صفحة 1
بحث تخرج: نصوص التفسير في كتاب الضياء لـ؟؟
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] ص 27-33 : الباب الأول
في بسم الله الرحمن الرحيم
أول ما يفتتح به الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم وهي آية من القرآن بإجماعهم أنزلها الله عز وجل مبتدئا الكلام في كلامه وفصلا بين سورة وأثبتها الصحابة في المصحف ويروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه عدها من أم الكتاب وقال إنها من السبع المثاني ونحب افتتاح كل عمل وقول بها والاقتداء في ذلك بالله جل جلاله، ثم برسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد كره بعض أن يكتب معها في سطرها شيئا غيرها أو يبتدئ بها الشعراء ويدغم منها صورة الباء والسين على ما يفعله بعض الكتاب وكره بعض تصغير خط بسم الله الرحمن الرحيم عز وجل تعظيما لاسمه وكلامه ويكره تعوير الهاء من اسم الله جل ثناؤه ويستحب تبيين هذه الآية وتفسيح حروفها وتتميم ألفاتها وتقويم لاماتها.
وروي أن عاملا لعمر بن عبد العزيز كتب بسم الله الرحمن الرحيم فحذف السين بين الباء والميم فعزله لذلك والله أعلم، وكره جماعة من الصحابة والتابعين فيما وجدت أن يمد الباء إلى الميم حتى يكتب السين وكره مجاهد والشعبي وغيرهما أن يكتب الجنب بسم الله الرحمن الرحيم وكره أن يكتب على الأرض.
أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كتب بسم الله الرحمن الرحيم فجودها تعظيما لله عز وجل وجلت عظيمته غفر الله له ومن رفع قرطاسا فيه بسم الله الرحمن الرحيم إجلالا لله جل جلاله أن يداس كتب عند الله من الصديقين ويخفف عن والديه وإن كانا مشركين أعني من العذاب وعنه من طريق علي أنه قال عليه السلام ما من كتاب فيه اسم الله نسخ فيه بسم الله الرحمن الرحيم ملقى ببقعة من الأرض إلا بعث الله إليه من يرفعه وإذا رفعه أدخله الله الجنة وخفف عن والديه العذاب وإن كانا مشركين.
وعنه - صلى الله عليه وسلم - من يتوق بسم الله الرحمن الرحيم رزقه الله ولدا بلا عيب. (1/1)
صفحة 2
أبو جعفر محمد بن علي قال: مفتاح كل كتاب أنزل من السماء بسم الله الرحمن الرحيم.
وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : بسم الله الرحمن الرحيم تيجان الكتب وأنشد:
باسم الله يفتتح الكلام وبسم الله شافية السقام
قال علي: لما أنزلت بسم الله الرحمن الرحيم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول ما أنزلت هذه الآية على آدم.
قال عليه السلام : أمن ذريتي العذاب ما داموا على قراءتها ثم رفعت فأنزلت على إبراهيم عليه السلام فتلاها وقرأها وهو في كفة المنجنيق فجعل الله تعالى عليه النار بردا وسلاما ثم رفعت بعده فما نزلت إلا على سليمان عليه السلام وعندها قالت الملائكة الآن تم والله ملكك ثم رفعت فأنزلها الله تعالى عليَّ ثم تأتي أمتي يوم القيامة وهم يقولون بسم الله الرحمن الرحيم فإذا وضعت في ميزان أعمالهم رجحت حسناتهم.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اكتبوها في كتبكم فإذا كتبتموها فتكلموا بها ، عائشة أنه قالت : لما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم ضجت الجبال حتى سمع أهل مكة دويها فقالوا سحر محمد الجبال فبعث الله عليهم دخانا حتى ظلل مكة.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - من قال بسم الله الرحمن الرحيم مؤمنا موقنا سبحت معه الملائكة والجبال إلا أنه لا يسمع ذلك.
قال ابن عباس: قال لما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم في سورة النمل مرت الغيم إلى المشرق وسكنت الرياح وصاحت النجوم وأصغت البهائم بآذانها وأقبلت ومنعت الشياطين من السماء وحلف رب العرش لا يسمى اسمه على شيء إلا شفاه ولا على شيء إلا بارك فيه ولم يرن إبليس لعنه الله مثل ثلاث رنات قط رنة حين لعن وأخرج من ملكوت السماوات ورنة حين ولد - صلى الله عليه وسلم - ،ورنة حين نزلت بسم الله الرحمن الرحيم فاتحة الكتاب. (1/2)
صفحة 3
ابن عباس قال: أول ما أنزل الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم على سليمان عليه السلام ليفتتح بها الدنيا ويذل بها الملوك وهي قراءة أهل السموات ثم رفعت فأنزلت على محمد - صلى الله عليه وسلم - في سورة النمل وكان فتحا عظيما فإذا قرأتموها فمدوها فإنها هي العزيزة وإذا كتبتموها فاقرؤوها فإنها هي الشافية من كل داء لكل سقيم ولم يرد دعاء أوله بسم الله الرحمن الرحيم.
وقال علي بن أبي طالب: بسم الله شقاء من كل داء وعون على كل دواء.
وروي عن الشعبي : أن العرب كانت تكتب في أوائل كتبها قبل الإسلام بسمك اللهم، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكتبها كان كذلك مصدرا فلما نزلت عليه بسم الله مجريها ومرساها كتب بسم الله ثم نزلت عليه {قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن} الآية، فكتب بسم الله الرحمن، ثم نزلت عليه {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} فكتبها كذلك فاستقام الأمر واستمر على افتتاح الكتب بها إلى اليوم ويقال إن أول من كتبها سليمان عليه السلام، و بسم الله الرحمن الرحيم تسعة عشر حرفا لقارئها بكل حرف عشر حسنات.
ويقال: قد أكثر من البسملة إذا أكثر من قول بسم الله الرحمن الرحيم.
قال عمرو بن أبي ربيعة:
ألا بسملت ليلى غداة لقيتها فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل
فصل
عمرو بن شرحبيل قال: أول ما جاء جبرائيل عليه السلام إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : قل بسم الله الرحمن الرحيم وأعادها عليه ثلاثا، ثم قال له : قل الحمد لله رب العالمين فأعادها عليه ثلاثا.
الزهري في قوله عز وجل : {وألزمهم كلمة التقوى}، قال : بسم الله الرحمن الرحيم.
قال عبد الله بن الحسن: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا}، يقول : بسم الله الرحمن الرحيم. (1/3)
صفحة 4
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم المستحم أن يقول بسم الله ، وقال رجل : تعس الشيطان، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تقل تعس الشيطان فإنه يتعاظم ويقول بعزتي صرعتك فإذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم تصاغر حتى يصير مثل الذباب.
أبو جعفر محمد بن علي قال: إذا قرأ الرجل بسم الله الرحمن الرحيم ستر ما بين يديه من السماء إلى الأرض.
قيل : أمرت عائشة خادما لها أن يخيط لها خرقا في فراشها فلما خاطه، قالت له : أذكرت اسم الله عليه حين بدأت به ؟ قال: لا ، قالت : فانقضه ثم ادكر اسم الله عليه .
وقيل : دعت عائشة خياطا فقالت له :سميت حين ضربت بإبرتك ؟ قال: لا ، قالت : ما يبقى فافتق ما خطت.
فصل
كعب الأحبار : أول ما خلق الله عز وجل من الحروف الباء، ويقال: كانت السين والألف حرفين كاملين فترافعت السين فرفع الله عليها الألف، ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إن أول ما كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ نقطة فنظرت إلى نفسها فتصاغرت فتواضعت لله تعالى عز وجل فصارت همزة، فلما رأى تواضعها طولها فجعلها ألفا ثم تلفظ بها فقال: ألف فصارت ثلاثة أحرف ، ألف ولام وفاء، وصارت ثلاثة أحرف ثم جعل يلفظ حرفا بعد حرف على تسعة وعشرين حرفا حتى ثبتت الألسن كلها على ذلك فجعل الألف من أول أسماء الله عز وجل، الله الرحمن الرحيم ألا ترى أنه تدور عليه أسماؤه كلها وجعل اللام آخر أسمائه لجبريل وميكائيل وجعل الميم في أول اسم محمد - صلى الله عليه وسلم - من أوسطه ثم أقسم بنفسه وبملائكته وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - أن هذا الكتاب وبلغنا أن اسم الله الأعظم هو الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له واسم الله عز وجل قدم على الرحمن الرحيم لأنه اسم لا ينبغي إلا لله تعالى. (1/4)
صفحة 5
وقيل: في قوله تعالى {هل تعلم له سميا} أي هل تعلم له في السهل والجبل والبر والبحر والمشرق والمغرب أحدا اسمه الله غير لا إله إلا هو.
وقيل: اسم الله الأعظم يا ذا الجلال والإكرام.
وقيل: يا حي يا قيوم أبي بن كعب.
قال: جميع الأسماء بمعنى ربوبيته الرب عز وجل.
قال: واسمه الذي هو اسمه الله.
وقال جابر بن زيد: اسم الله الأعظم هو الله ألا ترى أنه به يبتدأ وتفسير بسم الله الرحمن الرحيم في الإعراب قد ذكرته في باب التوحيد إن شاء الله.
ص 35-39 : الباب الثاني في العلم
العلم على وجوه: فالأول هو القرآن وهو قوله عز وجل: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك}، والعلم المعجز هو القرآن ولا يسمى بهذا الاسم غيره، والثاني هو محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله تعالى {فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم}، يقول لم يختلف أهل الكتاب فيه - صلى الله عليه وسلم - أنه نبي مبعوث حتى جاءهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والثالث وهو الكيميا وهو قوله تعالى في قصة قارون قال: {قال إنما أوتيته على علم عندي} أي على علم كيميا، والرابع هو الشرك والكفر وهو قوله عز وجل {فرحوا بما عندهم من العلم}، قيل من الشرك والكفر والله أعلم ، والخامس العلم المعروف وهو ضد الجهل.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: العلم علما، علم الأديان وعلم الأبدان وفي خبر آخر أنه عليه السلام قدم علم الأبدان على علم الأديان وليس في تقديمه عليه السلام علم الأبدان دلالة على تفضيله إياه على علم الأديان إذ قد جاء في القرآن الكريم تقديم الأنقص على الأفضل في غير موضع فمنه تقديم الجن على الإنس والإنس أفضل وتقديم الليل على النهار والنهار أفضل وغير هذا كثير.
ويقال: العلوم أربعة علم الأديان وعلم الأبدان وعلم اللسان وعلم الإنسان، فعلم الأديان علم الحلال والحرام وعلم الأبدان علم الطب وعلم اللسان علم الفصاحة وعلم الإنسان علم الأنساب. (1/5)
صفحة 6
ويقال العلم علمان، فعل باللسان ليس له تحقيق بالفعال فذلك العلم الضار وعلم باللسان تحقيقه بالفعل فذلك العلم النافع.
وعن جابر بن زيد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : العلم علمان علم في القلب فذلك العلم النافع وعلم في اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم والعلم أيضا علمان علم عقلي وعلم سمعي فالعقلي ما خطر بالقلب من التوحيد وغيره ومعرفة الوعد والوعيد وكذلك ما حسن في عقله وقبح مما لم يأته خبره ولم يسمع بذكره والعلم السمعي هو ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من الشريعة والسنة وبينه من أحكام القرآن من ما طرق سمعه وجاءته صحته وقامت حجته بظواهر الآية لأن القرآن معجز في نظمه ومعانيه باين من كلام البشر فذلك يلزم المتعبد التصديق به.
ويقال أيضا العلم علمان علم اختيار وعلم اضطرار وكلاهما عرض وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - العلوم ثلاثة وما سواهن فضل آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة ثابتة.
ويقال : العلم علمان القرآن والفقه والباقي. (1/6)
صفحة 7
وقال محمد بن إسحاق: العلم اسم أصلي يجمع فروعا كثيرة ، وكل فرع من فروعه علم برأسه فمن ذلك علوم أخروية وعلوم دنيوية فمن علوم الأخروية الفقه وهو الشرف الباذخ الذي من علمه وعمل به ساد في الدنيا والآخرة وسبيل من أراد الفقه أن يبدأ بالقرآن واستنباط علمه ومعرفة خاصه وعامه وندبه وحضره وإباحته وناسخه ومنسوخه وحكمه ومتشابهه وأحكامه وتفسيره وإعرابه، فإن القرآن هو الأصل الذي من رزق علمه شرف وعلت حاله ورأس في الناس وساد به، ومن فروع العلم بعد الطلب الآثار والفقه علم الفرائض وعلم الشروط ، وأما العلوم الدنياوية فعلم اللغة والنحو ورواية الشعر وحفظ الأخبار والسير والمغازي وأيام الناس والطب والنجوم والسحاب وعلم الهيئة وأشباه ذلك، قد عدها الناس في جملة العلوم وعلم الشروط علم جليل وبالناس إليه الحاجة الماسة ولا غنية لهم عنه وهو من علوم الدنيا والآخرة لأنه به تحفظ الأمانات والأموال وما يعلمه أحد إلا احتاج إليه الناس.
وعن أبي حنيفة أنه قال: تعلموا الوثائق واكتبوها بين الناس فإن أردتم دنيا وجدتموها وإن أردتم آخرة وجدتموها.
قال خالد بن يوسف: تعلمت الفقه فما قامت سوقي وتعلمت الشروط فكانت سبب رئاستي.
وقال إبراهيم : العلوم ثلاثة علم دنيوي، وعلم دنيوي وأخروي، وعلم لا دنيا ولا آخرة، فأما العلم الدنيوي فالطب والنجوم وما أشبه ذلك، وأما العلم الأخروي والدنيوي فهو القرآن والفقه، وأما علم الذي لا للدنيا ولا للآخرة فهو الشعر. (1/7)
صفحة 8
وقال بعضهم : الفقه علم جليل قلما يسلم حامله من العجب والرياء وعلم الحساب عل تيقن وليس علم الدين وعلم الإعراب لا يستغني عن قليله ولا يحتاج إلى كثيره والشعر نعم العون على الدنيا وأجل العلوم معرفة الله عز وجل وكل فن من العلوم فهو علم بنفسه وكل نوع من العلوم يقال له نمط والعلوم ما أصلح الإنسان وصحح اللسان وأوضح البيان ورفع أهله في الملأ ونفعهم في الخلاء وطلب مفقود أو رغب فيه موجودا وجاء عن المسلمين ونفع في الدنيا والدين وكان صفوا من الكذب ونفعا من الضرر لا ما كان حظلا ولغوا ولعبا ولهوا وسفها وسهوا ذلك حظ الجهال وبضاعة أهل الضلال.
قال بعض الحكماء : العلم علمان، علم ديني وعلم دنياوي، فالعلم الديني الذي هو قسط العلماء والحكماء الذين أرادوا به الآخرة والنجاة والعلم الديناوي هو قسط من أراد اكتساب الأموال والمراتب في الدنيا والعلم الديني ينقسم على قسمين، علم عام ظاهر وعلم خاص باطن خفي العلم الظاهر الجليل كالعلم في الحلال والحرام والفرائض والسنن والأحكام وحفظ الكتب والأخبار والحديث وغير ذلك قد اشترك فيه الخاص والعام والعلم الخاص الباطن الخفيفهو علم الأنبياء والصديقين والأولياء المخصوصين وقد خص به قوم دون قوم فهو في كل أمة مثل تأويل الكتب وإسرار الأنبياء والرسل وما كان بينهم وبين أوليائهم فهذا هو العلم الخاص الذي كان من الأنبياء وأوليائهم المخصوصين دون عوام الناس، ثم ينقسم العلم الخاص قسمين فقسم بين الأنبياء وخواصهم وقسم خص الله تعالى به الأنبياء وهو بينهم وبين الله عز وجل أطلعهم عليه دون سائر الناس علم الغيب. (1/8)
صفحة 9
قال الله عز وجل {فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} فأعلمنا جل وعلا أنه إذا ارتضى رسولا من خلقه أطلعه على ما شاء ثم ينقسم أيضا ذلك العلم قسمين، علم بين الله تعالى وبين أنبيائه ورسله، وعلم تفرد به عز وجل فلم يطلع عليه أحدا من خلقه. فقال عز وعلا {يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو} ومثله {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار} ومثله {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ما ذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير}، ومثله كثير في القرآن مما تفرد به هو جل جلاله بعلمه دون كل أحد من خلقه وقسم العلم أقساما ورتب العلماء فيه مراتب ودرجات.
قال الله تعالى {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}، وقال تعالى {وفوق كل ذي علم عليم} والعلم الدنيوي ينقسم إلى قسمين: علم روحاني وعلم جسداني ، فالعلم الروحاني فهو علم لطيف مثل علم النجوم والحساب والطب والهندسة وما أشبه ذلك والعلم الجسداني هو علم الصناعات مثل البنياني والدوالي والأرحام وعمل البحر والحديد وغير ذلك من الصناعات.
ص 41-42 : فصل
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلا وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق أنس بن مالك أنه قال: من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل وتشرب الخمور ويظهر الزنا.
وقال الشعبي: ذهب العلم إلا غبرا في أوعية سوء بقايا يسيرة.
ويقال: لم يبق من الشيء إلا غبرا أي بقايا يسيرة ، فالغبر جمع غابر والغابر الباقي وهو قول الله عز وجل {إلا عجوزا في الغابرين}.
قال حميد بن ثور:
فكلفت يوم البين من غبر الصبا نوى من جميع أملكتها الأباعر
وقيل : إن العلم يفنى قبضة قبضة حتى يذهب كله.
فصل (1/9)
صفحة 10
والعلم أصناف كثيرة وضروب مختلفة وكلها شريفةولكل علم منها فضيلة والإحاطة بجميعها محال.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: العلم كثير أكثر من أنيدرك فخذوا من كل شيء أحسنه.
وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من ظن أن للعلم غاية فقد بخسه حقه ووضعه في غير منزلته التي وضعه الله بها حيث يقول {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}.
ص 46-49 : فصل
في المعرفة، المعرفة ضد الإنكار كما أن العلم ضد الجهل، يقال: عرف الشيء وأنكره، قال الكميت:
منكرات يا نفس عارفات بعيون هو أمل التسجال
فجعل المعرفة ضد الإنكار ، قال جرير:
عرفنا جعفرا وبني كلاب وأنكرنا زعانف آخرينا
فجعل المعرفة ضد الإنكار والعلم والمعرفة شكلان ومن الناس من يجعل الإنكار ضد الإقرار وهو خطأ لأن الإقرار ضد الجحد.
يقال أقر فلا بحثي وجحد في حقي كما يقال اعترف به وأنكره والفرق بين الإنكار والجحد، إن الإنكار يكون بالشيء الذي يشتبه عليه فلا يعرف حقه من باطله.
ويقال : أنكره إذا جحده لا شتباهه وقلة توجهه إليه ومعرفته به والجحود يكون دفع الشيء على بصيرة وعلم عيانا.
قال الله عز وجل : {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} فجعل الجاحد على معرفة ويقين.
ويقال: رجل عارف بالشيء وله معرفة بالأمر إذا كان يميز الشيء من ضده وخلافه بالمشاهدة والمعاينة.
ويقال : المعرفة جبلة من الخلق والعلم بالاكتساب والتعليم ومن أجل ذلك اشتركت البهائم وسائر الحيوان مع الناس في المعرفة وخصص الناس بالعلم من دون البهائم.
ويقال : إن البهائم سميت بهائم لأنها أبهمت عن كل شيء إلا عن معرفة الله عز وجل فالإنسان يعرف ويعلم والبهيمة تعرف ولا تعلم لأن الإنسان يكتسب العلم والبهائم لا اكتساب لها وإنما صار الإنسان معاقبا ومثابا لاكتسابه واختياره الخير والشر وعلمه بذلك والبهيمة لا ثواب لها ولا عقاب عليها لأن المعرفة جبلة فيها وليست باكتساب.
قال: وسأل العالم رجلا فقال أتعرف أم تعلم؟ (1/10)
صفحة 11
قال: بل أعرف.
فقال: إن البهيمة لتعرف ولو علمت ما كنت بهيمة ، والبهيمة بمعرفتها تميز بين الضار والنافع لها في أمر معاشها وتتقي المهالك وتألف من ينفعها وتنفر ممن يؤذيها ويضرها كالشاة تألف الكلب وتفر من الذئب وتميز بينهما ، وكالطير يألف اللواقط والبغاث ويفر من الجوارح وهذا من جهة المعرفة.
قال:وإنما صار الإنسان يعرف ويعلم لاجتماع النفس المنطقية البهيمية وهما جوهران قابلان للعلم والمعرفة البهيمية والنفس البهيمية تقبل المعرفة وتأبى العلم والبهيمية تعرف الشاهد وتعجز عن الغائب ويقال : عرفت الشيء معرفة وعرفانا.
قال عمران بن حطان:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى عرفت لهذا الدين عرفانا
والعارف أيضا الصابر ورجل عروف صبور وفي المثل النفس فروف ما حملتها احتملت.
قال النابغة:
على عارفات للطعان عوابس بهن كلوم بين دام وخالب
والعرف بفتح العين الريح الطيبة، قال الله عز وجل {عرفها لهم}.
قال عدي بن زيد:
أبصرت عيني عشاء ضوء نار من سناها عرف هندي وعار (1/11)
صفحة 12
وكأن المعرفة أخذت من الطيب والصبر لأن الذي يميز الشيء ويعرفه يطيب له التمييز فيختار الخير ويستطيبه ويقبله ويصبر عليه والمعرفة بالشيء هي المشاهدة تزيل الشك والمرية وهي التمييز بين الشيئين ومن أجل ذلك قال أهل العربية: المعرفة اسم إذا كان مخلصا لا يحتاج إلى علامة تفرق بينه وبين نظيره كقولك زيد وعمرو والنكرة التي تحتاج إلى معرفة وعلامة تعرف بها حتى تصير معرفة كقولك رجل ولا يدري أي الرجال هو، وكقولك : غلام ولا يدري أي الغلمان هو حتى تعرفه الألف واللام ، فإذا قلت الرجل فقد دللت على رجل بعينه وإذا قلت غلام زيد فقد عرفته بالإضافة ولخصته ثم اشتقوا من المعرفة المعروف ومن النكرة المنكر ، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأخذ بالأمر فيه ولا شك فيه من أمر الدين فهو المعرفة لا يحتاج إلى علامة يعرف بها والنهي عن المنكر هو النهي التقحم في المجهولات والشبهات التي لا يعرف حقها من باطلها والمعروف والعرف لغتان.
قال النابغة:
أبى الله إلا عدله ووفاؤه فلا النكر معروف ولا العرف ضائع
ويقال نكر نكرا قال الله عز وجل {يوم يدع الداع إلى شيء نكر} ومعناه منكر.
ويقال: أنكرت الشيء ونكرته.
قال الله عز وجل {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم}.
قال الأعشى باللغتين جميعا:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا
ويقال أنكرت الشيء فهو منكر ونكير ومنه الملكان منكر ونكير ، والله أعلم. (1/12)
صفحة 13
ص 50-52 : وسمي العلم علما لأنه علامة يهتدي بها العالم على ما جهله الناس، وهو بمنزلة العلم المنصوب على الطريق والعلم والمنار المضروب على الحدود، فالعلم والعلم والعلامة اشتقاق من لفظ واحد فصار العلم للإنسان بمنزلة العلامة يفرق بينه وبين الجاهل والعلامة والعلم والمعلم ما جعلته علما للشيء والمعلم موضع العلامة ويقرأ وأنه لعلم للساعة تعلم به الساعة والعلم الراية التي إليها يجتمع الناس والجبل والعلم الجبل الطويل وهن الأعلام.
قال الله تعالى {وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام}، والجواري السفن ومنشآت شرعها والأعلام الجبال.
قال الفرزدق: قال ابن صانعة الزروب لقومه: لا أستطيع رواسي الأعلام وواحد الأعلام من الجبال علم.
قالت الخنساء:
وإن صخرا لوالينا وسيدنا وإن صخرا إذا نشتوا لنحار
وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار
ويقال : علم الرجل يعلم علما ورجل علامة وعليم وعالم.
قال الله تعالى عز وجل: {إني حفيظ عليم}.
وعن قسامة بن زهير قال: أوحى الله عز وجل إلى إبراهيم عليه السلام أني عليم أحب كل عليم والعالم والعلام ورجل علامة أدخلوا الهاء للتأكيد وقولهم أنا قتلته علما يريد بذلك المبالغة.
ومنه قولهم: قتل أرضا عالمها وقتلت أرض جاهلها أي بالغ في علمها.
ويقال : قتل أرضا عالمها وخابرها، فالخابر المختبر المجرب والخبير العالم بالأمر والخبرة الاختبار، قال الله تعالى {فاسأل به خبيرا}.
قال موسى بن ربعي الأسدي:
وقومي إن لقيت فسائليهم كفى قوما بصاحبهم خبيرا
نصب قوما بوقوع الفعل عليهم ونصب خبيرا بالتفسير معناه كفى قوما صاحبهم وقيل في قوله عز وجل {وما قتلوه يقينا} يقول : ما قتلوه ظنهم يقينا.
ويقول أعلمته إعلاما إذا أشعرته شيئا جهله. (1/13)
صفحة 14
ومنهم من يقول شعرته أي عقلته وقولهم ليت شعري أي ليت علمي والشاعر سمي شاعرا لفطنته من قولهم ما شعرت بهذا أي ما فطنت ، ومنهم من يقول شعرته أي عقلته ومنه قولهم ليت شعري أي ليت عملي وما يشعرك أي ما يدريك.
قال الله تعالى {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون}.
قال أبو طالب: ليت شعري مسافر بن أبي عمرو وليت شعري يقولها المحزون وجمع مسافر نصب بشعري أي ليتني مسافر علمت ابن أبي عمرو أي ذهب شاعر شعرا.
قال عنترة:
هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم
معناه : هل ترك الشعراء شيئا إلا وقد قالوا فيه وكفوه مؤونته.
قال آخر:
ليت شعري إذا القيامة قامت ودعي للحساب أين المصيرا
أراد ليت شعري المصيرأي ليتني أشعر المصيرأي هو، ويقول :فقه الرجل يفقه فقها فهو فقيه وقد فقه الرجل يفقه فقها إذا فهم وأفقهت له أي بينت له والتفقه تعلم الفقه ، والقه العلم في الدين والفقه في كلام العرب الفطنة ، سأل أعرابي يونسبن حبيب النحوي عن مسألة فأجابه بجواب أعجب به الأعرابي، فقال: شهدت لك بالفقه أي بالفطنة وسمي الفقيه فقيها لإحاطة فطنته بأسباب الحلال والحرام.
ويقال: فقهت الشيء أي علمته وفقهت إذا صرت فقيها ولا يقال فقهت الشيء لأنه فعل لا يتعدي ، ومثله قريب منك وقريبك ، والفقه اسم مدح ولا يستحقه من لم يكن فقيها ويجوز أن يسمي من علم شيئا من الفقه فقيها بمعنى أن كل من علم شيئا فقد فقه وهو فقيه به أي قد علمه وهو عليم به.
وعن ليث بن مجاهد قال: الفقيه من يخاف الله تعالى.
مجاهد في قوله عز وجل {إن إبراهيم لأواه حليم}، قال : الأواه الفقيه.
ص 55-58 :الباب الثالث في الحكمة
قال الله سبحانه وتعالى: {يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أتي خيرا كثيرا}.
قال ابن الأنباري: الحكمة اسم العقل وجمعها حكم، واختلف في تفسيرها.
فقال ابن عباس : الحكمة القرآن والفقه والعلم. (1/14)
صفحة 15
وقال أيضا: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله.
وعنه في قصة داود عليه السلام {وآتيناه الحكمة}
{وفصل الخطاب} قال : النبوة.
{وفصل الخطاب} يقول:القضاء بين الناس لا يتلبث في قضائه ولا يتتعتع، وعنه في قصة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويعلمهم الكتاب والحكمة.
قال: الكتاب القرآن والحكمة العلم والسنن، وفي قصة عيسى عليه السلام {ولما جاءهم عيسى بالبينات} يقول بالآيات ، قال : {قد جئتكم بالحكمة} يقول: بالنبوة ، ويقال الحكمة النبوة وقيل السنة وقيل الحكمة الصواب والكتاب يؤتي إصابته من يشاء وقال النقاش يقال إنها حفظ القرآن ومعانيه ويقال الفقه ومعرفة الأمور التي أمر الله عز وجل بها ونهى عنها وجماع الحكمة الرد إلى الصواب وحكمة الدابة ومن ذلك لأنها ترد الدابة إلى القصد.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ما أنفق منفق ولا تصدق متصدق بأفضل من كلام الحكمة إذا تكلم به الحكيم والعالم ينال كل مستمع عنه منفعة وعنه - صلى الله عليه وسلم - من طريق ابن مسعود أنه قال: لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا وسلطة على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها وفي خبر آخر آتاه الله علما فهو يقضي به ويعلمه.
وقيل معنى ذلك الحسد لا يجب أن يكون في شيء من الأشياء ولو كان واجبا لكان في هذين والله أعلم. وظاهره يقتضي غير هذا التفسير والله أعلم.
وعن الحسن في قوله عز وجل {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} قال الحسد.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق أنس بن مالك، أنه قال: الحكمة تزيد الشريف شرفا وترفع العبد المملوك حتى تجلسه مجالس الملوك.
وقيل في قوله عز وجل {ولقد آتينا لقمان الحكمة}.
قال : الفقه والعلم والإصابة وذلك في غير النبوة.
وعن عيسى عليه السلام أنه قال: لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. (1/15)
صفحة 16
ويقال: من أعطى الحكمة غير أهلها حاكمته الحكمة إلى ربها.
وقال بعض الحكماء: لا تحدث بالحكمة السفهاء فيكذبوك، ولا تحدث بالباطل عند الحكماء عند الحكماء فيمقتوك.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الكلمة من الحكمة يسمعها الرجل فيعمل بها أو يعلمها خير له من عبادة ألف سنة.
أبو هريرة قال: قالت الحكمة : من طلبني فلم يجدني فليعمل بأحسن ما يعلم ويدع عنه أقبح ما يعلم فإذا كان كذلك أتيته وإن لم يعرفني.
وقيل : الحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها ، فإن الضالة لا تترك لذلة واجدها كالدرة لا يضعها نقص مخرجها.
وقال معاوية: الفرصة خلسة ، والحياء يمنع الرزق، والهيبة خيبة، والحكمة ضالة المؤمن فليطلبها ولو من عند مشرك.
أبو شروان يقول: القلوب تحتاج إلى أقواتها من الحكمة، كما تحتاج الأبدان إلى أقواتها من الغذاء.
وقال لأصحابه: اجمعوا لي العلم فجمعوه في أربعة أوقار. فقال: هذا كثير فاختصروه في أربعة كتب، فقال : اختصروه فاختصروه في خمس كلمات ، الكلمات : الملك لا تصلحه إلا الطاعة والرعية لا يصلحها إلا العدل فيها ، والمال لا يصلحه إلا حسن التدبير، والطعام لا يؤكل إلا على شهوة، والمرأة لا يصلحها أن تنظر إلى غير زوجها.
وعن عيسى عليه السلام: اعلموا أن كلمة الحكمة ضالة المؤمن فعليكم بالعلم قبل أن يرفع ورفعه ذهاب رواته.
وعنه عليه السلام: إذا رأيت قلبك ينكر شيئا فاعلم أن الحكمة فيه.
وعن علي: خذ الحكمة أين أتت أي كيف أتت فإن الكلمة من الحكمة تكون في صدر المنافق تتلجلج حتى تسكن إلى صاحبها.
ويقال: إن الحكمة قد يعلمها المنافق فلا تزال تتحرك في صدره ولا تسكن حتى يسمعها المؤمن أو العالم فتسكن في صدره إلى أخواتها من كلام الحكمة.
وقال غيره: نور الحكمة يتوقد في قلوب الحكماء فهم يستضيؤون بها في أعمالهم كما يستضيء الناس في دجى الليل بنور المصابيح. (1/16)
صفحة 17
وقال الخليل: الحكمة مرجعها إلى العقل والعلم والحلم، ويقال للرجل إذا كان حكيما حليما قد أحكمته التجارب.
قال أفلاطون: قوة العقل الحكمة كما أن قوة الجسد الطعام فتموت الحكمة بموت العقل كما يموت الطعام بموت الجسد وسمي الحكيم حكيما لأن علمه وسداد رأيه وفصل صوابه يمنعه من الخطأ.
ويقال: أحكمت الشيء إذا منعته ورددته.
قال جرير بن حنيفة : أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضب.
وقال الحكيم : كان يقال الناس في الحكمة أربعة فسامع غير واع، فذلك كالرأس الحليق والماء ، وسامع واع لا مؤد فذلك كالقارورة والكرسف أدخلته فيها فقتلته وكبيتها فلم يخرج، وسامع واع مضيع فذلك كالقابض على الماء، وسامع واع مؤد فذلك كالشمس اكتست النور وأضاءت للعباد.
ويقال : من عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار، وسمى الأعشى القصيدة المحكمة حكيمة نسخة بالحكمة قال:
وحكيمة تأتي الملوك غريبة قد قلتها ليقال من ذا قالها
ص 59 : الباب الرابع في مدح العلم وتفضيله
الدليل على فضيلة العلم قوله عز وجل {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} فأظهر فضيلته بعلمه بالأشياء وقوله تعالى {إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم}، والبسطة الفضيلة من الرجل على غيره في العلم والجسم وقرأ بصطة بالصاد.
وقال جل ثناؤه: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم}، إلى قوله تعالى {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء}، وقوله عز اسمه {وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما}، وقوله {ولقد آتينا داود وسليمان منا علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين}ومثله {ولقد آتينا داود منا فضلا}الآية، ومثله {ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله}، ومثله في قصة عيسى عليه السلام {واذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل}، فهذه الآيات وغيرها في مواضع كثيرة دالة على فضيلة العلم. (1/17)
صفحة 18
ص 69 : ويقال الجهل داء والعلم دواء، والجهل عورة تستر ، والعلم زينة تظهر، والجهل نقسصة يستعاذ منها وفسر الجهل في قول موسى عليه السلام {أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} يعني السفهاء الذين يسخرون ويهزؤون ، والعلم فضيلة يرغب إلى الله فيها ، والجهل أقبح ما في الإنسان ، والعقل أملح ما في الإنسان.
ص 07 : وقيل إن عمر رحمه الله إذا قرأ {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} قال : الجهل يا رب.
ويقال : أنزلت هذه الآية في أبي الأسد بن أسد بن كلدة، وكان أعور شديد البطش، قال: لأن أخذت بحلقه من باب الجنة ليدخلنها مشركين ثم قتل يوم فتح مكة.
ويقال: نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي، وفيه نزلت {ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا} وكان يسمى الوحيد في قومه.
ويقال: وحيدا يعني دعيا
ويقال: لا مال له ولا ولد.
وقال الكلبي: في الآية الأولى نزلت في أبي بن خلف.
ويقال: من جهل شيئا عاداه وكذلك قوم نوح لما جهلوه وفضله عادوه وكذبوه.
ويقال: المرء عدو لما جهل ولهذا قال يحيى بن خالد لابنه: عليك بكل نوع من العلم فخذ منه فإن المرء عدو ما جهل، وأنا أكره أن تكون عدو شيء من العلم ، وأنشد:
تبين وخذ من كل علم فإنما يفوق امرء في كل فن له علم
فأنت عدو للذي أنت جاهل به ولعلم أنت تعلمه سلم
ص 72 : وقال المتوكل الكناني:
لا تنه عن خلق وتأتي بمثله عار عليك إذا فعلت عظيم
فابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حليم
ونصب الياء من تأتي لأنه نهي ، والواو إذا كانت للنهي فهي تنصب ، وكذلك الفاء وقال الله تعالى {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون} قال الله تعالى {لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب} وله زيادة شرح في هذا الباب فتركته.
ص 73-75 : فصل
الجهل في الابتداء من فاعله جهل على الحقيقة والجهل على الجزاء ليس بجهل على الحقيقة وإنما هو مجاز. وقد قيل في قول عمرو بن كلثوم: (1/18)
صفحة 19
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
إنه ما أراد الجهل المستقبح وإنما سمى الجزاء على الجهل جهلا، لأن ذلك من كلام العرب. قال الله تعالى {وجزاء سيئة سيئة مثلها} الأولى سيئة والأخرى الجزاء عليها ليست بسيئة ولكنهم يسمون الجزاء على الشيء باسم الشيء وبهذا فسر قول عمرو بن كلثوم لأنه لو أراد الجهل بعينه لكان ذما لا مدحا لأن الجهل لا يمتدح به عاقل ولا يستحسنه أحد وإنما معناه فنهلكه ونعاقبه بما هو أعظم من جهله فنسب الجهل إلى نفسه لتزدوج اللفظتان فتكون الثانية على مثل لفظ الأولى وهي تخالفها في المعنى.
وقال الله عز وجل {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}
قال المفسرون: معناه فعاقبوه على اعتدائه والثاني ليس باعتداء في الحقيقة بل هو عدل فسمى اعتداء للازدواج والتوفيق بين اللفظتين وجاء في الحديث أن الله عز وجل لا يمل حتى تملوا فمعناه أن الله عز وجل لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا مسألته وتزهدوا فيها والله عز وجل لا يمل في الحقيقة ولا يجهل وإنما نسب الله إليه لازدواج اللفظتين.
وقال بعضهم فتجهل فتجازيه فسمى المجازاة على الجهل جهلا، كما قال الله تعالى {يخادعون الله وهو خادعهم}، يريد والله أعلم مجازيهم على مخادعتهم.
وقرأ ابن مسعود : {بل عجبت ويسخرون} معناه: بل جازيتهم على عجبهم، لأنه تعالى أخبر عنهم في مواضع من القرآن أنهم عجبوا، فقال: عجبت ويسخرون يريد بل جازيتهم على عجبهم والله أعلم.
فصل (1/19)
صفحة 20
وأصل بني آدم الجهل، والعلم حادث فيهم، وكذلك أصلهم الفقر، والغنى حادث لهم، وكذلك أصلهم الحرية، والرق حادث عليهم، ومن ذلك قول علي بن أبي طالب لولده الحسين في رسالته إليه: فإن أشكل عليك فاحمله على جهالتك فإنك أول ما خلقت جاهلا ثم علمت، وأكثر ما تجهل من الأمر وتتحير فيه رأيك ويضل فيه بصرك، فإن العالم من عرف ما يعلم فيما لا يعلم قليل فعد نفسك لذلك جاهلا، والجاهل من عد نفسه بما يجهل من معرفة العلم عالما وبرأيه مكتفيا، فلم يزل للعلماء منابرا وعليهم زاريا ولمن خالفهم مخطيا، ومن جهلك أن تعد نفسك أنك عاقل فاضل، ومن عقلك أن تعد نفسك جاهلا، والجهل أقوى الحالتين على الإنسان، لأن أصله الذي خلق عليه، ألا ترى أنه مفتقر إلى تعليم العلم، ثم ربما لم يأخذ منه شيئا مع الجد فيه والحرص عليه، وليس يحتاج إلى تعليم الجهل لأنه فيه موجود.
قال الله عز وجل {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا}.
ص 81-83: الباب السادس في العقل
العقل أفضل ما أنعم تعالى به على العبد لأن به يعرف الحسن من القبيح، وبه وجب الحمد والذم وبه يلزم التكليف لأن الله جل ثناؤه إنما خاطب العقلاء بما يعقلون ومن لم يكن له عقل سقط عنه التكليف بالإجماع.
قال جل ثناؤه {فاعتبروا يا أولي الأبصار} وقال تعالى {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} والقلب هو العقل ، فالعقل أفضل نعمة ومن حرم العقل فقد حرم ، والعقل هو العلم والعلم هو العقل يعني من عقل علم ومن علم عقل ولا يكون العاقل عاقلا إلا بعلم مع عقله والدليل على عقل العاقل أنه إذا علم ما له مما عليه صح أنه قد عقل مع صحة التمييز بين الحسن والقبيح ، والدليل على ذهاب عقل العاقل هو أخذ ما ترك عليه ماله مع فساد التمييز والعقل عقلان وكلاهما عرض، فعقل اضطرار وعقل اكتساب، فأما عقل الاضطرار فالمركب فيه وأما عقل الاكتساب فما اكتسبه من عقله . (1/20)
صفحة 21
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : {لكل شيء آلة وعدة، وإن آلة المؤمن وعدته العقل}، والعقل مأخوذ اسمه من عقال البعير.
يقال عقلت الشيء إذا شددته وضبطته فسمي بذلك تشبيها بعقل الناقة لأن العقل يمنع الإنسان من الإقدام على شهواته إذا قبحت كما يمنع العقال الناقة من الشرود ، ولذلك قال عامر بن عبد قيس : إذا عقلك عقلك عما لا ينبغي فأنت عاقل، ويؤيد ذلك ما جاءت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال {العقل نور في القلب يميز به بين الحق والباطل}، وعنه - صلى الله عليه وسلم - {ما اكتسب الإنسان مثل عقل يهديه إلى الهدى أو يرده عن ردى}، وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال {لكل شيء دعامة ودعامة عمل المؤمن عقله فبقدر عقله تكون عبادته لربه، أما سمعتم قول الله تعال حكاية عن الفاجر حيث يقول يوم القيامة {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير}.
وقال بعض الحكماء: العقل أفضل مرجو والجهل أنكأ عدو، وقيل لكل شيء آفة وآفة العقل الهوى.
قال ابن دريد: وآفة العقل الهوى فمن علا على هواه عقله فقد نجا.
وقال الشعبي: إنما سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه.
قال عبد الملك بن مروان: إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى إلى بعض ما فيه عليك مقال.
قيل لبعض الحكماء : من أشجع الناس وأجرأهم بالظفر في مجادلته؟
قال: من جاهد الهوى طاعة لربه واحترس من ورود خواطر الهوى على قلبه.
وقال بعض الحكماء: من أمات شهوته أحيا مروءته.
وقال بعض العلماء: ركب الله عز وجل الملائكة من عقل بلا شهوة، وركب البهائم من شهوة بلا عقل، وركب ابن آدم من كليهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة ومن غلب شهوته عقله فهو شر من البهائم.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : الشديد من غلب نفسه.
قال وهب : الهوى والعقل يصطرعان في القلب فأيهما غلب مال بصاحبه.
الضحاك في قوله تعالى {لينذر من كان حيا}، أي من كان عاقلا. (1/21)
صفحة 22
ص 87: قال الله تعالى {ذو مرة فاستوى} معناه وعقل وشدة.
قال الشاعر:
قد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه
ويقال : عقل المرأة في جمالها وجمال الرجل في عقله.
ص 89 : مسألة :
قال الشيخ أبو محمد –رحمه الله- : اختلف الفقهاء العقلاء في العقل ، فقال بعضهم الحساب على مكلف وعاقل لأن القلم رفع عن الصبي والمجنون ووقع التكليف على العقلاء.
قال بعض: العاقل هو المطيع لله عز وجل ، واحتجوا بقوله تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها}، وقوله تعالى {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم}.
وقال بعض: العقل هو العلم، واحتج بقوله عز وجل {وما يعقلها إلا العالمون}.
ص 90: ويقال للعقل حجر ، قال الله تعالى {هل في ذلك قسم لذي حجر}.
وأنشد الأصمعي:
فأخفيت ما بي من صديقي فإنه لذو نسب دان إلي وذو حجر
وكذلك الحرام حجر ، قال الله تعالى : {ويقولون حجرا محجورا}، أي حراما محرما.
وأنشد لأبي طالب:
ألا أصبحت أسماء حجرا محرما وأصبحت من أدنى حمومتها حما
وقال الملتمس:
وقال جئت إلى النخلة القصوى فقلت لها حجر حرام إلا تلك الدهاريس
أي الدواهي أن يجيء رجع.[أي الدواهي ارتحل كمل العقل بجميع حاله وخالصه والحمد لله رب العالمين] [لفقت بين هذه الفقرة وبين فقرة ص92 فليراجع]
ص 91 : فصل في القلب
قال الخليل: القلب مضغة من الفؤاد معلقة بالنياط.
قال الشاعر:
ما سمي القلب إلا من تقلبه والرأي تصرف الإنسان أطوار
والجميع القلوب، وفي الحديث : إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس.
والقلب والفؤاد اسمان لمعنى واحد، وهو بضعة من الإنسان ، والفؤاد ظاهرها والقلب باطنها ألا ترى أنه نسب إلى الفؤاد فقال عز وجل {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}، وسمي الفؤاد فؤادا لتفاوده، والتفاود التوقد، وفؤد الرجل وهو مفوود إذا أصابه داء في فؤاده رجع إلى ذكر العقل. (1/22)
صفحة 23
ص 95-101: الباب السابع
في تفضيل العلماء وأعظمهم وتبجيلهم وإكرامهم
قال الله تقدست أسماؤه {إنما يخشى الله من عباده العلماء}، قال تعالى {وما يعقلها إلا العالمون}، وقال عز وجل {قل هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون }، وقال جل جلاله: {وما يستوي الأحياء ولا الأموات}.
وقيل : الأحياء العلماء والأموات الجهال.
وقيل: الأحياء المؤمنون والأموات الكفار ، فمنع الله تعالى اسمه المساواة بين العالم والجاهل ونفى أن يكون غير العالم يعقل عنه أمرا ويفهم عنه زجرا.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: {الناس موتى إلا العالمون والعالمون سكرى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون على خطر عظيم}.
وعن سويد بن عقبة عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا عبد الله بن مسعود، قلت: لبيك يا رسول الله ، قال: أتدري أي الناس أفضل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال : فإن أفضل الناس أفضلهم عملا إذا فقهوا في دينهم، ثم قال: يا عبد الله بن مسعود، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: أتدري أي الناس أعلم؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في العمل وأن يزحف على أسته.
أبو موسى الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث الله تعالى العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول : يا معاشر العلماء إني لم أضع فيكم علمي إلا لعلمي بكم ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم انطلقوا فقد غفرت لكم.
عن كثير بن قيس قال: كنت جالسا مع أبي الدرداء، فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن الأرض والحيتان في جوف الماء وأن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وأن العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر. (1/23)
صفحة 24
وقال - صلى الله عليه وسلم - : فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على الكواكب، وعنه - صلى الله عليه وسلم - : فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم رجلا، وعنه - صلى الله عليه وسلم - : فضل العالم على العابد سبعين درجة بين كل درجتين خطوة فرس سبعين عاما.
وعنه - صلى الله عليه وسلم - : حملة العلم هم ورثة الأنبياء ومصابيح الهدى وأمناء الله على وحيه ما لم يركنوا إلى الدنيا فإذا فعلوا ذلك فاتهموهم على دينكم.
عائشة –رحمها الله- عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من وقر عالما فقد وقر به عز وجل ومن فعل فقد استوجب المآب على الله عز وجل.
وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من أعظم جلال الله إكرام ثلاثة : قارئ القرآن غير المغالي فيه ولا الجافي عنه، والعالم، وذوو الشيبة المسلم.
وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف الفضل لعلمائنا وفي خبر ويجل كبيرنا.
ويقال : إن إجلال العالم من إجلال الله تعالى جل جلاله.
ويروى عن ابن عباس أنه أخذ بركاب زيد بن ثابت وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا.
وقيل أنه أراد زيد بن ثابت الركوب فأخذ ابن عباس بركابه، فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا فأخذ زيد بن ثابت بيد ابن عباس فقبلها وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا - صلى الله عليه وسلم - .
وعن ابن عباس : أنه كان يحضر مجلسه حبشي أسود أو نوبي ، وكان يرفعه على القوم ويصدره في المجلس فقيل له في ذلك، فقال: هذا رجل أكرمه الله بالعلم.
وقيل: لا يزال الناس بخير ما عظموا الأشراف وفضلوا العلماء وأجلوا المشايخ.
عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أقرب الناس درجة من درجة الأنبياء أهل العلم وأهل الجهاد، فأما أهل العلم فقالوا بما جاءت به الأنبياء وأهل الجهاد فجاهدوا على ما جاهدت به الأنبياء صلى الله عليهم، بعلمهم. (1/24)
صفحة 25
عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: فقيه واحد أشد على إبليس من ألف عابد.
أنس بن مالك: عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: العلم للعامة والعابد للرجل وحده.
وعن الحسن في قوله تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة}، قال: العلماء زينة الأرض.
وعن ابن عباس وطلحة وعطاء في قوله تعالى {أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}، قالوا: نقصان الأرض بموت العلماء وذهاب فقهائها.
وقوله تعالى: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم}.
قال مجاهد: من علمائهم. وقيل غير ذلك.
أنس بن مالك: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء يهتي بها في ظلمات البر والبحر فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة، وعنه - صلى الله عليه وسلم - : موت العالم ثلمة لا تجبر ما اختلف الجديدان وهو نجم قد طمس وموت قبيلة أيسر من موت عالم وفي خبر موت العالم ثلمة في الإسلام.
ويقال : خير من العلم حامله وخير من الذهب باذله.
إبراهيم قال: الفقهاء والعلماء أوصياء الأنبياء.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: العلماء مفاتيح الجنة وخلفاء الأنبياء.
وعنه - صلى الله عليه وسلم - : ويشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء والعلماء والشهداء، وفي الحديث إن الله تبارك وتعالى يقول يوم القيامة للعابد : يدخل الجنة وللعالم فاشفع للناس وفي خبر وللعالم اتئذ حتى تشفع للناس.
ابن عباس: أن الله تبارك وتعالى يباهي ملائكته برفع أعلام أهل العلم.
عن مالك بن أنس عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة:أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله تعالى حبس على العلماء عقولهم وأفهامهم فلا يسلبونها إلى الممات والعلماء ورثة الأنبياء وملح الأرض ومصابيح الدنيا.
وقال عوانة : تشاجر قوم في مسجد البصرة والمسجد مشحون برجال العرب فتراضوا بالحسن البصري وتحاكموا إليه. (1/25)
صفحة 26
قال الأحنف : كاد العلماء يكونون أربابا، وكل عز لم يوجد بالعلم فإلى ذل يصير، وقال عمر بن الخطاب –رحمه الله- وذكر العلماء فقال: تعطف عليهم بالعلم قلوب لا تصورها الأرحام تصور أي تمثل.
فصل
منه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسوا العلماء وسائلوا الكبراء وخاطبوا الحكماء.
وقال بعض الحكماء: من صاحب العلماء وقر، ومن صاحب السفهاء حقر.
وإتباع العلماء واجب، قال عز وجل حكاية عن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - {يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا}، والعلماء ودائع المسلمين وعندهم ميراث النبيين وحكمة الله التي يستدل بها عليه، والعلماء جعلهم الله حجة بينه وبين عباده وأمرهم أن يقبلوا قولهم ويهتدوا بهداهم، فقال عز وجل : {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}.
كان مسعود يقول: بأبي وأمي العلماء بروح الله انقلبتم وكتاب الله تلوتم ومساجد الله عمرتم ورحمة الله انتظرتم.
وقيل:العلماء منار البلاد ومنهم يقبس النور الذي يهتدون به.
بكر بن عبد الله قال: قال - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه إن العلم ما يكون كهيئة الشيء المدفون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا نطقوا به لم جهله أهل العزة بالله ، أتدرون ما قال لي جبريل عليه السلام، قال : يا محمد لا تحقرن عبدا أتاه الله علما، فإن الله لم يحقره حين علمه، إن الله جامع العلماء في بقيع واحد أو قال في صعيد واحد، فيقول الله عز وجل لهم: إني ما استودعتكم علمي إلا لخير ارتده بكم فقد غفرت لكم على ما منكم.
الحسن قال: مداد العلماء يوزن بدم الشهداء يوم القيامة.
سعيد بن جبير قال: إذا كان يوم القيامة يوزن حبر العلماء ودم الشهداء فيرجح حبر العلماء على دم الشهداء. (1/26)
صفحة 27
وقيل: العلماء غرباء لكثرة الجهال، وقيل: كلمت النبي - صلى الله عليه وسلم - جارية من السبي، فقال لها: من أنت؟ فقالت : بنت الرجل الجواد حاتم، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ارحموا عزيز قوم ذل، وارحموا غنيا افتقر، وارحموا عالما ضاع علمه بين الجهال.
وعنه - صلى الله عليه وسلم - : رحمت عزيز قوم ذل، وغنيا افتقر، وعالما لما تلاعب بعلمه الجهال.
قال الشاعر:
إني من النفر الثلاثة حقهم أن يرحموا لحوادث الأزمان
مثر أقل وعالم مستجهل وعزيز قوم ذل بلحد ثان
ويقال: الغرباء في الأرض أربعة : مصحف معلق لا يقرأ فيه ، وقرآن في قلب فاسق [لا] يعمل به، ومسجد في ظهراني قوم لا يصلون فيه، وعالم بين جهال لا يسألونه يتلاعبون به.
وفي الحديث : مثل العالم كالجمة يأتونها البعداء ويزهد فيها القرباء فبيما هم كذلك إذ غار ماؤها فانتفع بها قوم وبقي قوم يتكنون يعني يتندمون، والتفكن التندم والتلهف على الشيء يظن أنه يظفر به فيفوته ، والمتفكن المتندم.
قال الشاعر:
ما جزاء العارف المستيقن عندك إلا حاجة التفكن
والجمة عين فيها ماء جار يستسقى منه، وقيل هذا مثل للعرب.
قال المسبح بن حاتم:
لا نرى عالما يحل بقوم فيحلوه غير دار الهوان
قلما توجد السلامة والصحة مجموعتين في إنسان
فإذا حلتا مكانا سحيقا فهما في النفوس معشوقتان
هذه مكة الشريفة بيت الله يسعى لحجها الثقلان
ونرى أزهد البرية في الحج لها أهلها لقرب المكان
ويقال: أزهد الناس في عالم جيرانه. ويقال: أهله.
وقال بعض البلغاء: إن الشريعة أن تجل أهل الشريعة ، ومن الصنيعة أن يرب أهل الصنيعة ، ومعنى يرب أي يراد لئلا يعفوا أثرها.
ص 104-105 : وقال علي بن أبي طالب : الناس ثلاثة علم رباني ومتعلم على سبيل النجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق، والرباني العالي الدرجة في العلم. قال الله تبارك وتعالى {ولكن كونوا ربانيين}. (1/27)
صفحة 28
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : من مات عالما مات مباركا، ولما مات ابن عباس قال محمد بن الحنفية: اليوم مات رباني هذه الأمة.
وقيل : إن جابر بن زيد وقف على قبر ابن عباس في اليوم الذي مات فيه ودفن فقال: اليوم دفن رباني هذه الأمة، أي عالمهم ، ولما دفن جابر بن زيد وقف الحسن البصري على قبره، فقال: اليوم دفن رباني هذه الأمة.
قال النحويون: الربانيون منسوبون إلى الرب تبارك وتعالى علوا كبيرا. وقالوا: زيدت الألف والنون للمبالغة في النسب كما تقول اللحياني والجماني فتصفه بعظم اللحية والجمعة والربيون الألوف.
وقال ابن عباس: هو الجموع الكثيرة وأنشد:
وإذا معشر تجافوا عن الحق حملنا عليهم ربينا
وقال الحسن: الربيون بضم الراء.
وقرأ بها غيره وقال ربيون نسبوا إلى الربة، والربة عشرة آلاف.
وقرأ ابن عباس : ربيون بفتح الراء والهمج أصله في صفة كلامهم البعوض ثم قيل للرذال من الناس همج. قال : يترك رمج من عيشة يعيث فيه همج الهامج رمج أصلح والمرمج المصلح والعيث الفساد والناعق الصائح في الحرب، يقال : قد نعق الراعي بالغنم ينعق بها إذا صاح. قال عز وجل: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع}.
قال الأخطل:
فانعق بضأنك يا جرير فإنما منتك نفسك في الخلاء ضلالا
ص 107-112 : الهمذاني في قول الله عز وجل {والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا}. أنه قال: الذين يعملون بما يعلمون لنهديهم إلى ما لا يعلمون.
وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من عمل بما يعلم كان حقا على الله أن يعلمه ما جهل.
وعن قتادة : في قول الله تعالى وإنه لذو علم لما علمناه يعني أنه لعامل بما علم.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ويل لأقماع القول ويل للمصرين الذين يستمعون القول ولا يعملون.
قال الشاعر:
إذا العلم لم تعمل له كان حجة عليك ولم تعذر بما أنت جاهله (1/28)
صفحة 29
وعن عمر رضي الله عنه، خير العلم ما دخل معك قبرك وشر العلم ما خلفته ميراثا، قيل له: وما ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: ما علمت به دخل معك في قبرك ثوابه وما لم تعمل به خلفته في البيت ميراثا عليك لا لك فضل منه.
قال الله عز وجل {نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم}
قال النقاش: يقول الله تعالى : فوق علم كل عالم.
وقال غيره: يزيد على يعقوب وولده فوق علم العلماء.
وقيل: فوق كل عالم من هو أعلم منه حتى ينتهي ذلك إلى علم الله جل جلاله، والعلماء مختلفون في الدرجات والعلم والتفاضل، فمنهم البصير والمبصر ومنهم دون ذلك.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: {أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل فنسبه إلى ذلك ولم ينسبه إلى جميع العلم}.
وقال - صلى الله عليه وسلم - : أفرضكم زيد بن ثابت ولم ينسبه إلى غير ذلك.
وعن عمر أنه قال: من أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليسأل معاذا ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليسأل زيدا، ومن أراد أن يسأل عن الأموال فليسألني، فإن الله قد جعلني له خازنا وأمانا.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : العلماء قد جعلوا أمناء الله على عباده وعلى دينه ما لم يدخلوا في الدنيا ويخالطوا السلطان فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الله ورسوله فاحذروهم واتهموهم على دينكم فليحذر العالم مجانبة الدين لرغبة أو لرهبة فربما زلت أقدام العلماء في ذلك فضلوا وأضلوا.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه قال لا تزال هذه الأمة تحت يد الله وفي كفيه ما لم تمال قراؤها أمراءها وما لم تذل صلحاؤها لفجارها وما لم تمار أخيارها أشرارها فإذا فعلوا ذلك رفع الله يده عنهم ثم سلط عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب فضربهم بالغاقة والفقر وملأ قلوبهم رعبا.
وقيل: إذا ترك العالم العلم نودي يا هذا تركت الطريق. (1/29)
صفحة 30
وقال بعض الحكماء: خير العلماء من لا يقل ولا يمل ويجب على العالم أن ينظر إلى من هو فوقه في العلم ولا ينظر من هو دونه في الجهل فإن ذلك مما ينفي عنه العجب والاستكثار وليقلل عنده ما يجب فيه من الاستكثار إذا ليس متناه في العم إلا وسيجد من هو أعلم منه شيء إذ العلم أكثر من أن يحيط به بشر.
قال الله عز وجل: {نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم}، يعني من القلم.
وقال بعض السلف من تكبر بعلمه وترفع وضعه الله تعالى ومن تواضع بعلمه رفعه الله عز وجل، وفي منثور الحكم : إذا علمت فلا تفكر في كثرة من هو دونك من الجهال ولكن انظر إلى من هو فوقك من العلماء.
ولابن العميد:
من شاء عيشا هنيئا يستلذ به فواضل العيش إدبارا وإقبالا
فلينظرن إلى من فوقه أدابا ولينظرن إلى من دونه مالا
وقل من تعجب بالعلم إلا كان فيه مقصرا أو مقللا لأنه يجهل قدره ويحسب أنه قال : نال بدخوله أكثره وأما من كان فيه مستكثرا فهو يعلم من بعد غايته والعجز عن إدراك نهايته ما يصده عن العجب به ويحضه على الجهد في طلبه.
فصل
منه جابر بن زيد في قول الله تعالى {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا}
قال: هم علماء السوء، وفسر قوله تعالى {عتيا} على المبالغة في الكفر والفساد.
يقال: عتا وعسا يعتو عتوا وعتيا ويعسوا عسوا وعسيا وهو العتو والعتي لغتان وهو مجاوزة الحد إذا استكبر فقد عتا عتوا
وقال الراجز: الناس يعتو على التسلط.
ويقال : تعتا فلان وتعتت فلانه إذا لم تطع.
قال الحجاج: الحمد لله الذي استقلت بأمره السماء واطمأنت بأمره الأرض فما تعتت أي فما عصت والعاتي الجبار وجبابرة عتاة وسمعت المفضل يقول: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي أولائك قطاع الطريق على عبادي أدني ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم.
قال عمر بن محمد: العالم يدخل بين الله وبين خلقه. (1/30)
صفحة 31
معاذ بن جبل قال: كنت أطوف مع النبي - صلى الله عليه وسلم - البيت فقلت يا رسول الله من أشد الناس عذابا يوم القيامة فأعرض عني ثم سألته فأعرض عني ثم سألته فقال: من يرى الناس أن فيه خيرا ولا خير فيه، وفي خبر آخر عنه عليه السلام أنه قال : شرار العلماء.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يفقه الإنسان كل التفقه حتى يرى للقرآن وجوها.
قال كعب: أرباب العلم الذين يعملون به. قال : ويذهب العلم من قلوب العلماء بعد إذ وعوه الطمع وشره النفس وطلب الحوائج إلى الناس.
ابن منبه قال: كان أهل العلم فيما مضى يضنون على أهل الدنيا بعلمهم فيبذل أهل الدنيا دنياهم وأن أهل العلم قد بذلوا علمهم لأهل الدنيا بدنياهم.
قال بعض الحكماء: ثمرة العلم العمل به، وثمرة العمل به أن يؤجر عليه.
وفي الحكمة : لم ينتفع بعلمه من ترك العمل به ، وعن سفيان : أن الخضر قال لموسى عليهما السلام تعلم العلم لتعمل به ولا تتعلمه لتحدث به فيكون عليك بوره ولغيرك نوره.
وقال بعض العلماء: العلم يهتف بالعمل ، فإن أجابه وإلا ارتحل.
وقال بعض الحكماء : خير العلم ما نفع وخير القول ما ردع.
وقال بعض العلماء: ثمرة العلوم العمل بالمعلوم.
وقال الخليل:
خليلي إن العلم يهتف بالعمل فإن لم تجبه بالتقى سار وارتحل
ص 113-118: ويقال: رجل عالم وليس العلم في كله وإنما هو في بعضه، وكذلك رجل عاقل وليس العقل في كله وإنما هو في بعضه وعالم كل زمان، والأمة ينصرف على وجوه، في اللغة والأمة أتباع كل نبي ، والأمة الحين ، ومنه {وادكر بعد أمة}، والأمة الإمام، قال الله تعالى: {إن إبراهيم كان أمة}والأمة الطائع. قال النابغة:
حلفت فلم تترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع (1/31)
صفحة 32
وقيل :الأمة ها هنا الدين والربانيون هم العلماء والفقهاء، والأحبار علماء دون الأنبياء في العلم، وكل رباني حبر وليس كل حبر ربانيا، والأحبار أيضا كتبة العلم واحدهم حبر ، وحبر الحبر الهيئة والحسن ومنه الحديث : غيرت النار حبره وبشره ، أي حسنه وأثره.
ويقال: ما أحسن حبارة بلدك فكان العالم يسمى حبرا إذ تناهى في العلم فأورد على المتعلم أحسن العلوم ويحسن العلم في عين المتعلم حتى يفرح المتعلم بحسن ثيابه، وحتى يفرح به قلبه ويكون محبورا به مسرورا فسمي بذلك حبرا.
وقال ثعلب: حبر بالشيء حبرا إذا فرح به ، ومنه قوله عز وجل في {روضة يحبرون}.
ويقال: أبو حبر رجل عليه الشباب أي حسنه والحبر الذي يكتب به سمي بذلك لأنه أخذ من الحسن، وقيل لثياب اليمن حبر واحدها حبره سميت بذلك لحسنها وليست الحبرة موضعا أو شيئا معلوما إنما هو وشي كقولك ثوب فر من والفر من صبغ.
وقال أبو موسى الأشعري وسلمان الفارسي: لا تسألوني وهذا الحبر بين أظهركم، يريد بذلك ابن مسعود، والحبر العالم من علماء الدين، والجمع الأحبار مسلما كان أو ذميا بعد أن يكون من أهل الكتاب.
قال روبه:
من كتب الأحبار خطت أسطور والحبر الذي يكتب الذي يكتب به سمي حبرا لأنه يؤثره.
وقال الشاعر:
لقد أشمتت بي أهل فند وغادرت بجسم حبرا نبت مضان ياديا
ويقال: للإثارة حبرة وحبار وعلوب واحدها علب وبلد والجمع أبلاد.
قال طرفة:
كان علوب النسع في داياتها موارد من خلقاء في ظهر قردد
العلوب الأثار والنسع سيور مضفرة ويقال نسعة ونسع وأنساع ونسوع والدايات ملتقى الأضلاع الموارد السيول وهي الطرق الموارد والخلقاء الملساء وهي الصخرة وكلما يلمس فهو أخلق وقردد أرض مستوية وظهر القردد أعلاه.
قال ابن الرقاع في الأبلاد:
ذكروا الديار توهما فاعتادها من بعدما سمل البلا أبلادها
والحبر عطر الأحبار وقال أبو عبيدة : العرب لا تعرف الرباني. (1/32)
صفحة 33
ويقال : هي عبرانية أو سريانية والرباني والربى لا يسمى به إلا من كان عالما معلما عاملا معا والراسخون في العلم هم الذين رسخ علمهم وإيمانهم كما رسخ الجبل في مكانه.
ويقال: هم المدرسون وتقول رسخ الشيء رسوخا إذا ثبت في موضعه وأرسخته أرساخا كالحرير سنخ في الصحيفة وكالعلم يرسخ في قلب الإنسان وتقول رجل راسخ في العم قد دخل فيه قلبه مدخلا ثابتا.
وقال الخليل: الراسخون في كتاب الله تعالى هم المدارسون، وقال غيره: الراسخون هم علماء العلماء وليس هم المدارسون والنقاب العالم من الرجال وتقول : نقاب أي عالم ينقب عن الأشياء ويروي عن الشعبي أنه دخل على الحجاج فسأله عن فريضة في الجد. فقال: باختلاف الصحابة فيها حتى ذكر ابن عباس. فقال الحجاج: إن كان ابن عباس لنقابا فما قال فيه النقاب فأخبره بقوله والمسألة قد ذكرتها في باب المواريث إن شاء الله تعالى.
قال أوس بن حجز:
مليح نجيح أخو حازم نقاب يخبر بالغايب
ويروى نقابا قال أبو العباس معنى قوله مليح أي مملح وهو الذي يفحم خصمه مأخوذ من الملاح وهو عود يوضع في فم الجدي لكي لا يرضع فيشنق والشنق أسواء الشبع.
قال: فكأنه لما نطقت مملحا بملاح ولكن الأول أقام فعيلا مكان مفعل.
قال عمرو بن معد يكرب:
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع
يريد المسمع ويقال في نحو منه أنه العض هو المكر الداهية.
قال القطامي: أحاديث من أبناء عاد وجرهم، تورثها العضان زيد ودغفل، زيد ودغفل يريد زيد بن الكيس النمري ودغفل الباهلي وكانا عالمي العرب بالأنساب الغامضة والأنباء الخفية والعض أيضا الرجل السيء الخلق. وقال:
ولم أك عضا في الندامي ملوما والسر سور العالم الفطن
الداخل في الأمور والطب العالم بالأمور.
قال عنترة:
إن تقذفي عني القناع فإنني طب بأخذ الفارس المستلئم
المستلئم اللابس اللامة واللامة الدرع
فصل منه (1/33)
صفحة 34
يقال فلان قدوة وقدوة جمع القدوة القدى مقصور بالياء، والقد هو الأصل الذي يتشعب منه تصريف الاقتداء.
قال الشاعر:
والجود من راحتك قدوته فكان قدوا في الشعر والخطب
وبعضهم يكسره فيقول: قدوته أي بك يقتدي ، ويقال : اقتدى فلان بفلان إذا فعل مثل فعله، وفي القرآن الكريم {فبهداهم اقتده}.
ورجل ندس، وندس إذا كان عالما بالأخبار ، ورجل نطس، والنطس المبالغ في الشيء.
ويقال: أفلق فلان في العلم وغيره إذا برع فيه، ورجل مغلق وأمر مغلق أي عجب.
ويقال : بصر الرجل إذا جادت فطنته وبصر بالأمر أي فهمه، وبصر بضم الصاد بالقلب أي علم وشعر وأبصر أي نظر بعينه، فإذا وقع بصره على شيء فأتقنه، وقد قرئ {قال بصرت بما لم يبصروا به} وبصرت بكسر الصاد، وتقول: دري يدري درية ودريا أي علم علما، والعرب ربما حذفت الياء، فقال : لا أدر في معنى لا أدري، ويقال شرب فلان من العلم فانتفع أي أكثر منه.
وقال ابن جرج: إن معمرا.
قال: شرب فلان منالعلم فانتفع ومن أمثالهم قد بلغ فلان في العلم أطوريه أي بلغ أقصاه. أبو زيد: بكسر الراء، وقال غيره من العلماء : فتح الراء.
ويقال : إنك لعالم ولا تباغ وتباغ برفع ونصب ولا تباغا ولا تباغي وفي الاثنين ولا تباغيا.
وقال بعضهم: معناه ولا تباغي كأحد.
وقال آخر: ولا تصبك عين على الدعاء له فيجزم فيقول لا تبغ وتفسيره من التبغ يقولا لا انبغيت بك. ويقال:تبيغ به الدم إذا ثار وظهر في العروق.
ويقال لفلان على غيره بسطة وهي الفضيلة في العلم والجسم والمال. قال تعالى {وزاده بسطة في العلم والجسم}، وقرأ بصطة بالصاد، وبعض العرب يحولون السين التي تجيء قبل الطاء موصولة أو مفصولة إلى الصاد، وبعض هذه أحسن وبهذه اللغة قرأ القراء، {والله يقبض ويبسط} {وزاده بسطة} و{لست عليهم بمسيطر}.
ص 123 : ابن عباس في قول الله تعالى {يا أيها الساحر ادع لنا ربك}،
قال : أراد بذلك يا أيها العالم يعظمونه بذلك. (1/34)
صفحة 35
وقال غيره:كان السحرة عندهم علماء يعظمونهم والكاهن بالعبرانية العالم ، واليهود تسمى العالم كاهنا فكانوا يسمون هارون بن عمران كاهنا ربا معناه عالم الرب، والأسقف عالم النصارى، والمجوس يسمون العالم هربدا، وهو معرب وهو بالفارسية أي.
هارون الضحاك قال: طلب العلم فريضة على كل حر وعبد لأن الله تعالى قال {كونوا ربانيين} أي علماء فقهاء، وجاء في الآثار أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ، وعمل قليل في علم خير من عمل كثير في جهل.
