صفحة 1
الكتاب: مع كلام رب العالمين (الجزء الثاني)
المؤلف: محمد صالح ناصر
إعداد ومتابعة: الأستاذ محمد أحمد جهلان / عبد الرحمن بن عيسى الشيخ بالحاج
الناشر: جمعية التراث
مكان النشر: القرارة - غرداية - الجزائر
الطبعة: الأولى
تاريخ النشر: ربيع الثاني 1438هـ / جانفي 2017م
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) مع كلام ربِّ العالمين
(الجزء الثاني)
لفضيلة الشيخ
الدكتور محمد صالح ناصر
الوصف: التراث1
ربيع الثاني 1438هـ / جانفي2017م
* العنوان: مع كلام رب العالمين (الجزء الثاني)
* تأليف: فضيلة الشيخ الدكتور محمد صالح ناصر
* إعداد ومتابعة: الأستاذ محمد أحمد جهلان
عبد الرحمن بن عيسى الشيخ بالحاج
* الطبعة الأولى، ربيع الثاني 1438هـ/جانفي 2017م
* الناشر: جمعية التراث
العنوان: ص. ب: 30. القرارة ـ غرداية ـ 47110 / الجزائر
هاتف / فاكس: 29262258 (+213)
البريد الإلكتروني: ettourath@gmail.com
الموقع الإلكتروني: ... www.tourath.org
الإيداع القانوني: السداسي الأول، 2017
ردمك: 8 - 16 - 553 - 9931 - 978
-
جميع الحقوق محفوظة
ء
ظ الجزء الثاني
ژ? ? ? ?? ? ?ژ
(الزخرف: 44) (1/1)
صفحة 2
كلما قرأت هذه الآية العظيمة تبيّنتُ العلاقة الوطيدة بين كتاب الله والأمة المحمدية كما أرادها الله لها، وتجلَّت لي مسؤوليتها الخطيرة التي أناطها الله بها؛ وهي الرجوع إلى هذا المصدر الكريم في كل صغيرة وكبيرة من شؤونها، سواء أتعلق الأمر بحياتها الدنيوية أم تعلق بحياتها الأخرويَّة، وبقليل من التعمق والتفكير تتجلى لنا مكانة هذا الكتاب من أمة محمد ح حيث يؤكد بحرف (إنّ) بأن القرآن بالنسبة للرسول ح وبالنسبة لأمته (لك ولقومك) إنما هو الذكر لا التبيان، والحضور الدّائم لا الغياب، والتمثل المستمر لا الغفلة والارتياب، ويأتي الوعيد الشديد علينا إن نحن خالفنا هذه المكانة، وزهدنا في هذه المسؤولية بقوله: ژ? ??ژ (الزخرف: 44). وفيها ما يكفي من إشعارنا بهذه المكانة التي هي سؤال لا مفر منه ومحاسبة لا تنفصم عن أحد مهما تكن مكانته من هذه الأمة، والسّؤال العظيم لا يكون إلا في الدار الآخرة أمام الخلق أجمعين يوم الحساب والعقاب. أليست هذه الآية تُحَمِّل كل واحد منا باعتبارنا مسلمين، مسؤولية نشر هذا الكتاب، وتدبره، وتعليمه، وخدمته، وحفظه، بكل ما أوتينا من علم وقوة وعقل بل ومال ووقت.
والمسؤولية تتعدى بعد هذا كل فرد منِّا ليقوم بتبليغها إلى من يحيطون به ممّن هم تحت كفالته وتربيته وتوجيهه، ألم يقل الرسول ح مشددًا على هذا المعنى: «بلِّغوا عنِّي ولو آية». وقال أيضًا: «علِّموا أولادَكم القُرآنَ فِإنهُ أوَّل مَا يَنبَغِي أَن يُتَعلَّم مِن عِلمِ الله هُو». وقال أيضا: «خَيرُكُم مَن تَعَلَّم القُرآنَ وَعَلَّمَهُ».
فاللهم أقدرنا على تحمل هذه المسؤولية وأعنّا على رعايتها وتبليغها.
الأبيار: 08 جمادى الأولى 1437 هـ
17 فيفري 2016م
ظ الجزء الأول (1/2)
صفحة 3
سبق لي أن كتبتُ كتابًا تحت عنوان «تأملات في القرآن الكريم» وذلك سنة 1416هـ/1995م، وكنت حينها في سلطنة عُمان، وقد نشرته بعد ذلك في الجزائر صادرًا عن دار «الريام» سنة 1426هـ/2005م.
وقد تجمَّع لدي في الموضوع نفسه عدَّة بحوث ومقالات، كلُّها في الدراسات القرآنية، شاركتُ بها هنا وهناك من نشاطي المسجدي في القرارة أو في العاصمة، ولاسيما في مسجد «المنار» بالحميز تحديدًا.
وتحت إلحاح كثيرٍ ممن سمع تلك المحاضرات ورغبتهم في جمعها ضمن كتاب ليسهل الرجوع إليها، رأيتُ أن أجمع تلك المقالات في دفَّتي كتاب، واخترت لها عنوانًا طالما جعلته لتلك المحاضرات وهو:
«مع كلام ربِّ العالمين».
ونعتبر هذه السلسلة محاولة لربط القارئ الكريم أو المستمع الفاضل أبدًا بكتاب ربِّ العالمين، معالجا ما يؤرِّقه من هموم الحياة ومشاكلها، حيث يكون الرجوع إلى هذا المصدر النقيِّ الصافي هو البلسمُ الشافي وحده، في وقت تلاطمت فيه الأمواج، واضطربت المناهج، وتشعَّبت الفجاج.
داعيا الله أن يأجرني إن أصبت في تحليلاتي تلك، ويغفر لي خطيئتي إن أخطأت فيما ذهبت، راجيًا في الوقت نفسه ألا يحرمني القارئ الكريم من دعواته الصالحات بالصحَّة والعافية، والتوفيق في أمر الدنيا والآخرة.
الراجي عفو ربه، محمد صالح ناصر
الأبيار؛ في 10 رجب 1435هـ
10 ماي 2014م
القرآن مأدبة الله: هل لبَّينا دعوته؟ (1)
1 - القرآن كلام الله المقدس.
2 - القرآن تنزيل بلسان عربي مبين.
3 - معرفة علوم القرآن، لماذا؟
4 - القرآن بين الحفظ والقراءة، والترتيل.
5 - القرآن بين الفهم، والتذكر، والتفكر، والتدبُّر.
6 - القرآن كتاب مبارك، كيف؟
__________
(1) - محاضرة ألقيت بدار عشيرة البلات ـ بالقرارة في ربيع الأول 1429هـ / مارس سنة 2008م. (1/3)
صفحة 4
إنَّ القرآن يُخاطِب الناس جميعا، وفي كل عصر يخاطب ساكن الغابة، وساكن الصحراء، كما يُخاطِب ساكن المدنية ورائد البحار، وهو يخاطب الأمي الذي لم يقرأ ولم يخط حرفا، كما يخاطب العالم الفلكي، والعالم الطبيعي، والعالم النظري سواء، ولكل واحد من هؤلاء يجد في القرآن ما يصله بهذا الكون وما يحفز في قلبه التأمل والاستجابة والتلقي (1).
ولنا أن نتساءل:
يا ترى لماذا شبه الرسول ح كتاب الله بالمأدبة؟
ذلك أنَّ المأدبة عادة ما تكون احتفاء من المُؤْدِب والمُؤْدَب معا، وهي دليل على الكرم والأريحية والسماحة من العبد وربه معا، هذا بدعوته وذاك بتلبيته، ومن أولى بالاتصاف بهذه الأوصاف من الرحمن وعِبَاد الرحمن؟
وعندئذ فإنَّ كل مُلبٍّ لدعوة الله يُحصِّل من المأدبة حسب حاجته، فهناك من يأكل إلى حد الشبع، وهناك من ينتقي من المأدبة ما يلائم حاجته وبغيته، وهناك من يكتفي بلون واحد منها ِلعلَّة فيه، وهناك أيضا من يشم ريحها وينصرف محروما من خيرها.
ومن رحمته تعالى أن لم يحرم من أجر القرآن كل من اقترب منه قراءةً أو سماعًا أو تأملًا أو تفكرًا أو تدبرًا، فكل يغرف من فيوضاته حسب اجتهاده. يقول الرسول ح: «كل مُؤْدِب يحب أن تُؤْتى مأدبته، ومأدبة الله القرآن فلا تهجروه» (2).
بل إن من رحمته أن لم يحرم من هذا الأجر أي مؤمن على تباين في مستوياتهم الفكرية والمعرفية.
فالعجوز التي لم تحظ من التعلم بشيء لا تُحرَم من أجر قراءة القرآن مهما كانت درجة فهمها واستيعابها، بل إنَّ الأعجمي الذي لا يفهم لفظة واحدة من اللغة العربية لعدم تعلمه إياها يستطيع حفظ القرآن كله على ظهر قلب في شهور معدودة، وهو مأجور على ذلك، وهي خاصية لم يعطها أي نص آخر، ألا يدل هذا على إحدى معجزات كلام رب العالمين سبحانه؟
1 - استشعار قدسية كلام الله رب العالمين.
__________
(1) - سيد قطب، في ظلال القرآن، ج 29، ص: 187.
(2) - رياض الصالحين، ص: 326. (1/4)
صفحة 5
يقول الله سبحانه وتعالى في وصف كتابه مخاطبا رسوله الكريم: ژگ گ گ ? ? ? ? ... ? ... ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ... ?ہژ (الشعراء: 192 - 195) (1). هكذا جمعت هذه الآية المحكمة قدسية المنزِل؛ رب العالمين، وقدسية المرْسَل؛ جبريل، وقدسية المرسل إليه؛ رسول الله محمد ح، وقدسية الوسيلة؛ اللسان العربي المبين.
هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنَّه على كل راغب في هذه المأدبة الالهية المباركة أن يستحضر بعض الحقائق الثابتة التي تؤهله للاستفادة منها، وأولى هذه الحقائق: استشعار قدسية كلام الله عز وجل، وهذا الاستشعار لا يكون إلا باستشعار جلال الله وسلطانه، وعظمته في النفوس، باستحضارنا أبدا - وبخشوع - أنَّ هذا الكتاب الذي نتلوه هو كلام رب العالمين، وأنَّ الذي يحدثنا هو قيوم السموات والأرض، وخالق الكون ورازقه، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، ونتذكر عند مفتتح كل قراءة قوله تعالى: ژ ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ ... گگ ? ? ? ? ? ??ژ (الحشر: 21).
وقد قال الرسول الكريم ما في معناه: «من أراد أن يناجي ربه فليصلّ، ومن أراد أن يناجيه ربُّه فليقرأ القرآن»، وهل ثمة منزلة يطمح إليها المؤمن أجل من أن يكون ربُّه مناجيا له؟
إنَّ هذا الاستشعار يستوجب طهارة الظاهر والباطن، ولا يتحقق إلا بإخلاص النية، والابتعاد عن كل ما يحبط الأعمال من رياء، وسمعة، وجاه، وشهرة، وابتغاء مصلحة أو منفعة.
ومن هنا كانت قراءة القرآن من أفضل العبادات «أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن». وقال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».
وكان الأجر الذي أعده الله له عظيما «من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (2)، فإذا قرأت البسملة خاشعا دفعت في رصيدك الأخروي تسعين ومائة حسنة (190)، فيا لفضل الله ورحمته!
__________
(1) - رياض الصالحين، ص: 326.
(2) - رياض الصالحين، ص: 326. (1/5)
صفحة 6
وبما أنَّ أجر الأعمال في الإسلام درجات، فإنَّ أجر قراءة القرآن درجات هي الأخرى، حتى تلك القراءة التي هي من استطاعة كل قارئ مهما كان مستواه التعليمي كما أشرنا، أو لم يقل الرسول الكريم: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر فيه مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو يتتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران» (1).
ومن رحمته وواسع كرمه أن بسط مأدبته لكل راغب فيها في بيوته لأنَّها كلها حيث يجتمع عباد الرحمن بها، بل هي أفضل مكان لاجتماعهم حتى تشمل رحمة الله القارئ والمستمع معا.
ولذلك قرن بين بيوت الله وقراءة كتابه بقوله: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? پ ... پ پ پ ... ?ژ (النور: 36 - 37). وبقول رسوله الكريم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (2).
فنحن نرى كيف جمع بين التلاوة والمدارسة أي القراءة والفهم، ومِنْ ثم يكون الجزاء عظيما، ينزل على أصحابها بفواضل عاجلة وأخرى آجلة.
أولها نزول السكينة: وهي الطمأنينة النفيسة، وأية سعادة يشعر بها الإنسان خير مِنْ أنْ يكون في انسجام مع نفسه ومحيطه؟
وثانيها غشيان الرحمة: ولا تكون الرحمة إلا مِنْ عند الله، فهو الرحمن الرحيم، ومن غشيته رحمة الله (أي غطَّته) هل يخشى شيئا بعدها مِنْ منغصات الدنيا أو الآخرة ژھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ??ژ (الإسراء: 45).
وثالثها حفُّ الملائكة: ومتى حضرت الملائكة فر الشياطين، وحفُّ الملائكة دليل على رضى الله باجتماعهم ذاك، وكأنه علامة تشريف وتكريم وابتهاج بعبادتهم تلك.
رابعها: - وهي أعلاها وأغلاها - ذكر الله لهم فيمن عنده، مباهاة بهم، ورضى عنهم، وهل بعد رضى الله مِنْ خير؟ ژ ? ? ? ?? ... ?ژ (التوبة: 72).
2 - نزول القرآن بلسان عربي مبين:
__________
(1) - المصدر السابق.
(2) - رياض الصالحين، 326. (1/6)
صفحة 7
كثير من المسلمين لا يُولُون هذه الحقيقة قدرها من الاعتبار، على الرغم مِنْ أنَّ الله سبحانه وتعالى نوَّه بها في كتابه في آيات كثيرة، وبعضها جاء في مفتتح بعض السور: حيث يقول: ژ?? ? ? ہ ہہژ (يوسف: 1)، ويقول: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ... ??ژ (فصلت: 1 - 3)، كما وضَّح ذلك لرسوله الكريم في معرض ذكر خصائص هذا الكتاب المعجز حيث يقول: ژگ گ گ ? ? ? ? ... ? ... ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ... ?ہژ (الشعراء: 192 - 195)، وحيث خاطبه قائلا: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (مريم: 97).
ألا يدعونا هذا التنويه من رب العزة إلى إدراك هذه الحقيقة؛ وهي أنَّ من أهم مفاتيح فهم كتاب الله إتقان اللغة العربية، وفهم أسرارها، وتذوق بيانها، ومِنْ ثم لا يعقل أبدا بل لا يجوز فيما نحسب أنْ يُقدِم على تفسير كتاب الله مَنْ لا يُحسِن اللغة العربية؛ نحوًا وصرفًا وبلاغةً.
وكل مَنْ يحاول أنْ يفهم إعجاز القرآن على أنَّه مضامين ومعاني منفصلة عن لغته العربية المعجزة يُعطِّل أهم صفة مِنْ صفات الإعجاز القرآني، وكل الأحداث التاريخية التي صاحبت نزوله تدل على ذلك بأقوى حجة وأصدق دليل.
والذي يهمّنا من تلك الروايات هو اتفاق كبار قريش: الوليد بن المغيرة، وأنيس الغفاري، وأبو جهل، وعتبة بن ربيعة، على انبهارهم بالقرآن وفصاحته وبلاغته، وقوة تأثيره فيهم، وما تصريحهم بأنَّه سحر أو كهانة أو شعر إلا دليل على أنَّهم انبهروا - وهم أرباب البيان - بأسلوبه ونظمه لا بمعانيه، لأنَّهم ينكرونها ابتداء (1).
__________
(1) - محمد صالح ناصر، تأملات في القرآن الكريم، مكتبة الريام، الجزائر، 2005، ص: 79. (1/7)
صفحة 8
والمتأمل في كتاب الله من هذا الجانب لا ينقضي عنه العجب، وذلك مِنْ أجل ما يقف عليه من روائع التعبير القرآني، فكل كلمة وكل لفظة بل كل حرف وُضع في مكانه الصحيح، لا يمكن أنْ يستبدل بغيره لا زيادةً ولا نقصانًا، لا تقديمًا ولا تأخيرًا، ولنأخذ كمثال على هذه الدقة في التعبير دلالة (مِنْ) مثلا، فإذا سبقت الكلمة دلت على الشمولية المطلقة، يقول تعالى: ژ ? ? ? ? ں ںژ، ولم يقل وما شيء إلا ... ، ليدل على هذا المعنى الجليل. وكقوله: ژ ? ? ? ? ? ?? ? ? ... ??ژ (سبأ: 39)، ليوحي بأنَّ المراد كل أنواع الصدقة المادية والمعنوية، فمَنْ أعطاه الله المال أنفق منه، ومَنْ أعطاه العلم أنفق منه، ومَنْ أعطاه الجاه أنفق منه، ومَنْ أعطاه الصحة أنفق منها، وهكذا ليكون جزاء تلك النعمة الاستمرار والإخلاف، وهذا الفهم هو الذي يتطابق مع مفهوم الشكر في القرآن حيث يقول: ژ ? ... ? ? ?? ? ? ? ??ژ (سبأ: 13)، وفي هذه الآية دلالة قاطعة على أن شكر النعم لا يكون بالقول إنما يكون بالعمل الصالح.
ومن ذلك دلالة حرف (الفاء) - حين خلوها من الكلام - حيث يقول: ژ ھ ے ے ?? ? ? ? ? ? ... ?ژ (البقرة: 189)، ويقول: ژ ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ?? ... ?ژ (البقرة: 215)،ژ? ? ? ... ? ... ? ?? ? ? ? ?? ... ےژ (البقرة: 217)، وهكذا فقد وردت كلمة قل غير مقترنة بالفاء في اثنتي عشرة آية في القرآن إلا آية واحدة هي قوله تعالى حيث وردت بالفاء مقترنة هكذا: ژک ک گ گ گ گ ??ژ (طه: 105).
وللمتأمل أنْ يتساءل لماذا اقترن الجواب بالفاء في هذه الآية وحدها دون الآيات الباقيات؟ (1/8)
صفحة 9
يقول المفسرون: «ذلك لأنَّ السؤال في الآيات السابقات كلها عن أمر واقع هو: عن الأهلة، عن ماذا ينفقون، عن الشهر الحرام، عن الخمر والميسر، عن اليتامى، عن المحيض، عن ماذا أُحل لهم، عن الساعة، عن الأنفال، عن الروح، عن ذي القرنين، بخلاف السؤال عن مصير الجبال يوم القيامة؛ فإنه عن أمر مُتوقَّع لما سيحصل لها إذ هو في غيب الله لا يعلمه أحد إلا أنْ يخبره الله بذلك فلزم عندئذ اقتران الجواب بالفاء ليقوي هذا المعنى القوي اللطيف، ولا يُوجد هذا التدقيق في التعبير إلا في كلام رب العالمين وحده.
وانظر إلى قوله: ژ S S S ? ? ? ... ? ? ? ??ژ (طه: 53)، كيف انتقل من ضمير الفرد إلى ضمير الجمع، ذلك لأنَّ عملية إنزال الماء بيده وحده فجاء بضمير المفرد (وأنزل)، وأما الإنبات فقد يتسبب فيه الإنسان بالبذر والحرث والسقي وما إلى ذلك، فلم يغمط الله حقه ولا جهده فجاء بضمير الجمع (نا)؛ (فأخرجنا).
والأمثلة في القرآن على هذا النحو كثيرة (1) تدل على عظمة كلام رب العالمين، ودقته، وتناسقه، وحسن نظمه ژ ? ... ? ... ? ... ? ? ? ? ? ? ژ (النساء: 82).
وهذا التذوق للتعبير القرآني لا يستطيعه إلا من رزقه الله سعة إدراك أسرار اللغة العربية.
__________
(1) - يراجع كتاب الدكتور فاضل صالح السمرائي، التعبير القرآني، فإنه من أهم ما ألف في الموضوع. (1/9)
صفحة 10
فهل يعقل حينئذ أنْ يتجرأ على تفسير كتاب الله من كانت بضاعته في اللغة العربية مزجاة لا يُحسِن التفريق بين الفاعل والمفعول به، ولا بين الفعل المتعدي واللازم، ولا يحذق دلالات الألفاظ المعجمية والإعرابية والبلاغية، بل هو لا يحسن التفريق بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي للكلمة، علما أن بعض الألفاظ في القرآن الكريم انتقلت من معناها الحقيقي الذي كانت تستعمل له إلى المعنى المجازي فتُنُوسي الحقيقي وبقى المجازي، مثال ذلك قوله تعالى: ژ S S ... ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... کژ (المائدة: 6)، فإنَّ الغائط - معجميا - هو المكان المنخفض الذي كان العرب يقضون فيه حاجاتهم، ولكن الذهن ينصرف عند قراءة الآية إلى المعنى المجازي المعروف، ناسيا معناه المعجمي الحقيقي تماما.
ولخطورة هذا الموضوع نجد بعض الأئمة يُشدِّد النكير على مَنْ يُقدِم على تفسير كتاب الله وهو لا يحسن اللغة العربية، فقد روي عن مالك قوله: «لا أُوت برجل يفسر كتاب الله وهو غير عالم بلغة العرب إلا جَعَلْتُهُ نكالًا، وقد كان الخليفة عمر بن الخطاب يحث الصحابة على حفظ أشعار العرب لأنه مساعد على فهم كتاب الله»، لذا نجد الإباضية يشترطون على الإمام أي الخليفة أن يكون متقنا للغة العربية الفصحى كما ذكر ذلك الإمام القطب.
3 - معرفة علوم القرآن لماذا؟
لكل علم مفاتيحه التي تفتح أبوابه، وكتاب الله له مفاتيحه التي ينبغي للمتأمل فيه أنْ يمتلكها ويحذقها، مثل: معرفة الناسخ والمنسوخ، وأسباب التنزيل، والمطلق والمقيد، والخاص والعام، والمكي والمدني، وغير ذلك مما هو معروف في هذا المجال، فإنْ لم يكن دارسا لها فعليه الاستعانة بكتب التفسير، أما أنْ يُقدِم على تفسير كلام الله وهو لا يملك أدواته وعلومه فإن هذا يُعرِّضه لخطأ جسيم، وقد قيل: «مَنْ قال برأيه في كتاب الله فأصاب فقد أخطأ». (1/10)
صفحة 11
وكان الصحابة رضوان الله عليهم وقَّافين عند حدودهم مستشعرين عظمة ما هم مقدمون عليه مع امتلاكهم لكل تلك الأدوات والعلوم التي تخولهم ذلك، ويكفي أن نتذكر قول أبي بكر - رضي الله عنه -: «أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا أنا قلت في كتاب الله بما لا أعرف».
وقد أدى عدم معرفة أسباب النزول - مثلا - ببعض الصحابة إلى الوقوع في خطأ جسيم، مثال ذلك ما حكي عن عثمان بن مظعون، وعمرو بن معد يكرب أنَّهما كانا يقولان بإباحة الخمر ويحتجان بهذه الآية ژ? ? ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ?? ? ? ... ںںژ (المائدة: 93)، وقد صححت لهم أم المؤمنين عائشة خطأهم.
وما هذا إلا لأنه خفي عنهم سبب نزولها، فقد روي عن الحسن وغيره لما نزل تحريم الخمر قالوا: كيف بإخواننا الذين ماتوا وهي في بطونهم، وقد أخبرنا الله أنها رجس فأنزل الله الآية (1). وهكذا ندرك أنَّ معرفة الأسباب والملابسات المحيطة بالنص تساعد على فهم المراد منه، وقد أكد الإمام الشاطبي في موافقاته على هذا حيث يقول: «معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن لسببين: أحدهما أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره على معرفة مقتضيات الحال. وثانيها: أنَّ الجهل بأسباب التنزيل مُوقِع في الشُّبه والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال فيقع الاختلاف».
وروي أنَّ عمر بن الخطاب خلا ذات يوم، فأخذ يحدث نفسه كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد، وقبلتها واحدة؟ فقال ابن عباس: «يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيم أنزل، وإنه سيكون من بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأى، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا ... » (2).
__________
(1) - البرهان في علوم القرآن، ج01، ص: 28.
(2) - يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن، الطبعة الخامسة، ص: 250. (1/11)
صفحة 12
وقد تحقّق ما تنبأ به عبد الله بن عباس في التاريخ الإسلامي مرات كثيرة. ولعل هذا هو المعنى الذي حكي ونسبب إلى علي بن أبي طالب حين أوصى عبد الله بن عباس حين أوفده لمجادلة الخوارج قائلا له: «لا تجادلهم بكتاب الله فإنَّه حمَّال أوجه بل جادلهم بالحديث».
4 - القرآن بين الحفظ والقراءة والترتيل:
من رحمة الله بعباده أن لم يفرض عليهم جميعهم حفظ كتابه كله، فقد تكفل بذلك بنفسه حيث يقول: ژ? ? ? ? ... ? ? ?ںژ (الحجر: 9)، ثم لأنهَّ عالم باختلاف مواهب خلقه، وتباين حظوظهم من العلم والمعرفة، فلم يشترط عليهم الحفظ بل القراءة أو الترتيل في أحسن الأحوال: ژ ... ? ? ? ? ? ... ژ (المزمل: 20)، ژ ? ? ... ??ژ (المزمل: 4)، ژں ں ? ? ... ? ... ? ??ژ (القمر: 17)، وقد تكررت هذه الآية أربع مرات في سورة القمر؛ لمكانة الذكر والتذكر وغايتهما من القرآن.
وقد كان صحابة رسول الله ح - وهم مَنْ هم في الفضل والإحسان - متباينين في هذه المنزلة، فمنهم من حفظ القرآن كله كابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم). ومنهم مَنْ حفظ أجزاء منه كأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وغيرهما، ولكن الذي شدد عليه القرآن وأوصى به الرسول الكريم هو المداومة على القراءة، وعدم هجرانه، تطبيقا لأمر الله حيث يقول: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ... چ ... چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (الإسراء: 78 - 79).
وقد علل الرسول الكريم فضيلة المداومة حيث قال: «إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد إذا أصابه الماء، قيل وما جلاؤها؟ قال كثرة ذكر الموت وتلاوة القرآن» (1).
__________
(1) - رياض الصالحين، ص: 326. (1/12)
صفحة 13
ولأنَّ قراءة القرآن تجعل المؤمن على تصور دائم للنعم التي أعدَّها الله له إنْ أطاعه، وعلى النقم المعدة إنْ عصى وكفر، ومِنْ ثم فلا عذر للمؤمن في هجران كتاب الله، ويكفي أنْ يستحضر في نفسه ذلك الحديث الذي يُقسِّم الناس إزاء قراءة القرآن إلى أربعة أقسام: مؤمن يقرأ القرآن، ومؤمن لا يقرأ القرآن، ومنافق يقرأ القرآن، ومنافق لا يقرأ القرآن، فشبه أقسامهم بالأترجة، فالثَّمْرة، فالريحانة، فالحنظلة. فالأول جمع بين الحسنيين؛ قوة إيمان ومصاحبة قرآن فهو كالأترجة جمعا بين طيب الرائحة ولذاذة الطعم، والثاني الذي لا يقرأ القرآن رغم إيمانه فإنَّه كالثمرة له مزية الإيمان لكنه محروم من أفضلية القرآن، فهو يشبهها لذة طعم وفقدان رائحة، والثالث الذي هو منافق ويقرأ القرآن فاقد لخصيصة الإيمان مع أفضلية قراءة القرآن، فهو كالريحانة زكية ولكن لها طعم مرير، والرابع الذي جمع بين الخسيستين والعياذ بالله لا إيمانا ولا قرآنا، فهو كالحنظلة جمعا بين المرارة وفقدان الرائحة الطيِّبة. وعلى كل مؤمن أنْ يختار بعد هذا التصنيف النبوي الدقيق أين يضع نفسه أترجة، أم ثمرة، أم ريحانة، أم حنظله!
على أنَّ الرسول الكريم قد وصف في حديث آخر المؤمن الذي لا يحفظ شيئا من القرآن «كالبيت الخرب» (1)؛ لأنَّه يفتقد ذلك النور الذي يشيعه كلام الله في قلبه فيبتعد عن ذكره، ومَنْ ابتعد عن ذكره فقد الطمأنينة والسكينة النفسية.
ژ ? ? ... ? ? ??ژ (الرعد: 28)، بينما الذي يحفظه يكون حفظه له شفيعا عند ربه، ورفيقا في قبره، وسلّما يرتقي به إلى جنات الفردوس حيث يُنَادى: «اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإنَّ منزلتك عند آخر آية تقرأها» (2)، ألا يتمنى كل مؤمن أنْ يكون من هؤلاء السعداء في الفردوس الأعلى؟!
5 - القرآن بين الفهم والتذكر والتفكر والتدبر:
__________
(1) - رياض الصالحين، ص: 326.
(2) - رياض الصالحين، ص: 327. (1/13)
صفحة 14
جاء ذكر هذه الألفاظ كلها في القرآن: الفهم، التذكر، التفكر، التدبر.
أما لفظة الفهم فلم ترد سوى مرة واحدة: حيث يقول تعالى: ژہ ہہ ہ ھ ھ ھھ ... ژ (الأنبياء: 79).
والفهم لغة: معرفتك الشيء بالقلب، تقول: فهمت الشيء عقلت وعرفته، فهو بهذا المعنى يكون أولى درجات المعرفة، وكأنه يؤدي بعد ذلك إلى درجات أخرى هي التفكر والتدبر، ومن ثم فإنَّ كل الناس يفهمون لما أعطاهم الله من نعمة العقل، ثم هم بعد ذلك يختلفون ويتباينون ويتفاضلون في الدرجات الأخرى تفكرا وتدبرا.
والتذكر: يعني تذكر الشيء وهو موجود، وإنَّما قد يغيب عنا لغفلة، أو نسيان، أو لعوامل نفسية أو ذهنية أخرى، وقد جاء في قوله تعالى على لسان فتى موسى حيث قال: ژ? ? ? ? ? ... ? ? ? S S S S ? ? ?? ... ?ژ (الكهف: 63). وقد وردت اللفظة في آيات أخرى كثيرة. ويقول من جهة أخرى: ژ ھ ھ ے ے ??ژ (غافر: 13). ژ پ پ ? ? ? ??ژ (إبراهيم: 25). ژ ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ... ? ... ? ??ژ (الزمر: 9). ژ? ? ... ?? ? ? ? ? ? ??ژ (الفجر: 23). ژ ? ? ? ? ? ... پ پ پ پ?ژ (النور: 1).
أما التفكر: فهو الاستنباط العقلي أو التأمل لاستنباط شيء جديد من شيء موجود، كأن تتأمل في آيات الله في كونه أو في مخلوقاته، فهو استحضار غائب بتأمل في حاضر، ومنه قوله تعالى: ژگ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ں ں ? ... ھژ (آل عمران: 191). ژگ گ گ ?? ? ? ? ? ? ... ?ںژ (الروم: 21). ژ? ? ? ??ژ (الأعراف: 176). وغير ذلك كثير.
أما التدبر: فهو فيما نحسب أعلى درجات هذه العمليات كلها، فهو الذي يكشف المعاني الخفية خلف ظواهر الآيات للوصول إلى إدراك عواقبها وما تؤول إليه. جاء في لسان العرب: التدبر التفكر في الأمر، والتدبر في الأمر أنْ تنظر إلى ما تؤول إليه عاقبته، ومِنْ ثم يقال: إنَّ فلانا لو استقبل مِنْ أمره ما استدبره لَهُدي لوجه أمره؛ أي لو علم في بدء أمره ما علمه في آخِرِه لاسترشد لأمره (1).
__________
(1) - ابن منظور، لسان العرب، مادة دبر. (1/14)
صفحة 15
يقول الشيخ القرضاوي: «ومعنى التدبر النظر في أدبار الأمور؛ أي في عواقبها ومآلاتها وهو قريب من التفكر، إلا أنَّ التفكر تصرف القلب أو العقل بالنظر في الدليل، والتدبر تصرفه بالنظر في العواقب» (1).
ويبدو لنا مما تقدم أنه من الصعب وضع حدود فاصلة بين مصطلحي التفكر والتدبر؛ لأنّ العمليتين الفكريتين متداخلتان متكاملتان، فالتفكير يهدي إلى التدبر وهو مقدمة ضرورية له. على الرغم بأنه ليس كل تفكير يؤدي حتما إلى التدبر والله أعلم.
وقد جعله بعض العلماء مقدَّما في الفضل والأجر على مجرد القراءة، وعدَّه بعضهم أمرًا ضروريًّا وفرضًا محتمًا عند قراءة القرآن.
روى ابن عبد البر عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقُّه، ولا في علم ليس فيه تفهُّم، ولا في قراءة ليس فيها تدبُّر».
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «لأن أقرأ (إذا أنزلت)، و (القارعة)، أتدبرهما أحب إليَّ مِنْ أنْ أقرأ البقرة وآل عمران تهذيرًا».
وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ح: «اقرأ القرآن في شهر، فقلت: إني أجد قوة، حتى قال في سبع ولا تزد على ذلك» (2).
« ... ذلك أنَّ الأناة في القراءة تتيح الفرصة للتأمل والتدبر، وهو الغاية المنشودة من القراءة» (3).
ويقول الإمام الرازي تعليقا على قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? چچژ (ص: 29).
«إنَّ مَنْ لم يتدبر ولم يتأمل ولم يساعده التوفيق الإلهي لم يقف على هذه الأسرار العجيبة المذكورة في هذا القرآن العظيم» (4).
__________
(1) - يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن، الطبعة الخامسة، ص: 169.
(2) - رواه أحمد، ج02، ص: 163، نقلا عن علوم القرآن، ص: 64.
(3) - يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن، ص: 251.
(4) - فخر الدين الرازي، التفسير الكبير، ج26، ص: 203. (1/15)
صفحة 16
ومِنَ المفسرين المعاصرين؛ الدكتور وهبة الزحيلي الذي يقول: «وجوب تدبر القرآن لمعرفة معانيه، هذا أمر مفروض على كل مسلم، ولا تكفيه التلاوة من غير تأمل ونظر في معانيه وأهدافه» (1).
هكذا نرى أنَّ العلماء متفقون على أنَّ الغاية من قراءة القرآن هي التدبر، والتأمل، والتفكر في معانيه، وليس مجرد التلاوة، على أنْ يكون ذلك حافزًا مهما للخشوع والتأثر بما فيه، وتطبيق أوامره ونواهيه، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو هل يستطيع ذلك كل قارئ أو تال للقرآن؟
بلى: يستطيع كل قارئ أو تال أنْ يتدبر القرآن ويتأمله حسب طاقته واجتهاده، لكن بشرط أساس هو الوصول إلى ذلك بحذق لغته، ودراسة علومه، والرجوع إلى مصادره، والاستعانة بأهل الذكر من علمائه، ومن ثم فإن الناس يتفاضلون في هذه المنزلة، فمن أوتي فهمًا صحيحًا، وعلمًا راسخًا، وذكاءً نافِدًا، كان في مستطاعه أنْ يدعي تدبره والوصول إلى معانيه التي يؤول إليها، أما الفهم البسيط فهو في متناول كل قارئ، ومن رحمه الله أنْ عمَّم الفهم عليهم جميعا وخص بعضهم فقط بالتدبر، فلا تدبر بدون فهم، ولكن ليس كل فاهم متدبرًا، ومن هنا يستطيع الراغب في التدبر أن يستعين بمن أتاه الله فضيلة التدبر الذي أوصله الله إلى هذه الدرجة برقيه في درجات العلم، وهذا الذي عناه ابن عباس ترجمان القرآن بقوله: «التفسير على أربعة أوجه:
1. وجه يستطيعه كل العرب لأنه من منطلق لغتهم وهم يفهمونه بالسليقة.
2. وجه لا يُعذر أحد بجهالته، (كآيات الفرائض).
3. وجه لا يعلمه إلا العلماء.
4. وجه لا يعلمه إلا الله.
وهذه الحقيقة تقودنا حتمًا إلى التساؤل عن المنهج السليم الذي يوصلنا إلى هذه الغاية فكيف نتدبر القرآن؟
__________
(1) - وهبة الزحيلي، التفسير المنير، ج05، ص: 173. (1/16)
صفحة 17
لعل ما يساعد على تدبر القرآن تدبرًا صحيحًا سليمًا تفسير القرآن بالقرآن، وذلك بضم الآيات والنصوص بعضها إلى بعض حتى يتكامل الفهم والتأمل، فإن ما أجمل في موضع فُصِّل في موضع، وما أبهم في مكان بُيِّن في مكان آخر، وما أطلق هنا قُيِّد هناك، وهذا المنهج في التفسير هو الذي شاع الآن بين العلماء المعاصرين، إذ يطلقون عليه (التفسير الموضوعي) للتفريق بينه وبين التفسير الموضِعي، فهذا نسبة إلى الموضع وذاك إلى الموضوع والفرق بينهما واضح، وهو منهج بدأه الرسول الكريم ح (1) وطبَّقه الصحابة (رضوان الله عليهم) مثل: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وقد طبقه من العلماء المعاصرين الشيخ محمد متولي الشعراوي، والدكتور فاضل صالح السامرائي، وعائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ، ومن علمائنا شيخنا إبراهيم بيوض (رحمه الله) الذي اختاره منهجا في تفسيره لكتاب الله.
وهذا هو المنهج الأمثل الذي اختاره الشيخ القرضاوي (2).
ذلك أنَّ الآية قد تبدو غامضة أحيانا إذا سلكنا إلى تفسيرها بطريقة مجتزأة، مقتصرين عليها وحدها وكأنها غير مرتبطة بما سبقتها وما لحقتها.
وما زال العلماء يكتشفون كل يوم الإعجاز الباهر في هذا الكتاب بمختلف أوجه إعجازه التشريعي، والعلمي، والبياني، والرقمي.
فلو أخذنا كمثال لتطبيق هذا المنهج السياقي التكاملي؛ سورة الفاتحة التي هي أم الكتاب لرأينا عجبا.
__________
(1) - عندما نزلت آية {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)} (الأنعام: 82)، احتار الصحابة في تفسيرها وقالوا: وأي منا لم يظلم نفسه يا رسول الله؟ قال: ليس ذاك كما فهمتم، ولكن الظلم الشرك بالله، اقرؤوا قوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)} (لقمان: 13)، وهكذا فسر الرسول - صلى الله عليه وسلم - القرآن بالقرآن.
(2) - يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن، ص: 220. (1/17)
صفحة 18
فنحن نقرأ في الفاتحة ژ پ پ پ پ?ژ (الفاتحة: 2)، ولا نتبيَّن المعنى التفصيلي لمعنى ژپ پژ إلا من خلال قوله تعالى في سورة الأعلى: ژں ? ? ? ? ? ? ... ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ےژ (الأعلى: 1 - 4). فمن هذه الآيات يتبين لنا معنى الربوبية الكامل الذي هو الخلق، والتسوية، والتقدير، والهداية، والرزق، ونتبيّنها من قول تعالى: ژ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ?? چ ... چ ... چ چژ (الشعراء: 23 - 24). وكأن الجواب يخص الجبابرة ويعنيهم.
ونقرأ في الفاتحة أيضا ژ? ? ... ??ژ (الفاتحة: 4)، ولا نجد لها فهمًا عميقًا إلا في سورة الانفطار حيث يقول: ژ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ??ژ (الانفطار: 17 - 19).
ونقرأ أيضا ژ? ? ? ? ... ژ (الفاتحة: 7)، ولا ندرك معناها الحقيقي إلا بالرجوع إلى قوله تعالى في سورة النساء حيث يقول: ژ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژsژ (النساء: 69).
6 - القرآن كتاب مبارك. كيف؟
من الصفات البارزة التي وصف الله بها كتابه أنه ''مبارك''، فقد جاء قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ... ? ہ ہہژ (الأنعام: 155). وقال: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? چچژ (ص: 29). (1/18)
صفحة 19
إنَّ من بركات القرآن أن جعله الله رحمة لعباده، فعمم الهداية به لكل قلب مؤمن، ويسر الاستشفاء به لكل مريض بشرط خلوص النية والإيمان العميق ببركاته تلك. فنحن نعلم كيف كان القرآن سبيلا لهداية كثير من خلق الله في الأولين والآخرين، وجعله شفاء لأمراضهم الظاهرة والباطنة، بدءً من عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وانتهاء بالآلاف الذين يدخلون في دين الله أفواجا من مسلمي أمريكا وأوروبا اليوم رغم كيد قوى الشيطان، ولا يمضي يوم إلا ونقرأ عجبا من بركات هذا القرآن الذين جعل الله فيه الشفاء من كل آفة، وقد كان الرسول الكريم سباقا للاستشفاء به وهو يرقي به نفسه، ويرقي به صحابته، ويرقي به ابنيه الحسن والحسين، وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة تحث على قراءة سور وآيات مخصوصة تسهيلا لعباده، وتعميما لرحماته، من ذلك ما ورد من فضل الفاتحة، وآية الكرسي، وسورة البقرة، والكهف، وياسين، والملك، والصمد، والمعوذتين، وغيرها، على أنَّ القرآن كله قدح من عسل وأنه كله شفاء ورحمة ژ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے ? ... ??ژ (الإسراء: 82).
فعن رسول الله ح أن رجلا سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد يرددها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله ح فذكر ذلك له، وكأن الرجل تقالَّها، فقال رسول الله ح: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» رواه البخاري (1).
والخلاصة نقول كما يقول الدكتور الشيخ القرضاوي:
__________
(1) - رياض الصالحين، ص: 330. (1/19)
صفحة 20
«والمتأمل في القرآن يجده زاخرا بجوامع الكلم، وجواهر الحكم، وكنوز المعارف، وحقائق الوجود، وأسرار الحياة، وعوالم الغيب، وذخائر القيم، وروائع الأحكام، وعجائب التوجيه، وغرائب الأمثال، وبينات الآيات، وسواطع البراهين، وبالغ النذر، ولذا قالوا، إنَّ في القرآن علم الأولين والآخرين، وقال عبد الله بن عباس: «لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله»، وإنما تدرك هذه الأمور بطول التأمل لا بالخطف والاستعجال» (1)، وبالأخذ من مأدبة الله حتى الشبع والري.
ونهاية نقول كما قال الحسن البصري (رحمة الله عنه): «والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إنَّ أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما يُرى عليه أثر في خُلُقٍ أو عمل» (2).
فعلى المؤمن إذًا أن يحفظ ولو جزء منه حتى يكون كالأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، وعليه أن يتلوه آناء الليل وأطراف النهار لتنزل عليه السكينة، وتغشاه الرحمة، وعليه أن يتدبر آياته حتى يستشعر العواقب، ويتزود منه لآخرته، وعليه قبل هذا وذاك أن يهتدي بهداه فعلا وتركا فإن فيه سعادة دنياه وأخراه، وعليه أن يستشفي به لأمراضه الظاهرة والباطنة فإنه شفاء ورحمة للمؤمنين.
جعلنا الله من خاصته، وغشينا برحمته، وجعل القرآن حجة لنا يوم نلقاه فائزين بجنته ورضاه.
مصادر البحث:
1 - الإمام فخر الدين الرازي، التفسير الكبير، أجزاء متفرقة، دار إحياء التراث العربي، د. ت.
2 - الشيخ الشعراوي، تفسير الشعراوي، أجزاء متفرقة، ط أخبار اليوم، القاهرة، د. ت.
3 - الشيخ يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن، ط5، دار الشروق، القاهرة، 2006.
4 - النووي، رياض الصالحين، دار الثقافة العربية، بيروت، 1998.
5 - محمد صالح ناصر، تأملات في القرآن، مكتبة الريام، الجزائر، 2005.
__________
(1) - يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن، ص: 170.
(2) - نقلا عن تفسير المنير، ج23، ص: 195. (1/20)
صفحة 21
6 - وهبة الزحيلي، التفسير المنير، أجزاء متفرقة، دار الفكر، بيروت، 1991.
