صفحة 1
الكتاب: مع كلام رب العالمين (الجزء الأول)
المؤلف: محمد صالح ناصر
إعداد ومتابعة: الأستاذ محمد أحمد جهلان
الناشر: جمعية التراث
مكان النشر: القرارة - غرداية - الجزائر
الطبعة: الأولى
تاريخ النشر: صفر 1436هـ / ديسمبر 2014م
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) مع كلام ربِّ العالمين
(الجزء الأول)
لفضيلة الشيخ
الدكتور محمد صالح ناصر
القرارةـ غرداية ـ الجزائر
* العنوان: مع كلام رب العالمين (الجزء الأول)
* تأليف: فضيلة الشيخ الدكتور محمد صالح ناصر
* إعداد ومتابعة: الأستاذ محمد أحمد جهلان
* الطبعة الأولى، صفر 1436هـ/ديسمبر 2014م
* الناشر: جمعية التراث
العنوان: ص. ب: 30. القرارة ـ غرداية ـ 47110 / الجزائر
هاتف / فاكس: 213.29.85.22.58+
البريد الإلكتروني: ettourath@gmail.com
الموقع الإلكتروني: ... www.tourath.org
* الإيداع القانوني رقم: ... 4866/ 2014
* ردمك: ISBN: 978 - 9931 - 553 - 00 - 7
جميع الحقوق محفوظة
ء
A
سبق لي أن كتبتُ كتابًا تحت عنوان «تأملات في القرآن الكريم» وذلك سنة 1416 هـ/1995، وكنت حينها في سلطنة عُمان، وقد نشرته بعد ذلك في الجزائر صادرًا عن دار «الريام» سنة 1426هـ/2005م.
وقد تجمَّع لدي في الموضوع نفسه عدَّة بحوث ومقالات، كلُّها في الدراسات القرآنية، شاركتُ بها هنا وهناك من نشاطي المسجدي في القرارة أو في العاصمة، ولاسيما في مسجد «المنار» بالحميز تحديدًا.
وتحت إلحاح كثيرٍ ممن سمع تلك المحاضرات ورغبتهم في جمعها ضمن كتاب ليسهل الرجوع إليها، رأيتُ أن أجمع تلك المقالات في دفَّتي كتاب، واخترت لها عنوانًا طالما جعلته لتلك المحاضرات وهو:
«مع كلام ربِّ العالمين».
ونعتبر هذه السلسلة محاولة لربط القارئ الكريم أو المستمع الفاضل أبدًا بكتاب ربِّ العالمين، معالجا ما يؤرِّقه من هموم الحياة ومشاكلها، حيث يكون الرجوع إلى هذا المصدر النقيِّ الصافي هو البلسمُ الشافي وحده، في وقت تلاطمت فيه الأمواج، واضطربت المناهج، وتشعَّبت الفجاج.
داعيا الله أن يأجرني إن أصبت في تحليلاتي تلك، ويغفر لي خطيئتي إن أخطأت فيما ذهبت، راجيًا في الوقت نفسه ألا يحرمني القارئ الكريم من دعواته الصالحات بالصحَّة والعافية، والتوفيق في أمر الدنيا والآخرة. (1/1)
صفحة 2
الراجي عفو ربه، محمد صالح ناصر
الأبيار؛ في 10 رجب 1435هـ
10 ماي 2014م
منهجنا التربوي هل هو قرآني؟ (1)
أيُّها الإخوة المؤمنون، سلام الله عليكم ورحمته تعالى وبركاته. حديثي إليكم محاولةٌ متواضعة للإجابة عن السؤال التالي:
«منهجُنا التربويُّ هل هو قرآني؟»
إنَّ الناظر في تاريخ الأمم المتحضِّرة، يلحظ كيف كانت تعتمد في نهضتها على فلسفاتٍ تربويَّة تكون لها بمثابة المنهج الذي تسير عليه وفق خطَّة معيَّنة لها أهدافها، قد تكون رشيدة أو منحرفة، روحية أو ماديَّة، ناجحة أو فاشلة، ذلك أمر لا يعنينا هنا، وإنَّما الذي يعنينا هو أنه لا غناء لأية أمَّة حيَّة من منهج تربويٍّ معيَّن.
ونحن الأمَّة الإسلامية قد أغنانا الله عن الاستمداد من هذه الفلسفات حين خطَّط لنا منهجنا التربوي في كتابٍ عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد، وحين جسَّد لنا ذلك المنهج محسومًا ملموسًا متمثلا في رسوله إلينا ح، وبهذا لم يتركنا في متاهات الحيرة والتساؤل إذ فصَّل لنا منهجنا نظريا في القرآن، وجسَّدَه لنا تطبيقا في الرسول ح، وأكّد لنا بشهادته أنَّ الرسول الذي أرسله إلينا يمثل في أقواله وأعماله وإقراره المثال الكامل الذي ينبغي علينا الاقتداء به إذ مدحه قائلا: ژ ? ? ... ? ں ں ژ (القلم:4) امتدحه القرآن ليبين لنا بأنه هو الوحيد الذي سيجسِّد مبادئ القرآن وتعاليمه على الأرض. وقد سُئِل أقرب الناس إلى الرسول ح خبرةً ومعاشرة وهو زوجه عائشة رضي الله عنها عن خلقه، فأجابت كان خلقه القرآن.
__________
(1) - ألقي هذا الحديث بالتلفزيون الجزائري في (11/ 04/1986) (1/2)
صفحة 3
إن هذا التكامل بين القرآن والسنَّة النبوية يعبِّر بطريقه مثلى عن المنهج التربويِّ الإسلاميِّ، وكأنه يخاطب المسلمين قائلا: إنَّ التنظير وحده لا يكفي توجيها وإقناعا، وإنَّ النصوص وحدها دون أناسٍ يحملونها ويطبِّقونها لا تَعْدُو أن تكون حبرًا على ورق. وهو يعني أيضا أن أحسن منهج تربوي مؤثر هو المنهج الذي يعتمد أساسا على القدوة والمثل، وقد صرَّح القرآن الكريم بهذا قائلا: ژ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ژ (الأحزاب: 21).
فالموعظة يمكنها أن تهزَّ الوجدان، وتحرِّك المشاعر، ولكنها لن تتأصَّل في مواطن النفس، وتبعثها على التنفيذ والتطبيق ما لم يصحبها مثالٌ محسوسٌ يجعلها متلمَّسة باليد مُشَاهَدَةً بالأعين، وتلك فطرة الله التي فطر الناس عليها، وكذلك فعل بالنسبة للأمم التي سبقتنا، ژ ? ? چ چ چچ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ... ژ ژ s s ک ک ک ک گ ... گ ژ (فاطر: 24 - 25).
والحكمة الثانية التي نستمدُّها من هذا المنهج هي توضيحٌ للمسلمين بأنَّ الدين الذي ارتضاه الله لنا ليس إعناتًا يتجاوز طاقتنا البشريَّة، وليس تكليفًا بما لا نستطيعه، فإنَّ الرسول محمد ح بشرٌ مثلنا خُلق من جسد وروح، وعقل وعاطفة، وفي هذا تأكيدٌ بأنَّه في استطاعتنا نحن البشر أيضا أن نجسِّد معاني القرآن في سلوكنا وأعمالنا، وقد وضَّح الله ذلك قائلا: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ژ (عمران: 164).
ومن هنا يأتي السؤال الذي يطرح نفسه: مادام منهجُنا التربويُّ هو القرآن، ومادام المثال المُجَسِّدُ لهذا المنهج هو الرسول محمد ح، فهل نجد للمنهج وللمُطبِّق وجودًا في مناهجنا التربويَّة التي نُنَشِّئُ عليها أبناءنا؟ (1/3)
صفحة 4
لن نتعجَّل الجواب بالإيجاب أو بالنفي، وإنَّما نستمدُّ من النظر في مجالاتنا الحياتيَّة حيث تتجسَّد تربية الأبناء وتتجلَّى سلوكاتهم، وهي البيت، المدرسة، والمحيط. إنَّ الناظر في هذه المجالات الثلاثة لا أحسبه إلا قائلا: «إنَّ المنهج التربويَّ من هذا المنظور ما يزال في أغلب بيوتنا في حاجة إلى أن يرتفع إلى سمُوِّ التربية القرآنية، إنَّ تربيتنا مبنيَّة ـ للأسف الشديد ـ على التناقض، والتنافر، والتضاد، تناقض بين النظرية والتطبيق، وتنافر بين ما هو كائنٌ وما يجب أن يكون، وتضادٌّ بين المثال والواقع، ذلك لأنَّنا في حاجة ماسَّة إلى القدوة الحسنة التي هي أنجح طريقة لغرس السلوك الفاضل في نفوس أبنائنا كما أوضحنا.
كيف نرغب في أن يكون أبناؤنا محافظين على صِلاَتهم بربهم ونحن ـ إلاَّ فيما ندر ـ لا نقدِّم المثال المحسوس لذلك أمامهم؟
كيف يحافظ الابن على صلواته الخمس وهو يرى أباه لا يحرص على مناجاة ربِّه حرصه على مناجاة كيسه وكرسيِّه؟
كيف تطمع الأم التي تتصرَّف في غياب زوجها بما يغضب الله أن ينشأ أبناؤها على الأمانة والوفاء؟ بل كيف ترغب أن يتحلوا بالصدق والنزاهة إذا كانت توصيهم بالكذب في علاقاتهم بأبيهم؟
نريد أن يكون أبناؤنا على الاستقامة والسلوك السويِّ في تعاملهم مع مجتمعهم، وسهراتُنا العائليَّةُ تُقيِّدها مسلسلات العنف والخلاعة؟! نحثُّهم على التمسُّك بأصالتهم الإسلامية ونحن نقدِّم لهم كل ليلة نماذج للتفكُّك والانحلال الأسري؟!
تلك بيوتُنا فكيف هي الحالة في مدارسنا وجامعاتنا؟
عندما نلقي نظرة عابرة عاجلة على منظومتنا التربوية نلحظ إنها ما تزال هي الأخرى بعيدة عن المنهج القرآني.
فلئن كانت المقررات تطلع إلى الاقتراب من الإسلام وتعاليمه فإنَّ المطبِّقين في أغلب الحالات بعيدون عنه، ذلك لأنَّ أغلبهم يرفع شعار «خذوا علمي ولا تعملوا عملي». (1/4)
صفحة 5
إنَّ أكبر مغالطة يمكن أن تُسيء إلى كرامة الإنسان المربِّي هي أن يتبنَّى هذا الشعار مسلكًا لحياته، لأنَّه اعترافٌ ذاتيٌّ منذ البداية بالتذبذب وعدم الإيمان بالمعتقد، ودليلٌ من أدلَّة الاختلال النفسي والعقلي، إذ كيف يمكن أن يُقنع المعلم تلميذه مثلا بأنَّ التدخين مُضرٌّ بصحَّة الإنسان وهو يُشعل أمامه السيجارة بالأخرى؟ أم كيف يَنْشِئ طلابه على المنطق المهذَّب وبعضُ كلامه معهم يخدش الكرامة والأدب؟
كيف تستطيع المدرِّسةُ إقناع تلميذها بضرورة التحلِّي بمظاهر العفَّة والحشمة، والمعلماتُ يَعْرِضن أمامهُنَّ فنونًا من التبرُّج والتحلُّل؟ بل كيف نرغب في أن نزرع في أبنائنا الفضيلة وسموَّ الأخلاق ونحن نحثُّهم على قراءة الروايات الداعرة والقصص الخليعة؟
حقَّا إِنَّ مدارسنا في المدة الأخيرة تحاول جاهدة استخدام وسائل تربوية حديثة مثل التربية بالقصص، والصورة، والتجسيد والتمثيل وغيرها مما يقرِّب المعلومات والتوجيه إلى الطفل، ولكن هذه الوسائل جميعها لن تنفذ إلى نفس الطفل، ولن تنتقش بذاكرته ما لم يصحبها المثالُ الحيَّ الذي يُجسدها وهو «المُرَبِّي»، لأَنَّ الطفل بطبيعته ـ كَما يُقرِّر علماء النفس والتربية ـ مجبول على تقليد مَثَله الأعلى الذي يتَّخذه لنفسه، وعادة ما يكون أبوه في البيت، ومعلِّمه في المدرسة. غير أنَّ المسؤولية في واقع الأمر لا تُلقى على المدرسة وحدها، أو على البيت وحده، بل هي مسؤولية المجتمع بكل شرائحه وقطاعاته، والشارع والنادي، وأجهزة الإعلام والثقافة أيضا.
لابد من التضامن والتكامل بين هذه الدوائر جميعها، فإنَّ المربي لا يمكن أن ينجح في غرس الفضائل في نفس الطفل إذا كان المجتمع لا يفعل ذلك. (1/5)
صفحة 6
إن الطفل الذي يُنْشِئُه والده مهذَّب النفس، نقيَّ اللسان، سرعان ما تضطرب هذه القيم في نفسه وهو يختلط بأطفال في الشارع أو في المدرسة لا يتصفون بتلك الصفات، قد يعلِّمه والدُه الوداعة واللطف والتعامل بالحسنى مع الناس، ولكنَّه قد ينصرف عن هذه المبادئ حين يجد أغلب الناس يعاملونه بغِلظة وفظاظة قولاً وسلوكًا.
إنَّ النظر في منهج التربية في هذه المجالات كلِّها معناه النظر في فطرة الإنسان التي فطر الله عليها، إنَّها محاولة لإقامة التوازن الضروري بين قواه التي ركَّبه الله بها جسمه وعقله، وروحه، هذا التوازن الذي سطَّره الله لنا حيث يقول: ژ? ? ? ?ژ (البقرة: 143) هذه الوسطية لن تتحقَّق إلاَّ بمراعاة حياتنا المادية وحياتنا المعنوية منذ الطفولة، ومن هنا تكون المسؤولية ملقاة على القطاعات التربوية كلها لتقدم لأبنائنا النموذج والمثل.
إنَّ المنهج التربويَّ القرآني حين يعتمد القدوة الحسنة يُرْسِي الأسس المتينة لمجتمع إسلامي فاضل يتضامن فيه الآباء والأبناء، المعلمون والتلاميذ، الحكام والمحكومون.
فإن شئنا صلاح أمَّتنا وديننا ووطننا فعلينا أن نبدأ بإصلاح أنفسنا ليتسنَّى لنا إصلاح أبنائنا، وما علينا ـ إن رغبنا في ذلك ـ إلاَّ أن نقدِّم لهم من سلوكنا المثل الجدير بالاقتداء، فإِنَّ الفطرة سليمة والنفوس طاهرة بريئة.
والله ولي التوفيق والسلام عليكم.
الجزائر في 11/ 04/1986
} - - {
عَدوُّنا الأبدي ...
ووسائل التمكين والغلبة (1)
__________
(1) - ردا على سؤال الصحفي الأديب أحمد شنة: «ما هو تقييمكم لحرب الخليج؟»، ونشر بإحدى الجرائد الصادرة بباتنة. في (22 - 02 - 1991). (1/6)
صفحة 7
في تاريخ الأمم والجماعات والأفراد فترات حاسمة يهبها الله لنا لمحاسبة النفس تدبرًا واعتبارًا، أو أوبة واستغفارًا، وقد أراد الله لنا ابتلاء واختبارًا حتى يعلم الصادق من الكاذب، والثابت من المتذبذب، وهذه هي الفتنة التي أشار إليها القرآن الكريم حيث يقول: ژ ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھژ (العنكبوت: 1، 2). فالافتتان هو الميزان الحقيقي الذي يوزن به الإيمان، وما كان ذلك الافتتان متعلِّقا بما نكره، بل إنَّ فيما نحبُّ أيضًا فتنة واختبارًا كما يقول: ژ ? ? ? ?? ? ? ژ (الأنبياء: 35).
وما من شكٍّ في أنَّ أمَّتنا الإسلامية تتعرَّض في ديارها وأمصارها لامتحانٍ عسيرٍ يتمثَّل في تكالب أعدائها عليها يهودًا ونصارى ومنافقين، مستخدمين كلَّ ما يملكونه من وسائل الإبادة والتدمير المادي والمعنوي، أسلحةً عسكريَّة، وضغوطًا نفسيَّة، وآلياتٍ خفيَّة وعلنيَّة.
وهذا يمثِّل في الواقع مرحلة من هذا الصراع الطويل بين الحضارة الإسلامية والقوى اليهودية والصليبيَّة، بين من يعبد الله ويكرم الإنسان، وبين من يتَّبع الهوى ويَخْدِم الشيطان.
وقد واجهت الحضارة الإسلاميَّة عبر مراحل تاريخية حاسمة كلَّ أنواع الابتلاء؛ واجهت الاستكبار في مرحلة جهادها ضدَّ المشركين في مكة، وواجهت المكر في فترة صراعها ضدَّ المنافقين واليهود في المدينة، وواجهت الصليبيَّة الحاقدة في مراحل متعدِّدة من عصور الازدهار أو الانكسار المختلفة.
وأحسب أنَّ من أبسط الأمور التي يلجأ إليها الإنسان العاقل في مثل هذه الظروف الصعبة أَنْ يُقَيِّم ما مضى ليستعدَّ لما يأتي، أَنْ يبحث عن أصل الداء ليجد بعد ذلك الدواء، ولعلَّ من أولى مظاهر التقييم أَنْ نعود إلى أنفسنا وذواتنا في محاسبة دقيقة جريئة لنستمدَّ العبر من تاريخنا، ونستلهم التذكرة من كتبنا، فقد حَكَم الله، وحُكمُ الله لا يغيَّر بأَنَّه لن يُغَيِّر ما بقوم حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم. (1/7)
صفحة 8
ولعلي لا أجانب الصواب إن قلتُ إِنَّ أصل الدَّاء كامنٌ في ضعفنا أَوَّلاً ثم في كيد عدوِّنا ثانيا. ومن مظاهر ضعفنا الصارخة أَنَّ الأمة الإسلامية حتى الساعة لا تَعرِف عدوَّها الحقيقي رغم صراعها الطويل معه، ولذا ترانا متشتِّتين متفرِّقين ونحن أمَّة واحدة، بل وتجدنا متدابرين متقاتلين، كيدًا لبعضنا وتحالفا مع أعدائنا.
إِنَّ العدوَّ الحقيقيَّ للمسلمين مهما يكن التحليل والتعليل إِنَّما هم اليهودُ ومن شايَعَهُم من الصليبيِّين؛ تلك حقيقةٌ لا تقبل شكًّا ولا نقاشاً ما دمنا نؤمن بالقرآن كتابًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وإذا قلنا اليهود فإِنَّنَا لا نعني بهم يهودَ إسرائيل وحسب، وإِنَّما نعني أيضًا يهود أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، فهم عنصرُ الإبادة والفساد في كلِّ أنحاء البلاد.
ولنا أن نتساءل عن موقف القرآن الكريم من اليهود وحُكمِه عليهم؛ موقفُه منهم كأمَّة في حدِّ ذاتهم، وموقفه منهم في تحديد علاقاتهم بالمسلمين ومن ديانتهم.
إِنَّ القرآن الكريم لا يذكر اليهود إلاَّ ويَقْرِنُ أعمالهم بالكفر والخسران، ولا يُبَيِّن صفاتهم إلاَّ وينعتها بالقساوة والطغيان، ولا يُحدِّد مكانتهم عند الله إلاَّ ويذكرها بالغضب وسوء المنقلب.
وفي هذا يقول: ژ ? ہ ہ ہ ہ ھ ھژ (المائدة:13)، ژ ? ? ? ? ? ? چ چ چچ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک ژ (المائدة،:60)، ژ S ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? چژ (المائدة: 78).
والقرآن الكريم مليءٌ بمثل هذه الآيات الصريحة. إِنَّ لعنة الله عليهم أبديَّة لا شكَّ في ذلك ولا ريب، وحكمُ الله باللعن على أيٍّ كان معناه الخسران في الدنيا والآخرة، كما جاء في الآية الكريمة: ژ ? ? ? ?? پ پ ... پ پ ? ? ? ژ (النساء: 52). (1/8)
صفحة 9
أمَّا حكمُ الله في علاقتهم بالمسلمين وما ينبغي أَنْ يكون المسلم منهم عقيدةً وقولاً وعملاً فيتَّضح في آياتٍ كثيرة نذكر منها قوله: ژ ھ ے ے ? ... ? ? ... ? ? ... ? ?? ژ (المائدة: 82)، وقوله: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ? ژ (البقرة: 120)، وقوله محذرا المسلمين من موالاتهم والركون إليهم: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? S S S S ... ? ژ (المائدة: 51).
غير أَنَّ السؤال المطروح علينا اليوم بإلحاح، هو هل آمن المسلمون بما جاء في كتابهم الكريم حقًّا فطبَّقوه في حياتهم العلمية في أثناء تعاملهم مع اليهود والنصارى؟ وهل اعتبروا حقًّا من تاريخ صراعهم من أعدائهم؟
إِنَّ واقعنا الأليم للأسف الشديد يُكَذِّب ذلك كلَّه؛ إِنَّ تاريخ اليهود في كيدهم للإسلام والمسلمين تاريخٌ حافل بالمكر والخداع، مليءٌ بالدم والدموع، لا ينتهي إلاَّ ليبدأ، ولا يهادن إلا ليَنْقَضَّ. (1/9)
صفحة 10
ويمكننا أَنْ نَتَبَيَّنَ ذلك في نقاط سريعة من خلال مراحل حاسمة من التاريخ الإسلامي القديم والحديث؛ فنبدأ بدسائسهم الماكرة ضدَّ نبينا الكريم وتَأَلُّبِهم عليه مع المنافقين والمشركين، تلك الدسائس الحاقدة التي كان من نتائجها إعلان الحرب عليهم في غزواتٍ شهيرة، وعلى رأسها غزوة الأحزاب التي يستعيد المسلمون أحداثها اليوم في الخليج. ومن ذلك خُطَّتهم الدنيئة لاغتيال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب س، ودَسِّهم لقتل عثمان بن عفان وما انجرَّ على ذلك من فِتن عمياء شَتَّتتْ المسلمين وأضعفت قوَّتهم، ونتقدَّم إلى التاريخ لنقرأ صفحاتٍ دموية لتخريب الدولة الإسلامية بالأندلس، ثم كيف تظاهروا بالإسلام ليصلوا إلى سُدَّة الحكم في الدولة العثمانية لينقضُّوا على الخلافة الإسلامية، ثم دورهم في احتلال الجزائر وتخريبهم اقتصادنا الوطني، لنصل أخيرًا إلى أُمِّ القضايا، وقلب البلايا فلسطين الجريحة، تلك التي تتجرَّع في كلِّ يوم غُصَصها وتُشيِّع في كلِّ لحظةٍ شهداءها، ويجيء بعد ذلك من يقول لنا من الحكام والساسة إِنَّ القضيَّة ليست دينيَّة وإِنَّما هي سياسية، وإِنَّ صراعنا مع اليهود صراعٌ من أجل المصالح المادية لا بدافع من الثوابت الروحية، وكأنهم أُصيبوا بفقدان الذاكرة، أو عُوقبوا بعمى الألوان، فهم لا يفرقون بين الحقِّ والباطل، ولا يميِّزون بين المقتول والقاتل.
وإلى هنا يحقُّ لنا أن نتساءل، إذا كان ذلك هو الداء كما يصفه القرآن الكريم فأين الدواء؟ (1/10)
صفحة 11
إِنَّ قرآننا الكريم يُبيِّنُ لنا عناصر القوة والغلبة والتمكين وهي تحوم حول ثلاثة عناصر: الإيمانُ والعلمُ والعمل. هي عناصر تتكامل وتتداخل، لا يُمكن أخذُ عنصرٍ منها على منأى من الآخر، ولا يمكن الاستغناء باثنين دون الثالث، فلا يكتمل الإيمان بدون علم، ولا علم بدون إيمان، كما أَنَّه لا إيمان ولا علم بدون عمل، ولعلَّ هذا التكامل الذي جاء في آيات كثيرة نجده متجِّسدًا في قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? S S S ... S ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ ژ (فصلت: 30،31،32).
إِنَّ الإيمان الثابت تُعبِّر عنه الآية الكريمة بقول المؤمنين الصادقين «ربنا الله» فالربوبية لله وحده وليست للظروف والملابسات، ولا للمال وللجاه ولا للمصالح، ولا تتبدَّل بتبديل المواقع والتحالفات، لأَنَّه يستحيل أّنْ يلتقي الإيمان الحقيقيُّ بالمصالح المادية والأهواء الدنيوية. (1/11)
صفحة 12
وعلم هؤلاء المؤمنين يتمثَّل في إدراكهم هذه الحقيقة لأَنَّه فرقٌ كبير بين رؤية الشيء وبين إدراكه، فالرؤيةُ تجسيدٌ وهو تجريد، فنحن نرى بالعين ولكننا لا ندرك بالعقل، والعقل الكامل من وسائله العلم، والمؤمنون الصادقون لا يتوقَّفون عند الإيمان والعلم وإِنَّما يضيفون إليهما العنصر الثالث وهو العمل، وذلك ما يفسر قوله تعالى في الآية الكريمة ژپ پژ، فالاستقامة حكمة تجسِّد كل تلك المعاني؛ تجسِّد التطبيق العملي للعقيدة الصحيحة سلوكًا وتصرُّفا؛ في علاقتنا بالله وفي تعاملنا مع الخلق، وتستوعب كلَّ المصطلحات التي نستخدمها اليوم من مثل الالتزام والضمير المهنيِّ والمحاسبة وغيرها. ومكانة العلم في الإسلام لا تقلُّ أهمية عن مكانة الإيمان، ومن ثم كانت أوَّل آية تنزل على رسولنا الكريم ح هي كلمة «اقرأ». والعلم في مفهوم الإسلام لا يحدِّده تخصُّص ولا تَوَجُّه، إِنَّه العلم الذي يقرِّبنا من الله بخدمة خلقه ونفع عباده، أمَّا العلم الذي يُدمِّر، العلم الذي يضرُّ أكثر مما ينفع، فذلك خارج عن حدود ما يدعو إليه الإسلام.
ولهذه المكانة العظيمة للعلم ربط القرآن بين العلم والإيمان ربطاً مُحْكَماً؛ فقال عن طريق الحصر والتحديد: ژ ? ? ? ? ? ??ژ (فاطر: 28)، ووضع الريادة والمسؤولية في أعناق العلماء فقال: ژ? ? ? ? ? پ پ پپ ? ? ? ? ? ? ?ژ (النحل: 43)، ووَضَعهم في المراتب الأولى من المصدقين بالرسالات السماوية فقال: ژ ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ? ... ? ژ (سبأ: 06)، ورفع مكانتهم إلى درجة عليا حيث يقول: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (المجادلة: 11)، وشرَّفهم بما شرف به الملائكة وهم أطهر خلقه حيث يقول: ژ ? ? S ... S S S ... ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ژ (آل عمران: 18). (1/12)
صفحة 13
والعلم ليس وسيلة للإيمان الصحيح بالله فحسب، وإِنَّما هو أيضا من وسائل القوَّة والتمكين لعباده في هذه الأرض، وقد تجلَّى ذلك قويا عندما ربط سبحانه وتعالى القوَّة بالعلم ولم يربطها «بالعفرتة» والخوارق؛ فإِنَّ الذي استطاع أَنْ يُحضر عرش بلقيس إلى سليمان؛ قبل أَنْ يرتدَّ إليه طرفه، إِنَّما هو «الذي عنده علم من الكتاب» وليس «عفريتا من الجن».
وأَمْرُ الله لنا بأخذ أسباب القوَّة من العلم قطعيٌّ صريحٌ، إذ يقول: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ژ (الأنفال: 60)، ولقد قال رسول الله ح «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» (1). وإذا كان الرميُ في وقته ح بالنبال والسهام وهي تتعلم بالممارسة في الميدان، فإِنَّ الرمي في عصرنا عصر التكنولوجيا والآليات المعقَّدة لا يكون إلاَّ بالعلم، ولولا العلم والإيمان ما زلزل «الحسين» قلب إسرائيل بالرعب، بل ولما استطاع أَنْ يصمد الشعب الفلسطينيُّ وحده أمام قوى الشرِّ مجتمعة.
ونأتي إلى العنصر الثالث المكمِّل للإيمان وهو العمل؛ فموقف القرآن الكريم من أهمِّية العمل وضرورته للمؤمنين دنيًا وأخرى موقف أكيدٌ، إذ لا نجد آية في القرآن الكريم تحضُّ على الإيمان وتدعو إليه إلاَّ وتربطه بالعمل الصالح. وقد تلازم الإيمان والعمل الصالح في كلِّ الآيات الموجودة في القرآن الكريم فهو شرطٌ لا يكتمل الإيمان إلاَّ به ژ ک گ گ گ گژ. وذلك هو توجيهه لرُسلِه وتربيتهم لهم ژ ? ? ? ... ? ? ہ ہہ ہ ھ ... ھ ھ ژ (المؤمنون، الآية: 51). وبمثله خاطب الرسلُ أقوامهم ژ ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ژ (الزمر: 39).
__________
(1) - رواه مسلم في صحيحه، ج6، باب فضل الرمي والحثِّ عليه، رقم: 5055، ص:52. (1/13)
صفحة 14
وبناء عليه وعد الله عباده جميعا بأَنَّه لن يُضيع لهم أجرا ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ?? ژ (آل عمران: 195) وبهذا التوجيه الرباني خاطب الرسول ح أمته ژ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ژ (التوبة: 105).
وفي هذا النداء إلى المسلمين لأن يعملوا دومًا، أن يعملوا من أجل الدنيا كما وجب عليهم العمل من أجل الآخرة، لأن الله يؤجر العامل المؤمن في الدارين معا. بل إِنَّنَا نجد أحيانا أَنَّ الأجر الذي يذخره الله للعامل من أجل نفع العباد أكبر وأوفر من الأجر المدَّخر من أجل العبادة. (1/14)
صفحة 15
لكن أي عمل هذا الذي يطلبه الله منا إِنَّه العمل المرتبط بالإيمان الهادف إلى رضا الله، إِنَّنَا نسمع كثيرًا ما يستشهد المسؤولون بهذه الآية، وهم يقفون عادة عند قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ?? ژ (التوبة: 105) والحال أنَّ الآية الكريمة لا يتمُّ معناها، ولا يتجسَّد مغزاها إلاَّ بما يكملها من قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?ژ (التوبة: 105). وفي هذا الربط المحكم مَلْمَحٌ لطيف إلى أَنَّ العمل الخالي من النيَّة الصالحة والعقيدة الثابتة خالٍ من الأجر، فإِنَّ العمل الذي لا يُراد به وجه الله لا يعدُو كونه عملا دنيويا يمكن أَنْ يقال عنه ژ? ? ? ? ? ? ? ژ (الأحقاف:20). وكأنَّ الله سبحانه وتعالى يريد أَنْ يُبيِّنَ لنا الحكم على العمل في الدنيا، فوضعه في الدرجة التي يستحقها من الأجر، فالله وحده الذي يعلم ما نُخفي وما نُعلن وهو الذي سيُنبِّئنا غدا عندما نرد إليه إِنْ كانت أعمالنا خالصة لوجهه الكريم أم كانت من أجل الرياء والسمعة؛ أهي من أجل الآخرة حقًّا أم هي من أجل المصالح الدنيوية؛ فالعبرة إذا أوَّلا قبل كلِّ شيء بالنية الصالحة، وذلك هو الميزان الدقيق الذي توزن به الأعمال عند الله. وكذلك يجب أَنْ تكون أعمالنا، جليلُها وحقيرُها، بسيطُها وخطيرُها، صدقةً لإشباع بطن جائعة أم استشهادًا من أجل تحرير الوطن، عبادةً لوجه الله أم سعيًا من أجل قوت العيال. وبذلك وحده نكون جديرين بوعد الله لنا بالتمكين في الأرض والاستخلاف فيها، وضمان العيش الكريم لنا، نصرة على الأعداء، وأمْنًا في الشدَّة والرخاء، أَوَلَمْ يقل عزَّ وجل: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ... ? ? ? ? ? ? ?? ? ... ژ ... ژs s ک ک ک ک گ گژ (النور: 55). (1/15)
صفحة 16
وهكذا نرى أيُّها الأخوة المؤمنون كيف ربط القرآن الكريم بين هذه العناصر الثلاثة وهي الإيمان، والعلم، والعمل، وجعلها قوام نهضة أمَّتنا الإسلامية، وطاقتها المحرِّكة للغلبة على أعدائنا، ووسيلة سعادتها الدنيوية والأخروية بحول الله.
فاللهم اجعل أعمالنا كلَّها إرضاءً لوجهك الكريم، واجعل ابتلاءك لنا ابتلاء إيمانٍ وثبات، وارزقنا اللهم الإيمان والعلم لنعمل صالحا من أجل العباد والبلاد.
الجزائر في 22 - 02 - 1991
} - - {
القرآن والطفل (1)
حضرات السَّادة الأكارم سلام الله عليكم ورحمته تعالى وبركاته.
قبل كلِّ شيء أحيِّي تحيَّة تقدير وإجلالٍ هذا الشباب القرآنيَّ في «مطيافه» السامي، وأحيِّي بصفة خاصَّة الابن العزيز الأستاذ محمد بن موسى باباعمي، على ما يبذُله من نفسٍ ونفيس لإعلاء كلمة الله، زاده الله رفعة وسمُوًّا، وجعل ذلك في ميزان حسناته، ووفَّقه ليكمل مشاريعه الثقافيَّة والعلميَّة، وأشكره على هذه الدعوة الكريمة.
وأحبُّ أن أوضِّح منذ البداية بأنَّ حديثي هذا ليس محاضرة بالمعنى الأكاديمي للكلمة، بقدر ما هو مداخلةٌ أحببتُ أن أشارك بها أبنائي وإخواني بعد أن لم أجد عذراً للاعتذار أو مناصًا للفرار.
وسأعرض مداخلتي في العناصر التالية:
? لماذا القرآن؟
? لماذا الطفل؟
? كيف نقرِّب الطفل من كتاب الله؟
? تجربتنا المتواضعة في هذا الصدد؟
وأبدأ مداخلتي بطرح الأسئلة التالية:
هل تنتهي مسؤوليتنا مع كتاب الله عند حثِّ أبنائنا على حفظ سوره واستظهارها؟ وهل الغاية المثلى من كتاب الله هي الحفظ والاستظهار؟ أم الفهم والاستذكار والتمثُّل والاعتبار؟
__________
(1) - محاضرة ألقيت بغرداية في (17/ 07/1999). (1/16)
صفحة 17
لا أظنُّ أنه يوجد عاقلٌ أو مُربٍّ واحد لا يقول بأنَّ مهمَّة المربِّين ـ معلمين وآباء ـ تتعدَّى حفظ كتاب الله إلى الفهم والعمل بما فيه، ولو قال بهذا قائل لعدَُّ ذلك منه تناقضا أساسيا مع ما يدعو إليه القرآن نفسه الذي يقول: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (الفرقان: 01)، ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? S ژ (فصلت: 1 - 4)، ژ ? ? ? ? ? پپ پپ ? ? ? ژ (البقرة: 1 - 2)
وما دام هذا أمر بديهي أو مما لا يختلف فيه اثنان، فإنَّنا سننتقل إلى أهمِّ عنصر في المداخلة وهو: لماذا هذا الربط بين القرآن والطفل، لماذا التركيز على الطفل؟
أولم يقل الرسول الكريم ح «علِّموا أولادكم القرآن فإنَّه أوَّل ما ينبغي أن يُتعلَّم من علم الله هو» (1) .. ؟
إنَّ الرسول الكريم الذي لا ينطق عن الهوى حريص على أن يكون بناء الأساس سليما قوياً منذ الصغر لعلمه وقد علَّمه الله أنَّ الولد يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسَانه.
يقول الدكتور نجيب الكيلاني المتخصص في أدب الطفل المسلم:
«لقد أرسى الإسلامُ القواعد والأصول لكلِّ مناحي الحياة فكرًا وسلوكًا وفناً، وتوالت عصور الإسلام الزاهرة، وهي تضع في حساباتها حقوق الطفل في الحياة والمال والرعاية والتعليم، ولم تكن الحضارة الإسلامية لتنهض وتترسَّخ وتؤثر إلاَّ على أيدي الأعلام من رجال العقيدة الذين خاضوا بحار العلم والمعرفة، وأدركوا عن يقين أهمية تربية الطفل تربية صحيحة.
الحضارة يصنعها الرجال المؤمنون الأوفياء، وتُنمِّيها وتحرسها العقيدة الصحيحة.
__________
(1) - رواه الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، (1/17)
صفحة 18
ولا يمكن منطقيًّا ولا تاريخيًّا أن يعلُوَ شأن أمَّة أو ترتقي حضارتها إلاَّ إذا تربَّى أطفالُها في مناخٍ صحيٍّ سليم. ألم نقل بادئ ذي بدءٍ إنَّ قضية الطفولة دائمًا وأبداً تكتسب الأولوية المطلقة؟» (1).
من هنا كان لابدَّ من أن نبحث عن طريقة تحبِّب للطفل القرآن وتُرغِّبه فيه.
ولكي نتوصَّل إلى طريقة سليمة لابدَّ من أن نتعرَّف على الطفل أولاًّ، وعلى عالمه العجيب الغريب.
لابدَّ أن ندرك منذ البداية «أنَّ هذه الفئة تتميَّز بمستوى عقلي معيَّن، وبإمكانات وقدرات نفسيَّة ووجدانية تختلف عنَّا نحن الكبار، فتجارب الطفولة وخبراتها المحدودة، وآفاقها التخيُّلية واسعة رحبة لا تحدُّها حدود، ولا تحاصرها ضوابط كضوابطنا نحن الكبار.
ووسائلُهم في البحث والتفكير والتحليل والاستيعاب ليست كوسائلنا الناضجة التي اكتسبناها بالمران والتجربة الطويلة والثقافات المتنوِّعة.
ولديهم رغبة جامحة في ارتياد المجهول، والانطلاق عبر الآفاق، وتشكيل عالمٍ خاص يختلف كثيرًا عن عالمنا» (2).
ومعنى ذلك باختصار شديد أن نراعي عوالمهم النفسيَّة، والذهنيَّة، والسلوكيَّة، وأن نتيقَّن أنَّ عوالمهم تختلف اختلافًا بيِّنًا عن عوالمنا. حتى نعاملهم معاملة الرفق والفهم والانسجام، وتلك سنَّة الله في خلقه وهو يراعي تطوُّر البشريَّة. ومن حكمة الله أنَّ الرسالات السماوية سارت هي الأخرى في هذا الطريق قبل أن تصل مرحلة النضج، لأنَّ الأمم نفسها تمرُّ في مراحل تبدأ طفولية ساذجة بسيطة، ثُمَّ تترقَّى في عوالمها النفسية والسلوكية والذهنية شيئًا فشيئًا حتى تصل مرحلة النضج ثُمَّ الشيخوخة.
وأوَّل ما يُلفت النظر في مكوِّنات عالم الطفولة هو الخيال الواسع الذي لا تحدُّه حدود.
__________
(1) - نجيب الكيلاني: أدب الأطفال في ضوء الإسلام. مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ص40.
(2) - المرجع نفسه، ص13. (1/18)
صفحة 19
هذا الخيال الذي لا يخضع لمفهوم الزمن والمكان، ولا يسير وفق الممكن. ومن هنا كان لابدَّ من مراعاة هذا الجانب المهم عند الأطفال.
فالخيال بما فيه من شاعرية واتِّساع هو وسيلة من وسائل الابتعاد لحدٍّ ما عن التحديد والمباشرة البحتة، وهذا يُثري الانفعال والتأثُّر، حتى يُثري التجربة الإبداعية. ومن ثمَّ يمكننا القول: «إنَّ الإيحاء بالقيمة والمعنى من خلال جوٍّ خيالي وشاعريٍّ يجعل الطفل ينفعل بشكلٍ تلقائيٍ ويتمثَّل ما يقال، ويمكننا أن نستخدم تلك الوسيلة الفنيَّة والإبداعية والإيحاء للطفل بما نراه ويراه التربويون والنفسيون والدعاة من قيمٍ ومبادئ سامية ومُثل عليا، لأنَّ الأسلوب غير المباشر يتضمَّن احترامًا لحرِّية الطفل وبعدًا عن القسر الذي يعيق النمو والتفتُّح» (1).
هذه الحقيقة التي أجمع عليها المربُّون والنفسيون تقودنا إلى طرح سؤال هو امتداد طبيعيٌّ لما سبق وهو التالي:
إذا كان الخيال من أهمِّ مكوِّنات عالم الطفولة، فكيف نستغلُّه في جعله قريبًا من كتاب الله؟
إنَّ الوسيلة التي تتوفر على الخيال من أساليب الكلام المعروفة هي القصَّة أو الحكاية. والقرآن الكريم نفسه يُحلُّ هذا النوع من الأساليب محلاًّ عظيماً، حيث يقول الله سبحانه وتعالى مخاطبًا رسوله الكريم: ژ? ? ? ? ژ (الأعراف: 176)، ويقول: ژ? ? ... ? ? ? ? ??ژ (يوسف:111).
لقد احتفى القرآن الكريم بالقصَّة وجعلها باعثًا على التفكُّر والتدبُّر، لأنَّها واقعة حيَّة، صادقة التعبير، قويَّة التأثير، عظيمة المقصد، تتحرَّك فيها الشخصية والحدث، ويتجلَّى فيها الصراع الأبدي الخالد بين الخير والشَّر، وبين الإيمان والكفر، وبين الرذيلة والفضيلة، وبين الإنسان والشيطان.