عكرمة قال: السائحون طلبة العلم.
أبو هارون العبدي قال: كنا أتينا أبا سعيد الخدري يقول مرحبا بوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الناس لكم تبع وسيأتيكم قوم يتفقهون فاستوصوا بهم خيرا.
ومن كتاب آخر عنه أيضا قال: كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري قال: مرحبا بوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمعته عنه مرارا فسألته عما أوصى فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيأتي ناس يلتمسون العلم فاستوصوا بهم خيرا.
أبو موسى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيأتيكم قوم من بعدي يسألونكم عن حديثي فلا تحدثوهم إلا بما تحفظون مني ، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
ص 127-129: ابن مسعود : منهومان لا يشبعان طالب العلم وطالب الدنيا، أما طالب العلم فإنه يزداد إلى الرحمن رضى ثم قرأ {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وأما طالب الدنيا فإنه يزداد طغيانا ثم قرأ {كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} وخير أيام المرء أيام أفناها في طلب العلم ودرسه.
قال عبد الله: والذي لا إله غيره لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لرحلت إليه، وفي خبر لأتيته.
قال أفلاطون: محب الشرف هو الذي يتعب نفسه بالنظر في العلم. (1/35)
صفحة 36
وقال بعض الحكماء: لا تتعلموا العلم لثلاث ولا تتركوه لثلاث، لا تتعلموه للتداري ولا للتماري ولا للتباهي، ولا تدعوه رغبة عنه ولا رضى بالجهل منه ولا استحياء من التعلم، والتداري هو التنازع والتدافع، والأصل فيه التداري فترك الهمزة ونقل الحرف إلى التشبيه بالقاضي والتداعي تدارأ القوم تدارأ ودارؤوا إذا اختلفوا وتنازعوا، قال الله تعالى {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها}.
قال أبو عبيدة-رحمه الله-: من تعلم العلم ليباهي العلماء ويماري به السفهاء فهو في النار، وفي خبر من طلب العلم لغير الله وأراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار، وفي خبر من طلب علما ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة، وفي خبر لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا تماروا به السفهاء ولا تخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار النار.
أم سلمة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تعلم ليرائي به الناس فهو في النار.
ويقال: إن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبى عليه حتى يكون لله عز وجل.
وعن سفيان: إنه قال تعلمنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله عز وجل.
وقال عبد الله بن المبارك: طلبنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا.
جابر بن زيد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه فهو في جهنم.
وقال عبد السلام بن ربيع: لا تطلب العلم رياء ولا تتركه حياء.
وقال الخليل:تربع الجهل بين الحياء والكبر في العلم والعلم بالتعلم بدليل قول الله عز وجل {قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}، ألا ترى الملائكة على قربهم من الله عز وجل ومنازلهم منه عز وجل قالوا ذلك ، وقوله جل ذكره لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما}.
فصل منه (1/36)
صفحة 37
ابن عباس في قول الله عز وجل {فهل من مدكر}، فهل من طالب العلم فيعان عليه، وقيل: هل من مزدجر عن معاصي الله.
عن مكحول في قول الله عز وجل {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}، يعني به طلب العلم.
ص 132-133 : والبدعة بدعتان بدعة حسنة وبدع لا تجوز ، والمراد من هذا الحديث هي البدعة التي لا تجوز، ومعنى البدعة أنه يفعل شيئا لم يكن قبلا والله تعالى بديع السموات والأرض ابتدعهما وما بينهما ولم يكونا شيئا ، والبدع الشيء يكون أولا في كل أمر، كما أنزل في هذه الآية {قل ما كنت بدعا من الرسل} أي لست بأول مرسل.
وقال الشاعر:
فلست ببدع من النائبات ونقض الأمور وإبرامها
ويقال للأمر الأول الذي لا يتقدمه مثله بدع وبديع.
قال الشاعر:
لا تلوموا فلست في الحب بدعا لم ألاق الهوى من الناس وحدي
وقال الأحوص:
فخرت وانتمت فقلت تطريني ليس جهلا أتيته ببديع
وأصل البدع ما قد ذكرته ثم كثر في كلامهم حتى قالوا للجديد بدع، والبدعة اسم ما قد ابتدع من الدين وغيره، تقول لجئت بأمر بديع عجيب، والتنطع التعمق في الكلام، وقال:
إذا غلب الشقاء على السفيه تنطع في مخالفة الفقيه
وجمع البدعة بدع.
ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إذا ظهرت البدع فليظهر العالم علمه ، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين إلا أن يكون له عذر ولا يقبل منه صرف ولا عدل، والصرف الفريضة والعدل النافلة.
وقيل حفظ مسألة خير من عبادة ستين سنة وذلك في الأصول وأقل ما قيل حفظ مسألة من سائر العلوم خير من عبادة سنة.
وقيل : من لم يتعلم لم يتق ومن لم يتق هلك.
وقال عبد الله: تعلموا فإذا علمتم فعلموا واعلموا. وقال: إذا تعلمتم علما فاكظموا عليه ولا تخلطوه بضحك ولا بباطل فتمجه القلوب وفي نسخة فتمتحقه.
وقال شيخي: قوم يشربون العلم شربا لا يجاوز حناجرهم.
فصل منه (1/37)
صفحة 38
وتعلم العلم فريضة في كتاب الله عز وجل قوله تعالى {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين}، وذلك أنه كان الناس في عهد رسولالله - صلى الله عليه وسلم - يخرجون جميعا في الجهاد فنزلت هذه الآية ترغيبا منه لهم في العلم أن يقيم بعضهم ويغزوا بعضهم فيقدم الغازون فيخبرهم القاعدون بما أحدث الله تعالى إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهوقوله تعالى {ليتفقهوا في الدين}الآية.
وبلغنا عن أعمال البر كلها عند الجهاد في سبيل الله كتفلة في بحر، وأعمال البر كلها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف كتفلة في بحر، وكل ذلك عند طلب العلم كتفلة في بحر.
ص 136: وقال قتادة : لو اكتفى أحد من العلم لاكتفى نجي الله موسى صلوات الله عليه حيث قال : {هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا}
وقيل : لما خرج موسى عليه السلام إلى الخضر انتهى إلى البحر فإذا هو قائم فوق الماء فلما رأى موسى قال موسى بني إسرائيل، قال : نعم، قال: لقد كان لكم في التوراة علم وفي بني إسرائيل شغل.
وقيل: وجده قائما يصلي وعليه جبة من صوف وزعم مقاتل أن اسمه اليسع وسمي اليسع لأن علمه وسع سبع سماوات وسبع أرضين.
قال له موسى: {هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا} أي علما.
ص 137-138 : سعيد بن المسيب قال: كنت أسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد حتى أسمعه.
عكرمة في قوله عز وجل {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله} قال: إن اسمه ضمرة بن العيص، قال : طلبت اسمه أربع عشرة سنة حتى وقفت عليه.
ص 140-141: فصل في تعلم الأدب
عن قتادة في قول الله تبارك وتعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه}، قال : خلق السماء فزينها بالكواكب وخلق الأرض فزينها بالنبات وخلق ابن آدم فزينه بالأدب، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما نحل والد ولدا خيرا من الأدب. (1/38)
صفحة 39
قال عبد الله بن الزبير: تعلموا الأدب فإن، كنتم أغنياء كان لكم جمالا، وإن كنتم فقراء كان لكم مالا، ونظر صالح بن علي العباسي ببغداد إلى العباسيين وما صنعوا من أنفسهم ، قال: سوء التأدب أرداهم وأنزلهم ، وقد يزين صحيح المنصب الأدب.
قيل لبعض الأدباء : متى يكون الأدب أضر؟ قال:إذا كان العقل أنقص.
قال ابن المبارك: أربعة يسود بهن المرء: العلم والأدب والفقه والأمانة.
قال رجل لبعض الأنبياء: من أدبك ؟
قال:أدبني رب هذه وهذه ، وأومأ بيده إلى السماء والأرض.
فقال الرجل: آمنت بخالقهما.
ورآى أعرابي رجلا من قريش يطلب الأدب ، فقال له : يا أخا قريش اطلب الأدب ، فإنه دليل على المروءة وزيادة في العقل وصلة في المجلس وأنشد:
من كان للدهر حدثا في تصرفه أهدت له صفوة الأيام تجريبا
من كان خلوا من الآداب سربله كر الليالي والأيام تأديبا
ومثله قول الآخر:
من لم يؤدبه والداه أدبه الليل والنهار
وقيل: الشرف شرفان شرف الحسب وهو محتاج إلى شرف الأدب، وشرف الأدب وهو مستغن عن شرف الحسب وهو مصدقه.
قول الشاعر:
كن ابن من شئت واصطنع أدبا يغنيك محموده عن النسب
والأدب أدبان أدب درس وأدب نفس ، فأدب النفس أفضل من أدب الدرس.
قال الشاعر:
أدب المرء كلحم ودم ما حواه جسد إلا صلح
لو وزنتم بأديب واحد ألف ألف من ذوي الجهل رجح
وقال آخر:
كأن من سوء تأديبه أدب في كتاب سوء الأدب
حكي أن فتى من بني هاشم تخطى رقاب الناس عند ابن أبي داود ، فقال له: يا بني الأدب ميراث الأشراف ولست أرى عندك من سلفك إرثا.
وقال أبو الفتح البستي:
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته لتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
ص 149-150: ومن آداب العلماء أن يقصدوا بتعليمهم وجه الله عز وجل من غير عوض، قال الله تعالى {ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا}. (1/39)
صفحة 40
قال أبو العالية: لا تأخذوا عليه أجرا وهو مكتوب عندهم في الكتاب يا بن آدم علم مجانا كما علمت مجانا والمجان عطية شيء بلا منة ولا ثمن.
قال الشاعر:
للهدايا من القلوب مكان وهي مما يحبه الإنسان
لاسيما إن أمنت منها المكافأة وأيقنت أنها مجان.
ومن آدابهم النصح لمن علموه والرفق بهم أن لا يعنفوا معلما ولا يحقروا ناشئا ولا يستصغروا مبتدئا. فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: علموا ولا تعنفوا فإن المعلم خير من المعنف.
ومن آدابهم أن لا يمنعوا طالبا ولا ينفروا راغبا ولا يؤيسوا متعلما ولا يلبسوا متفهما. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله ولا يدع القرآن رغبة إلى ما سواه، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا علم ليس فيه تفهم، ولا في قراءة ليس فيها تدبر.
ص 153-156: الباب الحادي عشر ما يجب على العلماء في التعليم
قال الحكم بن عيينه في قول الله عز وجل {وإذ أخذ الله ميثاق الذي أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه}. قال: ما أتى الله تعالى عالما علما إلا أخذ ميثاقا أن لا يكتمه.
وقال علي: ما أخذ الله تعالى الميثاق من أهل الجهل بطلب العلم حتى أخذ ميثاقا من أهل العلم ببيان العلم لأن الجهل كان قبل العلم.
عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تناصحوا في العلم ولا يكتم بعضكم بعضا فإن خيانة الرجل في علمه أشد من خيانته في ماله والله تعالى يسأل عنه.
وقال الله عز وجل: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون}.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا تمنعوا العلم أهله فإن في ذلك فساد دينكم وفساد بصائركم، ثم قرأ هذه الآية {إن الذين يكتمون ما أنزلنا}. (1/40)
صفحة 41
وعنه - صلى الله عليه وسلم - : من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار.
وعنه - صلى الله عليه وسلم - : من كتم علما بحسنة إن الله يسأله عنه يوم القيامة عن فضل علمه كما يسأله عن فضل ماله.
وعنه - صلى الله عليه وسلم - : من كان له علم فليتصدق من علمه ومن كان له مال فليتصدق من ماله ومن كان له قوة فليتصدق من قوته ومثل عالم لا يتكلم كمثل ضم قائم أو كنز لا تؤدي زكاته.
قال ابن الأرزق لابن عباس -وقد جلس بفناء الكعبة قد أسدل رجليه في حوض زمزم والناس قد اكتنفوه من كل ناحية يسألونه عن تفسير القرآن والحلال والحرام وهو لا يتعايا بشيء يسألونه عنه-: يا ابن عباس ما يحملك على تفسير القرآن هذه والله الجرأة على الله.
فقال ابن عباس -مجيبا لنافع ابن الأرزق-: يا ابن أم الأرزق ثكلتك أمك أولا أدلك على من هو أجرأ مني؟
قال: دلني عليه، قال: رجل تكلم بما لا علم له به أو رجل كتم الناس علما علمه الله فذلك أجرأ مني يا ابن أم الأرزق.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة مغلولا ملجما بلجام من نار ومن طريق أنس عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من كتم علما عنده أو أخذ عليه أجرا لقي يوم القيامة ملجما بلجام من نار، ونهي - صلى الله عليه وسلم - عن كتمان العلم إذا طلب وإن يعلم العلم غير أهله ممن لا يعمل به.
وقال - صلى الله عليه وسلم - : من تعلم علما فليعلمه الناس ولا يقول ما لا يعلم ولا علم له به.
وقال - صلى الله عليه وسلم - : من باع العلم أو أخذ عليه ثمنا أو كتمه أهله أو أعطاه غير أهله أو منعه أهله لا يزال في سخط الله حتى يتوب من ذلك وحاجة العلم يوم القيامة مخصوما ألا وأن متعلم الخير ومعلمه - صلى الله عليه وسلم - وملائكته ورسله وطير السماء ودواب الأرض وحيتان البحر وصالح عباد الله في السموات والأرض. (1/41)
صفحة 42
وعنه - صلى الله عليه وسلم - ويل للعالم من الجاهل حيث لا يعلمه فلولا أن تعليم الجاهل واجب على العالم لازم له لما كان له الويل في السكوت وتعليم الجاهل واجب على العالم لازم له فريضة وليس بتطوع.
وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: تعلموا العلم وعلموا من لا يعلم ، فإن من علم مسلما شيئا من أمر دينه قلد يوم القيامة قلادة من نور يتعجب منه الأولون والآخرون.
وقيل في الحكمة: من كتم علما فكأنما هو جاهل.
وقال أبو موسى من علمه الله علما فليعلم الناس ولا يقولون لا أعلم فيمرق من الدين.
وقال خالد بن صفوان: إني لأفرح بإفادتي للتعليم أكثر مما أفرح باستفادتي من العلم.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : تصدقوا على أخيكم بعلم يرشده ورأي يسدده.
وقال ابن مسعود: تعلموا وعلموا فإن أجر المتعلم والمعلم سواء.
قيل: وما أجره.
قال: مائة مغفرة ومائة درجة في الجنة.
وقال ابن عباس: علم علمك وتعلم علم غيرك فإذا أنت قد علمت ما جهلت وحفظت ما علمت وإن يصان العلم بمثل بذله ولن تستقي النعمة فيه بمثل نشره.
عطاء الخراساني أنه قال: أوثق علمي في نفسي نشر العلم ابن عباس في قول الله تعالى {وجعلني مباركا أينما كنت}.
قال إنه سأل ربه أن يجعله معلما مؤدبا حيثما توجه وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - يا أبا هريرة علم الناس ما ينفعهم من أمر دينهم بكن فضلك عليهم كفضل الأصبع الوسطى على سائر الأصابع كان أو الدرداء لا يصبح يوما بدمشق ألا يا أهل دمشق لقد أصبحتم شباعا من الطعام جياعا من العلم مالي أراكم تطلبون ما تكفل لكم به وتذرون ما خلقتم له ألا فاعلموا وتعلموا فإن العلم والمتعلم في الأجر سواء ولا خير في الناس بعدهما اقتصاد في السنة خير من اجتهاد في بدعة وترك الخطيئة خير من طلب التوبة والصمت عن الباطل خير من تكلم فيه وتكلم في الحق خير من الصمت عنه.
وقال أكثم بن صيفي : شكر العالم على علمه أن يبذله لمن يستحقه.
ص 157-159 : فصل منه (1/42)
صفحة 43
ويجب على العالم أن يتوسم المتعلم بفراسته ليعلم بها استحقاق حالته ومبلغ طاقته فيعطيه ما يحتمله ولا يزيده فيذهبه وفي ذلك راحة للعالم واستراحة للمتعلم.
وقد روي عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم والتوسم النظر والمتوسم الناظر المتثبت.
قال الله تعالى {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} أي للناظرين المتبصرين.
وتقول : توسمت في فلان خيرا إذا رأيت عليه أثرا من الخير.
وقال الشاعر:
توسمت حتى رأيت مهابة عليه فقلت المرء من آل هاشم
وقال زهير:
وفيهن ملهى للحديث ومنظر أنيق لعين الناظر المتوسم
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا أنا لم أعلم ما لم أر فلا علمت ما رأيت.
وقال عبد الله بن الزبير لا عاش بخير من لم ير برأيه ما لم ير بعينه.
قال أبو عمرو بن العلاء: كان ابن عباس المعيا.
قال أبو عبيدة الألمعي الذي يهجم يظنه على اليقين، قال أوس بن حجر:
ألا لمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رآى وقد سمعا
قال أبو العينا: فسألت الأصمعي عن الألمعي فقال : الذي يلمع له الحق في ظنه فيهجم عليه.
قال: وسألت أبا زيد عن الألمعي ، فقال: الذكي المتوقد الذي يكون بظنه أوثق من يقين غيره وأنشد الأصمعي:
رأيت أبا الوليد غداة جمع به شيب وما فقد الشباب
ولكن تحت ذاك الشيب حزم إذا ما ظن أمرض أو أصابا
وأنشدتهما أبا عبيدة فقال: أعرض وأصاب وقال خلف الأحمر الكيساني ويلك ألزم الأصمعي ودع أبا عبيدة أفرس الرجلين بالشعر.
وقال ابن الرومي :
ألا لمعي يرى بأول رأي آخر الأمر من وراء المغيب
لو دعي له فؤاد ذكي ما له من ذكائه من ضريب
لا يروي ولا يقلب طرفا واكف الرجال في تقليب.
ص 162: قال الشافعي:
إذا رأيت شباب الحي قد نشأوا لا يحملون قلال الخير والورقا
ولا تراهم لدى الأشياخ في حلق يعون من صالح الآداب ما اتسقا (1/43)
صفحة 44
فعدهم واعلم أنهم همج قد بدلوا بعلو الهمة الخرقا
وقال بعض الحلقة مخففة من القوم والحلقة مثقلة من الحديد وقوله ما اتسق الاتساق الانضمام والاستواء كما يتسق القمر.
قال الله تعالى : {والقمر إذا اتسق}، قال الفراء: اتساقه امتلاؤه لثلاث عشرة إلى خمس عشرة.وقال الكلبي : إذا اجتمع وتكامل.
ص 174-176: الباب الثالث عشر
في أدب المسؤول والسائل والفتيا والجواب عن المسائل
السؤال يهمز ولا يهمز لغتان، تقول: سأله وساله وسألته وتسيله وسأل وسيل ويسال وقد قرأ {كما سيل موسى من قبل} وهي لغة من لا يرى الهمز.
قال الشاعر:
سالت هذيل رسول الله فاحشة ضلت هذيل بما قالت
وهو من السؤال إلا أنها لغة من لا يهمز.
وقال آخر:
سالتاني الطلاق إذ رأتاني قل مالي قد جيتماني بهجر
ويروى بسكر فلم يهمز
وقال الفراء:
أقول لها إذا سالت طلاقا إلام تسارعين إلى طلاقي
ويروى فراقي، وقرأ {اهبطوا مصر فإن لكم ما سالتم} وبعضهم ساءلتم فجمع بين ساكنين وبعضهم يجعله من أولاد الثلاثة فيقول سالتم بكسر السين وأنتم تسالون مثل ما خفتم وتخافون.
قال الفرزدق:
تعالوا فاسألوا بعلم الناس أينا لصاحب في أول الدهر تابع
وعن ابن عباس أنه قرأ {ولا يَسال عن أصحاب الجحيم} بفتح الياء وجزم اللام تقول سألت فلانا مسألة بالهمزة وسالته سوالا بلا همز وساله أيضا. وقال الجنون:
وناديت يا ذا العرش أول سالتي لنفسي ليلى ثم انت حسيبها
وقال آخر:
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم فما الناس إلا عالم وجهول
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: سلوني قبل أن تفقدوني.
وقال حميد بن ثور:
سلي الربع أني يممت أم طارق وهل عادة للربع أن يتكلما
وقال آخر:
وجامع العلم مغبوط بزهرته وفضل أربابه إن قيل أو سيلا
وقال آخر:
فسل الفقيه تكن فقيها مثله من يسع في علم بفقه يمهر (1/44)
صفحة 45
والعرب قاطبة تحذف همزة سأل فإذا أوصلت بالواو الفاء همزت كقولك فسأل وسأل وجمع المسألة مسائل تقول ساولته مساولة في لغة هذيل. ومن قال سايليه فقد أخطأ.
فصل منه
والسؤال على وجوه فمنه سؤال الإنسان شيئا ومنه سؤال مطالبة بحق وهو كقولك سألت فلانا مالي عليه أي طالبته فلا يحتاج في هذا إلى عن قال الله تعالى {وكان عهد الله مسؤولا}، أي مطالبا به وكذلك {وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت} أي طولب بها وائدها.
قال الشاعر:
سألناكم قبل الرماح حقوقنا فلـ ـما أبيتم كان حاكمنا السمر
ومنه سؤال استخبار عن الشيء ومنه سؤال تعليم ومنه سؤال تفهيم وسؤال تعنت وليس كثرة السؤال فيما التبس اعناتا ولا قبول ما صح في النفس تقليدا.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: العلم خزائن ومفاتحيه المسألة فاسألوا رحمكم الله فإنما يؤجر في العلم ثلاثة القائل والمستمع والافد.
ويقال: سل سؤال الحمقا واحفظ حفظ الكيسا أي استفهمه واسأله إذا طلبت منه شيا وسأل القوم عن كذا إذا سألوا عنه غيرهم وتساءل القوم إذا سأل بعضهم بعضا عنه وتقول سألت عبد الله عالما تريد سألت عبد الله فوجدته عالما.
ص 177-178: ويقال : كيف كان في الأصل كيفه ثم حذفت الهاء فبقيت الفاء على فتحها والعرب تحذف خبر كيف لمعرفتهم بذلك.
قال الله تعالى {فكيف إذا توفتهم الملائكة} وهو كثير في القرآن.
قال جميل:
فكيف ولا يوفي دماؤهم دمي ولا ما لهم ذو بدهة فيدوني
أي فكيف يقتلونني فحذف خبره ذو بدهة أي ذو سعة وكثرة وبدوني من الدية وقد ذكرت علل كيف في كتاب الإبانة ومتى وقوله فإنها استفهام عن المواقيت إذا قلت متى تخرج قال يوم الخميس أو يوم الجمعة.
وأما أي فإنها مشاكلة لأين وأما ما بمعنى أي وهو استفهام عن جنس الشيء (1/45)
صفحة 46
قال الله عز وجل {ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} إذا قلت ما أكلت قال خبزا ولحما وتمرا ومن لا تكون إلا استفهاما من غير الأناسي تقول من قام ومن قعد فتقول زيد وعمرو وما يكون استفهام عن غير الأناسي وأي إذا أضفتها إلى معرفة وقع الجواب بأحد الاسمين كقولك أي الرجلين قاما فتقول زيد أو عمرو فإذا أضفتها إلى نكرة وقع الجواب بصفة الاسم كقولك أي رجل قام فتقول حسن قبيح طويل فصير ولأي أربعة مواضع معنى الاستفهام ومعنى الجزاء ومعنى الخبر ومعنى النعت التعجب وليس القسط بالكتاب إلى هذا الباب، فاذكره ولذلك تركت شرحه وأيان مشاكله لمتى إلا كناية عن الحين كقولك أيان يخرج فمعناه أي حين يخرج وفي القرآن {أيا مرساها} والمعنى في أي حين مرساها وأما ما بالك وما شأنك وما لك فكله استفهام عن الحال متشابه ولعله إذا استفهمت بها وقع الجواب فيها بنعم أو لا كقولك لعلك تقوم ولعلك تخرج فتقول لا أو نعم ولولا ولوما بمنزلة هلا إذا جئت معها بالماضي لم يحتج إلى جواب وإذا جئت معها بمستقبل وقع معهما الجواب بلا، وكم استفهام عن العدد إذا قلت كم عندك من درهم فتقول عشرة أو عشرون وما ذا استفهام بمنزلة ما وفيه اختلاف. قال قوم : هما حرف واحد.
وقال ابن الأنباري ما صلة وذا بمعنى الذي وفي القرآن {ماذا أراد بهذا مثلا}
وقال الزجاج: ما أراد الله بالذباب والعنكبوت بهذا مثلا ولم استفهام عن علة الشيء ويكون بغير ألف وكذلك بهذا مثلا ولم استفهام عن تعلة الشيء ويكون بغير ألف وكذلك بم وفيم وعم قال الله عز وجل {لم تؤذونني}و{فيم أنت من ذكراها}و{عم يتساءلون}،ويقولون عم سئل سبيل وفيم يقوم ولم يقعد.
وتقول في الإخبار: سل عما بدا لك، وخذ ما شئت وامض لما أمرت فهذا الفرق بين الاستفهام والإخبار. (1/46)
صفحة 47
ص 179-185: التعنت التفعل من العنت وهو إدخال المشقة على الإنسان تقول قد تعنت فلان أي لقي عنتا، ويعني مشقة ي أمر يكون وأعنته فلان إعناتا إذا أدخل عليه عنتا وتعنته تعنتا إذا سألته عن شيء أردت به اللبس عليه والمشقة وفي القرآن {ولو شاء الله لأعنتكم}، أي لأهلككم بالتشديد عليكم في مخالطتكم والعنت الهلاك.
قال القطامي:
فلا هم صالحوا من يبتغي عنتي ولا هم كدروا الخير الذي فعلوا
قال الفراء: يحاول إعناتي بما قال أو رجا ليضحك مني أو ليضحك صاحبه
وفي القرآن أيضا قوله عز وجل {ذلك لمن خشي العنت منكم} وأصل العنت الهلاك ثم جعل كل ما يضر بالإنسان ويشق عليه عنتا ومن سأل عانت أو متعنتا أو للرخص في الدين طالبا فالسكوت عنه صواب فهو له جواب لأنه يكون بسؤاله ذلك سفيها ولا جواب أقطع للسفيه من الصمت.
وقد قالت الحكماء الصمت حكمة وقليل فاعله، وكان بعض الحكماء إذا سئل عن أمر يكره فيه الجواب تمثل بهذا البيت:
أرى الصمت خيرا من أمور كثيرة إذا لم يكن للناطقين كلام
وقد سئل أبو محمد رحمه الله عز وجل عن غير مذهبه فتمثل على السائل بهذا البيت:
تحاول مني شيمة غير شيمتي وتطلب مني مذهبا غير مذهبي
ويقال في السائل إذا خلط في سؤاله قد لبس وأيتم وأشكل وموه وورى وعنت ولبك.
وقال الحسن البصري لرجل سأله عن شيء لبكت أي خلطت علي ، يقال: أمر لبك أي مختلط.
وقال زهير:
رد القيان جمال الحي فاحتملوا إلى الظهيرة أمر بينهم لبك
ويقال: بلكت أيضا إذا خلطت وهو من المقلوب.
وقال المرار:
أناة كأن المسك دون شعاعها تبكله بالعنبر الورد مقطب
تبكله أي تخلطه والمقطب المازج. يقال: قطبت الشراب أقطبته.
قال عيسى بن عمرو : وسألت ذا الرمة عن شيء ليس على جهته، فقال: أتعرف اليتن؟ فقلت: نعم، فقال: كلامك هذايتن كأنه مقلوب، واليتن إن تخرج رجلا المولود قبل رأسه يقال: أتينت المرأة ويتنت إذا نالها هذا. (1/47)
صفحة 48
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: هل سألتموه إذا لم تعلموا وإنما شفاء العي السؤال.
قال الشاعر:
فاسأل ولا يصدك الحياء إن السؤال للعمى شفاء
وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إياكم وكثرة السؤال فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة السؤال وليس هذا مخالفا للأول وإنما أمر بالسؤال من قصد به علما جهل ونهى عنه من قصد به أعنات ما سأل وينبغي للعالم إذا سئل أن لا يعجل بالجواب وإن كان له حفظا حتى يعرفه معرفة صحيحة فيجيب بعلم ويقين فإنه من آداب العلماء وصفاتهم.
وقد يروى الحديث المؤمن وقاف والمنافق وثاب ويبغي إذا سئل عما لا يعلم أن يجيب ولا يقول لا أدري فأنه مكروه وكذب.
وقد قيل أن الريا سبعة بابا أدناها أن يقول فيما يدري لا أدري.
ابن عباس : أن عمر سأل أصحابه يوما عن قول الله عز وجل {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب} فقالوا :الله أعلم فغضب، فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم.
وعن عمر أنه سأل رجلا عن شيء فقال الله أعلم فقال عمر قد خزينا إن كنا لا نعلم إن الله يعلم إذا سأل أحدكم عن شيء إن كان يعلمه قاله وإن لم يعلمه قال لا علم لي بذلك وينبغي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أدري.
قال ابن عباس: إذا ترك العالم قولا لا أدري أصيبت مقاتله، وقال بعض الحكماء من قال لا أدري علم قدري ومن انتحل ما لا أدري أهمل فهوى.
ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا أدري نصف العلم.
وقال بعضهم : هلك من ترك لا أدري ، وكان ابن عباس وهو ترجمان القرآن وحبر هذه الأمة وعالمها وربانيها يقول لا أدري ما الغسلين.
وروي أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي البقاع خير وأي البقاع شر، فقال: لا أدري ، حتى أسأل جبريل عليه السلام، فنزل جبريل بعلم ذلك بعد ثلاث صلى الله عليهما. (1/48)
صفحة 49
وقال ابن دريد: ومن كان يهوى أن يرى متصدرا ويكره لا أدري أصيبت مقاتله وقبيح للرجل أن يتكلم بما لا علم له به ومحرم عليه ذلك لاسيما في الدين فإنه لا يخلو أن يحل حراما ويحرم حلالا، وقد قالت العلماء تحريم الحلال كتحليل الحرام.
وقد أحسن عبد الله بن مصعب إذ يقول:
ترى المرء يعجبه أن يقول وأسلم للمرء أن لا يقولا
فأمسك عليك فضول الكلام فإن لكل كلام فضولا
ولا تصحبن أخا بدعة ولا تسمعن له الدهر قيلا
فإن مقالتهم كالظلال يوشك أفياؤها أن تزولا
وقد أحكم الله آياته وكان الرسول عليها دليلا
وأوضح للمسلمين السبيل فلا تتبعن سواها سبيلا
فلا يجوز للمسؤول أن يجيب إلا بما يعلم صحته، إما حفظا أو رأيا إن كان من أهل الرأي لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا يستحي منكم من لا يعلم أن يتعلم ولا يستحي عالم أن يسأل عما لا يعلم أن يقول : الله أعلم.
وعن غرة التميمي قال: قال علي بن أبي طالب ما أبردها على الكبد ثلاث مرات، قال : وما ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: أن يسأل الرجل عما لا يعلم، فيقول : الله أعلم أي أرض تسعني وأي سماء تظلني إذا قلت على الله ورسوله ما لا أعلم.
ويروى عن ابن عباس أيضا أنه قال: ما أبردها على الكبد إذا سئل أحدكم عما لا يعلم أن يقول : الله أعلم.
وعن علي أيضا : ما أبردها على الكبد إذا سئل أحدكم عما لا يعلم أن يقول الله أعلم، فإن العالم إن عرف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل وفي رسالته إلى ولده الحسين إن أشكل عليه أمر فاحمله على جهالته، وقد مر هذا في باب الجهل.
وقال أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أيأنف أحدكم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول الله أعلم فلا ينبغي للعالم أن يأنف من ذلك فإنه نصف العلم. (1/49)
صفحة 50
وقد حكي عن بعض الفرضيين أنه قال: قد حويت العلم كله فقيل له: من أين قلت ذلك ؟ قال لعلمي بالفرائض ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - الفرائض نصف العلم ولأن أقول فيما لا أعلم الله أعلم.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - اعلم نصف العلم فقد كمل العلم فكيف يأنف مما ثبت في الأخبار وفعلته الأخيار وجاءت به الآثار.
وقال ابن عيينة: يستحب للعالم إذا علم لا يعنف وإذا علم لا يأنف.
وقال بعض الحكماء: من العلم أن لا يتكلم فيما لا يعلم كلام من يعلم فحسبك خجلا من عقلك أن تنطق بما لا يفهم ويجب على من سئل عما لا يعلم أن يجيب بما أجاب به ملائكة الله عز وجل لما قال {أنبئوني بأسماء هؤلاء قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}.
وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن خير البقاع وشر البقاع فقال لا أدري.
عن ابن مسعود أن من العلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول الله أعلم.
وعنه أن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه به لمجنون.
وقال الحسن: إن ابن آدم لو أصاب في كل شيء جن يريد أنه يعجب بنفسه حتى يكون كالمجنون من شدة إعجابه بنفسه ولعل قول الشنفرى الأزدي في المرأة من هذا :
فآلت وطالت واسبكرت وأكملت فلو جن إنسان من الحسن جنت
يريد لو أعجب إنسان بحسنه حتى يكون كالمجنون لكانت هذه المرأة كذلك فاقت شدة النفاق شعرها. وكان الشعبي يقول هذا البيت أغزل بيت قالته العرب
فصل
وينبغي للمسئول أن يلين للسائل جانبه ويبين له جوابه ولا يمنعه الفائدة فينفره ويلطفه ولا ينهره إذا رآه للعلم طالبا وفي الفائدة راغبا.فقد روي عن الحسن البصري في قول الله عز وجل {وأما السائل فلا تنهر}يقول لا تزبره ولا تنهره. قال : ليس سائل الطعام والشراب، ولكن سائل العلم.
وقال ابن عباس : السائل الذي يسأل ماله والله أعلم ويقوي هذا التأويل معاتبة الله عز وجل نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - {عبس وتولى أن جاءه الأعمى}. (1/50)
صفحة 51
قال الضبي : هو ابن أم مكتوم واسمه عبد الله بن شريح من بني عامر بن لؤي وأم مكتوم أمه غلبت عليه لأنها كانت شريفة واسمها عاتكة بنت عبد الله.
وقال الكلبي : وكان ابن أم مكتوم جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وعنده العباس بن عبد المطلب وأمية بن خلف وصفوان بن أمية وهو مقبل عليهم يعظهم ويدعوهم إلى الإسلام، فقال: أقرئني يا رسول الله وعلمني مما علمك الله وليس يرى من عنده فعبس في وجهه وأعرض عنه لشغله بهم فأنزل الله عز وجل:{عبس وتولى أن جاءه الأعمى}، وقرأ أن جاءه الأعمى مثل أن كان ذا مال وبنين فأكرمه رسول الله بعد ذلك وكان يقول إذا جاءه مرحبا بمن عوتب من قبله، وروي مرحبا بمن عاتبني فيه ربي واستخلفه على المدينة وعبس كلح وقطب وجهه من الكراهية.
ويقال: عبس وجهه يعبس عبوسا فهو عابس فإذا كان كذلك من عادته فهو عبوس. (1/51)
صفحة 52
وقال أبو زيد يذكر الأسد فبينما ذلك أزمل ذات يوم فراح في تسنمه عبوس أزمل فني على زاده والتسنم والعبوس واحد فإن أبدى الإنسان عن أسنانه في عبوسه قلت كلح فإن اهتم بذلك وفكر فيه قلب بسر وهكذا تفسير قوله تعالى {ثم عبس وبسر} فإن غضب مع ذلك قيل بسر وإن رؤي بين عينيه قلت قطب فهو قاطب عابس وإذا كان السائل إنما سأل عما افترض عليه ولزمه العمل به لا متعنتا ولا طالب حجة على المسلمين وجب على المسئول إجابته ولم يجز له أن يكتمه ومن سأل عن مسألة واقعة والسائل المحتاج فيها محتاج إلى جوابها والمسئول عنها حافظ لها فعليه أن يجيبه ولا يكتمه وإن كانت غير واقعة والسائل عنها مستحق لتعليمها فعليه أيضا أن يخبره ولا يكتمه وإن كان السائل عنها غير أهل لحكمه فليس عليه أن يخبره ومن سأل عما لا يهتدي له بدلالة فيجب أن يقف عنه ويرحبه إلى الله تعالى حتى يصح له سبيله من طريق الخير لأن الحكم في الحادث بغير دلالة من خبر أو عقل دعوى على الله عز وجل بغير علم ومن ادعى على الله تعالى بغير علم فقد حال عن الصواب لأنه يدعي على الله تعالى أنه أحله وحرمه فقد افترى على الله الكذب، وليس وقوف العلماء عما يسألونه بعيب إذا لم يعلموه فقد وقفت ملائكة الله الكرام ووقف نبيه عليه السلام وفعل ذلك أبو بكر الصديق والفاروق رحمهما الله تعالى والعلماء.
هذا ابن عباس سئل عن مسألة فقال : الله أعلم فقيل لابن عبد الله سئل عن مسألة فقال الله أعلم فقال: بخ بخ رد العلم إلى العالم ثم سئل عن مسألة أخرى فقال لا أدري فقيل لأبيه ذلك فقال بخ بخ فرق بين ما يدري وبين ما لا يدري. (1/52)
صفحة 53
وسئل ابن عمر عن مسألة فقال الله أعلم أحسن بن عمر يخاطب نفسه مجاهد قال سئل عمر عن مسألة هينة فقال لا أدري فلما ذهب الرجل قال ابن عمر إن ما أحسن ما قال ابن عمر يسأل عما لا يعلم فقال لا أدري وفي رواية أنه سئل عن فريضة فلم يحسنها ، فقال : لا بأس عليه سئل ابن عمر عن فريضة فلم يحسنها وهو أحد العبادلة عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عمر بن عمرو بن العاص، ومن سأله عما سمعه من المسلمين أو حفظه من آثارهم الصحيحة وعرف عدله جاز له أن يفتي له من سأله ، وأما أن يفتي من نفسه فحتى يكون من أهل الفتيا في ذلك، وما لم يعرف حد عدله ولا أنه عن المسلمين فلا يجيب عنه فإن قال وجدت في الأثر كذا فقد قيل ليس لهم الأخذ بذلك إلا أن يقول وجدت في آثار المسلمين فجائز ومن كان من أهل العلم واحتاج الناس إليه فسألوه عما هو به عالم فعليه أن يعرفهم ويدع عنه الشك فإنه من الشيطان وهو مذموم والشك لا يدفع اليقين فليتركه وليقل بما علمه الله عز وجل وليعمل بما أمره الله.
ص 190-191: فصل
وينبغي للمعتي إذا قرأ الرقعة أن يشاور في الجواب من بحضرته فمن يصلح لذلك أو يقرأ ما فيها عليهم فإن ذلك اقتداء بالسلف. وقد قال سبحانه وتعالى{وشاورهم في الأمر}.
قال الحسن: وإن كان عن مشورتهم لغنيا ولكن أراد أن يسير به الحكام الأمر.
وقال بعض الحكماء لا بأس بذي الرأي أن يشاور من دونه كالنار التي يزيد ضوءها بوسخ الحديد.
وقيل : كان الشافعي إذا جاءته الفتوى كالعادة عرضها على أصحابه وسأل كل واحد منهم عما عنده، قال الربيع: فجاءته رقعة في بعض الأيام فقرأها وتبسم ورد الجواب من غير إعلامنا بذلك كالعادة وكان فيها بيت شعر:
سئل المفتي المكي هل في تزاور وضمة مشتاق الفؤاد جناح
فأجابه الشيخ الشافعي عن ذلك:
أقول معاذ الله أن يذهب التقي تلاصق أكباد بهن جراح (1/53)
صفحة 54
فإن كان في الرقعة ما لا يحسن إبداؤها أو ما لعل السائل يؤثر ستره أو ما في إشاعته مفسدة لبعض الناس انفرد المفتي بقراءتها والجواب عنها. وقيل إن امرأة جاءت إلى الحسن البصري وقالت:
يا حسن البصرة يا ذا النهى إني إلى وجهك مشتاق
قل لي وأنت المرء ذو حكمة في كل ما تحكيه صداق
هل جائز تقبيل رعبوبة وردية الخدين براق
فأجابها:
أقول والرحمن لي شاهد ما أنا بالفحشاء نطاق
إن كنت للتقبيل ذا إربة مشتهيا للهو تواق
حرمت في الجنة حورية وردية الخدين رقراق
فاستشعر التقوى وكن خاشعا فإن تقوى الله ترياق
ص 197-198: فصل
ومن سئل عن مسألة فأخطأ طريق الصواب فقد روي أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أنيبه السائل عن غلطة في المسألة وكان وجه السؤال أن يقول : يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما الذي يلبس المحرم لأن الأصل إباحة اللباس والإحرام مانع أو يكون عليه السلام أجاب ما يليق بالمذكور به في كتاب الله عز وجل من قوله سبحانه وتعالى {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} فعطف عليه ولا يلبس كلا، وأيضا فإنما يلبسه المحرم كثير وما لا يلبسه محظور فلهذا ما نص عليه السلام.
ص 201-202: فصل
الفتيا هو التعريف للأمر يقول افتاني أي عرفني وأفتني أي عرفني وقوله عز وجل {يستفتونك} أي يعرفونك وقوله عز وجل {أفتوني في أمري} أي بينوا لي ما أعمل به ، والفتيا إبانة ما يسأل عنه.
يقال: منه أفتى الفقيه وهو يفتي إفتاء بقول استفتيت إذا استعملت ما أريد عمله وأفتيت غيري إفتاء إذا أتيت له ذلك.
وقال الله عز وجل {ولا تستفت فيهم منهم أحدا} أي لا تسأل عن أمر الفتية منهم أحدا.
وقيل فيهم في أصحاب الكهف ومنهم من أهل الكتاب وفيهما لغتان الفتوى والثنيا والثنوى من الشيء يستثني في البيع وكذلك في اليمين.
قال الغراء : والضم مع الياء لغة تميم وأهل نجد وهي أكثر الكلام والفتح مع الواو لغة أهل الحجاز وبني أسد وأهل المدينة. (1/54)
صفحة 55
ويقال : أجبته عن مسألته أجابة والاسم الإجابة ومثل من الأمثال أساء سمعا فأساء إجابة أي أساء جوابا كأنه سمع شيئا على غير وجهه فأجاب على قدر سمعه ويقال أيضا الجيبة والجواب والإجابة كل واحد إلا أن المثل جار على ما أخبرت.
ص 203: وروي عن علي أنه قال : لا نسأل العالم قائما ولا يجذب ثوبه إذا نهض قائما ، العالم كالنخلة تنتظر ما سقط عليك منه فائدة ولا ينبغي أن يقول له أفهم عني الست تفهم اسمع مني ألست تسمع، فإن رآه في هم قد عرض له أو أمر قد شغله أمسك عنه فإذا زال عنه ما كان عرض له عاوده حينئذ وسأله وقد دل على ذلك قول الله عز وجل {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}.
قال الضبي: نزل ذلك لأن المشركين كانوا يقولون لأبي معمر بن الأسد الفهدي قلبان من حفظه للحديث فلما كان يوم بر انهزم مع المشركين فلقيه أبو سفيان وهو معلق أحدى نعليه بيده والأخرى في رجله ، فقال : يا أبا معمر ما فعل الناس؟ قال: انهزموا، قال: فما بال أحدى نعليك بيدك والأخرى برجلك؟ قال أبو معمر: ما ظننت إلا أنهما في رجلي جميعا فعرفوا لو كان له قلبان لما نسي إحدى نعليه فأنزل الله عز وجل ذكره هذا وينبه على هذا القول أيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان، وقال عليه السلام : لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان.
وعن جابر بن زيد –رحمه الله- أنه قال : خمسة لا تسألوهم عن أمر دينكم شيئا غني أبطره غناه، ومن أحزن بماله، ومن كان سكرانا، ومن كان عاشقا، ومن مسته حاجة إلى الخلاء.
وسأل رجل محمد بن سيرين عن حديث وقد أراد أن يقوم فقال شعرا:
إنك أن كلفتين ما لم أطق ساءك ما سرك مني من خلق
ص 206-209: فصل آخر في السؤال (1/55)
صفحة 56
السؤال سؤالان مأمور به ومنهي عنه فالمأمور به على ضربين :سؤال عن واجب فهو واجب وسؤال عن مندوب إليه فهو سؤال ندب ، فمن اعتقد ترك السؤال عن المندوب إليه فهو هالك بإجماع ، والسؤال المنهي عنه هو ما عفي للعباد عن السؤال عنه مما في البحث عنه إيجاب حكم أو تحريم أمر قد كان لولا السؤال حلالا، قال الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم}.
وقال الفراء: خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الناس وأخبرهم أن الله قد فرض عليهم الحج فقام رجل من بني أسد فقال : يارسول الله أفي كل عام الحج؟ فأعرض عنه ثم عاد فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يؤمنك أن أقول نعم فيجب عليكم ثم لا تفعلوا فتكفروا فاتركوني ما تركتكم ونزلت هذه الآية.
وقيل السائل عن وجوب الحج كل عام عبد الله بن جحش بن وثاب الأسدي وفيه نزلت هذه الآية. (1/56)
صفحة 57
سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فسكت عنه ثم أعاد قوله فسكت عنه ثم أعاد فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - ونخسه بقضيب كان معه ثم قال : ويحك لو قلت نعم لوجبت فاتركوني ما تركتكم فإذا أمرتكم بأمر فافعلوا وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا. ثم قال - صلى الله عليه وسلم - : يا أيها الناس أني قد رفعت إلي الدنيا وأنا أنظر ما يكون في أمتي من الأحداث إلى يوم القيامة وقد رفعت إلي انساب العرب فأنا أنسبهم فقام رجل فقال يا رسول الله أين منزلي أنا فقال أنت في الجنة ثم قام آخر فقال أين أنا فقال أنت في الجنة ثم قام آخر فقال أين أنا فقال أنت في النار فرجع الرجل محزنا فقام عبد الله بن حذافة وكان يطعن فيه فقال : يا رسول الله من أبي فقال أبوك حذافة، فقال آخر من بني عبد الدار من أبي يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال: أبوك سعد نسبه إلى غير أبيه، فقام عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- وقال: يا رسول الله استر علينا ستر الله عليك ، إنا قوم قريبوا عهد بالشرك فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيرا وأنزل الله {يا أيها الذين لا تسألوا عن أشياء}الآية.
وقال مجاهد عن ابن عباس: لا تسألوا ، قال الحيرة والسائبة .
عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت آية الحج قالوا: يا رسول الله أكل عام؟ فنزلت {لا تسألوا عن أشياء} الآية.
عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم.
قال الشعبي : ما نزلت آية التلاعن إلا من كثرة السؤال أولا ترى إلى بني إسرائيل وتشديدهم على أنفسهم بسؤالهم عن البقرة ولو أنهم حين أمروا بذبح بقرة ذبحوا أي بقرة كانت لكانوا قد فعلوا ما أمروا به ولكنهم كرروا السؤال عن شيء لم يكلفوه. (1/57)
صفحة 58
قتادة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر القوم بأدنى بقرة فشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم والذي نفس محمد بيده لو لم يستثنوا ما ثبت لهم إلى آخر الأبد.
وقال أبو محمد:تفسير هذه الآية في قول أصحابنا إنما هو ولا يسألوا عن أشياء يعني بذلك ما يسع جهله لا يسألوا عنه إنه تكلف منكم لأنكم لم تكلفوا إياه وقوله عفا الله عنها أي عفا الله عنكم عفا لكم لم يكلفكم علم ذلك ، وقوله تعالى {قد سألها قوم من قبلكم} يقول قد سأل قوم عما لم يكلفوا وكفروا بعد ذلك إذا علموا به.
وقال أبو الحسن : قد قيل هذا وقيل لا تسألوا عن الآيات التي سألها الأمم الخالية فتبد لكم فتكفروا بها فيسؤكم ذلك مثل ثمود وسؤالهم للناقة وقوم موسى سألوا الرؤية وقوم عيسى سألوا المائدة وأصبحوا بها كافرين حين أبديت لهم وفي قراءة ابن مسعود {سل لنا ربك يبين لنا ما هي} فسئلوا عن الماهية ، والماهية الجنس وما استفهام عن جنس الشيء وكيف استفهام عن حال الشيء ولم استفهام عن علة الشيء.
قال الشاعر:
يا من تعلم علم صبية مكتب وغدا بذلك يناطح العلماء
لولا مواضع لم وكيف وهو لـ ـها لرأيت أكثر ما ترى فقهاء
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - إياكم وكثرة السؤال فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم.
وقال سعيد بن أبي وقاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من يسأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته وفي حديث أبي ثعلبة الخشني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله حد حدودا فلا تعتدوها وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها ترك أشياء من غير نسيان فاقبلوها ولا تبحثوا عنها. وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - خير خصال العلم السؤال.
ويقال من رق وجهه في السؤال رق علمه عند الرجال.
ص 211 : وقال الله عز اسمه {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} (1/58)
صفحة 59
عن الحسن قال إلى كتاب الله وسنة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - فخذوا بهما.
وقد يقال في أولي الأمر منكم أنهم الفقهاء والعلماء نحو أبي بكر وعمر رضي الله عنهم والله أعلم.
ص 214-215 : فصل
ولا يجوز لأحد أن يسأل غير أهل العلم الذين نص الكتاب عليهم وخص الخطاب برد السؤال إليهم عز وجل {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}،وقال الله تعالى {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}، فمن سأل العلماء فقد أطاع أمر الله ربه وأصاب فيما أتاه به، ومن سأل غيرهم فقد خالف ما أمر به وضل وخسر وزال عن المحجة وسأل من ليس بحجة ومن عمل بحجة فهو سالم والمستفتي من العالم سالم ومن غير العالم فلا.
235: الباب الخامس عشر في الدرس والمذاكرة والمراء والمناظرة
الدرس درس الكتاب المتحفظ ويقول دارست فلانا كتابي لكي أحفظه والفعل درس فلان دراسة، قوله تعالى {وليقولوا درست}، أي تعلمت ذلك من يهود ودرست كتبهم وبهذا المعنى قد قرأ أهل المدينة والكوفة، وقرأ قتادة درست بلفظ ما لم يسم فاعله، وقرأ ابن عباس درست بالألف قرأت وتعلمت وبهذا قرأ مجاهد وهي قراءة أبي عمرو وقرأ الحسن درست بمعنى خلقت أي هذا أمر قد ندرس من قدمه وقيل في قوله عز وجل {يا يحيى خذ الكتاب بقوة}أي بدرس والله أعلم.
ص 237-242 : وقال الله تعالى {فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا} يقول لا تنازع في أمرهم ولا تستفت فيهم منهم أحدا الفاء والميم لأصحاب الكهف والهاء والميم لليهود يعني أهل نجران.
يقول لا تسأل عن أمر الفتية أحدا فإن قالوا هم كذا وكذا فقل ليس كذلك.
وقال الضبي : لا تمار فيهم أي لا تجادل فيهم لأنك غير شاك إذ كنت قد عرفتك أمرهم وفي الآية دلالة على أن ليس كل المراء مذموما فإن المراء والجدال في الحق جائزان.
مالك بن أنس: المراء في العلم يقسي القلب ويؤرث الضغائن. (1/59)
صفحة 60
قال عبد الله: المراء لا تعقل حكمته ولا تؤمن فتنته. إبراهيم النخعي: المراء بدعة في الدين فمن شاء فليدخلها.
وقال أبو الدرداء : كفى بك إثما ألا تزال مماريا وكفى بك ظلما ألا تزال مخاصما.
وقال مسلم بن يسار : إياكم والمراء فإنه ساعة جهل العالم فيها يبتغي الشيطان زلته.
وقال وهب : دع المراء والجدال فإنك لا تعجز أحد رجلين هو أعلم منك وكيف تماري من هو أعلم منك ورجل أنت أعلم منه وكيف تماري وتجادل من أنت أعلم منه ولا يطيعك فاقطع ذلك عنه.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تتعلموا العلم لتماروا به السفهاء ولا تتعلموا العلم لتجادلوا به العلماء فمن فعل ذلك منكم فالنار وليس المماري به والناظر فيه الطالب للصواب ولكنه القاصد لدفع ما يرد عليه من باطل وحق قد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لا يجادل إلا منافق أو مرتاب وأنشد الرياشي لمصعب بن عبد الله:
أجالس كل معترض ضنين فأجعل دينه غرضا لديني
وأترك ما علمت لرأي عيني وليس الرأي كالعلم اليقين
وما أنا والخصومة وهي شيء تصرف في الشمال وفي اليمين
فأما ما علمت فقد كفاني وأما ما جهلت فجنبوني
المناظرة وأما المناظرة أن تناظر أخاك في كل أمر مشكل كل منكما ينظر فيما يأتي به فيه وهو المجادلة قال الله تعالى {ولا جدال في الحج}.
وقال الكلبي هو المراء وقال الحسن هو المراء الذي يكون فيه تكذيب الرجل صاحبه فأما منازعة العلماء فيما يتذاكرون من العلم فلا بأس به. (1/60)
صفحة 61
قال قتادة: ولا جدال أي لأسباب يقال منه جادل يجادل مجادلة وجدالا وقرأ ولا جدال فمن قرأ لا جدال أي لا شك فيه أنه لازم في ذي الحجة ومن قرأ ولا جدال فإنه من المجادلة، يقول إنه لجدل شديد الجدال لأي خصم شديد المخاصمة أي مجادل جدال مخاصم والفعل جادل يجادل مجادلة والجدل مجزوم هو الصرع يقول جدلته فالجدل صريعا فهو مجدول وأكثر ما يقال بالتشديد جدلته تجديلا الجدل والجدل محرك وهو تردد الكلام بين اثنين ولإثبات فيما يروم كل واحد منهما إثباته ودفع ما يروم دفعه. وقيل هو دفع الخصم بحجة أو شبهة وهو مأخوذ من إنفاذ الشيء وإحكامه.
تقول العرب: درع مجدول وحبل مجدول إذا كان محكم الفتل يقال له جدلته فانجدل وأصله من الجدالة وهي الأرض ، وأنشد أبو زيد:
قد أركب الحالة بعد الحالة وأترك العاجز بالجدالة
أي بالأرض قال أبو جعفر وأترك العاجز بالجدالة وأترك الأمر للعاجز أي آخذ بالحزم وأترك العجز.
وقيل : إن الجدل هو الصراع على الأرض فشبه المتجادلان بالمتصارعين لما يروم كل واحد منهما كسر مذهب صاحبه الحجة مرة وبالشبهة أخرى.
قال عنترة:
وحليل غانية تركت مجدلا تمكو فريضة كشدق الأعلم
قوله مجدلا مصرعا وأصله لصق بالجدالة وهي الأرض وحليل غانية زوج غانية وهي المستغنية بزوجها هذا أصله، ثم قيل للشابة غانية ذات زوج كانت أو غير ذات زوج، وتمكوا تصغر والمكاء الصفير، والفريصة المضغة التي في مرجع الكتف ترعد من الدابة إذا فزع وإنما يصفر الجرح إذا ذهب الدم كله لأنه يخرج منه ريح بعد الدم والأعلم الجمل. (1/61)
صفحة 62
وقدم تفسيره والجدال هو الحجاج قال الله تعالى {ويجادلنا في قوم لوط} أي يحاجنا، وقوله تعالى {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن}، وقوله تعالى {وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون}، والتنازع في الجدال أصله إدعاء كل فريق أن الحق في يده لينزعه من الآخر ثم جعل كل تنازع اختلافا وكره من كره الجدال واحتج فيه بأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وعنه - صلى الله عليه وسلم - ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أعطوا الجدل.
وروى أبو أمامة عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ما كرهت أمة العمل إلا أخذت في الجدل.
وعن ابن عمر ما قصرت أمة في العمل إلا أخذت في الجدل وأجازه من أجازه إذا قصد المجادل به إظهار الحق وإبانة العلة وإيضاح الحجة قال الله تعالى {وجادلهم بالتي هي أحسن} وإنما يكره جدال عنت وتلبيس ما يؤدي إلى جهل وتسفيه وأما غير ذلك فما زالت العلماء تستدعي ممن العلماء فوائد العلوم بالمجادلة.
الجد والجد هو اللفظ المخبر الوجيز المحيط بالمعنى. وقيل : إنه اللفظ الجامع المانع ومعناه أن يجمع جميع محدوده ويمنع غيره من مشاركته في حكمه.
الدليل والدليل هو الفاعل للدلالة. وقيل : أنه المستدل ، وقيل هو الدال على الشيء وهو جال ودليل كما يقال عالم وعليم وقادر وقدير الاستدلال طلب الدلالة على المعنى ، والدلالة مصدر كقولك دللت غير أنها تقام مقام الدليل في العبارة فيقال دلالتي على كذا كما تقول دليلي عليه. وقد يقام المصدر مقام الفعل الدائم كقولك رجل صوام أي صائم وزوار أي زائر والدلالة مصدر الدليل والاسم الدليل. يقال أقبلوا هدى الله دليلا وكل من استدللت به فهو دليلك والدليل هو حجة الله على الخلق الحجة والحجة هي التي يحتج بها الإنسان على خصمه وهو فعله والحجة مقدمة صادقة لها شاهدة على الحقيقة وهي مأخوذة منا القصد ومنه حج يحج إذا قصد. (1/62)
صفحة 63
ويقال للطريق القاصد المستقيم محجة كأن الحجة مأخوذة من الحجة وهي الاستقامة في الطريق الماضي إلى الغرض وكل حجة دلالة وليس كل دلالة حجة لأن إرشاد المرشد إلى السبيل دلالة السبيل عليه وليس بحجة عليه والاسم دليل على المسمى وليس بحجة عليه والحجة في اللغة الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة والفعل حاججته فحججته واحتججت عليه بكذا والحجة جمعها حجج والحجاج المصدر وجمع الحجاج أحجة وحجج والمحجة قارعة الطريق. قال:
ألا بلغا عني حديثا رسالة فإنك عن قصد المحجة ناكب
ص 242-245 : الحجة قد تكون تسمى حجة ولو كانت باطلة، قال الله تعالى {لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم}.
وقيل : المعنى لئلا يكون للناس عليهم حجة إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له كما يقول مالك على حجة البتة ولكنك تظلمني ومالك علي حجة إلا الظلم وإنما سمي ظلما هاهنا حجة لأن المحتج سماه حجة وحجته داحضة عند الله.، قال الله تعالى {حجتهم داحضة عند ربهم} فقد سميت حجة إلا أنها حجة داحضة مبطلة وليست بحجة موجبة حقا كما تقول قلت قولا باطلا وصليت صلاة فاسدة وعملت عملا رديا فقد سمي قولا وسميت صلاة وسمي عملا وإن كان كله باطلا غير صحيح.
وفي العلة اختلف في العلة قال قوم إنها الوصف الجالب للحكم أو المنزلة وقيل هي الوصف الذي يحدثه حدث الحكم.
وقيل الوصف للحكم وقيل العلة علامة الحكم وقيل رياضة وقيلنكتة وقيل معنى هو الحكم ولا يجوز أن يتقدم الحكم على العلة لأن الحكم صحة العلة وموجبها كما لا يتقدم جلد الزناة على الزنا والعلة غير المعتل وغير المعلول والأصل والفرع وفي الدليل وفي كلام العرب هو المرشد إلى المطلوب والمهدي إلى المغيبات وكل مؤدي إلى علم شيء فهو دليله وإن كانت أسباب الدلالة مختلفة.
الوحي ، والوحي في كلام العرب هو إيصال المعنى إلى الفهم بالشيء اللطيف يعني من جهة اللطيفة والوحي على وجوه كثيرة. (1/63)
صفحة 64
ويقال وحي وأوحي قال العجاج وحي لها القرار فاستقرت أراد وحي وأوحي لها أي أوحي إليها والإيحاء الإشارة وذكر أن بعضهم قرأ {قل أوحي إلي} بمعنى وحي لما انتصبت الواو وهمزة الوحي إشارة كقوله تعالى {فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا} إنما هو أشار إليهم لأنه عليه السلام كان منع الكلام علامة للوالد.
وقال علقمة بن عبد في الظليم وأنثاه:
يوحي إليها بأنقاض ونقنقة كما تراطن في أفدانها الروم
الأنقاض والنقنقة من أصوات النعام والتراطن ما يكون من الرجل وصاحبه لا يفهمه غيرهما والأفدان الحصون وأحدها فدن الحقائق والحقائق في الكلام وكذلك الحدود وحد الشيء معناه ألا ترى أن وصف الأسود بأنه أسود هو أن فيه سوادا وكذلك حد الوصف له أن أسود هو الوصف له بالسواد، فقد أجمع الكلام للحقائق والمعاني والحدود إلى شيء واحد وكذلك ما كان في المجاز في الكلام دون المعنى والحقيقة ما يصير إليه حقيقة الأمر ووجوبه ولا حقيقة للحقيقة إذ الحقائق في الأوصاف والعبارات لا في المعاني المجاز والمجاز طرق القول وما حده.
وقد جاء القرآن به والعربية وأجمع الفصحاء على القول به إلا ما خالف فيه ابن داود الأصفهاني فقال لا مجاز في القرآن ولم يتبعه على قوله هذا أحد.
والمحال من الكلام ما حول عن وجهه الباطل والباطل ما لم يحكم له بالجواز وهو أيضا ما لم يحتسب به لفاعله أو لا يحكم له به وأيضا ما لم يحتسب به زوال الشيء بعد ثبوته وبطل الشيء يبطل بطلا إذا ذهب باطلا والباطل نقيض الحق والبطل مصدر الباطل.
وقال النابغة:
لعمري وما عمري علي بهين لقد نطقت بطلا علي الأقارع
وأبطلته إذا جعلته باطلا وأبطل فلان إذا جاء بالباطل يعني غير الحق.
ص 245-246 : قال - صلى الله عليه وسلم - أمتي لا تجتمع على ضلال والإجماع جمع وهو قبض الرجل أصابعه وشده إياها للكزم. يقال: ضربه بجمع كفه إذا جمع أصابعه ثم لكزه ووكزه ونهزه ولقره. (1/64)
صفحة 65
وقال أبو عبيدة : لا يقال لكزه إنما يقال وكزه ونهزه وفي قراءة ابن مسعود {فوكزه موسى فقضى عليه}.
ص 249: الباب السادس عشر في التقليد
التقليد هو التصديق والتقليد على وجهين أحدهما لا يجوز مما يكون الحق فيه في واحد من أقاويل المختلفين لأن الله تبارك وتعالى إذا تعبد بذلك أو بشيء منه نصب الأدلة عليه وقد نهى عز وجل عن التقليد في ذلك وذم من قلد فيلحق قوله جل ذكره {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} فيلحق ذلك من القرآن في القول والوجه الآخر من التقليد ما لم ينص الله تعالى عليه في ظاهره حكما يدل عليه ولا على مراده فيه ولم ينصب عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع نم الأمة ورد حكمه إلى العلماء ليجتهدوا في طلب حكمة نحو الأروش والقيم ومتعة المطلقة قبل الدخول بها ولم يكن فرض لها صداقا ونحو ذلك فهذا مما يجوز التقليد فيه ويرجع فيه إلى قول أهل العلم فيه لعدم النص عليه والدليل على حكمه وليس العدل والعدلان والثلاثة وما فوق ذلك بحجة في الدين الذي طريقه طريق العقل وإنما العدل حجة فيما طريقه السمع والخبر ينقله الواحد والأكثر والعقل ينفرد بصحة دليله والله أعلم.
مسألة : والتقليد لا يجوز عند وجود الدليل الصحيح من الكتاب والسنة وإجماع الأمة أو حجة العقل وإنما يجب التقليد في حال يعدم فيها المقلد صحة الاستدلال من الجهات التي ذكرناها وأما الدليل من أوجه منها قائم فلا معنى للتقليد وبالله التوفيق.
ص 251-252: مسألة: (1/65)
صفحة 66
قال أبو محمد –رحمه الله- تقليد الصحابة جائز في الأحكام وما كان طريقه طريق السمع ألا ترى إنك تحكي عنهم الإجماع وإن كان الخبر منقولا عن بعضهم إذا لم ينقل عن أحد منهم خلافا في ذلك ويجوز تقليد الواحد منهم أيضا إذا قال قولا ولم ينكر عنه غيره فإن علم له مخالف من الصحابة فلا وخلاف التابعي عليهم ليس كخلاف بعضهم على بعض لأنه ليس في طبقتهم لأن الصحابة هي الحجة التامة ألا ترى أن الله عز وجل جعل شهادتهم على الناس كشهادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} فلا يجوز وقوع الخطأ في شهادتهم إذ كانت شهادتهم كشهادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهذا عندي والله أعلم مثل قوله تعالى {ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} والخارج عن قول الصحابة متبع لغير سبيل المؤمنين.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا تجتمع أمتي على ضلالة وإذا لم ينقل الاختلاف فيهم وكان المقول عن بعضهم وترك المخالفة عن الناس الباقين فهم حجة الله جل ذكره في أرضه على عباده دل تركهم لمخالفة القائل منهم على تصويبهم ومن ادع أن في ضمائر بعضهم غير ما كان في الظاهر منهم أو تقية منعتهم كان مخطئا وطعن على الصحابة أنهم لم يقيموا الحجة لله تعالى بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف ولا يجوز التقليد لأهل الاستدلال والبحث والأخبار في عصر غير الصحابة مع الاختلاف ويجوز الاعتراض عليهم في أدلتهم ولا يجوز الاعتراض على الصحابة لما ذكرناه ويجوز للعامة تقليد العلماء والأتباع فيما لا دليل لهم على التفرقة بين أعدل أقاويلهم في باب الشرع وما طريقة طريق الاجتهاد واستسلامهم للعلماء كاستسلامهم للحكام فيما يحكمون به لهم وعليهم فيما لا علم لهم بصوابه وكذلك تقليد الجاهل لمن لا يتهم في الدين والله أعلم. (1/66)
صفحة 67
ص 253 : ولعل المفتي لم يكن أهلا لذلك وقد قال الله عز وجل {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} ومعلوم عند ذوي الفهم أنهم لم يعبدوهم ولكن أمروهم فأطاعوهم وهكذا ثبت أنهم قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنا لم نعبدهم، فقال عليه السلام: أليس كانوا يحلون لكم الحرام ويحرمون عليكم الحلال فتتبعونهم فتلك عبادتكم لهم.
وقد روي عن ابن عباس أنه تلا هذه الآية ثم تقال والله ما عبدوهم ولكن أمروهم فأطاعوهم والذم لا يحلق إلا من فعل ما ليس له فعله.
ص 261-262: قوله تنضي أي تسيل يقول نضوت السيف فانتضيته إذا أخرجته من غمده وقوله سدى أي مهملين يقول أسديت الأمر إذا أهملته، قال الله عز وجل {أيحسب الإنسان أن يترك سدى}، قيل مهملا لا يؤمر ولا ينهي والأخرق الأحمق والحجا العقل، والأولق على تقدير فوعل وهو مس من الجنون يقول ردل به أولق أي مس الجنون وهو مألوق أي مجنون والجد البخت والحظ والمجدود المحظوظ المبخوت والمحدود ضد المجدود وهو الممنوع من الخير.
وقد أطلت في هذا الباب حتى يظن الواقف عليه أني خرجت عما قصدت إليه غير أنه مما يحتاج إلى الإطالة فيه إذ كان حكم الوقت يقتضيه فأردت تسلية الأديب وتعزية الأريب وليعلم إن هذا ذكر تعجبا من انقلاب الزمان لا لتصويب واستحسان وأن الصحيح قد كان وأن الباطل ما هو الآن فيحق عليه الاهتمام به والاعتماد بسببه والعصمة والتوفيق بالله.
ص 265-167: الباب الثامن عشر المتعلم وما له وعليه من التحليل والتحريم
قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} قيل تعلمونهم وتأمرونهم بتقوى الله تعالى، وعن علي في ذلك أدبوهن وعلموهن كأنه يذهب في ذلك إلى الأزواج. (1/67)
صفحة 68
أبو سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا يلق الله تعالى بشيء أشد من جهالة أهله وأجمعت الأمة على تأديب صبيانها وتعليمهم غسل النجاسات ونهيهم عن المحظورات وتعليمهم الطهارات والوضوء والصلاة وضربهم عليها إذا بلغوا عشر سنين وتفريقهم بين مضاجعهم لسبع سنين لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: فرقوا بين أولادكم في المضاجع لسبع سنين واضربوهم على الصلاة لغشر سنين وتعليمهم القرآن لينشأوا على ذلك ويكونوا عالمين به قبل البلوغ فإذا بلغوا وجب عليهم أن يتعلموا ويسألوا وإن لم يكن ذلك على آبائهم أخذهم بذلك ولكن لهم أن يأمروهم يتقوى الله عز وجل ويحذروهم معصية الله وينكروا عليهم ما يجب إنكاره وأن سألوهم عن ذلك من يعلمه علمهم كان أبا أو غيره وكذلك عليهم تعليم عبيدهم البالغين كتعليمهم أبناءهم.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - خيركم من تعلم القرآن وعلمه.
وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا مأدبة الله ما استطعتم وأن لقارئ القرآن لكل حرف منه عشر حسنات ، وفي الحديث إن القرآن مأدبة الله فأدبوا عليه صغيركم ولا يباري عنه كبيركم فإنه ليس كل امرئ ولد عالما وإنما العلم بالتعليم.
قال أبو ذكوان: مأدبة الله بالضم والهمز أي مدعاة الله.قال والأدب الداعي والمأدبة المدعاة.
قال أبو الحسن السابوري: يقول أدبت القوم إذا دعوتهم إلى طعامك والمأدبة بضم الدال الطعام الذي يدعى إليه الناس وأما من الأدب فمأدبة الله بفتح الدال والأدب صاحب المادبة.
يقال مأدبة للدعوة وفي الحديث القرآن مأدبة الله. (1/68)
صفحة 69
قال أهل العلم معناه مدعاة الله وليس من الأدب وأكثر المفسرين قالوا القول الأول فكلاهما في العربية جائز ويدل على القول الأول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أنا الجفنة الغراء التي يجمع الناس عليها ويدعون إليها فمن قال مأدبة الله بفتح الدال فهو من الأدب ومأدبة بضم الدال هوالطعام فأول ما يجب تعليمه القرآن لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضا أنه جاءه رجل فقال يا رسول الله علمني ، فقال : اذهب فتعلم القرآن ثم عاد فقال له مثل ذلك ثم عاد فقال له في الرابعة أقبل الحق ممن جاءك به حبيبا كان أو بغيضا واردد الباطل على من جاءك به حبيبا كان أو بغيضا وتعلم القرآن ومل معه حيث مال وينبغي للآباء أن يبدؤوا بتعليم الأبناء القرآن والكتاب مصدر الرسل الذي تعلم فيه الصبيان والمكتب المعلم وأهل مكة يسمون المعلم كبيرا يقولون كبيري أي معلمي.
