاً موعداً فجار الموعد فلم يجد الرجل، فأقام في ذلك الموضع حولاً ينتظره. (3/17)
صفحة 1086
(2/ 350)
وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)
قوله: {وَكَانَ يَأمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ} وأهله قومه. {وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} أي: قد رضي عنه.
قوله: {وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}، قال بعضهم: في السماء الرابعة. ذكروا عن مجاهد أنه قال: لم يمت، رفع كما رفع موسى.
قوله عز وجل: {أَولَئِكَ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّيْنَ} أي: أنعم الله عليهم بالنبوة، يعني من ذكر منهم من أول السورة إلى هذا الموضع. {مِنْ ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} أي: ذرّيّة من كان في السفينة مع نوح. كان إدريس من ولد آدم قبل نوح، وكان إبراهيم من ذرية نوح.
قال عز وجل: {وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ} وهو يعقوب، وهو من ذرية إبراهيم. وقد ذكر فيها من كان من ولد يعقوب. قال عز وجل: {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا} للإِيمان {وَاجْتَبَيْنَآ} بالنبوة. وتفسير اجتبينا: اخترنا، وهو أيضاً اصطفينا. {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً}.
قوله: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خلْفٌ} يعني اليهود {أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} وقال في سورة النساء: {وَيُرِيدُ الذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً} [النساء: 27] أي: تخطئوا خطأً كبيراً، يعني اليهود في نكاح بنات الأخ. وقال بعضهم: يعني المنافقين، أهل التضييع للصلاة. (3/18)
صفحة 1087
قال عز وجل: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً}. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: هو واد في جهنم بعيد القعر، خبيث الطعم.
(2/ 351)
إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62)
قوله: {إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} أي: ولا ينقصون من حسناتهم شيئاً.
قال عز وجل: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} ذكروا عن ابن عباس قال: عدن بطنان الجنة، وبلغنا أن الجنان تنسب إليها، وقال الحسن: عدن اسم من أسماء الجنة.
قوله: {التِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبَادَهُ بِالغَيْبِ} أي: وعدهم في الدنيا الجنةَ في الآخرة، والغيب: الآخرة في قول الحسن. وقال بعضهم في قوله عز وجل: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] أي: بالبعث وبالحساب. وبالجنة وبالنار. وهذا كله غيب.
وقال عز وجل: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأتِيّاً} أي جائياً.
قوله: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا} أي في الجنة {لَغْواً} قال بعضهم: كذباً. وقال بعضهم: باطلاً، وقال بعضهم: معصية، وهو نحو واحد. وقال بعضهم: حَلِفاً، أي: إذا شربوا الخمر، كما يحلف أهل الدنيا إذا شربوا.
قوله عز وجل: {إِلاَّ سَلاَماً} أي إلا خيراً. وقال بعضهم: يسلم بعضهم على بعض.
قوله عز وجل: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} قال بعضهم: ولهم رزقهم فيها كل ساعة، والبكرة والعشي ساعتان من الساعات، وليس ثمَّ ليل، وإنما هو ضوء ونور. (3/19)
صفحة 1088
قال بعضهم: بلغنا أنه يعني ساعتي الغداء والعشاء، وليس ثمّ بكرة ولا عشية، قال: وبلغنا أنه إذا مضى ثلاث ساعات أتوا بغدائهم، وإذا انقضت ثلاث ساعات أتوا بعشائهم. ومقدار النهار اثنتا عشرة ساعة في عدد نهار الدنيا.
ذكروا عن سعيد بن المسيّب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجنة بيضاء تتلألأ، وأهلها بيض، لا ينام أهلها، وليس فيها شمس ولا قمر، ولا ليل يظلم ولا حر ولا برد يؤذيهم».
ذكر الحسن قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة آخرهم دخولاً، فيقال له: انظر ما أعطاك الله. فيفسح له في بصره، فينظر إلى مسيرة مائة سنة كله له. ليس فيه موضع شبر إلا وهو عامر قصور الذهب والفضة وخيام اللؤلؤ والياقوت. فيها أزواجه وخدمه، يغدى عليه كل يوم بسبعين ألف صحفة من ذهب، ويراح عليه بمثلها، في كل واحدة منها لون ليس في الأخرى؛ يأكل من آخرها كما يأكل من أولها، لو نزل به الجن والإنس في غداء واحد، أو قال: في غداة واحدة، لأوسعهم، ولا ينقص ذلك مما عنده شيئاً.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده أسفل أهل الجنة منزلة الذي يسعى بين يديه سبعون ألف غلام، ما منهم غلام إلا وبيده صحفة من ذهب فيها لون من الطعام ليس في صاحبتها مثله، يجد طعم أولها كله وآخرها ويجد لذة آخرها كطعم أولها لا يشبه بعضها بعضاً. ثم قال: ألا تسألوني عن أرفع أهل الجنة درجة؟ قالوا: بلى. قال: والذي نفسي بيده إن أرفع أهل الجنة درجة للذي يسعى عليه مائة ألف غلام، ما منهم غلام إلا وبيده صحفة من ذهب فيها لون من الطعام ليس في صاحبتها مثله، ويجد طعم أولها كما يجد طعم آخرها، لا يشبه بعضها بعضاً. وإن أدنى أهل الجنة منزلة للذي له مسيرة ألف سنة، ينظر إلى أقصاها كما ينظر إلى (3/20)
صفحة 1089
أدناها، وقصوره درة بيضاء وياقوتة حمراء، مطردة فيها أنهارها، وفيها ثمارها متدلية».
(2/ 352)
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)
قوله تعالى: {تِلْكَ الجَنَّةُ} أي التي وصف {التِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً}. ذكر بعضهم قال: إن الله تبارك وتعالى قال: ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم.
قوله: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} قال بعضهم: هذا قول جبريل عليه السلام. احتبس عن النبي عليه السلام في بعض الوحي، فقال نبي الله عليه السلام: «ما جئت حتى اشتقت إليك» فقال جبريل: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ}.
{لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} من أمر الآخرة. {وَمَا خَلْفَنَا} أي من أمر الدنيا، أي: إذا كنا في الآخرة {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} من أمر الدنيا والآخرة. وقال الكلبي: هو البرزخ، يعني ما بين النفختين. قوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} ولكن الأمر إليه ليس إلينا.
{رَبُّ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} قال الحسن: أي: لما فرض عليك. قوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} أي: هل تعلم له عدلاً، أي من قبل المساماة.
ذكروا عن الحسن قال: الله والرحمن اسمان ممنوعان لم يستطع أحد من (3/21)
صفحة 1090
الخلق أن ينتحلها. وقوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} على الاستفهام أي: إنك لا تعلمه. أي: لا سمي يخلق كخلقه، ويرزق كرزقه. وهو من باب المساماة.
(2/ 353)
وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69)
قوله: {وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} هذا المشرك يكذب بالبعث. وقد ذكروا أنه قول أُبَيّ بن خلف للنبي عليه السلام حيث جاءه بعظم نخر ففتّه بيده ثم قال: يا محمد، أيحيي الله هذه؟ وتفسيره في سورة يس.
قال تعالى: {أَوَلاَ يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} أي: فالذي خلقه ولم يكن شيئاً قادر على أن يبعثه يوم القيامة. ثم أقسم بنفسه فقال:
{فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} يعني المشركين {وَالشَّيَاطِينَ} الذين دعتهم إلى عبادة الأوثان. {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً} أي على ركبهم. وهذا قبل دخولهم النار. وقال بعضهم: جثياً، أي: جماعة جماعة. وقال الكلبي: جميعاً، كل أمة على حدتها.
قوله: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ} أي: من كل أمة. قال الحسن: يعني كفارها. {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيّاً} أي: كفراً. وقال الحسن: شدة في المساءة. وقال الكلبي: أشد معصية.
ذكر بعضهم قال: إذا كان يوم القيامة قال الجبار: {لِّمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ} فلا يجيبه أحد، فيرد على نفسه: {لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ اليَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ} [غافر: 16 - 17]. ثم أتت عنق من النار تسمع وتبصر وتتكلم حتى إذا أشرفت على رؤوس الخلائق، نادت بصوتها: ألا إني قد وكلت بثلاثة، ألا إني قد وكلت بثلاثة: بمن ادعى مع الله إلهاً آخر، أو قال: بمن جعل مع الله إلهاً آخر، وبمن ادعى لله ولداً، وبمن زعم أنه العزيز الحكيم. ثم (3/22)
صفحة 1091
صوبت رأسها وسط الخلائق فالتقطتهم كما يلتقط الحمام حب السمسم، ثم غاصت بهم فألقتهم في النار.
ثم عادت حتى إذا كانت مكانها نادت: إني قد وكلت بثلاثة، إني قد وكلت بثلاثة: بمن سبّ الله، وبمن كذب على الله، وبمن آذى الله. فأما الذي سبّ الله فالذي زعم أن الله اتّخذ صاحبة وولداً، وهو أحد صمد {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإِخلاص: 3 - 4]. وأما الذي كذب على الله فهم الذين قالوا: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} [النحل: 38، 39]. وأما الذي آذى الله فالذي يصنع الصورة. فتلتقطهم كما يلتقط الطير الحب، حتى تغيض بهم في جهنم.
وقال بعضهم: تندلق عنق من النار فتقول: أمرت بثلاثة: بالذين كَذَّبوا الله، وبالذين كَذَبُوا على الله، وبالذين آذوا الله. فأما الذين كذّبوا الله فالذين كذبوا رسله وكتبه، وأما الذين كَذَبوا على الله فالذين زعموا أن له ولداً، وأما الذين آذوا الله فالمصوّرون.
(2/ 354)
ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71)
قوله: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالذِينَ هُمُ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً}، يعني الذين يصلونها. وقال بعضهم: أشد عذاباً.
قوله: {وَإِن مِّنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} يعني قسماً كائناً.
ذكروا عن ابن مسعود أنه قال في تفسيرها: الصراط على جهنم مثل حد (3/23)
صفحة 1092
السيف، والملائكة معهم كلاليب من حديد، كلما وقع رجل منهم اختطفوه. قال: فيمر الصنف الأول كالبرق، والثاني كالريح، والثالث كأجود الخيل، والرابع كأجود البهائم. والملائكة يقولون: اللهم سلّم سلّم.
ذكر مجاهد عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية وعنده نافع بن الأزرق وإياس ابن مضرّب فقال نافع بن الأزرق: أما الكفار فيردونها، وأما المؤمنون فلا يردونها. فقال ابن عباس: أما أنا وإياس فإنا سنردها وانظر هل نخرج منها أو لا.
ذكروا عن الحسن أنه قال: {وَإن مِّنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} أي إلا داخلها، فيجعلها الله برداً وسلاماً على المؤمنين، كما جعلها على إبراهيم.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل النار من شهد بدراً والحديبية؛» فقالت حفصة: بلى. فانتهرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: أليس يقول الله: (وإن مِّنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) فقال النبي عليه السلام: أوليس قد قال: {ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَوْا}.
ذكر بعضهم قال: يضرب الصراط على جهنم كحدِّ السيف، دحض مزلّة (3/24)
صفحة 1093
، فيمرون عليه كالبرق وكالريح، وكانقضاض الطير، وكجواد الخيل، وكجواد الرجال والملائكة [بجنبي الصراط معهم خطاطيف] كشوك السعدان، فناج سالم، ومخدوش ناج، ومكدوس في النار، والملائكة يقولون: ربّ سلّم سلّم.
ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: يضرب الصراط على جهنم، فيمر الناس على قدر أعمالهم: أولهم كلمع البرق، وكمر الريح، وكمر الطير، ثم كأسرع البهائم، ثم يمر الرجل سعياً، ثم يمر الرجل مشياً، وتزل قدم وتستمسك أخرى. قال عبد الله بن مسعود: حتى يكون آخرهم رجل يتلبّط على بطنه فيقول: يا رب، لم أبطأت بي، فيقول: لم أبطئ بك، وإنما أبطأ بك عملك. وقال بعضهم: بلغنا أن الصراط ثلاث عواقب.
(2/ 355)
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74)
قوله: {ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَوْا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} أي: جاثين على ركبهم. وقال بعضهم: جماعة جماعة.
قوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الذِينَ كَفَرُوا لِلذِينَ ءَامَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ} نحن وأنتم {خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} المقام: المسكن، والندي: المجمع. وقال بعضهم: الندي: المجلس.
وقال مجاهد: يقوله المشركون، مشركو قريش لهؤلاء، أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: رأوا أصحاب نبي الله في عيشهم خشونة.
قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمُ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً}. أي أحسن (3/25)
صفحة 1094
منهم. والأثاث: المال؛ وقال بعضهم: المتاع. {وَرِءْياً}: من قرأها مهموزة فيقول: منظراً. وقال بعضهم: {أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرُءْياً} أي: أحسن أثاثاً وأحسن مرأًى ومنظراً. {وَرِئْيّاً} وصوراً. ومن قرأها بغير همزة فيقول: {وَرِيّاً} من قبل الرواء؛ وإنما يعيش الناس بالمطر، به تنبت زروعهم وتعيش ماشيتهم.
(2/ 356)
قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)
قوله: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ} أي: هذا الذي يموت على ضلالته {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدّاً} [هذا دعاء] أي: مدّ له الرحمن مداً. أمر الله النبي عليه السلام أن يدعو بهذا. وقال مجاهد: فيدعه الرحمن في طغيانه.
قال تعالى: {حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ} في الدنيا قبل عذاب الآخرة {وَإِمَّا السَّاعَةَ} وإما عذابه في الآخرة، وهو العذاب الأكبر. ولم يبعث الله نبياً إلا وهو يحذر أمته عذاب الله في الدنيا وعذابه في الآخرة إن لم يؤمنوا. قال تعالى: {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرُّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً} أي: في النصرة والمنعة. أي: ليس لهم أحد يمنعهم من عذاب الله.
قوله تعالى: {وَيَزِيدُ اللهُ الذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً} أي: إيماناً {وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} قال الحسن: الفرائض.
وقال ابن عباس: الصلوات الخمس وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وقال علي بن أبي طالب: الباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوماً: «خذوا جُنَّتكم [قالوا: يا رسول الله، أمن عدوّ حضر؟ قال: خذوا جنتكم] من النار. قالوا: يا رسول الله، وما (3/26)
صفحة 1095
جُنّتنا؟ قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدِّمات ومجنِّبات ومعقِّبات وهن الباقيات الصالحات».
قوله تعالى: {خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً} أي: أجراً في الآخرة {وَخَيْرٌ مَّرَدّاً} أي: خير عاقبة من أعمال الكفار.
(2/ 357)
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78)
قوله تعالى: {أَفَرَأيْتَ الذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} أي: في الآخرة. قال الله تعالى: {أَطَّلَعَ الغَيْبَ} على الاستفهام، فعلم ما فيه؟. أي: لم يطلع على الغيب. قال تعالى: {أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً} أي: لم يفعل. وسنفسّره في آخر هذه الآية.
ذكروا عن مسروق، عن خبّاب بن الأرتّ قال: كنت قيناً في الجاهلية، فعملت للعاص بن وائل، حتى اجتمعت لي عنده دراهم فأتيته أتقاضاه. فقال: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث؟ قلت: نعم. قال فسيكون لي ثَمَّ مال وولد فأقضيك. فأتيت النبي عليه السلام، فأخبرته، فأنزل الله هذه الآية. . . إلى قوله: {وَيَأتِينَا فَرْداً}.
وقال بعضهم: ذكر لنا أن رجلاً من أصحاب النبي عليه السلام أتى رجلاً من المشركين يتقاضاه ديناً له، فقال: أليس يزعم صاحبكم أن في الجنة حريراً وذهباً؟ قال: بلى. قال: فميعادكم الجنة، فوالله لا أؤمن بكتابكم الذي جئتم به، ولأوتين مالاً وولداً. قال الله عز وجل: {أَطَّلَعَ الغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمنِ عَهْداً}.
ذكروا عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خمس صلوات كتبهن الله على عباده، من جاء بهن تامات فإن له عند الله عهداً أن يدخله الجنة، ومن (3/27)
صفحة 1096
لم يأت بهن تامات فليس له عند الله عهد، إن تاب غفر له، وإن لم يتب عذبه.
وقال بعضهم: {أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمنِ عَهْداً}: بعمل صالح.
(2/ 358)
كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)
قوله عز وجل: {كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدّاً} هو كقوله عز وجل: {فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُم إِلاَّ عَذَاباً} [النبأ: 30].
قوله عز وجل: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأتِينَا فَرْداً} قال مجاهد: نرثه ماله وولده، وهو العاص بن وائل.
قوله عز وجل: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً} كقوله: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِّعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [سورة يس: 74]. وإنما يرجون منفعة أوثانهم في الدنيا، لا يقرون بالآخرة.
قال الله: {كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ} أي: في الآخرة {بِعِبَادَتِهِمْ} في الدنيا {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} أي: في النار. وقال بعضهم: قرناء يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض. وبلغنا أنه يقرن هو وشيطانه في سلسلة واحدة.
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} أي: تزعجهم إزعاجاً في معاصي الله.
قوله عز وجل: {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ} وهذا وعيد {إنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} أي: الأنفاس، يعني الأجل. ذكروا عن سعيد بن جبير قال: أجل العبد مكتوب في أول الصحيفة، ثم يكتب أسفل من ذلك: مضى يوم كذا، ومضى يوم كذا حتى يأتي على أجله. (3/28)
صفحة 1097
(2/ 359)
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)
قوله عز وجل: {يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً} أي: على الإِبل.
ذكروا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: {يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً} يا رسول الله، هل يكون الوفد إلا الرَّكْبُ. فقال: «والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة، ولها رحائل الذهب، كل خطوة منها مدّ البصر».
قوله عز وجل: {وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً} أي: عطاشاً. قال الحسن: والله عطاشاً. وقال بعضهم: يساقون إليها وهم ظِماء، وقد تقطعت أعناقهم من العطش.
قوله عز وجل: {لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً} وقد فسّرنا العهد في الآية الأولى.
قوله عز وجل: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُم شَيْئاً إِدّاً} قال مجاهد: شيئاً عظيماً.
{تَكَادُ السَّمَاواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً} أي: بأن دعوا للرحمن ولداً. ذكروا أن كعباً قال: غضبت الملائكة، وأسعرت جهنم حين قالوا ما قالوا. (3/29)
صفحة 1098
(2/ 360)
وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)
قال عز وجل: {وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِنْ كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلآ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً}. ثم قال عز وجل: {لَّقَد أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْداً}، كقوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 94].
قوله عز وجل: {إِنَّ الّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدّاً} أي: في قلوب المؤمنين.
ذكروا أن كعباً كان يقول: إنما تأتي المحبة من السماء. إن الله إذا أحب عبداً قذف حبّه في قلوب الملائكة، وقذفته الملائكة في قلوب الناس. وإذا أبغض عبداً فمثل ذلك، لا يملكه بعضهم لبعض.
ذكروا عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليلتمس مرضاة الله فلا يزال كذلك، فيقول الله لجبريل: إن عبدي فلاناً يلتمس أن يرضيني، وإن رحمتي عليه. قال: فيقول جبريل: رحمة الله على فلان، وتقوله حملة العرش، ويقوله الذين حولهم، حتى يقوله أهل السماوات السبع، ثم يهبط به إلى الأرض». قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «وهي الآية التي أنزل الله عليكم: {إِنَّ الَّذِينَ ْءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدّاً}. وإن العبد ليلتمس سخط الله، فلا يزال كذلك فيقول الله عز وجل: إن عبدي فلاناً يلتمس أن يسخطني، وإن غضبي عليه، فيقول جبريل: غضب الله على فلان، وتقوله حملة العرش، ويقوله الذين حولهم، ويقوله أهل السماوات السبع حتى يهبط به إلى الأرض».
ذكر بعضهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فيقول: إني أحب فلاناً فأحبه. قال: فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحِبُّوه. قال: ثم يوضع له القبول في الأرض»، يقول: المودة (3/30)
صفحة 1099
قوله عز وجل: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} أي: بلسان محمد عليه السلام. قال الحسن: لولا أن الله يسّره بلسان محمد عليه السلام ما كانوا ليعرفوه ولا ليفقهوه.
قوله عز وجل: {لِتُبَشِّرَ بِهِ} أي بالقرآن {المُتَّقِينَ} أي يبشرهم بالجنة {وَتُنْذِرَ بِهِ} أي بالقرآن النار {قَوْماً لُّدّاً} أي جُدُلاً بالباطل وذوي لَدَد وخصومة.
وقال مجاهد: (قَوْماً لُّدّاً) أي: لا يستقيمون.
قوله عز وجل: {وَكَمْ أهْلَكْنَا قَبْلَهُم} أي: قبل قومك يا محمد {مِّنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً}. أي: صوتاً. وهو على الاستفهام. أي: إنك لا ترى منهم أحداً ولا تسمع منهم صوتاً. (3/31)
صفحة 1100
(2/ 361)
طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2)
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {طه} قال الحسن: طه. أي: يا رجل، وهي بالنبطية. ثم قال: ايطه، ايطه.
قوله عز وجل: {مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَى} قال مجاهد: (لِتَشْقَى) أي: في الصلاة؛ وهو قوله عز وجل: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20]. وكانوا يعلّقون الحبال بصدورهم في الصلاة.
وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى حبلاً ممدوداً بين ساريتين في المسجد فقال: «ما هذا؟» فقالوا: فلانة ابنة فلان تصلي، فإذا غلبت تعلقت به. فقال: «لِتُصلِّ ما نشطت، أو عقلت، فإذا غلبت فلتنم». (3/32)
صفحة 1101
وكان الحسن يقول: إن المشركين قالوا للنبي عليه السلام إنه شقى بهذا القرآن فأنزل الله هذه الآية.
(2/ 362)
إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)
قوله عز وجل {إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَن يَّخْشَى} [يقول: وإنما أنزله الله تبارك وتعالى تذكرة لمن يخشى الله]. وأما الكافر فلم يقبل التذكرة.
قوله: {تَنزِيلاً} أي القرآن أنزله الله تنزيلاً. قال عزّ وجلّ: {مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاواتِ العُلَى} يعني نفسه.
{الرَّحْمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} قال: استوى أمره في بريته فعلاهم فليس بخلو منه مكان.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينكم وبين السماء مسيرة خمسمائة عام، حتى عد سبع سماوات هكذا. قال: وبين السماء السابعة وبين العرش كما بين سماءين. وغلظ هذه الأرض مسيرة خمسمائة عام، وبينها وبين الأرض الثانية مسيرة خمسمائة عام. حتى عد سبع أرضين هكذا».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه الأرض، وبين شحمة أذنيه إلى عاتقه خفقان الطير مسيرة سبعمائة عام يقول: سبحانك حيث كنت وأنت بكل مكان. وبلغنا أن اسمه زُرَوْفِيل». (3/33)
صفحة 1102
(2/ 363)
قوله عز وجل: {لَهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرى} كان بعضهم يقول: إن الماء الذي تحت الأرض مستقر على ثرى، فهو يعلم ما تحت ذلك الثرى الذي يستقر عليه الماء، والثرى كل شيء مبتلّ.
قوله عز وجل: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} قال بعضهم: السر ما حدثت به نفسك، وأخفى منه ما لم تحدث به نفسك مما هو كائن.
قوله عز وجل: {اللهُ لا إلهَ إلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى}. ذكر بعضهم قال: لله تسعة وتسعون اسماً، مائة غير واحد، من أحصاها دخل الجنة، أي من المتقين.
قوله عز وجل: {وَهَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} أي: قد أتاك حديث موسى {إذْ رَأَى نَاراً} أي عند نفسه وإنما كانت نوراً. {فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي ءَانَسْتُ نَاراً} أي رأيت ناراً {لَّعَلِّي ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ}. وقال في آية أخرى: {سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ} أي: خبر الطريق {أَوْ آتِيكُم بِشِهَابِ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [النمل: 7] وكان شاتياً. وقال في هذه الآية: {لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ} {أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً} أي: هداة يهدونني الطريق في تفسير الحسن.
وقال بعضهم: وكان يمشي على غير طريق. وكان يمشي متوكلاً على ربه متوجهاً بغير علم.
قوله عز وجل: {فَلَمَّا أَتَاهَا} أي: النار التي ظن أنها نار {نُودِيَ يَامُوسَى إنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخلَعْ نَعْلَيْكَ} قال بعضهم: كانتا من جلد حمار ميت. فخلعهما {إِنَّكَ بِالوَادِ المُقَدَّسِ طُوىً}. قال الحسن: طوى بالبركة مرتين.
قوله تعالى: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ} أي لرسالتي ولكلامي {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} إليك. {إِنَّنِي أَنَا اللهُ لآ إله إِلآ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من نسي صلاة فليصلِّها إذا ذكرها، لا كفارة لها غير ذلك» [قال (3/34)
صفحة 1103
قتادة] لأن الله يقول: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي} وقال مجاهد: إذا صلّى العبد ذكر الله.
(2/ 364)
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18)
قوله عز وجل: {إنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}. ذكروا عن ابن عباس قال: أكاد أخفيها من نفسي. ذكروا أنها في قراءة أبيّ: أكاد أخفيها من نفسي.
قال بعضهم: قضى الله لا تأتيكم إلا بغتة. وقال بعضهم: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) أي: لا أجعل عليها أدلّة ولا أعلاماً. وكل شيء أكاد فهو لم يفعله. وقد جعل الله عليها أدلة وأعلاماً.
قوله عز وجل: {لِتُجْزَي كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} أي: بما تعمل.
قوله تعالى: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا} أي: عن الإِيمان بالساعة {مَن لاَّ يُؤمِنُ بِهَا} أي: من لا يصدّق بها {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} يعني شهوته {فَتَرْدَى} أي في النار. والتردّي التباعد من الله. وقال بعضهم: (فَتَرْدَى)، أي: فتهلك.
قوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى} يسأله عن العصا التي في يده اليمنى، وهو أعلم بها. قال موسى:
{هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} قال بعضهم: يهش بها على غنمه ورق الشجر، [أي يخبط بها ورق الشجر لغنمه]. {وَلِيَ فِيهَا مَئارِبَ أُخْرَى} (3/35)
صفحة 1104
أي: حوائج أخرى. بلغنا أن من تلك الحوائج الأخرى أنه كان يستظل بها.
(2/ 365)
قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)
{قَال أَلْقِهَا يَامُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} أي تزحف على بطنها مسرعة. وقال بعضهم: فإذا هي حيّة أشعر ذكر.
قوله عز وجل: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى} يعني هيئتها الأولى، أي عصا كما كانت.
قوله تعالى: {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ}. قال مجاهد: أمره أن يدخل يده تحت عضده {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} أي: من غير برص. قال الحسن: أخرجها والله كأنها مصباح.
قوله: {ءَايَةً أُخْرَى} أي اليد بعد العصا. قال: {لِنُرِيَكَ مِنَ ءَايَاتِنَا الْكُبْرَى} أي العصا واليد. وهو قوله: {فَأَرَاهُ الأَيَةَ الكُبْرَى} [النازعات: 20] أي: اليد والعصا. وهو قوله: {وَمَا نُرِيهِم مِّنَ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} [الزخرف: 48] وكانت اليد أكبر من العصا.
قوله عز وجل: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} أي: كفر. {قَالَ} موسى: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} أي: وسّع لي صدري، دعا أن يشرح له صدره بالإِيمان. {وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي} ففعل الله ذلك به.
وكانت العقدة التي في لسانه أنه تناول لحية فرعون، وهو صغير، فهمّ بقتله، وقال: هذا عدوٌ لي. فقالت له امرأته: إن هذا صغير لا يعقل، فإن أردت أن تعلم ذلك فادع بتمرة وجمرة فاعرضهما عليه. فأتي بتمرة وجمرة فعرضهما عليه؛ فتناول (3/36)
صفحة 1105
الجمرة فألقاها في فيّه، فمنها كانت العقدة التي في لسانه. قال الحسن: إنما قالت ذلك، ترد على موسى عقوبته.
(2/ 366)
وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)
قوله: {وَاجْعَل لِّي وَزِيراً} أي عويناً {مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي أَشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} قال الحسن: قوتي، وقال بعضهم: ظهري.
{وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}. وكان الحسن يقرأها بالرفع: {وأُشرِكُه}. وهي تقرأ أيضاً بالنصب: وأشرِكه في أمري. دعا موسى ربه أن يشركه في أمره.
قوله: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً}. أي: نصلي لك كثيراً {وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً} في سابق علمك.
{قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى} فاستجاب الله له.
قوله عز وجل: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى} فذكره النعمة الأولى، يعني قوله: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى} وإنما هو شيء قذف به في قلبها ألهمته، وليس بوحي نبوة. {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ} أي اجعليه في التابوت {فَاقْذِفِيهِ فِي اليَمِّ} أي: فألقيه في البحر. فألقى التابوت في البحر.
{فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ} أي البحر {بِالسَّاحِلِ يَأخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ} يعني فرعون. {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي}. قال بعضهم: ألقى الله عليه محبّة منه، قال: فأحبوه حين رأوه. (3/37)
صفحة 1106
قوله عز وجل: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} أي بأمري. وقال بعضهم: [ولتغذى على عيني: أي بعيني].
(2/ 367)
إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42)
قوله: {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَل أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ} أي على من يضُمُّه.
قال الكلبي: فقالوا: نعم، فجاءت بأمه فقبل ثديها. وقال في سورة طَسَمَ القصص: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} فكان كلما جيء به إلى امرأة لم يقبل ثديها. {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ} [القصص: 12 - 13].
وقال في هذه الآية: {فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً} يعني القبطي الذي كان قتله خطأ، ولم يكن يحل له ضربه ولا قتله.
{فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغَمِّ} أي من الخوف. وقال الحسن: أي: من النفس التي قتلت فلم يصل إليك القوم، فغفرنا لك ذلك الذنب. {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} أي: وابتليناك ابتلاءً.
وقال الكلبي: هو البلاء في أثر البلاء. وقال بعضهم: ومحصناك تمحيصاً. وهو واحد.
قوله عز وجل: {فَلَبِثتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} أي عشرين سنة. أقام عشراً آخر الأجلين، ثم أقام بعد ذلك عشراً. {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى} أي: على موعد يا موسى، في تفسير مجاهد.
قوله عز وجل: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} أي اخترتك لنفسي ولرسالتي. والاجتباء والاختيار والاصطفاء واحد.
قوله عز وجل: {اِذْهَب أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي}. قال مجاهد: (3/38)
صفحة 1107
أي ولا تضعفا في ذكري. وقال الحسن: في الدعاء إليّ والتبليغ عني رسالتي.
(2/ 368)
{اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} أي: كفر {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} قال بعضهم: كَنِّياه. [فكنَّيَاه] بأبي مصعب. {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} قال بعضهم الألف ها هنا صلة، يقول: لعله يتذكر ويخشى.
{قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ} أي أن يعجل علينا بالعقوبة {أَوْ أَن يَطْغَى} فيقتلنا.
{قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى} أي: فإنه ليس بالذي يصل إلى قتلكما حتى تبلغا عني الرسالة.
{فَأَتِيَاهُ فَقُولآ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ} وكان بنو إسرائيل عند القبط بمنزلة أهل الجزية فينا.
قوله: {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ} قال الحسن: العصا واليد {وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كتب إلى المشركين كتب: {السَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى}.
قوله عز وجل: {إِنَّا قَدْ أوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ العَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى}. أي: كذب بآيات الله وتولى عن طاعة الله.
{قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَامُوسَى قَالَ رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ} قال الحسن: صلاحه وقوته الذي يقوم به ويعيش به. {ثُمَّ هَدَى} يقول: ثم هداه له حتى أخذه. (3/39)
صفحة 1108
وقال مجاهد: سوى خلق كل دابة ثم هداها لما يصلحها وعلمها إياه. وقال الكلبي: أعطاه شكله من نحوه. أعطى الرجل المرأة، والجمل الناقة، والذكر الأنثى، ثم هدى، أي عرّفه كيف يأتيها.
ذكروا عن الحسن أنه قرأ: {صُنْعَ اللهِ الذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] ثم قال: ألم تر إلى كل دابة كيف تتقي عن نفسها.
(2/ 369)
قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54)
قوله عز وجل {قَالَ فَمَا بَالُ القُرُونِ الأُولَى} إن موسى دعا فرعون إلى الإِيمان بالبعث فقال له فرعون: فما بال القرون الأولى قد هلكت فلم تبعث.
{قَالَ} موسى: {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} أي لا يضله فيذهب، ولا ينسى ما فيه. وقال بعضهم: {فَمَا بَالُ القُرُونِ الأُولَى} أي: أعمال القرون الأولى {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي} ذلك الكتاب {وَلاَ يَنسَى} أي علم أعمالها وآجالها.
ذكروا أن فرعون قال: يا هامان، إن موسى يعرض عليَّ أن لي ملكي في حياتي، ولي الجنة إذا متّ. فقال له هامان: بينما أنت إِله تُعبَد إذ صرت عبداً يَعْبُد. فردّه عن رأيه.
قوله عز وجل: {الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً} وهو مثل قوله تعالى: {جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِسَاطاً} [نوح: 19] وفراشاً. قوله: {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أي: وجعل لكم فيها طرقاً.
{وَأَنزَلَ مِنَ السِّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى} أي: مختلفة في لونه وطعمه. وكل ما ينبت في الأرض فالواحد منه زوج. قال: فالذي ينبت هذه الأزواج الشتى قادر على أن يبعثكم بعد الموت.
قوله تعالى: {كُلُوا وَارْعَوا أَنْعَامَكُمْ} أي من ذلك النبات {إِنَّ فِي ذَلِكَ (3/40)
صفحة 1109
لأيَاتٍ لأُولِي النُّهَى} أي: لأولي العقول، في تفسير الحسن. وقال بعضهم: لأولي الورع.
(2/ 370)
مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56)
قوله: {مِنْهَا} أي من الأرض {خَلَقْنَاكُمْ} يعني خلق آدم {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن خلق أحدكم ليجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة أربعين يوماً ثم يكون مضغة أربعين يوماً. ثم يؤمر الملك أن يكتب أربعاً: رزقه وعمله وأثره وشقياً أو سعيداً. والذي لا إله إلا هو إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها».
وقال بعضهم: إنه يؤخذ من تربة الأرض التي يموت فيها فيخلط بخلقه، أو فتذرى على خلقه؛ وهو قوله تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}.
قوله: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا كُلَّهَا} أي: التسع الآيات التي قال عنها في سورة بني إسرائيل: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الإسراء: 101] وهي يده وعصاه والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف: 130]. وبعضهم يحقّق أن السنين ونقصاً من الثمرات آية واحدة، وطريقاً في البحر يبساً تمام التسع الآيات. (3/41)
صفحة 1110
قوله عز وجل: {فَكَذَّبَ وَأَبَى} أي: فكذّب بها كلِّها وأبى أن يؤمن.
(2/ 371)
قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63)
{قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى فَلنَأتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلآ أَنْتَ مَكَاناً سُوىً} قال مجاهد: مكاناً منصفاً بينهم. وقال بعضهم: مكاناً عدلاً.
{قَالَ: مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} أي: يوم واعدوه فيه. وقال الحسن: يوم عيد كان لهم، يجتمعون فيه ضحى. قال: {وَأَن يُّحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً} قال بعضهم: أي نهاراً.
قوله تعالى: {فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ} يعني ما جمع من سحرة. {ثُمَّ أَتَى} ثم جاء. {قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} قال الحسن: فيستأصلكم بعذاب {وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى}.
قوله عز وجل: {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى}. قالت السحرة عند ذلك: إن كان هذا الرجل ساحراً فسنغلبه، وإن كان من السماء، كما زعم، فإن له الأمر.
قوله تعالى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُّخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم (3/42)
صفحة 1111
بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلَى}. قال بعضهم: كانت طريقتهم المثلى يومئذ [أن] بني إسرائيل كانوا أكثر القوم عدداً وأموالاً، فقال فرعون: إنما يريدان أن يذهبا بهم لأنفسهما. وقال الحسن: ويذهبا بعيشكم الأمثل: يعني بني إسرائيل. وكان بنو إسرائيل في القبط بمنزلة أهل الجزية فينا يأخذون منهم الخراج ويستعبدونهم.
قوله عز وجل: {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ} [يعني سحركم، يقوله بعضهم لبعض] {ثُمَّ ائتُوا صَفّاً} أي تعالوا جميعاً. {وَقَدْ أَفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى} قال بعضهم: من ظهر. وقال الكلبي: من غلب؛ وهو واحد.
قوله: {قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَل الْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} أي: أنها حيات تسعى.
قوله: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسى قُلْنَا لاَ تَخَف إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى} أي: الظاهر {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ} أي عصاك {تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا} أي: تسترط حبالهم وعصيهم، تلقفهم بفيها. {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} أي حيث كان. وقال بعضهم: حيث جاء.
{فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجّداً قَالُوا ءَامَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى. قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ} فرعون يقول لهم على الاستفهام. أي أصدقتموه قبل أن آذن لكم في تصديقه. أي قد فعلتم.
{إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ} أي اليد اليمنى والرجل اليسرى {وَلأُصْلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} أي: على جذوع النخل. {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى} أى: أنا أو موسى. (3/43)
صفحة 1112
(2/ 373)
قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76) وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77)
{قَالُوا لَن نُّؤثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالذِي فَطَرَنا} أي: ولا على الذي فطرنا أي خلقنا. {فَاقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيَآ إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} أي: خير مما تدعونا إليه، وخير منك يا فرعون.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كانوا أول النهار سحرة وآخره شهداء».
قوله: {إِنَّهُ مَن يَأتِ رَبَّهُ مُجْرِماً} أي: مشركاً {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى وَمَن يَأْتِهِ مُؤمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ العُلَى} قد فسّرنا الدّرجات في الجنة في غير هذا الموضع.
قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} قد فسّرناه في سورة مريم {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} وقد فسّرنا الأنهار أيضاً. {خَالِدِينَ فِيهَا} لا يموتون فيها ولا يخرجون منها. {وَذَلِكَ جَزَآءُ مَنْ تَزَكَّى}. أي من آمن. وقال بعضهم: من عمل صالحاً.
قوله: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} أي: ليلاً {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي البَحْرِ يَبَساً}. (3/44)
صفحة 1113
قال الحسن: أتاه جبريل على فرس فأمره، فضرب البحر بعصاه، فصار طريقاً يبساً. قال بعضهم: بلغنا أنه صار اثني عشر طريقاً، لكل سبط طريق.
قوله عز وجل: {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى} أي لا تخاف أن يدركك فرعون من بعدك، ولا يخشى الغرق أمامك.
(2/ 374)
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81)
{فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ} وكان جميع جنوده أربعين ألف {فَغَشِيَهُم مِّنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} فغرقوا. {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} أي: وما هداهم.
قوله عز وجل: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ} أي: من فرعون وقومه {وَواعدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ} أي أيمن الجبل. والطور الجبل. يعني مواعدته لموسى.
قوله عز وجل: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى}. قال بعضهم: المن كان ينزل عليهم في محلتهم مثل العسل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. والسلوى هو هذا الطير الذي يقال له السُّمَانَى.
قوله: {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلاَ تَطْغَوْا فِيهِ} قال بعضهم: كانوا لا يأخذون منه لغد، لأنه كان يفسد عندهم ولا يبقى، إلا يوم الجمعة فإنهم كانوا يأخذون ليوم الجمعة وليوم السبت، لأنهم كانوا يتفرغون في يوم السبت للعبادة ولا يعملون شيئاً.
ذكروا عن ابن عباس قال: لولا بنو إسرائيل ما خنز لحم ولا أنتن طعام؛ إنهم لما أمروا أن يأخذوا ليومهم ادخروا من يومهم لغدهم.
ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا بنو إسرائيل ما خنز لحم، ولولا حواء ما خانت أنثى زوجها». (3/45)
صفحة 1114
قوله عز وجل: {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} قال بعضهم: فيجب عليكم غضبي. وهي تقرأ على وجه آخر: {فَيحُل عليكم غضبي} أي: فينزل عليكم غضبي. {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} أي في النار.
(2/ 375)
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82) وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87)
قوله عز وجل: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ} أي: من الشرك {وَءَامَنَ} أي: أخلص الإِيمان لله. {وَعَمِلَ صَالِحاً} أي في إيمانه {ثُمَّ اهْتَدَى}. ثم مضى بالعمل الصالح على إيمانه حتى يموت عليه. وقال بعضهم: {ثُمَّ اهْتَدَى}. ثم عرف الثواب.
قوله عز وجل: {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَامُوسَى قَالَ هُمْ أُولآءِ عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} أي: هُمْ أولاء ينتظرونني من بعدي بالذي آتيهم به، وليس يعني أنهم يتبعونه. وقال بعضهم: يعني السبعة الذين اختارهم موسى ليذهبوا معه للميعاد.
قال عز وجل: {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} أي: ابتلينا قومك من بعدك {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} يقول إن السامري قد أضلهم {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} أي: حزيناً مهموماً على ما صنع قومه من بعده. وقال الحسن: شديد الغضب.
{قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} أي في الآخرة على التمسك بدينه. {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ} قال مجاهد: الوعد {أَمْ أَرَدتُّمْ أن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ} وهو مثل الحرف الأول {فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي}.
{قَالُوا مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} أي: بطاقتنا {وَلَكِنَّا حُمِّلْنَآ} وهي (3/46)
صفحة 1115
تقرأ أيضاً خفيفة {حَمَلنا} {أَوْزَاراً} أي آثاماً. وقال مجاهد: أثقالاً، وهو واحد. والثقل الاثم {مِّنْ زِينَةِ القَوْمِ} يعني قوم فرعون. {فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ}.
وذلك أن موسى كان واعدهم أربعين ليلة، فعدّوا عشرين يوماً وعشرين ليلة فقالوا: هذه أربعون، فقد أخلف موسى الوعد.
وكانوا استعاروا حليّاً لهم؛ كان نساء بني إسرائيل استعاروه من نساء آل فرعون ليوم الزينة، يعني يوم العيد الذي واعدهم موسى. وكان الله أمر موسى أن يسري بهم ليلاً، فكره القوم أن يردوا العواري على آل فرعون، فيفطن بهم آل فرعون. فأسروا من الليل والعواري معهم. فقال لهم السامري بعدما مضت عشرون يومًا وعشرون ليلة في غيبة موسى في تفسير الكلبي، وقال بعضهم: بعدما مضت الثلاثون: إنما ابتليتم بهذا الحلي فهاتوه، وألقى ما معه من الحليّ، وألقى القوم ما معهم. وهو قوله: {فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقِى السَّامِرِيُّ} أي: ما معه كما ألقينا ما معنا. فصاغه عجلاً. ثم ألقى في فيه التراب الذي كان أخذه من تحت حافر فرس جبريل.
وقال بعضهم: قد كان الله وقَّتَ لموسى ثلاثين ليلة وأتمّها بعشر. فلما مضت الثلاثون قال السامري: إنما أصابكم الذي أصابكم عقوبة بالحلي الذي معكم. فهاتوه. وكان حلياً استعاروه من آل فرعون، فساروا وهي معهم فقذفوها إليه، فصوروها صورة بقرة. وكان قد صرّ في عمامته قبضة من أثر فرس جبريل يوم جاز بنو إسرائيل البحر فقذفها فيه. {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ}، أي: جعل يخور خوار البقرة، {فَقَالُوا} عدو الله: {هَذَآ إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسَى فَنَسِيَ}. وكان السامري من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة. ولكنه نافق بعدما قطع البحر مع موسى. (3/47)
صفحة 1116
(2/ 376)
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97)
قال الله: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} أي كخوار البقرة. وقال مجاهد: له خوار، حفيف الريح فيه.
{فَقَالُوا هَذَآ إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسَى فَنَسِيَ} أي فنسي موسى. يقول: إنما طلب هذا ولكنه نسيه، خالف في الطريق طريقاً اخر.
قال الله تعالى: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ} أي: من قبل أن يرجع إليهم موسى حين اتخذوا العجل: {يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ} أي بالعجل {وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ} أي لا نزول {عَاكِفِينَ} أي نعبده {حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}.
{قَالَ} موسى لهارون لما رجع ورأى أنهم اتخذوا العجل: {يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي. قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} وقد قال في آية أخرى: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} [الأعراف: 150].
{إنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} أي: ولم تنتظر أمري، يعني الميعاد برجوعه، ولقد تركتهم وجئت، وقد استخلفتك فيهم. يقول لو اتبعتك وتركتهم لخشيت أن تقول لي هذا القول. ثم أقبل موسى على السامري ف {قَالَ} له:
{فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ} أي ما حاجتك؟ {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ} (3/48)
صفحة 1117
يعني بني إسرائيل {فَنَبَذتُّهَا} أي: ألقيتها في العجل، أي حين صاغه، وكان صائغاً. فخار العجل، وهي في قراءة ابن مسعود: من أثر الفرس؛ كان أخذها من أثر فرس جبريل فَصَرَّها في عمامته يوم قطع البحر فكانت معه.
ذكر ابن عباس أن هارون أتى على السامري وهو يصنع. فقال: ما تصنع؟ قال: أصنع ما يضر ولا ينفع. فقال هارون: اللهم أعطه ما سألك على ما في نفسه. فلما صنعه قال: اللهم إني أسألك أن يخور، فخار العجل، وذلك لدعوة هارون.
قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} أي: وكذلك زيّنت لي نفسي: أي: وقع في نفسي إذا ألقيتها في العجل خار.
{قَالَ} له موسى: {فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} أي: حياة الدنيا، أي: لا تماس الناس ولا يماسونك، فهذه عقوبتك في الدنيا ومن كان على دينك إلى يوم القيامة.
والسامرة صنف من اليهود؛ وبقايا السامرة حتى الآن بأرض الشام يقولون: لا مساس.
قال: {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً} يعني يوم القيامة {لَنْ تُخْلَفَهُ} أي: توافيه فيجزيك الله فيه بأسوأ عملك. وقال بعضهم: {لَنْ تُخْلَفَهُ} أي: لن تغيب عنه.
{وَانظُرْ إِلَى إلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً} أي: صرت عليه عاكفاً، أي: عابداً {لَّنُحرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليَمِّ نَسْفاً}. (3/49)
صفحة 1118
قال بعضهم: [لَنبرِدَنَّهُ ثم لننسفنَّه في اليم نسفاً] وقال الكلبي: ذبحه موسى، ثم أحرقه بالنار، ثم ذَرَاه في البحر. وهذا في قول من قال: إنه تحوّل لحماً ودماً. وقوله: {لَنَنسِفَنَّهُ} هو حين ذَرَاه في البحر.
(2/ 377)
إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98) كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (101)
قوله: {إِنَّمَآ إِلهُكُمُ اللهُ الذِي لآ إلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} أي: ملأ كل شيء علماً، أي لا يكون شيء إلا بعلم الله.
قوله عز وجل: {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ} أي: من أخبار ما قد مضى. {وَقَدْ ءَاتَيْنَاكَ} أي: أعطيناك {مِن لَّدُنَّا} أي: من عندنا {ذِكْراً} يعني القرآن؛ {مِّن أَعْرَضَ عَنْهُ} أي عن القرآن ولم يؤمن به {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْراً} قال مجاهد: إثماً. {خَالِدِينَ فِيهِ} قال الحسن: في ثواب ذلك الوزر، وهو النار. {وَسَآءَ لَهُمْ} أي وبئس لهم {يَوْمَ القِيَامَةِ حِمْلاً} أي: ما يحملون على ظهورهم من الوزر. وهو قوله: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} [الأنعام: 31].
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة بعث الله مع كل امرئ عمله؛ بعث مع المؤمن عمله في أحسن صورة رآها قط، أحسنه حسناً، وأجمله جمالاً، وأطيبه ريحاً. لا يرى شيئاً يخافه، ولا شيئاً يروعه إلا قال: لا تخف وأبشر بالذي يسرّك، لا والله ما أنت الذي يُراد، ولا أنت الذي يُعنى. فإذا قال له ذلك مراراً قال له: من أنت، أصلحك الله؟ والله ما رأيت أحسن منك وجهاً، ولا أطيب منك ريحاً، ولا أحسن منك لفظاً. فيقول له: أتعجب من حسني؟ فيقول: نعم. فيقول: إني والله (3/50)
صفحة 1119
عملك. إن عملك والله كان حسناً. إنك كنت تحملني في الدنيا على ثقلي. وإني والله لأحملنَّك اليوم، فيحمله.» وإنها التي يقول: {وَيُنَجِّي اللهُ الذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الزمر: 61].
قال: ويبعث مع الكافر عمله في أقبح صورة رآها قط، أقبحه قبحاً، وأنتنه ريحاً، وأسوأه منظراً. لا يرى شيئاً يخافه ولا يروعه إلا قال له: يا خبيث، أبشر بالذي يسوءك. أنت والله الذي يُراد، والذي يُعنى. فإذا قال له ذلك مراراً قال له: أعوذ بالله منك، والله ما رأيت أحداً أسوأ منك لفظاً، ولا أقبح منك وجهاً، ولا أنتن منك ريحاً. فيقول له: أتعجب مني؟ فيقول: نعم، فيقول: أنا والله عملك الخبيث، إن عملك والله كان قبيحاً. إنك كنت تركبني في الدنيا، وإني والله لأركبنّك اليوم. وإنها التي يقول الله: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} [الأنعام: 31].
(2/ 378)
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104)
قوله عز وجل: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} والصور قرن ينفخ فيه صاحب الصور فينطلق كل روح إلى جسده. قال تعالى: {وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ} أي المشركين، وهذا حشر إلى النار {يَوْمَئِذٍ زُرْقاً} أي: مسودّة وجوههم كالحة. {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ} أي: يسارّ بعضهم بعضاً {إِنْ لَّبِثْتُّمْ} أي: في الدنيا {إِلاَّ عَشْراً} أي: يقلّلون لبثهم في الدنيا، تصاغرت الدنيا عندهم.
قال الله عز وجل: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} وقال الله عز وجل في آية أخرى: {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلَى} [طَهَ: 63]. قال بعضهم: كانوا أكثر عدداً وأموالاً. وقال بعضهم: {أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} أي أعدلهم طريقة. {إِن لَّبِثْتُّمْ} أي: ما لبثتم {إِلاَّ يَوْماً}.
وهي مواطن. قالوا: إِلاَّ عَشْراً وَإِلاَّ يَوْماً و {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [المؤمنون: 113]. وقال عز وجل: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات: 46] وقال عز وجل: {كأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن (3/51)
صفحة 1120
نَّهَارٍ} [الأحقاف: 35] وقال عز وجل: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} [الروم: 55] وذلك لتصاغر الدنيا عندهم وقلتها في طول الآخرة.
(2/ 379)
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108)
قوله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجِبَالِ} قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، كيف هذه الجبال في ذلك اليوم الذي تذكر؟ فأنزل الله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجِبَالِ}.
{فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} أي: من أصولها. {فَيَذَرُهَا} أي: فيذر الأرض {قَاعاً صَفْصَفاً} القاع الذي لا أثر عليه وهي القرقرة. والصفصف الذي ليس عليه نبات، كلها مستوية في تفسير مجاهد.
{لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجاً} قال مجاهد: انخفاضاً {وَلآ أَمْتاً} ولا ارتفاعاً. وقال الحسن: فصار غُمار البحور ورؤوس الجبال سواء. وقال ابن عباس: العِوَج: الوادي. (وَلاَ أَمْتا) قال بعضهم: الأمت: الحدب.
قوله: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ} أي: يوم تكون الأرض والجبال كذلك، {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ} أي صاحب الصور، فيسرعون إليه حين يخرجون من قبورهم إلى بيت المقدس. وقال عبد الله بن مسعود: يقوم ملك بين السماء والأرض بالصور فينفخ فيه. قال بعضهم: من الصخرة من بيت المقدس.
قوله عز وجل: {لاَ عِوَجَ لَهُ} أي لا معدل عنه. لا يتعوَّجون، أي عن أجابته يميناً ولا شمالاً.
قوله: {وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمنِ} أي: سكنت. كقوله: {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ} [النبأ: 38]. (3/52)
صفحة 1121
قال عزّ وجلّ: {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً}. قال الحسن: وطء الأقدام، وفي قراءة أبي بن كعب: لا ينطقون إلا همساً.
(2/ 380)
يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112)
قوله عزّ وجلّ: {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} أي التوحيد والعمل بالفرائض. وهو كقوله عز وجل: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلآئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقَالَ صَوَاباً} [النبأ: 38] أي التوحيد. والكفار ليست لهم شفاعة، لا يشفع لهم، كقوله عز وجل: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28].
قوله عز وجل: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي: من أمر الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ} أي: من أمر الدنيا إذا صاروا في الآخرة. {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} أي: ويعلم ما لا يحيطون به علماً. وهو تبع للكلام الأول، أي: ويعلم ما لا يحيطون به علماً، أي: ما لا يعلمون.
قوله عز وجل: {وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ} أي: وذلّت الوجوه للحيّ القيّوم وتفسير القيّوم: القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجزيها بعملها.
قوله عزّ وجلّ: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} أي: من مشرك ومن منافق؛ أي: خاب من حمل شركاً، وخاب من حمل نفاقاً. وهو ظلم دون ظلم وظلم فوق ظلم.
قوله عزّ وجلّ: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً} أي: لا يجزى بالعمل الصالح في الآخرة إلا المؤمن، ويجزى به الكافر في الدنيا.
{فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً} أي يزاد عليه في سيئاته من تفسير الحسن. وقال بعضهم: {فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً} أي: أن يحمل عليه من ذنب غيره. {وَلاَ هَضْماً} أي: ولا ينقص من حسناته. (3/53)
صفحة 1122
(2/ 381)
وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)
قوله عزّ وجلّ: {وَكَذلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ} أي: من يعمل كذا فله كذا، فذكره في هذه السورة، ثم في سورة أخرى: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِث لَهُمْ ذِكْراً} أي: القرآن. وهي تقرأ بالياء والتاء. فمن قرأها بالياء فهو يقول: (أَوْ يُحدِثُ لَهُمُ القُرْآن ذِكْراً) أي: جدّاً وورعاً. ومن قرأها بالتاء فهو يقول: أو تحدث لهم يا محمد ذكراً.
قوله: {فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ}. تعالى من باب العلو، أي: ارتفع الله الملك الحق، والحق اسم من أسماء الله.
{وَلاَ تَعْجَلْ بِالقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} أي بيانه. وقال الحسن: (وَحْيُهُ) أي فرائضه وحدوده وأحكامه، وحلاله وحرامه.
وكان النبي عليه السلام إذا نزل عليه الوحي جعل يقرأه ويذيب فيه نفسه مخافة أن ينساه. فأنزل الله: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 16 - 17] أي: نحن نحفظه عليك فلا تنسى. قال الله: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ} [الأعلى: 6 - 7] وهو قوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة: 106] أي: ينسيها نبيُّه عليه السلام، قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: 18]. أي: فرائضه وحدوده والعمل به.
وقال مجاهد: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} أي: لا تتله على أحد حتى نتمّه لك.
قال عزّ وجلّ: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْما}.
قوله عزّ وجلّ {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِنْ قَبْلُ} يعني ما أمر به ألآَّ يأكل من (3/54)
صفحة 1123
الشجرة. {فَنَسِيَ} يعني: فترك العهد، يقول: فترك ما أمِر به. {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} أي: صبراً.
(2/ 382)
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)
قال عزّ وجلّ: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُوا لأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلآ إِبْلِيسَ أَبَى} أن يسجد {فَقُلْنَا يَآءَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى} أي: إنكما إن عصيتما الله أخرجكما من الجنة، فتشقى، أي في الدنيا، بالكدح فيها. وقال بعضهم: (فَتَشْقَى) أي تأكل من عمل يديك وعرق جبينك.
{إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا} أي: في الجنة {وَلاَ تَعْرَى} كانا كسيا الظفر. {وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا} لا تعطش فيها {وَلاَ تَضْحَى} أي: لا تصيبك الشمس. أي: ما لم تعص.
قال عزّ وجلّ: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ: يَآءَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى} أي إنك إن أكلت من الشجرة خلدت في الجنة، وهو كقوله عزّ وجلّ: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلآ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَو تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ} [الأعراف: 20] يقول: إذا أكلتما من الشجرة تحوّلتما ملكين من ملائكة الله، أو كنتما من الخالدين الذين لا يموتون.
ذكر بعضهم قال: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام ما يقطعها. قيل: أي شجرة هي؟ قال: شجرة الخلد.
قوله عز وجل: {فَأَكَلاَ مِنْهَا} فبدأت حواء قبل آدم في تفسير الكلبي. {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} ذكر الحسن عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (3/55)
صفحة 1124
«كان آدم رجلاً طوالا كأنه نخلة سحوق، جعد الرأس. فلما وقع به ما وقع بدت له عورته، وكان لا يراها قبل ذلك. فانطلق هارباً في الجنة، فأخذت شجرة من شجر الجنة برأسه، فقال لها: أرسليني. فقالت: لست بمرسلتك. فناداه ربه: يا آدم، أمني تهرب؟ فقال: رب إني أستحييك».
قوله عزّ وجلّ: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ} أي: وجعلا يخصفان، أي يرقعان من ورق الجنة كهيئة الثوب.
قال عز وجل: {وَعَصى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} يعني المعصية، ولم يبلغ بالمعصية الضلال.
{ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ} وهو قوله: {فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة: 37] و {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]. قال عز وجل: {فَتَابَ عَلَيْهِ} أي: من ذلك الذنب {وَهَدَى} أي: مات على الهدى.
{قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}. وقد فسّرناه في سورة البقرة. {فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ} [أي رسلي وكتبي] {فَلاَ يَضِلُّ} أي في الدنيا {وَلاَ يَشْقَى} أي في الآخرة. (3/56)
صفحة 1125
(2/ 383)
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)
{وَمَن أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي} أي: فلم يتّبع هداي ولم يؤمن {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} أي عذاب القبر.
وذكروا عن ابن مسعود قال: (مَعِيشَةً ضَنْكاً): عذاب القبر. قال: يلتئم على صاحبه حتى تختلف أضلاعه.
ذكروا أن الرجل المؤمن إذا وضع في قبره، فانصرف عنه الناس، أتاه صاحب القبر الذي وكل به، فأتاه من قبل جانبه الأيمن، فقالت له الزكاة التي كان يعطي: لا تفزعه من قِبَلي اليوم، ثم أتاه من قبل رأسه فقال له القرآن الذي كان يقرأ: لا تفزعه من قِبَلي اليوم. ثم جاءه من قبل رجليه فقالت الصلاة التي كان يصلّي: لا تفزعه من قِبَلي اليوم. ثم جاءه من جانبه الأيسر، فأيقظه إيقاظك الرجل الذي لا تحب أن تفزعه فقال له: من ربك؟ فقال: الله وحده لا شريك له. ثم قال له: من نبيّك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قال: فما دينك؟ قال: الإسلام، وعلى ذلك حييت، وعلى ذلك مت؟ قال: نعم، وعلى ذلك تبعث؟ قال: نعم. قال: صدقت. قال: فيفتح له في جنب قبره، فيريه منزله من الجنة وما أعد الله له من الكرامات، فيشرق وجهه، وتفرح نفسه، ثم يقال له: نم نوم العروس الذي لا يوقظه إلا أعز أهله عليه.
ويؤتى بالكافر فلا يجد شيئاً يحول دونه: لا صلاة ولا قراءة ولا زكاة، فيوقظه إيقاظك الرجل الذي تحبّ أن تفزعه، فيقول له: من ربّك؟ فيقول أنت. فيقول: من نبيّك؟ فيقول: أنت. فيقول: وما كان دينك؟ فيقول: أنت. فيقول: صدقت، لو كان لك إله تعبده لاهتديت له اليوم، فيفتح له في جنب قبره فيريه منزله من النار وما أعد الله له من العذاب، ويضربه ضربة يتناصل منها كل عظم من مفصله، فيسمعه الخلق (3/57)
صفحة 1126
إلا الثقلين: الإِنس والجن، ثم يقذف به في مقلى ينفخه نافخان لا يميل إلى هذا إلا رده إلى هذا، ولا يميل إلى هذا إلا رده إلى هذا حتى ينفخ في الصور النفخة الأولى فيقال له: اخمد؛ فيخمد حتى ينفخ في الصور النفخة الثانية؛ فيبعث مع الخلق فيقضى له كما يقضى لهم، لا راحة له إلا ما بين النفختين.
قوله عزّ وجلّ: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى} أي عن حجته. كقوله: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون: 117] أي: لا حجة لديه.
(2/ 384)
قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128)
{قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى} أي: عن حجّتي {وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} أي عالماً بي حتى في الدنيا، وإنما علمه ذلك عند نفسه في الدنيا، كان يحاجّ في الدنيا. [جاحداً لما جاء من الله]. وقال بعضهم: أعمى عن الحق، أي: في الدنيا.
قال الله عز وجل: {كَذَلِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا} أي: لأنه أتتك آياتنا في الدنيا {فَنَسِيتَهَا} أي: فتركتها ولم تؤمن بها. {وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى} أي: تترك في النار. وقال بعضهم: نُسِي من الخير، أي ترك من الخير ولم ينس من الشر، أي: ولم يترك من الشر.
قال عز وجل: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ} أي: من أشرك، أي أسرف على نفسه بالشرك {وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلعَذَابُ الأخِرَةِ أَشَدُّ} من عذاب الدنيا {وَأَبْقَى} أي: لا ينقطع أبداً.
قوله عزّ وجلّ: {أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ القُرُونِ} قال الحسن: أي: قد بيّنا لهم، مقرأه على النون، كيف أهلكنا القرون الأولى، يحذرهم ويخوفهم العذاب إن لم يؤمنوا.
قال عزّ وجلّ: {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} أي: تمشي هذه الأمة في مساكن من (3/58)
صفحة 1127
مضى. أي يمشون عليها وإن لم تكن الديار قائمة ولكن المواضع، كقوله عز وجل: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ القُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ} [هود: 100] أي منها قائم تراه، ومنها حصيد لا تراه.
قال عز وجل: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لأُولِي النُّهَى} أي: لأهل العقول، وبعضهم يقول: لأهل الورع، وهم المؤمنون.
(2/ 385)
وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)
قوله عزّ وجلّ: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} قال الحسن: ألا يعذب هذه الأمة بعذاب الاستئصال إلا بالساعة، يعني النفخة الأولى {لَكَانَ لِزَاماً} أي: أخذاً بالعذاب، أي: يُلزَمون عقوبة كفرهم [فأهلكوا جميعاً لجحودهم ما جاء به النبي عليه السلام] وفي الآخرة [وَأَجَلٌ مُسَمّىً] أي: الساعة. وهذا من مقاديم الكلام. يقول: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} وأَجَلٌ مُّسَمّى لكان لزاماً.
قوله عزّ وجلّ: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} من قولهم إنك ساحر وإنك شاعر، وإنك مجنون، وإنك كاهن، وإنك كاذب {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع الشَّمْسِ} يعني صلاة الصبح {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} أي الظهر والعصر {وَمِنْ ءَانَآءِ اللَّيْلِ} يعني المغرب والعشاء {فَسَبِّحْ}. وقال بعضهم: {وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ} أي: ساعات الليل {وَأَطْرَافَ النَّهَارِ} قال الحسن: يعني التطوّع.
وذكروا عن الحسن في قوله عز وجل: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} ما بين صلاة الصبح وصلاة العصر {وَزُلفاً مِنَ الَّيْلِ} [هود: 114] أي: المغرب والعشاء. (3/59)
صفحة 1128
قوله عز وجل: {لَعَلَّكَ تَرْضَى} أي ثواب عملك في الآخرة.
وقال الحسن: {لَعَلَّكَ تَرْضَى} أي: فإنك سترضى ثواب عملك. وهي تقرأ على وجه آخر: {لَعَلَّكَ تُرْضَى} أي: تُرضى في الآخرة بثواب عملك. أي: يرضيك الله بالثواب.
(2/ 386)
وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)
قوله عزّ وجلّ: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْواجاً مِّنْهُمْ} [أصنافاً منهم] يعني الأغنياء. {زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: زينة الحياة الدنيا. أمره الله أن يزهد في الدنيا {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي لنبتليهم فيه، لنختبرهم فيه.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خصلتان من كانتا فيه كتبه الله صابراً وشاكراً، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً: من نظر إلى من فوقه في الدين ودونه في الدنيا فاقتدى بهما كتبه الله صابراً وشاكراً. ومن نظر إلى من فوقه في الدنيا ودونه في الدين فاقتدى بهما لم يكتبه الله صابراً ولا شاكراً».
ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الرزق الكفاف، اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً».
قوله عز وجل: {وَرِزْقُ رَبِّكَ} أي: في الجنة {خَيْرٌ} من الدنيا {وَأَبْقَى} أي: لا نفاد له (3/60)
صفحة 1129
قال بعضهم: {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} مما متع به هؤلاء من زهرة الحياة الدنيا.
(2/ 387)
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135)
قوله عزّ وجلّ: {وَأمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ} وأهله في هذا الموضع أمته. {وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً} أي لا نسألك على ما أعطيناك من النبوة رزقاً. وتفسير الحسن في ذلك في التي في والذاريات: «مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ» [الذاريات: 57] أي: أن يرزقوا أنفسهم. قال بعضهم: فإن كانت هذه عند الحسن مثلها فهو لا نسألك رزقاً أي: أنت ترزق نفسك. وهذا أعجب إليّ.
{نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} أي: لأهل التقوى، والعاقبة الجنة. كقوله عزّ وجلّ: {وَالأَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 35].
قوله عز وجل: {وَقَالُوا لَوْلاَ} أي: هلا {يَأتِينَا بآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ} قال الله عز وجل: {أَوَلَمْ تَأتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى} أي: في التوراة والإِنجيل. كقوله عزّ وجلّ: {النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ} [الأعراف: 157].
قوله عز وجل: {وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّنْ قَبْلِهِ} أي من قبل القرآن {لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} أي هلا أرسلت إلينا رسولاً {فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى} في العذاب.
قال الله عز وجل للنبي عليه السلام: {قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ} أي: نحن وأنتم. كان المشركون يتربّصون بالنبي عليه السلام الموت، وكان النبي عليه السلام يتربّص بهم أن يأتيهم العذاب.
قال الله عز وجل: {فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ} أي الطريق السويّ، أي العدل المستقيم إلى الجنة، وهو الإِسلام {وَمَنِ اهْتَدَى} أي: فستعلمون أن النبي عليه السلام والمؤمنين كانوا على الصراط السوي وهو طريق الجنة، وأنهم ماتوا على الهدى. (3/61)
صفحة 1130
(2/ 388)
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2)
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} أي: إن ذلك قريب. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما مثلي ومثل الساعة كهاتين وجمع بين أصبعيه الوسطى والتي يقول لها الناس السبابة».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حين بعث إليّ بعث إلى صاحب الصور فأهوى به إلى فيه، وقدم رجلاً وأخر أخرى، ينظر متى يومر فينفخ، ألا فاتقوا النفخة الأولى».
قوله عزّ وجلّ: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} يعني المشركين في غفلة عن الآخرة، معرضون عن القرآن.
{مَا يَأتِيهِم مِّنْ ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ} أي: كلما نزل من القرآن شيء أعرضوا عنه. قال عز وجل: {إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} أي: يسمعونه بآذانهم ولا تقبله عقولهم. (3/62)
صفحة 1131
قال بعضهم: لما نزلت هذه الآية قال أناس من أهل الضلالة: زعم صاحبكم أن الساعة قد اقتربت؛ فتناهوا قليلاً؛ قال: ليس يعني عن شركهم، ثم قال أناس من أهل الضلالة: يزعم هذا الرجل أنه قد أتى أمر الله؛ فتناهوا قليلاً ثم عادوا، فأنزل الله في سورة هود: {وَلئِن أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} [هود: 8] قال الله عز وجل: {أَلاَ يَوْمَ يَأتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} يعني العذاب.
(2/ 389)
لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)
قوله عزّ وجلّ {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} أي غافلة قلوبهم عنه.
قوله عز وجل: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الذِينَ ظَلَمُوا} أي: الذين أشركوا، أسرّوا ذلك فيما بينهم، يقوله بعضهم لبعض. {هَلْ هَذَآ} يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم، {إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ} يعنون القرآن، أي: أفتصدّقون به {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} أنه سحر.
قال الله عزّ وجلّ للنبي عليه السلام: {قُلْ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ} يعني السّرّ {فِي السَّمَآءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي: لا أسمع منه ولا أعلم منه.
ثم قال عز وجل: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} أي كذب أحلام {بَلِ افْتَرَاهُ} محمد {بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} أي: محمد شاعر {فَلْيَأتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} أي: كما أرسل موسى وعيسى فيما يزعم محمد.
قال الله عزّ وجلّ: {مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} أي أن القوم إذا كذَّبوا رسلَهم وسألوه الآية فجاءتهم الآيةُ ثمّ لم يؤمنوا بها أهلكهم الله؛ أفهم يؤمنون إن جاءتهم الآية؟ أي: لا يؤمنون، إن جاءتهم الآية.
قال عزّ وجلّ: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} وهم أهل الكتاب، عن ذلك. وهم أهل التوراة والإنجيل في تفسير بعضهم، يعني من (3/63)
صفحة 1132
آمن منهم: عبد الله بن سلام وأصحابه المؤمنين.
قوله عز وجل: {إِنْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} وهم لا يعلمون. وهي كلمة عربية معقولة. يقول: إن كنت لا تصدق فاسأل. وهو يعلم أنه قد كذب.
(2/ 390)
وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10) وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12)
قوله عزّ وجل: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأكُلُونَ الطَّعَامَ} يعني النبيين. ولكن جعلناهم جسداً يأكلون الطعام. وقد قال المشركون: {مَالِ هَذا الرَّسُولِ يَأكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان: 7].
قوله عز وجل: {وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} أي ما كانوا يخلدون في الدنيا لا يموتون.
قوله عز وجل: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الوَعْدَ} كانت الرسل تحذّر قومَها عذاب الله في الدنيا وعذابه في الآخرة إن لم يؤمنوا، فلما لم يؤمنوا صدَق الله رسلَه الوعدَ فأنزل العذاب على قومهم.
قال: {فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ} يعني النبي والمؤمنين {وَأَهْلَكْنَا المُسْرِفِينَ} يعني المشركين.
قوله تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً} أي القرآن {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} أي: فيه شرفكم، يعني قريشاً، أي لمن آمن به {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يقوله للمشركين.
قوله عز وجل: {وَكَمْ قَصَمْنَا} أي: أهلكنا {مِن قَرْيَةٍ كَانَت ظَّالِمَةً} أي مشركة، يعني أهلها. {وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا} أي وخلقنا بعدها {قَوْماً ءَاخَرِينَ}.
قال عز وجل: {فَلَمَّآ أَحَسُّوا بَأْسَنَآ} أي عذابنا، يعني قبل أن يُهلكوا، رجع (3/64)
صفحة 1133
إلى قصة من أهلك {إِذَا هُم مِّنْهَا} أي: من القرية {يَرْكُضُونَ} أي: يفرون من العذاب حين جاءهم.
(2/ 391)
لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)
يقول الله عز وجل: {لاَ تَرْكُضُوا} أي: لا تفروا {وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ} يعني نعيمهم الذي كانوا فيه {وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} أي: من دنياكم شيئاً. أي: لا تقدرون على ذلك ولا يكون ذلك، يقال لهم هذا استهزاءً بهم.
{قَالُوا يَا وَيْلَنَآ} وهذا حين جاءهم العذاب {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}.
قال الله عز وجل: {فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ} [يعني قولهم يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ]، {حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ} يعني قد هلكوا.
قوله عز وجل: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} أي: إنما خلقناهما للبعث والحساب والجنة والنار.
قوله عز وجل: {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً} واللهو المرأة بلسان اليمن فيما قال الحسن. وذلك أن المشركين قالوا: إن الملائكة بنات الله. وقد قال في سورة الأنعام: {بَدِيعُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ} [الأنعام: 101].
قال عزّ وجلّ: {بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ} بالحق، أي بالقرآن على (3/65)
صفحة 1134
باطلهم، أي شركهم {فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} أي ذاهب. قال تعالى: {وَلَكُمُ الوَيْلُ} أي: العذاب {مِمَّا تَصِفُونَ} أي: مما تكذبون، لقولهم إن الملائكة بنات الله.
(2/ 392)
وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)
قال تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ} يعني الملائكة {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} أي: ولا يُعيَوْن. {يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ}.
ذكروا عن ابن عباس في تفسيرها قال: انظر إلى بصرك هل يؤودك، أي: هل يثقل عليك، وانظر إلى سمعك هو يؤودك، وانظر إلى نَفَسك هل يؤودك، فكذلك الملائكة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أطّت السماء وحُقَّ لها أن تئط؛ ليس فيها موضع شبر إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد».
ذكروا عن عطاء قال: ليس في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد.
قوله تعالى: {أمِ اتَّخَذُوا ءَالِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ} أي: هم يحيون الموتى، على الاستفهام. أي: قد اتخذوا آلهة لا ينشرون أي لا يحيون الموتى.
قال: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا} (لَوْ كَانَ فِيهِمَا) أي في السماوات (3/66)
صفحة 1135
والأرض (آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ) أي غير الله (لَفَسَدَتَا) أي: لهلكتا. {فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} ينزه نفسه عما يقولون، عما يصفون، أي: عما يكذبون.
(2/ 393)
لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)
قوله عز وجل: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} أي: لا يُسأل عما يَفعل بعباده، وهم يُسألون عن أعمالهم.
قوله عز وجل: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ ءَالِهَةٌ} وهذا وأشباهه استفهام على معرفة. {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} أي: بيّنتكم، في تفسير مجاهد. وقال الحسن: حجّتكم على ما تقولون إن الله أمركم أن تتخذوا من دونه آلهة. أي: ليس عندكم بذلك بيّنة ولا حجّة.
قوله عز وجل: {هذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ} يعني القرآن، يعني ما فيه من الحلال والحرام {وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي} من أخبار الأمم السالفة وأعمالهم، يعني من أهلك الله من الأمم ومن نجّى من المؤمنين، ليس فيه اتخاذ آلهة دون الله. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهم مُّعْرِضُونَ} يعني بقوله: (أَكْثَرُهُمْ) يعني جماعتهم، وقوله عزّ وجلّ: {فَهُم مُّعْرِضُونَ} أي: عن القرآن.
قال عز وجل: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لآ إلهَ إِلآ أَنّا فَاعْبُدُونِ} أي: لا تعبدوا غيري، بذلك أرسل الرسل جميعاً.
قوله عز وجل: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً} قال بعضهم: قالت اليهود: إن الله تبارك وتعالى صاهر الجن فكانت من بينهم الملائكة.
قال الله عز وجل: {سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه عما يقولون. {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} يعني الملائكة، هم كرام على الله. {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ} فيقولون شيئاً لم يقبلوه عن الله {وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِم} من أمر الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ} (3/67)
صفحة 1136
أي: من أمر الدنيا إذا كانت الآخرة. [وقال بعضهم: يعني يعلم ما كان قبل خلق الملائكة وما كان بعد خلقهم]. {وَلاَ يَشْفَعُونَ إلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} أي: لمن رضي عنه {وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} أي: خائفون.
(2/ 394)
وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29) أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)
قوله عزّ وجلّ: {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إلهٌ مِّن دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} نزلت هذه الآية في إبليس خاصة، دعا إلى عبادة نفسه.
وقال الحسن: ومن يقل ذلك منهم، إن قالوه، ولا يقوله أحد منهم. وكان يقول: إن إبليس لم يكن منهم.
قوله عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَ الذِينَ كَفَرُوا} هذا على الخبر في تفسير الحسن {أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} أي: كانتا ملتزقتين إحداهما على الأخرى في قول الحسن، فوضع الأرض ورفع السماء.
وقال الكلبي: إن السماء كانت رتقاً لا ينزل منها ماء ففتقها الله بالماء وفتق الأرض بالنبات.
وقال بعضهم: كانتا جميعاً ففصل الله بينهما بهذا الهواء فجعله بينهن.
وقال مجاهد: كن مطبقات ففتقهن، أحسبه قال بالمطر. وقال مجاهد: ولم تكن السماء والأرض متماسّتين.
قوله عز وجل: {وَجَعَلْنَا مِنَ المَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلاَ يُؤْمِنُونَ} يعني المشركين. وكل شيء حيّ فإنما خلق من الماء.
ذكروا عن أبي هريرة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إذا رأيتك طابت نفسي، وقرّت عيني، فأنبئني عن كل شيء، فقال: كل شيء حيّ خلق من
الماء. فقلت: أنبئني بعمل إذا قمت به دخلت الجنة. قال: أفش السلام، وأطب الكلام، وصل الأرحام، وقم بالليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام.
(2/ 395) (3/68)
صفحة 1137
وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَ [الْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33)
قوله عز وجل: {وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ} يعني الجبال {أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} أي لئلا تحرك بهم. {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً} أي: أعلاماً طرقاً {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي: لكي يهتدوا.
قوله عز وجل: {وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً} [على من تحتها] محفوظاً من كل شيطان رجيم؛ كقوله: {وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} [الحجر: 17] وإنما كانت ها هنا محفوظاً لأنه قال عز وجل: سقفاً محفوظاً، فوقع الحفظ فيها على السقف. وفي الآية الأخرى على السماء. قال بعضهم: سقف محفوظ، وموج مكفوف.
قوله عز وجل {وَهُمْ عَنْ ءَايَاتِهَا} أي: الشمس والقمر والنجوم {مُعْرِضُونَ} لا يتفكرون فيما يرون فيها فيعرفون أن لهم معاداً فيؤمنوا. وقد قال عز وجلّ في آية أخرى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الأَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}.
قوله عز وجل: {وَهُوَ الذِي خَلَقَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}.
ذكروا أن السماء خلقت مثل القبّة، وأن الشمس والقمر والنجوم ليس منها شيء لازق بالسماء، وأنها تجري في فلك دون السماء، وأن أقرب الأرض إلى السماء بيت (3/69)
صفحة 1138
المقدس باثني عشر ميلاً، وأن أبعد الأرض من السماء الأُبلّة.
ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال: الشمس والقمر وجوههما إلى السماء واقفاؤهما إلى الأرض يضيئان في السماء كما يضيئان في الأرض. ثم تلا هذه الآية: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً} [نوح: 15 - 16].
ذكروا أنه قيل لعبد الله بن عمرو: ما بال الشمس تصلانا أحياناً وتبرد أحياناً؟ قال: أما في الشتاء فهي في السماء الخامسة، وأما في الصيف فهي في السماء السابعة، قيل له: فما كنا نراها إلا في هذه السماء الدنيا، قال: لو كانت في هذه السماء الدنيا لم يقم لها شيء.
ذكر بعضهم قال: إن الشمس أدنيت من أهل الأرض في الشتاء لينتفعوا بها، ورفعت في الصيف لئلا يؤذيهم حرها.
قوله: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} قال مجاهد: يدورون كما يدور فلك المغزل. وقال بعضهم: يجرون كهيئة حديد الرحى. وقال الحسن: إن الشمس والقمر والنجوم في طاحونة بين السماء والأرض كهيئة فلكة المغزل يدورون فيها؛ ولو كانت ملتزقة بالسماء لم تجر.
وقال الكلبي: (يَسْبَحُونَ): يجرون. وقال مجاهد في قوله عز وجل: {الشَّمْسُ وَالقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5] قال: حسبان كحسبان الوحي، يعني قطب الرحى الذي تدور عليه الرحى. (3/70)
صفحة 1139
(2/ 396)
وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (39)
قوله: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ} على الاستفهام، أي: لا يخلدون.
قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ المَوْتِ وَنَبْلُوكُم بالشَّرِّ وَالخَيْرِ} أي: بالشّدة والرّخاء {فِتْنَةً} أي: بلاء واختباراً. {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} أي يوم القيامة.
قوله تعالى: {وَإِذَا رَءَاكَ الذِينَ كَفَرُوا} يقوله للنبي عليه السلام {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَذَا الذِي يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ} يقولها بعضهم لبعض، أي: يعيبها ويشتمها. قال الله تعالى: {وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كَافِرُونَ}.
قوله: {خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} يعني آدم، خلق آخر ساعات النهار من يوم الجمعة بعدما خلق الخلق، فلما دخل الرّوح عينيه ورأسه ولم يبلغ أسفله قال: رب استعجل بخلقي قد غربت الشمس. هذا تفسير مجاهد. وقال بعضهم: (مِنْ عَجَلٍ) أي: خلق عجولاً.
قال الله تعالى: {سَأُوريكُمْ ءَايَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} وذلك لما كانوا يستعجلون به النبي عليه السلام من العذاب لما خوفهم به. وذلك منهم استهزاء وتكذيب. قال الحسن: يعني الموعد الذي وعده الله في الدنيا: القتل لهم والنُّصرة عليهم، والعذاب في الآخرة.
قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} هذا قول المشركين للنبي عليه السلام، متى هذا الوعد الذي تعدنا به من أمر القيامة.
قال الله تعالى: {لَوْ يَعْلَمُ الذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} وفيها تقديم؛ أي: إن الوعد الذي كانوا يستعجلون به في الدنيا هو يوم لا يكفّون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون. (3/71)
صفحة 1140
(2/ 397)
بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (40) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (41) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43)
قوله: {بَلْ تَأتِيهِم بَغْتَةً} يعني القيامة {فَتَبْهَتُهُمْ} مباهتة، أي تحيّرهم {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي: ولا هم يؤخّرون.
قوله تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم} [أي: كذَّبوهم واستهزأوا بهم] {مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}. أي: العذاب الذي كانوا يكذبون به ويستهزءون بالرسل إذا خوّفوهم به.
قوله: {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِالّيْلِ وَالنَّهَارِ} أي: من يحفظكم {مِنَ الرَّحْمنِ} أي: هم ملائكة من الرحمن، كقوله: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ} [الرعد: 11] أي: هم من أمر الله، وهم ملائكة الله، وهم حفظاء الله لبني آدم ولأعمالهم، يتعاقبون فيهم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيجتمعون عند صلاة الصبح، وعند صلاة العصر يحفظون العباد مما لم يقدر عليهم ويحفظون عليهم أعمالهم.
ذكروا عن مجاهد قال: ما من آدمي إلا ومعه ملكان يحفظانه في ليله ونهاره، ونومه ويقظته من الجن والإِنس والدواب والسباع والهوام والطير، كلما أراده شيء قالا: إليك حتى يأتي القدر.
وذكر بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من آدمي إلا ومعه ملكان أحدهما يكتب عمله والآخر يقيه ما لم يقدر له».
قال الحسن: هم أربعة أملاك يتعاقبونهم بالليل والنهار.
قوله عز وجل: {بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ} يعني المشركين، هم عن القرآن معرضون.
قوله عز وجل: {أَم لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّنْ دُونِنَا} أي: قد اتخذوا آلهة لا (3/72)
صفحة 1141
تمنعهم من دوننا {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ} أي: لا تستطيع الآلهة لأنفسه نصراً.
{وَلاَ هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} [أي: لا يصحبون من الله بخير في تفسير قتادة].
وقال الحسن: يعني لا تمنعهم من الله إن أراد عذابهم. وكان يقول: إنما تعذب الشياطين التي دعتهم إلى عبادة الأصنام ولا تعذب الأصنام. {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ} يقول: لا تستطيع تلك الأصنام نصر أنفسها إن أراد أن يعذبها. {وَلاَ هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} قال الكلبي: يقول: ولا من عبدها منا يُجارون.
(2/ 398)
بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45)
قوله: {بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلآءِ وءابَآءَهُمْ} يعني قريشاً {حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ} أي: لم يأتهم رسول حتى جاءهم محمد عليه السلام.
{أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنَ أَطْرَافِهَا}. قال ابن عباس: موت فقهائها وعلمائها. ذكر بعضهم قال: موت عالم أحب إلى إبليس من موت ألف عابد.
وقال الحسن: (نَنقُصُهَا مِن أَطْرَافِهَا) بالفتوح على النبي صلى الله عليه وسلم أرضاً فأرضاً. ألا تسمعه يقول: {أَفَهُمُ الغَالِبُونَ} أي: ليسوا بالغالبين، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الغالب.
وقال الحسن: إن الله يبعث قبل يوم القيامة ناراً تطرد الناس من أطراف الأرض إلى الشام، تنزل معهم إذا نزلوا، وترحل معهم إذا رحلوا، فتقوم عليهم القيامة بالشام، وهو قوله: {نَنقُصُهَا مِن أطْرَافِهَا}.
قوه عز وجل: {قُلِ إِنَّمَا أُنْذِرُكُم بِالوَحْيِ} أي: بالقرآن، أي أنذركم به عذاب الدنيا والآخرة، يعني المشركين. قوله عز وجل: {وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ} الصمُّ ها هنا الكفار، صمّوا عن الهدى. (3/73)
صفحة 1142
(2/ 399)
وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)
قوله عز وجل: {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ} أي عقوبة {مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ} يعني النفخة الأولى التي يهلك بها كفار آخر هذه الأمة بكفرهم وجحودهم {لَيَقُولُنَّ} أي إذا جاءهم العذاب: {يَاوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}. وهي مثل الآية الأولى التي في سورة الأعراف: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمُ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا} أي عذابنا {إِلآ أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 5].
قوله تعالى: {وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ} أي العدل {لِيَوْمِ القِيَامَةِ}.
ذكر الحسن أن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، هل يذكر الرجل حميمه يوم القيامة؟ فقال: ثلاثة مواطن لا يذكر الرجل فيها حميمه: عند الميزان حتى ينظر أيثقل ميزانه أم يخف، وعند الصراط حتى ينظر أيجوز أم لا يجوز، وعند الصحف حتى ينظر أبيمينه يأخذ صحيفته أم بشماله.
قوله عز وجل: {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} أي: لا ينقص المؤمن من حسناته ولا يزاد عليه من سيئات غيره، ولا يزاد على الكافر سيئات غيره ولا يجازى في الآخرة بحسنة قد استوفاها في الدنيا.
قال: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} أي: عالمين. وقال الحسن: لا يعلم مثقال الذرِّ والخردل إلاَّ الله، ولا يحاسب العبدَ إلا هو.
«ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يأكلون طعاماً فنزلت هذه الآية: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8]. فأمسك أبو بكر وقال: يا رسول الله، ما من خير عملته إلا رأيته، ولا شراً عملت إلا رأيته؟ فقال: يا أبا بكر، أما ما رأيت مما تكره في الدنيا فمثاقيل الشر، وأما مثاقيل الخير فتلقاك يوم القيامة، ولن يهتك الله ستر عبد فيه مثقال ذرة من خير». (3/74)
صفحة 1143
وقال بعضهم: وبلغني في الكافر أنه ما عمل من مثقال ذرة خيراً يره في الدنيا، وما عمل من مثقال ذرة شرّاً يره في الآخرة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس لا تغترّوا بالله، فإن الله لو كان مغفلاً شيئاً لأغفل الذرة والبعوضة والخردلة».
(2/ 400)
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50) وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51)
قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَد ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الفُرْقَانَ} يعني التوراة. وفرقانها أنه فرّق فيها حلالها وحرامها. {وَضِيَآءً} أي ونوراً {وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ} أي يذكرون به الآخرة.
قوله عزّ وجلّ: {الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ} ذكروا عن مجاهد في قوله عز وجل: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} [سورة ق: 32 - 33] قال: أي يذكر الرجل منهم ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها، وَيَوْجل منها قلبه.
قوله عز وجل: {وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} أي: خائفون وجلون من شر ذلك اليوم؛ وهم المؤمنون.
{وَهذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} يعني القرآن {أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} يعني المشركين، على الاستفهام، أي: قد أنكرتموه.
قوله عز وجل: {وَلَقَد ءَاتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ} أي: هديناه صغيراً، في تفسير مجاهد. وقال الحسن: النبوة. {وَكُنَّا بِهَ عَالِمِينَ} أي: أنه سيبلّغ عن الله (3/75)
صفحة 1144
الرسالة ويمضي لأمره. وهو كقوله: {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124].
(2/ 401)
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61)
قوله عز وجل: {إِذْ قَالَ} إبراهيم {لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ} أي: الأصنام {الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} أي: لها عابدون. {قَالُوا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ}.
{قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: بيّن. {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ} أي: أهزؤ هذا الذي جئتنا به أم حق منك؟.
{قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الذِي فَطَرَهُنَّ} أي: خلقهن وليست هذه الآلهة التي تعبدونها {وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} أي: أنه ربكم. {وَتَاللهِ} يمين، أقسم به {لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ}.
كانوا استدعوه ليوم عيد لهم لهم يخرجون فيه من المدينة، ف {قَالَ: إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] أي: اعتلّ لهم بذلك، ثم قال لما ولّوا: {وَتَاللهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ}. فسمع وعيدَه لأصنامهم رجل منهم استأخر. وهو الذي قال: {سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ}.
قال عزّ وجل: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً} أي: قطعاً قطعاً؛ قطع أيديها وأرجلها، وفقأ أعينها، ونجر وجوهها. {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ} أي أكبر الآلهة وأعظمها في نفوسهم؛ ثم أوثق الفأس في يد كبير تلك الآلهة. {لَعَلَّهُمْ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ} أي كادهم بذلك لعلّهم يبصرون فيؤمنوا.
فلما رجعوا ورأوا ما صُنِع بأصنامهم {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} قال الذي استأخر منهم وسمع وعيد إبراهيم للأصنام {سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ} [أي: يعيبهم] {يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ (3/76)
صفحة 1145
يَشْهَدُونَ} أي: أنه كسرها، فتكون لكم الحجة عليه؛ كأنهم كرهوا أن يأخذوه إلا ببيّنة. فجاءوا به.
(2/ 402)
قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64)
ف {قَالُوا ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِئَالِهَتِنَا يَآإِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْألُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ}.
قال الحسن: إن كذِبَه في مكيدته إياهم موضوع عنه.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث الشفاعة حين يأتون آدم، ثم نوحاً، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمداً صلى الله عليه وسلم، فذكر ما يقول كل نبيّ منهم. فذكر في قول إبراهيم حين سألوه أن يشفع لهم: إني لست هناكم. ويذكر ثلاث كذبات. قوله: {إني سقيم}، وقوله: {فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذَا}، وقوله لامرأته سارّة إن سألوك فقولي: إنه أخي.
وهذا ليس من قول المسلمين، وهذه رواية ليس بالمجتمع عليها. والكذب منفي عن خليل الرحمن. وأما قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} فممّا يعملون من المعاصي، وقد أمرهم بغير ذلك، مثل ما يقول القائل: أسقمني هذا الكلام إذا فعل خلاف ما أمره به. وأما قوله لمرأته سارّة: إن سألوك فقولي إنه أخي، فهي أخته في الدين، وهي أيضاً أخته لأنها ابنة آدم، وهو ابن آدم. وأما قوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذَا}، فتوبيخ، ولا يقع الكذب في التوبيخ. فهذا أولى التأويل بالنبي عليه السلام مما أوردت الرواة إنه كذب ثلاث كذبات. (3/77)
صفحة 1146
(2/ 403)
ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)
قوله عزّ وجل: {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ} أي: خزايا، قد حجَّهم، أي: غلبهم في المحاجة. وقال بعضهم: أصاب القومَ خزية سوء.
{لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلآءِ يَنْطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ} يعني أصنامهم. {أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي: إنها لا تنفعكم.
{قَالُوا حَرِّقُوهُ} بالنار {وَانْصُرُوا ءَالِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ}.
قالوا: فجمعوا الحطب زماناً، حتى أن الشيخ الكبير الفاني الذي لم يخرج من بيته قبل ذلك زماناً كان يجيء بالحطب فيلقيه، يتقرّب به إلى آلهتهم، فيما يزعم. ثم جاءوا بإبراهيم فألقوه في تلك النار. فبلغنا أنهم رموا به في المنجنيق، فكان ذلك أول ما وضع المنجنيق.
فقال الله عزّ وجل: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً} فكادت أن تقتله من البرد. فقال عزّ وجل: {وَسَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} أي: لا تضرّ.
وذكر بعضهم قال: ما انتفع بها يومئذٍ أحد من الناس شرقاً ولا غرباً، ولا أحرقت منه يومئذ إلا وَثَاقه. وبلغنا في حديث آخر أنه لم يطبخ بالنار يومئذ في الأرض كلها.
قال بعضهم: وذكر لنا أنه لم يبق في الأرض دابة إلا كانت تطفئ عن إبراهيم (3/78)
صفحة 1147
النار، إلا الوزغة فإنها كانت تنفخ عليه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها.
(2/ 404)
وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73) وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76)
قال الله عز وجل: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً} أي بحرقهم إياه {فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ} أي: في النار، خسروا أنفسهم، وخسروا الجنة.
قوله عز وجل: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأَرْضِ التِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [يعني الأرض المقدّسة]، أي: هاجر من أرض العراق إلى أرض الشام.
قوله عز وجل: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} النافلة: ابن الابن. وقال الحسن: (نَافِلَةً): عطية. قال عز وجل: {وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ}.
قوله عز وجل: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بأَمْرِنَا} أي: يدعون بأمرنا أي: يُقْتدَى بهم في أمر الله. قوله عزّ وجل: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ} أي: الأعمال الصالحة {وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} أي: مقرّبين بعبادتهم.
قوله عز وجل: {وَلُوطاً ءَاتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} أي: النبوة. {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ القَرْيَةِ التِي كَانَت تَّعْمَلُ الخَبَآئِثَ} يعني أن أهلها كانوا يعملون الخبائث. وكان مما يعملون إتيان الرجال في أدبارهم. قال عزّ وجل: {إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} أي: مشركين. والشرك أعظم الفسق.
قال عز وجل: {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ} أي في الجنة، يعني لوطاً. {ِإِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} والصالحون أهل الجنة.
قوله عزّ وجل: {وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ} وهذا حيث أمر بالدعاء على قومه {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ} أي من الغرق والعذاب. وقال بعضهم: نجّى مع نوح في السفينة امرأته وثلاثة بنين له، ونساءهم، فجميعهم ثمانية. (3/79)
صفحة 1148
وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77) وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79)
قوله عزّ وجل: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ} أي: على القوم {الذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَآ} كقوله عز وجل: {رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} [المؤمنون: 26] {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} فأغرقهم الله.
قال عز وجل: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ} أي: وقعت فيه غنم القوم ليلاً فافسدته. قال بعضهم: النفش بالليل والهمل بالنهار.
وذكر لنا أن غنم القوم وقعت في زرع ليلاً، فرفع ذلك إلى داود فقضى بالغنم لصاحب الزرع. فقال سليمان: [ليس كذلك ولكن] له نسلها ورِسلها وعوارضها وجزازها، ويُزرع له مثل ذلك الزرع، حتى إذا كان من العام القابل كهيئته يوم أُكِل دُفِعت الغنم إلى صاحبها وقبض صاحب الزرع زرعه، فقال الله عزّ وجلّ: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}.
وتفسير الكلبي أن أصحاب الحرث استعدوا على أصحاب الغنم، فنظر داود ثمن الحرث فإذا هو قريب من ثمن الغنم فقضى بالغنم لأهل الحرث. فمرّوا بسليمان فقال: كيف قضى بينكم نبيُّ الله؟ فأخبروه. فقال: نِعمَ ما قضى، وغيره كان أرفق بالفريقين كليهما. فدخل أصحاب الغنم على داود فأخبروه. فأرسل إلى سليمان فدخل عليه، فعزم عليه داود بحق النبوة وبحق الملك وبحق الوالد لَمَا حدثتني كيف رأيتَ فيما قضيتُ. قال سليمان: قد عدل النبي وأحسن، وغيره كان أرفق. قال: ما هو؟ قال: تدفع الغنم إلى أهل الحرث فينتفعون بسمنها ولبنها وأصوافها وأولادها عامهم، وعلى أهل الغنم أن يزرعوا لأهل الحرث مثل الذي أفسدت غنمهم. فإذا كان (3/80)
صفحة 1149
مثله يوم أفسد قبضوا غنمهم. فقال له داود: نِعمَ ما قضيته. قال الكلبي: وكان الحرث عِنَباً.
وقال مجاهد: إن داود أعطى أصحاب الحرث الغنم بأكلها الحرث، وحكم سليمان بجز الغنم وألبانها لأهل الحرث. وعلى أهل الحرث رِعيتُها، ويحرث لهم أهل الغنم حتى يكون كهيئته يوم أكل، ثم يدفعونه إلى أهله ويأخذون غنمهم.
قوله تعالى: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} يعني داود وسليمان، أي لقضائهم شاهدين، {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} أي: عدل القضية.
وكان هذا القضاء يومئذ. وقد تكون لأمة شريعة، ولأمة أخرى شريعة أخرى وقضاء غير قضاء الأمة الأخرى.
وقد ذكروا عن سعيد بن المسيب أن ناقة البراء بن عازب وقعت في حائط رجل من الأنصار فأفسدت فيه، فرفع ذلك إلى النبي عليه السلام فقال: «ما أجد لكم إلا قضاء سليمان بن داوود.» وقضى بحفظ أهل المواشي على أهلها بالليل، وقضى على أهل الحوائط بحفظ حوائطهم بالنهار.
قال بعضهم: فإنما يكون في هذا الحديث أن يضمن ما كان من الماشية بالليل، وليس فيه كيف القضاء في ذلك. وإنما القضاء في ذلك الفساد ما بلغ الفساد من النقصان.
ذكروا عن شريح قال في شاة دخلت بيت حائط نهاراً فأفسدت عمله فاختصما إليه فقال: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ} (3/81)
صفحة 1150
والنفش لا يكون إلا بالليل، [إن كان ليلاً ضمن وإن كان نهاراً لم يضمن]، ولم يجعل فيه شيئاً.
(2/ 406)
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الدابة العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس.» قال بعضهم: وهذا عندنا في حديث النبي عليه السلام في ناقة البراء بن عازب أنه بالنهار، وأما إن أفسدت بالليل فصاحبها ضامن والله أعلم.
قوله تعالى: {وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا} أي: أعطينا {حُكْماً وَعِلْماً} أي فهماً وعقلاً، يعني داوود وسليمان.
قال تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ}. كانت جميع الجبال وجميع الطير تسبح مع داوود بالغداة والعشي، أي: يصلين، ويفقه ذلك داوود. قوله تعالى: {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} أي قد فعلنا ذلك بداوود.
(2/ 407)
وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81)
قوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ} يعني دروع الحديد {لِتُحْصِنَكُم} أي: لِيَجُنَّكم {مِّن بَأْسِكُمْ} والبأس القتال {فَهَل أَنتُمْ شَاكِرُونَ}، فكان داوود أول من عمل الدروع، وكانت قبل ذلك صفائح.
قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً} أي: وسخّرنا لسليمان الريح عاصفة، أي لا تؤذيه. {تَجْرِي بِأَمْرِهِ} أي: مسخّرة تجري بأمره. {إِلَى الأَرْضِ (3/82)
صفحة 1151
التِي بَارَكْنَا فِيهَا} وهي أرض الشام، وأفضلها فلسطين {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ}.
قال بعضهم: ما ينقص من الأرض تراه بالشام، وما ينقص بالشام تراه في فلسطين. [وذلك أنه يقال: إنها أرض المحشر والمنشر، وبها يجتمع الناس].
(2/ 408)
وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82)
قوله تعالى: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ} وهذا على الجماعة {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ} أي: عملاً دون الغوص، وكانوا يغوصون في البحر ويخرجون اللؤلؤ. وقال في آية أخرى: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ} [سورة ص: 37].
قال بعضهم: ورث سليمان داوود نبوته وملكه، وزاد سليمان على ذلك أن سخر له الريح والشياطين.
قوله تعالى: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} أي: حفظهم الله لا يذهبون ويتركونه، وكانوا مسخّرين له.
وقال الحسن: لم يسخر له في هذه الأعمال وفيما يصفد، يجعلهم في السلاسل، من الجن إلا الكفار منهم. واسم الشيطان لا يقع إلا على الكافر من الجن.
وذكر بعضهم قال: أمر سليمان ببناء بيت المقدس فقالوا له: زوبعة الشيطان له عين في جزيرة في البحر، يَرِدها في كل سبعة أيام يوماً. فنزحوها، ثم صبوا فيها خمراً، فجاء لوِرده. فلما أبصر الخمر قال في كلام له: ما علمت، إنك إذا شربك (3/83)
صفحة 1152
صاحبك لَمَماً يظهر عليه عدُوُّه، في أساجع له [لا أذوقك اليوم]. فذهب ثم رجع لظِمء آخر. فلما رآها قال كما قال أول مرة، ثم ذهب فلم يشرب حتى جاء لظمء آخر. [قال: ما علمت إنك لتذهبين الهمَّ في سجع له] فشرب منها فسكر. فجاءوا إليه، فأروه خاتم السخرة، فانطلق معهم إلى سليمان. فأمرهم بالبناء، فقال زوبعة: دُلّوني على عُشّ الهدهد. فدُلَّ على عُشّه. فأكبّ عليه جمجمة، يعني زجاجة. فجاء الهدهد، فجعل لا يصل إليه. فانطلق فجاء بالماس الذي يثقب به الياقوت، فوضعه عليها فَقَطَّ الزجاجة نصفين. ثم ذهب ليأخذه فأزعجوه، فجاءوا بالماس إلى سليمان. فجعلوا يستعرضون به الجبال كأنما يخطّون في نواحيها في الطين.
(2/ 409)
وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)
قوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ} أي: المرض. وقال الحسن: هو كقوله: {أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [سورة ص: 41].
قال الحسن: إن إبليس قال: يا ربّ، هل من عبيدك عبد إن سلطتني عليه امتنع مني؟ قال: نعم، عبدي أيوب. قال: فسلّطني عليه. قال: فسلّطه عليه ليجهد جهده ويضلّه بخباله وغروره، فامتنع منه. قال إبليس: يا ربّ، إنه قد امتنع مني، فسلّطني على ماله. فسلّطه على ماله فجعل يُهلك ماله صنفاً صنفاً، ويأتيه فيقول له: يا أيوب، هلك مالك في كذا وكذا، فيقول: الحمد لله، اللهم أنت الذي أعطيتني، وأنت الذي أخذته منّي، إن تبق لي نفسي أحمدك على بلائك. فقال إبليس: يا ربّ، إن أيوب لا يبالي بماله، فسلّطني على ولده، [فسلطه الله عليهم] فجعل يهلكهم واحداً واحداً حتى هلكوا جميعاً. فقال إبليس: يا رب، إن أيوب لم يبال بولده، فسلّطني على جسده، فسلّطه الله عليه. فمكث سبع سنين وأشهراً حتى وقعت الأكلة في جسده. وبلغنا أن الدودة كانت تقع من جسده فيردّها في مكانها فيقول: كُلِي مما رزقك الله من (3/84)
صفحة 1153
لحمي. قال الحسن: فدعا ربه: {أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [سورة ص: 41] وقال في هذه الآية: {إنّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.
فأوحى الله إليه أن اركض برجلك. فركض برجله ركضة فإذا هو يستطيع القيام، وإذا عين فاغتسل منها، فأذهب الله تبارك وتعالى ظاهر دائه. ثم مشى على رجليه أربعين ذراعاً، ثم قيل له: اركض برجلك أيضاً ركضة، فركض ركضة أخرى [فإذا عين فشرب منها]، فأذهب الله تبارك وتعالى باطن دائه، وردّ عليه أهله وأولاده وأمواله من البقر والغنم والحيوان وكل شيء أهلك بعينه. ثم أبقاه الله فيها حتى وهب الله له من نسولها أمثالها. فهو قوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَءَاتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ}.
وقال الحسن: إن الله أحيى أولاد أيوب بأعيانهم، وكانوا ماتوا قبل آجالهم، وإن الله أبقاهم حتى أعطاه من نسولهم مثلهم. ثم إن إبليس قال: يا أيوب، وهو يأتيه عياناً، اذبح لي سخلة من غنمك، قال: لا، ولا كفّاً من تراب.
ذكروا عن ابن مسعود أنه كان يقول: لا يبلغ العبد الكفر والإِشراك بالله حتى يصلي لغير الله، أو يدعو غير الله، أو يذبح لغير الله.
ذكروا عن الحسن أنه قال: إن الله تبارك وتعالى يحتج على الناس يوم القيامة بثلاثة من الأنبياء، فيجيء العبد فيقول: رب أعطيتني في الدنيا جمالاً فأعجبت به، ولولا ذلك لعملت بطاعتك، فيقول الله: الجمال الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الجمال الذي أعطي يوسف؟ فيقول العبد: بل الجمال الذي أعطي يوسف.
(2/ 410)
فيقول الله: إن يوسف كان يعمل بطاعتي فيحتج عليه بذلك. ويأتي العبد فيقول: يا رب، ابتليتني في الدنيا، ولولا ذلك لعملت بطاعتك، فيقول البلاء: أالبلاء الذي ابتليت به في الدنيا أشد أم البلاء الذي ابتلي به أيوب؟ فيقول العبد: بل البلاء الذي ابتلي به أيوب. فيقول الله: قد كان أيوب يعمل بطاعتي، فيحتج عليه بذلك. ويجيء العبد (3/85)
صفحة 1154
فيقول: يا رب، أعطيتني ملكاً في الدنيا فأعجبت به، ولولا ذلك لعملت بطاعتك، فيقول الله تبارك وتعالى: أالملك الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الملك الذي أعطي سليمان بن داوود؟ فيقول العبد: بل الملك الذي أعطي سليمان بن داوود. فيقول الله: قد كان سليمان يعمل بطاعتي، فيحتج عليه بذلك.
ذكر الحسن أن أيوب لم يبلغه شيء يقوله الناس كان أشد عليه من قولهم: لو كان نبيّاً ما ابتلي بالذي ابتلي به. فدعا الله فقال: اللهمّ إنك تعلم أني لم أعمل حسنة في العلانية إلا عملت مثلها في السرّ، فاكشف ما بي من الضر، وأنت أرحم الراحمين. فاستجاب الله له، فوقع ساجداً، وأمطر عليه فراش الذهب، فجعل يلتقطه ويجمعه.
قوله عز وجل: {رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى للْعَابِدِينَ} أي أن الذي كان ابتلي به أيوب لم يكن من هوانه على الله، ولكن أرادا لله كرامته بذلك. وجعل ذلك عزاء للعابدين بعده فيما يبتلون به. وهو قوله عزّ وجل: {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ}.
(2/ 411)
وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85)
قوله عزّ وجلّ: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} ذكروا أن ذا الكفل لم يكن نبياً، ولكنه كان عبداً صالحاً تكفّل بعمل رجل صالح عند موته، كان يصلّي لله كل يوم مائة صلاة، فأحسن الله عليه الثناء.
وذكروا عن مجاهد أنه قال: ذو الكفل كان رجلاً صالحاً، وليس بنبي. تكفل لنبي بأن يكفل له أمر قومه ويقيمه لهم، ويقضي بينهم بالعدل. (3/86)
صفحة 1155
(2/ 412)
وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)
قوله عز وجل: {وَأَدْخَلْنَاهُم فِي رَحْمَتِنَآ إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ} والصالحون هم أهل الجنة.
قوله عز وجل: {وَذَا النُّونِ} يعني يونس. وقال عزّ وجل في آية أخرى: {وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحُوتِ} [سورة ن: 48]. والحوت هو النون. {إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} أي: لقومه {فَظَنَّ أن لَّنْ نَّقْدِر عَلَيْهِ} أي: أن لن نعاقبه.
وبلغنا والله أعلم أن يونس دعا قومه زماناً إلى الله عز وجل. فلما طال ذلك وأبوا أوحى الله إليه أن العذاب يأتيهم يوم كذا وكذا. فلما دنا الوقت تنحّى عنهم. فلما كان قبل الوقت بيوم جاء فجعل يطوف بالمدينة وهو يبكي ويقول: يأتيكم العذاب غداً. فسمعه رجل منهم فانطلق إلى الملك، فأخبره أنه سمع يونس يبكي ويقول: يأتيكم العذاب غداً.
فلما سمع الملك ذلك دعا قومه فأخبرهم بذلك وقال: إن كان هذا حقاً فسيأتيكم العذاب غداً، فاجتمِعوا حتى ننظر في أمرنا، فاجتمعوا، فخرجوا من المدينة من الغد، فنظروا فإذا بظلمة سوداء وريح شديدة قد أقبلت نحوهم، فعلموا أنه الحق. ففرّقوا بين الصبيان وبين أمهاتهم، وبين البهائم وبين أمّهاتها، ولبسوا الشعر، وجعلوا التراب والرماد على رؤوسهم تواضعاً لله، وتضرّعوا إليه وبكوا وآمنوا. فصرف الله عليهم العذاب. فاشترط بعضهم على بعض ألا يكذب أحد كذبة إلا قطعوا لسانه. (3/87)
صفحة 1156
فجاء يونس من الغد، فنظر فإذا المدينة على حالها، وإذا الناس داخلون وخارجون، فقال: سبحان الله، أمرني ربي أن أخبر قومي أن العذاب يأتيهم فلم يأتهم، فكيف ألقاهم. فانطلق حتى انتهى إلى ساحل البحر، فإذا سفينة في البحر، فأشار إليها، فأتوه فحملوه، وهم لا يَعْرِفونه. فانطلق إلى ناحية من السفينة فتقنّع فرقد. فما مضوا إلا قليلاً حتى جاءتهم ريح فكادت السفينة أن تغرق. فاجتمع أهل السفينة فدعوا الله، ثم قالوا: أيقظوا الرجل يدعو الله معنا، ففعلوا. فدعا الله معهم، فرفع الله عنهم تلك الريح. ثم انطلق إلى مكانه فرقد. فجاءت ريح، فكادت السفينة أن تغرق، فأيقظوه، فدعوا الله ودعا معهم، فرفع الله تبارك وتعالى عنهم الريح.
فتفكر العبد الصالح يونس فقال: هذا من أجل خطيئتي، أو قال: من ذنبي، أو كما قال. فقال لأهل السفينة: شدّوني وثاقاً وألقوني في البحر، فقالوا: ما كنا لنفعل هذا بك وحالك حالك. ولكنا نقترع، فمن أصابته القرعة ألقيناه في البحر. فاقترعوا فأصابته القرعة. فقال: قد أخبرتكم، فقالوا: ما كنا لنفعل. ولكن اقترعوا الثانية، فاقترعوا فأصابته القرعة؛ وهو قول الله عز وجل: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ} [الصافات: 141] أي: من المقروعين، ويقال: من المسهومين. فانطلق إلى صدر السفينة ليلقي نفسه في البحر، فإذا هو بحوت فاتح فاه. ثم انطلق إلى ذنب السفينة، فإذا هو بحوت فاتح فاه، ثم جاء إلى جانب السفينة فإذا هو بحوت فاتح فاه.
(2/ 413)
فلما رأى ذلك صلى الله عليه وسلم ألقى نفسه في البحر، فالتقمه الحوت. فأوحى الله تبارك وتعالى إلى الحوت إني لم أجعله لك رزقاً، ولكن جعلت بطنك له سجناً؛ فلا تكسِرَنّ له عظماً، ولا تقطعَنَّ له شعراً. فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ} كما قال الله: {أَن لاَّ إلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين}. قال الله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي المُؤْمِنِينَ} فأوحى الله إلى الحوت أن يلقيه (3/88)
صفحة 1157
إلى البرّ. قال الله: {فَنَبَذْنَاهُ بِالعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات: 145] أي: وهو ضعيف مثل الصبي الرضيع. فأصابته حرارة الشمس، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، وهي القرعة، فأظلته فنام، فاستيقظ وقد يبست. فحزن عليها، فأوحى الله إليه: أحزنت على هذه الشجرة وأردت أن تهلك مائة ألف أو يزيدون من خلقي؟ فعلم عند ذلك أنه ابتُلِيَ. فانطلق فإذا هو بذود من غنم، فقال للراعي: اسقني لبناً. فقال: ما ها هنا شاة لها لبن. فأخذ شاة منها فمسح بيده على ظهرها، فدرّت، فشرب من لبنها. فقال له الراعي: من أنت يا عبد الله، لَتُخْبِرَنِّي. فقال: أنا يونس، فانطلق الراعي إلى قومه، فبَشّرهم به، فأخذوه وجاءوا معه إلى موضع الغنم، فلم يجدوا يونس. فقالوا: إنا شرطنا لربّنا ألا يكذب منا أحد إلا قطعنا لسانه. فتكلمت الشاة بإذن الله فقالت: قد شرب من لبني، فقالت الشجرة التي استظل بها: قد استظل بي. فطلبوه فأصابوه، فرجع إليهم، فكان فيهم حتى قبضه الله، وهي مدينة يقال لها نينوى من أرض الموصل، وهي على دجلة.
وبلغنا أنه إنما عوقب لأنه إنما خرج من قومه من غير أن يؤذن له بالخروج منهم. وإنما خرج رجاء أن يخافوا فيؤمنوا.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: في دجلة ركب السفينة، وفيها التقمه الحوت، ثم أفضى به إلى البحر، ودار في البحر، ثم رجع في دجلة، فثمَّ نبذه الله بالعراء، وهو البر.
قوله عز وجل: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ} أي: ظلمة البحر وظلمة الليل وظلمة بطن الحوت. {أَن لآ إِلَهَ إِلآ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}. (3/89)
صفحة 1158
(2/ 414)
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)
قال الله عز وجل: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ} أي من ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر {وَكَذَلِكَ نُنجي المُؤمِنِينَ}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دعوة ذي النون التي دعا بها وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لم يدع بها مسلم ربه قط في شيء إلا استجاب الله له».
قوله عز وجل: {وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الوارِثِينَ} فاستجاب الله له.
قال الله عزّ وجلّ: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} قال بعضهم: كانت عاقراً فجعلها الله ولوداً. وقال بعضهم: كان في لسانها طول. ووهب له منها يحيى.
قال الله عز وجل {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ} أي: في الأعمال الصالحات {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً} أي: طمعاً {وَرَهَباً} أي: خوفاً {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [قال مجاهد: متواضعين].
قوله عز وجل: {وَالتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} أي: أحصنت جيب درعها أي: عن الفواحش {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا}. وذلك أن جبريل عليه السلام تناول بأصبعه جيبها فنفخ فيه فصار إلى بطنها فحملت. قال عزّ وجل: {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} أي: أنها ولدته من غير رجل.
قوله عز وجل: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: ملتكم ملة واحدة، أي: دين واحد، وهو الإِسلام. {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}. (3/90)
صفحة 1159
(2/ 415)
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96)
قال عز وجل: {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ} يعني أهل الكتاب.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «افترقت بنو إسرائيل على سبعين فرقة، واحدة في الجنة وسائرها في النار، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرها في النار».
قوله عز وجل: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} يعني البعث.
قوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} أي: لعمله {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} أي: نكتب حسناته حتى نجازيه بها الجنة.
قوله عزّ وجل: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي: لا يتوبون. قال ابن عباس: إنهم لا يرجعون إلى الدنيا.
قوله: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} قد فسَّرناه في سورة الكهف. قال عزّ وجل: {وَهُم مِّنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} قال بعضهم: من كل أكمة ومن كل نجو يخرجون.
ذكروا أن عبد الله بن عمرو قال: إن الله عَزّ وجلّ خلق الملائكة والجن والإنس فجزأهم عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الملائكة، وجزء واحد الجن والإِنس، وجزأ الملائكة عشرة أجزاء؛ تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذين يسبّحون الليل والنهار لا يفترون، وجزء واحد منهم لرسالته وما يشاء من أمره. وجزّأ الجن والإِنس عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الجن، وجزء واحد الإِنس؛ فلا يولد من الإِنس مولود إلا (3/91)
صفحة 1160
ولد من الجن تسعة. وجزأ الإِنس عشرة أجزاء؛ تسعة منهم ياجوج وماجوج، وسائرهم بنو آدم، يعني ما سوى ياجوج وماجوج من ولد آدم.
وكان الحسن يقول: الإِنس كلهم من عند آخرهم ولد آدم. والجن كلهم من عند آخرهم ولد إبليس.
(2/ 416)
وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)
قوله عزّ وجلّ: {وَاقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ} أي: النفخة الآخرة {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذِينَ كَفَرُوا} أي إلى إجابة الداعي إلى بيت المقدس. {يَاوَيْلَنا} أي يقولون: يا ويلنا {قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا} يعني تكذيبهم بالساعة {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} أي: لأنفسنا.
قوله عز وجل: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} أي: يُحصَب بهم فيها {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} أي: داخلون في تفسير الحسن. يعني الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة الأوثان، لأنهم بعبادتهم الأوثان عابدون للشياطين، وهو قوله عزّ وجل: {أَلَم أعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس: 60].
قال الكلبي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام مقابل باب الكعبة ثم قرأ هذه الآية، فوجد منها أهل مكة وجداً شديداً. فقال ابن الزّبعرى: أرأيت هذه الآية التي قرأت آنفاً، أفينا وفي آلهتنا خاصة أم في الأمم وفي آلهتهم معنا؟ قال: لا، بل فيكم وفي آلهتكم، وفي الأمم وآلهتهم. فقال: خصمتك وربّ الكعبة. قد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمّه، وأن طائفة من الناس يعبدون الملائكة. أفليس هؤلاء مع آلهتنا في النار؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحكت قريش وضجّوا. فذلك قول الله عزّ وجلّ: {وَلَمَّا ضُربَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ} [الزخرف: 57] أي: يضحكون {وَقَالُوا} يعني قريشاً: {أآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58]. (3/92)
صفحة 1161
وقال ها هنا في هذه الآية وفي جواب قولهم: {إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} يعني عيسى والملائكة.
وقال بعضهم: إن اليهود قالت: ألستم تزعمون أن عزيراً في الجنة وأن عيسى في الجنة؟ وقد عُبِدا من دون الله. فأنزل الله: {إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}. فعيسى وعزير ممن سبقت لهم الحسنى، وما عبدوا من الحجارة والخشب والجن وعبادة بعضهم بعضاً وكل ما عبدوا، حصب جهنم.
ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الشمس والقمر ثوران عقيران في النار».
وقال بعضهم: ألستم تقرأون: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} قال: أظنهم يمثلان لمن عبدهما في النار، يوبَّخُون بذلك.
وفي كتاب الله عز وجل: إن الشمس والقمر يسجدان لله، وهو قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ} [الحج: 18].
ذكروا عن عبد الله بن عمر قال: إن الشمس تطلع من حيث يطلع الفجر، وتغرب من حيث يغرب الفجر. فإذا أرادت أن تطلع تقاعست حتى تضرب بالعمد، وتقول: يا رب إني إذا طلعت عُبِدت دونك، فتطلع على ولد آدم كلهم، فتجري إلى المغرب، فتسلّم، ويرد عليها (3/93)
صفحة 1162
، وتسجد فينظر إليها، ثم تستأذن فيؤذن لها حتى تأتي بالمشرق، والقمر كذلك، حتى يأتي عليها يوم تغرب فيه، فتسلّم فلا يُرَدّ عليها، فتسجد فلا ينظر إليها، ثم تستأذن فلا يؤذن لها.
(2/ 417)
فتقول: يا ربّ إن المشرق بعيد ولا أبلغه إلا بجهد، فتحبس فلا يؤذن له، ثم يقال لهما: ارجعا من حيث جئتما، فيطلعان من المغرب كالبعيرين المقرونين، وهو قوله عز وجل: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلآ أَنْ تَأتِيَهُمُ المَلآئِكَةُ} أي بالموت {أَوْ يَأتِيَ رَبُّكَ} أي بأمره {أَوْ يَأتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً} [الأنعام: 158] وهو طلوع الشمس من المغرب.
لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100)
قوله عز وجل: {لَوْ كَانَ هَؤُلآءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا} يعني جهنم، أي: ما دخلوها، أي: لامتنعوا بآلهتهم. قال عز وجل: {وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} أي: العابدون والمعبودون.
قوله عز وجل: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} قال الحسن: الزفير: اللهب. ترفعهم بلهبها حتى إذا كانوا بأعلاها ضربوا بمقامع من حديد فهووا إلى أسفلها سبعين خريفاً.
قال بعضهم: إن أهل النار يدعون مالكاً فيذرهم مقدار أربعين عاماً لا يجيبهم ثم يقول: {إنَّكُم مَّاكِثُونَ} [الزخرف: 77]. ثم يدعون ربهم فيذرهم مقدار عمر الدنيا مرتين ثم يجيبهم: {اخْسَؤُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108] قال: فما نبسوا بعدها بكلمة، ولا كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم، فشبّه أصواتهم بأصوات الحمير أوله زفير وآخره شهيق.
قوله عزّ وجل: {وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ}. ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: إن أهل النار خلود، جعلوا في توابيت من نار، ثم سمّر عليها بمسامير من نار، ثم جعلت التوابيت في توابيت أخرى، تلك التوابيت في توابيت أخرى، فلا يرون أن أحداً يعذَّب في النار غيرهم، ثم تلا هذه الآية: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ (3/94)
صفحة 1163
يَسْمَعُونَ}. قال الحسن: ذهب الزفير بسمعهم فلا يسمعون معه شيئاً.
(2/ 419)
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104)
قوله عز وجل: {إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} أي: صوتها في قول الحسن. وقال ابن عباس: حسيسها: حسّها. قال: ولا صوتاً. وإنها تلظّى على أهلها.
قوله عز وجل: {وَهُمْ فِيمَا اشْتَهَت أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ}.
قال بعضهم: بلغنا أن أهل الجنة يكون في أحدهم الطعام فيخطر على قلبه طعام آخر، فيتحوّل في فيه ذلك الطعام الذي اشتهى. وقال في آية أخرى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف: 71].
قوله تعالى: {لاَ يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكْبَرُ} أي: النفخة الآخرة. قال بعضهم: إذا أيقن أهل النار بالخلود، فعند ذلك يقولون: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا} أي من النار {فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون: 107] فيقول الله: {قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 107 - 108]. فإذا قال ذلك أطبقت عليهم فلم يخرج منهم أحد، فذلك قوله: {الفَزَعُ الأَكْبَرُ}.
قوله: {وَتَتَلَقَّاهُمُ المَلآئِكَةُ} قال الحسن: تتلقاهم بالبشارة حين يخرجون من قبورهم، وتقول لهم: {هَذَا يَوْمُكُمُ الذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}.
قوله: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَآءَ كَطَيَّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} يعني كطيّ الصحيفة التي فيها الكتاب.
ذكروا عن الحسن قال: إن السماء تطوى من أعلاها كما يطوي الكاتب الصحيفة من أعلاها إذا كتبت. (3/95)
صفحة 1164
قوله عزّ وجل: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} أي: كذلك نعيده.
وقال الكلبي إذا أراد الله تبارك وتعالى أن يبعث الموتى أعاد الناس كُلَّهم نطفاً [ثم علقاً ثم مضغاً] ثم عظاماً ثم لحماً، ثم ينفخ فيه أرواحهم. كذلك كان بدؤهم.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ينزل الله مطراً كمني الرجال فتنبت به جسمانهم ولحمانهم كما تنبت الأرض الندى، ثم تلا هذه الآية: {واللهُ الذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فاطر: 9] أي: كذلك البعث.
قوله تعالى: {وَعْداً عَلَيْنَآ} أي: وعداً كائناً، أي: البعث {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} أي: إنا نحن فاعلون.
(2/ 420)
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)
قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ} أي: الكتب التوراة والإِنجيل والفرقان {مِن بَعْدِ الذِّكْرِ} أي: الكتاب الذي عند الله في السماء، وهو أم الكتاب. هذا تفسير مجاهد. {أَنَّ الأَرْضَ} يعني أرض الجنة {يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} وهم المؤمنون.
وقال ابن عباس: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ} أي: زبور داوود {مِن بَعْدِ الذِّكْرِ} أي: التوراة. {أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} أي: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
قوله: {إِنَّ فِي هَذَا} أي: القرآن {لَبَلاَغاً} أي: إلى الجنة {لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} أي: الذين يصلون الصلوات الخمس.
قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} قال بعضهم: من آمن بالله ورسوله تمّت عليه الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن كفر بالله ورسوله عوفي مما عذبت به الأمم (3/96)
صفحة 1165
السالفة، وله في الآخرة النار؛ قال: لأن الله أخّر عذاب كفار هذه الأمة بالاستئصال إلى النفخة الأولى، بها يكون هلاكهم.
(2/ 421)
قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110)
قوله: {قُل إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} وكذلك جاءت الرسل قبل محمد عليه السلام؛ وهو قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لآ إلهَ إِلآ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] أي: لا تعبدوا غيري.
قوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} أي: كفروا {فَقُل ءاذَنتُكُمْ عَلَى سَوَآءٍ} قال بعضهم: على مهل.
قال الحسن: من كذب بي فهو عندي سواء، يعني أن جهادهم كلهم سواء عندي. وهو كقوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ} [الأنفال: 85]، أي: ليكون حكمك فيهم سواء: الجهاد والقتل لهم أو يؤمنوا. وهؤلاء مشركو العرب. وأما أهل الكتاب فإنه يقاتلهم حتى يُسلموا أو يُقروا بالجزية. وجميع المشركين ما خلا العرب بتلك المنزلة. وأما نصارى العرب فقد فسّرنا أمرهم في غير هذه السورة.
وقال بعضهم: (عَلَى سَوَاءٍ): على أمر بيّن.
قوله: {وَإِن أَدْرِي أَقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} يعني به الساعة.
قال: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} أي: ما تسرّون. (3/97)
صفحة 1166
(2/ 422)
وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112)
قوله: {وَإِن أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ}. قال الحسن: أي: لعل ما أنتم فيه من الدنيا، أي: من السعة والرخاء، وهو منقطع زائل، فتنة لكم، أي: بلية لكم {وَمَتَاعٌ} أي: تستمتعون به، يعني المشركين {إِلَى حِينٍ} أي: إلى يوم القيامة. وقال بعضهم: (إِلَى حِينٍ) أي: إلى الموت.
قوله: {قَالَ رَبِّ احْكُم بِالحَقِّ} قال بعضهم: كان النبي عليه السلام إذا دعا على قومه أن يحكم بينه وبين قومه بالحق هلكوا. وقال الحسن: أمره الله أن يدعو أن ينصر أولياءه على أعدائه فنصره الله عليهم.
قوله: {وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} أي: على ما تكذبون، يعني المشركين. (3/98)
صفحة 1167
(2/ 423)
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ} أي: تعرض {كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ} وهذه النفخة الآخرة.
ذكروا عن الحسن قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له، قد فرّق بين أصحاب له السير، إذ نزلت هذه الآية. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها صوته فقال: {يَآأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} حتى انتهى إلى قوله: {وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ}.
فلما سمعوا صوت نبيّهم اعصوصبوا به، فتلاها عليهم، ثم قال: هل تدرون أي يوم ذلكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذلكم يوم يقول الله لآدم: يا آدم (3/99)
صفحة 1168
قم ابعث بعث النار. قال: ربّ، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إنساناً إلى النار، وواحد إلى الجنة».
فلما سمعوا ما قال نبيّهم أبلسوا حتى ما يُجلى أحدهم عن واضحة فلما رأى ما بهم قال: اعملوا وأبشروا [فوالذي نفسي بيده] ما أنتم في الناس إلا كالرقمة في ذراع الدّابة، أو كالشامة في جنب البعير، وإنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه: ياجوج وماجوج ومن هلك [يعني من كفر] من بني إبليس، وتكمل العدّة من المنافقين. فهنالك يهرم الكبير ويشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها. . . إلى آخر الآية.
قال بعضهم: وبلغني أن الكبير يحط يوم القيامة إلى ثلاث وثلاثين [سنة، ويرفع الصغير إلى ثلاث وثلاثين سنة].
(2/ 424)
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3)
قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُّجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} يعني المشرك، يلحد في الله، فيجعل معه آلهة بغير علم أتاه من الله. {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} أي: اجترأ بالمعصية على الله، والشياطين هي التي أمرتهم بعبادة الأوثان. (3/100)
صفحة 1169
(2/ 425)
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)
قوله: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ} تولى إبليس أي: اتبعه {فَأنَّهُ يُضِلُّهُ} تفسير الكلبي: الله يضله. {وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} والسعير اسم من أسماء جهنم.
قوله: {يَآأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنتُم فِي رَيْبٍ} أي: في شكّ {مِّنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّنْ تُرَابٍ} وهذا خلق آدم {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} أي: نسل آدم {ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} يعني (بغير مُخَلَّقَةٍ) السقط. وقال مجاهد: هما السقط جميعاً؛ مخلَّق وغير مخلّق. (وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ) إلى التّمام.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه نطفة أربعين يوماً، ثم يكون علقة أربعين يوماً، ثم يكون مضغة أربعين يوماً، ثم يؤمر المَلَك، أو قال: يأتي الملك، فيؤمر أن يكتب أربعاً: رزقه وعمله وأثره، وشقياً أو سعيداً».
ذكروا عن أبي ذرّ أن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إلى الربّ تبارك وتعالى في راحته، فيقول: يا ربّ، عبدك، أذكر أم أنثى، فيقضي الله فيه ما هو قاض، أشقي أم سعيد، فيكتب ما هو لاق بين عينيه، ثم قرأ أبو ذر من فاتحة سورة التغابن خمس آيات.
قوله: {لِنُبَيِّنَ لَكُمْ} أي: بدو خلقكم {وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ} أي: أرحام (3/101)
صفحة 1170
النساء {مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً} أي: الوقت الذي يولد فيه. {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} يعني الاحتلام {وَمِنْكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ} يعني الهرم. وفيها إضمار، أي: يُتَوفّى من قبل أن يردّ غلى أرذل العمر، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} أي: يصير بمنزلة الصبي الذي لا يعقل.
قوله: {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً} أي: غبراء متهشمة ميتة يابسة. {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} وفيها تقديم، أي: ربت بالنبات وانتفخت، واهتزت بالنبات إذا أنبتت.
قال: {وَأَنبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} أي: حسن. وكل ما ينبت في الأرض فالواحد منه زوج. وحسن ذلك النبات أنها تنبت ألواناً من صفرة وحمرة وخضرة وغير ذلك من الألوان.
(2/ 426)
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8)
قال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ} والحق اسم من أسماء الله. {وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: أن الذي أخرج من هذه الأرض الهامدة الميّتة ما أخرج من النبات قادر على أن يحيي الموتى.
قال عز وجل: {وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا} أي: لا شك فيها {وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ}.
قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: المشرك يلحد في الله، فيجعل معه الآلهة يعبدها بغير علم أتاه من الله {وَلاَ هُدىً} أتاه منه. {وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} أي: قضى بعبادة الأوثان. (3/102)
صفحة 1171
(2/ 427)
ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12)
{ثَانِيَ عِطْفِهِ} أي: ثاني رقبته. تفسير مجاهد، يقول: هو معرض عن الله وعن رسوله ودينه. {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} أي: القتل {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَذَابَ الحَرِيقِ} أي: عذاب جهنم، أي: يحترق بالنار. وقال الكلبي: إنها نزلت في النضر بن الحارث فقتل، أحسبه قال: يوم بدر.
{قَالَ: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}.
قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ} أي: على شك {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ} [يقول رضي به] {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} هذا المنافق إذا رأى في الإِسلام رخاء وطمأنينة طابت نفسه لما يصيبه من ذلك الرخاء، وقال: أنا منكم ومعكم، وإذا رأى في الإِسلام شدة أو بلية لم يصبر على بليتها، ولم يَرْجُ عاقبتها، {انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} أي: كافراً. قال الله: {خَسِرَ الدُّنْيَا} أي: ذهبت عنه وزالت {وَالأخِرَةَ} أي: وخسر الآخرة فلم يكن له فيها نصيب. قال الله: {ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ}.
قوله: {يَدْعُوا مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ} يعني الوثن {ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ البَعِيدُ} (3/103)
صفحة 1172
(2/ 428)
يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16)
قال: {يَدْعُوا لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ} يعني الوثن، ينفق عليه وهو كلٌّ عليه. يقول الله {لَبِئسَ المَوْلَى} أي: الولي {وَلَبِئسَ العَشِيرُ} أي: الصاحب، يعني الوثن.
قوله: {إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}. قد فسّرناه قبل هذا الموضع.
قوله: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالأَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ}. يعني المنافق. أي: إنه يئس من أن ينصر الله محمداً عليه السلام، أي: لا يصدق بما وعد الله رسوله من نصره في الدنيا والآخرة، ونصره في الآخرة الجنة.
قال عزّ وجلّ: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ} أي: بحبل إلى السماء، أي: سماء البيت، أي: سقف البيت، أي: فليعلّق حبلاً من سقف البيت فليختنق حتى يموت. يعني بقوله عزّ وجلّ: {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} فليختنق. قال: فلينظر هل يذهبن ذلك غيظه، أي: إن ذلك لا يذهب غيظه.
وقال مجاهد: (أَن لَّنْ يَنصُرَهُ اللهُ) أي: أن لن يرزقه الله.
قال: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ} أي: القرآن {ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي: الحلال والحرام والفرائض والأحكام {وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ}. (3/104)
صفحة 1173
قوله: {إِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَالذِينَ هَادُوا} أي: اليهود تهوّدوا {وَالصَّابِئِينَ} هم قوم كانوا يعبدون الملائكة، ويقرأون الزبور {وَالنَّصَارَى} أي: تنصرّوا. وإنما يقال لهم نصارى لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة. {وَالمَجُوسَ} وهم عبدة الشمس والقمر والنار {وَالذِينَ أَشْرَكُوا} أي: عبدة الأوثان {إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ} أي: فيما اختلفوا فيه في الدنيا، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل جميع هؤلاء النار، على ما أعد لكل قوم، وقد ذكرنا ذلك في سورة الحجر في قوله تعالى: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} [الحجر: 44].
قوله: {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي: شاهد على كل شيء، وشاهد كل شيء.
قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ} يعني أن جميع من في السماوات يسجدون له، وبعض أهل الأرض، يعني الذين يسجدون له وكان الحسن لا يعدّ السجود إلا من المسلمين، ولا يعدّ ذلك من المشركين. وقال مجاهد: يسجد المؤمن طائعاً ويسجد كل كافر كارهاً. {وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ} كلها {وَالجِبَالُ} كلها {وَالشَّجَرُ} كلها {وَالدَّوَآبُّ} كلها. ثم رجع إلى صفة الإِنسان فاستثنى فيه فقال:
{وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ} يعني المؤمنين {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذَابُ} يعني من لم يؤمن. قال الله عز وجل: {وَمَن يُهِنِ اللهُ} فيدخله النار {فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} فيدخله الجنة {إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}.
قوله: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}. قال بعضهم: اختصم المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نبيُّنا قبل نبيّكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن خير منكم. وقال المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها، ونبينا خاتم (3/105)
صفحة 1174
النبيين، ونحن أولى بالله منكم، فأفلج الله أهل الإِسلام فقال: {هذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارْ. . .} إلى آخر الآية، وقال: {إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً. . .} إلى آخر الآية.
ذكروا عن الحسن في قوله: {هذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا} قال: أهل الكتاب خصم والمؤمنون خصم؛ اختصموا، يعني جماعتهم، كل مؤمن وكافر إلى يوم القيامة قد اختصموا في الله وإن لم يلتقوا في الدنيا قط لاختلاف الملتين. أما المؤمن فوحد الله وعمل بفرائضه فأخبر الله بثوابه، وأما الكافر فألحد في الله وعبد غيره، فأخبر الله بعقابه.
وقال بعضهم: نزلت في ثلاثة من المؤمنين وثلاثة من المشركين الذين تبارزوا يوم بدر. فأما الثلاثة من المؤمنين فعبيدة بن الحارث، وحمزة بن عبد المطلب، وعلي ابن أبي طالب رضي الله عنهم. وأما الثلاثة من المشركين فعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة. قوله: {فَالذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ}. وقال في آية أخرى: {سَرَابِيلُهُم} أي: قمصهم {مِّن قَطِرَانٍ} [إبراهيم: 50] قال الحسن: القطران الذي يطلى به الإِبل. وقال مجاهد من صفر. قال الحسن: وهي من نار.
قوله: {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الحَمِيمُ} وهو الحار الشديد الحر. {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالجُلُودُ} أي: ويحرق به الجلود. وقال الحسن: أي: يقطع به. وقال مجاهد: يذاب به. وقال الكلبي: ينضج به. وهو كله نحو واحد. قال تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم} [النساء: 56] وقال: {ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ} [أل عمران: 181]. (3/106)
صفحة 1175
(2/ 430)
وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)
قوله تعالى: {وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} أي: من نار. يقمع رأسه بالمِقعة فتخرق رأسه فيُصبَّ فيه الحميم حتى يبلغ جوفه.
ذكر أن أبا العوام سادن بيت المقدس قرأ هذه الآية: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر: 30] فقال [للقوم: ما تقولون؟] تسعة عشر ملكاً أو تسعة عشر ألف ملك. فقالوا: الله أعلم. فقال: هم تسعة عشر ملكاً، بيد كل ملك مرزبة من حديد لها شعبتان، فيضرب بها الضربة فيهوى بها سبعين ألف عام في النار.
قوله: {كُلَّمَآ أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا} قال الحسن: ترفعهم بلهبها فإذا كانوا في أعلاها قمعتهم الملائكة بمقامع من حديد من نار، فيهوون فيها سبعين خريفاً. قال الله: {وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ}.
وقوله: {إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً}. ذكروا عن سعيد بن المسيب أنه قال: ليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ؛ وهو قوله: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِن أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} وقال في آية أخرى: {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} [الإِنسان: 21].
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الرجل من أهل الجنة إذا بدا سواره يغلب ضوءه على ضوء الشمس».
قوله: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} وقال في آية أخرى: {وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} [الكهف: 31].
قوله: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ} أي: إلى لا إله إلا الله، في تفسير (3/107)
صفحة 1176
الكلبي. وقال الحسن: إلى الإِيمان في الدنيا، وهو واحد. قال: {وَهُدُوا} أي: في الدنيا {إِلَى صِرَاطِ الحَمِيدِ} وهو الله. وهو كقوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] أي: إلى الجنة {صِرَاطِ اللهِ} [الشورى: 53] أي: طريق الله الذي هدى به عباده المؤمنين إلى الجنة.
(2/ 431)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)
قوله: {إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ} أي: الهدى، يعني المشركين {وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ} أي: ويصدّون عن المسجد الحرام {الذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} أي: قِبلة ونسكاً. وقوله: {سَوَاءٌ العَاكِفُ فِيهِ} أي: الساكن فيه {وَالبَادِ}.
قال بعضهم: العاكف فيه أهل مكة، والبادي من يقصده، أي: ينتابه من الناس للحج والعمرة، وهما سواء في حرمه ومناسكه وحقوقه.
قوله: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} أي: بشرك {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}.
قال بعضهم: من لجأ إلى حرم الله ليعبد فيه غير الله عذّبه الله. تفسير الكلبي: الإِلحاد: الميل عن عبادة الله إلى الشرك.
قوله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ} ذكروا عن ابن عباس أنه قال: موضع البيت [ربوة بيضاء حولها] حجارة موسومة حولها حرجة من سَمُر نابت. فهو قوله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ} أي: أعلمناه {مَكَانَ البَيْتِ}.
قوله: {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} أي: من عبادة الأوثان وقول الزور والمعاصي. (3/108)
صفحة 1177
ذكروا أن عائشة قالت: كسوة البيت على الأمراء، ولكن طيِّبوا البيت فإن ذلك من تطهيره.
قوله: {لِلطَّآئِفِينَ وَالقَآئِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (لِلطَّآئِفِينَ) يعني أهل الطواف، (والقَآئِمِينَ) يعني أهل مكة، (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) يعني أهل الصلاة يصلّون إليه.
(2/ 432)
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)
وقوله: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} ذكروا أن إبراهيم نادى: يا أيها الناس، إن لله بيتاً فحُجوه، فأسمع ما بين الخافقين أو المشرقين، فأقبل الناس يقولون: لبّيك لبّيك؛ وبلغنا أنه أجابه يومئذ من كان حاجاً إلى يوم القيامة.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: قام إبراهيم عند البيت فأذّن في الناس بالحج، فسمعه أهل المشرق والمغرب.
وذكروا عن ابن عباس قال: إن إبراهيم وإسماعيل بنَيَا البيت. فلما أقبل أذّن في الناس بالحج، فجعل لا يمر بأحد إلا قال: يا أيها الناس بني لكم بيت فحجّوه، فجعل لا يسمعه حجر ولا شجر إلا أجابه: لبّيك اللهم لبّيك.
وذكروا عن ابن عباس قال: لما أمر إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج خفضت الجبال رؤوسها، ورفعت له القرى، فأذّن في الناس بالحج.
قوله: {يَأتُوكَ رِجَالاً} أي: مشاة {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ}. قال بعضهم: أو يأتوك على كل ضامر، أي: الإِبل. قال بعضهم: أي لا تبلغه المطي حتى تَضمُر.
قوله: {يَأتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} أي: من كل فج بعيد. قال بعضهم: (عَمِيقٍ) ما بين تهامة والعراق، ويؤتى من أبعد من ذلك. (3/109)
صفحة 1178
(2/ 433)
لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)
قوله: {لَّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} قال مجاهد: الأجر في الآخرة والتجارة في الدنيا. وذلك أنهم كانوا يتبايعون في الموسم، فكانت لهم في ذلك منفعة. وقال في آية أخرى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 198] أي: التجارة في الموسم.
قوله: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} وهي عشر ذي الحجة، آخرها يوم النحر. {عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ} أي: يسمّي إذا ذبح أو نحر. والأضحى ثلاثة أيام: يوم النحر ويومان بعده. ويوم النحر أفضلها.
وقال بعضهم: هذا بمكّة؛ الأضحى ثلاثة أيام، سعةً لمن لم يجد البُدن في يوم النحر، فوسّع لهم، فجعل الأضحى ثمَّ ثلاثة ايام. فأما بغير مكة، فالأضحى يوم النحر، وهو يوم واحد لا غير.
قوله: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَآئِسَ الفَقِيرَ} قال مجاهد: الضعيف الفقير. وقال بعضهم: الفقير الذي به زمانة.
وذكروا عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: أُطعِمُ البائس الفقير ثلثاً، والقانع والمعتر ثلثاً، وأهلي ثلثاً.
وذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه بعث بهدية مع علقمة فأمره أن يأكل هو وأصحابه ثلثاً، وأن يبعث إلى أهل عتبة بن مسعود ثلثاً، وأن يطعم المساكين ثلثاً.
وذكروا عن سعيد بن المسيب قال: ليس لصاحب البدنة إلا ربعها، وذكروا عن الحسن أنه قال: لا يطعم من الضحية إلا ربعها. (3/110)
صفحة 1179
ذكروا عن ابن عمر أنه كان يقول: فكلوا منها وأطعموا منها، وأطعموا منها وكلوا منها سواء؛ لا بأس أن يطعم منها قبل أن يأكل.
ذكروا عن الحسن قال: هذه مقدمة مؤخرة: فكلوا منها وأطعموا منها، وأطعموا منها فكلوا؛ لا بأس أن يطعم قبل أن يأكل [وإن شاء لم يأكل].
ذكروا عن عائشة، ابنة سعد بن مالك، أن أباها كان يأكل من بدنته قبل أن يطعم.
ذكروا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قِدر، فطبخت. فأكل هو وعلي من لحمها وحسوا من مرقها.
(2/ 434)
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)
قوله: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ} قال بعضهم: التفث حلق الرأس. وقال عطاء: التفث حلق الشعر وقطع الأظفار. وقال مجاهد: التفث حلق الرأس وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط وحلق العانة، ورمي الجمار. ذكر بعضهم قال: التفث دلك الشعث ودلك القشف.
وفي تفسير عمرو عن الحسن: [إزالة] قشف الإِحرام، برميهم الجمار يوم النحر فقد حلّ له كل شيء غير النساء والطيب.
ذكروا عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كان يقول: من رمى الجمار يوم النحر فقد حلّ له كل شي إلا النساء والطيب.
قوله: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} قال بعضهم: أيام عظَّمها الله، تحلو فيها الأشعار، ويوفى فيها بالنذر، وتذبح فيها الذبائح. (3/111)
صفحة 1180
ذكروا أن مجاهد قال: نذر الحج والهدي، وما نذر الإِنسان على نفسه من شيء يكون في الحج.
قوله: {وَلْيَطَّوَّفوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ}. قال بعضهم: أعتقه الله من الجبابرة. وقال بعضهم: كم من جبّار مترف قد صال إليه يريد أن يهدمه، فحال الله بينه وبينه.
ذكر الحسن بن مسلم قال: قلت لمجاهد: لم سمّى البيت العتيق؟ قال: لم يُرِده أحد بسوء إلا هلك. قال الحسن: البيت العتيق أول بيت وضع للناس.
قال بعضهم في قوله: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ}. قال: هو الطواف الواجب. ذكروا عن عطاء أنه كان لا يرى بأساً أن يطاف الطواف الواجب بالليل.
وقال مجاهد: هو طواف يوم النحر. قال مجاهد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه فأفاضوا نهاراً يوم النحر، وأفاض هو ليلاً لحال نساء كن معه. فما أفاض منا أحد حتى كان النفر الآخر.
(2/ 435)
ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33)
قوله: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِندَ رَبِّهِ} قال مجاهد: الحرمات: مكة والحج والعمرة، وما يخفى الله عنه من معاصيه كلها.
قوله: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} في سورة المائدة، أي: من {المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالمُنْخَنِقَةُ وَالمَوْقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] وقد فسّرنا ذلك في سورة المائدة.
قوله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} يقول: اجتنبوا الأوثان فإنها رجس. (3/112)
صفحة 1181
{وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} الكذب على الله، يعني الشرك.
قال: {حُنَفَآءَ لِلَّهِ} أي: مخلصين لله، وقال بعضهم: حجّاجاً لله مخلصين. {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}.
قوله: {وَمَن يُشْركْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ} أي: سقط من السماء، أي: من البعد من الله {فَتَخْطفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} أي: في مكان بعيد.
قال الحسن: شبه الله أعمال المشركين بالشيء يخر من السماء فتخطفه الطير فلا يصل إلى الأرض، أو تهوي به الريح في مكان سحيق، أي: بعيد، فيذهب فلا يوجد له أصل، ولا يرى له أثر. يعني أنه ليس لأعمال المشركين عند الله قرار لهم به عنده خير في الآخرة.
قوله: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ} تفسير مجاهد: استعظام البدن واستسمانها واستحسانها.
ذكروا أن رجلاً سأل ابن عمر عن أعظم الشعائر فقال: أوفي شك أنت منها، هذا أعظم ا لشعائر، يعني البيت. وتفسير الحسن {شَعَائِرَ اللهِ} يعني دين الله كله.
قوله: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً} ذكر عطاء عن ابن عباس قال: الأجل المسمى إلى أن تُقَلَّد وتُشْعَر، وهي البُدْن ينتفع بظهرها ويستعان بها.
{ثُمَّ مَحِلُّهَآ} أي: إذا قلدت وأشعرت {إِلَى الْبَيْتِ العَتِيقِ}. وقال مجاهد أيضاً: هي البدن ينتفع بها حتى تقلد. (3/113)
صفحة 1182
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة فقال: «اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها ويحك».
ذكر عطاء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل على بدنته العقب.
ذكروا أن جابر بن عبد الله سئل عن ركوب البدنة فقال: سمعت رسول الله يقول: «اركبها بالمعروف حتى تجد ظهراً».
ذكروا عن هشام بن عروة عن أبيه قال: البدنة إن احتاج سائقها فإنه يركبها غير فادح، ويشرب من فضل فصيلها.
ذكروا عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشعر بدنته من جانب السنام الأيمن، ثم سلت عنها الدم، ثم قلّدها نعلين.
ذكروا عن ابن عمر أنه أشعر الهدي من جانب السنام الأيسر، إلا القلوصين الصعبين فإنه كان يطعنهما بالحربة، هذا من الأيمن وهذا من الأيسر.
(2/ 436)
قوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ}. ذكروا عن عطاء قال: كل هدي دخل الحرم ثم عطب فقد بلغ محِلّه إلا هدي المتعة فإنه لا بد أن يهرق دماً يوم النحر. وروى بعضهم عن عطاء قال: إلا هدي المتعة وهدي المحصر بالحج. (3/114)
صفحة 1183
ذكروا عن عائشة أنها قالت: إذا عطب الهدي فكلوه، ولا تدعوه للكلاب والسباع؛ فإن كان واجباً فاهدوا مكانه هدياً آخر، وإن لم يكن واجباً فإن شئتم فاهدوا، وإن شئتم فلا تهدوا.
ذكروا عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بالبدن مع رجل، وأمره فيها بأمره. فلما قفّى رجع فقال: ما أصنع بما أزحف منها؟ قال: انحرها واصبغ أخفافها في دمها، ثم اضرب به صفحتها؛ وربما قال اليمنى، وربما لم يقل، ثم لا تأكل منها أنت ولا رفقتك، وخلِّ بينها وبين الناس يأكلونها. وهذا في التطوع.
وذكر ذلك غير واحد عن ابن عباس إلا أن بعض رواة ابن عباس قال في البدنة التطوع إذا أصيبت: ينحرها ويجعل أخفافها في دمها ولا يأكل منها. وذكر مجاهد عن ابن عباس قال: إذا أكلت من التطوع فأبدل.
(2/ 437)
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34)
قوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} أي: حجاً وذبحاً {لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ}. وقد فسّرناه في الآية الأولى.
قوله: {فَإِلهُكُمْ إلهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا} يقوله للمشركين. قوله: {وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ} تفسير الحسن أن المخبتين هم الخاشعون. والخشوع المخافة الثابتة في (3/115)
صفحة 1184
القلب. وقال بعضهم: المخبتون المطمئنون بالإِيمان كقوله: {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 54] أي: خافت قلوبهم، أي: فتطمئن قلوبهم. وقال: {الذِينَ ءَامَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ} [الرعد: 28].
(2/ 438)
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)
قوله: {الذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: خافت قلوبهم {وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَآ أَصَابَهُمْ وَالمُقِيمِي الصَّلاَةِ} أي: المفروضة، وهي الصلوات الخمس يحافظون على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها. {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} أي: الزكاة المفروضة.
قوله: {وَالبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّنْ شَعَآئِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} أي: أجر في نحرها والصدقة منها، تتقربون إلى الله.
قوله: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ} ذكروا عن الحسن قال: مخلصين لله؛ فهي على هذا المقرإ [غير] مثقلة على هذا التفسير. وكان مقرأ الحسن - فيما ذكروا عنه-: صوافِيَ، أي: صافية لله تعالى.
ذكروا عن مجاهد قال: (صَوَآفَّ): معلقة قياماً.
ذكروا عن ابن عمر أنه كان ينحرها وهي قائمة، تصف بين أيديها بالقيود؛ ويتلو هذه الآية: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ}. وهي على هذا التفسير [غير] مخففة: صوافّ، أي: مصفوفة بالحبال، معقولة يدها اليمنى، وهي قائمة على ثلاث، كذلك ينحرها من نحرها في دار المنحر بمنى.
وهي قراءة ابن مسعود: (صوافن). يعني مثل قوله تعالى: {الصَّافِنَاتُ ا (3/116)
صفحة 1185
لجِيَادُ} [سورة ص: 31]؛ يعني الفرس إذا صفن، أي: رفع إحدى رجليه فقام على طرف الحافر.
ذكروا عن عمرو بن دينار قال: رأيت عبد الله بن الزبير على برذون له أشعر أوجرها الحربة وهي قائمة. قال: ورأيت ابن عمر ينحر البدن وهي باركة، ورجل يعينه.
ذكروا عن عائشة بنت سعد [بن مالك] أن أباها كان ينحرها وهي باركة.
ذكروا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر من بدنه بيده ثلاثاً وستين، ثم أعطى علياً الحربة فنحر ما بقي.
ذكروا عن ابن عمر أنه كان إذا أراد أن ينحرها استقبل بها القبلة ونزع عنها جلالها لكي لا تخضب بالدم، وكان يحب أن يلي نحرها بنفسه.
قوله: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} أي: إذا نحرت فسقطت جنوبها على الأرض من قيام أو بروك.
ذكروا عن القاسم بن محمد أنه كان إذا أراد أن ينحرها يصف بين أيديها وهي قائمة، ويمسك رجل بخطامها ورجل بذنبها، ثم يطعنها بالحربة، ثم يجبذانها حتى يصرعاها، وكان يكره أن تعرقب. (3/117)
صفحة 1186
قوله: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالمُعْتَرَّ}. قال بعضهم: القانع: القاعد في بيته لا يسأل الناس، والمعتر الذي يتعرض لك يسألك؛ ولكل عليك حق.
وقال مجاهد: القانع: السائل الذي يقنع بما أعطى، والمعتر: القاعد في بيته لم يشعر بما اعتراه. وقد فسّرنا إطعامهم في الآية الأولى.
قوله: {كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: لكي تشكروا.
(2/ 439)
لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)
قوله: {لَن يَّنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا} وقد كان المشركون يذبحون لأصنامهم، ثم ينضحون دماءها حول البيت.
قال: {وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} يعني من آمن بالله. {كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} أي: الأنعام {لِتُكَبِّرُوا اللهَ} أي: لتعظموا الله {عَلَى مَا هَدَاكُمْ} وقال في الآية الأخرى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج: 28] أي: إذا ذبحوا.
والسنّة إذا ذبح أو نحر أن يقول: باسم الله وبالله والله أكبر.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين عظيمين، يذبحهما بيده، ويطأ على صفاحهما، ويسمّي ويُكبِّر.
ذكروا عن الحسن أنه كان إذا ذبح الضحية قال: بسم الله والله أكبر، اللهم منك وإليك.
قال: {وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ} أي: بالجنة. (3/118)
صفحة 1187
(2/ 440)
إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39)
قوله: {إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الذِينَ ءَامَنُوا} قال الحسن يدافع عنهم فيعصمهم من الشيطان في دينهم. قال بعضهم: والله ما ضيّع الله رجلاً قط حفظ له دينه.
قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} ذكروا عن الحسن في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً لِّيُعَذِّبَ اللهُ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالمُشْرِكِينَ وَالمُشْرِكَاتِ} [الأحزاب: 72 - 73] قال: والله إن اللذين ظلماها، والله إن اللذين خاناها المنافق والمشرك. وهي خيانة دون خيانة.
قوله: {أُذِنَ لِلذينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} أي: ظلمهم المشركون فأخرجوهم من ديارهم، أي: من مكة في تفسير الحسن. على هذا خرجوا من مكة إلى المدينة مهاجرين. وكانوا يمنعون من الخروج إلى المدينة، فأدركهم المشركون، فأذن للمؤمنين بقتالهم فقاتلوهم.
[قال بعضهم]: وكان من كان يومئذ بمكة من المسلمين قد وضع عنهم القتال. فهو قوله: {أُذِنَ لِلذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} أي: أذن لهم بالقتال بعدما أخرجهم المشركون وشرِّدوا حتى لحق طوائف منهم بالحبشة.
قال الله: {وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}. (3/119)
صفحة 1188
(2/ 441)
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)
قوله: {الذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلآ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ} يقول: لما قال المسلمون لا إله إلا الله أنكرها المشركون وضاق بها إبليس وجنوده.
قال الحسن: والله ما سفكوا لهم من دم، ولا أخذوا لهم من مال، ولا قطعوا لهم من رحم، وإنما أخرجوهم لأنهم قالوا ربنا الله. كقوله: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمُ إِلآ أَن يُّؤُمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ} [البروج: 8].
قوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} أي: يدفع عن المؤمنين بدينهم، ويدفع عن الكافرين بالمؤمنين. وقال بعضهم: يبتلي المؤمن بالكافر، ويعافي الكافر بالمؤمن.
قوله: {لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} قال مجاهد: صوامع الرهبان، وقال بعضهم: الصوامع للصابين، قوله: {وَبِيَعٌ} أي: وكنائس النصارى، {وَصَلَوَاتٌ} أي: صلوات اليهود، أي: كنائسهم. {وَمَسَاجِدُ} يعني مساجد المسلمين {يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً} يعني في المساجد.
قوله: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ} أي: ولينصرن الله من ينصر دينه، يعني النصر في الدنيا، والحجة في الآخرة. {إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} أي: قوي في سلطانه، عزيز في نقمته.
قوله: {الذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ} يعني أصحاب النبي عليه السلام. {أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ} أي: بعبادة الله {وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ} أي: عن عبادة الأوثان {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} أي: إليه تصير الأمور. كقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [مريم: 40]. (3/120)
صفحة 1189
(2/ 442)
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)
قوله: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ} يعني الذين بعث الله إليهم شعيباً. قال: {وَكُذِّبَ مُوسَى} أي: كذّبه فرعون وقومه {فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ} والذين كفروا، يعني جميع هؤلاء لم أهلكهم عند تكذيبهم رُسُلهم، حتى جاء الوقت الذي اردت أن أهلكهم فيه. {ثُمَّ أَخَذتُهُمْ} أي: بالعذاب حين جاء الوقت {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي: عقابي، أي: كان شديداً. يحذّر بذلك المشركين.
قوله: {فَكَأَيِّن مِّنْ قَرْيَةٍ} أي: فكم من قرية {أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} يعني أهلكنا أهلها. {فَهِيَ خَاوِيَةٌ} أي: فالقرية خاوية ليس فيها أحد. قد هلك أهلها. فهي خاوية {عَلَى عُرُوشِهَا} أي: على بنيانها. وبعضهم يقول: العروش السقوف، صار أعلاها أسفلها {وَبِئرٍ مُّعَطَّلَةٍ} أي: باد أهلها فعطِّلت {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} أي: مبني معطّل. [معطوف] على قوله معطّلة. وقال الكلبي: المشيد الحصين.
قوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ} يعني المشركين {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَو ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} أي: لو ساروا وتفكروا لعاينوا ما نزل بإخوانهم من الكفار فيتوبون لو كانت لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها. {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التِي فِي الصُّدُورِ} أي: إنما أوتوا من قِبَل قلوبهم. ولو أن رجلاً كان أعمى بعد أن يكون مؤمناً لم يضرّه شيء وكان قلبه بصيراً.
وقال بعضهم: إنما هذه الأبصار التي في الرؤوس جعلها الله منفعة وبلغة، وأما (3/121)
صفحة 1190
البصر النافع فهو في القلب. وذكر لنا أنها نزلت في عبد الله بن زائدة.
ذكروا عن مجاهد قال: لكل عين، يعني نفساً، أربعة عيون: عينان في رأسه لدنياه، وعينان في قلبه لآخرته. فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه لم يضره عماه شيئاً. وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه لم ينفعه [بصره] شيئاً إذا عميت عينا قلبه. قال الله: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التِي فِي الصُّدُورِ}.
(2/ 443)
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51)
قوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} وذلك منهم استهزاء وتكذيب، أي: فإنه لا يكون. {وَلَن يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ} قال الحسن: يعني هلاكهم بالساعة قبل عذاب الآخرة.
قال: {وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} أي: إن يوماً من أيام الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا.
قوله: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} اي: وكم من قرية {أَمْلَيْتُ لَهَا} إلى الوقت الذي أخذتها فيه {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} أي: وهي مشركة، يعني أهلها {ثُمَّ أَخَذتُهَا} أي: بالعذاب {وَإِلَيَّ المَصِيرُ} أي: وإلى الله المصير في الآخرة.
قوله: {قُلْ يَآأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ فَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ} أي: لذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي: الجنة.
قوله: {وَالذِينَ سَعَوْا فِي ءَايَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي: كذبوا بآياتنا معاجزين أي: يظنون أنهم يعجزوننا فيسبقوننا في الأرض حتى لا نقدر عليه فنعذبهم، هذا تفسير (3/122)
صفحة 1191
الحسن. وتفسير مجاهد: معاجزين، أي: مبطئين عن الإِيمان. {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ} والجحيم اسم من أسماء جهنم.
(2/ 444)
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53)
قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلآ إِذَا تَمَنَّى} أي: إذا قرأ، في تفسير بعضهم. وقال مجاهد: إذا قال. وقال الكلبي: إذا حدّث نفسه.
وقال بعضهم: كان النبي قائماً في المسجد الحرام يصلّي وهو يقرأ سورة النجم؛ فلما أتى على هذه الآيات: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالعُزَّى وَمَنَاة الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} [النجم: 19 - 20] ألقى الشيطان على لسانه: إنهن من الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لتُرتجى. فأعجب ذلك المشركين؛ فقرأ السورة حتى ختمها، فسجد وسجد أهل مكة؛ المؤمنون والمشركون، والجن والإِنس؛ فأنزل الله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلآ إِذَا تَمَنَّى}.
قال الله: {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ ءَايَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} يعني المشركين. قال: {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ} يعني المشركين {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي: لفي فراق بعيد أي: إلى يوم القيامة، يعني فراقهم عن الحق. (3/123)
صفحة 1192
(2/ 445)
قوله: {وَلِيَعْلَمَ الذِينَ أُوتُوا العِلْمَ} يعني المؤمنين {أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ} أي: القرآن {فَيُؤمِنُوا بِهِ} أي: فيصدّقوا به {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} أي: فتطمئن له قلوبهم، في قول الكلبي. وقال الحسن: فتخشع له قلوبهم. قوله: {وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الذِينَ ءَامَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: الجنة.
قوله: {وَلاَ يَزَالُ الذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} أي: في شك من القرآن {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً} أي: فجأة. قال الحسن: يعني الذين تقوم عليهم الساعة الدائنين بدين أبي جهل وأصحابه.
قوله: {أَوْ يَأتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} أي: يوم بدر، قبل قيام الساعة. وقال بعضهم: (يَوْمٍ عَقِيمٍ) أي: قوم لا غد له، أي: يهلكون فيه. وقال الحسن: (عَقِيم) أي: شديد.
قوله: {المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} أي: يوم القيامة؛ (يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) أي: بين المؤمنين والكافرين.
قال: {فَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَالذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي: من الهوان.
{وَالذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا} أي: بعد الهجرة {أَوْ مَاتُوا} على فرشهم بعد الهجرة {لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًاً حَسَناً} أي: الجنة {وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ} في الجنة. {وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ}.
قوله: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ} يعني مشركي العرب، إنهم عوقبوا فقتلهم الله بجحودهم النبي عليه السلام، وبظلمهم إياه وأصحابه، وبغيهم عليهم. قال: {لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} النصر في الدنيا: الظهور على المشركين، والحجة عليهم في الآخرة؛ هو كقوله: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا (3/124)
صفحة 1193
وَالذِينَ ءَامَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51] أي: يوم القيامة.
(2/ 446)
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (66) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67)
قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ} وهو أخذ كل واحد منهما من صاحبه {وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ. ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ} والحق اسم من أسماء الله. قوله: {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ}. قال الحسن: الأوثان. وقال بعضهم: إبليس {وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ} أي: الرفيع فلا أعلى منه ولا أرفع. {الكَبِيرُ} أي: لا شيء أكبر منه.
قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً} يعني نباتها، ليس يعني من ليلتها، ولكن إذا أنبتت. {إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ} أي: بخلقه فيما رزقهم. {خَبِيرٌ} بأعمالهم.
قوله: {لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُو الغَنِيُّ} أي: عن خلقه {الحَمِيدُ} أي: المستحمد إلى خلقه، استحمد إليهم، أي: استوجب عليهم أن يحمدوه.
قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ} كقوله: {هُوَ الذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29]، {وَالفُلْكَ تَجْرِي فِي البَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ} أي: لئلا تقع على الأرض {إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.
قوله: {وَهُوَ الذِي أَحْيَاكُمْ} أي: من نطفة {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} يعني البعث. وهو كقوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28]، {إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ} يعني الكافر.
قوله: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} أي: حجّاً وذبحاً، في تفسير بعضهم.
قوله: {هُمْ نَاسِكُوهُ} قال مجاهد: يعني إهراق الدماء، [دماء الهدي] وقال بعضهم: يعني النسك.
قوله: {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ} أي: لا يحوِّلَنَّك المشركون عن هذا الدين الذي أنت عليه، يقوله للنبي عليه السلام. {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} أي: إلى الإِخلاص له قوله: {إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُّسْتَقِيمٍ} أي: على دين مستقيم، وهو الإِسلام، يستقيم بك حتى يهجمُ بك على الجنة. (3/125)
صفحة 1194
(2/ 447)
وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72)
قوله: {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} يقوله للمشركين، يعني ما اختلف فيه المؤمنون والكافرون، فيكون حكمه فيهم أن يدخل المؤمنين الجنة، ويدخل الكافرين النار.
قوله: {أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَآءِ وَالأَرْضِ} أي: قد علمت أن الله يعلم ما في السماء والأرض. {إنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ} [أي: هيِّن حين كتبه].
قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} أي: حجة بعبادتهم {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} أي: إن الأوثان ما خلقت مع الله شيئاً ولا رزقت شيئاً {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} أي: المشركين {مِن نَّصِيرٍ}.
قوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي: القرآن {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الذِينَ كَفَرُوا المُنْكَر يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِنَا} أي: يكادون يقعون بهم، أي: بأنبيائهم فيقتلونهم، في تفسير الحسن. قال: وهو كقوله: {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأخُذُوهُ} [غافر: 5] أي: ليقتلوه. وقال مجاهد: يعني كفار قريش. (3/126)
صفحة 1195
قوله: {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ} يعني بشرٍّ من قتل أنبيائهم {النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الذِين كَفَرُوا وَبِئْسَ المَصِيرُ} أي: النار.
(2/ 448)
يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)
قوله: {يَآأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} يعني المشركين {إِنَّ الذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} يعني الأوثان {لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} أي: أن الذّباب يقع على تلك الأوثان، فينقر أعينها ووجوهها، فيسلبها ما أخذ من وجوهها وأعينها. وقال بعضهم: إنهم كانوا يطلونها بخَلُوق.
قال الله: {ضَعُفَ الطَّالِبُ} يعني الوثن {وَالْمَطْلُوبُ} أي: الذباب.
قوله: {مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي: ما عظّموا الله حقّ عظمته بأن عبدوا الأوثان من دونه التي إن سلبها الذباب الضعيف شيئاً لم تستطع أن تمتنع منه. {إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} أي: بقوته وعزته ذل من دونه.
قوله: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلآئِكَةِ رُسُلاً} أي: يختار من الملائكة رسلاً {وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي: من أمر الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ} أي: من أمر الدنيا [إذا كانا في الآخرة] {وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} أي: يوم القيامة.
قوله: {يَآأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} يعني الصلاة المكتوبة {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} أي: لا تعبدوا غيره {وَافْعَلُوا الخَيْرَ} أي: في وجهتكم {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي: لكي تفلحوا. (3/127)
صفحة 1196
(2/ 449)
وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)
قوله: {وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ} وهو مثل قوله: {اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102]. وهما منسوختان؛ نسختهما الآية التي في التغابن: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].
قوله: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} أي: هو اصطفاكم. ويقال: هو اختاركم لدينه، وهو واحد.
قوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي: من ضيق.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خير دينكم أيسره.
وقال [قتادة]: إن كتاب الله قد جاءكم بذلك ورب الكعبة: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} [البقرة: 185].
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما اجتمع أمران في الإِسلام إلا كان أحبُّهما إلى الله أيسرَهما.»
ذكروا عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: ما عرض لرسول الله أمران إلا أخذ بأيسرهما ما لم يكن إثماً، وكان أبعد الناس من المآثم.
قوله: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ} أي: الله هو سمّاكم المسلمين {مِن قَبْلُ} أي: من قبل هذا القرآن، أي: في الكتب الأولى وفي الذكر. {وَفِي هَذَا} القرآن. (3/128)
صفحة 1197
قوله: {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ} أي: بأنه قد بلّغ {وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ} أي: على الأمم بأن الرسل قد بلغت قومها.
ذكروا أن كعباً قال: إن الله أعطى هذه الأمة ثلاثاً لم يعطهن قبلهم إلا نبياً مرسلاً؛ كان يبعث النبي فيقول: أنت شاهدي على أمتك، وإن الله جعلكم شهداء على الناس. ويبعث النبي فيقول: ادعني أستجب لك. وقال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]. ويبعث النبي فيقول: ليس عليك في الدين من حرج، وقال الله: {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.
قوله: {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ} إنهما فريضتان واجبتان؛ أما الصلاة فالصلوات الخمس يقيمونها على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها. وأما الزكاة فقد فسّرناها في أحاديث الزكاة على ما سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها.
قوله: {وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ} أي: بدين الله، فهو اعتصامكم بالله في قول الحسن. وقال الكلبي: بتوحيد الله وبفرائضه، وهو واحد.
قوله: {هُوَ مَوْلاَكُمْ} أي: وليّكم {فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} وعدهم النصر على أعدائهم من المشركين. (3/129)
صفحة 1198
(2/ 450)
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمن الرَّحِيمِ} قوله: {قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ} أي: قد سَعِد المؤمنون، والسعداء أهل الجنة.
ذكروا أن كعباً قال: [لم يخلق الله بيده إلا ثلاثة؛ خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الجنة بيده] ثم قال لها تكلمي، فقالت: {قَدْ أَفْلَحَ المُؤمِنُونَ}.
وذكر بعضهم أن الله خلق الجنة فجعل لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها، يعني أرضها، مسكاً. ثم جعل فيها ما جعل، ثم نظر إليها ثم قال: {قَدْ أَفْلَحَ المُؤمِنُونَ}، ثم أغلق بابها، فليس يعلم ما فيها مَلَك مقرَّب ولا نبيّ مرسَل، فالذي تجد من برد السَّحَر وطيبه فهو ما يخرج من خلل الباب.
قوله: {الذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}. والخشوع هو الخوف الثابت في القلب.
وذكر لنا أن أحدهم كان يرفع بصره إلى السماء، فلما نزلت هذه الآية غضّوا أبصارهم، فكان أحدهم ينظر إلى موضع سجوده. (3/130)
صفحة 1199
(2/ 451)
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)
قوله: {وَالذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}. واللغو هو الباطل، ويقال: الكذب، وهو واحد.
قوله: {وَالذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} أي: يؤدون الزكاة المفروضة.
قوله: {وَالذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} أي: من الزنا {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ} أي: إن شاء تزوّج واحدة، وإن شاء اثنتين، وإن شاء ثلاثاً، وإن شاء أربعاً، ولا يحل له ما فوق ذلك.
قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} أي: يطأ بملك يمينه كم شاء. قال: {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} أي: في أزواجهم أو ما ملكت إيمانهم، لا لوم عليهم في ذلك، أي: لا إثم عليهم في ذلك.
قوله: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ} أي: وراء أزواجه أو ما ملكت يمينه {فَأُولَئِكَ هُمُ العَادُونَ} أي: الزناة، تعَدّوا الحلال إلى الحرام.
قوله: {وَالذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُون} أي: يؤدون الأمانة ويوفون بالعهد.
قوله: {وَالذِينَ هُمْ عَلَى صَلَواتِهِمْ يُحَافِظُونَ} أي: يحافظون على الصلوات الخمس على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها.
قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ} أي: إنه ليس من أحد إلا وقد أعدّ الله له منزلاً وأهلاً في الجنة، فإن أطاع الله صار إلى ما أعد الله له، وإن عصاه صرف ذلك المنزل عنه إلى غيره، فأعطاه الله المؤمن مع ما أعد الله للمؤمنين، فورث المؤمن تلك المنازل والأزواج، وهو قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ}.