__________
(1) - المرجع نفسه، ص43. (1/19)
صفحة 20
وإذا كانت القصة تجربة حيَّة مقتطعة من الحياة المتحرِّكة المتفاعلة، فإنَّها تشدُّ الانتباه، وتٌعمل الفكر، وتُحرِّك المشاعر، فيشعر المتلقِّي صغيرًا أم كبيرًا بأنَّه يعيش وسط الحدث، ويتمثَّله ويُعايشه إلى حدٍّ كبير، بل ويتخذ موقفًا بناءً على قناعة استلهمها من التجربة الموجودة في القصَّة. واتِّخاذ المواقف يتبعه سلوكٌ وانعطافات هنا أوهناك، ذلك هو الذي يمكن فهمه فيما ورد من نصوص قرآنية كريمة حول القصَّة بصفة عامَّة» (1).
إذا كان هذا هو التأثير العظيم الذي يتركه القصص القرآنيُّ في النفوس على اختلاف أعمارها، ومستوياتها الثقافية؛ فالسؤال الذي يطرحه الموقف هو: كيف نستغلُّ القصص القرآنيَّ إذن لتربية الأطفال؟ وما هي الأهداف التي ينبغي توخِّيها عند الكتابة لهم .. ؟
أولاً: ترسيخ العقيدة:
إنَّ حجَر الأساس في التوازن النفسي للطفل يتمثَّل في العقيدة الراسخة المستقرَّة، وهي الإيمان بالله وكُتبه ورسله واليوم الآخر، وأنَّ الجنَّة حقٌّ وأنَّ النار حقٌّ، إلى غير ذلك ممَّا هو معروف في كتب التوحيد.
والأمر ليس صعبًا وليس بسيطًا أيضًا، ليس صعبًا كما يذهب إلى ذلك بعض الدارسين والمربِّين، إذ ليس من الضروري أن نقدِّم ذلك للطفل في قوالب تجريديَّة يصعبُ عليه فهمها، بل نستغلُّ في ذلك القصص القرآني نفسَه، فقصص الأنبياء وصراعهم ضدَّ الباطل وما يستتبع مواقفهم العظيمة تلك من صمودٍ وإباء وصبرٍ وثبات كفيلةٌ بأن تقرِّب النموذج البشري المتحرِّك للطفل، فيعلم من خلال الموقف والحدث والصراع معنى العقيدة والثبات من أجلها.
وليس بسيطًا لأنَّه ينبغي لنا أن نوعز من خلال إعادة السرد بأسلوب مبسَّط يسيرٍ ما نقول من خلاله للطفل: إنَّ قوة العقيدة وسلامتها هي مصدر الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، وهي سبب النجاح والتوفيق والسلامة، إنَّها الغاية من الوجود، وإرضاء الله واكتساب جنَّته.
__________
(1) - المرجع نفسه، ص52. (1/20)
صفحة 21
وترسيخ العقيدة يتبعه بالضرورة التمكين لقيم الحقِّ والخير والجمال والفضيلة والحريَّة ... وقصص القرآن الكريم -وهو القصص الحقُّ - يقدِّم لنا في مضامينه العظيمة الخالدة نماذج رائعة من كلِّ ذلك، فقصَّة أبينا إبراهيم؛ مع أبيه وقومه، وثباته عند الابتلاء والامتحان، وصبره العظيم وهو يُلقَى في النار، ثُمَّ قصَّة موسى؛ مع قومه بني إسرائيل، وقصَّته مع فرعون وغير ذلك من تطوُّرات في حياته تقدِّم أروع النماذج لثبات العقيدة والصمود من أجلها.
وقصَّة سيدنا يوسف؛ في كلِّ مراحلها لا تأتي مجرَّد حوادث، ولكن تحتدم فيها المشاعر الإنسانية بشتى صورها، بضعفها وقوَّتها، كما تتزاحم فيها الأفكار وتتلاقى النماذج البشرية المعبِّرة، وتنبض فيها العبرة والحكمة.
ومن ثمَّ نرى أنفسنا ونحن نقرأ الآيات البيِّنات أمام صور صادقة حيَّة مُعبِّرة تحمل كلَّ عناصر الصدق (1) والحيوية والتأثير، كما نرى الفكرة الرئيسة المهيمنة، أو التي تقود الحدث -بالتعبير الأدبي- هي العقيدة أساسًا.
ثانيًا: تشكيل الوجدان المسلم:
يرى غالبية علماء النفس والتربية أنَّ الكثير من عواطف الطفل ومشاعره تتشكَّل في الأعوام الحاسمة الأولى من عُمره، بحيث يترسَّخ العديد منها في العام الخامس من عُمره. ويظلُّ الطفل يتلقَّف الخبرات من خلال ما يُصادف في حياته، وعبر حواسه وفكره ووجدانه، حتى يتكوَّن لديه الرصيد الأساسي الذي يؤثِّر في مستقبل حياته.
غير أنَّ الطفل تتنوَّع أمامه المنابع التي يستقي منها هذه المؤثرات. فهو يسمع القصَّة من جدَّته، وأمِّه، ومربِّيته، ومعلِّمه، بل هو يتتبَّعها بشغف من خلال القنوات الإعلامية المختلفة، ومن خلالها يلتقط الطفل مواقف وخبرات تشدُّه إليها وتلتقي مع ما عنده من حصيلة سابقة فيحدث بينه وبينها مقارنات أو مفارقات عقلية ووجدانية، وبذلك يتشكَّل وجدانه، وينعكس بالتالي على سلوكه مستقبلاً.
__________
(1) - المرجع نفسه، ص77. (1/21)
صفحة 22
ولو تأمَّلنا في ذلك لعلمنا أنَّ الخطورة تكمن هنا، لأنَّ الإنسان يستطيع أن يبدِّل أفكاره، ويترك فكرة من الأفكار إذا ضعف اقتناعه بها، ويتبنى فكرة جديدة اتَّصفت بقوَّة الإقناع والصدق، لكنَّ التغيير يبدو صعبًا غاية الصعوبة إذا تعلَّق الأمر بالمشاعر والعواطف وإذا كانت بذرته قد زُرعت في هذه المرحلة المبكِّرة.
ونحن نعلم الأثر الفعَّال للقصص بما فيها من قِيم جمالية ومؤثرات وتشويق وجاذبية على تشكيل وجدان الطفل أكثر ممَّا تؤثر في عقله وذهنه. ومن هنا تأتي أهمية الفنون بالنسبة لتشكيل وجدان الطفل، وهو أمرٌ أجمع عليه كبار علماء التربية في عصرنا حين قرَّروا أنَّ هذا النوع من الفنون يؤدِّي دورًا رئيسًا في البناء الروحي والنفسي للطفل.
فإذا أردنا أن نشكِّل وجدان الطفل تشكيلاً إسلاميًّا سليمًا، فيجب أن نعرض للآداب والسلوك والمواقف الإسلامية من خلال القصص المؤثِّر، الذي يعرض البطولات والنماذج الفريدة حيث تتجسَّد فيه قيم الصدق والتعاون والعدالة وحبِّ الخير تجسيدًا واضحًا. وقصص القرآن والسيرة النبوية وقصص الصحابة والتابعين والسلف الصالح مليئة والحمد الله بكلِّ ما أشرنا إليه.
وأحبُّ أن أشير هنا إلى أننا نستطيع أن نجعل منطلقنا القرآن في كلِّ هذه القصص إذا أحسنَّا الربط بطرق فنيَّة، وأساليب بسيطة بين تلك المواقف وبين ما يدعو إليه القرآن الكريم على النحو الذي سنوضِّحه عندما نتحدَّث عن قصص الحيوانات وتأثيرها في الطفل. (1/22)
صفحة 23
لابدَّ أن نستغلَّ عند الطرح ما تتميَّز به القصَّة القرآنية عن سواها بأسلوبها المتميِّز في السرد، وعظمة أدائها المُعجِز. وما تتوخَّاه من إقرار النتيجة أو العبرة صراحة، ذلك ما ينبغي أن نضعه في الاعتبار ونركِّز عليه ونقدِّمه للطفل بأسلوب مشوِّق يتماشى مع مستواه العقلي والنفسي، وهو أمرٌ ترفضه معظم المدارس الغربية المعاصرة فهي لا تحفل بتبيان الهدف أو الغاية من القصَّة إذ تترك ذلك للمتلقِّي يفهمه وحده، أو يستنتج ما شاء طبقًا لقدراته ومزاجه، كنوعٍ من الإثارة والتشويق والإمتاع.
وذلك ما جعل عالِما مثل الشيخ الشعراوي يقول: «إنَّ القصص القرآني قصص متميِّز له قداسته وتفرُّده، وليس مثل القصص الذي نقرأه اليوم، وخيرٌ للنقاد أن يطلقوا كلمة القصص على ما ورد في القرآن الكريم وأحاديث الرسول ح وأن يسمُّوا القصص الحديث الخياليات مثلاً أو ما شابه ذلك ... » (1).
هكذا نأخذ بيد الطفل برفق حتى نقف معه على الغاية من القصَّة، والهدف التربوي أو العَقَدي أو السلوكي منها، بل ونتأكَّد بإثارة بعض الأسئلة عمَّا استوعبه، وفهمه وتشرَّبه.
قلنا فيما سبق: إنَّ ملكة التخيُّل عند الطفل ملكة عظيمة قد لا نعرف نحن الكبار أبعادها ولا نتصوَّر آفاقها، فعندما نرى الطفل يحادث الحيوانات والجمادات وينسجم في الحوار معها إنَّما يفعل ذلك من شعور صادقٍ يتصوره ويُحسُّ به، ويعرف مداه حقًّا. ومَن لم يستمتع بحوار ابنته الصغيرة مع دميتها .. ؟ أو حوار ابنه الصغير مع لعبته؟
لذا كان من الواجب علينا أن نستغلَّ هذه الملكة استغلالاً لبناء الجانب الخيِّر في الطفل، ونُوجِّهه ونُعلِّيَه لتشكيل وجدانه المسلم، وطبعِ سلوكه بطابع إسلامي صحيح.
__________
(1) - ... المرجع نفسه، ص56. (1/23)
صفحة 24
وقد سبقَنا الكتَّاب الأقدمون في الشرق وفي الغرب إلى استغلال هذه الظاهرة، ولعل مِن أشهر مَن ألَّف في المكتبة العربية في هذا الصدد «ابن المقفَّع» في كتابه الشهير «كليلة ودمنة»، وقد تفطَّن الشاعران الفرنسيان «لافُونْتَانْ» و «لاَمَرْتِينْ» إلى ما في هذه القصص من جاذبية وتأثير فنظماها شعرًا كنَّا نحفظ الكثير منه في المدارس الفرنسية. وجاء أيضًا أحمد شوقي فكتب هذه القصص شعرًا، وقد تطوَّر هذا النوع من القصص على يد كُتَّاب كبار تخصَّصوا في مكتبة الطفل مثل «كامل الكيلاني»، و «عادل الغضبان»، و «محمد سعيد العريان»، وغيرهم كثير. ولو ظلَّت الساحة الثقافية لأمثال كامل الكيلاني والعريان وسيد قطب لهان الأمر، ولكن أغلب كتَّاب القصَّة لا ينظرون باهتمام بالغ إلى هذا الجانب الخطير وهما الجانبان: العقدي، والسلوكي الذي كنَّا نركِّز عليه منذ بداية الحديث.
فإنَّنا حين نستعرض هذا الكمَّ الهائل من القصص الذي يملأ السوق نجد أغلبه يتَّصف بالردَّة والرداءة، سواء منه ما أنتج داخل الوطن أو خارجه، وحينما نعلم أنَّ أغلبه ترجمة أو اقتباس من قصص غربي الطابع، علماني الاتجاه، مادِّي التفكير، ندرك خطورة ما نقدِّمه لأبنائنا دون وعيٍ أو تفكير منَّا، بل أكاد أقول ولا مسؤولية. والعجيب في الأمر أنَّ بعضه نقدِّمُه جوائز في مؤسساتنا التعليمية الإسلامية، وندفع فيها أموالاً طائلة، دون أن نهتمَّ بمضمونه، وغايته، وهدفه! (1/24)
صفحة 25
إنَّ دور النشر تعرف مدى حاجة الأطفال إلى هذا النوع من القصص ولكنَّها للأسف الشديد لا تراعي في الأغلب الأعمِّ الأسس العلمية والتربوية والنفسية والعَقَدية؛ لذلك فهي تقدِّم المترجمات التي تتنافى مع عقيدتنا الإسلامية وتنقل عن الغرب أسلوبه في السلوك والعادات والمعاملات. وبالطَّبع فإنَّ هذا التصوُّر لا ينطبق على دور النشر كلِّها، فهناك في بعض البلاد الإسلامية مؤسسات عريقة تقدِّم للأطفال أدبًا يراعي العقيدة والسلوك الإسلامييَّن مراعاة تامَّة، ولكنَّها قليلة بالنسبة للاتجاه المتمغرب.
وإلى جانب دور النشر الخاصَّة والعامَّة نجد الإعلام الرسمي خاصَّة التلفاز والمذياع والصحافة يُقدِّم كوارث يهتزُّ لها الضمير الحيُّ، ويأسى لها القلب المؤمن، لأنَّ حرص الإعلام ينصبُّ غالبًا على التسلية والإثارة والتشويق، يكفي أن نعرف أنَّ مجلَّة (ماجد)، ومسلسل (ماجد) الكروي حقَّق في العالم الرقم القياسي في النشر والتوزيع، ونحن لسنا ضدَّ القيم الفنيَّة، ولكنَّنا نريد ـ قبل ذلك ـ مراعاة الجانب الروحي، ونريدها أعمالاً تسري فيها دماءٌ إسلامية نقيَّة خالية من السموم والمكروبات، وإلاَّ كان الأمر وخيم العاقبة.
لهذه الأسباب كلِّها رأينا من الواجب الأكيد أن نشارك أولئك الرواد في العالم الإسلامي بما منَّ الله به علينا من تجربة متواضعة وهي تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول:
عنوان السلسلة التي بلغت الآن حوالي عشرين قصَّة. «القصص المربي للأطفال» (1)، وقد توجَّهنا بها إلى المستوى المدرسي الأول، ونعني به الطفل في المرحلة الابتدائية أو ما بين السادسة والثانية عشرة. وفي هذه السلسلة حاولنا أن «نُؤَسلِم» بعض قصص كتاب كليلة ودمنة حسب تعبير أحد الإخوان.
__________
(1) - أصدرنا سلاسل متعدِّدة للأطفال: «المربِّي للأطفال»، «الأنيس للأطفال»، «الأنيس للفتيان»، «قصص الأطفال من التراث». وهذا ما بين (2000 و 2010م)، ولله الحمد والمنة. (1/25)
صفحة 26
والمهمُّ في هذه التجربة هو الربط الذي توخَّيناه وتعمَّدناه بين هذا النوع من القصص وما جاء من توجيه في القرآن الكريم، فكنَّا نشدُّ انتباه الطفل بالقصَّة المتخيَّلة على لسان الحيوانات، ثُمَّ نربط أحداثها ونتائجها بمدار العقيدة فيها، ونقارب بين ما جاء في القرآن الكريم من أمرٍ بمعروف ونهيٍ عن منكر أو ترسيخ للعقيدة أو تجلية لسلوكٍ، كنَّا نفعل ذلك حتى نقدِّم المجرَّد في قالب مجسَّد، والمعنويَّ في شكل مبنيٍّ ملموس ننزل به إلى مستوى عقل الطفل دون أن نمسَّ مَلكة الخيال فيه ونصدمه بواقع قد لا يسمح له عقله الصغير بتفهُّم الغاية منه.
كنَّا نستغلُّ ما في سلوك هذه الحيوانات من خيرٍ أو من شرٍّ فنرغِّبه في الخير، وننفِّره عن الشرِّ، فالثعلب معروف بالمكر والخديعة، والأسد معروف بالشجاعة والأنفة، والحمامة معروفة بالوداعة الجمال، والحمار بالغباء، والحصان بالإقدام، والكلب بالوفاء، إلى غير ذلك ما هو معروف؛ مُبرزين كلَّ ذلك من خلال حدثٍ ينمو تلقائيًّا إلى لحظة التنوير، أو حلِّ العقدة الفنيَّة، وفق المتطلَّبات الفنيَّة لكتابة القصَّة.
أمَّا القسم الثاني:
أو هو المستوى الثاني، فعنوانه «سلسلة القصص الحق» أو «القصص القرآني للشباب» وهو موجَّه في الأساس إلى الأطفال والشباب في المرحلة الدراسية، المتوسِّطة والثانوية، أو ما بين الثانية عشرة والثامنة عشرة (1).
__________
(1) - ونشكر المطياف القرآني على عنايته بهذا النوع، وبنشره على الإنترنت وترجمته إلى اللغة الإنجليزية. (1/26)
صفحة 27
وفي هذه السلسة التي أنتجنا منها اثنتيْ عشرة قصَّة (1)، تعمَّدنا تتبُّع قصص الأنبياء في القرآن الكريم بدءًا من آدم، وأرفقنا هذه التجربة بشريط سمعي يمكن في المستقبل توزيعه مع الكتاب، وقد بدأنا هذه التجربة مع مؤسسة عُمانية.
وقد توخَّينا في تقديم القصص القرآني للشباب أن تكون بأسلوب مبسَّط، راعينا فيه العناصر الفنيَّة للقصَّة كلِّها، وهي: الحدث، والسرد، والبناء، والشخصيات، والفكرة أو الموضوع.
على أنَّنا كنَّا نركِّز دومًا ـ سواءً أكان ذلك في المستوى الأول أم الثاني ـ على الأهداف التي من أجلها اخترنا هذا النوع من الكتابة للأطفال، ألا وهي:
1 - ترسيخ العقيدة الإسلامية.
2 - تشكيل الوجدان المسلم.
3 - طبع السلوك بطبع إسلامي أصيل.
4 - بعث مشاعر الوحدة بين المسلمين.
5 - إثراء الحصيلة اللغوية والخبرات الثقافية لدى الطفل أو الشاب.
وبعد:
اسمحوا لي أيُّها السادة أن أختم هذا العرض الموجز بما جاء به أحد الرواد المسلمين في كتابة القصَّة الإسلامية للطفل وهو الأستاذ الدكتور نجيب الكيلاني حيث يقول: «أليس من اللافت للنظر اليوم أن يأتي علماء التربية والنفس بعد قرون طوال من نزول القرآن ليؤكِّدوا هذه الحقائق التالية ألا وهي:
أولاً: القصَّة ذات أثرٍ بالغ في التنشئة والتربية.
ثانيًا: القصَّة الناجحة تزوِّد الطفل بمختلف الخبرات الثقافية والوجدانية والنفسية والسلوكية.
ثالثا: القصَّة تفتح الآفاق أمام الطفل، وتُثري خياله، وتُنمِّي مهاراته وإبداعاته، وتمدُّه بطاقة روحية ونفسية وفكرية كبيرة.
رابعًا: قصة الطفل يجب أن تكون واضحة، منطقية، سلسة، بعيدة عن التشتت، خالية من تراكم العُقد، مفهومة اللفظ والمعنى والسياق.
__________
(1) - كان ذلك سنة 1999 حين ألقيت هذه المحاضرة، أما الآن فصار العدد (35) ولله الحمد والمنة. وقد تكفل ابننا (أبو اليقظان ناصر) بطبع هذه السلسلة بدار (الريام)، ثم (بدار ناصر)، الجزائر. (1/27)
صفحة 28
خامسًا: أن تكون واضحة الهدف.
سادسًا: أن تخلو ممَّا يبعث الخوف والشك واليأس والتردُّد في نفوس الأطفال.
سابعًا: أن تميل بالطفل إلى جانب الخير والفضيلة، والثقة، والإيمان، وأن تؤكِّد على انتصار الخير على الشرِّ، والإيمان على الكفر، والأمل على اليأس.
ثامنًا: أن يستخلص منها الطفل – شعوريًا أو لاشعوريًّا – قيمةً أو فكرة تنفعه في حياته، ويثبت في نفسه الآداب الأخلاقية المنبثقة عن دينه وعقيدته (1).
نسأل الله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرَّة أعين، إنَّه سميعٌ مجيب. والسلام عليكم.
القرارة في: 15/ 07/1999
} - - {
لماذا تستهدف لغة القرآن؟
مدخل إلى الموضوع:
أود قبل الدخول في هذا الموضوع الشائك أن أطرح بعض العناصر المتعلقة بالمنهج الفكري الذي تتبَّعتُه وآمنت به في تحليل هذا الموضوع، مما أصبح عندي منطلقات أكاد أقول إنها مسلَّمات وهي:
1. ما من قضيَّة تُطرح للبحث والنقاش في عالمنا الإسلامي إلاَّ وهي مندرجة في الثوابت أو المتغيرات؛ الثوابت التي هي من الدين الذي فصل الله فيه الحكم والاحكام، والمتغيرات التي هي من المستجدات التي تخضع لما يؤثر فيها من عوامل التعايش مع غيرنا، وهذا يبقي مجال الاجتهاد فيها مفتوحا إلاَّ أن تصطدم بنصٍّ قطعيٍّ مما هو معروف، ولا أعتقد أنَّ مؤمنا يعتقد بقدسية لغة القرآن أنها من المتغيرات.
__________
(1) - نجيب الكيلاني: أدب الأطفال، ص54. (1/28)
صفحة 29
2. فلسفة الفكر الإسلامي تدعو المؤمن عندما تواجهه أية قضية أن يسأل عن أهدافها وغاياتها، أي ينبغي له أن يطرح دوما أسئلة تبدأ هكذا: لماذا هذه القضية؟ فإن الطرح على هذه الصيغة الاستفهامية على النفس من شأنه أن يساعد على اكتشاف الأبعاد والأهداف، وبالتالي يعمِّق النظر إلى القضية من جميع جوانبها، وهذا الطرح يعاكس الطرح العلماني المتأثر بالفكر الغربي الذي يسأل عن الشيء كيف هو وكيف يتحقَّق؟ ولا ينظر بعد ذلك إلى غاياته. وهذا الفارق بين الطرحين يوضح الفكر الإسلامي الذي يبحث في المآل والمصير ژچ ... چ ... چ چ ?ژ (الشورى: 53) والفكر العلماني الذي تهمه المنفعة المادية الآنية المستعجلة ژ? ? ? ? ? ? ? ? ... S S ... ژ. (الروم: 7)
3. المؤمن الصادق مرجعيَّته في كل أموره الدنيوية والأخروية كتاب الله وسنَّة رسوله الكريم «تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وسنتي» (1). وهذا المنهج هو الذي تبيِّنه الآية الكريمة: ژ چ چ چ چ ?? ? ? ? ? ? ? ?? ژ (الأنعام: 153)، والنظرية العلمية تؤيِّد هذا الطرح بأنَّ الخطَّ المستقيم أقرب مسافة بين نقطتين.
__________
(1) - رواه الربيع بن حبيب في مسنده بلفظ قريب، باب في العلم وطلبه وفضله، رقم الحديث 30: (أَبُو عُبَيْدَةَ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:} خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَمَا لَمْ تَجِدُوهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفِي سُنَّتِي، فَمَا لَمْ تَجِدُوهُ فِي سُنَّتِي، فَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ»). (1/29)
صفحة 30
والعلماني عند تخلِّيه عن المنهج الرباني الواضح المستقيم يلجأ لا محالة إلى اتِّباع السبل فيزيغ ويَضلُّ ويُضِلُّ، ووضعه مصلحته الذاتية المنفعية الدنيوية في الاعتبار تنأى به عن محاسبة النفس وعدم البغي على الآخر، فنجده يسعى إلى تحقيق مبتغاه على رقاب الآخرين دون وازع من ضميرٍ ولا خلق لأنَّ الدين ليس موجودًا عندئذ.
4. الموقف الديني ثابتٌ لا يتغيَّر، أصيل لا يتحوَّل ولا يتبدَّل، لأنه يستمد أصالته وديمومته وثباته من خالقه المتفرِّد بالكمالات الربانية كلها.
أمَّا الموقف السياسيُّ فهو يتميَّز دومًا بالتقلُّب، والازدواجية، والتضاد، والتناقض والنفاق، لأنَّه يستمدُّ موقفه ذاك من بشريَّته المتميِّزة بالعجز ژ? S S ژ، والجهل ژ ? ? ? ? ? ?ژ، والانسياق وراء الهوى والشيطان ژ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ... ?ژ. (الحج: 62).
لذا فلا حلَّ إن كنا منصفين إلاَّ أن نُخضع المتغيِّر للثابت، أي إخضاع السياسيِّ للديني، وهذه الرؤية الشموليَّة هي الرؤية الإسلامية الحقيقيَّة التي جاء بها القرآن، وعلينا اعتمادها بصفتنا نؤمن بالقرآن.
5. إنَّ اللغة العربية لغة دينٍ قائم على أصلٍ خالد هو القرآن الكريم ژگ گ گ ? ? ? ? ... ? ... ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ... ? ژ (الشعراء: 192 - 195).
وقد أجمع الأوَّلون والآخرون الذين آمنوا به والذين استكبروا على إعجازه بفصاحته، على أنَّ فصاحة القرآن يجب أن تبقى مفهومة ولا يدنوَ الفهمُ منها إلاَّ بالتأمل في لغته بالاحتذاء وفهم وإحكام أسرارها ودقائقها، وفنون بلاغتها، والحرص على سلامة الذوق فيها.
كلُّ هذا مما يجعل الترخُّص في تعلُّمها والوقوف على أسرارها وفقهها ضربًا من الفساد والجهل، فكيف بتجاوزها واختيار لغة أخرى أجنبية بديلا عنها. (1/30)
صفحة 31
6. إنَّ ما يُحاك اليوم ضدَّ لغة القرآن الكريم إن هو إلاَّ سلسلة في حلقات الحملات الصليبية والصهيونية ضدَّ الإسلام بعامَّة، وكتابه الكريم بخاصَّة، على أنَّ طُرق الدسِّ والتشويه تختلف من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، ولكنها لا تختلف أبدا في الهدف الذي ترمي إليه وهو القضاء على الإسلام والتشكيك في حضارته وقدرته على البقاء والتواصل.
7. من هنا بات واجبًا على كلِّ مسلم غيور أن يطرح على نفسه هذا السؤال: ما هو أعزُّ شيءٍ لديَّ؟ ويكون الجواب ولا شك: عقيدتي الإسلامية.
ولو سألنا أنفسنا: أين تتمثَّل هذه العقيدة الإسلامية، ـ أو بتعبير أكثر مادية وإحساسًا ـ ما هو الوعاء الذي يحمل هذه العقيدة؟ لكان الجواب ولا شك هو القرآن «كلام الله» والسنَّة النبوية الشريفة.
ولو سألنا: وكيف نفهم مضامين هذا الوعاء العقدي لنجسِّده في حياتنا لأخرانا؟ لكان الجواب قطعا هو: باللغة العربية.
فلو رتَّبنا هذه القضيَّة في مقدِّمات ونتائج منطقيَّة لكان الشكل كالتالي:
لا عزَّ بدون عقيدة إسلامية.
ولا عقيدة إسلاميَّة بدون لغةٍ عربيَّة.
النتيجة: إذا لا عزَّ بدون لغةٍ عربيَّة.
الخلاصة: (1/31)
صفحة 32
إنَّ اللغة العربية ـ من حيث هي ناقلةٌ للفكر والتعبير عنه ـ هي لغة مكوِّنة لعقلية أكثر مما هي مكونة لعرق بشكلٍ مُباشر، ولم يكن لها هذه القدسيَّة والمكانة إلاَّ عندما ارتبطت بالعقيدة الإسلامية، وبهذه تنأى عن كلُّ عصبية عرقية، وكل انتماء قبلي «ليست العربية من أحدكم بأم ولا أب فكل من تكلم العربية فهو عربي» (1)، وبهذا تصبح لغة حضارة ودين ينضوي تحتها كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله.
من هم المتآمرون على لغة القرآن، ولماذا؟
__________
(1) - ورد في حديث أبي الحسن السكري، رقم الحديث 32: ( ... عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: جَاءَ قَيْسُ بْنُ مُطَاطِيَّةَ إِلَى حَلْقَةٍ فِيهَا سُلَيْمَانُ وَصُهَيْبٌ الرُّومِيُّ وَبِلالٌ الْحَبَشِيُّ، فَقَالَ: هَذَا الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ قَدْ قَامُوا بِنُصْرَةِ هَذَا الرَّجُلِ، فَمَا بَالُ هَذَا؟ فَقَامَ إِلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَأَخَذَ بِتَلْبِيبِهِ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِمَقَالَتِهِ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، ثُمَّ نُودِيَ أَنَّ الصَّلاةَ جَامِعَةٌ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الرَّبَّ رَبٌّ وَاحِدٌ وَالأَبَ أَبٌ وَاحِدٌ، وَلَيْسَتِ الْعَرَبِيَّةُ بِأَحَدِكُمْ مِنْ أَبٍ وَلا أُمٍّ وَإِنَّمَا هِيَ لِسَانٌ، فَمَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ عَرَبِيٌّ». (1/32)
صفحة 33
الحملات المُغْرِضة ضدَّ القرآن الكريم ليست وليدة العصر الحديث، وإنما هي معروفة في ساحات الفكر الغربي والإسلامي منذ القدم، يمكن القول منذ وجود هذه اللغة العظيمة بعد الرسالة المحمدية، وقد تجسَّدت بداياتها مع الشعوبية التي هي نتاج طبيعيٌّ لدخول العناصر المختلفة في الإسلام، وأدبيات الشعر العباسي بصفة خاصَّة مليئة بمثل هذا الشعر المتعصِّب الذي تخلَّى عن قيم الإسلام ومبادئه، محاولا نشر أفكارٍ عنصريَّة جاهلية.
ومازالت اللغة العربية في كلِّ أمصارها من الشرق والغرب بين مدٍّ وجزر، حتى أصيبت بالركود والجمود في العهود التي سيطرت فيه على العالم الإسلامي عناصر غير عربيَّة كالعهد المملوكي والعثماني مما هو معروف مشهور.
وكانت الحملات تختلف وتتغيَّر وتتبدَّل أساليبَ وأشكالاً حسب المراحل التاريخية والظروف الزمنية التي كتب فيها انحسار المدِّ الإسلاميِّ بعد بلوغه الذروة في الأندلس.
وبرز إلى الميدان عدوٌّ يلبس لبوسًا دينيًّا عدائيًّا سافرًا مع الحملات الصليبيَّة التي اتخذت طابعا همجيًّا، من وسائلها حرقُ التراث وإبادته شرقا وغربا، وتحكي لنا كتب التاريخ عن هذه الحملات العجب العجاب (1).
تلت الحملات الصليبيَّة حملات الاستدمار الغربي وغاراته على العالم الإسلامي الذي بدأ حملته مع حملة نابليون على مصر (سنة 1798). وقد اتخذ طابع السطو العلنيِّ على التراث الإسلامي في الجزائر بتعدُّد جنسيات الناهبين، فرنسيين، وبريطانيين، وإيطاليين، وهولنديين. وما تزال خزائن أوربا تشهد على ما نُهب من خزائن المشرق والمغرب الإسلامي في هذه الفترة (أي فترة الاستدمار الغربي).
__________
(1) - يراجع، محمد صالح ناصر، تراثنا الإسلامي والعصر. مكتبة الضامري، سلطنة عمان، 1995، ص 36. (1/33)
صفحة 34
إلى جانب السطو على التراث وتشويهه حوربت معالم اللغة العربية في الكتاتيب والمدارس، إمَّا بحرمان أبناء هذه اللغة من تعلُّمها بتاتا كما وقع ذلك في الجزائر، وإمَّا بتشويهها وتشويه حضارتها وإظهارها على أنَّها لغة ميِّتة تراثية لا صلة لها بالحياة بإحلال اللغات الأجنبية كاللغة الفرنسية والإنجليزية، والإيطالية مكانها.
وقد قام بهذا الدور المستشرقون والمنصِّرون بطرق عديدة، وظَّفوا لها كل إمكاناتهم الفكرية والماديَّة، وكان من أبرز ما قاموا به في هذه السبيل تسخير طائفة من أبناء العالم العربي والإسلامي ممن درسوا في الجامعات الغربية، ومن أعلامهم نذكر: «لطفي السيد»، و «علي عبد الرازق»، و «سلامة موسى»، و «طه حسين» الذي يعد طالبا نجيبا «لمرجليوت» اليهودي المجري (يراجع كتابه: مستقبل الثقافة في مصر) ومن هنا دخل التشكيك في قيمة الأدب العربي وصولا إلى التشكيك في لغة القرآن.
وكان للمنصِّرين بحكم وظيفتهم الدينية وحِسٍّهم الاستدماريٍّ ـ إذ كانوا طلائع له ـ النصيب الأكبر، فعمدوا إلى عدَّة وسائل نذكر منها:
1. تغليب اللهجة المحلية في كلِّ قطر احتلوه لتصبح لغة إقليمية، كما فعلوا تماما مع اللغة اللاتينية حين أوردوها المتحف وأقاموا من لهجاتهم لغات «الفرنسية، الإيطالية، الإسبانية ... ».
2. تطبيق التجربة في تركيا «دولة الخلافة الإسلامية» مع «كمال أتاتورك» (اليهودي) ووصوله إلى الحكم وقضائه على الخلافة الإسلامية ورموز الإسلام، وعلى رأسها اللغة العربية، وبذلك ظلَّت تركيا مُذَبْذَبَة ما بين شرق وغرب إلى يوم الناس هذا، فلا هي مع المسلمين ولا هي مع المسيحيين الأوروبيين.
3. تشجيع اللهجات المحلِّية بدراستها ومدارستها ووضعها في الصفِّ الأول من مهام الدول المستعمرة لضرب الوحدة الوطنية في الصميم. (1/34)
صفحة 35
4. الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة ورفع شعار الدين لله والوطن للجميع، مما أدَّى إلى أن تصبح اللغة العربية لغة قوميَّة، وعنصرية، وطائفيَّة، لا علاقة لها بالعقيدة الإسلامية المتمثلة في كتاب الله الكريم وسنَّة رسوله العظيم.
5. تحقيق هذه الأهداف بواسطة التعليم في جميع مراحله من الابتدائي إلى الجامعيِّ حتى تنطلي الحيلةُ على المسلمين، وبذلك يحتلون الحصون من داخلها فيخرب المسلمون حصونهم بأيديهم وهذا تجسيدا لمقولة أحد أساطينهم وهو «وليم جيفورد بالكراف»: «متى توارى القرآن عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرَّج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه».
وقد جاء في أحد مؤتمرات التنصير المنعقدة في بداية القرن العشرين ما يلي:
«اتفقت آراء سفراء الدول الكبرى في عاصمة السلطنة العثمانية على أنَّ معاهد التعليم الثانوية التي أسَّسها الأوروبيون كان لها تأثير على حلِّ المسألة الشرقية (الخلافة الإسلامية) يرجح على تأثير العمل المشترك الذي قامت به دول أوروبا كلها» (1).
وهكذا وُزِّعت الأدوار الهدَّامة بين المستشرقين، والمنصرين بإحكام وتخطيط إذ اتجه المنصِّرون إلى الفئات البسيطة كالعامَّة والمرأة، بينما اتَّجه المستشرقون ولا سيما العلماء إلى النُّخب المثقَّفة، وبهذا تشمل الحملة كلَّ الفئات والشرائح الاجتماعية. وبعد انقضاء الاستدمار الاستيطاني وفشله وانهزامه في كلِّ أطراف العالم الإسلامي بفضل جهاد المجاهدين المخلصين مع بداية القرن العشرين، ضعفت الحملات التنصيريَّة إلى حين وأسلمت راية التدمير والمكر إلى طائفة أخرى ما فتئت تؤدِّي دورها العدائيَّ ضدَّ المسلمين من قديم وهي «الصهيونية العالمية».
__________
(1) - يراجع ألفريد لوشاتيليه: الغارة على العالم الإسلامي، لخصها ونقلها إلى اللغة العربية: محب الدين الخطيب ومساعد الباقي. منشورات العصر الحديث. ط2، 1387هـ. (1/35)
صفحة 36
وبحسِّها الماكر اتَّخذت لها وسائلها المتعدِّدة مستفيدة بكلِّ تجارب السابقين لها، ولا سيما الغزو الثقافي والإعلامي. وتجسَّدت خططها في فئة اختارتها بعناية من أبناء الوطن العربي والإسلامي نفسه وهم «العلمانيون» أو «الحداثيون» أو «الليبراليون» وغيرها من الأسماء التي تتجمَّع كلُّها حول غرضٍ واحد وهو محاربة كل ما يَمُتُّ إلى الدين الإسلاميِّ بصِلَة.
ومن هنا ظهر في العالم العربي بعامَّة والعالم الإسلامي بخاصَّة فئة واسعة من أبناء العالميْن تلامذة نجباء من خرِّيجي جامعات الغرب يرفعون شعار الحداثة، فكان من ألدِّ أعدائهم كلُّ ما يمتُّ بصِلَةٍ إلى التراث الحضاريِّ لغةً ودينًا، وجاء مدخلُهم إلى هذه الساحة عن طريق الأدب، بعد دراسةٍ وتخطيطٍ لأنَّ الأدب بحُكم نزعته العاطفيَّة، وعنايته بالمشاعر يكون الوعاء الضَّامن لحمل تلك الأفكار الهدَّامة دون وعيٍ من القرَّاء.
ولذا كان من أهمِّ ما يقصد إليه الحداثيُّون عند ادِّعائهم التجديدَ النيلُّ من كلِّ لغةٍ شعريَّة تستمدُّ من التراث الإسلامي وتصدُر عن الثقافة القرآنية معتبرين هذه الثقافة قيدًا من القيود التي ينبغي الثورة عليها، وتحطيمها وتجاوزها إلى لغة معاصرة متفتِّحة أخرى، لا تخضع للقيود ولا للقواعد ولا للتقاليد ولا للأعراف ولا للدين ولا لأيَّة سلطة مهما تكن هذه السلطة، وإنَّما هي الحرية المطلقة فلا نعجب حينئذ عندما يقول مُنظِّر هذه المدرسة «أدونيس» «الثقافة العربيَّة الإسلامية هي اليوم بفعل هذه البنية المعرفية فائضٌ من كلام تجريديٍّ غيبي يتحرَّك في معزل عن حركيَّة الواقع، وفائضٌ من الأدوات والأشياء يتحرَّك في معزل عن اللغة» (1).
__________
(1) - أدونيس وآخرون، الإسلام والحداثة، نشر مجلة مواقف، بيروت، لبنان، 1989 ص 12. (1/36)
صفحة 37
ومن الواضح الجلي أنَّ هذه الدعوى تقصد من خلال ما تسميه (التفجير اللغوي) إلى تفجير أهمِّ مقوِّم من مقوِّمات الإنسان وهو القرآن الكريم ... بصرف المسلمين عنه، وإشغالهم بلغة مشتَّته متفرِّقة، وهي دعوى ـ كما أوضحنا ـ استشراقيَّة معروفة. فهم يعرفون بحسِّهم اللاديني العبثيِّ أنَّ الهدم ينبغي له أن يبدأ من هذا المقوم الأساس ... وفي هذا ـ كما يصرِّح أدونيس ـ ما يقتضي الخروج عن مفهوم الواحد التجريديِّ الغيبي إلى مفهوم المتعدِّد الواقعي الملموس، دون هذا الخروج سيظلُّ سائدًا القول بوحدة الأمة، القائمة على وحدة النص، القائمة على وحدة الحقيقة، القائمة على وحدة السلطة، ومثل هذه الوحدة إلغاءٌ للمعرفة وللإنسان في آن (1).
وهكذا يتجلَّى لنا هذا السُّمُّ المُعدُّ بإحكام ودقَّة في معامل تطوَّرت عبر القرون من جاهلية ويهوديَّة، ونصرانيَّة، وإلحادية، وعلمانية، وحداثيَّة. وهدفها جميعًا القضاء على شيءٍ واحد يقال له «لغة القرآن».
دورنا الحضاري، وواجبنا نحو لغة القرآن
كلُّ متتبِّع لتاريخ الحركة الإصلاحية بوادي ميزاب، بداية من الشيخ القطب اطفيش يدرك أنَّ هذه الحركة إنَّما قامت على مقوِّمَين أساسييَّن هما الدين الإسلاميُّ واللغة العربية، والواقع أنَّ هذا الاهتمام ليس وليد اجتهاد من هؤلاء المشايخ الأجلاء بحكم ظروف زمنيَّة معيَّنة وإنَّما هو امتدادٌ لعقيدة رسخت في معتقداتهم من أجدادهم «الشراة» الأوائل الذين كانت ثقافة القرآن أساسًا قويًّا في ثقافتهم الحضارية في جميع مجالات حياتهم.
__________
(1) - لتفاصيل أكثر، يراجع كتابنا، حداثة أم ردة (سلطنة عمان) 1993 ص 33 وما بعدها. (1/37)
صفحة 38
« ... إنهم يصدرون في كلِّ أفعالهم عن عقيدة إسلاميَّة، صافية من الشوائب، خالية من الفلسفات والتأويلات والتعقيدات، فكر واضح، وعقيدة ظاهرة تفجِّر ألسنتهم دونما عناءٍ أو تكلُّف، وكأنما يصدرون عن مثل هذه العقيدة، فهم يعبِّرون عن ذلك بمثل الصفاء والصدق السابقي الذكر، وبلغة علقت فيها عبارات القرآن الكريم والحديث الشريف وتمثلت فيها روح الإسلام وصفاؤه ونقاؤه، وسبب ذلك كله أنَّ القرآن أكبر مصدر لثقافتهم إن لم نقل هو مصدرها الوحيد، فهم حفظة القرآن والمتَّصلون به، ليس لديهم كتُبٌ أخرى، ولا ثقافات متنوِّعة تلوِّن شِعرهم، فهم مدينون له بدينهم أوَّلا وبلغتهم وشعرهم ثانيا ... » (1)
ومن هنا ارتبطت نهضتهم الإصلاحية مع بداية القرن العشرين بنهضة أساسها نشر تعاليم الإسلام واللغة العربية، فكانوا الرواد في الجزائر إلى اتخاذ مؤسسات تعليمية غرضها نشر لغة القرآن وثقافة القرآن. فلم تقتصر نهضتهم على ما أسسوه من كتاتيب ومدارس في الجزائر، بل تجاوزت حدود بلدانهم في صحراء الجزائر إلى الشمال وإلى تونس وإلى مصر، فكانت أول مدرسة نظامية على الطراز الحديث من تخطيطهم وتمويلهم وتنفيذهم و هي مدرسة تبسة النظامية التي أنشؤوا من أجلها (الجمعية الصديقية لإحياء اللغة العربية) التي تأسست بمدينة تبسة في 12 يوليو 1913 م. أكبر شاهد على بلائهم الحسن في هذه السبيل.