} - - {
ولقد يسرنا القرآن للذكر
فهل من مدكر (1)
ما مِنْ شك في أنَّ الله سبحانه وتعالى سمى كلامه بأسماء متعددة، منها: القرآن، والفرقان، والنور، والنبأ العظيم، والروح، والهدى، والبيّنة، والذكر، وغيرها.
ولكل اسم مِنْ هذه الأسماء دلالة معنويَّة معيَّنة نستطيع استخراجها من خلال سياق الآيات حيث وردت في هذا الكتاب العظيم، ولعله من نافلة القول أنَّ هذه الأسماء تتقارب في معناها العام، ثم تختلف في بعض الخصائص.
والوقوف على بعض هذه المعاني مما يُساعِد المؤمن على الوصول إلى مراد الله مِنْ كلامه المقدس، واختياره لهذه التسمية أو تلك مما يُسهِّل لنا نيل الأجر والثواب تدبرًا، أو تأملًّا، أو تفكرًّا، أو تذوقًّا، أو تلاوةً.
فأي هذه الأسماء أكثر دلالة على معاني كلام رب العالمين بعد كلمة القرآن؟
- الذكر:
أحسب أنَّ كلمة الذكر هي الكلمة الجامعة المانعة اللائقة بجلال كلام رب العالمين؛ لاحتوائها على كل المعاني التي جاء بها هذا الكتاب العظيم، فقد وردت في أكثر من خمسين مرة في ثنايا الآيات.
فهو ذكر؛ لأنَّه خير الوسائل لذكر الله، وخير صلة بين العبد وربه، وإذا كانت الصلاة هي صلة الوصل المفضلة إيصالًا إلى هذه الغاية لحرمتها المقدسة، ومكانتها الشرعية، فإنَّ الصلاة مهما تكن فرضًا، أو سنةً، أو نفلًا، لا تُقبَل دون قراءة القرآن كما هو معروف شرعًا.
كما أنَّ أجر الصلاة زيادةً ونقصًا إنَّما تنال بما فيها مِنْ قراءة القرآن، وتدبره، والخشوع عند تلاوته، والتفاعل القلبي مع آيات الوعد والوعيد فيه.
__________
(1) - محاضرة ألقيت بدار عشيرة البلات، بمناسبة أعراس الربيع يوم 27/ 03/2015. (1/21)
صفحة 22
وقد احتفل القرآن الكريم بمكانة الذِّكر مِنْ بين العبادات الأخرى، وحثَّ المؤمن على عدم إغفال الذِّكر في حياته اليوميَّة في جميع حالاته ژگ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ں ں ? ... ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہھژ (آل عمران: 191).
1. تذكير بالوعد والوعيد:
وهو ذكر لأنَّه الوسيلة المثلى التي تذكرنا بمصائرنا في الدار الآخرة، وعداً بالجنة ووعيدًا بالنار - وقانا الله منها - وليس ثمة غاية لأي مؤمن مهما يكن إيمانه غير هذه الغاية وهي: الفوز بالجنة والزحزحة عن النار، ومِنْ ثم كان الرسول ح من خصائصه عند تلاوة القرآن الوقوف الطويل عند آيات الوعد والوعيد. وقد جاء في القرآن الكريم وصفًا لهذه الخاصية قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ) طه: 113. (
ويخاطب الرسول الموحَى إليه: ژ? ? ? ? ??ژ) ق: 45).
وكل متأمل في القرآن يدرك أنَّ مِنْ أسلوبه المتميز المقابلة في آياته بين مصير الكافرين بوصف ما ينتظرهم من عذاب جهنم، ومصير المؤمنين وما أعد الله لهم من نعيمٍ عظيم ٍفي جنات النعيم، وتتتابع هذه المشاهد في كل سور القرآن في مَكِّيِّها ومدنيّها مفصلة حينا وموجزة حينا آخر.
2. تذكير بالأمم السابقة:
وهو ذكر لأنَّه المصدر المعرفي الأصيل لذكر السابقين الأولين أممًا وأنبياء ورسلًا وأحداثًا وعبًرا وقصصًا، فهو القصص الحق، وهو الذي لا يأتيه الباطل مِنْ بين يديه ولا مِنْ خلفه تنزيل مِنْ حكيمٍ حميدٍ، وقد وضح الله هذه الصفة فيه حيث يقول: ژ ? ? ? ? ? پ پ پپ ? ? ? ? ??ژ (طه: 99).
وقد خصص الله سبحانه وتعالى سورةً كاملةً لهذا الغرض من الذكر الحكيم وهي سورة القمر، حيث ارتبط الذكر والتذكر بقصص الكفرة الظالمين مِنْ أهل القرون الأولى، مثل: قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وفرعون. (1/22)
صفحة 23
وهذا التذكير من الأهداف الأساسية لهذا الكتاب العظيم يعظ بها عباده المؤمنين والكافرين على السواء؛ ليكونوا لهم عظة وعبرة لأنَّ الظلم والكفر - وهو من أكبر الظلم - لا يتماشى مع السنن الكونية المتوازنة التي خلق الله السماوات والأرض من أجلها.
ومِنْ هنا تكررت في هذه السورة قوله تعالى: S S ژں ں ? ? ... ? ... ? ??ژ (القمر: 17) أربع مرات متتاليات، وهو التعقيب الذي يُميز كل مشهد من مشاهد الظلم من هذه الأمم السابقة.
هذا هو التعقيب الذي يتكرر مع كل مشهد يُصور ويقف السياق عنده بالقلب البشري، يدعوه دعوةً هادئةً إلى التذكر والتدبر بعد أنْ يعرض عليه حلقة من العذاب الأليم الذي حل بالمكذبين (1).
ثم هو بعد استعراض هذه المشاهد يأتي التعقيب العام في السورة على توضيح هذا المقصد؛ وكأنَّه يريد أن يقول تلك مصارع المكذبين فما يمنعكم أنتم (كفرة قريش) من مثل مصائرهم.
S S ژ? ? ... ? ? ? ? ... ? ... ? ??ژ (القمر: 43).
وفي هذا المقصد الأسمى؛ التذكر والاتعاظ، وأخذ العبرة من الظالمين مهما يكن عصرهم ومِصرهم ما دامت السماوات والأرض، من آدم إلى قيام الساعة، هلاك الكافرين الظالمين، وفوز المتقين الأوَّابين.
هذا هو القرآن حاضرًا سهل التناول، ميسر الإدراك، فيه جاذبية ليُقرأ ويُتدبَّر، وفيه جاذبية الصدق والبساطة، وموافقة الفطرة، واستجابة الطبع، لا تنفد عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد (2).
3. تخليد لذكر محمد وقومه:
وهو ذكر لأنَّه يخلد ذكر الرسول الكريم نبئ الإسلام محمد وأمته ح، وهذا ما جاء في القرآن صريحًا محكمًا حيث يقول: ژھ ھ ھ ےے ? ? ? ? ?ژ (الزخرف: 43).
__________
(1) - سيد قطب، في ظلال القرآن، ج07، ص: 650.
(2) - المصدر السابق، نفسه. (1/23)
صفحة 24
وقد جاء ذكر الرسول ح في كل آياته وسوره المكية والمدنية، ويكفي هذه الأمة تشريفًا أنَّه شرَّف رسولها بالذكر الدائم في كلام رب العالمين، حيث يتعبد بذكره والصلاة عليه ژ ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ... ??? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ??ژ (الأحزاب: 41 - 43).
ويقول في آية أخرى في السورة نفسها: ژ? ? ? ? ? ?? ? چ چ چ چ ? ??ژ (الأحزاب: 56). هكذا بصيغة الأمر التي تُوضِّح المكانة الرفيعة التي وصل إليها هذا الرسول الكريم، وهي مكانة لم يبلغها رسول من قبله ولا من بعده.
وفي هذا إيحاء لطيف لارتباط القرآن بالسنة والسنة بالقرآن. حيث ربط طاعته بطاعة الرسول، ومحبة الرسول بمحبته هوژ? ? ? ? ? پژ (النساء: 80). ژ ? ? ? ... ? ? ? ? ?ژ (آل عمران: 31).
وفي هذا الارتباط المقدس ردٌّ قويٌّ على أولئك المتفيقهين الذين يحاولون الفصل بين الذكر والسنة، سواء أولئك الذين يفضلون السنة على القرآن، أم العكس الذين يفضلون القرآن على السنة، وكلاهما يشتط عن الصراط المستقيم.
ص والقرآن ذي الذكر:
ومن الآيات الكريمة التي تدعونا إلى التأمل ونحن ندرس علاقة الذكر بالقرآن قوله تعالى: ژ??? ? ?پژ (ص: 1). إنَّ هذه الآية بالذات تستوقفنا للتأمل والنظر، حيث جاء التعبير بصيغة القَسَم، إذ أقسم المولى بحرف صاد وبالقرآن، ولكنَّ الذي يلفت نظرنا هنا هو وصفه للقرآن بأنَّه ذو الذكر هكذا بحرف الصلة (ذي)، وفي هذا إشارة قوية إلى أنَّ الصفة الأولى للقرآن هو أنْ يكون للذكر بكل ما تتضمنه هذه الكلمة في معانيها الواسعة على النحو الذي ذكرناه في بداية البحث. (1/24)
صفحة 25
يقول الأستاذ سيد قطب في ظلاله: «والقرآن يشتمل غيره من التشريع، والقصص، والتهذيب، ... ولكن الذكر والاتجاه إلى الله هو الأول وهو الحقيقة الأولى في هذا القرآن، بل إنَّ التشريع والقصص وغيرهما إنْ هي إلا بعض هذا الذكر فكلها تذكر بالله وتوجه القلب إليه في هذا القرآن، وقد يكون معنى ذي الذكر؛ أي المذكور المشهور وهو وصف أصيل للقرآن» (1).
والذي يؤكد هذا المعنى ويُقوِّيه هو أنَّ المقْسَم به غير مذكور هنا حين تتحدث الآية عن موضوع مفاجئ آخر، ظاهره وكأن لا علاقة له بموضوع القرآن والذكر لا سيما أنَّ الآية تبدأ بحرف بل التي تدل على الإضراب، أي الانصراف مِنْ موضوع إلى موضوع آخرژپ پ پ ... ? ? ??ژ (ص: 2). والواقع عند التأمل، والتدبر، والتفكر، يبين لنا أنَّ هذا من الأساليب البيانية المعجزة، إذ العلاقة وطيدة بين هذه الآية وما قبلها وما يأتي بعدها.
وكأنَّ الله سبحانه وتعالى يريد القول: على الرغم من أنَّ هذا القرآن صفته الأولى (الذكر)، فإنَّ فئة من الناس وهم الكافرون يستكبرون ويعاندون هذه الحقيقة فهم في ژ? ? ??ژ، ولكن عزتهم فارغة واهية ليس فيها من الحقيقة إلا الغرور، والتكبر، والخيلاء، لأنَّهم يعترفون هم بأنفسهم بأنَّ الذي جئت به إليهم يا محمد هو الذكر، ويسمونه كذلك شاؤوا ذلك أم أبوا، وهذا فضح لهذه الأنفس المتعالية الكافرة ژ? ? ? ... ? ?? ں ں ? ? ? ?? ? ہ ہ ہہژ (ص: 8).
وهذا الموقف المتناقض في حد ذاته بين الاعتراف، والرفض، والتفكر، والتنكر، هو الذي أدى بهم إلى فضح أنفسهم المتناقضة حين قالوا - ولم يجدوا غير ذلك - ژ ? ? ? ? ??ژ (ص: 4).
قالوا ذلك استبعادا لأنْ يكون الله قد أوحى إلى رجل منهم، وقالوا ذلك تنفيرا للعامة من محمد ح، وتهويشا على الحق الواضح في حديثه، والصدق المعروف عن شخصه (2).
__________
(1) - سيد قطب، في ظلال القرآن، ج 23، ص: 80.
(2) - المصدر نفسه، والجزء نفسه، ص: 82. (1/25)
صفحة 26
وتستمر السورة مع هذا المشهد الذي يُطمئِن محمدا بأنَّ هذا الموقف من كفار قريش ليس جديدًا في رسالات السماء، فكم من قرون أهلكها الله قبله لعنادها، واستكبارها، ورفضها الرسالات السماوية، وما يلبث القرآن الكريم أنْ يؤكد الصفة التي مِنْ أجلها أوحى بها إلى الرسول محمد حيث يقول: ژ? ? ? ? ? ? ? ? چچژ (ص: 29).
وبهذه الآية المعجزة التي تسمو بمكانة القرآن، وتُخلِّد صفاته، وتُؤيِّد صدقه، يصْفقُ الباب في وجوه كبار قريش المتكبرين المعاندين بأنْ يوضح مرة أخرى قيمة هذا الكتاب العظيم، وأنَّه مِنْ عند الله لا شك في ذلك ولا ريب، فهو كتابٌ منزلٌ من عند الله، وهو مباركٌ بكل ما فيه لا علاقة له بالبشر، أو بالجن، أو بالسحرة، أو الشياطين كما يدَّعون، وأنَّ وظيفته الأولى أنَّه كتاب هداية وتذكير، لكنه لمن؟ لأصحاب العقول ذوي الألباب وليس المتكبرين الذين ركبهم الشيطان كما ركب مَنْ قبلهم من القرون الهالكة.
بل هم حين حسدوا محمدًا لا يقلُّون حسدا مِنْ شياطينهم الذين طالما أغواهم الحسد فجعلهم لعنة للعالمين.
« ... فهي جبلة واحدة وطبيعة واحدة للمكذبين، وهو استقبال واحد للحق وللرسل يستقبلهم به المنحرفون، كأنَّما تواصوا بهذا الاستقبال على مدار القرون وما تواصوا بشيء، إنَّما هي طبيعة الطغيان، وتجاوز الحق، والقصد بين الغابرين واللاحقين» (1).
ومِنْ خلال هذا الموقف المفضوح من المشركين تناقضًا وتهالكًا، عنادًا واستكبارًا، تتأكد رسالة القرآن التي هي الذكر فقط، وحسبُ الرسول منزلة عند الله أنْ يختاره الله مِنْ بين خلقه أجمعين لهذه الصفة السامية فيه حتى يرفع مِنْ مقام رسوله الكريم من جهة، وحتى يُزيل عنه مشقة الإحساس بالتقصير أو القصور إزاء الرسالة التي اختاره الله من أجلها.
ژ? ? ? ? ? ? ژ (الذاريات: 55).
__________
(1) - المصدر السابق، ص: 588. (1/26)
صفحة 27
« ... ولا تنفع غيرهم من الجاحدين، والتذكير هو وظيفة الرسل، والهدى والضلال خارجان عن هذه الوظيفة، والأمر فيهما إلى الله وحده الذي خلق الناس لأمر يريده ... » (1).
إنما أنت مذكر:
ولكي يُحدِّد حدود مسؤولية الرسول محمد ح، سماه المذكِّر هكذا بالألف واللام، وفي هذه التسمية دلالة عميقة لا شك على الصلة الوثيقة بين الذكر الذي هو القرآن، والمذكر الذي هو الرسول ح.
ژ? ? ... ? ??? ? ??? ? ? ??ژ (الغاشية: 21 - 23).
هكذا تأتي التسمية بأداة الحصر (إنَّما) وضمير المخاطب (أنت) ليُوضِّح المنهج الذي اختاره القرآن لتبليغ رسالة دين الإسلام إلى بني الإنسان حيث لا إكراه في الدين، فهو يكتفي بالذكر، والتنبيه، والتبيين، واستخدام أسلوبي الترغيب والترهيب الذي هو منهج هذا الكتاب العظيم.
وقد أوصى رسله جميعا بهذا المنهج السمح، وحتى في حالة مجادلة الباطل بالحق، ومحاولة الإعراض عنه والكيد له، يبقى البلاغ المبين هو المنهج الرباني الذي ارتضاه لرسله جميعا.
لأنَّ المرسلين هم أهل الله وخاصته، وحاملو وحيه إلى عباده مِن بني آدم، فقد فضلهم بإضافتهم إلى كلامه فسماهم أهل الذكر، وفي هذا التعبير الدقيق ما يشرح المنهج، والطريقة، والمسؤولية، ژ ? ? ہ ... ہ ہ ... ہ ... ھھژ (الأنبياء: 7)، ژ ? ?? ? S ... S S S ? ? ? ? ? ? ژ (النحل: 44).
وفي سيرة الرسول حدث له علاقة وطيدة بما نحن بصدد تبيانه من وظيفة الرسول ح المبلِّغ، وخصص لها سورة كاملة هي سورة عبس وتولى.
__________
(1) - سيد قطب، في ظلال القرآن، ج 23، ص: 589. (1/27)
صفحة 28
فإنَّ الرسول ح مِنْ حرصه الشديد على تبليغ رسالة الإسلام إلى قومه أجمعين خُيِّل إليه أنْ يلتفت حريصا إلى كبراء قريش حتى يؤثروا بدورهم في أتباعهم إنْ هداهم الله إلى الإسلام، ولم يلتفت إلى الأعمى الفقير لا استهزاءًا ولا استنقاصًا، وإنَّما لأنَّه جاءه في وقت كان مشغولًا فيه بمحادثة هؤلاء الكبراء، فجاء القرآن موضحًا هذا الموقف بأسلوب فيه بعض التوبيخ إنْ صح التعبير.
وذلك حيث تقول السورة: ژ? ??? ? پپپ پ ? ???????ژ (عبس: 1 - 4)، التي تنفي نفيًا مطلقًا، وتثبت إثباتًا مطلقًا بأداة الحصر (إنما)، ليبرز تعلق هذه الصفة برسالة النبي الكريم محمد ح فذكر ژ? ? ???? ? ??ژ (الغاشية: 21 - 22). رسالتك إنَّما تتركز على التبليغ ولا تتجاوزه إلى الهداية، لأنَّ الهداية بيد الله وحده الذي يملك القلوب فيصرفها حيث يشاء. وقد مر الرسول ح بحالات نفسيةٍ شديدةٍ عند بداية الدعوة لموقف قومه الرافضين لرسالته وإعراضهم عنه، وقد أداه هذا الموقف إلى حد الشعور بالإحباط وبخع النفس ژ ? ? S S S S ? ? ? ? ? ? ژ (الكهف: 6)،ژ ? ? ... ? ... ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ژ (الأنعام: 35).
ولقد تكرر هذا التذكير بدور رسالته على أنَّها تذكير ليس إلا بهذا الموقف يوم أقبل على كبراء قريش ونسي الأعمى الفقير ابن أم مكتوم، طمعًا في أنْ يكون دخول كبراء القوم في الإسلام إغراء للآخرين مِنْ قريش، فجاء التبيان هذه المرة في صيغة توبيخٍ رقيقٍ لطيفٍ ژ? ? ? ? ? پ پژ (عبس: 1 - 2) كما ذكرنا، وهنا يُذكِّر الله رسوله بدور الوحي مِنْ جهةٍ، وبدوره رسولًا مِنْ جهة أخرى: ژ چ ... چ ... چ ... ? ? ? ? ? ? ? ? ... ?ژ (عبس: 11 - 13)، ويقول في السورة الموالية وهي سورة التكوير: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ التكوير: (27 - 28).
4. ذكر لأنَّه يفسر خطط الشيطان: (1/28)
صفحة 29
وهو ذكر لأنَّه الوسيلة الوحيدة لإفساد خطط الشيطان وقبيله لإغواء بني الإنسان، ليفسد عليهم أمر دينهم ودنياهم معًا، وذلك ما تحدده الآية الكريمة في قوله تعالى: ژ? ? ? ... ? ? ... ?? ? ? ?? ? ? ... ? ? ? ??ژ (المجادلة: 19).
والشيطان لعداوته الشديدة لبني الإنسان أكثر وسوسة وعداوة للمؤمنين الصالحين، والمتقين الربانيين الذين يجد عنتا في النيل منهم، وتضليلهم، والوصول إلى قلوبهم، ومِنْ ثم فقد حذر الله نبيه الكريم من هذا العدو في قوله: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (الأنعام: 68).
وفي القرآن مشاهد كثيرة عن إغواء الشيطان عباد الله بالنسيان سواء في أمورهم الدينية أم الدنيوية، نجد صورة منه في قصة سيدنا يوسف حين طلب من الفتى - الذي أُفْرِج عنه من السجن - أنْ يذكره عند مليكه ليخرجه من السجن، فكان توبيخ الله لسيدنا يوسف مقابل هذا الاعتماد على الطاقة البشرية تعليمًا لنا نحن المؤمنين لنتوكل على الله وحده في كل شؤوننا، لأنَّه هو صانع الأسباب، وقد حدد القرآن العقاب بقوله: ژ? ... ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (يوسف: 42).
كما نجد الشيطان يقف بالمرصاد لفتى موسى يوشع؛ حين أنساه ذكر الحوت ژS S S ? ? ?? ? ? ? ? ... ??ژ (الكهف: 63)، وكلف ذلك موسى أنْ يعود على أدراجه رغم ما لاقاه من نصبٍ وتعبٍ، حتى يُعلِّم موسى قيمة العلم والتعلم، وأن لا أعلم من الله. (1/29)
صفحة 30
والآيات القرآنية التي توضح دور الشيطان في التأثير على الإنسان بالغفلة والنسيان كثيرة، وإنَّما تعرَّضنا لهذا الجانب الذي له علاقة بالذكر، فإن الذي خلقنا - وهو أدرى بنا - يعلم أنَّ مِنْ أخطر منافذ الشيطان إلى بني الإنسان الدخول إلى قلوبهم من نافذة الغفلة والنسيان، ليصرف القلوب عن ذكر الله، وليس ثمة عدوٌ للشيطان مثل الذكر، وهي الصفة التي تبين ضعف الشيطان وانهزاميته عند سماع الاستعاذة، ولذا فإنَّ الله سماه بصفتين متلازمتين؛ حيث يصفه بأنه الوسواس الخناس، ومن تغلب على الغفلة والنسيان فتح الله له أبواب الرجاء والقرب منه.
ومِنْ أخطر منافذ الشيطان أنْ يتسلل إلى قلوب بني الإنسان مِنْ هذه الثلمة، وهي ليست كذلك بالنسبة للإنسان بعامة وحسب، وإنَّما هي كذلك حتى بالنسبة للمتقين السالكين مدارج الخلاص المخلِصين عبادتهم لرب العالمين، لأنَّ الله يريد منا أن نكون دومًا قريبين منه بحضور قلوبنا بذكره في جميع الحالات، فإنَّه أدرى بضعفنا وحاجتنا الأبدية إلى معونته، ورعايته، ورحمته ژ ? ? ... ? ? ??ژ (الرعد: 28)، ژ ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گگژ (الأعراف: 201).
5. التذكير وظيفة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)
مِنْ أهم ما كلف الله به رسله وأنبياءه التبليغ والتذكير، ومن ثم سمى المكلفين بالرسالة من الديانات كلها (أهل الذكر) فقال: ژ? ? ہ ... ہ ہ ... ہ ... ھھژ (الأنبياء: 7).
وقد حدد للرسل مسؤوليتهم المقتصرة على التبليغ وحده دون تكليفهم عنت الهداية لأنَّها مما تفرد الله بها، فتكررت هذه المسؤولية أي التبليغ في الذكر عدة مرات؛ وما على الرسول إلا البلاغ المبين، وقال: ژ? ? ? ? ? ??ژ (النحل: 35)، وقال: ژ ? ? ?? ? S S ... S S ??ژ (النور: 54). وقال موضحا مسؤولية الرسول محمد ح تجاه الكفار المعاندين: ژ ? ? ... ? ? چ چ چچژ (التغابن: 12). (1/30)
صفحة 31
ويحدد الله رسالة محمد التي هي تذكير وتبليغ، وأما الهداية فهي بيد الله وحده ژ? ? ? ... ? S S S S ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ?چژ (عبس: 5 - 10). وهذا هو المشهد الذي ختم به موقف الرسول ح من الأعمى الفقير كما مرَّ معنا. ويعود التركيز على المطلوب من الرسول محمد ح ژچ ... چ ... چ?ژ (عبس: 11).
6. من صفات الكفار الإعراض عن الذكر:
الناس منذ خلقهم الله فريقان؛ فريق يقبل الذكر، ويطمئن إليه، وينصرف إليه بقلبه، وفريق كافر يعرض عنه، ويوصد سمعه وبصره وقلبه.
ژ? ? ? ? ? ? ? ? چ ... چچژ (الإسراء: 41).
ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (الإسراء: 46).
وتكفي هذه الصورة الساخرة على التنطع والاستكبار والفرار من الحق نكوصا على الأدبار بمجرد ذكر الله، وهذا هو منتهى الخذلان والعياذ بالله.
وقال في آية أخرى: ژپ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ??ژ (الأنبياء: 2).
وقد تكررت مشاهد إعراض الكفار عن الذكر بشتى الصور وبأساليب متعددة، كلها توضح مدى تهافت نفوس هؤلاء وتعنتهم من رسلهم على مدى السنين والقرون منذ آدم إلى قيام الساعة.
على أنَّ موقف الكفار المعاندين قد يقتصر أحيانا على النسيان دون الإعراض الكلي، وقد يكون نسيان الذكر استدراجًا ليحل عليهم العذاب الأليم، والهلاك العميم، وذلك ما توضحه الآية: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (الأنعام: 44).
ويصفهم القرآن أنَّهم إذا جاءهم مَنْ يُذكِّرهم تمادوا في سفههم وإنكارهم الذكر: ژ? ں ں ... ??ژ (الصافات: 13).
ويقابل هذه الصور من الإنكار المتعنت صور المؤمنين الذين مِنْ صفا تهم الإقبال على الذكر بكل جوارحهم؛ تدبرًا، وتأمُّلاً، وخشوعًا، وامتثالًا لأوامره، وابتعادا عن نواهيه، فعُدَّ ذلك من صفات عباد الرحمن التي ذكرها الله في آخر سورة الفرقان حيث يقول: ژ? ? ... ? ? ? ? ں ں ? ??ژ (الفرقان: 73). (1/31)
صفحة 32
وهكذا يكون الذكر مدعاة لهم للتفكر في عظمة الله وجلاله في كل حالاتهم، بل إنَّهم يسارعون إلى السجود، والإخبات، والتسليم لله إذا سمعوا الذكر وهم الذين يؤمنون بآيات اللهژ? ? ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک کگگژ (السجدة: 15).
وتجافت جنوبهم عن المضاجع خوفًا وخشيةً، رجاءً في الجنة وخوفًا من النار.
نسأل الله أنْ يجعلنا ممن ذكر الله في قلوبهم وعلى ألسنتهم، لأنَّهم لا يعرفون الطمأنينة إلا مع الذكر وبالذكر، أكانوا منشغلين بأمور دنياهم أم كانوا منصرفين إلى ربهم وأُخراهم.
القرارة في: 08/ 06/ 1436
29/ 03/2015
} - - {
كيف نتعامل مع كتاب الله عز وجل؟
ينبغي على المؤمن قبل إمساكه بالمصحف الشريف أن يستحضر في نفسه عظمة هذا الكتاب، وأنه هو كلام رب العالمين، وهذا الاستحضار النفسي الرهيب هو الذي يدفعنا إلى تمثل آداب التعامل مع هذا الكتاب العظيم.
أولا: بالنية كما أشرت.
ثانيا: بالطهارة الجسدية والمكانية، والقلبية، والتلاوة الصحيحة ژ? ? ... ??ژ (المزمل: 4).
ثالثا: بالابتعاد عن كل الملهيات والمنغصات التي تشوّش على الإنسان المؤمن روحانيته، وتفرّغه إلى خالق السماوات والأرض وحده.
رابعا: أن يتمثل قول الرسول ح: من «أراد أن يناجي ربه فليصلِّ، ومن أراد أن يناجيه الله فليقرأ القرآن» (1).
تخيل أيها العبد الذليل هذه المكانة العظيمة التي ترتقي إليها، وقل مع نفسك: من أنا حتَّى يناجيني الله رب العالمين، وكفى بهذا الإحساس العظيم، والمنزلة الشريفة، تقرّبا من الله وفناء في حضرته العليَّة، حيث لا يكون لك صاحبًا سوى الملائكة المقربين.
__________
(1) 1 - عن أبي أسامة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه». رواه مسلم. (1/32)
صفحة 33
خامسًا: ليكن قصدك من تلاوة القرآن ما أنت بحاجة إليه، فإذا كانت نيتك (الحفظ) فانو ذلك، وتبتل إلى الله ليفتح عليك من خزائن علمه ورحماته، والحفظ أمر ضروري لكل مؤمن، فإن الرسول ح يقول: «المؤمن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب»، أو كما قال.
وقد قسم الرسول ح أصناف الناس في تعاملهم مع كتاب الله إلى ما يلي:
مؤمن يتلو القرآن ويعمل به فهو كالأترُجَّة (فاكهة طيبة)؛ طعمها طيب ورائحتها زكية، ولكي نقرب لك الوصف نقول كالتفاحة، ومؤمن تقي ولكنه لا يقرأ القرآن فهو كالتمرة؛ طعمها حلو ولكن لا رائحة لها.
والمنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة؛ ريحها طيب وطعمها مر، والمنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة؛ لا ريح لها وطعمها مر، والعياذ بالله.
فاختر أي صنف تريد أن تكون أيها المؤمن، تفاحة، أو أترجة، تجمع بين حلاوة الطعم وزكاء الرائحة، أم كتمرة تجمع بين حلاوة المطعم وفقدان الرائحة، أم الريحانة التي لها ريح طيب وطعم مر، أم من الصنف الذي لا يرتضيه المسلم لنفسه ويفر منه فرار السليم من الأجرب كالحنظلة؛ وهو المنافق الذي لا ريح له ولا طعم، نسأل الله السلامة.
سادسًا: أخي المؤمن إليك هذه النصيحة وهي أن تجعل في برنامجك اليومي وقتا لقراءة القرآن، ولو نصف حزب كل يوم، فإن ذلك له من البركات والنفحات ما لا يمكن أن يوصف لك إلا بعد أن تطبق هذه النصيحة في حياتك حاضرًا أم مسافرًا (1)، وحافظ على تلاوة بعض السور بالذات، مثل سورة ياسين، والواقعة، وتبارك الملك، وآية الكرسي، وأواخر سورة البقرة، فقد ورد فيها فضل كبير والله الموفق.
الأبيار: 06/ 05/ 1437
15/ 02/2016.
} - - {
كيف نتدبر القرآن؟
__________
(1) 1 - عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» رواه أبو داود والترمذي. (1/33)
صفحة 34
من آداب تلاوة القرآن أن يكون المقصود منه في النهاية هو التدبر في معانيه، والتأمل في حكمه وتشريعاته، فقد أجمع العلماء ومنهم صحابة رسول الله ح بأن المراد بقراءة القرآن وتلاوته تلاوة صحيحة الوصول لتدبر آياته، كما أرشدنا الله إلى ذلك حيث يقول في آية قطعية: ژ? ? ? ? ? ? ? ? چچژ (ص: 29).
في هذه الآية الكريمة توجيه للمؤمنين كيف يتلون القرآن، وكيف يستفيدون منه لآخرتهم ودنياهم، ففي الآية إشارة لطيفة إلى أن التذكر وهو الأصل في قراءة القرآن لا يتأتى للمؤمن إلا بعد تدبر، وتأمل، وتفكر عميق.
ومن هنا كان حرص الصحابة - رضي الله عنه - على التلاوة من منظور كيفي لا كمي، وقد قال زيد بن ثابت وهو من هو في التعامل مع القرآن جمعًا، وترتيبا، وحفظا، وعلما، وقد علم المحظوظون من أصحاب رسول الله أن زيد بن ثابت من الراسخين في العلم، فقد ذهب زيد بن ثابت ليركب، فأمسك ابن عباس (حبْر القرآن) بالركاب، فقال له زيد: تنحَّ يا ابن عم رسول الله، فأجابه ابن عباس: لا، فهكذا نصنع بعلمائنا. يقول زيد يعلمنا كيف نتدبر القرآن: «لأن أقرأ القرآن في شهر أحبُّ إليَّ من أن أقرأه في خمس عشرة، ولأن أقرأه في خمس عشرة أحب إلي من أن أقرأه في عشر، ولأن أقرأه في عشر أحب إلي من أن أقرأه في سبع (أقف وأدعو)». (1/34)
صفحة 35
إذًا فإن المراد بالتلاوة هو التدبر، والتدبر هو الخشوع، والتفكر والتذكر، ولكن بآلياته التي يعرفها أهل الذكر. وقد قال بعض العلماء الباحثين: إن التدبر معناه النظر في أدبار الأمور؛ أي في عواقبها، ومآلاتها، ولا يكون هذا إلا بالتفكر العميق، والتأمل الدقيق في معاني الآيات بخشوع وتؤدة، وقد قال ابن عباس وهو يقرب لنا معنى التدبر: «لأن أقرأ إذا زلزلت، والقارعة، أتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذيرًا». إذا فالعبرة من قراءة القرآن الكيفية لا الكمية. إنها القراءة الباطنية للمعاني علما بأن الأجر والمثوبة حاصلان لكل قارئ، لأن القرآن كتاب هداية وعبادة، اعتمادًا على قول الرسول ح ما معناه: «كل حرف له عشر حسنات، لا أقول ألم حرف، بل ألف حرف، لام حرف، وميم حرف»، والله عنده أجر عظيم. والله الموفق.
الأبيار: 06/ 05/ 1437
15/ 02/2016.
} - - {
سورة الضحى، رفعة لخير البشرية
وصورة للأمة المحمدية
!
ژ? ? ? ? ? ? ... ? ... ? ??ژ (الضحى: 1 - 11). (1/35)
صفحة 36
إحدى عشرة آية من الآيات البينات، من أبلغ ما جاء في القرآن، وأعجزه، وأحكمه، جمعت بين الإعجاز الدلالي، والإعجاز البياني، والتأثير الصوتي، شأنها في ذلك شأن أغلب سور القصار المفصل التي طبعها الله بطابع ساحر خاص، إذ هي من أول سور القرآن نزولًا؛ لأنها نزلت في المرحلة المكية حيث كان القرآن يهدف إلى ترسيخ العقيدة في نفوس المؤمنين به من جهة، ويهدف إلى تبيان ما في القرآن من سحرٍ بلاغيٍّ، وإعجاز بيانيٍّ من جهة أخرى، وهو ما لبث كفار قريش المشهورون بالفصاحة والبلاغة أن أُخِذوا معجبين به وبأسلوبه المعجز، وإن لم يؤمنوا طبعًا بما جاء فيه، وقد تحدَّاهم الله أن يأتوا بسورة من مثله، وتكرر التحدي من الله طول نزول القرآن، كما تكرر التحدي من الكفار على قدسية القرآن وإعجازه بما وصفوه به، تارة سحر، وأخرى كهانة وأساطير الأولين تارة أخرى، إلى آخر الصفات التي لفقوها ضدَّه التي دلت هي نفسها عن مغالطة أنفسهم، فافتضحوا مرتين؛ مرة بعجزهم، ومرة لمكابرتهم وعنادهم.
ولنزول السورة العظيمة التي تبين مكانة نبينا محمد ح عند الله، سبب ذكره أغلب المفسرين خلاصته: «أنَّ الوحي فتر وانقطع عن الرسول مدة خمسة عشر يومًا، وقيل: خمسة وعشرين يومًا، وقال (مقاتل): أربعين يومًا (1)، وتلك دلالة قوية على أنَّ القرآن من عند الله، وليس من عند محمد كما يدعي الكفرة من قريش أو غيرهم».
وما من شك في أنَّ الخطاب موجه إلى الرسول الكريم محمد ح بعد أن انقطع عليه مدة، فوجدها الكافرون المعاندون فرصة لمعايرته، والتشكيك في دعوته بادعائهم أنَّ محمدًا قلاه ربه، وهجره وحيه.
__________
(1) - التفسير المنير، ج30، ص: 287. (1/36)
صفحة 37
ولعل حبيب الله وجد في نفسه شيئًا من هذا الانقطاع الذي طال أمده في وقت كان أحوج ما يكون فيه إلى سند ربه، ومدده الروحي، فشعر بالوحشة، وتاقت نفسه إلى زيارة جبريل له. وفي هذه الأجواء والظروف نزلت هذه السورة العظيمة الكريمة (والضحى، والليل)؛ وهما آيتان في الكون يشهد بها على وحدانية الله كل مؤمن وكافر، فكانت بدايتها بالقسم تأكيدًا على أنَّ الله لم يتخل قط عن حبيبه المصطفى، واختيار ژ? ? ? ? ??ژ (الضحى: 1 - 2) من عظمة القرآن التي تدل دلالة قاطعة على أنها من كلام رب العالمين، وليست من كلام محمد الأمي كما يدعي خصومه وأعداؤه، لأنَّ دلالة الوقتين آيتان من آيات هذا الكون العظيم الذي لا تخرج في توقيته عن النهار الذي رمزه الضحى؛ وهو وقت السعي وابتغاء فضل الله بالعمل والسعي، والليل الذي هو آية أخرى من آيات الله بسكونه وهدوئه، وامتداده على الكون كله، ليأوي كل متحرك إلى سكونه؛ بالراحة، والهدوء، والسكينة، وليعوض به الله عناء النهار عن خلقه في انتظار يوم جديد آخر، ولأنَّ الليل هو دعوة فطرية للخلود إلى النوم والراحةژS ? ?ژ.
ولكي نفهم بلاغة مضمون هذا القسم لابد من مقارنة هذه الآية بقوله تعالى: ژ? ? ? ... ? ? پ پ پ پ ... ? ... ? ... ? ? ? ? ? ?? ? ? ? S S S S ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? چ چ چ چ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ... ? ژژ (القصص: 71 - 73).
والإنسان بل كل مخلوق لا يستلذ النوم بعمق إلا بعد ابتغاء من فضل الله لكسب الرزق في النهار، وهو لا يسعى بكد في سبيل لقمة العيش بالنهار إلا بعد راحة وسكينة في ليل هادئ، دون منغصات أو طوارق.
ويقول في آية أخرى مبينا حكمة هذا الاختلاف بين الليل والنهار، وهذه المراوحة بين نهارٍ من صفته الانطلاق، وليلٍ من صفته السكون والراحة.
ژ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے?ژ (الفرقان: 62). (1/37)
صفحة 38
وفي هذا إشارة قوية ودلالة واضحة جلية إلى أنَّ من نعم الله على المؤمن هذا الاختلاف والتراوح بين ليل ونهار؛ حتى يكون دومًا قريبًا من ربه، متذكرًا نعمه عليه، شاكرًا أفاضله وآلاءه، فيكون عمله في النهار ادِّكارًا لنعم الله عليه بالصحة والسلامة، وشكره له في صلاته وعبادته، وهو منقطع إلى ربه مصليًا واعيًا مجتهدًا، راكعًا ساجدًا بعيدًا عن صخب النهار، وفتنة الناس، وانشغالات الدنيا التي لا تنتهي.
وقد تساءل الباحث عن سر تقديم الضحى على الليل في هذه الآية، مع أنَّ القرآن غالبًا ما يُقدِّم ذكر الليل على النهار، ألا يدل هذا التقديم للضحى هنا في هذه السورة الكريمة التي هي تمجيد شخصية الرسول ح ومكانته عند الله، ألا يدل ذلك على أنَّ الضحى إشارة لطيفة إلى نور الهداية الإسلامية، والقرآن المبين الذي أتى لنشر النور الإلهي بواسطة محمد، وكتابه على البشرية الضالة في ظلام الجهالة، وضلالات الشرك والكفران، وهي بشارة للرسول على أنَّ دينه سيعم العالم كله، بفتح مبين حين أرسله رحمة للعالمين.
إنَّ الإشارة إلى أنًّ الضحى قد يرمز إلى رسالته ح، والليل إلى انقطاع الوحي إشارة قديمة، فقد قال الإمام الرازي في تفسيره: «يحتمل أنْ يقال: الضحى رسالته ح، والليل زمان احتباس الوحي فيه» (1).
ژ? ? چ چ ... چچژ (الضحى: 3).
انتقلت الآية الكريمة من القَسم إلى المُقسَم به أو جواب القسم ژ? ? چ چ ... چچژ، وعظمة القَسمِ تدل على عظمة المُقسَم به؛ لارتباط أحدهما بالآخر ارتباط المبتدأ بالخبر. ونلحظ كيف بدأت الجملة بالنفي (ما) لتقطع الطريق من الأساس أمام وساوس الشيطان، وظنون الكفار من أوليائه وقبيله، ولتملأ قلب محمد القلق بالطمأنينة والسكينة.
__________
(1) - السامرائي، على طريق التفسير البياني، ج01، ص: 111. (1/38)
صفحة 39
(ودَّعك) هكذا باختيار فعل التوديع، وكان الخطاب الذي يعني الرسول محمد ح، والتوديع أخفَّ وقعًا على النفس من (الترك) مثلا، لأنَّ التوديع يكون بين الأحباب، وهو من الدعة التي هي دعوة بالسلامة والإياب، والعيش الهنيء، فهو لم يودعه قط، بَلْهَ أنْ يتركه يعبر على أنَّه معه في كل لحظة وحين، في السراء والضراء، وفي الليل والنهار، في البيت مع أهله، أو في الصحراء متعبدًا في غار حراء وحيدًا، وهذا كله مما يبث الطمأنينة في نفس الرسول ح، ويزرع فيه الثقة الكاملة بربه حتى لا يشك لحظة واحدة في كون معية الله ترعاه وتحفظه ژ? ? ? ? ??ژ (التوبة: 40).
ويأتي الإعجاز البياني القرآني في قوله: ژ? ? چ چ ... چچژ (الضحى: 3)، ونلحظ التوديع الذي لم يربطه بكاف الخطاب، وما قلى هكذا بدون كاف الخطاب، لأنَّ القلى هو البغض والهجران، وهذا الفارق بين اللفظين من دقة التعبير القرآني، فلأنَّ معنى (قلى) أشد على النفس من التوديع، فإن التوديع عادة ما يكون مؤقتا، والهجر والهجران دائمين.
ومن ثم جاءت الكلمة دون كاف الخطاب لطفًا وحبا بمحمد، ومواساة ومراعاة له، (إنَّ الحذف؛ أي حذف الكاف هنا للإكرام والتعظيم، وذلك أنه تعالى لم يرد أنْ يواجهه بالقلى فيقول: وما (قلاك)، وإنما اكتفى بالمفعول السابق إكرامًا لرسوله من أنْ يناله الفعل. فأنت ترى أنَّ ذكر المفعول مع التوديع إكرام له ح، وحذفه من (القلى) إكرام له أيضا، فهو إكرام في الذكر، وإكرام في الحذف، وهذا من ألطف مواطن الذكر والحذف) (1). ولو كانت الفاصلة القرآنية تراعي السجع أحيانًا على حساب المعنى كما يدعي بعض المتنطعين الجهلة لقال: (وما قلاك) هكذا بالكاف، ولكن القرآن يراعي المعنى والإيقاع الصوتي معا، موازنة بين الجمل، ومراعاة لفواصله التي لا تستبعد العناية بالجرس الصوتي، لأنه يخاطب كل حواس الإنسان؛ ومنها الأذن.
__________
(1) - السامرائي، على طريق التفسير البياني، ج01، ص: 112. (1/39)
صفحة 40
وقد دلت الدراسات الحديثة على أنَّ الإيقاع الصوتي له من التأثير المباشر الخلاب في النفس عن طريق السماع ما لا تبلغه الحواس الأخرى بطبيعة الحال، وهذا يعضده قول الرسول ح: «من لم يتغن بالقرآن فليس منا»، وما تقديم القرآن حاسة السماع هكذا بالجمع قبل الأبصار والأفئدة إلا إشارة لطيفة إلى هذه الأفضلية.
ژ? ... ? ? ? ??ژ (الضحى: 4).
التقديم والتأخير هنا في التعبير له مقصد بياني بلاغي قوي، فإن الأوْلى عند الله هو ذكر الآخرة قبل الدنيا، فإن شأن الآخرة عند الله بالنسبة للمؤمن أهم من الدنيا التي لا شأن لها عند الله ژپ ? ? ... ? ?? ? ? ??ژ (العنكبوت: 64). ومن ثم كان مناسبا أنْ يربط بين ذكر الآخرة وحرف اللام الذي يعني التوكيد.