قوله: {الذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} والفردوس اسم من أسماء الجنة، في تفسير الحسن. قال بعضهم: وبلغنا أنها بالرومية. (3/131)
صفحة 1200
ذكر بعضهم [عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم] قال: «هي ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها» وقال بعضهم: الفردوس جبل في الجنة تتفجّر منه أنهار الجنة.
(2/ 452)
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)
قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِّنْ طِينٍ} والسلالة النطفة تسلّ من الرجل، وكان بدء ذلك من طين. خلق الله آدم من طين، ثم جعل نسله بعد من ماء مهين، أي: ماء ضعيف، يعني النطفة.
قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} أي: في الرحم.
قوله: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً} [يكون في بطن أمه نطفة أربعين ليلة، ثم يكون علقة أربعين ليلة، ثم يكون مضغة أربعين ليلة].
قال: {فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً} وبعضهم يقرأها {عَظْماً} يعني جماعة العظام. {فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً} وبعضهم يقرأها: {فَكَسَوْنَا العَظْمَ لَحْماً}. وهي مثل الأولى. قال: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} قال بعضهم: أنشأ عليه الشعَر. وقال الحسن: الروح. وقال بعضهم: ذكراً أو أنثى. وقال الكلبي: الروح، وهو في بطن أمه.
قال: {فَتَبَارَكَ اللهُ}. هو من باب البركة كقوله: {فَتَعَالَى اللهُ} [الأعراف: 190] {أَحْسَنُ الخَالِقِينَ}، أي: أن العباد قد يعملون ما يشبهون بخلق (3/132)
صفحة 1201
الله، ولا يستطيعون أن ينفخوا فيه الروح.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله: من أظلم ممن يخلق كخلقي، فليخلقوا ذباباً أو ذرة أو بعوضة».
ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله».
ذكروا أن عمر بن الخطاب قال: وافقني ربي، أو وافقت ربي في أربع: قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلًّى، فأنزل الله: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} [البقرة: 125]. ولما نزلت هذه الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} قلت: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لقد ختمها الله بما قلت.» [وقلت: يا رسول الله، لو حجبت نساءك، فإنه يدخل عليهن الصالح وغيره، فأنزل الله آية الحجاب. وكان بين نبي الله وبين نسائه شيء، فقلت لتنتهن أو ليبدلنَّه (3/133)
صفحة 1202
الله أزواجاً خيراً منكن، فأنزل الله: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنْكُنَّ} [التحريم: 5].
(2/ 453)
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19)
قوله: {ثُمَّ إنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ} أي: بعدما ينفخ فيه الروح {لَمَيِّتُونَ} أي: إذا جاء أجلكم. قال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}.
قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ} أي: سبع سماوات، طبقة طبقة، بعضها فوق بعض، كقوله: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً} [نوح: 15] أي: طبقاً طبقاً، بعضها فوق بعض. قوله: {وَمَا كُنَّا عَنِ الخَلْقِ غَافِلِينَ} أي: إذا ننزل عليهم ما يحييهم ويصلحهم من هذا المطر.
قوله: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ}. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: ما من عام بأكثر من عام مطراً، ولكن الله يصرفه في الأرض حيث يشاء، ثم تلا هذه الآية: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا} [الفرقان: 50].
ذكروا أن علياً قال: إن هذا الرزق يتنزّل من السماء كقطر المطر إلى كل نفس بما كتب الله لها.
وبلغنا عن ابن مسعود أنه قال: كل النخل ينبت في مستنقع الماء الأول إلا العجوة فإنها من الجنة.
قال: {فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ}. قال الكلبي: يعني الأنهار والعيون والركي، يعني الآبار. قال تعالى: {وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ} أي: على أن نذهب بذلك الماء {لَقَادِرُونَ}.
قوله: {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ} أي: فجعلنا لكم بذلك الماء {جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا} أي: في تلك الجنات {فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأكُلُونَ}. (3/134)
صفحة 1203
(2/ 454)
وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)
قوله: {وَشَجَرَةً} أي: وأنبتنا لكم بذلك الماء شجرة {تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ} وهي الزيتونة. والطور الجبل، وسيناء: الحسن، كقوله: {وَطُورِ سِينِينَ} [التين: 2] الجبل الحسن. وبعضهم يقول: سيناء: المبارك، أي: الجبل المبارك، يعني جبل بيت المقدس.
قوله: {تَنبُتُ بِالدُّهْنِ} [قال مجاهد: تثمر بالدهن] {وَصِبْغٍ لِّلأَكِلِينَ} أي: هو دهن يدهن به، وهو صبغ يصبغ به الآكلون. [أي: يأتدمون به].
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الزيت من شجرة مباركة فائتدموا به وادهنوا به».
قوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} أي: لآية {نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} يعني اللبن. {وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ} أي: في ألبانها وظهورها، وكل ما ينتفع به منها. قوله: {وَمِنْهَا تَأكُلُونَ} يعني لحومها.
قوله: {وَعَلَيْهَا} أي: وعلى الإِبل {وَعَلَى الفُلْكِ} أي: السفن {تُحْمَلُونَ} وقد يقال: إنها سفن البَرّ. وقال في آية أخرى: {وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا (3/135)
صفحة 1204
ذُرِّيَّتِهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ} أي: الموقر، {وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} [سورة يس: 41 - 42] يعني الإِبل. عدلت بالسفن. وقال في آية أخرى: {وَجَعَل لَكُم مِّنَ الفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} [الزخرف: 12].
(2/ 455)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28)
قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّن إلهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ فَقَالَ المَلأُ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} يقوله بعضهم لبعض: {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أي: بالرسالة، وما له عليكم من فضل.
قال: {وَلَوْ شَآءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلآئِكَةً} ولو أنزل ملائكة لآمنا بهم. {مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي ءَابَآئِنَا الأَوَّلِينَ} أي: أن رجلاً ادّعى النبوّة.
{إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} أي: جنون {فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ} قال بعضهم: حتى يموت، وقال بعضهم: حتى يستبين جنونه.
{قَالَ} أي: نوح {رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} وقال في آية أخرى: {إِنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ} [القمر: 10].
قال: {فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحَيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا} أي: فاحمل فيها {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} وقد فسّرنا ذلك في سورة هود.
قوله: {وَأَهْلَكَ} أي: واحمل فيها أهلك {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنْهُمْ} أي: ابنه الذي غرق. والقول: الغضب {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذِينَ ظَلَمُوا} أي: [ولا تراجعني في الذين ظلموا] {إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ}.
قوله: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفُلْكِ} وكان معه امرأته، وثلاثة (3/136)
صفحة 1205
بنين له: سام وحام ويافث، ونساؤهم، فجميع من كان في السفينة ثمانية. {فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الذِي نَجَّانَا مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي: المشركين. وقال في آية أخرى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْراهَا وَمُرْسَاهَآ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [هود: 41].
قال بعضهم: قد بَيَّن الله لكم ما تقولون إذا ركبتم في البر، وما تقولون إذا ركبتم في البحر، إذا ركبتم في البرّ قلتم: {سُبْحَانَ الذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّآ إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف: 13 - 14] وإذا ركبتم في البحر قلتم: {بِسْمِ اللهِ مَجْراهَا وَمُرْسَاهَآ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
(2/ 456)
وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34)
قوله: {وَقُل رَّبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزِلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ المُنزِلِينَ}. قال مجاهد: [يقول الرب عز وجل] لنوح عليه السلام حين نزل من السفينة. وقال بعضهم: سمعت الناس إذا نزلوا منزلاً قالوا هذا القول.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: من أمر قوم نوح وغرقهم {لأيَاتٍ} لمن بعدهم. قال: {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} أي: بالدين، يعني ما أرسل به الرسل من عبادته، وهو تفسير الحسن.
قوله: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي: من بعد الهالكين من قوم نوح. {قَرْناً ءَاخَرِينَ} يعني عاداً. {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} يعني هوداً {أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّن إلهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي: الله، أي: فاتقوا الله.
{وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَآءِ الأَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: وسّعنا عليهم في الرّزق. {مَا هَذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأكُلُ مِمَّا تَأكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ. وَلَئِنَ اطَعْتُم بَشَراً مِّثْلَكُمْ} أي: فيما يدعوكم إليه {إِنكُمْ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ} أي: لعجزة. (3/137)
صفحة 1206
(2/ 457)
{أَيَعِدُكُمْ} يقوله بعضهم لبعض على الاستفهام {أَنَّكُمُ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ} أي: مبعوثون، أي: قد وعدكم ذلك، تكذبون بالبعث. {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} [أي: تباعد البعث في أنفس القوم] أي: لا تبعثون، يقوله بعضهم لبعض.
{إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} أي: نموت ونولد {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}.
{إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ} يعنون هوداً {افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} أي: يزعم أن الله أرسله {وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} أي: بمصدّقين.
{قَال رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} {قَالَ} الله {عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ}.
قال الله: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ} أي: العذاب {فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً} أي: كالشيء البالي المتهشّم في تفسير مجاهد. وقال بعضهم: مثل النبات إذا صار غثاء فتهشّم بعد أن كان أخضر. قال: {فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.
قوله: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي: من بعد الهالكين {قُرُوناً ءَاخَرينَ}.
{مَا تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أَجَلَهَا} يعني الوقت الذي يهلكها فيه {وَمَا يَسْتَأخِرُونَ} أي: عن الوقت ساعة ولا يستقدمون ساعة قبل الوقت.
قوله: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا} أي: تِباعاً، بعضهم على أثر بعض. {كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً} يعني العذاب الذي أهلكهم به، أمة بعد (3/138)
صفحة 1207
أمة حين كذّبوا رسلهم {وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} أي: لمن بعدهم. {فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}.
(2/ 458)
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)
قال الله: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي: وحجّة بينة. {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيهِ} يعني قومه {فَاسْتَكْبَرُوا} أي: عن عبادة الله {وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ} أي: مشركين. وقال الحسن: مستكبرين في الأرض على الناس.
{فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل ووضعوا عليهم الجزية، [وليس يعني أنهم يعبدوننا].
قال الله: {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ المُهْلِكِينَ} أي: فأهلكهم الله بالغرق.
قوله: {وَلَقَد ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ} أي: التوراة {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي: لكي يهتدوا.
قوله: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً} يقول: خُلِقَ لا والد له، فهو آية. ووالدته ولدته من غير رجل، فهي آية.
قال: {وَءَاوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} قال بعضهم: الرّبوة بيت المقدس. وقال بعضهم: بلغنا أن كعباً قال: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. (3/139)
صفحة 1208
وقال مجاهد: الربوة بقعة في مكان مرتفع يستقر فيه الماء. وقال الحسن: الربوة: دمشق. قال: {ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}: {قَرَارٍ} يعني المنازل، و {مَعِينٍ} يعني الماء الذي أصله من العيون، الظاهر الجاري. وقال عكرمة: المعين: الظاهر. وقال الكلبي: المعين: الجاري، وغير الجاري الذي نالته الدلاء.
(2/ 459)
يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)
قوله: {يَآأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} أي: الحلال من الرزق {وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} أي: هكذا أمر الله الرسل.
قوله: {وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} قال بعضهم: ملة واحدة. وقال بعضهم: أي: دينكم دين واحد؛ يعني الإِسلام، وإن كانت الشرائع مختلفة. قال الله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48] قال: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} أي: لا تعبدوا غيري.
قوله: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً} هم أهل الكتاب، تقطَّعوا كتاب الله بينهم وحرّفوه، وبدّلوا كتاباً كتبوه على ما حرّفوا. وهي تقرأ على وجهين: زبَراً وزبُراً. فمن قرأها زبَراً: [بفتح الباء] قال: قطعاً. ومن قرأها زبُراً [بضم الباء] قال: كتباً. وهي كقوله: {إِنَّ الذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً} [الأنعام: 159].
{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ} أي: بما عندهم مما اختلفوا فيه {فَرِحُونَ} أي: راضون. (3/140)
صفحة 1209
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «افترقت بنو إسرائيل على سبعين فرقة، واحدة في الجنة وسائرها في النار، ولتفترقن هذه الأمة على إحدى وسبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرها في النار».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم ذراعاً بذراع وشبراً بشبر، حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه. قيل: يا رسول الله، أهم اليهود والنصارى؟ قال: فمن إذاً».
(2/ 460)
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59)
قوله: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرتِهِمْ} أي: في غفلتهم، يعني ضلالهم [{حَتَّى حِينٍ} يعني إلى آجالهم]، وهي منسوخة، نسخها القتال.
قوله: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ} أي: ما نزيدهم ونعطيهم {مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخَيْرَاتِ} أي: ليس لذلك نمدهم بالمال والولد، يعني المشركين {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} أنا لا نعطيهم ذلك مسارعة لهم في الخيرات وأنهم يصيرون إلى النار، إن ذلك شر لهم.
قوله: {إِنَّ الذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} أي: خائفون وجلون. {وَالذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} أي: القرآن، يصدقون به. {وَالذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ} (3/141)
صفحة 1210
(2/ 461)
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63)
قال: {وَالذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا} [ممدودة] {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أي: خائفة [{أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}.
تفسير الحسن قال: كانوا يعملون ما عملوا من أعمال البر ويخافون ألا يُنجيهم ذلك من عذاب ربهم. وقال مجاهد: يعملون ما عملوا من الخير وهم يخافون ألا يقبل منهم.
ذكر عن ابن عباس وعائشة أنهما كانا يقرآن هذا الحرف {وَالذِينَ يَأتُونَ مَا أَتَوا} خفيفة بغير مدّ. أي: يعملون ما عملوا مما نهوا عنه وقلوبهم وجلة خائفة] أن يؤخذوا به.
قوله: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ} أي: في الأعمال الصالحة. قال الحسن: أي: فيما افترض الله عليهم، وهو واحد. قال: {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} أي: وهم للخيرات مدركون في تفسير الحسن. وقال بعضهم: {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} أي: سابقون بالخيرات.
قوله: {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي: لا يكلف الله نفساً إلا طاقتها؛ لا يكلّف الله المريض القيام، ولا الفقير الزكاة ولا الحج
قوله: {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي: لا يظلم عندنا أحد.
قوله: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هذَا} أي: في غفلة من هذا، أي: مما ذكر من أعمال المؤمنين في الآية الأولى. {وَلَهُم} يعني المشركين {أَعْمَالٌ مِّنْ دُونِ (3/142)
صفحة 1211
ذَلِكَ} [أي: دون أعمال المؤمنين، أي: شرّ من أعمال المؤمنين {هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} أي: لتلك الأعمال.
وتفسير مجاهد: {فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا} يعني القرآن {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّنْ دُونِ ذَلِكَ}] أي: خطايا من دون الحق. وقال بعضهم: أعمال لم يعملوها سيعملونها.
ذكر سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه قال: يا رسول الله، أنعمل لما قد فرغ منه، أو لما يستأنف؟ قال: بل لما قد فرغ منه. فقال: ففيم العمل إذاً؟ قال: اعملوا، فكل لا ينال إلا بالعمل. قال هذا حين نجتهد.
ذكر بعض السلف قال: لم تُوكَلُوا إلى القدر وإليه تصيرون.
(2/ 462)
حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65)
قوله: {حَتَّى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ} يعني أبا جهل وأصحابه الذين قتلوا يوم بدر. نزلت هذه الآية قبل ذلك بمكة. قال: {إِذَا هُمْ يَجْأرُونَ} قال بعضهم: إذا هم يجزعون.
{لاَ تَجْأَرُوا الْيَوْمَ} أي: لا تجزعوا اليوم، وهو يوم بدر {إِنَّكُم مِّنَّا لاَ (3/143)
صفحة 1212
تُنْصَرُونَ} أي: لا يمنعنكم منا أحد. قال الحسن: {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} أي: إذا هم يصرخون إلى الله بالتوبة فلا تُقبَل منهم.
(2/ 463)
قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70)
{قَدْ كَانَت ءَايَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} يعني القرآن {فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ} أي: تستأخرون عن الإِيمان.
{مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} أي: بالحرم. {سَامِراً تَهْجُرُونَ} أي: تتكلمون بهجر القول ومنكره. قال الحسن: مستكبرين بحرمي (سَامِرًا تَهْجُرُونَ) أي: تَهجُرون رسولي وكتابي.
وتفسير الكلبي: (سَامِراً تُهْجِرُون) أي: سمّراً حول البيت، وكذلك يقرأها الكلبي: سُمَّراً.
[وقال قتادة: يعني بهذا أهل مكة. كان سامرهم لا يخشى شيئاً؛ كانوا يقولون: نحن أهل الحرم فلا نُقْرَب، لما أعطاهم الله من الأمن، وهم مع ذلك يتكلّمون بالشرك والبهتان، والقراءة على تفسير قتادة بضم التاء وكسر الجيم].
قوله: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} يعني القرآن {أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأتِ ءَابَآءَهُمُ الأَوَّلِينَ} أي: لم يأتهم إلا ما أتى آباءهم الأولين.
قوله: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ} أي: الذين ارسل إليهم، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. {فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} أي: بل يعرفونه ويعرفون نسبه. {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ} أي: بمحمد جنون، أي قد قالوا ذلك. (3/144)
صفحة 1213
قال الله: {بَلْ جَآءَهُم بِالْحَقِّ} أي: القرآن. {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} يعني جماعة من لم يؤمنوا منهم.
(2/ 464)
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72)
قوله: {وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ} أي: أهواء المشركين {لَفَسَدَتِ السِّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} أي: لهلكت السماوات والأرض {وَمَن فِيهِنَّ} يقول: لو كان الحق في أهوائهم لوقعت أهواؤهم على هلاك السماوات والأرض ومن فيهن. قال بعضهم: الحق ها هنا الله.
قال الله: {بَل أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ} أي: بشرفهم، أي: بشرف من آمن منهم به. قال الحسن: يعني القرآن، أنزلنا عليهم فيه ما يأتون وما يذرون، وما يُحِلُّون وما يُحرِّمون. {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ} أي: عما بيّنّا لهم معرضون. وقال في آية أخرى: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء: 10] أي: فيه شرفكم، أي: من آمن به منهم.
قوله: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً} أي: جُعْلاً على ما تدعوهم إليه، أي: إنك لا تسألهم عليه أجراً. {فَخَرَاجُ رَبِّكَ} أي: ثوابه في الآخرة {خَيْرٌ} من أجرهم لو أعطوك في الدنيا أجراً. قال: {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}.
وقد جعل الله رزق العباد بعضهم من بعض، يرزق الله إياهم، فقسم رزق هذا على يد هذا.
ذكر عن أم الدرداء قالت: ما بال أحدكم يقول: اللهم ارزقني وقد علم أن الله لا يمطر عليه من السماء دنانير ولا دراهم، وإنما يرزق بعضهم من بعض. فمن أتاه الله برزق فليقبله، وإن لم يكن إليه محتاجاً فليعطه أهل الحاجة من إخوانه، وإن (3/145)
صفحة 1214
كان محتاجاً استعان به على حاجته، ولا يرد على الله رزقه الذي رزقه.
ذكروا عن عمران القصير قال: لقيت مكحولاً بمكة فأعطاني شيئاً فانقبضت عنه. فقال: خذه فإني سأحدثك فيه بحديث، فقلت: حدثني به، فما شيء أحب إليّ منه. قال:
أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر شيئاً، فكأنه انقبض عن أخذه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتاك الله بشيء لم تطلبه ولم تعرض له فخذه؛ فإن كنت محتاجاً إليه فأنفقه، وإن لم تكن محتاجاً إليه فضعه في أهل الحاجة».
(2/ 465)
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)
قوله: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: إلى دين مستقيم، وهو الطريق المستقيم إلى الجنة. قوله: {وَإِنَّ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} أي: لجائرون، وقال بعضهم: لتاركون، أي: لتاركون له. وقال الكلبي: معرضون عنه؛ وهو واحد.
قوله: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّنْ ضُرٍّ} يعني أهل مكة، وذلك حين أخذوا بالجوع، فقال الله: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّنْ ضُرٍّ}، {لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي: في ضلالتهم يتمادون في تفسير الحسن. وبعضهم يقول: يلعبون. (3/146)
صفحة 1215
(2/ 466)
قوله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ} يعني ذلك الجوع في سبع سنين. {فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} يقول: لم يؤمنوا، وقد سألوا أن يرفع ذلك عنهم فيؤمنوا. فقالوا: {رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ} [الدخان: 12] وهو ذلك الجوع {إِنَّا مُؤْمِنُونَ}. فكشف الله عنهم فلم يؤمنوا.
قال: {حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} يعني يوم بدر؛ أي: القتل بالسيف، نزلت بمكة قبل الهجرة، فقتلهم الله يوم بدر. قال: {إذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} أي: يئسون [يئسوا من كل خير].
قوله: {وَهُوَ الذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} يعني سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي: أقلّكم من يشكر، أي: من يؤمن.
قوله: {وَهُوَ الذِي ذَرَأَكُمْ} أي: خلقكم {فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي: يوم القيامة.
قوله: {وَهُوَ الذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلاَفُ الّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يقوله للمشركين، يذكّرهم نعمته عليهم؛ يقول: فالذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة، والذي يحيي ويميت، والذي له اختلاف الليل والنهار قادر على أن يحيي الموتى.
قال: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ}. ثم أخبر بذلك القول فقال: {قَالُوا أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هذَا مِن قَبْلُ} أي: وعدنا أن نبعث نحن وآباؤنا فلم نبعث، كقوله: {فَأتُوا بئَابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الدخان: 36]. قوله: {إِنْ هذَآ إِلآ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} أي: كذب الأولين وباطلهم. فأمر الله نبيّه أن يقول لهم:
{قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} وقال: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُل} (3/147)
صفحة 1216
أي: وإذا قالوا ذلك فقل {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} فتؤمنوا وأنتم تُقِرّون أن الأرض ومن فيها لله.
ثم قال: {قُل} لهم يا محمد {مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ} قال: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} فإذا قالوا ذلك {قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} وأنتم تقرون أن الله خالق هذه الأشياء، وهو ربها. وقد كان مشركو العرب يقرّون بهذا كله.
ثم قال: {قُلْ} لهم يا محمد {مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} {مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} أي: ملك كل شيء وخزائنه. {وَهُوَ يُجِيرُ} من يشاء، فيمنعه فلا يوصل إليه {وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} أي: من أراد أن يعذّبه لم يستطع أحد منعَه {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
ثم قال: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} فإذا قالوا ذلك {قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} أي: عقولكم، يشبّههم بقوم مسحورين، ذاهبة عقولهم. ثم قال: {بَل أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ} أي: بالقرآن، أنزله الله على النبي عليه السلام {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.
{مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ} وذلك لقول المشركين: الملائكة بنات الله. قال: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِن إلهٍ}. وذلك لما عبدوا من الأوثان واتخذوا مع الله الآلهة قال: {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إلهٍ بِمَا خَلَقَ} [يقول: لو كان معه آلهة إذاً لذهب كل إله بما خلق] {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي: لطلب بعضهم هلاك ملك بعض، حتى يعلو عليه كما يفعل ملوك الدنيا.
{سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ} ينزّه نفسه عما يكذبون. {عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} قال الحسن: الغيب ها هنا ما لم يجئ من غيب الآخرة، والشهادة ما (3/148)
صفحة 1217
أعلم العباد. {فَتَعَالى} أي: ارتفع الله {عَمَّا يُشْرِكُونَ} رفع نفسه عما قالوا.
(2/ 467)
قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)
قوله: {قُل} يا محمد {رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ} أي: من العذاب {رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي القَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي: لا تهلكني معهم إن أريتني ما يوعدون.
قال: {وَإِنَّا عَلَى أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ} أي من العذاب {لَقَادِرُونَ}.
{ادْفَعْ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} [يقول: ادفع بالعفو والصفح القول القبيح والأذى]. وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم. {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} أي: بما يكذبون.
قوله: {وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} وهو الجنون {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} أي: فأطيع الشياطين فأهلك. أمره الله أن يدعو بهذا.
قوله: {حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ}. قال الحسن: ليس أحد من خلق الله ليس لله بولي إلا وهو يسأل الله الرجعة إلى الدنيا عند الموت بكلام يتكلّم به، وإن كان أخرسَ لم يتكلّم في الدنيا بحرف قط، وذلك إذا استبان له أنه من أهل النار سأل الله الرجعة إلى الدنيا ولا يسمعه من يليه.
قوله: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} أي: فيما صنعت.
قال الله: {كَلآ} {أي: لست براجع إلى الدنيا. وهو مثل قوله: {وَأَنْفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّنْ قَبْلِ أَن يَّأتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلآ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10]. (3/149)
صفحة 1218
قال: {كَلآ} {إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} أي: هذه الكلمة: {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا احتضر الإِنسان جمع كل شيء كان له يمنعه من الحق فيجعل بين عينيه، فيقول عند ذلك: {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّيَ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ}».
قال: {وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}. قال مجاهد: البرزخ ما بين الموت إلى البعث. وقال بعضهم: أهل القبور في البرزخ، وهو الحاجز بين الدنيا والآخرة. وقال بعضهم: البرزخ ما بين النفختين.
(2/ 468)
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101)
قوله: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ}. والصور قرن. وقد فسّرناه قبل هذا الموضع.
قوله: {فَلآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ}. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة مواطن لا يسأل فيهن أحد أحداً: إذا وضعت الموازين حتى يعلم أيثقل ميزانه أم يخف، وإذا تطايرت الصحف حتى يعلم أيأخذ كتابه بيمينه أم بشماله، وعند الصراط حتى يعلم أيجوز الصراط أم لا يجوز».
وفي تفسير عمرو عن الحسن أن أنسابهم يومئذ قائمة معروفة. قال: يقول الله: {يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} [عبس: 34 - 36]. وقال بعض (3/150)
صفحة 1219
الكوفيين في قوله تعالى: {يُبَصَّرُونَهُمْ)} [المعارج: 11]. أي: يرونهم، يقول: يعرفونهم في مواطن ولا يعرفونهم في مواطن.
وقال الحسن: {فَلآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ} يتعاطفون عليها كما كانوا يتعاطفون عليها في الدنيا، {وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} عليها أي: أن يحمل بعضهم عن بعض كما كانوا يتساءلون في الدنيا بأنسابهم، كما يقول الرجل: أسألك بالله وبالرحم.
(2/ 469)
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107)
قوله: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} أي: السعداء. وهم أهل الجنة {وََمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} أي: أن يغنموها فصاروا في النار. وقال: {فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} أي: لا يخرجون منها ولا يموتون.
قال: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ}. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: مثل الرأس المشيط.
ذكر أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شفته السفلى ساقطة على صدره، والعليا قالصة قد غطت وجهه».
قوله: {أَلَمْ تَكُنْ ءَايَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونِ} يقال لهم ذلك في النار. {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} قال مجاهد: أي: التي كتبت علينا {وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ}.
قوله: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا} أي: من النار {فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ}.
ذكروا عن عبد الله بن عمرو أن أهل جهنم يدعون مالكاً فلا يجيبهم أربعين عاماً، ثم يدعونه فيردّ عليهم: {إِنَّكُم مَّاكِثُونَ} [الزخرف: 77] ثم ينادون ربهم: (3/151)
صفحة 1220
{رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا} أي: من النار {فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} فيمسك عنهم قدر عمر الدنيا مرتين.
(2/ 470)
قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110)
ثم يرد عليهم: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}. قال: فوالله ما ينبس القوم بعدها بكلمة، وما هو إلا الزفير والشهيق، فشبه أصواتهم بأصوات الحمير أولها زفير وآخرها شهيق.
ذكر بعضهم أنهم يدعون - قبل أن يدعوا مالكاً - خزنة جهنم عشرين عاماً فلا تجيبهم. ثم تجيبهم: {أَوَ لَمْ تَكُ تَأتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَآءُ الكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} [غافر: 50]، ثم يدعون مالكاً فلا يجيبهم أربعين عاماً، ثم يجيبهم: {إِنَّكُم مَّاكِثُونَ}. ثم يدعون ربهم فيذرهم قدر عمر الدنيا مرّتين ثم يجيبهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} أي: اصغروا فيها. والخاسئ الصاغر. وقال بعضهم: الخاسئ الذي لا يتكلم بشيء، ليس إلا الزفير والشهيق.
قوله: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي} يعني المؤمنين {يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} أي: أفضل من رحم. وقد يجعل الله الرحمة في قلوب من يشاء، وذلك من رحمة الله، وهو أرحم الراحمين.
ذكروا عن سلمان الفارسي قال: خلق الله مائة رحمة، كل رحمة منها طباقها السماوات والأرض. فأنزل الله منها رحمة واحدة؛ فبها يتراحم الخلائق حتى ترحم الوالدة ولدها والبهيمة بهيمتها. فإذا كان يوم القيامة جاء بتلك التسع والتسعين رحمة فكملها مائة رحمة، ثم نصبها بينه وبين خلقه. فالمحروم من حرم تلك الرحمة.
قوله: {فَاتَّخَذتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً} يقوله لأهل النار {حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم (3/152)
صفحة 1221
مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} أي: كانوا يسخرون بأصحاب الأنبياء ويضحكون منهم. {حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} ليس يعني أن أصحاب الأنبياء أنسوهم ذكر الله فأمروهم ألا يذكروه، ولكن جحودهم واستهزاؤهم وضحكهم هو الذي أنساهم ذكر الله، فأضاف ذلك إلى أصحاب النبي فقال: {حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} أي: هم كانوا أسباب نسيانكم لذكري. كقوله: {فَأَمَّا الذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيْمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 124 - 125] فأضاف رجسهم إلى السورة لأنها كانت سبب كفرهم. وهذا من المضاف، كقول القائل: أنساني فلان كل شيء، وفلان غائب عنه، بلغه عنه أمر، فشغل ذلك قلبه. وهي كلمة عربية معروفة في اللغة.
(2/ 471)
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114)
قوله: {إِنَّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِمَا صَبَرُوا} أي: في الدنيا {أَنَّهُمْ} [أي: بأنهم] {هُمُ الفَآئِزُونَ} أي: الناجون من النار إلى الجنة.
قوله: {قَالَ كَمْ لَبِثتُّم فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} يقوله لهم في الآخرة. أي: كم عدد السنين التي لبثتم في الأرض. يريد بذلك أن يعلمهم قلة بقائهم كان في الدنيا. فتصاغرت الدنيا عندهم. {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} وذلك لتصاغر الدنيا عندهم. {فَاسْأَلِ العَآدِّينَ} تفسير مجاهد: الملائكة. وقال قتادة: الحُسَّاب الذين كانوا يحسبون آجالنا].
{قَالَ إِن لَّبِثتُمْ إلاَّ قَلِيلاً} أي: إن لبثكم في الدنيا في طول ما أنتم لابثون في النار كان قليلاً. وهو كقوله: {وَتَظُنُّونَ} أي: في الآخرة {إِن لَّبِثتُمْ} أي: في الدنيا {إِلاَّ قَلِيلاً} [الإِسراء: 52]. (3/153)
صفحة 1222
قوله: {لَو أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: لو أنكم كنتم علماء لم تدخلوا النار، والمشركون والمنافقون هم الذين لا يعلمون. كقوله: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم: 59] وأشباه ذلك.
(2/ 472)
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)
قوله: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} أي: لغير بعث ولا حساب. {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} وهو على الاستفهام، أي: قد حسبتم ذلك. ولم نخلقكم عبثاً، إنما خلقناكم للبعث والحساب.
قوله: {فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ} وهما اسمان من أسماء الله {لآ إلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ} على الله. وبعضهم يقرأها: {الكَرِيمُ} بالرفع، يقول: اللهُ الكريمُ رب العرش. وهو مثل هذا الحرف: {ذُو العَرْشِ المَجِيدُ} [البروج: 15] أي: الكريم على الله، على مقرأ من قرأها بالجر، ومن قرأها بالرفع يقول: الله المجيدُ أي: الكريم.
قوله: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهاً ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} أي: لا حجة له به. وقال بعضهم: لا بَيِّنَةَ له به، أي: بأن الله أمره أن يعبد إلهاً من دونه. {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} أي: حساب ذلك الذي يدعو مع الله إلهًا آخر. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكَافِرُونَ} أي: ذلك حساب الكافرين عند الله: أنهم لا يؤمنون، وأنهم أهل النار. [وهي تقرأ على وجه آخر {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} أن يدخله النار. ثم قال: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكَافِرُونَ}، كلام مستقبل].
قوله: {وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الراحِمِينَ} أي: أفضل من رحم. أمر الله النبي عليه السلام بهذا الدعاء. (3/154)
صفحة 1223
(2/ 473)
سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا} أي: هذه سورة أنزلناها {وَفَرَضْنَاهَا} أي: ما فرض في هذه السورة من فرائضه، وحدَّ فيها من حدوده، وسنَّ فيها من سننه وأحكامه، وهي تقرأ على وجهين: على التخفيف والتثقيل: فرَضناها وفرّضناها. يعني ما فرض الله فيها وسنّ فيها. {وَأَنْزَلْنَا فِيهَآ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي: لكي تذكروا.
قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلُدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائةَ جَلْدَةٍ} وهذا في الأحرار إذا لم يكونا محصنين. فإن كانا محصنين رُجِما، وأما المملوكان فيجلدان خمسين خمسين إذا أحصنا، وليس عليهما رجم.
ولا يقام حدّ الزنا على أحد حتى يشهد عليه أربعة أحرار عدول يأتون جميعاً غير متفرقين. حراً كان الزاني أو مملوكاً. فإن شهد أربعة على امرأة، أحدهم زوجها، ففي ذلك اختلاف؛ فبعضهم يقول: الزوج أجوزهم شهادة، إذا جاءوا معاً رجمت بشهادتهم، وبعضهم يقول: لا ترجم، ويلاعنها زوجها، ويجلد الثلاثة ثمانين ثمانين جلدة. (3/155)
صفحة 1224
فأما الرجل الزاني فتوضع عنه ثيابه إذا جلد، وأما المرأة فيترك عليها من الثياب ما يصل إليها الجلد.
وإن أقر الرجل على نفسه بالزنا وكان حراً أقيم عليه الحد. والجلد في الزنا بالسوط.
قال بعضهم: بلغنا أن رجلاً أقرّ عند رسول الله بالزنا فدعا بسوط، فأتي بسوط مكسور فقال: فوق هذا، فأتى بسوط [جديد] لم تقطع ثمرته فقال: دون هذا. فأتي بسوط قد رُكِبَ به ولان، فأمر به، فجلد جلداً بين الجلدين. وكان بعضهم يقول: الحد في الزنا [المتح] الشديد.
وقال: {وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ} أي: الجلد الشديد. [سعيد عن الحسن وعطاء قالا: أي: حتى لا تعطل الحدود].
ذكر عكرمة عن ابن عباس قال: لا يقام الحد حتى يشهدوا أنهم رأوه يدخل كما يدخل المرود في المكحلة.
قال بعضهم: وأما الرجم فهو في مصحف أبي بن كعب. وهو في مصحفنا أيضاً في سورة المائدة في قوله: {إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىًَ وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيونَ الذِينَ (3/156)
صفحة 1225
أَسْلَمُوا لِلذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ} [المائدة: 44] حيث رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهوديين حين ارتفعوا إليه.
ذكروا عن [زرّ بن حبيش قال: قال لي] أبيّ بن كعب: كم تقرأون سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاثاً وسبعين آية. قال: قط؟ قلت: قط. قال: فوالله لتوازي سورة البقرة، وإن فيها لآية الرجم. قلت: وما آية الرجم، يا أبا المنذر؟ قال: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله و الله عزيز حكيم. وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم غير واحد.
قال بعضهم: كان عمر يقول: نزل الرجم في كتاب الله، ورجم عمر ورجم عثمان ورجم علي.
(2/ 474)
وكان علي يقول: إذا قامت البينة رجمت البيّنة. ثم الإِمام ثم الناس. فإذا أقر (3/157)
صفحة 1226
عند الإمام إقراراً من غير أن يقوم عليه بينة رجم الإِمام ثم الناس.
قال بعضهم: لا تحصن الأمَةُ ولا اليهوديةّ ولا النصرانيةّ، ولا يحصن المملوكُ الحرةَ. ولا يُحصَن الحر إذا كانت له امرأة لم يدخلُ بها. ولا تُحصَن المرأة إذا كان لها زوج لم يدخُل بها.
وإذا أحصن الرجل أو المرأة بوطء مرة واحدة، ثم زنى بعد ذلك و ليس له امرأة يوم زنى، أو زنت امرأة ليس لها زوج يوم زنت فهما محصنان يرجمان. وهو قول جابر ابن زيد.
وإذا زنى أحد الزوجين وقد أُحصِن أحدهما ولم يُحصن الآخر رُجِم الذي أُحصِن منهما وحُدَّ الذي لم يُحصَن مائة جلدة.
ولا تُحصِن أمُّ الولد وإن ولدت له أولاداً.
فإذا زنى الغلام أو الجارية وقد تزوّجا. ودخل الغلام بامرأته، ودخل على الجارية زوجُها، ولم يكن الغلام احتلم، ولم تكن الجارية حاضت فلا حدّ عليهما؛ لا رجم ولا جلد حتى يحتلم وتحيض، ويغشى امرأتَه بعدما احتلم، ويغشى الجاريةَ زوجُها بعدما حاضت، فحينئذ يكونان محصنين.
وإذا كانت لرجل أم ولد قد ولدت منه فأعتقها فتزوّجها. ثم زنى قبل أن يغشاها بعدما أعتقت فلا رجم عليه، ولا هي إن زنت حتى يغشاها بعد ما أعتقت، وإن كان مملوك تحته حرّة قد دخل بها فعتق فزنى قبل أن يغشاها بعدما أعتق فلا رجم عليه.
وإن كان الزوجان يهوديين أو نصرانيين فأسلما جميعاً، ثم زنى أحدهما أيهما كان قبل أن يغشاها بعدما أسلما فلا رجم عليه حتى يغشاها في الإِسلام. وإنما (3/158)
صفحة 1227
رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين لأنهم تحاكموا إليه.
وإحصان أهل الشرك في شركهم ليس بإحصان حتى يغشى في الإِسلام.
قوله: {وَلاَ تَأخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ} أي: رحمة {فِي دينِ اللهِ} أي: في حكم الله {إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ} أي: إن كنتم تصدّقون {بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخرِ} أي: تصدّقون باليوم الآخر الذي فيه جزاء الأعمال. فلا توافوا بالزانية والزاني اللذين نزع الله منهما الرأفة، أي: فلا ترجموهما.
وفي هذا دليل على أنهما ليسا بمؤمنين إذ نزع الله الرأفة التي جعل للمؤمنين منها [نصيباً] قال الله: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] ووصف نبيّه فقال: {بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128]. فلو كانا مؤمنين لم ينزع الرأفة التي جعلها للمؤمنين.
قوله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المُؤْمِنِينَ} أي: ليشهد جلدهما طائفة من المؤمنين. قال بعضهم: الطائفة رجل فصاعداً. وقال بعضهم: الطائفة من ثلاثة فصاعداً.
وهذه الآية تشدُّ الأولى، إذ أمر الله المؤمنين أن يحضروا عذاب الزاني، أي: جلده، وهم غير الزاني. فيجوز أن يحضر عذابهما طائفة من الزناة، تحضر الزناة عذاب الزناة. (3/159)
صفحة 1228
ففي هاتين الآيتين دليل لكلّ ذي حجى أو لجى أن الزاني ليس بمؤمن.
وفيها ذكر الحسن عن النبي عليه السلام أنه قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن. ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يقتل النفس التي حرَّم الله وهو مؤمن. فإذا فعل ذلك خلع ربقة الإِسلام من عنقه».
(2/ 475)
الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)
قوله: {الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَآ إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ}.
وذلك أن النبي عليه السلام قدم المدينة، وبها نساء من أهل الكتاب وإماء مشركات من إماء مشركي العرب مؤاجرات مجاهرات بالزنا، لهن رايات مثل رايات البياطرة.
قال بعضهم: لا يحل من نساء أهل الكتاب إلا العفائف الحرائر، ولا نساء المشركين من غير أهل الكتاب. وإماء المشركين حرام على المسلمين.
وقال بعضهم في قوله: {الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً}؛ يعني من كان يزني بتلك المؤاجرات من نساء أهل الكتاب وإماء المشركين وإن كانت حرة من المشركات، لا ينكحها إلا زان من أهل الكتاب أو من مشركي العرب. قال: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ}، أي: تزويجهن.
ثم حرم النساء المشركات من غير أهل الكتاب، زوانِيَ كنَّ أو عفائفَ، فقال: (3/160)
صفحة 1229
{وَلاَ تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤمِنَّ}. . وقال: {وَلاَ تُنكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤمِنُوا} [البقرة: 221].
هذا كله فيمن تأول الآية على أن النكاح الذي ذكر هو نكاح التزويج.
وقال الآخرون مِمّن تأوَّل الآية على أن هذا نكاح الوطء لا نكاح التزويج، قال: {الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَآ إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} أي: لا يفعل هذا الفعل إلا زان، أي: من أهل التوحيد، أو مشرك من أهل الكتاب، وحُرِّم ذلك، أي: ذلك الفعل على المؤمنين. أي: أنه لم يفعلوه. وهذا حقيقة التأويل. وهذا ما يشدَّ الآيتين اللتين قبل هذه.
(2/ 476)
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)
قوله: {وَالذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ} أي: الذين يقذفون المحصنات بالزنا. والمحصنات الحرائر المسلمات، وكذلك الرجل الحر المسلم إذا قذف؛ وإن لم يأت ذكره في الكتاب، فالذكر والأنثى في هذا سواء. {ثُمَّ لَمْ يَأتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} يجيئون جميعاً يشهدون عليها بالزنا.
{فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} أي: يجلدون بالسوط ضرباً بين الضربين لا توضع عنه ثيابه، ولا يرفع الجلاد يده حتى يُرى بياض إبطه. ويجلد في ثيابه التي قذف فيها؛ [إلا أن يكون] الثوب فَرْوا أو قباء محشواً أو جبة محشوّة.
وليس على قاذف المملوك، ولا المكاتب، ولا أمّ الولد، ولا المدبّر، ولا الذّميّ، ولا الذّميّة حدٌّ. وكذلك المملوك إذا قذف الحرَّ لا حدَّ عليه، كما لا حدّ على من قذفه.
فإن قذف اليهودي أو النصراني المسلم جلد ثمانين. (3/161)
صفحة 1230
ولا يجلد الوالد إذا قذف ولده، ويجلد الولد إذا قذف والده. ولا يجلد المملوكون إذا قذف بعضهم بعضاً.
وإذا أقيم على الرجل والمرأة الحدّ على الزنا، ثم افترى عليه أحد بعد ذلك فلا حدّ عليه.
وإذا جلد القاذف ثم عاد لقذفه الذي كان قذفه فلا حدَّ عليه إلا حد القذف الأول.
ذكر عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لو افترى أبو بكرة على المغيرة بن شعبة مائة مرّة لم يكن عليه إلا الحدّ الأول.
قوله: {وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} أي: العاصون وليس بفسق الشرك، ولكن فسق النفاق. وهي كبيرة من الكبائر الموبقات.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قذف المحصنات من الكبائر». (3/162)
صفحة 1231
(2/ 477)
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)
قال: {إِلاَّ الذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
قال الحسن وسعيد بن المسيَّب: توبته فيما بينه وبين الله تنفعه، ولا شهادة له. أي: إنهما رجعا إلى أول الآية: {وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً}.
ذكر سعيد بن المسيّب أن عمر بن الخطاب قال للذين شهدوا على المغيرة بن شعبة حين جلدهم: من رجع عنكم عن شهادته أجزنا شهادته، ثم تلا هذه الآية: {إِلاَّ الذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يعني أن رجوعهم عن الشهادة هي توبتهم. وقال بعضهم: يقوم على رؤوس الناس فيُكذِب نفسَه.
وذكر عكرمة عن ابن عباس قال: لم تقبل لأبي بكرة شهادة لأنه لم يرجع عن شهادته؛ ولو رجع عن شهادته لقبلت شهادته. ويقول ابن عباس بهذا نأخذ، وعليه نعتمد. وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا. قال أبو عبيدة: شهادة كل من أقيم عليه الحد جائزة إذا تاب وأصلح.
قوله: {وَالذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. وَالخَامِسَةُ أَنَّ عَلَيْهِ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ}.
{وَيَدْرَؤُا عَنْهَا العَذَابَ} أي: عن المرأة، والعذاب: الحدّ، يعني الرجم إن كان دخل بها، أو أحصنت قبله، والجلد إن لم تكن مُحصَنة {أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبِينَ وَالخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَآ إِنْ كَانَ} أي: زوجها {مِنَ الصَّادِقِينَ} أي: في قذفه إياها. [وذلك إذا ارتفعا إلى الإِمام، وإن لم يرتفعا إلى الإِمام فهي امرأته].
وإن ارتفعا إلى الإِمام فثبت على قذفها قال أربع مرات عند الإِمام: أشهد بالله (3/163)
صفحة 1232
إني لصادق، أشهد بالله أني لصادق، أشهد بالله إني لصادق، أشهد بالله إني لصادق، ثم يقول الخامسة: إن لعنة الله عليّ إن كنت من الكاذبين. وتقول هي أربع مرات: أشهد بالله إنه لكاذب، أشهد بالله إنه لكاذب، أشهد بالله إنه لكاذب، أشهد بالله إنه لكاذب، تعني زوجها، ثم تقول الخامسة: إن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ثم يفرّق بينهما فلا يجتمعان أبداً.
فإن أكذب نفسه قبل أن يفرغا من الملاعنة جلد حدّ القذف، ثمانين، وهي امرأته.
وإن لاعنها في إنكار ولدها ألحق الولد بها إذا لم تكن حبلى قبل أن يلاعنها ولم يعرف أنه دخل بها، وهي عصبته، وعصبتها بعدها.
فإن أكذب نفسه وقد بقي من الملاعنة شيء في ذلك قولان: أحدهما أنه يجلد حد القاذف ويفرّق بينهما ولا يجتمعان أبداً، وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا. وقال ابن عبد العزيز: يجلد حدّ القاذف وهي امرأته، وعامة الناس كلهم على هذا القول، والولد ولده في قولهم جميعاً.
(2/ 478)
وإن أكذب نفسه بعد اللعان جلد ولا سبيل له عليها في قولهم جميعاً. وقال بعضهم: ويلحق الولد بها. وقال بعضهم: بل يردّ إليه ولده وهو قول العامة.
ولا يلاعن الرجل امرأته الأمة ولا اليهودية ولا النصرانية. وإن أنكر الرجل ولده من اليهودية أو النصرانية لزمه الولد. وإن أنكر ولده من الأمة بعدما أقرّ به مرة واحدة لزمه الولد. (3/164)
صفحة 1233
وإذا قذف الرجل امرأته الحرّة قبل أن يدخل بها ثم ارتفعا إلى السلطان تلاعنا.
وإذا طلق الرجل امرأته الحرّة مرة واحدة أو اثنتين، ثم قذفها، تلاعنا ما كانت في العدّة إن ارتفعا إلى السلطان، وهذا قول ابن عمر.
وقال ابن عباس: لا يلاعنها لأنها ليست بامرأته حتى يشهد على مراجعتها. قال: ألا ترى أنه لا يدخل عليها إلا بإذن.
وقول ابن عمر أعدل لأنها امرأته ما كانت في العدّة؛ ألا ترى أنه إن مات ورثته، وإن ماتت ورثها. ألا ترى أنه إن أردفها طلاقاً في العدة وقع عليها؟ وكذلك إن آلى منها أو ظاهر منها؟ فكذلك أيضاً إذا قذفها لاعنها. كل هذه الأحكام لا تلزم الرجل في غير امرأته.
(2/ 479)
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10) إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)
قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} قال بعضهم في قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] قال: فضل الله الإِسلام، ورحمته القرآن.
وقال بعضهم: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ) يعني ولولا منّ الله (عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) رحمته ها هنا: نعمته، أي: لأهلك الكاذب من المتلاعنين.
{وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ} على من تاب من ذنبه {حَكِيمٌ} أي: في أمره، إذ جعل للمتلاعنين متاباً ومرجعاً.
قوله: {إِنَّ الذِينَ جَآءُو بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} أي: جماعة منكم. (3/165)
صفحة 1234
قال بعضهم: هذا كان في شأن عائشة وما أذيع عليها أنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأخذ الناس في الرحيل، فانقطعت قلادة لها، فطلبتها في المنزل ومضى الناس. وقد كان صفوان بن المعطل تخلّف عن المنزل قبل ذلك. ثم أقبل فوجد الناس قد ارتحلوا، وهو على بعيره. فإِذا هو بعائشة، فجاءها ببعيره وولاّها ظهره حتى ركبت. ثم قاد بها، فجاء بها وقد نزل الناس. فتكلّم بذلك قوم واتَّهَمُوها.
بلغنا أن عبد الله بن أُبَي بن سلول وحسّان بن ثابت ومسطحاً وحمنة بنت جحش هم الذين تكلّموا في ذلك ثم شاع ذلك في الناس. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أنزل الله عذرها جلد كل واحد منهم الحد. وقوله: {إِنَّ الذِينَ جَآءُو بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} يعني هؤلاء.
ثم قال تعالى: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم} يعني عائشة وصفوان، يعني ما قيل فيهما {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُم} أي: من الذين قالوا ما قالوا {مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ} أي ما اقترف من الذنب على قدر ما أشاع.
{وَالذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ} أي: الذي بدأ به {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} قال بعضهم: هو مسطح، فذهب بصره و هو العذاب العظيم. وقال بعضهم: هو عبد الله ابن أبيّ بن سلول المنافق، له عذاب عظيم، أي: جهنم، فلا أعظم من ذلك.
(2/ 480)
قوله: {لَّوْلآ} أي: هلاّ {إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً} أي: بإخوانهم خيراً كما كانوا يظنّون بأنفسهم. أي: لو كانوا مكان صفوان ما كان منهم إلا خير. أي: فليظنّ المسلم بأخيه ما يظنّ بنفسه.
فهذا عظة وأدب للمؤمنين قائمان إلى يوم القيامة، إن اتَّعَظُوا بعظة الله، وتأدّبوا بأدب الله الذي أمرهم به، وتقدّم إليهم فيه. (3/166)
صفحة 1235
قال: {وَقَالُوا هذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} أي: كذب بيّن. أي: هلاّ ظنّوا بانفسهم خيراً، وهلاّ قالوا: هذا إفك مبين، أي: ما خاض فيه القوم.
ثم قال: {لَّوْلاَ} أي: هلاّ {جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} أي: إن كانوا صادقين، وليسوا بصادقين. {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَآءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الكَاذِبُونَ}.
قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} فضل الله الإِسلام ورحمته القرآن. {لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} في الدنيا والآخرة. والإِفاضة فيه ما كان يلقى الرجل أخاه فيقول: أما بلغك من أمر عائشة وصفوان.
قوله: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} أي: يرويه بعضكم عن بعض {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ}.
ذكروا عن الحسن أنه قال: القذف قذفان: أحدهما أن تقول: إن فلانة زانية، فهذا فيه الحدّ. والآخر أن تقول: قال الناس إن فلانة زانية، فليس في هذا حد.
قوله: {وَلَوْلآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ} [أي: لا ينبغي لنا] {أَن نَّتَكلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} أي: كذب عظيم. وإذا عظّم الله شيئاً فهو عظيم.
ثم قال: {يَعِظُكُمُ اللهُ} [أي: ينهاكم الله] {أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فاتّعظوا بعظة الله فيما وعظكم، وتأدَّبوا بأدب الله فيما أدّبكم. {وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الأَيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: علم بخلقه، حكيم في أمره. (3/167)
صفحة 1236
(صفحة لم ترقن) (3/168)
صفحة 1237
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)
قوله: {إِنَّ الذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاَتِ} أي: العفائف {المُؤْمِنَاتِ} أي: المصدِّقات بالله العاملات بفرائضه {لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا والأَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وإذا عظّم الله شيئاً فهو عظيم.
ثم قال: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} قال بعضهم: بلغني أنه يعني عبد الله بن أبي بن سلول في أمر عائشة.
قولهم: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَقَّ} أي: عملهم الحق، أي: يدانون بعملهم {وَيَعْلَمُونَ} يومئذ {أَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ} والحق اسم من أسماء الله. (3/169)
صفحة 1238
(2/ 484)
الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27)
قوله: {الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} أي: الخبيثات من القول والعمل للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الرجال والنساء للخبيثات من القول والعمل، والطيّبات من القول والعمل للطيِّبين من الرجال والنساء، والطيّبون من الرجال والنساء للطيّبات من القول والعمل. وهذا في قصة عائشة. قال: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ} أي: لذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي: في الجنة.
قوله: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأنِسُوا} [سعيد عن قتادة قال: وهو الاستئذان]. {وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا}.
ذكروا عن مجاهد قال: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) أي: حتى تتنحنحوا أو تنخّموا. وقال بعضهم: حتى تسلّموا، وهي مقدمة ومؤخرة، أي: حتى تسلّموا وتستأذنوا.
ذكروا أن رجلاً استأذن على النبي عليه السلام فقال لرجل عنده: قم فعلم هذا كيف يستأذن، فإنه لم يحسن يستأذن. فخرج إليه الرجل، فسلّم ثم استأذن. (3/170)
صفحة 1239
ذكروا عن زيد بن أسلم قال: جئت ابن عمر في داره فقلت: أَلج، فأذن لي، فدخلت، فقال: يا ابن أخي، إذا استأذنت فلا تقل: ألج، وقل: السلام عليكم، فإذا قالوا: وعليك فقل: آدخل. فإذا قالوا: ادخل فادخل.
ذكروا عن الحسن قال: استأذن الأشعري على باب عمر ثلاث مرات، فلم يؤذن له، فرجع. فأرسل إليه عمر فقال له: ما ردّك عن بابنا؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من استأذن ثلاث مرات فلم يؤذن له فليرجع. فقال له: لَتأتيَنّي على ذلك بيّنة وإلا عاقبتك.» فجاء بطلحة فشهد له.
وفي حديث عمرو عن الحسن في هذا الحديث: «الأولى إذن، والثانية مؤامرة، والثالثة عزيمة إن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردّوا».
ذكر بعضهم قال: كنا ونحن نطلب الحديث إذا جئنا إلى باب الفقيه استأذن منا رجل مرّتين، فإن لم يؤذن له تقدّم آخر فاستأذن مرّتين، مخافة أن يستأذن الرجل منا ثلاثاً فلا يؤذن له، ثم يؤذن بعد، فلا يستطيع أن يدخل لأنه لم يؤذن له وقد أذن لغيره. (3/171)
صفحة 1240
ذكروا عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تأذن المرأة في بيت زوجها وهو شاهد إلا بإذنه».
ذكروا عن عطاء بن يسار قال: «إن رجلاً قال: يا رسول الله، استأذن على أمي؟ [قال: نعم، قال: إني أخدمها، فقال: استأذن عليها] فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أعادها عليه. فقال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل: لا. قال: استأذن عليها».
ذكروا عن عطاء قال: كان لي أخوات فسألت ابن عباس: أستأذن عليهن؟ فقال: نعم.
وذكروا أن علياً قال: يستأذن الرجل على كل امرأة إلا على امرأته.
ذكروا أن عمر استأذن على قوم فأُذن له، فقال: ومن معي؟ فقيل له: ومن معك، فدخلوا.
ذكروا عن الحسن أنه قال: ليس في الدور إذن. يعني الدّور المشتركة. التي فيها حُجَر. وليس في الحوانيت إذن. قال بعضهم: إذا وضعوا أمتعتهم، وفتحوا أبوابها، وقالوا للناس هلمّوا.
ذكروا عن ابن عمر أنه كان إذا استأذن ليدخل في بيوت التجار فقالوا: ادخل بسلام، لم يدخل، لقولهم ادخل بسلام.
قوله: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي: لكي تذّكّروا. (3/172)
صفحة 1241
(2/ 485)
قوله: {فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَآ أَحَداً} يعني البيوت المسكونة {فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا}. قال بعضهم: أي: لا تقف على باب قوم ردّوك عن بيتهم، فإن للناس حاجات، ولهم أشغال. قال: {هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} أي: خير لكم {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}.
قوله: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي: حرج، أي: إثم. {أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} يعني الخانات، وهي الفنادق {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} أي: ينزلها الرّجلُ في سفره فيجعل فيها متاعَه، فليس عليه أن يستأذن في ذلك البيت لأنه ليس له أهل يسكنونه. [وقال السّديّ: {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ}: منافع لكم من الحرّ والبرد]. {وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} أي: ما تعلنون {وَمَا تَكْتُمُونَ} أي: ما تسِرّون في قلوبكم.
قوله: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [يعني يغضوا أبصارهم عن جميع المعاصي. {مِنْ} ها هنا صلة]. وقال بعضهم: أي: عما لا يحل لهم من النظر.
ذكروا عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير البجلي عن أبيه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظرة فجأة فقال: «غُضَّ بصرك».
قوله: {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} أي: عما لا يحل لهم. وهذه الآية في الأحرار والمملوكين. {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} أي: بما يفعلون.
قوله: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} أي: يغضضن أبصارهن عما لا يحل لهنّ من النظر. وهذه في الحرائر والإِماء. (3/173)
صفحة 1242
قوله: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}. قال بعضهم: {إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} الثياب. وكذلك قال الحسن. ذكروا عن مجاهد عن ابن عباس قال: ما ظهر منها: الكحل والخاتَم.
ذكروا عن عائشة أنها سئلت عن الزينة الظاهرة فقالت: القُلْب، تعني السِّوار، والفَتَخة، تعني الخاتَم الذي لا فصّ له. وقالت بثوبها على كوعها فسترته.
قالت العلماء: هذه الآية في الحرائر؛ وأما الإِماء فإن عمر بن الخطاب رأى أمة عليها قِناع فعلاها بالدّرّة وقال: اكشفي عن رأسك لا تتشبّهي بالحرائر.
ذكروا عن أنس بن مالك قال: كُنّ جواري عمر يخدمننا كاشفاتٍ رؤوسهن تضطرب ثديّهن، بادية خِدامهن.
قوله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} أي: تسدل الخمار على جيبها، وهو نحرها. {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} وهذه الزينة الباطنة؛ وهما زينتان، زينة ظاهرة، وقد فسّرناها، وزينة باطنة وسنفسرها إن شاء الله. {إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ} أي: أزواجهن {أَو ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ} أي: آباء أزواجهن. {أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوِ إخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أوْ بَنْي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ} المسلمات اللاتي يرين منها ما يراه ذو المحرم؛ ولا ترى ذلك منها اليهودية ولا النصرانية. {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ}. (3/174)
صفحة 1243
(2/ 486)
فهذه ثلاث حرم بعضها أعظم من بعض. منهن الزوج الذي يحلُّ له كل شيء منها؛ فهذه حرمة ليست لغيره.
ومنهم الأب والابن، والأخ والعم والخال وابن الأخ وابن الأخت، والرضاع في هذا بمنزلة النسب. فلا يحل لهؤلاء في تفسير الحسن أن ينظروا إلى الشعَر والصدر والساق وأشباه ذلك.
[وقال الحسن: لا تضع المرأة خمارها عند أبيها ولا ابنها ولا أخيها] وقال ابن عباس: ينظرون إلى موضع القرطين والقلائد والسوارين والخلخالين. فهذه الزينة الباطنة.
وحرمة أخرى، وهي الثالثة؛ منهم أبو الزوج وابن الزوج والتابع الذي قال الله: {غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} أي: غير أولي الحاجة إلى النساء. وهم قوم كانوا في المدينة فقراء، طُبِعُوا على غير شهوة النساء. وقال بعضهم: هو الرجل الأحمق الذي لا تشتهيه المرأة ولا يغار عليه الرجل. وقال الحسن: هو الرجل يتبع الرجل يخدمه بطعام بطنه.
ومملوك المرأة، لا بأس أن تقوم بين يدي هؤلاء في درع صفيق، وخمار صفيق بغير جلباب.
ذكروا أن عمر بن الخطاب قال: لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها.
ذكروا أن عمر بن الخطاب قال: لا تخلو المرأة مع الرجل إلا أن يكون محرماً، وإن قيل حموها، إنما حموها الموت. (3/175)
صفحة 1244
وقال بعضهم: لا تضع المرأة خمارها عند مملوكها، فإن فاجاءها فلا بأس. وبعضهم يقول: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} يعني الإِماء وليس العبيد.
[ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: لا تضع المرأة خمارها عند عبد سيدها].
قوله: {أَوِ الطِّفْلِ الذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ} أي: الذين لم يبلغوا الحلم أو النكاح.
قوله: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَم مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} وكانت المرأة تضرب برجلها إذا مرت بالمجلس لتسمع قعقعة خلخالها. وقال بعضهم: تضرب إحدى رجليها بالأخرى حتى تسمع صوت الخلخالين؛ فنهين عن ذلك.
قوله: {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَ المُؤمِنُونَ} من ذنوبكم هذه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي: لكي تفلحوا فتدخلوا الجنة.
(2/ 487)
وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)
قوله: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ} يعني كل امرأة ليس لها زوج. قال الحسن: هذه فريضة.
[عثمان عن محمد بن المنكدر عن سليمان بن يسار أن قوماً نزلوا منزلاً، ثم ارتحلوا، وبغت امرأة منهم، فرفعت إلى عمر بن الخطاب فجلدها عمر الحدّ، وقال: استوصوا بها خيراً وزوّجوها فإنها من الأيامى]. (3/176)
صفحة 1245
ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن التبتل. [والتبتل فعل] التي تقيم من النساء بلا زوج، والذي يقيم من الرجال بلا امرأة.
ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تزوج فقد استكمل نصف دينه فليتق الله في النصف الباقي».
قوله: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ} يعني المملوكين المسلمين {وَإِمَآئِكُمْ} أي: وانكحوا من إمائكم المسلمات، وهذه رخصة، وليس على الرجل بواجب أن يزوج أمته وعبده.
قوله: {إِن يَكُونُوا فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اطلبوا الغنى في هذه الآية: أن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله».
ذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ما رأيت مثل رجل لم يلتمس الغنى في الباءة، أي: النكاح، والله يقول: {إِن يَكُونُوا فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ}. (3/177)
صفحة 1246
قال: {وَاللهُ وَاسِعٌ} بخلقه {عَلِيمٌ} بأمرهم
قوله: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ} أي: حتى يجدوا ما يتزوّجون به.
قوله: {وَالذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَت أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} أي: إن علمتم عندهم مالاً. وليس بفريضة إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه.
وقال بعضهم: إن علمتم منهم صدقاً ووفاءً وأمانة. وقال ابن عباس: إن علمتم عندهم حرفة أو عملاً. ويكره أن يكاتبه وليست له حرفة ولا عمل إلا على مسألة الناس. فإن كان له حرفة أو عمل ثم تصدّق عليه من الفريضة أو التطوّع فلا بأس على سيّده، لأنه من ذوي فريضتها، قد وجبت له الزكاة، وصار حُرّاً قد استوجب سهماً من سهام الصدقة؛ فلا بأس أن يأخذ منه ما قد ملَّكه الله وأحلَّه له.
قوله: {وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الذِي ءَاتَاكُمْ} [قال بعضهم: أي: أن يترك له طائفة من مكاتبته].
وقال بعضهم: أي: أعطوهم مما أوجب الله لهم من سهمهم في الصدقة؛ يقول: إنهم أحرار، وإنهم قد وجبت لهم الصدقة بفرض الله لهم منها سهماً فيها. وهي عنده كقوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْن السِّبِيلِ فَرِيضَةً مِن اللهِ} [التوبة: 60] لهؤلاء الذين سماهم الله الصدقات، فكذلك قوله: {وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الذِي ءَاتَاكُمْ} أي: أعطوهم فرضهم الذي فرض الله لهم في كتابه. (3/178)
صفحة 1247
قوله: {وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَآءِ إِن أَرَدْنَ تَحَصُّناً} أي: تعفّفاً {لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا}.
قال بعضهم: كان الرجل يكره مملوكته على البغاء ليكثر ولدها.
وقال بعضهم: نزلت في أمة لعبد الله بن أبي بن سلول كان يكرهها على رجل من قريش رجاء أن تلد منه، فيفدي ولده. فذلك العرض الذي كان ابن أبي يبتغي.
قوله: {وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ} لهن {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [وليست لهم] وكذلك هي قراءة ابن مسعود.
قوله: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إلَيْكُمْ ءَاياتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} أي: قد أنزلنا إليكم كتاباً فيه آيات مبيّنات، أي: الحلال والحرام والأمر والنهي والفرائض والأحكام {وَمَثلاً مِّنَ الذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ} أي: أخبار الأمم السالفة {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}.
ذكروا عن أبي الدرداء قال: نزل القرآن على ست آيات: آية مبشّرة وآية منذرة، وآية فريضة، وآية تأمرك، وآية تنهاك، وآية قصص وأخبار.
قوله تعالى: {اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ (3/179)
صفحة 1248
المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُّوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
(2/ 489)
أما قوله: {مَثَل نُورِهِ} أي: فمثل نوره الذي أعطى المؤمن في قلبه (كَمِشْكَاةٍ) والمشكاة: الكوّة في البيت التي ليست بنافذة، وهي بلسان الحبشة. وهي مثل صدر المؤمن.
{فِيهَا مِصْبَاحٌ} وهو النور الذي في قلب المؤمن. قال: {المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} صافية، والزجاجة القنديل، وهو مثل قلب المؤمن، قلبه صاف.
{الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كُوْكَبٌ دُرِّيٌّ} أي: عظيم مضيء (يُوقَدُ) يقرأ على وجهين: يوقد وتوقد، فمن قرأها بالياء فهو يعني المصباح، ومن قرأها بالتاء فهو يعني الزجاجة بما فيها، فكذلك قلب المؤمن يتوقّد نوراً.
{مِنْ شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} وهي مثل قلب المؤمن. {لاَّ شَرْقِيَّةٍ ولاَ غَرْبِيَّةٍ} أي: لا شرقية تصيبها الشمس إذا أشرقت ولا تصيبها إذا غربت. ولا غربية تصيبها الشمس إذا غربت ولا تصيبها إذا أشرقت؛ أي: ليس يغلب عليها الشرق دون الغرب، ولا الغرب دون الشرق، ولكن يصيبها الشرق والغرب. وقال بعضهم: لا يفيء عليها ظل شرقي ولا غربي؛ هي ضاحية للشمس، وهي أصفى الزيت وأعذبه وأطيبه. (3/180)
صفحة 1249
وقال بعضهم: لا يصيبها فيء شرق ولا فيء غرب، هي في سفح جبل، وهي شديدة الخضرة. وهي مثل المؤمن. (لاَّ شَرْقِيَّةٍ) أي: لا نصرانية تصلّي إلى الشرق، (وَلاَ غَرْبِيَّةٍ) أي: ولا يهودية تصلّى إلى المغرب، أي: إلى بيت المقدس. الموضع الذي نزل فيه القرآن غربيّه بيت المقدس.
{يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} أي: يكاد زيت الزجاجة يضيء {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} وهو مثل قلب المؤمن يكاد أن يعرف الحق من قبل أن يُبَيَّنَ لَهُ فيما يذهب إليه قلبه من موافقة الحق فيما أمر به، وفيما يذهب إليه من كراهية ما نهى عنه؛ وهو مثل لقوله: {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ}.
قال: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} أي: نور النار على الزيت في المصباح. فكذلك قلب المؤمن إذا تبيّن له الحق صار نوراً على نور، كما صار المصباح حين جعلت فيه النار نوراً على نور: نور الزجاجة، ونور الزيت، ونور المصباح.
قال: {يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} أي: لدينه {وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ}.
(2/ 490)
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)
قوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} وهي المساجد.
ذكروا عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من بنى لله مسجداً ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة.» ذكروا عن علي بن أبي طالب رضي الله (3/181)
صفحة 1250
عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من بنى مسجداً من ماله بنى الله له بيتاً في الجنة، وإنما يتقبّل الله من المتقين».
ذكروا أن كعباً قال: في التوراة مكتوب: إن بيوتي في الأرض المساجد؛ فمن توضأ فأحسن وضوءه، وزارني في بيتي أكرمته، وحق على المزور أن يكرم زائره.
قوله: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالأَصَالِ} الغدو صلاة الصبح، والآصال: العشي، أي: الظهر والعصر. وقد ذكر في غير هذا الموضع المغرب والعشاء وجميع الصلوات الخمس.
(2/ 491)
رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)
قال: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ} التجارة الجالب، والبيع الذي يبيع على يديه، قال: {عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ}.
كانوا إذا سمعوا المؤذن تركوا بيعهم وقاموا إلى الصلاة. و {ذِكْرِ اللهِ} في هذا الموضع الأذان. {وَإِقَامِ الصَّلاَةِ} يعني الصلوات الخمس، {وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ} الزكاة المفروضة. (3/182)
صفحة 1251
وهذا الحرف يقرأ على وجهين: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} أي: في المساجد {بِالغُدُوِّ وَالأَصَالِ رِجَالٌ}، والحرف الآخر: {يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ}. ثم قال: {رِجَالٌ}، أي: فهم الذين يسبحون له فيها بالغدو والآصال.
قوله: {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} أي: قلوب الكفار وأبصارهم. وتقلُّبُ القلوب أن القلوب انتزعت من أماكنها فغصّت بها الحناجر، فلا هي ترجع إلى أماكنها ولا هي تخرج. وهو قوله: {إِذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} [غافر: 18]. وأما تقلب الأبصار فقد قال في آية أخرى: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذِينَ كَفَرُوا} [الأنبياء: 97] أي: لإجابة الداعي. وهو كقوله: {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} [إبراهيم: 43].
وقال الحسن في قوله: {تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأَبْصَارُ} أي: بالزَّرَقِ بعد الكَحَل، والعمى بعد النظر.
(2/ 492)
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)
قوله: {لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} أي: ثواب ما عملوا، [يجزيهم به الجنة] {وَيَزِيدَهُم مِّنْ فَضْلِهِ} فأهل الجنة أبداً في مزيد.
ذكروا عن كعب قال: وجدت في التوراة أن بيوتي في الأرض المساجد، فمن توضأ في بيته ثم زارني في بيتي أكرمته، وحق على المزور أن يكرم زائره، ووجدت في القرآن: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ (3/183)
صفحة 1252
يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّنْ فَضْلِهِ}.
قال: {وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [تفسير بعضهم يقول: لا أحد يحاسبهم بما أعطاهم الله].
ذكروا عن أسماء بنت يزيد بن السّكن الأنصارية قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا جمع الله الناس يوم القيامة: الأولين والآخرين جاء مناد فينادي: سيعلم الجمع من أولى بالكرم، أين الذين {لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ}؟ فيقومون، وهم قليل، إلى الجنة بغير حساب. ثم ينادي المنادى بصوت له رفيع يسمع الخلائق كلهم: سيعلم الجمع من أولى بالكرم؟ أين الذين {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}؟ فيقومون وهم أكثر من الصنف الأول إلى الجنة. ثم يرجع المنادي فينادي: سيعلم الجمع اليوم من أولى بالكرم، أين الحامدون الله في السراء والضراء الذين يحمدون الله على كل حال، فيقومون وهم أكثر من الصنف الأول إلى الجنة، فيحاسب من بقي من الناس.
قال: {وَالذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بقِيعَةٍ} وهذا مثل المنافق. والقيعة القاع، وهو القرقر. {يَحْسَبُهُ الظَّمْئآنُ} أي: العطشان {مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئاً} يقول:
إن المنافق أقرّ بالله ربّاً، وبمحمد نبيّاً، وبما جاء به حقّاً، ولم يعمل لله شيئاً بما أقرّ له به، واعتمد على الإِقرار دون الوفاء بالأعمال، حتى إذا صار إلى الآخرة لم يجد ثواب عمله إذ لم يكمل لله فرائضه، وحسب أن الله يُثيبه على الإِقرار دون الوفاء بالأعمال؛ فكان مثله مثل العطشان الذي رأى السراب فظنَّ أنه ماء، حتى إذا جاءه لم (3/184)
صفحة 1253
يجده شيئاً. وهو كقوله: {مَثَلُ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ البَعِيدُ} [إبراهيم: 18]. والعطشان مثل المنافق والسراب مثل إقراره يحسب أنه أغنى عنه شيئاً، حتى يأتيه الموت، فإذا جاءه الموت لم يجد إقراره أغنى عنه شيئاً إلا كما ينفع السّرابُ العطشانَ.
قوله: {وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} أي: ثواب عمله السيء وهو النار.
(2/ 493)
{وَاللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ}.
ثم ضرب الله مثل المشرك فقال: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ} فهذا مثل آخر للكافر المشرك، أي: مثل قلب المشرك في بحر لجي [أي: عميق قعير أي: غمر] {يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} ثم وصف ذلك الموج فقال: موج {مِّنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} أي: ظلمة البحر وظلمة الموج وظلمة السحاب وظلمة الليل، فكذلك قلب المشرك مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم. قال: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} أي: من شدة الظلمة {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ}.
فهذه ثلاثة أمثال مثلها الله في هذه السورة: مثل المؤمن، ومثل المنافق، ومثل المشرك، بيّنة واضحة معقولة. قال: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ} [العنكبوت: 43].
(2/ 494)
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41)
قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَآفَّاتٍ} أي: بأجنحتها {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} قال مجاهد: الصلاة للإِنسان، يعني المؤمن، والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه. {وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}. (3/185)
صفحة 1254
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43)
قوله: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللهِ المَصِيرُ} أي: البعث.
قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَاباً} أي: ينشئ سحاباً. {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} أي: يجمع بعضه إلى بعض {ثُمَّ يَجْعَلهُ رُكَاماً} [أي: بعضه على بعض] {فَتَرَى الوَدْقَ} أي: المطر {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} أي: من خلال السحاب.
قال: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} أي: ينزل من تلك الجبال التي هي من برد، والتي هي في السماء {فَيُصِيبُ بِهِ} أي: بذلك البرد {مَن يَّشَاءُ} فيهلك الزرع. كقوله: {رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} أي: برد {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} [آل عمران: 117].
وما أصاب العباد من مصيبة فبذنوبهم، وما يعفو الله عنه أكثر. كقوله: {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30].
ذكروا أن رجلاً قال لابن عباس: بتنا الليلة نمطر الضفادع. قال ابن عباس: صدقت، إن في السماء بحاراً.
قوله: {وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ} أي: يصرف ذلك البرد عمن يشاء. {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} أي: ضوء برقه {يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ}.
ذكروا عن عروة بن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأى أحدكم البرق أو الودق فليسبحن الله ولينعت». (3/186)
صفحة 1255
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اطلبوا إجابة الدعاء عند ثلاثة مواضع: عند إقامة الصلاة، وعند نزول الغيث، وعند التقاء الجيوش».
(2/ 496)
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)
قوله: {يُقَلِّبُ اللهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [هو أخذ كل واحد منهما من صاحبه كقوله: {يُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ} [فاطر: 13] قال]: {إِن فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ} أي: لذوي الأبصار، وهم المؤمنون الذين أبصروا الهدى.
قوله: {وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل شيء خلق من ماء.
قوله: {فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} أي: الحيّة ونحوها {وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَّمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} أي: ومنهم من يمشي على أكثر من ذلك. وإنما قال: {فَمِنْهُم مَّنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي} على كذا، ومنهم من يمشي على كذا، خلق الله كثير. قال: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 8].
قال: {يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَآءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
قوله: {وَيَقُولُونَ} يعني المنافقين {ءَامَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ} أي: من بعد أن يقولوا {ءَامَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} {وَمَآ أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ} أي: لأنهم تولوا عن العمل بما أقروا لله وللرسول به.
قوله: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ} أي: عن الإِجابة إلى حكم الله ورسوله وكتابه، يعني المنافقين الذين يقرُّون ولا يعملون. (3/187)
صفحة 1256
وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)
قال: {وَإِن يَكُن لَّهُمُ الحَقُّ يَأتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} قال مجاهد: مذعنين سراعاً.
ذكروا عن الحسن قال: كان الرجل منهم يكون بينه وبين الرجل من المؤمنين خصومة، فيدعوه إلى النبي عليه السلام، فإن علم أن الحق له جاء معه إلى النبي عليه السلام، وإن علم أنه عليه لم يجئ معه إلى النبي، فأنزل الله: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُم إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ}.
قال: {أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} على الاستفهام، أي: في قلوبهم مرض النفاق وكفر النفاق {أَم ارْتَابُوا} فشكّوا في الله وفي رسوله، على الاستفهام، أي: قد فعلوا. {أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} والحيف الجور، أي: قد خافوا ذلك. {بَل أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} أي: ظلم النفاق.
عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دعي إلى حكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم لا حق له.
قوله: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤمِنينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}. فهذا قول المؤمنين، وذلك القول الأول قول المنافقين. قال: {وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ}.
قوله: {وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ} فيكمل فرضه فيما تعبّده به من القول والعمل {وَيَخْشَ اللهَ} أي: فيما مضى من ذنوبه {وَيَتَّقْهِ} أي: فيما بقي {فَأُولَئِكَ} أي: الذين هذه صفتهم {هُمُ الفَآئِزُونَ} أي الناجون من النار إلى الجنة. (3/188)
صفحة 1257
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54)
قوله: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} يعني المنافقين {لَئِنَ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ} أي: إلى الجهاد معه، أي: أقسموا ولم يستثنوا، وفيهم الضعيف والمريض، ومن يوضع عنه الخروج ممن له العذر.
قال الله: {قُل لاَّ تُقْسِمُوا} أي: لا تحلفوا. ثم استأنف الكلام فقال: {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} أي: خير. وهذا إضمار، أي: طاعة معروفة خير مما تُضمِرون من النّفاق. {إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
قوله: {قُل أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} أي: في كل ما تعبّدكم به فأكمِلوه، وأوفوا به أجمع. ثم قال: {فَإِن تَوَلَّوْا} أي: عن الوفاء بما أقرّوا لك به {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ} يعني الرسول {مَا حُمِّلَ} أي: من البلاغ {وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ} أي: من طاعته في جميع ما كلّفكم منها.
ذكروا أن يزيد بن سلمة قام للرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا كان علينا أمراء، أخذونا بالحق ومنعوناه، كيف نصنع؟ فأخذ الأشعث بثوبه فأجلسه، [ثم قام فعاد أيضاً، فأخذ الأشعث بثوبه] فقال: لا أزال أسأله حتى يجيبني أو تغيب الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حمّلوا وعليكم ما حمّلتم» (3/189)
صفحة 1258
قوله: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} وإن تطيعوه، يعني النبي عليه السلام {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ المُبِينُ} كقوله: {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} [الأنعام: 107] أي: تحفظ عليهم أعمالهم حتى تجازيهم بها.
(2/ 499)
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57)
قوله: {وَعَدَ اللهُ الذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لِيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} من الأنبياء والمؤمنين {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي ارْتَضَى لَهُمْ} أي: لينصرنّهم بالإِسلام حتى يظهرهم على الدّين كلّه فيكونوا الحكامَ على أهل الأديان.
ذكروا عن ميمون بن مهران الجزري أن عمر بن عبد العزيز قال: الله أجل وأعظم من أن يتخذ في الأرض خليفة واحداً، والله يقول: {وَعَدَ اللهُ الذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ}، ولكني أثقلكم حملاً.
قال: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} كقوله: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} فارس والروم، {فآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} [الأنفال: 26].
قال: {يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ}. يقول: من أقام على كفره بعد هذا الذي أنزلت فأولئك هم الفاسقون، أي: فسق الشرك.
قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} أي: الصلوات الخمس. وإقامتها أن يُحَافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها. {وَءَاتُوا الزَّكَاةَ} يعني الزكاة المفروضة {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} أي: فيما أمركم ودعاكم إليه {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي: فإنكم ترحمون إذا فعلتم ذلك.
قوله: {لاَ تَحْسِبَنَّ الذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} أي: لا (3/190)
صفحة 1259
تحسبنَّهم يسبقوننا حتى لا نقدر عليهم فنحاسبهم، وحسابهم أن يكون مأواهم النار {وَلَبِئسَ المَصِيرُ} أي: المرجع والمأوى، أي: المنزل.
(2/ 500)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58)
قوله: {يَآأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لِيَسْتَئذِنْكُمُ الذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَراتٍ مِّن قَبْلِ صَلاَةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ} وهو نصف النهار عند القائلة {وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ العِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ} أي: حرج وهو الإِثم {بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الأيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وهن الساعات التي يخلو فيهن الرجل بأهله لحاجته منها.
فأما قوله: {لِيَسْتَأذِنكُمُ الذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فهم المملوكون: الرجال والنساء الذين يخدمون الرجل في بيته، ومن كان من الأطفال المملوكين الذين لم يبلغوا الحلم.
قال: {وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ} يعني الأطفال الذين يحسنون الوصف إذا رأوا شيئاً، وكذلك من كان مثلهم من المملوكين، إلا الصغار الذين لا يحسنون الوصف إذا رأوا شيئاً من الأحرار والمملوكين، فلا ينبغي لهؤلاء الكبار والذين لا يحسنون الوصف أن يدخلوا في هذه الثلاث ساعات إلا بإذن، إلا أن لا يكون للرجل إلى أهله حاجة. ولا ينبغي له إذا كانت له إلى أهله حاجة أن يطأ أهله ومعه في البيت من هؤلاء أحد. فلذلك لا يدخلون في هذه الثلاث ساعات إلا بإذن.
قال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ} أي: حرج {بَعْدَهُنَّ} أي: بعد هذه الثلاث ساعات، أن يدخلوا بغير إذن. {طَوَّافُونَ عَلَيْكُم} أي: يدخلون بغير إذن، {بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الأَيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
ذكروا عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: دخلت على ابن عباس فأراني وصيفة له خماسية فقال: ما تدخل عليّ هذه في هذه الثلاث ساعات إلا بإذن. (3/191)
صفحة 1260
ذكروا عن الحسن عن رجل قال له: إنا قوم تجار، نسافر هذه الأسفار، وتكون مع أحدنا الجواري، ويكون معه خباء، وهن معه في الخباء، فهل يطأ واحدة منهن وهن معه في الخباء فغضب، وقال: لا.
(3/ 1)
قوله: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأذَنَ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يعني من احتلم. {كَذَلِكَ} أي: هكذا {يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ} بخلقه {حَكِيمٌ} في أمره.
قوله: {وَالقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَآءِ} أي: التي قعدت عن المحيض والولد {اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً} أي: اللاتي لا يردن نكاحاً، قد كبُرن عن ذلك {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} أي: غير متزيّنة ولا متشوِّفة. [قال قتادة: رخص للتي لا تحيض ولا تحدث نفسها بالأزواج أن تضع جلبابها] وأما التي قعدت عن المحيض ولم تبلغ هذا الحدّ فلا. والجلباب الرداء الذي يكون فوق الثياب، وإن كان كساء أو ساجاً أو ما كان من ثوب.
قال: {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ} يعني اللاتي لا يرجون نكاحاً عن ترك الجلباب {خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
قوله: {لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ} قال الكلبي: إن أهل المدينة قبل أن يسلموا كانوا يعتزلون الأعمى والأعرج والمريض ولا يواكلونهم. وكانت الأنصار فيهم تنزّه وتكرّم، فقالوا: إن الأعمى لا يبصر طيّب الطعام، والأعرج لا يستطيع الزحام عند الطعام، والمريض لا يأكل كما يأكل الصحيح، فاعزلوا لهم طعامهم على ناحية، وكانوا يرون أن عليهم في مواكلتهم (3/192)
صفحة 1261
جناحاً. وكان الأعمى والأعرج والمريض يقولون: لعلّنا نؤذيهم إذا أكلنا معهم، فاعتزلوا مواكلتهم، فأنزل الله: {لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} أي: ليس عليكم حرج في ذلك ولا على الذين تأثموا من أمرهم، ليس عليهم في ذلك حرج.
وبعضهم يقول: كان قوم من أصحاب النبي عليه السلام يغزون ويخلفون على منازلهم من يحفظها، فكانوا يتأثَّمون أن يأكلوا منها شيئاً. فرخّص لهم أن يأكلوا منها.
وقال بعضهم: كانوا يخلفون عليها الأعمى والأعرج والمريض والزمني الذين لا يخرجون في الغزو فرخّص لهم أن يأكلوا منها.
وقال بعضهم: مُنِعت البيوت زماناً؛ كان الرجل لا يتضيّف أحداً ولا يأكل في بيت أحد تأثماً من ذلك.
[قال يحيى بلغني أن] ذلك كان حين نزلت هذه الآية: {يَآأيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَأكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالبَاطِلِ} [النساء: 29] فكان أول من رخَّص الله له الأعمى والأعرج والمريض، ثم رخص الله لعامّة المؤمنين؛ فقال:
{وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقكُمْ} فلا بأس أن يأكلوا من بيوت هؤلاء بغير إذن.
قوله: {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ} قال بعضهم: هم الذين خُلِّفوا على تلك المنازل وجعلت مفاتحها بأيديهم.
(3/ 2)
وقال بعضهم: هم المملوكون الذين هم خزنة على بيوت (3/193)
صفحة 1262
مواليهم. قال الحسن: {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ} أي: خزائنه، أي: مما كنتم عليه أمناء.
قوله: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} [قال قتادة: فلو أكلت من بيت صديقك عن غير مؤامرته لكان الله قد أحل لك ذلك].
ذكروا عن الحسن أنه سئل عن الرجل يدخل بيت أخيه، يعني صديقه، فيخرج صاحب البيت، فيرى صديقه الشيء من الطعام في البيت، أيأكله بغير إذنه؟ فقال: كُلْ من طعام أخيك.
قال الحسن [بن دينار]: كنا في بيت قتادة ونحن جماعة فأُتينَا ببُسر، فتناول رجل من القوم بسرات فأمسكهن، ثم قال: يا أبا الخطاب، إني قد أخذت من هذا البسر. فقال: هو لك حلال وإن لم تذكره لي، لأنك مؤاخيّ.
قال بعضهم: لم يذكر الله في هذه الآية بيوت الابن، فرأيت أن النبي عليه السلام إنما قال للابن: أنت ومالك لأبيك من هذه الآية؛ لأنه قال: {وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} ولم يقل: أو بيوت أبنائكم. ثم ذكر ما بعد ذلك من القرابة حتى ذكر الصديق ولم يذكر الابن.
قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} قال بعضهم: كان بنو (3/194)
صفحة 1263
كنانة بن خزيمة يرى أحدهم أنّ محرّماً عليه أن يأكل وحده في الجاهلية، حتى أن الرجل لَيَسوق الذَّوْدَ الحُفَّل وهو جائع فلا يأكل أو يشرب حتى يجد من يؤاكله ويشاربه، فأنزل الله هذه الآية.
قوله: {فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الأَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: لكي تعقلوا. أي: إن دخل على قوم سلّم عليهم، وإن كان رجل واحد سلّم عليه.
قوله: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ} أي: على إخوانكم، أي: يسلّم بعضكم على بعض.
وإذا دخل الرجل بيته سلَّم عليهم. [وقال قتادة: إذا دخلت فسلّم على أهلك فهم أحق من سلّمت عليه، فإذا دخلت بيتاً لا أحد فيه فقل: سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه كان يؤمر بذلك، حدثنا أن الملائكة ترد عليه].
وإذا دخل الرجل المسجد قال: بسم الله، سلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم اغفر لي ذنبي وافتح لي أبواب رحمتك. فإن كان مسجداً كثير الأهل سلَّم عليهم، يُسمع نفسَه، وإن كان قليل الأهل سلّم عليهم، يُسمعهم التسليمَ، وإن لم يكن فيه أحد قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام علينا من ربّنا.
وإذا دخل بيتاً غير مسكون مما قال الله: {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} وهي الفنادق ينزلها الرجل المسافر ويجعل فيها متاعه، فإذا دخل البيت قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام علينا من ربنا.
[خالد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(3/ 3)
«يسلّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير». (3/195)
صفحة 1264
وقال أيضاً: «يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير».
[قال يحيى: يعني] ويسلم راكب الدابة على راكب البعير، ويسلم الفارس على صاحب الحمار والبغل.
وقال بعضهم: إذا سلّم رجل على القوم فردّ رجل منهم أجزأ عنهم، وإذا كانوا ناساً فسلم رجل منهم على المجلس أجزأ عنهم.
وكان الحسن يقول: كان النساء يسلّمن على الرجال ولا يسلم الرجال على النساء. وكان ابن عمر يسلّم على النساء، وغير واحد من السلف أنهم كانوا يسلّمون على النساء.
قال بعضهم: إذا كان النساء على الطريق فلقيهن الرجل جلس النساء ويسلم الرجل، وإن كانت فيهم امرأة فدخلت ردّت السلام على الرجال من بينهن، وكان ردها السلام عمن بقي منهن.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بغلمان فسلّم عليهم. (3/196)
صفحة 1265
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السلام اسم من أسماء الله».
ذكروا عن ابن مسعود قال: السلام اسم من أسماء الله، وضعه الله في الأرض، فأفشوه بينكم، فإن المرء إذا مر بالقوم، فسلم عليهم، فردوا عليه كانت له عليهم فضيلة ودرجة بأنه ذكرهم السلام، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منه وأطيب، وهم الملائكة عليهم السلام.
ذكروا أن رجلاً كان يمشي مع أبي هريرة قال: فمررنا بقوم فسلّمنا عليهم، قال: فلا أدري أشغلهم الحديث أو ما منعهم أن يردّوا السلام، فقال أبو هريرة: سلام ربي والملائكة أحبّ إليّ.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للمسلم على المسلم من المعروف ست خصال: يسلم عليه إذا لقيه، ويشمّته إذا عطس، ويجيبه إذا دعاه، ويعوده إذا مرض، وينصح له إذا غاب أو شهد، ويشهد جنازته إذا مات».
(3/ 4)
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62)
قوله: {إِنَّمَا المُؤمِنُونَ الذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} أي: الجمعة والعيدين والاستسقاء وكل شيء تكون فيه الخطبة {لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأذِنُوهُ} أي: يستأذنوا الرسول عليه السلام. {إِنَّ الذِينَ يَسْتَأذِنُونَكَ أُولَئِكَ الذِينَ يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ} أي: مصدّقين بالله ورسوله، عاملين بجميع فرائضه، غير منافقين ولا منتقصين لشيء من فرائض الله التي فرضها عليهم.
{فَإِذَا اسْتَأذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ} يريد الغائط والبول، ولكن الله كنَّى عن (3/197)
صفحة 1266
ذلك {فَأْذَن لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} وقد أوجب الله على النبي والإِمام بعده أن يأذن لهم، ولكن الله أراد بذلك إكرام النبي عليه السلام وإعظام منزلته. فإذا كانت لرجل حاجة قام حيال الإِمام، وأمسك بأنفه وأشار بيده.
قال: {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال بعضهم: إنها نسخت الآية في براءة: {عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ} [التوبة: 43]. وهي عنده في الجهاد، لأن المنافقين كانوا يستأذنونه في المقام عن الغزو بالعلل الكاذبة، فرخّص الله للمؤمنين أن يستأذنوه إذا كان لهم عذر.
وبعضهم يقول: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} أمر طاعة.
(3/ 5)
لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)
قوله: {لاَّ تَجْعَلُوا دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} أي: لا تقولوا: يا محمد، ولكن قولوا: يا رسول الله، ويا نبي الله، في لين وتواضع وتودّد.
أمرهم الله أن يعظّموا الرسول، ويعظّموا حرمته ولا يستخفوا بحقه، وأمرهم أن يجيبوه لما دعاهم إليه من الجهاد والدين.
قوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً} أي: فراراً من الجهاد في سبيل الله، يعني المنافقين، يلوذ بعضهم ببعض استتاراً من النبي عليه السلام حتى يذهبوا.
قال: {فَلْيَحْذَرِ الذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} أي: عن أمر الله، يعني المنافقين {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} أي: بلية {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: وجيع. أي: أن يستخرج الله ما في قلوبهم من النفاق حتى يظهروه ويتباينوا به، فيصيبهم بذلك العذاب الأليم، أي: القتل.
هو كقوله: {لَئِن لَّمْ يَنْتَهِ المُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ} وكل هؤلاء منافقون، لئن لم ينتهوا ويكفوا عن إظهار نفاقهم وإرجافهم (3/198)
صفحة 1267
{لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} يا محمد {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ} أي: في المدينة {إِلاَّ قَلِيلاً} [الأحزاب: 60] ثم قال: {مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً} [الأحزاب: 61] قال: {سُنَّةَ اللهِ فِي الذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ} [الأحزاب: 62] أي: من قبلك يا محمد من الأنبياء، يقول: هكذا كانت سنة الله في منافقي أمتك: القتل إن لم ينتهوا ويكفوا؛ فانتهوا وكفّوا، فكفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتالهم.
(3/ 6)
أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64)
قوله: {أَلآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} أي: من النفاق، يعني المنافقين {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} يقول للنبي: ويوم يرجعون إليه، أي: يوم القيامة {فَيُنَبِّئُهُم} أي: فيخبرهم {بِمَا عَمِلُوا} أي: من النفاق والكفر {وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي: فلا أعلم منه سبحانه. (3/199)
صفحة 1268
(3/ 7)
تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3)
قوله: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {تَبَارَكَ} وهو من باب البركة كقوله: {تَعَالَى} أي: ارتفع. قوله {الذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ} أي: القرآن. وفُرقانه حلاله وحرامه، وفرائضه وأحكامه.
{عَلَى عَبْدِهِ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} أي: ينذرهم النار وعذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة إن لم يؤمنوا.
قال: {الذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً}.
ذكر بعضهم قال: كل شيء بقدر حتى هذه، ووضع طرف أصبعه السبابة على طرف لسانه ثم وضعها على ظفر إبهامه اليسرى.
قوله: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ} أي: من دون الله {ءَالِهَةً} يعني الأوثان {لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي: لا يصنعون شيئاً، أي: إنهم يصنعونها بأيديهم.
ذكر بعضهم في قوله: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} يعني أصنامهم التي عملوها بأيديهم {وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 95 - 96] أي: بأيديكم. قوله: (3/200)
صفحة 1269
{وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ} يعني الأوثان {ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً} أي: لا يميتون أحداً ولا يحيون أحداً {وَلاَ نُشُوراً} أي: ولا بعثاً، لا يملكون شيئاً من ذلك.
(3/ 8)
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8)
قوله: {وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَآ} يعنون القرآن {إِلآ إِفْكٌ} أي: كذب {افْتَرَاهُ} يعنون محمداً عليه السلام {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ} أي: اليهود في تفسير مجاهد. وقال الحسن: يعنون عبد ابن الحضرمي. وقال الكلبي: عبد ابن الحضرمي، وعداس غلام عتبة.
قال الله: {فَقَدْ جَآءُو ظُلْماً وَزُوراً} أي: أتوا شركاً وكذباً. والظلم ها هنا الشرك، والزور الكذب.
{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} أي: كذب الأولين وباطلهم؛ أي: أحاديث الأولين {اكْتَتَبَهَا} يعنون محمداً عليه السلام اكتتب أساطير الأولين من عبد ابن الحضرمي. وقال الكلبي من عبد ابن الحضرمي وعداس غلام عتبة بن ربيعة. {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} والأصيل العشي.
قال الله: {قُلْ أَنزَلَهُ} أي: القرآن {الذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}.
قوله: {وَقَالُوا مَالِ هذَا الرَّسُولِ} [فيما يدعى أنه رسول] {يَأكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلآ} أي: هلا {أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} أي: فيصدقه بمقالته. {أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ} فإنه فقير {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأكُلُ مِنْهَا}. وبعض الكوفيين يقرأها: نأكل منها. {وَقَالَ الظَّالِمُونَ} أي: المشركين يعنيهم {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً}. (3/201)
صفحة 1270
قال الكلبي: بلغني أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام بن عتبة بن ربيعة في رهط من قريش قاموا من المسجد إلى دار في أصل الصفا، فيها نبي الله يصلي، فاستمعوا. فلما فرغ نبي الله من صلاته قال أبو سفيان: يا أبا الوليد، لعتبة، أناشدك الله، هل تعرف شيئاً مما يقول؟ فقال عتبة: اللهم إني أعرف بعضاً وأنكر بعضاً. [فقال أبو جهل: فأنت يا أبا سفيان، هل تعرف شيئاً مما يقول؟ فقال: اللهم نعم، فقال أبو سفيان لأبي جهل: يا أبا الحكم، هل تعرف مما يقول شيئاً] فقال أبو جهل: لا والذي جعلها بنية، يعني الكعبة، ما أعرف ما يقول قليلاً ولا كثيراً، و {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً}.
(3/ 9)
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10)
قوله: {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ} يعني قولهم: {إِنْ هذَآ إِلآ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ} وقولهم: {أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا}، وقولهم: {مَالِ هذَا الرَّسُولِ يَأكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ} وقولهم: ساحر وشاعر وكاهن ومجنون، و {لَوْلآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأكُلُ مِنْهَا}. قال الله: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ}.
قال: {فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} أي: مخرجاً من الأمثال التي ضربوا لك، في تفسير مجاهد.
قوله: {تَبَارَكَ الذِي إِنْ شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} فإنما قالوا هم: جنة واحدة {وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً} أي: في الدنيا إن شاء، وهذا على مقرأ من قرأها ولم يرفعها، ومن قرأها بالرفع: ويجعلُ لك قصوراً، أي: في الآخرة
قال: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ} أي: بالقيامة {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ (3/202)
صفحة 1271
سَعِيراً} والسعير اسم من أسماء جهنم.
قوله: {إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} [قيل]: مسيرة خمسمائة سنة {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظَاً} أي: عليهم {وَزَفِيراً} أي: صوتها.
قوله: {وَإِذَآ أُلْقُوا مِنْهَا} أي: في النار {مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ} ذكروا عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزّجّ على الرمح، وقوله: (مُّقَرَّنِينَ)، أي: هو وشيطانه الذي كان يدعوه إلى الضلالة في سلسلة واحدة، يلعن كل منهما صاحبه، ويتبَرَّأ كل واحد منهما من صاحبه.
قوله: {دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً} أي: ويلاً وهلاكاً. {لاَّ تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُوراً وَاحِدَاً} ويلاً وهلاكاً واحداً {وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً} [أي: ويلاً كثيراً وهلاكاً طويلاً].
ثم قال على الاستفهام: {قُل أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخُلْدِ} أي: إن جنة الخلد خير من ذلك {التِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً} أي: بقدر أعمالهم {وَمَصِيراً} أي: يصيرون إليها وتكون لهم منزلاً ومثوى.
{لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَالِدِينَ} أي: لا يموتون ولا يخرجون منها {كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً} أي: سأل المؤمنون الله الجنة فأعطاهم إياها. وقال بعضهم: سألت الملائكة الله للمؤمنين الجنة، وسؤالهم ذلك كان في سورة حم المؤمن إذ قالوا: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التِي وَعَدتَّهُمْ. . .} إلى آخر الآية [غافر: 8].
قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَقُولُ ءَأنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هؤُلآءِ}. وهذا على الاستفهام، وقد علم أنهم لم يضلّوهم، يقوله للملائكة في (3/203)
صفحة 1272
تفسير الحسن. وقال مجاهد: يقوله للملائكة وعيسى وعزير. ونظير قول الحسن في هذه الآية: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلآئِكَةِ أَهؤُلآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ} [سبأ: 40 - 41] أي: الشياطين من الجن. {أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ}.
(3/ 11)
قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19)
{قَالُوا} قالت الملائكة في تفسير الحسن. وقال مجاهد: قالت الملائكة وعيسى وعزير: {سُبْحَانَكَ} يُنزِّهون الله عن ذلك {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ} أي: لم نكن نواليهم على عبادتهم إيانا. وبعضهم يقرأها: {أَن نَّتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ}.
{وَلَكِن مَتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ} في عيشهم في الدنيا بغير عذاب {حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ} أي: حتى تركوا الذكر لما جاءهم في الدنيا. {وَكَانُوا قَوْماً بُوراً}. أي: فاسدين فساد الشرك. وقال مجاهد: هالكين.
قال الله لهم في الآخرة: {فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ}. قال الحسن: يقول للمشركين: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} أي: إنهم آلهة.
وفي تفسير مجاهد قال: يكذبون المشركين بقولهم، إذ جعلوهم آلهة، فانتفوا من ذلك ونزّهوا الله عنه. وبعضهم يقرأها: {بِمَا يَقُولُونَ} يعني قول الملائكة في قول الحسن، وفي قول مجاهد: الملائكة وعيسى وعزير.
قال: {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً} قال الحسن: فما يستطيع الذين عبدوهم لهم (صَرْفاً)، أي: أن يصرفوا عنهم العذاب، {وَلاَ نَصْراً} أي: ولا ينصرونهم.
قوله: {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ} أي: ومن يشرك منكم وينافق {نُذِقْهُ} أي: نعذّبه {عَذَاباً كَبِيراً} كقوله: {إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذَابَ الأَكْبَرَ} [الغاشية: 23 - 24].
قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إِلآ إِنَّهُمْ لَيَأكُلُونَ الطَّعَامَ} [أي: إلا (3/204)
صفحة 1273
إنهم كانوا يأكلون الطعام]، كقوله: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأكُلُونَ الطَّعَامَ} [الأنبياء: 8] أي: ولكن جعلناهم جسداً يأكلون الطعام. قال: {وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} فهذا جواب للمشركين حيث قالوا: {مَالِ هذَا الرَّسُولِ يَأكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ}.
قوله: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً}.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للغني من الفقير، وويل للفقير من الغني، وويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد».
قال الحسن: ويل لهذا المالك إذ رزقه الله هذا المملوك، كيف لم يحسن إليه ويصبر، وويل لهذا المملوك الذي ابتلاه الله فجعله لهذا المالك كيف لم يصبر ويحسن. وويل لهذا الغني الذي رزقه الله ما لم يكرّم هذا الفقير، كيف لم يحسن ولم يصبر، وويل لهذا الفقير الذي ابتلاه الله بالفقر ولم يعطه ما أعطى هذا الغني، كيف لم يصبر. وبقية الحديث على هذا النحو.
ذكروا عن أبي الدرداء قال: ويل لمن لا يعلم مرة، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات. (3/205)
صفحة 1274
وقال بعضهم: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} يعني الأنبياء وقومهم. قال: {وَكَانَ رَبُّك بَصِيراً}.
ذكروا عن الحسن قال: لما عرض على آدم ذريته فرأى فضل بعضهم على بعض قال: يا رب، ألا سوّيت بينهم. قال: يا آدم إني أحبّ أن أُشكَر ليرى ذو الفضل فضلَه فيحمدني ويشكرني.
(3/ 13)
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22)
قوله: {وَقَالَ الذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} وهم المشركون لا يقرون بالبعث. {لَوْلآ} أي: هلاّ {أُنْزِلَ عَلَيْنَا المَلآئِكَةُ} [فيشهدوا أنك رسول الله يا محمد {أَوْ نَرَى رَبَّنَا} معاينة، فيخبرنا أنك رسول الله.
قال الله: {لَقَدِ اسْتكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً} أي: وعصوا عصياناً كبيراً.
قال: {يَوْمَ يَرَوْنَ المَلآئِكَةَ} وهذا عند الموت {لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} أي: للمشركين، وهذا جرم الشرك، أي: لا بشرى لهم يومئذ بالجنة. وذلك أن المؤمنين تبشرهم الملائكة عند الموت بالجنة. قال الله: {إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلآئِكَةُ} عند الموت {أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ التِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30]. وتفسير مجاهد: {يَوْمَ يَرَوْنَ المَلآئِكَةَ} يوم القيامة.
قال: {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} أي: وتقول الملائكة: حرام محرم أن (3/206)
صفحة 1275
تكون لهم الجنة. وقال مجاهد: {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} [يعني عوذاً معاذاً] أي: معاذ الله أن تكون لهم البشرى بالجنة.
(3/ 14)
وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25)
قوله: {وَقَدِمْنَآ إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ} أي: وعمدنا. وفي تفسير مجاهد: {إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ} أي: حسن، يعني المشركين {فَجَعَلْنَاهُ} أي: في الآخرة {هَبَآءً مَّنْثُوراً} وهو الذي يتناثر من الغبار الذي يكون من أثر حوافر الدوابّ إذا سارت. وفي الآية: {هَبَآءً مُّنْبَثّاً} [الواقعة: 6] وهو الذي يدخل من الكوّة من ضوء الشمس. وتفسير مجاهد: {هَبَآءً مَّنْثُوراً} هو عنده هذا.
قوله: {أَصْحَابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَراً} أي: من مستقرّ المشركين {وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} أي: مأوى ومنزلاً.
ذكر بعضهم قال: يجاء يوم القيامة برجلين كان أحدهما ملكاً في الدنيا إلى الحمرة والبياض فيُحاسَب فإذا هو عبد لم يعمل خيراً فيؤمر به إلى النار، والآخر كان مسكيناً في الدنيا، أو كما قال، فيحاسب، فيقول: يا رب، ما أعطيتني من شيء فتحاسبني به، فيقول: صدق عبدي فأرسلوه، فيؤمر به إلى الجنة. ثم يُتركان ما شاء الله، ثم يدعى صاحب النار، فإذا هو الحُممة السوداء، فيقال له: كيف وجدت مقيلك؟ فيقول: شرّ مقيل، فيقال له: عد. ثم يدعى صاحب الجنة فإذا هو مثل القمر ليلة البدر، فيقال له: كيف وجدت مقيلك؟ فيقول: ربّ، خير مقيل، فيقال له: عد.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: من لم يَقِل في الجنة يومئذ فليس هو من أهلها.
قال بعضهم: وبلغنا عن ابن عباس أنه قال: إني لأعلم أي ساعة يدخل أهل الجنة الجنة، قبل نصف النهار حين يشتهون الغَداء.
قوله: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَآءُ بِالغَمَامِ} أي: عن الغمام. هذا بعث البعث، (3/207)
صفحة 1276
تشقّق فتراها واهية متشققة، كقوله: {وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً} [النبأ: 19]. ويكون الغمام شرايين السماء والأرض. قال: {وَنُزِّلَ المَلآئِكَةُ تَنزِيلاً} هو مثل قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلآ أَن يَّأتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ وَالمَلآئِكَةُ} [البقرة: 210]، ومثل قوله: {وَجَآءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} [الفجر: 22].
(3/ 15)
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)
قال: {المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمنِ} يخضع الملوك يومئذ لملك الله، والجبابرة لجبروت الله. {وَكَانَ يَوْماً عَلَى الكَافِرِينَ عَسِيراً} أي: شديداً.
قوله: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ}، وهو أبيّ بن خلف، يأكلها ندامة يوم القيامة. {يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذتُّ مَعَ الرَّسُولِ} أي: محمد {سَبِيلاً} إلى الله باتباعه بالإِيمان.
{يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَم أتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً} أي: عقبة بن أبي معيط {لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ} أي: عن القرآن {بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي}.
ذكروا عن مجاهد قال: كان أبيّ بن خلف يأتي النبي فزجره عقبة بن أبي معيط عن ذلك، فهو قول أبيّ بن خلف في الآخرة: {يَالَيْتَنِي اتَّخَذتُّ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً}.
وقال مجاهد في قوله: {يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَم أتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً} يعني به الشيطان.
قوله: {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً} أي: يأمره بمعصية الله، ثم يخذله في الآخرة. كقوله: {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلآ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَّآ أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} [إبراهيم: 22].
قوله: {وَقَالَ الرَّسُولُ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم: {يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِيَ} يعني من لم يؤمن به {اتَّخَذُوا هذَا القُرْآنَ مَهْجُوراً} أي: هجروه فلم يؤمنوا به. وقال مجاهد: يُهجِرون بالقول فيه، ويقولون: هو كذب. وقال بعضهم: إنما قال هذا محمد يشتكي قومه إلى ربه.
قال الله يعزي نبيّه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المُجْرِمِينَ} أي: من المشركين {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً} إلى دينه {وَنَصِيراً} أي: للمؤمنين على أعدائهم.
(3/ 16) (3/208)
صفحة 1277
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36)
قوله: {وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ} أي: هلا {نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} أي: كما أنزل على موسى وعلى عيسى. قال الله: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}. [قال قتادة: وَبَيَّنَّاهُ تَبْيِيناً] نزل في ثلاث وعشرين سنة. {وَلاَ يَأتُونَكَ بِمَثَلٍ} يعني المشركين مما كانوا يحاجونه به. قال: {إِلاَّ جِئْنَاك بِالحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} أي: بياناً. وقال بعضهم: أحسن تفضيلاً.
قوله: {الذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً} أي: من أهل الجنة {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} أي: طريقاً في الدنيا، لأن طريقهم إلى النار وطريق المؤمنين إلى الجنة.
قوله: {وَلَقَد ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ} أي: التوراة {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً} أي: عويناً. وقال بعضهم: عضداً. وقال الحسن: شريكاً في الرسالة؛ وهو واحد، وذلك قبل أن تنزّل عليهما التوراة، ثم نزلت عليهما قبل، فقال: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الفُرْقَانَ وَضِيَآءً} [الأنبياء: 48] أي: التوراة، وفرقانها حلالها وحرامها وفرائضها وأحكامها.
قال: {فَقُلْنَا اذْهَبَآ إِلَى القَوْمِ الذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} يعني فرعون وقومه {فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً} أي: فكذبوهما فدمّرناهم تدميراً، يعني الغرق الذي أهلكهم (3/209)
صفحة 1278
به، كقوله: {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ} [المؤمنون: 48] أي: من المعذبين بالغرق في الدنيا ولهم النار في الآخرة.
(3/ 17)
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38)
قوله: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ} أي: وأهلكنا قوم نوح أيضاً بالغرق لما كذبوا الرسل بتكذيبهم نوحاً. قال: {أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةً} أي: لمن بعدهم {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} أي: للمشركين، يعنيهم، {عَذَاباً أَلِيماً} أي: موجعاً في الآخرة.
قوله: {وَعَاداً وَثَمُوداً} أي: وأهلكنا عاداً وثموداً، تبعاً للكلام الأول {وَأَصْحَابَ الرَّسِّ} أي: وأهلكنا أصحاب الرس، وهو بئر في قول كعب. وقال الحسن: واد. وقال قتادة: أهل فلح باليمامة وآبار.
قال بعضهم: وإن الذي أرسل إليهم شعيب، وإنه أرسل إلى أهل مدين وإلى أصحاب الرس جميعاً. ولم يبعث الله نبياً إلى أمتين غيره فيما مضى، وبعث الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الجن والإِنس كلهم.
قوله: {وَقُرُوناً} أي: وأهلكنا قروناً، أي: أمة بعد أمة {بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً}. قال بعضهم: القرن سبعون سنة. (3/210)
صفحة 1279
(3/ 18)
وَ
قال: {وَكُلاًّ} يعني من ذكر ممن مضى {ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ} أي: خوفناهم واحتججنا عليهم وبيّنّا لهم {وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً} أي: أفسدنا فساداً. وقال بعضهم: وكلا أهلكنا هلاكاً، يعني إهلاكه الأمم السالفة بتكذيبهم رسلها.
قوله: {وَلَقَدَ اتوْا} يعني مشركي العرب أتوا {عَلَى الْقَرْيَةِ التِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} يعني قرية لوط. ومطر السوء الحجارة التي رمى بها من كان خارجاً من المدينة وأهل السفر منهم. قال: {أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} أي: فيتفكروا ويحذروا أن ينزل عليهم ما نزل بهم. أي: بلى، قد أتوا عليها ورأوها. مثل قوله: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِالَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الصافات: 137 - 138] قال: {بَلْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً} أي: لا يخافون بعثاً ولا حساباً.
{وَإِذَا رَأَوْكَ} يعني الذين كفروا {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً} أي: فيما يزعم، يقوله بعضهم لبعض {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا} يعنون أوثانهم {لَوْلآ أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا} أي: على عبادتها. قال الله: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذَابَ} في الآخرة {مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً} أي إنهم كانوا أضل سبيلاً من محمد.
قوله: {أَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ} ذكروا عن الحسن قال: [هو المنافق يصيب هواه، كلما هوِيَ شيئاً فعله]. قوله: اتخذ هواه إلهاً، يعني المشرك. قوله: {أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} أي: حفيظاً تحفظ عليه عمله حتى تجازيه به، أي: إنك لست بربّ، إنما أنت نذير.
قوله: {أَمْ تَحْسِبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ} يعني المشركين {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ} أي: فيما يعبدونه {أَضَلُّ سَبِيلاً} من الأنعام.
قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} قال الحسن: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ ك (3/211)
صفحة 1280
يْفَ مَدَّ الظِّلَّ} من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. {وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً} أي: لا يزول. قال: {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ} أي: على الظل {دَلِيلاً} أي: تتبعه وتقبضه.
(3/ 19)
ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50)
قال: {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً} أي: يسيراً علينا. كقوله: {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ} [العنكبوت: 19]. وقال مجاهد: {سَاكِناً} لا تصيبه الشمس ولا يزول. {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً} أي: تحويه. {ثُم قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً} أي: حَوَى الشمس إياه. وقال بعضهم: وذلك حين يقوم العمود نصف النهار حين لا يكون ظل؛ فإذا زالت الشمس رجع الظل فازداد حتى تغيب الشمس.
قوله: {وَهُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الّيْلَ لِبَاساً} يعني سكناً يسكن فيه الخلق {وَالنَّوْمَ سُبَاتاً} أي: يسبت فيه النائم حتى لا يعقل. {وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً} أي: ينتشر فيه الخلق لمعايشهم ولحوائجهم ولتصرّفهم.
قوله: {وَهُوَ الذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشُراً} أي: تلقح السحاب {بَيْنَ يَدَي رَحْمَتِهِ} أي: بين يدي المطر. [قال: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَاءً} يعني المطر، {طَهُوراً} للمؤمنين بتطهرون به من الأحداث والجنابة.
قال: {لِنُحْيِيَ بِهِ} أي: بالمطر {بَلْدَةً مَّيْتاً} اليابسة التي ليس فيها نبات. (3/212)
صفحة 1281
{وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ} يعني المطر {لِيَذَّكَّرُوا}.
ذكروا عن ابن عباس قال: ما عام بأكثر مطراً من عام، أو قال: ماء، ولكن الله يصرفه حيث يشاء] ثم تلا هذه الآية: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا} قال الحسن: فيكونوا متذكرين بهذا المطر فيعلمون أن الذي أنزل هذا المطر الذي يعيش به الخلق وينبت به النبات في الأرض اليابسة قادر على أن يحيي الموتى.
قوله: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، مطرنا بنوء كذا.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو حبس الله المطر عن أمتي عشر سنين، ثم صبه عليهم لأصبحت طائفة من أمتي يقولون: مطرنا بنوء مذحِج».
ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يدعهن الناس: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالأنواء».
(3/ 20)
و (3/213)
صفحة 1282
لَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)
قوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} أي: رسولاً {فَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ} أي: فيما ينهونك عنه من طاعة الله. {وَجَاهِدْهُم بِهِ} أي: بالقرآن {جِهَاداً كَبِيراً} أي: شديداً. وهذا الجهاد إنما هو باللسان يومئذ بمكة قبل أن يؤمر بقتالهم.
قوله: {وَهُوَ الذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ} أفاض أحدهما على الآخر في تفسير مجاهد، يعني العذب والمالح. {هذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} أي: حلو {وَهذَا مِلْحُ أُجَاجٌ} أي: مر. {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} أي: حاجزاً لا يغلب المالح على العذب ولا العذب على المالح في تفسير مجاهد. قوله: {وَحِجْراً مَّحْجُوراً} أي: حراماً محرماً أن يغلب أحدهما على الآخر. وقال الحسن: فصلاً مفصّلاً.
قوله: {وَهُوَ الذِي خَلَقَ مِنَ المَآءِ بَشَراً} أي: خلق الله آدم من الطين، والطين كان من الماء {فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً} قال بعضهم ذكر الله الصهر مع النسب، وحرّم الله من النسب سبع نسوة وحرّم من الصهر سبع نسوة. قال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} فلا يتزوّج الرجل أمّه ولا أمّ امرأته، ولا يجمع بينهما ولا يتزوّجها بعدها، ولا ابنته ولا ابنة امرأته، إلا أن يكون دخل بأمها، فإنه يتزوّجها بعدها، ولا يجمع بينهما. قال: {وَأَخَوَاتُكُمْ} فلا يتزوّج أخته ولا أخت امرأته، ولا يجمع بين الأختين. قال: {وَعَمَّاتُكُمْ} فلا يتزوّج عمّته ولا عمّة امرأته، لا يجمع بين امرأته وعمّتها. قال: {وَخَالاَتُكُمْ} فلا يتزوج خالته ولا خالة امرأته، لا يجمع بين امرأته وخالتها. قال: {وَبَنَاتُ الأَخِ} فلا يتزوّج الرجل ابنة أخيه ولا ابنة أخي امرأته، (3/214)
صفحة 1283
لا يجمع بين امرأته وابنة أخيها. قال: {وَبَنَاتُ الأُخْتِ} [النساء: 23] فلا يتزوّج الرجل ابنة أخته ولا ابنة أخت امرأته، لا يجمع بين امرأته وبين بنت أختها. فهذه أربع عشرة نسوة حرّمهن الله، سبع من النسب، وسبع من الصهر.
قال: {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} أي: قادراً على كل شيء.
(3/ 21)
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60)
قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ} يعني الأوثان {وَكَانَ الكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً} أي: عويناً. ظاهر الشيطان على ترك ما أمر به في تفسير الحسن. وقال بعضهم: هو أبو جهل بن هشام أعان الشيطان على النبي عليه السلام.
قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} مبشّراً بالجنة ونذيراً من النار ومن عذاب الله في الدنيا إن لم يؤمنوا.
قوله: {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي: على القرآن {مِنَ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} أي: إنما جئتكم بالقرآن ليتخذ به من آمن إلى ربه سبيلاً بطاعته. أي: يتقرّب به إلى الله.
قوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} قال الحسن: بمعرفته وقال بعضهم: تأويل الحي: الفعّال. {وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ} [أي: ملك الرحمن العرش. وقال بعضهم: الاستواء هو الملك، والقدرة قدر الله، قدر على التمكن]. هو الحي الذي لا يموت، هو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش. قال: {الرَّحْمنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} أي: خبيراً بالعباد.
قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ} يعني المشركين {اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأمُرُنَا} على الاستفهام، أي: لا نفعل. وهي تقرأ بالتاء والياء. فمن قرأها (3/215)
صفحة 1284
بالتاء: تأمرنا، فهم يقولونه للنبي، ومن قرأها بالياء فيقول: يقوله بعضهم لبعض: أنسجد لما يأمرنا محمد. {وَزَادَهُمْ} أي: قولهم لهم اسجدوا للرحمن {نُفُوراً} أي: عن القرآن.
(3/ 22)
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62) وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)
قوله: {تَبَارَكَ الذِي جَعَلَ فِي السَّمَآءِ بُرُوجاً} والبروج النجوم {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً} يعني الشمس {وَقَمَراً مُّنِيراً} أي: مضيئا. وهي تجري في فلك دون السماء. قوله: {الذِي جَعَلَ فِي السَّمَآءِ}، والسماء كل ما ارتفع. وقال في آية أخرى: {ألَمْ يَرَوا إِلَى الطَّيْر مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَآءِ} [النحل: 79] أي: مرتفعات متحلّقات.
قوله: {وَهُوَ الذِي جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَن أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً}. ذكروا عن الحسن قال: من عجز في الليل كان له في النهار مستعتَب، ومن عجز في النهار كان له في الليل مستعتَب. وقال مجاهد: يعني سواد الليل وبياض النهار.
قوله: {وَعِبَادُ الرَّحْمنِ الذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً} قال الحسن ومجاهد: بالسكينة والوقار.
وقال بعضهم: إن الله مدح المؤمنين وذمّ المشركين فقال: {وَعِبَادُ الرَّحْمنِ الذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً} أي: حلماء، وأنتم أيها المشركون، لستم بحلماء.
قوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً} ذكروا عن الحسن قال: حلماء، إن جُهِل عليهم لم يجهلوا. (3/216)
صفحة 1285
(3/ 23)
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)
قوله: {وَالذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} أي: يصلّون، وأنتم أيها المشركون لا تصلون.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أصيبوا من الليل ولو ركعتين، ولو أربعاً».
[وقال بعضهم]: بلغنا أنه من صلّى من الليل ركعتين فهو من الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً.
قال: {وَالذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} قال الحسن: قد علموا أن كل غريم مفارق غريمه إلا غريم جهنم.
وبعضهم يقول: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} أي: لزاماً، وهو مثل قول الحسن، إلا أنه شبهه بالغريم يلزم غريمه. وبعضهم يقول: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} أي: انتقاماً.
قال: {إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً} أي: بئس المستقر هي. وقال الحسن: إن أهلها لا يستقرّون فيها، كقوله: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} [الغاشية: 3]، أعملها الله وأنصبها في النار. وقال: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} [الرحمن: 44] فهم في ترداد وعناء. قال: {وَمُقَاماً} أي: ومنزلاً.
قوله: {وَالذِينَ إذَآ أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} لم يسرفوا أي: لم ينفقوا في معصية الله، ولم يقتروا على النفقة في طاعة الله. {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} هذه النفقة نفقة الرجل على أهله. (3/217)
صفحة 1286
ذكروا أن هذه أنزلت في أصحاب النبي عليه السلام، وصفهم الله بهذه الصفة. [كانوا لا يأكلون طعاماً يريدون به نعيماً، ولا يلبسون ثوباً يريدون به جمالاً، وكانت قلوبهم على قلب واحد].
(3/ 24)
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)
قوله: {وَالذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ}. وأنتم أيها المشركون تدعون مع الله آلهة. قال: {وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ}.
ذكروا عن الحسن قال: لما نزل في قاتل المؤمن وفي الزاني وأشباه ذلك ما نزل قال أصحاب النبي: أينا لم يزن، أينا لم يفعل، وتخوّفوا أن يُؤخذوا بما كان منهم في الجاهلية. فأنزل الله: {وَالذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ} أي: بعد إسلامهم، {وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْس التِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ}، اي: بعد إسلامهم، {وَلاَ يَزْنُونَ} أي: بعد إسلامهم. وأنزل قوله: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} أي: بالشرك والكبائر الموبقة {لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ} إن تبتم إليه {إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] لمن تاب إليه، الرحيم به إذ جعل له متاباً، أي: مرجعاً ومخرجاً. {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} [الزمر: 54] يغفر لكم ما كان منكم في الجاهلية. وأنزل الله في هذه الآية: {وَالذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ}.
قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} قال بعضهم: نكالاً. وقال بعضهم: كنا نُحدَّث أنه واد في جهنم.
قال: {يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً}.
ذكر الحسن في قوله في سورة [طه: 82]: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ} أي: من الشرك، {وَءَامَنَ} أي: أخلص الإِيمان لله {وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} أي: في إيمانه. وقال (3/218)
صفحة 1287
بعضهم: إلا من تاب من ذنبه، وآمن: أي بربه، وعملا عملاً صالحاً، أي: فيما بينه وبين الله. قوله: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} أي: يبدّل الله مكان الشرك الإِيمان، ومكان العمل السيء العمل الصالح.
[وقال بعضهم: فاما التبديل في الدنيا فطاعة الله بعد عصيانه، وذكر الله بعد نسيانه، والخير يعمله بعد الشر].
(3/ 25)
وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75)
قوله: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإنَّهُ يَتُوبُ إلَى اللهِ مَتَاباً} أي: يقبل الله توبته إذا تاب قبل الموت. كقوله في سورة النساء: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ: إنِّي تُبْتُ الآن} [النساء: 18]. ويقال: تقبل التوبة من العبد ما لم يغرغر.
قوله: {وَالذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} والزور الشرك والنفاق والعمل السيئ [وقال بعضهم: {لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ}: أي: لا يحضرون مجالس الكذب والباطل] قوله: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ} أي: بالباطل {مَرُّوا كِرَاماً} أي: ليسوا من أهله. [وقال بعضهم: {لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً} أي: لا يشهدون أهل الباطل على باطلهم ولا يمالئونهم فيه].
قوله: {وَالذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} أي: بالقرآن {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} أي: لم يصمُّوا عنها ولم يعمُوا عنها.
قوله: {وَالذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْينٍ} ذكروا عن ابن عباس قال: أعواناً على طاعة الله. وتفسير الحسن: أن يروهم مطيعين لله.
قوله: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} أي: قادة في الخير ودعاة هدى يؤتم بنا.
قال: {أَولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ} كقوله: {وَهُمْ فِي الغُرُفَاتِ ءَامِنُونَ} [سبأ: 37] (3/219)
صفحة 1288
{بِمَا صَبَرُوا} أي: على طاعة الله وعن معصية الله. {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا} أي: في الجنة {تَحِيَّةً وَسَلاَماً} التحية: السلام، والسلام: الخير الكثير كقوله: {سَلاَمٌ هِيَ} [القدر: 5] قال مجاهد: {سَلاَمٌ هِيَ} أي: خيرٌ هي كلها {حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ} يعني ليلة القدر.
(3/ 26)
خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)
قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا} أي: لا يموتون فيها ولا يخرجون منها {حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً} أي: قرارهم فيها. {وَمُقاماً} أي: ومنزلاً.
قوله: {قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي} أي: ما يفعل بكم ربي {لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ} أي: لولا عبادتكم وتوحيدكم وإخلاصكم. كقوله: {فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غافر: 14] قال: {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} يعني المشركين {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} أي: أخذاً بالعذاب، يعذبهم يوم بدر، فألزمهم الله يوم بدر عقوبة كفرهم وجحودهم، يعذبهم بالسيف.
ذكر بعضهم قال: بلغنا عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول: قد مضت البطشة الكبرى: يوم بدر، واللزام، والدّخان، وهو الجوع الذي كان أصابهم بمكة، والروم، والقمر، يعني قوله: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ} [القمر: 1]. وأما الروم فإنهم غلبوا فارساً، وغلب المسلمون المشركين في يوم واحد. وقوله: {سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] أي: يوم بدر. وقوله: {حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} [المؤمنون: 77] يوم بدر، وقوله: {العَذَابِ الأَدْنَى} [السجدة: 21] يوم بدر، وقوله: {وَإِنَّ لِلذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} [الطور: 47] يوم بدر. وقوله: {قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ} [السجدة: 29]. وقال الحسن: هي النفخة الأولى بها يهلك كفار آخر هذه الأمة، أعاذنا الله من الهلاك. (3/220)
صفحة 1289
(3/ 27)
طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4)
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {طسم} قال بعضهم: هو اسم من أسماء الكتاب، يعني القرآن. وقال الحسن: لا أدري، غير أن قوماً من السلف كانوا يقولون فيها وأشباهها: أسماء السور ومفاتحها. وقال بعضهم: اسم من أسماء القرآن، أقسم به ربك.
قوله: {تِلْكَ ءَايَاتُ الكِتَابِ} أي: هذه آيات القرآن {المُبِينِ} أي: البيّن.
قوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} أي: قاتل نفسك {أَلاَّ يَكُونُوا مُؤمِنِينَ} أي: لعلك قاتل نفسك إن لم يكونوا مؤمنين، فلا تفعل.
قوله: {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ ءَايَةً فَظَلَّتَ} أي: فصارت {أَعْنَاقُهُمْ لَهَا} أي: للآية {خَاضِعِينَ} أي: فظلوا خاضعين لها أعناقهم. وهذا تفسير مجاهد. وذلك أنهم كانوا يسألون النبي عليه السلام أن يأتيهم بآية، فهذا جواب قلوقهم. (3/221)
صفحة 1290
(3/ 28)
وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13)
قوله: {وَمَا يَأتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمنِ مُحْدِثٍ إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} أي: كلما نزل من القرآن شيء جحدوا به.
قال: {فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأتِيهِمُ} أي: في الآخرة {أَنْبَآءٌ} أي: أخبار {مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي: في الدنيا. وهو عذاب النار، أي: فسيأتيهم تحقيق ذلك الخبر بدخولهم النار.
قوله: {أَوَلَمْ يَرَوا إِلَى الأَرْضِ كَم أَنبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} أي: من كل صنف حسن. وكل ما ينبت في الأرض فالواحد منه زوج. وهذا على الاستفهام. أي: قد رأوا كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم، أي: مما رأوا.
قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً} لمعرفة بأن الذي أنبت هذه الأزواج قادر على أن يحيي الموتى. قال: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} يعني من مضى من الأمم.
قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُو العَزِيزُ الرَّحِيمِ} أي: العزيز في نقمته، الرحيم بخلقه، فأما المؤمن فيتم عليه الرحمة في الآخرة، وأما الكافر فهو ما أعطاه في الدنيا، فليس له إلا رحمة الدنيا، وهي زائلة عنه، وليس له في الآخرة نصيب.
قوله: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائتِ القَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلاَ يَتَّقُونَ} أي: فليتّقوا الله.
{قَالَ} موسى: {رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُّكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي} فلا ينشرح، أي: فلا يتّسع لتبليغ الرسالة {وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي} أي: للعقدة التي كانت في لسانه. {فَأَرْسِل إِلَى هَارُونَ} كقوله: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّن أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [طه: 25 - 32] ففعل الله ذلك به، وأشركه معه في الرسالة.
وهي تقرأ على وجهين: {وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي} بالرفع، ووجه آخر بالنصب: {وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنْطَلِقَ لِسَانِي} أي: إني أخاف أن يكذّبون وأخاف أن يضيقَ صدري ولا ينطلقَ لساني. (3/222)
صفحة 1291
(3/ 29)
وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18)
قوله: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ} يعني القبطي الذي قتله خطأً حيث وكزه فمات. قال: {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ}.
قال الله: {كَلاَّ} ليسوا بالذين يصلون إليك حتى تبلّغ عن الله الرسالة.
ثم استأنف الكلام فقال: {فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ} كقوله: {إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46]. {فَأتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولآ} يقول لموسى وهارون {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وهي كلمة من كلام العرب؛ يقول الرجل للرجل: من كان رسولك إلى فلان، فيقول: فلان وفلان وفلان.
قوله: {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَآءِيلَ} ولا تمنعهم من الإِيمان ولا تأخذ منهما الجزية. وكان بنو إسرائيل في القبط بمنزلة أهل الجزية فينا. وهو كقوله: {أَن أَدُّوا إِلَىَّ عِبَادَ اللهِ} [الدخان: 18] يعني بني إسرائيل.
{قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} أي: عندنا صغيراً. ذكر بعضهم قال: بلغنا عن ابن عباس أن موسى لما دخل على فرعون عرفه عدوُّ الله فقال: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} {وَلَبِثتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} أي: لم تدّع هذه النبوّة التي تدعيها اليوم.
وقال: بلغنا أنه لما دخل على فرعون قال له: من أنت؟ قال: أنا رسول الله. قال: ليس عن هذا أسألك، ولكن من أنت؟ وابن من أنت. قال له: أنا موسى بن عمران. فقال له: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ}. (3/223)
صفحة 1292
قوله: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَك التِي فَعلْتَ} أي: وقتلت النفس التي قتلت. {وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} أي: لنعمتنا، أي: إنا ربَّيناك وأحسنّا إليك. وقال الحسن: وأنت من الكافرين بأني إله.
{قَالَ} موسى: {فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّآلِّينَ} أي: من الجاهلين، أي: لم أتعمّد قتله. {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} يعني حيث توجّه تلقاء مدين. {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً} يعني النبوّة {وَجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ}.
ثم قال: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} لقول فرعون له وأنت من الكافرين لنعمتنا. {أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَآءِيلَ} موسى يقوله لفرعون، أراد ألا يسوّغ، أي: ألا يجوز، عدو الله ما امتنّ به عليه، فقال: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَآئِيلَ} واتخذت قومي عبيداً وكانوا أحراراً، وأخذت أموالهم فأنفقت عليّ من أموالهم وربّيتني بها، فأنا أحقّ بأموال قومي منك.
{قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ}.
{قَالَ} موسى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنتُم مُّوقِنِينَ} {قَالَ} فرعون {لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ} أي: إلى ما يقول.
{قَالَ} موسى: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ الأَوَّلِينَ} جواباً لقوله في أول الكلام: {وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ}. {قَالَ} فرعون {إِنَّ رَسُولكُمُ الذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ}.
{قَالَ} موسى: {رَبُّ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِنْ كُنتُم تَعْقِلُونَ}. وهذا تبع للكلام الأول: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ}.
{قَالَ} فرعون: {لَئِن اتَّخَذتَّ إلهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ} أي: من المخلدين في السجن. (3/224)
صفحة 1293
{قَالَ} له موسى: {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ} أي: بيّن. {قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} أي: حيّة أشعر ذكر، تكاد تسترط فرعون عدو الله؛ اغرزت ذنبها في الأرض ورفعت صدرها ورأسها، وأهوت إلى عدوّ الله لتأخذه؛ فجعل يميل ويقول: خذها يا موسى، خذها. فأخذها موسى.
قال: {وَنَزَعَ يَدَهُ} أي: أدخل يده في جيب قميصه، ثم أخرجها فهو قوله: {وَنَزَعَ يَدَهُ} أي: أخرج يده. {فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءَ لِلنَّاظِرِينَ} تعشى البصر من بياضها. قال الحسن: أخرجها والله كأنها مصباح.
{قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ} فرعون يقوله: {إِنَّ هذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} أي: بالسحر. {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأمُرُونَ}.
فأراد قتله؛ فقال له أصحابه: لا تقتله فإنما هو ساحر، ومتى ما تقتله أدخلت على الناس في أمره شبهة. ولكن {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} أي: أخّره وأخاه في تفسير الحسن. وقال بعضهم: احبسه وأخاه. {وَابْعَثْ فِي المَدَآئِنِ حَاشِرِينَ} أي: يحشرون عليك السَّحَرة {يَأتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ} أي: بالسحر.
قال الله: {فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} وهو قوله: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} [طه: 59] يوم عيد لهم كان يجتمع فيه أهل القرى والناس، فأراد موسى عليه السلام أن يفضحه على رؤوس الناس.
قال: {وَقِيلَ لِلنَّاسِ} أي: قاله بعضهم لبعض: {هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الغَالِبِينَ}.
{فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأجراً} على الاستفهام. {إِنْ كُنَّا نَحْنُ الغَالِبِينَ قَالَ} فرعون: {نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المُقَرَّبِينَ} أي: في العطية والقربة والمنزلة، في تفسير الحسن، وقال بعضهم: في العطية والفضيلة.
{قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُوا مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الغَالِبُونَ}. (3/225)
صفحة 1294
(3/ 32)
فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54)
{فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأفِكُونَ} أي: تسترط حبالهم وعصيّهم.
لما ألقوا حبالهم وعصيَّهم خُيِّل إلى موسى أن حبالهم وعصيّهم حيات كما كانت عصا موسى. فألقى موسى عصاه فإذا هي أعظم من حياتهم. ثم رَقَوا فازدادت حبالهم وعصيهم عِظماً في أعين الناس. فجعلت عصا موسى تعظم وهم يرقون، حتى أنفدوا سحرهم فلم يبق منه شيء؛ وعظمت عصا موسى حتى سدّت الأفق. ثم فتحت فاهاً فابتلعت ما ألقوا. ثم أخذ موسى عصاه بيده فإذا حبالهم وعصيهم قد ذهبت. فهو قوله: {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فّإذَا هِيَ تَلَقَّفُ مَا يَأفِكُونَ}.
{فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ} أي: أصدقتموه {قَبْلَ أَن ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} أي: كبيركم في السِّحر ورأسُكم {فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ}.
{قَالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَآ أَن كُنَّآ} أي: بأن كنا {أَوَّلَ المُؤمِنِينَ} من السحرة. [قال بعضهم: أول المؤمنين من بني إسرائيل لما جاء به موسى].
قال بعضهم: كانوا أول النهار سَحَرة وآخره شهداء.
قوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنِ أَسْرِ بِعِبَادِي} أي: ليلاً. وقد قال في آية أخرى: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً} [الدخان: 23]. قال مجاهد: إن موسى وبني إسرائيل لما خرجوا تلك الليلة كسف القمر، وأظلمت الأرض. قال: {إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} أي يتبعكم فرعون و قومه.
{فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي المَدَآئِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلآءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ}.
قال بعضهم: ذكر لنا أن بني إسرائيل الذين قطع بهم موسى البحر كانوا ستمائة ألف مقاتل، بني عشرين سنة فصاعداً. وقال الحسن: سوى الحشم. (3/226)
صفحة 1295
وقال بعضهم: كان مقدمة فرعون على ألف ألف حصان ومائتي ألف حصان. وقال بعضهم: ذكر لنا أن جميع جنوده كانوا أربعين ألف ألف.
قال: {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} أي: متسلّحون. وبعضهم يقرأها: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ}. يقول: معِدّون. وبعضهم يقول: حذرون، أي: في القوة والعدّة والسلاح.
قال: {فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ} أي: وأموال {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} أي: منزل حسن. قال: {كَذَلِكَ} أي: كذلك كان الخبر، في تفسير الحسن.
وقال بعضهم: {كَذَلِكَ} أي: هكذا، ثم انقطع الكلام. ثم قال: {وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَآءِيلَ} أي: رجعوا إلى مصر بعدما أهلك فرعون وقومه في تفسير الحسن. (3/227)
صفحة 1296
{فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ} أي: اتبع فرعون وجنوده موسى حين أشرقت الشمس. رجع إلى أول القصة: {فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي: حيث اتّبعوا بني إسرائيل صباح الليلة التي سَرَوا فيها حين أشرقت الشمس.
قوله: {فَلَمَّا تَرَآءَا الجَمْعَانِ} أي: جمع موسى وجمع فرعون {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}، {قَالَ} موسى: {كَلآ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ} أي: الطريق.
قال بعضهم: ذكر لنا أن مؤمناً من آل فرعون كان بين يدي نبي الله موسى يسير ويقول: أين أمرت يا رسول الله؟ فيقول له موسى: أمامك، فيقول له المؤمن: وهل أمامي إلا البحر، فيقول: والله ما كَذِبت ولا كُذبت. ثم يسير ساعة ثم يلتفت. فيقول: أين أمرت يا رسول الله؟ فيقول: أمامك. فيقول: وهل أمامي إلا البحر، فيقول: والله ما كذبت ولا كذبت، حتى دخلوا البحر.
قوله: {فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ البَحْرَ} جاءه جبريل عليه السلام على فرس فأمره أن يضرب البحر بعصاه، فضربه موسى بعصاه {فَانفَلَقَ} البحر {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ} أي: كالجبل العظيم. [صار اثني عشر طريقاً، لكل سبط طريق، وصار ما بين كل طريقين منه مثل القناطر]. ينظر بعضهم إلى بعض.
قال: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الأَخَرِينَ} أي: أدنينا فرعون وقومه إلى البحر. قال: {وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الأَخَرِينَ}. أي: لما خرج آخر (3/228)
صفحة 1297
أصحاب موسى ودخل آخر أصحاب فرعون البحر أمر الله البحر فالتأم عليهم فغرقوا.
قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً} أي: لعبرة لمن اعتبر وحذر ان ينزل به ما نزل بهم. قال: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ} وهي مثل الأولى.
قوله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ} أي: واقرأ عليهم {نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ} أي: خبر إبراهيم {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَها} أي: فنقيم لها {عَاكِفِينَ} أي: عابدين.
{قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} أي: هل يسمعون دعاءكم إذا دعوتموهم لرغبة يعطونكموها أو لضر يكشفونه عنكم. أي: إنها لا تسمع ولا تنفع ولا تضر. {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ} فلم تكن لهم حجة إلا هذا القول، وليس بحجة.
{قَالَ} إبراهيم: {أَفَرَءَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُم عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ} يقول: أنتم وآباؤكم الأقدمون عدو لي إلا من عبد رب العالمين من آبائكم الأولين فإنه ليس لي بعدو. وهذا في تفسير الحسن. وقال الكلبي: يعني ما خلطوا بعبادتهم رب العالمين فإنهم عدو لي. (3/229)
صفحة 1298
قال: {الذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} أي: الذي خلقني وهداني هو الذي يطعمني ويسقيني. {وَإِذَا مَرِضتُّ فَهُوَ يَشْفِينِ}، {وَالذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} يعني البعث.
{وَالذِي أَطْمَعُ} وهذا طمع اليقين {أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} أي: يوم يدين الله الناس فيه بأعمالهم في تفسير بعضهم. وقال مجاهد: يوم الحساب، وهو واحد. وقوله: {خَطِيئَتِي} يعني قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذَا} [الأنبياء: 63]، وقوله لسارّة: إن سألوك فقولي إنك أختي. ذكروه بإسناد عن النبي عليه السلام.
قوله: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً} أي: ثبتني على النبوّة {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} أي: أهل الجنة. {وَاجْعَل لِّي لِسَان صِدْقٍ فِي الأَخِرِينَ}. فليس من أهل دين إلا وهم يتولّونه ويحبّونه، وهي مثل قوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأَخِرِينَ} [الصافات: 108] أي: أبقينا عليه الثناء الحسن في الآخرين.
قوله: {وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} وهو اسم من أسماء الجنة. {وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّآلِّينَ} قال إبراهيم هذا في حياة أبيه، وكان طمع أن يؤمن، فلما تبيّن له أنه من أهل النار لم يدع له.
قوله: {وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} ذكر الحسن قال: إن أبا إبراهيم يأخذ بحجزة إبراهيم يوم القيامة فيقول إبراهيم: يا رب، وعدتني ألا تخزني. فبينما هو كذلك أفلتت يده فلم يره إلا وهو يهوي في النار كأنه ضِبْعان أمدر، فأعرض بوجهه، وأمسك بأنفه فقال: ربّ، ليس بأبي (3/230)
صفحة 1299
ذكروا عن قيس بن عبادة قال: بينما الناس على باب الجسر، يعني جسر جهنم، إذ جاء رجل، وهو أحد عباد الله الصالحين - وذكر الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هو أبو إبراهيم - قال قيس بن عباد: وهذا آخذ بيد أبيه فيقول: رب أبي، وقد وعدتني ألا تخزني. قال: فلا يزال كذلك حتى يحوّله في صورة ضِبعان أمدر، فيرسله فيقول: ربِّ، ليس بأبي.
(3/ 37)
يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96)
قوله: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} اي: من الشرك.
قوله: {وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي: وأدنيت الجنة للمتقين {وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} أي: أظهرت الجحيم، أي: النار، للغاوين، أي: الضالين، والغاوون ها هنا الضالّون المشركون.
{وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} أي: الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة ما عبدوا من دون الله. {هَلْ يَنصُرُونَكُمْ} أي: هل يمنعونكم من عذاب الله. {أَوْ يَنتَصِرُونَ} أي: أو يمتنعون من عذاب الله.
قال: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا} أي: فقذفوا فيها، يعني المشركين {هُمْ وَالْغَاوُونَ} أي: الشياطين قال: {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} أي: من المشركين والمنافقين، وهم جميع جنود إبليس.
{قَالُوا} يعني المشركين خاصة للشياطين {وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ} أي: المشركون والشياطين. وخصومتهم تَبَرُّؤُ بعضهم من بعض وَلَعْن بعضهم بعضاً. (3/231)
صفحة 1300
{تَاللهِ}، قسم. يقسمون بالله {إِنْ كُنَّا} أي: في الدنيا {لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: بَيِّن {إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} أي: نتّخذكم آلهة.
قوله: {وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلا المُجْرِمُونَ} اي: إلا الشياطين، أي: هم أضلونا، أي: لِمَا دعوهم إليه من عبادة الأوثان. {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} أي: يشفعون لنا اليوم عند الله، أي: حتى لا يعذّبنا {وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} أي: شفيق، في تفسير مجاهد، يحمل عنا من ذنوبنا كما كان يحمل ذو القرابة عن قرابته والصديق عن صديقه. كقوله: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] {فَلَو أَنَّ لَنَا كَرَّةً} أي: رجعة إلى الدنيا {فَنَكُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ}.
قال الله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ} وهي مثل الأولى.
قوله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ} يعني نوحاً {إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ} أخوهم في النسب وليس بأخيهم في الدين {أَلاَ تَتَّقُونَ} يأمرهم أن يتَّقوا الله {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أي: على ما جئتكم به من الهدى {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي: على ما جئتكم به {مِنَ أَجْرٍ إِن أَجْرِي} أي: إن ثوابي {إِلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ}.
{قَالُوا أَنُؤمِنُ لَكَ} أي: أنصدّقك {وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} أي: سفلة الناس وسقاطهم. {قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: بما يعملون. أي: إنما أقبل منهم الظاهر، وليس لي بباطن أمرهم علم. {إِنْ حِسَابُهُمْ} [يعني ما جزاؤهم] {إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ المُؤْمِنِينَ} [يعنيهم] {إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}.
{قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَانُوحُ} أي: عما تدعونا إليه وعن ذمّ آلهتنا وشتمها {لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ} أي: لنرجمنك بالحجارة فلنقتلنك بها. (3/232)
صفحة 1301
(3/ 39)
قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122) كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)
{قَالَ} نوح: {رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً} أي: اقض بيني وبينهم، وإذا قضى الله بين النبي وبين قومه هلكوا. {وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ المُؤمِنِينَ} وهذا حيث أمر بالدعاء عليهم، فاستجيب له، فأهلكهم الله ونجاه ومن معه من المؤمنين.
قال: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ} والمشحون: الموقر بحمله مما حمل نوح في السفينة من كل زوج اثنين ومن معه من المؤمنين. كان معه امرأته وثلاث بنين له: سام وحام ويافث ونساؤهم؛ فجميعهم ثمانية.
قال: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ} أي: بعد من أنجى في السفينة {البَاقِينَ} وهم قوم نوح. وفيها تقديم: ثم أغرقنا الباقين بعدُ.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤمِنِينَ وَإنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ} وهي مثل الأولى.
قوله: {كَذَّبَتْ عَادٌ المُرْسَلِينَ} يعني هوداً. ومن كذّب رسولاً واحداً فقد كذّب المرسلين كلهم. {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ} أي: أخوهم في النسب، وليس بأخيهم في الدين {أَلاَ تَتَّقُونَ} أي: الله؛ يأمرهم أن يتقوا الله {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أي: على ما جئتكم به {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي: على ما جئتكم به {مِن أَجْرٍ إِنَ أَجْرِيَ} أي: ثوابي {إِلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ}.
{أَتَبْنُونَ}، على الاستفهام، أي: قد فعلتم {بِكُلِّ رِيعٍ} أي: بكل طريق في تفسير بعضهم، قال مجاهد: بكل فج، أي: طريق بين جبلين {ءايَةً} اي: (3/233)
صفحة 1302
علماً {تَعْبَثُونَ} أي: تلعبون. قال: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ} أي: البناء، في تفسير الحسن. وقال الكلبي: القصور، ويقال: مصانع للماء {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} أي: في الدنيا، أي: لا تخلدون فيها. وقال بعضهم في بعض القراءة: وتتّخذون مصانع كأنكم تخلدون.
(3/ 40)
وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138)
قوله: {وَإِذَا بَطَشْتُم} أي: بالمؤمنين {بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} أي: قتّالين، تعْدُون عليهم. هود يقوله لهم؛ أي: أسرفتم في العقوبة.
{فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُوا الذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ} ثم أخبرهم بالذي أمدّهم به فقال: {أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.
{قَالُوا سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوْعَظتَّ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الوَاعِظِينَ} أي: أو لم تعظنا {إِن هذَا} أي: الذي جئتنا به {إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ} أي: تخلُّقهم للكذب.
وقال بعضهم: إن هذا إلا خَلق الأولين، أي: هكذا كان الناس قبلنا، يعيشون ما عاشوا ثم يموتون ولا بعث عليهم ولا حساب. يعني هكذا كان الخَلق قبلنا ونحن مثلهم.
وبعضهم يقول: خلق الأولين: دين الأولين، يعنون ما هم عليه من الشرك. {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} أي: لا نبعث ولا نعذّب. (3/234)
صفحة 1303
(3/ 41)
فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153)
قال الله: {فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ} وهي مثل الأولى.
قوله: {كَذَّبَت ثَّمُودُ المُرْسَلِينَ} يعني صالحاً {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ} أي: أخوهم في النسب وليس بأخيهم في الدين {أَلاَ تَتَّقُونَ} أي: ألا تتقون الله، يأمرهم أن يتّقوا الله {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أي: على ما جئتكم به {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِن أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ} أي: إن ثوابي {إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
قوله: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هاهُنَآ ءَامِنِينَ} على الاستفهام. أي: لا تتركون فيه. {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} أي: هشيم، أي: يتهشم إذا مُسّ، في تفسير مجاهد. وقال الحسن: رِخو. وقال بعضهم: ليّن، وقال الكلبي: لطيف، وهو الطلع ما لم ينشقّ.
قوله: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ} أي: شرهين في تفسير مجاهد. من قِبل شره النفس. وقال الحسن: آمنين. وقال الكلبي: حذقين بصنعتها.
{فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ الذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ. قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ} أي: أنت من المخلوقين. قال الحسن ومجاهد: من المسحورين. وقال الكلبي: المسحّر الذي ليس له ملك ولا شيء. (3/235)
صفحة 1304
(3/ 42)
مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157)
{مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} أي: بما جئتنا به. قالوا له: إن كنت صادقاً فأخرج لنا من هذه الصخرة ناقة، وكانت صخرة يصبون عليها اللبن في سنّتهم. فدعا الله فتصدّعت الصخرة، فخرجت منها ناقة عُشَرَاء فنُتِجت فصيلاً.
{قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} فكانت تشرب الماء يوماً ويشربونه يوماً.
قال بعضهم: كان إذا كان يوم شربها أضرت بمواشيهم وزروعهم، ولم تضرّ بشفاههم، في قول الحسن؛ وإذا كان يوم شربهم كان لأنفسهم ولمواشيهم وأرضهم. وبعضهم يقول: كانوا يحلبونها يوم شربها، فإذا كان يوم شربهم كان اللبن لفصيلها. وقال بعضهم: ما ذُكِرَ لها لبن. وقال بعضهم: بلغنا أنها كانت تأتي الماء من فج وترجع من آخر، يضيق عليها الفج الأول إذا شربت.
قوله: {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} أي: لا تعقروها {فَيَأخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.
{فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ}.
وكان أول سبب عقرهم إياها أنها كانت تضر بمواشيهم وأرضهم. كانت مواشيهم لا تقر مع الناقة؛ كانت المواشي إذا رأتها هربت منها. فإذا كان الصيف صافت الناقة بظهر الوادي في برده وخصبه وطيبه، ومضت مواشيهم إلى بطن الوادي في جدبه وحره. وإذا كان الشتاء شتت الناقة في بطن الوادي في دفئه وخصبه، وصعدت مواشيهم إلى ظهر الوادي في جدبه وبرده، حتى أضرّ ذلك بمواشيهم، للأمر الذي أراد الله بهم. (3/236)
صفحة 1305
فبينا قوم منهم جلوس يشربون الخمر فَنِي الماء الذي يمزجون به، فبعثوا رجلاً يأتيهم بالماء، وكان يوم شرب الناقة، فرجع إليهم بغير ماء، وقال: حالت الناقة بيني وبين الماء. ثم بعثوا آخر فقال مثل ذلك. فقال بعضهم لبعض: ما تنتظرون، قد منعتنا الماء ومنعت مواشينا الرّعي، وأضرت بأرضنا. فانبعث أشقاها فعقروها وقتلوها فتذامروا وقالوا: عليكم بالفصيل. وصعد الفصيل القارَة؛ والقارَة: الجبل. قال الحسن: وكان ذلك عن رضى منهم.
فقال لهم صالح: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ} [هود: 65] قال بعضهم: ذكر لنا أن صالحاً حين أخبرهم أن العذاب يأتيهم لبسوا الأنصاع والأكسية وأطلوا فقال لهم: آية ذلك أن تصفر وجوهكم في اليوم الأول، وتحمَرُّ في اليوم الثاني، وتسوَدُّ في اليوم الثالث. فلما كان اليوم الثالث استقبل الفصيل القبلة. وقال: رب أمي، يا رب أمي، فأرسل الله عليهم العذاب عند ذلك.
(3/ 43)
فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166)
قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ} وهي مثل الأولى.
قوله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ} يعني لوطاً {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ} أي: أخوهم في النسب وليس بأخيهم في الدين {أَلاَ تَتَّقُونَ} أي: ألا تتقون الله، يأمرهم أن يتّقوا الله {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أي: على ما جئتكم به {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِن أَجْرِيَ} أي: إن ثوابي {إِلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ}.
قوله: {أَتَأتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ (3/237)
صفحة 1306
أَزْواجِكُمْ} أي: أقبال النساء. وهذا على الاستفهام، أي: قد فعلتم. {بَل أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ}.
(3/ 44)
قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175) كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176)
{قَالُوا لَئن لَّمْ تَنتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ} أي: من قريتنا، أي: نقتلك ونخرجك منها قتيلاً. {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ القَالِينَ} أي: من المبغضين. ثم قال: {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ} وأهله أمته المؤمنون.
قال الله: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عَجُوزاً فِي الغَابِرِينَ} أي: غبرت، أي: بقيت في عذاب الله، لم ينجها. {ثُمَّ دَمَّرْنَا الأخَرِينَ} أي: قوم لوط وامرأته معهم. وكانت منافقة [تظهر للوط الإِيمان وهي على الشرك].
قوله: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً} قال بعضهم: أمطر الله على قرية قوم لوط حجارة {فَسَآءَ مَطَرُ المُنذَرِينَ} أي: فبئس مطر المنذرين، أي: أنذرهم لوط فلم يقبلوا فأصاب قريتَهم الخسفُ وأصابت الحجارةُ من كان خارجاً من القرية وأهل السفر منهم، وأصاب العجوزَ حجرٌ فقتلها.
قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ} وهي مثل الأولى.
قوله: {كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ المُرْسَلِينَ} يعني شعيباً. وكان شعيب صلى الله عليه وسلم بعث إلى أمتين. والأيكة: الغيضة. (3/238)
صفحة 1307
(3/ 45)
إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189)
{إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} يأمرهم أن يتقوا الله {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أي: على ما جئتكم به. {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِن أَجْرٍ إِنَ أَجْرِيَ} أي: ثوابي {إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
{أَوْفُوا الكَيْلَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ} أي: من المنتقصين الذين ينقصون الناس حقوقهم. {وَزِنُوا بِالقِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ} أي: العدل، بالرومية. {وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ} أي: الذي لهم من العدل، وكانوا أهل تطفيف ونقصان في الميزان. {وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَاتَّقَوا الذِين خَلَقَكُمْ وَالجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ} أي: والخليقة الأوَّلِين.
{قَالُوا إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ} وهي مثل الأولى {وَمَآ أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكَاذِبِينَ} أي: فيما تدّعي من الرسالة {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسْفاً مِّنَ السَّمَآءِ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} والكِسف القِطعة. {إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} أي: بما جئتنا به. {قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
قال الله {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.
ذكروا أنهم كانوا أصحاب غيضة. والغيضة هي الغابة والشجر متكاوس. وكان عامة شجرهم الدّوم، هذا المقل. فسلط الله عليهم الحر سبعة أيام، فكان لا يكنهم شيء. فبعث الله سحابة فلجأوا تحتها يلتمسون الرَّوْحَ، فجعلها الله عليهم عذاباً؛ جعل تلك السحابة ناراً عليهم، فاضطرمت عليهم فهلكوا؛ فذلك قوله: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} يعني تلك السحابة. (3/239)
صفحة 1308
(3/ 46)
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)
قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ} وهي مثل الأولى.
قوله: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العَالَمينَ} يعني القرآن، {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} أي: جبريل، وهي تقرأ على وجهين: بالرفع وبالنصب. فمن قرأها بالرفع قال: نَزَل به، خفيفة، الروحُ الأمين، أي: جبريل نزل به. ومن قرأها بالنصب يقول: نزّل به، مثقلة، الله نزّل به الروحَ الأمين، أي: الله نزل جبريل بالقرآن. {عَلَى قَلْبِكَ} يا محمد {لِتَكُونَ مِنَ المُنْذَرينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} أي: بيّن.
{وَإِنَّهُ لَفي زُبُرِ الأَوَّلِينَ} أي: وإن القرآن لفي كتب الأولين، أي: التوراة والإنجيل. قال: {أَوَلَم يَكُنْ لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرآءِيلَ} وهي تقرأ على وجهين: بالياء والتاء. فمن قرأها بالتاء يقول: قد كانت لهم آية. ومن قرآها بالياء فهو يجعلها عملاً في باب كان: يقول: قد كان لكم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل، يعني من آمن منهم؛ فقد كان لهم في إِيمانهم به آية. وقال بعضهم: يعني اليهود والنصارى، إنهم يجدون محمداً في التوراة والإنجيل أنه رسول الله.
قال: {وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم} أي: محمد {مَّا كَانُوا بِهِ مُؤمِنِينَ} يقول: لو أنزلناه بلسان أعجمي لم تؤمن به العرب، كقوله عزّوجل: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ليُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4]. قال بعضهم: إِذاً لكانوا شرّ الناس فيه، لما فهموه وما دروا ما هو. (3/240)
صفحة 1309
(3/ 47)
كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209)
قوله عز وجل: {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ} [أي: سلكنا التكذيب] {فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ} أي: المشركين. وهذا جرم الشرك. {لاَ يُؤمِنُونَ بِهِ} أي: بالقرآن {حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} أي: الموجع {فَيَأتِيَهُم بَغْتَةً} أي: فجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فَيَقُولُوا} يومئذ عند ذلك {هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ} أي: مؤخَّرون، أي: مُرَدّون إلى الدنيا فنؤمن.
قال الله: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ} أي: على الاستفهام. أي: قد استعجلوا به لقولهم: {ائتنا بِعَذَابِ اللهِ} [العنكبوت: 29]، وذلك منهم استهزاء وتكذيب بأنه لا يأتيهم العذاب.
قوله: {أَفَرَءَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ} أي: العذاب {مَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعونَ} أي: في الدنيا.
قوله: {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ} أي: إلا لها رسل، أي: إنه لم يهلك قرية إلا من بعد قيام الحجة عليهم والرسل والبينة والعذر.
قال: {ذِكْرَى} أي: يذكرهم ويبيّن لهم ويحتج عليهم. {وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} أي: لم نكن لنعذّبهم حتى نحتجّ عليهم ونبيّن لهم ونقطع عذرهم. كقوله: {وَمَا كُنَّا (3/241)
صفحة 1310
مُهْلِكِي القُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59] أي: مشركون، رادون على الرسل ما دعوهم إليه.
(3/ 48)
وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216)
قوله: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ} قال بعضهم: [وما تنزلت بكتاب الله] يعني القرآن {وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ} أن ينزلوا به {وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} ذلك.
قال: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ}. وكانوا قبل أن يبعث النبي عليه السلام يستمعون أخباراً من أخبار السماء، وأما الوحي فلم يكونوا يقدرون على أن يسمعوه. فلما بعث النبي عليه السلام منعوا من تلك المقاعد التي كانوا يستمعون فيها إلا ما يسترق أحدهم فيرمى بالشهاب.
ذكروا عن أبي رجاء العطاردي أنه كان يقول: كنا قبل أن يبعث النبي عليه السلام ما نرى نجماً يُرمى به. فلما كان ذات ليلة إذا النجوم قد رُمِيَ بها، فقلنا: ما هذا الذي نرى؛ إنْ هذا إلا أمر حدث؛ فجاءنا أن النبي عليه السلام قد بُعث؛ فأنزل الله في سورة الجن: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} [الجن: 9].
قوله: {فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ} وقد عصمه الله من ذلك.
قوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَن اتَّبَعَكَ مِنَ المؤْمِنِينَ}.
قال الكلبي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حتى قام على الصفا، وقريش في المسجد، ثم نادى: يا صباحاه، ففزع الناس فخرجوا فقالوا: ما لك يا ابن عبد المطلب؟ فقال: يا آل غالب، فقالوا: هذه غالب عندك. ثم نادى: يا آل لؤي، ثم نادى: يا آل كعب، ثم نادى: يا آل مرة، ثم نادى: يا آل كلاب، ثم نادى: يا آل قصي. فقالت قريش: أنذر الرجل عشيرته الأقربين. انظروا الرجل ماذا يريد. فقال (3/242)
صفحة 1311
أبو لهب: هذه عشيرتك قد حضروا، فماذا تريد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرأيتم لو أنذرتكم جيشاً يصبّحكم أتصدقونني؟ قالوا: نعم. قال: فإني أنذركم النار، وإني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيباً إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله» فقال أبو لهب: تبّت يداك، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1]. فتفرّقت قريش عنه وقالوا: مجنون يهذي من أم رأسه. فأنزل الله: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ}.
ذكروا عن الحسن أن هذه الآية لما نزلت دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيرته بطناً بطناً، ثم انتهى إلى بني عبد المطلب فقال: «يا بني عبد المطلب، إني رسول الله إليكم، لي عملي ولكم عملكم. إني لا أملك لكم من الله شيئاً، إنما أوليائي منكم المتقون. ألا لا أعرفنكم تأتونني تحملون الدنيا على رقابكم ويأتي الناس يحملون الآخرة».
(3/ 49)
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)
قوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى العَزِيزِ الرَّحِيمِ الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} قال بعضهم. الذي يراك قائماً وجالساً وفي حالاتك. {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} أي: في الصلاة. وقال بعضهم: الذي يراك حين تقوم في الصلاة وحدك. {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} في صلاة الجميع. وقال بعضهم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى في الصلاة من خلفه كما يرى من بين يديه.
ذكروا عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحسنوا الركوع إذا ركعتم، وأحسنوا السجود إذا سجدتم، والذي نفسي بيده إني لأراكم من خلف ظهري كما أراكم من بين يدي في الرّكوع والسجود». (3/243)
صفحة 1312
وقال بعضهم: {الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} أي: حيث كنت.
(3/ 50)
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)
قوله: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي: فلا أسمع منه ولا أعلم منه.
قوله: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} قال بعضهم: الأفاك الكذّاب.
وقال بعضهم: هم الكهنة: ذكروا أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء فتستمع، ثم تنزل إلى الكهنة فتخبرهم، فتحدث الكهنة بما نزلت به الشياطين من السمع، وتخلط الكهنة به كذباً كثيراً فيحدّثون به الناس. فأما ما كان من سمع السماء فيكون حقاً، وما ما خلطوا به فيكون كذباً. وأما قولهم: {وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} أي: وجماعتهم كاذبون.
قوله: {وَالشُّعَرَآءُ يَتْبَعُهُمُ الغَاوُونَ} والغاوون الشياطين الذين يلقون الشعر على الشعراء الذي لا يجوز في الدين.
قال الله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} أي: يذهبون في كل واد من أودية الكلام. {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} يمدحون قوماً بباطل، ويذمّون قوماً بباطل.
ثم استثنى الله فقال: {إِلاَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وهذه ثنيا الله في الشعراء وغيرهم. والشعراء من المؤمنين الذين استثنى الله: حسّان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك. (3/244)
صفحة 1313
قال: {وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً} أي: في غير وقت. {وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} أي: من بعد ما ظلمهم المشركون. أي: انتصروا بالكلام، وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم. {وَسَيَعْلَمُ الذِينَ ظَلَمُوا} أي: الذين أشركوا من الشعراء وغيرهم. {أَىَّ مُنْقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} أي: من بين يدي الله إذا و قفوا بين يديه يوم القيامة. أي: إنهم سيعلمون حينئذ أنهم سينقلبون من بين يدي الله إلى النار في يوم لا تنفعهم الندامة. نسأل الله العصمة. (3/245)
صفحة 1314
(3/ 51)
طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {طس تِلْكَ ءَايَاتُ القُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ}. قد فسّرناه في السورة الأولى. قوله: {هُدىً} أي: يهتدون به، أي: بالقرآن إلى الجنة {وَبُشْرَى لِلْمُؤمِنِينَ} أي: بالجنة.
{الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} يعني الصلوات الخمس يحافظون على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها. قوله: {وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ} يعني الزكاة المفروضة، {وَهُم بِالأَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} أي: يصدّقون ولا يشكّون أنها كائنة.
{إِنَّ الذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ بِالأَخِرَةِ} أي: لا يصدقون بالآخرة أنها كائنة. {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ} أي: فهم في ضلالتهم يلعبون.
قال: {أُولَئِكَ} الذين هذه صفتهم {الذِينَ لَهُمْ سُوءُ العَذَابِ} أي: شدة العذاب {وَهُمْ فِي الأَخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ} أي: خسروا أنفسهم أن يغنموها فصاروا في النار وخسروا الجنة.
قوله: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القُرْءانَ مِن لَّدُنْ} أي: من عند {حَكِيمٍ عَلِيمٍ} يعني نفسه، أي: حكيم في أمره، عليم بخلقه. (3/246)
صفحة 1315
(3/ 52)
إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11)
قوله: {إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي ءَانَسْتُ نَاراً} قال بعضهم: إني أحسست ناراً. وقال في آية أخرى: {إِذْ رَأَى نَاراً} [طه: 10] أي: رآها ناراً عند نفسه، وإنما كانت نوراً.
{سَئَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ} أي: بخبر الطريق، وكان على غير الطريق. وقال في آية أخرى: {أًو أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً} أي: هداة يهدونني إلى الطريق. {أَو ءَاتِيكُم بِشِهَاب قَبَسٍ} وقال في آية أخرى: {أَوْ جِذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ} [القصص: 29]، {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} لكي تصطلوا، وكان شاتياً.
قوله: {فَلَمَّا جَآءَهَا} أي: جاء النار عند نفسه {نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ} أي: إنها عند موسى نار {وَمَنْ حَوْلَهَا} أي: الملائكة. هي في مصحف أبي بن كعب: نودي أن بوركت النار ومن حولها {وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ}.
{يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ وَأَلْقِ عَصَاكَ} فألقاها {فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ} أي: كأنها حيّة، وقال في آية أخرى: {فَإِذَا هِيَ حَيّةٌ تَسْعَى} [طه: 20]، {وَلَّى مُدْبِراً} أي: من الفَرَق {وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي: ولم يلتفت. وقال مجاهد: ولم يرجع.
{يَامُوسَى لاَ تَخَف إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ} قال الحسن: {لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} أي: في الآخرة والدنيا لأنهم أهل الولاية وأهل المحبة {إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. أي: فإنه لا يخاف عندي. وكان موسى ممن ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء فغفر الله له. وهو قتل ذلك القبطي؛ لم يتعمّد قتله ولكنه تعمد وكزه. (3/247)
صفحة 1316
(3/ 53)
قوله: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} أي: في جيب قميصك {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} أي: من غير برص. قال الحسن: أخرجها والله كأنها مصباح، فعلِم موسى أنه قد لقي ربه.
قوله: {فِي تِسْعِ ءَايَاتٍ} أي: مع تسع آيات. {إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ} والتسع الآيات: يده وعصاه والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف: 130].
قوله: {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ ءَايَاتُنَا مُبْصِرَةً} أي: بيّنة {قَالُوا: هذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي: بيّن. {وَجَحَدُوا بِهَا} أي: بآياتنا {وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ} أي: أنها من عند الله، {ظُلْماً} أي: ظلماً لأنفسهم. وقال في آية أخرى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57] قال: {وَعُلُوّاً} أي: من باب العلو. {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ} أي: المشركين. كان عاقبتهم أن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار.
قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ الحَمْدُ لِلَّهِ الذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّن عِبَادِهِ المُؤمِنِينَ} يعنيان أهل زمانهم من المؤمنين.
قوله: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} أي: نبوّته وملكه {وَقَالَ يَآأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} يعني كل شيء أوتي منه. {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبينُ} أي: البين.
قوله: {وَحُشِرَ} أي: وجمع {لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ (3/248)
صفحة 1317
يُوزَعُونَ} اي: على كل صنف منهم وزعة ترد أولاهم على أخراهم. هذا تفسير بعضهم. وقال الحسن: {فَهُمْ يُوزَعُونَ}، أي: فهم يُدفَعون لا يتقدّمه منهم أحد.
(3/ 54)
حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20)
{حَتَّى إِذَآ أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ}، وهو واد بالشام {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَآأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: والنمل لا يشعرون أن سليمان يفهم كلامهم.
قال: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي} أي: ألهمني {أَن أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَن أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} أي: أهل الجنة.
قوله: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لآ أَرَى الهُدْهُدَ} أي: أحاضر هو فلا أراه {أَمْ كَانَ مِنَ الغَآئِبِينَ} أي: أم هو غائب.
قال بعضهم: ذكر لنا أن سليمان أراد أن يأخذ مفازة فدعا الهدهد، وكان سيد الهداهد، ليعلم له مسافة الماء، وكان قد أعطى من البصر بذلك شيئاً لم يعطه غيره من الطير.
وقال الكلبي: كان يدله على الماء إذا نزل الناس. كان ينقر بمنقاره في (3/249)
صفحة 1318
الأرض، فيخبر سليمان كم بينه وبين الماء من قامة.
ذكروا أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس لِمَ تفقّد سليمان الهدهد قال ابن عباس: إنهم كانوا إذا سافروا نقر لهم الهدهد عن أقرب الماء في الأرض. فقال نافع ابن الأزرق: وكيف يعلم أقرب الماء في الأرض ولا يعلم بالفخّ حتى يأخذ بعنقه. فقال ابن عباس: أما علمت أن الحذر لا يغني من القدر شيئاً.
قال الحسن: كان سليمان إذا أراد أن يركب جاءته الريح فوضع سرير مملكته عليها ووضعت الكراسي والمجالس على الريح وجلس سليمان على سريره، وجلس وجوه أصحابه على منازلهم في الدين عنده من الجن والإِنس. والجن يومئذ ظاهرة للإِنس، رجال أمثال الإِنس إلا أنهم أُدم يحجون جميعاً، ويصلون جميعاً، ويعتمرون جميعاً، والطير ترفرف على رأسه ورؤوسهم، والشياطين حَرَسَة لا يدعون أحداً يتقدم بين يديه. وهو قوله: {فَهُمْ يُوزَعُونَ}.
(3/ 55)
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)
قوله: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذْبَحَنَّهُ} وعذابه أن ينتف ريشه وأن يدعه في المنزل حتى يأكله الذرّ والنمل. قوله: {أَوْ لَيَأتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي: بعذر بيّن، وقال ابن عباس: بحجة بيّنة.
قوله: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} أي: رجع من ساعته {فَقَالَ: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} أي: بلغت ما لم تبلغ أنت ولا جنودك، وقال بعضهم: علمت ما لم تعلم. {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} أي: بخبر يقين.
وسبأ في تفسير بعضهم أرض باليمن يقال لها مأرب، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ أرجل هو أم امرأة أم أرض. فقال: «بل هو رجل ولد عشرة، فباليمن منهم ستة وبالشام أربعة. فأما الذين (3/250)
صفحة 1319
باليمن، فمذحج، وكندة، وحمير، وأنمار، والأزد، والأشعريون؛ وأما الشاميون: فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان.»
