صفحة 1
الكتاب: مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض " في رحاب القرآن " - سورة [24] النور
اختصار: الناصر بن محمد المرموري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] فِي رحَاب القُرآن
تفسير فضيلة الشيخ الإمام
بيوض إبراهيم بن عمر
رائد النهضة الإصلاحية بالجنوب الجزائري
نقله عن الشريط المسجل تلميذه : عيسى محمد الشيخ بالحاج
ولخصه وأخرجه تلميذه الشيخ: ناصر محمد مرموري
مقدمة
نحمدك يا من علمت بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد : فمن رحمة الله بعباده أن بعث في الأميين رسولا يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين . ذلك الكتاب هو القرآن الكريم دستورا الإسلام وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين . ذلك الكتاب هو القرآن الكريم دستور الإسلام ومصدر تشريعه الأول : من قال به رشد ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه إلى صراط مستقيم .
تحدى به فصحاء العرب ومصاقعهم فخضعت رقابهم لأسلوبه المعجز وبيانه الساحر وحكمته البالغة وما اشتمل عليه من أخبار الأولين وأحوال الآخرة فألقوا اليه السلم مذعنين . (1/1)
صفحة 2
فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم آياته ومعانيه وبين أحكامه وحكمة نزوله بأقواله وأفعاله وتقريراته وبسمته القويم وخلقه العظيم . وتعبدهم بتلاوته وحفظه وفهمه والعمل به والدعوة إليه فأخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم . فأصبح الحفاة العراة رعاء الشاء من عبدة الأصنام وأساري الخرافات والأوهام أمة مؤمنة عالمة تحمل مشعل الدين والحضارة إلى أطراف المعمور ، وتنهج سبيل الرحمة والعدل في وجه الأمم والشعوب ، فسارت دعوة الإسلام سير الضياء في الأبعاد ونشأ في مختلف أقطاره علماء كرسوا حياتهم لدراسة كتاب الله من سائر جوانبه ودراسة علومه دراسة عميقة لم تتح لعلم من العلوم كانت محل إعجاب من أمم العالم . اتخذوه عدتهم في الدعوة إلى الله وغرس العقيدة الإسلامية الصحيحة ونشر الفضيلة وحماية الأمة من المفاسد والشرور وتثبيتها على نهج الاستقامة فحافظوا على أصالتها رغم محاولة أعداء الإسلام طمس معالمها والقضاء على لغتها ومميزاتها فظلت مستمسكة باسلاميتها إلى أيامنا وستظل كذلك إن شاء الله حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوراثين . (1/2)
صفحة 3
ولقد أسهمت الجزائر بدورها في هذا الجهاد العلمي فظهرت فيها تفاسير أما في القديم فكتفسير الإمام عبد الرحمن بن رستم وتفسير أبي يعقوب يوسف الوارجلاني ( يقال أنهما في بعض مكاتب أوربا الكبرى ) وتفسير الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي ، وتفسير الشيخ عبد الرحمن الثعالبي ، وتفسير أحد علماء تلمسان القدامى على ما ذكره الشيخ البشير الإبراهيمي في بعض خطبه . وأما في العهد القريب فكان تفسير الشيخ أطفيش : هيمان الزاد أولا وتفسير التيسير ثانيا وتفسير داعي العمل ليوم الأمل ثالثا ، وكتفسير الشيخ لكلى الحاج عمر بن حمو أبرز تلاميذ القطب ورئيس مجلس عمى سعيد في عهده تقريرا لا تحريرا . درسه بأكمله في مسجد العطف ( ميزاب ) في مدة ثلاث وعشرين سنة . وقد أشار إليه الشيخ سليمان الباروني في ديوانه إذ يقول :
إلى العطف حركنا الركاب وعرجنا
على مجلس الذكر الحكيم وحاججنا
وكنا نرى علما تلاطم موجه
لدى الفجر فاستهوى النفوس فأهزجنا
وأما في عهدنا الأخير فكتفسير الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ( وقد احتفل بختامه احتفالا رائعا ) وتفسير الشيخ بيوض إبراهيم بن عمر المسجل غالبه الذي نحن بصدد تقديم صورة مصغرة منه . ويجدر بنا لهذه المناسبة أن نعرف بالشيخ بيوض وان في كلمة موجزة . فمن هو الشيخ بيوض ؟
إن صح أن المروءة هي مجموعة آداب نفسانية ومواهب إنسانية فالشيخ بيوض إذن مروءة تمشى على رجلين : حباه الله بشتى المواهب : حباه بعقل سليم ملهم يسعده في كل موقف ، وبعلم واسع لا تكدره الدلاء ولا يدرك غوره ، صاف معينه صفاء الشريعة عذب فراته عذوبة الحق والصدق .
وبحافظة قوية هي عدته في استحضار الحقائق وسلاحه في مقارعة خصوم الحق .
وبذكاء وقاد دقيق الملاحظة لا تفوته اللمحة ولا تند عنه شاردة . (1/3)
صفحة 4
وحاسة فنية هي معيار في تقييم الأشياء ومقارنته بين الأشياء والنظائر ولسان درب فصيح يستمد مدده من فيض الحكمة يقرنه المعنى البعيد بلفظ موجز ويستنزل الخصم العنيد من عليائه بأسلوب معجز .
وثبات على مبدأ الحق يفسره استمراره في ميدان العلم والإصلاح أكثر من ستين سنة لم يبدل ولم يتحول .
شجاعة أدبية تتجلى في التصريح بنظرياته والنضال دون آرائه رغم قساوة الظروف وبغي الاستعمار وخدام ركابه وتألب أسارى التقليد عليه طيلة حياته .
واخلاص تشرق أنواره على أعماله فتكسوها مسحة السداد وتطبعها بطابع الرشاد .
خصائص اجتمعت واتحدت ومواهب ائتلفت وتألفت في شخص الأستاذ الجليل فجعلت منه وحيد أمته وعبقري ميزاب في عهده .
سخر هذه المواهب وما أتاه الله من بصر بالقرآن وصبر على دراسته في تحصيل العلوم ونشرها بأسلوب بديع رفيع لم يعهده قبله في وسطه .
وقد أولى معظم مجهوده لكتاب الله فهما وافهاما وغوصا على درره وأسراره واستجلاء بدائعه وعرائسه ، وقد تأثر بأسلوب الشيخ محمد عبده وطريقته في التفسير وعمق فهمه لأسراره ومقاصده فسار على وتيرته وفسره هو بدوره تفسيرا حكيما يلائم مقتضيات العصر وحاجات المجتمع المسلم فأصلح العقيدة وطهر الأخلاق ونشر الفضيلة وحمى الأمة من الشرور والآفات وهدم صروح الظلم والفساد .
شارك في تأسيس جمعية العلماء المسلمين فكان أحد أعضاء ادارتها الأولى وحامل لوائها في الجنوب الجزائري كما شارك في الحكومة الانتقالية التي تسلمت مقاليد أمور الجزائر من فرنسا وسلمتها للأمة وله هذين المجالين وغيرهما مواقف مشرفة يحفظها له التاريخ. (1/4)
صفحة 5
شرع في دروس التفسير وهو مكتمل شبابه يفيض حيوية ويتدفق علما في غرة المحرم عام 1353ه الموافق لشهر مايو سنة 1935 م واستمر على إلقائها إلى أن بلغ سورة الإسراء عند قوله تعالى : - { ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر } هنالك ابتدي التسجيل وتواتر إلى أن كمل تفسير القرآن يوم الأربعاءء26ر بيع الأول عام 1400 هـ المافق ليوم 13 فيفري 1980 م .
وعسى أن تنتهز فرصة لإستعراض نماذج ناطقة من صوت المفسر نفسهويومئذ تتبين لنا قيمة الذخيرة التي استبقاها مفسرنا للأجيال بعده .
هذا ولم يكن جهاد الشيخ بيوض العلمي مقصورا على التفسير بل هو أحد دروسه اليومية كان يلقيها على طلبته الذين تعاقبوا عليه أفواجا أفواجا طيلة مدة تدريسه من قبيل 1920 إلى 1980 م أي أكثر من ستين سنة وقد ازدهر معهده من أواسط الثلاثينات إلى حدود الثورة الجزائرية ثم لا يزال . درس أثناءها الكتب الأتية : فتح الباري على صحيح البخاري في الحديث - - شرح طلعة الشمس في أصول الفقه - - كتاب النيل في فقه الإسلام - -مغني اللبيب في النحو - - دلائل الإعجاز في البلاغة - - أمالي القالي في الأدب - تهذيب التنقيح في المنطق - -عظة الناشيئين في الأخلاق إلى غيرها . وله في كل هذه الدروس جولات ومنها استنباطات وعليها استدراكات .
كان يلقيها عليهم بفصاحته المعهودة وتحليله المنطقي وأسلوبه الحكيم واخلاصه المشرق فأحدثت في نفوسهم ثورة أدبية عارمة وحيوية فياضة ووطنية صادقة فكان فيهم المؤلف والمصلح الإجتماعي والمربى والواعظ والكاتب والشاعر ، فارتفع المستوى الثقافي في الأمة وظهر أثره في حياتها وتأتي لمعهد الحياة أن يسهم في بناء الجزائر الحديثة بجيوش أبنائه الذين سدوا مختلف الثغور لا سيما في مجال الثقافة . (1/5)
صفحة 6
وزيادة على ذلك فقد سد ثغرة الإفتاء من فجر حياته العلمية : يفتى الناس بما يسعهم في دينهم مراعيا في افتائه يسر الإسلام وسماحته عملا بقوله (ص) - يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا - فكان مثالا للمفتى الحاذق ، العارف بأمراض المجتمع ، البصير بزمانه ، الواثق بصحة فهمه لأحكام الدين ، يصرح بها في جرأة لا يبالي انتقاد منتقد ما دام يستيقن أنه على حق وصواب . فكم من زوابع أثارها عليه أنصار التقليد فسكنت وأثبتت الأيام صدق آرائه وسداد ما ذهب إليه . وبالجملة فقد كان عهد الشيخ بيوض في ميزاب عهد يقظة وانبعاث في مختلف الميادين العامة .
فقد أثر بدروسه الرائعة وتوجيهاته الحكيمة في المجتمع الميزابي بأسره بل امتد اشعاعه إلى ما وراء ميزاب بما أشاع من ثقافة وأمدهم به من رجال العلم والعمل ونفخ فيهم روح الحياة والوطنية الحقة ، وصرخ فيهم صرخته الداوية إلى العلم والعمل فاستيقظ نائم وانتبه غافل وانبعث راكد فاقبلوا بصغارهم على معاهد العلموبكبارهم وشبابهم على ميادين الإقتصاد فاستطاعوابفضل هاتين الدعامتين: دعامة العلم ودعامة المال أن يؤسسوا المدارس وينشئوا الجمعيات لإحتضانهاونظموا من جهة أخرى تجارتهم وتطوروا بها في هذا العهد الأخير إلى معامل انتاجية استطاعوا أن يسهموا بها في نهضة الجزائر الإقتصادية .
هذا ورغم تقدمه في السن وتحالف الأمراض عليه فإن شخصيته لا تنفك تحدو قافلة الأمة وصيته لا يزال ذائعا في الأوساط العلمية الإسلامية داخل الجزائر وخارجها أطال الله بقاءه للدين والأمة وأجزل مثوبته على جهاده المديد المرير إنه نعم المولى ونعم النصير. (1/6)
صفحة 7
وبعد ، فها نحن أولاء نقدم للأمة القرآن تفسيرا لسورة النور نقله من شريط الدرس الشيخ بالحاج عيسى بن محمد ولخصه الشيخ الناصر بن محمد المرموري . فهو ونإن قدم لنا صورة مصغرة من الأصل لكنها لو كانت بقلم المفسر نفسه لكانت ولا شك أبدع وأروع فلتعتبرها عجالة الراكب ريث يتيسر تدوين التفسير المسجل بأكمله إنه ولي التوفيق والتيسير وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
بريان - غرة جمادي الأولى سنة 1400 هـ الموافق 18 مارس 1980م
بكلى عبد الرحمن بن عمر
سُوَرةُ النُورِ
مدنية وآياتها 62
بسم الله الرحمن الرحيم سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون_ السورة تسمى سورة النور- كما هو معروف – لأن الله تبارك وتعالى قال فيها : { الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح } الآية وسميت أيضا باسم النور لآن في مطاويها ماينير قلب المسلم بالآداب التي تطهر النفوس وتزكيها زتنير القلوب وتجعل الإنسان المستنير بها يمشي في نور الله فطوبى لمن عمل بالآداب و الأخلاق المذكورة في هذه السورة ! إنها النور حقا . (1/7)
صفحة 8
بدأها الله تبارك وتعالى بمقدمة فريدة في القرآن ، فلا تجد سورة طويلة مثلها ولا قصيرة بدئت بما بما بدئت به هذه السورة : أنزل الله في أولها ما هو كمقدمة للأحكام والأداب والأخلاق المفصلة في سائرها وهذا النمط من التقديم تمتاز به هذه السورة من بين سائر سور القرآن ولهذا بدلت هكذا : لبسم الله الرحمن الرحيم سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون . وتوضيحا هكذا : هذه سورة من القرآن أنزلناها كم أنزلنا غيرها من السور ، وشاء الله أن ينص على إنزالها تنصيصا خاصا وبضمير العظمة نا- وهذا يشعر بما لهذه السورة من مزيد العناية والإهتمام من منزلها العظيم وإذا كان المنزل عظيم فالمنزل كذلك بالمنزلة العظمى . ثم قال : وفرضناها الفرض كما هو معروف يطلق ويستعمل في الإيجاب للأمر الذي يجب تنفيده ولا عذر في التهاون به أو تركه كما هو معروف في سائر الفرائض والواجبات وقال الفقهاء : إن كلمة فرض أعظم من كلمة واجب ، فالحقيقة يفسرون الفرض بالأمر الواجب بنص قطعي من كتاب الله تعالى أو بدليل يقيني من السنة أما ما ثبقت بدليل ظني فيطلقون عليه واجبا . وعند بعض الفقهاء يسوون بين الفرض والواجب في المعنى ويطلقون أحدهما بدلا من الأخر ومهما يكن فالفرض في الشريعة يطلق على الواجبات المفروضة القطيعة لا عذر لأحد في تضييعها فمعنى ما تقدم : سورة أنزلناها وفرضنا أحكامها التي تشتمل على حدود وأوامر ونواه فاستمسكوا بأحكامها واعملوا بها ترشدوا . ثم قال وأنزلنا فيها آيات بينات : أنزلنا في هذه السورة آيات بينافيها مايجب بيانه من الآداب والأحكام والحدود والمعالم مما لا شبهة فيه ولا اختلاف . وفي الآيات متشابه يحتمل معاني يختلف العلماء في تأويلها وتبيينها على المذاهب . (1/8)
صفحة 9
وفيها محكمات مبينات قطعية في موضعها ومدلولها لا تحتمل التأويل ولا الشك ولا الإختلاف وتلك هي الآيات البينات لأن البين هو الواضح الذي لا شبهة فيه ولا جدال ولا ينبغي فيه الاختلاف ثم قال : لعلكم تذكرون . كل ذلك لعلكم تتبصرون وتتبينون طريق الآخرة الواضح تتبعونه - وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه - ومن رأى بعين بصيرته استبصر وتذكر ولم تذهب به الغفلات والشبه بعيدا عن الصواب والمرء قد يؤتى من جهله وقد يؤتى من غفلته وقد يؤتى من نسيانه وأي عاقل لا يهفو ولا ينسى فهذه الآيات البينات توقظكم من غفلتكم وتذكركم إذا نسيتم وتعلمكم أحكام الله فتدركون الحكمة من تشريعه فتتبعون هذا الصراط المستقيم ثم بعد البيان ليحيا من حيى عن بينة ويهلك من هلك عن بينة ، يقيم الله الحجة على عباده ويقطع الأعذار ومن أنذر فقد أعذر . فالاشارة إلى موضوع السورة بما تقدم يدل على أهميتها العظيمة ومقامها في الإسلام فهي تربينا على مكارم الأخلاق ، التربية الحسنة : العفة والطهارة وكرامة النفشس والنبل والشرف فمن كان على هذه الأخلاق العظيمة فهو بالمنزلة العظمى عند ربه . وسنرى في مطاوى هذه السورة ما فيها من أسس التربية الإسلامية الصحيحة واصل الأخلاق الكريمة ولالسلوك الطيب الذي به تزكو نفس المسلم رجلا كان أو امرأة . في هذه السورة مزيد الإعتناء بتربية الأسرة المسلمة التي هي الخلية الأولى لهذه الخلية الأولى لهذه الأمىة الكبيرة والأمة كما تعلمون مجموعة أسر وعائلات وكل عائلة تتركب من رجل وامرأة وما ولدا فهي اللبنة الأولى في بنيان هذا الصرح العظيم . (1/9)
صفحة 10
فإذا بنيت الأسرة على الطهارة والعفة من رجل وامرأة عفيفين اتصلا بنكاح صحيح لم يمزج بشيىء من سفاح أوربية نشأ الأولاد على العفة والطهارة والنقاء وإذا طهرت البيوت فالبتالي يطهر المجتمع ويكون نظيفا مهما كانت خلاياه نظيقة فينبغي الإعتناء المكامل بهذه الخلايا التي هي أصول الأمة الإسلامية ولا يصلح بالأفراد والأسر إلا ما شرعه خالق الأفراد والأسر مما فصله لنا في هذه السورة من الأسس والقواعد والطرق التي ان سلكناها حافظنا على أصول المجتمع النقي السعيد من المعلوم ان الفساد قد عم دنيانا في زماننا هذا بنسبة تسعين ان لم تقل تسعة وتسعين بالمئة وكل هذا سبب انحراف العلاقات الجنسية بين الرجال والنساء وانتشار الفواحش والموبقات الذي هو سبب الخراب والدمار . وما يقع في ديار الخنا والقمار والسهرات الحمراء وحانات الخمور من القتل والضرب والسرقات أكبر دليل على ما نقول ولن يكن صلاح العالم إلا بالرجوع إلى التربية القرآنية القويمة . (1/10)
صفحة 11
ففي هذه السورة سورة النور أنواع الأحكام والآداب والردع من الوقوع في الفواحش والموبقات والمنع من الوقوع قبل التردي والحكماء يقولون : الوقاية خير من العلاج ، فلنا كثير من الأوامر والنواهي في هذه السورة إذا تتبعناها نحمي ايماننا من الكدر ومجتمعاتنا من الأمراض الفتاكة التي تخرب المدائن والقرى ولنا كثير من أنواع العلاج في حالات الإصابات بشيء من هذه القاذورات التي تلوث المجتمعات إذا ظهرت فيها ولم تعالج بما يزيلها قبل الإستشراء والتمكن أعطانا الله تبارك وتعالى أسباب الوقاية وفي حال الإصابة أرشدنا إلى أسباب العلاج بما وضع من الحدود التي أمر باقامتها في غير ما رافة ولا هوادة بدأ بحد عقوبة الزنا لخطره الكبير على نفس الفرد وعلى بنيان المجتمع فصدع بحده هكذا هكذا بدون مقدمة ليكون أشد وقعا في النفوس ثم أمر بابعاد الزناة عن المجتمع المسلم حتى لا يتلوث فقال : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحزم ذلك على المؤمنين . ثم شدد في ظروف اقامة الحد فأمر بشهود جماعة المؤمنين للعظة والإعتبار وخزى المحدود فقال : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ثم ثنى بعد ذلك بحد القذف والتشديد فيه حتى لا تنتشر الفاحشة في المجتمع النظيف وحتى تصان أعراض المسلمات والمسلمين ولا شيىء يشيع الفساد وينتشر الفواحش كشيوع التهم وانتشار الكلام في الناس فهو الذي يهيج الشهوات في نفوس مرضى القلوب الذين يتشممون الجيف ويتحسسون الريب ومواطنها . (1/11)
صفحة 12
فالقذف لا يقل خطرا عن الزنا ولذلك أمر بلإقامة الحدود على كل من يقذف برئية أو برلئيا كما تقام على الزناة أنفسهم ثم أمر المسلمين المؤمنين ان يحسنوا الظن بأنفسهم وإذا ظن الجار خيرا بجارته لا يخطر بباله أن يتعرض لها ولو بالإشارة والغمز انما يكون ذلك اذا ظن سوءا فيطمع أن توافقه على قصده الخبيث أو يوافقهما هي على ما تطمع منه كل ذلك يكون عند شيوع الفساد فالأوساط التي يتعرض فيها الشبان للفتيات على أبواب المدارس أو يطرقون عليهن أبوابهن أو يتعرضون لهن في الطرقات أوساط موبوءة شاعت فيهن قالة السوء وظن السوء ، لذلك يأمر الله تبارك وتعالى المؤمنين والمؤمنات ان يظن بعضهم ببعض خيرا وينفوا عن قلوبهم الوساوس والهواجس السيئة - لولا اذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا - كما سيأتي الكلام في قصة الأفك ، يأمرنا الله تبارك وتعالى أن نشيع بيننا حسن الظن وليس ردالتهم هو الرضى بوقوع الفاحشة كما ان السوء الظن وشيوع التهم ليس هم قمعا للفواحش بل هو اشاعة لها فإن كثيرا ممن يشبعون التهم هم المتهمون بحب للفواحش لا تحملهم الغيرة على ذلك كما يتوهم البسطاء من الناس بل يشيعون التهم لمرض في قلوبهم فهي تهوى الكلام في الفواحش كما يعترف الكثير منهم بتصريحات فيها خبث وريبة فالذي يحملهم على الولةغ في أعراض المحصنات هو الحقد عليهن لتمسكهن بأهداب الفضيلة والستر والحياء والأغراض أخرى دنيئة في نفوسهم الخبيثة فنهى الله المؤمنين والمؤمنات عن الإستماع إليهم والإنخداع بترهاتهم وأمر برد أقوالهم وحكم عليهم بالفسق والكذب وأمر بجلدهم حد القذف كما سيأتي ونهانا عن قبول شهادتهم وأخبر أنه أعد لهم عذابا أليما في الدنيا والآخرة كل ذلك ليطهر المجتمعات المسلمة لتحصن الفروج وتغض البصار ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها - .. (1/12)
صفحة 13
الآية - وهذا كله سيأتي تفسيره ان شاء الله ويأمر الله النساء بالحجاب أمرا صريحا ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) ( والخمار معروف تسدله على وجهها وصدرها وعلى جسدها كله )وفصل في هذه السورة أصناف المحارم الذين يجوز للمرأة ان تبدي لهم زينتها . ثم أمر بالإستئذان في البيوت لأن البيوت لها كرامة وحرمة فلا يجوز دخولها ولو كانت أبوابها مفتحة ولا النظر إلى أجوافها من أي منفذ ولا الإقتراب إلا بالإستئذان والسلام كل هذه الأحكام سيأتي ذكرها في محلها ثم بين مواضع الإستئذان حتى أمر الأطفال الذين دون البلوغ بالإستئذان في بيوتهم على آبائهم وأمهاتهم في مخادعهم وكذلك العبيد والإماء على مواليهم وإذا بلغ الأطفال الخلم فليستأذنوا في كل وقت وفي كل موضع حتى على آبائهم وأمهااتهم لأن العورات تستر عن القريب والبعيد والكبير والصغير . وهكذا يسترسل في هذه الآداب العلية ويتخللها بالتذكير والوعظ والتخويف ، كما هو أسلوب الفرآن البديع . ثم يذكر أحكام القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا لكبرهن وعجزهن فيخصهن بأحكام فيها بعض التخفيف شرط أن لا يتبرجن بزينة غير انه قال : بعد هذا الترخيص فيها وان يستعففن خير لهن . فالستر خير لهن . ويذكر الله في مطاوي هذه السورة قصة الافك وما اتهمت به عائشة أم المؤمنين من طرف الذين يطلقون ألسنتهم قصد احداث الفساد في المجتمع الإسلامي النظيف . (1/13)
صفحة 14
لأن روح المجتمع وقوامه هو الفضيلة والنقاء والطهارة ولا يضره بعد ذلك أن يكون قليل العداد إذا كان أفراده يسود بينهم الصفاء والعفاف وحسن الظن وكرامة النفوس ذلك هو المجتمع الصالح الذي يبلغ ماربه من خير الدنيا والآخرة ويبارك الله لهم وعليهم غير ان المنافقين الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان يتربصون الفرص ويحاولون افساد المجتمعات الصالحة بما يلقون بين الحين والآخر من اشاعات سيئة يحاولون بها بلبلة أفكار الناس فيتأثر بها ضعوف النفوس والقلوب فيحذرنا الله تعالى من الإستمتاع إليهم التحذير الشديد كما سيأتي تفصيله في مواضعه .
يريد الله أن يطهر مجتمعات المسلمين والمسلمات من إشاعة الفاحشة حتى لا يطمع الذين في قلوبهم مرض ويباعد الله بين الطيبين من عباده والخبيثين فيقول تعالى : { الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون } الآية . (1/14)
صفحة 15
كل ينجذب إلى جنسه فالطيب لا يرغب إلا في الطيب والخبيث لا يرغب إلا في الخبيث حتى يرضى الفحشة في أهله فيكون ديوثا وليس في الجنة ديوث . هنالك ناس يسترزقون من أعراض بناتهم ولا يستحيون من ذلك يختالون في زينتهم غادين رائحين إلى دور البغاء يحصلون منها أرزاقا من بناتهم البغايا ولا يبالون يتعجب الواحد منا من هذا الحضيض الذي تردى فيه هؤلاء والعياذ بالله ولكن يتنفى العجب إذا عرف السبب وهو أن هؤلاء الدياييث لم ينتهوا إلى ذلك المصير طفرة لكنهم تردوا اليه تدريجيا وفصموا عرى الأخلاق عروة عروة حتى أصبح المنكر عندهم معروفا والعكس فيؤدبنا الله ويطهر أنفسنا وينقيها من الدنس الذي قد يتمكن فيها على مر الأيام فتألف ما تنفر منه اليوم وذلك هو المسخ الحقيقي : مسح النفوس وعمى البصائر ، هؤلاء مسخوا قردة وخنازير ، وكثير من العلماء فسر المسخ الوارد في القرآن انما هو مسخ الطباع حتى صاروا في التسافد والفساد كالقردة والخنازير ، يقضون شهواتهم أمام الناس ولا يبالون وأي مسخ أقبح من هذا وفي الناس اليوم كثير من هذه الصناف تردوا في مهاوي الشهوات الجنسية فصاروا قردة وخنازير ولو شئنا لسمينا أناسا يشجعون أولادهم على الفسق ويضعون تحت تصفهم أوالا ويأمرونهم بذلك ، هؤلاء ليسوا بمسلمين ولا تكون عاقبتهم إلا وخيمة ومنهم من أرانا الله سوء عاقبته فمات غما وحزنا بسبب فساد أولاده ومنهم من لا يزال على قيد الحياة وسينفذ حكم الله فيهم ان لم يتوبوا ويرجعوا إلى الصراط المستقيم : وهذا تمثيل جرته مناسبة الكلام في تقدمه تفسير هذه السورة العظيمة التي جمع فيها من الأداب والأحكام والحدود ما لم يجمع في غيرها من السور وقد قدم الله تبارك وتعالى بهذه المقدمة الممتازة تنويها بشأنها وتنبيها لنا لنقرأها ونحفظها ونطبق ما فيها من أحكام وآداب على الأفراد والمجتمعات ورد في الحديث عنه (ص ) (أنه قال : حفظوا نساءكم سورة النور . (1/15)
صفحة 16
أما المائدة فلأنها أواخر ما نزل من القرآن : فيها أحكام كثيرة : فيها ستة عشر نداء يأيها الذين ءامنوا وفيها وفي سورتي النساء والأحزاب أحكام النساء وأما النور فلما علمتم وستعلمون من توجيهاتها الرشيدة في تربية العائلات والأفراد . وورد أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يكتب لعماله يأمرهم أن يأمروا الناس أن من لم يستطع حفظ القرآن كله فليحفظ سورة النساء والنور والأحزاب ، وما هذا إلا أن سيدنا عمر يعلم إن فساد الدنيا من فساد العلاقات بين جنسي النساء والرجال . فلو استقامت وكانت كلها بطريق النكاح الصحيح والعفاف والتقوى لنقص أكثر مافي الدنيا من شرور وآفات ومحن . سيدنا عمر يأمر بتحفيظ النساء سورة النور و تعليمهن الغزل ولزوم البيوت فأن ذلك أطهر لهن وللمجتمعات وأسلم من الشرور والإنحرافات . هكذا نرى حكم الله تعالى البالغة في تقدمة هذه السورة ثم يشرع لنا حد الزنا فيأمر المسلمين بإقامة الحد على الزناة بهذه الصيغة القاسية الجادة فيقول : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ... الآية اختار الله تبارك وتعالى هذا الأسلوب من التعبير المصرح فيه بلفظ الزنا كما كرر هذا اللفظ في سورة النور . (1/16)
صفحة 17
ومعلوم أن لفظ الزنا يدل على الفاحشة الكبرى الفظيعة حتى أصبح اللفظ نفسه وكأنه يستحيى من ذكره فقليلا ما يصرح به إلا إذا اقتضاه المقام والله تبارك وتعالى يكنى ولا يصرح غالبا في الأمور التي تتعلق بالجنس ، يعبر لها بتعابير لطيفة فيقول مثلا في الجماع باشروهن ، وقد أفضى بعضكم إلى بعض ، أو لامستم النساء ، ما لم تمسوهن يتخير العبارات اللطيفة الخفيفة ليس فيها تصريح بما يستحي الكريم من ذكره ، ولا نجد التصريح بلفظ الزنا إلا قليلا في القرآن فيقول مثلا في باب النهي عنه : ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ، والذين لا يزنون ويقرن الونا بالشرك فيقول : والذين لا يدعون مع الله الها ءاخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ، بينما يكنى في آيات أخرى بحفظ الفرج ، والذين هم لفروجهم حافظون . فتكرار هذه الكلمة ست مرات في هذه السورة يدل على نوع من التقبيح الشديد والوصف الشنيع اللآصق بمرتكبي هذه الفاحشة . (1/17)
صفحة 18
والإبتداء بذكر لفظه الشنيع مقصود فلو شاء لقال : يأيها الذين أن يفاجىء السامعين بهاتين اللفظتين الشنيعتين مبالغة في التقبيح والتنفير ثم يتركهم ينتظرون الخبرعن هذا الجرم الفظيح ما الحكم فيه فيجىء الحكم له وقع في النفوس ويرتبط بالفاء ايذانا بالعلية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ، ولكي ينصص على الحكم مفصلا ويحققه جيدا ذكر صفة المرأة وصفة الرجل ولو شاء بصغة المذكر التي يطلق على كل من صدر منه الزنا رجلا كان أو إمرأة ولكنه صرجح بذكرهمامعلا حتى لا يبقى مطمع في نجاة أحدهما من العذاب فهم في العقوبة سواء كلاهما مجرم سواء أكان الإغراء من المرأة ثم استجاب الرجل أو كانت المطالبة من الرجل ثم طاوعت المرأة ما دام كلاهما مستجيب لداعي الشهوة البهيمة بطريق غير مشروع فيه هدم لبينيان المجتمع النزيه تدنيس لشرف البيوت والأسر -فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة الجلد هو الضرب بالسياط وهذا عقاب أليم فيه وجع شديد واذلال واهانة للمجلود لأن الضرب انما يقع على البائهم لا لبني ءادم ، ولما كان الزاني دنسس نفسه وأنزلها في متابعة الشهوات منزلة البهائم صار مستحقا لعقوبة البهائم جزاء وفاقا ولم يعد انسانا يتحكم عقله في شهوته والعقل موهبة اختص الله بها الإنسان فمن كفرها استحق العقوبة الصارمة بينما البهيمة الرائعة الغافلة غير مسؤولية ولا محاسبة لنها ليست عاقلة فاإنسان المتبع هواه شر منهما وأضل . (1/18)
صفحة 19
من أجل ذلك قال الله في مثل هؤلاء - ان هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا أشبهوا البهائم في الطباع ولكن دركتهم أسفل لأنهم اتبعوا شهواتهم وعصوا عقولهم في الحكم : من غلب عقله على هواه فقد نجا ومن غلب هواه على عقله فقد ضل وغوى فرض الله هذه العقوبة الصارمة عقوبة الجلد على الزناة - فاجلدوا كل واحد منهما واحدة كما أنه لا يجوز إن يزاد عليها واحدة ، وحكم الله ليس فيه زيادة ولا نقص ، وثبت في الحديث عنه (ص ) قال : يؤتى يوم القيامة بأحد أقام الحد ونقص سوطا فيقول الله له : لم نقصت سوطا فيقول : يا رب رأفة بعبادك فيجيبه الله تعالى أأنت أرأف بعبادي مني اذهبوا به إلى النار ، ويؤتى بآخر زاد فيقول له : لم زدت فيقول يا رب ليرتدع عبادك فيقول الله له : أأ نت أحكم مني اذهبوا به إلى النار . ولذلك يطلق على هذه العقوبات حدود لأنها محدودة يجب الوقوف عند شرع الله الحكيم . ثم قال الله تعالى : - ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله - الحكم الثاني : لا تأخذنا بالمحدود رأفة والرأفة هي الشفقة والرقة والحنان الذي يكون في القلب الذي ربما يحمله على تخفيف لاالعقوبة أو تخفيض عدد الجلد فأراد الله تعالى أن ينفذ عليه العذاب كاملا ليرتدع غيره ولذلك قال : - وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين - وسماه عذابا فلا بد بتشديد الضرب وأحداث الوجع ليكون عذابا . وهذا كما قالت عائشة رضي الله عنها تصف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان عمر إذا مشى أسرع ، وإذا تكلم أسمع ، وإذا ضرب أوجع . وقال تعالى : - رأفة في دين الله ، فبين بهذه العبارة إن إقامة الحدود دين ندين اتلله به ونقيم شعائره كما تقاك الصلاة والصوم والزكاة وكما تقام شعائر الحج . (1/19)
صفحة 20
إن هؤلاء الفساق عبيد آبقون عن ربهم هتكوا حرمة الدين وفسادهم كبير فهم لا يستحقون الرأفة ولا التخفيف كما أنهم لم يرأفوا بالمجتمع حين ارتكبوا هذه الفاحشة التي تصدع أركانه وتهلك الحرث والنسل والله لا يجب الفساد ثم زاد فقال : - إ، كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر- هذه من الآيات التي يستدل بها على إن سياسة الدولة ونظام الحكم وتقنين القوانين يجب أن تكون مستمدة من كتاب الله ، لا فرق في الإسلام بين الدين والدولة ، فالتفريق بينهما من خرافات النصارى الذين يقولون : الدين لله والوطن للجميع . يقصدون بهذا التفريق بين الدين والدولة ، والله تعالى شرع لنا الإسلام دينا كاملا ينظم للفرد واجباته وأعماله وللدولة سياستها وأعمالها ونظام الحكم والطرق التي تساس بها الأمة ، كل ذلك شرع متماسك آخذ بعضه ببعض إن كنتم مؤمنين الإيمان الحقيقي لا تأخذكم بهما رأفة فتريدون من العقوبات غير ما أراد الله وشرع فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون . وهذه الحدود مكلف بها أئمة المسلمين وحكامهم فهم المخاطبون بهذه الآيات لا العوام والرعايا وفيها ما فيها من التعزيز والزجر والآداب وهذا باب واسع من الفقه له تأخذكم بهما رأفة فتريدون من اعقوبات غير ما أراد الله وشرع فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون . وهذه الحدود مكلف بها أئمة المسلمين وحكامهم فهم المخاطبون بهذه الآيات لا العوام والرعايا وفيها ما فيها من التعزيز والزجر والآداب وهذا باب واسع من الفقه له مواضعه لمن أراد التوسع في العلم . (1/20)
صفحة 21
ثم قال تعالى : - وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين - الشهود هو الحضور أمر الله أن يقام الحد على الزاني علنا لا سرا فليجهز به ملا من الناس ليحضروا ويشاهدوا ويعتبروا فيرتدعوا ثم ليكون ذلك أخزى للمحدود وأظهر لفسقه حتى يجتنبه الناس ويبقى المنكر منكرا والمعروف معروفا . وقد يرتدع الإنسان بالخوف أولا ثم بعد ذلك يستقيم ويذوق حلاوة الإيمان ويصير العفاف طبعا فيه يجتنب المعاصي بغضا لها وخوفا من عقاب الله في الآخرة لا من الحد في الدنيا فالإشهار في إقامة الحدود لفائدة الفرد والمجتمع حتى يبقى هذا المجتمع نظيفا وبعيدا عن حمأة الفواحش والمنكرات . فهنا في هذه الآية أربعة أحكام : فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ، هذا حكم . والحكم الثاني - ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله - والحكم الثالث : وليشهد طائفة من المؤمنين - والحكم الرابع : إن هذه الطائفة من الفساق لا منزلة لها في المجتمع المسلم ولا يصح نسبتها إلى عباد الله المؤمنين بل هؤلاء فاسقون خارجون من حظيرة المجتمع النظيف لا محل لهم فيه فأما ان يموتوا بإقامة الحد عليهم إن فعلوا ذلك بعد الإحصان وإن فعلوه قبل الإحصان لا يعودون إلى حظيرة المسلمين إلا بعد إن يتطهروا بالتوبة والإنابة ويطهروا بإقامة الحد عليهم إن أعلنوا فاحشتهم أو قام عليهم الشهود . فرق الله بين الزناة وبين المؤمنين ونهى المسلمين عن الإقتراب منهم فقال : - الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين - والحق أنه لا يرغب في نكاح المرأة المشهورة بالفساد إلا من هو فاسد مثلها ولا ترغب في نكاح الرجل الفاسد إلا فاسدة مثله . (1/21)
صفحة 22
وجعل الزاني في درجة المشرك وهذا إيذان من الله بالمقت لعمل هؤلاء والمؤسف أن كثير من شبان المسلمين الذين طمست الشهوات بصائرهم يرغبون في الإقتران بالفواسق فلا يقر لهم قرار إلا ذهبوا إلى بلاد الشرك فيرجعون منها متأبطين ليهوديات أو نصرانيات أو مشركات ويرغبون عن العفيفات من بنات أوطانهم وهذا خطر كبير على المجتمع المسلم يجب درؤه ووضع حد لهذا العمل الخاطىء وكثيرون منهم يختارون فقريناتهم في الملاهي والمسارح وفي الطرقات والشطوط يتبرجن ويبدين زينتهن ومفاتن أجسادهن ويتعرين ليصطدن قلوب المفتونين بالمظاهر الغافلين عن الفضائل والأخلاق الإسلامية لخلو قلوبهم منها والحال إن المثل الحكيم يقول : أختر للك زوجة بسمعك لا ببصرك ، والحديث الشريف يقول : - فاظفر بذات الدين تربت يداك - وذات الدين هي العفيفة المحصنة المتسترة التي تغض بصرها وتحصن فرجها ولا تقرب الزنى فهي من المحصنات الغافلات المؤمنات اللاتي لا يحوم حولها الريب وقد تكلم العلماء في معنى هذه الآية في حكم التزوج بإمرأة كانت مبتلاة بالزنا ثم تابت ماستقامت على توبتها ، فهنالك من يقول لا رغبة فيها ولا خير في الإقتراب منها ولا يجيز الإقتران بها فليس من شأن المسلم أن يرضى بها زوجة ولا أما لأولاده . ومنه من يجيز نكاحها إذا تابت توبة نصوحا وظهر على مر الأيام صدق توبتها واستقامتها وعلى هذا القول جمهور الأمة واستدلوا عليه بقوله تبارك وتعالى : (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم ) وببعض الأحاديث وبعض وقائع في زمان النبي (ص ) والخلفاء الراشدين، امرأة ابتليت ثم تابت واستقامت وساق الله لها من يسترها ويحصنها وهذا أطهر لها وأزكى للمجتمع المسلم لأن بقاءها بدون زوج ربما يغريها أو يغرى بعض فساق القلوب بمحاولة اغوائها فخير لها أن تتزوج . (1/22)
صفحة 23
أما ما يفعله بعض الفسقة يتصلون ببغي في دار الفساد ثم يختص بها ويذهب بعد ذلك يعقد عليها فحرامعليه ذلك ، وقد ورد في الحديث الصحيح : أيما رجل زنا بإمرأة ثم تزوجها فهما زانيان إلى يوم القيامة ، لا يجوز بحال والحال هذه أن يفكر المؤمن في الإتصال بهذه الجيفة المنتنة وقد يؤول الأمر أن يصير ديوثا والعياذ بالله . لكن إذا تابت بغى وظهر صدق توبتها وابتعدت عن مواطن الريبة فحينئذ رخص العلماء لمن لم يتصل بها بتاتا أن يتزوج بها ويحصنها ففي ذلك إعانة لها على أمر صلاحها . ثم إلى جانب حكم الجلد المنصوص عليه في هذه الآية نجد حكم الرجم هو أن يضرب الزاني رميا بالحجارة حتى يموت ، الرجل يحفر له إلى السرة والمرأة إلى الصدر وبعض العلماء قالوا : لا لزوم لهذا الحفر ، ثم يرمي بحجارة متوسطة مقدار قبضة اليد هذا حكم كل زان أو زانية سبق لأحدهما الزواج ولو كان حال ارتكاب الفاحشة عزبا . (1/23)
صفحة 24
وهنالك حكم يضاف إلأى المحدودين بالجلد وهو التغريب فقد روى من طرق مختلفة وصحيحة ، أن عليه الجلد مائة وتغريب عام ، وعند بعض المذاهب الإكتفاء بالجلد وعندنا معشر الأباضية يرجع أمر التغريب إلى نظر الإمام إذا كان في التغريب مصلحة للمجتمع وزيادة زجر للمحدود غرب وهذا للرجال خاصة ، وهذا حسب المصلحة لأن بعض الفجار قد لا يرتدعون بمجرد الجلد حتى يبعدوا عن موطن جريمتهم وجوها فيكون ذلك عونا لهم على السلو عنها واشتغالهم بما يفيدهم ويصلح حالهم وهذه نظرية سديدة يمكننا الجمع بين ما جاء في القرآن وما ورد في السنة لأن أحوال الناس تتفاوت فليكن أمر النفي حسب ملاحظة الإمام لا حوالهم وأما كيفية الضرب وحجم العصا ونوعها ففي ذلك فقه أيضا فلا تكون غليظة كالهرواي ولا تكون لينة رخوة انما تكون متوسطة في الطول والقصر وبين الغلظ واللين وعند الجلد يتجنب الوجه والفرج والبطن ووضعية الجاني عند الجلد يكتف أو يبطح أو لايبطح كل ذلك مبسوط في كتب الفقه من أراد معرفته فليقصد مظانه ، المهم اننا رأينا شدة مقت الله تعالى لهذه الفاحشة بما شرع لأصحابها من عقوبات الرجم والجلد والتشهير وعدم الرأفة بهم وفي هذا ما يكفي للإعتبار والردع وهذه العقوبة مشروعة أيضا في شرائع من قبلنا كالتوراة ففيها الرجم وذلك لأن طغيان شهوات النفس شيء لا يخلو منه زمان ومكان وفساد الزنى أمر معلوم في الإفراد والمجتمعات فلا معنى لقول الطاغين من ملاحدة المستشرقين وغيرهم في عقوبة الرجم : يقولون هي عقوبة وحشية إذ الضرب للبهائم والرجم للكلاب وينسون الأضرار والمصائب التي يحدثونها بالمجتمعات والنسل بما يفوق العقوبة التي يرونها وحشية وسنتعرض لمطاعنهم إن شاء الله عندما نفصل أحكام العقوبات والفرق بينها ونشرح أضرار الزنا مفصلة ولنا في تشريع الله ثقة عظيمة وتسليم كامل : - فالله يعلم وأنتم لا تعلمون - الله تعالى أعلم بما يصلح أمر عباده وأرحم بهم من انفسهم وهذا (1/24)
صفحة 25
لا يشك فيه من في قلبه ذرة من إيمان .
- الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين - لا يزال الكلام طويلا في تفسير هذه الآيات وفي قوله تعالى : - وحرم ذلك على المؤمنين - وقد تقدم الكلام في تحريم الزواج من إمرأة معروفة بالزنا كما إن المرأة العفيفة يحرم عليها الزواج من رجل معروف بالزنا - وحرم ذلك - الإشارة إلى النكاح المذكور هنا ، وأفتى كثير من العلماء بأن على إمام المسلمين أن يفسخ هذا النكاح وللولي إذا تزوجت وليته بفاسق مشهور بالزنا أن يرد النكاح ولا يمضيه ، هذا الحكم قبل التوبة ، أما بعد توبتهما من الزنا فلا بأس بإنكاحهما عند جمهور العلماء إذا صدقت توبتهما واستقاما أما انكاحهما من بعضهما البعض فلا يجوز لا قبل التوبة ولا بعدها عملا بالحديث الصحيح المتقدم : - أيما رجل زنا بإمرأة - وهو القول الذي اعتمدناه معشر الأباضية وبنينا حكمنا على الحديث ، اتفق علماء الأباضية كلهم وكثير من علماء المذاهب الأخرى على ان نكاح مزنية الرجل حرام عليه ولو اتصل بها مرة واحدة اتصالا محرما بتأبد تحريمهما عليه وجاء لفظ كتاب النيل هكذا : حرم على الرجل نكاح مزنيته وإن بكره أو بعد توبته ، اعتمد صاحب النيل الشيخ عبد العزيز الثميني على صاحب كتاب الإيضاح الشيخ عامر الشماخي وعلى كتاب النكاح للشيخ عمى يحي بن صالح النفوسى رحمهم الله وهذا يبين ما عليه أهل المذهب ، والكلام في الجبر والكره مفصل في كتب الفقه المبسوطة وقال في النيل : وبعد توبة ، أي تحرم عليه ولو تابا وندما وروى سشارح النيل الشيخ أطفيش رحمة الله عن الإمام جابر بن زيد رضي الله عنه قال : من زنى بإمرأة فلا يتزوجها وليجعل بينهما البحر الأخضر وإن قدر ان لا ينظر إليها أبدا فليفعل ، ثم روى القطب أيضا في شرح النيل قال: سئل أحد الصحابة عن رجل زنى بإمرأة وبعد ذلك تزوجها فأجاب قائلا : تزوجها شر من زناها ، فاعتبر (1/25)
صفحة 26
الزواج بهذا امتدادا لخط الزنا بينهما وكان هذا أشر من الزنا لأنه حال الزنا اعتقد أنه عاص وفي الزواج بها اعتقد أنه في مباح حلال وهذا أخطر من الأول وأبعد عن التوبة فكان شرا منه . فالواجب ابعادهما عن بعضهما البعض . ثم روى الشيخ القطب رحمة الله في النيل قال : سئلت عائشة رضي الله عنها قالت : فكرهته أي حرمته والكراهية في عرفهم يومئذ التحريم ، كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها وروي حديثا آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا نكاح بعد سفاح ، ثم روي عن عائشة رضي الله عنها إنها سئلت عن قوله نعالى : - وحرم ذلك على المؤمنين - فأجابت قائلة : حرام على أحد زنى بإمرأة أن يتزوج بها بعد ، قال الشيخ رحمة الله وفي ذلك رد على كلام من قال من مخالفينا بتحليل نكاح الزاني بمزنية ولو بعد التوبة قال الشيخ معلقا على كلام عائشة أم المؤمنين إنها لم تفت بهذه الفتوى إلا اعتمادا منها رضي الله عنها على أدلة صحيحة لأن الأحكام التي لا يفتى فيها بالرأي لا يصرح بها مثل عائشة في ورعها إلا معتمدا على نص ، فلكلامها رحمها الله حكم الرفع ولو لم تصرح بالرفع لأن الصحابةو رضي الله عنهم خاصة الفقهاء منهم أمثال عائشة وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن مسعود والخلفاء الراشدين ومعاذ وابى وزيد بن ثابت هؤلاء فقهاء الصحابة لفتاويهم اعتبارا لا يكون لغيرهم فهم أهل الحديث وأهل الفتوى وأهل التحقيق كما قيل :
الدين قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس خلف فيه
ما لدين نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه (1/26)
صفحة 27
اما رووه عن ابن عباس أنه افتى في المسألة بالجواز قال : - اوله سفاح وآخره نكاح - فلذلك تأويل عند أصحابنا فقد حملوا كلام ابن عباس على ما إذا وقع الأمر في الشرك ثم دخلوا في الإسلام فلا صلة مطلقا بين العهدين والإسلام جب لما قبله . قال اله تعالى : قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ماقد سلف ، وعلى هذا التأويل يحمل أيضا مارووه من حديث ، من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق ، أي في الشرك ثم دخا في الإسلام معلنا بكلمة التوحيد فإنه يغفر له ما عمل من عهد الشرك كائنا ما كأن أما في الإسلام لا بد بالتوبة النصوح كما هو مقرر في القرآن والسنة في آيات كثيرة وأحاديث فلا نخطى ء في التأويل ونتجرأ على الله ثم نتمسك بالأماني فهي لا تغنى شيئا أعفى الله الداخلين في الإسلام من تبعات الششرك وأعماله في الدنيا والآخرة تيسيرا لهم ليجلبهم إلى الإسلام ومراعاة لموقفهم الحميد فإن التحول من دين وتقاليد وموروثة إلى دين جديد ليس بالأمر الهين على النفس لأن الخارج من دين آبائه وأجداده وقومه قد حكم ضمنا بخطئهم وضلالهم وهذا أمر عظيم ولا يقوى عليه إلا اولوا الصدق والعزم . أما تناكحهما بعد زناهما في الإسلام فحرام كما أفتى بذلك كثير من علماء الأمة وأجمع عليه علماء الإباضية ، وفي المذهب يقول : الشيخ عبد العزيز في النيل : حرمت بالغة وما لدها وما ولدت على ناظر فرجها وغن خطأ على الأشهر ، وشدد في فرج صبية بعمد وكذا حكم ناظرة عورة رجل ، هذه عبارة النيل وهو المعتمد عند الإباضية . وهذا باب واسع من الفقه وفيه أحكام كثيرة وكذلك حكموا في المس كالنظر إذا مس رجل فرج إمرأة تحرم عليه إلا إذا كان لنتيجة أو علاج وبدون شهوة فلا بأس حينئذ ولا تحرم وكذلك الشأن في إمرأة مست عورة رجل بالغ . (1/27)
صفحة 28
إذا كان هذا الحكم في النظر والمس فكيف بالمباشرة هذا عند الإباضية ومن قال بقولهم من علماء المذاهب الأخرى ولهم أدلتهم في ذلك أما جمهور علماء المذاهب الأربعة فيجيزونه بعد التوبة النصوح والتكفير والإستغفار . ولنبحث الآن فيما يقع في هذا العصر حتى ندرك كيف يترجح المصير إلى قول الإباضية في هذه المسألة وهي الحكم جيدا كي ندرك إن الزمان له دخل كبير في تبيين الحق في إختلاف الأقوال والمذاهب . فتطورات الأمور ومايحدث من أنواع الفجور يكون سببا في إحداث أقضية أو ترجيح أقوال كانت مرجوحة لعلاج ما يقع فيه الناس من انحرافات وأمراض . (1/28)
صفحة 29
واليوم في هذا العصر الذي اختلط فيه الجنسان واتصل الرجال بالنساء كل يعاشر الآخر مدة طويلة في الملاعب والملاهي والسينماءات والسهرات والشطوط وغير ذلك من انواع التسكعات والخلوات فلا يذهبون إلى عقد النكاح غلا بعد أن يشبع بعضهما من بعض وقد يوجد من بينهما أولاد فيذهبون إلى التعاقد بعد عشرة سنة أو سنين وهذه فكرة شائعة عند الكفار فأصابتنا العدوى من الإختلاط بهم وتعلقوا بفتوى الجواز بل أجبرهم القضاء على الزواج بمزنياتهم بدعوى أن أولى الناس بها من أفسدها وتضاءل عندهم شرط التوبة الذي اشترطه المجيزون حتى اختفى تماما فتسبب عن ذلك أن أجبوا على الإقتران بمن لا يرغبون فيهن لأن الزنا مفسد للحب مذهب للثقة من القلوب فنشأ عن ذلك أضرار ومآس كثيرة وانتشرت أنواع القتل والإنتحارات المادية والمعنوية وارتمى الشباب والشواب بين أحضان الجرائم والفجور واختلطت الأنساب ، والكتب والمجلات والجرائد ملأى بالقصص المبكية المضحكة ، ولا نحب الآن أن ندخل في الحيث عن أضرار الونا فله مواضعه ولكن نتكلم الآن عن نكاح المزنية والإعتماد على هذه الفتوى ، ومن غير قيد ولا شرط أباحوه وألزموهما بذلك فنزعت القيود الرادعة وارتكبت الفواحش وتعديت الحدود ووقع الناس في الحرام ، ولو صاروا إلى فتوى المانعين لكان ذلك أكبر معين على ردع النفوس عن الزنا لأنه طالما يعلم أن اتصاله بمن يهوى يمنعه من الإقتران بها فهو يصبر ويستعصم حتى يسعفه الحظ من الإتصال بها حلالا وشرعا ولا يقترب منها في حرام أبدا إذا كان يعلم إن ذلك يؤبد عليه تحريمهما ومتى رغب فيها وأعجبته ذهب إلى أوليائهما يخطبها ، وكذلك هي إذا رغبت فيه وأحبته فإنها تمنعه من الإتصال بها في حرام وترشده إلى الطريق الحلال لأن اتصالهما في حرام يمنعهما من الإقتران الذي رغبان فيه . (1/29)
صفحة 30
فإنظروا مافي فتح هذا الباب من البلايا ومافي سده من الحكم و العصمة والإبتعاد عن الحرام على أنه الحق الذي يتعين المصير إليه للحديث الصحيح المتقدم الذي فيه أن نكاح المزنية زنا وهو حرام ولقولهم يجعل البحر الأخضر بينهما وقول جابر : إن استطعت أن لا تنظر إليها أبدا فافعل . وقد تكلمت مع بعض علماء المسلمين في هذه القضية فأيدني واقتنع بصواب فتوى الأباضية في الموضوع بعد أن أحس ولمس أخطار الفتوى بالجواز فليس فيها ردع عن فاحشة الزنا كما هي في فتوى المنع واليوم أصبحت المرأة كأنها متاع أو فاكهة في حانوت بقال من أراد أن يشتري يذوق أولا فانظروا إلأى أي حد من الإهانة والإبتذال صارت المرأة متاعا في الأسواق والحال أنها إنسان مكرم معزز صيانته في ستره وعفافه فلو أن الحكومات الإسلامية أخذت قوانينها من الشريعة الإسلامية ومنعت كل من زنا بإمرأة من الإتصال بها لاققامت بذلك سورا منيعا متينا بين الفتيان والفتيات فلا يقترب بعضهم من بعض إلا بعد الخطبة ثم بعد العقد الشرعي الصحيح . (1/30)
صفحة 31
أما النظر فلا بأس مبه وأهم من ذلك السماع تسمع عن أخلاقها وأوصافها وتصرفاتها فإذا أعجبتك فإذهب إلى وليها فإخطبها منه إن اطمأنت نفسك إلى أهلها وديانتهم . هذه هي الطريقة السليمة إلى الإتصال الشرعي المباح والعلماء الذين أفتوا بجواز نكاح المزنية قالوا إذا كانت قد تابت وأنابت وواظبت على أسباب الطهر والعفاف فجاءت مناسبة في يوم من الأيام فخطبها بعد كل هذه الشروط وليست هذه الطريقة تتبع اليوم ، بل يسافح اليوم لينكح غدا ، ولا يمكن أن يفتى مسلم بهذا . ولسنا نرجح هذه الفتوى تعصبا لمذهبنا أنما أدركنا رجحانها بحوادث الزمان وشيوع الفساد فرأينا فيها علاجا وردعا وطريقا سليما لإصلاح المجتمع الإسلامي وصونه من الإنحدار والإنهماك ، ثم لصحة سند مالحديث الذي اعتمدناه عليه فهو السور المتين الذي يمكن أن يحجز بين الفتيان والفتيلات ويمنعهم من التشبه بأعمالأهل الشرك في أوروبا وأميركا وجهات أخرى . وما يجري اليوم من الإتصال بين الشباب والفتيات في المدارس والجامعات أمر منكر ومعصية ظاهرة ولكن ما دام لم يصل إلى الإتصال الجنسي والزنا الحقيقي فلا تحرم ، هذه هي الفتوى الراجحة فإذا وقع الإتصال فلا نكاح فنكاحه حينئذ شر من سفاحه . ثم اننا لهذه المناسبة على عدوى أصابت شبابنا من دول الغرب وهو عزوف شبابنا معشر المسلمين عن البنات المسلمات المتحجبات العفيفات وميلهم إلى الفتيات المتفرجات العاريات يقترنون بهن ويخاللونهن في الشوارع والملاهي والمسابح هؤلاء الفاتنات المفتونات اللائي ظاهرهن أنيق وباطنهن خبيث بل حتى الظاهر من أعمالهن وأقوالهن وطباعهن قبيح لا خير فيه فهن يعرضن أنفسهن للخلان عرضا رخيصا ولا يرددن يد لا مس . (1/31)
صفحة 32
فالعجب كل العجب من هؤلاء الإغرار المفتونين ، يتركون بنات أعمامهم المنشئات على الأخلاق والطهر والعفاف والدين ويميلون إلى أولئك الشيطانات اللا ئى ليس فيهن رائحة دين ولا حياء ولا عفاف ، ولا ينفع قرينهن ان كن يحملن شهادات ودكتورات ما دام المطلوب من المرأة الدين والستر والأخلاق فهن أسباب سعادتها وسعادة زوجها لا ما تحمل من شهادات مع خلوها من الدين والفضيلة ثم بعد ذلك لا تمكث في بيت زوجها بل تكون موظفة في مكتب أو مصلحة أو مستشفى ولا حظ لزوجها منها ولا لأبنائها ما دامت هذه عاقبتها وغايتها التي تصبو إليها ، والناس كلهم يعرفون حياة موظفات المكاتب حيث الإتصالات بين المظفين والموضفات والمواعيد المضروبة ولو دخلنا هذا الميادين لغرقنا فيه وطال بنا الكلام وتشعب ولم يعد سرا ما يحدث في ملتقيات الشباب ورحلاتهم واتصالاتهم والعجب ممن يزعم إن حرية المرأة هي فسقها وتبرجها وتسكعها وكونها متاعا يلتهي به العابثون السفهاء من الناس ، ولا يعلم ان الحرية الحقيقة والكرامة الإنسانية هو مامنحها أياه الإلام منذ أربعة عشر قرنا فهي لا تتزوج إلا بمن ترغب وترضى ولا تحرم من حظها المعلوم من الميراث ولا تمنع من التصرف في مالها - ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة - وهذه الدرجة تقتضيها طبيعة فضل الرجال على النساء وهي لازمة لصلاح المجتمع واستفقرار نظام البيوت والأسر السعيدة فمن الخير لكم ولمستقبلكم أيها الشباب أن ترغبوا في الإتصال بالمتدينات العفيفات كما قال نبيكم صلى اله عليه وسلم : - تنكح المرأة لجمالها وحسبها ومالها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك - هذا حق لأن كل هذه الأشياء المرغوبة في المرأة إذا تجردت من الدين كانت وبالا في المرأة إذا تجردت من الدين كانت وبالا في المرأة على الرجل وإذا وجدت إلى جانب الدين كانت زيادة خير وكمال والكمال منشود وليس له على الحقيقة وجود إلا لله وكل نقص في هذه الأشياء (1/32)
صفحة 33
مع حصول الدين فمحتمل ومقبول مرجو العوض في الآخرة مع السكون والطمأنينة وحسن العشرة في الدنيا وهي السعادة التي ينشدها الإنسان في هذه الدنيا أما اقترانك بإمرأة غير متدينة لا تصلى مثلا فهو شقاء إلا إن كانت لك قدرة على تعليمها الصلاة وحملها على ذلك حملا حقيقيا فيكون لك أجر لهدايتها اما ما يفعله شبابنا من الإتصال بفتيات لا يعرفن التدين ولا الصلاة فليس هذا من شأن المسلمين ولا تكون عاقبة هؤلاء إلا وخيمة فكيف يرضى المسلم أن يقترن بمن لا يصل وكيف يرضاها أما لأولاده وليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة كما جاء في الحديث الصحيح - فمن تركها تهاونا فهو كافر - كفر نعمة ومن أنكر فرضيتها فهو مشرك مرتد عن دينه ، فكيف يقترن المسلم بالكافرة وكيف ينشأ أولادك من أم كافرة والله تعالى يقول : - قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة .. الآية - انه والله لما يدعو إلى العجب والأسف الشديد أن يرضى مسلم بخبيثة لا تصلي يرضى بها زوجة ويزول العجب إذا ألقينا أن هؤلاء هم مثلهن لا يصلون ولا يتقون فهم بطبيعتهم الخبيثة يميلون إللا الخبيثات مثلهم ، وصدق الله العظيم - الخبيثات والخبيثون للخبيثات - فلولا فسلد في نفوسهم وأخلاقهم ما كانوا يميلون إلى الفاسدات ، وكل يميل إلى جنسه . (1/33)
صفحة 34
ثم لا تسل عن الذرية التي تنشأ في حجور هؤلاء الكافرات ، وكيف يفلح من لا يرى مفلحا ، اننا في حرج مع هؤلاء الأباء الذين يأتوننا بأولاد كبار فوق سن البلوغ وهم لم يعلموا من أمر الصلاة شيئا ومنهم من لا يحس حتى النطق باللغة ولا الكتابة بها فاضطررنا أن تكتب ألفاظ الصلاة بحروف لا تينة مع نقل في النطق وصعوبة في التهجي وفي العربية حروف لا توجد في اللاتيينية فلا يتعلمون سور الصلاة القصيرة إلا بعد جهد جهيد وهم من أمور الدين الضرورية افرغ من فؤاد أم موسى فاحذروا هذه العواقب قبل أن يقترن أحدكم يفكر في الأولاد فهناك ناس يبكون الدم على أولادهم ولا يجدون من يمسح دموعهم ويقال لهؤلاء : يداك أو كتا وفوك نفخ . وبنات هؤلاء أغيظ لهم ولنا من أبنائهم : لا حجاب ولا حشمة ولا دين ومن يرغب فيهن إلا أمثالهن . أليس الحزم والحكمة أن نبتعد من أول مرة عن الإقتران بالخبيثات ونبحث عن ذوات الدين . فنصيحتنا إلى شبابنا المسلم في كل مكان أن يجنبوا أنفسهم ويريحونا من هذه العواقب السيئة فلا يتورطوا في هذه المهاوي التي لا قعر لها ولا نجاة منها فلا بارك الله لهم في هذه الإتصالات الفاجرة ولا بورك لهم في السافرات المتبرجات العاريات إلا يشفقون على جيوبهم إن لم يشفقوا على أديانهم وأولادهم ، إن هؤلاء يكلفن أزواجهن مصاريف باهظة لأن كل همهن هو أن يتمتعن ويتنزهن مهما بلغت التكاليف ولا شفقة لهن ولا رحمة على الأزواج فقلوبهن في هذه الناحية من حديد ، وربما لأن الحديد ولا تلين فإذا كنا مع بنات بلادنا المقتصدات المتقشفات بأنفسهم واشفقوا على دينكم ثم على دنياكم أيها الشباب ولا يفتنكم الجمال الموهوم المموه فإن وراءه الحسرات الطويلة والندامات ولات مندم ، وبعد ففيما ذكرنا عبرة للمعتبرين ولا نشك في حكمة تحريم الله نكاح المزنية . (1/34)
صفحة 35
- وحرم ذلك على المؤمنين - لا سيما وقد رأينا ولمسنا آثار كل نكاح لم يؤسس على تقوى من الله ورضوان ، ولم يقترن بذوات الدين . فما أحرى بالمؤمن البصير أن يبتعد عن هذه المهاوى ولا يغره البهرجة والتهأويل فالأمر خطير والعاقل من اتعظ بغيره ، ومن أراد بدافع الغيرة أن يأتي ببعض بنات هؤلاء قصد انقاذهن فبشرط أن يتعاهدوا باتباع طرق المسلمين من الحجاب الشرعي واقامة الصلوات وفرائض الدين وإلا فاتركوا البلاء ولا تأتوا بالعدوى إلى بيوتكم فعدواهن أخطر من كل عدوى في الأمراض البدنية فتخيروا لنطفكم فان العرق دساس ، كما ورد في الحديث الشريف واياكم وموارد الندامة وقانا الله واياكم وهيأ لنا من أمرنا السلامة والرشد . ولنرجع إلى تفصيل أحكام العقوبات والفرق بين عقوبة المحصن وغير المحصن فنقول: في الآية عقوبة الجلد وليس فيها ذكر الرجم ، فالرجم لم يرد به نص الآية غير أنه ثبت بالسنة الصحيحة المطبقة بالفعل وأجمع المسلمون على صحة ذلك وتواتر نقله جيلا بعد جيل ومثل هذا الأثر لا ينكره إلا جاهل مكابر لا وزن لنكاره ولا عبرة بخلافه فالزاني الذي لم يحصن بعد يأمر الإمام بجلده ثم بنفيه إذا اقتضت الحكمة ذلك كأن يكون كرر العمل فيبعد عن الجو الذي استمرأ فيه المعصية إلى جو آخر حتى يسلموها ولا يفكر في الإتصال الحرام مرة أخرى . والزاني المحصن يرجم بالحجارة حتى يموت وقد أقيم هذا الحد غير مرة في زمان الرسول (ص ) على الرجال والنساء وفي زمان الخلفاء الراشدين وأئمة المسلمين بعدهم . (1/35)
صفحة 36
والزنا يتفرع إلى أنواع يتعلق بكا نوع حكم خاص هناك الزنا بمعناه الحقيقي وهو اتصال الرجل بأمرأة أجنبية اتصال غير شرعي فهذا هو الزنا المراد في الآية والذي يقام عليه الحد باجماع المسلمين وهناك اتصال الرجل بمحرمة من ذوات المحارم ولو بعقد فهذا الحكم فيه انهما يقتلان وتصادر أموالهما ترجع إلى بيت مال المسلمين وهناك نوع آخر من الزنا وهو عمل قوم لوط ، ادخله بعض العلماء في حكم الزنا : الجلد لغير المحصن والرجم للمحصن ، ولكن وردت أحاديث عن رسول الله (ص ) قال: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به . وفي رواية فاقتلوا الأعلى والأسفل محصنا أو غير محصن .
ثم اختلف العلماء في نوع القتل فبعضهم قال يقتل بالسيف تقطع رقبته كما يقتل المرتدون وبعضهم قال : يرجم كما يرجم الزاني أما مذهب أبي بكر والإمام علي وجماعة من الصحابة والتابعين فهو أنه يقتل بالسيف ثم يحرق في نعشه ولا يدغن كما يدفن المسلمون ، ويرى بعض الصحابة إنه يجعل في دار عتيقة ويهدم عليه البناء حتى يموت بذلك ، وبعض يرى أنه يلقى من جبل شاهق أو بناء عال يلقى على أم رأسه فان مات بذلك وإلا أعيد إلقاؤه حتى يموت ، وهؤلاء استنبطوا الحكم من عقاب الله نعالى لقوم لوط ، هذا كله بعد اتفاقهم على قتله وسواء أحصن أو لم يحصن هذا إذا كان بالغا إما إذا كان دون البلوغ فيعاقب حسب نظر الإمام بما يؤذ به هذا إذا كان مختارا غير مكره أما إذا أكره فلا عقوبة على مكره والله أعلم به هذا نوع آخر من الزنا وهواتيان البهائم وقد ورد في الحديث : (1/36)
صفحة 37
-ملعون من أتى بهيمة وفي الحديث اقتلوه واقتلوا البهيمة - - ولا تذبح ذبحا لأكل لحمها فإنها لا تؤكل إنما هي جيفة تدفن . ثم اختلفوا هل يغرم الفاعل بقيمتها ان لم تكن ملكا له . أما السحاق الذي يقع بين النساء فورد التعزيز وهو الجلد دون الحد وكذلك كال اتصال بين الرجل والنساء لم يصل إلى حد الزنا : الحقيقي كالمعانقة والتقبيل والمباشرة دون الايلاج فالحكم فيه التعزيز تأديبا لفاعله ، وكل هذه العقوبات لا تقع إلا بعد التثبت وقيام الحجة بالطريقة الشرعية المعلومة كما سيأي بيانه في الآية التالية.أما اقرار أربع مرات وأما الشهود الأمناء بعد التثبيت والرؤية للعمل الحقيقي للزنا ثم يصل الأمر إلى الحاكم فيقيم الحد عليهما ولا يكفي أن يقر الزاني ثم يصل الأمر إلى الحاكم فيقيم الحد عليهما ولا يكفي أن يقر الزاني بمزنيتة حتى تعترف هي بنفسها فيقام عليها الحد هذا ما ويقع في زمن النبي (ص ) وبأمره وحكمه في قصة ما عز : وهو شاب من شباب الصحابة ابتلاه الله فارتكب فاحشة الزنا بعد احصانه فأرشده أحد الصحابة أن يذهب إلى النبي (ص ) ليستغفر له فذهب إليه فاعترف بين يديه بفاحشته في المسجد بعد الصلاة فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم حتى كررر اقراره أربع مرات وفي كل ذلك يعرض عنه ثم قال لعلك فقبلت لعلك عانقت . كل ذلك لعله يذهب فيئوب إلى ربه فيتوب الله عليه ثم اتجه النبي إلى الصحابة فقال: أبه جنون قالوا لا يا رسول الله فقال: لعله شرب خمرا فقام إليه أحدهم فشمه فلم يجد فيه أثرا للخمر فأمر : النبي صلى الله عليه وسلم به فرجم غير أنه قال للذي جاء به لو سترته . بثوبك لكان خيرا لك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن حريصا على التجسسس وكان يقول : من ابتلى بشي من هذه القاذورات فليستتر بستر الله فإن الستر والحياء من الإيمان ويقول:من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه كتاب الله . (1/37)
صفحة 38
والقاعدة العامة في الشريعة الإسلامية إن هذه الجرائم التي فيها الحدود كالزنا والسرقة وأمثالها إذا ارتكب أحد منها شيئا فما دام أمره لم يصل إلأى الإمام أو الحكام فاستتبته فتاب ورد المظالم يمكن العفو والإعفاء لكن إذا وصل أمره إلى الإمام فلا عفو ولا اعفاء ولا بد حينئذ من اقامة الحد ولم يكن النبي (ص ) حريصا على البحث عن الموجبات لأن ظهورها ظهور الفواحش ولأن المجتمع الإسلامي لا يصلحه ذلك ولا خير في شيوع الفاحشة فشيوعها هبوط للقيم المعنوية والخلقية في المجتمع فلنفهم السر في قوله (ص ) للذي جاء به : - لو سترته بثوبك لكان خيرا لك - فلو أنه تاب واستغفر وستر ذنبه لغفر الله له أما وقد أظهر أمره فلا بد باقامة الحد وتوبة تنفعه في الآخرة ترفع عنه عذاب الآخرة ، وقد شهد له النبي (ص) بصدق التوبة فقال فيه : - لقد تاب توبة لو وزعت على أمة لوسعتهم وقال : أ،ه لفي أنهار الجنة ينغمس فيها كما قال في الغامدية التي أقيم عليها الحد بعد توبتها : لقد تابت توبة لو أنها وزعت على أهل المدينة لوسعتهم ، ولولا صدق توبتهما لما ذهبا بأنفسهما إلى النبي (ص ) يلحان عليخ أن يطرهما باقامة الحد عليهما . (1/38)
صفحة 39
ثم بعد اقامة الحد على المحدود التائب يصلي عليه ويتمتع بجميع حقوق المسلمين من الولاية والدعاء وغيرهما ، وفي المرأة إذا ظهر أنها مجبورة على الزنا لا يقام عليها الحد وانما يؤخذ لها العقر من مجبرها وهو عشر الدية إذا كانت بكرا أما الثيب فلها النصف العقر والصبية دون البلوغ لها عقرها ولا عبرة برضاها أو سخطها فتعتبر مجبورة مهما كان حالها وكذلك الصبي له مثل ذلك إذا فعل به ولا ينفع رضاه وإذا أجبر بعد البلوغ فله نصف المقر كالشيب أما إذا وافق فلاشي له وعليه الحد واللعنة اذا لم يتب هذه هي الأحكام التي تتعلق بالموضوع فلا بد بمعرفتها ثم باب التوبة بعد هذا مفتوح فمن ابتلى بشي من هذه البقاذورات فليبادر بالتوبة النصوح قبل الفوات وأداء ما لزم عليه من الكفارات وعلى كل فاحشة من هذه الفواحش كفارة مغلظة نسأل الله العصمة ومن ابتلى بشي من هذا ثم تاب توبة نصوحا نسأل له التوبة والمغفرة حتى يموت على حسن الخاتمة ، ثم ان الله تعالى لما حرم الزنا سماه فاحشة وساء سبيلا - - والفاحشة في عرف القرآن تستعمل في الذنب الكبير الذي عظم ضرره واتسع خطره لأن الفحش في الغة فيه معنى الإتساع ما كان ضرره يمس جهات مختلفة وكثيرة فكباءر الذنوب تسمى في عرف القرآن فواحش - الذين يجتنبون كبائر الأثم والفواحش - ثم زاد فقال الله في حقه وساء سبيلا وقرر لخ أحكامه السابقة ، الحدود في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة وانما يقوم باقامة الحدود ائمة العدل فان لم يكونوا وأمكن جماعة المسلمين أن يقيموها فذلك والإ فما أمكنهم من النكال والتعزيز والتأديب . (1/39)
صفحة 40
وكذلك جميع الشرائع السابقة قررت عقوبة الزناة ففي التوراة الرجم فعند كل الأمم أن الزنا رذيلة من أعظم الرذائل وعار يلوث المجتمع كما أن العفةفضيلة من أعظم أنواع الفضائل وذلك شي فطرت عليه النفوس ولا عبرة بما ابتلى به كثير من ملاحدة هذا العصر وغيرهم مممن مسخوا فلم يعودوا كالبشر مسخت عقولهم وقلوبهم فأصبحت ترى المنكر معروفا والمعروف منكرا فرؤوسهم منكسة ، أما وضعها فعلى أجسامهم ولكنهم على الحقيقة منكسون فهم على غير الوضع السليم طمست عقولهم وردت وجوههم على أدبارهم فهم لا يرون في الزنا عيبا وهؤلاء اتخذوا مذهب العرى مذهبا فهم يمشون عراة كما خلقهم الله ولا يستترون بشي ويتسافدون على مرأى ومسمع من الناس فلا حياء عندهم ولا فضيلة وهذا هو المسخ الوارد في القرآن في أمثالهم من كل زمان ومكان : - قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل - فهم يتسافدون كما تتسافد القردة والخنازير في غير حياء ولا خجل وهم كذلك مثل الخنازير لا غيرة لهم على أنثاهم فهذا هو المسخ الذي ليس فوقه مسخ ، ووجود هؤلاء في كل زمان لا ينقض القاعدة العامة التي تقررت في الفطر السليمكة ونزلت بها الشرائع وهي أن الزنا جريمة تستحق العقوبة ثم اختلفت قوانينهم في تحديد نوع العقوبة ومقدارها ، اتفقوا على تقبيح هذه الجريمة لأنها لو فتح بابها لتهدم المجتمع وأتى على بنيان الحضارة الإنسانية من قواعده فينهدم ولا تقوم له قائمة فلا يمكن لذرية آدم حينئذ أن تعمر الأرض ولا أن تقوم بخلافة الله فيها كما يجب لأن عمارة الأرض لا تقوم إلا على مجتمعات متماسكة ةمتصلة بعضها ببعض اتصالات منتظمة بطريق تأسيس عائلات وأسر وشعوب وقبائل بينها حقوق وواجبات متبادلة بينهم : (1/40)
صفحة 41
تعاطف وتعاون وتناصر والإنسان كما هو معلوم مدنى بالطبع لم يخلق للغابات والجبال والبراري انما خلق ليكون أمما تسودها قوانين وشرائع فلا يمكن لنوع الإنسان أن يعيش إلا كذلك والخلية الأولى لتكوين الأمة هي الأسرة تتكون أولا من زوج وزوجة مرتبطين ارتباطا شرعيا ثم ينشأ بينهما أولاد شرعيون يحوطانهم بعنايتهما ، - وجعل بينكم مودة ورحمة - وهذه المودة والرحمة لا توجد إلا في بيووت أسست على التقوى من أول يوم أما اللذان يتعارفان في الشارع ويتصلان اتصالا عابرا يقضيان فيه شهوتيهما ثم يفترقان كالبهائم فلا يكون اتصالهما أسرة ولا عائلة ولا يتقدم بهذا النوع عمران ولا حضارة ولا مدينة ، وفي الدنيا ملايين وملايين من الحيوانات اليوم إلا كحيوانات أبينا آدم وأبينا نوح التي حمل منها في سفينته ، هي ملهمة بما يحفظ عليها عيشها ونسلها غير أن ألهامها محدود ولذلك تراها تعيش قطعانا ليس بينها نسب معلوم ولا قرابة محفوظة وطبيعة وجودها ما دامت مملوكة لا مالكه ومسوقة لا سائقة ومسخرة فطبيعة وجودها لا تقتضي أكثر من ذلك فلا ضرورة تقتضي انتظامها أسرا وعائلات وانقسامها شعوبا وقبائل ، أما الإنسان فلا بد من عقد بينه وبين أنثاه ويختص بها وتختص به ثم ينسلان نسلا خاصا بهما ويرتبط ذلك النسل برابطة النسب ثم تتشعب الروابط وتكثر الوشائج والصلات : - ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليهلا وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون - هذا ما يحدث بين الزوجين الشررعيين أما الزنا فلا يحدث بين الزناة مودة ولا رحمة ان هي إلا الشهوة البهيمية يقضيانها ثم يفترقان ، ولعل أحدا يخطيء (1/41)
صفحة 42
أو يعتبر بالألفاظ التي تتبادل بين أبناء الهوى من الحب والغرام فليست إلا فوران الشهوة لا غير ثم تنتهي عند قضاء الشهوة فلا تدوم ، ولا دوام إلا لرباط حلال مقدس سماه الله تعالى : ميثاقا غليظا - وقد أفضى بعضطم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا - فلا يجوز أن يفصم هذا الميثاق إلا لضرورة معتبرة شرعا كأن يكون أحدهما لا يطيق الآخر بغضا فيخاف من بقائهما إلا يقيما حدود الله فيحنئذ يباح ما كان ممنوعا وهو الطلاق على الطريق الشرعي المعروف ، على هذا الأساس المتين تنشأ الذرية الطيبة بينما الزاني لا يعترف بالأولاد ولا يلتصقون به والزانية لا تكون في قلبها الرحمة لأنها ترى الولد سبب فضيحتها فربما تتخلص منه بقتله أو نبذه بعيدا عنها أو اسقاطه وافساده قبل أن يعلق وعادة ما يفسد ما في أرحام العواهر باختلاط المياه وتنشأ هنالك الأمراض والأوبئة الفتاكة مثل الطاعون وذلك لأختلاط المياه العفنة التي تسري منها العدوى ، وفي الحديث الصحيح : - وما انتشرت فاحشة الزنا في قوم إلا ابتلاهمالله بالطاعون ومن المؤسف أنه فشا في شباب العالم اليوم الرغبة عن الزواج مطلقا أو تأجيله إلى سن متأخرة فرارا من تحمل مسؤولية العائلة والأولاد ، انتشرت هذه الفكرة في أوروبا وأميركا ومنها فشت في الشباب العربي وانتشرت انتشارا غريبا كل يكره ويقول لا أتحمل في عنقي مسؤلية عائلة أنفق عليها انما أقضي لبناتي في ليلة أ, ليلتين في الأسبوع ثم أذهب لحال سبيلي وكذلك النساء يعتقدن هذا فانتشر العزاب وكثر الفساد وكثر أولاد الزنا فتجد رجالا ذوي مناصب علماء ووزراء ورؤساء جمهوريات عزابا ، وبعضهم يكره الزواج لأنه لم تعد له ثقة في الكاسيات العاريات الفاسقات فهو لا يحب أن يقترن بمن يعرف فسقهن وفجورهن ولو استقاموا لرغب بعضهم في بعض ، وبعضهم في الزواج حتى يجمع المال فيتأخر إلى بعد الأربعين والخمسين وهذه الظاهرة من فقدان التوكل على اله الذي يقول _ وانكحوا (1/42)
صفحة 43
الأيامي منكم والصالحين من عبادكم وامائكم أن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله - ويزعمون أن الأرض لم تعد تكفى لتموين العدد الذي عليها من الفقراء ومن البشر فتراهم حتى بعد زواجهم يحددون النسل خوفا من الفقر وهذا ينافي الإيمان وانتشرت هذه الفكرة في الأوساط المنتسبة للعلم حتى اهتمت جمعيات التغذية بعدد سكان الأرض بعد ستمائة عام فقالوا لا تكفي الأرض لايواء هذا العدد الضخم فيصبح لكل فرد الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا ، وليس اليهم تقديرا تقدير الأرزاق والأسكان ولا يعلمون من شأن العد القريب شيئا فكيف بالمستقبل وهو بيد الله تعالى : - وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين - وبعضهم لا يرغب في الزواج خوفا من تكاليفه وتكاليف الحمل والرضاع والتربية وما يسستتبعها من المصاريف فتراه ميالا إلى الراحة وحب الذات يتهرب من هذا الواجب الثقيل ويلجأ إلى الفستق والزنا ينال نه لذته المحرمة وذلك لقلة الإيمان فلا دين يردع ولا رقيب من تقوى ، ومن ذا الذي يستعصم مع السباب وتوفر الأسباب ولذلك أمر الشرع الشباب على الأخص بالزواج ورغب فيه بقدر ما حذر من الزنا لأن شهوة الجنس ان لم تجد لها متنفسا ذهبت تفتش يمينا وشمالا فلا تجد وراء ذلك إلا لحرام ، جاء في الأثر الصحيح العازب شيطان ، وجاء في الحديث الصحيح : - وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني - وهذه الآثار وأمثالها علاج للفرد والمجتمع وحماية من آفات الزنا وأسابه ورغبنا الشرع في الزواغج الباكر حتى ورد في الحديث الشريف : - من كان عنده بنت وبلغت الثانية عشر ووجد لها زوجا فلم يزوجها وارتكبت اثما فانه شريكها في الدين انه لاحفظ لنوع الإنسان الذي به عمارة الأرض إلا برباط الزواج المقدس فهو وحده الذي تنشأ به الأسرة لأن نوع الإنسان لا يصلح بقاؤه إلا بتعاون الزوجين زمانا طويلا على تربية أولادهما فليس كالبهائم التي تتسافد وتذهب لحالها (1/43)
صفحة 44
ولا تمكث طويلا فتفطم رضيعها ثم يستغنى عنها ويذهب لحاله وينساها وتنساه .