وشملت هذه النهضة كل الوسائل التي تخدم اللغة العربية وتهدف إلى نشرها وتعليمها من مدارس ومعاهد، وصحافة عربية، ومطابع، وبعثات تعليميَّة وغير ذلك مما هو معروف مشهور في تاريخ هذه الحركة.
__________
(1) - أحمد سليمان معروف، قراءة جديدة في مواقف الخوارج وفكرهم وأدبهم ص 315. ويراجع أيضا، إحسان عباس، شعر الخوارج، ص 13. (1/38)
صفحة 39
ومن المشايخ الذين واجهوا الاستدمار الفرنسي في هذه الواجهة ـ واجهة الدفاع عن اللغة العربية ونصرتها ـ الشيخ أبو إسحاق ابراهيم اطفيَّش في تونس ومصر، بمؤلفاته ومجلته الرائدة «المنهاج»، والصحف الثماني للشيخ أبي اليقظان في الجزائر، ورائد الحركة التعليميَّة الناهضة الشيخ بيُّوض بمدارسه المتعدِّدة في كلِّ أنحاء القطر الجزائري، وما صحب ذلك من أنشطة ثقافية ورياضية وأدبيَّة اكتسحت الحياة اليوميَّة في وادي ميزاب طيلة نصف قرن من الزمن. وبما أنَّ الشيخ أبا اليقظان كان الناطق الرسمي عن هذه الحركة في صحافته، رأينا أن نستشهد ببعض مواقفه لندرك الإرادة القوية لهؤلاء المشايخ من جهة، وتعسف وظلم الإدارة الاستدمارية من جهة أخرى، ولندرك أيضًا أنَّ الرسالة التي أوصلوها إلينا تبقى أمانة بأعناقنا نحن أبناءهم لنبلغها إلى أبنائنا، ويمكن اعتبار جرائد الشيخ أبي اليقظان الصادرة ما بين (1926 - 1939) وثائق مهمَّة لمن يرغب في تتبُّع تطورات هذه القضية في تاريخ الجزائر. (1/39)
صفحة 40
ومنذ البداية نلحظ كيف كان في مقالاته ينبِّه إلى الخطر الزاحف نحو لغة القرآن من جرَّاء تلك السياسة الظالمة ومن جنودها التعليم الفرنسي، وقد جمع تلك المخاطر في مقال له مشهور تحت عنوان «أمات الرجال أم رفع القرآن؟» كان السبب - لحرارة لهجته - في مصادرة جريدة «وادي ميزاب» وإيقافها؛ ففي هذا المقال المطوَّل راح يكشف عن النتائج الخطيرة التي بدأت تظهر للعيان، وتُسمع بالآذان من هذه الفئة المتعلِّمة تعلُّما فرنسيًّا محضًا متأثرة بهذه الشُّبه التي تنفث في روعها الزيغ والإلحاد، وبهذه الأفكار التي تُنشِئُهم على أخلاق منحلَّة وسلوك منحرف، حتى باتت هذه الألسنة الأوروبية في الأفواه الإسلاميَّة أشدَّ خطرًا على المسلمين من الأوروبيين أنفسهم ... ثم يقول « ... تلك نتيجة طبيعية لتعليم برنامج مؤسَّس على قلب وضعية الإسلام رأسًا على عقب، وهل ينتج غير هذا تعليم لا ذكر للغة العربية فيه، ولا تاريخ الإسلام وجغرافية بلاد الإسلام إلاَّ عَرَضَا؟ وهل ينتج غير ذلك تعليم قوامه إعلاء مجد أوروبا وإحياء عظمتها ونشر لغتها، وإتقان آدابها؟» (1).
وما فتئ أبو اليقظان يحذِّر من كل الإجراءات الاستدمارية التي ترمي إلى القضاء على اللغة العربية اعتبارًا مما يقع من أعدائها ضدَّها في بقية العالم الإسلامي كما يحدث في تركيا من طرف الكماليين، وفي الجزائر وتونس والمغرب من دعاة الأمازيغية، أو ما كان يطلق عليه آنئذ «الظهير البربري».
__________
(1) - جريدة وادي ميزاب، ع، 119 (01/ 02/1929). (1/40)
صفحة 41
« ... تلك الزوابع والعواصف التي تهدِّد كيان الإسلام في العالم، وإذا رأيتموها يا قوم بعيدةً عنكم، إنَّها في الواقع قريبة منكم، فإذا لم تدرككم الليلة فستصبح لديكم بلا شكٍّ، فإذا أردتم الخير لأنفسكم ولدينكم وبلادكم فخذوا حيطتكم، وتدبَّروا أمركم، وإلاَّ فاستعدوا للهلاك والموت والفناء ... » (1).
والمؤمن بنور الله يُبصر فما حذَّر منه أبو اليقظان في سنة 1927 وقع في سنة 1938، أي بعد عشر سنوات في حوادث أخذت تتصاعد مستحكمة الحلقات ضدَّ اللغة العربية من طرف الإدارة الاستدمارية، ومن ذلك: القانون الجائر الذي صدر في 8 مارس والذي يحرم ويجرِّم كلَّ من يتجرَّأ على فتح مدرسة للغة العربية بدون رخصة رسميَّة من السلطات الاستدمارية المحلِّية، ويعتبر من يفعل ذلك كحامل مسدَّس بدون رخصة سواءً بسواء.
وتطبيقا لهذا القانون أُغلِقت «دار الحديث» بتلمسان وهي تابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وتنديدا بهذا الحادث الأليم كتب الشيخ أبو اليقظان مقاله الشهير: «أحقيقة وقعت الواقعة؟ حادث فظيع يهتزُّ له القطر الجزائريُّ من أقصاه إلى أقصاه» (2).
ومما جاء في هذا المقال التاريخي ما يلي: « ... وأنه عملٌ يدلُّ على طغيان القوَّة، وذوبان المعاني الإنسانية ... الدافع الحقيقي لارتكاب هذه الجريمة أوضح من أن ينطلي على الجزائريين؛ إنَّ الهدف منه هو توجيه ضربة إلى مقام الرسول الكريم في دار حديثه، وإنَّ هذا الحادث إنَّما هو أول حلقة من سلسلة، وأوَّل شظية من انفجارات، فمن السهل جدا في عُرف السياسة أن تخلق لكلِّ ما تريد جميع ما تريد ... » (3).
فتوى الشيخ بيُّوض في هذا الموضوع
__________
(1) - المصدر السابق. ويراجع اللغة العربية غريبة في دارها، مقال مطول. وادي ميزاب ع، 55 (03/ 11/1927).
(2) - الأمة، ع 153 (01/ 02/1938).
(3) - المصدر نفسه. (1/41)
صفحة 42
وكان رائد النهضة الإصلاحية الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض يضع مقام اللغة العربية في برنامجه الإصلاحيِّ في المقام الأوَّل، متمثلا في حفظ القرآن الكريم، وحثِّ التلامذة والطلاب على العناية به حفظًا، وفهمًا، وتدبُّرًا، واعتناءً بكلِّ العلوم التي تخدم لغة القرآن لغوية وأدبية وشرعية، وبذلك تخرَّج على يديه فطاحل الأدب في وادي ميزاب في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، وكانت ثقافته هو بالذات لا تخرج عن هذا الإطار، وقد تجلَّى ذلك بصفة تبعث على التقدير والإعجاب في المنهج الذي سلكه في تفسيره لكتاب الله وسنَّة رسوله طيلة خمسين سنة أو تزيد.
وفي تفسيره للقرآن نجده يقف وقفاتٍ مطوَّلة مع بدائع القرآن اللغوية والبلاغية بقصد تنشئة تلامذته وطلاَّبه وإخوانه على هذا النهج الذي اختاره عن بصيرة وتخطيط.
وبما أنَّ المقام لا يسمح لنا بإيراد الأمثلة نكتفي بهذا النموذج الذي نقتبسه من تفسيره لسورة طه تعليقا على قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (طه: 113):
« ... ولما كان هذا الكتابُ بهذا المقام ناسخًا لما قبله، وغير قابل للنسخ يتعبَّد به الإنس والجن أجمعون حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فإنَّه لا يوجد شيء أشرف ولا أعظم ولا أجمل منه، والقالب الذي أفرغه الله فيه هو لسان العرب الفصحاء الأقحاح الذي تشرَّف بنزول هذا الكتاب به، فليس الكتاب هو الذي شَرُفَ باللسان، وإنَّما اللسانُ هو الذي شَرُفَ بالكتاب ... وعندما اختار الله هذه اللغة وجعلها لغة كتابه، واختار هذا اللسان وجعله لسان دينه ونبيه، علمنا أنَّه أشرف الألسنة على الإطلاق مهما بالغ الناس في محاولة إظهار إعجاز بعض اللغات وبيانها شعرًا ونثرا ... ». (1/42)
صفحة 43
ثم يأتي الحكم وكأنه فتوى يريد إيصالها إلى المتلقين عنه من إخوانه وأبنائه الذين قد يغترُّ بعضهم بدعاوى الجاهلية إلى لغات أو لهجات محلية: « ... فإنه لا يجوز للمسلم أن يعتقد أنَّ هناك لسانًا أشرف من هذا اللسان، فما كان الله ليختار لدينه الخالد الكامل الذي ارتضاه لعباده إلاَّ أشرف لغةٍ عنده، فمن ذا الذي يستسيغ لنفسه القول هناك شيء خير مما اختاره الله وأفضل، هذا لن يكون أبدا» (1).
} - - {
التربية الاجتماعية من منظور قرآني (2)
أودُّ إخوة الإيمان، قبل أن أعرض عناصر الموضوع أن أوضح ما يلي:
أولا: إنَّ الذي أقصد من المنهاج أو المنهج هو الطريقة، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ںںژ (المائدة: 48)، ولا أعني إطلاقا ما صار متعارفًا عليه في المؤسَّسات التعليمية والتربوية من مقررات ومواد.
ثانيا: عندما نتساءل عن المنهاج التربوي هل هو قرآني أم غير ذلك، فإنما نعني: هل هو يستقي أسلوبه وطريقته ووسائله من القرآن الكريم، أم هو يستقيها من مصادر أخرى. فإنَّ سلامة المجتمع الإسلامي تكمن ـ ولا شك ـ في قربه من كتاب الله أو بعده عنه.
ثالثا: إنَّ الآراء التي أطرحها على حضراتكم ليست بحثا أكاديميا يعتمد على الوثائق، وإنما هي خواطر انطباعية تأمُّلية مستقاة من واقع اجتماعي معيش، قد نتفق حولها وقد نختلف، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ، وحسبي هنا أن أثير اهتمامكم حول هذا الموضوع الذي يمسُّ كل واحد منا من قريب أو من بعيد لأنَّ الإشكالات المطروحة هنا نابعة منا، صادرة عنا، وحلولها تتعلَّق بنا أفرادا وجماعات، هيئات ومؤسسات.
__________
(1) - في رحاب القرآن، الجزء 3، ص 390.
(2) - ألقيت هذه المحاضرة بمدرسة الحياة بمناسبة عرس أخينا «الشيخ بالحاج بن عدون شريفي» لابنه «محمد» ومن معه، وذلك في (05 جمادى الأولى 1424هـ/ 04 جويلية 2003). (1/43)
صفحة 44
إنَّ المجتمع الإسلاميَّ كما شبَّهه الرسول ح سفينة واحدة، ركَّابها هم المسلمون جميعًا، لا يحقُّ لأيِّ راكب أن يُحدث فيه ثقبًا، بدعوى أنَّه يفعل ذلك في بقعته، لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى غرق الجميع، أو هم كما قال الداعية الإسلامي الكبير «محب الدين الخطيب»: «كالجنود في القلعة الواحدة، وكلُّ جندي حريص على أن لا يُؤتى الإسلام من قِبَلِه، لأنَّ الثغرة الصغرى تؤدِّي إلى سقوط القلعة كلها».
ودون إطالة فإني سأعرض الموضوع في محاور هي:
1. الأتقى هو الأكرم.
2. الإصلاح يبدأ بالنفس.
3. القدوةُ الحسنةُ تضمن الإقناع.
4. الحوارُ والشورى ضرورةٌ تربوية.
5. الأمُّ مدرسة.
أولا: الأتقى هو الأكرم:
يقول الله سبحانه وتعالى: ژ ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ?? ? ? ? ? ?? ? ژ ژ (الحجرات:13). تحدِّد هذه الآية الكريمة ميزان التعامل الرباني الذي كان من أقوى عوامل انتصار المسلمين في فتوحاتهم الحضاريَّة مشرقًا ومغربًا، يشهد بذلك لهم العدوُّ والصديق، ويوم تخلَّوا عن هذا المبدأ الربَّاني إلى مبدأ دنيوي نفعيٍّ سرى فيهم الوهن، ودبَّت الفرقة، فأصبحوا دويلاتٍ وطوائفَ بعد أن كانوا امبراطوريَّةً عُظمى. (1/44)
صفحة 45
ونظرة عجلى على التاريخ الإسلامي توضِّح تلك المرحلة الانتقالية الخطرة، ما بين دولة الخلفاء الراشدين، ودولة الخلافة الأمويَّة، حيث تحوَّل الحكم من إمامة راشدة، إلى ملك دنيوي عضود، وتفرقت الحكومة من صحابة يتفاضلون بالتقوى، إلى أصحاب يتنافسون بالقربى، فاستُبدِلت المصالح بالمبادئ، وأوثرت المنافع الدنيويَّة على القيم الروحية. ولقد تنبأ الرسول الكريم ح بهذا المصير المؤلم الذي سيؤول إليه أمر أمَّته، ولذلك حذر منه بقوله: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَال قائلٌ: أَوَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُم المهَابَةَ مِنْكُمْ، ولَيَقْذِفَنَّ اللهُ في قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ، فقَال قائلٌ: يَا رَسُول الله: وَمَا الوَهَنُ؟ فقَالَ: حُبَّ الدُّنيَا وَكَرَاهِيَةُ الموتِ» (1).
فلو نظرنا في منهجنا التربوي من خلال هذا المبدأ القرآني، وعرضنا عليه مجتمعنا اليوم، لوجدناه يبتعد شيئًا فشيئًا عن مبدأ: ژ ? ? ? ? ?? ژ إلى مبدأ: «قد ما عندك قد ما تسوى»، وفي هذا انزلاق ـ شئنا أم أبينا ـ إلى حمأة المنفعة والأنانية والمصلحة، وهي مظاهر أخذت تتعشَّش في مجتمعنا، وأصبحت تلك الاعتباراتُ مقياسًا للتفاضل عند أغلب الناس، ولاسيما فئة الشباب المنبهرين بزينة الحياة الدنيا ومتاعها، فأصبح المظهر عندهم هو الحكمُ والجوهرُ، ينظرون إلى الحياة من خلف مقود سيارة فخمة، أو يطلون عليها من شرفة «فيلَّلا» ضخمة، أو يتطلعون إليها من خلال كرسيٍّ دوَّار، ومكتب فخم، وحساب بنكي بالأورو والدولار.
__________
(1) - رواه أبو داوود في كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على الإسلام، رقم 4297. (1/45)
صفحة 46
لقد أكَّدت كارثة الزلزال (الذي أصاب شمال الجزائر في ماي 2003م)، هشاشة هذه النظرية التي تداعت منهارة في ثوانٍ أمام قوة الله التي لا تُقهر ولا تدانى، فرُبَّ صاحب ملايير أصبح في ثوان معدودات أفقر فقير، ورُبَّ ذي «فيلَّلا» فاخرة وبناية عامرة، أصبح في رمشة عين وهو لا يملك شروى نقير، ورُبَّ صاحب سيارة اشتراها بمئات الملايين، جمعها من حلال أو حرام، وربما استلف واستدان، أصبح في غمضة عين أو غفلة ضمير في خبر كان ... سبحان القادر الذي يُعزِّ من يشاء، ويذل من يشاء، يبسط الرزق لمن يشاء، ويقبضه عمن يشاء، وهو العلي القدير.
فعلينا أن نربِّيَ في أبنائنا هذا الحسَّ الإيمانيَّ الذي لا يتغيَّر ولا يتبدَّل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن نجسِّد أمام أعينهم قيمة الدنيا الفانية، حتى لا يغترُّوا ولا ينبهروا، وأن نوضِّح لهم بأنَّ الله جعل الدنيا مطيَّة للآخرة، وأنَّ قيمتها عند الله لا تساوي جناح بعوضة، ولو أحبَّها الله لأعطاها لخير خلقه محمد ح الذي قال: «مالي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» (1). قال تعالى: ژگ ? ... ? ? ? ? ? ? ?ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھژ (الشورى: 20)، وقال: ژ ? ? ? ? ? پ پ پپ ? ? ? ? ... ?? ? ?ژ (القصص: 60)، وقال: ژ ? ? ... ? ? ? ... ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ژ (القصص: 77).
__________
(1) - أصل الحديث عن عبد الله بن مسعود أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - نام على حصير فقام وقد أثَّر في جنبه، فقلنا، يا رسول الله: لو اتخذنا لك وطاءً، فقال: «مالي وما للدنيا ... » إلخ الحديث. رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، كتاب الزهد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء في أخذ المال بحقه، رقم 2377. (1/46)
صفحة 47
إنَّه ليس أخطر على المجتمع المسلم من الاحتكام إلى المنافع الماديَّة، والمصالح الشخصيَّة، والاعتبارات السياسية، لأنَّها متغيِّرات، والمتغيِّرات لا يُبنى عليها أساس، وليس أوهن لعرى المجتمع من الانفصام من رابطة التقوى إلى رابطة الجنس أو الدم أو الحسَب أو النَّسَب أو اللغة أو القبيلة وما أشبهه من دعاوى الجاهلية ونوازغ الشيطان، إنَّها السُّبُل التي نهانا الله عن اتباعها، لأنَّها ضالَّة مضلَّة، ژ چ چ چ چ ?? ? ? ? ? ? ? ?? ژ ژ s ژ (الأنعام: 153).
ثانيا: الإصلاح يبدأ بالنفس أولا:
يقول الله سبحانه وتعالى: ژ? ? ? ?? ? S SS S ? ? ?ژ (الجاثية:15). هذه الآية الكريمة تلخِّص نظرة القرآن إلى الإنسان، حيث تجده حُرًّا مختارًا، وهب الله له العقل ليميِّز به بين الخير والشر، والرشد والغي، والهدى والضلال. هذه الميزة التي جعلته مناط التكليف، وشرفته بخلافته في الأرض، ودفعته أيضا لتحمُّل الأمانة التي أشفقت السماوات والأرض والجبال منها، فحملها ظلوما جهولا.
ولكنَّ الله عندما ميَّزه بالعقل ترك أمر الإصلاح له، وعلَّقه بنفسه: ژ ? ? ? ? ? ژ (المدثر: 38)، إن خيرًا وإن شرًّا، ژ ? ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ ژ (الزلزلة: 7،8). ومن ثَمَّ فإن هذا المبدأ التربوي العظيم دعوة صريحة، وتربية رشيدة توضِّح للمؤمنين وغير المؤمنين أنَّ هناك منهجًا ربانيا لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، وهو أنَّ أمر إصلاح ما بالأنفس من انحراف يبدأ من الأنفس ذاتها، وصلاح أمرها يتحقَّق من داخلها. على أنَّ هذا المبدأ لا يشمل ـ فيما نزعم ـ الأمور الروحية والنفسية وحدها، بل يمتدُّ ليشمل الحياة العمليَّة للإنسان في كلِّ مجالاتها الحيوية، فعلى الإنسان الذي يرغب في تحسين حاله أن يعتمد على نفسه بعد اعتماده على الله طبعا، ژ ? ? ? ? ?? ? ? ? چ ژ (آل عمران: 159). (1/47)
صفحة 48
وحين نستعرض حال أمَّتنا الإسلامية نجدها بعيدة كلَّ البعد عن تطبيق هذا المبدأ التربوي المهم، بل إنَّنا نجدها في المنظور العام تحاول إصلاح ما بها دوما باستيراد خارجي، فهي أمَّة مستقبلة لا مرسلة، مستوردة لا مصدِّرة، منفعلة لا فاعلة، هي كذلك في كلِّ مجالات حياتها، سياسيًّا واقتصاديًّا، واجتماعيًّا وثقافيًّا. إنه عدم الشعور بالذات أدَّى بها إلى ما آلت إليه من هوان ليس بعده هوان، وكوارث يشيب من هولها الولدان، ومشاهدة الواقع والحال في كلِّ شبر من أقطارها يكفي عن الوصف والتبيان.
على أنَّ المتأمل في الآية الكريمة يدرك بأنَّ المعنى المراد ـ والله أعلم ـ ليس هو النفس بمعناها الفردي، باعتباره يتعلَّق بكلِّ نفس على حدة، وذلك ملمح لطيف نستشفه من قوله: ژ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ?? ژ (الرعد: 11) فلفظة القوم هنا تدلُّ دلالة صريحة على المجموع لا الأفراد، لأنَّ القوم لغة هم جماعة من الناس.
وعلى هذا يكون التعبير: ژ ? ? ? ?? ژ (فصلت: 46) لا يعني الأنفس بمفهومها الضيق، أعني ذات الإنسان وكينونته الجسدية والروحية والنفسية، وما إلى ذلك، بل المعنى يشمل ما يمتُّ إلى النفس الإنسانية بصلة، من كيانات اجتماعية، ودوائر إنسانية، تبدأ من الأسرة، وتنتهي بالأمة، كلها دوائر متداخلة متكاملة.
ومن هنا تأتي المسؤولية العظيمة الملقاة على عاتق كلِّ فردٍ مسلم في إصلاح ذاته، وإصلاح من يمتُّ إليه بصلة، من أقارب وعشيرة. والدليل على ذلك أنَّ الرسالة الإسلامية عندما نزلت على رسولنا الكريم ح أمرته بأن يبدأ بالتبليغ من عشيرته الأقربين: ژ? ? ?ژ (الشعراء: 214) على الرغم من أنه جاء بدين هو خاتم الرسالات السماوية إلى كافة الخلق أجمعين: ژ ک ک گ گ گ ژ (الأنبياء: 107)، ژ ? ? ?? ژ (النساء: 79). (1/48)
صفحة 49
إنه مبدأ تربوي عظيم، بل هو مبدأ حضاريٌّ سليم، لأنَّ بداية كل حضارة إنما تنطلق من الأسرة الصالحة، وتبنى من المواطن الصالح، ومن الأفراد تتكون الجماعات، وبصلاحهم تصلح المؤسسات.
فلو استشعر كلُّ ربِّ أسرة مثل هذه المسؤولية العظيمة لاعتنى بتربية أفراد أسرته، واعتنى بتتبع خطواتهم في كلِّ مجالات حياتهم الدنيوية والأخروية.
لكن أنَّى هذا وأغلبنا يُلقي التبعة في التربية على المدرسة في أحسن الأحوال، وعلى وسائل الإعلام في أسوئها، إنَّنا نعايش هذه الظاهرة المقلقة في دورنا صباح مساء، ونرجع إليها أغلب ما يصيب الشباب والأبناء من انحرافات خلقية، وتسرُّبات مدرسيَّة، وآفات اجتماعية.
والقرآن الكريم يحمل المسؤولية على عاتق كل رب أسرة: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (التحريم: 6).
كما أنَّ العلاقة بين النفس والمحيط متلازمة في الخوف من العذاب، فهي أيضا متلازمة عند رجاء الثواب. وعلينا أن نتأمل قوله تعالى: ژ? ? ? S S S S ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژژ (الرعد 20 – 22).
هكذا يكون الجزاء، فكما يكون الاتصاف بهذه الأخلاق العالية منوطا بالنفس والمحيط، ومشاركة بين أفراد الأسرة كلِّها صبرًا على المكاره، وتحمُّلا لشظف العيش، وإنفاقًا في السرَّاء والضرَّاء رجاء ما عند الله، كذلك أصبح الجزاء الأخروي في جنَّات عدن من نصيبهم جميعا: الآباء والأزواج والذرية، وفي تحية الملائكة لهم: ژ ں ں ? ?? ژ، هكذا بصيغة الجمع، ما يدلُّ دلالة صريحة على أنَّ السبب الذي أوصل إلى هذه الدرجة الرفيعة التي يتمنَّاها كلُّ مؤمن إنما هو الصبر، حيث صبروا أنفسهم على طاعة الله، وصبروا أنفسهم عن معصية الله، وصبروا حين حرموا نعيم الدنيا ابتغاء ما عند الله، وكم حرم طالب علم نفسه وأهله وأبناءه لذَّة أكل وشراب لقاء تحقيق مسألة أو شراء كتاب. (1/49)
صفحة 50
إنَّ الأبناء بقدر ما هم زينة الحياة الدنيا ژ ? ? ? ? ?پ ژ (الكهف: 46)، في الوقت نفسه هم فتنة واختبار وابتلاء ژ ? ں ں ?? ژ (التغابن: 15). وبالتالي قد يكونون سببا للطاعة والمثوبة، وقد يكونون سببًا للمعصية والعقوبة، كما قال الرسول ح: «الأَوْلاَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ» (1).
وهكذا تتبيَّن لنا عظمة مسؤولية الآباء في تربية الأبناء أمام الله قبل أن تكون أمام الناس، فلنحسن رعاية الأبناء برعاية أنفسنا، وتغيير ذواتنا من السيِّء إلى الأحسن، وذلك بتمثُّل المبدأ الثالث: القدوة الحسنة.
ثالثا: القدوة الحسنة:
من المعلوم أنَّ الإسلام بوسائل قرآنية متعدِّدة، يربِّي بالقدوة، ويربي بالموعظة، ويربي بالعقوبة، ويربي بالقصة، ويربي بالعادة، ويربي بالأحداث، غير أنَّ التربية بالقدوة هي أفضل الوسائل جميعًا، وأقربها إلى النجاح، كما يقول المربِّي الإسلامي «محمد قطب».
ذلك أنَّ الاقتفاء والاقتداء طبيعة فطريَّة من الطبائع التي ركَّب الله الإنسان بها، فالطفل منذ الصغر يميل بطبعه إلى تقليد من هم أكبر منه في محيطه وبيئته، وكلَّما كانت شخصية المُقْتَفَى أو المقلَّد قوية كلما كان التأثير في المقتفِي أو المقلِّد أقوى وأظهر.
__________
(1) - رواه ابن ماجه بلفظ: «إن الولد مبخلة مجبنة»، كتاب الأدب، باب بر الوالد والإحسان إلى البنات، رقم 3666. (1/50)
صفحة 51
وبما أنَّ خالق الخلق أعلم بفطر عباده فإنَّه وضع لهم في كتابه هذا المنهج التربوي المهم، منهج التربية بالقدوة الحسنة، والقدوة الحسنة بالنسبة لنا نحن المؤمنين هو الرسول ح، الذي جسَّد الله فيه القرآن الكريم، ليكون نموذجًا عمليًّا صادقا للمؤمنين، حيث قال: ژ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (الأحزاب: 21) وقد كان في مقدوره سبحانه وتعالى الاكتفاء بالوحي المنزَّل طريقة تبليغ، ولكنه لم يكتف به، إقامة للحجَّة علينا، وتبليغا للرسالة لنا، ومن ثم ألزمنا اتباعه والاقتداء به، ژ? ? ? ? ? ? ہ ہہ ژ (الحشر: 7)، ژ ? ? ? ? ? پپژ (النساء: 80).
ولنا أن نتساءل: هل هذا المنهج القرآني مطبَّقٌ في حياتنا، أعمالا وسلوكًا، وأخلاقًا؟ هل نحن حريصون على الالتزام به في تعاملنا مع أبنائنا وطلابنا؟
إنَّ الموعظة في المحيط الأسري والمدرسي والمسجدي لا تقدِّم نتيجتها المرجوَّة ما لم تشفع بالقدوة الحسنة، بل هي لا تفيد إطلاقا إن كان سلوك المربِّي يعاكس أقواله، وتصرُّفاته تدينه وتدين أمثاله، وهل يستقيم الظل والأصل أعوج؟
إذا كان رَبُّ البيتِ بالدُّفِّ ضاربًا ... فشيمةُ أهلِ البيتِ كُلّهم الرَّقصُ (1)
إنَّ الولد الذي يرى والده يكذب لا يمكن أن يتعلم الصدق.
والولد الذي يرى أمَّه تغشُّ أباه وأخاه لا يمكن أن يتعلَّم الأمانة.
والولد الذي يرى أمَّه مستهترة لا يمكن أن يتعلَّم الفضيلة.
والولد الذي يقسو عليه أبوه لا يمكن أن يتعلَّم الرحمة والتعاون.
على أنَّ القدوة الحسنة التي نعنيها هنا لا تقتصر على المحيط الأسري والمدرسي وحدهما، بل ينبغي أن تكون على كلِّ ذي مسؤولية أو صاحب قرار، لأنَّه يغدو بذلك محطَّ الأنظار، وويل لمن أشارت إليه الأصابع ولو بخير.
__________
(1) - ذكره دندشي ولم ينسبه. ينظر: معجم الأبيات الشهيرة، ص 134. وفي رواية:
إذا كان ربُّ البيتِ بالدُّفِّ ضاربًا ... فلا تَلُمِ الصِّبيانَ فيهِ على الرَّقصِ (1/51)
صفحة 52
فرُبَّ إجراءٍ أو قرار تجرَّأ الناس على تخطِّيه وعدم الالتزام به، لأنَّ الثغرة التي ثلمت حائطه إنما بدأت من أعلاه فشانته، ومن هنا يصبح الاستثناء الذي كثيرًا ما يتَّخذه أصحاب القرار لأنفسهم هو الخطأ الفادح الذي يرتكبه أصحاب القرار أنفسهم، حين يقررون ولا يطبقون ما يقررون على ذواتهم أولا، بل ربما اتخذوا مواقف معاكسة لما يقرِّرون، عملا بالعقلية السائدة في مجتمعاتنا بالتمايز في كلِّ شيء، وهذا الذي يفقد ثقة الرعيَّة في الرعاة، لأنَّ الاستثناء هنا لا يُصحِّح القاعدة بل ينسِفُها، وينسف واضعها.
«لا بد للناس من قدوة في مجتمعهم، تطبَعُهُم بطابع الإسلام وتقاليده النظيفة، لكي يحملوا الأمانة لمن يربونهم من الأجيال، ولابد للمجتمع من قدوة في قائدهم أو زعيمهم أو حاكمهم، تتحقَّق في شخصه المبادئ، وينسج على منواله المحكومون» (1).
رابعا: الحوار ضرورة تربوية:
خلق الله الخلق وجعلهم مستوياتٍ متفاوتة في الفهم والتفكير، وأعمارًا متباينة في الميول والرغبات، فمرحلةُ الطفولة غير مرحلة المراهقة، ومرحلةُ المراهقة غير مرحلة الشباب، ومرحلة الشباب غير مرحلة الكهولة، وهذه غير الشيخوخة، وهكذا دواليك. وقد علَّمنا القرآن وأرشدنا إلى الحوار طريقة تربوية مهمَّة، ليبقى الاتصال بين المراحل العُمُرية المختلفة موصولا، وخيط التفاهم بين الفئات المتباينة ممدودًا.
__________
(1) - محمد قطب: التربية الإسلامية، ص 28. (1/52)
صفحة 53
والحوار المطلوب أساسُه احترامُ آراء الآخرين، لأنَّه ليس من الضروريِّ أن يؤدِّيَ الاختلافُ في الرأي إلى مخالفةٍ في الموقف، أو نفرةٍ في التعامل، فإذا كانت نيَّة التفاهم والاحترام متبادلة تقلَّصت مساحة الخلاف ولو كانت شاسعة، وتهيَّأت عند المطارحة نقاط للالتقاء ولو بقيت للافتراق نقاط، إذ ليس من الضروريِّ أن يظلَّ الموقف بين المتخالفين دومًا أبيض وأسود ما دام التعامل يتمُّ على أساس «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب».
والمتتبِّع للآيات القرآنية الكريمة يلحظ كيف يركز القرآن الكريم على استخدام أسلوب الحوار أثناء إخباره عن سير الأمم السابقة مع أنبيائهم ورسلهم؛ فلا نكاد نجد قصَّة واحدة من هذه القصص المليئة بالعبر والأمثال إلاَّ وهي مبنيَّة على أسلوب الحوار، مهما تكن مكانة المحاور متَّسمة بالعناد والإصرار أو التجبُّر والاستكبار، وأصدق دليل على ذلك حوارُ نوح، وهود، وصالح، وشعيب، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ـ عليهم السلام ـ مع أقوامهم. ونظرة تأملية في سورة الشعراء مثلا توضِّح بجلاء هذه التربية الربانية، وتجيب عن السبب الذي أحلَّ هذه السورة في المكانة الثانية في القرآن بعد سورة البقرة في كثرة الآيات، إذ تحتوي على 227 آية، وما ذلك إلاَّ لتبنِّيها أسلوبَ الحوار، فكثر فيها القول بصيغة الماضي والمضارع والأمر، والمبني للمعلوم، والمبني للمجهول، فتجاوزت كلمة «قال» أو «قالوا» وما أشبهها الخمسين مرَّة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: أين نحن من استخدام هذا الأسلوب الربَّاني في مجتمعاتنا ومجالسنا، ولا سيما في تلك المؤسَّسات أو المجالس التي يراعى في قيادتها ومراكز القرار فيها تقدُّم السن والتجربة؟
كم هم أولئك الذين يُشعِرُون أبناءهم بأنهم جديرون بإبداء الرأي ـ مهما يكن الرأي خطيرًا ـ لعرض تجاربهم، ولو كانت بدايات ناقصة فجة. (1/53)
صفحة 54
إنَّ الخطوات المبتدئة في الطريق تكون أحوج ما تكون إلى التوجيه والتسديد، لا إلى التعنيف والتنديد. ينبغي لنا أن نساعد أبناءنا على المشي اعتمادًا على أنفسهم، ولو أدى ذلك إلى عثرات وسقطات، فإنَّ ذلك خيرٌ من أن نعودهم الحمل على عواتقنا فنؤود تحت أثقالهم عندما تتقدَّم في السن أعمارنا وأعمارهم.
أليس الأفضل أن نزرع في نفوس أبنائنا منذ الصغر الاعتماد على النفس في مواجهة مشاكل الحياة. بما يليق بزمانهم وعصرهم، بدل كبت روح المبادرة في أحنائهم؟
ومن أنكر ذلك الحقَّ على الأبناء فعليه أن يتذكَّر يوم كان في مثل سنِّهم يتطلَّع إلى مثل تطلُّعهم ليدرك دون مكابرة أنَّ تلك هي سنَّة الحياة، ژ ? ? ? ? ?ژ (الأحزاب: 62).
إنَّنا عندما ننشئ أبناءنا على الحوار نزرع فيهم خصلتين مهمَّتين هما الاعتماد على النفس والثقة بها، وكلتاهما من عوامل قوَّة الشخصية، فالاعتماد على النفس تنمِّي فيهم روح الإحساس بالرجولة والمسؤولية، والثقة بها تدفع بهم إلى الإبداع والتفوُّق، لأنَّ مواجهة الحياة تبدأ من مواجهة الذات (1).
إنَّ الكثير من الآباء يسيء فهم حديث الرسول ح القائل «أَلاَ وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (2)، بإساءة فهمهم معنى التوقير الذي يراه مرادفًا للتهيُّب، والخجل، والصمت، وعدم إبداء الرأي، أو التحدُّث أمام الكبار، مع أنَّ الرسول ح ربط بين الطرفين ربطا محكما، وأعطى كل ذي حق حقه عندما قال: «لم يرحم صغيرنا»، لأنه يدرك ـ ژ ? ? ? ? ژ (النجم: 3) ـ بأنَّ التوقير لا يكون خوفًا، وإنَّما يكون حُبًّا واحترامًا متبادلين بين الصغير والكبير معًا.
__________
(1) - مثل تجربة طارق سويدان في تربية القادة.
(2) - رواه الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، ج1، رقم: 582، ص: 191. (1/54)
صفحة 55
على أنَّنا حين ننشئ أبناءنا على هذه التربية القرآنية ينقلونها هم بدورهم إلى أبنائهم، لتصبح تقليدًا متَّبعا راسخا في المجتمع المسلم الذي يحتاج إلى الشورى والحوار في كلِّ مجالات الحياة، وبذلك نُزيل شيئًا فشيئًا من مجالسنا أحادية الرأي، وإملاء الصدر، وتوجيه الكبار دون نقاش وإفهام.
وليس أدلَّ على نجاعة الشورى ـ وهي وجهٌ من أوجه الحوار ـ أنْ أمَرَ اللهُ بها جلَّ وعلا خير خلقه ليطبِّقها مع صحابته والوحي ينزل عليه من السماء: ژ S ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? چ ژ (آل عمران: 159).
إنَّ الحوار بين الأجيال هو الذي يقوِّي الخيط النفسيَّ والاجتماعيَّ بين أفراد المجتمع الواحد، ويربط بين الأجيال برباط الاستمرارية والتواصل، وليس العكس.
محكوم على المجتمع الإسلاميِّ أن يستضيء فيه الشباب بحنكة الشيوخ وتجربتهم، ويستفيد الكبار من حماسة الصغار ومبادرتهم، فإنَّ نجاح المجتمع الإسلامي في الاعتدال والروية، والتعاون في ظلِّ التربية القرآنية الشاملة.
خامسا: الأمُّ مدرسة:
إنَّ التربية الحقيقية تبدأ من البيت، لأنَّ الخلية الأولى في جسم الأمَّة تتكون وتترعرع هناك، ومن ثمَّ فقد أولت الشريعة الإسلامية مكانة خاصَّة لمسؤولية البيت في تربية النشء الصالح. وإذا قلنا البيت، فإننا نعني بطبيعة الحال الوالدين بصفة عامَّة، ونعني الأم بصفة أخص، لأنَّ البيت أساسُه الأمُّ الصالحة، فهي بحكم ما خصَّها الله به من أنوثة هي مجموعة من خصائص نفسيَّة وجسميَّة وذهنيَّة مؤهَّلة بفطرتها لهذا الدور الجميل الجليل في آن واحد. (1/55)
صفحة 56
ومهما اجتهد الرجل بذكورته وقوته وعقله فإنه لن يستطيع أداء هذا الدور الذي هو تربية الأبناء، ولا سيما في سنواتهم الأولى. ومن أجل هذه المهمة الخطيرة شرَّف الله الأمهات دون الآباء، فأعطاهنَّ ثلاث أرباع الأجر مقابل ربع واحد للأب، في الحديث الذي سأل فيه الصحابي الرسول ح عمن له الحق من والديه عليه، فقال ما معناه: أمُّك ثلاث مرَّات، وأبوك مرَّة واحدة (1). ذلك لأنَّ الله سبحانه وتعالى عليم بمعاناة الأمَّهات، ودورهن العظيم في نشأة الأسرة الصالحة. وقد دلَّت الدراسات الحديثة، شرقيَّة وغربيَّة على صواب نظرة الإسلام ونجاعتها.
وانطلاقًا من هذه الرؤية نتساءل عن مكانة الأمِّ تربيةً وتكوينًا وإعدادًا في مؤسَّساتنا التربوية، نتساءل عن واقع الأمَّهات ومسؤوليتهن في ظل البيت، وفي محيط الأسرة؟
إنَّ الدراسات الاجتماعية والنفسيَّة تؤكد على أنَّ من أهمِّ الأسباب في انحراف الناشئة، وانزلاقاتهم الأخلاقية تخلِّي الأمهات عن دورهن الحقيقيِّ المنوط بهنَّ داخل البيت.
__________
(1) - روى البخاري في صحيحيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «جاء رجلٌ إلى رسولِ الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فقال: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ». كتاب الأدب، ج5، باب من أحقُّ الناس بحسن الصُّحبة، رقم 5626، ص: 2227. (1/56)
صفحة 57
إنَّ أغلب الأمَّهات تخلَّين عن دورهنَّ الواجب عليهن للتلفزيون، أو التسكُّع خارج المنزل، لأنَّ العلاقات الاجتماعيَّة تفرض عليهن ذلك. إنَّ الأبناء أصبحوا في رحمة الفراغ، أو في زحمة الشارع، أو مسلوبي الإرادة أمام شاشة التلفزة، يدمنون على متابعة المسلسلات والصور المتحركة، أو هم شغوفون بالإبحار في متاهات الكومبيوتر بعضهم يطير في فضاءات مضيئة منيرة، وبعضهم يبحر ژ ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ?? ? ? ں ں ? ? ? ? ... ? ?ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ... ژ ژ ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ?? ? ? ں ں ? ? ? ? ... ? ?ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ژ (النور: 40).
إنَّ المشكلة ليست في الأمِّ المتعلمة وغير المتعلِّمة، بقدر ما هي مشكلة الأمِّ الواعية وغير الواعية، وأم مثقفة تحمل شهادة عليا ولكنها مهملة لا مبالية، وأم أميَّة ولكنها واعية بدورها الأسري والتربوي، لا تكاد تغفل عينها لحظة عمَّا يجري داخل بيتها وحرمها الآمن.