(3/ 56)
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)
قوله: {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} أي: من كل شيء أوتيت منه. {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}. وعرشها سريرها، وكان سريرها حسناً؛ كان من ذهب، وقوائمه لؤلؤ وجوهر. وكان مُستّراً بالديباج والحرير. وكانت عليه سبعة مغاليق، وكانت دونه سبعة أبيات بالبيت الذي هو فيه مغلقة مقفلة.
قوله: {وَجَدتُّها وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللهِ}. قال الحسن: كانوا مجوساً. {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ}. وفيها تقديم، أي: وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل ألا يسجدوا لله. فصدّهم عن السبيل أي: بتركهم السجود فهم لا يهتدون. وفي بعض كلام العرب: {أَلاَّ تَسْجُدُوا} أي: فاسجدوا. قوله: {الذِي يُخْرِجُ الخبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: يعلم السرّ في السموات والأرض. والخِبء من الخبيئة. وقال مجاهد: الخبء: الغيب؛ وهو واحد. قال: {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ. اللهُ لآ إلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ} ذكروا عن ابن عباس أنه قال: لا يعلم قدر العرش إلا الذي خلقه.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أذن لي أن أحدّث عن ملك في حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنه إلى عاتقه خفقان الطير مسيرة سبعمائة سنة يقول: سبحانك اللهم وبحمدك لم يخل منك مكان». (3/251)
صفحة 1320
قوله: {قال سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكَاذِبِينَ} قال الحسن: فابتلى، أي: فاختبر منه ذلك فوجده صادقاً.
قوله: {اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِم ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُم} يقول انصرف عنهم {فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ}.
قال بعضهم: ذكر لنا أنها امرأة من أهل اليمن كانت في بيت مملكة يقال لها بلقيس بنت شرحبيل فهلك ملك قومها فمُلِّكت.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لن يفلح قوم تملكهم امرأة».
قال: وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح ووضعتها تحت رأسها. فلما غلّقت الأبواب وأوت إلى فراشها أتاها الهدهد حتى دخل من كوة بيتها، فقذف الصحيفة على بطنها أو بين ثدييها، فأخذت الصحيفة فقرأتها فقالت: {يَآأَيُّهَا المَلؤُا إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [أي: حسَن، حسن ما فيه] {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلاَ تَعْلُوا عَلَيَّ} أي: لا تمتنعوا عليّ. وقال بعضهم: لا تخلفوا عليّ [وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ]. وكذلك كانت تكتب الأنبياء جملاً، لا يطيلون، ولا يكثرون.
قوله: {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} يعني الإِسلام. وقال الكلبي: {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} أي: واتوني مقرّين بالطاعة مستسلمين، ليس يعني الإِسلام. (3/252)
صفحة 1321
(3/ 58)
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36)
{قَالَتْ يَآأَيُّهَا المَلؤُا أَفْتُونِي فِي أَمْرِي} أي: إنها استشارتهم {مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ قَالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأمُرِينَ}.
قال بعضهم: ذكر لنا أنه كان لها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً هم أهل مشورتها، كل رجل منهم على عشرة آلاف فجميعهم ثلاثة آلاف ألف ومائة ألف وثلاثون ألفاً.
{قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} أي: خرّبوها {وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً} قال الله: {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}.
قوله: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ} أي: رسلي، أي: إن قبل هديتنا فهو من الملوك وليس من أهل النبوّة كما ينتحل.
وقال بعضهم: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ} فَمُصَانِعَتُهم بها عن مُلكي إن كانوا أهل دنيا. فبعثت إليهم بلبنة من ذهب في حريرة وديباج. فبلغ ذلك سليمان، فأمر بلبنة من ذهب فصيغت، ثم قذفت تحت أرجل الدواب على طريقهم تبول عليها وتروث عليها. فلما جاءت رسلها فرأوا اللبنة تحت أرجل الدواب صغُر في أعينهم الذي جاءوا به.
وقال مجاهد: بعثت إليهم بِجَوَارٍ قد ألبستهن لباس الغلمان، وغلمان قد ألبستهم لباس الجواري، فخلّص سليمان بعضهم من بعض، ولم يقبل هديتها.
قوله: {فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَانِيَ اللهُ} أي: ما أعطاني الله {خَيْرٌ مِّمَّآ ءَاتَاكُم} أي: خير مما أعطاكم {بَلْ أَنْتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ}. (3/253)
صفحة 1322
(3/ 59)
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)
{ارْجِع إِلَيْهِمْ} يعني الرسل {فَلَنَأتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُم بِهَا} أي: لا طاقة لهم بها {وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ}.
قوله: {قَالَ يَآ أَيُّهَا المَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأتِينِي بِعَرْشِهَا} أي: بسريرها {قَبْلَ أَن يَأتُونِي مُسْلِمِينَ}. وذلك أنه لما بلغ سليمان أنها جائية، وكان قد ذكر له سريرها فأعجبه. [وكان عرشها من ذهب، وقوائمه لؤلؤاً وجوهراً. وكان مُستّراً بالديباج والحرير، وكانت عليه سبعة مغاليق، فكره أن يأخذه بعد إسلامها] وقد علم أنهم متى أسلموا تحرم أموالهم مع دمائهم، فأحب أن يؤتى به قبل أن يكون ذلك من أمرهم. فقال: {يَآ أيُّهَا المَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأتُونِي مُسْلِمِينَ}. قال الكلبي: {قَبْلَ أَن يَأتُونِي مُسْلِمِينَ} قبل أن يأتوني مقرّين بالطاعة.
{قَال عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ} أي: مارد من الجن، والعفريت لا يكون إلا الكافر: {أَنَا ءَاتِيكَ بِهِ} أي: بالسرير. {قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ}، ومقامه مجلسه الذي يقضي فيه. أي: لا يفرغ من قضيته حتى يؤتى به، فأراد صلى الله عليه وسلم ما هو أعجل من ذلك. {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ}.
ف {قَالَ الذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ} وكان رجلاً من بني إسرائيل يقال له: اصف بن برخيا، يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب: يا ذا الجلال والإِكرام، والمنن العظام والعز الذي لا يرام. هذا تفسير اسمه الأعظم، والله أعلم.
قَالَ {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} وطرفه أن يبعث رسولاً إلى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به. (3/254)
صفحة 1323
فدعا الرجل باسم الله: {فَلَمَّا رَءَاهُ} يعني رأى سليمان السرير {مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُونِي ءَأشْكُرُ أمْ أَكْفُرُ}. أي: أشكر نعمة الله أم أكفرها. {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}.
ذكر ابن عباس قال: إن صاحب سليمان الذي عنده علم من الكتاب كان يحسن الاسم الأكبر؛ فدعا به؛ وكان بينه وبين السرير مسيرة شهرين، فلما أتى به ورآه سليمان مستقرّاً عنده كأنه وقع في نفسه مثل الحسد له. ثم فكّر فقال: أليس هذا الذي قدر على ما لم أقدر عليه مسخّراً لي. {هذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي ءَأَشْكُرُ أمْ أَكْفُرُ}. وقال بعضهم: هو جبريل الذي قال: أنا آتيك به.
(3/ 60)
قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)
قوله: {قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا} قال مجاهد: غيروا لها عرشها. وقال بعضهم: وتغييره أن يزاد فيه وينقص منه. {نَنظُرْ أَتَهْتَدِي} أي: أتعرقه {أَمْ تَكُونُ مِنَ الذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ} أي: أم لا تعرقه.
قوله: {فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ: أَهَكَذَا عَرْشُكِ} على الاستفهام. {قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} أي: شبّهته. قال سليمان: {وَأُوتِينَا العِلْمَ مِن قَبْلِهَا} يعني النبوة. {وَكُنَّا مُسْلِمِينَ}.
قوله عز وجل: {وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللهِ} أي: كفرها بالله الذي صدّها عن الهدى، ليس الوثن. {إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ}. (3/255)
صفحة 1324
{قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ} تفسير الحسن أن سليمان أمر الشياطين أن تصنع صرحاً، أي: مجلساً من قوارير.
وقال الكلبي: إن الجن استأذنوا سليمان فقالوا: ذرنا فَلْنَبْنِ صرحاً من قوارير، والصرح قصر، فننظر كيف عقلها. وخافت الجن أن يتزوّجها فتطلع سليمان على أشياء كانت الجن تخفيها من سليمان. وذلك أن أحد أبويها كان جنياً، فلذلك تخوّفوا ذلك منها.
قال الكلبي: فأذن لهم. فعمدوا إلى الماء ففجّروه في ارض فضاء، ثم أكثروا فيه من الحيتان والضفادع، ثم بنوا عليه سترة من زجاج، ثم بنوا من حوله صرحاً، أي: قصراً، ممرّداً من قوارير؛ الممرّد: الأملس. ثم أدخلوا عرش سليمان، أي: سريره، وعرشها وكراسي عظماء الملوك. ثم دخل الملك سليمان صلى الله عليه وسلم ودخل معه عظماء جنده. ثم قيل لها: ادخلي الصرح، وفتح الباب. فلما أرادت الدخول إذا هي بالحيتان والضفادع، فظنّت أنه مُكِرَ به لتغرق. ثم نظرت فإذا هي بالملك سليمان على سريره، والناس حوله على الكراسي، فظنت أنها مخاضة، فكشفت عن ساقيها. وكان لها شَعَر، فلما رآها سليمان كرهها. فعرفت الجن أن سليمان قد رأى منها ما كانت تكتم. قالت لها الجن: لا تكشفي عن ساقيك ولا عن قدميك فإنه صرح ممرّد، أي مملس، من قوارير.
وقال بعضهم: كان الصرح بني من قوارير على الماء. فلما رأت اختلاف السمك من ورائه لم يشتبه عليها أنه لجّة، وكشفت عن ساقيها. وكان أحد أبويها جنّيّاً. وقال مجاهد: كانت أمها جنيّة. قال: وكان مؤخر رجليها كحافر الدّابة، فكانت إذا وضعته على الصرح هشمته. قال مجاهد: كان الصرح بركة ماء ضرب عليها سليمان قوارير ألبسها إياه.
وقال بعضهم: إنها لما أقبلت إلى سليمان خافت الشياطين من أن يتزوّجها
سليمان، وقالوا: قد كنّا نلقى من سليمان من السخرة ما نلقي، فكيف إذا اجتمع عقل هذه وتدبيرها مع ملك سليمان ونبوته، مع أن أمّها كانت من الجن، فالآن هلكتم. فقال بعضهم: أنا أصرف سليمان عنها حتى لا (3/256)
صفحة 1325
يتزوّجها. فأتاه فقال له: إنه لم تلد قط جنية من إنسي إلا كان رجلها رجل حمار، فوقع ذلك في نفس سليمان.
(3/ 61)
وكان رجل من الجن يحب كل ما وافق سليمان، فقال: يا نبي الله أنا أعمل لك شيئاً ترى ذلك منها، فعمل الصرح.
{فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} فرأى سليمان قدميها قدم إنسان، ورأى على ساقها شعراً كثيراً فساءه ذلك. فقال الجن الذي يحبّ كل ما وافق سليمان: أنا أعمل لك ما يذهب ذلك الشعر الذي ساءك، فعمل له النورة والحمّام. وكان أول من عمل النورة والحمّام، وتزوّجها سليمان في قول بعضهم.
{قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} أي: أضررت نفسي. وبعضهم يقول: نقصت نفسي، يعني بما كنت عليه من الكفر. {وَأَسْلَمْتُ مَع سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} اي: أخوهم في النسب وليس بأخيهم في الدين. {أَنِ اعْبُدُوا اللهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ}. قال بعضهم: يقول: إذا القوم بين مصدّق ومكذّب، أي: مصدّق بالحق، ونازل عنده، ومكذّب بالحق وتارك، في ذلك كانت خصومة القوم.
{قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ} والسيئة العذاب، لقولهم: {فَأتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأعراف: 70] أي: المرسلين. والحسنة: الرحمة. {لَوْلاَ} أي: هلا {تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ} أي: من شرككم {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي: لكي تُرْحَمُوا. (3/257)
صفحة 1326
(3/ 63)
قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51)
{قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} قالوا: ما أصابنا من سوء فهو من قِبَلك ومن قِبَل من معك في تفسير بعضهم. وقال الحسن: قد كانوا أصابهم جوع فقالوا: لشؤمك ولشؤم الذين معك أصابنا هذا، وهي الطيرة. {قَالَ طَآئِرُكُمْ عِندَ اللهِ} أي: عملكم عند الله.
{بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} أي: تبتلون، أي: تختبرون بطاعة الله ومعصيته في تفسير بعضهم. وقال الحسن: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} أي: عن دينكم، أي: تصرفون عن دينكم الذي أمركم الله به، يعني الإِسلام.
قوله: {وَكَانَ فِي المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ}. [قال بعضهم: تسعة رهط من قوم صالح]. {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ} أي: تحالفوا بالله. أي: يقوله بعضهم لبعض: {لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} قال الحسن: أهله: أمته الذين على دينه. وقال بعضهم: تواثقوا على أن يأخذوه ليلاً فيقتلوه. وقال بعضهم: ذكر لنا أنهم بينما هم معانيق إلى صالح ليفتكوا به إذ بعث الله عليهم صخرة فأهمدتهم.
قوله: {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ} أي: لرهطه {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}.
قال الله: {وَمَكَرُوا مَكْراً} أي: الذي أرادوا بصالح {وَمَكَرْنَا مَكْراً} أي رماهم الله بالصخرة فأهمدتهم. قال: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} قال: {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ إِنَّا دَمَّرْنَاهُمْ} أي: بالصخرة {وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} أي: دمّرنا قومهم بعدهم بالصيحة. (3/258)
صفحة 1327
قال: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ} يعني بالحجر {خَاوِيَةً} أي: ليس فيها أحد {بِمَا ظَلَمُوا} أي: بما أشركوا {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. قال: {وَأَنَجَيْنَا الذِينَ ءَامَنُوا} أي: صالحاً والذين آمنوا معه. {وَكَانُوا يَتَّقُونَ}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبين، يعني أصحاب الحجر، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم ما أصابهم. أي: لا يصيبكم مثل ما أصابهم».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ في غزوة تبوك بوادي ثمود على فرس شقراء فقال: «اسرعوا السير فإنكم بواد ملعون».
قوله: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأتُونَ الفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} أنها فاحشة. {أَئِنَّكُمْ لَتَأتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسَآءِ بَل أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} وقد فسَّرنا أمرهم في غير هذا الموضع.
قوله: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا} أي: قاله بعضهم لبعض {أَخْرِجُوا ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} أي: عن الفاحشة في تفسير الحسن. وقال مجاهد: من أدبار الرجال وأدبار النساء، ويتطهّرون أي: يتنزّهون.
قال الله: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الغَابِرِينَ} أي: غبرت، أي: بقيت في عذاب الله. {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً} وهي الحجارة التي رمي بها أهل السفر منهم ومن كان خارجاً من المدينة، وخسف بهم، وهي في تفسير بعضهم: ثلاث مدائن. وهو قوله: {وَالمُؤْتَفِكَاتِ} [التوبة: 70] وتأويل المؤتفكات: (3/259)
صفحة 1328
المنقلبات. ائتفكت بأهلها، أي: انقلبت بهم فصار عاليها سافلها. قال: {فَسَآءَ مَطَرُ المُنذَرِينَ} أي: بئس مطر المنذرين. يعنيهم. أي: أنذرهم لوط فلم ينتذروا.
(3/ 65)
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61)
قوله: {قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الذِينَ اصْطَفَى} أي: الذين اختار، يعني الأنبياء والمؤمنين. قوله: {ءَآللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} على الاستفهام، أي: إن الله خير من أوثانهم التي يعبدون من دون الله.
قوله: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ} أي: بذلك الماء {حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} أي: ذات حسن، أي: حسنة. قال الحسن: الحدائق: النخل. وقال الكلبي: الحديقة: الحائط من الشجر والنخل.
{مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنبِتُوا شَجَرَهَآ} أي: إن الله أنبتها. يقول: أم من خلق هذا خير، وهو تبع للكلام، لقوله: {ءَآللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}. وهو على الاستفهام. يقول: أم من خلق هذا أم أوثانهم. أي: إن الله خير منهم.
قال: {أَءِلهٌ مَّعَ اللهِ} أي: ليس معه إله. وهذا استفهام على إنكار. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} أي: يعدلون بالله، فيعبدون الأوثان من دونه، يعدلونهم بالله.
قوله: {أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلِهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} أي: الجبال {وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حَاجِزاً} أي: لا يبغي أحدهما على الآخر، لا يبغي المالح على العذب، ولا العذب على المالح. وقال بعضهم: وجعل بينهما برزخاً أي: حاجزاً من الأرض، أي: بين البحرين المالحين: بحر فارس والروم.
وقال مجاهد: حاجزاً لا يرى. وقال الكلبي: البرزخ: [الحَلْق] الذي بينهما. يعني بحر فارس والروم وقال الحسن يقول: أم من خلق هذا خير أم أوثانهم. وهذا تبع لقوله: {ءَآللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}. وهو على الاستفهام، أي: إن الله خير من أوثانهم. قال: {أَءِلهٌ مَّعَ اللهِ} أي: ليس معه إله {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. (3/260)
صفحة 1329
قوله: {أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} المضطر: المكروب والمظلوم والمريض. {وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ} أي: خلفاً بعد خلف. وهو على الاستفهام يقول: أم من يفعل هذا خير أم أوثانهم. وهذا تبع لقوله: {اللهُ خَيْرٌ أَمَّا تُشْرِكُونَ} أي: إن الله خير من أوثانهم. قال: {أَءِلهٌ مَّعَ اللهِ} على الاستفهام أي: ليس معه إله. {قَلِيلاً مَّا تَذَّكَّرُونَ} أي: أقلّهم المتذكر، يعني أقلّهم من يؤمن.
قوله: {أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ} [أي: من شدائد البر والبحر] {وَمَن يُّرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً} أي: ملقحات للسحاب {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} أي: بين يدي المطر. وهو على الاستفهام. يقول: أم من يفعل هذا خير أم أوثانهم. وهذا تبع لقوله: {ءَآللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: إن الله خير من أوثانهم. قال: {أَءِلهٌ مَّعَ اللهِ} على الاستفهام. أي: ليس معه إله. {تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ينزّه نفسه عمّا يشركون به.
قوله: {أَمَّن يَبْدَؤُا الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} يعني البعث {وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السِّمَآءِ وَالأَرْضِ} وهو على الاستفهام، يقول أم من يفعل هذا خير أم أوثانهم؛ وهذا تبع لقوله: {اللهُ خَيْرٌ أَمَّا تُشْرِكُونَ} أي: إن الله خير من أوثانهم قال الله: {أَءِلهٌ مَّعَ اللهِ} على الاستفهام، أي: ليس معه إله. {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} يقول للنبي عليه السلام أن يقول للمشركين: هاتوا برهانكم أي: حجتكم في تفسير الحسن. وفي تفسير (3/261)
صفحة 1330
بعضكم: بيّنتكم. {إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: هذه الأوثان خلقت شيئاً أو صنعت شيئاً من هذا.
(3/ 67)
قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67)
قوله: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلاَّ اللهُ} الغيب ها هنا القيامة. أي: لا يعلم مجيئها إلا الله {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي: وما يشعر جميع الخلق {أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} متى يموتون ومتى يبعثون.
قوله: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الأَخِرَةِ} أي: علموا في الآخرة أن الأمر كما قال الله، فآمنوا حين لم ينفعهم علمهم ولا إيمانهم.
وقال الحسن: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الأَخِرَةِ} على الاستفهام، أي: تبعاً للاستفهام الأول، أي: لم يبلغ علمهم في الآخرة، أي: لو بلغ علمهم أن الآخرة كائنة لآمنوا بها في الدنيا كما آمن بها المؤمنون. وقال بعضهم: إن علمهم بذلك لم يبلغ في الدنيا؛ يسفّههم بذلك.
وقال مجاهد: معناه عندي: (أَمْ أَدْرَكَ) أي: لم يدرك؛ وهو مجامع للقول الأول الذي ذكرنا قبله.
قال: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا} أي: من الآخرة {بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} أي: عموا عن الآخرة. وقال الكلبي: {بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} أي: لا يدرون ما الحساب فيها وما العذاب.
قوله: {وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا أَءِذَا كُنَّا تُرَاباً وَءَابَآؤُنَا} على الاستفهام {أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ} أي: لمبعوثون. كقوله: {إِءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} [مريم: 66] أي: لا نبعث. وهذا على الاستفهام، استفهام منهم على إنكار. (3/262)
صفحة 1331
(3/ 68)
قوله: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ} أي: فلم نبعث. فهذا قول مشركي العرب، أي: قد وعدت آباؤنا من قبل بالبعث كما وعَدَنا محمد، فلم نرها بعثت. يعني من كان من العرب على عهد موسى. وقد كان موسى يومئذ حجة على العرب، وهو قوله: {قَالُوا لَوْلآ} أي: هلاَّ {أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَى} يعنون محمداً. يقولون: هلاّ أعطي محمد مثل ما أعطي موسى من قبل. قال الله: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَآ أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سَاحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} [القصص: 48] يعنون موسى ومحمداً. أي: كفروا بهم جميعاً. وقال بعضهم: يعنون موسى وهارون. قوله: {إِنْ هَذَآ إِلآ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} أي: كذب الأولين وباطلهم.
قال الله للنبي عليه السلام: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجْرِمِينَ} أي: المشركين. كان عاقبتهم أن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار، أي: فاحذروا أن ينزل بكم من عذاب الله ما نزل بهم، يعني المشركين.
قوله: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي: إن لم يؤمنوا. كقوله: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8] {وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} أي: لا يضيق عليك أمرك مما يمكرون بك وبدينك فإن الله سينصرك عليهم ويذلّهم لك.
قوله: {وَيَقُولُونَ مَتَى هذَا الوَعْدُ} الذي تعدنا به من عذاب الله {إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ}.
قال الله للنبي عليه السلام: {قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم} أي: اقترب لكم في تفسير مجاهد. وقال بعضهم: اقترب منكم، أي: دنا منكم {بَعْضُ الذِي تَسْتَعْجِلُونَ} قال الحسن: بعض الذي تستعجلون من عذاب الله. يعني قيام الساعة التي يهلك الله بها آخر كفار هذه الأمة.
قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} فبفضل الله خلق الكافر، وبفضله يتقلّب في الدنيا، يأكل ويشرب {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} أي: من لا يؤمن؛ ومنهم من يشكر، وهو المؤمن. (3/263)
صفحة 1332
(3/ 69)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80)
قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ} من عداوة رسول الله والمؤمنين {وَمَا يُعْلِنُونَ} أي: من الكفر.
قوله: {وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي السَّمَآءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير الحسن: الغائبة: القيامة.
قوله: {إِنَّ هذَا القُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَآءِيلَ} يعني الذين أدركوا النبي عليه السلام {أَكْثَرَ الذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} يعني ما اختلف فيه أوائلهم، وما حرّفوا من كتاب الله، وما كتبوا بأيديهم، ثم قالوا: هذا من عند الله.
قوله: {وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي: هدى يهتدون به إلى الجنة.
قوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ} أي: بين المؤمنين والكافرين في الآخرة، فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل الكافرين النار. {وَهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ} أي: لا أعز منه ولا أعلم منه.
قوله: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الحَقِّ المُبِينِ} أي: البيّن.
قوله: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى} يعني الكفار الذين يلقون الله بكفرهم، إنما مثلهم فيما تدعوهم إليه مثل الأموات الذين لا يسمعون. قال: {وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} يعيبهم. وهي تقرأ على وجه آخر: {وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ} يقول: إن الأصمّ لا يسمع الدعاء إذا ولّى مدبراً. وهذا مثل الكافر، أي: لا يسمع الهدى إذا ولّى مدبراً، أي: مدبراً عن الهدى جاحداً له أي: مثل الأصم الذي لا يسمع. وكان الحسن يقرأ هذا الحرف: {وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدَّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ}. (3/264)
صفحة 1333
(3/ 70)
وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82)
قوله: {وَمَآ أَنتَ بِهَادِي العُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ} يعني الذين يموتون على كفرهم {إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُّؤمِنُ بِآياتِنَا} أي: من أراد الله أن يؤمن منهم {فَهُم مُّسْلِمُونَ} وهذا سمع القبول. وأما الكافر فتسمع أذناه ولا يقبله قلبه.
قوله: {وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمُ} أي: حق القول عليهم، والقول: الغضب. {أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ} [وفي بعض القراءة: تُحدِّثهم] {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لاَ يُوقِنُونَ}.
ذكروا عن ابن عباس أنه كان يقول: إنها دابة ذات زغب وريش لها أربع قوائم تخرج من بعض أودية تهامة.
ذكروا عن ابن عمرو أنه قال: تخرج الدابة من مكة من صخرة بشعب أجياد. قال: فإذا خرجت الدابة فزع الناس إلى الصلاة؛ فتأتي الرجل وهو يصلي فتقول له: طوِّل ما أنت مُطوِّل، فوالله لأَخطِمَنَّكَ. قال: فيومئذ يعرف المنافق من المؤمن. قال عبد الله بن عمرو: لو أشاء أن أضع قدمي على مكانها الذي تخرج منه لفعلت.
ذكر الحسن أن موسى عليه السلام سأل ربه أن يريه الدابة، دابة الأرض، فخرجت إليه ثلاثة أيام ولياليها لا يرى أطرافها، أو لا يرى واحداً من طرفيها، فرأى منظراً كريهاً، فقال: ربِّ، رُدَّها فرجعت.
ذكروا عن أبي الطفيل قال: كنا جلوساً عند حذيفة فذكروا الدابة فقال (3/265)
صفحة 1334
حذيفة: إنها تخرج ثلاث خَرْجات: مرّة في بطن الوادي، ثم تكمن. ثم تخرج في بعض القرى حتى تذكر، ويهريق فيها الأمراء الدماء. فبينما الناس على أعظم المساجد وأفضلها وأشرفها، يعني المسجد الحرام، إذ ترفع الأرض ويهرب الناس، وتبقى عصابة من المؤمنين يقولون: لن ينجينا من أمر الله شيء، فتخرج فتجلو وجه المؤمن، وتخطم وجه الكافر، لا يدركها طالب، ولا ينجو منها هارب. قالوا: وما الناس يومئذ يا حذيفة؟ قال: جيران في الرِّبَاع، شركاء في الأموال، أصحاب في الأسفار.
ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال: يبيت الناس يسيرون إلى جمع وتبيت الدابة تسري إليهم فيصبحون قد جعلتهم بين رأسها وذنبها، فما تمرّ بمؤمن إلا تمسحه، ولا بكافر ولا منافق إلا تخطمه، وإن التوبة اليوم لمفتوحة.
ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال: لا تقوم الساعة حتى يجتمع أهل البيت على الإِناء الواحد يعرفون مؤمنيهم من كافريهم. قال: تخرج دابة الأرض فتمسح كل إنسان على مسجَده؛ فأما المؤمن فتكون نكتة بيضاء فتفشو في وجهه حتى يبيضّ لها وجهه، وأما الكافر فتكون نكتة سوداء حتى يسودّ وجهه؛ حتى أنهم ليتبايعون في أسواقهم فيقول هذا: كيف تبيع هذا يا مؤمن، ويقول هذا: كيف تأخذ هذا يا كافر. فما يرد بعضهم على بعض.
قوله: {تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ} أي: المشركين {كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ} وبعضهم يقرأها: {تَكْلِمُهم} أي: تجرحهم. وبعضهم يقول: تَسِمُهم. (3/266)
صفحة 1335
(3/ 71)
قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً} يعني كفار كل أمة {مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآياتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ} لهم وَزَعةٌ ترد أولاهم على أخراهم.
قال: {حَتَّى إِذَا جَآءُو} أي: حتى إذا قُدِم بهم على الله {قَالَ} الله: {أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي} أي: بحجتي {وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً} أي: بأن ما عبدتم من دوني ما خلقوا معي شيئاً ولا رزقوا معي شيئاً، وإن عبادتكم إياهم لم تكن بإحاطة علم علمتموه، إنما كان ذلك منكم على الظّنّ. {أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} يستفهمهم بذلك وهو أعلم بذلك منهم؛ أي: يحتجّ عليهم.
قال: {وَوَقَعَ القَوْلُ} أي: الغضب {عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا} أي: بما أشركوا {فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ}.
قوله: {أَلَمْ يَرَوا أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهَارَ مُبْصِراً} أي: منيراً {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُّؤمِنُونَ}.
قوله: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ} والصور قرن. وقال مجاهد: كهيئة البوق. {فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللهُ}. وهذه النفخة الأولى.
وقال الحسن في قوله: {إِلاَّ مَنْ شَآءَ اللهُ}: استثنى الله طوائف من أهل السماء يموتون بين النفختين.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ} يعني الشهداء، فإنهم قالوا: (3/267)
صفحة 1336
ما أحسن هذا الصوت كأنه الآذان في الدنيا، فلم يفزعوا ولم يموتوا.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة، وأول من تنشقّ عنه الأرض، فأجد موسى متعلّقاً بالعرش، فلا أدري أَصُعِق فيمن صعق، أم أَجْزَته الصعقة الأولى.» وذكروا عن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأجد موسى متعلّقاً بالعرش فلا أدري أحوسب بالصعقة الأولى، أم خرج قبلي.
قوله: {وَكُلُّ أَتَوهُ دَاخِرِينَ} يعني صاغرين. يعني النفخة الآخرة.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بين النفختين أربعون؛ الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيي الله كل ميّت».
ذكروا عن عكرمة قال: النفخة الأولى من الدنيا والأخرى من الآخرة. ذكروا عن عبد الله بن عمرو أنه قال: النافخان في السماء الثانية، رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب، ورأس أحدهما بالمغرب ورجلاه بالمشرق.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: يقوم ملك بين السماء والأرض بالصور فينفخ فيه. وذكر بعضهم أن المنادي، وهو صاحب الصور ينادي من الصخرة من بيت المقدس.
(3/ 72)
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90) إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92)
قوله: {وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} أي: ساكنة {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} وتكون الجبال كالعهن، أي: كالصوف المنفوش، وتكون كثيباً مهيلاً، وتُبَس بَسّاً كما يُبسُّ السويق، وتكون سَراباً، ثم تكون هباءً منبثّاً؛ فذلك حين تذهب من أصولها فلا يرى منها شيء، فتصير الأرض كلها مستوية. (3/268)
صفحة 1337
قوله: {صُنعَ اللهِ الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} أي: أحكم كل شيء {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ}.
قوله: {مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ} أي: بالإِيمان، وهو شهادة لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن ما جاء به حق من الله، وعمل صالحاً وعمل جميع الفرائض. {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} أي: فله منها خير، وهو الجنة. وفي الآية تقديم، أي: فله منها خير.
قال: {وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ}. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة على رجل يشهد ألا إله إلا الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر».
ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال: تنفخ النفخة الأولى وما يعبد الله يومئذ في الأرض.
قوله: {وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} أي: ألقوا في النار على وجوههم. ذكروا عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات لا يشرك بالله شيئاً وعمل بفرائض الله دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله دخل النار.» قوله: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: في الدنيا، يقال لهم ذلك في الآخرة.
قوله: {إِنَّمَآ أُمِرْتَ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ} يعني مكة {الذِي حَرَّمَهَا} أي: إنما أمرت أن أعبد ربها الذي حرّمها {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ (3/269)
صفحة 1338
المُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ القُرْآنَ} أي: وأمرت أن أتلو القرآن {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَا مِنَ المُنذِرِينَ} أي: لا أستطيع أن أكرهكم عليه، أي: ليس عليّ إلا أن أنذركم.
(3/ 73)
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)
قوله: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} أي: في الآخرة على ما قال في الدنيا، أي: من وعده ووعيده. وقال مجاهد: على ما يرون من الآيات في السماء والأرض والرزق.
{وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وهي تقرأ على وجهين: على التاء والياء؛ فمن قرأها بالياء يقول: وما ربّك، يا محمد، بغافل عما يعلمون، يعني جميع الناس. ومن قرأها بالتاء: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} يقول لهم. (3/270)
صفحة 1339
(3/ 74)
طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {طسم تِلْكَ ءَايَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ} قد فسّرناه في طسم الشعراء.
قوله: {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ} أي: لقوم يصدّقون.
قوله: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ} أي: بغى في الأرض، [يعني أرض مصر] {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} أي: فِرقاً. {يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَآءهُمْ} أي: فيذبح طائفة ويعذّب طائفة ويستعبد طائفة، يعني بني إسرائيل الذين كانوا بمصر في يد فرعون. والطائفة التي كان يذبح: الأبناء، والطائفة التي كان يستحيي: النساء، فلا يقتلهن. {إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ} أي: في الأرض بشركه وعمله السوء.
قوله: {وَنُرِيدُ} أي: كان يفعل هذا فرعون يومئذ ونحن نريد {أَن نَّمُنَّ عَلَى الذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ} يعني بني إسرائيل {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} أي: يقتدى بهم، أي: أئمة في الدين. {وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ} أي: يرثون الأرض بعد فرعون وقومه؛ ففعل الله ذلك بهم. (3/271)
صفحة 1340
قال: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ} وهو تبع للكلام الأول: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ} قال: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم} أي: من بني إسرائيل {مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ}. وذلك أنه قيل لفرعون إنه يولد في هذا العام غلام يسلبك ملكك؛ فتتبع أبناءهم يقتلهم ويستحيي نساءهم فلا يقتلهن حذراً مما قيل له.
قوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى} وحي إلهام، أي: قذف في قلبها، وليس بوحي نبوّة. {أَن أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} الطلب {فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ} أي: البحر {وَلاَ تَخَافِي} أي: الضّيعة {وَلاَ تَحْزَنِي} أن يُقتل {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ} فجعلته في تابوت، ثم قذفته في البحر.
{فَالْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ} قال بعضهم، لا أعلم، إلا أنه بلغني أن الغسالات على النيل التقطته. قال: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوَّاً وَحَزَناً} أي: ليكون لهم عدوّاً في دينهم وحزناً، أي: ليحزنهم به. قال: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} أي: مشركين.
قوله: {وَقَالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ} تقوله لفرعون، تعني بذلك موسى؛ أُلْقِيت عليه رحمتها حين أبصرته. {لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً}. قال الله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: أن هلاكهم على يده وفي زمانه.
(3/ 76)
قوله: {وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً} أي: من كل شيء إلا من ذكر موسى، أي: لا تذكر غيره. {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} أي: لتُبَيّنُ لهم أنه ابنها من شدة وجدها {لَوْلآ أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} أي: بالإِيمان {لِتَكُونَ} أي: لكي تكون {مِنَ المُؤمِنِينَ}.
قوله: {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ} أي: قالت أم موسى لأخت موسى: (قُصِّيهِ) أي: قُصِّي أثره. قال الله. {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ} أي: عن ناحية من بعيد {وَهُمْ (3/272)
صفحة 1341
لاَ يَشْعُرُونَ} أنها أخته. ثم جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده. وقال مجاهد {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ} أي: من بعيد.
قوله: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} جعل لا يؤتى بامرأة إلا لم يأخذ ثديها حتى ردّه الله إلى أمِّه. {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ} أي: ألا أدلكم {عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ} أي: يضمّونه لكم فيرضعونه {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ}.
قال الله: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ} أي: الذي قذف في قلبها: {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ} قال: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: جماعتهم لا يعلمون.
قوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} قال مجاهد: {بَلَغَ أَشُدَّهُ}: يعني ثلاثاً وثلاثين سنة، {وَاسْتَوَى} يعني أربعين سنة. {ءَاتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} أي: أعطيناه فهماً وعقلاً {وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ}.
قوله: {وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا}. ذكر ابن عباس قال: دخل وسط النهار. وقال الحسن: يوم عيد لهم، فهم في لهوهم ولعبهم. {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هذَا مِن شِيعَتِهِ} أي: من بني إسرائيل. {وَهذَا مِنْ عَدُوِّهِ} أي: قبطي [من قوم فرعون] {فَاسْتَغَاثَهُ الذِي مِنْ شِيعَتِهِ} أي: من جنسه {عَلَى الذِي مِنْ عَدُوِّهِ}. وكان القبطي سخّر الإِسرائيلي ليحمل حطباً لمطبخ فرعون فأبى فقاتله.
قال: {فَوَكَزَهُ مُوسَى} بعصاه، ولم يتعمَّد قتله {فَقَضَى عَلَيْهِ}. قال (3/273)
صفحة 1342
الحسن: ولم يكن يحلّ له قتل الكفار يومئذ في تلك الحال. كانت حال كف عن القتال.
وقال الكلبي: كان فرعون وقومه يستعبدون بني إسرائيل، ويأخذونهم بالعمل ويتسخّرونهم. فمرّ موسى على رجل من بني إسرائيل قد تسخره رجل من أهل مصر، فاستغاث بموسى، فوكزه موسى فقضى عليه ولم يكن أمر بالقتال.
{قَالَ} موسى: {هذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} أي: بين العداوة.
ثم {قَالَ} موسى: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} يعني قتله القبطي، ولم يتعمّد قتله، ولكنه تعمد وكزه فمات {فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
(3/ 77)
قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)
{قَالَ} موسى: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً} أي: عويناً {لِّلْمُجْرِمِينَ} أي: للمشركين. وقال بعضهم: أي: فلن أعين بعدها على فجْرَةٍ؛ وقلَّ ما قالها رجل قط إلا ابتُلِي.
قوله: {فَأَصْبَحَ فِي المَدِينَةِ خَآئِفاً} أي: من قتله النفس {يَتَرَقَّبُ} أي: أن يؤخذ.
ذكر عن الحسن عن علي رضي الله عنه أنه قال: البلاء موكّل بالنطق.
قوله: {فَإِذَا الذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} أي: يستغيثه، ويستنصره ويستصرخه واحد. {قَالَ لَهُ مُوسَى} أي: للإِسرائيلي {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} أي: بيّن الغواية. (3/274)
صفحة 1343
ثم أدركت موسى الرقةُ عليه {فَلَمَّآ أَن أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا} أي: بالقبطي {قَالَ} الإِسرائيلي. [قال بعضهم]: وبلغنا أنه السامري، فخلى السامري عن القبطي وقال: {يَا مُوسَى} الإِسرائيلي يقوله: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلآ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ} يعني قتالاً في الأرض {وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ}.
(3/ 78)
وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22)
قوله: {وَجَآءَ رَجُلٌ مِّن أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأ يَأتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُج إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} وذلك أن القبطي الآخر لما سمع قول الإِسرائيلي لموسى: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ} أفشى عليه. فأتمر الملأ من قوم فرعون أن يقتلوه. فبلغ ذلك مؤمنَ آل فرعون، فجاء من أقصى المدينة يسعى. وهو الذي قال الله: {وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}.
قال الله: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} أي: من المدينة خائفاً من قتله النفس، يترقّب الطلب {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ}.
قوله: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} أي: نحو مدين {قَالَ عَسَى رَبِّي أَن (3/275)
صفحة 1344
يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السَّبِيلِ} أي: أن يرشدني سواء السبيل، أي: قصد الطريق. وكان خرج لا يدري أين يذهب، ولا يهتدي طريق مدين، فقال: {عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السَّبِيلِ} أي: الطريق إلى مدين.
(3/ 79)
وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)
قوله: {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ} أي: جماعة من الناس {يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ} أي: الناس عن شائهما؛ وفي بعض القراءة: (تَذُودَانِ النَّاسَ عَنْ شَائِهِمَا)، أي: حابستين شاءهما تذودان الناس عنهما. وقال بعضهم: تمنعان غنمهما أن تختلط بأغنام الناس.
{قَالَ} لهما موسى: {مَا خَطْبُكُمَا} أي: ما أمركما {قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَآءُ} أي: حتى يسقي الناس ثم نبتغي فضالتهم في تفسير الحسن {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}.
{فَسَقَى لَهُمَا} فلم يلبث أن أروى غنمها {ثُمَّ تَوَلَّى} أي: انصرف {إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لَمَآ أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} يعني الطعام. وكان بجهد. وقال سعيد بن جبير: كان فقيراً إلى شق تمرة.
قوله: {فَجَآءَتْهُ إحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَآءٍ} واضعة يديها على وجهها. قال الحسن: بعيدة والله عن البذاء. (3/276)
صفحة 1345
قال: ويقولون شعيب وليس بشعيب، ولكنه سيد أهل الماء يومئذ؛ ذكروا عن ابن عباس قال: اسم ختن موسى يترى.
{قَالَتِ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ} أي: خبره {قَالَ} الشيخ: {لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ}.
(3/ 80)
قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)
{قَالَتِ إِحْدَاهُمَا} أي: إحدى المرأتين {يَآ أَبَتِ اسْتَأجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ} أي: القوي في الصنعة، الأمين فيما ولى.
قال مجاهد: الأمين؛ غضّ طرفه عنهما حين سقى لهما. وكان الذي رأت من قوته أنه لم تلبث ماشيتها أن سقاها وأرواها. وأن الأمانة التي رأت منه أنها حين جاءت تدعوه قال لها: كوني ورائي وكره أن يستدبرها.
وبعضهم يقول في قوله: {القَوِيُّ الأَمِينُ} أنه كان على تلك البئر التي سقى منها صخرة لا يرفعها إلا أربعون رجلاً، فرفعهما موسى وحده، وذلك أنه سألهما هل ها هنا بئر غير هذه فقالتا نعم، ولكن عليها صخرة لا يرفعها إلا أربعون رجلاً.
قال الشيخ لموسى: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأجُرَنِي} أي: تؤاجرني في نفسك {ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِن أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَآءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} أي: في الرفق بك. وقال لموسى في آخر ذلك: كل سخلة تخرج على غير شبه أمها في هذا البطن فهي لك.
فأوحى الله إلى موسى: إذا ملأت الحياض وقرّبْتها لتشرب فألقِ عصاك في الحياض ففعل؛ فولدن كلهن خلاف شبه أُمَّهاتهن، فذهب بأولاد غنمه تلك السنة. وقال بعضهم: كُلُّ بلقاء تولد فهي لك، فولدن بُلقاً كلهن. (3/277)
صفحة 1346
(3/ 81)
قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)
{قَالَ} موسى: {ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ} [قال بعضهم] وهي بلسان كلب. {فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ} [أي: فلا سبيل عليّ] {وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} أي: شهيد.
قال: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ} ذكر ابن عباس قال: قضى أوفاهما وأبرهما: العشر. قوله: {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} قال مجاهد: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ} أي: قضى العشر السنين ثم أقام بعد ذلك عشر سنين فخرج بعد عشرين سنة. {ءَانَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً} أي: حسب أنها نار، وإنما كانت ناراً عند موسى، وهي نور وليست بنار. {قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي ءَانَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ} أي: بخبر الطريق، وكان على غير الطريق {أوْ جَذْوَةً مِّنَ النَّارِ} وهي أصل شجرة {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي: لكي تصطلوا، وكان شاتياً.
قال الله: {فَلَمَّآ أَتَاهَا} أي: أتى موسى النار عند نفسه {نُودِيَ مِنْ شَاطِىءِ الوَادِي الأَيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ} أي: نودي عن يمين الشجرة، أي: الأيمن من الشجرة. وفيها تقديم؛ وتقديمها: من شاطئ الوادي الأيمن من الشجرة في البقعة المباركة. {أَن يَّامُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} فألقاها. (3/278)
صفحة 1347
{فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌ} أي: كأنّها حيّة {وَلَّى مُدْبِراً} أي: هارباً {وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي: ولم يلتفت، أي: من الفرَق. وقال مجاهد: ولم يرجع. {يَامُوسَى أَقْبِلْ} الله يقوله: {يَامُوسَى أقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الأمِنِينَ}.
(3/ 82)
اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34)
{اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} أي: أدخل يدك في جيبك. أي: في جيب قميصك {تَخْرُجُ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} أي: من غير برص. قال الحسن: أخرجها والله كأنها مصباح. {وَاضْمُم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} أي: يدك {مِنَ الرَّهْبِ} أي: من الرعب.
قال بعضهم: أي: واضمم يدك إلى صدرك فيذهب ما في صدرك من الرعب، وكان قد دخله رعب وفَرَق من آل فرعون فأذهب الله ذلك عنه.
قوله: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ} أي: بيانان من ربك، يعني العصا واليد وقال بعضهم: برهانان، أي بيّنتان من ربّك. والبرهان في قول الحسن: الحجّة. أي: حجتان من ربك. {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي: وقومه {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ} أي: مشركين.
{قَالَ} موسى: {رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً} أي: القبطي {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ}.
{وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً} يعني العقدة التي كانت في لسانه. {فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدءًا} أي: عوناً، في تفسير الحسن. {يُصَدِّقُنِي}. وقال (3/279)
صفحة 1348
الكلبي: {مَعِي رِداً يُصَدِّقْنِي} أي: كيما يصدقني، أي: كي يكون معي في الرسالة. {إِنِّي أَخَافُ أَن يُّكَذِّبُونِ}.
(3/ 83)
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)
{قَالَ} الله تعالى: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً} أي: حجة {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الغَالِبُونَ}.
فانطلق موسى إلى فرعون، وأوحى الله إلى هارون أن يستقبل أخاه فاستقبله. فأتيا باب فرعون، فقالا للبواب: اذهب فأخبر فرعون أن بالباب رسولَ ربّ العالمين. فدخل عليه البوّاب فقال: إن بالباب رجلاً مجنوناً يزعم أنه رسول ربّ العالمين. فقال له فرعون: أتعرفه فقال له: لا، ولكن معه هارون. وكان هارون عندهم معروفاً. وكان موسى قد غاب عنهم زماناً من الدهر. قال فرعون: اذهب فأدخله. فدخل عليه، فعرفه، في تفسير الحسن. وقال بعضهم: كأنه عرف وجهه ولم يثبته. فقال: من أنت؟ فقال: أنا رسول ربّ العالمين. فقال: ليس عن هذا أسألك، ولكن من أنت وابن من أنت؟ فقال: أنا موسى بن عمران. وكان قد ربّاه في حجره حتى صار رجلاً؛ فقال له فرعون: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} أي: وأنت لا تدّعي شيئاً من هذه النبوّة {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الكَافِرِينَ} [الشعراء: 18 - 19] أي: لنعمتنا، أي: فيما ربّيناك.
قال الله: {فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَى بِآياتِنَا} أي: بحجتنا {بَيِّنَاتٍ} أي: واضحات {قَالُوا مَا هذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرىً وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي ءَابَآئِنَا الأَوَّلِينَ}.
{وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَآءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ} أي: إنني أنا جئت بالهدى من عنده {وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} أي: المشركون، أي: لا يَدْخُلونَ الجنة، والمفلحون هم أهل الجنة.
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَآأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلهٍ غَيْرِي} أي: تعمداً منه (3/280)
صفحة 1349
للكذب. {فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ} أي: فاطبخ لي آجُرّاً، فكان أول من طبخ الآجرّ. {فَاجْعَل لِّي صَرْحاً} أي: فابن لي صرحاً {لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إلهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} فبنى له صرحاً عالياً، وقد علم فرعون أن موسى رسول الله، وهذا منه كذب. قال الله: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} [النمل: 14].
(3/ 84)
وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42)
قال الله: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة.
قال: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليَمِّ} وقد فَسَّرنا ذلك في غير هذه السورة. قال: {فَانظُرْ} يا محمد {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} فكان عاقبتهم أن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار.
قال: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إلَى النَّارِ} أي: يتبعهم مِن بعدهم مَن بعدهم من الكفار {وَيَوْمَ القِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ}.
قال: {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً} أي: العذاب الذي عذبهم به، [أي: الغرق] {وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُم مِّنَ المَقْبُوحِينَ} أي: في النار. وأهل النار مقبوحون مشوَّهون، سود زُرق كأَن رؤوسهم آجام القصب كالحون؛ شفة أحدهم السفلى ساقطة على صدره، وشفته العليا قالصة قد غَطَّت وجهه؛ رأس أحدهم مثل الجبل العظيم، وضرسه مثل أحد، وأنيابه كالصياصى، وهي الجبال؛ وغلظ جلده أربعون ذراعاً، وبعضهم يقول: أربعون سنة، تسير الدوابّ فيما بين جلده ولحمه كما تسير الوحوش في البرّيّة، وفخذه مسيرة يومين. وقال عبد الله بن مسعود: إني أراه يشغل من جهنم مثل ما بيني وبين المدينة؛ وهو بالكوفة. (3/281)
صفحة 1350
(3/ 85)
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)
قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ} يعني التوراة {مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القُرُونَ الأُولَى بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: لكي يتذكروا. فكانت التوراة أول كتاب نزل فيه الفرائض والحدود والأحكام. قوله: {مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القُرُونَ الأُولَى} أي: قرناً بعد قرن، كقوله: على مقرأ هذا الحرف: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [هود: 102].
قوله: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغَرْبِيِّ} [أي: غربي] الجبل {إِذْ قَضَيْنَآ إِلَى مُوسَى الأَمْرَ} أي: الرسالة. {وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ} أي: لم تكن شاهداً يومئذ لذلك.
قال: {وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ} كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام خمسمائة سنة. وبعضهم يقول: ستمائة سنة. {وَمَا كُنتَ ثَاوِياً} أي: ساكناً {فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَاتِنَا} [قال بعضهم: أي: لم تكن يا محمد مقيماً بمدين فتعلم كيف كان أمرهم فتخبر أهل مكة بشأنهم وأمرهم]. {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}. كقوله: {أَمْراً مِّن عِندِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [الدخان: 5].
قال: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} أي: نودي: يا أمة محمد، أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني. قال: {وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً} يعني قريشاً {مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: لكي يتذكروا.
قوله: {وَلَوْلآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ} يعني المشركين {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِم} أي: بالذي هم عليه من الشرك. والمصيبة في هذا الموضع العذاب. يقول: ولو (3/282)
صفحة 1351
عذّبناهم لاحتجّوا وقالوا: {فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ}. فقطع الله عذرهم بمحمد فكذَّبوه.
قال الله: {فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا} أي: القرآن {قَالُوا لَوْلآ أُوتِيَ} يعنون النبي محمداً عليه السلام {مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَى} أي: هلا أعطي مثل ما أعطي موسى؛ أي: هلاّ أنزل عليه القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى جملة واحدة.
قال الله: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَآ أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ} وقد كان كتاب موسى عليهم حجّة، في تفسير الحسن. {قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} أي: موسى ومحمد، في تفسير الحسن؛ وهذا قول مشركي العرب. {وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} أي: بالتوراة والقرآن.
وقال بعضهم: {سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} أي: موسى وهارون. وقال مجاهد: {قَالُوا لَوْلآ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَى} هذا قول اليهود؛ أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً مثل ما أوتي موسى؛ يقول الله يا محمد، قل لقريش يقولوا لهم: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَآ أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} قوله يهود لموسى وهارون {وَقَالُوا} أي: اليهود {إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} أي: نكفر أيضاً بما أوتي محمد.
قال الله: [{قُلْ فَاتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَآ} أي: من التوراة والقرآن {أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}].
قال: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ} فيأتوا به، ولا يأتون به، ولكنها حجّة عليهم، {فَاعْلَم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَن أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِّنَ اللهِ} جاءه، أي: لا أحد أظلم منه {إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} أي: المشركين الذين يموتون على شركهم. (3/283)
صفحة 1352
قوله: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القَوْلَ} أي: أخبرناهم بما أهلكنا به الأمم السالفة قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، أي: أهلكناهم بتكذيبهم رسلهم. قال: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: لكي يتذكَّروا فيحذروا ألا ينزل بهم ما نزل فيهم فيؤمنوا.
قوله: {الذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ} أي: من قبل هذا القرآن {هُم بِهِ يُؤمِنُونَ} أي: هم بالقرآن يؤمنون؛ يعني من آمن من أهل الكتاب، يعني من كان متمسّكاً بدين موسى وعيسى ثم آمن بمحمد.
قوله: {وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} أي: القرآن {قَالُوا ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ} أي: من قبل القرآن {مُسْلِمِينَ}.
قال الله: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} أي: على دينهم. {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} أي: يعفون عن السيئة ويأخذون بالحسنة. والسيئة ها هنا الجهل، والعفو: الحلم. وإذا حلُم فعفا عن السيئة فهو حسنة. [وقال السّدي: يقول: ويدفعون بالقول المعروف والعفوِ الأذى والأمرَ القبيح] قال: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} أي: الزكاة الواجبة.
{وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ} أي: الباطل، أي: الشرك والنفاق، والقول السيء. وقال بعضهم: الشتم والأذى [من كفار قومهم]. {أَعْرَضُوا عَنْهُ} أي: لم يردّوا عليهم. {وَقَالُوا لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} كلمة حلم عن المشركين وتحية بين المؤمنين {لاَ نَبْتَغِي الجَاهِلِينَ} أي: لا نكون من الجاهلين.
وقال بعضهم: هم مسلمو أهل الإنجيل. (3/284)
صفحة 1353
وقال الكلبي: هم أناس من أهل الكتاب لم يكونوا هوداً ولا نصارى، وكانوا على دين أنبياء الله ورسله، وكرهوا ما عليه اليهود والنصارى، وأخذوا بأمر الله، فكانوا ينتظرون النبي عليه السلام، فلمّا سمعوا به وهو بمكة أتوه. فلما رأوه عرفون بنعته، وسألوه أن يقرأ عليهم القرآن. فلمّا سمعوه {قَالُوا ءَامَنَّا بِهِ}، أي: بالقرآن، {إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ}. قال الله: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا}. يقول: بأخذهم بالكتاب الأول وإيمانهم بالكتاب الآخر.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: من آمن بالكتاب الأول والكتاب الآخر، والعبد إذا أطاع الله وأطاع سيّده، والرجل إذا أعتق أمته ثم تزوّجها».
قال الكلبي: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ}. قال أبو جهل لهؤلاء الرهط الذين أسلموا من أهل الكتاب: أفٍّ لكم من قوم منظور إليكم، اتبعتم غلاماً قد كرهه قومه، وهم أعلم به منكم. فقالوا لهم: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الجَاهِلِينَ}.
قوله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. نزلت في أبي طالب حين راوده النبي عليه السلام على أن يقول: لا إله إلا الله فأبى.
وقال مجاهد: قال له النبي عليه السلام: «قل كلمة الإِخلاص، وهي التوحيد» أُجادِلْ بها عنك يوم القيامة. فقال له: يا ابن أخي، قد علمت أنك (3/285)
صفحة 1354
صادق، وأنك لن تدعو إلا إلى خير، ولولا أن تكون عليك وعلى بنيك سبّة لأقررت بما عندك عند الفراق، ولكن سوف أموت على ملة الأشياخ.
قال: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} أي: من قدر عليه الهدى، ممن يقبل الهدى أو يجيب له.
قوله: {وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أَرْضِنَآ} أي: لِقلَّتِنَا في كثرة العرب، ولكن ينفي الحربَ عنا أنا على دينهم، فإذا آمنا بك واتَّبعناك خشينا أن يتخَطَّفنا الناس.
قال الله: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً ءَامِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا} أي: من عندنا {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: قد كانوا في حَرَمِي يَأكلون رزقي، ويعبدون غيري، وهم آمنون، أفيخافون، إن آمنوا، أن أُسلِّط عليهم من يقتلهم ويسبيهم؟ ما كنت لأفعل.
قوله: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} كقوله: {يَأتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ} [النحل: 112].
ذكر بعضهم قال: إن سيلاً أتى على المقام واقتلعه فإذا في أسفله كتاب. فدعوا له رجلاً من حمير فزبره لهم في جريدة، ثم قرأه عليهم فإذا فيه: هذا بيت الله المحرّم، جعل رزق من يعمره يأتيهم من ثلاث سبل، مبارك لأهله في الماء واللحم، وأول من يحلّه أهله.
ذكر مجاهد قال: وجد عند المقام كتاب الله فيه: إني أنا الله ذو بَكّة، صنعتها (3/286)
صفحة 1355
يوم خلقت السماوات والأرض والشمس والقمر، وحرّمتها يوم خلقت السماوات والأرض، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء يأتيها رزقها من ثلاث سبل، مبارك لأهلها في الماء واللّحم، وأول من يحلّها أهلها.
قال: {رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا} أي: من عندنا {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: جماعتهم لا يعلمون، يعني من لا يؤمن منهم.
قوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} كقوله: {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ} [النحل: 112] أي: فأهلكناهم، يعني من أهلك من القرون الأولى. {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الوَارِثِينَ} كقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} [مريم: 40].
قال: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى} أي: معذبهم، يعني هذه الأمة {حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَاتِنَا} وأمها: مكة، هي أم القرى. والرسول: محمد صلى الله عليه وسلم، قال: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} وقال في آية أخرى مدنية في النحل بعد هذه الآية: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَت ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً}، والرغد ألا يحاسبها أحد بما رزقها الله {مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ} أي: كفر أهلها، وهي مكة {فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ} محمد صلى الله عليه وسلم {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} أي: وهم مشركون.
قوله {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيءٍ فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} أي: الجنة. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يقوله للمشركين.
ثم قال على الاستفهام: {أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً} أي: الجنة {فَهُوَ لاَقِيهِ} أي: داخل الجنة {كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ} أي: في النار، أي: إنهما لا يستويان، أي: لا يستوي من يدخل الجنة (3/287)
صفحة 1356
ومن يدخل النار. وبعضهم يقول: نزلت في النبي عليه السلام وأبي جهل.
قوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} أي: في الآخرة، يعني المشركين {فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي: في الدنيا أنهم شركائي، فَأَشْرَكتموهم في عبادتي.
{قَالَ الذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ} أي: الغضب، يعني الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة الأوثان {رَبَّنَا هَؤُلآءِ الذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ} أي: أضللناهم {كَمَا غَوَيْنَا} أي: كما ضللنا {تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} أي: سلطان كان لنا عليهم استكرهناهم به، وإنما دعوهم بالوسوسة كقول إبليس: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: 22]، وكقوله في قولهم: {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ} [الصافات: 30] وكقول الله: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ} [سبأ: 21]. . . إلى آخر الآية. وكقوله: {مَآ أنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} [الصافات: 162] أي: بمضلّين {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيمِ} [الصافات: 163].
قال: {وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَآءَكُمْ} يعني الأوثان {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا العَذَابَ} أي: ودخلوا العذاب {لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ} [أي: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا ما دخلوا العذاب. وبعضهم يقول: لَو أنَّهُمْ كَانُوا مُهْتَدِينَ] أي: في الدنيا كما أبصروا الهدى في الآخرة ما دخلوا العذاب، وإيمانهم في الآخرة لا يقبل منهم.
قوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} يعني المشركين {فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} يستفهمهم، فيحتجّ عليهم، وهو أعلم بذلك، ولا يسأل العبادَ عن أعمالهم إلا اللهُ وحده. (3/288)
صفحة 1357
قال: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَآءُ} أي: الحج {يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ} أي: أن يحمل بعضهم عن بعض من ذنوبه شيئاً، في تفسير الحسن.
وقال مجاهد: (لاَ يَتَسَآءَلُونَ) أي: بالأنساب، وفي تفسير بعضهم أنه لا يسأل قريب قريبه أن يحمل من ذنوبه شيئاً، كقوله: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [فاطر: 18].
قوله: {فَأَمَّا مَن تَابَ} أي: من شركه {وَءَامَنَ} أي: أخلص الإِيمان لله، {وَعَمِلَ صَالِحاً} أي: في إيمانه {فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ} وعسى من الله واجبة. والمفلحون السعداء، وهم أهل الجنة.
قوله: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} أي: من يشاء من خلقه، أي: للنبوّة. {مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ} أي: ما كان لهم أن يختاروا هم الأنبياء فيبعثوهم. بل الله هو الذي اختار، وهو {أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] {سُبْحَانَ اللهِ} ينزّه نفسه {وَتَعَالَى} أي: ارتفع {عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
قال: {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ} أي: ما يسرّون {وَمَا يُعْلِنُونَ}.
{وَهُوَ اللهُ لآ إلهَ إلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالأَخِرَةِ} في الدنيا والآخرة {وَلَهُ الحُكْمُ} أي: القضاء {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة.
قوله: {قُل أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَداً} [أي: دائماً لا ينقطع] {إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَن إلهٌ غَيْرُ اللهِ} وهذا على الاستفهام {يَأتِيكُمْ بِضِيَآءٍ} أي: بنهار {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} أمره، يقوله للمشركين. {قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً} أي: دائماً {إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَن إلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} كقوله: {وَجَعَلَ الَّيْلِ سَكَناً} [الأنعام: 96] أي: يسكن فيه الخلق {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} أمره. يقوله للمشركين. (3/289)
صفحة 1358
(3/ 93)
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75) إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)
قال الله: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} أي: في الليل {وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} أي: بالنهار. وهذا رحمة من الله للمؤمن والكافر فأما المؤمن فتتمّ عليه رحمة الله في الدنيا والآخرة، وأما الكافر فهي رحمة له في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب. قال: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: ولكي تشكروا.
قوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} وهي مثل الأولى.
قال: {وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} أي: جئنا برسولهم، كقوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلآءِ شَهِيداً} [النساء: 41]، وكقوله: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإمَامِهِمْ} [الإِسراء: 71] أي: بنبيّهم، وقال بعضهم: بكتابهم قال: {فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} أي: حُجَّتكم، في تفسير الحسن، أي: بأن الله أمركم بما كنتم عليه من الشرك. وقال بعضهم: {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} أي: بيّنَتَكم. قال: {فَعَلِمُوا} أي: يومئذ {أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ} أي: التوحيد {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} يعني أوثانهم التي كانوا يعبدون.
قوله: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى}، كان ابن عمه، أخي أبيه {فَبَغَى عَلَيْهِمْ} كان عاملاً لفرعون فتعدّى عليهم وظلمهم {وَءَاتَيْنَاهُ} يعني قارون أعطيناه {مِنَ الْكُنُوزِ} أي: من الأموال {مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ} قال بعضهم: خزائنه، يعني أمواله، وقال بعضهم: مفاتح خزائنه {لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ} أي: لتثقل العصبة {أُولِي القُوَّةِ} أي: من الرجال، والعصبة الجماعة، وهم ها هنا أربعون رجلاً.
{إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ} إذ قال له موسى والمؤمنون من بني إسرائيل {لاَ تَفْرَحْ} أي: لا تبطر {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} أي: المرحين المشركين الذين يفرحون بالدنيا ولا يفرحون بالآخرة، أي: لا يؤمنون بها، لا يرجونها. وقال في آية أخرى: {وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، وهم المشركون.
وقال مجاهد: {لاَ يُحِبُّ الفَرِحِينَ} [المُتَبَذِّخِينَ] الأَشِرين البَطِرِين الذين لا يشكرون الله فيما أعطاهم، وهو واحد.
(3/ 94) (3/290)
صفحة 1359
وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)
{وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللهُ} أي: من هذه النعم والخزائن {الدَّارَ الأَخِرَةَ} أي: الجنة {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} أي: اعمل في دنياك لآخرتك، في تفسير بعضهم. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}، أي: طاعة الله وعبادته.
{وَأَحْسِن} أي: فيما افترض الله عليك {كَمَآ أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ} أي: المشركين في هذا الموضع.
{قَالَ} قارون {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} أي: إنما أعطيته، يعني ما أعطي من الدنيا، على علم عندي، أي: بقوتي وعلمي، وهي مثل قوله: {ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} قال الله: {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} أي: بليّة {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 49].
قوله: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ} قارون، أي: بلى قد علم، وهذا على الاستفهام {أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ} من قبل قارون {مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} أي: من الجنود والرجال.
قال الله: {وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ} أي: المشركون والمنافقون، أي: ليعلم ذنوبهم منهم، أي: يُعرَفون بسواد وجوههم وزرقة عيونهم، كقوله: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنْسٌ وَلاَ جَآنٌّ} [الرحمن: 39]، وكقوله: {يُعْرَفُ (3/291)
صفحة 1360
المُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ} [الرحمن: 41] أي: يجمع بين ناصيته وقدمه.
(3/ 95)
فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)
قوله: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ} يعني قارون {فِي زِينَتِهِ} قال الكلبي: خرج وعليه ثياب حمر مصبوغة بالأرجوان على بغلة بيضاء. وقال الحسن: خرج في صنوف ماله من درّ وذهب وفضة، وقيل: خرج في الحمرة والصفرة.
{قَالَ الذِينَ يُرِيدُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا} أي: المشركون الذين لا يُقِرُّونَ بالآخرة: {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} أي: لذو نصيب واف.
{وَقَالَ الذِينَ أُوتُوا العِلْمَ} وهم المؤمنون للمشركين {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ} أي: جزاء الله، أي: الجنة {خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} مما أوتي قارون، {وَلاَ يُلَقَّاهَآ} [أي: يعطاها، أي: الجنة] {إِلاَّ الصَّابِرُونَ} أي: العاملون بطاعة الله، وهم المؤمنون.
قال الله: {فَخَسَفْنَا بِهِ} أي: بقارون {وَبِدَارِهِ} أي: وبمسكنه {الأَرْضَ} فهو يخسف به كل يوم قامة إلى أن تقوم الساعة. {فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ} أي: من الممتنعين من عذاب الله.
قوله: {وَأَصْبَحَ الذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ} [أي: إن الله] {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلآ أَن مَّنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّه لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [اي: وإنه لا يفلح الكافرون].
بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يكلمه في شيء: «وَيْكَأَنَّكَ لم تكن لتفعله (3/292)
صفحة 1361
وقال بعضهم: {وَيْكَأَنَّ اللهَ} أي: ولكن الله، {وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} أي: ولكنه لا يفلح الكافرون.
(3/ 96)
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85)
قوله: {تِلْكَ الدَّارُ الأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ} يعني الشرك {وَلاَ فَسَاداً} أي: قتل الأنبياء والمؤمنين وانتهاك حرمتهم. {وَالعَاقِبَةُ} أي: الثواب {لِلْمُتَّقِينَ} وهي الجنة. {مَنْ جَآءَ بِالحَسَنَةِ} وهي الإِيمان، أي: إكمال الفرائض {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} أي: فله منها خير، وفيها تقديم: فله منها خير، وهي الجنة. {وَمَنْ جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ} أي: بالشرك والنفاق وكل كبيرة موبقة. {فَلا يُجْزَى الذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: إلا ثواب ما عملوا.
قوله: {إِنَّ الذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} أي: نزل عليك القرآن. وقال مجاهد: الذي أعطاكه {لَرَآدُّكَ إلَى مَعَادٍ} قال مجاهد: لرادّك إلى مولدك، إلى مكة.
ذكر بعضهم قال: إن النبي عليه السلام، وهو مهاجر متوجّه إلى المدينة حين هاجر، نزل عليه جبريل عليه السلام، وهو بالجحفة، فقال: أتشتاق يا محمد إلى بلادك التي ولدت بها. قال: نعم. فقال: {إِنَّ الذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَى مَعَادٍ} أي: إلى مولدك الذي خرجت منه ظاهراً على أهله. وقال ابن عباس: {لَرَآدُّكَ إلَى مَعَادٍ} أي: إلى الجنة التي إليها معادك. (3/293)
صفحة 1362
قال الله للنبي عليه السلام: {قُل} يا محمد {رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِالْهُدَى} أي: إن محمداً جاء بالهدى، وإنه على الهدى. {وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: المشركون والمنافقون.
(3/ 97)
وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)
قوله: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُوا} يقول للنبي صلى الله عليه وسلم {أَن يُلْقَى} أي: أن ينزل {إِلَيْكَ الكِتَابُ} أي: القرآن {إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} أي: ولكن أنزل إليك الكتاب رحمة من ربك {فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيراً لَّلْكَافِرِينَ} أي: عويناً للكافرين.
{وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَاتِ اللهِ} أي: عن حجج الله {بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَت إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} أي: إلى عبادة ربك {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ لآ إلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} يعني إلا هو، كقوله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن: 26 - 27] {لَهُ الحُكْمُ} أي: له القضاء {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: إليه يرجع الخلق يوم القيامة. (3/294)
صفحة 1363
تفسير سور العنكبوت
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الم} قد فسرناه في أول سورة البقرة {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا} أي: صدقنا {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} أي: بالجهاد في سبيل الله، وبالفرائض التي أمرهم الله بها وابتلاهم بها.
وهم قوم كانوا بمكة ممن أسلم وأجاب النبي عليه السلام إلى دينه؛ كان قد وضع عنهم النبي عليه السلام الجهاد، والنبي بالمدينة بعدما افترض عليه الجهاد، وقبل منهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ولا يجاهدوا. ثم افترض عليهم الجهاد، وأمرهم به، وأذن لهم فيه، وذلك حين أخرجهم أهل مكة فقال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]. فلما أمروا بالجهاد كره قوم القتال فقال الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ} أي: فلما فرض عليهم القتال {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ} أي: لم فرضت علينا القتال {لَوْلاَ} أي: هلاَّ {أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [النساء: 77]، وأنزل الله في هذه الآية في أول السورة: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا} أي: صدقنا فقط {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} أي: وهم لا يبتلون بالجهاد في سبيل الله.
قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: ولقد ابتلينا الذين من قبلهم، أي: بعد تصديقهم وإقرارهم {فَليَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا} أي: أهل الوفاء والاستكمال (3/295)
صفحة 1364
لما ابتلاهم الله به من الأعمال، {وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} أي: أهل الخيانة والكذب فيما ابتلوا به من الأعمال وهم المنافقون. وهذا علم الفَعال.
قوله: {فلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا} أي: الذين آمنوا فاعلين الجهاد ولِكُلِّ ما تعبّدهم به من طاعته، وليعلَمَنَّ المنافقين التاركين للجهاد ولكثير مما تعبّدهم به. وقد علم الله ذلك قبل أن يفترض عليهم ما افترض أنهم سيفعلون وسيتركون، ولكنه قال: وليعلمنّكم كاذبين فاعلين وتاركين.
(3/ 99)
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4)
قوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} أي: الشرك والنفاق والعمل السيء {أَن يَسْبِقُونَا} أي: حتى لا نقدر عليهم فنعذّبهم، أي: قد حسبوا ذلك، وليس كما حسبوا وظنّوا.
قال: {سَاءَ}: أي بئس {مَا يَحْكُمُونَ} أي: أن الله خلقهم وتعبّدهم بطاعته ثم لا يبعثهم فيجزيهم بأعمالهم.
إنهما ظنّان: ظنّ المشركون أن لن يُّبعثوا ولن يعذَّبُوا، وظنَّ المنافقون ألا يعذَّبوا (3/296)
صفحة 1365
بعد التصديق والإِقرار إذا ضيَّعوا الأحكام والفرائض، فقال الله: ألا ساء ما يحكمون، أي: بئس ما يحكمون.
(3/ 100)
مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11)
قوله: {مَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللهِ} أي: من كان يخشى البعث، وهذا المؤمن، {فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لأَتٍ} أي: كائن بعد الموت {وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي: لا أسمع منه ولا أعلم منه.
قال: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} أي: يعطيه الله ثواب ذلك في الجنة {إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ} أي: عن عبادتهم.
قوله: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: يجزيهم به الجنة.
قوله: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ} يعني جميع الناس {بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} أي: بِرّاً كقوله: {وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36]، قال: {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي} أي: إن أراداك على أن تشرك بي {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا} أي: إنك لا تعلم أن معي شريكاً، يعني المؤمنين. {إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ} يعني يوم القيامة {فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
{وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ} أي: في أهل الجنة.
قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللهِ} أي: صدّقنا بالله وأقررنا بالله {فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ} ببعض ما يدخل عليه في إيمانه بالله وبمحمّد {جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ}. رجعت القصّة إلى الكلام الأول: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}؛ فوصف المنافق في هذه الآية الآخرة فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ} أي: إذا أُمِر بالجهاد في سبيل الله فدخل عليه أذى رفض ما أُمِر به، يعني المنافق، واجترأ على عذاب الله، أي: (3/297)
صفحة 1366
وأقام عن الجهاد، فتبيّن نفاقه، أي: جعل فتنة الناس، يعني ما يدخل عليه من البلية في القتال، إذا كان بلية، كعذاب الله في الآخرة، [فترك القتال في سبيل الله واجترأ على عذاب الله] لأن الله قد خوّفه عذاب الآخرة، وهو لا يُقِرّ بِهِ.
[وقال مجاهد: هم أناس آمنوا بألسنتهم فإذا أصابهم بلاء من الناس أو مصيبة في أنفسهم أو في أموالهم افتتنوا فجعلوا ما أصابهم في الدنيا كعذاب الله في الآخرة].
قوله: {وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ} أي: نصر على المشركين، فجاءت غنيمة {لَيَقُولُنَّ} يعني جماعتهم {إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} أي: يطلبون الغنيمة. قال الله: {أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العَالَمِينَ} أي: إنه يعلم ما في صدور العالمين، ويعلم ما في صدور المنافقين من التضييع للفرائض وترك الوفاء بما أقرّوا له به.
{وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} وهي مثل قوله: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكّاذِبِينَ}. وقد فسّرنا ذلك في الآية الأولى. وهذا كله علم الفعال. وما بعد هذه العشر الآيات مكية كلها، وهذه العشر مدنية، نزلت بعد ما بعدها من هذه السورة، وهي قبل ما بعدها في التأليف.
قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا} الذي نحن عليه {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} أي: فيما اتبعتمونا فيه، أي: ما كان فيه من إثم فهو علينا، وهذا منهم إنكار للبعث والحساب. قال الله: {وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم} أي: (3/298)
صفحة 1367
من خطايا المؤمنين {مِّن شَيْءٍ} لو اتبعوهم {إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي: لا يحملون خطاياهم.
قال: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ} يعني آثامهم، أي آثام أنفسهم {وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} أي: يحملون مثل ذنوب من اتبعهم على الضلالة، ولا ينقص ذلك من ذنوب من اتبعوهم شيئاً.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه كان له مثل أجر من اتبعه ولا ينقص من أجورهم شيئاً. وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع عليها كان عليه وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئاً».
ذكروا عن ابن مسعود في قوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [الانفطار: 5] مثل حديث الحسن عن النبي عليه السلام.
قال: {وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [أي: يكذبون ويخترعون].
قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} يقول: ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم، أي: من يوم بعث إلى يوم مات ألف سنة إلا خمسين عاماً. وبلغنا عن كعب أنه قال: لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم، وبقي بعدهم بعد الطوفان ستمائة سنة. قوله: {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ} أي: الماء، فأغرقهم الله {وَهُمْ ظَالِمُونَ}. أي: وهم مشركون ظالمون لأنفسهم؛ وظلموا أنفسهم، أي: ضروا أنفسهم.
قوله: {فَأَنجَيْنَاهُ} يعني نوحاً {وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ} يعني من كان معه في السفينة {وَجَعَلْنَاهَا} يعني السفينة {ءَايَةً} أي: عبرة {لِّلْعَالَمِينَ}. (3/299)
صفحة 1368
قال بعضهم: أبقاها الله بباقردى من أرض الجزيرة حتى أدركها أوائل هذه الأمة؛ وكم من سفينة كانت بعدها فصارت رماداً. قال بعضهم: بلغنا أنهم كانوا يجدون من مساميرها بعدما بعث النبي عليه السلام.
قوله: {وَإِبْرَاهِيمَ} أي: وأرسلنا إبراهيم إلى قومه، وهذا تبع للكلام الأول في نوح: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ} قال: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ} أي: وحدوه {وَاتَّقُوهُ} أي: واخشوه {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}.
{إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ} أي: وتصنعون {إِفْكاً} أي: كذباً. قال: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ} أي: فابتغوا عند الله الرزق بأن تعبدوه وتشكروه يرزقكم. قال: {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة.
قوله: {وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} أي: فأهلكهم الله، يحذّرهم أن ينزل بهم ما نزل بهم إن لم يؤمنوا.
قال: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ المُبِينُ} أي: ليس عليه أن يكره الناس على الإِيمان. كقوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ} يقوله على الاستفهام، {حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] أي: إنك لا تستطيع أن تكرههم، فإنما يؤمن من أراد الله أن يؤمن. وكقوله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} [القصص: 56].
قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ} أي: بلى، قد رأوا أن الله خلق الخلق، قال: {ثُمَّ يُعِيدُهُ} يعني يوم البعث، يخبر أنه يبعث العباد، والمشركون لا يقرّون بالبعث. قال: {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ} أي: خلقهم وبعثهم. (3/300)
صفحة 1369
ثم قال للنبي عليه السلام: {قُلْ} لهم: {سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} أي: حيثما ساروا رأوا خلق الله الذي خلق. قوله: {ثُمَّ اللهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ} أي: الخلق الآخر، يعني البعث، أي: إن الله خلقهم وإنه يبعثهم. {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.
قوله: {يُعَذَّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ} أي: يعذب الكافر بالنار، ويرحم المؤمن فيدخله الجنة. قال: {وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ} أي: ترجعون يوم القيامة.
قوله: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ} فتسبقونا حتى لا نقدر عليكم فنعذبّكم. يقول ذلك للمشركين. قال: {وَمَا لَكُم مِّن دَونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ} أي: من قريب يمنعكم من عذابه {وَلاَ نَصِيرٍ}.
قوله: {وَالَّذينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي} [أي: من جنتي] {وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع، يعني عذاب الجحيم.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خمس من لقى الله بهن مستيقناً عاملاً دخل الجنة: من شهد ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأيقن بالموت والبعث والحساب، وعمل بما أيقن من ذلك».
{فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} أي: قوم إبراهيم {إِلاَّ أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} يقوله بعضهم لبعض {فَأَنجَاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ}. وقد فسّرنا ذلك في سورة (3/301)
صفحة 1370
الأنبياء قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
{وَقَالَ} إبراهيم {إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: يوادّ بعضكم بعضاً، أي: يحبّ بعضكم بعضاً على عبادة الأوثان في الحياة الدنيا. {ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ} أي: بولاية بعضكم بعضاً وقال بعضهم: يتبرّأ بعضكم من بعض {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ}.
قال: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} أي: فصدّقه لوط {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} يقوله إبراهيم {إِنَّهُ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} هاجر من أرض العراق إلى أرض الشام.
قال: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ} فكان أول كتاب أنزل بعد كتاب موسى وما بعده من الكتب. قال: {وَءَاتَيْنَاهُ} أي: أعطيناه {أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا} فليس من أهل دين إلا وهم يتولّونه ويحبونه. وهو مثل قوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأَخِرِينَ} [الصافات: 108]. قال: {وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} أي: لمن أهل الجنة.
قوله: {وَلُوطاً} أي: وأرسلنا لوطاً {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ} أي: المعصية، وهي إتيان الرجال في أدبارهم. {مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ} أي: من عالم أهل زمانهم.
{أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ} في أدبارهم، وهذا على الاستفهام، أي: إنكم تفعلون ذلك. قال: {وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ} أي: على الغرباء، فتأتونهم في أدبارهم، وكانوا لا يفعلون ذلك إلا بالغرباء. وكانوا يتعرّضون الطريق ويأخذون (3/302)
صفحة 1371
الغرباء ولا يفعله بعضهم ببعض. قال: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنكَرَ} أي: الفاحشة، يعني فعلهم ذلك.
قال: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} وذلك لما كان يعدهم به من العذاب.
(3/ 105)
قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33)
{قَالَ} أي: قال لوط: {رَبِّ انصُرْنِي عَلَى القَوْمِ المُفْسِدِينَ} أي: المشركين، وهو أعظم الفساد، والمعاصي كلها من الفساد، وأعظمها الشرك، وكانوا على الشرك جاحدين لنبيّهم.
قال: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا} يعني الملائكة {إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى} أي: بإسحاق وذلك أن الملائكة لما بعثت إلى قوم لوط بعذابهم مرّوا بإبراهيم فسألوه الضيافة، فلما أخبروه أنهم أرسلوا بعذاب قوم لوط بعدما بشّروه بإسحاق {قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ القَرْيَةِ} يعنون قرية قوم لوط {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} أي: مشركين.
{قَالَ} لهم إبراهيم {إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ}.
قال: {وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً} يعني الملائكة {سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} يعني سيء بقومه الظن، أي: بما كانوا يأتون الرجال في أدبارهم، تخوفهم على أضيافه، وهو يظن أنهم آدميون. قال: {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} أي: ضاق بأضيافه الذرع، لما تخوّف عليهم [من عمل قومه]. {وَقَالُوا} أي: الملائكة قالت للوط: (3/303)
صفحة 1372
{لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ}.
(3/ 106)
إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)
قوله: {إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ} يعني قرية قوم لوط {رِجْزاً} أي: عذاباً {مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} أي: يشركون.
قال: {وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا ءَايَةً بَيِّنَةً} أي: عبرة بينة {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. وهم المؤمنون؛ عقلوا عن الله ما أ نزل إليهم، فأخبرهم أنه جعل عاليها سافلها أي: خسف بهم، وأمطر عليهم الحجارة.
وذكر جماعة من العلماء أن مدائن قوم لوط خمسة: عمورة وصغيرة، ودادونا، وصابورا، وسدوم، خسف بها كلها.
قوله: {وَإِلَى مَدْيَنَ} أي: وأرسلنا إلى مدين {أَخَاهُمْ شُعَيْباً} أي: أخاهم في النسب وليس بأخيهم في الدين {فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ} أي: صدّقوا باليوم الآخر {وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي: ولا تسيروا في الأرض مفسدين، في تفسير بعضهم. وتفسير الحسن: ولا تكفروا في الأرض مفسدين.
{فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} والرجفة ها هنا عند الحسن مثل الصيحة؛ وهما عنده العذاب. قال الله: {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أي: موتى قد هلكوا.
{وَعَاداً وَثَمُودَا وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} يعني ما رأوا من آثارهم. قال: (3/304)
صفحة 1373
{وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} أي: عن سبيل الهدى {وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} أي: في الضلالة.
(3/ 107)
وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42)
قال: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} أي: وأهلكنا قارون وفرعون وهامان {وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَى بِالبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ} أي: ما كانوا يسبقوننا حتى لا نقدر عليهم فنعذبهم.
قال الله: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} يعني من أهلك من الأمم الذين قصّ في هذه السورة إلى هذا الموضع.
قال الله: {فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} يعني قوم لوط، يعني الحجارة التي رمَى بها من كان خارجاً من المدينة وأهل السفر منهم وخسف بمدينتهم قال: {وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ} يعني ثمود {وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ} يعني مدينة قوم لوط وقارون {وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا} يعني قوم نوح وفرعون وقومه. قال الله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي: يضرون. وقال الحسن: ينقضون بشركهم وجحودِهم رسلَهم.
قوله: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ} يعني أوثانهم التي عبدوها. {كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ} أي: أضعف البيوت {لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ} أي: إن أوثانهم لا تغني عنهم شيئاً كما لا يكن بيت العنكبوت من حرّ ولا برد {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أي: لعلموا أن أوثانهم لا تغني عنهم شيئاً كبيت العنكبوت.
ثم ق: {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} يقوله للمشركين يعني ما تعبدون من دونه {وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} أي: العزيز في نقمته الحكيم في أمره. (3/305)
صفحة 1374
(3/ 108)
وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)
قوله: {وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ} أي: المؤمنون.
قوله: {خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي: للبعث والحساب، كقوله: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} أي: خلقناهما للبعث والحساب. قال: {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [سورة ص: 27] أي: أن لن يبعثوا ولا يحاسبوا.
قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي: في خلق السموات والأرض، يعلمون أن الذي خلق السموات والأرض يبعث الخلق يوم القيامة.
قوله: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ}. قال الكلبي: إن العبد ما دام في صلاته لا يأتي فحشاء ولا منكراً. {وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ} قال الحسن في تفسير قول الله: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] قال: فإذا ذكرَ العبدُ اللهَ ذكره الله، فذكرُ اللهِ العبدَ أكبرُ من ذكرِ العبدِ إياه.
ذكروا عن محارب بن دثار قال: قال لي ابن عمر: كيف كان تفسير ابن عباس في هذه الآية: {وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ}، فقلت: كان يقول: إن ذكرَ اللهِ العبدُ عند المعصية فيَكُفُّ أكبر من ذكره إياه باللسان. فقال ابن عمر: إن العبدَ إذا ذكر الله ذكره الله، فذكرُ اللهِ العبدَ أكبرُ من ذكر العبد إياه.
قال الحسن: الذكر ذكران، أحدهما أفضل من الآخر: ذكر الله باللسان حسن، (3/306)
صفحة 1375
وأفضل منه ذكرك الله عند ما نهاك الله عنه. والصبر صبران: أحدهما أفضل من الآخر؛ الصبر عند المعصية حسن، وأفضل منه الصبر عما نهاك الله.
قال: {وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}.
(3/ 109)
وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47)
قوله: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} قال بعضهم: أي: بكتاب الله. وقال: نهى الله عن مجادلتهم في هذه السورة ولم يكن يومئذ أمر بقتالهم، ونسخ ذلك فأمر بقتالهم، ولا مجادلة هي أشد من السيف، فقال في سورة براءة: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]. أمر بقتالهم حتى يُسلِموا أو يُقِرّوا بالجزية.
قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}. قال بعضهم: من قاتلك ولم يعطك الجزية فقاتله إذاً، يعني إذ أمر بجهادهم، وإنما أمر بجهادهم بالمدينة، وهذه الآية مكية، وقال مجاهد: من أقام على شركه منهم ولم يؤمن.
قال: {وَقُولُوا ءَامَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} وتفسير مجاهد: يقوله لمن آمن من أهل الكتاب.
قوله: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ فَالَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} يعني من آمن منهم {وَمِنْ هَؤُلاَءِ} يعني مشركي العرب {مَن يُّؤمِنُ بِهِ} يعني القرآن {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ}. (3/307)
صفحة 1376
(3/ 110)
وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52)
قوله: {وَمَا كُنتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ} أي: من قبل القرآن {مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ} أي: لو كنت تقرأ وتكتب. والمبطلون في تفسير مجاهد مشركو قريش. وقال بعضهم: من لم يؤمن من أهل الكتاب.
{بَلْ هُوَ} يعني القرآن {ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ} يعني النبي والمؤمنين.
قال بعضهم: أعطيت هذه الأمة الحفظ، وكان من قبلهم لا يقرأون كتابهم إلا نظراً، فإذا أطبقوه لم يحفظوا ما فيه إلا النبيّون.
وقال بعضهم: بلغنا أن كعباً قال في صفة هذه الأمة: حلماء علماء كأنهم من الفقه أنبياء.
قال: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ} أي: المشركون.
{وَقَالُوا لَوْلاَ} أي: هلاّ {أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الأَيَاتُ عِندَ اللهِ} كانوا يسألون النبي أن يأتيهم بالآيات كقولهم: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأوَّلُونَ} [الأنبياء: 5]، وما أشبه ذلك. قال الله: {قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللهِ} إذا شاء أنزلها {وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي: ليس عليّ أكثر من أن أنذركم كما أمرت.
قال الله: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ} أي: من الآيات {أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} أي: تتلوه، أي: تقرأه عليهم، وأنت لا تقرأ ولا تكتب، فكفاهم ذلك لو عقلوا. قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
ثم قال: {قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً} أَنِّي رسوله، وأن هذا الكتاب من عنده، وأنكم على الكفر. (3/308)
صفحة 1377
قال: {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْبَاطِلِ} [أي: بإبليس] {وَكَفَرُوا بِاللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أي: في الآخرة، أي: خسروا أنفسهم أن يغنموها فصاروا في النار.
(3/ 111)
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55)
قوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمّىً لَّجَاءَهُمُ الْعَذَابُ}. كان النبي عليه السلام يخوّفهم العذاب إن لم يؤمنوا، فكانوا يستعجلون به استهزاءً وتكذيباً. قال الله: {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمّىً} أي: النفخة الأولى {لَّجَاءَهُمُ الْعَذَابُ} أي: إن الله أخَّر عذاب كفار آخر هذه الأمة بالاستئصال، الدائنين بدين أبي جهل بن هشام وأصحابه، إلى النفخة الأولى، بها يكون هلاكهم.
قال الله: {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}.
ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعان، فما يطويانه حتى تقوم الساعة، وتقوم الساعة والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، وتقوم الساعة والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم الساعة».
قوله: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} كقوله: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29]، قال الله: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} وهذا عذاب جهنم. كقوله: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف: 41] أي: يغشاهم. وكقوله: {لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [الزمر: 16] قال: {وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: ثواب ما كنتم تعملون في الدنيا. (3/309)
صفحة 1378
قوله: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} [قال بعضهم: إن أرضي واسعة قال: إذا عُمِل فيها بالمعاصي فاخرجوا منها. وقال مجاهد: فهاجروا وجاهدوا].
وقال بعضهم: أمرهم بالهجرة وأن يجاهدوا في سبيل الله، يهاجروا إلى المدينة ثم يجاهدوا إذا أمروا بالجهاد.
قوله: {فَإِيَّاىَ فَاعْبُدُونِ} أي: في تلك الأرض التي أمرتكم أن تهاجروا إليها، يعني المدينة، نزلت هذه الآية بمكة قبل الهجرة.
قوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} كقوله: {ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} [المؤمنون: 15] قال الله: {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة.
قوله: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم} أي: لنسكننهم {مَّنَ الجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} لا يموتون ولا يخرجون منها {نِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ} أي: نعم ثواب العاملين في الدنيا، يعني الجنة.
قال: {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}.
قوله: {وَكَأَيِّن} أي: وكم {مِّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} أي: تأكل بأفواهها ولا تحمل شيئاً لغد. قال مجاهد: يعني البهائم والطير والوحوش والسباع {اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي: لا اسمع منه ولا أعلم.
قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم} يعني المشركين {مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} يجريان {لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} أي: فكيف تُصرَفون عقولكم بعد إقراركم بأن الله واحد، وأنه خالق هذه الأشياء.
قوله: {اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي: يوسع الرزق لمن يشاء من (3/310)
صفحة 1379
عباده {وَيَقْدِرُ لَهُ} أي: ويقتر عليه نظراً له، يعني المؤمنين {إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. كقوله: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: ولولا أن يجتمعوا على الكفر {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ. . .} إلى آخر الآية [الزخرف: 33].
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح ذبابة أو بعوضة ما أعطى الكافر منها شيئاً.» ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن، وهي جنة الكافر».
قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم} يعني المشركين {مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} يعني المطر {فََأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا} أي: فأخرج به النبات بعد أن كانت تلك الأرض ميتة، أي: يابسة ليس فيها نبات {لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي: فيؤمنون. أي: إنهم قد أقروا أن الله خالق هذه الأشياء، ثم عبدوا الأوثان من دونه. قوله: {وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} أي: أهل الدنيا أهل لهو ولعب، يعني المشركين والمنافقين هم أهل الدنيا الذين لا يريدون غيرها، أي: لا يقرّون بالآخرة. {وَإِنَّ الدَّارَ الأَخِرَةَ} أي الجنة {لَهِيَ الحَيَوَانُ} أي: يبقى أهلها (3/311)
صفحة 1380
لا يموتون. قال الله: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أي: المشركون، لعلموا أن الآخرة خير من الدنيا.
(3/ 114)
فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)
قوله: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أي: إذا خافوا الغرق {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا ءَاتَيْنَاهُمْ}. وقال في آية أخرى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً} [إبراهيم: 28] قال: {وَلِيَتَمَتَّعُوا} أي: في الدنيا {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} أي: إذا صاروا إلى النار. وهذا وعيد.
قوله: {أَوَلَمْ يَرَوا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامِناً} أي: بلى قد رأوا ذلك {وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}، يعني أهل الحرم، إنهم آمنون، والعرب حولهم يَقتُل بعضهم بعضاً ويَسْبِي بعضهم بعضاً. قال الله: {أفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ} أفبإبليس يؤمنون، أي: يصدّقون، أي: يعبدونه بما وسوس إليهم من عبادة الأوثان، وهي عبادته. قال في آية أخرى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس: 60 - 61] قال: {وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ} وهذا على الاستفهام، أي: قد فعلوا. قوله: {وَبِنِعْمَةِ اللهَ يَكْفُرُونَ} يعني ما جاء به النبي عليه السلام من الهدى.
قال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} فعبد الأوثان دونه {أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ} أي: بالقرآن {لَمَّا جَاءَهُ} أي: لا أحد أظلم منه، ثم قال: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِّلْكَافِرِينَ} وهو على الاستفهام، أي: بلى فيها مثوى للكافرين.
قوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا} [يعني عملوا لنا] {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} أي: سبيل الهدى، أي: الطريق إلى الجنة. نزلت قبل أن يؤمر بالجهاد، ثم أُمِر بالجهاد بعدُ بالمدينة. قال الله: {وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} أي: المؤمنين. (3/312)
صفحة 1381
(3/ 115)
الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6)
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الم} قد فسَّرناه في أول سورة البقرة.
قوله: {غُلِبَتِ الرُّومُ} أي: قد غلبتهم فارسُ {فِي أَدْنَى الأَرْضِ} أي: في أدنى الروم، بأذرعات من الشام، بها كانت الوقعة. فلما بلغ ذلك أهلَ مكة شَمِتوا أن غلب إخوانُهم أهلَ الكتاب. وكان المسلمون يعجبهم أن يظهر الروم على فارس، لأن الروم أهلُ كتاب. وكان مشركو العرب يعجبهم أن يظهر المجوس على أهل الكتاب.
قال الله: {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} يعني الروم، من بعد ما غلبتهم فارسُ سيغلبون فارسَ. {فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ} أن يهزم الروم {وَمِن بَعْدُ} ما هزمت. {وَيَوْمَئِذٍ} أي: يغلب الرومُ فارسَ {يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ}.
قال أبو بكر للمشركين: لِمَ تَشْمَتون، فوالله ليظهرن الروم على فارس إلى ثلاث سنين فقال أبي بن خلف: أنا أبايعك ألا تظهر الروم على فارس إلى ثلاث سنين. فتبايعا على خَطَر سبع من الإِبل. ثم رجع أبو بكر إلى النبي عليه السلام فأخبره. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهب فبايعهم إلى سبع سنين، مُدَّ في الأجل وزِدْ في الخَطَر». (3/313)
صفحة 1382
ولم يكن حرم ذلك يومئذ؛ وإنما حرم القمار، وهو الميسر، والخمر بعد غزوة الأحزاب. فرجع أبو بكر إليهم فقال: اجعلوا الوقت إلى سبع سنين وأزيدكم في الخَطَر. ففعلوا، فزاد في الخطر ثلاثاً فصارت عشراً من الإِبل، وفي السنين أربعاً، فكانت السنون سبعاً، ووقع الخطر على يدي أبي بكر.
فلما مضت ثلاث سنين قال المشركون: قد مضى الوقت، وقال المسلمون: هذا قولُ ربّنا، وتبليغُ نبيّنا، والبِضْع ما بين الثلاث إلى التسع ما لم يبلغ العشر، والموعود كائن.
فلما كان تمام سبع سنين ظهرت الروم على فارس، وكان الله وعد المؤمنين إذا غلبت الروم فارس أظهرهم الله على المشركين، فظهرت الروم على فارس والمؤمنون على المشركين في يوم واحد، وهو يوم بدر، وفرح المسلمون بذلك وصدق الله قولهم وقول رسوله، وهو قوله: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ}. قال: {وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات كسرى فلا كسرى بعده وإذا مات قيصر فلا قيصر بعده. يعني ملك الروم بالشام».
ذكروا عن عقبة بن نافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تقاتلون جزيرة العرب فيفتح الله عليكم وتقاتلون الدجال فيفتح الله عليكم» فكان عقبة بن نافع يحلف بالله لا يخرج الدجال حتى تفتح الروم. (3/314)
صفحة 1383
(3/ 116)
يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)
قال: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: حين نتاجهم وحين زروعهم وحصادهم وتجارتهم. بعض هذا تفسير الحسن وبعضه تفسير الكلبي.
ذكروا عن موسى بن علي عن أبيه قال: كنت عند عمرو بن العاص بالإِسكندرية إذ قال رجل من القوم: زعم جسطال هذه المدينة أن القمر يخسف به الليلةَ، فقال رجل: كذب هذا، يعلمون ما في الأرض فكيف يعلمون ما في السماء؟ فقال عمرو: بلى {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34] وما سوى ذلك يعلمه قوم ويجهله آخرون.
ذكروا عن الحسن أنه قال: أضلّ رجل من المسلمين ناقته فذهب في طلبها. فلقى به رجلاً من المشركين فأنشدها إياه فقال: ألست مع هذا الذي يزعم أنه نبي، أفلا تأتيه فيخبرْك بمكان راحلتك. فمضى الرجل قليلاً فردّ الله عليه راحلته. فجاء إلى النبي عليه السلام فأخبره فقال: فما قلت له؟ فقال الرجل: وما عسيت أن أقول لرجل من المشركين مكذّب بالله. قال: أفلا قلت له: إن الغيب لا يعلمه إلا الله، وأن الشمس لا تطلع إلا بزيادة أو نقصان. (3/315)
صفحة 1384
قوله: {وَهُمْ عَنِ الأَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} يعني المشركين. أي: لا يقرون بها؛ إنما هم عنها في غفلة، كقوله: {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ} أي: غطاء الكفر {فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ} [سورة ق: 22]. أبصر حين لم ينفعه البصر.
(3/ 117)
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11)
قوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسهِم مَّا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} أي: للبعث والحساب. أي: لو تفكّروا في خلق السماوات والأرض لعلموا أن الذي خلقهما يبعث الخلق يوم القيامة. قال: {وَأَجَلٍ مُّسَمّىً} يعني يوم القيامة. أي: خلق الله السماوات والأرض للقيامة، ليجزي الناس بأعمالهم. والقيامة اسم جامع يجمع النفختين جميعاً: الأولى والآخرة. قال: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ} يعني المشركين، وهم أكثر الناس {بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ}.
قوله: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [يعني بطشاً]، {وَأَثَارُوا الأَرْضَ} أي: حرثوها {وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} أي: أكثر مما عمرها هؤلاء {وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ} [يعني كفار الأمم الخالية الذين كذَّبوا في الدنيا. يقول: لم يظلمهم فيعذبهم على غير ذنب] {وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي: يضرّون بكفرهم وتكذيبهم. وقال بعضهم: ينقضون. أي: قد ساروا في الأرض ورأوا آثار الذين من قَبلهم؛ يخوّفهم أن ينزل بهم ما نزل بهم إن لم يؤمنوا.
قال: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ} أي: جزاء {الَّذِينَ أَسَاؤُوا} أي: أشركوا {السُّوأى} أي: جهنم {أَن كَذَّبُوا} أي: بأن كذبوا {بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ}. قال الحسن: يعني بالسوأى: العذاب، أي: في الدنيا والآخرة.
قوله: {اللهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} يعني البعث {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة. (3/316)
صفحة 1385
(3/ 118)
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (13) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (16) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18)
قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ} أي: ييأس المشركون، أي: من الجنة. قوله: {وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ} أي: الذين عبدوا من دون الله {شُفَعَاءُ} حتى لا يعذبوا. {وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ} يعني ما عبدوا، بعبادتهم إياهم {كَافِرِينَ}.
قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} أي: فريق في الجنة وفريق في السعير.
قال: {فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} كقوله: {فِي رَوْضَاتِ الجَنَّاتِ} [الشورى: 22]، والروضة الخضرة، أي: يكرمون، في تفسير الحسن، وفي تفسير الكلبي: {يُحْبَرُونَ} أي: يفرحون.
قال: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الأَخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي العَذَابِ مُحْضَرُونَ} أي: مُدخلون.
قوله: {فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ}.
ذكروا أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس: هل تجد الصَلواتِ الخمسَ مُسَمَّيَاتٍ في كتاب الله؟ قال: نعم {فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ} فهذه صلاة المغرب {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} هذه صلاة الصبح {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً} هذه صلاة العصر، {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} هذه صلاة الظهر. وقال في آية أخرى: {وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ العِشَاءِ} [النور: 58] فهذه خمس صلوات. (3/317)
صفحة 1386
وتفسير الحسن أن الصلوات الخمس كلَّها في هذه الآية؛ يقول: {فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ} المغرب والعشاء.
وقال بعضهم: كل صلاة ذكرت في المكِّيّ من القرآن قبل الهجرة بسنة فهي ركعتان غدوة وركعتان عشية، وذلك قبل أن تفرض الصلوات الخمس؛ وإنما افترضت الصلوات الخمس قبل أن يهاجر النبي عليه السلام بسنة ليلة أسرِيَ به. وما كان من ذكر صلاة بعد ليلةِ أسريَ به فهي الصلوات الخمس. وهذه الآية نزلت بعدما أسري بالنبي عليه السلام، وفرضت عليه الصلوات الخمس.
(3/ 119)
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)
قوله: {يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ} وهي النطفة، يخرج من النطفة الميتة الخلقَ الحيّ، ويخرج من الخلق الحي النطفةَ الميتةَ، ويخرج من الحبة اليابسة النبات الحيَّ، ويخرج من النبات الحيّ الحبة اليابسة. وكذلك تفسير مجاهد.
وتفسير الحسن: يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن.
قال: {وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي: يحييها بالنبات بعد إذ كانت ميتة، أي: يابسة لا نبات فيها. قال: {وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} يعني البعث. يرسل الله مطراً منيّاً كمني الرجلا فتنبت به لحمانهم وجسمانهم كما ينبت الأرض الثرى.
قوله: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ} تفسير السدّي: ومن علامات الربّ أنه واحد {أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ} يعني الخلق الأول، خلق آدم {ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} أي: في الأرض. وقال السدّي: {تَنتَشِرُونَ} أي: تنبسطون.
قوله: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} يعني أزواجكم، أي: (3/318)
صفحة 1387
المرأة من الرجل {لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} أي: لتستأنسوا إليها {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً} يعني محبة {وَرَحْمَةً} يعني الولد {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي: فيؤمنون، وإنما يتفكَّر المؤمن.
(3/ 120)
وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24)
قال: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} قال بعضهم: {اخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ}: النغمة، {وَأَلْوَانِكُمْ} أي: لا ترى اثنين على صورة واحدة.
ذكر بعضهم عن الضحاك بن مزاحم قال: يشبه الرجل الرجل وليس بينهما قرابة إلا من قبل الأب الأكبر: آدم. وتفسير الكلبي: {اخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ} أي: للعرب كلام، ولفارس كلام، وللروم كلام، ولسائرهم من الناس كذلك. قال: {وَأَلْوَانِكُمْ} أي: أبيض وأحمر وأسود. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ}.
[قوله: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ مَنَامُكُم بِالّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَآؤُكُم مِّن فَضْلِهِ} أي: من رزقه. كقوله: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} أي: في الليل، {وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} [القصص: 73] أي: من في النهار. قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} وهم المؤمنون، سمعوا من الله ما أنزل عليهم]. (3/319)
صفحة 1388
قال: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} أي: خوفاً للمسافر [يخاف أذاه ومعرّته]، وطمعاً للمقيم، أي: يطمع في رزق الله. وبعضهم يقول: خوفاً من البَرَد أن يهلك الزرع، وطمعاً في المطر. قال: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي: يحييها بالنبات بعد إذ كانت يابسة ليس فيها نبات. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وهم المؤمنون، عقلوا عن الله ما أنزل إليهم.
قال: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ}. [يعني بغير عمد تفسير [فاطر: 2] قال: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} يعني النفخة الآخرة. وفيها تقديم: إذا دعاكم دعوة إذا أنتم من الأرض تخرجون. كقوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ} أي: من القبور {إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} [يس: 51] أي: يخرجون، وهو نفخ صاحب الصور. وهو كقوله: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ} [النازعات: 13 - 14] أي: فإذا هم على الأرض. وهو قوله: {يَوْمَ يُنَادِ المُنَادِ} [سورة ق: 41].
قوله: {وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} تفسير الحسن: كل له قائم بالشهادة، أي: إنه عبد له. وتفسير الكلبي: كل له مطيعون، أي: في الآخرة، ولا يقبل ذلك من الكفار.
قوله: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي: بعد الموت، أي: يبعثهم بعد الموت، {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} أي: أيسر عليه. أي: إنه بدأ الخلق خلقاً بعد خلق، ثم يبعثهم مرة واحدة.
قوله: {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى} أي: لا إله إلا الله {فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (3/320)
صفحة 1389
أي: ليس له نِدّ ولا شبيه. قال: {وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} العزيز في نقمته، الحكيم في أمره. ينزِّه نفسه عما قال المشركون أن جعلوا له الأنداد فعبدوهم دونه.
(3/ 122)
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)
قوله: {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ} ثم ذكر ذلك المثل فقال: {هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي: هل يشارك أحدكم مملوكه في زوجته وماله؟ {فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ} أي: تخافون لائمتهم {كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} أي: كخيفة بعضكم بعضاً، أي: إنه ليس أحد منكم هكذا، فأنا أحق ألا يُشرَك بعبادتي غيري، فكيف تعبدون غيري دوني، تشركونه في ألوهيتي وربوبيتي؟ وهو مثل قوله: {وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} [النحل: 71] قال: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ} يعني نبيّن الآيات {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وهم المؤمنون.
قال: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ} أتاهم من الله بعبادة الأوثان {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ} أي: لا أحد يهديه {وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ}.
قال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} أي: مخلصاً، في تفسير الحسن. وقال الكلبي: مسلماً {فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} أي: خلق الله الذي خلق الناس عليه، وهو قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172].
قال بعضهم: إن أوَّل ما خلق الله القلم فقال: اكتب. فقال: ربّ، وما أكتب؟ قال: ما هو كائن. فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة؛ قال: فأعمال العباد تعرض كل يوم اثنين وخميس فيجدونه على ما في الكتاب الأول. ثم أخرج الله من (3/321)
صفحة 1390
ظهر آدم كل نسمة هو خالقها، فأخرجهم مثل الذر، فقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا بَلَى} ثم أعادهم في صلب آدم، ثم يكتب بعد ذلك العبد في بطن أمه شقياً أو سعيداً على الكتاب الأول. فمن كان في الكتاب الأول شقياً عُمِّر حتى يجري عليه القلم فينقض الميثاق الذي أُخذ عليه في صلب آدم فيكون شقياً. ومن كان في الكتاب الأول سعيداً عُمِّر حتى يجري عليه القلم فيؤمن فيصير سعيداً. ومن مات صغيراً من أولاد المؤمنين قبل أن يجري عليه القلم فهو مع آبائه في الجنة من ملوك أهل الجنة، لأن الله يقول: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21].
ذكروا عن الحسن قال: توفي ابن رجل من الأنصار فقعد في بيته. فافتقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنه، فقال سعد: يا رسول الله، توفي ابنه فقعد في بيته. ثم لقي الرجلَ سعدٌ فقال: إن رسول الله، قد ذكرك اليومَ. فأتى الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، تُوفّي ابني فقعدت في بيتي. فقال رسول الله: «أما ترضى أن تكفى مؤونته في الدنيا وألا تأتي على باب من أبواب الجنة إلا وجدته بإزائه ينتظرك؟».
(3/ 123)
قال بعضهم: ومن كان من أولاد المشركين ثم مات قبل أن يجري عليه القلم فليس يكونون مع آبائهم في النار، لأنهم ماتوا على الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم ولم ينقضوا الميثاق، قال: وهم خدم أهل الجنة.
ذكروا عن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال: «لم تكن لهم حسنات [فيجزوا بها] فيكونوا من ملوك أهل الجنة، ولم تكن لهم سيئات فيكونوا من أهل النار؛ فهم خدم أهل الجنة». (3/322)
صفحة 1391
ذكروا عن سلمان الفارسي أنه قال: أطفال المشركين خدم لأهل الجنة. وذكر ذلك قوم للحسن فقال: وما تنكرون؟ قوم أكرمهم الله، وأكرَمَ بهم، يعني أهلَ الجنة.
ذكروا عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين فقال «لم: تكن لهم حسنات فيكونوا من ملوك أهل الجنة، ولم تكن لهم سيئات فيكونوا من أهل النار».
ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه. فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه. قيل: يا رسول الله، فالذي يموت صغيراً؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين».
ذكروا عن الحسن قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من في الجنة؟ فقال: «النبيّون في الجنة، والمولود في الجنة، والشهيد في الجنة، والموءودة في الجنة».
ذكروا عن الحسن قال: أربعة يرجون العذر يوم القيامة: من مات قبل الإِسلام، ومن أدركه الإِسلام وهو هرم قد ذهب عقله، ومن ولدته أمه لا يسمع الصوت، والذي يتخبّطه الشيطان من المس. فكل هؤلاء يرجون العذر يوم القيامة. قال: فيرسل الله إليهم رسولاً، فيوقد لهم ناراً، فيأمرهم أن يقعوا فيها، فمن بين واقع ومن بين هارب. قال بعضهم: وبلغنا أن من واقعها نجا، ومن لم يواقعها دخل النار. (3/323)
صفحة 1392
وقال بعضهم: نرى أن الذين ينجون من ولدته أمه لا يسمع الصوت، والذي يتخبّطه الشيطان من المسّ لهما عذر، والاثنان الآخران ليس لهما عذر: الذي مات قبل الإِسلام، ومن أدرك الإِسلام وقد ذهب عقله لأنهما قد لقيا الحجّة من الأنبياء؛ من عيسى أو من غيره من قبله. قال الله: {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا ءَابَاءَهُمْ ضَآلِّينَ فَهُمْ عَلَى ءَاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} [الصافات: 69 - 70]. وقول الحسن في هذا متروك لا يؤخذ به ولا يذهب إليه المسلمون.
قوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ} أي: لدين الله، كقوله: {إِنَّ عِبَادِي} أي: المؤمنين {لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الإِسراء: 65]، وكقوله: {مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ} [الكهف: 17] أي: لا يستطيع أحد أن يضلَّه. وكقوله: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا} [النحل: 99].
قال: {ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم المشركون.
(3/ 124)
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34)
قال: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} أي: مقبلين إليه بالإِخلاص، أي: مخلصين له. وهذا تبع للكلام الأول: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} قال: {وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} أي: المفروضة {وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً} أي: فرقاً، يعني أهل الكتاب {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ} أي: بما عليهم {فَرِحُونَ} [أي: راضون].
قوله: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} أي: مخلصين في الدعاء {ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً} أي: كشف ذلك عنهم {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم} يعني المشركين {بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}.
قوله: {لِيَكْفُرُوا بِمَآ ءَاتَيْنَاهُمْ} أي: فكفروا بما آتيناهم من النعم حيث أشركوا (3/324)
صفحة 1393
الكتاب: تفسير كتاب الله العزيز
المؤلف: الشيخ هود بن محكم الهواري (القرن الثالث الهجري)
حققه وعلق عليه: بالحاج بن سعيد شريفي
الناشر: دار الغرب الإسلامي
مكان النشر: بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى
تاريخ النشر: 1990م
عدد الأجزاء: أربعة
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
[مقدمة المحقق لم ترقن]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) {فَتَمَتَّعُوا} أي: إلى موتكم {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وهذا وعيد هوله شديد. وهي تقرأ أيضاً على الياء: {فَيَتَمَتَّعُوا}، يخبر عنهم {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وعيداً لهم.
(3/ 125)
أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39)
قال الله عزَّ وجل: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً} أي: حجّة {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ} أي: فذلك السلطان يتكلّم، وهي الحجّة {بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ} وهذا استفهام، أي: لم ينزل عليهم حجّة بذلك، أي: لم يأمرهم أن يشركوا.
قوله: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً} أي: عافية وسعة {فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي: شدة وعقوبة {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} أي: ييأسون من أن يصيبهم رخاء بعد تلك الشدة: يعني المشركين.
قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ} أي: يوسّعه عليهم {وَيَقْدِرُ} أي: ويقتر عليه {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
قوله: {فَئَاتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} قال الحسن: بعض هذه الآية تطوّع، وبعضها مفروض؛ فأما قوله: {فَئَاتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ} فَهُوَ تَطَوُّعٌ، وهو ما أمر الله به من صلة القرابة، وأما قوله: {وَالمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} فيعني الزكاة.
قال بعضهم: حدثونا أن الزكاة فرضت بمكة، ولكن لم تكن شيئاً معلوماً.
وقال الكلبي في تفسير هذه الآية: أن يصل ذا القربى، ويطعم المسكين، ويحسن إلى ابن السبيل، وهو الضيف.
قال: {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ}.
قوله: {وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُوا عِندَ اللهِ} ذكروا عن الضحاك بن مزاحم قال: تلك الهديّة تهديها لِيُهدَى إليك خير منها، ليس لك فيها أجر، وليس عليك فيها وزر، وقد نهى عنها النبي عليه السلام، فقال: {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] (3/325)
صفحة 1394
ذكر عبد الرحمن الأعرج أنه سمع ابن عباس يقرأها: لتُربوا، وبعضهم يقرأها: ليربوَ، أي: ليربوَ ذلك الربا الذي يُربون، والربا: الزيادة، أي: تُهدون إلى الناس ليُهدوا لكم أكثر منه.
وذكروا أن النبي عليه السلام قال: «الهديّة رزق الله، فمن أهدى إليه شيء فليقبله، وليُعطَ خيراً منه».
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يردّن أحدكم على أخيه هديتَه وَلْيُهْدِ له كما أهدى له».
ذكروا عن أبي عبيدة أنه قال: ترك المكافأة من التطفيف؛ يعني مكافأة من أهدى.
قال بعضهم: هذا ملاطفة تجري بين الإِخوان والأخوات والجيران. وقد رأينا الناس يلاطفون فقهاءهم وعلماءهم ويهدون لهم، يرجون بذلك مودتهم وتعظيمهم وتشريفهم، ولا يطلبون بذلك منهم مكافأة، ويقبل منهم علماؤهم وفقهاؤهم، ويرون ذلك من مكارم الأخلاق، ومن سَنّي الفِعال، ويرون ردّ ذلك على إخوانهم الذين طلبوا ملاطفتهم، وإدخال الرفق عليهم كسراً لهم، وإزراء بهم، وعيباً عليهم. وإنما يكره قبول الهدايا للأمراء والوزراء، والقضاة والعمال، لأن قبول الهدايا لهؤلاء رشىً (3/326)
صفحة 1395
في الأحكام؛ فأما من سواهم ممن ليس بأمير ولا وزير، ولا قاض ولا عامل، فلا بأس بقبول الهدية لهم، بل هو حسن جميل، يثبت المودّة، ويذهب الضغائن والغلّ.
قوله: {وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ} أي: تريدون بها الله {فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ} أي: الذين تضاعف لهم الحسنات.
(3/ 126)
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)
قوله: {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} يعني البعث {هَلْ مِن شُرَكَائِكُم} يعني ما تعبدون من دون الله {مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ} أي: يخلق أو يرزق أو يحيي أو يميت {سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه {وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: ارتفع عما يقول المشركون.
قوله: {ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. والفساد: الهلاك، يعني من أهلك من الأمم السالفة بتكذيبهم رسلهم، كقوله: {وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً} [الفرقان: 39]، أي: أفسدنا إفساداً أي: أهلكنا إهلاكاً. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي: لعل من بعدهم يرجعون عن شركهم إلى الإِيمان ويتّعظون بهم. (3/327)
صفحة 1396
وقوله: {فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ} قال الحسن: أهلكهم الله بذنوبهم في بر الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة. كقوله: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} يعني قوم لوط الذين كانوا خارجين من المدينة وأهل السفر منهم {وَمِنْهُم مَّن أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ} يعني ثموداً {وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ} يعني قوم لوط، أصاب مدينتهم الخسف، وقارون، {وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا} [العنكبوت: 40] يعني قوم نوح وفرعون وقومه.
(3/ 127)
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45)
قوله: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ} كان عاقبتهم أن دمر الله عليهم ثم صيرهم إلى النار {كان أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ} أي: فأهلكناهم بشركهم.
قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ} أي: الإِسلام {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ} أي: يوم القيامة {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} أي: يتفرّقون، فريق في الجنة وفريق في السعير.
قوله: {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي: يُثاب عليه النار {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} أي: يوطئون في الدنيا القرارَ في الآخرة بالعمل الصالح.
ذكروا أن الله يقول للمؤمنين يوم القيامة: ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم.
قوله: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ} أي: بفضله (3/328)
صفحة 1397
يدخلهم الجنة. قال: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} أي: لا يثيب الكافرين بالجنة.
(3/ 128)
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49)
قوله: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} أي: بالمطر {وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ} يعني بالمطر {وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} أي: طلب التجارة في البحر. وهذا تبع للكلام الأول في هذه الآية: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} وما ذكر من المطر والسفن وطلب الفضل. قال: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: لتشكروا هذه النعم.
قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} يا محمد {رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم} أي: جاءتهم تلك الرسل {بِالْبَيِّنَاتِ} أي: بالبينات والنور والهدى فكذبوهم {فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} أي: من الذين أشركوا {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ} أي: إجابة دعاء الأنبياء على قومهم بالهلاك حين كذّبوهم، فأمروا بالدعاء عليهم، ثم استجيب لهم فأهلكهم الله.
قوله: {اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً} أي: قطعاً بعضه على بعض {فَتَرَى الوَدْقَ} أي: المطر {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} أي: من خلال السحاب، وقال بعضهم: {مِنْ خِلاَلِهِ} أي: من خلل السحاب. قال: {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أي: بالمطر.
قوله: {وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْهِم} المطر {مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} أي: لآيسين من المطر قانطين. كقوله: {وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا} [الشورى: 28].
وقوله: {وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} هو كلام من كلام العرب مثنى. مثل قوله: {وَهُم بِالأَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [النمل: 3] وكقوله: {وَهُمْ عَنِ الأَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7]. (3/329)
صفحة 1398
قال: {فَانظُرْ إلَى ءَاثَارِ رَحْمَتِ اللهِ} يعني المطر {كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} يعني النبات الذي أنبته الله بذلك المطر. قال: {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كَلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: فالذي أنبت هذا النبات بهذا المطر قادر على أن يبعث الخلق يوم القيامة.
قال: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً} فأهلكنا به ذلك الزرع {فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّوا} أي: لصاروا {مِن بَعْدِهِ} أي: من بعد ذلك المطر {يَكْفُرُونَ}.
قال: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى} يعني الكفار الذين يموتون على كفرهم، {وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ}. يقول: إن الصمّ لا يسمعون الدعاء إذا ولوا مدبرين. وهذا مثل الكفار، أي: إنهم إذا تولوا عن الهدى لم يسمعوه سمع قبول.
قال: {وَمَآ أَنتَ بِهَادِ العُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ} يعني الكفار العمي عن الهدى {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} وهذا سمع قبول. يقول: لن يقبل منك إلا من يؤمن بآياتنا {فَهُم مُّسْلِمُونَ}.
قوله: {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ} يعني ضعف نطفة الرجل {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} يعني شبابه {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ}.
قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ} أي: يحلف المشركون {مَا لَبِثُوا} أي: في الدنيا وفي قبورهم {غَيْرَ سَاعَةٍ}. قال الله: {كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} أي: يُصدّون في الدنيا عن الإِيمان والبعث.
قال: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ البَعْثِ} [وهذا من مقاديم الكلام، يقول: وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله والإِيمان لقد لبثتم إلى يوم القيامة] أي: لبثهم الذي كان في الدنيا وفي قبورهم (3/330)
صفحة 1399
إلى أن بعثوا. قال: {فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي: لا تعلمون أن البعث حق.
(3/ 130)
فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (59) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (60)
قال: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ} أي: وإن اعتذروا {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي: ولا يردون إلى الدنيا ليعتبوا، أي: ليؤمنوا. وذلك أنهم يسألون الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا فلا يردون إلى الدنيا.
قال: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذا القُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي: ليذكروا {وَلَئِن جِئْتَهُم بِئَايَةٍ لِّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ}. وذلك أنهم كانوا يسألون النبي أن يأتيهم بآية. قال: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني الذين يلقون الله بشركهم يطبع على قلوبهم بشركهم.
قال: {فَاصْبِرْ} يا محمد {إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ} أي: الذي وعدك أنه سينصرك على المشركين ويظهر دينك {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ} أي: ولا يستفزنك {الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} يعني المشركين، أي: لا تتابع المشركين إلى ما يدعونك من ترك دينك، وهو يعلم أنه لا يتابعهم على شيء من ذلك، وأنهم لا يستخفونه. (3/331)
صفحة 1400
تفسير سورة لقمان
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الم} قد فسّرناه في أول سورة البقرة. قوله: {تِلْكَ ءَايَاتُ الكِتَابِ الحَكِيمِ} أي: المحكم، أحكمت آياته بالحلال والحرام والأحكام والأمر والنهي.
قوله: {هُدىً} يهتدون به إلى الجنة {وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ} أي: للمؤمنين {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} أي: الصلاة المفروضة {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} أي: المفروضة {وَهُم بِالأخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} أي: لا يشكون أنها كائنة. {أُوْلَئِكَ} الذين هم صفتهم {عَلِى هُدىً مِّن رَّبِّهِمْ} أي: على بيان من ربهم {وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} أي: السعداء.
قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهُوَ الحَدِيثِ} يعني الشرك، وهو قوله: {اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى} [البقرة: 16] أي: اختاروا الضلالة على الهدى في تفسير الحسن. وقال بعضهم: استحبوا الضلالة على الهدى. [وقال بعضهم: يختار باطل الحديث على القرآن]. قال: {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ} أي: عن سبيل الهدى وهو سبيل الله {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أتاه من الله بما هو عليه من الشرك. {وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً} أي: ويتخذ آيات الله، أي: القرآن هزؤاً.
وتفسير الكلبي أنها نزلت في النضر بن الحارث من بني عبد الدار، وكان رجلاً (3/332)
صفحة 1401
راوية لأحاديث الجاهلية وأشعارهم. قال: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي: من الهوان، يعني جهنم.
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً} أي: عن عبادة الله جاحداً لآيات الله {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} أي: قد سمعها بأذنيه ولم يقبلها قلبه. قال: {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي: موجع.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ خَالِدِينَ فِيهَا} لا يموتون ولا يخرجون منها. {وَعْدَ اللهِ حَقّاً} أي: بأن لهم الجنة {وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} أي: العزيز في ملكه ونقمته، الحكيم في أمره.
قوله: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}. وفيها تقديم في تفسير الحسن، وتقديمها: خلق السماوات ترونها بغير عمد. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: لها عمد ولكن لا ترونها.
قال الله {وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ} يعني الجبال أثبت بها الأرض {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} أي: لكي لا تتحرك بكم.
ذكروا عن الحسن أنه قال: لما خلق الله الأرض جعلت تميد. فلما رأت ذلك (3/333)
صفحة 1402
ملائكة الله قالوا: يا ربنا، هذه لا يقر لك على ظهرها خلق، إلهاماً من الله لهم، فأصبحت وقد وتدها بالجبال، فلما رأت ملائكة الله ما أرسيت به الأرض قالوا: يا ربنا هل خلقت خلقاً هو أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد. قالوا: ربنا، هل خلقت خلقاً هو أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار. قالوا: ربنا، هل خلقت خلقاً هو أشد من النار؟ قال: نعم، الماء. قالوا: يا ربنا، هل خلقت خلقاً هو أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح. قالوا: ربنا هل خلقت خلقاً هو أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم.
قوله: {وَبَثَّ فِيهَا} أي: خلق فيها، في الأرض {مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} قال: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا} أي: في الأرض {مِن كُلِّ زَوْجٍ} أي: من كل لون {كَرِيمٍ} أي: حسن.
ثم قال: {هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ} يعني الأوثان التي يعبدونها، فلم تكن لهم حجة. قال: {بَلِ الظَّالِمُونَ} أي: المشركون {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: بيّن.
قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ} أي: الفقه والعقل. كان لقمان فقيهاً عالماً ولم يكن نبيّاً.
ذكروا أن لقمان الحكيم كان عبداً حبشياً نجاراً فأمره سيده أن يذبح له شاة؛ فذبح له شاة، فقال له سيّده: اِيتنا بأطيبها مضغتين، فجاءه باللسان والقلب. ثم أمره أن يذبح له شاة أخرى وأمره فقال: القِ أخبثها مضغتين، فألقى اللسان والقلب. فقال له سيّده: أمرتك بأن تأتيني بأطيبها مضغتين، فأتيتني باللسان والقلب، ثم أمرتك أن (3/334)
صفحة 1403
تلقي أخبثها مضغتين فألقيت اللسان والقلب، فقال له لقمان: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. قال: وكان ذلك أول ما عرف به من حكمته.
وقال مجاهد: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ} أي: الفقه والعقل [والإِصابة في القول في غير نبوّة].
قوله: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} النعمة. قال: {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} أي: لنفسه نفع ذلك، والشكور هو المؤمن. {وَمَن كَفَرَ} أي: ولم يشكر النعمة {فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} أى: غني عن خلقه، حميد، أي: استحمد إلى خلقه، أي: استوجب عليهم أن يحمدوه.
(3/ 134)
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)
قوله: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيِّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} أي: يظلم به المشرك نفسه، أي: يضرّ به نفسه. قال الحسن: ينقص به نفسه.
قوله: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ} أي: ضعفاً على ضعف في تفسير الحسن. وقال ابن مجاهد عن أبيه: هي المرأة وضعفها. وقال بعضهم: جهداً على جهد. وقال بعضهم: عن مجاهد: وهن الولد على وهن الوالدة؛ والوهن: الضعف.
قال: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} أي: وفطامه في عامين. ذكر عمرو عن الحسن (3/335)
صفحة 1404
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا رضاع بعد الفطام.» ذكر عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا لا يريان الرضاع بعد الحولين شيئاً.
قوله: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المَصِيرُ} أي: البعث.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن رضى الرب مع رضى الوالد، وسخط الرب مع سخط الوالد».
ذكروا عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح باراً بوالديه أصبح له بابان مفتوحان إلى الجنة، وإن كان واحداً فواحد، وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه».
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن فوق كل برّ براً حتى إن الرجل ليهريق دمَه لله، وإن فوق كل فجور فجوراً حتى إن الرجل ليعقّ والديه».
(3/ 135)
وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)
قوله: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي: إنك تعلم أني ليس لي شريك، يعني المؤمن. قال: {فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} أي: طريق من أناب إليّ، أي: أقبَلَ إليَّ بقلبه مخلصاً، يعني النبي عليه السلام والمؤمنين. ثم قال: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} أي: يوم القيامة {فَأُنَبِّئُكُم} أي: فأخبركم {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: في الدنيا.
قوله: {يَابُنَيَّ} رجع إلى كلام لقمان، تبعاً للكلام الأول حيث قال: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيِّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ} قال: {إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ} أي: (3/336)
صفحة 1405
وزن حبة {مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ} بلغنا أن الصخرة التي عليها الحوت الذي عليه قرار الأرض. قال: {أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ} أي: احذر يا بني فإنه سيحصي عليك عملك ويعلمه كما علم هذه الحبة من الخردل. لقمان يقوله لابنه. قال: {إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} أي: لطيف باستخراجها، خبير بمكانها.
(3/ 136)
يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)
قوله: {يَا بُنَيِّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ}. ذكر بعضهم عن أصحاب النبي عليه السلام قال: من أمر بعبادة الله، ونهى عن عبادة الأوثان فقد أمر بالمعروف ونهى عن المنكر.
قال الله: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} والعزم أن تصبر.
قال: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} أي: لا تعرض عنهم وجهك استكباراً {وَلاَ تَمْشِ فِى الأَرْضِ مَرَحاً} أي: بالعظمة [{إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ} أي: متكبِّر {فَخُورٍ} يعني يُزهى بما أُعطِيَ ولا يشكر الله].
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر.» فقال رجل من القوم: يا رسول الله، إن الرجل منا ليكون نقيَّ الثوب، جديد الشراك فيعجبه ذلك، فقال: «ليس ذلك الكبر، ولكن الكبر أن تسفّه الحق وتغمط الناس».
ذكروا عن بعضهم قال: من وضع جبهته ساجداً لله فقد برئ من الكبر. (3/337)
صفحة 1406
ذكروا أن علياً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صنع شيئاً فخراً لقي الله يوم القيامة أسود.» قال: فقال القوم: إنا لله وإنا إليه راجعون، هلكنا وربِّ الكعبة، فوالله إن الرجل منا ليعجبه حسن ثوبه وحسن مركبه، ثم ينظر في شعره ونعله. فقال علي: قد شكونا الذي تشكون إلى النبي عليه السلام فقال: «ليس ذلك بالفخر، ولكن الفخر بَطَرُ الحق وغمط الناس والاستطالة عليهم».
(3/ 137)
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20)
قال: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} وقال في آية أخرى: {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الجِبَالَ طُولاً} [الإِسراء: 37].
قال: {وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ} يعني أقبح الأصوات {لَصَوْتُ الحَمِيرِ} وإنما كانت {لَصَوْتُ الحَمِيرِ} ولم تكن لأصوات الحمير لأنه عنى صوتها الذي هو صوتها.
قوله: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ} يعني شمسها وقمرها ونجومها وما ينزل من السماء من ماء وما فيها من جبال البرد {وَمَا فِي الأَرْضِ} أي: وسخر لكم ما في الأرض أي: من شجرها وجبالها وأنهارها وثمارها [وبحارها وبهائمها] {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} أي: في باطن أمركم وظاهره. [وبعضهم يقول]: الظاهرة الإِسلام والقرآن، والباطنة ما ستر من العيوب والذنوب.
قال: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ} فيعبد الأوثان دونه {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أتاه من الله {وَلاَ هُدىً} أتاه من الله {وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} أي: مضيء. أي: بيّن لما هو (3/338)
صفحة 1407
عليه من الشرك. وتفسير الكلبي أنها نزلت في النضر بن الحارث، أخي بني عبد الدار.
(3/ 138)
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (22) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)
قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعْ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا} يعنون عبادة الأوثان. قال الله: {أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} أي: أيتّبعون ما وجدوا عليه آباءهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير؟ أي: قد فعلوا ذلك. ودعاؤه إياهم إلى عذاب السعير دعاؤه إياهم إلى عبادة الأوثان بالوسوسة.
قوله: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ} يعني وجهته في الدين {إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي: وهو مؤمن {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقِى} وهي الإِيمان بالله، وهي لا إله إلا الله والتوجه إلى الله بكل ما تعبّدهم به من قول وعمل. قال: {وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} أي: مصيرها في الآخرة.
قوله: {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يُحْزُنكَ كُفْرُهُ} كقوله: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [النحل: 127] {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} أي: يوم القيامة {فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا} أي: في الدنيا {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: ما يسرّون في صدورهم.
قال: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً} أي: في الدنيا إلى موتهم {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} يعني جهنم.
قال: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: أنهم مبعوثون.
قوله: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الغَنِيُّ} أي: عن خلقه {الحَمِيدُ} أي: المستحمِد إلى خلقه، أي: استوجب عليهم أن يحمدوه.
قوله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ (3/339)
صفحة 1408
أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ} يقول: ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ليكتب بها علم الله، أي: علمه بما خلق، والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر يستمد منه للأقلام ليكتب بها علم ذلك، ما نفدت كلمات الله، لانكسرت الأقلام ونفد ماء البحار، ولمات الكُتَّاب وما نفدت كلمات الله، أي: علمه بما خلق.
ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال: إن تحت بحركم هذا بحراً من نار، وتحته بحر من ماء، وتحته بحر من نار، وتحته بحر من ماء، حتى عدّ سبعة أبحر من ماء، وسبعة أبحر من نار. قال: {إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
(3/ 139)
مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)
قوله: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد، خلقنا الله أطواراً: نطفاً، ثم علقاً، ثم مضغاً، ثم عظاماً، ثم أنشأنا خلقاً آخر، كما تزعم، وتزعم أنا نبعث في ساعة واحدة. فأنزل الله جواباً لقولهم: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}، أي: إنما نقول له: كن فيكون. {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.
قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الّيْلِ} أي: يدخل الليل في النهار ويدخل النهار في الليل، وهو أخذ كل واحد منهما من صاحبه. قال: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} دائبين، أي: يجريان {كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً} لا يُقَصِّر دونه ولا يزيد عليه، أي: إلى الوقت الذي يكون فيه، فيذهب ضوءه. قال: {وَأَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
قال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ} والحق اسم من أسماء الله {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ (3/340)
صفحة 1409
مِن دُونِهِ البَاطِلُ} يعني أوثانهم {وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ} أي: الأعلى ولا أعلى منه {الكَبِيرُ} أي: لا أكبر منه.
(3/ 140)
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)
قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ} أي: أنعم الله بها على خلقه {لِيُرِيَكُم مِّنْ ءَايَاتِهِ} أي: جريُ السفن من آياته {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}، وهو المؤمن.
قوله: {وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ} أي: كالجبال. وقال في آية أخرى: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ} [هود: 42]. وقال في آية أخرى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} [الأعراف: 171]. قال: {دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [يعني التوحيد] {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ} وهذا المؤمن. وأما الكافر فعاد في غدره. قال: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ} أي: غدّار {كَفُورٍ}. يقول: أخلص لله في البحر للمخافة من الغرق، ثم غدَر فأشرك. كقوله: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65].
قوله: {يَآأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً} أي: واتقوا يوماً، يعني العقاب فيه {لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ} أي: لا يفديه من عذاب الله {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} أي: لا يفتديه من عذاب الله {إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ} يعني البعث والحساب، والجنة والنار. {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الغَرُورُ} وهي تقرأ على وجهين: الغَرور والغُرور. فمن قرأها الغَرور فهو يريد الشيطان، ومن قرأها (3/341)
صفحة 1410
الغُرور فهو يريد غُرور الدنيا، [وهو أباطيلها]، كقوله: {وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ} [الحديد: 20].
(3/ 141)
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)
قوله: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} أي: مجيئها {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} أي: المطر {وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} أي: من ذكر وأنثى وكيف صورته. {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} أي: عليم بخلقه خبير بأعمالهم.
ذكروا عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس لا يعلمهن إلا الله، لم يشرك فيهن أحداً من خلقه، لا ملك مقرّب ولا نبيّ مصطفى: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}». (3/342)
صفحة 1411
(3/ 142)
الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4)
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الم} قد فسرناه في أول سورة البقرة. قوله: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي: لا شك فيه أنه {مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}.
قوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} يعني المشركين يقولون إن محمداً افترى القرآن، أي: افتعل هذا القرآن، أي: قد قالوه، وهو على الاستفهام. قال الله: {بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} يقوله للنبي عليه السلام {لِتُنذِرَ قَوْماً} يعني قريشاً {مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} أي: منهم، ينذرهم العذاب {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي: لكي يهتدوا.
قوله: {اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} ومقدار اليوم منها ألف سنة. {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} أي: ملك العرش وغيره. وإنما الاستواء من طريق الملك، لا على التمكن، تعالى الله علواً كبيراً.
قوله: {مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ} أي: يمنعكم من عذابه إن أراد عذابكم {وَلاَ شَفِيعٍ} أي: يشفع لكم عنده حتى لا يعذّبكم. قال: {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} يقوله للمشركين. (3/343)
صفحة 1412
(3/ 143)
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7)
قوله: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الأَرْضِ} والأمر هو الوحي، أي: ينزله مع جبريل من السماء إلى الأرض {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} أي: يصعد، يعني جبريل إلى السماء {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} يقول: ينزل ويصعد في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدّون.
قال بعضهم: إن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة، فينزل مسيرة خمسمائ سنة، ويصعد مسيرة خمسمائة سنة في يوم، وفي أقل من يوم. وربما يسأل النبي عليه السلام عن الأمر يحضره فينزل في أسرع من الطرف.
قال: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} وهذا تبع للكلام الأول: {لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} ثم أخبر بقدرته فقال: {عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} {العَزِيزُ الرَّحِيمُ}.
يعني نفسه. والغيب: السرّ، والشهادة: العلانية. والعزيز أي: في نقمته، الرحيم، أي: بخلقه.
ذكروا عن سلمان الفارسي قال: إن الله خلق يوم خلق السماوات و الأرض مائة رحمة، كل رحمة منها طباقها السماء والأرض، فأنزل الله منها رحمة واحدة، فبها تتراحم الخليقة، حتى ترحم البهيمة بهيمتها، والوالدة ولدها، حتى إذا كان يوم القيامة جاء بتلك التسع والتسعين رحمة، ونزع تلك الرحمة من قلوب الخليقة، فأكملها مائة رحمة، ثم نصبها بينه وبين خلقه، فالخائب من خيب من تلك الرحمة.
قوله: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ} يعني (3/344)
صفحة 1413
آدم صلى الله عليه وسلم خلقه الله من طينة قبضها من جميع الأرض: بيضاء وحمراء وسوداء. فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ منهم الأبيض والأحمر والأسود، والسهل والحزن، والخبيث والطيب.
(3/ 144)
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9) وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12)
ثم قال: {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ} أي: نسل آدم {مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ} أي: ضعيف، يعني النطفة.
قال: {ثُمَّ سَوَّاهُ} أي: سوّى خلقه كيف شاء {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} أي: ضعيف، يعني النطفة. قال: {ثُمَّ سَوَّاهُ} أي: سوّى خلقه كيف شاء {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} أي: أحدث فيه الروح. قال: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي: أقلكم المؤمنون، وهم الشاكرون.
قوله: {وَقَالُوا} يعني المشركين {أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ} أي: إذا كنا تراباً وعظاماً {أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}. وهذا استفهام على إنكار، أي: إنا لا نبعث بعد الموت. وبعضهم يقرأها أءذا صللنا في الأرض، أإذا نتنّا في الأرض {أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}. قال الله: {بَلْ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}.
قوله: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} يقال إنه [حويت له الأرض] فجعلت له مثل الطست، يقبض أرواحهم كما يلتقط الطير الحب. وبلغنا أنه يقبض روح كل شيء في البر والبحر. قال: {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة.
قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ} أي: المشركون والمنافقون {نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أي: خزايا نادمين {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} أي: يقولون: أبصرنا وسمعنا، أي: سمعوا حين لم ينفعهم السمع وأبصروا حين لم ينفعهم البصر. {فَارْجِعْنَا} أي: إلى الدنيا {نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} أي: بالذي أتانا به محمد أنه حق. (3/345)
صفحة 1414
(3/ 145)
وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14) إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)
قوله: {وَلَوْ شِئْنَا لأتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} كقوله: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَن لَّوْ يَشَآءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً}. قال: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ}.
ذكروا عن أبي هريرة قال: اختصمت الجنة والنار، فقالت النار: يا ربّ، أوثرت بالجبّارين والمتكبّرين. وقالت الجنة: يا ربّ، ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسُقّاطهم. فقال للنار: أنتِ عذابي أصيب بكِ من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي أصيب بكِ من أشاء، ولكل منكما ملؤها بأهلها. أما الجنة فإن الله لا يظلم الناس شيئاً، وينشئ لها ما شاء من خلقه، وأما النار فيقذف فيها فتقول: هل من مزيد، ويقذف فيها فتقول: هل من مزيد.
قال: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} أي: بما تركتم الإِيمان بلقاء يومكم هذا {إِنَّا نَسِينَاكُمْ} أي: تركناكم، أي: في النار، تركوا من الخير ولم يتركوا من الشر. {وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ} أي: الدائم الذي لا ينقطع. {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: في الدنيا.
قوله: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أي: في سجودهم {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} أي: عن عبادة الله.
قوله: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ}. ذكروا عن الحسن قال: هو قيام الليل. ذكر القوم ذنوبهم فتيقظوا من نومهم وتجافوا عن ضاجعهم.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى معاذ بن جبل بأشياء فقال في آخر ذلك: والقيام من الليل، ثم تلا هذه الآية: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ}. (3/346)
صفحة 1415
ذكروا عن أنس بن مالك قال: كانوا يتنفّلون ما بين المغرب والعشاء، يصلّون ما بينهما.
قال: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} أي: خوفاً من عذاب الله وطمعاً في رحمته، يعني الجنة. {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} أي: الزكاة المفروضة.
(3/ 146)
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)
قوله: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: على قدر أعمالهم. ذكروا أن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم.
ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تبارك وتعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. اقرأوا إن شئتم قول الله: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. وإن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، اقرأوا إن شئتم: {وَظِلًّ مَّمْدُودٍ}، ولقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع سوطه خير من الدنيا وما فيها. اقرأوا إن شئتم: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ}».
ذكروا عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليعطى على باب الجنة ما يكاد فؤاده أن يطير لولا أن الله يبعث ملكاً فيشد قلبه».
(3/ 147)
أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)
قال: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً} أي: مشركاً أو منافقاً، وهذا على الاستفهام. قال: {لاَ يَسْتَوُونَ}. (3/347)
صفحة 1416
{أَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى} أي: يأوي إليها أهل الجنة، وجنة المأوى اسم من أسماء الجنة. {نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
قال: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا} أي: أشركوا أو نافقوا {فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوا أِن يَخْرُجُوا مِنْهَآ أُعِيدُوا فِيهَا} أي: إنهم إذا كانوا في أسفلها رفعتهم بلهبها حتى إذا كانوا في أعلاها وأرادوا أن يخرجوا منها ضربوا بمقامع من حديد فهووا إلى أسفلها. {وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} أي: في الدنيا. العذاب مذكر، والنار مؤنثة، وإنما عنى هنا العذاب، ولذلك قال: {الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ}.
قوله: {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى} أي: السيف يوم بدر {دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ} أي: جهنم، والأكبر الأشد {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} لعل من بقي منهم يرجع من الشرك إلى الإِيمان؛ فعذبهم بالسيف يوم بدر، ومَنَّ بعدهم على من شاء بالإِيمان. وهذا تأويل من تأول الآية على المشركين، ومن تأولها على المنافقين قال: {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى} يعني إقامة الحدود في الدنيا، وأكثر من كان يصيب الحدود المنافقون؛ والسورة مكية، والنفاق إنما كان بالمدينة بعدما فرض الجهاد والحدود والأحكام.
قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ} أي: المشركين {مُنتَقِمُونَ}.
قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} يعني التوراة {فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} تفسير الكلبي: يعني ليلةَ أُسْرِيَ به، فلقيه النبي عليه السلام في السماء السادسة ليلةَ أُسْرِيَ به. وقد فسّرنا ذلك في حديث المعراج. (3/348)
صفحة 1417
وتفسير الحسن: {فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} أي: من أنك تلقى من أمتك من الأذى ما لقى موسى من قومه من الأذى.
قال: {وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِّبَنِى إِسْرَآءِيلَ} تفسير الحسن: وجعلنا موسى هدى لبني إسرائيل. [وقال السّدي: {وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِّبَنِي إِسْرَآءِيلَ} يعني التوراة]، قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً} أي: أنبياء يُقتدى بهم {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} أي: يدعون بأمرنا {لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}.
(3/ 148)
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28)
قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي: يفصل بين المؤمنين والمشركين فيما اختلفوا فيه من الإِيمان والكفر، فيُدخل المؤمنين الجنة، ويدخل المشركين النار.
قوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} أي: أو لم نبيّن لهم. وهي تقرأ على وجه آخر: {أَوَلَمْ يَهدِ لَهُمْ} أي: أي أولم يبيّن لهم الله {كَمْ أهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ القُرُونِ} يعني ما قصّ ممّا أهلك به الأمم السالفة حين كذّبوا رسلهم. قال: {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} التي كانوا فيها؛ منها ما يُرى ومنها ما لا يُرى، كقوله: {مِنْها قَآئِمٌ} تراه {وَحَصِيدٌ} [هود: 100] أي: لا تراه. قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ} أي: للمؤمنين {أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} يعني المشركين.
قال: {أَوَلَمْ يَرَوا أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ} يعني المطر، أي: يُساق السحاب الذي فيه الماء {إِلَى الأَرْضِ الجُرُزِ} أي: التي ليس فيها نبات {فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} يعني المشركين، أي: فالذي أَحْيَى هذه الأرض بعد موتها قادر على أن يحيي الموتى ويحييهم بعد موتهم.
قوله: {وَيَقُولُونَ} أي: المشركون {مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: متى القضاء بعذابهم، قالوا ذلك استهزاء وتكذيباً بأنه لا يكون. وقال بعضهم: (3/349)
صفحة 1418
يوم بدر. وقال بعضهم: يوم القيامة. ولم يبعث الله نبيّاً إلا وهو يحذّر قومه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
قال: {قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ} يعني يوم القضاء {لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ} أي: ليس أحد من المشركين يرى العذاب إلا آمن، فلا يُقبَلُ منه عند ذلك، قال الله: {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي: يؤخّرون بالعذاب، إذا جاء الوقت، قال الله: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ} بهم العذاب {إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ}. نزلت هذه الآية قبل أن يؤمر بقتالهم في سورة براءة في قوله: {فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] وأمر بمحاربتهم. (3/350)
صفحة 1419
تفسير سورة الأحزاب
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله عزّ وجلّ: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ} أي: في الشرك بالله {وَالمُنَافِقِينَ} أي: ولا تطع المنافقين حتى تكون وليجة في الدين. والوليجة أن يدخل في دين الله ما يقارب به المنافقين. قال: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}.
قوله: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} يعني العامّة.
قوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً} أي: وكفى به مُتَوَكِّلاً عليه. وقال في آية أخرى: {وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] أي: ونعم المتوكَّل عليه.
(3/ 151)
مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)
قوله: {مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} تفسير مجاهد أن رجلاً من المشركين من بني فهر قال: إن في جوفي لقلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد [وكذب].
وتفسير الكلبي أن رجلاً من قريش يقال له جميل كان حافظاً لما يسمع؛ فقالت (3/351)
صفحة 1420
قريش: ما يحفظ جميل ما يحفظ بقلب واحد، إن له لقلبين.
قوله: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ}. وهو إذا قال الرجل لأمه: أنتِ عليّ كظهر أمي لم تكن عليه كأمه في التحريم فتحرم عليه أبداً، ولكن عليه الكفّارة. وكفّارة الظّهار في أول سورة المجادلة: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} [المجادلة: 3 - 4]، وكان الظهار عندهم في الجاهلية طلاقاً فجعل الله في الكفّارة.
قال: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} كان الرجل في الجاهلية يكون ذليلاً فيأتي الرجلَ ذا القوّة والشرفِ فيقول: أنا ابنك، فيقول: نعم، فإذا قَبِله واتَّخذه ابناً أصبح أعزَّ أهلها.
وكان زيد بن حارثة منهم. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبنَّاه يومئذ على ما كان يُصنَع في الجاهلية، وكان مولىً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما جاء الإِسلام أمرهم الله أن يُلحِقوهم بآبائهم فقال: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ}.
{ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ} يعني ادّعاءَهُمْ هؤلاء، وقول الرجل لامرأته أنت عليّ كظهر أمّي. قال: {وَاللهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} أي: يهدي إلى (3/352)
صفحة 1421
الهدى. وقوله: الحقُّ في هذا الموضع أنه أمر هؤلاء المُدَّعِينَ أن يُلحِقوا هؤلاء المُدَّعِيْنَ بآبائهم.
قال: {ادْعُوهُمْ لأَِبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ} أي: هو أعدل عند الله {فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا ءَابَآءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} أي: قولوا وليُّنا فلان، وأخونا فلان. {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي: حرج، أي: إثم {فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِ} أي: إن أخطأ الرجل بعد النهي فنسبه إلى الذي تبنّاه ناسياً فليس عليه في ذلك إثم. {وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} أي: أن تدعوهم إلى غير آبائهم الذين ألحقهم الله بهم متعمّدين لذلك. وهو تفسير الحسن.
وقال مجاهد: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِ} أي: ما كان قبل النهي في هذا وغيره [{وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} أي: بعد النهي في هذا وغيره] {وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً}.
قوله: {النَّبِيُّ أوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ}. قال مجاهد: هو أبوهم {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [أي: في التحريم مثل أمهاتهم: ذكروا عن مسروق عن عائشة أن امرأة قالت لها: يا أُمَّهْ. فقالت: لست لك بأم، إنما أنا أُمُّ رجالكم].
قال: {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ}. وقد كان نزل قبل هذه الآية في سورة الأنفال: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [الأنفال: 72] فتوارث المسلمون بالهجرة. وكان الأعرابي المسلم لا يرث من قريبه المهاجر المسلم شيئاً فنسختها هذه الآية: {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ}، فخلط الله المؤمنين بعضهم ببعض فصارت المواريث بالملل. (3/353)
صفحة 1422
ذكروا عن أبي أمامة الباهلي قال: لا يتوارث أهل ملتين شتى.
ذكروا عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر».
ذكروا عن الزهري أن أبا طالب مات وترك طالباً وجعفراً وعليّاً وعقيلاً فورثه طالب وعقيل، ولم يرثه جعفر ولا علي.
قال: {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَآئِكُم} أي: إلى قراباتكم من أهل الشرك {مَّعْرُوفاً} يعني بالمعروف الوصية. قال بعضهم: جازت لهم الوصيّة ولا ميراث لهم.
ثم رجع إلى قوله: {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ} فقال: {كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً} أي: مكتوباً، أي: لا يرث كافر مسلماً. وقد قال عليه السلام: «لا يرث المسلم الكافر».
قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ} أي: في صلب آدم في تفسير الكلبي، أي: أن يبلّغوا الرسالة. قال: {وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} أي: بتبليغ الرسالة.
وبعضهم يقول: وأن تعلموا أن محمداً رسول الله، وتصديق ذلك عنده في قوله: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا} [الزخرف: 45] أي: جبريل فإنه كان يأتيهم بالرسالة، أي: هل أرسلنا من رسول إلا بشهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. (3/354)
صفحة 1423
وتفسير الحسن في هذه الآية في آل عمران مثل هذه الآية: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81] قال: أخذ الله على النبيّين أن يعلموا أمر محمد، ما خلا محمداً من النبيّين فإنه لا نبيّ بعده، ولكنه قد أخذ عليه أن يصدّق بالأنبياء كلّهم، ففعله صلى الله عليه وسلم.
ذكروا عن بعض أهل التفسير أنه كان إذا تلا هذه الآية: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كنت أوّل النبيين في الخلق وآخرهم في البعث».
ذكروا عن مطرّف بن عبد الله أن رجلاً قال: يا رسول الله، متى كتبت نبوّتك؟ قال: «بين الطين وبين الروح من خلق آدم».
قوله: {لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ} يعني النبيّين كقوله: {وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6]. ثم قال في آية أخرى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ} [المائدة: 109] قال: {وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً}.
قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ} يعني أبا سفيان وأصحابه، وهم الأحزاب تحازبوا على الله ورسوله. جاء عيينة بن حصن الفزاري، وطليحة بن خويلد الأسدي [من فوق الوادي، وجاء أبو الأعور السلمي من أسفل الوادي ونصب أبو سفيان قِبَل] الخندق الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. (3/355)
صفحة 1424
قال الله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً} يعني ريح الصبا تكبهم على وجوههم وتقطع فساطيطهم. وهذا تفسير مجاهد.
ذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نُصرت بالصَّبَا وأهلكت عاد بالدَّبور».
قال: {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} يعني الملائكة. قال: {وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً}.
قال: {إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} جاءوا من وجهين: من أسفل المدينة ومن أعلاها في تفسير الحسن. وقال الكلبي: جاءوا من أعلى الوادي ومن أسفله؛ جاء من أعلى الوادي عيينة بن حصن، وجاء من أسفله أبو الأعور السلمي، ونصب أبو سفيان قِبَل الخندق.
قال: {وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} أي: من شدة الخوف. {وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا} يعني المنافقين، يظنون أن محمداً سيقتل، وأنهم سيهلكون.
قال الله: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ} أي: مُحِّصوا. قال: {وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} وكان الله قد أنزل في سورة البقرة: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم (3/356)
صفحة 1425
مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلآ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]. فلما نزلت هذه الآية قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما أصابنا هذا بعدُ. فلما كان يوم الأحزاب قالوا: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} [الأحزاب: 22]. وأنزل الله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ} أي: محِّصوا {وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} أي: حرَّكوا بالخوف وأصابتهم الشدّة.
قال الله: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} وهم المنافقون، وهم المرضى، والمرجفون في المدينة، وكل هؤلاء منافقون. وصنّف كل صنف منهم بعَلَمه، وهم منافقون جميعاً، وهو كلام مثنى: {مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً}.
وذلك أنه لما أنزل الله في سورة البقرة: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلآ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]. فوعد الله المؤمنين أن ينصرهم كما نصر من قبلهم بعد أن يُزَلزَلوا، وهي الشدّة، وأن يحرَّكوا بالخوف، كما قال النبيُّون، حيث يقول الله: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ} قَالَ الله: {أَلآ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ}؛ فقال المنافقون: وعدنا الله النصر [فَلاَ ترانا ننصَر] وأرانَا نُقتَل ونُهزَم.
ولم يكن فيما وعدهم الله ألا يقتل منهم أحد، ولا يهزموا في بعض الأحايين. قال في آية أخرى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] وإنما وعدهم الله النصر في العقابة وطوى عنهم القتل والهزيمة، فذلك معنى قولهم: {مَّا (3/357)
صفحة 1426
وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً}. وتأويل الغرور ها هنا هو الخديعة، يقولون: خدعنا الله، أي: أعلمنا بالعاقبة أنه سينصرنا وطوى عنا ما قبل ذلك مما يصيبنا من الشدائد والقتل والهزيمة. والغرور عند العرب هو الخديعة. قالوا: خدعنا الله، وقد وصفوا الله بالخديعة لهم، ولعمري قد خدعهم، وهو قوله: {إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142]. وتفسير مخادعة الله إياهم في سورة الحديد. وسنفسّره إن شاء الله.
قوله عز وجل: {وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} أي: من المنافقين {يَآ أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} يقوله المنافقون بعضهم لبعض.
قال الكلبي: لما رأى المنافقون الأحزاب جَبُنوا، وقال بعضهم لبعض: لا مقام لكم مع هؤلاء، فارجعوا إلى قومكم، يعنون المشركين، فاستأمنوهم.
قال: {وَيَسْتَأذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} أي: خالية نخاف عليها السّرق، في تفسير الكلبي، وفي تفسير الحسن: ضائعة، وهو واحد. يقولون: إن خليناها ضاعت.
قال الله: {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ} يقول: {إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً}. (3/358)
صفحة 1427
قال: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا} أي: [لو دخل عليهم أبو سفيان ومن معه] من أقطارها، أي: من نواحيها، يعني المدينة. {ثُمَّ سُئِلُوا} أي: طلبت منهم {الفِتْنَةَ} أي: الشرك {لأَتَوْهَا} أي: لجاءوها. رجع [الضمير] إلى الفتنة، وهي الشرك على تفسير من قرأها خفيفة؛ ومن قرأها مثقلة ممدودة {لآتوها} أي: لاعطوها، يعني الفتنة، وهي الشرك، لأعطوها إياهم. {وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً}.
وهذه الآية تقضي بين المختلفين، تنفي عن المنافقين الشرك، إن أبقى الله أهل الفراق ولم يكابروا عقولهم؛ إذ يقول: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لأَتَوْهَا}، يعني المنافقين، والفتنة تعني الشرك، {لأَتَوْهَا} أي: لجاءوها ولأعطوها. فكيف يُسألُون الشركَ وهم عليه، وكيف يجيئون إلى الشرك ويعطونه من طلبه منهم وهم عليه، فليتّق اللهَ أهلُ الفراق لنا وليعلموا أن المنافقين ليسوا بمشركين، وقد برّأهم الله من الشرك في هذه الآية وأخبر أنهم لو دخل عليهم من أقطارها، يعني من نواحيها، ثم سئلوا الفتنة أي: الشرك لأتوها، أي: لأعطوها ولأتوه. ما أبين هذا بنعمة الله وبحمده.
قوله: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ} ذكروا أن جابر بن عبد الله قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نفرّ ولم نبايعه على الموت. {وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولاً} أي: يسألهم الله عن ذلك العهد الذي لم يُوفِّ به المنافقون.
قال: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَاً لاَّ تُمَتَّعُونَ} أي: في الدنيا {إِلاَّ قَلِيلاً} أي: إلى آجالكم. (3/359)
صفحة 1428
قال: {قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللهِ} أي: يمنعكم من الله {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً} أي: عذاباً. [وقال بعضهم: القتل أو الهزيمة] {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} أي: توبة، يعني المنافقين. كقوله: {وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِن شَآءَ} أي: الذين يَموتون على نفاقهم فيعذبهم {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [الأحزاب: 24] أي: أو يمن عليهم بالرجعة فيرجعون عن نفاقهم. [وقال بعضهم: النصر والفتح] قال: {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ وَلِيّاً} أي: يتولاهم فيدفع العذاب عنهم {وَلاَ نَصِيراً} أي: ينصرهم مما ينزل بهم من العذاب.
قوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ} أي: يعوّق بعضهم بعضاً، أي: إذ يأمر بعضهم بعضاً بالفرار {وَالْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} أي: يأمر بعضهم بعضاً بالفرار. {وَلاَ يَأْتُونَ البَأْسَ} أي: القتال {إِلاَّ قَلِيلاً} وإنما قل لأنه إنما كان لغير الله، أي: إنما فعلوه رياء وسمعة، ولم تكن لهم فيه حسبة ولا نية. وهو كقوله: {وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 142] إلا التوحيد الذي كان منهم، وهو قليل إذ لم يكملوه بالعمل الصالح. [قال: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} أي: لا يتركون لكم من حقوقهم من الغنيمة شيئاً].
رجع الكلام إلى أول القتال قبل أن تكون الغنيمة قال: {فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ} يعني القتال {رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} أي: خوفًا من القتال. {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ} أي: فإذا ذهب القتال {سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} أي: صاحوا عليكم. والسلق: الصّياح {أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} أي: على الغنيمة. (3/360)
صفحة 1429
قال الله: {أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا} أي: لم يؤمنوا فيكملوا الإِيمان بالتقوى؛ كقوله: {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41]، أي: أقروا بألسنتهم ولم تكن قلوبهم تصبر على العمل بما أقروا به بألسنتهم.
قال: {فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ} أي: أبطل حسناتهم لأنهم فعلوا ما فعلوا رياء وسمعة بغير نيّة ولا حسبة.
وقال بعضهم: {أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} أي: على القتال، أي: لا يقاتلون فيرغبون في الجهاد، ويحتسبون فيه ما يحتسب المؤمن.
وتفسير الكلبي أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما مسَّهم الحصر والبلاء في الخندق رجع إلى أهله ليُصيب طعاماً أو إداماً، فوجد أخاه يتغدّى تمراً. فدعاه، فقال أخوه المؤمن: قد بخِلت عليَّ وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسك، فلا حاجة لي في طعامك.
قال: {يَحْسَبُونَ} أي: المنافقون {الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا} أي: يودّ المنافقون {لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ} يعني في البادية مع الأعراب، أي: يودُّون من الخوف لو أنهم في البدو {يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ} وهو كلام موصول؛ وليس بهم في ذلك إلا الخوف على أنفسهم وعيالهم وأموالهم، لأنهم مع المسلمين قد أقرّوا بدينهم، وادَّعوا ملّتهم، وجاهدوا معهم أعداءهم، وهم يتمَنَّوْن أن يظفر المشركون على المسلمين من غير أن تدخل عليهم في ذلك مضرة.
قال: {وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً} وذلك القليل إنما يقاتل رياء وسمعة بلا حسبة ولا نيّة. (3/361)
صفحة 1430
قوله: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الأَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً}. وهذا الذكر تطوّع ليس فيه وقت.
قال: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ} يعنون الآية التي في سورة البقرة، وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. {وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ}. قال الله: {وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} {إِلاَّ إِيمَاناً}، أي: تصديقاً {وَتَسْلِيماً} أي: لأمر الله.
وتفسير الكلبي أن الأحزاب لما خرجوا من مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق أن يحفر، فقالوا: يا رسول الله، وهل أتاك من خبر؟ فقال: نعم. فلما حُفِر الخندق وفُرِغ منه أتاهم الأحزاب. فلما رآهم المؤمنون قالوا: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ. . .} إلى آخر الآية.
قوله: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ} حيث بايعوه على أن لا يفروا، وصدقوا في لقائهم العدو، وذلك يوم أحد. {فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ} تفسير مجاهد: {فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ} أي: عهده فقتل أو عاش {وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ} يوماً فيه قتال فيقضي عهده ويقاتل [فيقتل أو يصدق في لقائه]. وبعضهم يقول: {فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ} أي: أجله، يعني من قتل يومئذ: حمزة وأصحابه {وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ} أي: أجله. قال: {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} كما بَدَّلَ المنافقون.
قال: {لِّيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ} أي: المؤمنين الذين صدقوا في قولهم وفعلهم. {بِصِدْقِهِمْ} أي: بإكمالهم فرض الله ووفائهم بما عاهدوا الله عليه، أي: يجزيهم بذلك الجنة. (3/362)
صفحة 1431
قال: {وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِن شَآءَ} فيموتوا على نفاقهم فيعذبهم، فإنه قد شاء عذابهم إذا ماتوا على نفاقهم فيعذبهم. {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} أي: يمن عليهم بالتوبة فيرجعوا عن نفاقهم ويتوبوا منه. {إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً} أي: لمن تاب منهم من نفاقه وكفره {رَّحِيماً} أي: رحيماً له إذ جعل له من نفاقه متاباً ومرجعاً.
قال: {وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً} أي: لم ينالوا من المسلمين غنيمة ولا ظفراً؛ وظفرهم بالمسلمين عندهم - لو ظفروا - خيرٌ {وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ القِتَالَ} أي: بالريح والجنود التي أرسلها الله عليهم {وَكانَ اللهُ قَوِيّاً عَزِيزاً}.
قال: {وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم} أي: عاونوهم {مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ} يعني قريظة والنضير {مِن صَيَاصِيهِمْ} أي: من حصونهم {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حصر قريظة نزل عليه: انزلوا على حكم سعد بن معاذ في قول بعضهم.
ذكروا عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن أبيه أن سعداً لم يحكم فيهم، ولكن النبي عليه السلام أرسل إليه فجاء على حمار، فقال: أشر عليّ فيهم. فقال: قد علمت أن الله أمرك فيهم بأمر فأنت فاعل ما أمرك به، فقال: أشر عليّ فيهم. فقال: لو وليت أمرهم لقتلت مقاتلتهم ولسبيت ذراريهم ونساءهم ولقسمت (3/363)
صفحة 1432
أموالهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لقد أشرت عليّ فيهم بالذي أمرني الله به».
ذكروا عن عطية العوفي قال: كنت فيمن عرض على النبي عليه السلام يوم قريظة، فمن نبتت عانته قتل، ومن لم تنبت عانته ترك. فنظروا إليَّ فإذا عانتي لم تنبت فتركت.
وأما النضير فإنه لما حصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطع نخلهم، فرأوا أنه قد ذهب بعيشهم صالحوه على أن يجليهم إلى الشام.
ذكروا عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرّق نخل بني النضير [وهي البويرة] وترك العجوة، وهي التي قال فيها الشاعر:
وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير
وذكروا عن عكرمة أنه قال: ما دون العجوة فهو لينة.
قال: {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} أي: خيبر.
ذكروا عن أنس بن مالك قال: كنت رديفَ أبي طلحة يوم فتحنا خيبر؛ وإن ساقي لتصيب ساق النبي عليه السلام، وفخذي فخذَه. فلما أشرفنا عليها قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين».
فأخذناها عنوة. (3/364)
صفحة 1433
ذكروا عن أنس بن مالك قال: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة صبّحنا خيبر، فقرأ بنا أقصر سورتين في القرآن، ثم ركب. فلما أشرفنا عليها قالت اليهود: محمد والله والخميس. قال: والخميس: الجيش. فأخذناها عنوة. قال: {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً}.
قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الأَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} يعني الجنة.
ذكر مسروق عن عائشة قالت: خَيَّرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه، فلم يكن ذلك طلاقاً. وقال بعض المفسّرين: إنما خيّرهن بين الدنيا والآخرة ولم يخيّرهن الطلاق.
وكان علي بن أبي طالب يجعل الخيار إذا اختارت المرأة نفسَها إذا خيّرها الرجلُ تطليقةً بائنة. وقال بعضهم: أحسبه قال ذلك من هذه الآية في قوله: {أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}. وقال في هذه السورة بعد هذا الموضع: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 49]. فإذا طلّقها قبل أن يدخل بها تطليقة فإنها تبين منه بها، وهي أملك بنفسها، وهو خاطب، وإن تزوّجها كانت عنده على تطليقتين.
وقال في سورة البقرة: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231]، وهذا عند انقضاء العدة قبل أن تنقضي ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة إذا كانت ممن تحيض، فإن كانت ممن لا تحيض وليست بحامل فما لم تنقض ثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً فما لم تضع حملها، فإن كان في بطنها اثنان أو ثلاثة (3/365)
صفحة 1434
فما لم تضع الآخِر، فهو يراجعها قبل ذلك إن شاء. فإن انقضت العدة ولم يراجعها فهي تطليقة بائنة. قال: {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231]. والتسريح في كتاب الله واحدة بائنة.
وكان زيد بن ثابت يقول: إن اختارت نفسها فثلاث.
وكان ابن عمر وعبد الله بن مسعود يقولان: واحدة، وهو أحقُّ بها. فإن اختارته فلا شيء لها؛ فكأنهما يقولان: إنما الخيار في طلاق السنة على الواحدة، ولا ينبغي أن يطلق ثلاثاً ثلاثاً جميعاً، فإنما خيّرها على وجه ما ينبغي أن يطلقها. وأما إذا قال: أمرك بيدك، ففي قولهما إنها إذا طلقت نفسها ثلاثاً فهي واحدة على هذا الكلام الأول.
وكان علي ورجال معه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: القول ما قالت. غير أن ابن عمر قال: إلا أن يقول: إنما ملّكتها في واحدة، فيحلف على ذلك، ويكون قضاؤها في واحدة. وبه نأخذ، وعليه نعتمد.
قوله عزّ وجل: {يَا نِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} أي: الزنا {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً} أي: هيناً.
{وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: ومن يطع منكن الله ورسوله، فيما ذكر (3/366)
صفحة 1435
عكرمة عن ابن عباس، وليس فيه اختلاف. قال: {وَتَعْمَلْ صَالِحاً} يعني التي تقنت منهن لله ورسوله {نُّؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ}. قال بعضهم: بلغنا أن رجلاً سأل الحسن: أين يضاعف لها العذاب ضعفين؟ قال: حيث تؤتى أجرها مرتين، يعني في الآخرة. قال: {وَأَعْتَدْنَا لَهَا} أي: وأعددنا لها {رِزْقاً كَرِيماً} أي: الجنة.
قوله: {يَا نِسَآءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} ثم استأنف الكلام فقال: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} قال الكلبي: هو الكلام الذي فيه ما يهوى المريب. وقال الحسن: فلا تكلّمن بالرفث. وكان أكثر ما يصيب الحدودَ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم المنافقون.
قال: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} قال بعضهم: المرض ها هنا الزنا. وقال بعضهم: النفاق. {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}. وهذا تبع الكلام الأول: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}.
قال: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} وهي تقرأ على وجهين: وقِرن وقَرن. فمن قرأها: {وَقَرْنَ} بالفتح، فهو من القرار، ومن قرأها {وقِرْنَ} بالكسر فمن قِبَل الوقار. قال: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} أي: قبلكم، في تفسير الحسن. وليس يعني أنها كانت جاهلية قبلها، كقوله: {عَاداً الأُولَى} [النجم: 50] أي: قبلكم. وبعضهم يقول: الجاهلية التي ولد فيها إبراهيم من قبل الجاهلية التي ولد فيها محمد صلى الله عليه وسلم.
ذكروا عن الحسن أنه قال في تفسيرها: تكون جاهلية أخرى. ذكروا عن محمد ابن سيرين قال: لا تقوم الساعة حتى يُعبَد ذو الخَلَصة، فإنه كان كبير الأوثان في الجاهلية. وذكروا عن عبد الله بن عمر قال: تنفخ النفخة الأولى وما يعبد الله يومئذ في الأرض. (3/367)
صفحة 1436
قال: {وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ} أي: المفروضة، أي: الصلوات الخمس على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها. {وَءَاتِينَ الزَّكَاةَ} أي: المفروضة. {وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ} أي: في كل ما تعبَّدكن به من قول أو عمل.
{إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} أي: الشيطان الذي يدعوكم إلى المعاصي. وبعضهم يقول: الرجس، يعني الإِثم الذي ذُكر في هذه الآيات. {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} أي: من الذنوب.
ذكروا عن أنس بن مالك قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طلع الفجر يقوم على باب علي وفاطمة ستة أشهر فيقول: الصلاة يا أهل البيت، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} قال بعضهم: بلغنا أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أم سلمة
قوله: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً}.
قوله عز وجل: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} وهو واحد، هو كلام مثنى مكرر، أي: الصالحات. وقد قال في آية أخرى: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 35 - 36]. والإِسلام هو اسم الدين. قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] والإِسلام هو الإِيمان بالله وما أنزل. (3/368)
صفحة 1437
قال: {وَالْقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ} والقنوت هو الطاعة لله. وقد قال في آية أخرى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أي: وقوموا لله في صلاتكم مطيعين خاشعين.
قوله: {وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ} أي: الصادقين في القول والعمل المستكملين لجميع فرائض الله.
{وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ} أي: على ما أمرهم الله به وعما نهاهم عنه.
{وَالخَاشِعِينَ وَالخَاشِعَاتِ} أي: والمتواضعين والمتواضعات. والخشوع هو الخوف الثابت في القلب.
{وَالمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ} يعني الزكاة المفروضة.
{وَالصَّآئِمِينَ وَالصَّآئِمَاتِ}. قال بعضهم: بلغنا أنه من صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر فهو من الصائمين والصائمات.
{وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ} أي: مما لا يحلّ لهم.
{وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ} وليس في هذا الذكر وقت.
قال: {أَعَدَّ اللهُ لَهُم} أي: لأهل هذه الصفات التي ذكر {مَّغْفِرَةً} أي: لذنوبهم {وَأَجْراً عَظِيماً} أي: الجنة.
ذكروا عن مجاهد أن أم سلمة قالت: يا رسول الله، ما بال النساء لا يذكرن مع الرجال في العمل الصالح، فأنزل الله: {إن المسلمين والمسلمات. . .} إلى آخر الآية.
قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يزوّج زينبَ بنتَ جحش زيدَ بن (3/369)
صفحة 1438
حارثة فأبت وقالت: أزوج نفسي رجلاً كان عبدَك بالأمس؟ وكانت ذاتَ شرَف. فلما نزلت هذه الآية جعلت أمرها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوَّجها إياه، ثم صارت بعدُ سنة في جميع الدين، ليس لأحد خيار على قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمه. قال: {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ} أي: فيما حكما عليه وأمراه به {فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً} أي: بيّناً.
قوله: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} يعني زيداً {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ} قال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ} أي: مظهره {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يطلّقها زيد من غير أن يأمره بطلاقها، فيتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الكلبي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى زيداً فأبصر قائمة فأعجبته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله مقلِّب القلوب. فرأى زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هَوِيَها، فقال: يا رسول الله، ائذن لِي في طلاقها، فإن فيها كبراً، وإنها لتؤذيني بلسانها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّق الله وأمسك عليك زوجك.» فأمسكها زيد ما شاء الله، ثم طلّقها. فلما انقضت عدتها أنزل الله نكاحَها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من السماء، فقال: {وَإِذْ تَقُولُ لِّلذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ. . .} إلى قوله: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا}. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك زيداً فقال: «ائتِ زينبَ وأخبرها أن الله زوَجنيها». (3/370)
صفحة 1439
فانطلق زيد فاستفتح الباب، فقيل: من هذا؟ قال: زيد. فقالت: وما حاجة زيد إليّ وقد طلّقني. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني. فقالت: مرحباً برسول رسول الله، ففُتِح له، فدخل عليها وهي تبكي. فقال زيد: لا تبكي، لا يُبك الله عينيك، قد كنتِ نعمت المرأة، أو قال: نعمت الزوجة، إن كنت لَتَبَرِّينَ قَسَمي، وتطيعين أمري، وتبتغين مسرّتي، فقد أبدلكِ الله خيراً منّي. فقالت: من؟ لا أبالك. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرّت ساجدةً.