فالويل للعالم والخراب والدمار إذا انصرف الناس عن الزواج فلا تربية ولا عناية ولا مودة ولا رحمة . فأما عقم وفساد الأرحام باختلاط المياه وأما أولاد الزنا الذين بدأوا يكثرون وتحتار فيهم الدول فهم ينشئون كالبهائم لا عواطف ولا أخلاق وهم أولاد الملاجى والتجمعات التربوية وويل للأمة التي تسند أمورها إلى أولاد الزنا فهم خراب العالم لم ينشأوا في أحضان الدين فهم قساة القلوب لا شفقة لهم ولا رحمة وفاقد الشيء لا يعطيه وهم جراثيم الفساد وآفة الأخلاق بين الناس . هذا هو السبب الذي من أجله اهتم الإسلام اهتماما كبيرا بفاحشة الزنى فشدد فيها وقال: - ولا تقربوا الزنا – وعالج شهوات الشباب بالأمر المؤكد بالزواج ورغب فيه ترغيبا لا مزيد عليه حتى وعد على الاغتسال من الجنابة الحلال على كل شعرة حسنة والحسنة بعشر أمثالها . وقال (ص ) : وفي بضع أحدكم صدقة فقالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته فيكون له أجر فقال لهم : أرأيتم لو وضعها في حرام أيكون عليه وزر فقالوا : نعم ، فقال : فذلك كذلك . (1/44)
صفحة 45
وللمبالغة في الابتعاد عن الزنا نهانا عن كشف العورات وأمرنا أن نفصل بين الأولاد في المضاجع إذا بلغوا سبعا وأمرنا بغض البصر وأمر النساء بإخفاء زينتهن حتى التي تسمع منها ولا ترى كالخلاخيل لأن صوتها ربما يفتن ونهيت المرأة أن تتعطر وتخرج فذلك نوع من الإغراء كل هذه سدود وأسوار تحجز الإنسان عن الاقتراب من الزنا وسنمر على الآيات التي هي نص في الموضوع في أثناء تفسيرنا السورة إن شاء الله وقد يهتم الأطباء إذا أحسوا بخطر وباء من الأوبئة مثل الكوليرا فليقحون الناس بما يقاومها ويمنع من انتشارها إشفاقا من الخطر والزنا أخطر من الكوليرا ومن كل وباء فتاك فنرى كم جاء في سورة النور وسورة النساء وسورة الأحزاب وسورة الطلاق من التطعيمات والوقايات التي إذا استعملناها أمنا الخطر واتقيناه ، وفيما إذا لم ينجح الدواء والوقاية في بعض الأشخاص فآخر الدواء الكي فحينئذ تنفذ فيهم الحدود حتى يوقى المجتمع من خطرهم فيرجم الزاني المحصن ويجلد الذي لم يحض ويغرب ، إن اقتضت الحكمة تغريبه ، عامي كاملا فبقدر ما أحيطت هذه الفاحشة به من الأسوار المتينة ندرك خطرها على البشرية وقانا الله شرها – والله يعلم وأنتم لا يعلمون – والخلاصة إن الإسلام اعتبر فاحشة الزنى من أخطر الفواحش واتخذ جميع الوقايات منها واعتبرها فاحشة يتضرر منها المجتمع ولذلك حد فيها حدا وأمر أن يشهده طائفة من المؤمنين للتشنيع بفاعلها وليعتبر به غيره ولم يفرق فيه بين طبقة وطبقة كما هو تشريع ما عند الهنود فإنهم فرقوا بين الطبقاء طبقة شريفة وطبقة منبوذة فعندهم إذا زنى رجل من المنبوذين بامرأة شريفة فجزاؤه أنهم يقطعون مذاكيره وفي بعض الشرائع يربطونه بسرير من حديد ويحرقونه ، وإذا زنت امرأة شريفة برجل منبوذ يحرقونها أما إذا زنى رجل بامرأة من طبقته أو ممن هي دونه في الشرف فلا عقوبة عليه وهذه انحرافات كما هو عند جاهلية العرب يبيحون الزنى بالإماء ويحرمونه على (1/45)
صفحة 46
الحرائر فجاء الإسلام فرفع نظام الطبقات لا فرق بين طبقة وأخرى يعاقب الزانيان مهما اختلفت منزلتهما ولا فرق إلا بين متزوج وعازب كما تقدم . واليوم في قوانين أوروبا وأميركا لا يعتبرون الزنى جريمة يعاقب عليها القانون إلا في بعض الصور كاعتباره خيانة أحد الزوجين للآخر فإذا تسامحا وتواطئا على ذلك فالأمر مباح لا عقاب عليه قانونا ، وفي صورة ما إذا تعدى الرجل على امرأة وأكرها على الزنى وتطبق عليه العقوبة أما إذا تراضيا عليه فلا دخل حينئذ للقانون ولا لأي كان وفي صورة ما إذا وقع الزنى بزوجة الغير وطالب بحقه يعتبرونها جريمة تعدية أما إذا رضى الزوج فلا جريمة ولا عقاب وهذه كلها انحرافات لا تطهر المجتمع من آفة الزنى وآثاره الوبيئة على النسل وعلى المجتمع كله . والشذوذ الجنسي وهو عمل قوم لوط أصبح عندهم أمرا عاديا لا يعتبرونه جريمة يعقب القانون عليها ولا يطرد أصحابه من المجالس العليا للدولة مثل مجلس البرلمان والوزراء وهذا انحطاط كبير وتردى إلى هوة سحيقة من الخبائث – ومن لم يحكم بما أنزل لله فأولئك هم الفاسقون – هذا وبقيت مسألة تتصل بموضوع الزنا وهو إتيان المرأة من دبرها جاءتني أسئلة في الموضوع فالجواب كما يلي : روى عن النبي (ص ) قال : - ملعون من أتى امرأة في دبرها وذكر سبعة أصناف لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، وذكر منهم من أتى امرأة في دبرها . – والقول المشهور عندنا معشر الأباضية إنها تحرم عليه بذلك كما هو مقرر في كتاب النيل إنها تحرم بتأييد ، ورخص بعضهم إنها لا تحرم عليه ولكن يتوبان إلى الله ويعطيان كل واحد منهما خمسة دنانير ، وفي الحديث الشريف : - من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو أتى كاهنا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد (ص ) فهي على كل تأويل فاحشة من أكبر الفواحش التي تجب فيها كفارة غليظة وتوبة نصوح . (1/46)
صفحة 47
ثم أن العلماء اختلفوا : هل على كل فاحشة كفارة واحدة لكل نوع ولو تكرر كالذي ترك صلوات كثيرة عليه كفارة واحدة إلا إذا عاد إلى الذنب بعد التفكير فحينئذ تجب عليه كفارة جديدة . ثم تأتينا مسألة تتصل بموضوع الزنا وهي الاستمناء باليد وهو محرم باتفاق جمهور علماء الأمة وهو زنى اليد وهو ناكح يده عليه وعيد شديد صح به الأثر وهو من العادين – فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون – وصح النهي عن النبي (ص ) وتكلم الأطباء كثيرا في الأمراض التي تخلفها هذه العادة الخبيثة في الجهاز التناسلي وقد تبلغ بصاحبها حد الجنون والموت في بعض الأحيان وتنتهي بصاحبها إلى العنة فلا يستطيع أ، يأتي زوجة ويظن بالناس الظنون ويلجأ إلى أنواع الخرافات لقصد العلاج وهو الذي تسبب في ذلك بانحرافاته وشذوذه الجنسي أو ألفه لهذه العادة السرية الخبيثة فليحذر الشباب وليقلع الذين ابتلوا بها لعل الله يتوب عليهم ويفرج على المصابين منهم . (1/47)
صفحة 48
وكثيرا ما يؤدي الأمر إلى قضايا من هؤلاء الشباب التفاوض معهم وأعظهم وأنصحهم بالتوبة والإقلاع فاتقوا الله أيها الشباب واحذروا هذا العمل الخطير فإنه خطير حقا على دينكم ودنياكم وقاكم الله وهداكم _ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم _ هذا نوع من الأدب الرباني العالي الذي يراد به تطهير المسلم ثم تطهير المجتمع الإسلامي كله كمن شيوع الفاحشة ومن وقعها فالزجر الأول إنما كان بإقامة الحد على فاحشة الزنا والزجر الثاني وفيه حفظ أعراض المسلمات والمسلمين وهو المبالغة في أخذ القاذفين بعقوبة الجلد في الدنيا وتخويفهم بعذاب الله في الآخرة فهذان الحكمان مع ما سيأتي في السورة من أحكام وأوامر ونواه وآداب يكون مجموعها خطة منظمة محكمة كاملة إذا اتبعها أئمة المسلمين فنفذوا أحكامها واتبعها الناس أتمروا بأوامرها وانتهوا بنواهيها وتأدبوا بآدابها ووقفوا عند حدودها ومعالمها خرجت منهم أمة هي خير أمة أخرجت للناس طاهرة نقية عفيفة تقل فيها العداوات والاعتداءات وتسلم من عواقب السوء كلها . وعند تأمل مقدار هذه العقوبة الغليظة يتعجب الإنسان بادي الرأي من شدتها فهي تقرب من عقوبة الزنا نفسها وليس بينهما إلا فرق يسير في العدد نعم تستحق هذه الجريمة كل هذه العقوبة لأنها لا تقل كثيرا عن فاحشة الزنا في إفساد المجتمع وإشاعة الفاحشة مع الأضرار بالمحصنات وهتك أعراضهن وتكوين جو موبوء وبيئة فأجرة لا تتفق وتعاليم الإسلام ونقاوة مجتمعاته . (1/48)
صفحة 49
جعل الله القذف منكرا وبهتانا من القول يستحق مرتكبها عقوبات متنوعة – فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون – ثلاثة أنواع من العقوبات : العقبة الأولى هي الجلد ثمانين جلدة للرجال والنساء وفيه ما فيه من الإيلام والإهانة ، العقوبة الثالثة اعتبارهم فاسقين أي خارجين عن طريق الإسلام وعن مجتمع المسلمين ولم ترد هذه العقوبات فيمن آتهم أحدا بالخمر والسرقة وترك الصلاة مثلا وما ذلك إلا لغلط هذه الفاحشة وقبحها والعار الذي يلتصق بصاحبها على إن التهم كلها محرمة وعلى إمام المسلمين تعزيز الذين يتهمون الناس ويكذبون عليهم بما يراه رادعا لهم ولغيرهم ، أما تأديب القاذفين بفاحشة الزنا فلم يكل تحديده إلى نبي مرسل ولا إلى اجتهاد أمام أو قاض حتى حدده في كتابه الكريم وشدد في تنبع العقوبة ورفع عدد الشهود إلى أربعة بينما جميع الشهادات الأخرى يكفي فيها رجلان أو رجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء وقلما يتوفر هذا ومن الصعب جدا أن يرى أربعة رجال وقوع فاحشة الزنا بين رجل وامرأ’ فهذا شيء نادر الوقوع اللهم إلا في مجتمع متهتك تعرى رجاله ونساؤه من الثياب والآداب فلم تعد فاحشة الزنى عندهم عارا فهم يرتكبونها جهارا . أما ما يجرى على ألسنة الناس من التهم فلا يبلغ حد التحقيق ولا يكفي لاثبات التهمة وأكثر ما يشبع من التهم باطل من القول وزور . (1/49)
صفحة 50
فيجب نفى مثل هذا الكلام وإلغاؤه ورفع مقام المؤمنين والمؤمنات عن لوثة التهم – لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا افك مبين لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون – تبدأ القالة تهمة تحوطها خيالات وظنون ثم تصبح حقيقة ثم تتسع وتكبر على تعدد الألسن التي تحكيها فأمرنا الله أن ننفيها ونطفئها ولا ننعشها بالإشاعة على الألسنة الكاذبة والآذان الفاسقة والقلوب الفاجرة التي قد يتظاهر أصحابها بالغيرة وهم يحبون الفاحشة ويغيظهم العفاف والطهر فهم يبحثون عن الأحاديث الفاجرة ويتشممون عن الجيف كما تتشمم الكلاب في المزابل أو كالجعل يتلذذ بالنتن ويتضرر بالطيب وللناس في البهائم والحشرات أشباه وأشكال فهم لا يتلذذون في مجالسهم إلا بأعراض الأبرياء والبرئيات ومن ألف شيئا يحن إليه حتى إذا لم يتمكن من إتيانه تسلى بالأحاديث في مواضيعه والذنب يجر إلى الذنب ونعوذ بالله من مكره تسلى بالأحاديث في مواضيعه والذنب يجر إلى الذنب ونعوذ بالله من مكره . تسلى بالأحاديث في مواضيعه والذنب يجر إلى الذنب ونعوذ بالله من مكره . تسلى بالأحاديث في مواضيعه والذنب يجر إلى الذنب ونعوذ بالله من مكره . أما إعفاء النفوس الكرام فلهم عن هذا ترفع وأعراض ولا يحبون سماع هذه الأخبار إلا إذا عناهم منها أمر متحقق فحينئذ يتصدون له للإصلاح والتقويم والناس مختلفون وسعيهم شتى وقد كتب علماء الأخلاق وطبائع النفوس الشيء الكثير في هذا الباب . أما هذه الأحاديث فكثيرا ما أحدثت وساوس في قلوب كانت غافلة برئية وللنفس حظها والنفس أمارة بالسوء وللشيطان وسائله وحبائله فهو دوما ما يلقى بها ليصطاد ضعاف الإيمان نعوذ بالله من كيده ووسواسه . (1/50)
صفحة 51
فالواجب عليك أيها المؤمن إذا سمعت شيئا متحققا من شهود أربعة عدول أن تذهب إلى من بيده الأمر حتى يقيم الحد وإذا لم يتمكن الحد فما أمكن من التعزيز والتأديب وإياك أن تذكره لغير هذا الغرض وبغير هذا الشرط وإلا فأنت الفاسق المفترى الكاذب الذي لا تقبل شهادته أبدا وعذاب الآخرة أشد وأبقى . هذا هو حكم الله وتأديبه لنا والله يعلم ما يصلح بالمؤمنين والمؤمنات والله أغير على دينه بذات الصدور يعلم ما يخفى وما نعلن ثم يجازي كلا على حسب نيته جزاء عادلا وفاقا انظروا إلى حكمة الله البالغة في أحكامه التي لو اتبعناها لتكونت منا معشر المسلمين أمة طاهرة نظيفة هي خير أمة أخرجت للناس وهي تدابير ربانية محكمة مفصلة في هذه السورة التي هي النور يضيء الطريق للمجتمع الصالح الرشيد – ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون – كل ما من شأنه أن يلوث المجتمعات الإسلامية أو يحدث فيها بلبلة يحذرنا الله منه ويتوعد عليه أشد الوعيد حتى تبقى مجتمعاتنا برئيه نظيفة متماسكة على العفاف والطهر والاحترام المتبادل فلا عدوان بالقول ولا بالسمع ولا بالنظر وأي اعتداء من هذا القبيل فهو رمى لا يقل خطرا عن الرمي بالسهام والرصاص . والذين يرمون المحصنات – فهو رمى لا مجرد كلام يذهب مع الريح فلنحذر الرمي بالكلام كما لا نترامى بالنار لأنه مثلها أو أشد منها مفعولا في مجتمعاتنا . (1/51)
صفحة 52
والمحصنات في عرف القرآن لفظة يراد بها أحد معنيين أما الزواج وهو المراد في سورة النساء في الحديث عن المحرمات منهن – والمحصنات من النساء - أي المتزوجات ، حرم على الرجل خطبتهن ونكاحهن وقوله تعالى - فإذا أحصن فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب – والمعنى الثاني للإحصان في القرآن ، هو العفة والطهارة فالمحصنات هن العفيفات الطاهرات ومنه وصف مريم العذراء عليها السلام بالإحصان وذلك حيث يقول تبارك وتعالى – ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا – فمريم لم تتزوج وانما هي محصنة بمعنى عفيف وذلك نظير قول الشاعر : - حصان رزان ما تزن بريبة – وهذا المعنى الثاني هو المراد هنا في هذه الآية الشريفة – والذين يرمون المحصنات – أي العفيفات البرئيات ، متزوجات أو غير متزوجات يرمونهن بالزنى باجماع أهل التفسير والفقه وقاموا على المحصنات من النساء المحصنين من الرجل لحرمة عرض المسلم .من حيث هو مسلم لا فرق فيه بين ذكر وأنثى في ذكر النساء هنا لأن تضررهن بالرمي أبلغ والعار يتعدى إلى ذويهن وفي مواضع أخرى كثيرة يدخلن مع الرجال بالتغليب حيث يرد الأمر والنهي أو الحكم على صيغة المذكر فيدخلن في الخطاب ما لم يقم دليل على تخصيص أحد الجنسين دون الآخر فعلى إمام المسلمين إقامة هذا الحد على القاذفين والقاذفات كما فعل النبي (ص ) بحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش رضي الله عنهم أقام عليهم الحد ثمانين جلدة على كل واحد منهم واستغفروا وتابوا تاب الله عليهم . (1/52)
صفحة 53
وفي عهد خلافة عمر بن الخطاب وجهت التهمة إلى المغيرة بن شعبة فجلد الذين قذفوه الحد كاملا على كل واحد من الثلاثة وأعفى الرابع من العقوبة لأنه شهد بما رأى ولم يحقق جريمة الزنى وعليه أجمعت الأمة أن من أتههم رجلا برئيا يقام عليه الحد كاملا كمن اتهم برئية ، وقال فريق من العلماء المراد بالمحصنات النفوس المؤمنة العفيفة فيدخل الرجال بالنص لا بالقياس والله أعلم ولم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين أن الحكم خاص بالنساء دون الرجال ثم ان القذف ما يكون بالتصريح أو بالتعريض الواضح الذي يكاد يكون تصريحا كأن يقول للولد هو ابن الزنا أو بنت زنا أو ابن الحرام ولا معنى لهذا إلا اتهام أبوبه بالزنا غير إن هذا يعزز ولا يقام عليه الحد كاملا ما لم يكن تصريحا بتحقيق فاحشة الزنى وهو الذي تنطبق عليه العقوبات الثلاث المذكورة هنا على القاذفين ومن التعريض ما يكون من جنس ما وقع في زمان الخليفة عمر رضي الله عنه فقد جمع وجوه الصحابة يستشيرهم في أمر وقع في زمانه وهو أنه تساب رجلان فقال أحدهما للأخر : لم يكن أبى زانيا ولا أمي كانت بغيا ، ففيه تعريض بأخيه ان أباه وأمه كانا زانيين فشكاه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتداولوا وجوه الرأي فقال أحدهم : هذا رجل مدح أبوبه فيه تصريح باتهام غيرهما وقال آخرون : أليس له صيغة لمدحهما إلا هذه الصيغة التي ليس فيها إلا اتهام الطرف الثاني من السباب . وهذا ما أخذ به عمر بن الخطاب فأقام عليه الحد ووافقه بقيتهم على ذلك وهذا أشبه بالصواب لأن المستمع لهذا السباب لا يفهم إلا أن أبوى الثاني زانيان فالمضرة حاصلة للمسبوب ومن أجلها شرع الحد والله أعلم . (1/53)
صفحة 54
ثم أن الكلام في هذه الأحكام واسع لتعدد كيفيات القذف فقد يكون الرامي سكرانا وقد يكون صبيا وقد يكون مجنونا وهل إذا رمى مسلم ذميا يقام عليه الحد ؟ في المسألة خلاف وهذا بعد اتفاقهم انه ذنب كبير وفرقوا في تهمة صبي دون البلوغ فأوجبوا الحد على من اتهم صبية مراهقة لأن ذلك يفسد عرضها وعرض ذويها ولم يوجبوه على من اتهم صبية مراهقة لأن ذلك يفسد عرضها وعرض ذويها ولم يوجبوه على من اتهم صبيا وهذا فرق معقول وفي المسألة أحكام فقهية تطلب في المطولات كل هذا إذا لم يعف المتهم قبل أن يصل الأمر إلى الحاكم إما إذا عفا قبل ذلك فلا عقوبة كل هذا إذا لم يعف المتهم قبل أن يصل الأمر إلى الحاكم أما إذا عفا قبل ذلك فلا عقوبة كل هذا مبسوط في كتب الأحكام لمن أراد التفقه . ثم بعد هذا الحد الغليظ الذي يقرب من حد الزنى يحكم الله تعالى على القاذف بحكم آخر قاس وذلك حيث ما دامت الدنيا لا تقبل شهادة القاذفين المفترين على الناس في بيع ولا رهن ولا وصية ولا عقد من العقود مطلقا فهو مردود أبدا لأنه ظهر زيفه وكذبه في هذه القضية فلا يؤمن في غيرها لا في معاملات ولا في عبادات . ثم حكم عليه بالفسق لا يستعمل إلا في الكبيرة المخرجة عن طريق الإسلام وهذان الحكمان يسقطانه عن مركزه في الهيئة الاجتماعية وهذا يشبه ما يعبر عنه اليوم بإسقاط الحقوق المدنية وهو نوع من العقوبات المقررة في القوانين الحديثة . (1/54)
صفحة 55
والمؤمنون عدول شهادتهم تقبل على بعضهم البعض ولكن هذا المجلود الفاسق تسقط شهادته عن حد الاعتبار فهي مردودة غير مقبولة ثم تكلم أهل التفسير والعلم في الاستثناء الوارد بعد هذه الأحكام هل يرجع إليها كل أو إلى بعضها – إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم – فهل فهؤلاء التائبون يعفون من الجلد وتقبل شهادتهم وينجون من عذاب الآخرة ومن وصف الفسق ، أ, يعود إلى الجملة الأخيرة فقط يرفع عنهم وصف الفسق وآثاره ولا يرفع عنهم الحد ولا تقبل شهادتهم ، والخلاف مبسوط في كتب الفقه والأحكام ونرى حصر الخلاف في الجملة الوسطى فقط ، لأن الأمة أجمعت على أن التوبة لا ترفع الحد عن المحدود وأجمع العلماء أن الاستثناء يتناول الأخيرة من الجمل وإلا فلا يكون لوروده معنى فهو يرفع وصف الفسق وآثاره عن المحدود فيبقى الخلاف محصورا في قبول شهادته بعد صدق توبته فقال بعض الفقهاء تقبل إذا تاب واستقام على توبته وظهر صدقه وصلاحه ، ولكن الجمهور على إن شهادته لا تقبل أبدا وهو القول الذي نميل إليه ونرجحه لوجوه أولا : لذكر التأبيد في المسألة فهو يقتضي مدة أطول من المدة التي بين القذف والتوبة وقد تكون قصيرة ، ثانيا إذا كان الاستثناء يتعدى الحكم الأخير فما الذي يقصره على الحكم الوسط دون الأول وهو قطعا غير داخل كما بينا وذكرنا أن رسول الله (ص ) والخلفاء الراشدين جلدوا ورجموا ولم يعطلوا الحدود بعد التوبة وفي نفس قضية القذف جلد القاذفون بعد ثبوت توبتهم فالتوبة إذا لا تسقط الحكم إنما هي تنفع لرفع عقوبة الآخرة متى صدقت . (1/55)
صفحة 56
ثالثا: والنظر الأخير الذي يرجح ما ذهبنا إليه كما أشار إليه بعض المحققين هو أن هذه الأحكام الثلاثة جاءت على ثلاث صيغ: الأولى أمر – فاجلدوهم ثمانين جلدة – الثانية نهى – ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا – والثالثة أخبار – وأولئك هم الفاسقون – فجاء الحكم الأخير مخالفا في أسلوبه للحكمين السابقين فلم يقل أحكموا عليهم بالفسق وانما حكم عليهم بأنهم فساق وقال بعد : - إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم – ولم يقل – فاعفوا عنهم – فلما كان هذا الحكم الأخير من خصوصيات الله وهو تبارك وتعالى وحده يعلم حقيقة توبتهم واصلاحهم فيدل هذا إن مرد الاستثناء إلى الحكم الأخير وحده وهو يعلم التائبين من الفاسقين وتذييله بأن الله غفور رحيم . يزيد الأمر ترجيحا أن المراد مغفرة ذنبهم ورفع عقوبة الفسق عنهم وهذا جواب لسؤال ينشأ عن الحكمين السابقين ف:إن قائلا يقول أرأيت أن جلدناهم وأسقطنا شهادتهم عقوبة لهم ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فماذا يكون مصيرهم عندك يا رب فأجابنا بأن صيرهم بعد توبتهم مغفرة الله ورحمته التي هي مصير التائبين جميعا ويزيد المعنى وضوحا عطفه بالفاء التفريعية – فان الله غفورا رحيم – هذا ما نلحظه في هذا المبحث ونرجحه والله أعلم . ثم يأتينا سؤال في الموضوع وهو ما موقف من رأى شيئا من هذه الفواحش تؤتى ماذا يصنع ؟ وهو بين أمرين أما أن يتوفر له ثلاثة شهود هو رابعهم شاهدوا الفاحشة جميعهم شهودا لا لبس فيه فحينئذ يبلغون الحاكم ليقيم الحد على الزانيين وأما أن لا يتوفر له هذا العدد فيسكت ويستر الأمر ولا يعرض نفسه لهذه الأحكام القاسية التي لا يعفيه منها كونه صادقا عند الله فهذا حكم الله لأنه إذا نطق فقد أشاع الفاحشة بصورة لم يأذن بها الشرع وتكلم بعض فقال: كيف يحكم عليه بالكذب ويمكن أن يكون شاهدا ورأى حقا ويتعجبون من هذا الحكم وهل لأجل غياب الشهود يسمى كاذبا . (1/56)
صفحة 57
هكذا أراد الله أن تكتم وتستر ما لم يتوفر الشهود فلا تخالف أمر الله لأنك إذا نطقت التهمة فقد أشعت الفاحشة في مجتمع طاهر نظيف فأما أن تأتي بالشهود فيقام الحد فهو العلاج لقطع الداء الذي هو خطر على المجتمع وأما أن لا يتوفر الشهود فتشيع الفاحشة بصورة لا تكفي لإقامة الحد على المتهم فلا بد بعلاج يقطع هذا الوباء المنتشر وهو الذي نطق بالفاحشة وأشاعها بغير سلطان من الله فهو الفاسق الكاذب الجاني على الفرد والمجتمع والأحكام تنطلق بالبيانات والبيانات إنما تثبت على توفر الجهود ولا طريق لثبوتها إلا ذلك فمن خالف الحكم الظاهر فهو الكاذب وربما يثير البعض شبهة وهي إننا سكتنا على مثل هذا تقع المضرة ويتجرأ العاصي والجواب عنها أن إشاعتها مع عدم إمكان إقامة الحد أوسع ضررا وأعظم خطرا على المجتمع ففي كتمانها ضرر على العاصي وحده مع إمكان نصحه ووعظه وتخويفه وفي إظهارها خطر على المجتمع كله فالواجب علينا أن نتأدب بآداب الله العالية ونكف ألستنا ونتق الله وكل من أتى ما يوجب الحد فإما يقام عليه في الدنيا واما إن يقتص منه في الآخرة ورحم الله أمرأ قال خيرا فغنم أو سكت فسلم ، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم وقانا الله عثرات اللسان .
- والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه أن كان من الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم – هذا حكم آخر من أحكام الله تبارك وتعالى فيما يتعلق بهذه (1/57)
صفحة 58
الفاحشة الكبرى والقذف بها وقد تقدم حكم رمي المحصنات عموما لا فرق بين أن يكون الرامي زوجا أو غيره وهذه الآية تضع حكما خاصا إذا كان الزوج هو الرامي وهو فرق معقول جدا لا يمكن للزوج أن يرى الفاحشة في زوجه ثم يسكت فيصبح ديوثا ولما نزل حكم القذف العام كبر الأمر على الصحابة فيما يتعلق بالزوجة حتى اندفع سعد بن عبادة سيد الأنصار فقال النبي (ص ) أهكذا أنزلت ؟ وجعل يرددها على النبي (ص ) حتى تأثر رسول الله (ص ) فقال للأنصار الحاضرين : يا معشر الأنصار أتسمعون ما يقول سيدكم فأجابه الأنصار قالوا : لا تلمه يا رسول الله فإنه رجل غيور والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرا والله ما طلق قط فاجترأ أحدا منا أن يتزوجها لشدة غيرته . ثم إن سعدا قال يا رسول الله والله إني لأعلم أنه لحق وإنها من الله ولكن عجبت إني إذا وجدت لكاعا تفخذها رجل لا يكون لي أن أحركه وأهيجه حتى آتى بأربعة شهداء والله لا آتى بهم حتى يكون قد قضى حاجته . كبرت هذه الآية على الصحابة رضي الله عنهم واشتد الأمر على النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء عويمر العجلاني فقال:يا رسول الله : إذا وجد أحد منا رجلا مع أمراته فان قتله قتلتموه وان تكلم جلدتموه وان سكت سكت على غيظ يبتلع جمرا في قلبه ويموت بالغيظ ، كيف يفعل يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم أحكم ، فلم تمض إلا أيام قليلة فإذا بهلال بن أمية من الأنصار جاء يسعى إلى النبي (ص ) قال له : يا رسول الله جئت عشاء إلى أهلي ووجدت رجلا مع امرأته فان قتله قتلتموه وان تكلم جلدتموه وان سكت سكت على غيظ يبتلع جمرا في قلبه ويموت بالغيظ ، كيف يفعل يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم أحكم . (1/58)
صفحة 59
فلم تمض إلا أيام قليلة فإذا بهلال بن أمية من الأنصار جاء يسعى إلى النبي (ص ) قال له : يا رسول الله جئت عشاء إلى أهلي ووجدت رجلا مع امرأتي رأت عيناي وسمعت أذناي فقال له اتق الله يا هلال فقال يا رسول الله والله إني لصادق فاشتد الأمر على النبي (ص ) فقال هلال والله إني لصادق والله لم أزد ولم انقص فقال : له النبي (ص ) البينة أو حد في ظهرك فشق الأمر على النبي (ص ) وضاق الأمر على الناس وقال هلال والله لأرجو أن يجعل الله لي من أمري مخرجا . (1/59)
صفحة 60
فقال النبي (ص ) حكم الله البينة أو الجلد فكاد يجلده لولا أن لطف الله به فنزل الوحي فلما سرى عن النبي قال (ص ) أبشر يا هلال قد جعل الله لك مخرجا وقرأ عليه الآية – والذين يرمون أزواجهم ، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله أنه من الصادقين الآيات – يشهد الرجل أربع شهادات بأنه صادق في اتهام زوجته والخامسة إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم ينادي القاضي المرأة أن تشهد أربع شهادات بالله انه كذاب والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فنادى هلالا وبعث للمرأة فجاءت فقال : لها الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل فيكما من تائب وأعاد عليهما ثلاث مرات ووعظهما وقال لهما : لعذاب في الدنيا أيسر من عذاب الآخرة فتمسك كل منهما بقوله بدأ بالزوج فوجه التهمة إلى زوجته ويقول : أشهد بالله إني لصادق فلما كررها أربع مرات قال له النبي (ص ) : اتق الله يا هلال فقال : يا رسول الله إني لصادق ثم أردف أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم التفت النبي (ص ) إلى المرأة فشهدت أربع شهادات تقول أشهد بالله أنه لمن الكاذبين وقبل أن تشهد الخامسة خوفها النبي (ص ) وقال توبي إلى الله ، لعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وقال : أنها الموجبة فتلكأت المرأة ساعة حتى كادت تعترف ثم قالت : والله لا أفضح قومي فشهدت الخامسة قالت غضب الله عليها إن كان من الصادقين ففرق بينهما رسول الله (ص ) . وأفتى أهل العلم أنها تحرم عليه بتأبيد ويلحق الولد بأمه وبعضهم قال يكفي اللعان واشترط البعض لفظ الطلاق للتفريق بينهما أو يلفظ القاضي : - فرقت بينكما – وفي هذا الحكم لطف من الله تبارك وتعالى – ولولا فضل الله عليكم ورحمته وإن الله تواب حكيم – هذا شرط ولا جواب له وقدر له بعض أهل التفسير جوابا وهو نحو : لجعل لكم حكما آخر . (1/60)
صفحة 61
ولكن الله يعلم ضعف نفوسكم ويعلم الحالة التي تصيب الزوج إذا شاهد بعينه وإن حالة الزوج ليست حينئذ كأي شخص آخر فالعلاقة متينة بين الزوج وزوجه والغيرة شديدة فكيف يمكن أن يرى ويسكت ويبعد في التقدير أن يتهم الزوج وزوجته لغير شيء لأنه حينئذ يطعن صدره بخنجر ويشك الناس في أولاده إلا إذا كان فاجرا ممسوخا يريد أن يتصل من زوجته ولو بالتهمة الباطلة فشرع الله لها أن تدافع حينئذ عن نفسها بشهاداتها ولا يصح لها والحالة هذه أن تبقى معه كما لا يصح له أن يبقى معها متى كان صالحا وكانت فاسقة . هذا حكم الله في اللعان لمن شاهد ورأى وكذلك قاسوا عليه من قدم من سفر ووجد زوجته حاملا بجنين محقق أو ولدت وهو بعيد عهد بها فلا عنها حينئذ لينفى الولد ويفارقها . وقد كانوا في الجاهلية لا ينتظرون بهذه الحالة إلا أن يقتلوا المرأة والرجل فلما جاء الإسلام وهو دين العدل والرحمة شرع هذا الحكم العادل حفاظا على المرأة الضعيفة أن تكون متهمة أو مقتولة لسبب آخر ثم تلصق بها التهمة فشرع الله هذا الحكم ولم ينزل إلا بعد حدوث الواقعة حتى يكون أوقع في النفوس فتقبله المسلمون بقلوب مسلمة منشرحة وأغلب الأحكام تنزل بعد حدوث الأسباب وفي ذلك ما فيه من الحكمة البالغة ونذكر منها حديث الأفك الذي سيأتينا قريبا ويريد الله أن يجعل ضحيته زوج النبي (ص ) لحكمة يعلمها والله عليم حكيم . (1/61)
صفحة 62
ولو شاء الله لنزل الحكم مع الحكم العام قبل أن تقع هذه الحادثة ولا حديث الافك وللعلماء في هذا كلام طويل في الحكم والعبر التي تستنبط من هذه الواقع وفي شرع الله تعالى لنا تطهير وتأديب لمجتمعاتنا ورجالنا ونسائنا وضل قوم يزعمون أن أحكامهم الوضعية أنسب وأليق من أحكام القرآن والسنة أن هؤلاء ليسوا مؤمنين – فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما – والذي أنزله الله كله هو النور لنا ومن سار على النور لا يضل وفي النساء متاهات ضل فيها القدامى والمحدثون فجاءت هذه السورة التي هي سورة النور فوضعت الحدود وفصلت الأحكام أزالت الشبه ورفعت الحيرة فهي هدى ونور في أعظم قضية شغلت أفكار العالم قديما وحديثا ولم يهتدوا ولن يهتدوا إلا إذا اتبعوا هدى القرآن ومشوا على نوره المبين فلله ما أعظم نعمة الإسلام وأشمل بركته في الدنيا والآخرة على من اتبع هداه – أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعلمون . (1/62)
صفحة 63
- لكم لكل أمري منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم لولا غذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا افك مبين لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفظتم في عذاب عظيم إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيئا وهو عند الله عظيم يعظكم الله إن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ءامنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم – هذه عشر آيات مفصلات في حق عائشة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها اتهمها المنافقون لعنهم الله وهي الطاهرة البرئية أطلقوا ألسنتهم في عرضها شهرا كاملا وارجا الله تعالى إنزال هذه الآيات وهو يعلم براءتها لحكمة هو بالغها ولنرو قصتها كما روتها عن نفسها . (1/63)
صفحة 64
تجهز النبي صلى الله عليه وسلم ومعه بعض الصحابة لغزو بني المصطلق قوم ينزلون على ماء يسمى المريسيع على ساحل البحر (بين رابع وجده ) فأقرع بين نسائه فخرجت القرعة لعائشة فخرجت معه فجعل لهل هود جاعلي جمل خاص وفي بعض منازل الطريق عند رجوعهم من الغزوة ظافرين نزلوا ليلا فذهبت عائشة لقضاء حاجتها وبعد رجوعها أحست بضياع عقدها فذهبت تبحث عنه فلم تجده إلا بعد وقت طويل فلما رجعت إلى المعسكر إذا بهم قد ارتحلوا فلا داعي ولا مجيب فلزمت مكانها حتى إذا رجعوا إليها وجدوها وبينما هي متلحفة في خمارها تنتظر إذا بأحد الصحابة وكان تخلف عن الركب لبعض الأسباب فلحق وهو الصحابي البدري العفيف صفوان بن المعطل السلمي رضي الله عنه فلما رأى هذه المتلفعة عرفها عائشة فحوقل وأناخ جمله ولم يكلمها فركبت وقاد الجمل ولمل لحق بالقوم وكلن فيهم منافقون فلما مر على عبد الله بن أبي قال لعنه الله : والله ما نجت منه ولا نجا منها ، امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى الصباح فجاء يقودها ، ثم إن الكلمة شاعت بين المنافقين ولم يسلم منها ضعفاء المؤمنين قالت عائشة ولم انتبه لشيء مما وقع فيه الناس ثم إنها مرضت بالحمى واشتد مرضها قالت : ولم يبلغني ما يخوض فيه الناس من الأفك إلا إني رأيت أزوارا في معاملة النبي إياي فقد كان يهتم لمرضى ويسليني ويجلس طويلا غير أن هذه المرة فقدت عطفه القديم فكان لا يزيد إذا دخل أن يقول : كيف أتيكم ، قالت : فتعجبت من هذه المعاملة فأستاذ نته أن أقضي أيام المرض عند والدي فأذن لي فذهبت ومضت علينا بضع وعشرون ليلة وما شعرت بشيء من حديث ىالأفك وبينما هي ليلة من الليالي خارجة لقضاء حاجتها معتمدة على مرضتها أم مسطح عثرت أم مسطح في لحافها فقالت ك تعس مسطح فقالت : عائشة بئس ما قلت ، أحد من المسلمين شهد بدرا فقالت : ألم تسمعي ألم يبلغك ما يقول الناس عنك ؟ فحينئذ قصت عليها الخبر كما هو واقع فاشتد الأمر على عائشة ولاذت (1/64)
صفحة 65
بالبكاء ثم أنها عاتبت أمها أنها لم تخبرها بما وقع فقالت لها: أي بنية خفضي عليك الشأن فوالله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها ، فهوني عليك فسيجعل الله لك مخرجا ان كنت صادقة ، فاستمرت في بكائها طوال الليل حتى قالت ظننت أن البكاء فالق كبدي ومضت عليها ليلتان قالت لم أذق طعم المنام قالت : فلما أصبحت جاءها أبو بكر وأمها أم رومان فجلسا معها وهي غارقة في البكاء وجاءت امرأة من جيرانها فجعلت تبكي معها قالت فبينما نحن كذلك دخل علينا رسول الله (ص ) وهو في قلق شديد ، انه ينتظر الوحي في كل ساعة ولكن لكل أجل كتاب وقد كان قبل ذلك سأل أهل البيت ومولاه أسامة وجاريته ولم يقولوا إلا خيرا . ثم انه تشهد وخاطب عائشة قائلا : إن كنت برئية فسيبرئك الله وان كنت ألمت بذنب فاستغفري الله قالت عائشة فجف دمعي فقلت لأبي أجب عني رسول الله فقال والله لا أدري ما أقول فالتفتتت إلى أمها فقالت مثل ذلك ثم التفتت عائشة إلى النبي (ص ) فقالت: والله إني أعلم إني إذا قلت فعلت والله يعلم أني برئية تصدقونني وإذا صدقت تكذبونني ولكني أقول كما قال أبو يوسف عليهما السلام – فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون – قالت فتلفعت في لحافي ونمت وتركتهم حيارى قالت فوالله لم يتحرك أحد من مكانه حتى نزل الوحي على رسول الله (ص ) فلما سرى عنه تهلل وجهه وهو يبتسم فأول كلمة قالها : أبشري يا عائشة فقد برأك الله . فقالت لها أمها : قومي إلى رسول الله فقبلي رأسه فقالت عائشة والله لا أحمد إلا الله فهو الذي برأني بعد إن شككتم . ثم تلا عليهم رسول الله (ص ) هذه الآيات العشر : إن الذين جاءوا بالأفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم .. الآيات . (1/65)
صفحة 66
فسرى عن عائشة رضي الله عنها عند سماعها هذه الآيات وشفيت من مرضها ورجعت منزلتها عند زوجين النبي (ص ) أرفع مما كانت ثم إنه أقام الحد على القاذفين الذين صرحوا بتحقيق التهمة وهو ثلاثة : مسطح بن أثاثة الكلبي وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش وتابوا ري الله عنهم . أما بعض كبار المنافقين الذين خاضوا في الأفك مثل عبدالله بن أبي ورفاعة أحد منافقي اليهود فلم يحدهم لحكمة رأها النبي وقال البعض لأنهم لم يصرحوا بما يؤخذون به ثم إن أبا بكر رضي الله عنه غضب على مسطح وهو ابن خالته وكان يحسن إليه ويؤتيه حق القرابة لفقره وقرابته فحلف أن لا ينفق عليه بعد الذي صدر منه من الزور والبهتان فلم يوافقه الله على هذا الحلف فأنزل قرآنا في حقه: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ... الآية فتاب أبو بكر رضي الله عنه وكفر عن يمينه ورجع إلى إحسانه إلى مسطح كعادته وسيأتي الكلام على الآية عند تفسيرها . (1/66)
صفحة 67
ولنعد إلى تفصيل معاني الآيات العشر النازلة في موضوع الأفك ، قال الله تعالى – إن الذين جاؤا بالأفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرى منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم – تدل الآية أول ما تدل أن الذين جاءوا بالأفك جماعة من الناس لا واحد وليس أهل المدينة كلهم فالمهاجرون الأولون والأنصار المؤمنون لم يتورطوا في هذه الفاحشة كلهم فالمهاجرون الأولون والأنصار المؤمنون لم يتورطوا في هذه الفاحشة ولم يطعنوا في النبي ولا في زوجه ، أولئك عصمهم إيمانهم إنما الذين تكلموا بالأفك عصبة قليلون أوقعوا الشك بكلامهم هذا في القلوب البرئية المؤمنة ولم يسلم منه حتى قلب النبي (ص ) والأفك ليس كلمة مرادفة للكذب فحسب بل الأفك نوع خاص من الكذب يبلغ درجة قصوى من الفظاعة والظلم ينشأ عنه ضرر كبير فيه كذب وزور وبهتان وظلم ، مجموع هذه الأشياء يعبر عنه بالأفك والعصبة الجماعة .المتفقة على شيء يجمع بينهما هدف وغرض يسعون لتحقيقه ولذلك يطلق على جماعات اللصوص والإجرام عصابات لهم خطط يتفقون على رسمها وتنفيذها ، فجماعات الأفك عصبة متآمرة متفقة على الطعن في نبئ الإسلام وفي أهله وهذا طعن في الوحي والرسالة بطريق غير مباشر وليس هو مجرد حديث عابر ثم قال تعالى – منكم – وليس القصد أنهم من المؤمنين الصادقين إنما هم من جماعة المسلمين في الظاهر يصلون في مساجدهم ويدفنون في مقابرهم نطقوا بكلمة الإسلام مجرد نطق بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم إنما صرحوا بها اتقاء على دمائهم وأموالهم لما عجزوا عن مقاومة الإسلام بالقوة ثم يكيدون للإسلام متواطئين في الكيد مع اليهود وأعداء الإسلام المشركين جمعت بينهم عدواه الرسول (ص ) والمسلمين معه فهم لا يفتئون يكيدون ويمكرون الله والله خير الماكرين . (1/67)
صفحة 68
- لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم – هذه تسلية من الله للمؤمنين ونبئهم لا تظنوا هذا البلاء الذي ابتليتم به شرا ومضرة بل هو خير لكم ، وكان يمكن نفي الشر كافيا لثبوت الخير ولمكن الله تعالى أراد أن يؤكد الأمر بإثبات الخيرية وهنا يجب الوقوف في قوله تعالى – بل هو خير لكم – كيف هذا الخير أما نفي الشر فقد رجه على أهله – لكل أمري منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم – كل واحد منهم يجازيه الله على قدر خوضه في الإفك والله حكمه عدل لا يجور وهؤلاء نواياهم وأقوالهم كلها محسوبة مضبوطة وسيجازون عليها والذي تولى كبر القضية رفع رايتها وهو رئيسهم دولاب الفتنة له عذاب عظيم والذي عظمه الله لا يحيط بوصفه إلا الله فويل لهم ويل لرأسهم عبد الله بن أبي . (1/68)
صفحة 69
ولنرجح إلى الخيرية التي أثبتها الله تعالى للمؤمنين وهي خيرية عظيمة وواسعة وممتدة إلى زمننا هذا وإلى قيام الساعة ما دام القرآن يتلى فالمسلمون يمشون في هذا النور الذي كان مشرقة عليهم هذه الحادثة التي علمتنا كيف نعالج الأحداث مثلها ولا يخلوا منها زمان ولا مكانان فالخير أولا في الكشف عن هذه العصابة التي جمعها الكيد للإسلام والمسلمين وكشف أمرهم وهي عصابة تكونت في المدينة لما قوى أمر المسلمين وبتأثير مجاورة اليهود أهل الكيد والعدواة للإسلام والمسلمين فلا بد بحادث يفضح أمر هذه العصابة حتى يحذرها المسلمون أهل النوايا الطيبة والفتنة خطيرة إذا كانت من الداخل ثم تتالت بعد ذلك أحداث زادت لأمرهم كشفا وفضيحة كما وقعت في غزوة الأحزاب والخندق ويوم تبوك وتكلموا في قصة زيد وزينب وفي تحويل القبلة وفي تقسيم الغنائم وبنوا مسجد الضرار وفي كل ذلك يفضح الله أمرهم ويحذر المؤمنين من كيدهم وفتنهم وهذا طبع خبيث مركب في نفوس اللئام والمنافقين لا يخلو منهم زمان يغيظهم أن يشهدوا جماعة من الأطهار من أهل زمانهم في مستوى عال من البر والعفاف وهم في مستوى منحط من الفجور واللؤم والرذيلة فيؤذيهم هذا الفرق الشاسع بينهم إذ به يظهر نقصهم وانحطاطهم فيحاولون جاهدين الطعن عليهم حتى يتضاءل هذا الفرق وهم يزعمون انهم بذلك يغطون على نقصهم وفجورهم فيضيفون بذلك نقصا إلى نقصهم وآثاما إلى آثامهم وليتهم اقتصروا على ذنوبهم الأولى فلم يضيفوا إليها ذنوب الطعن والحسد والنفاق . (1/69)
صفحة 70
- ومن يكتسب خطيئة أو إثما ثم يرم به برئيا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا – والله يعاقب على الذنب بذنب أعظم منه ونعوذ بالله من مكره وليتهم إذا قصروا وأذنبوا سألوا الله العفو ولم يعادوا الصالحين ويطعنوا عليهم ولم يضيفوا إلى ذنوبهم ذنوبا أعظم منها وهذا هو الضلال الذي يصير أهله إلى الدرك الأسفل من النار فلنحذر من معادة الأولياء الصالحين ونعوذ بالله من شر المنافقين ومن شر حاسد إذا حسد . هؤلاء المنافقون لم ينفعهم وجودهم في خير القرون ولم تفدهم عشرة خير أهل الأرض بل ازدادوا بذلك سقوطا وترديا أسفل سافلين فصاروا بعدواتهم لهم والطعن فيهم شر أهل الأرض أخر الله تعالى إنزال آية البراءة شهرا كاملا حتى يظهر كيد المنافقين ويعلمها لناس ليميز الله الخبيث من الطيب وليمحص الله المؤمنين ويمحق الكافرين وهذا بعض الخيرية المشار إليها أول الآية فمن الخير أم يكشف الله أمر هذه العصابة لنتقي شرها ولا نستمع إلى كيدهم وافترائهم ولم يكن النبي في هذه المدة يشك أن الله يتركه في هذه الحيرة دون أن يبين له جلية الأمر وكذلك كانت عائشة رضي الله عنها تقول : إني مطمئنة إن الله سيبرئني ولكن لم أكن أظن أن قيمتي عند الله تبلغ أن ينزل في قرآنا يتلى فالخيرية هي إظهار المؤمنين الصادقين وتمييزهم من المنافقين الكاذبين وتربية الله المؤمنين كيف يكون موقفهم من هذه التهم والارجافات – لولا إذ سمعتموه طن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا – فينبغي أن يكون المؤمن طيبا وظنه بأخيه حسنا بهذا تتكون الجماعة المسلمة وتلتحم على النقاء والطهر والوئام لأنها أعدت لمسؤولية ضخمة وأمانة عظمى لا يتأتي لها القيام بها إلا إذا هذبت ونقيت نفوسها والتحمت على الحب والاحترام المتبادل . (1/70)
صفحة 71
إن هذه الخيرية لا يمكن حصرها ولا عدها بواحد واثنين ولكن هذا يوجد في مطاوي تفسير الآية واستجلاء الحكم والعبر منها فهي أوسع من أن يأتي عليها حصر – لولا إذا سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا – يجب أن يكونوا للمؤمن ضمير يستفتيه عند سماع الشبه والتهم ويجب أن يكون ضمير المؤمن طاهرا نقيا ولا ينتظر في كل شبهة وحيا لأنه سيمضي زمان الوحي ويبقى رصيد الإيمان في قلب المؤمن يرجع إليه عند انتشار الشبهات وذيوع الأراجيف . (1/71)
صفحة 72
وقد يعترض بعض البلداء فيقولون : ترى لماذا أمرنا أن نسارع إلى نفي الخبر ونبادر إلى التكذيب فنقول : - هذا افك مبين ، هذا بهتان عظيم ، أليس الأولى أن يأمرنا بالتحقيق والتثبت وسنجيب على هذا الاعتراض أولا : قال الله تعالى – ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا – فالظن الحسن والضمير النقي وسلامة الصدر مقدمة على كل خبر ينال من عرض المسلم والمسلمة لا سيما بيت النبي الذي هو أطهر بيت في الأرض ويليه بيت أبي بكر الصديق الذي نشأت فيه عائشة البرئية الطاهرة والموقف دقيق فيه تهذيب وتربية الهية عالية والتعبير بأنفسهم فيه نكتة عجيبة وذلك إن نفس أخيك هي نفسك ونفسك نفسه فالذي يؤذيه يؤذيك والمفروض إن تكون نفوس المؤمنين والمؤمنات على مستوى رفيع من النقاء والطهر والعفاف بحيث لا تحوم حولها الريب ولا تقترب منها الشبه فلا يستقر فيها إلا الخير والظن الحسن لا سيما وجماعة المهاجرين والأنصار أول جماعة طهرها الله ونقاها وأسسها على التقوى من أول يوم فهم خير أمة أخرجت للناس وهم صفوة هذه الأمة وزبدتها فكيف يمكن لمنافق شيطان أن يخلص إلى هذه الجماعة النقية ويبث فيها وسواسه في أطهر بيت وفي عائشة المحصنة المؤمنة الغافلة عن الفحشاء وكيف تفكر في هذا وهي النقية العفيفة وعندها رسول الله (ص ) الذي جمله الله وكمله ثم كيف يتم صفوان بن المعطل السلمي الأنصاري لا لمؤمن الذي أدار ظهره عند ركوبها وقاد المطية ولم يسقها ولم يكلمها ولا حتى كلمة لفرط حيائه وعفافه واحترامه لزوج النبي (ص) إلا يظهر بعد هذا أن الأمر بهتان عظيم وافك مبين .سبحانك هذا بهتان عظيم فالمؤمن بنور الله يبصر وويل لعن عميت بصيرته بعد هذا النور المبين . ثم نكتة أخرى وهي أنه لو كان في الأمر شبهة فهل يبلغ صفوان من الوقاحة أن يأتي بالظغينة في وضح النهار يقودها وسط المئات من الناس ! هذا ما لا يقول به عاقل . (1/72)
صفحة 73
ثم إن الزنا للحرة كان عندهم حينئذ عار وأي عار فهذه هند بنت عتبة لما كان تبايع رسول الله (ص ) مع النساء فلما بلغت عند قوله ولا يزنين قالت أو تزنى الحرة يا رسول الله ! وكانوا يتكرمون في جاهليتهم عن التعرض لأمرأة الجار ويتمدحون بهذه المكرمة يقول شاعرهم :
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يوارى جارتي مأواها
كانوا يتنزهون حتى عن النظر إلى نساء الجار تكرما . فكيف يتهم مثل صفوان المؤمن المسلم مع عائشة النقية الطاهرة : فلا مجال لسوء الظن مطلقا ولا نملك إلا أن نقول عند سماع الخبر : سبحانك هذا بهتانه عظيم وهذا ما نقرره من النزاهة يزيده جو الحادثة وضوحا فالمقام مقام رحمة وعطف حيث تجد امرأة ضعيفة تائهة تخلفت عن ركبها فهي عرضة للهلاك فكيف تفكر حينئذ في التعرض لها ، لا يخطر ببال عاقل ، إنما هي امرأة نبيك رسول الله رب العالمين ، هذا ما لا يخطر ببال عاقل، إنما هي مطاعن المنافقين : - يعظكم الله أن نفتن بأقوال المرجفين فما يكون لنا معشر المسلمين أن نتكلم بكلام أهل الكذب والزور والذين يقولون بغير علم ولا هدى فالأساس الذي نبني عليه أهل الكذب والزور والذين يقولون بغير علم ولا هدى فالأساس الذي نبني عليه ظننا هو النقاء والطهر في أعراض المسلمين وكل تهمة فهي باطل ينفى ولا يقبل ولا ينبغي أن نتكلم بها وليس الأساس هو التهمة فنطلب التحقيق فلنفهم هذا المعنى جيدا وليس خاصا بعائشة وحدها بل هو قانون علم نعامل به الطيبات والطيبين المبرئين . (1/73)
صفحة 74
- ولولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم – يقول الله تعالى : لولا أن الله أراد بكم خيرا ليهذبكم وليمحصكم ويعلمكم بما ينزل في الحادثة من أحكام لولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم عذاب عظيم عقوبة لكم على ما أفضتم فيه وخضتم في باطله من القول والزور – إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم – كان هذا الكلام يجري على الألسنة من غير أن يستقر في القلوب ويقال بالأفواه من غير علم ولم يكونوا يعتقدون ما يقولونه حقا إلا كلاما لا أصل له من الصحة فلم يحققه من المؤمنين أحد إلا الثلاثة الذين أقيم عليهم الحد وتابوا ولكن اله وبخهم على الخوض في أمر باطل ونهاهم أن يعودوا مرة أخرى لمثل هذه الإشاعات التي تعكر على المجتمع النقي وتؤذي البرئيات منهم والبرئيين . لم ينزل الله العذاب عليهم لطفا بهم ورحمة ولأن أحكام الله لم يتم نزولها بعد فكان بعض العذر قائما يقتضي اللطف والتخفيف فينقلب العذاب عتابا وتخويفا – يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين – إياكم أن تسقطوا مرة أخرى في هذه الورطة فلا تعودوا لمثلها أبدا ما دامت السماوات والأرض وما دام القرآن يتلى على المؤمنين في كل زمان ومكان . يجب على المؤمنين أن يثق بعضهم في بعض ، فمن قال غير ذلك وأساء ظنه في المحصنات فهو الملعون المنافق . (1/74)
صفحة 75
وقد يقول قائل : ولم أمسك النبي (ص ) عن الحكم ولم يبادر إلى التكذيب من أول يوم وهو يعلم عفة زوجته وكذلك أبو بكر رضي الله عنه وهو الذي ربى بناته على العفاف ! الجواب معروف وهو أنه ما ذا عساه يقول الزوج ومخا ذا عساه يقول الأب وهما أقرب الناس وأمس رحما بالمتهمة فلا ينفع دفاعهم عن المتهمة وسوف يلج المنافقون في طعنهم ويقولون في الزوج انه يدافع عن زوجته لأنها زوجته وفي الأب أنها ابنته وربما تروج هذه المقالة مرة أخرى على ضعفاء المؤمنين فكان العلاج الناجح غير هذا وكانت الحكمة أن ينتظر أمر الله والله يدافع عن الذين آمنوا وهذا هو المعنى الذي شعر به النبي (ص ) يوم قال لعائشة : _ إن كنت برئية فسبرئك الله – وما كان النبي ليقطع أمرا في مثل هذا الموقف الدقيق إلا بوحي من الله فكان ينتظر الوحي يوما بعد يوم حتى أشرق كفلق الصبح يزيل ظلمات الشكوك والشبهات وهو النور وأي نور ! ثم انه ما من بلاء إلا ويقترن به لطف من الله بالمؤمن المبتلي فلم تسمع المتهمة بهذه التهمة العظيمة إلا في أيامها الأخيرة قبيل انجلائها ووقعت التهمة في أعلى بيت من المسلمين لطفا بهم لأنها حينئذ تضعف ويبعد احتمال وقوعها وأين تبلغ خشاخش الأرض من دؤابه وما عساه ينال من القمر من راح يوجه إليه الشتم والبصاق وكذلك ليرفع الله درجات من يشاء ويكون لنا في ذلك تشريع وأحكام وحكم كثيرة ولنستمع إلى بقيتها فيما يلي : (1/75)
صفحة 76
- إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم يأيها الذين آمنوا لاتتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فانه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منك من أحد أبدا ولكن الله يزكى من يشاء والله سميع عليم ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم – هذا حكم قاس ووعيد شديد يقرره الله تعالى في هذه الآيات على الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ءامنوا ، والفاحشة مأخوذة من كلمة فحش أي ما اتسع خطره وعظم ضرره وتأتي في القرآن مقترنة بالكبائر – الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش – ومرة تقترن بالمنكر- أقم الصلاة إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر – هؤلاء المنافقون الذين ينشرون هذه التهم والأراجيف فضحهم الله تعالى انهم إنما يريدون بذلك الطعن على نبي المسلمين والنيل من كرامة صديقه الأول والطعن على مجتمع المسلمين الطاهر وليس قصدهم الغيرة على الدين فما أبعدهم على الدين ثم إن هؤلاء موجودون في كل زمان ولهم مظاهر كثيرة لإشاعة الفاحشة فالذين ينشرون الصور العارية في الصحف والمجلات وغيرها والذين يدعون إلى فتح دور البغاء السري والعلني والذين يربطون بين الرجال والنساء الفواسق والذين يفتحون ديار الرقص والغناء ويغشونها وأنواع التمثيل والسماء يعرضون الصور العارية عنوان الفن كل هؤلاء وأمثالهم تتناولهم هذه الآية بالوعيد لأنهم بذلك يلوثون المجتمع الإسلامي النظيف ويدنسون صفوة بما يثيرون من الغرائز ويجرئون الشياطين والشيطانات بعملهم هذا وحتى القلوب التي فيها الطهر قد تفسدها فمن تدبر الآية وخاصة قوله تعالى – والله يعلم وأنتم لا تعلمون – تفتح له باب واسع من العلم في (1/76)
صفحة 77
الموضوع لأن الذي خلق النفوس وركب فيها الطبائع والغرائر هو أعلم بما خلق أما نحن فكثير من الأشياء نحسبها هينة وهي عظيمة لها تأثير عجيب في النفوس لا سيما نفوس الشباب فحذرنا الله تعالى منها ليبقى مجتمعنا طاهرا نظيفا وتوعد ذلك بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة ، أما عذاب الآخرة فالخلود في جهنم أعاذنا الله منها وأما عذاب الدنيا فنوعان : نوع ينزله الله وقد يعم به أهل القرى إذا عمهم الفسق وشاعت بينهم الفواحش وذلك بأنواع الهلاك مثل الزلازل والخسف والعواصف وأنواع الأوبئة الفتاكة وقد يذيق بعضهم بأس بعض فتنشب بينهم الحروب التي تبيديهم والتاريخ مشحون بالعبر والنوع الثاني من العذاب مكلف به أئمة المسلمين أن ينزلوه بأهله كل على حسب دينه من أنواع التأديب والتعزيز والتنكيل كما هو مفصل في كتب الفقه ويدخل في عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
- من رأى منك منكر فليغيره بيده . الحديث – وقد أهلك الله أمة كبيرة قال فيهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه فلنتق الله ولنحذر هذه الصور العارية والشعر الأباحي والأدب المكشوف فإن هؤلاء جميعا يدخلون في وعيد الآية ولا ينجو من الوعيد حتى الذين يروجون هذه الأشياء يبيعونها في محلاتهم لأنهم يتسببون في إشاعة الفاحشة فتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون - ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم – لم يذكر جواب الشرط في هذه الآية ، تركه لتقديرنا وذلك أروع وأبلغ في التأثير فالله قادر أن يأخذ هؤلاء أخذ عزيز مقتدر وما هم بمعجزيه ولكن الله يمهلهم ويعظهم ويحذرهم ليتوبوا قبل الأوان . (1/77)
صفحة 78
- يا أيها الذين ءامنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر – يحذرنا ربنا تبارك وتعالى من اتباع خطوات الشيطان ويبين لنا ان إشاعة الفواحش وإتيانها من وسواس الشيطان يناديكم فتجيبونه ويشير لكم فتتبعونه ومن يتبعه فإنه ضال متبع للمنكر مرتكب له والشيطان يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ويقودهم إليها خطوة خطوة فإياكم أن تتبعوه في خطوة من خطواته فإن بعضها يجر إلى بعض والشر يدعو إلى الشر والمصير النار وبئس المصير ولا تطيعوه أبدا ولو في محقرات الأعمال وسيتبرأ من حزبه يوم القيامة إذ يقول لهم : إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمدرجكم وما أنتم بمرخي إني كفرت بما أشر كتمون من قبل – هنالك يتبرأ بعضهم من بعض ويلعن بعضهم بعضا ومأواهم النار ومالهم من ناصرين ، هكذا يمتن الله علينا بفضله ورحمته وتزكيته لمن يشاء من عباده فيقول جل من قائل : - ولو لافضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكى من يشاء والله سميع عليم – لولا إن الله تعالى يزكيكم من يشاء يأخذ بأيديهم ويغلبهم على الشيطان وربما يخطئ أحد في المشيئة وربما يغره الشيطان يقول له : أرسل نفسك على سجيتها تفعل ما تشاء ومتى أراد الله هدايتك فإنه يهديك هذا تقرير من اللعين ولا ينفع وقد بين الله أن هدايته إنما هي لمن جاهد في عبادته – والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين – كلا ليس الأمر كما يزعم أولياء الشيطان الذين قالوا : - لو شاء الله ما أشركنا نحن ولا آباؤنا – اعتمادا منهم على القدر وتواكلا من أنفسهم الخبيثة وهم أبعد الناس عن الإيمان . (1/78)
صفحة 79
فالمشيئة حق والقدر حق ولكنهم هم الكاذبون المغترون وقد كفلهم الله بالإيمان والعمل ويسر لهم السبل إلى ذلك ووعدهم العون والتيسير متى صدقت عزائمهم وسلكوا الطريق – فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى – والذين اهتدوا زادتهم هدى وآتاهم تقواهم – إن الله تعالى جعل في قلب ابن آدم ملكا يلهمه وشيطانا يوسوسه وأرسل إليه النذر تبين له طريق الخير ومكنه من الاختيار وإذا علم الله من عبده صدق النية والعزيمة فإنه يأخذ بيده ويهديه هداية إيصال ويحفظه من اتباع خطوات الشيطان ، ولا بد بالمجاهدة والزكاة هنا في الآية الطهارة من أدناس الشك والمعاصي ، تطهير النفس – قد أفلح من زكاها – وتطهير القلب وإذا طهر القلب طهرت الجوارح فلا ترتكب المخالفات ، يريد الله أن يزكي أنفسنا ويطهرها بما أرشد إليه من أسباب التزكية والتوبة بعد الوقوع ، والله سميع عليم . يسمع ما تقولون ويعلم ما في ضمائركم فاحذروه أن يسمع منكم ما يكره أو يعلم منكم ما لا يرضاه فتوبوا إليه فإنه يسمع تضرعات التوابين ويعلم نوايا المخلصين ويقبلهم ويجزيهم على الصالحات خير جزاء . ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم – هذا أدب يؤدبنا به ربنا تبارك وتعالى وذلك إنه إذا تفضل على أحد منا بنعمة الرزق فليس من الشكر أن يحرم أقاربه الفقراء . من خير لأجل خطأ ارتكبه أحدهم في حقه فيغضب ويقسم أن يقطع عنه خيره ولا يأتل . لا يحلف وإلا بلاء هو الحلف . (1/79)
صفحة 80
وهذه الآية نزلت في حق سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه وذلك أنه غضب على ابن خالته المهاجر الفقير مسطح بن أثاثة الكلبي رضي الله عنه كان أبو بكر ينفق عليه ويحسن إليه بحكم قرابته منه وما كان ينبغي لمسطح وهو يعرف مقام عائشة منه (ص ) ومن أبي بكر وحصانتها وبيت أبي بكر وأم رومان وحصانته ، ما كان ينبغي لك يا مسطح أن تنخدع ما كان ينبغي لك يا مسطح أن تنحدر فتطلق لسانك في الحصان الرزان المؤمنة المحصنة الغافلة ، لقد تكلكت ببهتان عظيم ولولا فضل الله عليك ورحمته لمسك فيما أفضت فيه عذاب عظيم ولكن مسطح تاب وندم وجلد الحد ثمانين جلدة ، فما كان لأبي بكر بعد هذا أن يستمر في حرده عليه ، يقول الله تبارك وتعالى – هذا تنظير له مقام وجلال وله تأثير في القلوب غريب لا أريد منكم يا عبادي المؤمنين أن تكونوا أبرار تكافئون من أساء إليكم بالإحسان إليه أريد منكم أن تعفوا وتصفحوا كما تحبون أن أعاملكم تعصونني وأعفو عنكم وأنعم عليكم تذنبون وأقبل التوبة منكم أن تعفوا وتصفحوا كما تحبون أن أعاملكم تعصونني وأعفو منكم وأنعم عليكم تذنبون وأقبل التوبة منكم ولو أني سددت باب التوبة والعفو في وجوهكم ما نجا منكم أحد فكما أنكم تعصونني وتحبون أن أغفر فليغفر بعضكم لبعض وليعفوا وليصفحوا ولا تعصونني وتحبون أن أغفر فليغفر بعضكم لبعض وليعفوا وليصفحوا ولا أرضي منكم أن يحلف على أن يقطع خيره عن أخيه وقريبه المهاجر الفقير . هكذا نزلت هذه الآية العظيمة في حق العفو فما أن سمعها أبو بكر رضي الله عنه حتى سارع إلى الامتثال فكفر عن يمينه ورجع إلى إحسانه أحسن رجوع وقال يا رب إني أحب أن تغفر لي وحلف أن لا يقطع خيره عن مسطح أبدا ما دام حيا . (1/80)
صفحة 81
هكذا كان امتثال أبي بكر الصديق وأمثاله من الصحابة الكرام لأوامر الله تبارك وتعالى فيا ترى لو امتحن أحد منا بهذا الامتحان ما ذا يكون موقفه ؟ يجب علينا أن نتذكر ونتعظ بآيات الله وبواقف الصحابة الذين تلقوها بالقبول والمسارعة بالامتثال وإلا فمن منا يقول : أنا لا أحتاج إلى عفو الله وصفحه ، كلا فمن منا يقول : أنا لا أحتاج إلى عفو الله وصفحه ومغفرته للتائبين : وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى . في هذه الآية الكريمة توجيه لنا وارشاد إلى معاملة ذوى القربى من أهل الإسلام بعضهم لبعض ، وتحذير من القطيعة وتبين أن اليمين فيها محرم ممقوت فيجب التكفير والرجوع إلى الصلة كما ثبت عن النبي (ص ) أنه قال : إذا حلف أحدكم يمينا فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير . قال بعض الفقهاء : لا كفارة عليه وإنما يرجع لعمل الخير فذلك كفارته تمسكا ببعض الروايات التي فيها زيادة – فذلك كفارة – ولكن يرد عليهم قوله في الحديث – فليكفر عن يمينه – أما قوله في بعض رواياتهم فرأينا فيه أن الحلف على القطيعة ذنب مضاعف فيه كفارتان : الكفارة الأولى كفارة اليمين والكفارة الثانية على استعمال اسم الله العظيم في القطيعة . فهذا ذنب عظيم يحتاج إلى التفكير فكان الرجوع إلى الصلة في القطيعة . (1/81)
صفحة 82
فهذا ذنب عظيم يحتاج إلى التفكير فكان الرجوع إلى الصلة كفارة له فهناك يمين وذنب عظيم فلا بد بكفارة اليمين ولا بد بالتفكير على الذنب هذا هو الراجح عندنا في المذهب ونرجو أن يكون صوابا والله أعلم ولآيات الله في كفارة الإيمان محكمة : - قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم – هذا ما فتح الله لنا به في تفسير هذه الآيات نرجو أن نعتبر بها ولا نكون من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ءامنوا ولا من الذين يشاركون في إشاعتها ونرجو أن نكون من الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل بالعفو والصفح لا بالقساوة والقطيعة والحمد لله رب العالمين . (1/82)
صفحة 83
-إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعلمون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون إن الله هو الحق المبين الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم _ بعد كل ما تقدم من الآيات المحكمة في قصة الأفك وهي محكمة وعامة والعبرة كما يقول العلماء بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وحتى لا يظن ظان أن كل هذا التشديد والتعظيم إنما هو في حق عائشة أم المؤمنين زوج النبي (ص ) ( وبنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه حتى لا يظن ظان أن كل هذا في حق عائشة فقط ، اقتضت حكمة الله تعالى أن يصدر حكما آخر عاما في الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات حتى يتقين الناس بعمومه وشموله في حق المؤمنات والمؤمنين إلى يوم القيامة ولا يتوهموا خصوصية في حق عائشة وحدها فقال : - إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم – فالآية محكمة وعامة وعبر ربنا تبارك وتعالى بالرمي حتى يتبين فظاعة الكلام في أعراض المحصنات أنه لا يقل فظاعة عن الرمي بالصخور المحطمة والقاتلة غير أن الصخور المرمية تحطم الأجساد وكلمات الأفك والبهتان تحطم الأعراض وتشيع الفاحشة فهي إذن أشد وأشد من الصخور ز وكم يدرك قاري الآية بإمعان وتدبر وما فيه من الفظاعة ثم التوعد باللعنة وهو الطرد من رحمة الله ثم التخويف بالعذاب ووصفه بالعظيم وكونه في الدنيا والآخرة ثم عرض مشهد يوم القيامة العظيم وما فيه من الخزي لهم حين يحاولون الإنكار ويحلفون على الكذب لما رأوا العذاب العظيم – يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعلمون – والرمي هو التكلم بالبهتان في النساء العفيفات مثل عائشة أم المؤمنين والرجال الإعفاء مثل صفوان بن المعطل الذي قال عن نفسه : ما كشف كنف امرأة (1/83)
صفحة 84
قط . ما أروع التعبير القرآني – المحصنات الغافلات المؤمنات – هو تبرئة لأم المؤمنين عائشة ووصف لعا بأعظم أوصاف العفاف وهو في نفس الوقت إرشاد لما يجب أن تكون عليه كل مؤمنة : أن تكون محصنة عفيفة وغافلة لا يخطر الفحشاء ببالها ولا سيجرى ذكرها في خلدها لشدة كراهيتهما لها وبعدها عنها وعن أهلها ، فهذا وصف جميل وطيب لحالة المؤمنات المحصنات اللواتي ينشأن في بيوت دين وعفاف وحصانة لا يخطر ببالهن الشر ولا يعرفن الزنا والفواسق فهن عنه غافلات لأغفلة جهل وبلادة إنما هي غفلة عفاف وإعراض وفي هذا المقام الذي هو مقام الكلام عن الحصانة ناسب أن يقدم وصف الحصانة والغفلة على وصف الإيمان وإن كانت الحصانة ناسب أن يقدم وصف الحصانة والغفلة على وصف الإيمان وإن كانت الحصانة ثمرة الإيمان لكن البلاغة القرآنية لها إيقاعات خاصة ومؤثرة ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلاف كثيرا – ولا ننس كذلك أن الحصانة والعفاف هي أخلاق المرأة الحرة العربية قبل أن تعرف الإيمان فكن يرين من العار الفاضح أن تزنى الحرة فلما جاء الإسلام أكد فيهن عائشة ووصف لعا بأعظم أوصاف العفاف وهو في نفس الوقت إرشاد لما يجب أن تكون عليه كل مؤمنة : أن تكون محصنة عفيفة وغافلة لا يخطر الفحشاء ببالها ولا سيجرى ذكرها في خلدها لشدة كراهيتهما لها وبعدها عنها وعن أهلها ، فهذا وصف جميل وطيب لحالة المؤمنات المحصنات اللواتي ينشأن في بيوت دين وعفاف وحصانة لا يخطر ببالهن الشر ولا يعرفن الزنا والفواسق فهن عنه غافلات لأغفلة جهل وبلادة إنما هي غفلة عفاف وإعراض وفي هذا المقام الذي هو مقام الكلام عن الحصانة ناسب أن يقدم وصف الحصانة والغفلة على وصف الإيمان وإن كانت الحصانة ناسب أن يقدم وصف الحصانة والغفلة على وصف الإيمان وإن كانت الحصانة ثمرة الإيمان لكن البلاغة القرآنية لها إيقاعات خاصة ومؤثرة ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلاف كثيرا – ولا ننس (1/84)
صفحة 85