ورحم الله زمنًا كانت الأمَّهات فيه أزواجًا صالحات مؤمنات عابدات قانتات، الواحدة منهن إذا رآها زوجها سرَّته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في ماله وعرضه (1)، لا يحفظن من القرآن سوى السور القصار، ولكنهنَّ يجسِّدن خُلُق القرآن في معاملاتهن، ويُقِمْنَه في بيوتِهِنَّ ومجتمعهِنَّ، همُّهن الوحيد أن يُنشِئْن جيلاً صالحًا مُصلِحًا، يقرُّ العين، ويثلج الصدر، ويرضي الله ورسوله.
__________
(1) - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر - رضي الله عنه -: « ... ألاَ أُخبرُكَ بخَيرِ مَا يَكْنِزُ المرْءُ المرْأَةُ الصَّالِحَةُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ». رواه أبو داود في سننه، عن ابن عباس في كتاب الزكاة، باب في حقوق المال، رقم 1664.ص 1419. (1/57)
صفحة 58
هذه النقطة التي أنهي بها كلمتي، هي نقطة البداية في عملٍ تربوي جَادٍّ، ينبغي لنا العمل الجماعيُّ فيه، فإنَّ الأمَّ في جسد الأمَّة كالقلب، إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه.
كلُّ نبتة هي نبتةٌ مستقلَّة تحتاج إلى العناية حتَّى تترعرع، ويكتمل لها النضوج، وكل ما يحقِّق المجتمع الصالح حيث يوجد الجوُّ المعاون على النماء، الخالي من الأعاصير التي تقتلع النبتة أو تميلها، أو تحطِّم منها الأغصان والفروع.
المنبتُ الطبيعيُّ لكلِّ نبتة طيِّبة هو الأسرة، الأب والأمُّ مجتمعين في عُشٍّ سويٍّ نظيف.
إنَّ الأسرة الفاضلة هي عمادُ المجتمع، وهي وليدتُه في تحقُّق ذاته، على التداخل الذي بينها في الوسائل والأهداف.
ربنا أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزُقنا اجتنابه. ژ? ? ? ... ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ےژ (الفرقان: 74). اللهم انشر علينا رحمتك، وألبسنا عافيتك، وأعِذْنا من النار ومن الشيطان الرجيم، وأدخلنا برحمتك جنة النعيم. آمين، والحمد لله رب العالمين.
«القرآن فكرة محمَّد»
بين المغالطة والدجل (1)
(ردًّا على الرُّصافي)
«الشخصيَّة المحمَّديَّة» كتابٌ ألَّفه الشاعرُ العراقي «معروف الرُّصافي»، من يتأمَّله يتيَّّقن أنَّّ ما جاء فيه من ادِّعاءات وافتراءات على الله تعالى، وعلى القرآن الكريم، وعلى الرسول الأمين، يَتيَقَّن أنَّ نشر الكتاب في هذه الفترة بالذات له أهداف وأيَّة أهداف!! ...
__________
(1) - ينظر، «رحلة الرصافي من المغالطة إلى الإلحاد، دراسة تحليلية نقدية لكتاب الشخصية المحمدية»، نخبة من الأساتذة، دار الأوائل، دمشق، الطبعة الأولى، أيلول 2006. (1/58)
صفحة 59
يأتي كتابنا هذا ردًّا عقليًّا منطقيًّا فلسفيًّا علميًّا، يكاد يكون خاليًا من العواطف والانفعالات وردود الفعل الآنيَّة، التي تزخر بها الردود على كتب تنشر. وقد أقام الرصافي فكرته كلَّها على أساس أنَّ محمدًا عظيمٌ من عظماء البشر، ولكنَّه ليس نبيًّا، ولم يوح إليه من الله، وأنَّ القرآن من اختراعه، وأنَّ الإسلام من بنات أفكاره!!
اشترك في تأليف هذا الكتاب ثلَّة من الأساتذة الدكاترة، كلُّ حسب اختصاصه: دكتوراه فلسفة ومنطق، دكتوراه دوله في العقائد ومقارنة الأديان، وفي اللغة العربية وفي علم الفلك، وفي اللغة والدراسات القرآنية.
تمهيد:
المتأمل في الرؤية التي طرحها كتاب «الشخصية المحمَّديَّة، أو حلُّ اللُّغز المقدَّس»، لمؤلفه الشاعر العراقي المعروف: معروف الرُّصافي، يدرك ـ بما لا مجال للشك فيه ـ أنَّه يردِّد نظريات سبقه إليها بعض المستشرقين، الذين يُكنُّون العداء السَّافر للإسلام والمسلمين، ويُضمرون الكراهية المقيتة لكتابهم المعجز: «القرآن الكريم».
وأحسب أنَّ كثيرا من النظريات التي طرحها المؤلف تتّسِم بالتهافت والسطحية، بما لا يستوجب الردَّ عليها كلَّها، أو حتَّى تضييع الوقت في قراءتها.
ولكي يكون ردُّنا مُتَّسمًا بالموضوعية والنزاهة، فإنَّنا سنقف عند بعض الآراء التي ناقض فيها المؤلِّف أو نحا فيها منحىً غير منهجيٍّ، ولا عقليٍّ، أو انساق فيها وراء موقف مسبق (1).
القرآن فكرة محمَّد:
ولعلَّ من أوضح افتراءاته وتطاوله على الله ـ سبحانه وتعالى ـ ادِّعاؤه بأنَّ القرآن ليس وحيًا كاملاً من عند الله، وإنَّما هو اشتراكٌ بين الله ومحمد ح؛ إذ معناه من الله، ولفظُه من محمد، هذه هي نظريَّته الأساسية والتي حاول أنْ يستشهد لها بآيات من القرآن الكريم، ومن البداية يقول بصراحة جريئة:
__________
(1) - هذا البحث يتناول بالرد الصفحات: 550، 700. (1/59)
صفحة 60
«إنَّ محمَّدًا في خلوته بغار حراء كان يفكِّر في وضع الأساس لدعوته، وما لبث أنْ استقرَّ رأيُه على أن لا يجعل الكلام الذي تقدَّم به الدعوة شعرًا يروى، وينشد، بل يجعله قرآنا يقرأ ويُحفظ» (1).
فمحمّد ح ـ إذن ـ هو الذي فكَّر، وهو الذي خطَّط، وهو الذي اختار أن يكون كلامه كذلك، حسب زعمه.
وهنا ينفي ـ بما لا مجال للشك فيه ـ إرادة الله ووحيه بواسطة جبريل إلى محمَّد، فخالف في ذلك عقيدة المسلمين مخالفة واضحة.
ولكنَّه ما يَلْبَثُ أنْ يقع في التناقض العجيب الذي أصبح سمةً بارزةً في هذا الكتاب، وقد انزلقت رِجلُه منذ البداية، حيث راح يبحث عن اسم للقرآن غير الذي عُرفَ به فيقول:
أسامي القرآن:
إذا أردنا أنْ نأخذ له اسما من ألفاظه ومبانيه قلنا هو: «كتاب قال وقل»؛ لأنَّه ليس في الكتب السماوية، ولا في الكتب الأرضيَّة كتاب تذكر فيه هاتان الكلمتان أكثر من القرآن، لاسيما «قل» (2).
الملاحظ أنَّ المؤلف هنا يعترف ـ من حيث يقصد أو لا يقصد ـ بأنَّ القرآن هو «كتاب قُل». ألا يَدلُّ ذلك دلالة قويَّة على أنَّ الكتاب من وحي الله إلى نبيه وصفيِّه محمَّد ح؟! وإلاَّ، فمن المعنيُّ بالخطاب في كلمة «قل» التي اختارها لتكون اسما للقرآن؟ ثم يعترف ـ في ثنايا حديثه ـ أنَّ هناك كتباً سماويَّة، فلِم يحرِّم على المسلمين أن يكون لهم كتاب سماويٌّ هم الآخرين؟!
ونجد التناقض نفسه في صفحة 554، عندما يتكلَّم عن ظاهرة التكرار في القرآن؛ حيث يقول: «ومن العجيب، الذي ما فوقه عجب، أنَّ القرآن ـ بتأثيره على نفوس قارئيه وسامعيه ـ مَدِينٌ لهذا التكرار، فليس من السَّهل، ولا من المتعارف عند أولي البيان أنْ يُكرِّر كتاب هذا التكرار، فيخرج منه سليمًا غير معيب إلاَّ القرآن، فبالنظر إلى هذا، يجوز أن نسمِّي القرآن كتاب التأثير بالتكرار».
__________
(1) - كتاب الشخصية المحمدية، ص: 551.
(2) - المرجع نفسه، ص: 553. (1/60)
صفحة 61
ألا يدلُّ ما ذهب إليه ـ هنا ـ على أنَّ في القرآن شيئًا ليس في مقدور البشر الذين عبَّر عنهم «أولي البيان»، ومحمَّدٌ بشرٌ رسولٌ؟! فكيف تفرَّد بهذه الخاصيَّة التي ليست في مستطاع البشر إلاَّ أنْ يكون ذلك الإعجاز ربَّانيًّا إلهيًّا لا يستطيعه أحد من البشر، لا محمَّدٌ، ولا غيره، ممّا يهدم نظريتّه السَّالفة الذكر هدمًا، وهو ادِّعاؤه بأنَّ المعنى من الله، واللفظ من الرسول ح؟!
فواصل القرآن:
أفرد المؤلِّف صفحاتٍ كثيرة في كتابه ليدل من خلالها على أنَّ القرآن هو كتاب الفواصل، وأنَّ الأسلوب الذي اعتمده هو أسلوب الفواصل، وأنَّه أخضع المعاني والألفاظ لهذه الخاصيَّة، مما أوقعه ـ حسب زعمه ـ في عيوبٍ كثيرة، يقول في صفحة 554: «أهمُّ ما يدعو إلى الانتباه ويلفت إليه النظر في القرآن هو فواصله ... لأنَّ ذلك هو الطابع الذي يمتاز به أسلوبه ... فالفواصل هي قوام أسلوب القرآن».
« ... وأكثر السُّور القصار على هذا النمط، وقد جاء نحو ذلك في بعض السور الطّوال».
« ... ولا ريب أنَّ هذا ضرٌب من السجع؛ إلاَّ أنَّهم لم يُسمُّوه سجعًا؛ تأدُّبا مع القرآن الذي هو كلام الله، والسجع عندهم من شأن الكهانة».
والمؤلف في تأكيده على أنَّ القرآن في أسلوبه اعتمد ـ أساسا ـ على الفواصل، يبالغ في الاستشهاد بالآيات التي رآها ما هي إلاَّ عناية بهذه الفواصل ليس إلاَّ، وإن كان هذا على حساب المعنى والسياق « ... ذلك أنَّ محمدًا يراعي الفواصل كلَّ المراعاة، ويعتني بها كلَّ الاعتناء؛ لأنَّها ـ كما قلنا ـ هي الطابع الذي يمتاز به أسلوبه ... ، والإنسان إذا عُنِي بأمرٍ فربما شغلته العناية به عن مراعاة غيره من الأمور، التي تلزم مراعاتها أيضا، ولا ينكر أنَّ عنايته بالفواصل قد جاءت بالكثير من المحاسن، ولكنَّها ـ مع ذلك ـ لم تخل ـ أحيانا ـ مما يعاب» (1).
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 551. (1/61)
صفحة 62
إلحاح المؤلِّف على ظاهرة الفواصل في القرآن الكريم ليس القصد منه الانبهارُ بما في أسلوب القرآن من إعجاز بيانيٍّ، أو بلاغيٍّ، بل بالعكس؛ ليظهر ـ حسب اعتقاده ـ أنَّه أسلوبٌ «محمَّديٌّ بشريٌّ»، استمدَّه من البيئة العربية التي عرفت الشعر، واعتنت به. غير أنَّ محمَّدًا ـ حسب زعمه ـ أراد أن يُطوٍّر هذا الأسلوب، وينفرد باتجاهٍ فيه، فلم يتقيَّد بالفواصل تَقيُّد الشعر بالقوافي، بل جعلها مطلقة، غير مقيَّدة.
« ... إنَّ محمدًا قد أطلق الفواصل، وفكَّ عنها القيود التي كانوا يتقيَّدون بها في كلامهم المنظوم والمسجوع، فلم يراع فيها الإعراب، ولا حروف الروي، ولا عيوب التكرار ... فاتسع بذلك لأسلوبه مجال الكلام، فجاء أسلوب القرآن متوسطًا بين النظم والنثر، وبين النثر المرسل والنثر المسجوع، وذلك أسلوبٌ مبتكرٌ، لم تكن العرب تعرفه» (1).
إنَّ المتأمل في نظريات المؤلف ليعجب ـ حقًّا ـ كيف يناقض آخر كلامه أوَّلَه، إنَّه يعترف ـ هنا ـ أنَّ القرآن ليس شعرًا، ولكنَّه يُصرُّ على أنَّه أسلوبٌ بشريٌّ محمديٌّ، وليس أسلوبًا إلهيًّا!!.
ونحن نتساءل مجاراة لنظريته: أيُّ طاقة بشريّة هذه التي تجعل محمَّدًا - وهو الأمي - يأتي بأسلوبٍ مُبْتكرٍ لم تكن العرب تعرفه، وهو يعلم علم اليقين أنَّ العرب هم سادة البيان؟!.
وإنَّ المرء ليعجب لهذه الجرأة الوقحة، والتطاول السافر على أسلوب القرآن، وقد راح يعدد الآيات التي يراها من منظوره على أنَّها معايب أسلوبية، وهفوات تعبيرية، كما جاء في مثل قوله:
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 557. (1/62)
صفحة 63
« ... وها نحن نذكر لك بعض ما وقع فيه في سبيل مراعاة الفواصل من التقديم والتأخير، كقوله: ژ پ پ پ ... ? ژ (سبأ:40) الأصل فيه: (أهؤلاء كانوا يعبدونكم) فقدَّم المعمول على العامل، وقوله ژ? ? ? ? ? ژ (القمر: 41) فقدم المفعول وآخَّر الفاعل مراعاة للفاصلة، وقوله: ژ? ? ?ژ (النجم: 25) فقدَّم ما هو متأخر في الزمان، وقوله: ژ ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ژ (الإسراء: 13) فقدَّم الصفة - التي هي جملة - على الصفة المفردة مراعاة للفاصلة، والأصل فيه: (كتابا منشورا يلقاه) ... ومن ذلك الحذف مراعاة للفاصلة؛ مثل قوله: ژ ? ? ... ? ? ژ (القمر: 16)، وقوله: ژژ s ... s ک کژ (الرعد: 9)». (1)
إنَّ جرأة المؤلف - هنا - تتجلَّى في هذه الصفحات في أوضح صورها وأسمج ادّعاءاتها، فهو - لكي ينال من القرآن ادّعاء بأنَّه أسلوبٌ بشريٌّ محمديٌّ - يُعدِّد ما يحسبه عيبًا أو عنايةً بالفواصل ليس إلا. وإنَّ أبسط متذوّق للبلاغة - وهي ذائقة يملكها أبسط الناس تعلُّمًا وتدبُّرًا للقرآن - يدرك أنَّ ما حسبه عيوبًا ليست كذلك، بل العيوب هي التي ساقها تصحيحًَا لما يحسبه هو الصواب، والقارئ البسيط يدرك البون الشاسع بين أسلوب القرآن المعجز، وبين أسلوب الرصافي الساذج. ولنأخذ لذلك مثلا مقارنين بين الآية الكريمة في قوله تعالى: ژ ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ژ (الإسراء: 13) وبين ادّعائه بأن الأصح والجمل هو أنْ يقول: (ونخرج له يوم القيامة كتابا منشورا يلقاه). أيّ ذائقة ساذجة منحرفة هذه؟!
إنَّ المؤلف حين يعرض للأمثلة الكثيرة - التي يحسبها من منظوره المتعسِّف معايب وأخطاء بلاغيّة - يذهب إلى حد الزّعم بأنَّ القرآن كثيرًا ما يحذف مراعاة للفواصل، وكثيرًا ما قدَّم الضمير على ما يفسِّره (2).
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 560،562.
(2) - تراجع الصفحات: 560 - 564. (1/63)
صفحة 64
وأحسبه - بهذا الموقف - يغالط نفسه، لأنَّ أبسط متذوق للبلاغة العربية يدرك - دون أدنى شك - أنَّ التعبيرَ القرآنيَّ أحلى وأجمل وأبلغ على الصورة التي جاء فيها، لأنَّه يعلم علم اليقين أنَّ العرب كثيرًا ما حذفت عند الوقف، وكثيرًا ما زادت حروفًا عند الانطلاق. فأي عيب في أنْ يقول القرآن: ژ گ گ گ ژ (الأحزاب: 10)؛ بإضافة ألف الإطلاق في آخر كلمة الظنون!! وأي عيب أنْ يقول: ژ ? ? ژ (الأحزاب: 66)، ژ ? ژ (الأحزاب: 67)، ولو كانت الزيادة مراعاة للفاصلة وحسب!! على أنَّ المؤلِّف نفسه ما يلبث أنْ يعترف بأنَّ ذلك وارد في الأسلوب العربي، ولاسيما في الشعر، الذي كثيرا ما جاءت قوافيه مطلقة بزيادة الألف إطلاقا للصوت، كما جاء ذلك في قول المتنبِّي:
فمرَّت غير نافرة عليهم ... تدوس بنا الجماجم والتَّريبا (1) ب
فلماذا يُعدُّ عيبًا في القرآن ما هو معروف ومعمول به في الأسلوب العربي؟!
الفواصل القلقة:
يدّعي المؤلف - في صفحات كثيرة (566 - 569) - على أنَّ في القرآن فواصلَ قلقة غير متمكنة؛ لأنَّها سيقت مراعاةً للفواصل ليس إلا، فكانت تلك العناية بالفواصل على حساب المعنى أحيانًا، وعلى حساب البلاغة أحيانًا أخرى. ويسوق أمثلةً كثيرةً يراها تخدم نظريته، والعجيب في الأمر أنَّه عندما يسوق آراء الذين يخالفونه الرّأي؛ كالزمخشري، والسّيوطي، والباقلاني، يغرقهم بسيل من الألفاظ الشنيعة، ويهزأ بفكرهم وعلمهم هُزْءًا ساخرًا، يقول في صفحة 566: « ... من هذه الأمور التي وقعت في سبيل الفاصلة يظهر لك جليًّا كيف كان محمد يعتني بالفواصل التي لم تكن آيات القرآن آيات إلاّ بها، ومن مزيد اهتمامنا نراه - في بعض الأحيان - يرمي بالفاصلة لمجرد الفصل، من دون أنْ يلتفت إلى ما تقدمها من الكلام، فتأتي الفاصلة قلقة في مكانها غير مستقرة، ولا مطمئنة».
__________
(1) - ديوان المتنبي، شرح العكبري، ج01، ص: 138. (1/64)
صفحة 65
ومن الأمثلة التي استشهد بها - والأمثلة كثيرة - قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? S S ژ (محمد: 31) ويقول - تعليقا على هذه الآية -: «أي نسمع ما يحكى ويُخبَر به، وما يقول الناس عنكم، ولا يخفى أنَّه بعد أنْ يبلوهم، فيعلم المجاهدين منهم والصابرين، لم تبق حاجة إلى سماع أخبارهم، وما يقوله الناس عنهم، ولكن الفاصلة هي التي أتت بالجملة الأخيرة، وهي - كما تراها - قلقة، غير متمكنة في المعنى المراد، على أنَّ الآية كلّها ليست مما يليق أن يقوله علام الغيوب».
لقد بلغ المؤلف - هنا - حدًّا مُسِفًّا في التطاول والادِّعاء، وأبان عن جهل - أو تجاهل - لما تحمله الآية الكريمة من المعاني البلاغية في صياغتها المعجزة: فإنَّ الله - تعالى - لم يكتف باختبار الصحابة بالجهاد بالنفس والمال، وإنَّما اختبرهم في نفوسهم لمعرفة المقدار الذي ستصل إليه في الصبر عند المحن، وهو لا ينظر إلى حالة نفوسهم عند الجهاد وحسب، بل ينظر - أيضا - إلى حالتهم التي يكونون عليها خارج هذا الإطار، في تعاملهم مع الناس، في حياتهم اليومية العادية، وذلك مصداقا لما قاله الرسول الكريم: «رَجَعْنَا مِنَ الجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الجِهَادِ الأَكْبَرِ» (1)؛ تعبيرًا عن الأصعب في الحياة، وهو التعامل مع الناس في حياتهم اليومية، التي هي محك الأخلاق والسلوك، ولم أدر كيف تسنَّى للرصافي أنْ يتطاول في الادعاء إلى حد القول: «إنَّ الآية كلها ليست مما يليق أنْ يقوله علام الغيوب». لعلَّه يقصد من هذا القول التأكيد لنظريته القائلة إنَّ القرآن إنَّما كتبه محمَّد؟!
__________
(1) - قالها الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين رجوعه من غزوة تبوك. ينظر الخادمي محمد بن محمد، برقية محمودية، دار إحياء التراث. (1/65)
صفحة 66
ومن أمثلة التطاول والجهل ما جاء من تعليق على الآيات الكريمات في صفحة 568؛ حيث يستشهد بها على أنَّ الفواصل زائدة لا معنى لها سوى مراعاة الفواصل. من ذلك قوله تعالى في آل عمران: ژژ s s ک ک ک ک گ ... گ گ گ ?ژ (آل عمران: 33)، قوله في آل عمران: ژ ? ? ? ? ... ? ? ? ?? ? ? ?ژ (آل عمران: 121)، قوله فيها أيضا: ژ ? ? ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ?ژ (آل عمران: 140)، يقول تعليقا على هذه الآيات: «فأنت ترى أنَّ الجمل الأخيرة في هذه الآيات لو حذفت لما نقص للكلام شيء، فما جيء بها إلا لمجرد الفصل».
إنَّ أبسط قارئ للقرآن يستطيع أنْ يُدرك مكانة الجمل الأخيرة في الآيات، وإمدادها بالقوة اللازمة، ويدرك - بقليل من التأمّل - أنَّه لا يمكن إطلاقًا حذفها من مكانها ولو فعلنا ذلك، إذا لاخْتلَّ المعنى اختلالاً عظيمًا.
ولو أنَّ الرصافي فهم البلاغة فهم العرب الأقحاح لها لأدرك أنَّه لا يمكن الفصل في الكلام بين لفظ ومعناه، ولأيقن أنَّ الكلام البليغ هو: «كلُّ ما تبلَّغ به المعنى قلب السامع، فتمكنه في نفسه، لتمكنه في نفسك على صورة مقبولة وعرض حسن» (1).
الخطأ في المنهج:
والمتأمِّل في تحليلات المؤلف يلحظ بجلاء خطأ منهجه المليء بالتناقض، كما أشرت آنفا؛ فهو أحيانًا يعتمد أقوال المفسرين الخاطئة، أو المعتمدة على الإسرائيليات على أنَّها خطأ في القرآن نفسه، كما جاء ذلك في صفحة 569:
__________
(1) - ينظر العسكري، الصناعتين، ص: 39. (1/66)
صفحة 67
« ... هكذا ترى في القرآن فواصل متمكنة، وأخرى قلقة، وليس من غرضنا - هنا - استقصاؤها ... وترى المفسرين - أثابهم الله - دائبين على رأب كل شيء، فهذا الزمخشري في الكشَّاف في نصيب من التفنن في ذلك حتَّى إنَّك لترقُّ له حين تراه يجهد نفسه تخيُّلاً، وينهك فكره إبعادًا في توجيه الفواصل، وغيرها من آيّ القرآن، خصوصًا في تقدير المحذوفات وتصوير المقدرات، وإليك ما ذكره صاحب الإتقان في توجيه إحدى الفواصل من سورة الإسراء في قوله: ژ ? ? ? ? ں ں ? ? ? ?? ? ہ ... ہ ہ ژ (الإسراء: 44) قال: «إنَّ الختم بالحلم والمغفرة عقب تسبيح الأشياء غير ظاهر في بادئ الرأي، قال: وحكمته أنَّه لما كانت الأشياء كلها تسبح، ولا عصيان لها، وأنتم - يا أيُّها الناس - تعصونه، ختم الآية بقوله ژ ہ ہ ژ، مراعاة للمقدر في الآية، وهو العصيان». هذا كلامه.
ثم نراه يهاجم رأي الزمخشري والسيوطي في توجيه تلك الفاصلة، ولم يقبل ما ذهبا إليه، بأي حال، لأنَّه لم يوافق مذهبه في الفواصل، مع أنَّ أبسط تأمُّلٍ وتدبُّرٍ في الآية ما ذهبا إليه، لاسيما وأنَّ العلوم الحديثة أثبتت بالمختبرات أنَّ التسبيح وارد، وليس غريبا، وأنَّ المخلوقات أطوع لله، وأحسن وأتقى لربها، بالذكر والشكر والتسبيح والحمد من كثير من الناس العصاة المجاهرين بالعصيان، الناسين ذكر الله.
والعجيب من أمر الرصافي في إصراره على نظريته، ثم تهكّمه الساخر، وتهجّمه السّافر على كل من يخالفه الرأي، كما جاء ذلك عنده تعليقا على تلك الآراء السابقة من المفسرين؛ حيث يقول: (1/67)
صفحة 68
«إنَّ الكلام في الآية إنَّما سيق لبيان تسبيح الأشياء، لا لمؤاخذة الذين لا يفقهون التسبيح، والمقام - كما قلنا - مقام دعوةٍ إلى تفكُّرٍ واعتبارٍ، لا مقام حلمٍ وغفرانٍ، ولكنَّهم يتمحَّلُون، ولو كان ذلك في غير القرآن لما تمحَّلوا هذه التمحُّلات، ولا تخيَّلوا لأجله هذه التخيلات، بل عابوا على قائله، وانتقدوه. والحقيقة هي أنُّه قال في آخر الآية: ژ ? ? ہ ... ہ ہژ لمجرد الفصل، وليس الفصل بغرضٍ تافهٍ، بل هو أمر جليل، لأنَّ الفواصل كما قلنا هي قوام أسلوب القرآن» (1).
هكذا يَستخدِم الرصافي هذا الأسلوب الماكر، وهو أسلوبٌ اسْتِشْراقيٌّ معروفٌ، ظاهره المدح، وباطنه الذَّم، لأنَّه في النهاية عندما يتأمل يتبيَّنُ لنا أنَّه يُريدُ منه تأكيد نظريَّتِه أنَّ القرآن فواصل ليس إلا، أما المعنى وأما الروح التوجيهية للناس فلا وجود لهما.
وخطأ الرصافي في منهجه يَتبيَّن من خلال اعتماد كتابه - وأكاد أقول كلية - على معلومات من كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، ولكنَّه ما إنْ يخالفه في رأي من آرائه حتى يصفه بالسذاجة وقلَّة المعرفة، إلى غير ذلك من النعوت التي برع فيها براعةً كبيرةً، ولم يكد يسلم من لسانه أحد، فهو أعرف الجميع، وأعلم العلماء، وأفهم الفاهمين، الذي ترجع إليه الكلمة الأخيرة والرأي الأسدُّ.
وقد أداه ذلك الإحساس إلى نعت القرآن بنعوت تقشعرُّ منها الأبدان، فيصف معاني بعض الآيات بالمعرّة، وبساطة النظر، وسذاجة المعرفة، حتى إنَّه ليقول - تعقيبًا على تسمية سورة النُّور بالنُّور - بأنَّها لا تطابق محتواها، ويقول في تبجُّحٍ وتطاولٍ سافرٍ:
« ... أما أنا فلو أردت أنْ أختار لسورة النّور اسمًا غير اسمها لقلت: سورة الآداب الاجتماعية، لا شتما لها على ذكر الآداب الاجتماعية» (2).
وأنا لا أحب أنْ أُعلِّق على هذا الذي ذهب إليه، لأنَّ تهافته ظاهرٌ للعيان.
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 570.
(2) - المرجع نفسه، ص: 571. (1/68)
صفحة 69
ومن خطئه الواضح في المنهج إنكاره أحيانا للأحاديث الضعيفة والموضوعة، وهذا ردا لما جاء في المصدر الذي اعتمده: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، وهو أمرٌ معروفٌ مشهورٌ. ولكنَّنَا نجده - أحيانا كثيرة أخرى - يعتمد الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ويدافع عنها، إذا وافقت هواه، ورأت رأيه، كما جاء في مثل قوله: « ... وقد كره بعضهم أنْ يقال سورة كذا، لما رواه الطبراني والبيهقي عن أنس مرفوعا: ”لا تقولوا سورة البقرة، ولا سورة ءال عمران، ولا سورة النّساء، وكذا القرآن كلّه، ولكن قولوا: السّورة التي تذكر فيها البقرة التي يذكر فيها آل عمران، وكذا القرآن كلّه» (1) .. فيقول المؤلف معلقا:
« ... فهذا الحديث ينفي أسماء السور، ويُنكر على النَّاس ما يقولون عن سورة البقرة ... الخ، ويمنعهم من إضافة السورة إلى البقرة ... ، ولكنَّ ابن الجوزي قد ادعى أنَّ هذا الحديث موضوعٌ، وما أدري لماذا يكون موضوعًا وهو معقول، وليس فيه ما يخالف الكتاب، ولا السنة».
السؤال البسيط الذي نسأله نحن، تعليقًا على رأي الرصافي: عن أي كتاب، وعن أي سنة يتحدث؟!
أو لم يقل إنَّ الكتاب - أي القرآن - من تأليف محمد؟! وعن أيَّة سنَّة يَتحدَّث إذا كان القرآن من تأليف محمّد×؟! فيا لله لهذا التناقض العجيب؟!
فواتح السور:
بعد أنْ يَستعرض المؤلِّف ما جاء في الكشاف للزمخشري، ويناقشه، يؤكّد ما ذهب إليه - منذ البداية - على أنَّ القول بأنَّ محمَّدًا أمِّيٌّ لا يقبله العقل، ويقول:
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 572. (1/69)
صفحة 70
« ... وفي هذا ما يدل – صراحة - أنَّ افتتاح بعض سور القرآن بهذه الحروف، وترك ما سواها، لم يكن واقعًا عن طريق المصادفة والاتِّفاق، بل كان عن قصدٍ في النيَّة، وتفكيرٍ في العقل، وتَرتيبٍ في الذهن، وتنسيقٍ في الرمز، وتلميحٍ في الكلام؛ إذ يبعد كل البعد أنْ يكون ذلك قد حصل صدافا واتِّفاقًا. فقد أشير بعدد السّور المفتَتَحة بالحروف إلى عدد حروف الهجاء في اللغة العربية، كما أشير بهذه الحروف الفواتح إلى أنَّها الأصل في النطق بالكلام الملفوظ، وأنَّ ما عداها من الحروف فتابعٌ لها، ومُتمِّمٌ، وهذا لا يمكن صدوره من أُمِّيٍّ لا يعرف القراءة ولا الكتابة ... أمَّا نحن؛ فنقول إنَّ فواتح السور تدلُّ دَلالةً قطعيَّةً على أنَّ محمَّدًا كان يعرف القراءة والكتابة ...
أما كون معرفة النبي للقراءة والكتابة حاصلة له بوحي من الله لا بتعلم من أحد، فتلك مسألة أخرى، لسنا بصدد الكلام عليها الآن ... » (1).
إنَّ أَبسطَ مُتأمِّلٍ في موقف المؤلِّفِ يدرك أنَّه يغالط نَفسَه، وهو عندما أَعْوزَهُ الدَّليلُ على تفرُّده وشُذُوذِه بهذا الرأي تهرب عن البحث والجواب، فهل من يدرك أنَّ حُجَجَه واهيةٌ لا تقوم لها قائمة؟! وهل يكون موقفه غير هذا، وهو يخالف النص القرآني القائل: ژ ? ? ? ? ?ژ (الأعراف: 157) هكذا بأداة التعريف، ويخالف التاريخ، ويُكذِّب السيرة والآثار، ويشذ عن إجماع الأمة، وما سمعنا بهذا القول إلا من بعض المستشرقين المتنطِّعِين؟!.
والعجيب في أمر الرصافي أنَّه عندما طرح فكرة أنَّ محمَّدًا قد يكون تعلمه بوحي من الله تهرب من مناقشة هذه الفكرة، لأنَّ مُجرَّد إيرادها يلزمه أنْ يُؤمِن بأنَّ القرآن وحيٌ من عند الله بواسطة جبريل، لأنَّ الذي يستطيع أنْ يعلم رسوله وحيًا لا يعجزه أنْ يوحي إليه بكتاب منزل من السماء، ولكنَّه التعنُّت والإصرارُ والمغالطةُ!!
هل سقط شيء من القرآن عند جمعه؟!
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 572. (1/70)
صفحة 71
يورد في صفحات متعدِّدة قضيَّة جمع القرآن، والمراحل التي مر بها، ويحمل الخليفة الراشد عثمان بن عفان س مسؤولية إسقاط الكثير من القرآن، بل يتَّهمُه بحرقه اعتمادًا على رواياتٍ ضعيفةٍ، بل موضوعة؛ يقول:
« ... ظاهرة عبارة الحديث يدل صراحة على أنَّ عثمان لما استنسخ المصاحف من مصحف حفصة قد ترك شيئا من القرآن، فلم يكتبه في المصاحف، وأنَّه أمرٌ بإحراقه. ويُؤيِّد هذا روايات أخرى جاءت في كتب السير، وغيرها من كتب القوم» (1).
ثم يورد هذه الرواية الغريبة نقلاً عن الإتقان، وهو يَتكلَّم عن الناسخ والمنسوخ، يقول: «قال أبو عبيدة إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب بن نافع، عن ابن عمر، قال: «ليقولنَّ قد أخذتُ القرآن كلّه، وما يدريه ما كلّه، فقد ذهب قرآن كثير، ولكن؛ ليقل: قد أخذت منه ما ظهر ... ».
إنَّ عثمان لم يكتف بإحراق ما أسقطه من القرآن، بل منع قراءته أيضًا، كما يدلُّ عليه الحديث ... »، ويسوق روايات ضعيفة مدسوسة هي - في الأغلب الأعمِّ - من عمل اليهود أعداء الإسلام.
ونجده يعتمد الروايات الموضوعة، حيث يقول: «قال أبو عبيدة: حدثنا حجاج، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي موسى الأشعري، قال: «نزلت سورة نحو براءة، ثم رفعت، وحفظ منها: إنَّ الله سُيؤيِّد هذا الدين بأقوامٍ لا خلاق لهم ولو أنَّ لابن آدم واديين من مالٍ لتمنَّى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب»».
مما يدل على أثر الصَّنعة في هذا الحديث، ولاسيما في شطره الأول، لغته الضعيفة، حيث استخدم كلمة (لا خلاق) لهم، وهو يريد (لا أخلاق) لهم؛ إذ ليس في اللغة العربية خلاق بمعنى الأخلاق، وإنَّما الخلاق - كما هو في القرآن - معناه النصيب والحظ، كما تفسره آية: ژچ چ چ ? ? ? ? ? ژ (آل عمران: 176).
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 577. (1/71)
صفحة 72
وقد وقع حافظ إبراهيم - الشاعر المصري المعروف، وهو معاصر للرصافي- في الخطأ نفسه، حيث يقول:
لا تحسبن العلم ينفع وحده ... ما لم يتوَّج ربُّه بخلاق ب
ومن تناقضاته العجيبة - و يعتمد الروايات الضعيفة - قوله:
« ... فمن هذه الروايات نعلم أنَّ القرآن قد أسقط منه شيء لا يستهان بكثرته، كما تقدم في حديث ابن عمر: (قد ذهب منه قرآن كثير) ونعلم أيضا أنَّ الذي أسقط منه لم يكن كله مسقطا بعد وفاة النبي عندما أمر عثمان باستنساخ المصاحف، بل منه ما أسقط وهو حيّ يوحى إليه ... » (1).
لسنا في حاجة إلى أنْ نعلِّق على القضية التي أثارها هنا بأن الرسول × قد أسقط كثيرا من القرآن، وإنَّما نحب أنْ نقف عند قوله: «هو حيٌّ يوحى إليه»، ويعني الرّسول × إنَّ هذه الفقرة: «هو وحيٌّ يوحى إليه» تنسف كل بنائه المتهاوي من أنَّ القرآن من تأليف محمد × وإنكاره الوحي إلا بالإلهام.
وللسؤال: كيف يقرّ بأنَّ محمَّدًا كان يوحى إليه، ولا يعترف بأنَّ القرآن يكون من ضمن ما يوحى إلى الرسول × ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (النجم: 03، 04)، ولكنَّه العناد والمغالطة والإصرار مرة أخرى.
هل القرآن منزل من السماء؟!
بعد أنْ يقدم تمهيدًا طويلاً لمعنى الإنزال، وأنَّه بالنسبة لنا شيءٌ نسبيٌّ، لا يعدو كونه أمرًا متوهَّمًا، لأنَّه لا علوّ، ولا سفل، ويطيل الكلام في فلسفة عقيمةٍ لا طائل تحتها، وينتهي إلى القول: «فمعنى قولنا إنَّ الله أنزل القرآن على النبي محمد × أنه ألهم معانيه، ثم عبَّر النبي عن تلك المعاني بألفاظ عربية، وقرأها على الناس، ولا ينبغي للمؤمن بالله حق الإيمان، إنْ كان محترمًا للعقل، ومخلصًا في الإيمان، أنْ يخرج بإنزال القرآن عن حد هذا المعنى» (2).
ويرفض المؤلِّف أقوال العلماء الذين يذهبون هذا المذهب مستندين إلى أحاديث رواها ابن عباس، ويتَّهم كل من قال بهذا الرأي بالغفلة والسذاجة قائلا:
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 582.
(2) - المرجع نفسه، ص: 583. (1/72)
صفحة 73
«أما نحن؛ فنقول لك إنَّ كل ما أخرجه الحاكم والبيهقي والطبراني والبزار وابن أبي شيبة وغيرهم من الأحاديث المروية عن ابن عباس في هذه المسألة ليس إلا مما قاله ابن عباس، ولم يرفعه إلى النبي محمد ×».
« .. نحن لا نستطيع أنْ نحكم بصحة ما قاله ابن عباس، لأنَّه يخالف القرآن أولاً، لأنَّ القرآن صرَّح بأنَّه أنزل مُفرَّقًا، لا جملةً واحدةً. ثانيا، لأنَّ الكفار قالوا لمحمد ×: لماذا لم ينزل عليك القرآن جملةً واحدةً كما أنزلت التوراة والإنجيل؟ فأجابهم بحكمة إنزاله مفرَّقًا».
وبعد أن يستعرض آراء العلماء، ينتهي إلى القول:
«عن القرآن لم ينزل جملةً واحدةً إلى السماء الدّنيا، وإنَّما ابتدئ إنزاله في ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك منجَّمًا، أي مفرَّقًا في أوقات مختلفة من سائر الأوقات، وبهذا القول قال الشعبي، فهنيئا للشعبي أنَّه لم تغمه غفلة ابن عباس فيما غمَّت فيه غيره من الأوهام ... فيا لها من غفلة جرَّت غفلات، وهفوة جرَّت هفوات، ولأجل أنْ نعلم أنَّ هؤلاء إذا تكلموا في أمور دينهم تكون عقولهم معمَّاة من العمى التقليدي».
هكذا دأب الرصافي، لا يسلم من لسانه أحد، فهو الأعلم، وغيره الذين يخالفونه الرأي جهلاء، وأهل غفلة، ولا عقل لهم ... إلى آخر هذه الألفاظ العنيفة التي يكتظ بها قاموس الرصافي، على أنَّه رغم ذلك وهو يدَّعي المنطق والعقل والتدبر، لم يسلم عقله من التناقض العجيب الغريب لأنَّه ما فتئ أنْ قال:
« .. والخلاصة هي أنَّ الصحيح الذي يوافق القرآن، ويساير المعقول، وينطبق على الواقع، هو أنَّ القرآن كان ابتداء نزوله في ليلة القدر على الوجه الذي تقدَّم بيانه في بدء الوحي والخلوة في حراء، ثم إنَّه استمر متفرِّقًا، في عشرين، أو ثلاث وعشرين سنة، أو خمس وعشرين سنة، على حسب الخلاف في مدة إقامة النبي بمكة بعد البعثة» (1).
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 592. (1/73)
صفحة 74
يا لله من تفكير هذا الرجل وعقله، ما فتئ يقول إنَّ القرآن من تأليف محمد، وإنَّه فعل ذلك عن تفكيرٍ وتخطيطٍ، ثم ما يلبث أنْ يقول إنَّه إلهام من الله بمعانيه، ولكنَّ اللفظ لمحمد ×، ثم يصرح هنا بأنَّ ابتداء نزوله كان في غار حراء في ليلة القدر!! ... فبأي رأي يأخذ؟! وما هذا التخبط والتناقض؟!
وكأنِّي بالرصافي قد نسي أنَّه قال في صفحة 587 في هذه المسألة ما يأتي: « .. إنَّ خلاصة ما قلناه فيما تقدم هو أنَّ القرآن عبارة عن المعاني دون الألفاظ، وأنَّ الإنزال معناه الإلهام، وإنَّما عبر عن الإنزال مجازًا لتعظيم المنزل، أي الملهم».
ما معنى الكتاب؟
لاشك أنَّ الرصافي تواجهه آيات محكمة تنقض كل ما ادَّعاه من نظريات في هذا السبيل، ولنا أنْ نستشهد بآية واحدة: وهي قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? Sژ (فصلت: 1 - 4). ولكنَّ الرصافي يتمحَّل، ويتملَّص بتأويلاتٍ عجيبةٍ، كأنْ يفسِّر الكتاب بمعنى القضاء ليس إلا! والعجيب في المرء أنه يقع في خطأٍ منهجيٍّ صارخٍ، حين يعتمد على تفسير لفظة الكتاب على القرآن، الذي يقول إنَّه من تأليف محمد ×.