وعن ابن عباس في قوله عز وجل {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} يريد معلمكم وتقول علمت الصبي تعليما والتعليم للمتعلم ، وقال الشاعر:
تعلم إذا ما كنت لست بعالم فما العلم إلا بالعنا والتعلم
تعلم بني العلم واعلم بأنه دليل ونوز واضح غير اقتم
ص 279: وقيل في قوله عز وجل {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} أي لا يأخذها ويطالبها إلا بطاقتها ، قال زهير:
ما كلف الله نفسا فوق طاقتها ولا تجود يد إلا بما تجد
ويقال علي من هذا الأمر تكلفة أي مشقة ، قال الشاعر:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبالك يسأم
المعنى الذي لا يجوز إنزال حاجته بالمكلف ، وهذا غير جائز على الله عز وجل أن يكون تكليفه العباد لحاجة به إلى ما يكلفهم إذ كان الله تعالى غنيا عن جميع ما خلق وكل إليه محتاج مفتقر تعالى علوا كبيرا ، فمن هذا المعنى يقال تكلف فلان لإخوانه الكلف وتكلف لهم ما عجزوا عن القيام به فواحدة الكلف بخلقه كلفة، ويقال ما عليك في هذا الأمر كلفة أي تحمل الثقل.
قالت الخنساء في أخيها : (1/69)
صفحة 70
تكلفه القوم ما غالهم وأن كان أصغرهم مولدا
ويروى ما علهم بالعين فمعنى عالهم صعب عليهم ومنه قوله قد عيل صبري أي قد علت ، وقرأ ابن مسعود {وإن خفتم علية فسوف يغنيكم الله من فضله}، فإن خفتم خصلة بعولكم.
وغالهم من الاغتيال ويقول خفت غائلة كذا أي عاقبته شره وقتل فلا غيلة أي اغتيالا والغيلة والاغتيال والغول المنية.
ويقال: أمر الله تعالى عز وجل وألزم وأوجب وفرض وسن وشرع ووصف وحرض وحث وأراد ، فأما سأل الطاعة وطلب فبعض أجاز وبعض أنكره.
ص 281-283 : قال الله تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}، وليس الرسول عليه السلام حجة بمشاهدته دون تبيين رسالاته.
قال الله عز وجل {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتذكرون}
عن الحسن قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله تعالى أرسلني إلى الناس برسالته وإني ضقت بها ذرعا عرفت أن الناس مكذبي فأوعدني ربي أن أبلغ رسالته أو ليعذبني، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والذي نفسي بيده لا يسمع رجل من هذه الأمة فلا يؤمن بي ولا بما جئت به حتى يموت إلا كان من أصحاب الجحيم.
وقيل في قول الله عز وجل {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} بمعنى يقول أنذركم به وأنذر به من بلغه لا إله إلا الله فقد بلغه إبلاغي به وقد قامت عليه الحجة.
وقيل: من بلغ يقول من بلغه الإسلام فقد بلغه وإن لم يدعه فقد بلغته الحجة.
وقيل: من بلغ معناه ومن بلغه القرآن فأضمرت الهاء والعرب تضمر الهاء في الصلاة لله ومع الذي ومن وما تقول من أكرمت أبوك يريد من أكرمته وما أخذت مالك أي الذي أخذته مالك والعرب تقول إذا طال عليها الاسم بالصفة حذفوا الهاء.
قال الله عز وجل {أتريدون أن تهدوا من أضل الله} أي تهدون من أضله الله ومثله قوله تعالى عز وجل{منهم من كلم الله} يريد من كلمه الله.
قال جرير:
أبحت حمى تهامة بعد نجـ ـد وما شيء حميت بمستباح (1/70)
صفحة 71
أراد حميته فحذف الهاء، وقال قيس بن دريج:
وفي غزوة المهدي أن مت أسوة وعمرو بن عجلان الذي قتلت هند
يريد الذي قتلته فحذف الهاء.
قال قتادة : ذكر لنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول يا أيها الناس بلغوا ولو آية من كتاب الله فإنه من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذه أو تركه، وقوله تعالى : لأنذركم لأحذركم من معصية الله الإنذار والإخبار بالتخويف وكل منذر معلم وليس كل معلم مخوفا حتى يكون مع إعلامه تخويف لقوله عز وجل {وأنذرهم يوم الحسرة}، ومما يدل على إيضاح ما ذكرته قوله عز وجل حكاية عن فرعون لموسى عليه السلام {فآت بآية إن كنت من الصادقين} وقول موسى عليه السلام {يا فرعون إني رسول من رب العالمين قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين} وقول موس لفرعون {أولو جئتكم بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين} وقول السحرة {وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا} أو لم تكونوا قبلها كافرين فحين رأوها آمنوا بها وقول عاد لهود عليه السلام {يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا}.
فهذا ومثله في الكتاب ما يؤيد ما ذكرته والله تعالى أعلم وقد يجيء شيء من هذا في باب دعوة النبي بعد هذا إن شاء الله.
ص 287-292 : قال الله جل جلاله: {ما كانوا يستطيعون السمع}.
يقول لم يستطيعوا القبول لشغلهم بالرد والإنكار.
فصل
ومن الحجة لمن قال ببلوغ الدعوة وقيام الحجة على من لم يسمع بالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - الدعوة التي قد خلت في الأمم السالفة ودعاؤه - صلى الله عليه وسلم - إياهم وأنه جاء داعيا لجميع الخلق فإن الله تعالى أمره بذلك بقوله تعالى {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا}، وبقوله تعالى {ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا}.
قال ففي هذا دليل على أن حجة الله قد لزمت جميع الكافرين. (1/71)
صفحة 72
قال وإنما وجب على محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو الناس حين قال الله تعالى : يا محمد قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا وعند ذلك أمره الله تعالى أن يدعوهم جميعا فدعاهم جميعا حين قال لهم إني رسول الله إليكم جميعا، لزمتهم الحجة ووجب عليه أن يتبعوه ويعرفوا أنه رسول الله إليهم.
قال: وتبليغ محمد - صلى الله عليه وسلم - الناس بما أرسل به ودعواه إياهم إلى ذلك تبليغ منه إلى الناس كافة ومجيء إليهم كافة ووصول إليهم كافة واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع اللهم بلغت، فقالوا نعم يا رسول الله ولو لم يبلغ ذلك لما قال الله تعالى إنه بلغ م أرسل به واحتج بقوله تعالى {الذين قالوا إن الله عهد إلينا إلا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار}، ولم ير أحد من أولئك أحدا من تلك الرسل ولم يسمعوه ولم يعاينوه فقتلوهم ولم يعاينوا من الرسل غير محمد - صلى الله عليه وسلم - . (1/72)
صفحة 73
وكقوله تعالى {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل} إلى قوله تعالى {وفريقا تقتلون} وهم لا يعاينون موسى ولا عيسى ولا أحدا من الرسل عليهم السلام قبلهم ولا بعدهم فيكذبوهم أو يقتلوهم في أشباه لهذا من كتاب الله عز وجل وكما كان مجيء رسل الله عليهم السلام التي خلت في الأمم السالفة وتبليغهم ما أرسلوا به إلى قومهم مجيئا إلى هؤلاء الذي بعث الله إليه محمدا - صلى الله عليه وسلم - وتبليغا إليهم ووصولا إلى هؤلاء الذين أمر الله محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يقول لهم قد {قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم} وبين تلك الرسل وبينهم قرون كثيرة وأزمنة طويلة وحقب من السنين والدهور وكذلك كان يبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أرسل إليه كان ممن لم يسمع منهم وإلى من يسمع ووصوله إليهم جميعا ومجيء نبي الله عليه السلام إليهم جميعا وإلى أن تقوم الساعة على هذه الجهة نسخة الحجة التي احتج الله تعالى بها على من لم يسمع الرسل الماضين ممن كان في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسمع بتلك الرسل وكيف لا يكون ذلك تبليغا من نبي الله عليه السلام إلى من لم يسمع ووصولا إليه وقد جعل الله تبارك وتعالى ذلك تبليغا ووصولا إلى من أتت الرسل بدهر طويل وقد علمنا الله تعالى ذلك في كتابه وقال تعالى {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} فأخبر الله عز وجل أنه رسول إلى قوم آخرين منهم لما يلحقوا بهم بعد ولم يكونوا في الدنيا يومئذ حيث أنزل هذا عليه فجعله رسولا إليهم فكيف يضيق علينا إن نحن قلنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوته ووصوله ودعاؤه قد جعله الله بشيرا إلى الناس كافة وإلى من لم يكن بعده حيث قال الله تعالى {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم}. (1/73)
صفحة 74
وقد قال الله عز جل{ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا} ففي هذا دليل على أن كل من لم يكن حيث قال الله تعالى {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} وقد قال الله عز وجل ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا، ففي هذا دليل على أن كل من لم يؤمن بالله ورسوله كان كافرا لأن حجته قد لزمته ثم قال فإذا يلغهم دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدخلوا في دينه سمعوا أو لم يسمعوا إلا أن يكون قوم على دين النبي - صلى الله عليه وسلم - فهم مسلمون حتى يأتيهم الله تعالى ببعض ما أمرهم به فإذا جاءت الدعوة لزمت الكفار الحجة وليست الحجة عليهم سمعهم هم لها لأن سمعهم هم فعل منهم فليست الحجة عليهم فعلمهم إ، الحجة عليهم اللازمة لهم والبالغة إليهم دعا الله تعالى إياهم على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - ومن شاء من خلقه ولم يكن لهم على الله تعالى أن يسمعهم وإ،ما عذبهم الله تعالى لجهلهم به وبنبيه - صلى الله عليه وسلم - وغير هذا من الاحتجاج تركته اختصارا والله تعالى نسأل التوفيق للصواب.
الدليل على أن الله عز وجل لم يكلف العباد فوق طاقتهم قوله عز وجل {فاتقوا ما الله ما استطعتم}، وقوله تعالى {وما جعل عليكم في الدين من حرج} يعني من ضيق لكان قد كلفهم ما لا يطيقون كان قد جعل عليهم أكثر الضيق لأنه لا ضيق أكثر من تكليف ما لا يطيق، وقد قال الله عز وجل {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} فأخبر أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها فوق طاقتها لأن الوسع في لغة العرب دون الطاقة، وقد أخبر الله عز وجل أنه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها في خمسة مواضع من كتابه، وقد تأول من خالفنا في هذه الآية أقبح تأويل وأفسده مع استحالته في اللغة أيضا فقال لا يكلف الله نفسا إلا وسعها معناه زعم أنه لا يحل لها فقال هذا كما يقال لا يسعك قول القائل هذا الذي لا يسعك ليس من قوله ليس في وسع لأن الوسع دون الطاقة.
قال الشاعر: (1/74)
صفحة 75
وناقة من عتاق النوق ناجية حرف تباعد عنها الدود والعضد
كلفتها الوسع من نصبي لها أصلا والوسع منها دوين الجهد والوجد
أفترى هذا القائل كلف ناقته ما لا يحل له وأخبر أنه إنما كلفها السير دون طاقتها ولم يجهدها فقال كلفها الوسع، وقال الله عز وجل {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} إلا ما أتاها فمن لم يؤته لم يكلفه ومن لم يؤته القوة لا يأمره بالفعل ومما يدل على ذلك أيضا السنة والإجماع على أن من لم يستطع أن يصلي قائما فعليه أن يصلي قاعدا جالسا ومن لم يستطع أن يصلي جالسا فعليه أن يصلي مضطجعا وإن لم يستطع أن يصلي مضطجعا أومأ فإن لم يستطع زال عنه فرض ذلك ومثله من لم يجد الماء فليتيمم فإن لم يقدر على التيمم زال عنه فرضه، ومما يدل على صحة قولنا ما روي عن عمر قال: بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة وكان يلقننا فيما استطعتم.
وعن آمنة بنت رفيعة قالت: بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عشر نسوة فأخذ علينا في الآية أن لا يسرقن ولا يزنين ثم قال فيما استطعتن وأطقتن فقلن الله ورسوله أرحم بنا في أنفسنا.
وذكر قتادة قال : بايعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة فيما استطاعوا.
وعن موسى بن أنس عن أبيه قال : إن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - استعمل أنسا معلى السعاية وكان عمر بعده فقدم فبايعه فقال عمر : فيما استطعت. (1/75)
صفحة 76
وعن عبد الله قال : بايعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على السمع والطاعة فيما استطعت ومثل هذا كثير أولا ترى النبي - صلى الله عليه وسلم - والأئمة لم يلزموا العباد الطاعة إلا على الطاقة والاستطاعة وكيف يجوز على أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين أن يكلف عباده ما لا يطيقون ويسألهم ما لا يجدون وهو يقول عز وجل {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}، {يريد الله أن يخفف عنكم}، فلو كلف الله عز وجل خلقه ما لا يستطيعون لكان غير مريد بهم اليسر وغير مريد للتخفيف عنهم لأنه لا يكون اليسر ولا التخفيف في تكليف ما لا يطاق.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال إذا أمرتكم بأمر فأتمروا وخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا والأخبار في هذا والأدلة عليه كثيرة وفي بعض ما ذكرناه ما يغني عن الإطالة ولن يليق بصفة الحكيم في فعله الرحيم بخلقه إلا ما قلناه لا ما قاله مخالفونا لأن قولنا أشبه بعدله ورحمته وفضله ورأفته وهو أعلم وأحكم.
ص 294-295: عن أبي محمد رحمه الله الإلحاد في اللغة هو الانحراف عن الشيء والعدول عنه إلى ناحية ومنه لحد القبر لأنه عدل عنه عن القصد إلى ناحية القبر.
قال الله عز وجل {وذر الذين يلحدون في أسمائه} قيل الإلحاد في أسمائه اللات والعزى.
وقال الضبي الأسماء الحسنى أي الرحمن الرحيم العزيز الحكيم والأسماء الحسنة والحسنى واحد، وإنما وجدنا الأسماء جمع لأنه ذهب إلى الجملة والجماعة وهي واحدة فأعمل المعنى وترك اللفظ.
كما قال امرؤ القيس:
رهرة رودة رحصة كخرعوبة البانة المتعطر
والخرعوبة الأنثى وهي القضيب، وقال المتعطر ليذكر القضيب أعمل المعنى وترك اللفظ الذين يلحدون في أسمائه أي يميلون عن أحسنها إلى أن يقولوا له شريك وله ولد. (1/76)
صفحة 77
وقال أبو عبيدة : يلحدون يجورون عن ذلك ولا يستقيمون والمعنى واحد إلا أن الإلحاد عند العرب الميل والانحراف ويقال لحد والحد إذا مال وقد قرئ باللغتين جميعا فقرأ أهل المدينة وعاصم وأبو عمر ويلحدون بضم الياء وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة يلحدون بفتح الياء وأصل الإلحاد الجور، ثم صار في كل شيء معوج ليس بمستقيم.
ومنه سمي اللحد لأنه في ناحية من القبر ليس في وسطه، ويقال لحدت وألحدت عن عمل اللحد وتقول لحد الرجل في الله تعالى إلحاد وكلاهم مأخوذ من العدول والانحراف وكان لحد الملحد عدل عن التوحيد إلى الشرك وعن الإثبات إلى التعطيل وانحراف عن الإسلام ومال عن الحق.
ص 297-312 : الباب الحادي والعشرون في الأسماء
يقال إن الاسم مأخوذ من السمو والرفعة.
قال الترمذي: الاسم هو التسمية وجميع العلم بالأشياء فعلم الله عز وجل آدم عليه السلام الأسماء كلها وأبرز فضيلته في العلم بها على الملائكة عليهم السلام حتى فزعوا إلى التسبيح فقالوا {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} فالاسم اسمه للشيء والصفة ظهور الشيء والاسم للنطق والصفة للنظر والاسم للإنسان والصفة للعين، وقوله تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها} أي أعطاه سمة كل شيء ليستدل به على مكنون كل شيء وجوهرياته وأبدأ بذكر {بسم الله الرحمن الرحيم} وما جاء في أرابها إن كانت متقدمة ومفتاح كل كلام ثم اذكر بعدها أسماء الله العظيمة ثم من بعد ذلك أذكر مسائل التوحيد إن شاء الله وبالله التوفيق، بسم الله الرحمن الرحيم. (1/77)
صفحة 78
قال الفراء: أجمع القراء وكتاب المصاحف على حذف الألف من بسم الله الرحمن الرحيم، وفي فواتح الكتب وإثباتهم إياها في قوله تعالى {فسبح باسم ربك العظيم} وإنما حذفت من بسم الله الرحمن الرحيم في أول السورة والكتب لأنها وقعت في موضع معروف لا يجهل القارئ معناه فاستحق طرحها لأن من شأن العرب الإيجاز وتقليل الكثير إذا عرف معناه وأثبت في قوله تعالى {فسبح باسم ربك العظيم} لأنه لا يلزم هذا الاسم ولا يكثر معه فكثرتها مع بسم الله تعالى ألا ترى أنك تقول بسم الله عند ابتداء كل فعل تأخذ فيه من مأكل أو شرب أو ذبيحة فخف عليهم الحذف لمعرفتهم به فلا تحذف ألف اسم إذا أضفتها إلى غير الله ولا تحذفها مع غير الباء من الصفات وإن كانت تلك الصفة حرفا واحدا مثل اللام والكاف فتقول بسم الله حلاوة في القلوب فليس اسم كاسم الله فيثبت الألف في اللام والكاف لأنهما لم يستعملا كما استعملت بسم الله الرحمن الرحيم.
وقيل: إنما حذفت عند النحويين لأنها ألف وصل وكذلك ألف الله الثانية وألف الرحمن ومما كثر في هذا قولهم أيش عندك يريدون أي شيء عندك متصلا فحذفوا إعراب شيء واحد يأتيه وحذفت الهمزة في شيء وكسرت الشين وكانت مفتوحة في كثير من الكلام لا أحصيه.
وقيل في قوله تعالى {اقرأ باسم ربك} أن الباء موضع العين كأنه قال اقرأ على اسم ربك.
وقال الأخفش: إنما أسقطوا الألف من اسم الله لأنها ألف وصل وقد أخطأ الألف الوصل في الله لا تسقط في الخط إنما تسقط في اللفظ وإلا فإنا قد وجدناهم كتبوا {واضرب لهم مثلا} بألف وكذلك {وإذ قال لقمان لابنه}.
مسألة: فإن قال قائل: لم بدأ بالباء وهي حرف جر وحروف الجر لا يبتدأ بها؟ (1/78)
صفحة 79
قيل له: إن قبل الباء فعلا مقدما مضمرا يتعلق به الباء وهو أبتدئ بسم الله الرحمن الرحيم وكسر الباء في هذا الموضع من سائر حروف الجر له معنى والياء معناها الإلصاق لأنها تلصق الأفعال بالأسماء وكسرت الباء من بسم الله الرحمن الرحيم لأن الباء لا تعمل إلا جرا فكسرت اتباعا لعملها، وبسم الله الرحمن الرحيم مجرورة بالباء الزائدة والإضافة بها إلى الله الرحمن الرحيم نعت الله والدليل على أن الباء زائدة أنك تقول في التصغير سمي فتذهب الباء والباء عوض من الألف وذلك أنك تقول في اسم الله فهذا دليل ذلك.
قال الله تعالى {سبح اسم ربك الأعلى} وإنما جرت الباء ما بعدها للإضافة والإضافة تكون بإضافة اسم إلى اسم وبإضافة حرف إلى اسم، فإذا قلت زيد كعمر وأضفت المشبه إلى عمرو بالكاف وإذا قلت انتهيت إلى بكر أضفت الأسماء إلى بكر بإلى فجرت الباء على معنى الإضافة وكسرت الباء من بسم الله الرحمن الرحيم، لأن الباء لما كانت لا تعمل إلا جرا كسرت هذه الباء من اسم الله لأنها بينة كما تقول ب ت ث.
وقال أبو زكريا: كسرت هذه الباء في بسم الله لأن الكلام يخرج من ثلاثة عشر طريقا للحلق والحنجرة وبالشفة وإذا خرج حرفان من طريق واحد أدغم الأول في الثاني للخروج لأن السين يخرج من الأسنان والثامن طرف الأسنان والفاء من الشفتين والقاف من الحلق والهاء من الصدر والألف من الرأس وذلك أن القلب ساكن فإذا هم الإنسان بالكلام تحرك القلب فإذا تحرك القلب تحرك اللسان واللسان بني على الحركة فأول ما يخرج من فيك متحرك فقلت بسم الله فأخرجته من فيك إلى أخف الحركات وهي الكسرة كسرة الباء مع الفتحة. (1/79)
صفحة 80
وقال قوم : كان الأصل فيه أبدأ بسم الله فلما ذهب الباء الذي في أول الكلام وتركوا الباء الثاني ومن شأن العرب حذف الفعل إذا كان فيما بقي دليل على ما ألقى فمن ذلك قولهم إذا رأوا رجلا في هيئة الحجة قالوا مكة والله فأضمروا يريد مكة وقولهم في اليمين تالله يريدون أحلف بالله وقولهم لمن اعترض على الطريق الطريق، يريدون خل الطريق فقول القائل بسم الله معلوم أنه مضمر فيه فعلا وقد أظهر الشاعر هذا المعنى بعد ذكر بسم الله فقال:
باسم الإله وبه بدينا ولو عبدنا غيره شقينا
بدينا لغة والأولى بدأنا فإن قال قائل فما معنى قولهم بسم الله الأول بالله وأبتدئ بالله ولم يحتج إلى اسم؟
قيل له: إنما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبدأ باسم كما قال له جبريل عليه السلام، والحالف للباء معنى الابتداء كأنك قلت : بدأت باسم إلا أنه لم يحتج إلى ذكر بدأت لأن الحال ينبئ كأنك مبتدئ وزعم سيبويه أن معنى الباء الإلصاق تقول : كتبت بالقلم والمعنى الكتابة ملصقة بالقلم وهي مكسورة أبدا لا معنى لها إلا الخفض فوجب أن يكون لفظها مكسورة ليفصل بين ما يجره وهو اسم نحو كاف كزيد لأن أصل الحرف الذي يتكلم بها وهي على حرف واحد والفتح أبد إلا أن تجيء علة تزيله لأن الحرف الواحد لا حظ له في الإعراب ولكنه يقع مبتدأ في الكلام ولا يبتدأ بساكن فأجيز الفتح لأنه أخف الحركات والعرب تقول هذا اسم وهذا اسم وهذا وسم وسم هذا إسم.
قال الراجز: باسم الذي في كل سورة اسمه. (1/80)
صفحة 81
وروي أبو زيد الأنصاري وغيره من النحويين بسمه: ومن قال إن اسما مأخوذة من السمة فهو غلط لأنه لكان الكاف تصغيره إذا حذفت منه الألف الوصل وسما كما أن تصغيره عدة وصله وعنده موصلة والميم مشددة لأن فيها ميمين ودليل الميم فيها ميمان وأدغم الرحمن الرحيم لأنهما مختلسان لأنك تقول رحمن رحيم فتذعب الألف واللام ذلك موجود في القرآن.قال الله عز وجل {كلا بل ران على قلوبهم} فأدغم عند اللام عند الراء أن قيل ما تقول في قول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
قيل له : فيه قولان في الإعراب وقولان في المعنى فإن السلام من أسماء الله عز وجل فكأنه قال ثم باسم السلام عليكما والأحزان يكون معناه ثم تسمية الله عيكما والناس مختلفون في ذلك فمن قال إن معنى بسم الله هو الله فهو مذهب من زعم أن الاسم هو المسمى.
قال آخرون: الاسم غير المسمى وإن معنى قول لبيد أنه ذكر الاسم وأراد المسمى على مجاز اللغة وسعنها.
قال آخرون: إن اسم الله تعالى هو الله ولا غير الله وعند هؤلاء إن هذه صفة له ولذاته فأما إعرابه فيكون رفعا ومعنى الإغراء بعليكما فلما قدم المغري والمغري لا يتقدم على عامله أضمر هذا والمعنى موجود ، كما قال الشاعر:
أراد بهذا دلوى والمائح الناز على البئر
الذي يجعل الماء في الدلو لقلته ثم يجذبه المائح من أعلى.
قال له مائح يرضى بقلة مائه ولم يك يرضى قلة الماء مائح ويجوز النصب على قوله ألزم اسم الله ثم حذف فإن قال معنى اسم الله؟ قيل: ابتدأ بتسمية الله فإن قال فإن التسمية مصدر قيل قد يوضع المصدر موضع الأسماء كما توضع الأسماء موضع المصدر لقول الشاعر:
أظلوم أن مصابكم رجلا أهدى السلام تحية ظلم
يريد إصابتكم.
والله عز وجل. عن ابن عباس أنه قال الله ذو الإلاهية وهو الذي يأله الخلق إليه أجمعون أي يعبدونه وتواله الخلق أجمعين وقرأ {ويذرك آلهتك}، يريد وعبادتك. (1/81)
صفحة 82
وقيل: كان فرعون يعبد ولا يعبد وكذلك روي عن عيسى بن عمرو أنه قال الله إله الآلهة ومن هذا يقول قول العرب فلان يتأله لفلان إذا تعبد له قال روبة:
لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي
المدة مدح والمدة في نعت الجمال والهيئة وفي كل شيء عام يقال مدهه ومدحه بمعنى واسترجعه قلن إنا لله وإنا إليه راجعون وقوله تألهي يريد تعبدي فعل هذا القول إله الله الخلق أي تعبدهم والعبد يألهه إلهه كقولك عبده يعبده عبادة وذهب قوم إلى أن الله لا إله استقاق اسمه من الألوهات وهو هذا عندنا خطأ ولو كان هكذا كل ما وله الإنسان لأجله يجب أن يكون إلها له والإله عندنا هو الذي تجب له العبادة وتحق له وهو الله الذي لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يصفون واختلف في تسميته عز وجل الله الإله فقال قوم مأخوذ وقال قوم من الولهان لأن القلوب تله إليه عند الفزع والكرب والخوف فيجوز أن نسميه المألوه إليه إلها كما قالوا للمؤتم إماما وقال قوم الإله هو الذي تحق له العبادة.
وقال قوم: هو اسم سمي به نفسه على سبيل الاختصاص كما قال عز جل {هل تعلم له سميا} ولهذا لا يجوز أنه إله الآلهة لأن إلاله هو الذي تحق له العبادة ولا إله تحق له العبادة غير الله وفي نسخة إلا الله تبارك وتعالى فلذلك لم يجز وإلى هذا يذهب أصحابنا والله أعلم.
وقيل: إن ابن عباس كان يقرأ وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله ويقول هل تعلم له سميا ولهذا لا يجوز.
وقيل: معنى الله الذي تأله القلوب إليه في حوائجها وهذا أصل الأسماء كلها ومنه خرج جميع الأسماء واختلف النحويون فيه.
فقال سيبويه: الإله ثم خففوا الهمزة وأدغمت اللام في اللام فقالوا : كان إله على فعال فأدخلوا الألف واللام فقالوا الله عز وجل قال ومثل هذا قوله إناس ثم أدخلوا الألف واللام فقالوا الإناس ثم خففوا الهمزة فقالوا الناس وقد يجيء به على الأصل.
قال الشاعر:
إن المنايا يطلعن على الأناس الأمنينا (1/82)
صفحة 83
فعلى مذهب سيبويه أن الألف واللام كأنهما عوض من الهمزة المحذوفة وقد صارتا كحد حروف الاسم لا يفارقه ولا يجوز حذفهما منه لأن اسمه تعالى مباين لسائر الأسماء وهو منفرد به وحده لا يشركه في هذا الاسم غيره تعالى الله علوا كبيرا، ومن العرب من يقول لا أبوك يريدون لله أبوك فحذف إحدى اللامين ، قال الشاعر:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني ولا أنت دياني فتجزوني
يريد لله ابن عمك فحذف اللام وقوله جزوا ويقال جزاه بمعنى ساسه وكره هذا القول في الإسلام. قال الخليل: لا يطرح الألف من الاسم إنما هو الله على التمام وليس من الأسماء التي يجوز فيها اشتقاق فعل كما تقول رحم يرحم.
وقال آخرون : إنه كان لا على فعل فدخل الألف واللام فصار لفظه كما ترى وهذا الذي يختاره أبو العباس محمد بن زيد ومنهم من يدخل الميم في لا فيقول لاهم قال الراجز:
لاهم هذا خامس إن تما أتمه الله وقد أتما
إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما
وقال بيت لاهم فقال في بيت آخر اللهم وقولهم اللهم فيه قولان:
كما قال الكوفيون معناه بالله آمنا منك بخير أي اقصدنا منك بخير فحذفت الهمزة واتصل الميمان في آخر الاسم عوضا من باقي أوله ومن شأنهم العوض في كثير من كلامهم واستبعد قول الكوفيين فقالوا ما الدليل على حذف الهمزة ولم حذفت يا من أوله وأين الخبر الذي معناه وأمنا منك بخير ثم قالوا إذا اضطر شاعر جاز له أن يجمع بين العوض والمعوض منه كما جاز له صرف ما لا ينصرف فلا حجة للكوفيين في قول الشاعر:
إني إذا ما حادث ألما أقول يا اللهم يا اللهما
وفي قول آخر:
وما عليك أن تقول كلما سبحت أو صليت يا اللهما
اردد علينا شيخا مسلما، وعن الحسن قال اللهم جمع الدعاء، وبلغنا أن اسم الله الأعظم هو الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له واسم الله عز وجل قدم على الرحمن الرحيم أنه اسم لا ينبغي إلا لله عز وجل. (1/83)
صفحة 84
وقيل: في قوله عز وجل {هل تعلم له سميا} هل تعرف في السهل والجبل والبر والبحر والمشرق والغرب أحدا اسمه الله غير الله لا إله إلا الله.
وقيل: اسم الله الأعظم يا ذا الجلال والإكرام
وقيل: اسم الله الأعظم يا حي يا قيوم
أبي بن كعب قال: جميع أسماء الله تعالى بمعنى ربوبية الرب عز وجل قال وسامه الذي هو اسم الله. وقال جابر بن زيد: اسم الله تعالى الأعظم هو الله ، ألا ترى أنه به يبتدأ الرحمن الرحيم.
قال قوم: معنى الرحمن بجميع الخلق والرحيم بالمؤمنين.
وعن ابن عباس أن الرحمن رحمان الدنيا والآخرة والرحيم رحيم الآخرة ومعنى أن نعمه وفواضله تعم الخلق في الدنيا من مؤمن وكافر وفي الآخرة يخص بنعمه وفواضله وعطائه المؤمنين.
وقال: الرحمن العاطف بالبر، والفاجر والرحيم بالمؤمنين.
وقيل: معناهما أنهما اسمان لوجود الرحمة منه.
ويقال اسمان لطيفان من أسمائه عز وجل ويقال رفيقان أحدهما أرفق من الآخر وقال الحسن الرحمن اسم ممنوع التسمة.
وقد روي عن عطاء الخراساني قول جيد وذلك أنه قال: كان الرحمن اسم الله عز وجل فلما أخبرك أضيف إليه الرحيم ليكونا له دون كل واحد ، ومعنى هذا القول إن الرحمن كان اسم الله عز وجل فلما سمي به.
مسألة: مسيلمة الكذاب أضيف إليه الرحيم ليكون الرحمن الرحيم يجتمعان له عز وجل لا لغيره ووجه آخر تكريرهما إن الرحمن أشد مبالغة في معناه في وجهين أحدهما إن فعلان من أبنية المبالغة كقولك غضبان للمبتلي غضبا وسكران للمنزوف سكرا وكذلك ما أشبه ووجه آخرأن اسماء الفاعلين إذا جرت على أفعالهم لم يكن فيها معنى المبالغة فضم التكرير لتكرير المبالغة ولا يجوز للمخلوق أن يسمى بالرحمن، وقد كان العرب تعرف الرحمن ألا ترى قوله عز وجل {قل ادعوا الله أو أدعوا الرحمن}.
قال الشاعر:
ألا ضربت تلك الفتاة هجينها إلا قضت الرحمن ربي يمينها
وقال آخر:
عجلتم علينا إذ عجلنا عليكم وما يسأل الرحمن لا بد واقع (1/84)
صفحة 85
وروي أن بعض العرب من المتقدمين كان يسمع يسمى بهذا الاسم ولا يعلم أن أحدا في الإسلام في شريعة النبي يسمى بهذا الاسم غير الله تبارك وتعالى.
وقيل قدم الرحمن على الرحيم لأن الرحمن اسم خاص والرحيم اسم مشترك.
يقال رجل رحيم ولا يقال رحمن فقدم الخاص على العام.
وقال أبو عبيدة: الرحمن مجازه ذو الرحمة والرحيم مجازه الراحم وهو بمنزلة ندمان ونديم وقد يجيء اللفظان مختلفين والمعنى واحد وأنشد
فإن كنت ندماني فبالأكبلا اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلم
وقال آخر:
رزينا أبا حرب ولا حي مثله وكان أبو حرب أخي ونديمي
وقد أنكر العلماء على أبي عبيدة قوله مجازه ذو الرحمن ومعناه أن الرحمة لازمة له لا تفارقه ولا تغيره ولا إذا قال الرحمن مجازه الراحم هو اسم الفاعل من رحيم واسم الفاعل قد يكون ماضيا وحالا ومستقبلا فهذا القول منه يوجب مذاقا بينهما ثم قال بعدهما بمنزلة ندمان ونديم فجعلهما بمعنى واحد بعد ما جعلهما لمعنيين وهذا لعمري قول يوجب الرد على قائله.
وعن ابن عباس أن الرحمن الرحيم القريب ممن أحب والبعيد ممن عانده والأمة مجتمعة على أن الرحمن الرحيم من القرآن وأنه لا اختلاف بينهم في ذلك وموضعها من الإعراب الجر لأنهما صفتان لله عز وجل والصفة تتبع الموصوف وصفات الله عز وجل يجوز أنتتبع الأسماء في إعرابها ويجوز أن تصبهما على المدح بإضمار أعني وترفعهما بإضمار هو والمدح والذم كثيران في كلام العرب شائعا فعلى هذا يجوز أن يقول الرحمن الرحيم فيتبع إعراب الاسم المبتدأ قبله وهي القراءة ويجوز في العربية رفعها ونصبها فالرفع بإضمار هو والنصب بإضمار أعني على المدح وهو جائز كثير ولا يقرأ به لأن القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول، وأما جوازه فيجوز على ما جاء في العربية
وقال أبو الخياط الفلكي:
وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم إلا نمير أطاعت أمر غاويها
الطاعنون ولما يطعنوا أحدا والقائلون لمن دار نخليها (1/85)
صفحة 86
ينشد الطاعنون والقائلون رفعا ونصبا وبرفع أحدهما وبنصب الآخر على ما ذكرنا من المدح.
وقال آخر في الذم وهو عروة بن الورد:
سقوني الخمر ثم تكنفوني عداة الله من كذب وزور
فنصبه على الذم ومثله كثير.
وعن ثعلب أنه قال رحمن بالعبرانية فعرب ثم أضيف إليه الرحيم وهو اسم عربي فاجتمع مع الاسم الذي كان عبراني اسم عربي وأنشد لجرير:
لن تدركوا المجد أو تشروا عيالكم بالحوض أو تجعلوا البينوب ضمرانا
أو تتركون إلى الدسين هجرتكم ومسحكم وجهكم رحمن قربانا
فأتى به على أصله، ويروي أو تتركون إلى القسين هجرتكم ومسحكم صلبكم رحمن قربانا، والبينوب شجر الخشخاش الواحدة بينوبة والصمران من ورق الشجر والضومران والضميران لغة وهو نوع من الريحان وهذا الشعر من تجرير تعريض بالأخطل في مهاجاته له لأن الأخطل كان نصرانيا والذي ذكره جرير هو من فعل النصارى الرب الذي ينقسم على ثلاثة أقسام يكون الرب المالك كقولك رب الدار ويكون الرب السيد كقوله عز وجل {فيسقي ربه خمرا} معناه سيده والرب المصلح والمربوب المصلح.
وقال الفرزدق : كانوا كالسالية حمقاء إذا خفيت سلاها في أديم غير مربوب أي غير صالح.
وقال طرفة:
كقنطرة الرومي أقسم ربها لتكتنفن حتى تشاد بقرمد
أي مالكها والقرمد الآجر واحدتها قرمدة وهي عجمية عربت وأصلها قرمدي بالرومية فأعربته العرب وهو آخر الحمامات والعرب تسمي السيد ربا.
وقال الحارث بن حلزه [وهو الرب والشهيد على اليوم والحواريين والبلاء بلاء]
وقال في الرب إنه المالك وأنت آمر أفضت إليك أمانتي وقيل كريبي فصغت ربوب يعني ملكتني ملوك فصغت حتى صرت إليك وفي الرب لغتان رب بتشديد الباء ورب بتخفيف الباء وأنشد الفراء بالتخفيف:
وقد ذكر الأقوام أن ليس فوقه رب غير من يعطي الحظوظ ويخلق
وقال أبو عبيدة في قوله عز وجل {اذكرني عند ربك} يعني عند سيدك من بني آدم أي مولاك.
وقال النابغة الذبياني:
فإن يكد رب أذواد لجسمي أصابوا من لقائك ما أصابا (1/86)
صفحة 87
ولا يقال للمخلوق هذا الرب معرفا بالألف واللام كما يقال لله عز وجل بل يقال بالإضافة رب الدار ورب البيت لأنه لا يملك غير ذلك الشيء فإذا قيل الرب معرفا بالألف واللام دل ذلك على العموم واستغنوا به عن الإضافة لأنه عز وجل رب كل شيء ومالك فلا يضاف إلى شيء فيخص به دون غيره وأما المخلوق فيضاف إلى شيء خاص لأنه لا يملك غيره فيقال رب الدار ورب القوم أي سيدهم.
وقال الأعشى :
وأهلكت يوما رب كندة وابنه ورب معد بين خبت وعرعر
أي رئيسها وسيدهما وقال آخر:
أيزور يزيد وعبد المسيح وقيسا هم خير أربابها
أربابها رؤوسها ورب كل شيء مالكه وصاحبه.
وقال أبو ذويب:
قد ناله رب الكلاب بكفه بيض رهان ريشهن مقرع
والإنسان يكون ربا على الحقيقة كما يكون مالكها على الحقيقة وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال أرب إبل أنت أم رب غنم من كل شيء قد آتاني الله فأكثر وأطنب يعني مالكها.
مسألة وجائز أن يقال الله رب الأرباب لأن الرب المالك وهاهنا أرباب مالكون في الحقيقة والله تبارك وتعالى مالك لهذه الأرباب فذلك جائز أن يقال يا رب الأرباب ولا خلاف بين أهل اللغة في ذلك لأنهم يسمون مالك الدار رب الدار ومالك الأرض رب الأرض وقد جاء في بعض الأخبار أن بعض قريش وهم صفوان بن أمية الجمحي قال يوم حنين لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن يعني بذلك أن لا يملكني فيصير لي مالكا.
مسألة : جائز أن يقال لم يزل الله ربا للأشياء على معنى أنه مالك للأشياء ومعنى الملك وهو أن يزول إلى معنى القدرة وبعض لم يجز ذلك وأجازه أبو مالك والحجة له أن قول رب إنما هو مالك فهو تبارك وتعالى مالك لما لا يوجده فهو قادر على إيجاده فهو رب معناه مالك لما يوجد.وقد قال الله عز وجل {مالك يوم الدين} ويوم الدين لم يوجد بعد.
قال أبو مالك : ويجوز أن يقال : لم يزل المتكلم. (1/87)
صفحة 88
وقال أبو محمد : إن بعض المتكلمين قال يجوز أن يقال لم يزل متكلما لمكلم سيكون كما جاز أن يقال لم يزل إلها لمألوه سيكون وربا أي مالكا لمربوب سيكون وهذان الآخران جائزان في قولنا ويعجبني ما قال في الكلام أنه مثلهما وفيه نظر.
فصل: ويقال في الدعاء يا رب بإسقاط الألف واللام وقد يقال في النداء رب قال عز وجل {رب أرني أنظر إليك}، و{رب إنهن أضللن كثيرا من الناس}، وقد جاء في القرآن أيضا بالياء في النداء {يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} معناه الإضافة إلى يا المخبر عن نفسه رب ورباني.
قال أبو عبيدة : وبنو تميم يقولون يا رب وأنشد : يا رب إن أخطأت أو نسيت ولا يضيفون بالياء وربما أضيف إلى الجمع يا ربنا وربنا قال الله عز وجل {ربنا اغفر لنا ذنوبنا} وإنما حذفوا الألف واللام عند الدعاء لأن كل شيء فيه ألف ولام يدعى بيا أيها وإنما بيا أيها المخاطب المشاهد المدرك المشار إليه والله تعالى لا يدركه مخلوق ولا يشاهده فحذفت الألف واللام عند ذلك الدعاء فقيل يا رب يا رحمن يا رحيم.
ص 316-317: والأحد تجيء في الكلام بمعنى الواحد وبمعنى الأول والعرب كانت تسمي الأحد في الجاهلية أول وقولك يوم الأحد بمعنى الواحد وبمعنى الأول دليل على أنه اليوم الأول والاثنين دليل على اليوم الثاني وفي التوراة إن أول ما خلق الله تعالى من الأيام يوم الأحد فضد الواحد اثنين وضد الأول الآخر. (1/88)
صفحة 89
قال الله عز وجل {قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا} ، والأحد إذا لم يكن بمعنى الأول جاز في الخبر والجحد تقول ما جاءني أحد ولا يجوز ما جاءني إحد ولا يجوز ما جاءني واحد وكلمني أحد، قال الله عز وجل {أيحسب أن لن يقدر عليه أحد أيحسب أن لم يره أحد}، فهذا جحد وقال المفسرون في هذين الموضعين هو الله عز وجل أيحسب أن لم يره الله عز وجل وقوله تعالى {قل هو الله أحد} فهو خبر وربما جاء أحد بمعنى الشيء يقال فلان لا أحد أي لا شيء إذا خلا من العقل والفهم والخبر بمنزلة لاشيء وأحد يكون بمعنى الجمع تقول العرب يبيت أحد الأيام لا يأكل يعني كلنا لا نأكل فاحتل معنى واحد وجميع.
قال النابغة الذبياني:
وقفت فيها طويلا لا أسائلها أعيت جوابا وما بالربع من أحد
ويروى:
وقفت فيها أصيلا لا أسائلها أعيت جوابا وما بالربع من أحد
وقال آخر:
لو كنت من أحد يهجو هجوتكم يا بن الرقاع ولكن لست من أحد
والأحد يجمع آحاد القياس
ص 322-324: الصمد
قال عكرمة ومجاهد: الصمد الذي لا جوف له ، وعن ابن عباس وسفيان وعكرمة أيضا أن الصمد السيد وعن الحسن وسعيد بن جبير أنهما قالا الصمد الذي يصمد إليه في الحوائج، وعن عامر قال: الصمد الذي لا يأكل الطعام.
وقال أبو وائل : الصمد الذي قد تناهى والصمد بمعنى السيد، وهو معروف في لغة العرب الذي ليس فوقه سيد وقال الأسد:
لقد بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
وقال طرفة:
وإن تلتقي الحي الجميع تلاقني إلى ذروة البيت الرفيع المصمد
المتصمد المقصود، وقال عمر بن الأضلع في قتله حذيفة بن بدر:
علوته بحسام ثم قلت له خذها حذيف فأنت السيد الصمد
وقال آخر: سيروا بنا نصف هذا الليل واعتمدوا إلى رهينة إلا السيد الصمد ويقال الصمد الذي يصمد الناس إليه والعباد في حوائجهم كلها. (1/89)
صفحة 90
قال الحسن: الصمد الذي لا يموت وقد غلط في تأويل هذه الآية بعض الناس فزعم أن الصمد الذي لا جوف له وهذا الجهل الذي لا يخفى على أحد عاقل لأن الله سبحانه وتعالى خالق المخلوقين المصمتين وقوله {قل هو الله أحد}.
قال النقاش: قوله تعالى هو إشارة القلب أي الباطن الذي لا يدرك بكيفية ألا ترى أنه رد في آخر الحشر فقال عز وجل هو الله ثم قال هو الرحمن الرحيم ثم قال هو الملك القدوس ثم قال هو الخالق وقال إنه التواب فهو إشارة القلوب إلى ما لا يدرك فإشارة القلوب لا تكون إلا بوهم ثم عبر باللسان تعالى الله عز وجل ، قال وكان نزول سبب سورة الإخلاص أن قريشا واليهود وأعرابيا قد جاء الخبر بهذه الثلاثة الأنواع سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينسب لهم الرب عز وجل بهذا الذي يعبد صفه لنا من ذهب هو أو من رصاص أم من نحاس أم من فضة أيأكل ويشر ما هو وكيف هو؟
فأنزل الله تبارك وتعالى جوابا لسؤالهم قل لهم يا محمد الذي سألتموني عنه هو الله ففي قوله تعالى هو إثبات أنه اسم مضمر في الهاء وإشارة في القلب إلى الذي لا ترك كيفيته ثم أظهر الاسم المضمر الذي في قوله هو بقول الله معروفا لهم وهو معروف بكل لسان.
ويقال : قوله عز و جل هو تأكيد لاسم الله تعالى المعنى قل هو الله أحد لأنه ذكر هو على الإشارة إليه عز وجل والإيمان نحوه لأن هو وأنه إنما إشارة إلى غائب كما أن هذه إشارة وإيماء إلى شاهد حاضر.ثم قال أحد يعني واحدا لا شريك له.
خبر عن شريح العابد قال: خرج رجل من الكوفة إلى مكة ثم قعد في المسجد فقال : يا هويا من لا هو إلا هو اغفر لي ثم رجع فلما كان قابلا حج ثم قعد في المسجد الحرام فقال: يا هو يا من لا هو إلا هو اغفر لي فهتف به هاتف يا هلا قلت هذا عام أول هاهنا والحفظة تكتب حتى الساعة لم يلد فتكون موروثا ولم يولد فيكون محدثا مربوبا ولم يكن له كفوا أحد فهو الذي لا كفء له ولا نظير له ولا شبه له ولا عدل. (1/90)
صفحة 91
وقال ابن عباس: ولم يكن أحد كفوا على التقديم والتأخير وقرأها أبو عمر والكناني بالتثقيل وقرأها غيرهما بالتخفيف وهما لغتان.
وقال المفضل : التثقيل أحب إلي لأنه أكثر في كلام العرب وفي كفو لغات كفو وكفوء وكفو كله بمعنى واحد إذ ليس لله مثله خبر.
قال المفضل بن عياض: لا ينبغي لمسلم أن يقول في القرآن كيف وكيف لأن الله تعالى أخبر بصفته في كتابه المنزل فأبلغ وأوحى فقال : قل هو الله أحد إلى آخرها فلا وصف أبلغ مما وصف الله به نفسه عز وجل.
مسألة: وإن قال قائل: أتزعمون أنه لم يزل صمدا؟ قيل له: نعم، فإن قال : فما معنى ذلك ؟ قيل له : معنى أنه سيد لأن الصمد في اللغة هو السيد وقد قال قوم : إن معنى الصمد هو أن الخلائق يصمدون إليه في حوائجهم فمن هذا الوجه لا يجوز أن يقال لم يزل صمدا فالصمد على هذين الوجهين فأحدهما هو من صفاته لذاته والآخر من صفاته لحدوث القصد إليه من العباد وصفة ذاته جائز أن يقال لم يزل صمدا أو صفة حدوث القصد إليه لا يجوز أن يقال لم تيزل صمدا والله أعلم.
الفرد، الفرد الواحد وأفردته جعلته واحدا والله جل ثناؤه هو الفرد وقد تفرد بالأمر دون خلقه.
ص 325-327 : وقال الخليل : الفذ الفرد وكلمة شاذة فاذة الوتر فيه لغتان وتر ووتر بفتح الواو وكسرها. وقال الكسر لغة بني تميم وعليه عامة الناس وأكثر القراء وقرأ قوم بالفتح ومنهم أبو عمر وابن العلاء وغيرهم فالوتر بمعنى الفرد والشفع بمعنى الزوج.
وقال المفسرون في قوله عز وجل {والشفع والوتر} هو الله تعالى والشفع هو الخلق الأول والآخر، وقال ابن عباس في قوله تعالى {هو الأول والآخر} يقول الله أنا الأول فلم يكن لي سابق من خلقي وأنا الآخر فليس لي غاية ولا نهاية. (1/91)
صفحة 92
وقال الحكيم : قيل له أول لأنه لم يزل قبل كل شيء وكانت الأشياء بعده محدثة ودل بأوليته على أنه لا يزال لأنه الذي لا أول له ولا آخر له فلما ثبت أن الأشياء محدثة وأن المبتدع لها لم يزل فيها ولا يزال بعدها دل أن الذي ابتدعها هو لم يزل قبلها ولا يزال بعدها من الأول الذي كان قبلها أوليا والآخر الذي يكون بعدها أبديا فقيل هو الله الأول والآخر.
قال آخرون: هو قوله تعالى هو الأول يعني هو الأول لأنه لم يزل ولا شيء والآخر أنه يبقى ولا شيء تفنى الأشياء كلها وإنما اختلفت اللفظتان في أول وآخر لوجود العالم وعدمه لأنه قبل كل أول يراد أنه كان ولاشيء فلما أحدث العالم ثم أفناه قيل آخ ويراد به العالم فني فالأول هو الأخر والآخر هو الأول ولو لم يحدث العالم لم يحسن أن يقال هو الآخر لم يزل حسن أن يقال أول فإنما معنى الآخر أنه يفني الأشياء فهو كما كان أول لم يتغير لحدوث العالم وفنائه فإن قال قائل لم يزل أولا آخرا قيل له الأول والآخر وأما قوله لم يزل أولا فهو كلام صحيح لأنه لم يزل ولا شيء وأم قوله لم يزل آخرا يريد أن الأشياء لم تزل وفنيت وهو آخر أي أنه باق فهذا كلام خطأ لأن الأشياء لا يقال تزل لعله لم تزل ولا يقال لم يزل فانيا لأن هذا متناقض لأن قولك لم تزل إثبات لها أنها لم تزل موجودة وقولك لم تزل فانية كأنك قلت لم تزل موجودة معدومة وهذا نقض ولكن يقال لم يزل أولا يراد أنه لم يزل ولا شيء ولما أحدث الأشياء صارت موجودة إذا أحدثت وليس قولهم يكون آخرا كما كان أولا أنه يحدث منه تغير ولكن المراد في ذلك أن الأشياء تعني بعد إذ كانت موجودة ووجدت بعد إذ لم تكن شيئا فيختلف التعبير لاختلاف وجود الأشياء وعدمها الأول هو الآخر والآخر هو الأول الظاهر والباطن. (1/92)
صفحة 93
قال ابن عباس في قوله عز وجل : هو الظاهر الباطن: يقول الله أنا الظاهر ظهرت فوق الظاهرين بقهر المتكبرين وأنا الباطن فليس من دوني إله ولا لي قاهر والظاهر بمعنى الغالب.
يقال : ظهر فلان على فلان إذا غلبه وفلان ظهير لفلان أي معين له ومعنى قوله تعالى {وإن تظاهرا عليه} أي تعاونا عليه.
وقال الله تعالى {والملائكة بعد ذلك ظهير} أي معين مقو.
وقال الحكيم :إنما قيل له ظاهر لظهور صنعته الدالة على أنه محدثها ومدبرها وكان ظهور الصنعة ظهورا لها قال غيره لعله أراد وكان ظهور الصنعة ظهورا لصانعها أو محدثها والله أعلم.
وقيل له : باطن ، لأنه خفي عن أن تدركه الخلائق بكيفيته أو تحيط به أوهامهم أو تبلغه صفاتهم أو تدركه عقولهم فلما كان هكذا قيل له:هو الظاهر الباطن فكان لظهور صنعته ظاهرا لامتناعه عن درك المخلوقين بذاته باطنا فهو الظاهر الباطن عز وجل ولا يقال لم يزل ظاهرا بمعنى أن الأشياء لم تزل وأنه ظاهر عليها قاهر لها وناظر لها عالم بها لأنها لو كانت قديمة لم يكن هو ظاهرا عليها دون أن تكون هي ظاهرة عليه إذا استويا في الأول الدائم.
قال الحكيم: إنما قيل له دائما لأنه لم يزل ولم يخلق أحد مبتدع إذ كان من كل من أقر به يقر أنه لم يزل ومن أنكره يقر أن العالم لم يزل فأثبت الصفة للعالم بالأزلية لم ينكر والأزلية ثانية بلا مخالف كانت عندنا لله عز وجل فأنزلناها عن العالم إذ كان الأولى بها فلما ثبتت الأزلية والابتداع للعالم وثبتا أنه لم يزل ثبت أنه لا يزال فإذا ثبت أنه لم يزل ولا يزال فهو الواحد الخالق للزيادة والنقصان والزوال والانتقال والفناء لا زيادة فيه ولا نقصان ولا انتقال هو الدائم الخالق.
ص 328-329: قال الله عز وجل {هذا خلق الله} ومعنى الخلق واشتقاقه التقدير يقال خلق إذا قدر.
قال زهير: ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري (1/93)
صفحة 94
يمدح رجلا يقول تقطع ما قدرت وتتم ما ابتدأت به من الأمور وتحكمها وإنما سمي نفسه عز وجل خالقا لأنه قدر الأشياء كلها ثم أمضاها وهو الخالق في ابتدائه والخلاق في تتميمه إياه إلى آخر الدهر بعلم وحكمة وخلقه تام مصلح لا فساد فيه والخلاق هو المقدر بعلم يقال خلق إذا قدر بعلم وحكمة وتدبير ومعرفة وخرق إذا قدر بغير علم تدبير فاسد.
ومنه قيل لمن لا يحسن العمل : أخرق والمرأة خرقاء، وقال الله عز وجل: {وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} أي كان تقديره لهم حين خلقهم بعلم وحكمة وقدر وما نسبوا إليه من البنين والبنات كذبا بغير علم وحكمة فسمي الله فعلهم خرقا إذ كان جهلا وفسادا.
وقال الله عز وجل في موضع آخر {وتخلقون إفكا}.
قال أبو عبيدة: يقدرون إفكا ويخترصون ويقال قد يخلق كذبا واختلق وخلق فقيل الله تعالى خالق لأنه يفعل أفعاله مقدرة على ما دبرها وهذا هو معنى الخلق في اللغة ولا يختلف أهل اللغة في معنى قول الشاعر:
ولا باط بأيدي الخالقين ولا أيدي الخوالق إلا جيد الأدم
إنما يعني بذلك التقدير الأدم وكذلك ما روي عن بعض الصحابة أنه قال : لا أخلق إلا فريت ولا أعد إلا وفيت يعني بذلك لا أقدر إلا قطعت.
مسألة : فإن قال قائل: ألا تزعمون أن الإنسان يخلق أفعاله ؟ قيل له: نعم قد يخلق من أفعاله ما فعله مقتدرا ، وقول الله تعالى {فتبارك الله أحسن الخالقين} وقوله لعيسى عليه السلام {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني} يدل على ما قلنا فإن قال : أفيكون من أفعال العباد ما ليس على مقدر وهو مخلوق؟ قيل له : نعم ، فإن قال له فما قيل له هو فعله من غير أن يقدره وما فعله على التحبب والمجازفة وما فعله على سبيل السهو أو الغفلة وكل ذلك غير مخلوق وإنما لم يجز أن يكون من أفعال الله ما ليس بمخلوق لأن الله سبحانه لا يفعل شيئا على وجهة التحبب والمجازفة والسهو ولا يفعل شيئا إلا وهو مقدر له ولهذا كانت أفعاله كلها مخلوقة. (1/94)
صفحة 95
ص 330-339 : البارئ ، قال أهل اللغة : يقال برأ الله الخلق والبارئ الخالق، قال الله عز وجل {الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى}، ففرق العلماء بين الصفتين.
قال بعض العلماء: لأنه خالق الخلق بقدرته ثم برأه أي سواه وعدله.
وقال المفضل: البارئ الخالق فأتبع النعت بمثله لاختلاف الصفتين كما يقال عاقل لبيب، اللب هو العقل والعرب تقول: هذا كثير.
قال كعب بن سعيد الغنوي:
أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ولا قرع عند اللقاء هيوب
والقرع هو الهيوب ، وكررهما لاختلاف اللفظين ، والبارئ في اللغة معناه التسوية ، يقال : برأ القلم إذا سواه وبرأ القوس إذا نحتها وسواها وفي المثل: أعط القوس باريها ، وقال الشاعر:
يا بارئ القوس بريا ليس يحسنه لا تظلم القوس أعط القوس باريها
أي من ينحتها على علم ومعرفة وحكمة، وقيل : كل شيء نحته بريته. قال الشاعر:
كمثل الحنى براها الكلال فيتركن آلا وينظرن آلا
تقول براها الكلال أي نحتها ولم يمهز وأكثر العرب على ترك الهمز من البرية.
المصور، قال الله عز وجل {هو الله الخالق البارئ المصور}، فابتدأ بالخالق ثم البارئ ثم المصور لأنه خلق الخلق ثم برى لها النسمات ثم أظهر صورها فقامت تامة بتدبيره والخالق الأول خلق والثاني برأ والثالث تصوير فالصورة اشتقاقها من صار يصير ومعناه التمام والغاية.
ومنه قولهم إلى من صار أمرك أي أين منتهاه وما غايته وتكون الصورة معناها المثال، ومنه قيل للتماثيل تصاوير لأنهها مثلت على تلك الصورة فسمى الله عز وجل نفسه مصورا لأنه ابتداء تقدير الخلائق في الدنيا وهو تممها حتى تصير إلى تمامها التي خلقت في الآخرة فهو المصور جل وعلا لا صورة له لأنه خالق الصورة ولأنه لا غاية له ولا مثال بل هو تعالى منشئا الصور ولا مثله في غايتها تبارك الله المصور. (1/95)
صفحة 96
السلام، السلام اسم من أسمائه عز وجل، ومن سمي الرجل عبد السلام كما قال عبد الله ، وزعم أهل اللغة أن السلام بمعنى السلامة، كما قالوا الرضاع والرضاعة والداد والداده فسمي نفسه عز وجل سلاما بالسلامة مما يلحق المخلوقين من التعب والنقصان والفناء والموت والزوال والتغيير.
وقال أبو الحسن رحمه الله: السلام ذكر سلامة على من ذكره وهو الذي يسلم الناس من جوره.
قال المفضل : السلام هو الذي يسلم من أطاعه من عذابه.
وقال الحسن: السلام الذي سلم الخلق من ظلمه وكلما أمر به فهو سلام ومعنى سلام تعليكم أي أمان لكم مما تخافون والسلام والسلامة واحد.
وقيل:هو مصدر السلامة، قال الله عز وجل {فسلام لك من أصحاب اليمين}، أي فسلامة لك منهم أي يحيونك عنهم بالسلامة وهو معنى قول المفسرين {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} قالوا صوابا من القول لأنه قد سلم من الكذب والبعث والإثم، قال الكميث:
بعض دورا هناك حق مرورين ويحيوا السلام أهل السلام
قال يعني يا أهل السلام لأنهم أهل مكة لأنهم أهل الله ، قال ابن الكلبي : إنما سموا بذلك حين أرسل الله تعالى الطير الأبابيل على الحبشة فذب عنهم فسموا أهل مكة أهل الله عز وجل المؤمن.
قال الكلبي: المؤمن الذي أمن من أطاعه من عذابه والمؤمن الذي لا يخاف ظلمه.
وقال غيره: لأنه أمن عباده أن يظلمهم أي أعطاهم الأمان على ذلك فالعباد آمنون والله تعالى مؤمنهم ، قال النابغة الذبياني:
والمؤمن العائذات الطير تمسحها ركبان مكة بين الغيل والسند
يقال : أمن الطير في الحرم أن يصاد وهذا قسم كما تقول والله ما فعلت ذلك لأنه يقول في البيت الآخر: ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه.
وقال أبو الحسن رحمه الله: المؤمنأن يؤمن منه الجور ومنه الأمن.
وقيل: المؤمن الأمين على الأشياء المهيمن.
قال بعض المفسرين : هو الشاهد من قوله تعالى مهيمنا عليه، قال مؤمنا عليه.
وقال غيره :أمينا عليه وهما بمعنى . (1/96)
صفحة 97
وقال الكسائي : أي شاهد عليه،وروي عن ابن عباس، ورواية أخرى عنه في قوله تعالى {ومهيمنا عليه} المهيمن الشهيد.
وقال الحسن: ومهيمنا عليه ، قال مصدقا لهذه الكتب وأمينا عليها.
وقال المفضل: المهيمن الشاهد والمهيمن أيضا الأمين المنيع يقال هيمن هيمنة قال الشاعر:
شهيد على الله أني أحبها كفى شاهدا رب العباد المهيمن
وقال قوم من اللغة مهيمن اسم مبني من أمين ومؤتمن.
قال في الأصل مؤتمن فقلبت الهمزة هاء لقرب مخرجها كما تقلب في أرقت الماء وهرقته وهيهات وأيهات وإياك وهياك فأبدلوا من الهمزة هاء وأنشد الأخفش:
فهياك والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليه مصادره
وقيل :الهاء في المهيمن بدل من الهمزة التي في الأمين عند أهل اللغة فسمىنفسه عز وجل مهيمنا لأنه الشهيد على كل نفس مطلع على ضمائرها لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وهو الحافظ عليهم الدافع عنهم والأمين الذي لا ينقصهم من حسناتهم ولا يلتهم من أعمالهم شيئا تبارك الله المهيمن.
العزيز ، يكون على وجوه ، يقال عز أي امتنع فلم يقدر على شيء منه فارمه هذا الاسم على الحقيقة إذ ليس يقدر على كيفيته ولم تخلص هذه الصفة إلا لله عز وجل إذا كان كل عزيز من الأشياء يوجد على حال ما وهو الله عز وجل ممتنع من أن تدركه الأوهام والصفات والخطرات والوجه الآخر فالغلبة والقهر يقال: عز إذا غلب وقهر وفي المثل من عز بز أي من غلب سلب وأنشد:
وصار من عز بز صاحبه إلا قريبا أوداني السبب
وقال الله عز وجل {وعزني في الخطاب} أي غلبني ويقال استعز العليل إذا غلب على عقله.
وقال الأصمعي وسئل أبو عمرو بن العلاء عن قول الله عز وجل {فعززنا بثالث}، وأنشد:
إحدى إذا أضمرت يعزز بحملها وإذا أنشد بتسعها الإبليس
ويقال : أعزز منه أي شدد منه والوجه الثالث العز المنعة ممن يناويه ويكيده والاحتراز منه. (1/97)
صفحة 98
ويقال : فلان في عز أي في منعة وقال أبو كثير في صفة عقاب حتى انتهيت إلى فراش عزيزة سوداء رؤية أنفها كالمصحف يعني وكر عقاب سماها عزيز أي تأوي إلى كل ممتنع من الجبال.
وقوله تعالى {بل الذي كفروا في عزة وشقاق}، قيل معناه الأنفة والحمية ومثله {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} يعني الحمية والأنفة والعزة من العبد الحمية والأنفة وهي مذمومة ومن الله عز وجل مدحة وثناء، وقال الله عز وجل {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا}، وقال الله {سبحانك ربك رب العزة عما يصفون}.
وفي الحديث: يقول أنا الله الكبرياء ردائي والعظمة إزاري والعزة لي لا لغيري فمن نازعني في شيء منها أدخلته جهنم خالدا فيها مخلدا مهانا وتفسير هذا الحديث عند ذكر الأخبار وتأويلها إن شاء الله.
وعن ابن عباس في قوله عز وجل {عزيز حكيم} قال: عزيز في نقمته حليم في أمره.
مسألة: معنى الوصف لله تعالى بأنه عزيز هو أنه لا يلحقه ذلة ولا يقهره أحد ولا يغلبه شيء فيقال لم يزل عزيزا وهذا الوصف وجب له لذاته لأنه عز وجل نفى الذلة عنه في الأزل فهو العزيز على الحقيقة الممتنع فلا يغلب وعز الخلق كله بالقهر والغلبة تبارك وتعالى العزيز.
الجبار، في كلام العرب هو النخل الذي هو قد طال وفات اليد، ويقال للملك إذ تكبر فلم يكلم ولم يوصل إليه في ظلامه ولم يقدر على الانتصاف منه جبار يقال: ناقة جبارة إذا عظمت وسمنت والجمع جبار، قال الله عز وجل {إن فيها قوما جبارين}.
قال أهل التفسير هم قوم عاد ، وقيل في قوله تعالى {وما أنت عليهم بجبار} أي ملك مسلط ويجمع جبابرة فسمى نفسه عز وجل جبار لأنه ارتفع عن أن يناله أحد أو أن يدركه بصفة أحد فهو الجبار على الحقيقة الذي فات أيدي المتناولين وجبر الخلائق أجمعين وجائز أن يقال جبار إذا كان عزيزا لا يجوز أن يناله أحد ولا يقهر. (1/98)
صفحة 99
وقال المفضل : الجبار العالي فلا يقدر عليه ، والجبار الممتنع على معنى العزيز ولا يجوز أن يقال : متعزز ولا متجبر وجائز أن يقال جبار الجبابرة المتكبر التكبير التعظيم يقال :تكبر الرجل فاستكبر كما يقال : تيقن واستيقن وتثبت استثبت وتكبر وعظم وهو من الكبر والكبر والعظمة ويقال لمعظم الشيء كبر بكسر الكاف، وقال قيس:
تقوم عن كبر شأنها فإذا قامت رويدا تكاد تتعرف
كبر شأنها معظمة قال الله عز وجل {والذي تولى كبره منهم}، قال أبو عبيدة : يعني معظمه وقال وهو معنى الكبر من الأمر وفرقوا بينه وبين الكبر في السن وفي الحديث الولاء للكبر بضم الكاف وهو أقربهم إلى الأب الأكبر وقالوا فلان ذو كبر أي ذو كبرياء والكبرياء مأخوذ من الكبر وهو الامتناع وقلة الانقياد وهو الصعوبة وقال جميل في صفة ناقلة:
عفت مثل ما يعفو الطليح فأصبحت بها كبر الصعباء وهو ركوب
قال المفضل: المتكبر المتعظم والكبرياء العظمة والمتكبر صفة وجبت له لذاته وكذلك متكبر وجبار بمعنى مثل متقدم وقديم وكذلك متوحد وواحد بمعنى واحد.
القديم، ومن صفاته عز وجل أنه قديم بنفسه وجب له هذا الوصف لتقدمه وكل متقدم من الأشياء فواجب له هذا الاسم إذا تولع له في الوصف بالتقدم غير أن سائر الأشياء إذا سميت بهذا الاسم فإنما يعني به أنه قديم إلى نهاية وغاية وأول والله سبحانه وتعالى قديم لا إلى أول ولا إلى غاية ، فمن ذلك قوله تعالى {حتى عاد كالعرجون القديم} يعني أنه المتقدم، ومنه قوله تعالى {فسيقولون هذا إفك قديم}. (1/99)
صفحة 100
ومنه قول أهل اللغة هذا بناء قديم وملك فلان لهذه الدار ملك قديم إنما أرادوا بذلك تقدم البناء وتقدم الملك فلما أرادوا المبالغة في الوصف بالتقديم قالوا قديم وردوا ذلك كله إلى أول وغاية لأنهم كانوا يعلمون مع وصفهم له بذلك أنه في الأصل محدث والله سبحانه وتعالى قديم لا إلى غاية ولا إلى أول وقولنا الله قديم هو صفة له ولذاته وليس يثبت معه معنى يسمى قديما فنقول الله وصف أو غير وصف مع أن الوصف لا يكون إلا كلاما وكلمن عنى بالصفة والوصف غير القول والكلام فهو مخطئ ولسنا نقول إن القديم صفة لأن القديم هو الموصوف وإنما قولنا هو قديم صفة وجبت لله تعالى لذاته فمعنى قولنا صفات الذات عنينا به الصفات وجبت له لذاته وهو كقولنا الله قديم عالم قادر ومعنى قولنا صفات الفعل إنما أردنا به الصفات التي وجبت لله تعالى لأفعاله ونحو قولنا إنه خالق وصانع ومنعم والصفة والوصف شيء واحد، وهو قول الواصف لما يصفه وليس من أهل اللغة في ذلك خلاف لأنهم جميعا يخبرون أن الوعد والعدة عندهم واحد وأن الوصف والصفة شيء واحد وكذلك الوزن والزنة والجهة.
مسألة : فإن قال قائل فإذا وصفتم الله عز وجل إنه قديم ووصفتم غيره بأنه قديم لا يكون هذا منكم تشبيها لله تعالى بمن وصفتموه بهذه الصفة؟ (1/100)
صفحة 101
قيل: إنه لا يكون له ذلك تشبيها لله عز وجل بمن وصفناه من الأشياء بهذه الصفة لأن الله عز وجل قديم بنفسه إلى غير غاية وأول والذي نصفه من الأشياء بأنه قديم إنما نر قدمه إلى غاية وأول، فلما لم يكن معنى الصفتين معنى واحدا لم يجب أن يوجبا تشبيه للموصفين وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى قديم بنفسه ومتقدم الأشياء كلها بنفسه وسائر الأشياء التي توصف بأنها قديمة ليست قديمة لأنفسها ولا متقدمة بأنفسها وإنما كانت قديمة بأن فعلها فاعلها في الأوقات المتقدمة لأنها لو لم يكن فعلها إذا كان قادرا على أن يفعلها ولم تكن أيضا قديمة ولم يكن في وقت ما فعلها فصح هذا أنها ليست قديمة بأنفسها كما أن الله قديم بنفسه سبحانه وتعالى واختلاف معناها بين الصفتين يوجب أن لا يكون الموصوفان بهما مشتبهين ولكن لو ثبت مثبت غير الله قديما مع الله لا إلى زوال ولا إلى غاية كما أثبت الله قديما بنفسه لا إلى أول وإلى غاية للزمه أن يكون قد شبه الله تعالى بهذا الذي أثبته قديما مع الله سبحانه لأنه قد وصفهما بالصفتين مثلين معناهما معنى واحد تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وجائزا أن يقال قديم أزلي لأن القديم المتقدم للأشياء والأزلي لم يزل قبل الأشياء.
سبوح ، سبوح هو اسم مبني على فعول من قولك سبحان الله، أن يغلب سبوح قدوس مضموم الأول، وقد يفتح آخره، وكل اسم على وزن فعول فأوله مفتوح إلا هذين الاسمين فإنه يضم أولهما.