كذلك أن الحصانة والعفاف هي أخلاق المرأة الحرة العربية قبل أن تعرف الإيمان فكن يرين من العار الفاضح أن تزنى الحرة فلما جاء الإسلام أكد فيهن هذا الطبع النبيل فجعله دينا لا خلقا وعادة فقط لأن الأخلاق والعادات كثيرا ما يطرأ عليها التغيير كما هو واقع في عصرنا في أكثر بلاد الدنيا – إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة – حكم الله عليهم باللعنة في الدنيا والآخرة فكأنه قطع عنهم طريق التوبة والإنابة لأن رمي المحصنات طبعهم ودأبهم فالتعبير جاء بصيغة المضارع – يرمون – فهم متمادون على الكذب والبهتان وإشاعة الفاحشة وليس الأمر فلتة كما وقع لمسطح ثم تاب فأولئك الذين ليس من طبعهم هذا قريبون من التوبة ورحمة الله قريبة منهم ، أما المصرون والمتمادون لا سيما إذا كانات اللاتي يرمونهن محصنات غافلات اجتمعت فيهن هذه الأوصاف الثلاثة فيا ويلهم من وعيد الله الشديد فهم في لعنة الله في الدنيا والآخرة وهؤلاء قليلا ما يتوبون وقليلا ما يذكرون أني لهم ذلك وفي نفوسهم طبع خبيث وهو حبهم أن تشيع الفاحشة في الذين ءامنوا يعمدون إلى المجتمعات المؤمنة الطاهرة البرئية فيلقون فتكون كجرثومة الوباء إن لم تقاوم ويفض عليه ربما ينتشر وباؤها ولذلك سميت الفاحشة فاحشة وهي التي تتسع ضررها ويعم خطرها فهم يخلقون بكلامهم هذا جو من الفاحشة ربما أثر على بعض القلوب المريضة وإذا كان الله تبارك وتعالى ينزل هذه الآية في خير القرون فيقول جل من قائل : - يخاطب بذلك زوجات النبي (ص ) ونساء المؤمنين إذا كان هذا الخطاب في ذلك القرن فكيف بقروننا هذه ، ومرض القلوب هو ميلها إلى الفاحشة وهذه سرعان ما تتأثر بمخاطبة النساء إذا كان فيها تعغنج وأنوثة ، أما القلوب الطاهرة البرئية فلا يؤثر فيها ذلك ولو طال الخطاب ورق الكلام ولان . (1/85)
صفحة 86
وبما أن الناس فيهم الطيب السليم والدنيء المريض القلب فالمرأة المؤمنة مكلفة إذا دعتها حاجة إلى مخاطبة الرجال أن تتكلم بكلام قوي ليس فيه تكسير وخضوع وهذا كله حرصا على سلامة المجتمعات الإسلامية من شيوع الفاحشة حتى تظل سليمة ونظيفة والبيئة متى كانت نقية فهي الضمان لسلامة الناشئين فيها والعائشين في كنفها فالذين يطلقون التهم في البيئات الإسلامية النظيفة يرتكبون أعظم الأجرام لأنهم يخلقون نتنا كنتن الجيف يجرؤ كلاب السوء على التطواف وراء الفاحشة وما كانت هذه الكلاب لتطوف لولا وجود هذه الإشاعات فحرام علينا التكلم بهذا ولو على فرض وقوع شي منها يجب على المؤمن المشفق على سلامة بيئته أن لا يتكلم به بل يسعى في العلاج والقمع وعند الظهور يجب إقامة الحد حتى يكون ردعا الآخرين ثم بعد لا يباح الكلام حتى في عرض المحدودين إذا أظهروا التوبة والندم وهذا كله حفاظا على إعراض المؤمنات والمؤمنين وعلى مجتمعاتهم أن لا يقع فيها ما يعكر صفوها ويخدش سلامتها وطهارتها بهذا النظام العجيب وبهذا الأدب الذي أدبنا به ربنا تبارك وتعالى يبقى مجتمعنا طاهرا يعيش الرجل فيه دهرا طويلا ولا يحدث نفسه بشي وتعيش المرأة طول عمرها ولا يمر بخاطرها أن تخون زوجها أبدا ، هذا ما نعتقده في أمهاتنا وزوجاتنا وبناتنا وهؤلاء هن المحصنات الغافلات المؤمنات اللاتي يتوعد الله الذين يرمونهن بالعذاب العظيم ويقول في شأنهم : - يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعلمون - يقول القائل : هذه الألسنة تشهد على الكلام فما بال الأيدي والأرجل ، ذلك أن من ابتلى بهذا الداء تراه ينتقل من مكان إلى مكان ينشر خبر الفاحشة ويشير بيديه وعينيه فهو يستعمل هذه الجوارح في إشاعة الفاحشة لذا فهي تشهد عليه يوم القيامة فما أبلغ التعبير القرآني وهؤلاء لا يقر لهم قرار حين يسمعون خبرا من النوع فهم لا يزالون في اضطراب وتنقل حتى يذيعوا الخبر وقد يتظاهرون (1/86)
صفحة 87
بالغيرة ولا تكون أعمالهم في الغالب إلا قبيحة – يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين – يومئذ : يومئذ : اليوم الذي يقومون فيه لرب العالمين يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ويوفيهم الله دينهم الحق ، الدين هنا بمعنى الجزاء ، يوفيهم الله ما يستحقون من الجزاء ولا يخفف عنهم ولا ينقص منه شي هذا الوعيد الشديد في حق هؤلاء يدل على عظم حرمة أعراض المؤمنين والمؤمنات وعلى محبة الله لأوليائه فهو شديد الانتقام ممن يتعرض لأعراضهم ، وكرامة المرأة المؤمنة أعظم وتأثير البهتان عليها أعظم بكثير من الرجال فالويل لمن مسها بسوء وويل له من عذاب أليم وكذلك الرجل المؤمن حرام عرضه ودمه وماله والعرض والشرف أعظم حرمة من المال ولذلك شدد الله في الوعيد وذكر فيه أنواعا من العذاب ولا يزال الكلام في معرض الوعيد فيقول : - الخبيثات للخبيثين للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم – نبهنا الله تبارك وتعالى إلى سنة من سننه في هذا الكون في المجتمع الإنساني وهي السنة التي دل عليها واقع قانون الله تعالى في بني ءادم : الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات ، والكلام دائما مداره على المرأة وهي القاروة التي عرضها وشرفها أدق من عرض الرجل ، يبدأ الكلام بها ثم يثنى بالرجل وينبهنا أن الناس طبقات شتى وبين هذه الطبقات تجاذب فالمفسدات والطيبات لا يملن إلا إلى الطيبين والطيبون لا يرضون إلا بالطيبات وفي هذا إشارة إلى قضية الأفك فكأنه يقول : أتظنون أن رسول الله (ص ) النقي الطاهر النسب الذي ليس فيه شبهة سفاح أتظنون أنه يتصل بامرأة غير طيبة وكذلك أبو بكر الصديق النقي النسب أتظنون أن . (1/87)
صفحة 88
تخرج من بيته الشريف لوثة في عرض أو شرف ! كلا أنها عناصر طيبة نقية بعضها لبعض كفاء وهل يرضى الله لنبئه إلا الطيبات العفيفات عائشة البرئية ما عرفت غير الطهر والعفاف منذ نشأتها وهي التي خطبها النبي (ص ) وهي بنت ست سنوات وعقد عليها وهي بنت سبع ودخل عليها وهي بنت تسع فكيف يمكن لهذه البنت التي ملأ الله قلبها وسمعها وبصرها بنبيئه الذي كمل خلقه وخلقه كيف يمكن لمثل هذه أن يخطر ببالها سواء أو ميل إلى أحد غير زوجها الذي عقدت عليه شغاف قلبها منذ صباها فالأرواح الطيبة بينها تجاذب في المعاشرة والمصاهرة والخبيثة كذلك يسوق الله بعضها إلى بعض ففي هذه الآية تنبيه لعقولنا فكأن الله يقول لنا : كان ينبغي أن توازنوا بين عناصر الناس ولا تنخدعوا بمقالة المنافقين أمثال عبد الله بن أبي وأصحابه فهل يستقيم في العقل أن تروج مقالة السوء في أهل بيت رسول الله (ص ) وفي صفوان وهو من يعرف الناس حصانته وطهارته منذ الجاهلية كان ينبغي لكم يا أهل العقول السليمة أن تدركوا خطر هذه الكذبة على مجتمع طاهر ونظيف وفظاعة هذا البهتان العظيم فما أبعد الفاحشة عن الطيبات والطيبين ! أولئك مبرءون مما يقول المنافقون الذين يظنون بالمؤمنين ما بأنفسهم من فسق وما في قلوبهم من مرض ويروي بعض أصحاب الحديث عن حذيفة ابن اليمان أن النبي (ص )قال : قذف محصنة يهدم عمل مائة سنة . فليتق الله الذين يرتعون في أعراض أولياء الله الذين برأ الله ساحتهم وطهرهم . (1/88)
صفحة 89
وسيعلمون جزاءهم في اليوم الذي يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين ، إن الله هو الحق ويقول الحق ويحكم بالحق ، أما هؤلاء الذين يتجرءون على الله في أوليائه فلو كانوا يؤمنون بالله الحق وجزائه الحق وجزائه الحق لأقصروا عن غيهم ولوقفوا عند حدود الله لا يتعدونها ثم إن الله تبارك وتعالى وعد هؤلاء الطيبين المبرئين بقوله : لهم مغفرة ورزق كريم وذلك جزاء ما مسهم من الابتلاء وربما بدرت منهم بعض البوادر فيكون هذا البلاء مغفرة لذنوبهم ورفعا لدرجاتهم عند الله في جنات تجري عليهم فيها رزق كريم ، وهذا مقابل العذاب الأليم الذي أعده الله للذين يرمون بالبهتان في دار الدنيا ففي جزاء هؤلاء وهؤلاء ذكرى للذاكرين وعبرة للمعتبرين والحمد لله رب العالمين . (1/89)
صفحة 90
- يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعلمون عليم ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون – بعد أن بين الله تبارك وتعالى عقوبة مرتكبي فاحشة الزنا في الدنيا والآخرة وبين عقوبة القاذفين يعمد إلى الطريق التي تؤدي إلى الفاحشة فيسدها وينهانا عن الاقتراب منها ويهذبنا ويؤدبنا بأدبه العالي فينهانا عن الاقتراب من ساحتها فلا يكتفي بالنهي عن الزنا فحسب ، بل ينهانا عن القرب فيقول : - ولا تقربوا الزنى وكل كلمة في القرآن لها نورها وكل حرف له وقعه وربما نغفل عن هذه الأسرار وعند التدبر والتأمل ندركها وبالمثال يتضح الحال فكثيرا ما نحذر أولادنا عن الأشياء المخوفة فنقول : لا تقربوا النار لأنا نعلم أنهم عند الاقتراب منا تلهب ثيابهم ولا يشعرون . يؤدبنا الله تعالى في مجتمعاتنا السكينة بآداب هي الحضارة وهي التعايش السلمي آدابا تبعدنا عن الخيانة والفسوق والأذى فينهانا أن ندخل بيوتا غير بيوتنا حتى نستأنس ونسلم على أهلها والاستئناس هو إدخال الأنس على أهل البيت وإشعارهم بالاقتراب والرغبة في الدخول . من حق كل إنسان رجلا أو امرأة أن يكون لهم مسكن يختص به ولا يرضي أبدا أن يدخله أحدا إلا بإذنه وهذا من حقوق الإنسان التي جاء الإسلام بثباتها وتكوين مجتمع هو المدينة الفاضلة التي طالما حلم بها الفلاسفة الأقدمون . (1/90)
صفحة 91
من حق كل إنسان رجلا أو امرأة أن يكون له محل يختص به يخلو فيه بنفسه أو مع أهله وحتى الحيوانات تتخذ لها أوكارا تسكن فيها والطيور لها أعشاشها ولا حق لأحد أن يقتحم على أحد وكره إلا بإذنه لا أمير ولا وزير وهذا حق مقرر في جميع قوانين الدول وسبق إليه الإسلام فنرى القرآن يخاطبنا بخطاب طويل في حرمة المنازل ومشروعية الاستئذان بالسلام على أهلها ليزيد في أنسهم ويدخل الطمأنينة والأمن على نفوسهم والأسنة أن تبدأ بالتسليم فقد روى أن النبي (ص ) أمر أحد بالرجوع لأنه لم يسلم ولا يكفي أبدا أن توضع كلمة عوضا عن السلام لأن القرآن عبر الإسلام والسنة علمتنا السلام – ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون- أي تسليمكم خير لكم وأحسن عاقبة وأطيب أثرا في نفوسكم ومجتمعاتكم لعلكم تذكرون أي تفقهون حكمة الباري في تشريعه لكم ما يفيدكم ويوثق الصلات بينكم وهذا الحكم عام حتى بين الأقارب وبين الأولاد وآبائهم وأمهاتهم ، روى أن أحد الصحابة رضي الله عنهم سأل النبي (ص ) قال : إن لي أما تسكن وحدها في بيت ولا خادم لها غيري أفأدخل عليها بغير إذن ؟ فقال له النبي (ص ) استأذن عليها فقال له الرجل ليس معها في الدار أحد فقال له النبي (ص )أتحب أن تراها عريانة ؟ قال : لا قال له استأذن . (1/91)
صفحة 92
هذا أدب النبي (ص ) وكذلك سأله ابن عباس رضي الله عنهما قال : أخواتي أدخل عليهن بغير إذن قال له استأذن والبيوت لها حرمة ولو لم يكن فيها أصحابها لأنها ربما تكون على حالة لا يرضون أن يطلع عليها الناس وكلنا يشعر بذلك إذا استأذن علينا أحد في بيوتنا نستصلح أولا من شؤوننا قبل أن نأذن له وقد يكون لرب البيت محل يحلو فيه بنفسه لا يرضي أن يدخل عليه فيه أحد من أهل بيته إلا بإذن واختار لنا كلمة السلام لأنه اسم من أسمائه فيه معنى السلامة والأمن والعافية ومن سلم على أهل بيت فقد أمنهم من شره ، والاستئذان ثلاث مرات قال النبي (ص ) قال النبي (ص ) الاستئذان ثلاث : الأول يتنصتون والثاني يستصلحون والثالث يأذنون أو يردون انظروا إلى هذا الأدب النبوي العالي ثم إن بعض الناس عندما يسألهم أهل البيت من ؟ يجيبون : أنا ومن أنا هذا وفي هذا يروي جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال استأذنت على النبي (ص ) فقال من ؟ فقلت أنا فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أنا – أنا _ أنا يكررها ويستنكرها : منانا ؟ وكل الناس يقول : أنا فهذه الكلمة لا تعرفك أيها المستأذن . أما سيدنا عمر رضي الله عنه فكان إذا استأذن على النبي (ص ) يسلم ويقول أيدخل عمر فيسمى نفسه باسمه هذا أدب الصحابة مع النبي (ص ) فلم لا نتأدب به . وروى أن النبي (ص ) زار مرة سعد بن عبادة فقال كعادته : السلام عليكم أأدخل فرد عليه سعد ردا خفيفا لا يسمعه النبي (ص ) فكرر عليه السلام ثلاث مرات ثم رجع فلحق به سعد رضي الله عنه فقال يا رسول الله كنت أسمعك وأرد عليك السلام ردا خفيفا ولكن أريد البركة أن تكرر علينا السلام مرات وكانوا شديدي الرغبة في بركة النبي (ص ) يستنكرون منها كلما سنحت لهم الفرصة . (1/92)
صفحة 93
والاستئذان كما صحت به الرواية ثلاث مرات فإن لم يأذنوا لك فانصرف وإن قيل لك ارجع فارجع هو أزكى لك كما عبر به الأدب القرآني العالي من غير أت تتأثر أو تغضب لأن أهل الدار ربما يكونون في شغل لا يسمح لهم بالأذن لأحد ومن من الناس يقول أنا مستعد أن آذن للناس في كل حين وإن أكثروا . قال العلماء : لا يسوغ لك أن تزيد على ثلاث مرات أو تبقى بباب دارهم حتى يأذنوا لك وإنما أبدل وقتا بآخر ولو شعرت أن صاحب البيت فيه ولا يرغب في الإذن فاذهب ولا تلح في الإذن أو تلج في البقاء فإن الأمور لا تعالج باللجاج إنما تدرك الحاجات بالرفق والأدب والله يقول : - هو أزكى لكم – أي أطهر لقلوبكم وقلوب أهل البيت وأبقى للعلاقات الطيبة بينكم وكل تصرف يخالف هذا الأدب الزكي تصرف أخرق يفسد القلوب ويوهن العلاقات أما الترتيب الوارد في السنة وهو البدأ بالسلام فهذا ربما يتعذر في ديارنا لأن بيوتنا في مداخلها منعرجات وفيها طبقات فربما وغالبا ما يكون أهل البيت بحيث لا يسمعون من يسلم خارج البيت أو يظنون يقصد جارا من الجيران القريبة ولذلك ناسب أن نبدأ بالطرق للأبواب والنداء حتى إذا استأذنا بما يسمع أهل البيت سلمنا ودخلنا ولعل في التعبير القرآني ما يساعدنا على ما تدعونا إليه ضرورة أوضاعنا وفي الدين يسر والحمد لله وأما ما يفعله بعض الناس من إبدال تحية السلام الطيبة المباركة ببعض ألفاظ أخرى مثل صباح الخير ومساء الخير فهذا لا نقرهم ولا نرضى بالسلام بديلا وهو التحية التي اختارها لنا نعاشر المسلمين فيما بيننا بالسلام بديلا وهو التحية التي اختارها لنا معاشر المسلمين فيما بيننا في الدنيا واختارها لملائكته وتحية أهل الجنة فيما بينهم وتحية الله لهم : - سلام قولا من رب رحيم – تحيتهم فيها سلام . (1/93)
صفحة 94
إنها من بقايا الجاهلية أن يستبدل أحدهم بها تحية أخرى بدلا منها فيجيب على المسلمين أن يفشوا السلام بينهم ويعلموه أبناءهم منذ الصغر كما يعلمونهم الاستئذان حتى ينشأوا على أدب الإسلام العالي . وأيضا كما حرم الدخول بغير إذن كذلك النظر وإنما جعل الاستئذان من أجل النظر وإنما جعل الاستئذان من أجل النظر كما ورد في الحديث ولا يرضي أحد أن يشرف عليه أحد أو يطل عليه من كوة أو شق جدار أو من خصائص الباب وهو في بيته وأن رماه بشي فأعطبه فلا أرش عليه لأن هذا من أقبح أنواع الظلم يقاوم بما أمكن كما روى أنس بن مالك أن النبي (ص ) عمد بمقص كان في يده أهوى به ليفقأ عين أحد أطل عليه من خصائص الباب وكان يأمر الذين يأتونه أن يقفوا عن يمين الباب أو شماله ولا يقفوا تجاه الباب وهذا من الأدب النبوي الكريم . (1/94)
صفحة 95
إن من أكبر الكبائر الإطلاع على بيوت الناس من حيث لا يشعرون أو ستشعرون والاستمتاع إلى أسرارهم وشؤنهم كالنظر فهؤلاء ظلمة لا يبرؤهم إلا أن يتوبوا ويتحللوا من الذين ظلموهم إنه ظلم وإن من استمع أو أطلع كأنما دخل وهذا التشديد في حرمة البيوت فيه ما فيه من حفظ الأعراض لأن النظر بريد الزنى لنا تأديبا لمجتمعنا الإسلامي حفاظا على سلامته ونقائه وذلك يتجلى في اتتباع سنة نبيئه (ص ) وهديه الأغر نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه والحمد لله رب العالمين – ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكون فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون – بعد أن بين الله تبارك وتعالى حرمة البيوت وحرمة ساكنيها وأدبنا بذلك الأدب العالي في الاستئناس والتسليم بين لنا في هذه الآية رحمة بنا وتيسيرا بعض الحالات الخاصة التي ندخل فيها بعض البيوت التي ليس فيها سكان وفيها متاع لنا ويجوز دخولنا بغير إذن وما هو هذا المتاع ؟ هذا شي معروف وموجود في كل زمان ومكان وقد ذكر المفسرون لذلك أمثلة كثيرة منها دكاكين التجارة والصناعة والحمامات وخانات النزول للمسافرين ويعبر عنها اليوم بالفنادق وتكون في المدن والقرى وفي منازل الطرق والأسفار يدخلها المسافرون ويستريحون فيها لقضاء حاجاتهم والوضوء والصلاة والأكل والشرب والمقيل والمبيت . هذا هو المتاع وهذه البيوت عرفها الناس من قديم وفي عصرنا هذا وهذا المتاع ليس هو الأثاث والإناء بل هو المنفعة والاستظلال والراحة ونحوها ، هذه البيوت يدخلها الناس بغير استئذان وقد اعتادوا ذلك منذ القديم . (1/95)
صفحة 96
روى أن أبا بكر رضي الله عنه سأل رسول الله ( ص) لما نزل قوله تعالى : - لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم - الآية ، قال يا رسول الله أرابت بيوت التجار ومنازل الطرقات للمسافرين ؟ فنزل قوله تعالى – ليس عليكم جناح الآية – ومن هذا القبيل في عصرنا هذا قصور الحكومات وديار البلديات ومصالح الإدارات وديار القضاء والنيابات فهذه ونحوها هي البيوت التي فيها متاع لنا ندخلها بغير إذن وقد تقتضي بعض الضرورات أن تتخذ الدول لديارها حجابا وحراسا ينظمون دخول الناس فيها وهذا أمر تدعو إليه بعض الظروف – والله يعلم ما تبدون وما تكتمون – كثيرا ما يعقب الله تبارك وتعالى آيات الأحكام والتشريع بآيات مثل هذه تذكرنا بإحاطة علمه جل وعلا بسرنا وعلانيتنا حتى يغرس في قلوبنا طبيعة الإيمان بالله ومراقبته فيما نأتي ونذر وقانون التشريع في كتاب الله بدع من القوانين يعقب التقنينين بالتخويف من اطلاع الله على ما نكتم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون . فإذا تمكنت في ضمائرنا مراقبة الله فذلك ضمان لنا على احترام قوانين التشريع القرآني وآدابه الحكيمة ويملأ قلوبنا ثقة بحكمة تشريع ربنا الذي يعلم ما نبدي و نكاتم من أمورنا ولا يشرع علام الغيوب وخبايا القلوب إلا ما يصلح بعاجلنا وآجلنا والحمد لله رب العالمين . (1/96)
صفحة 97
- قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم أن الله خبير بما يصنعون - قل للمؤمنين أي أمرهم وذكرهم ونبههم إن يغضوا أبصارهم فلا يمدونها إلى ما لا يجوز ولا ينظرون بها نظر شهوة وإن يحفظوا فروجهم بسترها وتحصينها ذلك أزكى لهم وأطهر وأنقى لقلوبهم وراء الحجب من العورات والشهوات فسد طريق النظر الموصل إلى الفاحشة الكبرى حتى لا تقترب منها فأمرنا أن نغض من هذه الأبصار . قال المحققون كالعميان في الطرقات لا نقفل عيوننا بل نغض منها فلا ننظر نظرة الفصول وإنما هي نعمة من الله تعالى لننظر بها منافعنا ومصالحنا وننظر بها إلى آيات الله في الأرض والسموات . غض من بصرك أيها المؤمن انظر إلى ما ينفعك وغضها عما يضرك انظر نظرة عبرة وانتفاع واستفادة بمباح وقد تكلم العلماء والحكماء في القديم والحديث عن النظر وما يجره من ضرر للإنسان حتى قالوا كل ما يتعرض له الإنسان إنما هو بسبب فضول النظر وفضول الطعام وفضول الكلام وفضول اللباس . رب نظرة أورثت حسرة بل حسرات . قال النبي (ص ) النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من تركها مخافة من الله تعالى أورثه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه . النظر سبب الافتتان ولا أدل على هذا من الواقع وأعظم أنواع الفساد الواقع اليوم في بلاد الدنيا إنما سببه النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات يكشفن عن زينتهن ويتبرجن ليدخلن إلى قلوب الرجال من كل طريق وأوسع هذه الطرق النظر وهو بداية الخطر يقول الشاعر :
نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء (1/97)
صفحة 98
علم الله طبائع بني آدم فبدأ في تأديبهم بالأمر بغض النظر وذلك سدا باب الفتنة فإذا نجح أحد في غض البصر فقد سد باب الفتنة عن نفسه وروى عن النبي (ص ) قال يخاطب الإمام عليا : لا تتبع النظرة النظرة فإن الأولى لك والثانية عليك ، والأولى هي التي تأتيك فجأة من غير قصد والثانية هي التي تتعمدها ولو بالاستمرار والتمادي على النظر الأول وفي خطر النظر يقول الشاعر الحكيم :
كم نظرة فعلت في قلب صاحبها فعل السهام بلا قوس ولا تر
وسر ناظتره ما ضر خاطره لا مرحبا بسرور وعاد بالخطر (1/98)
صفحة 99
فرحت أيها الناظر عندما نظرت إلى صورة جميلة سر بها خاطرك ولكنها أشعلت في قلبك نارا فلا مرحبا بسرور يجلب لك الخطر فأنت بين نارين إما أن تتبع ما رأيت فتضر دينك وإما أن تكبت عواطفك فيطول تفكيرك وغمك كأنك تتقلب على الجمر وما كان أغناك عن هذا لو غضضت بصرك والمثل العامي يقول : عين لا شافت قلب لا وجع . وشياطين الجن والإنس يجرون الناس إلى النظر ويهونون لهم من خطره وهم يعلمون أنعه عظيم وأنه لا سلامة لهم بعد النظر ، كثير من الناس ذهبوا إلى أماكن عظيم وأنه لا سلامة لهم بعد النظر ، كثير من الناس ذهبوا إلى أماكن المعصية لمجرد النظر فوقعوا في شراك البلاء فهم معذبون وقد كانوا يظنون أنهم يسلمون فمن أراد الله به خيرا يقويه على غض البصر . هذا ما أمكننا شرحه من هذا الأدب العالي الذي أدبنا به ربنا تبارك وتعالى ثم زاد فقال عز وجل : - ويحفظوا فروجهم – وحفظ الفرج إنما يكون بسترها وحفظها عن استعمالها في الحرام ومنعها من ارتكاب الفاحشة حرم الله كشف العورات والنظر إليها والنبي (ص ) أمر بالتستر حتى في الخلوة ونهى عن التعري إلا للاغتسال ، روى عنه أنه قال : تستروا فإن معكم من لايفارقكم غلا عند الغائط أو عند ما يفضى أحدكم إلى أهله والمراد الحفظة الكرام من الملائكة وفي حديث آخر : لا يكشف أحدكم عورته إلا لزوجته أو ما ملكت يمينه ، فقال له أحد الصحابة : وإذا كان أحدنا خاليا فقال النبي (ص ) : إن الله تبارك وتعالى أحق أن يستحيا منه . (1/99)
صفحة 100
وقال الله تعالى – ذلك أزكى لهم – أي أطهر وأنقى لنفوسهم وقلوبهم – إن الله خبير بما يصنعون- وهذا تعقيب آخر من تعقيبات الله الحكيمة يذيل الله بها أوامره ونواهيه وتشريعاته حتى يذكرنا بإطلاع الله على أعمالنا وخبرته المحيطة بما يصنع عباده المكلفون فليتقوه وليراقبوه في نظراتهم وميل قلوبهم وأعمالهم كلها فلا يأتوا منها إلا ما أذن الله به وليجاهدوا نفوسهم وفي ذلك سلامتهم وسلامة عواقبهم والله ولي المؤمنين والحمد لله رب العالمين . ثم يوجه الله الخطاب إلى المؤمنات بلهجة خاصة بهن لأن هذا الخطر يهددهن كما يهدد الرجال بل هو في حقهن أعظم وأفحش فيقول : (1/100)
صفحة 101
- وقل للمؤمنات يغضض من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو اخوانهن أو بني اخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت ايمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون – في هذه الآيات البينات الواضحات يأمر الله تبارك وتعالى النساء بغض أبصارهن وحفظ فروجهن وأن يستترن ولا يبدين زينتهن إلا لرجال مخصوصين حددتهم الآية تحديدا واضحا وبينتهم بيانا ما عليه من مزيد هذه الآيات والآيات التي في سورة الأحزاب والتي في سورة النساء يبين التشريع القرآني الحكيم الحدود التي تنتهي إليها المرأة المؤمنة ولا تتعداها وينهاها عن التبرج الجاهلي الأثيم الذي تورط فيه نساء اليوم وزينه لها السفهاء الفاسقون أبناء الهوى وادعوا في وقاحة وصفاقة أن الإسلام لم يحرم السفور وأنه لا اتصال بين الحجاب والفضيلة والعفاف وأن أحدهما منفصل عن الآخر وقالوا إفكا وزورا أن الحجاب عادة من عادات الجاهلية وأن التشديد فيه من تقاليد القرون الوسطى وهذا كله افتراء على الله وإنكار لما ورد بيانه في القرآن وليت هؤلاء الناس الذين غلبتهم أهواؤهم وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم ليتهم إذ غلبوا على أمرهم لم يفتروا على الله ولم يتجرءوا على إنكار ما علم من الدين بالضرورة واستمر عليه العمل قرونا من الزمن حتى جاءت هذه الفتن الأوروبية التي سماها الناس حضارة وتقدما وافتتنوا بها ، ليت هؤلاء المفتونين اعترفوا بذنوبهم ولم يفتروا على الإسلام فإن افتراءهم هذا أعظم من سفورهم وتبرج نسائهم وما ذنبهم هذا بهين ولكن الإفتراء والإنكار أعظم من معاصي الأفعال فتنوا الناس بما كتبوا ونشروا وصوروا وأذاعوا به (1/101)
صفحة 102
مما يهذون من افتراءاتهم وادعاءاتهم وأحكام الإسلام محكمة وصريحة – قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن – المؤمنات لهن أحكام خاصة بهن وقد كن يدخلن في الخطاب ولأن الأمر أكد في حقهن وفتنتهن أعظم من الرجال وما افتتن الرجل بفتنة أعظم من فتنة النساء . أمر النساء أن يغضضن من الأبصار غضا خالصا ليس كغض الرجال لأن المرأة عورة لا يحل للرجل النظر إليها مطلقا أما الرجل فليس بعورة ولا يحرم على المرأة أن تراه لكن المحرم عليها أن تنظر إليه بشهوة أو تملأ به عينها وتتأمل حسنه وجماله فقد روى في الآثار أن المرأة التي تملأ عينيها بغير زوجها ملعونة وهذه فاسقة النظر ونظر العينين بشهوة زنى فقد روى في الحديث :- العين تزنى والأذن والرجل تزنى والفرج يصدق أو يكذب – وهذا الفرق بين الرجال والنساء في النظر الظاهري أما النظر إلى العورات فحرام مطلقا سواء بين الرجال أو بين النساء ملعون فيها الناظر والمنظور إليه كما ثبت في الحديث . (1/102)
صفحة 103
وكذلك يكون غض الأبصار في النساء أزكى لهن كما قيل في الرجال فهو أسلم لقلوبهن وكثيرا ما يسبب النظر مرضا في قلوب النساء كما يقع للرجال ترى المرأة رجلا يعجبها فتكره زوجها ويسمح في نظرها فتزور عنه وربما يؤدي ذلك إلى الفراق وكثيرا ما يسبب النظر مرضا في قلوب النساء كما يقع للرجال ترى المرأة رجلا يعجبها فتكره زوجها ويسمح في نظرها فتزور عنه وربما يؤدي ذلك إلى الفراق وكثيرا ما تفرك نساء أزواجهن ويطلبن الفراق وربما يرجع ذلك إلى فضول النظر وقد لا نشعر بالسبب واله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وسيجازي كلا على نيته وعمله فليتق الله النساء اللاتي يسرحن أبصارهن في الرجال وليقصرنها على أزواجهن فذلك أزكى لهن وأطهر لقلوبهن وأبقى لرباط الزوجية المقدس وليسترن زينتهن كما أمرن ولو على العميان فقد روى عنه (ص ) كان يوما مع زوجيه أم سلمة وميمونة رضي الله عنهما فأستأذن عليه عبد الله بن أم مكتوم فأمرهما بالقيام فقالتا أنه أعمى فقال : أعمياوان أنتما ؟ فأمرهما بالاختباء فعلمنا من هذه السنة القائمة أن المرأة لا يجوز لها أن تنكشف للأعمى ولا تجلس إليه العميان فأنهم أدق الناس إحساسا بمحاسن النساء وأصواتهن ووسوسة حليهن وهذا شاعرهم بشار بن برد يقول – والأذن تعشق قبل العين أحيانا – وهذا من حكمة الله ولطفه بخلقه إذا نزع من أحد حاسة من حواسه عوضه بما يسد مسدها من حواسه الأخرى فقد يكون في إرهاف السمع واحساس الشم ما يذكى الشهوات الكامنة فتتحرك فلتحتجب المرأة إذن عن الأعمى وليمنع العميان من الدخول على النساء كما يمنع البصراء – ويحفظن فروجهن – وحفظ فروجهن سترها عن الانكشاف وعدم استعمالها فيما لا يجوز ولا يحل من الزنى والسحاق ونحو ذلك وغض البصر وحفظ الفروج أمر مشترك بين الرجال والنساء وإبداء النهي فيه خاص بالنساء والمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها وقدميها – ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها – لا يبدين لا يظهرن بل (1/103)
صفحة 104
يخفين زينتهن فما هي هذه الزينة التي يجب إخفاؤها ويحرم إظهارها إلا ما ظهر منها وما هو هذا الظاهر المستثنى ؟ من المعلوم أن الزينة هنا تطلق على ثلاثة أنواع : زينة الحلل ما تلبسه المرأة من ألوان اللباس وزينة الحلي وهي ما تتحلى به من حيلة الذهب والفضة وأنواع الجواهر وزينة الجسم وما تزينه به من أصباغ كالحناء والكحل في العينين وصبغ الشفاه وأنواع – الماكياج – وابراز بعض المفاتن وهذا كله حرام إبداؤه لغير الأزواج وذوى المحارم مع مراعاة نوع من الحشمة والأدب مع ذوى المحارم . فإذا دعتها الحاجة إلى الخروج فلتستتر بثوب سميك فضفاض لا شفاف ولا وصاف فإذا عمدت إلى لحافها فزينته وطرزته أو كان في نفسه براقا أو شفاف ككثير من لحف نساء عصرنا فهو الآخر زينة يحرم إبداؤها فهي فيه عاصية كاسية عارية وكان نساء النبي ونساء الصحابة يتلحفن في مروط غليظة ساترة وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه قباطي ووثوب رقيق من بعض الغنائم فأعطى منه دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه وأمره أن يتخذ بعضه قميصا ويستر بالباقي بعض نسائه فلما أدبر دحية ناداه وقال له لتتخذ المرأة تحته ثوبا غليظا يسترها . قال له ذلك لأنه شفاف رقيق يشف عما تحته . أما زينة الحلي التي تحلى بها المرأة مواضع كثيرة من جسدها كالعقود في النحور والأقراط في الآذان والخواتم والأسورة والخلاخيل فحرام أن تظهر مواضعها من الجسد وحرام رؤية هذا الحلي في هذه المواضع أو التسمع إلى وسوستها وقد نهى الله النساء ذوات الحجول والخلاخيل عن ضرب الأرجل حتى لا تسمع أصواتها فقال تعالى – ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن- ثم قال تعالى – إلا ما ظهر منها- وللعلماء أقوال في هذا الاستثناء أشهرها قولهم : إلا ما ظهر منها من غير قصد إظهاره كالريح ترفع بعض جوانب الثوب وكسقوط الخمار من غير قصد ونحو ذلك كما يحصل عند الركوب والنزول والأخذ والعطاء ومباشرة بعض الأعمال الضرورية . (1/104)
صفحة 105
وقال آخرون وذلك أيضا كظهور اللحاف الذي تلتحف ه المرأة قد تكون فيه بعض الرسوم وقد لا يكون للمرأة غيره وهي لا تقصد به التزين طبعا إنما تدثرت به للاحتجاب . وقال آخرون : وذلك كظهور الوجه خاليا من الزينة عند تحمل الشهادة أو أدائها أو ظهور القدمين عند المشي وظهور الكفين عند مباشرة الأعمال التي تضطر الحاجة إلى مباشرتها كالسقي والاحتطاب وحمل الأشياء ووضعها وهو قول ابن عباس ومن قال بقوله من العلماء أما عملنا نحن فعلى ما ثبت في الأثر إن نساء النبي (ص ) ونساء المهاجرين والأنصار أنهن كن يتلفعن بمروجهن ولا يظهر مهن إلا عين واحدة وذلك إنه لما نزل قوله تعالى في سورة الأحزاب – يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين الآية – قالت عائشة رضي الله عنها : سيرحم الله نساء الأنصار لما نزلت الآية تجلببن ولم يظهرن شيئا من زينتهن كأنهن على رؤسهن الغربيات هذه هي الطريقة التي نتمسك بها وهو حجاب أمهات المؤمنين ونساء الصحابة رضي تالله عنهم ولا نزال عليها حتى نلقي الله تعالى ولا نبدل ولا نغير إن شاء الله وهي الأسلم والأحوط وهي التي دل عليها لفظ أدناه الجلابيب . أما العجائز من النساء القواعد فقد رخص الله لهن أ، يضعن هذه الحجب السميكة والثقيلى رفقا بهن ولا يتبرجن بزينة كما تضع نساء النصارى يعوضن ما غيره الكبر بالأصباغ والتكلف وما أقبح التبرج بالعجائز وصدق الذي قال : - ولن يصلح العكار ما أفسد الدهر – وبعد هذا الترخيص في حقهن يقول الله تعالى – وإن يستعففن خير لهن – فأمر المؤمنات مبنى على الاحتياط على العفة والمبالغة في الحجاب والتكتم والله أعلم . (1/105)
صفحة 106
-وليضربن بخمورهن على جيوبهن – الخمر جمع خمار وهو ما تخمر به المرأة رأسها وسائر بدنها أي تغطيه ، يقول الله تبارك وتعالى – وليضربن بخمرهن على جيوبهن – أي يرسلن الخمار على الجيب ويشددنه على صدورهن والجيب هو شق القميص والدرع هو مخرج الرأس من الثوب ، قال تعالى لموسى عليه السلام : - أدخل يدك في جيبك الآية – وفي سورة الأحزاب يقول تعالى – يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين بدنين عليهن من جلابيهن – والجلباب هو الخمار الذي كانت المرأة العربية ترتديه أمرت المرأة المسلمة أن تدينه عليها والإدناء هو الإرسال على الوجه والصدر وسائر البدن بكيفية تستر كل زينة ويؤكد ذلك بقوله – ولا يبدين زينتهن – مكررا هذه العبارة مرتين ، فلا يبدو شعر ولا نحر ولا قرط ولا عقد ولا سوار ولا خلخال ، والآية التي تأتي بعد تبين البيان الشافي أن الخلخال وموضعه أيضا داخل في الستر وذلك حيث يقول تعالى – ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن – وسيأتي تفسيرها ،وقوله تعالى – إلا ما ظهر منها – أي إلا ماظهر من غير قصد إظهاره وما لابد من إظهاره حين يضطرها العمل في شئون الكسب من إظهار الوجه خاليا من الزينة والكفين كذلك وهو ما ذهب إليه بعض الصحابة والتابعين وبعض أئمة المذاهب والفقه وهذا يقتضيه يسر الإسلام وسماحة الدين- ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو ابنائهن أو أبناء بعولتهن أو أخوانهن أو بني أخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت ايمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء – أذن الله للمرأة أن تبدي زينتها لهؤلاء المذكورين في الآية وفي مقدمتهم بعلها وهو الزوج وأولى الناس بالنظر إلى زينة المرأة زوجها لا تستر عنه شيئا من بدنها إلا ما تقتضيه الكرامة والحياء على وجه الاستحباب لا الوجوب كما حدثت عائشة رضي الله عنها وهي أحظى أزواج النبي (ص ) (1/106)
صفحة 107
عنده قالت ما رأيت منه وما رأى منى ، تريد بذلك العورة المغلظة ، هذه همة وكرامة ودرجة من الحياء لا يصلها إلا الأنبياء والصديقون وليس عامة المؤمنين مكلفين بذلك إذ لا يحرم على أحد الزوجين إبداء موضع من بدن الآخر وأما الذين يرد ذكرهم بعد الأزواج فهم بعدهم وليسوا في رتبتهم من النظر إلى زينة المرأة والتمتع بها وهم أقاربها ومحارمها ولم يذكر الأخوال والأعمام في جواز النظر إليها وقد ذكروا في جملة المحارم وثبت جواز النظر بطريق السنة الصحيحة والسنة مبينة للقرآن : كان لعائشة رضي الله عنها عم الرضاعة واسمه أفلح أبو القعيس ، فاذن لها النبي (ص ) أن يدخل عليها ولا تحجب منه ، فإذا كان هذا في الرضاعة فالنسب أولى فلا اعتبار لبعض الشواذ الذين منعوا العم والخال لعدم ورودهما في هذه الآية فقولهم من الخلاف المتروك الذي لا اعتبار له . هذا ما يتعلق بالمحارم ومع هذا ينبغي للمرأة أن تكون في هيئة الاحتشام وبقدر ما تستتر وتحتشم تكون ألزم بالعفاف وأخلاق الإسلام . (1/107)
صفحة 108
- أو نسائهن – ما المقصود بهذه الإضافة إضافة النساء إلى النساء ؟ هل هي مراعاة لهذه الفواصل وأجراس الكلمات أو مقصود بها نوع من التخصيص وهو ما وقع فيه الخلاف بين العلماء ، فقال بعضهم هذه الإضافة مقصودة بها كل النساء اللاتي هن مثلهن والوثنيات وقال البعض : المقصود بالإضافة المسلمات وغير المسلمات الكتابيات منهن والوثنيات وقال البعض : المقصود بالإضافة المسلمات مثلهن وهؤلاء منعوا المرأة أن تنكشف للكوافر الكتابيات والوثينيات لأنهن لسن من نسائهن المؤمنات والبعض من العلماء أول الآية بتأويل آخر فقالوا : أو نسائهن أي النساء اللاتي يشبهن المسلمات في الحصانة والعفاف لا يتهمن بالزنا ولا يتصفن بأوصاف البغايا أما الخبيثات والعواهر فلا يجوز للمسلمة أن تنكشف لهن ، ولعل هذا القول أقرب إلى الإعتبار لأن المرأة الفاسقة لا تؤمن على المرأة العفيفة أن تسعى في إفسادها وقد تصفها للرجال كما لو كانوا يرونها أو تصورها من حيث لا تشعر ثم تعرض صورتها من غير مبالاة طعنا في سترها وعفافها وكثيرا ما أنجز الفساد إلى العفيفات بسبب تردد الفواجر عليهن يغرينهن بالفجور فالستر والابتعاد للمسلمة العفيفة أسلم لها ، فمن واجبها إذن أن تمنع غيرها ممن نشأ على الفساد والانحراف من الدخول عليها فما أحسن تفسير من فسر الآية بالطيبات العفيفات اللاتي يؤمن جانبهن ولا يخاف منهن على المسلمات ولو نسبن إلى الإسلام نسبة تقليدية جغرافية وهذا تفسير مهم للآية يتمشى مع حرص الإسلام على طهارة المسلمة وحصانتها ويتمشى مع الواقع وكثيرا ما تضطر المسلمة إلى معاملة غير المسلمات من النساء وهو ما كان جاريا في مدينة الرسول (ص ) وفي عصره حيث يوجد اليهود وما سمعنا إن نساء الرسول والمؤمنين أمرن بالحجاب عندما يدخل عليهن الكتابيات لبعض حاجاتهن ولو كان ذلك مشروعا لزخرت به كتب السيرة التي لا تهمل أدنى من ذلك – أوما ملكت أيمانهن- أي عبيدهن . (1/108)
صفحة 109
أباح الله لهن إلا يحتجبن عنهم رفقا بهن لشدة الحاجة إلى خدماتهم وكثرة ترددهم على البيون ، ويبدوا أنه لاحاجة لنا إلى إطالة الكلام في حقهم لانتهاء أمر العبودية في عصرنا وقد كان الإسلام حريصا على تحرير العبيد ففتح أبواب التحرير وضيق باب الاسترقاق وشدد فيه فلا يحل إلا في حرب مقدسة بين المسلمين والكفار – أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال – هؤلاء الصنف من الناس هيئتهم كهيئة الرجال ولا رغبة لهم في النساء مطلقا ويوجدون في كل زمان يتبع الواحد منهم أهل بيت ويخدمهم ولا رغبة له في شي إلا في مل بطنه وستر بدنه فهو لا يشعر بالشهوة الجنسية ولا يتكلمون في وصف محاسن النساء ولو فعلوا ذلك لطردوا من البيوت كما طرد النبي (ص ) ( واحد منهم حين وصف له حسن نساء الطائف طرده وأمر أن لا يدخل على النساء – أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء – الأطفال الذين لما تنتبه فيهم القوة الجنسية فهي لا تزال خامدة ولعل تفسير هذا وغايته هو بلوغ الحلم لقوله تعالى : وإذا بلغ الأطفال منك الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم . والقرآن يفسر بعضه بعضا والحالة هذه لمجموع الأطفال الغير البالغين وقد يخص العموم فلو أن طفلا مراهقا ظهر منه ميل إلى النساء والرغبة في الاتصال الجنسي لمنع من الدخول عليهن فإن هذا الميل الجنسي هو الظهور على عورات النساء والاحتياط في هذه الأمور أولى بأهل الغيرة والدين . (1/109)
صفحة 110
ثم قال تعالى : - ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن – أي لا يضربن رجلا برجل ضربا تسمع به رنة الخلاخيل لأن وسوسة الحلى عورة وهي فتنة للرجال فيحرم ضرب الرجل بالأخرى أو بالأرض لقصد إثارة هذه الفتنة الخفية وفي الآية دليل على وجوب اهفاء موضع الخلخال من الرجل فالمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها وقدميها أسفل الكعبين :- وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنة لعلكم تفلحون – هذه آداب القرآن العالية وفي السنة أيضا ما يقويها فقد صح عن النبي (ص ) أنه ( كان ينهى النساء المتعطرات عن الخروج ولو إلى المساجد بل لم يثبت عنه أنه رغب في خروج النساء إلى المسجد مطلقا إنما نهى الرجال أن يمنعوهن من الذهاب إليها فقال: لا تمنعوا إماء الله بيوت الله فكل مافي الأمر هو النهي عن المنع لا الترغيب في الخروج فقد روى أن امرأة من الأنصار قالت له : يا رسول الله إني أحب الصلاة معك ، فقال لها : لقد علمت أنك تحبين الصلاة معي غير أن صلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في المسجد قومك وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك مسجدي هذا وفي رواية قال : في المسجد الجامع وهذا منه (ص ) مبالغة في حب التستر والحصانة ورغبهن إذا صلين في المساجد أن يتأخرن ويبتعدن عن صفوف الرجال فقال : خير صفوف الرجال المقدم وخير صفوف النساء المؤخر والذي يروى في السير أن نساء الصحابة كن يذهبن إلى المساجد في صلوات الليل والمغرب والعشاء والفجر متلفعات بمروجهن وما نعلم أنهن يذهبن إليها في الظهر والعصر وكان النبي (ص ) ينتظر بالمصلين حتى يخرج النساء لكيلا تزدحم أبواب المساجد بهم جميعا ونحن اليوم نفعل ذلك بعد الدرس حتى لا تزدحم الشوارع أما أبواب المساجد فقد خصصنا أبوابا يدخلن ويخرجن منها. (1/110)
صفحة 111
وكان النبي (ص ) يأمر النساء أن يلزمن جانب الطريق فقد روى عنه أنه خرج يوما فرأى بعض النساء في وسط الطريق فقال لهن : ليس لكن الحق في وسط الطريق . فلينتبه نساؤنا لاسيما وبعضهن يشغلن الطريق كله ويتكلمن وهن ما شيات فليتقين الله وليلزمن الآداب النبوية وقد شدد فريق من العلماء في صوت المرأة ونحن نذهب إلى جواز المقدار الضروري من الكلام الذي تضطر المرأة إليه في قضاء حاجاتها إذا كان خاليا من الخضوع الذي تنهى عنه الآية في قوله تعالى : - ولا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا – أي مقتصدا على قدر الحاجة لا هذا ولا هزلا ولا تغنجا يطمع الذي في قلبه مرض . هذا تأديب الله لنا فيما يتعلق بشؤون النساء وموضوعهن أخطر الموضوعات وبعد هذا يأمرنا بالتوبة جميعا فقال : - وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون- أي مما عساكم أن تكونوا خالفتم به هذه الآداب أو يكون فلت منكم من خائنة الأعين أو خواطر الأنفس عند الرؤية والسماع أو الشم والله يعلم ضعفنا وميل نفوسنا وغلبة الأهواء عليها فأمرنا جميعا بالتوبة دائما وفتح لنا باب مغفرته ورحمته وعلق أمر فلاحنا بالتوبة التي هي من صفات المؤمنين والله يحب التوابين وبحب المتطهرين .
