صفحة 1
الكتاب: أزمة الأمة الحقيقية لـ؟
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] أزمة الأمة الحقيقية
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.
أما بعد ...
هنا تكمن الأزمة:
كان المنظرون الإسلاميون فيما مضى يقولون أن الأمة تقف على شفا الهاوية بسبب أوضاعها المأساوية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ونحن اليوم لا نملك إلا أن نقرّ بسقوطنا في جرف الهاوية إن لم نكن في قعرها أصلاً! ومع أن أولئك المنظّرون قد اجتهدوا في تقديم تصوراتهم ورؤاهم لتشخيص حال الأمة ومحاولة إقالتها من عثرتها التي أضحت نكبة خانقة للأجيال وفاجعة مبددة للأمال إلا أن الوضع الكارثي للأمة ما يزال يتأرجح في دائرة السيء والأسوأ والأكثر سوءا!
تفاوتت تلك الرؤى والتشخيصات بين من يذهب إلى تحميل الطغيان والاستبداد السياسي مسؤولية ما جرى وما يجري للأمة، وبين من يوجه أصابع الاتهام إلى الجهل والأمية، وبين من يذهب إلى اتهام العقل المسلم بالخرافة والسلبية التي طبعت بها الأمة وحطمت إرداتها، وقد قدم المخلصون من أبناء هذه الأمة حلولاً لتلك المشكلات كل ورؤيته، إلا أن الأمة مع ذلك لم تستطع أن تستفيق من غيبوبتها المستدامة! الأمر الذي يشي بوجود نواقص ما في التشخيصات والحلول المقدمة، وهذا يدفعنا إلى اعتبار الأزمة أعمق مما نتصور، وأن الطروحات السابقة وإن كانت صحيحة في ذاتها لكنها مولدة من أمور أكبر وأعظم أسهمت في إيجاد عقلية تجزيئية غير قادرة على لملمة المفردات المتناثرة وتفعيل نظرة شمولية واسعة للكون والإنسان والحياة.
إن أهم ما يميز تلك المحاولات التشخيصية هو بنيتها القائمة على التجزيئ والتفكيك والنظر من زاوية واحدة إلى المشهد العام لأزمة الأمة وأوضاعها المأساوية، ومثل هذه النظرة الجزئية لا تعطي سوى حلول جزئية تبتسر الحقيقة وتشظيها فتغيب معها معالم الأزمة وعواملها. (1/1)
صفحة 2
ولأن أدركنا أن ثقافة الأمة في عصر الانحطاط الذي نعيشه قائمة على التجزيئ والتفكيك والتشظي فإنه يجدر بنا لأجل اكتشاف أصل الأزمة أن ندرك كذلك أن أهم نبع من منابع ثقافة الأمة إنما يتمثل في النصوص المقدسة التي تعدّ المحرض الأول للأمة نحو الحركة والبناء. والنص الإسلامي المقدس يتكون من شقين:
الأول هو النص القرآني الذي لا يمكن أن نزج به في أتون هذه الإتهامات لا بسبب حساسيتنا المفرطة من التعاطي مع هذا النص بصورة نقدية منفتحة بل بسبب إيماننا المطلق بأنه وحي الله تعاى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأيضاً بسبب نظرتنا الموضوعية للنص القرآني واكتشافنا أن هذا النص العظيم تربض فيه محرضات كثيرة ومحفزات أكبر لا تحارب النظرة الجزئية وتسفهها وتحذر منها وحسب بل تتعدى ذلك إلى تقديم منهج كلي شمولي متكامل تدعو الأمة إلى استجلائه والسير في طريقه المنير بعيداً عن ظلمات التجزيء والتفكيك والتشظي. (1/2)
صفحة 3
إذاً لم يبقى أمامنا سوى النص المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما فيه من خلل وعلل ومساقط وزلل حذرنا منها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال (لا تكتبوا عني سوى القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) (1) [1])، وجاء عن أبي سعيد الخدري أنه قال: (جهدنا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأذن لنا في الكتاب فأبى) (2) [2])، وعنه أيضاً أنه قال: (ما كنا نكتب غير التشهد والقرآن) (3) [3])، وقال أبو هريرة: (خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نكتب الأحاديث، فقال: ما هذا الذي تكتبون؟ قلنا: أحاديث نسمعها منك. قال: كتاب غير كتاب الله!، أتدرون. ما ضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى) (4) [4]).
__________
(1) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص33 من طريق أبي سعيد الخدري ورواه مسلم [7510] 72 - (3004)، وأحمد 1/ 171.