والخيرية ربطها بالكاف؛ كاف الخطاب (خير لك)، وفي هذا التخصيص من التفضيل والعناية والرعاية ما لا يخفى، فإنك لم تخلق ولم تختر لتستمتع بهذه الدنيا - وقد خيرت فاخترت الآخرة - لأنَّ مكانتك اللائقة بك تنتظرك أنت وأمثالك هناك في الآخرة، حيث خصك الله بفردوسه الأعلى، وبالحوض، والكوثر، فكل ما يزعجك في هذه الدنيا لن يؤثر فيك حتى لو أزعجك وهو لا يدوم، لأنَّ الدنيا وما فيها فانية. إنَّ نعيمك ونعيم أمتك في الآخرة حيث أعدها للمؤمنين، ووعد الله نافذ لا يتخلف، فاطمئن واهنأ بالًا يا حبيب الله يا رسول الله. هكذا علمتنا بسلوكك الذي لم يعط الدنيا أكثر مما تستحقه من العناية، أوَلم تقل للصحابة رضوان الله عنهم: (مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها).
ژ? ? ? ... ? ژ (الضحى: 5).
إنَّ الشعور بالحرمان لا يمكن أن يتسلل لنفسك يا محمد؛ لأنَّ الذي ينتظرك من نعيم لا يمكن أنْ يخطر على بال بشر، فهل من عطاء خير من عطاء ربك؟ وهل من عطاء مهما يكن يرضي النفس أكثر من عطاء الخالق الرازق الذي سيشملك بنعمه التي تترى عليك دنيا وأخرى حتى ترضى؟ (1/40)
صفحة 41
أحسب أنَّ هذه الآية هي قلب هذه السورة العظيمة، فهي توزع النبض الشفيف اللطيف في كل الآيات الأخرى، لما تختزنه من طاقة الحنان والطمأنينة في قلب محمد اليتيم الفقير الحائر ژ? ? ... ? ژ. إنها وعد شامل لما أعطاه من كمال النفس، وظهور الأمر، وإعلاء الدين، ولما ادخره له مما لا يعرف كنهه سواه، فإن الذي يعطيك يا محمد هو ربك، الذي ضمن لك التربية، والرعاية، والحفظ من كل مكروه، لن يمسك شيء في بدنك، أو روحك، أو قلبك، لن تشعر بعد اليوم بالحرمان الذي يشعر به الأيتام، ولو اجتمعت قريش كلها لإيذائك وتنغيص حياتك. ألست بأعيننا نكفيك، ونأويك، نهديك حتى يملأ الرضى نفسك وما حولك من أهلك وولدك، هو ربك وأنت عبده المنسوب إليه المضاف إلى ربوبيته، وهو وحده راعيك وكافلك. ثم لا بد أنْ نلحظ هنا دقة التعبير في إطلاق العطاء والرضى مطلقًا دون تحديد، فلم يقل يعطيك كذا وكذا، أو ترضى عن كذا وكذا، فإن البلاغة هنا في التعميم الذي لا يخفى على المتذوق اللبيب، إنه العطاء المطلق في الحياة كلها والآخرة، والرضى المطلق في الدنيا والآخرة، رضى عن حياتك، وأهلك، ومن حولك من الأهلين، ورضى من الله أكبر، والرضى المطلق أهم وأغلى ما يتمناه الإنسان، وقلَّما أعطي لمخلوق سوى خير الخلق أجمعين.
وانظر حولك لتتحقق هذه النعم الجليلة وهي تترى عليك من عطاء الربوبية الحانية، ولكي ندرك كلمة (ربُّك) ومكانتها المتأصلة الوارفة الظلال على السورة كلها نستبدلها بكلمة (إلهك) مثلًا، لنجد البون شاسعًا، لأنَّ كلمة (الله) تليق بمقامات التكليف والعبادة، وكلمة (الرب) التي تعني هنا المربي، والمرشد، والراعي، والمالك، والقيم، والمُنعم (1)، تليق بل تعبر عن مقامات العطاء الأزلية، والإمدادات الربانية، فهي تحمل شحنة لا تقدر من الحنان، والعطف، والرعاية، واللطف، إنها مقدمة ضرورية لما سيأتي بعدها من الآيات البينات.
__________
(1) - ابن منظور، لسان العرب، مادة: رَبَبَ. (1/41)
صفحة 42
ژ ژ ژ ssژ (الضحى: 6).
ألست تتذكر حين وُلِدت ولم تجد يد والدك الحانية لتربت على رأسك، وتمسح شعرك، ثم ما لبثت أمك أنْ لحقت به وأنت أشد ما تكون حاجة إلى عطفها وحنانها، ولم تعرف من حرارة حضنها الدافئ، وري ثديها الشفوق سوى ست سنوات، تركتك بعدها لحليمة السعدية تعوضك قليلًا مما افتقدته من حنان أمك المتدفق، ولكن هيهات!
وقد عرفت طُعم اليتم كما لم يعرفه الأيتام قبلك لتكون نموذجًا للصبر والتحمل لأمتك كلها، فلا يكون اليُتْم عائقًا لهم عن مزاولة حياتهم في ظل من يكفلهم؛ من أعمام، وأخوال، وأقارب، فيسود التكافل والتضامن بين أفرادها؛ صغيرها وكبيرها، ذكرانها وإناثها، وليكون اليتيم في هذه الأمة الرحيمة في عناية جميع الأهل من حوله، يتنافسون على رعايته، وتربيته، وتلبية حاجاته، أولم تقل وكأنك تشعر بمرارة اليتم، أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة، تعبيرًا بلاغيًّا دقيقًا لما ينتظر كافل اليتيم من نعيم الآخرة، إذ يعوض الله له لحنانه على اليتيم مكانة الرضى والنعيم إلى جانبك بالفردوس الأعلى، ويا لها من منزلة، ويا له من جزاء لا يدانيه جزاء آخر.
وانظر إلى وقع كلمة (آوى) في آخر الآية، وتذوَّقها جرسًا، ومعنًى، وإيجازًا، إذ لم يقل (آواك) بكاف الخطاب، حتى لا يشعر عبده وحبيبه بما يجرح نفسه من مشاعر الحرمان، ومرارة فقدان الأب والأم، إذ سرعان ما أحاط به جده عبد المطلب، ثم عمه أبو طالب، ثم زوجته الحانية الرؤوف خديجة بنت خويلد، وقبل هذا وذاك طمأنينة فياضة من عناية رب العالمين تحميك وتربيك.
ژک ک ککژ (الضحى: 7). (1/42)
صفحة 43
لقد كانت الحيرة تستبد بك وأنت تأوي إلى غار حراء منقطعا إلى عبادة ربك، بحثًا عن الدين الصحيح الذي ترتضيه نفسك، ويرتضيه لك ربك. لقد أنعم الله عليك بالهداية حين هداك إلى صراطه المستقيم، فاخترت الحنيفية السمحة دين أبيك إبراهيم؛، على الرغم مما كان عليه قومك من ظلمات الجهل والضلالة، وما يعج به مجتمعك من صور الإفك والغواية، وما يغرق فيه الشباب من مثل محيطك وسِنِّك في حمأة الفسق والرذيلة، فنشأت مطهر الأكناف، ناصع بياض الأردان، كامل الأوصاف، لا تعرف إثمًا ولا تأوي إلى ضلالة، ولا تسجد لصنم، ولا تتلطخ بخلق جاهلي ينكره الله والعباد سلوكًا وخلقًا، فكنت بذلك الطاهر المطهر، الأمين الصدوق، المحبوب الخلوق، يعترف لك بهذه الخصال كل عدوٍّ ومحبٍّ، وشانئٍ ومعزٍّ، فلم يجدوا لك اسمًا ينطبق عليك غير (الصادق الأمين) عرفت واشتهرت به، وعوَّضك الله عن تلك الحمأة من متاع الدنيا الرخيص بغار حراء، حيث تخلو إلى خالقك وربك ليفيض عليك من تلك الخلوات الصحراوية النقية بفيوضات محبته في ظل الطمأنينة الكبرى، في انتظار بصيص النور الذي سيأتي به حبيبك جبريل من فوق سبع سماوات، وأعطاك ما لم يُعْطَه نبيٌّ من قبلك، أعطاك القرآن المبين الذي فرق به بين الحق والباطل إلى يوم الدين، فكنت البركة التي لا تنتهي لأمتك، والرحمة المهداة للناس أجمعين ژک ک گ ... گ گ گژ (الأنبياء: 107)، ژ? ? ? ? ? پپ پ پ ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? S SS S ? ? ... ? ??ژ (الشورى: 52). هكذا كنت سببًا لهداية البشرية الضالة، ونورًا مبينًا، تزيل به عن الدنيا قاطبة حيرة الظلام الدامسة بنور الإيمان والهداية، فكنت وحدك الشاهد والمبشر النذير، وخاتم المرسلين، يحبك الله ويحب من يحبك، ويربط طاعته ورضاه بمن أطاعك واتبعك، واستن بسنتك، واهتدى بهديك ژ? ? ? ... ? ? ? ? ?ژ (آل عمران: 31).
ژک ک ککژ (الضحى: 7). (1/43)
صفحة 44
لقد اجتمع عليك في نشأتك ما ينغص حياة الإنسان، فإضافة إلى الفراغ العاطفي من اليتم إلى الحيرة المقلقة بحثًا عن بصيص نور الهدى، حطَّ الفقر على عتباتك فأثقل كاهلك بالعيال وقلة المال، ولكن سرعان ما انفتح باب الرزق أمامك واسعًا، فتذوقت حلاوة الكسب الحلال في تجارة خديجة، وكنت قبلها راعيًا تتطاوح بك شعاب مكة مع شويهاتك العجاف. إنَّ مال خديجة أفاض عليك بركةً وسعةً في الرزق، فأغناك عن أن تتطلع إلى ما في يد غيرك، أو تشعر بالحرمان في حنايا نفسك، لأنَّ الله أعطاك إلى جانب سعيك الدؤوب أخلاقًا رفيعةً، فكنت الصادق الأمين في تلك التجارة، وكنت التاجر الموفق تضرب أكباد الإبل، فأعطاك القناعة والرضى، ومنحك الغنى الحقيقي الذي أضفى على حياتك كلها الطمأنينة النفسية، فصرت مثلًا لأمتك في فهم قيمة المال على أنه وسيلة لا غاية، وأداة لا نهاية، لأنَّ القرآن علَّمك، والوحي ربَّاك على أنَّ أعطيات الدنيا لا قيمة لها إنْ لم تكن زادًا للآخرة ژپ پ پپژ (الأعلى: 17)، وأنَّ الإنفاق هو الذي يزكي المال ويُنميه. لم يغرك متاع الدنيا، ولم تبطرك النعمة، ولم يسيطر حب الكسب على أخلاقك ومعاملاتك، فيقودك إلى حيث ينتظرك الشيطان، والمال أحبولة من أحابيل الشيطان لمن لم يكسبه من حلال، ولم يُنفقه على المحتاجين من الفقراء والعيال، هكذا علمتنا يا رسول الله، فكنت كثيرًا ما طويت بطنك على جوعٍ، فشددت عليها حجارة تخفف من لَأْواء مغص الجوع، بل إنك رغم ما أفاض الله عليك من نعمة المال كنت تذروه يمينًا وشمالًا على الفقراء والمساكين، تفعل به ما تفعل الريح المرسلة بأوراق الخريف، وهذا هو الغنى الحقيقي الذي تشير إليه في قولك: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». حتى إذا حانت وفاتك لتوديع الدنيا متُّ ودرعك مرهونة عند يهودي. هكذا تعلمنا عمليا - يا حبيبنا - أنَّ الغنى هو القناعة، فيا لله لعلو نفسك، وعزَّة أخلاقك، وبساطة مدرستك. (1/44)
صفحة 45
ومن اللمسات البيانية الإعجازية في هذه الآيات الثلاث حذف المفعول من الأفعال الثلاثة فقال: فآوى، وهدى، وأغنى، وكان الأصل أن يقال: فآواك، وأهداك، وأغناك هكذا بحذف المفعول، لظهور المراد وهو المخاطب، ولرعاية رؤوس الآي، فإنه لو ذكر الكاف لم ينسجم ذلك مع رؤوس الآي المنتهية بالألف. وقيل إنما حذف ليدل على سعة الكرم، والمراد آواك وآوى لك وبك، وهداك ولك وبك، وأغناك ولك وبك (1).
فهذه الآيات البينات تمهيد لما يأتي بعدها من وصايا يخاطب بها الرسول الكريم، ويقصد بها أمته الإسلامية أمة القرآن، وهي تضع الأسس المتينة للعلاقات الاجتماعية لمجتمعٍ طاهرٍ متماسكٍ متعاونٍ، لا تستبد به الأنانية فينسى المساكين والأيتام، ولا تَنْزو به الشهوات واللذات فيتنكر لمن يَمُدُّ اليد من السائلين وذوي الأرحام. وتأتي الآيات تباعًا وكأنها تُفصِّل ما أوجزت من قبل، في تقابل وتناسق عجيبين.
ژ? ? ... ? ??ژ (الضحى: 9).
تذكر يا محمد، ويا أمة محمد أنك كنت ذات يوم يتيمًا يقهرك الحرمان، ويطوِّح بك الفراغ العاطفي بحثًا عن حنان، وكأنَّ الله سبحانه وتعالى يقول لرسوله الحبيب المصطفى: لقد تذوقت مرارة اليتم وأنت صغير، فاستحضر الصورة في حياتك كلها، وتمثَّلها في مخيلتك ما حييت، فإنَّ ذلك مما يدفعك إلى معاملة الأيتام بحنانٍ ولطفٍ، وإنَّ أعزَّ ما يتطلَّع إليه اليتيم لمسة حنانٍ على شعره، ويد حانية تربت على كتفه تعوضه دفء الأهل، وعناية الأقارب، إنها عنده الأمل والأساس قبل الأكل والشراب واللباس. وقد جاءت صيغة النهي في آخر الآية ژ ? ?ژ، لتوحيَ بأنَّ هذا السلوك؛ أي قهر اليتيم مما يغضب الله، ويهتز له العرش.
ژ? ? ? ںںژ (الضحى: 10).
__________
(1) - السامرائي، على طريق التفسير البياني، ج01، ص: 117. (1/45)
صفحة 46
لعله من الخطإ الظن أنَّ السائل هو الذي يمد يده طالبًا العطاء والمعروف، فُضلة طعامٍ، أو مزقة كساءٍ لحاجة أعوزته إلى هذا الموقف الذليل - ونحسب والله أعلم - أنَّ السائل المقصود في هذه الآية - وهو ما يتماشى مع سياق السورة وجوِّها العام - هو كل سائل حاجةٍ مهما تكن هذه الحاجة مادية أم معنوية، مالاً كان أم علمًا، صدقةً كانت أم إعانةً، فإنَّ هذا السلوك هو الذي يحمي المجتمع الإسلامي من الأنانية، والفردية، والعصبية، ژ ? ? ? ?ژ، ويُضفي على كل أفراده الأمن والسكينة حين يجدون أفراد مجتمعهم يقفون إلى جانبهم في السراء والضراء، ويكفونهم مؤونة الحاجة ولو لم يطلبوها.
إنَّ الانتهار إذلال للنفس البشرية، وطرد للرحمة من القلوب، وتجاوز على الله، وتعدٍّ على حدوده، لأنه دليل على التكبر، والتجبر، والبطر، وهي صفات يمقتها الله تعالى ويكرهها، ويكره من يتحلى بها «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما أدخلته ناري»، ولن يتصرف آدميٌّ مهما يكن هذا التصرف إلا وعوقب من الله بالحرمان من رحمته، لأنه اتصاف بكبرياء الشيطان أعاذنا الله من وساوسه.
ژ? ? ... ? ??ژ (الضحى: 11).
يبدو لي والله أعلم أنَّ النعمة الكبرى التي يطلب نبيه أنْ يتحدث بها هي تلك النعم التي فصلها أولًا؛ آواه من اليتم، وهداه من ضلالةٍ وحيرةٍ، وأغناه من فقرٍ وفاقةٍ، لكن النعمة الكبرى هي نعمة الهداية إلى الدين القويم، والصراط المستقيم، لأنَّ الهداية لا تكون من عند غير الله ژک ک ک گ گ گ ... گ ? ? ?? ? ? ??ژ (القصص: 56).
إنها تلك الطمأنينة التي تضفي على حياة الإنسان سعادةً هنيَّة، وسكينةً أبديَّةً، إذ لا سعادة في غير دين الله، ولا هناء في غير رضاه، لأنَّ الله خلقنا للعبادة ولم يخلقنا للسعي في طلب الرزق إذ كفله ژ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژژژ (الذاريات: 56 - 58). (1/46)
صفحة 47
ومن نعم الله الضافية التي أنعم الله بها على خير الخلق محمد ح أنْ جعل أمته ژ? ? ? ? ?ژ.
ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّ النبي ح تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: ژ? ? ? ? ... ? ?? ? ? چ چژ، وقول عيسى عليه السلام: ژ? ? ? ?? ? ? ... ? ? ? ? ??ژ (المائدة: 118)، فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي وبكى، فأتاه جبريل؛ فسأله، فأخبره ح بما قال وهو أعلم فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد، فقُل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك».
فاللهم اجعلنا من أمته، واشملنا بعفوك ورحمتك، ولا تحرمنا من ورود حوضه وجنتك، آمين.
القرارة في: 16 ذي الحجة 1436 هـ
30 سبتمبر 2015 م.
} - - {
أيهما أضل للإنسان؛ النفس أم الشيطان؟
كثيرا ما يُردِّد الإنسان إذا ما وقع في زلة مع ربه أم مع الناس بلا تأمل ولا تفكير: غرني الشيطان، أو وسوس لي الشيطان، الله غالب على أمري، إلى غير ذلك من المبررات النفسية التي يتشبث كثير من الناس بها، حتى من المؤمنين الذين يظن فيهم التقوى والورع، وقلما نسمع من يعترف بضعفه النفسي، وانسياقه وراء هواه، واتباعه لشهواته وملذاته.
فكيف شاعت هذه المبررات النفسية فأصبحت للأسف الشديد مشجبا نعلق عليه آثامنا وخطيئاتنا؟
- فهل يوجد في الشريعة الإسلامية ما يؤيد هذا الموقف؟
- وهل يوجد في القرآن الكريم ما يدل على صحة هذا المعتقد؟
- وهل يوجد في أحاديث الرسول الكريم، وسيرة الصحابة الكرام، ما يجعلنا نطمئن إلى هذا المشجب الذي نعلق عليه كل سيئاتنا وخطيئاتنا كلما زلت بنا أقدامنا، وغلبتنا شهواتنا؟ (1/47)
صفحة 48
كثيرا ما طرحت هذا التساؤل على نفسي فلم أجد له جوابا مقنعا يجعلني أُطمْئِن به نفسي الأمارة بالسوء، وكثيرا ما تركتني هذه الوساوس بل التساؤلات المحيرة مُعلَّقًا على هذا المشجب النفسي القلق، كأني أصعد في السماء، متذبذبا بين لوم نفسي مُحمِّلًا إياها تلك الزلات، وبين الاطمئنان إلى تعليق ذلك على وساوس الشيطان كما شاع ذلك وذاع حتى بين المؤمنين أنفسهم كما ذكرت.
هذه التساؤلات جعلتني أعرض هذه الوساوس النفسية على كتاب الله آملا أنْ أجد الجواب الشافي في آياته الكريمة، فكنت كلما وجدت آية تنير بصيرتي، وتشرح صدري، وتقربني من موضوعي، تأملتها وتدبرت ما فيها، لعلي أصل من محاولتي هذه إلى الجواب الشافي، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
وقد قدرت أن أقسم هذا الموضوع حسب محاوره الكبرى إلى قسمين: قسم أتناول فيه صورة الشيطان الرجيم كما جاءت في القرآن الكريم، وقسم أتناول فيه صورة النفس الإنسانية كما صورها رب الخلق أجمعين.
1. صورة الشيطان الرجيم في القرآن الكريم:
عندما نتتبع صورة الشيطان إبليس الرجيم وقبيله لا نجد تلك القوة التي يتخيلها الإنسان لقدرة الشيطان على الغواية والإضلال، إذ أنَّ قدرته محدودة ما لم تجد لها من النفس الإنسانية ما يقويها على ذلك، والدليل على ذلك الآيات الكثيرة الدالة على أنَّ الشيطان في حد ذاته خلِق ضعيفًا كما خلِق الإنسان تمامًا، فكلاهما ضعيف، وكل مخلوق ضعيف، والقوي القادر هو الله الخالق وحده ژ ? S SSژ (النساء: 28)، ژ ? ? ... ? ? ... ??ژ (النساء: 76).
وقد حسم الله سبحانه وتعالى وحدد قدرات الشيطان في الحوار الذي أجراه على لسانه حيث يقول: ژگ گ گ ? ... ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ... ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ??ژ (الإسراء: 62 - 65). (1/48)
صفحة 49
إنَّ الله خلق إبليس وقبيله من الشياطين ابتلاء واختبارا للإنسان دون أن تكون للشيطان القدرة على الهداية أو الإضلال؛ لأنَّ هذه بيد الله سبحانه وتعالى وحده، ولكن أعطاه القدرة على الغواية ژ s s ک ک ... ک ک گگژ (الحجر: 39 - 40).
وقدرة الشيطان التي صرح بها واتخذها وسيلة لعداوة بني آدم هي ما ذكره في آيات كثيرة أخرى، ففي آيات الإسراء يذكر من هذه الوسائل: ژں ں ? ... ??ژ (الإسراء: 62)، أي لأستأصلنَّ ذريته بالإغواء، ولأستولينَّ عليهم بالإضلال، ولكن بشرط واحد أنْ أجد فيهم رذيلة الإتباع والانصياع، وأنْ تكون فيهم قابلية الدابة المطواع، لأنَّ عبادك المخلصين المجتبين لا قدرة لي ولا طاقة لي عليهم كما صرح بذلك في آيات أخرى كثيرة: ژ? ? ? ... ? ژ ژ s s ک ک ... ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ??ژ (الحجر: 39 - 42). فقدرة الله في النهاية هي التي تطرد الشيطان عن المخلصين من عباد الرحمن. وهكذا فإنَّ سلطة الشيطان محدودة فهي ليست أكثر من الإغواء، والتزيين، والاستفزاز، والجلبة، والمشاركة في الأموال والأولاد، والوعود المعسولة الكاذبة، وهذه كلها لا تؤثر إلا فيمن وجد الشيطان نفسه فيه قابلية الإتباع؛ أي أنها أعمال لا يقوم بها طرف واحد إن لم يجد في شريكه من بني البشر قابلية المشاركة والانصياع، وهذا ما صرحت به الآية الكريمة في ذلك المشهد الحواري المبين الذي يصور ما يجري بين الشيطان وأتباعه الكفار حين يُلقى بهم في جهنم جميعا، وهو وعد من الله طلبه الشيطان ژ? ? ? ? ... ? ... ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ??ژ (الحجر: 36 - 38). (1/49)
صفحة 50
ففي الآخرة يفقد الشيطان سيطرته التي أخذت منه وآل أمره إلى جهنم والعياذ بالله، وهذا وعد الله أيضا ژہ ہ ہ ہھژ (الحجر: 43). والمشهد الحواري يصور تصويرا بليغا اعتراف إبليس وتنصله من أوليائه الذين اتبعوه في الدنيا بمحض إرادتهم، وما كان له عليهم من سلطان نافذ إلا أنْ قال لهم اتبعوني فاتبعوه، مأخوذين بالإغواء والإغراء، لضعف نفوسهم أولًّا وبالذات، وهذا يحدث منهم رغم أن الله الذي خلقهم جميعا وهو عالم بإنسهم وجنِّهم قد حذرهم في الدنيا مِنْ أنَّ عداوة الشيطان لهم أبدية ژ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ... چ چ چچژ (فاطر: 6).
وبيَّن الله لهم أنَّ حقد الشيطان ضد بني آدم بعامة لا ينتهي، وهو أشرس وأعتى ضد المؤمنين منهم بخاصة، ومن ثم أقسم على الله - رغم كفره به - أنْ ينتقم من ذرية آدم ولاسيما المؤمنين منهم: ژچ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ s s ک کک ک گ گ گگژ (الأعراف: 16 - 17).
ولم يكتف الله - وهو الرحيم بعباده - ولم يكتف رب العباد بتحذيراته الشديدة من العدو اللدود الشيطان الرجيم، بل قدم لنا من أبينا آدم نموذجا مثاليا لهذا الصراع الأبدي المُعْلَن بين إبليس اللعين، وأبينا آدم حيث أخرجه من الجنة حسدًا وبغضًا واستكبارًا مِنْ أنْ يسجد له، زاعما أنه خير منه، إذ خلق آدم من طين وخلق إبليس من نار، وقد أراد الله سبحانه وتعالى أنْ يُقدِّم لبني آدم مشهدا حيًّا يأخذونه للعبرة والتذكر من عداوة إبليس وقَبيلِه لهم، وكأنَّ جنة آدم خلقها الله لتدريبه ليكون خليفته في الأرض ليعمرها، وليكون على حذر دائم هو وذريته من عدوهم الأبدي الذي أقسم على الله أن لا يهنأ له بال حتى يأخذهم معه إلى مصيره المشؤوم؛ نار جهنم والعياذ بالله. (1/50)
صفحة 51
ومِنْ ثم كان الضحية الثانية له في الأرض ذلك الصراع الرهيب بين ابني آدم قابيل وهابيل، لترتكب أفظع جريمة على الأرض على الإطلاق؛ وهي قتل قابيل هابيل، حيث طوعت له نفسه فعل ذلك ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S S S S ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?چژ (المائدة: 32).
ويُعد هذا المشهد من أقوى المشاهد القرآنية يوم القيامة، حيث يتنصل فيه إبليس من أتباعه، كما يتنصل الكبراء المستكبرون من أتباعهم الضعفاء المنقادين بضعف أنفسهم ژs s ک ک ک ک گ گ گ گ ... ? ?? ? ? ... ? ? ? ں ں ... ? ? ? ?? ? ہ ہ ہہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ??ژ (إبراهيم: 22).
هكذا يتنصل الشيطان من أتباعه يوم الجزاء، ويصرح هو نفسه أنْ لم يكن له تأثير عليهم مهما يكن هذا التأثير إلا أنْ دعاهم فاستجابوا له مُلبين مسرعين. وقد عبَّر تعبيرًا صريحًا في هذا الموقف الأخروي يوم القيامة أنْ يلوموا أنفسهم قبل أنْ يلوموه بسبب إغوائهم، إذ لم يكن له عليهم سلطان لولا ما وجده فيهم من قابلية الاتباع والانصياع.
هذا وقد أعطى الله لعباده المؤمنين وسائل روحية قوية لطرد الشيطان والابتعاد عنه، فوصفه بأنه ژs ککژ (الناس: 4). فهو كائد قوي للعباد المخلوقين، ولكنه ضعيف سخيف أمام قدرة الله وقوة الخالق.
وقد وردت أحاديث كثيرة عن الرسول ح تُوضِّح ذلك، ومنها ذلك الحديث الشريف الذي يصور إبليس تصويرًا (كاريكاتوريا) يبعث على السخرية والاستهزاء منه، وسلاح المؤمن الصادق بسيط فعال؛ إنه الاستعاذة برب العباد من نفثه وهمسه ولوثاته، حتى إنه إذا سمع كلمة الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم خنس وولَّى يجري لا يلوي على شيء، ويسمع له ضُراطٌ من هلعه وخيبته.
وهذا السلاح أمرنا الله به، ووصفه لنا ولنبينا محمد ح في سورة الأعراف حيث يقول: ژچ ? ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گگژ (الأعراف: 200 - 201). وقد تكررت هذه الآيات الموضحة مرات عديدة في القرآن الكريم. (1/51)
صفحة 52
فالصراع أبديٌّ، ولكنه بالنسبة للمؤمنين محسوم لصالحهم بقدرة السميع العليم الذي لا يتخلى عن عباده حين وعدهم بمعيته ونصرته، كما أَوْعَد الشيطان بخذلانه وخسارته ژ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ??ژ (الحجر: 42).
2. صورة النفس وهواها في القرن الكريم:
بعد أنْ تأملنا وصف القرآن الكريم لقدرة الشيطان المحدودة، نأتي الآن إلى استعراض ما جاء فيه من وصف للنفس البشرية وحدود طاقتها في صراعها مع الشيطان، ومنذ البداية تجتمع لدينا صورة عن النفس البشرية حيث يقول تعالى: ژک ک ... ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں?ژ (الإسراء: 70).
ولقد أقسم الله بعظمته في سورة التين على أنه إنما خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأنَّ أجر الصالحين من عباده لا ينقص ولا ينقطع؛ أكان ذلك في الدنيا أم الآخرة ژ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? S S S S ? ? ... ? ? ? ??ژ (التين: 4 - 6). ولقد اهتم القرآن الكريم في كثير من آياته الكريمة بوصف ذلك الصراع بين الشيطان وقبيله من جهة، وبين آدم وذريته من جهة أخرى، ورفع آدم حين خلقه من طين وكرمه هذا التكريم العظيم حين نفخ فيه من روحه، وكأنه دلالة قوية منذ البداية على ما يحصل له من تجاذبات بين جسده وروحه، فكلما سما بروحه ارتفع إلى مقام الرضى الملائكي، وكلما هوت به شهوات جسده انحط إلى دركات حمأة الرذيلة والعصيان، فيقترب بذلك من معسكر الشيطان.
ولكي يتم الله على بني آدم نعمته حباهم أكبر نعمه؛ وهي نعمة العقل، ليميزوا بها بين الحق والباطل، والصالح والطالح، وطريق الجنة وطريق السعير. ومقابل هذا التكريم الأبدي أسجد لآدم الملائكة اعترافًا بهذا الفضل الذي هو مناط التكليف، ولكي يكون الابتلاء والاختبار أبديا هو الآخر ركب فيه نفسًا تتصارع مع شهوات بني آدم، فتتغلب إرادة الطاعة والاستقامة حينا فترتقي إلى سمو القربات، وتتغلب إرادة المعصية والانحراف أخرى فتنحط إلى دركات الشهوات. (1/52)
صفحة 53
ومِنْ هنا نجد القرآن الكريم يذكر الأنفس البشرية بأنواعها حسب مستوياتها، فهي نفس أمارة بالسوء، أو نفس لوامة، أو نفس مطمئنة، ويكون الصراع بين هذه الأنواع كلها مع الشيطان وقبيله، ينتصر هو حينا، وتنتصر هي أحيانا أخرى. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه من خلال تصوير القرآن دائما هل الأنفس البشرية على ثلاثة مستويات؟ فهي قسم من المستوى الأول نفسا أمارة بالسوء، أو المستوى الثاني نفسا لوامة، أو من المستوى الثالث نفسا مطمئنة؟ أم أنَّ الأنفس البشرية قد تعتريها هذه الحالات كلها في مرحلة من مراحل وجودها، فتكون حينا نفسا أمارة بالسوء حين تتغلب عليها شهواتها ژ?? ? ?? پ پ پ پ ? ... ? ? ... ?? ? ... ? ? ??ژ (يوسف: 53). وقد تعتريها حالة أخرى حين يقْرَعُها اللوم وتستبد بها الخطيئة، وتزل بها القدم، لتعود مع هذه الحالة إلى طريق الصواب والرشاد ژک ک ک گگژ (القيامة: 2)، وهي التي تلوم نفسها على الخير إن لم تفعله، وتلومها على الشر إن فعلته، ففيها في كل حين قابلية الطاعة والرجوع والإنابة إلى الله، ويفرح بها خالقها لعودتها إلى طريق الهداية كما جاء ذلك في الحديث النبوي الشريف الذي شبه التائب بذلك الأعرابي الذي فقد راحلته، وعليها طعامه وشرابه، حتى استلقى يائسا ينتظر الموت، فإذا راحلته بكل ما تحمله تقف على رأسه فلم يتمالك من شدة فرحه أن قال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك)، أضاع صوابه من شدة فرحه.
أما الحالة الثالثة فهي الحالة التي يتمناها كل مؤمن، ويدعو الله أنْ تدوم عليه تلك الحالة دنيا ليجد الجزاء في الأخرى؛ وهي النفس المطمئنة. وقد صور القرآن الكريم هذه النفس الراقية الربانية أبلغ وصف حيث تخاطبها الملائكة وهي في حالة النزع الأخير، ولحظة وداع الدنيا إلى الدار الآخرة ژ? ? ? ? ? S ... S S S ? ? ? ? ? ? ... ??ژ (الفجر: 27 - 30).
النفس مناط الثواب والعقاب: (1/53)
صفحة 54
في سورة ژ? ??ژ أقسم الله بمكانة النفس البشرية، وجعلها مناط التكليف، وجاء ذلك من الله في سياق الحديث عن أعظم آياته الكونية وهي: الشمس وضحاها، والقمر، والليل، والسماء، والأرض، وهذا الربط بين أعظم آيات الله التي سخرها للإنسان ونفسه التي سواها وألهمها فجورها وتقواها، فإنَّ هذا الربط القوي بين الآيات الكونية والنفس البشرية القصد منه أنْ يقول الله لعباده: فكما سخَّرْتُ لكم هذه الآيات الكونية العظيمة الدالة على قدرة الله، وعظمة سلطانه، وسعة ملكه، كذلك سخرت لكم هذه النفس التي هي مناط التكليف بالنسبة لكل إنسان، وجعلت من نعمي العظيمة أنْ ألهمتها فجورها وتقواها وبيّنْت لها طريق الجنة، وطريق النار ژS S ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (الشمس: 7 - 10)، ژ ? ? ? ? ?? ? ? ??ژ (فاطر: 18)، ژ? ? ? ?? ? ? ?? ? ? ? ??ژ (فصلت: 46). وهذه الحقيقة لا تتخلف في القرآن كله، فإذا اختار الإنسان طريق الابتعاد عن ذكر الله، وعدم الاستسلام لقدرته ومشيئته، لم يكن البديل حينئذ سوى الاقتران بالشيطان كما صور ذلك القرآن في عدة آيات ژS S ... S S ? ? ? ... ? ? ? ??ژ (الزخرف: 36). (1/54)
صفحة 55
وفي قصة قابيل وهابيل إشارة قرآنية لطيفة تدل على أنَّ الدافع إلى تلك الجريمة - جريمة قتل الإنسان لأخيه الإنسان التي اهتزت لها السماوات والأرض - إنما كان الدافع الأساس إليها ليس إغراء الشيطان، أو دفعه، أو تحريضه على فعل القتل، بل إنَّ الدافع هو النفس الأمارة بالسوء، حيث يقول الله سبحانه وتعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (المائدة: 30)، كما أشارت الآية في ملمح لطيف إلى أنَّ قابلية الطاعة سبقت من هابيل، فتقبل الله قربانه، ورضي عنه، وشهد له بالتقوى والاستقامة،ژ? ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گ ... گ ?? ? ? ... ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہھ ھ ... ھ ھ ے ے?ژ (المائدة: 27 - 28). فنيّة الجريمة النكراء كانت الدافع الأساس لنفس قابيل إلى ارتكاب هذه الجريمة، بينما ابتعدت النفس الخيّرة المتقية بهابيل على ارتكاب المعصية لأنه يخاف الله رب العالمين. ولو كان للشيطان أي دور في الجريمة لذكرها القرآن. ولله في خلقه شؤون، يعلم حكمتها وحده.
فمن عدل الله سبحانه وتعالى وهو عدل مطلق أنْ هدانا النجدين إما شاكرا وإما كفورا، وحكمته في ذلك ليكون الجزاء والثواب بالحسنى للمؤمنين، وليكون العقاب والخسران للكافرين جزاء وفاقا، كل حسبما قدمت نفسه من عمل صالح في الدنيا ژ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک ک گگ گ ... گ ? ? ... ??ژ (الطور: 21)، ژ? ? ... ژ ژsژ (ق: 21)، ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (النجم: 39 - 41)، ژ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ??ژ (النحل: 111).
فحتى في حالة الثواب العظيم بالجنة يُكرَّم المؤمنون المتقون بإلحاق ذرياتهم المؤمنة بهم، ولكن لا يعني ذلك إطلاقا أنه لا يحاسب كل فرد وفق عمله؛ إنْ خيرًا وإنْ شرًّا، بعد أنْ يقال له: ژھ ے ... ے ... ? ? ? ??ژ (الإسراء: 14)، ژ? ژ ژ s s ک ک ک ک گ گگژ (الزلزلة: 7 - 8). (1/55)
صفحة 56
فمن انتصر على وسواس نفسه، وتغلب على هواها وشهواتها كان جزاءه الجنة، ومن اتبع إغراءات الشيطان، وانقاد له بنفسه مختارًا غير مكره، كان مصيره مع الشيطان في جهنم والعياذ بالله ژ? ? ? ? ? پ پ پپ ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? S ... S ... S S ? ? ? ? ? ... ? ? ??ژ (ق: 16 - 18).
ومن حكمة الله وعدله أنْ ربط بين عمارة الأرض واستخلافه الإنسان فيها بالعدالة بين خلقه، وعدم اتباع الهوى الذي هو المضل كما توضح الآية الكريمة، حيث خاطب أحد أنبيائه المخلَصين المجتَبين الذين اختارهم لتطبيق العدالة على الأرض؛ وهو النبي داود؛ حيث خاطبه بقوله: ژ? ? ... ? ? ? ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (ص: 26).
وقد بين الله لنا أنَّ الكفار لم يكفروا بمريم إلا عندما اتبعوا أهواءهم التي جعلوها واتخذوها آلهة لهم، فصاروا بذلك أشد ضلالًا من الأنعام نفسها، لأنَّ الأنعام تهتدي بفطرتها التي ركبها الله فيها، وتتصرف وفق غرائزها.
فقال مخاطبا رسوله الكريم: ژ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ... ?? ? ? ? ??ژ (الفرقان: 43 - 44).
إذا إنَّ صراع النفس البشرية لا يكون بمصارعة الشيطان وحده، وإنما يكون قبل ذلك بمجاهدة النفس البشرية بالتغلب على هواها، والتحكم في زمامها، والسعي بها في سبل الخير بالعمل الصالح الخالص لله وحده.
وقد حدد الرسول الكريم ميدان الجهاد الحقيقي للصحابة الكرام وبالتالي لأمته يوم عادوا من إحدى الغزوات قائلا: «لقد عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، وهو تعبير دقيق من الرسول الكريم ليوجه أنفسنا إلى العدو الحقيقي الذي يحمله كل واحد منا بين جنبيه، وقد علمنا في الدعاء أنْ نقول: «ربنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك».
لأنَّ المجاهدة الحقيقية التي تبلغ بنا درجة الإحسان وهو أعلى ما يتمناه الإنسان، إنما تكون بالمجاهد للنفس الأمارة بالسوء دائما ژ? ? ? ? ?? ہ ہ ہ ہھژ (العنكبوت: 69). (1/56)
صفحة 57
وقد عبر القرآن عن هذه الطمأنينة النفسية بمعية الله معها، فإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك، هو وحده السميع العليم، القدير النصير، الحي القيوم الذي بيده الأمر كله خلقًا ورزقًا، بدايةً ونهايةً، مآبًا ومصيًرا، يوم ينادي الخلق أجمعين لمن الملك اليوم؟ فيجاب لله الواحد القهار.
الخلاصة:
إنَّ القرآن الكريم ينفي نفيًا قاطعًا مسؤولية الشيطان عن مصير الإنسان، لأنًّ الله حتى ولو أعطاه القدرة على الإغواء، والتزيين، والإغراء، فإنَّ ذلك لا يمكن أنْ يؤدي إلى مسؤولية الفلاح والخسران الأخروي، لأنَّ قدرة الشيطان وقبيله محدودة بقدرة الله، وإنما المسؤولية تتعلق بالنفس البشرية نفسها، فإنْ كانت مؤمنة سوية مطمئنة نالت الحسنى والرضوان، وإنْ كانت نفسًا أمارةً بالسوء، وعاشت في حمأة الرذيلة والعصيان، آلت إلى مصر الشيطان. وما أجمل وأروع أنْ ننهي بما جاء في القرآن نفسه عن أحد مشاهد يوم القيامة الحاسمة المؤثرة في هذا الشأن، حيث يقول من سورة هود التي شيَّبَتْ الرسول صلى الله عليه وسلم: ژ? ? ? ? ? ... ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ??ژ (هود: 105 - 108).
ولا بأس أنْ أذكر بهذا البيت لشاعر حكيم:
إذا ما تَحيَّرْتَ في حالِهِ ... ولم تَدْرِ منها الخطأ والصوابْ
فخالِف هواكَ، فإنَّ الهوى ... يقودُ النفس إلى ما يُعابْ
وما أروع حكمة البوصيري حيث يقول من بُردته:
وخالفِ النفسَ والشيطانَ واعْصِهِمَا ... وإن هُمَا مَحَضَاكَ النَّصحَ فاتَّهِم
الراجي عفو ربه، محمد صالح ناصر
الأبيار: 05 ربيع الأول 1436هـ
26/ 12/ 2014م.
} - - {
آيات الرحمن في خرق سنن الأكوان
(مريم نموذجا)
مدخل إلى سورة مريم
كلُّ قارئ متأمل في سورة مريم يُشدُّ بأجوائها الربانية المتميزة (1/57)
صفحة 58
أولا: بمشاهدها التي تستعرض رحمة الله على عباده الصالحين من الأنبياء والمرسلين بأسلوب يشد الأنفاس، لما في مشاهدها المتتالية من مفاجآت عظيمة تخرق سنن الأكوان بحكمة يقدرها الرحمن.
ثانيا: يأتي بيانها المعجز ذو الإيقاع المحبب المتميز ليكون الرابط بين آياته بتلك المدود المفتوحة التي تخاطب بإيقاعها وجرسها عقل الإنسان وقلبه معًا.
ثالثا: بطريقة عرض مشاهدها اعتمادا على أسلوب التقابل والمقارنة، فمن مشهد يحكي عن زكرياء الباكي المتضرع الشاكي إلى الله وحدته، ووحشته، وانفراده، ورغبته الأكيدة في أنْ يرزقه الخلف الصالح رغم ما يحوط به مِن ظروف صحية، فقد وهن العظم منه، واشتعل الرأس شيبًا، وامرأته عاقر، وخوفه الشديد من الموالي من بعده، إلى انبثاق رحمة الله فجأة بيحيى نبيًّا رضيًّا، وغلامًا زكيًّا.
رابعًا: إلى مشهد مريم العذراء التي اختارها الله لأعظم آية يشهدها الناس وهي تحمل جنينها دون أنْ يمسها ذكر، فراحت تخفي ما في بطنها وحيدة تطاوحها الوحشة خوفًا من العار والمعايرة، وتصورها على أنْ ليس ثمة مَنْ يصدق دعواها، ويأسى لحالها، ويشفق عليها.
خامسًا: هذا الانسجام الذي تميزت به السورة في التطابق التام بين موضوعها ومشاهدها، وتكرار كلمة الرحمن والرحمة في ثناياها، وكأنَّها المفتاح الذي يفتح كل مغاليق السورة، بل كأنَّه سلك ذهبي يربط بين درر معاني السورة كما يربط السلك بين حبات العقد المنضود.
تكرار كلمة الرحمن لماذا؟ (1/58)
صفحة 59
أول ما يلفت النظر للمتأمل في سورة مريم تكرار كلمة الرحمن في العديد من آياتها، فقد تكررت ست عشرة مرة، وهذا التكرار بهذا القدر لا يوجد إلا في بعض السور، فهو يوجد في سورة الزخرف سبع مرات، والفرقان خمس مرات، وطه أربع مرات، والأنبياء أربع مرات، والملك أربع مرات، لكن سورة مريم تنفرد بهذه المرات الكثيرة دون سائر السور، وبما أني معجب بمنهجية السياق القرآني، وأراها عنصرًا أساسًا في فهم معاني الآيات القرآنية، والوصول إلى بعض ما فيها مِنْ إعجاز رباني، فإني حاولت بكل تواضع الغوص في مشاهد هذه السورة العظيمة محاولًا الوقوف على أسرار تكرار كلمة (الرحمن)، وعلاقة هذا التكرار بموضوع السورة نفسها، راجيا من الله التوفيق إن أصبت، والمغفرة إن أخطأت.