-وأنكحوا الأيامي منكم والصالحين من عبادكم وامائكم أن يكونوا فقرا يغنهم الله من فضله والله واسع عليم . وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا التي يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم أن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد اكراههن غفور رحيم ولقد أنزلنا إليكم ءايات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين . (1/111)
صفحة 112
يرشدنا الله تبارك وتعالى إلى الآداب التي تطهرنا وتزكينا أفرادا ومجتمعات وتحصن العائلات والأسر من أسباب الانحراف لأن الأسرة هي الخلية التي بصلاحها يصلح هذا النوع الإنساني لعمارة الأرض وبفسادها يحق الهلاك للجميع ويشرع الله لنا من الشرائع ما يتمشى مع غرائز الإنسان التي جعلها الله سببا لبقاء النوع البشري ومن المعلوم أن حكمة الله اقتضت أن يجعل ذرية آدم خلائف في الآرض تنشأ أجيال ونفنى أجيال يخلف بعضها بعضا في إظهار أسرار الله تبارك وتعالى في هذا الكون مما أراد الله أن يظهر على أيديهم ينقل الأواخر ما خلفه الأوائل من العلوم وهكذا يتعاقبون حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين فنحن اليوم في علم 1967 ننعم بحضارة ما كان يحلم بها أجدادنا ويتنبأ الناس اليوم بما سوف تئول إليه الحضارة في تمام هذا القرن وبعده وكل شي في تطور ولا يعلم عواقب الأمور إلا الله وما توصل إليه المخترعون اليوم لا يرجع إليهم الفضل وحدهم بل يشترك في ذلك الأوائل والأواخر وبنيان الحضارة لا يزال لم يتم كل جيل يضع فيه لبنة فيذهب ويأتي من بعده فيزيد فيه والله يعلم من يبلغ نهايته فلاجل هذا التعاون البشري ركز الله غريزة الجنس في الذكر والأنثى لبقاء النوع ووضع الله لهذه الغرائز حدودا حتى لا تطغى فتنقلب إلى الضد فيكون الهلاك عوض البقاء يأمرنا الله بما فيه صلاح الدين والدنيا فما علينا إلا أن نطيع أمره ولا يجوز بحال أن نكبت هذه الغرائز أو نعطلها ونعطل مفعولها بمعالجات وعقاقير إلا لضرورة يحددها الشرع لأن تعطيلها وتعقيمها ينافى حكمة الله في استمرارية عمران الأرض ، وبقدر ما يشدد الله في وعيدنا الزنا والانحرافات الجنسية بقدر ما يرغب في النكاح ويعد على السير في خطة والتعاون على إتمامه واستمراره أجرا عظيما وثوابا جزيلا ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم – وفي بضع أحدكم صدقة – ويعدنا على كل شعرة في الجسد يرويها ماء الغسل من (1/112)
صفحة 113
الجنابة حسنة والحسنة بعشر أمثالها ، وفي الزواج الحلال استجابة طبيعية وسليمة لفطرة الإنسان بنوعيه ، وفي هذه الآية يتوجه الأمر إلى الجماعة المسلمة والقائمين على أمورها خاصة بإنكاح الأيامى من المسلمين والمسلمات والصالحين من العبيد والإماء لأن المطلب حبلى لا يختص بالأحرار دون العبيد والكل أخوة في الدين يتعاونون على البر والتقوى ويسعون في حماية مجتمعهم من الفاحشة حتى يبقى مجتمعنا نظيفا يقوم بمهمته أحسن قيام ويؤدي رسالته أحسن أداء – وأنكحوا الأيامى منكم- الايامى جمع أيم وهو الرجل والمرأة غير متزوجين أمر الله بانكاحهما وانكاح العبيد الصالحين والإماء الصالحات وربما يوجد من العبيد أو الإماء غير صالحين لا تتوفر فيهم كفاءة الزواج ويعرون عن الأوصاف التي يجب أن يتحلى بها رب الأسرة أو ربة البيت وأم الأولاد والناس حديثوا عهد بجاهلية وقد نشأ إماء الجاهلية وعبيدها على إباحية تصرفات يمتنع عنها الأحرار المتحصنون وقد ظل الإسلام حريصا على تطهير مجتمع الرق من تلك العادات القبيحة ورفع معنوياتهم ويقويم أخلاقهم حتى تساوي الأحرار وظل حريصا على تحريرهم وتخليص الناس من استعباد بني ءادم بكل الوسائل حتى ينهض الجنس البشري كله لتحقيق خلافة الله في الأرض فليس الرق وأن ظل موجودا بمانع من ابتلى به من حقوقه الإنسانية كالزواج مثلا وليس التخويف واقامة الحدود بكافيين في تطهير المجتمع من الفواحش حتى يلبي مطلب الغريزة في الجنسين بتعميم النكاح في مختلف الطبقات لا فرق في ذلك بين أعلاها وأدناها إن الله لم يرض لنا أن نعيش في المجتمع المسلم عزاب وعوازب يغدون ويروحون لا إلى صمام يسكنون إليه ويتعففون بوجوده عن الحرام فأمر القائمين وأولياء الأمور بالسعي في إحصان عزابهم بالزواج المشروع لا يمنعهم من ذلك فقرهم فالله مغنيهم من فضله الواسع الذي لا يضيق بمخلوقاته كلها فلا يقم الفقر مانعا هؤلاء الفقراء من طلب الزوجات ولا مانعا (1/113)
صفحة 114
أولياء النساء من تزويجهم مخافة فقرهم فإن الله الذي لا يخلف وعده قد وعدهم أن يغنيهم من فضله فليثق هؤلاء وهؤلاء بوعد الله وليتعاونوا على تنفيذ ما يأمرهم به الله لصلاح دينهم ودنياهم ولله عاقبة الأمور – أن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله – في الآية وعد من الله صادق وفي مطاويها نكتة لطيفة تنبهنا إلى لطف الله الخفي في مخلوقاته وذلك هو سر تولد شي أو أشياء من وصل شيئين بعضهما إلى بعض ولهذا أمثلة كثيرة في خلق الله أليس الله تبارك وتعالى يقول – ومن كل شي خلقنا زوجين لعلكم تذكرون – في أمثالها من الآيات فالزوجان هما شيئان متفقان في النوع مختلفان في الخصائص وهما قوتان باجتماعهما تتولد من قوتين إحداهما موجبة والأخرى سالبة ولا بد من هذا الفرق بينهما فكأن احداهما ذكر والأخرى أنثى وحين يتصل بعضهما ببعض تتولد من بينهما أسرار وعجائب وكذلك الشأن في اتصال الذكر والأنثى بالكيفية المشروعة تتولد منه لا الأولاد فقط بل مع ذلك أسرار وبركات وقد لا يكون أولاد ولكن تكون منافع وأرزاق وبركات وقد يكون حظ كل من الرجل والمرأة على انفرادهما ضئيلا ضعيفا لا يسمن ولا يغنى من جوع غير أنه بعد اتصالهما يتولد حظ آخر جديد ويطالع سعيد نتجية اقترانهما وهذا واقع مشاهد لا مراء فيه وهو ما تصرح به الآية الشريفة – أن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله – فاعتبروا يا أولى الأبصار وثقوا بوعد الله فليست حالة الزوجين مقترنين كحالتهما قبل اقترانهما وسنة الله في مخلوقاته لا تتبدل وحكمته لا تختلف والنبي (ص ) يقول – التمسوا الرزق في النكاح – وهو أسوتنا في امتثال أوامر الله فقد ظل حريصا على تزويج الفقراء من أمته حتى زوج أحد أصحابه امرأة بما معه من القرآن لسور معدودات بعد أن لم يجد معه ولو خاتما من حديد فأنكحهما إياه على فقره ثقة بوعد الله وامتثالا لأمره ورفعا لمقام القرآن ويقول خليفته الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه – أطيعوا الله (1/114)
صفحة 115
فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الرزق – ثم يتلوا قوله تعالى- أن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله – وشكا رجل من الصحابة فقره للنبي (ص ) فقال له – تزوج- فالزواج علاج ناجح لمشكلة الفقر فلنمتثل أمر الله واثقين بوعد الله محسنين الظن به ولا بأس بتحمل الدين من أجل الإحصان فإن الله سيعينه محسنين الظن ما دام يريد ذلك فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي (ص ) – ثلاثة حق على الله أن يعينهم - : الناكح يريد العفاف والمكاتب يريد الإداء والغازي في سبيل – أي يرزقهم ويعينهم على قضاء ديونهم ، فالعجب من الشباب الذين يصدقون عن الزواج مخافة العجز عن القيام بتكاليفه فيبقى الكثيرون عزابا حتى يطعنوا في سن الكهولة وكثير منهم أساتذة يتقاضون مرتبات تمكنهم من القيام بالإنفاق على العيال ، ما بال هؤلاء هل يستعفون حتى يجدوا النكاح أم يشكون في وعد الله أم ماذا يصنعون أين هؤلاء من قول النبي (ص ) مخاطبا الشباب بقوله – معاشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أحصن لفرجه وأغض لبصره ومن لم يستطع فليصم فإن الصوم له وجاء أي يصومون ليكفهم الصوم عن الوقوع في الحرام ! إنهم واقعون في فلسفة عقيمة فاسدة ، فلسفة الملاحدة الماديين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، يصل أحدهم إلى مناصب غاية في وظائف الدولة وربما يكون أحدهم رئيس حكومة وهو عزب أين هؤلاء من أوامر ربهم وسنة نبيئهم الذي يقول – وأتزوج النساء ، فمن رغبن سنتي فليس مني _ هذه محادة منهم لأوامر الله وسنة رسوله وسيرة المؤمنين الصالحين . (1/115)
صفحة 116
– وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله- هؤلاء الذين لا يتسر لهم النكاح أمرهم الله أن يستعينوا بالصبر والعفة حتى يرزقهم الله من فضله بما يمكنهم من الزواج الحلال فلا يجوز لهم أن ينفسوا غرائزهم في الحرام ولا يكفي عدم وجودهم النكاح عذرا في الوقوع في الفاحشة فإن هم فعلوا الفاحشة حق عليهم عقوبة الله في الآخرة وأقيمت عليهم الحدود في الدنيا وإن هم لاذوا بالصبر وتسربلوا بالعفاف أخلف الله عليهم ورزقهم ما يمتعهم المتعة الحلال والعاقبة للمتقين ولا يزال سياق هذه الآية في هذا الموضوع المهم مستمرا في معالجة المجتمع وحمايته من الانحراف بمختلف أنواع الوقايات فلا بغفل جانب الرقيق الذين هم الآخرون بشر لهم رغبات البشر وشهواتهم الجبلية فيقول تعالى مرشدا وموجها عباده المؤمنين إلى إعانتهم على التحرر في تحررهم رفع لمستواهم الخلقي والاجتماعي يقول الله تعالى – والذين يبتغون الكتاب مما ملكت إيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم- هؤلاء العبيد والإماء الذين يرغبون في فك رقابهم من غل العبودية ويسعون في نيل بغيتهم من التحرر أعينوهم أعلى بلوغ هذا المطلب النبيل إن علمتم فيهم خيرا وساعدوهم على المكاتبة والمكاتب هو من يشتري نفسه من مولاه بمبلغ مؤجل لآجال معينة ثم على أقساط يسعى في الكسب المشروع حتى يتحصل على تلك المبالغ قبل آجالها وربما يشق عليه الحصول عليها فيأمرنا الله تعالى أن ندفع لهم من مال الله وهو ما يجمع من الزكوات والخراج وسائر الصدقات حتى يتمكنوا من قضاء ديونهم ويخرجوا من ظلمة الرق إلى نور الحرية ، هذا إن علمنا فيهم خيرا يعني إن رأينا منهم الاستقامة والصلاح وحسن التدبير وسائر الطباع السليمة التي تمكنهم من السلوك القويم بعد تحررهم سلوكا يجعلهم سعداء بعيشهم الجديد في عهد الحرية ويجعل المجتمع سعيدا بهم . (1/116)
صفحة 117
أما إذا كان المجتمع يشقى بهم أو يتجرع الغصص بانحرافاتهم الخلقية التي قد تخلفها رواسب العبودية فيهم أو يشقون هم لعدم قدرتهم على الكسب فبقاؤهم في كنف مواليهم أرفق بهم وبالناس والإسلام حريص على مصلحة المجتمع وقد يراد بالخيرية الوفاء والمعاني تتزاحم ، الوفاء في قيامهم بتحصيل ما عليهم من المبالغ التي في ذمتهم ودفعها في مواعيدها المضبوطة ، إذ توسمنا فيهم القدرة على الكسب وصدق الوفاء واحترام المواعيد ساعدناهم على نيل حريتهم ، والحرية عبأ لا يقوى على تحمله كثير من الضعفاء من العبيد الزنوج في أمريكا من الانصراف من بيوت مواليهم ، ووجدوا أن بقائهم معهم راحة لهم وآثروا البقاء في العبودية ووقع أن كثيرا من العبيد الذين تحرروا ذهبوا ضحية الضياع وراحوا يتكففون الناس وإماء كثيرات ذهبن يلتمسن العيش بفروجهن ميلا إلى الراحة وإنسياقا مع الهوى والشيطان ، ففي هذا التقييد في الآية الشريفة حكمة بليغة والله عليم حكيم فلنتدبر آيات الله ولنع ما ينطوى عليه كلامه العظيم من فقه فيه عواقبنا الحسنى في الدنيا والآخرة وفي سياق تحصين المجتمع وتقويم النفوس بالآداب الإسلامية العالية ينزل الوحي بما يلي : - ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتتبغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم – هذا نهى من الله تعالى وتحريم أن يكره الناس اماءهم على احتراف الزنا ليكتسبوا من ذلك عرضا دنيئا قذرا ما أقبحه من كسب والمقصود بالفتيات هنا الإماء وهو تعبير قرآني رشيد وقد ورد النهى في الحديث أن يسمى المالك مملوكه بإضافته إليه: عبدي أو أمتي ، إن هذه الإضافة فيها نوع من التعاظم لا ينبغى أن يكون إلا الله تبارك وتعالى الذي هو ربنا حقا ومالكنا ونحن عبيده وعبوديتنا له شرف لنا ومن أبرز الأوصاف لنبئنا (ص ) : وأن محمدا عبده ورسوله وهذه النيبة تكررت في القرآن هبة من الله وحنانا لأنبيائه وأوليائه الصالحين (1/117)
صفحة 118
والكل عبيد لله وإماء خاضعون لسلطانه ماض فينا حكمه عدل فينا قضاؤه فسبحان ربنا العلي الأعلى يريد الله أن يطهرنا من قاذورات الجاهلية الأولى : كان الواحد منهم يتخذ من فتياته بغايا وقد يشتريهن لهذا الغرض يخصص لهن بيوتا للبغاء العلني ينصب عليهن رايات إشهار لهذا العمل القبيح الذي لم يكن عندهم عيبا لانحراف موازين القيم فكأن الإماء بهائم لا أماسى فلا غضاضة في إكراههن على الفاحشة في حالة ما إذا أردن طهارة وتحصنا فلا قيمة ولا اعتبار لارادتهن وذلك لهوانهن على الناس فبينما يكون زنا المرأة الحرة عيبا من أكبر العيوب عندهم يكون توظيف النساء المملوكات لهذا الغرض أمرا عاديا لا غضاضة فيه بل هو تجارة يتعاطاها عليه القوم فجاء القرآن بالحق مبينا للناس أته لافرق في قيم الأخلاق ونظافة الأعراض بين الحرائر والإماء وإنكم إنما ملكتم من العبد والإماء خدماتهم لا ذممهم وعقائدهم وأعراضهم ثم إن الله تبارك وتعالى تكرم بعفوه على ما سلف من عباده في هذا الموضوع كسائر المواضيع التي كانت شائعة في الجاهلية فجاء الإسلام بتشريعاته جبا لها وتشهيرا للمجتمع الجديد من أرجاسها وأدناسها وكان من أسباب نزول الآية أن جارية لعبد الله بن أبي اسمها معاذة كرهت هذا العمل وأرادت الطهور والعفاف فهربت منه والتجأت إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فأخبر النبي (ص ) بأمرها فأمره أن يمسكها عنده ولا يردها إلى مولاها فلما علم بذلك استشاط غضبا وجعل يطعن في النبي (ص ) وصاحبه كيف يحسبان عن الناس أموالهم والطعن دأب أهل النفاق ومرضى القلوب فكبته الله وإخوانه المنافقين بهذه الآية التي قطعت عليهم هذه السنة وردت على جنس الإنسان كرامته كانسان يريد أن يعيش طاهرا نظيفا هذا بعد أن سن سنة الزواج وأمر بإنكاح الإماء والعبيد حتى يتم بنيان الأسر على دعائم الطهر والعفاف ويتجه الناس كلهم وجهة البر والتقوى والصلاح فلا حيف ولا ظلم ولا انحراف . (1/118)
صفحة 119
– ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين- يكرر الله هذه الصيغة : إنزال الله آيات بينات ومبينات ثلاث مرات : في أول السورة وفي وسطها وفي أواخرها وذلك لما تشتمل عليه السورة من تبيين الله فيها سنن الهدى وضرب الأمثال من الأمم السالفة ومواقفها من أنبيائه ورسله وبيان عاقبة الذين خلوا ممن كذب بآيات الله ولم يتبع رسله ، هؤلاء الذين وضعوا لهم شرائع جائرة أملتها عليهم أهواؤهم وأربابهم من دون الله : أحبارهم ورهبانهم وكبراؤهم يحرمون ويحللون لهم ما لم يأذن به الله فبين الله كيف كانت عواقب هؤلاء الأمم سيئة وكم كان مصيرهم وبيلا بعنادهم ومحاداتهم لله ورسله وفي أخبارهم عبرة للمعتبرين وموعظة للمتقين فيجنبون أنفسهم تلك العواقب بهداهم ويتبعون أنبياء الله ورسله ويسيرون على نهجهم القويم مقتدين بهداهم معرضين عن وساوس الكافرين والمنافقين فاعتبروا واتعظوا بآيات الله المبينات لعلكم تتقون . وبقدر ما كانت عواقب المكذبين وخيمة بقدر ما كانت عواقب الصابرين المهتدين بهدى الله حسنة وقد فصل الله ذلك في كتابه تفصيلا فما علينا إلا أن نتعظ بآيات الله ففيها الهداية الكاملة للمتقين .
- الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زينتها يضي ولم لم تمسه نار نور يهدى الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شي عليم . (1/119)
صفحة 120
أي نور يقارب نور الله الذي ينير لنا طريق السعادة الأبدية ! النور الذي ينظم علاقات الناس ويضع أصول الحضارة البشرية والمدنية الحق ويبني بناء الأسرة المسلمة على أساس من العفة والحصانة فالعائلة المصونة هي النواة الصالحة للمجتمع الصالح النظيف المجتمع الذي يستنير بنور الله يضع مقاييس الحضارة على موازين الله التي لا تحيف ولا تجور فيجمع بين حضارتي الروح والمادة فلا يضخم جانبا على حساب الجانب الآخر ، لا كحضارة هذا العصر الجوفاء الخالية من الروح والقيم الإنسانية حضارة المتع واللذات البهيمية والتكالب على طلب العلو وجمع المال . لقد تفنن إنسان هذا العصر في اختراع وسائل الفتك بأخيه الإنسان ففاق بذلك جميع الوحوش المفترسة فانطبقت عليه الآية - ثم رددناه أسفل السافلين – فقد تردى بحضارته المادية في أسفل درجات التسلط واتباع الشهوات وهو دوما يكفر في الهبوط لا في الصعود وصدق الذي قال معلقا على صعودهم في الفضاء – لأن يمشي الناس في الأرض وهم أطهار خير لهم من أن يطيروا إلى السماء وهم فجار- إن إنسان هذا العصر المتجرد من الدين المتفنن في حضارة الظلم والدمار يفوق شياطين الجن في التمرد على الله والمكر والكيد فكان على حد القائل
وكنت أمرءا من جندا ابليس فارتقى
بي الأمر حتى صارا ابليس من جندي
فلو مات قبلي كنت أحسن بعده
طرائق فسق ليس يحسنها بعدي (1/120)
صفحة 121
ومن أبرز سمات هذا العصر ترديه في الميدان الجنسي فقد هوى في القرار الأسفل وانتكس في حمأة الفساد الخلقي فسدت العلاقات الجنسية غاية الفساد وانتشر العرى والاختلاط ومات الشرف ودفنت الفضيلة وكثر أولاد الزنى وفساد هذا العالم بفساد المرأة فقد انسلخت من آخر بقايا الفضيلة وتجردت من ثياب الحياء والدين فهن الكاسيات العاريات المائلات المميلات وانفرطت عقود الأسر والعائلات وهي الطامة الكبرى ولعل الله يحدث في ملكه ما يريده فيوجه عباده إلى ما يخلصهم من هذه الهاوية فيرجعون إلى النظر في ما يصلح أمرهم ويقوم اعوجاجهم ويملأ الفراغ الروحي الذي خلفته الحضارة الخاوية وقد بدأت تظهر البشائر وشعر الناس بحاجتهم إلى الدين فهو وحده الذي إن راجعوه وجدوا فيه شفاء صدورهم وغذاء عقولهم وقلوبهم وصلاح جميع أمورهم ولا يزال كتاب الله محكما مسايرا للعقل والتطورات العلمية ولن يزال كذلك صالحا لكل زمان ومكان ، كيف لا وهو النور النازل من الله نور السموات والأرض فمن اهتدى به فهو على نور من ربه ويوم القيامة يسعى نوره بين يديه وعن يمينه ومن ابتغى الهدى في غيره فهو ضلال وظلام وشقاء ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور . ولو اتبع الناس الآيات البينات من سورة النور لاستنارت قلوبهم وعقولهم واستقامت أمورهم في هذه الدنيا ويوم القيامة . الله نور السموات والأرض ، النور اسم من أسماء الله الحسنى نؤمن به ونعلم أثره في المخلوقات ولا نعلم حقيقته كما ى نعلم حقيقة الذات العلية الواجب الوجود وهكذا جميع أسماء الله الحسنى ندعو الله بها ونؤمن بكمالاتها ولا نخوض في حقيقتها فالخوض في إدراكه أشرك والعجز عن إدراكه إدراك . (1/121)
صفحة 122
والنور هو الضوء شي يضيء في نفسه ويضي غيره فالعين البارة لا تبصر إلا بالنور فلولا النور ما أبصرت عين فالكون ظلام لولا نور الله فالله نور السموات والأرض ، والسموات كل ما فوق رؤسنا والأرض ... ما تحت أرجلنا فالتعبير بالسموات والأرض كلما ورد في القرآن يراد به الكون كله علويه وسفليه وقد توسع العلم في تفسير النور وأصبح في إمكان العلماء أن ينقلوا الصور والأصوات ويستعملوا القوى الهائلة في هذا الكون بعد أن تتحول إلى أشعة فكأن كل ما في هذا الكون حقيقة النور طالما أن قواه العلوية والسفلية تؤثر فيها الأشعة وتنقلب إلى أضواء فسبحان خالق النور والظلمة والكل من نور الله . (1/122)
صفحة 123
- مثل نوره كمشكاة فيها مصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضي ولو لم تمسسه نار على نور _ مثل نوره الذي يفيضه على قلوب المؤمنين ويريهم به طريق الهدى كمشكاة فيها مصباح ، والمشكاة موضع المصباح في بناء مرتفع ثابت والزجاجة تعكس ضوء المصباح وتقيه الرياح والأمطار وكل ما يكون سببا في إطفائه وقديما صنع الناس الزجاج انتفعوا به في شتى أغراضهم ووصف الزجاجة بالإشراق والصفاء كأنها كوكب درى نسبة إلى الدر لقوة إشراقه ولمعانة فهو كوكب ممتاز في إشراقه ولمعانة بين النجوم ثم وصف مادة هذا المصباح إنها زيت جيد صاف من شجرة مباركة لا شرقية ولا غربية تشرق عليها الشمس من جميع جهاتها فهي شجرة مباركة الثمار نقية الزيت حتى إنه ليكاد يضي بذاته قبل اشتعال النار فيه ضرب الله المثل بمصباح الزيت لأن الناس كانوا يستصحبون بالزيت وجعله في زجاجة فجميع أنواع المصابيح في الزجاج فهو الذي يحمى المصباح ويعكس النور وقد تطورت المصابيح ولم يستغن الناس عن الزجاج ، والمشكاة تحصر النور وتعكسه فهو نور على نور ، نور المصباح عكسته المشكاة وجلته الزجاجة وحمته من تأثير الرياح فهو نور ثابت مضي دائم الإشراق مستمرة وكذلك نور الله في قلب المؤمن بينما قلب الكافر في ظلام وقلب المنافق متقلب لا يظهر فيه النور إلا لمحات سرعان ما تطغى ظلمات الشهوات والريب فيختفي فالكفار في ضلال والمنافقون في حيرة وشك والمؤمنون على هدى من ربهم ويقين – يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شي عليم - يقذف الله من نوره في قلب من يشاء من عباده وهو الشرح المعبر به في آية الزمر – أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه – تلك هداية التوفيق والإيصال يجعلها الله هبة منه للمؤمنين الذين استنارت قلوبهم بالإيمان الصادق ولم تعتمها ظلمة الشهوات والمخالفات ولم يصبها النفاق فهي قلوب (1/123)
صفحة 124
مشرقة زهراء عليها من الله حافظ يحفظها من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس فقلب المؤمن مشكاة لنور الله وجاء التعبير بهذا المعنى متكررا في القرآن – أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس – قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين – فالذين ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون – ربنا اتمم لنا نورنا واغفر لنا انك على كل شي قدير – وهذا الدعاء في الدنيا وذلك إن المؤمنين لما ذاقوا حلاوة النور ونعموا بهدايته أشفقوا أن ينتزع منهم فهم يدعون ربهم أن يتمه عليهم ويديمه في قلوبهم ويغفر لهم ما قد يكون سببا في النيل منه أو إطفائه لأن الذنوب ظلمات ونكت سوداء تطفي النور إذا لم يغفرها الله فلقننا الله هذا الدعاء حتى نحافظ على هذا النور الموهوب من جنابه الكريم وأرشدنا إلى منابع هذا النور ومطالعه وهو في بيوته في الأرض التي هي المساجد فقال تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والأصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب - في بيوت أي توجد هذه القلوب وتشحن في بيوت أذن الله أن ترفع ، أمر الله أن ترفع أبنيتها وتطهر من الأرجاس والأنجاس وترفع منزلتها عند الله والملائكة والمؤمنين وترفع منها الصلوات والذكر والدعوات وسائر القربات فهي مرفوعة وما فيها مرفوع بإذن الله تعالى لا يلغي فيها ولا يدعي إلى شر وانما يسبح الله فيها بإذن الله تعالى لا يلغى فيها ولا يدعى إلى شر وغنما يسبح الله فيها بالغدو والأصال رجال قلوبهم متعلقة بالمساجد منذ خرجوا منها حتى يعودوا إليها فهم دائما يحنون إليها لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، رجال لهم بيوع وتجارات (1/124)
صفحة 125
وأعمال غير إنها لا تصرفهم عن ذكر الله وعن السعي إلى المساجد إذا نودي إلى الصلوات وقبل أن ينادي إليها فهم يهرعون إليها ويسرعون كما يسرع الظمآن إلى الماء في يوم صائف لا يجدون سكينة قلوبهم إلا في مناجاة الله وذكره فيها بالغدو والآصال في جميع أوقات الصلوات بالليل والنهار فالمؤمن في المسجد كالحوت في الماء والمنافق كأنه في سجن مضيق يتمنى الخروج منه فشتان بين الفريقين فكأن المسجد مشكاة والمؤمن فيها مصباح يزهر وقد ورد في الأثر أن المساجد التي يذكر فيها الله يراها أهل السماء مضيئة كالنجوم ، يقسم ابن عباس ترجمان القرآن انه ليس هؤلاء الناس فارغين في التجارة والبيع بل لهم تجارات وأعمال ، والإنسان لا بد له من كسب يطلب به الرزق الحلال – وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله – وهذا الطلب عبادة ونوع من الجهاد متى كان جميلا ومن طرق مشروعة ومتى كان لا يلهى صاحبه عن ذكر الله وذكر الله أعم من الذهاب إلى هذه البيوت لأن ذكر الله رفيق المؤمن في بيعه وشرائه ووزنه وكيله وجميع معاملاته ليس فقط في وقت الذهاب إلى المسجد فهو المهيمن عليه في جميع تصرفاته كالأستاذ الجاثم في قلبه يوجهه من الداخل فهو نور من ربه – يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار – هذا الخوف الذي سكن قلوبهم هو الذي سددهم وقوم جميع أعمالهم فهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويعمرون بيوت الله ويذكرون الله ولا ينسونه ويحاسبون أنفسهم لأنهم يخافون يوما عظيما يوم يقوم الناس لرب العالمين يوما تتقلب فيه القلوب وتضطرب من هول الموقف وتزيغ الأبصار لما تشاهد من الأمور العظام والأهوال الجسام وهو تعبير رائع يصور لنا مشهدا من مشاهد الحشر أحلى تصوير فلا أدل على شدة الهول وخوف العقاب من تقلب القلوب والأبصار – ليجزيهم الله أحس ما علموا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب – إن أولياء الله يرجون رحمة الله فهم يجتهدون في طاعته طمعا في حسن جزائه (1/125)
صفحة 126
وهم يحسنون الظن ويحسنون العمل وجزاء الله إلا وفي للعاملين يجزيهم أحسن ما عملوا ويزدهم من فضله كما قال في آية أخرى – للذين احسنوا الحسنى وزيادة - وفضل الله عظيم والله يرزق من يشاء بغير حساب وكثيرا ما يرد هذا التعبير في القرآن والمراد به الوفرة الوافرة والدوام وإلا فكل شي محسوب عند الله مقدور وكل شي يقع وفق إرادته ومشيئته هداهم ووفقهم بمشيئته ثم يجزيهم بمشيئته أحس جزاء فلله الحمد أولا وآخرا والذي تقرره الآية أن العمل هو مناط الجزاء لا الأقوال لا الجوفاء والأماني الفارغة فأما الذين تخالف أعمالهم أقوالهم فهم في ضلال بعيد وكذلك الذين تخلوا أعمالهم من الإيمان والنيات وسيأتي الكلام عليهم في قوله تعالى – والذين كفروا أعمالهم كسراب ببيعة الآية- والقرآن ميزان الله عادل لا يجور ولا يحيف وقد بين طريق النجاة من الخسران في الإيمان والعمل الصالح وإنه ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب فالإسلام إذن حقيقة لا مجرد ادعاء وسيقال يوم القيامة للمفرطين المتمسكين بالأماني الفارغة للذين يبقون في الظلام يقال لهم – أرجعوا وراءكم فالتمسوا نورا - ولا ينفعهم وجودهم مع العاملين وهم لا يعلمون فإنهم ينادونهم ألم نكن معكم فيجيبونهم – بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور – فلنتدبر كل كلمة في كتاب الله فإن فيها دلالة واضحة على الحق ، يهدي الله لنوره من يشاء . – والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب – يضرب الله تعالى مثلين لأعمال الكفار التي لا تزن عند الله شيئا لخلو قلوبهم من الإيمان . (1/126)
صفحة 127
يعمل الكفار أعمالا فيها ما يعتبر من الخير ولكنها لا تقبل منهم لخلوها من الإيمان وكثيرا ما يعلمون لخير الدنيا ورغد العيش أعمالا كبيرة يظنون إنها تنفعهم ولكنها لا تنفعهم وقد يصيرون إلى الضد مما كانوا يتوقعون كما قال الله تعالى في حقهم ينفقون أموالهم لأغراضهم الخبيثة – فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون- فمثلهم في خيبة أملهم وخسارة مستقبلهم كمثل من تراءى له سراب في قبعة من الأرض يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا فاشتدت حسرته وعظم حزبه ولقى في نهاية أمره جزاء الله العادل خلاف ما كان يأمل فما أعظم خيبته وما اشد خسارته وكذلك مصير أعداء الله الذين يحادون الله ورسوله ويحاربون أولياءه وما ظلمهم الله إن هو إلا حسابهم يوفيهم الله اياه والله سريع الحساب وكذلك من تنكب طريق الله المستقيم وسلك طريق الشياطين ظانا إن فيها السعادة لا ينتهي أمره إلا إلى شر العواقب ولا يلقى إلا ما يلقى الظمآن من السراب الذي تراءى له من بعيد بقعة من الأرض والسراب لمعان قاع من الأرض لا نبات فيه يتراءى بانعكاس أشعة الشمس فيه كأنه ماء ولا ماء وكثيرا ما يخدع السائرين في البيد فضربه الله مثلا مطابقا لسعي الكفار وراء غرور شياطين الجن والإنس ثم ضرب لهم مثلا آخر زيادة في توضيح ما يؤول إليه أمر الأفاكين الكافرين .