(2) الخطيب البغدادي نفس المصدر ص21 - 33. وقد نقل شعيب الأرنؤوط في تعليقه على "سير أعلام النبلاء" للذهبي ج3ص81 قول ابن القيم في "تهذيب السنن" 5/ 245 ما نصه: (قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن الكتابة) اهـ.
(3) أبو داود 3648، وابن أبي شيبة في "المصنف" برقم 2991.
(4) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص34. (1/3)
صفحة 4
وهذه الحقيقة الغائبة عن الأذهان أو المغيبة عن كثير من الناس إنما هي نابعة عن قراءة واعية للنص القرآني الذي لفت انتباه الأمة إلى ظاهرة معاداة أهل الضلال للقرآن الكريم ومطالبتهم بنص بديل عنه! يقول تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} يونس: 15، وبدأ هؤلاء في حياكة أحاجي وطلاسم يحاكون بها "الحديث" القرآني! يقول تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} لقمان: 6. وقد نجح هؤلاء للأسف الشديد في صرف الناس عن القرآن الكريم، يقول تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} الفرقان: 30. القرآن الكريم هو "الحديث" الإلهي الذي قال فيه الله تعالى {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} الزمر: 23، ومن لا تنفعه هداية "الحديث" القرآني فأي حديث بعده يمكن أن يهديه؟ يقول تعالى {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} الأعراف: 185. (1/4)
صفحة 5
ويقول عز وجل: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} الجاثية: 6.
وقد كانت هذه الرؤية القرآنية التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم ماثلة في أذهان فقهاء الصحابة الذين استمرعندهم ذلك الموقف المعارض من تدوين الروايات والأخبار، فقد رُويَ عن أبي بكر الصديق أنه جمع الناس فقال: (إنكم تحدثون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحاديث تختلفون فيها، والناس من بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه) (1) [5]). أما عمر بن الخطاب فقد جاء أنه طفق يستخير الله شهراً، ثم قال: (إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً) (2) [6])، ثم كتب في الأمصار (من كان عنده شيء من الروايات فليمحه) (3) [7])، وروى عنه أنه أحرق مجموعة من الروايات وقال: (مثناة كمثناة أهل الكتاب) (4) [8]). وكان من شدة احتياطه في منع كتابة الروايات الآحادية أنه يخرج مع رسله إلى الآفاق ويسير معهم في الطريق ليقول لهم: (إنكم تاتون بلدة لأهلها دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا شريككم) (5)} رمضان {).
__________
(1) الذهبي "تذكرة الحفاظ" ج1ص3.
(2) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص49.
(3) ابن سعد "الطبقات الكبرى"ج1ص206
(4) ابن سعد "الطبقات الكبرى" ج5ص140
(5) الخطيب البغداي "شرف أصحاب الحديث" ص87. (1/5)
صفحة 6
بل قد وصل به الاحتياط في منع الحديث إلى درجة حبس مجموعة من كبار الصحابة لإكثارهم من التحديث فقد روي أنه بعث إلى عبدالله بن مسعود وإبي الدرداء وأبي مسعود الأنصاري، فقال لهم: (ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فحبسهم! بالمدينة حتى استشهد) (1)} محرم شوال {).
وروي عن عبدالله بن مسعود أنه أحرق صحيفة بها بعض الأحاديث ثم قال: (اذكر الله رجلاً يعلمها عند أحد إلا أعلمني به، والله لو أعلم أنها بدير هند لبلغتها، بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) (2) [11])، وأراد معاوية أن يكتب حديثاً فنهاه زيد بن ثابت قائلاً: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا ألا نكتب شيئاً من حديثه) (3) [12]).
مزاحمة النص القرآني:
__________
(1) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص87.
(2) ابن عبد البر "جامع بيان العلم وفضله" ص92.