وهو إذا أراد أنْ يحتجَّ إلى ما يذهب إليه من آراء نراه يحْتَجُّ بالقرآن، ويستشهد بما جاء فيه. فما دام اللفظ من محمد × كما يدَّعي ويزعم، فكيف يصح الاحتجاج به؟! وكيف يصح الاستشهاد بمحتوياته؟! يقول: «فالكتاب في هذه الآيات لا معنى له سوى قضاء الله في الأزل، وإنَّ ما سمَّاه كتابًا لا لأن معنى الكتاب من أصل اللغة الضبط والجمع، كما مرّ آنفا، والكائنات بأسرها مضبوطة في قضاء الله وإرادته، فهو أي قضاء الله بمنزلة الكتاب الذي كتبت فيه الألفاظ والحروف؛ أي جمعت، وضبطت لكي لا تنسى، ولا تضيع. أما وصف هذا الكتاب بأنَّه محفوظٌ أو مكنونٌ أي مَصونٌ، فلأنَّه لا يقبل التبديل والتغيير، فهو منزَّهٌ من أنْ تناله يد شيء من ذلك» (1).
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 594. (1/74)
صفحة 75
ولا أحسب أنَّ القارئ في حاجة إلى أنْ نوضح له ما في هذا الرأي من تهافت ومراوغةٍ وتناقضٍ، ولعَّل الرصافي عندما يشعر بموقف ضعيفٍ كهذا يلجأ إلى السخريَّة والتهكُّم، يُغطِّي بهما تهافته وسطحيته، كأنْ يقول مثلا في مناقشة قضية اللوح المحفوظ، التي يقول بعض العلماء بأنَّ النزول الأول للقرآن كان من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، يقول معلقا:
« .. وما أدري أي فضل للقرآن في كونه مكتوبًا في اللوح المحفوظ، وقد كتب فيه كل كائن يكون، حتى الحمير، ونهيقها. فسبحان واهب العقول، ومعمّيها» (1).
والحق أنَّ المؤلف يتفوَّق تفوُّقًا بارزًا بسلاطة لسانه، وسخرية كلامه، الذي لم يسلم منه ربُّ العزّة، فكيف بالعلماء الأجلاًّء، الذين اتهمهم بالرياء والنفاق، وكأنَّه مطَّلعٌ على القلوب، أو لم يقل عن الباقلاني وكتابه إعجاز القرآن: « .. كل من طالعه بترَوٍّ، وقرأه بتدبُّرٍ وإمْعانٍ، أيْقن أنَّ مؤلٍّفَه من الرعيل الأول من المرائين، وأنَّه بتأليفه من طُلاَّب الدنيا، لا من طلاَّب الحقيقة» (2).
ولا يقف عند هذا الحدِّ، أي عند قلب الباقلاني المسكين، وإنَّما يتجاوزه إلى كل العلماء الذين كتبوا عن إعجاز القرآنّ، لأنَّ فكرهم لم يَرُقْه، هكذا بالتعميم المطلق؛ حيث يقول: «قلنا إنَّ الذين كتبوا في إعجاز القرآن لم يتكلَّموا عن تدبُّرٍ وتفكيرٍ، ولم يكونوا أحرارًا في تفكيرهم، وإنَّما تكلَّموا عن إيمانٍ واعتقادٍ، وذلك وحده كاف لانحيازهم إلى القرآن، زد على ذلك أنَّ منهم المخلص في إيمانه، ومنهم غير المخلص، فيجوز أنْ يكون غير المخلص مندفعًا إلى كتابة ما كتبه بدافع الرياء، إما لنيل منْصبٍ يعلو به، وإما لشُهْرةٍ يكبر بها، أو غير ذلك مما تتطلَّبه مصلحته الذاتية في محيط، كل ما فيه قائم باسم الدين ... ».
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 599.
(2) - المرجع نفسه، ص: 600. (1/75)
صفحة 76
نقول: إنَّ التعليق بالكلمات لا يكفي لإظهار ما في هذا الموقف من تجاوز وانفلات، إلا أنْ يكون ذلك محلل نفسي، له خبرة بالنفوس والعقد التي تَتحكَّم فيها، إذ لا يمكن أنْ يصدر هذا الكلام إلا من إنسان يكنُّ عداءً سافرًا للدين والمتديِّنين، وله تقلُّبات فكريَّة معروفة طوال حياته، مثل مؤلف الكتاب.
الحق أنَّ المؤلِّفَ كان يتَّخذُ موقفًا منْحازًا للفكر المعارض المتمرِّد، ولو كان هذا الفكر مفْقودًا، لم يطَّلِع عليه إلا من خلال ما قيل في فهارس الكتب، كما جاء ذلك في مثل قوله، وهو يتحامل على ابن هشام وسيرته تحاملاً واضحًا:
« .. إنَّ ابن هشام صاحب السيرة المشهورة قد جنى على العلم والأدب جنايةً كبرى، باختصاره سيرة ابن إسحاق، فإنَّه لم يختصرها، بل قتلها قتْلاً وحشيًّا، فلم يبق منها إلا الاسم، ففقدت سيرة ابن إسحاق، التي كتبها مطولة، والتي اختصرها بأمر المنصور، فلا يوجد اليوم لها أثر، فيا أسفا على ما أصيب به العلم من فقدها!» (1).
إنَّنا نتساءل في عجب: بما أنَّ سيرة ابن إسحاق مفقودة، وليس لها أثر، فكيف علم أنَّ ابن هاشم قتلها قتْلاً وحشيًّا؟! وكيف ساغ له أنْ يُصدر حكمه القاسي على ابن هاشم المسكين بأنَّه جنى جنايةً كبرى على العلم؟! والمناطقة تقول: الحكم على الشيء فرع عن تصوره!!
هل القرآن معجز؟
منذ البداية؛ يهاجم العلماء الذين كتبوا عن إعجاز القرآن، وعلى رأسهم الباقلاَّني، لا لشيء إلا لأنَّهم كتبوا حسب زعمه «عن إيمانٍ واعتقادٍ، لا تدبُّرٍ وتفكُّرٍ. ولذا تراهم بما قالوه، وادَّعَوه، مبالغين في إعظام القرآن، ومفرطين فيما يدَّعون من إعجازه، كما تراهم جعلوا كل ما فيه الذروة العليا من البلاغة والفصاحة، واتخذوه المقياس الأعلى، الذي تقاس به درجات البلاغة» (2).
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 601.
(2) - المرجع نفسه، ص: 599. (1/76)
صفحة 77
نراه في هذه القضية يردِّد آراء المستشرقين ودعاواهم المعادية للإسلام والقرآن، إلى حد اتِّهام الإسلام أنَّه إنَّما انتشر بالسيف، لا بمعجزة القرآن: « .. الحقيقة الناصعة، التي لا غبار عليها، والتي لا يمتري فيها إنسان، ولا ينتطح عنزان، هي أنَّ الدعوة الإسلامية قامت بالسيوف المرهفات، لا بمعجزة القرآن، ولا بغيرها من المعجزات، وأكبر دليل على ذلك ارتداد العرب عن الإسلام بعد وفاة محمّد» (1).
ويستشهد ببيت للمعري، وهو الشّاك المتردد مثله، حيث يقول:
«جلُّوا صارما، وتلوا باطلا ... وقالوا: صدقنا، فقلنا: نعم» (2).
ولم يسلم من تناقضه العجيب في هذه المسألة التي نرى موقفه المعادي فيها واضحًا، حيث يقول معلقا على قوله تعالى ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چژ (آل عمران:64)، يقول معلقا:
« .. وأي كلام أبلغ من هذا الكلام، الذي معناه إلى النفس أسبق من لفظه إلى السجع؟! وهل البلاغة شيء غير هذا؟! ... ».
ولكنَّه لا يلبث أنْ يتراجع عن قوله السابق إلى القول بأنَّ الآيات القرآنية ليست كلَّها بليغة معجزة ... أي ليست كلها في الذروة العليا من البلاغة ... بل يقع بينها التفاضل، فمنها الأعلى، ومنها الأوسط، ومنها ما دون ذلك ... ويستشهد مقارنًا بين آيتين، يدَّعي أنَّ أوَّلهما في الحضيض من البلاغة، وهي قوله تعالى: ژ ژ ژ sژ وبين قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ... ? ? ? ژ (هود: 44) ... »
فيا سبحان الله! كيف استطاع الرصافي أنْ يملكَ هذه الأداة الدقيقة التي يقيس بها بلاغة الآيات، فيضع هذه الآية في الذروة، وهذه في الأوسط، وهذه في الأسفل كما يدّعي؟! على أنَّه لم يبيِّن لنا لماذا يضع هذه، ويرفع تلك!!.
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 608.
(2) - المرجع نفسه، ص: 614. (1/77)
صفحة 78
وإذا كان المقياس هو الإفهام كما يدّعي: « .. الإفهام هو المحور الذي يدور عليه فلك البلاغة، والكلام يبعد عن البلاغة قدر بعده عن فهم المخاطب، ويقرب منها قدر قربه منه، ولا يماري في هذا إلا معاند» (1).
ونتساءل متعجِّبين: أليست آية: ژ ژ ژ s s ک ک ک ک گ گژ (المسد:01،02) من أوضح الآيات فهْمًا، ومقْصدًا، وبلاغَةً، وتأثِيرًا، يفهمها الخاص والعام، المتضلِّع في العلم، والمبتدئ فيه؟!
والرصافي يذهب في تنَطُّعه هذا إلى أبعد حد حين يدَّعي أنَّ في القرآن من الآيات «ما لا يتماشى مع البلاغة، بل فيها ما لا يتماشى بظاهره مع المعقول» (2).
ويدَّعي بأنَّ القرآن نفسه يصرح بذلك، حيث يقول إنَّ فيه آيات محكمات هُنَّ أم الكتاب، وأخر متشابهات، وهذا تفسير غريب للمحكم والمتشابه.
ولأنَّه اعتاد أنْ يتهرَّب من التحليل كلَّما وجد رأْيًا لا يوافقه في مذهبه من بشرية القرآن، يقول:
« .. ولا حاجة أنْ نذكر لك اختلاف أقوال العلماء في المتشابه، وما هو المراد به في القرآن، فإنَّ القرآن عربيٌّ، وقد استعمل هذه الكلمة بمعناها اللغوي العام، وليس هناك ما يضطرنا إلى الخروج عن معناها العربي المعلوم ... » (3).
ثم يُجهد نفسه في إيراد أمثلةٍ كثيرةٍ من القرآن، يزعم أنَّها ليست بليغة لما فيها من غموض في تفسيرها، وتأويلها، والوصول إلى مبتغاها، ويُلاحقُ الزمخشريَّ ملاحقَةً لاهثَةً في تفسيره لتلك الآيات، ويتَّهمُهُ بالتمحُّلٍ والتكلُّف، لا لشيءٍ إلا لأنَّه حاول أنْ يُفسِّر تلك الآيات، التي تبدو له غامضة مبهمة (4).
وبما أنَّ المجال لا يسمح بإيراد كلِّ تلك الأمثلة، ومناقشتها، والرد عليها، فإنَّنا نكتفي بمثال واحد، يمكن اعتباره نموذجًا لأسلوب الرصافي في المغالطة والتمحُّل؛ حيث يقول:
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 616.
(2) - المرجع نفسه، ص: 617.
(3) - المرجع نفسه، ص: 616 - 642.
(4) - المرجع نفسه، ص: 616. (1/78)
صفحة 79
« ... في سورة القصص قوله: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ... ? ... ? ... ? ? ? ? ? ?? ? ? ? S S S S ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? چ چژ (القصص:71،72)؛ يقول: «إنَّ المعنى في هاتين الآيتين غير متجه إلى وجْهٍ معقولٍ ومستقيمٍ في الخطاب، وذلك أنْ جعل الليل سرْمدًا إلى يوم القيامة لا يكون إلا بنقض الشَّمس، وانطفائها، وإذا انتقضت الشَّمس انتقض العالم الشمسي بأجمعه، فلا تبقى أرضنا، ولا غيرها من سائر السّيارات، ولا يبقى كافر، ولا مؤمن، حتى يقال لهم: من إله غير الله يأتيكم بضياء؟! وكذلك القول في جعل النهار سرْمدًا، فإنَّه لا يكون إلا بوقوف الأرض عن دورانها على محورها، وعنْدَئذٍ؛ يكون النهار سرْمدًا في قسم منها، والليل سرْمَدًا في القسم الآخر.
لا ريب أنَّ وقوف الأرض عن دورانها لا معنى له سوى زوالها، وفنائها، فما معنى قوله إذن: ژ ? ? ? ? ? ? ? ?? چ چژ؟! (القصص: 72).
وما الداعي إلى بناء الكلام على أمْرٍ محال يفرض فرضا، وقد علمنا بأنَّ قدرة الله لا تتعلَّق بالمحال، وأنَّ سنة الله لا تقبل التبديل والتغيير؟!» (1).
من الواضح الجليِّ كيف يتمحَّلُ في التلفيق والدوران، حيث يفرض أشياء لا يمكن التسليم بها، ويتَّخذُها قاعدةً لحججه التي يأتي بها، مثل قوله: «وقد علمنا أنَّ قدرة الله لا تتعلَّق بمحال» وبهذا، يُوهم القارئ بصحّة دعواه، وصواب رأيه.
أولا: من قال إنَّ قدرة الله لا تتعلَّق بمحال؟ والله يقول في كتابه مرات عديدة: ژ ک گ گ ... گ گژ (البقرة: 284)، والواقع يصرح بأنَّ الله يقول للشيء ژ ? ?ژ (البقرة: 117) ژ ? ? ? ? ??ژ (الحديد: 57)، وقدرته ليس لها بداية ولا نهاية، رغم ادٍّعاء علماء الكلام وإجماعهم، كما يزعم الرصافي.
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 620. (1/79)
صفحة 80
ثانيا: إنَّ القرآن حينما نزل، نزل على أقوام لم يدرسوا الجغرافيا، ولا علوم الفيزياء، ولا الفلك، فخاطبهم بقدر ما يفهمون، وبالأسلوب الذي يدركون، في أمور فلكية عميقةٍ، ما يزال العلم الحديث يكتشف أسرارها ... فقدم لهم ذلك المثال الرائع، الذي يحسونه، ويلمسونه ليل نهار من آيتي الليل والنهار، والبلاغة كما يقول الرصافي نفسه أنْ يخاطب الناس بما يفهمون. فلماذا يستكثر على القرآن ما يجعله مبدأ لنفسه؟!
ثالثا: ليس من الضروري أنْ يكون المثال الذي يسوقه الله للناس واقعًا ملمُوسًا، ما داموا يمتلكون قوَّة التخيُّل التي لا يحدُّها حَدٌّ!!
ثم من قال إنَّ الله يسأل الناس بعد فناء الليل والنهار حقيقة، لأنَّه لا يبقى مؤمن، ولا كافر حسب ادعاء الرصافي، لأن السؤال بكل بساطة يتكلَّم عن الحال المتوقع بعد وقوعه، مقارنة مع الحاضر الذي هم فيه، فكل إنسان ولو كان بسيطًا، باستطاعته أنْ يدرك نعمة الله الكبرى عليه من آيتي الليل والنهار، وأنَّهما من قدرة العزيز الجبّار، ولا يماري في ذلك إلا ملحد، أو كافر، أو جاحد.
أسلوب التهكم والسخرية من النبي محمد ×:
إنَّ التطاول على المقدسات سمة من السمات الصارخة لهذا البحث، فإنَّ الذي يتطاول على الله جل وعلا لا يتوَرَّع عن التطاول على شخصيَّة الرسول الكريم، والنيْلِ منه، ومن كتابه، بأسلوب ساخِرٍ فاجِرٍ، ولنأخذ لهذا، المثال من صفحة 631؛ حيث يقول: (1/80)
صفحة 81
« ... من القَصص القرآنية قصة سليمان بن داود أحد ملوك بني إسرائيل، وهو الذي يسميه اليهود: سليمان الملك، ولم يقولوا إنَّه نبيٌّ، ولم يذكروه في أنبيائهم، ولكن النبي محمَّدًا قد جمع له بين الملك والنبوءة كالجمع بين الضدَّين، وجاء عليه منهما بما جاء من العجائب والغرائب ما فيه، وصوَّر ملكه في القرآن تصويرًا خياليًّا، فسخَّرَ له الريح تحمله حيث أراد، وأدخل في طاعته من الجن والشياطين من يعملون له ما يشاء، وجنَّدَ له من الإنس والجن والطير جنودًا تقهَر عدوَّه، وتظفره بما أحبَّ، وذكر له في القرآن قصة خيالية مع الهدهد ... ».
إنَّ أسلوب التهكُّمِ والسخريَّةِ من الرسول محمّد × ظاهرٌ باد، لا يحتاج إلى تعليق، ولكنَّ التناقض الذي يقع فيه الرصافي بعد هذا العرض السخيف أمْرٌ يدعو إلى العجب، حيث يقول:
« ... والذي نراه في مغزى هذه القصة الخيالية هو أنَّها لم تؤلف، ولم ترو إلا لأمر واحد، وهو تصوير ما للعلم من قدرة خارقة للعادة، وها نحن اليوم نرى للعلم من المعجزات ما لا يقل عن الإتيان بعرش بلقيس، في مدَّةٍ كلمح البصر، فنسمع المتكلِّم في لندن ونحن في بغداد، وإذا تم بلوغ التلفزيون رشده نراه أيضا كما نسمعه، إلى غير ذلك من معجزات العلم، التي يطول تعدادها».
كيف جاز للرصافي أنْ يعتبرَ ما جاء في القرآن الكريم عن النبي سليمان مع الهدهد وبلقيس، وإتيان العرش في لمح البصر، قصة خيالية من تأليف محمد × حسب زعمه، ثم ما يلْبَث أنْ يعترف بأنَّ المغزى من هذه القصة هو إظهار ما للعلم من قدراتٍ فائقةٍ، ومعجزاتٍ باهرةٍ، وذلك ما أكَّدَه العلم الحديث في وقتنا الراهن، فمن أين استطاع محمد، وهو الأميُّ الذي لا يعرف القراءة والكتابة، أنْ يتنبَّأَ بهذا المدى الذي سيصل إليه العلم من المعجزات الخوارق مشاهدة في السماء والأرض. (1/81)
صفحة 82
أليس في رأي الرصافي هذا ما فيه من تناقض عجيب؟! وكيف أنطقه الله بهذه الحقيقة وهو لا يريد الاعتراف بها؟! أليس في هذا سر إلهي يدل على قدرة الله وعظمته: ژ ? ?? ? ہژ (الذاريات: 21)؟ سبحان الله!!
تطاول على الله واتهام القرآن بالمغالطة:
من تطاوله على الله سبحانه وتعالى اتهامه القرآن بالمغالطة والابتذال وسوء التعبير ... وغير ذلك من النعوت التي يقشعرُّ لها جلْد المؤمن، وينقبض بها قلبه، وهي في الحقيقة نعوتٌ لا تلتصق إلا بكلامه، ولا تجسد إلا فكره، ولا تصف إلا رؤيتَه، ومن ذلك ما جاء في ص: 636؛ حيث يقول:
« ... من الكلام ما لا يليق أن يقوله إلا الله، ومنه ما لا يليق أنْ يقوله الله، ولا يليق أنْ يقال عن الله، وكلا هذين النوعين موجود في القرآن ... ومن هذا القبيل ما جاء في سورة الأعراف: ژ ? ? ? ? ??ژ (الأعراف: 73)، فيه من سوء التعبير أيضا، فإنَّ إضافة الناقة إلى الله قولٌ لا يستسغه الذوق السليم، خصوصًا في كتاب معجز مثل القرآن، ومن العجيب أنَّ الزمخشري قال:
«وإنما أضيفت إلى اسم الله تعظيما لها، وتفخيما لشأنها»، وفاته أنَّ في تعظيمها بالإضافة لله استهانة بعظمة الله، وخروجٌ من التأدُّب في الكلام عن الله، وكان يمكنه أنْ يقول: «هذه الناقة لكم آية الله». فيكون بجعلها آية الله قد عظَّمهَا، وضخَّم شأنها، بعبارَةٍ خاليةٍ من سوء التعبير ... ».
إنَّ الرصافي الذي درس البلاغة وعلم أسرار اللغة العربية، وكان أستاذها المبرَّز عدة سنوات يغالط نفسه هنا مغالطةً واضحةً فاضحةً؛ لأنَّ أبسط تلامذة البلاغة يعرفون المحذوفات والمقدَّرات في اللغة العربية، وهي دلالة على حسن الكلام، لا على سوئه كما يدّعي. (1/82)
صفحة 83
ومن وقاحات الرصافي اتهام القرآن بالمغالطة، حيث يقول تعليقا على قوله تعالى: ژ ں ں ... ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ... ? ?? ژ (الرعد: 04)، إنَّ الأشجار النابتة في الأرض لا تتغذى (1) بالماء وحده، وإنَّما الماء واسطة للامتصاص، فهي بواسطة الماء تمتص المواد المغذية لها من تربة الأرض، ولاشك أنَّ الأشجار مختلفةٌ في بذورها، وفي طبائعها، وخواصِّها، وفي تراكيبها العنصرية» (2).
فهو يتَّهم القرآن بالمغالطة، وهو المغالط، ويطلب من القرآن أنْ يكون معلما لمادتي الكيمياء والزراعة، يفصِّل الجزئيات، ويقف عند التفاصيل، وتجاهل ما في ذلك التعبير الرائع في قوله: ژ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ژ من بلاغةٍ وفصاحةٍ وتأثيرٍ، لا يقدر عليها إلا الخالق العظيم المبدع الكريم.
ويتَّهم القرآن بالابتذال؛ حيث يقول: « .. وفي سورة هود قوله: ژ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?? ? ... ?ژ (هود: 37).
إنَّ المتكلِّم في هذه الآية هو الله، والمخاطَب نوح، والمراد بهلاكهم بالطوفان هو الكفار من قوم نوح، فالمقام مقام غضبٍ وعظمةٍ وجبروت، فلا تناسبه عبارة ژ ? ? ? ... ژ، فإنَّها عبارةٌ مبتذَلَةٌ، لا يستسيغها الذوق في مثل هذا المقام، فكان الأنسب أنْ يقول: بحفظنا وكلاءتنا، وأمرنا، أو نحو ذلك» (3).
__________
(1) - انظر إلى مغالطة الرصافي في استعمال كلمة «تتغذى»، غير أن القرآن الكريم قال: «تسقى»، وغني عن البيان أنَّ المعنى ليس واحدًا، غير أنه بليِّ معاني الكلمات يغالط الحقيقة، ويحاول استمالة القارئ البسيط إلى الخطأ والخطل.
(2) - المرجع نفسه، ص: 640.
(3) - المرجع نفسه، ص: 640. (1/83)
صفحة 84
هكذا يتطاول على الله جَلَّ جلاَله، ويصف كلامه بالابتذال، دون حياءٍ، أو خَجلٍ، وهو يدري فجاجة ما ذهب إليه من ضحالة في الرأي، وسقامة في الذوق، فأين قوله المتهافت بحفظنا، أو غير ذلك من قول الله تعالى: ژ ? ? ? ... ژ، وكأنَّه لم يدرك ما في لفظة ژ ? ... ژ من محبَّةٍ وتقدِيرٍ وحنُوٍّ ورعايةٍ من الله لعبده ونبيِّه نوح. وما الذي يضير أنْ يكون الله كذلك مع نبيه في لحظةٍ هو أشدُّ ما يكون فيها إلى عون الله وتوفيقه ونصرته وتأييده؟!
المحكم والمتشابه:
يتساءل الرصافي عن السبب في جعل القرآن محكمًا ومتشابها؟
ويجيب عن هذا التساؤل بتعليل غريب عجيب، منطلقا في ذلك من فكرته بأنَّ القرآن إنَّما هو من تأليف محمد ×، معلِّلاً اختيار النبي هذا الأسلوب، لأنَّه يتماشى مع طبيعة الدين الإسلامي، الذي يؤمن تابعوه بالغيب، ويقول: «فلا تجوز في الدين مخاطبة الناس بالجليِّ المكشوف؛ لأنَّ ذلك مناقضٌ للإيمان بالغيب ... وإذا كان كلامك الذي تخاطبهم به من الله، لا منك، وما أنت فيه إلا مبلِّغ، كان من إيمانهم بالغيب أنْ يسمعوه، وإنْ لم يفهموه، ويقبلوه، وإنْ لم يدركوه، ويطيعوه، وإنْ لم يعقلوه».
«وخلاصة القول: إنَّ الدين لا يخاطب العقول، وإنَّما يخاطب العاطفة والإحساس النفسيَّ ليس إلا؛ لأنَّه لو خاطب العقول لما كانت النتيجة سوى الجدال والنقاش بلا جدوى، وإذا خاطب العقول أحيانا فإنَّما يخاطبها على سبيل التفكُّه من هذه الناحية، فلا يجرد خطابها من العاطفة كلّ التجريد ... » (1).
ويتجاهل الرصافي كل الآيات الصريحة المحكمة التي تدعو المؤمنين إلى استخدام العقل في أمور الدنيا والدين معا، ومدحه للذين ژگ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ں ں ? ژ (آل عمران: 191).
ولكي ينصرف عن هذه الحجج الدامغة كلها، التي تتعارض مع رؤيته، يعود إلى فكرته ومنطلقه بأنَّ ذلك أسلوب النبيّ، وقد تعمده تعمُّدًا، واختاره اختيَارًا:
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 648. (1/84)
صفحة 85
« ... إذا علمت هذا، فقد هان عليك أنْ تعلم بأنَّ وجود المتشابه في القرآن لم يكن اتفاقًا، ولا هو من عمًى وحصر، بل تعمَّدته بلاغة محمّد تعمُّدًا، وإلا فلو شاءت بلاغته لأتت به كالماسة الجوفاء، باطنها كظاهرها، متلألئ براق، وليس هذا على بلاغة محمَّدٍ بعسير، كما أنَّه ليس ذاك عن فطانته ببعيد» (1).
القصص القرآنية:
يناقض المؤلف في صفحات كثيرة قصة خلق آدم، وإسجاد الملائكة له، وتكبُّر إبليس من أن يسجد له، ويلاحق ما جاء من تفسير لهذه القصة في الكشاف للزمخشري، وينال الزمخشري ما شاء له من شراسته ويدحض كل ما جاء في هذه القصة على أنها خيال، لا أساس له، وإنما هي إسرائيليات اعتمدها محمّد من كتب اليهود، وذلك حيث يقول:
« .. هذه هي قصة آدم مع إبليس، وقد أخذناها بالإجمال والاختصار، ولو أتينا بتفاصيلها لطال الكلام، وهي في أصلها من خرافات بني إسرائيل في التوراة، فأخذت منها، وذكرت في القرآن بتصرف، فجاء في التصرف فيها على وجه يجعلها مؤدية إلى المغزى والغرض المقصود من إيرادها في القرآن، والذي نراه أنَّ المراد منها لا حقيقتها؛ إذ لا حقيقة لها، وإنَّما المراد تصوير ما لله من قدرَةٍ باهرَةٍ، وسلطان قاهرٍ، وحكمٍ مطلقٍ، وأنَّه تعالى لا يُسأل عمّا يفعل ... » (2).
المسيح بن مريم:
على غرار أسلوبه في قصة آدم مع إبليس، يسوق قصة عيسى؛ في صفحاتٍ كثيرةٍ، ويناقض ما جاء في القرآن الكريم مخالفًا لعقيدة المسلمين، وينتهي إلى القول:
__________
(1) - العجيب في الأمر أنَّ الرصافي يناقض نفسه تماما، ويأتي برأي مناقض في ص 663، فسبحان الله مقلب القلوب!
(2) - المرجع نفسه، ص: 684. (1/85)
صفحة 86
«والذي نراه أنَّ محمَّدًا كان يظن صلب المسيح منافيًا لمنزلته الرفيعَة المقدَّسة، وأنَّ الصلب مما يشين كرامته، وكان هو شديد الحرص على دخول الناس في الإسلام، يتحيَّن له الفرص، ويبتكر له الوسائل، فأراد أنْ يستميل إليه النصارى بأنْ يعظِّم المسيح كل التعظيم، ويجعله أعظم وأعلى من أنْ يُصلب، فنفى عنه الصلب، وقال برفعه إلى السماء، ظنًّا منه أنَّه بذلك يستميل النصارى إلى الإسلام، وفاته أنَّه بنفي الصلب قد هدَّم دينهم من أساسه، وأنَّ مثل هذا القول يعد في عقيدتهم كفرًا بعظمة المسيح» (1).
والرصافي بهذه الطريقة الماكرة والأسلوب الملتوي، الذي ظاهرُهُ مدحٌ وباطنه ذمٌّ، يريد إلى أنْ ينتهي إلى غرضه الذي ما فتئ يدعو إليه، وهو أنَّ القصص القرآني من تأليف محمد، ولا أساس له من الصحة في الحقيقة، كما مر بنا آنفًا، ولا يكتفي بقصة المسيح والمسيحيين، وإنَّما يضيف إليها قصص القرآن عن بني إسرائيل، ويعلله بالتعليل السخيف نفسه؛ حيث يقول:
« ... وكذلك انتهج محمد هذا النهج لاستمالة بني إسرائيل، ولإيلافهم، فأكثر من ذكرهم في القرآن، وأركبهم في غير سروجهم، وفضَّلهم على العالمين، وجعلهم أعز خلق الله على الله، وعظَّم أنبياءهم تعظيمًا لا يستحقُّونه، ولم يروا مثله في توراتهم.
ولقد لهج القرآن بذكر موسى وغيره من أنبيائهم، وجمع لبعضهم من الضدين النبوة والملك، كداود وابنه سليمان ... وشحن القرآن بقصصهم، وأقاويلهم، ومعجزاتهم، وخرافاتهم، حتى لا تكاد تجد سورةً خاليةً من ذكرهم، كل ذلك لاستمالة شرذمة منهم كانوا في دار هجرته» (2).
والحق أنَّ المرء ليعجب من قدرة الرصافي على تزوير الحقائق التاريخية، وليِّ أعناق الآيات حسب مبتغاه، ونظرته.
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 691.
(2) - المرجع نفسه، ص: 691. (1/86)
صفحة 87
والصواب أنَّ الرسول لم يكن في حاجة إلى كسب وُدِّ اليهود، ولا النصارى، ولو شاء لفعل، لكن القرآن واضحٌ في تبيين ضلالاتهم، وقتلهم لأنبيائهم، ولجاجهم في آيات ربهم ... ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ژ چ چ ? ? ? ?? ? ? ? ?ژ (المائدة: 79)، وقوله: ژ ھ ے ے ? ... ? ? ... ? ? ... ? ?? ژ (المائدة: 82) ..
وخلاصة القول:
إنَّ الهاجس المستبد بالمؤلف في بحثه هذا هو الوصول إلى تحقيق شيء واحد في أذهان القارئ، وهو أنَّ القرآن الكريم هو من تأليف النبي محمد ×، ولا صلة له بالوحي المنزَّل، رغم ما استخدمه من أساليب الالتواء والمداراة، يفلح أحيانًا في تغطية مقصده، حتى لا يثير عاطفة المسلمين ضده، ويخفق أخرى عندما تكون أقوال المفسرين ضد مبتغاه قوية ناصعة ...
ومن أجل هذا الغرض نراه يجتهدُ في حشد ما يزعمه أخطاءً بلاغيَّةً، أو دلاليَّةً، أو منطقيَّةً، حتى ولو أدَّاه ذلك إلى التطاول على الله سبحانه وتعالى نفسه، وهو ما دفعه أحيانًا كثيرةً إلى استخدام أسلوب التهكم، والسخرية، والانتقاص، والشتيمة. وتلك طريقته ولاسيما مع كل من يخالفه الرأي من المفسرين والعلماء، مهما كان قدرهم ومكانتهم العلمية.
فهل نجح الرصافي في منهجه، الذي هو في الحقيقة منهجٌ مكشوفٌ مفضوح؟!
قد ينجح فيه لو أنَّ من سبقه من المستشرقين وأعداء الإسلام نجحوا فيه، لا لشيء إلا لأنَّ الله سبحانه وتعالى منزِّل الكتاب رغم أنف الرصافي يقول: ژ ? ? ? ? ... ? ? ? ژ (الحجر: 9).
} - - {
إصلاح الأنفس بالقرآن
وليس بتغيير الإنسان (1)
__________
(1) - منشور في مجلة الحياة (يصدرها معهد الحياة وجمعية التراث) العدد 13، رمضان 1430هـ / سبتمبر 2009م. ص: 12 - 24. (1/87)
صفحة 88
شاع في هذه السنوات الأخيرة مصطلح «التغيير» ولاسيما بين الكتَّاب والدعاة والمحاضرين مشرقًا ومغربًا، حتى بات عند بعضهم منهجا، ورسالة، وغاية .. بل إنه أصبح من كثرة شيوعه وانسياب الناس وراءه شعارًا لمؤتمرات إسلامية وعربية رسمية وشعبية، وأصبح عناوين لبعض الكتب. وهم يُوردون هذا المصطلح في مجال إصلاح الذات وتغيير واقعها من السيِّئ إلى الحسن، وأنَّ التغيير لا ينجح ولا يؤتي ثماره إلاَّ إذا بدأ من الذات فردية كانت أم جماعيَّة، فتغيير واقع المسلمين ينبغي أن يبدأ من تغيير واقعهم المتردِّي وإزالة أسباب ذلك.
والعجيب في الأمر أنَّ أغلب الموظِّفين لهذا المصطلح ينسبونه إلى القرآن الكريم مستشهدين بالآية الكريمة: ژ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ??ژ (الرعد:11)، وهم يوردونها هكذا مبتورة مجزأة عما سبقها أو لحقها. فما مدى صحَّة هذا الاستشهاد لما يوظفونه من معاني التغيير؟ وهل معنى التغيير الذي يقصدونه في عالم اليوم هو التغيير نفسه الذي تعنيه الآية الكريمة؟
وبما أنَّ القرآن الكريم هو مصدرنا وموردنا نحن المسلمين إنما نزل بلسان عربي مبين فإنَّه لا يمكننا التعامل مع لغته العظيمة بعيدا عن مقاصد اللغة وبخاصة عندما يكون مفهوم الآية متعلقا ابتداء بفهم لغته، لأن تعبير القرآن، وغاية القرآن واضحة بقوله ژ? ? ? ? ? ? ? ? ںںژ (إبراهيم:04)، ومن ثمَّ نتساءل ما المعنى القاموسي لكلمة التغيير؟!
جاء في لسان العرب: تغيَّر الشيء عن حاله: تحوَّل، وغَيَّرَه: حوَّله وبدَّله كأنه جعله غير ما كان، وفي التنزيل ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ?ژ (الأنفال/53).
قال ثعلب معناها: «حتى يبدلوا ما أمرهم الله» وفي الحديث: «إنَّ الرسول كره تغيير الشيب أي نتفه».
فالتغيير (لغة) هو إزالة الشيء إزالة كاملة، وإحلال شيء آخر مكانه، والكلمة تحمل نفس المعنى الذي تحمله كلمة (التبديل) التي تعني هي الأخرى تغيير الشيء عن حاله كما جاء ذلك في لسان العرب. (1/88)
صفحة 89
وقد استخدم الرسول الكريم ح هذا المعنى ووضعه في مكانه الصحيح حيث قال في حديثه المشهور عن أبي سعيد الخدري س قال: سمعت رسول الله ح يقول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرهُ بِيَدِهِ فِإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (1)، ولا يمكن معالجة المنكر إلاَّ بإزالته وإحلال المعروف محلَّه، كما هو واضح.
فكيف ورد هذا المصطلح في كتاب الله؟
لكي يتَّضح لنا مدى ملاءمة المفهوم الحداثي مع مفهوم كتاب الله، يجدر بنا الرجوع إلى السياق العام الذي وردت فيه الآية الكريمة التي يستشهد بها هؤلاء وهي قوله سبحانه وتعالى: ژھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ??ژ (الرعد:11). يبدأ السياق متحدثا عن إنكار الكفار للبعث واستبعادهم له مخاطبا رسوله الكريم: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ?? ? ? ? ?? ? ? ?? ? ? ? ? ژ (الرعد:05)، إلى أن يقول مطمئنا رسوله والمؤمنين على قدرته في ملكوت السموات والأرض وأن الإحياء والإماتة بيده وحده، وأنه محيط بعلمه كل شيء مما تحمله كل أنثى؛ سواء أكتب له الحياة أو كتب له الممات: ژ ? ? ژ ژ s s ک ک کژ (الرعد:8،9)، والكبير المتعال عالم بكل ما يُسَرّ من القول وما يُجهَر به، وما هو مُسْتَخْفٍ بالليل ومتحرِّك بالنهار ثم يقول إنه وحده الكفيل بحفظ عباده بما سخره لهم من الملائكة الحافظين من بين أيديهم ومن خلفهم حيث يقول: ژ ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ?ژ (الرعد:11).
__________
(1) 1 - النووي، رياض الصالحين، ص83. (1/89)
صفحة 90
فالسياق الذي وردت فيه الآية الكريمة واضحة الدلالة على قدرته تعالى في تسيير ملكوته بعلمه المحيط بكل شيء دقيقه وجليله، وعلمه الشامل الكامل بما في الأجنة، واطلاعه الذي لا ينقطع على الغائب والشاهد، ودرايته بمصير جميع الناس أحياء وأمواتا، أكانوا في البر أم في البحر، أم في أجواف الحيوانات، أم في باطن الأرض.
وذكر في هذا الصدد وسيلة إثبات المعلومات وخزائن المعارف والوقائع لمواجهة علم الكفار عند الحساب مع علمه تعالى الدائم قبل حدوثه وبعد حدوثه، وأنه سخر لذلك ملائكته الذين لا يعصون الله فيما أمرهم به، وجعلهم معقبات قبل حدوث عمل الإنسان وبعده، يتعاقبون على حراسته بالليل والنهار حفظا وتدوينا بالكتابة وغيرها من الوسائل التي يعلمها الله وحده. فالعناية الربانية تشمل عباده بما يسخره لهم من ملائكة ينفذون أوامره ولا يعصونه في شيء، ولكنه من جانب آخر منتقم جبار ممن يكفر بآلائه ونعمائه، فكيف يكفر الكفرة أو ينكرون قدرة الله على الإحياء بعد الإماتة؟ وهنا يحذرهم بأن الله عادل لا يظلم أحدا وأنه من سنته التي جرى عليها الكون منذ خليقته ألاَّ يغير ما بقوم من نعمة إلى نقمة إلاَّ بعد صدور النكران والكفران منهم وأن انتقامه ذاك إذا جاء لا يحول دونه حائل ولا يرد حدوثه راد. فالمراد إذًا في هذه الآية من التغيير هو تغيير النعمة إلى نقمة، أو بعبارة القرآن ومفهومه من الإيمان إلى الكفر. (1/90)
صفحة 91
وبما أن القرآن يفسر بعضه بعضا، فلابد من وقفة متأنية مع الآية الكريمة من سورة الأنفال حيث يؤكد معنى انتقام الله من الكفرة وأنه لا يغير ما بهم من نعمة إلى نقمة إلا بحدوث الكفران منهم ويجيء التعبير والسياق ليؤكد هذا المعنى بوضوح وجلاء لا لبس فيه ولا ريب حيث يقول تعالى في معرض الحديث عن كفار قريش في وقعة بدر وهزيمتهم النكراء وأن ذلك هو مصيرهم الدنيوي ولعذاب الآخرة أشد، وأنهم يشبهون في هذا المصير آل فرعون وكل الذين كفروا بأنعم الله من الأمم السابقة فكان جزاءهم أن أخذهم الله أخذا شديدا بذنوبهم وعاقبهم عقابا أليما في الدنيا والآخرة، وما كان الله ليغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وبعد أن يبدلوا الكفر بالإيمان والجهل بالعلم والضلال بالهدى، والرشاد بالبغي يقول تعالى: ژ ے ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ?? ? ... ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ژ (الأنفال: 50 - 53).
وذلك هو مصير الأمم الكافرة كآل فرعون وغيرهم فكان جزاءهم أن أزال الله عنهم تلك النعم التي كانوا يتفيؤون ظلالها، وما كان الله ليظلم أحدا من عباده ما ساروا على سنته إيمانا به وشكرا لنعمائه وامتثالا لأوامره واجتنابا لنواهيه، لكنهم إن غيروا وبدلوا غيَّر الله عليهم وبدل، والله قوي شديد العقاب. (1/91)
صفحة 92
فالمعنى العام الذي تقصد إليه الآية في سورة الرعد وفي سورة الأنفال تغيير حال الكفار من نعمة كانوا عليها ابتداءً إلى نقمة كانوا هم السبب فيها، وليس العكس وهو ما يقصد إليه أغلب أولئك الذي يستشهدون بهذه الآية الكريمة دون النظر في سياقها العام، وبما أن القرآن يفسر بعضه بعضا كما يقال فهو مليء بهذه المواقف التي انتقم الله فيها على مر القرون من أقوام كفروا بنعمائه فاستحقوا سخطه ژ? ? ? ? ? ? ? ژ (الإسراء: 15)، ژ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (هود: 117)، وقصص القرآن يصب أغلبه في هذا الاتجاه قصة قوم نوح وعاد وثمود ولوط وشعيب وقوم فرعون، وغيرهم ممن حلَّ عليهم سخط الله وانتقامه.
وقد استخدم القرآن كلمة أخرى وهي التبديل التي لها المقصد الذي تحمله كلمة التغيير نفسه كما جاء ذلك في حديثه عن مصير قوم سبأ حيث قال: ژ ? ? ? ? ? پپ پ پ ? ?? ? ? ? ? ? ?? ? ? S S S S ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ?ژ (سبأ: 15 - 17).