قال أبو عبيدة : مجاز سبحان الله مجاز موضع التنزيه والتعظيم والموحد إذا وحد الله تعالى فقد نزهه وأبرأه من الشرك والمشرك غير المسبح لأنه غير موحد فهو يشركه وهو عز وجل مبرأ من شركه منزه سبوح سبحانه عما يشركون. (1/101)
صفحة 102
القدوس: القدوس هو مبني أيضا على فعول مثل سبوح والتقديس قريب من التسبيح في المعنى فمن قدس الله فقد نزهه وأخلص له الوحدانية ، قال الله عز وجل حكاية عن الملائكة عليهم السلام {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}، أي نطهر لك ، والتقديس التطهير.
وقيل: قوله عز وجل الأرض المقدسة أي المطهرة، ويقال قدسه الله ونقدس لك ونقدس بمعنى روح القدس لأنه يتنزل على كل شيء طاهر ويطهر كل من ينزل عليه ويثبت.
والظاهر وهو الظاهر عن الأشياء والأمثال تعالى الله علوا كبيرا.
ص 342-347: مالك: وملك ومليك قد جاء بهذا كله القرآن مالك وملك ومليك وهي كلها مشتقة من الملك والملك يوصف به الخلوق ويقال للرجل ملك ومالك ومليك، ويقال ملك أيضا بسكون اللام ولم تذكر هذه اللغة في القرآن ولا روي أحد عمن قرأها.
قال السجستاني : لو قرأ بها أعرابي لجاز وهي لغة مشهورة معروفة ، قال النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب
ويروى تحتها يقولون رجل ورجل ونجد ونجد وطرق وطرق وعلم وعلم وهو كلام عربي ويقال مالك كل شيء ولا يقال ملك كل شيء فمالك أوسع وأجمع .
قال أو عبيدة : وقوله تعالى : {الله الملك الحق} الذي هو لا يموت ولا يسلب ملكه وكل ملك سواه فقد جعله ملكا وهو يسلبه ملكه بموت أو غيره فلما أمات الله الملوك وسلبهم ملكهم، قال سبحانه {لمن الملك اليوم}فأجاب إذ لم يكن حي يجيبه {لله الواحد القهار}.
قال أبو عبيدة : المالك يكون ملكا وغير ملك ولا يكون الملك إلا مالكا وهذا في الدنيا للمخلوقين والله عز وجل ملك ومالك.
مسألة: إن قال قائل: أتزعمون أنه لم يزل مالكا للأشياء كما أنه لم يزل قادرا عليها؟ (1/102)
صفحة 103
قيل له: قدرته عليها فلما كان قادرا على ما لم يوجد كان مالكا وقد بين الله تعالى ذلك في كتابه فقال عز وجل {مالك يوم الدين}لم يوجد وقد أخبر الله عز وجل أنه مالك له إذ كان قادرا عليه فإن قال : أفتزعمون أنه لم يزل مالكا؟ قيل له: نعم، ومعناهما واحد وإنما يراد به إثبات الملك والقدرة على الأشياء.
مسألة: فإن قال الله تعالى ملك الدنيا والآخرة فلم قال : مالك يوم الدين؟
قيل: إن الدنيا ملكها الله تعالى أقواما فنسب الملك إليهم فلما كانت الدنيا بملكها الله تعالى ويملكها غيره بالنسبة لا على الحقيقة والآخرة لا يملكها إلا هو عز وجل ولا يملك في ذلك اليوم غيره خص لذلك.
وقد قيل إن الدنيا ملكها أربعة مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان بن داود عليه السلام، وذو القرنين، والكافران نمرود بن كنعان وبخت نصر ، ووجد في نسخة وسيملكها خامس الحكيم.
قال أبو عبيدة: والعرب ربما وضعت فعيلا في موضع مفعل وفي موضع مفعل بكسر عين الفعل وقال في معنى قوله تعالى {الكتاب الحكيم}.
قال المحكم بفتح الكاف وفي قوله تعالى {هذا ما لدي عتيد}، مجازه معتد فسمى نفسه حكيما لأنه أحكم ما خلق فلم يفته شيء ولم يكن في ملكه خلل. (1/103)
صفحة 104
مسألة : والحكيم صفة ذات وصفة فعل ، فالذاتي هو العلم والفعلي الذي توجد أفعاله محكمة والحكيم هو معنى العليم والحكمة هي العلم فإن قال قائل أفتزعمون أن الله لم يزل حكيما قيل له نعم قد نقول ذلك على معنى أنه لم يزل عالما لأن الحكيم قد يستحق هذه الصفة لعلمه بالأشياء وقد يستحق أيضا لفعله الأفعال المحكمة المتقنة التي لا تفاوت فيها فقد يوجب أن يوصف بأ،ه لم يزل حكيما بمعنى لم يزل عالما ولا يجوز بأن يوصف بأنه لم يزل حكيما على أنه فعل أفعالا محمة متقنة لأن هذا هو من صفاته الفعلية فإن قال ولم زعمتم أن العلم حكمة؟ قيل له: هذا في اللغة مشهور والعالم عند جماعة أهل اللغة يسمى حكيما ويدل عليه قوله عز وجل {يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا}، قال جل وعلا {وآتاه الله الملك والحكمة} وهو يعني العلم والكتاب وإنما سمي الكتاب حكمة لأن العباد يعلمون به والله أعلم الواسع الواسع الغني.
يقال : أعطاني من سعة أي من غنا، قال عز وجل {لينفق ذو سعة من سعته} أي ذو غنا من غناه.
وقال تعالى : {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة} يعني أولي الغنى.
وقال أبو عبيدة في قوله تعالى عز وجل {إن الله واسع عليم} أي جواد يتسع ما سئل.
ويقال:وسع الله على فلان أي أغناه، قال المفضل: واسع أي ذو سعة ووسع أي ذو قدرة وفضل في الوسع والسعة الفضل وفي بعض الكتب أن معنى واسع أنه واسع الرحمة واسع المغفرة واسع الرزق، فأجرى هذه الصفة على نفسه وهو يعني به ما وصفنا من الرحمة والمغفرة على التوسع في اللغة.
قال الأشعري: فيه وجهان أحدهما أنه واسع بأفضاله على خلقه على معنى أنه جواد مأخوذ ذلك من بذل العرف فلا يمنع ما سئل منه أي لا يبخل شيئا سئل عنه ولا يفوته.
وأنشد ابن الأنباري لأبي زيد الطائي:
حمال أثقال أهل الود آونة أعطيهم الجهد مني بل هما أسع (1/104)
صفحة 105
معناه أعطيهم فدع ما أقدر عليه والوجه الآخر أنه يسع علمه على كل شيء فلا يخفى عليه من أفعال العباد فعل ولا يغيب عليه منها أثر.
العليم، العليم: يقال إن الله تعالى عليم وعالم وعلام كله بمعنى العلم ، وفي الحديث إني عليم أحب كل عليم وجائز أن يقال هو فوق عباده في العلم وفي القدرة كما قال الله عز وجل {وفوق كل ذي علم عليم} يعني نفسه عز وجل وهو أيضا على التوسع والمجاز.
مسألة: فإن قال قائل: أتزعمون أن العلم من صفات الذات؟
قيل له: ليس كذلك نقول وليس يثبت مع الله معنى يسمى علما فيجوز أن يقال من صفات الذات ولكن قولنا الله عالم هو صفة الله تعالى وجبت له لذاته.
قال أبو الحسن رحمه الله : العليم صفة ذات فلم يزل الله تعالى عالما بما يكون وما لا يكون.
قال : فإن قال: قلت لم يزل عالما قيل له لما كانت أفعاله تعالى تقع منظمة منسقة غير مختلفة غير متفاوتة علمنا أنه عالم بها قبل كونها وقادر عليها.
فإن قال قائل: أفتزعمون أن غير الله يوصف أيضا على الحقيقة بأنه عالم؟ قيل له: نعم
فإن قال: أفلم يكن هذا الوصف منكم تشبيها لله تعالى بخلقه؟
قيل له: إن قولنا إن الله تعالى عالم إنما عنينا به أنه عالم بنفسه وأن ذاته ذات عالمة من غير أن نثبت معه معنى هو غيره يسمى علما صار الله به عالما وقولنا لغير الله أنه عالم إنما أثبتنا معه معنى هو غيره يسمى عاما وصار الإنسان عندنا به يسمى عالما فلما اختلف معنى القولين والصفتين في قول الله عز وجل وفي غيره لم توجب هاتان الصفتان تشبيها لما بيناه من اختلاف معانيهما ولكن لو قال قائل لغير الله إنه عالم بنفسه كما وصف الله تعالى الواجب أن يكون قد شبه الله بغيره إذا كان معنى صفة معنى واحد إذا كان ما أثبته بإحدى الصفتين هو مثل من أثبته بالصفة الأخرى والله أعلم. (1/105)
صفحة 106
الغنى: معنى الغنى عن الأشياء فلا يصل الله تعالى منها نفع ولا ضرر فهو الغني عنها كلها، وقد قال الله عز وجل {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد}، فهو الله تعالى غني كما وصف نفسه وجميع خلقه فقراء إليه عز وجل.
مسألة: فإن قال قائل : أفتسمون غير الله غنيا قيل له: نعم وقد جاء في القرآن للفقراء {الذين أحصروا في سبيل الله} إلى قوله {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف}.
قال المفضل: أي الجاهل بأمرهم وقد سماهم الله أغنياء.
فإن قال قائل: فما الفرق بين التسميتين ؟
قيل له: إن غنى الغني مستفاد وليس يطلق عليه الوصف بالغنى كما يوصف الله تعالى بأنه الغني الحميد، والله عز وجل لا يشبه بخلقه وأن أشبه اللغة لأن غنى الخلق غني حادث بعد إن لم يكن وقد يزول بعد أن كان فلا يشبه بصفة الغني الذي لا يزول ولم يزل وهو الله الغني الحميد.
الحميد: قال أبو عبيدة:الحميد معناه المحمود وحمدا لله تعالى هو الثناء عليه معناه محمود على نعمه وحسن تدبيره.
مسألة: فإن قال قائل : أفتزعمون أنه حمد نفسه بقوله الحمد لله، قيل له: نعم وإنما قوله تعالى الحمد لله بيان لعباده كيف يحمدونه وليحمدوه كذلك فإن قال : أفتزعمون أن الحمد هو الشكر؟
قيل له: لأن الحمد من ضد الذم والشكر هو الاعتراف بالنعمة وضده الكفر وهما مختلفان وكذلك مدح نفسه بصفات ذاته بحسن نظره لعباده فأراد أن يبين بذلك للعباد صفاته ومدحه ليمدحوه بمثل ما مدح نفسه. (1/106)
صفحة 107
ص 348-349: الكريم: قال أهل اللغة الكريم المرتفع من كل شيء يقال فلان أكرم قومه أي أرفعهم منزلة وقدرا، وكذلك كل شيء ارتفع من منزلة نظرائه يقال فرس كريم إذا كان أشهر الأفراس نزاهة وشجرة كريمة أي ناعمة حسنة الثمرة نضرة، قال الله تعالى {فأنبتنا فيها من كل زوج كريم}، وقوله عز وجل {إني ألقي إلي كتاب كريم}، أي شريف وقيل مختوم ، ويقال : فاضل وقول الله تعالى {أرأيت هذا الذي كرمت علي} يعني فضله علي ورفعته فوقي، وقوله عز وجل {ولقد كرمنا بني آدم} أي شرفناهم وفضلناهم على سائر الخلق.
قال أبو عبيدة أي أكرمناهم أنها أشد لغة في الكرامة وكل وصف بالكريم فإنما يراد به الارتفاع بالشرف والفضيلة، ويقال الكريم الذي لا يمن إذا أعطى فيكدر عطاءه بالمن، وقال عدي بن زيد: ربي كريم لا يكدر نعمة وإذا ينوشد في المهارق أنشد
وقيل الكريم الصفوح ، قال أبو عبيدة في قوله عز وجل {ربي غني كريم} أي صفوح.
وقال أبو محمد رحمه الله: الكريم صفة ذات وصفة فعل ، فالذاتية بمعنى العزيز الممتنع والفعلية بمعنى المفضل بالعطاء ويجوز أن يقال : لم يزل كريما على معنى الأول ولا يجوز أن يقال لم يزل كريما على المعنى الثاني.
مسألة: فإن قال قائل : لم زعمتم أنه يجوز أن يقال له كريم على معنى أنه عزيز؟
قيل له: إن ذلك موجود في اللغة لأنه يقال إن فلانا أكرم علي من فلان يراد أنه أعز من فلان وليس هذا من معنى الكرم الذي هو الإفضال والجود في الشيء الجواد في لغة العرب هو الذي يتفضل على من لا يستحق ويعطي من لا يستوجب الذي لا تحصى عطاياه.
مسألة: فإن قال قائل : أليس يقال فرس جواد على غير معنى الإفضال؟
ص 351-355: الخبير: الخبير كالعالم بالشيء
قال فلان يخبر هذا الأمر أي يعلمه وهو خبير به، قال الله عز وجل {فاسأل به خبيرا} أي عليما به ، وقال الشاعر:
وقومي إن جهلت فسائليهم كفى قوما بصاحبهم خبيرا (1/107)
صفحة 108
الجليل العلي العظيم ،كل هذه الأسماء بمعنى واحد وهو أنه سيد مالك الأشياء قاهر وأنه على الأشياء كلها مقتدر لأن سيد القوم هو كبيرهم وجليلهم وعظيمهم والعلي يكون بمعنى الغالب والقاهر في اللغة نحو قوله تعالى {ولعلا بعضهم على بعض}، يعني لغلب بعضهم بعضا وقهره ومثل قوله تعالى {إن فرعون علا في الأرض} يعني قهر أهلها واستولى عليهم ، قال الشاعر:
فلما علونا واستوينا عليهم تركناهم صرعى لنسر وكاسر
يعني غلبناهم وقهرناهم واستولينا عليهم.
مسألة : فإن قال قائل: أفتزعمون أنه لم يزل عليا، قيل له: نعم، فإنه لما كان تعالى لم يزل عليا قاهرا مقتدرا على الأشياء كلها، قلنا وجب أن يقال له عليا ومتعاليا وقد يوصف بأنه متعالى على جهة أنه منزه جليل نحو قوله عز وجل {تعالى عما يشركون}. ونحو قول المسلمين تعالى الله عن وصف الجاهلين لأن معنى ذلك أن الله تعالى يجل عن ذلك وأنه متنزه عنه.
مسألة : فإن قال أفتزعمون أنه رفيع وأنه شريف كما زعمتم أنه على قيل له أن أصل الارتفاع في اللغة الشرف هو ما يفعل من ارتفاع مكان الشيء وارتفاعه إشرافه فلما لم يجز على الله أنه يوصف بارتفاع المكان ولا بالإشراف لم يجز أن يقال أنه شريف رفيع فإن قال : أفليس يقال : فلان شريف رفيع وإنما يعنون سؤدده وعظم قدره وليس يعنون بذلك ارتفاع مكانه.
قيل له: بلى ولكن أصل ذلك هو من الارتفاع والأشراف المقولين اللذين قصصناهما ووصفوا بذل السيد من هذا المعنى توسعا فالمراد به أنه أرفع من غيره وأشرف فلما كان أصل هذا المعنى لا يجوز على الله عز وجل لم يجب أن يوصف به ولو وجدنا في صفاته شيئا من هذه بحمل على المجاز دون الحقيقة فإن قال : أفليس العلو أيضا في اللغة قد يكون بمعنى الارتفاع وعلو المكان؟ (1/108)
صفحة 109
قيل له: بلى وليس هذا من المعنى الذي وصفنا الله بأنه على وإنما وصفناه بذلك على وجه ما ذكرناه فإن قال قائل : أفليس قد قال الله {رفيع الدرجات ذو العرش} فقل له: بلى وقوله رفيع إنما هو للدرجات وليس هو بصفة الله والدرجات هي غير الله فدرجات الله رفيعة والله لا يوصف بأنه رفيع ولو وجدنا ذلك في صفاته لما كان معنى ذلك إلا المجاز دون الحقيقة.
المجيد، والماجد، اسمان على وزن فعيل وفاعل وهو مأخوذ من المجد ، والمجد الجلالة والعظمة وقد يوصف الإنسان بالمجد ويقال ماجد ولا يقال مجيد والماجد هو الفاعل بالاكتساب والمجد والمجيد هو معدن الجد.
ومثله حكيم وحاكم فالحاكم الذي يفعل بالحكمة والحكيم معدن الحكمة
وقال أبو عبيدة : المجيد معناه الماجد.
وقال غيره: معنى مجيد أي كريم عزيز، وقوله عز وجل {بل هو قرآن مجيد} معناه كريم وعزيز وماجد ومجيد من صفاته لذاته.
الودود: قال ابن الأنباري : الودود المحب لعباده من قولهم وددت الرجل أوده ودا وودادا والود بفتح الواو اسم للصنم قال الله عز وجل: {ودا ولا سواعا}، قال الشاعر:
بودك ما قوم على أن تركتهم سليما إذا هبت شمال وريحها
بودك وبودك بفتح الواو وبضمها فمن فتح الواو وأراد بحق ضمك عليك ومن ضم الواو وأراد بالمودة بيني وبينك ومعنى البيت أي شيء وجدت قومي يا سليما على تركك أياهم فاصدق قول الحق ويقال وددت الرجل ودادا وودا وودادة قال الشاعر:
وددت ودادة لو أن حظي من الخلان أن لا يصرموني
ووددت الرجل ودادة قال العجاج:
إن بني الليا رهدة مالي في من صدورهم مودودة (1/109)
صفحة 110
أراد من مودة فاظهر الدالين لضرورة الشعر ، قال ابن قتيبة : الودود فيه قولان، يقال هو فعول بمعنى مفعول كما يقال رجل هيوب أي مهيوب يراد به مودود ويقال هو مفعول بمعنى فاعل كقولك غفور وغافر أي يود عباده الصالحين وقد تؤتي الصفة بالفعل لله جل ذكره ولعبده فيقال العبد شكور لله أي يشكر له نعمة الله والله شكور للعبد أي يشكر له عمله والعبد تواب إلى الله جل ثناؤه من الذنب والله جل ذكره تواب عليه.
الباعث: الباعث في كلام العرب المثير المنهض ، يقال بعثت البعير أثرته وأنهضته من مكانه وكذلك بعثت الرجل وأثرته من مكانه الذي مكث فيه واضطجع.
قال الأعشى:
مهلا بني فإن الأمر يبعثه هم إذا خالطوا الحيزوم والضلعا
يعني إذا كان في صدورهم إثارة ذلك الأمر الذي يهم به، قال آخر:
فلا تبعث الأفعى يداك تثيرها إذا ما غيبتها سفاتها
أي لا تثير الأفعى من الموضع الذي رقدت فيه وسفاتها يريد ما دخلت فيه من السقا وهو التراب.
فقيل الله تعالى باعث لأنه تعالى يبعث الخلائق بعد الموت أي يثيرهم من القبور وينهضهم من مضاجعهم، قال الله عز وجل: {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون}.
وقيل يوم القيامة يوم البعث لأن الخلائق يثارون فيه من قبورهم ويكون أيضا الباعث مأخوذا من بعث الأنبياء والمرسلين عليهم السلام إلى الناس وأثارهم من بين القبائل والشعوب المعنيان صحيحان جائز في حقه عز وجل لأنه باعث الأنبياء والرسل لا باعث غيره تبارك الله الباعث.
وقال المفضل في قوله عز وجل {من بعثنا من مرقدنا}، يقال لكل تحريك وإزعاج بعث ، وفي قراءة ابن مسعود {من أهبنا من مرقدنا} والمعنيان متقاربان لأن أهبنا أنبهنا.
ويقال أهب من نومه يهب إذا انتبه وأهب غيره ، قال الشاعر:
ألا أيها النوام ويحكم هبوا نساء لكم هل يقتل الرجل الحب
فقالوا : بلى حتى يرض عظامه ويتركه حيران ليس له لب (1/110)
صفحة 111
الوارث: قيل لله تعالى الوارث لأنه يبقى بعد فناء الخلق كلهم فلا يكون مالك غيره فهو الوارث كما قال الله عز وجل {إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون}.
ص 356-361 : فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك الله عز وجل المنان ، المنان معناه المعطي.
يقال من فلان علي بكذا أي أعطانيه.
قال عز وجل {ولا تمنن تستكثر}، قال المفسرون :أي تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المكافأة في الدنيا وقال الله تعالى {ولكن الله يمن على من يشاء من عباده} أي يعطيهم من فضله والمنان على وزن فعال وكلما جاء على هذا الوزن فمعناه أن شأنه أن يفعل ذلك والمنان من شأنه المن بالإعطاء تبارك الله المنان.
وقيل: المنان هو المنعم على عباده لأن المنة نم الله تعالى هي النعمة والمنة من الخلق هي الامتنان ويقال امتنن عليه بالعطية ومن عليه أيضا منة ومنا وهو مذموم قال الشاعر:
أفسدت بالمن ما أوليت من حسن ليس الكريم بما أسدى بمنان
ويروى بما أسديت ويروى ما قدمت ، قال الله عز وجل {لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم} فالمن من الله تعالى محمود ومن العباد مذموم تواليه المفضل بالعطاء.
مسألة : فإن قال قائل : أفتزعمون أن الله تعالى حنان؟
قيل له: ليس لوصفه تعالى بهذا الاسم لأن الحنين هو حنين القلب إلى الشيء والله سبحانه لا يجوز ن يوصف بأن له قلبا فيوصف بحنين ولو سمعنا ذلك في بعض صفات الله لكان يجب أن يحمل ذل على المجاز وكان لا يجوز معناه على الله تعالى على جهة الحقيقة.
فإن قال : أفليس قد قال اله عز وجل {وحنانا من لدنا وزكاة}، قيل له: قد قال الله جل وعلا ذلك وعني به أن يحيى عليه السلام كان حنانا وأرادوا به أنه كان رحمة من الله تعالى على عباده.
قال المفضل: وحنان من لدنا أي رحمة .
وقال امرؤ القيس يذكر إبلا أغير عليها:
ويمنحها بنو سمحي بن حرم مغيرهم حنانك ذو الحنان (1/111)
صفحة 112
حنانك أي رحمتك يا رب، ويقول حنانك وحنانيك يا رب بمعنى حنانيك أي رحمة بعد رحمة ويمنحها أي يجعلها منيحة يسقون غنمهم لبنها والمغير المعز قال وحنانا من لدنا أي رحمة لأبويه وزكة أي تصدق به على أبويه فحنان عندنا لا يجوز لأنه مأخوذ منالرقة كما يقال حنت الناقة إلى ولدها وحنين الناقة على معنيين حنينها صوتها إذا اشتاقت إلى ولدها وحنينها برغاها إلى ولدها من غير موت ، وقال ذو الرمة:
حنت قلوص أمس باللادت رحى فلما أظلمت أن تمتحني
فلا يجوز عندنا هذا الاسم لله تعالى وإن كان قد قال به قوم فلسنا نقول به لأنه لا يصح معنا معناه ومما يؤيد قولنا ما رواه أبو عبيدة بإسناد له عن ابن عباس أن قال : والله ما أدري ما الحنان فهذا ابن عباس بحر العلم والقدوة فيه يقسم بالله ما يدريه فكيف لغيره القول فيه.
مسألة : فإن قال قائل أفتزعمون أن آمين اسم من أسماء الله؟
قيل له: إن قصدت أن تقول آمين يؤمن منه الجور فعسى أن يجوز والله أعلم.
الرؤوف: قال ابن الأنباري: قال أهل اللغة:الرؤوف معناه في كلامهم الشديد الرحمة قال أبو عبيدة في قوله تعالى {إن الله بالناس لرؤوف رحيم} في معنى الآية تقديم وتأخير قال والمعنى إن الله بالناس لرحيم ورؤوف أي الرحيم شديد الرحمة.
وقال في الرؤوف بضم الهمزة من غير إثبات في واوه قال:
نطيع نبينا ونطيع ربا هو الرحمن كان بنا رؤوفا
وقال جرير في اللغة الثانية:
ترى للمسلمين عليك حقا كفعال الوالد الرؤوف الرحيم
واللغة الثالثة رأف بعباده بتسكين الهمزة قال:
فآمنوا بنبي لا أبا لكم ذي خاتم طاعة الرحمن مختوم
رأف رحيم بأهل البر يرحمهم مقرب عند ذي الكرسي مرحوم
وقال الكسائي والفراء: يقال الله رئيف بكسر الهمزة.
وقال أبو عبيدة : رؤوف فعول من الرأفة وهو أشد الرحمة. (1/112)
صفحة 113
قال الكميت وهم الأرأفون بالناس في البلاد والأحلمون في الأحلام والله عز وجل هو الرؤوف لأنه المتناهي في الرحمة بعباده ولا راحم أرحم منه ولا غاية وراء رحمته تبارك الله الرؤوف الرحيم.
الفتاح: قال ابن الأنباري : الفتاح في كلامهم الحاكم ومنه قوله تعالى : {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} معناه أن تستقضوا فقد جاءكم القضاء، وقال الشاعر:
ألا أبلغ بني عصم رسولا فإني عن فتاحتكم غني
معناه في محاكمتكم وقال الفراء أهل عمان يسمون القاضي الفتاح.
وقال قوم: معنى قوله تعالى {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر اللهم انصر أفضل الفئتين نسخة الدينين عندك وأرضاه لديك، فقال الله عز وجل { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } فمعناه إن تستنصروا فقد جاءكم النصر.
ومن ذلك الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستفتح بصعاليك المهاجرين والصعاليك عند العرب الفقراء وقال حاتم:
عنينا زمانا بالتصعلك والغنا وكلا سقانا بكاسها الدهر
فما زادني بأوى على ذي قرابة غنانا ولا أزري بإعراضنا الفقر
أراد الفقر والغنا، وقال غيره:
كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا
أي لم يك فقيرا والصعلوك الفقير.
قال المفضل في قوله عز وجل {قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا} أي يحكم بيننا الحليم.
قال ابن الأنباري: الحليم معناه في كلامهم الذي لا يعجل بالعقوبة ، يقال : حلمت عن الرجل أحلم عنه حلما إذا لم تعجل عليه، قال آخر:
حلمت عن الأراقم فاستجاشوا فلا برحت قدورهم تفور
ويقال حلمت في النوم أحلم حلما وحلما والأولى إن كنت في النوم أحلم، قال الموبلع:
حلمت لكم في نومتي فعصيتم فلا ذنب لي إن كانت العين تحلم
مسألة : فإن قال قائل: أفتزعمون أنه لم يزل حليما؟ (1/113)
صفحة 114
قيل له: لا دون أن يرجع بقولنا لم يزل حليما إلى أن يرد ذلك إلى غاية وأول فيقول لم يزل حليما عن عباده منذ عصره لأن الحلم من الله تعالى فعل وهو أمهاله للعباد بعد المعصية وصرفه الأسقام عنهم إذا لم يعالجهم فلما كان ذلك منهم فعلا لم يجز أن يقال لم يزل حليما كما يقال لم يزل قادرا.
وقال : فإن قال أفتزعمون أنه لو لم يحلم عن أهل المعاصي لم يكن حليما؟
قيل له: كذلك نقول ولكن إذا كان عالما بأن اصطلاح عباده إذ خلقهم وكلفهم طاعته بأن يحلم عنهم وأن لا يعاجلهم بالانتقام في أول ما يستحقون ذلك فيجوز أن يحلم عنهم وأن يمهلهم ليتوب من يعلم أنه سيتوب بعد ذلك من ذنوبه.
مسألة : صفة الحليم صفة ذات وصفة فعل والحليم في معنى العليم من قوله وبشرناه بغلام حليم يعني عليما فهذه صفة ذات والحليم من تأخير العقوبة صفة للفعل والله أعلم.
المقيت: قال ابن الأنباري: المقيت فيه قولان قال بعض المقيت الحفيظ وقال ابن عباس المقيت المقتدر واحتج بقول الشاعر:
وذي ظغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته مقيتا
معناه مقتدرا وعلى هذا أهل اللغة. وقال بعض فصحاء العرب شعرا:
ثم من بعد الممات ينشرني من هو على النشر يا بني مقيت معناه مقتدر.
قال أبو عبيدة : المقيت أيضا عند العرب يرد على الشيء والأسد ليت شعري واشعران إذا ما قربتها مطوية أودعت إلى الفضل أو على إذا ما حوسبت إني على الحساب مقيت، أي على الحساب موقوف.
ص 364: مسألة: إن سأل سائل فقال : هل لله ذات يعرفها؟
قيل له:نعم ذاته هو قدرته ومشيئته وغير ذلك مما لا يعرفه إلا هو، ويقال له ذات غير محدودة ولا موصوفة كما قال الله تعالى {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} ولا تحدثه النفس ولا يوصف تبارك وتعالى فإن قال : أفيقدر الله أن يخلق مثله؟ (1/114)
صفحة 115
ص 370-371: مسألة: كل صفة وصف الله تعالى بها نفسه مما لها في اللغة المعاني الكثيرة فأحقها به ما وافق صفاته تعالى لنفسه في كتابه من صحيح التوحيد، فإن جاز منها شيء فعلى مجاز اللغة لا على الحقيقة ومنها لا يجوز عليه سبحانه أصلا وقد جهل قوم طريق الحق في ذلك لما جاء من صفاته تعالى في القرآن محتملا للمعاني الكثيرة من طريق اللغة وذلك مثل قوله تعالى {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما نفسك} ومثل {كل شيء هالك إلا وجهه} ومثل {ولتصنع على عيني}ومثل {يد الله فوق أيديهم}ومثل {بل يداه مبسوطتان}ومثل {والسموات مطويات بيمينه}ومثل {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} ومثل {الله نور السموات والأرض}، فلجهل الجاهلين بصفات رب العالمين أن يشبهوه بخلقه تعالى الله لذكره النفس والوجه والعين واليد والقبضة واليمين وغير ذلك، والحق غير ما ذهبوا إليه وإن الله سبحانه لم يوصف من ذلك بشيء إلا وله معان وكل ما وافق قوله تعالى {ليس كمثله شيء} كان أولى بصفاته من صفات الملحدين ألا ترى أنه لم يصف نفسه تعالى بما ليس له إلا معنى واحد كالفخذ والركبة ونحو ذلك فيثبت ولكل صفة من هذه الصفات معان وأدلة يبطل ما ذهب إليه الملحدون وله باب يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ص 373: الباب الثالث والعشرون في التوحيد
أصل التوحيد في الجملة ثلاث خصال، قال الله عز وجل: الواحد القدير الرحيم، فأما الواحد فليس كوحدانية المخلوقين بأن الله تعالى لا يوصف بأعلى ولا أسفل ولا فوق ولا تحت ولا داخل ولا خارج ولا يمين ولا شمال ولا باطن ولا ظاهر لأن هذه أسماء وما أشبهها محدثة والله القديم لا يشبه القديم المحدث وأما القدير فلا يعجز ولا يضعف ولا راد لمشيئته، وأما الرحيم فلا يحابي ولا يظلم ولا يرتشي فإن عرفته هكذا فهو أصل التوحيد في الجملة.
ص 378-379: مسألة : فإن قال أفتزعمون أن الله تعالى شيء؟ (1/115)
صفحة 116
قيل له: نعم فإن قال فما معنى ذلك قيل هو شيء لا كمثل الأشياء وقد قال الله تعالى {ليس كمثله شيء} وقال الله عز وجل {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله} ومن سماه شيئا فقد أثبته شيئا إذ لا موجود إلا شيء فلما كان كذلك كان شيئا ليس كمثله شيء من الأشياء.
فإن قال: فما معنى وصفكم له بأنه شيء؟
قيل له: ليس هذا القول له بوصف وإنما هو دلالة على وجوب الاسم لأنه قد يجب له هذا الاسم لذاته كما وجب له سائر ما ذكرناه من الوصف لذاته ولأنه معلوم ولأنه بمكن أن يذكر وأن يخبر عنه ومن هذا الوجه وجب هذا الاسم لسائر المعلومات وهو لأنها تعلم وأنه يجوز أن تذكر وأن يخبر عنها.
فإن قال: لو زعمتم أنه يجب له هذا الاسم لذاته؟
قيل له: لأن أهل اللغة يسمون كلما علموه وكلما أرادوا الأخبار عنه بهذا الاسم وسائر الأسماء المظهرة والمضمرة التي تعم المسميات من نحو قولهم الذي وهو ذلك وما أشبه ذلك من الأسماء التي تعم عندهم المعمومات والتسمية بقولهم شيء هو أعم الأشياء المظهرة فهذا الاسم هو أعم الأسماء عندهم لأنه لازم عندهم لكل معلوم كائنا كان أو فانيا فلما كان الله سبحانه وتعالى معلوما وكان عندهم مذكورا مخبورا عنه وجب أن يسمى بهذا الاسم لذاته كما وجب أن يسمى بسائر الأسماء المضمرة ، فإن قال : ما أنكرتم أن تكون الأشياء إنما سميت بهذا الاسم لأنها محدثة؟
قيل له: لا يجوز هذا الشيء المشاهد يعلم أنه شيء اضطرارا ويعلم أن من قال إنه ليس بشيء كاذب باضطرار ولا يجوز أنه يعلم أنه محدث باضطرار لأن الأجسام المشاهدة نحو السماء والأرض وغير ذلك. (1/116)
صفحة 117
لو قال قائل: إنها ليست بشيء لعلمنا باضطرار أنه كاذب ولم يعلم كذبه إلا أهل التوحيد خاصة فصح بهذا أن التسمية بقولنا شيء لم يجب لشيء عند أهل اللغة لأنه محدث فصح بهذا إن هذا الاسم إنما وجب عند أهل اللغة المسمى إذا علموه وأرادوا الإخبار عنه لعلمهم به ولا يمكنهم ذكره والإخبار عنه فوجب أن يسمى به كل معلوم قديما كان أو محدثا موجودا كان أو معدوما.
ص 385-388 : مسألة: ويقال الله تعالى بكل مكان عالم ومدبر وحافظ مشاهد لا يخفى عليه شيء ويقال في السماء إله وفي الأرض إله محيط بالأشياء على معنى الاقتدار أنه قادر عليها وجل تعالى علوا كبيرا من القول بأنه في السماء من اعتقاد أنه فيها ولكنه تدبيره واقتداره والدليل على أنه تعالى بكل مكان قوله عز وجل {أءمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض}،وقال تعالى {وهو الله في السموات وفي الأرض} وقال تعالى {إليه يصعد الكلم الطيب}، وقال في عيسى عليه السلام {بل رفعه الله إليه}،وقال {إلا إلى الله تصير الأمور}. (1/117)
صفحة 118
قال الله تعالى {وإليه يرجع الأمر كله} وقال الله حكاية عن إبراهيم الخليل عليه السلام {إني مهاجر إلى ربي} أي إني ذاهب إلى ربي وقال الله حكاية عن موسى عليه السلام {وعجلت إليك رب لترضى} وقال تعالى {حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه}، فهو على ما ترى هو في السموات وهو في الأرض وهو عند الملائكة وقد رفع عيسى ‘ليه السلام إليه وإبراهيم إنما هاجر إليه وهو عند السدات والأمور ترجع إليه وإليه ينتهي وذلك ليعلم أنه بكل مكان جل ثناؤه فالله تعالى في السموات وفي الأرضين وفي الأشياء كلها لا كالشيء من الشيء وهوكائن من الأشياء كلها لا كينونة الشيء من الشيء وإنما هو كقول العرب لم أزل اليوم في غم ولم أزل في أمر فلان وليس أنهما ظرف حوياه ولكنه يقول لم أزل ناظرا فيه ومدبرا له والله جل ثناؤه هو في الأشياء كلها مدبرا لها وعالما بها وكذلك قوله تعالى {كل يوم هو في شأن} أي مدبر له ومحدث له تعالى الله علوا كبيرا.
ومن قال إن الله في السماء فجائز ولكن لا يقول ليس هو في الأرض لأنه تعالى يقول وهو معكم أينما كنتم وهو الله في السموات وفي الأرض وجائز أن يقال إن الله تعالى بكل مكان على المكان لصنعه وتدبيره لا على أن المكان مكان له تعالى غني عن الأماكن وإن قيل أنه تعالى بكل مكان ولم يوصل القول بأنه بكل مكان صانع ومدبر فهو مجاز وإن وصل القول بصنعه وتدبيره فهو على حقيقة للغة لا المجاز ويقال إن الله معنا حيث كنا على موجهين أحدهما معين وناظر كما قال سبحانه {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}. (1/118)
صفحة 119
يعني أنه معين لهم وناظر والآخر على أنه يرانا ويسمع قولنا ويعلم سرنا وجهرنا وهذا القول في اللغة توسعا لأن الله تعالى لا يجوز أن يكون مع الأشياء على جهة المجاورة ولا الممارسة ومعنى قوله {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا وهو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم}، على تقدير ما بينا أنه راء لهم وسامع لهم ليس بينه وبينهم بعد ولا مسافة وهذا أيضا من التوسع في اللغة.
مسألة: فإن قال قائل: فما معنى قول الله عز وجل {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض}، قيل له: أراد الله تعالى بذلك أأمنتم من نقمه وسطواته لأنه تعالى جعل موضع الآيات والقوارع والنقمات السماء فكان من السماء ينزل هلاك من يريد هلاكه من عباده فخوفهم من عذابه الذي في السماء مثل ما أنزل بغيرهم.
فإن قال: فلم زعمتم هذا التأويل؟
قيل له: لأن السماء لا تكون مكانا لهؤلاء ولا محلا له لأنه ليس بجسم فيحتاج إلى الأماكن وقد كان موجودا قبل أن يخلق السماء وهو غني عن السماء كما لم يزل غنيا عها فلما لم يجز أن تكون السماء مكانا له صح أنها إنما هو مكان لعذابه الذي خوف به عباده إذا كان هذا القول لا يصح معناه في اللغة إلا على أحد هذين الوجهين.
فإن قال: لم رفعت الأيدي إلى السماء لولا أنه تعالى في السماء دون الأرض؟ (1/119)
صفحة 120
قيل له: هذا تعبد من الله تعالى وذلك أنه جعل السماء معدن الرسالة وبعث منها الرسل من الملائكة وأنزل منها المطر وأرسل منها الصواعق وغير ذلك فتعبد الخلق إذا أصابتهم شدة أن يدعوا لله تعالى برفع أيديهم ويلتجئون إليه من حيث أنزل إليهم الملائكة والقطر وأن كان الله تعالى في كل مكان ألا ترى أنه تعبدهم بالصلاة إلى مكة ولم يتعبدهم بالصلاة نحو السماء ولو كان على ما زعمتم أنهم إذا رفعوا أيديهم نحو السماء أنه في السماء دون الأرض تعالى عن ذلك لكان إذا أمرهم بالصلاة إلى مكة أنه في مكة دون غيرهم وهذا جهل من قائله وكذا يجب إذا تعبدهم بالسجود والركوع أنه في الأرض دون غيرها لأنهم يركعون ويسجدون نحو الأرض وكذلك تعبدهم على أن يسلموا على إيمانهم أنه في ذلك الوقت على إيمانهم دون شمائلهم وهذا قلة معرفة من قائله والله تعالى تعبد الخلق بفنون من العبادات وأن لا يخلو منه مكان إلا وهو به عالم وعليه قادر نافذ فيه أمره لا أنه في الأماكن على التنقيل والمكث جل الله عما قال الملحدون.
ص 8-11 : والرضا والمحبة من الله تعالى مناهما أنهما صفة من صفات فعله، وذلك أنه تعالى إذا رضي عن عبده وأحبه أوجب له الجزاء والثواب بفعله المرضى عنه به، وقد حكي عن بعض المفسرين أن قوما زعموا أنه تعالى لا يحب ولا يبغض على الحقيقة، لأن الحب عندهم من طبع البشر، ولو كان الأمر على ما قالوا لنفوا عنه تعالى جميع صفاته، لأن العلم إنما يكون من الخلق بمعاني معلومة وآيات معروفة، والله تعالى علام بخلاف تعارف الخلق منهم في العلم، والله تعالى يحب عبده على الإحسان، والطاعة على الحقيقة، لا حب طبع ولا لهو ولا مشاكلة.
فصل (1/120)
صفحة 121
ويقال إن الله نور على ما قال الله تعالى، واستعمله المسلمون، وإنما قال ذلك توسعا ومجازا وإرادته هادى أهل السموات والأرض ومبين لهم، فقال تعالى أنه {نور السموات والأرض} مجازا إذا كان به يهتدي أهل السموات والأرض في دينهم ومصالحهم كما يهتدون بالنور والضياء، لأن النور المعقول المستحق لهذا الاسم حقيقة إنما هو الضياء المشاهد من نحو ضوء الشمس والقمر وما أشبه ذلك، فلما لم يجز أن يكون الله تعالى ضوءا ولا من جنس الضوء والأنوار إذ كان الضوء والأنوار محدثة والله تعالى لا يشبهه شيء من أجناء المخلوقات صح أنه إنما قال أنه {نور السموات والأرض} مجازا لا حقيقة، وعلى هذا الشبيل قال: إن القرآن نور وإن الإيمان نور، وأراد بذلك أن القرآن يهتدي به الناس في دينهم كما يهتدون بالنور الذي هو ضياء لمصالحهم، وكذلك الإيمان فقال تعالى أنهما نور على التوسع دون الحقيقة، لأن القرآن والإيمان هما مخالفان الأنوار والضياء في الجنس فإنما أجرى عليهما اسم الأنوار والضياء توسعا ومجازا على ما بيناه. (1/121)
صفحة 122
مسألة: فإن قال قائل فما أنكرتم سمى الله تعالى نفسه نورا على الحقيقة وإن لم يكن من جنس الأنوار والضياء ؟ قيل له إن الله عز وجل لا يجوز عليه أن يسمى ذلك الاسم من جهة العقول واللغة كنحو تسمية نفسه بأنه قديم وأنه واحد وأنه علام وأنه رحيم لأنه لو جاز أن يسمى بالأسماء على جهة التقلب لجاز أن يسمى بأنه جسم وبأنه محدث وبأنه إنسان، فلما لم يجز أن يتسمى بذلك إذ كان خلاف ما يستحقه من الأسماء والصفات صح أنه لا يجوز أن يسمى إلا بالاسم الذي يكون مستحقا له ولمعناه من جهة العقول واللغة، وأيضا فإن الاسم إذا سمى به المسمى على جهة التلقب من غير أن يكون مستحقا له ولمعناه من جهة العقول واللغة لا يجوز أن يكون وصفا للمسمى به، وذلك أنا لو سميدا صبيا بقولنا مسلم وبقولنا صالح وما أشبه هذه الأسماء على جهة التلقب والتعريف لم يجز أن يصير قولنا مسلم وصالح صفة لهذا الصبي، ولا يجوز أن يقال رأيت صبيا صالحا ولا مسلما ولو كان مستحقا للتسمية بمسلم وصالح من جهة العقول واللغة جاز أن يوصف بهذه الأسماء كما إذا سمينا المطيع لله تعالى بأنه مسلم وأنه صالح لاستحقاقه ذلك بعمله جاز أن يوصف بها علمنا أنه إنما استحقها من جهة العقول واللغة، وأنه لم يتسم بشيء من ذلك على جهة التلقب، فلما علمنا أنه لا يجوز أن يكون ذلك وصفا له على الحقيقة إذ كان خلاف الأنوار والضياء وأنها لا تشبهه ولا يشبهها كما لا تشبه سائره ما خلق علمنا أنه وصف نفسه بأنه نور مجاز لا حقيقة، ولهذا نظائر في اللغة وفي القرآن، وذلك أنه يقال أن الله عدل كريم، الوصف لله تعالى بأنه عدل هو توسع ومجاز لأن العدل في الحقيقة هو المصدر فقالوا عدل هو وأرادوا أنه العادل فتوسعوا في هذا القول إذ من يعقل عنهم ما أرادوا بذلك من الصفة بأنه عادل ومثله وصفه لنفسه تعالى بأنه {السلام}، والسلام إنما هو المصدر المعقول فلما كان يعقل عنه ما أراد بوصفه لنفسه بالسلام أنه الذي تكون (1/122)
صفحة 123
السلامة من قبله جاز أن يصف بذلك نفسه توسعا، ومثل ذلك بأن الله هو {الحق} يصف نفسه بذلك مجازا لأن الحق مصدر في أصل اللغة، والله تعالى لا يشبه شيئا من المصادر، وأراد بذلك أن عبادة الله تعالى هي الحق وأن عبادة غيره هي الباطل.
وقد يجوز أن يعنى بقوله {وأن الله هو الحق} أن الله هو الباقي المحيي المميت، {وأن ما تدعون من دونه هو الباطل} أراد به يبطل ويذهب وأنه لا يملك لأحد ثوابا ولا عقابا، ومن ذلك أيضا قول المسلمين يا غياث المستغيثين، ويا رجاء المستجيرين، والغياث والرجاء هما المصدر في حقيقة اللغة فوصف الله بهما توسعا ومجازا، وأرادوا بذلك إنه المغيث للمستغيثين وأنه مرتجى الآملين.
مسألة: فإن قال : أفتزعمون أن قول الله عز وجل {الله نور السموات والأرض} وقوله {السلام}، وقوله {الحق}، وقول المسلمين عدل وغياث ورجاء هي أسماء وصفات له؟ قيل له ليست بأسماء له عز وجل، ولا صفات له، ولكن جعلت مكان أسمائه وصفاته مجازا وتوسعا، إذ كانت تدل على أسمائه وصفاته عز وجل.
ص 12-13 : فصل
ويوصف تعالى بأنه راحم لعباده، ومعنى راحم أنه منعم وأنه ناظر لعباده وأنه محسن إليهم، وقد بين الله تعالى ذلك، فقال {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، فإرساله النبي - صلى الله عليه وسلم - هو نعمة منه تعالى على عباده، وهو رحمة منه لهم، كقوله تعالى في وصف القرآن إنه {هدى ورحمة لقوم يؤمنون}، والقرآن نعمة من الله تعالى على عباده فسماه رحمة لهم، وقد أجمع أهل اللغة والمسلمون على أن الغيث رحمة والغيث أيضا هو نعمة من الله تعالى فعلمنا بهذا أن معنى الرحمة من الله عز وجل معنى النعمة. (1/123)
صفحة 124
مسألة: فإن قال قائل: أفليس الرحمة من الله عز وجل معنى النعمة ومنا هي رقة القلب؟ قيل:لا ، لأن رقة القلب ليس هي في فعل الراحم، والرحمة هي فعل الراحم منا ، وذلك لأن الرقيق القلب ربما حمل نفسه على قتل من يرق له قلبه فلا يكنن راحما له إذا قبله، وإن كان قلبه رقيقا عليه، وإنما الرحمة له تخليته له وإرادته له الصلاح والنجاة، وإنما توهم قوم أن الرحمة هي رقة القلب، وسموا من كان رقيق القلب رحيما لكثرة ما توجد الرحمة من الرقيق القلب كما سمى قوم الشهوة محبة لكثرة ما توجد المحبة مع الشهوة، والشهوة في الحقيقة خلاف المحبة.
مسألة: ويقال الله عز وجل، قد فعل الشدائد والآلام وليست بشر على الحقيقة، وقوله تعالى {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}، وقوله عز وجل {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه}، هو شدائد ومصائب وليس بشر على الحقيقة، وقوله إن شر مجازا وتوسعا، وأراد به ضررا وشدائد لأن الشر هو عيب وفساد وفاعله شرير إذا كثر ذلك منه، وجميع فاعل الشر هم الأشرار والله تعالى يجل أن يكون شريرا أو أن يكون مع الأشرار فصح بهذا أن الله تعالى لا يفعل الشر على الحقيقة.
ص 14-15: فصل
ويوصف تعالى بأنه مختار ومعناه أنه مريد له إذا لم يكن ملجا إلى ما أراده، ولا مضطر إليه، والإرادة هي الاختيار في اللغة في وصفنا له تعالى بذلك وفي وصفنا لغيره إذ كانت على ما وصفنا من زوال الإلجاء والاضطرار إليها. (1/124)
صفحة 125
ويقال : إن اختيار الله الذي اختاره وهو غير المختار كما أن الإرادة غير المراد من الله تعالى ومن العباد، ووجدت في بعض الكتب أنه لا يجوز أن يقال أن الله تعالى يختار، قال : ومعنى الخيار كالذي يروى بين الشيئين فينظر إيهما يختار لجهله وقلة علمه بالأجود منهما وذلك منفى عن الله تعالى لأنه عالم بحقيقة الأشياء وبفاسدها من صحيحها ، وفي القرآن ما يؤيد القول الأول وهو قوله عز وجل {وربك يخلق ما يشاء ويختار}، قال ابن عباس: يختار من يشاء من خلقه فيجتبيه بقول يجعله نبيا رسولا {ما كان لهم الخيرة من أمرهم} ما كان لهم أن يختاروا هم.
وقال المفضل: أي الخلق له فيختار منه من يجعله نبيا ومن يجعله رسولا ومن يجعل شهيدا، ما كان لهم الخيرة أي الاختيار.
والخير مصدر في الاختيار والخير جميعا فالله أعلم بالأصح من القولين.
ص 19-20 : فصل (1/125)
صفحة 126
ويقال أن الله تعالى ناصر المؤمنين ومعنى ذلك دفعه المكاره والشدائد والهوان عنهم ليعزهم بذلك ويكرمهم وهذا هو النصرة المعقوله بيننا في الشاهد، ويقال أنه تعالى يخذل الكفار والفساق، ومعنى ذلك صد النصرة، وهو أن لا ينجيهم من الهوان والشدائد وأن يفعل ما يتقون معه في الشدائد والهوان، ويقال أن الله تعالى يهدي المؤمنين، والهدي على ثلاثة أوجه، فوجه منه هو الدلالة لأن كل دلالة إلى شيء فهي هدى إليه في اللغة فهذا الهدى قد هدى الله تعالى به، المؤمنين والكافرين جميعا إلى الدين، لأنه قد دلهم جميعا على الدين، ووجه آخر هو الإيمان، لأن الإيمان هو هدى من الله تعالى كما أنه نعمة من الله، ووجه ثالث، وهو النجاة لأن الله تعالى كما أنه سيهدى المؤمنين بعد موتهم بقوله تعالى: {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم، سيهديهم ويصلح بالهم} ولا يكون الهدى بعد الموت إلا الثواب والنجاة لأنه ضد الإضلال الذي يعاقب الله به الكافرين، وذلك الهلاك، وفضده من الهدى هو النجاة، فعلى هذه الثلاثة الأوجه يصرف معنى القول أن الله تعالى يهدي المؤمنين.
مسألة: فإن قال فما معنى قوله عز وجل {ويضل الله الضالمين} قيل له: معنى ذلك أنه يهلكهم ويعاقبهم لأن الضلال في اللغة على وجهين فوجه هو الهلاك ووجه هو الذهاب عن الصواب وعن الطريق، لأن الله تعالى قال: {أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد} يعني هلكنا في الأرض، وقال تعالى {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} يعني أهلكها، وقال تعالى {وضلوا عن سواء السبيل} يعني بذلك ذهبوا عن الحق، فلما لم يجز على الله تعالى أن يفعل الضلال الذي هو الذهاب عن الحق لأن ذلك كفر وعيب علمنا أن الضلال الذي يفعل الله هو الوجه الآخر وهو الهلاك. (1/126)
صفحة 127
مسألة: فإن قال: فما معنى قوله عز وجل {من يضلل الله فلا هادى له} قيل له: من علم أنه يضل لم يكن له هاد، وكذلك قوله تعالى {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} من علم أنه يضل لم يهتد ومن علم أنه يهتدي لم يضل، وكذلك قوله تعالى {من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} الآية، القول في الكل واحد، هذا عن أبي الحسن رحمه الله.
ص 23-24: ومعنى قول الله عز وجل {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواهم ويأبى الله إلا أن يتم نوره} أنه يمنع الكفار من إطفاء نوره فهذا معنى الأبي في اللغة.
وقال المفضل: يأبى الله إلا أن يتم نوره، أي يمتنع الله تعالى بقدرته إلا أن يتم نوره بإظهار الإسلام ونوره القرآن والإباء هاهنا الامتناع والعز، قال عبدة:
أبينا أبينا أن نصيب لماتكم على مرشفات كالظباء عواطبا
أي منعناكم من ذلك، يقول : منعناكم أن تسبوا نساءنا فيبتذلوهن بالنظر حتى يشتهوهن والمرشفات التي تديم النظرة، واللمة مخففة الجماعة من الرجال والنساء، ويقال أن الله تعالى ثابت كما يقال أن المقر به مثبت إلا أن هذا القول في صفاته تعالى غير مستعمل، ومعنى ثابت أنه كائن موجود، ويقال إن لله الملكوت والكبرياء، ومعنى الكبرياء أنه تعالى كبير، ومعنى الملكوت أنه المالك، ويقال بأن الله تعالى وكيل علينا بمعنى أنه متول لأمورنا والقائم بحفظنا، وتصريفنا فيما يريد، وهذا معنى الوكيل على المال منا لأنه القائم بحفظ ذلك، ولا يجوز أن يقال أنه تعالى وكيل لنا. (1/127)
صفحة 128
مسألة: فإن قال قائل: لِمَ لَم يجز هذا قيل له لأن معنى وكيل علينا قد بينا وجه جوازه، ومعنى وكيل لنا غير معنى وكيل علينا، وذلك أن من كان وكيلا لنا لإقامتنا إياه في ذلك ولأنه قام به بأمرنا فلما لم يجز أن يكون الله تعالى وكيلا بأمر من خلقه لم يجز أن يقال أنه وكيل لهم، وإنما يصح أن يقال أنه وكيل عليهم كما قال الله تعالى {وكان الله على كل شيء وكيلا}، فإن قال أفتزعمون أنكم تكونون وكلاء عليه كما تكونون متوكلين عليه قيل له: لا، لأن الوكيل ليس معناه التوكل لأن مصدر الوكيل الوكالة بمعنى الولاية، والمتوكل هو خلاف ذلك، والمعنى فنحن نتوكل عليه ونعتمد عليه، ومعنى ذلك واحد، وليس ذلك من معنى الوكالة في شيء فلهذا لا يجوز أن يوصف تعالى بأنه متوكل علينا وصح له الوصف بأنه وكيل علينا، والقول بأنا نعتمد عليه ونركن إليه هو توسع لأن أصل الاعتماد هو اعتماد الرجل على ما يعتمد عليه من شيء إذا مشى أو قام فجعلوا هذا المعنى في معنى التوكل توسعا، ولهذا سموا بعض الخلفاء بالمعتمد على الله ، وكذلك الركون أصله من الاعتماد ويستعملان في الله تعالى مجازا على ما بينا.
ص 27-28 : ويجوز أن يقال كل بالله لاحق كما يقال كل إلى الله صائر استدلالا بما ورد به الخبر عن الحسن أنه لما نزلت سورة النصر على النبي - صلى الله عليه وسلم - نعى الله إليه نفسه، فقال: إذا كان ذلك فاعلم أنك لاحق بالله وأنك ميت، فسبح باسم ربك، الآية، وبما روى عن موسى أنه قال بلغني أن جبريل أتاه - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح فسلم عليه ثم خيره بين مفاتيح الدنيا ثوابا لما صنع أو اللحاق بالله إن شاء الله، فقال : بل لحاق بالله يا جبريل، خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إليه أحسنهم صنيعا إلى عياله" فأخذه الشاعر فقال:
الخلق كلهم عيال الله تحت ظلاله فأحبهم طرا إليه أبرهم بعياله (1/128)
صفحة 129
ويقال : لم يزل الله سميعا، وسامع من صفات الذات
ص 29-30 : فصل من كتاب
ويقال : ما أحسن هذا عند الله، وما أقبح هذا عند الله والعند تأويله العلم والعدد معنى غير العلم، قال عز وجل: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق}، ما لديكم ينفد وما لديه مما أعد الله تعالى لأوليائه باق، ويقال: قاسمت الله مالي، ويقال: جعلت هذا لله وأعطيت هذا لله، وأعطيت هذا لله أي التماس الرضى، ومعنى ذلك لولا الله ما أعطيت ومعنى أعطيت الله وأعطيت لله متقاربان، ويقال: الله تعالى يبغض ويمقت وينتظر ويمهل، ويستدرج ويترقب، قال الله تعالى : {وانتظروا إنا منتظرون، وارتقبوا إنا مرتقبون}، وذلك على غير استبعاد ولا شيء يقال يبعد عليه.
ومنه يقال أنزل الله القرآن بعلمه، بمعنى أنه أنزله وهو عالم وليس للباء هاهنا معنى ثان، وكذلك فعل بقدرته وبإرادته وبحكمه، وأما ما كان للباء فيه معنى ثان، يقال عذبه الله بناره، وأقام بدنه بالطعام، فأمره بالطاعة وزجره بالقرآن ، فالباء في هذا أجمع على غير استعانة وغير حاجة، ومنه وقال الله تعالى علم وأدب والله تعالى معلمنا ومؤدبنا، وفقه، ولا أعلمهم يقولون الله المفقه، وهذه اقرب من معلم ومؤدب، ويقال الله عاصمي والعاصم لي والناصر لي، ويقال الله تعالى جاء بي وذهب بي كما جاء بالفرج وجاء بالسعة والخصب، ويقال: لا جاء الله به، ويقال : اللهم جيء به، وكذلك جاء الله بك وذهب بك، ويقال: الله تعالى رفع نفسه عن الظلم، والله تعالى يجل عن هذا الأمر على ما قال عز وجل، {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا}، ومنه ويقال لا يتعذر على الله تدبيره، ولا أعلمهم يقولون لا يعيبه شيء وليس يبعده. (1/129)
صفحة 130
وقد قال الله تعالى: {أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر} وقال عز وجل{أفعيينا بالخلق الأول}، وقال المفضل: كل ما لم يقدر عليه ولم يتوجه له فقد عيي به ، ويقال: لا يفدحه على ما قال ولا يئوده حفظهما يعنى لا يثقل عليه، والقادح الثقيلن وقال الطرماح
ومثلك ناحت عليه النساء لعظم مصيبته الفادحة
أي الثقيلة.
ص 31: باب ما لا يجوز من الصفات
ولا يجوز أن يقال إن الله تعالى متين، لأن المتين في حقيقة اللغة هو الثخين، والله سبحانه وتعالى لا يوصف بالثخن، وإنما قال إنه ذو القوة المتين توسعا ومبالغة في وصف نفسه بالقوة، ولا يوصف بأنه شديد على الحقيقة لأن الشدة بمعنى الصلابة والله تعالى لا يوصف بالصلابة، فإن وجدت في صفاته في القرآن أو غيره أنه شديد فهو مجاز لكثرة استعمالهم في القوة منا هذا القول على التوسع ولكن يجوز أن يوصف بأنه تعالى شديد العقاب وبما أشبه ذلك من صفات الأفعال لأن الشديد في صفات الأفعال إنما هي للأفعال والشدة في هذه الصفة هي لها لا لله عز وجل.
مسألة: فإن قال قائل: أفليس قد قال تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة} قيل له: بلى وهذا على التوسع والمجاز في اللغة، فإن قال : ولم قلتم أنه مجاز قيل له لو لم يكن مجازا لوجب أن يكون قوته شديدة وأن يكون قوته أقوى منا ولو لم يكن مجازا لأدى إلى الإحالة فصح لهذا أنه إنما ذكر هذا القول توسعا في اللغة وأراد به أنه أقوى منهم وأقدر.
ص 33: فصل (1/130)
صفحة 131
ولا يوصف تعالى بأنه يفهم الأشياء كما يوصف بأنه يعلمها لأن الفهم هو العلم بمعنى الكلام الذي يسمعه حتى يكون إذا سمعه لم يخف عليك معناه، وكذلك الفقه إنما هو أن نفقة الكلام ، ولهذا الأمر لا يوصف بالفهم إلا الكلام وحده، وكذلك لا يوصف بالفقه إلا الكلام كما قال سبحانه وتعالى، {ووجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا} فلما كان الله تعالى لم يزل عالما بالأشياء كلها وبمعانيها لم يجز أن يوصف بأنه يعرف معنى الكلام إذا سمعه كما نوصف نحن بذلك ولا أنه يفهمه ولا أنه يفقه ولا أنه فهم ولا بأنه فقيه. (1/131)
صفحة 132
ص 35-37: ولا يوصف تعالى بأنه ناطق لأن النطق إنما هو الصوت لا الكلام، ودليل ذلك قوله تعالى {علمنا منطق الطير}، وقد علمنا أن الطير لا تتكلم لأنه لو كان نطقها كلاما لفهمناه نحن إذا سمعناه لأنا نفهم الكلام، فلما كانت أصوات الطير بخلاف الكلام الذي نفهم صح أن منطق الطير إنما هو صوت ليس هو بكلام، فلم نجز على الله النطق أو جاز عليه الكلام، وأيضا فإن النطق هو مثل الصياح والصراخ، وذلك لو أن رجلا ضرب فصاح وصرخ لم يقل أنه لم ينطق ولو أنه سكت فلم يصرخ ولم يصح لقيل إنه لم ينطق، فلما لم يجز على الله الصياح ولا الصراخ إذ كان ذلك إنما يجوز على المخلوق الذي يحل صياحه وصراخه، ولم يكن من جنس الكلام فإن وجدنا في بعض الكلام ما يدل على أن الكلام نطق فإن ذلك محمول على المجاز دون الحقيقة، ولا يوصف تعالى بأنه فصيح لأن الفصيح في اللغة إنما هو الكلام الذي يفصح عن المعنى ويوضحه فكلام الله فصيح وإنما وصفهم القائل بأنه فصيح وإنما هو توسع فلا يجوز أن يوصف الله تعالى بذلك لأنا لم نجده في صفاته فنصفه به على التوسع، ولكن كلامه بأنه فصيح على جهة الحقيقة، وربما قال القائل فلان فصيح اللسان، وهو يريد أنه ذرب اللسان وليس من الفصاحة في شيء لأنه رب ذرب اللسان يكون كلامه فاسدا فلا يكون فصيح الكلام، وربما كان الشاعر والمتكلم في لسانه لكنة. (1/132)
صفحة 133
ولا يوصف تعالى بأنه بليغ ولكن يوصف كلامه بأنه بليغ لأن البلاغة إنما هي للقول على الحقيقة لا للقائل، وهو القول الذي بلغ له المخاطب من فهم معناه ما أراده القائل فلما لم يوصف القائل منا بأنه بليغ على الحقيقة ولم يجد في صفات الله عز وجل أنه بليغ على المجاز لم يجز أن يوصف الله تعالى بأنه بليغ، ولكن كلامه بأنه بليغ على الحقيقة، ويدل على أن البليغ هو القول على الحقيقة قوله عز ذكره {حكمة بالغة فما تغني النذر} والبالغ هو البليغ، يقال رجل بليغ وبلغ ولا يوصف تعالى بأنه خطيب لأن الخطيب هو الذي يخطب على من يسمع خطبته، فلما كان هذا المعنى من الله تعالى غير موجود لم يجز أن يوصف بأنه خطيب، ولا يوصف بأنه لم يزل متكلما لأن القول بذلك إثبات الكلام قديما معه وقد أجاز ذلك بعض أصحابنا، قال أبو محمد : قال أبو مالك: يجوز أن يقال لم يزل المتكلم، وقال أبو محمد أن بعض المتكلمين أجاز أن يقال: لم يزل مكلما لمتكلم سيكون، كما جاز أن يقال لم يزل إلها لمألوه سيكون، وربا أي لمربوب ومملوك سيكون، هذا الآخران جائزان في قولنا ، قال أبو محمد: يعجبني ما قال في الكلام أنه مثلهما وفيه نظر، ولا يوصف تعالى بأنه مليح ولا حسن ولا بأنه جميل.
ص 40-41: والفرح في كلام العرب على وجوه منها، معنى السرور، ومنه قوله تعالى:{وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف}، أي سروا بها وهذا الوصف لا يجوز على الله تعالى لأن ذلك خفة تعتري الإنسان إذا كبر قدر شيء عنده لمنفعة فيه عاجلا أو آجلا،وكل هذا منفي عنه جل جلاله.
ومنه الفرح بمعنى البطر والأشر ومنه {إن الله لا يحب الفرحين} وقوله تعالى {لفرح فخور} ومنه قول الشاعر:
ولست بمفراح إذا الدهر سر لي ولا جازع من صرفه المتقلب
أي لست بأشر ولا بطر. (1/133)
صفحة 134
ومنه الفرح بمعنى الرضى، ومنه قوله تعالى {كل حزب بما لديه فرحون}، أي راضون، فمعنى قوله {الله أفرح} أي أرضى والرضا من صفات الله عز وجل لأن الرضا هو القبول للشيء والفرح له، والله تعالى قابل الإيمان فيجوز وصفه عز وجل بذلك، هذا قول الأشعري، وقال المفضل أبو عبيدة، في قوله تعالى {لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} معناه لا تأشر ولا تمرح ، وهو واحد، والفرح السرور والفرح البطر.
وقال ابن أحمر:
ولا ينسيني الحدثان عرضي ولا ألقي من الفرح الإزار
يقول:لا أجزع من الحدثان حتى أخرج إلى ما ينكر مني، ولا يستخفني الفرح حتى ألقي إزاري فتظهر عورتي.
ويقال فرح به فهو فرح وفارح، قال الفراء: الفرح الذي هو في وقته فرح والفارح الذي يفرح فيما يستقبل مثل طمع وطامع، وأشد:
فما أنا من رزء وإن جل جازع ولا بسرور بعد موتك فارح
ص 42-43: ولا يقال إن الله تعالى عجب من كذا لأن التعجب إنما يحدث ممن لم يعلم شيئا ثم علمه فعجب عند ذلك مما علم، والله عز وجل لم يزل عالما بالأشياء، فلا يجوز أن يعلم منها ما لم يكن علمه فيعجب منه ، وق رويت أخبار كثيرة في تعجب الله عز وجل فسرها الأشعري، منها ما روى من قوله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة تعجب الله إليهم القوم إذا اصطفوا في الصلاة والقوم إذا اصطفوا لقتال المشركين، ورجل يقوم إلى الصلاة في جوف الليل. (1/134)
صفحة 135
ومنها خبر زيد بن ثابت الأنصاري، وضيفه أبي هريرة فقال - صلى الله عليه وسلم - : لقد عجب الله من ضيفكما البارحة وأنزل فيهما، {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} قال الأشعري : إن الناس قد اختلفوا في معنى العجب من الله عز وجل، فقال : معنى عجبه أي عظم ذلك عنده، ومنه قوله تعالى {بل عجبت ويسخرون}، أي بل عظم أمرهم، وقال أخرون معنى عجب: رضي وأثاب، فسماه عجبا وليس يعجب في الحقيقة، كقوله تعالى {ويمكر الله} وإن كان المكر منفيا عنه جل جلالة، وقال بعض أهل الفقه معنى قوله تعالى {بل عجبت ويسخرون} أي جاريتهم على تعجبهم لأن جزاء الشيء يسمى باسمه، كقوله تعالى {ومكروا ومكر الله}، ويسخرون منهم سخر الله منهم، والله تعالى لا يمكر ولا يسخر وإنما هو على ما يسمى العرب جزاء الشيء باسم المجازيوالمجازي به ، قال شقيق: قرأت عند شرح {بل عجبت ويسخرون} فقال إن الله تعالى لا يعجب من شيء وإنما يعجب من لا يعلم، قال فذكرت ذلك لإبراهيم فقال : إن شريحا شاعر يعجبه علمه، وعبد الله بن مسعود كان يقرأ {بل عجبت} وقال بعض البصريين بل عجبت بالضم، ذهب إلى أن العجب لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، وفيه إضمار قول معناه قل يا محمد بل عجبت أنا من قدرة الله ، فأضمر القول لدلالة الكلام عليه، وقال بعضهم هذه الأحاديث في العجب نقلت مصحفة وإنما هو عجب بتشديد الجيم أي عجب ربنا تعالى ملائكته من هؤلاء الثلاثة فتعجب الملائكة من صنيعهم، وكذلك قالوا في قوله ضحك ربنا ملائكته من أفعالهم بتشديد الحاء وفتحها أي أضحكها من صنيع عباده، وضحك يجوز أن يجيء بمعنى أضحك لأن فعل يجئ في لسان العرب بمعنى أفعل نحو ضاء القمر وأضاء وصبر الفرس صبرا وأصبر إصبارا إذا جمع قوائمه ووثب، وضررت الرجل وأضررت به وضربت عن الشيء وأضربت عنه إذا أعرضت عنه، وصعت الناقة وأصعت إذا استمتت الفحل، هذا كله قول الأشعري. (1/135)
صفحة 136
ص 44-46 : وقد اختلف القراء والمفسرون في قوله عز وجل {هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} فقرأ ابن عباس وعائشة رحمهما الله {هل تستطيع ربك} بالتاء ونصب ربك، وروى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كانوا أعلم بالله من أن يقولوا هل يستطيع ربك، إنما قالوا هل تستطيع أنت ربك، وكذا رويت عن سعيد بن جبير ، وقال : هل تستطيع أن تسأل ربك، ورويت هذه القراءة عن علي ومعاذ بن جبل والكسائي، وذكر الفراء أن معاذا قال : أقرأني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، هل تستطيع ربك بالتاء ، وقرأ كثير منهم بالتاء، قال بعضهم على أشد ما يرون، وقال بعضهم: هل يستجيب ربك، هل يطيعك ربك، قال المفضل: ولم يجتمع القراء على التاء وهم على خطأ بل هم على صواب والحمد لله.
وذلك أن الطاعة على وجهين فالطاعة الإيصاد والزلة يقال : طاع له طوعا وأطاعه يطيعه إطاعة، والطاعة الإجابة ومنه قولهم : قد أطعتك فيما سألت أي أجبتك، ومنه قوله تعالى: {ائتيا طوعا أو كرها} أي مجيبتين إلى ما أمرتما أو كارهتين، ومنه قوله جل ثناؤه {من حميم ولا شفيع يطاع} أي يجاب إذا سأل فعلى معنى الإجابة تصح القراءة بالياء أي هل يجيب ربك إذا سألته وإنما المكروه أن يتأول يستطيع على معنى يقدر، الاستطاعة هي القدرة والقوة على الشيء، ولا يقال أنه تعالى يطمئن أنبيائه وملائكته ويثق بهم ويركن إليهم لأن الاطمئنان إلى الشيء والثقة به والركون إليه إنما هو بمنزلة السكون إليه، وهو ضد النفور عنه، والتهمة له، فلما كان لا يجوز على الله عز وجل النفور عن الأشياء ولا التهمة لها لأن هذا إنما يجوز على من لا يعلم ما يكون ولا يحيط بالأشياء علما، فصح أن ذلك لا يجوز على الله عز وجل، ولا يقال أنه تعالى ذخر ولا أنه سند، وذلك أن الذخر هو ما ذخره الإنسان والسند هو ما يسند إليه ظهره، والله يتعالى عن ذلك علوا كبيرا. (1/136)
صفحة 137
فإن قيل : هذا في صفاته تعالى فإنما هو مجاز ومعناه ليس بحقيقة، وهذا لا يجب له من جهة الحقيقة إلا أن يكون قد استعمل الناس ذلك مجازا فيستعمله معهم.