1. معاني كلمة الرحمن:
إنَّ كلمة الرحمن صفة من أعز صفات الله العظمى، وأجل أسمائه الحسنى حيث يقول: ژ ... ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ??ژ (طه: 5 - 6)، ولهذا التكرار علاقة مقصودة بمفتتحها الدال عليها، حيث يقول تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ??ژ (مريم: 1 - 3)، وهذا من براعة الاستهلال كما يقول البلاغيون، وهي إشارة منه تعالى إلى مكانة هذه الكلمة من نفسه جل جلاله.
وتعتبر صفة الرحمة مِنْ أعز الصفات التي يختص بها الله وحده، ويمتن بها على عباده أجمعين، وقد جاء في الأثر: «أول ما خلقه الله من الأشياء القلم، قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب: سبقت رحمتي غضبي». كما جاء في القرآن: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ?? ? ? ? ? ? ?? ? S S ... SS ? ? ... ? ? ? ? ? ? ??ژ (الأعراف: 156). وجاء في القرآن أيضا: ژ ? ? ? ? ?ژ. (الأنعام: 54). (1/59)
صفحة 60
فالرحمة بهذا المعنى الرباني الواسع الشامل مِنْ أجلِّ نعم الله التي أنعم بها على عباده المؤمنين والكافرين، يحيطهم بها جميعًا في الدنيا ويخص بها المتقين المؤمنين في الدار الآخرة وحدهم، مصداقا لقوله تعالى: ژگ ? ... ? ? ? ? ? ... ? ?ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھژ (الشورى: 20).
ومِنْ بركات هذه الكلمة أنَّها مفتتح لكل صلاة يرددها المؤمن خمس مرات أو أكثر في اليوم، ليجدّد الصلة بينه وبين ربه كلما تلفظ بالبسملة ژ? ... ? ? ?ژ، وصفة الرحمن غير صفة الرحيم، فهي بصيغتها فَعْلَان تدل على المبالغة، والشمول، والكثرة، ومِنْ هنا لا يجوز أنْ تطلق اسما على أي مسمى كان سوى الله جل جلاله، بينما صفة الرحيم يجوز إطلاقها، وقد جاءت صفة للرسول الكريم محمد ح حيث يقول: ژھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ??ژ (التوبة: 128). فالرحمن إذن من الأسماء الخاصة بذاته العلية وحدها، وهي مرادفة لكلمة الله كما علمنا في قوله: ژژ ژ s s ... ک کک ک گ گ گ گ ?ژ. وقد جاءت كلمة الرحمن في القرآن على أربعة عشر وجها، ذكرها صاحب كتاب معجم الوجوه والنظائر وهي: الإسلام، الجنة، المطر، النبوة، النعمة، القرآن، الرزق، النصر والفتح، العافية، المودة، الإيمان، التوفيق، عيسى؛، محمد ح.
وتدل هذه الكلمات على معنى واحد يجمعها؛ وهي أنَّها عطاءات ربانية لا دخل للمخلوقين فيها إطلاقًا، يهبها الله لمن يشاء ويصرفها عمن يشاء مِنْ عباده.
2. أسلوبها المعجز: (1/60)
صفحة 61
مِنْ خصائص هذه السورة العظيمة ما يمتاز به أسلوبها من إعجاز رباني، ومشاهد قرآنية مؤثرة متكاملة، إذ نلحظ أنها تتبع في أسلوبها نسقًا واحدًا يعتمد الصور المشاهدة بالتقابل بينها، فهي تقابل مثلا بين صفة الرحمة المطلقة التي هي خاصة بالله وحده، وصفة الضعف البشري المطلق في بعض عباده، ومِنْ حكمة الله تعالى أنْ يختار نماذج للضعف البشري مِنْ عباده المخلصين من الأنبياء والرسل ليوضح لعباده أنَّ المرسلين إنما هم قبل كل شيء بشر رغم تميزهم بأنَّهم يوحى إليهم من عند الله، حتى لا تختلط في أذهان الناس قدسية الخالق بنقص المخلوقين، وحاجتهم الأبدية إلى خالقهم مهما يُؤتِهم من فضله ونعمه.
ومن هنا نلحظ كيف تتابعت مشاهد الرحمة الإلهية مِنْ جهة، ومشاهد الضعف البشري مِنْ جهة أخرى في هذه السورة، بداية من زكرياء، فمريم، فإبراهيم، فموسى، فهارون، فإسماعيل، فإدريس، وكل قصة مِنْ قصص هؤلاء المجتبين تمثل جانب الرحمة المطلقة من عند الله، كما تمثل في الوقت نفسه جانبًا للضعف البشري المطلق. ولعل ذكر بعض التفاصيل يساعدنا على التصور الأمثل لمعاني تكرار كلمة الرحمن في ثنايا السورة كما ذكرنا.
المشهد الأول: زكرياء ويحي عليهما السلام
منذ البداية تشير السورة إلى أنَّ رحمة الله قد أحاطت بعبده زكرياء من كل جانب، فزكرياء يمثل الضعف البشري في كونه قد وهن العظم منه، واشتعل رأسه شيبًا، وامرأته عاقر، ومع ذلك فهو يأمل ويرجو في أن يهبه الله من لدنه وليًّا يرثه ويرث من آل يعقوب، لتستمر الرسالة والنبوة في سلالة يعقوب. (1/61)
صفحة 62
ومِنْ خلال فقدان كل الأسباب المساعدة على الإنجاب بل وتجمع كل الأسباب المعطلة؛ وهي الشيخوخة الواهنة، والعجز، والعقر، والحاجة الماسة إلى الولد، تنبثق رحمه الله لتخرق السنن الكونية في لحظة ربانية مشرقة، يقول الله جل وعلا فيها للشيء ژ? ?ژ، إذ أنَّ خالق الأسباب هو نفسه معطل الأسباب، ورحمته الواسعة تقلب كل الموازين البشرية في لحظة يتوقف فيها الزمن ويتغير المكان، وتصبح الأمور كلها بيد خالقها وحده، يتصرف فيها وفي قدرتها كيفما شاء. فقدرة الرحمن تجلَّت في زكرياء نفسه حين طلب من الله آية تدله على تحقق معجزة الله في بطن زوجه رغم العقر، والشيخوخة، والعجز، فقال: ژ ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (مريم: 10). فعلى الرغم مِنْ وجود أسباب الكلام صحة وعافية، إلا أنَّ الله أراد أنْ يعطل أداة الكلام رغم وجودها، ليدل على أنَّ قدرته وحده هي النافذة إيجادًا وعدمًا، ولا علاقة للأسباب والمسببات أمام قدرة خالق السنن، وهكذا تكتمل صورة الموهوب حين يجعله الله الواهب - بعطاءاته الربانية - نبيًّا زكيًّا رضيًّا، ويعلمه الكتاب والحكمة وهو ما يزال في المهد صبيًّا، وفي كل هبة مِنْ هذه الهبات السنية بل وفي كل عطاء مِنْ هذه العطاءات الربانية المشرقة بالرحمة تخضع المخلوقات كلها لأمره تعالى القائل للشيء ژ? ?ژ، أليس في هذا رحمة مطلقة من الرحمن الرحيم؟!
المشهد الثاني: مريم العذراء والحمل المعجزة (1/62)
صفحة 63
والمشهد الثاني الذي تُقدِّمه سورة مريم؛ صورة مريم العذراء التي أكرمها الله بأنْ يأتي حملها من دون - ذكرٍ - آية للناس ورحمة منه، وهذا خرق كامل لسنة كونية مطلقة لا تتخلف، ولكن الله خالق السنن ومسيرها أراد أنْ يخرق هذه السنة ليجعلها آية للناس ورحمة منه - حسب تعبير القرآن - وهو مشهد يمثل الضعف البشري مِنْ جهة ورحمه الله مِنْ جهة أخرى، وفي هذا من الابتلاء لمريم ما هو ابتلاء للناس جميعًا، ليمتحن إيمانهم بالله قبولًا ورفضًا، تقديراً لفضل الله أو استنقاصا من قدر مريم العذراء (عليها السلام). (1/63)
صفحة 64
ويكفي أن نتخيل صورة مريم العذراء العابدة التقية سادنة البيت المقدس تخضع لهذا الابتلاء القاسي الذي أراده الله لحكمة يعلمها، فهي وحيدة تطاوحها الوحشة تحمل جنينها وتخفيه عن أعين الناس، حيث انتبذت من أهلها مكانا قصيا في حالة نفسية مؤلمة إلى حد تمني الموت وحيدة بعيدة عن الناس جميعا، بل وتتمنى أن لو كانت نسيًا منسيًّا لم تُخلَق ولم تكن شيئًا مذكورًا على الإطلاق، تعبيرًا عن مشاعرها بالخوف والألم، والمعاناة النفسية الشديدة، ولكن رحمات الله تتوالى عليها، فهي مباركة صديقة منذ نشأت في حضن زوج خالتها زكرياء؛ يكفلها، ويعدّها إعدادًا روحانيًّا يليق بمكانتها لتكون سادنة وخادمة لبيت الله منقطعة لعبادة ربها، منصرفةً بتولًا لخدمة مولاها وخالقها، فكرَّمها بمعجزاته حيث كانت وحيدة في محراب عبادتها: ژ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ... ??ژ (آل عمران: 37)، وكأن في هذه المعجزة التي يأتي بها جبريل من إيجاد فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء إشارة قوية لمريم بقبول الله لها، وإعدادها لما هو أشق على النفس، وأسلم لقدرة الله على التغيير وخرق السنن، كأن الرزق الذي جاءها به جبريل في محرابها إعداد نفسي لما هو أعظم، ومِنْ ثمَّ كانت حيرتها شديدة، واستغرابها قاسيًا مؤلما: ژ? ں ں ? ? ? ? ? ... ? ہ ہ ہ ہ ھ ... ھ ھ ھ ... ے ے? ? ? ? ? ... ?? ? ? ??ژ (مريم: 20 - 21). (1/64)
صفحة 65
وهكذا تتقابل مرة أخرى رحمة الله الخارقة للسنن الكونية، صورة تجسد الرحمة الإلهية كما تجسد الضعف البشريَّ في هذه الأنثى الضعيفة المنسية، وتصبح آية للناس جميعًا، ومظهرًا من رحمات الله الجلية التي تُظهِر عظمة الخالق وقدرته، وتأمَّلْ في استعاذة مريم عندما قالت وقد رأت جبريل متمثلا صورة رجل: ژژ ژ ... s s ک ک ک ... کگژ (مريم: 18)، «إنها استعاذة بالرحمن دون غيره من أسماء الله الحسنى، ذلك أنَّها طلبت من الرحمن أن يرحمها ويحميها مِنْ مثل هذا الاعتداء عليها الذي يحمل الفضيحة، وفيها أيضا استثارة لعاطفة الرحمة في قلب هذا الشخص الواقف أمامها ليرحمها ويتركها وشأنها، فكان أنسب شيء أنْ تستعيذ بالرحمن، هذا إضافة إلى جو السورة التي تشيع فيها الرحمة من أولها إلى آخرها» (1). ورحمة الله لم تتوقف عند معجزة حمل مريم دون ذكَر بل تعدتها إلى ما أحاط لحظة ميلاد ابنها عيسى؛ نفسه، إذ وُلِد مباركًا تُحيط به الرعاية الإلهية مِنْ كل جانب، فهيأ الله خالق الأسباب لمريم رُطَبًا جنيًّا تقتات به لحظة وضعها ژ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (مريم: 25)، ويُفجِّر بين يديها ماءً عذبًا فراتًا، فيأتيها الأكل والشراب حيث هي في هذه الصحراء القاحلة رحمةً مِنْ ربك، ثم يُكرِّم وليدها فيكلم الناس في المهد صبيًّا، ويجعله مباركًا نبيًّا، وبرًّا بوالدته ولم يجعله جبارًّا شقيًّا، وأحاطه برعايته فيما كان يبدأ حياته بالسلام إلى أنْ يُبعَث حيًّا، وهكذا جمعت هذه اللحظة من ميلاد عيسى؛ الرحمات الربانية حيث انقلبت لحظة الميلاد المؤلمة إلى ساعات من العطاء الرباني، فلم يعد ثمة شيء يقال له الضعف البشري لدى مريم؛ لأنَّ خالق الأسباب أبدلها بالضعف النفسي والبدني طاقةً هائلةً من الإيمان القوي، والثقة بربها وحده أنستها كل تلك الأسباب، فسبحان القائل للشيء ژ? ?ژ.
المشهد الثالث: إبراهيم خليل الرحمن
__________
(1) - فاضل صالح السامرائي، على طريقة التفسير البياني، ج01، ص: 27. (1/65)
صفحة 66
على الرغم من أنَّ سورة مريم لا تذكر تفاصيل قصة سيدنا إبراهيم ولا سيما قصته حين أُلقِي في النار؛ حيث خرق الله له السنن الكونية فنزع خاصية الإحراق من النار فكانت ژ ? ? ? ?ژ، على الرغم من ذلك فإنَّ سورة مريم قد تناولت جانبًا مهمًّا مِنْ جوانب التقابل المعجز بين الخير والشر، والصراع الأبدي بين أهل الإيمان وأتباع الشيطان، ليذكرنا بالعداء الدائم بين عباد الرحمن وعبَّاد الشيطان، وهو ما تجسده قصة أبينا إبراهيم مع أبيه آزر وقومه عبَّاد الأصنام وصانعي الأوثان، وهي جوهر قصة سيدنا إبراهيم، إذ جمع إبراهيم في هذا الحوار أدبًا جمًّا مع أبيه، حيث كان يدعوه يا أبت دون أنْ يتخلى عن عقيدته الإيمانية في وحدانية الله، وطلاقة قدرته، وضلال الشيطان وعبدة الطاغوت، ومِنْ هنا تتجلى رحمة الله في إبراهيم في أنْ أحاطه بعنايته الإلهية، فلم يسجد لصنم قطُّ رغم ما كان يُصنَع منها في بيت أبيه آزر، ونعمة الهداية مِنْ أجلِّ النعم على الإطلاق، ومِنْ هنا جاءت كلمة الرحمن أثناء الحوار الجاري بين إبراهيم وأبيه لتلقي بظلالها الوارفة على المشهد.
وقد انصبَّ المشهد في سورة مريم على هذا الجانب منذ البداية التي تتحدث عن تفاصيل الحوار الذي جرى بين إبراهيم وأبيه، ذلك الحوار الذي يُجسِّد بحق إيمان إبراهيم بالله خالق الأكوان، وعداوته الثابتة لكل عبَّاد الشيطان، ومِن هنا أشار القرآن في هذا المشهد إلى ما يمتاز به إبراهيم من رسوخ إيمانه بربه، ونبذه لما عليه أبوه وقومه مِنْ شرك وكفران، وأدَّاه موقفه الإيماني الواثق بالله إلى مواجهة التهديد والوعيد بقوله لأبيه: ژ? ? ?? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ?ژ (مريم: 47 - 48)، ومِنْ هنا استحق أنْ يُنوِّه بذكره مع الأنبياء والمرسلين ژS S S ?? ? ? ... ? ??ژ (مريم: 41)، إذ قال لأبيه: ژ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? چ چ ... چ چ ? ??ژ (مريم: 42). (1/66)
صفحة 67
فقد وصفه الله بالصديق أولا، ونبيئًا ثانيًا، وكأنَّ الصديقية صفة اجتباه الله بها واختاره مِنْ أجلها، ومِنْ ثم استحق لقب خليل الرحمن، وهي منزلة عظيمة لم يرتق إليها كثير من المرسلين، وقد وهبها الله تعالى لإبراهيم وحده رحمة منه وفضلا، وقد أشار الله إلى صدق إبراهيم في آيات كثيرة من القرآن الكريم ژ? ہ ہ ... ہ ہ ھھ ھ ھ ... ے ے ? ... ژ (البقرة: 124)، ژ? ? ??ژ (النجم: 37).
وكأنَّ الصديقية ميزة أخرى ترفع هام المخلَصين من عباد الله وأوليائه الصالحين، ليتشرف بالاتصاف بها بعض دون بعض، ومن ثم نسبت لمريم ژ ... ? ? ... ژ (المائدة: 75)، ووصف بها الصحابي الجليل أبا بكر الصديق ثاني اثنين إذ هما في الغار لِما وقر في قلبه من إيمان صادق رجحت به كفة عقيدته الثابتة على سائر الأمة، وقد تجلت هذه الخاصية فيه بعد وفاة الرسول الكريم ح فكان الوحيد من بين الصحابة، فهو لم يزلزله موت صاحب الرسالة، بل هيأه هذا الإيمان لينقذ الأمة الإسلامية مِنْ أعدائها المرتدّين المتربصين في لحظة أليمة شك فيها وارتاب كثيرون، فكان الوحيد مِنْ بين الصحابة يواجه الشك باليقين، والتردد بالثبات، والشك بالحسم والفصل.
فالصديقية التي وُصِف بها إبراهيم في مطلع الآية هي محطة أساس في فهم ما ميز الله به إبراهيم في هذا المشهد الإيماني القوي، فكان جديرًا بعطاء الله ورحمته، وقد تجلت هذه الرحمة في نعمة الهداية التي هي من أجلِّ ما يرحم الله به عباده من نعم لا تُقدَّر بثمن ژک ک ک گ گ گ ... گ ? ? ?? ? ? ??ژ (القصص: 56)، هذه الهداية التي شملته هو وذريته فجعل الله منهم أئمة ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ?? ? ? ??ژ (الأنبياء: 73).
المشهد الرابع: فخلف من بعدهم خلف
وبعد أنْ استعرض الله موكب الرسالات والنبوءات ممن أسبغ الله عليهم نعمته، وغشيتهم رحمته، ينتقل إلى مشهد آخر ممن جاء بعدهم مِنْ خلفهم الذين لم يلتزموا بخطة السلف، ولا بطريقتهم في طاعة الله وامتثال أوامره. (1/67)
صفحة 68
ژہ ہ ہ ... ھ ھ ھ ھ ےے ? ? ??ژ (مريم: 59)، فعلى الرغم مما أوعدهم الله به من غي وضلالة إلا أنَّ رحمة الله تتجلي مرة أخرى في هذا المشهد المؤثر الذي ينتهي بمن تاب وآمن وعمل صالحا، بجنات عدن لا يظلمون شيئًا، لأنَّ رحمة الله سبقت غضبه، كما قال الحديث الشريف، بل كما قال عن نفسه ژ ? ... ? ? ? ? ... ژ (الأنعام: 54)، ژ? S S ... S ... ژ (الأعراف: 156)، ژ? ? ? ? ? ... ? ?? ? ... ? ... ? ... ??ژ (مريم: 61)، واختار اسم الرحمن مرة أخرى ليطمئن عباده الذين أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي أنَّ ربهم رحمن رحيم إن تابوا إليه قَبِلَهم، وإن وعدهم وعدا وفى، والإيمان بالغيب صفة متميزة في المتقين لأنَّها مقياس التعلق بالله، والاستسلام لقدرته، والإيمان بآخرته ولقائه.
بعد أنْ يستعرض الله موكب الأنبياء المرسلين المجتبين لهداية خلقه، وتبليغ رسالته إليهم، يختم بذكر صفاتهم أنَّهم ژ ? ? ... ں ں ? ... ? ... ? ... ???ژ (مريم: 58)، وجاءت كلمة الرحمن هنا لتدل مرة أخرى على العلاقة الوثيقة بين المرسلين الصالحين ورحمة الرحمن لهم، ورعايته لما أرسلهم من أجله، ويصفهم بأنَّهم هم الذين أنعم الله عليهم مِنْ بين خلقه كلهم حيث يقول: ژ? ? ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ?? ? ? ... ں ں ? ... ? ... ? ... ???ژ (مريم: 58).
المشهد الخامس: مصير الكافرين (1/68)
صفحة 69
تعود السورة إلى مقارنةٍ بليغةٍ مؤثرةٍ بين الجزاء العظيم الذي وعد الله به عباده المتقين، ووعيده المقيم الأليم الذي ينتظر عبيده الكافرين الذين بلغ بهم الكفر حدَّ الافتراء على الله بأنَّه اتخذ صاحبةً وولدًا، وهذا هو الظلم العظيم، والإفك المبين الذي تنشق له السماوات والأرض، وتخر الجبال، وتقشعر الأبدان المؤمنة مِنْ هول إثمها المبين، وهؤلاء عيّنة مِنْ كفار قريش الذين ينكرون البعث، ويسخرون بما جاء به القرآن، ويأتي هذا المشهد الذي يذكر فيه تفاصيل عن حال هؤلاء المتنطعين وتهافت حجتهم، وبلادة عقولهم، وما ينتظرهم مِنْ عذابٍ دائمٍ في جهنم جزاء تعنتهم وإصرارهم على كفرهم.
ژ? ? ? ? ? ? ? S S S S ... ? ? ? ? ? ? ... ? ??ژ (مريم: 66 - 67).
ثم يقسم المولى قسمًا عظيمًا بنفسه نحس مِنْ خلاله خطورة ما ينتظر هؤلاء الجاحدين وأتباعهم ورؤساءهم عند لقاء ربهم، ويُقدِّم في هذه السورة نموذجًا حيًّا لهؤلاء الكفرة مِنْ خلال العاص بن وائل الذي سَخِرَ بالبعث، وأنكر مصير ما بعد الموت، والدار الآخرة، حيث تقول الرواية إنَّ الصحابي الجليل خباب بن الأرث طالبه بدين له في عنقه، فاشترط لقضاء دينه أنْ يكفر بمحمد، فأبى الصحابي الجليل وقال: سأتركك إلى يوم البعث، فقال العاص بن وائل: إذا سأعطيك عندئذ من مالي في الآخرة قال ذلك ساخرًا متهكمًا، فكانت صورة القرآن له أكثر سخرية واستهزاء، ويمكرون ويمكر الله حيث يقول: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ... ? ? ? ... ? ? ?? ? ? S S S S ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چچ ? ? ? ? ??ژ (مريم: 77 - 82). (1/69)
صفحة 70
ويُطمئِن الله رسوله الكريم بأنَّ هذا النموذج البليد مِنْ كفار قريش سيكونون يوم القيامة مِنْ أتباع الشياطين الذين يقومون هم أنفسهم بسوقهم إلى جهنم وردًا جزاءً وفاقًا، هم وكل مَنْ كفر بالرحمن أو ادعى له صاحبةً وولدًا. وتستعرض السورة هذا المشهد بأسلوب يحشد كل ما في التعبير من تصويرٍ مرعبٍ تهتز له النفس المؤمنة بل وتقشعر منه كل نفس إنسانية، وتكاد الآيات من هولها يحس لها زلزال مدمر يغضب له الكون كله؛ السماوات والأرض والجبال.
ژے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (مريم: 88 - 95).
ونلحظ كيف تكررت كلمة الرحمن هنا أربع مرات وكأنَّها السلك الذهبي الذي تنظم فيه هذه الحبات الناطقة بهول ما جناه الكفار الناكرون لعظمة المولى، وصمديته، وتفرده سبحانه وتعالى، وهذا التكرار في حد ذاته يكمل الصورة التي رسمتها السورة مِنْ بدايتها إلى نهايتها، مما يدل على أنَّ القادر على ذلك وحده هو منزل القرآن ژچ چ چ? ? ... ? ... ? ... ? ? ? ? ? ? ژ (النساء: 82).
وكما بدأت السورة بذكر (رحمة الله) تنتهي بذكر رحمته أيضا؛ لأنَّ رحمة الله وسعت كل شيء، وقد سبقت رحمته غضبه، ولكنها في الآخرة تشمل المؤمنين وحدهم دون الكافرين حيث يقول: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (مريم: 96 - 97).
وهكذا يكون هذا المشهد تقابلًا وتذكيرًا بمصير المتقين في جنات النعيم، ووعيد الكافرين بالعذاب الأليم، لأنَّ القرآن إنَّما جاء بلسان عربي مبين ليكون للمتقين بشارة، وللكافرين نذارة، وتذكرة لكل إنسان عبرة وادِّكارًا.
القرارة في: 18 جمادى الثاني 1436هـ
08 أفريل 2015م
} - - {
الابتلاء مدرسة الأنبياء (1)
مقدمة:
__________
(1) سبق نشر هذا البحث في كتيب، من نشر مسجد المنار، الحميز الجزائر، 2010 (1/70)
صفحة 71
قبل الدخول في محاور هذا الموضوع المهم الذي نعيشه كلنا دوما، ولو على درجات متفاوتة بين الشدة واللين، والتحمل والضيق، أستعرض معنى كلمة الابتلاء، لغة واصطلاحا، مستندا في ذلك إلى القرآن الكريم، وأحاديث رسول الله ح.
الابتلاء لغة واصطلاحا:
وردت هذه الكلمة أي البلاء والابتلاء في القرآن الكريم حوالي أربعين مرة بجميع مشتقاتها، ومعناها لغويا: جربت، وخابرت. فتقول العرب: بلوت الرجل بلوًا، وبلاءً، إذا جربته وأخبرته. وتعني عندهم أيضا السؤال فتقول: ابتليت الرجل فأبلاني: أي استخبرت فأخبرني، ولعل أكثر معانيها في القرآن شيوعا المحنة، تنوء بالمرء ليختبر بها. (1/71)
صفحة 72
ولهذه الكلمة في القرآن مرادف آخر - إن صح استخدام كلمة مرادف مع القرآن - وهي كلمة (فتن) التي وردت في القرآن حوالي ستين مرة بمشتقاتها، ومعناها: الاختبار بالنار، فيقال لغة: فتنت الذهب بالنار أي اختبرته، ثم شاع استعمالها مجازا عندما يتعرض المرء للاختبار والامتحان الشديدين، وقد وردت في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ... ھھژ (العنكبوت: 1 - 2)، وكأن الامتحان من الله بالنسبة للإنسان بصفة عامة أمر ضروري لا يفلت منه أحد، وقد يكون ما يتعرض له المؤمن من هذا النوع من الاختبارات والامتحانات أشدّ، ونلحظ ذلك حين تتبعنا لآيات القرآن أن المؤمنين أكثر تعرضا للفتنة من قِبَل المستكبرين والمشركين والظالمين، فيقال: فُتِن فلان قصد تحويله عن رأيه، وموقفه، ودينه كما ورد في قوله تعالى: ژ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک ک گگژ (البروج: 10)، وهذا تعقيبا على قصة فرعون وثمود وجنودهم من الظلمة والكفار، ولها صلة مباشرة بقصة أصحاب الأخدود وما تعرضوا إليه من فتنة عظيمة، وبلاء كبير من نمرود الطاغية وجنده. وقد وردت كلمة الفتنة مرات في صراع سيدنا محمد ح مع قومه من المشركين والمنافقين: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ژ (المائدة: 49). وهي هنا بمعنى الصد كما وردت أيضا في سورة الإسراء بالمعنى نفسه في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ... ژ (الإسراء: 73)، بمعنى يصدونك.
ولا أحب أن أدخل في المعاني المفصلة لكلمة الفتنة (1)، فلها أحد عشر وجها أوردها الفقيه الدامغاني في قاموس القرآن وهي: الشرك، الكفر، العذاب، الابتلاء، الإحراق بالنار، القتل، الصد، الضلال، المعذرة، الفتنة بعينها، الجنون.
فإن الذي يعنينا هنا هو اشتراك كلمة الفتنة مع كلمة الابتلاء (2) على الأقل حين النظر إليها من بعض معانيها المشتركة.
__________
(1) - أفردنا بحثا خاصا لمعاني الفتنة في القرآن، سينشر لاحقا بحول الله، م. ن.
(2) - الدامغاني، قاموس القرآن، دار العلم للملايين، بيروت، ط 1970، ص: 374. (1/72)
صفحة 73
على أنه لابد من الوقوف هنا عند كلمة: الابتلاء بأنها ترد حسب الفقيه الدامغاني على فهمين، فوجه منها: البلاء بمعنى النعمة؛ كما جاء ذلك في قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ??ژ (البقرة: 49)، يعني في إنجائكم من آل فرعون، ولها نظير في سورة الأعراف وفي سورة إبراهيم. الثاني: البلاء بمعنى الاختبار في قوله تعالى: ژ? ? ہ ہ ... ہ ہ ھ ... ژ (البقرة: 124)، ژ? ? ? ? ? ? S S S S ... ژ (البقرة: 155)، أي لنختبركم كما ورد ذلك في سورة الصافات ژ? ? ? S SSژ (الصافات: 106).
وأحسب أن الذي ننتهي إليه من هذا العرض لمدلول كلمة البلاء في القرآن الكريم هو الاختبار والامتحان بمفهومها الواسع؛ لأن الاختبار درجات يشتد حتى تضيق حلقاته مع أنواع الشر، فهو في هذه الحالة محنة، ويلين حتى تتسع آثاره فهو عندئذ منحة، على أنه في كلتا الحالتين سواء مع النعمة أو غيرها بلاء من ربك شديد. وقد حدد القرآن في آية محكمة المعنيين حيث يقول تعالى: ژ? ? ? ?? ? ??ژ (الأنبياء: 35). ويقودنا هذا المعنى إلى أن حكمة الخالق في خلقه لنا لهذا الغرض العظيم كما أوضح ذلك في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ... ?? ? ... ? ... SSژ (الملك: 2).
فمدار الخلق كله الاختبار بالخير والشر، وبالإماتة والإحياء. ليرى الله - وهو العليم القدير - أينا ينجح في ذلك الاختبار بما يقدمه في دنياه من عمل صالح ابتغاء وجه ربه في الآخرة.
بل إن الله سبحانه وتعالى ما خلق الإنسان في أحسن تقويم فجعله سميعا بصيرا إلا ليستعين بنعمة السمع والبصر وفوقهما العقل ليؤدي ذلك الامتحان العسير في حياته التي مآلها لا محالة إلى ربهژ چ ... چ ... چ چ ??ژ (الشورى: 53)، أو لم يقل تعالى: ژ ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (الإنسان: 2).
فالإنسان مُعرض للابتلاء بمجرد نزوله من بطن أمه، ومجال الاختبار هي هذه الحياة الدنيا بخيرها وشرها، من بدايتها إلى نهايتها. (1/73)
صفحة 74
وقد بدأ الاختبار العسير مع أبينا آدم وأمنا حواء حيث تعرضا لأعسر امتحان من الفتان الأكبر، عدوهما المبين، الشيطان الرجيم، وقد ارتبط امتحانهما لما خصهم الله به من نعمة العقل وفضيلة العلم، فأسجد لأبينا آدم أكرم المخلوقات من الملائكة تنبيها وتذكيرا بهذه النعمة التي خص بها بني آدم. ومن ثم تتابع الابتلاء من بنيه متمثلا في قصة قابيل وهابيل المعروفة، حيث ارتكب قابيل أفظع جرم على الأرض وهو قتله لأخيه هابيل، فسقط في الامتحان سقوطا مُرِيعا وكان من الخاسرين النادمين: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S S S S ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?چژ (المائدة: 32).
وأحسب أن أعظم ابتلاء تدور من حوله كل الابتلاءات إنما يعود إلى مأساة ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وعتوه فسادا وطغيانا في الأرض.
فهل الابتلاء في حد ذاته سخط من الله على بني آدم أم أنه تقدير العزيز العليم لحكمة يريدها، وقدر قدره يجري على بني آدم لا ينجو منه حتى أفضل خلقه من الأنبياء والمرسلين، بل إن المتعرضين للابتلاء هم أقربهم من الله درجة، وأحبهم إليه من بين خلقه!؟
كيف تعددت مواطن الابتلاء للإنسان؟
ذكر القرآن الكريم مواطن الابتلاء للإنسان بعامة، وللمؤمنين بخاصة، والمتأمل في هذه الأنواع يلحظ تكررها في مواطن الخير والشر معا، وجاء ذلك صراحة في آية محكمة حيث يقول تعالى عن قدرته وعظمته: ژ? ? ? ? ? ? ? ... ? ... ژ (الملك: 2). وكأن الحكمة من خلقنا هو الابتلاء في هذه الحياة الدنيا لمراد آخر يتوصل إليه عن طريق الحياة والموت في الدنيا وهو الجزاء الأخروي كل حسب عمله، إما خيرا يوصل إلى الجنة، وإما شرا يوصل إلى النار والعياذ بالله ژ? ژ ژ s s ک ک ک ک گ گگژ (الزلزلة: 7). (1/74)
صفحة 75
وما دامت الدنيا هي ميدان هذه الابتلاءات فقد تنوعت بتنوع مجالاتها، ومقاصد عبادها، وتعددت مناحي الحياة فيها، فقد يبتلينا الله بالخوف ولا نشعر به إلا عند فقد الأمن العام، ويبتلينا بالجوع فلا نشعر بمرارته إلا عند الأزمات الغذائية، وفقدان الطعام الضروري للحياة، وقد يبتلينا الله بالموت فلا نحزن لوقوعه إلا عند رحيل الأهل والأقارب والأعزاء من الأصدقاء، وقد جمع الله هذه الابتلاءات في آية محكمة حيث يقول: ژ? ? ? ? ? ? S S S S ... ?ژ (البقرة: 155).
وعندئذ لا يكون تجاوز هذه الابتلاءات إلا بالنجاح في الامتحان الكبير المتمثل أولا في الصبر الذي هو سيد الأخلاق، وهو شطر الإيمان كما وصفه رسولنا الكريم،ژ ? ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ... ? ? ... ? ... ??ژ (البقرة: 155 - 156). وعندئذ لا يكون جزاء كل ذلك إلا الجنة ژ? چ چ چ چ ?? ? ? ??ژ (البقرة: 157).
ولكي يرتقي المؤمن في درجات الإيمان إلى درجة الإحسان لا بد أن يبتلى بالجهاد بالمال والنفس في سبيل الله، ولا يَتسَنَّم ذرى هذه الدرجة العليا - الخاصة بمن أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين - إلا عندما يتفوق المؤمن على ذاته بنكرانها، وتقديمها رخيصة - وهي غالية - في سبيل إرضاء الله ژ? ? ? ? ? ? S SSژ (محمد: 31). ژپ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (آل عمران: 142). ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ... ? ? ??ژ (البقرة: 214). (1/75)
صفحة 76
وقد يكون الابتلاء في أقرب الناس إليك من أرحامك أبا كان أو ابنا، أخا أو أختا، عما أو عمة، خالا أو خالة، جيرانا أو صديقا، فلا يسعك إلا أن تتحمل الامتحان، وتصبر له، وقد قدم لنا القرآن أمثلة من الأنبياء والمرسلين الذين ابتلوا بأهاليهم، مثل: أبينا إبراهيم خليل الله الذي ابتلي بأبيه آزر، ولوط الذي ابتلي بامرأته، ونوح الذي ابتلي بابنه، وامرأته، وسيدنا محمد الذي ابتلي بجده، وعمه، وقومه، وكأن الله سبحانه وتعالى يقدم لنا ذلك تخفيفًا لما عسى أن نصاب به ونبتلَى من فلذات أكبادنا، وأقرب الناس إلينا من أرحامنا، فنتذكر قوله تعالى: ژ ژ ژ s s ک ک ک ک گگ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ?? ? ? ? ... ?ہژ (التغابن: 14 - 15). ومن أشد ما يبتلى به الإنسان أن يصيبه الضر في جسده بشهادة خالق النعمة رب العالمين، حيث وصف الابتلاء الذي لحق سيدنا أيوب، فنوه بدعائه إذ ناداه قائلا، وذكر ابتلاءاته التي صبر لها كلها ومن أشدها الصبر ژ? ? ... ? ? ? ? S ... S S S?ژ (الأنبياء: 83). كما ذكر ذلك في دعاء أبينا إبراهيم فنوه بقوله ژ? ? ? ??ژ (الشعراء: 80). ألا يدل كل ذلك على التنويه على ما لهذه النعمة من قيمة ومكانة قد لا يعرف حقها إلا من ابتلي بالأمراض، وفقد نعمة الصحة والعافية، وقد قيل: «الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى». (1/76)
صفحة 77
وقد يتنوع الابتلاء فيجيء جماعيا لا فرديا مثل ما تصاب به البلدان من «كوارث طبيعية»، تتمثل في الزلازل المروعة، والأعاصير المهولة، والفيضانات المغرقة الكاسحة، وهي رغم قساوتها وآلامها سرعان ما تُتناسى؛ لأن وقعها النفسي قد يهون إذ لا تصيب الأفراد بصفة شخصية، وقد تعوّد الإنسان أن يخفف وقع الأذى على نفسه إذا أصابه بصفة جماعية بحكم مشاعره الاجتماعية التي يشاركه الناس فيها، والعجيب في الأمر أن الإنسان بطبعه لا يعلل ذلك على أنه علامة من علامات الامتحان والابتلاء، فيعود إلى ربه شاكرا لا كفورا، فيسمي ذلك كارثة طبيعية ولا يتذكر العبَر عبر القرون السالفة البعيدة والقريبة مما أصاب الأمم الكافرة الظالمة، كيف ينسى أن الطبيعة بكوارثها من صنع الله وأنها تفعل ذلك بأمر الله، أو لم يهلك قوم نوح بالطوفان ژ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?? ? ... ??ژ (هود: 37).
وأهلك قوم هود ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ??ژ (الحاقة: 6 - 7).
وأهلك فرعون وجنده بأن أطبق عليهم مياه البحر العاتية لتكون نجاة لموسى وقومه. وأهلك صالحا بالرجفة الماحقة. وكلها آيات طبيعية في ظاهرها، ليدل على أن ما خلقه الله في هذا الكون مسير بأمره وإرادته ژ? ? ?? ? ? S S S S ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ? چ چ چ چ?ژ (العنكبوت: 40).
صور ومشاهد من الابتلاء:
إن المتأمل في قصص القرآن الكريم لا سيما ما تعلق منها بالأنبياء والصالحين يدرك الإدراك كله ارتباط الابتلاء بحياة الأنبياء في صراعهم الشديد ضد الكفر والظلم، وصبرهم القوي ضد ما يتلقونه من أذى وتعذيب، بالقول والفعل.
والعجيب في الأمر أن الله نوّع أساليب الابتلاء مع أنبياءه الذين أصاب كل واحد منهم بنوع من الابتلاء الشديد.
نوح شيخ المرسلين: (1/77)
صفحة 78
ونلحظ في القرآن الكريم ارتباط الابتلاء مع شيخ المرسلين، وكأنه يقدم لنا منذ البداية هذا النموذج من المعاناة الشديدة المتنوعة مع أهله، وقومه، وزوجه، وفلذة كبده. هكذا كانت البداية من شيخ المرسلين نوح عليه السلام الذي ابتلاه بالمستكبرين من قومه فآذوه في نفسه وفي أهله الذين آمنوا به، وضرب في الإنسانية مثلا عظيما في الصبر حيث تحمل الامتحان ألف سنة إلا خمسين عاما، ولعل أصعب امتحان تعرض له نوح خلال تلك المدة لا يقاس بما ختمت به تلك السنون، حيث أصيب ببلاء عظيم بكفران امرأته وولده حين رآه وهو يغرق أمام عينيه ولا يستطيع له إنقاذا، وكان في النهاية مع الكافرين. فيا لله من مصيبة نوح؛ في كفران ولده أكثر من غرقه لأنه عمل غير صالح، وأنه ليس من أهله حين أجابه رب العزةژ ? ... ? ? پپ پ ... پ ? ?? ? ? ... ? ? ? ? ... ?? ? ... S S S S ??ژ (هود: 46). ومن ثم كان نوح شديد الخوف من أن يسقط في الامتحان، فنادى ربه من أعماق أعماقه مستغفرًا تائبًا نادمًاژ ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ... ?? ? چ چ چ چ ? ??ژ (هود: 47). ونجّى الله نوحا، ونجح في الامتحان بشهادة القرآن حيث يقول: ژچ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ژ ژ ... s s ... کک ک ک گ گ گ گ?ژ (الأنبياء: 76 - 77).
إبراهيم خليل الله:
ويضرب أبونا إبراهيم المثل الأعلى في صبره ويقينه وهو يتعرض إلى الابتلاء بأنواع شتى: فاختبر في إيمانه، وفي عقيدته مع أبيه، وفي قومه وما تعرض له من أذاهم الشديد، وفي طغيان وطاغوت نمرود فانتصر عليه، وابتلاه بحياته فنجاه الله من النار. ولكن أعظم ابتلاء تعرض له أبونا إبراهيم ذلك الامتحان الشديد المؤلم حيث طلب منه أن يقدم ابنه إسماعيل استجابة لطلب ربه، وقدم فلذة كبده وهو غلام حليم عليم بعد أن بلغ معه السعي صابرا محتسبا، في منظر مؤثر تتفتت له الأكباد ژ? ? ? ? ... ? پ پ پ پ ? ? ?? ? ? ... ? ??ژ (الصافات: 103 - 105). (1/78)
صفحة 79
فهل يتصور الإنسان بلاء أكثر من أن يمتحن في تقديم ابنه العزيز ليذبحه بيده طاعة لربه، وإن اليقين بالله يبقى حائرا بين تحمل إبراهيم الأب، وصبر إسماعيل الابن، وكفى بالله شاهدا حيث يصف القرآن المشهد المؤثر بقوله ژ ? ? ? S SSژ (الصافات: 106).
وقد نوه به القرآن في قوله تعالى: ژ?? ہ ہ ... ہ ہ ھ ... ژ (البقرة: 124). ويقول الحسن البصري عن معنى قوله ژ ھژ: ابتلاه الله بذبح ولده فصبر على ذلك، وابتلاه بالكوكب، والشمس، والقمر، فأحسن في ذلك، وعرف أن ربه دائم لا يزول، ثم ابتلاه بالهجرة من وطنه إلى واد غير ذي زرع فخرج مهاجرا إلى الله، ثم ابتلاه بالإلقاء في النار فصبر وهذا أعظم الصبر. وقال ابن عباس: لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم، ابتلي بالإسلام فأتمه: ژ? ? ??ژ (النجم: 37)، فكتب الله له البراءة من النار (1).
فنحن نلحظ كيف تنوع الابتلاء وتلاحق من عسير إلى أعسر، امتحان في أعز ما يملك؛ ولده إسماعيل وهو ابتلاء في الولد، وابتلاء في العقيدة، وابتلاء في الهجرة من الأرض والوطن إلى واد غير ذي زرع، وابتلاء في النفس بالإلقاء في النار.
وهل ينتظر من إبراهيم غير ذلك وقد بلغ قمة اليقين بالله والصبر للابتلاء حين جاءه جبريل وهو بين السماء والأرض لينجيه من ذلك الحريق الجبار الذي أعده له نمرود الطاغية قائلا له: ألديك حاجة؟ فأجابه بكل يقين متمسكا بربه وحده قائلا: أما إليك فلا، وتلك هي اللحظات الروحانية الربانية التي يتجلى فيها يقين الأنبياء والصالحين، أما إليك فلا، فإن الذي ابتلى وامتحن واختبر هو وحده الذي ينجي، ويقلب موازين البشر في الكون، فيحيل النار بردًا وسلامًا، ويحيل الماء في البحر جدارًا سميكًا، وأرضًا يبسًا لموسى عليه السلام.