وهذا ما يتماشى مع المنهج الرباني ومع سنَّته في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا.
ومع ذلك فإن الإنسان كفور، كثيرا ما يكفر بنعم الله ويتجرَّأ على آلائه وقدرته، وعندها يكون الله له بالمرصاد مبينا مزيد علمه وفضله وعدله فلا عقاب بدون جريمة ولا انتقام بدون تعد لحدود الله ولا زوال لنعمة حتى يكون الكفران بالمنعم فتأتي الآية صريحة ژھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ??ژ، وتلك سنَّة الله في خلقه منذ بدأت الخليقة إلى قيام الساعة. (1/92)
صفحة 93
فإن الله لا يغير ما بقوم من نعمة وعافية فيزيلها عنهم، وينتقم منهم إلا بعد تغيير ما بأنفسهم بأن يكون منهم الظلم والمعاصي والفساد وارتكاب الشرور والآثام التي تهدد وتدمر كيان الأمم، وقد أوضح حديث رسول الله هذا المفهوم القرآني بوضوح وجلاء حيث قال عن أبي بكر الصديق س عنه قال رسول الله ح «إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ» وهذا مصداقًا لقوله تعالى ژ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ??ژ (الأنفال:25)، ويقول الرازي في التفسير الكبير معقبا على معنى الآية:
« ... فكلام جميع المفسرين يدل على أن المراد لا يغير ما هم فيه من النعم بإنزال الانتقام إلا بعد أن يكون منهم المعاصي والفساد، قال القاضي: والظاهر لا يحتمل إلا هذا المعنى لأنه لا شيء مما يفعله تعالى سوى العقاب إلا وقد يبتدئ به في الدنيا من دون تغيير يصدر عن العبد فيما تقدم لأنه تعالى ابتدأ بالنعم دينا ودنيا ويفضل في ذلك من شاء على من يشاء فالمراد مِمَّا ذكره الله تعالى التغيير بالهلاك والعقاب» (1).
__________
(1) - التفسير الكبير الجزء 19، ص22. (1/93)
صفحة 94
ويقول الشيخ الشعراوي مؤكدا هذا المعنى الذي ذهب إليه الرازي: «هكذا نعلم أنَّ الصيانة للإنسان والحفظ له والإمداد له قبل أن يولد، كل ذلك لم يرجع عنه الله مادام الإنسان يمشي على صراط مستقيم، لكن إذا ما حاد الإنسان عن الصراط المستقيم يلفته الله ببعض العبر والعظات ليعود إليه، والتغيير الذي يجربه الله على البشر حتى يغيروا ما بأنفسهم يشمل الإمدادات الفرعية، أمَّا الإمدادات الأصلية فلا يمنعها عنهم مثل الشمس والقمر والنجوم والهواء .. ويصيبهم في الأشياء التي من الممكن أن يسير الكون في انتظامه رغم حدوثها، فالمصيبة في المال أو المصيبة في النفس .. وهكذا نجد الحقَّ سبحانه وهو يغير لا يتغيَّر فهو المغيِّر لا المتغيِّر ... ويدلنا أنه سبحانه لا يتدخل إلاَّ إذا عنت الأمور وفسد المجتمع واختفت الأنفس اللوامة من هذا المجتمع، واختفى من يقدرون على الردع ولو بكلمة من هذا المجتمع، هنا يتدخَّل الحق سبحانه» (1).
ومن المفسرين المعاصرين من يوضِّح هذا المعنى، يقول: «أي أن الله لا يغيِّر ما بقوم من نعمةٍ وعافيةٍ فيزيلها عنهم وينتقم منهم إلاَّ بتغيير ما بأنفسهم؛ بأن يكون منهم الظلم والمعاصي والفساد وارتكاب الشرور والآثام التي تهدم بنية المجتمع وتدمر كيان الأمم».
«وواقع التاريخ الإسلامي في القرون الماضية يدل دلالة واضحة على أنَّ الله تعالى لا يغير ما كان عليه حال الأمة الإسلامية عزَّة ومنعةً، ورفاه وحرية، وعلمًا وتفوُّقًا في جميع الميادين إلا بعد أن غيروا ما بأنفسهم فحكموا بغير القرآن وأهملوا دينهم وتركوا سنة نبيهم وقلدوا غيرهم، وضعفت روابط التعاون بينهم وساءت أخلاقهم وانتشرت الموبقات فيهم وقد وعد الله الأرض من يصلحها بقوله ژ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (الأنبياء:105)» (2).
__________
(1) - تفسير الشعراوي الجزء 12، ص72 وما بعدها.
(2) - التفسير المنير ج 13، 14. ص124. (1/94)
صفحة 95
فإذا كان الأمر كذلك والمنهج الرباني القرآني يؤكِّده عندئذ، يكون من الخطأ فهم التغيير في الآية الكريمة على أنَّه التغيير من سيِّءٍ إلى حسن، ومن فسادٍ إلى صلاح ومن تخلُّف إلى تقدم، بل العكس هو الصحيح لأنَّ معنى التغيير هو الإزالة كما أوضحنا، فمن باستطاعته من المخلوقين تغيير فطرة الله التي فطر الناس عليها ومن بيده التغيير المخلوق أم الخالق؟!
إذاً لا مجال حينئذ والمفهوم القرآني صريح وواضح أن ندَّعي بأنه إرادة التغيير من حسن إلى سيء هو من منطلق قرآني، والذي يعضد هذا المفهوم الواضح القرآن نفسه حيث عبَّر عن هذا المفهوم بكلمة أخرى هي «الإصلاح» وهذا الذي يدفعنا إلى وقفة من جهة أخرى.
الإصلاح لا التغيير:
جاء في لسان العرب: «الصلاح ضدُّ الفساد، ورجل صالح في نفسه من قوم صلحاء، ومصلح في أعماله وأموره، وقد أصلحه الله، والإصلاح نقيض الإفساد»، «والربُّ بمعنى المصلح، وربَّ الشيءَ إذا أصلحه» (1).
من الدلالة المعجمية للفظة الإصلاح ندرك أنَّ الصلاح لا يمكن أن يجتمع مع الفساد، لأنهما متناقضان، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ??ژ (يونس:81).
ومن هنا وردت هذه الكلمة في كتاب الله (2) أسماء وأفعالا، ووردت على جميع الصيغ ماضيا ومضارعا وأمرا، وارتبطت بالإيمان كشرط أساسي له، فلا إيمان يقبله الله دون عمل صالح يتبعه ويؤازره، ژ? ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک ک گ گژ، (الأنعام: 48).
__________
(1) 3 - لسان العرب: مادة: «رَبَبَ».
(2) 1 - وردت في قوله تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}، النمل/48، ومن ثمة استخدمها القرآن على لسان موسى عليه السلام حين طلب من أخيه هارون أن يكون من المصلحين لا من المفسدين، قائلا له: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} الأعراف/142. (1/95)
صفحة 96
كما ربط بها التوبة النصوح وقبول المغفرة وشمول رحمته، ژ? ? ? ? S S S S? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ?ژ (الأنعام: 54).
وارتبط الصلاح صفة بالعمل الذي يريده الله من عباده المؤمنين ويكون جزاؤه الجنة في الآخرة والتوفيق والرشاد في الدنيا، فقال في أكثر من آية: ژک گ گ گ گژ، وما ذكر العمل المقبول عند الله إلاَّ ووصف بالصلاح والصالحات والإصلاح، ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (النساء: 114)، وقد وصف كل رسالات الأنبياء بالصلاح ووصف الأنبياء أنفسهم بأنهم عباد صالحون؛ فقال عن امرأة نوح ولوط ژ? ? ? ? ? ںژ (التحريم: 10).
ووصف إبراهيم حيث قال: ژ? ? ? ? ? ?ژ (الشعراء: 83).
ووصف به يوسف فقال: ژ ? ? ? ?ژ (يوسف: 101).
وإسحاق ويعقوب: ژ? ? ? ? ?? ? ? ?ژ (الأنبياء: 72).
ووصف به عيسى: ژ? ? ? ? ? پ پژ (آل عمران: 46).
و وصف به يحيى:ژ ? ? ? ? ?ژ (آل عمران: 39).
ووصف به:ژ ژ ژs s ک کژ (الأنعام: 85).
ووصف بالإصلاح شعيبًا وموسى: ژ? ? ? ? ? ?ژ (القصص: 27).
ويونس: ژ ? ? ? ? ?ژ (القلم: 50).
ومن ثم جعل الصالحين والصدِّيقين في مكانة واحدة في جنة الفردوس مع النبيئين والصديقين والشهداء، ژ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژژ (النساء: 69).
ذلك أن النبوات كلها لا يرسلها الله إلا حين يعم الفساد ويأتي النبي المُرسل بمنهج ربّاني يدل الناس إلى ما يصلح أحوالهم من خلال إفعل ولا تفعل، أي آمرا ناهيا نذيرا وبشيرا ليكون النبي المرسل هو الأسوة المثلى لتطبيق ذلك المنهج الرباني كما قال شعيب: ژ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?ژ.
وجعل الإصلاح صفة لازمة لعباده المؤمنين الذين يمكِّن لهم دينهم في الأرض ووعدهم بالنّصرة ژ? ? ? ? ?ژ (الأنبياء:105)، وقد أبعد عنهم الانتقام والعذاب، ژ ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (هود:117)، ووعدهم بالمغفرة وجعل العمل الصالح شرطا للتوبة النصوح:
- ژ گ ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (طه:82).
- ژ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (فصلت: 33). (1/96)
صفحة 97
- ژ ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ?ژ (الفرقان: 70).
- ژ ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ?ژ (البقرة: 160)
ووعد الصالحين بالجنة جزاءً لهم فقال:
-ژ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ
(البقرة: 62).
- ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (المائدة: 69).
- ژ ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گژ
(النحل: 97).
- ژ ? ژ ژ s s کک ک ک گ گ گ ژ
(الكهف: 88).
- ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (الكهف:110).
- ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (مريم:60).
وهكذا فإنَّه من خلال تحديد القرآن الكريم لكلمتي «الإصلاح» و «التغيير» ودلالتها من سياقاته وآياته يتبين لنا ما يلي:
أولا: أنَّ الله حين خلق الإنسان إنما خلقه في أحسن تقويم، والتقويم المراد هنا لا يعني الشكل وحده بل يعني كل الجوانب الأخرى الروحية والعقلية والذهنية والنفسية، ويأتي في قمة التقويم إيمانه بربه الذي خلقه ورزقه كما أوضح الله سبحانه وتعالى ذلك في ژ S S S S ? ?ژ (الآية) فالإيمان بالخالق فطرة في هذا الإنسان المخلوق كما حدد ذلك في آية أخرى حيث يقول مخاطبا رسوله الكريم ژ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (الروم: 30).
ونلحظ هنا استخدام الآية بدل التغيير التبديل وهو يؤدي المعنى نفسه ژ? ? ? ??ژ فكل تغيير في فطرة الإنسان بفعل الإنسان إنما هو خروج عن منهج الله إلى منهج الشيطان لأن الله هو الوحيد الذي يعلم ما يصلح هذا الإنسان ژ ? ? ? ? ? ? ? ژ (الملك: 14).
وأكد الله سبحانه وتعالى هذا الخروج عن الفطرة على أنه من عمل الشيطان حيث جاء على لسان الشيطان أن من مساعيه تغيير فطرة الله في هذا الإنسان. (1/97)
صفحة 98
ژ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ... ژ (النساء: 119)، وينادي الشيطان الوسواس الخناس إلى التغيير بكل الطرق والوسائل ومنها التضليل وإلقاء الأماني في القلوب والأمر بالخروج عن الفطرة التي خلق الله عليها عباده وقد قال جماعة من المفسرين تغيير خلق الله معناه دين الله عز وجل وكما ثبت في الصحيحين «إنَّ كلَّ مولودٍ يُولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسَانه»
ثانيا: حين نبحث عن المصطلح القرآني البديل الذي ينبغي لنا تبيينه واستخدامه في طرق الدعوة ولفت نظر الناس إليه، نجد أنَّ كلمة «أصلح» وما اشتُقَّ منها للدلالة العقلية الزمنية أو التسمية الجامدة الدائمة هي الكلمة التي اختارها القرآن للتعبير عن هذا المنهج الرباني كما أوضحنا والعجيب في الأمر أن القرآن استخدمها لأحوال المسلمين في الدنيا والآخرة ژ ژ s s ک ک ک ک گ گژ (الأنعام: 48)، فقال على لسان الرسول الكريم محمد ح ژ ? ? ? ? ? پپ پ پ ?ژ،، وما من شك في أنه يتولاهم دنيا وأخرى ويكون جزاءهم الجنة، ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (غافر:40).
ومن هنا اقترنت كلمة الصلاح بالإيمان اقترانا دائما لازما أبديا، فما ذكر الإيمان إلا وذكر الصلاح ژ? ? ? ?ژ وما ذكر الصلاح إلا وذكر معه الإيمان وكلاهما يكمل الآخر تكملة تداخل وتماثل، وما وصف الأنبياء أصحاب الرسالات المختارين لتبليغ رسالة الله للناس ومنهجه الرباني لهم إلا على أنهم عباد صالحون وبذلك اجتباهم واختارهم لهذه الخاصية فيهم وإن الذين يرثون الأرض ويمكنهم الله بها عباد صالحون، وحكم بذلك في كتبه المنزلة حيث قال: ژچ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (الأنبياء: 105). وسواء أكان المراد بكلمة الأرض الدنيا أم أرض الجنة في الآخرة على اختلاف بين المفسرين فإن ذلك يزيد قيمة وسموًا ورفعة لمعنى كلمة (الصلاح)، ولا يخصِّصها لهذه الدار أو تلك. (1/98)
صفحة 99
ثالثا: ربط الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم الإصلاح العملي أي العمل الصالح مهما يكن نوعه بالعمل القلبي فربطه بالإيمان فقال ژ ژ s s ک ک ک ک گ گژ (الأنعام: 48)، وبالتقوى فقال مخاطبا بني آدم جميعهم ژھ ھ ے ے ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (الأعراف:35).
وربطه بالتوبة النصوح والإنابة الحقيقية إلى الله، حتى ولو كان صاحب التوبة منافقا قبل توبته ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (النساء: 146).
ألا توحي هذه المكانة العظيمة بأنَّ العمل الصالح المرتبط بالعقيدة الصحيحة هو الأساس لقبول الأعمال الأخرى؟ وأن العقيدة وحدها لا تكفي دون عمل صالح يُبتغى من ورائه إصلاح النفس وإصلاح الغير ليعمَّ الصلاح المجتمع المؤمن كله ويحظى بالتالي برضى رب العالمين؟ ولذا أيضا جعله أساسا للمجتمع المؤمن حين التعامل بين أفراده في كل حالاته السلمية والحربية فقال ژ ? ? ?? ? پ پ پپ ? ? ? ? ??ژ (الأنفال:1)، وقوله أيضًا: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? S S S S ? ? ? ژ (النساء: 114).
وللمكانة العظيمة للإصلاح والمصالحة جعلها الله أساسا لكل خير في الأوقات العصيبة، فتكررت كلمة «فأصلحوا» ثلاث مرات حيث يقول: ژ? ? ? ? ? ں ں? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھے ے ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ?ژ الحجرات (9 - 10)، فنلحظ هنا أنَّ الإصلاح حاضرٌ في كلِّ مستويات حالات المسلمين حين الاقتتال، وحين المصالحة، لأنَّ الأخوَّة الحقيقية لا تكون إلا بالإصلاح الأخوي المطلوب في كلِّ الحالات. (1/99)
صفحة 100
رابعا: إنَّ سعادة المرء المسلم لا تتوفَّر إلاَّ في ظل الصلاح والإصلاح؛ سواء أتعلق ذلك بنفسه أم بعلاقته مع ربه وأهله وذويه ثم كل الدوائر التي تحيط به، من مجتمعه الأسري إلى الأممي الخاص والعام، وذلك حيث يقول: ژ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (الأحزاب:70،71)، بل وجعل ذلك علامة النضج الإيماني والعقلي والنفسي حيث يقول: ژ ? ? ? ? ? S S S S ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چچ چ چ ? ? ? ?ژ (الأحقاف: 15)، ژ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (فصلت: 38).
خامسا: الإصلاح والفساد كلمتان لا تجتمعان ولا ترتفعان كما يقول المناطقة، إذ لا يمكن اجتماعهما في آن، ولا يمكن غيابهما أيضا ولا يحضر أحدهما إلاَّ عند غياب الآخر، فحيثما كان صلاح لا يكون فساد، وحيث كان فساد لا يكون صلاح، ولا يكون الفساد إلاَّ إذا غاب الإصلاح في الأفراد والمجتمعات. وقد حدد الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في عدة آيات هذا المعنى من ذلك قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (هود: 117).
وبقدر ما كان الإصلاح صفة لازمة من صفات الرسل فإنه بقدر ما كان الإفساد صفة لازمة للطاغوت الذين كانوا يحاربونهم؛ ژچ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (النمل: 48).
سادسا: إنَّ الجزاء الذي أعدَّه الله للصالحين والمصلحين لهو جزاء عظيم؛ فأعد لهم عنده المغفرة والرحمة كما قال: ژ گ ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (طه: 82).
ووعدهم وعدًا صادقا بالحياة الطيبة عاجلا في الدنيا وآجلا في الآخرة ژ ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گگ ? ? ? ? ? ?ژ (النحل:97).
وأن ثوابهم في الجنة ثواب عظيم حيث يقول عنهم: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (مريم:60 - 63). (1/100)
صفحة 101
سابعا: مما سبق يتبيَّن لنا أن مصطلح التغيير بالمفهوم الحداثي الذي هو تغيير الأنفس من السيئ إلى الأحسن لا يمكن الادعاء معه على أنه مفهوم قرآني؛ لأنَّ المعنى اللغوي للمصطلح يرفض ذلك ويردُّه، ذلك أن القرآن هو الدستور الذي لا يتغير وأن الدين الإسلامي رسالة كاملة شاملة ليس فيها نقص كما يقول الله سبحانه وتعالى: ژ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ?? ژ (المائدة: 3)، هذا من جانب، أمَّا الجانب الثاني فإن الله عندما خلق الإنسان خلق فيه بذرة الإيمان بالخالق الفرد الصمد، وأن كل تنكر من الإنسان لذلك يعد خروجا عن الفطرة السوية، ثم إنَّ الله أكمل هذا الإيمان بالشرائع المنزلة على لسان رسله وجعل شريعة الإسلام خاتمة الرسالات كلها، وجعل القرآن الكريم مهيمنا على الكتب السابقة جميعا، ولقد عبر القرآن عن هذا الكمال في شريعة الإسلام بقوله تعالى: ژ چ چ چ چ ?? ? ? ? ? ? ? ?? ژ (الأنعام: 153)، وقد أوضح رسولنا الكريم في قوله «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ البَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيغُ عَنْهَا إِلاَّ هَالِكْ».
ثامنا: ننتهي إلى القول بأنَّ مصطلح التغيير بالمفهوم الحديث مصدرُه غريب عن قرآننا، وإنَّما هو جاءنا مع الثقافة الغربية الوافدة عبر وسائلها المتعدِّدة المعروفة، حتى أصبحت شعارًا سياسيًّا لدولة عظمى في الحملة الانتخابية، ودخلت بقوَّة في حياتنا اليومية بواسطة ما يطلق عليه اليوم التنمية البشرية التي ترتكز عادة على علم النفس الغربي لا على علم النفس القرآني، فالصوابُ إذًا أن نعود إلى المصطلح القرآني ليشملنا أجر المصلحين كما يقول الله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ???ژ. (الأعراف: 170).
} - - {
منهج الاستقامة من منظور قرآني (1)
__________
(1) - محاضرة تحت هذا العنوان ألقيت بمسجد «العاليا» بالجزائر العاصمة، في أسبوع دعوي بتاريخ (02 ماي 2012). (1/101)
صفحة 102
إِنَّ المتأمل في كتاب الله بتدبُّر وإمعان يُدْرك أَنَّ مدار هداية كلام ربِّ العالمين في كتابه العظيم كله حقيقة ثابتة واحدة هي «الصراط المستقيم»، فإِنَّ الله خلق الإنسان وحدَّد له هدفا واحدا يَعملُ من أجله في دنياه ليوصله إلى السعادة في أخراه، وذلك الهدف الموصل إلى هذه السعادة الكبرى التي يتمناها كل إنسان سوي، لا طريق له إليها غير الصراط المستقيم الذي وضع منهجه وطريقه ومبدأه ومنتهاه خالقُ السماوات والأرض، الذي خلق الأشياء كلَّها فقدرها تقديرًا، وحدد روحها منشأً ومصيرًا. وكذلك علَّمنا ربنا: ژ چ چ چ چ ?? ? ? ? ? ? ? ?? ژ ژ sژ (الأنعام:153).
ولكي يوضح الرسول ح هذا الصراط المستقيم الموصل وحده إلى الجنة والسعادة الأبدية، قدَّم أمام الصحابة رضوان الله تعالى عليهم رسما تخطيطيا حتى يقرَّب المعنى العام إلى أفهامهم بطريقة واضحة جلية ترسخ في الأذهان، وتعمل من أجلها الأبدان. فرسم خطًّا في الأرض له بداية وله نهاية، وأخرج من ذلك الخط خطوطًا عن اليمين وعن الشمال، فأشار إلى الخط المستقيم وقال: «هذا الصراط المستقيم»، وأمَّا الخطوط المتفرقة عنه فهي السبل التي نهانا الله عن اتباعها، لأَنَّها تبعُد بنا عن الهدف، وهذا التبيين يدركه العقل دون تفكير، لأَنَّه من البداهات الفطرية، وهو أَنَّ أقرب مسافة بين نقطتين هي الخط المستقيم.
ومن هنا كان الرسول ح حريصا على أَنْ يُجيب السائلين من صحابته بقول جامع ليس فيه تعقيد ولا تكرار، فقد جاء في الحديث عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: قُلْ لِي فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ - وَفِى حَدِيثِ أَبِى أُسَامَةَ: غَيْرَكَ - قَالَ «قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» (1).
__________
(1) - رواه مسلم في صحيحه، باب جامع أوصاف الإسلام، رقم: 168، ج:1، ص: 47. (1/102)
صفحة 103
فالرسول ح وقد أوتي جوامع الكلم قد جمع هذا المنهج في كلمتين بسيطتين واضحتين: الإيمان بالله الذي هو العقيدة الصحيحة الثابتة بشهادة أن لا إله إلا الله وأَنَّ محمدًا رسول الله، والأصول العقدية الأخرى المذكورة في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ںں ? ... ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے? ? ? ? ?ژ (البقرة: 285).
والركن الثاني الذي وضَّحه الرسول ح هو العمل الصالح؛ المتمثل في قوله: «ثُمَّ اسْتَقِمْ» (1)؛ استقم في حياتك كلها؛ مع ربك، ومع نفسك، ومع الناس، استقم في عبادتك، ومعاملاتك وسلوكك وأخلاقك .. وبها خاطب الله نبيه وهو خير الخلق أجمعين ژ ژ ژ s s ک ک کک گ گ گ گژ (هود: 112).
والاستقامة رأس الحكمة كلها، لأَنَّها كما يقول العلماء «لزوم طاعة الله»، وهي من جوامع الكلم، وعلى الرغم من بساطة الكلمة ووضوحها فإِنَّ معناها لمن تأمل فيها، عظيم خطير، وعظمتها وخطورتها تعود إلى عدم قدرة الإنسان على تجسيد معانيها على أرض الواقع ـ إِنْ جاز التعبيرـ ولو لم تكن الكلمة بهذا الشأن العظيم لما قال الرسول الكريم عنها: «شيَّبَتْنِي هُودُ وَأَخَوَاتُهَا»؛ ذلك لأَنَّ هذه السورة تمتازُ بما فيها من القوارع المستمدَّة من قصص الأنبياء مع أقوامهم؛ نوح، وإبراهيم، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب (عليهم السلام)، ثم لدعوتها الشديدة في مخاطبة الرسول ح والمؤمنين بكلمة «استقم» واثبت على منهج الاستقامة.
روى أبو عيسى الترمذي عن أبي العباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شِبْتَ قال: «شيَّبتنِي هُودُ، والواقِعَةُ، والمرسَلات، وعَمَّ يَتَساءَلُون، وإذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ». وسئل عما شيَّبه من سورة هود، فقال: قوله تعالى: «فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ» (2).
__________
(1) - المصدر نفسه، ص: 47.
(2) - وهبة الزحيلي، التفسير المنير، المجلد (11/ 16)، الجزء 12، ص: 6. (1/103)
صفحة 104
والناظر في القرآن يلحظ بأَنَّ كلمة الاستقامة وردت على جميع الصيغ في المخاطبة فوردت بصيغة الأمر «استقم» في سورتي هود، وفي الشورى في قوله تعالى: ژ ? ?? ? ? ?? ? ? ??ژ (الشورى: 15).
ووردت بصيغة المثنى «استقيما» مرَّة واحدة في مخاطبة موسى وهارون عليهما السلام ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ژ (يونس: 89).
ووردت بصيغة الجمع «استقيموا» في سورة التوبة في قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ?? S S S S ژ (التوبة: 7)، وفي قوله تعالى: ژچ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ژژ (فصلت: 6).
وفي هذه الصيغ المختلفة ما يُؤكد أَنَّ القرآن يخاطب بها جميع المؤمنين خاصتهم وعامتهم، أفرادهم وجماعاتهم، حكامهم ومحكوميهم، لأَنَّ الاستقامة لا تفيد شيئا في سعادة المجتمع واستقراره إِنْ لم تكن شاملة لجميع طبقاته وهيئاته، وهي تعني حياة المؤمنين بخاصة في جميع مجالات حياتهم، من البيت إلى الأسرة، إلى العائلة، إلى القرية، إلى الوطن، لأَنَّ الاستقامة تشملهم جميعا بنتائجها، ولا يمكن تصور حدوثها في محيط دون آخر أو حالة دون أخرى، فهي إِنْ كانت فيكون صلاح الدنيا والآخرة، أو لا تكون ـ لا قدر الله ـ فيكون فسادها.
كيف تكون الاستقامة؟
الجواب ـ لمن تأمل ـ موجودٌ في الآية نفسها ژ ژ ژ ژ (هود: 112) أعني أَنَّ الاستقامة لا تكون إلاَّ في اتِّباع منهج الله المبني أساسًا على الأوامر والنواهي، افعل ولا تفعل. فبعد الإيمان الثابت بالدينونة الصافية لله وحده يأتي التطبيق العلمي المتمثل في الإتيان بالأوامر، والانتهاء عن النواهي، على النحو الذي شرعه الله وحدده، لا زيادة ولا نقصان فيه، لا إفراط ولا تفريط، وتلك هي الوسطية التي ميز الله بها نبيه محمد ح ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ژ (البقرة: 143). (1/104)
صفحة 105
وهذه الآية التي تحدِّد صفات أمَّة القرآن تؤكِّد معنى الاستقامة المبنيِّ على الصراط المستقيم، كما وضَّحه الرسول الكريم، فالبداهة تقول إنَّ ملتزم الخط المستقيم لا يمكنه الخروج يمنة أو يسرة، لأنَّ المنطق يقول إنَّ أيَّ انحراف عن الخطِّ المستقيم قد يكون سببه الانحلال الخلقي، وقد يكون سببه التشدُّد على نحوٍ لم يأمر الله به، وهنا يتَّضح لنا بأنَّ المنهج القديم هو الذي خطَّه لنا القرآن الكريم لا غيره، ثم وضَّحه وبيَّنه الرسول العظيم، وكلُّ ما عداه من اجتهادات فردية أو جماعية، في شؤون دينية أو دنيوية إنْ لم تكن على النحو الذي أمر الله به أو نهى عنه فإنَّها لا محالة خروج عن ذلك الهدف المقصود الذي اختاره لنا، ومن ثم فإنَّ الأمر في أمر الدين لن يكون على أسس أخرى مهما كانت هذه الأسس، ولا يمكن أنْ تُعطى لها صفة الشرعية ولو كانت نافذة أو جماعية أو عرفية إذا كانت تصطدم مع المنهج الربَّاني الذي هو الصراط المستقيم، الذي خطه الله لنا وحدده رسوله الكريم.
وموقف القرآن من هذه القضية واضح حيث يقول: ژ? ? ... ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? S S S ... Sژ (الأحزاب: 36). فالعاقبة التي تقرِّرها الآية عند الخروج عن منهج الاستقامة هو الضلال المبين أي التيه الموصل إلى الشقاء والعياذ بالله. (1/105)
صفحة 106
وعندما نعرض واقع المسلمين اليوم نجد مأساتهم المؤسفة تتمثَّل في عدم التزامهم بهذه الآية، أي عدم وقوفهم بجدٍّ وثبات وعزيمة في حدود الاختيار من أوامر الله ونواهيه، ونجد هذا الموقف للأسف الشديد عند الخاصة والعامَّة، عند العلماء والمفكرين والدعاة، سواء بسواء، بل نجد ذلك بصفة أوضح في الحكام المسرفين على أنفسهم، الظالمين لمحكوميهم، المتهاونين في تطبيق شِرعة ربهم، وإنْ ادَّعوا غير ذلك، لأنَّ العبرة في المنهج المستقيم بالعمل وليس بالقول، بالتطبيق الواقعي، وليس بالادعاء الكاذب، وما هذا الانحراف عن الخط المستقيم إلاَّ لسبب وجيه، وهو تصوُّرهم أنَّ المنهج المستقيم هو الموصل إلى سعادة الدنيا، إذ يصعب عليهم تغليبُ المنهج الموصل إلى السعادة الباقية في الدار الأخرى على المنهج المتصوَّر عندهم الموصل إلى السعادة العاجلة، سعادة الدنيا، مهما يكن نوعُها، جاهًا أو سلطة أو مالا أو منفعة، وما أكثر منافع الدنيا وإغراءاتها. والله سبحانه وتعالى يحذِّر تحذيرا شديدا من هذا التصور الخاطئ المُؤَدِّي بصاحبه إلى خسران الآخرة الباقية وإنْ ربح الدنيا، وانقادت له حسبما يهوى ويشاء.
ژ? ? ... ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ s ... sک ک ک ک گ ... گ گ گ ?ژ (هود: 15،16).
فالله عادل، ژ ? ? ? ?ژ، فسعيُ أهل الدنيا مضمونٌ لهم مُوَفَّى، لا يخشون أن تضيع حقوقهم ولكن في الدنيا التي اختاروها وعملوا من أجلها، فالجزاء إذًا من جنس العمل، ولكنهم في الآخرة التي نسوها وغفلوا عنها وأَجَّلُّوها، لا نَصيبَ لهم فيها، بل إنَّ مصيرهم والعياذ بالله نارٌ حامية، ولن تُجديَ تلك الأعمال التي قدموها في الدنيا الفانية، لأنَّها فانية بفنائها، وأعمالهم مهما تكن في تصورهم الخاطئ كثيرة واسعة، فإنَّها باطلة عند الله يوم الجزاء والحساب، لأنَّهم تعاملوا مع الله بتصوُّرهم الخاطئ، لا بمنهجه المستقيم الذي حدَّده لهم. (1/106)
صفحة 107
هذا الوعد المُرعِبُ الذي تَقشعرُّ منه الأبدان، وتشيب من هوله الولدان، يُقابله عند الله الرحمن الرحيم ما أعدَّه الله للمتقين في جنات الخلد والرضوان.
ثمرات الاستقامة:
من صفاتها ما يضفيه الله على عباده المستقيمين من طمأنينة نفسية، وسكينة قلبية، وهي مدار سعادة الإنسان ولا شكَّ، فإنَّ الانسجام مع النفس من أغلى ثمرات الاستقامة، فالمؤمن المُوَفِّي لدين الله، عبادة أو معاملة، يشعر بذلك الرضى الذي يَنزِل على قلبه فيحيل حياته طمأنينة نفسية هادئة كلما قدَّمَ عملا صالحًا، كأنْ يُدرك صلاة الفجر مع جماعة، أو يُنفق مالا حيث لا يرجو برَّه إلاَّ مِنْ ربه، لا ينتظر جزاءً ولا شكورًا من أحد من المخلوقين، وتلك السعادة التي يصفها القرآن بقوله «النفس المطمئنَّة» يقابل بها عادة «النفس الأمَّارة بالسوء».
والطمأنينة النفسيَّة أوَّل شروط «الحياة الطيبة» التي وَعدَ الله بها عباده وعملوا الصالحات في قوله تعالى: ژ ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گگ ? ? ? ? ? ? ژ (النحل: 97).
ومن علامات الحياة الطيبة أنْ يشعر المرء بالدفء والمحبَّة ممن حوله في محيطه كله، صغرت الدائرة أم كبرت، يشعر بالمحبَّّة من أسرته وزوجه، وأبنائه وقومه، وكلِّ الذين يتعاملون معه، أو يتعامل هو معهم، فهو حيثما توجَّه يُستقبَل بالمودَّة والحنان، وذلك هو الودُّ الذي وعد به الرحمن عباده حيث يقول: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پژ (مريم: 96). (1/107)
صفحة 108
وقد جاء ذلك الودُّ في حديث رسول الله ح حيث يقول: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ: يَا جِبْرِيلُ إِنِّي أَحْبَبْتُ عَبْدِي فُلاَنًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ أَلاَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ عَبْدًا فَمِثْلُ ذَلِكَ» (1).
تلك بعضُ صفات النفس المستقيمة في الدنيا، ولكنَّ أغلاها وأعزَّها ما ينتظرها من جزاء أُخروي عند الله عظيم، وتلك هي السعادة الأبدية التي وعد الله بها عباده المستقيمين حيث يقول: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? S S S ... S ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ ژ (فصلت: 30 - 32).
وقد قال أغلب المفسرين إنَّ هذه البشارة تتنزَّل بها الملائكة على قلب المؤمن المستقيم عند احتضاره، ولا يعنينا هنا تحديد الوقت التي تتنزل فيه ما دامت الآية صريحة في أنَّها تبشِّره بالرضى والرضوان، فلا خوف ولا حزن، أَيْ هي الطمأنينة الكاملة من الماضي والمستقبل، ثم النُّزُل الآمن المُعَدُّ له لا مثيل له في سعادة أبدية، حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خَطرَ على قلب بشر.
ومن ثمرات الاستقامة العظيمة، أنَّ الجزاء لا يَخصُّ المرء المؤمن بصفته الفردية ـ ولو أنَّ الحساب فردي كما قال: ژ گ گ ? ? ?ژ (الطور: 21)، ژ ? ... ? ? ? ? ژ (المدثر: 38) ـ ولكن ثمة ثمرات للاستقامة تشمل المؤمنين جميعهم بصفتهم أمَّة واحدة، وهذه ينالونها في الدنيا أيضا، وهذا وعد الله الذي وعدهم به حيث يقول: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ... ? ? ? ? ? ? ?? ? ... ژ ... ژs s ک ک ک ک گ گژ (النور:55).
__________
(1) - رواه الربيع بن حبيب في مسنده، بابٌ في الحب، رقم: 67، ج:1، ص: 24. (1/108)
صفحة 109
فوعد الله أمَّة القرآن باستخلافها في الأرض والتمكين لدينها، والحياة السعيدة في ظل الأمن بعيدا عن كل خوف مرتبط أساسا بالاستقامة وعدم الخروج عن منهج الله الذي ارتضاه لهم، يعبدونه وحده ولا يشركون بعابدة ربهم أحدا مهما يكن، لأنَّ إشراك أحد في عبادة الله أكان الشيء ماديا أو معنويا هو الخروج عن المنهج المستقيم الذي عبر عنه بالفسق ژ s ک ک ک ک گ گ ژ (النور: 55).
ولن تكون الأمَّة مستقيمة على منهج الله إلاَّ إذا كان كلُّ أفراد الأمة مستقيمين وذلك ما توضحه آية أخرى عزيزة تضع شروط تلك الاستقامة حيث يقول الله تعالى: ژ? ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک کگ گ گ گ ژ (الحج: 41).
وخير الدنيا أيضا مرتبط في حد ذاته بالاستقامة، كما يُوضِّح في آية أخرى حيث يقول: ژ ? ? ? S S S S ? ? ?? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ژ (الجن: 16، 17).
فخيرات الدنيا ونعيمها من رفاه ويسر، ومن أسباب نزول المطر مرتبط هو الآخر باتِّباع منهج الله، على الرغم من أنَّ طيبات الدنيا للمؤمن فانية، وهي ليست للمؤمن وحده بل هي للمؤمن والكافر على السواء، لأنَّ الله يُعطِي الدنيا للمؤمن والكافر، أمَّا الآخرة للمؤمن وحده دون الكافر جزاءً وِفاقًا. على أنَّ طيبات الدنيا بالنسبة للمؤمن كثيرا ما كانت ابتلاء وامتحانا لمنهج الاستقامة الذي حدده الله في كتابه الكريم كما جاء ذلك في قوله تعالى: ژ ? ? ? ?? ? ?ژ (الأنبياء: 35). ووضح ذلك جليا في قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ... ھ ے ے ? ? ?? ? ? ? ... ? ? ? ژ (العنكبوت: 1 - 3).
الخاتمة:
هكذا يتبيَّن لنا أنَّ السعادة الدنيوية والسعادة الأخروية الباقية ترتبطان أساسًا بهذا المنهج القرآني الذي حدَّده ووضَّحه رسوله الكريم في الاستقامة كما أمر ونهى، وأنَّ كل خروج عن ذلك المنهج بالإفراط أو التفريط يُؤدي بصاحبه إلى الخروج عن الصراط المستقيم؛ صراط ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژژ. (1/109)
صفحة 110
وأنَّ هذا المنهج هو الطريق الوحيد لعزَّة المسلمين ونصرتهم أفرادًا وجماعات، حُكَّامًا ومحكومين، منهج لا يتبدَّل ولا يتغيَّر في الأولين والآخرين، والحمد لله رب العالمين.
} - - {
عبر مستفادة من محنة القرارة
عاقبة الظالمين في كلام رب العالمين (1)
شدَّني من خلال ما قيل عن أحداث القرارة الأليمة، أنَّ أغلب المتحدِّثين عنها ولاسيما القنوات الرسميَّة، يذهبون مباشرة إلى البحث عن الأسباب والعلل المؤدية إلى تلك الأحداث التي تجاوزت الأعراف الشرعيَّة والاجتماعيَّة والإنسانيَّة، بما يوحي إلى المتتبِّع المهتمِّ بأنَّ الحرص على تلك المبررات واستخلاص الأسباب كاد يطغى على تجريم الفعل والفاعلين، والضرب على أيدي البغاة الظالمين، وكان الأَوْلى بنا أنْ نعود إلى كتاب ربِّنا باعتبارنا مسلمين، نستلهم منه الرُّشد، ونستضيء به للوصول إلى القصد ونبحث في آياته عن الحلول التي شرعها ربُّ العالمين، لأنَّ معالجة هذه الآفات هو بالرجوعُ إلى الحَكَمِ العدل الذي هو كتاب الله وسنَّة رسوله، فهو الثابتُ الذي لا يتغيَّر بتغيُّر الظروف والأحوال، وتقلُّب الأقوال والأفعال.
وقد جاء في كتاب الله إنَّ من أفظع الظلم إعراضُ المؤمن عما جاء في كتاب الله من الهدى والشرع المبين بصيغة أفعل التفضيل للدلالة على خطر هذا الإعراض والابتعاد عنه، في قوله تعالى: ژژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گ گ? ژ (الكهف: 57) وفي قوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ? ?ژ (البقرة: 140). من هنا جاء حرصي على معالجة هذا الحدث الخطير من هذا الجانب الأهم، راجيا أنْ يكون عبرةً وذكرى للمؤمنين، فقد أمر الله رسوله وأمرنا بالتالي بالتذكير ژ? ? ? ? ?ژ (الذاريات:55)، ژ? ? ? ? ? ? ?ژ (الأنعام: 68).
__________
(1) - بحث نشر على صفحة التواصل الاجتماعي (فيسبوك) إبَّان فتنة وادي ميزاب الأخيرة في 11 ديسمبر 2013. (1/110)
صفحة 111
إنَّ المتأمل في القرآن الكريم يلحظ بجلاء كثرة ورود كلمة «الظلم» وما اشتُقَّ منها من الأفعال، الماضي (ظَلَمَ) والمضارع (يَظْلِمُ) منسوبًا في كلِّ حالة إلى ضمائر المفرد والجمع والمذكَّر والمؤنَّث، كما جاء الفعل على صيغة المَبْنِيِّ للمعلوم (ظَلَمَ) والمَبْنِيِّ للمجهول (ظُلِم) وجاء في صيغة المبالغة فعَّال (ظَلاَّم) وفَعُول (ظَلُوم)، مما يدلُّ دلالة قاطعة على اهتمام شديد في كتاب الله بعباده المؤمنين ليحذروا من الاتِّصاف بخلَّة الظلم في شتَّى أحوالهم، وفي جميع أعمالهم وكلِّ تصرفاتهم لأنَّ الاتصاف بالظلم مهما يكن نوعه سبيل إلى القضاء على الحضارة والعمران، وقد أباد الله حضارات سادت قرونًا عندما اتَّصفت بهذه الصفات فأصبحت عبرة للمعتبرين، وآية للعالمين.
إنَّ من صفات المؤمن الأساسية أنْ يتحلى بالوداعة والأمان، وينأى بنفسه عن كلِّ ما يُشين أخلاقه بل عقيدته الإيمانية التي من أهمِّ ركائزها حبُّه لأخيه المسلم لا يظلمه ولا يحقره، وأنَّ إيمانه لا يكمل إلاَّ إنْ أحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه، ومن سمات هذا الحبِّ الربَّاني تورُّعه وحرصه على ألا يُسيء لإخوة الإيمان بشيء، إذ «كُلُّ المسْلِمِ عَلَى المسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ»، كما جاء في الحديث الشريف.