فصل
لا يجوز أن يقال الله خير من كذا وكذا وهذه صفة ذات، وإن قيل : الله تعالى خير أفعال منك فجائز، قال الحسن في قوله تعالى {والله خير وأبقى} خير منك يا فرعون ثوابا وأبقى عقابا، ولا يقال كذا وكذا دون الله بمعنى التفاضل والخيار لأن الخيار لا يقع إلا بين الأجناس ألا ترى أنه يقال فلان أحسن من فلان وخير من فلان يراد أنه أصلح منه لأنهم جنس واحد، وهذا لا يجوز على الله تعالى وعز ذكره ليس بذي جنس ولا هو من جنس غيره ولا يقع الخيار بينه وبين غيره. (1/137)
صفحة 138
مسألة: فإن اعتل معتل بقوله عز ذكره {واتخذوا من دون الله آلهة} فقد قال بعض اتخذوا عبادة الأصنام ليعتزوا بذلك وهي دون عبادة الله تعالى كما قال عز وجل {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير}، وقد قال {اتخذوا من دون الله آلهة} قدمهم بذلك لا أنهم دونه في المسافة، هذا غير جائز على الله تعالى، ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال خير الشعر أو القرآن لأن القرآن ليس من الشعر في شيء ، ولو جاز أن يقال إنما خير القرآن والشعر لجاز أن يقال إنما خير الله أو الشاعر، فلما بطل الخيار بين الله تعالى والشاعر فسد الخيار بين القرآن والشعر، والله تعالى ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء خلقه، وكذلك فعله لا يشبه شيئا من فعل خلقه، فإن اعتل أحد بقوله {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار}، فالمراد في ذلك يا صاحبي السجن عبادتكم لغير الله خير أم عبادة الله ، ألا ترى إلى قوله تعالى {إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} إلى قوله تعالى {أمر ألا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيم} فأخبر تعالى أن عبادة الله عز وجل خير من عبادة غيره، فإن قال : فقد قال: {من جاء بالحسنة فله خير منها}، قيل له : إنما على من فعل فعلا كوفئ بأكثر مما يستحق لا بأن يجازى يفعل غيره.
ص: 47-48: خبر
روى أو رزين، قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ وفي خبر قبل أن يخلق السموات والأرض، فقال - صلى الله عليه وسلم - كان في غماء، ماء تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء.
قال أبو عبيدة الغماء بالمد السحاب، ويقال هو الرقيق منه، قال الشاعر:
درعنا به سرفا يضاء جلوده كنجم الثريا أشرقت من غمائها (1/138)
صفحة 139
قال الأشعري من روى هذا الخبر في الغماء بالمد فمعناه كان القديم تعالى فوق السحاب مدبرا له وعاليا عليه، وقوله: ما فوقه هواء، أي ماء فوق السحاب، وكذلك قوله ماء تحته هواء، وقوله - صلى الله عليه وسلم - كان في غماء أي كان على السحاب أي فوقه، كما قال: {فسيحوا في الأرض} أي على الأرض ومثله كثير، وحروف الجر يدخل بعضها في بعض، قال عز وجل: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} بمعنى على جذوع النخل، قال الشاعر:
هم صلبوا العبدى في جذع نخلة فلا عطشت شيبان إلا بأجذعا
بمعنى على جذع نخلة
ومن روى في عمى مقصور فهو في الغمى بمعنى الاشتباه وأنشد ثعلب:
تمام العمى طول السكوت وإنما شفاء العمى يوما سؤالك من يدري
فمعنى العمى أنه لا شيء ثابت، وكأنه قال في جوابه عليه السلام أنه كان تعالى قبل أن يخلق خلقه في غير شيء، فمحصول جوابه أنه كان عز وجل في لا شيء إذ لم يخلق شيئا بعد، وقوله كان في عمى تشبه منه - صلى الله عليه وسلم - لمن هو لا شيء، أن يعمى أمر فيه، هذا عن الأشعرى.
ص 50-51: مسألة: فإن قال قائل: فقد قال الله عز وجل: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} فما هذا الحجاب؟ قيل معنى الحجاب هو المنع لهم عن رؤيته ، وليس من دونه حجاب يستره تعالى عز وجل عن ذلك علوا كبيرا. (1/139)
صفحة 140
قال الخليل: الحجاب اسم ما حجبته بين شيئين وكل شيء منع شيئا فقد حجبه ، واحتجب فلان إذا اكتن من وراء الحجاب، وحجاب الخوف يحجب بين الفؤاد وسائر البطن، وقول الناس فال محتجب عنالناس أي ممتنع من رؤيتهم له وإن لم يكن من دونه حجاب، وكره أبو محمد رحمه الله أن يقال في صفة الله تعالى المحتجب قال : وقد قال بعض المتكلمين، وكره أبو عبد الله رحمه الله أن يقال جل الله في ملكه لمكان في ، ولا يجوز أن يقال لا تولنا غيرك ولا تنسنا ذكرك ولا يجوز أن يوصف تعالى بالرأي فيقال الرأي لله لأن الرأي أن يرى الشيء بعد الشيء، وهو أيضا من البداء، أن يبدو له الرأي بعد إذ لم يكن والله تعالى لا يوصف بالبداء.
ص 52-53: ومنه ولا يقال أن الله تعالى يحذر ولا يخاف ولا يخشى إلا على معنى العلم، وقد قال تعالى {فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا}، قالوا في ذلك علمنا، فلا يجوز إلا على هذا التفسير، ولا يقال : يظن وإن كان الظن قد يجيء في موضع العلم، قال المفضل : قال الفراء في قوله تعالى {فخشينا} معناه علمنا وهو مثل إلا أن يخافا ألا أن يخافا إلا يقيما حدود الله، لأن خشينا وخفنا واحد، والخوف والظن يذهب بهما مذهب العلم، وقال دريد بن الصمة:
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرد
أي اعلموا ، ومثله قوله تعالى {الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم} قالوا يعلمون، فالظن يكون شكا ويكون يقينا، فالشك لا يجوز على الله تعالى، ومنه ولا يقال أنه تعالى يتقي ولا أنه يرجو لأن الرجاء إنما قد يكون على الخوف والطمع، وذلك عن الله تعالى منفي، ولا يقال يتحنن على خلقه ولا يتلطف ولا يتودد كما يقال أنه لطيف بهم ولا يقال أشفق الله عليهم. (1/140)
صفحة 141
ولا يقال أنه غلط ولا عنف على الكفار كما قيل أنه غضب عليهم، ولا يقال شيء أبعد عليه من شيء ولا شيء أهون عليه من شيء ولا يوصف بالعجلة، ومنه لا يجوز أن يقال : رأيت الله تعالى حتى يصل ذلك بكلام رأيت الله أهلك عادا وثمودا، وقال تعالى {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل}و{ألم تر إلى ربك كيف مد الظل}، ويجوز أن يقال : رأيت الله كيف مد الظل، ورأيت الظل كيف مده الله لأن المعنى واحد، وكذلك لا يجوز سمعت الله حتى يصل فيقول سمعت الله يقول، ويقول: وجدت الله تعالى صنع كذا ولا يقال : أدركت الله صنع كذا، ومنه ولا يوصف بالعناية ولا بالنصح، ولا يقال ألزم نفسه ويقال أوجب وكتب على نفسه، ولا يجوز أن يقال الله يحرك بي ويسكن بي كما جاز جاءني، ولا يجوز قام الله بك وسكن بك وحرك بك،وما كان مثله فعلى قياسه.
ص 53-54: ومنه ولا يقال أنه تعالى مشغول، لقوله عز وجل {كل يوم هو في شأن}، لأن المشغول المانع له الشيء من غيره ، والله تعالى لا يمنعه كثير ما دبر من أضعافه، معنى {كل يوم هو في شأن}، قيل من شأنه أنه يجيب سائلا ويشفى مريضا ويغنى فقيرا، وما يعرف من طوله وإفضاله، قال المفضل : كل يوم هو في شأن، أي من أمور خلقه يخلق واحدا ويميت آخر ويغنى واحدا ويفقر آخر ويدبر أمر خلقه على ما يرى عز وجل، قال : والشأن في كلام العرب ما قصدت له ، يقال : أقبل على شأنك أي على ما أنت قاصد له، والله ما شأنت شأنه أي ما قصدت قصده، قال الشاعر:
يا طالب الجود إن الجود مكرمة لا البخل منك ولا من شأنك الجود (1/141)
صفحة 142
أي ليس من قصدك الجود، ومنه ، ولا يقال : إن الله في ضيعاته ولا هذا صناعة الله يراد به صنعته، ولا يقال : يمسه شيء أو يمس هو شيئا، ولا يحل هو في شيء، أو يحل فيه شيء، ولا يعرف هو في شيء قرب المسافة ولا يقرب منه شيء ذلك القرب، وكذلك في هذا المعنى لا يقال البعد، ومنه الله تعالى خالق كل شيء ومالكه، ولا يجوز أن يقال لأجل هذا هذا ولد الله ولا زوجته ولا هؤلاء بنوه وبناته لأنه خالقهم، كما يقال : سماؤه وأرضه وخلقه ورسله وكتبه، ولا يقال قميص الله ولا رداؤه ولا نعله، ولا خفه ، وإن كان هو الخالق المالك لهذا كله، وكذلك هو خالق جميع الجوارح، ولا يقال هذه عين الله ولا يده ولا رجله ولا ما أشبه هذا كله ، لا يجوز إضافته إليه تعالى ، وإن كان هو خالقه ومالكه ولا يجوز عليه تعالى ما يستقبح وإن كان محتمل المعنى لأن القول في هذا إنما تسليم وأمور موضوعة لا على قياس وتشبيه، فلا يجوز على الله تعالى إلا ما أجازه العلماء وحسن من أسمائه الحسنى وصفاته العلا، والله أعلم.
ولا يوصف الله تعالى بالصعود ولا النزول ولا يقال : حواه مكان ولا خلا منه مكان، ولا فارقه مكان ولا لازمه مكان ، سبحانه كان قبل ذلك فاستغنى ربنا عن المكان، ولا يوصف بالقعود ولا القيام ولا الكسل ولا التواني ولا الخلوة ولا الفترة ولا الشهوة ولا الغفلة ولا اللهو ولا الشك ولا الجهل ولا الندم ولا السكوت ولا النطق، ولا يقال : أفسد خلق الفساد، بل يقال : خلقه لجميع ما خلق صلاح منه لا فساد، وعد لا جور، ولا يقال حاز ولا أربى ولا أزنى ولا أسرق ولا أقدر ، وهو تعالى خلق جميع ذلك سبحانه له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.
ص 59-91: باب في القول في آيات قوله عز وجل {يخادعون الله وهو خادعهم} (1/142)
صفحة 143
قال مقاتل: مخادعتهم بالعذاب عليها، وكذلك استهرأ الله بهم، كذلك سخر الله منهم،وكذلك ويمكر الله، وكل ما في القرآن من أشباه هذا فإنما هو من الله تعالى على المكافأة لا على ما هو في الناس، وهو توسع ومجاز في لغة العرب أن يسموا العقاب باسم الذنب الذي هو عقاب عليه، ومنه قوله عز وجل {وجزاء سيئة سيئة مثلها}، والجزاء عدل ليس سيئة فسمى باسم السيئة توسعا ومجازا، وربما سموا الذنب باسم العقاب على التوسع كقوله تعالى {الله يستهزئ بهم}، فسمى عقوبته إياهم على استهزائهم استهزاء بهم مجازا على ماقلناه، وقد جاء في بعض التفسير معنى يستهزئ بهم وأشباهه أنه يفتح للكفار والمنافقين باب جهنم فيرون أنهم يخرجون منها فيزدحموا للخروج فإذا انتهوا إلى الباب ضربتهم الخزنة بمقامع النيران حتى يرجعوا، وقال بعض : استهزاء الله تعالى معناه إهلاكهم وتدميرهم، وهذا المعنى معروف في لغة العرب، قال عبيد:
سائل بنا حجر بن أم قطام إذ ظلت به السمر الذوابل تلعب
والسمر لا تلعب، لأنها القنا، واللعب قريب من الهزء، وإنما معنى قوله تلعب بهم تقتلهم وتهلكهم.
مسألة: إن قال قائل: ما معنى قول الله عز وجل {لعله يتذكر أو يخشى}{ولعلهم يتقون}، وكيف جاز الشك منه ؟ قيل: هذا ليس منه جل ثناؤه على الشك، وإنما هذا على المجاز، وكان ابن عباس يقوله {لعله يتذكر} أي يتعظ عندكما، ولعل {عسى} من الله تعالى واجبتان في القرآن، وفي أشعار العرب مثل ذلك، قال ابن مقبل:
ظني بهم كعسى وهم يبنونه يتنازعون جوائز الأمثال
أي يقيني بهم كيقين، ولم يرد ظني بهم كظن، وقد قيل : إن فرعون قد تذكر وخشي بقوله : {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل}. (1/143)
صفحة 144
مسألة: قوله عز وجل {فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها} الآية إن قيل كيف يكون نكالا لما مضى قبلهما من الأمم وقد مضت، قيل كان ابن عباس يقول: لما بين يديها أي لما فيها من ذنوبهم وما خلفها من بعدها من بني إسرائيل وقال المفضل: قال الحسن يعنى ما بين يديها من الذنوب السالفة وما خلفها أي خلف تلك الذنوب وهو صدها، والنكال العذاب، قال جرير:
إني جعلت فلن أعافى ثعلبا للظالمين عقوبة ونكالا
مسألة : فإن سأل عن قوله عز وجل {فهي كالحجارة أو أشد قسوة}، فقال : كيف جازت {أو} من الله تعالى وإنما هي للشك؟ قيل له: قد جاء عن أهل اللغة والتفسير أن {أو} في هذا الموضع ليست للشك ولا يجوز على الله سبحانه وتعالى الشك ومعنى {أو} إذا كان بمعنى الزيادة على الشيء أو النقصان منه كان معناها بل، كقوله عز وجل {إلى مائة ألف أو يزيدون} لما كانت مائة ألف من الناس نهاية أخبر تعالى أنه بعث الله نبيه عليه السلام إلى هذا العدد العظيم عندهم، ومن القلة والقرب قوله تعالى {فكان قاب قوسين أو أدنى}، وكذلك {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب}، وأنشد الفراء في (أو) معنى (بل):
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وبهجتها أو أنت في العين أملح
وإذا كانت (أو) بمعنى إضافة الثاني إلى الأول كانت بمعنى الواو، ومنه قول النابغة:
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد
أي (ونصفه)، ومعنى فقد أي حسب قال توبة بن الحمير:
وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها
فقوله تعالى {أو} على هذه المعاني لا على الشك تعالى الله عن الشك.
مسألة: فإن سأل عن قوله عز وجل {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين}، فقال: كيف جاز أن يلوم هؤلاء على ما لم يفعلوا ولم يدركوا ؟ قيل : لما كان الأبناء راضية بما صنعت الآباء من قتل الأنبياء دخلوا معهم في الإثم وكانوا قتلة مثلهم، والله أعلم. (1/144)
صفحة 145
مسألة: فإن سأل عن قوله تعالى {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها}، فقال: أو يكون بعض القرآن خيرا من بعض، قيل له: قال ابن عباس وغيره هي: العمل بهذه المحدودة خير من العمل بهذه المنسوخة أو مثلها أي مثلها في الفضل قل أن ننسخ ، وقال بعض: نأت بخير منها أي أسهل عليكم في الأمر والنهي والفرض فذلك خير لكم.
مسألة: فإن سأل عن قوله عز وجل: {يقول له كن فيكون}، فقال: كيف قال : يقول له وليس ثم شيء بعد؟ قيل : قد قيل يجوز أن يكون معنى {يقول له} يكونه فجعل القول فعلا، مثل قولك : قال برأسه إذ حركه، ولم يقل شيئا كما قال أبو النجم:
وقالت الأنساع للبطن الحق قدما فأصت كالفنيق المحبق
الأنساع السيور ، والفنيق الحمل، وليس ثم قول إنما المعنى لحق البطن بالظهر، ووجه آخر لما كان الشيء قد تقدم علمه تعالى فيه صار كله ماثل لديه فجاز أن يقول له {كن فيكون}، والله أعلم.
وقال أبو الحسن رحمه الله: الأمر قد يكون قولا وغير قول فالقول ما أمر به من جميع أوامره فهو أمر بالقول ، وقد يكون قوله أمرنا هو إيتاء المراد لأن قوله تعالى : {إنما أمرنا لشيء إذا أردناه}، أنه يأتي كما أردنا أن نقول له كن فيكون كما قال تعالى : {أتاها أمرنا ليلا أو نهارا}، فقد يكون غير قول، والخطاب إنما هو على ما يتعارف في اللغة التي نزل بها القرآن.
مسألة: فإن سأل عن قوله عز وجل {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول} وقوله تعالى {حتى نعلم المجاهدين منكم}، ومثل هذا في القرآن ، فقال : أليس قد علم كونه، فما معنى ذلك؟ قيل له: المعنى فيه أنه قد علمه قبل كونه ولكن فعل ذلك لنقرر عندكم علمنا بمن يتبع الرسول منكم وهو في كلام كرجل قال لصاحبه : النار تحرق الحطب ، فقال الآخر: هات النار والحطب لنعلم ذلك بالفعل الذي يوجب الجزاء. (1/145)
صفحة 146
مسألة: فإن سأل عن قوله عز وجل {لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم}، فقال : كيف جاز هذا الكلام وليس للذي ظلموا حجة ، قيل له: قال أبو عبيدة موضع {إلا} هاهنا ليس موضع استثناء ، إنما هو موضع واو الموالاة، ومجازها : لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذي ظلموا ، قال الأعشى:
إلا كناشرة المكلف نفسه وأبى قبيضة أن أعيب وتشهدا
معناه : وكناشرة، وفيه غير هذا تركته لئلا يطول.
مسألة: فإن سأل عن قوله {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله}، وهم مشركون ، قيل له: قال المفسرون : أي كحب المؤمنين الله، فإن قال : فقوله تعالى {يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم}، أي أعمال كانت لهم؟ قيل له: قد قيل بوجوه، أحدها يقول: أعمالهم السوء تصير حسرات عليهم وندامات هلا كانوا عملوا غيرها، وهو قول ابن عباس، والوجه الآخر : يقول أعمالهم التي فرضت عليهم في الدنيا وعمل بها غيرهم ، فاستوجب الثواب ولم يعملوا هم بها ووجه آخر قاله المفضل: ليست هناك أعمال ترى إنما يعلمون أن أعمالهم في الدنيا لم تنفعهم.
مسألة: فإن سأل عن قوله تعالى {فما أصبرهم على النار}، فقال : وهل يكون عليها صبر؟ قيل له: يريد ما الذي جرأهم على النار يصيره استفهاما، وهو قول ابن عباس، وقال أبو عبيدة: (ما) في هذا الموضع في معنى (الذي)، مجازها: ما الذي صبرهم على النار ودعاهم إليها وليس بتعجب؟ وقال المفضل : فيه وجهان أحدهما أن يكون (ما) بمعنى (أي) كأنه قال :أي شيء صبرهم على النار، ويقال: أصبره على كذا وكذا وصبره بمعنى، والوجه الآخر : ما أصبرهم، ما أجرأهم، وقال الكسائي: قال لي قاضي اليمن اختصم إلي رجلان من العرب فحلف أحدهما على حق صاحبه، فقال صاحب الحق: ما أصبرك على الله، أي ما أجرأك عليه، وكذا قال، وكأن يقول : ليس والله لأحد صبر على النار، ولكنه بمعنى ما أجرأهم على النار بأعمالهم. (1/146)
صفحة 147
مسألة: فإن سأل عن قوله عز وجل {أحل لكم ليلة الصيام}، فقال تعالى : ليلة وهي ليال؟ قيل له: هذا جائز عند العرب، قال عز وجل {ثم يخرجكم طفلا}، يريد أطفالا، وقال تعالى : {والملائكة بعد ذلك ظهير}، يريد ظهراء، وقال عز وجل : {والملك على أرجائها} يريد الملائكة، قال الغنوي:
إن تقتلوا يوما فقد شربنا في حلقكم عظاما قد استحينا
يريد في حلوقكم ، قال العباس بن مرداس:
فقلنا أسلموا إنا أخوكم فقد برئت من الإحن الصدور
أي أخوتكم.
مسألة: فإن سأل عن قوله عز وجل {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} وقوله تعالى {فأتى الله بنيانهم من القواعد}و{فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا}،{وقدمنا إلى ما عملوا من عمل}{وجاء ربك والملك صفا} فقال : كيف أخبر أنه نزول من مكان إلى مكان ، قيل له: المعنى في ذلك غير ما ذهب إليه وهو أنه جاء وأتىأمره وحسابه وعذابه، وكان ابن عباس يقول : قدمنا إلى ما عملوا أي عمدنا فذكر نفسه وهو تعالى يريد أمره فقال:{أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} عنى بقوله استووا أي ارتفعوا إلي.
مسألة: فإن قال كيف يجوز أن تقول {ثم استوى على العرش} وثم لا يجري في اللغة إلا على معنى حادث وملكه الأشياء عندكم غير حادث؟ قيل له: إن معنى قوله تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر} أراد به تدبر الأمر وهو مستو على العرش، فذكر {ثم} عند الاستواء توسعا في القول، وهو يريد : ثم يدبر، كما قال: {حتى نعلم المجاهدين منكم}، وحتى لا تجري في الكلام إلا على معنى حادث مستأنف، ولا يجوز أن يعلم الله تعالى الأشياء بعلم حادث مستأنف، لأنه لم يزل بالأشياء كلها عليما، ولكن أراد بقوله عز وجل {حتى نعلم المجاهدين منكم} حتى يجاهد المجاهدون، وهو عالم بهم، فذكر {حتى} مع قوله تعالى {نعلم} توسعا في القول ومجازا، وهذا مثل قوله تعالى{ثم استوى على العرش يدبر الأمر}. (1/147)
صفحة 148
مسألة: فإن قال : فما قوله تعالى : {استوى إلى السماء}، قيل له: أراد بذلك ثم قصد خلق السماء فذكر الاستواء وهو يريد القصد مجازا، فقال المفضل: قال الحسن:يعني استوى أمره وصنعه الذي صنع الأشياء إلى السماء. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خلق الله الأرض في يومين قبل السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين.
وقيل عنه رحمه الله : استوى إلى السماء أي صعد أمره إلى السماء، وقال المفضل: العرش والكرسي والسرير واحد.
مسألة: فإن قال : فما معنى قوله عز وجل {وإلى الله ترجع الأمور}، وهي راجعة إليه الساعة، وإنما يقول القائل إلى ترجع الأمور إذا لم تكن في يده، قيل: معناه أن المسألة عن الأعمال والثواب عليها والعقاب ترجع إليه يوم القيامة لأنهم اليوم غير مسئولين عن أعمالهم ولا مثابين عليها ولا معاقبين.
وكذلك قوله تعالى {وإلى الله المصير} وهو الساعة في ملكه. فإن قال: فما معنى قوله عز وجل {وسع كرسيه السموات والأرض} وقد نرى الأرض وليس نرى الكرسي؟ قيل له: نقل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: يا ويله، وسع علمه السموات والأرض، وقد قيل : إن الكرسي في اللغة العلم ، قال الشاعر: تحف بها بيض الوجوه وعصبة كراسي بالأحداث حين تنوب
كراسي أي علماء.
مسألة: فإن قال : فما معنى قوله عز وجل {إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} أكان شاكا في إحيائه الموتى؟ قيل له: قد قيل فيه أقاويل وكلها تنفي عنه الشك، أحدها أن يكون أراد ليطمئن قلبي ، فإن نفسي تنازعني إلى مشاهدة ذلك مع العيان مع تصديقي بعيني، والآخر ليطمئن قلبي إلى إحيائك، وأن لا تكون قد رددتني عما طلبته، وقال المفضل: ولكن ليطمئن قلبي أي يسكن إلى مشاهدة ما يرى من قدرتك فلا يختلجه في اليقين بذلك شك، قال : وقد قيل معنى ليطمئن قلبي لأنظر بحسي من لطائف رحمتك ما أدركه بالخبرة. (1/148)
صفحة 149
وقال ابن محبوب رحمه الله : ولكن ليطمئن قلبي بتصديق قومي أنك تحي الموتى متى أخبرتهم بذلك.
مسألة: فإن قال: فما معنى قوله عز وجل {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} الآية، كيف يجوز على الحكيم أن يعذب جلودا لم تعصه قط فقد قيل فيه بوجوه، أحدها : أن الجلود لا تألم وإنما النفوس، فهذا وجه، ووجه آخر أن يعاد ذلك الجلد بعينه جديدا، وقال المفضل : المعنى أن تلك الجلود إذا نضجت ردت صحاحا، فمعنى غيرها أي غيرها وهي محترقة لأنه تعالى أعدل وأرحم من أن يعذب من لا يعصيه، وكذلك قوله عز وجل: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} أي تمد فتصير أوديتها وآكامها وكل مضطرب الخلقة فيها شيئا واحدا أرضا مستوية فهي الأرض، وقد بدلت غيرها في الصورة.
وكذلك عن أبي محمد رحمه الله قال: معنى ذلك تبدل ألوانها وأما يؤتى بغيرها فلا، ولكن يحدث ألوان أخر لعظم ذلك اليوم.
قال: وكذلك تبدل جلود أهل النار تعاد كما كانت هي لا غيرها، ومنهم من يقول غيرها، وأما قولنا نحن فتعاد هي وإنما المعنى في غيرها الألوان لا لون الثاني، تبديل التي فنيت مرة بعد مرة يجوز أن تقلب بلون آخر.
مسألة : فإن قال : فقوله عز وجل {اليوم أكملت لكم دينكم} أكان الدين ناقصا؟ قيل له: قيل معناه أكملت الفرائض عليكم والشرائع لأنه إنما أنزل أولا فأولا ولم يعن التوحيد لأن التوحيد لم يزل تاما. (1/149)
صفحة 150
مسألة : فإن قال : فقوله عز وجل {وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين} الآية، كيف قال : وإذ ، وإذ إنما تكون لما مضى، والآية تدل على أنه يكون ذلك في القيامة؟ قيل له: قال المفضل : قال الكلبي عن ابن عباس : معناه وإذ يقول الله يا عيسى أخبر نبيه عليه السلام أنه يقول لعيسى عليه السلام يوم القيامة، وقال الفراء وغيره : إنما قال عز وجل {وإذ قال} ولم يقع ذلك {وإذ} إنما يكون للماضي ، لأن أخبار الله عز وجل كلها لا يجوز فيها اختلاف، وكأن ما يخبر عنه قبل وقوعه حاضر مشاهد، كقوله تعالى {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} لما كان كائنا لا بد منه كان كالشاهد.
مسألة: فإن قال : فقوله تعالى {أأنت قلت للناس} كيف يسأله عن شيء قد علم أنه لم يقله؟ قيل: قال المفضل: قال الحسن: إنما يقول ذلك وإنما قد علم عز وجل أنه لم يقله ليرد عيسى ما حكا عنه عز وجل {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق}، فيكذب الذي ادعوا أن عيسى ابن الله على رؤوس الخلائق.
مسألة: فإن قال : فقوله {رب بما أغوتني}{وإن كان الله يريد أن يغويكم}، كيف جاز من الله عز وجل؟ قيل له: قال المفضل: أغويتني ألفيتني غاويا، أي ضالا بمخالفتي أمرك ، وقال بعض المفسرين : أغويتني سميتني غاويا بمخالفتي أمرك، وقال الحسن: أغويتني لعنتي، وأما {وإن كان الله يريد أن يغويكم} فمعناه أن يضلكم ويمنعكم الرشد، وقال الحسن : يعذبكم أي لا ينفعكم نصحي بما أدعوكم إليه من الإيمان إذا نزل بكم عذاب الله وآمنتم لم ينفعكم يومئذ. (1/150)
صفحة 151
مسألة: فإن قال : فقوله عز وجل : {ورحمتي وسعت كل شيء} كيف ولم تسع الكافر الذي لم يرحمه؟ قيل له :قال المفضل : قال الكلبي : لما قال الله تعالى ذلك تطاول لها إبليس وقال أنا من ذلك الكل فأخرجه الله تعالى من ذلك وجنبه بقوله تعالى : {فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة} الآية، فقالت اليهود :فنحن منهم نحن أصحاب الكتاب والعلم القديم فأكذبهم الله تعالى فقال: بل هم {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} الآية، وقال غيره، وأظنه ابن عباس: {ورحمتي وسعت كل شيء} يقول في الدنيا يعنى قد عمت الناس ، فسأكتبها في الآخرة للمؤمنين، يقول فسأجعلها لهم دون الكفار يعني الجنة.
مسألة: فإن قال :فقوله {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} وفي موضع آخر {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون}، وفي موضع آخر {إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} كيف جاز أن يقول لعبادي ثم خلقت كثيرا منهم لجهنم؟ قيل له: لما كان مصيرهم إليها يعلمهم كأنهم خلقوا لها، وذلك من كلام العرب واسع، كقولك للرجل-إذا بعثته في أمر فعاد إليك بضرر-: إنما بعثتك لتضرني، وليس لذلك بعثه، قال سماك بن عمر العاملي:
أم سماك فلا تجزعي فللموت ما تلد الوالدة
وإنما تطلب الوالدة الولد لينفعها فلما كان مصير إليه جعل ولادتها له، ومثله قول الكميث:
فللموت تغذو الوالدات سخالها كما لخراب الدور تبنى المساكن
والوالدة لا تغذو أولادها للموت ولا تبنى المساكن للخراب وإنما للعمارة، ولكن لما كانت العاقبة للموت والخراب جاز ذلك، ومثله قول الأخطل:
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها
ولم نجمع المال للوارث ولم نبن الدور للخراب، ولكن لنسكنها، ومن ذلك {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا}، وليس لذلك التقطوه، ولكن ليسروا به {وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه}، ولكن لما كان ذلك عاقبة أمره جاز أن يجعل الالتقاط له. (1/151)
صفحة 152
مسألة: فإن قال: فقوله عز وجل: {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها} الآية، ما معنى هذا والقلوب يعقل بها والأعين يبصر بها والآذان يسمع بها؟ قيل له: إنه لما لم يفقهوا بقلوبهم ولم يبصروا بأعينهم لم ينتفعوا بجوارحهم، ومثل ذلك قول مسكين الدارمي:
أعمى إذا ما جارتي خرجت حتى يواري جارتي الستر
وأصم عما كان بينهما سمعي وما سمعي به وقر
فجعل نفسه أعمى أصم لما لم يبصر ولم يسمع، وقال آخر:
وكلام سيء قد وقرت أذني عنه وما بي من صمم
ومثل هذا كثير في كلام العرب وأشعارها.
مسألة: فإن قال : فقوله عز وجل {فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط} كيف جاءت المجادلة من إبراهيم عليه السلام، وهو نبي ؟ قيل لهه : قال قوم : معنى يجادلنا أي يجادل رسلنا، وقال المفضل يجادلنا هو من كلام الرسل قالوا لما ذهب عنه الروع يجادلنا أي يحاجنا في قوم لوط وهو قوله حين قالوا لنرسل عليهم حجارة من طين : إن فيهم لوطا وأهله كيف تفعلون بهم ذلك؟. (1/152)
صفحة 153
مسألة: فإن قال : فقوله تعالى {ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون}، كيف جاز ليوسف عليه السلام أن يسرق قوما لم يسرقوا؟ قيل له:قال قطرب فيه بوجهين أحدهما إنكم سارقو يوسف يوم سرقوه من أبيه ورموا به في الجب فيكون ذلك صدقا من يوسف عليه السلام، والوجه الآخر أن يكون المنادى نادى بغير أمر يوسف، فحكى الله عز وجل ذلك عن المنادي، ويجوز أن يكون يوسف عليه السلام أمر بوضع الصاع في وعاء أخيه بغير علم الذي ناداهم بالسرقة فلا يكون المنادى تعمد كذبا، وقال المفضل: قال الفراء هو من مكايد الأنبياء ولعمري إن الأنبياء ليكيدون حتى يبلغوا ما يريدون، وذلك مما يحسن ويجوز، ومنه ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا أراد سفرا ورى عنه بغيره والكذب فيما يجلب منفعة أو يدفع مضرة أو أقام لله تعالى حجة لا بأس به، فقد حكى الله عز وجل عن إبراهيم عليه السلام فيما أراد من كسر الأصنام فقال إني سقيم ولميكن سقيما في ذلك الوقت، قال : وفيه عندي وجه آخر بدون هذا وهو أنه عارضهم قول يتوهم ن لا يعلم معناه أنه كذب وهو حق، قال : إنكم لسارقون أي في قومكم من يسرق، وأضاف السرق إلى جميعهم، وإنما هو في بعضههم كما يقال قتل أهل الكوفة رجلا وإنما قتله بعضهم، ومنه قوله عز وجل: {فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين}، وإنما قتلهم أسلافهم، من ذلك قول جليلة بنت مرة أخت جساس بن مرة قاتل كليب وهي امرأة كليب، قالت:
إني قاتلة مقتولة فلعل الله أن يرتاح لي
فجعلت نفسها أنها قاتله لأن أخاها قتل ومقتولة لأن زوجها قتل. (1/153)
صفحة 154
مسألة: فإن قال : فقوله عز وجل: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}، قيل له: قال الكلبي: يعني أهل مكة يقول إذا سألتهم من خلقكم قالوا الله ، ومن يرزقكم قالوا: الله، وهم مشركون بالله يعبدون الأصنام، فمعنى إيمانهم هاهنا الإقرار بالله عز وجل فقط لا الإيمان التام بإقامة الشرائع وأداء الفرائض، وفي تفسير ابن عباس في هذه الآية ، قال : كانت العرب في الجاهلية إذا لبى أحدهم قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك.
مسألة: فإن قال : فما معنى قوله عز وجل {هذا صراطٌ عليَّ مستقيم}، قيل له: قد اختلف القراء في ذلك فأكثرهم بفتح الياء من عليَّ، وروي عن زياد بن أبي مريم وعبد الله بن كثير أنهما قرآها كذلك، وقال علي : هي إلي، وقال ابن الكلبي هو كما تقول: "الطريق علي وأنا على الطريق"، وقال الفراء: يقول "مرجعكم إلي فأجازيهم"، وهو كقوله تعالى {إن ربك لمرصاد}، وروي عن ابن سيرين وقتادة وقيس بن عباد {صراطٌ عليٌّ} بإعراب الياء يجعله نعتا للصراط أي رفيع شريف.
مسألة: فإن قال: فقوله تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذي يضلونهم}، ومثله{وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم}،كيف جاز على الحكيم مع قوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى}، قيل له: قال قطرب في ذلك: ليحملوا أوزارهم كاملة يومالقيامة ومن أوزار إضلال الذي يضلونهم بغير علم، وهذا شبه بقوله تعالى{واسأل القرية} أي أهل القرية ، وقال المفضل: ليحملوا أوزارهم أي يأتوا بآثامهم فيعاقبوا عليها، ومن أوزار الذين يضلونهم أي يأتوا أيضا بآثام من أضلوا فيعاقبوا عليها من غير أن ينقص من آثام أولئك شيء، وكذلك كل من أصل إنسانا كان عليه مثل وزره من غير أن ينقص من وزر ذلك شيء، وكذلك من هدى أحدا إلى خير فعمل به كان له مثل أجره من غير أن ينقص ذلك من أجره شيئا. (1/154)
صفحة 155
مسألة: فإن قال :فقوله تعالى {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها}، أيأمر بالفسق وهو تعالى يقول:{إن الله يأمر بالعدل والإحسان}؟ قيل له: قال قطرب وغيره : المعنى أمرناهم بالطاعة ففسقوا فيها، وهي قراءة أبي عمرو بن العلاء أمرنا يخفف على الأمر. ووجه آخر وهي قراءة الحسن أمرنا وهي ممدودة أي كبرنا، وقراءة أبي العالية أمرنا أي سلطانا، وقالوا في معنى الكثرة أمر القوم يأمرون أمرا أي كثروا، وقالوا في مثل لهم: الشر أمر أي تام زائد، وقال لبيد:
إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا يوما يصيروا للهلك والنكد
معناه وإن كثروا يوما، قال زهير:
والإثم من شر ما يصال به والبر كالغيث نبته أمرّ
أي كبير
مسألة: فإن قال فقوله تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} أليس قد أرسل بالآيات فقال تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا}، وقال تعالى: {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين}؟ قيل له: قيل معنى ذلك ما منعنا أن نرسل بالآيات التي سألك قومك إلا أن كذب بها الأولون، فأهلكناهم لما كذبوا بها، يقول تعالى:"فلو أتيناهم بآية فلم يؤمنوا أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم". (1/155)
صفحة 156
مسألة: فإن قال: فقوله تعالى {وننزل من القرآن ما هو شفاء} بعض شفاء دون بعض؟ قيل له: قال المفضل معناه الذي ننزله إليك من القرآن أولا فأولا هو شفاء لهم دون استكماله لأنه لم نزل جملة واحدة فأراد عز وجل أن ما ينزل منه شفاء ورحمة للمؤمنين إلى أن يستكملوا تنزيله، قال: وقال قطرب: معنى {من} الطرح كقوله تعالى {نكفر عنكم من سيئاتكم} و{اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} المعنى:"نكفر عنكم سيئاتكم" و"اتخذوا مقام إبراهيم مصلى"، والأول أحسن وأصح في المعنى، لأن {من} إنما تدخل في الكلام التام فأما في الناقص فلا، وهذا مفصل بقوله عز وجل {ما هو شفاء ورحمة}، ألا ترى أنك لو قلت: "ننزل القرآن ما هو شفاء" لم يجز كما تقول "نكفر عنكم سيئاتكم" و "اتخذوا مقام إبراهيم مصلى"، يقول ذو الرمة:
تبسمن عن نور الأقاحي في النوى وفترن من أبصار مضروجة كحل
أراد وفترن أبصارا مضرجة أي ملطخة.
مسألة: فإن قال فقوله تعالى {كلما خبت زدناهم سعيرا}، ثم قال في آية أخرى {لا يخفف عنهم من عذابها}، والخبو السكون، قيل له: قال المفضل : معنى ذلك والله أعلم أنها إذا أكلت جلودهم ولحومهم فلم يكن لها ما يلتهب فيه فلم تبق من حرها إلا ما يصل جلودهم فيستعر فيها لا أنها تطفأ عنهم ولا يخفف عنهم من عذابها ، فقال خبت النار تخبو خبوا إذا سكن لهيبها قال القطامي:
وكنا كالحريق أصاب غابا فتخبو ساعة وتهب ساعا
ساع جمع ساعات (1/156)
صفحة 157
مسألة: فإن قال : فقوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} أليس قد عبدت الملائكة وعبد عيسى بن مريم عليه السلام ، فما معنى ذلك؟ قيل له: قال الكلبي عن ابن عباس إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام مما يلي الكعبة ثم قرأ هذه الآية فوجد منها أهل مكة فدخل عليهم عبد الله بن الزيعري الشاعر، وهم يخوضون فيها، فقال : لو كنت هاهنا لخصمته فلقيه فقال: يا محمد أرأيت ما قلت لقومك آنفا، أخاص لهم أم عام؟ فقال :بل عام لمن عبد شيئا من دون الله، قال: هذه لنصارى تعبد عيسى ، فعيسى والنصارى ف النار واليهود تعبد عزيرا فعزير واليهود في الناء وبنو مليح من خزاعة يعبدون الملائكة فالملائكة وهم في النار، فسكت - صلى الله عليه وسلم - ولم يجبهم ، فقال ابن الزبعري خصمتك، فضحكت قريش بذلك، ونزل قوله عز وجل {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون}، أي يضحكون ،فأنزل الله في جواب قولهم: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} الحسنى الجنة، يعني عيسى بان مريم والملائكة عليهم السلام فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال : هلا إذ سألتك قلت هذا ولكن تذكرت إذ خلوت.
وقال قطرب: العرب إنما توقع ما في أكثر كلامها على غير الآدميين ، فكأنه قال عز وجل "إنكم وما تعبدون من دون الله من الأصنام والحجارة -يعني الحجارة التي عبدوها من دون الله- يعذبون في جهنم.
مسألة: فإن قال لقوله عز وجل {فإن له نار جهنم لا يموت فيها ولا يحيى} فيكون شيء ليس بحي ولا ميت؟ قيل له: قال المفضل وقطرب: أي لا يموت فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه. (1/157)
صفحة 158
مسألة: فإن قال لقوله عز وجل {أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون} كيف جاز أن يسميهم وارثين وإنما الميراث للحي من الميت، قيل له: قال ابن عباس: إنه ليس أحد من بني آدم إلا وقد أعد الله عز وجل له أهلا ومنزلا في الجنة على العمل بطاعته، فمن أطاع منهم صار إلى ذلك الأهل والمنزل الذي أعد في الجنة، ومن عمل منهم بمعصية الله صار إلى النار، وكأنما أعد له لأهل الجنة إلى منازلهم التي أعدها الله تعالى لهم، وذلك قوله عز وجل: {أولئك هم الوارثون}.
مسألة: فإن قال : فقوله عز وجل {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} كيف يسبقون الخيرات، قيل له: المعنى غير ذلك، كأنه قال تعالى "وهم إليها سابقون"، ومثله في القرآن كثير، ومنه {إنا سمعنا مناديا ينادي للإيمان} أي إلى الإيمان ، ومثله {بأن ربك أوحى لها} أي المعنى أوحى إليها، قال الأعشى:
وما عبدت من أهلها لسوائكا، ووجه آخر {وهم لها سابقون} أي من أجلها سابقون، كقولك فعلت هذا لزيد أي من أجل زيد ، قال النمر بن تولب:
ما كنت أجدع للخليل بخلة حتى يكون لي الخليل جدوعا
وقال عمر بن أبي ربيعة:
وخطة خسف يجعل الموت دونها يقول لها للموت أهلا ومرحبا
الخسف الضيم، وقال آخر:
وقمير بدا ابن خمس وعشرين له قالت القناتان قوما
أي بسبب طلوعه.
مسألة: فإن قال : فقوله عز وجل {وهو أهون عليه} أيكون شيء أهون عليه من شيء؟ قيل له : قال ابن عباس وغيره: يقول كل هين أول خلقه إذ لم يكن شيئا وآخره إذ لا يكون شيئا، وذلك موجود في الشعر ، وقال ذو الرمة:
أخا فقرات ذيبت في عظامه شقافات أعجاز الكرى فهو أخضع
يريد فهو خاضع، والشقافات بقيات ، والشقافة الباقية من كل شيء، وأعجاز الكرى أواخره، قال لبيد:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تعدو المنية أول (1/158)
صفحة 159
قوله أوجل يريد وجل، ومثله كثير، قال ابن عباس: لا يقال هذا هين عليه وهذا شديد عليه، كل ذلك هين عليه، وقال أبو عبد الله هذا التفسير يسمى المختصر، يقول: وهو أهون عليكم أنتم يا بني آدم.
مسألة: فإن قال فقوله تعالى {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض في يوم كان مقداره ألف سنة}، وفي آية أخرى {تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} ما معنى هذا الاختلاف؟ قيل: قال ابن عباس وغيره: ينزل الملائكة ثم تصعد في يوم أو بعض يوم، وكان مقدار مسيرة ذلك اليوم ألف سنة مما تعدون، لأن بعد السماء الأرض مسيرة خمسمائة عام لابن آدم فإذا قطعته الملائكة عليهم السلام نازلة وصاعدة في يوم واحد فقد قطعت مسيرة ألف سنة، وأما قوله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فهو يوم القيامة ، قال قطرب: يقول تعالى: لو كان محاسبة العباد إلى غيره عز وجل لكان حاسبهم في خمسين ألف سنة، والله تبارك وتعالى يحاسبهم في أسرع من الطرف كما قال جل ثناؤه:{وهو سريع الحساب}، قال الكلبي: مقدار ذلك اليوم عند الخلق في فصل القضاء خمسون ألف سنة،قيل معناه تعرج إلى المكان الذي لا يتولى الحكم وإنفاذ الأمور فيه إلا هو، فإن قال : بماذا كان ما يصعد يقال يصعد ويعرج إليه وما ينزل لا يقال أنه ينزل إليه بل يقال إنه ينزل من عنده ، قيل له : لأنه جعل مكان تدبيره وما ينزل من وحيه إلى الأرض وأخباره السماء وإن لم تكن السماء مكانا له، وكان ما ينزل من السماء إلى الأرض من أمره وأحكامه إنما يملك عباده الحكم فيه والقيام بإنفاذه فلهذا كان الأمر ينزل من قبله من السماء إذ كان مكان الأمر السماء وإن لم يكن السماء مكانا له، وكأنما ينزل إلى الأرض لا يقال أنه ينزل إلى الله إذ كان إذا أنزله ملك عباده القيام به فلهذا كان نازلا إليهم لا إليه، فإذا عرج إلى السماء قيل له يعرج إليه لأنه لا يملك أحد الحكم في ذلك غيره . (1/159)
صفحة 160
مسألة: فإن قال فما معنى قول الله تعالى : {من الله ذي المعارج} قيل له : المعارج هي الأمكنة المرتفعة ويدل على ذلك قوله تعالى: {ومعارج عليها يظهرون}، يعني أماكن مرتفعة ، والله خالقها نحو السماء والعرش وغير ذلك، وإن لم يكن هذه الأماكن أماكن له لأنه لا يحتاج الأماكن وهي أماكن لتدبيره ولصنعه ولمن أسكنهم فيها من ملائكته وخلقه، فهو ذو الأماكن المرتفعة إذ كان خالقا لها كما أنه كان خالقا للفضل العظيم الذي أنعم به على عباده، قال : إنه ذو الفضل العظيم وإن كان هذا الفضل هو فضله على عباده وكان الله عنه غنيا، وكذلك قوله تعالى{رفيع الدراجات} يعني التي يعطيها الله أنبياءه وأولياءه في الجنة لأنها درجات رفيعة، وقوله ذو العرش يعني خالق العرش ومالك العرش وهو غني عن العرش، وعما وصفه به المشبهة من الكون على العرش تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
مسألة: فإن قال : فما معنى قوله عز وجل {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه} قيل له : إن الله تعالى جعل موضع تدبيره للأمور التي ينزلها إلى عباده السماء فأنزل إليهم الأمور من السماء مع الملائكة عليهم السلام، وملكهم القيام بها فإذا كان يوم القيامة كانت الأمور كلها راجعة إليه لأنه لا يملك إنفاذها في الآخرة غيره، فلهذا جاز أن يقال إن الأمور راجعة إليه، وعرجت إليه لأنها إلى المكان الذي لا ينفذ الأمور فيه غيره، وإن يكن معنى ذلك على ما تذهب إليه المشبهة من ذلك أن الله تعالى في مكان مرتفع. (1/160)
صفحة 161
مسألة: فإن قال : فما معنى قوله عز وجل: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} قيل له معنى ذلك أنه يصعد إلى المكان الذي لا يتولى الحكم وإنفاذ الأمور فيه إلا هو جل وعز، فإن قال: فما معنى الصعود به مكتوبا إلى المكان الذي لا يتولى الحكم فيه إلا هو تعالى؟ قيل : لأنه لا يحكم بين العباد يوم القيامة غيره، وكذلك معنى قوله سبحانه وتعالى{إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون}في المكان الذي لا يتولى الحكم فيه بينهم غيره عز وجل، فجميع ما بينا نم هذا التأويل لا يقدر أحد أن يرد صحة ذلك و مجازه من جهة اللغة والله أعلم.
مسألة: فإن قال : فما معنى قوله عز وجل: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} قيل له معنى ذلك أنه حافظ عليها كسبها كقوله تعالى: {ما دمت عليه قائما} حافظا له، وقال الشاعر:
أتيت لا مستعتبا من إساءة يقوم بها قوم علي ولا ذنب
مسألة: فإن قال: فما معنى قوله عز وجل {وكان الله عليما حكيما} وعزيزا وقديرا وما أشبهه، أوليس {كان} لما مضى؟ قيل : قد تجيء {كان} على وجوه كثيرة: لما مضى، ولما حدث ساعته، ولما لم يجيء بعد في موضع يكون، ويكون بمعنى الوجوب فيكون دخولها وخروجها واحدا إلا أن عملها في رفع الاسم ونصب الخبر كقوله الله عز وجل {وكان الله غفورا رحيما} وأشباه ذلك ليس لشيء ماض ولكنه واجب دائم أبدا ، ومنه {كنتم خير أمة أخرجت للناس}، ومنه {نكلم من كان في المهد صبيا} أي هو في المهد صبيا، ويكون صلة دخولها وخروجها سواء والمعنى واحد ، قال عز وجل {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم} والمعنى واحد لأن المخاطبين المؤمنين، قال الفرزدق:
فكيف إذا رأيت ديار قوم وجيران لنا كانوا كرام
فألغى كان كما ترى ولو استعملها لنصب كراما، فقول الله عز وجل {وكان الله عزيزا حكيما} هو في قول بعضهم على معنى الوجوب، وقول بعضهم على إلغاء كان، لأنها صلة، فالمعنى "الله عزيز حكيم" ودخول كان وخروجها سواء والله أعلم. (1/161)
صفحة 162
مسألة: فإن قال : فما معنى قوله عز وجل {ذق إنك أنت العزيز الكريم} كيف جاز أن يمدحه وهو معذب؟ قيل له : ليس هذا بمدح إنما معناه ذق إنك أنت العزيز الكريم بزعمك، وعن ابن عباس أنه قال نزلت هذه الآية في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال : أنا أمنع أهل هذا الوادي وأعزه وأكرمه يعني مكة، فأنزل الله عز وجل فيه هذه الآية، ويكون هذا القول لأبي جهل وهو في النار توبيخا له لا مدحا ، والله أعلم.
مسألة: فإن قال : فما معنى قوله عز وجل {فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}، وقوله تعالى في آية أخرى {خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي}، فما مجاز ذلك؟ قيل له: قال المفضل والفراء وقطرب: البصر هاهنا العلم، تقول :كنت تكذب فأنت اليوم عالم بالأمر نافذ البصر فيه، وهذا كقول القائل : فلان له بصر نافذ بعمل كذا أي هو بصير به، ومثله قوله عز وجل {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا}، أي ما أسمعهم وأبصرهم يومئذ ، يقول: هم سمعاء بصراء لبأنالشك قد زال عنهم وأما قوله تعالى {خاشعين من الذل}الآية فهو كما قال عز ذكره.
مسألة: فإن قال : فما معنى قوله عز وجل:{سنفرغ لكم أيها الثقلان} أشغله شيء عن شيء؟ قيل له: هذا وعيد وتهدد ليس فراغا من شغل كقولك للرجل : سأفرغ لك وأنت غير مشغول، والعرب تقول: أتفرغ وأفرغ، وقرأ جماعة: {سيفرغ} بالياء أي سيفرغ الله لكم ، واحتجوا بقوله تعالى{كل يوم هو في شأن}،وقال أبو عبيدة : سنفرغ لكم سنحاسبكم لم يشغله شيء تبارك وتعالى، وقال ابن قتيبة : سنقعد لكم ، وقال ابن عباس: سنفرغ لكم من محاسبتكم يوم القيامة إن الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء من خلقه. (1/162)
صفحة 163
مسألة: فإن قال : فما معنى قوله عز وجل {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون}؟ قيل : معناه ما قال ابن عباس ، قال: وتجعلون رزقكم أي شكركم لما أنزلت عليكم أنكم تكذبون به وهي لغة، أراد تنسبونه فيما حكى الهيثم بن عدي، يقال: ما رزق الله فلان أي ما شكره، فإن قال: فقوله عز وجل {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس}، وجميع ما مدح به نفسه تعالى في القرآن، أليس مدح النفس مذموما معيبا عند أهل العقل؟ قيل له: قال قطرب في ذلك إن مدح النفس إنما قبح من الآدمي الناقص في كل ما مدح به نفسه لأنه إن قال أنا الجواد فثم بخل وإن قال شجاع ففيه جبن، وإن قال : غني فثم فقر، وإن قال : قوي فثم ضعف، والله تبارك وتعالى جائز أن يمدح نفسه من وجهين: أحدهما أنه إذا قال : أنا الكريم الرحيم العليم الغني وغير هذا من صفاته كان فيه ذلك كله لا نقص ثم ولا جلد، وهو كما وصف به نفسه ومع ذلك أنه لا يريد بوصفه اجتلاب منفعة ولا دفع مضرة، لأنه الغني عن خلقه ، وهم الفقراء إليه جميعا، فلما كان جل ثناؤه وعز ذكره مباينا للمخلوقين، فجميع صفاته حسن وجاز المدح منه ليعرف ذلك خلقه ليعبدون ويعظموه.
مسألة: فإن قال : فقوله عز وجل: {وجعل القمر فيهن نورا}، أليس إنما هو نور في السماء الدنيا وما بينها وبين الثانية خمسمائة عام وبينهما وبين الثالثة السماء الدنيا حجاب ، فكيف قال تعالى {جعل القمر فيهن نورا}؟ قيل له: قال الكلبي:معنى فيهن أي معهن وليس هو من شيء في السماء ولكنه على حده يضيء لهم بالليل والشمس سراج لهم بالنهار، قال قطرب ومثله قوله عز وجل: {ولو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا} أي لو خرجوا معكم وحروف الجر يدخل بعضها على بعض، ويكون المعنى واحدا قال النابغة:
فلا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطلي به القار أجرب (1/163)
صفحة 164
أراد كأنني مع الناس، وقال عكرمة : يضيء القمر فيهن كلهن كما أنه لو أن سبع زجاجات بعضهن فوق بعض وأسفل منهن شهاب أضان كلهن من صفائهن، ومعنى السراج الضوء ، يقال : أسرج سراجا إذا أضاء، وأنشد الفراء وغيره:
إذا ما بدا في الليل أسرج وجهه لنا في دجى الظلماء حتى تجلت
مسألة: فإن قال: فما معنى قوله عز وجل{وإنه تعالى جد ربنا}؟ قيل له : قال ابن عباس: قال الكلبي: تعالى ارتفع، وجد ربنا عظمته، وقال إبراهيم وقتادة والسدي: أمر ربنا، قال أمية بن أبي الصلت:
تعالى جد ربكم فصلوا فليس صلاة ربكم تعاب
والجد أيضا الحظ في كلامهم وقال:
اغزوا بني ثعل فالغزو جدكم وابنوا المعالي ولا تبكوا لمن قتلا
مسألة: فإن قال :فما معنى قوله عز وجل {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا}؟ قيل له: قال الكلبي : أي كلاما شديدا ، قال الحسن: أي العمل به ثقيل ، إن الرجل ليتلوا السورة ولكن العمل بها ثقيل، وكذلك قال قتادة : ثقيلة فرائضه وحدوده.
مسألة: فإن قال: فما معنى قوله عز وجل {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا}؟ قيل له: قال الكلبي عن ابن عباس:لم يكن شيئا مذكورا أن يقال فلان فيذكر، لكن كان شيئا غير مذكور ولو لم يكن شيئا ما أتى عليه حين، قال قطرب: هذا كقول القائل: أتى على فلان دهر ولو لم يكن شيئا، أي لم يكن له ذكر عند الناس وقد كان شيئا ولكنه يريد أنه لم يكن مذكورا.
مسألة: فإن قال فقوله عز وجل {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت}، كيف خص الإبل من الحيوان وفيها ما هو أعظم خلقا منها؟ قيل له : كان ابن عباس يقول : إنه لا ينهض بحمله وهو بارك غير البعير، وقال المفضل: عجبهم تعالى من الإبل يحمل وقرها باركة فيعلمون أن لها صانعا أفردها بذلك من له لب علم أن للأشياء صانعا يخالف بين خلقها ولو لم تكن كذلك لكانت الدواب وغيرها من الأجناس على خلق واحد. (1/164)
صفحة 165
مسألة: فإن قال :فما معنى قوله عز وجل {إنا نحيي الموتى} و{نحن نحيي ونميت} و{إنا خلقناهم من طين لازب} و{إنا من المجرمين منتقمون} وأمثال ذلك مما في القرآن، وهو سبحانه وتعالى وحده الفاعل لجميع ذلك لم يشركه في فعله أحد سواه، فكيف يجوز أن يخبر عن نفسه على سبيل الإخبار عن الجميع وإنما أخبر هو عنه وحده؟ قيل له: قد يجوز ذلك في سعة اللغة، لأن المخبر قد يجوز أن يذكر الخبر الذي مخرجه مخرج العام ويريد به الخاص إذا بين المخبر إرادة من المخصوص وأن يذكر الخبر الذي يخرجه المخبر الخاص ويريد به العموم إذا بين المخبر إرادة من العموم، وذلك موجود في كلام أهل اللغة وفي القرآن، فمن ذلك قوله عز وجل {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين}، وهو يعني به عالم أهل زمانهم ومنه قوله تعالى {إن الذي كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} وهو يعني بهم قوما مخصوصين من الذين كفروا لأن من الكفار من قد آمن بعد ذلك، ومنه قولهم "من حارب الأبطال قتل ومن يلق أبطال الرجال يكلم"، لأن الأخبار هي خصوص على سبل الغالب في مجازهم وليس يعنون به العموم لأنهم قد يجدون من يحارب الأبطال فيسلم من القتل والجراح، وقد أخرجوا مع ذلك أخبارهم مخرج الأخبار العامة في سعة اللغة ومجازها ، وقد يذكر الخبر الذي مخرجه مخرج الخاص ويعني به العموم سعة ومجازا لها ، فمن ذلك قوله تبارك وتعالى {يغفر لكم من ذنوبكم} وهي يعني يغفر لكم ذنوبكم كلها لأنهم لا يستحقون الجنة كما وعدها إلا وذنوبهم مغفورة، وقوله عز وجل {يصبكم بعض الذي يعدكم} ولا بد من أن يصيبهم كل الذي يعدهم لأن وعده تعالى لا يكون له خلف فذكر البعض وهو يريد الجميع.
وقوله تعالى {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} لأنه لم يبح للمؤمنين أن ينظروا إلى ما حرمه الله عليهم ببعض أبصارهم دون بعض، وكذلك قول لبيد:
تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يعتلق بعض النفوس حمامها (1/165)
صفحة 166
والحمام لا يعتلق البعض لأنه الموت، والموت يأتي على جميع النفوس، فلما جاز في سعة اللغة أن يخرج الذي مخرجه مخرج الخاص، وهو يريد العموم، وأن يذكر الخبر الذي مخرجه العام وهو يريد الخصوص جاز في سعة اللغة أن يقول الله تعالى إنا خلقنا وإنا فعلنا، إن كان يريد بذلك الإخبار عن نفسه وحده دون غيره، وقد وجدنا مثل ذلك في كلام أهل اللغة لأن السيد منهم قد يقول لبعض أتباعه أكرمناك فما كافأتنا وجنيت علينا فما كافأناك وهو يعني نفسه بهذا القول على سبيل ما بينا من جواز ذلك في سعة اللغة، قال الشاعر:
إذا وما أعني سواي يا بني شهاب بني عجلان في المجد ثاقب
مسألة: فإن قال : فما معنى قوله عز وجل {نسوا الله فنسيهم}؟ قيل له: النسيان على وجهين أحدهما : نسيان إغفال وسهوة والآخر نسيان ترك، فالله سبحانه منفي عنه الإغفال والسهوة، فأما النسيان الذي بمعنى الترك فنحو قوله تعالى {نسوا الله فنسيهم} يعني أنهم تركوا طاعة الله فترك الله ثوابهم، وكذلك {فاليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي نترككم من الخير والرحمة كما تركتم العمل لمعادكم وكذلك {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي} أي فترك أمر الله عز وجل.
مسألة: فإن قال: فما معنى قوله عز وجل {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى}؟ قيل له: معناه لا أسألكم إلى ما دعوتكم إليه أجرا ولا المودة في القربى ولا أنت تودوني في قرابتي جزاء لما أدعوكم إليه، فيكون تلك المودة جزاء لذلك، ومعنى الأولى قال عمر بن معدى كرب:
وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان
يقول: ولا الفرقدان باقيين ولا بد أن يفترقا، وقال أبو عبيدة وغيره : إلا الفرقدان أي والفرقدان يفترقان أيضا، والألف في موضع الواو. (1/166)
صفحة 167
مسألة: فإن قال : فما معنى قوله عز وجل {يخرجهم من الظلمات إلى النور}و{ومن النور إلى الظلمات}، وهم كفار لم يكونوا في نور قط، فكيف يخرجون مما لم يكونوا فيه، قال قطرب: والمعنى في ذلك كما يقول الرجل لصاحبه أو لأبيه: أخرجني من مالك أو من بيتك، ولم يكن فيها قط وشبه به في مذهبه قوله عز وجل {ثم يرد إلى أرذل العمر} ولم يكن في تلك الحال قط، وقوله عز وجل {عاد كالعرجون القديم} كأنه قال: حتى صار مثل ذلك، قول الشاعر:
أطعت العرس في الشهوات حتى أعادتني عسيفا عبدُ عبد
ولم يكن عبدا قط، قال امرؤ القيس:
وماء كلون البول قد عاد آجنا كثير به الأصوات في كلأ محلى
فقال عاد آجنا يريد صار آجنا، وقال الغنوي:
فإن تكن الأيام أحسن مرة إلي فقد عادت لهن ذنوب
وقال المفضل : قال الحسن : أخرجهم إياهم ما يأمرون به، وهذا لا يقال له إخراج ولكن منعهم إياهم من الدخول فيه إخراج، وهذا من كلام العرب، أن يقول الرجل لصاحبه: قد ضمنت القوم دم فلان أخرجتك منه، أي لم أدخلك فيه، ومثله كثير.
وقال ابن عباس :كان المؤمنون قبل أن يسلموا في ظلمة الشرك فلما أسلموا أخرجهم الله من ظلمة الشرك إلى نور الإيمان، والذين كفروا يعني اليهود أولياؤهم الطاغوت، يعني كعب بن الأشرف وأصحابه من الأحبار أخرجوا سلفة اليهود من نور الإسلام وكتموهم بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - ونهوهم من أتباعه، فقوله تعالى{يخرجهم} من هؤلاء الأخبار من النور إلى الكفر والإنكار، وأمروهم بلزوم اليهودية ومنعوهم الإسلام. (1/167)
صفحة 168
مسألة: فإن قال معنى قوله عز وجل {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} وهو تعالى يقول {ولا تزر وازرة وزر أخرى} قيل له : قال المفسرون في ذلك بإثمي أي بإثم قتلي وإثمك الذي تقدم، مثل قوله تعالى {اسأل القرية} أي اسأل أهلها، فإن قال: أكان يريد كون المعصية من أخيه؟ قيل له: المفسرون ما أراد ذلك ولا كان قوله تمنيا لذلك، ولكنه ضعف عن الانتظار وطلب السلامة فعبر عن هذه الحال بالإرادة، وقال قطرب: كأنه قال إن قتلتني فأنا أريد أن يلزمك إثم قتلي، وقال المفضل: إنما أراد ذلك لما كفر بالله ولم يطع أمره أراد قتله ليموت شهيدا ويبوء قابيل بالشرك والقتل ليكون أشد لعذابه، وذلك من الغيظ عليه لما خالف أمر الله عز وجل، وقال ثعلب غير هذا كله، قال: المعنى إني لا أريد أن تبوء بإثمي وإثمك كقوله تعالى{يبين الله لكم أن تضلوا} يعني ألا تضلوا، وقال المفضل في هذه الآية أي لئلا تضلوا، ويصلح في موضع أن لا ولئلا ولا فإذا رأيتها يصلح مكانها لئلا صلحت فيها هذه الوجوه، وإذا صلح في مكانها لأن لم يصلح فيها، وقال ابن الأنباري في معنى هذا، قال الله عز وجل {رواسي أن تميد بكم} معناه أن لا تميد بكم، قال الشاعر:
رأينا ما يرى البصراء فيها فآلينا عليها أن تباعا
معناه أن لا تباع، قال عمرو بن كلثوم:
نزلتم منزل الأضياف منا فعجلنا القرى أن تشتمونا
معناه أن لا تشتمونا، وقال الراعي:
أيام قومي والجماعة كالذي لزم الرحالة أن تميل مميلا
معناه أن لا تميل، يقول: أيام قومي وتمسكهم بالجماعة كالذي لزم الرحالة أن تميل من النعاس، والرحالة مركب للبعير من مراكب النساء، والرحالة أيضا في أشعار العرب السرج ويروى: أزمان قومي، ويروى الجماعة بالنصب فمن نصب أراد مع الجماعة ومن رفع نسقه على القوم، رفعهما جميعا بما في الكاف من الذكر. (1/168)
صفحة 169
مسألة: فإن قال : فما معنى قوله عز وجل {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} أعلم الله الآن وقبل ذلك لم يعلم، قيل له : ليس الأمر على ما توهمت، والمعنى في ذلك قد علم الله أن فيكم ضعفا فالآن خفف الله عنكم، والآن وقع على التخفيف لا على العلم، وإن كان قدم التخفيف ثم عطف على العلم، وإنما أراد قد علم أن فيكم ضعفا فالآن خفف الله عنكم، وهو على التقديم والتأخير، كقوله تعالى {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما} فقدم عوجا ثم قال: قيما، فهذا معنى قوله تعالى وهذه مسألة: يغالط فيها الملحدون وغيرهم.
مسألة: فإن قال : فما معنى قوله تعالى حكاية عن إبليس لعنه الله {إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله} كيف يقول: إني أخاف الله وهو كافر، قيل له إنه ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر.
مسألة: فإن قال : فما معنى قوله تعالى {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون}، فكيف يعذبهم بها في الحياة الدنيا وهي ليست بعذاب عليهم إنما هي سرور، قيل له : يكون ذلك على التقديم والتأخير، كأنه قال تعالى : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، وكذلك قوله {فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون} وإنما المعنى فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم، وقال أوس ابن حجر:
أما حصان فلم تضرب بكلتها قد طفت في كل هذا الناس أحوال
على امرئ سوقة ممن سمعت به أبدى وأكمل منه أي إكمال
وقد يجوز فيه وجه آخر، إنما يريد الله ليعذبهم بها، بما يكلفهم من فرضها وحقوقها، ليكون ذلك عذابا عليهم للنفاق وخبث القلوب. (1/169)
صفحة 170
مسألة: فإن قال : فما معنى قوله تعالى{ألم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى} قيل له: معناه والله أعلم ألم تكن يتيما فعرفك وأكرمك بالنبوة، ولا أنه كان غير واجد له ثم وجده، هذا لا يجوز على الله تعالى، والواجد في اللغة هو العالم بالشيء فهذا جائز بأنه وجد الأشياء بأن علمها، والواجد في اللغة أيضا من يرى الشيء بعد إذ لم يره، وأصابه أمر لم يكن أصابه قبل ذلك، ألا ترى إلى قوله تعالى:{حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده} يقول : وجد ما وعده الله حقا فوفاه حسابه، ويقول كافأه على قدر فعله ، فهذا معنى لا يجوز على الله لا يقال وجد الله الشيء بعد إذ لم يجده كما وجد الكفار ما وعدهم الله وتوعدهم في وقت دون وقت، وقوله تعالى {إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب} قال بعضهم: المراد أي إني علمته صابرا، وقال بعضهم إنه كان صابرا ولم يخف ذلك علينا فقدم وأخر، كما قال تعالى{حتى نعلم}وقوله{وليعلم الذين آمنوا منكم} والمعنى في ذلك أن من آمن منكم ليس يخفى على الله فكذلك قوله تعالى {إنا وجدناه صابرا} ولم يخف ذلكعلى الله تعالى، ولا يجوز أن يقال إنه يجد في وقت دون، كما قال{ووجدوا ما عملوا حاضرا} و{يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا} لأن هذا وجود فجاءة ننزل عليهم ما لم يكونوا يعلمونه ولا يحسبونه، وهذا لا يجوز على الله عز وجل ، وقوله تعالى{ووجدك ضالا فهدى} قال الفراء: فهداك فحذف الكاف، قال ابن عباس أي في قوم ضلال فهداك لدينه، وهذا في كلام العام يقال فلان قاتل فلان أي من القوم الذين قتلوه، وقالت جليلة بنت مرة أخت جساس بن مرة ، وهي امرأة كليب، وقتل جساس كليبا وقتل ابن كليب وهو ابنها، فقالت:
إنني قاتلة مقتولة فلعل الله أن يعطف لي (1/170)
صفحة 171
قاتلة أن أخاها قتل كليبا ومقتولة أن أخاها قتل، وهو كثير في كلام العرب، وما ضل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قط، وقال الحسن ووجدك ضالا أي واقفا لا تهتدي للنبوة فهداك لها، وكذلك قال الضحاك، قال المفضل : وهذان التفسيران عندي دالان على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان معصوما ما ضل قط، ويقال: ووجدك ضالا أي غافلا كقوله تعالى {فعلتها إذا وأنا من الضالين} أي من الغافلين.