موسى كليم الله:
__________
(1) - قاسم عاشور، 1000 سؤال وجواب في القرآن ص: 46. (1/79)
صفحة 80
وقد تعرض موسى عليه السلام إلى أنواع كثيرة من الابتلاء طوال حياته منذ أن كان رضيعا، وقد ألقته أمه في اليم خوفا من أن تطاله جنود فرعون، ولكن الله نجاه من اليم لينشأ بين يدي أعتى أعداء الله فرعون، وعاش مع الخوف طوال حياته، فخرج من المدينة خائفا يترقب أعداه الذين أضمروا قتله، وابتلي بالوحشة وهو يلتمس الطريق إلى مدين، ثم وجد الأمن بين يدي شعيب حيث عمل راعيا عشر حجج غريبًا بعيدًا عن أهله، إلى حين العودة بالرسالة إلى فرعون وجنده وهو يخاطب ربه إني أخاف أن يقتلون، وأوجس في نفسه خيفة وهو يرى الوادي يزحف ثعابين فثبته الله بآية العصا التي تلقفت ما يأفكون، ولحق به فرعون وجنده بعد أن خرج ببني إسرائيل وأدركه فرعون وجنده والبحر أمامه، ولكنه لجأ من خوفه إلى يقينه بالله حيث قال: ژ ? ?? ? ? ? ??ژ (الشعراء: 62)، فنجاه الله من كيد فرعون، ونجح في الامتحان والابتلاء. ليبدأ في بلاء وامتحان أشد وأعتى مع بني قومه بني إسرائيل، فتتابعت الابتلاءات، وتلاحقت الآيات حتى كرمه الله بأن كلمه على الطور جزاء صبره ويقينه، وخلده بقوله تعالى: ژ? ... ? ? ?? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? پ پ پ پ ? ... ? ? ? ? ??ژ (مريم: 51 - 53).
على أن الابتلاء الذي أصاب موسى عليه السلام كان ابتلاء عظيما لقومه أيضا، فعلى الرغم من أن الله فضلهم على العالمين، فإن ذلك التفضيل بالنعماء والآلاء المتتالية: تفجير الماء لهم، وإنزال المن والسلوى، وشق البحر لينجيهم من فرعون وبغيه وتقتيله إياهم، رغم ذلك فإن الله كان في كل حالاتهم يعرّضهم للاختبار في حالتي اليسر والعسر، كما قال الله تعالى: ژ ہ ہ ہ ھ ھھژ (الأعراف: 168).
يوسف الصديق عليه السلام:
ومن أعظم من ابتلي من النبيين يوسف عليه السلام، الذي جعله الله مثالا للتقوى والصبر معا، فبلغ بهما درجة الإحسان بعد أن تدرج في سلم الامتحان والابتلاءات المتوالية واحدة بعد الأخرى. (1/80)
صفحة 81
فقد ابتلي بحسد إخوته له وتجمعهم ضده، وكيدهم له حين أبعدوه عن والديه ومرتع صباه، وألقوا به في ژھ ے ژ لا لشيء إلا لأن أباه فضله وأحبه، وهذه هي المحنة الأولى، ثم المحنة الثانية عندما التقطه وارد السيارة ليباع في سوق النخاسة عبدًا ذليلًا بدارهم معدودة، والمحنة الثالثة وهي أشدها عندما تعرضت له امرأة العزيز بجمالها، وسلطتها، وكيدها، وراودته بكل ما أوتيت عن نفسه، والمحنة الرابعة عند اجتماع النساء وهن من عليَّة المجتمع وأجملهن يراودنه بالفحشاء، ويهددنه بالسجن إن لم يفعل، والمحنة الخامسة عند دخوله السجن دون جريمة اقترفها أو جناية ارتكبها، مكسور الخاطر، غريب الديار، دون مدافع ولا نصير إلا من القوي القدير، والمحنة السادسة وهو يبتلى بالمسؤولية العظيمة؛ بتسيير اقتصاد مصر المنهار في قصر الملك، لا يدري أينجح في ذلك أم يخسر، أيوفق أم يفشل؟ والمحنة السابعة وهو يتعرض لتهمة إخوانه له ولأخيه (بنيامين) بالسرقة وهو في مكانه الحفيظ العليم، والمحنة الثامنة في كتم أشواقه لوالديه، وصبره القوي أمام إخوته وقد عرفهم وهم له منكرون، والمحنة التاسعة علمه بما صار إليه أبوه يعقوب بفقدانه بصره، وما هو فيه من حاجة إلى عاطفة الأبوة وحنوها، يقاسي الغربة الشديدة وحيدًا كل تلك السنين، ولا يدري لها نهاية أو خلاصا.
وهذا قليل من كثير مما تعرض له يوسف عليه السلام من ابتلاء وامتحان. حقا لقد كان الامتحان عسيرا على نفس يوسف؛ لأنه امتحان وابتلاء متنوع أصابه في نفسه، وجسده، وعاطفته، وغريزته، واستطاع بفضل الله وهديه أن يلجأ إلى تقواه وصبره فكان من المحسنين ژ ? ? ? ? ? ں ں ? ? ... ??ژ (يوسف: 90).
أيوب سيد الصابرين: (1/81)
صفحة 82
إن من أعظم أنبياء الله ابتلاءً، وأشدهم أمام المصائب صبرًا؛ سيد الصابرين أيوب عليه السلام وذلك بشهادة القرآن الكريم حيث يقول: ژ? ... ? SS S S? ? ??ژ (ص: 44). وابتلاء أيوب إنما جاءه من الجانب الأخطر على النفس؛ وهو جانب النعم، فقد أفاض الله عليه النعم فيضًا، وغمره بآلائه غمرًا: نعمة المال، نعمة الأولاد، نعمة الجمال، نعمة الصحة، نعمة الدين، حتى حسده الشيطان الفتان الأكبر، فأراد الله أن يكمل عليه نعمته بأن قربه الله إليه أكثر بما سلط عليه من بلاء بزوال هذه النعم كلها في لحظة عين، ودامت عليه المحن سبع سنوات، فما تغير وما شك في ثباته، وتمسكه بإيمانه، ويقينه بربه، وما رفع رأسه من سجود متبتل قانع بالله وهو في قمة الضراء التي أصابته في جسده، فلم يبق منه سوى لسان ذاكر، وقلب شاكر، وما اهتز أو قلق بسبب زوال تلك النعم التي ذكرناها حتى هجره أحب الناس إليه، وأقربهم إلى قلبه؛ زوجته (رحمة)، ولكن الذي لم يفارقه قط ولو للحظة واحدة دعاؤه المتضرع، وتعلقه بربه وحده، فكان يردد في سجوده الذي لم يفارقه أبدا، «الحمد لله الذي أعطاني، وحينما شاء نزع مني، عريان خرجت من بطن أمي، وعريان أعوذ إلى قبري، وعريان أحشر إلى ربي».
وبشهادة القرآن نجح أيوب في الامتحان، وأخفق الشيطان، حيث يقول الله تعالى بأسلوب رحيم ودود: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ??ژ (ص: 41 - 43).
هكذا كان أيوب صابرًا محتسبًا، شاكرًا نعم ربه عليه قبل الامتحان وبعده وأثناءه، حتى صار مضرب المثل للمؤمنين الصابرين، فكان ذكرى دائمة خالدة لأولي الألباب، ذلك لأن أيوب - وبشهادة القرآن أيضا - نادى ربه متيقنًا، واعتصم به مؤمنًا، وما التجأ إلى أحد غيره، لم تبطره النعمة فينسى، ولم يزلزله البلاء فيشقى، وكان مع الله في الشدة والرخاء، فكان الله له في السراء والضراء.
سيد الخلق أجمعين: (1/82)
صفحة 83
ومن أعظم المبتلين من أولي العزم من الرسل؛ محمد رسول الله خاتم المرسلين، وسيد الخلق أجمعين، فقد ابتلاه الله باليتم، والفقر، ووحشة الطريق إلى الله ژ ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گگژ (الضحى: 6 - 8).
واشتد البلاء عليه بعدما جاءته الرسالة، ونزلت عليه أعظم البلايا في نفسه، فأوذي إيذاء شديدا من أهله وقومه الأقربين إليه، وتعرض للسجن، والقتل، والطرد من أحب بلاد الله إليه مسقط رأسه، ومرتع شبابه؛ مكة المكرمة بشهادة القرآن الكريم حيث يقول: ژک ک گ گ گ گ ? ... ? ? ... ?? ? ? ?ں ں ? ??ژ (الأنفال: 30).
ولو استعرضنا ما تعرض له استعراضا سريعا لتلاحقت المشاهد المروّعة أمام أعيننا من تاريخه؛، فقد وُضِعَ السِّلى على رأسه، وأدميت قدماه بحجارة أبناء الطائف، وكلابها، وشج وجهه، وكسرت ثنيته في المعارك الجهادية، وطرد من موطنه وبيته، وحوصر في الشِّعب حتى أكل ورق الشجر، وربط الحجر على بطنه ليسكن من جوعه، وقُتل سبعون من أصحابه، وفقد أبناءه كلهم في حياته وأكثر بناته، وافتقد زوجه خديجة وهو أشد ما يكون حاجة إليها، واتهم في عرض زوجته عائشة من أقرب الناس إليه، واتهم من قومه بأنه شاعر، ساحر، كاهن، مجنون، كذاب. (1/83)
صفحة 84
ولم يكن من بلاء أشد على حبيب الله ورسوله من كفر قومه، وشركهم بالله، وقد هان عليه كل ما أصيب به من ابتلاءات في نفسه، وماله، وأهله، وعرضه، وما لجأ إلى أحد قط ـ وهو في قمة المصائب المتلاحقة من حوله ـ لجوءه إلى ربه ضارعًا، قانتًا، عائذًا، منيبًا، حين رفع أكف الضراعة دامي القدمين تلاحقه كلاب الطائف وحيدًا، غريبًا، مستجيرًا بربه، بدعاء هو سيد الأدعية عند المبتلين الصابرين القانتين «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك، أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» وكاد يقتل نفسه أسفًا وتحسرًا لكفرانهم، وجاهليتهم المقيتة ژ? ? S S S S ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? چچژ (الكهف: 6 - 7).
هكذا يوضح القرآن أنه ما أصاب الرسول ح من قومه، وما أوذي به من سبب كفرانهم بربهم، إنما هو داخل في سنن الله التي أرادها الله حين خلق عباده، وأن الهداية والضلالة بيد الله وحده ولا شأن في هذا لإرادة نبيه محمد ح، فإن أمر الهداية والضلالة بيد الله وحده لا يحابي أحدًا، ولا يتملق أحدًا، وحاشاه أن يفعل ذلك، بل إن ذلك داخل في تسييره للكون، وخلقه السماوات والأرض التي ما خلقها إلا بالحق، ولا مبدل لكلماته، ولا تغيير في سننه.
وقد أوضح القرآن ذلك حيث قال مخاطبا رسوله الكريم تثبيتًا له وتأييدًا: ژ? ? ? ? ? ?? ? ? ... ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ?? ... ?ژ (الأنعام: 33 - 34). (1/84)
صفحة 85
وكانت حياته ح بعد تكوين الدولة الإسلامية في المدينة المنورة وانتشار دين الله في الأرض على هذا النحو من الابتلاء بين نصر ساحق وهزيمة مُرَّة، تعلو فيه فرحة النصر أحيانًا على الأعداء المشركين ومن معهم من اليهود، والمنافقين، ويعود الصحابة الأبرار أحيانا بالهزيمة تسيل دموع الحزن والحسرة على وجوههم.
والقرآن شاهد عدل على أن ذلك يدخل في الابتلاء الذي قدره الله على خلقه أجمعين، امتحانًا لهم، وتثبيتًا لأنفسهم حتى يعلم الصادقين منهم والكاذبين، من يريد الدنيا، ومن يريد الآخرة ژ??? ? ... ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (آل عمران: 186).
ويحدثنا التاريخ الإسلامي المجيد عن تلك اللحظات التي أسست قواعد الدين الإسلامي في صراعه ضد أعدائه، ويسجل القرآن قمم الفرحة كما حدث ذلك في غزوة بدر، والأحزاب، ومهاوي الهزيمة والأسى كما حدث ذلك في غزوة أحد، وحنين، وقد أراد الله الاثنين معا؛ النصر والهزيمة، ابتلاء وتمحيصا، ولن يغير الله سننه الكونية التي تشمل كل عباده من عوامل النصر والهزيمة ژچ چ ? ? ? ? (1) ?? ? ? ? ? ژ ژ s s ک ک کک گ گ گ گ ? ? ? ?? ? ? ? ںں ? ? ?? ? ? ہ ہ ہہژ (آل عمران: 152).
وقد تكرر في القرآن مخاطبة الرسول ح بأن عليه البلاغ المبين، وهذا ما يريده الله مع كل رسله الذين أرسلهم إلى الأمم السابقة، وأن على الرسول الكريم ألا يشك إطلاقا في أن هذا الأمر ليس بيده مهما يحاولْ ذلك، ولو استعمل أقسى الأساليب على مقدرة الإنسان وطاقاته، مثل أن يصّعّد في السماء، أو أن يتخذ نفقا في الأرض، وليحذر أن تطغى عليه عاطفته القومية فيكون من الجاهلين. وقد ترددت الآيات الدالة على ذلك في القرآن، ولنكتف منها بآية وردت في سورة الأنعام حيث يقول تعالى: ژ? ? ... ? ... ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ??ژ (الأنعام: 35).
__________
(1) - تحسونهم: أي تقتلونهم، وهو تصوير لما وقع في غزوة أحد. (1/85)
صفحة 86
لماذا الابتلاء وما الحكمة منه؟
سبق أن قلنا إن الله خلق الابتلاء للإنسان ممتزجا بتكوينه الخَلْقي حين جعله سميعًا بصيرًا ژ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (الإنسان: 2).
وخلق الله معه أداة النجاح أو الإخفاق في الامتحان حين بيّن له طريق الطاعة الموصلة إلى الجنة، وبيّن له طريق المعصية الموصلة إلى النار ژ? ? ? ? ? ? ??ژ (الإنسان: 3).
ولكن الإنسان بطبعه الكفور ژ ? ? ? ??ژ (سبأ: 13)، سرعان ما تبطره النعمة فيغتر بها، ظنا منه إنما أوتيها بحذقه، وشطارته، وعلمه، وسعيه، والإنسان بطبعه متقلب بين الرضى والسخط حسب الحالة التي يكون عليها؛ إن خيرًا وإن شرًّا، على أن النعمة قد تبطره فيغتر زعما منه بأن الذي يصيبه من خير إنما أوتيه بجهده، وعلمه، وشطارته، ولا يدري - لقصوره، وضعفه النفسي، والذهني، والجسدي - أن تلك النعم من الله وحده، ولا يتفطن الإنسان إلى هذه الحقيقة إلا عندما يُبتلى بالشر، وقد صوّر الله سبحانه وتعالى هذه الحال في الإنسان حيث يقول: ژ? ? ? ... ? ? ? ? ... ? ? S S S S ? ?? ? ... ? ? ? ? ? ??ژ (الزمر: 49).
وقد ضرب الله لنا نموذجا من هؤلاء المغترّين المستكبرين، بقارون الذي بغى على قومه من بني إسرائيل، فجعله الله عبْرة للمعتبرين، وآية للخلق أجمعين، حيث قال: ژ ? ? ... ? ? ? ... پپ ... ?ژ (القصص: 78). وبات قارون مثالا لبني الإنسان الذين امتحنوا بالخير فهوَوْا إلى أسفل سافلين من الشر ژ? ? ? ? ? ? ? ... ں ں ? ? ? ? ? ? ... ہ ہہژ (القصص: 81). (1/86)
صفحة 87
وكما قدم الله نموذجا للكفر والطغيان بقارون، ضرب لنا مثلا للشكر والإيمان بنبيه سليمان الذي جمع له النبوءة والملك، وخصه بملك لا ينبغي لأحد من بعده حين ملّكه الإنسان، والجن، والطير، وسخّر له الريح، وآتاه الله الحكمة يقضي بها بين الناس، فما زاده ذلك إلا شكرًا، وعلم إنما أوتي كل ذلك امتحانًا وابتلاءً من الله، فسجد شاكرًا، ودعا أن يوفّقه الله إلى شكر آلائه، حيث قال: ژ ? ? ? ? ? ... ہ ہ ... ہہ ھ ... ھ ھ ھ ... ےے ? ? ... ? ? ? ... ??ژ (النمل: 40).
وتلك طبيعة الإنسان الجاحد لنعماء الله عليه وابتلائه بالخير أم الشر معا، وقد أوضح الله تعالى ذلك في قوله في آية جامعة مانعة ژچچ چ ... چ ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ... ژ ژsژ (المعارج: 19 - 22). إذا بسط له في الرزق شكر، وإذا قدَر له فيه كفر ژگ گ گ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہہژ (الفجر: 15 - 16).
ولكن الله سبحانه وتعالى - وهو أدرى بخلقه - يريدهم دوما على حال واحدة من الإيمان والتسليم بقضائه وقدره، سواء في حالة الخير أم في حالة الشر، ليكونوا دوما قريبين من ربهم، يُذِلون له رقابهم ووجوههم، ويرضون بحكمه وقضائه، وتلك هي قمة الإيمان، بل هي قمة السمو في درجة الاستسلام المطلق، والرضى الحقيقي، ومن ثم قال الرسول ح «الصبر شطر الإيمان، واليقين الإيمان كله».
فعلى الإنسان أن يوطّن نفسه في هذه الدنيا على قبول ما يأتيه من عند الله خيرًا كان أم شرًّا، على أنه امتحان دائم استعدادًا للجزاء الأخروي في كل حال من حالاته؛ في الصحة والمرض، في الغنى والفقر، في الشباب وفي الشيخوخة، في السعة وفي الضيق، في العافية وفي الخوف، في الجوع وفي الشبع، في الظمأ وفي الري. وليعلم أن الامتحان والابتلاء عند النعم أشد على النفس الإنسانية من الابتلاء عند غيرها، لأن النعمة مدعاة لنسيان المنْعِم ژگ گ ... ? ? ? ? ? ... ? ? ? ... ں ں ??ژ (العلق: 6 - 8). (1/87)
صفحة 88
ولكي نعيش سعداء مؤمنين قانعين بما قدر الله، علينا أن نؤمن في البداية والنهاية بأن إليه المآل والرجعى، راضين بما قدر وقضى، فإن الطمأنينة النفسية تتعلق بالاستسلام لله وحده ژ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژs s ک ... ککژ (الجاثية: 36 - 37).
لقد تأملت في آيات الابتلاء في القرآن فوجدت أن من أعظم حِكَمِها على الإطلاق أن جعلها الله مدرسة عظيمة يتخرج فيها المؤمنون الصابرون، وأن من أعظم موادها الصبر عند الابتلاء، وهي مدرسة يدخلها كل المؤمنين فينجح من ينجح، ويرسب من يرسب، كل حسب ما أعطاه الله من صبر. ووجدت أن المتفوقين في هذه المدرسة هم الأنبياء والصالحون، ثم الأمثل فالأمثل حسب تعبير الرسول الكريم، والعجيب في أمر هذه المدرسة أن جعلها الله ليتعلم فيها كل تلميذ من زملاءه؛ أي ليكون كل واحد فيها قدوة للجميع، فيتعلم قبل كل شيء مادة الصبر، والدليل على ذلك أن جعلها الله للمؤمنين بعامة وللرسول الكريم بخاصة، بدليل ما جاء من قصص الأنبياء والصالحين فيها، فكل قصص الابتلاء إنما هي تثبيت لفؤاد رسول الله حتى يصبر لكيد الكافرين وأذى المشركين، ويحذّر المنافقين ژ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ?? ... ?ژ (هود: 120).
وبعض الأنبياء جعلهم الله مضرب المثل في الابتلاء ليتعلم من سيرتهم الرسول الكريم كما جاء ذلك في قصة يونس؛ ليعتبر منها المؤمنون، وليجعلها مثلا لرسوله الكريم محمد ح حيث وجه إليه الخطاب قائلا: ژ? ? ... ? ? ? ? ... ? ... ? ? ... ژ ژ s s ک ... ک ک ک گ گ ... گ گ ? ? ? ? ??ژ (القلم: 48 - 50). فالمثال واضح، والنموذج صريح لنتعلم منه الصبر عند الابتلاء، ودرجة النجاح والإخفاق في الامتحان مبنية على مقدار الصبر، وهو ممَّا يتفاوت فيه الناس بطبيعة الحال؛ الأنبياء المتفوقون، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل حسب تعبير الرسول ح. (1/88)
صفحة 89
ومن أعظم قصص الصبر في الامتحان الواردة في القرآن إذ جعلها مدار العبرة في التقوى والصبر؛ قصة يوسف عليه السلام - كما أسلفنا - ومن حكمة الله أن جعلها قصة متسلسلة كاملة تحكي قصة الصبر من بدايتها إلى نهايتها غير مجزأة ولا مبتورة، وقد انفردت وحدها بهذا الأسلوب الشيق المعجز الذي يمتلك كل من يقرأها، ولا يستطيع من أسْرها انفكاكًا، إلا أن يطّلع على كل تفاصيلها المفاجئة الرائعة.
وقد توّجها الله سبحانه وتعالى لتكون عبرة للمؤمنين بعد والرسول الكريم بخاصة، حيث خاطبه بقوله في مفتتح السورة: ژ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (يوسف: 3). ثم يختمها بقوله - والخطاب موجه للمؤمنين - ژ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ... ??ژ (يوسف: 111).
الابتلاء نعمة أم نقمة؟
سبق أن قلنا إن للابتلاء وجهين؛ وجه هو نعمة، ووجه هو امتحان وابتلاء وفتنة، وسبق أن تعرضنا للوجه الذي هو امتحان واختبار بتقديم صور ومشاهد من القرآن الكريم لأبينا آدم وابنيه قابيل وهابيل، وسيدنا نوح شيخ المرسلين، وخليل الله إبراهيم، ومن قصة موسى مع فرعون، ثم مع بني إسرائيل، ومن محن يوسف الصديق وصبره وتقواه، ومن سيد الصابرين أيوب؛، ومن ابتلاءات سيد الخلق أجمعين؛ محمد خاتم النبيين والمرسلين، فكيف يكون الابتلاء في حد ذاته نعمة؟
أولا: من أجلِّ نعم الابتلاء أن يجعلك قريبا من الرحمن بذكرك له واستجارتك به، فقد جعل الله الابتلاء محكا للإيمان الصادق والكاذب ژ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ... ھ ... ھ ے ے ? ? ?? ? ? ? ... ? ? ??ژ (العنكبوت: 2 - 3).
فالإيمان وحده لا يكفي دون صبر ومجاهدة دائمين ثابتين أمام مصائب الدنيا وتقلباتها، ودون تسليم الأمر في ذلك لله وحده. (1/89)
صفحة 90
وسر الإيمان وحلاوته في أن تفوّض أمرك كله لربك خيره وشره، وفي هذا المعنى يقول الرسول الكريم: «إن الله إذا أحب عبدا ابتلاء ليسمع تضرعه وشكواه». روى ابن ماجه عن سعيد الخذري قال: دخلت على النبي وهو يوعك، فوضعت يدي عليه فوجدت حرّه بين يدي فوق اللحاف، فقلت يا رسول الله: ما أشدها عليك، قال: إنا كذلك يضعّف لنا البلاء ويضعّف لنا الأجر، قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، قلت: ثم من؟ قال: ثم الصالحون، إن كان احدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحوبها (أي يشتمل بها).
ثانيا: الابتلاء يجعلك تتذكر نعم الله عليك، مقدرًا فضلها فتشكره، فإذا مرضت تذكّرت الصحة، وإذا خرفت تذكّرت نعم العقل، وإذا افتقرت تذكرت نعمة المال، وإذا تغربت تذكرت نعمة الأهل والوطن، وإذا تعبت تذكرت نعمة الراحة، وإذا انشغلت تذكرت نعمة الفراغ، وهكذا يكون ذلك باعثًا لك لتقدير المنعم، محفزًّا قويًّا لنفسك لتعيش أبدا مع الخالق الرازق، بذكرك له وشكرك لأفضاله ليفيض عليك من نعمائه، ويسبغ عليك من آلائه ژ ? ? ??ژ. ژ ?? ... ? ? ? ? ??ژ (المائدة: 89). ژ ? ? ? ? چ چ ... چ چ ? ? ??ژ (غافر: 61). والتذكير من هذا الجانب في حد ذاته من نعم الله لأن الغفلة من أحابيل الشيطان، وعدم الحاجة إلى الله مدعاة إلى الطغيان ژ گ ... ? ? ? ? ? ... ??ژ (العلق: 6 - 7). (1/90)
صفحة 91
ثالثا: الابتلاء يكسر شِرَّة نفسك، ويلوي طغيانها، ويلجم أهواءَها، ويجعلك ذليلًا محتاجًا متواضعًا لربك، أولا محتاجا للناس من حولك، ثانيا مقدرًا معروفهم، متذكرًا أفضالهم، وبذلك تضع نعمة الأهل والإخوان والأصدقاء والشركاء في محلها اللائق بها؛ لتقابلها بما تستحق من أياد ومزايا، فتحسّن أخلاقك في معاشرتهم، وتليّن جانبك في التقرب منهم، وتعلم وتتيقّن أن الدنيا يوم لك ويوم عليك، وأن الإنسان خلقه الله ليكون اجتماعيا متعاونا، وأن أقربهم مكانة عند الله أحاسنهم أخلاقا، وأن أحبهم إليه أحبهم إلى خلقه.
رابعا: إن الابتلاء ميزان دقيق لنفسك الأمارة بالسوء، فلا يغرنك ما أنت فيه من نعمة فتطغى، ولا يعجبنك ما أنت عليه من طاعة فتشقى، لأن ذلك من أيسر مداخل الشيطان إلى نفسك. فقد أقسم على الله أن يأتي عباده عند الطريق المستقيم ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ s s ک کک ک گ گ گگژ (الأعراف: 16 - 17).
ثم إن الابتلاء يثبت خطواتك في الصراط المستقيم المؤدي إلى جنات ربك، فلا تضع الدنيا فوق مكانتها التي أعطاها الله، ولا تنظر إليها من مناظير الشيطان فتجعلها ميزانا لرضى الله بما أعطاك من خيراتها الفانية، فإن كثيرا من الناس يحسبون نعمة المال مثلا دليلا على رضى الله بهم، يقيسون نجاحهم بعطاء الدنيا لهم، وقد أوضح الله خطأ هذه النظرة حيث يقول: ژ? ? ... ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S S S S ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? چ ... چ چ چ?ژ (الإسراء: 18 - 20).
خامسا: تيقن يقينا جازما أنك إذا صبرت لابتلاءات ربك محتسبًا أجرك عنده فإن جزاءك عنده هو جنات الخلد حيث النعيم المقيم، مصداقًا لقوله تعالى: ژگ ? ... ? ? ? ? ? ... ? ?ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھژ (الشورى: 20). (1/91)
صفحة 92
وقد أكدت الأحاديث هذه الآية الكريمة حيث يقول الرسول ح: «من أخذت حبيبتيه (أي عينيه) فصبر عوضته له بهما الجنة». وفي حديث آخر: «من سلبت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسب عوضته الجنة».
وعن النبي ح قال: «ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب (مرض)، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفّر الله بها خطاياه (1).
فالجزاء من عند الله للمؤمن الصابر كبير عظيم، أكان في سرّاء شاكرًا، أم كان في ضراء صابرًا، إن الجزاء في النهاية هي الجنة، فمرحى ويا هناء الصابرين.
نصائح لمواجهة الابتلاء
أولا: تسلح بالإيمان بقضاء الله وقدره، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن الخيرة دوما فيما اختار الله لك ژ? ? ? ? ? ? ??ژ (الملك: 14).
ثانيا: واجه الحالة التي تكون عليها إن خيرًا وإن شرًّا، بالتسليم المطلق، والطمأنينة النفسية، فإن الرضى القلبي هو سر سعادة الإنسان، وقلقه وتمرده على خالقه هو مدعاة الأمراض كلها.
ثالثا: تذكّر دوما إن الصبر عند الابتلاء هو مفتاح الفرج، وأنه هو الدواء الذي قدمه القران لرسوله الكريم، وللأنبياء والمرسلين من قبله ژ? ? ? ? ? ??ژ (الزمر: 10)، واجعل شعارك أبدا قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ں ں ? ? ... ??ژ (يوسف: 90). ژ? ? ? ? ... ???ژ (النحل: 127).
رابعا: تذكر أن مصيبتك مهما تشتد فإن أناسا من حولك مصابون أكثر منك، واستحضر ابتلاءات الأنبياء والصالحين، وتأس بهم، وقل الحمد لله الذي لم يصبني في ديني وعقلي تهن مصيبتك، فهي أهون من غيرها في كل حال.
خامسا: أكثر من ذكر الله، واجعل لسانك رطبا به، وتيقن ژ ? ? ... ? ? ??ژ (الرعد: 28). وتذلّل إليه بالصلاة، وأكثر من الدعاء في خلواتك ولا سيما في الثلث الأخير من الليل، ولا تيأس من الدعاء تَرَ حلاوة ذلك في نفسك، ونورًا في قلبك بحول الله.
__________
(1) - رياض الصالحين، الحديث: 32و 34و 37، ص: 38. (1/92)
صفحة 93
سادسا: لا تفكر إطلاقا فيما أصابك، واجعل ذلك من الماضي، وانظر إلى مستقبلك بتفاؤل وانطلاق وبشر، ولا تقل: «لو فعلت كذا لكان كذا»، فإنّ لو تفتح عمل الشيطان، وتذكر ما يقوله أحد المتخصصين في الأمراض العصبية: «أنت لا تصاب بالقرحة بسبب ما تتناول من طعام، ولكن بسبب ما يأكلك من هموم نفسية».
سابعا: إذا ابتليت بمرض في جسدك فانظر إليه من وجهه الإيجابي لا السلبي، ومن مزاياه الإيجابية ذلك الجو الروحاني العجيب الذي يجعلك - برضاك وإيمانك - قريبا من الله دوما. ومن مزاياه عليك أن تكون دعوتك مجابة، وحسناتك مضاعفة، وعملك الصالح محسوبا لك كما لو كنت صحيحا معافى بحول الله.
ثامنا: أخيرًا أهدي لك أخي المؤمن بعامة ولكل مريض مزمن هذين البيتين استوحيتهما من تجربتي مع مرض القصور الكلوي:
إذا نزل البلاء سمَوْتُ صبرًا ... لِعلْمي إنّما فيه الجزاء
وعلمي أنّ لي أجلًا سيأتي ... ورزقي ليس يُنقِصه البلاء
فلي في الصالحين أجلّ درس ... يجمِّله التّصبّر والعناء
والحمد لله أولا وأخير.
} - - {
آداب الإنفاق في القرآن
مكانته وبركته
عناصر البحث
- مدخل إلى الموضوع.
- مكانة الإنفاق والمنفقين في القرآن.
- ابتغاء مرضات الله.
- إبطال الصّدقة بالمنِّ والأذى.
- صفات المال المبذول.
- الإنفاق سرّا أم علنا؟ أيُّهما أفضل؟!
- ثواب المنفقين في سبيل الله عظيم.
آداب الإنفاق في القرآن
مكانته وبركته (1/93)
صفحة 94
نلحظ منذُ البِّداية أنَّ القرآن الكريم احتفَى بخُلّةِ الإنفاق احتفاء عظيمًا، فَذَكَرَهُ في عدَّة مواضع من سور القرآن، ولكنّه خصص له آيات عديدة متتابعة من سورة البقرة (الآيات:261 - 274). نقرأ فيها تشريعا كاملا، وتنظيما ربّانيًا دقيقًا لكل آداب الإنفاق في المجتمع المسلم، وهو ما يسمّيه بعض الكتّاب؛ نظام الاقتصاد الإسلامي. والواقع لمن يتأمل يلحظ أنّ الأمر يتعدى الاقتصاد إلى جوانب اجتماعية مهمة تمسُّ حياة المسلم وتزكِّيه وتطهره، إذ أنَّ مفهوم الإنفاق كما نرى من الآيات لا يتعلّق بالمال وحده، بل يتعدّاه إلى كل جوانب الإنسان الأخرى، فالإسلام يطلب من المسلم أن يكون غيريًّا لا أنانيًّا، يُفِيضُ من خير ما أعطاه الله على جميع المسلمين من حوله، فالذي أعطاه الله علما أنفق منه حتّى يزداد علمه، ويتوسّع ويُفيد به المجتمع بجميع طبقاته، والذي أتاه الله صحّة أنفق منها في معاونة إخوانه المسلمين بل إخوانه من بني الإنسان بعامّة، وتلك هي زكاة الصّحة والعافية والمعافاة، ومن أوتيَ جاهًا قدّره الله عليه أنفق منه لينفع به الملهوفين، والحيارى، والسّاعين لقضاء حوائجهم الدنيوية، ومن نفَّسّ على مؤمن كُربةً، نفّس الله عليه كربةً من كرب يوم القيامة. وهكذا فإنّ الإنفاق لا يخصُّ الجانب المالي المادِّي وحسب، ولو أنّه يأتي في مقدِّمة هذه الأنواع كلها.
فكيف نظر القرآن إلى مكانة الإنفاق في المجتمع؟
نلحظ منذ البداية إلى أنّ آيات سورة البقرة التي أشرنا إليها سابقا قد اهتمّت بالإنفاق في كل جزئياته وتفصيلاته، فنجد في العنصر الأول: الإنفاق لمن؟ أو بعبارة أخرى من هو الأولى بالإنفاق في المجتمع الإسلامي.
وممّا يشد الأنظار في عناية القرآن بالإنفاق طول التّوجيه إلى الإنفاق، وتنوع أساليب الترغيب والتّرهيب بصدده، لندرك بعض مقاصد القرآن من الإنفاق وهي تتجلّى فيما يلي: (1/94)
صفحة 95
أولا: إنّنا نلحظ أنّ من أهم ما لفت إليه القرآن الأنظار وهو يزرع فيها حبّ الإنفاق في سبيله، أن ربط هذه الخلّة الكريمة بالإيمان بالله، أو بعبارة أبسط وأظهر ابتغاء مرضاة الله وحده لا غيره، مهما تكن هذه الغيرِيَّة حالة ماديّة أو معنويّة.
وقد جاء هذا النداء في القرآن مرتبطا دوما بهذه الحقيقة الكبرى وهي أساس الدّين ژک گ گ گ گ ... ? ... ? ?? ? ? ? ... ? ں ں ??ژ (الحديد: 7)، «والمخاطبون هنا هم مسلمون، ولكنّهم يُدعَوْن إلى الإيمان بالله ورسوله، فهي إذن حقيقة الإيمان يُدعَونَ لتحقيقها في قلوبهم بمعناها، وهي لفتة دقيقة وهم يدعون إلى الإنفاق، ومع الإنفاق لمسة موحية، فهم لا ينفقون من عند أنفسهم إنّما ينفقون مما استخلفهم الله فيه من ملكه» (1).
ثانيًا: الإسلام أدرى بطبيعة النّفس البشرية، وما يخالجها من الشّح بالمال، وحاجتها إلى التّحريك المستمر، والاستجاشة الدّائمة، لتعتلي على هذا الحرص، وتنطلق من هذا الشح، وترتفع إلى المستوى الكريم الذي يريده الله للنّاس.
فإن المتأمل في آيات القرآن يلحظ كيف أنّ الله يقدّم دائما الجهاد بالمال على الجهاد بالنّفس، علمًا منه بفطرة الإنسان الدّافعة إلى البخل والشّح، إذ يقول: ژچ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ... ھژ (الأنفال: 72).
ويقول: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ??ژ (التوبة: 20). ويقول: ژ? ? ? ? ? ... ? ? ?? ?ژ (التوبة: 88).
ويقول: ژ ? ? ? ? ... ? ? S SS ... ?ژ (النساء: 95).
وهكذا نلحظ هذا التقديم المفضّل المقصود، ولا شَكَّ من القرآن لأفضليّة الجهاد بالمال أولًا، ثمّ بالنّفس ثانيًا، وهذا لما للإنفاق المالي من كرم يشمل النّاس جميعا؛ لأنّ الجهاد يحتاج إلى من يمّوِله بالمال، والكراع، والسِّلاح، وهذا أمر لا يخفى.
__________
(1) 1 - في ظلال القرآن، ج7، ص722. (1/95)
صفحة 96
ثالثًا: ما كان يواجهه القرآن من هذه الطبيعة العربية التي اشتهرت شهرة عامة بالسّخاء والكرم، ولكنّه كان سخاء وكرمًا يقصد به الذِّكر، والصّيت، وثناء النّاس. فلم يكن أمرًا ميسورًا أن يعلمهم الإسلام أن يتصدّقوا دون انتظار لهذا كلِّه، متجرِّدين من هذا كلِّه، متّجهين لله وحده دون النظر إلى الناس، وكأن الأمر في حاجة إلى التربية الطويلة، كما سنرى فيما يأتي (1).
إنّ المجتمع الإسلامي الذي يريده القرآن الكريم؛ هو المجتمع المَبنِي على التّكامل والتعاون، والتَّعاضد؛ المجتمع الذي ينظر فيه كل فرد إلى الجماعة، ويضع نفسه في خدمته بكل إمكاناته التي وهبها الله له، فالمال فيه حق الجماعة، والصحة فيها حق الجماعة، والعلم فيه حق الجماعة، ولذلك سنَّ شرائع تدعو إلى إنفاق هذه المواهب بما يعود بالمصلحة على الكل.
وهو ما جعله - لأهمية المال في نظام هذا المجتمع - يفرض زكاة الأموال وعدَّها الركن الثَّالث بعد الشهادة، وحثَّ إلى جانب هذا الفرض على التطوع بالإنفاق، لأنّ الله أدرى بطبيعة عباده الشحيحة الأنانية، وقد عالج القرآن هذه النوازع الشيطانية بحكمة وتعقُّل، بأساليب مختلفة هي الترغيب حينا، والترهيب حينًا آخر، كما سنرى في هذه الآيات التي نحن بصدد التأمل فيها.
ولكي يترسّخ المشهد في الأذهان، ويوقظ الأحاسيس الإيجابية التي يريدها الله من عبده المؤمن عند الإنفاق، يورد ما يقابله من مشهد، ويضعها على خُلّتين اثنتين هما ما يتطلّبه الله من المنفِق المؤمن؛ وهما ابتغاء مرضات الله، وتثبيت النّفس، لأنَّ الإنفاق مواجهة دائمة بين المؤمن والشيطان، وصراع مستمر بين نوازع النفس الأمارة بالسوء، ورغبات النفس المؤمنة المتطلِّعة دوما إلى رضى الله. مجاهدة للنفس، ومغالبة للشّيطان، ژ ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ژ (البقرة: 268).
__________
(1) 1 - في ظلال القرآن، ج1، ص 460. (1/96)
صفحة 97
والواقع أنّ القرآن اهتم منذ البداية بمكانة المنفقين في سبيل الله، وما أعدّه لهم من خير عميم، وثواب جزيل، فرغّب بذلك المؤمن بهذا التنويه، وقدّم القرآن لذلك صورة رائعة من مشاهده الآسرة حتى يقرب الصورة من أذهان المؤمنين، وذلك دأب القرآن بتقريب المشاهد المجرّدة بالأمثلة الواضحة والصور الناطقة التي لا يمكن أن تخفى على الإنسان العادي، لأنها مستقاة من حياته الواقعية المعيشة، وذلك حيث يقول تعالى: ژچ ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ژ ... ژ s sک ک ک ... ک گگ گ گ ??ژ (البقرة: 261). كل متأمل في هذه الصورة التمثيلية الرائعة، يدرك بأنّ الإنفاق ليس له حدود أجرًا أو مثوبة، فعلى الرّغم من أنّ المنفق يعوض الله عليه مقابل كلِّ حسنة واحدة ينفقها بسبعمائة ضعف، فإنّ هذه المضاعفة الغنيّة الواسعة لم تقف عند حد حسابي مادِّي ينتهي عنده العدُّ، ولكن الأجر يتضاعف عند الله بإرادة الله إلى ما لانهاية، لأنّ الجزاء عندئذ يكون من عند الله الغنيِّ الحميد، لأنّ فضله واسع وهو عليم بخفايا الصّدور ونيات الناس عند الإنفاق، أيريدون بها وجه الله؟ أم يريدون مبتغى آخر من المبتغيات الدنيوية المادِّية المحدودة؟
إنّها صورة بسيطة واقعيّة، ولكنّها غنيّة حيّة بالمشاعر والأحاسيس، فبقدر ما تصف واقعا يعرفه كل النّاس حتى البسطاء منهم، فإنّه هُنا يعلِّمنا منذ البداية على أنّ النّية في الإنفاق تسبق الفعل وتقوِّيه، وتُؤازره، وتبني عليه، إذ لا مكانة عند الله لنفقة يريد صاحبها ما عند النّاس كما سنرى ذلك فيما يلي من الآيات التي تحتفي بهذه الجزئيّة القلبية المهمة؛ وهي من أساسات العقيدة المحمّدية.
وقد ذكر العلماء سبب نزول هذه الآية الكريمة، وأغلبهم يقول إنّها نزلت في ثالث الخلفاء الرّاشدين عثمان بن عفّان - رضي الله عنه -، فقد قال الكلبي نزلت في عثمان ... (1).
__________
(1) 1 - د. وهبة الزحيلي، التفسير المنير، ج1، ص: 42.
2 - ينظر المصدر السّابق، نفسه. (1/97)
صفحة 98
فهذا النموذج الحي من الصّحابة الكرام كانوا مضرب المثل في السّخاء، والبذل في سبيل الله.
وموقف عثمان - رضي الله عنه - فريد عجيب، حيث كان المثل الأعلى في ساعة العسرة؛ إذ جهّز المسلمين بألف بعير بأقتابها، وأحلاسها، وتصدق برومة (ركية كانت له على المسلمين)؛ أي بئر كان وقفها في سبيل الله.
وقال سعيد الخدري: رأيت رسول الله ح رافعا يده يدعو لعثمان ويقول: «يا رب إن عثمان بن عفّان رضيت عنه فارض عنه». فما زال رافعا يده حتّى طلع الفجر (2). والذي نستفيده من هذا الخبر ليس ذكر الصّحابي فلانا أو علّانا (رضوان الله عليهم جميعا)، ولكن الذي يهمّنا بالنسبة لموضوعنا هو أنّ الله وضع أمام أعيننا نماذج إسلامية حيّة متحرّكة لفضل الصّداقة وإنفاقها في سبيل الله، ليقتديَ بها المسلمون من بعدهم، وهم قدّموا أمثلة رائعة في البذل والسّخاء، وحب الآخرين، وإيثارهم على أنفسهم، ووضعوا المال في مكانه الصّحيح، وتعاملوا معه كما يريد الإسلام على أنّه وسيلة لا غاية، فقد رزقهم الله ذلك المال الواسع، فأعطوه في سبيل الله رضيّة بها نفوسهم، في كيفية مُدهشَة وكرم واسع ... ويكفي عثمان - رضي الله عنه - أن يكون جزاءه رضى الله ورسوله عنه، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
وجهان متقابلان:
إنّ القرآن جاء ليُقدّم لنا الصّورة الحقيقيّة لما يجب أن يكون عليه الإنفاق، والصِّفات التي يحبُّها الله ويشترطها في المنفق، حتّى يكون إنفاقه على الوجه الأكمل الذي حدّده الله وأوضح سبيله.
وممّا لا شكّ فيه أنّ الإسلام عندما جاء جَبَّ العادات والتقاليد والأعراف التي لا تتماشى مع روح الإسلام السّمحاء؛ وهي أن تكون الأعمال تزكيّة للنّفوس قبل أيّ اعتبار آخر. (1/98)
صفحة 99
فإنّ العرب كانوا مشهورين بين الأمم بالكرم الحاتمي. وفي التُّراث الجاهلي قصص مدهشة تملأ النّفس إعجابا بما جبل عليه العرب بعامّة والبَدو منهم بخاصّة من خصائص البذل والسّخاء، والإيثار، ولكن العرب كانوا ينفقون حميّة، وينفقون رياء، ويطعمون الطّعام من أجل سمعة القبيلة بين القبائل افتخارا بها وبمكانتها، والأدب العربي الجاهلي مملوء بهذه القصص والشّخصيات الأدبية المشهورة بالكرم والسّخاء، معروفة مشهورة أيضًا.