قوله: {وَتَخْشَى النَّاسَ} أي: وتخشى عيب الناس، أي: يعيبوا ما صنعت. قوله: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} والوطر: الحاجة {زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} أي: إثم {فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً}. فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، زعمت أن حليلة الابن لا تحلّ للأب، وقد تزوّجت حليلة ابنك زيد. فقال الله: {لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} أي: إثم، في أزواج أدعيائهم، أي: إن زيداً كان دعياً، ولم يكن بابن محمد. قال الله: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40].
قال: {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً}.
قوله: {مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ} أي: من إثم {فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ} أي: فيما أحلّ الله له. قال بعضهم: هي زينب. وقال الحسن: هي التي وهبت نفسها إذ زوجه الله إياها بغير صداق، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قد تطوّع عليها فأعطاها الصداق.
قال: {سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ} أي: مضوا من قبل. أي: إنه ليس على الأنبياء من حرج فيما أحلَّ الله لهم، وقد أحلَّ لداوود مائة امرأة، ولسليمان ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرّية. قال: {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَّقْدُوراً}. (3/371)
صفحة 1440
قال: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً} أي: حفيظاً لأعمالهم.
قوله: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} يقول: إن محمداً لم يكن بأبي زيد، ولكن كان زيد دعيّاً له. قال: {وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيَّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}.
قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً} وهذا ذكر ليس فيه وقت، وهو تطوع. {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً} أي: صلاة الغداة {وَأَصِيلاً} أي: صلاة الظهر والعصر.
قال: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلآئِكَتُهُ} تفسير ابن عباس أن صلاة الله الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار.
قال: {لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي: من الضلالة إلى الهدى {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} أي: فلا أرحم منه بهم.
قوله: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ} أي: تُحَيِّيهم الملائكة عن الله بالسلام، في تفسير الحسن. {وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً} أي: ثواباً كريماً، يعني الجنة. (3/372)
صفحة 1441
قوله: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً} أي: على أمتك، تشهد عليهم في الآخرة أنك قد بلغتهم. {وَمُبَشِّراً} أي: في الدنيا بالجنة {وَنَذِيراً} أي: ونذيراً من النار. وتفسير الحسن: أي: من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
قال: {وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ} أي: بالقرآن، أي: بالوحي الذي جاء من عند الله. {وَسِرَاجاً مُّنِيراً} أي: مضيئاً.
ذكروا عن الضحاك بن مزاحم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل أصحابي مثل الملح لا يصلح الطعام إلا به، ومثل أصحابي مثل النجوم يهتدى بها؛ فبأي قول أصحابي أخذتم اهتديتم».
ذكر الحسن عن أبي مسلم الخولاني قال: مثل العلماء في الأرض مثل النجوم يهتدي بها الناس ما بدت، فإذا خفيت تحيَّروا.
قال: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً} يعني الجنة.
قوله: {وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} قد فسَّرناه في أول السورة {وَدَعْ أَذَاهُمْ} أي: واعرض عن أذاهم إياك واصبر عليه. {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً}.
قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}.
أي: إذا طلق الرجل امرأته، من قبل أن يدخل بها، واحدة فقد بانت منه بتلك (3/373)
صفحة 1442
الواحدة، وهي أملك لنفسها، ويخطبها مع الخطاب، وليس عليها عدّة منه ولا من غيره. وتتزوج إن شاءت من يومها الذي طلقها فيه، لأنه لم يمسّها فتعتدّ من مائه مخافة أن تكون حُبلى؛ ولها نصف الصداق. فإِن أغلق عليها باباً، وأرخى عليها ستراً، فقد وجب عليها الصداق كاملاً، ووجبت عليها العدّة.
وإن طلّقها ثلاثاً من قبل أن يدخل بها فهي بمنزلة تطليقة واحدة، لأنه ليس في يده من طلاق التي لم يدخل بها إلا واحدة، وهي واحدة، فإن زاد عليها لم تعتد بزيادته التي زاد، وهو قول أبي عبيدة، وهو قول جابر وابن عباس. وكان إبراهيم يقول: إن طلقها ثلاثاً قبل أن يدخل بها لم يتزوجها حتى تنكح زوجاً غيره، إلا أن يفرّق الطلاق فيقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فإنها تبين بالأولى، وليس ما طلق بعدها بشيء، وهو خاطب. فإن تزوّجها كانت عنده على تطليقتين. والقول الأول قول أصحابنا: قول ابن عباس وجابر بن زيد، وأبي عبيدة، فبه أخذوا، وعليه اعتمدوا.
وأما قوله: {فَمَتِّعُوهُنَّ} فهو منسوخ إذا كان قد سمَّى لها صداقاً، إلا أن يكون لم يسمِّ لها صداقاً، فتكون لها المتعة ولا صداق لها. فإن كان سمّى لها صداقاً ثم طلّقها قبل أن يدخل بها كان لها نصف الصداق، ولا متعة لها. نسختها الآية التي في سورة البقرة: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدْرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى المُحْسِنِينَ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ. . .} إلى آخر الآية [البقرة: 236 - 237]. ولا متعة لها. وكان الحسن يقول: لها المتعة، وليست بمنسوخة.
قوله: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} أي: إلى أهليهن، أي: لا يكون الرجل والمرأة في بيت وليس بينهما حرمة.
وإذا مات الرجل قبل أن يدخل بامرأته توارثا، ولها الصداق كاملاً. وإنما يكون لها نصل الصداق إذا طلّقها ولم يدخل بها. (3/374)
صفحة 1443
قوله: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} أي: صداقهن {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ} أي: وأحللنا لك بنات عمك {وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ}. . . إلى قوله: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ} أي: من بعد هؤلاء اللاتي ذكر من أزواجه ومن بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، فيما ذكر أبي بن كعب.
وذكر [علي بن زيد] عن الحسن قال: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ} يعني من بعد أزواجه التسع [{وَلآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} قال: قصره الله على أزواجه اللاتي مات عنهن، فأخبرتُ به علي بن الحسن فقال: لو شاء لتزوج عليهن]. وقال علي بن زيد: قد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم [جريراً] أن يخطب عليه [جميلة] بنت فلان بعد التسع.
وقال مجاهد: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ} أي: لا نصرانيات ولا يهوديات، ولا كوافر.
قوله: {وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ} يقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: {مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} مقرأ العامة على (إِن) وهبت نفسها للنبي، كانت امرأة واحدة، و (أَن) مفتوحة لما قد كان. وبعضهم يقرأها {إِن وَهَبَتْ (3/375)
صفحة 1444
نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} يقولون: إنما ذلك في المستقبل على تلك الوجوه من قول أبيّ بن كعب، وقول الحسن وقول مجاهد.
قوله: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} أي: لا تكون الهبة بغير صداق إلا للنبي صلى الله عليه وسلم.
ذكروا عن سعيد بن المسيّب أنه سئل عن رجل وهبت نفسَها له امرأةٌ فقال: الهبة لا تكون إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لو كان سمّى سوطاً لكان صداقاً.
وفي تفسير الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تطوّع على تلك المرأة التي وهبت نفسَها له فأعطاها الصداق، ثم نزل أمر التي وهبت نفسها للنبي عليه السلام في تفسير الحسن قبل أن ينزل {مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ} وهي بعدها في التأليف.
وفي تفسير الكلبي في قوله: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوّج أسماء بنت النعمان الكندية، وكانت من أحسن البشر، قال نساء النبي: لئن تزوج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغرائب ما له فينا حاجة، فحبس الله نبيه على أزواجه اللائي عنده، وأحل له من بنات العم والعمة والخال والخالة ما شاء. قال بعضهم: وهذا موافق لتفسير أبي بن كعب.
قوله تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ} يعني الأربع. يقول: يتزوج أربعاً إن شاء. {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} أي: ويطأ بملك يمينه كم شاء. (3/376)
صفحة 1445
وقال بعضهم: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ} أي: لا نكاح إلا بولي وشاهدين عدلين وصداق معلوم.
قال: وقال بعضهم في قوله: {وَءَاتُوا النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4] أي: فريضة. فإن تزوّج الرجل امرأة ولم يسمّ لها صداقاً، أو وهبها له الولي فرضيت، أو كانت بكراً فزوّجها أبوها، فإن ذلك جائز عليها، ولها ما اتفقوا عليه من الصداق، فإن اختلفوا فلها صداق مثلها، والنكاح ثابت.
قوله: {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} رجع إلى قصة النبي عليه السلام. {وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً}.
قوله: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} تفسير الحسن: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ} أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر المرأة للتزويج ثم يرجيها، أي: يتركها فلا يتزوّجها. قال: {وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} أي: يتزوَّج من يشاء. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر امرأة ليتزوّجها لم يكن لأحد أن يعرّض بذكرها حتى يتزوّجها رسول الله أو يتركها. قوله: {وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ} يقول: ليس عليك لهن قسمة، ومن ابتغيت من نسائك للحاجة ممن عزلت ولم تُرِد منها الحاجة {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ}.
قال: {ذَلِكَ أَدْنَى} أي: أجدر {أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ} أي: إذا علمن أنه من قبل الله {وَلاَ يَحْزَنَّ} على أن تخص واحدة منهن دون الأخرى {وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ} أي: من الخاصة التي تخصّ منهن لحاجتك. وهذا تفسير الحسن.
وتفسير الكلبي: {تُرْجِي مِن تَشَآءُ مِنْهُنَّ} يعني من اللائي أحلّ له، إن شاء لم يتزوّج منهن {وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} أي: تتزوّج منهن من تشاء، {وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ (3/377)
صفحة 1446
عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ} يعني نساءه اللائي عنده يومئذ، يعني التسع، {وَلاَ يَحْزَنَّ} أي: إذا عرفن أنه لا ينكح عليهن.
قال: {واللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَلِيماً}.
{لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ} وقد فسّرناه قبل هذا. {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} أي: حسن النساء غير أزواجه وما أحلّ الله له مما سُمِّي في قول أبي بن كعب ومجاهد والكلبي على وجه ما قالوا، وفي قول الحسن: غير نسائه خاصة؛ هذا في أزواجه اللائي عنده خاصة، لا يتزوّج مكانهن ولا يطلقهن. قال: {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} أي: يطأ بملك يمينه ما شاء. {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقيباً} أي: حفيظاً.
قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا} أي: فتفرقوا. {وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} بعد أن تأكلوا {إِنَّ ذِلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فِيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ}.
ذكروا عن أنس بن مالك قال: لما تَزَوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُولِم على أحد من نسائه ما أولم على زينب بنت جحش. قال أنس: كنت أدعو الناس على الخبز واللحم، فيأكلون حتى يشبعوا. فجاء رجلان فقعدا مع زينب في جوف البيت ينتظران، أظنه يعني الطعام. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حجرة عائشة فقال: «السلام عليكم يا أهل البيت.» فقالت عائشة: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، كيف وجدت (3/378)
صفحة 1447
أهلك؟ بارك الله لك فيهم. قال: فاستقرى نساءه كلهن فقلن بمقالتها. ثم جاء فوجد الرجلين في البيت، فاستحيى فرجع، فأنزل الله آية الحجاب، فقرأها عليهم فخرجا. ودخل النبي صلى الله عليه وسلم وأرخى الستر.
ذكروا عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب قال: قلت: يا رسول الله، إنه يدخل عليك البَرُّ والفاجر، فلو أمرت نساءك يحتجبن. فأنزل الله آية الحجاب.
قوله: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} أي: صنعته. وقال مجاهد: متحيّنين حينه. قوله: {وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} أي: أن يخبركم أن هذا يؤذي النبي.
قوله: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} أي: من الريبة والدنس، أن يكون لك من وراء حجاب.
قال: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيماً}.
قال ناس من المنافقين: لو قد مات محمد تزوّجنا نساءه، فأنزل الله هذه الآية. وقال: {إِن تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ} يعني ما قالوا: لو قد مات محمد تزوّجنا نساءه. {فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}.
ثم استثنى من يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الحجاب فقال: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي ءَابَآئِهِنَّ وَلآ أَبْنَائِهِنَّ وَلآ إِخْوَانِهِنَّ وَلآ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلآ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَآئِهِنَّ} المسلمات { (3/379)
صفحة 1448
وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} وكذلك الرضاع بمنزلة الذي ذكر ممن يدخل على أزواج النبي عليه السلام في الحجاب. قال: {وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} أي: شاهد لكل شيء وشاهداً على كل شيء.
قوله: {إِنَّ اللهَ وَمَلآئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [يعني أن الله يغفر للنبي صلى الله عليه وسلم] {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ} [يعني استغفروا له] {وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}.
ذكروا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: جاءني كعب بن عجزة فقال: ألا أهدي لك هدية؟ بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال رجل: يا رسول الله، هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. [اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد]».
ذكروا عن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: دفعت ذات يوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي ما أدري متى ما رأيتك أطيب نفساً ولا أشرق وجهاً ولا أحسن بشراً منك الآن. قال: «وما يمنعني يا أبا طلحة، وإنما صدر جبريل من عندي الآن، فبشرني بما أعطيت أمتي، فقال: يا محمد، من صلى عليك صلاة كتب الله بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورد الله عليه مثل الذي صلّى به عليك». (3/380)
صفحة 1449
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن ملكاً موكل بالعبد، فإذا قال العبد صلى الله على محمد قال الملك: وأنت فصلى الله عليك.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أكثروا عليّ الصلاة يوم الجمعة».
ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: يا رسول الله كيف تبلغك صلاتنا إذا تضمنتك الأرض؟ قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل من أجساد الأنبياء شيئاً».
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالأَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً}. هؤلاء المنافقون كانوا يؤذون رسول الله ويستخفّون بحقه، ويرفعون أصواتهم عنده استخفافاً ويكذبون عليه ويبهتونه.
قال: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا} أي: بغير ما جنوا، هم المنافقون {فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً} أي: كذباً {وَإِثْماً مُّبِيناً} أي: بَيِّناً.
ذكروا عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فنادى بصوت أسمع العواتق في الخدور: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يسلم بقلبه، ألا لا تؤذوا المؤمنين ولا تعيبوهم ولا تتَّبعوا عوراتهم، فإنه من تَتَبَّعَ عورة أخيه المسلم يُظهر الله عورتَه فيفضحه في ملأئه». (3/381)
صفحة 1450
ذكروا عن الحسن قال: بلغنا أنه من استحمد إلى الناس في الدنيا بشيء لم يستحمد فيه إلى الله نادى مناد يوم القيامة: ألا إن فلاناً قد استحمد إلى الناس بشيء لم يستحمد فيه إلى الله. ومن استذَمَّ إلى الناس في الدنيا بشيء لم يستذم فيه إلى الله نادى مناد يوم القيامة: ألا إن فلاناً قد استذم إلى الناس في الدنيا بشيء لم يستذم فيه إلى الله.
قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ}. والجلباب: الرّداء تقَنَّعُ به وتغطّى به شِقَّ وجهِها الأيمن، تغطّي عينها اليمنى وأنفها. {ذَلِكَ أَدْنَى} أي: أجدر. {أَن يُعْرَفْنَ} أنهم حرائر مسلمات عفيفات {فَلاَ يُؤْذَيْنَ} أي: فلا يعرض لهن أحد بالأذى. وكان المنافقون هم الذين كانوا يتعرّضون النساء.
قال الكلبي: كانوا يلتمسون الإِماء، ولم تكن تعرف الحرة من الأمة بالليل، فتلقي نساء المؤمنين منهم أذى شديداً. فذكرن ذلك لأزواجهن، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية.
وقال الحسن: كان أكثر من يصيب الحدود يومئذ المنافقون.
[ذكروا عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب رأى أمة عليها قناع فعلاها بالدّرّة وقال: اكشفي رأسك ولا تتشبّهي بالحرائر]. قال الله: {وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً}.
ثم قال: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} يعني الزنى (3/382)
صفحة 1451
{وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ} يعني المنافقون، يرجفون بالنبي وأصحابه؛ يقولون: يهلك محمد وأصحابه. وقال الكلبي: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ} أي: لئن لم ينتهوا عن أذى نساء المؤمنين. {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} أي: لنسلطَنَّك عليهم {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ} أي: في المدينة {إِلاَّ قَلِيلاً مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً}.
قال: {سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ} أي: كذلك كانت سنة الله في منافقي كل أمة إذا أظهروا نفاقهم. وهذا إذا أمر النبي بالجهاد.
وقال بعضهم: {سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ} أي: من قبل قتل المنافقين، أي: إن أظهروا نفاقهم وباينوا به، وكذلك سنته في منافقي أمتك كسنته في منافقي الأمم التي مضت قبلك. {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً} أي: لا تبديل لسنته في الأولين والآخرين.
قوله: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عَندَ اللهِ} أي: علم مجيئها عند الله، أي: لا يعلم مجيئها إلا الله {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} أي: إنها قريب.
قوله: {إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي: لا يموتون ولا يخرجون منها {لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً} أي: يمنعهم من العذاب {وَلاَ نَصِيراً} أي: ينصرهم.
قوله عز وجل: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} أي: يُجَرّون على وجوههم، (3/383)
صفحة 1452
تجرّهم الملائكة {يَقُولُونَ} أي: في النار {يَا لَيْتَنَآ أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ} وإنما صارت {الرَّسُولاَ} و {السَّبِيلاَ} لأنها مخاطبة. وهذا جائز في كلام العرب إذا كانت مخاطبة.
{وَقَالُوا رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا} وهي تقرأ على وجه آخر: {سَادَتِنَا} والسادة جماعة واحدة، والسادات جماعة الجماعة. {وَكُبَرَآءَنَا} أي: في الضلالة {فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ}.
{رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً}. وكل شيء في القرآن يذكر فيه شيء من كلام أهل النار فهو قبل أن يقول الله لهم: {اخْسَؤُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108]. وقد فسّرنا متى يقال لهم ذلك في غير هذا الموضع.
قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ ءَاذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهاً}.
ذكروا عن أنس بن مالك أنه قال: كانت بنو إسرائيل تقول: إن النبي موسى كان آدر. قال: وكان موسى إذا دخل الماء ليغتسل وضع ثوبه على صخرة. قال: فدخل يوماً الماء فوضع ثوبه على صخرة فتدهدهت، فخرج يتبعها ويقول: ثوبي، ثوبي. فمر بملأ من بني إسرائيل فرأوه عرياناً فبرأه الله مما قالوا. (3/384)
صفحة 1453
{وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهاً} أي: بالرسالة والطاعة. وقد قال بعض أهل التأويل في قوله: {ءَاذَوْا مُوسَى} إنما آذوه بالتكذيب والجحود لما جاء به. وهذا أحب الأقاويل إلى الفقهاء.
قوله: {يَآ أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} أي: عدلاً، وهو لا إله إلا الله {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} أي: لا يقبل العمل إلا ممن قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه، ولا يقبل القول إلا ممن عمل صالحاً، أي: لا يقبل ممن ينقص الإِيمان، لأن الإِيمان قول وعمل.
قال: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ} أي: بالقول والعمل {فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} وهي النجاة العظيمة من النار إلى الجنة.
قوله: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا}. قال بعضهم: عرض عليهن الطاعة والمعصية، والثواب والعقاب.
وقال الكلبي: إنه عرض العبادة على السماوات والأرض والجبال ليأخذنها بما فيها. قلن: وما فيها؟ قيل: إن أحسنتن جوزيتن، وإن أسأتن عوقبتن. فأبين أن يحملنها، وعرضها على الإِنسان، والإِنسان آدم، فقبلها.
ذكر إبراهيم بن محمد عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس قال: الأمانة التي حملها ابن آدم: الصلاة والصوم والغسل من الجنابة.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: ثلاث من حفظهن فهو عبدي حقاً، ومن ضيعهن فهو عدوي حقاً: الصلاة والصوم والغسل من الجنابة».
ذكروا عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ائتمن ابن آدم على ثلاثة: على الصلاة، ولو شاء قال: صليت [ولم يصل]، وعلى الصيام، ولو شاء قال: صمت (3/385)
صفحة 1454
[ولم يصم]، وعلى الغسل من الجنابة، ولو شاء قال: قد اغتسلت [ولم يغتسل]» قال: ثم تلا هذه الآية: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ} [الطارق: 9].
قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً} أي: لنفسه {جَهُولاً} بدينه؛ وهذا المشرك.
قوله: {لِّيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ} أهل الإِقرار بالله والنبي من أهل التضييع للأعمال والخيانة للأمانة، وهي الدين. {وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} أهل المساواة والإِنكار والجحود.
ذكروا عن الحسن أنه قرأ هذه الآية: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ. . .} إلى قوله: {وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً لِّيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} فقال: هما والله اللذان ظلماها، وهما اللذان خاناها: المنافق والمشرك.
قال تعالى: {وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} أهل الصدق والوفاء في الأعمال. {وَكَانَ اللهُ غَفُوراً} أي: لمن تاب إليه من شركه ونفاقه {رَّحِيماً} أي: بالمؤمنين؛ فبرحمته يدخلهم الجنة. (3/386)
صفحة 1455
تفسير سورة سبأ
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} حمد نفسه، وهو أهل الحمد. {الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الأَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ} أي: في أمره، أحكم كل شيء {الخَبِيرُ} بخلقه.
{يَعْلَمُ مَا يَلِجُ} أي: ما يدخل {فِي الأَرْضِ} من المطر {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} أي: من النبات {وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ} أي من المطر وغير ذلك {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} أي: وما يصعد فيها، أي: ما تصعد به الملائكة {وَهُوَ الرَّحِيمُ} أي: بخلقه {الغَفُورُ} أي: لمن تاب وآمن.
قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ} أي: القيامة. {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ} من قرأها بالرفع رجع إلى قوله: وهو الرحيم الغفور عالمُ الغيب. ومن قرأها بالرفع رجع إلى قوله: وهو الرحيم الغفور عالمُ الغيب. ومن قرأها بالجر {عَالِمِ الغَيْبِ} فهو يقول: قل بلى وربي عالم الغيب. وفيها تقديم. وهي تقرأ على وجه آخر: علاَّم الغيب، وإنما هو كقولك فاعل وفعّال. والغيب، في تفسير الحسن في هذا الموضع: ما لم يكن. قال: لتأتيَنَّكم الساعة.
قال: {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} أي: وزن، أي: لا يغيب عنه علم ذلك، أي: ليعلم ابن آدم أن عمله الذي عليه الثواب والعقاب لا يغيب عن الله منه مثقال ذرة. {فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} وقد فسَّرنا ذلك في حديث ابن عباس: إن أول ما خلق الله القلم فقال: (3/387)
صفحة 1456
اكتب. قال: ربّ، وما أكتب؟ قال: ما هو كائن، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. فأعمال العباد تعرض كل يوم اثنين وخميس، فيجدونه على ما في الكتاب الأول.
قال: {لِّيَجْزِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي: ليجزيهم الجنة {أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ} أي: لذنوبهم {وَرِزْقُ كَرِيمٌ}.
قال: {وَالَّذِينَ سَعَوْا} أي: عملوا {فِي ءَايَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} تفسير الحسن: يظنون أنهم يسبقوننا حتى لا نقدر عليهم فنبعثهم فنعذبهم كقوله: {وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ} [العنكبوت: 39].
وتفسير الكلبي: {مُعَاجِزِينَ} مبطئين، أي: يثبطون الناس عن الإِيمان ولا يؤمنون بها.
قال: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ} والرجز: العذاب {أَلِيمٌ} أي: موجع. أي: لهم عذاب من عذاب موجع.
قوله: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} يعني المؤمنين {الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} أي: يعلمون أنه هو الحق {وَيَهْدِي} أي: ويعلمون أن القرآن يهدي {إِلَى صِرَاطِ} أي: إلى طريق {العَزِيزِ} الذي ذل له كل شيء {الحَمِيدِ} المستحمد إلى خلقه، أي: استوجب عليهم أن يحمدوه. والطريق إلى الجنة.
قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} يقوله بعضهم لبعض {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ} يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم {يُنَبِّئُكُمْ} أي: يخبركم {إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي: إذا متم وتفرقت عظامكم وكانت رفاتاً إنكم مبعوثون خلقاً جديداً، إنكاراً للبعث. (3/388)
صفحة 1457
{أَفْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ} أي: جنون. قال الله: {بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ} أي: في الآخرة {وَالضَّلاَلِ} أي: في الدنيا {البَعِيدِ} الذي لا يصيبون منه خيراً في الدنيا ولا في الآخرة. وقال بعضهم: البعيد من الهدى. وقال بعضهم: (الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ) أي: الشقاء الطويل.
قال الله: {أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم} أي: حيثما قام الإِنسان فإن بين يديه من السماء والأرض مثل ما خلفه منها. {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السَّمَآءِ} والكسف: القطعة. والكسف مذكر؛ والقطعة مؤنثة، والمعنى على القطعة. قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً} أي: لعبرة {لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ}. وهو المقبل إلى الله بالإِخلاص له.
قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} يعني النبوة {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} أي: سبّحي معه {وَالطَّيْرَ}. وهو قوله: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} [الأنبياء: 79].
قال: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} ألانه الله له، فكان يعمل بلا نار ولا مطرقة بأصابعه الثلاث كهيئة الطين بيده {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} وهي الدروع {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} (3/389)
صفحة 1458
أي: لا تعظم المسمار وتصغر الحلقة فتنقسم الحلقة، ولا تعظّم الحلقة وتصغر المسمار فينكسر المسمار.
وبلغنا أن لقمان حضر داوود عند أول درع عملها، فجعل يتفكر فيما يريد بها ولا يدري ما يريد بها. فلم يسأله؛ حتى إذا فرغ منها داوود قام فلبسها فقال لقمان: الصمت حكمة، وقليل فاعله.
قال: {وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: لا يغيب عن الله من أعمالهم شيء.
قوله: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ} أي: وسخرنا لسليمان الريح {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}. ذكر الحسن أنه كان يغدو من بيت المقدس فيقيل بإصطخر، فيروح منها فتكون روحته إلى كابل.
وفي تفسير عمرو عن الحسن قال: كان سليمان إذا أراد أن يركب جاءته الريح وجلس على سريره، وجلس وجوه الناس من أصحابه على منازلهم في الدين عنده من الجن والإِنس. والجن يومئذ ظاهرة للإِنس، رجال أمثال الإِنس إلا أنهم أدم، يحجون جميعاً ويعتمرون جميعاً ويصلون جميعاً، والطير ترفرف على رأسه ورؤوسهم، والشياطين حرسة، لا يتركون أحداً يتقدم بين يديه. وهو قوله: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17] أي: فهم (3/390)
صفحة 1459
يدفعون، أي: لا يتقدمه منهم أحد. وقال بعضهم: وزعهم، أي: يرد أولهم على آخرهم، وهو واحد.
قوله: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} يعني الصفر، سالت له مثل الماء. قال: {وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} أي: بأمر ربه، أي: بالسخرة التي سخرها الله تعالى له. قال: {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا} أي: عن طاعة الله وعبادته {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} أي: في الآخرة. ولم يكن يسخّر منهم ويستعمل في هذه الأعمال كلّها ولا يُصفّد في الأصفاد، أي: ولا يسلسل في السلاسل منهم، إلا الكفّار. فإذا تابوا وآمنوا حلّهم من تلك الأصفاد.
وقال بعضهم: {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} أي: جعل معه ملك بيده سوط من عذاب السعير، فإذا خالف سليمانَ منهم أحدٌ ضربه الملك بذلك السوط.
قال: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وتَمَاثِيلَ} والمحاريب في تفسير الحسن المساجد، وفي تفسير مجاهد: [بنيان دون] القصور. وفي تفسير الكلبي: المساجد والقصور. {وَتَمَاثِيلَ}، وهي الصور. وفي تفسير الحسن: إنها لم تكن يومئذ محرّمة. وتفسير مجاهد: إنها تماثيل من نحاس.
قال: {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} أي: كالحياض في تفسير الحسن. {وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} أي: ثابتات في الأرض عظام تنقر من الجبال بأثافيها فلا تحول عن أماكنها.
ذكروا أن سليمان أمر ببناء بيت المقدس فقالوا له: زوبعة الشيطان له عين في جزيرة في البحر يردها في كل سبعة أيام يوماً. فأتوها فنزحوها، ثم صَبّوا فيها خمراً. فجاء لوِرده، فلما أبصر الخمر قال في كلام له: ما علمت أنك إذا شربك صاحبك (3/391)
صفحة 1460
يظهر عليه عدوُّه، في أساجيع له؛ لا أذوقك اليوم، فذهب. ثم رجلع لِظِمْءٍ آخر، فلما رآها كما كانت قال كما قال أول مرة. ثم ذهب فلم يشرب، حتى جاء لظمء آخر لإِحدى وعشرين ليلة، فقال: ما علمت إنك لتُذهِبين الهَمَّ، في سجع له، فشرب منها فسكر. فجاءوا إليه فأروه خاتم السُّخرة. فانطلق معهم إلى سليمان، فأمرهم بالبناء فقال زوبعة: دُلوني على بيض الهدهد. فدُلَّ على عُشِّه. فانطلق فجاء بالماس الذي يثقب به الياقوت، فوضعه عليه فَقطَّ الزجاجة نصفين، ثم انطلق ليأخذه فأزعجوه، فجاءوا بالماس إلى سليمان، فجعلوا يستعرضون الجبال العظيمة كأنما يخطون في نواحيها، أي: في نواحي الجبال، في طين.
قال تعالى: {اعْمَلُوا ءَالَ دَاوُودَ شُكْراً} أي: إيماناً. قال بعضهم: لما نزلت لم يزل إنسان منهم قائماً يصلّي.
قال: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} أي: أقل الناس المؤمن.
قال: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} أي: فلما أنزلنا عليه الموت {مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَآبَّةُ الأَرْضِ} وهي الأرضة {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} والمنساة: العصا، وهي بالحبشية.
قال بعضهم: مكث سليمان حولاً وهو متكئ على عصاه، لا يرى الإِنس والجن إلا أنه حي على حاله الأولى لتعظم الآية، بمنزلة ما أذهب الله من عملهم تلك الأربعين الليلة التي غاب فيها سليمان عن ملكه حيث خلفه ذلك الشيطان في ملكه. فكان موته فجأة وهو متكئ على عصاه حولاً لا يعلمون أنه مات. وذلك أن الشياطين كانت تزعم للإِنس أنهم يعلمون الغيب فكانوا يعملون له حولاً لا يعلمون أنه مات. (3/392)
صفحة 1461
قوله تعالى: {فَلَمَّا خَرَّ} سليمان {تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ} للإِنس {أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [في تلك السخرة، في تلك الأعمال في السلاسل، تبيّن للإِنس أن الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين] أي: العذاب الذي لهم فيه الهوان.
قوله: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ} كانوا باليمن. وفي تفسير الحسن وغيره: هي أرض. وقال الحسن: لقد تبيّن لأهل سبأ كقوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] أي: أهل القرية.
ذكروا عن علقمة أنه سمع ابن عباس يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ، أرض هي أم امرأة أم رجل فقال: «بل هو رجل ولد عشرة فباليمن منهم ستة، وبالشام أربعة. فأما اليمانيون فمذحج وحمير وكندة وأنمار والأزد والأشعريون. وأما الشاميون فلخم وجذام وعاملة وغسان».
قال: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ} ثم أخبر بتلك الآية فقال: {جَنَّتَانِ}. وتفسير الحسن: أن فيها تقديماً. وتقديمها: لقد كان لسبأ في مساكنهم جنتان، فوصفهما، ثم قال: آية. قوله: {عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ} أي: جنة عن يمين، وجنة عن شمال.
قال: {كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} أي: هذه بلدة طيبة {وَرَبٌّ غَفُورٌ} أي: لمن تاب وآمن وعمل.
قوله: {فَأَعْرَضُوا} عما جاءت به الرسل {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ} قال بعضهم: العرم: المسنّاة، يعني الجسر الذي يحبس به الماء؛ وكان سداً قد جعل في (3/393)
صفحة 1462
موضع من الوادي تجتمع فيه المياه. وذكروا أنه إنما نقبه دابة يقال له الخُلد، ليس له عينان وله نابان يحفر بهما الأرض.
وفي تفسير مجاهد: إن ذلك السيل الذي أرسله الله عليهم من العرم كان ماء أحمر أتى الله به من حيث شاء. وهو الذي شق السد وهدمه، وحفر بطن الوادي عن الجنتين فارتفعتا، وغار عنهما الماء فيبستا.
وقال بعضهم: إنهم كان لهم واد يجتمع فيه الماء كل عام يسقي جناتهم وأرضهم؛ فبعث الله عليهم دابة يقال لها الجرذ، فحفر السد، فسال الماء فغرّق جناتهم وأرضيهم.
قوله: {وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ} أي: ثمرة {خَمْطٍ} الخمط: الأراك، وأكله البرير. {وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ}.
قال: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ} أي: وهل يعاقب إلا الكفور. وهو مقرأ أهل الكوفة: أي: إنهم لما أعرضوا عما جاءت به الرسل ابتلاهم الله فغيَّرَ ما بهم، ثم أهلكهم بعد ذلك. (3/394)
صفحة 1463
قال: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} رجل إلى قصة ما كانوا فيه من حسن عيشهم قبل أن يهلكهم فقال: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ} أي: كنا جعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها، يعني الشام {قُرىً ظَاهِرَةً} أي: متصلة ينظر بعضها إلى بعض {وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ} أي: يصبحون في منزل وقرية و ماء ويمسون في منزل وقرية وماء، في تفسير الحسن. وتفسير الكلبي: {وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ}، يعني المقيل والمبيت.
{سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً ءَامِنِينَ} كانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان لا يحرّك بعضهم بعضاً، ولو لقي الرجل قاتل أبيه لم يحرّكه، وكانت المرأة تمشي ومكتلها على رأسها، وهي تغزل بيدها، وإن مكتلها ليمتلئ من الثّمار من غير أن تجنيها.
قال: {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} تفسير الحسن: أنهم مَلُّوا النعمة كما ملَّتْ بنو إسرائيل المنَّ والسَّلْوَى.
وتفسير الكلبي: إنهم قالوا لرسلهم حين ابتلوا، أي: حين كذبوهم: كنا نأبى عليكم وأرضنا عامرة خير أرض، فكيف اليوم وأرضنا خراب.
وبعضهم يقرأها: ربنا {باعِد}، وبعضهم يقرأها: {بَعِّدْ}، وبعضهم: {بَعُدَ} قال الله: {وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} أي: بشركهم {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} [أي: لمن بعدهم] {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي: بددنا عظامهم وأوصالهم فأكلهم التراب. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: في إهلاك القرية ومن فيها {لأَيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ} أي: على أمر الله {شَكُورٍ} لنعمة الله، وهو المؤمن. (3/395)
صفحة 1464
قوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} يعني جميع المشركين {فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} وذلك أنه كان يطيف بجسد آدم قبل أن ينفخ فيه الروح، فلما رآه أجوف عرف أنه لا يتمالك، ثم وسوس بعد لآدم فأكل من الشجرة، فقال في نفسه: إن نسل هذا سيكونون مثله في الضعف فلذلك قال: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإِسراء: 62]. وقال: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [سورة ص: 82] وقال: {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 17]، وأشباه ذلك.
وبعضهم يقول: إن إبليس قال: خلقت من نار وخلق آدم من طين، والنار تأكل الطين، فلذلك ظن أنه سيضل عامتهم.
وكان الحسن يقرأ هذا الحرف: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} يقول: لقد صدّق عليهم ظنّ إبليس، فيها تقديم، ثم قال: ظَنٌّ ظَنَّهُ، ولم يقل ذلك بعلم، يقول: فصدَّق ظنَّه فيهم. ومجاهد يقرأها: {وَلَقَدْ صُدِّقَ عَلَيْهِم إبليسُ ظَنُّه}. يقول: صُدِّقَ إِبْلِيس ظنُّه فيهم حيث جاء أمرهم على ما ظنَّ.
قال: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ} كقوله: {فَإِنَّكُمْ} يا بني إبليس {وَمَا تَعْبُدُونَ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} أي: ليس له عليكم سلطان {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 161 - 163]. أي: لستم بمضلي أحد إلا من هو صال الجحيم. قال: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالأَخِرَةِ} وهذا علم الفَعال. {مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا} أي: من الآخرة {فِي شَكٍّ} منها. وإنما جحد المشركون الآخرة ظناً منهم، وذلك منهم على الشك. قال: {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} أي: حتى يجازيهم في الآخرة.
قوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللهِ} يعني أوثانهم، أي: زعمتم أنهم (3/396)
صفحة 1465
آلهة {لاَ يَمْلِكُونَ} أي: لا تملك تلك الآلهة {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} أي: وزن ذرة {فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا} أي: في السموات و الأرض {مِن شِرْكٍ} {وَمَا لَهُ} أي: لله {مِنْهُم} أي: من أوثانهم {مِّن ظَهِيرٍ} أي: من عوين.
قوله تعالى: {وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ} أي: عند الله {إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} أي: لا يشفع الشافعون، إلا للمؤمنين، أي: تشفع الملائكة والنبيُّون، والمؤمنون، ليس يعني أنهم يشفعون للمشركين فلا يشفَّعون.
[وحديث الحسن بن دينار عن الحسن قال: أهل الكبائر لا شفاعة لهم]. قال: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] وقال في آية أخرى: {وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] أي: شهد بلا إله إلا الله وهم يعلمون، أي: وقلوبهم مخلصة بشهادة ألا إله إلا الله، يعلمون أنها الحق ويعملون بما يعلمون، وليس الشفاعة لهم من معنى قد وجب عليهم، فلا، لا، إلا لتخفيف بعض أهوال الموقف. قال: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] من الملائكة والنبيين، أي: إن المنافقين لا يشفعون لهم، إنما يشفعون لمن ارتضى الله لهم، وهم المؤمنون.
قوله: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الْكَبِيرُ}. قال بعضهم: إن أهل السماوات لم يسمعوا الوحي فيما بين عيسى وبين محمد إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء. فلما بعث الله جبريلَ إلى محمد بالوحي سمع أهل السماوات الوحي كجرّ السلاسل على الصخور، فصعق أهل السماوات مخافة أن تقوم الساعة. فلما فرغ من الوحي وانحدر جبريل جعل كلما مرّ (3/397)
صفحة 1466
بأهل سماء فزِّع عن قلوبهم، أي: جلِّيَ عن قلوبهم. وقالوا: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} فيقولون: الحق من عند الحق، يعنون الوحي، {وَهُوَ الْعَلِيُّ} أي: لا أعلى منه {الكَبِيرُ} أي: فلا أكبر منه.
ذكروا عن كعب قال: إن أقرب الملائكة إلى الله إسرافيل. فإذا أراد الله أمراً أن يوحيه جاء اللوح حتى يصفق جبهة إسرافيل، فيرفع رأسه وينظر، فإذا الأمر مكتوب، فينادي جبريل، فيأتيه فيقول: أمرت بكذا، أمرت بكذا. فلا يهبط جبريل من سماء إلى سماء إلا فزع أهله مخافة الساعة، حتى يقول جبريل: الحق من عند الحق، فيهبط على النبي صلى الله عليه وسلم فيوحيه إليه.
قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: قل للمشركين. ثم قال: {قُلِ اللهُ وَإِنَّآ أوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [أي: إن الفريقين نحن وأنتم لعلى هدى أو في ضلال مبين] وهي كلمة مقولة عربية. هي كقول الرجل لصاحبه: إن أحدنا لصادق، يعني نفسه، وكقوله: إنَّ أحدنا لكاذب، يعني صاحبه، وكان هذه بمكة وأمر المسلمين يومئذ ضعيف.
قوله تعالى: {قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} هو كقوله: {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِىءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ} [هود: 35] وكقوله: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس: 41].
قوله: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا} أي: يوم القيامة {ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ} أي: (3/398)
صفحة 1467
يقضي بيننا بالحق {وَهُوَ الْفَتَّاحُ} أي: القاضي {العَلِيمُ} فلا أعلم منه.
قوله: {قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَآءَ} أي: جعلتموهم شركاء، يعني أوثانهم يقول: أروني ما نفعوكم وأجابوكم به. {كَلاَّ} أي: لستم بالذين تأتون بما نفعوكم وأجابوكم به إذ كنتم تدعونهم، أي: إنهم لم ينفعوكم ولم يجيبوكم، ولا ينفعونكم ولا أنفسهم. ثم استأنف الكلام فقال: {بَلْ هُوَ اللهُ} الذي لا شريك له، ولا ينفع ولا يضر إلا هو. {العَزِيزُ} الذي ذلت له الخلائق {الحَكِيمُ} الذي أحكم كل شيء في تفسير الحسن. وقال غيره: (الحكيم) في أمره، وهو واحد.
قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} أي: إلى جماعة الإِنس وإلى جماعة الجن. {بَشِيراً} أي: بالجنة {وَنَذِيراً} أي: من النار {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أنهم مبعوثون ومجازون.
قال: {وِيَقُولُونَ} يعني المشركين {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} قال الله: {قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ}. كانوا يسألون (3/399)
صفحة 1468
النبي صلى الله عليه وسلم متى هذا العذاب الذي تعدنا به، وذلك منهم استهزاء وتكذيب؛ فهذا جواب لقولهم.
قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ} أي: لن نصدّق بهذا القرآن {وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} يعنون التوراة والإِنجيل لأن الله أمر المؤمنين أن يصدّقوا بالقرآن وبالتوراة والإِنجيل أنها من عند الله ولا يُعمَل بما فيهما إلا ما وافق القرآن.
قال بعضهم: وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل في القرآ ن شيء مما ذكر في التوراة والإِنجيل عَمِل به، فإِذا نزل في القرآن ما ينسخه تركه. وقد نزل في القرآن شيء مما في التوراة والإِنجيل ولم ينسخ في القرآن، مثل قوله {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ} أي: في التوراة {أَنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ. . .} إلى آخر الآية [المائدة: 45] فنحن نعمل بها لأنها لم تنسخ. فجحد مشركو العرب القرآن والتوراة والإِنجيل في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}.
وقال الحسن: قد كان كتاب موسى حجة على مشركي العرب فقالوا: {لَوْلآ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَى}. قال الله: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَآ أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} يعنون موسى ومحمداً؛ وقال سعيد بن جبير: يعنون موسى وهارون. {وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} قال الله: {قُلْ} يا محمد {فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [القصص: 48 - 49].
قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ} أي: المشركون {مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} أي: يوم القيامة {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} وهم السفلة {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} وهم الرؤساء والقادة في الشرك {لَوْلآ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ}.
{قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} وهم الأتباع {أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ} على الاستفهام {عَنِ الهُدَى} أي: عن الإِيمان {بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ} أي: مشركين. (3/400)
صفحة 1469
{وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ} أي: بل مكركم بالليل والنهار، أي: كيدكم وكفركم في تفسير الحسن. وتفسير الكلبي: {بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ} أي: بل قولكم لنا بالليل والنهار {إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} أي: أعدالاً، يعني أوثانهم، عدلوها بالله فعبدوها من دونه.
قال الله: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} في أنفسهم يوم القيامة {لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ} على الاستفهام {إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: إنهم لا يجزون إلا ما كانوا يعملون.
قوله عزّ وجل: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ} أي: من نبيٍّ ينذرهم عذاب الدنيا وعذاب الآخرة {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ} أي: جبابرتها وعظماؤها، في تفسير بعضهم. والمترفون أهل السَّعة والنَّعمة {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ} فاتَّبَعَهم على ذلك السفلة فجحدوا كلهم.
{وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً} قالوا ذلك للأنبياء والمؤمنين، أي: يعيّرونهم بالفقر وبقلّة المال {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}.
قال الله: {قُلْ} يا محمد {إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ} أي: يوسّع الرزق لمن يشاء {وَيَقْدِرُ} أي: ويقتّر عليه الرزق. فأما المؤمن فذلك نظر من الله له. قال: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني جماعة المشركين لا يعلمون.
قال: {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلآ أَوْلاَدُكُم} يقوله للمشركين {بِالَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى} والزلفى القربة، لقولهم للأنبياء والمؤمنين: نحن أكثر أموالاً وأولاداً منكم. (3/401)
صفحة 1470
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم».
قال: {إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ} في إيمانه {صَالِحاً} [أي: ليس القربة عندنا إلا لمن آمن وعمل صالحاً]. قال: {فَأُوْلَئِكَ} أي: الذين هذه صفتهم {لَهُمْ جَزَآءُ الضِّعْفِ} أي: تضعيف الحسنات. كقوله: {مَن جَآءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] ثم أنزل بعد ذلك في المدينة: {مَّثَلُ الّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ} [البقرة: 261] ثم صارت بعد في الأعمال الصالحة كلها، الواحدة بسبعمائة.
ذكروا عن الحسن وغيره عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لأن أعلم أنه تُقُبِّلَت مني تسبيحة واحدة أحب إليّ من الدنيا وما فيها.
قال بعضهم: بلغني عن سعيد بن جبير أنه قال: من كتب الله له حسنة دخل الجنة، و {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ} [المائدة: 27].
قال تعالى: {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ} أي: في غرفات الجنة {ءَامِنُونَ} أي: آمنون من النار ومن الموت ومن الخروج منها ومن الأحزان ومن الأسقام والأمراض.
قال: {وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي ءَايَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} تفسير الحسن: يظنون أنهم يسبقوننا حتى لا نقدر عليهم فنعذبهم. وتفسير الكلبي: {مُعَاجِزِينَ} أي: يثبّطون الناس عن آياتنا، أي: عن الإِيمان بها، أي: يجحدونها. قال: {أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} أي: مدخَلون، في تفسير الكلبي. وقال بعضهم: محضرون في العذاب، وهو واحد. (3/402)
صفحة 1471
{قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} وهي مثل الأولى وقد فسّرناها. {وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ} أي: في طاعة الله {فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}. ليس يعني أنه إذا أنفق شيئاً أخلف له مثله، ولكن يقول: الخلف كله من الله أكثر مما أنفق وأقلّ، أي: ليس بخلف النفقةَ ويرزق العبادَ إلا اللهُ. وقال بعضهم: يُخلفه خيراً في الآخرة، أي: يعوّضكم منه الجنّة.
وبلغنا عن مجاهد أنه قال: لا ينفقن أحدكم كل ما في يده فيتأول هذه الآية: {وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ}.
ذكروا عن خارجة بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده أنه لما تِيبَ عليه جاء بماله كله إلى النبي صلى الله عليه وسلم صدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمسك عليك شطره فهو خير لك».
قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} يعني المشركين وما عبدوا {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} على الاستفهام، وهو أعلم بذلك منهم {قَالُوا} أي: قالت الملائكة {سُبْحَانَكَ} ينزهون الله عمّا يقول المشركون {أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم} أي: إنا لم نكن نواليهم على عبادتهم إيانا. {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ} أي الشياطين من الجن هي التي دعتهم إلى عبادتنا ولم ندعهم إلى عبادتنا، فهم بطاعتهم الشياطين عبادون لهم. كقوله: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس: 60]، وكقوله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلآ إنَاثًا} أي: شيئاً ليس فيه روح، يعني أوثانهم {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً} [النساء: 117]. قال: {أَكْثَرُهُم} يعني جماعة المشركين {بِهِم} أي: بالشياطين {مُّؤْمِنُونَ} أي: مصدّقون بما وسوسوا إليهم من عبادة من عبدوا فعبدوهم.
قال الله: {فَاليَوْمَ} يعني يوم القيامة {لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ (3/403)
صفحة 1472
ضَرّاً} أي: الشياطين والكفار {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: أشركوا {ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} وهم جيمعاً قرناء في النار: الشياطين ومن أضلوا يلعن بعضهم بعضاً ويبرأ بعضهم من بعض.
قوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي: القرآن {قَالُوا مَا هذَا} يعنون محمدًا صلى الله عليه وسلم {إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هذَا} أي: القرآن {إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرىً} أي: إلا كذب افتراه محمد. قال الله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ} أي: للقرآن {لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}. قال الله: {وَمَآ ءَاتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَّدْرُسُونَهَا} أي: يقرأونها، أي: بما هم عليه من الشرك. {وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ} كقوله: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} [القصص: 46] أي: من نذير من أنفسهم، يعني قريشاً.
قال الحسن: كان موسى حجة عليهم.
قال: {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: من قبل قومك يا محمد. {وَمَا بَلَغُوا} أي: وما بلغ هؤلاء {مِعْشَارَ مَآ ءَاتَيْنَاهُمْ} أي: عشر ما آتيناهم من الدنيا، يعني الأمم السالفة. وقال في آية أخرى: {كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً}. [ذكروا عن الحسن قال: {وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَآ ءَاتَيْنَاهُمْ} قال: ما عملوا معشار ما أمروا به].
قال: {فَكَذَّبُوا رُسُلِي} فأهلكتهم {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي: فكيف كان عقابي؛ على الاستفهام. أي: كان شديداً. يحذّرهم أن ينزل بهم مثل ما نزل بهم.
قال الله: {قُلْ} يا محمد {إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ} أي: بلا إله إلا الله. يقوله للمشركين {أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى} يقول: أن تقوموا واحداً واحداً أو اثنين اثنين {ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم} أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم {مِّن جِنَّةٍ} أي: من جنون {إِنْ (3/404)
صفحة 1473
هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم} أي: من العذاب {بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} يعني عذاب جهنم. أي: أرسل محمداً بين يدي عذاب شديد.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما مثلي ومثل الساعة كهاتين، فما فضل إحداهما على الأخرى، فجمع بين أصبعه السّبّابة والوسطى».
قوله: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم} أي: على القرآن {مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} كقوله: {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ} [سورة ص: 86] وأشباه ذلك. {إِنْ أجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي: شاهد على كل شيء.
قوله: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ} أي: ينزل الوحي {عَلاَّمُ الغُيُوبِ} أي: غيب السماوات والأرض؛ غير السماء ما ينزل من منها من المطرَ وغيره، وغيب الأرض ما يخرج منها من النبات وغيره.
قوله: {قُلْ جَآءَ الْحَقُّ} أي: القرآن {وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}. قال بعضهم: الباطل إبليس، أي: وما يخلق إبليس أحداً ولا يبعثه.
قوله: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} أي فأنتم الضالون وأنا على الهدى. وهو كقوله: {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24]. وقد فسّرناه قبل هذا.
قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلاَ فَوْتَ} تفسير عمرو عن الحسن: {إِذْ فَزِعُوا} يعني النفخة الأولى التي يميت الله بها كفار هذه الأمة {فَلاَ فَوْتَ} أي: لا يفوت أحد منهم دون أن يهلك بالعذاب. {وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} أي: النفخة الآخرة. قال الحسن: وأي شيء أقرب من أن كانوا في بطن الأرض فإذا هم على ظهرها. (3/405)
صفحة 1474
وبعضهم يقول: {وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} أي: من تحت أرجلهم.
{وَقَالُوا ءَامَنَّا بِهِ} أي: بالقرآن. قال الله: {وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ} أي: وكيف لهم تناول التوبة. {مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} أي: قد فاتهم ذلك.
ذكروا عن أبي إسحاق الهمذاني عن رجل من بني تميم عن ابن عباس في قوله: {وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} أي: أنّى لهم الردّ وليس بحين الرّدّ.
ذكروا عن الحسن قال: أي: إذا خرجوا من قبورهم بعد النفخة الآخرة وأخذوا من مكان قريب.
قال: {وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} أي: كذَّبوا بالبعث، وهو اليوم عندهم بعيد لأنهم لا يقرُّون به.
{وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} وهو تبع للكلام الأول: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ وَقَالُوا ءَامَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ} يعني الرد {مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} أي: من الآخرة إلى الدنيا.
وفي تفسير مجاهد: {التَّنَاوُشُ} التناول. كقوله: وقد كفروا به من قبل، فكيف لهم بالتوبة، وليس بالحين الذي تقبل فيه التوبة. {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} قال مجاهد: أي: من مال أو ولد أو زهرة.
وقال بعضهم: {مَا يَشْتَهُونَ} أي: ألإِيمان. أي: حيل بينهم وبين الإِيمان أي: بإقامتهم على الكفر في الدنيا. فلما رأوا العذاب آمنوا، فلم يقبل منهم إيمانهم عند نزول العذاب.
قال: {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ} أي: كما لم تقبل من أشياعهم، أي: ممن كان على منهاجهم ودينهم: الشرك، لما كذبوا رسلهم جاءهم العذاب، فآمنوا عند ذلك، فلم يقبل منهم. (3/406)
صفحة 1475
وهو قوله: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} أي: عذابنا {قَالُوا ءَامَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} قال الله: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} أي: عذابنا {سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} [غافر: 84 - 85] أي: مضت في عباده المشركين، أي: إنهم إذا كذبوا المرسلين أهلكهم الله بعذاب الاستئصال.
{إِنَّهُمْ كَانُوا} أي: قبل أن يأتيهم العذاب {فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ} أي: من الريبة. وذلك أن جحودهم بالقيامة وبأن العذاب يأتيهم إنما ذلك ظن منهم، فهم منه في شك، ليس عندهم بذلك علم يقين. (3/407)
صفحة 1476
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} حمد نفسه، وهو أهل الحمد. {فَاطِرِ} أي: خالق {السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} أي: جعل من شاء منهم لرسالته إلى الأنبياء، وهو قوله: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75] قال: {أُوْلِي أَجْنِحَةٍ} أي: ذوي أجنحة {مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}. قال بعضهم: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة أجنحة.
ذكروا عن كعب أنه قال: إن أقرب الملائكة إلى الله إسرافيل، وله أربعة أجنحة، جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، وقد تسرول بالثالث، والرابع بينه وبين اللوح المحفوظ؛ فإذا أراد الله أمراً أن يوحيه جاء اللوح المحفوظ حتى يصفق جبهة إسرافيل، فيرفع رأسه فينظر، فإذا الأمر مكتوب؛ فينادي جبريل، فيلبّيه، فيقول: أمرت بكذا، أمرت بكذا. فلا يهبط جبريل من سماء إلى سماء إلا فزع أهلها مخافة الساعة، حتى يقول جبريل: الحق من عند الحق، فيهبط على النبي فيوحي إليه.
ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن لله نهراً في الجنة يغتمس فيه جبريل كل (3/408)
صفحة 1477
يوم، ثم ينتفض، فما من قطرة تقطر من ريشه إلا خلق الله منها ملكاً».
ذكروا عن مجاهد أنه قال: يدخل جبريل نهر النور سبعين مرة كل يوم فيغتسل فيه، ثم يخرج فينتفض فتسقط منه سبعون ألف قطرة، تعود كل قطرة ملكاً يسبح الله إلى يوم القيامة.
ذكروا عن عبد الله بن عمر قال: بلغني أن في السماء ملكاً قد عظّمه الله وشرّفه، فيه ثلاثمائة وستون عيناً، بعضها مثل الشمس، وبعضها مثل القمر، وبعضها مثل الزهرة، يسبّح الله منذ خلق، كل تسبيحة تخرج من فيه ملكاً. قال: وبلغنا أن الله ديكاً براثنه في الأرض السفلى، وعنقه مثنية تحت العرش، إذا بقي الثلث الآخر من الليل خفق بجناحيه ثم قال: سبّوح قدّوس، ربّ الملائكة والرّوح، فتسمعه الديكة فتصرخ لصراخه، أو قال لصوته.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أذن لي أن أحدّث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى، وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنه إلى عاتقه خفقان الطير مسيرة سبعمائة سنة يقول سبحانك. وبلغنا أن اسمه وزفيل».
وذكر بعض أهل العلم أن ملكاً نصفه من نور، أو قال: من نار، ونصفه من ثلج، يقول: يا مؤلفاً بين الثلج والنار، أو قال: النور، ألِّف بين قلوب عبادك الصالحين.
ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال: إن الله خلق الملائكة والجنّ والإِنس فجزأهم عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الملائكة وجزء واحد منهم الجن والإِنس. وجزأ (3/409)
صفحة 1478
الملائكة عشرة أجزاء تسعة منهم الكروبيون الذين يسبّحون الليل والنهار لا يفترون، وجزء منهم لرسالاته ولخزائنه ولما شاء من أمره. وجزأ الجن والإِنس عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الجن، والإِنس جزء واحد، فلا يولد من الإِنس واحد إلا وله من الجن تسعة. وجزأ الإِنس عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم ياجوج وماجوج وجزء واحد سائر بني آدم.
قوله تعالى: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} تفسير الحسن: يزيد في أجنحة الملائكة ما يشاء. {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
قوله تعالى: {مَّا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ} أي: ما يقسم الله من رحمة، أي: من الخير والزرق {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} أي: لا أحد يستطيع أن يمسك ما يقسم من رحمة {وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ} أي: من بعد الله، أي: لا يستطيع أحد أن يرسل ما أمسكه الله من رحمة {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
قوله: {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ} أي: إنه خلقكم ورزقكم {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ} أي: ما ينزل من السماء من المطر، وما ينبت في الأرض من النبات {لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} يقوله للمشركين، يحتج به عليهم، وهو استفهام؛ أي: لا خالق ولا رازق غيره. يقول: أنتم تقرون بأن الله هو الذي خلقكم ورزقكم وأنتم تعبدون من دونه الآلهة. {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} أي: فكيف تصرفون عقولكم فتعبدون غير الله. (3/410)
صفحة 1479
قال: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} يعزّيه بذلك ويأمره بالصبر.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما أصاب أحداً من هذه الأمة من الجهد في الله ما أصابني» قال: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} أي: إليه مصيرها يوم القيامة.
قوله تعالى: {يَآأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} أي: ما وعد الله من الثواب والعقاب {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ} وهو الشيطان.
{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} يدعوكم إلى معصية الله {فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ} أي: أصحابه الذين أضل {لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} أي: يوسوس إليهم بعبادة الأوثان ليكونوا من أصحاب السعير، فأطاعوه. والسعير اسم من أسماء جهنم، وهو الرابع.
قال: {الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي: جهنم، قال: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ} أي: لذنوبهم {وَأَجْرٌ} أي: ثواب {كَبِيرٌ} أي: الجنة.
قال: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسَناً} أي: كمن آمن وعمل صالحاً. أي: لا يستويان. وهذا على الاستفهام، وفيه إضمار. قال: {فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ} أي: على المشركين {حَسَرَاتٍ} أي: لا تتحسر عليهم إذا لم يؤمنوا؛ كقوله: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [النحل: 127] قال: {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}.
قوله: {وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ} أي: فسقنا الماء في السحاب {إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ} أي: ليس فيه نبات، أي: إلى أرض ميتة ليس فيها (3/411)
صفحة 1480
نبات. لما قال: {إِلَى بَلَدٍ} قال: {مَيِّتٍ} لأن البلد مذكر، والمعنى على الأرض، وهي مؤنثة. قال: {فَأَحْيَيْنَا بِهِ} أي: بالمطر {الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي: بعد أن كانت يابسة ليس فيها نبات. {كَذَلِكَ النُّشُورُ} أي: هكذا يحيون بعد الموت بالماء يوم القيامة؛ أي: يرسل الله المطر فيها كمني الرجال فتنبت به جسمانهم ولحمانهم كما تنبت الأرض من الثرى. ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فينطلق كل روح إلى جسده حتى يدخل فيه، ثم يقومون فيجيبون إجابة رجل واحد قياماً لرب العالمين. ذكر بعضهم قال: إن الحساب يكون عند الصخرة إلى بيت المقدس.
قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعاً} قال بعضهم: من كان يريد العزَّة فليتعزَّر بطاعة الله.
وتفسير الحسن: أن المشركين عبدوا الأوثان لتعزّهم، كقوله: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً} [مريم: 81]. قال: من كان يريد العزة فليعبد الله حتى يعزّه.
قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} هو التوحيد {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} أي: يرفعه التوحيد. أي: لا يرتفع العمل الصالح إلا بالتوحيد، ولا التوحيد إلا بالعمل الصالح؛ كقوله: {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} والإِيمان قول وعمل، لا ينفع القول دون العمل. {فَأُوْلَئِكَ} أي: الذين هذه صفتهم {كَانَ سَعْيُهُم (3/412)
صفحة 1481
مَّشْكُورًا} [الإِسراء: 19] أي: كانوا عملهم مقبولاً، يعني من وحد الله وعمل بفرائضه.
قال: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ} أي: يعملون الشرك والنفاق {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي: عذاب جهنم. {وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} أي: وعمل أولئك هو يبور؛ أي: هو يفسد عند الله، أي: لا يقبل الله الشرك والنفاق، ولا يقبل لا عمل من المشرك والمنافق، أي: لا يقبل العمل إلا من المؤمنين، وقال في آية أخرى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ} [المائدة: 27].
قوله: {وَاللهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ} يعني آدم خلقه من تراب {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} أي: من نسل آدم {ثُمَّ جَعَلكُمْ أَزْوَاجاً} يعني ذكراً وأنثى، والواحد زوج. قال: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} [النجم: 45].
قال: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ} أي: هيِّن عليه.
ذكروا عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير أنه قال عن عمر العبد: كتب في أول الصحيفة أجله، ثم يكتب أسفل من ذلك: مضى يوم كذا وكذا، ومضى يوم كذا وكذا، حتى يأتي إلى أجله. وقال عكرمة: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} آخَرَ يعني أن يكون عمره دون عمر الآخر.
وتفسير الحسن: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ} أي: حتى يبلغ أرذل العمر {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} أي: ولا ينقص من آخر عمر المعمَّر فيموت قبل أن يبلغ عمر ذلك المعمّر الذي بلغ أرذل العمر {إِلاَّ فِي كِتَابٍ}. وبعضهم يقول: العمر ها هنا ستّون سنة. (3/413)
صفحة 1482
قوله: {وَمَا يَسْتَوِي البَحْرَانِ هذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} أي: حلو {سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي: مالح مر. {وَمِن كُلٍّ} أي: من العذب والمالح {تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} يعني الحيتان {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} يعني اللؤلؤ {وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} أي: مقبلة ومدبرة بريح واحدة {لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} يعني طلب التجارة في البحر {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: ولكي تشكروا هذه النعم.
قوله تعالى: {يُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ} وهو أخذ كل واحد منهما من صاحبه {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمّىً} لا يعدوه. {ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} يقوله للمشركين، يعني أوثانهم. {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} وهي القشرة، السحاءة، البيضاء التي تكون على النواة.
{إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} أي: بعبادتكم إياهم {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}. وهو الله.
قال: {يَآأَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الْحَمِيدُ} أي: المستحمد إلى خلقه، استوجب عليهم أن يحمدوه. {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أي: يهلككم بعذاب الاستئصال {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} هو أطوع له منكم. كقوله: {إِنَّا لَقَادِرُونَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ} [المعارج: 40 - 41]. قال: {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ} أي: أن يفعل ذلك بكم.
قوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أي: لا يحمل أحد ذنب أحد. {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ} أي: من الذنوب {إِلَى حِمْلِهَا} ليحمل عنها {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ (3/414)
صفحة 1483
ذَا قُرْبَى} أي: لا يحمل القريب عن قريبه شيئاً من ذنوبه {إِنَّمَا تُنذِرُ} أي: إنما يقبل نِذارتك {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ} أي: في السّر حيث لا يطّلع عليهم أحد {وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ} أي: المفروضة {وَمَن تَزَكَّى} اي: عمل صالحاً {فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ} أي: يجد ثوابه، {وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ} أي: المرجع.
قوله: {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ} وهذا تبع للكلام الأول: {وَمَا يَسْتَوِي البَحْرَانِ هذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ}، {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ}، {وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَآءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ} وهذا كله مثل للمؤمن والكافر؛ كما لا يستوي البحران العذب والمالح وكما لا يستوي الأعمى والبصير وكما لا تستوي الظلمات والنور فكذلك لا يستوي المؤمن والكافر.
قوله: {وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ} يعني ظلّ الجنة، والحرور، يعني النار. وقوله: {وَمَا يَسْتَوِى الأَحْيَآءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ} الأحياء هم المؤمنون، أي: الأحياء في الدين كقوله: {أَوَمَن كَانَ مَيْتاً} أي: كافراً {فَأَحْيَيْنَاهُ} أي: بالإِيمان [الأنعام: 122] والأموات هم الكفار، أي: أموات في الدين.
{إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ} أي: يهديه للإِيمان {وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القُبُورِ} أي: وما أنت بمسمع الكفار، أي: هم بمنزلة الأموات من أهل القبور لا يسمعون منك الهدى سمع قبول، أي: لا يقبلون منك ما تدعوهم إليه كما أن الذين في القبور لا يسمعون.
قال: {إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ} أي: تنذر الناس، ليس عليك غير ذلك، والله يهدي من يشاء، أي: يمنّ عليه بالقبول لما يدعوه إليه من دين الله فيقبله.
{إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ} أي: بالقرآن {بَشِيراً وَنَذِيراً} أي: بشيراً بالجنة (3/415)
صفحة 1484
ونذيراً من النار {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [يعني الأمم الخالية كلها قد خلت فيهم النذر]. وقال بعضهم: [أي: وإن من أمة ممن أهلكنا إلا خلا فيها نذير]. يحذّر المشركين أن ينزل بهم ما نزل بهم إن كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم كما كذّبت الأُممُ رسلَها.
قال: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ المُنِيرِ}. و {الزُّبُرِ} الكتب على الجماعة. و {البَيِّنَاتِ} في تفسير الحسن: ما يأتي به الأنبياء. {وَبِالكِتَابِ المُنِيرِ} أي: البيّن. والكتاب الذي كان يجيء به النبي منهم إلى قومه.
وتفسير الكلبي: {البَيِّنَاتِ}: الحلال والحرام والفرائض والأحكام.
قال: {ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا} يعني إهلاكه إياهم بالعذاب {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي: عقابي، على الاستفهام، أي: كان شديداً.
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ} أي: فأنبتنا به، أي: بذلك الماء {ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا}، وطعمها في الإِضمار {وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ} أي: طرائق {بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} والغربيب: الشديد السواد. قال: {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَآبِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ} أي: كما اختلفت ألوان ما ذكر من الثمار والجبال.
ثم انقطع الكلام ثم استأنف فقال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ} وهم المؤمنون. وبلغنا عن ابن عباس أنه قال: يعلمون أن الله على كل شيء قدير. وفي الآية تقديم؛ يقول: العلماء بالله هم الذين يخشون الله. (3/416)
صفحة 1485
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ليس العلم رواية الحديث، ولكن العلم الخشية؛ يقول: من خشي الله فهو عالم. {إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ} المفروضة {وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} السرّ التطوّع، والعلانية الزكاة المفروضة. يستحب أن تعطي الزكاة علانية، والتطوّع سراً، ويقال: صدقة السرّ تطوّعاً أفضل من صدقة العلانية. قال: {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} أي: لن تفسد، وهي تجارة الجنة، يعملون للجنة.
قال: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ} أي: ثوابهم الجنة {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} أي: يضاعف لهم الثواب. وقال الحسن: تضاعف لهم الحسنات، أي: يثابون عليها في الجنة. {إِنَّهُ غَفُورٌ} أي: لمن تاب {شَكُورٌ} أي: يشكر اليسير ويثيب بالكثير، أي: يقبل العمل اليسير من المؤمن ويثيبه الجنة.
قال: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ} يعني القرآن {هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: من التوراة والإِنجيل. {إِنَّ اللهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ}.
قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا} أي: اخترنا {مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}.
ذكروا عن جعفر بن زيد أن رجلاً بلغه أنه من أتى بيت المقدس، لم يشخصه (3/417)
صفحة 1486
إلا الصلاة فيه، فصلّى فيه ركعتين خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه. قال: فأتيت بيت المقدس، فدخلت المسجد فصلّيت فيه ركعتين، ثم قلت: اللهم صُن وحدتي، وآنس وحشتي، وارحم غربتي، وسق إليّ جليساً صالحاً تنفعني به. [فبينا أنا كذلك إذ دخل شيخ موسوم فيه الخير]، فقالم عند سارية فصلّى ركعتين، ثم جلس. فقمت إليه، ثم سلّمت عليه، ثم جلست فقلت: من أنت، يرحمك الله، فقال: أنا أبو الدرداء، فقلت: الله أكبر! قال: ما لك يا عبد الله، أذعورة أنا؟ قلت: لا والله، ولكن بلغني أن من أتى هذا المسجد لم يشخصه إلا الصلاة فيه، فصلّى فيه ركعتين خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. قال: الحديث كما بلغك. قلت: فجئت إلى هذا المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم قلت: اللهم صل وحدتي، وآنس وحشتي، وارحم غربتي، وسق إليّ جليساً صالحاً ينفعني. قال: فأنا أحق بالحمد منك إذ أشركني الله في دعوتك، وجعلني ذلك الجليس الصالح. لا جرم لأحدثنك بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أحدث به أحداً قبلك ولا أحدث به أحداً بعدك.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا. . .} إلى آخر الآية. قال: «فيجيء هذا السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، ويجيء هذا المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً، ثم يدخل الجنة، ويجيء هذا الظالم لنفسه فيوقف ويعيّر ويوبّخ ويعرّف ذنوبه ثم يتجاوز الله عنه فيدخله الجنة بفضل رحمته، فهم الذين قالوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي (3/418)
صفحة 1487
أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ}. غفر الذنب الكبير وشكر العمل اليسير، سبحانه وتعالى».
ذكروا عن أبي قلابة أنه تلا هذه الآية إلى قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} فقال: دخلوها كلهم.
ذكروا عن أبي المتوكل الناجي أن حبراً من الأحبار لقي كعباً فقال: يا كعب، تركت دين موسى واتبعت دين محمد؟ فقال: بل أنا على دين موسى واتبعت دين محمد، فقال: فما حملك على ذلك؟ فقال: إني وجدت أمة محمد يقسمون يوم القيامة ثلاثة أثلاث: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، وثلث يقول الله تبارك وتعالى لملائكته: قلبوا عبادي فانظروا ما كانوا يعملون. فيقلبونهم فيقولون: ربنا نرى ذنوباً كثيرة وخطايا عظيمة. فيقول: قلبوا عبادي فانظرو ما كانوا يعملون فيقلبونهم إلى ثلاث مرات، فيقول في الرابعة: قلبوا ألسنتهم فانظروا ما كانوا يعملون، فيقلبون ألسنتهم، وهو العالم بقولهم، فيقولون: ربنا، نراهم يخلصون لك ولا يشركون بك شيئاً. فيقول عبادي اخلصوا لي ولم يشركوا بي شيئاً اشهدوا يا ملائكتي إني قد غفرت لعبادي وقد رحمتي بالغفران لعبادي بما أخلصوا لي ولم يشركوا بي شيئاً.
ذكروا عن عقبة بن صهبان قال: سألت عائشة عن هذه الآية، فقالت: نعم، يا بنيّ، كلُّهم إلى الجنّة؛ السابق من مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحياة والرزق، والمقتصد من اتَّبع أثره من أصحابه حتى لحق به، والظالم لنفسه مثلي ومثلك. فألحقت نفسَها بنا من أجل الحدَث الذي أصابت. (3/419)
صفحة 1488
ذكروا عن عمر بن الخطاب قال: سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له بعد توبته.
ذكروا عن الحسن قال: السابقون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والمقتصد رجل سأل عن آثار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فاتَّبعهم، والظالم لنفسه منافق قُطِعَ بِه دونهم.
ذكروا عن الضحاك بن مزاحم أنه قرأ هذا الحرف: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} فقال: سقط هذا، يعني ما قال الحسن: إنه المنافق.
وتفسير مجاهد: إنه منافق. وقال: هي التي في سورة الواقعة، السابقون هم السابقون، يعني قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة: 10] فوصف صفتهم في أول السورة، والمقتصد أصحاب اليمين؛ وهم المنزل الآخِر في سورة الواقعة: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ الْيَمِينِ} [الواقعة: 27] فوصف صفتهم. والظالم لنفسه أصحاب المشأمة.
وقال بعضهم: إن أصحاب اليمين هم الذين يحاسبون حساباً يسيراً، وهو المقتصد في حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أصحاب المنزل الآخِر في سورة الرحمن حيث يقول: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} [الرحمن: 62] فوصفهما. ومنزل السابقين المنزل الأول في سورة الرحمن: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46].
قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} قد فسَّرنا ذلك في غير هذه الآية.
قوله: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً}. وقال في آية أخرى: {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} [الإِنسان: 21].
قوله: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} ذكروا عن أبي هريرة قال: دار المؤمن من درة (3/420)
صفحة 1489
مجوّفة، في وسطها شجرة تنبت الحلل، ويأخذ بأصبعيه حلّة منظمة باللؤلؤ والمرجان.
ذكروا عن عمرو بن ميمون الأزدي قال: إن المرأة من نساء أهل الجنة من الحور العين لَيَكُونَ عليها سبعون حلّة، وإنه ليُرى مخُّ ساقها من وراء ذلك كما يبدو الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء.
قوله: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. وقال بعضهم: كانوا في الدنيا محزونين، كقوله: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} [الطور: 26] أي: خائفين. وقال بعضهم: الموت، ومنه تحزن القلوب.
قوله: {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} أي: إعياء.
ذكروا أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما راحة أهل الجنة فيها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله، وهل فيها من لغوب، كل أمرها إلى راحة.» فأنزل الله هذه الآية: {لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا} أي: في الجنة، {نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}.
قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا} وقال في آية أخرى: {فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} [النبأ: 30]. (3/421)
صفحة 1490
ذكروا عن ابن عمر قال: ما نزل في أهل النار آية هي أشد من هذه.
قال: {كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} أي: بربّه. وهو كفر دون كفر وكفر فوق كفر.
قوله: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} أي: في النار {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} أي: أخرجنا فردنا إلى الدنيا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل. قال الله: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ} يعني النبي صلى الله عليه وسلم. ذكر بعضهم قال: نزلت هذه الآية فيها ابن ثمان عشرة سنة. وكل شيء ذُكِر من كلام أهل النار فهو قبل أن يقول الله لهم: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108].
قوله: {فَذُوقُوا} أي: العذاب {فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} وهذا ظلم الشرك وهو ظلم فوق ظلم، وظلم دون ظلم.
قوله: {إِنَّ اللهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} غيب السماوات هو ما ينزل من السماء من المطر وما فيها، وغيب الأرض ما يخرج منها من النبات وما فيها. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. وهو كقوله: {أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 10] وكقوله: {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [التغابن: 4] وأَشباه ذلك.
قوله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ} أي: خلفاً من بعد خلف. {فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي: إنه يثاب عليه النار {وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً}.
قوله: {قُلْ أَرَءيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ} أي: في خلق السماوات، على الاستفهام، أي: إنهم لم يخلقوا مع الله منها شيئاً. {أَمْ ءَاتَيْنَاهُمْ كِتَاباً} [فيما هم عليه من الشرك]. {فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِّنْهُ} أي: لم يفعل ذلك. كقوله: {أَمْ ءَاتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ} أي: فيما هم عليه من الشرك، {فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} [الزخرف: 21] (3/422)
صفحة 1491
قال: {بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ} أي: المشركون. كل هذا ظلم الشرك، وهو ظلم دون ظلم، وظلم فوق ظلم {بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً} يعني الشياطين الذين دعتهم إلى عبادة الأوثان والمشركين الذين دعا بعضهم بعضاً إلى ذلك.
قوله: {إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ} أي: لئلا تزولا. {وَلَئِن زَالَتَآ إِن أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ}. وهذه صفة. يقول: إن زالتا ولن تزولا.
ذكروا عن الأعمش عمّن حدّثه عن عبد الله بن مسعود أن رجلاً جاء إليه؛ فرأى عبدُ الله بن مسعود عليه أثرَ السفر، فقال له: من أين قدمت؟ قال: من الشام. قال: فمن لقيت؟ قال: لقيت فلاناً وفلاناً، ولقيت كعبَ الأحبار. قال: فما حدّثك به؟ قال: حدّثني أن السماوات تدور على منكبي مَلك. فقال عبد الله بن مسعود: ليتك افتديت من لُقِيّك إياه براحلتك ورَحلك؛ كذب كعب، إن الله يقول: {إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِن أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ}. قال الله: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} أي: حليماً لا يعجِّل بالعقوبة، غفوراً لمن تاب وآمن.
قوله: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لِّيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ} كقوله: {وَإِن كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللهِ المُخْلَصِينَ} [الصافات: 167 - 169]. قال الله: {فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ} أي: محمد صلى الله عليه وسلم {مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} أي: الإِيمان.
{اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ} أي: عن عبادة الله {وَمَكْرَ السَّيِّىءِ} يعني الشرك وما يمكرون برسول الله وبدينه. وقال في آية أخرى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .} إلى آخر الآية [الأنفال: 30]. (3/423)
صفحة 1492
قال: {وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} وهذا وعيد لهم. قال: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ} أي: سنة الله في الأولين. كقوله: {سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} [غافر: 85] المشركين، أي: إنهم كانوا إذا كذّبوا رسلهم أهلكهم، فيؤمنون عند نزول العذاب فلا يقبل ذلك منهم.
قال: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً} أي: لا يبدِّل بها غيرها {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً} أي: لا تحول. وأخّر عذاب كفار آخر هذه الأمّة إلى النفخة الأولى بالاستئصال، بها يكون هلاكهم. وقد عذّب أوائل مشركي هذه الأمَّة بالسيف يوم بدر.
قوله: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: بلى، قد ساروا، وليتفكروا فيما أهلك الله به الأمم فليحذروا أن ينزل بهم ما نزل بهم. وكان عاقبة الذين من قبلهم أن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار.
قال: {وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ} أي: ليسبقه {مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ} أي: حتى لا يقدر عليه {إِنَّه كَانَ عَلِيماً قَدِيراً}.
قوله: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا} أي: بما عملوا {مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} يقول: يحبس عنهم المطر، فهلك ما في الأرض من دابّة. {وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ} يعني المشركين {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً} أي: الساعة التي يكون بها هلاك آخر كفّار هذه الأمة {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} أي: الساعة {فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} لا تخفى عنه منهم خافية، أي: لا يكذب صادقاً، ولا يصدّق كاذباً ولا يقضي بباطل، سبحانه وتعالى. (3/424)
صفحة 1493
تفسير سورة يس وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {يس} يقول: يا إنسان، والسين حرف من حروف الإِنسان. يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يا إنسان. {وَالْقُرْءَانِ الحَكِيمِ} أي: المحكم بالحلال والحرام. {إِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [أقسم للنبي عليه السلام بالقرآن الحكيم إنه لمن المرسلين على صراط مستقيم، أي: على دين مستقيم]. والصراط هو الطريق المستقيم، أي: إلى الجنة.
{تَنزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} يعني القرآن هو تنزيل العزيز الرحيم، نزّله مع جبريل على محمد عليهما السلام.
قوله: {لِتُنذِرَ قَوْماً} يعني قريشاً {مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ} قال بعضهم: لتنذر قوماً لم ينذر آباؤهم. وقال جماعة من أهل العلم: أي: بالذي أنذر آباؤهم. فمن قال: لم ينذر آباؤهم فهو يعني مثل قوله: {مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّنْ قَبْلِكَ} [السجدة: 3] يعني قريشاً. ومن قال: مثل الذي أنذر آباؤهم فهو يأخذها من هذه الآية: {أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ الأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 68] يعني من كان قبل قريش. قال: {فَهُمْ (3/425)
صفحة 1494
غَافِلُونَ} أي: عما جاءهم به النبي عليه السلام، أي: في غفلة من البعث.
قال: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ}. يعني لقد سبق القول على أكثرهم أي: من لا يؤمن منهم. {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}.
قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ} أي: فهم فيما تدعوهم إليه من الهدى بمنزلة الذي في عنقه الغل، فهو لا يستطيع أن يبسط يده، أي: أنهم لا يقبلون الهدى، والمقمح، فيما ذكروا عن عبد الله بن مسعودا الذي غُلَّت يده إلى عنقه. وقال بعضهم: الأذقان: الوجوه، أي: غلّت يده فهي عند وجهه. وتفسير الحسن: المقمح: الطامح ببصره الذي لا يبصر موطئ قدمه، أي: حيث يطأ؛ أي: لا يبصر الهدى. وقال مجاهد: رافعو رؤوسهم وأيديهم موضوعة على أفواههم.
قال: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} ذكروا عن عكرمة قال: {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} قال: ما صنع الله فهو سَد، وما صنع ابن آدم فهو سُد]. وقد قالوا: {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصّلت: 5] أي: فلا نبصر ما تقول.
قال: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} أي: الهدى. وهذا كلّه كقوله: {وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} فلا يبصر الهدى بالكفر الذي عليه. قال: {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللهِ} [الجاثية: 23] أي: لا أحد يهديه بعد أن يضلّه الله بفعله. (3/426)
صفحة 1495
وبعضهم يقول: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً} أي: ما كان عليه آباؤهم {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} أي: من خلف آبائهم {سَدّاً} يعنيهم؛ وهو تكذيبهم بالبعث. {فَأَغْشَيْنَاهُمْ} يعني ظلمة الكفر بكفرهم، {فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} أي: لا يبصرون الهدى.
قوله: {وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} يعني الذين لا يؤمنون. {إِنَّمَا تُنْذِرُ} أي: إنما يقبل نِذارتك فينتذر، أي: فيتّعظ {مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ} يعني القرآن {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ} كقوله: {إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ} [فاطر: 18] وقوله: {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} أي: في السّرّ، فأخلص لله القول والعمل. قال: {فَبَشِّرْهُ} أي: فبشر هذا {بِمَغْفِرَةٍ} أي: لذنبه {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} أي: وثواب كريم، وهو الجنة.
قوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى} يعني البعث {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَءَاثَارَهُمْ} وهو قوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [الانفطار: 5] {مَا قَدَّمُوا} أي: ما عملوا من خير أو شر. {وءَاثَارَهُمْ} أي: ما أخّروا من سنة حسنة فعمل بها من بعدهم، فإن لهم أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، أو سنة سيئة يعمل بها من بعدهم، فإن عليهم مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيّما داع دعا إلى هدى فاتّبع عليه فإن له مثل أجر من اتّبعه ولا ينقص لهم من أجورهم شيء وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتّبع عليها كان عليه مثل وزر من اتّبعه ولا ينقص من أوزارهم شيء».
ذكروا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: {وَءَاثَارَهُمْ} أي: خطوهم. (3/427)
صفحة 1496
وقال بعضهم: أي: ذكرهم. وقال بعض العلماء: لو أن الله مغفل شيئاً، أي: تارك شيئاً، من شأنك يا ابن آدم لأغفل هذه الآثار التي تعفوها الرياح.
قال: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ} أي: في كتاب بيِّن، وهو اللوح المحفوظ.
قوله: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} وهي أنطاكية {إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} تفسير مجاهد فشدّدنا بثالث. قال: إنه أُرسِل إليهم اثنان قبل الثالث فقتلوهما، ثم أرسل الثالث. {فَقَالُوا} يعني الأولين قبل الثالث، والثالث بعدهما. {إِنَّآ إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ. قَالُوا مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} وجحدوا أنهم رسل {وَمَآ أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ}.
{قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ البَلاَغُ الْمُبِينُ}.
قوله: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} أي: تَشَاءَمْنَا بكم. قال بعضهم: قالوا: إن أصابنا سوء فهو من قِبَلكم. {لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ} أي: لنقتلنكم، في تفسير الحسن. غير أن الحسن قال: لنرجمنّكم بالحجارة حتى نقتلكم. {وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع، قبل أن نقتلكم. (3/428)
صفحة 1497
{قَالُوا طَآئِرُكُم مَّعَكُمْ} أي: عملكم معكم {أَئِن ذُكِّرْتُم} أي: ائن ذكَّرناكم بالله تطيّرتم بنا، على الاستفهام. ومقرأ العامة بالتشديد: {أَئِن ذُكِّرْتُم} {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} أي: مشركون.
قوله: {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ} يعني أنطاكية {رَجُلٌ يَسْعَى} أي: يسرع؛ وهو حبيب النجار. {قَالَ يَاقَوْمِ اتِّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لآ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} أي: خلقني {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة. {ءَأتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً} على الاستفهام {إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ} يعني الآلهة {شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ} من ضرر {إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} يعني في خسران بيّن {إِنِّي ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ}.
وتفسير مجاهد غير هذا. قال مجاهد: كان رجلاً من قوم يونس وكان به جذام فكان يطيف بآلهتهم يدعوها فلم تغن عنه شيئاً. فبينما هو يوماً كذلك إذ مرّ بجماعة فدنا منهم، فإذا نبيّ الله يدعوهم إلى الهدى؛ وقد قتلوا قبله اثنين فدنا منه. فلما سمعَ كلام النبي قال له: يا عبد الله، إن معي ذهباً فهل لك أن تأخذه مني وأتّبعك فتدعو الله أن يشفيني. قال له: اتّبعني ولا حاجة لي في ذهبك، وأنا أدعو الله لك فيشفيك. قال: فدعا الله، فبَرأ. فقال: {قَالَ يَاقَوْمِ اتِّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً} لما كان عرض عليه من الذهب فلم يقبله منه، {وَهُم مُّهْتَدُونَ} وما لي لا أعبد الذي فطرني، أي: خلقني {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: بعد الموت {ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً} أي: لما كان يدعو آلهتهم لما به من الجذام فلم تغن عنه شيئاً {وَلاَ يُنقِذُونِ} أي: من ضر. يعني الجذام الذي كان به. (3/429)
صفحة 1498
{إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ إِنِّي ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} أي: فاسمعوا قولي، أي: فاقبلوه. ودعاهم إلى الإِيمان. وليس هذا الحرف من تفسير مجاهد. فأخذه قومه فقتلوه.
{قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ} أي: وجبت لك الجنة. {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} فنصحهم حيّاً وميّتاً.
قال الله: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَآءِ} أي: من رسالة في تفسير مجاهد. {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ}. والجند في تفسير الحسن: الملائكة الذين يجيئون بالوحي إلى الأنبياء، فانقطع عنهم الوحي، واستوجبوا العذاب فجاءهم العذاب.
قال الله: {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} والصيحة عند الحسن: العذاب {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} أي: قد هلكوا.
قوله: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} في أنفسهم {مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي: فيا لك حسرة عليهم؛ مثل قوله: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَي عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللهِ} [الزمر: 56] أي: في أمر الله. إذا كان القول من العباد قال العبد: يا حسرتا، وقال القوم: يا حسرتنا. وإنما أخبر الله أن تكذيبهم للرسل حسرة عليهم.
قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي: لا يرجعون إلى الدنيا. يعني من أهلك من الأمم السالفة حين كذّبوا رسلهم. يقول هذا لمشركي العرب. يقول: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ}، (3/430)
صفحة 1499
يحذّرهم أن ينزل بهم ما نزل بهم. قال: {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} أي: يوم القيامة، يعني: الماضين والباقين.
قال: {وَءَايَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ المَيْتَةُ} أي: المجدبة {أَحْيَيْنَاهَا} أي: بالنبات يعني بالميتة الأرض اليابسة التي ليس فيها نبات. فالذي أحياها بعد موتها قادر على أن يحيي الموتى. قال: {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} أي: ولم تعمله أيديهم، ونحن أنبتنا ما فيها وفجّرنا فيها من العيون. {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ}.
قوله: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا} يعني الأصناف كلها {مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ} أي: الذكر والأنثى {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} أي: مما خلق في البر والبحر من صغير وكبير. وهو كقوله: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 8].
قال: {وَءَايَةٌ لَّهُمُ الّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} أي: نذهب منه النهار {فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ}.
قال: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا} أي: لا تجاوزه. وهذا أبعد منازلها، ثم ترجع إلى أدنى منازلها، في تفسير الحسن، إلى يوم القيامة، ثم تكوّر فيذهب ضوءها. ذكروا عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقرأها: والشمس تجري لا مستقرّ (3/431)
صفحة 1500
لها، وهو كقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دآئِبَيْنِ} [إبراهيم: 33] قال: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}.
{وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} أي: يزيد وينقص، وفي تفسير الكلبي: يجري في منازله. قال الحسن: لا يطلع ولا يغيب إلا في زيادة ونقصان. {حَتَّى عَادَ كَالعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} أي: كعذق النخلة اليابس، يعني إذا كان هلالاً.
قوله: {لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ} أي: لا يجتمع ضوءهما، في قول مجاهد، يقول: ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل لا ينبغي لهما أن يجتمع ضوءهما.
وفي تفسير الكلبي: لا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل فتكون مع القمر في سلطانه. وقال الحسن: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ليلة الهلال خاصة؛ لا يجتمعان في السماء، وقد يُرَيان جميعاً ويجتمعان في غير ليلة الهلال؛ وهو كقوله: {وَالقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا} [الشمس: 2] أي: إذا تبعها ليلة الهلال.
ذكروا عن بعض أهل التفسير قال: {وَالقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا} أي: يتلوها صبيحة الهلال. وبعضهم يقول: {لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ} أي: صبيحة ليلة البدر، أي: يبادر فيغيب قبل طلوعها. (3/432)
صفحة 1501
قال: {وَلاَ الّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} أي: يأتي عليه النهار فيذهبه. كقوله: {يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} [الأعراف: 54].
ذكروا أن أناساً من اليهود قالوا لعمر بن الخطاب: تقولون: جنة عرضها السماوات والأرض، فأين تكون النار؟ فقال: أرأيت إذا جاء النهار أين يكون الليل، وإذا جاء الليل أين يكون النهار. يفعل الله ما يشاء.
قوله تعالى: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أي: الشمس والقمر، بالليل والنهار يَسبَحون، أي: يدورون، في تفسير مجاهد، كما يدور فلك المغزل.
وقال الحسن: الفلك طاحونة مستديرة كفلكة المغزل بين السماء و الأرض، تجري فيها الشمس والقمر والنجوم، وليست بملتصقة بالسماء، ولو كانت ملتصقة ما جرت.
وقال الكلبي: {يَسْبَحُونَ} أي: يجرون. وذكر بعضهم فقال: إن السماء خلقت مثل القبّة، وإن الشمس والقمر والنجوم ليس منها شيء ملتزق بالسماء، وإنما تجري في فلك دون السماء.
قوله: {وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ المَشْحُونِ} يعني نوحاً وبنيه الثلاثة: سام وحام ويافث؛ منهم ذرية الخلق بعدما غرق قوم نوح. والمشحون: الموقَر بحمله مما حمل نوح معه في السفينة. قال: {وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ} أي: من مثل الفلك {مَا يَرْكَبُونَ} يعني الإِبل. ويقال: إنها سُفُن البَرّ. وقال في آية أخرى: {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} [الزخرف: 12].
قال: {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ} أي: فلا مغيث لهم {وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ} أي: من العذاب {إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ} أي: إلى يوم القيامة، (3/433)
صفحة 1502
ولم نهلكهم بعذاب الاستئصال، وسيهلك كفار آخر هذه الأمة بالنفخة الأولى.
قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ} أي: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} من وقائع الله بالكفّار، أي: لا ينزل بكم ما نزل بهم. {وَمَا خَلْفَكُمْ} عذاب الآخرة بعد عذاب الدنيا. يقوله النبي عليه السلام للمشركين. وهذا تفسير الحسن.
وقال الكلبي: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ}: من أمر الآخرة، اتّقوها واعملوا لها، {وَمَا خَلْفَكُمْ} الدنيا إذا كنتم في الآخرة، فلا تغترّوا بها، أي: بالدنيا، فإنكم لتأتون الآخرة.
وقال مجاهد: اتّقوا ما بين أيديكم وما خلفكم من الذنوب.
قال: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي: لكي ترحموا.
قوله: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} تفسير الحسن: ما يأتيهم من رسول.
قوله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ} وهذا تطوّع {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللهُ أَطْعَمَهُ} فإذا لم يشأ الله أن يطعمه لم نطعمه {إنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} يقوله المشركون للمؤمنين.
قال: {وَيَقُولُونَ مَتَى هذَا الْوَعْدُ} أي: هذا العذاب {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: يكذّبون به.
قال الله: {مَا يَنظُرُونَ} أي: ما ينتظر كفار آخر هذه الأمة الدائنين بدين أبي جهل وأصحابه {إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} أي: النفخة الأولى، بها يكون هلاكهم {تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} [أي: يختصمون] في أسواقهم يتبايعون، يذرعون (3/434)
صفحة 1503
الثياب، ويخفض أحدهم ميزانه ويرفعه، ويحلبون اللّقاح، وغير ذلك من حوائجهم.
ذكر أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه، فما يطويانه حتى تقوم الساعة، وتقوم الساعة والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، وتقوم الساعة والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم الساعة، وتقوم الساعة والرجل قد رفع لقمة إلى فيه فما تصل إلى فيه حتى تقوم الساعة».
قال بعض أهل العلم: قضى الله ألا تأتيكم الساعة إلا بغتة، يعني قوله تعالى: {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} [الأعراف: 187].
قوله: {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} أي: أن يوصوا {وَلآ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} أي: من أسواقهم وحيث كانوا، أخذتهم فلا يرجعون.
قوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} فهذه النفخة الآخرة، والصور قرن ينفخ فيه.
ذكروا عن سليمان التيمي عن أسلم العجلي عمن حدّثه عن رجل من أصحاب النبي عليه السلام قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصور فقال: «هو قرن ينفخ فيه» وذكر بعضهم قال: ونفخ في الصور، أي: في الخلق.
ذكروا عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة قال: تجعل الأرواح في الصور ثم ينفخ فيه صاحب الصور فيذهب كل روح إلى جسده مثل النحل، فتدخل الأرواح في أجسادها، ويقومون.
قال: {فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} أي: فإذا هم من القبور إلى ربهم يخرجون، يعني جميع الخلق. (3/435)
صفحة 1504
{قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} [قال بعضهم: تكلّم بأول هذه الآية أهل الضلالة وبآخرها أهل الإِيمان. قال أهل الضلالة: {يَاوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}]. قال المؤمنون: {هذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}. ذكروا عن الحسن عن أبي بن كعب مثل ذلك.
ذكروا عن زيد بن أسلم قال: قال الكافر: {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}. قالت الملائكة: {هذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}. وقال بعضهم يقول: هم الملائكة الذين يكتبون أعمال العباد.
قولهم: {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} هو ما بين النفختين لا يعذّبون في قبورهم ما بين النفختين. ويقال: إنها أربعون سنة؛ فلذلك قالوا: {يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}. وذلك أنه إذا نفخ في الصور النفخة الأولى قيل له: اخمد، فيخمد إلى النفخة الآخرة.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بين النفختين أربعون الأولى يميت الله بها كل شيء، والآخرة يحيي الله بها كل ميت.» وبلغنا عن عكرمة قال: النفخة الأولى من الدنيا، والنفخة الثانية من الآخرة. وقال الحسن: القيامة اسم جامع يجمع النفختين جميعاً.
قوله تعالى: {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} يعني ما كانت إلا صيحة واحدة. {فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ} أي: المؤمنون والكافرون جميعاً {لَّدَيْنَا} أي: عندنا {مُحْضَرُونَ}.
قال: {فَاليَوْمَ} يقوله يومئذ {لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. (3/436)
صفحة 1505
فأخبر بمصير أهل الإِيمان وأهل الكفر فقال: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ} يعني في الآخرة {فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} قال بعضهم: {فِي شُغُلٍ} في افتضاض العذارى. قال: {فَاكِهُونَ} أي: مسرورون في تفسير الحسن. وبعضهم يقول: معجبون.
قوله: {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى الأَرَآئِكِ} أي: على السرر في الحجال {مُتَّكِئُونَ} بلغنا أن أحدهم يعطى قوة مائة رجل شاب في الشهوة والجماع، وأنه يفتض في مقدار ليلة من ليالي الدنيا مائة عذراء بذكر لا يملّ ولا ينثني، وفرج لا يحفى، ولا يُمنى في شهوة أربعين عاماً.
ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة يدخلونها كلهم نساؤهم ورجالهم من عند آخرهم أبناء ثلاث وثلاثين سنة على طول آدم، طوله ستون ذراعاً، الله أعلم بأي ذراع هو [جُرداً مُرداً مكحّلين] يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون، والنساء عرباً أتراباً لا يحضن ولا يبلن ولا يقضين حاجة فيها قذر».
قال: {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ} أي: ما يشتهون. يكون في أحدهم الطعام فيخطر على باله طعام آخر فيتحول ذلك الطعام في فيه على ما اشتهى. ويأكل من ناحية من البسرة بسراً، ثم يأكل من ناحية أخرى عنباً إلى عشرة ألوان أو ما شاء الله من ذلك. ويصف الطير بين يديه، فإذا اشتهى الطائر منها اضطرب ثم صار بين يديه نضيجاً، نصفه شواء ونصفه قدير، وكل ما اشتهت أنفسهم وجدوه، كقوله: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ} [الزخرف: 71]. (3/437)
صفحة 1506
قوله عز وجل: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} قال بعضهم: يأتي الملك من عند الله إلى أحدهم فلا يدخل عليه حتى يستأذن عليه، يطلب الإِذن من البواب الأول فيذكره للبوّاب الثاني، ثم كذلك حتى ينتهي إلى البواب الذي يليه، فيقول له البواب: ملك على الباب يستأذن، فيقول: ائذن له؛ فيدخل بثلاثة أشياء: بالسلام من الله، وبالتحفة والهدية، وبأن الله عنه راض. وهو قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً} [الإِنسان: 20].
قوله: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} أي: المشركون والمنافقون، أي: تمايزوا عن أهل الجنة إلى النار. وقال بعضهم: عزلوا عن كل خير.
قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} أي: إنهم عبدوا الأوثان بما وسوس إليهم الشيطان، فأمرهم بعبادتهم، فإنما عبدوا الشيطان. قال: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}.
قال: {وَأَنِ اعْبُدُونِي} أي: لا تشركوا بي شيئاً {هذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي: هذا دين مستقيم. والصراط الطريق السهل إلى الجنة.
قال: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً} أي: خلقاً كثيراً، أضل من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. قال: {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ}. وأخبر عنهم فقال في آية أخرى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] أي: لو كنا نسمع أو نعقل لآمنا في الدنيا فلم نكن من أصحاب السعير. قال الله: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 11].
قوله: {هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} أي: في الدنيا إذا لم تؤمنوا {اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} أي: في الدنيا.
{الْيَوْمَ} يعني في الآخرة {نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي: يعملون.
ذكروا عن أبي موسى الأشعري قال: قالوا والله ما كنا مشركين، فختم الله على (3/438)
صفحة 1507
أفواههم، ثم قال للجوارح: انطقي، قال: إن أوّلَ ما يتكلم من أحدهم فخذه. قال الحسن [بن دينار: نسيت] اليسرى قال أم اليمنى. وتفسير الحسن: إن هذا آخر مواطن يوم القيامة، فإذا ختمت أفواههم لم يكن بعد ذلك إلا دخول النار.
قوله تعالى: {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ} يعني المشركين {فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ} أي: لو نشاء لأعميناهم فاستبقوا الصراط، أي: الطريق، {فَأَنَّى يُبْصِرُونَ} أي: فكيف يُبْصرون إذا أعميناهم.
قال: {وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ} أي: لو نشاء لأقعدناهم على أرجلهم. {فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ} أي: إذا فعلنا ذلك بهم لم يستطيعوا أن يتقدّموا ولا يتأخروا.
قال: {وَمَن نُّعَمِّرْهُ} أي: إلى أرذل العمر. {نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ} فيكون بمنزلة الصبيّ الذي لا يعقل. وهو كقوله: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} [الحج: 5] قال: {أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} يقوله للمشركين. أي: فالذي خلقكم، ثم جعلكم شبّاناً، ثم جعلكم شيوخاً، ثم نكسكم في الخلق فردّكم بمنزلة الطفل الذي لا يعقل قادر على أن يبعثكم يوم القيامة.
قوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} يعني النبي عليه السلام {وَمَا يَنبَغِي لَهُ} أي: أن يكون شاعراً ولا يروي الشعر.
ذكروا عن عائشة أنها قالت: لم يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيت شعر قط؛ غير أنه (3/439)
صفحة 1508
أراد أن يتمثّل ببيت شاعر بني فلان فلم يُقِمه. قال بعضهم: أظنُّه الأعشى، وبعضهم يقول: طرفة بن العبد.
ذكروا عن أبان العطار أو غيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قاتل الله طرفة حيث يقول:
سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً ... وَيَأتِيكَ من لم تزوّد بالأخبار
فقيل له: إنه قال: وَيأتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَن لَّمْ تُزَوِّدِ فقال: هذا وذاك سواء.
وقال بعضهم: هو شعر لعباس بن مرداس تمثل ببيت منه فلم يُقِمه. وهو قوله:
أَتَجْعَلَ نَهْبِي وَنَهْبَ العُبَيْ ... دِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ
فقال النبي عليه السلام: «أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة.» فقال له أبو بكر: بين عيينة والأقرع. فقال النبي عليه السلام: «هذا وذاك سواء.» فلم ينطق لسانه بالشعر. وأداره مراراً فلم ينطق به. فأنزل الله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} أي: أن يكون شاعراً. (3/440)
صفحة 1509
قال: {إِنْ هُوَ} يعني ما هو {إِلاَّ ذِكْرٌ} يذكرون به الجنة. وقال بعضهم: إن هو إلا تفكر في ذات الله. {وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ} أي: بيّن.
{لِّيُنذِرَ} أي: من النار. وتقرأ بالتاء والياء. فمن قرأها بالياء فهو يعني لينذر القرآن، ومن قرأها بالتاء فهو يعني لتنذر يا محمد {مَن كَانَ حَيّاً} أي: مؤمناً، وهو الذي يقبل نذارتك. {وَيَحِقَّ الْقَوْلُ} أي: الغضب {عَلَى الكَافِرِينَ} أي: بكفرهم.
قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ} أي: بقوتنا في تفسير الحسن. كقوله: {وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ} [الذاريات: 47] أي: بقوة {أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} أي: ضابطون {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ} يعني الإِبل والبقر والغنم والدواب والخيل والبغال والحمير. {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ} أي: من الإِبل والخيل والبغال والحمير. {وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} أي من الإِبل والبقر والغنم، وقد يرخّص في الخيل.
ذكروا عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أنهم أكلوا يوم خيبر الحمير والبغال والخيل، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمير والبغال ولم ينه عن الخيل. وذكروا عن عطاء عن جابر بن عبد الله أنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: {وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} أي: في أصوافها وأوبارها وأشعارها ولحومها {وَمَشَارِبُ} أي: يشربون من ألبانها. {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} أي: فليشكروا هذه النعم.
قوله: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ ءَالِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} أي: يمنعون كقوله: (3/441)
صفحة 1510
{وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً} [مريم: 81] قال: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ} أي: لا تستطيع آلهتهم نصرهم {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ} أي: معهم في النار.
قوله: {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} أي: إنك شاعر وإنك ساحر وإنك كاهن وإنك مجنون وإنك كاذب {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} أي: من عداوتهم لك {وَمَا يُعْلِنُونَ} من كفرهم بما جئتهم به، فنعصمك منهم ونذلّهم لك. ففعل الله ذلك بهم.
قوله: {أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} أي: وقد علم أنا خلقناه، أي: فكما خلقناه فكذلك نعيده. {قَالَ: مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} أي: وهي رفات.
ذكروا عن مجاهد قال: أتى أبيّ بن خلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم نخر ففتّه بيده فقال: يا محمد، أيحيي الله هذا وهو رميم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم ويحييك الله بعد موتك ثم يدخلك النار.» فأنزل الله: {قُلْ} يا محمد {يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَآ} أي: خلقها {أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} وهو كقوله: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: 14] أي: بلى.
قال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ}. فكل عود يُزنَد منه النار فهو من شجرة خضراء.
قال: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الخَلاَّقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}. قال: {فَسُبْحَانَ} ينزّه نفسه {الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} تفسير الحسن: ملك كل شيء، وبعضهم يقول: خزائن كل شيء. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة. (3/442)
صفحة 1511
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {وَالصَّآفَّاتِ صَفّاً} يعني صفوف الملائكة ذكروا عن عطاء قال: ليس في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد.
ذكروا عن محمد بن المنكدر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أطّت السماء، أي: صوّتت، وحقّ لها أن تئط، ليس فيها موضع شبر إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد».
قال: {فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً} أي: الملائكة تزجر السحاب، منهم صاحب الصور. قال في آية أخرى: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} [النازعات: 13] قال:
{فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً} يعني الملائكة تتلو الوحي الذي تأتي به الأنبياء. أقسم بهذا كله. {إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ}. ذكر بعضهم فقال: لها ثلاثمائة وستون مشرقاً وثلاثمائة وستون مغرباً. وقال بعضهم: هي (3/443)
صفحة 1512
ثمانون ومائة منزلة، تطلع كل يوم في منزلة، حتى تنتهي إلى آخرها، ثم ترجع في تلك الثمانين ومائة، فتكون ثلاثمائة وستين، فهي كل يوم في منزلة.
وقال بعضهم في قوله: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن: 17] قال: لها مشرق في الشتاء ومشرق في الصيف، ومغرب في الشتاء ومغرب في الصيف. وقوله: {رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [المزمل: 9] أي: ربّ المشرق كله وربّ المغرب كله.
قوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظاً} أي: وجعلناها، أي: الكواكب، حفظاً للسماء. {مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ} أي: مرد على المعصية، أي: اجترأ على المعصية، وهم سراة إبليس.
{لاَّ يَسَّمَّعُونَ} أي: لئلا يسمعوا {إِلَى المَلإِ الأَعْلَى} يعني الملائكة في السماء، وكانوا يسمعون قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم أخباراً من أخبار السماء. أما الوحي فلم يكونوا يقدرون على أن يسمعوه، وكانوا يقعدون منها مقاعد للسمع، فلما بعث النبي عليه السلام مُنِعوا من تلك المقاعد. قال: {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَى المَلإِ الأَعْلَى} {وَيُقْذَفُونَ} أي: ويرمون {مِن كُلِّ جَانِبٍ} أي: من كل مكان {دُحُوراً} أي: طرداً، يطردون عن السماء.
ذكروا عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم ما نرى نجماً يُرمى به، فبينما نحن ذات ليلة إذا النجوم قد رُمي بها، فقلنا: ما هذا إلا أمر حدث؛ فجاءنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث، فأنزل الله في سورة الجن: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} [الجن: 9].
قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} أي: دائم. {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} رجع إلى الكلام الأول: {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَى المَلإِ الأَعْلَى} إلا من خطف الخطفة، أي: استمع الاستماعة كقوله: {إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ} [الحجر: 18] قال: {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} أي: مضى.
ذكروا عن بعضهم قال: ثقوبه ضوءه. ذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (3/444)
صفحة 1513
قال: إذا رأيتم الكوكب قد رمي به فتواروا فإنه لا يخطئ، وهو يحرق ما أصاب ولا يقتل. وتفسير الحسن: إنه يقتله في أسرع من الطرف.
ذكروا عن محمد بن سيرين عن رجل قال: كنا مع أبي قتادة على سطح فانقض كوكب فنهانا أبو قتادة أن نتبعه أبصارنا.
ذكروا عن عمرو قال: سأل حفص الحسن: أأتبع بصري الكوكبَ فقال: قال الله: {وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ} [الملك: 5] وقال: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الأعراف: 185] كيف نعلم إذا لم ننظر إليه. لأتبعنَّه بصري.
قوله عز وجل: {فَاسْتَفْتِهِمْ} يعني المشركين {أَهُم أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} يعني السماء في تفسير مجاهد. وقال الحسن: أم السماء والأرض. وقال في آية أخرى: {ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَآ} [النازعات: 27 - 30] وقال: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر: 57] يقول: فاسألهم، على الاستفهام، أي: فحاجّهم بذلك، {ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ}؛ في قول مجاهد. وفي قول الحسن: أم السماء والأرض. أي: إنهما أشد خلقاً منهم.
قوله: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} واللازب: الذي يلصق باليد، في تفسير بعضهم. واللاصق واللازق واحد. وهي لغة. وقال مجاهد: لازب أي: لازم، وهو واحد. وهو الطين الحرّ في تفسير بعضهم، يعني خلق آدم. وكان أول خلقه تراباً، ثم كان طيناً. قال: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ} [غافر: 67]، وقال: {مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} [الرحمن: 14]، وهو التراب اليابس الذي يسمع له صلصلة. وقال: {مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} وقال: {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 26، 28، 33] يعني الطين المنتن.
قوله: {بَلْ عَجِبْتَ} يا محمد أن أعطيت هذا القرآن {وَيَسْخَرُونَ} هم، يعني المشركين. {وَإِذَا ذُكِّرُوا} أي: بالقرآن {لاَ يَذْكُرُونَ} قال: {وَإِذَا رَأَوْا (3/445)
صفحة 1514
ءَايَةً} أي: وإذا تليت عليهم آية {يَسْتَسْخِرُونَ} أي: من السخرية.
{وَقَالُوا إِنْ هَذَآ} يعنون القرآن {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي: بيّن أنه سحر. {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَءَابَآؤُنَا الأَوَّلُونَ} قالوا هذا على الاستفهام. وهذا استفهام على إنكار، أي: لا نبعث ولا آباؤنا الأولون.
قال الله: {قُلْ} يا محمد {نَعَمْ} تبعثون جميعاً {وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ} أي: صاغرون. قوله: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} أي: النفخة الآخرة {فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ} أي: قد خرجوا من قبورهم ينظرون.
{وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ} أي: يوم يدين الله الناس فيه بأعمالهم. {هَذَا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ} أي: يوم القضاء، يقضي فيه بين المؤمنين والمشركين، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل الكافرين النار.
قوله: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} أي: سوقوا الذين أشركوا وأزواجهم، أي: وأشكالهم. [وقال بعضهم: (وَأَزْوَاجَهُمْ) أي: وقرناءهم من الشياطين] {وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الجَحِيمِ}.
ذكروا عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب في قوله: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير: 7] قال: يزوّج كل إنسان نظيره من النار، ثم تلا هذه الآية: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ} أي: فادعوهم {إِلَى صِرَاطِ الجَحِيمِ}. تفسير الحسن: أن كل قوم يلحقون بصنفهم. {وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ} في تفسير الحسن، بمعنى الشياطين التي دعتهم إلى عبادة الأوثان، وإنما عبدوا الشياطين. (3/446)
صفحة 1515
وقال الكلبي: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: أشركوا، {وَأَزْوَاجَهُمْ} أي: ومن عمل بأعمالهم من بني آدم.
قوله: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الجَحِيمِ} أي: إلى طريق الجحيم. والجحيم اسم من أسماء جهنم، وهو الباب الخامس، وإنما أبوابها سبعة: جهنم، وهو الباب الأعلى، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم الجحيم، ثم سقر، ثم الهاوية، وهي الدرك الأسفل من النار، وجهنم اسم جامع لتلك الأبواب. قال: {فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} [النحل: 29] وكل باب منها هو النار، الأعلى جهنم، ثم لظى، والنار كلها لظى. قال: {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى} [الليل: 14] أي: تأجج. ثم الحطمة، والنار كلها حطمة، أي: تحطم عظامهم وتأكل كل شيء منهم إلا الفؤاد. قال: {كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي الحُطَمَةِ} [الهمزة: 4] ثم السعير، والنار كلها سعير، تسعر عليهم، قال: {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [النساء: 10] ثم الجحيم، والنار كلها جحيم، قال: {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الجَحِيمِ} [الصافات: 97] أي: في النار. ثم سقر، والنار كلها سقر. قال: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} [المدثر: 26 - 28] فكذلك تفعل تلك الأبواب كلها بهم، لا تبقي أجسادهم حين يدخلونها ولا تذر، أي: حين يجدّد خلقهم حتى تأكل أجسادهم، وهو قوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء: 56]، ثم الهاوية، والنار كلها هاوية، يهوون فيها. قال: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة: 9]، غير أن هذه الأنواع التي وصف بها النار لكل باب من أبوابها اسم من تلك الأنواع سمّيت به، ولكل قوم من أهل النار منزل من تلك الأبواب التي سمّيت بهذه الأسماء.
قوله تعالى: {وَقِفُوهُمْ} أي: احبسوهم، وهذا قبل أن يدخلوا النار. {إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} أي: عن لا إله إلا الله. {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} أي: لا ينصر بعضكم بعضاً.
قال الله: {بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} أي: استسلموا. (3/447)
صفحة 1516
قال: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} أي: الإِنس والشياطين {قَالُوا} أي: قالت الإِنس: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ}. قال مجاهد: أي: من قبل الدين، فصددتمونا عنه، وزيّنتم لنا الضلالة في تفسير الكلبي. وقال بعضهم: (عَنِ اليَمِينِ) أي: من قبل الخير فتثبطوننا عنه، وهو واحد.
{قَالُوا} أي: قالت الشياطين للمشركين من الإِنس: {بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ} كقوله: {فَإِنَّكُمْ} يا بني إبليس، {وَمَا تَعْبُدُونَ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} أي: لستم بمضلي أحد {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 161 - 163] [وقال بعضهم: {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ} أي: من ملك فنقهركم به على الشرك] {بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ} تقوله الشياطين للمشركين. {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ} أي: العذاب، {فَأَغْوَيْنَاكُمْ} أي: فأضللناكم، يقوله الشياطين للمشركين. {إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} أي: إنا كنا ضالّين.
قال الله: {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} أي: يقرن كل واحد منهم هو وشيطانه في سلسلة واحدة. قال: {إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} أي: المشركين.
{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لآ إِلَهَ إِِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ} أي: عنها {وَيَقُولُونَ} يعني المشركين {أَئِنَّا لَتَارِكُوا ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} يعنون النبي عليه السلام. أي: لا نفعل.
قال الله: {بَلْ جَآءَ} يعني محمداً {بِالْحَقِّ} أي: بالتوحيد {وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} قبله. {إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ} أي: الموجع، يقوله للمشركين، يعني عذاب جهنم. قال: {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. (3/448)
صفحة 1517
{إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ} استثنى المؤمنين، وهم من كل ألف واحد. {أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ} أي: الجنة؛ {فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ} أي: يكرمون فيها. {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} الناعمة. {عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} والسرر مرمولة بالذهب وبقضبان اللؤلؤ الرطب. {مُّتَقَابِلِينَ} أي: لا ينظر بعضهم إلى بعض. قال بعضهم: ذلك في الزيادة إذا تزاوروا.
قال: {يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ} وهي الخمر {مِّن مَّعِينٍ} والمعين الجاري الظاهر. {بَيْضَآءَ} يعني الخمر {لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ لاَ فِيهَا غَوْلٌ} أي: ليس فيها وجع بطن {وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} أي: إذا شربوها لا تذهب عقولهم، أي: لا يسكرون.
قال: {وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} قصرن طرفهن على أزواجهن لا يردن غيرهم {عِينٌ} أي: عظام العيون. الواحدة منها عيناء، والعِين: جماعتهن، نسبن إلى عظم العيون. قال: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} أي: لم يمرث ولم تمسّه الأيدي. وبعضهم يقول: هي القشرة الداخلة، وبعضهم يقول: يعني بالبَيض اللؤلؤ، كقوله: {وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} [الواقعة: 22 - 23] أي: في أصدافه.
قوله: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} يعني أهل الجنة.
{قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} أي: صاحب في الدنيا {يَقُولُ أَءِنَّكَ (3/449)
صفحة 1518
لَمِنَ المُصَدِّقِينَ} على الاستفهام {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ} أي: أإنا لمحاسبون قال بعضهم: هما اللذان في سورة الكهف في قوله: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ. . .} إلى آخر قصتهما [الكهف: 32 - 42]. قال المؤمن منهما في الجنة، الذي قال: {إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ}.
[{قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ الْجَحِيمِ} أي: في وسط الجحيم.
قال بعضهم: فوالله لولا أن الله عرّفه إياه ما كان ليعرفه؛ لقد تغيَّر حِبَره وسَبِره. وقال مجاهد: {إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ}] أي: شيطان.
ذكروا أن كعباً قال: إن بين الجنة والنار كُوىً، فإذا أراد الرجل من أهل الجنة أن ينظر إلى عدوّ له من أهل النار اطّلع فرآه، وهو قوله: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَاكِهِينَ} يعني المشركين. {وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلآءِ لَضَآلُّونَ}. قال الله: {وَمَآ أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} {فَالْيَوْمَ} يعني في الآخرة {الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الأَرَآئِكِ} أي: على السرر {يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} قال الحسن: هذه والله الدُّولة.
قوله عز وجل: {قَالَ تَاللهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ} أي: لتباعدني من الله. يقول: تالله لقد كدت تغويني. يقوله المؤمن لصاحبه. وقال مجاهد: يقوله المؤمن لشيطانه. {وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي} أي: الإِسلام {لَكُنتُ مِنَ المُحْضَرِينَ} أي: معك في النار. (3/450)
صفحة 1519
ثم قال: {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى} وليس هي إلا موتة واحدة، التي كانت في الدنيا. كقوله: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى} [النجم: 50] أي: لم تكن عاد قبلها. {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} قاله على الاستفهام، وهذا الاستفهام على تقرير، أي: قد أَمِنَ ذلك.
ثم قال: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ العَظِيمُ} أي: النجاة العظيمة من النار إلى الجنة.
قال الله عز وجل: {لِمِثْلِ هَذَا} [يعني ما وصف مما فيه أهل الجنة] {فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ}.
ثم قال: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ} أي: إنه خير نزلاً من شجرة الزقوم. {إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ} أي: للمشركين.
وكلُّ ما يذكر في السور المكّيّة من ظلم أو جرم أو فسق أو ضلال فهو فسق الشرك وظلمه وجرمه وضلاله خاصة. وما كان من السور المدنية فقد يذكر فيها ظلم النفاق وجرمه وفسقه وضلاله، ويذكر فيها ظلم الشرك وجرمه وفسقه وضلاله.
ذكروا عن بعضهم قال: لما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بتمر وزبد فقال تزقّموا. فما نعلم الزقّوم إلا هذا؛ فأنزل الله: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. . .} إلى قوله: {ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمٍ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ}.
ذكروا عن السدي قال: لما نزلت: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ} قالوا: ما نعرف هذه الشجرة، فقال عبد الله بن الزبعرى: لكني والله أعرفها، هي شجرة تكون بإفريقية. فلما نزل: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} قالوا: ما يشبه هذه التي يصف محمد ما يقول ابن الزبعرى (3/451)
صفحة 1520
قوله: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ} قال بعضهم: بلغنا أنها في الباب السادس، وأنها لتَحيَا بلهيب النار كما يحيا شجركم ببرد الماء. قال: فلا بد لأهل النار من أن ينحدروا إليها، يعني من كان فوقها، فيأكلوا منها.
قوله: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} أي: ثمرتها كأنها رؤوس الشياطين؛ يقبّحها بذلك. وقال بعضهم: رؤوس الثعابين، يعني الحيات.
قال: {فَإِنَّهُمْ لأَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ} قال: {ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمٍ} أي: لمزاجاً من حميم، وهو الماء الحار، فيقطع أمعاءهم. كقوله: {وَسُقُوا مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد عليه السلام: 15]. والحميم الحار الذي لا يستطاع من حره. قال: {ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ} كقوله: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ} [الرحمن: 44] أي: قد انتهى حرّه.
قال: {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا ءَابَاءَهُمْ ضَآلِّينَ} أي: وجدوا، أدركوا آباءهم ضالّين {فَهُمْ عَلَى ءَاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} أي: يسعون، والإِهراع الإِسراع. قال مجاهد: كهيئة لهرولة.
قوله: {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ} أي: قبل مشركي العرب {أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ} كقوله: {كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ} [الروم: 42]. قال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ} أي: في الذين مضوا قبلهم، منذرين، يعني الرسل، أي: فكذبوهم. {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُنذَرِينَ} أي: الذين أنذرتهم الرسل فكذّبوهم، أي: كانت عاقبتهم أن دمّر الله عليهم ثم صيَّرَهم إلى النار. (3/452)
صفحة 1521
قوله: {إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ} استثنى من آمن وصدق الرسل.
قوله: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ} يعني حيث دعا على قومه {فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} أي: فلنعم المجيبون نحن له، أي: أنجيناه وأهلكناهم. {وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ العَظِيمِ} أي: من الغرق. {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ البَاقِينَ} فالناس كلهم ولد سام وحام ويافث.
قال: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأَخِرِينَ} أي: أبقينا عليه في الآخرين الثناء الحسن. {سَلاَمٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} [يعني ما كان بعد نوح] {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الأَخَرِينَ} يعني من سوى الذين كانوا معه في السفينة.
قال: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ} أي: على منهاجه وسنته {إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} أي: من الشرك. {إِذْ قَالَ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَئِفْكا} أي: كذباً {ءَالِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ} على الاستفهام. أي: قد فعلتم ذلك فعبدتموهم دونه. {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} أي: إنه معذّبكم.
قال: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ} تفسير الكلبي: إنهم كانوا بقرية بين البصرة والكوفة يقال لها: هرمزخرد، وكانوا ينظرون في النجوم. فنظر نظرة في النجوم. (3/453)
صفحة 1522
{فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} أي: مطعون.
{فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ} أي: إلى عيدهم. وذلك أنهم استدعوه لعيدهم فعصب رأسه وقال: إني رأيت الليلة في النجوم أني سأطعن غداً، كراهية الذّهاب معهم، ولِمَا أراد أن يفعل بآلهتهم، كادهم بذلك. وهي إحدى الخطايا الثلاث التي قال عنها: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 82]؛ قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ}، وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، وقوله لسارة: إن سألوك فقولي: إنه أخي.
قال الله: [{فَرَاغَ إِلَى ءَالِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ}] {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ} أي: فمال على آلهتهم {ضَرْباً بِاليَمِينِ} فكسرها إلا كبيرهم وقد فسّرنا ذلك في سورة الأنبياء.
قال: {فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ} أي: إلى إبراهيم {يَزِفُّونَ} تفسير الحسن: أي: يبتدرونه. وقال بعضهم: {يَزِفُّونَ} أي: يُرعدون إليه غضباً، وفي تفسير مجاهد: يعني النسلان [في المشي].
{قَالَ} لهم إبراهيم {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} يعني أصنامهم {وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} أي: وما تعملون بأيديكم، أي: خلقكم وخلق الذين تنحتون.
{قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً} يقوله بعضهم لبعض {فَأَلْقُوهُ فِي الجَحِيمِ} وقد فسَّرنا هذا كله في سورة الأنبياء. (3/454)
صفحة 1523
قال: {فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً} أي: بحرقهم إياه {فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ} أي: في النار.
{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي} أي: متوجه إلى ربي بعبادتي ووجهي {سَيَهْدِينِ} أي: الطريق، يعني الهجرة؛ هاجر من أرض العراق إلى أرض الشام.
ذكروا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستكون هجرة لخيار أهل الأرض إلى مهاجَر إبراهيم حتى لا يبقى على ظهرها إلا شرار خلقها، فتلفِظهم أرضوهم ويقذَرهم الله وتحشرهم النارُ مع القردة والخنازير».
قوله {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} قال الله: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} تفسير مجاهد: أدرك سعيه سعي إبراهيم في الشّدّ. وتفسير الحسن: بلغ معه سعي العمل، يعني قيام الحجة. وقال بعضهم سعي المشي.
{قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}.
قال الله: {فَلَمَّآ أَسْلَمَا} [أي: استسلما لأمر الله]: أسلم إبراهيمُ نفسَه لله ليذبح ابنَه، وأسلم ابنُه وجهه لله ليذبحه أبوه. {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} قال بعضهم: وكبّه للقبلة ليذبحه. وتفسير الحسن: أضجعه ليذبحه وأخذ الشفرة.
ذكروا عن أبي الطفيل عن ابن عباس قال: عند الجمرة الوسطى تَلَّه للجبين؛ وعلى إسماعيل قميص أبيض فقال: يا أبت، إنه ليس لي ثوب تكفّنني فيه غير هذا، فاخلعه عني حتى تكفنني فيه. (3/455)
صفحة 1524
قال: {وَنَادَيْنَاهُ أَن يَآ إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} وهذا وحي مشافهة من الملك. ناداه الملك من عند الله أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين.
{إِنَّ هذَا لَهُوَ الْبَلآءُ الْمُبِينُ} أي: النعمة البيّنة عليك من الله إذ لم تذبح ابنك.
قوله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} أي: بكبش عظيم. وذكر عن مجاهد قال: متقبّل.
وذكر أبو الطفيل عن ابن عباس قال: فالتفت إبراهيم فإذا هو بكبش أبيض أقرن أعْيَن، فذبحه.
ذكر بعضهم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الذي فدي به إسحاق. ذكروا عن الأحنف بن قيس قال: حدّثني العبّاس بن عبد المطلب أن الذي فدي إسحاقُ. ذكر الخليل بن مرة، يرفع الحديث إلى النبي عليه السلام أنه إسحاقُ.
وقال الحسن: بشر إبراهيم بإسحاق مرّتين: مرّة بولادته، ومرّة بأنه نبي. ذكر كيف أُرِىَ فِي المنام أن يذبحه، وكيف كان أراد ذبحه وكيف فُدِيَ فقصّ قصّته، ثم قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً} أي: بأنه نبيّ. (3/456)
صفحة 1525
فمن جعل القصة كلَّها لإِسحاق فهو يقول: هو الذي أُمِر إبراهيم بذبحه وبشّره مرتين على هذا التأويل. ومن جعل القصة لإِسماعيل فيقول: هو الذي أمر إبراهيم بذبحه. ويجعل القصة كلها له. ثم قال من بعد، أي: من بعد ما أرى في المنام ذبحه، وكيف أراه ذبحه، وكيف فدي، فقصّ قصته كلها، حتى انقضت قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ} كل هذا قالته العلماء، وقد فسّروه على ما وصفنا.
وأحقهم أن يكون إسماعيل هو الذي أمر إبراهيم بذبحه، وهو أوفق لما في القرآن.
قوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأَخِرِينَ} أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن. قال الحسن: وسنةً يُقتَدى بها إلى يوم القيامة.
قال: {سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ} أي: مؤمن {وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} أي: مشرك ومنافق.
قوله: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ} أي: بالنبوة {وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ العَظِيمِ} أي: من فرعون وقومه {وَنَصَرْنَاهُمْ} أي: على آل فرعون (3/457)
صفحة 1526
{فَكَانُوا هُمُ الغَالِبِينَ} وكانا شريكين في الرسالة، وكان موسى أفضَلهما {وَءَاتَيْنَاهُمَا الكِتَابَ المُسْتَبِينَ} أي: التوراة {وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} أي: الإِسلام، وهو الطريق إلى الجنة. {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الأَخِرِينَ} أي: وأبقينا عليهما في الأخرين الثناء الحسن {سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ}.
قوله: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ أَتَدْعُونَ بَعْلاً} أي: أتدعون ربّاً غير الله. وتفسير الحسن: كان اسم صنمهم بعلاً {وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ الأَوَّلِينَ} وهي تقرأ بالنصب والرفع. فمن قرأها بالنصب فهو يقول: {وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخَالِقِينَ اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ الأَوَّلِينَ} [فلا تعبدونه]؛ ومن قرأها بالرفع فهو كلام مستقبل؛ يقول: {اللهَ ربُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأَوَّلِينَ}.
قال: {فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} أي: في النار {إِلاَّ عِبَادَ اللهِ المُخْلِصِينَ} استثنى من آمن منهم. قال: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأَخِرِينَ} أي: وأبقينا عليه، أي: على إلياس، الثناء الحسن في الآخرين.
قال: {سَلاَمٌ عَلَى ءَالْ يَاسِينَ} قال الحسن: يعنيه ومن آمن من أمته. فمن قرأها بهذا فهو يريد هذا الذي فسَّرنا، [ومن قرأها موصولة (إِلْيَاسِينَ) يقول: هو اسمه إلياسين وإلياس] {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُؤْمِنِينَ}.
{وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ المُرْسَلِينَ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ} أي: غبَرت، أي: بقيت في عذاب الله {ثُمَّ دَمَّرْنَا الأَخَرِينَ} وقد فسَّرنا كيف كان هلاكهم في غير هذا الموضع. قال: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم} أي: على منازلهم (3/458)
صفحة 1527
{مُّصْبِحِينَ} أي: نهاراً {وَبِالَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يقوله للمشركين، يحذره أن ينزل بهم ما نزل بهم.
قال: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ المَشْحُونِ} أي: الموقر بأهله، فرّ من قومه إلى الفلك. وكان فيما عهد يونس إلى قومه أنهم إن لم يؤمنوا أتاهم العذاب، وجعل العَلَم بينه وبينهم أن يخرج من بين أظهرهم وأن يفقدوه. فخرج مغاضباً لقومه، مكايداً لدين ربه، ولم يجز له ذلك عند الله، في تفسير الحسن. فخرج حتى ركب في السفينة. فلما ركبها فلم تسر قال أهل السفينة: إن فيكم لمذنباً. قال: فتساهموا فقُرِع يونس، وهو قوله: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} أي: من المقروعين. وقال مجاهد: من المسهومين. فأوحى الله إلى الحوت فالتقمه. وهو قوله: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} وهذا تفسير الحسن.
[قال بعضهم]: وبلغنا والله أعلم أن يونس دعا قومه زماناً إلى الله، فلما طال ذلك وأبوا أوحى الله إليه أن العذاب يأتيهم يوم كذا وكذا، فلما دنا الوقت تنحّى عنهم. فلما كان قبل الوقت بيوم جاء فجعل يطوف بالمدينة وهو يبكي ويقول: يأتيكم العذاب غداً. [فسمعه رجل منهم، فانطلق غلى الملك، فأخبره أنه سمع يونس يبكي ويقول: غداً يأتيكم العذاب] فلما سمع ذلك الملكُ دعا قومه، فأخبرهم بذلك، وقال: إن كان هذا حقاً فسيأتيكم العذاب غداً، فاجتمِعوا حتى ننظر في أمرنا؛ فاجتمعوا.
فخرجوا من المدينة من الغد؛ فنظروا فإذا بظلمة وريح شديدة قد أقبلت نحوهم، فعلموا أنه الحق. ففرّقوا بين الصبيان وبين أمهاتهم، وبين البهائم وبين أمهاتها، ولبسوا الشعر، وجعلوا التراب والرماد على رؤوسهم تواضعاً لله، وتضرّعوا (3/459)
صفحة 1528
إليه وبكوا وآمنوا. فصرف الله عنهم العذاب. فاشترط بعضهم على بعض أن لا يكذب أحدهم كَذبة إلا قطعوا لسانه.
وذكر بعضهم أنهم لمّا رأوا الأمر غشيهم قامت فيهم الخطباء فقال الأول: اللهم إنك أمرتنا ألا نردَّ سؤَّالنا، ونحن اليوم سؤَّالك فلا تردّنا. ثم قام الثاني فقال: اللهم إنك أمرتنا أن نعتق رقابنا، ونحن اليوم رقابك فأعتقنا. ثم قام الثالث فقال: اللهم إنك أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا، وقد أخطأنا أنفسنا فاعف عنا. فصرف الله عنهم.
فجاء يونس من الغد، فنظر فإذا المدينة على حالها، وإذا الناس داخلون وخارجون؛ فقال: أمرني ربي أن أخبر قومي أن العذاب يأتيهم فلم يأتهم، فكيف ألقاهم؟ فانطلق حتى أتى إلى ساحل البحر فإذا بسفينة في البحر، فأشار إليهم فأتوا، فحملوه وهم لا يعرفونه. فانطلق إلى ناحية من السفينة فتقنّع ورقد.
فما مضوا إلا قليلاً حتى جاءتهم الريح وكادت السفينة تغرق، فاجتمع أهل السفينة ودعوا الله. ثم قالوا: أيقظوا هذا الرجل يدعو الله معنا. ففعلوا، فرفع الله عنهم تلك الريح. ثم انطلق إلى مكانه فرقد. فجاءت ريح كادت السفينة تغرق، فأيقظوه، فدعوا الله فارتفعت الريح.
فتفكّر العبد الصالح وقال: هذا من خطيئتي، أو قال: هذا من ذنوبي أو كما قال فقال لأهل السفينة: شُدُّوني وثاقاً وألقُونِي في البحر. فقالوا: ما كنا لنفعل وحالك حالك، ولكنا نقترع فمن أصابته القرعة ألقيناه في البحر. [فاقترعوا فأصابته القرعة. فقال: قد أخبرتكم. فقالوا: ما كنا لنفعل، ولكن اقترعوا. فاقترعوا الثانية فأصابته القرعة، ثم اقترعوا الثالثة فأصابته القرعة]. وهو قول الله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} أي: من المقروعين. ويقال: من المسهومين، أي: وقع السهم عليه. (3/460)
صفحة 1529
فانطلق إلى صدر السفينة ليلقي نفسه في البحر فإذا هو بحوت فاتح فاه، ثم جاء إلى ذنب السفينة فإذا بالحوت فاتحاً فاه، ثم جاء إلى جنب السفينة فإذا هو بالحوت فاتحاً فاه، ثم جاء إلى الجانب الآخر فإذا بالحوت فاغراً فاه. فلما رأى ذلك القى بنفسه، فالتقمه الحوت. فأوحى الله إلى الحوت: أن لا تأكل عليه ولا تشرب عليه، وقال: إني لم أجعله لك رزقاً، ولكن جعلت بطنك له سجناً، فلا تقطع له شعراً ولا تكسر له عظماً.
فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة فنادى في الظلمات كما قال الله: {أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} قال الله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} [الأنبياء: 87 - 88]. والظلمات ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت.
قال الله: {وَكَذَلِكَ نُنجِي المُؤْمِنِينَ} وأوحى الله إلى الحوت أن يلقيه إلى البحر.
قال الله: {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} أي: وهو مريض مثل الصبي. فأصابته حرارة الشمس فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، وهي القرعة، فأظلّته؛ فنام. فاستيقظ، وقد يبست. فحزن عليها. فأوحى الله إليه: أحزنت على هذه الشجرة وأردت أن أهلك مائة ألف من خلقي أو يزيدون، أي: بل يزيدون. وبلغنا أنهم كانوا عشرين ومائة ألف. فعلم عند ذلك أنه ابْتُلِي.
فانطلق فإذا هو بذَوْدِ غنم، فقال للراعي: اسقني لبناً، فقال: ما ها هنا شاة لها لبن. فأخذ شاة منها فمسح على ضرعها بيده، فدرّت بإذن الله. فشرب من لبنها. فقال له الراعي: من أنت يا عبد الله، لَتُخبِرَنِّي. قال: أنا يونس. فانطلق الراعي إلى قومه فبشّرهم به. فأخذوه وجاءوا معه إلى موضع الغنم فلم يجدوا يونس. فقالوا: إنا قد اشترطنا لربّنا ألا يكذب أحد منا إلا قطعنا لسانه. فتكلّمت الشاة بإذن الله وقالت: قد شرب من لبني. وقالت شجرة كان قد استظل بظلّها: قد استظل بظلّي. فطلبوه (3/461)
صفحة 1530
فأصابوه. فرجع إليهم. فكان فيهم حتى قبضه الله. وكانوا بمدينة يقال لها نينوى من أرض الموصل، وهي على دجلة.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: في دجلة ركب السفينة، وفيها التقمه الحوت، ثم أفضى به إلى البحر، فدار في البحر ثم رجع إلى دجلة، فثم نبذ بالعراء، فأرسل إليهم بعد ذلك. قال الله: {وَأَرْسَلْنَاهُ إلَى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ}.
قال الحسن: فأعاد الله له الرسالة فآمنوا عن آخرهم، ولم يشذَّ منهم أحد. وقال مجاهد: {وَأَرْسَلْنَاهُ إلَى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} قبل أن يلتقمه الحوت. قوله: {وَهُوَ مُلِيمٌ} أي: مذنب في تفسير مجاهد.
قال الله: {فَلَوْلآ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} قال: فلولا أنه كان من المصلّين في الرخاء قبل ذلك. ويقال: إن العمل الصالح يقي الرجلَ مصارعَ السوء.
وقال الحسن: [أما والله ما هو بالمسبح قبل ذلك، ولكنه لما التقمه الحوت أنشأ يقول: سبحان الله، سبحان الله]، وقوله: {لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي: لكان بطن الحوت له قبراً إلى يوم القيامة.
قوله: {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} وقد فسَّرناه قبل هذا الموضع. {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} أي: بل يزيدون.
قوله: {فَآمَنُوا} قد فسّرنا كيف كان إيمانهم في أول حديثهم. قال الله: {فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} إلى الموت، أي: إلى آجالهم، ولم يهلكهم بالعذاب. (3/462)
صفحة 1531
قوله: {فَاسْتَفْتِهِمْ} أي: فاسألهم، يعني المشركين {أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ} وذلك لقولهم إن الملائكة بنات الله. قال: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} أي: البنات {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى} أي: الغلمان {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ} [النحل: 62].
قوله: {أَمْ خَلَقْنَا الْمَلآئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ} أي: لخلقهم، أي: لم نفعل، ولم يشهدوا خلقهم، وهو كقوله: {وَجَعَلُوا الْمَلآئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} [الزخرف: 19] أي: لم يشهدوا خلقهم.
قال الله: {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ} أي: من كذبهم {لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللهُ} أي: ولد البنات، يعنون الملائكة. قال: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.
{أَصْطَفَى الْبَنَاتِ} أي: أختار البنات {عَلَى البَنِينَ} أي: لم يفعل {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ} أي: حجة بيّنة، على الاستفهام {فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ} أي: الذي فيه حجّتكم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: إن الملائكة بنات الله، أي: ليس لكم بذلك حجة.
قوله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَباً}. ذكروا أن اليهود قالت: إن الله صاهر الجن فكانت من بينهم الملائكة. قال الله: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} أي: مدخلون في النار {سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ} ينزّه نفسه عما يكذبون.
وقال بعضهم: قال مشركو العرب: إنه صاهر الجن. وقال الجنُّ صِنف من الملائكة فكانت له منهم بنات.
قوله: {إِلاَّ عِبَادَ اللهِ المُخْلَصِينَ} أي: المؤمنين. وهذا من مقاديم الكلام يقول: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} إِلاَّ عِبَادَ اللهِ المُخْلَصِينَ {سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ} يعني الذين جعلوا بينه وبين الجنة نسباً.
قوله: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيمِ} (3/463)
صفحة 1532
[قال الحسن: ما أنتم عليّ بفاتنين، يا بني إبليس، إنه ليس لكم سلطان إلا على من هو صال الجحيم].
وبعضهم يقول: {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} أي: ما أنتم بمضلّين أحداً يا بني إبليس، إلا من هو صال الجحيم بفعله.
وبعضهم يقول: فإنكم، يعني المشركين، وما تعبدون، يعني وما عبدوا. ما أنتم عليه، أي: على ما تعبدونه، بمضلّين أحداً إلا من قدِّر له أن يصلى الجحيم بفعله.
قوله: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ} هذا قول الملائكة، ينزّهون الله عما قالت اليهود حيث جعلوا بينه وبين الجنة نسباً، ويخبرون بمكانهم في السماوات في صفوفهم وتسبيحهم، وهو قوله في أول السورة {وَالصَّآفَّاتِ صَفّاً} أي: ليس في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك راكع أو قائم أو ساجد.
قوله: {وَإِن كَانُوا لَيَقُولُونَ} يعني قريشاً {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الأَوَّلِينَ} أي: في كتاب مثل كتاب موسى وعيسى عليهما السلام {لَكُنَّا عِبَادَ اللهِ المُخْلَصِينَ} أي: المؤمنين.
قال الله: {فَكَفَرُوا بِهِ} أي: بالقرآن. يقول: قد جاءهم كتاب من عند الله، يعني القرآن فكفروا به. {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وهذا وعيد هوله شديد.
قوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ} أي: في الدنيا، وبالحجة في الآخرة. {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} تفسير الحسن: إنه لم يُقتل من الرسل أصحاب الشرائع أحد قط. (3/464)
صفحة 1533
قوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ}. نسختها آية القتال في سورة براءة: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] قال: {وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} أي: فسوف يرون العذاب.
قال: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ} أي: فبئس {صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ} تفسير الحسن: إنه يعني النفخة الأولى، بها يهلك كفار آخر هذه الآمة الدائنين بدين أبي جهل وأصحابه.
ذكروا عن أنس بن مالك قال: إني لرديف أبي طلحة يوم فتحنا خيبر، وإن ساقي لتصيب ساق النبي صلى الله عليه وسلم، وفخذي فخذه. فلما أشرفنا على خيبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين».
قال بعضهم في هذا الموضع من السورة: أظنه رجع إلى قصة اليهود في قوله: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَباً}.
ذكروا عن أنس بن مالك قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر بغلس، فقرأ بأقصر سورتين في القرآن؛ ثم ركب وركبنا معه، وأنا رديف أبي طلحة والريح تكشف عن ساق النبي صلى الله عليه وسلم فتصيب ساقي ساقه وفخذي فخذه. فلما أتينا خيبر قالت اليهود: محمد والله والخميس، والخميس: الجيش، فقال النبي عليه السلام: «الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، فأصبناها عنوة».
قوله عز وجل: {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ} [يعني إلى حين آجالهم] نسخها القتال، فهي مثل الأولى. {وَأَبْصِرْ} أي: انتظر {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} أي: فسوف يرون العذاب. (3/465)
صفحة 1534
{سُبْحَانَ رَبِّكَ} ينزّه نفسه {رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} أي: عما يكذبون {وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} [يعني الثناء الحسن] {وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
ذكروا عن أبي هارون العبدي قال: سألت أبا سعيد الخدري: بِمَ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختم صلاته، فقال بهذه الآية: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
ذكروا عن علي بن أبي طالب قال: من سرّه أن يكتال بالمكيال الأَوْفَى فليقل في دبر صلاته: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. (3/466)
صفحة 1535
[فهرس لم يرقن] (3/467)
صفحة 1536
[صفحتان 467و468 لم ترقن] (3/468)
صفحة 1537
تفسير كتاب الله العزيز
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
للشيخ هود بن محكم الهواري
من علماء القرن الثالث الهجري
حققه وعلق عليه
بالحاج بن سعيد شريفي
الجزء الرابع
دار الغرب الإسلامي (4/1)
صفحة 1538
[صفحة بيضاء] (4/2)
صفحة 1539
تفسير كتاب الله العزيز
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
للشيخ هود بن محكم الهوّاري
من علماء القرن الثالث الهجري
خققه وعلق عليه
بالحاج بن سعيد شريفي
الجزء الرابع
دار الغرب الإسلامي (4/3)
صفحة 1540
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى 1990
دار الغرب الإسلامي ص. ب: 5787 - 113
بيروت-لبنان (4/4)
صفحة 1541
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}. قوله: {ص}. قال بعضهم: يعني صادق كقوله: {كهيعص} [مريم: 1] أي: كاف، هاد، عالم، صادق. {وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} أي: الذكر فيه، والذكر: البيان.
{بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ}. وهذا قسم. أي: {وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} أي: في تعزّز وفراق للنبي عليه السلام وما جاء به. وقال بعضهم: (وَشِقَاقٍ) أي: اختلاف.
قال: {كَمْ أهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم} أي: من قبل قومك يا محمد {مِّن قَرْنٍ} أي: من أمة {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} أي: فكذّبوا رسلهم فجاءهم العذاب، فنادوا بالتوبة وبأن {قَالُواْ يَا وَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 14] وفرّوا من قريتهم.
وهو كقوله: {فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ آمَنَّا باللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} قال الله: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر: 85] أي عذابنا. وكقوله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً} أي: مشركة {وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ فَلَمَّآ (4/5)
صفحة 1542
أَحَسُّواْ بَأَسَنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ} أي: يفرّون. {لاَ تَرْكُضُواْ} يقول: لا تفرّوا {وَارْجِعُواْ إِلَى مَآ أُتْرِقْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} أي: من دنياكم. يستهزئ بهم، أي: لا يكون ذلك. يقول: {قَالُواْ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 11 - 14].
قال: {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} أي: ليس حين فرار ولا حين تقبل التوبة [فيه]. ذكروا عن أبي إسحاق الهمداني عن رجل من بني تميم قال: سألت ابن عباس عن قوله: {وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} قال: الحين ليس بنَزْوٍ ولا فرار.
قال: {وَعَجِبُواْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} رجع الكلام إلى قوله: {كَمْ أهْلَكْنَا مِن قبلهم من قرن} أخبر كيف أهلكهم. قال: وعجبوا أن جاءهم منذر منهم أي: محمد صلى الله عليه وسلم لينذر من النار ومن عذاب [الله في] الدنيا.
{وَقَالَ الْكَافِرُونَ} أي: الجاحدون {هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} يعنون محمداً صلى الله عليه وآله وسلم {أَجَعَلَ الألِهَةَ إِلَهاً واحِداً} على الاستفهام منهم، أي: قد فعل حين دعاهم غلى عبادة الله وحده. {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} أي: عَجَبٌ، وعُجْب، وعُجَاب، كله واحد.
{وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُواْ وَاصْبِرُواْ عَلَى ءَالِهَتكُمْ} أي: على عبادتها {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ}.
وذلك أن رهطاً من أشراف قريش مشوا إلى أبي طالب فقالوا: أنت شيخنا (4/6)
صفحة 1543
وكبيرنا وسيّدنا في أنفسنا، وقد رأيت ما فعلت هذه السَّفَهَةُ، يعنون المؤمنين. وقد أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه فقال: هؤلاء قومك وذوو أسنانهم أشرافهم يسألونك السواء، فلا تمل على قومك كل الميل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وماذا يسألونني؟» فقالوا له: ارفضنا من ذكرك وارفض آلهتنا وندعك وإلهك. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتعطونني أنتم كلمة واحدة تدين لكم بها العرب وتملكون بها العرب والعجم.» فقال أبو جهل: لله أبوك، نعم، وعشرَ أمثالها. فقال لهم رسول الله صلى الله عيه وسلم: «قولوا: لا إله إلا الله.» فنفروا منها وقاموا وقالوا: {أَجَعَلَ الأَلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ}.
{مَا سَمِعْنَا بِهذَا فِي المِلَّةِ الأَخِرَةِ}.
تفسير الكلبي: النصرانية. وقال الحسن: يقولون ما كان عندنا من هذا من علم، إن هذا لشيء خرج في زماننا هذا، يعنون بالملة الآخرة: في آخر زماننا. وقال مجاهد: {المِلَّة الآخِرَة} [ملة] قريش. {إِنْ هَذَآ إِلاَّ اخْتِلاَقٌ} أي: كذب اختلقه محمد. {أَءُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ} يعنون القرآن، وهو على الاستفهام، {مِنْ بَيْنِنَا} أي: لم ينزل عليه، إنما هو اختلاق اختلقه محمد فافتعله.
قال الله تعالى: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي} أي: من القرآن الذي جئتهم به. {بَل لَّمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} أي: لم يأتهم عذابي بعدُ. كقوله: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤمِنُواْ إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ} من الشرك {إِلاَّ أَنْ تَأتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} [الكهف: 55] أي: بالعذاب. وقد أخّر عذاب كفار آخر هذه الأمة الدائنين بدين أبي جهل (4/7)
صفحة 1544
وأصحابه غلى النفخة الأولى بها يكون هلاكهم. وقد أهلك أوائلهم أبا جهل وأصحابه بالسيف يوم بدر.
قال: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ} أي: فيعطوا النبوّة من شاءوا ويمنعوها من شاءوا، أي: ليس ذلك عندهم.
قال: {أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} على الاستفهام، أي: ليس لهم من ملكها وما بينهما شيء. قال: {فَلْيَرْتَقُواْ فِي الأَسْبَابِ}، أي: في طريق السماء، في تفسير مجاهد وبعضهم يقول: في أبواب السماء إن كانوا يقدرون على ذلك، أي: لا يقدرون على ذلك.
قوله: {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ} أي: جند هنالك، وهي كلمة عربي: ما هنالك، [وما صلة زائدة]. {مَهْزُومٌ مِّنَ الأَحْزَابِ}. أي: تحازبوا على الله ورسوله يحاربون محمداً صلى الله عليه وسلم فهزموهم يوم بدر. كقوله: {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 44 - 45] أي: يوم بدر. [يخبر بأن محمداً عليه السلام سيهزمهم يوم بدر]. نزل هذا بمكة قبل أن يهاجر النبي عليه السلام إلى المدينة.
قوله: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ}. قال بعضهم: كان إذا غضب على أحد أَوْتَدَ أربعة أوتاد على يديه ورجليه. قال: {وَثَمُودُ وَقَومُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ} يعني قوم شعيب. والأيكة الغيضة. وقد فسّرنا أمرهم في سورة الشعراء. {أُولَئِكَ الأَحْزَابُ}. يعني به كفار من ذكر تحزّبوا على أنبيائهم. (4/8)
صفحة 1545
{إِن كُلٌّ} يعني من أهلك ممن مضى من الأمم السالفة {إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} يعني عقوبته إِياهم بالعذاب.
قال: {وَمَا يَنظُرُ هَؤُلآءِ} يعني كفار آخر هذه الأمة {إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} يعني النفخة الأولى بها يكون هلاكهم {مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} أي: رجوع إِلى الدنيا، أي: ما لها من انقطاع، أي: دون أن تكون. وقال مجاهد: ما لها من رجوع. وقال الحسن: من رجعة. وقال الكلبي: ما لها من نَظِرَة، أي: من تأخير.
{وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحِسَابِ} وذلك منهم استهزاء وتكذيب، لا يقرون بيوم الحساب، ولا بأن العذاب يأتيهم في الدنيا.
تفسير الحسن ومجاهد: {عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا} أي: عجّل لنا عذابنا. وقال الحسن هو قوله: {ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [العنكبوت: 29] وكقولهم: {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32].
وتفسير الكلبي: قالوا ذلك حين ذكر الله في كتابه: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. . . وَأَمَّا مَن أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} [الحاقة: 19 و25] والقِطّ: الصحيفة التي فيها الكتاب. أي عجّل لنا كتابنا الذي يقول محمد حتى نعلم أبيميننا نأخذ كتابنا أم بشمالنا، اي: إنكاراً لذلك واستهزاء.
قال الله: {اصْبِرْ عَلَى مَايَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأيْدِ} أي: ذا القوة في أمر الله في تفسير بعضهم. وقال الحسن: ذا قوة في العبادة. {إِنَّهُ أَوَّابٌ} أي: (4/9)
صفحة 1546
مسبّح في تفسير مجاهد. وقال الكلبي: راجع منيب، أي: راجع تائب.
قال: {إِنَّا سَخَّرنا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ} أي: حين تشرق الشمس.
ذكروا عن أيوب بن صفوان أن ابن عباس دخل على أم هانئ، فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فصلّى في بيتها ثمان ركعات بعدما ارتفع النهار. فخرج ابن عباس من عندها وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين فما عرفت صلاة الضحى إلا الساعة: {يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ} وكنت أقول: أي صلاة صلاة الإِشراق، ثم قال: هذه صلاة الإِشراق.
وذكروا عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مسجد قباء فرآهم يصلّون حين إِشراق الشمس فقال: «إِن الأوَّابين كانوا يصلون إذا رمضت الفصال».
قال الحسن: كان والله قد سخّر مع داوود جميع ما خلق الله من الجبال يسبّحن معه، وكان يفقه تسبيحها وتسمعه جميع جبال الدنيا.
{وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} أي: تحشر بالغداة والعشيّ يسبحن معه. كقوله: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 79]. وقوله: {مَحْشُورَةً} أي مجموعة {كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} أي: مطيع.
قوله: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَءَاتَيْنَاهُ} أي: أعطيناه {الْحِكْمَةَ} أي: النبوة {وَفَصْلَ الخِطَابِ} أي الفهم في القضاء وفصل الخطاب. قال الحسن: العدل في القضاء.
ذكر حميد الأعرج أن ابن عباس قال: {وَفَصْلَ الخِطَابِ} البيّنة على المدّعي واليمين على المدَّعى عليه. (4/10)
صفحة 1547
ذكروا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المدّعى عليه أولى باليمين إذا لم تكن بيّنة».
ذكروا عن عطاء بن السايب عن أبي يحيى عن ابن عباس أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلّف المدعِيَ البينةَ، فلم تكن له بينة، فاستحلف المدَّعَى عليه بالله الذي لا إِله إِلا هو ما عليه حق. فنزل عليه جبريل عليه السلام وقال: يُرَدّ على الرجل ماله وكفارته شهادته، أو قال: معرفته أن لا إِله إِلا الله. وبعضهم يقول: فصل الخطاب: أما بعد.
ثم استأنف وقال: {وَهَل أَتَاكَ نَبَؤُاْ الْخَصْمِ} أي: خبر الخصم، أي: إِنك لم تعلمه حتى أعلمتك. {إِذْ تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ} أي: المسجد. {إِذْ دَخَلُواْ عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ} أي: ولا تَجُر {وَاهْدِنَا} اي: وأرشدنا {إِلَى سَوَآءِ الصِّراطِ}. أي: إلى قصد الحق. وقال بعضهم: إلى سواء الصراط، أي: إِلى عدل القضاء.
{إِنَّ هذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} أي: امرأة {وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} [أي انزل عنها لي وضُمَّها إليّ]. {وَعَزَّنِي} أي: وغلبني وقهرني. (4/11)
صفحة 1548
وهي تقرأ على وجه آخر: وعازني {فِي الْخِطَابِ} وتفسير ذلك بعد هذا الموضع.
{قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الْخُلَطَآءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} أي ابْتَلَيْنَاهُ {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً} والركوع ها هنا هو السجود {وَأَنَابَ} أي: وأقبل إلى الله بالتوبة والدعاء.
وتفسير الحسن أن داوود جمع عُبّاد بني إسرائيل فقال: ايكم كان يمتنع من الشيطان يوماً لو وكله الله إلى نفسه؟ فقالوا: لا أحد إلا أنبياء الله. قال: فكأنه خطر في الوهم شيء.
قال: فبينما هو في المحراب في يوم صلاته، والحرس حوله والجنود، فبينما هو يصلي، إذا هو بطير حسن قد وقع في شرفة من شرفات المحراب. قال بعضهم: حمامة من ذهب، وبعضهم يقول: طير جؤجؤه من ذهب، وجناحاه ديباج، ورأسه ياقوتة حمراء، فأعجبه. وكان له بُنيٌّ يحبه. فلما أعجبه حسنه وقع في نفسه أن يأخذه فيعطيه ابنه.
قال الحسن: فانصرف إليه فجعل يطير من شرفة إلى شرفة ولا يؤيسه من نفسه حتى ظهر فوق المحراب. وخلف المحراب حائط تغتسل فيه النساء الحُيَّض إذا طهرن، لا يشرف على ذلك الحائط إلا من صعد على المحراب، والمحراب لا يصعده أحد من الناس.
فصعد داوود خلف ذلك الطير ففاجأته امرأة جاره، لم يعرفها، تغتسل. فرآها فجأة، ثم غضّ بصره عنها، فأعجبته. فأتى بابها فسأل عنها وعن زوجها؛ فقالوا: إن (4/12)
صفحة 1549
زوجها في أجناد داوود. فلم يلبث إلا قليلاً حتى بعثه عامله بريداً إلى داوود. وأتى داوودَ بكتبه. ثم انطلق إلى أهله، فأُخبِر أن نبي الله داوود أتى إلى بابه فسأل عنه وعن أهله. فلم يصل الرجل إلى أهله حتى رجع إِلى داوود، مخافة أن يكون حدث في أهله من الله أمر. فأتى داوودَ وقد فرغ من كتبه. وكتب إلى عامل ذلك الجند أن يجعله على مقدمة القوم. فأراد أن يقتل الرجل شهيداً ويتزوج امرأته حلالاً. إلا أن النية كانت مدخولة. فجعله على مقدمة القوم فقُتِل الرجل شهيداً.
قال فبينما داوود في محرابه والحرس حوله إذ تسوّر عليه المحراب ملكان في صورة آدميين ففزع، فقالا: {لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضِ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا} أي وأرشدنا {إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} أي: إلى قصد الطريق.
قال: قُصَّا قضيتكما. فقال أحدهما. {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ: أَكْفِلْنِيهَا} أي: ضُمَّها إِلي {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} أي: وقهرني في الخصومة. {قَالَ لَقَد ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ}. . . إلى قوله: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} أي وعلم داوود أنما ابتليناه {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً} أي ساجداً أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة يقيمها، أو لحاجة لا بد منها، أو لطعام يَتَبَلَّغ به. فأتاه ملك من عند الله فقال: يا داوود، ارفع رأسك فقد غفر الله لك. فعلم أن الله قد غفر له. ثم اراد أن يعرف كيف غفر الله مثل ذلك الذنب، فقال: يا ربّ، كيف تغفر لي وقد قتلتُه، يعني بالنية. فقال له ربه: استوهبُه نَفْسَه فيهبها لي فاغفرها لك. فقال: أي ربّ، قد علمت أنك قد غفرت لي.
قال الله: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لزُلْفَى} أي: لقربى في المنزلة {وَحُسْنَ مَآبٍ} أي: حسن مرجع.
قال الكلبي: إن داوود قال: رب اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليماً، فوددت أنك أعطيتني من ذلك ما أعطيتهم. قال الله: إني ابتليتهما بما لم ابتلك به. قال: فإن شئت أبتليك بما ابتليتهما وأعطيك مثل ما أعطيتهما. قال: رب، (4/13)
صفحة 1550
نعم. قال: اعمل عملك حتى يتبيّن بلاؤك. فمكث ما شاء الله بذلك؛ يصوم النهار ويقوم الليل. فكان على ذلك.
فبينما هو في المحراب ذات يوم، والزبور بين يديه، إذ جاء طائر فوقع قريباً منه. فتناوله داوود، فطار إلى الكوى، فقام ليأخذه قال بعضهم: فوقع في مضجعه فقام ليأخذه، فوقع الطير إلى البستان، فأشرف داوود فنظر، فإذا هو بامرأة تغتسل في البستان. فعجب من حسنها. فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطاها. فزاده ذلك عجباً بها. ثم أرسل غلاماً له فقال: اتبع هذه المرأة فاعلم من هي، أو ابنة من هي، وهل لها زوج. فاتبعها الغلام حتى عرفها فرجع فقال: هي ابنة فلان، وزوجها فلان، وكان يومئذ مع ابن أخت داوود في بعث. فكتب داوود إلى ابن أخته: أن ابعث فلاناً [واجعله بين يدي التابوت] فلا يرجع حتى يفتح المدينة أو يقتل. فبعثه فقتل. فلما انقضت عدة المرأة أرسل إليها فتزوجها، وهي أم سليمان بن داوود.
فلما علم الله ما وقع في عبده أحب أن يستنقذه فأرسل إليه ملكين فأتياه في المحراب، والحرس حول المحراب، وهم ثلاثة وثلاثون ألفاً. فرأى داوود الرجلين قد تسوّروا المحراب، ففزع منهما وقال: لقد ضعف سلطاني حتى إن الناس تسوّروا محرابي. فقال أحدهما: {لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ}. . . إلى قوله: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ}. تفسير هذا المقرإ عند الكلبي: إن دعا دعوة يكون أكثر نداء مني، وإن بطش بطشه يكون اشد بطشاً مني. فقال له داوود: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ}. . . إِلى: {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ}. فنظر أحدهما لصاحبه فضحكا، وعلما أن داوود لم يفطن، فرجعا من حيث أقبلا.
قال الله: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ}. . . إلى آخر الآية. فسجد داوود أربعين يوماً وأربعين ليلة لا يأكل ولا يشرب، ولا يرفع رأسه، ولا (4/14)
صفحة 1551
يقوم، ولا يفتر من الدعاء. فتاب الله عليه. قال الله: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ}. وقد فسَّرناه قبل هذا الموضع.
قوله: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} [يعني فيستزلّك الهوى عن طاعة الله في الحكم، وذلك من غير كفر] {إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} أي: أعرضوا عن يوم الحساب، لم يؤمنوا به.
قوله: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} أي: ما خلقناهما إلا للبعث والحساب والجنة والنار. وذلك أن المشركين قالوا إن الله خلق هذه الأشياء لغير بعث، كقوله تعالى: {وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [الأنعام: 29] فقال الله: {أَفَحَسِبْتُم أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115].
قال الله: {ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: أنهم لا يبعثون، وأن الله خلق هذه الأشياء باطلاً.
قال: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} أي: كالمشركين في الآخرة. أي: لا نفعل. (4/15)
صفحة 1552
قوله: {كِتَابٌ} أي: هذا كتاب، يعني القرآن {أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} أي: أولوا العقول، وهم المؤمنون.
قوله: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} والأوّاب: المسبّح {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ}. يعني الخيل [السراع]. و (الصَّافِنُ) في تفسير مجاهد الفرس حين يرفع إحدى رجليه حتى تكون على طرف الحافر، أي بسنبكه. (الجِيَادُ)، الواحد منها جواد، وجماعتها جياد. وكان ابن سعود يقرأها صوافن أي معقولة يدها اليمنى قائمة على ثلاث قوائم، وهو قوله صوافن.
قال الحسن: عرضت على سليمان فجعلت تجري بين يديه فلا يستبين منها قليلاً ولا كثيراً من سرعتها، وجعل يقول: اللهم اغضض بصري إلي، وجعل يقول: ردُّوها علي، اي: ليستبين منها شيئاً.
قوله: {فَقَالَ: إِنِّيِ أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} أي: حبّ المال، يعني الخيل، وهي في قراءة عبد الله بن مسعود: {حبّ الخيل} {عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ} أي غابت، يعني الشمس {بِالْحِجَابِ} ففاتته صلاة العصر.
ذكروا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة الوسطى فقال: «هي صلاة العصر». (4/16)
صفحة 1553
ذكروا عن عبيدة السلماني عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: «ما لهم، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» قال الحسن: فقال سليمان ذلك.
قال: {رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحَاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ}. فضرب أعناقها وعراقيبها، وإنما هو شيء قَبِله عن الله. قال بعضهم: فذهبت ولم يبق من أصلها شيء. وقال بعضهم: مسح أعناقها ووجوهها بثوبه، وقالوا: هو أعرف بالله من أن يضرب أعناقها وعراقيبها.
قال بعضهم: كانت ألف فرس فضرب أعناق تسعمائة وعراقيبها فترك مائة. فالخيل اليوم من نسولها.
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة». (4/17)
صفحة 1554
قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} أي: ابتلينا سليمان {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثًمَّ أَنَابَ} يعني الشيطان الذي خلفه في ملكه تلك الأربعين ليلة.
قال بعضهم: كان اسمه صخراً. وقال بعضهم: كان اسمه آصف، اسم وافق اسم الذي عنده علم من الكتاب، كان يحسن الاسم الأكبر. وتفسير قوله (جَسَداً) عند الحسن أن الشيطان لما أخذ خاتم سليمان صعد على كرسيه، وهو سرير المملكة لا يأكل ولا يشرب، ولا يأمر ولا ينهى. وهو قول الله (جَسَداً) كقول الرجل للرجل: ما أنت إلا جسد. وأذهب الله ذلك من أذهان الناس، أي أصابتهم غفلة، فلا يرون إلا أن سليمان في مكانه، يرون أنه يصلّي بهم، ويجمع ويقضي بينهم، ولا يرى الناس إلا أنه على منزلته الأولى فيما بينه وبينهم. فأذهب الله ذلك من أذهانهم كما أذهب من أذهانهم موته سنة، وهو متكئ علىعصاه، لا يرون إلا أنه يصلي بهم ويجهز عذابهم ويحكم بينهم. وهي في قراءة ابن مسعود: ولقد كانوا يعملون له حولاً. قال الكلبي: إن سليمان أصابَ ذنباً فأراد الله أن يجعل عقوبته في الدنيا. قال الحسن: كان قارب بعض نسائه في المحيض. قال الكلبي: كانت له امرأة من أكرم نسائه عليه وأحبّهن إليه، فقالت: إن بين أبي وبين رجل خصومة، فزيّنت حجة أبيها. فلما جاءا يختصمان جعل يحب أن تكون الحجة لختنه. فابتلاه الله بما كان من أمر الشيطان الذي خلفه، وذهب ملك سليمان.
وذلك أنه كان إذا أراد أن يدخل الخلاء دفع خاتمه إلى امرأة من نسائه كان يثق بها، فدفعه إليها يوماً ثم دخل الخلاء. فجاءها ذلك الشيطان في صورة سليمان، فأخذ الخاتم منها. فلما خرج سليمان من الخلاء طلب الخاتم منها فقالت: قد أعطيتكه. فقال: أنشدك بالله أن تخونيني. وذهب الخبيث فقعد على كرسي سليمان، وألقى عليه شبهه وهيئته. فخرج سليمان فإذا هو بالشيطان قاعد على كرسيه. فذهب في الأرض وذهب ملكه. وجعل يستطعم إذا أصابه الجهد ويقول: أنا سليمان بن (4/18)
صفحة 1555
داوود، فيكذبونه ويستخِفّون به ويطردونه حتى كاد أن يموت من الجوع.
وقال مجاهد: كان يقول: لو عرفتموني لأطعمتموني، أنا سليمان ويكذّبونه.
قال الكلبي: لما انقضت المدة، ونزلت الرحمة عليه من الله، ألقى الله في أنفاس الناس استنكار الشيطان. فمشوا إلى آصف، أحد الثلاثة خزان بيت المقدس، فقالوا: يا آصف، إنا أنكرنا قضاء الملك وعمله، فلا ندري أنكرت مثل الذي أنكرنا أم لا. قال نعم، ولكن سوف أدخل على نسائه، فإن كن أنكرن مثل الذي أنكرنا فذلك أمر عام في الناس، فاصبروا حتى يكشف الله عنكم، فإن لم ينكرن منه مثل الذي أنكرنا فهو أمر خصصنا به، فادعوا الله لملككم بالصلاح.
فانطلق آصف فدخل على نساء سليمان، فسألهن عنه، فقلن: إن كان هذا سليمان فقد هلكنا وهلكتم، وقال مجاهد فأنكرته أم سليمان.
قال الكلبي: فخرج آصف إلى الناس فأخبرهم، فدعوا الله ربهم أن يكشف عنهم. فلما رأى الشيطان الذي فيه الناس من الغفلة كتبوا سحراً كثيراً على لسان آصف، ثم دفنوه في مصلّى سليمان وبيت خزائنه وتحت كرسيه، ثم أضربوا عنه. وفشا الاستنكار من الناس للشيطان، وانقضت أيامه، ونزلت الرحمة من الله لسليمان.
فعمد الشيطان إلى الخاتم فألقاه في البحر؛ فأخذه حوت من حيتان البحر. وكان سليمان يؤاجر نفسه من أصحاب السفن بنقل السمك من السفن إلى البر على سمكتين كل يوم. فأخذ في حقه يوماً سمكتين، فباع إحداهما برغيفين؛ وأما الأخرى فشق بطنها وجعل يغسلها، فإذا هو بالخاتم، فأخذه، فالتفت إليه الملاحون فعرفوه، فأقبلوا إليه، فسجدوا له. وكذلك تحية من كان قبلكم، كانت تحيتهم السجود، وجعل الله تحية هذه الأمة السلام، وهي تحية أهل الجنة.
قال الكلبي: فقال سليمان: فما آخذكم الآن على السجود، ولا ألومكم على ما تفعلون؛ وذلك الفعل هو أنه كان إذا أصابه الجوع استطعم فقال: أنا سليمان بن داوود، لو عرفتموني لأطعمتموني، أنا سليمان، فيكذبونه ويستخفون به. (4/19)
صفحة 1556
وقال مجاهد: إن سليمان قال لآصف، الشيطان الذي خلفه، وكان يقول: كان اسمه آصف، كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه خاتمه نبذه في البحر، فساح سليمان وذهب ملكه، وقعد الشيطان على كرسيّه، ومُنِع أن يقرب نساء سليمان.
قال الكلبي: فأقبل سليمان إلى ملكه فعرفه الناس واستبشروا به، وأخبرهم أنه إنما فعله به الشيطان، فاستغفر سليمان ربه.
قوله: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}. فسخر الله له الريح والشياطين: وسخر له الشيطان الذي فعل به الفعل، واسم الشيطان صخر. فأخذه سليمان فجعله في تخت من رخام، ثم أطبق عليه، وسد عليه بالنحاس، ثم ألقاه في جوف البحر. فمكث سليمان في ملكه راضياً مطمئناً حتى قبضه الله إليه.
قوله: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ}. فزاده الله ملكاً إلى ملكه الذي ورثه من داوود، فسخّر له الريح والشياطين.
قال الله: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْري بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وَءَاخَرينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ}.
ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا البارحة في مصلاي إذ عرض علي الشيطان، فأخذته بحلقه فخنقته، حتى إني لأجد برد لسانه على ظهر كفي، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطاً تنظرون إليه». (4/20)
صفحة 1557
قوله: {تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً} ذكروا عن الحسن قال: الرخاء التي ليست بالعاصف التي تؤذيه، ولا بالبطيئة التي تقصر به عن حاجته، رخاء بين ذلك. قوله: {حَيْثُ أَصَابَ} أي: حيث أراد، وهي بلسان هجر. وهو تفسير مجاهد. غير أنه قال: حيث شاء.
وتفسير الحسن: أن سليمان إذا أراد أن يركب جاءت الريح فوضع سرير مملكته عليها، ووضع الكراسي والمجالس على سريره، وجلس وجوه أصحابه على منازلهم في الدين عنده من الجن والإنس، والجن يومئذ ظاهرة للإِنس، رجال أمثال الإِنس إلا أنهم أُدْمٌ، يحجون ويصلون جميعاً ويعتمرون جميعاً، والطيور ترفرف على رأسه ورؤوسهم، والشياطين حَرَسَة لا يتركون أحداً يتقدم بين يديه، وهو قوله: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17] على كل صنف منهم وزعة يرد أولهم على آخرهم.
قوله: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ} أي يغوصون في البحر ويستخرجون له اللؤلؤ. {وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ} أي: في السلاسل، ولم يكن يسخر منهم ويستعمل في هذه الأشياء ولا يصفد في السلاسل إلا الكفار منهم، فإذا تابوا وآمنوا حلهم من تلك الأصفاد. هذا تفسير الحسن.
قوله: {هَذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْر حِسَابٍ} [تفسير بعضهم: فامنن أي: فأعط من شئت أو أمسك عمن شئت] {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي: لا حساب عليك في ذلك. وتفسير مجاهد: {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي: بغير حرج.
قوله: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى} أي: لقربة في المنزلة. {وَحُسْنَ مَئَابٍ} أي: وحسن مرجع، أي: الجنة. (4/21)
صفحة 1558
قوله: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} أي: ببلاء وشرّ. قال بعضهم: النصب: الضر في الجسد، والعذاب: ذهاب ماله. وتفسير الحسن بنصب وعذاب في جسده؛ وقد فسّرنا قصته وقصة امرأته في سورة الأنبياء وكيف ذهب ماله.
فأوحى الله إليه أن {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} فركض برجله ركضة وهو لا يستطيع القيام، فإِذا عين فاغتسل منها فأذهب الله ظاهر دائه، ثم مشى على رجليه أربعين ذراعاً، ثم قيل له: اركض برجلك ايضاً، فركض ركضة أخرى فإِذا عين فشرب منها فأذهب الله عنه باطن دائه.