وقال الله عز وجل يصف نفسه {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} فنفى أن يشبهه شيء، وقال تعالى {هل تعلم له سميا} يعني مثلا ونصيرا، وقال عز وجل {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} أي أمثالا وأشباها واحدهم ند ونديد، قال جرير:
أتيما تجعلون إلي ندا وما تيم لذي حسب نديد (1/171)
صفحة 172
وقوله تعالى {وأنتم تعلمون} معناه وأنتم تعلمون أنه لا مثل له عز وجل، وقال يخبر عن بعض الهالكين يقولون في النار:{تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} فأخبروا أنهم كانوا في ضلال مبين، إذ سووا الخالق بالمخلوقين، وشبهوا القديم بالمحدثين، وقد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: تفكروا في الخلق، ولا تفكروا في الخالق، ألا إن التفكر في الخلق يدل على أنه مخلوق، وأن للمخلوق خالقا بائنا من صفات المخلوقين، وعن عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أشد الناس عذابا المصورون، وروي عن الحسن أنه قال:هم الذين صوروا الله في قلوبهم، وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما عرف الله من شبهه بخلقه، .. (1/172)
صفحة 173
نافع أن عبد الله بن عمر كان جالسا في أناس فأتى رجل فقال: أيكم عبد الله؟ فقال : أنا ، فقال الرجل: إني تاجر أبتغي من فضل الله وإني قدمت هذه البلدة فإذا أنا برجل فتوسمتفيه الخير، فقعدت إليه فحدثني حديثا ضاق به صدري، فقال عبد الله : وما هو، فإنه لا إثم عليك إن حدثت عن غيرك، قال: قال : إن الله تبارك لما أراد أن يخلق آدم لم يدر كيف يخلقه حتى خلق مرآة فنظر فيها إلى وجهه فخلق مثاله، فقال ابن عمر تعالى الله تعالى الله لا مثل لله، ألا إن هذا الشيطان أراد أن يدخلك في دينه، ألا وإن الشيطان قد يئس منكم أن تتخذوا صنما ظاهرا فتعبدونه، ولكنه يأتي الإنسان فيقول : كيف ربك فلا يزال حتى يصف ربه بصفة الخلق فيضل ويضل، فإن لقيته فأخبره أن عبد الله بن عمر برئ من دينك ، ألا وإن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الله فقال عز وجل {قل هو الله أحد الله الصمد} السورة، فقولوا كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعن معاذ بن جبل أنه قال: سيرجع أقوام من هذه الأمة عند اقتراب الساعة كفارا، فقال رجل : يا[أبا]عبد الرحمن أبالإحداث كفرهم أم بالجحود؟ قال معاذ: لا ، ولكن بالجحود يجحدون خالقهم فيصفونه بالصورة والأعضاء والمفاصل أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولهم عذاب عظيم، قال المحبر ابن محبوب: أحب أن يسألة عن معنى الجحود.
ص 94-104 : فصل (1/173)
صفحة 174
إن الله عز ذكره نفى عن نفسه شبه المخلوقين بجملة انتظمت نفي كل شبه آية محكمه غير متشابهه ولا منصرفة فيالمعاني، وهو إخباره أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وفي هذه الآية دليل على تشابه الأشياء وتفاوتها واتفاقها والتفافها إذ مدح نفسه تعالى أنه ليس كواحد منها، ولم يستثن لطيفا من خليلولا مضيئا من ظلام ولا حيا من ميت، أشركفي قوله الملائكة والجن والإنس والنور والظلمة والشمس والقمر، فقضى على جميعهابأنها لا تشبهه وأنه لا يشبهها فتعالى الله رب العالمين، وإنما تشبه الله عز وجل من جهل اللغة ومعانيها واتساع العرب فيها حين وجدوا ذكر النفس والوجه والعين واليد والقبضة واليمين ولكل شيء من هذا معان تبطل ما ذهبوا إليه من التشبيه، وسنأتي ببيان ذل بأدلة واضحة إ، شاء الله، والنفس في لغة العرب على معان مختلفة منها ما يراد به النفس المنفوسة وهو قوله تعالى {كل نفس ذائقة الموت}، ومنها ما يراد به التوكيد وهو قولهم هو الحق نفسه يريد هو الحق، وكذلك لقيته بنفسي يريدون لقيته بنفسي، ومنه قول موسى عليه السلام {رب إني ظلمت نفسي} أي ظلمت لا غيره، والنفس الرأي والإرادة كقولهم نفس فلان في كذا وكذا أي إرادته فيه ، وهو بين نفسين أي رأيين وإرادتين، ومنه قول الكميت تذكر الحمار، قال:
تذكر من أني ومن أين شربه يؤامر نفسيه كذي الهجمة الأبل
والنفس العين التي يصيب الإنسان، والنفس الدم، ومنه قولهم نفست المرأة، نفساء، والنفس المنفوسة عن الله تعالى منفية لأنها لا تكون إلا المخلوقين، لأنه بها يحيون وبها يموتون، والله تبارك وتعالى لا يشبهه شيء من خلقه تعالى عن ذلك، فمن زعم أن لله نفسا غيره هي حالة فيه فقد أعظم على الله الفرية جل عما قال المبطلون. (1/174)
صفحة 175
مسألة: فإن قال فما معنى قوله {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} وقوله عز وجل {ويحذركم الله نفسه}، قيل له معنى ذلك في التفسير: تعلم غيبي ولا أعلم غيبك، ويحذركم الله عقوبته، وقيل ولا أعلم ما نفسك أي لا أطلع على غيبك، ويقال لا أعلم ما في علمك، وقال المبرد: تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم، وقال المفضل: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، وقال : ويحذركم الله نفسه، أي يخوفكم الله إياه، ونفس الشيء هو الشيء، ومنه {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم}، أي ليقتل بعضهم بعضا وهو كثير في الكلام، قال الأعشى:
يوما بأجود نائلا منه إذا نفس البخيل تهجمت سؤالها
المعنى إذا البخيل تهجم سؤاله، وقوله عز وجل{كتب ربكم على نفسه الرحمة} أي على ذاته لا على شيء سواه ، ومنه {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} أي لذاتكم ولكم ولا غيركم، ومنه قول ذي الرمة حين احتضر، قال:
يا قابض الروح من نفسي إذ احتضرت وغافر الذنب زحزحني عن النار
يعني يا قابض الروح من جسدي وذاتي وجملتي لا غير ذلك ولا سواه، وقال جرير:
وشبهت نفسك أشقى ثمود فقالوا ضللت ولم تهتدي
في الفرزدق، يقول: شبهت أنت أشقى ثمود لا أن نفس الفرزدق غيره، وقوله تعالى {كتب ربكم على نفسه الرحمة}، هي مثل ذلك، يقول : حكم ربكم بالرحمة لمن أطاعه، ولا يجوز أن يقال: فرض الله على نفسه لأن الكتابة فرض، ألا ترى إلى قوله تعالى {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس}، وقوله تعالى {كتب عليكم الصيام}، وهذه كتابة فرض، وقوله تعالى {لأغلبن أنا ورسلي}، يقول حكم الله ، والنفس أيضا القوة ، تقول العرب: ما له نفس أي قوة ، ويقال منه، بيت امرئ القيس:
فلو أنها نفس تموت سوية ولكنها نفس تساقط أنفسا (1/175)
صفحة 176
الوجه في لغة العرب على معان: أحدها يراد الشيء نفسه، تقول العرب هذا وجه الأمر ووجه الرأي ووجه القوم ووجه المتاع إذا أخبرت عن الشيء بعينه، وهذا وجه الطريق وهو الطريق نفسه، ويقولون إني لأكره أن أرد وجهك، يراد به إني لأكره أن أردك، والمعنى الثاني يقول ما أعرض وجه فلان ولفلان وجه في شرفه، يراد به الانبساط في تجارته والقدر عند قومه، والمعنى الثالث من الوجه في الرأس، والمعنى الرابع بقال : كيف وجه العمل في هذا الأمر يراد من أي السبل يؤتى له، والمعنى الخامس يقال هو من وجوه قومه يراد عظمائهم، فكل هذه المعاني عن الله عز وجل منفية إلا المعنى الأول وإن وجه الشيء هو الشيء لا غيره.
مسألة: فإن قال: فما معنى قوله عز وجل: {إنما نطعمكم لوجه الله} قيل له قال الكلبي: طلب ثواب الله، وقال المفضل: أي لقصد رضا الله عز وجل، الوجه القصد إلى المعنى والعمل فيه، وأنشد الفراء:
الحمد لله شكرا لا انقطاع له رب العباد إليه الوجه والعمل
قال غيره: لوجه الله أي لله، وقال زيد بن عمرو بنفي الجاهلية الجهلاء قال:
أسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا
أسلمت وجهي أي نفسي لمن انقادت له المزن، وقوله عز وجل {فأينما تولوا فثم وجه الله} فيه قولان أحدهما فثم وجه الله، فثم الله، والآخر فثم الوجه إلى الله، يراد به فثم تلقاء الكعبة والوجه إلى الله عز وجل وقوله تعالى{كل من عليها فان ويبقى وجه ربك} معناه، ويبقى ربك ذو الجلال والإكرام ، وقيل في قوله عز وجل {كل شيء هالك إلا وجهه} كل الأعمال تضمحل وزائل نفعها إلا ما التمس به وجه الله عز وجل وتقرب به إليه، وقيل كل شيء هالك إلا وجهه إلا الله عز وجل.
فصل منه (1/176)
صفحة 177
لا يجوز أن يكون عز وجل وجها على ما يعقل من وجه الأجسام، لأن الله تعالى ليس بجسم ولا يجوز عليه التبعيض، فيكون وجهه بعضه لأن من كان كذلك كان ذا تركيب وتصوير وكان تركيبه قاضيا على حدوثه، كما كان تركيب الأجسام قاضيا على حدوثها، لأن من جاز عليه الاجتماع جاز عليه الافتراق والاجتماع، والاجتماع والافتراق هما غير المجتمع والمفرق، فلا بد أن يكونا محدثين فلما كان لله عز وجل قديما لم يجز عليه الاجتماع والافتراق، ولم يجز أن يكون ذا أبعاض ولا أن يكون جسما ولم يجز أن يكون ذا وجه على ما يعقل من وجوه الأجسام، وكان قوله عز وجل {كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك}{وكل شيء هالك إلا وجهه} إنما هو على جهة التوسع والمجاز إذا كان عندهم مستعملا معروفا وهو يعني إلا وجهه إلا هو ويبقى وجه ربك، ومع أن بعض المشبهة من أهل الكوفة يحكى عنهم أنهم يقولون إن إلههم له وجه وأنه يعني سائره إلا وجهه، وفي هذا المذهب شعر مروي يذكر فيه هذا المذهب عنهم، وإنما أتوا في ذلك من سوء التأويل، ومن جهلهم بالله جل وعلا، كما أوتيت المشبهة من سوء تأويلها وجهلها بربها تعالى عما يقولون علوا كبيرا. (1/177)
صفحة 178
العين: في كلام العرب على معان مختلفة كثيرة يطول بذكرها الباب، وأنا ذاكر بعضها للحاجة إليه، منها ما يراد الجارحة وهي المركبة في الرأس، ومنها ما يراد به الحفظ والمشاهدة، ومنها ما يراد به الدلالة، ومنها ما يراد به العقوبة، ومنها ما يراد به الجودة، ومنها ما يراد به الجاسوس، وغير هذا مركبة، فالعين المركبة في الرأس المصورة فهي عن الله تعالى منفية من قبل أن كل ذي جارحة محدود، والله تعالى ليس بمحدود ولا مختلف ولا متغاير ولا متألف فهو قدير بذاته لا بقدرة سواه وعليم بذاته لا بعلم سواه وسميع بذاته لا بسمع سواه، وبصير بذاته لا ببصر سواه، وهذه صفة من ليس كمثله شيء، وإنما احتجت المشبهة في إثباتهم عينا جارحة بقوله عز وجل: {ولتصنع على عيني} وبقوله تعالى{تجري بأعيننا} وأنا ذاكر ما قاله أهل العلم في التفسير في ذلك وبالله التوفيق.
فأما ما يراد به الحفظ فهو قولهم أنت بعين الله يعنون أنت في حفظ الله ومشاهدته، أي أنت لست بخفي على الله هو معك يحفظك، وأما العين التي يراد بها العقوبة فقولهم أصابتكم عين من عيون الله أي عقوبة ونقمة من نقمه، وأما العين التي يراد به الدلالة فهو قولهم هذا عين العدو وهذا عين الخليفة ويريدون بالعين هاهنا الإنسان نفسه، وأما العين التي يراد بها الجودة، فهو قولهم : هذا عين مالنا وإبلنا وبقرنا وغنمانا وعين السوق، يريدون هذا خير مالنا وخير شيء في سوقنا، ويقال أيضا لكل شيء عين، ألا ترى أنهم يقولون عن من الأعيان مثل شيء من الأشياء.
فصل
وأما تأويل قوله عز وجل {ولتصنع على عيني}، فقد قال ابن عباس: لتربى بكلاءتي، وقال غيره علمي وحفظي، وقال المفضل: تربى وتغذى على عيني أي بمرأى مني لا إلى غيري يقال صنعت الصب والفرس إذا أحسنت غذاه حتى استوى، قال زهير يصف فرسا:
تميم صنعناه فأكمل صنعه فتم وعزته يداه وكاهله
وقال أبو عبيدة : على عيني أي على ما أريد وأحب وأنشد في صفة درع:
وقد نسجت على عيني (1/178)
صفحة 179
أي على ما أحببت وأردت، كذلك تجري بأعيننا ، معناه بحفظنا وعلمنا حيث لا يخفى علينا مكانها، وكذلك {فاصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}، كل هذا على الحفظ والمشاهدة والكلاءة، والأشياء كلها بعون الله وبنظره على الإحاطة بها لا على الجارحة، تعالى الله علوا كبيرا.
اليد: في كلام العرب على معان مختلفة كثيرة منها ما يراد به الشيء نفسه، ومنها ما يراد به الملك والقدرة، ومنها ما يراد به المنة والعطية، فأما ما يراد به الشيء نفسه فهو قوله عز وجل {لما خلقت بيدي} أي لما وليت أنا خلقه دون غيري واليد صلة في الكلام، وهو مثل قوله تعالى {ذلك بما قدمت يداك} يريد ما قدمت أنت أيها العبد، ويقال في اللغة هذا ما جنته يداك، ومثله فبما كسبت أيديكم، وقال الشاعر:
سأبكيك للدنيا وللدين إنني رأيت يد المعروف بعدك شلت
وإنما يريد المعروف نفسه، وكذلك قوله عز وجل {أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما}، أي خلقنا نحن، وأما اليد التي يراد بها الملك فقولهم المال في يد فلان، والمال الأمر، ونحو ذلك يريدون فلانا لذلك مالك وعليه قادر، وأما اليد التي يراد بها المنة والعطية فهو قول القائل : لي عندك يد ولك عندي مثل ذلك يعني نعمته ومنته، وتصديق ذلك، قوله عز وجل {إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} يعني منة الله فوق منهم، ألا ترى إلى قوله تعالى {قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله ينم عليكم}، واليد النعمة السابغة وهي الأيادي، وأما اليد المحدودة التي هي أداة وجارحة فهي عن الله منفية تعالى الله عن صفات المحدودين.
مسألة: فإن قال قائل : فما معنى قوله عز وجل {بل يداه مبسوطتان}، قيل له : قال المفسرون نعمته، وقدرته دائمتان لا يقبضهما شيء، واليد هاهنا النعمة، وقال الحارث بن خالد المخزومي:
ولها علينا نعمة سلفت لسنا مع الهجران نجحدها
لو تممت أسباب نعمتها تمت بذلك عندنا يدها
وقال آخر: (1/179)
صفحة 180
يكن لك في قومي يد يشكرونها وأيدي الندا في الصالحين فروض
وإنما يريد نعمة، وقال آخر:
يا بن الخليفة يا معاوي إنني أرجو فضولك فاتخذ عندي يدا
يقول اتخذ عندي نعمة، وقيل معنى بل يداه مبسوطتان يعني نعمته، نعمة الدين ونعمة الدنيا، قالوا النعمة الظاهرة، والنعمة الباطنة، وتجمع اليد على أيد وأياد، ويجمع يديا على فعيل مثل عبد وعبيد، وأنشد شعرا:
أيديهم بيض إذا ذكرت عمت وكالت فوق كل يد
وأشد الفراء:
فلن أذكر النعمان إلا بصالح فإن له عندي يديا وأنعما
وتثنى اليد يديان على صورتهما، ويديان ويدان، يرد إلى الأصل فيظهر الياء التي هي لا الفعل، وكذلك يفعلون في كل اسم ناقص، وأنشد الفراء:
يديان بيضاوان عند محلم قد يمنعانك بينهم أن تهضما
فعلى هذا المعنى قوله عز وجل {بل يداه مبسوطتان} لا على إثبات اليد التي هي جارحة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فصل
ومن قال من المشبهة إن الله تعالى يريد بقوله خلقت بيدي، لزمه أن يقول أن له أيديا لقوله تعالى {مما عملت أيدينا أنعاما}، وهم لا يقولون ذلك، ويناقضون ولا يشعرون.
واليمين في كلام العرب على معان مختلفة فمنها ما يراد به الشيء نفسه، ومنها ما يراد به القدرة،ومنها ما يراد به الرفعة،ومنها ما يراد به الحلف، ومنها ما يراد به القوة، فأما ما يراد به الشيء نفسه فهو قولهم هذا ملك يميني يعني هذا ملكي، وأما اليمين التي يراد بها القوة فقوله تعالى {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمن} أي بقوة منا عليه، وأما اليمين التي هي جارحة فهي منفية عن الله تعالى، لأنها من صفات المخلوقين وليست من صفات العالمين.
مسألة: فإن عارض معارض بقوله عز وجل {والسموات مطويات بيمينه} قيل له ليس ذلك كطي الناس الشيء بيد ونصب وعلاج، بل لطي الفناء والذهاب، قال الشاعر:
طوى الموت ما بيني وبين محمد وليس لما تطوى المنية ناشر
وقال آخر:
مر الليالي أسرعت في نقضي طوين طولي وطوين عرضي (1/180)
صفحة 181
طوين أي أفنين، وأما قوله بيمينه فإنه إخبار عن القدرة والملك، قال الشماخ:
إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
أي بالقدرة والقوة وهذا قول الأشعري، قال ومن الناس من يقول مطويات بيمينه، أي ذاهبات بقسمه لأنه تعالى أقسم ليفنيهما ، وقال قتادة وغيره: والسموات مطويات بيمينه، أي في ملكه وسلطانه لأن اليد واليمين قد يستعملان كثيرا في اللغة على معنى الملك، ومنه قوله : كن بما في يد الله أوثق منك بما في يد غيره، ويريدون بما يملكه الله عز وجل، ومنه قوله عز وجل {وما ملكت أيمانكم} معناه وما ملكتم، وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {وما ملكت يمينك} يريد ما ملكت، وليس يريد أنه ملك الشيء بيمينه دون شماله، وهذا توسع ومجاز في اللغة إذ كان معروفا في كلامهم.
والقبضة: في كلام العرب على معان مختلفة، ومنها ما يراد به الملك والقدرة، ومنها ما يراد به النفس، ومنها ما يراد به إفناء الشيء، ومنها ما يراد به قبضة الأرواح، فأما ما يراد به الملك والقوة فقولهم ما فلان إلا في قبضتي يريد إلا في ملكي وقبضتي، وقولهم قد قبض فلان الأرض، وليس أنه قد قبضها بيده، وإنما يعني أن ذلك قد صار في ملكه أي قدر عليه، وأما القبضة التي هي إفناء الشيء فهو قولهم قد قبضه الله إليه يعنون قد أفناه الله من الدنيا لا أنه قبضه القبضة المعقولة بيننا باليد التي هي جارحة تعالى الله عن هذه الصفة جل.
مسألة: فإن قال : فما معنى قوله عز وجل {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة}، قيل له: يروى عن ابن عباس والحسن وقتادة أنها قدرته وملكه وسلطانه، وقال غيرهم: يعني ذاهبة فانية يوم القيامة بقدرة الله تعالى على إفنائها، ويقال الأشياء في قبضة الله عز وجل أي في ملكه لا قبضة جارحة إذ الجوارح عن الله تعالى منفية. (1/181)
صفحة 182
مسألة: فإن قال: فما معنى قوله {والله يقبض ويبسط}؟ قيل له : معناه يقتر ويوسع على من يشاء ليس معنى قبضة اليد التي فيها الأصابع ولا بسطتها، ولو كان ذلك كذلك لما جاز أن يكون قابضا وباسطا في حالة واحدة، والله تبارك وتعالى في حال واحدة يقبض الرزق ويبسط على من يشاء وفي الحال التي هو فيها قابض عن هذا باسط على ذا، ويفعل أفاعيل مختلفة في حال واحدة ولا يعجزه شيء مما يريد ، بل هو على كل شيء قدير. (1/182)
صفحة 183
ص 105-107: ذكر أهل الجهل أن الله تعالى احتجب بحجب ساترة له، وكذبوا، ليس بين الله عز وجل وبين خلقه حجاب ولو كان محتجبا بحجب لم يحجب بالحجب لأن الحجب خلق من خلقه، والله عز وجل لا يحتجب بخلقه عن خلقه ولا شيء غيره،ولو جاز أن يحتجب بخلقه كان بما احتجب به مرتفقا وإليه محتاجا، ومن وصف الله تعالى بهذا لزمه الحجة والفقر، وهذا الكفر بالله مع التحديد له لأن من كان محجوبا كان محدودا،وأما قوله تعالى {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} فعن علي في هذا: ما كان لبشر يقول ما ينبغي لبشر كما قال {ما كان ليتخذ من ولد} يقول ما ينبغي لله أن يتخذ ولدا نظيره {ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} فذكر أن الله حجب الكلام الذي سمعه موسى عن أهل السماء والأرض فلم يسمع ذلك إلا موسى عليه السلام، وهذا أحسن ما قيل في هذا الباب وهو قول علي، وقال بعض العلماء أ، الحجاب في اللغةعلى ضربين حجاب ساتر وهو مثل السترة وحجاب هو منع وإن لم يكن ستر ، فلما كان موسى عليه السلام غير جائز منه الرؤية لله تعالى ولم يكن يجوز عليه ذلك جاز أن يقال موسى محجوب عن الله كما أن الرجل قد يريد أن يتكلم فيمنعه مانع فيقول حجبني فلا عن الكلام، ويقال حجبني خوف الله عن المعاصي، ويقال الضرير محجوب البصر، وليس هنالك حجاب ساتره، وكذا عندهم موسى عليه السلام محجوب عن الله إذ كان تبارك وتعالى لا تجوز عليه الرؤية، وقد يجوز أن يرفع العجز عن الضرير فيبصر، فليس هنالك علة في موسى عليه السلام من أجلها لم ير الله والله تعالى لا يرى لأنه قديم. (1/183)
صفحة 184
مسألة: فإن قال قائل: فما له لا يرى، قيل له : لأن نفسه نفس لا ترى لا لعلة من الأشياء، فلما كان لنفسه لا يرى كان لا يرى في آخرة ولا دنيا لأنه لا يتغير أبدا، ولو كان لغير لا يرى كانت به الحاجة إلى غيره وكان فقيرا عاجزا أبدا، ويقال لهم : هل ترى ذلك الغير الذي من أجله لا يرى فإن قالوا: يرى، قيل : فما هو؟ فإن أشاروا إلى شيء من الأشياء لزمهم أن يلزموا معبودهم الحاجة إلى الأشياء تعالى الله الغني عن جميع الأشياء.
فصل
وأما ما رووه من الحديث في الدنو من الله تعالى إلى غيره، والقرب منه فإنما ذلك على سرعة الإجابة والمنزلة، ألا ترى أن العرب يقولون : أتينا فلانا فأسرع إلينا يعنون أجابنا إلى ماسألناه، وقال عز ذكره {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي} فليستجيبوا إلى طاعتي، وقال المفسرون فليستجيبوا أي فليجيبوا إلى ما أمرتهم به، يقال: أجابه واستجاب له بمعنى ، وقال كعب بن سعيد:
وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذلك مجيب
التجلي: في لغة العرب هو ظهور الشيء، والشيء قد يظهر بوجهين مختلفين، فيظهر جهرة ويظهر بدلالة، ألا ترى إلى قول القائل قد والله تجلى لي هذا الشيء، والذي يتجلى جهرة لا يكون إلا جسما أو هيئة أو فعلا مشهورا ، لأن الأبصار لا تدرك إلا ما كان كذلك، والتجلي من الخالق تعالى إنما هو بالدلالات والبينات ليس هو بجسم ولا عرض فيتجلى جهرة، وإنما معنى قوله عز وجل {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} أي تجلى بآية من آياته فلم يطق الجبل حمل تلك الآية وصار دكا كما قال تعالى {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله}، ولذلك كان الجبل دكا على ما ذكر من خشوع الجبل، والآية التي تجلى للجبل هي من أعلام القيامة، وحال الآخرة، وهي غير الله، والله المتجلي والتجلي غيره والمتجلي خالق، والتجلي والمتجلي له مخلوقان، لأنهما غير الله تعالى. (1/184)
صفحة 185
وقد قالوا في لغاتهم، خلقت من آياتك وعجائب تدبيرك ما تجليت به لخلقك فأوصلت إلى القلوب من معرفتك ما آنستها من وحشة الفكر فيك، فهذا على سعة كلامهم، لا أن الله عز وجل انكشف أو ظهر تعالى الله عن ذلك، وقال الشاعر:
تجلى لنا بالمشرفي وبالقنا وإن كان عن وقع الأسنة نائيا
يريد تجلى وكشف لنا عن أمره وشدته حتى بان لنا ذلك ولم يرد بذلك انكشافه وظهوره وإنما هو على سعة الكلام، والمعنى مختصر على غير اللفظ.
ص 108-109 : فصل
وأما تأويل قوله عز وجل {وجاء ربك والملك صفا صفا}و{هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام}، وتقول جاء ربك بقضائه والحساب، وهل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالثواب والعقاب والملائكة والجزاء، وغير ذلك من أمور الآخرة في ظلل من الغمام، يقول: يجعل ذلك الغمام علما بينه وبينه خلقه إذا جاء الغمام علموا أنه قد جاء القضاء والجزاء، كما جعل الغمام في الدنيا علما للغيث وغير ذلك من الأشياء، ليس له أن يجيء ويذهب منتقلا ولا زائلا، تعالى من ليس كمثله شيء،وقال الكلبي: وجاء ربك جاء أمر ربك والملك معه، وقال الحسن: وعد ربك، ومعناهما قريب.
فصل
رووا أنه جل ثناؤه ينزل يوم القيامة حتى يجلس على كرسي للقضاء،ثم يقول : أنا ربكم فينكرونه ويكادون يباطشونه عز الله عن ذلك، فيكشف لهم عن ساقه فيخرون له سجدا، وهذا الكفر بالله العظيم، لأنهم وصفوه جل ثناؤه جسما محدودا، ثم زعموا أن المؤمنين لا يعرفون ربهم إلا لذلك، وهي صفة المحدودين تعالى الله عن ذلك.
جواب: يقال لهم : أما قوله عز وجل يوم يكشف عن ساق،فإن معناه عن شدة أهوال يوم القيامة ، وقال ابن عباس عن الأمر الشديد، وأنشد فيه:
قد قامت الحرب على ساق
وقال ابن أحمر: هي أشد ساعة في القيامة، وقال الحسن : أي عن ساق الآخرة وهو الستر الذي بين الدنيا والآخرة، ويقال كشف الحرب عن ساق إذا اشتد أمرها، وأشد أبو عبيدة لقيس بن زهير العبسي: (1/185)
صفحة 186
إذا شمرت لك عن ساقها فويها ربيع ولا تسأم
ورواه غيره، إذا كشفت لك وهو واحد، وكشف اليوم عن ساقه إذا اشتد ، وقال سعد بن مالك:
كشفت لكم عن ساقها وبدا من السر البراح
وقال آخر:
ليت شعري عن خليل إذا شمرت عن ساقها الحرب ضحى
وقال آخر:
أخوا الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
يريد عن شدتها، وقال عبد الله بن يريد بن معاوية:
أتتك الرجال رجال العراق تقود إلى الشام قباعتاقا
ودارت رحاها على قطبها جهارا وشمرت الحرب ساقا
فهذا تأويل الآية لا ما ذهبتم إليه ، تعالى الله عن صفة خلقه علوا كبيرا. (1/186)
صفحة 187
النظر: في كتاب الله عز وجل وفي لغة العرب على معان مختلفة، منها نظر على جهة الانتظار، ومنها على جهة الاتكال، ومنها على جهة الاختيار، ومنها على جهة الحكم، ومنها على جهة التثبيت، ومنها على جهة العائدة والرحمة، ومنها على جهة التوقيف، ومنها على جهة العلم، ومنها نظر جهرة، فأما النظر على جهة الانتظار، فقولهم "ما أنظر إلا إلى الله ثم إلى فلان"ولعل فلانا غائب عنه في أرض أخرى، وإنما يعني ما يكون من تأويله والآية، وأما النظر على جهة الاتكال فقولهم : إنما أنظر إلى ما يرزقني الله تعالى ويعطيني وإلى ما يجري من ذلك على يدك، أي فأن أتكل على ذلك، وأما نظر الاختيار فقولهم: انظر لي أي اختر لي، وأما نظر الحكم فقولهم انظر بيننا أي احكم بيننا، وقد يقول القائل : ما أحسن ما نظر بيننا يعني ما حكمت بيننا، وأم نظر التثبت فهو قولهم : انظر إلى قول فلان، ما صنع فلان، أي اعلم ذلك، ومنه قوله عز وجل {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض}، و{انظر كيف ضربوا لك الأمثال} ونحو ذلك يريد والله أعلم، وأما نظر الجهرة فهو معاينة الشيء ورؤيته والإدراك له والإحاطة به، وذلك عن الله منفي ، وأما نظر الله تعال إلى خلقه فهو على معنيين ، أحدهما مشاهدته إياهم بأنهم لا يخفون عليه ولا يغيبون عنه لا على المعنى الذي يتوهمونه من أنفسهم، والمعنى الثاني من النظر هو بالرأفة والرحمة الصلة والعائدة وترك النظر إليهم إنفاذ ذلك عنهم، ألا ترى إلى قوله تعالى {ولا ينظر إليهم يوم القيامة} معناه لم ينظر إليهم برحمته، ونظر الخلق إلى الله تعالى انتظار فضله ورزقه وعطيته وكرامته في الدنيا والآخرة، وليس لأحد من الخلق أن ينظر إليه جهرة لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولأن الأبصار لا تدرك إلا الأجسام المحدثة وما يكون في معنى من معانيها من قبل أنها محدثة فلا تدرك ولا ترى إلا ما كان محدودا والمحدود لا يكون إلا جسما أو هيئة لجسم أو صنعا والجسم صنعة، مصنوع وكل (1/187)
صفحة 188
مصنوع فله صانع والصانع لا يشبه المصنوع، فمن زعم أنه يرى الله تعالى جهرة فقد زعم أنه محيط بالله لأن الأبصار إذا رأت شيئا فقد أحاطت بما رأت وعليه وقعت فلا تعدو أن يكون ما وقعت عليه بعضا فقد جزأته وبعضته والله تعالى عن كذلك علوا كبيرا.
وأما الرؤية: فمعناها المعرفة إلا ما كان من جهة ما تدرك الأبصار فإن ذلك رؤية جسم، وما سواه فمعناه المعرفة، قال الله تعالى عز وجل {ألم تر إلى ربك كيف مد ظل} ومثله {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل}، ومثله {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تأزهم أزا} ومثله {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت}، ومثله في القرآن كثير، وكل ذلك لم يره النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا كان إذ ذاك، وإنما المعنى ألم تعلم ذلك وتعرفه بالخبر الذي خبرتك،واللغة ناطقة شاهدة بذلك، يقول القائل قد أرى ما يجيء منك، وأرى الحق كما أراك ، يعني يعرف الحق كما يراك بعينه ألا تسمع إلى قول الله عز وجل {ألم يرو كم أهلكنا قبلهم من القرون} وهم إذ ذاك لم يكونوا وإنما خلقوا من بعدهم، وقوله تعالى قبلهم دليل على أنهم لم يكونوا إذ ذلك، ولكن المعنى ألم يعرفوا ذلك بالإخبار، وقوله عز وجل {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} والموت لا يرى جهرة وإنما رؤيته بالمعرفة له.
باب نفي الرؤية (1/188)
صفحة 189
قال الله عز وجل {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} فامتدح بذلك، ومدائح الله تعالى لا تزول في الدنيا ولا في الآخرة، فمن زعم أن الأبصار تدركه فقد زعم أن هذا المدح يزول عنه في الآخرة، ومن زعم ذلك فقد جعل أنه منقوص، وهذا كفر بالله، لأن كل من كان النقص من صفته فليس بإله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقد نفى الله عز وجل أن تدركه الأبصار وأن يرى جهرة، فهو لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، فإن قال قائل: إ،ه لا يرى في الدنيا ويرى في الآخرة كان عليه الدليل، ولما كان قوله تعالى{لا تدركه الأبصار} على كل الدارين كان قوله تعالى {لا تدركه الأبصار} على الدارين كلتيهما، ولما كان نافيا أن يشبهه شيء كان نافيا أن تدركه في كلتا الدارين على الجهرة لأنه لا يشبهه شيء في كلتا الدارين، وفيما عقلنا أ، كل مدرك له شبه ونظير، وكل مدرك ببصر فذو لون وكل ذي لون فيحتمل التركيب لحلول اللون في ذاته وكل شيء حل في شيء فمصنوع لأنه احتمل حلول الشيء فيه، وما قيل لون من الألوان إ، احتمل قبل الألوان كلها وما كان فيه معنى واحد منها محتملا للتغيير لاحتماله القبول لما ليس فيه، ولا يجوز في حجة العقل أن يرى الله تعالى بالأبصار من قبل أنه لا يخلو الناظر إليه من أن يكون يراه في مكان أو يراه في كل مكان فإن كان يراه في مكان دون مكان أو يراه في كل مكان، فإن كان يراه في مكان فما فضل الخالق على المخلوق إن كان المخلوق في مكان دون مكان والخالق كذلك، وهذه الصفة محدودة وكل محدود فمعدود وما جرى عليه العدد فمنقوص، وإن كان يراه في كل مكان فالمخلوق إذا أعظم من الخالق إذا كان وهو في مكان ينال ببصره من كان في كل مكان، وأيضا فلا يعدو من أ، يكون يراه حتى لا يخفى عليه منه شيء أو يخفى عليه منه شيء ، فإن كان لا يخفى عليه من خالقه شيء إلا ويراه فقد أحاط به والمحاط به صغير والمحيط به أكبر، وإن كان يخفى عليه منه شيء فالذي خفي عنه غير الذي لم (1/189)
صفحة 190
يخف، وهذه صفة المحدود والمتغاير المختلف الذي بعضه غير بعض، تعالى الله عن هذه الصفات علوا كبيرا، وإنما تعلقت المشبهة بأخبار غير صحيحة وتأويلات فاسدة، رووا عن جرير بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته، ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخبر جريرا بذلك من بين الخلق لأن الله تعالى يقول {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ليتكلم إلا بوحي إليه من ربه ولم يؤمر أن يخص بالوحي أحدا دود أحد بل هم في ذلك شركاء، فإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه كلهم ذلك إلا جريرا أو قال لجرير دون أصحابه فقد وصفوه بترك البلاغ عن الله عز وجل، إلى الناس كافة، ومن وصفه عليه السلام بهذا فقد كفر، وكيف ينبغي لجرير أن يسمع هذا الخبر من النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو كان من آخر الصحابة إسلاما.
فصل (1/190)
صفحة 191
وتأويل هذا الخبر عندنا إن صح "إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر" يقول تعرفون ربكم اضطرارا معرفة لا شك فيها ولا دفاع يدعو إلى إخلافها كما أن معرفتكم بالقمر اضطرارا لا شك فيها، لأن معرفة الله عز وجل في الدنيا باكتساب يقع فيها الاختلاف وفي الآخرة يقع الاضطرار، ويزول الشك، وهذا التأويل أصح في اللغة وأليق بصفات الله عز وجل ، لأن الرؤية في اللغة على وجهين : رؤية هي إدراك البصر، وقد نفى الله تعالى درك الأبصار، ورؤية أخرى وهي معرفة القلب وقد تقدم ذكرها، ومنه قوله تعالى {أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة}، أي ألم يعلم ذلك لأن الإنسان لم ير نفسه حين خلق من نطفة وقد جاءت أخبار تؤيد ما تأولناه، وترد قول من خالفنا، منها ما روى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن أحدا لو يرى ربه في الدنيا ولا في الآخرة ، وروي أن أبا ذر الغفاري قال: قيل يا رسول الله : هل رأيت ربك ؟ قال: نور أنى أراه، ففي أ، يكون نورا مرئيا، وقوله أ،ى على وجه النفي، لقوله تعالى {بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد} وعن علي بن أبي طالب في قوله تعالى {بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد} وعن علي بن أبي طالب في قوله تعالى {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال: لا تدركه الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة، وعن عائشة أنه سئلت هل رأى محمد ربه عز وجل فقد كذب، ثم قرأت إن الله تعالى يقول {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} ومن حدثكم أنه كان يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت {إن الله عنده علم الساعة} الآية، ومن حدثكم أن محمدا كتم شيئا من الوحي فقد كذب، لأن الله تعالى يقول: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل من ربك} الآية، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل هل رأيت ربك فقال : لن تراه الأبصار بالمشاهدة في الدنيا والآخرة، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، وللقلب رؤية كما للعين رؤية، وقد جاء (1/191)
صفحة 192
ذلك في أشعارهم، قال امرؤ القيس:
تنورتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عالى
تنورتها : نظرت إلى نارها، وأنا بأذرعات: يعني الشام، وأهلها بيثرب : يعني المدينة، وأنشد أبو عبيدة :
أليس بصيرا من يرى وهو قاعد بمكة أهل الشام يختبرونا
وإنما يراهم بقلبه، وقال الله عز وجل لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم} فعلمنا أنه تعالى ليس ممن يجوز أن يرى جهرة ولا تدركه الأبصار، وقال عز وجل {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم} لأنهم سألوا ما لا يجوز على الله سبحانه وتعالى، وأجمعت الأمة على أن الدعاء والتعظيم لله بقولهم من يرى ولا يرى ولا يجوز أن يكون معظما في وقت، وبطل تعظيمه في وقت.
مسألة: فإن قال قائل : فإذا نفيتم الرؤية عن الله تعالى ، فما معنى قوله عز وجل {وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها راضية} قيل له : قد قال في ذلك أهل العلم والتفسير ومنه ابن عباس وأبو صالح والضحاك والحسن ومجاهد: وجوه يومئذ ناضرة حسنة إلى ثواب ربها ناظرة، وعن علي بن أبي طالب وابن مسعود وسعيد بن جبير: وجوه يومئذ ناظرة أي مشرقة ناعمة إلى ربها ناظرة يعني منتظرة لما يأتيها من خيره وإحسانه، وما قالوه معروف في القرآن واللغة، قال الله عز وجل {وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة}، وهل ينظرون إلا الساعة، أي ينتظرون، فقوله تعالى ناظرة ، الأولى من النضارة، والحسن وهي بالضاد، والثانية من الانتظار وهي بالظاء، يقال : منه نضر وجهه ينضر نضرا ونضورا ونضارة ونضره الله ، وأنشد الفراء:
نظر الله أعظما دفنوها بسجستان طلحة الطلحات
ومن الانتظار قول الشاعر:
فإن يك صدر هذا اليوم ولى فإن غدا لناظره قريب
يريد لمنتظره، وقال الآخر:
كل الخلائق ينظرون سخالة نظر الحجيج إلى طلوع هلال (1/192)
صفحة 193
وإنما ينتظرون سخالة، وقال الآخر:
وكنا ناظريك بكل فج كمن للغيث ينتظر الغماما
ويروى للغيث ينتظر الغمام، وقال آخر:
لسنا كمن جعلت أياد دارها بكريت تنظر حبها أن تحصدا
يعني ينتظره، وقال امرؤ القيس:
فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب
أي تنتظراني، وقال الله عز وجل : {انظرونا نقتبس من نوركم}، فمعناه انتظرونا، ويقال: نظرت الرجل أنظره إذا انتظره، قال الأعشى:
فخرت وأتيمت انظريني ليس جهل أتيته ببديع
قال الحطيئة:
وقد نظرتكم أعشاء خامسة للورد طال بها حبسي وتبساسي
التبساس شوق شديد ، قال عمرو بن كلثوم:
أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقينا
أي انتظرنا، تقول العرب : أنظرنا بمعنى انتظرنا وقد قرأ انتظرونا نقتبس من نوركم، وانتظروناجميعا، فقد دل الكتاب واللغة والسنة وحجة العقل على صحة ما ذهبنا إليه من تأويل الآية وبطلان مذهب مخالفينا وبالله التوفيق.
فصل (1/193)
صفحة 194
وأما ما رووا من حديثهم أن الله عز وجل يبرز لخلقه يوم القيامة وعلى كثيب من كافور فليسيخفى على أهل العقل أن الكثيب محدود ولا يبرز على المحدود إلا محدود والله جل ثناؤه ليسبمحدود والذي ينزل لا يبرز إلا من اكتنان واجتنان، ومن كان كذلك كان جسما محدودا أو شيئا مشهودا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فإن كان حديثهم حقا فإنه يبرز لهم كرامته وخيره كنحو ما فسرانا من الآيات المتشابهات والأحاديث المنقولات، وقد رووا في حديثهم الذي يسمونه حديث الزيارة أنهم يزورون ربهم تعالى الله فيركب إليه قوم على النجائب وقوم في السفن وقوم على الخيل ، يقول -بزعمهم- ما تشاءون فيقولون : قد سمعنا كلامك فأرنا وجهك، قالوا :فيرفع لهم الحجب ويتجلى لهم فيرونه، وهذا كفر بالله العظيم، لأنهم يصفونه بالحدود والاستتار والغيبوبة في مكان دود مكان والله جل وعز غير محدود هو معهم أينما كانوا، وليس بغائب عنهم، فإن كان كذلك فمن أين يرونه تبارك وتعالى، والحديث إن كان له أصل فتفسيره عندنا أنه محدث لهم في تلك المواضع كرامة سواء الكرامة التي يكرمون بها في سائر الأوقات ، وهذا معناه عدنا كقول القائل: زرنا الله إلى بيته مكة فأكرم وغفر لمن آمن واتقى، فإن كان الحديث حقا فهذا معناه وإلا فباطل.
مسألة: يقال لهم أتقولون أن الله تعالى يرى بالأبصار ، فإن قالوا: نعم، يقال لهم : أفترونه في مكان دون مكان أم في كل مكان، فإن قالوا : تراه بكل مكان، قيل لهم : فيجوز أن يروا كل مكان في وقت واحد، قيل هلم : وكذلك لا يجوز أن يروا من هو بكل مكان في وقت واحد، فلا يجدون إلى الفصل بين ذلك سبيلا. (1/194)
صفحة 195
مسألة: ويقال لهم : أليس الله عز وجل أقرب إلى الإنسان من نفسه إلى نفسه، ومن نظره إلى عينيه، فهل يجوز لعين أن تنظر إلى نفسها فيكيف إلى من هو أقرب إليها من نظره، ويقال لهم : أوجدونا عن شيء تقع أعينكم على حركة أو سكون فإن قالوا : بالحركة أو بالسكون فقد وصفوه بما خلق وأجروا عليه ما جرى على خلقه من الفناء والزوال عز الله وجل عن ذلك، وإن قالوا: حالة بينهما فقل لهم : فأوجدوني ما لا حركة ولا سكون، وفيه انقطاعهم.
فصل
زعمت المشبهة أنا إذا قلنا إن الله تعالى لا يرى فقد قلنا إنه لا يحاسب الخلق وهم يزعمون أن الله تعالى قد كلم موسى عليه السلام في الدنيا ولم يره، قلنا فما أنكرتم أن يحاسبهم ويسائلهم وهم لا يرونه كما كلم موسى عليه السلام ولم يره.
فصل
الأشعري وهو علي بن إسماعيل يقول بالرؤية ، ويحتج عليها بالآية {إلى ربها ناظرة}، ويحتج على من عارضه فإن معنى ناظرة منتظرة ، بأن الانتظار لا يجوز أن يكون منوطا بقول القائل في كتاب الله تعالى ولا في كلام الفصحاء ولا في شعر الشعراء ، قال الله {وما ينظرون إلا صيحة واحدة} يعني ما ينتظرون ولم يقل ما ينتظرون إلا صيحة واحدة، وقال تعالى مخبرا عن بلقيس، {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون} يعني منتظرة، ولم يقل بناظرة إلى بم يرجع المرسلون، يعني منتظرة، قال: وكذلك يمطونه إلى النظر إذا كان مذكورا مع الوجه لم يكن معناه إلا الرؤية بالعين، ألا ترى أن الله عز وجل ذكر تقلب الوجه، فقال {قد نرى تقلب وجهك في السماء} وإنما أراد تقلب العين، وكذلك إذا ذكر النظر مع ذكر الوجه وإنما يراد به العينان ولم أذكر أنا قوله هذا اتباعا ولا تصويبا له، وإنما ذكرته كما ذكرت قول غيره من مخالفينا ليعلم إن شاء الله. (1/195)
صفحة 196
مسألة: اختلف الناس في كلام الله عز وجل لموسى عليه السلام فقال قوم إنه أسمعه نفسه متكلما، وقال آخرون أسمعه صوتا أفهمه به الكلام، وقال قوم أنه كلمه بالوحي ، وقد قال الله عز وجل {وكلم الله موسى تكليما} وذلك حق من الله وقد كلمه كما قال كما شاء على ما شاء من ذلك.
ومن حجة من قال إن كلامه له بالوحي قوله تعالى {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا}، وهذا خبر غير منسوخ لأن الأخبار لا تنسخ ، فيجوز أن يكون كلمه بالوحي منه إليه، وقد سمى الله التوراة كلامه، فقال تعالى {وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه} الآية، وقد سمى القرآن كلامه، بقوله تعالى {حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه}، وقد كان الوحي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والاتفاق أن القرآن وحي وقد سماه كلامه فقال لنبيه عليه السلام: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} تمام القصة، فذلك بالوحي كما لقال تعالى، وهذا عن أبي الحسن رحمه الله، غيره، قال إن الله تعالى أوصل إلى موسى عليه السلام كلام ا لم يكن بين موسى وبينه تعالى منه رسول، وليس هكذا كلامه للأنبياء إنما كلمهم بجبريل والملائكة عليهم السلام، ألا تسمعه يقول: يا موسى إنه أنا الله لا إله إلا أنا المكلم لك، وقال : يا موسى إني أنا الله رب العالمين، وأما قوله تعالى {نودي أن بورك من في النار ومن حولها} فقد يحتمل أن يكون يعني موسى ولم يكن نارا في قول ابن عباس إنما كان نورا ولكنه تشبيها إلى ما ظنها موسى، وأما التكليم فمصدر كلم يقول: كلمه تكليما. (1/196)
صفحة 197
مسألة: إن سأل سائل عن قول الله عز وجل حكاية عن موسى عليه السلام {رب أرني أنظر إليك} الآية، قيل له: قد قيل أن بعض قوم موسى عليه السلام، قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، كما أخبر الله تعالى عنهم في كتابه، فلما سألوه ذلك وعظم وأخبرهم بغلطهم في ذلك وفي سؤالهم ما لا يجوز على الله تعالى، فأبوا أن يقبلوا ذلك منه {وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} فأراد موسى أن يأتيهم من قبل الله تعالى جواب يبين لهم به بطلان ما سألوا ويكون زجرا لهم عن ذلك، وكانوا سألوه أيضا أن يكلمه الله تعالى بحضرتهم، حتى يسمعوا كلامه له فقال لهم اختاروا منكم سبعين رجلا، فاختاروا واختار لهم موسى وصار بهم إلى الميقات،فلما كلمه الله تعالى بحضرتهم قالوا: سل الله الرؤية لتبينه لقومك أنها لا تجوز عليه وليزجرهم عن طلبتها فقال {رب أرني أنظر إليك} ومراده في ذلك أن يأتيه الله تعالى بجواب عن هذا الكلام يكون زجرا لبني إسرائيل عن الإقامة على هذا السؤال وبيانا لهم من قبل الله عز وجل أن ذلك لا يجوز على الله عز وجل فقال الله عز وجل {لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني } ثم جعل الجبل دكا وهم ينظرون إليه ، وأتاهم عن ذلك بالرجفة وبالصاعقة فصعق موسى - صلى الله عليه وسلم - وصعق السبعون الذي اختارهم الله وأدركت الصاعقة الذين سألوا موسى أن يريهم الله جهرة بظلمهم فماتوا ثم بعثهم الله من بعد موتهم كما قال الله عز وجل {ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} وهذه المرة الثانية التي كلم الله تعالى موسى لأنه كلمه في وقت ما بعثه من الشجرة وكلمه في هذا الوقت بحضرة هؤلاء السبعين عند الجبل وهو الميقات،وفيه حدث حدوث الرجفة والصاعقة اللتين وصفهما الله، وجوابه لموسى بأنك لن تراني زجرا لقومه عن الإقامة على هذا السؤال وعن تركهم القبول من موسى وعن إجازتهم على الله من الرؤية ما لا يجوز عليه. (1/197)
صفحة 198
مسألة: فإن قال: فمما ذا تاب موسى عليه السلام إن كان إنما سأل عما وصفتم، قيل له: إنما تاب لأن الله عز وجل لم يكن أذن له في هذا السؤال فلما تقدم فيالسؤال من غير أن يؤذن له تاب إلى الله عز وجل وصعق امتحانا لا عقابا لأ، ذنبه كان صغيرا مغفورا، وكذلك الذين نالتهم الصاعقة من السبعين إنما نالتهم امتحانا لا عقابا، ويدل على ذلك قول الله عز وجل مخبرا عن موسى - صلى الله عليه وسلم - فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا، ومعناه الأنكار أن يفعل الله ذلك وإن كان مخرجه الاستفهام كقول القائل: هل عندي مال، وغذا كان يعني أنه لا مال عندي، وكقول الله جل ثناؤه لعيسى عليه السلام {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله}، أخرج ذلك مخرج الاستفهام ومعناه التكذيب لمن نحل ذلك عيسى، وأراد إنك لم تقل فكذبهم، فبين أن السفهاء هم الذين نالتهم الصاعقة بظلمهم ثم أحياهم الله تعالى ثم اتخذوا بعد ذلك العجل لما أبطأ عنهم موسى عليه السلام وأقام أربعين يوما بعد رجوع السبعين إليهم وقد دل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى {فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات} فبين أن الصاعقة إنما أخذتهم لقولهم أرنا الله جهرة لا لاتخاذهم العجل، ويدل قول موسى عليه السلام أتهلكنا بما فعل السفهاء منا، أن موسى والسبعين لم يسألوا الله تعالى الرؤية وإنما سأل ذلك السفهاء من قومه لأنه لو كان سأل هو ذلك ما قال: أتهلكنا بما فعل السفهاء منا، وبين أنه سأل ليبين الله تعالى لقومه أن هذا لا يجوز على الله وليزجر عن مثل هذا السؤال بمثل ما زجرهم به وأحله بهم من الرجفة والصاعقة التي حلت بهم.
ص 124-130: باب في قول لا إله إلا الله (1/198)
صفحة 199
ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها حقنوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، وعنه - صلى الله عليه وسلم - : لقنوا أمواتكم شهادة إلا لا إله إلا الله ، وقول الله عز وجل لا إله إلا هو وحد نفسه، ونشهد أنه لا إله إلا هو، كقوله عز وجل {شهد الله أنه لا إله إلا هو} افتتح ربنا عز وجل الآية باسم من أسمائه وهو الاسم الأعظم الذي تفتتح به الصلوات والاستعاذات والتكبيرات وجميع المبتدآت من جميع الطاعات، ودل ذلك على ما تواترت به الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شرف هذه الآية وفضلها على سائل الآي وأنه سيدة أي القرآن وأن البقرة فضلت بها على سائل القرآن، ثم أتبع هذا الاسم بنفي كل معبود سواه وهي كلمة التوحيد والإخلاص التي لا يقبل الله تعالى من عبده عملا ولا دينا ولا قولا إلا بها وبعث بها الرسل، فقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {وما أرسلنا من تقبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال أبو هريرة : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - {أعلى الإيمان قول لا إله إلا الله ، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق}، جابر بن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: {أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله} والقيوم فيه ثلاث لغات ، قرئ بهن والعامة على قراءة القيوم وهي القراءة المشهورة وهي في وزن الفيعول وكان في الأصل قيووم، فأدغمت الياء في الواو الأولى لأن الياء والواو إذا التقتا في كلمة واحدة وكانت الأولى ساكنة أدغمت وصارت ياءين وصارت قيوم، والقيام والقيم قراءتان شاذتان القيام بالألف في وزن الفيعال وهي في الأصل قيوام فأدغمت الواو في الياء فصارت ياء مشددة، والقيم بالياء في وزن السيد، وقيل القيوم القائم في خلقه بما فيه صلاحهم ونفعهم ورشدهم، لقوله تعالى {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت}، (1/199)
صفحة 200
وقال مؤرج بن عمر: والقيام الدائم الذي لا يزول، وقال أبو بكر المصري : لا إله إلا الله في القرآن في تسعة وثلاثين موضعا، ابن عباس في قوله تعالى {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} قال العدل شهادة أن لا إله إلا الله ، قال ابن مسعود: إن أجمع آية في القرآن {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} الآية، قوله {لا تستوي الحسنة ولا السيئة}، قيل الحسنة شهادة أن لا إله إلا الله، والسيئة الشرك بالله، ابن عباس قال: إذا قال العبد لا إله إلا الله أخذت مع عمود فتحرق سماء سماء وصفا صفا من الملائكة ولها دوي كدوي النحل حتى تبلغ العرش فيقول لها حملة العرش: اسكني يا عظمة الله فتقول: لا أسكن حتى ينظر الله إلى قائلي، فلا يلتام الخرق الذي خرق قول لا إله إلا الله حتى ينظر الله إلى قائلها، وقال ابن عباس:من نظر الله إليه بالرحمة لم يعذب بها، قوله عز وجل {وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة} قال ظاهرة قول لا إله إلا الله وباطنة ستره معاصيكم، قيل : يا رسول الله ظاهرة قد عرفناها فالباطنة ما هي؟ قال عليه السلام: ما لورآك الناس عليها مقتوك، ومن قرأ نعمه على واحدة ظاهرة على اللسان وهو قول لا إله إلا الله وباطنة في القلب ، قال عبد الله بن المفرح: أحصيت لله تعالى على في كل يوم وليلة من وجه واحد أربعة ألف نفس، عن سليم قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخرج فناد: من شهد أن لا إله إلا الله وجبت له الجنة، قال : فخرجت فلقيني عمر وقال : مالك يا أبا بكر؟ فقلت : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اخرج فناد: من شهد أن لا إله إلا الله وجبت له الجنة، فقال عمر : ارجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإني أخاف أن يتكلوا عليها ، قال : فرجعت فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ردك يا أبا بكر فأخبرته بقول عمر، فقال عمر : نعم يا رسول الله اترك الناس فليعملوا، فقال رسول الله : صدق عمر، أنس (1/200)
صفحة 201
بن مالك قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من قال لا إله إلا الله مخلصا خرقت سبع سقوف السموات السع فلم تلتئم خروقهن حتى ينظر الله إلى قائلها فيغفر له، الضبي في قوله تعالى {إليه يصعد الكلم الطيب} قال: قول لا إله إلا الله، غسان بن مالك الأنصاري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لن يوافي عبد يوم القيامة وهو يقول لا إله إلا الله يبتغي وجه الله تعالى إلا حرمه الله تعالى على النار، وعن أنس بن مالك عن معاذ بن جبل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يشهد من مات وهو شهد أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه دخل الجنة، وعنه - صلى الله عليه وسلم - قال: لا إله إلا الله كلمة ألف الله بها المؤمنين فمن قالها وأتبعها بالعمل فقد أوجب العمل وأما من قالها ولم يبتعها بالعمل لم ينتفع، وقيل: يا رسول الله إن الناس قالوا : لا إله إلا الله فعمى علينا بها الكافر من المؤمن؟ فقال: أنا أدلكم على الفرق في ذلك ، إن المؤمن إذا قال لا إله إلا الله أتبعها العمل الصالح وإذا أصبح فهمُّه الله والجنة والنار، وإن الكافر إذا قال لا إله إلا الله أتبعها الفجور , إذا أصبح فهمُّه بطنه وفرجه ودنياه.
فصل
قيل في قول الله {وما يدريك لعله يزكى} يقول لا إله إلا الله ، ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لما قال فرعون لا إله إلا أنت جعل جبريل عليه السلام يحشو في فيه الطين والتراب، أبو هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لي جبريل عليه السلام لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في في فرعون مخافة أن يثني فتدركه الرحمة، ابن عمر قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال لي جبريل عليه السلام : يا محمد ما غضب ربك علي أحد غضبه على فرعون إذ قال : ما علمت لكم من إله غيري، وإذ حشر فنادى فقال : أنا ربكم الأعلى، فلما أدركه الغرق ما فككت أحشو فاه رملا مخافة أن تدركه الرحمة.
فصل (1/201)
صفحة 202
قيل : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال موسى: إلهي علمني عملا أنجو به من النار وأدخل به الجنة، فأوحى الله إليه يا موسى قل لا إله إلا الله، فقالها فأوحى إليه قل قالها ثلاثا فأوحى الله تعالى إليه يا موسى استحققت بقول لا إله إلا الله الجنة، يا موسى لو وضع قول لا إله إلا الله في كفة ووضع جميع ما خلقت في كفة لرجح قول لا إله إلا الله بذلك كله، أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا إله إلا الله تطفئ غضب الرب ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم، فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم قالوا: لا إله إلا الله ردت عليهم، وقال الله تبارك وتعالى: كذبتم، قوله عز وجل {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} قال ابن زيد: نزلت في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله ، زيد بن عمرو بن نفيل وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي، لم يأتهم كتاب ولا نبي، إلا أنهم استمعوا أقاويل الناس وكان أحسنها قول لا إله إلا الله فاتبعوه، {والذي جاء بالصدق} قيل هو قول لا إله إلا الله. (1/202)
صفحة 203
زعم هاشم عن مهاجر أن خير الكلام لا إله إلا الله، زيد بن أسلم قال: قال موسى عليه السلام : يا رب من الأمة المرحومة ؟ قال: أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - يرضون بالقليل من العطاء وأرضى منهم بالقيل من العمل وأدخلهم الجنة بأن يقولوا لا إله إلا الله، ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس على أهل قول لا إله إلا الله وحشة في القبور ولا في النشور وكأني بهم وهم ينفضون التراب عن رؤوسهم وهم يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وعن أنس بن مالك عنه - صلى الله عليه وسلم - ما على أهل قول لا إله إلا الله مخلصا وحشة عند الموت ولا وحشة من قبورهم ينفضون التراب عن رؤوسهم وهم يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، الحسن: لا إله إلا الله ثمن الجنة، عن عمار أنه قال لعمر سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لأعلم كلمة لا يقولها العبد حقا من قلبه فيموت على ذلك إلا حرم على النار، وقبض ولم يبينها لنا - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر: أنا أخبرك عنها هي التي إلاص عليها عمة الموت شهادة أن لا إله إلا الله، قوله إلاص عليها غمة أي إدارة عليها ، يقال : ألصته على كذا ألصه إلاصة إذا أنت أدرته على شيء تطلبه منه وأنا ألاوصه مثل أداوره، وفي الحديث أن رجلا قتل رجلا يقول : لا إله إلا الله ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : أقتلته بعد أن قالها، فقال : يا رسول الله إنما قالها متعوذا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فهلا شققت عن قلبه، فقال الرجل: هل كان يبين لي ذلك شيئا فقال عليه السلام فإنما كان يعرب عما في قلبه لسانه، ومنه الحديث أنهم كانوا يستحبون أن يلقنوا الصبي حين يعرب أن يقول لا إله إلا الله سبع مرار معناه يبين لك القول ما في قلبك، وليس هو من إعراب الكلام.
فصل (1/203)
صفحة 204
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، فبلغنا أن رجلا قام هنالك فركع ثم أخذته السنة فرأى بين القبر والمنبر سنبل ذهب بعضه لازق بالأرض وبعضه مرتفع وآخر قد علا حتى خرق السماء مصعدا فقال :ما هذا فقال له قائل:هذا قول لا إله إلا الله ، فقال ما لي أرى منه شيئا أعلى من شيء ؟ قال له:هذا لازق بالأرض إذا قالها العبد في نفسه وهذا الذي ارتفع منه إذا جهر بقولها العبد وهذا الذي مصعدا إذا قالها العبد بنية صادقة مخلصا صعدت حتى تخرق سبع سماوات حتى تكون تحت العرش فتقول : إلهي اعتق قائلي من النار فيقول الله تعالى : وعزتي وعلوي فوق خلقي ما أنطقت لسان عبدي بهذه الكلمة مخلصا وأنا أريد عذابه ، قيل كان هجير أبي بكر الصديق قول لا إله إلا الله، ومعنى لا إله إلا الله أي لا يثاني معه ولا أحد يستحق العبادة سواءه، ويقال : هو إقرار بعد نفي ويكره أن يقول الإنسان لا إله ثم يقطع حتى يصلها بلا إله إلا الله، هجير الرجل عادته ودأبه وقال ذو الرمة:
رمى فأخطأ والأقدار غالبة فانصاع والويل هجيراه والحرب
انصاع أي ذهب مسرعا وقال آخر:
فقام هجيراه لما أن غدا عند الصباح يحمد القوم السرا
قال هجيراه وهجورته في معنى هجيراه.
فصل
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله، وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لحذيفة: خير لعبد عند موته يقول لا إله إلا الله دخل الجنة، ومن ختم عند موته بإطعام مسكين أو صيام يوم دخل الجنة، قال له حذيفة أكتم هذا أو أعلنه ، قال : بل أعلنه بل أعلنه. (1/204)
صفحة 205
وروى أن الحسن دخل على جابر بن زيد وهو يجود بنفسه فقال له: يا أبا الشعثاء قل لا إله إلا الله، فسكت فاشتد ذلك على الحسن، ثم أعاد عليه القول ثانية فلم يجب فاشتد على الحسن، وقال رجل: مثل جابر بن زيد لا يرزق عند موته شهادة أن لا إله إلا الله ثم أعاد عليه القول ثالثة ، فقال جابر : قد طالما قلناه إن تقبلت ثم تلا قول الله تعالى {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك} الآية، فقال الحسن علماء ورب الكعبة هكذا روي، والله أعلم.
ص 132: قال الله عز وجل {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} {ولا يظلم الناس شيئا} {وما يريد ظلما للعباد}،ومثل هذا في القرآن كثير، فلا يجوز على الله العادل الكريم الرؤوف الرحيم ضد ما وصف نفسه به، ولو لم يصفه بالعدل لكان موصوفا بضده فلما نفينا عنه الجور وصفناه بالعدل فإن قال قائل : فما معنى العدل ؟ قيل: أما في اللغة فهو الحكم بالعدل والحق تقول: هو يعدل في حكمه، وأما قول الفقهاء فهو فعل ماله أن يفعله في الحكمة وإعطاء المستحق ما يجب له، والجور ضد العدل وهو منع المستحق ما يجب له، فلما نفينا عنه تعالى الأضداد وصفناه عادلا.
ص 133-137 : باب في القضاء والقدر
القضاء في اللغة على أربعة وجوه: قضاء خلق وقضاء حكم وقضاء أمر وقضاء إخبار وإعلام، فأما قضاء الخلق فهو كقوله تعالى عز وجل {فقضاهن سبع سموات} أي خلقهن، ويقال قضيت الأمر فرغت منه وأحكمته وكل شيء حكمته فقد قضيته وقال أبو ذؤيب:
وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع (1/205)
صفحة 206
قضاهما أي صنعهما وأحكمهما، وأما قضاء الحكم فهو كقوله تعالى {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة} أي يحكم بينهم، وأما قضاء الأمر فهو كقوله تعالى عز وجل {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} أي أمر ربك، وهي في قراءة عبد الله، وأوصى ربك،وقال الفراء : قال ابن عباس : هي ووصى ربك، التصقت واوها بالصاد فصارت قافا، قال: والعرب تقول: تركته يقضي بين الناس أي يأمر فينفذ أمره، وأما قضاء الخبر فهو قوله تعالى {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب}، أي أخبرناهم وأعلمناهم، ومن ذلك قضاء الله وقدره أي قد أتقن الأشياء وأحكمها وأبرمها وفرغ منها، وإنما سمى القاضي قاضيا لهذا المعنى ، يقال : قضى بين الخصمين أي فصل بينهما وفرغ، ومنه قيل للميت قد قضى أي فرغ من الدنيا وفصل منها وقيل للموت قضاء لأنه إمضاء وفروغ وقال الحارث بن حلزة:
وثمانون من تميم بأيديهم رماح صدورهن القضاء
يعني الموت، يقول في أسنتهن الموت، فقضاء المعصية قضاء خلق لا قضاء أمر ولا رضى.
مسألة: فإن قال قائل : أفتقولون أن الله قضى المعصية على العبد؟ قيل له : نعم، فإن قال : فما معنى قضى المعصية قيل له معناه خلق المعصية من مكتسبها، وقضى الطاعة أمر بها وحث عليها، فإن قال : فقضى عليه الكفر ثم يعذبه بما قد قضاه عليه ، قيل له : قد قلنا أن القضاء ينصرف على وجوه فإن أردت أنه قضى عليه الكفر، أي خلق الكفر من الكافر قبيحا فاسدا مذموما متناقضا فكذلك نقول، وإن أردت أنه قضى عليه أجبره عليه أو أمره به أو رضيه منه فلا، وقد ذكر أن وفد نجران قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - يكتب الله علينا الذنب ثم يعذبنا فقال - صلى الله عليه وسلم - : أنتم خصماء الله. (1/206)
صفحة 207
القدر فيه لغتان، تقول العرب قدر الله وقدره بفتح الدال وجزمها وهو القضاء المؤقت، وقد جاء باللغتين في القرآن قال عز وجل {إنا كل شيء خلقناه بقدر} وقال الله تعالى {قد جعل الله لكل شيء قدرا} وليلة القدر هي ليلة تقدير الأشياء كلها إلى حول السنة القابلة ، قال عز وجل {فيها يفرق كل أمر حكيم}، وقال ابن أحمر:
ولكل أر واقع قدره
وقال الفرزدق:
وما صب رجلي في حديد مجاشع مع القدر إلا حاجة لي أريدها
ويقال للقدر كتاب كان على كل شيء قد قدره الله فقد كتبه ، وقال الجعدي:
يا بنت عمي كتاب الله أحرجني عنكم وهل أمنعن الله ما فعلا
والقدر في كلام العرب التقدير، يقال : قدرت الشيء وقدرته بالتثقيل والتخفيف، وهو من التقدير، ومن أسماء القدر المنية ، تقول العرب منا لك الماني أي قدر لك المقدر، وقال صحر العي:
لعمر أبي عمرو لقد ساقه المنى إلى جدث يورى له بالأهاضب
أي ساقه القدر ، وقال آخر:
ولا تقولن لشيء يوف أفعله حتى يبين ما يمنى لك الماني
أي يقدر لك المقدر، وقال آخر:
منت لك أن تلاقيني المنايا أحاد أحاد في شهر حلالي
وعن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن القدر فقال: الناس فيه على ثلاثة منازل: من جعل العباد في الأمر مشيئة فقد ضاد الله في أمره، ومن أضاف إلى الله شيئا مما ينزع الله عنه فقد افترى على الله عظيما، ورجل قال : رحمت فبفضل الله فذلكالذي سلم له دينه ودنياه جميعا ولم يظلم الله في خلقه ولم يجهله في حكمه، وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا مر بهدف مائل أسرع المشي، فقيل له : يارسول الله ، أتفر من قضاء الله، قال : أفر من قضاء الله إلى قدره، وعن بعض أصحاب جعفر بن محمد قال: كنت معه فقلت في كلامي ما شاء الله وأراد الله وقدر وقضاه، إن الله إذا أراد شيئا شاءه فإذا قدره قضاه فإذا قضاه أمضاه. (1/207)
صفحة 208
مسألة: فإن قال قائل فما القدر؟ قيل له : هو الخلق، فإن قال : فيعذب على القدر؟ قيل له: لا، إنما يعذب على المقدور، فإن قال: فما الفرق بينهما قيل له القدر فعل الله تعالى والمقدور هو فعل العبد، كذلك قوله تعالى {وكان أمر الله قدرا مقدورا} فالقدر فعله عز وجل والمقدور فعل خلقه، والمقادير من الله عز وجل. (1/208)
صفحة 209
وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: سيكون في هذه الأمة قوم يعملون بالمعاصي، ثم يقولون هي من الله قضاء وقدر، فإذا ألفيتموهم فأعلموهم أني منهم بريء، وروي أن رجلا قال له - صلى الله عليه وسلم - : بأبي أنت وأمي يا رسول الله، متى يرحم الله عباده ومتى يعذبهم؟ قال: يرحم الله عباده إذا عملوا بالمعاصي، فقالوا هي منا، ويعذب الله عباده إذا عملوا بالمعاصي فقالوا: هي من الله قضاء وقدر، فالطاعة والمعصية هما من الله خلق ومن العباد عمل، وقد روي عن الأصبع بن نباتة أنه قال: لما رجع علي بن أبي طالب من صفين قام إليه شيخ فقال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء وقدر، قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطئنا موطئا ولا هبطنا واديا ولا علونا تلعة إلا بقضاء وقدر، فقال الشيخ: أحتسب عنائي والله ما أرى لي في الأجر شيئا، فقال له علي: بل أيها الشيخ لقد عظم أجركم في مسيركم وأنتم سائرون وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين، فقال الشيخ :كيف لم نكن مضطرين والقضاء والقدر إذا ساقانا وعنهما كان مسيرنا وانصرافنا ، فقال علي: ويلك أيها الشيخ لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حاتما لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد والأمر والنهي، ولم تكن تأتي لائمة لمذنب ولا محمدة لمحسن، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء ولا المسيء أولى بالذم من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان وجند الشيطان وخصماء الرحمن وشهود الزور وأهل العمى عن الصواب، وهم قدرية هذه الأمة ومجوسها إن الله تعالى أمر تخييرا ونهى تحذيرا وكلف يسيرا ولم يعص مقلوبا ولم يطع مكرها ولم يرسل الرسل عبثا ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلا، {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} فنهض الشيخ مسرورا، وهو يقول:
أنت الغمام الذي نرجو بطاعته يوم النشور من الرحمن رضوانا (1/209)
صفحة 210
أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا جزاك ربك عنا فيه إحسانا
ومعنى كلام على أن الله تعالى لم يجبر عباده على طاعة، ولم تكن معصية العاصي لغلبة، ولا طاعة المطيع على كره وجبر، تعالى الله ، وقوله قدرية هذه الأمة ومجوسها ، أما القدرية فلأنهم يكذبون بالقدر، ويقولون لا قدر، وقالت المجبرة إنما سموا بالمجوس لأنهم ضاهوا المجوس في قولهم حين قالت إن الله خلق الخير ولم يخلق الشر، ولم يرده، وإن الشيطان يخلق الشر تعالى الله خالق كل شيء، وللقدرية آراء مختلفة ومذاهب كثيرة تأتي بعد هذا عند ذكر الفرق والمذاهب إن شاء الله.