فكان لا بدّ أن يبدأ القرآن من هذه الظاهرة تصحيحًا للمفاهيم، وإرساء لأسس الأعمال الصّالحة التي يُبتغى بها وجه الله وحده. حيث يقول: ژ? S S S S ? ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ... ??ژ (النساء: 39). وما من شكّ أيضا في أنّ المرء المنفق يواجه أول ما يواجهه نفسه التي بين جنبيه نفيًا للأثرة، والشّح، والأنانيّة ژ ? ? ? ? ? ? ??ژ (الحشر: 9). وتلك هي الخلال أو المشاعر السيئة التي تقضي على أجر الإنفاق وثوابه عند الله، لأنها مدخل خفي من مداخل الشّيطان إلى النفس الإنسانية، وقد جاءت الآية الكريمة في هذا السّياق صريحة مُزلزلة حيث يقول تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ?? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ??ژ (البقرة: 264).
وهذا انتقال لا فت لمخاطبة المؤمنين بواسطة المشهد الحافل بالصور ليؤثر في القلوب، فيزداد المؤمن إيمانا، ويتعظ الكافر ويتمثّل عاقبة الكفر بالله، وإشراك غير الله في الأعمال؟! (1).
__________
(1) 1 - في ظلال القرآن، مصدر سابق، ص 445.
2 - التفسير المنير الجزء الأول، ص 48. (1/99)
صفحة 100
وعلى المتأمِّل أن يركِّز نظره، وفهمه، وتذوقه، في هذه الجزئية النّابضة بالحيوية والإثارة، كمثل صفوان (حجرة ملساء) عليه تراب يُنتظَر منها الإنبات والاخضرار، فإذا بها وقد أصابها مطر وابل تجرف تلك الطبقة الخفيفة من التراب، فلا يبقى على الحجر الأملس إلا الخسارة والإحباط. وأي مؤمن له مشاعر وأحاسيس يرضى لنفسه هذه النِّهاية المؤسفة؟ وكفى المنان خزيا أن يشبه حاله بحال المنافق المرائي، فقد اشتركا في صفة يبطل الله بها الأعمال ويمحقها محقا وهو إشراك غير الله في طلب الثّواب (2).
ولخطورة المنِّ والأذى، ونسفه للصدقة وثوابها، أن عدّه بعض العلماء من الكبائر التي يحرمُ فاعلها الجنة، ففي حديث عن رسول الله ح ثلاثة لا يدخلون الجّنة: العاق لوالديه، والمدمن للخمر، والمنّان بما أعطى.
إنها صورة تتجلّى فيها الحسرة والنّدامة، ويَمثُل فيها الإحباط والخسران من خلال ما خيِّل لصاحبه أنّه الأجر والإحسان.
صخرة صمّاء صلدة عليها حفنة من تراب تكاد تغطِّي وجهها، وينظر الرَّائي الذي لم يتعهد أغوارها ويحسبها صالحة للإنبات، وقد نبت على وجهها ذاك حشيش مهين، أو نبات ضعيف، ولكن حقيقتها تتكشف حين تتعرض فجأة لمطر غزير (وابل)، فيمسح ما على وجه الصّخرة الملساء من تراب، فيعريها على حقيقتها، تماما كما عَرَّتِ الصَّدقة لغير وجه الله أولئك المرائين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، ولا ينفقون ما أنفقوه في سبيله، فكان الجزاء من جنس العمل، لأنّ الصّدقة التي لا يُبتَغَى فيها رضى الله، ورسوله، والآخرة، ولا يقصد منها نفع عباد الله، تسوء سبيلا، وهي لا شكَّ نِهاية مؤلمة مُحبطة أسيفة.
ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S SS S ? ? ??ژ (البقرة: 265). (1/100)
صفحة 101
إنّ الوابل الذي مرّ معنا في المشهد المقابل من الصورة هو هو، ولكنّه هنا يُجتنَى جنّات خضراء في أجمل ربوة، وأعلى مكان، وتتنزل خيراته عميمة، وثماره كثيرة، وتتضاعف ثمارها وبركاتها، والوابل في الصورة المقابلة عامل من عوامل الإحباط، والخسارة، والندامة.
إنّ هذا التَّقابل في حد ذاته يفتح أمام المتأمل المتذوق ألوانا من البهجة والارتياح إذا أُريدَ بالإنفاق وجه الله، أو تصبح أمامه أحاسيس للخذلان والإحباط إذا كان من الفئة الأولى الذين غلبهم الشّيطان.
على أنّ الإنفاق الذي يُرِيدُه الله من عباده المؤمنين لا يتعلق بالمال وحده؛ إذ المال ليس متوفرًا بأيدي الناس جميعا، وإنما يوجِّه الله نظر المؤمنين إلى نفقة معنويّة روحيّة من شأنها زرع المحبّة بين المؤمنين، وبذر العطف والرّحمة بين أُسَرِهم، وبذلك تَنتَفِي نوازع الشحناء والبغضاء من بينهم، وكثيرا ما كان المال دافعا إلى تأريث العداوة حتّى بين الأشقّاء أنفسهم.
ژ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ??ژ (البقرة: 263). هذه الصّدقة هي التي يستطيعها كلّ مؤمن، إذ لا تكلِّف أجرًا، ولا جهدًا، ولا مشقّة.
والقول المعروف كما يقول العلماء: هو الدُّعاء، والتَّأنيس، والرّجاء بما عند الله، وهذه كلّها تُدخل على قلب المحتاج الرِّضى والطمأنينة، فإنَّ تلقِّي السّائل الملهوف بالبشر والتّرحيب، ومقابلته بالطّلاقة والبشاشة، ليكون مشكورًا إن أعطى، معذورًا إن منع (1).
وهو ما تؤكّده الآية الكريمة تخاطب رسول الله ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ??ژ (الإسراء: 28).
ومهما يكن موقف السّائل المحتاج الذي قد يتّصف أحيانا - تحت ضغط الحاجة - بالفظاظة أو الجفاء، فإن على المنفق المؤمن ألا يقابل ذلك كله إلّا بالتّسامح والمغفرة، والمراد بها ستر سوء حالة المحتاج، أو التّجاوز عن السّائل إذا ألحّ، وأغلظ، وجفى (2).
__________
(1) 1 - يراجع التَّفسير المنير، ج1، ص 49.
2 - المصدر نفسه. (1/101)
صفحة 102
بعد تزكيّة النّفس المنفقة، يتّجه إلى جزئية مهمّة أساسيّة يغفل كثير من النّاس عنها وهي:
صفات المال المبذول؟
يقول الله سبحانه وتعالى: ژگ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے ? ??ژ (البقرة: 267).
ما من شك في أنّ الله طيِّب لا يقبل إلا طيّبًا، فإذا كان المنفق ينوي بصدقته أن يضعها في يد الله الذي رزقه وقدَّره، فعليه أن يراعي هذا المقام الأسنى، والرَّجاء الأعلى، ليقدم صدقته من حلال ما اكتسب بعرق الجبين، سواء من جُهدٍ بذَلَهُ، أو من خيرات أفاءها الله عليه من طيِّبات الأرض، وأحيانا تكون دون مشقّة أو نصب أو جهد، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقد يخيّل لبعض الناس أنّهم ينفقون مزية، ويتبرعون تفضّلا، وهكذا ينزغ الشّيطان في نفوسهم آمرا إيّاهم بأن يقدّموا الخسيس من أموالهم، أو الرديء من طعامهم، ولو قدّروا أن الصدقة لله وحده، وأنّها توضع في يده، ما جرؤوا على هذا الموقف المشين، والسلوك الأناني المبين.
روى الحاكم، والتِّرمذي، وابن ماجة، وغيرهم عن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، كنّا أصحاب نخل، وكان الرّجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلّته، وكان الناس ممّن لا يرغب في الخير، يأتي الرّجل بالقنوِ (1) فيه الشِّيصُ والحشف (2) وبالقنو قد انكسر فيعلِّقه، فأنزل الله ژگ گ گ ? ? ? ? ? ... ?ژ (البقرة: 267).
فإنّ من تغريه نفسه بتقديم الردئ من ماله أو طعامه لا يستجيب لما يدعوه إليه الإنفاق من تزكيّة النفس، وتطهيرها من شوائب الدُّنيا الراغبة في المال الحريصة عليه ژ? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ... ? ? ? ? ??ژ (آل عمران: 92).
الإنفاق سرًّا أم علنا، أيُّهما أفضل؟!
ژ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (البقرة: 274).
__________
(1) 1 - القنو: عذق التّمر أو الرُّطب.
(2) 2 - الشيص أو الحشف: من رديء التّمر يعطى للدواب علفًا. (1/102)
صفحة 103
على ضوء ما مرَّ بنا من آيات الإنفاق، وما تقصد إليه من تزكية النفوس وتطهيرها، نتساءل عن أيِّ من النّفقتين أفضل عند الله؟ ما ينفقه الإنسان سرًّا دون أن يطَّلع على ذلك أحد إلا الله (ينفق يمينه ما لا تعلمه شماله)، حرصا من المؤمن على ألا يكدر صفو هذا السّخاء من نوازع الشّيطان، وأمراض القلب شيء، إذ الشّيطان يغتاظ من فعل الخير، ويملأ نفسه حنقا وكفرا أن يتعالى المؤمن في طاعته لله إلى هذا السُّمو الرّبّاني الملائكي.
على أنّه قد تكون هنالك حالات يضطرُّ المؤمن فيها إلى إظهار صدقته وهو لا يقصد إلى رياء أو سمعة أو مَحمَدَة، كأن تكون الصّدقة في الصّالح العام مثل بناء المدارس، والمشافي، والمساجد بيوت الله، وتزويج الفقراء المسلمين، وتعليمهم، ومساعدة طلاب العلم الفقراء ليكملوا دراساتهم العليا، والدعوة إلى الدِّين، وجهاد أعداء الإسلام بكل الطرق الممكنة، وهذه يطلق عليها نفقة التّطوع بقصد ترغيب الآخرين في التّصدُّق، وتحميس المجتمع المسلم ليتعوّد على هذا النّوع من الصّدقات التّطوعيّة، وهذا النّوع يفضل بعض العلماء إعلانها وعدم إخفائها.
وأما الصّدقة على الفقراء لسدِّ حاجاتهم فإنّ إسرارها أفضل من إعلانها، سترًا لحالهم، وحفظًا لكرامتهم (1)، وهذه من الأخلاق العالية التي ينبغي أن يتّصف بها المؤمن. ولا سيما عند العلم بأنّ المحتاج الفقير ممن له عزة إسلامية، يفضِّل سِتر حاجته عن النّاس، ويأنف من أن تَتَبذَّل، إيمانا منه بأنّ الله سيرزقه لأنّه هو الرّزاق وحده.
ولنا مثال حي قدمه لنا القرآن الكريم من المهاجرين أصحاب رسول الله الذين تركوا وراءهم أموالهم وأهليهم في مكّة، وأقاموا في المدينة، ووقفوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله، وحراسة رسول الله ح كأهل الصّفة مثلا (2).
__________
(1) 1 - التّفسير المنير، مصدر سابق، ص:70.
(2) 2 - في ظلال القرآن، ص 462. (1/103)
صفحة 104
ففيهم نزل قوله تعالى ژ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ... ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ?? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (البقرة: 273).
هكذا كان القرآن يُرَبِّي المؤمنين على عزة النّفس، والرضى بالقليل، واليقين بما عند الله، وهو درس ولا شكّ لكل مؤمن في كل زمان ومكان، فإن من شأنِ المؤمن أن يتّصف بأخلاق القرآن؛ وقد نوّه الرّسول الكريم بهذه الفئة من الفقراء المحتاجين حيث قال: «ليس المسكين الذي تردّه التّمرة والتمرتان ولا اللّقمة واللقمتان، إنّما المسكين الذي يتعفّف، اقرؤوا إن شئتم ژھ ے ے ??ژ».
فإنّ هذا النّوع من الفقراء وهم موجودون على كل حال في كل زمان ولو على قلّة، ينبغي للمؤمن أن يتعامل معهم بإخفاء الصّدقة، مراعاة لمشاعرهم النّفسيّة، ومكانتهم الاجتماعيّة.
ثواب المنفقين في سبيل الله:
بقدر ما يكون الامتحان صعبا يكون الثّواب جزيلا، والجزاء من جنس العمل هذا هو التوازن الإسلامي الدقيق. إنّ الإنفاق في سبيل الله لا يستطيعه إلا من أوتيَ اليقين والرضى، ورجاء ما عند الله في الآخرة، وبالتّالي فإنّ الله أعدّ للمحسنين المنفقين أجرًا عظيمًا، وأعدّلهم من الثّواب في الآخرة ما أفرغ عليهم من الرضى والطمأنينة النفسية في الحياة الدنيا، وكيف لا يشعر المؤمن بهذه الطمأنينة وهو يعلم علم اليقين بأنّ الله سيكافئه على ما بذله مضاعفًا أضعافا كثيرة في الجنّة؟ على أنّ المال مال الله لا مزيّة فيه لأحد، وإنّما جُعل الإنسان مستخلفا فيما آتاه الله ژگ گ ... ? ... ? ?? ... ?ژ (الحديد: 7). (1/104)
صفحة 105
وضمانة للأجر والثواب العظيمين للمنفقين في الدُّنيا وصف نَفَقَاتهم بأنّها (قرض حسن) حوالي اثنتي عشرة مرّة، وأنّ الله سيضاعف المثوبة، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا يعلم عدّه إلا الله ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ?ژ (البقرة: 245). وزيادة إلى مضاعفة الأجر والثّواب يغفر لهم ذنوبهم، ويثبِّت أقدامهم على الخير والإحسان ژ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ... ??ژ (التغابن: 17). وهذه المعاملة الربانية لعباده تشمل الذكور والإناث على السّواء، إذ لا فرق في الثواب بين ذكر أو أنثى عند الله، على الرّغم من أنّ مجال الصّدقات عادة ما يأتي من الرِّجال أكثر من النِّساء بحكم علاقتهم الاجتماعية ژ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (الحديد: 18).
وقد ربط الله بين الإنفاق وبين الأجر والمثوبة بضمانتين اثنتين هما: الأجر العظيم عند ربِّهم، وألا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وتردد هذا تذييلا لتلك الآيات التي حثَّ فيها على الإنفاق ثلاث مرات متتابعة في سورة البقرة فقال: ژ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ??ژ (البقرة: 262). وللمتذوق المتأمل أن يتساءل عن اختيار الله أن يكون ژہ ہ ہ ھژ ولم يقل عند الله، ولا يخفى ما في هذه المكانة العظيمة من ألطاف إلهية، ومحبة ربانية تُدخِل الدفء والطمأنينة في قلب المؤمن، فالعطاء عطاء الربوبية الشاملة الكاملة ژہ ہ ہ ھژ هكذا إطلاقا وهو ما يشمل مضاعفة الأموال، وبركة العمر، وجزاء الآخرة، ورضوان الله، ژھ ھ ھ ے ے ?ژ لا خوف من أيِّ مَخوف، ولا حزن من أيِّ محزن في الدّنيا وفي الآخرة سواء.
«إنّه التّنافس في ختام الدّستور القويم يوحي بذلك الشمول والتّعميم» (1).
فإن الصدقة زيادة إلى الثواب الأخروي الجزيل، عطاء وسماحة، وطهارة وزكاة، وتعاون وتكافل، والرّبا والشح قذارة ودنس، وأثرةٌ فرديّة ... (2).
__________
(1) 1 - في ظلال القرآن، ح1، ص464.
(2) 2 - المصدر السابق. نفسه. (1/105)
صفحة 106
إن المنفق في سبيل الله هو الرابح الأكبر الذي يُفيض الله عليه من ثوابه دنيا وأخرى، فقد ضمن له الجنة في الآخرة، ونفى عنه الحزن بعد موته عما يستقبله، وأذهب عنه الحزن والألم على ما سلف في الدنيا؛ لأنه يعوِّضه في آخرته بالأجر المضاعف الذي يعجز دونه كل حساب بشري.
إنّه ولا شك ضمان ألا يصيبه مكروه يأتيه من جانب مالهِ بسبب الإنفاق في سبيل الله، فإنَّ الصَّدقة في حدِّ ذاتها حصن حصين للمال من الآفات والمهالك، وذلك وعد من الله، ووعد الله لا يتخلَّف، وصاحبه لا يشقى، ولا تُقصر هذا الطمأنينة على الدُّنيا - حسب رأي بعض المفسرين - بل يشمل الدُّنيا والآخرة جميعهما، وهذا من فضل الله الواسع العليم.
وهذا يذكِّرنا بدقة القرآن وبلاغته العظيمة حيث يذيل آيات الإنفاق عادة بقوله: ژ ... ? ? ??ژ (البقرة: 247)،أو قوله: ژ ... ھ ھ ھھژ (التغابن: 6).
وذلك يرشدنا إلى أنَّ النفقة جزء مما أنعم الله به من رزق على العِباد، وأنه تعالى سيجزيهم بها، ويُضاعفها لهم أضعافا كثيرة، ويخلف المبذول على المنفق لأنّه واسع الفضل والرَّحمة والعطاء.
ويرشدنا أيضا إلى أنّ القصد هو اختبار الناس، فهو لا يأمرهم بالصَّدقة حين العوز، وإنّما حال السعة واليُسر، فكل إنسان مكلف حسب طاقته وقدرته على الإنفاق، وهو سبحانه محمودٌ على كل حال، وعلى جميع نعمه، ومقتضى الحمد والشُّكر تذكّر المحتاج، ومواساة الفقير والمسكين، ومما يرغب في النفقة أن اليد العليا المنفقة خير من اليد السفلى الآخذة (1).
__________
(1) 1 - التفسير المنير، ج1، ص 61. (1/106)
صفحة 107
والمتأمل في هذا الجانب من التَّربية القرآنية يدرك بالتَّعهُد في دراسة هذه الآيات أمرًا أساسيًا تدور حوله تلك الآيات، وتدعو إليه، وترغب فيه؛ وهو بناء مجتمع إسلامي متكامل، متكافل يعمل فيه المجموع من أجل مصلحة الفرد، بل يعمل فيه كل فرد لمصلحة المجموع، وهذا التوازن الرباني هو سِرُ نجاح المجتمع الإسلامي، والابتعاد عنه وعن مغزاه مِمَّا يُقوِّض وحدة المجتمع، وتَعاضُده، وتعاونه، ومحبَّته. والله ولِيُّ التَّوفيق.
الأبيار: 25جمادى الأولى 1437هـ
05 مارس 2016م
} - - {
من خصائص القصص القرآني (1)
من إعجاز هذا الكتاب الكريم تنوع أساليب الخطاب فيه؛ فهو أمر، وهو نهي، وهو إرشاد وتوجيه، وهو تشريع وخبر، وهو قصص للاعتبار والادِّكار، فما يكاد المؤمن يشعر أثناء تلاوته وهو ينتقل بين هذه الأساليب كلها بتأفف، أو ضجر، أو كلل، أو ملل.
وقد شهد الله (عز وجل) على أن القصص القرآني هو القصص الحق الذي ژگ گ گ ? ? ? ? ... ? ?? ? ... ں ں ??ژ (فصلت: 42).
فإذا كانت القصة البشرية أي التي يكتبها البشر تعتمد أساسا على التشويق، والخيال، والحبكة القصصية لضمان التأثير والمتابعة، فإن قصص القرآن تخلو من هذا العنصر بالمفهوم البشري الغريزي الخيالي، إذ تعتمد على ذكر الحقائق الواقعة، والمشاهد التاريخية، ولكن بأسلوب خاص يعتمد أساسا على الحكاية أي المتابعة، ولها علاقة وطيدة بالفعل قصَّ الذي معناه اتباع الأثر، وقد جاءت منه كلمة (القصص).
وأصلها من الفعل (قصّ) أي أتبع وسار على أثره، ومنه جاءت كلمة قصَّ قصَّاص الأثر أي الذين يتبعون مواقع الخطوات، وهي مهنة كانت شائعة معروفة عند العرب منذ القديم. ونجد في القرآن الكريم توظيفا لهذا المعنى الدقيق حيث يقول الله في قصة سيدنا موسى حين خَاطَبت أمُّ موسى أخته لتتبع أثره بعد أن ألقت به في النيل كما أمرها الله بذلك: ژھ ے ے?ژ (القصص: 11)، أي تتبعي أثره واستطلعي أخباره. (1/107)
صفحة 108
وفي سورة الكهف قوله تعالى: ژ چ چ چ چ?ژ (الكهف: 64)، أي رجعا (سيدنا موسى وفتاه) على آثارهما إلى المكان الأول الذي كانا فيه بحثا عن سيدنا الخضر.
وعندما انتهى أمر سيدنا موسى باللقاء مع شعيب وابنتيه كان على سيدنا موسى أن يُطلع شعيبا على حاله وخوفه من فرعون وملإه حيث يقول القرآن: ژ ? ? ? ں ں ... ہژ (القصص: 25). لأنّ القصة هي الأسلوب الأمثل لإطلاع من نتحدث معه على التفاصيل والجزئيات ژ ... ? ? ? ... ?ژ (يوسف: 111). وفي هذا من التشويق مالا يخفى.
إذًا نستطيع القول بأن القصص القرآني هو تتبع ما وقع فعلا، ولا علاقة له بالخيال، والتشويق، والحبكة، وغير ذلك مما هو معروف في القصة البشرية، فما هي خصائص القصص القرآني ولماذا القصة القرآنية؟!
(يتبع)
الأبيار: 09 صفر 1437هـ
18 فيفري 2016م
} - - {
من خصائص القصص القرآني (2)
أولًا: الاعتبار والادِّكار، لأنّ القرآن كتاب هداية. ففي مشاهد قصصه المتنوعة - عن الأمم السابقة أفرادًا أو جماعات - ما يجعل القارئ المتأمل يستوفي تلك الوقائع التّاريخية الحقيقية وكأنه يعيش أحداثها في لحظة التلاوة، وفي هذا ما فيه من أخذ العبرة، والتأسّي، والاهتداء، وإلى هذا المعنى يشير القرآن حيث يقول: ژ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ... ??ژ (يوسف: 111).
ثانيا: تثبيت فؤاد رسول الله ح. إنّ ما قوبل به الرسول ح من جبروت قريش وعُتُوِّهَا، ودسائس المنافقين، وكفران الكافرين، وجحود الجاحدين لرسالة الدين الجديد (الإسلام)، ثم إذاية حامل الرسالة محمد ح بشتى أنواع الظلم في جسده، ونفسه، وصحابته مهاجرين، وأنصَارًا، اقتضى أن يجد في القرآن بلسمًا وشفاء، وسلاحًا فعّالا في هذه المواجهة التي اختلّت فيها الموازين البشرية. وإذا بذلك القصص يُفرج عن نفس محمد ح ما يجد من عناء وجحود ونكران، ويدخل في قلبه التَّأسِّي. (1/108)
صفحة 109
فهذا نوح مع قومه، وذلك موسى مع فرعون وبني إسرائيل، وهذا إبراهيم الخليل مع أبيه والنمرود، وهذا يوسف مع إخوته وأبيه وهذا، وهذا ... ، ففي كل مشهد من هذه المشاهد المتنوعة شفاء للنفس، وتخفيف من الهم، وتشجيع على الثبات والمتابعة والصمود، وفي هذا المعنى يخاطب الله نبيه قائلا: ژ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ?? چ چ چ چ ? ? ??ژ (هود: 120).
ثالثا: الأسلوب الإيحائي الذي تتميز به القصة باعتبارها وصفا لحالات نفسية متنوعة تؤثر في النفس البشرية المتلقّية من حيث تدري أولا تدري، لأن الإنسان من فطرية طبعه يميل إلى هذا النوع من الحكايات المُشَوِّقة، وينفرُ من الأُسلوب المباشر أمرًا أو نهيًا، فالله الذي خلقنا هو أدرى بما يَصلح بنا من الأساليب الكلامية المؤثِّرة.
ژ? ? ? ? ? ? ??ژ (الملك: 14).
الأبيار: 10 صفر 1437هـ
19 فيفري 2016م
} - - {
عظات وعبر
من قصة سيدنا نوح؛
أولا: إن الله يفرغ على عباده الصالحين الصبر واليقين أثناء مواجهة الكفر والضلال، إذا علم من عبده صدق الإيمان، ورسوخ العقيدة، والثبات على المبدأ والمسيرة، فإن نوحا ظل هو هو، لم ييأس ولم يتردد، ولم يشك طيلة 950 سنة، فهو المثال الفذ للدعاة المؤمنين الصابرين في كل آن وحين، طال الزمان أو قصر، اشتد الظلم أو انتصر.
ثانيا: إن الله يكلأ عباده المؤمنين برعايته، ويحفظهم بعنايته، ولو كانوا قليلين أمام الجبروت والطغيان، ولو كان مثل الطوفان ژ? ? ... ? ? ? ? ??ژ (النساء: 141).
فإن نوحا بعد أن مكث في قومه يدعوهم طوال ألف سنة إلا خمسين عاما لم يؤمن به من قومه إلا قليل، بل كفر به أقرب الناس إليه؛ امرأته وابنه ژ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ... ??ژ (هود: 36). ژ? ژ ... ژs ژ (هود: 40). (1/109)
صفحة 110
ثالثا: إن المقياس الرباني هو التقوى والإيمان العميق، الثابت به، ولا علاقة في هذه الهداية بالنسب، أو القرابة، أو الجاه، أو المال، أو أي مظهر من المظاهر الدنيوية الخلابة الأخرى، بل إن رابطة الدين هي أقوى الروابط، وهي الأبقى والأدوم عند الله دنيا وأخرى. فإن نوحا قال لربه حين رأى ابنه يغرق أمام عينيه: ژ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? پپ پ ... پ ? ?? ? ? ... ? ? ? ? ... ?? ? ... S S S S ?? ژ (هود: 45 - 46). وكذلك كان مصير امرأته الكافرة حين اختارت أن تكون معهم في صفوفهم ژک ک ک گ گ ... گ گ ? ?? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ... ہ ھھژ (التحريم: 10). فمن علّم نوحا ليكون نجارا ماهرا يتقن صناعة السفينة الضخمة لتحمل آلاف الأطنان وهو لم ير البحر قط، ولم يزاول هذه المهنة.
إن نوحا اهتدى إلى ذلك بتخطيط إلهي (فأوحينا)، ومساعدة ربانية (بأعيننا) ژ? ? ? ... ? ... ?ژ (هود: 37). فما عليك يا نوح إلا اتباع الأوامر، وتنفيذ الخطة.
رابعا: إن الفرج عندما يُقدِّره الله لعبده المؤمن وتحين ساعته، يُخضِع له كل الوسائل المادية، والمعنوية البشرية الواقعية والغيبية الإلهية، بل ويُخضع له القوانين والسنن الجارية. فإنه عندما استجاب الله لدعوة عبده نوح، وحدد ساعة النصر، أخضع له كل السنن الكونية، فصارت الأرض غير الأرض، واشتركت السماوات والأراضين بطوفان هائل غيَّر وجه الأرض ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... چ چ چ چ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ... ژ ژ s s ک ک ... ک ... ک گ گ گ گ ? ??ژ (القمر: 10 - 15).
الأبيار: 19/ 02/2016م
الرشد الإبراهيمي
يقول الله تعالى في شأن سيدنا إبراهيم: ژ ? ں ں ... ? ? ? ? ... ? ?ہژ (الأنبياء: 51). (1/110)
صفحة 111
إنّ الله يهب من الخصائص النفسية والجسدية والذهنية للأنبياء ما يؤهلهم لحمل الرسالة وتبليغها للناس، وهذا هو الاجتباء والاختيار الرّباني الذي يقدره الله لعباده المخلصين في الأزل عنده، وليس لأحد من الناس أن يجادل الله في أسباب هذا الاجتباء، لأنها أسباب تتعلق بقدرة الله وتقديره، وقد خصص الله سيدنا إبراهيم؛ الذي هو أب المسلمين ژ ? ? ?? ? ? ? ? ? ... ?ژ (الحج: 78)، بالرشد ژ ? ں ں ... ? ? ? ... ہژ (الأنبياء: 51)، والرشد كما يقول علماء التّفسير هو: «اهتداء العقل إلى الأكمل في الصلاح، والأكفى في الخير»، وهذا الاهتداء لا يكون إلا بمعرفة الله وتقديره وحده، وذلك ما تشير إليه كلمة (من قَبلُ) في الآية المذكورة سابقا، ولو تتبعنا ظواهر هذا الرشد عند أبينا إبراهيم لوجدناها تشمل عدة نواحي عنده.
1 - رشد القوة المعنوية الفكرية:
وهي تلك التي تأتي في قمة هذه الأنواع من الرشد لأنها تتعلق بالإيمان وصفاء العقيدة، وإخلاص الدّين لله وحده، فعلى الرغم من نشأة إبراهيم في وسط وثني جاهلي يعبد الأصنام ويتفانى في خدمتها، وعلى الرّغم من أنّ أباه آزر كان من سَدنةِ هذه الأصنام، فإنّ ذلك لم يمنعه، بل لم يُغره أن ينساق لما انساق إليه قومه من الأضاليل والأباطيل، فوقف ضدهم وضدها وحيدًا فريدًا، ولم يخضع قط لسلطة أبيه آزر وضغوطه النفسية عليه، وقد تجلّى هذا الرشد الفكري عند إبراهيم في ذلك الحوار الشيق المثير الذي جرى بينه وبين قومه، وبينه وبين أبيه في سورة الأنعام؛ حيث انتهى إبراهيم إلى موقفه الحنيفي الثّابت قائلا: ژں ں ? ? ... ? ??ژ (الأنعام: 78). والقرآن الكريم جلي بهذه المواقف الإبراهيمية الثّابتة التي من أجلها ومن أجل إخلاصه ووفائِه لها جعله الله للنّاس إماما ژ ? ہ ہ ... ہ ہ ھھ ھ ھ ... ے ے ?? ... ?ژ (البقرة: 124).
2 - رشد القوة الجسمية: (1/111)
صفحة 112
إن المتتبِّع لحياة سيدنا إبراهيم عبر البلاد والأماكن التي تقلّب فيها منذ يفاعته، يجدها تبدأ من العراق، ثم فلسطين، ثم مصر، ثم الحجاز، وهي مسافات بعيدة وأراضي قفار لا يتحمل أمرؤٌ قطعها، والسّير بالوسائل البسيطة بينها إلا من وهبه الله بسطة في الجسم، وقد تمثّلت هذه القوّة الجسميَّة كذلك في كسر الأصنام وتحطيمها وتركها جذاذاً، كما تمثّلت في بناء الكعبة في تلك القفار الخالية المعروفة بقساوة الطبيعة فيها ژ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ??ژ (البقرة: 125).
ژ? ? ? ... ? ? پ پ پ پ ?? ? ? ? ? ?ژ (البقرة: 127). واختيار الله لإبراهيم لِيُتمَّ مناسك الحجّ، وفيها ما فيها من العنت والمشقة دليل على ما يتمتع به إبراهيم من خصائص نفسية وجسمية تُؤهِّله لهذه الريادة الإيمانية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كما أنّ هذه القوّة الجسمية والنّفسية تتجلّى في صبره وتحمله الكبيرين لأذى الجبّارين والظّالمين الذين انتهى بهم الظّلم إلى إلقائه في النّار بعد التّهديد والوعيد الكبيرين، ولكن إبراهيم؛ كان يتحمل كلّ أنواع الابتلاءات والامتحانات، ونجح فيها جميعا بشهادة رب العالمين حيث يقول: ژ? ہ ہ ... ہ ہ ھھ ... ?ژ (البقرة: 124). (1/112)
صفحة 113
وأكبر امتحان تعرض له إبراهيم فدلّ على قوّته النفسية الفريدة؛ موقفه الإيماني العظيم حين أمره الله أن يذبح ابنه إسماعيل وقد رزق به بعد انتظار طويل، وبعد أن صار يافعًا ينفع أباه في تحمل بعض المسؤوليات اليومية ژ? ? ... ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ??ژ (الصافات: 101 - 102)، وهنا تبلغ القمة هذه القوة النفسية التي وهبها الله لإبراهيم الأب وإسماعيل الابن، حينما يَمتثِلانِ طائعيْن لأمر الله وقد حزّ السكين على رقبة إسماعيل، ويأتي المدد الرباني من فوق سبع سماوات تزكيةً، وفوزًا، ونجاحًا، ويشهد الله سبحانه وتعالى على أن ذلك هو البلاء المبين ژپ پ پ پ ? ? ?? ? ? ... ? ? ? ? ? ? S SSژ (الصافات: 104 - 106).
ألا تدل هذه المواقف كلها على رشد إبراهيم الذي قدره الله في ملكوته فاجتبى إبراهيم من أجله ژ? ? ? ? ? ? ? ... ? چ چ چ چ?ژ (الصافات: 109 - 111).
وفي هذه المواقف ما يدعو المؤمنين المسلمين للافتداء والاهتداء ژ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ... ?ژ (الحج: 78).
الأبيار في: 11 جمادى الأول 1437هـ
20 فيفري 2016م
} - - {
أيوب سيد الصابرين
وردت قصّة سيدنا أيوب عليه السّلام، في القرآن مختصرة جدًّا ولم تتعرض إلى التّفاصيل الجزئية، ولكن هذا الاختصار الشّديد كان من أجل التّركيز على المحور الأساس الذي ينبغي على المسلم أن يستخرجه من هذه القصة التي توضح مكانة الصّبر بين الأخلاق، وتبين من خلال محطاتها كلّها على أن من يمتلك خُلّة الصبر، يمتلك الأخلاق الحسنة كلها؛ لأن الصّبر هو سيد الأخلاق، وهو شطر الإيمان كما يقول رسولنا الكريم. فما هي أهم العبر التي نستخرجها من هذه القصّة الطَّريفة؛ قصة سيدنا أيوب مع الشّيطان الرّجيم؟!
- العبرة الأولى: إنّ الشيطان وقبيله لا يؤثران في قلب المؤمن ما دام قلبه عامرًا باليقين، ولسانه رطبا يذكر الله ژ ? ?? ? ??ژ (الرعد: 28). (1/113)
صفحة 114
فإنّ الشيطان الرجيم لا يزعجه ولا يرهقه ولا يغلبه مثل كلمة الاستعاذة بالله ژ ? ں ں ? ? ? ? ? ? ژ (النحل: 98).
وقد أوضح لنا القرآن الكريم على أنّ الشيطان يخنس خنوس الدّابة الذليلة حين يسمع كلمة الاستعاذة، فيَفرُّ هاربًا لا يلويِ على شيء، ومن ثمَّ سمَّاه الله ژ s ککژ (الناس: 4) لكثرة خنوسه وذِلَّته، هكذا بصيغة فعَّال الدّالة على الكثرة والاستمرارية.
العبرة الثانية: إنّ الابتلاء درجات، وجزاء الله يعطيه لعبده المبتلى حسب تلك الدرجة التي يصيبه بها (الأمثل فالأمثل) كما يقول الرّسول ح: فما يُصيبُ الله به العبد في ماله خير مما يصيبه في أبنائه وأهله، وما يصيبه به في بدنه خير مما يصيبه في دينه وعقيدته، فإذا ابتلي المؤمن بأي ابتلاء كان فعليه أن يُوازن بين هذه الابتلاءات، وليحمد الله أبدًا على نعمهِ الكثيرة، وليقارن بين ما يصيبه به الله من ابتلاءات وما يحف به من نعم أخرى كثيرة، وليعلم المؤمن أنّ ما يصيبه مهما كان هو أقل مما يعطيه الله من نعم أخرى كثيرة ژ? ? ? ? ? ?? ... ?ژ (النحل: 18). وإذا وازن المؤمن بين المصائب أدرك بأن كل المصائب تَهُون أمام أن تكون المصيبة في الدين (1)، وذلك ما أشار إليه ربنا في قوله: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ??ژ (ص: 41). فإنَّ الشيطان عندما عجز أن يأتيه من قِبَلِ ماله وولده راح يوسوس لأولئك القلائل الذين بقوا على وفائهم إليه، ومنهم زوجته «بأن الله لو كان يحب أيوب ما ابتلاه، وكانوا يحدِّثونه بهذا فيؤذيه في نفسه أشد مما يؤذيه الضُّر والبلاء».
__________
(1) 1 - ... في ظلال القرآن، المجلد السّابع، ص: 102.
2 - (1/114)
صفحة 115
- العبرة الثالثة: موقف (رحمة) زوج أيوب وصبرها مع زوجها وإخلاصها له رغم البلايا والمصائب التي أحاطت بها؛ فقر بعد غنى، وفقدان الأبناء بعد سعادتها بهم، ومرض زوج عليل طيلة ثماني عشرة سنة بعد سعادة وصحة وعافية. كل ذلك لم يغيرها وإنّما بقيت بجانب زوجها صابرة محتسبة حتّى جاء الفرج من عند الله.
- العبرة الرابعة: حسن التأدب مع الله حتى في الدُّعاء وذلك بشهادة القرآن الكريم ژ? ... ? SS S S? ? ??ژ (ص: 44)؛ أي كثير الرجوع إلى الله، فهو عندما طُلِبَ منه أن يدعو الله ليخفف عنه ما أصابه به قال: إني أستحي من ربي الذي متّعني بنعمه طيلة سبعين عامًا أن أطلب منه تخفيف المصائب ولم يَبْتَلِني سوى سبع سنوات، وتلك قمة اليقين والتأدب مع الله الجليل، وقد عَلَّمَنَا - كما أخبر ذلك عنه القرآن - أن لا ننسب المرض أو الضّر إلى الله، بل نَسبه إلى الشّيطان حيث قال: ژ? ? ? ... ? ??ژ (ص: 41).
فهو لم يطلب حتى الشفاء لأنه مؤمن بأن الله أدرى بما فيه صلاح عباده، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، وتلك هي قمة الإيمان، والتأدب مع الله، واليقين فيه وحده لا شريك له.
- العبرة الخامسة: إن السعادة الحقيقية ليست في متاع الدُّنيا؛ مالا، وأبناء، وجاها، وغير ذلك من المكاسب الدُّنيوية المادية، وإنما السعادة هي طمأنينة النفس، والرّضا الكامل بما أعطى الله وما منع في العسر واليسر معا. فقد خلقنا الله في هذه الحياة الدنيا ليَبتَلِينَا ژ ? ? ? ? ? ? ? ... ?? ... Sژ (الملك: 2). ژ? ? ? ? ? ? ... ہ ہ ... ہہ ھ ... ھ ھ ھ ... ےے ? ? ? ? ? ... ??ژ (النمل: 40). (1/115)
صفحة 116
- العبرة السادسة: التسبب لا ينافي التوكل، فإن الله عند قدر أن يشفيَ أيوب من أسقامه قال له: ژ? ?? ? ? ? ??ژ (ص: 42). على الرّغم من مرضه الشّديد وعدم استطاعته التّحرك إلا بجهد جهيد. وفاضت تلك العين الرّقراقة الصّافية الشّافية التي أذهبت علله، ولو شاء الله لشفاه من علّته دون أي جهد يذكر، ولكن الله - لحكمة أرادها - يُعلِّمنا من هذه المواقف التربوية ما يجعلنا أكثر يقينا وتوكلا على الله دون نسيان التسبب بالأعمال الصالحة، فهو خالق الأسباب، ورازق الحكمة لأولي الألباب. وفي هذا درس لجميع المؤمنين ليعملوا دومًا ژ? ? ? ? ? ? ?? ... ?ژ (التوبة: 105).
- العبرة السابعة والأخيرة: يعلِّمنا الله أن الصّبر هو سيد الأخلاق، من ملَكَ الصّبر ملك الرّضى والطمأنينة، والإيمان واليقين، وقد شرّفه الله بأن يكون بهذا الخُلق متخلِّقًا بخلق أولى العزم من الرُّسل، وأن يكون جزاؤه عند الله يغير حساب ژ? ? ? ? ? ??ژ (الزمر: 10).
الأبيار في: 11 جمادى الأول 1437هـ
20 فيفري 2016م
} - - {
بعض المشاهد النفسيَّة
في قصة يوسف؛
احتفل القرآن الكريم احتفالا عظيما بقصّة سيدنا يوسف؛ فهي القصّة الوحيدة التي خصص الله لها سورة قرآنية كاملة، وهي عند العلماء قديما وحديثا القصة الآسرة التي تمتلك القرّاء والمتأملين والمتدبّرين بمعانيها الرّائعة، وبأسلوبها المتميّز المشوّق المشرق، ففيها كل عناصر القصَّ الممتع من تمهيد يأخذ بذهن القارئ منذ البداية ژ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ... ? ? ... ? ? ??ژ (يوسف: 4). ثم تنتقل بنا القصة في دروب النفس الإنسانية من محطّة إلى أخرى، يأخذ بعضها برقاب بعض في تلاحم بديع، وتطلع رفيع.
حتى إذا اعتلَت قمّة التشويق النفسي، والحبكة المثيرة مع يوسف وزليخاء، أخذت بعد ذلك في حل تلك العقد المتشابكة في انحدار طبيعي يُساير النَّفس الإنسانية: (1/116)
صفحة 117
فأنت مع أبيه يعقوب وحيدًا في فلسطين يغالب كيد أبنائه الآخرين، وأنت مع يوسف يلاقي الهوان والضيم في الجُّبِّ، أو بين يدي النخاسين، أو في بيت زوج عزيز مصر تكيد وتنسج حبائل الشّياطين مع نسوة المدينة، ومشاهد مثيرة حزينة في السّجن مع الفتيان وما آل إليه مصيرهما.
وينفرج الموقف قليلا، وتضاء الزوايا بنور الشهرة والنّجاح بعد أن فسّر رؤيا الملك بوحي ربّاني، فصار حافظا عليما، يمسك بالاقتصاد المصري يوجّهه بحنكة بالغة، وسياسة رشيدة مُثلى، ولا يَسلَمُ حتى وهو متربع على هذه النعمة من كيد الكائدين، وحسد الحاسدين.
وتختلط مواقف النّجاح لدى يوسف بمواقف الكيد الماكر من إخوته التّسعة، ويتدخّل عنصر أخيه بن يامين ليُصعِّد من لذَّة التشويق والعذاب النفسي لدى أبيه يعقوب، إلى أن يفقد بصره حُزنا على يوسف وأخيه، في مشهد دراماتيكي مؤثِّر، ثم تتابع المشاهد النفسية المؤثّرة بعد ذلك وتحلُّ العُقد واحدة تلو أخرى في انسجام عجيب، وتكامل ليس له ضريب، إلى أن تصل الفرحة ذروتها في اللِّقاء الذي أراده الله بعد سنين من العذاب النّفسي طويلة، وتتحقق رؤية يوسف بسجود أبويه وإخوته له عند عرش مصر حيث يقول عودًا على بدء: ژ گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ?? ... ?ژ (يوسف: 100).
فما هي هذه المشاهد النّفسية المؤثِّرة؟
1 - إنّ الخيط النفسي الذي يسلك مشاهد هذه القِصَّة اليوسفيّة عاطفي مثير تختلط فيه دموع الحزن بدموع الفرح، وتتداخل فيه الزّفرات والآهات بومضات الاستبشار والابتسامات، وأول ما تتجلّى هذه المواقف العاطفية في المشاهد التي تجمع بين يوسف وإخوته من جهة وبينه وبين أبيهم يعقوب من جهة أخرى؛ حزن الوالد المتيّم خوفًا على فلذة كبده، وحسد الإخوة التِّسعة وكيدهم لأخيهم يوسف، ثمّ بعد ذلك لأخيه بنيامين. (1/117)
صفحة 118
2 - من أبرز العواطف الإنسانية الّتي تتجلّى في هذه القصّة؛ الحقد، والحسد، والغيرة النفسية التي لا تهدأ ولا ترحم، ويؤدي لون الدّم ولو كان مزيّفا (بدم كاذب) دور الإثارة والإشفاق جنبا إلى جنب مع لون الجُبِّ الأسود الذي تختلط فيه الظُّلمة بنور النبوة، والوحدة الموحشة بإشراقة ومعيّة جبريل؛، إلى أن تأتي لحظة الفرج متعلّقة بحبل السيّارة التي ترسلها الأقدار في وقت حرج، فلا تُسلم يوسف إلى فضاء الحريّة بل إلى فضاء الرّق والذُل بأيدي النَّخاسين، فتزداد مشاهد الإشفاق تعقيدًا وإثارة.