ومن ثَمّ فإنَّ من أهمِّ صفات الذين آمنوا: الأمن والأمان لأنفسهم، ولأهليهم، ولإخوانهم، وجيرانهم، ولمواطنيهم ولإخوانهم المسلمين في كلِّ أصقاع الأرض، بل يتَّسع ذلك ليشمل إخوانهم في الإنسانية جميعهم، فعلى قارئ القرآن أنْ يَتدََبَّر قوله تعالى في سورة الأنعام النيرة ـ التي نزلت يُشيِّعها سبعون ألف ملك لمكانتها العظيمة ـ في تأكيد ما ينبغي أنْ يكون عليه المؤمن الموحِّد عقيدةً وسلوكًا، واقرأ قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ... ? ?ژ (الأنعام: 82). (1/111)
صفحة 112
وأحسب أنَّ أوَّل وقفة مع هذه الآية الشريفة ربطُها بين الأمان والإيمان ربطًا مُحْكمًا، فالأمر يَعنِي أَوَّل مَنْ يَعنِي «الذين آمنوا» الذين أخلصوا عبادتهم وإيمانهم لله، لا يشركون به أحدًا مِنْ خَلقِه مهما يكن شأنُه، ولم تشُبْ عقيدتهم هذه شائبة من شرك، وهو ما عبَّرت عنه الآية «بظلم»، كما حدَّدَ ذلك رسول الله ح ووضحه عندما احتار الصحابة رضوان الله عليهم في فهم كلمة «الظلم» هنا، وما المقصود بها، مشفقين على أنفسهم من أنْ يكون الظلم الذي فهموه هو ظلم العباد صغيرًا كان أم كبيرًا، هَيِّنًا أم خطيرًا، فأَوْضحَ لهم رسول الله ح بأنَّ الظلم هنا هو «الشرك» الذي وصفه في آيات أخرى بأنَّه (ظلمٌ عظيم)، ژ? ? ? ?? ? ? ? ?ژ (لقمان: 13)، فمن سِمات العقيدة الصحيحة إذًَا، الابتعاد عن الظلم في كلِّ مستوياته وكل مجالاته، كما وضَّح القرآن ذلك في كثير من الآيات والسور، على النحو الذي سنوضِّحه في هذا البحث إنْ شاء الله.
الظلم لغة واصطلحا:
جاء في لسان العرب في مادة (ظَلَمَ) ما يلي: «ظَلمَ، الظُّلْمُ: وَضْعُ الشيء في غير موضعه، ومن أمثال العرب: من أشبه أباه فما ظلم، وفي المثل أيضا: من استرعى الذئب فقد ظلم، ففي حديث ابن زمل لزموا الطريق فلم يظلموه أي لم يعدلوا عنه، ويقال أخذني لطريق فما ظلم يمينا ولا شمالا.
وأصلُ الظلم: الجُورُ، ومُجاوَزَةُ الحدِّ، ومنه حديث الوضوء: «فَمَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمْ»، أي أساء الأدب بتركه السنَّة والتأدب بأدب الشرع ( ... ) وفي التنزيل العزيز: ژ? ? ? ? ? پژ (الأنعام: 82)، قال أهل التفسير: لم يخلطوا إيمانهم بشرك ... والظلم مصدرٌ حقيقي، والظلم الاسمُ يقوم مقام المصدر كذلك».
والذي يعنينا هنا هو استخدام القرآن الكريم لهذه المفردة (الظُّلْم) نتملاَّها من خلال آياته، ونبحث عنها في جميع صيغه وصولا إلى معانيها الشريفة من كلام ربِّ العالمين. (1/112)
صفحة 113
وأوَّل المعاني وأكثرها تداولا لمعنى الظلم في القرآن هو مجاوزةُ الحدِّ والتعدِّي على حقوق الآخرين، وبذلك ربط القرآن بين الظلم وتعدِّي الحدود في آية محكمة صريحة حيث قال: ژ ? ? ? ? ? ? ? ژ (البقرة: 229)، وقال في آية أخرى: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (المائدة: 45)، ونَفَى عنهم الفلاح والرشد في أكثر آيات القرآن، ژ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ sژ (الأنعام: 135)، كما نفى عنهم الولاية والنصرة في الدنيا قبل الآخرة: ژ? ? ? ? ? ? ?ژ (الشورى: 8)، ژ? ? ? ?ژ (البقرة: 270)، ونفى عنهم الهداية في أكثر من آية من آيات القرآن، وأنَّهم في ضلال مبين ژ ژ s s ک ... کژ (آل عمران: 86)، ژ ? چ چچ چ ? ? ?ژ (إبراهيم: 27)، ژ ھ ے ے ? ?ژ (الإسراء: 82).
وحرَّم عليهم حُبَّه وحَكَم عليهم بالسخط واللَّعنة المؤبَّدة في قوله تعالى: ژ? ? ? ?ژ (آل عمران: 57)، وفي قوله ژژ s s ک ... کژ (آل عمران: 86)، وفي قوله تعالى: ژ S S S ? ? ? ? ?ژ (الأعراف: 44)، فما هي مستويات الظلم الواردة في القرآن الكريم؟
المتأمِّل في كلام ربِّ العالمين يلحظ أنَّ معاني الظلم جاءت على مستويات ثلاثة:
- المستوى الأول: ظلم الإنسان لربه بأنْ يشرك به شيئًا من مخلوقاته (1/113)
صفحة 114
وهذا من أفظع الظلم وأخسِّه على الإطلاق والذي حكم الله فيه بأنَّه لا يَغفرُه أبدًا، ژ? ? ? ?? ? ? ? ?ژ (لقمان: 13)، ژ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ےےژ (النساء: 48)، فأي الظلم أَعْتَى من أَنْ يكفُر هذا المخلوق الضعيف بربه الذي خلقه ورزقه وسَوَّاه في أحسن تقويم، فيَجحَد نِعمَه عليه بأنْ يشرك بربه أحدا من مخلوقاته سواء أكان ذلك من الجمادات، أم من الأَنَاسي، أم من الجن، أم من الملائكة؟ لذا فإنَّنَا نلحظ بأنَّ القرآن الكريم وَصفَ هذا النوع من الكفر بالظلم العظيم، وجعله سببًا لإلحاق الهلاك بالأفراد والأمم، ژ ? ? ? ? ... ? ? ?ژ (القصص: 51) ژ ? ? ? ?ژ (العنكبوت: 14)، ژ? ں ں ? ?ژ (العنكبوت: 49)، ژ ک گ گگ گ ? ? ? ?ژ (البقرة: 258)، فنفى عنهم الهُدى نَفيًا قاطعًا، كما نفى عنهم محبَّته ورضاه فذيَّل أكثر من آية من آيات القرآن بقوله: ژ? ? ? ?ژ (آل عمران: 57)، ووصفهم بأنَّهم ملعونون دومًا وفي النار هم فيها خالدون ژ ? ? ? ... ? ?? ? ? ? ? ?ژ (هود: 18).
وعندما نَتَتَبَّع قصص الأمم التي أهلكها الله فأَبادَها وسَوَّى بها الأرض نَجدُ أنَّ إهلاكها على ذلك النحو الفظيع الذي قضى على حضاراتها إنَّما سَبَبه هو كفرانُ نعم الله عليهم بأنْ أشركوا به، ثم لأنَّهم كذَّبوا الأنبياء المرسلين إليهم الذين دعوهم إلى توحيد الله ونَفْيِ كلِّ أنواع الشرك عنه، واتخذوا آيات الله المنزَّلة إليهم هُزُؤًا، عُتُوًّا منهم واستكبارًا. فقوم نوح مثلا عاقبهم الله بطوفان بعد أنْ أرسل إليهم نوحا يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما، لأنَّهم ظلموا بشركهم كما جاء ذلك في العديد من الآيات التي تحكي قصتهم، ومن ذلك قوله تعالى وهو يحكي لنا نهايتهم بعد استواء سفينة نوح على الجودي: ژ ? ? ?? ? ? ? ?ژ (هود: 44) فوصفهم بالسحق والهلاك الأبدي لأنَّهم قومٌ ظالمون. (1/114)
صفحة 115
وجاء بعدهم قوم عاد الذين قال فيهم رسولهم هود ژ ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (هود: 54)، فكذَّبوا هودًا وأنكروا رسالته، بل إنَّهم أنكروا البعث ژ ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ژ (المؤمنون: 37).
ولما أَعْيَاه أمرُهم، وأيس من رجوعهم إلى جادة الحق المبين رفع يديه داعيا ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (المؤمنون: 39، 40)، فكيف كان الجزاء؟ إنَّه المَحْقُ الكامل والإبادة التي لم تُبْقِ من هذه الحضارة العظيمة إلا الغثاء كما وصفه القرآن نفسه ژ? ? ? ? ?? ? ? ... ? ژ (المؤمنون: 41).
ويُحدِّدُ لنا القرآن القرى الظالمة بشركها وهي كثيرة، حين جعلها عبرة لبني آدم في أطراف الأرض كلها، وهي آيات بَيِّنات تَتحدَّث عن عاقبة القوم الظالمين المشركين ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S S S S ? ? ? ? ? ژ (المؤمنون: 11 - 13)، فما كان جواب هؤلاء الذين لم يَتَّعظوا بمَنْ سبقهم من الأمم الكافرة الظالمة البائدة؟ ژ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? چ چ چژ (الأنبياء: 14 - 15)، وهذا الحكم يشمل كل مَنْ أشرك بالله ولم يخلص له العبادة والتوحيد مهما يكن العصر والزمان أَكَانَ الشرك خَفيًّا أم ظَاهرًا، ووصفهم بالصفة نفسها، وذلك ما جاء صريحا في آية أخرى ژ? ? ? ? ? ژ ژ s sک ک ... ک ک ژ (الأنبياء: 29).
- المستوى الثاني: ظُلْمُ الإنسان أخاه الإنسان: (1/115)
صفحة 116
لعل أوَّل مشهد يذكره القرآن من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان هو مشهد «قابيل» في اعتدائه على أخيه «هابيل» بقتله حسدًا منه وطغيانا، وكانت أوَّل جريمة تنتهك حرمة الإنسان الذي حرَّم الله دمه، وذلك كما جاء في سورة المائدة حيث يقول هابيل مخاطبا أخاه قابيل الظالم ژں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ?ژ (المائدة: 28،29)، ومن ثم أصبح تعدِّي قابيل على أخيه وزرًا يتعذَّب به كلَّما قُتل إنسان على وجه البسيطة أبد الآبدين، لانتهاك حرمة من أعزَّ حُرم الله، وهي دم الإنسان وروحه، ژ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (المائدة: 32)، ويكفي الباغي الفاسد إثما أنْ يكون مصيره كمصير القاتل حين قرن الله بين القتل والفساد في الأرض كما تدل على ذلك الآية السابقة، نسأل الله العافية.
ولعل منْ أبرز مشاهد القرآن في وصف ظلم الإنسان لأخيه الإنسان ما كان عليه «فرعون» الجبار الطاغية حين علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم، وكان من المفسدين، وقد حدَّد القرآن صفاته الظالمة حين كَفَرَ وأَلحدَ بربه، ثم حين عتا وتجبر على خلق الله بِاسْتِعبَاد بني إسرائيل وادِّعائِه الأُلُوهيَّة غير مُكترِثٍ بآيات الله ومعجزاته: ژے ے ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ?ژ (القصص: 4).
وعندما خرج موسى خائفا يترقَّب هاربا من بطش فرعون وظلمه، لم يصفه في دعائه وهو يرفع يديه إلى السماء إلا أنْ نَعتَه قائلا: ژ ? ? ? ? ?ژ (القصص: 21)، وبتلك الصفة نفسها نَعته شعيب عندما آوى إليه موسى لطمأنته وليحضنه فردًا عزيزًا في أهله قائلا: ژ ? ?? ? ? ہ ... ہ ژ (القصص: 25).
وفي محاورة موسى لفرعون بعد أنْ أرسله الله نبيا ورسولا هو وأخوه هارون ردَّد الوصف نفسه على مسامع فرعون حين خاطبه قائلا: ژ? ? ? S S S S ? ? ? ? ? ? ?? ? ... ? ? ?ژ (القصص: 37). (1/116)
صفحة 117
وعندما حان وقت القصاص العادل جاء جزاءً وفاقًا من عند الله, فأغرقه الله في اليم هو وجنوده وملؤُه الظالم ليكون عبرة للمعتبرين, وليبقى آية في الأولين والآخرين, وقد لخصت الآية الكريمة القصة كلها بداية ونهاية في قوله تعالى: ژگ گ گ ? ? ? ... ? ? ? ? ... ? ں ں ? ? ? ? ?? ہ ہ ہ ہ ھژ (القصص: 39، 40).
واهتمام القرآن بقصَّة موسى وفرعون بتلك التفاصيل في العديد من سور القرآن، حتى تكاد قصَّة موسى مع فرعون، وقصة موسى مع بني إسرائيل تكون من أكثر القصص وُرُودًا في القرآن، وهذا يَعُود فيما نَحسبُ إلى ما فيها من عبر لبني البشر حتى يتَّخذوا منها نموذجا و مثالا للاعتداء والظلم والجبروت، وكيف تكون النهاية خِزْيًا للظالمين, ونُصْرَةً للمتقين، ژ? S S S S ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? چ چ ژ (غافر: 51، 52).
وبعيدًا عن هذه القصة المؤثرة نجد مشهدًا رائعًا مِنْ مشاهد القرآن العظيم خصَّصه الله سبحانه وتعالى لأولئك الذين يظلمون إخوانهم مِنْ بني الإنسان بالتعدِّي على حقوقهم وممتلكاتهم، ويصف ما ينتظرهم من عذاب عظيم في الآخرة، حيث يخسرون -جزاء ظلمهم وتعديهم على الناس وعلى أهليهم- يخسرون أنفسهم في جهنَّم، بل هم يخسرون أهليهم أيضًا جزاء وفاقا. (1/117)
صفحة 118
وحدَّد القرآن بأسلوب بياني واضح ما ينبغي أنْ يكون عليه المؤمن عندما يتعرض لظلم أخيه الإنسان مُحدِّدًا في الوقت نفسه صفات الذين آمنوا قائلا: ژ? ہ ... ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ... ?? ? ? ? ?ژ (الشورى: 39 - 42)، فإنَّ الله سبحانه وتعالى لا يقبل لعبده المؤمن الخنوع والذل والمهانة، بل عليه الانتصار لحقوقه, والأخذ بالثأر من ظالميه, ولكن بشرط عدم التعدي حين أَخْذِ الحقوق في حيِّزٍ يُحدِّدُه الشرع بدقَّة وإلاَّ صاروا هم أيضا بغاة مثل الطاغين عليهم، فَحَدَّد الانتصار من الظلمة بقوله: ژھ ھ ے ے? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ژ، على أنَّ الدرجة المثالية عند الله هي العفو والصفح، لأنَّ الله لا يُحبُّ الظالمين أَسَاسًا لا نَظَرًا إلى أسباب الظلم وبواعثه كما نفعل نحن الآن، حين نُحَكِّمُ أهواءنا وقوانيننا الوضعية الناقصة مُبْتَعدِين عن شرع الله وقوانينه، والمؤمن المنتصر لحقه لا يُعَدُّ عند الله متعديًا ولا باغيًا ولا متجاوزًا، إنَّما الباغي هو الذي يتصف بهذه الصفات ابتداء، وهي التي يكرهها الله ويمقتها ويتوعد صاحبها بالعذاب الأليم في الآخرة، وهنا يُكرِّر الله محبته واصطفاءه وتفضيله للمؤمن السمح الكريم الذي يصبر على أذى أخيه احتسابا للأجر عند الله، ويضع الله هذا المؤمن الذي يتصف بهذه الصفات في أعلى درجات القبول، لأنَّه يتحلى بصفة من صفات أولي العزم من الرسل حين يقول ژ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (الشورى: 43)، ولا يخفى ما في هذا التعبير من أدوات التوكيد الجازمة، فإذا كانت تلك هي منزلة المؤمن الصابر الغافر، فإنَّ صفة الباغي الظالم على العكس، إذ يقدمها في مشهد مروع فظيع يستعيذ منه كل مسلم يخاف عذاب الآخرة ويشفق منه، ويُفصِّل موقفهم يوم الحساب والجزاء بأسلوب تَقْشعِرُّ منه الأبدان وتشمئز منه الأنفس عافانا الله ونجانا، قائلا: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ?? ژ (الشورى: 44، (1/118)
صفحة 119
45).
هذه هي صورة أولئك الظلمة الذين يتعدون ويبغون على إخوانهم في الدين والإنسانية في الحياة الدنيا، حيث تنقلب صورة -الجبروت والطغيان والظلم- إلى صورة مقابلة عكسية تماما جزاءً وفاقًا، في الآخرة إنَّها الذل والصغار والاستكانة، وهم يُعرَضُون صباحًا ومساء على النار لا يكادون يرفعون أبصارهم مما هم فيه من الانكسار والعذاب، إنَّه عذاب جسدي وعذاب نفسي معا، في حين يكون الذين آمنوا والذين علموا حدودهم فاحترموها ووقفوا عند حقوقهم ولم يتجاوزوها إشفاقا من هذا المصير وهم في الحياة الدنيا محتسبين أجرهم وصبرهم وعفوهم عند الله، هؤلاء يقولون وهم في جنات النعيم في استبشار وفرح عندئذ ژ ? ? ? ? ? ? ? SS S S ? ? ? ?ژ (الشورى: 45).
- المستوى الثالث: ظُلم الإنسان نفسه:
قد نتساءل وكيف يَظلِمُ الإنسان نفسه؟ أجل إنَّه العاصي الذي يعصي ربه يكون قد ظلم نفسه قبل أنْ يظلم ربَّه بعصيانه ذلك، فإنَّ الله قد صرَّح في العديد من آيات القرآن الكريم ژ? ? ? ? ? ? ? ? S S ژ (يونس: 44)، ژ گ گ گ گ? ? ? ? ?ژ (الكهف: 49)، ژ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (الأعراف: 177).
وقد وصف الله مستويات العباد من طاعة الله، فوصف العصاة بأنَّهم ظالموا أنفسهم حيث يقول: ژ? ? ? S S S S? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ?ژ (فاطر: 32)، فهم إمَّا عاصٍ لجرأته على الله وعلى نفسه فغلبت عليه سيئاته، وإما مقتصد وقد استوت حسناته وسيئاته، وإما سابق بالخيرات وقد رجحت كفة حسناته على سيئاته بإذن الله وتوفيقه ومعونته، وذلك هو الفضل الكبير.
وقد وصف الله الذين اتبعوا أهواءهم بغير علم، ظالمين ژ ? ? ? ? ? ? ... ہہ ژ (الروم: 29)، وأنَّ الله سيؤاخذهم يوم القيامة جزاء ما كسبت أيديهم من سيئات، ژ? ? ژ ژ s s ک ک کژ (الزمر: 51). (1/119)
صفحة 120
فالإنسان العاصي الذي يجرؤ على معصية الله إذًا هو ظالم لنفسه قبل أنْ يكون ظالما لربه، لأنَّ الله لا تنفعه الطاعة كما لا تضره المعصية، إذْ هو غني عن طاعتنا كما قال تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ?ژ (النساء: 147)، وقال: ژ ھ ... ھ ھ ھ ... ےے ? ? ? ? ? ? ژ (النحل: 40).
عاقبة الظالمين:
إذا كان معنى الظلم في كلام ربِّ العالمين هو «الجور وتجاوُزُ الحدِّ) ـ كما سبق أنْ ذكرناـ فإنَّ معنى ذلك أنَّه يشمل كلَّ ما من شأن هذه الصفة في كل المستويات التي ذكرناها، في كل علاقات الإنسان مع ربه، ومع غيره، ومع نفسه. ومن ثمَّ فإنَّ الجزاء في هذه المستويات كلها واحد لا يختلف، ذلك هو عذاب النار أعاذنا الله؛ ژ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ?ژ (الفرقان: 70)، ژ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ےے ? ? ? ? ? ? ... ?ژ (النساء: 48)، ژگ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ?ژ (النساء: 110)، ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ?? ? چ چ چژ (المائدة: 39)، وكَلامُنَا هنا عمن ظلم ولم يَتُبْ تَوبَةً نَصوحًا، ولم يَرُدَّ المظالم لأصحابها وأَصَرَّ على ظلمه، فإنَّ مَصيرَه حسب القرآن والشريعة الإسلامية العذاب الأليم دُنيًا وأخرى، والعياذ بالله. (1/120)
صفحة 121
وقد رأينا ونرى صباح مساء نهاية الظالمين في مشارق الأرض ومغاربها، ويكفي الظالم خزيا أنَّه جعله الله في زُمْرَة الكافرين الذين أَعَدَّ لهم العقاب الشديد، ژ ? ? ? ? ? ?ژ (الشعراء: 227)، وسيعاقبهم الله يوم الآخرة بما يستحقون من جراء ما اكتسبوا في الدنيا من ظلم: ژ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ... ?ژ (يونس: 52)، وعندما يرون جزاءهم الشديد المرعب، يتمنون أنْ لو يفتدون ذلك بملء الأرض ذهبا، ولكن لات ساعة مندم، ولا يجزيهم ذلك شيئا ليبعد عنهم عذاب النار، ولا يظلم ربك أحدا، إذ الجزاء الأخروي من جنس العمل الدنيوي، ژ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ?ژ (يس: 54)، ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ?? ? ? ? ? ?? ? ? ?? S S Sژ (يونس: 54)، ژ ? ? ? ... ? ? پپ پ پ ?? ? ... ? ? ? ژ (غافر: 17).
والقرآن الكريم مليء بهذه المشاهد التي تذكِّر المؤمنين بعدالة ربِّ العباد وقسطه في الحكم بين عباده، ويُوضِّح الله لنا حيث يقول عن جلاله وعظمته وهو الخالق الرازق بأنَّ الله لا يظلم الناس شيئا أكانوا في الدنيا أم في الآخرة، وقد بدأ بتحريم الظلم على نفسه فكيف يرتضيه لعباده؟ أولم يقل على لسان نبيه محمد ح: «يَا عِبَادِى إِنِّى حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِى وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا» (1).
ويَتكَرَّر في القرآن في أغلب سوره ذِكْرُ المصير المرعب الذي يَنْتَظِر الظالمين وما أعده الله لهم من عذاب أليم في مشاهد وصور تَقْشَعِرُّ منها الأبدان ژ? ? ? ?ژ (الفرقان: 37)، ژگ ? ? ? ? ?ژ (الزمر: 24)، ژ? ? ? ? ? ? ?ژ (غافر: 18)، ژ ? ? ? ? ? ? ? ?? ژ (الشورى: 22)، ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (الشورى: 44).
__________
(1) - رواه مسلم، صحيحه، ج8، باب تحريم الظلم، رقم: 6737، ص: 16. (1/121)
صفحة 122
ومن عظيم سخطه وانتقامه من الظلمة أنْ يكون مصيرهم في الآخرة مع إبليس اللعين! وهل أفظع من أنْ يكون مصير الإنسان مع الشيطان في نار جهنم، والعياذ بالله، وكأَنَّ الله يقول للظلمة: مصيركم مع هذا الذي كنتم تُفضِّلُون مصاحبته، وتستمعون لإغوائه، وتتبعون خطواته، ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... پ پپ پ ? ?ژ (الحشر: 16، 17)، ذلك أنَّ الله حكم، وحكمه نافذ، بأنَّ الظالمين بعضهم أولياء بعض، فكما كان بعضهم يُساندُ بعضا في الدُّنْيَا، ويُعينُ بعضهم بعضا في المنكر والظلم، بالتعدي على حرم المسلمين مالا وعرضا ونفسا حين كانت السلطة الدنيوية بأيديهم، فإنَّ الله سيعاقبهم جَزَاءَ هذا التعاون والاستبداد حين يجمعهم مع إخوان الشياطين في عذاب النار، يوم تكون السلطة بأيدي الواحد القهار وحده لا شريك له، ژ ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (آل عمران: 25).
نسأل الله أنْ يُباعدَ بيننا وبين القوم الظالمين، بأنْ يحفظنا من أذاهم ومكرهم في الدنيا، وأنْ يجعلنا من المتقين الصابرين المحتسبين المتسامحين الذين قال فيهم: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? S SS S ? ? ?? ? ? ? ?ژ (يونس: 62 - 64) والحمد لله رب العالمين.
الراجي عفو ربه: محمد صالح ناصر
الأبيار: صباح الأربعاء 08 صفر 1435هـ/ 11 ديسمبر 2013م
سبع سنبلات خضر ...
أو فتنة غرداية من خلال قصة يوسف؛ (1)
لماذا هذه المقاربة؟
__________
(1) - محاضرة ألقيت في عدَّة مناسبات أثناء الفتنة في كل من القرارة والعاصمة ونشرت في صفحات التواصل الاجتماعي في (02 مارس 2014). وأعيد نشرها في مجلة الحياة (يصدرها معهد الحياة وجمعية التراث)، العدد 18، رمضان 1435هـ/ جويلية 2014م. ص: 176 - 190. (1/122)
صفحة 123
لا ريب في أنَّ القَصَص القرآنيَّ منبعٌ ثريُّ يتدفَّق بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ريب في أنَّ الله حين وظَّف القصَّة في القرآن يعلم ـ وهو أعلم بطبيعة الإنسان ـ بمدى تأثير هذا الأسلوب في ذهن الإنسان وقلبه وعاطفته، ولا ريب في أنَّ الله جعل هذا القصص من إعجاز هذا الكتاب المعجز، لما فيه من العبرة والذكرى، مصداقا لقوله تعالى: ژ ? ? ? ? ?پ پ پ پ ? ?? ? ? ? ? ? ژ (آل عمران: 62)، فنحن عندما نتأمَّل في أبعاد هذه الآية الشريفة نلحظ بجلاء كيف ساقها الله بأسلوبٍ تتلاحق فيه التأكيداتُ أربع مرَّات؛ التأكيد «بإنَّ»، وباسم الإشارة «هذا»، وباللام «لهو»، وبالضمير المتَّصل «هو»، ليصل إلى حقيقة واحدة وهي أنَّ القصَصَ المرويَّ في القرآن هو الحقُّ، ولاحقَّ غيرُه، كما أنَّ الله حقيقة أبدية خالدة لا يشكُّ فيها مخلوق أبدًا، حيث ذيَّل الآية بقوله: ژ پ پ پ ? ?? ? ? ? ? ? ژ؛ فكأنه يريد، بل هو يريد، أن يقرِّر في أذهان المؤمنين التالين للقرآن بأنَّ حقيقة قصص القرآن حقٌّ، كحقيقة أن الله حق. (1/123)
صفحة 124
ومن هنا ينبغي للمؤمن أن يعود في ابتلاءاته التي تعترض حياته كلَّها وما أكثرها ليجد لها حلاًّ في كلام ربِّ العالمين، مع ما يتوسَّل به من الأسباب الدنيويَّة الأخرى، وقد استوقفتني قصَّة يوسف؛، كما استوقفت غيري ولا شك، بما احتوت عليه من عظات بالغاتٍ، وحكم خالداتٍ، دعتني بأسلوبها المعجز ومشاهدها إلى التأمل والتفكير، واستوقفتني بصفة أخص تلك البداية التي استهلت بها السورة بمشهد سيدنا يوسف وهو يخبر أباه برؤياه العجيبة الغريبة حين سجد له القمران، وسجد له معهما أحد عشر كوكبا، سرعان ما تفطَّن أبوه «يعقوب» النبيُّ الموحى إليه؛ لخطورة الرؤيا، فقال: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ?? ? ? ? ? ?ژ (يوسف:5). فدلَّت هذه البداية الرائعة على روح القصَّة كلها من بدايتها إلى نهايتها، على أنَّها هي قصَّة الكيد، والحسد، والحقد، وكلِّ نوازع الإنسانية الضعيفة، مدفوعة بالشيطان الرجيم ژ ? ? ? ? ?ژ.
فبمجرد أن قرأتُ هذه البداية تذكَّرت أحداث الفتنة العمياء التي عاشتها الجزائر كلُّها بل كثيرٌ من نواحي العالم المتحضِّر، وفي وطني العزيز القرارة ثم غرداية ... دفعني هذا الشعور السحريُّ الذي أيقظني ـ والناس نيام ـ إلى متابعة أحداث تلك الفتنة مشهدًا مشهدًا لعرضها على هذه السورة الكريمة العظيمة، في محاولة متواضعة للمقاربة (بالباء) وليس للمقارنة، وهكذا وجدتني أمام مشاهد ربَّانية متلاحقة من الحقائق الإنسانيَّة الثابتة، وكنتُ استحضر مع كلِّ مشهد ما اختتمت به السورة ژ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (يوسف: 111). (1/124)
صفحة 125
فكيف كانت المقاربة بين هذه المشاهد اليوسفيَّة وإخوته، وبين الحوادث المرَّة الأسيفة التي تحدَّت الشرع والعقل والقانون؟ في فتنة عمياء طاحنة بين إخوة يجمع بينهم الإسلام، واللغة والوطن .. كادت ـ لولا لطف الله ـ تُودِي بالأخضر واليابس، احترق فيها مالٌ كثيرٌ، واستشهد فيها أبرياء مسالمون، ورُوِّعت فيها أنفس ساكنة وديعة، واعتُدي فيها جهارًا نهارًا على الأمن والسكينة التي اشتهرت بها هذه المنطقة العزيزة من الجزائر، إذ كانت تُعَدُّ البِرْكَةَ الرائقة الهادئة للأمن والأمان، يقصدها السائحون والزائرون للاستمتاع بوجهها الرائع الجميل، والاستفادة من حضارتها العريقة الأصيلة في كل مناحي الحياة بها.
الحقيقة الأولى: «الحسد أمُّ المكائد»:
في سورة يوسف؛ يحدِّد لنا القرآن الكريم السبب الرئيس في تألُّب إخوة يوسف التسعة ضدَّه من خلال قوله تعالى: ژ ? ? ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ژ (يوسف: 8، 9). لا شيء من الأسباب الظاهرة المادية دفعت إخوة يوسف إلى الكيد له والانتقام منه سوى الحسد المتمكِّن من قلوبهم من أجل مكانة يوسف وأخيه بن يامين من قلب أبيهم يعقوب؛، ومن هنا فإنهم رأوا بأنَّ الوسيلة الوحيدة لشفاء غيظ قلوبهم منه ومن أخيه، إزالته من الوجود ليَخْلُوَ لهم وجه أبيهم، إذ لا يُعقل حسب رأيهم أن يميل إلى الاثنين ويترك التسعة وَنَحْنُ عُصْبَةٌ، وهذا هو منطق الحساب المادِّي والنظر إلى الأمور من ناحية الكم لا الكيف.
*- المُقاربة: (1/125)
صفحة 126
في فتنة غرداية والقرارة اتضَّح ـ بما لا شكَّ فيه ـ بأنَّ الدافع الأساس إلى حبِّ الانتقام من الأنفس والممتلكات الخاصة، ديارًا، ومحلاَّت، وسيارات، هو الحسدُ الذي يأكل قلوب أولئك الأوباش الذين حُرموا من هذه النعم الدنيوية التي رأوها علامة على الترف والتنعُّم والاستمتاع بمتاع الدنيا. وإذا حرَّك الحسدُ القلوبَ والأنفس أشعل ما بها من حقد، ودفع الحقد بالتالي إلى الانتقام في لحظة قاتمة غاضبة دون تمييزٍ بين الضارِّ والنافع والبريء والمتَّهم، وتجاوز بها الشيطان وجنوده كلَّ حدود الشرع، والعقل، والقيم الإنسانية والمواطنة، ولا يقف عندئذ أمام رعونتها حدٌّ من الحدود الشرعية كانت أم القانونية.
والذي يقف وراء إثارة نزعة الحسد، والحقد الأعمى إبليسُ اللعين الذي اتَّخذ هذا السلاح هو وقبيله منذ خلق الله آدم؛ ضدَّ البشرية كلها، وعندما نتصفح تاريخ الصراع بين «الميزابيين» وإخوانهم المجاورين لهم من بعض «الأعراب»، يبرز هذا الدافع النفسيُّ العميق المتجذِّر في نفوسٍ لم ينقِّها الإيمانُ ولا الإسلام ولا الجوار ولا المواطنة إلا من رحم الله وعصمه. وهكذا كلَّما هدأ ذلك الصراع في فترة من الفترات وعاد الرشدُ إلى النفوس من الطرفين المتساكنين، نزغ الشيطان بينهما وأشعل النار من جديد، ونفخ في رمادها الذي لا يسكن إلاَّ ليتأجَّج في لحظات الغضب العارم، وهذا الذي تشير إليه الآية بالتحديد، حيث يشير القرآن من خلال قولة سيدنا يوسف؛ مخاطبا أباه، بعد اجتماع الشمل مع إخوته، بعد أن جاؤوا من البدو واجتمعوا متسامحين في أرض مصر: ژگ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ?? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ژ (يوسف: 100).
هذا الموقف يذكِّرنا بقولة يعقوب؛ حين حذَّر يوسف في بداية القصة من أن يحكي لإخوته رؤياه خوفًا من حسدهم الذي هو مدخلٌ لإبليس اللعين حيث قال ژ ? ? ? ? ? ژ (يوسف: 5). (1/126)
صفحة 127
الحقيقة الثانية: «الابتلاء يأتي غالبا من أقرب الناس إلى الانسان»:
في قصة يوسف؛ يحدِّد القرآن موطن الابتلاء ومركزه بأنه إنَّما جاء يوسف وأخاه من جهة إخوته منذ أن قال يوسف لأبيه ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ، ومنذ أن قال يعقوب؛ ژ ? ? ? ? پ پ پ پ ?? ژ ... (يوسف: 5). وتؤكد السورة الكريمة هذه الظاهرة من خلال مشاهدها المتتابعة صريحة أحيانا، وبالتلميح أحيانا أخرى، وتدلُّ بعض المشاهد التي حدثت بين إخوة يوسف وأبيهم يعقوب عليه السلام على أنهم طرف أساس في محنة يوسف وأخيه بن يامين كما جاء في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک کگ گ گ گ ? ? ? ? ? ?ژ (يوسف: 66). وبما أنَّ سيدنا يعقوب نبيٌّ يوحى إليه كان على علم مسبق بأحداث القصَّة ونتائجها، وجاء على لسانه تحديد مسؤولية الإخوة، وبأنهم طرف أول في تطورات القصة كلها كما هو معروف.
والعجيب من أمر الله سبحانه، أنَّ الابتلاء عند الأنبياء والمرسلين يأتي دوما من الأرحام والأقارب، فآدم؛ جاءه من ابنيه قابيل وهابيل، ونوح؛ من ابنه وزوجه، وهود وصالح وشعيب عليهم السلام من أقوامهم المقرَّبين إليهم، لوط؛ من زوجه، وإبراهيم؛ من أبيه آزر، ثم جاءه الامتحان من ابنه إسماعيل؛ وزوجه هاجر، وموسى؛ من أخيه هارون وقومه الأقربين منه، وعيسى؛ من حوارييه، ويونس؛ من قومه الذين دفعوا به إلى بطن الحوت، إلى أن نصل إلى سيدنا محمد ح خير الخلق أجمعين فيأتي ابتلاؤه من أعمامه، وبني قومه من قريش وهكذا ... ألا يدلُّ هذا على أنَّ لله في هذا الابتلاء الذي يأتي من الأقارب حكمة بالغة وهي امتحان للصبر واليقين أولا وقبل كل شيء؟؟؟
*- المُقاربة: (1/127)
صفحة 128
في فتنة القرارة وغرداية يأتي الابتلاء من أقرب الناس إلينا من إخواننا المتساكنين معنا، من إخواننا وبني عمومتنا المجاورين لديارنا ومساكننا منذ مئات السنين في الولاية بل في البلدية نفسها، ولم يأت قطُّ من خارج حدود تلك البلديات، رغم أننا نتعامل والحمد لله مع كلِّ الولايات الأخرى إذ لم يقف تعامُلنا في حدود بلدياتنا، فهو لم يأت من ولاية الأغواط أو الجلفة أو غيرهما مثلا. فعلى الرغم مِمَّا يقال من حين إلى آخر عن يد خارجيَّة، محاولة للتبرير والتجاوز المبنيِّ على الظنِّ والحرص، أو على الدبلوماسية السطحيَّة، والسياسة الثعلبيَّة المراوغة، فإنَّ الأحداث هنا أكَّدت مرَّة أخرى أنَّ الشرارة اندلعت، والنار التهبت بأيادي من المتجاورين المتساكنين، بل شارك فيها من يُظنُّ فيهم الحفاظ على الأمن وسلامة المواطنين، وهذا مصداقا لقول القائل: «يؤتى الحذر من مأمنه»، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
الحقيقة الثالثة: «الغفلة باب الهلاك والخسران»:
في سورة يوسف؛ يتجلَّى التحذيرُ من الغفلة صراحة حينًا وتلميحًا أخرى، وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذه الظاهرة منذ البداية على لسان النبي يعقوب عليه السلام حين خاطب أبناءه محذِّرا إياهم أن يغفلوا عن أخيهم يوسف فيأكله الذئب. ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (يوسف: 13)، والغفلة ضعفٌ بشرى يعتري الإنسان من حين إلى آخر، ليبيِّن الله تعالى من خلالها ضعف هذا الإنسان المخلوق المحتاج دوما إلى ربه القويِّ القيُّوم الذي لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم، كما قال الشاعر العربي:
فَيَا للهِ للعَجَبِ العَجِيبِ ... وَلِلْغَفلاَتِ تَطْرَأُ لِلأَرِيبِ (1/128)
صفحة 129
والغفلةُ هي باب من أبواب الشيطان، يدخل منه إلى القلوب المؤمنة فيُفسدها، ويعكِّر صفو روحانيتها ولو للحظات خاطفة، ومن تم قال الله تعالى محذرا عباده المؤمنين: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (الأعراف: 205)، فالذكر إذا هو علاج هذه الآفة في النفس البشرية، وهي مركز الصراع الأبديِّ بين الذاكرين والغافلين، والساهين والمتيقظين، والواعين والجاهلين.
وإشارة القرآن الكريم إلى هذه الآفة من خلال هذه القصة المعجزة دليل آخر على أنها كثيرًا ما كانت سببًا رئيسا في الهلاك والخسران.
وعلى الرغم من أنَّ يوسف لم يأكله الذئب كما هو معروف، ولكنَّ مجرَّد ورود الكلمة على لسان يعقوب فتحت الباب مُشْرعا أمام الهلاك والخسران، إذ اتخذها إخوة يوسف حيلة، ومبرِّرًا كاذبا حين جاؤوا أباهم عشاء يبكون، متظاهرين بأن يوسف قد أكله الذئب في حال غفلتهم حين ذهبوا يستبقون وتركوا يوسف عند متاعهم وحيدا دون رقيب أو حسيب.
وأحسب أنَّ القرآن عندما يورد هذا المبرِّر الذي لم يقع لأنَّه تبريرٌ كاذب من إخوة يوسف وتمثيلٌ مفتَعَل لا صلة له بالواقع أصلا، يفعل ذلك ليحذِّر المؤمنين من خطر الغفلة على القلوب، المراد به ـ على ما نحسب ـ الغفلة عن ذكر الله مطلقا في جميع الحالات، التي تعايش الإنسان في حياته اليومية العادية، أكان ذلك في علاقته مع ربه أم في علاقته مع غيره من أبناء مجتمعه.
*- المُقاربة:
ما من شكٍّ في أنَّ غفلتنا عن الله وذكره من الأسباب الرئيسة التي أشعلت نيران الفتنة بين الإخوة المسلمين المتساكنين في القرارة وغرداية، فإنَّ الغفلة عن ذكر الله تُبعِد الإنسان عن حدوده الشرعيَّة في علاقته بربه أولا، وعلاقته بإخوانه ثانيا، وعلاقته بنفسه ثالثا. (1/129)
صفحة 130
فلولا الغفلة عن ذكر الله في جميع الحالات المشار إليها ما أدَّت مباراةُ كرة القدم إلى أن تكون شرارة عمياء تُشعل الحريق المهول الذي سرعان ما امتدَّ من ميدان كرة القدم في القرارة إلى ساحات وميادين غرداية، وبريان وبنورة، وبني يزقن، ولولا الغفلة عن ذكر الله في جميع الحالات، ما اندفع أولئك الشباب الطائشون ملثَّمون وغير ملثَّمين إلى استخدام كلِّ وسائل التدمير والتخريب، والتقتيل والترهيب، فتُزهق الأرواحُ، ويُروَّع الأمواتُ والأحياءُ معًا، وتُنتَهكُ حُرماتُ المحصنات، ويتعدَّى على الآمنين في بيوتهم جهارًا ونهارًا.