ص 143-146: فصل (1/210)
صفحة 211
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن قول الله عز وجل {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم} الآية، فقال عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى خلق آدم فاستخرج ذرية من قومه فقال:خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم استخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقيل: يا رسول الله فما العمل، فقال - صلى الله عليه وسلم - : إن الله تعالى إذا خلق أحدا للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة، وإذا خلق أحدا للنار استعمله بعمل من أعمال أهل النار ختى يموت على أعمال أهل النار فيدخله النار، وقال كتاب كتبه الله فيه أهل الجنة بأسمائهم مجمل عليهم لا يزداد فيهم ولا ينتقص منهم، وقد سلك بأهل السعادة طريق أهل الشقاء، حتى يقال كأنهم منهم بل منهم، ثم يخرجهم الله قبل الموت ولو بفواق ناقة، ثم سلك بهم طريق أهل السعادة وقد سلك بأهل الشقاء طريق أهل السعادة حتى يقال : كأنهم هم بل هم ثم يخردهم الله قبل الموت ولو بفواق ناقة حتى يسلك بهم طريق أهل الشقاء، فالسعيد من سعد بقضاء الله والشقي من شقي بقضاء الله، والأعمال بخواتمها، وقال أبو بكر يرفع الحديث:خلق الله الخلق قبضتين ، فقال هؤلاء في الجنة فهنيئا لهم، وهؤلاء في النار ولا أبالي، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى بينه وبين الجنة إلا مقدار ذراع أو باع ثم يدركه العلم السابق فيعمل عمل أهل النار فيموت على ذلك فيصير إلى النار، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يبقى بينه وبين النار إلا مقدار ذراع أو باع ثم يدركه العلم السابق فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت على ذلك فيدخل الجنة. (1/211)
صفحة 212
مسألة في الإرادة: قال الله عز وجل {إن الله يفعل ما يريد} وهذه صفة ذات لأن كل ما علمه الله فقد أراده، وليست إرادته تعالى فعلا من أفعاله ولا نقول بذلك كما قال من تجار عن الحق، ولو كان فاعلا إرادة محدثة بها خلق لم يخل أن يكون إحداث إرادته في نفسه أو في غيره أو قائمة بنفسها، فإن قال : إنه أحدثها في نفسه فليس هو محل للحوادث، وإن قال أحدثها في غيره كان ذلك الغير مريدا وإن قال أحدثها قائمة بنفسها كان مستحيلا لأنها صفة والصفة لا تقوم بنفسها، فلما فسدت هذه الوجوه صح أنه تعالى لم يزل مريدا كما أنه لم يزل قادرا عالما، ومما يدل على فساد ما قولا من أن الله تعالى خلق إرادة له بما أراد، قوله تعالى {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} فلما لم يجز أن يكون قوله مقولا لم يجز أن يخلق إرادته، فلو جاز أن يقول لقوله جاز أن يريد إرادته وكان قد أراد إرادة وإرادة بإرادة إلى ما لا نهاية له، وهذا قول فاسد لا يجوز لقائله.
مسألة: فإن قال قائل: إن قوله تعالى إرادة إ،ما هو فعلناه، قيل له إن كان معناه إرادة بها أراد إذا كان إنما هو فعل من غير إرادة.
مسألة: فإن قال : ما أنكرتم أن الله تعالى لم يكن يريد ثم أراد، قيل له: أ،كرنا ذلك لأنه لو لم يكن مريدا لكان موصوفا بضد الإرادة من الترك والأضداد عن الله تعالى منفية. (1/212)
صفحة 213
ويقال له أيضا: ما الفرق بينك وبين من قال لم يكن عالما ثم علم، فإن قال: إن المريد غير العالم كذبه الإجماع، لأن الاتفاق أن الله تعالى هو المريد العالم وهذه الصفات له تعالى ثابتة في كتابه عز وجل، والقول بأنه لم يكن مريدا ثم أراد لا يعدو منزلتين، إما أن يكون مصيبا في أن لا يريد، ثم أراد فقد رجع عن الصواب إلى الخطأ إذا كان في أن لا يريد مصيبا فهو في أن يريد بعد أن لا يريد مخطئ، وإن كان مخطئا في أن لا يريد ثم أصاب بأن أراد، فقد انتقل عن الخطأ إلى الصواب أو عن الصواب إلى الخطأ، وقد دخله الخطأ في الوجهين جميعا، فلما كان هذا هكذا فسد قول من يقول أنه لم يرد ثم أراد، لأن هذا معناه البداء والله تعالى أن يحله البداء والغفلة والنسيان أو الخطأ أو الجهل أو أن يشبهه شيء من خلقه، فإن تجاهل وقال : إن الله قد علم بكل شيء ولم يرد، قيل له: ما الفرق بينك وبين من يزعم أنه أراد كون الشيء ولم يعلمه؟ لأنه فيما بينا أن الإنسان قد يريد فعل الشيء ولا يعلم كيف يفعله فإن لم يحب هذا لم يحب ما قلته، فإن قال إن العلم لا يجوز أن يوصف بالقدرة عليه وعلى خلافه والإرادة قد يوصف بها وبخلافها، قيل له: كيف يكون ذلك ؟ فإن قال : يجوز أنتقول أراد ولم يرد ولا يجوز أن تقول علم ولم يعلم، قيل لهم : فقد قال تعالى {أفتنبئون الله بما لا يعلم} فما دليلك على ذلك وهو المريد بنفسه والعالم بنفسه ولا فوق فيما اعتللت به، ويقال لهم أتقولون أن الله تعالى يريد كون خلاف ما علم، فإن قالوا نعم كفروا وإن قالوا لا يريد إلا ما علم ، قيل لهم وما ذلك ؟ فإن قالوا : أراد الطاعة ولم يرد المعصية، قيل : فعلى قولكم هذا إنه لم يرد إنفاذ ما علم. (1/213)
صفحة 214
مسألة: ويقال له أتقولون أن الله تعالى قد علم الطاعة من المطيع والمعصية من العاصي، فإن قالوا: نعم ، قيل لهم: فأراد المعصية من العاصي والطاعة من المطيع، وإن قالوا : أراد الطاعة ولم يرد المعصية قيل لهم : وعلم الطاعة ولم يعلم المعصية، فإن قالوا : نعم ، كفروا، وإن قالوا: قد علم جميع ذلك ، قيل : أراد إنفاذ ذلك أم إبطاله، فإن قالوا : إبطاله، كفروا، وإن قالوا: إنفاذه نقضوا قولهم. (1/214)
صفحة 215
ص 153-156 : مسألة في المشيئة: قال الله تعالى {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} الآية، في ذلك دليل على أنه لم يفوض الأمر إلى عباده ليستبد كل امرئ منهم بمراده كما زعم الملحدون في آياته المنكرون لأحكام كتابه إذا قالوا: فقد شاء الله تعالى من الخلق أن يؤمنوا وكره منهم أن يكفروا فأحب الكافرون لأنفسهم أن يكفروا وكانت محبتهم غالبة لمحبته ومشيئتهم ظاهرة على مشيئته فهم إن شاءوا ألا يكفروا نفذت مشيئتهم والله تعالى عندهم قد شاء من الخلق أن يكفروا فلم تنفذ مشيئته وأراد أ، يؤمنوا فلم يبلغ إرادته فكيف يكون ذلك وهو عز وجل يقول : {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} الآية، أفليس في هذا القول دليل لأولي التمييز والأبصار على أنه لا يستطيع من سبق له الخذلان أن يدخل في ملة أهل الإيمان إلا بمشيئة الله تعالى لا سابق لأمره ولا راد لحكمه ولا مضاد له في مشيئته خالق الخلق ومدبر الأمر تعالى عما يقول المبطلون، علوا كبيرا، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: سبق العلم وجف القلم وقضي القضاء وتم القدر بتحقيق الكتاب، وتصديق الرسل والسعادة من الله لمن آمن واتقى، والشقاء لمن كذب وكفر، بولايته للمؤمنين وببراءته من المشركين، وبتوبته منه عليهم إن تابوا وآمنوا كما أمروه، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الله جل وعلا: {يا بن آدم بمشيئتي كنت أنت تشاء لنفسك ما تريد وبنعمتي قويت على معصيتي وبقوتي أديت إلى فرائضي فأنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك مني، لم أدع تحذيرك ولم آخذك على عرتك ، ولم أكلفك فوق طاقتك ولم أحملك من الأمانة إلا ما قدرت به نفسك} وعن ابن عباس أنه قال: الخلق لما علم الله منهم منقادون وعلى ما سطر في المكنون من كتابه ماضون لا يعملون خلاف ما منهم علم ولا غيره يريدون فلا مشيئة للعباد خلاف ما شاء الله، وكذلك قال تعالى في كتابه {وما تشاءون إلا أن يشاء (1/215)
صفحة 216
الله رب العالمين} وقد شاء العباد المعاصي فلا يبلغون مشيئتهم حيث لم يشأ الله الذي شاءوا، وقال تعالى {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون} وقوله تعالى قبلا أي قبيلا، وفسر بعضهم أي عيانا أي يستقبلون، كذلك فهذا دليل على أنه لم يشأ أن يؤمنوا، ولو شاء أن يؤمنوا لم يقل إلا أن يشاء الله، وشاءوا هم فلم يكن ما شاءوا، ومن صفات الله تعالى أنه يفعل ما يشاء وما يريد، وليس لأحد أن يفعل ما يشاء وما يريد غيره عز وجل، {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين}، ففي هذا تثبيت لمشيئة وإرادته تعالى، وإبطال لقول من قال إن العباد يفعلون ما يشاءون ويريدون، والقدرة والإرادة والمشيئة لله تعالى، ولا لغيره ولم يعمل أحد من العباد عملا من خير أو شر أو طاعة أو معصية إلا وقد شاءها الله تعالى لا مشيئة محبة لكن مشيئة إرادة. (1/216)
صفحة 217
مسألة: فإن قال قائل: الله تعالى شاء من المشركين الشرك؟ قيل له: نعم، فإن قال: ما الدليل؟ قيل له: قوله عز وجل {ولو شاء الله ما أشركوا} {ولو شاء الله ما فعلوه} {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها}، فهذا كله دليل على أنه شاء ما فعلوه وإذا شاء ذلك فقد أراد والإرادة والمشيئة ها صفات ذات لا صفتا فعل كالعلم والقدرة، والدليل على أن الله تعالى لم يشأ الإيمان من الخلق كلهم قوله عز وجل {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} فهذا دليل على أنه لم يشأ أن يؤمنوا جميعا، لأنه أخبر تعالى أ،ه لو شاء لآمنوا جميعا فلما لم يؤمنوا جميعا علمنا أنه لم يشأ أن يؤمنوا فإن قالوا : لو شاء لآمنوا بالجبر، قيل له : إن الإيمان قد يكون بجبر وغير جبر فليس لك أن تزعم أن معنى هذا خاص إلا بآية تدل على خصوص هذه الآية، فأما الله تعالى لم يجبر أحدا وإنما آمن من آمن مختارا غير مجبور وقد قال الله عز وجل {إن هذه تذكرة ، فمن شاء ذكره، وما يذكرون إلا أن يشاء الله }، ففي هذا تثبيت المشيئة وأنه لا يكون إلا ما علم وشاء وأراد، وإبطال قول من زعم أنهم يفعلون خلاف ما علم الله تعالى منه ما أراد. (1/217)
صفحة 218
مسألة: وما يدل على أن لا شيء مخلوق إلا والله تعالى مريد له {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} فخبر أنه لا يكون شيء في الأرض يشاؤه أحد إلا أن يشاء الله ، لقوله تعالى ولا تقولن يا محمد لشيء إني فاعل إلا أن يشاء الله، وقوله تعالى {وما تشاءون إلا أن يشاء الله}، فخبر أنه لا أحد إن شاء شيئا فيكون إلا أن يشاء الله كونه، وهذه آيات محكمات، وأجمع أهل الفقه بأسرهم لو أن رجلا قال لرجل عليه له دين لأعطينك حقك غدا إن شاء الله ثم أصبح ولم يعطه أنه غير حانث بإجماع الأمة وفقهاء الأمصار والتابعين لا خلاف بينهم في ذلك بأن الله تعالى لو شاء أن يعطيه لأعطاه، فعل بذلك وبكتاب الله تعالى أنه لا يكون ما لم يشأ لأن الله تعالى لو شاء أن يعطيه حقه فلم يعطه لكان العبد حانثا في يمينه فلما أجمع فقهاء الأمصار أنه لو جاء الوقت في غد ولم يعطه كان حانثا كان ذلك أدل الدليل على أن الله تعالى لو شاء لكان معطيا له فلا يكون في الأرض إلا ما شاء الله ولو لم يكن إلا هذا الدليل لوجب كون الإرادة وإثبات القضاء والقدر لله تعالى تبارك وتعالى.
ص 162-163: فصل (1/218)
صفحة 219
عن الحسن في قوله عز وجل {وجعل الظلمات والنور}، قال خلق الكفر والإيمان وعن مجاهد في قوله تعالى {ومن كل شيء خلقنا زوجين}، قال الكفر والإيمان، والخير والشر والهدى والضلال، وقال حذيفة إن الله خلق كل صانع وصنعته والدليل من السنة على خلق الفعل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: ما خلق الله خلقا أحب إليه من العتاق ولا أبغض إليه من الطلاق، وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى على جنازة رجل من الأنصار فقال : اللهم نقه من الذنوب والخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، والعباد هم الذين يعتقون ويطلقون ويغسلون وينقون فأضاف ذلك إلى الله تعالى، لأنه الخالق لأفعال الخلق، وعنه - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا سأله فقال إني كنت صائما لعله فأكلت وشربت فقال - صلى الله عليه وسلم - إن الله أطعمك وسقاك والطاعم الشارب هو العبد والمطعم والشرب هو فعله فأضافه إلى الله تعالى إذ كان هو خالقه جلا وعلا.
مسألة: إن سأل سائل فقال: هل يخلو العبد من نعمة وبلية؟ قيل: لا يخلو من ذلك ، فالنعمة يجب عليه شكرها، وكذلك قال تعالى {وسنجزي الشاكرين}.
ص 163-164: وقيل في قوله تعالى {ما يلفظ من قول}الآية من جميع ما يتكلم به من الأشياء كلها قال الحسن : حتى أنه ليكتب قول الرجل يا جارية ضعي لي وضوءا، يا جارية ناوليني نعلي ناوليني ردائي، ويقال حتى صفير الرجل لدابته تشرب وحتى هذا أسود وهذا أبيض.
وبلغنا عن الملكين عليهما السلام أنهما أفرح بمحاسن العبد إذا تكلم وعمل من العبد بمحاسنه وأنهما أشد حزنا بمساويه منه بمساوي نفسه، يقولان اللهم وفقه وسدده حتى يملي علينا خيرا ويقال ما خطا عبد خطوة قط إلا كتب له حسنة أو سيئة. (1/219)
صفحة 220
ص 164-166: مسألة في الاستطاعة: الاستطاعة في اللغة هي القدرة على الشيء، وقد سمى بها أشياء تؤول إلى القدرة ، قال الله عز وجل {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} يعني الصوم من لم يقدر عليه أطعم وزال عنه فرض الصوم لزوال اسم الاستطاعة،وهي الصحة، ووجود المال يوجب استطاعة الإطعام، وقال عز وجل {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات} يعني سعة في المال ، وقال عز وجل {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} فالاستطاعة اسم لمعان والأصل فيها القدرة ، وقال الراعي:
ثبتت مرافقهن فوق مزلة لا يستطيع بها القراد مقيلا
وقال قيس بن ذريح:
فأصبحت الغداة ألوم نفسي على شيء وليس بمستطاع
أي ليس بمقدور عليه، والقدرة في الإنسان هي عرض في الجسم، وليس القدرة جسما في الجسم والعرض لا يقوم بنفسه ولا يثبت، والقوة لا خلاف بأنها صفة وعرض لا تقوم بنفسها أيضا ولا تثبت.
حقيقة الكسب كل فعل وقع باستطاعة محدثة مع الفعل، فأما من فعل بقدرة قديمة فهو غير مكتسب.
مسألة : الدليل على أن الاستطاعة مع الفعل أن من لم يخلق الله تعالى له استطاعة لم يجب أن يكسب شيئا فلما استحال أ يكسب الفعل إذ لم يكن استطاعة ص أن الكسب إنما يوجد بوجودها وفي ذلك إثبات وجودها مع الفعل، فإن قال قائل :أليس في عدم الجارحة عدم الفعل هل له في عد الجارحة عدم الاكتساب لأنها إذا عدمت القدرة فبعدمها استحال الكسب لعدم القدرة لا لعدم الجارحة ولو عدمت ووجدت القدرة كان الاكتساب واقعا ولو كان إنما استحال الاكتساب لعدم الجارحة لكان إذا وجدت وجد الاكتساب فلما كانت توجد ويفارقها للعجز وبعدم القدرة فلا يكون كسب علم أن الاكتساب إنما يعد من عدم الاستطاعة لا لعدم الجارحة، وقد قال تعالى {ما كانوا يستطيعون السمع} وقد أمروا أن يسمعوا الحق ويكلفوه فدل ذلك على جواز التكليف ، وإن لم يقل الحق ولم يسمعه على طريق القبول لم يكن له مستطيعا. (1/220)
صفحة 221
ص 171-178 : باب في الرزق وطلب المعيشة
قال الله عز وجل {هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض} فهو الخالق الرازق، وقول أصحابنا إن الله تعالى يرزق الحلال والحرام، فرزق الحلال ملك اليمين، وغذاء الأجساد وحياة البدن، ورزق الحرام ليس هو ملك للغاصب ولكن رزق حرام أكله وغذاؤه جسد حرام عليه ، وقول المعتزلة أن الله تعالى لا يرزق الحرام، ومن زعم أن الله تعالى لا يرزق الحرام ولا يؤتى المشرك الملك فليستغفروا الله فإن الرازق لا غيره والرزق كله حلاله وحرامه منه، والملك كله له، وقد أعطى نمرود الملك وهو أول ملك ملك الأرض كلها وهو الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك، فالله هو المالك كما قال عز وجل {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء} لا مالك ولا رزاق غيره إلا هو عز وجل، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - {إن الله عز وجل قسم بينكم أرزاقكم كما قسم بينكم أخلاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا نم أحب، ومن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه، قيل: يا رسول الله وما بوائقه ؟ قال : غشمه وظلمه، ولا يكسب مالا حراما فينفق منه ولا يتصدق فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار}، وعنه - صلى الله عليه وسلم - {لو أن أحدكم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت}، وعنه - صلى الله عليه وسلم - {يولد المولود أحمر لا قشر عليه ثم يرزقه الله من بعد}.
ويروى عن الله جل جلاله: {ابن آدم لا يكثر همك فإن المقدور كائن والرزق يأتيك، يا ابن آدم لو تهرب من رزقك لأدركك الرزق كما يدركك الموت، واعتبر بطيور السماء التي لا يزرعن لا يحصدن والله رازقهن}. (1/221)
صفحة 222
وقيل لو أن العبد تبرم رزقه فقال : إلهي لم ترزقني لقال الله تبارك وتعالى أرزقك شئت أو أبيت، وعن أبي عبد الرحمن قال: من ألبس نعمة فليكثر من الحمد ومن أصابه الهم فليكثر من الاستغفار، ومن أبطأ عليه الرزق فليكثر من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال يحيى بن معاذ: في وجود العبد الرزق من غير طلب، دليل على أن الرزق مأمور أن يطلب صاحبه، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: {معاشر الناس إنه ليس بين الله وبين أحد من عباده قربة يعطيه بها خيرا ولا يدفع عنه بها شرا، وأنه والله ما يدرك ما عند الله بسخط الله وما يدرك ما عنده إلا بطاعته، فلا يحملن أحدكم استبطاء شيء من رزقه أن يطلبه بسخط الله ومعصيته، فإنه ما يدرك ما عند الله إلا بطاعته.
وعنه - صلى الله عليه وسلم - : {الرزق محتوم فمن تعجل في طلبه وجده حراما ومن توقف أتاه حلالا}، قال الشاعر:
ارغب إلى الله لا ترغب إلى أحد أما رضيت ضمان الواحد الصمد
الله ضامن أرزاق العباد لهم حتى يفرق بين الروح والجسد
لا تحرصن على الأرزاق تطلبها واصبر لدهرك لا تضرع إلى أحد
لو كان رزق الفتى في قبضتي أسد وافي إليه على رغم من الأسد
وقال آخر:
لا تنظرن إلى عقل ولا أدب إن الحدود قريبات الحماقات
واسترزق الله مما في خزائنه وكل ما هو آت مرة آت
وقال آخر:
قد كنت أحسب أن الرزق عن طلب حتى تبينت أن الرزق أطوار
رأيت مجتهدا أكدى على طلب وقاعدا نال ما يهوى ويختار
فالصبر أحسن من حرص ومن تعب وكل شيء له حد ومقدار
وقال آخر:
وكم لله من لطف خفي يحير أمره فهم الذكي
وكم أصبحت مكتئبا حزينا فجاءتني المسرة بالعشي
إذا ضاقت بك الأسباب يوما فثق بالواحد الصمد العلي
فصل (1/222)
صفحة 223
قال النقاش: الرزق جامع وخاصته ما يتفضل الله به مما يصلح للأوقات، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق ابن مسعود أنه قال: {إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب}، معناه نفخ في نفسي وأوقع في خلدي، والروع بضم الراء: الخلد والنفس، تقول: وقع ذلك في روعي وفي خلدي، ويقال: نفث ينفث وتفل يتفل لا يكون إلا مع شيء من الريق، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : {يا ابن آدم لا تتشاغل بالرزق المضمون عن العمل المفروض وكن مشغولا في يومك بما أنت مسئول عنه في غدك}، وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: {المعونة على قدر المئونة من وسع وسع عليه من قتر قتر عليه}، وعنه - صلى الله عليه وسلم - من طريق أنس بن مالك أنه قال للزبير: يا زبير إن مفتاح الرزق بباب العرس فيقول الله تعالى : أرزاقهم على قدر نفقاتهم فمن كثر كثر له ومن قلل قلل له، وقال : قيل إن لله تعالى ملكين في كل يوم يناديان اللهم اجعل لكل منفق خلفا ولكل ممسك تلفا، وفي الخبر: ابن آدم أنفق أنفق عليك، وعن أبي محمد رحمه الله أنه قال: إن الأرزاق في السماء الرابعة.
فصل
ابن عباس في قوله عز وجل: فلنحيينه حياة طيبة: قال الرزق الطيب في الدنيا ، وقيل في قوله تعالى {وكأين من دابة لا تحمل رزقها} يعني لا ترفع رزقها معها الله يرزقها حيث ما توجهت. (1/223)
صفحة 224
سفين، قال: ليس شيء من الدواب تخبأ إلا الإنسان والنملة والفأرة والعقعق وابن آدم، مجاهد قال: لا تحمل رزقها، قال هو محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يدخر قوت يومه لغده، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - التمسوا الرزق من خبايا الأرض يعني الزرع ، وعن ابن مسعود أن الأرزاق والمصيبة والآثار مكتوبة في اللوح المحفوظ،وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق أنس ابن ملك أنه قال: إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها صوم ولا صلاة ولا صدقة، قيل : يا رسول الله : فما يكفرها ؟ قال : السعي في طلب المعيشة، وفي الحديث {الصدقة على العيال أفضل ، فابدأ بمن تعول}. (1/224)
صفحة 225
الهيثم بن عدي يرفعه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اطلبوا الرزق إلى الرحماء من أمتي تعيشوا في أكنافهم، ولا تطلبوا إلى القاسية قلوبهم فإن عليهم تنزل اللعنة، قال يحيى بن معاذ: من استفتح أبواب المعاش بغير مفاتيح الأقدار وكل إلى المخلوقين، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ليتعمد أحدكم أخذ حبل فليحتطب فيه حطبا وليحمله على ظهره فيأتي به السوق فيبيعه فيأكل منه ويتصدق به خير له من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه، وفي هذا القول منه - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على ضعف مذهب القائلين أن الدنيا بمنزلة الميتة لا يحل منها إلا ما يحل للمضطر لاختلاط الحلال منها بالحرام فلا يطلب منها إلا ما يسد الفاقة، وفيه دليل آخر على قبح احتيار القائلين أن صدق التوكل لا يكون إلا بترك الاكتساب إذ قد حض النبي - صلى الله عليه وسلم - علي طلب الاكتساب حضا مطلقا ولم يجعله خاصا في وقت نعمته لمن اضطر إليه دون من لم يضطر ، فالواجب على العبد أن يتقي الله ربه ويسارع إلى ما ندب الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى فعله من اكتساب الحلال الذي يعفه في نفسه ويتصدق منه على غيره ولا يكون كلا على المؤمنين، وكيف يكون الاكتساب مكروها والله تعالى يقول {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما كسبتم} وقد قال الشاعر:
توكل على الرحمن في طلب الغنى ولا تر أن الحزم في ترك الطلب
ألم تر أن الله قال لمريم إليك فهزي الجذع تساقط الرطب
ولو شاء أحنى الجذع من غير هزه إليها ولكن كل شيء له سبب (1/225)
صفحة 226
وبلغنا أن إبراهيم عليه السلام قال: يا رب قد استحييت من طول ما تردد في الدنيا في طلب المعيشة،فنودي أن يا إبراهيم كف عن هذا فإن طلب الرزق ليس من الدنيا، قال سفيان الثوري مكتوب في التوراة إذا كان في البيت بر فتعبد وإذا لم يكن فاطلب، يا ابن آدم حرك يدك يسبب لك رزقك، وعن سفيان : وعليك بالكسب الحلال فإن الذي كون طعامه من الحرام إذا وضع يده وقال باسم الله قال الشيطان أنا معك من حيث كسبته لا أفارقك أنا شريكك فيه، وقال الله عز وجل {وشاركهم في الأموال والأولاد} فالأموال هو الحرام والأولاد هو الزنا، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - كل لحم نبت من السحت فالنار أولى به، قال الخليل:السحت كل حرام قبيح الذكر، وبلغنا أن سعد بن أبي وقاص قال : بأبي وأمي يا رسول الله علمني أدعو الله بدعوة أكون مستجاب الدعوة، قال: يا سعد أطب مطعمك تستجب لك دعوتك، يا سعد والذي بعثني بالحق نبيا إن العبد ليرمي إلى جوفه باللقمة الحرام فما تستجاب دعوته أربعين يوما وليلة، وقيل سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الكسب أفضل ؟ فقال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور، وقال أبو الدرداء: نظر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أعرابي فقالوا:يا رسول الله لو كانت قوته في سبيل الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن كان يسعى على والديه أو على عياله فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على نفسه ليستعف عن الناس فهو في سبيل الله وإن كان يسعى في تكاثر وتفاخر فكل ذلك في النار.
وقيل: العبادة عشرة أجزاء تسعة منها في طلب الحلال وواحدة في الصلاة والصيام.
فصل (1/226)
صفحة 227
ويؤمر الإنسان بالاقتصاد في معيشته فبدأ بما أدب الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - يقول عز وجل : {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} الآية، وهذا مثل أي لا تقبض يدك عن النفقة قبضا شديدا كالمغلول الذي لا يمكنه أن يبسطها، قال الحسن والكلبي: يقول لا تمنع حق الله فتكون كالذي غلت يده إلى عنقه، ولا تبسطها كل البسط، أي تنفق في غير حق الله، ويقال : تنفق كل ما عندك فيجيء آخرون يسألونك فلا يجدون عندك شيئا تعطيهم فتقعد ملوما أي يلومك من لا تعطيه محسورا، أي ذهب مالك فبقيت كمن حسر وذهب قوته، فليس يقدر على لحركة والعرب تقول حسرت الدابة إذا سرت بها حتى ينقطع سيرها، ومنه قوله تعالى: {خاسئا وهو حسير} أي منقطع عن بلوغ النظر، ودابة حسير ومحسور والجمع حسرى، قال الأعشى:
بالخيل شعثا لا تزال جيادها حسرى يغادر بالطريق سخالها (1/227)
صفحة 228
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: للمؤمن من على ربه خصلة إذا وسع عليه وسعه وإذا ضيق عليه ضيق، وفي خبر آخر إن مما أدبني ربي إذا وسع وسعت وإذا ضيق ضيقت، وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ما عال مقتصد ولا يعيل، أي ما افتقر ولا يفتقر، ويقال عال يعيل الرجل عيلة إذا احتاج، وقيل إذا كان عند أحدكم شيء فليقتصد فيه ولا يقولن إن الرزق مقسوم، وقال بعضهم لا أمتحن ربي ولكن أطلب السلامة فإن امتحنني صبرت، ويؤمر الإنسان بالتوسط في الفاقة فلا يكون مبذرا ولا مقترا بل ينفق إذا وجد ويقتصد إذا عدم، فقد روى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا، وعنه عليه السلام أنه قال: من أيقن بالخلف سخت نفسه بالنفقة ، وعنه عليه السلام: الأيدي ثلاث شائلة ومنفقة وممسكة وخير الأيدي المنفقة، وعن أبي جعفر قال: إن الشمس تطلع ومعها أربعة أملاك ملك ينادي يا صاحب الخير أتم وأبشر،وملك ينادي يا صاحب الشر انزع وأقلع، وملك ينادي أعط منفقا خلفا وآت ممسكا تلفا، وملك ينضحها بالماء ، لولا ذلك لاشتعلت الأرض، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - الرزق أسرع إلى من يطعم الطعام من المسكين إلى الشام، وعن أبي جعفر: قال تنزل المعونة من السماء إلى العبد بقدر المئونة ومن أيقن بالخلف سخت نفسه بالنفقة، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - من اقتصد في معيشته رزقه الله عز وجل، ومن بذر حرمه الله عز وجل.
ص 179-183 : الكتاب (1/228)
صفحة 229
الكتاب على الإطلاق اسم لكتاب الله عز وجل ولا يسمى الكتاب على الإطلاق غيره، وإنما الكتب تسمى بالإضافات إلى مؤلفيها وبالإضافات للأنواع التي فيها، والكتب التي ذكرها الله تعالى وسماها بأعيانها أربعة، القرآن كتاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وله أسام غير هذا نذكرها إن شاء الله، والتوراة كتاب موسى عليه السلام سماه توراة وسماه أيضا في القرآن كتابا وقرآنا ونورا وضياء، والإنجيل كتاب عيسى عليه السلام، والزبور كتاب داود عليه السلام، فهذه الكتب الأربعة كلها أسماء من الله عز وجل مشهورة غير الكتاب الذي هو اسم لكل كتاب، ولسائر الأنبياء كتب وليس لها أسماء مخصوصة في القرآن إلا الصحف التي ذكرها عز وجل فقال: {صحف إبراهيم وموسى} وسمى تبارك وتعالى الكتب المتقدمة زبرا غير أنه لم يخص بهذا الاسم إلا كتاب داوود عليه السلام، فصار عاما لسائر الكتب، وقال تعالى {وآتينا داوود زبورا} وقال عز وجل {وإنه لفي زبر الأولين} وكل كتاب ذو حكمة فهو زبور، وقيل الزبر كتاب الأنبياء بالنبوة على ما يكون، والكتاب المبين الحلال والحرام، وزبر جمع زبور وهي الكتب، فأما الزبر مفتوحة الباء مضمومة الراء فالقطع واحدها زبرة، ومنه {آتوني زبر الحديد} أي قطع، ويقال زبرت الركية أي طويتها، ومن هذا قالوا فلان لا زبر له أي ليس له عقل يقيمه كما يقيم الزبر الركية أن تنهار، فأما القرآن والتوراة والإنجيل فهي الكتب التي فيها الأمر والنهي والحلال والحرام، وليس الزبور كذلك إنما الزبور فيه تسبيح وتهليل ودعاء وحكمة مثل سائر كتب الأنبياء التي ليست فيها شرائع ولا أمر ولا نهي، وفضل الله تعالى الزبور من سائر الكتب فذكره في كتابه مع القرآن والتوراة والإنجيل واختص له أسماء ولم يختص لسائرها اسما فقد قيل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أربعة وعشرين كتابا مثل كتاب شعيا وكتاب أرميا وكتاب سليمان وغير ذلك، ولكتب سليمان أسام مثل فوهلت وسير يسيرين وغير (1/229)
صفحة 230
ذلك، ولكن ليس لها في القرآن ذكر، واليهود تسمى كتب بني إسرائيل خمسى معناه خمسة أخماس وخمسة أخماس هس خمسة وعشرون، وقد احتجت عليهم النصارى فقالوا : قد أقررتم لنا أن كتب بني إسرائيل خمسة أخماس وخمسة أخماس هي خمسة وعشرون وفي أيديهم أربعة وعشرون كتاب والإنجيل الخامس والعشرون.
فصل
ويقال للقدر كتاب، قال الجعدي:
يا ينت عمي كتاب الله أحرجني عنكم وهل أمنعن الله ما فعلا
يعني قدر الله ، قيل وسئل الأصمعي ما الكتاب قال القدر، وأنشد:
كتب البياض لها وبورك لونها فعيونها حتى الحواجب سود
وإنما قيل للقدر كتاب لأنهم ذهبوا إلى الله عز وجل كتب كل شيء قدره في اللوح المحفوظ، وقال عز وجل {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} قال أهل التفسير ما قضى وقدر، وقالوا في قوله تعالى {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} أي قضى ذلك وفرغ منه، ويقال للفرض أيضا كتاب، قال ابن عباس في قوله تعالى {كتب عليكم القصاص} أي فرض، ومن ذلك قيل للصلاة الفريضة المكتوبة، قالوا : وإنما قيل للفريضة كتاب لأنه نزل به وذكر في الكتاب، وقالوا الكتاب الأمر وفسروا {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم}، أي أمركم أن تدخلوها، ويقال كتب بمعنى جعل {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان}، وقالوا في قوله عز وجل {فاكتبنا مع الشاهدين}، وقوله {فسأكتبها للذين يتقون} فسروا هذا كله بمعنى جعل، فقد جاء في الكتاب هذه المعاني كلها كتب بمعنى قضى وجعل وأمر.
فصل
والكتاب يكون واحدا وجمعا، وقال تعالى {ونخرج له يوم القيامة كتابا} يريد واحدا، وقال عز وجل {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} يريد جمعا، فإذا قلت الكتب فليس إلا الجمع وهي من ثلاثة إلى عشرة ، فإذا قلت الكتاب فهو الجمع الذي لا عدد له ويكون الواحد منه الكتاب، ويقال كتبت الكتاب إذا جمعت الحروف بعضها إلى البعض، ويقال تكتب بنو فلان إذا اجتمعوا، قال عبيد نبيت:
إن بني جديلة عدوا أو سفرا من سلمى لنا وتكتبوا (1/230)
صفحة 231
أي تجمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل كتيبة قال النابغة:
تزهى كتائب حضر ليس يعصمها إلا ابتدار إلى موت بإلجام
الكتائب جمع كتيبة، ويقال كتب الحرز إذا جمعه، قال ذو الرمة:
وفراء غرفية أثأى خوازرها مشلشل ضيعته بينها الكتب
والكتب الحرز والكتبة الحرز، ومنه كتبت البغلة إذا جمعت بين شفرتيها بحلقة وبغلة مكتوبة إذا كانت كذلك ، قال:
لا تأمنن فراريا خلوت به على قلوصك فاكتبها بأسيار
فكان الكتاب يسمى كتاب لما اجتمع فيه من المعاني بالخط والحروف، ويقال أيضا لجمع الحروف بعضها إلى بعض، والأسفار الكتب بلغة كتابة، ويسمى الكتاب سفرا لأنه يحمل من مكان إلى مكان، والسفر الكتاب الطويل الذي ليس بكراسة، ومنالعرب من يقول: سفر، وعن بعضهم أنه يقول سفر بكسر السين لغة، والسفر حر ومن أحر التوارة وكل كتاب سفر والجمع أسفار والكتبة السفرة من قوله تعالى {بأيدي سفرة كرام بررة} قيل إنهم ملائكة السماء الدنيا وهم الكتبة يحصون أعمال أهل الأرض، والطلس الكتاب قد محى ولم يعم محوه فيصير طرسا وإذا محوت الكتاب ليفسد خطه طلسته وإذا أنعمت محوه قلت طرسته، ويقال للكتاب الرقيم، وأنشد:
لمن طلل مثل الكتاب المرقم
ويقال : هو مرقوم عليك أي مكتوب، وهو فعل بمعنى مفعول، قال:
سأرقم في الماء القراح إليكم على نأيكم إن كان في الماء راقم
أي كاتب ، والرقيم في قول الله تعالى يقال اسم الوادي الذي فيه الكهف، وقال الكلبي : الرقيم لوح رصاص كتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم ودينهم وممن هربوا، قال الحسن: الرقيم الجبل الذي هربوا إليه، الرقيم في غير هذا الروحة، قال الأحوص أو غيره:
لعمرك إنن لرقيم قيس وجارة بيتها صب كليب
فصل (1/231)
صفحة 232
والصحف جمع صحيفة يثقل ويخفف، وقوله تعالى {صحف إبراهيم وموسى} يعني الكتب التي أنزلت عليهما صلى الله عليهما، وسمى المصحف مصحفا لأنه أصحف أي جعل جامعا للصحف المكتوبة بين الدفتين، وتقول : طويت الصحيفة فأنا أطويها طيا، فالطي هو المصدر وطويتها طية يعني مرة واحدة، وتقول أنه يحسن الطية لا تريد به المرة الواحدة ولكن تريد به ضربا من الطي مثل الجلسة والمشية يريد به نوعا منه، قال ذو الرمة:
أم دمنة نسفت عنها الصبا سفعا كما تنشر بعد الطية الكتب
فكسر الطاء لأنه أراد نوعا منه في الحسن والقبح ولم يرد المرة الواحدة، والفعل اللازم للصحيفة وغيرها والجبة وما يشبهها الانطواء تقول: انطوى ينطوي انطواء فهو منطو على منفعل، وتقول: أطوى يريد به افتعل فأدغم الياء في الياء فقال: مطو.
ص 184: في القرآن {لست عليهم بمسيطر} أي بمسلط، وسطر الكتاب جمعه أسطارا وأسطرا.
ص 184-185 : فصل
والوحي الكتابة يقول وحى يحي وحيا أي كتب كتابا وأنا أحي، قال:
من رسم آثار كوحي الواحي
أي ككتاب الكاتب، وأنشد ابن عرفة:
كأن أخا اليهود يخط وحيا بكاف في منازلها ولام
وقال عنترة ، وشبه المنازل ودرسها بالكتاب:
كوحي صحائف في عهد كسرى فأهداها لأعجم طمطمى
والوحي في كلام العرب على وجه منها وحي النبوة ومنها الإلهام ومنها الإشارة ومنها التابة، وفي ذلك شواهد من الكتاب والشعر والكلام تركته اختصارا، واختلفوا في قوله عز وجل {فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا} قال مجاهد أشار إليهم، وعن الضحاك وابن أبي ليلى قال كتب لهم ، قال أبو عبيدة : والمعنى محتمل القولين.
ص 187-193: باب في القرآن
سمى الله عز وجل القرآن كتابا فقال تعالى {ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه} قال أبو عبيدة معناه هذا القرآن ، والعرب تخاطب الشاهد مخاطبة الغائب، قال خفاف ابن ندبة السلمي وهي أمه وكانت أمة حبشية وكان من عربان العرب:
أقوله والرمح ناطر متنه تأمل خفافا إنني أنا ذلك (1/232)
صفحة 233
وسمى القرآن قرآنا لأنه جمع السور وضمنها ، قال عز وجل {إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرآناه فاتبع قرآنه} معناه ألفنا منه شيئا وضممناه إليك فاعمل به وخذ به، قال : وقيل للناقة التي لم تلد ما قرأت جنينا قط، وأنشد لعمرو بن كلثوم:
ذراعي عيطل أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا
أي لم تضم رحمها ولدا، وفي آية أخرى فإذا قرأت القرآن مجازه فإذا تلوت بعضه في أثر بعض حتى يجتمع وينضم بعضه إلى بعض.
الفرقان: قال أبو عبيدة: وسمى فرقانا لأنه بين الحق والباطل وبين المؤمن والكافر، وعن ابن عباس في قوله تعالى {وأنزل الفرقان} قال المخرج من الشبهات، وسمى عز وجل التوراة فرقانا فقال تعالى {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء} لأن سبيله في تلك الأمة سبيل القرآن في هذه الأمة، ومنه سمى عمر الفاروق لتفريقه بين الحق والباطل، ويقال سمعت فرقان الفرقان في الفرقان، فالفرقان الأول أراد القرآن والثاني يجمع فريقا من الناس وهو الجماعة، والثالث السحر، وقيل سمى السحر فرقانا لأنه يفرق بين الليل والنهار.
الوحي: ومن أسماء القرآن الوحي كما يقال له قرآن وتنزيل، وقد قالت الأمة بأجمعها القرآن كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله، قال عز وجل {قل إنما أنذركم بالوحي} الآية، وفي الوحي معان جليلة وتفسير طويل فتركته اختصارا.
التنزيل: ويقال للقرآن تنزيل كما يقال له قرآن، ويقال هذا في التنزيل أي في القرآن وهو مأخوذ من قوله تعالى {الله نزل أحس الحديث كتابا متشابها} ومن قوله عز وجل {نزله روح القدس من ربك بالحق} ونزل الروح الأمين، ونزلناه تنزيلا ، فهو مشتق من نزل ينزل وأصله من الانحدار،قال عز وجل {وننزل لكم من السماء رزقا}، قال الأعشى:
فلست لأنسى ولكن لمالك ينزل من جو السماء يصوب
فكل منحدر من موضع عال فهو متنزل. (1/233)
صفحة 234
القصص: وسمى الله عز وجل القرآن قصصا، فقال تعالى {نحن نقص عليك أحسن القصص}، والقصص في كلام العرب هو إتباع الأثر، وقال عز وجل {قالت لأخته قصيه}، أي اتبعي أثره، والله أعلم، ويقال خرج فلان في أثر فلان قصصا أي اتبع أثره، وكأنه سمى قصصا لأنه عليه السلام اتبع ما أوحي إليه ثم ألقى ذلك إلى الناس فاتبعوه.
روح: ويقال القرآن روح، قال عز وجل {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا}، قال ابن قتيبة في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : تحابوا بذكر الله وبروحه، قال روحه القرآن، كقوله تعالى {أوحينا إليك روحا من أمرنا}، فكأنه سماه روحا لأنه أحيا به والدين والناس، والله أعلم.
المثاني: وسماه الله عز وجل المثاني، فقال تعالى{كتابا متشابها مثاني} قالوا : سمى بذلك لأن الأنبياء والقصص تثني فيه، وقال آخرون: المثاني مشتق من قولك ثنيت الشيء أي كررته، وقوله كتابا متشابها مثاني مجازه آيات من القرآن يشبه بعضها بعضا، وأنشد الحجاج:
نشدتكم بمنزل الفرقان أم الكتاب السبع من مثاني
تتبين من أي من القرآن أم الكتاب، ويقال لسورة الحمد أم الكتاب، ويقال لها السبع من المثاني، وروى أبو عبيدة بإسناد له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرأ عليه آي فاتحة الكتاب، فقال : والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها، إنها السبع من المثاني والقرآن الذي أوتيت، وقال أبو عبيدة إنما قيل للحمد أم الكتاب لأنها يبتدأ بها في أول القرآن، وتعاد في كل ركعة، ويقال لها فاتحة الكتاب لأنها يفتح بها المصحف فتكتب قبل القرآن.
المفصل: قال بعض العلماء سمي مفصلا لأنه نظم نظما بالآيات فآية في الحلال وآية في الحرام، وأخرى في القصص وأخرى في الناسخ وأخرى في المنسوخ، قد فصل بأنواع الأحكام وبين كل حر رنين زبرجده، وقال النابغة:
بالدر والياقوت زين نحرها ومفصل من لؤلؤ وزبرجد (1/234)
صفحة 235
قال غيره: سمى مفصلا لأن الأحكام والسنن بينت فيه وفصلت، يقال فصلت الحكم أوضحته وبينته ، وقضاء فصل أي متبين قد مضى الحكم فيه، قال عز وجل {إنه لقول فصل وما هو بالهزل} السورة، قال أبو عبيدة: السورة تهمز ولا تهمز فمن همزها جعلها من أسأرت أي أفضلت ومجاز سورة مجاز قطعة من القرآن على حدة وفضلة منه، ومن لم يهمزها جعلها من سورة البناء أي منزله بعد منزلة، وأنشد النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتبدد
أعطاك سورة أي منزلة ورفعة لا يلحقها أحد من الملوك، وارتفعت عن منازل الملوك، قال : وسورة البناء مأخوذ من ذلك لأنه يبنى ويرفع، ويقال سرت إليه أي ارتفعت إليه ، وأنشد:
ورب ذي سرادق محجور سرت إليه من أعالي السور
وجمع سورة في لغة من همزها ومن لم يهمزها سور بفتح الواو، وجمع سورة البناء سور بجزم الواو مثل سيرة وسير، قيل إ،ما قيل لسور القرآن سور، لأن الله عز وجل فضل بها نبيه - صلى الله عليه وسلم - فكلما أعطاه سورة زاده رفعة وفضيلة، والسورة في كلام العرب على ما فسروه هي الرفعة والمنزلة والفضيلة، وقال الحطيئة:
فمن مبلغ أفناء سعد فقد سعى إلى السورة العليا لهم...
فسورة القرآن هي مناقب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفضائله ومنازله الرفيعة، وقال ابن الأنباري فيها أربعة أقوال أحدها من ارتفاع منزلة إلى منزلة مثل سورة البناء، والثاني لشرفها من قولهم له سورة في المجد أي شرف وارتفاع، والثالث لكبرها على خيالها من قولهم له سورة من الإبل أي أقرام كرام واحدتها سورة، والرابع لأنها قطعة من القرآن على حدة وفضيلة، من قولهم أسأرت منه سورا أي أبقيت منه بقية فيكون أصلها الهمز فتركوه وأبدلوا منه واوا لانتظام ما قبله. (1/235)
صفحة 236
آية: قال أبو عبي: وإنما سميت آية لأنه كلام متصل إلى انقطاعه وانقطاع معناه قصة ثم قصة، وقال في قوله عز وجل {آيات محكمات} مجازه أعلام الكتاب وعجائبه وآياته فواضله، وفي قوله تعالى {لمن خلفك آية} أي علامة، وقال ابن قتيبة: بلغني أن أبا عمرو الشيباني قال: معنى آيةمن كتاب الله أي جماعة حروف، قال: ومنه يقال خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم، وقال غيره : الآية أصلها العلامة التي يعرف بها الشيء ويستدل بها عليه، قال الهذلي:
بآيات ما وقفت والركاب بين الحجون وبين السرر
يعني بالآيات العلامة بلغها عني والحجون بمكة والسرر على أربعة أميال من مكة عند مسجد عبد الصمد كانت هناك شجرة يقال سر تحتها سبعون نبيا أي قطعت سررهم فسميت بذلك، وقال شريح الطائي:
خرجنا من النقبين لا حي مثلنا بآيتنا ترجى اللقاح المطافلا
بآيتنا أي بجماعتنا، ومعنى قولهم خرج القوم بآيتهم أي بجدماعتهم وذلك أنهم كانوا إذا خرجوا بجماعتهم لحرب أو لأمر حملوا معهمراية قد جعلوها علامة لهم فقيل خرج القوم بآيتهم أي بعلامتهم، وكثر ذلك حتى قيل لهم إذا خرجوا مجتمعين وإن لن يكن لهم آية خرجوا بآيتهم فصار اسما لجماعة، قال النابغة الذبياني:
من مبلغ عمرو بن هند آية ومن النصيحة كثرة الإنذار
وقال كعب زهير:
ألا أبلغا هذا المعرض آية أنقصان قال القول إذ قال أم حلمس (1/236)
صفحة 237
فالآية على هذه المعاني قد جاءت في اللغة الكلمة يقال كلمة وكلمة والجمع كلمات، وقال بعض كلمة وللجمع كلم، قال والفرق بين الكلام والكلم أن الكلام عام لقليل النوع وكثيره والكلم محصور محدود وليس كالكلام الذي يكون للنوع كله قليلا كان أو كثيرا، قال :والاسم كلمة والفعل كلمة، والحرف كلمة وجميع ذلك كلم، وقال : كلمة وكلم مثل نبقة ونبق، والعرب تقول مدح فلان فلانا بكلمة طويلة أي قصيدة طويلة، وقال غيره لا تكون الكلمة على أقل من حرفين وهي على حرفين ناقصة، وعلى ثلثاة أحرف تامة، فإذا زادت على ثلثاة أحرف فهي زائدة قال وجمع الكلم كلمات، قال الله عز وجل {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي} الآية، قيل : وإنما قيل لأمر الله عز وجل لأنه على حرفين كاف ونون ولو كان حرفا واحدا لما سمى كلمة بل كان يقال له : حرف فلما اجتمع حرف وحرف قيل كلمة.
الحرف: الحرف الحد وحرف كل شيء حده وطرفه الذي يكون نهايته، قال طرفة:
وجمجمة مثل العلاة كأنما دعا الملتقى منها إلى حرف مبرد
يعني إلى حد مبرد، وجمع الحرف حروف هي حدود الكلمة، وكذلك تكون الحروف حدود الكلام كله ، والكلمة بنيت على الحروف فمنها كلمة على خمسة أحرف ومنها على أربعة ومنها على ثلاثة ومنها على حرفين والحرف الواحد هو انتهاؤها فسمى حرفا لذلك، وقال غيره : سمى حرفا لأنها عدل به عن صورة غيره فأول الحرف ألف فإذا قيل يا عدل به عن صورة الألف في الخط، وكذلك كل حرف معدول عن صفة الآخر يقال : انحرف عنه إذا عدل عنه، والحرف هو حد الكلمة وطرفها، يسمى بذلك أو قيل له حرف لأنه حرف به عن جهة الانحراف وعدل به عنها، وللحروف من غير هذا الوجه تفسير يطول تركته اختصارا. (1/237)
صفحة 238
القراءة والتلاوة: قال أبو عبيدة : قرأت القرآن مجازه تلوت بعضه في أثر بعض، حتى يجتمع وينضم بعضه على بعض، ومعناه يصير إلى معنى التأليف والجمع فكأن الذي يقرأ القرآن معناه يجمع الآية إلى الآية في قراءته وأما التلاوة فيه الإتباع يقال هو يتلو كتاب الله عز وجل إذا قرأه، قال تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا} وقال عز وجل {يتلونه حق تلاوته} وهو في غير موضع من القرآن فكان التلاوة هي أخص من القراءة لأنه يقال : قرأ الكتاب للقرآن وغير القرآن ولا يقال تلا الكتاب سوى القرآن، والكتاب المنزل، ومعنى التلاوة الإتباع يقال الولد يتلو أباه وأمه إذا تبعهما، ومنه يقال السابق والتالي، يقال هذا لكل اثنين أحدهما يتقدم والآخر يتأخر فكأن الذي يتلو القرآن جعل القرآن سابقا وصار هو تاليا للقرآن.
ص 194-196 : التفسير: فسر قوله - صلى الله عليه وسلم - ما حل مصدق، أي يمحل صاحبه إن هو ضيعه، والمحال من المكيدة وروم ذلك بالحيل وبهذا المعنى قولهم بمحلة الدراهم ومحل فلان إذا كاده يسعى منه إلى السلطان، وفسر قول الله عز وجل {وهو شديد المحال} أي شديد الجدال، وقال الحسن: شديد البطش والأخذ والعقوبة، وقال أبو عبيدة شديد العقوبة والمكر والنكال، قال الأعشى:
فرع نبع يهتز في غصن المجد عزيز الندا شديد المحال
إن يعاقب يكن غراما وإن يعط جزيلا فإنه لا يبالي
ففسر بيت الأول بالثاني غراما هلاكا، قال الله عز وجل {إن عذابها كان غراما} أي هلاكا وإلواما لهم، ومنه رجل مغرم بحب النساء ومنه رجل مغرم من الغرم والدين، قال بشر بن أبي حازم:
يوم اليسار ويوم النفار كانا عذابا وكانا غراما (1/238)
صفحة 239
أي هلكة، وقال القتيبي: شديد المحال، أي الكيد والمكر، وأصل المحال الحيلة والحول الحيلة، وقال غيره: شديد الانتقام، وفي الحديث من تبع القرآن هجم به على روضة من رياض الجنة، ومن نبذ القرآن زج في قفاه حتى يقذفه في النار، ويروى من نبذ القرآن وراء ظهره زج في قفاه يوم القيامة، يقال زجه يزجه ودعه يدعه إذا دفعه والزج دفعك إنسانا في وهدة يقول زججت في قفاه، فأما قول الشاعر:
فلا تقعدن على زخة وتضمر في القلب وجدا وحيفا
فالزخة الوجد في القلب تقول العرب في قلبه زخة وحقد وغمر وغل وحسيكة وحسيفة حرارة وإحنة وحنة وصب وغم، وقال:
إذا كان أولاد الرجال حرارة فأنت الحلال الحلو والبارد العذب
والزخيخ شدة بريق الحر والحر يزخ زخيخا، قال:
فعندك تطلع المريخ في الصبح يحكى لونه رخيخ
من شعلة ساعدها النفيخ
والدع الدفع في جفوة، قال الله عز وجل {فذلك الذي يدع اليتيم} أي يدفعه عن حقه أو صلته أو طعامه، وقال تعالى {يوم يدعون إلى نار جهنم دعا} وفي حديث عنه - صلى الله عليه وسلم - إنكم مدعون يوم القيامة مفدمة أفواهكم بالفدام، أي تمنعون من الكلام، قال الشاعر:
ألم أكف أهلك فقدانه إذا القوم في المحل دعوا اليتيما
ص 197-237: فصل (1/239)
صفحة 240
القرآن عربي ليس فيه شيء بأعجمي، الدليل على ذلك قوله عز وجل: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} وقوله تعالى {قرآنا عربيا غير ذي عوج} وقال عز وجل مذكرا أنه لا يكون فيه غير عربي {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي} أي لم يكونوا يفهمونه، ثم قال : أعجمي وعربي أي كتاب أعجمي وعربي وكيف يكون هذا أي هذا لا يكون، وقال عز وجل {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر} ثم كذبهم بقوله تعالى {لسان الذي يلحدون إليه -بالدعوى- أعجمي وهذا لسان عربي مبين} أي يفهمونه ولا يذهب عنكم منه شيء، والذي يلحدون إليه قيل أنه أبو فكيهة مولى ابن الحضرمي وكان أعجمي اللسان وكان يهوديا فأسلم، وذكروا أيضا عابس غلام حاطب بن عبد العزى وكانا قد أسلما، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتيهما ويحدثهما ويعلمهما وكانا يقرءان كتابهما بالعبرانية، فمن زعم أن في القرآن شيئا أعجميا فقد رد قول الله عز وجل وادعى ما لا برهان له به.
مسألة: فإن قال قائل فقد رأينا في القرآن حروفا هي في كلام العجم، قيل له هذا يكون ولكن لا ينسب إلى كلام العجم ما في القرآن منه لأنه وقع في كلام العرب، لأنه قد يكون الحرف متفقا في اللسانين جميعا بلفظ واحد، كالمشكاة هي بالحبشية الكوة التي لا منفذ لها وكذلك هي بلسان العرب، وكذلك الكفلان هو الضعفان من الأجر بلسان الحبشة، والكفل في كلام العرب الحظ والنصيب، وهو على معان في كلام العرب، وكذلك التأويب هو التسبيح بلسان الحبشية وبلسان العرب، قوله تعالى {يا جبال أوبي معه}أي سبحي، والذي خاطب الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - اللسان العربي وإن كانت وافقت اللفظة والمعنى لغة الحبشية، وهو غيرهم وهو كثير معروف، قد تبين لمن أراد الحق أن القرآن كله عربي ليس فيه شيء ليس فيه كلامهم والحمد لله. (1/240)
صفحة 241
مسألة : والقرآن حجة على من تلي عليه ولو كان التالي له صبيا أو ذميا إلا أن أبا محمد رحمه الله قال: حتى يقرأ عليه ثلاث آيات على قول وعلىقول آية إذا كانت منتظمة بنظم يخرج من كلام الناس من الآيات المنتظمات، مثل قوله عز وجل {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر} الآية، وأما قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أقيموا الصلاة} فلا يكون حجة، ومثل هذا الذي بغير نظم، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يردد الآية من القرآن مرارا، قال الله جل ذكره {ليتدبروا آياته وليذكر أولوا الألباب} ومن نقل لتقرءوا آياته فيكون قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة واحدة مجزية من إعادة ذكرها حالا بعد حال، بل قد ذم من يمر بالآيات فلا يتدبرها ويرى المعجزات فلا يتأملها، قال الله جل ذكره {وكأي من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون}. (1/241)
صفحة 242
ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من بلغه هذا القرآن فكأني شافهته به ثم قرأ {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} الإنذار الإخبار معه تخويف وكل منذر معلم، وليس كل معلم مخوفا حتى يكون مع إعلامه تخويف، كقوله تعالى {وأنذرهم يوم الحسرة} أي يخوفهم في الدنيا يوم القيامة وهم في غفلة في الدنيا وهم لا يؤمنون بيوم القيامة أي لا يصدقون، ويقال آمن به وأمن له إذا صدقه، وقوله تعالى {ومن بلغ} أي ومن بلغه القرآن فقد لحقته النذارة وقامت عليه به الحجة إلى يوم القيامة، فكان من تلي عليه كتاب الله أو سمعه علم أنه ليس من كلام المخلوقين وأنه معجزة ألا تسمع إلى قوله تعالى {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} فأعلم جل وعز أنه كافيه يقوم به الحجة على كل من سمعه، فمن تلي عليه فرد به سماعه آية فإنما هو ملحد متعنت، والقرآن كتاب جعله الله تعالى مهيمنا على الكتب {لا يأتيه الباطل من بيده ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} فمن بلغه القرآن فلا حجة له على الله. (1/242)
صفحة 243
مسألة : عن النبي أنه قال: تعلموا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة، تعلموا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما تجيئان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو عمايتان أو فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما، وقال - صلى الله عليه وسلم - : أعظم آية في القرآن آية الكرسي، والذي نفسي بيده إن لها لسانا وشفتين يقدسان الملك عند ساق العرش، والبقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال يسمين السبع الطوال، وكانت سورة براءة تسمى الفاضحة يعني فاضحة المنافقين مما أطلع الله تعالى على عوراتهم عن جرير بن عبد الله قال: سورة الملك هي المانعة من عذاب القبر، قال : وهي في التوراة تسمى المانعة، وهي في الإنجيل تسمى الواقية، ومن قرأها في كل ليلة فقد أكثر وأطاب، وتسمى قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، والمقشقشتين أي المبرئتان من الكفر والشرك، ذكر وهب أنه وجد في التوراة سورة الجمعة أطول من سورة البقرة بنحو من ألف حرف، وذلك أنها نزلت في التوراة مفسرة يسبح ما في السموات وما في الأرض ، فذكر كل شيء في السموات وما في الأرض، فسمى كل شيء باسمه، ونزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - مجملة ، ابن عباس قال: نزل القرآن إلى السماء الدنيا جملة واحدة ونزل إلى الأرض نحو ما قال ثم قرأ {فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم}، البراء بن عازب قال: آخر سورة نزلت براءة وآخر آية نزلت آية النساء، ابن عباس: قال : قال أبو بكر يا رسول الله شبت، قال شيبتني هود والواقعة والمراسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت، وفي خبر شيبتني هود وأخواتها، ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: عليكم بالحال المرتحل، قيل: يا رسول الله وما الحال المرتحل، قال صاحب القرآن يقرؤه من أوله حتى يبلغ آخره ، ثم يرجع من أوله إلى آخره فهو كحال المرتحل، وعن معاذ قال: فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الخالق (1/243)
صفحة 244
على المخلوق، أبو سعيد بن المعلى قال: مر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا في المسجد أصلي فدعاني فلم آته فلما فرغت أتيته فقال : ما منعك أن تأتيني، قلت: كنت أصلي قال ألم يقل الله {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} ثم قال: ألا أعلمك أفضل سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد قلت بلى فلما قام ليخرج قلت يا رسول الله الذي وعدتني ، قال الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم، أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أم القرآن كانت مودعة تحت العرش لم تعط أحدا من الأنبياء.
فصل (1/244)
صفحة 245
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أعربوا القرآن والتمسوا إعرابه، وعن عبد الله قال: ذكروا القرآن إذا اختلفتم في التأنيث والذكير ، فإن القرآن مذكر، ابن مسعود قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول إن حسن الصوت زينة القرآن، أنس بن مالك قال : ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - حسن الوجه حسن الصوت غير أنه لا يرجع، عن أم سلمة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقطع قراءته حرفا حرفا وكان يقرأ هذا الحرف {ملك يوم الدين} عن عائشة قالت : كان يرتل قراءته آية آية، حذيفة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قرأ القرآن ظاهرا أو نظر حتى يختمه غرس الله عز وجل له شجرة في الجنة لو أن غرابا فرخ في ورقة منها ثم نهض يطير لأدركه الهرم قبل أن تقطع تلك الورقة من الشجرة، قال أبو عبيد الله: من كان يقرأ المصحف فانتقض وضوءه فأطبقه هو ولم يدفعه إلى غيره ممن هو على وضوء يطبقه فلا بأس، وقيل عن الفضل لا بأس بقراءة القرآن ما لم يتغوط فإن انتقض وضوءه من غير تغوط لم يكن عليه بأس بقراءة القرآن ولا يتكلم القارئ حتى يفرغ من قراءته ولا يضحك عند قراءته ولا يلغو ولا يلهو فيكون من المستهزئين بآيات الله، ومن كتب القرآن في شيء ثم أحرقه فليبت مما صنع والله تعالى أولى به إن شاء عذبه وإن شاء رحمه، ومن كان في ماء إذا قعد يستره إلى حلقه ولا ثوب عليه فلا بأس أن يقرأ القرآن كله.
فصل (1/245)
صفحة 246
قال الفراء: نزلت التوراة مجملة ونزل القرآن متفرقا، وقيل : التوراة كانت مفسرة يفهمها بنوا إسرائيل إذا قرئت عليهم لا يحتاجون إلى أن تفسر لهم، وإنما احتيج القرآن إلى تفسير القرآن لأنه أنزل مجملا بلغة العرب ومذاهبها، والتوراة نزلت وقر سبعين بعيرا يقرأ الجزء منه في سنة ولم يقرأ أحد إلا أربعة نفر موسى بن عمران، ويوشع بن نون وعزير وعيسى عليهم السلام، والتوراة مأخوذة من أوريت الزناد إذا قدحت منه نارا، والتوراة أصلها ووراة فقلبت الواو تاء كما قلبت في يولج وإنما هو وولج لأنه فوعل، من ولجت والتولج الموضع الذي يولج فيه ، وأصل توراة ووراة يراد مما يوري ويضيء ويظهر، قال ابن الأنباري: أصل التوراة تورية على وزن تفعلة فصارت التاء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ويجوز أن يكون تفعلة فيكون أصلها تورية فينتقل من الكسرة فتحة كما تقول العرب في جارية جاراه وفي ناصية ناصاه، وأنشد الفراء:
فما الدنيا بباقية لحي ولا حي على الدنيا بباقي
أي بباقية لحي، والإنجيل بالسريانية نجلته أي استخرجته، ومنه اشتق الإنجيل مفعول مثل الإكليل معناه أن الله تعالى أخرجه من اللوح المحفوظ وأنزله على عيسى عليه السلام، وعن بعض أن معنى التوراة بالعبرانية توروة تفسيره التأديب واليهود تسمى التوراة أوريثا ومعناه بلغتهم وراثة الأنبياء ، يعني أنهم ورثوها عن موسى عليه السلام، وهو معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - العلماء ورثة الأنبياء، وقيل الإنجيل مأخوذ من النجل النسل، يقال هذا من نجل فلان أي من نسله.
قال الأعشى:
ألحت أيام والديه به إذ نجلاه فنعم ما نجلا
وقال آخر:
إن قلت إن أبي في إرث مكرمة قالوا صدقت ولكن ليس ما نجلا (1/246)
صفحة 247
وإن كان الإنجيل مأخوذ من النجال وهو منابع الماء والنزوز التي يظهر في الوادي، وإنما يعني مستنقع للحكم ومنبع العلم أي قد جمع به العلم والحكمة فهو ينز وينبع كما ينز الماء وينبع من النجل وهو النز، قال ابن قتيبة : كان الحق قد دثر أو دثر كثير من معالمه وكثر تحريف أهل الكتاب وخفي على الناس لما أحدثوه فأظهر الله تعالى به ذلك، قال ابن الأنباري وقرأ الحسن التوراة والأنجيل بفتح الهمزة فجعله أعجميا لأنه ليس في أبنية العرب في هذا المثال، ويعرب أيضا معنى الإنجيل من المجلة وكانت تسمى كل كتاب مجلة، قال النابغة:
مجلتهم ذات الآله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب
ويروى محلتهم أي مسكنهم ذات الإله أي بيت المقدس، وناحية الشام، وهي منازل الأنبياء صلوات الله عليهم، وأما الزبور فيقال لكل كتاب زبور، وهو مأخوذ من زبرت الكتاب أزبره إذا كتبته، قال أبو عبيدة في قوله عز وجل {وإنه لفي زبر الأولين}، أي كتب الأولين، وأنشد الهذلي:
عرفت الديار كرقم الدواة يزبرها الكاتب الحميري
قال:سمعت يمانيا يقول: أنا أعرف بزبريتي أي كتابي، وقال أبو عبيدة: يقال : زبرت الكتاب أزبره زبرا ودبرته أدبره دبرا جميعا أي كتبته، وقال الأصمعي: زبرت كتبت ودبرت قرأت، قال الخليل: الدبر بلغة هذيل كل قراءة خفيفة دبرها يدبرها وتدبرها دبرا، وبعضهم يقول: دبر الكتاب أي كتب وبعضهم يقول:الدبور بالشيء الفقه به والعلم.
فصل
القرآن نصفان وهو ثلاثة أثلاث وهو أربعة أرباع، وهو خمسة أخماس، وهو ستة أسداس، وهو سبعة أسباع، وهو ثمانية أثمان، وهو تسعة أتساع، وهو عشرة أعشار، وهو ستمائة عاشر، وهو عشرون عاشرا، وهو ستون جزءا، وثلاثون جزءا، وثمانية وعشرون جزءا، وكل ذلك مكتوب في كتب القرآن إن شاء الله.
فصل (1/247)
صفحة 248
الدمشقي قال: عد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن في المدني والكوفي والشامي، مائة وأربعة عشر سورة بالمعوذتين، وعد آياته في المدني سبة آلاف مائتين وسبع عشر آية، وفي الكوفي ستة آلاف مائتين وسبع وثلاثين آية، وفي الشامي ستة آلاف ومائتين وستة وعشرين آية، وهو تسعون ألف كلمة وستمائة وأربع وعشرون كلمة. (1/248)
صفحة 249
عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : القرآن ألفا ألف وسبعة وعشرون ألف حرف، فمن قرأه صابرا محتسبا كان له بكل حرف زوجة من الحور العين، وفي رواية أن عدد حروفه ثلاثمائة ألف حرف وخمسة وعشرون ألفا وثلاثمائة وخمسة وأربعون حرفا، وقد ذكرت عدد كل حرف، ما أنزل بمكة أوله {اقرأ باسم ربك الذي خلق} ثم نون والقلم، ثم المزمل ثم المدثر، ثم تبت، ثم إذا الشمس كورت، ثم سبح اسم ربك الأعلى، ثم والليل، ثم والفجر، ثم والضحى، ثم ألم نشرح، ثم العاديات، ثم والعصر، ثم إنا أعطيناك، ثم ألهاكم، ثم أرأيت، ثم الكافرون، ثم ألم تر كيف، ثم الفلق، ثم الناس، ثم قل هو الله أحد، ثم والنجم، ثم عبس، ثم إنا أنزلناه، ثم والشمس وضحاها، ثم البروج، ثم والتين، ثم لإيلاف، ثم القارعة، ثم لا أقسم بيوم القيامة، ثم الهمزة، ثم المرسلات، ثم ق والقرآن، ثم أقسم بهذا البلد، ثم والطارق، ثم اقتربت، ثم ص، ثم ألمص، ثم قل أوحى، ثم الفرقان، ثم فاطر، ثم كهيعص، ثم طه، ثم الواقعة، ثم الشعراء، ثم النمل، ثم القصص، ثم سبحان الذي أسرى بعبده، ثم يونس، ثم هود، ثم يوسف، ثم الرعد، ثم الأنفال، ثم الصافات، ثم لقمان، ثم سبأ، ثم تنزيل الكتاب، ثم حم المؤمن، ثم حم السجدة، ثم حم عسق، ثم الزخرف، ثم الدخان، ثم حم الشريعة، ثم الأحقاف، ثم والذاريات، ثم الغاشية، ثم الكهف، ثم النحل، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم الأنبياء، ثم المؤمنون، ثم ألم تنزيل السجدة، ثم الطور، ثم تبارك الذي بيده الملك، ثم الحاقة، ثم سأل سائل، ثم عم يتساءلون، ثم والنازعات، ثم انفطرت، ثم انشقت، ثم الروم، ثم العنكبوت، ثم المطففين، فجميع ما نزل بمكة خمس وثمانون سورة، وما نزل بالمدينة البقرة، ثم آل عمران، ثم الأحزاب، ثم الممتحنة، ثم النساء، ثم إذا زلزلت ، ثم الحديد، ثم الذين كفروا، ثم الحجر، ثم الرحمن، ثم هل أتى، ثم الطلاق، ثم لم يكن، ثم الحشر، ثم الفتح، ثم النور، ثم الحح، ثم (1/249)
صفحة 250
المنافقون، ثم المجادلة، ثم الحجرات، ثم التحريم، ثم الجمعة، ثم التغابن، ثم الحواريون، ثم المائدة، ثم التوبة، وهي آخر القرآن، وآخر القرآن {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه} إلى آخر السورة.
وقال مقاتل بن سليمان: وآخر ما نزل من القرآن يوم الجمعة، يوم عرفة والناس وقوف بعرفات رافعي أيديهم في الدعاء {اليوم أكملت لكم دينكم} فلم ينزل بعدها حرام ولا حلال ولا حكم ولا حدود ولا فريضة غير اثنتين من سورة النساء في آخرها قوله تعالى {يستفتونك} إلى آخرها وعاش النبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى وثمانين ليلة ، ثم توفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، وهذا ما نزل بالمدينة والله أعلم.
وفاتحة الكتاب قيل أنها مدنية وقيل مكية.