فقال تعالى : (1/127)
صفحة 128
" أو كظلمات في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا خرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور – وفي الآيات مقابلة بين حالة وحالة فبينما يقول في وصف المؤمنين نور على نور إذا به يقول في مثل الكافرين ظلمات بعضها فوق بعض وبين الحالتين من البعد والتباين ما بين الظلمات والنور فأعمال الكفار والمشركين في فسادها وضلالتها وسوء عاقبتها كظلمات متراكمة في بحر لجى بعيد القعر كثير الأمواج تتعالى أمواجه في عنان السماء يركب بعضها بعضا وفوقها سحب وغيوم تحجب نور الشمس كما تحجب الشكوك والشهوات والأهواء نور الحق عن قلوب الكفار فتعمى بصائرهم فلا ترى شيئا كذلك الحال في هذا البحر اللجي ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج الراكب فيه يده لم يكد يراها أي لم يقترب من رؤيتها لتراكم الظلام حيث ينقلب النهار ليلا وهذه حالة لا يتصورها إلا من سافر عبر هذه المحيطات وقد كانت هذه الآية سببا في إيمان أحد ربابنة البحار حين قرأها وهو في حالة من هذه الحالات فتعجب من هذا الوصف الدقيق لهذه الحالة بكلمات قليلة يعجز أمثاله الذين عاشوا في البحار عن وصفها بكلام مسهب طويل فكيف يصفها محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف العجيب في أسلوب عجيب وهو لم يركب البحر ولم يشهد هذه البحار اللجية فأيقن أن هذا من كلام خالق البحار لا من كلام محمد الذي نشأ وعاش في الصحراء وفي هذه الحالة تصوير حقيقي لا حداق الخطر وقرب الهلاك لمن هذه حالته فكذلك الكفار أمرهم في بوار وعاقبتهم المار أضلتهم أهواؤهم وطغت عليهم شهواتهم فهم في ظلماتهم يعهمون يجرون وراء السراب يطلبون السعادة في طرق الشقاء ، ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا – ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور – ما أقساه من حكم تحكم به هذه الآيات حكمها على هؤلاء العمى الصم البكم الذين يبتغون الهدى في غير كتاب الله أضلهم الله ولم (1/128)
صفحة 129
يجعل لهم نورا يبصرون به النور فالأمر كله راجع إليه تعالى ربنا يهدي من يشاء ويضل من يشاء وما ظلمهم الله ولكن صرفوا فصرف الله قلوبهم هؤلاء يبتغون الهداية في كتب الفلاسفة الأقدمين والمحدثين ويصدفون عن كتاب رب العالمين فالويل لهم ولكل من يصدف عن آيات الله ويتخذها وراءه ظهريا ، أنى له أن يهتدي أو يبصر النور ، ما له من نور ولو بصيصا من النور ، فالتعبير بالنكرة في سياق النفي يقتضي العموم ويتأكد العموم بإدخال- من – فلا مطمع لهم مطلقا ولا أمل في النجاة ولا وزن لأعمالهم يوم القيامة ساءت عاقبتهم وساء مصيرهم فالمتأمل في هذين المثالين الحكيمين تنفتح له آفاق من الاعتبار ويدرك الفارق الكبير بين من يهتدي بنور الله ومن يتبع الهوى ويؤثر الشهوات وشتان بين الفريقين ويا بعد ما بين العاقبتين والمؤسف في الكفر وتمردوا على الأديان وراحوا يخترعون فنون الفجور والعرى حتى تجاوزوا كل حد وتنكروا للقيم الأخلاقية وانسلخوا من بقايا الحياء حتى انتهوا إلى الدرك الأسفل مما لم يبلغه أسلافهم فقد أبيح الزنى في كثير من بلاد الدنيا ودعت إليه مئات الجرائد والمجلات حتى في البلاد التي كانت تعتبر متحفظة وانتشرت بين الشباب مذاهب شيطانية تدعو إلى التحلل والخنث والانتحار الخلقي وتجاوزت البلاد الأوروبية إلى البلاد الإسلامية وأعيا أمرهم الآباء والمرشدين وأعجز الملوك والرؤساء وما هذا إلا نذير الفناء والهلاك ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور . (1/129)
صفحة 130
ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ولله ملك السموات والأرض وإلى الله المصير _ كل شي في هذا الكون الواسع يدل على وجود الله وعظمته وشمول علمه وقدرته وكمال حكمته ، ينبهنا تبارك وتعالى بصيغة الاستفهام التي يراد بها تقرير المعنى ينبهنا لنتأمل ويخبرنا أن جميع مخلوقاته في سماواته وأرضه تسبح له تسبيحا حقيقيا يعلمه هو وتصلى له صلاة يدركها وهو الذي أرشدها وهداها إلى ذلك التسبيح وتلك الصلاة ثم يخصص من بينها الطير ثم يخص من بينها الطير بالذكر لعموم مشاهدتها إلى ذلك التسبيح وتلك الصلاة ثم يخصص من بينها الطير بالذكر لعموم مشاهدتها يراها الناس كلهم تسرح في الجو ناشرة أجنحتها وهي تطير في فضاء الله الواسع لاهجة بأصواتها المختلفة لا يعلم تسبيحها إلا خالقها شكر منها لنعمة الخلق والرزق والحياة وفي طيرانها وهي صافات أجنحتها أو قابضات أحيانا آيات بينات للمتفكرين ألم تروا أيها الغافلون وتعتبروا بها وبتسبيح ما في السموات والأرض من المخلوقات وعلم الله بأفعالها وحركاتها وسكناتها أليس في هذا ما يهديكم للحق وأن الله لم يخلق فتعلموا أن الله لم يخلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأن الله لم يخلق الإنس والجن عبثا تعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم . (1/130)
صفحة 131
وفي الآية يرد التعبير بمن التي للعقلاء وهذا أما تغليبا لأن في المسبحين عقلاء كالملائكة والإنس والجن وفيه أيضا إشارة إلى رفع المسبحين إلى مقام العقلاء لما كان التسبيح من أعمال العقلاء ولا ينكر أحد أن في الحيوانات نوعا من وعي والهام تقوم به بمهماتها التي تتحقق بها حكمة وجودها – وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم – وهذه الأمم لها لغات تتفاهم وتتخاطب بها وفي سورة النمل وحديث سليمان عليه السلام للهدهد وحديث الهدهد له بخبر صادق وعقيدة خالصة لله وفيها قول الله تعالى – وورث سليمان داو ود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شي إن هذا لهو الفضل المبين – وفي سورة فاطر يأمر الله الطير والجبال أن ترجع تسبيح نبي الله داود عليه السلام ففي المخلوقات وعي وتعبير وأسرار دلت عليها آيات الله البينات لا ينكرها إلا مكابر وقد توصل العلم الحديث إلى بعض هذه الحقائق في عالم الحيوان مثل ممالك النمل والنحل وغيرها . وفي السيرة النبوية أن نبيئنا محمدا (ص ) كان يسمع تحية السلام من بعض مخلوقات الله من الأشجار والأحجار والحيوانات وسمع تسبيح الحصاة في يديه وتحت قدميه فسبحان من بيده كل شي _ ولله ملك السموات والأرض وإلى الله المصير- لله ملك السموات وملك الأرضين وإليه مرجع الخلق يوم القيامة فيحاسبهم ويجزيهم على أعمالهم الجزاء إلا وفي وإليه مصير الأمور كلها مبتدؤها منه ومالها إليه فتأملوا أيها العقلاء في هذا الملك الواسع الذي بنى على نظام دقيق ليس فيه تفاوت كل شي فيه بمقدار وميزان وسير مطرد ملايين وملايين السنين وفي هذا دلالة على وحدانية رب السموات والأرض _ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدنا – ولا يزال العلماء الباحثون في الكون يعثرون على أسرار وعجائب تهديهم إلى الإيمان وتزيد المؤمنين إيمانا ومن أحب الله أحب أن يطلع على آياته . (1/131)
صفحة 132
يريد الله أن ننظر ماذا في السموات والأرض من آيات وعبر هي مجلى عظمته ووحدانيته وحكمته في خلقه ويريد منا أن نعلم أن الملك له وحده لا شريك له في الملك ولا ولي له من الذل فنعبده وحده ونسجد له وحده ونعمل ليوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله فهو ملك يوم الدين إليه مصائر الأمور كلها وإليه المرجع وإليه المآب .
ألم تر أن الله يزجى سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار يقلب الله الليل والنهار في ذلك لعبرة لأولى الأبصار والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء والله على كل شي قدير لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم _ (1/132)
صفحة 133
يذكرنا الله تبارك وتعالى بهذه المشاهد العظمى التي تمر علينا مرارا وتكرارا وهي تدل على الله وترشده إليه ولكن الألف والعادة حاجبان الغافلين عن التأمل والتفكر في صنع الله ولو كانت هذه الأشياء قليلة الوقوع لا تحدث إلا مرة في عدة سنوات مثلا لكان الناس يحتفلون لها ويخرجون من دورهم يترقبون مرور هذا المشهد العجيب وكذلك آيات الله في الأفلاك فهم يترقبون الكسوف ويسافرون له إلى بلاد بعيدة بينما المطالع تمر بنا آياتها كل يوم ونحن غافلون وما ذلك إلا لتبلد فكر الإنسان بالألف والعادة وما كان ينبغي للإنسان أن يغفل عن آيات الله في الأرض والسماء فهذه السحب المتراكمة بين السماء والأرض وما يحدث فيها من بروق ورعود وما ينزل منها من أمطار وبرد وهذه الدواب التي تدب على أرض الله بمختلف أنواعها آيات تدل دلالة واضحة على عظمة خالقها وقدرته وعلمه ووحدانيته ورحمته بخلقه – ألم تر أن الله يزجى سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما- ألم تروا جميعا أيها العقلاء رؤية تدبر وتفكر واعتبار أن الله يسوق السحب الثقال ، بينما تكون السماء صاحية إذا بقطعة من سحاب تتكون أو تظل من الأفق ثم تتسع وتعرض ثم تنضم إليها سحائب أخرى فإذا بها ركام متداخل بعضه في بعض كأنها جبال تسيرها القدرة الإلهية بين السماء والأرض تحمل آلاف آلاف من أطنان المياه تسوقها الرياح المسخرة إلى حيث يريد الله ووصف السحاب بالجبال أمر عجيب فيه معجزة لا تقل عن المعجزة التي مرت بنا في وصف البحر اللجي تدل أن هذا الكلام ليس من عند محمد (ص ) إنما هو من عند الله خالق السحاب فما كان البشر يطيرون في الفضاء ليشاهدوا قمم السحب من فوق واليوم تجلت هذه الحقائق حين طار الناس فوق السحب فإذا بهم يشاهدون كل يوم هذه الجبال المتراكمة من السحب لها قمم كقمم الجبال الشامخة تسير في فضاء الله العريض – فترى الودق يخرج من خلاله – ترى المطر يتكون قطره من خلال السحب وينزل وابلا أو طلا (1/133)
صفحة 134
وفي نزول المطر من السماء آيات تدل المتفكرين وحتى الغافلين تنبههم على عظمة الله وقدرته ورحمته التي تعم مخلوقاته وقد ينزل البرد عقابا على الناس الذين يكفرون بنعمة الله ويحادون الله ورسله بارتكاب المناهي وترك المأمورات ، وفي تكوين البرد وتجمد الماء في السحاب إلى قطع مستديرة صغيرة أو كبيرة وأصابتها أرضا دون أرض وقوما دون قوم آيات بينات على قدرة الله وحكمته وأن الأمور تجري بتقديره وعلمه وأن كل شي بإرادته وأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه فعال لما يريد إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون يخلق السحب ويؤلف بينها ويغرق البلاد في ساعة من نهار . (1/134)
صفحة 135
وينزل من السماء من جبال فيها برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار – يتحدث أهل العلم بظاهر الحياة عن هذه الأمور بالظواهر الطبيعية التي يشاهدونها من تبخر السحب من مياه البحر ومهاب الرياح وأسبابها وسوقها للسحب واستحالة البحار إلى ماء سائل ومتجمد عندما يمر على طبقة باردة من الجو ثم ينزل مطرا أو بردا أو ثلجا نعم هذا صحيح وهل هذا التفسير يغض من قدرة الله وآياته في الكون ؟ كلا بل يزيد المؤمن إيمانا ، فمن الذي خلق البحار وأحال الماء بخارا وأنشا الرياح اللواقح وجعل من البحار مطرا وبردا وأنزل الماء بقدر معلوم وعزل عنصرا والهواء عناصر والماء عناصر فسبحان من صنع وأتقن كل شي صنعا وسبحان من يصيب من يشاء برحمته أو نقمته ويصرفها عمن يشاء لا يملك البشر ذلك بقوتهم ولا بعلومهم لا دفعا ولا نفعا فتراهم ينظرون ولا يملكون من الأمر شيئا والأمر كله لله وفي هذا ما يكفي للاعتبار ويدعو إلى توحيد الواحد القهار – يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار- أضواء البروق تلمع من خلال السحب تقوى أحيانا حتى لتكاد تخطف أبصار الناس بشدة لمعانها وقد وقع فعلا أن عميت أبصار أناس بسنا برق خاطف قوي كما وقع فعلا أن عميت أبصار أناس بسنا برق خاطف قوي كما وقع أن صرع أناس برعود قاصفة وما ذلك إلا لقوة ما هنالك من شحنات كهربائية عظيمة هي من صنع الله الذي الذي أتقن كل شي والفرق بين المؤمنين والكافرين أن المؤمنين يردون الأسباب إلى مسبب الأسباب ولا يزيدهم اطلاعهم عليها إلا إيمانا بربهم أما الكافرون فيقفون عند الأسباب ويغفلون عن مسببها ويكفرون بربهم أما الكافرون فيقفون عند الأسباب ويغفلون عن مسببها ويكفرون بربهم وخالقهم وقد مطر الناس في زمان النبي (ص) فلما أصبح الصباح قال لهم : أتدرون ما ذا قال ربكم ؟ قال : أصبح من عبادي مؤمن وكافر ، فمن قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب ومن قال مطرنا بنوه (1/135)
صفحة 136
كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب . فهذا الحديث إرشاد للمؤمنين أن لا يعلقوا الأشياء بأسبابها غافلين عن خالق الأسباب والمسببات كما هو شأن الكفار والملاحدة . نعم ينبغي أن نتعلم ونطلع على أسرار الله في الكون فإن العلم ينفى الخرافات عن عقولنا ومداركنا ولكن لا يجوز أن تنقص هذه المعارف من روعة آيات الله حين نشاهدها فهذا خطر على إيماننا يجب أن نأخذ حذرنا منه فالعلم الصحيح من شأنه أن يدعو إلى الإيمان ويزيد المؤمن إيمانا وخشية وصدق الله العظيم – إنما يخشى الله من عباده العلماء – هذا مشهد من المشاهد الكونية العجيبة والعميمة يتكرر على جميع سكان المعمورة دائما يشملهم كلهم فلا يخرج أحدهم من الليل أو النهار فهما يتعاقبان يطلب أحدهما الآخر طلبا حثيثا وفي تقلبهما عبرة عظيمة لأولى الأبصار الذين ينظرون ببصائرهم إلى آيات الله في أرضه . وسمائه ولا يمرون عليها صما وعميانا فسبحان من جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا يقلب الليل والنهار تقليبا رفيقا بالتدريج لا بالطفرة رفقا بعباده فينقص ضوء النهار شيئا فشيئا وتنزل ظلمة الليل شيئا فشيئا وتنزل ظلمة الليل شيئا فشيئا وهو معنى الإيلاج الذي ورد في غير موضع في القرآن – يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل – وفي ذلك التدريج رفق بمخلوقاته إذ لو نزل أحدهما نزولا مفاجئا لعشيت الأبصار وربما عميت فسبحان الذي وسعت رحمته مخلوقاته فما على العاقل إلا أن يتأمل مشرق الشمس ومغربها والفجر الذي يسبقها والشفق الذي يعقبهما فسبحان رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق وفي ذلك ما يكفي عبرة لأهل الاعتبار والذي يقلب الليل والنهار هو الذي يقلب قلوب عباده فبعضهما كالليل وبعضها كالنهار وبعضها متقلب وكان من دعاء النبي (ص) : اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك . (1/136)
صفحة 137
وفي تقليب الليل والنهار عبرة أخرى ألا وهي مرور أعمارنا سريعة ، أليس الليل والنهار يتراكضان تراكض البريد يبليان كل جديد ويقربان كل بعيد ويأتيان بكل موعودا هذه عبرة وذكرى لنا حتى نبادر آجالنا قبل حضورنا باغتنام أيامنا وليالينا المقبلة بفعل الطاعات وترك المحرمات والتوبة من الخطيئات قبل الفوات وكل ما هو آت آت فأيامنا مطايانا وهي تجري بنا جري الخيول الراكضات فمن لم يغتنمها كانت عاقبته الحسرات وهيهات هيهات وفي تقليب الليل والنهار نعمة من الله على عباده لينتفعوا بهما جميعهما فأحدهما للسكون والراحة والآخر للكسب والحركة والانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله ولولا هذا التناوب بين الليل والنهار لضاعت هذه المصالح الضرورية ولهلك كثير من مخلوقات الله حيواناتها ونباتها وغير ذلك مما نعلم وصدق الله القائل : - قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم أن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ، ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون – يأتي هذا التعبير على طريق اللف والنشر المرتب أي لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضل في النهار فلولا تعاقب الليل والنهار لما أصلحت الحياة على الأرض فظلام الليل ورده له دخل كبير في تكون المخلوقات وعيشها وتطورها على ظهر وفي باطن الأرض وفي وسط البحار وقاعها وكذلك ضوء النهار وحرارته وللشمس وأشعتها والقمر وضيائه والنجوم تأثير كبير في الحيوان والنبات والجماد على الأرض وعلى سائر الكواكب التي هي من جنس الأرض وفي الأجواء التي بينهما ففي تقلب الليل منافع وحكم وأسرار وبتقلبهما يتكون الزمن ليعلم الناس عدد السنين والحساب وكذلك في تقلبهما من قصر إلى طول واعتدال واختلاف ذلك في أقاليم الأرض منافع للناس والحيوان وأسرار لا (1/137)
صفحة 138
يعلم كنهها إلا خالقها وقد نبهنا الله إلى تدبر ذلك في غير موضع من كتابه الكريم : - إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب .. الآيات ولا يزال علماء الطبيعة يعثرون في بحثهم المستمر على كنوز وأسرار تكمن وراء هذا التقلب وهذا الاختلاف إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار ، في تقلب الليل والنهار عبرة ومنفعة للعمال وللعباد فالعامل يستنفذ طاقته في ضوء النهار في جلب ما ينفعه وينفع الناس من فضل الله ويسعى في مناكب الأرض وفي بطون البحار وفي طبقات الجو فإذا جاء الليل وأخذ قسطه من النوم استرجع طاقته بتلك الراحة فينهض صحيحا كأن لم يتعب والعابد يغتنم تقلب الليل والنهار فيقوم الليل يناجى ربه في سكون الليل ويصوم النهار فيأخذ حظه منهما جميعا فسبحان من يقلب الليل والنهار وما أعظم آلاء الله في تقلبها ولله في خلقه عبر وأسرار وصدق القائل :
فيا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة وتسكينة أبدا شاهد
وفي كل شي له آية تدل على أنه الواحد (1/138)
صفحة 139
- الله نور السموات والأرض – إنكم أيها الناس لا تدركون نور الله في ذاته فتأملوه في مخلوقاته فهذه مشاهد أربعة من أعظم مشاهد الكون تقدم منها ثلاثة ثم يعقبها المشهد الرابع وقبل أن نتعرض لتفسير المشهد الرابع نستعرض هذه المشاهد المتقدمة : المشهد الأول ينبئنا أن كل شي في الكون يسبح لله ويصلى له ويلفتنا إلى هذه الطيور التي تسبح في الفضاء وهي الأخرى تسبح لله وتصلى له ، المشهد الثاني يدعونا إلى التأمل في السحب وتكونها والأمطار ونزولها وفي ذلك آيات للعالمين ، المشهد الثالث يحدثنا عن تقلب الليل والنهار وما فيهما من المنافع والعبر وكل هذه المشاهد الأربعة : ما مضى منها وما يأتي تتكرر في جميع جهات المعمورة لا تختص منها جهة فهي على سمع جميع الناس وبصرهم وجميع مداركهم فما عليهم إلا أن يتأملوا ويعتبروا فإذا بهم يبصرون نور الله في السموات والأرض فالتأمل والاعتبار إذن هو المدد لنور قلوب المؤمنين أولى الأبصار وهو الزيت الذي يمد مصابيحها بالضوء الدائم فلا تزال زاهرة مبصرة وهذه التأملات في مخلوقات الله بالإضافة إلا ما وقر فيها فلا تزال زاهرة مبصرة وهذه التأملات في مخلوقات الله بالإضافة إلى ما وقر فيها من إيمان وحب لله نور على نور يهدي لله لنوره من يشاء فهنيئا للعارفين الذين متعهم الله بالنور وأروى ضمائرهم من سلسبيل معرفته فهم الرواء وغيرهم إظماء – والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء أن الله على كل شي قدير لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم – هذا هو المشهد الرابع من مشاهد الخلق التي يلفت الله أنظارنا غليها والمشهد هو عملية خلق الإحياء وأصل مادتها واختلاف أجناسها وأنواعها ودلالة وجودها على قدرة الواحد القهار . (1/139)
صفحة 140
الدابة كل ما يدب على الأرض وفي الكهوف والمغارات وفي قيعان البحار والمحيطات ومنها قوله تعالى : - وما دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين – ومن أول ما يدخل ضمن هذه الدواب نحن معاشر بني آدم وكل هذه الدواب مخلوقة من ماء ن ترى هل هذا الماء هو الأصل الأول الذي منه هذه الدواب أو الثاني الذي تتكون منه هذه الدابة بطريق اللقاح بين ماء الذكر وماء الأنثى أو كلاهما وفي كل ذلك آيات تدل على الخلاق العليم ولا يزال العلماء حيارى أمام معجزة الخلق معترفين بعجزهم جميعا عن خلق خلية الحياة في الإحياء ، وقليل من التدبر في المخلوقات يهديك إلى كثرة نشوة الحياة فيما دق وجل من الإحياء وتكررها في ملايين وملايين الصور في كل لحظة فعجبا بعد هذا لمن يغفل ولا يعتبر وسبحان الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي فما هي الحياة وما هو الروح ؟ هذا ما عجز عن إدراكه العلماء ولن يدركوا حقيقته حتى تقوم الساعة – قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا – ثم الفت الله أنظارنا إلى أشكال وأنواع المخلوقات لنتدبر في ذلك ونتفكر ولا نغفل فقال : - فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء أن الله على كل شي قدير – من الدواب من يمشي على بطنه وهي جميع الزواحف في الأرض والحيتان في قيعان البحار ومنها من يمشي على رجلين وهم بنو ءادم والطيور ومنها من يمشي على أربع وهي الأنعام التي فيها منافع بني ءادم والطيور ومنها من يمشي على أربع وهي الأنعام التي فيها منافع بني ءادم وهي الأزواج الثمانية ومنها الدواب التي منها ركوبهم وحمولتهم في حال ظغنهم واقامتهم وفي حال حربهم وأمنهم وهي الخيل والبغال والحمير وغير ذلك كثير كالغزلان والوحوش والسباع والسنانير كل حيوان صوره الله على الصورة التي تليق وعلى الشكل الذي يساعده على القيام بمهمته أحسن قيام وميز (1/140)
صفحة 141
الإنسان من بينها بهذه الصورة الجميلة يمشي على رجلين ويبطش بيدين وأصابع متفرقة ورأسه مرفوعة لأن الحاكم الآمر الناهي المتصرف بإذن ربه في غيره من المخلوقات التي سخرها الله وذللها له وخلقها من أجله ولخدمته خاضعة راكعة إمامته حانية ظهورها ليركبها ويحمل عليها أثقاله ويرتفق منها فهي مسخرة له لينتفع منها ويشكر الله على ذلك ويتفكر في صنعها لعل التفكر يهديه إلى توحيد الله وتعظيمه وليس ذكر ما تقدم على سبيل الحصر بل على سبيل التنبيه والتذكير وإلا ففي أرض الله برهان وبحرها آلاف من الدواب تمشي على أكثر من أربع كهذه الحشرات التي نشاهدها وكثير من الحيتان في البحار وانما ذكرنا الله تعالى بك،واع التي نحن من جملتها والأنواع التي نرتقق بها ولا نفارقها فالاعتبار بها ألزم والنظر غليها اقرب والنعمة في وجودها أعظم . (1/141)
صفحة 142
- - وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ولتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون – يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شي قدير – إن الله ينشي الخلق ويصور المخلوقات كما يشاء ويريد لا على نمط سابق ولا بتصميم مصمم بل المصممون والمهندسون يقلدون صنع الله فيصنعون الطائرات على أشكال الطيور ويصنعون السفن على أشكال الأسماك وما ذلك إلا لكمال صنع الله – إن الله على كل شي قدير – يذيل هذه المشاهد الأربعة بالتأكيد على عموم قدرة الله على كل شي لا يعجزه شي مطلقا شانه عجيب هو الخلاق العليم – لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم – يذكرنا الله ربنا وينبهنا من غفلاتنا بآياته المبينات الجليات المتلوة في كتابه المنزل ويذكرنا بآياته المبينات المجلوة في الكون في الأرض في السماء كما يعبر القرآن كثيرا بعد مثل هذا العرض بقوله – إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون – لقوم يعقلون – أفلا يتفكرون – أفلا تذكرون – أفلا تعلقون – تنبيهات وتحريضات وهي كلها دلالة وهداية بيان لجميع الناس ثم يختم السياق بهداية التوفيق والإيصال وهي خاصة للسعداء من عباده فيقول – والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم – من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام والصراط المستقيم هو طريق الحق المؤدي إلى رضى الله وهو طريق فأولياء الله ينظرون ويتفكرون ثم يسعون ويعقلون فهم على نور من ربهم وغيرهم ينظرون ولا يبصرون ولا يسمعون ولا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون فعلينا أن نتفكر ونجتهد في الطاعة ونتضرع إلى الله ولا يشغلن أحدا منا وسواس الجبرية فإن الله أقام الحجج الواضحات على خلقه ولم يجبر أحدا على معصية ولا صرف أحد عن طاعته إلا أن أبى ونصرف بنفسه وبمحض اختياره فلولا الاختيار ما استحق أحد المصير إلى الجنة ولا إلى (1/142)
صفحة 143
النار وفي هذا المعنى يقول الله في شأن النفس – لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت – فلنقف عند هذا الحد ولانخوض في ظلمات الجبريين والقدريين ولا نكون كأصحاب الأهواء الذين يتبعون الهوى ويلقون التبعة على القدر كذلك كذبوا على الله وكذب الذين من قبلهم فما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ثم نتقل مع سياق الآيات إلى الذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم فنرى كيف أخبر الله عن حالهم وماذا حكم عليهم – ويقولون ءامنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون- سبق أن تحدثنا عن آيات الله المبينات التي يهدي بها الله من يشاء إلى صراط مستقيم وهم المؤمنون الذين شرح الله صدورهم لنوره فهم خاضعون لأحكام الله ورسوله مسلمون بها تسليما لأنهم يوقنون بما فيها من حكمة بالغة فهي نازلة من لدن حكيم عليم وهناك فريق من الناس على خلاف ذلك : يقولون بألسنتهم آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولون بعد ذلك لمرض في قلوبهم وريب في حكم الله الحكيم العادل ، أولئك نفى الله عنهم الإيمان ووصفهم بأنهم هم الظالمون يتبعون أهواءهم آلهة من دون الله فهم لا يؤمنون بالله ولو نطقت ألسنتهم بألفاظ الإيمان لأن حقيقة الإيمان هو الإذعان والتسليم المطلق وحسن الظن بأحكام الله ورسوله والطاعة الكاملة في المنشط والمكره. (1/143)
صفحة 144
أولئك قوم منافقون مرضى القلوب يدعون الإيمان بالله وبالرسول والطاعة لهما وباطلة دعواهم لأنها مجرد كلام تخالفه الحقائق والأعمال وجاءت الإشارة إليهم بأولئك لبعدهم عن طبيعة المؤمنين الصادقين لا يمتون إليهم بصلة فحق أن يبعدوا عن جماعتهم وفي هذه الآية باب كبير من فقه العقيدة يبين أن الإيمان إنما هو قول وعمل وطاعة وسلوك وأن مجرد الدعوى لا يكفي عند الله بل هناك ميزان عادل تعرض عليه أحوال الناس وأعمالهم ونياتهم فما زكاه ميزان الله فهو الزكى وما زيفه فلا شي – وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذ فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مدعنين- إذا دعا هؤلاء المنافقون ومرضى القلوب إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أفراد الضمير ولم يثن لأن حكم رسول الله هو حكم الله فالحاكم هو الله والرسول (ص ) ما هو إلا منفذ إذا دعا هؤلاء إلى حكم الله فالحاكم هو الله والرسول (ص) ما هو إلا منفذ إذا دعا هؤلاء إلى حكم الله إذا فريق منهم معرضون لا يقبلون حكم الله ورسوله لأنهم يعلمون أنهم ظالمون وأن الحق ليس إلى جانبهم ويعلمون أن رسول الله (ص ) سيحكم بالحق فلا رشوة ولا محسوبية ولا حيف ولو كانوا يعلمون أن شيئا من ذلك واقع لأقبلوا مسرعين مستعملين الرشوة والجاه كما تعود ذلك الظالمون عند القضاة الجورة أما رسول الله (ص ) فلا يجدون عنده إلا العدل وإن يكن لهم يقبلون مذعنين إلى حكم الله ورسوله ذلك لأنهم يعلمون أن رسول الله (ص ) لا يعدل وهم يعلمون في أنفسهم إذا كانوا ظالمين أو مظلومين وقل أن يتخاصم اثنان إلا ويعلم كل منهما نصيبه من الحق أو الظلم ولكن الظالم يعول على الفجور في الخصومة وذلك شأن المنافق – إذا خاصم فجر – فإذعان هؤلاء النمط من الناس لحكم الله ورسوله حين يعلمون أن الحق لهم لا مزية لهم فيه ولا يعتبر لهم طاعة ومبرة إنما هو بدافع الهوى وميل النفس فهو وعدمه سواء ما داموا لا يذعنون دائما لحكم الله ورسوله (1/144)
صفحة 145
كما يذعن المؤمن الذي كتب الله في قلبه الإيمان وهذا منه في جميع القضايا الخاصة والعامة ، ما كان بين شخص وآخر وما كان بين جماعة وأخرى وبني قبيلة أخرى .
- أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون- هذا استفهام تعجب من حال هؤلاء الذين إن دل أعراضهم على شي فعلى أحد ثلاثة أسباب : في قلوبهم مرض وهذا المرض هو النفاق الذي هو إضمار الشرك وظن السوء بالله ورسوله كما عبر الله عن هؤلاء في سورة البقرة في قوله تعالى :- في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون- والسبب الثاني هو الشك والارتياب – أم ارتابوا- فهم في إيمانهم الضعيف المتردد في شك من عدالة حكم الله إيمانهم غير ثابت لم تخالط قلوبهم بشاشة الإيمان كالمؤمنين الصادقين والسبب الثالث هو الخوف من الحيف في حكم الله كأن هؤلاء يخافون أن يظلمهم الله بحكمة عليهم بل هم الظالمون الجائرون وأشار إليهم بإشارة البعد لبعد هؤلاء الظانين ظن السوء والظالمين الجائرون وأشار إليهم المذعنين لأحكام الله ورسوله ، فأحكام الله وأحكام رسوله عادلة ما أبعدها عن الحيف والجور وكتب السيرة النبوية مليئة بما يؤكد ذلك ففي فتح مكة مثلا شاهد كبير وذلك أنه (ص ) لما فتح مكة واستسلم مفاتيح الكعبة أبى إلا أن يسلمها لسدنتها الأصليين ولو كان غيره لما ردها إليهم بعد الذي صدر من المشركين ولكن رسول الله (ص ) رد الأمانة إلى أهلها كما أمره الله في كتابه المنزل :- إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا – فمن كان في قلبه شك في أحكام الله وأحكام الرسول أن يكون فيها حيف وظلم فليس بمؤمن ولو ادعى الإيمان ونطق بكلمة الشهادة وهذا الصنف من الناس موجودون في كل زمان لا سيما في زماننا ما أكثر هؤلاء الذين يطعنون في حدود الله وأحكامه ويتهمونها (1/145)
صفحة 146
بالظلم – بل أولئك هم الظالمون- نفوسهم خبيثة منحرفة ألفت الظلم وعافت الحق والعدل وطبائع النفوس كطبائع أجسادها إذا مرضت أنكرت الطيب من الأطعمة والعذب من الأشربة فوجدته مرا في مذاقها السقيم .