وقال الكلبي: وكساه الله ثياباً جديدة حساناً. وجلس على شاطئ نهر، فجاءت امرأته بطعام قد أصابته، فنظرت فإذا الغار ليس فيه أحد؛ فلم تشك أن السبع قد أكله. فجعلت تستحيي من الرجل وهي ما تعرفه، فقالت: يا عبد الله، أرأيت الذي كان في هذا الغار أين هو؟ قال: أنا هو. قالت: يا عبد الله، لا تسخر مني، فقد كان أمره بخير. فقال: أنا صاحبك، ولم تصدّقه.
فقال: إن لم تصدقيني فاذهبي إلى بيتك ذلك، فإن الله قد أقامه لك، وردّ عليك ولدك، وقد كانوا ثلاثة عشر، وزاد الله له ثلاثة عشر أخرى، وأخرج له حيوانه كلها، وزاده مثلها معها، حتى صار مَلِك دمشق بعدُ.
قال الحسن: فردَّ الله عليه أهله وولده وأمواله من البقر والغنم والحيوان وكل شيء ملكه بعينه، ثم أبقاه الله فيها حتى وهب له من نسولها أمثالها. وهو قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ} فوفّاهم آجالهم. قال بعضهم: مثل السبعين الذين كانوا مع موسى فقال لهم الله: موتوا ثم أحياهم، ومثل {الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ (4/22)
صفحة 1559
أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ ثُمَّ أحْيَاهُمْ} [البقرة: 243] فاستوفوا بقية آجالهم.
وقال الحسن: إن الله أحيى أولاد أيوب بأعيانهم، وأن الله أبقاه فيهم حتى أعطاه الله من نسولهم. وإن إبليس يأتيه يومئذ عياناً، قال: يا أيوب، اذبح لي سخلة من غنمك؛ قال: لا، ولا كفاً من تراب.
ذكروا عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: لا يبلغ العبد الكفر بالله والإشراك به حتى يصلي لغير الله، أو يدعو غير الله، أو يذبح لغير الله.
ذكروا عن الحسن أن أيوب لم يبلغه شيء يقوله الناس كان أشد عليه من قولهم: لو كان نبياً ما ابتلي بمثل ما ابتلي به. فدعا الله فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أعمل حسنة في العلانية إلا عملت في السر مثلها، فاكشف عني ما بي من ضر فأنت أرحم الراحمين. فاستجاب الله له فوقع ساجداً.
(3/ 273)
وأمطر عليه جرادٌ من ذهب فجعل يلتقطه ويجمعه، فأوحى الله إليه: يا أيوب، أما تشبع؟ قال: ومن يشبع من رحمتك [يا رب].
وقال الحسن: إن الله يحتج على الناس يوم القيامة بثلاثة من الأنبياء فيجيء العبد فيقول: أعطيتني جمالاً في الدنيا فأعجبت به، ولولا ذلك لعملت بطاعتك، فيقول الله له: الجمال الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الجمال الذي أعطى يوسف، فيقول: بل الجمال الذي أعطى يوسف، فيقول: إن يوسف كان يعمل بطاعتي، فيحتجّ عليه بذلك. فيجيء العبد ويقول: يا ربّ، ابتليتني في الدنيا، ولولا ذلك لعملت بطاعتك. فيقول الله له: البلاء الذي ابتُليت به في الدنيا أشد أم البلاء الذي (4/23)
صفحة 1560
ابتلى به أيوب، فيقول: بل الذي ابتلى به أيوب. فيقول: كان أيوب يعمل بطاعتي، فيحتج عليه بذلك. ويجيء العبد فيقول: أعطيتني ملكاً فأعجبت به، ولولا ذلك لعملت بطاعتك. فيقول: الملك الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الملك الذي أعطى سليمان، فيقول: الملك الذي أعطى سليمان. فيقول: كان سليمان يعمل بطاعتي، فيحتج عيه بذلك.
قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لأُوِْلِي الأَلْبَابِ} وهم المؤمنون.
قوله: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ}.
قال الحسن: إِن امرأة أيوب كانت قاربت الشيطان في بعض الأمر، ودعت ايوب إلى مقاربته. وقال بعضهم: في قول الشيطان لأيوب: اذبح لي سخلة فوعدته أن تكلم أيوب في ذلك فأعلمته. فحلف أيوب بالله لئن عافاه الله أن يجلدها مائة جلدة، ولم تكن له نية بأي شيء يجلدها. فمكث في ذلك البلاء حتى عافاه الله، وأذن له في الدعاء، وتمت عليه النعمة من الله والأجر. فأتاه الوحي من الله وهو مطروح تختلف الروح في أضلاعه وجسده. قال الحسن: وكانت امرأته مسلمة قد أحسنت القيام عليه، وكانت لها عند الله منزلة. فأوحى الله إليه أن يأخذ بيده ضغثاً، مائة من الأسل. والضغث أن يأخذ قُبضة، قال بعضهم: من السنبل، وكانت مائة سنبلة. وقال بعضهم: من الأسل. [والأسل: السّمّار]، فيضربها به ضربة واحدة ففعل. (4/24)
صفحة 1561
قال الله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} أي: إنه مسبّح.
قوله: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَآ} يقول للنبي عليه السلام: واذكر عبادنا {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ} قال بعضهم: {أُوْلِي الأَيْدِي}، أولي القوة في أمر الله، {والأَبْصَارِ}، أي في كتاب الله. وقال الحسن: {أُوْلِي الأَيْدِي} أي: أولي القوة في عبادة الله.
قال الله: {إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} أي: الدار الآخرة. والذكرى الجنة. {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ} أي: المختارين؛ اختارهم الله للنبوّة، وقال الكلبي: اصطفاهم بذِكرِ الآخرة واختصّهم بها.
قوله: {وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ الأَخْيَارِ}. ذكروا عن أبي موسى الأشعري أنه قال: إن ذا الكفل لم يكن نبياً، ولكنه كان عبداً صالحاً تكفّل بنبي عند موته كان يصلي لله مائة صلاة، فأحسن الله عليه الثناء. وقال مجاهد: إن ذا الكفل كان رجلاً صالحاً ليس بنبي، تكفل لنبي بأن يكفل له أمر قومه فيقيمه له ويقضي بينهم بالعدل.
قوله: {هَذَا ذِكْرٌ} يعني القرآن {وَإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} أي: لحسن مرجع. {جَنَّاتِ عَدْنٍ}، وهي ريح الجنة سببه الخيار إليها. {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَابُ} [أي: منها]. ذكر بعضهم: أن مصراعي الجنة ذهب، بين الصراعين أربعون عاماً.
{مُتَّكِئِينَ فِيهَا} أي: على السرر، وفيها إضمار. {يَدْعُونَ فِيهَا} أي: في الجنة {بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ}. أي: بفاكهة لا تنقطع عنهم {وَشَرَابٍ} أي: أنهار تجري بما اشتهوا. (4/25)
صفحة 1562
{وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} قصرن أطرافهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم. {أَتْرَابٌ} أي: على سن واحد؛ بنات ثلاث وثلاثين سنة. وتفسير مجاهد: (أَتْرَاب) أي: أمثال، وهو قوله: على سن واحد.
قال: {هذَا مَا تُوعَدُونَ} يعني ما وصف في الجنة {لِيَوْمِ الْحِسَابِ إِنَّ هذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} أي: من انقطاع.
قوله: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ} أي: للمشركين {لَشَرَّ مَآبٍ} أي: لشر مرجع. {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ} أي: بئس الفراش. كقوله: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف: 41] أي: تغشاهم. وهو مثل قوله: {لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [الزمر: 16].
{هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ}. فيها تقديم: هذَا حَمِيمٌ وَغَسَاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ. فالحميم الحار الذي لا يستطاع من حره، والغساق البارد الذي لا يستطاع من برده.
قال بعضهم الغساق القيح الغليظ، لو أن جرة منه تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، أو تهراق في المشرق لأنتنت أهل المغرب. وقال بعضهم: الغساق: المنتن، بلسان خراسان. وكان الحسن لا يفسر الغساق فيما ذكروا عنه.
قال: {وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ}. وكان الحسن يقرأ: وأُخَر من شكله. {وَآخَرُ} يعني الزمهرير {مِنْ شَكْلِهِ}: من نحوه، أي: من نحو الحميم {أَزْوَاجٌ}: ألوان.
قوله: {هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَبَاً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ النَّارِ قَالُواْ بَلْ أنتُمْ لاَ (4/26)
صفحة 1563
مَرْحَبَاً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ}. قالته الملائكة لبني إبليس. قال بعضهم: وهذا قبل أن يدخلوا بني آدَمَ الذِين أضلهم بنو إِبليس؛ {هذَا فَوْجٌ} يعنون بني آدم {مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} أي: في النار.
قال بنو إِبليس: {لاَ مَرْحَبَاً بِِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ النَّارِ} قالوا، أي: قال بنو آدم لهم: بل أنتم لا مرحباً بكم أنتم قدمتموه لنا فبيس القرار.
وبعضهم يقول: جاءتهم الملائكة بفوج إِلى النار، فقالت للفوج الأول الذين دخلوا قبلهم: هذا فوج مقتحم معكم. قال الفوج الأول: لا مرحباً بهم إنهم صالو النار، قال الفوج الآخر: بل أنتم لا مرحباً بكم أنتم قدمتموه لنا فبيس القرار.
قال الله: {قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ} [قوله: {مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا} أي: من سنّه وشرعه. وقوله: {فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً} أي: زده على عذابه عذاباً آخر]. وهو كقوله: {قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلآءِ أَضَلُّونَا فآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 38]. {وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الأَشْرَارِ} أي: في الدنيا. كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ. . .} إلى آخر الآية [المطففين: 29] فلما دخلوا النار لم يروهم فيها معهم، فقالوا: {مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الأَشْرَارِ} {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً} أي: فأخطأنا {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ} أي: أم هم فيها ولا نراهم. وهذا تفسير مجاهد. قال: ثم علموا بعد أنهم ليسوا معهم فيها. وقال الحسن: كل ذلك قد فعلوا: قد اتخذوهم سخرياً، وقد زاغت الأبصار في الدنيا محقرة لهم، كقول الرجل: قد نبا بصري عنهم. (4/27)
صفحة 1564
قال الله: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقُّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} يعني قول بعضهم بعضاً في الآية الأولى.
قوله: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَا مُنذِرٌ} لأهل النار، أي أنا منذر من الله {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} قهر العباد بالموت وبما شاء من أمره. {رَبُّ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُِ الْغَفَّارُِ} أي: لمن تاب وآمن.
قوله: {قُلْ هُوَ نَبَؤٌاْ عَظِيمٌ} يعني القرآن. {أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} يعني المشركين.
قوله: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ} قال الحسن: اختصموا في خلق آدم. وفي تفسير عمرو عن الحسن: خصومتهم أن قالوا فيما بينهم: ما الله خالق خلقاً هو أكرم علينا منا. وهو قوله: {وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33].
وذكروا عن ابن عباس أن الله تعالى لما قال للملائكة {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] فكانت تلك خصومتهم.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني ربي الليلة في المنام فقال: يا محمد، فيم اختصم الملأ الأعلى. قلت: رب لا أدري. . . قلت: رب في الكفارات والدرجات. قال: وما الكفارات؟ قلت: إسباغ الوضوء في السَّبَرات. (4/28)
صفحة 1565
والمشي على الأقدام إلى الجماعات، والتعقيب في المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام».
وقال بعضهم: فيم يختصم الملاأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، أي يا ربي. قال: وما الكفارات؟ قلت: المشي بالأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد خلاف الصلوات، وإسباغ الوضوء في المكاره. ومن يفعل ذلك يعش بخير، ويمت بخير، ويكن من خطيئاته كيوم ولدته أمه. والدرجات: إطعام الطعام، وبذل السلام، وأن يقوم بالليل والناس نيام. قال: قل: اللهم إني أسألك الطيبات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تقوّني علي، وإذا أردت اللهم فتنة فتَوَفَّني غير مفتون.
قوله: {إِن يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَآ أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} هو كقوله: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7]. أي نبي الله المنذر، والله الهادي.
قوله: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} وقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة.
وقال الحسن: إن الله أمر الملائكة أن تسجد لآدم، وأمر إبليس بالسجود له، ولم يكن من الملائكة، فسجدت الملائكة ولم يسجد إبليس، واستكبر عن الله وكان من الكافرين. كان أول الكافرين، كما أن آدم من الإنس وهو أول الإنس. وقال بعضهم: إن كل عبد كان في أم الكتاب شقياً أو سعيداً، وكان إبليس ممن كان في أم الكتاب شقياً.
{قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ} [يعني: تكبرت] {أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ. . . قََالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا} [أي: من السماء] {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} أي: ملعون، رجم اللعنة. {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} يعني إلى (4/29)
صفحة 1566
يوم الحساب، وأبدأ في الإضمار. قال بعض العلماء: ثلاثة ليست لهم توبة: إبليس، وابن آدم الذي قتل أخاه، ومن قتل نبياً.
{قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي} أي: فأخرني {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ} أي: من المؤخرين {إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} يعني النفخة الأولى. وأراد عدو الله أن يؤخر إلى النفخة الآخرة.
{قَالَ فَبِعِزَّتِكَ} أي: فبعظمتك {لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} أي: لأضلّنهم أجمعين {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}.
{قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} أي: قال: إن الله حق ويقول الحق. وتفسير مجاهد (الحَقُّ) أي الحق منّي. وتفسير الحسن: هذا قسم، يقول: حقاً حقاً لأَملأن جهنم منك ومِمّن تبعك منهم أجمعين.
قوله: {قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي: على القرآن {مِن أَجْرٍ وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ} أي القرآن {إِلاَّ ذِكْرٌ} أي: إلا تفكر {لِّلْعَالَمِينَ} أي: لمن عقل عن الله. {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ} أي: بعد الموت، يعني يوم القيامة. (4/30)
صفحة 1567
تفسير سورة الزمر، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} يعني القرآن؛ أنزله مع جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم.
{إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ} أي: لا تشرك به شيئاً. {أَلاَ لِلهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} أي الإسلام.
{وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي: يتخذونهم آلهة يعبدونهم من دون الله. {مَا نَعْبُدُهُمْ}. يقول والذين اتخذوا من دون الله أولياء (مَا نَعْبُدُهُمْ) فيها إضمار؛ وإضمارها، قالوا ما نعبدهم، وهي قراءة الأعمش. {إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} والزلفى القربة. زعمو أنَّهم يتقرّبون إلى الله بعبادة الأوثان لكي يصلح لهم معايشهم في الدنيا، وليس يقرّون بالآخرة.
قال مجاهد: [هذا قول] قريش، تقوله لأوثانهم، وَمَن قبلهم يقولونه للملائكة ولعيسى بن مريم ولعزيز.
قال: {إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي: يحكم بين المؤمنين والمشركين يوم القيامة، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل المشركين النار. قال: {إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} يعني من مات على كفره. (4/31)
صفحة 1568
قوله: {لَّوْ أَرَادَ اللهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَى} أي لاختار {مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه أن يكون له ولد {هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ القَهَّارُ} الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك. والقهار الذي قهر العباد بالموت وبما شاء من أمره.
{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي: للبعث والحساب والجنة والنار. {يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ} أي: يختلفون. وبعضهم يقول: هو مثل قوله: {يُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ} [الحديد: 6]، يعني أخذ كل واحد منهما من صاحبه. {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأِجَلٍ مُّسَمًّى} أي: إلى يوم القيامة. {أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} العزيز في أمره، الغفار لمن تاب وآمن.
قال: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني آدم {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يعني حواء، خلقت من ضلع من أضلاعه، وهي القصيرى من جنبه الأيسر.
ذكروا عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، وإنك إن ترد أن تقيمها تكسرها، فدارها تعش بها.
{وَأَنزَلَ لَكُم} أي: وخلق لكم {مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} أي: أصناف الواحد منها زوج.
ذكروا عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه قال: الأزواج الثمانية التي ذكرت في سورة الأنعام: {مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ} يعني الذكر والأنثى. {وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} {وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} [الأنعام: 143 - 144].
{يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} [يعني نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم يكسى العظم اللحم ثم الشعر ثم ينفخ فيه الروح] {فِي ظُلُمَاتٍ (4/32)
صفحة 1569
ثَلاَثٍ} أي: البطن والمشيمة والرحم.
قال: {ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} خالق هذه الأشياء التي وصفهن؛ من قوله: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} إلى هذا الموضع: {لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} أي: فكيف تصرفون عقولكم. أي: أين يذهب بكم فتعبدون غيره وأنتم تعلمون أنه خلقكم وخلق هذه الأشياء. وتصرفون عقولكم وتصدقون وتوفكون واحد.
قال: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ} أي: عن عبادتك {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ} وتؤمنوا {يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أي لا يحمل أحد ذنب غيره، والذنب الوزر، وهو الحمل. كقوله: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ} [الأنعام: 31] {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ} أي: يوم القيامة {فيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: بما في الصدور.
قوله: {وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ} أي: مرض {دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} أي: دعاه بالإخلاص أن يكشف عنه {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ} أي: عافاه من ذلك المرض. {نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُواْ إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ} وهو كقوله: {مَرَّ} أي: معرضاً {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ} [يونس: 12]، يعني الكافر المشرك. قال: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً} يعني الأوثان، عدلوها بالله فعبدوها من دونه، والنّدّ العدل. {لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ} أي: يتبعه على ذلك غيره {قُلْ} أي: قل يا محمد للمشرك {تَمَتَّعْ} في الدنيا {بِكُفْرِكَ قَلِيلاً} أي: إن بقاءك في الدنيا قليل {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ}. (4/33)
صفحة 1570
قوله: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} أي: قائم في الصلاة {ءَانَآءَ الَّيْلِ} أي: ساعات الليل {سَاجِداً وَّقَآئِماً} قال بعضهم: هو الذي {يَحْذَرُ الأَخِرَةَ} أي: يخاف عذابها {وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} أي: الجنة. يقول: أمَن هو قانت كالذي جعل لله أنداداً يعبد الأوثان دونه، أي: ليس مثلَه.
قوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: هل يستوي هذا المؤمن، الذي علم أنه مُلاق ربه، الذي يقوم آناء الليل، وهذا المشرك الذي جعل لله أنداداً، أي: إنهما لا يستويان. [{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ} أي: إنما يقبل التذكرة {أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} أي: أصحاب العقول، وهم المؤمنون].
قوله: {قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ} ثم قال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} أي آمنوا {فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} أي: ما أعطاهم الله من الخير في الدنيا، يعني ما أعطاهم فيها من طاعة حسنة، وفي الآخرة من الجنة. {وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ} هو كقوله: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56] في الأرض التي أمرتكم أن تهاجروا إليها.
قال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ} أي الذين صبروا على طاعة الله وعن معصيته. {أَجْرَهُم} يعني الجنة {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي: لا حساب عليهم في الجنة. كقوله: {يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40].
قوله: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَن أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ اَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} أي: من هذه الأمة.
قوله: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصِيْتُ رَبِّي} [بمتابعتكم على ما تدعونني إليه من عبادة الأوثان] {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي جهنم. (4/34)
صفحة 1571
{قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ} وهذا وعيد هوله شديد، أي إنكم إن عبدتم من دونه عذبكم. {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ} أي: المغبونين، وقال في موضع آخر: {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} [التغابن: 9] {الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: غبنوا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} أي: الغبن البيّن. خسروا أنفسهم فصاروا في النار، وخسروا أزواجهم من الحور العين.
إن الله جعل لكل أحد منزلاً في الجنة وأهلاً، فمن عمل بطاعة الله كان له ذلك المنزل والأهل، ومن عمل بمعصية الله صيّره الله إلى النار، وكان ذلك المنزل والأهل ميراثاً لمن عمل بطاعة الله إلى منازلهم وأهليهم التي جعلها لهم، فصار جميع ذلك لهم.
قوله: {لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} كقوله: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف: 41] {ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} أي: لا تشركوا بي شيئاً ولا تعصمون.
قوله: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطَّاغُوتَ} والطاغوت الشياطين {أَن يَّعْبُدُوهَا} وذلك أن الذين يعبدون الأوثان إنما يعبدون الشياطين لأنهم هم يدعونهم إلى عبادتها. قال: {وَأَنَابُواْ إِلَى اللهِ} أي: وأقبلوا مخلصين إلى الله {لَهُمُ الْبُشْرَى} أي: الجنة. قال: {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} أي: بشرهم بالجنة. و (القول): كتاب الله، {فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} أي فيعملون بما أمرهم الله به فيه، وينتهون عما نهاهم الله عنه فيه. قال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} أي: أولو العقول.
قال: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ} أي: سبقت عليه كلمة العذاب {أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ} أي: تهدي من وجب عليه العذاب، أي لا تهديه. قال: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا (4/35)
صفحة 1572
الأَنْهَارُ} أي: أنهار الجنة. تجري في غير خدود، أي: في غير خنادق من الماء والعسل واللبن والخمر، وهو أبيض كله؛ فطينة النهر مسك أذفر، ورضراضه الدّرّ والياقوت، وحافاته قباب اللؤلؤ. {وَعْد اللهِ} الذي وعد المؤمنين، يعني الجنة. {لاَ يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ}.
قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ} والينابيع العيون. {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أََلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً} كقوله: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ}. . إلى آخر الآية [يونس: 24]. قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأِوْلِي الأَلْبَابِ} أي: لذوي العقول، وهم المؤمنون، يتذكّرون فيعلمون أن ما في الدنيا ذاهب.
قال: {أََفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ} أي: وسّع. كقوله: {فَمَن يُّرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} [الأنعام: 125] قال: {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} أي: ذلك النور في قلبه. {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} أي الغليظة {مِّن ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: عن الهدى. أي: إن الذي شرح الله صدره للهدى فهو على نور من ربه، ليس كالقاسي قلبه، يعني المشرك، الذي هو في ضلال مبين، أي عن الهدى، أي بيّن الضلالة. وهذا على الاستفهام، يقول: هل يستويان، أي: إنهما لا يستويان.
قوله: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} يعني القرآن {كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} أي: يشبه (4/36)
صفحة 1573
بعضه بعضاً في نوره وعدله وصدقه {مَّثَانِيَ} أي يثني الله فيه القصص أي: يذكر الجنة في هذه الصورة، ثم يذكرها في غيرها من السور. وهذا تفسير الحسن. وقال بعضهم: يذكر الآية في هذه السورة ثم يذكرها في الأخرى.
{تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} أي: إذا ذكروا وعيد الله وما أعدّ. قال: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ} أي: إذا ذكروا أعمالهم الصالحات لانت جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، أي إلى وعد الله الذي وعدهم.
قال: {ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي: يهديه.
قال: {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ} أي: شدة العذاب {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: يُجَرُّ على وَجهه في النار. وأول ما تصيب منه النار إذا ألقي فيها وجهه لأنه يكبّ على وجهه. خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة، أي: أهو خير، أم هذا المؤمن الذي لان جلده وقلبه إلى ذكر الله، أي: إنهما لا يستويان. قال: {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ} أي: للمشركين {ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} أي: جزاء ما كنتم تعملون.
قوله: {كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: من قبل قومك يا محمد {فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: جاءهم فجأة. قال: {فَأَذَاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: فأهلكهم بعذاب الخزي بتكذيبهم. {وَلَعَذَابُ الأَخِرَةِ أَكْبَرُ} من عذاب الدنيا {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي: لعلموا أن عذاب الآخرة أكبر من عذاب الدنيا. (4/37)
صفحة 1574
قوله: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: لكي يتذكّروا، فيحذروا أن ينزل بهم ما نزل بالذين من قبلهم. قال: {قُرْءَاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} أي: غير ذي لبس {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي: لكي يتَّقوا.
قوله: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلاً} أي: المشرك {فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ} أي: يعبد أوثاناً شتى. وهو مثل قول يوسف: {ءَارْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ القَهَّارُ} [يوسف: 39] {وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ} يعني المؤمن الذي يعبد الله وحده {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} أي: إنهما لا يستويان. قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم الذين لا يؤمنون.
قوله: {إِنَّكَ} يا محمد {مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِياَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}.
ذكروا أنه لما نزلت هذه الآية جعل أصحاب النبي عليه السلام يقولون: وما خصومتنا فيما بيننا؟ فلما قتل عثمان بن عفان قالوا: هذه خصومتنا بيننا.
ذكروا أن علياً رضي الله عنه أي. . . وإلى تحبو للخصومة يوم القيامة.
ذكروا عن عمار بن ياسر قال: ادفنوني في ثيابي فإني مخاصَم غداً.
ذكروا عن عمرو بن العاص أنه قال: كفنوني في ثياب خَلِقَة فإني مخاصم غداً، ثم قال: اللَّهم لا بريئاً فأعتذر، ولا قوياً فأنتصر، غير أنك {لآ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]. (4/38)
صفحة 1575
ذكروا عن أبي رجاء العطاردي وعقبة بن صهبان قالا: سمعنا الزبير بن العوّام يقول: لقد تأولت هذه الآية زماناً وما أحدّث نفسي أن أكون من أهلها، فإذا نحن المعنيّون بها: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَموُاْ مِنكُمْ خَآصَّةً} [الأنفال: 25].
وفي تفسير الحسن: {عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}: يتخاصم النبي والمؤمنون والمشركون.
قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللهِ} أي: افترى على الله كذباً وعبد الأوثان وزعم أن عبادتها تقرّب إلى الله. {وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ} يعني القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، أي لا أحد أظلم منه. {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِّلْكَافِرِينَ} أي يثوون فيها أبداً. والمثوى المنزل، وهذا على الاستفهام، أي: بلى، فيها مثوى للكافرين.
قوله: {وَالَّذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ} أي: محمد جاء بالقرآن {وَصَدَّقَ بِهِ} يعني المؤمنين. صدقوا بما جاء به محمد. {أُوَلئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}. (4/39)
صفحة 1576
قال: {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُم أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم} أي ثوابهم {بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي: يجزيهم الجنة.
قوله: {أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} يعني محمداً، يكفيه المشركين حتى لا يصلوا إليه، كقوله: {واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] حتى تبلّغ عن الله رسالته. {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ} يعني الأوثان {وَمَن يُضْلِلِِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي: يهديه. {وَمَن يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ} أي: لا يستطيع أحد أن يضله {أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ} أي: من أعدائه، وهذا على الاستفهام، أي: بلى، وهو شديد الانتقام، ذو انتقام.
قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم} يعني المشركين {مِّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ} يعني أوثانهم {إِن أَرَادَنِي اللهُ بِضُرٍّ} أي: بمرض {هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ} أي بعافية {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} أي: لا يقدرون أن يكشفن ضراً ولا يمسكن رحمة. فكيف تعبدون الأوثان من دونه وأنتم تعلمون أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض {قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} أي: لا رجاء غيره للصالحين.
قوله: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ} أي: على ناحيتكم، أي: على شرككم {إِنِّي عَامِلٌ} على ما أنا عليه من الهدى {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}. وهذا وعيد هوله شديد. قوله: {مَن يَأتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} يعني عذاب الاستئصال كما أهلك من كان قبلكم بتكذيبهم رسلهم. {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي: في الآخرة.
قوله: {إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ} يا محمد {الْكِتَابَ} أي القرآن {لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي: على نفسه {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} أي بحفيظ لأعمالهم حتى تجازيهم بها، إن الله هو الذي يجازيهم بها. (4/40)
صفحة 1577
قوله: {اللهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} أي ويتوَفَّى التي لم تمت في منامها {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} أي: فيميتها {وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي إلى الموت. أي: إن النائم إذا نام، في قول بعضهم، خرجت النفس، وهي الروح، فيكون بينهما مثل شعاع الشمس. وبلغنا أن الأحلام التي يراها النائم هي في تلك الحال. فإن كان ممن كتب الله عليه الموت في منامه خرج الروح أي النفس، وإن كان ممن لم يحضر أجله رجعت النفس أي الروح فاستيقظ.
وقال بعضهم: شبه [نوم] النائم بالوفاة، فيمسك التي قضى عليها الموت، أي التي يتوفاها وفاة الموت، ويرسل الأخرى التي لم يتوفها وفاة موت النائم، وهي النفس، إلى أجل مسمى، أي: إلى الموت الذي هو آخر آيامه.
قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، وهم المؤمنون.
قوله: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء} أي: قد اتخذوهم ليشفعوا لهم زعموا وذلك لدنياهم ليصلحوها لهم، كقولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إلَى اللهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ليصلحوا لهم معايشهم ولا يقرّون بالآخرة. (4/41)
صفحة 1578
قال الله: {قُلْ} يا محمد {أَوَلَوْ كَانُوا} يعني أوثانهم {لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ} أي: إنهم لا يملكون شيئاً ولا يعقلون شيئاً.
{قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} أي لا يشفع أحد يوم القيامة إلا بإذنه، أي: يأذن لمن يشاء من الملائكة والأنبياء والمؤمنين أن يشْفَعوا للمؤمنين فيشفّعهم فيهم، لا لمعنى قد وجب، فتعالى الله.
قوله: {لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي يوم القيامة، أي: لا يملك في السماوات والأرض غيره، ثم ترجعون إليه في الآخرة.
قوله: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ} أي: انقبضت {قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} وهم المشركون {وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ} يعني أوثانهم {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}، حين قرأ عليهم بمكة سورة والنجم، وألقى الشيطان على لسانه حيث انتهى إلى قوله: {أَفَرَءَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} [النجم: 19 - 20] لهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى، ففرح المشركون بذلك؛ وهو قوله: {وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}.
}. قوله: {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أي السر والعلانية {أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ} يعني المؤمنين والمشركين {فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فيكون حكمه فيهم أن يدخل المؤمنين الجنة ويدخل المشركين النار. (4/42)
صفحة 1579
قوله: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} أي: من الذهب والفضة {وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ} أي: من شدة العذاب {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} لم يقبل منهم {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} أي: لم يكونوا يحتسبون أنهم مبعوثون ومعذبون.
قال: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} أي: ما عملوا {وَحَاقَ بِهِم} أي: وجب عليهم {مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} أي: يسخرون في دار الدنيا بالنبي والمؤمنين فحاق بهم، أي: فأخذهم جزاء ذلك الاستهزاء، وهي جهنم بعد عذاب الدنيا.
قوله: {فَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ} أي: مرض. {دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا} أي أعطيناه عافية. فهذا الكافر {قَالَ: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} [تفسير مجاهد: يقول: هذا بعملي] كقوله: {وَلَئِن أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} [فصلت: 50] أي: أنا محقوق بهذا. قال الله: {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} أي: بلية {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني جماعة الكافرين.
قال: {قَدْ قَالَهَا} يعني هذه الكلمة {الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: من قبل مشركي العرب {فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي: من أموالهم وجنودهم إذا نزل بهم عذاب الله، أي: إنهم لم تغن عنهم شيئاً.
قال: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} أي: نزل بهم جزاء أعمالهم. يعني الذين أهلك من الأمم. {وَالَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: أشركوا {مِنْ هَؤُلاَء} يعني من هذه الأمة (4/43)
صفحة 1580
{سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} يعني الذين تقوم عليهم الساعة من كفار آخر هذه الأمة؛ وقد أهلك أوائلهم أبا جهل وأصحابه بالسيف يوم بدر. قال: {وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} أي: وما هم بالذين يسبقوننا حتى لا نقدر عليهم فنبعثهم ثم نعذبهم.
قال: {أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ} أي: بلى، قد علموا ذلك، أي: إن الله هو الذي يخلقهم وهو الذي يرزقهم. قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
قال: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} بالشرك والكبائر الموبقة. {لاَ تَقْنَطُوا} أي: لا تيأسوا {مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} على التوبة {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
ذكروا عن الحسن أنه قال: لما نزل في قاتل المؤمن وفي السارق والزاني وغير ذلك ما نزل تخوَّف قوم أن يؤاخذوا بما عملوا في الجاهلية فقالوا: أينا لم يفعل، فأنزل الله: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} أي: لمن تاب وآمن وعمل صالحاً، {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} وأنزل {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ. . .} إلى قوله: {إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الفرقان: 68 - 70] أي: لمن تاب إليه إذ جعل له بعد ذنوبه متاباً ومرجعاً. (4/44)
صفحة 1581
قال الله: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} أي: ارجعوا إليه، يقوله للكافرين {وَأَسْلِمُوا لَهُ} يغفر لكم ما كان في الجاهلية بعد إسلامكم {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ} أي: فجأة {ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ}.
قوله: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم} وهو أن يأخذوا بما أمرهم الله به، وينتهوا عما نهاهم الله عنه. {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً} أي: فجأة {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ}.
قال: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ} [معناه خوف أن تقول نفس] {يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ} تفسير مجاهد وغيره: في أمر الله. وتفسير الحسن: في ذات الله، أي: في الله. {وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} أي: كنت أسخر في الدنيا بالنبي والمؤمنين. {أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.
قال: {أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ} أي: حين تدخل العذاب {لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً} أي إلى الدنيا {فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}. أي: من المؤمنين.
قال الله: {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ}.
قوله: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} أي: بلى، لهم فيها مثوى يثوون فيها أبداً. والمثوى: المنزل. (4/45)
صفحة 1582
قوله: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ} أي: بمنجاتهم {لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ} أي: العذاب. {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. وتفسير الحسن: لا يسمّهم السوء، أي: النار.
قوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} أي: لا خالق سواه {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي: حفيظ.
قوله: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: مفاتيح السماوات والأرض، في تفسير مجاهد، وهي لغة بالفارسية، وتفسير الحسن: المقاليد: المفاتيح والخزائن.
وذكروا عن أبي المتوكل الناجي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له فنزل منزلاً. . .
قال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أي: خسروا أنفسهم فصاروا إلى النار.
قوله: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} يعني المشركين دعوه إلى عبادة الأوثان.
قوله: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ} من الأنبياء كما أوحينا إليك {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
قال الله: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ} والله يعلم أنه لا يشرك ولا يحبط عمله.
قوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عظّموا الله حق عظمته [إذ عبدوا الأوثان من دونه] {وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: بقدرته {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} أي: بملكه وسلطانه {سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه {وَتَعَالَى} أي ارتفع (4/46)
صفحة 1583
{عَمَّا يُشْرِكُونَ}. فإن زعم زاعم أن الله يقبض كما يقبض الخلق، أو له يمين أو شمال كما للخلق فقد كفر بالله.
حدث أبو عبدالرحمن عن أبي الفضل عن مروان عن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن عائشة أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة قوماً يضاهون الربّ. قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، كيف يضاهون الرّب؟ قال: يشبّهون الله بأنفسهم يضاهون بذلك قول اليهود حيث زعموا أن الله على صورة آدم.»
قوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} والصور قرن ينفخ فيه صاحب الصور. {فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ} قال الحسن: استثنى الله طوائف من أهل السماء، ولم يكن يسمّيهم، يموتون بين النفختين.
قال بعضهم: بلغنا آخر من يبقى منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، حتى يموت جبريل وميكائيل وإسرافيل، ثم يقول الله لملك الموت مت. فيموت.
ذكروا عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أول من تنشق عليه الأرض فأجد موسى متعلقاً بالعرش، فلا أدري أحوسب بالصعقة الأولى أم خرج قبلي». (4/47)
صفحة 1584
ذكروا عن عمارة بن عرات قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «{إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ} الشهداء. قالوا: ما أحسن هذا الصوت، كأنه الأذان في الدنيا فلم يفزعوا ولم يموتوا».
قال: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ}. قال الحسن: بين النفختين أربعون؛ الأولى يميت الله بها كل حي، والأخيرة يحيي الله بها كل ميت. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بين النفختين أربعون» هكذا جاء في الحديث، وكان من أصحاب النبي من قال: إنها أربعون سنة.
قوله: {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ} الذي كتبته الملائكة عليهم في دار الدنيا {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ} أي: الذين بعثوا إليهم والذين أقاموا الحجة عليهم {وَالشُّهَدَاء} وهم الملائكة عليهم السلام الحفظة الذين كتبوا عليهم. وهو قوله: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 21] يشهدون نسخه في الدنيا ويشهدون على العبد يوم القيامة أنه عمله. وقال في سورة ق: {وَقَالَ قَرِينُهُ} أي الملك الذي يكتب عمله {هَذَا مَا لَدَيَّ} أي عندي، أي: ما كتبت عليه {عَتِيدٌ} [سورة ق: 23] أي حاضر. قال: {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ} أي: بالعدل. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.
ذكروا عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيهتمون لذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا عسى أن يريحنا من مكاننا هذا، فينطلقون حتى يأتوا آدم عليه السلام، فيقولون: أنت أبونا، قد خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلّمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربنا حتى يريحنا من مكاننا (4/48)
صفحة 1585
هذا، فيقول: لست هناك، ويذكر خطيئاته التي أصابها بدعواته ربَّه بغير علم، ولكن ايتوا إبراهيم، خليل الرحمن. فيأتون إبراهيم فيقول: لست هناك، ويذكر خطيئته التي أصابها بثلاث كذبات: قوله: {إِنِّي سَقِِيمٌ} [الصافات: 89]، وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، وقوله لامرأته: إن سألوك فقولي: إني أخته، ولكن ايتوا موسى، عبداً كلّمه الله تكليماً، واصطفاه وأعطاه التوراة. فيأتون موسى فيقول: لست هناك، فيذكر خطيئته التي قتل فيها الرجل، ولكن ايتوا عيسى، عبدالله ورسولَه وكلمتَه وروحَه، فيأتون عيسى فيقول: لست هناكل ولكن ايتوا محمداً صلى الله عليه وسلم، عبداً غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فيأتوني، فأقوم بين يدي ربي، وأقع ساجداً له. فيدعني ما شاء أن يدعني فيقول: ارفع رأسك، فأحمد ربي ثلاثاً، ثم أشفع للمؤمنين والمؤمنات، فيحمدني أهل السماوات وأهل الأرض، فذلك قوله: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَّحْمُوداً} [الإسراء: 79].» فطوبى لمن كان له في شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يومئذ نصيب، وويل لمن لم يكن له يومئذ في شفاعته حظ ولا نصيب.
ذكروا عن عطاء بن يزيد قال: يجتمع الأنبياء بعضهم إلى بعض فيقولون: طال علينا الحشر، فهلمّ فلندع ربنا ليريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم عليه السلام، فيذكر من يأتون نبيّاً نبيّاً، حتى يأتوا عيسى بن مريم فيقول: ما أنا بصاحبها، إن صاحبها لمحمّد، فيأتونه فيقولون: أنت عبد الله ورسوله، ختم بك النبيين، وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، طال بنا الحشر، فادع لنا ربك ليريحنا من مكاننا هذا. فيقوم، فيأتي باب الجنة فيستفتح فيقال: من هذا؟ فيقول: محمد، فيُفتح له، فيخِرّ ساجداً ما شاء الله، فيقال له: ارفع رأسك، قد قُضِيت حاجتك.
فيقول: ربّ، عبادك، وأنت أعلم بهم، فتوضع موازين القسط، فيوتى بالنبيين والشهداء،. {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. (4/49)
صفحة 1586
ذكروا عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس ليقومون لرب العالمين حتى إن أحدهم ليغيب في رشحه إلى أنصاف أذنيه.» وقال بعضهم: بلغنا أنهم يقومون مقدار ثلاثمائة سنة قبل أن يقضي بينهم.
ذكروا أن سلمان الفارسي قال: إن الشمس تدنو من الناس يوم القيامة حتى تكون قاب قوسين، وتعطى حرّ عشر سنين، وما على أحد منهم يومئذ مخرجه. أي: مايستره، وما يُضرّ مؤمن ولا مؤمنة، وأما الكافر فتطحنهم حتى إن أجوافهم لتقول: عق.
وذكر بعضهم قال ويرشح أحدهم إلى الأرض سبع قيم.
ذكروا عن ابي وائل أو ابن حسس عن حذيفة بن اليمان قال: المؤمنون جلوس على كراسي.
وذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما طول يوم القيامة على المؤمن إلا كرجل دخل في صلاة مكتوبة فأتمها وأحسنها وأجملها.» (4/50)
صفحة 1587
قوله: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} أما المشركون فليس يعطون بأعمالهم الحسنة في الآخرة شيئاً، لأنهم قد جوزوا بها في الدنيا. وأما المؤمنون فيُوَفُّونَ حسناتهم في الآخرة، وأما سيئات المؤمن، فإنه يحاسب بالحسنات والسيئات؛ فإن فضلت حسناته سيئاته بحسنة واحدة ضاعفها الله، وهو قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 40]، وإن استوت حسناته وسيئاته فهو من أصحاب الأعراف يصير إلى الجنة، وإن فضلت سيئاته حسناته فقد فسّرنا ذلك في غير هذه السورة، قال: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ}.
قوله: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا} أي: زمرة زمرة، أي: فوجاً فوجاً في تفسير الحسن. وفي تفسير الكلبي، زمراً: أمماً، وكذلك أهل الجنة. {حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ}.
{قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} أي لا يخرجون منها أبداً {فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} أي: عن عبادة الله.
{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}.
ذكروا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إذا توجّهوا إلى الجنة مرّوا بشجرة تجري من ساقها عينان، فيشربون من إحداهما فتجري عليهم بنضرة النعيم، فلا تتغيّر أبشارهم، ولا تشعث أشعارهم بعدها أبداً، ثم يشربون من الأخرى، فيخرج ما في بطونهم من أذى وقذى، ثم تستقبلهم الملائكة خزنة الجنة، فيقولون لهم: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}، ثم تتلقاهم الولدان، فيعرف الولدان من قد جعلهم الله له، يبشون لهم ويفرحون بهم كما يفرح الحبيب بالحبيب، أو كما يفعل (4/51)
صفحة 1588
الولدان بالحميم إذا جاءه من غيبة. لم يذهب أحدهم حتى يأتي أزواجَه، أزواجَ الرجل، فيبشرهن ويقول: قد جاء فلان فيسميه باسمه، فيقلن: أنت رأيته، فيقول: نعم، فيسبقها الفرح حتى تقوم على أسكفّة بابها تنتظره. فيجيء فيدخل بيتاً أسفله على جندل اللؤلؤ وجندل الحصا وحيطانه من كل لون، فينظر إلى سقفه، فلولا أن الله قدر له ألاَّ يذهب بصره لذهب؛ فإذا {سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} [الغاشية: 13 - 16] فيقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلآ أَنْ هَدَانَا اللهُ} [الأعراف: 43]. . . . إلى أخر الآية.
وتفسير الحسن في قوله: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}. ويفاضل ما بينهم كمثل كوكب بالمشرق وكوكب بالمغرب. وقال بعضهم: يحبس أهل الجنة حتى يؤخذ بعضهم من بعض ضغائن كانت بينهم، ثم يدخلون الجنة.
وقال مجاهد: (طِبْتُمْ) أي: طبتم بطاعة الله.
قوله: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} أي: إن الله وعد المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار وأشباهها. {وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ} يعني أرض الجنة {نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء} أي: ننزل حيث نشاء {فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} أي: في الدنيا، أي: إنعام أتاهم به الله إذ أثابهم بالجنة.
ذكروا عن الحسن قال: إن أدنى أهل الجنة منزلاً آخرهم دخولاً، فيعطى فيقال له: انظر ما أعطاك الله. ويفسح له في بصره فينظر إلى مسيرة مائة سنة ليس فيه شبر إلا وهو عامر بالقصور من الذهب والفضة وخيام اللؤلؤ والياقوت، فيها أزواجه وخدمه، يُغدى عليه كل يوم بسبعين صحفة من ذهب ويراح عليه بمثلها: في كل واحدة لون ليس في الأخرى، يأكل من أخراها كما يأكل من أولها، لو نزل به الجن والإِنس في غَداء واحد لوَسِعهم، ولا ينقص ذلك مما عنده.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أسفل أهل الجنة منزلة لمن يسعى عليه سبعون (4/52)
صفحة 1589
ألف غلام، وإن أرفع أهل الجنة الذي يسعى عليه سبعمائة ألف غلام. وذكر في القصص نحو من حديث الحسن.
قوله: {وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ} [أي: محدقين] {مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} ذكر بعضهم قال: قال الله لآدم عليه السلام: يا آدم أهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، فطاف به آدم ومن بعده، حتى إذا كان الطوفان، زمان أغرق الله فيه قوم نوح، رفعه من أن يصيبه عقوبة، فبناه [إبراهيم] على أساس قديم كان قبله.
قوله: {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ} أي فصل بينهم {وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قاله المؤمنون؛ حمدوا الله على ما أعطاهم وعلى ما صيّرهم إليه من النعيم والسرور الذي لا انقطاع له. و {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. (4/53)
صفحة 1590
تفسير سورة المؤمن، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {حم} ذكروا أن علياً رضي الله عنه قال: {الم}، و {حم} و {ن}: الرحمن. وكان الحسن يقول: لا أدري ما تفسير {حم} و {طسم} وأشباه ذلك، غير أن قوماً من السلف كانوا يقولون: أسماء السور وفواتحها.
قال: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ} أي القرآن، {مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ} في ملكه، الذي ذل من دونه لعزته. {الْعَلِيمِ} بخلقه.
{غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} أي: التوبة {شَدِيدِ الْعِقَابِ} أي: إذا عاقب. {ذِي الطَّوْلِ} أي: ذي الغنى، أي: إنه الغني {لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} أي: لا معبود سواه، ولا ربّ إلا هو {إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} أي: البعث.
قوله: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ} فيجحدها {إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلاَ يَغْرُرْكَ (4/54)
صفحة 1591
تَقَلُّبُهُمْ} أي: إقبالهم وإدبارهم {فِي الْبِلاَدِ} يعني في الدنيا بغير عذاب، فإن الله معذّبهم.
قوله: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} أي قبل قومك يا محمد {قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ}، يعني عاداً وثموداً ومن بعدهم، الذين أخبر بهلاكهم لتكذيبهم رسلهم. {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} فيقتلوه {وَجَادَلُوا} أي: وخاصموا {بِالْبَاطِلِ} أي: بالشرك، جادلوا به الأنبياء والمؤمنين. {لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} أي: ليدفعوا به الحق؛ أي: الإِيمان {فَأَخَذْتُهُمْ} أي: بالعذاب {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} أي: كان شديداً.
قوله: {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} أي: سبقت كلمات ربك {عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} أي: بكفرهم.
{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ} أي: ومن حول العرش {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ}. ذكر بعضهم قال: قال الله لآدم: يا آدم أهبط بيتي معك يطاف حوله كما يطاف على العرش.
قال: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} يقولون {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا} أي: ملأت كل شيء رحمة وعلماً {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا} من الشرك والنفاق وأعمال السيئات {وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} أي: الهدى، يعني الإِسلام، وهو السبيل، أي الطريق إلى الجنة. {وَقِهِمْ} أي: واصرف عنهم {عَذَابَ الْجَحِيمِ}.
{رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ} وعدن أرفع الجنة وبطنانها، إليها تنسب الجنان. {الَّتِي وَعَدتَّهُم} أي: إن الله وعد المؤمنين في كتابه الجنة فقال: {وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} [التوبة: 72]. . . إلى آخر الآية، وغير ذلك مما وعدهم فيها أي: في الجنة.
قال: {وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} أي: ومن آمن وعمل (4/55)
صفحة 1592
صَالحاً منهم {إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. وقال في سورة الطور: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} [الطور: 21] أي: وما انتقصناهم من عملهم من شيء. إن الله يرفع إلى المؤمن ولده في الجنة وإن كان دونه في العمل ليُقِرَّ به عينَه، وكذلك الآباء يُرفعون إلى الأبناء في درجاتهم في الجنة إذا كانت الآباء دونهم في العمل. وولدان المسلمين الذين لم يبلغوا العمل ايضاً مع آبائهم من أهل الجنة.
ذكروا عن سعيد بن المسيب قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة يكون لها الزوجان في الدنيا، امرأة من تكون في الجنة. قال: «امرأة الآخر.»
قال: {وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ} أي: جهنم، وهذا جزاء الشرك والنفاق {وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} قال: {وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} أي: هي النجاة العظيمة من النار إلى الجنة.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ} وهم في النار {لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} أي: لمقت الله إياكم في معصيته أكبر من مقتكم أنفسكم في النار، وذلك أن أحدهم يمقت نفسه ويقول: مقتُّكِ يا نفسي. قال: {إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ} أي: في الدنيا {فَتَكْفُرُونَ}.
{قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} وهو قوله في سورة البقرة، {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] يقول: {كُنتُمْ أَمْوَاتاً} في أصلبة آبائكم نطفاً، {فَأَحْيَاكُمْ}، يعني هذه الحياة في الدنيا، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} يعني بهذا موتكم {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} يعني البعث {فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ}.
تفسير الحسن: إن فيها إضماراً: قال الله: [لا، ثم قال]: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا (4/56)
صفحة 1593
دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا} أي: تصدَّقوا بعبادة الأوثان.
وقال بعضهم: ليس فيها إضمار، ولكن قال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} لأنكم كنتم {تُدْعَوْنَ} في الدنيا {إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ}.
قال: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ} أي: لا أعلى منه {الْكَبِيرِ} أي لا أكبر منه. قوله: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ} أي حكمه على العباد بأن أدخل المؤمنين الجنة وأدخل المشركين النار.
قوله: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ} أي: ما يرى العباد من قدرته {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِزْقًا} أي: مطراً؛ أي في المطر أرزاق العباد. {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ} أي: إلا من يرجع إلى الله فيخلص العبادة له، يعبده لا يشرك به شيئاً.
{فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} كان المشركون يكرهون أن يظهر دين الله، كقوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33].
قوله: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ} أي: هو رفيع الدرجات، أي: درجات المؤمنين في الجنة {ذُو الْعَرْشِ} رب العرش {يُلْقِي الرُّوحَ} أي: ينزل الوحي {مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} أي: الأنبياء مع جبريل {لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ} أي: يوم القيامة، يوم يلتقي فيه الخلائق من أهل السماء وأهل الأرض عند الله يوم القيامة.
{يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} أي: لا يتوارى عنه شيء في الدنيا والآخرة. {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} يسأل الخلائق فلا يجيبه أحد، فيردّ على نفسه فيقول: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}. قهر العباد بالموت وبما شاء من أمره. (4/57)
صفحة 1594
قال بعضهم: هذا مابين النفختين، حين لا يبقى أحد غيره، حيث تكون الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه. وقال بعضهم: هذا بعد البعث حين يجمع الخلائق، ولا أدري لعله في الموطنين جميعاً، والله أعلم.
قوله: {الْيَوْمَ} يعني في الآخرة {تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}. قال بعضهم: يفرغ من حساب الخلائق في مقدار أقل من نصف يوم من أيام الدنيا.
قوله: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ} أي: يوم القيامة {إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} قال بعضهم: انتزعت القلوب فغصّت بها الحناجر، فلا هي ترجع إلى أماكنها ولا هي تخرج.
قال: {مَا لِلظَّالِمِينَ} أي: المشركين {مِنْ حَمِيمٍ} من قرابة. وقال مجاهد: الحميم: الشفيق. وقال الحسن: ما له من حميم، أي: يحمل عليهم من ذنوبهم شيئاً. {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} أي: لا يشفع لهم أحد، ليس يعني يشفع لهم فلا يطاع، وإنما الشفاعة للمؤمنين.
قال الله: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ} أي لحظ الأعين في تفسير الحسن. وقال بعضهم: هي الهمزة بعينه وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى. وقال مجاهد: هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. قال: {وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} أي: ويعلم ما تخفي صدوركم. (4/58)
صفحة 1595
قال: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} يعني أوثانهم {لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} أي: لا أسمع منه ولا أبصر.
قوله: {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ} أي: من مشركي العرب {قُوَّةً} أي بطشاً {وَآثَارًا فِي الأَرْضِ} يعني آثار من مضى مما عملوا من المدائن وغيرها من آثارهم {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} أي: بشركهم وتكذيبهم رسلهم فأهلكهم بالعذاب {وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ} يقيهم من عذاب الله.
قال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا} بالله {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ} بالعذاب {إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} إذا عاقب.
قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي: وبحجة بينة {إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} يعنون موسى.
{فَلَمَّا جَاءهُم} أي: موسى {بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} أي: الذين صدقوه {وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ} فلا تقتلوهن. قال الله: {وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ} يعني المشركين {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} أي: يذهب فلا يكون شيئاً، أي: في العاقبة.
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى} يقوله لأصحابه؛ أي: [خلوا بيني وبينه فأقتله، ولم يخف أن يمنع منه] {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أي: وليستعن به، إن ربه لا يغني عنه شيئاً. فقالوا له: لا تقتله، فإنما هو ساحر، فإنك إن قتلته أدخلت على الناس الشبهة، ولكن أرجه، احبسه وأخاه. (4/59)
صفحة 1596
قال: {إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ}. قال الحسن: كانوا عبدة أوثان. {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ} [يعني أرض مصر] {الْفَسَادَ} فيظهر خلاف دينكم. قال بعضهم: يقتل أبناءكم كما قتلتم أبناءهم.
{وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم} أي بالله أتعوّذ {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ} أي عن عبادة الله {لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ}.
قوله: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} أي: من قوم فرعون {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} قال الحسن: قد كان مؤمناً قبل أن يأتيهم موسى {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاَ أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} والبيّنات الآيات التي جاءهم بها موسى: يده وعصاه والطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم {وَلَقدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف: 130]. قال: {وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ}. كان موسى صلى الله عليه وسلم يعدهم عذاب الله في الدنيا والآخرة. إن لم يؤمنوا، وقد كان مؤمن آل فرعون علم أن موسى على الحق. قال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} أي: مشرك {كَذَّابٌ}.
{يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ} يعني غالبين على أرض مصر. {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ} أي: من عذاب الله {إِنْ جَاءنَا} يقوله لقومه. على الاستفهام، أي: لا يمنعنا منه أحد.
{قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} أي: ما أريكم إلا ما أرى لنفسي، والرأي الذي أريكم هو سبيل الرشاد، يعني جحود ما جاء به موسى، والتمسّك بما هم عليه.
ذكروا أن فرعون قال: يا هامان، إن موسى يعرض علي أن لي ملكي حيّاً ما بقيت، ولي الجنة إذا متّ. فقال له هامان: فما كنت إلهاً تُعْبَدُ إذا صرت عبداً، أو قال: عبداً لعبد؛ فردّه عن رأيه. (4/60)
صفحة 1597
{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ} أي: مثل عذاب الأمم الخالية. [ثم أخبر عن يوم الأحزاب] فقال: {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ} فالدأب الفعل، أي: إني أخاف عليكم مثل عقوبة فعلهم، وهو ما أهلكهم الله به؛ يحذر قومه. قال: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ}. {وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ} قال بعضهم: يوم ينادي أهل الجنة أهل النار: {قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً} [الأعراف: 44]، وينادي أهل النار أهل الجنة: {أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ} [الأعراف: 50]. وتفسير الكلبي: {يَوْمَ التَّنَادِ}، مشدّدة، أي يوم الفرار يوم يندّون كما يندّ البعير. قال ألا تراه يقول: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} أي: يوم الفرار. وتفسير مجاهد: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ}، أي: فارّين غير معجزين. وقال بعضهم: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} أي: يوم ينطلق بهم إلى النار.
{مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} أي: يعصمكم، أي: من مانع يمنعكم من عذابه. {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي: يهديه.
قوله: {وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ} [أي: من قبل موسى] {بِالْبَيِّنَاتِ} أي: بالهدى، والبينات: الحق. {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً}. أي: إنه لم يكن برسول، فلن يبعث الله من بعده رسولاً، كقول مشركي العرب للنبي عليه السلام: {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: 6]، وكقول فرعون: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27] أي: فيما يدّعي. (4/61)
صفحة 1598
قال: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} أي: مشرك {مُّرْتَابٌ} أي: في شك من البعث، أي: يضله الله بشركه وتكذيبه وشكّه.
قوله: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} أي: بغير حجة أتتهم من الله بعبادة الأوثان {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ} أي: عن عبادة الله {جَبَّارٍ} أي: قتَّال في غير حقّ. وبعضهم يقرأها: {عَلَى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله.
قوله: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا} أي: مجلساً في تفسير الحسن. وقال الكلبي: قصراً. وقد فسّرنا أمر الصرح في سورة القصص.
قال: {لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} أي: طرق السماوات، وقال بعضهم: أبواب السماوات. {فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} الذي يزعم موسى إلهاً، {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا} أي: ما في السماء أحد، أي إنه تعمّد الكذب.
قال الله: {وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ} أي: عن طريق الهدى {وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ} أي: إلا في خسار.
قوله: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ} من آل فرعون {يَا قَوْمِ} يقوله لقومه {اتَّبِعُونِ (4/62)
صفحة 1599
أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ} أي يستمتع به ثم يذهب، فيصير الأمر إلى الآخرة. {وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} أي: لا تزول، والدنيا زائلة.
{مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً} والسيئة ها هنا الشرك {فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} أي: النار. {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي: لا يقبل الله العمل الصالح إلا من المؤمن {فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [قال السّدّي: بغير متابعة ولا منّ عليهم فيما يعطون].
{وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ} أي: إلى الإيمان بالله {وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} أي: الكفر الذي يدخل به صاحبه النار. {تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} أي: ليس عندي علم بأن مع الله شريكاً، ولكنه وحده لا شريك له. {وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ} لمن تاب وآمن.
{لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} أن أعبده، يعني ما تعبدون من دونه {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلاَ فِي الآخِرَةِ} أي: ليس له دعوة يجيب العابدين به في الدنيا، ولا دعوة في الآخرة يجيبهم بها، أي: لا ينفعهم. قال: {وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ} أي: المشركين {هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ}. وقال مجاهد: هم السافكون الدماء بغير حلّها.
قال: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ} أي: إذا صرنا إلى الله. {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ} أي: وأتوكّل عليه. {إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} أي: بأعمال العباد ومصيرهم. (4/63)
صفحة 1600
قال: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا} أي: ما عملوا، أي: الكفر، فعصمه من ذلك الكفر الذي دعوه إليه، وعصمه من القتل والهلاك الذي أهلكوا به. {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ} أي: وجب عليهم {سُوءُ الْعَذَابِ} أي: أشد العذاب {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا}. قال مجاهد: أي: ما كانت الدنيا.
ذكروا عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسري به أنه أتى على سابلة آل فرعون حين ينطلق بهم إلى النار يعرضون عليها غدواً وعشياً، فإذا رأوها قالوا: ربنا لا تقوم الساعة لما يرون من عذاب الله.
ذكروا عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن الجنة، وإن كان من أهل النار فمن النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة».
[قال: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ} يعني أهل ملته وفرعون معهم {أَشَدَّ الْعَذَابِ}].
وقال بعض أهل التأويل في قول الله: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا}: هذا من مقاديم الكلام، «مجازه: ادخلوا آل فرعون أشد العذاب النار يعرضون عليها غدواً وعشياً». (4/64)
صفحة 1601
قال: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء} أي: السَّفَلة {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} يعني الرؤساء والقادة في الضلالة. وقال بعضهم: الضعفاء بنو آدم، يعني المشركين، والذين استكبروا الشياطين، وكلهم مستكبرون عن عبادة الله: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} أي: دعوتمونا إلى الضلالة فأطعناكم {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا} أي: جزءاً {مِّنَ النَّارِ}.
{قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا} أي: في النارِ {إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ}. قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ} أي: سلوه {يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ قَالُوا} أي: خزنة جهنم، وهم التسعة عشر الذين قال الله فيهم: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر: 30]: {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلاَلٍ}.
ذكر بعضهم قال: إن أهل النار يدعون خزنة جهنم فلا تجيبهم مقدار عشرين عاماً، ثم تجيبهم {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}. ثم ينادون مالكاً، فلا يجيبهم مقدار أربعين عاماً، ثم يجيبهم: {إِنَّكُم مَّاكِثُونَ} [الزخرف: 77]. ثم يدعون ربهم فلا يجيبهم مقدار عمر الدنيا مرتين، ثم يكون جوابه إياهم: {اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108].
ذكرورا عن غير واحد من العلماء أن كل كلام في القرآن من كلامهم كله فهو قبل أن يقول لهم: {اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}. قال: فإذا قال ذلك انقطع كلامهم وصار الزفير والشهيق كأصوات الحمير أولها زفير وآخرها شهيق. (4/65)
صفحة 1602
قوله: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني بالنصر والظفر على عدوّهم {وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} يعني يوم القيامة. وأما في الآخرة فبالحجة عليهم. والأَشهاد في تفسير بعضهم: الملائكة الحفظة يشهدون للأنبياء بالبلاغ. وعليهم بالتكذيب.
قال: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظَّالِمِينَ} أي: المشركين {مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} أي: الدار الآخرة، وسوءها النار.
قوله عزوجل: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ} بعد القرون الأولى {هُدًى وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ} أي لأولي العقول، وهم المؤمنون.
قوله عز وجل: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} يعني وعد الله الذي وعدك أن يعطيكه في الآخرة ويعطيه من آمن به. {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ}، وهي صلاة مكّة قبل أن تفترض الصلوات الخمس حين كانت الصلاة ركعتين غدوة وركعتين عشية.
قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} أي: بغير حجة أتتهم [{إِن فِي صُدُورِهِمْ} أي: ليس في صدورهم {إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ} يعني أملهم] في محمد صلى الله عليه وسلم وأهل دينه أن يهلك ويهلكوا، في تفسير الحسن. وتفسير مجاهد: يعني عظمة قريش المشركين. قال: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} أي: لا أسمع ولا أبصر منه. (4/66)
صفحة 1603
قوله: عز وجل: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} أي: أشد من خلق الناس، يعني شدة خلقها وكثافتها وعرضها وطولها، أي: فأنتم أيها المشركون تقرون بأن الله هو الذي خلقها وتجحدون البعث. قال عز من قائل: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أنهم مبعوثون.
قوله: عز وجل: {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} الأعمى: الكافر، عمي عن الهدى، والبصير: المؤمن، أبصر الهدى. {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلاَ الْمُسِيءُ} أي: المشرك {قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} أي: أقلهم المتذكر، يعني أقلهم من يؤمن. ومن قرأها بالتاء فهو يقول: أقلكم المتذكر، أي: من يؤمن.
قوله عز وجل: {إِنَّ السَّاعَةَ} أي: القيامة {لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا} أي: لا شك فيها {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي: بالساعة.
قوله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} كقوله: {فَادْعُواْ اللهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّين} [غافر: 14] {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [أي: صاغرين].
ذكروا عن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل العبادات، «فقال دعاء المرء لنفسه.» ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من دعائه على إحدى ثلاث: إما أن يعطى مسألته، وإما أن يعطى مثلها من الخير، وإما أن يصرف عنه مثلها من الشر ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل.» [قالوا: يا رسول الله، إذاً نكثر، قال: الله أكثر.
الحسن بن دينار عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك قال] قالوا: يا (4/67)
صفحة 1604
رسول الله كيف يستعجل؟ قال: «يقول: قد دعوت الله فما أجابني، ودعوته فما أعطاني.»
ذكروا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أبخل الناس من بخل بالسلام، وإن أعجز الناس من عجز في الدعاء، وقد قال عز وجل: ادعوني أستجب لكم.»
قوله عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} يعني لتستقرّوا فيه من النصب. {وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} أي: مضيئاً. {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} أي: لا يؤمنون.
{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} أي: فيكف تصرفون عن الهدى. قال: {كَذَلِكَ يُؤْفَكُ} أي: يُصَد، {الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}. قوله: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا} مثل قوله: (بِسَاطاً)، و (فِرَاشاً) و (مِهَاداً) {وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} أي: جعل صوركم أحسن من صور البهائم والطيور. {وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ}. [قال السدي، يقول: جعل رِزقكم أطيب من رزق الدواب والطير والجن]. {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} تبارك من البركة، كقوله: (تَعَالَى) من العلوّ، أي: ارتفع. (4/68)
صفحة 1605
قال: {هُوَ الْحَيُّ} أي: الذي لا يموت {فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
قوله عز وجل: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} يعني أوثانهم {لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}.
{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ} يعني خلق آدم {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} يعني نسل آدم {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} أي: الاحتلام {ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا} يعني من يبلغ حتى يكون شيخاً {وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ} أي: من قبل أن يكون شيخاً {وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى} أي الموت {وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: لكي تعقلوا.
قال: {هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}. قال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ} أي: يجحدون بها {أَنَّى يُصْرَفُونَ} أي: كيف يُصرفون عنها.
{الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ} أي: تسحبهم الملائكة على وجوههم. {فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} أي: كسجر التّنّور بالحطب. [أي: توقد بهم النار].
{ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} كقوله: {أَينَ مَا كُنتُم تعبدُونَ مِن دُونِ اللهِ هَلْ يَنصُرُونَكُم أَوْ يَنتَصِرُونَ} [الشعراء: 92 - 93] {قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا} ينفعنا ولا يضرنا. قال الله: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ} أي بكفرهم. ثم رجع إلى قصتهم فقال: {ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ}. والمرح والفرح واحد. وهو الأشر والبطر. أي: بما كنتم (4/69)
صفحة 1606
أشرين بطرين. وهؤلاء المشركون. وقال في آية أخرى: {وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الرعد: 26].
قال: {ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} أي: لا تخرجون منها أبداً. {فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} أي: منزل المتكبرين، يثوون فيها أبداً.
قوله عز وجل: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ} أي: من العذاب {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} فيكون بعد وفاتك {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة.
قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ}. ذكر إبراهيم بن محمد بإسناد قال: قيل: يا رسول الله، كم كان المرسلون. قال: ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، جمٌّ غفير. قيل: يا رسول الله، أكان آدم نبياً مكلّماً؟ قال: كان نبيّاً مكلّماً.
قال: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} أي: حتى يأذن الله له فيها، وذلك أنهم كانوا يسألون النبي عليه السلام أن يأتيهم بآية، وأن الآية إذا جاءت فلم يؤمن القوم أهلكهم الله. وقد أخر الله عذاب كفار هذه الأمة بالاستئصال إلى النفخة الأولى، بها يكون هلاكهم.
{فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ} أي: العذاب {قُضِيَ بِالْحَقِّ} وقضاء الله بالحق أن يهلكهم بتكذيبهم، يعني من نزل بهم العذاب ممن سألوا الآية فجاءتهم فلم يؤمنوا. قال: {وَخَسِرَ هُنَالِكَ} أي حين جاءهم العذاب {الْمُبْطِلُونَ} أي: المشركون.
قوله: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} أي ألبانها وما ينتفع به منها. {وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ} يعني الإبل، ويعني بالحاجة السفر، أي تسافرون عليها. قال: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ}. (4/70)
صفحة 1607
{وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} [يعني من السماء والأرض والخلائق وما في أنفسكم من الآيات وما سخر لكم من شيء] {فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ} أي: فأي ذلك تنكرون أنه ليس من خلقه.
قوله عز وجل: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}. كان عاقبتهم أن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار {كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ} أي: ما عملوا من المدائن وغيرها من آثارهم. كقوله: {ذَلِكَ مِن أَنْبَاءِ القُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ} تراه {وَمِنْهَا حَصِيدٌ} [هود: 100] لا تراه. قال: {فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي: من الدنيا حين جاءهم العذاب، أي: لم يغن عنهم كسبهم شيئاً.
{فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ} يعني علمهم عند أنفسهم هو قولهم لن نبعث ولن نعذّب {وَحَاقَ بِهِم} أي: وجب عليهم {مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} أي: بالنبي عليه السلام والمؤمنين، أي: وجب عليهم عقاب ما كانوا به يستهزءون، أي: فأهلكهم الله.
قال: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} أي: عذابنا {قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} أي بما كنا به مصدّقين من الشرك.
قال الله عز وجل: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} أي: عذابنا {سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} المشركين، أي أنهم إذا كذبوا رسلهم أهلكهم الله بالعذاب، ولا يقبل إيمانهم عند نزول العذاب. قال: {وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} ولا خسارة هي أعظم منها إذا صاروا إلى النار. (4/71)
صفحة 1608
تفسير سورة حم فصلت، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عزّ وجلّ: {حم} قد فسّرناه في حم المؤمن. {تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يعني القرآن. {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} أي: فسّرت آياته بالحلال والحرام والأمر والنهي. {قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي: يؤمنون. {بَشِيرًا وَنَذِيرًا} أي: بشيراً بالجنة ونذيراً من النار {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ} أي عنه {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} أي: لا يسمعون الهدى سمعَ قبول.
{وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ} أي: في غلف. وقال مجاهد: على قلوبنا أكنة كالجعبة للنبل {مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} يا محمد، فلا نفعله {وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ} أي: صمم عنه فلا نسمعه. {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} فَلا نفقه ما تقوله. {فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} أي: فاعمل على دينك، إننا عاملون على ديننا.
قال الله تعالى للنبي عليه السلام: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} أي: إنما أنا بشر مثلكم، غير أنه يوحى إلي {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ} بالتوحيد والعمل الصالح {وَاسْتَغْفِرُوهُ} أي: من الشرك والنفاق والعمل السوء. (4/72)
صفحة 1609
{وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ} أي: في النار {الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} أي: لا يوحّدون الله ولا يعملون الصالحات. {وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}. وهي مثل قوله: {إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30] أي: على التوحيد والفرائض ولم يشركوا.
قوله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ} أي: ثواب، يعني الجنة {غَيْرُ مَمْنُونٍ} أي: غير محسوب في تفسير مجاهد؛ كقوله: {يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40]. وتفسير الحسن: غير ممنون عليهم مَنَّ أذًى. قوله عز وجل: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} يقوله على الاستفهام، أي: قد فعلتم: يقوله للمشركين {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا} أي: أعدالاً تعدلونهم بالله فتعبدونهم دونه. {ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} أي: الذي خلق الأرض في يومين.
قال: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا} يعني فوق الأرض. والرواسي الجبال أرساها حتى لا تتحرك بكم، وجعل فيها أنهارها وأشجارها.
ذكروا عن الحسن قال: لما خلق الله الأرض جعلت تميد [فأرساها بالجبال].
قال: {وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} فأما قوله: {وَبَارَكَ فِيهَا} فهو من باب البركة، يعني ما جعل فيها من الأرزاق والأقوات، أرزاق من فيها. والقوت الرزق. وقال مجاهد: الأقوات من المطر. وقال بعضهم: أقواتها: ما يحمل من هذا البلد إلى هذا البلد، ومن هذا إلى هذا. {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ}: أي في تتمة أربعة أيام. {سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ} أي: لمن كان سائلاً عن ذلك. وقال بعضهم: لمن يسأل (4/73)
صفحة 1610
الرزق وهي تقرأ على وجه آخر: {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءٍ لِّلسَّائِلِينَ} أي: مستويات، يعني الأيام. واليوم منها ألف سنة، كقوله: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47]. أي: خلق الأرض في يومين، وقدر الأقوات في يومين، ثم جمع الأربعة الأيام فقال: {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ}.
قال: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ} بدء خلق الأرض إنما كانت طينة في موضع بيت المقدس قبل أن يبسطها الله، ثم استوى إلى السماء [يعني عمد لها وقصد] وهي ملتزقة بالأرض في تفسير الحسن؛ وهو قوله: {كَانَتَا رَتْقاً} أي ملتزقة {فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30] أي: فتق إحداهما عن الأخرى، فكان خلق الأرض قبل خلق السماء، أي: بسطها، فقال لهما: اذهبي أنت كذا واذهبي أنت كذا. ويقال: دُحِيت الأرض: أي بُسطت من مكة، وقدّر فيها أقواتها.
قال مجاهد: كان البيت قبل الأرض بألفي عام، ومدّت الأرض من تحته، وقدر فيها أقواتها. وهو قوله: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [النازعات: 27 - 33] يعني أرزاقكم، فخلق الأرض في يومين وأقواتها في يومين.
قال: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} على وجه السخرة والقدرة. قال هذا لهما قبل خلقه إياهما، وهو كلام فيه تقديم وتأخير. {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} يعني بما فيهما. (4/74)
صفحة 1611
قال: {فَقَضَاهُنَّ} يعني خلقهن {سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا} [قال مجاهد: يعني أمره] الذي جعل فيها مما أراد.
قال: {وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} يعني النجوم {وَحِفْظًا} أي: وجعلنا النجوم حفظاً للسماء من الشياطين، أي: لا يسمعون الوحي. وذلك منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم: قال: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}.
ذكروا عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا قبل أن يبعث محمد ما نَرَى نجماً يُرمى به. فبينما نحن ذات ليلة إذ النجوم قد رُمي بها. فقلنا: ما هذا؟ إن هذا إلا أمر حدث. فجاءنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث. وأنزل الله هذه الآية في سورة الجن: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا} [الجن: 9]. قوله: {فَإِنْ أَعْرَضُوا} أي: المشركون {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ}. والصاعقة العذاب؛ جاءتهم بفزع فماتوا. ذكروا عن عطاء بن السايب أنه قال: سمعت أبا عبد الرحمان السلمي وإبراهيم يقرآن هذا الحرف: {أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةَ عَادٍ وَثَمُودَ} يعني فَزْعة مثل فزعة عاد وثمود. {إِذْ جَاءتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ} يحذرونهم وقائع الله في الكفار حين كذبوا رسلهم. ويعني ب {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} قوم نوح ومن أهلك بعدهم، و ب {مِنْ خَلْفِهِمْ} عذاب الآخرة، أي أنذروهم عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. (4/75)
صفحة 1612
{قَالُوا لَوْ شَاء رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} كقولهم للنبي عليه السلام: {أَوْ جَآءَ مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} [الزخرف: 53] أي: فيخبرون أنه رسول الله. ومثل قوله: {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلاَئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الحجر: 7] أي: فتخبرنا أنك رسول الله؛ أي: يقوله كل قوم لرسولهم. {فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}.
قال الله: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} يعني كفرهم وتكذيبهم رسلهم. {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} عجبوا من شدتهم وقوتهم. قال الله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}.
قال: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} قال الحسن: الصرصر: شديدة البرد، [وهي الدبور].
ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور».
قال: {فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ} أي: مشؤومات، وهي الثمانية الأيام التي في الحاقة. قال الله: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} [الحاقة: 7] أي: تباعاً، ليس فيهنّ تفتّر؛ كان أولها يوم الأربعاء إلى الأربعاء الأخرى.
قال: {لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى} من عذاب الدنيا. {وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ}.
قال: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} أي: فبصّرناهم، وهو في تفسير العامة بيّنّا لهم سبيل الهدى وسبيل الضلالة {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى} أي: الضلالة {عَلَى الْهُدَى} أي: اختاروا الضلالة على الهدى {فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ} أي من الهوان {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي: بما كانوا يعملون.
قال: {وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} وكذلك قضى الله أنه إذا أهلك قوماً (4/76)
صفحة 1613
أنجى رسولهم والمؤمنين معه؛ كقوله: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} أي: عذابنا {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} [هود: 58]، وقوله: {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} [هود: 66]، وقوله: {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا} [هود: 94].
قوله: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}. قال بعضهم: وزعه إياهم الله أن يرد أولهم على آخرهم.
قال: {حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ} أي: جوارحهم {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} كقوله: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: 65]. لمّا قالوا: {وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] ختم الله على أفواههم وقال للجوارح: انطقن. فأوّل ما يتكلم من أحدهم فخذه. كقوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} [النساء: 56]، تأكل النار منهم كل شيء حتى تنتهي إلى الفؤاد، ثم يجدد خلقهم، فثمّ هكذا أبداً.
قال: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [انقطع] ذكر كلامهم ها هنا في هذا الموضع. قال الله عز وجل: {وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يقوله للأحياء] {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة.
قال: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ} أي: لم تكونوا تستترون من الله {أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ} أي: حتى لا يشهد عليكم سمعكم {وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ (4/77)
صفحة 1614
جُلُودُكُمْ}. وقال مجاهد: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ} أي: تخفون. {وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ}.
ذكروا عن الأعمش عمن حدثه عن عبد الله بن مسعود قال: بينما أنا عبد الكعبة إذ جاء ثلاثة نفر: قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فدخلوا في أستار الكعبة. فتحدثوا حديثاً لم أفقهه؛ فقال بعضهم لبعض: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ فقال أحدهم: لا يسمع شيئاً. فقال الآخر: أراكم إذا رفعتم أصواتكم يسمع، وإذا لم ترفعوا أصواتكم لم يسمع، وقال الثالث: لئن كان يسمع منه شيئاً إنه يسمعه كله. قال فأقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأنزل الله: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ}. وقوله: (ظَنَنْتُمْ) أي: حسبتم.
قال: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} أي: باعدكم من الله، في قول بعضهم. وقال بعضهم: أهلككم. {فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ}.
قال: {فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا} أي: يطلبوا إلى الله أن (4/78)
صفحة 1615
يخرجهم من النار إلى الدنيا ليؤمنوا {فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ} كقوله: {فَالْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [الجاثية: 35].
قال: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء} أي: نسبنا لهم قرناء، يعني الشياطين. كقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم: 83] أي: تزعجهم إزعاجاً في معاصي الله.
قال: {فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} قال الحسن: {مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي: حبّ ما كان عليه آباؤهم من الشرك وتكذيبهم الرسل. {وَمَا خَلْفَهُمْ} تكذيبهم بالبعث. وقال الكلبي: {مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}: من أمر الآخرة، فأخبروهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، {وَمَا خَلْفَهُمْ}: زيّنوا لهم أمر الدنيا فلم يريدوا غيرها.
{وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} أي: وجب عليهم القول. وتفسير القول: الغضب، في قول بعضهم: وقال الحسن: القول من الله أنهم من أهل النار؛ كقوله: {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [غافر: 6] أي: بكفرهم. قال: {فِي أُمَمٍ} أي: مع أمم {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ} والخاسرون: أهل النارِ، خسروا أنفسهم فصاروا في النار.
قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [قال السدي: نزلت في أبي جهل بن هشام، كان يقول لأصحابه: إذا سمعتم قراءة (4/79)
صفحة 1616
محمد فارفعوا أصواتكم بالأشعار حتى تلتبس على محمد قراءته] وهو مثل قوله: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35]؛ المكاء: التصفير، والتصدية: التصفيق؛ يميملون خدودهم إلى الأرض يخلطون على النبي صلى الله عليه وسلم بذلك صلاته. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} أي: لعل دينكم أن يغلب دين محمد.
قال الله تعالى: {فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: لا يجازيهم في الآخرة بأحسن ما كانوا يعملون في الدنيا. ولكن: يبطله، وقد استوفوه في الدنيا. وهو مثل قوله: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} [هود: 15] أي: في الدنيا، ونجزيهم في الآخرة بأسوأ أعمالهم.
قال: {ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}.
قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} في النار {رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا} وهي تقرأ على وجهين؛ فمن قرأها (أَرِنَا) بكسر الراء، فهي من الرؤية، ومن قرأها (أَرْنَا)، بتسكين الراء، فهو يقول: أعطنا للذين أضلانا. {مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ} يعنون إبليس وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه. يقولون ذلك من شدّة الغيظ عليهما، وهما في الدرك الأسفل من النار.
وذكر بعضهم قال: لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم كفل من دمها لأنه سنّ القتل. وبلغنا أن ثلاثة لا تقبل منهم توبة: إبليس، وابن آدم الذي قتل آخاه، ومن قتل نبيّاً.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ} مخلصين له {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} عليها وعلى العمل بالفرائض {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ} عند الموت {أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} أي: إذ كنتم في الدنيا. (4/80)
صفحة 1617
ذكروا أن أبا بكر الصديق قرأ هذه الآية فقالوا له: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما الاستقامة؟ قال: ألا تشركوا به شيئاً.
ذكروا أن عمر بن الخطاب قال: ثم استقاموا على الفرائض ولم يروغوا روغان الثعالب، أي: لم ينتقصوا دين الله حتى أكملوا فرائضهم ووفوا بها.
قال: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ} أي: عند الموت في تفسيربعضهم.
وتفسير الحسن أن قول الملائكة لهم: {أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا} وأنتم آمنون، تستقبلهم بهذا إذا خرجوا من قبورهم إلى الموقف.
وفي تفسير بعضهم {أَلاَّ تَخَافُوا} أي أمامكم، {وَلاَ تَحْزَنُوا} أي: على ما خلّفتم، نحن نخلفكم فيه.
ذكروا عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال: احضروا موتاكم وألزموهم قول لا إله إلا الله، فإنهم يسمعون أو يرون ما يقال لهم.
ذكروا عن الحسن أنه دخل على أبي الشعثاء جابر بن زيد وهو مدنَف فقال له: يا أبا الشعثاء، فرُفع رأسه فقال له: قل لا إله إلا الله. فسكت أبو الشعثاء. فأعاد له القول فقال له: قل لا إله إلا الله، فسكت أبو الشعثاء، ثم أعاد الحسن فقال أبو الشعثاء في الثالثة، يا أبا سعيد، أنا من أهلها، ولكني أعوذ بالله من النار ومن سوء الحساب. فخرج الحسن من عنده وهو يقول: تالله ما رأيت كاليوم قط رجلاً أفقه حتى عند الموت.
ذكر بعضهم حديثاً عن عيسى بن مريم بإسناده أنه قال: عجبت للمؤمن كيف (4/81)
صفحة 1618
يحفظ ولده من بعده، أي إنه يحفظ بعده.
قال: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} أي: نحن كنا أولياءَكم في الحياة الدنيا إذ كنتم في الدنيا، ونحن أولياؤكم في الآخرة. وبعضهم يقول: تقوله لهم الملائكة الذين كانوا يكتبون أعمالهم.
{وَلَكُمْ فِيهَا} أي: في الجنة {مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} أي: تشتهون. {نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} أي: الجنة، نزلاً لكم أنزلكموها غفور رحيم.
قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}. وهذا على الاستفهام، أي: لا أحد أحسن قولاً منه.
قوله: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ} الحسنة في هذا الموضع العفو والصفح، والسيئة ما يكون بين الناس من الشتم والبغضاء والعدواة.
قوله: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} يقول: ادفع بالعفو والصفح القول القبيح والأذى. كان ذلك فيما بينهم وبين المشركين قبل أن يؤمر بقتالهم. كقوله: {قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ} [الجاثية: 14] يعني المشركين، ثم نسخت، فأمر بقتالهم، فصارت بين المسلمين.
ذكر عن أبي الأحوص عن أبيه قال: قلت يا رسول الله، إن لي جاراً وإنه يسيء (4/82)
صفحة 1619
مجاورتي، أفأفعل به كما يفعل بي. قال: «لا، إن اليد العليا خير من اليد السفلى».
ذكروا عن مجاهد في قوله: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، يعني السلام، يسلّم عليه إذا لقيه.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا لا تهاجروا، فإن كنتم ولا بد فاعلين فلا تهاجروا فوق ثلاثة أيام؛ ألا وإن ماتا وهما متهاجران لم يجتمعا في الجنة. الأول أفضلهم الذي يبدأ بصاحبه».
ذكروا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الأعمال ترفع كل يوم اثنين وخمسين، فإذا مرّ بأعمال المتصارِمَين عزلت أعمالهما».
ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا كان كل ليلة اثنين وخميس تاب الله على التائبين، وترحم على المتراحمين وترك أصحاب الغلّ».
قوله: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} أي: كأنه ولي قريب.
قوله: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} أي: لا يعفو العفو الذي يقبله الله إلا أهل الجنة، وهو الحظ العظيم. (4/83)
صفحة 1620
قوله: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ} قال الحسن: إن نزغه وسوسته، يقول للنبي عليه السلام: إن وسوس إليك الشيطان أن تدع ما أنت فيه من الإيمان {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} أي فلا أسمع منه ولا أعلم منه. وهي كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ} [الأعراف: 201] أي: يطوف عليهم بوساوسه. وقال بعضهم: النزغ: الغضب.
قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} أي: خلق آياته؛ فرجع إلى قوله: {مِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ}، فلذلك صارت (خَلْقَهُنَّ) [ولم يقل] خلقهم، ولولا أنه رجع إلى الآية لكانت الذي خلقهم، لأن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا غلب عليه المذكر. والليل والنهار مذكران، والشمس مؤنث، والقمر مذكر. قال: {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}.
قال: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا} يعني المشركين عن السجود لله {فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} يعني الملائكة {يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} كقوله: {وَمَنْ عِندَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 19 - 20].
قال مجاهد: سألت ابن عباس عن السجدة في حم، فقال: اسجد بالآخرة من الآيتين. وكان الحسن يسجد بالآية الأولى. (4/84)
صفحة 1621
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: ليس في المفصّل سجود. والمفصّل من سورة محمد عليه السلام إلى {قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}.
ذكروا عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يسجد في ص، [وفي حم السجدة] ولا يسجد في شيء من المفصل.
ذكروا عن الحارث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: عزائم القرآن أربع: الم السجدة، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك.
قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً} أي هامدة متهشمة وتفسير الحسن: ميّتة، وهو واحد. قال: {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ} بالمطر {وَرَبَتْ} {اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} فيها تقديم وتأخير. (وَرَبَتْ): انتفخت للنبات (وَاهْتَزَّتْ): أي بنباتها إذا أنبتت.
قال: {إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وهذا مثل للبعث.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا} والإلحاد الشرك، أي: يعبدون الأوثان من دون الله. وقال بعضهم: الإلحاد أن يصف الله بغير صفته.
وقال الكلبي: (يُلْحِدُونَ) يعني: يميلون إلى غير الحق. وهو أيضاً الشرك.
وقال: {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} أي: نحن نعلم ما يعملون وما يلحدون وسنجزيهم بأعمالهم وإلحادهم.
قال: {أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: إن الذي يأتى آمناً خير. قال: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. وهذا وعيد. كقوله في سورة الكهف: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} وهذا وعيد أيضاً. وأخبر بما (4/85)
صفحة 1622
للمؤمنين وما للكافرين فقال: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}. . إلى آخر الآية. وقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} إلى آخر الآية. [الكهف: 29 - 30 - 31].
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ} أي: بالقرآن {لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ} أي إبليس {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} أي: لا يأتي القرآن من بين يديه فينقص منه شيئاً {وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} فيزيد فيه شيئاً. أي: حفظه الله من ذلك. وقال في آية أخرى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
وتفسير الكلبي: {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} أي: من قبل التوراة، ولا من قبل الإنجيل، ولا من قبل الزبور، وليس منها شيء يكذب القرآن ولا يبطله، {وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} أي: لا يأتي من بعده كتاب يبطله.
قوله: {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ} أي: في أمره {حَمِيدٍ} أي: استحمد إلى خلقه، أي: استوجب عليهم أن يحمدوه.
قوله: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} أي: ما قال لهم قومهم من الأذى؛ كانوا يقولون للرسول: إنك مجنون وإنك ساحر، وإنك كاذب. قال: {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} أي: لمن تاب وآمن. {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} أي: لمن لم يتب ولم يؤمن. (4/86)
صفحة 1623
قوله: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} أي: هلا فسِّرت آياته وَبُيِّنَتْ {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} أي: بالعجمية والعربية، على مقرأ من قرأها بغير استفهام. ومن قرأها على الاستفهام يمدها: آعجمي وعربي؟ يقول: أكتاب أعجمي ونبي عربي. أي: يحتجون بذلك. أي: كيف يكون ذلك؟ والمقرأ الأول تفسيره عن الحسن، والمقرأ الأخير تفسيره عن ابن عباس.
قال الله عز وجل: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء} لما في صدورهم. أي: يشفيهم مما كانوا فيه من الشرك والنفاق. والشرك مرض. والنفاق مرض دون مرض الشرك. وهو مثل يَقول: فكما أن المريض ليس كالصحيح، كذلك الذي قلبه على الكفر ليس كالذي قلبه على الإيمان.
قال: {وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي: لا يصدقون {فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ} أي: صمم عن الإيمان {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} أي: يزدادون عمى إلى عماهم {أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} أي: هم بمنزلة الأصم الذي ينادى من مكان بعيد، فهو لا يسمع النداء، أي: سمع قبول. وقال بعضهم: {يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} من قلوبهم: أي: الإيمان بعيد من قلوبهم.
قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} يعني التوراة {فَاخْتُلِفَ فِيهِ} يعني آمن به قوم وكفر به قوم {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} أي: ألا يحاسب بحساب الآخرة في الدنيا {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي: لحاسبهم في الدنيا فأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. وهذا تفسير الحسن.
وقال الكلبي: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} لكفار هذه الأمة ألا يهلكهم بالعذاب قبل يوم القيامة، كما أهلك من كان قبلهم من الكفار، لقضي بينهم، أي: (4/87)
صفحة 1624
لعذبهم كما عذب الأمم الأولى حين كذّبوا رسلهم. قال: {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} أي: من العقاب {مُرِيبٍ} أي: من الريبة.
قوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا} أي: فعلى نفسه. {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}.
قوله: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ} أي: لا يعلم أحد متى قيام الساعة إلا هو. قوله: {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا} وهي تقرأ أيضاً من ثمرة من أكمامها. تفسير الحسن قال: هذا في النخل خاصة [حين يُطل]. والأكمام كقوله: {وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ} [الرحمن: 11] والأَكْمَامُ: الليف. لا يعلم أحد كيف يخرجه الله.
قال: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ}. كقوله: {اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} [الرعد: 8] أي: ولا يعلم وقت قيام الساعة وما بخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا هو [لا إله إلا هو].
قوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} يعني المشركين {أَيْنَ شُرَكَائِي} الذين زعمتم أنهم شركائي {قَالُوا آذَنَّاكَ} أي: أعلمناك وأسمعناك {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} أي: يشهد اليوم أن معك إلهاً.
قال الله عز وجل: {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ} أي: في الدنيا، أي: ضلّت عنهم أوثانهم التي كانوا يعبدون من قبل فلم تنفعهم. كقوله: {وَقِيلَ ادْعُوا (4/88)
صفحة 1625
شُرَكَآءَكُمْ} أي الذين أشركتموهم بالله {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} [القصص: 64] {وَظَنُّوا} [أي: علموا] {مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ} أي: من ملجأ من النار دون أن يدخلوها.
قوله: {لاَ يَسْأَمُ} أي: لا يمل {الإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ}. والخير عند المشرك الدنيا والصحة فيها والرخاء. {وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ} أي في ذهاب مال أو مرض لم تكن له حسبة ولم يرج ثواباً ويئس من كل خير، أي: لا يرجو ثواباً في الآخرة، ولا أن يرجع إلى ما كان فيه من الرخاء.
قال الله عز وجل: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا} أي: رخاء وعافية {مِن بَعْدِ ضَرَّاء} أي شدة {مَسَّتْهُ} أي: في ذهاب مال أو مرض {لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} [أي بعلمي] وأنا محقوق بهذا. إنما همته الدنيا، فإن أصابته رحمة، أي: رخاء وعافية قال: لا تذهب عني هذه أبداً.
قال: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} أي: ليست بقائمة {وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي} كما تقولون {إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى} أي: الجنة، إن كانت جنة؛ كقوله تعالى: {وَلَئِنْ رُّدِدْتُّ إِلَى رَبِّي} كما يقول الرجل لصاحبه، وهما اللذان في سورة الكهف {لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} [الكهف: 36] ولكن ليس ثمة رجعة.
قال الله عزَّ وجل: {فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا} أي يوم القيامة {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} أي: شديد، يعني جهنم. وقوله: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ) أي: ولنعذبنهم.
قوله: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ} أي: عنا {وَنَأى بِجَانِبِهِ} أي: (4/89)
صفحة 1626
تباعد. وهو مثل قوله: {وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ} أي أعرض {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ} [يونس: 12]. قال: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ} أي: كثير.
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ} يعني القرآن {ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ} أي: بالقرآن {مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي: في فراق للنبي عليه السلام وما جاء به، (بَعِيدٍ) إلى يوم القيامة. أي: من يموت على كفره. أي: لا أحد أضل منه. وقال بعضهم: بعيد عن الحق.
قوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}. قال بعضهم: يعني أن النبي عليه السلام يظهر على الآفاق وعليهم.
وقال الحسن: يعني ما أهلك الله به الأمم السالفة في الآفاق، أي: في البلدان؛ أي: قد رأوا آثار ذلك. {وَفِي أَنفُسِهِمْ} أي: أخبرهم بأنهم يموتون وتصيبهم البلايا. فكان ذلك كما قال الله عز وجل، وأظهرهم الله عزّ وجل عليهم، وابتلاهم بما ابتلاهم به، يعني من الجوع بمكة والسيف يوم بدر.
قال: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي: شاهد على كفرهم وأعمالهم أي: بلَى كفى به شهيداً عليهم.
قال: {أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ} أي: في شك {مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ} أي: يقولون: لا نبعث ولا نلقى الله. {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} أي: أحاط علمه بكل شيء. (4/90)
صفحة 1627
تفسير سورة حم عسق، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {حمعاساقا} كان بعضهم يقول في هذه الحروف وأشباهها: ذكر الحروف من الاسم من أسماء الله، ثم ذكر الحروف من الاسم في موضع آخر، ثم ذكر تمام ذلك الاسم من حرف آخر حتى صار اسماً، مثل قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: {الر}، و {حم}، وَ {ن}: الرحمن.
وقال بعضهم: ذكر الحروف من الاسم فجعله اسماً، كقوله: {كهيعص}: كاف، هاد، عالم، صادق، وقوله: {يس}: يا إنسان، والسين خرف من اسم الإنسان.
وكان الحسن يقول في أشباه ذلك: ما أدري ما تفسيره، غير أن قوماً من السلف كانوا يقولون: أسماء السور ومفاتيحها.
قال: {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} أي: هكذا يوحي إليك كما أوحى إلى الذين من قبلك من الأنبياء؛ كقوله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ} [النساء: 163] {اللَّهُ الْعَزِيزُ} في نفسه، {الْحَكِيمُ} في أمره.
قوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ} أي: فلا أعلى منه {الْعَظِيمُ} فلا أعظم منه.
قوله: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ} أي: يتشقّقن، وهي تقرأ أيضاً: ينفطرن، أي: يتشققن {مِن فَوْقِهِنَّ} أي: من مخافة من فوقهن، وهو الله تبارك وتعالى. وبلغنا أن ابن عباس كان يقرأها: يكاد السماوات يتفطرن مِّمَّن فوقهن. (4/91)
صفحة 1628
قال: {وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ} أي: من المؤمنين؛ كقوله في حم المؤمن: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا} [غافر: 7]. {أَلاَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَولِيَاء} [يعني آلهة] يتولونهم، أي: يعبدونهم من دون الله. {اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} أي: يحفظ عليهم أعمالهم حتى يجازيهم بها، فيدخلهم النار. {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} أي: بحفيظ تحاسبهم وتجازيهم بأعمالهم. أي: الله هو الذي يفعل ذلك بهم، إنما أنت منذر.
قوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى} أي: مكة، ومنها دحيت الأرض {وَمَنْ حَوْلَهَا} يعني الآفاق كلها. {وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ} أي: يوم القيامة. يجتمع فيه الخلائق، أهل السماوات وأهل الأرض {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي: لا شك فيه أنه آت. {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} أي: في النار.
قوله: {وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: على الإيمان. كقوله: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس: 99]. قال: {وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ} أي: في دينه الإسلام. {وَالظَّالِمُونَ وَلاَ نَصِيرٍ} أي: المشركون {مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ} أي: يمنعهم من عذاب الله {وَلاَ نَصِيرٍ} أي: ينتصر لهم.
قوله: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} يعني أوثانهم، على الاستفهام. يقول: قد اتخذوا من دونه آلهة فعبدوهم من دونه. {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ} دون الأوثان {وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى} وأوثانهم لا تحيي الموتى {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، وأوثانهم لا تقدر على شيء. (4/92)
صفحة 1629
قوله: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} يعني ما اختلفتم فيه من الكفر والإيمان، فحكمه إلى الله، أي: فهو يحكم بينهم فيه، يعني المؤمنين والمشركين، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل المشركين النار. {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي} يقوله النبي عليه السلام، أي: قل لهم: ذلكم الله ربي، أي: الذي الحكم إليه. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أي: إليه أرجع.
{فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} يعني النساء، أي: تتوالدون فيكثر عددكم {وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا} ذكوراً وإناثاً في تفسير الحسن؛ أي جعل معايشكم فيها. وقال الكلبي: {وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا} أي: من الضأن اثنين ومن المعز اثنين، ومن الإِبل اثنين، ومن البقر اثنين، الواحد منها زوج. {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} أي: يخلقكم فيه نسلاً بعد نسل من الناس والأنعام. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ} أي: فلا أسمع منه {البَصِيرُ} فلا أبصر منه.
{لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: مفاتيح السماوات والأرض في تفسير مجاهد وغيره. وقال مجاهد: هي بالفارسية. وقال الحسن: المفاتيح والخزائن. وقال الكلبي: الخزائن؛ {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ} أي: ويقتر، نظراً منه للمؤمن، فيقتر عليه الرزق. {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
قوله: {شَرَعَ لَكُم} أي: فرض لكم، في تفسير الحسن. وقال بعضهم اختار لكم. {مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} أي: ما أمر به نوحاً {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا (4/93)
صفحة 1630
وَصَّيْنَا بِهِ} أي: ما أمرنا به {إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} وهؤلاء هم أولو العزم من الرسل. {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} أي: الإسلام {وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} وهذا ما فرض الله على جميع أنبيائه، وبعث به رسله إلى خلقه. وهو كقوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] إلى آخر الآية. وقال في آية أخرى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]. وقال في آية أخرى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].
قوله: {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} من عبادة الله وترك عبادة الأوثان. {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء} [أي: يختار لنفسه] يعني الأنبياء. قال مجاهد: يستخلص لنفسه من يشاء. والاستخلاص والاختيار والاصطفاء واحد. قال الحسن: هو كقوله: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75] وقال بعضهم: يجتبي إليه، أي: إلى دينه من يشاء. {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} أي: من يُخلص له.
قوله: {وَمَا تَفَرَّقُوا} يعني أهل الكتاب {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [أي: حسداً فيما بينهم]؛ أرادوا الدنيا ورخاءها فغيّروا كتابهم فأحلّوا فيه ما شاءوا وحرّموا ما شاءوا، فترأَّسُوا على الناس يستأكلونهم، فاتبعوهم على ذلك؛ كقوله: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [التوبة: 31] أي: يُحِلّون لهم ما حرّم الله عليهم فيستحلّونه، ويُحرِّمون ما أحلَّ الله فيُحرّمونه.
قوله: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: إلى القيامة {لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ}. وقد فسَّرناه في الآية الأولى قبلها. قال: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ} يعني اليهود والنصارى من بعد أوائلهم {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} أي: من القرآن {مُرِيبٍ} أي: من الريبة. وقال الكلبي: يعني مشركي العرب. (4/94)
صفحة 1631
قوله: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ} أي: إلى الله {وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} أي: على الإسلام {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} أي: الشرك {وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} أي: لا أظلم منكم أحداً {اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} أي: لا خصومة بيننا وبينكم، أي: في الدنيا {اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا} أي: يوم القيامة {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} أي: المرجع. أي: نجتمع عنده فيجزينا ويجزيكم بها الثواب والعقاب.
قوله: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ} يعني المشركين يحاجون المؤمنين في الله، أي: في عبادتهم الأوثان. {مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ} يعني من بعد ما استجاب له المؤمنون {حُجَّتُهُمْ} أي خصومتهم {دَاحِضَةٌ} أي ذاهبة باطلة {عِندَ رَبِّهِمْ}. وقال مجاهد: هم المشركون، طمعوا أن تعود الجاهلية. قال: {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي: في الآخرة.
قوله: {اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ} أي: القرآن {بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} أي: العدل {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ}.
قال: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} أي: استهزاءً وتكذيباً لا يقرّون بها {وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا} أي: خائفون {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ} أي: كائنة {أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ} أي: يكذبون بها. كقوله: {وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا (4/95)
صفحة 1632
فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ} [القمر: 36] أي: كذّبوا الأنبياء. قال: {لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} أي: من الحق.
قال: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} فبلطفه ورحمته خلق الكافر، ورُزق وعُوفِيَ وَأقبل وأدبر. قال: {يَرْزُقُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْقَوِيُّ} أي: فلا أقوى منه {العَزِيزُ} فلا أعزّ منه.
قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ} يعني العمل الصالح يرجو به ثواب الآخرة {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} وهو تضعيف الحسنات، في تفسير الحسن. {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا} أي: من الدنيا. وليس كل ما أراد من الدنيا يُؤتى، كقوله: {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ} [الإسراء: 18] [قال {وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ} يعني في الجنة {مِن نَّصِيبٍ} وهو المشرك، لا يريد إلا الدنيا، لا يريد الآخرة].
ذكروا أن علياً قال: حرث الآخرة الأعمال الصالحات، وحرث الدنيا المال؛ وقد يجمعهما الله لمن يشاء من خلقه.
ذكروا أن عبد الله بن مسعود قال: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم] «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم معايشكم، وإن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولم لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب، فإذا أحبه أعطاه الإيمان. فمن اشتد عليه الليل أن يكابده، وجبن عن العدو أن يجاهده، وضن بالمال أن ينفقه فليكثر من قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر».
قوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} على الاستفهام، أي: نعم، لهم شركاء، يعني الشياطين، جعلوهم شركاء لله، فعبدوهم، لأنهم دعوهم إلى عبادة الأوثان. قال الله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا} أي: إلا أمواتاً (4/96)
صفحة 1633
ليس فيهم روح، {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا} [النساء: 117].
قوله: {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ} أي: ألا يعذّب بعذاب الآخرة في الدنيا {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} في الدنيا، فأدخل المؤمنين الجنة، وأدخل المشركين النار. قال: {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع.
قوله: {تَرَى الظَّالِمِينَ} أي: المشركين {مُشْفِقِينَ} أي: خائفين {مِمَّا كَسَبُوا} أي: مما عملوا في الدنيا إذ أخرجته كتبهم {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} أي: الذي خافوا منه من عذاب الله. {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} أي: في الجنة {ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ} قال: {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} يبشرهم في الدنيا بروضات الجنات، لهم ما يشاءون فيها، أي: في الجنة.
قوله: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. ذكروا عن عكرمة قال: كان النبي عليه السلام واسطاً في قريش؛ ليس في بطون قريش بطن إلا وقد ولده؛ فقال: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} أي: إلا أن تراعوا ما بيني وبينكم من القرابة [فتصدقوني].
وقال الحسن: {إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} أي: إلا أن يتقرّبوا إلى الله بالعمل الصالح، وهو كقوله: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} [الفرقان: 57] أي: بطاعته. (4/97)
صفحة 1634
قوله: {وَمَن يَقْتَرِفْ} أي: ومن يعمل {حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا} أي: تضعيف الحسنات {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} أي: للذنوب {شَكُورٌ} أي: للعمل.
قوله: {أَمْ يَقُولُونَ} يعني المشركين {افْتَرَى} أي: محمد {عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} بما جاء، أي: قد قالوه {فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} فيذهب عنك النبوة التي أعطاكها، وهذا موضع القدرة، ولا تنزع منه النبوّة، كقوله: {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء سُبْحَانَهُ} [الزمر: 4].
قوله: {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} قال الحسن: فلا يجعل لأهله في عاقبته خيراً ولا ثواباً، يعني ما عليه المشركون. {وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} فينصر النبي والمؤمنين. قال: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: بما في الصدور.
قوله: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} أي: إذا تابوا {وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} فمن قرأها بالتاء فهو يقول للنبي عليه السلام: ويعلم ما تفعلون، ومن قرأها بالياء فهو يقول للناس: ويعلم ما يفعلون.
ذكروا عن بعضهم قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ثم تلا هذه الآية: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} [البقرة: 222]. فإذا أحب الله عبداً لم يضرّه ذنبه.
قوله: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي: يستجيبون لربهم، أي: يؤمنون به، كقوله: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى} أي: المشركون لا يستجيبون له {وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ}. . إلى آخر الآية [الرعد: 18]. قال: {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} يعني المؤمنين. أي: تضعيف الحسنات. {وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي: جهنم. (4/98)
صفحة 1635
قوله: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ}. ذكروا أن علياً رضي الله عنه قال: إن هذا الرزق ينزل من السماء كقطر المطر إلى كل نفس بما كتب الله لها.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني لا أعلم شيئاً يقرّبكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به. ولا أعلم شيئاً يباعدكم من الجنة ويقرّبكم من النار إلا وقد نهيتكم عنه. إن الروح الأمين نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يمنعنّكم استبطاءُ شيء من الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فإن الله لا يُنال ما عنده بمعصيته.
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الرزق مقسوم فأجملوا في الطلب».
قوله: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ} أي: المطر {مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا} أي: من بعد ما يئسوا {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} أي: المطر {وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} أي: المستحمد إلى خلقه، أي استوجب عليهم أن يحمدوه.
قال: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ} أي: وما خلق فيهما، أي: في السماوات والأرض. وتفسير مجاهد: أي: من الملائكة (4/99)
صفحة 1636
والناس. قال: {وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ} يعني أنه يجمعهم يوم القيامة.
قوله: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} أي: فبما عملتم {وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} وهو مثل قوله: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا} [الحديد: 22] أي من قبل أن نخلق تلك المصيبة.
في تفسير الحسن: إن الله كتب عنده كتاباً: إن ذنب كذا عقوبته كذا، فيعفو الله عن أكثر ذلك، ويعاقب من ذلك ما يشاء.
ذكروا عن علي بن أبي طالب قال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً حق على المسلمين أن يعوه، سمعته يقول: «ما عاقب الله عليه في الدنيا ثم عفا عن صاحبه بعد التوبة فالله أحلم من أن يثني عقوبته في الآخرة، وما عفا عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يرجع في عفوه».
ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه رأى بوجه رجل خدشاً فقال: ما هذا؟ قال يا رسول الله، كنت في طريق، فرأيت امرأة فجعلت أنظر إليها حتى صدمت بوجهي الحائط ولم أشعر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أراد الله بعبد خيراً عجّل عقوبة ذنبه في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد شراً أمسك عليه بذنبه حتى يوافيه يوم القيامة».
ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال البلايا للمؤمن في جسده وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة». (4/100)
صفحة 1637
قوله: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ} يقوله للمشركين، أي: وما أنتم بالذين يسبقوننا حتى لا نبعثكم ثم نعذبكم {وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ} أي: يمنعكم من عذابه {وَلاَ نَصِيرٍ} أي: ينتصر لكم.
قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ} أي: السفن، كقوله: {وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} [الحج: 65] قال: {فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلَامِ} أي: كالجبال، وهي كقوله: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلَامِ} [الرحمن: 24]، وهي السفن إذا كان عليها قلوعها. قوله: {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ} يعني السفن {رَوَاكِدَ} أي: سواكن {عَلَى ظَهْرِهِ} أي: على ظهر البحر. قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي: لكل مؤمن.
قال: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ} أي: يغرقهن، يعني السفن، أي يغرق أهلها {بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ}. قال: {وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا} يعني المشركين يجحدون بها {مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ} أي: من ملجأ يلجأون إليه من عذاب الله.
قوله: {فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ} يعني المشركين {فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: ينفد ويذهب {وَمَا عِندَ اللَّهِ} في الآخرة، يعني الجنة {خَيْرٌ وَأَبْقَى} أي: يبقى، وما في الدنيا يذهب {لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}.
قوله: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ} أي: ويجتنبون الفواحش، وقد فسّرنا ذلك في سورة النساء. قال: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ}.
كان هذا بمكة قبل الهجرة يغفرون للمشركين، كقوله: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا (4/101)
صفحة 1638
لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ} [الجاثية: 14]، وهو منسوخ، نسخه القتال، فصار ذلك العفو فيما بين المؤمنين.
قوله: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ} أي: آمنوا {وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ} كانت الصلاة يوم نزلت هذه الآية ركعتين عدوة وركعتين عشية قبل أن تفرض الصلوات الخمس.
قوله: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} تفسير الحسن: يتشاورون في كتاب الله. وقال بعضهم: {وَأَمْرُهُمْ} يعني التوحيد، {شُورَى بَيْنَهُمْ} {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} أي: الزكاة، ولم تكن يومئذ شيئاً موقتاً.
قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ} أي: بغى عليهم المشركون، أي: ظلموهم {هُمْ يَنتَصِرُونَ} أي: بألسنتهم؛ أي إنهم لم يكونوا أمِروا بالقتال يومئذ. وقال بعضهم: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم. قال: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} أي: ما يسيء إليهم المشركون، أن يفعلوا بهم كما يفعلون بهم. قال: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ} أي: فمن ترك مَظْلَمَته، {فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} أي: فثوابه على الله. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} أي: المشركين. قال: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ} أي: من بعد ما ظُلِم {فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ}. تفسير الحسن: ما عليهم من حجة.
{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} أي: بكفرهم وتكذيبهم، يعيبهم بذلك. {أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}. (4/102)
صفحة 1639
وهذا كله منسوخ فيما بينهم وبين المشركين، نسخه القتال وصار العفو فيما بين المؤمنين. أمرنا بالعفو فقال: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: 134]، وقال: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} [النور: 22].
ذكروا عن أبي الأحوص عن أبيه قال: قلت يا رسول الله، إن لي جاراً يسيء مجاورتي، أفأفعل به كما يفعل بي. قال: «لا، إن اليد العليا خير من اليد السفلى».
قوله: {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ} أي: من بعد الله، أي: من ولي يمنعه من عذاب الله.
قوله: {وَتَرَى الظَّالِمِينَ} أي: المشركين {لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ} أي: إلى الدنيا {مِّن سَبِيلٍٍ} أي: فنؤمن. تفسير الحسن: إنهم يقولون ذلك وهم في النار. قال: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} أي: على النار {خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ} أي: أذلاء {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} أي يسارقون النظر.
قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} خسروا أنفسهم أن يغنموها فصاروا في النار، وخسروا أهليهم، أي: من الحور العين. وقد فسّرناه في سورة الزمر. قال: {أَلاَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} أي: دائم لا ينقطع.
قال: {وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم} أي: يمنعونهم {مِّن دُونِ اللَّهِ} أي: من عذابه. قال: {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ} أي: إلى الهدى.
قوله: {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم} أي آمنوا بربكم {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ} يعني يوم القيامة، أي لا يرده أحد من بعد ما حكم الله به وجعله أجلاً ووقتاً. {مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ} أي تلجأون إليه؛ يقوله للمشركين، أي: يمنعكم (4/103)
صفحة 1640
من عذاب الله {وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ} [أي: من نصير] قال الحسن: ليست لهم منعة، وقال مجاهد: نصرة.
قال: {فَإِنْ أَعْرَضُوا} أي: لم يؤمنوا {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} أي تحفظ عليهم أعمالهم حتى تجازيهم بها. {إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ} وليس عليك أن تكرههم على الإيمان، كقوله: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]. وقد أمر بقتالهم بعد، ولكن لم يكن عليه إلا القتال، والله يهدي من يشاء.
قوله: {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنسَانَ} يعني المشرك {مِنَّا رَحْمَةً} وهذه رحمة الدنيا، أي: ما فيها من الرخاء والعافية {فَرِحَ بِهَا} لأنه لا يهمه إلا الدنيا ولا يقر بالآخرة، كقوله: {وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الرعد: 26].
{وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي: شدة من ذهاب مال أو مرض {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ} يعني المشرك. أي: ليس له صبر على المعصية ولا حسبة، لأنه لا يرجو ثواب الله في الآخرة ولا يؤمن بها.
قوله: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا} يعني الجواري {وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ} أي: الغلمان.
ذكروا عن ابن عباس قال: وهب للوط بنات وليس فيهن ذكر، ووهب لإبراهيم ذكوراً ليس معهم بنات، ووهب لنبيكم محمد صلى الله عليه وسلم أربعة بنين: القاسم، وإبراهيم، وطاهراً، ومطهراً، وأربع بنات. وجعل من يشاء عقيماً، يعني يحيى بن زكريا، لا يشتهي النساء ولا يريدهن. (4/104)
صفحة 1641
قوله: {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا} [أي: يخلط بينهم] يعني من يشاء، فيهب له ذكراناً، أي غلماناً، وإناثاً، أي: جواري {وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا} أي: لا يولد له {إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}.
قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ} [فكان موسى ممن كلمه الله من وراء حجاب].
ذكر جماعة من العلماء أن الحجاب بيّن، والوحي منه وحي بإرسال ووحي بإلهام؛ وذلك قول الله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7] فهذا وحي إلهام، وكذلك: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68] أي: ألهم ربك النحل. والوحي إرسال. الذي أوحى الله تبارك وتعالى إلى أنبيائه مع الروح الأمين؛ فربما ظهر للرسول جبريل، وربما جاء بالوحي يُسمعه إياه ولا يراه. وهو قوله: إلا وحياً إلهاماً، أو من وراء حجاب. جبريل احتجب عن محمد عليه السلام غير مرة، فربما ظهر له وربما ناداه فلم يره محمد فهو قوله: {أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ}.
حدثنا أبو داود عن عطاء بن السايب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب أنه مرّ بالقصابين فسمع أحدهم يقول: والذي احتجب عن خلقه بسبع طبقات، فعلاه بالدرة وقال له: تب، إن الله أقرب إليه من حبل الوريد. قال القصّاب، أفلا أكفّر بشيء؟ قال: لا، لأنك حلفت بغير الله.
وحدثنا أبو عبد الرحمن البصري عن يوسف أبي الفضل عن إسحاق الهمداني عن الحارث، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بنحو ذلك إلا أنه قال: أخطأت، ثكلتك أمك، إن رب العالمين ليس بينه وبين خلقه حجاب، لأنه معهم أين ما كانوا. فقال: ما كفارة ما قلت؟ قال: أن تعلم أنه معك أين ما كنت؛ فالمتكلم الله على لسان جبريل، والمحتجب جبريل. (4/105)
صفحة 1642
وقوله: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً} تكرير في القول سبحانه. كقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77]. وفعل الخير عبادته، وكرّر الكلام عز وجل.
قال: {فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء} يعني جبريل، يرسله إلى من يشاء من رسله، فيوحي إليهم معه ما يشاء. {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ}.
قوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} يعني القرآن {مَا كُنتَ تَدْرِي} من قبل أن يوحى إليك {مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ} أي: القرآن {نُورًا} [أي: ضياء من الظلمة] {نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي} أي: لتدعو {إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي إلى الجنة.
{صِرَاطِ اللَّهِ} أي طريق الله {الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} [يعني أمور الخلائق] أي يوم القيامة. (4/106)
صفحة 1643
تفسير سورة الزخرف، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {حم} قد فسرناه فيما مضى من الحواميم. {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} أي القرآن البيّن، [وهذا قسم]. {إِنَّا جَعَلْنَاهُ} يعني القرآن {قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: لكي تعقلوا.
{وَإِنَّهُ} يعني القرآن {فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا} أي: عندنا {لَعَلِيٌّ} أي: رفيع {حَكِيمٌ} أي: محكم.
وقوله: {جَعَلْنَاهُ} أي: خلقناه، كقوله: {وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا} [الأنبياء: 32]، وقوله: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ} [الإسراء: 12]، وقوله: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] ونظيره في كتاب الله كثير.
وأمّ الكتاب اللوح المحفوظ، وتفسير أم الكتاب جملة الكتاب وأصله.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب، قال: رب وما أكتب؟ قال: ما هو كائن. فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: فأعمال العبد تعرض كل يوم الاثنين والخميس، فيجدونها على ما هي في الكتاب.
قوله: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ} أي القرآن {صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ} فيها إضمار، أي حتى لا تفهموه ولا تفقهوه، أي: فقد فعلنا ذلك. أن كنتم قوماً مسرفين، أي مشركين. وهذا تفسير الحسن. (4/107)
صفحة 1644
وقال الكلبي: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا} الذكر يعني القرآن {عَنكُمُ} أي: من أجلكم {أَن كُنتُمْ} أي: لأنكم قوم مسرفون. أي: مشركون. أي: لا نذره.
قوله: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ} أي: وكم أرسلنا منهم من الأنبياء. ذكروا عن أبي قلابة قال: قيل: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر، جم غفير. قال: {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} كقوله: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} [يس: 30]. قال: {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا} أي: أشد من مشركي العرب قوة. يعني من أهلك من الأمم السالفة؛ كقوله: {كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [الروم: 9] {وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ} يعني وقائعه في الأمم السالفة بتكذيبهم رسلهم.
قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم} يعني المشركين {مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} ثم قال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا} كقوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً} [البقرة: 22] {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أي: طرقاً {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي: لكي تهتدوا الطرق.
{وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ} ذكروا عن ابن عباس قال: ما عام بأكثر من عام ماء، أو قال: مطراً، ولكن الله يصرفه في الأرض حيث يشاء؛ ثم تلا هذه الآية: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا} [الفرقان: 50] قال: {فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً} يعني (4/108)
صفحة 1645
فأحيينا به بلدة {مَّيْتًا} يعني الميتة اليابسة التي ليس فيها نبات. {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} يعني البعث. يرسل الله مطراً منياً كمني الرجال فتنبت جسمانهم ولحمانهم كما ينبت الأرض الثرى.
قال: {وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا} تفسير الحسن: الشتاء والصيف، والليل والنهار، والسماء والأرض، وكل اثنين منها زَوج. قال: {وَجَعَلَ لَكُم} أي: وخلق لكم {مِّنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} أي: ظهور ما سخر لكم أن تركبوه {ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} أي: مطيقين. {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}.
ذكروا عن الحسن أنه كان يقول: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وعلّمنا القرآن، ومنّ علينا بمحمّد عليه السلام، ويقول: {سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} لولا أن الله سخّره لنا.
ذكروا عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر ركب راحلته فكبر ثلاثاً ثم قال: {سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} اللَّهُمَّ إِني أسألك في سفري هذا البرّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا. اللهم هوّن علينا السفر، واطْوِ لنا بُعْدَ الأرض. اللهم أنت الصاحب في السفر والحضر، والخليفة في الأهل».
ذكروا عن أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول أحياناً إذا قرب راحلته ليركب، وأحياناً إذا ركب راحلته: بسم الله، اللهم ازو لنا الأرض وهوّن علينا السفر. اللهم (4/109)
صفحة 1646
أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل. اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والولد والمال».
وقال بعضهم: قد بيّن الله لكم ما تقولون إذا ركبتم في البرّ، وما تقولون إذا ركبتم في البحر. إذا ركبتم في البرّ قلتم: {سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}، وإذا ركبتم في البحر قلتم: {بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [هود: 41].
قوله: {وَجَعَلُوا لَهُ} يعني المشركين {مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} يعني الملائكة جعلوهم بنات لله. قال: {إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ}.
قال: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} على الاستفهام {وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ} أي: لم يفعل ذلك.
قال: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً} أي: بالأنثى، لقولهم إن الملائكة بنات الله، وكانوا يقولون: إن الله صاحب بنات، فألحقوا البنات به، فيقتلون بناتهم {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} أي: مغبرّاً {وَهُوَ كَظِيمٌ} أي: قد كظم على الغيظ والحزن، أي: رضوا لله ما كرهو لأنفسهم.
قال: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ} وهذا تبع للكلام الأول: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ}، يقول: أو يتَّخِذَ من ينشأ في الحلية، يعني النساء، بنات، لقولهم: الملائكة بنات الله. قال الله عز وجل: {وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} أي: لا تبين عن نفسها من ضعفها، {وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ} أي: لم يفعل.
قال الكلبي في قوله: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ}، يقول: هؤلاء النساء اتخذهن منكم، جعلتم لله بنات مثلهن.
قوله: {وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} كقوله: {وَمَنْ عِندَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} [الأنبياء: 19] يعني الملائكة. وقرأ ابن عباس {الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} كقوله: {سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26]. (4/110)
صفحة 1647
قال: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} أي: إنهم لم يشهدوا خلقهم {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} أي: عنها يوم القيامة.
{وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم} أي: لو كره الله هذا [الدين] الذي نحن عليه لحوّلنا عنه إلى غيره. قال الله: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} أي بأني أمرتهم أن يعبدوا غيري، إنما قالوا ذلك على الشرك والظّنّ {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي: يكذبون.
قال: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ} أي: من قبل هذا القرآن، فيه ما يدَّعون من أن الملائكة بنات الله، وقولهم: لو كره ما نحن عليه لحوّلنا عنه إلى غيره {فَهُم بِهِ}. أي: بذلك الكتاب {مُسْتَمْسِكُونَ} أي: يحاجّون به، أي: لم نؤتهم كتاباً فيه ما يقولون فهم به مستمسكون.
{بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ} أي: على ملّة، وهي ملة الشرك. {وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} أي: إنهم كانوا على هدى، ونحن نتّبعهم على ذلك الهدى.
قال الله: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ} أي: من نبي ينذرهم العذاب {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا} أي: جبابرتها وعظماؤها، أي: مشركوها، وهم أهل السعة والقادة في الشرك، فاتبعهم من دونهم {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ} أي: على ملة {وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} أي إنهم كانوا مهتدين، فنحن مقتدون بهداهم.
قال الله للنبي عليه السلام: {قَالَ} يا محمد {أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا (4/111)
صفحة 1648
وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ}. ثم رجع إلى قصة الأمم السالفة فأخبر بما قالوا لأنبيائهم: {قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ}.
قال: {فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ} يعني الذين كذّبوا رسلهم، أي: فأهلكناهم. {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} أي: كان عاقبتهم أن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار.
قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي} أي لكن أعبد الذي فطرني، أي: الذي خلقني، كقوله: {فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} [يونس: 104] قال: {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} أي يثبتني على الإيمان.
{وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} أي: في ذريته، والكلمة لا إله إلا الله. كقوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} [البقرة: 128] وقوله: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} [البقرة: 129] {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي: لكي يرجعوا إلى الإيمان.
قوله: {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ} يعني قريشاً، أي: لم أعذّبهم. كقوله: {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} [سورة ص: 8] قال: {حَتَّى جَاءهُمُ الْحَقُّ} أي: القرآن {وَرَسُولٌ مُّبِينٌ} أي محمد صلى الله عليه وسلم.
{وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ} أي القرآن {قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ} أي: جاحدون.
{وَقَالُوا لَوْلا} أي: هلاّ {نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} والقريتان مكة والطائف. أي: لو كان هذا القرآن حقاً لكان هذان الرجلان أحقّ به منك يا محمد، يعنون الوليد بن المغيرة المخزومي وأبا مسعود الثقفي. (4/112)
صفحة 1649
قال الله: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} يعني النبوة، على الاستفهام، أي: ليس ذلك في أيديهم فيضعوا النبوة حيث شاءوا {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} أي: في الرزق {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا} [أي: يملك بعضهم بعضاً] من باب السخرة. قال: {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} أي: مما يجمع المشركون من الدنيا.
قال: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} ذكروا عن الحسن أنه قال: ولولا أن يجتمعوا على الكفر {لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ} أي: ودرجا {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} أي: عليها يرقون إلى ظهور بيوتهم.
{وَلِبُيُوتِهِمْ} أي: ولجعلنا لبيوتهم {أَبْوَابًا} من فضة {وَسُرُرًا} من فضة {عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ وَزُخْرُفًا} والزخرف الذهب. {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: يُسْتَمتَع به ثم يذهب {وَالآخِرَةُ} يعني الجنة {عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}.
ذكروا عن الحسن قال: دخل عمر بن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على سرير مرمول بشريط من شرط المدينة، وتحته وسادة من أدم حشوها ليف، وقد أثّر في جسمه، وفي البيت أُهُب فيها إهاب قد عطن، أي: أنتن. فقال: يا رسول الله، أتجد ما أجد. قال: «متاع البيت وما لا بد لهم منه» قال عمر: أما أنا فأشهد أَنكَ رسول الله وأنك أكرم على الله من كسرى وقيصر، وهما متكئان على سرر الذهب. فقال: «يا ابن الخطاب، أما ترضى بأن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة. قال: بلى. قال: كذلك». (4/113)
صفحة 1650
ذكر الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا عند الله تعدل جناح ذبابة، أبو بعوضة، ما أعطى الكافر منها شيئاً».
ذكروا أن كعباً قال: يقول الله: لولا أن أحزن عبدي المؤمن لأعطيت الكافر منها كذا وكذا. قال صاحب الحديث: لجعلت على رأسه غطاء من حديد لا يصدع رأسه.
قوله: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ} أي: ومن يعمَ عن ذكر الرحمن، وهذا المشرك {نُقَيِّضْ} أي: نسبب {لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}.
قوله: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} أي: عن سبيل الهدى {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}.
{حَتَّى إِذَا جَاءَنَا} أي: هو وقرينه، يعني شيطانه. وهي تقرأ على وجه آخر: {حَتَّى إِذَا جَاءَنَا} [أي: العاشي عن ذكر الرحمن]. {قَالَ}: أي: لقرينه {يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ}.
[قال بعضهم: إن الكافر إذا خرج من قبره وجد عند رأسه شيطانه فيأخذ بيده فيقول: أنا قرينك حتى أدخل أنا وأنت جهنم. قال محمد: عند ذلك يقول: {يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ}].
قال الله عز وجل: {وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ} أي: أشركتم {أَنَّكُمْ فِي (4/114)
صفحة 1651
الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} أي: يقرن هو وشيطانه في سلسلة واحدة يتبرأ كل منهما من صاحبه [ويلعن كل منهما صاحبه].
قوله: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ} يعني النبي عليه السلام {تُسْمِعُ الصُّمَّ} أي عن الهدى {أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ} أي: عن الهدى {وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}، يقوله على الاستفهام، أي: إنك لا تسمعهم ولا تهديهم، يعني من لا يؤمن.
قوله: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ} أي: نتوفَّينك {فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ}.
ذكروا عن الحسن قال: كانت بعده نقمة شديدة؛ أكرم الله نبيّه من أن يريه ما كان من النقمة في أمته بعده.
قال بعضهم: وقد أنزل الله آية في المشركين: {فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} [غافر: 77] وأشباه ذلك مما أوعدهم الله من العذاب، فكان بعض ذلك يوم بدر وبعده، وبعضه يكون مع قيام الساعة بالنفخة الأولى، بها يكون هلاك كفار آخر هذه الأمة.
قال: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ} أي القرآن {إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو الإسلام، أي: الطريق إلى الجنة.
قال: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} يعني القرآن شرف لكي ولقومك، يعني قريشاً. تفسير الحسن: أن يذكروا به الحلال والحرام والأحكام فيعلمون ما يحلّون وما يحرّمون. {وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} يوم القيامة، أي: أستمسكتم بهذا الدين أم ضيّعتموه. وقال بعضهم: تسألون عن أداء شكره.
وقال بعضهم: عما وليتم من أمر هذه الأمة. ذكروا عن الحسن وعن سليمان ابن يسار أن عمر بن الخطاب قال: لو ضاع شيء بشاطىء الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه. (4/115)
صفحة 1652
ذكروا عن الزهري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قدِّموا قريشاً ولا تتقدّموها، وتعلَّموا منها ولا تُعَلِّموها».
ذكروا عن أبي هريرة قال قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الناس في هذا الأمر تبع لقريش».
قوله عز وجل: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا} أي: واسأل الناس عمن أرسلنا من قبلك من رسلنا، أي: واسأل جبريل، فإنه هو الذي كان يأتيهم بالرسالة. أي: هل أرسلنا من رسول إلا بشهادة ألا إله إلا الله وأنك رسول الله. كقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
وتفسير الكلبي: اسأل الذين أرسلنا إليهم الرسل قبلك، يعني أهل الكتاب، من آمن منهم.
{أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} فلم يسأل ولم يشك. قال بعضهم: هو مثل قوله: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} [يونس: 94] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أشك ولا أسأل» وبعضهم يقول: كان هذا ليلة أُسرِي به وصلّى بالنبيين.
قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} يعني قومه {فَقَالَ إِنِّي (4/116)
صفحة 1653
رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَلَمَّا جَاءهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ} أي استهزاءً وتكذيباً.
قال الله: {وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} كانت اليد أكبر من العصا في تفسير الحسن. وقال الكلبي: الآيات التي عذّبوا بها، يعني الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدّم. قال: {وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي: لعل من بعدهم ممن كان على دينهم من الكفار يرجعون إلى الإيمان.
قوله عز وجل: {وَقَالُوا يَآ أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} أي: فيما تدّعي {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} أي: لمؤمنون. أخذ الله آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون، فأجدبت أرضهم، وهلكت مواشيهم، ونقصت ثمارهم، فقالوا هذا ما سحرنا به هذا الرجل. قالوا يا موسى {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 132] أي: بمصدّقين. فأرسل الله عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصّلات. وقد فسّرنا ذلك في سورة المص.
قال الله عز وجل: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} [أي: ينقضون عهدهم].
قال: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} أي: حين جاءه موسى يدعوه إلى الله؛ {قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي} أي: في ملكي {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} فيها إضمار، أفلا تبصرون [أم تبصرون].
ثم استأنف الكلام فقال: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ} أي: بل أنا خير {مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} أي: ضعيف {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} يعني العقدة التي كانت في لسانه من الجمرة التي ألقاها في فيه وهو صغير حين تناول لحية فرعون، فأراد أن يقتله فقالت له (4/117)
صفحة 1654
امرأته: هذا صغير لا يعقل، فإن أردت أن تعلم ذلك فادع بتمرة وجمرة فاعرضهما عليه؛ فأتي بتمرة وجمرة فعرضتا عليه فأخذ الجمرة فألقاها في فيه. فمنها كانت العقدة التي في لسانه. وقال الكلبي: كانت رتّة شديدة.
قال: {فَلَوْلاَ} أي: فهلا، يقوله فرعون {أُلْقِيَ عَلَيْهِ} أي: على موسى {أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ} تفسير الحسن: كنز. أي مال من ذهب {أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} أي جماعة الملائكة يمشون جميعاً عياناً يصدّقونه بمقالته أنه رسول الله.
قال الله عز وجل: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} أي: عاصين.
{فَلَمَّا آسَفُونَا} أي: أغضبونا {انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ}. قال مجاهد: يقول: فجعلنا كفارهم سلفاً لكفار أمة محمد عليه السلام {وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ} [أي: عبرة لمن بعدهم].
قوله عز وجل: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} [أي: يضحكون في قراءة من قرأ بكسر الصاد؛ ومن قرأها برفعها فهو من الصدود؛ أي: يقرّون].
تفسير الكلبي قال: لما نزلت {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98] قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مقابل الكعبة فقرأ هذه الآية، فوجد منها أهل مكة وجداً شديداً. فدخل عليهم ابن الزبعرى الشاعر، وقريش يخوضون في ذكر هذه الآية فقال: أمحمد تكلم بهذا؟ قالوا: نعم. فقال والله لئن اعترف لي بهذا (4/118)
صفحة 1655
لأخصمنّه. فلقيه فقال: يا محمد، أرأيت الآية التي قرأت آنفاً، أفينا وفي آلهتنا نزلت خاصة، أم في الأمم وآلهتهم معنا؟ فقال: لا، بل فيكم وفي آلهتكم وفي الأمم وآلهتهم. فقال: خصمتك والذي يحلف به. قال بعضهم: خصمتك ورب الكعبة. أليس تثني على عيسى ومريم والملائكة خيراً، وقد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمه، وأن طائفة من النار يعبدون الملائكة، أفليس هؤلاء مع آلهتنا في النار. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتضاحكت قريش وضجّوا. فذلك قول الله عز وجل: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} أي: من الصدود.
{وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} قال الكلبي: يعنون عيسى. قال الله للنبي عليه السلام {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} يقول: ما ضربوه لك إلا ليجادلوك به، وهم أهل خصومة وجدال. فقال الله عز وجل جواباً لهم: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] إلى آخر الآيات.
وتفسير مجاهد: في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} يعني عيسى وعزير والملائكة.
وتفسير الحسن: {وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} أي: محمد صلى الله عليه وسلم. وذلك أن المشركين قالوا: إنما تريد يا محمد أن نتخذك رباً كما اتخذ النصارى عيسى بن مريم. فآلهتنا أحق بذلك منك. فقال الله عز وجل: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً} يعني ما هذا الذي قالوه إلا جدل {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} أي يخاصمونك في غير الحق.
قال الله عز وجل: {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} أي: بالنبوّة، يعني عيسى {وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} أي جعله الله مثلاً لهم، يعني عبرة لبني إسرائيل أي بما كان يصنع من تلك الآيات مما يحيي الموتى، ويبرىء الأكمه والأبرص، ومما (4/119)
صفحة 1656
علمه الله، وما كان يخبرهم به مما يأكلون وما يدّخرون في بيوتهم.
قوله عزّ وجل: {وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ} أي: ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يعمرون الأرض بدلاً منكم.
قوله: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} رجع إلى قصة عيسى عليه السلام، يعني نزول عيسى. [قال محمد: قوله: {لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} في قراءة من قرأ بكسر العين. المعنى: نزوله يُعلم به قرب الساعة] {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا} أي: فلا تشكّن فيها {وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي: إلى الجنة، والطريق الإسلام. {وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ} أي: عن الطريق المستقيم {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي: بيّن العداوة.
قوله: عز وجل: {وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} يعني تبديلهم التوراة في تفسير مجاهد.
وقال الحسن: كان من البينات إحياؤه المونى بإذن الله، وإبراؤه الأكمة والأبرص، وما كان يخبرهم به مما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم. ومن البينات التي جاء بها أيضاً الإنجيل، فيه ما أمروا به وما نهوا عنه.
قال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} يقوله عيسى لهم {إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي: إلى الجنة، يعني الإسلام.
قال: {فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} يعني النصارى {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: أشركوا {مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ}. (4/120)
صفحة 1657
قوله عز وجل: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً} أي: فجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}.
قال: {الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} الإخلاء من باب الخلال، الواحد خليل، والجماعة أخلاء. [استثنى من الأَخِلاَّء المتقين فقال: إلا المتقين منهم فإنهم ليسوا بأعداء بعضهم لبعض].
قوله: {يَا عِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} يقوله يوم القيامة {وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ} تفسير الكلبي: تكرمون. وتفسير الحسن: تفرحون.
قال: {يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ} أي: يغدى عليم بها، في كل واحدة منها لون ليس في صاحبتها، يأكل من أخراها كما يأكل من أولها، ويجد طعم آخرها كما يجد طعم أولها، لا يشبه بعضها بعضاً، ويراح عليهم بمثلها. ويطوف على أرفعهم درجة كل يوم سبعمائة ألف غلام، مع كل غلام صحفة من ذهب فيها لون من الطعام ليس في صاحبتها، يأكل من آخرها كما يأكل من أولها، ويجد طعم أولها كما يجد طعم آخرها، ولا يشبه بعضه بعضاً.
قال: {وَأَكْوَابٍ} والكوب المدوّر، القصير العنق، القصير العروة، والإبريق المستطيل، الطويل العنق، الطويل العروة.
قال: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ} أي: ما خطر على بالهم شيء أتاهم من غير (4/121)
صفحة 1658
أن يدعوه، وإن أحدهم ليكون الطعام في فيه فيخطر على باله طعام آخر فيتحول ذلك الطعام في فيه. قال: {وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ}.
ذكروا أن كعباً قال: إن الملك يأتي من عند الله إلى ولي الله فيستأذن عليه فيقول ولي الله: ائذنوا له، فيؤذن له، حتى ينتهي إليه وبين اصبعه سبعون حلة خير من الدنيا وما فيها، فينظر ولي الله فيقول: لقد أعطاني الله ما اشتهت نفسي ولذت عيني، ما رأيت في الجنة مثل هذا، فيقول له الملك: أبشر، كان يكون لكل مثل هذا إن اشتهيت، فيقول: نعم. فيقول الملك لمن حوله من الشجر: أنا رسول ربي إليكن، لتعطوا فلاناً مثل هذا إذا شاء. فما يمد يده إلى مثلها إلا أخذها.
ذكروا عن أبي هريرة قال: دار المؤمن مجوَّفة، في وسطها شجرة تنبت الحلل، ويمسك بين أصبعين من أصابعه سبعين حلة منظومة باللؤلؤ والمرجان.
قال: {وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي: لا تموتون ولا تخرجون منها.
قال: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: على قدر أعمالهم ورث الله المؤمنين منازل الكافرين التي أعدت لهم، لو آمنوا، مع منازلهم، وهي مثل التي في المؤمنون: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} [المؤمنون: 10].
قوله عز وجل: {لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ}. ذكروا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده إن أهل الجنة ليتناولون من قطوفها وهم متكئون في فرشهم، فما تصل إلي في أحدهم حتى يبدل الله مكانها أخرى».
قوله عز وجل: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} يعني المشركين خالدين في جهنم لا يموتون ولا يخرجون منها. {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} أي العذاب {وَهُمْ فِيهِ} أي: في العذاب {مُبْلِسُونَ} أي: آيسون من أن يخرجوا منها. (4/122)
صفحة 1659
قال: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} [يعني كفار الأمم كلها فيعذبهم في الآخرة بغير ذنب] {وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} أي لأنفسهم بكفرهم.
{وَنَادَوْا يَا مَالِكُ} ولمالك خازن النار أعوان من الملائكة. وخزنة النار تسعة عشر، أحدهم مالك، وهو رأسهم. {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ}. وذلك أنهم يدعون مالكاً فلا يجيبهم مقدار أربعين عاماً ثم يجيبهم {إِنَّكُم مَّاكِثُونَ}. ثم يدعون ربهم فيذرهم مقدار عمر الدنيا مرتين، ثم يجيبهم {قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108] فأيسوا بعدها، فما نبس القوم بعدها بكلمة، ما كان إلا الزفير والشهيق. شبه أصواتهم بأصوات الحمير، أوله زفير وآخره شهيق.
قوله: {لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ} أي: بالقرآن، يقوله للأحياء، وانقطع كلام أهل النار: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} يعني من لم يؤمن.
قال: {أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا} أي: كادوا كيداً بمحمد {فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} أي: فإنا كائدون. وذلك ما كانوا اجتمعوا له في دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]. وقد فسّرنا ذلك في سورة الأنفال.
قوله: {فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} أي: فإنا كائدون لهم بالعذاب. قال مجاهد: فإنا مجمعون.
قال: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم} أي: ما كانوا يتناجون فيه من أمر النبي عليه السلام. {بَلَى وَرُسُلُنَا} يعني الحفظة {لَدَيْهِمْ} أي: عندهم {يَكْتُبُونَ} أي: يكتبون عليهم أعمالهم. (4/123)
صفحة 1660
قوله: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} أي: ما كان للرحمن ولد. ثم انقطع الكلام، ثم قال: {فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} تفسير بعضهم: فأنا أول الدائنين من هذه الأمة بأنه ليس له ولد.
قال: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} ينزّه نفسه عما يكذبون. {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا} أي: فقد أقمت عليهم الحجة {حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} أي: يوم القيامة. وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم.
قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} أي: هو إله أهل السماء وإله أهل الأرض {وَهُوَ الْحَكِيمُ} في أمره {الْعَلِيمُ} بخلقه.
{وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} أي: علم مجيء الساعة، لا يعلم علم مجيئها إلا هو {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة.
{وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} أي: الأوثان، في تفسير الحسن، أي: لا تملك أن تشفع لعابدها، يقول: ليست الشفاعة لمن كان يدعو الأوثان، أي: يعبدها من دون الله في الدنيا. قال: {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ} في (4/124)
صفحة 1661
الدنيا. يقول إنما الشفاعة لمن شهد بالحق {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنه الحق.
قال الكلبي: {وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} يعني الملائكة، أي: لا يملك الملائكة أن يشفعوا لمن شهد بالحق، أي: لا إله إلا الله مخلصاً وصلّى الخمس، أي: فأولئك تشفع لهم الملائكة.
وتفسير مجاهد: {وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} أي: الملائكة وعزير، وعيسى.
قوله عز وجل: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم} يعني المشركين {مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} أي: فكيف يصدون فيعبدون غيره.
قوله: {وَقِيلِهِ} وهي تقرأ على ثلاثة أوجه: (وقيلَه، وقيلُه، وقيلِه) فمن قرأها بالنصب رجع إلى قوله: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم} وقيلَه، أي ولا نسمع قيلَه. ومن قرأها بالرفع، فهو كلام مبتدأ، يخبر بقوله. ومن قرأها بالجر رجع إلى قوله: {وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} وعلم قيلِه.
وقيله: {يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلاَء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [هذا قول النبي يشكو قومه إلى الله].
قال الله: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ} وهي منسوخة، نسخا قوله: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] {وَقُلْ سَلاَمٌ} كلمة حلم بين المؤمنين والمشركين؛ وكان ذلك قبل أن يؤمر بقتالهم، ثم أمر بقتالهم. قال: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} أي: يوم القيامة، وهي كلمة وعيد. (4/125)
صفحة 1662
تفسير سورة الدخان، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {حم} قد فسّرنا ذلك فيما مضى من الحواميم. قوله عز وجل: {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ}، قسم، أقسم بالقرآن المبين.
ذكر الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل القرآن إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم جعل بعد ذلك ينزل نجوماً: ثلاث آيات، وأربع آيات وخمس آيات وأقل من ذلك وأكثر. ثم تلا هذه الآية: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة: 75].
ذكروا عن الأعمش قال: نزل به جبريل ليلة القدر جملة واحدة في سماء الدنيا، فوضعه في البيت المعمور، ثم جعل ينزل بعد ذلك الأول فالأول.
قوله: {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} أي منذرين العباد من النار.
{فِيهَا} يعني ليلة القدر {يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} أي: يفصل كل أمر حكيم أي: مُحْكَم.
قال بعضهم: يدبّر فيها أمر السنة إلى السنة، ثم يدفع إلى الحفظة فيعملون عليها. وفيها يدبر الله ما يدبر، وينزل من الوحي ما ينزل مما يريد من الأمور في سمائه وأرضه وخلقه تلك السنة، من الحياة والموت، وما ينزل من المطر، وما يقبض ويبسط، وما يحدث في خلقه تلك السنة، فينزله في ليلة القدر إلى بعض سمائه، ثم ينزله في الليالي والأيام على ما قدر حتى يحول الحول من تلك السنة من قابل ليلة (4/126)
صفحة 1663
القدر. وذلك إلى اليوم على هذه الصفة إلا الوحي فإنه قد انقطع بموت النبي عليه السلام.
قال: {أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} أي: مرسلين الرسل إلى العباد. {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} أي: لا أسمع منه {الْعَلِيمُ} أي: لا أعلم منه.
{رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ومقرأ الحسن: رب السماوات والأرض {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ}.
قال: {بَلْ هُمْ} أي: المشركون {فِي شَكٍّ} يعني من البعث {يَلْعَبُونَ}.
ثم قال للنبي عليه السلام: {فَارْتَقِبْ} أي: فانتظر {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} يعني الجدب وإمساك المطر عن قريش.
{رَبَّنَا} أي: يقولون: ربنا {اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ}.
قال الله عز وجل: {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى} أي: كيف لهم الذكرى، أي: الإيمان، بعد نزول العذاب {وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ} أي: محمد عليه السلام.
{ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ} أي: إنما يعلّمه عبد بني الحضرمي، وكان كاهناً في تفسير الحسن. وقال بعضهم: عداس، غلام عتبة بن ربيعة، وكان يقرأ الكتب. (4/127)
صفحة 1664
قال الله عزَّ وجل: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ} أي: من أعدائنا يوم القيامة.
ذكر بعضهم عن مسروق عن عبد الله بن مسعود أنه قيل له: ها هنا رجل يزعم أنه يأتي دخان قبل يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، وكان متكئاً فغضب وجلس ثم قال: أيها الناس اتقوا الله؛ من علم علماً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول العبد فيما لا يعلم: الله أعلم. قال الله لنبيه عليه السلام: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [سورة ص: 86].
وسأخبركم عن الدخان. إن قريشاً، لما أبطأوا عن الإسلام، دعا عليهم رسول الله فقال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف. فأصابهم الجوع حتى أكلوا الميتة والعظام، حتى كان أحدهم يرى ما بينه وبين السماء دخاناً من الجهد. فذلك قوله: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ}. فسألوا أن يكشف عنهم العذاب فيؤمنوا. قال الله: {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ إِنَّا كَاشِفُو (4/128)
صفحة 1665
الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ}، فكشف عنهم العذاب، فعادوا في كفرهم. فأخذهم يوم بدر، فهو قوله: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ}.
قال عبد الله بن مسعود: قد مضت البطشة الكبرى والدخان واللزام والروم والقمر. ذكروا عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن مسعود أنه قال: قد مضى الدخان سنين كسني يوسف.
وكان الحسن يحلف ما جاء الدخان، وليأتينَّ حتى يدخل في سمع الكافر المنافق وبصره، ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام.
ذكروا عن عبد الرحمن بن البيلماني أنه قال: سمعت ابن عمر: يذكر خروج الدابة، قال: ثم يخرج الدخان فيأخذ المؤمن منه شبه الزكمة فيدخل في مسامع الكافر والمنافق وفي جلده حتى يكون كالرأس الحنيذ، وإن التوبة لمفتوحة، ثم تطلع الشمس من مغربها فترفع التوبة.
قوله عز وجل: {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ} قال الحسن: ابتليناهم بالدين. كقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} [المؤمنون: 30] أي: لمختبرين. قال الله عز وجل: {وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} أي: على الله، يعني موسى.
{أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ} أي: ارسلوا معي بني إسرائيل {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أي: على ما أتاني من الله، لا أزيد شيئاً ولا أنقص منه شيئاً {وَأَنْ لاَّ تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ} أي: لا تستكبروا على عبادة الله {إِنِّي آتِيكُم} أي: قد أتيتكم {بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي: بحجة بينة.
{وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ} يعني القتل بالحجارة {وَإِنْ لَّمْ (4/129)
صفحة 1666
تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} أي تصدقوني {فَاعْتَزِلُونِ} حتى يحكم الله بيني وبينكم.
{فَدَعَا} موسى {رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاَء قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ} أي: مشركون. وإذا أراد الله أن يهلك قوماً أذن لنبيهم أن يدعو عليهم.
قال الله عز وجل: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} أي: يتبعكم فرعون وجنوده {وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا} أي: طريقاً في تفسير الحسن. وقال مجاهد: منفرجاً. وقال بعضهم: ساكناً، [بعد أن ضربه موسى بعصاه] {إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} فأغرقهم الله وأنجى موسى ومن معه.
قال: {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [أي: ومنزل حسن] {وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} أي: مسرورين.
قال الله عزَّ وجل: {كَذَلِكَ} قال الحسن: أي: هكذا كان الخبر. قال: {وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} يعني بني إسرائيل.
قال الله عز وجل: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ} ذكروا عن أنس بن مالك أنه قال: للمؤمن بابان مفتوحان في السماء، يصعد من أحدهما عمله، والآخر ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه أربعين صباحاً. {وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ} أي: مؤخرين بالعذاب، يعني الغرق.
قوله عز وجل: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ} أي: من (4/130)
صفحة 1667
الهوان {مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ} أي: من المشركين. والعلو ها هنا الشرك.
قال: {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} يعني اخترنا بني إسرائيل على العالمين، يعني على عالم زمانهم، ولكل زمان عالم. قال: {وَآتَيْنَاهُم} يعني أعطينا بني إسرائيل {مِّنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَء مُّبِينٌ} أي: نعمة بيّنة.
قوله عز وجل: {إِنَّ هَؤُلاَء} أي: مشركي العرب {لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} أي: بمبعوثين. {فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي فأحيوا لنا آباءنا حتى نصدقكم بمقالتكم إن الله يحيي الموتى إن كنتم صادقين.
قال الله: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الكفار، أي: إنهم ليسوا بخير منهم {أَهْلَكْنَاهُمْ} أي: بذنوبهم {إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} أي: مشركين، يخوفهم بالعذاب.
قوله عزّ وجل: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ}.
{مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} أي: للبعث والحساب والجنة والنار {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} أي: جماعتهم، جماعة المشركين {لاَ يَعْلَمُونَ} أي إنهم مبعوثون ومُحَاسَبُونَ ومجازَوْنَ.
قال: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ} [أي: القضاء] {مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ}. هذا جواب لقولهم: (فاتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). قال الله عزّ وجل: (إِنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقَاتُهُمُ أَجْمَعِينَ) أي ميقات بعثهم. (4/131)
صفحة 1668
قال: {يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا} أي: ولي عن ولي شيئاً؛ أي: لا يحمل عنه ذنوبه شيئاً. كقوله: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [فاطر: 18] قال: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي: لا يمنعون من العذاب.
قال: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} تفسير الحسن: إن المؤمنين يستغفر بعضهم لبعض فيفنعهم ذلك عند الله.
قوله عز وجل: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ} يعني المشرك {كَالْمُهْلِ} [المهل ما كان ذائباً من الفضة والنحاس وما أشبه ذلك].
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه أهديت له فضة فأمر بها فأذيبت، حتى أزبدت وماعت قال لغلامه: ادع لي من حضر من أهل الكوفة. فدخل عليه نفر من أهل الكوفة فقال: ما شيء أشبه بالمهل من هذا.
قال: {يَغْلِي} أي الشجرة. فمن قرأها (تَغْلِي) يعني الشجرة، ومن قرأها: (يَغْلِي) يعني المهل. {فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} يعني الماء الشديد الحر.
{خُذُوهُ} يعني المشرك {فَاعْتِلُوهُ} تفسير الحسن: فجروه. وتفسير مجاهد: فادفعوه {إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ} أي: إلى وسط الجحيم. وتفسير بعضهم: إلى معظمها، أي: حيث يصيبه الحر من جوانبها.
{ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ} هو كقوله: {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} [الحج: 19 - 21]. يقمع بالمقمعة فتخرق رأسه فيصب على رأسه الحميم، فيدخل فيه حتى يصل إلى جوفه.
قال: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} يعني المنيع الكريم عند نفسك إذ كنت في الدنيا، ولست كذلك. قال بعضهم: نزلت في أبي جهل، كان يقول: أنا أعز (4/132)
صفحة 1669
قريش وأكرمها. قال: {إِنَّ هَذَا} أي: العذاب {مَا كُنتُم بِهِ تَمْتَرُونَ} أي: تشكّون في الدنيا أنه كائن.
قال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ} أي: في منزل {أَمِينٍ} أي: هم آمنون فيه من الغير. {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ}.
ذكروا عن عكرمة قال: أما السندس فقد عرفتموه، وأما الإستبرق فالديباج الغليظ. قال بعضهم: السندس يعمل بسوس العراق، وهو الخز المرقوم. وتفسير الحسن أنهما جميعاً حرير. قال: يعني {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23].
قال: {مُّتَقَابِلِينَ} قال بعضهم: لاينظر بعضهم إلى قفا بعض. وتفسير الحسن أنهم يقابل بعضهم بعضاً على الأسرة. وبعضهم يقول: ذلك في الزيارة إذا تزاوروا.
{كَذَلِكَ} أي: هكذا {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} تفسيره: كذلك حكم الله لأهل الجنة بهذا. قوله: {بِحُورٍ عِينٍ}، وهي كلمة عربية. تزوج فلان فلانة، وفلانة فلاناً. و (الحُورُ) البيض في تفسير بعضهم. [و (العِينُ) عظام العيون]. وتفسير مجاهد: (الحُورُ) اللاتي يحار فيهن البصر، وينظر الناظر وجهه في جيدها.
قال: {يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ} أي يأتيهم ما يشتهون منها {آمِنِينَ} أي: من الموت.
{لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى} وليس ثمة موتة إلا هذه الموتة الواحدة في الدنيا. وهو كقوله: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى} [النجم: 50]، ولم يكن قبلها عاد. (4/133)
صفحة 1670
قال: {وَوَقَاهُمْ} أي: وصرف عنهم {عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلاَ مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} أي النجاة العظيمة من النار إلى الجنة.
قوله عز وجل: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ} يعني القرآن {بِلِسَانِكَ} يعني النبي عليه السلام. [أي: لولا أن الله يسره بلسان محمد] ما كانوا ليقرأوه ولا ليفقهوه. قال: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي لكي يتذكروا.
قوله عز وجل: {فَارْتَقِبْ} أي: فانتظر العذاب فإنه واقع بهم {إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ} أي منتظرون. كقوله: {وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ} [السجدة: 30]. (4/134)
صفحة 1671
تفسير سورة الجاثية، وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {حم} قد قسّرناه فيما مضى من الحواميم. قال: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ} يعني القرآن {مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}.
{إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: فيما يرون مما خلق الله فيهما {لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ}.
{وَفِي خَلْقِكُمْ} أي: في بدء خلقكم من تراب يوم خلق آدم، ثم من نطفة، أي: نسل آدم، ثم من علقة، ثم من مضغة، وفي الاسماع والأبصار وما لا يحصى من خلق الله في الإنسان {وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ} أي: وما يخلق من دابة من صغير وكبير في البرّ والبحر {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي: يؤمنون.
قال: {وَاخْتِلاَفِ} أي: وفي اختلاف {الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ (4/135)
صفحة 1672
السَّمَاء مِن رِّزْقٍ} [يعني المطر، فيه أرزاق الخلق] {فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي بعد إذ كانت يابسة لي فيها نبات {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} في الرحمة والعذاب {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وهم لمؤمنون.
قال الله عز وجل: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} أي: يصدقون. أي: ليس بعد ذلك إلا الباطل. كقوله: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} [يونس: 32].
قوله: {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ} أي: كذّاب {أَثِيمٍ} يعني المشرك {يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ} على ما هو عليه من الشرك {مُسْتَكْبِرًا} أي: عن عبادة الله {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} يعني آيات الله، أي: بلى قد سمعها وقامت عليه الحجة بها. وقال مجاهد: يعني جميع المصرّين. {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي: موجع.
قال: {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا} قال بعضهم هو النضر بن الحارث {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}.
{مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ} أي: أمامهم، كقوله: {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [سورة إبراهيم: 17]. وهي كلمة عربية، تقول للرجل: من ورائك كذا، لأمر سيأتي عليه. قال: {وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئًا}. تفسير الحسن: ما عملوا من الحسنات يبطل الله أعمالهم في الآخرة. قال: {وَلاَ مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء} قال: ولا يغني عنهم تلك الأوثان التي عبدوها من دون الله شيئاً {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
قوله: {هَذَا} يعني القرآن {هُدًى} أي: يهتدون به إلى الجنة {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} أي: موجع. (4/136)
صفحة 1673
قوله: {اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} يعني طلب التجارة في السفر {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: لكي تشكروا، أي: تؤمنوا. كقوله: {لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 81].
قال: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} أي: من الله، أي: كل ذلك تفضّلاً منه، أي: ما سخر لكم من السماوات، أي: الشمس والقمر والنجوم والمطر، وما في الأرض، اي: الأنهار والبحار وما ينبت في الأرض من النبات، وما يستخرج من الذهب والفضة والصفر والحديد والنحاس وغير ذلك مما ينتفع به مما في الأرض، فذلك كله تسخير الله. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} وهم المؤمنون.
قوله: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ}، وهم المشركون. [أمر الله المؤمنين أن يغفروا لَهم]، وهي منسوخة، نسختها {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] قال: {لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي: يعملون؛ يجزي المؤمنين بحلمهم عن المشركين، ويجزي المشركين بشركهم، وكان هذا قبل أن يؤمروا بقتالهم، ثم نسخ بالقتال.
قوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} أي: يجده عند الله {وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا} أي: فعلى نفسه. {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} يوم القيامة.
قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا} أي: أعطينا {بَنِي إِسْرَائِيلَ} أي: أنزلنا عليهم {الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ} قال بعضهم: الحكمة وهي السّنّة. {وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ (4/137)
صفحة 1674
الطَّيِّبَاتِ} أي: ما أحل الله لهم. وقال بعضهم: المنّ والسلوى. {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}. أي: على عالم زمانهم الذي كانوا فيه، ولكل زمان عالم.
قال: {وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} أي: إنهم أرادوا الدنيا ورخاءها، فغيروا كتابهم، فأحلوا فيه ما شاءوا، وحرموا فيه ما شاءوا، فترأسوا على الناس ليستأكلوهم، واتبعوهم على ذلك. كقوله: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [التوبة: 31] أي: يحلون لهم ما حرم الله عليهم فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحلّ الله لهم فيحرمونه.
قال: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فيكون قضاؤه فيهم أن يدخل المؤمنين منهم الذين يتمسكون بدينهم الجنة، ويدخل الكافرين منهم النار.
قوله عز وجل: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ} تفسير الحسن: الشريعة: الفريضة. وقال الكلبي: {عَلَى شَرِيعَةٍ} أي: على سنة. قال: {فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني المشركين، قال: أهواؤهم الشرك.
قال: {إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا} أي إن اتبعت أهواءهم عذبتك، وإن (4/138)
صفحة 1675
عذبتك فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً. وقد عصمه من ذلك، وإنما أمره أن يثبت على ما هو عليه.
قال: {وإِنَّ الظَّالِمِينَ} يعني المشركين {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} أي في الجنة الدنيا، وهم أعداء في الآخرة، يتبرأ بعضهم من بعض ويلعن بعضهم بعضاً قال: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} يعني المؤمنين.
قوله: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ} يعني القرآن، أي: لمن آمن به {وَهُدًى} يهتدون به إلى الجنة. {وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ} وهم المؤمنون. والمؤمن الموقن واحد.
قوله عزّ وجلّ: {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا} أي اكتسبوا {السَّيِّئَاتِ} والسيئات ها هنا الشرك. {أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وذلك كقول أحدهم {وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي}، كما تقولون، {إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى}، أي الجنة، إن كانت جنة، أي: لا نجعلهم مثلهم؛ الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة، والمشركون في النار.
قال: {سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ} وهي تقرأ على وجهين: مقرأ مجاهد بالرفع؛ سواءٌ محيا المؤمن ومماته، هو في الدنيا مؤمن وفي الآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا كافر، وفي الآخرة كافر. ومقرأ الحسن: (سَوَاءٌ) بالنصب، على معنى أن يكونوا، يعني المؤمنين والمشركين، سواء فيما حسب المشركون، أي: ليسوا سواء. أي: إن مات المؤمنون على الإيمان يرزقون الجنة، وأما المشركون الذين ماتوا على الشرك فهم يدخلون النار. قال الله عز وجل: {سَاء} أي: بئس {مَا يَحْكُمُونَ} أي: أن نجعلهم سواء.
قوله: {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي: للبعث والحساب والجنة (4/139)
صفحة 1676
والنار. قال الله عز وجل: {وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.
قال: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} هو المشرك اتخذ إلهه هواه فعبد الأوثان من دون الله، وبعضهم يقرأها {اتَّخَذَ ءَالِهَةً هَوَاهُ} قال: {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ} أي: بكفره فلا يسمع الهدى سمع قبول. {وَقَلْبِهِ} أي: وختم على قلبه، أي: فلا يفقه الهدى. {وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} فلا يبصر الهدى {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ} أي: لا أحد. قال: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} يقوله للمشركين.
قوله عز وجل: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} أي: نموت ونولد. [قال محمد: يموت قوم ويحيى قوم] {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ} قال مجاهد: وما يهلكنا إلا الزمان. أي: هكذا كان أمر من قبلنا، وكذلك نحن نموت ولا نبعث.
قال الله تعالى: {وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} أي: بأنهم لا يبعثون {إِنْ هُمْ إِلاَ يَظُنُّونَ} أي: إِنْ ذلك منهم إلا ظن.
قوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} أي: القرآن {بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: فأحيوا آباءنا حتى نصدّقكم بمقالتكم أي: بأن الله يحيي الموتى.
قال الله جواباً لقولهم: {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ} يعني هذه الحياة {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} يعني الموت {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} أي: ليوم القيامة. {لاَ رَيبَ فِيهِ} أي: لا شك فيه، يعني البعث {وَلَكِنَّ أَكَثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: إنهم مبعوثون.
قوله: {وَلَلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ} أي: المشركون المكذّبون بالبعث. خسروا أنفسهم أن يغنموها فصاروا في النار، وخسروا أهليهم من الحور العين. (4/140)
صفحة 1677
قوله عز وجل: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ} يعني كفارها في تفسير الحسنى {جَاثِيَةً} أي: على ركبها في تفسير بعضهم: وقال مجاهد: أي: على الركب مستوفزين. وقال الكلبي: {جَاثِيَةً}: جميعاً، يعني جُثًى، والجثوة عنده جماعة. قال: {كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا} أي: إلى حسابها، وهو الكتاب الذي كتبته الملائكة من أعمالهم. {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ} أي: يقال لهم: اليوم تجزون {مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
{هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
ذكروا عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب. قال: رَبّ، وما أكتب؟ قال: ما هو كائن، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة؛ فأعمال العباد تعرض كل يوم اثنين وخميس فيجدونه على ما في الكتاب. وزاد فيه بعضهم: {هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. ثم قال: ألستم قوماً عرباً؟ هل يكون النسخ إلا من كتاب.
قال: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ} أي: الجنة {ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} أي: البيّن. والفوز. النجاة من النار إلى الجنة. كقوله: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185].
قال: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} أي: يقول الله لهم يوم القيامة. (أَلَمْ تَكُن ءَايَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ) {فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ} أي: مشركين. (4/141)
صفحة 1678
{وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}. أي: يوم القيامة {وَالسَّاعَةُ} أي: القيامة {لاَ رَيْبَ فِيهَا} أي: لا شك فيها {قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا} ذكروا أنهم تدخلهم خلجات شك. قال بعضهم: إن نشك إلا شكاً. {وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} أي: إن الساعة آتية.
قال: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا} أي: حين غضب عليهم علموا أن أعمالهم كانت سيئات، ولم يكونوا يرون أنها سيئات. {وَحَاقَ بِهِم} أي: نزل بهم {مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} أي: إنهم كانوا يستهزءون بالنبي والمؤمنين فحاق بهم عقوبة ذلك الاستهزاء، فصاروا في النار.
قوله: {وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ} أي: نترككم في النار {كَمَا نَسِيتُمْ} أي: كما تركتم {لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا} فلم تؤمنوا به. قال بعضهم: نُسُوا من أهل الخير ولم يُنسوا من أهل الشر. {وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ} والمأوى: المنزل {وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ}. أي ينصرونك من عذاب الله.
{ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} فكنتم لا تقرون بالبعث {فَالْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا} أي: من النار {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي: لا يخرجون فيستعتبون، أي ليعتبوا، أي ليؤمنوا، وقد فاتهم ذلك.
{فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} والعالمون: الخلق. {وَلَهُ الْكِبْرِيَاء} أي: العظمة {فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}. قال: {وَهُوَ الْعَزِيزُ} في نقمته {الْحَكِيمُ} في أمره. (4/142)
صفحة 1679
تفسير سورة الأحقاف، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {حم}، قد فسّرناه فيما مضى من الحواميم. قوله: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ} أي: القرآن {مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} أي: العزيز في نقمته الحكيم في أمره.
{مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} أي: للبعث والحساب والجنة والنار. {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: القيامة {وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ}.
قوله عزّ وجل: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} يعني أوثانهم {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ} أي: لم يخلقوا منها شيئاً. {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ} أي: هل خلقوا منها شيئاً؟ على الاستفهام، أي: لم يخلقوا شيئاً. {ائْتُونِي} يقول للنبي عليه السلام: قل لهم: ايتوني {بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا} فيه أن هذه الأوثان خلقت من الأرض أو من السماوات شيئاً. {أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} أي: بهذا {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: لستم بصادقين، وليس عندكم بهذا علم ولا أثارة من علم.
ومقرأ الحسن وتفسيره {أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} أي من السنن التي قالها النبي عن الله غير منصوصة في الكتاب. (4/143)
صفحة 1680
وتفسير الكلبي: بقية من علم قد كان قبل هذا القرآن {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.
وهي تقرأ على وجهين: أثارة وأثرة. فمن قرأها أثارة فهي البقية ومن قرأ: أثرة فهو يقول: خاصة من علم.
ذكروا عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخط فقال: «هو أثرة من علم».
ذكروا عن عطاء بن يسار قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الخط فقال: «كان نبي من الأنبياء يعلمه، فمن وافق مثل علمه علم».
قوله عز وجل: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ} يعني أوثانهم {وَهُمْ} يعني الأوثان {عَن دُعَائِهِمْ} يعني عن دعاء من عبدها {غَافِلُونَ}.
قوله: {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}. قال الحسن: إن الله يجمع يوم القيامة بين كل عابد ومعبود، فيوقفون بين يديه، يحشرها الله بأعيانها فينطقها لتخاصم من كان يعبدها، وهو قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} الأصنام والذين عبدوها {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} أي فصلنا بينهم بالمسألة، فسألنا هؤلاء على حدة، وهؤلاء على حدة، {وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إيَّانَا تَعْبُدُونَ} أي: ما كنا ندعوكم إلى عبادتنا {فَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ} إِيانا {لَغَافِلِينَ} [يونس: 28 - 29]. (4/144)
صفحة 1681
قوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ} أي: للقرآن {لَمَّا جَاءهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}.
قال الله عز وجل: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} أي: محمد، أي: قد قالوا افتراه محمد {قُلْ} يا محمد لهم {إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} أي: لا تستطيعون أن تمنعوني من عذاب الله شيئاً {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ} أي: بما تقولون فيه من الشرك، {كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي: أني جئت بالقرآن من عنده وأني لم أفتره. قال: {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} أي: لمن آمن بالله.
قال: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ} أي: ما كنت أولهم، قد كان الرسل قبلي {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} تفسير الحسن: وما أدري ما يحكم لي ولكم الله من الأحكام والشرائع، وهل يتركني مقيماً بين أظهركم في دار الشرك أم يخرجني إلى دار الهجرة.
وقال الكلبي: إن النبي عليه السلام قال: لقد رأيت في منامي أرضاً أخرج إليها من مكة. فلما اشتد البلاء على أصحابه بمكة قالوا: يا نبي الله، حتى متى نلقى هذا البلاء، متى نخرج إلى الأرض التي رأيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، أنموت بمكة أم نخرج منها».
قال: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}. قال بعضهم: أنزل الله بعد ذلك: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} [الفتح: 1 - 3].
ذكروا عن أنس بن مالك قال: إن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه (4/145)
صفحة 1682
من الحديبية وأصحابه مخالطون الحزن والكآبة، قد حيل بينهم وبين مناسكهم، ونحروا الهدي بالحديبية فقال: لقد نزلت علي آية لهي أحب إلي من الدنيا وما فيها جميعاً. فتلاها عليهم، فقال رجل من القوم: هنيئاً لك يا رسول الله، قد بيّن الله لك ما يفعل بك، فما يفعل بنا؟ فأنزل الله: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا} [الفتح: 5].
قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ} يعني القرآن، {وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} أي: على مثل القرآن يعني التوراة، {فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ}.
ذكر بعضهم فقال: الشاهد من بني إسرائيل هو موسى، شهد على التوراة، فآمن واستكبرتم. وقال بعضهم: هو من بني إسرائيل، آمن بموسى وبالتوراة وأنتم لا تؤمنون بمحمد والقرآن. فذكر ذلك للحسن فقال: ما نسمع إلا أنه عبد الله ابن سلام.
ذكروا عن ابي قلابة عن عبد الله بن سلام قال: أنزل الله فيَّ آيتين حيث يقول: {قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد: 43] وقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ}.
قال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} أي المشركين الذين يلقون الله بشركهم. (4/146)
صفحة 1683
قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} ذكروا عن أبي المتوكل الناجي قال: كان أول إسلام أبي ذر أنه جاء يطلب النبي صلى الله عليه وسلم، فكان في أستار الكعبة خسمة عشر يوماً يخرج بالليل، يطوف بالبيت، ويشرب من ماء زمزم، ليس له طعام ولا شراب غيره. فبينما هو كذلك إذا نبي الله ذات ليلة ومعه أبو بكر، فرآهما فعرف النبي بالنعت. فعرض النبي عليه السلام الإسلام فأسلم. فقال له النبي عليه السلام: اذهب فادع قومك، فذهب، فلقى زعيماً لهم كانوا يأتمرون به ولا يعصونه فيا لأمر إذا أمرهم. فقال له أبو ذر: إين تركت الظهر بمكة غالياً، فاجلب إليها ظهراً فإنك تصيب به بمنى. فجلب إليها ظهراً فأصاب به بمنى. فلقيه نبي الله عليه السلام، فعرض عليه الإسلام فأسلم. ثم قال له النبي عليه السلام: اذهب فادع لي قومك فأتاهم فقال: يا قوم، أطيعوني هذه المرة ثم اعصوني. فقالوا: وما ذلك؟ قال: أسلموا تدن لكم العجم، وتعترف لكم العرب، فتفرقوا ونفروا عنه، وقالوا: ما كنا نراك تقول لنا هذا.
ثم تلاوموا بينهم وتراجعوا، ثم قالوا: أليس صاحبنا الذي عرفنا يمنه وحسن رأيه في الأمر إذا أمرنا، فما لنا هذه المرة؟ فرجعوا إليه فقالوا: ما هذا الذي تعرض علينا؟ فقال: أسلما تدن لكم العجم وتعترف لكم العرب، فأسلموا. فبلغ ذلك قريشاً فقالوا: إن غفاراً لحلفاء، فلو كان هذا خيراً ما سبقونا إليه، فأنزل الله في (4/147)
صفحة 1684
ذلك: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ}.
قال الله عز وجل: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ} أي: بالقرآن {فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ}.
قال: {وَمِن قَبْلِهِ} أي: ومن قبل هذا القرآن {كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا} يعني التوراة يهتدون به {وَرَحْمَةً} أي: لمن آمن به {وَهَذَا كِتَابٌ} يعني القرآن {مُّصَدِّقٌ} أي: للتوراة وَالإِنجِيل {لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: أشركوا {وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} يعني المؤمنين بالجنة.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} أي: على ذلك وعلى الفرائض التي فرضها عليهم {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.
ذكروا أن أبا بكر قرأ هذه الآية فقالوا له: وما الاستقامة يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لم يشركوا. وذكروا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ثم استقاموا على الفرائض لم يروغوا روغان الثعلب.
قال: {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا} أي: لا يخرجون منها ولا يموتون. {جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: على قدر أعمالهم.
قال: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} أي حملته بمشقة ووضعته بمشقة، {وَحَمْلُهُ} أي في البطن {وَفِصَالُهُ} أي: وفطامه {ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أي: إذا احتلم، وبعضهم يقول: عشرين سنة، {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} أي في السّنّ {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي} أي: ألهمني {أَنْ (4/148)
صفحة 1685
أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}.
قال الحسن: هذا دعاء المؤمن لوالديه إن كانا مؤمنين، ودعاؤهما لذريتهما المؤمنين. وقال الكلبي: بلغنا أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهي بعدُ مرسلة في المؤمنين.
قال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ} أي: مع أصحاب الجنة {وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} أي: في الدنيا، وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار.
قوله عزّ وجلّ: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ} أي: أن أبعث {وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي} أي: فلم يبعثوا. قال: {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ} أي يقولان له: ويلك آمن {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} أي القيامة، {فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} أي: كذب الأولين وباطلهم.
نزلت في عبدالرحمن بن أبي بكر قبل أن يسلم، وفي أبويه أبي بكر وامرأته أم رومان، وهي أم عائشة، كانا يقولان له قبل أن يسلم هذا القول، فيقول هو هذا القول الذي أجابهما به.
قال الله عز وجل جواباً لقول عبد الرحمن في القرون التي قد خلت فلم يبعثوا: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} [أي: وجب عليهم الغضب] {فِي أُمَمٍ قَدْ (4/149)
صفحة 1686
خَلَتْ} أي: مع أمم قد خلت {مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ} صاروا إلى النار {إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ}.
قوله: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا} أي: للمؤمنين وللمشركين؛ للمؤمنين درجات في الجنة على قدر أعمالهم، وللمشركين دركات في النار على قدر أعمالهم. قال: {وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} أي جزاء أعمالهم {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.