فصل
عن الضحاك قال كل ما في القرآن يأيها الناس فإنه بمكة وكل ما كان يأيها الذين آمنوا فإنه نزل بالمدينة، ابن عباس:كل ما كان في القرآن وأخذ الذين ظلموا الصيحة، يريد صيحة جبريل عليه السلام، وكل بخس في الكتاب عز وجل نقصان إلا قوله تعالى وشروه بثمن بخس ، فإن هذا حرام، وذلك أن ثمن الحر حرام، هشام بن عروة عن أبيه قال: ما كان من الأمثال والقرون وذكرت فيه الأم والقرون والأنبياء فهو ما نزل بمكة، وكل شيء من الفرائض والحدود والجهاد فهو بالمدينة وقالوا كل ما كان من صنعة الله تعالى فهو السد وما كان من صنعة بني آدم فهو السد بالفتح، وقيل كل ما كان من الرجفة فهو في دارهم، وما كان من الصيحة فهو في ديارهم، قال المفضل : قال الفراء وسفيان بن عيينة كل ما كان في القرآن من قوله تعالى وما أدراك فقد أدراه، وما كان ما يدريك فلم يدره، والله أعلم بذلك، قال : فأما أنا فما مخرجهما عندي إلا على التعظيم والتعجب.
في التأويل والتفسير (1/250)
صفحة 251
اختلف الناس في معنى التأويل ، فقال قوم: هو التفسير بعينه ، وقال آخرون:بل هو غير التفسير، وحكى عن ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال : التأويل والتفسير والمعنى كله سواء ثم قال:هو معرفة الحقائق والحقيقة والعاقبة، وأنشد:
وللنوى بعد يوم البين تأويل
أي عاقبة ، وقال غيره التأويل غير التفسير، وإنما التفسير ما ترويه العامة عن التفسير، وقالوا هذا تفسير القرآن ولم يقولوا هذا تأويل القرآن، وإنما التأويل معان غامضة لا يعلمها إلا العلماء المتقون، قال :وتأويل كل شيء ما يبدو في آخره وما يكون من عواقبه، هكذا هو في لغة العرب قال الأعشى:
على أنها كانت تأول حبها تأول ربعي السقاب فأصحبا
قال أبو عبيدة: تأويل حبها أي عاقبة حبها أي عاقبته وترجعه أي كان صغيرا في قلبه فلم يزل يتمنى حتى أصحب السقب إذا سعى حتى يصير مثل أمه فلم يزل يتربى مع أمه حتى أصحب، كأنه أراد أنه مأخوذ من آل يؤول إليه فالتأويل على ثلاثة أوجه هو أثر الشيء مفيد منتهاه، وهو تفسير الشيء الذي يراد به وما يصير إليه أمره، وتأويل الرؤيا من ذلك وهو من الأعمال العقوبات، وهو آخر أمرها والأصل واحد، وعن مجاهد في قوله تعالى عز وجل {هل ينظرون إلا تأويله} أي هل ينظرون إلا بيانه ومعانيه وتفسيره، وقال آخر أمره ومنتهاه ، يقال تأول تأولا وآل يؤول أولا إذا انتهى، وعن مجاهد في قوله تعالى {نبئنا بتأويله}، قال به، وقال أبو عبيدة : تأويل الرؤيا هو الشيء الذي يئول إليه، وأنشد غيره لحميد بن ثور:
فقلت على الله لا تدعونها وقد أوليا أن اللقاء قريب (1/251)
صفحة 252
وقوله يصف ظبيتين مرتا به فتيمن بهما فنهى صاحبه عن رميهما، وقوله أوليا أي فسرتا لنا العاقبة وإنما اعتاف بمرهما فزجرهما وتيمن بهما فصار عاقبة يدل على أن اللقاء قريب، فكان التأويل هو الشيء الذي يرجع إليه الإنسان من معنى التنزيل، فيكون فيه نجاته من الشك والتشبيه، ويصير ملجأ وموئلان قد آل إليه، والتأويل هو التفعيل من الأول يقال تأول أي تفعل من الأول كأن الناظر في الشيء والمناوله يعتبر به فيعرف حقيقته كيف كان أوله أو إلى ما يعود آخره، قال الله عز وجل {هل ينظرون إلا تأويله} أي أوله إلى مآله خلق وعودة إلى مأمنه بدءا، لأن العواقب تعود إلى الأوائل، قال الله عز وجل {كما بدأكم تعودون} والكلام في هذا يطول، والتفسير والفسر واحد وهو بيان وتفصيل الكتب والتفسير، اسم للبول الذي ينظر إليه الأطباء يستدل به على مرض البدن، وكل شيء يعرف به تفسير الشيء فهو تفسير، وفي التفسير أيضا عن ابن عباس قال: تفسير القرآن على أربعة وجوه، تفسير يعلمه العلماء وتفسير يعرفه العرب وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل، فمن ادعى علما فهو كاذب.
والقرآن هو من علم الله وعلم الله لم يزل وهو غير محدث، قال سليمان بن الحكم أبو مروان وأبو زياد الوضاح بن عقبة وهاشم ومعلى بن منير وغيرهم: لا تقول القرآن مخلوق وتقول هو كلام وتقف عمن يقول إن القرآن مخلوق وقوف مسألة.
مسألة : وقال محمد بن محبوب: من قال القرآن مخلوق، وقد تقدمت له ولاية لم يقطع ما لم يبرأ ممن لا يقول إن القرآن مخلوق، فإذا بريء ممن لا يقول أن القرآن مخلوق برأي برينا منه بدين، وإذا قال أن القرآن مخلوق ولم يبرأ ممن لم يقل بقوله فإنه يجفى، وقال هذا مما يسع جهله، وقال قوم من أصحابنا أن القرآن كلام الله وأنه غير مخلوق وبهذا تقول الأشعرية، ووقف من وقف من الناس عن ذلك الاختلاف كثير. (1/252)
صفحة 253
مسألة: فإن قال قائل: لم قلتم إن كلام الله تعالى صفة من صفاته وأنه غير مخلوق ولا محدث؟ قيل له:قلنا ذلك لأنه قال تعالى في كتابه {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}، فخبر تعالى أنه يكون الأشياء بقوله كوني فلو كان قوله تبارك وتعالى مخلوقا لكان يحتاج إلى قول آخر، وكل قول يحتاج إلى قول، وفي ذلك إيجاب أقوال لا تتناهى، وإذا استحال ذلك من قولنا وقول مخالفينا كان قوله تعالى للأشياء كوني غير مخلوق فهذا دليل على أن كلام الله تعالى غير مخلوق.
مسألة: فإن قال : إذا كان الكلام أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا وخبرا ودعاء وما أشبه ذلك ثم زعمتم أن كلام الله غير مخلوق، وأنه قد تم فلم يزل الله تعالى آمرا ناهيا مخبرا ، قالوا: هذا يجب أن يكون المأمور والمنهي والموعد والمتوعد لم يزل الله قائلا لهم، وإذا استحال ذلك وجب أن يكون الله تعالى قال بعد أن لم يكن قائلا ومتكلما بعد أن لم يكن متكلما، قالوا: وهذا أدل دليل في خلقه.
والجواب عن هذا من الأشعرية أنهم قالوا إن الكلام يكون كلاما لنفسه لعلة نهيا لعلة ، وكلام الله تعالى هو غير مخلوق يسمى أمرا لعلة وجود المأمور وورود الإفهام له وهو كلام لنفسه، وقد قال تعالى {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم} فقد أخبر عن نفسه جل وعز، أنه سادس ستة من أجل وجود الخمسة، وكذلك هو ثالث ثلاثة من أجل حدوث النفسين اللذين خلقهما، وكذلك كلامه أمرا لعلة ودود الإفهام ووجود المأمور فنحن نقول لم يزل الله متكلما آمرا إذا كان المأمور وورود الإفهام له وإلزام الفرض له عند وجوده، ومثله ما نحن وهم عليه أن الله تعالى لم يزل عالما لأنه سيخلق الدنيا فإذا أوجدها قيل أنه عالم لأنها مخلوقة والعلم لأنها مخلوقة هو العلم لأنها ستخلق والمعلوم متغاير، وعلم الباري تبارك وتعالى لا يتغير، وكذلك كلامه غير متغاير وما تحته من المأمور والمنهي يتغاير، وهذا جواب الأشعرية. (1/253)
صفحة 254
مسألة: فإن قال أليس قال الله تعالى {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} الآية، أليس قد سمى محدثا وكل محدث مخلوق؟ قيل له: في هذا أجوبة كلها مبطلة لفاسد تأويلكم، منها أن بعض أ÷ل التفسير ذكر أن معنى الذكر هو محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهو محدث مخلوق فلا حجة لكم في هذا ، ومنها أن معنى الذكر هو العبارة والتلاوة عن الشيء، والعبارة عن الشيء هو غيره كما أ، الله تعالى معبود مذكور فعبادته مخلوقة، والمعبود غير مخلوق، وذكره ودعاؤه مخلوق والمدعو أو المذكور غير مخلوق، ومنها أن معنى محدث هو محدث تنزيلا وقراءة وتلاوة فكلام الله تعالى لا يختلف وإنما يختلف ويتغاير قراءته وتلاوته فالإحداث لتلاوته المتغايرة والحروف المكتوبة إلى الأنبياء نبيا بعد نبي فإنما هو محدث إليهم لا أ،ه خلق كلامه في ذاته ثم أنزله بعد خلقه لأنه ليس بمحل تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
مسألة: فإن قال أليس القرآن في مصاحفنا ونتلوه بألسنتنا فإن قلتم لا حرفتم الإجماع وإن قلتم نعم فكيف يكون ما هو في ألسنتنا ومصاحفنا غير مخلوق، قيل له: إن الله تعالى في مصاحفنا وألسنتنا متلوة ومقروءة غير مخلوق كما أنكم تقولون إنه تعالى معبود في قلوبنا ومذكور بقلوبنا، والمعبود ليس كمثله شيء، كذلك القرآن متلو بألسنتنا والمتلو هو كلام الله غير مخلوق.
مسألة : فإن قال قائل : أليس القرآن سطورا معدودة له نصف وربع وسبع فكيف لا يكون مخلوقا، قيل له: أما علمتم أن القرآن غير المقروء، والمقروء كلام الله تعالى، فأما قراءته فضم بعض الآي إلى بعض، وهذا من قولنا وقولكم إنما هو على المجاز لأن القراءة التي هي كلام القارئ عرض والأعراض غير منضم بعضها إلى بعض، ولكن إذا كانت القراءة على هذا الضرب من الترتيب فقد تقول العرب مضموما والمقروء غير مضموم، وهو كلام الله تعالى كما أنا وإياكم، فقد اتفقنا أن عبادة الله مخلوقة والمعبود مخلوق.
فصل (1/254)
صفحة 255
المعتزلة وأهل البدع في كلام الباري تعالى ضربان: فمنهم من يقول إن الذي يسمع من الإنسان شيئان، يسمع كلام الله عز وجل ويسمع قراءته، وكلام الله عندكم يؤخذ بالتلاوة والحفظ والكتابة ليس هو حفظه ولا تلاوته ولا كتابته، قال الأشعرية:يقال فإذا وجد كلام الله الذي هو صفة له بعد أن لم يكن موجودا إلا بمعنى انتقل ولا حدث بعد أن لم يكن فما أنكرتم من وجود سائر الأعراض بعد أن لم يوجد لا بمعنى النقلة ولا الحدوث، وأن تكون الأعراض كلها قديمة وإن تكن كامنة ثم ظهرت لا بمعنى الحدوث ولا النقلة وهذا قول الدهرية كفر بالله العظيم، وإن كانت التلاوة والحفظ والكتابة له هي غيره كما تقول ويقولون ثم لم يجب أن تظهر بعد أن لم تكن لها كما ظهرت تلاوته وحدثت بعد أن لم تكن فهو قولنا، وقد صح أنه صفة لله تعالى قائمة به كعلمه وقدرته وسمعه وبصره، فهذا اللازم للبصريين أهل القدر، وأما البغداديون فيقولون أن كلام الله قائم باللوح المحفوظ وفي صدور الملائكة، وهذا باطل من قبل أ، كان القرآن عرضا من قولهم قائم في اللوح والأعراض غير باقية فالباري يخلق مثله في كل وقت، ولم يقل بذلك مسلم، وإذا بطل ذلك بطلت المسألة من كل وجه، ومن كل مذهب يذهب أهل القدر إليه.
احتجاج: احتج بعض من نفي خلق القرآن بقوله عز وجل {ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} فهذا يدل على أن القرآن غير مخلوق، وشيء يكون منه كيف يكون مخلوقا. (1/255)
صفحة 256
مسألة : الدليل على أن كلام الله تعالى غير محدث ولا مخلوق أنه لو كان محدثا لكان لا يخلو أن يحدث في نفسه أو في غيره أو لا في نفسه أو لا في غيره، فلما لم يجز أن يحدثه في نفسه لأن نفسه ليست محلا للحوادث ولا المخلوقات، ولأن ما قامت به الحوادث فهو محدث، ولم يجز أن يخلقه في غيره فيكون كلام غيره هو كلامه أو يكون المتكلم بكلامه غيره، ولم يجز أن يخلقه لا في نفسه ولا في غيره لأن الصفة لا تقوم بنفسها والقرآن صفة، فلما فسدت هذه الوجوه ولم تجز وجب أن كلامه عز وجل موجود أنه سبحانه وتعالى غير مخلوق، وأيضا فلا يكون خلاف بين أحد أن الله تعالى المتكلم كما أ،ه العالم، وإذا كان الله تعالى العالم لذاته، وإذا كان الإجماع على أنه العالم المتكلم صح أنه لم يزل العالم المتكلم، وعلى من ادعى الفرق بين الكلام والعلم الدليل على حدوث أحدهما، وبالله التوفيق.
باب في أحكام القرآن (1/256)
صفحة 257
طعن قوم من الملحدين في القرآن لاختلاف القراءة واختلاف أهل العم في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : أنزل القرآن على سبعة حرف كلها شاف كاف، فلا معنى لطعن الملحدين في هذا الوجه لأ،هم ذهبوا من الاختلاف إلى التناقض فلم يجدوا ذلك بحمد الله ، وليس بمستحيل أن ينزل الحكيم كلاما لحفظه ودرسه ويبيح في قراءته الوجوه الصحيحة، وتفسير قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أنزل القرآن على سبعة أحرف، قال بعض أهل العلم بالقرآن ذهب إلى أن سبعة الأحرف وعد ووعيد وحرام وحلال ومواعظ وأمثال واحتجاج، وقال بعضهم :حلال وحرام وأمر ونهي وخبر ما كان قبل وخبر ما كان بعد ، وأمثال، وقال قوم: هي سبعة أوجه من اللغات متفرقة في القرآن لأنه لا يوجد فيه حرف قرئ على سبعة أحرف، وقال بعضهم : هي سبع لغات في الكلمة، وقد تكلم أهل العلم في هذا المعنى وأكثروا وبينوا معاني قولهم بالاحتجاج الصحيح، وهو معروف في آثارهم، وكل قد قال فيه بما يحتمل جوازه، ألا ترى أن الألفاظ قد تختلف ولا يختلف المعنى لاختلاف الألفاظ والاختلاف فرعان، اختلاف تغاير واختلاف تضاد لا يجوز وليست واحدة والحمد لله في شيء من كتاب الله تعالى إلا في الأمر والنهي من النسخ والمنسوخ واختلاف التغاير جائز في ذلك.
قوله تعالى : {وادكر بعد أمة} بض الألف والتشديد أي بعد حين، وبعد أمه بفتح الألف والتخفيف أي بعد نسيان وأشباه لهذا كثير. (1/257)
صفحة 258
في الناسخ والمنسوخ: النسخ على ثلاثة أوجه: وجهان منها عند العامة، فأحدهما انتساخ الشيء من كتاب كان قبله إلى كتاب آخر، والآخر نسخ الشيء وتحويله، والثالث أن تحصى الشيء على عامله، ونحو قوله عز وجل: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} يريد والله أعلم إنا كنا نحصيه عليكم، فأما انتساخ الكتاب كان قبله إلى كتاب آخر بعده فقد أخبرنا الله تعالى عز وجل أن القرآن في لوح محفوظ، بقوله تعالى {بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ}، وبقوله عز وجل{يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} وإذا كان القرآن في أم الكتاب، ثم أنزله على محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فإنما أنزل نسخة ما في ذلك اللوح المحفوظ وذلك عند الله في موضعه، وقد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر يوما حديث أوان النسخ القرآن، فقال رجل كالأعرابي: يا رسول الله ما ينسخ أو كيف ينسخ ، فقال عليه السلام : يذهب بأهله ويبقى رجال كأنهم النعام يعني حلة الطير، قال الله تعالى {ما ننسخ من آية أن ننسها} الآية، يعني خيرا منها لكم أو مثلها في العمل والفضل أو ننسها فيتركها على حالها، والله أعلم، وقال قوم : أو ننسها فلا تقرأ على وجه الدهر أي ننهى عن قراءتها فلا تقرأ حتى تنسى.
فصل (1/258)
صفحة 259
النسخ لا يقع إلا في الأمر والنهي ولن يجوز ذلك في الخبر لأنه لا يجوز أن يقول الصادق جل ذكره لشيء أنه يكون ثم يقول أنه لا يكون، وكذلك في الماضي لأن هذا لا يجوز على الله سبحانه وتعالى والأخبار ثابتة بهيئتها والنسخ لها غير جائز عليها لأن الحكيم لا يخبر إلا وهو عالم بما أخبر عنه وعلى المخبر به منه فمخبرات الله تعالى صحيحة وأخباره صادقة فصيحة ولا نسخ له ولا بداء، مع علم العواقب، كان الوعد والوعيد من الله تعالى واجبا كذلك، والناسخ ما قام حجته في المأمور به المنهي عنه، فقيام حجة منسوخة قبل ناسخة لأن الحكيم من صفته تعالى أن لا يلزم أمره إلا بحجة تقطع بها عذر المأمور به ولا حجة على الله تعالى لخلقه، وقال جابر بن زيد : من زعم أن الوعيد منسوخ بقوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فقد كذب لأن الناسخ والمنسوخ في الأمر والنهي أن يأمر عباده بأمر ثم يخفف عنهم أو ينهى عن أمر ثم يرخص لهم فيه، فالله عز وجل لم ينسخ الأخبار وإنما نسخ الأحكام، واختلف في هذا الباب اختلافا كثيرا، قال قوم : إن المنسوخ ما رفع تلاوته وتنزيله كما رفع العمل به، وقال آخرون : إن النسخ لا يقع في قرآن قد تلي وحكم بتأويله النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن ما أنزل الله تعالى منه في حكمه من التفسير الذي أزاح عنهم ما قد كان يجوز أن يمتحنهم به من الأمور العظام والأمور الشداد التي تعبد بها من كان قبلهم من الأمم، وهرب هؤلاء من أن يقولوا أن الله تعالى ينسخ شيئا بعد نزوله والعمل به، وزعموا أن من وصف الله تعالى بذلك فقد وصفه بالبداء، وقال آخرون إنما الناسخ والمنسوخ هو نسخ من اللوح المحفوظ الذي هو أم الكتاب والنسخ لا يكون من أصل، وقال آخرون : بل يجوز أن ينسخ قرآنا أنزله بأن يبدل به آية أخرى بضد ما نزلت به الأولى فتتلى الآية كما كانت تتلى ويكون العمل على الأخرى، وقد يجوز أن يرفع الله تعالى تلاوة الأولى (1/259)
صفحة 260
كما رفع العمل بها، واختلفوا في وجه آخر ، قال قوم:لا ينسخ القرآن إلا بالقرآن مثله، وقال آخرون: بل السنة تنسخ القرآن، والقرآن لا ينسخ السنة، وقال آخرون: بل السنة إذا كانت من طريق الوحي وإن لم يكن ما أوحى به فيها قرآنا فإنها تنسخ القرآن، وإذا كانت على طريق الاجتهاد والرأي فإنها لا تنسخ بل لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليجتهد في أمر فيحكم بخلاف ما في القرآن، قالوا:والقرآن ينسخ السنة عن أمر الله أو باجتهاد من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو التفسير من السنة إنما يحتاج إليه من يجيز الاجتهاد، فأما من أبى ذلك فإن السنة عنده لا تكون إلا بأمر الله جل ذكره، والسنة عنده تنسخ القرآن والقرآن ينسخ السنة. (1/260)
صفحة 261
قال أبو محمد رحمه الله: والنظر يوجب أن القرآن والسنة حكمان لله تعالى ينسخ كل واحد منهما بالآخر ويدل على ذلك قوله تعالى : {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} فأخبر جل ذكره أن الكل من عنده وبأمره، واختلفوا في ذلك من وجوه أخر، فزعم قوم إلا الآيتين إذا أوحيتا حكمين مختلفين، وكانت إحداهما متقدمة للأخرى فالمتأخرة ناسخة للأولى كقوله تعالى {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين}، نسخه قوله عز وجل بعد ذلك {فلأبويه لكل واحد منهما السدس}، وقال تعالى {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} فالآخرة ناسخة للأولى ، ولن يجوز أن يكون لهما الوصية والميراث، وقال آخرون: بل ذلك جائز وليس في الآيتين ناسخ ولا منسوخ، وإنما نسخ الوصية للوارث بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، قالوا: فالناسخ لا يكون إلا ما يجوز اجتماعه والمنسوخ فلا يحكم بهما في حال واحدة على إنسان واحد، والنظر يوجب عندي أن الوصية للوالدين والأقربين غير منسوخ ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا وصية لوارث، ليست بنسخ لها وإنما هو بيان لحكمها لأنه من ليس بوارث من والدين وأقربين فالوصية لهم واجبة، ومن لم يقل إنها واجبة فعنده أنه جائزة فهذا يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أن الوصية لا يجب لمن كان وارثا، والله أعلم. (1/261)
صفحة 262
واختلفوا في ذلك من وجه آخر ، فقال قوم الناسخ والمنسوخ قد يكون في وصف الله تعالى والثناء عليه، وفيما ليس بأمر ولا نهي منالخبر وغيره، وقال قوم ممن لا يلتفت إلى قولهم إلا أنهم على حال ينسبون إلى أهل القبلة أن الأئمة المنصوص عليها مفوض إليها بزعمهم نسخ القرآن وتبديله، وتجاوز بعض وأفرط حتى خرج من الدين بقوله أن النسخ يجوز على البداء، وهو أن يأمر الله بالشيء، وهو لا يريد في وقت أمره أن يغيره ولا يبدله ثم يبدو له فيغير ذلك ويبدله وينسخه جل ذكره، فتعالى عما قالوا، وعندهم أنه لا يعلم الشيء حتى يكون ما بقدره فيعلمه على تقديره، وزعم قوم ممن يدعي علم القرآن أن ماأنزلبالمدينة ناسخ لما نزل بمكة، وهذا غلط عندي كما ذكرنا من أن النسخ لا يكون إلا في الأمر والنهي لأنه قد يجوز أن يكون ما نزل بمكة ناسخا في تقدمه في النزول بها، كذلك القول فيما نزل بالمدينة وعلى هذه الأقاويل واختلافها احتجاجات تركتها للاختصار، والذي عليه جل فقهاء أصحابنا أن القرآن ينسخ القرآن وينسخ بالسنة كما أن السنة تنسخ بالسنة، وقد وجدت لبعض أصحابنا أن السنة لا تنسخ بالقرآن، ولعل هذا مذهب البصريين، وحجة هؤلاء أن القرآن لا يعلم نسخ إلا بخبر من الله تعالى عز وجل أو الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو يقوم إجماع الأمة على النسخ أو تقوم دلالة من نفس الخطاب ولم تقم دلالة من هذه الوجوه.
والحجة لمن أجاز نسخ القرآن بالسنة أن القرآن حكم الله تعالى والسنة حكمه ينسخ أحدهما بالآخر، واحتجوا بقوله تعالى {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} والكتاب دل على أنه يخبر عن الله جل ذكره فهو ينسخ أحكامه بعضه ببعض مرة بالكتاب ومرة على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم بالأعدل من القولين.
فصل (1/262)
صفحة 263
أصل النسخ في اللغة هو النقل، نسخ الكتاب إذا نقل ما فيه إلى كتاب آخر وكأن المنسوخ من القرآن هو ما نقل حكمه من آية إلى آية فصارت الأولى منسوخة والآخرة ناسخة فالمنسوخة مفعول بها والناسخة الفاعلة لأن الآية ناقلة للحكم إلى نفسها وقال السيد بن محمد في بني هاشم:
ولم تزالوا بعين الله ينسخكم في مستكنات أصلاب الأبرينا (1/263)
صفحة 264
ينسخكم معناه ينقلكم من صلب إلى صلب، ومنه قيل لقوم من أصحاب التناسخ لأنهم زعموا أن الأرواح تنقل من جسم إلى جسم، فهذا هو التناسخ، وعن بعض الهاشميين أن الناسخ والمنسوخ على ضربين: منسوخ هو منسوخ لا يعمل به، وهو ما كان عليه أهل الجاهلية مثل الجمع بين الأختين ونكاح نساء الآباء وغير ذلك نزل القرآن بتحريمه ونسخه، فهومنسوخ لا يعمل به، ومنسوخ على جهة التخفيف مثل قوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} فهو جائز له وما أشبهه فهو مثله، والمسلمون يعملون بالمحكم الناسخ ويؤمنون بالمنسوخ، ولا يعملون {ويقولون كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب}، ومن كان على ناسخ من القرآن أو السنة ثم نسخ ولم يعلم فهو على ماكان عليه من التعبد حتى يقوم له الدليل أنه منسوخ، وعن بعض قومنا وهو الحسن بن محمد الحدي: النسخ وهو النهي عن امتثال ما ورد الأمر به أو الأمر بامتثال ما ورد النهي عنه، وقيل التخصيص بيان الأعيان والنسخ بيان الأزمان، ما نسخ من البقرة أول ما نسخ فيما يذكر من أمر القبلة كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي هو وأصحابه قبل الكعبة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي فلما عرج به إلى السماء وهو بمكة أمر بالصلوات الخمس وكان يستقبل الكعبة ووهه نحو بيت المقدس، وذلك قبل مخرجه بسنتين فصارت الركعتان للمسافر وصار للمقيم أربع ركعات فلما هاجر - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي نحو بيت المقدس لئلا يكذبه أهل الكتاب إذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدون من نعته في التوراة فصلى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أول مقدمه إلى المدينة نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا، وصات الأنصار سنتين قبل هجرته - صلى الله عليه وسلم - وذلك قوله عز وجل {ولله المشرق والمغرب} الآية ، فصارت الكعبة أحب القبلتين إليه - صلى الله عليه وسلم - فنسخ القبلة الأولى {قد نرى تقلب (1/264)
صفحة 265
وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها} فصارت القبلة إلى بيت المقدس منسوخة بهذه الآية، ونزلت في رجب قيل قبل بدر بشهرين وصارت الكفبة قبلة المسلمين إلى يوم تقوم الساعة، وقال تعالى {ود كثير من أهل الكتاب} إلى قوله تعالى {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} نسختها الآية التي في براءة {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} الآية، وقيل كل شيء في القرآن فتول عنهم وأعرض عنهم واصفح عنهم وما أنت عليهم بحفيظ، ولست عليهم بمسيطر وما أنت عليهم بجبار، وما جعلناك عليهم حفيظا، وكل ما أشبه هذا فهو منسوخ نسخته آية السيف في براءة ، وكل شيء في القرآن {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} نسخه الآية التي في الفتح {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} وقال عز وجل {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} نزلت قبل إقبال بدر بشهرين يعني فرض عليكم كما فرض على أهل الأنجيل أمة عيسى عليه السلام وكان الصوم الأول من صلى العشاء الآخرة حرم عليه ما يحرم على الصائم بالنهار إلى مثلها من القابلة بعد غروب الشمس، فاشتد ذلك الصوم على المسلمين فنسخ ذلك {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} الآية، ونزلت الرخصة في الجماع بعد الصلاة وبعد النوم في عمر بن الخطاب رحمه الله، ونزلت الرخصة في الطعام والشراب بعد الصلاة وبعد النوم في صرمة بن أنس الأنصاري، وذلك أن عمر جامع أهله بعد صلاة العشاء فلما فرغ ندم وبكى فلما أصبح أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره وقال يا رسول الله إني أعتذر إليك من نفسي هذه الخاطئة واقعت أهلي بعد الصلاة فهل تجد لي من رخصة؟ قال: لم يكن جديرا بذلك يا عمر، فرجع عمر حزينا وأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - صرمة بن أنس عند المساء قد أجهده الصوم فقال يا أبا قيس مالك أمسيت طليحا؟ قال : يا رسول الله ظللت نهاري أمس في حديقتي فلما أمسيت أتيت أهلي فأرادت المرأة أن تطعمني شيئا سخنا فأبطأت (1/265)
صفحة 266
علي بالطعام فأيقظتني وقد حرم علي الطعام فأمسيت وقد جهدني الصوم واعترف رجال من المسلمين بما كانوا يصنعون بعد العشاء وبعد النوم فقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما يؤتينا ومخرجنا مما صنعناه، فأنزل الله عز وجل {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب} فأعلمهم يا محمد أني قريب منهم في الاستجابة فليستجيبوا لي بالطاعة وليؤمنوا بي وليصدقوا أني قريب أجيبهم لعلهم يرشدون أي يهتدون، ثم نزلت في عمر {أحل لكم ليلة الصيام} الآية، وأنزل في صرمة بن أنس {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} الآية، فصار ما كان محرما من الطعام والشراب والجماع بعد صلاة العشاء وبعد النوم محللا لهم بالليل كله، وأتى لبيد من بني عبد الأشهل الأنصاري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ما على من عجز عن الصوم؟ وكان شيخا قد كبر فنزلت {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} لرجل نصف صاع من حنطة كل يوم، ثم قال {فمن تطوع خيرا فهو خير له}، فزاد على مسكين واحد فأطعم مسكينين أو ثلاثة مكان يوم فهو خير له من أن يطعم مسكينا واحدا،{وأن تصوموا خير لكم} من الطعام {إن كنتم تعلمون} وكان هذا في الصوم الأول كانوا بالخيار من الطعام المسكين أو الصوم ثم حولهم عن الخيار وأثبت الصوم على من يطيق الصوم، وليس بمريض ويشهد شهر رمضان في أهله، فصارت فدية طعام مسكين منسوخة نسختها {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} فأوجب الصوم على من يطيقه وشهد شهر رمضان في أهله وثبتت الرخصة للمريض والمسافر فقال عز وجل {فمن كان منكم مريضا أو على سفر} فلم يصم فإذا برئ المريض من مرضه ورجع المسافر من سفره فليصم عدة من أيام أخر، وقال عز وجل {يسألونك ماذا ينفقون} نزلت هذه الآية قبل أن تنزل الزكاة فصارت منسوخة نسختها آية الصدقات في براءة {إنما الصدقات} يقول زكاة الأموال المفروضة للفقراء والمساكين الآية، وقال عز وجل {يسألونك عن الخمر (1/266)
صفحة 267
والميسر} الآية فأما المنافع فالتجارة والفضل الذي يغنمه المقامر في الميسر قدمهما ولم يجزهما، وكان المسلمون يشربونها ثم نسختها {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} وصار كل آية من المسكر والخمر منسوخة بهاتين الآيتين في المائدة، وقال عز وجل {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} فكن حراما كلهن على كل مسلم واستثنى منهن نساء أهل الكتاب وثبت تحريم المشركات من غير أهل الكتاب وقال عز وجل {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} الآية، وصارت منسوخة بالآية التي بعدها {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما زعموا عند ذلك إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا به، ومن آل عمران قوله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} وحق تقاته أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وقال تعالى في سورة الحج {وجاهدوا في الله حق جهاده} فاشتد ذلك على المسلمين ثم صارتا منسوختين بالآية التي في التغابن {فاتقوا الله ما استطعتم} أي أطقتم الآية، ومن النساء قوله عز وجل {وإذا حضر القسمة أولوا القربى} وذلك في قسمة المواريث هؤلاء الأقرباء من ليس له نصيب في الميراث نسختها آية الميراث، وعن ابن عباس أنها محكمة وليست منسوخة وقال تعالى {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم} الآية، نسختها الآية التي في النور {الزانية والزاني} وزعموا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الله أكبر الله أكبر جاء الله بالسبيل، ثلاث مرات، وقال تعالى: {فما استمعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} وهذا أمر المتعة فصارت منسوخة بآية الطلاق، والمواريث، ومن قال إن السنة تنسخ الكتاب يقول نسخها قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا نكاح إلا بولي وشاهدين، وقال تعالى {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون} فصارت منسوخة بالآية التي في آخر الأنفال بعد غزوة الأحزاب {وأولو الأرحام (1/267)
صفحة 268
بعضهم أولى ببعض} الآية ومن المائدة قوله عز وجل {لا تحلوا شعائر الله} لا تحلوا أمر المناسك ولا الشهر الحرام ولا تستحلوا فيه القتال ولا الهدي، ولا تستحلوا أخذه ولا القلائد، ولا تخيفوا من قلد بعيرا ولا تستحلوا قتل آمين البيت الحرام من حجاج مشركي العرب، يعني شريحا وأصحابه، يبتغون بتجارتهم فضلا من الله ورزقا في التجارة، ثم صارت هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة ، قال أبو ميسرة ليس في المائدة نسخ وقيل للحسن: نسخ في المائدة شيء؟ قال: لا، وقد وجدت فيها آيات منسوخة والله أعلم، ومن الأنعام كل ما في الأنعام من العفو والإمساك عن المشركين فهو منسوخ بآية السيف في براءة ، وقوله تعالى {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده}، فكان المسلمون يعطون الزكاة من ثمارهم شيئا غير معروف فنسختها آية الصدقات في براءة، ومن الأعراف قوله تعالى {خذ العفو} فأمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ الصدقة من فضل أموالهم، قال: ما أعطوا من فضل أموالهم وأمر بالعرف وأمرهم بالمعروف وأعرض عن الجاهلين وهو عدو الله الذي جهل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة فنسخت آية الصدقات التي في براءة العفو الذي ذكر الله تعالى، ونسخت آية السيف في براءة الإعراض عن المشركين ومن الأنفال قوله عز وجل {ومن يولهم منكم دبره} الآية، إنما كان ذلك يوم بدر وحده ثم نسخت، نسختها {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} الآية، وقوله تعالى {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} الآية، وهو أول قتال، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة فلم يطق المؤمنون يقاتل الرجل الواحد من المؤمنين عشرة من المشركين فصارت منسوخة ، نسختها {الآن خفف الله عنكم} الآية، ومن براءة لما أسلمت العرب طوعا وكرها فصارت آية السيف منسوخة نسختها الآية التي في البقرة {لا إكراه في الدين} بعد إسلام العرب، الآية فرفع السيف عن المشركين إذا أقروا بالخراج وقوله (1/268)
صفحة 269
عز وجل {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذي صدقوا وتعلم الكاذبين} فصارت لم أذنت لهم منسوخة، الآية التي في النور {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم} الآية، وقوله تعالى {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله} إلى قوله تعالى {فهم في ريبهم يترددون} فصارتا منسوختين نسختهما التي في النور {إن الذين يستأذنونك أولئك الذي يؤمنون بالله} نزلت في عمر رحمه الله وقوله تعالى {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} نسختها الآية التي في آخر براءة {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} الآية ، ومن هود قوله تعالى{من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} من كان يريد بعمله الصالح ثواب الدنيا وزينتها نزلت في المشركين {نوف إليهم أعمالهم فيها} جزاء أعمالهم في الدنيا ثم صارت منسوخة نسختها {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها} في الدنيا {ما نشاء لمن نريد} المشيئة في نفسه {ثم جعلنا له جهنم} الآية. (1/269)
صفحة 270
ومن النحل {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا} نزلت هذه الآية والخمر يومئذ حلال، ثم صارت آية السكر منسوخة بالآية التي في المائدة {إنما الخمر والميسر} الآية، وقوله تعالى {من كفر بالله من بعد إيمانه} نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح ونفر معه ثم استثنى فقال تعالى {إلا من أكره} الآية ، فصارت منسوخة نسختها {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} من بعد ما عذبوا بمكة ثم جاهدوا العدو بالمدينة وصبروا على الهجرة الآية، وإنما ارتد عبد الله بن سعد عن الإسلام لأنه كان يكتب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا أملى عليه غفورا رحيما كتب عليم حكيم، وإذا أملى عليه سميع عليم كتب سميع بصير، ونحوه ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ينظر إليه لا يغيره لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمي لا يحسن الكتابة فشك عبد الله بن سعد في الإسلام، فقال : كتبت غير الذي قال فلم يغير علي فأزاله الشيطان فألحقه بالكفر فأمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة أن يقتل فاستجار له عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فأجاره النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يقتله، ومن سورة بني إسرائيل قوله عز وجل {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلامهما} الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص، وكان قد أسلم وأمه مشركة ، قال تعالى {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} ثم صارت {قل رب ارحمهما} منسوخة إذا كان أبواه كافرين نسختها الآية التي في براءة {ما كان للنبي} أي ما كان ينبغي للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين، الآية، فلا ينبغي لمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين، وقوله عز وجل {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} بين الخفض والرفع، صارت منسوخة بالآية التي في الأعراف {اذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر} الآية، ومن الأنبياء {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} الآية، ثم استثنى مما يعبد هؤلاء الأربعة : الملائكة (1/270)
صفحة 271
ومريم وعيسى وعزيرا، فقال {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} الآية، ومن العنكبوت {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} لا تجادلوهم البتة ثم استثنى فقال في التقديم {إلا الذين ظلموا منهم} كفار اليهود يجادلونهم بالقرآن نسختها آية السيف في براءة، ومن الأحزاب {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} الآية، وكانت المتعة فريضة لكل مطلقة فصارت المتعة منسوخة إن كان فرض لها صداقا نسختها الآية التي في البقرة {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة} . ومن الجاثية {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} نزلت في عمر رحمه الله، وذلك أنه كان بمكة فشتمه رجل من المشركين فهم به عمر فنزلت {قل للذين آمنوا} عمر {يغفروا للذي لا يرجون} لا يخشون {أيام الله} عقوبات الأمم الخالية، فصارت منسوخة بآيات السيف في براءة {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}. (1/271)
صفحة 272
ومن الأحقاف {قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم}، نزلت هذه الآية بمكة ففرح كفار مكة فقالوا واللات والعزى ما أمرنا وأمره عبد إلهه الذي نعته إلا واحد، ولولا أنه ابتدع هذا الأمر من هواه لكان الذي بعثه يخبره بما يفعل به وبمن ابتعه، كما فعل لسليمان وعيسى والحواريين، وكيف أخبرهم بمصيرهم، فأما محمد فلا علم له بما يفعل به ولا بنا، إن هذا من الضلال كل الضلال، وشق على المسلمين نزول هذه الآية، فقال أبو بكر وعمر رحمهما الله: ألا تخبرنا يا رسول الله ما الله فاعل بك وبنا ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - : ما أحدث إلي أمر بعد، فلما قدم - صلى الله عليه وسلم - المدينة قال عبد الله بن أبي رأس المنافقين: كيف تتبعون رجلا لا يدري ما يفعل به ولا بمن اتبعه، هذا والله الخلاف المبين، فلما علم الله عز وجل ما في قلوب المؤمنين من الحزن، وعلم فرح المشركين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فبين الله عز وجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما يفعل به ومن اتبعه، فصارت قوله {ما أدري ما يفعل بي ولا بكم} منسوخة نسختها آية {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} قضينا لك قضاء بينا بالإسلام، نزلت بالمدينة بعد ما رجع من الحديبية {ليغفر لك الله} لكي يغفر الله بالإسلام ما تقدم من ذنبك، ما كان في الجاهلية، {وما تأخر} وبعد النبوة، وأخبره الله تعالى بما يفعل به فخرج - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه فقال : لقد أنزلت علي آية لهي أحب إلي مما بين السماء والأرض، فقرأ عليهم {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} إلى آخرها، فقال أصحابه: هنيئا لك يا رسول الله قد علمنا الآن مالك عند الله وما يفعل بك، فما لنا نحن عند الله تعالى وما يفعل بنا، فنزلت {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} الآية ، فانطلق عبد الله بن أبي رأس المنافقين في نفر من قومه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : فما لنا عند الله وما يفعل بنا؟ ونزلت { (1/272)
صفحة 273
ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} فلما سمع عبد الله بذلك قال لأصحابه: يزعم محمد أن الله قد غفر له ذنبه وأن يفتح له على عدوه، هيهات هيهات، فإن أهل فارس والروم والله أشد بأسا وأكثر عددا أن يظهر محمد عليهم، يظن أنهم مثل العصائب التي قد نزل بين ظهرانيهم قد غلبهم بكذبه وباطله، فنزلت في قوله فأين فارس والروم {ولله جنود السماوات والأرض} يعني جنود السموات الملائكة، والأرض المؤمنين هؤلاء أشد بأسا وأكثر عددا من فارس والروم، {وكان الله عزيزا حكيما}، النصر للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. ومن سورة محمد - صلى الله عليه وسلم - {إذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم} بالسيف فظهرتم عليهم وأسرتموهم {فشدوا الوثاق فإما منا بعد} عتق بعد الأسر، {وإما فداء} فيفدي نفسه بماله، فصارت آية المن والفداء منسوخة بآية السيف في براءة. ومن الذاريات قوله عز وجل {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} والسائل المسكين والمحروم الذي لا سهم له فقرأ أصحاب الصفة كانوا أربعمائة رجل لم يجعل الله تعالى لهم سهما في الخمس ولا في الفيء يوم النضير، فصارت المحروم منسوخة بآية الصدقات في براءة {إنما الصدقات للفقراء} فبدأ بهؤلاء الفقراء قبل كل أحد الآية، وقوله تعالى {فتول عنهم}{فأعرض عنهم}{فما أنت بملوم} فقد بلغت وأعذرت فلا تلام فحزن - صلى الله عليه وسلم - لما نزلت هذه الآية مخافة أن ينزل بقومه العذاب فصارت منسوخة نسختها {و ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}. (1/273)
صفحة 274
ومن المجادلة {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} نزلت في الأغنياء من أصحابه - صلى الله عليه وسلم - وذلك أنهم كانوا يكثرون مناجاته - صلى الله عليه وسلم - ويغلبون الفقراء على مجالسته وكان يكره طول مجالستهم، ويكره نجواهم فنزلت في الأغنياء هذه الآية ثم قال : فإن لم تجدوا الصدقة فإن الله غفور رحيم، فلما أمر الأغنياء بالصدقة عند المناجاة انتهوا عند ذلك، وقدر الفقراء على كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ومجلسه فلم يقدم أحد من أهل الميسرة غير علي بن أبي طالب قدم دينارا وكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر كلمات، وقدم رجل من الأنصار تمرات فلم يلبث إلا يسيرا حتى صارت الصدقة عند المناجاة منسوخة نسختها الزكاة المفروضة في الآية التي تليها فقال تعالى {أأشفقتم} أي أشق عليكم أهل اليسر أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فلو فعلتم لكان خيرا لكم، فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فثبتت الزكاة وذهبت الصدقة عند المناجاة. (1/274)
صفحة 275
ومن الممتحنة {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} نزلت في خزاعة منهم هليل بن عويمر وبني جذيمة وبني مدلج كان بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - عهد إلى أجل فنزلت لا ينهاكم الله عن صلة الذين لم يقاتلوكم في الدين فصارت منسوخة نسختها {براءة من الله ورسوله} وقوله تعالى {إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} الآية، فصارت هذه الآية كلها منسوخة غير حرفين {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} نسختها آية السيف في براءة ، وبقيت لا تحل مؤمنة لكافر ولا كافرة لمؤمن، وقوله تعالى { وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ} إن لحقت امرأة مؤمن بكفار أهل الحرب الذين ليس بينكم وبينهم عهد، أم الحكم بنت أبي سفيان تركت زوجها عياض بن أبي عثمان القرشي وهو مسلم وأتت الطائف فتزوجت رجلا من ثقيف مشرك، { فَعَاقَبْتُمْ } أعقبكم الله مالا { فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم } اعطوا هذا المسلم الذي ذهبت امرأته إلى الطائف { مِثْلَ مَا أَنفَقُوا } من المهر ومما أصبتم من الغنيمة قبل أن يخمس ثم تقسم الغنيمة بعد ذلك بين المسلمين، { وَاتَّقُوا اللَّهَ } ولا تعصوه فيما أمرتم {الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ }، صارت منسوخة نسختها آية السيف في براءة. ومن المزمل قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قم الليل إلا قليلا}، ثم صارت قيام الليل الذي كان على المسلمين منسوخة نسختها الصلوات الخمس فثبت الصلوات الخمس على المسلمين وثبت القيام على النبي - صلى الله عليه وسلم - فريضتان واجبتان إلى آخر الآية، وقوله تعالى {واصبر على ما يقولون} من تكذيبهم إياك {واهجرهم هجرا جميلا}، وكذلك قوله تعالى {وذرني والمكذبين أولي النعمة} خل بيني وبين بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فأنا أنفرد بهلاكهم نسخ هذا آية السيف. (1/275)
صفحة 276
ومن هل أتى {ويطعمون الطعام على حبه} حب الطعام مسكينا ويتيما من المسلمين وأسيرا من المشركين، فصارت إطعام المسكين واليتيم منسوخة بآية الزكاة المفروضة، ونسخ إطعام الأسير من المشركين آية السيف، وكل شيء في القرآن قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم نسختها الآية {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}.
فصل
قوله عز وجل {الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم} الآية، كان الرجل إذا حضره الموت يوصي لزوجته بسكنها ومئونتها سنة كاملة ثم نسختها الآية التي قبلها {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} وبطلت الوصية لها بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا وصية لوارث، وصار المفروض لها الربع والثمن من مال زوجها، وقوله تعالى {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} الآية كان الرجل إذا طلق زوجته واحدة أو اثنتين كان أملك بردها ما لم تتزوج حتى تكون ثلاث تطليقات فتصير أملك بنفسها وقال قوم : ولو طلقها ثلاثا ما لم تتزوج نسختها الآية في سورة الطلاق {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} الآية.
فصل
من الحجة على من أبطل النسخ ورأى القول به كالقول بالبداء ما وجدناه من أفعال الله جل ذكره وهو أن يحيي الإنسان ما كانت الحياة أصلح له في التدبير ثم يميته ويصحه ما دامت الصحة أصوب من تدبيره ثم يسقمه. (1/276)
صفحة 277
أيضا اختلاف شرائع الأنبياء صلوات الله عليهم في الأحكام لا في التوحيد والوعد والعيد ونسخ بعضه البعض فإن أنكر ذلك منكر وزعم أن شرائع الأنبياء صلوات الله عليهم كانت متفقة فالحجة عليهم قوله تعالى حكاية عن المسيح صلى الله عليه حين يقول {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} وتحريم صيد السمك في يوم السبت على من حرم ذلك عليه وتحليله لنا، وبالكف عن العمل يوم السبت وما أمر به بنوا إسرائيل من ذلك وإباحته لنا، ودليل آخر هو قوله تعالى {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} والحجة على من زعم أن النسخ لا يكون حتى ترفع تلاوته ما نسخ الله تعالى من التوارة بالقرآن، وهما متلوان جميعا، فأما نسخ القرآن بالسنة فقد قال به أكثر أصحابنا واحتجوا بأن الله تعالى فرض علينا سبعة عشر ركعة في كل يوم وليلة ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سن أن على المسافر بعض ذلك دون جميعه، وإن احتج محتج ممن قال إن القرآن لا ينسخه إلا قرآن وإن نسخ فرض صلاة المقيم بقوله جل ذكره {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} فإن الآية إنما أوجبت القصر مع الخوف وقد أجمع المسلمون على أن نبيهم - صلى الله عليه وسلم - كان يقصر في حال الأمن دون الخوف، وهذا يدل على أن الآية ليست بناسخة، والله أعلم. (1/277)
صفحة 278
وأما من زعم أن السنة تنسخ القرآن و القرآن لا ينسخ السنة فإن من الحجة عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يصلي إلى بيت المقدس بغير قرآن نزل إن الله تبارك وتعالى نسخ ذلك بقرآن أنزله، وحول القبلة إلى الكعبة، وأما من قال إن نسخ القرآن مفوض إلى الأئمة فإنهم احتجوا بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يجتهد رأيه في الأحكام، قالوا: إذا كانت السنة اجتهادا منه - صلى الله عليه وسلم - فقد يجوز أن ينسخ القرآن السنة ، فإذا جاز ذلك من طريق الأحكام قالوا فجائز للإمام بعده الذي قص عليه أن يجتهد فيما فوض إليه فالحجة عليهم غير قليل من ذلك، قوله جل ذكره {قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي} وقوله عز وجل {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}، وأما من زعم أن الله جل ذكره لا يعلم الشيء حتى يكون وأجاز البداء على الله تعالى كما أجاز غيره النسخ على إخبار الله تعالى وتبارك وصفاته فالحجة عليه قوله عز وجل {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد } الآية ثم قال {ولو ردوا لعادوا} الآية، فأخبر بما يقولون قبل أن يقولوا فقد علم ما يكون من قولهم قبل أن يكون وعلم ما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون سبحانه وتعالى، ونظائر هذا كثير في القرآن، وبالله التوفيق.
باب في المحكم والمتشابه (1/278)
صفحة 279
اختلف الناس في المحكم والمتشابه، فقال قوم : المحكم هوالناسخ وإن المتشابه هو المنسوخ، وقال قوم : المحكم هو الفرائض والوعد والعيد وإن المتشابه هو القصص والأمثال، وقال قوم: المتشابه هو قوله تعالى : {ألم، وألمص، وكهيعص، وحم} وما يحتمل تأويلين متساويين في اللغة، والمحكم هو الذي تأويله تنزيله تجب في القلب معرفته عند سماعه، والمحكم عندنا والله أعلم ما كان حكمه معلقا بظاهره ولا يحتمل وجهين مختلفين كقوله تعالى {لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} وقوله عز وجل:{حرمت عليكم أمهاتكم} الآية ونحو هذا، والمتشابه هو مالا يعلم المراد به في ظاهر تنزيله وإنما يرجع في حقيقة ذلك من وجوه التأويل المحكم له كقوله عز وجل {يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} وقوله تعالى {تجري بأعيننا}و{خلقت بيدي}و{عملت أيدينا} ومثله، ويدل على ما قلنا قوله تعالى{وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} تقول والله أعلم إن الذين في قلوبهم مرض وهم المبطلون إنما يبتغون ما يتعلقون به ويرونه حجة وإن كانوا متأولين من أهل الملة أو يظنون أن فيه مطعنا إن كانوا ملحدين فيما يحتمل تأويله في ظاهره، وبالله التوفيق. (1/279)
صفحة 280
مسألة: القول في المتشابه، وأما المعنى في متشابه الكتاب فإن الله تعالى خلق عباده ليمتحنهم فينبئهم كما قال عز وجل {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} فعوضهم بخلقه إياهم بأعلى المنازل وأشرفها وهو الثواب الذي لا خلاف بين أهل العقول في أنه أشرف من التفضيل والله تعالى عز وجل جواد كريم لا يقتصر لعباده على ما غيره أعلى وأشرف إذا كان ذلك حكمة وصوابا، ولو كان القرآن كله محكما لا يحتمل التأويل ولا يمكن الاختلاف فيه لسقطت المحنة فيه وسارت العقول وبطل التفاضل والاجتهاد في السبق إلى الفضل، واستوت منازل العباد، والله يتعالى لا يفعل ما هذا سبيله، بل الواجب في حكمته ورحمته ما صنع وقد أراد فعل بعضه محكما ليكون أصلا يرجع إليه وبعضه متشابها يرجع فيه إلى الاستنتاج والاستنباط ورده إلى المحكم وإعمال العقول والفكر ليستحق بذلك الثواب الذي هو العوض.
مسألة: فإن قال قائل : أفما كان الله عز وجل قادرا على أن يوصل العباد إلى الثواب من غير محنة، قيل له : بلى إن الله تعالى قادر على ذلك وعلى ما يشاء قدير وليس كل ما يقدر عليه يفعله جل عن ذلك وتعالى، بل لن يفعل الحكمة والصواب من التدبير ولو كان يعطى منزلة المجتهد العامل من لا عمل له وأن يساوي أدون المؤمنين في الجنة بنبي الله عليه السلام في منزلته ودرجته إذ كان الله تعالى على ذلك قادرا والذي أفسد هذا هو الذي أفسد ما سأل عنه السائل ولله المنة.
في الخاص والعام: معنى العام التكثير ومعنى الخاص التقليل، يقال : غيث عام إذا طبق الأرض ولم يخص موضعا، قال العجاج:
وهو الذي أنعم نعما عمت على الذي أسلموا وسمت
سمت خصت والسامة الخاصة، وقال أبو رياش : قال الفرزدق لراويته عبد الله ابن زالان: أخبرني عن رواة شعري وعن رواة شعر جرير، فقال عبد الله: الخاصة معك والعامة مع جرير، فقال غلبنا ورب الكعبة، يريد أن التكثير هناك، قال الأعشى: (1/280)
صفحة 281
ولست بالأكثر منهم حصا وإنما العزة للكاثر
والعام مثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة خير مصنوع فمن شاء فليقلل ومن شاء فليكثر، هذا عموم في كل وقت والخاص المعترض عليه : لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، والخاص يعترض على العام ، والعام يعترض على الخاص، وليس مثل هذا يكون نسخا لأن النسخ حقيقة أن ترفع الكل، والله أعلم.
وقال الله عز وجل {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} فحرم جميع المشركات بعموم هذه الآية ثم خص من جملة ما حرم نكاح المشركات الكتابيات من قبلكم، فخص المشركات الكتابيات من سائر ما حرم من المشركات، ونحو ذلك قوله تعالى {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} فكان هذا الخطاب يوجب تحريم كل طعام لم يذكر اسم الله عليه من حيوان وغيره، إذ ليس في نفس الآية تفصيل طعام من طعام فلما اتفق أهل الإسلام على أن المقصود بالتحريم في هذه الآية هو الحيوان دون غيره صح أن الآية خاصة، وإن كانت في الظاهر عامة، ونحو ذلك ما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ما ليس معك، فكان تحريما عاما لا يجوز للإنسان أن يبيع شيئا ليس في ملكه ثم خص عليه السلام من جملته السلم ، وهو بيع ما ليس معه، ونحو قوله - صلى الله عليه وسلم - حيث أدركتك الصلاة فصل، هذا عموم يوجب جواز الصلاة في كل موضع، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه نهي عن الصلاة في المقبرة والمنحرة والمزبلة والحمام وقارعة الطريق، ومعاطن الإبل، وكان هذا خبرا خص بعض ما اشتمل عليه عموم الخبر الآخر. (1/281)
صفحة 282
مسألة: الدليل على ما قال أن العموم لا يستغرق الجنس قول الله جل ذكره {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض} وقوله تعالى {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} لا يدخل في هذا الخصوص والله أعلم، والاستثناء كالتخصيص بمخصص من الشيء إخراج بعض المذكور، والخبر إذا ورد فالواجب إجراؤه على عمومه ولا يخص إلا بحجة. (1/282)
صفحة 283
مسألة: أما ما يجري ظاهره من الأخبار مجرى الخصوص وصحته دليل يرد حكمه إلى معنى العموم فمنه قوله جل وعز {فلينظر الإنسان مم خلق}و{إنا خلقنا الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين}و{بدأ خلق الإنسان من طين}،{والعصر إن الإنسان}، فهذه الآيات كلها في لفظ الخصوص في الظاهر إذ الذكر فيها وقع باسم الإنسان ولم يقع باسم الناس ومتيقن حكمهما في معنى العموم، الدلالة على خروج أحكام جميعها عن الخصوص إلى العموم أن دخول الألف واللام في الإنسان دال على التعريف والمعرف إذا لم يكن قبل التعريف مذكورا بنفسه فيكون التعريف إشارة إلى شخصه، صح أن التعريف راجع إلى الجنس كله وأما قوله جل ذكره {وبدأ خلق الإنسان من طين} فآدم عليه السلام، وإذا خلق آدم من طين فالناس كلهم مبتدون من طين لأنهم ذريته إلا حواء وحدها فإنا لا ندري ما اسمها تسمى ذرية له أم لا ، غير أنا نعلم أنها خلقت منه، ويدل على ما قلنا أن هذا اسم الجنس إلا الاستثناء لا يكون إلا في جملة كثيرة، وقوله تعالى {خلقنا الإنسان من نطفة} فخرج مخرج الخصوص والمعنى للعموم، وخرج آدم عليه السلام بدليل عن بعض قومنا وهو الحسن بن محمد الحل أي حد العموم مساواة بعض ما ساواه اللفظ لبعض من غير فرية، وكل عموم ظاهر وليس كل ظاهر عموما، وهو مأخوذ من الاشتمال والإحاطة، يقال عمهم الحق أي شملهم وأقل العموم ما يتناول شيئين، وأقل الخصوص ما يتناول واحدا والأسماء المنفردة على ثلاثة أقسام عام لا خاص فيه وهو مثل قولهم شيء وشيت، وخاص لا عام فيه وهو مثل قولهم زيد وعمر، وخاص من وجه عام من وجه، وهو مثل قولهم الحيوان خاص في تناوله الحيوان دون غيره وعام في تناوله الحيوان، هذه ناطقة ومبهمة، وحد المجمل ما لا يفعل المراد منه بذاته وحدا لمفسر ما يفعل المراد منه بذاته.
فصل (1/283)
صفحة 284
وأما ما ادعاه المبطلون في القرآن من الزيادة والنقصان وطعن فيه الطاعنون من تكرار القصص والقول وليس لطاعن في ذلك مطعن والحمد لله، وقد أوضح العلماء في ذلك من البيان والحجج ما يبطل قول كل معاند وكافر جاحد، فأغنانا عن إيراده في هذا الموضع إن شاء الله.
وأما الإضمار فمثل قوله تعالى {حرمت عليكم أمهاتكم} يعني تزويج أمهاتكم، فأضمر تزويج، قال الشاعر:
وأنت صاحبها المذكور قد علمت ذلك العمائم يوم الخندق السود
يريد أصحاب العمائم السود وأما الكناية مثل قوله تعالى : {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} وكنى عن المعنى كقوله تعالى {ليسكنوا إليها} فما كان على هذا ويجري مجراه فهو الكناية، والقرآن نزل بلغة العرب فيها الحقيقة والمجاز والإطالة والإيجاز والتوكيد والاختصار والحذف والتكرار والكناية والإضمار والحكاية والاتساع والاستعارة والإتباع والإشمام والإشباع والاشتقاق والترخيم الإغراء والإدغام والأضداد والمقلوب والجواب والمنقول والإبدال والمعدول والمعاريض والنقص والزيادة والتقديم والتأخير والتعظيم والتصغير ومخاطبة الواحد بلفظ الاثنين والاثنين بلفظ الواحد، ومخاطبة الغائب بلفظ الشاهد والشاهد بلفظ الغائب، وذكر الشيء بسببه وذكر سببه به، وكل ذلك قد جاء به القرآن، وقد ذكرته في كتاب الإبانة فلم أعده هاهنا للاختصار.
ص 238-239 : باب في الأوامر والمناهي (1/284)
صفحة 285
صور الأمر في اللغة أن يقول الآمر افعل مثل قوله تعالى {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}، و{يا أيها الناس اتقوا ربكم}و{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}، وصورة النهي أن يقول الآمر لا تفعل مثل قوله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} إلى قوله {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}و{يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} فإذا ورد الخطاب معرى من القرائن المقيدات والمقدمات فهو أمر أو نهي واللفظة قد ترد مقرونة بصلة أو بمقدمة فيدل على التخيير والندب، أو على قدرة الآمر وعجز المأمور أو على التهدد والزجر وإطلاق بعد حظر أو على التكوين دون الامتثال للأمر، والذي بلا مجموعه التخيير والندب مثل قوله عز وجل {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير}{فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر}، وقد أجمع الجميع أن الأكل منها غير واجب وأنا فيه مخيرون ، فالآية لم ترد إلا مقرونة بالتوقيف.
وأما الذي يدل على قدرة الأمر وعجز المأمور فمثل قوله عز وجل {قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم} ومعلوم أن الله تعالى لم يرد منهم أن يجعلوا أنفسهم حجارة أو حديدا إذ ليس ذلك في طاقتهم وقدرتهم وإنما أراد تعالى أن يبين عجزهم، وأما الذي يدل على التهديد والزجر فمثل قوله تعالى {اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير}{وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} الآية، {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون}. (1/285)
صفحة 286
وهذه الآيات لم يردن على مقدمات قبلهن وقرائن بعدهن تدل على التهدد والزجر، وأما الذي يدل على الإطلاق بعد الحظر فمثل قوله عز وجل {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} الآية، لقوله تعالى {فإذا حللتم فاصطادوا} وقد أجمعوا جميعا أن الانتشار والاصطياد غير واجبين، وأما الذي يدل على التكوين دون امتثال الأمر فمثل قوله جل وعز {كونوا قردة خاسئين} فقد تقدمت المعرفة أنهم غير قادرين على تكوين أنفسهم قردة فدلت المقدمة على التكوين دون امتثال الأمر، والله تعالى خطبنا بما تعقل العرب في خطابها والعرب تسمى افعل أمرا أو نهيا فإذا أمر من تجب طاعته والانقياد لأمره كان على المأمور إتيان ما أمر، وبالله التوفيق. (1/286)
صفحة 287
ص 241-242 : والخطاب إنما من الله عز وجل بلغة من يخاطبهم لأنه مريده لإفهامهم بقوله عز وجل {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} فالقرآن نزل بلغة القوم الذين بعث فيهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو مشتمل على ضربين من الخطاب فمنه المفسر الذي يستغنى بلفظه عن بيان غيره، ومنه المجمل الذي لا يستغنى عن معرفة بيانه، ومنه المحكم الذي يعرفه السامع، ومنه المتشابه الذي يفكر في تأويله العالم، ومنه ما يحتمل الوجوه التي لا يجوز القطع على شيء منها إلا بدليل يعلم به المراد منها، ومنه الإيجاب والإلزام، ومنه الترغيب والإرشاد، ومنه الفرض والندب، ومنه الإباحة والحظر ومنه الكناية والتصريح ومنه التعريض والإفصاح ومنه الحقيقة والمجاز ومنه الإطالة والإيجاز ومنه الخصوص والعموم، ومنه التكرير والحذف ومنه الإشارة والتلويح ومنه التأكيد والترديد، وكل ذلك معروف في لغة العرب، وعلى حسب اختلاف هذه الضرورة تختلف معاني أحكامها، ولكل ضرب منها صورة يعرف بها وصيغة وضعت لها يعرف السامع بذلك قصد المخاطب وغرض المتكلم فمن عرف ذلك وضع الخطاب موضعه ولم يعد به إلى غير جهته ومن قصر علمه عن شيء من ذلك التبس عليه ما قصر علمه عنه، ولن يدرك ذلك من لم يكن عاقلا مميزا، وبالله التوفيق.
فالواجب أن يعتبر كل خطاب بحسب المعروف في اللسان لأن منه ما يفترق ومنه ما يتفق ولا يفترق، ومنه ما يتفق لفظه ويختلف معناه وما يفترق لفظه وتفق معناه، وكل ذلك معروف عند أهل اللسان ، والله الموفق للصواب.
ص 245-246: مسألة: (1/287)
صفحة 288
والأمر بالشيء نهي عن كل أضداده، قال الله تعالى {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} فأمر جل ذكره بإيجاب السعي يعقل النهي عن منع ما يضاده من القعود والانضجاع وغير ذلك من الأشياء التي تضاد السعي، وليس البيع والترويح والمأكل والشراب بأضداد للسعي إذ جائز أن يسعى ويبيع في حال ولا جائز أن يمشي ويجلس في حال، وجائز أن تسعى وتأكل فيحال ولا جائز أن ينضجع ويجلس في حال، فلما تنافى الأمر بالجلوس والانضجاع والسعي في حال عقل المخاطبون أن في أمره تعالى بالسعي للصلاة دليلا على النهي عن جميع ما يضاد السعي من الجلوس والانضجاع، والنهي عن الشيء أمر بضده أو ببعض أضداده، فإذا كان الإنسان جالسا فقيل له لا تقم فله قبل هذا القول أن يقوم ويقعد وينضجع، فإذا نهي عن واحد منها وهو القيام فهو على ما كان عليه من تصرفه في حاله، فإذا امتنع عن القيام فله كل فعل غير القيام وإذا كان ما ذكرنا على ما وصفنا كان إذا أمر بشيء فهو نهي عن كل ضد له وإذا نهي عن شيء فله فعل كل ضد له.
ص 254-255: ومن الأخبار الموقوفة لتعارضها وطلب الدلالة على المتقدم منها منالمتأخر أو ما أريد ببعضها دون بعض، نحو ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الشرب قائما وروي أنه شرب من زمزم قائما فوجب اتفاق الخبرين، وكان المرجوع إلى قول الله تعالى {كلوا واشربوا} فهذه الآية تبيح الآكل والشرب على أي حال كان عليها الآكل والشارب إلا أن تخص دلالة في بعض الأوقات وبعض الأحوال، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الشرب من فم السقاء، وروي أنه خنث السقاء فشرب منه أي عطفه، وأما الشرب من فم السقاء المنهي عنه فقيل عنه للإشفاق أن تكون فيه دابة، وباقي هذه المسألة تأتي في باب الأكل والشرب إن شاء الله. (1/288)
صفحة 289
ص 258-259 : وقال - صلى الله عليه وسلم - : من كذب علي متعمدا فليبوأ مقعده من النار، وأما الزبير فإنه قال: والله ما سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول متعمدا أو إنما قال من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار، يقال : كل منزل ينزله القوم تبوأ منزلا، والبأو والمباءة واحد وهي منزل القوم، قال:
وبوئت في صميم معشرها فتم في قومها مبوأها
وقال المفضل في قوله عز وجل {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} أي هيأنا، وقال ابن قتيبة في قوله تعالى {يتبوأ من الجنة حيث يشاء}، أي ينزل، وعن ابن عمر قال : إن الذي يكذب على نبينا له بيت في النار. (1/289)
صفحة 290
ص 263-264 : وفي كتاب الله عز وجل الدلالة على قبول خبر الواحد، قوله تعالى {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه}، وقوله عز وجل {وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل}{وإلى عاد أخاهم هودا}{وإلى ثمود أخاهم صالحا}{وإلى مدين أخاهم شعيبا}، وقال تعالى {كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون فاتقوا الله وأطيعون}، وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح} وقال تعالى {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل}، فأقام الله عز وجل حجته على خلقه بواحد والواحد في ذلك وأكثر منهم سواء تقوم الحجة بالواحد منهم قيامها بالأكثر، قال تعالى {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث} الآية، وليس الزيادة في التأكيد مانعة أن تقوم الحجة بالواحد، ولا يجوز لأحد رد ما أتى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأخبار بنص الكتاب، وبما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - من التضييق في ذلك، أما الكتاب فقوله عز وجل {فليحذر الذين يخالفون} الآية، وقوله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}، وما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - من طريق عبد الله بن رافع عن أبيه أنه قال - صلى الله عليه وسلم - : لألقين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه، فقد ضيق - صلى الله عليه وسلم - على أحد أتاه عنه أمر مخالفته وترك العمل به، والأريكة قال أبو عبيدة:والجمع الأرائك،وهي الفرش في الحجال، قال ذو الرمة:
كأنما تباشر بالعمراء مس الأرائك
وقال الخليل: الأريكة ستر في حجلة والجمع الأرائك، ومنه قوله عز وجل {على الأرائك ينظرون} وقال المفضل : الأرائك السرر ذوات الحجال واحدها أريكة. (1/290)
صفحة 291
ص 266 : وعنه - صلى الله عليه وسلم - نعمت العمة لكم النخلة، وفي خبر : النخلة عمتكم فأكرموها، وفي خبر استوصوا بعمتكم خيرا يعني النخلة فإنها خلقت من الطينة التي خلق منها آدم عليه السلام، أما رأيتم شجركم كلها لا يحتاج إلى اللقاح إلا النخلة فإنها تحتاج إلى اللقاح، قال الله عز وجل {ما قطعتم من لينة} قيل النخلة وجمعها لين غير العجوة فإنها كون.
ابن عمر قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وهي مثل المسلم حدثوني ما هي، قال عبد الله فوقع الناس في شجر البادية ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحيت، قال ابن عمر : فحدثت عمر بالذي وقع في نفسي من ذلك فقال : لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا، وقال مالك : وهي النخلة.
عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا عائشة إذا جاء الرطب فهنيني، وفي الحديث كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى باكورة وضعها على عينه ودعا فيها بالبركة، الباكورة ما يعجل إدراكه من الفواكه والثمار، والبواكر من النخل وغيرها من الأشجار المثمرة التي تقدم حملها.
ص 274-275 : مسألة : قال ابن محبوب رحمه الله: الجنة والنار مخلوقتان وهي الجنة التي أسكنها الله تعالى آدم عليه السلام وأخرجه منها ووعده لما تاب أن يرده إليها، وقال غيره: ويدل على ذلك قوله تعالى {قلنا اهبطوا منها جميعا} فالهبوط من السماء، قال أبو عبد الله: ووجدنا في الكتب أنهما تفنيان عند فناء الخلق، وتعادان عند إعادة الخلق، قال أبو عبد الله : وهذا مما يسع جهله، وفي الجنة والنار اختلاف، ولعل من يثبتها أنهما مخلوقتان، نقول الجنة في السماء السابعة والنار في الأرض السادسة، قال النقاش في قوله تعالى {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} قال: في الآية دلالة على أنها مخلوقة بقوله أعدت والمعد المهيأ قال الأعشى:
وأعددت للحرب أوزارها رماحا طوالا وخيلا ذكورا (1/291)
صفحة 292
قال الحسن : الجنة مخلوقة في أنها في السماء، وقيل لعمر رضي الله عنه : كيف تكون الجنة مخلوقة في السماء وهي أوسع من السموات والأرضين؟ فقال: تكون كذلك كما شاء الله عز وجل.
ص 275-276: فصل
قوله تعالى {ولا طائر يطير بجناحيه} توكيد، وقرأ هرمز ولا طير يطير بجناحيه، على التوكيد لأن الطيران يكون بالجناحين وبالرجلين، وجميع ما خلق الله عز وجل فليس يخلو من هاتين المنزلتين إما يدب وإما يطير، يقول الرجل للرجل طر في حاجتي أي أسرع، ويقول: الفرس يطير والسفينة تطير، والفائدة في قوله تعالى يطير بجناحيه دون مالا يطير بجناحيه العلم بأنه قصد إلى جنس ما يطير بجناحيه دون سائر ما يطير لما كان الطيران يقع على الطير وغيرهن، وعن ابن عباس : يحشر كل شيء حتى أن الذباب ليحشر. (1/292)