الغفلة بمفهومها المادِّي هذه المرَّة هي التي أدَّت الآمنين في لحظة اغترار، أو ثقة بالنفس زائدة، إلى هذا الأمان الذي انقلب فجأة إلى إعصار مدمِّر، وطوفان جارف، وقد قيل قديما وحديثا: «الأمان بدعة»، وقيل في الحكمة السائرة: «يؤتى الحذِرُ من مأمنه»، والثقة بالنفس أحيانا تكون بلاهة وسذاجة، فهل تكون هذه الصفعات المؤلمة بمثابة تلك الصفعة التي تجعل المغشيَّ عليه يعود إلى صحوته؟ وهل نفتح أعيننا لنرى الأفق واضحا أمامنا؟
الحقيقة الرابعة:
«الغضب يدفع إلى الجريمة، والشرارة تشعل الحريق»:
أشرنا في الحقيقة الأولى من قصة يوسف؛ إلى أنَّ الحسد هو أمُّ المكائد، وأنَّ الحسد يورث الحقد، والحقد يُشعل الغضب، والغضب يدفع إلى الانتقام. (1/130)
صفحة 131
ففي هذه القصَّة القرآنية العظيمة إشارةٌ واضحة إلى أن إخوة يوسف سرعان ما دفعهم الحسدُ إلى حبِّ الانتقام منه بالقتل، حيث قال الله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ژ (يوسف: 9). فكما دفع الشيطان قابيل لحسده من أخيه إلى قتله، كذلك فعل هنا، حيث دفع إخوة يوسف في السعي إلى قتله وإزاحته من وجودهم ليخلوَ لهم وجه أبيهم ... ، ولكن الله أراد أن يكون في وسط نار الغضب وشعلة حبِّ الانتقام من يفكِّر بهدوء وبصيرة وراحة بال رغم ذلك، وكأنه يريد أن يقول لنا بأنه يوجد في الجماعة الضالَّة دومًا فردٌ صالح، وعقلٌ هادئٌ مستنير، قد يكون سببًا لرجوع الجماعة كلِّها إلى جادَّة الصواب، والطريق الصحيح، وقد يكون هذا الفرد الصالح بمثابة القطرات من الماء التي تخمد النار المشتعلة في القلوب، قال تعالى: ژ ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ژ (يوسف: 10).
وتردَّد الموقف نفسُه من «كبيرهم» الذي أبى أن يغادر «مصر» دون الرجوع بـ «بن يامين» أخ يوسف، لأنه أخذ موثقا من أبيه يعقوب على ألاَّ يعود إلى مصر بدونه، ژ ? S S S S ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ?? ? ? ? ژ (يوسف: 80).
*- المقاربة:
ما من شكٍّ في أنَّ الغضب يُغشي الأبصار فلا تمييز في حالتها هذه بين الحق والباطل، وما بين الخطأ والصواب، بل هي لا تفرِّق بين البريء والمسيء، فإنَّ الذين قُتلوا في فتنة غرداية أناسٌ أبرياءٌ لا ذنب لهم سوى أنَّهم من بني فلان، وأنَّ ذلك الشاب الذي طُعن حتَّى الموت كان في موقف دفاعٍ عن حرمة بيته وعرضه، وأنَّ الذين اعتدوا على الحرمات من الملثَّمين الأوغاد، ومن المجرمين الأنكاد، إنما كانوا مَقُودِين بالغضب العارم الذي لم يفرِّق بين المسالم والظالم. (1/131)
صفحة 132
وكما دفع الغضبُ إلى الجريمة النكراء من طرف الظالم، فإنَّ الغضب قد يدفع المظلوم إلى الحكم المعمَّم فيرى من خلال جريمة بعض الأفراد أنَّ القوم جميعًا من تلك الطينة العفنة، فلا يميِّز حينئذ بين الصالح والطالح، والمتَّهم والبريء، ويخيَّل إليه في ساعة الغضب الأحمر والحزن الأسود، كل الألوان حمراء ملتهبة، وكل الطرق ظلماء وكل الوجوه سوداء كالحة.
فإنَّ التعميم هكذا بدون تفريق أو تمييز، منهجٌ عقليٌّ ظالم؛ وعندئذ يركب المرء بتفكيرٍ على هذا المنهج الذي ركبه الظالمون أنفُسُهم، فلا يكون بينه وبين الظالمين فرق، ويستوي البريء والمسيء ويُصبحان عند الله سيَّان، مع أنَّ الله يقول: ژ ? ں ں ? ? ? ? ? ?ہ ژ (المائدة: 100)، فليست الكثرة الغالبة سببًا في أن نغُضَّ الطرف عن القلَّة المحسنة، بل المفروض أن تكون سببًا في تعيين الكثرة المسيئة, والوقوف جميعًا ضدَّها، وقد رأينا من أحداث غرداية كيف وقف المنصفون في الجزائر كلِّها مع الفئة المظلومة، رغم قلَّتها ضدَّ الفئة الظالمة على كثرتها وادِّعاء الحقِّ إلى جنبها، فإنَّ الشمعة الضعيفة تُبدِّد الظلام على الرغم من ضعف نورها، والحقّ ساطع دومًا مهما اشتدَّ سواد الظلام حوله، وراية الحقِّ خفَّاقة ولو تمادى الباطل بكبريائه زمنًا، وحاول أن يُمَوِّه الحقيقة بحيلته ومكره، وكذبه وزيفه.
الحقيقة الخامسة: «التقوى والصبر هما مفتاح كل هم وبلاء، والفرج يأتي بعد الشدَّة»: (1/132)
صفحة 133
مدار قصة يوسف؛ من أوَّلها إلى آخرها هي هذه الحقيقة الربَّانية، ژ? ? ? ? ? ں ں ? ? ?ژ (يوسف: 90)، بهذا أجاب يوسف إخوته عندما عرفهم وهم له منكرون، وعندما جاؤوه يطلبون الصدقة منه وهو في عزِّ الملك والسلطة، وهم في ذُلِّ الشقاء والمسغبة، وهي خلاصة أكَّدها القرآن بإعجازه البياني في كلمتين اثنتين هما: «التقوى والصبر»، ليطوي بذلك كلَّ المراحل التي مرَّ بها يوسف في محنته: في الجبِّ وحيدًا مظلوما، وفي السوق بين أيدي المشترين عبدًا مَهينًا، وفي بيت العزيز غريبًا حزينًا، وأمام شهوة زُليخاء العارمة تقيًّا أمينا، وعلى سُدَّة الحكم حفيظًا عليمًا، وعند اجتماع شمله بأبويه وإخوته ملِكًا مكينًا، وأخًا شفُوقا حليمًا، إنَّه المثل الأعلى من المجتَبين المخلصين الذين اختارهم الله لعباده المؤمنين الصابرين المحتسبين من خلال هذه السورة العظيمة الفريدة في أسلوبها وطريقتها وموضوعها.
وكان كذلك موقف أبيه النبي يعقوب؛ في محنته واختباره صابرًا محتسبا أجره عند الله، يقابل الشدَّة بالصبر الجميل والفتنة باليقين الثابت، و لم ييأس قط من رحمة الله ولم يشكَّ في فرجه مع شدة بلواه، ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (يوسف: 87).
ومن مظاهر التقوى والصبر أن لا يشتكيَ العبدُ وهو في بلواه إلاَّ لربه وحدَه، ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (يوسف: 86).
*- المُقاربة:
كثيرٌ من المتعجِّلين المظلومين يتعاملون في الأزمات مع الله الخالق الديَّان بمنطق تعاملهم مع المخلوقين الضعفاء من بني الإنسان، فيتعجَّلون الاستجابة، ويظنون بالله الظنونا، والمفترض في المؤمن أنَّه يقتدي بعباد الله الصالحين وكيف كانوا مع الابتلاء خيرًا أو شرًّا، كانوا يقدمون اليقين ستارًا واقيًا وإيمانًا ثابتًا، معتقدين في أنَّّ الله لا يظلم أحدًا، وأنَّ زاد التقوى خيرُ الزاد في كلِّ حال. (1/133)
صفحة 134
ومن مظاهر التقوى التحلِّي بالصبر والشكر عند البلوى، وعدم الشك طرفة عين في القيم الإسلامية والثوابت الحضاريَّة. قال بعض الناس ممَّن ابتُلوا في ممتلكاتهم أو أنفسهم وسوس لهم الشيطان بعدم الاعتماد على القيم الإسلامية الثابتة، ولاسيما من الشباب ذوي التجارب الفجَّة والإيمان المتلجلج، فانساقوا مع بعض التيَّارات التي تدعو إلى الدعاوى الجاهلية، مغترِّين ببعض الشعارات السياسيَّة الجوفاء، واهمين بأنها هي التي ستُدافع عن حقوقهم وتنتصر لقضيتهم، وما علموا ـ أو قد علموا فتعنَّتوا ـ بأنَّ العادل الأبدي والمنتصر القوي هو الله وحده لا غيره. فمن شأن المؤمن الذي يتحلَّى باليقين أن يتخلَّق بأخلاق المسلمين والصالحين الذين اجتباهم الله لهذه الخصلة الربانية العالية فيهم، لا يتزعزع في الشدائد، له إيمان بالثوابت، ولا يتلجلج لهم لسان في موقفَي الصبر والشكر معًا. ولنتذكَّر دوما أنَّ أجدادنا إنَّما اعتمدوا في بنائهم الحضاري على الصراط المستقيم عقيدةً وسلوكًا وأخلاقًا، فنجحوا، وطبَّقوا منهج القرآن الكريم في كلِّ أدوارهم الحضارية فنجوا، فكيف بنا نحن اليوم ننساق مع ما يريده الكائدون لنا بضرب رموزنا وتشويه سمعتنا؟ والاغترار بالبريق الدنيوي بعيدًا عن منهج الله ...
الحقيقة السادسة: «التوكل في مواجهة الأزمات على الله وحده، وأخذُ الأسباب لا ينافي التوكل»: (1/134)
صفحة 135
عرضَ الله سبحانه وتعالى علينا هذا الموقف في قصَّة يوسف؛ في مشهد واحد عابرٍ قد لا يتفطَّن له كثيرٌ من القرَّاء، وذلك أنَّ يوسف بعد محنته مع زُليخاء التي انتهت به إلى السجن، وبعد أن شرح رؤيا السجينين اللذين كانا معه بقرب خلاص ساقي الملك، وبقرب تنفيذ الصلب في ذلك الذي رأى الطير تأكل من رأسه. فإنَّ يوسف بدا له وهو إنسانٌ ضعيفٌ أن يطلب من ساقي الملك الذي تحقَّق خروجه من السجن أن يذكُره عند الملك ليُفرج عنه من سجنه الذي دخله مظلوما دونما جناية، وإنَّما لوشاية من امرأة العزيز وصويحباتها من نسوة المدينة كما هو معروف، ويقول الله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (يوسف: 42).
وكأنَّ الله يعلِّمنا بأنَّ التوجُّه في الأزمات لا يمكن أن تكون فيه نية الاعتماد إلاَّ على الله وحده، مع الاحتياط بأخذ الأسباب، لكن دون أن تشوب نيتنا في الاعتماد على الله والثقة به والتوكل عليه بإشراك تلك القدرة مع أيَّة قوَّة مهما تكن هذه القوة البشريَّة على أنها هي التي ستخلصنا مما نحن فيه، وإنَّما القادر على ذلك وحده هو القويُّ، الجبَّار، المتكبِّر، المنتقم، المطَّلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وذلك كما قال سيدنا يعقوب؛ وهو في قمة الحزن والبلوى: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (يوسف: 86).
وقد جاء أخذُ الأسباب التي لا تُنافي التوكَّل في مشهد آخر من مشاهد السورة مع النبي يعقوب؛ حين طلب من أبنائه الذهاب إلى مصر لطلب الميرة، وكان يوسف قد اشترط عليهم أن يأتوه بأخ لهم من أبيهم وهو بن يامين، ولم يسلمه أبوه لهم ـ كما هو معروف ـ إلا بعد أخذ المواثيق من أبنائه، ژ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ژ (يوسف: 86).
وهذا تأكيد على الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، قال لهم: ژں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ?? ? ?? ? ? ? ژ (يوسف: 67). (1/135)
صفحة 136
وأحسب ـ حسب رأيي المتواضع، الذي أرجوا أن يكون صائبا ـ أن ليس معنى الدخول من أبواب متفرِّقة القصد منه الخوفُ من العين وحسب، بل معناه أيضا أنَّ على الإنسان المؤمن أن يطرُق كلَّ الأبواب لتُفتَح له في سبيل قضاء مصلحته الدنيويَّة، ولكن بشرط تسبيق هذه الأسباب بنيَّة الاعتماد على الله وحده معتقدًا ژ ? ? ? ?? ? ??ژ كما قال النبي يعقوب بصريح العبارة، وهي تعليم لنا قبل كل شيء.
*- المُقاربة:
بعضُ الناس من ضعيفي الإيمان يُخيَّل إليهم بأنَّ معارفهم من السلطة الإدارية هم الذين يحلُّون لهم مشاكلهم، وما أكثر المشاكل في وطننا العزيز، ويُصبح هذا الهاجسُ عندهم خطيرًا، ولاسيما عندما تضيق حلقات المصائب والأزمات حولهم، وعوض أن يرفعوا أعيُنهم إلى السماء متضرِّعين داعين الله المولى القدير ليحلَّ لهم تلك المشاكل، ينصرفون بقلوبهم وأبصارهم إلى الأرض ... إلى فلان الخطير، وفلتان الوزير والضابط والخفير، والسكرتيرة والسكرتير ... علمًا بأنَّ هؤلاء لا يقدِّمون ولا يؤخِّرون إلاَّ بأوامر تأتي أحيانا بواسطة الهواتف دون أن يعلم أصحابُها، وقد ينفِّذون ما يُؤمرون به دون التحقُّق من جدوى تلك الأوامر وعدالتها وصوابها ... والمؤمن القويُّ ينبغي ألاَّ يرضخ للتهديد والوعيد مهما يكن مصدره. (1/136)
صفحة 137
وإذا توسل بأسباب المخلوقين من البشر، فعليه أن يُعاين عقاب الله ومثوبته من عمله ذاك الذي يقدِّمه، راجيا أبدًا الثواب من عند الله، خائفًا دوما العقاب منه أيضا، وبذلك يطبق قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ں ں ?ژ (البينة: 5). وضعف الإيمان، والرغبة في الدنيا ومتاعها، تدفع هؤلاء إلى الوقوع في المال الحرام، هدايا، ورشاوى، تزلُّفا، وتملُّقا، لاعتقادهم الفاسد بأنَّ أولئك المسؤولين بيدهم الحلُّ والعقد، والأمرُ والنهيُ، والضيقُ والفرجُ، وقد يتبيَّن لهم بعد فوات الأوان وانجلاء الأزمة خطأ ما اعتقدوا أنَّه الصواب، فيندمون على ما اقترفوا ولات ساعة مندم، وقد يكون العقاب دنيويًّا قبل أن يكون أخرويًّا، نسأل الله العفو والعافية والمعافاة.
الحقيقة السابعة: «الحضارة أن يعمل الفرد من أجل الجماعة، والجماعة من أجل الفرد»:
في كلِّ المراحل الصعبة أو السهلة التي مر بها يوسف؛ نعيما كانت أم بؤسا، كان قلبه دوما متعلِّقا بوالديه وإخوته وأهله، رغم كيدهم له وحسدهم وافترائهم ضدَّه بأنه هو وأخوه «بن يامين» سارقان، ژ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ??ژ (يوسف: 77). وكان يوسف يقابل سوء الظنِّ والافتراء بالإحسان لهم كلَّ مرة، فكان الكريم المفضال في ساعة العسر، ژ ے ے ? ? ? ? ? ?ژ (يوسف: 59). وباعترافهم هم رغم كيدهم لأخيهم يوسف ـ الذي لم يعرفوه في تلك المرحلة من طلب الميرة والصدقة ـ قالوا لأبيهم وقد تصدَّق عليهم دون أن يأخذ بضاعتهم ژ ? S S S S ? ?? ? ? ? ?? ? ? ? ?? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ?ژ (يوسف: 65).
كانوا يسيئون وهو يُحسن، يكيدون وهو يغفر، يكذبون وهو يتسامح، همُّه الوحيد أن يلتقي بأبويه وإخوته رغم ما عاملوه به ژ? ? ?ژ (يوسف: 93)، لأنَّ يوسف بشهادة القرآن ارتقى إلى درجة الإحسان التي بلغها باجتباء الله له، وبتقواه الذي صيَّره صفيًّا، ژ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ?? ? ? ?? ? ? ?ژ (يوسف: 91، 92). (1/137)
صفحة 138
تلك هي أخلاق القرآن التي نشأ عليها المخلصون من عباده، وهي مقابَلة الإساءة بالإحسان، هذه الدرجة التي هي بين العباد سرُّ الأمن والأمان، ولكن الشيطان ينزغ، ويصوِّر للإنسانِ الإحسانَ للمسيء بأنَّه ضربٌ من الخنوع، والرضى بالدونيَّة، إذ لو تصرَّف الناس فيما بينهم بهذه الدرجة العالية من الأخلاق الإسلاميَّة الكريمة، لانقلب ـ بشهادة الله ـ كلُّ عدوٍّ إلى حميم، ژ ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ?ژ (فصلت: 34)، ولكنَّها مرتبة جليلة عظيمة لا يرقى إليها ژ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہژ (فصلت: 35).
المقاربة: (1/138)
صفحة 139
لن يتحقَّق هذا الهدف الحضاريُّ الرائع بين المسلمين جميعًا ـ وهو أن يكون الفرد من أجل المجموع، والمجموع من أجل الفرد ـ، إلاَّ إذا عُمِّمت هذه الرؤية الحضاريَّة التي نشهدها صباح مساء في وادي ميزاب، وهي ما يُعرف في النظام الاجتماعي هناك «العشائر»، وليست العشيرة إلاَّ تجمُّعٌ عائليٌّ يبدأ بالأسرة لتنداح دوائره في تماسك إسلاميٍّ منتظم رائع، ليشمل القرية أو البلدية كلها، وفائدةُ هذا النظام الذي هو مكسبٌ حضاريٌّ إسلاميٌّ راقٍ يتمثَّل في التضامن، والتكافل، والتعاون بين طبقات المجتمع كلِّه بكلِّ شرائحه وفئاته، بحيث ينشأ الفرد منذ صغره وهو يفكِّر في الجماعة لا في نفسه، ومن ثمَّ يتوسَّع هذا التفكير بل هذه الرؤية على كلِّ أفراد المجموع، فتعود الفائدة الاجتماعيَّة على الكل، بحيث تكون الجماعة تفكِّر من أجل الفرد. وتجد روح هذا التفكير في كلِّ المؤسسات المدنية والدينية في حلقة العزابة، والاجتماعية في العشائر، والتعليمية في المدارس الحرة، والاقتصادية في الجمعيات ذات الطابع المالي والتجاري والفلاحي، وهي تتجلَّى حتَّى في الناحية العمرانيَّة بهندستها الرائعة، وبدلا من أن يكون هذا المكسبُ الحضاريُّ مفخرةً من مفاخر الحضارة الإسلاميَّة في وادي ميزاب بل الجزائر قاطبة، تجد بعض من نزغ الشيطان بينهم وركب ظهورهم يعتبرون هذا النظام طائفيَّة مذهبيَّة، قبليَّة وعصبيَّة مقيتة، وكان الأولى بهؤلاء المتعصِّبين أن يحاولوا تطبيق هذا النظام في أحيائهم وقبائلهم هم ليعُمَّ الرخاء في كلِّ أنحاء الوادي. (1/139)
صفحة 140
كما كان الأجدى أن يبحث المثقَّفون من هذا الجيل الجامعيِّ الجديد عن مواطن الخير في هذا النظام الاجتماعي الإباضيِّ الميزابيِّ، بدل الكيد والدسِّ، والتشويه، والكذب بأطروحات يقيؤونها في كتاباتهم الصحفية واتصالاتهم الاجتماعية عن طريق النت صباح مساء، فإنَّ الكثير من تلك الكتابات ولاسيما في هذه السنوات الأخيرة، أساءت كثيرًا إلى العلاقات الاجتماعية بين المتساكنين، الذين كانوا قبل الاستقلال واستفحال نظام الحزب العتيد، يتعايشون في ظلِّ التسامح الكامل والتعاون الأمثل، ولاسيما فيما يحتاج إليه البدويُّ من الحضري، والرحَّالة من المستقر، والعامل من البطَّال، فهل تعود أيام الرخاء والألفة والمحبَّة بين المتساكنين كما كانت من قبل؟
نسأل الله ذلك وأكثر، وما ذلك على الله بعزيز، وذلك هو الدور المنتظر من المصلحين والأعيان والمثقفين من الطرفين. والحمد لله ربِّ العالمين.
الآيات العقديَّة والسلوكيَّة من سورة يوسُف؛
1 - ژ ? ? ? ? ? ? ژ
2 - ژ ژ ژs s ک ک ک ک گ ژ
3 - ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ
4 - ژ ? ? ? ? ژ
5 - ژ ? ? ?? ? ? ? ?S S S S ? ? ژ
6 - ژ ? ? ? ?? ? ? ? ? ژ
7 - ژ گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ژ
8 - ژ ? ? ں ں ? ?? ? ? ? ہ ہ ژ
9 - ژ پ پ ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? S S S S ? ? ?ژ
10 - ژ ژ ژs s ک ک ک کگ گ گ گ ? ? ? ? ? ?ژ
11 - ژ ? ? ? ?? پ پ پ پ ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ژ
12 - ژ ژ ژs s ک ک ک ک ژ
13 - ژ گ گ گ گ ? ? ? ? ژ
14 - ژ ? ? ?? ? ? ? ? ژ
15 - ژ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ژ
16 - ژ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ?? ? ?? ? ? ? ?ژ
17 - ژ ? ? ?? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ےے ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ژ
18 - ژ ہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے? ژ
19 - ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ
20 - ژ پ پ پ ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S ژ
21 - ژ ? ?? ? چ چ چ چ ژ
22 - ژ ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ژ
22 -
خواطر إيمانية (01) (1/140)
صفحة 141
كلَّما قرأت القرآن الكريم بتدبُّرٍ وتمعُّنٍ ازدَدْت يقينًا واعتزازًا بهذا الدين المحمَّدي العظيم، فإنَّ المتدبِّر لآياته يدرك بما لا شكَّ فيه بأنَّ البشر بل المخلوقين من الجنِّ والإنس لا يستطيعون أنْ يأتوا بآية واحدة من مثله، وقد تحدَّاهم الله بذلك فما استطاعوا، وقد حاولوا طوال التاريخ البشري الطويل فعجزوا.
ومن صور التحدِّي في القرآن، أسلوبه العربي المعجز دقَّة في التصوير، وروعة في التعبير. ولنأخذ ـ اليوم ـ كمثال عن ذلك من قوله تعالى في سورة «طه» حيث يصوِّر لنا مشهدًا من مشاهد الطغاة الجبابرة، وما أكثرهم في أيامنا هذه إذ يقول فرعون (موسى) مخاطبًا السحرَةَ الذين كانوا اتباعًا له منقادين فانقلبوا إلى أذلاء مخلصين لربِّ العالمين في لحظة وامضة مشعَّة من لحظات الإيمان العميق، قال فرعون منتفضًا، غاضبًا، ساخطًا: ژ ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ژ (طه: 71)، فإن المعروف لغة بأنَّ الصلب يكون (على) الشيء وليس (في) الشيء، ولكن المتأمِّل المتدبِّر، المتذوِّق، يدرك بأنَّ حلاوة البلاغة، والإعجاز البياني يكمن في كلمة (في) هذه التي تعبِّر بدقَّة عن الحقد الذي ملأ صدر فرعون؛ فخيل إليه بأنَّ الصلب لشدة تعذيبه يكون داخل الجذع لا خارجه ولا فوقه، فيا الله لعظمة التعبير القرآني الذي يخالف تعبيرات البشر وما تعوَّدوا عليه، ليَسْمُوَ بهم في أعلى عليين من التصوير البياني المعجز. وصدق من قال: ژگ گ گ ? ? ? ? ... ? ... ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ... ? ژ (الشعراء: 192 - 195).
ولنا وقفة آتية مع هذه الآية بحول الله. فإلى الملتقى مع كلام رب العالمين. وخواطر إيمانية أخرى.
القرارة في: 05/ 06/2014م
خواطر إيمانية (02) (1/141)
صفحة 142
كلَّما تلوت قوله تعالى: ژگ گ گ ? ? ? ? ... ? ... ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ... ? ژ (الشعراء192 ـ 195) أجدني واقفًا عندها وقفة تأمَّل عميق لِما تحويه من الآيات البيِّنات من الإعجاز البيانيِّ، والدِّلاليِّ العظيمَيْن، ذلك لأنَّها شهادة شرفٍ من ربِّ العالمين للمكانة العظيمة التي يحتلُّها هذا الكتاب العظيم. هكذا تتوالى الشهادات واحدة تلو الأخرى في انسجام وتوحُّدٍ لا يمكن الفصل بينها أبدًا. فالقرآن من تنزيل ربِّ العالمين وفي هذه الصفة «ربوبيَّته للعالمين» ما يدلُّ على شرف مصدر القرآن ومكانته عند الله جلَّ جلاله، وكيف جاءت هذه الشهادة في أسلوب متميِّزٍ مكين تعضده هذه التوكيدات المتتالية. الواو، ثمَّ، إنَّ، والضمير المتَّصل «الهاء» ثمَّ اللام المؤكِّدة «لَتَنزيل» ليختم هذه الشهادة الشرفيَّة العليا، بأنَّه من «ربِّ العالمين» وحده لا شريك له. هذا عن المصدر. ومن بلَّغ هذا التنزيل العظيم، إنَّه الروح الأمين «جبريل» - عليه السلام - ومكانة جبريل عند الله وعند الملائكة لا يدانيها في التشريف مكانة أيِّ مَلَكٍ آخر ثمَّ وصف هذا «الروح» بأنَّه أمين لا يمكن أن يُتَّهم بالغفلة أو الخيانة، ولكي تكون الصفة ملتصقة دومًا بصاحبها عبَّر عنها بأداة التعريف «أل» هكذا «الرُّوحُ الأمِينُ» فلم يحصل على هذه الشهادة الشرفيَّة العالية غير محمَّد ح حين سمَّاه قومه قبل نزول الوحي عليه «بالأمين» ولم تأت هذه التسمية اعتباطًا أو صدفة.
ومن الذي استقبل هذه الأمانة العظيمة إنَّها نزلت مباشرة على قلب محمَّد ح، وفي نزولها على قلبه مباشرة ما يضفي على أنَّ أمانة التبليغ صارت كاملة، دقيقة، شاملة، لا يمكن أن يحوم حولها الشكُّ إطلاقًا، وهو ما ينفي عنها الطبيعة البشريَّة المعروفة بالضعف والغفلة. (1/142)
صفحة 143
وما هي صفة هذه الأمانة؟ التي وقعت على قلب محمَّد ح مباشرة إنَّها الرسالة الخالدة للعالمين قاطبة، النذارة «لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ» وإنَّ التعبير «بالمنذرين» فيه من الإعجاز البيانيِّ ما فيه لمن تأمَّله.
لأنَّ المنذر يفهم منه أيضًا المبشِّر، ولكنَّ الأمانة والمسؤوليَّة تقتضي ذكر النذارة لأنَّ البشر انحرفوا عن فطرتهم السويَّة التي هي الإيمان بربوبيَّة الواحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، فكأنَّ الأولى أن يُنذَروا حتَّى لا يتَّبعوا طريق الضلال الذي سلكته الأمم البائدة من قبلهم وهذا ما تسيِّر إليه الآية «مِنَ الْمُنذِرِينَ»، وفي هذا إشارة لطيفة بليغة إلى أنَّ محمَّدًا هو خاتم الأنبياء والمرسلين «ومِن» ليست للبعضيَّة وإنَّما هي للأفضليَّة.
ثمَّ يأتي الوصف الأخير الذي يؤكِّد مكانة الأسلوب الذي نزل به هذا الكتاب وهو اللسان العربيُّ المبين «بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ»؛ ولعمري إنَّها لشهادة شرفيَّة عظيمة لهذه اللغة التي اختارها الله لحكمة يعلمها هو وحده، وكفى اللغة العربيَّة شرفًا أن ترتقيَ إلى هذه الدرجة من السُّموِّ والتشريف وهو الرقيُّ الذي لم ترتق إليه لغةٌ أخرى قطُّ في الأوَّلين والآخرين منذ آدم إلى قيام الساعة. فالمصدر هو ربُّ العالمين، والمبلِّغ هو الروح الأمين، والمبلَّغ له هو قلب محمَّد الأمين، والرسالة تبليغ دين ربِّ العالمين، والأسلوب هو اللسان العربيِّ المبين ... هذه الأربع: المصدر، والمبلِّغ، والمبلَّغ له، ورسالته العظيمة، وبلسانه العربيِّ الذي شرَّفه الله وأحلَّه هذه المكانة العظيمة، حتَّى يتذكَّر أهل هذا الكتاب مكانة هذه اللغة الفريدة التي تحوي سرَّ إعجازه البيانيِّ والدِّلاليِّ، وكأنَّه تذكيرٌ لكلِّ مسلم بأن يعتزَّ بهذه اللغة الراقية الشريفة لعلاقتها الوطيدة بكلام ربِّ العالمين. وكفاها هذا فخرًا وشرفًا، وكفاها سموًّا واعتزازًا. (1/143)
صفحة 144
وإلى الملتقى في حلقة جديدة أخرى. محمد ناصر
القرارة في: 7/ 6/2014
خواطر إيمانية (03)
«اقرأ سورة الطلاق!؟»
يُقال إنَّ بعض الشباب ممَّن يحبُّهم الله ـ لِمَا يعرفه فيهم من إيمان لا يتزعزع ـ وجد في قلبه ذات يوم ما حاول الشيطان أن يوسوس له به من متاع الدنيا ولذَّاتها، وتكرَّر معه ذلك مرَّات عديدة، حتَّى خاف على قلبه وأشفق على نفسه من أن يصبح ذلك الوسواس بداية الانحراف لما يدعوه الشيطان إليه من صدٍّ عن ذكر الله وعن الصلاة.
شغله أمر نفسه وعلاقته بربِّه، وحيَّره أن يتراءى له ذلك الوسواس الخنَّاس ينزغه نزغًا ويدفعه إلى الشهوة دفعًا، فأسرع قبل استفحال الأمر إلى إمام المسجد، وهو تقيٌّ نقيٌّ من الصالحين، فعرض عليه نفسه، وأقرَّ أمامه بهذه الحالة التي شغلته عن صلته القويَّة الحميميَّة بربِّه، وهو يخاف أن يصبح ذات يوم في حمأة الرذيلة غارقًا، وها هو ذا يطلب النصيحة من مربِّيه الروحيِّ إمام المسجد.
استمع الشيخ الربَّانيٌّ لابنه الشاب بجماع قلبه، ووعى بحقِّ وصدق ما يمور في قلبه من هذه الوساوس المهلكة، وهو طالما وقف في طريق الدعوة إلى الله ناصحًا داعيًا سواء على منبر المسجد أم في حلقاته الدعويَّة الجماعيَّة والفرديَّة.
قال الشيخ بعد تأمُّل يخاطب هذا الشابَّ «عليك يا ولدي بقراءة سورة الطلاق» ذهل الشاب من جواب الشيخ، فقال: «وأنا يا إمامي ما جئتك طالبًا في حلِّ مشكلة طلاق ولا زواج فأنا والحمد لله سعيد السعادة كلَّها، ولكنِّي أخاف على نفسي ممَّا أجد في قلبي من وساوس الشيطان المغرية، هل وعيت مشكلتي؟» أجاب الشيخ مرَّة ثانية بهدوء ووقار وثبات، قلت: «عليك بقراءة سورة الطلاق».
ولمَّا رأى الشاب موقف الشيخ وجدِّيَّته من خلال تأكيد الجواب للمرَّة الثانية، انصرف شاكرًا لشيخه عازمًا تنفيذ وصيَّته بل نصيحته وهو لم يدرك بعدُ أبعادها أو مغزاها. (1/144)
صفحة 145
وها هو ذا الشابُّ الصالح وحيدًا في محراب بيته يفتح كتاب الله ويسترسل في قراءة متأنِّية متدبِّرة من بداية سورة الطلاق ژ ? ? ? ? ? پ پ ... ژ ويستمرُّ في قراءة الآيات البيِّنات بخشوع وتأمُّل وفجأة يستوقفه قول الحقِّ وكأنَّه يخاطبه بالذات ژ ک ک گ گ گ ... گ ? ? ?? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ?? ? ? ? ? ? ? ژ وتنتفض نفسه بقوَّة كلَّما ردَّد الآيات، ويلمس صداها في أنحاء قلبه كلَّما تأمَّل فحواها، ويلتذُّ بسماعها كلَّما رتَّلها ثمَّ يعيد تلاوتها مرّات عديدة، وقد اطمأنَّت نفسه، واهتدى إلى حلِّ لغز شيخه وإمامه وقد وجد ضالته التي طالما أعياه أمر البحث عنها. ويشعر مع سريان معاني الآيات البيِّنات في سويداء قلبه تجري مع دمه، وتستجيب لها نبضات قلبه مع كلُّ دفعة دم تجري في كيانه. (1/145)
صفحة 146
إذن هذا هو البلسم الشافي الذي أراد شيخي أن يوجِّهني إليه إنَّه الإيمان العميق بالله واليوم الآخر ژ ک ک گ گ گ ... گ ? ? ?? ژ هذا هو المفتاح، ثمَّ تتوالى المفاتيح الأخرى ژ ? ? ? ? ں ں ژ إنَّه المخرج من كلِّ ضائقة؛ إنَّها تقوى الله، وجدتها وربِّ الكعبة! لا شيء غير هذا لطرد وساوس الشيطان ونزغاته، هو المخرج إلى النور من كلِّ ظلمة مهما يكن نوعها نفسيَّة كانت أم مادِّيَّة، فرديَّة أم جماعيَّة، لها علاقة بالإنسان مع نفسه أم مع ربِّه أم مع باقي من يحيط به من بني الإنسان الآخرين. هكذا يكون المخرج. ثمَّ هكذا يفتح باب الرزق واسعًا من بني الإنسان الآخرين. هكذا يكون المخرج. ثمَّ هكذا يفتح باب الرزق واسعًا من حيث لا أحتسب وهكذا تغلق أبواب وساوس الشيطان الدنيويَّة كلِّها، فلا متاع، ولا شهوة، ولا إغراء، ولا انحراف عن سبيل الله الذي خطَّه لعباده المؤمنين بإحكام ودقَّة متناهية وهكذا يكون شعاري الذي أثق به ژ ہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ?? ? ? ? ? ? ? ژ ثمَّ يقول ژ ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ثمَّ يقول ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ ويستعيد كلام شيخه: «اقرأ سورة الطلاق» ويستمرُّ في التلاوة وقد تفتَّحت الأبواب الموصدة أمامه بابًا بعد باب، والمفتاح بيده هذه المرَّة إنَّه وحيد «التقوى» ومن يتَّق الله ... ولكن، قف تأمَّل استمر في التلاوة لتجد الجزاء الأوفى في آخر السورة وقد فتح الله لك الباب الأوسع إلى النعيم المقيم الخالد في جنَّات النعيم، أيرضيك هذا؟ أينسيك في نعيم الدنيا الذي أغراك الشيطان به بوساوسه؟ اقرأ وتدبَّر إذًا قوله في آخر سورة الطلاق: إنَّها التقوى مرَّة أخرى ژ ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ?ژ (1/146)
صفحة 147
هكذا تكون هذه الآية الكريمة عودًا على بدءٍ كما يقول البلاغيُّون، إذ كانت البداية إيمانًا بالله واليوم الآخر التي هي عنوان التقوى، لتكون النهاية جنَّات النعيم لمن يومن بالله ويعمل صالحًا، ولله الآخرة والأولى.
وللخاطرة بقيَّة ....
وإلى اللقاء في حلقة قادمة بإذن الله
محمد صالح ناصر
القرارة في: 9/ 6/2014
( j)
خواطر إيمانية (04)
«اقرأ سورة الطلاق!؟» ( n)
لعلَّ أهمَّ ما يخطر على بال المسلم وهو يتلو سورة الطلاق تكرار «التقوى» فيها، مما يجعله يتساءل لماذا ربط الله بين «التقوى» و «الطلاق» بهذا الشكل في هذه السورة، فوردت كلمة «اتق الله» مرَّتين، ووردت «ومن يتق الله» أربع مرات.
ويبدو لي - والله أعلم بمراده – أنَّ عمارة الكون كلِّه مبنية على العلاقة الطيبة الناجحة بين الزوج والزوجة، ولا أقول بين الرجل والمرأة، لأنَّ أساس الزواج عند الله وفي كتابه الكريم هو الارتباط بين الذكر والأنثى لغرض بناء أسرة صالحة سعيدة تكون نواة أساسية أولى لعمارة هذا الكون الذي سخره الله لهذا الإنسان. ولنْ يقوم الزواج الصالح إلا على «تقوى الله» بمفهومه الواسع، أي أنْ يراعيَ كلُّ طرف حقوق الطرف الآخر عليه، كما يراعي في الوقت نفسه كل طرف واجبات الآخر عليه، كما بيَّن ذلك في آية أخرى يقول فيها: ژ ں ? ? ? ? ? ? ہ ہہ ہ ... ھ ھ ھھ ے ے ? ?? ? ? ? ?? ژ (النساء: 32)، فلا أفضلية لأحد على آخر إلاَّ بقدر ما يقوم به الطرفان من حقوق وواجبات إزاء بعضهما البعض، وهم عند الله يتساوون في الفضل بقدر مراعاتهما هذه القدسية الزوجية بينهما. (1/147)
صفحة 148
ومن ثمَّ فإنَّ هذه القدسيَّة تبقى هي هي عند الله حتى في حالة الطلاق والافتراق ژژ s s ک ک ک کگژ (النساء: 130)، ذلك لأنَّ الزواج «ميثاق غليظ» لا ينتهي بمجرد الافتراق الجسدي. لأنَّ حرمته باقية إلاَّ فيما حدَّده الشرع من حقوق فصَّلها تفصيلا في سورة النساء، ووضَّح حدودها النبي الكريم، اعتبارًا لهذه العلاقة السابقة حيث يقول بتعبير هو قمة في الإعجاز البياني: ژ? ? S S S S ? ? ? ? ?ژ (النساء: 21).
من هنا نفهم ـ والقرآن يفسِّر بعضه بعضا ـ لماذا وضع تلك الحدود الدقيقة الشاملة للطلاق، قبل وقوعه، وأثناء وقوعه، وبعد وقوعه. وهو ما يُعبِّر عنه الفقه الإسلامي بالعِدَّة، والمتعة والإنفاق في فصول واسعة ليس هنا محل ذكرها.
وقد عبَّر القرآن الكريم على هذه الحقوق والواجبات على أنَّها حدودٌ صارمةٌ لا يمكن للمؤمن أنْ يتعداها، وفي حالة التعدِّي عليها يكون عقابه شديدًا دنيا وأخرى ژ ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ??ژ (الطلاق: 01)، ويقول في السورة نفسها: ژ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (الطلاق: 05).
وعلى المؤمن ألا يتهرَّب من هذه الحقوق والواجبات إذا وقع الطلاق حتى ولو كان في حالة مُعْسرةٍ لا تسمح له بالإنفاق الواسع مراعاة لتلك الحدود المقدسة، ژ? ? ? ? چچ چ چ ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ... ژ ژs s ک ک ک ک ژ (الطلاق: 07) (1/148)
صفحة 149
إذا فإنَّ المحك لمراعاة كلِّ هذه الأحوال سواء من جانب الزوج أو من جانب الزوجة هو الرجوع والاحتكام إلى الضمير الإيماني وحده؛ تقوى الله في السر والعلن، في حالة الزواج الصالح السعيد، وفي حالة الافتراق والطلاق الرشيد، ولأنَّ الله أعلم بخافية الصدور، ووساوس الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، الداعية إلى حب الدنيا والانتقام من الطرف الآخر، من أجل ذلك كلِّه جعل السياج الوحيد، والضمان المفيد هو الرجوع إلى حدود الله التي وضعها لخلقه لأهم علاقة إنسانية بين الزوج والزوجة، لأنَّها كما أسلفتُ أساس عمارة الكون الذي لم يخلقه الله لهذا الإنسان عبثًا، وكفى بالله رقيبًا وشهيدًا، ولهذا الملمح اللطيف دلالة على أنَّ الله وحده له الخلق والأمر.
ومن إرادة الله بجعل الزواج سببا لعمارة الكون، تلك الآية الكريمة التي أنهى بها هذه السورة حيث يقول: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ?ژ (الطلاق: 12). وفي هذا إشارة لطيفة إلى أنَّ الله خالق السماوات والأرض بعظمته وحكمته المطلقة لا يخفى عنه من أمر العلاقات الإنسانية شيء مهما بدا لنا هيِّنًا بسيطًا. لأنَّ الإنسان في علاقاته كلها هو أساس عمارة هذا الكون الذي يبدأ بالزواج المقدَّس.
القرارة: 13/ 06/2014م
o
مقدمة 05
مَنهَجُنا التربَويُّ، هل هو قُرآنيٌّ؟ 07
عَدُوُّنا الأبديُّ، ووسائلُ التمكِينِ والغَلَبَة 14
القُرْآنُ والطِّفلُ 25
لماذا تُسْتَهدَفُ لغةُ القُرْآنِ؟ 43
التربيَةُ الاجتِمَاعيَّةُ من مَنظُورٍ قُرآنِيٍّ 61
«القُرآنُ، فِكرةُ محمَّد»؛ بين المغالَطَةِ والتَّدجِيلِ (ردًّا على الرُّصافي) 81
إصْلاَحُ الأنْفُسِ بالقرآنِ، وليسَ بتغيير الإنسانِ! 123
مَنهَجُ الاستقَامَةِ من مَنْظُورٍ قُرآنيٍّ 145
عِبَرٌ مُستَفَادةٌ من محنة القرارة (عَاقبةُ الظالمين في كَلاَمِ رَبِّ العالمينَ) 157 (1/149)
صفحة 150
سَبْعُ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ ... ... أو فِتنةُ غرداية مِنْ خِلال قِصَّة يُوسُف (؛) 174
خواطرُ إيمانيَّة (01) 195
خواطرُ إيمانيَّة (02) 197
خواطرُ إيمانيَّة (03) «اِقْرَأ سورةَ الطَّلاق!»: 200
خواطرُ إيمانيَّة (04) «اِقْرَأ سورةَ الطَّلاق!» (تابع): 204
محتوياتُ الكتابِ 207
تم بحمد الله (1/150)