قوله عز وجل: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ} وعرضهم، في تفسير الحسن، دخولهم النار. {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا}. وهي تقرأ أيضاً على الاستفهام بمد: {آذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا}؟. فمن قرأها بغير مدّ فهو يقول [على الخبر]: قد فعلتم. ومن قرأها بالمدّ فهي على الاستفهام. وإضمارها: أي قد فعلتم. المعنى: إنكم أذهبتم طيباتكم، أي: من الجنة إذ كنتم في الدنيا، أذهبتموها بشرككم.
قال: {وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا} أي: في الدنيا {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ} أي: عن عبادة الله {بِغَيْرِ الْحَقِّ} أي: بشرككم وتكذيبكم {وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} أي: فسق الشرك.
قوله: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ} يعني هوداً، أخوهم في النسب وليس بأخيهم في الدين، {إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ} أي: أنذرهم عذاب الله {بِالأَحْقَافِ} وكانت منازلهم في أحقاف الرمال. {وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} وهذا بدء كلام مستقبل. يخبر الله أن الرسل قد خلت، أي: مضت، من بين يدي هود، أي: من (4/150)
صفحة 1687
قبله ومن خلفه، أي من بعده، يدعون إلى ما دعا إليه هود من عبادة الله {أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. رجع إلى قصة هود فأخبر بقوله لقومه.
{قَالُوا} أي قال له قومه {أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا} أي: لتصرفنا {عَنْ آلِهَتِنَا} أي: عن عبادتها: وهذا منهم على الاستفهام. أي: قد فعلت {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} أي: إنه كان يعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا.
{قَالَ} لهم {إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ} أي: علم متى يأتيكم العذاب. {وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ}.
قوله: {فَلَمَّا رَأَوْهُ} أي رأوا العذاب {عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} أي: حسبوه سحاباً، وكان قد أبطأ عنهم المطر.
قال الله عز وجل: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ} أي: لما كانوا يستعجلون به هوداً من العذاب استهزاءً وتكذيباً. فقال: بل هو ما استعجلتم به {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} أي: تدمر كل شيء أمرت به، وهي ريح الدبور.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» وذكروا عن ابن عباس عن النبي عليه السلام مثل ذلك.
قال الله: {فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} يقوله للنبي عليه السلام؛ أي: لا تبصر إلا مساكنهم. وهي تقرأ على وجه آخر: {لاَ تُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} أي: قد هلكت وبقيت مساكنهم. وهي تقرأ على وجه ثالث: {فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ}. قال الله: {كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} أي: المشركين. (4/151)
صفحة 1688
قال: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ} أي: فيما لم نمكنكم فيه، يعني مشركي العرب، كقوله: {كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا} [التوبة: 69].
قال: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم} أي: ونزل بهم {مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون}. أي: نزل بهم عقوبة استهزائهم، يعني ما عذبهم به.
قوله: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى} يقوله لأهل مكة، وهي أم القرى، منها دحيت الأرض، وما حولها البلاد كلها. أخبر بهلاك من أهلك. قال: {وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ} أي: أخبرناكم كيف أهلكناهم. قال: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي: لعل من بعدهم يرجعون إلى الإيمان، يحذرهم بذلك، كقوله: {وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} [الفرقان: 39]، وكقوله: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ} [إبراهيم: 45] يعني ما أهلك به من قبلهم من الكفّار، يحذّرهم بهذا كله.
{فَلَوْلاَ} أي: فهلا {نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً} يعني آلهتهم التي عبدوها من دون الله والتي يزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى ليصلح لهم معايشهم في الدنيا، ولم يكونوا يقرّون بالآخرة. قال: فهلاّ نصروهم إذ جاءهم العذاب. {بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ} أي: كذبهم {وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}.
ذكروا عن عبد الله بن كثير المكّيّ أنه كان يقرأها: {وَذَلِكَ أَفْكَهُمْ} أي: صَدَّهم عن الهدى. (4/152)
صفحة 1689
قوله عز وجل: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا} أي: يقوله بعضهم لبعض {فَلَمَّا قُضِيَ} أي: فلما قرأه عليهم النبي عليه السلام وأسلموا {وَلَّوْا} أي: رجعوا {إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} وهم أهل نصيبين.
ذكر بعضهم أن جن نصيبين أتوا النبي عليه السلام فقرأ عليهم القرآن؛ فقالوا: يا رسول الله زوّدنا، فقال: «كل روثة لكم خضرة، وكل عظم لكم عرق» فقالوا: يا رسول الله: إن أمتك ينجسونه علينا. فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بعظم أو روثة.
ذكروا عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس وعن ابن مسعود أن جن نصيبين لما قرأ عليهم النبي عليه السلام القرآن فأرادوا أن يرجعوا زودهم الروث والعظام، لا يأتون على شيء منه إلا وجدوه لحماً وتمراً.
ذكروا عن عون بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن مسعود قال: خرجنا حاجين ومعتمرين، حتى إذا كنا بالطريق هاجت ريح فارتفعت عجاجة من الأرض حتى إذا كانت على رؤوسنا انكشفت عن حية بيضاء، فنزلنا، وتخلف صفوان بن المعطل (4/153)
صفحة 1690
فأبصرها. فصب عليها من مطهرته، وأخرج خرقة من عيبته فكفّنها فيه، ثم دفنها، ثم اتّبعنا، فإذا بنسوة قد جئن عند العشاء، فسلمن ثم قلن: أيكم دفن عمرو بن جابر، فقلنا: والله ما نعرف عمرو بن جابر. فقال صفوان بن المعطل: أبصرت جاناً أبيض فدفنته. قلن: ذلك والله عمرو بن جابر، بقية من استمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة القرآن من الجن؛ التقى الزحفان من الجن، زحف من المسلمين وزحف من الكفار، فاستشهد رحمه الله.
ذكروا أن قوماً نفروا إلى عبد الله بن مسعود فقالوا: بينما نحن نسير في طريق الشام إذ رفع إلينا إعصار. فلما انتهينا إليه إذا حية قتيل فنزل بعض القوم فكفّنها في عمامة له ثم دفنها. فلما نزلنا وجنّ علينا الليل إذا بامرأتين قد جاءتا، فسلمتا علينا، ثم قالتا: أيكم دفن عمراً اليوم؟ قلنا: ما دفنا رجلاً. قالتا: بلى، الحية القتيل. قلنا: نعم. قالتا: فإن كنتم إنما نويتم الآخرة والأجر فقد أصبتم. إن فسقة الجن ومسلميهم اقتتلوا اليوم فقتل فيهم، والله إنه لأحد النفر الذين استمعوا القرآن عند محمد صلى الله عليه وسلم.
قوله: (مُنْذِرِينَ) أي: أنذروا قومهم.
{قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى} كانوا على اليهودية قبل أن يسلموا. {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: من الكتاب {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: إلى دين مستقيم، وهو الطريق المستقيم إلى الجنة.
{يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} يعنون النبي عليه السلام {وَآمِنُوا بِهِ} أي: (4/154)
صفحة 1691
وصدّقوا به {يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ} أي: ذنوبكم كلها {وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}.
{وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ} أي النبي عليه السلام {فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ} أي: فليس بالذي يسبق الله حتى لا يبعثه ثم يعذبه. {وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء} أي: يمنعونه من عذاب الله. قال: {أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: بيّن، يعني من لا يجيب داعي الله. أي لا يؤمن.
قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ} كقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [سورة ق: 38] أي من عياء. وذلك أن اليهود أعداء الله قالت: إنه لما فرغ من خلق السماوات والأرض عيي فاستلقى فوضع إحدى رجليه على الأخرى فاستراح، فأنزل الله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي: من شمس وقمر ونجوم وسحاب ومطر وريح وليل ونهار وماء ومدر وحجر، وكل ما بينهما مما يرى وما لا يرى {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}. وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ} قال: {بِقَادِرٍ} على أن يخلق مثلهم وبقادر {عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
قوله: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ} أي: يقال لهم هذا، في تفسير الحسن، يقال لهم هذا وهم في النار. أليس هذا بالحق الذي كنتم توعدون في الدنيا.
{قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}.
قوله: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} قال بعضهم: أولو العزم من الرسل خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام. يقول: اصبر يا محمد كما صبروا هم جميعاً. وأولو العزم في تفسير الحسن أولو الصبر. وبعضهم يقول: أولو الحزم. وتفسير الكلبي: يعني من أمر بالقتال من الرسل. (4/155)
صفحة 1692
قال: {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} يعني المشركين: لا تستعجل لهم بالعذاب. كقوله: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطارق: 17]. وهذا وعيد لهم.
{كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ} يعني العذاب {لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ} تفسير الحسن: في هذا الذي وصفت من إهلاك القرون، وفيما أخبر أنه يهلك كفار آخر هذه الأمة بقيام الساعة بلاغ. وفيها إضمار: يقول: في هذا الذي أخبرت بلاغ. {فَهَلْ يُهْلَكُ} أي: بعد البلاغ {إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} أي: المشركون. (4/156)
صفحة 1693
تفسير سورة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي مدنية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. قوله عز وجل: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ} أي: سبيل الهدى، [يعني الإسلام] {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} أي: أحبط أعمالهم في الآخرة، أي: ما عملوا من حسن.
قال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ} أي: صدقوا بما نزّل على محمد، يعني القرآن {وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي: غفرها لهم {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} أي: حالهم في الدنيا، جعلهم على الحق، يصلح به حالهم في الآخرة، أي: يدخلهم الجنة.
قال: {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ} أي: إبليس، اتبعو وساوسه بالذي دعاهم إليه من عبادة الأوثان. {وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ} أي: القرآن الذي جاء به محمد عليه السلام {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ} أي يبيّن للناس {أَمْثَالَهُمْ} أي: صفات أعمالهم.
قوله: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى حي فأصابوهم، فصعد رجل منهم شجرة ملتفّة أغصانها. قال الذي حضر: قطعناها فلا شيء، ورميناها فلا شيء. قال: فجاءوا بنار فأضرموا بها تلك الشجرة، فخر الرجل ميتاً. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم [فتغيّر (4/157)
صفحة 1694
وجهه تغيراً شديداً] ثم قال: «إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله، ولكني بعثت بضرب الأعناق وشدّ الوثاق».
ذكر الحسن عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن أمكنك الله من فلان فأحرقه بالنار» قال: فلما وليت قال: ردوه علي. فرجعت، فقال: «أمرتك أن أمكنك الله من فلان أن تحرقه بالنار؟ قلت: نعم. قال: إني قلته وأنا غضبان، إنه ليس لأحد أن يعذب بعذاب الله، فإن قدرت فاضرب عنقه».
قوله: عز وجل: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} فيها تقديم، يقول: فإذا لقيتم الذين كفَروا فضرب الرّقاب حتى تضع الحرب أوزارها، أي حتى ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدّجّال، ويكسر الصّليب ويقتل الخنزير، وتضع الحرب أوزارها. (4/158)
صفحة 1695
ذكروا عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدين. ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق من ناوأهم إلى يوم القيامة».
وتفسير الحسن: {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} أي: ذنوبها، أي: شركها. يريد قوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] اي: حتى لا يكون شرك. هذا في مشركي العرب. وأما أهل الكتاب فإذا أقرّوا بالجزية قُبِلت منهم وكُفَّ عنهم القتال. كذلك جميع المشركين إلا مشركي العرب، إلا من كان دخل في أهل الكتاب منهم قبل أن يؤمر بقتال أهل الكتاب، حتى يسلموا أو يقرّوا بالجزية.
قال: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} وهذا في الأسرى. {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء}. لم يكن لهم حين نزلت هذه الآية إذا أخذوا أسيراً إلا أن يفادُوه أو يُمنّوا عليه فيرسلوه. وهي منسوخة؛ نسختها: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ} أي: عظ بهم من سواهم {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأنفال: 57]. فإن شاء الإمام قتل (4/159)
صفحة 1696
الأسارى، وإن شاء جعلهم غنيمة، وإن شاء أفدى، وأما المنّ بغير فداء فليس له ذلك. قال بعضهم: لا ينتقم منهم له.
قال: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لاَنتَصَرَ مِنْهُمْ} يعني بغير قتال؛ يبتلى به المؤمنين والنبي عليه السلام. قال: {وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} أي: يبتلي بعضكم ببعض.
قال: {وَالَّذِينَ قَتَلُوا} وهي تقرأ على وجه آخر: (قُتِلُوا) {فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} أي: فلن يحبط أعمالهم. {سَيَهْدِيهِمْ} تفسير الحسن: يحقق لهم الهدى {وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} وهي مثل الأولى. {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}.
تفسير مجاهد: إنهم يعرفون منازلهم في الجنة إذا جاءوا إلى الجنة. وتفسير الحسن: يعرفون الجنة بالصفة التي وصفها الله لهم في الدنيا.
قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ} أي: نصرهم النبي ودينه نصر لله {يَنصُرْكُمْ} الله {وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.
قال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ}. تفسير الحسن: إن التعس شتم من الله لهم، وهي كلمة عربية. {وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} أي: أحبط ما كان منها حسناً في الآخرة.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ} أي القرآن. {فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}. (4/160)
صفحة 1697
قوله عز وجل: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي: أهلكهم الله {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} يعني عاقبة الذين من قبلهم. أي الذين تقوم عليهم الساعة، كفار آخر هذه الأمة، يهلكون بالنفخة الأولى.
قال الله عز وجل: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا} أي: وليّهم {وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ} أي: لا ولي لهم إلا الشيطان، فإنه وليّهم. وأما قوله: {ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ} [الأنعام: 62] فمعناه مالكهم، وليس هو من باب ولاية الله للمؤمنين. وقال: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 257].
قال: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} أي: أنهار الجنة تجري في غير خدود: الماء والعسل واللبن والخمر، وهو أبيض كله؛ فطينة النهر مسك أذفر، ورضراضه الدر والياقوت، وحافاته قباب اللؤلؤ.
قال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ} أي: في الدنيا {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ} وهي غافلة عن الآخرة. قال: {وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} أي: منزل للذين كفروا.
ذكروا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المؤمن يأكل في مِعًى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء».
قوله عزّ وجلّ: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} أي: وكم من قرية {هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً} أي: أهلها كانوا أشد قوة {مِّن قَرْيَتِكَ} أي: من أهل قريتك {الَّتِي أَخْرَجَتْكَ} يعني مكة، أخرجك أهلها {أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} أي: يمنعهم منا.
قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ}. وهذا المشرك، أي: ليسوا بسواء. (4/161)
صفحة 1698
قوله عزّ وجلّ: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} أي: مثل صفة الجنة {فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ} أي: غير متغيّر {وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} أي: لم يخرج من ضروع المواشي فيتغيّر. {وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ} أي: لم يعصره الرجال بأقدامهم {لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} أي: لم يخرج من بطون النحل.
ذكروا عن كعب أنه قال: دجلة في الجنة لبن أغزر ما يكون من الأنهار التي سمّى الله، والفرات خمر أغزر ما يكون من الأنهار التي سمّى الله، والنيل عسل أغزر ما يكون من الأنهار التي سمّى الله، وجيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التي سمّى الله.
ذكروا أن أربعة أنهار من الجنة: سيحون وجيحون والنيل والفرات.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسرِيَ به قال: «ثم رفعت لنا سدرة المنتهى، فإذا ورقها مثل آذان الفيلة، ونبقها مثل قلال هجر. وإذا أربعة أنهار يخرجون من أصلها: نهران باطنان، ونهران ظاهران. قلت يا جبريل: ما هذه الأنهار؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات». (4/162)
صفحة 1699
قوله: {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} تفسير الحسن: ما يعرفونها في الدنيا وما لا يعرفون. وتفسير بعضهم في قوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} [البقرة: 25] أي: في الدنيا، يعرفونه باسمه.
قال بعضهم: أهبط الله من الجنة إلى الأرض ثلاثين ثمرة؛ عشرة يؤكل داخلها ولا يؤكل خارجها، وعشرة يؤكل خارجها ولا يؤكل داخلها، وعشرة يؤكل داخلها وخارجها.
قال: {وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ}. وهذا على الاستفهام. يقول: أهؤلاء المتّقون الذين وُعِدوا الجنة فيها ما وصف الله، كمن هو خالد في النار كما وصف الله، أي: ليسوا سواء.
قوله: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} يعني المنافقين {حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا}. كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم يستمعون حديثه من غير حسبة ولا يفقهون حديثه، فإذا خرجوا من عنده قالوا للذين أوتوا العلم، قالوا لعبد الله [بن مسعود]: ماذا قال محمد آنفاً، لم يفقهوا ما قال النبي عليه السلام.
قال الله للنبي عليه السلام: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ}.
قال الله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} أي: كلما جاءهم من عند الله شيء صدّقوه فزادهم ذلك هدى (وَآتَاهُمْ) أي أعطاهم (تَقْوَاهُمْ) أي جعلهم متّقين. (4/163)
صفحة 1700
قوله: {فَهَلْ يَنظُرُونَ} [أي: فما ينتظرون] {إِلاَّ السَّاعَةَ} أي: النفخة الأولى التي يهلك الله بها كفار آخر هذه الأمة {أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً} أي: فجأة {فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا}.
كان النبي عليه السلام من أشراطها، وكان انشقاق القمر من أشراطها، ورمي الشياطين بالنجوم من أشراطها، وأشراطها كثيرة.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما مثلي ومثل الساعة كهاتين، فما فضل إحداهما على الأخرى، فجمع بين اصبعيه الوسطى والسبابة».
وذكر بعضهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أشراط الساعة موت الفجاءة، وأن يرى الهلال ليلته كأنه لليلتين، وأن تكلم الذئاب».
وقال بعضهم: من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أشراط الساعة أن يظهر العلم، ويفيض المال، وتكثر التجار. ومن أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر. ومن أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً كأن وجوههم المجانّ المطْرَقة».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أشراط الساعة أن يرى رعاء الشاء على رؤوس الناس، وأن يرى الحفاة العراة الجُوَّع يتبارون في البنيان، وأن تلد الأمة ربها وربتها». (4/164)
صفحة 1701
ذكروا عن أبي عمران الحولي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حيث بعث إليّ بعث إلى صاحب الصور، فأهوى به إلى فيه، وقدم رجلاً وأخر أخرى ينتظر متى يؤمر فينفخ؛ ألا فاتقوا النفخة».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً على أصحابه فقال: «كيف بكم وصاحب القرن قد حنى جبهته وأصغى بسمعه ينتظر متى يؤمر فينفخ فيه».
قال: {فَأَنَّى لَهُمْ} أي: فكيف لهم. {إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} أي: فكيف لهم التوبة إذا جاءتهم الساعة، إنها لا تقبل منهم.
قال: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ} أي: في الدنيا {وَمَثْوَاكُمْ} إذا صرتم إليه. والمثوى المنزل الذي يثوون فيه، أي: لا يزولون عنه.
قوله عزّ وجلّ: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلاَ} أي: هلاّ {نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ} والمحكمة المفروضة {وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ} وهي كل سورة فرض فيها القتال، أي أُمِرَ به {رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} يعني المنافقين {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} أي: خوفاً منه وكراهية للقتال. كقوله: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون: 4].
قال: {فَأَوْلَى لَهُمْ} وهذا وعيد من الله لهم: ثم انقطع الكلام. ثم قال: {طَاعَةٌ} أي: طاعة لله ورسوله {وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} أي: خير لهم مما هم عليه من النفاق.
قال: {فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ} أي: بالجهاد في سبيل الله {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ} فكان عزمهم في الجهاد صدقاً {لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ} يعني به المنافقين. (4/165)
صفحة 1702
قال: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} يعيبهم {إِن تَوَلَّيْتُمْ} عن الجهاد في سبيل الله {أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} أي: تقتلوا قرابتكم.
قال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ} عن الهدى {وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} عنه.
قال: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} أي: إنَّ على قلوب أقفالَها، وهو الطبع الذي طبع الله على قلوبهم بكفرهم.
قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى} أي: من بعد ما أقروا بالإيمان وقامت عليهم الحجة بالنبي والقرآن، يعني المنافقين {الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ} [أي: زيّن لهم] {وَأَمْلَى لَهُمْ}. تفسير الحسن: وسوس إليهم أنكم تعيشون في الدنيا بغير عذاب، ثم تموتون وتصيرون إلى غير عذاب.
قال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ} أي: قال المنافقون للمشركين {سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ} أي: سنَعتلّ بعِلل يقبلها منا [المؤمنون] فنتخلف عن قتالكم فلا نقاتلكم، فاتّفقوا على ذلك في السّرّ؛ كقوله: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} أي: إلى قادتهم ورؤسائهم {قَالُواْ إِنَّا مَعَكمْ} أي: في المودّة والهوى {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ} [البقرة: 14] أي: مخادعون.
قال بعضهم: {سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ} أي في الشرك، وافقوهم على الشرك في السّرّ.
قال: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ}. (4/166)
صفحة 1703
قال: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [تفسير الحسن: {تَوَفَّتْهُمْ الْمَلاَئِكَةُ} حشرتهم إلى النار {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} في النار]. قال الله عز وجل: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} أي: في الآخرة.
قال الله عز وجل: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} وهم المنافقون ومرضهم مرض النفاق {أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} [يعني ما يكنون في صدورهم من الشرك] أي: أن لن يظهر الله عوراتهم للمؤمنين.
قال الله تعالى: {وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ} أي: بنعتهم، أي من غير أن يعرفهم بلحن القول.
قال تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} يعني بعللهم الكاذبة وما كانوا يعتذرون به من الباطل في الغزو، وفيما يكون منهم من القول فيجحدونه ويعتذرون ويحلفون بالله {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى} [التوبة: 107]. ثم أخبره الله بهم، فلم يخف على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية منافق، وأَسرَّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حذيفة. قال: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} من قبل أن تعملوها. (4/167)
صفحة 1704
قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ} وهذا علم الفِعال {وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} أي: نختبركم فنعلم من يصدق منكم فيما أعطى من الإيمان ومن يكذب ممن لا يوفى بما أقرّ به من العمل لله.
قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ} أي: عن الإسلام {وَشَاقُّوا الرَّسُولَ} أي: فارقوا الرسول وعادوه {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى} أي من بعد ما قامت عليهم الحجة {لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} أي: بكفرهم {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} أي: في الآخرة، يعني ما كان من عمل حسن عملوه في الدنيا.
قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}. ذكروا أنّ رجلاً كان على عهد النبي عليه السلام يصوم ويصلي، وكان في لسانه شيء، فقال له النبي عليه السلام: يا فلان إنك تبني وتهدم.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}.
قوله عز وجل: {فَلاَ تَهِنُوا} أي: لا تضعفوا في الجهاد {وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} أي: إلى الصلح. أي: لا تدعوا إلى الصلح {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} أي: الظاهرون المنصورون؛ يقوله للمؤمنين. وهذا الحرف يقرأ بوجه آخر: إلى السِّلْم، أي: إلى الإسلام. قال: {وَاللَّهُ مَعَكُمْ} أي: ناصركم {وَلَن يَتِرَكُمْ} أي: ولن يظلمكم {أَعْمَالَكُمْ}.
قوله عز وجل: {إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} أي: إن أهل الدنيا، يعني المشركين الذين لا يريدون غيرها أهل لعب ولهو، سبتهم الدنيا، وليسوا بأهل الآخرة. (4/168)
صفحة 1705
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» {وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} أي: ثوابكم {وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} أي: إن محمداً لا يسألكم أموالكم. {إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ} بالمسألة {تَبْخَلُوا} أي: لو سألكم أموالكم لبخلتم بها. {وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} أي: عداوتكم. وهي تقرأ على وجه آخر: {وَتَخْرُجُ أَضْغَانُكُمْ}.
قوله عز وجل: {هَاأَنتُمْ هَؤُلاَء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ} أي: بالنفقة في سبيل الله، يعني المنافق. قال الله تعالى: {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ} أي: عنكم {وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء} إلى الله، يعني جماعة الناس.
{وَإِن تَتَوَلَّوْا} عن الإيمان، يعني جماعة الناس في تفسير الحسن {يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} أي: خيراً منكم، أي: أطوع منكم، ويهلككم بالاستئصال. كقوله: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ} [الواقعة: 60 - 61] أي: خيراً منكم ويهلككم بالعذاب. قال الله تعالى: {ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} يقوله للمشركين، أي: يكونوا خيراً منكم وأطوع له منكم. (4/169)
صفحة 1706
تفسير سورة الفتح، وهي مدنية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} قال بعضهم: هو فتح مكة. وقال الكلبي: هو فتح يوم الحديبية. ظهر فيه نبي الله على المشركين بعد حبس الهدي أن يبلغ مَحلّه، وظهر عليهم المسلمون حتى دخلوا دورهم وسأل المشركون الصلح. وتفسير هذا الظهور بعد هذا الموضع. وتفسير مجاهد: إنه نحره بالحديبية وحلقه رأسه.
ذكروا عن أنس بن مالك أن هذه الآية {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} نزلت على النبي عليه السلام مرجعَه من الحديبية، وأصحابه مخالطو الحزن والكآبة، قد حيل بينهم وبين مناسكهم، ونحروا الهدي بالحديبية، فقال: لقد نزلت عليّ آية لهي أحَبّ إلي من الدنيا جميعاً. فتلاها عليهم رسول الله فقال رجل من القوم: هنيئاً مريئاً لك يا رسول الله، لقد بيّن الله لنا ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا. فأنزل الله {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}. . . إلى آخر الآية. (4/170)
صفحة 1707
قال الله تعالى: {وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} أي: يذلّ بك أعداءك.
{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ} أي الطمأنينة والوقار، في تفسيرالحسن. وقال مجاهد: السكينة من أمر الله كهيئة الريح. قال تعالى: {فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} أي: يقيناً مع يقينهم، يعني تصديقاً مع تصديقهم، أي: يصدّقون بكل ما نزل من القرآن. {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ينتقم لبعضهم من بعض {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}.
قال: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} وقد فسّرناه في الآية الأولى. قال تعالى: {وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي: ذنوبهم {وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا} وهي النجاة العظيمة من النار إلى الجنة.
قال: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ} أي: أهل الإقرار بالله وبالنبي عليه السلام من أهل التضييع والخيانة وعدم الوفاء {وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} أهل المساواة والإنكار والجحود {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ}. وكن ظن المشركين أن لن يبعثوا ولن يحاسبوا ولا ثواب ولا عقاب، وكان ظن المنافقين أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً؛ يقولون: إن محمداً سيهلك، ويهلك أصحابه، ويهلك دينهم.
قال الله عز وجل: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} أي: عليهم يدور السوء والهلاك في الآخرة. {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} أي: وبئست المصير.
قوله عز وجل: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} أي: عزيزاً في نقمته حكيماً في أمره. (4/171)
صفحة 1708
قوله عز وجل: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا} على أمتك {وَمُبَشِّرًا} بالجنة {وَنَذِيرًا} من النار {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} يقوله للناس {وَتُعَزِّرُوهُ} أي: وتنصروه {وَتُوَقِّرُوهُ} أي: وتعظموه، يعني محمداً عليه السلام في تفسير الكبي. وتفسير الحسن: (وَتُعَظِّمُوهُ) يعني الله {وَتُسَبِّحُوهُ} أي: تسبحوا الله، أي: تصلوا لله {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} بكرة، صلاة الصبح، وأصيلاً صلاة الظهر والعصر. وهي تقرأ على وجه آخر: {لِيُؤمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ. . .} إلى آخر الآية، يقوله للنبي عليه السلام: ليؤمنوا وليفعلوا وليفعلوا.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} أي: من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما بايع الله؛ وهذا يوم الحديبية، وهي بيعة الرضوان، بايعوه على ألا يفروا.
ذكروا عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أَلاَّ نفر ولم نبايعه على الموت.
قال بعضهم: أخبر أناس يوم بيعة رسول الله تحت الشجرة أن رسول الله بعث عثمان بن عفان إلى قريش بمكة يدعوهم إلى الإسلام. فلما راث عليه. أي: أبطأ عليه، ظنّ رسول الله أن عثمان قد غُدِر به فقُتِل. فقال لأصحابه: «إني لا أظن عثمان إلا قد غدر به. فإن فعلوا فقد نقضوا العهد، فبايعوني على الصبر وأَلاَّ تَفروا».
قوله: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} أي: فمن نكث حتى يرجع كافراً أو منافقاً فإنما ينكث على نفسه {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ} أي: ومن استكمل فرائض الله وعمل بها ووفى بما عاهد عليه الله {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} أي: فسنؤتيه الجنة نثيبه بها. (4/172)
صفحة 1709
قوله تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ} يعني المنافقين [المتخلفين عن الجهاد في تفسير الحسن] {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} أي: خفنا عليها الضيعة، فذلك الذي منعنا أن نكون معك في الجهاد {فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} أي يعتذرون بالباطل.
وقال الكلبي: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية تخلف عنه عامة الأعراب، لم يتبعه أحد منهم، وخافوا أن يكون قتال. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية وعده الله خيبر؛ فأتوه ليعتذروا وليغزوا معه رجاء الغنيمة، يقولون: {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا}. . . إلى قوله: {بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا}.
قال الله عز وجل: {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا} أي أن يهلككم بنفاقكم فيدخلكم النار. {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا} أي: أن يرحمكم بالإيمان. أي: يمن عليكم. وقد أخبر نبيّه بعد في غير هذه الآية أنه لا يتوب عليهم في قوله: {وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ} أي: وتموت أنفسهم، أي يموتون. {وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 55]. وقال: {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [المنافقون: 6]. قال: {بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}.
قوله: {بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا} قد ذكرنا تفسير الكلبي أنه يوم الحديبية. وقال الحسن: كان ذلك في غزوة تبوك. كان المنافقون يقولون: لن يرجع محمد والمؤمنون إلى المدينة أبداً، ويهلكون قبل أن يرجعوا ويهلك دينهم.
قال: {وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ} وهو مثل قوله: {الظَّانِّينَ (4/173)
صفحة 1710
بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} [الفتح: 6] أي: ظنوا أن محمداً وأصحابه سيهلكون ويهلك دينهم.
قال: {وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا} أي: فاسدين.
قال: {وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: إنهم لم يؤمنوا بالله ورسوله فيوفوا بما عاهدوا عليه ويكملوا فرائض الإيمان بالقول والعمل. قال: {فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا} أي: فهم كفار، وقد اعتدنا للكافرين سعيراً. فسمّاهم كافرين إذ لم يكملوا فرضه ويوفوا بعهده في القول والعمل. وقال في آية أخرى: {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. . .} إلى آخر الآية. [الحشر: 11].
قوله عز وجل: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء} أي: إنه لا يشاء أن يغفر إلا لمن تاب من الشرك وبرىء من النفاق، ويعذّب من أقام على شركه ونفاقه حتى يموت عليه، وهو قوله: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ} فيبقوا على نفاقهم {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [الأحزاب: 24] فيرجعوا عن نفاقهم. وقد أخبر بعد أنهم لا يرجعون عن نفاقهم، وقد فسّرناه في الآية الأولى. قال: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}.
قوله عز وجل: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا} وهم المنافقون يقولونه للمؤمنين {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} وهذا حين أرادوا أن يخرجوا إلى خيبر؛ أحبوا الخروج ليصيبوا من الغنيمة، وكان الله وعدها النبي عليه السلام، فلم يترك النبي عليه السلام أحداً من المنافقين أن يخرج معه إلى خيبر، أمره الله بذلك، وإنما كانت لمن شهد بيعة الرضوان يوم الحديبية. (4/174)
صفحة 1711
قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا} أي: لن تخرجوا معنا {كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ} لا تخرجوا. وإنما قال الله ذلك في براءة حيث قال: {فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا} [التوبة: 83]. فذلك قوله عزّ وجل: {لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ}. {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا} أي: إنما تمنعوننا من الخروج معكم للحسد. قال الله عز وجل: {بَلْ كَانُوا لاَ يَفْقَهُونَ} عن الله {إِلاَّ قَلِيلاً} أي: إلا التوحيد الذي قِبَلهم.
وقال الكلبي: هم الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ انطلق إلى الحديبية من الأعراب وغيرهم.
قوله عز وجل: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} والبأس القتال؛ أي: يدعوهم المسلمون بعد النبي عليه السلام. {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} أي: تقاتلونهم على الإسلام. قال الحسن: هم فارس. وهو تفسير مجاهد. وقال بعضهم: هم أهل اليمامة. وقال بعضهم: هوازن.
قال تعالى: {فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا} أي: عن القتال {كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ} أي: عن محمد عليه السلام {يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} قال الكلبي: يوم الحديبية.
وعذر الله عن ذلك أهل الزمانة فقال: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ} أن يتخلفوا عن الغزو. {وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} فصارت (4/175)
صفحة 1712
رخصة لهم ألا يغزوا فوضع عنهم الجهاد.
ذكر الحسن عن عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل على النساء جهاد؟ قال: «نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة».
قال: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ} أي: عن الوفاء لله بما أقرّ به {يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا} أي: موجعاً.
قوله عز وجل: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} ذكروا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كانت سمرة بايعناه تحتها. وكنا أربع عشرة مائة، وعمر آخذ بيده، فبايعناه كلنا غير جد بن قيس اختبأ تحت إبط بعيره. [قال جابر: لم نبايع تحت شجرة إلا الشجرة التي بالحديبية].
قال تعالى: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} أي أنهم صادقون {فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ}. تفسير الحسن: السكينة والوقار. وتفسير الكلبي: السكينة الطمأنينة. وتفسير مجاهد: هي من أمر الله كهيئة الريح. وقال بعضهم: ريح خجوج.
قال تعالى: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} يعني فتح خيبر.
قال تعالى: {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا} في نقمته {حَكِيمًا} في أمره. (4/176)
صفحة 1713
قوله عزّ وجل: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} أيها المؤمنون {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} أي: خيبر {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ} وهم أسد وغطفان إذ كانوا حِلْفاً وأهلَ خيبر. وكان الله وعد نبيّه خيبر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوجّهوا راياتهم إذا أصبحوا إلى غطفان وأسد. فبلغهم ذلك. وألقى الله في قلوبهم الرعب فهربوا من تحت ليلتهم، وهو قوله عزّ وجل: {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ. . .} إلى آخر الآية. وهذا تفسير الكلبي.
وقال الحسن: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}: غنيمة خيبر، {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا}. أي: يأخذها المؤمنون إلى يوم القيامة في تفسير الحسن ومجاهد قال: {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} أي: غنيمة خيبر، {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ}. قال: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ}؛ وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذوا قافلة من المشركين من أهل مكة، فأتوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألكم علينا عهد؟ قالوا: لا. قال: أليس دماؤكم حلالاً؟ قالوا: بلى، فتركهم. وقال الحسن: {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ} يعني مشركي أهل مكة.
قال تعالى: {وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي: ما صنع النبي عليه السلام من تركه القوم الذين ترك. {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} أي: الإسلام، وهو الطريق المستقيم إلى الجنة.
قال: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا} بعدُ {قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} أي: علم أنكم ستظفرون بها وتفتحونها، يعني كل غنيمة يغنمها المسلمون إلى يوم القيامة. {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا}. (4/177)
صفحة 1714
قال الله: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [في تلك الحال] {لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا} يمنعهم من ذلك القتل الذي يقتلهم المؤمنون {وَلاَ نَصِيرًا} ينتصر لهم.
قال: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ} أي: بقتل من أظهر الشرك، إذ أمر النبي عليه السلام بالقتال. قال: {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}.
قال الله عزّ وجلّ: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ}. قال الكلبي: كان هذا يوم الحديبية، وكان المشركون من أهل مكة قاتلوا نبي الله، وكان شيء من رمي نبل وحجارة من الفريقين جميعاً، ثم هزم الله المشركين وهم ببطن مكة، فهزموا حتى دخلوا مكة، ثم كفّ الله بعضهم عن بعض. قال الله: {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}.
قوله عز وجل: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} عن نافع عن ابن عمر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدَّه المشركون عن المسجد الحرام وأنا معه فنحر [ونحر أصحابه] الهدي بالحديبية.
قوله عز وجل: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا} أي: محبوساً {أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} أي لئلا يبلغ محلّه. قال: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ} بمكة يدينون بالتقية {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ} فتقتلوهم {فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ} أي: إثم {بِغَيْرِ عِلْمٍ}. قال الله تعالى: {لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء} أي: في دينه الإِسلام فيُسلمون، وقد فعل الله ذلك. قال الله: {لَوْ تَزَيَّلُوا} أي زال المسلمون من المشركين والمشركون من المسلمين فصار المشركون محضاً {لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} أي: لسلطناكم عليهم فقتلتموهم.
قوله: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} هم المشركون صدوا نبي الله يوم الحديبية عن المسجد الحرام، وحبس الهدي أن يبلغ (4/178)
صفحة 1715
محله، وإنما حملهم على ذلك حمية الجاهلية والتمسك بها. {فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ} تفسير الكلبي: السكينة الطمأنينة، وتفسير الحسن: الوقار {وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} وهي كلمة الإخلاص لا إله إلا الله. {وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} أي وكانوا أهلها في الدنيا، وعليها الثواب مع الوفاء بالأعمال في الآخرة {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}.
قوله: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ}. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام، في تفسير الكلبي: في مخرجه إلى الحديبية، كأنه بمكة وأصحابه قد حلقوا وقصروا. فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك المؤمنين فاستبشروا وقالوا وحي. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية ارتاب الناس فقالوا: رأى فلم يكن الذي رأى. فقال الله: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ}. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح المشركين على أن يرجع عامة ذلك ويرجع من قابل فيقيم بمكة ثلاثة أيام، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الهدي بالحديبية، وحلقوا وقصروا، ثم أدخله الله العام المقبل مكة وأصحابه آمنين فحلقوا وقصّروا.
وقال بعضهم: يوم فتح مكة. وقال الحسن: ليست برؤية المنام ولكنها رؤيا الوحي. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل بالوحي أخذته رعدة شديدة واحدة شبه النفاس، واحمرت وجنتاه، فشبه الله ذلك الذي كان يأخذه بالنوم.
ذكر هشام عن أبي يحيى بن أبي كثيرة عن أبيه إبراهيم عن أبي سعيد (4/179)
صفحة 1716
الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حلقوا رؤوسهم يوم الحديبية إلا عثمان وأبا قتادة، فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً وللمقصّرين واحدة.
ذكروا عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يغفر الله للمحلقين، يغفر الله للمحلقين. قالوا: والمقصرين، قال: وللمقصرين.»
قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} الإسلام {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} تفسير الحسن: حتى يحكم على أهل الأديان.
ذكروا عن المقداد بن الأسود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبقى أهل بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام، يعزّ عزيزاً ويذلّ ذليلاً، إما أن يعزّهم فيكونوا من أهلها، وإما أن يذلّهم فيدينوا لها».
وتفسير ابن عباس: حتى يظهر النبي عليه السلام على الدين كله، أي: على شرائع الدين كلها؛ فلم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتم الله ذلك.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد. وأنا أولى الناس بعيسى لأنه ليس بيني وبينه نبي. وإنه نازل لا محالة، فإِذَا رَأيتموه فاعرفوه، فإنه مربوع الخلق، بين ممصرتين، إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب ويقتل الخنزير، ويقاتل الناس على الإسلام فيهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام حتى تقع الأمانة في (4/180)
صفحة 1717
الأرض، وحتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضاً».
ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى بن مريم فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب حتى يكون الدين واحداً».
ذكروا عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى بن مريم من قبل المغرب مصدقاً بمحمد وعلى ملته».
قوله عز وجل: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [يعني متوادّين] {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} يعني يقيمون الصلوات الخمس {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} أي: بالصلاة والصوم والدين كله {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} قال بعضهم: يعرف الخشوع في وجوههم من أثر الصلاة. وقال بعضهم: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم}: في الآخرة يقومون غُرّاً محجّلين من أثر الوضوء.
ذكروا عن أبي هريرة قال: يا رسول الله، كيف تعرف أمتك؟ قال: «يقومون غُرّاً محجّلين من أثر الوضوء».
قال: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} أي: نعتهم في التوراة {وَمَثَلُهُمْ فِي (4/181)
صفحة 1718
الإِنجِيلِ} أي: ونعتهم في الإنجيل؛ النعت الأول في التوراة، والنعت الآخر في الإنجيل {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} أي: فراخه {فَآزَرَهُ} أي فشدَّهُ {فَاسْتَغْلَظَ} أي: فاشتد، {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} أي: على قصبه، وقال بعضهم: على أصوله {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ} أي: كثرته وكمامه ونباته. {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} أي يخرجون فيكونون قليلاً كالزرع حين يخرج ضعيفاً فيكثرون ويقوون فشبههم بالزرع؛ قال: يعجب الزراع بهم؛ يعجبون رسول الله كما يعجب ذلك الزرع الزراع ليغيظ بهم الكفار، أي ليغيظ بهم ربهم من كفر به؛ إنما يفعل ذلك بهم ليغيظ بهم الكفار. {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً} أي مغفرة الذنوب {وَأَجْرًا عَظِيمًا} [يعني الجنة]. (4/182)
صفحة 1719
تفسير سورة الحجرات، وهي مدنية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عزّ وجلَّ: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
ذكروا عن الحسن أن قوماً ذبحوا قبل أن يضحي النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فلم يُجِز لهم ذلك، فأمر النبي عليه السلام أن يعيدوا ذبحاً آخر. فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِه}.
ذكروا عن الحسن قال: من ذبح قبل الصلاة فليعد ذبحاً آخر.
ذكروا عن البراء بن عازب أن خاله ضحى لابن له قبل أن يصلي النبي عليه السلام، فقال النبي عليه السلام: «إنها لا تجزي لأحد بعدك».
ذكروا عن محمد بن سيرين أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا اليوم النُّسُوك فيه بعد الصلاة، يعني يوم النحر». (4/183)
صفحة 1720
وبعضهم يقول: {لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}، أي: في الأمر.
وتفسير مجاهد: {لاَ تُقَدِّمُو} أي: لا تفتاتوا على الله ورسوله شيئاً حتى يقضيه الله على لسانه.
قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ}.
تفسير الحسن أن أناساً من المنافقين كانوا يأتون النبي عليه السلام فيرفعون أصواتهم فوق صوته، يريدون بذلك أذاه والاستخفاف به. قال الحسن: نسبهم إلى ما أعطوه من الإيمان في الظاهر وما أقروا به من الفرائض فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}؛ وقد كان من المؤمنين من يرفع صوته فوق صوت النبي فلا ينهاه النبي عليه السلام عن ذلك، وإنما عنى بذلك المنافقين الذين يريدون أذاه والاستخفاف به.
قال تعالى: {وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} أي: لا تقولوا له: يا محمد، وقولوا يا رسول الله ويا نبي الله.
وقال مجاهد: لا تنادوه بذلك، ولكن قولوا له قولاً ليّناً سهلاً: يا رسول الله. ثم قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ} [يعظِّمونه بذلك فلا يرفعونها عنده]. {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ} أي: لذنوبهم {وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} أي: ثواب عظيم، أي: الجنة.
وبلغنا أن ثابت بن قيس كان في أذنيه ثقل، وكان يرفع صوته عند رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال له رجل من قومه: إني لأراك تعيب على أصحابك من القول، وتأتي أسوأ ما يأتون. فقال له ثابت: وما ذلك؟ قال: ترفع فوق صوت النبي عليه السلام وتجهر له بالقول. (4/184)
صفحة 1721
فقال ثابت: يا رسول الله، أفيّ نزلت. قال: نعم. وهذا تفسير الكلبي: فقال ثابت: أما والذي أنزل عليك الكتاب لا أكلمك أبداً إلا سرّاً أو شبهه؟ فنزل عند ذلك {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ. . .} الآية. فصار هذا أدباً من آداب الله أدّب به المؤمنين.
قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير الكلبي أن ناساً من العرب [من بني العنبر] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أصابوا من ذراريهم فأقبلوا ليفادوهم. فقدموا المدينة ظهراً، فإذا هم بذراريهم عند باب المسجد. فبكى إليهم ذراريهم، فنهضوا، فدخلوا المسجد وعجلوا أن يخرج إليهم النبي عليه السلام، فجعلوا يقولون: يا محمد، اخرج إلينا.
وتفسير عمرو عن الحسن قال: كان الذين ينادونه خلف الحجرات، يا محمد، يا محمد، منافقين.
ذكر الحسن قال: جاء شاعر فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ويحك، ويلك، مالك؟ فقال: قلت لي ويحك، ويلك، فوالله إن حمدي لَزَيْن، وإن شتمي لَشَيْن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، ذلك الله، سبحان الله، ذلك الله.» (4/185)
صفحة 1722
قال عز وجل: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ} أي: تدفع إليهم ذراريهم بغير فداء {لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} وهي تقرأ على وجه آخر: فتثبتوا. والتبيين والتثبيت بمعنى واحد. {أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}.
تفسير الحسن أن الوليد بن عقبة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن بني المصطلِق ارتدوا عن الإسلام ومنعوا الصدقة. فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقال: انطلق وكن قريباً من القوم، ثم انظر هل لهم تهجد من الليل وأذان أو صلاة، تحسس من ذلك وانظر. فأتاهم خالد وأصحابه، ونزلوا قريباً من القوم ليلاً، فسمعوا تهجداً وصلاة من الليل، ثم سمعوا أذاناً لصلاة الصبح. فأتاهم فأخبرهم أن فاسقاً سعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الوليد بن عقبة، فأخبره أنكم ارتددتم عن الإسلام، ومنعتم الصدقة. فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرني أن أكون قريباً وأتحسس وأنظر هل نسمع تهجداً أو صلاة أو أذاناً. فرحمكم الله وأصلحكم. فدعا لهم وودَّعهم. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك؛ فأنزل الله هذه الآية. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبيّنوا ويتثبّتوا ألا يصيبوا أحداً بجهالة.
وقال الكلبي: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق، وهي حي من خزاعة، ليأخذ منهم صدقاتهم، ففرحوا بذلك وركبوا يتلقونه. فبلغه أنهم قد ركبوا يتلقّونه. وكان بينهم ضغن في الجاهلية. فخاف الوليد أن يكونوا إنا ركبوا ليقتلوه. فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلقهم. فقال: يا رسول الله، إن بني المصطلِق منعوا زكاتهم وكفروا بعد إسلامهم. فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يهمّ أن يغزوهم إذ أتاه وفد من بني المصطلِق فقالوا: يا رسول الله، بلغنا أنك أرسلت إلينا من يأخذ صدقاتنا (4/186)
صفحة 1723
ففرحنا بذلك. وركبنا نتلقاه. فبلغناه أنه رجع، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله. فأنزل الله عذرهم في هذه الآية. فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}، يعني الوليد بن عقبة وفسقه هذا فسق نفاق لا فسق شرك.
قوله عز وجل: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ} تفسير الحسن: إنه معكم مقيم، فلا تضلون ما قبلتم عنه. {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} أي: في دينكم. والعنت الحرج والضيق. {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} أي: بما وعدكم عليه من الثواب وكريم المآب. {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} أي: المعاصي، أي بما أوعد عليها من العذاب. قال تعالى: {أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} أي: الذين حبّب إليهم الإيمان فأحبّوه لِتَحْبِيب الله ذلك إليهم. . . إلى آخر الآية.
قال عز من قائل: {فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً} أي: بفضل من الله ونعمته فعل ذلك بهم. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} أي: بخلقه {حَكِيمٌ} أي: في أمره.
قوله: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}.
تفسير الحسن قال: كان بين رجل من المسلمين ورجل من المنافقين خصومة فدعاه المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى بني فلان، فتعزز المنافق ببني فلان وبقومه من المشركين، وتعزز المسلم بالمسلمين، فتدافعا بينهما حتى صارا إلى (4/187)
صفحة 1724
العصا فأنزل الله: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا. . .} إلى آخر الآية. وقال الحسن: سمى المنافق [مؤمناً] بالإسلام الذي أقرّ به وادعاه، أي من الإيمان.
قال: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} أي: ردوهما إلى الحكومة، أي بما في كتابهم الذي ادعوه وأقروا به. {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى} أي: فلم تقبل الحكومة من الكتاب والسنة التي أقروا بهما وادعوهما {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}، أي إلى حكم الله الذي حكم بينهم والذي يلزمهم إِقْرارهم به وادعاؤهم إياه. {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} الذي بتركه كفروا وضلوا.
قال: {فَإِن فَاءتْ} أي: فإن رجعت إلى الذي تركت من حكم الله الذي أقرّت به وادّعته {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} أي: بالحق {وَأَقْسِطُوا} أي: واعدلوا في حكمكم، أي فيمن تحكمون عليه {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ} أي يثيب {الْمُقْسِطِينَ} أي العادلين.
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ} أي: يخوفهم نقمته أي: في العدل في حكمه وفيمن يحكمون عليه {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي: لكي ترحموا إذا اتقيتم الله وعدلتم في الحكومة بين خلقه. فرد المنافق في الحكومة إلى حكم كتابه الذي أقر به، وسمّاه أخاه المسلم لما أقر به من الإسلام والإيمان الذي آخى الله بين أهله به، وليس بأخيه في الولاية عند الله ولا في المحبة.
وتفسير مجاهد: إن الطائفتين الأوس والخزرج اقتتلوا بالعصي. (4/188)
صفحة 1725
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب مثل المؤمنين كالجسد إذا شكا بعضه تداعى سائره.
ذكروا عن مجاهد عن كعب القرظي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما المؤمن من أخيه مثل اليدين لا غنى بإحداهما عن الأخرى».
وقال الكلبي: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل على حمار حتى وقف على مجلس من مجالس الأنصار، فكره بعض القوم موقفه، وهو عبد الله بن أبي بن أبي سلول، فقال له: خلّ لنا سبيل الريح من نتن هذا الحمار، وأمسك بأنفه. ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وغضب له بعض القوم، وهو عبد الله بن رواحة. فقال: أَلِرسول الله قلت هذا القول، فوالله لحماره أطيب منك ريحاً. فاستَبَّا، ثم اقتتلا، واقتتلت عشائرهما. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يصلح بينهما؛ فكأنهم كرهوا ذلك، فأنزل الله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤمِنِينَ اقْتَتَلُوا. . .} إلى آخر الآية.
قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ} أي: لا يستهزىء قوم بقوم، أي: رجال برجال {عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} أي: إخوانكم، أي لا يلمز بعضكم بعضاً، أي: لا يستقبل الرجل أخاه بوجه، فيعمد له بوجه. وقال مجاهد: أي: لا يطاعنوا، أي: لا يطعن بعضكم بعضاً.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شر الناس ذو الوجهين، الذي يلقى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه. (4/189)
صفحة 1726
قال: {وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ}. ذكر الحسن قال: لا يقول الرجل لرجل قد كان يهودياً أو نصرانياً فأسلم: يا يهودي، ولا يا نصراني، يدعوه باسمه الأول، فنهى الله المؤمنين عن ذلك.
قال تعالى: {بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ} أي بيس الإسم اليهودية والنصرانية بعد الإيمان.
وقال مجاهد: لا يُدْعى الرجل بالكفر وهو مسلم. قال الحسن في تفسيرها: لا تقل لأخيك: يا فاسق.
ذكروا أن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن المؤمن كقتله، والشهادة عليه بالكفر كقتله».
ذكروا عن العلاء بن زياد قال: ما يضرك أشهدت على مؤمن بالكفر أم قتلته.
ذكروا عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلمين إلا وبينهما من الله ستر. فإن قال أحدهما كلمة هُجْر فقد خرق ستر الله، فإن قال أحدهما لصاحبه: يا كافر، فقد وقع الكفر على أحدهما».
ذكروا عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما».
ذكروا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الرجل يقول للرجل: يا فاسق، يا فاجر، يا خبيث، قال فواحش تجر عقوبة، ولا تعودوا لمثلهن فتُعَوَّدوهن. (4/190)
صفحة 1727
قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} أي: ظلم نفاق، وليس ظلم شرك؛ وهو ظلم دون ظلم، وظلم فوق ظلم.
وقال الكلبي: {لاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} أي: لا يطعن بعضكم بعضاً.
قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ} تفسير الحسن: إذا ظننت بأخيك المسلم ظناً حسناً فأنت مأجور، وإذا ظننت به ظنّ سوء فأنت آثم.
ذكروا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والظن فإنه أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً. قوله: {وَلاَ تَجَسَّسُوا} أي: لا يتبع الرجل عورة أخيه المسلم.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فنادى بصوت أسمع العواتق في الخدور: يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه، لا تؤذوا المؤمنين، ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عورة أخي المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته.
ذكروا أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب: إن فلاناً يشرب الخمر. قال: إذا رأيته قد قعد عليها فآذني. فأتاه يوماً فأخبره. فانطلق عمر إلى الرجل؛ قال فوافق الرجل قد جمع القلل. فلما رأى عمرَ واراها. فقال له عمر: يا فلان، أنت بهذا؟ فقال له الرجل: وأنت بهذا؟ أمرك الله أن تجسسني؟ فخرج عمر وتركه. (4/191)
صفحة 1728
ذكروا عن محمد بن سيرين أن سلمان جاء ومعه حذيفة وأبو قرة رجل من أصحاب النبي عليه السلام إلى منزله ليدخلهم. فاستفتح الباب. فجاءت جارية فنظرت ثم ذهبت، ثم رجعت ففتحت الباب فقالت: ادخلوا، فقالا: أعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أو هو خير من التجسس.
ذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه أن رجلاً شرب الشراب فكتب إليه: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان: {حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [غافر: 1 - 3]. فلما جاءه الكتاب جعل يقرأ ويتفكر فيه حتى بكى. فبلغ ذلك عمر فقال: هكذا فاصنعوا؛ إذا رأيتم بأخ لكم عثرة فسَدِّدوه.
قوله: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حديث الإسراء أتى على قوم يقطع من لحومهم فيجوزونها بدمائهم فيمضغونها، ولهم خوار. قال: فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الهمّازون اللّمازون؛ ثم تلا هذه الآية: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} أي: بعد ما يموت. فقالوا: لا والله يا رسول الله ما نستطيع أكله ولا نحبه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاكرهوا الغيبة قال مجاهد: قالوا نكره ذلك. قال: فاتقوا الله [في الغيبة].
ذكروا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إذا ذكرت أخاك بما فيه فقد (4/192)
صفحة 1729
اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته».
ذكروا أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال: «أن تذكره بما فيه. فقال الرجل: إنما أحسب الغيبة أن يذكر بما ليس فيه قال: ذلك البهتان».
ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغيبة أن تذكر أخاك بسوء شيء تعلمه فيه».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خياركم الذين إذا رُؤُوا ذُكِر الله، وشراركم المتشاءون بالنميمة».
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما العضه. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: حمل الحديث من بعض إلى بعض ليستفسدوا بينهم».
ذكروا عن الحسن أن رجلاً قال: يا أبا سعيد، الرجل لا يعرف المال، ثم يرى بعدُ في يده المال، فيقول رجل: من أين لفلان هذا المال؟ قال: إن علم أنه يكره ذلك فلا يقوله.
وقال بعضهم: كانوا لا يرون الغيبة إلا أن يسمى صاحبها.
قال عز وجل: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} والتوبة من قبل الله. قال تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118]. (4/193)
صفحة 1730
قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}. تفسير الحسن: الشعوب بنو الأب، والقبائل فوق ذلك. وربما اتفق الاسمان واختلفت القبيلتان فعرف الرجل.
وتفسير مجاهد: الشعوب: النسب البعيد، والقبائل دون ذلك.
(لِتَعَارَفُوا) أي: إن فلاناً ابن فلان من كذا وكذا. وتفسير الكلبي: القبائل المرتفعة الناس: تميم، وبكر، وأسد، وقيس؛ والقبائل دون ذلك، نحو نهشل وبني عبد الله بن حازم، ونحو ذلك. (لِتَعَارَفُوا): أي: بالشعوب والقبائل.
وبعضهم يقول: الشعوب: الأجناس، والقبائل قبائل العرب.
قال تعالى: (لِتَعَارَفُوا). ثم انقطع الكلام، ثم قال: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكرم التقوى والحسب المال».
ذكرو الحسن أن أبا ذر كان بينه وبين رجل كلام، قال: وكانت له أمٌّ إذا ذكرت لم يشاتم، فذكرها أبو ذر، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أبا ذر، أعبت فلاناً بأمه، انظر إلى من حولك من أبيض وأحمر وأسود، فما لك على أحد منهم فضل إلا أن تفضله بتقوى الله».
قوله عز وجل: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا} يعني المنافقين من الأعراب. قال مجاهد: أعراب بني أسد بن خزيمة. قال الله عز وجل: {قُل} يا محمد {لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} أي: أقررنا.
قال تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} أي: الإيمان بما أقررتم به (4/194)
صفحة 1731
من الأعمال التي لا يكون الإيمان إلا بها. أي: إن الإيمان قول وعمل. فلا يكونون مؤمنين حتى يستكملوها. قال: {وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي في كل ما تعبدكم به، أي من قول وعمل فتستكملوا فرائضه في القول والعمل {لاَ يَلِتْكُم} أي لا ينقصكم {مِّنْ أَعْمَالِكُمْ} التي هي إيمان وإسلام {شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي الذين صدقوا الله وصدقوا رسوله في كل ما تعبدهم به من قول وعمل {ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} أي: لم يشكّوا {وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ} أي: الذين هذه صفتهم {هُمُ الصَّادِقُونَ} أي: المستكملو فرائض الله، الموفون بها، فهم المؤمنون؛ أي: ليسوا كالمنافقين الذين أقروا بالله بألسنتهم وخالفوا النبي والمؤمنين في أعمالهم.
قوله عز وجل: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ} أي إن دينكم الذين عليه عقدكم ترك الوفاء والتضييع والخيانة. قال تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
قوله عز وجل: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ} أي بأن هداكم للإيمان {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: إن كنتم مؤمنين. أي: إنكم لستم بصادقين ولستم بمؤمنين حتى تستكملوا القول (4/195)
صفحة 1732
والعمل جميعاً. كقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا} أي: أقروا ولم يعملوا {اتَّقُوا اللهَ} أي: اخشوا الله {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} أي: أهل الوفاء والاستكمال لفرائض الله الذين صدقوا بالقول والعمل، وهم المؤمنون أهل الصدق والوفاء.
وقال الكلبي: هم المنافقون، وكانوا يكثرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم ويقولون: أتيناك يا رسول الله بالذراري والأموال مسلمين، وإنما يأتيك من يأتيك على رحالهم، فلنا عليك حق بإسلامنا وإقبالنا عليك بالذراري، وأكثروا في ذلك وقال تعالى: {قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. كانوا يحلفون بالله إنهم لمؤمنون وليسوا بمؤمنين. قال الكلبي: وهي متصلة بالقصة الأولى؛ قالت الأعراب آمناً. . . إلى قوله: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُم}.
قوله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} كقوله: {يخرج الخبء في السّموات والأرض} [الشعراء: 25] أي: يعلم السر في السماوات والأرض. {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. (4/196)
صفحة 1733
تفسير سورة ق، وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {ق}. ذكروا عن عكرمة أنه قال: هو اسم من أسماء الله. وكان الحسن يقول: ما أدري ما تفسير ق. وطسم، وحم، وكهيعص وأشباه ذلك؛ غير أن قوماً من السلف كانوا يقولون: أسماء السور ومفاتيحها.
وذكر بعضهم في طسم وحم قال: أسماء من أسماء الكتاب. وبعضهم يقول في ق: جبل محيط بالدنيا. وبعضهم يجر قافِ.
{وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} يحمله على القسم. ومعنى المجيد الكريم على الله. ومن جزم جعل القسم من وراء القرآن المجيد.
وتفسير الحسن أن القسم وقع على تعجب المشركين مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. قال: {بَلْ عَجِبُوا} أي لقد عجب المشركون {أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ} أي: محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي منهم في النسب، وليس منهم في الدين، ينذر من عذاب الله. {فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} أي: عجب.
{أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا} على الاستفهام {ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} ينكرون البعث، أي إنه ليس بكائن. (4/197)
صفحة 1734
قال عز وجل: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ} أي: ما تأكل الأرض منهم إذا ماتوا، أي: تأكل كل شيء غير عجم الذئب.
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في الإنسان عظم لا تأكله الأرض، هو عجم الذنب وفيه يركب ابن آدم» وقال بعضهم: سمعنا أنه فيه يركب ابن آدم.
وقال مجاهد: {مَا تَنقُصُ الأَرْضُ} من عظامهم. وقال بعضهم: ما تنقص الأرض: اللِّحى؛ وهم أهل الجنة، يخرجون مرداً.
قال: {وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} أي: بما تأكل الأرض منهم. وبعضهم يقول: إنه اللوح المحفوظ.
قال الله عز وجل: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ} أي: ملتبس، فهم في شك من البعث.
قال: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام، حتى عدّ سبع سماوات هكذا. قال: وبين السابعة والعرش كما بين سماءين».
قال: {وَزَيَّنَّاهَا} أي: بالكواكب {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} أي: من شقوق.
{وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} أي: بسطناها، كقوله عز وجل: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30] وهذا كله واحد. (4/198)
صفحة 1735
ذكروا عن عطاء قال: بلغني أن الأرض دحيت من تحت الكعبة. وقال مجاهد: كان البيت قبل الأرض بألف عام ومدّت الأرض من تحته. وقال بعضهم: مكة أم القرى ومنها دحيت الأرض.
قال تعالى: {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} والرواسي الجبال، أرسيت بها الأرض، أي: أثبتت بها. أي: جعلت أوتاداً للأرض. وهو كقوله: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً} [النبأ: 6 - 7].
ذكروا عن الحسن قال: لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فلما رأت ذلك الملائكة قالت: يا ربنا، هذه الأرض لا يقرّ لك على ظهرها خلق. فأصبح وقد وتدها بالجبال. فلما رأت ملائكة الله ما أرسيت به الأرض أعظموا ذلك فقالوا: يا رب، هل خلقت خلقاً أشد من الجبال؟ قال نعم، الحديد. قالوا: ربنا هل خلقت خلقاً هو أشد من الحديد؟ قال نعم: النار. قالوا: ربنا، هل خلقت خلقاً هو أشد من النار؟ قال نعم، الريح. قالوا: ربنا هل خلقت خلقاً هو أشد من الريح؟ قال نعم: ابن آدم.
قال تعالى: {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ} أي: من كل لون {بَهِيجٍ}. وَكل ما ينبت في الأرض فالواحد منه زوج. {تَبْصِرَةً} أي: يتفكر فيه المؤمن، فيعلم أن الذي خلق هذا قادر على أن يحيي الموتى، وأن ما وعد الله من الآخرة حق. قال عزّ وجلّ: {وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} أي: مخلص مقبل إلى الله بالإخلاص؛ كقوله عزّ وجل: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} [الزمر: 54].
قوله عزّ وجل: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ}؛ وهو كل ما يحصد في تفسير الحسن.
قال عز وجل: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} أي طوالاً، وبسوقها طولها. {لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ} أي منضود بعضه على بعض. {رِزْقًا لِّلْعِبَادِ} أي: فأنبتنا رزقاً للعباد. {وَأَحْيَيْنَا بِهِ} أي بالمطر {بَلْدَةً مَّيْتًا} أي: يابسة ليس فيها نبات، فأحييناها (4/199)
صفحة 1736
بالنبات {كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} أي: البعث؛ يرسل الله مطراً منيّاً كمني الرجال فتنبت به جسمانهم ولحمانهم كما تنبت الأرض الثرى.
قوله: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} أي: قبل قومك يا محمد {قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ} والرس بئر كان عليها قوم فنسبوا إليها. وقال بعضهم: المعدن. وقال بعضهم: واد.
قال: {وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ} أي إخوانه في النسب وليسوا بإخوانه في الدين. {وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ} والأيكة الغيضة. وقد فسّرنا أمرهم في سورة الشعراء.
قال تعالى: {وَقَوْمُ تُبَّعٍ}. ذكروا أن ابن عباس سأل كعباً عن تبع فذكر قومه ولم يذكر [من] هو. قال: إنه كان معه اثنا عشر رجلاً من أولاد الأنبياء. فأراده قومه على أن يقتلهم فأبى. وجمع بينهم وبينهم فحاجوه. فتعاهدوا على أن يوقدوا ناراً، ثم يدعو كل قوم ما يعبدون، ثم يدخلونها. فمن هلك هلك، ومن نجا نجا. فدخلها أولاد الأنبياء، فمروا فيها حتى خرجوا من الجانب الآخر، فلم تضرهم شيئاً. فلما رأى ذلك قوم تبع أبوا أن يدخلوها. وكانوا قد اتفق اثنا عشر رجلاً من خيارهم أن يدخلوا مع أولاد الأنبياء في النار وتقاعسوا، فأخذهم تبع وضرب أعناقهم، وحلق رأسه وآمن، فقتله قومه. فلذلك ذكر الله قومه ولكن ولم يذكره.
قوله عز وجل: {كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} أي: إن الرسل جاءتهم يدعونهم إلى الإيمان، ويحذرونهم العذاب فكذبوهم فجاءهم العذاب. يحذر بهذا مشركي العرب. (4/200)
صفحة 1737
قوله: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ} أي: لم نعي به. قال مجاهد: أفأعيا علينا حين أنشأناكم [وأنشأنا خلقكم]. تفسير الحسن: إنه يعني خلق آدم وذريته بعده.
قال: {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ} أي: في شك {مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} يعني البعث.
قوله عز وجل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ} يعني بالإنسان ها هنا جميع الناس {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} أي: ما تحدّث به نفسه {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} وهو نياط القلب، وهو الوتين.
قوله: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ} أي: الملكان الكاتبان الحافظان عن اليمين وعن الشمال {قَعِيدٌ} أي رصيد، أي يرصده حافظ.
{مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ} أي: عنده {رَقِيبٌ} أي حفيظ {عَتِيدٌ} أي: حاضر يكتب كل ما يلفظ به. قال مجاهد: حتى أنينه.
وتفسير الكلبي: إنه تعرض الأعمال، فما لم يكن فيه خير ولا شر محي ولم يثبت؛ وذلك يوم اثنين وخميس، فيهما ترفع الأعمال.
وذكر بعضهم قال: أمر صاحب الشمال أن يكتب ما لا يكتب صاحب اليمين. وقال بعضهم: ما خطا عبد خطوة إلا كتبت له حسنة أو سيئة. قال: وبلغنا أن صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، فلا يكتب صاحب الشمال حتى يأمره صاحب اليمين.
ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الملائكة قالت: ربِ ذلك (4/201)
صفحة 1738
عبدك يريد أن يعمل سيئة وأنت أعلم وأبصر؛ فيقول: ارقبوا عبدي، فإن عملها فأثبتوا عليه بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، فإنما تركها من خشيتي».
وقال الحسن: الحفظة أربعة: يتعاقبان ملكان بالليل وملكان بالنهار، وتجتمع هذه الأملاك الأربعة عند صلاة الفجر، وهو قوله: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} [الإسراء: 78].
ذكروا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيجتمعون عند صلاة الفجر وعند صلاة العصر فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون».
قوله عز وجل: {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} أي: بالبعث، أي يموت ليبعث. وهي في حرف ابن مسعود: وجاءت سكرة الحق بالموت.
قال عز وجل: {ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} أي: تهرب. قال الحسن: هو الكافر، لم يكن شيء هو أبغض إليه من الموت.
قوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ}. قد فسّرناه في غير هذا الموضع. {ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ} أي: اليوم الموعود.
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اليوم الموعود يوم القيامة». (4/202)
صفحة 1739
قوله: {وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} سائق يسوقها إلى الجنة أو إلى النار، وشهيد يشهد عليها بعملها.
وقال بعضهم: هو ملكها الذي يكتب عملها في الدنيا هو شاهد عليها بعملها. وقال مجاهد: {سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} الملكان الكاتبان عمله.
قال: {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا} يعني الكافر {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ} أي: غطاء الكفر {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ} يعني يوم القيامة {حَدِيدٌ} أي: بصير. هو كقوله: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} [مريم: 38] أي: أبصروا حيث لم ينفعهم البصر.
قوله عز وجل: {وَقَالَ قَرِينُهُ} وقرينه الملك الذي كان معه يكتب عمله {هَذَا مَا لَدَيَّ} أي: ما عندي {عَتِيدٌ} أي: ما كتبت عليه حاضر.
قال الله: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} أي: معاند للحق مجتنبه. والحق الهدى. أمر الله به خزنة النار.
قال تعالى: {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} أي: للزكاة؛ وهذا المشرك. وقال في حم السجدة: {وَوَيْلٌ لَّلْمُشْرِكينَ الذِينَ لاَ يُؤتُونَ الزَّكَاةَ} أي: الواجبة {وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [فصّلت: 6 - 7].
قال: {مُعْتَدٍ} أي: من قبل العدوان. والعدوان ها هنا الشرك. {مُّرِيبٍ} أي: في شك من البعث. قال: {الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ}.
قوله: {قَالَ قَرِينُهُ} [أي شيطانه] {رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ} أي ما أضللته بسلطان (4/203)
صفحة 1740
كان لي عليه {وَلَكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} أي: من الهدى.
ذكروا عن أبي هريرة قال: إن المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر.
قال: {لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ} أي: عندي {وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ} أي: في الدنيا. {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} أي: عندي، من الوعد والوعيد في تفسير الحسن. وقال مجاهد: يقول: قد قضيت ما أنا قاض. {وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} أي: في مزيد.
وقال مجاهد قوله: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ} أي: وأدنيت الجنة {لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} قال: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ} يعني الجنة {لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} والأوّاب: التائب الراجع عن ذنبه. وقال مجاهد: الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها.
ذكروا عن عبيد بن عمير قال: كنا نحدّث أن الرجل إذا قال في مجلسه: سبحان الله العظيم، اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا إنه الأواب الحفيظ.
ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من قوم يكونون في مجلس يتفرقون منه على غير ذكر أو صلاة على نبيهم إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار، وكان عليهم حسرة يوم القيامة». (4/204)
صفحة 1741
ذكروا أن جبريل عليه السلام علم النبي عليه السلام إذا أراد أن يقوم من مجلس أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، أستغفرك اللهم وأتوب إليك.
قوله عز وجل: {وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} أي لقى الله بقلب مخلص؛ كقوله عز وجل: {إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89] أي: من الشرك.
قوله عزّ وجلّ: {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ} ذكروا عن علي بن أبي طالب في قوله عز وجل: {وَسِيقَ الذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً}. . . إلى قوله: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] قال: إذا توجّهوا إلى الجنة مرّوا بشجرة يخرج من تحتها عينان فيشربون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم فلا تتغيّر أبشارهم ولا تشعث أشعارهم بعدها، ثم يشربون من الأخرى فيخرج ما في بطونهم من أذى وقذى، ثم تستقبلهم الملائكة خزنةُ الجنة وتقول لهم: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}. وذكر بعضهم: أنه قوله عزّ وجلّ: {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ}.
قال: {ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} ذكروا عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى منادٍ يا أهل الجنة خلود ولا موت فيها، ويا أهل النار خلود لا موت فيها، وكلٌ خالد فيما هو فيه».
قوله عز وجل: {لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا} أي: إذا اشتهوا الشيء جاءهم من غير أن يَدْعُوا بِهِ، ويكون في في أحدهم الطعام فيخطر على باله الطعام الآخر، فيتحوّل ذلك الطعام في فيه، ويأخذ البسرة فيأكل من ناحية منها بسراً، ثم يحوّلها فيأكل منها إلى عشرة ألوان أو ما شاء الله من ذلك. (4/205)
صفحة 1742
قوله عزّ وجل: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} أي: وعندنا مزيد.
ذكروا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: إذ انصرف أهل الجنة إلى منازلهم انصرف أحدهم إلى سرادق من لؤلؤ [طوله] خمسون ألف فرسخ، فيه قبة من ياقوتة حمراء، ولها ألف باب، له فيها سبعمائة امرأة، فيتكىء على أحد شقيه، فينظر إليها كذا وكذا، ثم يتكىء على الشق الآخر، فينظر إليها مثل ذلك. ثم يدخل عليه من كل باب ألف ملك من ألف باب معهم الهدية من ربهم فيقولون له: السلام عليك من ربك؛ فيوضع ذلك فيقول: ما أحسن هذا. فيقول الملك للشجر حوله: إن ربكن يأمركن أن تقطعن له كل ما يشتهي على مثل هذا. قال: وذلك كل جمعة. قال وبلغنا أن أهل الجنة، ولا أحسبه إلا أرفعهم درجة، تأتيه الهدية من ربه عند مواقيت الصلاة.
وأخبرني عن السدي قال: لا يزال أهل الجنة معجبين مما هم فيه حتى يفتح الله المزيد، فإذا فتح الله المزيد لم يأتهم شيء من المزيد إلا وهو أفضل ما في جناتهم.
قوله عز وجل: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم} يعني قبل مشركي العرب {مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا} أي: كانوا أشد منهم بطشاً، يعني قوة، كقوله عز وجل: {كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً} [التوبة: 69] {فَنَقَّبُوا فِي الْبِلاَدِ}. وهي تقرأ على وجهين: بالتثقيل وبالتخفيف؛ فمن قرأها بالتثقيل فهو يقول: فجوَّلوا في البلاد، أي: حين جاءهم العذاب، ومن قرأها بالتخفيف فهو يقول: فجالوا في البلاد على مثل التفسير (4/206)
صفحة 1743
الأول. {هَلْ مِن مَّحِيصٍ} أي: هل من ملجأ يلجأون إليه من عذاب الله، أي: فلم يجدوا ملجأ حتى هلكوا.
قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} أي: عقل، وهو المؤمن {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}. تفسير مجاهد: أو ألقى السمع والقلب شهيد. وتفسير الحسن: أو ألقى السمع وهو شهيد، أو الوحيَ، يعني أهل الكتاب، كقوله عز وجل: {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ} [البقرة: 101] يقول: إن في ذلك للمؤمن وللكتابي أن يذكر.
قوله عز وجل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} واليوم منها ألف سنة. كقوله عز وجل: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47].
قال عز وجل: {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} أي: من إعياء. وذلك أن اليهود أعداء الله قالت: لما فرغ الله من خلق السماوات والأرض أعيا فاستلقى على ظهره، ثم وضع إحدى رجليه على الأخرى [استراح]. فأنزل الله: {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}.
ذكروا عن داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس أنه استلقى يوماً على ظهره، ثم رفع إحدى رجليه على الأخرى ثم قال: كذبت اليهود أعداء الله، ما مس الله من لغوب. (4/207)
صفحة 1744
ذكروا عن عبادة بن الأشيم أنه رأى رسول الله مسلتقياً وضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول: ما مسَّ الله من نصب.
قوله عز وجل: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} أي: على ما يقول لك قومك: إنك شاعر. وإنك ساحر. وإنك كاهن، وإنك كاذب، وإنك مجنون.
قال: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} قال بعضهم: هما صلاة الصبح وصلاة العصر. وتفسير الحسن: هي الصبح والظهر والعصر.
قوله عز وجل: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} يعني صلاة المغرب وصلاة العشاء. {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [عن علي قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إدبار السجود] فقال: «هما الركعتان بعد صلاة المغرب» وسئل عن إدبار النجوم فقال: «هما الركعتان قبل صلاة الصبح» وقال مجاهد: ركعتان بعد صلاة المغرب. ذكروا عن ابن عباس قال: التسبيح دبر كل صلاة.
قوله عز وجل: {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ}. والمنادي صاحب الصور، ينادي من الصخرة من بيت المقدس في تفسير بعضهم. قال: وهي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.
وبلغنا، والله أعلم، عن عبد الله بن عباس أنه قال: يقوم ملك بين السماء والأرض بالصور فينفخ فيه. (4/208)
صفحة 1745
قال عز من قائل: {يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ} أي النفخة الآخرة {بِالْحَقِّ} أي بالبعث؛ {ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} أي: من القبور.
قوله عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا} إلى المنادي صاحب الصور، إلى بيت المقدس. {ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} أي هيّن.
قوله عز وجل: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} أي: إنك ساحر، وإنك مجنون، وإنك شاعر، وإنك كاذب، وإنك كاهن، أي: فسنجزيهم بذلك النار. {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ}. أي: تجبرهم على الإيمان؛ أي: إنما يؤمن من أراد الله أن يؤمن.
وقال بعضهم: {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ} أي: ما أنت عليهم بمسلِّط فتقهرهم.
قال: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ}، [وهو المؤمن، يقبل التذكرة. أي: إنما يقبل نذارتك بالقرآن من يخاف وعيد]، أي: وعيدي بالنار. (4/209)
صفحة 1746
تفسير سورة الذاريات، وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا} أي: الرياح. قال الله عز وجل: {فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} [الكهف: 45]. وذروها جريها. قال عز وجل: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ} [سورة ص: 36].
قوله عز وجل: {فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا} أي السحاب [تحمل الوقر من الماء] قال: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً} [الأعراف: 57] أي: التي فيها الماء.
قوله عز وجل: {فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا} أي: السفن تجري بتيسير الله. كقوله: {حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يونس: 22] وكقوله: {حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} [الحاقة: 11].
قوله عز وجل: {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا}، أي الملائكة.
ذكر بعضهم قال: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً}: الرياح، {فَالْحَامِلاَتِ وِقْراً}: السحاب، {فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً}: السفن، {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً}: الملائكة. وهذا قسم، أقسم بهذا كله. (4/210)
صفحة 1747
{إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} يعني البعث {وَإِنَّ الدِّينَ} أي: الحساب {لَوَاقِعٌ} أي: لكائن.
قال تعالى: {وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ} والحبك استواءها وحسنها. ويقال منه حبك الماء إذا هاجت الريح، ومنه حبك الزرع إذا أصابته الريح، ومنه حبك الشعر الجعد. وهي موج مكفوف، أي السماء. وهذا قسم. يقول: والسماء ذات الحبك {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} أي لفي اختلاف من البعث. {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} أي يصدُّ عنه من صد [عن الإيمان به]، ويصرف عنه من صرف، وقال هذا وهذا.
قوله عز وجل: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} أي لعن الخراصون الذين يكذبون بيوم الدين، أي الذين يكذبون بالبعث، وذلك منهم تخرّص.
قال: {الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ} أي: في غفلة. وقال بعضهم: في حيرة {سَاهُونَ} أي: لاهون. {يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ} أي: متى يوم الدين، وذلك منهم استهزاء وتكذيب. أي: لا يكون.
قال الله: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} أي: يحرقون بها. {ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} أي: حريقكم {هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} أي: في الدنيا. أي: لما كانوا يستعجلون بالعذاب في الدنيا استهزاءً وتكذيباً.
ذكروا عن الحسن قال: {ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} أي عذابكم الذي كنتم به تستعجلون. وقال مجاهد: يفتنون أي: كما يفتن الذهب، أي يحرق الذهب. (4/211)
صفحة 1748
قال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} وهي الأنهار؛ كقوله: {إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} [القمر: 54] يعني جمع الأنهار.
{آخِذِينَ} أي: قابلين {مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} أي ما أعطاهم ربهم، أي: في الجنة {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} أي: في الدنيا.
{كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}. ذكروا عن الحسن أنه قال: كانوا لا ينامون منه إلا قليلاً.
ذكروا عن مطرف بن عبد الله أنه قال: قَلَّ ليلة تأتي عليهم إلا وهم يصلّون فيها لله عز وجل.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَصِيبوا من الليل ولو ركعتين ولو أربعاً».
ذكروا عن أنس بن مالك قال: كانوا يتنفلون ما بين المغرب والعشاء يصلون ما بينهما.
ذكر الحسن قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النوم قبل العشاء وعن الحديث بعدها. وبعضهم لا يرى بالحديث بعدها فيما كان من خير بأساً. (4/212)
صفحة 1749
قوله عز وجل: {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أي: يصلون.
ذكروا عن ابن عمر أنه كان يصلي من الليل، حتى إذا أسحر قال: يا نافع، أأسحرت؟ فإذا قال نعم، جلس يستغفر.
ذكروا عن الحسن عن أبي موسى الأشعري قال: إنا نستفتح على العدو بصلاة أقوام من السحر.
ذكروا عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: إن من أحب أحبائي المشاءين إلى المساجد، المستغفرين بالأسحار، المتحابين فيَّ، أولئك الذين إذا أردت بأهل الأرض سوءاً فذكرتهم صرفته عنهم بهم».
ذكر غير واحد في تفسير هذه الآية في قول يعقوب لبنيه: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} [يوسف: 98] أي: أَخَّرَهم إلى السحر.
قال تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}. أما السائل فالذي يسأل، وأما المحروم فإن تفسير الحسن فيه أنه المتعفف القاعد في بيته، الذي لا يسأل.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: المحروم المحارف الذي لا سهم له.
وقال بعضهم: هم أصل الصّفّة، صفّة مسجد النبي عليه السلام، كانوا لا يقدرون أن يغزوا مع النبي عليه السلام فحلّ لهم من الصدقة قبل أن يسمى أهلها في سورة براءة. (4/213)
صفحة 1750
وقال بعض العلماء: الجهاد إنما فرض بالمدينة، وهذه السورة كلها مكية. والله أعلم بهذا التفسير الذي قيل في أصحاب النبي عليه السلام.
وقال مجاهد: (المَحْرُومُ): المحارَف.
قوله عزّ وجلّ: {وَفِي الأَرْضِ} أي: فيما خلق الله فيها {آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ} قال: {وَفِي أَنفُسِكُمْ} أي: في بدء خلقكم من تراب، أي آدم، ثم خلق نسله من نطفة {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} يوقوله للمشركين. وقال مجاهد: {وَفِي أَنفُسِكُمْ} أي: مدخل الطعام والشراب ومخرجه.
قال: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ} أي المطر، فيه أرزاق الخلق {وَمَا تُوعَدُونَ} تفسير الحسن: أي: من الوعد والوعيد؛ الوعد للمؤمنين بالجنة، والوعيد للمشركين والمنافقين بالنار. قال بعضهم: أظنه يعني: جاء الوعد والوعيد من السماء. وبعضهم قال: الجنة وعدها المتقون، وهي في السماء؛ والنار في الأرض.
قوله: {فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأَرْضِ} أقسم بنفسه {إِنَّهُ لَحَقٌّ} أي: إن هذا القرآن لحق {مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} أي: كما أنكم تنطقون.
قوله: {هَلْ أَتَاكَ} أي قد أتاك {حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} أي: عند الله بالمنزلة والقربة، يعني الملائكة الذين نزلوا به، فبشروه بإسحاق، وجاءوا بعذاب قوم لوط.
قال تعالى: {إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ} أي في صورة آدميين {فَقَالُوا سَلاَمًا} أي: (4/214)
صفحة 1751
سلّموا عليه {قَالَ سَلاَمٌ} أي: ردّّ عليهم {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} أي: أنكرهم حين لم يأكلوا من طعامه.
قال تعالى: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ} أي: فمال إلى أهله {فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ}. وهذا قبل أن ينكرهم {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ} حنيذاً مشوياً، فلم يأكلوه. {قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ} قال: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ} أي: إسحاق.
قال تعالى: {فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} أي: رنة، أي: صيحة {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا} أي: جبهتها بكفها اليمنى تعجباً بما بشروها به {وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} أي: كيف تلد وهي عجوز عقيم، أي: عاقر. وقالوا لها في آية أخرى: {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ} [هود: 73].
{قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ} أي: إنك تلدين غلاماً اسمه إسحاق {إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ} في أمره {الْعَلِيمُ} بخلقه.
{قَالَ} إبراهيم {فَمَا خَطْبُكُمْ} أي: ما أمركم {أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} أي مشركين، يعنون قوم لوط {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ}. وقال في آية أخرى: {حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} [هود: 82]، وهي بالفارسية: أولها حجر وآخر طين: سيد وكل. وقال في هذه الآية: {حِجَارَةً مِّن طِينٍ}.
قال تعالى: {مُسَوَّمَةً} أي: مُعلَمة، أي: إنها من حجارة العذاب، وليست من حجارة الدنيا. كان في كل حجر منها مثل الطابع. قال تعالى: {عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ} أي للمشركين. (4/215)
صفحة 1752
قال: {فَأَخْرَجْنَا} أي: فأنجينا {مَن كَانَ فِيهَا} أي: في قرية لوط {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} أي أهل بيت لوط، أي في القرية، ومن كان معه من المؤمنين.
قال تعالى: {وَتَرَكْنَا فِيهَا} أي: في إهلاكنا إياها {آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ} أي فيحذرون أن ينزل بهم ما نزل بهم.
قال عز من قائل: {وَفِي مُوسَى} [أي: وتركنا في أمر موسى] {إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي بحجة بينة {فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ} أي: بقومه. وقال الكلبي: بجنوده {وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} يعني موسى.
قال تعالى: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} أي: في البحر، أي: أغرقناهم في البحر {وَهُوَ مُلِيمٌ} أي: وهو مذنب، يعني فرعون، وذنبه الشرك، وهو الذنب العظيم.
قال عز من قائل: {وَفِي عَادٍ} [أي وتركنا في عاد أيضاً آية] {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} أي: التي لا تلقح سحاباً ولا شجراً، وهي الدبور. {مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ} أي: مما مرت به، وهذا إضمار {إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} أي: كرميم الشجر.
{وَفِي ثَمُودَ} وهي مثل الأولى {إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ} أي: إلى حين أي: إلى آجالكم بغير عذاب إن آمنتم، وإن عصيتم عذبتم. كقول نوح عليه (4/216)
صفحة 1753
السلام: {أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُم إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [نوح: 3 - 4] فتموتوا من غير عذاب إن آمنتم.
قال تعالى: {فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} أي: تركوا أمر ربهم، أي: عصوه. {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ} أي العذاب، وهو الفزع. قال تعالى: {وَهُمْ يَنظُرُونَ} أي العذاب. {فَمَا اسْتَطَاعُوا مِن قِيَامٍ} أي يذهبون فيه إلى حوائجهم. {وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ} أي: ممتنعين.
{وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ} أي: من قبل عاد {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} يعني فسق الشرك.
قوله عز وجل: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ} أي: بقوة. وقال تعالى في آية أُخرى: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [سورة فصلت: 11]. قوله: {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} أي: في الرزق.
قال عز من قائل: {وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا} مثل قوله: {جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً} [البقرة: 22] ومهاداً، وبساطاً. قال عز من قائل: {فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ}.
قال عز وجل: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} تفسير الحسن: السماء والأرض، والجنة والنار، والليل والنهار، والصيف والشتاء، وكل اثنين فالواحد منه زوج. وتفسير الكلبي: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} أي: الذكر والأنثى. قال عز وجل: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي: لكي تذكروا فتعلموا أن الذي خلق هذه الأشياء واحد، جعلها لكم تذكرة لتعبدوه. (4/217)
صفحة 1754
قال عز وجل: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} أي: إلى دين الله، أمر الله النبي عليه السلام أن يقولها لهم. قال: {إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي: إنه يعذّبكم إن كفرتم.
{وَلاَ تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}.
قوله عز وجل: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} أي: من قبل قومك يا محمد، أي هكذا ما أتى الذين من قبلهم {مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} كما قالوا لك.
{أَتَوَاصَوْا بِهِ} على الاستفهام، أي: لم يتواصوا به، لأن الأمة الأولى لم تدرك الأمة الأخرى، أهلكهم الله بالعذاب، ثم أبقى الأخرى بعدهم قال عز وجل: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} أي: مشركون، وهو من الطغيان.
قوله عز وجل: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي: فأعرض عنهم. وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم {فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ} أي: في الحجة، فقد أقمتها عليهم. {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} أي: إنما يقبل التذكرة المؤمنون.
قوله عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير ابن عباس: إلا ليُقِروا لي بالعبودية. قال بعضهم: كقوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ} [الزخرف: 87].
وتفسير الحسن: على ابتلاء؛ كقوله عزّ وجلّ: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} أي: بصَّرناه سبيل الهدى وسبيل الضلالة {إِمَّا شَاكِراً} أي: مؤمناً {وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان: 2 - 3] أي: مشركاً أو منافقاً. وتفسير الكلبي: إنها خاصة لمن خلقه الله [مؤمناً].
قال عز وجل: {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ} أي أن يرزقوا أنفسهم، {وَمَا أُرِيدُ (4/218)
صفحة 1755
أَن يُطْعِمُونِ} أي أنفسهم. {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ} في أمره وفي خلقه وفيما يحكم {الْمَتِينُ} أي: الذي لا تضعف قوته.
قوله عز وجل: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا} أي أشركوا {ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} أي من مضى قبلهم من المشركين.
ذكروا عن سعيد بن جبير قال: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً} أي: سَجْلاً من عذاب. والسَّجل. الدَّلو. وقال بعضهم: عذاب متدارك كما تدارك الدلاء في البئر. وقال الكلبي: ذنوباً كذنوب الدلو يتبع الدلو.
ذكروا عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن غربا، يعني الدلو العظيم، من جهنم وضع في الأرض لآذى حره ما بين المشرق والمغرب».
قوله عز وجل: {فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ} أي بالعذاب، لما كانوا يستعجلونه بالعذاب استهزاء وتكذيباً.
وتفسير الحسن: إنه العذاب الذي لقيام الساعة، عذاب كفار آخر هذه الأمة بالنفخة الأولى.
قال عز وجل: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} أي: في الدنيا. (4/219)
صفحة 1756
تفسير سورة الطور، وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرًَّحِيمِ} قوله: {وَالطُّورِ} أي: الجبل {وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ} أي مكتوب. {فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ} تفسير الحسن: إنه القرآن في أيدي السفرة.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: سألت كعباً عن {رَقٍّ مَّنشُورٍ} فقال: ينزل من السماء السابعة فيُكتب فيه اسمُ المؤمن ثم يُرفع، وهو كتاب يكتب في الرَّق ثم يُصعد به، يشهده المقرّبون، أي يشهدون كتابه في الرق. قال بعضهم: أظنه عمل المؤمن. وقال مجاهد: هو رَقٌّ منشور، صحيفة.
ذكروا عن عون بن عبد الله قال: سبحان الله وبحمده كتب في الرَّق ثم ختم عليها ثم رفعت إلى يوم القيامة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل ميت يختم على عمله إلا الذي يموت مرابطاً في سبيل الله فإنه يجري عليه ما كان الرباط». (4/220)
صفحة 1757
قال: {وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ} ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً عن ليلة أسري به، فكان في حديثه فيما رأى في السماء السابعة. قال: ثم رفع لنا البيت المعمور فإذا هو بحيال الكعبة يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم.
ذكروا عن ابن عباس قال: البيت المعمور في السماء السابعة حيال الكعبة يحجه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون فيه حتى تقوم الساعة، يسمى الضُّراح.
ذكروا عن علي قال: البيت المعمور. الضراح فوق ست سماوات ودون السابعة.
ذكر بعضهم قال: قال الله يا آدم أهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف على عرشي، فحجه آدم ومن بعده من المؤمنين. فلما كان زمان الطوفان، زمان أغرق الله قوم نوح، رفعه الله وطهره من أن تصيبه عقوبة أهل الأرض فصار معموراً في السماء، فتتبع إبراهيم الأساس فبناه على أس قديم كان قبله.
قال عز وجل: {وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ} يعني السماء، بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة عام.
قال تعالى: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} أي الفائض. أي: يفيض يوم القيامة على الأرض فتسعه الأرضون، فتكون لجج البحار ورؤوس الجبال سواء. وقال الحسن: يسجر كا يسجر التنور. وقال مجاهد: المسجور: الموقد، وهو مثل قول الحسن: (4/221)
صفحة 1758
وبلغنا أن البحر موضع جهنم. ذكرو عن أبي صالح عن علي قال: البحر المسجور في السماء.
قال تعالى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} أقسم بهذا كله، من قوله: (وَالطُّورِ) إلى هذا الموضع: إن عذاب ربك لواقع، أي بالمشركين. {مَا لَهُ} أي: ما للعذاب {مِن دَافِعٍ} أي: يدفعه من الله.
{يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْرًا}. فيها تقديم؛ أي: إن عذاب ربك لواقع يوم تمور السماء موراً أي: تتحرك السماء تحرّكاً. {وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا}. وقال في آية أخرى: {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} [التكوير: 3].
قال: {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} وخوضهم التكذيب. {يَوْمَ يُدَعُّونَ} أي: يدفعون {إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} أي: دفعاً {هَذِهِ النَّارُ} أي يقال لهم: هذه النار {الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} أي: في الدنيا، أي: إنها لا تكون.
{أَفَسِحْرٌ هَذَا} يقال لهم هذا على الاستفهام {أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ} أي: في الدنيا، إذ كنتم تقولون: هذا سحر، أي إنه ليس بسحر.
{اصْلَوْهَا} يعين النار {فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ}، وهو كقوله: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} [إبراهيم: 21] قال: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: في الدنيا.
قوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ} أي: مسرورين {بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} أي بما أعطاهم ربهم. وقال بعضهم: معجبين بما هم فيه من نعيم الجنة. {وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ} أي: وصرف عنهم {عَذَابَ الْجَحِيمِ}.
{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يبولون ولا يتغوّطون إنما يكون (4/222)
صفحة 1759
جشاء ورشح مسك، ويُلهمون الحمد والتسبيح كما يُلهمون النَّفَس».
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الطعام والشراب والجماع» قيل: يا رسول الله، إن الذي يأكل ويشرب يكون له الحاجة. قال: «حاجة أحدهم أن يعرق فرشحه ريح مسك، وهو البول».
ذكروا أن رجلاً قال: يا رسول الله، كيف شهاء أهل الجنة؟ قال: «يأكلون ويشربون حتى إذا امتلأت بطونهم قيل لهم: هنيئاً لكم شهوتكم، فيرشحون عند ذلك مسكاً، لا يتغوطون ولا يتمخطون».
قوله: قوله: {مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ}.
ذكروا عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل من أهل الجنة ليتنعم في تكأة واحدة سبعين عاماً [مع امرأة] فتناديه أبهى منها وأجمل من غرفة أخرى: أما آن لنا منك دولة بعد؟ فيلتفت إليها فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من اللواتي قال الله: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [سورة ق: 35]، فيتحول إليها فيتنعم معها سبعين عاماً في تكأة واحدة، فتناديه أبهى منها وأجمل من غرفة أخرى فتقول: أما لنا منك دَوْلة بعدُ؟ فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من اللاتي قال الله: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]. فتيحول إليها فيتنعّم معها في تكأة واحدة سبعين عاماً. فهم كذلك يدورون». (4/223)
صفحة 1760
ذكروا عن الضحاك بن مزاحم عن علي قال: إذا دخل أهل الجنة يدخل الرجل منزله، ويأتي الأرائك. فإذا فيها سرير، وعلى السرير سبعون فراشاً، وعليهم سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من باطن الحلل، فيقضي جماعهن في مقدار ليلة من لياليكم هذه.
قوله: {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} والحور: البيض في تفسير العامة.
وتفسير مجاهد: الحور، أي: يحار فيهن البصر، وينظر الناظر وجهه في جيدها. وتفسير بعضهم: العين: العظام العيون.
ذكروا عن عبد الله بن عمر قال: شعر [شفر] عينيها أطول من جناح نسر.
وقال بعضهم: الحور العين بيض الألوان، صفر الحلي، خضر الثياب، يقلن في الجنة: نحن الناعمات فلا نبؤس، ونحن الخالدات فلا نموت، ونحن الراضيات فلا نسخط، ونحن المقيمات فلا نظعن، طوبى لمن كنا له وكان لنا.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على أهل الأرض [لملأت الأرض ريح] مسك،. . . والذي نفسي بيده إن عليها (4/224)
صفحة 1761
لنصيفاً خيراً من الدنيا وما فيها».
ذكروا عن عمرو بن ميمون الأزدي قال: إن المرأة من أهل الجنة ليكون عليها سبعون حُلة، وإنه ليرى مخ ساقها من وراء ذلك كما يبدو الشراب الأحمر في الزجاج الأبيض.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما حضر قتال قط إلا تزخرفت الجنة، ونزلت الحور العين. فإذا أقبل المقاتل قلن: اللهم انصره، وإذا أدبر قلن: اللم ثبِّته. فإذا قتل كان أول قطرة تقطر من دمه يغفر بها ذنوبه، وتهبط عليه زوجتاه من الحور العين فتجلسانه، وتمسحان دمه والغبار عنه وتقولان له: مرحباً بك. فيقول: وأنتما مرحباً بكما. وإذا صرف وجهه عنهما ثم التفت إليهما قال: لقد ازددتما في عيني سبعين ضعفاً حسناً وجمالاً مما كنتما عليه. وإذا صرفتا وجوههما عنه قالتا مثل ذلك. فجيدها مرآته، وجيده مرآتها، مكتوب بين ثدييها: أنت حبيبي وأنا حبيبتك، ليس علي معدل ولا مصرف. ثم قال: والذي بعثني بالحق إن إحداهن ليكون عليها سبعون حلة مثل شقائق النعمان، وإنه ليرى مخ ساقها من وراء ذلك، وتمسك بين أصبعين من أصابعها سبعين حلة من رقها وحسنها وجمالها، قلوبهم على مثل قلب أنقاهم، أو قال: على مثل قلب واحد، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، يسبحن الله بكرة وعشياً».
قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}.
[. . . . عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال]: إن الله يرفع إلى المؤمن ولده في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقر بذلك عينه، وكذلك الآباء يرفعون إلى الأبناء إذا كانت الآباء دون الأبناء في العمل.
ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم (4/225)
صفحة 1762
يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم».
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن أقدم سقطاً خير من أن أخلف مائة فارس كلهم يجاهدون في سبيل الله».
قال: {وَمَا أَلَتْنَاهُم} أي: وما نقصناهم {مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} يعني أهل النار. كل امرىء بما كسب، أي بما عمل، رهين، أي غلِق الرهن. مثل قوله: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ} [المدثر: 38 - 39] استثنى المؤمنين، وعامة الناس مشركون. قال عزّ وجل: {إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ}، وهم أهل الجنة، وهم المقتصدون.
قوله عز وجل: {وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ} ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إن أهل الجنة ليتناولون قطوفها وهم متكئون على فرشهم، فما تصل إلى فيّ أحدهم حتى يبدّل الله مكانها أخرى».
قوله عز وجل: {وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} وقال في آية أخرى: {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} [الواقعة: 21]. ذكر الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إن في الجنة لطيراً أمثال البخت» فقال أبو بكر: يا رسول الله؛ إن ذلك الطير لناعم، فقال: «والذي نفسي بيده إن الذي يأكل منها أنعم منها، وأرجوا أن تأكل منها يا أبا بكر». (4/226)
صفحة 1763
قال بعضهم: تصف الطير بين يدي الرجل، فإذا اشتهى أحدها اضطرب ثم صار بين يديه نضيجاً.
قال علي بن أبي طالب: إذا اشتهوا الطعام جاءتهم طير بيض فترفع أجنحتها فيأكلون من جنوبها أي الألوان شاءوا، وفيها من كل لون، يأكلون، ثم تطير فتذهب.
قال بعضهم: بلغنا أن الطير تصفّ بين يديه فرسخاً في فرسخ، والطير أمثال الإبل، فيقول الطائر: يا ولي الله، أما أنا فرعيت في وادي كذا وكذا، وأكلت من ثمار كذا وكذا، وشربت من عين كذا وكذا، وسِمَني كذا وكذا، وريحي كذا وكذا، فكُلْ مني، فإذا اشتهى حسن الطير واشتهى صفته فوقع ذلك في نفسه قبل أن يتكلم به، وقع على مائدته، نصفه قدير، ونصفه شِواء، فيأكل أربعين سنة، كلما شبع ألقي عليه ألف باب من الشهوة. قالها: ثلاث مرات. ثم يؤتى بالشراب على برد الكافور، وليس بهذا الكافور، وطعم الزنجبيل، وليس بهذا الزنجبيل، وريح المسك، وليس هذا المسك، فإذا شرب هضم ما أكل من الطعام. وتوضع المائدة بين يديه قدر عمره في الدنيا، ويعطى قوة مائة رجل في الجماع؛ يجامع مقدار أربعين سنة لكل يوم مائة عذراء.
ذكروا عن مالك بن مالك بن حميد قال: قال لي أبو هريرة: أَحْسِن إلى غنمك: أوسط رعاها، وأطب مراحها، وصل صانعها، فإنها من دواب الجنة.
قوله عز وجل: {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا} أي: يتعاطون فيها {كَأْسًا} والكأس: الخمر. {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا} أي في الجنة، لا معصية فيها، في قول الحسن. وقال مجاهد: أي: لا يسمعون فيها لغواً. {وَلاَّ تَأْثِيمٌ} أي: لا يؤثم بعضهم بعضاً. وتفسير الكلبي: {لاَّ لَغْوٌ فِيهَا} أي: لا حلف فيها، {وَلاَّ تَأْثِيمٌ} أي: لا إثم عليها في شربها. وقال بعضهم: {وَلاَّ تَأْتِيمٌ} أي: ولا تكذيب. (4/227)
صفحة 1764
قوله: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ} وقال في آية أخرى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وَلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} [الواقعة: 17] أي: لا يموتون ولا يشيبون. {كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} أي: في صفاء ألوانهم. والمكنون: الذي في أصدافه.
ذكروا عن جابر بن عبد الله عن النبي عليه السلام قال: «خدم أهل الجنة نور وجوههم نور الشمس، لو كانوا في الدنيا لاقتتل أهل الدنيا عليهم» قالوا يا رسول الله، هذا حسن الخادم، فكيف حسن المخدوم. فقال: «والذي نفسي بيده لحسن الخادم عند المخدوم كالكوكب المظلم إلى جنب القمر ليلة البدر».
فبلغنا والله أعلم أن أولياء الله يخيّرون قبل أن يخلدوا أمان الله ورضوانه، ثم تزلف لهم الجنة، ويؤمر بأبوابها فتفتح لهم، فيخرج منه المسك مقدار خمسمائة سنة، أو ما شاء الله من ذلك. وتخرج الحور العين قد عرفت كل واحدة منهن زوجها إذا أقبلت إليه. ويرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة من الصفاء والطيب. ثم يقال لهم: لكم أنتم وأزواجكم ما تحبون. ثم تقدمهم الملائكة إلى الجنة يرونهم مواضعهم. فإذا دنوا من أبوابها استقبلتهم الملائكة {يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} أي ادخلوا دار الخلد، ودار الجنة، ودار القرار، ودار الملك، ودار الأمان، ودار النعيم الدائم، ودار الفرح والسرور والبشرى، أبشروا بنعيم مقيم أبداً، لا ينفد، ولا يُسأم، ولا ينقطع، فعند ذلك يقولون: {الْحَمْدُ لِلهِ الذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ} [الزمر: 74]. فتنزل كل نفس درجاتها بعملها.
في درجتها أزواج وخدم، وفرش وأسرة، وأنهار تجري في غير أخدود من لبن وعسل مصفّى وماء وخمر، وفاكهة كثيرة، وألوان الرياحين، والأكاليل على رؤوسهم، ولباسهم من سندس وإستبرق وحرير. وريح المؤمن أطيب من ريح المسك الذكي. أسكنهم الله في داره، وهي الجنة، ليست كجنان الدنيا؛ أرضها رخام ليس كرخامكم (4/228)
صفحة 1765
هذا، ولكنه رخام من فضة بيضاء، وترابها الورس والزعفران، وكثبانها مسك أذفر، وأنهارها تجري في غير أخدود، وطينها مسك أذفر، ورضراضها الدر والياقوت، وقصورها من الذهب والفضة والدر والياقوت والزبرجد وألوان الجوهر. وعلى الجنان كلها حائط طوله خمسمائة سنة، لبنة من ذهب ولبنة من فضة ولبنة من ياقوت. وجذوع نخلها ذهب أحمر، وكَرَبها در وزبرجد أخضر، وسعفها حلل، ورطبها أشد بياضاً من الفضة وأحلى من العسل، وألين من الزبد، ليس في شيء منه نوى.
وطيرها أمثال البخت، فإذا أكل ولي الرحمن جاءت الطير صفاً بين يديه، فينعت كلُّ طير منها نفسَه وطيبَ لحمه، ورائحته وطعمَه. فإذا اشتهى ولي الرحمن شيئاً من غير أن يتكلم، وضع على مائدته نصفه قدير ونصفه شواء.
ويعطى أحدهم قوة مائة رجل شاب في الطعام والشراب والكسوة والشهوة والجماع.
نور الوجوه، بيض الألوان، صفر الحلي، خضر الثياب، جرداً، مرداً، مكحلين، مسوّرين، متوّجين بالذهب واللؤلؤ والجوهر. فإذا شاء أحدهم ركب فرساً من ياقوت حمراء فطارت به إلى أي جنة شاء. ولكل رجل منهم نجيبة من ياقوت أحمر، لها أجنحة بيض أشد بياضاً من الثلج، لها رحل مقدمه ومؤخره درٌّ وياقوت، وجانباه ذهب وفضة، وزمامها ياقوت أحمر، وهو ألين من الحرير. خطوتها مدّ بصره.
وله فيها أزواج مطهرة من القذى كلها: من الحيض والبول والغائط والبزاق، عاشقات لأزواجهن، عذارى أبكار، كلهن على سنّ واحدة، يجد فيها ريح إحداهن من مسيرة خمسمائة عام. ولهن حلل، كل حلّة خير من الدنيا وما فيها من أولها إلى يوم تفنى.
قوله عز وجل: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ} أي يسائل بعضهم بعضاً عن شفقتهم في الدنيا من عذاب الله. (4/229)
صفحة 1766
{قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ} أي في الدنيا {فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} أي: خائفين وجلين من عذاب الله {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ} أي: في الدنيا {نَدْعُوهُ} أن يقينا عذاب السموم. {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} أي: برّ بالمؤمنين، رحيم بهم. في تفسير الحسن. وقال بعضهم: البر الصادق.
قوله عز وجل: {فَذَكِّرْ} أي: بالقرآن {فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ}.
قوله عز وجل: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} أي: قد قالوا: نتربّص به الدهر حتى يموت، في تفسير الحسن. وقال مجاهد: يعني حوادث الدهر.
قال الله عزّ وجلّ لنبيه عليه السلام {قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ} أي: كانوا يتربصون بالنبي عليه السلام أن يموت، وكان النبي يتربّص بهم أن يأتيهم العذاب.
قال الله عز وجل: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُم بِهَذَا} أي: بالتكذيب، أي: ليست لهم أحلام {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} أي: بل هم قوم طاغون، أي: إن الطغيان يأمرهم بهذا؛ والطغيان الشرك.
{أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ} يعني محمداً، أي القرآن تقوله محمد، أي قد قالوه. قال الله عز وجل: {بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} أي: بحديث مثل القرآن. {إِن كَانُوا صَادِقِينَ} أي: لا يأتون بمثله، وليس ذلك عندهم.
قال عز وجل: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} أي: لم يُخلَقوا من غير شيء، إنا (4/230)
صفحة 1767
خلقناهم من نطفة، وأول ذلك من تراب. قال عز وجل: {أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} أي: ليسوا بالخالفين، وهم مخلوقون.
قال عز وجل: {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} أي: لم يخلقوها. {بَل لاَّ يُوقِنُونَ} بالبعث.
{أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ} يعني علم الغيب {أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} أي: الأرباب. وقال بعضهم: أم هم المصيطرون. أي: إن الله هو الرب، تبارك اسمه.
{أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ} أي: درج {يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} أي: إلى السماء {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي: بحجة بينة بما هم عليه من الشرك، أي: إنه ليس لهم بذلك حجة.
{أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} وذلك لقولهم إن الملائكة بنات الله، وجعلوا لأنفسهم الغلمان. كقوله: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} أي البنات {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى} أي الغلمان {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ} [النحل: 62].
قال عز وجل: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا} أي: على القرآن. {فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} فقد أثقلهم الغرم الذي تسألهم، أي: إنك لا تسألهم أجراً.
{أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ} يعني علم الآخرة {فَهُمْ يَكْتُبُونَ} أي: لأنفسهم ما يتخيرون من أمر الآخرة، أي الجنة، إن كانت جنة. ومعنى قولهم كقول الكافر: {وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عَندَهُ لَلْحُسْنَى} [فصلت: 50] أي: الجنة إن كانت. أي: ليس عندهم غيب الآخرة.
قوله عز وجل: {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا} أي: بالنبي، أي: قد أرادوه، وذلك ما كانوا يتآمرون فيه {فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ} كقوله: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ (4/231)
صفحة 1768
كَيْداً} [الطارق: 15 - 16] أي: إن الله يكيدهم، أي يجازيهم جزاء كيدهم وهو العذاب.
قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ} أي: ليس لهم إله غير الله {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ينزّه عما يشركون.
وقوله عز وجل: أم، أم، أم من أول الكلام: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} إلى هذا الموضع كلها استفهام، وكذبهم به كله.
قوله: {وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ} أي قطعة من السماء {سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} [بعضه على بعض. وذلك أنه قال في سورة سبأ {إِنْ نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسْفاً مِّنَ السَّمَآءِ} [سبأ: 9] فقالوا للنبي عليه السلام: {لَن نُّومِنَ لَكَ حَتَّى. . . أَوْ تُسْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} [الإسراء: 92]، فأنزل الله: {وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} أي: ولم يؤمنوا].
قال الله: {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} أي: يموتون بالفزع، وهي النفخة الأولى في تفسير الحسن، يعني كفار آخر هذه الأمة الذين يكون هلاكهم بقيام الساعة. وقد قال في سورة سأل سائل: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيلْعَبُوا حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي يُوعَدُونَ} [المعارج: 42] وهي النفخة الأخرة.
قال: {يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} أي لا يغني عنهم عبادة الأوثان ولا ما كادوا به النبي عليه السلام شيئاً. {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي: إذا جاءهم العذاب.
قال تعالى: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: أشركوا {عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ} أي: بالسيف يوم بدر، يعني من أهلك بدر بالسيف في تفسير الحسن. وقال مجاهد: الجوع الذي أصابهم. (4/232)
صفحة 1769
وبعضهم يقول: عذاباً دون عذاب الآخرة: عذاب القبر. وقد كان الدخان والجوع الذي أصابهم بمكة عذاباً قبل عذاب السيف يوم بدر. قال: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ} يعني الجوع بمكة {فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [المؤمنون: 77] وهو يوم بدر.
والعذاب خمس: عذاب الجوع الذي أصابهم بمكة، وعذاب السيف يوم بدر، وعذاب القبر لمن مات من المشركين قبل قيام الساعة، وعذاب الساعة الذي يهلك به كفار آخر هذه الأمة. والعذاب الأكبر جهنم. قال تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني بأكثرهم جماعتهم، يعني من لم يؤمن. . . .
قوله عز وجل: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أي: لما يحكم الله عليك، فأمره بقتالهم، واصبر على أذاهم إياك {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} أي: نرى ما تصنع وما يصنع بك، وسنجزيك ونجزيهم. {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} من منامك، يعني صلاة الصبح، في تفسير الحسن. وقال بعضهم: حين تقوم للصلاة {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} أي: صلاة المغرب وصلاة العشاء {وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} يعني الركعتين قبل صلاة الصبح. وذكر عن علي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} فقال: «هما الركعتان قبل صلاة الصبح». (4/233)
صفحة 1770
تفسير سورة النجم، وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} أي: والوحي إذا نزل، في تفسير ابن عباس.
ذكروا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل القرآن إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة: ثم جعل بعد ذلك ينزل نجوماً: ثلاث آيات، وأربع آيات، وخمس آيات وأقل من ذلك وأكثر؛ ثم تلا هذه الآية: {فَلآ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة: 75].
وقال بعضهم: الثريا إذا غابت. وتفسير الحسن: يعني الكواكب إذا انتثرت. والنجم جماعة النجوم، كقوله عز وجل: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَآئِهَا} [الحاقة: 17] يعني جماعة الملائكة. وكقوله: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ} [النور: 41] يعني جماعة الطير. وقوله: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} قسم أقسم به.
{مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} أي محمد. {إِنْ هُوَ} إن القرآن الذي ينطق به محمد {إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}.
{عَلَّمَهُ} أي علم محمداً {شَدِيدُ الْقُوَى} أي جبريل، شديد الخلق. {ذُو مِرَّةٍ} وهو من شدة الخلق أيضاً. وتفسير الحسن: استمر على أمر الله. (4/234)
صفحة 1771
قال تعالى: {فَاسْتَوَى} أي: استوى جبريل عند محمد. أي: رآه في صورته. {وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى} أي: جبريل بالأفق الأعلى، وهو المشرق، فسدّ ما بين الأُفقين، في تفسير الحسن. وكان محمد يرى جبريل في غير صورته، أي التي هي صورته، فرآه يومئذ في صورته.
ذكروا عن مسروق عن عائشة قالت: ثلاث من قالهن فقد أعظم على الله الفرية: من زعم أن محمد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، لأن الله يقول: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعام: 103]، ومن زعم أن محمداً قد نقص شيئاً من الوحي لم يخبر به فقد أعظم على الله الفرية، لأن الله يقول: {يَآأَيُّهَا الرَّسُولُ بلِّغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]، ومن زعم أنه يعلم ما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، لأن الله يقول: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي ن (4/235)
صفحة 1772
فْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34]. قال: فقلت: يا أم المؤمنين: ألا تخبرينني عن قوله: {وقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ} [التكوير: 23]. قالت: رأى جبريلَ في صورته قد سدّ ما بين السماء والأرض.
قال عز وجل: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} أي جبريل بالوحي إلى محمد {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} والقاب: القدر. وقال بعضهم قاب قوسين، أي: ذراعين (أَوْ أَدْنَى) أي: بل أدنى من ذراعين. {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ} أي: إلى عبدالله {مَآ أَوْحَى}.
ذكروا عن عروة بن الزبير عن عائشة أن النبي عليه السلام كان أول شأنه أنه يرى في المنام. فكان أول ما رأى جبريل بأجياد، إنه خرج لبعض حاجته، فصرخ به جبريل: يا محمد، يا محمد. فنظر يميناً وشمالاً فلم ير شيئاً. فرفع بصره، فإذا هو بجبريل يلقي إحدى رجليه على الأخرى على أفق السماء. قال: يا محمد، جبريل، جبريل، يسكنه. فهرب محمد عليه السلام حتى دخل في الناس، فلم ير شيئاً. ثم خرج فنظر فرآه. وذلك قول الله عز وجل: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عِنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى)، أي جبريل إلى محمد {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}. ويقال: إن القاب نصف الإصبع، وبعضهم يقول: ذراعين، كان بينهما. {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى}، أي جبريل إلى محمد عليهما السلام. وكانت عائشة رضي الله عنها تنكر أن محمداً رأى ربه. وكان عروة ينكر ذلك إنكاراً شديداً. قال: وكان المسلمون ينكرون ذلك إنككاراً شديداً. قال: وبيان ذلك في سورة إذا الشمس كورت في قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} أي جبريل {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثُمَّ} أي: في السماء {أَمِينٍ} أي: على ما أتى به من الوحي {وَمَا صَاحِبُكُمْ} يعني محمداً عليه (4/236)
صفحة 1773
السلام {بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ} أي رأى محمدٌ جبريلَ {بِالأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير: 15 - 23].
قوله عز وجل: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} وهي تقرأ على وجهين: بالتثقيل والتخفيف؛ فمن قرأها بالتثقيل فهو يقول: ما كذّب فؤاد محمد ما رأى من ملكوت السماوات وآياته. ومن قرأها بالتخفيف فهو يقول: ما كذب فؤاد محمد ما رأى، قد صدق الرؤية فأثبتها.
{أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} وهي تقرأ على وجه آخر: (أَفَتَمْرُونَهُ) فمن قرأها: (أَفَتُمَارُونَهُ) يقول للمشركين: أفتمارون محمداً عليه السلام، أي: أفتجادلونه على ما يرى؛ يجعل المراء منهم. ومن قرأها: (أَفَتَمْرُونَهُ) فهو يثبت المراء منهم خاصة وينفيه عن محمد عليه السلام.
{وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى} أي: مرة أخرى، أي رأى جبريلَ في صورته مرّتين.
قال تعالى: {عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} ذكروا عن سعد بن كعب عن رجل عن ابن عباس قال: سألت كعباً عن سدرة المنتهى فقال: يُنتهى إليها بأرواح المؤمنين إذا ماتوا، لا يجاوزها روح مؤمن. فإذا قبض المؤمن شيَّعه مقربو أهل السماوات حتى (4/237)
صفحة 1774
يُنتهى به إلى السدرة فيوضع. ثم تصف الملائكة المقرّبون فيصلّون عليه كما تصلّون أنتم على موتاكم ها هنا.
ذكروا عن مالك بن صعصعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسري به قال: «ثم رفعت لنا سدرة المنتهى فإذا أوراقها مثل آذان الفيلة، وإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا أربعة أنهار تجري من أصلها: نهران ظاهران ونهران باطنان. قلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ فقال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات».
قوله عز وجل: {عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} أي: الجنة عند السدرة، والمأوى مأوى المؤمنين.
قوله عز وجل: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} ذكروا عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال: غشيها فراش من الذهب.
وذكر عن أبي سعيد الخدري قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسري قال: ثم انتهينا إلى سدرة المنتهى فغشاها من أمر الله ما غشى فأيده بتأييده، ورفع عن كل ورق مَلَك. وقال مجاهد: وكان أغصان الشجر من لؤلؤ.
قوله عز وجل: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ} أي: بصر النبي عليه السلام، أي: ما زاغ البصر فلم يثبت ما رأى {وَمَا طَغَى} أي: ما قال ما لم ير. {لَقَدْ رَأَى مِن آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} ولم يقل رأى ربه الكبير. يعني ما قص مما رأى.
ثم قال للمشركين {أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْغُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} أي: بعد الإلهتين. واللات كانت لتثقيف، والعزى لقريش، ومناة لبني هلال. (4/238)
صفحة 1775
{أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى}، على الاستفهام. وذلك أنهم جعلوا الملائكة بنات الله، وجعلوا لأنفسهم الغلمان. قالوا إن الله صاحب بنات، فسموا هذه الأصنام فجعلوها إناثاً. قال الله: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى} أي: ليس كذلكم.
{تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى} أي: جائرة. أي: قسمة جور في تفسير الحسن. يقول: إذ جعلوا لله البنات ولهم الغلمان. وقال مجاهد: ضيزى أي: معوجّة.
ثم قال الله: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم} يعني اللات والعزى ومناة {مَّآ أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} أي من حجة بأنها آلهة.
ثم قال للنبي عليه السلام: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} أي: إن ذلك منهم ظنّ {وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} أي القرآن.
ذكروا عن أبي العالية الرياحي قال: كان النبي عليه السلام في المسجد الحرام يصلي وهو يقرأ سورة النجم. فلما أتى على هذه الآية: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} ألقى الشيطان على لسانه: إنهن من الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. فأعجب ذلك المشركين. وقرأ السورة حتى ختمها فسجد وسجد معه أهل مكة المؤمنون والمشركون، والجن والإنس، فأنزل الله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} يعني المنافقين {وَالقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 52 - 53] يعني المشركين. قوله: (إِذَا تَمَنَّى) أي: إذا قرأ، في تفسير بعضهم. وقال الكلبي: إذا حدّث نفسه.
وقال الكلبي: كان النبي عليه السلام يصلّي في البيت، والمشركون جلوس؛ فقرأ {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} فحدّث نفسه، حتى إذا بلغ: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ (4/239)
صفحة 1776
الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} ألقى الشيطان على لسانه: فإنها من الغرانيق العلى، يعني الملائكة، وإن شفاعتهم ترتجى. وقال بعضهم: وإنها مع الغرانيق العلى، وإن شفاعتهم لترتجى.
وقال بعضهم: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المقام يصلّي، إذ نعس، فألقى الشيطان على لسانه كلمة فتكلّم بها، فتلقفها المشركون عليه: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} وإنها مع الغرانيق العلى، فانزل الله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى. . .} الآية.
قال الكلبي: فلما انصرفَ النبي عليه السلام من صلاته قال المشركون: قد ذكر محمد آلهتنا بخير. فقال النبي عليه السلام: والله ما كذلك نزلت علي. فنزل عليه جبريل، فأخبره النبي عليه السلام فقال: والله ما هكذا علّمتك، وما جئت بها هكذا. فأنزل الله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ. . .} وقال الكلبي: {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى} إن سأل شيئاً من الدنيا. فألقى الشيطان على لسانه هذا القول.
وقال بعضهم: وبلغنا أنه قوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ} أي: انقبضت {قُلُوبُ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الذِينَ مِن دُونِهِ} أي: أوثانهم {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45].
قوله عز وجل: {أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى} وذلك لفرح المشركين بما ألقى الشيطان على لسان النبي من ذكر آلهتهم.
قال: {فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى} [أي ثوابهما].
قوله: {وَكَم مَّن مًّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً} أي: لا تنفع (4/240)
صفحة 1777
شفاعتهم المشركين والمنافقين شيئاً، إنما يشفعون للمؤمنين ولا يشفعون {إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأذَنَ اللهُ لِمَن يَّشَآءُ وَيَرْضَى}. هو كقوله: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] وكقوله: {وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23]، وكقوله: {وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ} [الزخرف: 86] أي: قال لا إله إلا الله، وعمل بفرائض الله.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنثَى وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ} أي بأنهم إناث ولا بأنهم بنات الله. {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} أي إن ذلك منهم ظن. قال: {وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا} أي: تغنيهم. وهي منسوخة، نسختها آية القتال، هي قوله: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمَوهُمْ} [التوبة: 5].
قال: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ} أي إن علمهم لم يبلغ الآخرة. كقوله عز وجل: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ في شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} [النمل: 66]. وقال مجاهد: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ} أي: [مبلغ] رأيهم.
قوله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} أي: إن المشركين هم الذين ضلوا عن سبيله {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} أي: إن النبي والمؤمنين هم المهتدون.
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَآءُوا} أي: أشركوا {بِمَا عَمِلُوا} أي: ليجزيهم النار {وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا} أي آمنوا {بِالْحُسْنَى} أي: الجنة. (4/241)
صفحة 1778
قوله: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاّّ اللَّمَمَ}.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين. قال عز وجل: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهُوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31].
ذكروا عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكبائر تسع: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وعقوق الوالدين المسلمين، وقذف المحصنات، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والسحر، والفرار من الزحف، واستحلال البيت الحرام، قبلتكم التي توجهون إليها».
ذكروا عن الحسن قال: كان الفرار من الزحف يوم بدر من الكبائر خاصة. قال بعضهم: ويحدثون أن الفرار من الزحف يوم ملحمة الروم الكبرى من الكبائر لأن المسلمين مجتمعون يومئذ كما كانوا يوم بدر.
ذكروا عن الحسن قال: ذكرت الكبائر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أين تجعلون اليمين الغموس؟.
ذكروا عن عوف قال: مر بنا أبو العالية الرياحي فقال: اتقوا كبائر تسعاً، إني إراها تسعاً وتسعاً وتسعاً، حتى عدَّ أربعين أو أكثر.
غير واحد من العلماء المأخوذ عنهم، والمقبول منهم قال: كل ما أوجب الله عليه الحد في الدنيا وأوعد عليه وعيداً في الآخرة فهو كبيرة. وقال: وكل ما عذب الله عليه عذاباً في الدنيا أو في الآخرة فليس بصغيرة.
ذكروا عن قيس بن سعد أن ابن عباس قال: كل ذنب تاب منه العبد فليس بكبيرة، وكل ذنب أقام عليه العبد حتى يموت فهو كبيرة.
وقال بعضهم: كان يقال: لا قليل مع الإصرار، ولا كبير مع توبة واستغفار. (4/242)
صفحة 1779
والاستغفار مكنسة للذنوب. وقوله عز وجل: {وَاسْتَغْفِرُوا الله} [البقرة: 199] أي: لا تعودوا.
تأويل هذا الحديث: إذا كان ذنب فيما بين العبد وبين الله فالتوبة إلى الله والاستغفار يجزيانه باللسان. وإن كان ذنب فيما بينه وبين الناس من القتل وذهاب الأموال فلا يجزيه إلا القَوَد من نفسه والانتصال من أموال الناس إذا كان يقدر على ردّ أموالهم.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوماً: «ما تعدون الزنا والسرقة وشرب الخمر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: كبائر وفواحش، وفيهن العقوبة. ثم قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بحقها، وعقوق الوالدين. وكان متكئاً فجلس، ثم قال: ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، ألا وإن لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة بقدر غدرته يركز عند مقعدته، ألا ولا غدرة أكبر من غدرة أمير عامةً».
ذكروا عن سعيد مولى ابن عباس، أنه ذكرت عنده الخمر فقال: ليست من الكبائر.
فقال ابن عباس: بل هي أكبر الكبائر، إنه إذا شرب زنى، وفعل، وفعل.
وقوله عز وجل: (إِلاَّ اللَّمَمَ): ذكروا عن عكرمة قال: ما دون الحدين [كل ذنب ليس فيه حد في الدنيا ولا عذاب في الأخرة فهو اللمم].
وقال الحسن: اللمم ما يُلِمّ به من الزنا والسرقة وشرب الخمر، ثم لا يعود. (4/243)
صفحة 1780
تأويل حديث الحسن: أن يلمّ بشيء من هذا أن يفعله ولا يفعله ثم لا يعود أن يلم بها.
ذكروا عن أبي هريرة في اللمم أنه قال: العين تزني، وزناها النظر واليد تزني وزناها اللمس، والرجل تزني وزناها المشي، والنفس تهوى وتحدث، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج.
ذكروا عن أبي هريرة [عن النبي صلى الله عليه وسلم] قال: «كل بني آدم قد أصاب من الزنا لا محالة؛ فالعين تزني وزناها النظر، واليد تزني وزناها اللمس، والرجل تزني وزناها المشي، والنفس تهوى وتحدث، ويصدق ذلك كله ويكذبه الفرج».
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر».
قوله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} أي: يغفر ما دون الكبائر أي: يكفرها بالصلوات الخمس.
قال غير واحد من العلماء: إن ما دون الكبائر مكفر محطوط، شرط من الله وثيق، وهو قوله: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهُوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31]. فإن اجتنبت الكبائر كانت هذه السيئات مُكَفِّرَة مغفورة، محطوطة باجتناب الكبائر.
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الصلوات الخمس كمثل رجل على بابه نهر جار عذب ينغمس فيه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقى من درنه» وتفسير درنه إثمه. (4/244)
صفحة 1781
قوله عز وجل: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ} أي: خلقكم من الأرض {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} والأجنة من باب الجنين في بطن أمه. قال تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}.
ذكروا عن الحسن عن أبي بكر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقولن أحد إني قمت رمضان كله. فالله أعلم أكان يخشى التزكية على أمته. أم يقول لا بد من رقاد وغفلة».
ذكروا عن الأعمش عن بعض أصحابه أن رجلاً قال لأصحاب عبد الله بن مسعود: لقد قرأت البارحة كذا وكذا سورة. فذكروا ذلك لعبد الله بن مسعود فقال: أخبروه أن حظه من ذلك الذي تكلم به.
وذكروا عن بعضهم قال: كانت اليهود تقدم أولادها فيصلون بهم، وقالوا ليست لهم ذنوب، فأنزل الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم} [النساء: 49].
وذكر بعضهم عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال: كانت اليهود تقول لأولادها [إذا هلك صبيّ صغير: هذا] صديق. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمها إلا أنه شقي أو سعيد» فأنزل الله عند ذلك هذه (4/245)
صفحة 1782
الآية: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}.
وتفسير الكلبي: ألا يزكي بعضكم بعضاً. قال بعض العلماء: فإذا زكى نفسه زكى أشد.
قوله عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى} أي: عن الإيمان، يعني المشرك، والتولي ها هنا الشرك، لأن السورة مكية. {وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى} [تفسير عكرمة: أعطى قليلاً ثم قطعه]. قال بعضهم: إنما قل لأنه كان لغير الله. {أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} أي: يختار لنفسه الجنة إن كانت جنة، على تفسير الحسن.
وتفسير الكلبي أن رجلاً من أصحاب النبي عليه السلام كان ذا متاع حسن، فأعطى عطية. فزعم أنه يريد بها وجه الله. ثم أتاه أخ له من الرضاعة فقال له: ما تريد يا فلان بما تصنع من إهلاك مالك؟ قال: أريد به وجه الله وليكفر به خطيئاتي. قال: فأعطني ناقتك هذه وأتحمل عنك ذنوبك من يومك هذا إلى يوم تموت، فأنزل الله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى}.
قال: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أي: لا يحمل أحد ذنوب أحد.
ذكروا عن عطاء بن السايب عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {الذِي وَفَّى} قال: العشر خصال التي من السنة؛ خمس في الرأس، وخمس في الجسد.
وقال بعضهم: ركعتان قبل الفجر. وقال بعضهم: وقى يومه بأربع ركعات من (4/246)
صفحة 1783
أول النهار. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقول: يا ابن آدم، أتعجز أن تصلي أربع ركعات من أول نهارك أكفك آخره».
قال: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} أي: إلا ما عمل {وَأَنَّ سَعْيَهُ} أي: عمله {سَوْفَ يُرَى} أي: سوف يتبيّن {ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَآءَ الأَوْفَى} قال: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى} أي: المصير.
{وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} أي: خلق الضحك والبكاء {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} أي: خلق الموت والحياة. وقال في آية أخرى {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: 2].
{وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} الواحد منهما زوج {مِن نُّطْفَةٍ إِذَا ثُمْنَى} أي: إذا أمناها الرجل، وقد يجتمع ماء الرجل وماء المرأة. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى} أي: البعث.
{وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} [أي: أغنى عبده وأقناه] من قِبَل الِقُنية. وتفسير الحسن: أقنى أي: أخدم. وقال بعضهم: أغنى بالذهب والفضة والثياب والمساكن، وأقنى بالرقيق والإبل والغنم، وهو أيضاً من الغنى. (4/247)
صفحة 1784
ذكروا أيضاً عن عبد الله بن جبير «عن رجل خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان النبي عليه السلام إذا فرغ من طعامه قال: اللهم لك الحمد على ما أنعمت وأطعمت وسقيت. أو قال: أنت أطعمت وسقيت، وأغنيت وأقنيت، فلك الحمد».
قوله عز وجل: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} وهي الكوكب الذي خلف الجوزاء، كان يعبدها قوم. وقال مجاهد: مرزم الجوزاء، يعني الكوكب الذي يتوقّد في الجوزاء.
{وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى} وهي عاد واحدة ولم يكن قبلها عاد. قال: {وَثَمُوداْ فَمَآ أَبْقَى} أي: أهلكهم فلم يبقهم.
{وَقَوْمَ نُوحٍ} أي: وأهلك قوم نوح {مِّن قَبْلُ} أي من قبل عاد وثمود {إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى} أي: إنهم كانوا هم أول من كذب الرسل.
قال: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} يعني قرى قوم لوط، رفعها جبريل بجناحه حتى سمع أهل سماء الدنيا صراخ كلابهم ثم قلبها. والمؤتفكة المنقلبة.
قال تعالى: {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} أي: الحجارة التي رمى بها من كان خارجاً من المدينة وأهل السفر منهم.
قال عز من قائل: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى} أي: تشك، أي إنك لا تشك.
ثم قال للناس: {هَذَا نَذِيرٌ} يعني محمداً عليه السلام {مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى} أي: جاء بما جاءت به الرسل الأولى.
{أَزِفَتِ الأَزِفَةُ} أي: دنت القيامة. كقوله عز وجل: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} (4/248)
صفحة 1785
[القمر: 1].
{لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ} أي: ليس يستطيع أحد أن يكشفها ولا يدفعها إلا الله، يعني قيامها.
قال تعالى: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ} يعني القرآن {تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ} يعني المشركين، أي: قد فعلتم. {وَلاَ تَبْكُونَ} أي: ينبغي لكم أن تبكوا. {وَأَنتُمْ سَامِدُونَ} أي: غافلون {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ} أي: فصلوا لله {وَاعْبُدُواْ} أي: واعبدوا الله ولا تشركوابه شيئاً، لا إله إلا هو الحي القيوم. (4/249)
صفحة 1786
تفسير سورة اقتربت الساعة، وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} أي: دنت الساعة. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما مثلي ومثل الساعة كهاتين، فما فضل إحداهما على الأخرى» فجمع بين اصبعيه الوسطى والتي يقول لها الناس السبابة.
ذكروا عن عمران الحولي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حين بعثت بعث إلى صاحب الصور، فأهوى به إلى فيه، فقدم رجلاً وأخر أخرى ينظر متى يؤمر فينفخ، ألا فاتقوا النفخة».
ذكروا عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على أصحابه فقال: «كيف أنعم وصاحب الصور قد حنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر الإذن متى يؤمر فينفخ».
قوله عز وجل: {وَانشَقَّ الْقَمَرُ} [ذكروا عن عطاء بن السايب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن، فكنا منها على فرسخ، فجاءت الجمعة. فحضر (4/250)
صفحة 1787
أبي. وحضرت معه. فخطبنا حذيفة فقال: ألا إن الله يقول: اقتربت الساعة وانشق القمر، ألا وإن الساعة قد اقتربت] ألا إن القمر قد انشق.
ذكروا عن العطار أن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر شقين، حتى رأيت أبا قبيس بينهما. وبعضهم يقول: حراء.
قال تعالى: {وَإِن يَرَوْاْ آيَةً} يعني المشركين {يُعْرِضُواْ} أي: عنها. {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} أي: ذاهب. وذلك قولهم: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5].
قال عزّ وجلّ: {وَكَذَّبُواْ وَاتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} أي: لأهله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
قال تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ الأَنبَآءِ} أي: من الأخبار، أخبار الأمم السالفة حين كذبوا رسلهم فأهلكم الله {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} أي: عمَّا هم عليه من الشرك ومن التكذيب.
قال تعالى: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} أي: القرآن {فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} أي عمن لم يؤمن. كقوله: {وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤمِنُونَ} [يونس: 101].
قال تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِ} أي: صاحب الصور {إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ} أي: إلى شيء عظيم. {خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ} أي: فتولَّ عنهم في الدنيا فستراهم يوم القيامة خشعاً أبصارهم: أي ذليلة أبصارهم. وكان هذا قبل أن يؤمر بقتالهم. {يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ} أي: من القبور {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} شبههم (4/251)
صفحة 1788
بالجراد إذا أدركه الليل لزم الأرض، فإذا أصبح وطلعت الشمس انتشر.
قوله عز وجل: {مُّهْطِعِينَ} أي: منطلقين سراعاً {إِلَى الدَّاعِ} صاحب الصور، إلى بيت المقدس {يَقُولُ الْكَافِرُونَ} أي: يومئذ {هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ}. لقد علم الكافرون يومئذ أي عسر ذلك اليوم عليهم، وليس لهم من يسره شيء.
قوله: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} أي: قبل قومك يا محمد. {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} أي نوحاً. {وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} أي: تُهُدِّدَ بِالقتل، في تفسير الحسن. وقال مجاهد: واستطير جنوناً.
قال: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} [أي: فانتقم لي من قومي]. فنصره الله وأهلك قومه.
قال: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ} أي: بماء منصب بعضه على بعض، وليس بمطر. {وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً} أي: فصارت الأرض عيوناً. وتفسير الكلبي: إن ماء السماء وماء الأرض كانا سواء. قال تعالى: {فَالْتَقَى الْمَآءُ} أي: ماء السماء وماء الأرض {عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ}. أي: على إهلاك قوم نوح.
قال تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ} يعني نوحاً {عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ} يعني السفينة. {وَدُسُرٍ} والدسر: المسامير في تفسير بعضهم: وذلك قول الشاعر:
ودسّرها نوح وأيقن أنها ... وأعلم أن الله قد كان عالماً
وقال الحسن: دُسُرها: صدرها. وقال الكلبي: دسرها: عوارضها، وقال مجاهد: أضلاعها. (4/252)
صفحة 1789
وقال تعالى: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} كقوله عز وجل: {إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] قال: {جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ}. أي: جزاء لنوح إذ كفره قومه، وجحدوا ما جاء به، يعني إنجاء الله إياه في السفينة.
قوله: {وَلَقَد تَّرَكْنَاهَآ آيَةً} لمن بعدهم، يعني السفينة. قال بعضهم أبقاها الله بباقَرْدى من أرض الجزيرة، حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وكم من سفينة كانت بعدها فصارت رماداً.
قال: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي: متفكر؛ يأمرهم أن يعتبروا أو يحذروا أن ينزل بهم ما نزل بهم، فيؤمنوا. قال: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرٍ} أي: كان شديداً {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنِ لِلذِّكْرِ} أي: ليذكروا الله {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} وهي مثل الأولى.
قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} والصرصر الباردة الشديدة البرد، أحرقت أجوافهم، وهي ريح الدبور. قال: {فِي يَوْمِ نَحْسٍ} أي مشؤوم {مُّسْتَمِرٍّ} أي: استمر بالعذاب. {تَنزِعُ النَّاسَ} أي تنزع أرواح الناس وتصرعهم، {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} شبههم في طولهم وعظمهم بالأعجاز وهي النخل التي قد انقلعت من أصولها فسقطت على الأرض. قال تعالى: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرٍ} أي: كان شديداً. وهي مثل الأولى. {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} وهي مثل الأولى.
{كَذَّبَتْ ثَّمُودُ بِالنُّذُرِ} أي: بالرسل، يعني صالحاً {فَقَالُواْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ} يعنون صالحاً {إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ} أي: في ضلال من ديننا {وَسُعُرٍ} أي في عذاب، في تفسير الحسن. وقال مجاهد: {لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} أي: وشقاء. (4/253)
صفحة 1790
{أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا} على الاستفهام منهم، وهذا استفهام على إنكار؛ أي: لم ينزل عليه الذكر من بيننا. يجحدون الذكر الذي جاء به صالح. {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} والأشر اللَّعّاب. وهو من باب الأشر. قال تعالى: {سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ}.
قال الحسن: يوم القيامة. جعل الله قرب الآخرة من الدنيا كقرب اليوم من غد. قال: {سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ} أي اللعاب، لأن الكافر في الدنيا في لعب، كقوله عز وجل: {الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضِ يَلْعَبُونَ} [الطور: 12] وما أشبه ذلك. وقالوا لإبراهيم: {أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ} [الأنبياء: 55].
ثم قال: {إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ} أي: بلية لهم. {فَارْتَقِبْهُمْ} أي: انظر ماذا يصنعون {وَاصْطَبِرْ} أي: على ما يصنعون وعلى ما يقولون، أي: إذا جاءت الناقة. وقد فسَّرنا أمر الناقة في طسم الشعراء.
قال تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} وهذا بعد ما جاءتهم الناقة. {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} أي: تشرب الناقة الماءَ يوماً ويشربونه يوماً.
قال: {فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ} أي: الناقة. {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} وهي مثل الأولى. (4/254)
صفحة 1791
قال تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً} والصيحة: العذاب جاءهم. {فَكَانُواْ كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} وهي تقرأ على وجهين: المحتظِر المحتظَر. وهو النبات إذا هاج فذرته الرياح فصار حظائر. وهذا تفسير من قرأ المحتظِر بكسر الظاء. ومن قرأ المحتظَر بفتح الظاء فالمعنى الذي جعل حظائر، شبههم بذلك.
قال عز وجل: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} وهي مثل الأولى.
قوله عز وجل: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ} أي: بالرسل، يعني لوطاً {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً} يعني الحجارة التي رمى بها من كان منهم خارجاً من المدينة وأهل السفر منهم وأصاب مدينتهم الخسف.
قال عز وجل: {إِلاَّ آلَ لُوطٍ} يعني من آمن منهم {نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ} وهو قوله: {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 36]: قال عز وجل: {نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا} بمعنى نجيناهم بالإنعام عليهم. {كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ} أي: من آمن.
قوله عز وجل: {وَلَقَدْ أَنْذَرهُم بَطْشَتَنَا} أي: عذابنا {فَتَمَارَوْاْ بِالنُّذُرِ} أي: كذبوا بما قال لهم لوط.
قوله عز وجل: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ} وهي مثل الأولى. وقد فسّرنا حديثهم في سورة هود، في حديث حذيفة بن اليمان. (4/255)
صفحة 1792
وقوله عز وجل: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ} أي: استقر بهم العذاب. قال عز وجل: {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مَّدَّكِرٍ} وهي مثل الأولى.
قال تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ} أي الرسل؛ يعني موسى وهارون علهيما السلام {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كُلِّهَا} يعني التسع، أي: اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وقال عز وجل: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ}. قال عز وجل: {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ} أي على خلقه. أي: عذبهم بالغرق.
قال عز وجل: {أَكُفَّارُكُمْ} [يعني أهل مكة] {خَيْرٌ مِّنْ أُولاَئِكُم} يعني من أهلك من الأمم السالفة، أي: ليسوا بخير منهم، كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً.
قال عز وجل: {أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزُّبُرِ} أي: براءة من العذاب في الكتب {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} أي [بل يقولون] نحن جميع منتصر. {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} يعني يوم بدر.
{بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} تفسير موعدهم هذا بعذاب الاستئصال يعني كفار آخر هذه الأمة، في تفسير الحسن. {وَالسَّاعَةُ أَدْهَى} أي من تلك الأحداث التي أهلك الله بها الأمم السالفة. {وَأَمَرُّ} أي: وأشد. قال الحسن: إن الله معذب كفار آخر هذه الأمة بعذاب لم يعذب به أمة من الأمم، وهي النفخة الأولى.
قوله عز وجل: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ} أي: المشركين {فِي ضَلاَلٍ} أي: عن الهدى {وَسُعُرٍ} أي في عذاب، في تفسير الحسن. وقال مجاهد: (فِي سُعُرٍ) أي: (4/256)
صفحة 1793
في شقاء.
{يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} أي: تسحبهم الملائكة {ذُوقُوا} أي: يقال لهم في النار: ذوقوا {مَسَّ سَقَرَ} سقر اسم من أسماء جهنم.
قوله عز وجل: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} ذكروا عن سعيد بن جبير عن علي قال: كل شيء بقدر حتى هذه ووضع إصبعه السبابة على طرف لسانه، ثم وضعها على طرف إبهامه اليسرى.
ذكروا عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن العبد حتى يؤمن بأربعة: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر».
ذكروا عن عطاء بن السايب عن علي قال: لا يجد عبد طعم حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
ذكروا عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو في ملإٍ من أصحابه إذ أقبل رجل حتى سلم على النبي صلى الله عليه وسلم والملأ، فرد عليه السلام فقال: «يا محمد، ألا تخبرني ما الإيمان؟ فقال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث بعد الموت والحساب والميزان والجنة والنار، والقدر خيره وشره. قال فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: نعم. قال صدقت. فعجب أصحاب النبي عليه السلام من قوله: صدقت. ثم قال: يا محمد، ألا تخبرني ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج بيت الله (4/257)
صفحة 1794
الحرام، وتغتسل من الجنابة، قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: نعم. قال: صدقت. قال: يا محمد، ألا تخبرني ما الإحسان؟ قال الإحسان أن تخشى الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال فإذا فعلت ذلك فقد أحسنت؟ قال: نعم. قال: صدقت. قال: يا محمد، ألا تخبرني متى الساعة؟ قال: سبحان الله العظيم ثلاث مرات، ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، إن الله استأثر بعلم خمسة لم يطلع عليها أحد {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34] ولكن سأخبرك بشيء يكون قبلها: حين تلد الأَمَةُ ربَّها وحين يتطاول أهل البناء في البنيان وتصير الحفاة العراة على رقاب الناس. قال: ثم تولى الرجل فاتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرفه حيناً طويلاً، قال: ثم رد طرفه فقال: هل تدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم فتعلموا».
ذكروا أن عبد الله بن مسعود قال: ما كفر قوم بعد نبوءة إلا كان مفتاح ذلك التكذيب بالقدر.
ذكروا عن عمران عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على ثلاثة: الجهاد ماض منذ بعث الله نبيه إلى آخر فئة من المسلمين تكون هي التي تقاتل الدجال لا ينقضه جور من جار، والكف عند ما لا تعلم، والمقادير خيرها وشرها». (4/258)
صفحة 1795
ذكروا عن يحيى بن كثير عن رجاء بن حيوة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أخاف على أمتي حيف الأئمة والتصديق بالنجوم والتكذيب بالقدر».
ذكروا عن أبي العجاج الأزدي قال: قلت لسلمان الفارسي: ألا تخبرني عن القدر وعن الإيمان بالقدر. قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولا تقل لولا كذا لم يكن كذا.
قوله عز وجل: {وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحِ بِالْبَصَرِ} كقول الله عز وجل: {وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل: 77] أي: بل هو أقرب. تفسير الحسن: أي إذا جاء عذاب كفار آخر هذه الأمة بالنفخة الأولى.
قوله عز وجل: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ} أي: الذين على دينكم ومنهاجكم يقوله للمشركين: أي من أهلك من الأمم السالفة. {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي: من متفكر، يخوّفهم العذاب ويحذرهم.
قوله عز وجل: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} أي: في الكتب، أي: قد كتب عليهم. {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} أي: مكتوب مسطر.
قوله عز وجل: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ}، يعني جميع الأنهار، كقوله عز وجل: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَآئِهَا} [الحاقة: 17] يعني بالملك جماعة الملائكة. وكقوله: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] يعني جماعة النجوم. وكقوله: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ} [النور: 41] يعني جماعتها. وأنهار الجنة تجري في غير أخدود: الماء والعسل واللبن والخمر، وهو أبيض كله. فطين النهر مسك أذفر، ورضراضه الدر والياقوت، وحافاته قباب اللؤلؤ. قال تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}. أي عند الله. أي: إن الجنة في السماء والنار في الأرض. (4/259)
صفحة 1796
تفسير سورة الرَّحْمَنِ، وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} أي: علمه الكلام.
قوله تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} قال مجاهد: [يعني بحسبان] كحسبان الرحى. وفي تفسير الحسن: بحسبان: بمجرى وقال الحسن: هما والنجوم في مثل الطاحونة، أي في مثل فلكة المغزل دون السماء. ولو كانت ملتزقة بالسماء لم تجر.
وفي تفسير الكلبي: بحسبان أي بحساب ومنازل معدودة [كل يوم منزل].
ذكروا عن أبي صالح: إن السماء خلقت مثل القبة، إن الشمس والقمر والنجوم ليس شيء منها لازقاً بالسماء، وإنها تجري في فلك دون السماء. وإن أقرب الأرض (4/260)
صفحة 1797
إلى السماء بيت المقدس باثني عشر ميلاً، وإن أبعد الأرض من السماء الأبلّة.
ذكروا عن مجاهد قال: قوله عز وجل: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] قال: يدورون كما يدور فلك المغزل.
قوله عز وجل: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} النجم ما كان من النبات على غير ساق، والشجر ما كان على ساق. وسجودهما ظلهما. وقال في آية أخرى {أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} [النحل: 48].
قوله عز وجل: {وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا} إن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام. قال تعالى: {وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} أي: وجعل الميزان في الأرض بين الناس {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الْمِيزَانِ} أي: لا تظلموا فيه. {وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ} أي: بالعدل {وَلا َتُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ} أي: ولا تنقصوا الناس حقهم. قال مجاهد: الميزان العدل.
قوله عز وجل: {وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} أي: للخلق {فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ} تفسير الحسن: الأكمام: الليف، وتفسير الكلبي: الطلع.
{وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ} يعني البقل في الزرع، والعصف سوق الزرع.
وقال الحسن: كنا بالمدينة ونحن غلمان نأكل الشعير إذا قُضِب وكنا نسميه العصف. (4/261)
صفحة 1798
وقوله عز وجل: (وَالرَّيْحَان) تفسير الحسن أنه مبتدأ، يقول: وفيها الريحان، يعني الرياحين.
وتفسير الكلبي: الريحان الرزق. وهذا التفسير على من قرأها بالجر: والحب ذو العصفِ والريحانِ، يجعلهما جميعاً من صفة الزرع. وبعضهم على المقرأ بالجر يقول: العصف سوق الزرع والريحان ورق الزرع.
وتفسير الكلبي: العصف الورق [الذي لا يؤكل]، والريحان الحب [الذي يؤكل].
وقال مجاهد: العصف ورق الحنطة، [والريحان الرزق].
قوله عز وجل: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ} يعني الثقلين: الجن والإنس.
قال تعالى: {خَلَقَ الإِنسَانَ} يعني ءادم {مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} وهو التراب اليابس الذي يسمع له صلصلة. وقال مجاهد: الذي قد صلَّ، أي: أنتن.
قوله عز وجل: (كَالْفَخَّارِ) له صوت كالفخار المتكسر إذا حرّك. وكان آدم في حالات قبل أن ينفخ فيه الروح. قال تعالى في آية أخرى: {مِن طِينٍ} [السجدة: 7]. وقال: {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 26] أي: من طين منتن فيما ذكروا عن عطاء بن السايب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
قال تعالى: {وَخَلَقَ الْجَآنَّ} يعني إبليس {مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ}. تفسير الحسن: من لسان النار ولهبها. قال ابن عباس: من خالص النار. وقال مجاهد: من (4/262)
صفحة 1799
اللهب الأحمر والأصفر والأخضر. يعني الاختلاط. كقوله تعالى: {فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ} [سورة ق: 5] أي: ملتبس، وهو المختلط.
{فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} يعني الجن والإنس. قال الحسن: الإِنس كلهم من أولهم إلى آخرهم ولد آدم. والجن كلهم من أولهم إلى آخرهم ولد إبليس.
قوله عز وجل: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} أي: مشرق الشتاء ومشرق الصيف، ومغرب الشتاء ومغرب الصيف. قال تعالى: {فَبِأَيِّ آلآءِ} أي نعماء {رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} [تفسير قتادة: أفاض أحدهما في الآخر] {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} [أي: بين العذب والمالح حاجز من قدرة الله لا يبغي أحدهما على صاحبه]. لا يبغي المالح على العذب فيختلط، ولا العذب على المالح فيختلط.
وقال بعضهم: بين البحرين المالحين بحر فارس وبحر الروم حاجز، أي: من الأرض. وتفسير الحسن: حاجز من الخلق لا يبغيان عليهم فيغرقانهم، وهو محبوس. {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا} أي نعماء ربكما {تُكَذِّبَانِ}.
قوله عز وجل: {يَخْرُِجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} قال بعضهم: اللؤلؤ: الكبار، والمرجان الصغار. ذكر ذلك عن سعيد بن جبير وغيره.
وقال مجاهد: المرجان ما عظم من اللؤلؤ. وقال الكلبي: اللؤلؤ هو اللؤلؤ البسّذ. يعني العزل. (4/263)
صفحة 1800
فمن فسّر بتفسير الكلبي فهو يقول: يخرج منهما، أي: من البحرين المالحين بحر فارس وبحر الروم، أي يخرج من بحر فارس اللؤلؤ، ويخرج من بحر الروم العزل. ومن جعلهما من صغار اللؤلؤ فهو يقول: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا} أي: من أحدهما، أي: لا يعدوهما. كقوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} [الأنعام: 130] يعني من الإنس. وقال في آية أخرى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [الفرقان: 53]. وقال: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 58]. أي: صفاء الياقوت في بياض المرجان.
قال: {فَبِأَيِّ آلآءِ} أي: نعماء {رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قال تعالى: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَئَاتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ} يعني السفن التي عليها شُرُعها، وهي القلوع. والأعلام: الجبال. {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا} أي: على الأرض {فَانٍ} كقوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [العنكبوت: 57] أي: تموت. أي: يموت أهل الأرض وأهل السماء. {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ} أي: العظمة {وَالإِكْرَامِ} أي: لأهل طاعته. قال تعالى: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قوله: {يَسْأَلُهُ مَن في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: يسأله أهل السماء الرحمة، ويسأله أهل الأرض الرحمة والمغفرة والرزق وحوائجهم، ويدعوه المشركون عند الشدة، ولا يسأله المغفرة إلا المؤمنون.
قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَاْنٍ} فمن شأنه أن يميت ويحيي، أي: ما (4/264)
صفحة 1801
يولد، ويجيب داعياً، ويعطي سائلاً، ويشفي مريضاً، ويفك عانياً، أي: أسيراً. وشأنه كثير لا يحصى، لا إله إلا هو.
قال تعالى: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قوله عز وجل: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهََ الثَّقَلاَنِ} أي: الجن والإِنس، أي: سنحاسبكم ونعذّبكم. وهي كلمة وعيد، يعني المشركين منهم. قال: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ} يعني المشركين منهم {إِنِ اسْتَطَعْتُم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: من نواحيها {فَانفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} الله عليكم في تفسير الحسن: وقال مجاهد: إلا بحجة.
ذكروا عن عطاء بن يزيد قال: يبعث الله خوفاً على أهل الأرض قبل أن ينفخ في الصور، فترجف بهم الأرض، مساكنهم وأفئدتهم، فيخرجون حتى يأتوا أنشف البحر، فيجتمع فيه الإنس والجن والشياطين. فيلبثون ما شاء الله أن يلبثوا، ثم يقول الشياطين بعضهم لبعض: ما يحبسنا؟ هلموا لنلتمس المخرج، فيخرجون حتى يأتوا الأفق من قبل مغرب الشمس فيجدونه قد سدّ عليه الحفظة، فيرجعون إلى الناس، فيلبثون لبثاً. ثم يقول بعضهم لبعض ما حبسنا، هلموا فلنلتمس المخرج. فيخرجون حتى يأتوا الخافق من قبل مطلع الشمس، فيجدونه قد سدّ عليه الحفظة، فيرجعون إلى الناس. فبينما هم كذلك إذ أشرفت عليهم الساعة، فنادى مناد: أيها الناس، أتى أمر الله، فما المرأة بأشد استماعاً لها من الوليد في حجرها، فينفخ في الصور.
قال تعالى: {فَبِأَيِّ آلآءِ} أي: نعماء {رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قال تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا} يعني الكفار من الجن والإِنس {شُوَاظٌ مِّن (4/265)
صفحة 1802
نَّارٍ} وهو اللهب الذي لا دخان فيه {وَنُحَاسٌ} وهو الدخان الذي لا لهب فيه، وهو تفسير ابن عباس. وهي تقرأ على وجه آخر: {مِن نَّارٍ وَنُحَاسٍ}، وهي قراءة عبد الرحمن الأعرج، يقول: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٍ) يقول: من لهب ودخان. قال الله: {فَلاَ تَنتَصِرَانِ} أي: لا تمتنعان. {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قوله تعالى: {فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً} أي محمرّةً {كَالدِّهَانِ} أي: كعكر الزيت، في تفسير بعضهم. وقال الحسن: أي: مثل الدهان إذا صب بعضه على بعض رأيت لها حمرة. وقال مجاهد: كألوان الدهان. وبعضهم يقول: أُدُم تكون في اليمن يقال لها الدّهان. {فَبِأَيِّ آلآءِ} أي: نعماء {رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قال تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} أي: لا يطلب علم ذلك من قِبَلِهم. {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قال تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} [بعلاماتهم]، أي: بسواد وجوههم وزرقة عيونهم. {فَيُؤخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ} اي: يجمع بين ناصيته وقدميه من خلفه ثم يلقى في النار. وتفسير الحسن: يجمع بين ناصيته وقدميه من الغل لِكَيْ لا يضطرب. قال: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قوله عز وجل: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ} أي: المشركون {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ}. (4/266)
صفحة 1803
بلغنا والله أعلم أن شجرة الزقوم نابتة في الباب السادس من جهنم على صخرة من نار، وتحتها عين من الحميم أسود غليظ، فيسلط على أحدهم الجوع، فيُنطلق به، فيأكل منها حتى يملأ بطنه، فتغلي في بطنه كغلي الحميم، فيطلب الشراب ليبرد به جوفه، فينزل من الشجرة إلى تلك العين التي تخرج من تحت الصخرة، من فوقها الزقوم ومن تحتها الحميم، فتزل قدماه على تلك الصفا، فيقع لظهره ولجنبه، فيشتوى عليها كما يشتوى الحوت على المِقلَى. فتحسبه الخزان على وجهه، فينحدر على تلك العين، ولا ينتهي إليها إلا وقد ذهب لحم وجهه، فينتهي إلى تلك العين، فيسقيه الخزان في إناء من حديد من نار. فإذا أذناه من فيه [اشتوى وجهه، وإذا وضعه على شفتيه] تقطعت شفتاه وتساقطت أضراسه وأنيابه من حره. فإذا استقر في بطنه أخرج ما كان في بطنه من دبره.
وبلغنا أن ابن عباس قال: إن في جهنم شجرة ثابتة في أصل جهنم، لا بد للكافر من أكلها، فتملأ بطنه. فيهوي حتى إذا انتهى إليها أكل منها. فإذا ملأ بطنه صعد إلى أعلاها. فإذا بلغ إلى أعلاها انحدر إليها أيضاً. فإذا أكل منها صعد إلى أعلاها أيضاً، فإذا بلغ إلا أعلاها انحدر إليها.
وقال في آية أخرى: {عَامِلَةٌ نَّاصِبةٌ} [الغاشية: 3] أي: كفرت بالله في الدنيا فأعملها وأنصبها في النار، فهم في عناء وترداد.
قوله تعالى: {حَمِيمٍ آنٍ} فالحميم: الحار، والآني: الذي قد انتهى حره. وقال مجاهد: قد بلغ أناه وحان شرابه. ذكروا عن الحسن في قوله: {تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} [الغاشية: 5] أنى حرها فاجتمع. قال: قد وقد عليها منذ خلق الله السماوات والأرض. قال تعالى: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} يعني الذي يقوم بين يدي ربه للحساب، في (4/267)
صفحة 1804
تفسير الحسن: {جَنَّتَانِ}. وتفسير مجاهد: هو من أراد ذنباً فذكر الله وذكر أنه قائم عليه فتركه.
تفسير الحسن أنها أربع جنات: جنتان للسابقين، وجنتان للتابعين. ويعني بالسابقين أصحاب النبي عليه السلام، وبالتابعين من بعدهم. وبعضهم يقول: السابقون الذين يدخلون الجنة بغير حساب، والذين دونهم أصحاب اليمين غير السابقين. فالمنزل الأول للسابقين، والآخر لأصحاب اليمين، وهم الذين يحاسبون حساباً يسيراً. قال عز وجل: {فَبِأَيِّ آلآءِ} أي: نعماء {رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قال: {ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ}. تفسير الحسن: ذواتا أغصان، يعني ظلال الأشجار وبعضهم يقول: ذواتا ألوان. {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قوله عز وجل: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} قال: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قال: {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} أي: لونان. {فَبِأَيِّ آلآءِ} أي نعماء ربكما تكذبان.
قوله: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنِ اسْتَبْرَقٍ} تفسير الحسن: [(بَطَائِنُهَا): يعني ما يلي جلودهم] والاستبرق الديباج الغليظ. وهي بالفارسية: إستبره. قال تعالى: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ} أي: ثمارها {دَانٍ} أي: قريب.
ذكروا عن البراء بن عازب قال: أدنيت منهم وذللت، يتناولون منها أنهاشاً. وذكروا عن البراء بن عازب قال: يتناولون منها قعوداً ومضطجعين وكيف شاءوا. (4/268)
صفحة 1805
ذكروا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن أهل الجنة يتناولون من قطوفها وهم متكئون، فما تصل إلى في أحدهم حتى يبدل الله مكانها أخرى.
قال تعالى: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قال: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} أي: قصر طرفهن على أزواجهن لا يردن غيرهم {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} أي: لم يمسسهن قبل أزواجهن في الجنة بعد خلق الله إياهن وفي الخلق الثاني {إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} يعني من كان من المؤمنات من نساء الدنيا.
ذكروا عن الحسن أن امرأة من عمات النبي عليه السلام قالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني معك في الجنة فقال: يا عمه، إن الجنة لا يدخلها عجوز، ففزعت من ذلك فقال: إن الله جعلهن شواب أبكاراً.
ذكروا عن الحسن أن منهن من كان في الدنيا عجوزاً رمصاء فجعلهن الله شواب أبكاراً. قال: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قال: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} يريد صفاء الياقوت في بياض المرجان.
ذكر بعضهم قال: إن المرأة لتكون من أهل الجنة يكون عليها تسعون حلة وإنه ليُرى مخّ ساقها من وراء ذلك كما يبدو الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء. قال بعضهم: ذلك مثل الخيط في النظام لا يغيبه النظام.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة (4/269)
صفحة 1806
البدر، ثم الذين يلونهم كأضوإ نجم في السماء أضاءت قلوبهم على قلب واحد، لا اختلاف بينهم ولا تباغض. لكل امرىءٍ منهم زوجتان، يرى مخ ساقها من وراء لحمها، يسبحون الله بكرة وعشياً، آنيتهم الذهب والفضة، وزاد فيه بعضهم: وقود مجامرهم الألوّة. والألوّة: العود القماري، ورشحهم مسك أذفر، وبساطهم ذهب».
قال: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قال تعالى: {هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ} أي: هل جزاء الإِيمان إلا الجنة.
ذكروا عن الحسن قال: لا إله إلا الله بعمل صالح ثمن الجنة. قال تعالى: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قال تعالى: {وَمِن دُونِهِمَا} أي: ومن دون الجنتين اللتين وصف ما فيهما {جَنَّتَانِ}، وهاتان الجنتان الأخيرتان لأصحاب اليمين، وهم المقتصدون، وهم الذين يحاسبون حساباً يسيراً. والجنتان الأوليان منزل المقرّبين، وهم السابقون. والمنزل الثاني، منزل أصحاب اليمين، وهم المقتصدون. قال تعالى: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قال تعالى: {مُدْهَآمَّتَانِ} قال: خضراوان ناعمتان من الري، وادهمّتا من الخضرة. وقال مجاهد: مسوّدتان من الري. قال: {فَبِأَيِّ آلآءِ} أي نعماء {رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}. (4/270)
صفحة 1807
قال: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} أي: تنبعان من أصولهما ثم تجريان بعد. وأما عينا جنتي السابقين فتجريان من أصولهما. قال تعالى: {فَبِأَيِّ آلآءِ} أي نعماء {رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قال تعالى: {فِيهِمَا فَاكِهَةُ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ}.
ذكروا عن الحسن قال: نخل الجنة جذوعها ذهب، وسعفها حلل، ورطبها مثل قلل هجر أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد.
ذكروا عن سعيد بن جبير قال: جذع نخل الجنة ذهب أحمر، وكربها زبرجد أخضر، وشماريخها در أبيض، وسعفها الحلل، ورطبها أشد بياضاً من الفضة، وأحلى من العسل وألين من الزبد، ليس في شيء منه عجم. طول العذق اثنا عشر ذراعاً منضود من أعلاه إلى أسفله أمثال القلل لا يؤخذ منه شيء إلا أعاده الله كما كان.
ذكروا عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: نخل الجنة تميك ما بين أصلها إلى فرعها، وتمرها كالقلال. كلما نزعت تمرة عادت تمرة أخرى، وأنهارها تجري في غير خدود، والعنقود منها اثنا عشر ذراعاً.
ذكروا عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسري به قال: «ثم أعطيت الكوثر، فسلكته حتى انفجر بي في الجنة فإذا الرمانة من رمانها مثل جلد البعير المقتب».
ذكروا عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في كل رمانة من رمان الدنيا حبة من رمان الجنة، أحسبه قال: لا يأكلها المنافق» قال تعالى: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قال: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} يعني النساء، الواحدة منهن خيرة. {فَبِأَيِّ آلآءِ (4/271)
صفحة 1808
رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} قال: {حُورٌ} يعني بيض، في تفسير العامة. وتفسير مجاهد: (حُورٌ) أي يحار فيهن النظر، وينظر الناظر إلى وحهه في جيدهن. قوله عز وجل: {مَّقْصُورَاتٌ} أي: محبوسات {فِي الْخِيَامِ}.
ذكروا عن عكرمة عن ابن عباس قال: الخيمة درة مجوفة، فرسخ في فرسخ، لها أربعة آلاف مصراع من ذهب، على كل مصراع وصيف قائم.
ذكروا عن أبي موسى الأشعري قال: إن رجلاً من أهل الجنة لتكون له الخيمة طولها في السماء ستون ميلاً وإن له في ناحيتها الجواري يطفن عليه لا يشعر بهن الآخرون. قال: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قال: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا َجَآنٌّ} أي: لم يمسسهن قبل أزواجهن، أي في الجنة، قبل خلق الله إياهن في الخلق الثاني {إِنسٌ وَلا َجَآنٌّ} يعني من كان منهن من نساء الدنيا المؤمنات. قال تعالى: {فَبِأَيِّ آلآءِ} أي نعماء {رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
{مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} فالرفرف المحابس، والعبقري الوسائد. ذكروا عن مجاهد عن ابن عباس قال: العبقري: الوسائد، والحسان: العتاق. وقال بعضهم: الواحد منهم عبقرة. وتفسير الحسن: الرفرف: المحابس، والعبقري المرافق. وتفسير الكلبي: العبقري: الزرابي، ذكروا عن سعيد بن جبير قال: {عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ}: على رياض الجنة. قال تعالى: {فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
قوله: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} أي: ذي العظمة والإِكرام، أي: لأهل طاعته؛ أكرمهم إذ صيّرهم إلى داره، دار السلام. عونك يا معين. (4/272)
صفحة 1809
تفسير سورة الواقعة، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} أي: إذا قامت القيامة. {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} أي: هي كائنة لا شك فيها، ليس في مجيئها تكذيب. {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} أي: خفضت أقواماً إلى النار فلا يرتفعون أبداً، ورفعت أقواماً إلى الجنة فلا ينزلون أبداً.
قال تعالى: {إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجّاً} كقوله: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة: 1] أي: يوم القيامة. وقال مجاهد: {رُجَّتِ الأَرْضُ رَجّاً} زلزلت الأرض زلزالاً وحركت تحريكاً.
قال تعالى: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً} أي كما يُبَس السويق. وقال مجاهد: فتتت فتاً. قال تعالى: {فَكَانَتْ هَبَآءً مٌّنبَثًّا} الهباء الغبار الذي يدخل من الكوّة من شعاع الشمس {مُنبَثّاً} أي: منثوراً متفرقاً. وتفسير الحسن: فكانت غباراً ذاهباً.
قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً} أي أصنافاً ثلاثة: أي: مؤمناً ومنافقاً ومشركاُ. وهي كقوله: {لِّيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ، (4/273)
صفحة 1810
وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ} [الأحزاب: 73]. وكقوله في الآية: التي في سورة فاطر: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} سقط هذا، وهو المنافق، {وَمِنْهُم مَّقْتَصِدٌ} وهم أصحاب اليمين، وهم أهل الجنة، أهل المنزلة الآخرة في سورة الرحمن، وفي هذه، {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر: 32] وهم المقرّبون السابقون، وهم أهل المنزلة الاولى في سورة الرحمن وفي هذه السورة.
قال تعالى: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} وهم الميامين على أنفسهم {وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَآ أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ} وهم المشائيم على أنفسهم. قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} يعني السابقين من أهل الميمنة، وأصحاب الميمنة هم أصحاب الجنة، وهم أصحاب اليمين. وأهل الجنة صنفان: السابقون وأصحاب اليمين الذين ليسوا سابقين، وهم أهل الاقتصاد، وهم الذين يحاسبون حساباً يسيراً. وتفسير الحسن: السابقون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحاب الأنبياء عليهم السلام. قال تعالى: {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ} والثلة الطائفة. وتفسير مجاهد: الثلة: الأمة، قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ} تفسير الحسن: يعني أن سابقي جميع الأمم أكثر من سابقي أمة محمد عليه السلام. والثلة أكثر من القليل.
قال: {عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} قال مجاهد: عن ابن عباس: يعني مرمولة بالذهب. قال الحسن: ورملها نسجها بالياقوت واللؤلؤ. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: مرمولة بقضبان اللؤلؤ الرطب. (4/274)
صفحة 1811
قال تعالى: {مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ} قال: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض وتفسير الكلبي: يقابل بعضهم بعضاً. قال بعضهم: بلغنا أن ذلك في الزيارة إذا تزاوروا.
قوله عز وجل: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} أي: لا يموتون ولا يشيبون عن منازل الوصفاء، خلدوا على تلك الحال لا يتحولون عنها.
قال تعالى: {بِأَكْوَابٍ} يسمى كوباً، والعرب تسمية كوزاً، وهو المدور القصير العنق القصير العروة. قال تعالى: {وَأَبَارِيقَ} وهو المستطيل الطويل العنق الطويل العروة، وهو بالفارسية أبواه. قال تعالى:
{وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} أي: ظاهرة. {لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} أي: عن الخمر، أي: لا يصيبهم عليها صداع {وَلاَ يُنزِفُونَ} ولا تذهب عقولهم، أي: لا يسكرون، ولا يبولون ولا يتغوطون لا يمتخطون.
قال تعالى: {وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ} أي: إذا اشتهوا الشعب من الشجرة انقض إليهم، فأكلوا منه أي الثمار شاءوا، إن شاءوا قياماً أو قعوداً أو مستلقين، وهو قوله: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} [الرحمن: 54].
قال: {وَلَحْمِ طَيرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إن في الجنة طيراً مثل البخت، فقال أبو بكر: إن ذلك لطير ناعم. (4/275)
صفحة 1812
قال: والذي يأكل منها أنعم، وإني لأرجو أن تأكل منها يا أبا بكر».
ذكروا أن الطير تصف بين يدي الرجل، فإذا اشتهى أحدها اضطرب ثم صار بين يديه نضيجاً.
ذكروا عن علي بن أبي طالب قال: إذا اشتهوا الطعام جاءتهم طيور خضر فترفع أجنحتها، فيأكلون من جنوبها أي الألوان شاءوا، وفيها من كل لون، يأكلونها ثم تطير فتذهب. وبلغنا أن الطير تصف بين يديه فرسخاً، فالطير أمثال الإِبل؛ فيقول الطير: يا ولي الله أما أنا فقد رعيت في وادي كذا وكذا وأكلت من ثمار كذا وكذا، فَكُلْ مني. فإذا اشتهى حسن الطير واشتهى صفته فوقع ذلك في نفسه قبل أن يتكلم وقع ذلك الطير على مائدته نصفه قدير ونصفه شواء، فيأكل منها مقدار أربعين سنة، كلما شبع ألقي عليه ألف باب من الشهوة. قالها ثلاث مرات.
قال تعالى: {وَحُورٌ عِينُ} والحور البيض في تفسير بعضهم. وقال مجاهد: الحور: أي: يحار فيهن النظر، وينظر الناظر وجهه في جيدها. وقال تعالى: (عِينٌ) أي: عظام العيون، والواحدة منها عيناء. وقال بعضهم: أشفار عينيها أطول من جناح نسر.
قال تعالى: {كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} يعني صفاء ألوانهن، والمكنون أي: الذي في أصدافه. وقال بعضهم: المكنون: الذي لم يثقب ولم تمسه الأيدي قال: {جَزَآءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: يجازون على قدر أعمالهم.
قوله عز وجل: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا} أي: في الجنة {لَغْواً} واللغو: الباطل {وَلاَ تَأْثِيماً} أي: لا يؤثم بعضهم بعضاً. {إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً} أي: يسلم بعضهم على بعض، وقال بعضهم: إلا خيراً خيراً. (4/276)
صفحة 1813
قال تعالى: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ الْيَمِينِ} هؤلاء غير المقربين وهم أهل المنزل الآخر في سورة الرحمن. [يعني أهل الجنة من غير السابقين. وأهل الجنة كلهم أصحاب اليمين].
قال تعالى: {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} المخضود الذي لا شوك له. وقيل: الموقر، وهو تفسير مجاهد. قال تعالى: {وَطَلْحٍ مَّنْضُودٍ}. قال الحسن: هو الموز. وهو قول مجاهد ذكروا عن عطاء بن السايب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: هو الموز.