تنكر العين ضوء قد الشمس من رمد
وينكر الفم طعم الماء من سقم
هؤلاء قوم ابتلوا الحق والميل إلى الظلم ، طغت عليهم شهواتهم وتمكن حب الدنيا من نفوسهم فحب الشهوات أعماهم وأصمهم فلا هم لهم إلا الجري وراء المال والعلو واتباع الشهوات يسقط الواحد في جهنم من أجل مال حرام يناله أو فرج حرام ينكحه أو منصب يجري وراءه بسفك الدماء وظلم الأبرياء – بل أولئك هم الظالمون- هذا الإضراب ببل وهذا التأكيد بتعريف الخبر والإتيان بضمير الفصل ضغط على هذه النقطة وبيان أن هذا هو السبب الوحيد الذي أرادهم في هذه الهوة السحيقة غما كان نفاقهم وشكهم وارتيابهم إلا انعكاسا لهذا الطبع الخبيث المتمكن في قلوبهم تسلطت عليهم شهواتهم حتى أوصلتهم إلى كراهية وبغض حكم الله ورسوله – بل أولئك هم الظالمون – ظلموا أنفسهم باتباعهم الشهوات وظلموا غيرهم بأنواع الظلم وظلموا حكم الله ورسوله باتهامه بالحيف والشك في عدالته فهم بهذه الأنواع من الظلم بلغوا أحط الدركات ، وذكروا في سبب نزول هذه الآية أن يهوديا ومنافقا تخاصما فقال اليهودي للمنافق: نتحاكم إلى رسول الله
( (1/146)
صفحة 147
ص) فقال المنافق بل نتحاكم إلى كعب بن الأشرف فغلب اليهودي فذهبا إلى النبي (ص) فطلب من اليهودي أم يذهبا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذهبا إليه وتحاكما إليه فأخبره اليهودي إنهما قد تحاكما إلى النبي (ص) ولكن بشرا صاحبه لم يرض بحكم النبي (ص) فقال له عمر هكذا يا بشر ؟ فقال: نعم . فقال عمر مكانكما حتى أجيئكما فدخل عمر وجاء بسيفه وضرب عنق المنافق وقال هكذا أحكم لمن لم يرض بحكم النبي (ص ) ثم إن جبريل عليه السلام نزل على رسول الله (ص ) فقال له إن عمر فرق بين الحق والباطل ومنذ ذلك اليوم سمي عمر بالفاروق لهذا العمل وغيره وحق له أن يسمى الفاروق ثم إن الله تعالى أثنى على المؤمنين الذين يذعنون لحكم الله ورسوله ويسمعون ويطيعون فأخبرهم أنهم هم المفلحون فقال: (1/147)
صفحة 148
- إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون – الآية هذه تبين حقيقة المؤمنين الصادقين أنهم هم الذين يذعنون لحكم الله ورسوله ويستجيبون إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ويقولون سمعنا وأطعنا لأنهم يعلمون أن العدالة في حكم الله والرسول وكل حكم خلاف ذلك هو الطاغوت وهم قد كفروا بالطاغوت وءامنوا بالله إيمانا راسخا متمكنا في قلوبهم والله تبارك وتعالى لم يدع شأنا من شؤون الحياة الخاصة والعامة إلا وضع لها موازين وقنن لها قوانين لم يترك الناس هملا بل نظرهم لهم سيرهم في دينهم ودنياهم وحد لهم حدودا لا يتعدونها ووضع لهم معالم ينتهون إليها وسن لهم أحكاما يتحكمون إليها في جميع شؤونهم في السياسة في الاقتصاد في العلاقات الخاصة والعامة في جميع المعاملات حتى معاملاتهم مع أعدائهم بينها وفصلها تفصيلا وشرع إقامة العقوبات والحدود على أهل المعاصي والظلم لردع الناس وزجرهم وشرع القصاص في القتل وفيما دون القتل وقال:- ولكم في القصاص حياة – ورغب في العفو على من يصلحه العفو ولا يجرئه على الظلم والمعاصي وأمر بالعدل والإحسان فأحكام الله عادلة وشاملة لجميع شئون الحياة مسائرة لتطورات جميع العصور لأن مشرعها عالم الغيب والشهادة لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء – والله يعلم وأنت لا تعلمون- فأنى للبشر الضعاف الذين تتحكم فيهم الشهوات والأهواء وتطغى عليهم العادات والتقاليد ولا يعلمون عواقب الأمور إني لهم أن يستقلوا بوضع الأحكام والقوانين أو يعارضوا حكما من أحكام الله وهم الجاهلون القاصرون المختلفون المتنازعون المفتونون وقد حذر الله نبيئه أن يفتتن عما أنزله الله أو بعضه بفتنتهم فخاطبه والخطاب لجميع الحكام فقال : - وإن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما (1/148)
صفحة 149
أنزل الله إليك . الآية – فما علينا إلا أن نثقف نفوسنا بالثاقفة الشرعية ونسيرها في الإسلام المستقيم لا نحيد ولا نميل مع الأهواء ولا نقع فيما وقع فيه كثير من أهل عصرنا ممن تثقفوا بالثقافة الغربية فأخذوا في هدم ما لا يوافقهم من الشريعة الإسلامية فشرعوا في تحريف الكلم عن مواضعه وأخذوا في تأويلات تتنافى مع روح الشريعة ويأباها السياق القرآني وأنكروا الأحاديث الصحيحة لأنها لا توافق هواهم – ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض فيهن – إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون يؤكد الله الخبر بإنما ليبين أن المؤمنين الحقيقيين لا قول لهم إلا التسليم المطلق والسمع والطاعة ثم يؤكد الحكم عليهم بالفلاح وهم وحدهم المفلحون فتعريف الخبر بالألف واللام وضمير الفصل كل ذلك تأكيد لهذا الحكم ولهذه الخصوصية بالفلاح لمن سمع وأطاع وأذعن لحكم الله ورسوله لا يجد في ذلك أدنى حرج بل يسلم الأمر لله تسليما ثم يصدر الله حكما آخر بالفوز لأهل السمع والطاعة والخشية والتقى ويخصص هذا الفوز لهم وحدهم دون غيرهم فيقول – ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون – الطاعة هي إذعان والقبول واتباع الأوامر بطواعيه واختيار واجتناب النواهي كذلك والخشية فيها معنى الخوف والهيبة والتقوى هي مراقبة الله في كل لحظة وطلب رضاه بإتيان ما يرضيه واجتناب سخطه بالابتعاد عما يسخطه والخشية تتضمن مع الخوف المحبة والتقدير ليس مجرد الخوف لأنك قد تقول أخاف الأسد ولكنك لا تحبه وتقول أخاف العقرب ولا تحترمها ولا تهابها وهذه المعاني الثلاثة : الطاعة والخشية والتقوى هي عمارة قلوب السعداء في الدنيا وهي التي يستحقون بها الفوز والظفر يوم القيامة يزحزحون عن النار وينعمون بالدرجات العلا في الفردوس وأولئك هم الفائزون لا الذين ينعمون في الدنيا بأنواع النعيم ثم ينقلبون يوم (1/149)
صفحة 150
القيامة إلى عذاب الجحيم وربما يزعم زاعم إن طاعة الرسول الله وهذا تحمل وتعنت وجدال الباطل فإن طاعته والاحتكام إليه هي اتباع ما ترك لنا من سنة والاحتكام إلى أحكامه وهو القائل:- ويقول الله تعالى – وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأن مات أوقتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين – ولا يزال كتاب الله ولن يزال محفوظا ولن تزال سنة الله محفوظة ولن تزال سنة الله محفوظة مدونة مشروحة وقدضمن الله بقاءهما لنا حتى نرجع إليهما في جميع أمورنا ونحتكم إليهما في خصوماتنا ، قيض الله لشريعته جهابذة العلماء فقاموا بخدمتها تدوينا وتنقيحا وتعديلا لرواتها وتجريحا ضبطوا أحوالهم وأخلاقهم وتصرفاتهم وإذا شكوا في راو من الرواة أو جهلوه طرحوا حديثه وروايته فهم لا يقبلون إلا روايات العدول المعروفين بالصلاح والنزاهة والصدق ولا يوجد هذا في سائر الشرائع والكتب فلم تسلم التوراة والإنجيل من التحريف والتبديل لأن هذه الشريعة هي الشريعة الخالدة الباقية ما بقيت الدنيا والناسخة لجميع الشرائع قبلها وليس بعدها شريعة ولا نبي حتى يقوم الساعة ولو بعث نبي من أنبياء الله ما وسعه إلا اتباع نبيئنا محمد (ص) وهكذا روينا واعتقدنا ومن اعتقد غير هذا فهو ضال غاو فالله ربنا ومحمد نبيئنا والقرآن أمامنا والكعبة قبلتنا وشريعة الإسلام هي شريعتنا ما جاءنا فيها فعلى الرأس والعين وما كان من وضع الطاغوت فنحن به كافرون والحمد لله رب العالمين . (1/150)
صفحة 151
- وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وأن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين – سياق الآية إلى الكلام على المنافقين لتبرز الفرق بين طبيعة المؤمنين الخلص وطبيعة المنافقين ويتقابل الضدان وكم يزواج القرآن بين الأصناف من الناس لتظهر الفوارق بين أولياء الله وأولياء الشيطان ويظهر البعد بين هؤلاء وهؤلاء وهذا ادعى لاعتبار والإنزجار – وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن – حلفوا بأيمان مغلظة وبالغوا في القسم أقصى ما تكون المبالغة ليخرجن إذا أمرهم الرسول (ص ) بالخروج إلى القتال – قل لا تقسموا – لا تحلفوا فحلفكم باطل كما تعودتم تحلفون على الكذب فأيمانكم واهية وهي وعدمها سواء – طاعة معروفة – طاعتكم طاعة معروفة فهي باللسان لا بالقلب ولا بالعمل تحاولون أن تستروا نفاكم بالإيمان وأمركم مفضوح معروف طاعة بالسان تسفر عن عصيان وتمرد وخروج عن عهدة الأمر- إن الله خبير بما تعملون- إن الله بصير بنواياكم ودخائل قلوبكم لا يخفى عنه نفاقكم فأنتم تحاولون ستره بالإيمان الكاذبة والله يفضحكم وقد فضحهم الله في مواضع كثيرة من القرآن ومن ذلك ما أخبر الله عنهم في سورة البقرة وسرة التوبة وسورة الأحزاب وسورة الفتح وأفرد لهم في سورة البقرة تسمى باسمهم وما ذلك إلا تبصرة للمؤمنين الخلص حتى لا ينخدعوا بكذبهم ولو حلفوا عليه بأغلظ الإيمان – قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول – يظن هؤلاء المتمردون إنهم بعصيانهم وتمردهم يمكرون بالنبي (ص ) ويضرونه بذلك فبين الله لهم إن عصيانهم وتمردهم يمكرون بالنبي (ص ) ويضرونه بذلك فبين الله لهم إن عصيانهم وتمردهم عائد عليهم ولا يحيق مكرهم إلا بهم أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما عليه التبليغ ولا عليه بعد ذلك تبعة شخص عصاه وخالف أمره (1/151)
صفحة 152
عليه ما حصل من أمانة التبليغ وقد أداها كما أمره الله وعليكم ما حملتم من القبول والامتثال فإن عصيتم وخالفتم فإثمكم عائد عليكم – وأن تطيعوه تهتدوا – وإن تطيعوا رسول الله تكونوا مهتدين سائرين على طريق الفلاح والفوز- وما على الرسول إلا البلاغ المبين- الرسول ما هو إلا مبلغ إنما هو مذكر ليس علكم بمسيطر إنما بعث إليكم ليذكركم وليبلغ إليكم ما أرسل به إليكم بلاغا واضحا مبينا لا لبس فيه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ثم إن سياق الآيات يرجع إلى الحديث عن المؤمنين فهم العنصر الخير الذي يستحق الاهتمام وهو الذي ينتفع بالخطاب ويصدق بالحسنى فبرقت بشائر النصر والعز لهم . (1/152)
صفحة 153
- - وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار وليس المصير- عهد قطعة الله على نفسه لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات ولن يخلف الله عهده ووعده ز وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ولن يخلف الله عهده ووعده ز وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم والاستخلاف السيادة والتمكن كما استخلف الذين من قبلهم من الذين وفوا الله ما كلفهم به فوفي الله لهم ما وعدهم به والله لا يخلف المعياد والخطاب أولا وبالذات للرعيل الأول من المهاجرين والأنصار ثم يعم بعدهم جميع المؤمنين في كل عصر ومصر وقد علم الله أن فيهم من لا ينتفع بالخطاب وهم المنافقونفقال منكم ليستخلص المؤمنين الصادقين الذين حققوا إيمانهم الصادق بالعمل الصالح فالعمل الصالح مكمل للإيمان دلت على ذلك آيات كثيرة من القرآن الكريم فلا إيمان بدون عمل والعمل الصالح يشمل الفعل والترك فمن أتى بالمأمورات واجتنب المنهيات فذلك هو المؤمن الذي يفوز بحسن العواقب في الدنيا وفي الآخرة – والذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب- وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بثلاثة وعود ضمن لهم تحقيقها في الدنيا قبل الآخرة وهي كلها عون لهم على إصلاح أمر دينهم وعبادتهم : الوعد الأول ، التمكين والاستخلاف في الأرض وهو السيادة فيها والسلطة حتى يتمكنوا من إعزاز دين الله ونشره وقهر كل معارض له يفتن الناس ،حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله وقد استخلف الله قبلهم من أهل الشرائع الماضية أمما أعزها الله بعز الدين وأدال لهم من أعدائهم فنشروا (1/153)
صفحة 154
العدل في الأرض وأقاموا الأمانة فلتكن لهذه الأمة أسوة بهؤلاء الذين أعزوا أمر الله ونصروا أنبياء الله فأعزهم الله ونصرهم الله – ولينصرن الله من نصره- الوعد الثاني تمكينهم من إظهار دينه واعلاء كلمة الله ، وعدهم الله التمكين وهذه اللفظة أصلها من المكان ومعناها تثبيت الشي في موضعه حتى يستقر ، وعدهم الله أن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وهنا ثلاث إضافات أولها إضافة التمكين لهم لأنه لصالحهم وحسن عاقبتهم ثانيها إضافة الدين لهم فكأنه جزء منهم وهم جزء منه فهو روحهم الذي به حياتهم الأبدية وفي هذا ما فيه من إثارة الغيرة في قلوبهم على نصر هذا الدين الذي هو دينهم وبه قوام أمرهم الإضافة الثالثة إضافة الارتضاء لهم فهو الذي ارتضاه واختاره لهم كما قال في موضع آخر من القرآن – ورضيت لكم الإسلام دينا – رضينا يا ربنا بما ارتضيته لنا وما اخترته لنا خير مما نختاره لأنفسنا وأنت تعلم عاقبة أمرنا وما فيه سعادتنا وفوزنا وما نيل رضاك إلا فيما ارتضيته أنت لنا فلك الحمد على نعمة الإسلام – وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا – وهو الوعد الثالث لهذه الأمة التي تقف مع نبيئها وتتحمل في سبيل نصرته ونصرة دينه ما تتحمل من الإرهاق والتذليل والتعذيب ، تحملوا ذلك يوم كانوا ضعافا في مكة يتلقون من طغاة المشركين ما يتلقونه من المعارضة والأذى حتى مات منهم من مات في العذاب وهاجر منهم من هاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة خائفين من ملاحظة المشركين وقد استمر هذا الخوف مدة طويلة قبل الهجرة إلى المدينة وبعدها بسنوات كما وقع يوم تحزب عليهم الأحزاب (1/154)
صفحة 155
-وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا – ثم فرج الله عنهم وحقق لهم ما وعدهم به من النصر وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا ونصرهم بالرعب مسيرة شهر وقد حقق الله لنبيئه كل هذه الوعود في حياته فكان يقيم شعائر الإسلام وحدوده ويغزو كل هذه الوعود في حياته فكان يقيم شعائر الإسلام وحدوده ويغزو يغزى ويكاتب الملوك في الجزيرة وحولها يدعوهم إلى الإسلام ليسلموا أو يحملهم إثم رعاياهم إذا هم لم يستجيبوا ثم إن الله حقق الفتوحات الواسعة في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم ولا يزال وعد الله قائما لمن حقق الإيمان والعمل الصالح ونصر دين الله وقد شاهد المسلمون تحقيق وعد الله في فترات من التاريخ رجعوا فيها إلى نصرة دينه وشريعته فنصرهم الله وأدال لهم من أعدائهم وأعداء الإسلام ثم إن هذا النصر وهذا التمكين يبقى قائما مستمرا ما وفي المؤمنون بأسبابه وشروط بقائه وهو عبادة ربهم لا يشركون به شيئا ولا يملون مع الأهواء ولا تفتنهم الدنيا بفتة الملك وحب التسلط وجمع المال فمن فتن منهم بذلك فقد فسق عن أمر ربه ولم يعد محل وعده فقال تعالى مبينا ومحذرا : (1/155)
صفحة 156
-يعبدونني لا يشركون بي شيئا – إن هؤلاء الذين تتحقق لهم هذه الوعود الثلاثة لا يشركون بالله صنما ولا هوى فهم يعبدون الله وحده ويسيرون على الخط الذي رسمه لهم كما فعلت اليهود والنصارى ولا يعبدون الأهواء كما يفعل كثير من الناس يتبعون أهواءهم ويتخذونها آلهة من دون الله والتأليه الطاعة والخضوع والإتباع فمن نبذ كلام الله وسنة رسوله واتبع هواه فقد عبد الهوى واتخذه إله من دون الله ومن تمسك بما وجد عليه أباه ونبذ ما جاء به كتاب الله وسنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم فقد اتخذ الهوى إلها من دون الله وأشرك بالله ما لم ينزل به سلطانا فالشرك ليس مقصورا على عبادة الأوثان فقط بل هو أوسع من ذلك ومن الشرك ما هو أخفى من دبيب النمل فلنحذر جميع أنواعه الجلي منها والخفي ولنخلص عبادتنا لربنا وحده ولنتبع الحق الذي جاءنا في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم – ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون- من استحب الكفر على الإيمان والضلال على الهدى بعد هذه الوعود الربانية واستحب الحياة الدنيا على الآخرة فأولئك هم الفاسقون هم الخارجون عن ملة الإسلام وهذا تحذير كبير وإنذار من الله لعباده أن تلهيهم مفاتن الحياة الدنيا فيتفتنوا بزهرتها عن دين الله الذي ارتضى لهم وهذا ما وقع للمسلمين فتح الله عليهم الدنيا فافتتنوا بها فكان ذلك سبب هلاكهم وانتقال الدولة من أيديهم إلى أعدائهم وما كان ينبغي لهم بعد الذي رأوه من تحقيق وعد الله لهم وبعد تحذير نبيئهم اياهم من الافتنان بزهرة الدنيا ما كان ينبغي لهم أن يصيروا إلى ما صاروا إليه وفي الآية تأكيد الحكم بالفسق وحصره في الكافرين بعد الإيمان وبعد الذي تقدم من التحذير والبيان وذلك يظهر في تعريف الخبر بالألف واللام والإتيان بضمير الفصل قبله . (1/156)
صفحة 157
وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون – يكرر الله تبارك وتعالى أمره بهذين الركنين العظيمين من الدين ويقرنهما معا في نسق في مواضع كثيرة من كتابه الكريم وما ذلك إلا لأنهما الدعامتان القويتان اللتان ينبني عليهما بنيان الإسلام فلا إسلام يتحقق بدون الصلاة والزكاة والنبي صلى الله عليه وسلم يؤكد الأمر بذلك فهو يأمرنا أن نأمر أولادنا بالصلاة لسبع ونضربهم عليها لعشر ويأمرنا بإخراج الزكاة حتى من الأولاد اليتامى وإن نتجر فيها حتى لا تأكلها الزكاة فهما الركنان اللذان يلزمان الموحد منذ صغره وفي حداثة سنة فلا إيمان ولا إسلام بدون صلاة وزكاة وان ادعاه كثير من الناس وممن يتخذون الصلاة هزؤا والزكاة مغرما فهم لا يعرفون الصلاة ولا الزكاة وكثير منهم ما ركع لله ركعة ولا سجد سجدة ويدعون الإسلام فأنى لهم ما يدعون وهم للصلاة تاركون وللزكاة مانعون يخبرنا الله في الدنيا والآخرة إنما هي للمصلين الذين يقيمون صلاتهم ويؤدون زكاتهم كما علمهم الله – وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة لعلكم ترحمون – يأمرنا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وكيفية ذلك مبسوط مبين في مواضعه فإننا متى فعلنا ذلك رجونا رحمته ورحمته وان عمت الخلق في الدنيا ولكنها في الآخرة تخص أهل طاعته كما قال – ورحمتي وسعت كل شي فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة .. (1/157)
صفحة 158
الآيات – فهم وحدهم يستحقون رحمة الله الدائمة – ولا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير – نزلت هذه الآية والذين كفروا يومئذ أقوياء فربما يخامر الشك ببعض ضعفاء القلوب كيف يتحقق وعد الله وكيف يدل للمسلمين عليهم فثبت الله عباده المؤمنين وأخبرهم أن الكفار لا يعجزون الله في أرضه فهم لا يزنون جناح بعوضة في قدرة الله ولكن الله يبلو المؤمنين بهم ليتخذ منهم شهداء وليمحص الله الصادقين منهم ويبلو الكافرين بالمؤمنين ليستحقوا مصيرهم من النار ولبئس المصير فهم يوم يصيرون إلى عذاب الله لا ينفعهم ما كانوا تمتعوا به في دار الدنيا من الغلبة والسلطان وما جمعوه من أموال يؤكد الله بؤس هذا المصير تخويفا للمؤمنين أن يصيروا عليه أن هم تركوا ما أمرهم الله به أو ارتكبوا ما نهاهم عنه ولا يزال ربهم يعلمهم ويرشدهم إلى ما فيه صلاح مجتمعهم وصونه من اللوث والفساد لأن الله يريد أن يخرج منهم خير أمة أخرجت للناس وفي الآية تثبيت للمؤمنين أن أقيموا شعائر دينكم ولا يمنعكم الكفرة من إقامتها والله معكم وهم لا يعجزون الله . (1/158)
صفحة 159
- يا أيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت إيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس ولا عليهم جاح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن من قبلهم كذلك يبين الله لكم ءاياته والله عليم حكيم والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وإن يستعففن خير لهن والله سميع عليم – بعد أن ذكرنا الله تعالى بما ذكرنا به ووعدنا بما وعدنا به أن نحن أقمنا شعائر الله ابتغاء وجه الله يرجع بنا إلى بقية الأحكام التي تتعلق بصيانة الأسر وتأديبها بآداب الإسلام العالي وهذه طريقة القرآن البديعة فهو بدع من الكتب يخلل الأحكام والقوانين بالوعظ حتى يمكن بذلك في قلوب المؤمنين خلق المراقبة والتقوى فيطبقون هذه الأحكام خوفا من الذي لا تخفى عنه خافية وطمعا في رضاه وجنته أما كتب القوانين فهي تسردها سردا جافا لا يتخللها شي من التذكير معتمدة في ذلك على زجر الناس بسياط الحكام وسيوف الجلادين وشتان بين الطريقتين ويا بعد ما بين الفريقين ولما كان المؤمنون يراقبون الله فيما يفعلون ويذرون يسيرهم إيمانهم الذي تمكن في قلوبهم ناداهم الله باسم هذا الإيمان فقال – ياأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت إيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات – يوجه الله الأمر غلينا لأن أمر عبيدنا وأولادنا قبل بلوغهم يتعلق بنا فنحن المسئولون عليهم وهم رعيتنا وكل راع مسؤول عن رعيته وهؤلاء العبيد والإماء خدم في البيوت وكذلك الأولاد فهم يترددون عليها دخولا وخروجا فوضع الله لدخولهم علينا حدودا وآدابا لابد بمراعاتها لأن الأوقات تختلف فهنالك ساعات لا يكون في دخولهم بغير إذن حرج وهنالك ساعات لا يليق فيها ذلك فبين الله (1/159)
صفحة 160
العليم الخبير هذه الأوقات التي نأمرهم فيها بالاستئذان قبل الدخول علينا وإن كانوا من أهل بيوتنا وذلك في ثلاثة أوقات – من قبل صلاة الفجر – حدد الوقت بالصلاة لأن المؤمن طبعه ودينه يقوم عند الفجر للصلاة ولا يعقل آت يتركها ومن يتركها ليس بمؤمن ولا ينتفع بالخطاب فالمؤمن يقوم للصلاة وبعد ما يؤديها يتشمر للعمل والكد ولا يرجع إلى حالة الاسترخاء بعدها – وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة – وكذلك اعتاد الناس أن يدخلوا إلى مضاجعهم بعد منتصف النهار يأخذون قسطا من الراحة لا سيما في البلاد الحارة يقيلون ثم ينهضون بعدها ليستأنفوا أعمالهم في المساء وبعد صلاة العصر – ومن بعد صلاة العشاء- ويحدد هذا الوقت أيضا بصلاة العشاء والسهر بعدها هذه أوقات خاصة نكون فيها على حالات خاصة فالواحد منا إذا خلا في مضجعه ومع زوجته يتخفف في لباسه فهو في مخدعه في حالة غير الحالة التي هو فيها خارجه وقد عبر القرآن بهذا فقال – وحين تضعون ثيابكم فالواحد منا آذاك يضع ثيابه ولا يترك إلا ثوب النوم الخفيف الذي لا يرضى أن يراه فيه أحد إلا زوجته وهي الأخرى كذلك تكون في مثل حالته وهي أوقات النوم والنائم يكون في أوضاع غير عادية فربما يتقلب في فراشه فتنكشف عورته ولذلك عير القرآن عن هذه الأحوال بالعورات فلا يليق بأحد منا أن يدخل عليه أحد ولو ولد صغير وهو في تلك الحالة المكشوفة أو في وضع لا يليق فهي إذن عورات والعورات يحرم النظر إليها فلا يجوز الدخول حينئذ إلا بإذن أما في غيرها من الأوقات فجائز للعبيد والأولاد الذين يسعون في خدمة شئون البيت الدخول – ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن – لا حرج عليكم ولا عليهم في غير هذه الحالات أن يدخل عليكم من يسعى في خدمة البيت من العبيد والإماء والأولاد والحفدة لأن المرأة في البيت تكون في لباسها الساتر وفي مزوالة خدماتها البيتية والرجل أما يكون خارج البيت أو داخله في لباسه الساتر وهيئته العادية فلا (1/160)
صفحة 161
حرج حينئذ عليه ولا على الداخل من فتيانه وأولاده بل الحرج في تكرير الاستئذان في كل مرة من المرات الكثيرة التي يترددون فيها على شئون الخدمة داخل البيت وخارجه – طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم – هؤلاء الخدم والأولاد يطوفون عليكم في خدمة ما تكلفونهم به من الأعمال والخدمات فلا يضيق عليهم في غير هذه الأوقات الخاصة والله عليم بغرائز النفوس وطبائع القلوب وما يصلحها وما يفسدها حكيم يضع الأشياء في مواضعها ويضع قواعد الآداب وأسس الأخلاق الكريمة التي تنبت نباتا في نفوس الأولاد منذ صغرهم وتصلح الكبار والله يعلم وأنتم لا تعلمون فالخير كل الخير في اتباع أوامره واجتناب نواهيه والشر كل الشر في المخالفة والعصيان- وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم ءاياته والله عليم حكيم – وعند بلوغ الأطفال الحلم يفرض عليهم الاستئذان دائما وفي كل وقت عند الدخول ولو على آبائهم وأمهاتهم كما فرض على الذين من قبلهم ممن ورد حكمه في الآيات السابقة وهي آيات الاستئذان وبلوغ الحلم يكون بعلامات البلوغ وهي نبات الشعر من ثلاث فصاعدا في العانة أو في الإبط وخروج المنى بالاحتلام أو غيره ، وتكعب الثدي في الأنثى خاصة ويكون البلوغ بالسنين كما هو مبسوط في كتب الفقه في مواضعه وعند البلوغ يتحمل الابن أو البنت جميع تكاليف العبادة ويحرم التفريط في آمر الصلاة والصوم وقد أمرنا النبي (ص ) أن نأمرهم بالصلاة في سن مبكرة فقال – مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم لعشر – هذه أحكام الله مبسوطة في آياته فلا يحيد عنها إلا ظالم أعمى الله بصيرته ولم يرد هدايته والله عليم بمن هو أهل لاهتداء يقف عند حدوده لا يتعداها عليم بما يصلح به أمر دينكم ودنياكم وما إن اتبعتموه كنتم على نور من ربكم خير أمة أخرجت للناس لا تضل ولا تشقى – والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا (1/161)
صفحة 162
فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وإن يستعففن خير لهن والله سميع عليم – في الآية حكم خاص بقواعد النساء وهن اللاتي أيسن من المحيض في سن الستين رخص الله لهن أن يضعن جلابيبهن ويبقين في ثياب ساترة محتمشة وهن غير متبرجات بزينة لا يلبسن اللباس الواصف والمشمر والكاشف ولا يتزين بأنواع الزينة التي يتزين بها النساء عادة كالحلي والحناء والزعفران وغير ذلك مما يظهر زينة المرأة ويفتن الرجل رخص الله لهن أن يضعن عنهن الجلابيب التي ربما تثقل عليهن أو يتعثرن بها وهن ضعيفات لكبرهن وعجزهن وبعد هذا الترخيص الذي تقتضيه رحمة الله بالضعفاء رغبهن في التستر والحجاب لأنه خير لهن وأسلم للرجال من فتنتهن لأنه كما قيل : - لكل ساقطة لاقطة – فربما تبقى مسحة جمال على بعضهن فتتحرك بها بعض النفوس المريضة فإن استطعن وخف عليهن الحجاب فهو خير لهن واقرب إلى العفاف – والله سميع عليم – عقب الله الحكم بهذه الآية المناسبة لأن الناس في مثل هذه الحالات لا يسلمون من الأحاديث في التعليق على ما يشاهدون ويشعرون فتجري كلمات على ألسن البعض أو تحدث البعض نفوسهم إثر منظر يرونه أو كلام يسمعونه فحذر الله من ذلك وذكرنا بإحاطة علمه بالخفيات مما يتهامس به الناس أو توسوس به النفوس فهو سميع بما يخفى وما يعلن من الكلام عليم بما يجول في النفوس من الوساوس والأهواء فليحذر المؤمنون سمعه الشامل وعلمه المحيط وجزاء العادل وليراقبوه في السر والعلن مراقبة من يخشى ربه ويخاف عذابه المحذور. (1/162)
صفحة 163
- ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت أخوانكم أو بيوت أخوانكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعلقون- ذكر العلماء في تفسير هذه الآيات وجوها من المعاني منها أن الحرج المنفى في هذه الآية عن الأعمى والأعرج والمريض هو نفس الحرج المنفى عن الأعمى والأعرج والمريض في سورة الفتح وهو نفى الحرج عنهم في القعود عن الخروج إلى الجهاد كما نفى عنهم ذلك في سورة الفتح والمعنى هنالك ظاهر وهنا أيضا قبل هذه الآيات كان تكلم عن الخروج حيث يقول- وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن – فناسب أن يتكلم هنا في عذر المتخلفين أصحاب الأعذار حتى يسكن ما في نفوسهم من التخوف والتحرج رحمة بالمؤمنين الصادقين والعجزة الضعفاء ومنها أن الحرج المنفى عنهم هو نفس الحرج المنفلى عمن ذكر بعدهم في هذه الآية وهو متعلق بالأكل وذلك بالرجوع إلى سبب نزول الآية وهو أن الصحابة رضي الله عنهم تحرجوا من الأكل بعد نزول قوله تعالى – ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل – وفي مقدمتهم أصحاب الأعذار الذين يخلفون أصحاب الأموال عليها وربما يأكلون في بطونهم من الثمار والزرع والطعام أثناء قيامهم عليها فتحرجوا من ذلك وكذلك سائر الصحابة في سائر الأحوال ربما يزور الواحد منهم أحد أقاربه فيقدم لهم من في البيت من النساء والأطفال والعبيد طعاما ورب المال غائب فتحرجوا من ذلك كثيرا فنفى الله عنهم الحرج لأن مثل هذا يقع كثيرا والناس يبادرون بتقديم الأكل للزائر من بيوت أقاربهم وحدد هؤلاء الأقارب ولم يغفل ذكر الصديق لأن للصداقة حقوقا لا تقل عن حقوق القرابة وهؤلاء (1/163)
صفحة 164
الأقارب معروفون بتعريف الآية واستشكل البعض قوله – أو بيوتكم – قالوا كيف وهي بيوتنا هل في الأكل منها حرج ؟ وأجاب الآخرون أن المقصود منها بيوت أبنائنا وبناتنا لأن بيوت أولادكم هي بيوتنا وما لهم هو مالنا ولأنهم لم يذكروا بعد في تفصيل الأقارب وهم أولى الأقارب بالذكر والمعنى وجيه ومقبول وقوله تعالى – أو ما ملكتم مفاتحه – ذكر المفسرون أنهم هم الوكلاء الذين ستخلفنهم أرباب الأموال على أوالهم و زروعهم وطعامهم عند خروجهم إلى الجهاد أو الحج أو طلب الرزق ويوصونهم بالاتفاق على أهاليهم والمحافظة على أرزاقهم فأذن الله لهؤلاء المستخلفين في الأكل في بطونهم بالمعروف من غير إسراف أو تضييع كما لو كانت أموالهم يأكلون منها عند مباشرة القيام بمعالجتها وهم يتصرفون فيها بما يصلحها وبما يصلح شأن عيال المستخلف صاحب المال وذلك رفقا من الله بهم – أو صديقكم – وهو الذي تربطه بأخيه صداقة متينة وقليل من الأصدقاء من تبلغ بهم صدق المودة إلى رفع الكلفة والحرج في التصرف بمال صديقه في غيبته أخذا وعطاء كما لو كان حاضرا ولما كان هذا النوع قليلا أفردت صيغته بينما جمع الأصناف المتقدمة كلها وفي هذا ما فيه من التنبيه للناس أن لا يغتروا بمجرد التعارف والصداقة العامة فيحملهم ذلك على التدلل في أموال الناس فيقعون في السرقة وهم لا يشعرون وقد ذكر العلماء لدلالة الأصدقاء على أصدقائهم شروطا لا تتوفر إلا في القليل من خلصاء الأصدقاء منها أن ترتفع الكلفة مطلقا فلا يشعر أحدهم بالخجل عندما يجد صديقه يأكل من ماله بل يسر لذلك سرورا عظيما كما روى الحسن البصري أنه دخل بيته فوجد جماعة من أصدقائه وقد أخذوا طعاما من تحت سريره وهم يأكلونه فسر سرورا عظيما وقال : هكذا وجدناهم يفعلون ، يشير بذلك إلى أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم ) وذكر عن بعضهم أنه اضطر لشي من النفقة فقصد أحد أصدقائه فوجد أمته فأمرها أن تناوله كيس مولاها ففعلت لما تعلم (1/164)
صفحة 165
من عمق الصداقة التي بينهما فأخذ منه حاجته فرده إليها فلما قدم سيدها أخبرته بذلك ففرح فرحا عظيما وقال لها : أنت حره لوجه الله وذلك مكافأة لها على مساعدتها لصديقه فإذا بلغت الصداقة هذا المبلغ من صدق المودة فالتدلل والتصرف حينئذ جائز بينهما لأن كل واحد منهما يرى ماله مال أخيه لا يجد في نفسه غضاضة من تصرف أحدهما في مال الآخر – ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا – في الآية رفع الحرج عن أكل الناس بعضهم مع بعض أو متفرقين وكانوا تحرجوا من الأكل جميعا ومن إناء واحد وفيهم العميان والضعاف وخافوا أن يكون لبعضهم ما لا يكون لأخيه من جيد الطعام أو فضله فيحاسب بذلك فنفى الله عنهم الحرج في ذلك مما يكون منهم من غير قصد والمؤمن يأكل بأدب ورفق ويأكل مما يليه ولا يحمله جشع النفس أن يستخلص لنفسه أطايب الطعام مما يلي أكيله سيما إن كان من أهل العاهلات بل يوفره لهم ويرفق بهم ونفى الله الحرج في الأكل أشتاتا أي متفرقين كل في إنائه وقد يتحسسن الناس ذلك في بعض أنواع الطعام ويكون أرفق بهم والآيات تطبع قلوب المسلمين بطابع السماحة والسخاء فلا تشاحح ولا تشاجر ولا تنازع بل الكل متسامحون متحابون قلوبهم طيبة يحب الواحد ما يحب لأخيه ويسعى فيما يسره ويرضيه وقد يبلغ صدق الأخوة بينهم أن يأكل أحدهم من مال صديقه وفي بيته ولا يجد أحدهم في نفسه إلا الرضا والسرور وهذه من أعظم القربات ولا يزال سياق الآتي مستمرا فيما يثبت الأخوة بين المؤمنين ويشيع المودة بينهم ويجعلهم كالبنيان المرصوص لا يتخلله الضعف فجاءت الآيات التي بعدها تعلم الجماعة الإسلامية حسن الأدب ولزوم الطاعة لأمامها فقد تبارك وتعالى : - فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون – هذه الآية امتدادا لما قبلها فهي تأمر هذه الجماعة المسلمة المتحابة التي يسودها التوادد والتآلف أن تفشى السلام فيما (1/165)
صفحة 166
بين أفرادها فهم يدخل بعضهم على بعض تحيتهم السلام كتحية بعضهم لبعض في الجنة تحية من عند الله فكم شرفتها هذه العندية تحية مباركة كثيرة الخير والبركة تحية طيبة تسود مجتمع الطيبين تطيب قلوبهم وتطمئن من خواطرهم فهو عنوان الأمن والسلام في الحضر والسفر يلقيها الناس بعضهم على بعض ويردها بعضهم على بعض فيسود الوئام ويرتفع الجفاء والخصام وتزول الوحشة فما أعلاها وما أحلاها من كلمة وما أخيب من يستبدل بها كلمات أخرى من تحايا أهل الغفلة والإعراض ، عجبا لهم كيف يعرضون عنها إلى غيرها من الكلمات كأنهم يخجلون أن يوصفوا بما يوصف به أولياء الله المتمسكون بإسلامهم والمسلمون يعتزون بكل ما يمت إلى الإسلام بصلة لأن قلوبهم مفعمة بحب الإسلام والمسلمين فهم يجهرون بها في مجامع المسلمين الذين يستحقونها ولا يحيون بها الكفار لأنهم ليسوا أهلا لها وفي الآية نكتة لطيفة وهي قول الله تعالى : - فسلموا على أنفسكم – في إضافة السلام وهو من عند أنفسنا إلى أنفسنا فيه ما فيه من اللطف ومزج أرواح المسلمين حتى كأنها نفس واحدة وزعت على أجساد شتى فإذا سلمت على أخيك فقد سلمت في الحقيقة على نفسك لأنك أنت وهو نفس واحدة في جسدين عواطفكما وأيمانكما ورغبتكما واحدة ولأنك حين تسلم على أخيك يرد عليك بالسلام فقد سلمت على نفسك بواسطة أخيك فتبركتم بالسلام جميعا وفزتم برضا ربكم وغنمتم الحسنات فالمسلمون إذ يسلم بعضهم على بعض إنما يسلمون على أنفسهم لأنهم جسد واحد – كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون- أي بمثل هذا البيان السالف يبين الله لكم الآيات التي ترشدكم وتهديكم لما فيه سعادتكم في الدنيا وفي الآخرة لعلكم تعقلون أحكام الله وتعملون بها كثيرا ما يعلق الله أحكامه على العقل والعلم والتفكر ويمدح هؤلاء الصنف من الناس الذين يستعملون عقولهم ويذم الذين لا يعقلون ولا يعملون ونعمة العقل في الإنسان نعمة عظيمة ينبغي أن يستعملها ولا يغفلها (1/166)
صفحة 167
فإنه متى استعملها أدرك حكم الله في هذه الأحكام فإن الله يريد من المجتمع المسلم أن يكون مجتمعا متماسكا مترابطا بين ألإراده التزوار وتبادل المودة والتهادي وإفشاء السلام فإن في هذه الكلمة المباركة معنى السلامة من الآفات ومن كيد الشياطين من الإنس والجن فلنشرها بيننا تقربا إلى الله بنية العبادة لا بمجرد الألف والعادة حتى ننال الأجر العظيم بإفشائها والبركة الشاملة والحفظ والسلامة وحتى تلتحم المودة بين أفرادنا ومجتمعاتنا وترتفع الوحشة والجفاء وحتى يكون مجتمعنا يشبه مجتمع الملائكة الأطهار تسوده الروحانية ولا تطغى فيه المادية وهذا ما نستفيده ونعقله من هذه الآيات وكل كلام الله نور وهدى ثم ينتقل بنا سياق الآيات إلى نوع آخر من الأدب العالي وهو أدب الرعية مع إمامها وعند انعقاد مجامع التشاور فيقول تبارك وتعالى . (1/167)
صفحة 168
- -إنما المؤمنون الذين بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم إلا أن لله ما في السموات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شي عليم بعد تبين الآيات الحكيمة لآداب المجتمع الإسلامي النظيف فيما بين أفراده وفي البيوت والأسر والعائلات وسائر العلاقات تنتقل بنا آداب الجماعة الإسلامية في اجتماعاتها الهامة ومع أمرائها ولا بد للمسائل الهامة من مجالس جامعة لاستعراض الآراء والتشاور قبل البت في الأمر ولا بد لهذه المجالس من أمير يقوم على تنظيم الجلسة وادارة المفاوضات والمناقشات ولا بد يطاع هذا الرئيس وإلا أصبحت المفاوضات فوضى ولا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم فبين الله تعالى في هذه الآيات الحكيمة صفات المؤمنين الصادقين وآدابهم في هذه التجمعات ليقتدي بهم من بعدهم وليلتزموا بها وبين صفات المنافقين وفضحهم ليميز الخبيث من الطيب وليحذر المؤمنين في كل زمان مثل تلك الخصال المذمومة فقال – إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه – جاءت صيغة الآية مفتوحة بأداة الحمر – إنما – لتنفيذ حصر الإيمان في هذا الصنف من الناس وهم الذين يقدرون لهذه المجالس قدرها لأنهم يؤمنون بالله ورسوله إيمانا خالصا لا يشوبه شك ولا نفاق فهم الذين يستجيبون لله والرسول ويستجيبون لأئمة أمورهم إذا كان أمر جامع والتعبير بأمر جامع تعبير معجز جامع لا يمكن لآية كلمة أخره أن تسد مسده فلله ما أروع إعجاز القرآن والأمر الجامع كل أمر يهم جماعة المسلمين من أمر (1/168)
صفحة 169
سلمهم وحربهم وهي الأمور العظيمة التي تستدعي جمع أولى الأمر للنظر وجمع الآراء والتشاور ثم البت في الأمر وبعد البت استجابة جميع المؤمنين لامتثال الأوامر الصادرة وتنفيذ المخطط كما تقتضي المصلحة لا هوادة في ذلك ولا نكول فالاجتماع إذن ضروري وواجب والانصراف قبل الإذن حرام وخيانة فالمؤمنون ولو كانت لأحدهم حاجة ضرورية لا يذهب إليها حتى يستأذن ولي الأمر وولي الأمر مفوض في الإذن وعدمه- فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم – فهو يأذن لمن فهم منه ضرورة القيام له عذر لا آخر وربما يكون انتهاء الاجتماع قريبا فيرجئه إلى نهايته فرئيس المجلس مفوض ثم إنه أمر أن يستغفر للمستأذنين – واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم – فاستئذانهم للخروج من المجلس الجامع نوع من تقصير يحتاج إلى الاستغفار من ولي الأمر ومن علم الله صدق عذره فالله غفور رحيم وهؤلاء الذين يستأذنون ثم لا ينصرفون إلا بإذن هم الذين يؤمنون بالله ورسوله فإيمانهم بالله ورسوله هو الذي حملهم على الاستئذان وإيمانهم هو حبسهم حتى يؤذن لهم فينصرفون أو لا يؤذون فيجلسون فهم لا يحاولون أن ينصرفوا بغير إذن كالمنافقين الذين يترقبون الغفلات ليتسللوا وما ذلك إلا لأنهم مستخفون بأمر الله ورسوله فهم لا يقدرون هذه المجالس قدرها أو هم يبغضونها ويودون أن لا تنجح القرارات التي يتخذها الرسول والمؤمنون فيها لأن هواهم مع الكفار فهم لا يحضرونها إلا نفاقا فحذر الله المؤمنين أن يغفلوا عن جدية هذه المجتمعات أو يصدر منهم ما يخالف الآداب مما لا يليق بأهل الإيمان فقال تعالى – لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا – هذه الآية نزلت في حق الرسول حين يدعو المؤمنين لأمر جامع وهي محكمة في حق خلفائه أئمة المؤمنين أولى الأمر حين يدعون الناس لأمر جامع تجب طاعتهم لأن المصلحة حينئذ هي مصلحة جماعة المؤمنين ومضرة التقصير في الاستجابة ترجع إليهم جميعا فدعاء الرسول صلى (1/169)
صفحة 170
الله عليه وسلم ليس كدعاء بعضهم لبعض وكذلك دعاء الذين يخلفونه من بعده في أمر المسلمين يليه في الأهمية ويكون حكمه كحكمه يجب على المسلمين المسارعة إلى استجابته والاهتمام بما يجري من الاجتماع ويحرم عليهم القيام منه إلا بإذن ومن حاول التسلل منه فالله مطلع عليه وسيجزيه على عمله شر الجزاء – قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم – هذا تهديد من الله شديد لهؤلاء المتسللين من هذه المجالس بسواري المسجد أو بالناس فيخرجون خفية لأعمالهم الدنيوية أو لغير عمل وهم مستخفون بمجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وكأنهم غافلون عن اطلاع الله عليهم وعن عمله بما في قلوبهم المريضة هؤلاء سيجزيهم الله جزاء سيئا كسوء نواياهم وأعمالهم فليحذر هؤلاء المخالفون عن أمر الله ورسوله أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم والأمر هنا يشمل الأمور التي هي الشئون والأوامر وهي ما يأمرنا به الله أو يأمرنا به الرسول فكل من خالف الأمور أو الأوامر مهدد بها الوعيد و – أو – مانعة خلو لا مانعة جمع فهو لا يخلو من عقوبة الفتنة في الدنيا أو عقوبة العذاب الأليم في الآخرة وقد يصاب بها جميعا إما أن يسلم منها جميعا فلا وهذا كقولهم جالس الحسن أو ابن سيرين يعنون جالس أحدهما إن ظفرت به وإن ظفرت بهما جميعا فذلك أحسن فهؤلاء لا يسلمون من إحدى العقوبتين وقد يفنون في الدنيا وينتظرهم العذاب الأليم في الآخرة إن لم يتوبوا وينيبوا إلى الله ويخلصوا له وفي هذه الآية وعظ وتحذير للمؤمنين من مخالفة أمر الرسول (ص ) في حياته ومماته فاتعظوا يا أولى الألباب – ألا أن لله ما في السموات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شي عليم – ألا أن الله ملك السموات والأرض وما بينهما فملكه عظيم ودائم وعمله محيط بما ظهر وما بطن قد يعلم ما أنتم عليه و – قد – هنا للتحقيق كالتي (1/170)
صفحة 171
سبقتها فهو يعلم ما أنتم عليه من أحوالكم الظاهرة والخفية لا يخفى عليه شي في الأرض ولا في السماء وسوف ينبئكم بما عملتم ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا ليعملوا إن جزاءه لهم شي عليم – عليم بأعمال عباده الظاهرة ونوايا قلوبهم الباطنة عليم بمقادير عقوباتهم التي يستحقونها – إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تكن حسنة يضاعفها ويوت من لدنه أجرا عظيم – عليم بما يصلح أمر دينهم ودنياهم فهو يشرعه لهم فالتذليل بهذه الآية راجع لكل السورة من أولها إلى آخرها لمل فيها من تشريعات وأحكام وآداب يصلح عليها أمر المجتمع المسلم فعلى المؤمنين أن يثقوا بعلم الله ويطمئنوا إلى تشريعه ويتبعوه ويطيعوا الله ورسوله طاعة من يؤمن بعلم الله المحيط وحكمته البالغة وجزائه العادل والله نور السموات والأرض فالذي يعلم ويعمل على نور من ربه فذلك هو المهتدي وذلك هو المتمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم . وصدق الله العظيم ، والحمد لله رب العالمين .
والله ولي التوفيق
? (1/171)