3 - في بيت عزيز مصر الذي اشترى يوسف من مصر يلمع نور خافت من الرّحمة والفرح سرعان ما ينطفئ في ردهات قصر عزيز مصر حيث تُغلق «زليخاء» الأبواب لتستجيب لصرخات الغريزة البهيميّة الآسرة قائلة: ژ ? ?? ... ?ژ (يوسف: 23). ويُشرق نور الإيمان النبوي في أحناء يوسف متحدِّيا الشَّيطان والسُّلطان ژ? ? ?? ? ... ? ? ?S S ... S S ??ژ (يوسف: 23).
4 - الصراع بين سيادة السّلطان البشري المغرور، ونور الإيمان واليقين اللائذ بالله وحده، متجلِّيا في غرور «زليخاء» وفتنتها وإعجابها بجمالها وبجمال يوسف الأخاذ من جهة، وكيد نسوة المدينة المفتونات بحميّا الحكم والسّلطة، وشهوة الغريزة النّفسيّة المتحكِّمة من جهة أخرى، ومقابل ذلك يوسف الوحيد الغريب المظلوم وليس له من سلطة يلجأ إليها سوى إيمانه القوي بربّه ژ ژ ژ s s ک ک ... کک گ گ گ گ ... ? ? ... ? ? ??ژ (يوسف: 33). والحقُّ إنّ نزوة الصِّراع بين الحقِّ والباطل هي السلك الأساس الذي يَسلك كل مشاهد القِّصّة من أولها إلى آخرها. (1/118)
صفحة 119
5 - هناك صراع نفسي آخر يجسِّد العبرة والعظة لكل مؤمن، ويذكِّر كل متأمل متدبِّر بعاقبة الأمور؛ وهو ذلك الصِّراع الخفي بين النفس الأمّارة بالسّوء متمثِّلة في مواقف إخوة يوسف بعامة، و «زليخاء» بخاصّة، وبين النّفس المطمئنّة متمثِّلة في يوسف الصِّديق، وأبيه يعقوب وقد اتّخذا الصّبر لباسًا، والتّقوى ملاذا، والتّعلق اليقيني بفرج الله القريب ذخيرة. ففي كل مشاهد القّصة تنتصر خلّة الصّبر والإيمان، وقد جمعت السورة من خلال مشاهد مختصرة هذه العواطف الإيمانية في قول الله عزّ وجل على لسان يوسف في لحظة الانتصار والانفراج الكامل وهو يخاطب إخوته الكائدين: ژ ? ? ? ? ? ں ں ? ? ... ??ژ (يوسف: 90). فهي إذا الكلمة النفسيّة التي تختصر كل مشاهد القصّة ژ ? ? ? ?ژ.
جعلنا الله ممن يتّقي ويصبر حتّى ننال أجر المحسنين، آمين.
هكذا جاءت هذه القصّة القرآنية العظيمة بمشاهدها المؤثرة المثيرة لتخفِّفَ عن الرّسول محمد ح بعض معاناته النّفسية من أذى الكفّار والمنافقين، كما جاءت قصة موسى مع فرعون من جهة، وموسى مع قومه بني إسرائيل من جهة، وقد أحاطها الله بشخصيات فرعيّة غير رئيسيّة في سيرورة محطّات هذه القصة، ولكنّها شخصيّات نافذة لها وزنها وقيمتها الاعتبارية، فهذا هامان قائد جند فرعون بسلطته العسكرية، وهذا قارون أحد أقرباء موسى وأشد أعدائه بسلطته المالية، وهذا مؤمن آل فرعون المثال للرجولة الفحلة، والإخلاص الثّابت بسلطته الإيمانية، وهذا هارون أخوه المخلص ووزيره الفصيح وعضده الأيمن، وهذا السّامري الذي نافسَ موسى في سيادة بني إسرائيل وأظلّهم بسحره، وفتّنهم بعجله فوراء كل هذه الشّخصيات المتنوِّعة عظات وعبر، ومشاهد وصور، ضربها الله لنا مثلا ناطقًا ومُعبِّرًا حاذقًا. (1/119)
صفحة 120
والسّورة في حدِّ ذاتها دليل قويٌّ على نبوّته، وصدق رسالته، وكأنّها تنير له ولأمّته دروب الصّبر والحكمة، والإيمان واليقين، والسّياسة والرِّئاسة، ولذلك ختمت السورة تلك المشاهد النفسية وهي تخاطب الرسول محمد ح: ژ? ? ? ? ? ... ?? ? ژ ژs s ک ک ک ک گگژ (يوسف: 108).
الأبيار في: 11 جمادى الأول 1437هـ
20 فيفري 2016م
} - - {
مشاهد نفسيَّة عظيمة
من قصة موسى وفرعون
احتفل القرآن الكريم بقصّة سيدنا موسى؛ من جانبين: قصّته مع الطّاغية فرعون، وقصّته مع قومه بني إسرائيل؛ الشّعب الغليظ الرّقبة (كما يقال)، والحقُّ أنّ من يتدبّر هذه القصّة العظيمة على اختلاف جزئياتها وتفاصيلها يرى عجبا، ويقف على مشاهد نفسية عظيمة مؤثرة، فيها الاعتبار والادّكار في أجلى صوره وأبلغ تعابيره، إنها قصّة النوازع النّفسيّة الإنسانية في جميع حالاتها.
وقد ذُكِرَت هذه القصّة في سبع عشرة سورة، وذُكِرَ موسى باسمه الصّريح ستًّا وثلاثين مرّة ومائة (136)، يذكر أحيانا باختصار شديد وأحيانا بتفصيل مفيد، غير أنّ من إعجاز القرآن وبلاغة أسلوبه أنه يذكر هذه القّصة كل مرّة بطريقة غير التي ذكرت به من قبل، فهي وإن تكرّرت في سورة الشّعراء، والنّمل، والقصص متتابعة، فإن لكل ذكر طعمه وسياقه وتأثيره.
وفي هذا أبحاث عميقة لبعض المتخصصين لا مجال للحديث عنها هنا، وقد جاء ذكر موسى وهارون في سورة مريم بصفة مركّزة تجمع خصائص هذا النّبي العظيم النّفسية والإيمانية، ومكانته العليّة عند الله وقربه منه، حيث يقول تعالى: ژ? ... ? ? ?? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? پ پ پ پ ? ... ? ? ? ? ??ژ (مريم: 51 - 53). (1/120)
صفحة 121
فإن عطاء الله الفيَّاض أراد أن يشمل موسى وأخاه هارون معه حيث أرسله هو الآخر ليكون وزيرا وسندًا له عند فرعون. إنّ في هذا وحده من الإكرام والتقدير ما لا يوصف، هذا إضافة إلى المكانة التي خصّ الله بها موسى حين قرّبه منه نجيًّا وكليمًا، وكفاه شرفًا عند الله أن يقول فيه ربّه: ژ? ??ژ (طه: 41).
إنّ هذا الإعداد النّفسي والجسمي والإيماني لا يمكن أن يقدر قدره ومكانته دون معرفة الرسالة الموسوية المرسَلَة إلى أعتى طاغية عرفته الأرض وهو فرعون وملأه ژ? ? ... ? ? ... ہ ... ہ ہ ہ ... ھ ھ ھ ھ ... ے ... ے ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ... ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ??ژ (طه: 43 - 46).
إن الشحنة النفسية سواء من طرف موسى وهارون تدور حول عقدة نفسية طالما اشتكى منها المخلوق البشري الضعيف وهي الخوف، ولو تتبعنا هذه التركيبة النفسية عند موسى لوجدناها خيطًا نسلك فيه جميع مواقفه الأخرى مند أن كان جنينًا في بطن أمه إلى أن نصره الله ذلك الانتصار الباهر في مُعجزته التي لم تشهد الخليقة مثلها أبدًا؛ حين شقَّ له البحر يبسًا لا يخاف دركا ولا يخشى.
وقد ولد موسى في هذا الجو المرتعد الخائف الذي لوّنه فرعون، وسنّ فيه أنواع الإذلال، والاستعباد بالدم والموت، أم خائفة، أب خائف، شعب خائف. إنّ الخوف والتّوجس يستبد بالمقرّبين والمبعدين على السّواء؛ السّادة الملوك والعبيد. هكذا كان الخوف يحيط بموسى من كل مكان ژ? S S S S ? ... ? ? ? ?? ? ... ? ? ... ? ? ??ژ (القصص: 7).
وقد خرج موسى من مصر خائفا من ملاحقة جند فرعون له ژ ? ? ? ?? ... ?ژ (القصص: 21).
بل شهد على نفسه بذلك حين واجه فرعون بعد سنين من الغياب والتّخفي ژپ پ ? ? ... ?ژ (الشعراء: 21).
فهل هذا الخوف من الظلم والظالمين هو الذي سكنه فتصرَّف بمقتضاه وهو بمعيّة الله ونصرته حين رأى عصاه تنقلب حيّة ژ ے ? ? ? ... ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ? ... ? ? ? ??ژ (النمل: 10). (1/121)
صفحة 122
وتكرر منه هذا الشُّعور أمام سحرة فرعون حين خيّل إليه من سحرهم أن العصا تسعى حيات مرعبة تملأ الوادي كله ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ??ژ (طه: 67 - 68).
فهل ما شهده موسى منذ صغره من ظلم فرعون وجبروته ضد بني شعبه، هو الذي جعله بهذا التّوجس والخوف الدائمين، وقد علم ربّه منه هذه الخاصّية النفسية فأعطاه معجزة اليد النورانية البيضاء، يدخلها في جيبه إذا خاف فتطمئن نفسه ويهدأ خاطره ژ? ? ? ? ? ں ں ... ? ? ? ? ? ? ہہ ہ ہ ھ ھ ھ ... ھ ےے ? ? ... ? ??ژ (القصص: 32).
إنّ موسى جعله الله مثلا حيا للنفس البشرية في ضعفها وحاجتها إلى ربّها الذي تستمد منه الأمن والطمأنينة وحده، أولم يقل الله تعالى مخاطبا هذين الخائفين المُرَوَّعين موسى وهارون حتّى يثِقَا فِيهِ وهو يرسلهما إلى فرعون الطّاغية ژ? ? ?? ? ? ? ??ژ (طه: 46). ولكي يدخل الطمأنينة في قلبيهما بيَّن لَهُما أنَّ الله هُو الأقوى وليس فرعون الطّاغية، وأنّ الغلبة لهما في النّهاية مهما يريان من جبروت فرعون ومَلإه.
ولنا أن نتساءل كيف استبد الخوف بموسى بهذه الصّورة وهو الرّسول المُجتَبَى، الذي بلغ أشُدَّه واستوى، وآتاه الله حكما وعلما ژ? ? ? ? ? پ پپ پ ? ??ژ (القصص: 14).
ونسارع إلى القول بأنّ هذا لا يتنافى إطلاقا مع ما أُوتيهُ موسى وما عُرِف به من يقين نافذ، وإيمان بالله ثابت، فإنّ الخوف يؤكّد ضعف النّفس البشريّة، وذلك لا يقدح إطلاقا في إيمان المؤمن الذي يتوكّل على الله في سرِّه وعلانيّته، وذلك ما يؤكِّده رسولُنا الكريم حين سُئل عن المؤمن أيكون جبانا؟ قال: نعم، أيكون بخيلا؟ قال: نعم، ولكن أنكر أن يكون كذّابا لأنّ الكذب صفة تقدح في إيمانه بالله وصدقه مع نفسه ومع الآخرين، وإلا انقطعت سبل الاتصال والعلاقات الاجتماعية الضرورية بينه وبين الناس من حوله. (1/122)
صفحة 123
على أنّ موسى حين تعرّض لامتحان إيمانه القويّ بالله وهو في قمة مواقف الخوف من فرعون، وجنده حيث أصبح بين مخالبه وعلى مقربة من لحاقه به، والبحر أمامه لا منفذ له إلا الاستسلام، صاح في قومه الخائفين بكل ثبات ويقين ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ?? ? ? ? ??ژ (الشعراء: 61 - 62).
إن خوف موسى مصدره القوم الظالمون؛ فرعون وهامان، ورسالته الأساسية هي مقارعة الظلم والظالمين عبرة وذكرى لقوم يؤمنون وجنودهما ژ? ? ں ں ? ? ... ? ... ??ژ (الشعراء: 10). إن الظلم صورة أخرى من صور الضعف البشري، بل هو مرض إذا استبد بالنفس البشرية انقلبت إلى الحيوانية المفترسة، وفقدت بالتالي أهم الصفات التي يُميَّزُ بها الإنسان العاقل عن غيره من المخلوقات الأخرى.
إنّ فرعون وجنوده وملأه يمثلان في الإنسانية قمّة الطُّغيان والكفران، ومن ثم كان لا بد أن يكون الرسول المُرسَل لتأديبهم في قمة القوى النفسيّة والإيمانية والجسدية والخُلقيّة مثل موسى، ژے ے ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ ... پ ? ? ??ژ (القصص: 4 - 6).
إنّ قصة موسى وفرعون قصة الصراع بين الحقّ والباطل الأبديين، وقصّة المغالبة والشّنآن الدائمين بين الفئة المتجبّرة الطّاغية والفئة المستضعفة المستخذية. فإذا كان للظلم ساعة يطغى ويستبد فيها، فإنّ للحق البقاء والنُّصرة إلى قيام السّاعة ولله في خلقه شؤون.
الأبيار في: 13 جمادى الأول 1437هـ
22 فيفري 2016م
} - - {
الداعية الناجح والطاغية الجارح
من خلال قصة موسى مع فرعون في القرآن الكريم، وضع الله لنا أسس الداعية الناجح، ووصف لنا صفات الطاغية الجارح. (1/123)
صفحة 124
ففي دعاء موسى؛ حين كلَّفه ربه بتبليغ الرسالة إلى أعتى جبَّار في الأرض فرعون وملأه، فإن عظم الرسالة وأمانة التبليغ جعلتاه يلجأ إلى ربه لاهجا بالدعاء، طالبا منه المعونة والتأييد، وهنا يضع سيدنا موسى بين أيدينا المفتاح الذي ينبغي للمؤمن أن يفتح به الأبواب المؤصدة، وأولها الالتجاء إلى الله فاتح الأبواب، ومسبب الأسباب، فما الذي جاء في دعاء موسى؛؟
ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ... ??ژ (طه: 25 - 35). إنها صفات الداعية الناجح.
ژ? ? ? ? ? ? ژ (طه: 25): الموقف النفسي للإنسان من كل قضية تَعِنُّ له، هو موقفه النفسي المتراوح بين الإقبال أو الإدبار، القبول أو الرفض، ولا ثالث لهما، فإن الرضى النفسي بما تكلف به هو عين النجاح، وسبب التوفيق، وليست هناك كلمة جامعة مانعة لهذه البداية الموفقة مثل كلمة (شرح الصدر)، فمن شرح الله صدره لأمر، نفّذه، وتحمس له، وسعى إليه من كل الطرق، وبشتى الوسائل، ومن ثم امتنَّ الله تعالى بشرح الصدر على رسوله الكريم محمد ح ژ? ہ ہ ہہژ (الشرح: 1).
ژ? ? ??ژ (طه: 26): من التيسير في الأمور أن يهيئ الله لها أسباب النجاح الزمانية والمكانية، الداخلية النفسية والخارجية البشرية، فليس أشدَّ على الإنسان أن يتهيَّأ لقضاء أمر ويتحمس له، وينشرح صدره لقضائه، فيجد التثبيط والمعوقات والعراقيل، فينقلب الشرح إلى ضيق، والرضى إلى نفور وازورار، فمن يسر الله له أمره مهد له الطريق المؤدية إلى النجاح ولو كانت سلَّما صاعدة، وطريقا حاشدة، ولا يخفى ما في التعبير القرآني من دقة لا تخفى عن اللبيب حيث نسب التيسير إلى ربه ولكن لفائدة عبده (لي) وهذه من لطائف القرآن ونكته البلاغية.
ژ? ? ? ??ژ (طه: 27): في هذا العنصر الذي طلبه موسى من ربه يذكر الوسيلة والغاية معا؛ وهو عندما طلب منه أن يحل عقدة من لسانه - وقد كان ألثغ اللسان -. (1/124)
صفحة 125
إنما طلب ذلك لأنه الوسيلة التي بها يبلّغ رسالة ربه إلى فرعون وقومه، مما يؤكد دور الفصاحة والبيان في تبليغ الدعوة، فإن من البيان لسحرا، وعلى فرض أن هذه الآفة؛ اللثاغة اللسانية الموسوية من خصائص موسى، فإن ذلك لا يمنعنا القول بأن الدعوة في حاجة دوما إلى لسان فصيح، ومنطق رجيح، لأن اللسان هو صلة الاتصال بين المتكلم والمستمع، وهي من الوسائل التي امتن الله بها على كثيرين من رسله وأنبيائه؛ وعلى رأسهم إبراهيم، وشعيب، ونوح، وهود، وصالح، وكانت الفصاحة من أقوى أسلحة محمد ح تأثيرا في قريش، حيث أعطاه الله القرآن الكريم وهو قمة الفصاحة والبيان والإعجاز.
ژ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (طه: 29 - 32): إن قوة الفرد مهما يكن تكمن في تمتعه بالخصائص النفسية والفكرية والجسدية التي هو في حاجة إليها كحاجته إلى أخيه الإنسان الذي يمد له يد العون والمساعدة ولا سيما حين يتعلق الأمر بالرسالة الدعوية وهي مسؤولية خطيرة، فإن الإنسان لا يبلغ فيها من النجاح ما يريده إلا إن أحاط نفسه بمن يعاونه ويخلص له المعونة والتأييد بعد الله بطبيعة الحال، وقد أوضح موسى لماذا طلب ذلك من الله أولا؛ لأن أخاه هارون هو أفصح منه لسانا وأرجح عقلا ففي موسى كما يقال بعض الحدة والغضب، وتلك طبيعة بعض النفوس كما هو معروف، ثم لأنَّ الظروف المحيطة بموسى على النحو الذي بيَّناه من طغيان فرعون وملأه تستدعي وزيرًا قويا يشد الأزر ويحفظ السر ويتحمل مسؤولية الدعوة وكأنه معني بالأمر ژ? ? ?ژ، وقلَّما وُجدت هذه الصفات المبنية على الثقة النفسية في غير الأهل والأقربين ژ ? ? ? ? ?ژ.
فهل اكتفى موسى بهذه العناصر؟ كلاَّ، ولكنَّه أضاف إليها ما هو شرط أساس في قبول العمل الصالح؛ وهو الدعاء الصالح وهو الذكر الفاتح. (1/125)
صفحة 126
ژ? ... ? ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ... ??ژ (طه: 33 - 35): وقد سمع سيدنا موسى؛ لما يحتاجه الداعية الناجح؛ عقيدة صحيحة متمثلة في تنزيه الله وحده لا شريك له ژ? ?ژ، وعبادة دائمة وراسخة تجعل الله معية ثابتة لا تشك ولا تتردد ژ? ? ... ? ? ? ? ... ?ژ.
الطاغية الجارح:
يقابل موسى الداعية الناجح فرعون الطاغية الجارح وهو لا يختلف في صفاته الكاسرة عن الجوارح من الطيور التي تعيش حياتها بالمخلب والناب، وتتلذذ طول بقائها بالأشلاء والدماء، ذلك هو فرعون الذي تجسدت فيه كل صفات الطغيان والفساد، والعتوِّ والاستبداد، وقد خلَّده الله في ذاكرة الإنسانية بهذه الصورة المُرعِبة ليبقى مثالاً للاعتبار والادِّكار، فهو كما وصفه الله في كتابه ژے ے ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?? ? ? ... ? ??ژ (القصص: 4). فما هي الصفات التي ميَّزته؛ وهي تميز كل الطغاة والجبابرة المستبدِّين؟
أولاً: الكفران بآيات الله:
إن السؤال الذي توجه به فرعون إلى موسى وهارون عند لقائهما به، هو السؤال الذي يطرحه كل جبَّار عتيٍّ كافر بنعمة الله عليه ژ? ? ? ??ژ (طه: 49)، وكان جواب موسى مُفحِمًا مُسكِتا مُختَصَرًا، لأن آيات وجود الله شاهدة ناطقة في مخلوقات الله تتجسد بداية في السائل نفسه ژ ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (طه: 50).
فهل ثمة من ينكر أن الله هو الخالق وما عداه مخلوق؟ أو أنه هو الرازق وما عداه مرزوق؟ ژ? ? ? ? ? ? ? ? S S S S ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? چ چچژ (طه: 53 - 54). (1/126)
صفحة 127
وهل ثمة من ينكر هذه الآيات الناطقات بعظمة المولى في إنزال الماء من السماء الذي لا حياة للمخلوقات بدونه؟ وهذه الأرض التي مهَّدها وذلَّلها للإنسان ليكسب منها رزقه هو وأنعامه؟ هذه الأرض بالذات التي سخَّرها للإنسان جعلها أيضا هي البداية والنهاية ژ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (طه: 55). فأنت أيها الجبار الطاغية من الأرض خُلِقَت، وفي الأرض تنتهي، تبدأ نطفة مهينة، وتنتهي جيفة نتنة، فكيف جاز لك أن تتكبَّر على خالقك، ورازقك، وهاديك؟ ولكنَّ فرعون هو فرعون ضلَّ في نفسه وأضل غيره، يرى الآيات البينات فيدَّعي عدم رؤيتها استكبارًا وعلوًّا ژ? ژ ... ژ ssژ (طه: 56).
على أن كفرانه بآيات الله ونعمه أوصله إلى حد ادعاء الألوهية: ژ? ? ... ? چ ... چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ... s s ک ک ک کگژ (القصص: 38).
ففي هذا الجواب السخيف ما يدل على سفاهة الرأي، وأفن العقل، وفراغ الحجة وخلوها من أي منطق، شأن المجنونين والمرضى نفسيا.
ثانيا: الاستخفاف بعباد الله والعلو في الأرض:
من أساليب الطغاة المتجبرين؛ العلو في الأرض، والاستخفاف بعباد الله ژے ے ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ... ژ بالقضاء على الذكور، واتخاذ الإناث لخدمة السلطان وشيعته ژ? ? ? ?? ? ? ... ? ??ژ (القصص: 4). وفي هذا الاستعباد ما فيه من الإهانة والذلة التي تقتل النفوس همًّا وغمًّا، والجبابرة لا يستطيعون فعل ذلك إلاَّ إذا وجدوا من يُزَيِّن لهم أعمالهم من بطانة السوء، ومن يمشي في ركابهم من الدهماء الأذلاء، والمستضعفين حُبًّا أو كُرها، فكان قارون من هذه البطانة التي تمثل القوة الاقتصادية الضاربة من أصحاب الأموال التي تسند الباطل وتؤيده، وكان هامان قائد جنده يمثل القوة العسكرية الضَّارِية التي ترعب العباد، وتقمع كل من تسوِّل له نفسه الخروج عن طاعة الجبَّار ژ ? ... ? ? ? ? ??ژ (القصص: 8). (1/127)
صفحة 128
إن حميَّة السلطة واستخذاء الأتباع ملأتا نفس فرعون استكبارًا، وأطلقتا يديه تنكيلًا وفسادًا، حتّى خيِّل إليه أن مصر كلها ملكا له، وكيف لا يخيّل له ذلك وقد كفر بربه الذي خلقه، ونادى فرعون في قومه: ژچ چ چ چ ? ? ... ? ? ?? ? ??ژ (الزخرف: 51).
بل إنه بهذا الاستكبار المستبد اعتبر أتباعه كلَّهم قطيعًا حيوانيًّا يسوقه بعصاه أنَّى يريد، فلا رأي إلاَّ رأيه، ولا حاكم إلا حكمه ژ ھ ے ے ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (غافر: 29). وقد أراد الله سبحانه أن يكون العقاب من جنس العمل، وهذا من عجيب أمر الله في الطغاة، والمستبدين، والمتكبرين، فهو يعاقبهم في الدنيا قبل الآخرة بجنس عملهم، ويأتيهم من حيث لا يشعرون ولا يقدِّرون، فيُرِي للعباد فيهم من أصناف الإذلال ما يقابل عنجهيَّتهم وعتوَّهم وخُيلاءهم، فيسلط عليهم أضعف خلقه من الجماد، أو الحيوان، أو الحشرات، كالذباب، والبعوض، والعصيِّ، فإن الله سلط على فرعون من معجزاته (العصا) وهي الجماد الذي يتَّخذ عند الإنسان للتأديب والقرع والزجر، فتستخدم عند الحيوان كما تستخدم عند العبيد من الإنسان.
والعبدُ يُقرع بالعصا ... والحرُّ تكفيه الإشارة
وفي هذا من العبرة لمن تأمل ما يملأ النفس إيمانا وثقة في عدل الله وقدرته، أليس في اختيار العصا آية لمخاطبة فرعون الطاغية ما يدل دلالة قوية على قدرة الله تعالى وسلطته النافذة في مخلوقاته؟
ثالثا: التهديد والوعيد: (1/128)
صفحة 129
إلى جانب الاستخفاف بالناس، واتخاذ البطانة المساندة من المنافقين، يلجأ الطغاة - حينما يتصدى لهم من يواجههم - إلى أساليب التهديد والوعيد إذا ظهر في الناس من تسوِّل له نفسه الوقوف في وجه الظلم ولو بالاستنكار وعدم الرضى، وتلك هي الطريقة التي لجأ إليها فرعون الطاغية أمام موسى؛ حين دعاه إلى الله وعدم استعباد بني إسرائيل، فهو عندما لم يفِده السحرة بسحرهم ولم ينقذوه من معجزة الله (عصا موسى)، وعندما خابت كل الوسائل (العسكرية والاقتصادية) فلا قارون، ولا هامان، ولا جنودهما لجأ إلى تهديد موسى؛ بالقتل، على الرغم من أنه نشأ في بيته، وتربى في حجره، وأكل من طعامه، وشرب من شرابه.
ژ ? ? ? ? ? پ پپ ... ?ژ (غافر: 26). وعلى الرغم من الآيات البينات التي قهر بها موسى عتوَّ فرعون وشيعته بتأييد من الله، فإنه لجأ إلى أساليب الطغاة وهي: السخرية والاستهزاء، لكونها نوعًا من التهديد الخفيِّ، والإهانة النفسية التي يستخدمها الجبابرة عادة ضدَّ مناوئيهم ژہ ھ ھ ھ ... ھ ےے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (الإسراء: 101). عجيب أمر فرعون، بل عجيب أمر الطغاة المستبدين، كيف لجأ فرعون إلى الاستهزاء بموسى بأن يصفه بأنه مسحور، وقد جرّب معه سلاح السحرة من قبل فلم يفلح، أولم يحشر له كلَّ سحرة مصر فغُلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين؟ لقد كان المفروض أن لا يعود فرعون إلى سلاح جرَّبه من قبل فوجده مفلولاً لا يقطع ولا يفري، ولكنَّ الله أضل فرعون على علم، وقهره بهوى نفسه ذاتها، وليس أشد على الإنسان من هوى نفسه حين تزين له سوء عمله، فيضل نفسه ويضل غيره، ويكون حتفه في ظلفه ژ? ? ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ ھ ھ ےےژ (غافر: 37).
رابعا: نهاية الطاغية وحاشيته:
لقد جعل الله فرعون مثالا لعباده حتى لا يتجبر متجبر، ولا يتكبر متكبر، لأن الجبروت والكبرياء لله الخالق وحده، وكما جعل حياته عبرة ومثالا فإنه جعل أيضا مماته ونهايته نتيجة ومآلا. (1/129)
صفحة 130
فلم يشأ الله أن يغرقه ويغيبه تحت موج البحر المتلاطم كما فعل بأتباعه وجنده، بل نجاه ببدنه حتى تبقى جثته شاهدة عليه تحدث الناس بلسان فصيح، وتعظهم وتفتح أعين الغافلين منهم، وتبين المآل المخزي الذي يؤول إليه كل كافر بالله ظالم لعباده وخلقه ژS S ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ s ... s ک ک ک کگژ (يونس: 90 - 92). وليت عقاب الله يقف عند هذا الحد الدنيوي وإنما هذه بداية النهاية المؤلمة الأبدية في جحيم الآخرة، بل إن العلماء يتخذون عقوبة فرعون الدنيوية دليلا قطعيا لمن أنكر عذاب البرزخ بعد الموت قبل عذاب النار الأبدي الأخروي، وذلك بدليل قوله تعالى: ژں ں ? ? ?? ? ? ہ ہ ... ہ ہ ھ ھھژ (غافر: 46).
وعندما حان الانتقام من فرعون شمله هو وأتباعه، وأنصاره، وملأه، وجنده، فإن الظلم لا يستشري إلا إذا وجد له أعوانا؛ من شرطة، ودرك، وجند، وإن الطاغية لا يستقوي إلا إذا وجد البطانة السيئة؛ من مستشارين، ووزراء، وولاة، تزين له عمله، وتؤيده في ظلمه، ولا يظلم ربك أحدًا، وتأمل إن شئت قوله تعالى: ژگ گ گ ? ? ? ... ? ? ? ? ... ? ں ں ? ? ? ? ... ?? ہ ہ ... ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ?? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ??ژ (القصص: 39 - 42).
وهكذا يكون الجزاء من جنس العمل؛ عذاب في الدنيا، وخزي في الآخرة، ولعنة من العباد تتبعهم دنيا وأخرى، وتلك هي النهاية التي حذَّرهم منها مؤمن آل فرعون حين قال لهم كما يشهد القرآن الكريم: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? چ چ ... چ چ ? ? ? ??ژ (غافر: 43).
وآن لنا أن نردد مع الداعية الناجح تلك الكلمة التي قالها في وجه الطاغية الجارح: ژ S ... S S ? ? ? ... ? ? ? ? ... ??ژ (غافر: 27).
الأبيار: 14 جمادى الأولى 1437هـ 24 فيفري 2016م
} - - {
كفران النعمة، حرمان من الجنة
عبر مستفادة من أصحاب الجنة (1/130)
صفحة 131
وردت قصة أصحاب الجنة مرة واحدة في القرآن الكريم كله بالتحديد في الآيات 17 إلى 33 من سورة القلم، وهي مكية كما هو معلوم.
وقد أوردها الله تعالى في معرض الحديث عن الذين أبطرتهم النعمة من كفار قريش مثل الوليد بن المغيرة، وأبي جهل، وأمية بن خلف وغيرهم، تطمينًا وتثبيتًا لفؤاد رسول الله ح، ويبدو أن القصة كانت معروفة لديهم متداولة في نواديهم كما دل على ذلك السياق الذي ذكرت فيه حيث يقول تعالى: ژ? پ ... پ ... پ پ ? ... ?ژ (القلم: 17).
وقبل أن نذكر ما نستخلصه من هذه القصة القرآنية من عبر وعظات نقدم لها ملخصا لمن لا يعرف أحداثها ومحطاتها.
يقال إن أحد الصالحين ممن أفاض الله عليهم من نعمائه كانت له جنة عظيمة ذات أشجار وأنهار وثمار، وكان هذا الصالح يخصص من ريعها للمساكين شكرا لله على نعمته عليه، وطلبا لاستدامتها ونمائها وزكائها، وبعد وفاته جاء أبناؤه الورثة من بعده فأرادوا حرمان أولئك المساكين من حقهم الذي أعطاهم إياه أبوهم، بخلًا وبطرًا وكفرانًا للنعمة منهم. واتفقوا جميعهم - إلا أوسطهم - على تنفيذ ما خططوا، وبيتوا النية على تطبيق ما قرروا، وأقسموا حالفين على المبادرة إلى هذا السلوك الفض البخيل دون أن يتفكروا في نعمة الله عليهم، ويتذكَّروا أن المال هو مال الله ورثوه دون جهد أو عناء، وهكذا استبد بهم الكفران، ودفعهم الجحود إلى تطبيق ما عزموا عليه في ظلام الليل إمعانا منهم في إخفاء جريمتهم، والاستباق إلى حصد ثمارهم قبل أن يتفطن المساكين لفعلتهم تلك. (1/131)
صفحة 132
ولكن الله تعالى المطلع على أسرار الصدور وخفاياها علم منهم سوء النية والقصد، فأراد أن يجعلهم عبرة للمعتبرين، وآية من آيات رب العالمين، وخرجوا تحت دثار الليل البهيم وهم يتخافتون مُصرِّين على تطبيق ما بيتوا من حرمان أولئك المساكين، وكانت المفاجأة المذهلة والصفعة الموجعة حينما وصلوا إلى (جنَّتهم) فوجدوها قاعًا صفصفًا، وبلقعًا زلقًا، لا شجر فيه، ولا ثمر، ولا ماء، ولا نهر، حتَّى أنهم ظنوا بادئ ذي بدء أنهم ضلُّوا الطريق وأخطأوا المكان، ولم يصدقوا أعينهم عندما تبيّنت لهم الحقيقة المرة، وبعد أن سكت عنهم ذهول المفاجأة، وعلموا أن الله انتقم منهم جزاء كفرانهم نعمة الله عليهم، وجحودهم لحق المساكين في ثمارهم، فقال لهم أعدلهم وأوسطهم وأعقلهم: ألم أقل لكم من قبل إن هذا كفران لنعم الله علينا، وأن الأولى أن نشكر الله لما تفضل به علينا من خير عميم؛ بتقديسه، وتسبيحه، والسير على النهج الذي سلكه قبلنا أبونا، ولكنكم أصررتم على ضلالكم، فها نحن اليوم ندفع ثمن ذلك الحرمان غاليا حيث فقدنا كل شيء، فلا نحن استفدنا من ثمار جنتنا، ولا المساكين أخذوا نصيبهم كما كانوا يأخذونه من قبل في عهد أبينا.
وهكذا حاول كل واحد منهم أن يلقي باللوم على إخوانه، وأن يحملهم مسؤولية ما جرى ولكن لات حين مندم، وما كان منهم أمام هذه الكارثة التي حلت بهم إلا التوبة من الذنب، والإنابة إلى الله طامعين في عفوه، ومغفرته، وإخلافه لهم من كونه الواسع ژے ے ... ? ? ... ? ? ? ... ? ... ? ??ژ (القلم: 32).
فما هي العظات التي نستقيها من هذه القصة القرآنية المؤثرة؟
1 - إن جحود نعماء الله، وكفران آلائه، عاقبتهما أليمة قاسية، قد يعجل الله تعالى بها في الدنيا قبل الآخرة ژ? ?? ? ? ?? ? ... ? ... ??ژ (القلم: 33). (1/132)
صفحة 133
2 - إن الابتلاء بالنعم قد يكون للكافر استدراجًا ومدًا لحبل الغواية، ومن ثمَّ يكون الابتلاء بالنعمة أقسى وأعسر من الابتلاء بالنقمة ژ? ? ? ?? ? ??ژ (الأنبياء: 35).
3 - إن حرمان أصحاب الحق من حقهم من الضعفاء والمساكين له عواقب وخيمة؛ لأنه ظلم للعباد، والظلم حرمه الله على نفسه فكيف على عباده؟ ژ? ? ... ? ... ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (المدثر: 43 - 45).
4 - إن المال الذي يُرزقه الإنسان هو في الحقيقة مال الله وإنما جعلنا الله مستخلفين فيه، فمن بخل به فإنما يبخل على نفسه، والله الغني ونحن الفقراء، ونحن في حاجة أبدا إلى رحمته وفضله ژگ گ ... ? ... ? ?? ? ? ? ... ? ں ں ??ژ (الحديد: 7).
الأبيار: 16 جمادى الأولى 1437هـ
26 فيفري 2016م
} - - {
التكامل والتماثل من خلال سورتي
(الفجر)، و (الليل)
إن من يقرأ سورتي الفجر والليل يلحظ ما بينهما من تكامل وتماثل وتقابل، يؤكد مرة أخرى إعجاز هذا القرآن الكريم الذي قال الله في حقه صادقا ژچ چ چ? ? ... ? ... ? ... ? ? ? ? ? ? ژ (النساء: 82).
إنهما سورتان تخاطبان وجدان الإنسان وعقله وقلبه، وتُحرِّكان في أغوار نفسه أحاسيس الرهبة والخوف، ومشاعر الرجاء والرحمة، فعند النظر إلى موضوعهما نجد السورتين؛ الفجر والليل تهدفان أساسا إلى مخاطبة الإنسان بصفته إنسانا قبل كل شيء - المؤمن والكافر كليهما - من خلال مشهدين متشابهين إلى حد التقابل العجيب، والتلاقي القريب. ففي سورة الفجر والليل نجد هذه البداية اللافتة من آيات الكون العظيمة؛ فهي تخاطب هذا الإنسان الذي له نظر، وفكر، وعقل، تدعوه إلى التأمل وتحقيق النظر في الآيات الربانية العظيمة التي تحيط به في كل زمان ومكان، ولا يمكن أن تخطئها عينه بل فكره وعقله، مهما يكن له حظ من نظر بسيطٍ كان أم مُعتَبَرا. (1/133)
صفحة 134
فقد افتتحت سورة الفجر بالإقسام بالفجر، والليالي العشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسري، ژ? ... ? ? ? ... ? پ پ ... پ پ ? ?? ژ (الفجر: 1 - 4)، وهي كلها آيات باهرات تخاطب الحواس كلها، بحيث لم يعد ممكنا أن يشك أحد ذو عقل في إعجازها ژ? ? ? ? ? ??ژ (الفجر: 5).
فمنذ البداية يشد نظرنا هذا القسم العظيم من الاله العظيم بهذه المخلوقات الكونية العظيمة، إذ المقسِم العظيم لا يقسم إلا بعظيم من آياته التي خلقها وجعلها أدلة لوجوده، ووحدانيته، وفرديته، وصمديته، وهو الذي أقام هذا الكون بتوازن عجيب. فقد يبدو لأول وهلة لمن لم يمعن النظر أنه تقابل بين شيئين متناقضين متماثلين، لكن بعد التأمل يتبين له أن لا نور بدون ظلام وكذا العكس، فكل آية من نهار لا تتجلى إلا من خلال ظلمة الليل البهيم، ومن ثم كانت آية النهار سلخا لآية الليل ژ? ? ? ? ? ? ?ژ (يس: 37).
وقد لا ندرك عظمة الآيتين؛ الليل والنهار، وتأثيرهما في الإنسان بل الكون كله إلا عندما نستحضر آية الليل، وما تدعو إليه من سكون الخليقة كلها، وإيوائها إلى الراحة والسكون، ثم آية النهار، بل الفجر الذي يكون لحظة انبثاق النور الرباني، فيكون مدعاة للحركة في الأرض، وابتغاء الرزق لكل مخلوقات الله، وهذا التحول من السكون إلى التأمل في الليل، إلى الحركة الذاتية في النهار في لحظات ينقلب فيها كل شيء إلى مقابله وضده في تناسق عجيب، وتوازن مدهش غريب.
ثم نجد هذا التقابل بين الشفع والوتر داخلا في السياق نفسه، فالشفع والوتر هما أساس الحساب في العبادات وغيرها من المصالح الدنيوية الأخرى، فلا شيء من مخلوقات الله يخرج من أن يكون شفعًا أو وترًا، وأحسب أن تضييق ذلك في حدود الصلاة المعروفة بعد فرض العشاء لا يسمح بتذوق عظمة هذه الآية الكونية الشاملة. (1/134)
صفحة 135
ثم يأتي بعد هذا الإقسام مشهد أساسي آخر في السورة يحدد عواقب الخسران والهلاك التي تمحق الفساد والمفسدين، وما يقابل ذلك من عظمة الخالق القهار المنتقم الجبار، وترصُّده لكل طاغية تجاوز الحد حين يظن أن ما اكتنفه من نعم الله عمارة بنيان، وإشادة أركان، وسعي في الأرض، وإثارة لها، بأي عمل مهما كان، إنما هي من جهوده وجهاده، وسعيه واجتهاده إلى الحد الذي يجعله يكفر بالمنعم وبآلاء الرحمن الرحيم، فيتحول ويتجبر إلى شيطان رجيم، ومن هنا تأتي الصورة المقابلة بأن يصب الله العذاب عليهم صبًّا حتى يكونوا عبرة للمعتبرين، فهم حين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد صب الله عليهم سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد ژ? ? ? ... ? ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک کگژ (الفجر: 11 - 14).
وفي سورة الليل نقرأ ما يلي: ژ? ? ... ? ? ? ? ... ? ? ں ں ? ... ? ? ? ... ? ?ہژ (الليل: 1 - 4). ونلحظ القَسَم الواضح في بداية هذه السورة أيضا بالليل إذا غشيَ الكون بكلكله، وأحاط به من كل جوانبه، ثم بالنهار إذا تجلى بارزًا منيرًا واضحًا يخاطب كل عين ناظرة، ويدفع إلى التحرك والإيمان كل حاسة كافرة، ويقسم إلى جانب هاتين الآيتين الكونيتين العظيمتين؛ آية الظلام، وآية النور، بأعظم آية في الوجود وهما الذكر والأنثى اللتان يرجع إليهما أصل كل موجود على هذه البسيطة، فما من مخلوق في بني البشر، أو النبات، أو الجماد، إلا وهو نتاج التلاقح بين الذكر والأنثى. (1/135)
صفحة 136
ونلحظ أن المقسَم به في الآيتين متشابه متقابل متكامل أيضا، ففي سورة الفجر - على أغلب رأي المفسرين - هو ژ? ? S ... S S S ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ... ? ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ژ (الفجر: 6 - 12). وهي إشارة إلى هذا الإنسان الذي كفر بربه، وجحد نعمته عليه، وتجبر وطغى، متمثلا في أعتى ما عرفت الأرض من أهم طاغية عاتية؛ عاد، وثمود، وفرعون الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد. ويقابل هذه الآية في سورة الليل بقوله تعالى: ژ? ... ? ?ہژ (الليل: 4)، مخاطبا بني الإنسان في مقدمة من يخاطب مؤمنهيم وكافريهم، شاكريهم وجاحديهم، وهو في كلتي السورتين يعني بهما هذا المخلوق الذي يكفر بنعماء ربه. مهما يكن هذا النوع من الكفران طغيانا، أم جحودا، أو تجبرا، أو ظلما، بل هو المتمثل أيضا ذلك الصنف الذي هداهم الله بفضله ونعمته إلى طريق الهداية والإيمان بخالقه ومولاه، وهو المؤمن الذي أدرك بفطرته وعقله نعمة ربه وآلاءه الكبرى عليه، ويفصل الله سعي هذا الإنسان إلى: ژہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ... ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (الليل: 5 - 10).
وهي توضيح دقيق، وتفصيل متوازن لأصناف الناس وسعيهم في الحياة الدنيا، ولا نحسب أنه يوجد صنف آخر خارج عن هذين الصنفين الذين هما تفسير لقوله تعالى: ژ ? ? ? ??ژ (الإنسان: 3). أو قوله تعالى: ژ ? S S S S ? ?? ژ (التغابن: 02)، وهي هنا تفصيل وبيان لقوله سابقا ژ? ... ? ?ہژ (الليل: 4). ففي إيحاءات هذه الآية العجيبة الشاملة العميقة وصف دقيق لاختلاف مناهج الناس، ومساعيهم، وأعمالهم، ونظراتهم، ودرجات إيمانهم في هذه الحياة الدنيا في جميع تصرفاتهم إزاء الكون، والحياة، والناس.
وما من شك في أن هذا المشهد الذي هو من صميم السورة ومحورها الرئيسي، يذكرنا بقوله في سورة الفجر حيث يقول سبحانه وتعالى: ژگ گ گ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ... ہ ھھ ... ?ژ (الفجر: 15 - 17). (1/136)
صفحة 137
والحق إن المتذوق المتأمل ليقف مشدوها أمام قوله تعالى: ژ? ? ?ہژ (الليل: 4)، حيث جعلها المقسم به في أول السورة. فإن ژ?ژ هذه تحمل معنى التنوع في الاتجاه، وفي العقيدة، وفي العمل صالحا كان أم فاسدا، وفي السعي وراء كسب المال والشغف به، وبين من يحرص على الرزق الحلال، والكسب الحلال، بطرق الحلال.
وما دام السعي قد تنوع أشتاتا بشهادة الله وهو أعلم بمن خلقه، فإن الجزاء الأخروي سيكون نتيجة لذلك شتى أيضا، فذاهب إلى جنات النعيم لينال رضى ربه وجزاءه، وذاهب إلى عذاب السعير ليلقى جزاء بخله، وتعنته، وفساده، وتجبره وطغيانه، وهذا جزاء وفاقا.
ژہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ... ے ے ??ژ (الليل: 5 - 7).
فالعطاء له شروطه، وطرقه، ومنافذه، ومن أبرز شروطه وأهم صفاته وأولى غاياته ألا يكون إلا لوجه الله الكريم، ابتغاء رضائه، وطمعا في جناته، ومن ثم فإن العطاء إذا كانت هذه درجاته العالية أتى جزاءه للمحسن في الدنيا قبل الآخرة، ويتجلى في التيسير الذي يسبقه في كل أعماله، ويفتح له الأبواب الموصدة بتلقائية أمامه، فهو لا يُقبل على عمل الخير إلا منشرح الصدر، قرير العين، مطمئن النفس، لا يخاف ولا يحزن، وكأن الله حين علم منه حسن النية في الإحسان إلى عباده يسَّر له مطالب الحياة أمام المعوزين من خلقه، كان على الله أن يُيسر له طرق الحياة فيجعلها أمامه ذلولًا لا عوج فيها ولا أمتا، وتفتح أبواب الرزق الحلال أمامه مشرعة سهلة، وبالتالي تكون كل شؤون حياته كذلك يُسرًا وتوفيقًا، ونجاحًا وصلاحًا، أتعلق الأمر به شخصيا أم بمن هو في كفالته من ذويه وأقاربه. (1/137)
صفحة 138
ويدخل في التيسير الذي هو أساس الآية السابقة الراحة النفسية، والرغبة الصادقة التي يجدها المؤمن في قلبه وهو مقبل على الطاعات، والعبادات، فمِمَّا لا شك فيه أن الالتزام على طاعة الله بتطبيقه أوامره، وترك نواهيه، تتطلب من المؤمن إرادة قوية، وعزيمة صلبة، ودأبا وصبرا دائبين، فإذا كفل الله لعبده هذا الفضل أقبل على الطاعات منشرح الصدر، رضيَّ الفؤاد، وتلك نعمة وفضل يمن بهما الله على من يشاء من عباده المؤمنين.
ومن يسَّره الله لليُسرى فقد وصل، وصل في رفق، وفي يسر، وفي هوادة، وصل بعد وهو في الأرض إلى الدرجة التي وصل إليها الرسول ح حيث خاطبه الله قائلا: ژ? ??ژ (الأعلى: 8).
هذه هي الفئة التي يحبها الله؛ فئة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، يقابلها فئة ژ? ? ? ? ? ? ??ژ (الليل: 8 - 9)، فئة أمية بن خلف، هذا النوع من الناس الذين أغواهم المال واستبد بهم الترف، فلم يعد لهم هم من العيش إلا السعي الحثيث لجمع المال بأية طريقة كانت، فطغوا، وتجبروا، وعتوا عتوا كبيرا، وهم الفئة التي نجد وصفها في سورة الفجر في قوله تعالى والتي عناها بقوله: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ژ (الفجر: 19 - 21)، فهم نوع واحد وفئة متشابهة، وهي الفئة التي أوجدها المجتمع المكي الجاهلي، وهي طالما عرفها القرآن، وأوعدها بالخيبة والخسران. وهكذا يذكر مصيرهم في آية معجزه مركزة حيث يقول من سورة الليل: ژ? ??ژ (الليل: 10)، وكلمة العسرى تقابل اليسرى في معناها، ومبناها، وبلاغة حروفها، وامتداد جرسها، وموسيقاها، وهي تعد حقا من بلاغة التعبير القرآني.
وقد خاطب الله رسوله ح مذكرا إياه بالكلمتين كليهما حين ضاقت به السبل، واشتد بلاء الأعداء حوله من قبيلته، وأقربائه، وذويه ژ? ? ? ... ? ... ? ? ... ? ? ... ??ژ (الشرح: 5 - 6). (1/138)
صفحة 139
ثم يأتي مشهد الابتلاء والامتحان الذي هو أساس السورتين: الفجر، والليل؛ لأن الله إنما جعل الخير والشر كليهما فتنة وامتحانا، ومن أعظم خيرات الدنيا المال الذي يسعى وراء الإنسان، ومن غرور الإنسان أن يظن بأن نعم الله التي تترى عليه إنما هي لخيريته وفضله، فيحسب هذا المغرور أن ذلك لفضل خصه الله به، فيغتر ويتجبر، وقد يقتر الله عليه في الرزق لحكمة أرادها الله، وتقدير حكيم يعلمه هو، فييأس ويقنط، ويظن أن الله حين حرمه ما حرمه من أوساخ الدنيا هو إهانة له من الله، وسخط عليه منه، فلا يختلف موقفه من ربه عن ذلك المغتر الذي أفاض عليه من نعمه، ووسع له في رزقه، وقد يؤدي به الإحساس بالإحباط واليأس إلى حد الكفران والعياذ بالله.
ثم يأتي التقابل والتكامل في مشهدين مؤثرين؛ مشهد مصير الكفار ومصير المؤمنين في الدار الأخرى، ويبرز التقابل فيهما في صور تجسيدية مؤثرة مرعبة من خلال تصوير أهوال يوم القيامة: ژ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (الفجر: 21 - 24).
وهي ولا شك صورة لمشهد مُرعب يحرك في نفس الإنسان مهما طغى وتجبر وكفر وأنكر أحاسيس الرَّهب والخوف من هذا المصير المخيف في جهنم والعياذ بالله.
ويقابله المشهد نفسه في سورة الليل في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ... ? پ پ ... پپژ (الليل: 13 - 16). (1/139)
صفحة 140
والمشهدان هنا وهناك يصفان عذاب جهنم، وما ينتظر المكذبين والكافرين فيها من أصناف العذاب الأليم، والذي يجب أن نقف عنده مليا في تفاصيل هذين المشهدين علاقتهما الوطيدة بالمحور الأساس في السورتين، وهو عاقبة حب المال وكسبه من طرق الحرام، وعدم إنفاقه فيما سخره الله له من نفع عباد الله من اليتامى والفقراء والمساكين وأصحاب الحاجة بحيث يصبح ذلك المال الدنيوي سببا لحريق جهنم، تكوى به الجباه والجنوب والظهور، ويصير المال الذي كان سببا للجبروت والظلم والتعدي على عباد الله في الدنيا، ذلة، ومهانة، وعذابا أليما.
وهكذا يأتي نهاية المشهدين في السورتين أيضا متشابهة متقاربة وإن اختلفت أسلوبا وطريقة تعبير من حيث وصف حكمة الله التي أحاطت بكل شيء علما، وحددت كل أمر شأنا وحكما. فإليه وحده المرجع والمآل، والثواب أو النكال.
كما يصف المشهدان هنا وهناك نهاية المؤمنين السعيدة متنعمين في جنات النعيم، ورضى الرب الرحيم، وهي نهاية تملأ كل نفس بهجة وانشراحا، وطمأنينة وارتياحا. ففي سورة الفجر نقرأ ژ? ? ? ? ? S ... S S S ? ? ? ? ? ? ... ??ژ (الفجر: 27 - 30)، وهو مصير يتمناه كل مؤمن، ويدعو الله أن يكون هو غايته ومنتهاه.
وهل يتمنى المرء أكثر من نعيم الجنة الأبدي، ورضى الله الصمدي؟!
هذا المشهد نفسه يقابله من سورة الليل قوله تعالى ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... S S S S ? ... ? ? ... ? ... ? ? ??ژ (الليل: 17 - 21). (1/140)
صفحة 141
فالعبد المؤمن الذي رضيه الله في هذه المنزلة الرفيعة يصفه بأنه هو ژ?ژ هكذا تعبيرا على صيغة التفضيل بالألف واللام المعرَّفة، هي ولا شك الدرجة العالية من الفردوس الأعلى الذي تمناه رسولنا الكريم في لحظات مفارقة الحياة الدنيا، وهي التي وعد بها الله في هذه الآية أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - على رأي جمهور المفسرين - ثاني اثنين إذ هما في الغار، وهو جدير بهذا الإكرام، حفي بهذا الإنعام، فقد أنفق ماله كله في سبيل الله ولم ينتظر جزاء ولا شكور من أحد.
وهكذا يكون الجزاء وفاقًا لرفعة إيمان أبي بكر الصديق ومن استطاع أن يرتقي إلى هذا العلو النفسي الذي لا يرجو ثواب العمل الصالح من أحد سوى الله الواحد الأحد الفرد الصمد، وهذا الرقي الرباني هو قمة ما يريده الله من عباده المؤمنين المنفقين.
إنه الرضى ينسكب في نفس هذا ژ?ژ « ... إنه الرضى يغمر وجهه، إنه الرضى يفيض على جوارحه، إنه الرضى يشيع في كيانه، إنه الرضى يُندي حياته، وياله من جزاء، ويالها من نعمة كبرى» (1).
إنها الصورة نفسها التي نقرأ عنها في آخر سورة الفجر ژ? ? ? ? ? S ... S S S ? ? ? ? ? ? ... ??ژ (الفجر: 27 - 30).
فإن الطمأنينة التي تذكرها هذه السورة لا تكون إلا برضاها عن ربها، ورضى ربها عنها، كما قال عنها في سورة البينة ژ? ? ? ? ?? ? ? S SSژ (البينة: 8).
نسألك اللهم نفوسا مطمئنة ترضى بقضائك، وتقنع بعطائك، وترجو يوم لقائك. والحمد لله رب العالمين.
الأبيار في: فجر يوم الجمعة 14 ذي الحجة 1437هـ
الموافق لـ 16 سبتمبر 2016م
} - - {
لمسات بيانية في سورة
(والفجر) .. !
__________
(1) 1 - في ظلال القرآن، ص: 599. (1/141)
صفحة 142
عنوان السورة في حد ذاته يوحي لقارئها أنه أمام سورة عظيمة تحمل من معاني الهدي والهداية والاهتداء أنوارا مشعة تملأ القلب إيمانًا ويقينًا، تماما كما يملأ نور الفجر القلب غبطة وانشراحا بعد انزياح ظلمة الليل التي رغم سكونها وهدوئها فيها ما فيها من وحشة وقلق.
وهذا التحول العظيم في حالة الإنسان النفسية والعاطفية كفيلة وحدها بأن تدفعه إلى الهمة والنشاط والعمل الدؤوب، راجيا من ربه التوفيق في يومه المتجدد.
ذلك هو الإحساس العام الذي يملأ القلب كلما تلا هذه السورة، ولا سيما حين يفتح بها يومه بعد أداء صلاة الفجر شاكرا ربه على نعمة الصحة، والهناء، والأهل، والولد، وجمع الشمل بعد راحة وطمأنينة ليلة ساكنة هادئة لا منغص فيها، ولا مزعج، ولا إرهاق، ولا نصب، إنها نعم عظيمة قد يغفل عن شكرها كثير من الناس لأنهم تعودوها ولم يولوها ما تستحق من تأمل وتفكير في عظمة هذا الكون المذهل، وخالق هذا الكون العظيم.
فهذه السورة إذا هي من جملة تلك السور التي كان الرسول ح يوصي الصحابة بقراءتها في الصلاة كما جاء ذلك في الحديث الذي رواه النسائي عن جابر حيث قال: صلى معاذ صلاة فجاء رجل فصلى معه، فطول فصلى في ناحية المسجد ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذا، فقال: منافق، فذكر ذلك لرسول الله ح. فسأل الفتى، فقال يا رسول الله: جئت أصلي معه فطول علي، فانصرفت، وصليت في ناحية المسجد فعَلَفْت ناقتي، فقال رسول الله ح: «أفتان يا معاذ؟ أين أنت من سبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والفجر، والليل إذا يغشى».
والحق إن المشاهد الربانية الموحية التي تشتمل عليها هذه السورة الكريمة لهي مشاهد تذكر الإنسان المؤمن بما يوحي بعظمة هذا الكون العظيم، وتصرف خالق الكون العظيم، وكأنها تناديه بصيغة الإقسام في مفتتحها بقوة تلك الآيات الباهرات التي تسبح كلها بعظمة خالق السموات والأرض وما فيهن. (1/142)
صفحة 143
وإذا عدنا إلى سورة الفجر بالذات نبهر بتوالي هذه المشاهد الربانية منذ البداية حيث يضفي عليها الأسلوب القرآني المتميز مسحة من القوة، تشد القارئ إليها عبرة وادكارًا، وتهليلًا، واستغفارًا، وخشوعًا، وانكسارًا.
ژ? ... ? ? ? ... ? پ پ ... پ پ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ??ژ (الفجر: 1 - 5). فإن الفجر إذا انبثق من خلال الظلمة بتلك الألوان الرائعة في الأفق من أشد آيات الله الكونية التي تحرك القلب، وتغري العين بالنظر والتأمل في عظمة المبدع الذي أحسن كل شيء خلقه، حتى يبدأ المرء يومه بالإيمان واليقين بربه العظيم؛ ضامن الرزق، وكافل الخلق. وليس ثمة من بني آدم من يخطئ رؤية هذا المشهد الرباني العظيم، ومعايشة تلك اللحظات الإيمانية المنعشة، إلا من ران على قلبه الكفران، وحجبه عن نور الله الجحود والطغيان.
وقد قرن الله بين الفجر والليال العشر التي هي العشر الأوائل من شهر ذي الحجة (1)، حيث يتوجه المؤمنون إلى أقدس مكان في أروع لحظة من لحظات الزمان، وهذا التميز الذي يجمع الفجر والليال العشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسري، يجمع بينها جميعا ما خصها الله به من قداسة التنزيه الرباني، وحلاوة الرجوع إليه خشوعا وسكونا، ورغبة ويقينا. فبعد سكون الليل البهيم الذي كاد يسري هو بنفسه انبساطا على الكون، وامتدادا جبارا قويا عليه إلى لحظة انبثاق الصبح وقد تنفس بعد طول همود وسكون، إلى لحظات العودة إلى الذات استغفارا من الغفلة والذنوب في موسم الحج العظيم، وقد عج المؤمنون وثجوا أيام عرفة ما قبلها وما بعدها، منيبين إلى الله عائدين إلى عفوه ورضاه، فكان صوم يوم عرفة كفيل بأن يغفر الله به سنة سابقة وأخرى لاحقة.
إنها آيات بيِّنات تخاطب العقل الإنساني فتوقظه من غفلته، وترجعه إلى رشده، حتى أنها لجلاء عظمتها، ووضوح سحرها، لا يحتاج فيها الإنعام إلى إقسامژ? ? ? ? ? ??ژ (الفجر: 5).
__________
(1) - على رأي أغلب المفسرين. (1/143)
صفحة 144
إن هذا التمهيد الرباني بهذه المشاهد الربانية الكونية العظيمة تدفعنا دفعا طبيعيا لتلقي ما يأتي بعدها من مشاهد تتحدث عن الأمم السابقة، بل هي تتحدث عن نموذج من الأمم الكافرة الجاحدة التي غفلت عن هذه الآيات البينات، فكفرت بأنعُم الله عليها، وجحدتها ظلما وعدوانا، ولم يشفع لها ما بلغته من حضارة وعمران بعد أن جنى عليها الجحود والكفران، والاستكبار، والطغيان.
ژ? ? S ... S S S ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ... ? ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک کژ (الفجر: 6 - 14).
الخطاب هنا موجه إلى الرسول ح وهو يتلقى أذى قومه قريش تثبيتا لنفسه، وتصبيرا له حتى يتيقن أن قومه وإن آذوه هذا الإيذاء الشديد فإنهم لا محالة لن يبلغوا في درجة القوة والاستكبار في الأرض ما بلغته تلك الأمم السالفة من قوة وبطش، ومع ذلك فإن الله تركهم عبرة للمعتبرين. هذه الأمم المكذبة برُسُلهم؛ كعاد، وثمود، وقوم فرعون، وكيف كانت عاقبة كفرانهم، وظلمهم، وجبروتهم، مضرب الأمثال، فأصبحوا مثلا بعد عين وخبرا لكان، بل أصبحت عاقبة طغيانهم وفسادهم الإبادة الماحقة، والزوال الأبدي في غمضة عين رغم ما بلغوه من عمران ورقي مادي وطغيان. وقد جمعت الآية الكريمة وصف نهايتهم المرعبة في إيجاز غير مخل حيث قال: ژ ژ ژ s sکژ (الفجر: 13)، (والإضافة هنا مقصودة، ولها تأثير في نفس النبئ ولا شك إذ المعني هنا هو وأمته). فالعذاب صب عليهم صبا غزارة وقوة، وهو يقابل بهذا الوصف العجيب والتعبير القوي العنيف عنف ما وصلوا إليه من طغيان وجبروت، وعلو واستكبار جزاء وفاقا، ولم يكتف القرآن بذكر العذاب وقوته، بل وصفه بوصف مادي مجسد ژ s sژ، ولا يخفى ما في هذا التعبير من الإذلال والقهر، فإن السوط لا تتلقاه إلا ظهور الدواب والعبيد. وختم كل هذه الضربات المتتالية الموجعة المؤلمة بكلمة موجزة جمعت كل ما حملته الآية من وصف رباني سابق شديد الإيلام ژک ک کژ. (1/144)
صفحة 145
كيد ربك يا محمد ح متين، يستدرج ولا يهمل، ويتعقب ولا يغفل، فإن لكل عقاب عنده أجلا وكتابا، لا يفلت منه طاغية، ولا يفر مستكبر مهما يبلغ من عتوه وجبروته ما يبلغ حتى ولو كان ذلك الطاغية هو فرعون الذي قال: ژ? چ چچژ (النازعات: 24) فلا يهولنك يا محمد إذًا علو واستكبار قومك قريش، وأين أبو جهل، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، وغيرهم من صناديد قريش وكبرائها؟ إذا قيسوا بتلك الأمم السالفة العاتية؟!
وتتحول السورة الكريمة بعد هذا المشهد المرعب الذي يصف تلك الأمم البائدة إلى مشهد إنساني عام يتناول الإنسان بوصفه إنسانا دون تخصيص أو تمييز، وإنما هو مشهد يعني كل إنسان ژ? ???? ? ... ?ژ (الإنسان: 2)، ويصور حالته البائسة المتهالكة المتذبذبة بين الكفر والإيمان، والرضى والكفران، مَنُوعًا إذا مسه الخير، جزوعا إذا مسه الشر، أحسب أن هذا المشهد هو المحور الأساس للسورة كلها رغم ما سبق من تمهيد، ورغم ما يلحق من تهديد ووعيد.
ژگ گ گ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ... ہ ھھ ھ ھ ے ے ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ?ژ (الفجر: 15 - 21).
الإنسان الذي خلقه الله ويعلم ما توسوس به نفسه هو في تقدير الله معرض دوما للابتلاء والامتحان من لدن خلقه من نطفة أمشاج في بطن أمه، إلى أن يصبح بعد عمر طويل أو قصير جيفة منتنة، فهو ما بين البداية والنهاية معرض للشر والخير كليهما ابتلاء وامتحانا ژ? ? ? ?? ? ??ژ (الأنبياء: 35). يبقى السؤال الأبدي أينجح في الامتحان أم يرسب فيه؟
والإنسان عند الامتحان يتسم موقفه دوما بالإعجاب المفرط بالنفس غرورا واستبدادا إذا أكرم، ويرهقه الإحباط واليأس، والجحود والنكران إذا قُدر عليه رزقه، أو لم ينل من دنياه ما تتطلع إليه نفسه التي لا تقنع ولا تشبع. (1/145)
صفحة 146
فإذ أكرمه الله استبد به الكبرياء، فنسب ذلك إلى نفسه فاغتر وانتفخ، وإذا أصابه ما تكرهه نفسه اكتأب والتوى على نفسه، آيسا قانطا ناسيا في كلتا الحالتين نعمة ربه عليه، وما أضفاه ربه عليه من نعم كثيرة لا يستطيع إحصاءها وحصرها، فكيف يستطيع أداء شكرها ويقيِّم فضلها. وفي هذا التقابل بين الحالتين الطاغيتين على بني الإنسان؛ حال المتجبر المتكبر في الأولى، وحال اليائس المتهالك في الثانية، ما يصور ضعف النفس الإنسانية التي يبين الله ضعفها الشديد بقوله تعليقا على هذين الموقفين بأداة النفي الزاجرة ژ?ژ، وكأنها بجرْسها القوي تصك الآذان صكا، وتقرع القلوب قرعا، بل هي أشبه بالهزة العنيفة التي توقظ هذا الإنسان السادر في غيِّه وغفلته. إن في كلمة ژ?ژ من بلاغة التعبير، وحلاوة التصوير، ووجازة التحرير والتحيير ما لا مزيد عليه.
وإذا تغلغلنا متأملين في هذه الآية الكريمة اكتشفنا من المعاني ما يقوي ما يريده الله من هذا المحور الذي يحسب أنه الأساس في السورة كلها كما سبق أن ذكرنا.
إن الذي أوقع الإنسان في هذا الموقع من الغرور أو الهوان، والذلة أو الكفران، إنما سببه الإنسان نفسه، هذا الإنسان الذي لم يقدِّر نعمة المال، ولم يدرك أن الإكرام في الرزق أو التقتير فيه إنما سببه الإنسان حين لم يضع ذلك الإكرام في موقعه الصحيح بنفع عباد الله من ذلك المال كلهم ژھھ ھ ھ ے ے ... ? ? ? ? ? ??ژ (الفجر: 17 - 18)، لأن المال في حقيقة الأمر هو مال الله وإنما جعل الإنسان مستخلفا فيه، لينفع به يتيما معدوما، أو مسكينا محروما. (1/146)
صفحة 147
وهذا الموقف من الإنسان تجاه المال يوضح جحوده وكفرانه وذلته لشهواته وعصيانه، حيث أصبح عبدا أسيرا لذلك المال، مسيرا ذليلا لمتطلباته التي لا تنتهي، وهذا الموقف مخالف لما أراده الله من هذا المال الذي أعطاه إياه. فهو حين أعطاه المال إنما أعطاه له أداة لمنفعة، ووسيلة لمصلحة لا يؤدي مهمته إلا حين يتجاوز بها نفع نفسه إلى نفع عباد الله من حوله كلهم.
ومن دقة تعبير القرآن الكريم في هذه السورة أن جعلت الحضَّ على إطعام المسكين لا إطعامه وحسب هو ما يريده الله من المجتمع المتكافل الذي من سماته الإسلامية؛ التواصي بالخير أمرا بمعروف ونهيا عن منكر، وكأن الله سبحانه وتعالى يقطع طرق الاعتذار أمام من يدعي أنه لا يملك لينفق، ولو أراد الله لأطعم المحتاجين والمساكين، ولرزقهم كما يرزق الآخرين من عباده. ژژ ژ ... s s ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ... ?ژ (يس: 47).
ومن هنا نتبيّن بلاغة التعبير في كلمة ژ? ? ? ? ?ژ وكأنه إجابة مباشرة لمن يدعي أنه لا يملك حتى ينفق لفقره، إذ باستطاعة كل إنسان (الحض) على الإطعام حتى ولو لم يستطع إلا إطعام نفسه الذي هو من خصائص الموسرين، وكأن الله يقول من وراء هذا المشهد الجزئي الذي هو من مكملات المشهد الأساس: ألا إنكم لا تدركون معنى الابتلاء فلا تحاولوا النجاح فيه بإكرام اليتيم، والتواصي على إطعام المسكين، بل أنتم على العكس تماما تأكلون الميراث أكلا شرها جشعا، وتحبون المال حبا كثيرا طاغيا، لا يبقي في نفوسكم أريحية ولا مكرمة مع المحتاجين إلى الإكرام والإطعام.
وقد كان الإسلام يواجه في مكة حالة من التكالب على جمع المال بكافة الطرق، تورث القلوب كزازة وقساوة، وكان ضعف اليتامى مغريا بانتهاب أموالهم بخاصة الإناث منهم في صور شتى ... ، كما كان حب المال وجمعه بالربا وغيره ظاهرة بارزة في المجتمع المكي قبل الإسلام ... (1).
__________
(1) - في ظلال القرآن، ج08، ص: 574. (1/147)
صفحة 148
وهذا المشهد في حد ذاته يفسر لنا مشهدا آخر ورد في سورة البلد التي هي مكة، وقد وصف الله هذه الآفة بالعقبة لشدتها، ووعورتها في ذلك المجتمع، كما جاء في قوله تعالى: ژ? ? ? ... ہ ہ ہ ہ ھ ... ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (البلد: 11 - 16).
ثم ينتقل من هذا المشهد الدنيوي الذي يصف جانبا من جوانب الحياة الاجتماعية المكية باعتبارها نموذجا للإنسانية كلها، إلى مشهد يوم القيامة الذي هو لا محالة نهاية الدنيا الفانية بعسرها ويسرها، بأغنيائها وفقرائها، وكأنه يذكرنا بأن الأصل هو العمل الأخروي لحياة أبدية هي المصير الحتمي لكل إنسان مهما يكن أمره في الحياة الدنيا غنيا كان أم فقيرا، حاكما أم محكوما، ذكرا أم أنثى، وتتوالى الآيات الواصفة لهذا المشهد المؤثر الذي تتقطع له القلوب، وترتعش منه النفوس لما يشتمل عليه من دلالات مرعبة يقف لها شعر الإنسان خوفا وهلعا.
ژ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ... ? ? ... ? ? ??ژ (الفجر: 21 - 26).
إن الموقف المرعب لا ينتهي بوصف أهوال يوم القيامة وحدها، وقد تكرر وصفها كثيرا في القرآن الكريم، ولا سيما في السُّور المكية، بل لأنه البداية لهول أعظم، وعذاب أشد، يتجسد في تلك الصورة التجسيدية (لمجيء جهنم)، وكأنها إنسان يعي ويعقل، مستعدة للانتقام من الكفرة الذين لم يؤمنوا، أو العصاة الذين لم يتوبوا، وكلهم لسان واحد يلهج بالتأسف والندم، وقلب منفطر يتحسر ويبكي، ژ ... ? ? ? ?ژ، ولكن لات ساعة مندم ژ? ? ? ہہژ (المرسلات: 36). ژ ? ? ?ژ. ويحشر القرآن كل المشاهد المرعبة المخيفة لهذا الهول العظيم.
فجهنم تنتظر مستعدة ولها شهيق وزفير، والكفار في أغلال وأصفاد ينتظرون مصيرهم المحتوم وقد رأوه بأعينهم قريبا منهم، لا يستطيعون عنه حراكا أو فرارا ژپ پ پ پ ? ... ? ? ... ? ? ??ژ (الفجر: 25 - 26). (1/148)
صفحة 149
وقد أحكم الله وثاقهم، فيومئذ لا يوثق وثاقه أحد، والوثاق الشديد هنا كناية عن العذاب الشديد أكثر مما هو وصف لواقع ومصير والعياذ بالله، ونسبته إلى الله يقوي فيه هذه المعاني كلها التي ينفرد الله بها وحده ژ? ... ? ? ?ژ.
ولكن رحمة الله التي سبقت عذابه، والتي وسعت كل شيء، تفتح أبواب رحمته وغفرانه أمام خلقه ولا سيما أمام عباده المؤمنين، فبعيدا عن هذه المشاهد المرعبة لجهنم وأصفادها، وأهوالها، وعذابها، يفتح طاقة النور، ويرسل غيث الرحمة على القلوب المؤمنة حيث يناديهم الملأ الأعلى بأجمل وأورع ما يتلى من القرآن في هذا الصدد ژ? ? ? ? ? S ... S S S ? ? ? ? ? ? ... ??ژ (الفجر: 27 - 30).
لا أتصور نفسا مؤمنة تتذوق كلام رب العالمين لا تتأثر بهذه الآية التي تفتح أبواب الرحمة مشرعة، ويتدفق نورها المبين إلى القلوب مباشرة، وكل هذا يأتيها من أسلوبها ومعانيها المتدفقة في يسر، وسكينة، وطمأنينة.
وأحلاها هذا الخطاب الرباني المباشر من الله العلي القدير إلى عبده المؤمن الضعيف وهو أشد ما يكون حاجة إليه، وكأنه التباشير النورانية الأولى التي يبشر بها عباده ساعة احتضارهم بفوزهم عند انتقالهم من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة، وهي النهاية المفرحة التي تفتح أبواب الرجاء والسكينة أمام المؤمنين بعد سماعهم لذلك الهول العظيم الذي ينتظر الكفار يوم القيامة.
فأداة النداء ژ?ژ والخطاب الموجه مباشرة إلى (النفس)، ووصفها بأحلى ما يتمناه كل عبد مؤمن من ربه (المطمئنة) ژ? ? ?ژ، فهل بعد هذا الانعطاف الرباني شيء يتمناه المرء في تلك الساعة المهولة، وهل تتصور بشارة أحلى وألذ من هذه البشارة، حيث توصف النفس بالطمأنينة الكاملة.
وما تلبث أن تأتي البشارة كاملة من لدن الرحمان الرحيم ژ? S ... S S S ? ? ? ? ? ? ... ??ژ. (1/149)
صفحة 150
ما من شك في أن هذه البشارة تختصر كل نتائج العمل الصالح، بل هي الأمل المشرق الذي يرجو إشراقه على قلبه كل مؤمن ژ? ? ... ? ? ? ... S ... ?ژ (التوبة: 118).
ژ? S Sژ في هذه الجملة القرآنية العظيمة كل دلالات الحنو والعطف من رب كريم، وقد زادته صيغته التركيبية حين خاطبت النفس وعنتها ژ? S Sژ فياء الخطاب في ژ?ژ، وكاف الخطاب في ژSژ، تجمع بلاغة وحلاوة كل هذه المعاني.
إنه الحمى الآمن الذي ينفع وحده يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولا خلة، ولا شفاعة، ثم يصف هذا الرجوع الذي هو المستقر الأخير والمآل الذي لا مآل بعده بقوله وهو يصف حال النفس، وهي ترجع إلى مولاها: ژS Sژ.
فهل يتصور الإنسان رضى أكبر من هذا الرضى العظيم الذي يجمع الفضائل من أطرافها؛ رضى النفس من جهة، ورضى الرب الخالق من جهة أخرى.
ومن دقة تعبير القرآن في هذا المشهد حتى تكتمل له أدوات التعبير المعجزة قوله: ژ ? ? ? ? ? ... ??ژ، هكذا منسوبة بل مضافة إلى ربنا الكريم، وقد كان كافيا أن يقول: (وادخلي جنتي)، ولكن طعم الإكرام لا يكتمل ولا تتذوق حلاوته ومنزلته الرفيعة بغير هذه الإضافة الربانية ژ? ? ?ژ وژ? ... ?ژ، وهذا المصير الذي يتمناه كل مؤمن. يذكرنا ببيتين لشاعر إسلامي مشهور حيث قال:
وممَّا زادَنِي شَرَفًا وَتَيْهًا ... وَكِدْتُ بِأَخْمَصيْ أَطَأُ الثُّرَيَّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يَا عِبَادِي ... وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيَّا
} - - {
العبر المستفادة من القصص القرآني
الأنبياء: آدم، نوح، هود، صالح † (1/150)
صفحة 151
أولا: من خلال قصص الأنبياء نتوصل إلى أن الله سبحانه وتعالى خلقنا لأمرين مهمين اثنين هما: العبادة والعمارة، ونواة الاثنين وجوهرهما هو إخلاص العبادة لله بمفهومهما الواسع للخالق الرازق وحده لا شريك له، فإن عمارة الأرض التي جعلنا خلفاء فيها تقتضي منا الإيمان المطلق لخالق الخلق، توكلا عليه، وتفويضا لكل أمر إليه، وتسليما وطاعة له وحده، وقد ضرب الله لنا مثلا واقعيا في القرآن الكريم منذ بدء الخليقة من موقف إبليس اللعين - وهو طاووس الملائكة - طاعة لله، ولكنه عندما عصى ربه، وتكبر على أوامره له بالسجود لآدم، أخرجه من عداد الملائكة، طريدا من الجنة، رجيما ملعونا إلى يوم يبعثون، فلم تجدِه عبادته لله لأنه لم يُسلِّم الأمر لربه، ولم يذعن لأوامره، إذ قال في تكبر وعجرفة: ژ? ? ?? ? ? ? ... ? ? ??ژ (ص: 76). وهذا نموذج ومثال حي لكل متجبر مسرف كذاب، وذلك هو جواب الأنانيين المغرورين حين يأتي طغيانهم على غيرهم من أنفسهم بداية لإعجابهم بأنفسهم، واغترارهم بما حباهم الله من نعم.
ثانيا: إن الشيطان وقبيله هم العدو الأبدي لبني آدم ما اتبعوه وتعلقوا به، ولكن الشيطان في حد ذاته ليس له سلطان على عباد الله المخلصين ژ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (النحل: 100).
وقال الله في آية أخرى متحديا إبليس مطمئنا عباده المؤمنين: ژ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ??ژ (الحجر: 42).
فالقضية إذًا ليست في قوة الشيطان بل في ضعف الإنسان، وشتان ما بين الأمرين حين التأمل والتفكير. وقد نزع الله عن الشيطان كل سلطان حتى لا يكون للإنسان عذر عند ربه إن هو اتبع الشيطان وغوى. (1/151)
صفحة 152
ثالثا: إن البشر معرضون للمعاصي والآثام، ومن أجل ذلك فتح الله لهم باب التوبة، وتركه مفتوحا على مصراعيه واسعا لكل من تاب وأناب من بني الإنسان حتى (يغرغر) أي لم يحضره أجله، وباب التوبة مفتوح لنا ما خلصت نياتنا للاستغفار، والندم، والإقلاع عن الذنوب إقلاعا لا رجعة فيه (فلا ذنب مع استغفار، ولا توبة مع إصرار).
ومن هنا نلحظ أن القرآن الكريم يستخدم الصيغ المبالغة الدالة على الاستمرار والتكرار حين التحدث عن رحمة الله ومغفرته ژگ ? ? ? ? ? ? ? ?ںژ (طه: 82).
وقد ضرب الله لنا مثلا بأبينا آدم؛ أب البشرية تعبيرا عن ضعف الإنسان أمام المعصية، إلا من عصمه الله ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (طه: 121 - 122).
والعجيب في رحمة الله ولطفه بعباده أن يقدم الوسائل العملية ليتوب عباده من ذنوبهم ويؤوبون إليه، فعلَّم آدم كلمات الاستغفار والإنابة ژ? ? ? ? ? ... ? ?? ? ? ? ??ژ (البقرة: 37).
فقد عَلِم الله - وهو الذي يعلم السر وأخفى - صدق عبده في نيته، فأخذ بيده إلى واسع مغفرته ورحمته، مما يدل على أن صدق النية وإخلاص التوبة شرط لازم للمغفرة والرحمة ژ? ? ? ? ?? ... ھژ (العنكبوت: 69).
وهذا التعليم الرباني يرشدنا إلى أن أدعية القرآن هي أولى ما ينبغي للمؤمن أن يواظب عليها، ويقدمها على غيرها من الأدعية المحفوظة الأخرى إلا في حالات خاصة، حيث يكون في حاجة إلى أن يعيِّن عند الدعاء حاجته، ويطلب من الله أن يقضي له تلك الحاجة؛ أكانت من أمور الدنيا أم الآخرة. (1/152)
صفحة 153
رابعا: لا تجدي عند الله قرابة النسب أو الدم، ولا شفيع عنده لأحد إلا العمل الصالح الذي يقدمه المؤمن بين يدي ربه، والعمل الصالح هو قرابة الإيمان والتقوى، وقد ضرب لنا القرآن أمثالا كثيرة في هذا الصدد، ولعل أبرزها موقف سيدنا نوح مع ابنه، وامرأته رغم مكثه فيهم داعية قرابة الألف سنة، فإن ابنه عندما أصر أن يكون مع الكافرين حال بينهما الموج فكان من المغرقين، ومن هذه الأمثلة أيضا امرأة لوط التي أهلكها الله مع القوم الظالمين، وقارون الذي خسف الله به وبأمواله - وما أدراك ما أموال قارون - الأرض في منظر تقشعر له الأبدان، ولم يجدِه نفعا أن يكون من قوم موسى من بني إسرائيل بل من قرابته حسب قول بعض أهل التفسير، ولم تجد قرابة أبي لهب وهو عم ح خير الخلق أجمعين، حيث ضربه الله مثلا للكفر واللعن ژ ژ ژ ssژ (المسد: 1).
ولم يحاب رسوله حين مال إلى المنافقين يرجو مغفرة الله لهم إشفاقا ورأفة ژ? ... ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ... ? ?? ? ? ? ? ?S S S S ? ??ژ (التوبة: 80).
خامسا: آفة التمرد على الله تأتي غالبا من الملأ المستكبرين المترفين كبار القوم، ويقدم القرآن لنا صورًا متعددةً للعجرفة والاستكبار الذي اشتهر به هؤلاء مع أنبياء الله: نوح، هود، صالح، شعيب، موسى وهارون.
وقد تكررت هذه الصور في سور عديدة من القرآن الكريم، حيث تجلى لنا موقف الملأ من قريش مع رسول الله ح. (1/153)
صفحة 154
فقد عُرف عن هؤلاء المترفين المغرورين الاستخفاف بالمؤمنين ولا سيما إن كانوا من الفقراء والبسطاء، ويحرص القرآن الكريم على أن يقدم لنا صورًا للحوارات الساخنة التي تكون يوم القيامة بين الذين اتُّبعوا والذين اتَّبَعوا، فكل يتنصل من الآخر، ويحاول أن يحمل مسؤولية الكفران والضلال بالطرف الآخر، فلا يجدي ذلك نفعا عند الله ولا شفيعا عند الحساب، بل يكون وزر الجبابرة والملأ المستكبر مرتين لأنهم ضلوا وأضلوا، والترف المادي يُعمي العيون، وقوة الاستكبار والجاه تغشيها فلا ترى من الحق شيئا.
سادسا: إن الدِّين عند الله الإسلام والمراد به عند جمهور العلماء (التوحيد)، وهو رسالة كل الأنبياء والمرسلين لا نفرق بين أحد من رسله، وإن سيدنا إبراهيم خليل الرحمان هو الذي سمانا بهذا الاسم ژ ? ? ?? ? ? ? ? ? ... ?ژ (الحج: 78).
وكل الأنبياء والمرسلين يشهدون بهذا ژھ ے ے? ? ? ? ??ژ (البقرة: 285).
وكل من اعتز من المؤمنين بغير هذا الإسلام التوحيدي فهو في الآخرة من الخاسرين.
ژچ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژژ s s ک ک ک کگ گ گ گ ? ? ?? ... ?ژ (الشورى: 13).
فكل من فرق بين طاعة الله وطاعة رسوله محمد ح يدخل في عداد هؤلاء، ومن هنا نتبيَّن ضلال أولئك الذين يكتفون - في زعمهم - بما في القرآن وحده دون اتباع سنة رسوله محمد ح، والقرآن يشهد بأن من أطاع محمدا فقد أطاع الله، ومن يحب الله فعليه أولا أن يحب عبده ورسوله ژ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ?? چ چ چ چ ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ژژ (آل عمران: 31 - 32). (1/154)
صفحة 155
سابعا: إن الله خلق لنا العقول وميزنا نحن بني الإنسان بها لنتخذها وسيلة لعبادته، ومن هنا يأتي التفكر والتأمل في مخلوقات الله في كونه الفسيح من أولى هذه العبادات، ومن هنا أيضا نلحظ أن كلمة (العقل) هكذا بهذه الصيغة لم ترد في القرآن قط، وإنما وردت على صيغة الفعل (يعقلون)، أفلا تعقلون وغير ذلك، مما يدل على أن هذه الصيغة الفعلية لا الاسمية هي التي يريدها الله منا استخداما لهذه النعمة وشكرانا لها، فالصيغة الفعلية حركة دائمة واستخدام مستمر، وليست اسما جامدا، وهذه إشارة قوية ولطيفة قرآنية أساسية تقول لنا بصريح العبارة: إن العقل لا يؤدي دوره المطلوب منه إلا فاعلا، والفعل يدل على الاستمرار والديمومة كما مر.
ومن ثم فإن من شأن المؤمن اتباع العقل والشرع معا، فلا مجال في الإسلام لتعطيل العقل بدون إبداع وتفكر وتأمل في جميع الحالات التي يكون عليها الإنسان في حياته اليومية ژ گ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ں ں ? ... ھژ (آل عمران: 191).
وبالمقابل يكون التقليد دون فهم ووعي ومسؤولية كفران لنعمة هي من أجلِّ النعم التي خص الله بها الإنسان، فإن الله لم يُعَيّر قوما بصفة أحقر مما عيَّر به أولئك المعطلين لعقولهم تقليدا وإتباعا لآبائهم وأجدادهم. وذلك هو قول المترفين - الذين مر عليهم الكلام من قبل - بشهادة القرآن ژ? ? ? ? ? پ پ ... پ پ ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?Sژ (الزخرف: 23).
على أنه ينبغي التحذير من الإفراط في الإعجاب بدور العقل لأنه مخلوق وكل مخلوق محدود الطاقة والقوة أمام قوة الخالق، فإذا كان الأمر الشرعي صريحا أو الترك بيّنا واضحا لم يَعُد هناك مجال للفهم والعجرفة والحذلقة، فالمقدم عند الله وعند المؤمنين بالتالي هو الشرع ژ? ? ... ? ? ... ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? S ... S S ... S?ژ (الأحزاب: 36). (1/155)
صفحة 156
ومهما يكن من أمر فإن الأقوال في هذه المسألة كثيرة منذ أن خلق الله هذا العقل على اختلاف المذاهب والفرق الإسلامية شرقا وغربا، منها من يقدم الشرع على العقل، ومنها من يقدم العقل على الشرع، ومنها من يوازن بينهما، وكل ذلك في رأينا من سعة الإسلام ورحمته، ولكن لا خلاف على أن التقليد الأعمى منهي عنه على كل حال.
محمد ناصر
الأبيار: صبيحة الجمعة 7 ذو الحجة 1437هـ
موافق لـ 09 سبتمبر 2016م
} - - {
o
مقدِّمةُ الجزءِ الثَّاني 05
مقدِّمةُ الجزءِ الأوَّل 07
القرآنُ مأدبةُ الله، هل لبَّينَا دَعوَتَه؟! 09
ولقد يَسَّرنا القرآنَ للذِّكرِ فهل مِن مُدَّكِر؟ 34
كيف نتعاملُ معَ كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ؟ 50
كيف نتدبَّرُ القرآنَ؟ 53
سورةُ الضُّحى، رفعةٌ لخيرِ البَشريَّة ... 55
أيُّهما أضلُّ للإنسانِ؛ النفسُ أمِ الشيطانُ؟! 70
آياتُ الرَّحمنِ في خَرْقِ سُنَنِ الأكوانِ (مريم نموذجًا) 85
الابتلاءُ مدرسةُ الأنبياءِ 100
آدابُ الإنفاقِ في القرآنِ؛ مكانتُهُ وبَرَكتُه 131
مِن خصائصِ القَصَصِ القُرآنِيِّ (01) 150
مِن خَصائصِ القَصَصِ القُرآنِيِّ (02) 152
عِظَاتٌ وعِبرٌ من قصَّة نُوح؛ 154
الرُّشدُ الإبراهيمِيُّ! 156
«أيُّوبُ» سيِّدُ الصابرين 160
بعضُ المشاهدِ النفسيَّة من قصَّة يوسُف؛ 164
مشاهدُ نفسيَّةٌ عظيمةٌ من قصَّة مُوسى وفرعون 169
الدَّاعيةُ النَّاجِحُ، والطَّاغيةُ الجارحُ! 174
كُفرانُ النِّعمةِ، حِرمَانٌ من الجنَّة! 184
التكامُلُ والتَّماثُلُ من خِلالِ سُورَتَي «الفَجرِ» وَ «اللَّيلِ» 187
لمساتٌ بيانيَّةٌ في سورةِ «وَالفجْرِ»! 198
العِبَرُ المستفادَةُ مِنَ القَصَصِ القُرآنِيِّ 210
مُحتوياتُ الكِتَابِ 217
تم بحمد الله (1/156)