قوله عز وجل: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} أي: متصل دائم في تفسير الحسن. وقال الكلبي: ليس معه شمس.
ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها؛ اقرأوا إن شئتم: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}».
قال تعالى: {وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ} أي: ينسكب بعضه على أثر بعض وليس بالمطر. (4/277)
صفحة 1814
قوله عز وجل: {وَفَكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَّلاَ مَمْنُوعَةٍ}. ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إن أهل الجنة ليتناولون من قطوفها وهم متكئون على فرشهم، فما تصل إلى في أحدهم حتى يبدل الله مكانها أخرى».
قال الحسن: {لاَ مَقْطُوعَةٍ} أي ليس ثمارها مثل ثمار الدنيا لها زمن تكون فيه ثم تنقطع، {وَلاَ مَمْنُوعَةٍ} أي: إن لثمار الدنيا من يمنعها وثمار الجنة لا تمنع.
قال: {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} أي بعضها فوق بعض. ذكر بعض أصحاب النبي عليه السلام أن ارتفاعها من الأرض قدر مائة خريف، يعني مائة سنة.
قوله تعالى: {إِنَّآ أَنشَأَنَاهُنَّ} أي: ابتدأنا خلقهن، يعني نساء أهل الجنة {إِنشَآءً} أي: خلقاً. {فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً} أي عذارى. {عُرُباً}. قال الحسن: العرب: العاشقات لأزواجهن. وبعضهم يقول: المحبّبات لأزواجهن، أي: هم عاشقون لهن. وبعضهم يقول: الغَنِجات.
قال: {أَتْرَاباً} أي: على سن واحدة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة لا يدخلونها كلهم رجالهم ونساؤهم إلا على نحو ثلاث وثلاثين سنة، على طول آدم، وطوله ستون ذراعاً. والله أعلم بأي ذراع، لا يتغوطون ولا يبولون، ولا يمتخطون. والنساء عرب أتراب لا يلدن ولا يحضن ولا يمتخطن ولا يقضين حاجة، أي: ليس فيهن قذر».
ذكر الحسن أن امرأة من عمات النبي عليه السلام قالت: يا رسول الله: ادع الله أن يجعلني معك في الجنة. قال: «يا عمة، إن الجنة لا يدخلها عجوز. ففزعت من ذلك فقال: إن الله جعلهن شَوَابَّ أبكاراً». (4/278)
صفحة 1815
قال الحسن: يجعل العجوز شابة، والمولودة الصغيرة يُشِبُّها حتى تكون بنت ثلاث وثلاثين سنة. يعني قوله: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً}.
قال: {لأَصْحَابِ الْيَمِينِ} وأصحاب اليمين ها هنا، في تفسير الحسن، جماعة أهل الجنة. قال في الآية الأولى: {ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الأَخِرِينَ} [الواقعة: 13 - 14] يعني بالثلة سابقي من مضى من أصحاب الأنبياء مع الأنبياء {وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرينَ} يعني أصحاب محمد مع محمد صلى الله عليه وسلم. وقال في هذه الآية: {ثُلَّة مِّنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةُ مِّنَ الآخِرِينَ}، يعني التابعين ممن مضى والتابعين من هذه الأمة، فسوى بين تابعينا وتابعيهم، وسابقهم أكثر من سابقنا. فيدخل الله أطفالنا الجنة وأطفالهم فنكون شطر أهل الجنة بأطفالنا لأن أطفالنا أكثر من أطفالهم.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوماً: «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبروا وحمدوا الله واستبشروا. ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة. فكبّروا وحمدوا الله واستبشروا. ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة. فكبروا وحمدوا الله واستبشروا» قال الحسن: إن ذلك لفي كتاب الله: {ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةُ مِّنَ الآخِرِينَ}. ذكروا عن جابر عن عبد الله عن النبي عليه السلام مثل ذلك غير أنه لم يذكر الأخيرة.
ذكروا عن بعضهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ذات يوم: «أيسرّكم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أيسركم أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: الناس يوم القيام عشرون ومائة صف، وأنتم منهم ثمانون صفاً». (4/279)
صفحة 1816
ذكروا عن أبي بكر قال: إن الثُّلَّتَين كلتاهما من هذه الأمة: ثلة من الأولين وثلة من الآخرين.
قوله: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ الشِّمَالِ} وهم أهل النار {فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ} في نار وحميم، أي الشراب الذي لا يستطاع من حره. قال: {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ} أي: من دخان، [واليحموم الدخان الشديد السواد] وهو قوله: {انطَلِقُواْ إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} [المرسلات: 30 - 31] يُنطَلَق بهم عند الفراغ من حسابهم ويُساقون إلى النار. ثم يبعث الله إليهم ملكاً فيقول للخزنة: {وَقِفُوهُم إِنَّهُم مَّسْؤُولُونَ} [الصافات: 24] أي: عن أعمالهم الخبيثة، فيحبسون قبل أن يصلوا إلى النار، فيخرج عنق من النار فيحبط بهم جميعاً فيغشاهم الحرّ والغشيان. وذلك قوله عز وجل: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29] ثم يخرج من النار دخان أسود مظلم غليظ شديد حتى يكون فوق رؤوسهم. ثم يتفرق ذلك الظل ثلاث فرق فوقهم على السرادقات، فينطلق كل قوم من شدة الحر الذي أصابهم من حر السرادق، فذلك قوله: {انطَلِقُواْ إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ}.
قال تعالى: {لاَّ بَارِدٍ} أي: لا بارد في الظل {وَلاَ كَرِيمٍ} أي: في المنزل. والكريم: الحسن.
قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} هو كقوله عز وجل: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً} [الانشقاق: 13]. والمترفون أهل السعة والنَّعمة في الدنيا، يعني المشركين.
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». (4/280)
صفحة 1817
قوله تعالى: {وَكَانُواْ يُصِرُّونَ} قال مجاهد: كانوا يقيمون {عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ} أي: الذنب الكبير، وهو الشرك.
{وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ آبَاؤُنَا ألأَوَّلُونَ} أي: لا نبعث نحن ولا آباؤنا.
قال الله: {قُلْ} يا محمد {إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالأَخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعلُومٍ} أي: يوم القيامة.
{ثُمَّ إِنَّكُم أَيُّهَا الضَّآلُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ}. ذكروا عن الأعمش قال: الهيم: إبل بها داء [الهيام] فإذا وجدت الماء كرعت فيه ولم ترفع رؤوسها حتى تموت. وتفسير الحسن: (الهِيمُ) الإِبل المراض التي تشرب حتى تنقطع أعناقها. وقال الكلبي: (الهِيمُ) الظمأى، أي: العطاش.
قال: {هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} أي يوم الحساب، يوم يدين اللهُ الناسَ بأعمالهم.
وحدث عن علي بن أبي طالب أنه دخل عليه رجل بعدما صلى صلاة الصبح فقال: يا أمير المؤمنين، ما بلغ عطش أهل النار. قال: فغطى وجهه بثوب، ثم بكى. حتى تعالى النهار، ثم كشف الثوب عن وجهه فقال: أين السائل عن عطش أهل النار، تعال أخبرك بما سمعت من رسول الله صلى وهو يقول: (4/281)
صفحة 1818
«إن أهل النار ليبكون الدموع في النار زماناً حتى تنفد الدموع، ثم يبكون الدم زماناً حتى ينفد الدم، ثم تقرح العيون فيصير عليها قرح فتستبين فيها القيح ما لو قذفت فيه السفن لجرت. قال: فيجتمعون فيقولون: يا معشر الأشقياء، نعم الزرع تزرعون لو كنتم في الدنيا المحروم أهلها. أما من أحد نستغيث به اليوم. فيقولون: ما نعلمه إلا أهل الجنة. يا معشر الآباء والأمهات، ويا معشر القرابة والأَنسبة، ألم نكن في الدنيا نتراحم، ألم نُسأل فنُعطِي، ألم نُظْلَم فنعفو. إنا خرجنا من الدنيا عطاشاً، وسكنا قبور عطاشاً، وخرجنا من القبور عطاشاً، ووقفنا طول الموقف عطاشاً، ثم سُحِبنا إلى النار على وجوهنا عطاشاً؛ فقد أحرقت القلوب، ونضجت الجلود، وعميت الأبصار. وصمّت الآذان، {أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ}. [الأعراف: 50]. قال: ثم يؤذن لهم بالجواب، فيقولون: {إِنَّ اللهَ حَرَّمَهَا عَلَى الْكَافِرِينَ} قال: فعند ذلك انقطع رجاؤهم وينادون بالويل والثبور والشهيق».
قال تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ} أي: فهلا {تُصَدِّقُونَ} أي: بالبعث، يقوله للمشركين.
قال تعالى: {أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ} يعني النطفة كقوله عز وجل: {نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى} [القيامة: 37] وكقوله: {مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى} [النجم: 46] قال تعالى: {ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} على الاستفهام، أي: لستم بالذي تخلقونه، ولكن نحن الخالقون.
{نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ} أي: لكل عبد وقت لا يعدو وقته، وقال: مجاهد: المتأخر منهم والمُسْتَعجِل. قال: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} أي: بمغلوبين {عَلَى أَنْ نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ} أي: آدميين خيراً منكم. يقوله للمشركين. {وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي في صورة القردة والخنازير، في تفسير الحسن. وقال مجاهد: في أي: خلق شاء.
{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى} أي: خلق آدم وذريته بعده، وقال مجاهد: (4/282)
صفحة 1819
يعني إذ لم تكونوا شيئاً. قال تعالى: {فَلَوْلاَ} أي: فهلا {تَذَكَّرُونَ} أي: فتؤمنوا بالبعث.
قال تعالى: {أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ} أي: تنبتونه، يقوله على الاستفهام {أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} أي: لستم الذين تزرعونه ولكن نحن الزارعون المنبتون.
قال: {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ} يعني الزرع {حُطَاماً} وهو كقوله عز وجل: {ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} [الحديد: 20]، وكقوله: {هَشِيماً تَذَرُوهُ الرِّيَاحُ} [الكهف: 45] {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} تفسير الحسن: تَنَدَّمَون، أي: على ما أنفقتم في الزرع. وقال مجاهد: أي: فَظَلْتُم تعجبون [المعنى تعجبون لهلاكه بعد خضرته {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} أي: غرمنا في الزرع {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أي: حرمن الزرع.
قال تعالى: {أَفَرَءَيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ} تفسير ابن عباس: المزن السحاب. وهو قول مجاهد. وتفسير الحسن: السماء. قال تعالى: {أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ} على الاستفهام، أي: لستم أنتم أنزلتموه من المزن، ولكن نحن المنزلون.
{لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} أي: مرّاً {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} أي: فهلا تؤمنون. يقوله للمشركين.
قال تعالى: {أَفَرَءَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ} أي: توقدون {ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ} أي: التي تخرج منها {أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ} أي الخالقون، يعني أم نحن المنبتون. (4/283)
صفحة 1820
{نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} أي: للنار الكبرى. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ناركم هذه التي توقدون. إنها جزء من سبعين جزءاً من نار الآخرة. قالوا يا رسول الله إن كانت لكافية. قال: فإنها فضلتها تسعة وستين جزءاً. ولقد ضرب بها في الماء مرتين».
ذكروا عن سلمان الفارسي قال: النار سوداء مظلمة ما يضيء لهبها، ثم قرأ هذه الآية: {وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} [الأنبياء: 100].
ذكر الحسن قال: كان عمر بن الخطاب إذا هم أن يوقد النار [أوقد] ثم يدني أصبعه منها فيقول: يا ابن الخطاب، ألك على هذا صبر؟.
ذكر بعضهم قال: فما ظنكم عباد الله يعبد قد جعلت في عنقه سلسلة محماة تحرق ما ظهر من جسده وما بطن؛ فلو أن حلقه من تلك السلسلة وضعت على ذروة جبل لذاب كما يذوب الرصاص، فكيف بابن آدم، وهي عليه وحده. ثم يطمس وجهه على دبره، ويجمع ما بين ناصيته وقدمه، وقرن معه شيطانه، تنازعهم الأغلال في حميم، فبئس القرناء قرنوا معه. فويل لابن آدم حين هو مسود الوجه، بادىء العورة، ذليل الجسد، كاسف البال، آيس من كل خير، مستيقن من كل شر، تسحبه الملائكة بالسلاسل في نار تغلي على القطران، والقطران يغلي على جسده.
قال تعالى: {وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} أي: يستمتعون بها. والمقوون المسافرون في تفسير الحسن.
وقال بعضهم: المقوي المسافر المرمل. والمرمل الذي قد ذهب زاده. وقال مجاهد: المقوون المستمتعون. (4/284)
صفحة 1821
قال تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} قال بعضهم: بلغنا أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في ركوعكم. ولما نزلت: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] قال: اجعلوها في سجودكم».
قوله عز وجل: {فَلآ أُقْسِمُ} وهذا قسم. وأسم ولا أقسم واحد. قال تعالى: {بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} أي نجوم القرآن، وهي تقرأ بموقع النجوم، أي بنزول الوحي، فيما ذكر عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
وتفسير الحسن: يعني الكواكب إذا انتثرت يوم القيامة. وبعضهم يقول: النجوم إذا غابت. وقال مجاهد: موقع نجوم السماء.
قال: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ} أقسم بمواقع النجوم إن هذا القرآن كريم أي: على الله. {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} أي: عند الله، بأيدي السفرة الكرام البررة. {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} أي: من الذنوب، يعني الملائكة {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} أي: نزل به جبريل. وفيها تقديم؛ يقول: نزل من رب العالمين في كتاب مكنون لا يمسّه إلا المطهّرون.
قال: {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ} يعني القرآن {أَنتُم مَّدْهِنُونَ} أي: تاركون له، يقوله للمشركين. كقوله عز وجل: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9] أي: ودوا لو تدع هذا الأمر الذي بعثت به فيدعونه. قال: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} كقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً} [إبراهيم: 28]. (4/285)
صفحة 1822
قال: {فَلَوْلآ} أي: فهلا {إِذَا بَلَغَتِ} أي النفس التي زعمتم أن الله لا يبعثها. {الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلآ} أي: فهلا {إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} أي: غير محاسبين في تفسير بعضهم: وقال بعضهم: غير مقرِّين بالبعث. وقال بعضهم: غير مملوكين {تَرْجِعُونَهَآ} يعني النفس إلى الدنيا {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: بأنكم لا تبعثون.
قال: {فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ}. وهي تقرأ على وجهين: ف (رَوْحٌ)، وف (رُوحٌ) وكان الحسن يقرأها: فرُوح، بضم الراء. وتفسير الحسن في (رُوح) الحياة الطويلة في الجنة. وبعضهم يقول: الروح: الرحمة. ومقرأ الكلبي: فَرَوْحٌ، يعني الراحة. وقال الكلبي: الريحان: الرزق.
ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحاً قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان، وربّ راض غير غضبان. يقال لها ذلك حين ينتهى بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون فلان بن فلان. فيقولون: مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب. ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان، ورب راض غير غضبان. فيقال لها ذلك، حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة.
فإذا كان الرجل السوء قالوا اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد (4/286)
صفحة 1823
الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق {وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} [سورة ص: 58]. فيقولون ذلك لها حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها. فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان. فيقال: لا مرحباً بالنفس الخبيثة، ارجعي ذميمة فإنه لن يفتح لك، فترسل بين السماء والأرض، ثم يصيران إلى القبر».
ذكروا عن الحسن أنه قرأ هذه الآية: {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ}. فقال: ذلك في الآخرة. فسأله بعض القوم فقال: أما والله إنهم ليرون عند الموت.
ذكروا عن بعض التابعين قال: إن المؤمن عند الموت يؤتى بحزمة ريحان فيشمها ثم يموت.
قال تعالى: {وَجَنَّتُ نَعِيمٍ}.
قال تعالى: {وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلاَمٌ لَّكَ [أي: فخير لك] مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} وهؤلاء أصحاب اليمين من غير المقرّبين. وهم أصحاب المنزل الثاني في هذه السورة وفي سورة الرحمن. وهي أيضاً في سورة الملائكة في المقتصد والسابق، والسابق يدخل الجنة بغير حساب. والمقتصدون هم الذي يحاسبون حساباً يسيراً، وهم أصحاب المنزل الآخر.
قال: {وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّآلِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} ذكروا عن عطاء بن السايب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وبعضهم يرفعه إلى النبي عليه السلام قال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، وإن المؤمن إذا احتضر أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وأحب الله لقاءه. . . وإن الكافر إذا احتضر كره لقاء الله وكره الله لقاءه» ثم تلا هذه الآية: {فَلَوْلآ إِذَا بَلَغَت (4/287)
صفحة 1824
الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ. . .} إلى ختام السورة.
قوله: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} أي: إن هذ الذي قصصنا عليك في هذه السورة ليقين حق] {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [أي: نزّه الله من السوء]. (4/288)
صفحة 1825
تفسير سورة الحديد، وهي مدنية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. قال بعضهم: العزيز في نقمته، الحكيم في أمره. وتفسير الحسن: العزيز: بعزته ذل من دونه.
قوله: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
قوله: {هُوَ الأَوَّلُ} [يعني قبل كل شيء] {وَالآخِرُ} [بعد كل شيء] {وَالظَّاهِرُ} [يعني العالم بما ظهر] {وَالْبَاطِنُ} [يعني العالم بما بطن] {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
ذكروا عن الحسن قال: اجتمعت أربعة أملاك فقالوا لأحدهم: من أين جئت؟ فقال: من السماء السابعة من عند ربي، ثم قالوا للثاني: من أين جئت فقال: من الأرض السابعة من عند ربي. فقالوا للثالث: من أين جئت؟ فقال: من المشرق من (4/289)
صفحة 1826
عند ربي. فقالوا للرابع من أين جئت؟ فقال: من المغرب، من عند ربي. ثم تلا هذه الآية: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ علِيمٌ}. ولا أعلمه إلا رفعه إلى النبي عليه السلام.
قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} وفيها إضمار: خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، اليوم منها ألف سنة كقوله: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47].
قال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}. ذكرو اعن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بين السماء السابعة وبين العرش كما بين سماءين» ذكروا عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: لا يعلم قدر العرش إلا الذي خلقه.
قوله عز وجل: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ} أي: ما يدخل في الأرض من المطر {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} أي: من النبات {وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ} أي: ومن وحي وغيره. {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} أي: ما يصعد إليها من الملائكة وأعمال العباد.
قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} أي: يوم القيامة.
قوله عز وجل: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} وهو أخذ كل واحد منهما من صاحبه. {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. أي: بما في الصدور.
قوله تعالى: {آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} أي بعد الأمم التي أهلك الله واستخلفكم في الذي كان في أيديهم. كقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ} [يونس: 14] قال: {فَالَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنْفِقُوا} أي: في سبيل الله {لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} أي: الجنة. (4/290)
صفحة 1827
قال عز وجل: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُم} أي: في صلب آدم عليه السلام. قال تعالى: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: إن كنتم مؤمنين بالله وبالرسول فأنتم مؤمنون بذلك الميثاق. وإن كفرتم بالله وبالرسول فأنتم كافرون بذلك الميثاق.
قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي: القرآن {لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي: من الضَّلاَلَةِ إِلَى الْهُدَى يعني من أراد الله أن يهديه. قال: {وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.
قوله عزّ وجل: {وَمَا لَكُم أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ} رجع إلى الكلام الأول: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}. قال تعالى: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} يعني يبقى بعد كل شيء ويهلك كل شيء. كقوله عزّ وجلّ: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [مريم: 40].
قال تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} [فيها تقديم: لا يستوي من أنفق منكم من قبل الفتح وقاتل]، وهو فتح مكة {أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى} أي: الجنة، من أنفق وقاتل قبل فتح مكة وبعده. قال: {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
ذكروا عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد فتح مكة».
ذكروا عن صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو ورجلين آخرين قدموا على (4/291)
صفحة 1828
النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فقال: «ما جاء بكم؟ فقالوا: سمعنا أنه لا إيمان لمن لم يهاجر. فقال: إن الهجرة قد انقطعت ولكن جهاد ونية وحسبة. ثم قال: أقسمت عليك يا أبا وهب لترجعن إلى أباطح مكة».
قوله: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} [أي: محتسباً] وهذا في لنفقة في سبيل الله وفي صدقة التطوع {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} وتفسيره في سورة البقرة: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261].
ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجازي به الجنة».
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنفق عبد من نفقة أفضل من نفقة قول».
قال تعالى: {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} أي: ثواب كريم، وهو الجنة.
قوله عز وجل: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي: يقودهم إلى الجنة {وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} أي: وبأيمانهم كتبهم وهي بشراهم بالجنة وذلك على الصراط. ومثلها في سورة يا أيها النبي لم تحرم في قوله تعالى: {يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} [التحريم: 8] قال تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} أي: النجاة العظيمة من الجنة إلى النار. (4/292)
صفحة 1829
{يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ} أهل التضييع والخيانة من أهل الإقرار {لِلَّذِينَ آمَنُوا} وهم على الصراط، يقولون للمؤمنين إذا طَفِىءَ نورُهم {انظُرُونَا} [أي: انتظرونا] {نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}. وذلك أنه يعطى كل مؤمن وكل منافق نوراً على الصراط، فيطفأ نور المنافقين ويبقى نور المؤمنين، فيقول المنافقون للمؤمنين {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} ويَحْسَبون أنه قبس كقبس الدنيا إذا طفئت نار أحدهم اقتبس فقال لهم المؤمنون، وقد عرفوا أنهم منافقون {ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ} أي إلى الدنيا {فَالْتَمِسُواْ نُوراً} أي: فمن ثَمَّ يكسب الإيمان الذي هو نور. فرجعوا وراءهم فلم يجدوا شيئاً. فهنالك أدركتهم خدعة الله. وخدعة الله إياهم قوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142].
ذكروا عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . أعطى كل إنسان مؤمن ومنافق نوراً، وتغشى ظلمة معهم المنافقين على جسر جهنم، فيه كلاليب وحسك يأخذون من شاء الله. ثم يطفأ نور المنافقين وينجو نور المؤمنين. وينجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفاً لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوإ نجم في السماء أضاء. ثم كذلك [حتى] ينجو آخر زمرة. (4/293)
صفحة 1830
وبلغنا أن النور الذي يعطى المؤمنون على قدر أعمالهم فيجوزون الصراط على قدر أعمالهم كالبرق وكالريح وكجواد الخيل وكجواد البهائم. ويسعى الرجل سعياً، ويمشي مشياً، وتزل قدم وتستمسك أخرى، ولا يجاوز نور أحدهم قدميه. وبعضهم يزحف زحفاً، وبعضهم يتلبّط على بطنه.
وقال الكلبي في الذي يزحف زحفاً: هم الذين {يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَآ}.
قوله عز وجل: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ} تفسير مجاهد: السور: الأعراف. {بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ} أي: الجنة {وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} أي: النار.
قال بعضهم: بلغنا أنه جبل أُحُد. قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أحد جبل يحبنا ونحبه. وإنه يمثل يوم القيامة بين الجنة والنار ويحبس عليه أقوام يعرفون بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة».
وتفسير الحسن: إن السور فصل بين الجنة والنار.
وبلغنا أن أصحاب الأعراف يميل بهم الصراط مرة إلى الجنة ومرة إلى النار، ثم يصيرون إلى الجنة؛ وهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقد فسّرنا أمرهم في سورة الأعراف.
قال: {يُنَادُونَهُم} أي ينادي المنافقون المؤمنين حين ضرب الله بينهم بسور: {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} أي في الدنيا، أي على دينكم، نشهد بشهادتكم، ونتنسك مناسككم {قَالُواْ} أي قال لهم المؤمنون {بَلَى} [أي فيما أظهرتم] (4/294)
صفحة 1831
{وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} أي: بالمعاصي {وَتَرَبَّصْتُمْ} أي: بالتوبة. {وَارْتَبْتُمْ} أي: وشككتم أن يعذبكم الله بعد إقراركم وشهادتكم {وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ} التي منيتم بها أنفسكم من قولكم. يهلك محمد وأصحابه فلا نستفسد إلى إخواننا من المشركين. {حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللهِ} أي: الموت وأنتم على حالكم هذه {وَغَرَّكُم بِاللهِ الْغَرُورُ} وهو الشيطان، غرّكم بوسواسه إليكم أن الله لا يعذبكم بعد إقراركم وتوحيدكم.
قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ} يا أهل النفاق لأن المخاطبة إنما كانت من الله لهم {وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} أيضاً، يعني أهل الإِنكار والجحود.
قال تعالى: {مَأَوَاكُمُ النَّارُ} يعني المنافقين والكفار والجاحدين، كقوله عز وجل: {إِنَّ اللهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} [النساء: 140] قال: {مَأَوَاكُمُ النَّارُ} أنتم المنافقون والكفار. {هِيَ مَوْلاَكُمْ} أي: كنتم تتولونها في الدنيا فتعملون عمل أهلها الذين يدخلونها اليوم، فهي مولاكم اليوم {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.
قوله: {أَلَمْ يَأنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ} والخشوع الخوف الثابت في القلب {وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} أي القرآن {وَلاَ يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ (4/295)
صفحة 1832
مِن قَبْلُ} يعني اليهود والنصارى {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ} أي: الدهر، يعني بقاءهم في الدنيا {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} فغلظت قلوبهم {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} أي: من ثبت منهم على الشرك.
وتفسير الحسن قال: نزلت هذه الآية {أَلَمْ يَأنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ} قال: نزلت والله وهم أهل الصلاة والصوم والأعمال الحسنة، وهم أصحاب النبي عليه السلام فاستزادهم بذلك.
وبعضهم يقول: نزلت في المنافقين: {أَلَمْ يَأنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: الذين أقرّوا ولم يعملوا {أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} أي: فيصدُقوا في القول والعمل كما فعل المؤمنون الذين صدَقوا الله في قولهم وعملهم.
قوله: {اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي: فكذلك يقدر أن يحيي الموتى. وقال بعضهم: وكذلك يُلين القلوبَ بالذكر بعد قساوتها. {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: لكي تعقلوا عن الله بيانه لكم.
قوله تعالى: {إِنَّ المُصَّدِّقِينَ وَالمُصَّدِّقَاتِ} أي: المتصدّقين والمتصدّقات {وَأَقْرَضُواْ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} هذا في التطوّع، أي يقدمون لأنفسهم {يُضَاعَفُ لَهُمْ} أي: يضاعف لهم الثواب عليه {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} أي ثواب كريم، أي: الجنة.
قال تعالى: {وَالذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} أي: صدِّقوا بما جاء من عند الله، وعملوا بما صدّقوا به {وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ} أي: الذين يقاتلون في سبيل الله.
وتفسير الشهداء: يشهدون كرامة الله، في تفسير الحسن. وقد ترجى الشهادة لأقوام لم يُقتلوا في سبيل الله سيُلحقهم الله بالشهداء. (4/296)
صفحة 1833
ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوماً: «ما الشهيد عندكم؟ قالوا: القتيل في سبيل الله. فقال: إن شهداء أمتى إذاً لقليل. ثم قال: القتيل في سبيل الله شهادة، والبطن شهادة، والطاعون شهادة، والغرق والحرق شهادة، النِّفاس شهادة، والسّلّ شهادة».
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بين حياة الشهيد في الدنيا وحياته في الآخرة إلا كمضغ تمرة».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد القرصة».
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل الشهادة صادقاً من قِبَل نفسه فله أجر الشهيد وإن مات على فراشه».
ذكروا عن الحسن أنه قرأ هذه الآية: {الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّذِّيقُونَ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ} فقال: كل مُّؤمن شهيد وإن مات على فراشه. [وتفسير مجاهد في قوله: (وَالشُّهَدَاءُ): يشهدون على أنفسهم بالإِيمان].
قال تعالى: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} قال: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآيَاتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}. (4/297)
صفحة 1834
قوله: {اعْلَمَُواْ أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} أي: إنما أهل الدنيا أهل لعب ولهو، [يعني المشركين] {وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ} أي: مطر {أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} يعني ما أنبتت الأرض من ذلك المطر {ثُمَّ يَهِيجُ} ذلك النبات {فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً} أي: يصفار {ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} [أي: متكسّراً ذاهباً] كقوله: {هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} [الكهف: 45] {وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي: للكافرين {وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ} أي: للمؤمنين. {وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} أي: يغترّ بها أهلها.
ذكروا عن أبي عبد الله قال: سمعت أبا الدرداء يقول: الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما أوى إليه ذكر الله.
ذكرو عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».
قوله: {سَابِقُوا} أي: بالأعمال الصالحات {إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ} يعني جميع السماوات وجميع الأرضين مبسوطات كل واحدة إلى جانب صاحبتها. هذا عرضها، ولا يصف أحد طولها. وقال في آية أخرى: {عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ والأَرْضُ} [آل عمران: 133] أي: الأرضين السبع.
قال تعالى: {أُعِدَّت لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ}. ذكروا عن الحسن قال: أرض الجنة رخام من فضة، وترابها مسك أذفر أشد بياضاً من جواريكم هذه، وحيطانها لبنة (4/298)
صفحة 1835
من ذهب ولبنة من فضة، وبلاطها المسك الأذفر. وجذوع نخلها ذهب، وسعفها حلل، ورطبها مثل قلال هجر، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد، وإن أدنى أهل الجنة منزلاً آخرهم دخولاً، فيعطى فيقال له: انظر ما أعطاك الله، فيفسح له في بصره فينظر إلى مسيرة خمسمائة سنة كله له، ليس فيه شبر إلا وهو عامر قصور الذهب والفضة وخيام الياقوت، فيه أزواجه وخدمه، يغدى عليه كلَّ يوم بسبعين ألف صحفة من ذهب، ويُراح عليه بمثلها، في كل واحدة منها لون ليس في صاحبتها، يأكل من آخرها كما يأكل من أولها. لو نزل به الجن في غداء واحد لوسعهم، ولا ينقص ذلك مما عنده شيئاً.
بلغنا أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} قال: «هي مائة درجة كل درجة منها عرضها السماوات والأرض».
قال: {ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَّشآءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.
قوله: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ} يعني الجدوبة ونقص الثمار {وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ} يعني الأمراض والبلايا في الأجساد {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} أي: من قبل أن نخلقها. تفسير الحسن: من قبل أن يخلق الله تلك النفوس. وبعضهم يقول: من قبل أن يخلق الله السماوات والأرض. {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ} أي: هيّن.
تفسير الحسن: إن الله كتب عنده كتاباً: إن ذنب كذا وكذا عقوبته كذا وكذا. فيعفو عن أكثر ذلك ويعاقب من ذلك ما يشاء؛ وهو قوله: {وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30].
قال تعالى: {لِكَيْلاَ تَأْسَوْا} أي: لكي لا تحزنوا {عَلَى مَا فَاتَكُمْ} أي: من الدنيا، أي فيما أصابكم في الأرض وفي أنفسكم. أي: فيعلمون أن ذلك بذنب، (4/299)
صفحة 1836
فيعتبرون ويتوبون. {وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَآ آتَاكُمْ} أي: من الدنيا.
ذكروا عن الحسن عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما أبالي على أي حال رجعت إلى أهلي؛ لئن كانوا على عسر إني أنتظر اليسر، وإن كانوا على يسر إني لأنتظر العسر.
وبلغنا أن حذيفة قال: إن أقرّ أيامي لعيني يوم أرجع إلى أهلي وهم يشكون إلي الحاجة.
ذكروا أن. . . امرأة مسروق، قالت: ما قلت لمسروق قط: ما أصبح لعيالك اليوم رزق إلا تبسّم ضاحكاً وقال: أما والله ليأتينهم الله برزق.
وبلغنا أن عمر بن الخطاب قال: والله ما أبالي أي حال سبق إلي: يسر أم عسر، لأن أحدهما يتلو صاحبه، ثم تلا هذه الآية: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} [الشرح: 5 - 6]. قال تعالى: {وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}.
قوله: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} يعني اليهود يأمرون إخوانهم بالبخل، أي: بكتمان ما في أيديهم من نعت محمد عليه السلام، وبالإِسلام وبالزكاة. قال: {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ} أي عن خلقه {الْحَمِيدُ} أي المستحمد إلى خلقه، أي: أوجب عليهم أن يحمدوه.
قوله عز وجل: {لَقَد أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ} أي: وجعلنا معهم الميزان، وهو العدل. كقوله: {وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} [الرحمن: 7] أي: وضع الميزان في الأرض {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ} أي: بالعدل. {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ} أي: وجعلنا الحديد، أخرجه الله من الأرض {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} يعني السلاح من السيوف والدروع وغيرها. وقال في الدروع، {لِتُحْصِنَكُم مِّن (4/300)
صفحة 1837
بَأْسِكُمْ} [الأنبياء: 80] والبأس: القتال، وجعل فيه أيضاً جُنَّة من القتل والدروع وما حرمته. {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} يعني ما ينتفعون به من الحديد في معايشهم.
قال: {وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} أي بالإيمان بالغيب. والغيب: البعث والحساب والجنة والنار. فإنما ينصر الله ورسلَه من يؤمن بهذا، وهذا علم الفعال. قال: وليعلمنكم الله ناصرين دينه ورسله أو تاركين نصرتهما. قال: {إِنَّ اللهَ قَوِيُّ} أي: في سلطانه {عَزِيزٌ} أي: في نقمته.
قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} فكان أول كتاب نزل فيه الحلال والحرام كتاب موسى. قال: {فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ} أي من ذريتهما {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ} أي: من ذريتهما {فَاسِقُونَ} أي: مشركون ومنافقون.
قال تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا} أي: جعلنا الرسل تبعاً يقفو بعضُها بعضاً، أي: بعضها على أثر بعض كالذي يقفو صاحبه {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} من بعدهم {وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} أي: يرأف بعضهم ببعض، ويرحم بعضهم بعضاً، كقوله عز وجل: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكُفَّارِِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29].
ثم استأنف الكلام فقال: {وَرَهْبَانِيَةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} أي: ما فرضناها عليهم، أي: إنما ابتدعوها {إِلاَّ ابْتِغَآءَ رِضُوَانِ اللهِ} ليتقرَّبُوا بها إلى الله. قال الحسن: ففرضها الله عليهم حين ابتدعوها. قال: {فَمَا رَعَوْهَا} يعني الرهبانية {حَقَّ رِعَايَتِهَا} ولا ما فرضنا عليهم، أي: ما أدوا ذلك إلى الله. {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} قال: {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} أي: مشركون ومنافقون. وهو فسق دون فسق، وفسق فوق فسق. (4/301)
صفحة 1838
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لكل أمة رهباينة ورهبانية أمتي الجهاد».
قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} أي أجرين {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} أي: ويجعل لكم إيماناً [تهتدون به] كقوله عز وجل: {أَوَ مَن كَانَ مَيتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام: 122] {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: لمن تاب.
قوله: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} أي: ليعلم أهل الكتاب. وهذه كلمة عربية (لِئَلاَّ يَعْلَمَ) وَ (لِيَعْلَمَ) بمعنى واحد. وهو كقول الرجل: أجل، وأجل لا، ويقول الله: (لاَ أُقْسِمُ) وأقسم، وهذا قسم، وهو واحد. {أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ} أي: إنهم لا يقدرون على شيء. {مِّن فَضْلِ اللهِ}. قال تعالى: {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَّشَآءُُ} ذكروا عن نافع عن [ابن عمر عن] النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى قبلكم كرجل استأجر عمالاً فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود إلى نصف النهار. ثم قال: من يعمل من نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط، فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط. ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين قيراطين. ألا وأنتم أصحاب القيراطين، ألا فلكم الأجر مرتين. فغضبت اليهود والنصارى فقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل أجراً. قال: فهل ظلمتكم من حقكم شيئاً. قالوا: لا. قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء». (4/302)
صفحة 1839
قالت العلماء: فالنهار في هذا اثنتا عشرة ساعة. وكانت لليهود ست ساعات إلى نصف النهار. ثم كانت للنصارى من بعدها أربع ساعات من نصف النهار إلى صلاة العصر. ولأمة محمد عليه السلام ساعتان من صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس.
ذكروا عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما آجالكم في آجال من مضى قبلكم كما بين صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس».
ذكروا عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً من آخر النهار حين صارت الشمس على سعف النخيل وعلى شرف المسجد: «إنما بقي من زمانكم هذا فيما مضى منه كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه».
ذكروا عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: وقفت مع النبي عليه السلام عشية عرفة حتى إذا تدلت الشمس إلى الغروب واصفرت وعادت كالورس قال: «إنما بقي من الدنيا فيما مضى كما بقي من شمس يومنا هذا».
قال: {وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} فلا أعظم منه ولا أجل سبحانه. (4/303)
صفحة 1840
تفسير سورة المجادلة، وهي مدنية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}. كان طلاق أهل الجاهلية ظِهاراً؛ يقول الرجل: أنتِ عليّ كظهر أمي.
وكانت خويلة بنت ثعلبة تحت أوس بن الصامت فظاهر منها. فأتت التي عليه السلام فقالت: يا رسول الله، إنه حين كبرت سني ظاهر مني زوجي، فلم يجر عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فأنزل الله آية الظهار.
وفي تفسير الكلبي: إن من قولها لرسول الله عليه السلام: فهل من شيء يجمعني وإياه يا رسول الله، فقال لها: «ما أمرتُ فيكِ بشيء، ارجعي إلى بيتك فإن يأتني شيء أعلمتك به» فلما خرجت من عنده رفعت يديها إلى السماء تدعو الله فأنزل الله: {قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}.
قال: {وَتَشْتَكِي إلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ الَّذِينَ (4/304)
صفحة 1841
يَظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُم إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً} أي: كذباً حيث يقول: أنتِ علي كظهر أمي، يحرّم ما أحلّ الله. قال: {وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}.
قوله: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} أي: يعودون إلى ما حرّموا، أي: يريدون الوطء {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً}. ذكروا عن الحسن قال: الظهار من كل ذات محرم. ويقول: إذا جعل امرأته عليه كظهر فلانة، لِمحرَم منه، أو سمّى أمَّه، فهو ظهار.
قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} قال بعضهم: يجزي الصبي في كفارة الظهار وكل نسمة، صغيرة أو كبيرة، فهي تجزي في عتق الظهار. ويجزي أيضاً عتق يهودي أو نصراني. ولا تجزى أم الولد ولا المدبَّر.
وكان إبراهيم يقول في الذي لا يجد رقبة فيصوم شهرين متتابعين، إن مرض قبل الفراغ من الشهرين وأفطر فإنه يستأنف الصوم شهرين متتابعين. وإن أيسر العتق قبل أن يفرغ من الشهرين أعتق.
وقال أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة: إذا صام فمرض قبل أن يفرغ من الشهرين، فإذا صح فليبن على ما صام قبل أن يمرض، فذلك يجزيه؛ وليس بأشدَّ من رمضان. وبهذا نأخذ، وعليه نعتمد وهو قول العامة من فقهائنا.
قوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً}. (4/305)
صفحة 1842
ذكروا عن عطاء قال: سمعت أبا هريرة يقول: ثلاثة أشياء منهن مدّ مدّ: كفارة الظهار، وكفارة اليمين، وفدية الصيام.
ذكروا عن أبي زيد المدني أن رجلاً ظاهر من امرأته فلم يكن عنده ما يعتق ولم يستطع الصيام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدق بثلاثين صاعاً من شعير على ستين مسكيناً، ولكل مسكين مدان حتى يكون مكان كل مد مدان».
ذكروا أن أوس بن الصامت ظاهر من امرأته، فلم يقدر على رقبة، فلم يستطع الصوم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر صاعاً من تمر فقال له: «تصدق به على ستين مسكيناً، ولكل مسكين مد».
قال الحسن: إذا ظاهر الرجل من امرأته، فإن كان لم يمسّها قط فلا ظهار عليه، وإن كان قد مسّها مرة واحدة فعليه الكفارة.
قال إبراهيم: ليس في الأَمَة ظهار.
ذكروا عن نصر بن طريف عن عبد الله بن أبي مليكة عن ابن عباس قال: من شاء باهلته عند الحجرات أن الله لم يجعل في الأَمَةِ ظهاراً. والكوفيون يقولون: لا ظهار عليه من أمته إلا أن تكون زوجته أمة فيجب عليه منها الظهار لأنها زوجة. وقال أبو عبيدة: الظهار عليه من أمته زوجة كانت أو غير زوجة. (4/306)
صفحة 1843
ذكر الحسن عن عمر بن الخطاب في رجل ظاهر من أربع نسوة بكلام واحد قال: عليه أربع كفارات. وقال بعضهم: إذا أجمل فكفارة واحدة، وإذا فرق فأربع كفارات، وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا.
ذكروا عن علي قال: إذا ظاهر الرجل من امرأته مراراً في مقعد واحد في شيء واحد، فكفارة واحدة، وإذا ظاهر في مقاعد شتى في شيء واحد، فعليه كفارات شتى.
قوله عز وجل: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ} أي: أحكام الله التي حدَّ في الظهار من العتق والصيام والإطعام.
قال تعالى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع.
قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} أي يعادون الله ورسوله {كُبِتُواْ} أي: أُخزوا {كَمَا كُبِتَ} أي: أُخزيَ {الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي: القرآن {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} وقد فسّرنا مهيناً.
{يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ} أي: أحصى عليهم ما عملوا في الدنيا ونسوه. {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي: شاهد على أعمالهم.
قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ} أي: يتناجون، أي: يتسارون {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ} أي حاضرهم ولأعمالهم {وَلآ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلآ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} في سرِّهم وعلانيتهم. قال: {إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. (4/307)
صفحة 1844
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُواْ عَنِ النَّجْوَى} وهم اليهود، نهوا أن يتناجوا بمعصية الله ومعصية الرسول وعن الطعن في دين الله {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [الإِثم: المعصية، والعدوان: الظلم] {وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ}. قال تعالى: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ}. كانوا يسلمون على النبي عليه السلام وأصحابه فيقولون: السام عليكم. والسام: الموت، في قول بعضهم، وتأويله في قول بعضهم: إنكم ستسأمون، أي: تملون هذا فتدعوه. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم على حد السلام. فأتاه جبريل فقال: إنهم ليسوا يقولون ذلك على وجه التحية، فقال النبي عليه السلام لأصحابه: «إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا عليك. أي: عليك ما قلت».
قال تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ} أي: هلا {يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ} من السام، أي: إن كان نبياً فسيعذبنا الله بما نقول. قال الله تعالى: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.
قوله: {يَآ أَيَّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} [يعني الذين أقروا بالألسنة] {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} أي: كما صنعت اليهود من هذه النجوى التي ذكروا. قال: {وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي: يوم القيامة.
{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ}.
تفسير الحسن أن رجلاً من المسلمين كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستخليه (4/308)
صفحة 1845
لحاجته، فكان الشيطان يوقع في قلوب المؤمنين الحزنَ، يقول: إن صاحبكم هذا إنما خلا برسول الله ليبغّضكم عنده، قال تعالى: {وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ} ذلك، أي الذي وقع في قلوبهم، {شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} فأراد أن يعصم المؤمنين ألا يستخلي أحد منهم بالنبي عليه السلام.
وقال الكلبي في قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ. . .} إلى آخر الآية: إن المنافقين كانوا إذا غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعث سرية يتغامزون بالرجل إذا رأوه وعلموا أن له حميماً في الغزو، فيتناجون وينظرون إليه، فيقول الرجل: ما هذا إلا لشيء قد بلغهم عن حميمي، فلا يزال من ذلك في غم وحزن حتى يقدم حميمه. فأنزل الله هذه الآية.
قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي المَجَالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ}. قال الحسن: هذا في القتال؛ كانوا يكونون في مصافّهم فيجيء الرجل فيقول: وسّعوا، ولا يوسّعون له، كلهم يرغب في الشهادة، فأنزل الله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي المَجَالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ} أي إذا قيل انهضوا إلى قتال عدوكم فانهضوا. ونظيرها في سورة آل عمران. {وَإِذْ غَدَوْتَ مِن أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121] والمقاعد والمجالس واحد.
وتفسير مجاهد: يعني مجلس النبي عليه السلام {وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ} إلى كل خير من قتال عدو، أو أمر معروف ما كان.
وتفسير الكلبي: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي المَجَالِسِ} أي: مجلس النبي عليه السلام {فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ} أي: ارتفعوا إلى الصلاة وإلى ما سواها من الخير فارتفعوا.
قال: {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} أي: في الجنة {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. (4/309)
صفحة 1846
ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} أي: على الذين آمنوا الذين ليسوا بعلماء.
ذكروا عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: العالم أفضل من المجاهد؛ يقول الله عز وجل: {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ} فقد دخل فيهم المجاهد، قال: {وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} أي: على غيرهم.
وبلغنا عن رجل من أصحاب النبي عليه السلام أو التابعين قال: أفضل الناس العلماء والشهداء، أما العلماء فأخبروا بما جاءت به الرسل، وأما الشهداء فإنهم قاتلوا على ما جاءت به الرسل.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فضل العالم أحب إلي من فضل العابد. قيل له: لِمَ؟ قال: لأنه أورع لله عن محارمه».
ذكروا عن بعضهم قال: موت العالم أحب إلى إبليس من موت ألف عابد.
ذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: معلِّم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر.
ذكر الزهري قال: ذهب أبي بن كعب ليركب، فأمسك له ابن عباس الركاب فقال له: مه يا ابن أخي. فقال له ابن عباس: إن الله يحب أن يعظم حق خيار المسلمين. وبلغنا أن النظر في وجه الفقيه عبادة. (4/310)
صفحة 1847
ذكروا عن ليث بن أبي سليم عن عبد الله بن أبي سليم عن عمار بن ياسر قال: ثلاثة لا يَستخِفّ بحقّهم إلا منافق: الإِمام المقسط، وهو إمام الهدى، وذو الشيبة المسلم، ومعلّم الخير.
ذكروا ن أبي الدرداء قال: ويل لمن لا يعلم مرة، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات.
ذكروا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه».
ذكروا عن أنس بن مالك أن رجلاً تجر مصارنه في النار يتأذى أهل النار من نتنه. قيل له: من هو؟ قال: من علم علمه ولم يعمل به.
ذكروا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقول لرجل كان عالماً: ما صنعت فيما آتيتك؟ فيقول: بيّنت علمي وعبدتك حتى جاءني الموت. فيقول: كذبت، بل أردت أن يقال: فلان عالم، فلان مصل، وقد قيل ذلك، اذهبوا به إلى النار».
ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تعلّم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه فله النار».
ذكروا بعضهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يبتغ العلم أو الحديث ليحدّث به الناس لم يرح رائحة الجنة». (4/311)
صفحة 1848
ذكروا عن أبي هريرة أنه قال: إن أخوف ما أخاف يوم القيامة أن يقال: يا عويمر، قد علمت، فماذا عملت فيما علمت.
يحيى عن الخليل بن مرة عن عمران القصير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي».
قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ} أي: لذنوبكم. ولم يكن فيها شيء مؤقت. ولكن ما قل أو كثر. فكان الرجل يستخلي بالنبي عليه السلام في اليوم مراراً لحوائجه فلا يستطيع أحد أن يخلو به حتى يقدم بين يدي نجواه صدقة.
وبلغنا أن أول من قدم بين يدي نجواه صدقة علي بن أبي طالب. فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لا بد لنا منك لحوائجنا أن نستخلي فيها يا رسول الله، وكلما أردنا أن نستخلي لحوائجنا أردنا أن نقدم بين يدي نجوانا صدقة، فإنا والله ما نطيق ذلك، وإن أموالنا لا تطيق ذلك، فأنزل الله: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ} أي: دون أن شكوتم فقلتم إن أموالنا لا تطيق ذلك {وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاة} أي: إن ذلك يضع عنكم هذه الصدقات، وهي الصلاة المكتوبة والزكاة المفروضة.
وقال بعضهم: كان الناس أحفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسألة ففطمهم الله عنه (4/312)
صفحة 1849
بهذه الآية: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} فكان أحدهم لا يسأل النبي عليه السلام حاجة حتى يقدم بين يدي نجواه صدقة. فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله هذه الآية فنسختها: {ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} أي: أتموا الصلاة {وَآتُواْ الزَّكَاةَ} أي: أتموا الزكاة. قال تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ} وهم المنافقون وَادُّوا المشركين وناصحوهم فأدّوا إليهم أخبار المؤمنين وأسرارهم. قال: {مَّا هُم مِّنكُمْ} يقوله للمؤمنين: ما هم منكم أي ليسوا من المؤمنين في الاسم والثواب [ما هم منكم في باطن أمرهم، إنما يظهرون لكم الإيمان وليس في قلوبهم] {وَلاَ مِنْهُمْ} يعني من المشركين [في ظاهر أمرهم لأنهم يظهرون لكم الإِيمان ويسرون معهم الشرك]. ليسوا من المشركين في الحكم والسيرة. كقوله تعالى: {مُّذَبْذَبِينَ بَينَ ذَلِكَ لآ إِلَى هَؤُلآءِ وَلآ إِلَى هَؤُلآءِ} [النساء: 143]. قال: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي وهم يعلمون أنهم كاذبون فيما حلفوا عليه، أي أنهم منكم وليسوا منكم. كقوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلاَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} [التوبة: 56].
قال عز وجل: {أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ} أي: حلفهم {جُنَّةً} وهو كقوله: {إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المْنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1].
وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا إذا أتينا المشركين شهدنا إنك لرسول الله، (4/313)
صفحة 1850
فكذبهم الله في الذي قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عز وجل: {إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ} أي: إنا شهدنا بذلك عند المشركين. قال عز وجل: {وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المْنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} أي فيما ذكروا لك أنهم يشهدون عند المشركين إنك لرسوله. وكانوا يحلفون للنبي وللمؤمنين ليصدقوهم، فقال: {اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ} أي حلفهم لك {جُنَّةً} اجتنوا بها منكم، وأسروا نفاقهم ولم يظهروه. لكي لا يقتلوا [ولا تسبى ذريتهم ولا تؤخذ أموالهم]، إذا أظهروا نفاقهم لأنهم يعلمون أن الحكم فيهم إذا أظهروا نفاقهم القتل. كقوله تعالى: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً. سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ} [الأحزاب: 60] أي: هكذا سنة الله في منافقي كل أمة خلت من قبل: القتل إن لم ينتهوا عن إظهار نفاقهم. وكذلك سنته في منافقي أمتك إن لم ينتهوا عن إظهار نفاقهم.
قال تعالى: {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ} أي: عن الإسلام، كانوا يصدون عنه قال: {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينُ} أي: من الهوان في عذاب جهنم.
{لَّن تُغْنِيَ عَنْهُم أَمْوَالُهُمْ وَلآ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئاً أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
قال تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً} أي: يوم القيامة {فَيَحْلِفُونَ لَهُ} أي: إنهم كانوا في الدنيا مؤمنين، أي: بالآخرة، بالإِقرار الذي كان منهم {كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ} أنتم في الدنيا فتقبلون منهم {وَيَحْسَبُونَ} أي: يحسب المنافقون {أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ} أي: أن ذلك يجوز لهم عند الله كما جاز لهم عندكم في الدنيا إذا أقرّوا بإقراركم، وادّعوا ملتكم، فقالوا: إنهم مؤمنون حيث أقروا بالإِيمان وجرت عليهم أحكامه. (4/314)
صفحة 1851
قال تعالى: {أَلآ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} أي: إذا ظنوا أنهم على شيء ولم يعملوا بفرائض الله ويوفوا كوفاء المؤمنين كقوله: {يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ} [المائدة: 68] أي: حتى تعملوا بما عهد إليكم ربكم في كتبه التي أنزل على أنبيائه. ثم قصد إلى المسليمن فقال: {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} يقول: وأنتم أيضاً يا معشر من أقر للنبي عليه السلام بما جاء لستم على شيء، أي: لستم مؤمنين حتى تقيموا ما أنزل إليكم من ربكم في كتابه الذي أنزل إليكم وما عهد إليكم على لسان نبيه.
قال تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ} أي: غلب واستولى عليهم، فأنساهم أن يذكروا الله في كل ما عهد إليهم فيؤمنوا به على حال ما فرضه عليهم.
قال: {أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ} أي: شيعة الشيطان {أَلآ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أي: خسروا أنفسهم فصاروا في النار وخسروا الجنة.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} أي: يعادون الله ورسوله {أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ} أي: أذلّهم الله {كَتَبَ اللهُ} أي: فرض الله {لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ (4/315)
صفحة 1852
قَوِيُّ} في سلطانه {عَزيزٌ} في نقمته.
قوله عز وجل: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ} أي يحبون، من المودة والمحبة {مَنْ حَآدَّ} أي من عادى {اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}.
تفسير الحسن: إنهم المنافقون يوادون المشركين.
وتفسير الكلبي: إن هذا نزل في أمر حاطب بن أبي بلتعة حيث كتب إلى أهل مكة ينذرهم خروج النبي عليه السلام إليهم؛ وتفسيره في سورة الممتحنة.
قال تعالى: {أُوْلَئِكَ كَتَبَ} أي: جعل {فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ} وهم المؤمنون الذين لا يوادون المشركين. قال تعالى: {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} وقد فسّرنا أمرها في غير هذا الموضع.
قال: {رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ} أي: بأعمالهم {وَرَضُواْ عَنْهُ} أي: بثوابه إياهم. {أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ} أي: جند الله {أَلآ إِنَّ حِزبَ اللهِ} أي جند الله {هُمُ المُفْلِحُونَ} أي: السعداء، وهم أهل الجنة، صاروا إلى دار القرار، ودار السعادة، ودار الخلود؛ فطوبى لهم. (4/316)
صفحة 1853
تفسير سورة الحشر وهي مدنية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. تفسير الحسن قال: العزيز: بعزته ذلّ من دونه. وقال بعضهم: العزيز في نقمته، الحكيم بأمره.
قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ} تفسير الحسن: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لَمَا أَجلى بني النَضير إلى الشَام قال: «هذا أول الحشر، ونحن على الأثر إن شاء الله» يعني أمته الذين تقوم عليهم الساعة بالشام.
وبعضهم يقول: يبعث الله النار قبل أن تقوم الساعة تطرد الناس إلى الشام، تنزل معهم إذا نزلوا، وترحل معهم إذا ارتحلوا. تطردهم إلى الشام، ثم تقوم عليهم الساعة بالشام.
وبعضهم يقول: كان بنو النضير أولَ من أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود.
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلماً» فَقُبض قبل أن يفعل. (4/317)
صفحة 1854
ذكروا عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي عليه السلام أنه أمر أن يُخرج اليهود من جزيرة العرب.
قوله تعالى: {مَا ظََنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} أي: ما ظننتم أن يحكم الله بأن يُجلوا إلى الشام. {وَظَنُّواْ} أي اليهود، يعني بني النضير {أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} أي: لم يكونوا يحتسبون أن يخرجوا من ديَارهم ومن حصونهم.
قال تعالى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ} أي: يخربونها من داخل، يقولون: لا نتركها للمؤمنين. قال تعالى: {وَأَيْدِي الْمُؤمِنِينَ} أي: يخربها المؤمنون من خارج في تفسير الحسن.
وقال الكلبي: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسير إلى بني النضير درّبوا الأزقة وحصّنوا الدور، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلهم إحدى وعشرين ليلة؛ كلما ظهر على دار من دورهم أو درب من دروبهم هدمه ليتسع المُقَاتَل وجعلوا ينقبون دورهم من أدبارها إلى الدار التي تليها ويرمون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بنقضها، فلما يئسوا من نصر المنافقين، وذلك أن المنافقين كانوا واعدوهم إن قاتلهم النبي عليه السلام أن ينصروهم، فلما يئسوا من نصرهم سألوا نبي الله عليه السلام الصلح. فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة. فصالحوه على أن يجليهم إلى الشام على أن لهم أن يحملوا. (4/318)
صفحة 1855
كل ثلاثة منهم، على بعير واحد، ما شاءوا من طعام وسقاء، ولنبيِّ الله وأصحابه ما فضل؛ ففعلوا.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الصلح فأبوا. فلما رآهم لا ينزلون من حصونهم أمر بنخلهم فعُقِرت. فعقر يومئذ من صنوف التمر غير العجوة. فلما رأوا أنه قد ذهب بعيشهم هبطوا إلى الصلح على أن يجليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشام، وشارطهم على أن لهم ما حمل الظهر، سوى الحلقة والكراع. وزعم بعضهم أن الحلقة الدروع والسلاح كله. فاحتملوا شروطهم حتى إنهم لينقضون سقوفهم. وفيهم أنزل الله: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ}.
قال تعالى: {فَاعْتَبِرُواْ} أي تفكّروا واعرفوا الحق {يَآ أُولِي الأَبْصَارِ} أي: يا أهل العقول. يعني المؤمنين.
قال تعالى: {وَلَوْلآ أَن كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلآءَ} أي: ولولا حكمِ الله بالجلاء، أي: بالخروجِ إلى الشام {لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} أي: بالقتل والسباء {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ اللهَ وَرَسُولَهُ} أي: فارقوا الله ورسوله {وَمَن يُّشَآقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
قوله: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ} أي: إن (4/319)
صفحة 1856
الله أذن لكم في ذلِكَ فجعل ذلك إليكم: أن تقطعوا إن شئتم وأن تتركوا إن شئتم. قال تعالى: {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ}.
ذكروا عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرّق نخل بني النضير وترك العجوة وهي التي يقول فيها الشاعر:
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيّ ... حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد يومئذ من صنوف النخل غير العجوة وترك العجوة.
ذكروا عن عكرمة أنه قال: كل ما كان دون العجوة من النخل فهو لينة.
وتفسير مجاهد أن المهاجرين وقعوا في النخل، فنهاهم بعضهم عن قطع النخل وقالوا: إنما هي مغانم للمسليمن. وقال الذين قطعوا: بل هي غيظ للعدو، فأنزل الله تصديق من نهى عن قطعه و [تحليل] من قطعه من الإِثم [وإنما قطعه وتركه بإذنه].
ذكروا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العجوة من الجنة، وهي شفاء من السم». (4/320)
صفحة 1857
قال تعالى: {وَمَآ أَفَآءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا َرِكَابٍ وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَآءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. فظَن المسلمون أنه سيقسمه بينهم جميعاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار إن شئتم أن أقسم لكم وتقرون المهاجرين معكم في دياركم فعلت، وإن شئتم عزلتهم وقسمت لهم هذه الأرض والنخل. فقالوا يا رسول الله، بل أقرهم في ديارنا واقسم لهم الأرض والنخل. فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين.
قوله تعالى: {مَّآ أَفَآءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [تفسير قتادة: لما نزلت هذه الآية كان الفىء في هؤلاء كلهم فلما نزلت الآية في الأنفال: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءِ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41] نسخت الآية الأولى وجعلت الخمس لمن كان له الفيء فصار ما بقي من الغنيمة لأهل القتال.
قال بعضهم: وكتب عمر بن عبد العزيز: إن كلا الآيتين واحدة لم تنسخ إحْدَاهُمَا الأخرى.
وتفسير الحسن إن الفيء الجزية، ولا يجعلها منسوخة. قال: {مَآ أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} فهذا سهم واحد. قال: {وَلِذِي الْقُرْبَى} أي: قرابة النبي عليه السلام، {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}.
ذكروا أن نجدة بن عامر كتب إلى ابن عَباس يَسأله عن سهم ذوي القربى فكتب إليه: إنا كنا نراها قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى ذلك علينا قومنا. (4/321)
صفحة 1858
ذكروا أن أبا بكر وعمر حملا عليه في سبيل الله.
قال: [يحيى] وبلغني عن الحسن أنه قال: يعطى منه قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال في ابن السبيل: هو الغازي يعطى منه إذا احتاج وإن كان في بلده غنيا.
قال تعالى: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} يعني الفيء فلا يكون فيه للفقراء والمساكين حق.
قال تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} نزلت في الغنيمة صارت بعد في جميع الدين. {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ} من الغلول {فَانتَهُواْ} وهي بعد في جميع الدين. {وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} أي: إذا عاقب.
ثم قال: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} أي: وللفقراء المهاجرين، رجع إلى أول الآية: {مَآ أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَاليَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} وللفقراء المهاجرين. ثم قال: {وَالذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ والإِيمَانَ} أي: وللذين تبوءوا الدار، تبعاً للكلام الأول. . . إلى قوله: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ثم قال الله عز وجل: {وَالذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ} أي: وللذين جاءوا من بعدهم تبعاً للكلام الأول أيضاً. قال [بعضهم]: فلم يبق أحد إلا وله في هذا المال حق. وهذا تفسير الحسن.
ذكروا أن عمر بن الخطاب قال: ما من أحمر ولا من أسود إلا يملكون فيئه. أي: إلا وله في هذا المال حقه، أُعطِيَه أو مُنِعَه. ولئن عشت إن شاء الله ليأتين الراعي باليمن حقه منه قبل أن يسأله أو يحمرّ فيه وجهه. (4/322)
صفحة 1859
[ابن لهيعة عن أبي الأسود قال: أدركت زمان عثمان بن عفان وما من المسلمين أحد إلا وله في مال الله حق].
قوله: {وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه لعن المتفلجات والمتوشمات والمتنمصات المغيرات خلق الله. فجاءته امرأة من بني أسد فقالت: أنت الذي تقول: لعن الله المتفلجات والمتوشمات والمتنمصات المغيرات خلق الله؟ فقال: ألا ألعنُ من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقال بعضهم: قال: يسعنى أن ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت هذا فيه. فقال إن كنت قرأت ما بين اللوحين إنه لفيه. أما وجدت: {وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} قالت بلى. فقالت: والله إني رأيت امرأتك تفعله. قال: اذهبي وانظري إليها. فإن رأيت فيها شيئاً من ذلك لم تصحبني. فدخلت فنظرت فلم تر شيئاً. ثم رجعت فقالت: ما رأيت فيها شيئاً من ذلك.
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا هل عسى رجل أن يكذبني وهو متكىء على حشاياه، يبلغه الحديث عني فيقول: كتاب الله ودعونا من حديث رسول الله».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم. فقال زياد بن لبيد: أيرفع العلم يا رسول الله ونحن نقرأ القرآن إيماناً ولسانا. فقال: ثكلتك أمك يا (4/323)
صفحة 1860
زياد بن لبيد، قد كنت أعدك من فقهاء المدينة. أوليس كتاب الله عند اليهود والنصارى فما أغنى عنهم. إن ذهاب العلم ذهاب العلماء».
ذكروا عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا ينزع العلم عنكم بعد أن أعطاكموه انتزاعاً، ولكن ينزعه عنكم بقبض العلماء. أي: يذهب العلماء بعلمهم ويبقى الناس جهالاً يستفتون فيقولون برأيهم فيضلون ويُضلون.»
قال عروة: فحدثت بذلك عائشة فقالت: والله لقد حفظ عبد الله.
ذكر غير واحد، وذكروه عن عمر بن الخطاب قال: أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها فسُئلوا فقالوا برأيهم فضلوا وأضلوا.
ذكروا عن بعضهم قال: ما حدثك به أصحاب النبي عليه السلام فحدِّث.
ذكروا عن الحسن عن أبي مسلم الخولاني قال: مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدي بها الناس ما بدت، فإذا خفيت تحيّروا.
ذكروا عن بعضهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السنة سنتان: سنة في فريضة الأخذ بها هدى وتركها ضلالة، وسنة في غير فريضة الأخذ بها فضيلة، وتركها ليس بخطيئة».
ذكروا عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال (4/324)
صفحة 1861
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أمرتكم به من شيء فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فانتهوا» فهذا الأمر في غير السنة التي لا تترك فيما كان من فضيلة.
ذكروا عن الحسن أنه قال: ركوب النهي أشد من ترك الأمر. قال بعضهم: يعني بالأمر الذي فيه فضيلة ليس بسنة لا تترك.
قوله عز وجل: {لِلْفُقَرَآءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ} أي: أخرجهم المشركون من مكة {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَاناً} أي بالعمل الصالح {وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} أي: في القول والعمل.
{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ} أي: وطنوا الدار، يعني المدينة {وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني الأنصار. وكان إيمان الأنصار قبل أن يهاجر إليهم المهاجرون، وكان إيمان المهاجرين قبلهم.
قال تعالى: {يُحِبُّونَ} يعني الأنصار {مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ} أي: مما أوتي المهاجرون، أي مما آثروهم به من الطعام والشراب وغير ذلك، في تفسير الحسن. وقال بعضهم: مما قسم للمهاجرين من [أموال] بني النضير.
قال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.
ذكروا أن رجلاً من المهاجرين قام ثلاثة أيام صائماً، يمسي فلا يجد ما يفطر (4/325)
صفحة 1862
عليه، فيصبح صائماً حتى فطن له رجل من الأنصار يقال له ثابت بن قيس فقال لأهله: إني أجيء الليلة بضيف لي. فإذا وضعتم طعامكم فليقم أحدكم إلى السراج كأنما يصلحه فليطفئه، ثم اضربوا بأيديكم كأنكم تأكلون، ولا تأكلوا حتى يشبع الضيف. فلما أمسى وضع أهله طعامهم. فقامت امرأته إلى السراج كأنها تصلحه فأطفأته. ثم جعلوا يضربون بأيديهم إلى الطعام كأنهم يأكلون ولا يأكلون، حتى شبع ضيفهم. وإنما كانت خبزة هي قوتهم. فلما أصبح ثابت غدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي عليه السلام: «يا ثابت، لقد رضي الله فعلكم البارحة بضيفكم» وأنزلت فيه: {وَيُوثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أي: حاجة.
ذكروا أن عبد الرحمن بن عوف قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فآخى النبي بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال له سعد: أقاسمك مالي نصفين. وكان ذا غنى. قال: وعندي امرأتان فأيتهما أعجبتك حتى أطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها. فقال له: بارك الله لك في مالك وأهلك. دلوني على السوق. فما رجع حتى استحصل أقطا كثيراً وسمنا، وأحسبه قال: وتمرا. فجاء به إلى منزله. فمكثا ما شاء الله. فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر صفرة في صدره فقال: مهيم؟ فقال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار. قال: ما سقت إليها. قال: تومة من ذهب أو ورق. فقال: أولم ولو بشاة. (4/326)
صفحة 1863
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى من غنائم خيبر الأقرع بن حابس مائة من الإِبل، وأعطى عيينة بن حصن بن بدر مائة من الإبل، فقال أناس من الأنصار: يعطي النبي صلى الله عليه وسلم غنائمنا رجالاً سيوفنا تقطر من دمائهم وسيوفهم تقطر من دمائنا. [فبلغ ذلك صلى الله عليه وسلم فدعا الأنصار] فاجتمعت إليه الأنصار، فقال النبي عليه السلام: «هل فيكم غيركم؟ قالوا: لا يا رسول الله إلا ابن أخت لنا. فقال: ابن أخت القوم منهم. ثم قال: يا معشر الأنصار، ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وبالشاء والإِبل وتذهبون أنتم بمحمد إلى دياركم؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: لو أخذ الناس واديا وأخذت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار. الانصار كرشي وعيبتي، ولولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار».
قوله عز وجل: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} [تفسير سعيد بن جبير: وفي إدخال الحرام ومنع الزكاة] {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «برىء من الشح من أعطى زكاة ماله وقرى الضيف وأعطى النائبة في قومه». (4/327)
صفحة 1864
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أدى زكاة ماله فقد أدى حق الله في ماله ومن زاد فهو خير له».
قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ} يعني بعد أصحاب النبي عليه السلام إلى يوم القيامة [فلم يبق أحد إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه] {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} أي: أصحاب النبي عليه السلام {وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ} أي: حسدا. وقال بعضهم: عداوة {لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.
تفسير الحسن: إن من اتبعهم إلى يوم القيامة، وهي مثل التي في براءة {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} [التوبة: 100] إلى يوم القيامة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: «دعوا أصحابي ولا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق كل يوم مثل جبل أحد لم يبلغ مد أحدهم».
ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذ ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا». (4/328)
صفحة 1865
ذكر النضر قال: سمعت أبا قلابة يقول لأيوب: يا أيوب، احفظ علي ثلاثا: لا تجالس أهل البدع ولا تسمع منهم، ولا تفسر القرآن برأيك، فإنك لست من ذلك في شيء، وانظر إلى هؤلاء الرهط من أصحاب النبي ولا تذكرنهم إلا بخير.
قول عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أَهْلِ الْكِتَابِ} تفسير الحسن: يعني قريظة والنضير {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً} يقول المنافقون: لا نطيع فيكم محمداً وأصحابه {وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ} فاغترت قريظة بذلك {وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}.
فأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير إلى الشام فلم يخرجوا معهم، وقتل بني قريظة بعد ذلك بحكم سعد بن معاذ فلم يقاتلوا معهم.
قال الكلبي: كان بين إجلاء بني النضير وقتل بني قريظة سنتان. كانوا مقيمين بالمدينة بعد إجلاء بني النضير في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. فلما سار أبو سفيان بالأحزاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غدرت بنو قريظة نبيَّ الله، وقطعوا الحلف الذي كان بينه وبينهم. فلما هزم الله الأحزاب أمر الله نبيه أن يقاتل بني قريظة. فأرسل إليهم المنافقون: إن أراد محمد أن يخرجكم من المدينة كما أخرج بني النضير فلا تخرجوا، فوالله لئن خرجتم لنخرجن معكم وإن قوتلتم لننصرنكم. فاغتر بنو قريظة بذلك ولزموا حصونهم. فقاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريباً من شهر. وقذف الله في قلوبهم الرعب فلم ينصروهم. فلما رأت بنو قريظة أن المنافقين قد خذلوهم وأيسوا من (4/329)
صفحة 1866
نصرتهم نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم بين المهاجرين والأنصار.
ذكروا عن عبد الله عمر بن سعد بن معاذ عن أبيه أن سعداً لم يحكم فيهم، ولكن النبي عليه السلام أرسل إليه فجاء على حمار فقال: «أشر علي فيهم. فقال سعد: لقد علمتُ أن الله أمرك فيهم بأمرٍ أنت فاعل ما أُمِرتَ به. قال: أشر علي فيهم. قال: لو وُليت أمرهم لقتلت مقاتلتهم وسبيت ذراريهم ونساءهم ولقسمت أموالهم. فقال النبي عليه السلام: والذي نفسي بيده لقد أشرت علي فيهم بالذي أمرني الله به فيهم».
ذكروا عن عطية القرظي، وكان فيمن عرض على النبي عليه السلام يوم قريظة. فمن نبتت عانته قتل، ومن لم تنبت ترك. قال: فنظروا فإذا عانتي لم تنبت وتركت.
قوله عز وجل: {لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللهِ} أي: هم أشد خوفاً منكم منهم من الله، يعني بني النضير. قال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ}.
قال: {لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ} يعني اليهود {جَمِيعاً} أي: لا يقاتلونكم شذاذا، أي: لا يقاتلونكم إلا جميعاً من شدة رعبهم الذي دخلهم منكم {إِلاَّ فِي قُرىً مُّحَصَّنَةٍ} أي: لا يقاتلونكم في الصحارى. قال تعالى: {أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ} أي في المدائن {بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} أي: يقولون إذا اجتمعوا: لنفعلن بمحمد كذا وكذا ولنفعلن بمحمد كذا وكذا.
قال الله عز وجل: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} أي: مختلفة مفترقة، (4/330)
صفحة 1867
أي: في قتالكم. وقال مجاهد: {قُلُوبُهُمْ شَتَّى}. وهم المنافقون مختلف دينهم ودين بني النضير. قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ}.
ثم قال عزّ وجلّ: {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [من قبل قتل قريظة] {قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ} يعني بني النضير. كان إهلاك الله إياهم قريباً: كان بين إجلاء بني النضير وقتل قريظة سنتان. نزلت هذه الآية من قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنُخْرِجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ. . .} إلى هذا الموضع في قتل قريظة، من قبل أن ينزل قوله: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا. . .} إلى قوله عز وجل: {وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاَّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} وهي بعدها في التأليف. وتفسير مجاهد: {الَّذِين مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً} أي: كفار قريش يوم بدر.
قال تعالى: {ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} أي: ذاقوا عقوبة أمرهم. والوبال العقوبة. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
قال: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} بريء منه ومن عبادته إياه.
{فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ} أي: عاقبة الشيطان والذي عبده {أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا (4/331)
صفحة 1868
وَذَلِكَ جَزَآؤُاْ الظَّالِمِينَ} أي: المشركين. فضرب الله مثل المنافقين واليهود حين اغترت اليهود بما وعدهم المنافقون من النصر فخذلوهم ولم ينصروهم {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}. . . إلى قوله عز وجل: {وَذَلِكَ جَزَآؤُاْ الظَّالِمِينَ}.
وبلغنا أن عابدا كان في بني إسرائيل قد خرج من الدنيا واتخذ دَيرا يتعبّد فيه. فطلبه الشيطان أن يزله فأعيا عليه. فلما رأى الشيطان ذلك جاء إلى ابنة الملك فدخل فيها فأخذها. فدعوا لها الأطباء فلم يغنوا عنها شيئا. فتكلم على لسانها فقال: لا ينفعها شيء إلا أن تأتوا بها إلا فلان الراهب فيدعو لها. فذهبوا إليه فجعلوها عنده. فأصابها يوما ما كان بها فانكشفت، وكانت امراة حسناء فأعجبته بياضها وحسنها فوقع عليها فأحبلها. فوسوس الشيطان إلى أبيها وإخوتها بأنه قد وقع عليها فأحبلها. ثم وسوس إلى الراهب فقال له: اقتلها وادفنها لئلا يعلموا أنك أحبلتها. فقتلها الراهب ودفنها في أصل حائط. فجاء أبوها وإخوتها، وجاء الشيطان بين أيديهم فسبقهم إلى الراهب وقال: إن القوم قد علموا ما صنعت بالمرأة، فإن سجدت لي سجة رددتهم عنك فسجد له. فلما سجد له أخزاه الله وتبرأ منه الشيطان. وجاء أبوها وإخوتها فاستخرجوها من حيث دفنها وعمدوا إلى الراهب فصلبوه. فضرب الله مثل المنافقين حين خذلوا اليهود فلم ينصروهم. وقد كانوا وعدوهم النصر {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ} في هذه الآية {إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}، وكذب. قال الله عز وجلَ: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ} أي عاقبة الشيطان وذلك الراهب {أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآؤُاْ الظَّالِمِينَ}. وهو تفسير مجاهد. (4/332)
صفحة 1869
قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} أي: للآخرة {وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خِبِيرٌ بِمَا تَعْملُونَ} أي: عالم بأعمالكم.
{وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُواْ اللهَ} أي: تركوا العمل لله بفرائضه {فَأَنسَاهُم أَنفُسَهُمْ} أي: تركهم من الخير ولم يتركهم من الشر. {أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} من فاسق مشرك، أو فاسق منافق؛ جمعهم كلهم جميعاً.
قوله عز وجل: {لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} أي: أهل النار وأهل الجنة {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ} أي: فازوا من النار إلى الجنة.
قوله عز وجل: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا القُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ} أي: على حدِ ما أنزلناه على العباد من الثواب والعقاب والوعد والوعيد والأمر والنهي {لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّن خَشْيَةِ اللهِ} يوبخ بذلك العباد. ونظيرها قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72]. وقد فسّرناه في سورة الأحزاب.
قال تعالى: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أي: لكي يتفكروا فيعلموا أنهم أحق بخشية الله من هذا الجبل، لأنهم يخافون العقاب، وليس على الجبال عقاب.
قوله تعالى: {هُوَ اللهُ الَّذِي لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} أي: لا معبود سواه {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} الغيب ما أخفى العباد وَالشَّهَدَةِ مَا أَعْلَنُوا. قال تعالى: {هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} وقد فسّرناه في فاتحة الكتاب.
{هُوَ اللهُ الَّذِي لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ القُدُّوسُ} أي: المبارك، أي إن البركة (4/333)
صفحة 1870
من قبله. وتفسير الكلبي: القدوس: الطاهر {السَّلاَمُ} أي: الذي سلمت الخلائق من ظلمه {الْمُؤْمِنُ} تفسير الحسن: المؤمن بنفسه قبل إيمان خلقه، كقوله عز وجل: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ} يعني المؤمنين. . . إلى آخر الآية. [آل عمران: 18].
وقال بعضهم: أمن الله الخلائق من ظلمه. وقال بعضهم: الموفي خلقه بما وعدهم، هو المؤمن. {المُهَيْمِنُ} أي: الأمين على ما حدّث أنه كائن وأنه يكون، وبعضهم يقول: الشاهد على خلقه. وتفسير مجاهد: الشهيد، وهو نحوه. {الْعَزِيزُ} في نقمته. وقال الحسن: (العَزِيزُ) بعزته ذلّ من دونه {الجَبَّارُ} أي الذي تجبر على خلقه. وقال بعضهم: القاهر لخلقه بما أراد. {المُتَكَبِّرُ} أي: الذي تكبر على خلقه. {سُبْحَانَ اللهِ} نزه نفسه {عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
{هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ} والبارىءُ هو الخالق {الْمُصَوِّرُ} الذي يصور في الأرحام وفي غيرها ما يشاء {لَهُ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى} ذكروا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسم: «لله تسعة وتسعون اسما مائة غير واحد من أحصاها دخل الجنة» وإنما يتقبل الله من المتقين.
قال الله عز وجل: {يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} أي العزيز في نقمته الحكيم في أمره. (4/334)
صفحة 1871
تفسير سورة الممتحنة، وهي مدنية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} [يعني في الدين] {تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} أي في الدنيا {وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَآءَكُم مِّنَ الْحَقِّ} أي: القرآن {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} أي أخرجوا الرسل {أَن تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ} أي: إنهم أخرجوكم من مكة لأنكم آمنتم بربكم.
ثم قال تعالى: {إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَآءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} وبأخبار النبي عليه السلام والمؤمنين. {وَأَنَا اعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ} أي: ومن ينافق منكم. {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ} أي: قصد الطريق طريق الهدى.
{إِن يَثَقَفُوكُمْ} أي: إن يظفروا بكم {يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} أي يقاتلوكم {وَأَلْسِنَتَهُم} أي: ويبسطوا إليكم ألسنتهم {بِالسُّوءِ} أي: بالشتم {وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ}
قال: {لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} أي: بين (4/335)
صفحة 1872
المؤمنين وبين المشركين، فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل المشركين النار. قال تعالى: {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
نزلت الآية في أمر حاطب بن أبي بلتعة. تفسير الكلبي أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة أن محمداً قد نفر. ولا أدري إليكم يريد أم غيركم، فعليكم بالحذر. وكتب مع امرأة مولاة لبني هاشم وجعل لها جعلا، وجعلت الكتاب في خمارها. فجاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبها عليّاً ورجلاً آخر ففتّشاها فلم يجدا معها شيئاً. فأراد صاحبه الرجوع فأبى علي. وسل عليها السيف وقال: ما كَذَبت ولا كُذبت. فأخذت عليهما عهدا إن أعطته إياهما ألا يردّاها. فأخرجت الكتاب من خمارها.
قال الكلبي: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم [إلى حاطب. فلما حضر] قال: هل تعرف هذا الكتاب يا حاطب. قال: نعم. قال: فما حملك على هذا. قال: أما والذي أنزل عليك الكتاب ما كفرت منذ آمنت، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولم يكن من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع الذي له غيري، فأحببت أن أتخذ عندهم مودّة، وقد علمت أن الله منزل عليهم بأسه ونقمته، وإن كتابي لن يغني عنهم شيئاً، فصدّقه رسول الله وعذره، فأنزل الله فيه هذا. (4/336)
صفحة 1873
وقال: {قَدْ كَانَتْ لكُمْ أسْوَةٌ حَسَنَةُ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَآؤُاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ} أي: بولايتكم في الدين، وهذا تفسير الحسن. وقال بعضهم: تبرأنا منكم، وهو واحد.
{وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِن شَيْءٍ} أي: أن أدخلك في الإِيمان ولا أن أغفر لك. يقول: قد كانت لكم في إبراهيم والذين معه أسوة حسنة إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك [فليس] لكم فيه أسوة فلا تستغفروا للمشركين. وقال في سورة براءة: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وََمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 113 - 114].
قال عز وجل: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا} أي: أقبلنا مخلصين لك {وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} أي يوم القيامة.
{رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً} أي: بلية {لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: لا يظهرون علينا المشركون فيقولوا لو كان هؤلاء على دين ما ظهرنا عليهم فيعيبونا {وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
قوله عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمُ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} أي: لمن يؤمنون بالبعث. رجع إلى قوله: {قَدْ كَانَتْ لَكُم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ}؛ أمر الله النبي عليه السلام والمؤمنين بالبراءة من قومهم ما داموا كفاراً كما تبرأ إبراهيم والذين آمنوا معه من قومهم؛ فقطع المؤمنون ولايتهم من أهل مكة، وأظهروا لهم العداوة. (4/337)
صفحة 1874
قال عز وجل: {وَمَن يَتَوَلَّ} أي: عن الإيمان {فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ} أي: عن خلقه {الْحَمِيدُ} استحمد إليهم، أي: استوجب عليهم أن يحمدوه.
ثم قال عز وجل: {عَسَى اللهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً}. يعني المشركين. فلما أسلم أهل مكة خالطهم المسلمون وناكحوهم، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، وهي المودة التي ذكر الله عز وجل. قال الله: {وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
قوله عز وجل: {لاَّ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُم} يعني قرابة المؤمنين {أَن تَبَرُّوهُمْ} بالصلة {وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ} أي: وتعدلوا إليهم، أي في أموالكم {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} أي: العَادِلِينَ. وكان هذا قبل أن يؤمر بقتالهم ثم أمر بقتال المشركين كافة.
وكان المسلمون قبل أن يؤمر النبي عليه السلام بقتال المشركين استشاروا النبي عليه السلام في قراباتهم من المشركين أن يصلوهم ويبروهم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، في تفسير الحسن.
ذكروا عن الحسن قال: كان رجل من المشركين قد سماه يهدي النبي عليه السلام لا يزال يهاديه، وإنه قدم على النبي عليه السلام بهدية فقال له النبي عليه السلام: أو كنت أسلمت؟ قال: لا، قال له: فإنه لا يحل لنا رفد المشركين. وتفسير مجاهد: هم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا.
قوله عز وجل: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ} يعني كفار (4/338)
صفحة 1875
أهل مكةِ {وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ} أي: من مكة {وَظَاهَرُواْ} أي: وأعانوا {عَلَى إِخْرَاجِكُم أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} وهذه في نساء أهل العهد من المشركين، وكانت محنتهن في تفسير بعضهم أن يستحلفن بالله ما أخرجكن النشوز، وما أخرجكن إلا حب الإِسلام، والحرص عليه. وفسر الحسن أن المرأة من نساء من كان بينه وبين رسول الله عهد إذا جاءت إلى النبي عليه السلام لم يقبلها حتى تحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما جاءت ناشزة عن زوجها، ولا جاءت إلا راغبة في الإسلام. فإذا حلفت قَبِلَهَا. وهو قوله: (فَامْتَحِنُوهُنَّ).
قوله: {اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} أي: بصدقهن أو كذبهن {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} أي: إذا أقررن لكم بالإِسلام وحلفن بالله ما أخرجهن النشوز وما أخرجهن إلا الحرص على الإِسلام وحبه.
فأما إذا كانت من غير أهل العهد لم تمتحن ولم ترد على زوجها شيئاً إذا تزوّجت.
ذكروا عن عكرمة قال: كان العبد إذا جاء إلى النبي عليه السلام مسلماً ومولاه مشرك كان حراً. وقال بعضهم: أظن هذا إذا لم يكن سيده من أهل العهد.
ذكروا عن جابر بن عبد الله أن مملوكاً بايع النبي عليه السلام، فلم يعلم النبي عليه السلام أنه عبد. ثم علم النبي عليه السلام فاشتراه من سيده بغلامين [ثم لم يبايع أحداً حتى يعلم] قال بعضهم: أظن أن سيده من أهل العهد.
قال عز وجل: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ (4/339)
صفحة 1876
لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أي: لا إثم عليكم {أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي: إذا أعطيتموهن مهورهن {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} يعني كوافر العرب اللائي ليس لهن كتاب يفترينه إذا أبين أن يسلمن أن يخلى سبيلهن.
{وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، [وهذا حكم حكمه الله بين أهل الهدى وأهل الضلالة] أي: من أسلم وعنده مشركة عرض عليها الإسلام، فإن أسلمت فهي امرأته، وإلا فهي منه بريئة. وقال بعضهم: كن إذا فررن إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجهن من أهل العهد فتزوّجوهن بعثوا بمهورهن إلى أزواجهن [من المشركين. وإذا فررن من أصحاب رسول الله إلى الكفار الذين بينهم وبين رسول الله عهد فتزوجوهن بعثوا بمهورهن إلى أزواجهن] من المسلمين. فكان هذا بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل العهد من المشركين. ثم نسخ هذا الحكم وهذا العهد في براءة فنُبِذَ إلى كل ذي عهد عهدُه، فقال عز وجل في سورة براءة: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5].
قوله عز وجل: {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إَلَى الْكُفَّارِ} أي إلى الذين (4/340)
صفحة 1877
ليس بينكم وبينهم عهد {فَعَاقَبْتُمْ} أي فغنمتم، وقال مجاهد: فأصبتم {فَآتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم} يعني من أصحاب النبي عليه السلام {مِّثْلَ مَآ أَنَفَقُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ}.
فكانوا إذا غنموا غنيمة أعطوا زوجها صداقها الذي كان ساق إليها من جميع الغنيمة، ثم تقسم الغنيمة بعدُ. ثم نسخ ذلك مع العهد والحكم بقوله في هذه الآية: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41]، فجعل خمس الغنيمة لهؤلاء، وما بقي من الغنيمة الأربعة أخماس لأهل القتال.
وإذا أسلم الرجل وعنده امرأتان أو ثلاثة أو أربعة فأسلمن معه أقام عليهن فإن كن أكثر من أربعة اختار منهم أربعاً.
ذكر سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه أن رجلاً من ثقيف يقال له غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة فأسلمن معه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعاً.
ذكر قرة بن خالد عن سهيل بن علي النسري قال: لما كان يوم الفتح وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عتبة بن عمر خمس نسوة فأمره أن يطلق إحداهن، فطلق دجاجة بنت أسماء بن الصلت، فخلف عليها عامر بن كريز فولدت له عبد الله بن عامر.
قال بعضهم: فإذا أسلم الرجل وعنده أختان فأسلمتا اختار أيتهما شاء (4/341)
صفحة 1878
فأمسكها. ذكروا عن الضحاك بن فيروز الديلمي قال: أسلم أبي وعنده أختان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق إحداهما.
وإذا أسلم الزوجان معاً جميعاً، أو الرجل ونساؤه إن كانت عنده امرأتان أو ثلاث أو أربع فأسلمن معه جميعاً أقام عليهن جميعاً. فإن كن أكثر من ذلك اختار منهن أربعاً.
وبعضهم يقول في هذا كله: يحبس الأوائل الأربع من النسوة ويطلق الأواخر من النسوة والآخرة من الاختين، يقولون: كل ما لا يصلح نكاحه في الإِسلام فهو الذي يفارق، وكل ما كان يصلح نكاحه في الإِسلام يحبس. والأثر عن النبي عليه السلام جاء من غير وجه كما ذكرناه أولاً.
وإذا أسلمت امرأة قبل زوجها بانت منه بواحدة. فإذا أسلم خطبها فتكون عنده على اثنتين. وبعضهم يقول: إذا أسلم في عدتها فهو أحق بها. وفيه اختلاف.
ذكروا عن الزهري أن سهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل أسلمت امرأتاهما فأقاما على نكاحها.
ذكر غير واحد من العلماء أن زينب بنت النبي هاجرت، ثم أسلم زوجها العاص بن ربيعة فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم جاءت براءة، فإذا أسلمت امرأة قبل زوجها فهي تطليقة بائنة فلا سبيل له عليها إلا بخطبة.
ذكروا عن ابن عباس أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها فرق بينهما.
ذكروا عن سعيد بن المسيب عن علي قال: هو أحق بها ما كان في دار الهجرة. وقال بعضهم: في دار هجرتها. (4/342)
صفحة 1879
ذكروا عن عبد الله بن يزيد الخطمي أن امرأة أسلمت ثم أسلم زوجها فخيَّرَها عمر بن الخطاب. ذكر بعضهم قال: يعرض عليه الإسلام فإن أسلم فهما على نكاحهما، وإلا فرّق بينهما.
وإن كان الزوجان يهوديين أو نصرانيين فأسلم الزوج قبل المرأة فهما على نكاحهما.
ذكروا عن عكرمة عن ابن عباس قال: الإسلام يظهر ولا يظهر عليه. إذا أسلم الرجل قبل امرأته فهما على نكاحهما، يعني اليهوديين. فإن أسلمت المرأة قبله فرق بينهما. وفي هذا اختلاف مثل الاختلاف في نساء العرب إذا أسلمن قبل أزواجهن.
وقال الحسن في المجوسيين إذا أسلما جميعاً فهما على نكاحهما. وإذا أسلم أحدهما قبل الآخر فرق بينهما.
وإذا ارتد الرجل عن الإِسلام وله امرأة مسلمة فإن امرأته لا تتزوج ولا تعتد حتى يعرض عليه الإسلام. فإن طال ذلك، فإن تاب فهي امرأته وهما على نكاحهما، وإن أبى أن يتوب قُتِل، واعتدت امرأته عدة المطلقة. وإن ارتد والتحق بالشرك فإنها تعتد وتتزوج.
وقال الحسن في النصرانية تسلم قبل أن يدخل زوجها الإِسلام وهو نصراني إنه يفرق بينهما، ولا شيء له. ذكر بعضهم قال: إن أبى أن يسلم فلها نصف الصداق لأن الإِباء جاء من قِبَله.
قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ الْمُؤمِنَاتُ} وهن جميع المؤمنات {يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلا َيَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلا َيَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} أي: لا تلحق بزوجها ولداً ليس له. قال تعالى: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ}. قال الحسن: نهاهن عن النياحة وأن يحادثن الرجال (4/343)
صفحة 1880
إلا مَحْرَماً. قال: {فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
ذكروا عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصافح النساء حين بايعهن، وقال: «اذهبن قد بايعتكن» وقال بعضهم بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء وعلى يده خرقة أو ثوب.
قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} أي: أقروا، يعني المنافقين {لاَ تَتَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ} يعني المشركين. كان المنافقون يوادونهم ويسرون إليهم بأخبار النبي عليه السلام والمؤمنين.
قال تعالى: {قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الآخِرَةِ} أي: فلا يرجعونها ولا يؤمنون بها. {كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِن أَصْحَابِ الْقٌبُورِ} أي: كما يئس هذا الكافر الذي من أصحاب القبور من الجنة حين عاين ثوابه واطلع عليه. وهذا تفسير مجاهد.
وتفسير الحسن: {لاَ تَتَوَلًّوْاْ قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ} أي اليهود {قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ} أي على حد ما وعد الله في الجنة من الطعام والشراب والنساء، {كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ} وهم المشركون {مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} أي يئسوا من موتاهم أن يرجعوا أبداً وأن يحيوا أبداً.
قال الكلبي أيضاً: هم اليهود يئسوا من نعيم الآخرة زعموا أنه لا أكل فيها ولا شراب ولا نعيم، أي: قد يئسوا من ذلك كما يئس من مات من الكفار من الجنة حين عاينوا النار، فنعوذ بالله منها. (4/344)
صفحة 1881
تفسير سورة الصف، وهي مدنية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ} أي في نقمته {الْحَكِيمُ} في أمره.
{يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} قال الحسن: يعني المنافقين. يقول: يا أيها الذين أقروا بألسنتهم، نسبهم إلى الإِيمان الذي أقروا به وادعوه، وكانوا يقولون: نجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء الجهاد تخلفوا عنه وقعدوا. فقال الله: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}.
ثم وصف المؤمنين فقال: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً} أي يفعلون ما يقولون ويتمون على ما يدعون، وأنتم أيها المنافقون لا تفعلون ما تقولون وتقولون ما لا تفعلون. وهو كقوله تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا} أي حيث رأوا الأحكام جرت لهم وعليهم. قال الله: {قُلْ} يا محمد {لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] أي: أقررنا. أي: فأنتم مقرون غير مؤمنين، لأن الإيمان والإِسلام لا يكونان إلا لمن استكمل فرائض الله وأوفى بها ولم ينقصها. (4/345)
صفحة 1882
وقال مجاهد: إنها نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة الأنصاري. قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا بها حتى نموت، فأنزل الله فيهم هذه الآية. وقال ابن رواحة: لا أبرح جيشاً في سبيل الله حتى أموت فقتل في سبيل الله.
قوله عز وجل: {كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} ذكر ثبوتهم في صفهم كأنه بنيان قد رُصَّ بعضه إلى بعض.
ذكروا عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب قال: في التوراة مكتوب: محمد المختار، لاَ فَظٌّ ولا غليظ ولا صخّاب في الأَسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يغفر ويعفو. أمته الحامدون، يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل نجد. مناديهم ينادي في جو السماء، ويتوضأون على أطرافهم، ويتزرون على أوسطهم، لهم بالليل دوي كدوي النحل، صفوفهم في الصلاة والقتال سواء، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رُصُّوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا الأعناق، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يتخلل بينكم كأنه الحذَف».
وتفسير الكلبي في قوله: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} قال: بلغنا أن المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: والله لو نعلم أحب الأعمال إلى الله وأرضاها عنده لعملنا بها. فدلهم الله إلى أحب الأعمال إليه فقال تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} فكره ذلك من كرهه. فأنزل الله هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}.
قوله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي (4/346)
صفحة 1883
رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ} يعني الخاصة الذين يعلمون أنه رسول الله، الذين كذبوه وآذوه، فكان مما أذوه به أن زعموا أنه آدر. وقد فسّرنا ذلك في سورة الأحزاب.
قوله عز وجل: {فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ} والزيغ الشرك، أي: فلما ضلوا أضلهم الله بضلالتهم. {وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} أي: المشركين، يعني الذين يلقون الله بشركهم.
قوله عزّ وجلّ: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}. ذكروا عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أنا أحمد وأنا محمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب، يعني الآخر».
قال الله عز وجل: {فَلَمَّا جَآءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ} أي بالإنجيل {قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}.
قال الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلاَمِ} أي: لا أحد أظلم منه. {وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} أي: المشركين الذين يلقون الله بشركهم.
قال: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} أي: بتكذيبهم وبقتالهم. ونوره القرآن والإِسلام، أرادوا أن يطفئوه حتى لا يكون إيمان ولا إسلام {وَاللهُ مُتِمُّ نُّورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}. (4/347)
صفحة 1884
قوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} أي الإسلام {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} تفسير الحسن: حتى تدين له الأديان كلها ويحكم على أهل الأديان كلها. وتفسير ابن عباس حتى يظهر النبي على الدين كله] أي على سائر شرائع الأديان كلها. فلم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتمَّ الله له ذلك كله.
ذكروا عن سليم بن عامر الكلاعي قال: سمعنا المقداد بن الأسود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبقى أهل مدر ولا وبر إلا أدخله الله الإسلام بِعِزِّ عزيز أو بذُلِّ ذليل، إما يعزهم فيجعلهم من أهله، وإما يذلهم فيدينون له».
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى وأبوهم واحد، يعني دينهم واحد وشرائعهم مختلفة. وقال صلى الله عليه وسلم أنا أحق الناس بعيسى بن مريم، لأنه ليس بيني وبينه نبي، وإنه نازل لا محالة فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، بين ممصّرتين، سبط الرأس، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويقاتل الناس على الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام حتى تقع الأمانة في الأرض حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر والذئاب مع الغنم ويلعب الغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضاً».
قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}. تفسير الكلبي: إن هذا جواب لقولهم: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله وأرضاها عنده لعملنا بها له. فقال تعالى: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ (4/348)
صفحة 1885
أَلِيمٍ}. . . إلى آخر الآية، مع قوله: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}.
ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تريدون من ربكم إلا أن يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم الجنة؟ قالوا حسبنا يا رسول الله، قال فاغزوا في سبيل الله».
ذكروا عن الحسن قال: من كثرت سيئاته وقلت حسناته فليجعل دروب الروم من وراء ظهره.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما جميع أعمال البر في الجهاد في سبيل الله إلا كنفثة رجل ينفثها في بحر لجي، ألا وإن طالب العلم أعظم أجراً».
قال تعالى: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزَ الْعَظِيمُ} ذكروا عن الحسن أن أدنى أهل الجنة منزلة آخرهم دخولاً، فيعطى فيقال له: انظر ما أعطاك الله، ويفسح لهم في أبصارهم فينظرون إلى مسيرة مائة عام كله له ليس فيه موضع شبر إلا وهو عامر قصور الذهب والفضة وخيام اللؤلؤ والياقوت، فيها أزواجه وخدمه.
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أدنى أهل الجنة منزلة من له سبعة قصور من قصور الجنة» قال بعضهم: أحسبها أنواع القصور. قال وليس أحد إلا له (4/349)
صفحة 1886
سبعة قصور: قصر من ذهب، وقصر من فضة، وقصر من در، وقصر من ياقوت، كل قصر منها فرسخ في فرسخ، لكل قصر منها ألف مصراع ووصيف قائم لا يكبر على حاله له شُرَف الفضة وشُرف الذهب، فيها أبوابها وأغلاقها.
قال تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤمِنِينَ} أي {نَصْرٌ مِّنَ اللهِ} على أعدائه، {وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} يعني فتح مكة {وَبَشِّرِ الْمُؤمِنِينَ} بأن لهم الجنة، أي جنات عدن في الآخرة والنصر لهم على أعدائهم في الدنيا.
قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُواْ أَنصَار اللهِ} ولمحمد بالقتال على دينه {كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ} وهم أنصاره {مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ} أي: مع الله. قال مجاهد: من يتبعني إلى الله. {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ}. ذكروا عن بعضهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل نبي حواريين وحواريي أبو بكر وعمر وسعد وعثمان بن مظعون».
قال تعالى: {فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَاءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ} أي قاتلت الطائفة المؤمنة الطائفة الكافرة {فَأَيَّدْنَا} أي: أعنا {الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ} أي عليهم قد ظفروا بهم. وهذا تفسير الحسن. ولم يكن الحسن يصف قتالهم بالليل كان أم بالنهار. وقال ابن عباس. قاتلو ليلاً فأصبحوا ظاهرين عليهم. وقال مجاهد: يعني من آمن مع عيسى من قومه. (4/350)
صفحة 1887
تفسير سورة الجمعة، وهي مدنية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ القُدُّوسِ} أي المبارك في تفسير الحسن. وقال الكلبي: القدوس: الطاهر {الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} في تفسير الحسن: لعزته ذلّ من دونه، وفي تفسير بعضهم: العزيز في نقمته، الحكيم في أمره.
قوله: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ} العرب {رَسُولاً مِّنْهُمْ} أي: كانوا أميين ليس عندهم كتاب من عند الله كما كان لأهل الكتاب، وقد كانوا يخطون بأيديهم.
قال عز وجل: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} يعني القرآن {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} قال بعضهم: الكتاب: القرآن، والحكمة: السنة، والزكاة: العمل الصالح. قال عز وجل: {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ} أي: كانوا قبل أن يأتيهم محمد صلى الله عليه وسلم بالكتاب والحكمة {لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: بيّن.
قال عز وجل: {وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} أي: بعث في الأميين رسولاً منهم وفي آخرين لما يلحقوا بهم بعد.
في تفسير الحسن: إنهم الذين اتبعوا أصحاب النبي عليه السلام. وقال مجاهد: وآخرين منهم لما يلحقوا بهم: أي: إخوانهم من العجم.
ذكروا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما أنا في غنم لي سوداء إذ خَالطها غنم عفراء، قال انس قال: هم قوم يأتون بعدكم فيكون بهم مال وجمال وإخوان» (4/351)
صفحة 1888
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا سابق العرب، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة وصهيب سابق الروم».
[قوله عز وجل: {ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} يعني من رُزِق الإسلامَ من الناس كلّهم. {وَاللهُ ذُو الفَضْلِ الْعَظِيمِ}].
قوله عز وجل: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ} يعني اليهود {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} أي: كذبوا ببعضها. ومن كفر بحرف من كتاب الله فقد كفر به أجمع. وهو جحودهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والإسلام وما غيروا من التوراة فأحلوا ما أحبّوا مما حرّم الله فيها، وحرّموا ما أحبّوا أن يحرّموا مما أحلّّ الله لهم فيها.
قال عز وجل: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} والأسفار: الكتب. شبّههم بالحمار الذي لو حملت عليه جميع كتب الله لم يدر ما حملت عليه.
قال تعالى: {بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللهِ} أي: لشبههم بالحمار الذي يحمل أسفاراً ولا يدري ما حُمِل عليه. قال الله عز وجل: {وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} أي: من ظالم مشرك وظالم منافق.
قال الله عز وجل للنبي عليه السلام: {قُلْ يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ} أي: تهوّدوا {إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: بأنكم أولياء لله من دون الناس.
قال الله عز وجل: {وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً} يعني الموت {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} أي: المشركين. (4/352)
صفحة 1889
قال عز وجل: {قُلْ} يا محمد {إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ} أي يوم القيامة {إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} (الغيْب). السر، (وَالشَّهَادَة): العلانية {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ} يعني صلاة الجمعة. وهي في حرف ابن مسعود: فامضوا إلى ذكر الله. وقال بعضهم: فامشوا إلى ذكر الله، ذكروا عن الحسن في قوله: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} قال: السعي بالقلوب والسعي بالنيات.
قوله عز وجل: {وَذَرُواْ الْبَيْعَ} ذكروا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة حرم البيع. قال بعضهم: إنما يقال ذلك لأن الشمس إذا زالت يوم الجمعة جاء وقت الصلاة. وإنما هو قدر ما يتهيأ للجمعة إذا انتصف النهار. ويستحب تعجيل الجمعة إذا زالت الشمس ليس كصلاة الظهر.
قال عز وجل: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. ذكروا عن محمد بن عبد الرحمن عن زرارة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر كتب من المنافقين» ذكروا عن ابن عباس قال: من ترك أربع جمع من غير عذر طبع الله على قلبه.
قوله عز وجل: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللهِ} أي: من رزق الله. {وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. رخّص لهم أن ينتشروا إذا صلوا إن شاءوا، فإن أقاموا على ذلك كان أفضل لهم.
ذكر بعضهم قال: أربع أمر بهن في القرآن لسن بفرائض، من شاء فعلهن (4/353)
صفحة 1890
ومن شاء لم يفعلهن: هذه الآية، وقوله عز وجل: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ} [المائدة: 2]؛ إن شاء اصطاد وإن شاء لم يفعل، وقوله عز وجل: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} [النور: 33]؛ إن شاء كاتب مملوكه وإن شاء لم يفعل، ويستحب له أن يفعل، وليس بحتم. وقوله عز وجل: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241] إن شاء متع وإن شاء لم يمتع، ويستحب له أن يفعل، وليس يحتم، إلا أن يطلق قبل أن يدخل بها ولم يفرض، فتلك التي لها المتعة واجبة.
قوله عز وجل: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً}. ذكروا عن الحسن قال: كانت عير تجيء إلى المدينة في الزمان مرة، فجاءت يوم الجمعة، فانطلق الناس إليها، فأنزل الله هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو اتبع آخركم أولكم لسال عليكم الوادي ناراً».
وقال بعضهم: التجارة العير التي كانت تجيء واللهو: كان دحية الكلبي قدم في عير من الشام، وكان رجلاً جميلاً، وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي عليه السلام في صورته. فقدمت عير ومعهم دحية الكلبي والنبي عليه السلام يخطب يوم الجمعة، فتسللوا ينظرون إلى العير، وهي التجارة، وينظرون إلى دحية الكلبي، وهو اللهو: أي لهوا بالنظر إلى وجهه وتركوا الجمعة.
وقال بعضهم: سودان كانوا بالمدينة يلعبون، وهو اللهو.
قال عز وجل: {قُلْ} يا محمد {مَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (4/354)
صفحة 1891
تفسير سورة المنافقون، وهي مدنية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}.
وذلك أن نفراً من المنافقين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إذا لقينا المشركين شهدنا عندهم إنك لرسول الله، فقال الله عز وجل: {إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ} أي: نشهد عند المشركين إذا لقيناهم {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ} فيما قالوا لك {لَكَاذِبُونَ} [أي: إنما يقولونه بأفواههم وقلوبهم ليست على الإِيمان].
قوله تعالى: {اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً}. وذلك أنهم حلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليصدّقهم، فقال تعالى: {اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ} أي: حلفهم الذي يحلفون به جنة، أي اجتنبوا بها، أي: استتروا [حتى لا يقتلوا ولا تسبى ذراريهم] {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ} أي عن الإسلام، أي يصدون الناس عنه قال: {إِنَّهُمْ سَآءَ} أي: بئس {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.
{ذَلَكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا} أي: أقروا وصدقوا {ثُمَّ كَفَرُواْ} أي: خالفوا وضيعوا {فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} أي: فتختم على قلوبهم، أي: بنفاقهم {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ}. (4/355)
صفحة 1892
قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} يعني في المنظر والهيئة {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} أي: من قولهم بما أقروا به وادعوه {كَاَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} أي: إنما هم أجساد ليست لهم نية ولا حسبة في الخير.
ثم وصف جبنهم وجزعهم فقال: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} حذراً من القتال وجبناً عنه، ليست لهم نية في الجهاد.
ثم انقطع الكلام، ثم قال: {هُمُ الْعَدُوُّ} الأدنى إليك {فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ} أي لعنهم الله {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} أي: كيف يُصَدّون عن الإِيمان.
قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ} أي: أخلصوا الإِيمان {يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} أي: أعرضوا عن ذلك {وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ} أي: عن دين الله وعن الحكومة إلى نبي الله والمؤمنين، ويدعون إلى المحاكمة إلى وثن بني فلان الذي كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه. كقوله تعالى: {وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ} [النور: 48] وكقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً} [النساء: 61]. قال: {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} أي: إنهم أهل كبر وعظمة وأَنَف.
قال تعالى: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الفَاسِقِينَ} أي فسق النفاق، وهو فسق دون فسق، وفسق فوق فسق. فأخبر الله أنهم يموتون على النفاق ومقيمون عليه، فلم يستحِلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم بعد ذلك. (4/356)
صفحة 1893
قال بعضهم: لما نزلت الآية التي في براءة: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ} [التوبة: 80] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد خيّرني ربي فلأزيدن على السبعين» فنزلت هذه الآية في المنافقين: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الفَاسِقِينَ} أي: لا يكونون بالفسق والنفاق مهتدين عند الله.
قال تعالى: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ}.
تفسير الحسن: إنه كان بين عبد الله بن أبي بن سلولو رأس المنافقين وبين رجل من المسلمين من فقرائهم قول، فقال: يا رسول الله ما لهم، ولّى الله أمرهم فلاناً، يعني ذلك الرجل وأصحاب فلان. ثم نظر إلى أصحابه فقال: أما والله لو كنتم تمنعون أطعمتكم هؤلاء الذين حصروا أطعمتكم وركبوا رقابكم لأوشكوا أن يذروا محمداً ويلحقوا بعشائرهم ومواليهم. فأنزل الله: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ}.
قال ابن أبي بن سلول حين رأى المسلمين نصروا ذلك الرجل: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة، وذلك أنه في غزوة تبوك، ليُخرجن الأعز منها الأذل، عمدنا إلى رجل من قريش فجعلناه على رقابنا، أخرِجوه فألحقوه بقومه، وليكن علينا رجل من أنفسنا. فسمعها زيد بن أرقم فقال: لا والله لا أحبك أبداً. فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره. فغضب غضباً شديداً. فأرسل إلى ابن أبي بن سلول، فأتاه ومعه أشراف من الأنصار يعذرونه ويكذبون زيداً. فقال ابن أبي بن سلول: يا رسول الله والذي أنزل (4/357)
صفحة 1894
عليك الكتاب ما قلته، وإن زيداً لكاذب، وما عملت عملاً هو أرجى أن أدخل به الجنة من غزوتي هذه معك. فعذره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير إذ نزل عليه عذر فقال: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. . .} إلى آخر الآية. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلل الناس حتى لحق زيداً فأخذ بأذنيه فعركهما ساعة ثم قال: أبشر، أنزل الله عذرك وصدّقك. وقرأ عليه الآية. وبلغنا أن قول ابن أبي بن سلول: ليخرجن الأعز منها الأذل، يعني به النبي عليه السلام.
قوله عز وجل: {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي علم خزائن السماوات والأرض {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ولِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [يخبر الله سبحانه وتعالى أنه معز رسوله ومن عنده من المؤمنين] وقد فسّرناه قبل هذا الموضع.
قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلآ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ} وبلغنا أنها نزلت في المنافقين. يقول: يا أيها الذين أقروا باللسان: {لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلآ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ} أي: عن حق الإِيمان بالله. وبعضهم يقول: عن الصلاة المكتوبة {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أي: خسروا أنفسهم فصاروا في النار وخسروا الجنة.
قال عز وجل: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم} يعني الزكاة المفروضة، وهي قصة المنافقين، كقوله عز وجل: {وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 54] وكقوله عز وجل: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ (4/358)
صفحة 1895
سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 4 - 7] يعني الزكاة. قال عز وجل: {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلآ} أي: هلا {أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} وهو الموت، قريب، وإِنَّ عمر العبد قليل. قال: {فَأَصَّدَّقَ} أي فأزكى {وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} أي: فأحجّ، ومثلها في سورة المؤمنون قوله عز وجل: {حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} أي إلى الدنيا {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون: 99 - 100] قال الله عز وجل: {وَلَن يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. (4/359)
صفحة 1896
تفسير سورة التغابن، وهي مدنية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: إن منكم من سيكون كافراً ومنكم من سيكون مؤمناً. وهو كقوله: {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان: 3].
ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره.
قال تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي: للبعث والحساب والجنة والنار. {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} أي: يوم القيامة.
{يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي بما في الصدور.
قوله تعالى: {أَلَمْ يَأتِكُمْ نَبَؤُاْ الَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: خبر الذين كفروا {مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} أي: عقوبة أمرهم، يعني العذاب الذي عذب به الأمم السالفة في الدنيا حين كذبوا رسلهم. يحذر المنافقون أن ينزل بهم ما نزل بمن كفر قبلهم. (4/360)
صفحة 1897
قال تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع، يعني عذاب جهنم مع عذاب الدنيا.
قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} أي: إنكاراً لذلك، وهو مثل قولهم: {أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَّسُولاً} [الإِسراء: 94] أي: لم يفعل. قال: {فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ} أي: عن طاعة الله. قال: {وَّاسْتَغْنَى اللهُ} أي: عنهم {وَاللهُ غَنِيٌّ} عن خلقه {حَمِيدٌ} أي: استحمد إلى خلقه، أي: استوجب عليهم أن يحمدوه.
قوله عز وجل: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُّبْعَثُواْ قُلْ} يا محمد {بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} أي: يوم القيامة {ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ فَئَامِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ} أي يوم القيامة، يجتمع فيه الخلائق أهل السماوات وأهل الأرض، وهو تبع للكلام الأول ليبعثنكم يوم يجمعنكم ليوم الجمع {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} أي: يتغابنون في المنازل عند الله، فريق في الجنة، وفريق في السعير. أي غبن أهل الجنة أهلَ النار.
قال تعالى: {وَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي: لا يموتون ولا يخرجون أبداً {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} أي: النجاة العظيمة من الجنة إلى النار. (4/361)
صفحة 1898
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا} لا يموتون ولا يخرجون منها أبداً {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.
قوله عز وجل: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} أي: بقضاء الله {وَمَن يُؤمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} أي: إن أصابته مصيبة سلَّم ورضي وعلم أنها من الله. قال: {وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ}.
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قضاء الله خير لكل مسلم: إن أعطاه شكر، وإن ابتلاه صبر».
قال تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي: عن الإِيمان {فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينَ} أي: ليس عليه أن يكرههم على الإيمان، أي: إن الله يهدي من يشاء. قال تعالى: {اللهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.
قال تعالى: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} تفسير الحسن: من لم يكن من أزواجكم وأولادكم على دينكم فهو عدوّ لكم. {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ} أي عما يؤذونكم به فيما بينكم وبينهم {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وذلك قبل أن يؤمر بقتال المشركين خاصة.
وتفسير مجاهد: {إِنَّ مِن أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} قال: يحمل الرجلَ حبُّه ولدَه وزوجَته على قطيعة رحِمِه وعلى معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع من حبه إلا أن يطيعه.
وتفسير الكلبي: إن الرجل كان إذا أراد الهجرة تعلق به ولده وزوجته وقالوا له: نناشدك الله أن تذهب وتتركنا فنضيع، فمنهم من يطيع أمرهم فيقيم، فحذرهم الله إياهم ونهاهم عن طاعتهم. ومنهم من يمضي على الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحذرهم ويقول: أما والله لئن لم تهاجروا معي وأبقاكم الله حتى تجتمعوا بي في دار (4/362)
صفحة 1899
الهجرة لا أنفعكم بشيء أبداً. فلما جمع الله بينهم وبينه أنزل الله: {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس عدوك إن قتلك أدخلك الله به الجنة، وإن قتلته كان لك ثواباً، ولكن أعدى الأعداء نفسك التي بين جنبيك، ثم أعدى الأعداء ولدك الذي خرج من صلبك. ثم أعدى الأعداء زوجتك التي تضاجعك، ثم أعدى الأعداء ما ملكت يمينك».
قوله تعالى: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} أي: اختبار وبلية لينظر كيف تعملون. {وَاللهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}.
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون. ألا فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، لا يُقَلِّدَنَّ الرجلُ منكم دينَه امرأتَه».
ذكروا عن الحسن أن امرأة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عرضت له في بعض الأمر فقال: فما أنت مما أنت ها هنا. إنما أنتِ لعبة إذا كانت لنا إليك حاجة دعوناك إليها، ولست من الأمر في شيء. (4/363)
صفحة 1900
قال تعالى: {فَاتَّقُواْ اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} قال بعضهم: ما أطقتم؛ وذلك أن الله أنزل في سورة آل عمران: {يَآ أََيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102]، وحق تقاته أن يطاع الله فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، فنسختها هذه الآية: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.
قال: {وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ}. وعليها بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما استطاعوا.
ذكروا عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على المسلم السمع والطاعة فيما أحب وفيما كره ما لم يؤمر بمعصية الله، فإن أمر بمعصية الله فلا طاعة في معصية الله».
وقال بعضهم: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} أي: ما كنتم أحياء. وقال بعضهم: ما استطعتم فعلاً من الأفاعيل.
ذكروا أن عمران بن حصين قال للحكم الغفاري، وكلاهما من أصحاب النبي عليه السلام: هل تعلم يوماً ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا طاعة في معصية الله؟ قال: نعم. قال: الله أكبر. (4/364)
صفحة 1901
قال الله تعالى: {وَأَنفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ} تفسير الحسن: إنها النفقة في سبيل الله. قال تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. قال بعضهم: هذا في جميع الدين: الزكاة وغيرها.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «برىء من الشح من أدى زكاة ماله وقرى الضيف وأعطى النائبة في قومه».
قال تعالى: {إِن تُقْرِضُواْ اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ}.
ذكروا عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلُّ حسنة يعملها ابن آدم بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف».
ذكروا عن سعيد بن المسيب قال: الذكر في سبيل الله يضاعف كما تضاعف النفقة، والدرهم بسبعمائة.
قال تعالى: {وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} أي: يشكر للعبد العمل اليسير، ويثيبه عليه الثواب العظيم.
قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} الغيب السر، والشهادة: العلانية. {الْعَزِيزُ} في نقمته {الْحَكِيمُ} في أَمْرِهِ. وقال الحسن: (العَزِيزُ) بعزته ذلّ من دونه. (4/365)
صفحة 1902
تفسير سورة الطَّلاق، وهي مدنية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيِّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} يعني النبي وجماعة المؤمنين. قال بعضهم يطلقونها في قُبُل عدتها طاهراً من غير جماع.
ذكروا عن الحسن قال: كان الرجل إذا أراد أن يطلق امرأته استقبل طهرها، ثم دعا شاهدين فأشهدهما على طلاقها واحدة، وقال لها اعتدّي. ثم يلوم نفسه فيما بينه وبين انقضاء عدتها. فإن كان له بها حاجة دعا شاهدين فأشهدهما أنه قد راجعها، وإن لم تكن له بها حاجة تركها حتى تنقضي عدتها، فإن ندم كان خاطباً مع الخطاب. وبلغنا عن ابن مسعود نحو ذلك.
ذكروا عن الحسن وابن سيرين قالا: كان يقال: من طلق طلاق السنة لم يندم على امرأة فارقها؛ يقولان: ينبغي له أن يطلق امرأته واحدة، ولا يطلقها ثلاثاً.
ذكر بعضهم أن النبي عليه السلام طلق حفصة تطليقة؛ فأتاه جبريل عليه السلام فقال له: راجعها فإنها صوّامة قوّامة، فهي زوجتك في الجنة، فراجَعَها.
قال بعضهم: طلاق السنة أن يطلق الرجل امرأته في قُبُل عدتها طاهراً من غير جماع تطليقة واحدة، ثم يدعها. فإن شاء راجعها قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة. فإن شاء أن يطلقها ثلاثاً طلقها أخرى قُبُلَ عدتها طاهراً من غير جماع، ثم يدعها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها، ثم لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. (4/366)
صفحة 1903
ذكروا عن نافع عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي عليه السلام فقال له: مره أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر من حيضة سوى الحيضة التي طلقها فيها، فإذا طهرت فإن شاء أمسكها وإن شاء طلقها فإن أراد أن يطلقها فلا يقعن عليها عند طهرها فإن هذه العدة التي امر الله بها. قال بعضهم: فإن ابن عمر طلق امرأته واحدة.
ذكروا عن يونس بن جبير قال: قلت لابن عمر: رجل طلق امرأته وهي حائض. قال: أتعرف عبد الله بن عمر؟ قلت: نعم. قال: فإنه طلق امرأته وهي حائض. فأتى عمر النبيَّ عليه السلام فأخبره، فأمره أن يراجعها. فإن بدا له في طلاقها طلّقها قُبُلَ عدّتها، أي: قبل طهرها. قلت: أفتعتد بتلك التطليقة؟ قال: أرأيت إن عجل واسْتَمْحَق؟.
ذكروا عن عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر يقرأ هذا الحرف: {فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ}. (4/367)
صفحة 1904
ذكروا عن الحسن قال: الرجل لا يستأذن على مطلقته، ولكن يضرب برجله وينحنح. وقال بعضهم: يتنحنح ويسلم ولا يستأذن عليها، وتتشوف له وتتصنع، ولا يرى لها رأساً ولا بطناً ولا رجلاً، ولكن ينام معها في البيت.
ذكروا عن علي قال: يستأذن الرجل على كل امرأة إلا امرأته.
ذكر بعضهم قال: التي لم تحض، والتي قعدت عن المحيض تطلق عند كل شهر عند الهلال.
ذكروا عن جابر بن عبد الله في الحبلى يريد زوجها أن يطلقها فقال: لا أراها تحيض فتعتَدّ، ولو كنت مطلقَها فحتى تضع. والعامة تقول: إذا استبان حملها طلقها متى شاء.
قال بعضهم في الغائب يطلّق امرأته: إنه يكتب إليها: إذا حضتِ ثم تطهرتِ من محيضِك فاعتدّي. فإن كانت حاملاً فاستبان حملها كتب إليها بطلاقها. وإذا طلقها بعض الطلاق، وكانت تعتد، ثم أتبعها طلاقاً، فإنها تعتد من أول طلاقها.
قوله عز وجل: {وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتََّقُواْ اللهَ رَبَّكُمْ} أي: فلا تطلقوهن في الدم ولا في الطهارة وقد جامعتموهن، إلا في الطهارة بعد أن يغتسلن من المحيض من قبل أن تجامعوهن.
قوله عز وجل: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ولاَ يَخْرُجْنَ} لا تخرج من بيتها حتى تنقضي عدتها، وإن طلقها ثلاثاً في قول العامة. وفي قول ابن عباس والحسن إن شاءت خرجت إذا طلقها ثلاثاً، وإذا توفي عنها زوجها أيضاً.
معنى قولهما: تعتد منه وإن طلقها اثنتين أيضاً. ومعنى قول العامة أنها في المطلقات اللاتي دخل بهن لا يخرجن حتى تنقضي عدتهن. (4/368)
صفحة 1905
وهذا الخروج ألا تتحول من بيتها. فإن احتاجت إلى الخروج بالنهار لحاجتها خرجت ولا تمسي إلا في بيتها.
ذكروا عن فاطمة بنت قيس أنها أتت النبي عليه السلام وقد أَبَتَّ زوجُها طلاقها فقال لا سكنى لك ولا نفقة.
ذكروا عن عمر أنه قال: ما كنا لنأخذ بقول امرأة لعلها وهمت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لها السكنى والنفقة.
ذكروا عن ميمون بن مهران قال: سألت ابن المسيب عن أشياء فقال: إنك تسأل سؤال رجل يمتحن، فهل خالفت في شيء مما سمعت ما سمعت من غيري. قلت: لا، إلا قولك في المطلقات إنها لا تنتقلن فما بال حديث فاطمة بنت قيس. فقال: (4/369)
صفحة 1906
ويح تلك المرأة، كيف فتنت الناس. قلت: إن كان أفتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فما فتنت.
قوله عز وجل: {إِلاَّ أَن يَّأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} ذكروا عن نافع عن ابن عمر قال: [الفاحشة المبيّنة خروجها في عدتها. وقال بعضهم]: الفاحشة: الزنا، والمبيّنة أن يشهد عليها أربعة أنها زنت.
وكانت المرأة إذا زنت وشهد عليها أربعة أخرجت من بيت زوجها، وحبست في بيت آخر قبل أن ينزل حد الزاني، وهو قوله عز وجل: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةََ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} [النساء: 15] فنسخ ذلك في هذه الآية: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2].
وبعضهم يقول: {إِلاَّ أَنْ يَّأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} أي: تزني فتخرج فيقام عليها الحد.
وبعضهم يقول: الفاحشة المبيّنة: النشوز البيّن.
قوله عز وجل: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ} أي: أحكام الله. وقال الكلبي: هذا حد الله، بيّن فيه طاعته ومعصيته. قوله عز وجل: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ} أي يجاوز ما أمر الله به {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}.
قوله عز وجل: {لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} أي: المراجعة، رجع إلى أول السورة: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ} أي: له الرجعة في التطليقة والتطليقتين ما لم تنقض العدةُ فتغتسل من الحيضة الثالثة إن كانت ممن تحيض، أو (4/370)
صفحة 1907
ثلاثةُ أشهر إن كانت ممن لا تحيض، كبيرة قعدت عن المحيض، أو صغيرة لم تحض بعد. وكذلك الضهياء التي لا تحيض.
قوله عز وجل: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [أي: منتهى العدة] {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}. وذلك أن الرجل كان يطلق المرأة فيتركها حتى تشرف على انتهاء عدتها، ثم يراجعها. ثم يطلقها، فتقضي المرأة تسع حيضات، فنهى الله عن ذلك في هاتين الآيتين. {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} والآية التي في سورة البقرة. {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ} [البقرة: 231] يعني ما كانوا يعتدون فتصير تسع حيضات، فنهى الله عن ذلك، وهو قوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]، وهو قوله: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [النساء: 21] وذلك من حين يملكها.
قوله عز وجل: {وَأَشْهِدُواْ ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} فإن هو أراد أن يراجعها قبل أن تنقضي العدة [وغشيها قبل أن يشهد] فقد حرمت عليه في قول جابر بن زيد وأبي عبيدة والعامة من فقهائنا. وكان إبراهيم يقول: غشيانه لها مراجعة، ويشهد بعد ذلك بالمراجعة.
وإن هو لم يراجعها حتى تنقضي العدة فهي الفرقة التي قال الله عز وجل: (4/371)
صفحة 1908
{أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}. فإذا انقضت العدة بانت عنه بواحدة إن كان طلقها واحدة: أو اثنتين، ما لم يطلقها ثلاثاً.
ذكروا عن الأسود بن يزيد أن امرأة طلقها زوجها وتركها حتى وضعت ماءها لتغتسل من الحيضة الثالثة فراجعها. فردها عليه عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، وهو قول علي وأبي موسى الأشعري وعمران بن حصين وابن عباس.
ذكر الزهري عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت عن عائشة رضي الله عنها قالت: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت عنه.
وحدثني الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه قال: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت عنه. وكذلك حدثني عثمان عن نافع عن ابن عمر. وأهل العراق يقولون: الأَقراء: الحيض، وأهل المدينة يقولون: الأقراء: الطهر. وقد بيّنا قولهم في سورة البقرة.
وقوله عز وجل: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} أي: على الطلاق والمراجعة.
وإذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين، ثم تركها حتى تنقضي عدتها، فتزوجت رجلاً غيره، فطلقها أو مات عنها، فراجعها الأول، فإن عثمان حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ في ذلك فقضى على ما بقي من طلاقها.
ذكر الحسن عن أبي هريرة قال: شهد عندي نفر فيهم عمر، وعمر أصدقهم، أنها عنده على ما بقي من طلاقها. ذكروا عن الحسن عن أبيّ بن كعب قال: هي عنده على ما بقي من طلاقها، وهو قول علي وعمران بن حصين.
قوله عز وجل: {وَأَقِيمُواْ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} أي: يقوم من كانت عنده فليُؤَدِّها ولا يكتُمْها
{وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283]. (4/372)
صفحة 1909
قال عز وجل: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً}. تفسير الحسن: يجعل له مخرجاً من الشرك إذا تاب، ويغفر له ما مضى. ذكروا عن الأعمش قال: إن المخرج أنه مِن قِبَل الله، وأنه هو الذي يعطيه ويمنعه. قال عز وجل: {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} أي: من حيث لا يرجو.
قال: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} أي: قاض أمره على من توكل عليه وعلى من لم يتوكل عليه. {قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} أي: منتهى ينتهي إليه.
قوله عز وجل: {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ} [أي: إن شككتم] يعني بقوله: (إِنِ ارْتَبْتُمْ) الأزواج، وبقوله: (يَئِسْنَ) النساء عند أنفسهن (مِنَ الْمَحِيضِ) {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ} أي: هي مأمونة في ذلك. وقال في آية أخرى: {وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} فالمرأة مأمونة على عدتها. قال عز وجل: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228] أي: لا تقول: أنا حامل وليست بحامل، ولا تقول: إني لست بحامل وهي حامل، ولا تقول: إني لست بحائض، وهي حائض، ولا تقول: إني حائض وليست بحائض.
وقال الحسن: إذا كانت المرأة لا تحيض إلا كل سنة اعتدت به إذا علم أنه حيضها. غير واحد من العلماء قال: تعتد بالحَيْضِ ما كان إلا أن يعلم أنه قطع.
ذكروا عن عكرمة أنه قال: من الريبة المستحاضة والتي لا يستقيم لها حيض؛ تحيض في الشهر مرتين وفي الشهر مرة، فعدتها ثلاثة أشهر. والعامة أن حيضها إذا كان في الشهر مرتين اعتدت به، ولا يكون دون ذلك.
ذكر الزهري عن سعيد بن المسيب قال: عدة المستحاضة سنة. ذكروا عن (4/373)
صفحة 1910
الحسن وعطاء والحكم بن عيينة أنهم قالوا في المستحاضة إذا طلقت أنها تعتد أيام أقرائها.
ذكروا أن عمر بن الخطاب قال في التي تطلق ثم تحيض حيضة أو حيضتين، ثم ترتفع حيضتها أنها تعتد تسعة أشهر. فإن تبين حملها وإلا اعتدت ثلاثة أشهر.
ذكروا عن حماد بن إبراهيم عن علقمة أنه طلق امرأته فحاضت حيضتين، ثم لبثت في الحيضة الأخرى، قال بعضهم: ثمانية عشر شهراً، وقال بعضهم: ستة عشر شهراً، ثم ماتت. فقال عبد الله بن مسعود: حبس الله عليك ميراثها بكلها.
وقول أصحابنا في هذا أنها تعتد بالحيض ما كانت إلا أن تكون قعدت عن المحيض فتعتد ثلاثة أشهر.
قوله عز وجل: {وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} وهذه التي لم تبلغ الحلم، هي مع اللائي يئسن من المحيض، وكذلك الضهياء التي لا تحيض، عدتها ثلاثة أشهر.
قوله عز وجل: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} هذه نسخت التي في سورة البقرة: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234]. وإن كانت حاملاً فأجلها أبعد الأجلين في قول علي بن أبي طالب وابن عباس. وهو قول جابر بن زيد وأبي عبيدة والعامة من فقهائنا. وفيها اختلاف. وقول العامة إنها نسخ منها الحامل فجعل أجلها أن تضع حملها. وهو قول أهل الخلاف، ورووه عن أبي بن كعب وعمر بن الخطاب وعبدالله بن مسعود. (4/374)
صفحة 1911
قول الله عز وجل: {ذَلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ} أي: في القرآن. {وَمَن يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً}.
قوله عز وجل: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ} أي: من سعتكم، يعني أن لها المسكن حتى تنقضي العدة {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ} أي: في المسكن {لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} أي: إن كانت حاملاًَ أنفق عليها حتى تضع حملها إذا طلقها.
ذكروا عن سعيد بن المسيب أنه قال: المطلقة ثلاثاً وليست حبلى لها السكنى ولا نفقة لها. ذكروا عن ابن عمر أنه قال: المطلقة ثلاثاً لا تنتقل، وهي في ذلك لا نفقة لها.
ذكروا أن علياً كان يقول: أيما رجل طلق امرأته فلينفق عليها حتى يتبين له أنها حامل أم لا. فإن كانت حاملاً أنفق عليها حتى تضع حملها، وإن لم يكن حمل فلا نفقة لها.
وذكر عن عمرو بن دينا عن ابن عباس وابن الزبير قالا: نفقتها من نصيبها. وقال ابن مسعود النفقة من جميع المال. وَبِقَوْلِ ابن عباس وابن الزبير يأخذ أصحابنا وعليه يعتمدون، وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا.
قوله: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي أجر الرضاع {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ} يعني الرجل والمرأة. {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ} أي في الرضاع {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} أي: فاسترضعوا له امرأة أخرى. وهو قوله: {وَإِن أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233].
قال تعالى: {لِيُنفِق ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} أي: قُتِر عليه رزقه (4/375)
صفحة 1912
{فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ اللهُ} أي من النفقة على مطلقته {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا} أي: إلا ما أعطاها من الرزق {سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} أي: سيجعل الله بعدما قتر عليه الرزق بأن يوسع عليه يسراً. ذكر عن الحسن عن عبدالله بن مسعود قال: ما أبالي على أي حال رجعت إلى أهلي؛ لئن كانوا على عسر، إني لأنتظر اليسر، وإن كانوا على يسر إني لأنتظر العسر.
قوله عز وجل: {وَكَأَيِّن} أي: وكم {مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} أي: عصت أمر ربها ورسله، يعني أهلها، أي: أهل هذه القرية {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً} قال الحسن: عذاباً عظيماً {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} أي: جزاء ذنوبها، وهي العقوبة، أي عقوبة شركهم وتطذيبهم الرسلَ يعني من أهلك من الأمم السالفة. والوبال العقوبة وهي الجزاء. قال عز وجل: {وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً} أي: خسروا به الجنة. {أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} أي: في الآخرة بعد عذاب الدنيا.
قال عز وجل: {فَاتَّقُواْ اللهَ يَآ أُوْلِي الأَلْبَابِ} أي: يا ذوي العقول {الَّذِينَ آمَنُواْ قَدْ أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً} أي: القرآن {رَّسُولاً} أي: محمداً صلى الله عليه وسلم أي: أنزل إليكم ذِكْراً بالرسول الذي جاءكم. {يَتْلُواْ عَلَيْكُم آيَاتِ اللهِ} أي: القرآن {مُبَيِّنَاتٍ} أي: بيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا على مقرأ من قرأها مفتوحة الياء، وهي تقرأ أيضاً (مُبَيِّنَاتٍ) مكسورة الياء، أي هي تبيّن.
قال عز وجل: {لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي: من الضلالة إلى الهدى.
قال عز وجل: {وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً} أي: في الجنة. (4/376)
صفحة 1913
{اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} ذكروا عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوماً: ما تسمون هذا؟ أو قال: هذه؟ قالوا: السماء. قال: هي الرقيع الموج المكفوف، وغلظها مسيرة خمسمائة عام، وبينها وبين السماء الثانية مسيرة خمسمائة عام، وغلظها مسيرة خمسمائة عام، وبينها وبين السماء الثالثة مسيرة خمسمائة عام، وغلظها كذلك، حتى عَدَّ سبع سماوات. وبين السماء السابعة وبين العرش كما بين السماءين. وغلظ هذه الأرض مسيرة خمسمائة عام، وبينها وبين الثانية مسيرة خمسمائة عام وغلظها مسيرة خمسمائة عام، وكذلك ما بينها وبين الثالثة إلى سبع أرضين كما بين السماء والسماء وكغلظها.
قال عز وجل: {يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} أي: يتنزل الوحي بين السماء والأرض. وقال مجاهد: بين الأرض السابعة وبين السماء السابعة {لِتَعْلَمُواْ} بهذا الوحي {أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} أي: أحاط علمه بكل شيء فلا يخرج عن علمه شيء. (4/377)
صفحة 1914
تفسير سورة التحريم، وهي مدنية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
كان النبي عليه السلام حرّم أم إبراهيم على نفسه، وأسرّ ذلك إلى حفصة دون أزواجه، وذلك أن حفصة زارت أباها فرجعت، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مارية، أم إبراهيم، في البيت. فلما خرجت مارية دخلت حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: أما إني قد رأيت من معك في البيت. فقال: والله لأرضينّك. هي علي حرام، فلا تخبري بذلك أحداً. وقال بعضهم: لا تخبري عائشة. فانطلقت حفصة إلى عائشة فأخبرتها. وقد كانتا تظاهران، أي: تعاونان، على نساء النبي عليه السلام فأنزل الله تعالى: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. (4/378)
صفحة 1915
قال تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} أي: كفارة أيمانكم. وهو قوله في سورة المائدة: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُم إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89]. قال تعالى: {وَاللهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ} أي: بخلقه {الْحَكِيمُ} في أمره.
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكفارة فكفَّر عن يمينه.
ذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في الرجل يحرم عليه امرأته قال: عليه كفارة يمين: وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الممتحنة: 6].
قال الحسن: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرّم جاريته فأنزل الله: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} وقوله: {قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} قال الحسن: هو في الإِماء يمين، وفي الحرائر طلاق. والقول في ذلك عندنا قول ابن عباس.
وذكر الحسن عن علي أنه قال في الرجل يحرم عليه امرأته إنها ثلاثة لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. وذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: في الحرام كفارة الظهار.
قوله: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} وهو ما أسرّ النبي عليه السلام إلى حفصة من تحريم أم إبراهيم على نفسه وقوله: لا تخبري بهذا أبداً. وأخبرت به عائشة ففشا ذلك، واطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرهما. (4/379)
صفحة 1916
ذكروا عن يحيى بن سعيد عن عبيد بن حنين عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: حفصة وعائشة.
قوله عز وجل: {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} تفسير الكلبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحفصة: ألم آمرك أن تكتمي سري ولا تخبري به أحداً، لِمَ أخبرت به عائشة. وذكر لها بعض الذي قالت: وأعرض عن بعض ولم يذكره لها.
قال عز وجل: {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ}.
قال عز وجل: {إِنْ تَتُوبَآ إِلَى اللهِ} يعني عائشة وحفصة {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} أي: زاغت، أي: مالت إلى الإثم، فأمرهما بالتوبة {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} أي تعاونا عليه، أي على النبي عليه السلام {فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاَهُ} أي: وليه في العون له {وَجِبْرِيلُ} وليه {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} أولياؤه، وهم النبيون. قال عز وجل في آية أخرى: {وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39]. وقال عز وجل: {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحِيْنَ} [التحريم: 10] أي نبيين {وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ} أي: مع ذلك {ظَهِيرٌ} أي أعوان له. يعني النبي عليه السلام.
قوله عز وجل: {عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ} أي: مطيعات {تَآئِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَآئِحَاتٍ} أي: صائمات. {ثَيِّبَاتٍ} الواحدة ثيب {وَأَبْكَاراً}. (4/380)
صفحة 1917
ذكروا أن عمر بن الخطاب قال: وافقت ربي في أربعة، أو قال: وافقني ربي في أربعة: قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]. قلت: يا رسول الله، يدخل عليك البار والفاجر، فلو أمرت نساءك أن يحتجبن، فأنزل الله آية الحجاب وبلغنا أنه كان بين أزواج النبي عليه السلام وبين النبي عليه السلام بعض الشيء، فقلت: لتنتهنّ عن رسول الله أو ليبدلنّه الله أزواجاً خيراً منكن، فأنزل الله: {عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ}. ولما نزلت هذه الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} [المؤمنون: 12 - 14] قلت تبارك الله أحسن الخالقين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لقد ختمها الله بما قلت».
قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} أي: بطاعة الله ناراً. قال بعضهم: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله: هذا نقي أنفسنا، فكيف نقي أهلينا. قال: تأمرونهم بطاعة الله.
قوله عز وجل: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} أي: حطبها الناس والحجارة، (4/381)
صفحة 1918
أي: تأكل الناس وتأكل الحجارة في تفسير الحسن، وهي حجارة من كبريت أحمر.
قال عز وجل: {عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ} أي: على أعداء الله. قال أبو العوام: الملك منهم في يده مرزبة من حديد لها شعبتان يضرب بها الضربة فيهوى بها سبعين ألفاً. {لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.
قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ الْيَوْمَ} وهذا يقال لهم يوم القيامة {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: في الدنيا.
قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} يحيى عن حماد عن سِماكِ بن حرب عن النعمان بن بشير قال: سألت عمر بن الخطاب عن التوبة النصوح قال: هي أن يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود فيه.
يحيى عن الفرات عن عبد الكريم عن زياد بن الجراح عن عبيد الله بن معقل قال: كان أبي عند عبد الله بن مسعود فسمعته يقول لعبد الله: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الندم توبة. قال: نعم.
يحيى عن سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن الشعبي قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له. (4/382)
صفحة 1919
قوله تعالى: {عَسَى رَبُّكُمْ} وعسى من الله واجبة {أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} يقودهم إلى الجنة {وَبِأَيْمَانِهِمْ} كتبهم، وهي بشراهم بالجنة {يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
تفسير الكلبي: إنه يعطي كل مؤمن نوراً، وبعضهم أكثر من بعض، فيجوزون على الصراط منهم كالبرق، ومنهم من يكون كركض الفرس الجواد، ومنهم من يسعى سعياً، ومنهم من يزحف زحفاً، وهم الذين {يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. وقد فسرنا ما بلغنا من ذلك في سورة الحديد.
قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} أي: جاهد الكفار المشركين بالسيف، واغلظ على المنافقين بالحدود. قال: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.
قوله عز وجل: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا}. تفسير ابن عباس: فخالفتاهما يقول: كانتا منافقتين [تظهران الإِيمان وتسران الشرك]. فأما امرأة نوح فكانت تفشي سرّه، وكانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف دخّنت لتُعلِم أنه نزل بلوط ضيف لعملهم السوء وإتيانهم الرجل في أدبارهم، فنافقتا بذلك.
وتفسير الحسن مثل تفسير ابن عباس إلا أنه يذهب في الخيانة أيضاً إلى أمر قبيح يجعلهما باغيتين بذلك. وحاشا لأِنبياءِ الله من ذلك، وليس مذهبه هذا مذهباً لأنه كان يقال: ما بغت امرأة نبيّ قطُّ. (4/383)
صفحة 1920
قال تعالى: {فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئاً} أي: لم يغن عمل نوح ولوط عليهما السلام عن امرأتيهما من الله شيئاً. {وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ}.
وهذا مثل ضربه الله يحذّر حفصة وعائشة للذي كان مما قصّ في أول السورة.
وضرب لهما أيضاً مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون ومريم بنت عمران، يأمرهما بالتمسك بطاعة الله وطاعة رسوله.
{وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ} أي: في السماء، لأن الجنة في السماء والنار في الأرض. {وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}. يقول الله: فامرأة فرعون ومنزلتها عند الله لم تغن عن فرعون من الله شيئاً إذ كان كافراً.
قال تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} أي عفّت جيب درعها عن الفواحش {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} أي فتناول جبريل جيبها بأصبعه فنفخ فيه فسار إلى بطنها فحملت.
قال تعالى: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ}. تفسير الكلبي: إن الكلمات: إنه عيسى؛ وذلك لقول جبريل: {إِنَّمَآ أَنَا رَسُولُ رَبِّكَ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً} [مريم: 19] ولقوله: {إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ والتَّوْرَاةَ (4/384)
صفحة 1921
والإِنجِيلَ وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [آل عمران: 45 - 49] وقال تعالى في هذه الآية: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ}. أي وجميع الكتب في تفسير الحسن؛ وهو مقرأه. وتفسير الكلبي: الإنجيل ومقرأه وكِتَابِهِ {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} قال الحسن: القنوت طول القيام في الصلاة. وقال بعضهم: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} أي: من المطيعين لربها. (4/385)
صفحة 1922
تفسير سورة الملك وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {تَبَارَكَ}، وهو من باب البركة، كقوله: (تعالى) وهو من العلوّ. {الَّذِي بِيَدِهِ} أي: في يده. {الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: الذي لا يعجزه شيء.
{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}. ذكروا عن الأعمش عن أبي سفيان عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بملك الموت يوم القيامة في صورة كبش أملح. فيجعل على سور بين الجنة والنار. ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة ويا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ هذا الموت، فيقولون: نعم، فيذبح على السور وهم ينظرون إليه. ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، وكل خالدٌ فيما هو فيه.
قوله عز وجل: {لِيَبْلُوَكُمْ} أي: ليختبركم {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} قال: {وَهُوَ الْعَزِيزُ} في نقمته {الغَفُورُ} لمن تاب وآمن.
قوله عز وجل: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً} أي: بعضها فوق بعض، (4/386)
صفحة 1923
غلظ كل سماء كما فسّرناه قبل هذا. وما بينهما كذلك: وهو كقوله عز وجل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ} [سورة المؤمنون: 17].
قال تعالى: {مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ} أي: من اختلاف، وهي مستوية كلها، كقوله عز وجل: {وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الْحُبُكِ} [الذاريات: 7]. والحبك: استواؤها وحسنها.
قال تعالى: {فَارْجِعِ البَصَرَ} أي: فانظر إلى السماء {هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ} على الاستفهام، أي: هل ترى من شقوق، أي: إنك لا ترى فيها شقوقاً. {ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} أي: مرة بعد مرة {يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً} أي: فاتراً {وَهُوَ حَسِيرٌ} أي: كَليل، أي: قد أعيا لا يجد منفذا.
قال تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} وهي الكواكب {وَجَعَلْنَاهَا} أي: الكواكب {رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ} يعني ما جعل منها رجوماً. وكان الوقت الذي جعلت فيه رجوماً حين بعث النبي عليه السلام.
ذكروا عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا قبل ان يبعث محمد صلى الله عليه وسلم ما نرى نجماً يرمى به، فبينما نحن ذات ليلة إذا النجوم قد رمي بها. فقلنا ما هذا؟ إن هذا إلا أمر حدث. فجاءنا أن النبي عليه السلام قد بعث، فأنزل الله في هذه الآية، وفي سورة الجن: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} [الجن: 9].
ذكروا عن حسان بن أبي بلال قال: من قال في النجوم سوى هذه الأشياء الثلاثة فهو كاذب، ثم مفتن مبتدع. قال تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ}. وقال: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي (4/387)
صفحة 1924
ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 97] فهي مصابيح ورجوم ويهتدى بها.
ذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا رأيتم الكواكب قد رمي بها فتواروا فإنها تحرق ولا تقتل. وفي تفسير الحسن: إنه يقتلهم في أسرع من طرف.
قال تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ} أي: وأعددنا لهم {عَذَابَ السَّعِيرِ} أي: في الآخرة، أي: للذين يرجمون من الشياطين ولجماعة الشياطين. تفسير الحسن الذين هم يسترقون السمع، يسترق أحدهم السمع وهو يعلم أنه محترق وأن له في الآخرة عذاب السعير. والكلبي يقول: هم شرار إبليس. وقال الحسن: الشيطان والعفريت والمارد لا يكون إلا الكافر من الجن.
قوله عز وجل: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً} أي: صوتاً في تفسير الحسن {وَهِيَ تَفُورُ} أي: تغلي {تَكَادُ تَمَيَّزُ} أي تتفرق {مِنَ الْغَيْظِ} أي: تكاد يبين بعضها من بعض تغيّظاً على أعداء الله.
قال: {كُلَّمَآ أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ} أي: التِسعة عشر {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} أي نبي ينذركم عذاب الله في الدنيا والآخرة {قَالُوا بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ} يعنون الرسل والمؤمنين. {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ} أي في الدين. وهذا خاصة في بعض المشركين دون جميع المنافقين. وأهل الكتاب اليهود والنصارى لا يقولون هذا القول، فكيف أهل الاقرار بالله والنبي والكتاب لأن اليهود والنصارى يقولون إن الله أنزل عليه كتاباً. وكانت اليهود يقرون بالتوراة ويجحدون الانجيل، وكانت النصارى يقرون بالإِنجيل ويجحدون التوراة والقرآن.
{وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصَْحَابِ السَّعِيرِ} هؤلاء جميعُ (4/388)
صفحة 1925
أصحاب النار. أي: لو كنا نسمع أو نعقل في الدنيا لآمنا في الدنيَا وأوفينا بفرائض الله في الدنيا، فلم نكن من أصحاب السعير. والسعير اسم من أسماء جهنم، وجهنم كلها سعير تسعر بهم.
قال الله تعالى: {فَاعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً} أي: فبعداً {لأَصْحَابِ السَّعِيرِ} أي: أهل السعير، أهل النار.
ثم قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ} أي: في السر، ومثلها في سورة ق: {مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} [سورة ق: 33] أي: يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها. {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}.
قوله عز وجل: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ} أي: فهو يعلمه {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: بما في الصدور.
{أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} على الاستفهام، أي: هو خلقكم فكيف لا يعلم سركم وعلانيتكم. {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} فبلطفه خلق الخلق، وهو الخبير بأعمالهم.
قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً} أي: [سهّل لكم السلوك فيها و] ذلّلها لكم. وهو كقوله: (فِرَاشاً) و (بِسَاطاً) و (مِهَاداً) {فَامْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا} أي: فامضوا في مناكبها، ومناكبها، جوانبها. وتفسير الحسن: جوانبها وطرقها، وقال الكَلْبِي: مناكبها: أطرافها. وقال بعضهم: نواحيها، وتفسير مجاهد: طرقها وفجاجها. قال: {وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ} أي: الذي أحل لكم {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} أي: البعث.
قوله: {ءَأمِنتُم مَّن فِي السَّمَآءِ} على الاستفهام، يعني نفسه {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ (4/389)
صفحة 1926
الأَرْضَ} أي: إنكم لا تأمنون ذلك {فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} أي: تتحرك حين تخسف بكم. {أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَآءِ} يعني نفسه، وهي مثل الأولى، أي لا تأمنون {أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} أي: كما حصب قوم لوط، أي: بالحجارة التي أمطرها عليهم. قال تعالى: {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرٌ}. وهذا تخويف. قال الحسن: يعني المشركين.
ثم قال للنبي عليه السلام: {وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: من قبل قومك يا محمد {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} علىلاستفهام، أي: كان شديداً. ونكيري، أي: عقوبتي.
قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ} أي: بأجنحتها، أي: قد رواها {وََيَقْبِضْنَ} قال الحسن: حين تحرك الطير جناحيها. وبعضهم يقول: (وَيَقْبِضْنَ) يعني إذا وقف الطائر صافاً جناحيه لا يزول. قال تعالى: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ}.
قوله تعالى: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ} على الاستفهام، أي: إن أراد عذابكم. أي: ليس أحد ينصركم من دون الله. قال تعالى: {إِن الْكَافِرُونَ} أي: ما الكافرون {إِلاَّ فِي غُرُورٍ} يعني في غرور من الشياطين.
قوله تعالى: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ} على الاستفهام. أي: لا أحد. يقول: إن هذه الأوثان التي تعبدونها ليست بالتي ترزقكم. قال: {بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ} أي من العتوّ، وهو الشرك {وَنُفُورٍ} أي: عن الإِيمان. وقال مجاهد: أي: وكفور، وهو واحد. (4/390)
صفحة 1927
قال تعالى: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ} أي: لا يبصر: موضع قدميه، وهذا مِثل الكافر. أي: هو أعمى عن الهدى {أَهْدَى} أي: هو أهدى {أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: عدلا مهتديا يبصر حيث يسلك، على طريق مستقيم، وهو الطريق إلى الجنة. وهذا مَثَل المؤمن، أي: المؤمن أهدى من الكافر.
قال تعالى: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ} أي: خلقكم {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي: أقلكم من يشكر، أي: أقلكم المؤمن.
{قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ} أي: خلقكم في الأرض {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي: يوم القيامة.
قال: {وَيَقُولُونَ} يعني المشركين {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.
قال الله لنبيه عليه السلام {قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللهِ} أي: علم الساعة. أي: متى الساعة، لا يعلم قيامها إلا هو {وَإِنَّمَآ أَنَا نَذِيرٌ} أي: أنذركم عذاب الله {مُّبِينٌ} أي أبيّن لكم عن الله.
قال الله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ} يعني العذاب {زُلْفَةً} أي: قريباً، في تفسير الكلبي. وقال مجاهد: قد اقترب، وقال الحسن: عياناً {سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: ساء العذاب وجوههم {وَقِيلَ} [لهم عند ذلك] {هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ} لقولهم: {ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ} [العنكبوت: 29] استهزاء وتكذيباً. (4/391)
صفحة 1928
قال الله تعالى: {قُلْ} يا محمد {أَرَأَيْتُمُ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَن مَّعِيَ} من المؤمنين وهذا على القدرة، كقوله تعالى: {إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [المائدة: 17] قال تعالى: {أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} أي: موجع. أي ليس لهم مجير يمنعهم من عَذاب الله.
{قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ} أي: صدّقنا به {وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ} أي: يوم القيامة {مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: إنكم أيها المشركون في ضلال مبين.
قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُم إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً} والغور: الذي لا يقدر عليه، أي: لا تدركه الدلاء، أي: قد غار في الأرض فذهب. يعني أهل مكة. وماؤهم فيما بلغنا زمزم وبئر ميمون.
قال تعالى: {فَمَن يَأْتِيكُم بِمَآءٍ مَّعِينٍ} أي: لا أحد. والمعين: الظاهر. وتفسير الحسن: المعين أصله من العيون. (4/392)
صفحة 1929
تفسير سورة ن، وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {ن والْقَلَمِ} ذكروا عن الحسن قال: نون: الدواة (والقلم) هذا القلم الذي يكتب به. وتفسير الكلبي: القلم الذي يكتب به الملائكة الذكر وأعمال العباد.
قوله: {وَمَا يَسْطُرُونَ} أي: وما يكتبون، يعني الملائكة {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}.
ذكروا أن عليا قال: (الر) و (حم) و (ن): الرحمن. وبعضهم يقول: (ن) الحوت الذي عليه قرار الأرض. أقسم بهذا كله للنبي عليه السلام {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} لقول المشركين إنه مجنون.
ومقرأ العامة ن; بالوقف والإِسكان ووقع القسم على القلم وما يسطرون وبعضهم يجرّون ن والقلم وما يسطرون ويحمله كله على القسم.
قال تعالى: {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً} أي: ثواباً، يعني الجنة {غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي: غير محسوب، في تفسير مجاهد: وتفسير الحسن: غير ممنون عليك منَّ أذى.
قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ أي: لعلى دين عظيم، يعني الإٍسلام. (4/393)
صفحة 1930
ذكروا عن سعيد بن هشام عن عائشة قالت: كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن. قالت: والقرآن فيه الدين.
قال: {فَسَتُبْصِرُ} أي: يوم القيامة {وَيُبْصِرُونَ} يعني المشركين {بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ} أي: بأيكم الشيطان، والشيطان مفتون في تفسير مجاهد. أي: سيبصرون يوم القيامة أنك كنت المهتدي وأنهم الضُّلاّل. {بِأَييِِّكُمُ الْمَفْتُونُ} أي [أيكم الضال في تفسير الحسن؛ يجعل الباء صلة]. والمفتون الضال.
قال عز وجل: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} أي: إنهم ضلال عن سبيل الهدى وإنك وأصحابك مهتدون. {فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ} إنهم كانوا يريدون أن يترك النبي عليه السلام ما جاء به.
قال عز وجل: {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} قال الحسن: ودوا لو تدع هذا الأمر الذي بعثت به فيدعوه. [وتفسير بعضهم يقول: لو تداهن في دينكم فيداهنون في أديانهم. كانوا أرادوه على أن يعبد الله سنة ويعبد هو آلهتهم سنة].
قوله عز وجل: {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حُلاَّفٍ} أي: مكثار في الشر {مَّهِينٍ} أي: ضعيف في الخير {هَمَّازٍ} أي: يهمز الناس بلسانه وعينه، أي يغتابهم {مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ} أي: يفسد ذات البين {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} أي: يمنع حق الله عليه، في تفسير (4/394)
صفحة 1931
الحسن. وقال بعضهم: مناع للإسلام. وتفسير مجاهد: {مَهِينٍ}: ضعيف القلب. وتفسيرالكلبي: {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} يمنه نفسه وقرابته أن يتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: {مُعْتَدٍ} من الاعتِداء، أي: ظالم {أَثِيمٍ} أي: آثم.
قوله عز وجل: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ}. والعتل الفاحش، {بَعْدَ ذَلِكَ} أي: مع ذلك كقول الرجل: وهو مع ذلك كذا وكذا، وهو واحد. {زَنِيمٍ} والزنيم في تفسير الحسن اللئيم الضريبة، يعني الطبيعة.
ذكروا عن عكرمة عن ابن عباس قال: الزنيم، الدعيّ. قال الشاعر:
زنيم تداعاه الرجال زيادة ... كما زاذ في عرض الأديم الاكارع
وتفسير مجاهد: العتل: الشديد، والزنيم: الملحق في النسب.
ذكروا عن ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب عن أبي الدراداء، قال: العتل الزنيم: رحب الجوف، وثيق الخلق، أكول شروب، غشوم ظلوم.
قال بعضهم: هو الكافر المعروف كالشاة التي لها زنمتان تعرف بزنمتيها في سائر الغنم. وبلغنا أن هذه الصفات كلها في رجل من المشركين. وقد نهى الله المسلمين عن هذه الأخلاق كلها.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشراركم النمّامون المفرّقون بين الأحبة، الباغون للبْرآءِ العنَتَ». (4/395)
صفحة 1932
قال عز وجل: {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} على الاستفهام، أي: بأن كان ذا مال وبنين {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} أي: كذب الأولين وباطلهم. {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} أي: على أنفه بسواد يعرف به يوم القيامة. وقال بعضهم: أي: سيما لا تفارقه.
قوله عز وجل: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ} يعني أهل مكة ابتلوا بالجوع حين كذبوا النبي عليه السلام {كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} أي: إذا أصبحوا.
تفسير مجاهد: إن هؤلاء قوم كانوا أول أمرهم على الشرك.
وتفسير الكلبي إنهم أبناء قوم صالحين، وإن آباءهم جعلوا من جنتهم حظا للمساكين وابن السبيل. وكان حظ المساكين وابن السبيل عند الحِصاد ما أخطأ المنجل، وعند القِطاف ما أخطأ القاطف، وعند صِرام النخل ما انتثر خارجاً من البساط الذي يبسط تحت النخل. فخلف أبناؤهم من بعدهم وقالوا: كثرنا وكثر عيالنا فليس للمساكين عندنا شيء. فتقاسموا ليصرمنّها مصبحين أي صبحاً {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} أي: ولا يقولون: إن شاء الله.
قال عز وجل: {فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ} أي: عذاب من ربك {وَهُمْ نَآئِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} الصريم بمعنى المصروم. أي: الذاهب الهالك فأهلك تِلْكَ الجنان وذلك الحرث.
{فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ} أي حِين أصبحوا {أَنِ اغْدُواْ عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ}. (4/396)
صفحة 1933
قال تعالى: {فَانطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ} أي: يتسارّون بينهم {أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ} أي: أن لا تطعموا اليوم مسكيناً.
قال عز وجل: {وَغَدَوْاْ عَلَى حَرْدٍ} أي: على جِدّ من أمرهم، أي جادّين، {قَادِرِينَ} أي: قادرين على جنتهم في أنفسهم. قال الحسن: {عَلَى حَرْدٍ} أي: على منع من الفاقة.
قال عز وجل: {فَلَمَّا رَأَوْهَا} خرابا سوداء، وعهدهم بها في الأمس عامرة، {قَالُواْ إِنَّا لَضَآلُّونَ} أي: ضللنا الطريق، أي ظنوا إنها ليست جنّتهم. ثم أيقنوا أنها جنتُهم فقالوا: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أي: حُرِمنا خيرَ جنّتنا.
{قَالَ أَوْسَطُهُمْ} أي: أعدلهم {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ} أي هلا تستثنون.
{قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ قَالُوا يَاوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ عَسَى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ}.
قال الله عز وجل: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ} أي: هكذا كان العذاب، أي: كما قصصته عليك، يعني ما عذِّبهم به مِن إهلاك جنّتهم. {وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ} من عذاب الدنيا {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} يعني قريشا. رجع إلى قوله: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ}، يعني قريشاً، لو كانوا يعلمون لعلموا أن عذاب الآخرة أكبر من عذاب الدنيا. (4/397)
صفحة 1934
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحصاد ليلاً وعن الجداد ليلا. ذكروا عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يُصرَم ليلاً وأن يُحصَد ليلاً.
ذكروا عن ابن عمر في قوله تعالى: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]. قال: هو سوى العشر ونصف العشر أن يُنَاوَل منه يوم حصاده. وذكروا عن مجاهد. وقال بعضهم: هو ما أخطأ المنجل.
قال بعضهم تراه إنما نهى عن الصرام ليلاً وعن الحصاد ليلاً وأن يضحى ليلاً لما كان للمساكين لئلا يُحرَمُوا أن يطعموا منه ولا يصنعون كما صنع أصحاب الجنة.
ذكروا عن الحسن وسعيد بن جبير قالوا: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قالوا: الزكاة المفروضة.
قوله عز وجل: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} أي: كالمشركين. أي: لا نفعل ذلك. ثم قال الله عزّ وجلّ للمشركين: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} أي: ليس لكم حكم أن نجعل المسلمين في الآخرة كالمشركين.
ذكروا عن ابن مسعود قال: ثلاثة أحلف عليهن ولا أستثني: لا يجعل الله من له سهم في الإِسلام كمن لا سهم له، ولا ولى الله عبداً في الدنيا فيوليه غيره [في الآخرة]، ولا يحِب عبد قوماً إلا كان معهم. والرابعة لو حلفت عليها لبررت: لا يستُرُ الله على عبد في الدنيا إلا ستر عليه غدا في الآخرة.
قال الله: {أَمْ لَكُمْ} يقوله للمشركين. {كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} أي: تقرأون. (4/398)
صفحة 1935
{إِنَّ لَكُمْ فِيهِ} أي: في ذلك الكتاب {لَمَا تَخَيَّرُونَ} أي: ما تخيّرون. واللام صلة. [أي: ليس عندكم كتاب تقرأون فيه إن لكم لما تخيرون].
قال تعالى: {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} أي ما تحكمون. يقول أم جعلنا لكم بأن لكم ما تحكمون. أي: لم نفعل. وقد جعل الله للمؤمنين عنده عهدا. وقال: {لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} [مريم: 87]. وقال لليهود: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ} [البقرة: 80].
قال تعالى: {سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ} أي: حميل، أي: يحمل عنا لهم بأن لهم ما يحكمون، أي: يوم القيامة لأنفسهم بالجنة، إن كانت جنة لقول أحدهم: {وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى} [سورة فصلت: 50] أي للجنة، إن كانت جنة.
قوله عز وجل: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ} أي: خلقوا مع الله شيئاً {فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ}. أي: قد أشركوا بالله آلهة لم يخلقوا مع الله شيئاً.
قوله عز وجل: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} قال الحسن: عن ساق الآخرة. وقال مجاهد: عن شدة الأمر وجده، أي: عن الأمر الشديد.
وحدثني هشام عن المغيرة عن إبراهيم عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} قال: يكشف عن شدة يوم القيامة. وعن الضحاك أنه كان يرى مثل ذلك. (4/399)
صفحة 1936
قال ابن عباس: كانت العرب إذا اشتدت الحرب بينهم قالوا: قامت الحرب بنا على ساق. وعن سعيد بن جبير أنه سئل عن قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} فغضب وقال: والله إنكم لتقولون قولاً عظِيماً، إنما يعني الأمر الشديد. وعن سعيد بن جبير مثله: هو عذاب الاستئصال، يعني إنه يعذبهم بالنفخة الأولى قبل عذاب يوم القيامة.
قال عز وجل: {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} أي: ذليلة أبصارهم {تَرْهَقُهُمْ} أي: تغشاهم {ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ} أي: إلى الصلاة المفروضة {وَهُمْ سَالِمُونَ}. رجع إلى قوله تعالى: {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ} أي: يُخادَعون بذلك كما كانوا يُخادِعون في الدنيا، وذلك أن سجودهم في الدنيا راءَوا بِهِ الناس.
قوله عز وجل: {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ} يعني القرآن. وهذا وعيد بالعذاب لمن كذب بالقرآن. {سَنَسْتَدْرِجُهُم} يعني المكذبين {مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} وهذا مثل قوله عز وجل: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَدْنَآ أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} أي: مكانِ الشِدة الرخاء {حَتَّى عَفَواْ} أي حتى كثروا {وَقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَآءَنَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [الأعراف: 94 - 95] أي أخذناهم أحسن ما كانوا حالاً وآمنه، فأهلكهم، فحذّر المشركين ذلك.
قوله عز وجل: {وَأُمْلِي لَهُم} [أي: أطيل لهم وأمهلهم] حتى يبلغوا الوقت الذي آخذهم فيه. {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} أي شديد. وكيده أخذه إياهم بالعذاب. وقد عذّب الله أوائل هذه الأمة أبا جهل وأصحابه بعذاب شديد.
قال تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُم} يقول للنبي عليه السلام: أم تسأل المشركين على (4/400)
صفحة 1937
القرآن {أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} أي: قد أثقلهم الغرم. وهذا استفهام. أي: إنك لست تسألهم أجراً على القرآن.
قال: {أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ} أي: علم الغيب {فَهُمْ يَكْتُبُونَ} أي: لأنفسهم الجنة.
إن كانت جنة {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أي: الذي يحكم عليك، وكان هذا قبل أن يؤمر بقتالهم، ثم أمر بقتالهم. {وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ} يعني يونس {إِذْ نَادَى} [يعني في بطن الحوت] {وَهُوَ مَكْظُومٌ} أي: مكروب. وقد مضى تفسير قصة يونس في غير هذا الموضع. قال: {لَّوْلآ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ} فتاب عليه {لَنُبِذَ بِالْعَرَآءِ} أي بالأرض إلى يوم القيامة {وَهُوَ مَذْمُومٌ} أي: عند الله. وقال بعضهم: حين نبذ، أي: حين أخرج من بطون الحوت. كقوله: {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات: 145]. قال: {فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ} أي: فاصطفاه ربه وأنقذه مما كان فيه {فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}.
قال عز وجل: {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ} أي: لينفذونك {بِأَبْصَارِهِمْ} [لشدة نظرهم عداوة وبغضاً] {لَمَّا سَمِعُواْ الذِّكْرَ} أي القرآن، بُغضاً له {وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} يعنون محمداً عليه السلام {وَمَا هُوَ} يعني القرآن {إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} أي: يذكرون به الآخرة والجنة والنار. (4/401)
صفحة 1938
تفسير سورة الحاقة، وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الحَآقَّةُ مَا الحَآقَّةُ وَمَآ أَدْرَاكَ مَآ الْحَآقَّةُ} أي: إنك لم تكن تدري ما الحاقة حتى أعلمتكها. والحاقة اسم من أسماء القيامة أحقت لأقوام الجنة وأحقت لأقوام النار. قال بعضهم: كل شيء في القرآن: (وَمَا أَدْرَاكَ) فقد أدراه، أي: أعلمه إياه، وكل شيء (وَمَا يُدْرِيكَ) فهو لم يعلمه إياه بعدُ.
قوله عز وجل: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ} أي: كذبوا بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة، في تفسير الحسن. وتفسير الكلبي: القارعة اسم من أسماء جهنم.
{فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِالطَّاغِيَةِ} قال الحسن: أي: بطغيانهم، كقوله: {كَذَّبَتْ ثَّمُودُ بِطَغْوَاهَآ} [الشمس: 11] أي: بشركها. وقال الكلبي: الطاغية الصاعقة التي أهلكوا بها. وتفسير مجاهد: (بِالطَّاغِيَةِ) أي: بالذنوب.
قوله: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ} أي: باردة شديدة البرد {عَاتِيَةٍ} أي: عتت على خزانها بأمر ربها، كانت تخرج من قبل بقدر، فعتت يومئذ على خزانها، مثل قوله: {إِنَّا لَمَا طَغَا الْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} [الحاقة: 11] أي: طغى الماء على خزانه إنه كان يخرج بقدر فطغى يومئذ على خزانه. وقال الحسن: العاتية: الشديدة، وضمّ أصابعه وشدّها، وضمّ أصابعه وشدها. قال: وكذلك أيضاً. وقال مجاهد: عاتية: شديدة. والريح التي أهلك بها عادا هي الدبور. (4/402)
صفحة 1939
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور».
قال: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} أي: تباعا ليس بينها تفتير. وكان ذلك من يوم الأربعاء إلى الأربعاء [والليالي سبع من ليلة الخميس إلى ليلة الأربعاء].
{فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُم أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} شبههم بالنخل التي قد انقعرت فوقعت. قوله: (خَاوِيَةٍ) أي: خاويةً أبدانهم من أرواحها مثل النخلة الخاوية. وتفسير الحسن أن النخل الخاوية هي البالية. وذكر بعضهم أن الريح تضرب أحدهم فتقلع رأسه بجميع أحشائه، فتلقيه خاوياً.
قال: {فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} أي: من بقية. أي: إنك لا ترى أحدا باقيا، أي قد أهلكوا.
قوله عز وجل: {وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ}، وهي تقرأ على وجهين: {من قَبْلَه} و {من قِبَلَه} فمن قرأها {قَبْلَه} خفيفة، فهو يقول، ومن قَبْلَه من الأمم السالفة التي كذبت الرسل، ومن قرأها {قِبَلَه}، فهو يقول: ومن معه {وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ}، وهي قريات قوم لوط الثلاث. وقال بعضهم: خمس مدائن خسف بها كلها، {وَالمُؤْتَفِكَاتِ}، أي: جاءوا جميعا: فرعون ومن قبله على مقرأ من قرأها خفيفة أي: والمؤتفكات جاءوا جميعا بالخاطئة. ومن قرأها مثقلة فهو يقول: وجاء فرعون ومن قِبَلَه، ومن معه، والمؤتفكات، أي جاءوا جميعا بالخاطئة.
وتفسير مجاهد: جاءوا جميعا بالخاطئة، أي: بالشرك. وقال بعضهم: بالمعصية. {فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ}. أي: عصى كل قوم رسول ربهم الذي أرسل إليهم؛ كقوله عز وجل: {كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ} [المؤمنون: 44]. (4/403)
صفحة 1940
قال: {فأَخَذَهُم أَخْذَةً رَّابِيَةً} قال مجاهد: أخذة شديد.
قال عز وجل: {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَآءُ} أي: على خزانة بأمر ربه وذلك يوم أغرق الله فيه قوم نوح {حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} يعني نوحا ومن معه وأولاده الثلاثة الذين الناس من ذريتهم: سام وحام ويافث. والجارية السفينة.
قال عز وجل: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً} أي: فتذكرون أن جميع من في الأرض غرقوا غير أهل السفينة. قال عز وجل: {وَتَعِيهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} أي: حافظة. يعني بذلك التذكرة. وهي أذن المؤمن سمع التذكرة فوعاها بقلبه.
قال عز وجل: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ}، وقد فسّرنا الصور في غير هذا الموضع {نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} [بالرفع على ما لم يسمَّ فاعله]، وهي النفخة الآخرة {وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ} أي تحمل من أصولها وتذهب {فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} ودكها ذهابها. أي: تدك الأرض والجبال فتصير الأرض مستوية.
قال عز وجل: {وَانشَقَّتِ السَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} كقوله عز وجل: {وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً} [النبأ: 19] يعني سقفها. والواهية الضعيفة، ليست بالشديدة كما كانت.
قال عز وجل: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَآئِهَا} يعني الملائكة، والملك يعني جماعة الملائكة {عَلَى أَرْجَآئِهَا} أي على حافاتها، أي: على حافات السماء. وقال الحسن: على أبوابها. وقال مجاهد والكلبي؛ على أطرافها.
قال عز وجل: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ} أي: فوق الخلائق {يَوْمَئِذٍ (4/404)
صفحة 1941
ثَمَانِيَةٌ} تفسير الحسن: ثمانية من الملائكة. وتفسير الكلبي: إنهم يومئذ ثمانية أجزاء [من تسعة أجزاء من الملائكة].
وقال بعضهم: ثمانية صفوف من الملائكة.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنه إلى عاتقه خفقان الطائر سبعمائة سنة يقول: سبحانك على حلمك بعد علمك.» قال بعضهم: بلغنا أن اسمه روفيل.
وقال بعضهم: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} تحمله الملائكة على كواهلها، يقول أهل سماء الدنيا بمثلي من الأرض.
وذكر بعضهم أن الذين يحملون العرش ثمانية صفوف من الكروبيين لا يرى أطرافهم ولا يعلم عدده إلا الذي خلقهم، سبحانه.
قال عز وجل: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} أي: لا يخفى على الله من أعمالكم شيء.
قال عز وجل: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} فيعلم أنه من أهل الجنة {فَيَقُولُ هَآوُمُ اقْرَءُواْ كِتَابِيَهْ} وذلك حين يأذن الله له فيقرأ كتابه. فإذا كان الرجل في الخبر رأساً يدعو إليه ويأمر به، ويكثر تبعه عليه، دعلي باسمه واسم أبيه فيتقدم، حتى إذا دنا أخرج له كتاب أبيض بخط أبيض، في باطنه السيئات، وفي ظاهره الحسنات. فيبدأ بالسيئات فيقرأها، فيشفق ويتغير لونه. فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه سيئاتك قد غفرت لك فيفرح، ثم يقلب كتابه فيقرأ حسناته، فلا يزداد إلا فرحاً، فيقال له: هذه (4/405)
صفحة 1942
حسناتك، وقد ضوعفت لك، ويبيضّ وجهه، ويؤتى بتاج، فيوضع على رأسه ويكسى حُلّتين، ويحلّى كل مفصل منه، ويطول ستين ذراعاً، وهي قامة أبينا آدم عليه السلام ويقال له: انطلق إلى أصحابك فبشّرهم وأخبرهم بأن لكل إنسان منهم مثل هذا. فإذا أدبر قال: {هَاؤُمُ} أي: هاكم {اقْرَأُوا كِتَابِيَه} {إِنِّي ظَنَنتُ} أي: علمت {أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ}.
قال عز وجل: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أي: مرضية، قد رضيها {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} أي: في السماء. {قُطُوفُهَا} أي: ثمارها {دَانِيَةٌ} فيقول لأصحابه: هل تعرفونني، فيقولون: قد غيّرتك كرامة الله، من أنت، فيقول: أنا فلان بن فلان، ليستبشر كل رجل منكم بمثل هذا.
ذكروا عن البراء بن عازب قال: أدنيت منهم وذلّلت، يتناولون أيها شاءوا، قعوداً أو مضطجعين وكيف شاءوا.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده إن أهل الجنة يتناولون من قطوفها وهم متكئون، فما تصل إلى في أحدهم حتى يُبدِل الله مكانها أخرى».
قوله عز وجل: {كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ} أي: بما قدمتم على قدر أعمالكم {فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} وهي أيام الدنيا: وهي في الآخرة أيام خلت.
ذكروا عن عبد الله بن أوفى أن رجلاً قال: يا رسول الله، كيف شهاء أهل الجنة قال: يأكلون ويشربون وإذا امتلأت بطونهم قيل لهم: هنيئاً لكم شهوتكم، فيرشحون عند ذلك مسكاً لا يبولون ولا يتغوّطون ولا يمتخطون.
قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَه وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ}. قال الحسن: يقولها في النار، يتمنى الموت. وهو مثل قوله: {يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف: 77]. قال بعضهم: يقول: يا ليتني مت قبل أن أحاسب، وقبل أن أوت كتابيه. (4/406)
صفحة 1943
قال: وإذا كان الرجل في الشر رأسا يدعو إليه ويأمر به ويكثر عليه تبعه نودي باسمه واسم أبيه، فيتقدم إلى حسابه ويخرج له كتاب أسود بخط أسود، في باطنه الحسنات وفي ظاهره السيئات؛ فيبدأ بالحسنات فيقرأها فيفرح، ويظن أنه سينجو. فإذا بلغ آخر الكتاب وجد: هذه حسناتك وقد ردت عليك فيسود وجهه ويعلوه الحزن ويقنط من كل خير. ثم يقلب كتابه فيقرأ سيئاته، فلا يزداد إلا حزنا، ولا يزداد وجهه إلا سواداً. فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه سيئاتك قد عظم بلاؤها؛ فيعظّم للنار، وترزقّ عيناه ويسودّ وجهه، ويكسى سرابيل القطران ويقال له: انطلق إلى أصحابك فأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا. فينطلق وهو يقول: {يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَه وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَة} {مَآ أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ}. ذكروا عن عكرمة عن ابن عباس قال: هلكت عني حجتي.
قال عز وجل: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} أي: اجعلوه يصلى الجحيم والجحيم النار، وهي اسم من أسماء جهنم.
قال تعالى: {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً} والله أعلم بأي ذراع. وبلغنا أن الحلقة من تلك السلسلة لو وضعت على ذروة جبل لذاب.
قال تعالى: {فَاسْلُكُوهُ} فيُسلك فيها سَلكاً كما يسلك النظام في الخيط، تدخل من فيه ثم تخرج من دبره، فينادي أصحابه فيقول: هل تعرفونني؟ فيقولون لا، ولكن قد نرى ما بك من الخزي، فمن أنت؟ فيقول أنا فلان بن فلان، وإن لكل إنسان منكم مثل هذا.
قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} قال: {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ} تفسير الحسن أن الحميم: القرابة. وتفسير مجاهد: الحميم: الشفيق. أي: فليس له اليوم ها هنا حميم ينفعه. (4/407)
صفحة 1944
قال تعالى: {وَلاَ طَعَامٌ} أي: وليس له ها هنا طعام {إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ} أي: من غسالة أهل النار، أي: الدم والقيح. {لاَ يَأكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ} أي: المشركون والمنافقون.
قال تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ} أي: أقسم بكل شيء {إِنَّهُ} يعني القرآن {لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [أي: كريم على الله]. تفسير الحسن، إنه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: جبريل.
قال تعالى: {وَمَا هُوَ} يعني القرآن {بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ} أي: أقلكم من يؤمن. {وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} أي: أقلكم من يتذكر، أي: يؤمن. قال تعالى: {تَنزِيلٌ} يعني القرآن {مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}.
قال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا} يعني محمد صلى الله عليه وسلم {بَعْضَ الأَقَاوِيلِ} أي: فزاد في الوحي أو نقص منه {لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} أي: لقطعنا يده اليمنى {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} أي: نياط القلب، وهو العرق الذي القلبُ معلَّقُ به، وهو حبل الوريد. وقال مجاهد: حبل القلب الذي في الظهر فإذا انقطع مات الإِنسان.
قال تعالى: {فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} يعني بذلك المؤمنين في تفسير الحسن. وإنما صارت حاجزين لأن المعنى على الجماعة.
قال تعالى: {وإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ} أي: أن منكم من لا يؤمن. {وَإِنَّهُ} يعني القرآن {لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} وهم الذين يقبلون التذكرة. {وَإِنَّهُ} يعني القرآن {لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي: يوم القيامة إذ لم يؤمنوا به في الدنيا {وَإِنَّهُ} يعني القرآن {لَحَقُّ الْيَقِينِ} أي: إنه من عند الله {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}. (4/408)
صفحة 1945
تفسير سورة سَأَل سَائِلٌ، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {سَأَلَ سَآئِلٌ} العامة يقرأونها بالهمز ويقولون: هو من باب السؤال. وتفسير الحسن أن المشركين سألوا النبي عليه السلام: لمن هذا العذاب التي تذكر، يا محمد، أنه يكون في الآخرة. فقال الله تعالى: سأَل سائل {بِعَذَابٍ} أي: عن عذاب {وَاقِعٍ لِّلْكَافِرِينَ}.
وتفسير الكلبي: إنه النضر بن الحارث، أخو بني عبد الدار قال: {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطَِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]. قال: فقتل يوم بدر، وله في الآخرة عذاب أليم.
وبلغنا عن عبد الرحمن أنه كان يقرأها: {سَالَ سَائِلٌ} من باب السيلان. قال هو واد من نار يسيل بعذاب واقع للكافرين.
قال تعالى: {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِّنَ اللهِ} يدفعه {ذِي الْمَعَارِجِ} أي: ذي المراقي إلى السماء {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث ليلة أسري به لما أتى بيت المقدس (4/409)
صفحة 1946
على البراق: أتي بالمعراج فإذا هو أحسن خلق الله. ألم تر إلى الميت حيث سوى بصره، فإنما يتبع المعراج عجباً به. قال: فقعدنا فيه، فعرج بنا حتى انتهينا إلى باب الحفظة، فذكر ما رأى في تلك الليلة في السماء.
قال تعالى: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}. ذلك يوم القيامة.
وقوله: {مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} أي: لو كلفتم القضاء فيه بين الخلائق لم تفرغوا فيه منه في مقدار خمسين ألف سنة، والله تعالى يفرغ منه في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا. وهو قوله عز وجل: {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام: 62].
قوله: {فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً} يقوله للنبي عليه السلام. تفسير مجاهد: جميلاً ليس فيه جزع. وقال الحسن: على تكذيب المشركين لك، يقولون: إنك ساحر، وإنك شاعر. وإنك كاهن، وإنك كاذب وإنك مجنون.
قال تعالى: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً}، يعني يوم القيامة، أي يقولون: إنه ليس بكائن، إنه ليس بجاء. {وَنَرَاهُ قَرِيباً} أي: جائياً. وكل آت قريب.
قال تعالى: {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ كَالْمُهْلِ} أي: وذلك يوم تكون السماء كالمهل، أي: كعكر الزيت في تفسير بعضهم. ذكروا أن عبد الله بن مسعود أهديت له فضة فأمر فأذيبت حتى ازبدت وانماعت فقال لغلامة: ادع له نفراً من أهل الكوفة، فدخل عليه نفر من أهل الكوفة فقال: أترون هذا. ما رأينا شيئاً أشبه بالمهل من هذا.
قال الله: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} أي: كالصوف الأحمر المنفوش، وهو تفسير مجاهد. وقال في آية أخرى: {كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ} [القارعة: 5]، وهو أضعف الصوف، وهو في حرف عبد الله بن مسعود: كالصوف الأحمر المنفوش، وهو تفسير مجاهد أيضاً.
قال الحسن: فأول ما يغير الجبال عن حالها أن تصير رملاً كثيباً مهيلاً. ثم تصير (4/410)
صفحة 1947
كالعهن المنفوش، ثم تصير هباء منتوراً منبثاً، وهو حين تذهب من أصولها. وتفسير الهباء الذي يدخل البيت من الكوى من شعاع الشمس. وقال الحسن: غباراً ذاهباً.
قال تعالى: {وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة مواطن لا يسأل فيها أحد أحداً: إذا وضعت الموازين حتى يعلم أيثقل ميزانه أم يخف، وإذا تطايرت الكتب حتى يعلم أيأخذ كتابه بيمينه أم بشماله، وعند الصراط حتى يعلم أيجوز الصراط أم لا يجوز».
وتفسير الحسن: {وَلاَ يَسْاَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} أي: لا يسأل قريب قريبه أن يحمل عنه من ذنوبه شيئاً كما كان يحمل بعضهم عن بعض في الدنيا. كقوله عز وجل: {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [فاطر: 18].
قال تعالى: {يُبَصَّرُونَهُمْ} أي: يبصّر الرجلُ قرابتَه وأهل بيته وعشيرته في بعض المواطن ولا يعرف بعضهم بعضاً. وتفسير الكلبي: يعرفونهم مرة واحدة. قال: {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ} أي: المشرك {لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ} أي: عشيرته {الَّتِي تُئْوِيهِ} تفسير الحسن: {تُئْويهِ} أي: تنصره وتنقذه في الدنيا. قال تعالى: {وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} أي يفتدي بهم {ثُمَّ يُنْجِيهِ} ذلك من عذاب الله.
قال الله: {كَلاَّ} أي: لا ينجيه ذلك من عذاب الله.
ثم قال: {إِنَّهَا لَظَى} وهي اسم من أسماء جهنم. وجهنم كلها لظى، أي: تلظى، أي: تأجج {نَزَّاعَةً} يعني أكالة {لِّلشَّوَى}. قال الحسن: نزاعة للهام. وقال مجاهد: نزّاعة لجلود الرأس. وقال بعضهم: تأكل أطرافه ومكارم خِلقته. (4/411)
صفحة 1948
قال تعالى: {تَدْعُواْ مَن أَدْبَرَ} [عن الإيمان] {وَتَوَلَّى} [عن طاعة الله] {وَجَمَعَ فَأَوْعَى} أي [وجمع المال] فأوعاه.
قال تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً} أي: ضجوراً {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ} أي: الشدة {جَزُوعاً} اي: إذا أصابته الشدة لم يصبر فيها، ليست له فيها حسبة، يعني المشرك، {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ} أي: إذا أعطى المالَ {مَنُوعاً} أي: يمنع حق الله فيه. وذلك من المشرك والمنافق ضجر.
ثم استثنى المؤمنين من الناس فقال: {إِلاَّ الْمُصَلِّينَ} يعني المسلمين {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} أي: يديمون عليها في تفسير الحسن. وقال الحسن: يقومون على مواقيتها. وهو واحد. وقال بعضهم: {دَائِمُونَ} أي: لا يلتفتون.
قال: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ} تفسير الحسن: هي الزكاة المفروضة. {لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ}. تفسير الحسن: السائل: المسكين الذي يسأل عند الحاجة، ثم يكف عن المسألة حتى ينفد ما في يده. قال: والمحروم الفقير الذي لا يسأل على حال، فَحُرِم أن يعطى عن المسألة كما يعطى السائل، [وإذا أعطي شيئاً قبل].
ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المسكين ليس بالطوّاف الذي ترده التمرة والتمرتان والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يسأل الناس إلحافاً». (4/412)
صفحة 1949
ذكروا عن ابن عباس قال: المحروم المُحارَف الذي لا سهم له في الغنيمة.
ذكروا عن بعضهم قالوا: هم أصحاب صُفَّة مسجد النبي عليه السلام، وهم فقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لا يستطيعون الغزو فجعل لهم يومئذ منها سهماً ثم نزلت الآية التي في سورة براءة: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] فصارت عامة، وهذه السورة فيما بلغنا مكية، وهذه الآية مدينة، والله أعلم.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} أي: بيوم الحساب، أي: يوم يدين الله تعالى الناس بأعمالهم.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ} أي: خائفون {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ}. ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع عليه أمنين؛ لا يخافني في الدنيا إلا أمنته في الآخرة، ولا يأمنني في الدنيا إلا خوفته في الآخرة».
قال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} أي: لا يلامون على الحلال.
قال تعالى: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ} أي: وراء أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم {فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} أي: فأولئك هم الزناة، تعدوا حلال الله إلى حرامه.
قال: {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ} أي: فما افترض الله عليهم، والأمانات فيما بينهم وبين الناس {وَعَهْدِهِمْ} أي: ما عاهدوا عليه الناس {رَاعُونَ} أي حافظون، يعني يؤدون الأمانات، يوفون بالعهد فيما بينهم وبين الناس فيما وافق الحق {وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَآئِمُونَ} وهي شهادات فيما بين الناس، يقومون بها إذا كانت عندهم. (4/413)
صفحة 1950
قال: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} أي: على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها. قال تعالى: {أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ}.
قوله تعالى: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} قال الحسن: {مُهْطِعِينَ} أي: منطلقين يأخذون يميناً وشمالاً يقولون: ما يقول هذا الرجل؟ يقول: يتفرّقون عنه يميناً وشمالاً يكذّبون بما جاء به. و (العِزِينَ): الفِرق، في تفسيرالحسن.
ذكروا عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآنا حلقاً حلقاً فقال: ما لي أراكم عزين.
قال تعالى: {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ} لقول أحدهم: {وَلَئِنْ رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى} [فصلت: 50] أي: الجنة. إن كانت جنة كما تقولون.
قال الله عز وجل: {كَلاَّ} أي: ليسوا من أهل الجنة ثم قال: {إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِّمَّا يَعْلَمُونَ} أي: من النطفة.
قال تعالى: {فَلآ أُقْسِمُ} (لا أقسم) وأقسم واحد، وهو قسم كله {بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} أقسم الله بنفسه. قال بعضهم: للشمس ثلاثمائة وستون مشرقاً وثلاثمائة وستون مغرباً. قال: {إِنَّا لَقَادِرُونَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ} أي: على أن نهلكهم بالعذاب ونبدل خيراً منهم، أي: آدميين أطوع لله منهم، {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} أي: بمغلوبين على ذلك إن أردناه. (4/414)
صفحة 1951
قال تعالى: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ} أي: في كفرهم {وَيَلْعَبُواْ} فقد أقمت عليهم الحجة. {حَتَّى يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} يعني يوم القيامة. ثم أمر بقتالهم.
وكل شيء في القرآن: (فَذَرْ)، و (أَعْرِضْ) منسوخ، نسخه القتال.
قوله تعالى: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً} أي: من القبور سراعاً يخرجون من قبورهم سراعاً إلى المنادي صاحب الصور إلى بيت المقدس.
قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} قال الحسن: يوفضون: يبتدرون نصبهم، أي يستلمه أولاً؛ يعني الصنم، وهي تقرأ على وجهين: نَصب وُنُصب، فمن قرأها {نُصُب} فهو يعني جماعة الجماعة من النَّصب، وهو أعلام على وجه القراءتين.
قال تعالى: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} أي: ذليلة فهي لا تَطوف. {تَرْهَقُهُمْ} [أي: تغشاهم] {ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} في الدنيا، وهو يوم القيامة. (4/415)
صفحة 1952
تفسير سورة نوح، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع.
{قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ} أي: يغفر لكم ذنوبكم {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًَّى} أي: إلى موتكم فيكون موتكم بغير عذاب. وإن لم تؤمنوا أخذكم العذاب في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: {إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ} يعني يوم القيامة جعله الله أجلاً للعباد يبعثون فيه، إذا جاء لا يؤخر، وهو تفسير الحسن. وقال مجاهد: حضور الأجل؛ فإذا جاء الأجل لا يؤخر.
قال: {لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} لعلمتم أن القيامة جائية.
فكذبوا نوحاً ف {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآءِيَ إِلاَّ فِرَاراً} أي عن الإيمان. {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ} أي: كلما دعوتهم أن يستغفروا من الشرك فيؤمنوا فتغفر لهم أبوا، و {جَعَلُواْ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} أي: يتولّون ويكرهون ذلك بمنزلة من لا يسمع {وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ} أي: غطوا رؤوسهم لكيلا يسمعوا دعائي إياهم إلى الإِيمان {وَأَصَرُّواْ} أي: أقاموا على الكفر {وَاسْتَكْبَرُواْ اسْتِكْبَاراً} أي: عن عبادة الله. (4/416)
صفحة 1953
قال تعالى: {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً} أي مجاهرة {ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُم إِسْرَاراً} [أي: خلطت دعاءهم في العلانية بدعاء السرّ] {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} أي: من شرككم وآمنوا به {إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} أي: لمن تاب {يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً} أي: تدرّ عليكم بالمطر. ذكروا عن الأعمش عن رجل عن عبد الله بن مسعود قال: يحمل السحاب الماءَ ثم يرسل الله الريح فتمري السحاب كما تُمرَى اللقحة حتى تدرّ ثم تمطر.
قال تعالى: {وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} [قيل إنهم قد أجابوا فأعلمهم أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب والغنى في الدنيا].
قال تعالى: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} أي: لا تخافون لله عظمة وتفسير مجاهد: لا تبالون لله عظمة. {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} أي: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظماً، ثم لحماً.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً} أي: بعضها فوق بعض؛ وبين كل سماءين مسيرة خمسائة عام. وقال تعالى: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً} أي: لأهل الارض.
ذكروا عن عبد الله بن عمر قال: الشمس والقمر وجوههما إلى السماء وأقفيتهما إلى الأرض يضيئان في السماء كما يضيئان في الأرض، ثم تلا هذه الآية: {أَلَمْ تَرَوْاْ (4/417)
صفحة 1954
كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً. . .} الآية.
قال تعالى: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً} ذكروا عن يزيد بن حفص قال: قلت لعبد الله بن عمر: ما بال الشمس تصلانا أحياناً وتبرد أحياناً؟ قال: أما في الصيف فهي في السماء الخامسة، وأما في الشتاء فهي في السماء السابعة. قلت ما كنا نراه إلا في هذه السماء الدنيا. قال: لو كانت في السماء الدنيا لم يقم لها شيء. والذي في أيدينا أنها تُدنَى في الشتاء لأهل الأرض فينتفعون بها، وترفع في الصيف لكي لا يتأذوا بها.
ذكروا أن الشمس والقمر والنجوم ليس شيء منها لازقاً بالسماء، وأنها تجري في فلك دون السماء، وهو تفسير الحسن. وقال: مثل الطاحونة دون السماء. ولو كانت ملتزقة لم تجر.
قال تعالى: {وَاللهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً} أي: خلقكم من الأرض خلقاً. أي: خلق آدم من طين، ونسله من نطفة. {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا} كقوله تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طَهَ: 55] قال تعالى: {وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً}.
قال تعالى: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطاً} أي: بسطها لكم. وقوله: بساطاً، وفراشاً، ومهاداً، واحد. قال تعالى: {لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} أي: طرقاً وأعلاماً.
{قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً}. وهي تقرأ على ثلاثة أوجه؛ فمن قرأها: ووَلَده، فهو عشيرته التي ولدته. ووُلْده: (4/418)
صفحة 1955
أولاده. وقوله: {اتَّبَعُوا} أي: اتبع بعضهم بعضاً على الشرك والتكذيب. وقوله: {إِلاَّ خَسَاراً} أي: عند الله باتباعهم إياه.
قال عز وجل: {وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً} أي: عظيماً، وهو الشرك {وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً}. وهي أسماء آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. أي: لا تدعوا عبادتها في تفسير الحسن.
ذكروا أن هذه الأصنام كانت في بلاد العرب، ووصف كل صنم منها أين كان موضعه. قال بعضهم: حفظت منها موضعين ونسيت اسم موضع الصنمين. قال: كان صنم كذا وكذا برهاه ببلخع.
ذكروا عن جابر بن عبد الله أنها أصنام كانت للعرب وأحسبه سمى بعضها. فمن قال: إنها كانت في أرض العرب فإنه بقطعها في هذا الموضع من قصة نوح عليه السلام ويجعل الكلام مستأنفاً. ثم رجع إلى قصة نوح حيث يقول: {وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً}.
قوله عز وجل: {وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً} تفسير الحسن: إنه يعني الأصنام أضلت كثيراً من الناس بعبادتهم إياها من غير أن تكون الأصنام دعت إلى عبادتها.
قال عز وجل: {وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً} هذا دعاء نوح عليه السلام على قومه حين أذن الله بالدعاء عليهم: مثل قوله عز وجل: {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} [هود: 36]. (4/419)
صفحة 1956
قال عز وجل: {مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ} أي: بشركهم {أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} أي: فوجب لهم النار {فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ أَنصَاراً} يمنعونهم من عذاب الله.
{وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً} أي: أحداً. وهذا حين أذن الله له بالدعاء عليهم. {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} أي: إن هم ولدوا وليداً فأدرك كفر. وهو شيء علمه نوح من قِبَل الله وهو قوله: {وَأُوْحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ}. قال نوح: {رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ}. قال الحسن: كانا مؤمنين {وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً} قال بعضهم: (مَنْ دَخَلَ بَيْتِي) يعني مسجدي (مُؤمِناً) {وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً} أي: إلا هلاكاً. وذلك حين أمر بالدعاء عليهم فاستجاب الله له فأغرقهم. (4/420)
صفحة 1957
تفسير سوة الجِنّ، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ} هؤلاء من جنّ نصيبين، من الذين قال الله عزّ وجل عنهم للنبي عليه السلام: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} [الأحقاف: 29].
{فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} أي: إلى الهدى {فَآمَنَّا بِهِ} أي: فصدّقناه. {وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} أي: آمنوا به، وكانوا قبل ذلك فيما بلغنا على اليهودية. وقد قالوا في سورة الأحقاف: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأحقاف: 30]. قال الكلبي: كانوا سبعة.
قال عز وجل: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} أي: عظمته وكبرياؤه {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَهً وَلاَ وَلَداً}.
قال: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا} أي: سفيه الجن، وهو المشرك {عَلَى اللهِ شَطَطاً} أي: جوراً وكذباً؛ أي: شركة. {وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ الإِنسُ وَالجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً}. (4/421)
صفحة 1958
قال: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ} هذا قول الله عز وجل في تفسير الحسن. قال: يقلبون عليهم وسوستهم في الضلال {فَزَادُوهُمْ} بإقبالهم عليهم {رَهَقاً} أي: ضلالاً إلى ضلالهم.
وتفسير الكلبي أن رجالاً من الإِنس كان أحدهم في الجاهلية إذا كان مسافراً، فإذا أمسى في الأرض القفر الموحشة نادى: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيمسي في جواره وفي منعته حتى يصبح، {فَزَادُوهُمْ رَهَقاً}، أي إن الإِنس زادت الجن لتعوّذهم بهم، رهقاً، أي: إثماً. قال مجاهد: فهم الجن الكفار.
{وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ} يعني المشركين من الجن {كَمَا ظَنَنتُمْ} يعني المشركين من الإِنس {أَن لَّن يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً} أي: يجحدون البعث.
قوله: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} هذا قول الجن، يعنون من كان يفعل ذلك منهم، وهم المردة من الجن. {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا} أي: من السماء {مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} [اي: حفظة تمنع من الاستماع] وقوله: (لِلسَّمْعِ) أي للاستماعِ من الملائكة خبراً من أخبار السماء؛ فأما الوحي فلم يكونوا يقدرون على أن يستمعوه.
ذكروا عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا قبل أن يبعث النبي عليه السلام ما نرى نجماً يرمى به. فبينما نحن ذات ليلة إذا النجوم قد رمي بها. فقلنا ما هذا؟ إن هذا إلا أمر حدث. فجاءنا أن النبي عليه السلام قد بعث. فأنزل الله تعالى هذه الآية في (4/422)
صفحة 1959
سورة الجن: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً}.
قوله: {وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} أي أراد الله بأهل الأرض أن يهلكهم، أو أراد بهم رشداً، أي: أم أحدث لهم منه نعمة وكرامة.
وقال بعضهم: قالوا لا ندري بهم أن يطيعوا هذا الرسول فيرشدهم، أم يعصوه فيهلكهم.
{وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ} [أي المؤمنون] {وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} [يعنون المشركين] {كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} أي: مختلفون: مؤمن ومشرك. وفي الجن مؤمنون ويهود ونصارى ومجوس وعبدة الأوثان وصابون.
{وَأَنَّا ظَنَنَّآ} أي: علمنا {أَن لَّن نُّعْجِزَ اللهَ فِي الأَرْضِ} أي أن لن نسبق الله في الأرض {وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً} أي: في الأرض حتى لا يقدر علينا فيبعثنا يوم القيامة.
{وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى} أي: القرآن {آمَنَّا بِهِ} أي: صدقناه {فَمَن يُؤمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً} أي: أن ينقص من عمله شيء {وَلاَ رَهَقاً} ولا يخاف أن يزاد عليه ما لم يعمل. وهي مثل قوله: {فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً} أي لا يخاف أن يزاد عليه في سيئاته {وَلاَ هَضْماً} أي: ولا ينقص من حسناته [طه: 112].
{وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ} أي: الجائرون، وهم المشركون. {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً} [اي: أصابوا رشداً]. {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً}. (4/423)
صفحة 1960
قال الله تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ} يعني المشركين، لو استقاموا على الإِيمان {لأََسْقَيْنَاهُمْ مَّآءً غَدَقاً} أي: ماء رَوَاء. والماء عيش الناس؛ به تنبت زروعهم وتعيش مواشيهم. وهو مثل قول هود لقومه: {يَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} أي: من شرككم {يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً} [هود: 52] وكقوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقُوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف: 96]، وكقول نوح لقومه: {اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ. . .} إلى آخر الآية. [نوح: 10 - 12].
قال عز وجل: {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي: لنختبرهم فيه فنعلم كيف شكرهم.
قال تعالى: {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ} أي: لا يؤمن {يَسْلُكْهُ} أي: ندخله {عَذَاباً صَعَداً} أي: لا راحة فيه. وتفسير مجاهد: مشقة من العذاب. [قال ابن عباس: جبلاً في جهنم]. ذكروا عن كعب قال: هو قوله عز وجل: {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} وتفسيره في المدثر. [17].
قوله عز وجل: {وَأَنَّ الْمَسْاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللهِ أَحَداً} قال الحسن: ما (4/424)
صفحة 1961
من قوم غير المسلمين يقومون في مساجدهم إلا وهم يشركون بالله فيها، فأخلصوا لله فيها.
{وَاَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {يَدْعُوهُ} أي: يدعو الله {كَادُواْ} أي كاد المشركون {يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} أي: تظاهروا عليه حتى كادوا يقتلونه، في تفسير الحسن. وقال الكلبي: حتى كاد يركب بعضهم بعضاً، أي: من الحرد عليه.
قال عز وجل: {قُل}: [أي: قال النبي عليه السلام]: {إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلآ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً}.
قال تعالى: {قُلْ إِنِّي لآ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً} أي أن أدخلكم في الكفر {وَلاَ رَشَداً} أي: أن أكرهكم على الإِيمان.
{قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي} أي: لن يمنعني {مِنَ اللهِ أَحَدٌ} أي: إن عصيته عذبني. كقوله عز وجل: {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأنعام: 15] {وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} أي: ملجأ ألجأ إليه، أي: يمنعني من عذاب الله، في تفسير الحسن وغيره.
وقال بعضهم: {وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} {إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ اللهِ وَرِسَالاَتِهِ} أي: إلا أن أبلغ عن الله الرسالة فإن ذلك يمنعني.
{وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} أي: عذاب جهنم، يعني المشركين {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً} أي: إنكم أيها المشركون أضعف ناصراً من محمد عليه السلام وأصحابه، أي: إنه لا ناصر لكم {وَأَقَلُّ عَدَداً} [أي سيفرد كل إنسان بعمله]. (4/425)
صفحة 1962
{قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ} أيها المشركون من مجيء الساعة. {أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً}. وقال في آية أخرى {وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 109].
{عَالِمُ الْغَيْبِ} والغيب ها هنا في تفسير الحسن: القيامة وخبر ما مضى وقال بعضهم: هو قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34]. وقال بعضهم: الغيب هنا هو الوحي.
قال: {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} فإنه يظهره على ما أراده من الغيب.
قال عز وجل: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} أي: يدي ذلك الرسول {وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} أي: من الملائكة يحفظونه حتى يبلغ عن الله رسالته.
{لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ} أي: ليعلم ذلك الرسول أن الرسل قبله قد بلّغوا رسالات ربهم {وَأَحَاطَ} أي: أحاط الله {بِمَا لَدَيْهِمْ} أي: بما عندهم مما أرسلوا به، أي فلا يوصل إليهم حتى يُبلِّغوا عن الله الرسالة. {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ} من خلقه {عَدَداً}. (4/426)
صفحة 1963
تفسير سورة المزّمّل، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} وهو المتزمل بثيابه، يعني النبي عليه السلام {قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ}.
ذكروا عن الحسن أن رجلاً خرج ليلة يريد المسجد، فسمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدنا من الباب. فسمع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حسحسةً فقال: من هذا؟ فقال: أنا فلان بن فلان، سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحببت أن أصلي بصلاته. فقال له: ادخل. فصلّى بصلاته معه. فلما أصبح ذكر ذلك لخاصة من أصحابه. فترصّدوا تلك الساعة، فدنوا من باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع حسيستهم فقال: من هذا؟ فقالوا: فلان بن فلان وفلان بن فلان، أحببنا أن نصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ادخلوا. فدخلوا حتى امتلأت الحجرة. وقَفَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فسقط القوم نعاساً. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجعوا إلى حالكم فليصل الرجل بقدر ما يستطيع، فإنكم لا تطيقون ما يطيق رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن أعلمَكم بأمر الله رسولُ الله، وأقواكم في أمر الله رسولُ الله، فإنكم قد تعرّضتم لأمر إن أخذتم به لن تقوموا به. (4/427)
صفحة 1964
فأنزل الله عز وجل: تصديق نبيه: {يَآ أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} فقام القوم اثني عشر شهراً حتى انتفخت أقدامهم. ثم أنزل الله رخصة: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَأُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ} [المزمل: 20].
قول عز وجل: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} أي: بيّنه تبياناً. وتفسير مجاهد: ترسّل فيه ترسُّلاً، وهو واحد.
ذكروا عن محمد بن عبد الرحمن قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ يُرتِّل ويفسّر.
ذكروا عن صالح مولى التوأمة قال: كان ابن عباس يقرأ الآية ثم يسكت كقدر ما أعلمتك، ثم يقرأ الآية الأخرى. وكان جاراً لي؛ فقلت: لم يكن يفعل هذا؟ قال: من أجل تأويل القرآن.
ذكروا عن أبي حمزة قال: قلت لابن عباس: إنني رجل خفيف القراءة أهذرم القراءة. فقال: لأن أقرأ سورة البقرة وأرتل وأرسل فيها وأتدبرها أحبُّ إلي من أقرأ القرآن أجمع هذرمة. (4/428)
صفحة 1965
قوله عز وجل: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاَ ثَقِيلاً}. قال بعضهم: فرائضه وحدوده والعمل به.
قوله عز وجل: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} أي: قيام الليل. ذكر بعضهم قال: ما كان بعد العشاء فهو من ناشئة الليل.
وذكر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ناشئة الليل قيامه، وهي بلغة الحبش. فإذا قام الرجل قالوا: قد نشأ فلان. وفي تفسير مجاهد: أيّ ساعة تهجد فيها متهجد من الليل فهي ناشئة.
قوله عز وجل: {هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً}. وهي تقرأ على وجهين: (وطأ) مفتوحة الواو مقصورة. و (وِطَاءً) مكسورة الواو ممدودة، فمن قرأها: (وَطْأً) بفتح الواو فتفسيرها عند بعضهم: أثبت في الخير. ومن قرأها بكسر الواو والمد فتفسيرها عند ابن عباس: أشد مواطأة للقلب لفراغه، لأن الأصوات تهدأ في الليل. وتفسير مجاهد: أشدُّ مواطأة للقرآن [أي أشدُّ موافقة لسمعه وبصره وقلبه].
قوله عز وجل: {وَأَقْوَمُ قِيلاً}. قال الحسن: أصدق في التلاوة وأجدر أن لا يلبس عليك الشيطان تلاوتك. (4/429)
صفحة 1966
قال عز وجل: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً} أي: فراغاً طويلاً لحوائجك.
قال عز وجل: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} أي: تضرّع إليه تضرّعاً، في تفسير الحسن. وقال الكلبي: أخلص إليه إخلاصاً.
ذكروا عن الحسن أن رجلاً من السلف كان يصلي من الليل فيتلو الآية، فإذا فرغ منها أعادها، يعيدها ويتدبّرها. قال: فهو قوله عزّ وجل: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} قال: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}.
قوله عز وجل: {رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} أي: مشرق الشمس ومغربها {لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} أي: وليّاً.
قوله عز وجل: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} أي: على ما يقول لك المشركون إنك كاذب وإنك شاعر، وإنك كاهن وإنك مجنون. {وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} أي: ليس فيه جزع، وهي منسوخة نسختها القتال.
قال عزّ وجلّ: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي النَّعْمَةِ} أي: في الدنيا، أي: فساء عذابهم يوم القيامة. وهذا وعيد هوله شديد. بلغنا أنها نزلت في بني المغيرة، وكانوا ناعمين ذوي غنى. قال عز وجل: {وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً} أي إن بقاءهم في الدنيا قليل، ثم يصيرون إلى النار.
{إِنَّ لَدَيْنَآ} أي: عندنا، وهذا وعيد {أَنكَالاً} ذكروا عن الحسن قال: الأَنكال: القيود. قال عزّ وجل: {وَجَحِيماً} الجحيم: النار {ذَا غُصَّةٍ} أي: يأخذ بالحلاقيم، في تفسير الحسن ومجاهد. وقال الحسن: يأكلون النار، ويشربون النار، ويلبسون النار. قال عز وجل: {وَعَذَاباً أَلِيماً} أي: موجعاً.
قال عز وجل: {يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ} أي: تتزلزل {وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الجِبَالُ} [أي: وصارت الجبال] {كَثِيباً مَّهِيلاً} أي رملاً سائلاً. ذكروا عن (4/430)
صفحة 1967
الحسن قال: تطحن الجبال بعضها إلى بعض فتصير غباراً ذاهباً.
قوله عز وجل: {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {شَاهِداً عَلَيْكُمْ} أي: يوم القيامة أنه بلغكم {كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً} يعني موسى عليه السلام {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً} أي: عظيماً، والوبيل الشديد. وقال مجاهد: وبيلاً شديداً.
قال عز وجل: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيباً} أي: فكيف تتَّقون ذلك اليوم الذي يجعل الولدان شيباً، أي: إن كفرتم لم تتقوه.
{السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} أي: منشق به. قال عز وجل: {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً} أي إن السماء سوف تنشق ذلك اليوم وتسير الجبال.
قوله عز وجل: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ} أي إن هذه السورة تذكرة {فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} أي: بتقواه وطاعته. وقال تعالى في آية أخرى: {كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ} [المدثر: 54 - 56].
قوله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى} أي: أقل {مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَّنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ}. (4/431)
صفحة 1968
ذكر بعضهم قال: كان الله قد افترض قيام الليل في أول هذه السورة بقوله: {يَآ أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ}. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم. فأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهراً، ثم أنزل الله: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ. . .} إلى قوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ} فريضتان واجبتان لا رخصة لأحد فيهما، فصار قيام الليل تطوّعاً بعد إذ كان فريضة.
ذكروا عن بعضهم أنه كان يقول: لا بد من قيام الليل ولو قدر حَلَب شاة.
ذكر بعضهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَصِب من الليل ولو ركعتين ولو أربعاً».
وبلغنا عن الحسن أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقم أقل من ثلثي الليل. وقال بعضهم: إن قيام الليل على النبي عليه السلام فريضة وللناس تطوع.
وكان الحسن يقرأها بالجر: {أَدْنَى مِنْ ثُلْثَي اللَّيْلِ وَنِصْفِه وثلثِه وَطَائِفَةٌ مِّنَ الذِينَ مَعَكَ}. ولم يقم النبي عليه السلام أقل من ثلثي الليل، وما كان من بعض فهو من غيره. وبعضهم يقرأها بالنصب؛ أي: قام ثلثه.
قال تعالى: {وَأَقْرِضُواْ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير الحسن: إن هذا في التطوّع. {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ هُوَ خَيْراً} أي: تجدوا ثوابه عند الله خيراً {وَأَعْظَمَ أَجْراً} أي: يثيبكم عليه الجنة {وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. (4/432)
صفحة 1969
تفسير سورة المُدَّثِّر، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} أي: المُتَدَثِّر بِثيابه، يعني النبي عليه السلام. {قُمْ فَأَنْذِرْ} أي من النار.
ذكروا عن جابر بن عبد الله قال: هذه أول سورة نزلت على النبي عليه السلام. قال [يحيى]: والعامة على أن أول ما نزل من القرآن: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ}.
قال: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال بعضهم: لا يلبسها على معصيته. وقد يقال للرجل الصالح: إنه لطاهر الثياب. وتفسير الحسن: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي: من الغدر.
قال تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}. والرجز الأوثان، أي: لا تعبدها.
قال تعالى: {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ}. ذكروا عن الضحاك بن مزاحم أنه قال في قوله تعالى: {وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ اللهِ} [الروم: 39] قال تلك الهدية تهديها لِيُهدَى لك خبر منها، ليس لك فيها أجر، وليس عليك فيها وزر، نهى عنها النبي عليه السلام فقال: {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ}.
قال بعضهم: وهي في مصحف أبي بن كعب: {وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ} وذلك (4/433)
صفحة 1970
تفسيرها على قراءة من قرأها بالرفع. ذكروا عن الحسن أنه كان يقرأها بالجزم: {وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ} موقوفة. وقال: هي مقدّمة ومؤخرة. يقول: لاَ تَسْتَكْثِرْ عَمَلَكَ فَتَمُنَّ عَلَيْنَا.
قال تعالى: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [على ما أوذيت].
قال: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} أي: فإذا نفخ في الصور، والصور قرن ينفخ صاحب الصور فيه الأرواح فينطلق كل روح إلى جسده حتى يدخل فيه، فيقومون فيجيبون إجابة رجل واحد. قال تعالى: {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} كقوله: {يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} [القمر: 8] أي: عسير.
{عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} أي: ليس لهم من يُسرِه شيء، وإنما يسرُه للمؤمنين. ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما طول يوم القيامة على المؤمن إلا كرجل دخل في الصلاة المكتوبة فأتمها فأحسنها وأجملها».
قوله عزّ وجل: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} أي: خلق كل إنسان وحيداً، وعنى به في هذا الموضع الوليد بن المغيرة، وهذا وعيد له.
{وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً} أي: واسعاً {وَبَنِينَ شُهُوداً} يعني حضوراً معه في مكة لا يسافرون. وكان له اثنا عشر ولداً ذكوراً رجالاً {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} أي بسطت له في الدنيا بسطاً. (4/434)
صفحة 1971
قال تعالى: {ثُمَّّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ} قال بعضهم: فلم يزده بعد هذه الآية شيئاً. تفسير الحسن: {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ} أي: أن أدخله الجنة. أي: لقول المشرك {وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّيَ إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} [فصلت: 50] أي: للجنة إن كانت جنة. وكقوله: {وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً} [الكهف: 36]. وكقوله: {لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} [مريم: 77] أي: في الجنة إن رددت إلى ربي كما تقولون.
قال الله: {كَلاَّ} أي: لا ندخله الجنة، وليس له فيها المال والولد. {إِنَّهُ كَانَ لأَيَاتِنَا عَنِيداً} أي: معانداً لها، جاحداً بها.
{سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} ذكروا عن الحسن وغيره قال: عذاباً لا راحة فيه. ذكروا عن كعب قال: هو جبل في جهنم يصعده الكافر إلى أعلاه، فإذا بلغ أعلاه رد حتى يبلغ إلى أسفله، ثم يصعد إلى أعلاه، ثم ينزل إلى أسفله.
قال تعالى: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} أي: فلعن كيف قدر. {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ} أي: كلح {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَآ} أي: القرآن {إِلاَّ سِحْرٌ يُؤثَرُ إِنْ هَذَآ إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ}.
تفسير الكلبي أن الوليد بن المغيرة قال لقريش: إن أمر هذا الرجل، يعني النبي عليه السلام قد فشا، وقد حضر الموسم. وإن الناس سيسألونكم عنه فما تردون؟ قالوا: نقول: إنه مجنون. قال: إذن والله يستنطقونه فيجدونه فصيحاً عاقلاً فيكذبونكم. قالوا: فلنخبرهم أنه كاهن [فقال: إذن والله يلقونه فيخبرهم بما لا يخبرهم به الكاهن. قالوا: فنخبرهم أنه شاعر]. قال: فإنهم يعرفون الشعر ويروونه، فلا يسمعون شيئاَ يشبه الشعر.
ثم انصرف إلى بيته فقالت قريش: صبا والله الوليد، وأيم الله لئن صبا الوليد (4/435)
صفحة 1972
لتصبونّ قريش كلها. فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه. فانطلق أبو جهل فجلس إليه وهو كهيئة الحزين. فقال له: ما يحزنك يا ابن آخي. فقال: وما لي لا أحزن، وهذه قريش تجمع لك نفقة ليعينوك بها على كبرك وزمانتك. قال: أو لست أكثر منهم مَالاً وولداً؟ قال: فإنهم يقولون: إنك قلت الذي قلت لتصيب من فضول طعام محمد وأصحابه. فقال: والله ما يشبعون من الطعام فأيُّ فضل يكون عندهم. ولكني أكثر حديث نفسي فإذا الذي يقول سحر وقول بشر.
ذكروا عن سعيد بن المسيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الفتنة تلقح بالنجوى، وتولد بالشكوى، فلا توقظوها إذا رقدت، ولا تثيروها إذا هي اجتمّت. قال: الفتنة راتعة في بلاد الله تطأ في خطامها حتى يأذن الله لها فيها. فإذا أذن الله لها فويل لمن أخذ بخطامها. من طلب الفتنة ذهب بقاؤه، وقل نماؤه، وكانت النار مأواه.
ألا ففروا من الفتنة كما تفر الوحوش بأولادها. ألا فالحذر الحذر، فإنه لن ينجو من الفتنة إلا من صانع الذل، ولأن يقال لك ذليل ضعيف خير من أن يقال لك إنك من أصحاب السعير.
قال: فاجتمع إليه قومه فقالوا يا أبا المغيرة، كيف يكون قوله قولَ بشر وسحراً؟ قال: أذكركم الله، هل تعلمون أنه فرق بين فلانة وزوجها، وبين فلان وأبيه، وبين فلان وأخيه، وبين فلان، مولى بني فلان، ومواليه، يعني من أسلم واتبع النبي عليه السلام. فقالوا: اللهم نعم، قد فعل ذلك. قال: فهو ساحر.
قال مجاهد: وكان ذلك في دار الندوة. قال الله: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أََدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤثَرُ إِنْ هَذَآ إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ} يعني عداساً، غلام عتبة. كقوله عز وجل: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل: 103]؛ عدّاس في تفسير الحسن. (4/436)
صفحة 1973
قال الله عز وجل: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} وسقر اسم من أسماء جهنم {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ} أي: لم تكن تدري ما سقر حتى أعلمتك.
قال تعالى: {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} أي: لا تبقي، إذا دخلها، شيئاً من لحمه ودمه وشعره وبشره وعظامه وأحشائه حتى تهجم على الفؤاد فتطبخ الفؤاد. فإذا انتهت إلى الفؤاد لم تجد شيئاً تتعلق به. ثم يجدد الله خلقه فتأكله أيضاً. وهو قوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء: 56].
وقال مجاهد: {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} أي: لا تحيي ولا تميت. قوله عز وجل: {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} أي: محرقة للجلد، تأكل كل شيء إلا الفؤاد. {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}.
لما نزلت قال أبو جهل: يا معشر قريش إني أرى محمداً يخوّفكم بخزنة النار، ويزعم أنهم تسعة عشر وأنتم الدَّّهم، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم فتخرجوا منها؟ فقال أبو الأشد الجمحي: أنا أكفيكم منهم سبعة عشر: عشرة على ظهري وسبعة على صدري، فاكفوني أنتم اثنين. فأنزل الله:
{وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً} [أي: فمن يطيقهم] {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً} أي بلية {لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ} لأنهم في كتبهم تسعة عشر {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِيمَاناً} أي: تصديقاً {وَلاَ يَرْتَابَ} أي: ولا يشك {الَّذينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤمِنُونَ} أي: فيما أنزل الله من عددهم {وَلِيَقُولَ (4/437)
صفحة 1974
الَّذينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي: نفاق {وَالْكَافِرُونَ} أي الجاحدون {مَاذَآ أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً} [أي: ذكرها] وذلك منهم استهزاء وتكذيب.
قال الله: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشَآءُ} بترك الإِيمان بالقرآن الذي فيه التسعة عشر. {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسري به قال: فعرج بي حتى انتهيت إلى باب الحفظة وعليه ملك يقال له إسماعيل جنده سبعون ألف ملك. ثم تلا هذه الآية: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}.
قال: {وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} تفسير الحسن وغيره: يعني النار: رجع إلى قوله: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ}.
قال: {كَلاَّ وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} أي: إذا ولى، وبعضهم يقرأها إذا دبر، [أي إذا ولّى] قال {وَالصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ} أي: إذا أضاء. هذا كله قسم. {إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ} يعني النار في تفسير الحسن ومجاهد؛ أي: إحدى العظائم. وقال الكلبي: إنها لإحدى الكبر، يعني سقر. وجهنم سبعة أبواب: جهنم، ولظى، والحطمة، وسقر، والجحيم، والسعير، والهاوية.
قال: {نَذِيراً لِّلْبَشَرِ} يعني النبي عليه السلام ينذرهم النار. رجع إلى أول السورة: {يَآ أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ} أي: قم نذيراً للبشر، فأنذرهم.
قال: {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ} في الخير {أَوْ يَتَأَخَّرَ} في الشر. وقال في آية أخرى: {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 28 - 29] وقال في سورة الكهف: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} (4/438)
صفحة 1975
[الكهف: 29 - 31] وهذا كله وعيد. فذكر ما للمؤمنين وما للكافرين في الآخرة فقال: {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً} وهو ظلم فوق ظلم وظلم دون ظلم. . . إلى آخر الآية. وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ}.
قوله: {كُلُّ نَفْسٍ} يعني أهل النار {بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} في النار. ثم قال: {إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ} وهم أهل الجنة كلهم في هذا الموضع. وقال مجاهد: لا يحاسبون. قال: {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ} أي: المشركين، أي: يسائلون المجرمين: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} فأجابهم المشركون: {قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ}.
قال الله: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} أي: لا يشفع لهم الشافعون في تفسير مجاهد وغيره، وإنما يشفعون للمؤمنين.
قال: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ} أي: عن القرآن {مُعْرِضِينَ} {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ} وهي حمر وحشية {فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} قال الحسن: القسورة الرماة وقال بعضهم: القسورة: الأسد. والعامة على أنها الرماة.
قال: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ} يعني المشركين {أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} أي: إلى كل إنسان باسمه، أي: من الله رب العالمين إلى أبي جهل بن هشام وإلى فلان بن فلان وإلى فلان بن فلان آن آمِن بمحمد فإنه رسول الله.
قال الله عز وجل: {كَلاَّ} أي: أنتم أهون على الله من ذلك. ثم قال: {بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخِرَةَ} أي: لا يؤمنون بها {كَلاَّ إِنَّهُ} يعني القرآن {تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى} أي أهلُ أن يُتَّقى {وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} أي: هو أهل أن يَغفِر، ولا يغفر إلا للمؤمنين. (4/439)
صفحة 1976
تفسير سورة القيامة، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {لآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} هذا قسم، وهي كلمة عربية: أقسم، ولا أقسم واحد. أراد القسم.
قال: {وَلآ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}. ذكروا عن الحسن أنها نفس المؤمن لا تلقاه إلا وهو يلوم نفسه، ويقول: ماذا أردت بكلامي، وما أردت بحديث نفسي، فلا نلقاه إلا وهو يعاتبها [يندم على ما فات ويلوم نفسه].
قوله عز وجل: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ} وهو المشرك {أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ} أي: أن لن نبعثه. {بَلَى قَادِرينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ}.
قال عمر بن عبد العزيز: {بَلَى قَادِرينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ} مفاصله. يعني البعث. وهو مثل قوله: {وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] أي: كل مفصل. وقال بعضهم: {بَلَى قَادِرينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} أي أصابعه فيجعلها مثل خف البعير أو كحافر الدابة، يعني في الدنيا. وتفسير مجاهد: كخف البعير فلا يعمل بها شيئاً.
قال تعالى: {بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ} وهو المشرك {لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} قال الحسن: (4/440)
صفحة 1977
فلا تلقاه إلا يمضي قدماً، لا يعاتب نفسه كما يعاتبها المؤمن. ذكروا عن عمرو عن الحسن قال: يمضي على فجوره حتى يلقى ربه.
قال تعالى: {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} أي: متى يوم القيامة الذي كذب به المشرك؛ يقول ليست بجائية.
{فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ} أي: إذا شخص لإجابة الداعي. كقوله: {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} [إبراهيم: 43].
قال الكلبي: {بَرِقَ البَصَرُ}، أي: عجب فلا يطرف لما نظر إلى السماء، فقد تمزّقت من كل جانب، وهي محمَرّة كالدهان، والملائكة على حافاتها وهي تطوي، وقد طمست نجومها، وخسفت شمسها، ودرست أعلامها، وأظهرت الملائكة أسارير المجر بيّنة الندامة، فهو شاخص البصر مخلوع القلب، معلقة روحه في حنجرته لا هي تخرج ولا هي ترجع. قال مجاهد: ذلك عند الموت.
قال: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} أي: ذهب ضوءه {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} قال الحسن: أُذهِبا جميعاً. وهو قول مجاهد؛ قال: كُوِّرَا يوم القيامة. وبعضه يقول: حين تطلع الشمس والقمر من المغرب كالبعيرين المقرونين.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الشمس والقمر ثوران عقيران في النار» قال (4/441)
صفحة 1978
بعضهم: أي: يمثلان في النار لمن عبدهما، يُوَبَّخُونَ بذلك. قال الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ} [الحج: 18].
قال: {يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ} قال عز وجل: {كَلآَّ لاَ وَزَرَ} أي: لا جبل ولا ملجأ يلجأون إليه. قال الحسن: كلا. لا جبل ولا حرز. وكانت العرب إذا أتاها الأمر قالوا: الجبل الجبل فيحترزون به. وقال مجاهد: لا ملجأ.
قال الله: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} أي: المرجع.
قال تعالى: {يُنَبَّؤُاْ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ}. وهو مثل قوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [الانفطار: 5].
ذكروا عن ابن مسعود قال: ما قدمت من خير أو شر، وما أخرت من سنة حسنة فعمل بها بعده، فإن له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيئاً، أو سيئة ولا ينقص من أوزارهم شيئاً.
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه كان له مثل أجر من تبعه ولا ينقص من أجره شيئاً. وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع عليها كان عليه وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئاً» وتفسير الحسن: {يُنَبَّؤُاْ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} أي ينبأ بآخر عمله وأول عمله.
قال: {بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} أي: شاهد على نفسه أنه كافر. قال: {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} أي: ولو اعتذر لم يقبل عذره.
قال مجاهد: ولو جادل عنها فهو بصيرة عليها. وقال الكلبي: {عَلَى نَفْسِهِ بصِيرَةٌ} أي عليه من نفسه شاهد، أي: يداه ورجلاه وسائر جوارحه، يعني مثل قوله (4/442)
صفحة 1979
تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [يس: 65].
قوله عز وجل: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}.
ذكروا عن الحسن قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يقرأه ويذيب فيه نفسه مخافة أن ينساه، فأنزل الله: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [أي نحن نحفظه عليك فلا تنساه] {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} نحن {فَاتَّبِعْ} أنت {قُرْآنَهُ} يعني فرائضه وحدوده والعمل به.
وتفسير الكلبي أن النبي عليه السلام إذا نزل عليه جبريل وعلمه شيئاً من القرآن لم يكد يفرغ جبريل من آخر الآية حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولها مخافة أن ينساها فأنزل الله عليه {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ} [الأعلى: 6 - 7]، وهو قوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} [البقرة: 106] أي: ننسها النبي عليه السلام فيما ذكر بعضهم.
قال: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} قال الحسن: نجزي به يوم القيامة، أي: على ما قلنا في القرآن من الوعد والوعيد. وقال بعضهم: نحن نبيّنه لك.
قال عز وجل: {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} أي: الدنيا {وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ} يعني المشركين، أي: لا يؤمنون أنها كائنة. (4/443)
صفحة 1980
قال عز وجل: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} أي: ناعمة {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} أي: تنتظر الثواب، وهي وجوه المؤمنين.
وحدثني مسلم الواسطي قال: سمعت أبا صالح يقول في قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} قال: تنتظر الثواب من ربها. قال أبو صالح: ما رآه أحد ولا يراه أحد.
{وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} أي: كالحة، وهذه وجوه أهل النار {تَظُنُّ} أي: تعلم {أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ}. قال: تظن أن يفعل بها شر. وقال مجاهد تظن أن يفعل بها داهية. وتفسير الكلبي: {أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} أي: منكرة.
قال تعالى: {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي} أي: حتى إذا بلغت النفس التراقي، أي: سُلَّت من الرجلين حتى بلغت الترقوتين. {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} أي: من يرقَى بعمله. وقال بعضهم: {مَنْ رَاقٍ} أي: من يَرْقيه.
قال عز وجل: {وَظَنَّ} أي: وعلم {أَنَّهُ الْفِرَاقُ} أي: فراق الدنيا. قال تعالى: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} قال الحسن: مالت الرجلان وانكسرت العينان.
قال تعالى: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ} أي: يوم القيامة. {الْمَسَاقُ} قال الحسن: يساقون إلى الحساب. (4/444)
صفحة 1981
قال تعالى: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى} [أي: لم يصدق ولم يصل]، يعني أبا جهل بن هشام {وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى} أي: كذب بكتاب الله وتولى عن طاعة الله. {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى} أي: يتبختر.
وقال أبو جهل للنبي عليه السلام: ما بين هذين الجبلين أحد أعز مني، فاجتهد أنت وربك يا محمد جهدكما. فأنزل الله: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [وعيد بعد وعيد] فقتله الله يوم بدر، ثم صيّره إلى النار.
قوله: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ} أي: المشرك. {أَن يُتْرَكَ سُدىً} أي: هملاً في تفسير الحسن وقال مجاهد: أن يترك باطلاً فلا يبعث ولا يحاسب بعد موته.
{أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى} وهي تقرأ على وجهين: يمنى و تمنى فمن قرأها يمنى، ذلك المني أي: مني الرجل، كقوله عز وجل: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ} [الواقعة: 58] ومن قرأها تمنى فهو يعني النطفة يمنيها الرجل.
قال تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى} يعني خلق الإِنسان. يعني بقوله: (فَخَلَقَ) يعني نفسه. أي: خلقه الله فسواه مثل قوله: {خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ} [الإِنفطار: 7].
قال: {فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} الذكر زوج والأنثى زوج.
قال: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِي الْمَوْتَى}. يقوله على الاستفهام. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى على هذه الآية قال: سبحانك وبلى. (4/445)
صفحة 1982
تفسير سورة الإِنسان وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {هَلْ أَتَى} أي: قد أتى {عَلَى الإِنسَانِ} يعني آدم {حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} أي: في الخلق، وهو عند الله مذكور أنه خالقه؛ لأنه خلق الأشياء كلها؛ صغارها وكبارها، ما يرى منها وما لا يرى من دواب الأرض والبحر والبر والهوام والسباع، يعني أصول الخلق في الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض، غير آدم خلقه الله يوم الجمعة، آخر الأيام السبعة.
ذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ تبنة من الأرض فقال: يا ليتني كنت هذه التبنة، ويا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت نسياً منسياً، يا ليتني لم أكن شيئاً مذكوراً.
وذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ هذه الآية: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَّذْكُوراً} فرفع صوته وقال: يا ليتها تمّت.
قال: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ} يعني نسل آدم {أَمْشَاجٍ} تفسير الحسن: يعني مشج ماء الرجل بماء المرأة. (4/446)
صفحة 1983
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فمن أيهما سبق، أو قال: علا، فمنه يكون الشبه».
قال تعالى: {نَّبْتَلِيهِ} أي: نختبره. قال: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} أي: بصّرناه سبيل الهدى وسبيل الضلالة كقوله عز وجل: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] أي سبيل الهدى وسبيل الضلالة.
قال تعالى: {إِمَّا شَاكِراً} أي مؤمناً {وَإِمَّا كَفُوراً}.
قوله تعالى: {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاً} وقال في سورة الحاقة: {فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً} [الحاقة: 32]، لو أن حلقة منها وضعت على جبل لذاب قال: {وَأَغْلاَلاً} كقوله: {إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ} [غافر: 71] قال: {وَسَعِيراً}. والسعير اسم من أسماء جهنم، وجهنم كلها سعير تسعر بهم، وطعامهم من نار، وشرابهم من نار، ولباسهم من نار.
قوله تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ} يعني الخمر {كَانَ مِزَاجُهَا} أي: طعمها {كَافُوراً} وهو الكافور إلا أنه أفضل من هذا الكافور وأطيب. وقال الحسن: يشربونها على برد الكافور وطعم الزنجبيل. وتفسير مجاهد: {مِزَاجُهَا} أي: الذي يمزج به. وقال الكلبي {كَافُوراً} عين في الجنة تسمى كافوراً.
قال تعالى: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ} يعني المؤمنين {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} قال الحسن: تفجير الله لهم. وقال مجاهد: يقودونها حيث شاءوا. وقال بعضهم: يقول أحدهم بأصبعه حيث أراد فينبعه من الماء وغيره. (4/447)
صفحة 1984
قال تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} أي: ما كان من نذر في طاعة الله.
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نذر في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ولا فيما لا يملك ابن آدم».
قال تعالى: {وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} أي: فاشياً، وشرّه على الكفار.
قال: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} أي: على حاجتهم إليه {مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} يعني الأسير من المشركين.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع الأسير إلى الرجل من المسلمين فيقول: احبس هذا عندك. فيكون عنده الليلة والليلتين. ورسول الله صلى الله عليه وسلم مشغول بحربه، فإذا فرغ قَبِلَهم؛ فكانوا يؤثرون على أنفسهم أولئك الأسارى، فأثنى الله عليهم بذلك.
{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ} أي: ينوون هذا في أنفسهم. [تفسير مجاهد: قالوا هذا في أنفسهم ولم ينطقوا به، فعلم الله ذلك منهم فأثنى به عليهم] {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً} أي: أن تجزونا به {وَلاَ شُكُوراً} أي: ولا أن تشكرونا. {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} أي: يخافون شر ذلك اليوم الذي لا انبساط فيه. (وَالقَمْطَرِيرُ) الشديد. و (العَبُوسُ) أي تعبس فيه الوجوه. والقمطرير الذي يُقبّض ما بين الأعين. وتفسير مجاهد: العبوس بالشفتين. القمطرير: قبض الجبهة. (4/448)
صفحة 1985
قال: {فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً} أي في وجوههم {وَسُرُوراً} أي في قلوبهم. قال: {وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَآئِكِ} أي: على السرر في الحجال {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً} الزمهرير: البرد الشديد. وقال مجاهد: البرد الذي يقطع.
ذكروا عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس في الجنة ليلة تظلم ولا حر ولا برد يؤذيهم».
قوله عز وجل: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا} أي ظلال الشجر {وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً} أي: ذللت لهم ثمارها يتناولون منها قعوداً ومضطجعين وكيف شاءوا. وتفسير مجاهد: إن قام ارتفعت بقدره، وإن قعد نزلت حتى ينالها، وإن اضطجع تدلت إليه حتى ينالها.
قال عز وجل: {وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَا مِن فِضَّةٍ} والأكواب: الأكواز؛ تسمي العرب الواحد منها كوزاً، وهو الكوب المدور القصير العنق القصير العروة. والإِبريق: الطويل العنق الطويل العروة. ومعنى: {كَانَتْ قَوَارِيرا مِن فِضَّةٍ} أي: اجتمع صفاء القوارير في بياض الفضة. وذلك أن لكل قوم قوارير من تراب أرضهم، وأن تراب الجنة فضة، فهي قوارير من فضة يشربون فيها؛ يرى الشراب من وراء جدر القوارير، وهذا لا يكون في فضة الدنيا.
قال: {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} أي: في أنفسهم، فأتتهم على ما قدروا واشتهوا من صغار وكبار وأوساط، هذا تفسير بعضهم.
وتفسير مجاهد: متشابهة لا تنقص ولا تفيض. وبعضهم يقرأها: {قَدَّرُوهَا (4/449)
صفحة 1986
تَقْدِيراً} أي: على قدرِ رَبِّهِمْ فلا يفضل عنهم شيء ولا يشتهون بعدها شيئاً، وهو مقرأ ابن عباس.
قال تعالى: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا} أي: في الجنة {كَأْساً} وهي الخمر {كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً} أي طعم ذلك المزاج طعم الزنجبيل على برد الكافور فيهضم ما أكلوا.
قال تعالى: {عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسري به قال: ثم انتهيت إلى سدرة المنتهى فإذا هي أحسن ما خلق الله، وإذا الورقة منها لو غطيت بها هذه الأمة لغطتها. ثم انفجر من السلسبيل نهران نهر الرحمة ونهر الكوثر. [والسلسبيل اسم العين] وقال مجاهد: إنه ماء يجري لو يمر بالجبال لسقاها.
قال تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} على هيئة الوصفاء لا يشيبون عنها ولا يموتون أبداً. {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ} أي: شبهتهم {لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً} أي: في صفاء ألوانهم، والمنثور أحسن ما يكون. وقال بعضهم: {لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً} من كثرتهم. (4/450)
صفحة 1987
ذكروا عن جابر بن عبد الله قال: حسن الخادم عند حسن المخدوم كالكوكب المظلم إلى جنب القمر ليلة البدر.
قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ} أي في الجنة {رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً}. ذكر بعضهم قال: [يأتي الملك من عند الله إلى الرجل من أهل الجنة بالتحفة والهدية وبأن الله عنه راض، فلا يدخل إليه حتى يستأذن فيقول البواب: سأذكره للبواب الذي يليني، فيذكره للبواب الذي يليه حتى يبلغ البواب الذي يلي ولي الله فيقول له: ملك يستأذن. فيقول: ائذنوا له. فيؤذن له، فيدخل فيقول: إن ربك يقرئك السلام ويخبره أنه عنه راض ومعه التحفة فتوضع بين يديه]. وقد فسرنا ما بلغ ذلك النعيم وذلك الملك في غير هذا الموضع.
قال تعالى: {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ} وبعضهم يقرأها: {عَالِيَهُمْ} {وَإِسْتَبْرَقٌ} وهو الديباج الغليظ. وهو بالفارسية: استبره. وتفسير الحسن: إنه الحرير.
ذكروا عن عكرمة قال: أما السندس فقد رأيتموه: الحرير الرقيم الذي يحمل بالسوس. قال: (وَالإِسْتَبْرَقُ): الديباج الغليظ.
قال تعالى: {وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} فليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة: سوار من فضة. وسوار من لؤلؤ، وسوار من ذهب.
قال تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا توجّه أهل الجنة إلى الجنة مرّوا بشجرة يخرج من تحتها عينان فيشربون من (4/451)
صفحة 1988
إحداهما. فتجري عليهم بنضرة النعيم، فلا تَغَيَّرُ أَبشارُهم ولا تشعث أشعارهم بعدها أبداً؛ ثم يشربون من الأخرى فيخرج ما في بطونهم من أذى وقذى، ثم تستقبلهم الملائكة خزنة الجنة فيقولون: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73].
ذكر بعضهم أنه يقال لأهل الجنة: ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم.
قال تعالى: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً} أي: بأعمالكم {وَكَانَ سَعْيُكُم} أي: الذي سعيتم، أي الذي عملتم في الدنيا {مَّشْكُوراً} شكره الله لكم فجزاكم به الجنة.
قوله عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً} أي: نزل به جبريل {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أي: لما حكم عليك فيه وفرض {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً} وهو المنافق [في تفسير الحسن؛ أظهر الإِسلام وقلبه على الشرك] {أَوْ كَفُوراً} أي: مشركاً جاحداً.
قال: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً} أي: صلاة الصبح {وَأَصِيلاً} أي: صلاة الظهر والعصر. {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ} أي: صلاة المغرب والعشاء قال: {وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} هذا تطوع.
قوله عز وجل: {إِنَّ هَؤُلآءِ} يعني المشركين {يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} أي: الدنيا {وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ} أي: أمامهم، أي: بعد موتهم {يَوْماً ثَقِيلاً} أي: لا يؤمنون به، يعني يوم القيامة. {ثَقِيلاً} أي: عسيراً عليهم. (4/452)
صفحة 1989
قال: {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ} أي: قوتهم، يعني شدة الخلق. وقال مجاهد: {أَسْرَهُمْ} أي: خلقهم، وبعضهم يقول: قوتهم، وبعضهم يقول: مفاصلهم وهذا كله قريب بعضه من بعض. قال: {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً} [أي: أهلكناهم بالعذب وبدلنا أمثالهم] آدميين خيراً منهم.
قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ} أي إن هذه السورة {تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} أي: بطاعته. {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} أي: عليماً بخلقه، حكيماً في أمره.
{يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} أي: في دينه الإِسلام {وَالظَّالِمِينَ} أي: المشركين والمنافقين {أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيمَاً} أي: موجعاً شديداً، يعني بذلك النار. (4/453)
صفحة 1990
تفسير سورة المرسلات، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {وَالْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} يعني الملائكة ترسل بالمعروف إلى الرسل، فتبلغ الرسلُ العبادَ. وتفسير الحسن: إنها الرياح. قال: عرفها: جريها.
قال تعالى: {فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} أي: الرياح إذا عصفت، أي: اشتدت {وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً} يعني الرياح. كقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف: 57] أي: بين يدي المطر.
قال: {فَالْفَرِقَاتِ فَرْقاً} يعني الملائكة التي تنزل بالوحي، أي: بكتب الله التي فرق فيها بين الكفر والإِيمان وبين الحلال والحرام. قال: {فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً} يعني الملائكة تلقى الذكر، وهو كتب الله على الأنبياء، فيوحيه جبريل إلى النبيين. وقد قال في آية أخرى: {وَمَا كُنتَ تَرْجُواْ أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الكِتَابُ} [القصص: 86] أي: أن ينزل عليك. قال: {عُذْراً} أي تنزل به الملائكة يعذر به الله إلى خلقه {أَوْ نُذْراً} أي: ينذرهم بعذابه. (4/454)
صفحة 1991
وهذا قسم كله من أول هذه السورة إلى هذه الموضع، أقسم به {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ} يعني المشركين، ما يوعدون به من عذاب الله لواقع بهم.
قال تعالى: {فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ} يقول: عذاب الله واقع يوم تطمس فيه النجوم فيذهب ضوءها. {وَإِذَا السَّمَآءُ فُرِجَتْ} أي: فتحت وانشقت، كقوله: {وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً} [النبأ: 19]. قال: {وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ} أي: قد ذهبت من أصولها فكانت هباء منبثاً في تفسير الحسن. وتفسير الكلبي: {نُسِفَتْ} أي: سوّيت بالأرض.
قال: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} أي: وعدت، يعني الميعاد، وميعادها يوم القيامة في تفسير الحسن. وتفسير الكلبي: {أقتت} أي: جمعت. وتفسير مجاهد: {أُقِّتَتْ} أي: أجّلت أجلاً يعيشون فيه. {لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ}.
قال: {لِيَوْمِ الْفَصْلِ} أي: يوم القضاء. قال تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ} أي يوم القضاء. قال الحسن: أي: إنك لم تكن تدري ما يوم الفصل حتى أعلمتكه. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي: ينادون في النار بالويل والثبور.
قال: {أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ} على الاستفهام، أي بلى، قد أهلكنا الأولين، يعني الأمم السالفة التي أهلك حين كذبوا رسلهم. قال: {ثُمَّ نُتْبِعُهُمَ الأَخِرِينَ} والآخرون هذه الأمة، أي: نهلكهم كما أهلكنا من قبلهم، يعني آخر كفار هذه الأمة الذين تقوم عليهم الساعة. قال: {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} أي: المشركين. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} وهي مثل الأولى.
قوله: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} يعني النطفة الضعيفة {فَجَعَلْنَاهُ} يعني الماء، وهو النطفة {فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} يعني الرحم {إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ} أي: إلى يوم يولد المخلوق. قال تعالى: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} وهي تقرأ على وجهين: {فَقَدَرْنَا} خفيفة و {فَقَدَّرْنَا} مثقلة. فمن قرأها بالتخفيف فهو يقول: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ} من باب القُدرة، أي: فملكنا فنعم المالكون. ومن قرأها بالتثقيل {فَقَدَّرْنَا (4/455)
صفحة 1992
فَنِعْمَ القَادِرُونَ} فمِن قِبَل التقدير. قال تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} وهي مثل الأولى.
قال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً} أي تكفتهم، أي تضمهم، [والكفت الضم والجمع] {أَحْيَآءً وَأَمْوَاتاً} أي يكونون على ظهرها وعليها أرزاقهم أحياء، وتضمهم أمواتاً فيكونون في بطنها، في تفسير الحسن. وقال بعضهم: الأحياء في البيوت، والأموات في القبور. قال: {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ} والرواسي الجبال، والشامخات المرتفعة. قال: {وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً} أي: عذباً. وكل ماء عذب فهو فرات. قال: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}. وهي مثل الأولى.
ثم قال: {انطَلِقُواْ إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ} أي: يقال لهم يوم القيامة: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون في الدنيا من العذاب، أي: يقولون إنه ليس بكائن. {انطَلِقُواْ إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ} أي: يخرج من الناس لسانان قبل أن يدخلوا النار، فيحيط بالمشركين مثل السرادق، ثم يسطع من النار دخان أسود فيُظِلّ ذلك السرادق، ثم يصير ثلاث فرق، فيلجأون إليه، يرجون أن يظلهم [ويجدون منه من الحر مثل ما وجدوا قبل أَن يلجأوا إليه] قوله: {لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} وقال في الواقعة: {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ} وهو الدخان، وهو هذا الذي قال: في ظل ذي ثلاث شعب {لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ} [الواقعة: 43 - 44] أي لا بارد في الظل ولا كريم في المنزل.
قال: {إِنَّهَا تَرْمِى} يعني النار {بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} وهي تقرأ على وجهين: كالقصْر، خفيفة، وكالقصَر مثقلة. فمن قرأها كالقصر خفيفة فهو يعني قصراً من (4/456)
صفحة 1993
القصور، ومن قرأها مثقلة فهو يعني أصول الشجر، وهي قصرها كقصر الرجال والدواب، وهي أعناقها.
قال تعالى: {كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} وهي تقرأ على وجهين: جمالة وجمالات فمن قرأها جمالة فهو يعني النوق السود. ومن قرأها جمالات فهو يعني جمالات السفينة، أي حبالها فيما ذكروا عن مجاهد. قال تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} وهي مثل الأولى.
قال تعالى: {هَذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ} أي: بحجة {وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} وقد يؤذن لهم في الكلام في بعض المواطن ولا يؤذن لهم في بعض. فإذا أذن لهم في الكلام لم يعتذروا بعذر. قال: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} وهي مثل الأولى.
قال تعالى: {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ} أي: هذا يوم القضاء {جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ} أي: يقال لهم هذا يوم القِيَامة.
قال تعالى: {فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ} تنجون به من عذاب الله {فَكِيدُونِ} تفسيره: فكيدون إن قدرتم، أي: إنكم لا تقدرون على ذلك. قال تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} وهي مثل الأولى.
قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ} يعني الأنهار {وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ} قال: {كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} وذلك على قدر أعمالكم. {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} قال: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} وهي مثل الأولى.
قال تعالى: {كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً} يقوله للمشركين وعيداً لهم. وانقضت (4/457)
صفحة 1994
القصة الأولى من أمر أهل النار. {إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ} يعني شركهم.
ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن يأكل في معاء واحد، والمنافق يأكل في سبعة أمعاء» قال: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} وهي مثل الأولى.
قال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ} أي: وإذا قيل لهم صلوا لا يصلون {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} وهي مثل الأولى. قال: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ} أي: بعد القرآن {يُؤْمِنُونَ} أي: يصدّقون. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (4/458)
صفحة 1995
تفسير سورة عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} يعني المشركين، أي: ما الذي يتساءلون عنه. ثم قال عز وجل: {عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} أي البعث، وذلك منهم تكذيب واستهزاء. قال عز وجل: {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} يعني البعث اختلف فيه المشركون والمؤمنون، فآمن به المؤمنون وكفر به المشركون.
قال عز وجل: {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} وهذا وعيد من الله للمشركين، ووعيد بعد وعيد.
ثم قال: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً} مثل قوله عز وجل: فراشاً وبساطاً. قال: {وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً} أي: أوتاداً للأرض.
قال: {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً} أي: ذكراً وأنثى. قال: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} أي: نعاساً. {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً} أي: ستراً يغطي الخلق فيسكنون فيه. {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً} أي: يطلبون فيه أرزاقهم ومعايشهم. (4/459)
صفحة 1996
قال: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً} وهي السماوات، وهي أشد من خلق الناس. قال تعالى: {ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا. . .} إلى قوله {وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَآ} [النازعات: 27 - 30] قال عز وجل: {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً} يعني الشمس. وتفسير الكلبي: وهاجاً: أي مضيئاً. وتفسير الحسن: حر الشمس وهجها.
قال: {وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ} أي: من السماوات وبعضهم يقول: من السحاب. {مَآءً ثَجَّاجاً} أي: ماء منصباً؛ ينصب بعضه على بعض. {لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً} أي: البر والشعير {وَنَبَاتاً} أي: من كل شيء. قال عز وجل: {وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً} أي: ملتفة. وقال الكلبي: ألفافاً، أي: ألواناً.
قال: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ} أي: يوم القضاء، وهو يوم القيامة {كَانَ مِيقَاتاً} أي: يوافونه كلهم. {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ} وهي النفخة الأخيرة {فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً} أي: أمة أمة. {وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً} أي: منشقة. {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً} أي: مثل السراب، تراه وليس بشيء.
قال عز وجل: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً} أي: هي رصد دون الجنة [أي: ترصد من حق عليه العذاب]. والصراط عليها، فمن كان من أهلها هوى فيها، ومن لم يكن من أهلها حاد عنها إلى الجنة.
قال الحسن: كان الرجل يلقى أخاه فيقول: أما علمت أن جهنم على الرصد. يعني أن جهنم كانت مرصاداً. قال الحسن: والله لقد أدركت أقواماً ما جعل أحدهم (4/460)
صفحة 1997
بينه وبين الأرض فراشاً حتى لحق بالله إلا كساءه، بعضه تحته وبعضه فوقه. ولقد أدركت أقواماً إن كان أحدهم ليعرض له المال الحلال فلا يأخذه ولا يعرض له خشية أن يكون هلاكه فيه. وإن كان الرجل ليلقاه أخوه فيحسب أنه مريض، وما به من مرض إلا أن القرآن قد أرَقَّه. وكان الرجل يلقى الرجل فيقول: أخي، أتاك أنك وارد جهنم؟ فيقول: نعم. فيقول: أتاك أنك صادر عنها؟ فيقول: لا. فيقول: ففيم البِطاء إذاً.
قال الله عز وجل: {لِّلطَّاغِينَ مآباً} أي: للمشركين والمنافقين مرجعاً {لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقََاباً} أي: تأتي عليهم الأحقاب لا تنقطع أبداً. والحقب ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سني الدنيا. كلما خلا حقب دخل حقب، وذلك ما لا انقطاع له ولا أمد ولا غاية ولا منتهى.
قال: {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا} أي في جهنم {بَرْداً وَلاَ شَرَاباً إِلاَّ حَمِيماً}. والحميم الحار الذي لا يستطاع من حره، قد أوقد على تلك العين التي قال عنها عز وجل: {تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} [الغاشية: 5] أي: قد أنى حرها فاجتمع، قد أوقد عليها منذ خلق الله السماوات والأرض. قال: {وَغَسَّاقاً} قال بعضهم: هو القيح الغليظ المنتن. وقال بعضهم: هي بالفارسية الغساق بلسانهم، أي: المنتن. وبعضهم يقول: الغساق: الذي لا يستطاع من شدة برده، وهو الزمهرير.
قال تعالى: {جَزَآءً وِفَاقاً} أي: يوافق أعمالهم الخبيثة. {إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً} أي: لا يخافون حساباً، [لأنهم] لا يقرون بالبعث. {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً} [أي: تكذيباً]. (4/461)
صفحة 1998
قال: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً} أي: أحصت الملائكة على العباد أعمالهم وهي عند الله محصاة في أم الكتاب.
ذكروا عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم فقال اكتب. قال: رب وما أكتب. قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. فأعمال العباد تعرض كل يوم اثنين وخميس فيجدونه على ما في الكتاب. وزاد فيه بعضهم: {هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29]. ثم قال: ألستم قوماً عرباً. هل تكون النسخة إلا من كتاب.
قال: {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال: ما نزل على أهل النار آية هي أشد منها. قال: فهم في زيادة من العذاب أبداً. وهو قوله تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} [النساء: 56]. أي: زيدوا عذاباً.
قوله: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} أي: نجاة مما أعد الله للكافرين. قال بعضهم: مفازاً أي من النار إلى الجنة. {حَدَآئِقَ} أي: جنات {وَأَعْنَاباً} أي فيهما أعناب. قال: {وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً} أي: أبكاراً على سنّ واحدة، بنات ثلاث وثلاثين سنة. قال تعالى: {وَكَأْساً} وهي الخمر {دِهَاقاً} وهي المترعة الممتلئة. وهو قول الشاعر:
أَتَانَا عَامِرٌ يَرْجُو قِرَانَا ... فأََتْرَعْنَا لَهُ كَأْساً دِهَاقاً
وهي المترعة. قال: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} قال الحسن: معصية، كما كانوا يسمعون في (4/462)
صفحة 1999
الدنيا. وقال بعضهم: {لَغْواً}: حَلِفا. تفسير الكلبي: اللغو: الباطل. {وَلاَ كِذَّاباً} تفسير الحسن: لا يكذِّبُ بعضهم بعضاً. وقال بعضهم: ولا كَذِباً.
قال: {جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً} أي: على قدر أعمالهم. وقال تعالى في آية أخرى: {يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40]. وذلك أنهم يُعطَون فيها المنازل على قدر أعمالهم، ثم يُرزقون فيها أهل كل درجة بغير حساب.
قال عز وجل: {رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} وهي تقرأ على وجهين: رب السماوات والأرض بالجر وبالرفع. فمن قرأها بالرفع فهو كلام مستقبل؛ يقول ربُّ السماوات والأرض وما بينهما (الرَّحْمَنُ) برفع (الرَّحْمَنِ). لا يملكون منه خطاباً. ومقرأ الحسن: ربُّ السماوات والأرض وما بينهما الرحمن. يبتدىء فيقول: {الرَّحْمَنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً}. وقوله عز وجل: {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} أي: مخاطبة في تفسير الحسن. وبعضهم يقول: {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً}، أي: كلاماً. كقوله عزّ وجل: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بإِذْنِهِ} [هود: 105].
وقال في هذه الآية: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ} [أي: لا يشفعون] {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً} أي: قال: صواباً في الدنيا. وهو قول لا إله إلا الله. وقوله: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ} قال الحسن: يوم يقوم روح كل شيء في جسده.
قال عز وجل: {ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً} أي: مرجعاً، أي: يعمل صالح. وقال في آية أخرى: {وَمَا تَشَآءُونُ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ} [الإِنسان: 30]. (4/463)
صفحة 2000
قوله عز وجل: {إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً} ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما مثلي ومثل الساعة كهاتين فما فضل إحداهما على الأخرى»؛ فجمع بين اصبعيه الوسطى والتي يقال لها السبابة.
قال: {يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ} أي المؤمن {مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي ينظر إلى ما قدمت يداه من عمل صالح {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابَاً}، ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما يدعى إلى الحساب يوم القيامة البهائم، فتجعل الجماء قرناء، والقرناء جماء، فيقتص لبعضهم من بعض حتى تقتص الجماء من القرناء، ثم يقال لها: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: {يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}». (4/464)
صفحة 2001
تفسير سورة النازعات، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً} عن علي بن أبي طالب قال: هي النجوم تنزع من المشرق وتغرق في المغرب. وهو تفسير الحسن.
ذكروا عن محمد بن علي قال: هي الملائكة تنزع أنفس بني آدم. قال سفيان. وبعضهم يقول: هي النجوم. وقال بعضهم: هي بقر الوحش.
قوله عز وجل: {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} تفسير الحسن: إنها النجوم تنشط من مطالعها إلى مغاربها. عن عثمان قال حدثني من سمع محمد بن علي يقول: هي الملائكة تنشط أنفس بني آدم. ذكروا عن الأرمز بن عبد الله الأزدي قال: إن ملك الموت (4/465)
صفحة 2002
ينشط نفس الكافر نشطاً مثل السفود ذي السعة من حمل العصعه لا يبقى عرق ولا عصب إلا اتبعها.
قال: {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً} يعني النجوم كقوله: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] أي: يدورون كما يدور فلك المغزل.
قال عز وجل: {فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً} يعني الملائكة. قال الحسن: إنهم سبقوا إلى طاعة الله قبل بني آدم. قال عز وجل: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} يعني الملائكة يدبّر الله بهم ما أراد.
قال عز وجل: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} يعني النفخة الأولى {تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} يعني النفخة الآخرة {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} أي خائفة. {أَبْصَارُهَا} أي: أبصار تلك القلوب {خَاشِعَةٌ} أي: ذليلة. {يَقُولُونَ} أي: يقول المشركون في الدنيا. {أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} أي في أول خلقنا، ينكرون البعث. {أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً} أي: بالية، على الاستفهام. وهذا استفهام إنكاري، أي: لا نبعث خلقاً جديداً.
{قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} أي: كاذبة، أي: ليست بكائنة. (4/466)
صفحة 2003
قال الله عز وجل: {فإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} والزجرة والصيحة والنفخة واحد. قال الله عز وجل: {فإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ} أي: بالأرض، قد خرجوا من بطنها وصاروا على ظهرها.
قوله: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} أي: قد أتاك حديث موسى، وفي تفسير الحسن: إنه لم يأتك حتى أعلمتك {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ} يعني المبارك {طُوىً}. قال بعضهم: قدس مرتين قال الحسن: طوى بالبركة.
{اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} أي: كفر {فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى} أي: إلى أن تؤمن {وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ} أي: وأبين لك دين ربك {فَتَخْشَى} الله.
قال الله عز وجل: {فَأَرَاهُ الأَيَةَ الْكُبْرَى} أي: اليد، وهي أكبر الآيات التسع التي أتاه بها. قال تعالى: {فَكَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى} أي: فجمع قومه {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}.
قال الله: {فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ} أي عقوبة {الآخِرَةِ وَالأُولَى}. قال مجاهد: الآخرة. قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} والأولى قوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]. ذكر غيره قال: مكث فرعون بعد قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} ثلاثين سنة. وتفسير الحسن: {فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى} أي: عذبه الله في الدنيا بالغرق، ويعذبه في الآخرة بالنار.
قال الله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى} وتفسير الحسن: لمن يخشى ما صنعت بفرعون وقومه حين أغرقتُهم، فيخشى الله مخافة أن يُفعل به ما فعل بفرعون وقومه فيؤمن. (4/467)
صفحة 2004
قوله: {ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا} بغير عمد {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} بينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام.
قال عز وجل: {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} أي: وأظلم ليلها {وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} أي: شمسها ونورها. قال: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَآ} أي: بسطها [بعد خلق السماوات والأرض. قال بعضهم: وكان بدء الخلق، فيما بلغنا أنها كانت طينة في موضع بيت المقدس ثم خلق السماوات، ثم دحا الأرض] فقال لها اذهبي أنت كذا واذهبي أنت كذا. ومن مكة بسطت الأرض، ثم جعل فيها جبالها وأنهارها وأشجارها.
قال عز وجل: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} أي: أثبتها وجعلها أوتاداً للأرض. قال الحسن: لما خلق الله الأرض جعلت تميد، وقد فسرنا حديثه في غير هذا الموضع بأجمعه.
قال عز وجل: {مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأََنْعَامِكُمْ} أي: تستمتعون به إلى الموت. وهذا تبع للكلام الأول: أخرج منها ماءها ومرعاها [للإمتاع لكم].
قال عز وجل: {فَإِذَا جَآءَتِ الطَّآمَّةُ الْكُبْرَى} أي: النفخة الآخرة {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى} أي: ما عمل، يوم يحاسب الله الناس بأعمالهم. {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى}.
قال تعالى: {فَأَمَّا مَن طَغَى} أي: كفر {وَءَاثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} أي: لم يؤمن بالآخرة لقولهم: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [المؤمنون: 37]. قال عز وجل: {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ المَأْوَى} أي المنزل، أي منزله.
{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} أي: موقفه بين يدي الله. ذكروا عن مجاهد في قوله عز وجل: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] قال: من أراد ذنباً (4/468)
صفحة 2005
فذكر الله أنه قائم عليه فتركه. فقال ها هنا: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} أي: منزله.
قوله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} أي: متى مجيئها. {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَآ} تفسير الحسن: إنه ليس عليك من ذكرها شيء، أي: ليس عليك في ذلك علم متى تكون، وقد علمت أنها كائنة. وقال الكلبي: فيم أنت من ذكراها، أي فيم أنت من أن تسأل عنها ولم أخبرك عنها متى تجيء. قال عز وجل: {إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ} أي: منتهى علم مجيئها.
قال: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} أي: إنما يقبل نذارتك من يخشى الساعة. وقال في آية أخرى: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 49].
قال عز وجل: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا} يعني الساعة {لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} أي: عشية أو ضحوة. قال بعضهم: أول ساعة من النهار، تصاغرت الدنيا عندهم فجاءهم الأمر كأنهم لم يروها. (4/469)
صفحة 2006
تفسير سورة عبس، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَآءَهُ الأَعْمَى} أي: لأن جاءه الأعمى.
ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع رجل من المشركين من وجوههم وأشرافهم، وهو يدعوه إلى الإسلام، والناس تَبَعٌ لوجوههم وأشرافهم. فرجا النبي عليه السلام أن يؤمن فيتبعه ناس من قومه. فهو يكلمه، وقد طمع في ذلك منه، إذ جاء ابن أم مكتوم، وكان أعمى، فأعرض عنه النبي عليه السلام وأقبل على الرجل. وبلغنا أن الرجل أمية بن خلف. وتفسير مجاهد أنه عتبة بن ربيعة أو شيبة بن ربيعة. فجعل ابن أم مكتوم لا يَتَقارُّ لما أعرض عنه النبي مخافة أن يكون حدث فيه شيء، فأنزل الله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَآءَهُ الأَعْمَى}.
قال: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} أي: يؤمن. {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى}.
{أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى} أي: عن الله {فَأَنتَ لَهُ} بوجهك {تَصَدَّى} أي: تتعرّض {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى} أي: ألا يؤمن.
{وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَى} أي: يسارع في الخير {وَهُوَ يَخْشَى} أي: يخشى الله، يعني ابن أم مكتوم. {فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى} أي: فأنت عنه تعرض. (4/470)
صفحة 2007
قال: {كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} أي: إن هذه السورة تذكرة. {فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} أي: القرآن. وقال في آية أخرى: {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ} [المدثر: 56].
قال تعالى: {فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ} أي: عند الله في السماء {مُّطَهَّرَةٍ} أي: من الدنس. {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} أي: كتبة. يعني الملائكة {كِرَامٍ بَرَرَةٍ} أي: لا يعصون الله.
ذكروا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأه ويتتعتع به وهو عليه شاق. فله أجران».
قوله عز وجل: {قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} أي: لعن الإِنسان ما أكفره وتفسير الكلبي: ما أشد كفره. {مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} أي: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً، ثم لحماً، ثم أنبت الشعر ونفخ فيه الروح.
{ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} أي: سبيل الهدى وسبيل الضلالة. وقال مجاهد: هو مثل قوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} أي: بينا له السبيل، سبيل الهدى وسبيل الضلالة {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} [الإِنسان: 3].
قال تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} أي: جعل له من يقبره، أي: من يدفنه في (4/471)
صفحة 2008
القبر.
{ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} أي: أحياه، يعني البعث. وقد جعل الله له وقتاً، فكيف يكفره. وقال في سورة البقرة: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28]، أي: كنتم أمواتاً في أصلبة آبائكم، أي: نطفاً، فأحياكم هذه الحياة، ثم يميتكم، ثم يحييكم، يعني البعث، ثم إليه ترجعون.
قال تعالى: {كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ} أي: لما يصنع ما أمره، يعني هذا الإِنسان المشرك والمنافق لم يصنعا ما أمرهما الله به.
ثم ضرب مثلاً آخر فقال: {فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} أي: من أي شيء خلقه. قال تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبّاً} يعني المطر {ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً} أي للنبات {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً} وهي الفصافص. {وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْباً} قال الحسن: أي نخلاً كراماً، وهي الطوال الكرام. وقال الكلبي: {وَحَدَآئِقَ غُلْباً} أي: شجراً طوالاً غلاظاً.
قال تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} هو الذي ذكر من الفاكهة. قال الحسن: الفاكهة ما تأكلون، والأبّ ما تأكل أنعامكم. وتفسير الكلبي: الأب: الكلأ. قال تعالى: {مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} أي تستمعون به، أي: تأكلونه رزقاً لكم إلى الموت.
قال: {فَإِذَا جَآءَتِ الصَّآخَّةُ} وهي اسم من أسماء القيامة، أصاخ لها الخلق من الفَرَق. وقال في آية أخرى: {وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} (4/472)
صفحة 2009
[طه: 108]. وقال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً} [النبأ: 38].
قال عز وجل: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} أي: يشغله.
ذكروا أن عائشة قالت: يا رسول الله، كيف يحشر الناس يوم القيامة؟ قال: يحشرون عراة. قالت: أما يحتشم الرجال من النساء والنساء من الرجال يا رسول الله؟ قال: هم يومئذ أشغل من أن ينظر بعضهم إلى بعض، أو إلى عورة بعض، لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه.
قال عز وجل: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ} أي: ناضرة ناعمة، وهؤلاء أهل الجنة {ضَاحِكَةُ مُّسْتَبْشِرَةٌ} أي: بالجنة وبرضاء الله. {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} أي: يغشاها سواد، وهؤلاء أهل النار.
قال: {أُوْلَئِكَ} أي: هؤلاء الذين هذه صفتهم وهذا نعتهم {هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ}. فباين الله بين خلقه وأخبر بثوابهم وبأسمائهم عند بياض الوجوه وسوادها، وتسمية من دخل النار بالكفر والفجور. ففي ذلك دليل لمن عقل عن الله وألقى السمع وهو شهيد. (4/473)
صفحة 2010
تفسير سورة إذا الشمس كورت، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} تفسير الحسن: أي: ذهب ضوءها. {وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ} أي: قد رمي بها. كقوله: {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ} [الانفطار: 2].
{وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} أي: ذهبت، تصير في حالات. أما أول ما تحول عن منزلة الحجارة فتكون كثيباً، وتكون كالعهن المنفوش، وتكون هباء منبثاً، وتكون سراباً. قال تعالى: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً} [النبأ: 20]. مثل هذا السراب تراه وليس بشيء، فسويت بالأرض. وقال في آية أخرى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} أي: من أصولها {فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً} أي مستوية {لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلآ أَمْتاً} [طه: 105 - 107] أي انخفاضاً ولا ارتفاعاً.
قال تعالى: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} وهي النوق عطّلها أهلها فلم تُحْلَبْ ولم تُصَرَّ وشغل عنها أهلها.
قال: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} أي: جمعت لحشر يوم القيامة فهي أول من يُدعى للحساب فيقتص لبعضها من بعض حتى يقتص للجمَّاء من القرناء، ثم يقال لها: كوني تراباً. فعند ذلك {يَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} [النبأ: 40]. (4/474)
صفحة 2011
ذكروا عن الحسن قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير معقول أول النهار، ثم مرّ عليه آخر النهار وهو كما هو، فقال: «أين صاحب هذا البعير، ليعدّ له خصومة».
قال تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} أي: فاضت، فتصير أعماق البحار ورؤوس الجبال سواء. وقال بعضهم: تسجر كما يسجر التنور. وتفسير مجاهد: أوقدت، وهو واحد.
قال: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قال الحسن: يلحق كل شيعة بشيعتها: اليهود باليهود والنصارى بالنصارى، والمجوس بالمجوس، وكل من كان يعبد من دون الله شيئاً بعضهم من بعض، والمنافقون بالمنافقين والمؤمنون بالمؤمنين. وتفسير مجاهد: الأمثال من الناس جمع بينهم.
ذكروا عن النعمان بن بشير قال: سألت عمر بن الخطاب عن قوله: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} فقال: يُزَوَّجُ كُل إِنسان نظيرَه من الجنة، ويزوّج كل إنسان نظيره من أهل النار، ثم تلا هذه الآية: {احْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 22 - 23]. قال الكلبي: أما أهل الجنة فيُزوَّجون بخيرات حسان، وأما أهل النار فيقرن كل إنسان وشيطانه، يكونان جميعاً في سلسلة واحدة. وبعضهم يقول: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} أي: ردّت الأرواح إلى الأجساد. (4/475)
صفحة 2012
قال تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} وهي بنات أهل الجاهلية كانوا يدفنونهن أحياء لخصلتين: أما إحداهما فكانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله، فألحقوا به البنات، فهو أحق بهن، وأما الخصلة الأخرى فمخافة الحاجة. قال في آية أخرى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ} [الإسراء: 31] أي: خشية الحاجة. كان أحدهم يقتل ابنته ويغذو كلبه.
قال تعالى: {بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} قال الحسن: إن الله يوبّخ قاتلها لأنها قتلت بغير ذنب وسيئة فسئلت، فلم يوجد لها ذنب.
وبعضهم يقرأها: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سَأَلْتَ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} أي: تتعلق الجارية بأبيها فتقول: بأي ذنب فتلتني.
قال: {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} للحساب. وهو ما كتبت الملائكة على العباد من أعمالهم، مثل قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} [الكهف: 49]، وكقوله: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإِسراء: 71] أي: ما كتبت الملائكة على العباد من أعمالهم في بعض هذا التفسير.
قال: {وَإِذَا السَّمَآءُ كُشِطَتْ} أي: طويت، وهو قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَآءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [الأنبياء: 104]. وقال مجاهد: {كُشِطَتْ} أي: اجتبذت. (4/476)
صفحة 2013
قال: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} أي: أوقدت، وهي توقد منذ خلق الله السماوات والأرض في الستة الأيام. قال تعالى: {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} أي: أدنيت؛ كقوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الشعراء: 90]. قال: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ} أي: من عملها.
قوله تعالى: {فَلآ أُقْسِمُ} [المعنى فأقسم، ولا صلة] {بِالْخُنَّسِ}. ذكروا عن علي قال: يعني النجوم تجري بالليل وتخنس أي تتوارى بالنهار. وهو قول الحسن: هي في ذلك جارية، ولكنها لا ترى بالنهار. وقال بعضهم: بلغنا أنها خمسة تجري في مجرى الشمس: وهي الزهرة والمشتري، والمريخ، وزحل، وعطارد.
قال: {الْجَوَارِ} يعني جريها في السماء {الكُنَّسِ} تفسير الحسن: أن ترجع إلى مطلعها في القابلة. وقال الكلبي: {الكُنََّس} يعني أنها تكنس، أي: تتغيّب وتتوارى بالنهار كما تتوارى الظباء في كناسها. وبعضهم يقول: {الْجَوَارِ الكُنَّسِ} هي بقر الوحش.
قال: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} تفسير الحسن: إذا أظلم، وتفسير الكلبي: إذا أدبر. وقال مجاهد: يقال إقباله ويقال إدباره.
ذكروا أن رجلاً سأل علياً: أي ساعة توتر؟ فسكت عنه. فلمّا أذّن من السحر للصبح قال علي: أين السائل عن الوتر؟ نِعمَ ساعة الوتر [هذه] ثم قرأ {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِِ إِذَا تَنَفَّسَ}.
قوله: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} أي: إذا أسفر، يعني إذا أضاء. أقسم بهذا كله، من قوله: {فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ} إلى قوله: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}.
{إِنَّهُ} يعني القرآن {لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} يعني جبريل يرسله الله إلى النبيين {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} أي: في المنزلة والقربة. {مُّطَاعٍ ثَمَّ} (4/477)
صفحة 2014
أي: في السماء قال الحسن: جعل الله طاعة جبريل في السماء طاعة له، فأمر الله الملائكة بذلك كما أمر الله أهل الأرض أن يطيعوا محمداً صلى الله عليه وسلم. قال: {أَمِينٍ} أي عند الله وعند الملائكة.
قوله: {وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وذلك لقول قريش وقول مشركي العرب إنه مجنون. قال: {وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ} يعني بالمشرق الذي هو مطلع النجوم والشمس والقمر. يعني أن محمداً رأى جبريل في صورته مع الأفق قد سدّ ما بين السماء والأرض. وتفسير مجاهد: إن ذلك كان من نحو أجياد. عن عمارة مولى بني هاشم قال إن النبي عليه السلام رأى جبريل عليه السلام له ستمائة جناح مثل الزبرجد الأخضر فأغمي عليه.
قال تعالى: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ} أي: على الوحي {بِضَنِينٍ} أي: بخيل، أي لا يبخل عليكم به، وهي تقرأ على وجه آخر: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ} أيك بمتّهم، وهي مقرأ عبد الرحمن الأعرج ومقرأ أهل الكوفة. {وَمَا هُوَ} يعني القرآن {بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} أي رجمه الله باللعنة. قال: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} يقول للمشركين: فأين تعدلون عنه يميناً وشمالاً، كقوله تعالى: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ}.
قال تعالى: {إِنْ هُوَ} يعني القرآن {إِلاَّ ذِكْرٌ} إلا تفكير {لِّلْعَالَمِينَ} يعني من آمن به يذكرون به الآخرة. قال: {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} أي: على ما أمر الله في تفسير الحسن. وقال مجاهد: {أَن يَسْتَقِيمَ}، أي أن يتّبع الحق، وهو واحد. {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ} أي: لا تقدرون على شيء لم يرده الله {رَبُّ الْعَالَمِينَ} أي الخلق أجمع. (4/478)
صفحة 2015
تفسير سورة إذا السماء انفطرت، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {إِذَا السَّمَآءُ انفَطَرَتْ} أي: انشقت، وذلك يوم القيامة بعد النفخة الأخيرة. {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ} أي: تساقطت وهو قوله: {انكَدَرَتْ} [التكوير: 2] {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} أي: فجر ملحها في عذبها وعذبها في ملحها {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} أي: أخرج ما فيها من الأموات.
قال: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} أي: (مَّا قَدَّمَتْ) من عمل، خيراً كان أو شراً، (وَمَا أَخَّرَتْ) أي من سنة حسنة فعُمِل بها بعده فله مثل آجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيئاً، أو سنة سيئة فعمل بها بعده فعليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئاً.
قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} ذكروا أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية: {يَآ أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} فقال غرّه حمقه وجهله.
قال: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ} أي سوى خلقك باللحم والشعر {فَعَدَلََكَ} يعني اعتدال الخلق؛ فهذا مقرأ من قرأها بالتخفيف (فَعَدَلَكَ) ومن قرأها بالتثقيل (4/479)
صفحة 2016
(فَعَدَّلَكَ) قال: جعل عينيك سواء. ورجليك سواء، ويديك سواء، وجنبيك سواء.
ثم قال: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ} أي: خلق الله كل إنسان في صورته، لا ترى اثنتين على صورة واحدة؛ فجعله إن شاء طويلاً وإن شاء قصيراً، وإن شاء جعله ذكراً، وإن شاء جعله أنثى. وقال مجاهد: إن شاء جعله حسناً، وإن شاء جعله قبيحاً.
ذكروا عن الضحاك بن مزاحم قال: يشبه الرجل الرجل وليس بينه قرابة إلا من قبل الأب الأكبر آدم عليه السلام. قال بعضهم: إنه وإن أشبه الرجل الرجل فإنه ليس على صورته كلها.
{كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} أي: بالحساب، بأن الله يدين الناس يوم القيامة بأعمالهم.
قال: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ} أي: حفظة يحفظون أعمالكم، أي: يكتبونها يعني بها الملائكة الذين يكتبون أعمال العباد.
قال تعالى: {كِرَاماً كَاتِبِينَ} أي: كراماً على الله، كاتبين أعمال العباد. قال تعالى: {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} أي: من الظاهر، فيكتبونه ولا يعلمون الباطن. قال تعالى في موضع آخر: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [سورة ق: 18].
ذكروا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: الذكر الخفي الذي لا تسمعه الحفظة يضاعف على الذي تسمعه الحفظة سبعين ضِعفاً؛ فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى للعبد: إن لك عندي كنزاً لم يطلع عليه أحد غيري؛ وهو الذكر الخفي.
ذكروا عن بعضهم قال: إذا عمل العبد في العلانية عملاً وعمل في السر مثله قال الله للملائكة: هذا عبدي حقاً. (4/480)
صفحة 2017
قوله تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} أي: في الجنة {وَإِنَّ الْفُجَّارَ} يعني المشركين والمنافقين {لَفِي جَحِيمٍ} أي: لفي النار {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ} أي: يوم الحساب، يوم يدين الله فيه الناس بأعمالهم. {وَمَا هُمْ عَنْهَا} أي: عن النار {بِغَآئِبِينَ}. وقال في آية أخرى: {فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} [الروم: 16].
قال: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} [ثُنِّي ذكره] تعظيماً له. قال الحسن: إنك لم تدر يوم الدين حتى أعلمتك به.
قال تعالى: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً} أي: لا يغني أحد عن أحد شيئاً، أي: لا ينفعه. كقوله: {يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلىً عَن مَّوْلىً شَيْئاً} [الدخان: 41] أي: ولي عن ولي شيئاً. {وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ} وحده لا شريك له، ولا ينازعه الأمرَ في ذلك اليوم أحد، فالأمر له. (4/481)
صفحة 2018
تفسير سورة المطففين وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} في الآخرة يدعون بالويل والثبور في النار. وهم المشركون والمنافقون المطففون في المكيال والميزان. بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة، عابهم الله بتطفيفهم. وقد عاب المشركين بأعمالهم الخبيثة في شركهم في مواضع من القرآن.
قال تعالى: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} أي: ينقصون. {أَلاَ يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}. [قال بعضهم]: بلغنا أنهم يقومون ثلاثمائة سنة من قبل أن يفصل بينهم.
قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ} أي: المشركين والمنافقين {لَفِي سِجِّينٍ} قال الحسن: لفي سَفَال. وقال كعب: حجر أسود تحت الأرض السابعة لا يَصعد. (4/482)
صفحة 2019
[قال تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} أي: ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك، ثم فسّره فقال: {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} أي: مكتوب].
قال تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذًٍ} يعني يوم القيامة {لِّلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} أي: بيوم الحِساب، يوم يدين الله فيه الناس بأعمالهم.
قال تعالى: {وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ} أي: بيوم القيامة الذي فيه الحساب {إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ} أي: من العدوان، وهو الشرك {أَثِيمٍ} أي آثم {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا} أي القرآن {قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} أي: كذب الأَولين وباطلهم. قالَ الكلبي: إنه النضر ابن الحارث.
قال تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير الحسن: إنه الذنب على الذنب حتى يموت القلب.
ذكروا عن حذيفة قال: القلب في مثل الكف، فيذنب العبد الذنب فينقبض، ثم يذنب الذنب فينقبض، ثم يذنب الذنب فينقبض حتى يسمع الخبر فلا يجد في قلبه سماعا فيحرم منه، فهو الران.
وقال بعضهم: إن الطبع طبع على قلوبهم بفعلهم الكفر. وقال الكلبي: إن على قلوبهم الطبع، ألا تراه يقول: {مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}.
قال تعالى: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} أي: عن ثواب ربهم لمحرومون. {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ الْجَحِيمِ} أي النار {ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ} أي: في الدنيا، يقال ذلك للمشركين وهم في النار. (4/483)
صفحة 2020
قال: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} أي: في صعود إلى الله. وتفسير مجاهد: عليّون في السماء السابعة. وقال كعب: عليون قائمة العرش اليمنى.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأَنعَما».
قال عز وجل: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} قال الحسن: إنك لم تدر ما عليون حتى أعلمتك. قال عز وجل: {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} أي مكتوب، يكتب عليه في عليين.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى بعد المغرب ركعتين قبل أن يتكلم رفعنا له في عليين».
قال: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} أي: مقربو أهل كل سماء، يشهدون كتاب عمل المؤمن حيث يرقم فيه، أي: يكتب فيه، يشهدون نسخه إذا نسخ، ويشهدون عليه يوم القيامة أنها أعمالهم. وبلغنا عن ابن عباس أنه قال: إن أعمال بني آدم تنسخ من اللوح المحفوظ.
قال عز وجل: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرَآئِكِ} أي على السرر في الحجال. {يَنظُرُونَ}. قال مجاهد: هي سرر من لؤلؤ وياقوت. {تَعْرِفُ فِي (4/484)
صفحة 2021
وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} [يعني بريق النعيم ونداه. وقيل: حسنه وبريقه وتلألؤه] {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ} [يعني الشراب]، وهي الخمر، قال عز وجل: {مَّخْتُومٍ} يعني الشراب {خِتَامُهُ مِسْكٌ} أي: عاقبته مسك في تفسير بعضهم. وقال مجاهد: ختم به آخر جرعة، وهو واحد.
قال: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} أي في الدنيا بالأعمال الصالحة.
قال عز وجل: {وَمِزَاجُهُ} أي: ومزاج ذلك الشراب {مِن تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ}. قال بعضهم: يشرب بها المقربون صرفا، وتمزج لسائر أهل الجَنة.
قوله تعالى: (عَيْناً) أي: تلك الخمر من عين. وإنما صارت عينا كقوله: {ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} [الإِسراء: 61] أي من طين.
قال تعالى: {يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} وهي من تسنيم، أي تسنم عليهم منازلهم، أي: مالهم من معالٍ. وتسنيم أشرف شراب في الجنة.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: تسنيم هي مما قال الله: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17].
قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ} أي: أشركوا أي: أشركوا {كَانُواْ مِنَ (4/485)
صفحة 2022
الَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ} أي: في الدنيا، يسخرون بهم. تفسير: الحسن كان المشركون إذا مرّ بهم النبي عليه السلام وأصحابه يقول بعضهم لبعض: انظروا إلى هؤلاء الذين تركوا شهواتهم في الدنيا يطلبون بذلك زعموا نعيماً في الآخرة.
قال تعالى: {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ} أي بالنبي وأصحابه {يَتَغَامَزُونَ} أي: يقولون هذا القول. قال: {وَإِذَا انقَلَبُواْ} يعني المشركين {إِلَى أَهْلِهِمُ} في الدنيا {انقَلَبُواْ فَكِهِينَ} أي: مسرورين. كقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً} [الانشقاق: 13].
ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين. لا يخافني في الدنيا إلا أمنته في الآخرة، ولا يأمنني في الدنيا إلا خوفته في الآخرة».
وقال في آية أخرى: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [الطور: 26 - 28] وقال عز وجل: {وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً} [الانشقاق: 9] أي: في الجنة. وقال في الكافر: {فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ} أي في الدنيا {مَسْرُوراً} [الإِنشقاق: 11 - 13].
قال عز وجل: {وَإِذَا رَأَوْهُمْ} أي إذا رأوا أصحاب النبي عليه السلام {قَالُواْ إِنَّ هَؤُلآءِ لَضَآلُّونَ} أي: بتركهم شهواتهم في الدنيا لنعيم الآخرة زعموا.
قال الله تعالى: {وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} أي يحفظون أعمالهم، يعني المشركين.
قال: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ}. قال الحسن: هذه والله الدُّولة الكريمة التي أدال الله المؤمنين على المشركين في الآخرة، (4/486)
صفحة 2023
فهيم يضحكون منهم وهم متكئون على فرشهم ينظرون كيف يعذَّبون، كما كان الكفار يضحكون منهم في الدنيا. والجنة في السماء والنار في الأرض.
ذكروا أن كعباً قال: بين الجنة والنار كوى؛ فإذا أراد الرجل من أهل الجنة أن ينظر إلى عدوّ له من أهل النار نظر فرآه. وهو قوله: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ. . .} إلى آخر الآية.
وتفسير الحسن إنهم يضحكون منهم حين يفتح لهم باب من الجنة، فيدعون ليدخلوها، فإذا جاءوا أغلق دونهم فيرجعون، ثم يدعون، فإذا جاءوا أغلق دونهم فيرجعون، فيدعون ليدخلوا فإذا جاءوا أغلق دونهم، حتى إنهم يدعون فما يجيئون من اليأس.
وقال بعضهم: هؤلاء المنافقون، وهم كانوا أشد استهزاء بالنبي والمؤمنين وأشدّ ضَحِكا من المشركين، فأدال الله المؤمنين عليهم في الآخرة وخدعهم بفتح باب الجنة لهم ليدخلوها كما كانوا يخدعون في الدنيا.
قال الله: {هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ} أي: هل جوزي الكفار {مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} أي: جوزوا في الآخرة ما كَانوا يفعلون في الدنيا، أي: نعم، قد جوزوا شر الجزاء في تفسير الكلبي. وقال الحسن: شر ثواب وشر دار. (4/487)
صفحة 2024
تفسير سورة إذا السماء انشقت، وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {إِذَا السَّمَآءُ انشَقَّتْ} وذلك يوم القيامة، عند النفخة الآخرة. {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} أي: سمعت لربها فأطاعت. {وَحُقَّتْ} أي: وحق لها أن تفعل.
قال تعالى: {وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ} قال ابن عباس: تُمدّ كما يمدّ الأديم العكاظي. وعكاظ سوق باليمن. وهذا إذا أبدلت، تبدل الأرض بأرض بيضاء وكأنها فضة لم تعمل عليها خطيئة، ولم يسفك عليها محجم دم حرام.
قال تعالى: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا} أي: أخرجت ما فيها من الأموات فظهروا على ظهرها. {وَتَخَلَّتْ} أي: إلى الله منهم. {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} أي: سمعت وأطاعت. {وَحُقَّتْ} أي: وحق لها أن تفعل.
قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً} أي: ساع إلى ربك سعياً بالعمل، كقوله تعالى: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [طه: 15]. (4/488)
صفحة 2025
قال تعالى: {فَمُلاَقِيهِ} أي: فملاق ثواب ذلك العمل إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً}.
ذكروا عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذي يحاسب حساباً يسيراً فقال: ذالكم العرض. قال: ولكن من نوقش الحساب فهو هالك.
ذكروا عن عبد الله بن عمر أنه قال: يوقف الله عبده المؤمن يوم القيامة على ذنوبه فيقول: أتعرف ذنب كذا وذنب كذا، فيقول: نعم: يا رب أعرف. فيقول: أتعرف ذنب كذا فيقول: نعم يا رب أعرف، حتى إذا قرّره بذنوبه ورأى العبد في نفسه أنه قد هلك قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وإني سأغفرها لك اليوم وأحطها عنك. ثم يعطى كتاب حسناته. وأما المنافقون والمشركون فإنه ينادي الأَشهاد: {هَؤُلآءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] أي: الكافرين.
قال تعالى: {وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ} أي إلى أزواجه من الحور العين {مَسْرُوراً}.
قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ} فإنه تخلع كفه اليسرى وتجعل خلفه فيأخذ بها كتابه. قال تعالى: {فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً} أي: بالويل والهلاك في النار. {وَيَصْلَى سَعِيراً} [أي: يكثر عذابه] ويشوى في النار.
قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ} أي في الدنيا {مَسْرُوراً}. قال الحسن [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم] «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». (4/489)
صفحة 2026
قال تعالى: {إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ} أي: إنه حسب أن لن يرجع إلى ربه. {بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} أي: إنه سيبعثه.
قال تعالى: {فَلآ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ} وهو شفق النهار إذا غابت الشمس. وتفسير الحسن: الشفق: الحمرة، وهو هذا الشفق عينه.
ذكروا أن جبريل صلى بالنبي عليه السلام العشاء في الوقت الأول حين غاب البياض من الشفق.
قال تعالى: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} أي: وما جمع، جمع خيراً كثيراً وشراً كثيراً مما عمل فيه الخلق.
قال تعالى: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} أي: استوى واستدار {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ} قال الحسن: حالا بعد حال.
ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ} قال النبي عليه السلام ليلة أسري به، أي: سماء بعد سماء. وبعضهم قال: أمراً بعد أمر؛ السماء تنشق مرة، ومرة تكون وردة كالدهان، ومرة كالمهل.
قال تعالى: {فَمَا لَهُمْ} يعني المشركين، {لاَ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ} أي: لا يصلون.
قال: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} أي: بما يخفون في صدورهم من الكفر. {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي: موجع، يعني عذاب جهنم.
{إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} استثنى الله من آمن وعمل الصالحات {لَهُمْ أَجْرٌ} أي: ثواب. وهو الجنة {غَيْرُ مَمْنُونٍ} أي: غير محسوب. كقوله تعالى: {يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40]. وتفسير الحسن: غير ممنون عليهم مَنَّ أذى. والحمد لله رب العالمين. (4/490)
صفحة 2027
تفسير سورة {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوج}، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} ذكروا عن ابن عباس قال: ذات النجوم. قال تعالى: {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} قال الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اليوم الموعود يوم القيامة».
قال تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (وَشاهد) يوم الجمعة (وَمشهود) يوم عرفة.
قوله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}.
قال الحسن: كان أصحاب الأخدود ثمانين بين رجل وامرأة. فأخذهم المشركون وحفروا لهم أخدوداً في الأرض، ثم أوقدوا لهم ناراً ضخمة، ثم امتحنوهم فجعلوا يقولون للرجل والمرأة منهم: إما أن تترك دينك وإما أن نقذفك في النار. (4/491)
صفحة 2028
فيقول: ما أنا بتارك ديني لشيء، فيقذف فيها، فيحترق، حتى أتوا على آخرهم. فبقيت امرأة ومعها صبي لها فتهيّبت. فقال لها الصبي: يا أمّاه، امضي ولا تنافقي، فمضت واحترقت. [قال يحيى: كان صغيراً لم يتلكم قبل ذلك] وقال مجاهد: وذلك بنجران.
قال تعالى: {وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} أي: من تحريقهم إياهم بالنار.
قال تعالى: {وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ} أي: ما كرهوا منهم {إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [ما سفكوا لهم دما ولا أخذوا لهم مالاً]. {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي شاهد على كل نفس بعملها.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} يعني أحرقوهم بالنار في تفسير السدي {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}.
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} أي: النجاة العظيمة من النار إلى الجنة.
قوله تعالى: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ} [أي: عقوبة ربك] {لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} أي يبدىء الخلق ويعيده، أي: يبعثه يوم القيامة. كقوله: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدؤَُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [الروم: 27].
قوله عز وجل: {وَهُوَ الْغَفُورُ} أي: للذنوب، ولا يغفر إلا لمن تاب وآمن. قال عز وجل: {الْوَدُودُ} أي: يود أهل طاعته. وتفسير الحسن إنه يتودد إلى خلقه بما يعطيهم من النعم في عيشهم وأرزاقهم، وبما يغفر لهم من الذنوب ويودّهم. (4/492)
صفحة 2029
قال تعالى: {ذُو الْعَرْشِ} أي: رب العرش {المَجِيدُ} أي: الكريم يجعله من صفة العرش. كقوله عز وجل: {رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 116].
قال تعالى: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}.
قال تعالى: {هَلْ أَتَاكَ} أي قد أتاك {حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} أي: كيف أهلكهم الله حين كذبوا رسلهم.
قال تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ وَاللهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطٌ} حتى يجزيهم بأعمالهم. {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ} أي: كريم على الله {فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} وهو أم الكتاب. (4/493)
صفحة 2030
تفسير سورة والطارق وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَالسَّمَآءِ وَالطَّارِقِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ} أي: المضيء، كقوله: {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} أي مضيء. وقال مجاهد: يتوهّج. والنجم في هذا الموضع جماعة النجوم، يعني النجوم المضيئة. وهذا قسم.
{إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} وهي تقرأ على وجهين: (لَمَا) مخففه و (لَمَّا) مثقلة فمن قرأها بالتخفيف فهو يقول لعليها حافظ [وما صلة] ومن قرأها بالتثقيل فهو يقول إلا عليها حافظ وتفسير حافظ يعني حافظاً من الملائكة يحفظ عليها عملها.
قال: {فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ} يعني النطفة {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئِبِ} أي: من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهو نحرها. (4/494)
صفحة 2031
{إِنَّهُ} أي: إن الله {عَلَى رَجْعِهِ} أي: على أن يبعثه بعد موته {لَقَادِرٌ} وبعضهم يقول: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ} أي على رجع ذلك، أي النطفة، في الاحليل لقادر.
قوله: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ} أي: تختبر وتظهر، يعني سرائر القلوب. وهو قوله: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72].
ذكروا أن ابن أسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ائتمن الله ابن آدم على ثلاث: على الصلاة ولو شاء قال صليت، وعلى الصوم ولو شاء قال صمت، وعلى الاغتسال من الجنابة ولو شاء قال قد اغتسلت ثم تلا هذه الآية: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ}».
قال تعالى: {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ} من عذاب الله {وَلاَ نَاصِرٍ} أي: ينصره، وهذا المشرك.
ثم أقسم فقال: {وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} أي بالمطر عاماً فعاماً {وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} أي: بالنبات {إِنَّهُ} يعني القرآن {لَقَوْلٌ فَصْلٌ} أي لقول حق {وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} أي: بالكذب وقال مجاهد: بالعبث.
ثم قال: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً} يعني المشركين، يكيدون بالنبي عليه السلام، وذلك لما اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي عليه السلام، وهو قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] قال تعالى: {وَأَكِيدُ كَيْداً} أي: أعذبهم في الدنيا والآخرة، فعذّبهم يوم بدر بالسيف، ويعذب كفار آخر هذه الأمة بالنفخة الأولى، ولهم عذاب النار في الآخرة. قال تعالى: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} أي: قليلا. وهذا وعيد في تفسير الكلبي. وقال قتادة، قليلاً، {أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} أي: ليوم بدر. (4/495)
صفحة 2032
تفسير سورة سبح اسم ربك، وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} أي: صل لربك الأعلى {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} أي: قدره في خلقه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظماً، ثم لحماً، ثم شعَراً، ثم نفخ فيه الروح. قال (فَهَدَى) أي فبيّن له سبيل الهدى وسبيل الضلالة في تفسير الحسن. وبعضهم يقولُ (قَدَّرَ فَهَدَى) أي: علَّم الذكر كيف يأتي الأنثى.
{وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} أي: اكلأ {فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَى} وفيها تقديم؛ أي جعله أحوى غثاء. والغثاء: المهشم اليابس، كقوله تعالى: {فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} [الكهف: 45] أي صار هشيماً بعد أن كان أخضر. والأحوى عند الحسن: الأسود من شدة الخضرة.
قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه القرآن يجعل يقرأه ويذيب فيه نفسه مخافة أن ينساه. وهو قوله عز وجل: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 16 - 17] أي: نحن نحفظه عليك. وقوله في هذه الآية: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ} هو كقوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ} [البقرة: 106] أي: ينسيها الله نبيَّه عليه السلام. (4/496)
صفحة 2033
قال تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ} أي العلانية {وَمَا يَخْفَى} أي: السر.
قال تعالى: {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} أي: لعمل الجنة. {فَذَكِّرِ} أي: بالقرآن {إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى} أي: إنما ينتفع بالتذكرة من يقبلها.
قال تعالى: {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى} أي: من يخشى الله تعالى {وَيَتَجَنَّبُهَا} أي: يتجنب التذكرة {الأَشْقَى} أي: المشرك والمنافق {الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى}، وهي نار جهنم، والصغرى نار الدنيا، كقوله: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} [الواقعة: 73] أي من النار الكبرى. قال: {ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى} أي: ثم لا يموت فيها فيستريح، ولا يحيا حياة تنفعه.
قال عز وجل: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى} أي من آمن {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} وكانت الصلاة يومئذ ركعتين غدوة وركعتين عشية. وقال بعضهم: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى} أي زكاة الفطر {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} أي: صلاة العيد أي: أدّى زكاة الفطر قبل أن يخرج إلى المصلَّى.
ذكروا عن عمر بن عبد العزيز. ذكر بعضهم قال: كان صوم رمضان وأداء زكاة الفطر بعده بالمدينة، ولكن في القرآن أشياء نزلت بما يكون حتى تبلغ حدها ثم يعمل بها.
قال: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} وهي تقرأ على وجهين: {تُوثِرُونَ} {وَيُؤثِرُونَ} فمن قرأها {تُؤثِرُونَ} يقولها للمشركين، أي: تزعمون أن الدنيا باقية وأن الآخرة لا تكون. ومن قرأها {تَؤثِرُونَ} فهو يقول للنبي عليه السلام: {بَلْ يُؤثِرُونَ}، يعني المشركين الحياة الدنيا. {والآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} أي: هي خير من الدنيا؛ الدنيا لا تبقى والآخرة باقية، يعني بهذا الجنة.
قال تعالى: {إِنَّ هَذَا} تفسير الحسن: يعني القرآن {لَفِي الصُّحْفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسَى} تفسير بعضهم: فيها أن الآخرة خير من الدنيا وأبقى لكم. (4/497)
صفحة 2034
تفسير سورة الغاشية وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} تفسير الحسن: الغاشية: القيامة تغشى الناس بعذابها وعقابها. وتفسير الكلبي: الغاشية غاشية النار.
قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} أي: ذليلة، يعني وجوه أهل النار. {تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً} أي: حارة. كقوله عز وجل: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ} [الرحمن: 44]؛ فهم في عناء وفي معالجة السلاسل والأغلال. وكان ابن عباس يقرأ هذه الآية في حم {إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ} [غافر: 71] وكان يقول: إذا سحبوها فهو أشد عليهم.
قال تعالى: {تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} قال الحسن: أنى حرها فاجتمع. قد أوقد عليها منذ خلق الله السماوات والأرض. وقال بعضهم: الآنى الذي قد انتهى حره. وقال مجاهد: بلغ أناها وحان شربها.
وقال تعالى: {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ}. تفسير مجاهد: الضريع: اليابس. وقال الكلبي: هو الشبرق الذي ينبت في الربيع تأكله الإِبل أخضر؛ فإذا كان في الصيف يبس فلم تذقه، يدعى بلسان قريش الضريع؛ فإذا كان عليه ورقه فهو الشبرق، وإذا تساقط عليه ورقه فهو الضريع. (4/498)
صفحة 2035
قال عز وجل: {لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ} وبلغنا عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يسلط على أهل النار الجوع حتى يعدل جوعهم ما بهم من العذاب. قال فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة.
قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ} فهؤلاء أهل الجنة. {لِّسَعْيِهَا} أي: لعملها {رَاضِيَةٌ} أي: لثواب عملها راضية. أي: أثيب عليه الجنة على قدرِ أعمالهم.
قال تعالى: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} أي في السماء. قال تعالى: {لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً} أي لغوا، يعني باللغو الباطل. ويقال الحَلِف. وتفسير الحسن المعصية.
قال تعالى: {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} وهي جماعة العيون، وهي الأنهار. {فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ} قال بعضهم: لو هوى شيء من أعلاها لهوى مائة خريف. قال تعالى: {وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ} والأكواب واحدها كوب، وهو المدوّر القصير العنق، القصير العروة.
قال: {وَنَمَارِقُ مَصْفُوقَةٌ} وهي الوسائد {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} أي: مبسوطة. بلغنا أنها منسوجة بالدر والياقوت، وحشوها فيما ذكر بعضهم مسك وزعفران وألوان الأنوار مما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
قال تعالى: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}. وقال بعضهم: هي السحاب. {وَإِلَى السَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ} أي: بَينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام. (4/499)
صفحة 2036
قال تعالى: {وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} يقول: أفلا ينظرون إلى هذا فيعلمون أن الذي خلق هذه الأشياء قادر على أن يبعثهم يوم القيامة.
قال تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} حتى تكرههم على الإِيمان. وبعضهم يقول: لست عليهم بمسلط. وتفسير مجاهد: لست عليهم بجبار. وقال الحسن: لست عليهم بمسيطر حتى تكرههم على الإِيمان.
قال: {إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ} تفسير الحسن: إلا من كفر بربه، أي فلست له بمذكر لأنه لا يقبل التذكرة.
وقال الحسن: {إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ} فكِلْه إلى الله، وكان هذا قبل أن يؤمر بقتالهم وقد أمر بقتالهم بعد هذا؛ ولكن ليس عليه أن يهديهم ولكن الله يهدي من يشاء.
قال تعالى: {فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ} أي: جهنم. يعني بالذي تولى المنافق، وبالذي كفر المشرك، فيعذبه الله العذاب الأكبر. {إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ} أي: رجوعهم، يعني البعث، {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم}. (4/500)
صفحة 2037
تفسير سورة الفجر، وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَالْفَجْرِ} يعني الصبح {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} يعني عشر ذي الحجة، أياما عظمها الله {وَالشَّفْعِ وَالوَتْرِ}. قال بعضهم: الشفع الخلق، والوتر الله. ذكروا عن عمر بن حصين أنه قال: إن من الصلاة شفعا ومنها وترا. وتفسير الحسن: العدد كله منه الشفع ومنه الوتر، يعني بالشفع الاثنين، وبالوتر الواحد.
قال تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} أي: إذا ذهب، وهذا كله قسم. ثم قال: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ} أي: لذي عقل ولب. أي: فيه قسم لذي عقل. وقال مجاهد: لذي نُهًى، وهو المؤمن. [وجواب القسم: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}].
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ}. وهذا على وجه الخبر؛ أي: أهلكهم حين كذبوا رسولهم. وإرم هي من صفة عاد. وتفسيرالحسن: إن لعاد اسمين: عاد وإرم. [وتفسر بعضهم: إرم قبيلة من عاد].
قال تعالى: {ذَاتِ الْعِمَادِ}. قال: كانوا أصحاب عمود. وتفسير الحسن: ذات البناء الرفيع. وقيل: يعني ذات الطول. تقول العرب للرجل الطويل: المُعْمَد. {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ} يعني عادا في طول أجسامهم.
قال: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ} أي: الذين نقبوا الصخر (4/501)
صفحة 2038
بالوادي. جابوه، أي: نقبوه فجعلوه بيوتاً. كقوله تعالى: {وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ} [الحجر: 82] و {بُيُوتاً فَارِهِينَ} [الشعراء: 149].
قال تعالى: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ} أي وكيف فعل ربك بفرعون ذي الأَوتاد، أهلكه الله بالغرق. وكان إذا غضب على أحد أوتد له في الأرض أربعة أوتاد على يديه ورجليه، ولذلك سمي ذا الأوتاد.
قال تعالى: {الَّذِينَ طَغَوْاْ فِي الْبِلاَدِ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} أي: لوناً من العذاب فأهلكهم.
{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} بلغنا. والله أعلم أن على جسر جهنم سبع محابس: أولها يسأل العبد عن الإِيمان فإن تم إيمانه جاز، والثاني يسأل عن الصلاة، فإن أقامها جاز، والثالث يسأل عن الزكاة، فإن أداها جاز، والرابع، يسأل عن صوم رمضان فإن كان صامه جاز، والخامس عن الحج، فإن كان أداه جاز، والسادس عن العمرة فإن كان أداها جاز، والسابع عن المظالم، فإن لم يكن ظلم أحداً جاز.
قال تعالى: {فَأَمَّا الإِنسَانُ} وهذا المشرك {إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ} أي: وسّع عليه من الدنيا {فَيَقُولُ رَبِّيَ أَكْرَمَنِ} أي فضّلني {وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} أي: ضيّق عليه رزقه {فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلاَّ} قال الحسن: أكذبهما الله جميعاً بقوله: (كَلاَّ) أي: لا بالغنى أكرمت ولا بالفقر أهنت.
ثم قال: {بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}. وهي تقرأ على وجهين: تكرمون ويكرمون. فمن قرأها بالياء فهو يقول للنبي عليه السلام، ومن قرأها بالتاء فهو يقول للمشركين، يقول لهم كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين لأن المشركين قالوا {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللهُ أَطْعَمَهُ} [يس: 47]. (4/502)
صفحة 2039
قال تعالى: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ} أي: الميراث {أَكْلاً لَّمّاً} أي: أكلا شديداً قال الحسن: (لَمَّا) أي لا تبالون من حلال أو حرام. {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً} أي: كثيراً.
قال تعالى: {كَلاَّ إِذِا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً} أي: سوّيت بالجبال فذهبت الجبال وصارت الأرض مستوية.
قال تعالى: {وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} أي: جاء أمر ربك والملك، وهم جماعة الملائكة، أي بأمره وبالملائكة صفا صفا، لا كما زعمت المشبهة أعداء الله أن ربهم يذهب ويجيء، لأن الله ليس بزائل ولا متنقل.
عن ابن عباس عن عائشة رضي الله عنهما أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة قوم يضاهون الرب» قالت: فقلت: بأبي أنت وأمي، كيف يضاهون الرب؟ قال: «يشبهون الله بخلقه يشبهون بذلك قول اليهود حيث زعموا أن الله على صورة آدم». قوله تعالى: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} قال: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ} أي: يتوب الإِنسان، يعني المشرك والمنافقون {وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} أي: وكيف له التوبة، أي: لا تقبل توبته يوم القيامة. (4/503)
صفحة 2040
قوله تعالى: {يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ} أي: في الدنيا {لِحَيَاتِي} يعني بعد الموت، التي فيها خيرها وشرها. يتمنى لو آمن في الدنيا فيحيا في الجنة. كقوله تعالى: {وَإِنَّ الَّدَارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت: 64] أي الجنة.
قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ} أي: عذاب المشرك أحد وهي تقرأ على وجهين: لا يعذَّب. فمن قرأها: لا يعذَّب عذابه أحد، فهو يقوله: لا يعذَّب عذابَ المشرك أحد، وهذا الحرف يذكر عن النبي عليه السلام. ومن قرأه: لا يعذِّب فهو يقول: لا يعذِّب عذابَ الله أحد. {وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} أي: وثاق المشرك. [وقيل لا يوثق وثاق الله أحد].
قال تعالى: {يَآ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} وهذا المؤمن، نفسه مطمئنة راضية بثواب الله. وتفسير مجاهد: (المُطْمَئِنَّةُ) أي: المحببة إلى الله، وهي في حرف أبي ابن كعب: {يَآ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الآمِنَةُ المُطْمَئِنَّةُ} {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً} أي قد رضيت الثواب. {مَّرْضِيَّةً} أي: قد رضيَ عنك {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} هذا حين يرجع الروح إلى الجسد يوم القيامة {وَادْخُلِي جَنَّتِي} وتفسير الحسن: فادخلي في عبادي الصالحين وادخلي جنتي. (4/504)
صفحة 2041
تفسير سورة لا أقسم بهذا البلد، وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} يعني مكة. و {لاَ أُقْسِمُ} وَأقسم واحد إذا أردت القسم.
قال تعالى: {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} يعني مكة. وهذا حين أُحِلّت للنبي عليه السلام ساعة من النهار يوم الفتح. قال النبي عليه السلام: إنما أحلّت لي ساعة من نهار. وتفسير الحسن: أي: لا تواخذ بما فعلت فيه، يعني مكة، أي: ليس عليك فيه ما على الناس.
قال عز وجل: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} أي: آدم وما ولد. وهذا كله قسم من أول السورة إلى هذا الموضع.
قال عز وجل: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} أي في انتصاب. وقيل: في شدة وذلك أن الخلق كلهم منكب إلا ابن آدم. وقال بعضهم: يكابد الدنيا حتى يموت، أي: يكابد عمل الدنيا والآخرة حتى يموت، فإن كان مؤمناً كابد أيضاً عمل الآخرة. (4/505)
صفحة 2042
قال عز وجل: {أَيَحْسَبُ} الإِنسان، وهذا على الاستفهام {أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} أي أن لن يقدر عليه الله، وهذا المشرك يحسب أن لن يبعثه الله بعد الموت. قال عز وجل: {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً} أي: مالاً كثيراً، أي: أتلفت وأكلت مالاً كثيراً فمن ذا الذي يحاسبني.
قال الله: {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ} أي أن لم يره الله، أي: حين أهلك ذلك المال. أي: بلى، قد علمه الله.
ثم قال عز وجل: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ} أي: ألم يعلم أن الله جعل له عينين {وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ} أي: فالذي جعل ذلك قادر على أن يبعثه فيحاسبه.
قال عز وجل: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} أي: بصرناه الطريقين: طريق الهدى وطريق الضلالة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنهما النجدان: نجد الخير ونجد الشر فما يجعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير».
قال عز وجل: {فَلاَ اقْتَحَمَ العَقَبَة} أي: لم يقتحم العقبة. [وهذا خبر، أي: إنه لم يفعل]. قال الحسن: عقبة الله شديدة؛ يريد الرجل أن يحاسب نفسه وهواه وعدوه الشيطان. قال الكلبي: هي عقبة على جسر جهنم، من أعتق رقبة مؤمنة وهو مؤمن جازها.
ثم قال عز وجل: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ} يقول للنبي عليه السلام: {وَمَآ أَدْرَاكَ} على الاستفهام، يعني أنك لم تكن تدري حتى أعلمتك ما العقبة.
{فَكُّ رَقَبَةٍ} أي: عتق رقبة من الرّق. وهي تقرأ {فَكُّ رَقَبَةٍ} [بالرفع وبالنصب (4/506)
صفحة 2043
فمن قرأها بالرفع: فكُّ فعلى أنه مصدر، ومن قرأها بالفتح فعلى أنه فعل ماض] قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اعتق رقبة فهو فكاكه من النار».
قال عز وجل: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} أي ذي مجاعة، أي يوم جوع.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لم يحب عبداً كما أحب عبداً برد كبداً جائعة».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أطعم مؤمناً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مسلماً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم، ومن كسا مسلماً على عراء كساه الله يوم القيامة من حلل الجنة».
قال عز وجل: {يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ} أي أطعم يتيماً ذا مقربة، أي: ذا قرابة منه. {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} أي لاصقاً بالتراب من الحاجة في تفسير الحسن. وقال عطاء هو المطروح في الطريق الضائع الذي لا أحد له. وقال بعضهم: هو المسكين الذي خرج يسأل ولا يعطى شيئاً فيرجع إلى بيته ترب اليدين.
قال الحسن: وقد علم الله أقواماً يفعلون هذا الذي ذكر، لا يريدون الله به، ليسوا بمؤمنين فاشترط فقال تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} أي: الذي فعل هذا من الذين آمنوا كقوله عز وجل: {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [الإِسراء: 19]. (4/507)
صفحة 2044
قال عز وجل: {وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ} أي: على ما أمرهم الله به وعما نهاهم عنه {وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ} أي: بالتراحم فيما بينهم.
قال عز وجل: {أُوْلَئِكَ} أي: الذين هذه صفتهم {أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} أي: الميامين على أنفسهم، وهم أهل الجنة.
قال عز وجل: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ} أي: الشؤم، وهم المشائيم على أنفسهم، وهم أهل النار. قال عز وجل: {عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ} أي: مطبقة، فنعوذ بالله منها. (4/508)
صفحة 2045
تفسير سورة {وَالشَّمْسِ} وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} أي: وضوئها، وبعضهم يقول: وحرها. {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا} أي: إذا تبعها. أي إذا تبع الشمسَ صبيحة الهلال.
قال عز وجل: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا} أي جلى ظلمة الليل فأذهبها. والليل والنهار يختلفان والنهار يذهب بظلمة تلك الليلة. وقال مجاهد: إذا جلاها أي: إذا أضاء.
قال عز وجل: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} أي: إذا غشى الشمس فأذهبها. {وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا} أي والذي بناها، أقسم بالسماء وبنفسه، قال: {وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} أي بسطها: أقسم بها وبنفسه. {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} أي والذي سواها، يعني نفسه، أقسم بالنفس التي خلقها فسواها وبنفسه. قال عز وجل: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} أي: بيّن الله لها الفجور والتقوى، وهو سبيل الهدى وسبيل الضلالة. {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [أي من زكى الله نفسه فهداها] {وَقَدْ خَابَ مَن (4/509)
صفحة 2046
دَسَّاهَا} أي وقد خاب من دسى الله نفسه، أي أشقاها الله بفعلها. وهذا كله قسم من أول السورة إلى هذا الموضع.
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ} على هذا وقع القسم. وقوله بطغواها، أي بطغيانها، أي: بشركها، وتكذيبها رسلها بما جاء به من عند الله. وتفسير مجاهد: بمعصيتها، وهو واحد.
قال عز وجل: {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} وهو أحمر ثمود الذي عقر الناقة، وقد فسرنا أمرها وعقرهم إياها في غير هذا الموضع. {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ} يعني صالحا {نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا} أي: اتقوا ناقة الله ولا تمسوها بسوء، واتقوا سقياها، أي شربها، لا تمنعوها منه؛ كانت تشربه يوماً ويشربونه يوماً.
قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ} يعني صالحاً {فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ} أي حرّك بهم الأرض فأهلكهم بذنبهم {فَسَوَّاهَا} أي: بالعقوبة. {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا} أي: لا يخاف الله تباعة، أي: لا يُتَبع بذلك كقوله تعالى: {ثُمَّ لاَ َتَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً} [الإِسراء: 69] أي: يتبعها بذلك لكم. وبعضهم يقول: فلا يخاف الذي عقر الناقة، حين عقرها، عقباها. أي: لم يخف أن يصيبه العقاب. وفيها في هذا التفسير تقديم؛ يقول: إذ انبعث أشقاها فلا يخاف عقباها. لا حول عن معاصي الله إلا بعصمة من الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله. (4/510)
صفحة 2047
تفسير سورة والليل إذا يغشى وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} أي: غشى النهار وأذهب ضوءه. {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} أي إذا ظهر الليل فأذهب ظلمته.
قال تعالى: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} أي: والذي خلق الذكر والأنثى يعني نفسه، وهذا كله قسم. {إِنَّ سَعْيَكُمْ} يعني سعي المؤمن وسعي الكافر، أي عملهما {لَشَتَّى} أي: لمختلف.
قال عز وجل: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} أي: بالثواب، وهي الجنة {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} أي لعمل أهل الجنة. {وَأَمَّا مَن بَخِلَ} أي: بما عنده أن يتقرب به إلى ربه {وَاسْتَغْنَى} أي: عن ربه {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} أي بالثواب وهي الجنة {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} أي: لعمل النار، أي ببخله وتكذيبه.
ذكروا عن جندب بن عبد الله قال: لا فقر بعد الجنة، ولا غنى بعد النار؛ إن النار لا يُفدى أسيرها، ولا يَستغنِي فقيرها.
قال عزّ وجل: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} أي: في القبر إذا مات. وقال بعضهم: إذا تردّى في النار، إذا هوى فيها. (4/511)
صفحة 2048
قال تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} أي: تبيين سبيل الهدى وسبيل الضلالة. قال تعالى: {وَإِنَّ لَنَا للأَخِرَةَ وَالأُولَى} أي: الدنيا.
قال: {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى} أي تتأجج {لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} يعني بالذي كذب المشرك، وبالذي تولى المنافق، أي: توليا عن طاعة الله.
قال عز وجل: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} أي: يتقرّب به إلى الله في تفسير الحسن. وهذا تطوّع. بلغنا أنها نزلت في أبي بكر الصديق حين أعتق بلالاً وخمسة معه.
قال عز وجل: {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى} أي ليس يفعل ذلك لنعمة يجزيها أحد فعلها به {إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى} أي: ليس يفعل ذلك إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى {وَلَسَوْفَ يَرْضَى} أي: الثواب في الجنة. (4/512)
صفحة 2049
تفسير سورة والضحى، وهي مكية كلها.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {وَالضُّحَى} أي: ضحى النهار، يعني ضوءه، وبعضهم يقول: أول ساعة من النهار. {وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى} أي: إذا أظلم، وهذا قسم.
{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} وهي تقرأ على وجهين: (مَا وَدَّعَكَ) مثقلة، و (وَدَعَكَ) مخففة، أي: ما تركك. وذلك أن جبريل أبطأ عن النبي عليه السلام بالوحي، فقال المشركون: ودعه ربه وأبغضه. فمن قرأها مثقلة، فهو يقول: لم يودّعك ربك فيكون آخر الفراغ من الوحي. ومن قرأها بالتخفيف فهو يقول: ما تركك ربك، أي من أن ينزل عليك الوحي قال: {وَمَا قَلَى} أي: وما أبغضك.
{وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى} أي: من الدنيا {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ} أي: في الجنة {فَتَرْضَى}.
{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى}. [قال ابن عباس يقول: وجدك يتيماً عند أبي طالب فآواك إلى خديجة].
قال تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَآلاً فَهَدَى} وهو قوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ (4/513)
صفحة 2050
أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ} [الشورى: 52]. وكقوله عزّ وجل: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: 3].
قال عز وجل: {وَوَجَدَكَ عَآئِلاً} أي: فقيراً {فَأَغْنَى}.
قال عز وجل: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ} أي: لا تقهره فتمنعه حقه الذي أمر الله به. وقال بعضهم: فلا تشتدّ به.
قال عز وجل: {وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} [أي: فلا تنهره؛ إمّا أعطيته وإِمّا رددته ردّاً ليّناً].
ذكروا أن رجلاً شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قساوة قلبه فقال له عليه السلام: إن أردت أن يلين قلبك فامسح رأس اليتيم وأطعم المساكين.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من عال يتيماً من أبوين مسلمين حتى يستغني وجبت له الجنة».
قال عز وجل: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} بينكم بنعم ربك. (4/514)
صفحة 2051
تفسير سورة ألم نشرح، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فشق نحري إلى كذا وكذا. قال: إلى أسفل بطني واستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب فيه من ماء زمزم، ثم كُنِز، أو قال حُشِي إِيماناً وحكمة ثم أعيد مكانه» وتفسير الحسن: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}، أي: بالإِيمان.
قال عز وجل: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} والوزر الحمل، وهو الذنوب التي كانت عليه في الجاهلية {الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ} أي: أثقل ظهرك.
قال عز وجل: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} أي: بالنبوة، أي: إنك تذكر معي إذا ذكرت في الآذان والإِقامة والخطب. نزلت هذه الآية قبل الآذان والإِقامة حتى إذا جاء الوقت الذي فيه الوقت. (4/515)
صفحة 2052
قال تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبعض أصحابه: «لن يغلب عسر يسرين».
قوله عز وجل: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ} تفسير الحسن: فإذا فرغت من قتال أعدائك فانصب إلى ربك في العبادة. قال: أمره الله أن لا يؤثر شيئاً من أمر الدنيا على شيء من أمر الآخرة؛ والله أعلم كيف كان تفسير الحسن هذه الآية. وقال الكلبي: فإذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء.
قال عز وجل: {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب} أي: فتضرّع بالدعاء. ذكروا أن أبا الدرداء قال: من أكثر قرع الباب يوشك أن يُفتح له؛ يعني الدعاء.
وكان بعض الفقهاء يعجبهم أن يدعو في الصلاة المكتوبة بدعاء في كتاب الله. وقال بعضهم: السنة أن القرآن في الصلاة في القيام، والتسبيح في الركوع والسجود، والدعاء في الجلوس. (4/516)
صفحة 2053
تفسير سورة التين، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} قال بعضهم: التين جبل دمشق، والزيتون جبل بيت المقدس. وقال الكلبي: تينكم هذا وزيتونكم هذا.
قوله عز وجل: {وَطُورِ سِنِينَ} الطور: الجبل، و (سِنِينَ): الحسن. أي: الجبل الحسن. وقال مجاهد: (سِنِينَ): المبارك. وقال الحسن: هو الجبل الذي نادى الله منه موسى.
قال عز وجل: {وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} أي: الآمن، أي: الحرام يعني مكة. يقول: إنكم تأمنون فيه من القتل والسباء، والعرب يقتل بعضهم بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، وأنتم آمنون من ذلك. وكان هذا قبل أن يؤمر النبي عليه السلام بقتل المشركين، ثم أمر بقتالهم بالمدينة.
قال عز وجل: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} أي: في أحسن صورة وقال مجاهد: في أحسن الخلق. أقسم بهذا كله من أول السورة إلى هذا الموضع.
قال تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} أي: جهنم، ويعني بالإِنسان ها هنا المشرك. وقال بعضهم: {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} أي: الشباب، {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} يعني الهرم. وقال الكلبي: {أَسْفَلَ سَافِلِينَ} أي: الهرم، يعني مثل قوله: {وَمَن (4/517)
صفحة 2054
نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ} [يس: 68]، فيصير مثل الصبي الذي لا يعقل شيئاً.
قال تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} استثنى من آمن [وعمل صالحاً] {فَلَهُمْ أَجْرٌ} أي ثواب {غَيْرُ مَمْنُونٍ} أي: غير محسوب، في تفسير مجاهد، وهو الجنة. وقال الحسن: غير ممنون عليهم منّ أذى.
قال عز وجل: {فَمَا يُكَذِّبُكَ} تفسير الكلبي: إنه يقول للمشرك: فما يكذبك أيها الإِنسان {بَعْدُ بِالدِّينِ} أي: بالحساب يوم القيامة.
قال عز وجل: {أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قرأ أحدكم فبلغ والتين والزيتون، فإذا أتى على آخرها فليقل: بلى.» (4/518)
صفحة 2055
تفسير سورة اقرأ باسم ربك، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} هذا أول ما كلم جبريل النبي عليه السلام حين تبدّى له. قال له: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. . .} إلى قوله: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}. ذكروا أن هذه السورة أول سورة نزلت على محمد عليه السلام.
قال تعالى: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} وهو الكتاب بالقلم. {عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}.
قال تعالى: {كَلاَّ} [قال الحسن: معناها حقاً] {إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى}. قال بعضهم: هو أبو جهل بن هشام. وتفسير الكلبي: {لَيَطْغَى أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى} يعني ليرتفع من منزلة إلى منزلة.
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن لابن آدم واديين ملئاً مالاً لابتغى إليهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. ثم يتوب الله على من تاب». (4/519)
صفحة 2056
قال تعالى: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} أي: المرجع يوم القيامة.
قال الله عز وجل: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى} نزلت في أبي جهل؛ كان ينهى النبي عليه السلام عن الصلاة {أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى} يعني النبي عليه السلام؛ أي: إن محمداً على الهدى {أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى} وهو محمد عليه السلام أمر العباد بطاعة الله. {أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى} يعني أبا جهل، كذب بكتاب الله وتولى عن طاعة الله، أي: قد كذب وتولّى. قال عز وجل: {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللهَ يَرَى} أي: يرى عمله.
{كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ} يعني أبا جهل، عن كفره وتكذيبه {لَنَسْفَعاً} أي: لنأخذن {بِالنَّاصِيَةِ} اي: ليجرّن بالناصية، أي: ناصية أبي جهل، أي تجره الملائكة بناصيته، تجمع بين ناصيته وقدميه من خلفه فتلقيه في النار. وهو مثل قوله تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ} [الرحمن: 41] قال عز وجل: {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} وهي ناصية أبي جهل، وهو الكاذب الخاطىء المشرك.
{فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} أي فليدع أبو جهل إذا دعونا بالزبانية، خزنة جهنم فجروا بناصيته إلى النار، فليدع حينئذ ناديه. قال بعضهم: عشيرته. وقال الحسن: جلساءه، أي: فليمنعوه من ذلك.
قال تعالى: {كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ} أي: لا تطع أبا جهل فيما يأمرك به، يقوله للنبي عليه السلام. {وَاسْجُدْ} أي: وصل لربك {وَاقْتَرِبْ} وهو الدنوّ. أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا كان ساجداً. ذكروا عن كعب قال: إن أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا كان ساجداً، واغتنموا الدعاء عند نزول المطر. وقال الحسن: أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا كان ساجداً ثم تلا هذه الآية: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}. (4/520)
صفحة 2057
تفسير سورة القدر وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ذكروا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل القرآن ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة وجعل بعد ذلك ينزل نجوماً: ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات وأقل من ذلك وأكثر؛ ثم تلا هذه الآية: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة: 75].
قال تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [تفسير ابن عباس: العمل في ليلة القدر خير في العمل من ألف شهر] لا توافق فيها ليلة القدر.
[ذكروا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان». (4/521)
صفحة 2058
يحيى عن فطر عن عبد الرحمن بن سابط قال: كان رسول الله صلى الله عليه السلام يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان ويشمر فيهن للصلاة].
قوله عز وجل: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم} أي: بأمر ربهم. والروح جبريل.
ذكروا عن أبي عبيدة قال: الملائكة في الأرض ليلة القدر أكثر من عدد الحصى.
قال عز وجل: {مِّن كُلِّ أَمْرٍ} [يعني بكل أمر].
{سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [يعني خير كلها إلى مطلع الفجر] وتفسير الكلبي: إن الملائكة تسلم على المؤمنين ليلة القدر إلى مطلع الفجر. (4/522)
صفحة 2059
تفسير سورة لم يكن وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} أي: ومن المشركين {مُنفَكِّينَ} أي: منتهين عن كفرهم {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ اللهِ} يعني محمداً عليه السلام {يَتْلُواْ صُحُفاً} يعني القرآن {مُّطَهَّرَةً} أي: من الشرك والكفر، كقوله تعالى: {فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 13 - 16] {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [أي: مستقيمة لا عوج فيها]، يعني التي جاءت بها الأنبياء، وهي من الصحف المطهرة التي عند الله.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «أي الخلائق أعجب إيماناً؟ قالوا: الملائكة. قال: الملائكة في السماء فما لهم لا يؤمنون. قال: أي الخلائق أعجب إيماناً؟ قالوا: النبيون. قال: النبيون ينزل عليهم الوحي فما لهم لا يؤمنون. قال: أي الخلائق أعجب إيماناً؟ قالوا: أصحابك. قال: أصحابي يرونني ويسمعون كلامي فما لهم لا يؤمنون. قال: أعجب الخلائق إيماناً قوم يأتون من بعدكم فيجدون كتاباً في رَق فيؤمنون به».
ذكروا عن عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». (4/523)
صفحة 2060
قال عز وجل: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} أي: إلا من بعد ما جاءهم البيان من الله.
قال عز وجل: {وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ} والحنيف في تفسير الحسن: المخلص. وتفسير الكلبي: الحنيف: المسلم. قال عز وجل: {وَيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} أي: دين الملة المستقيمة بأمر الله. رجع إلى قوله: {لِيَعْبُدُواْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ}.
قال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} يعني من كفر بما جاء به محمد عليه السلام من أهل الكتاب والمشركين {فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} أي: شرّ الخلق.
قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} أي: خير الخلق. [يحيى عن حماد عن أبي الزبير عن أبي هريرة قال: المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده] {جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي: لا يموتون ولا يخرجون منها {رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ} أي: بأعمالهم {وَرَضُواْ عَنْهُ} أي: ورضوا ثوابه {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}. (4/524)
صفحة 2061
تفسير سورة إذا زلزلت، وهي مدينة
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا} أي: تحركت من نوحيها كلها، وذلك يوم القيامة. قال تعالى: {وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا} أي: ألقت ما فيها من الأموات. كقوله عز وجل: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} [الانشقاق: 4] أي: تخلت منهم إلى الله. قال عز وجل: {وَقَالَ الإِنسَانُ} والإِنسان ها هنا المشرك. {مَا لَهَا} أي: ما لها تحركت.
قال الله: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} أي بما ألقت مما كان في بطنها من الأموات. قال عز وجل: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} أي: أمرها في تفسير مجاهد. أي أوحى لها أن تلقي ما في بطنها. وقال بعضهم: سألها.
قال عز وجل: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً} أي: من بين يدي الله مختلفين، بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار. {لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} أي: وزن ذرة {خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} أي وزن ذرة {شَرَّاً يَرَهُ} اي يراه في ميزانه فيسوءه ذلك. (4/525)
صفحة 2062
تفسير سورة والعاديات، وهي مكية كلها، وقيل إنها مدنية
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {وَالْعَادِيَاتِ} وهي الخيل في تفسير ابن عباس. وقال علي: هي الإِبل. قال عز وجل: {ضَبْحاً} وضبحها أنفاسها إذا جرت. قال: {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً} أي: تصيب الحجارة بحوافرها فتخرج منها النار. قال تعالى: {فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً}، قال الحسن: هي الخيل تغير على العدو إذا أصبحت.
[قال أنس بن مالك إن قوماً كان بينهم وبين النبي عليه السلام عهد فنقضوه، وهم أهل فدك. فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيله فصبحوهم، وهم الذين أنزل الله فيهم {وَالْعَادِيَاتِ ضبْحاً}].
قال عز وجل: {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً} أي تثير الغبار بحوافرها {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً} قال الحسن: تغير صبحاً فتتوسط العدو. وقال بعضهم: غداة جمعها وقال عكرمة {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً} قال: الأسنة في الحروب. وهذا كله قسم. (4/526)
صفحة 2063
{إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}. تفسير العامة: الكَنود. الكَفور، وهي بلسان ربيعة، الكَفور للنعمة، الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويجيع عبده، ولا يعطي النائبة في قومه.
وقال الحسن هو الذي يلوم ربه، ويستبطىء الإِجابة. وتفسير عمرو عن الحسن: إنه المشرك؛ وهو مثل قوله تعالى: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} [الفجر: 15 - 16].
قال عز وجل: {وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} أي: على كفره يوم القيامة. وقال الحسن: يشهد على نفسه أنه يلوم ربه. {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ} أي: المال {لَشَدِيدٌ} [أي لبخيل].
{أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ} أي: أخرج ما فيها من الأموات {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} أي ميّز، وهو مثل قوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ} [الطارق: 9] وحصل، أي: شق عما في الصدور {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} أي: لعالم. (4/527)
صفحة 2064
تفسير سورة القارعة، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ} يعظمها بذلك، وهي اسم من أسماء القيامة. قال تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} أي: كالفراش المبسوط في تفسير الحسن. وقال الكلبي: الذي يجول بعضه في بعض. وذكروا أقوالاً في الفراش: قال جماعة من العلماء: الفراش: الدَّبَى؛ شبه الناس به يوم القيامة، وقال بعضهم: الفراش هو ما تساقط في النار من البعوض، وهو قول الشاعر:
مثل الفراشة والمصباح لاح لها ... لم تستطع دونه خوفاً ولا خرقاً
قال تعالى: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} أي: كالصوف المنفوش، وهو أضعف الصوف [قال يحيى: وهي في قراءة ابن مسعود: كالصوف الأحمر المنفوش].
قال تعالى: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} وهو المؤمن، فإنما تثقل بالعمل الصالح {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أي معيشة راضية، أي: قدر رضيها، وهي الجنة {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} وهو المشرك والمنافق. وإنما تخف الموازين بالعمل السيء {فَأُمُّهُ هَاوِيَة} أي: فمسكنه هاوية. قال تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ} أي: حارة. (4/528)
صفحة 2065
تفسير سورة ألهاكم، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} أي: في الدنيا عن الآخرة، وهو التكاثر في المال والولد.
ذكروا عن مطرف بن عبد الله عن أبيه أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعه يقرأ هذه الآية: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} فقال: يقول ابن آدم مالي مالي. وما لك من مالك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت، وهو أنفع لو دريت.
ذكروا عن أبي الدرداء قال: إذا مات ابن آدم قالت الملائكة: ما قدّم، وقال بنو آدم: ما ترك.
قوله عز وجل: {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} أي: حتى متم. {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} وهذا وعيد بعد وعيد.
{كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} أي: إن علمكم ليس بعلم اليقين، يعني المشركين، وإن علم المؤمنين هو علم اليقين. (4/529)
صفحة 2066
{لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} أي: لتصيرن في علم المؤمنين إلى الجحيم، وهو علم اليقين بأنكم سترون الجحيم، أي النار. {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} أي: بالمعاينة {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}.
قال الحسن: قال الله تعالى: يا ابن آدم، طعام يقوتك، وثوب يواريك، وبيت يكنك، وما سوى ذلك حاسبتك به. (4/530)
صفحة 2067
تفسير سورة والعصر، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ} أي: عصر النهار، وهو ما بين زوال الشمس إلى الليل. وهو قسم. {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} أي: من الجنة. وقال بعضهم: لفي ضلال. ثم استثنى من الناس فقال: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ} أي: بالتوحيد {وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ} أي: على الفرائض. وبعضهم يقول: {بِالْحَقِّ} أي: بالله {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ} فإنهم ليسوا في خسر من الجنة، وهم أهل الجنة.
ذكروا أن رجلين من أصحاب النبي عليه السلام إذا التقيا فأراد أن يفترقا أخذ كل واحد منهما بيد صاحبه، ثم قرأ كل واحد منهما سورة والعصر إلى آخرها. (4/531)
صفحة 2068
تفسير سورة الهمزة، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} وهو الذي يطعن على الناس. بلغنا أنها نزلت في الأخنس بن شَريق. وقد نهى عن ذلك المؤمنون.
ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر في حديث ليلة أسري به قال: «مررت بأقوام تقطع لحومهم بدمائهم ويضفرونها ولهم جؤار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل فقال: هؤلاء الهمازون اللمازون؛» ثم تلا هذه الآية: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12].
قال عز وجل: {الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ} أي: وأحصى عدده. وهي تقرأ على وجهين بالتقيل والتخفيف. فمن قرأها بالتثقيل فهو يقول أحصى عدده، ومن قرأها بالتخفيف فهو يقول: أعدّه.
{يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} أي: يحسب أنه يخلد فيه حياتَه. كقول أحد الرجلين الكافر منهما لصاحبه في سورة الكهف: {مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً} [الكهف: 35] أي: أخلد فيها حتى الموت. والكافر يقر بالموت ويجحد البعث. (4/532)
صفحة 2069
قال: {كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ} أي: ليُرْمَيَنَّ بِهِ فِي الحُطَمَة، وهي اسم من أسماء جهنم، وجهنم كلها حطمة، تأكل لحومها وتحطم عظمامهم، تأكلهم وتأكل كل شيء منهم إلا الفؤاد، فتطبخ الفؤاد، ثم يُجدَّد خلقهم. ثم تأكلهم أيضاً، حتى تنتهي إلى الفؤاد.
قال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ} أي: تأكل كل شيء منهم حتى تنتهي إلى الفؤاد فتطبخ الفؤاد.
قال عز وجل: {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ} أي: مطبقة {فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ} أي: لها عمد هي ممدودة بها. وفي تفسير الحسن: قال الله في سورة الكهف: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29] أي: لها سرادق. والسرادق عمد دون عمد منه، يعني سقفها؛ فإذا مدت تلك العمد أطبقت على أهلها.
ذكروا عن عبد الله أنه قال: إذا قيل لهم: {اخْسَأُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108] انطبقت عليهم، وليس لهم فيها إلا الزفير والشهيق. (4/533)
صفحة 2070
تفسير سورة الفيل، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [اي: ألم تُخْبر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل] قال الحسن: هذا خبر أخبر الله به النبي عليه السلام، وذلك أن العرب، أهل الحرم، هدموا كنيسة للحبشة، وهم نصارى. فقال أبرهة بن الصباح: لنهدمن كعبة العرب كما هدموا بيتنا.
وكان أبرهة بن الصباح من أهل اليمن ملّكته الحبشة عليهم، فبعث بالفيل وجنوده، فجاء، حتى إذا انتهى إلى الحرم ألقى بجرانه فسقط. فوجهوه نحو منازلهم فذهب يسعى. قالو: فإذا وجهوه ألى الحرم ألقى بجرانه ولم يتحرك، وإذا وجه إلى منازلهم ذهب يسعى. قال بعضهم: إن أبا يسكوم الحبشي سار بالفيل إلى البيت ليهدمه، وذلك العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ} أي: الذي كادوا به لك {فِي تَضْلِيلٍ} أي: ضلالاً.
قال تعالى: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ} والأبابيل: الزمر، زمرة بعد زمرة في تفسير سعيد بن جبير. وتفسير الحسن: الأبابيل: الكثيرة. (4/534)
صفحة 2071
وذكر بعضهم أنه أخرج الله عليهم طيراً من البحر سوداً، طوال الأعناق، لها خراطيم يحمل كل طائر منها ثلاثة أحجار كهيئة الحمص، مكتوب فيها اسم صاحبها الذي يموت بها. ولم تُرَ تلك الطير قبل ذلك ولا تُرى بعد ذلك.
قال تعالى: {تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ} وهي بالفارسية؛ أولها حجر وآخرها طين. وقال في سورة الذاريات: {حِجَارَةً مِّن طِينٍ} [الذاريات: 33]. كان مع الطير منها ثلاثة أحجار، حجران في رجليه وحجر في فيه. وكان إذا وقع الحجر منها على الرجل سقط جلده. وكان ذلك في أول ما كان. ثم إن الله أرسل سيلاً فألقاهم في البحر.
وقال الكلبي: إن أبا يكسوم الحبشي سار بالفيل يريد الكعبة حى إذا كان بالحرم من قبل عرفات أرسل الله عليهم طيراً أبابيل، أي: متتابعة {تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ} أي: من طين. ذكر بعضهم أن أبا يكسوم هو الذي أرسل الفيل إلى البيت.
قال تعالى: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ}. قال الحسن: (العَصْفُ): سوق الزرع (وَالمَأْكُولُ) الذي خرقه الدود الذي يكون في البقل، وهو مثل. (4/535)
صفحة 2072
تفسير سورة قريش، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ وَالصَّيْفِ} وإيلافهم تعودهم رحلة الشتاء والصيف. وقال مجاهد: إيلافهم ذلك فلا يشق عليهم رحلة شتاء، ولا صيف.
وتفسير الكلبي: كانت قريش قد تعودت رحلتين فصليتين. إحداهما في الشتاء، والأخرى في الصيف للميرة، فمكثوا بذلك زماناً حتى اشتد العسر، ثم أخصبت تبالة وجرش. وهما على شاطىء البحر من اليمن؛ فحمل أهل الساحل إلى مكة في البحر، ثم حمل أهل اليمن على الإِبل. فنزل أهل الساحل بجدة، ونزل أهل اليمن بالمحصبة. فامتار أهل مكة على ما شاءوا، وكفاهم الله الرحلتين.
قال بعضهم: كانت رحلة الشتاء إلى اليمن لأنها حارة، وأخرى إلى الشام في الصيف لأنها باردة.
قال تعالى: {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ} وهو ما كان أصابهم من الشدة. {وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} وهو الأمن الذي كان فيه أهل الحرم، وأهل الجاهلية يقتل بعضهم بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً وهم آمنون مما فيه العرب. (4/536)
صفحة 2073
تفسير سورة أرأيت الذي، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {أَرَءَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} أي: بالحساب، وهو المشرك لا يقر بالبعث وبأن الله يدين الناس يوم القيامة بأعمالهم.
قال: {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} أي: يدفعه عن حقه {وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} وذلك أن المشركين كانوا يقولون: {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللهُ أَطْعَمَهُ} [يس: 47].
قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} وهم المنافقون {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ}. تفسير الحسن: هم المنافقون، إن صلوها لم يرجوا ثوابها، وإن تركوها لم يخشوا عقابها. وقال بعضهم: هم الذين يؤخرونها عن وقتها.
{الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ} تفسير عمرو عن الحسن. لا يصلونها في السر ويصلونها في العلانية يراءون بها المؤمنين. قال تعالى: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} والماعون الزكاة. [وتفسير بعضهم: القِدر والدلو والرحى والفاس وما أشبه ذلك]. (4/537)
صفحة 2074
تفسير سورة الكوثر، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما أنا في الجنة إذا أنا بنهر حافاته قباب اللؤلؤ المجوف فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا مسك أذفر. فقلت ما هذا يا جبريل، فقال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك».
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسري به قال: «انفجر لي من السلسبيل نهران نهر الرحمة ونهر الكوثر، فاغتسلت في نهر الرحمة فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأعطيت الكوثر فسلكته حتى انفجر بي في الجنة».
وقال مجاهد: الكوثر: الخير كله. وقال الحسن: الكوثر: القرآن. وقال عطاء: الكوثر حوض أعطاه الله النبي عليه السلام في الجنة.
ذكروا عن ثوبان، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الكوثر الذي تحدث عنه، فقال: «هو من أيلة إلى عمان، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً. أول الناس به وارداً فقراء المهاجرين، الشعث الرؤوس، الدنس الثياب، الذين تفتح لهم أبواب المتعات، الذين يعطون الذي عليهم ولا يعطون الذي لهم». (4/538)
صفحة 2075
قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} أي: صلاة العيد {وَانْحَرْ} أي: يوم النحر. قوله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ} أي: مبغضك {هُوَ الأَبْتَرُ} تفسير الحسن: تفسير الحسن: المنقطع به، أي: يقطع به أمره دون أن يبلغ فيه ما يأمل.
وقال الكلبي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المسجد والعاص بن وائل داخلٌ المسجدَ فالتقيا عند الباب فقالت قريش للعاص: من الذي استقبلك عند الباب؟ فقال: ذلك الأبتر؛ فقال الله: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ}. وقال الله للنبي عليه السلام: لا أُذكر حتى تذكر معي، وأما عدو الله العاص فهو أبتر من كل خير، فلا يذكر بخير. وقال بعضهم: نزلت في عمرو بن هشام. (4/539)
صفحة 2076
تفسير سورة الكافرين، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {قُلْ يَآ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} أي: من الأوثان {وَلآ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} أي: إنكم تعبدون الأوثان ولا تعبدون الله. {وَلآ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} أي من الأوثان. قال: {وَلآ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} أي: إنكم تعبدون الأوثان ولا تعبدون الله {لَكُمْ دِينُكُمْ} أي: الكفر {وَلِيَ دِينِ} أي: الإِسلام. (4/540)
صفحة 2077
تفسير سورة إذا جاء نصر الله، وهي مدينة كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} يعني فتح مكة. قال الحسن: لما فتح الله على رسوله مكة قالت العرب بعضهم لبعض: يا أيها القوم، ليس لكم بهؤلاء القوم يدان. فجعلوا يدخلون في دين الله أفواجاً أي: أمة أمة.
قال الله تعالى: {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}. قال الكلبي: {يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجاً} أي جماعات جماعات، فعند ذلك نعيت للنبي عليه السلام نفسُه. وذكر بعضهم أنه قرأ هذه السورة فقال: نعى إليه نفسُه. (4/541)
صفحة 2078
تفسير سورة تبّت يدا، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرِّحِيمِ} قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} أي: خسرت يدا أبي لهب {وَتبَّ} أي: وخسر. {مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} يعني ولده، أي: إذا صار إلى النار.
قال تعالى: {سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ}.
قال: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ}. قال الحسن: كانت تلقي العضاه على طريق النبي عليه السلام، فكأنما يطأ به كثيباً. وقال مجاهد: {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} يعني حمالة النميمة؛ [تمشي بالنميمة].
قال تعالى: {فِي جِيدِهَا} أي: في عنقها {حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ}. قال بعضهم: في عنقها قلادة فيها ودعات من مسد.
ذكروا أن رجلاً سأل النبي عليه السلام: وما المسد؟ قال: أما رأيتم الخيوط الصفر والحمر تنعقد فيها البرود اليمانية فإنها تجعلها في عنقها.
وقال ابن عباس: المسد: الحديد. وقال الكلبي: في عنقها سلسلة من حديد من نار ذرعها سبعون ذراعاً، وهي حبل من مسد. (4/542)
صفحة 2079
تفسير سورة الإِخلاص، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} أي: الواحد قال بعضهم: كان عبد الله بن مسعود يقرأها: قل هو الله الواحد.
قال: {اللهُ الصَّمَدُ} أي: الباقي. وتفسير بعضهم: الصمد: الذي قد انتهى في الشرف والسؤدد. وتفسير الكلبي: الذي لا يأكل ولا يشرب.
قال تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} أي: ولم يكن أحد كفؤاً له. وتفسير الكلبي: إن المشركين قالوا للنبي عليه السلام، وقال بعضهم: إنهم اليهود قالوا له: انسب لنا ربك وصفه لنا، فأنزل الله تعالى هذه السورة. (4/543)
صفحة 2080
تفسير سورة الفلق، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الفلق سجن في جهنم» وقال جابر بن عبد الله: الفلق فلق الصبح. وقال الحسن مثله، وكل شيء تفلق من الحب والنوى للنبات. {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} أي: ومن شر الليل إذا أطبق. قال بعضهم: عن ابن عباس في قوله تعالى: {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإِسراء: 78] أي اجتماع الليل وظلمته. ذكر ذلك داود بن حصين عن ابن عباس. وقال بعضهم: بدو الليل.
قال تعالى: {وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} وهن السواحر ينفثن في العقد للسحر.
قال تعالى: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} يحيى عن الحسن بن دينار عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غُمّوا هذا الحسد بينكم فإنه من الشيطان، وإنه ما من أحد إلا وهو يعرض له منه شيء، وإنه ليس بضائر عبداً لم يَعْدُ بلسان أو يد». (4/544)
صفحة 2081
تفسير سورة الناس، وهي مكية كلها
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} ذكر بعضهم قال: إن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله خنس.
قال تعالى: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به رجل ومعه امرأة من نسائه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا فلان، هذه فلانة. فقال الرجل: يا رسول الله، أفأظن بك هذا؟ أو كما قال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم».
قوله عز وجل: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} أي: من شر شياطين الجن والإِنس. ذكروا أن أبا ذر قام إلى الصلاة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، تعوّذ من شياطين الجن والإِنس. فقال أبو ذر: يا رسول الله، أو للإِنس شياطين كشياطين الجن؟ قال: (4/545)
صفحة 2082
نعم» قال بعضهم: بلغنا أن الشياطين توسوس إلى الجن من غير الشياطين كما توسوس إلى الناس. (4/546)
صفحة 2083
[الصفحات من 547 - 616 لم ترقن] (4/547)