(3) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص35، أبو داود3647. (1/6)
صفحة 7
"مثناة كمثناة أهل الكتاب" إن هذه المقولة المنسوبة إلى عمر بن الخطاب (1) [13]) على قصرها وقلة ألفظاها إلا أنها تكتنز بمعاني تفيض منها الحكمة العمرية التي تشربت من معين القرآن الكريم، فاليهود والنصارى حرفوا التوراة والإنجيل وأضافوا إليها من أقوال أحبارهم ورهبانهم ما يصد عن سبيل الله واتباع سبيل المرسلين، وقد أدرك عمر أن النهي القرآني عن مضاهة الكتاب العزيز إنما جاء تحذيراً من الوقوع في خطأ أهل الكتاب، لأن السير في نفس الطريق الذي اتبعه أولئك سيؤدي بالأمة إلى نفس النتائج المهلكة التي وصلت إليها أمة اليهود والنصارى من ضلال وتيه وحيرة ورجوع إلى الوثنية، وهذه القراءة العُمَرية الواعية للتاريخ إن دلت على شيء إنما تدل على الفكر القرآني الوقاد الذي ينطلق منه عمر المتمثل في قوله تعالى {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا} الأحزاب: 62.
__________
(1) ابن سعد "الطبقات الكبرى" ج5ص140 (1/7)
صفحة 8
والأمة الإسلامية للأسف الشديد انتقلت إليها عدوى أهل الكتاب وأصيبت بمس من تحريفات أهل الملل التي عبثت بنصوصها المقدسة، ولأن القرآن الكريم كان عصياً على العابثين بسبب تكفل الله عز وجل بجمعه {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} القيامة: 17، وتكفله تعالى بحفظه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر: 9، تحولت طاقات المغرضين إلى تراث النبي صلى الله عليه وسلم من أفعال وأقوال، وهم بذلك طبقوا سنة أهل الكتاب بحذافيرها، فأهل الكتاب اعتبروا تراث أنبيائهم الذي حكاه الأحبار والرهبان نصاً مقدساً معتمداً في التشريع، أما في الإسلام فقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم الأمة إلى الاقتداء بأفعاله الشارحة لبعض التشريعات التي جاء به القرآن الكريم، فلهذا نجده يقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ويقول أيضاً: (خذوا عني مناسككم)، أما كلماته فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن تقييدها وكتابتها قائلاً (لا تكتبوا عني سوى القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) (1) [14])!
ولأن سنة الله تعالى لا تتدبل {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا} الأحزاب: 62، فقد أصيبت أمة الإسلام بما أصيبت به الأمم السابقة من تيه وضلال وحيرة، ولولا بقاء النص القرآني خالصاً من التحريف والتزييف لما بقى من الإسلام سوى اسمه في سجلات التاريخ وأرشيف الأمم البائدة.
__________
(1) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص33 من طريق أبي سعيد الخدري ورواه مسلم [7510] 72 - (3004)، وأحمد 1/ 171. (1/8)
صفحة 9
ومع ذلك ينبغي تذكر أن (العوارض التي غشيت الدين وصرفت قلوب المسلمين عن رعايته، وإن كان حجابها كثيفاً، لكن بينه وبين الاعتقادات الصحيحة التي لم يحرموها بالمرة تدافع وتغالب لا ينقطع، والمنازعة بين الحق والباطل كالمدافعة بين المرض وقوة المزاج، وحيث أن الدين الحق هو أول صبغة صبغ الله بها نفوسهم، ولا يزال وميض برقه يلوح في أفئدتهم بين تلك الغيوم العارضة، فلا بد يوماً أن يسطع ضياؤها وينقشع سحاب الأغيان، وما دام القرآن الكريم يتلى بين المسلمين وهو كتابهم المنزل، وإمامهم الحق، وهو القائم عليهم يأمرهم بحماية حوزتهم، والدفاع عن ولايتهم، ومغالبة المعتدين، وطلب المنعة من كل سبيل، لا يعين لها وجهاً، ولا يخصص لها طريقاً، فإننا لا نرتاب في دعوتهم إلى مثل نشأتهم ونهوضهم إلى مقاضاة الزمان ما سلب منهم، فيتقدمون على من سواهم) (1) [15]) في جميع المجالات الحضارية العلمية والسياسية والاقتصادية والإجتماعية.
إزاحة النص القرآني:
نكون متفائلين جداً إن زعمنا أن مكانة النص القرآني لم يتم اغتصابها وتسليمها إلى أطنان المرويات التي تم سكها وتعليبها ونسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والتي عرفت فيما بعد باسم "السنة النبوية"، وواقع الأمة يشهد أن هذا التفاؤل ليس في محله وأن الذي حدث على حين غفلة من الأمة أن القرآن الكريم قد فقد مكانته التشريعية في ضمير الأمة تدريجياً، والعجيب أن هذا الأمر الجلل مر على الأمة مروراً عابراً وهي في سبات الرواية المخدّر للعقول والمعطّل للألباب إلى أن أضحى هذا الأمر جزءاً من ثقافة الأمة التي لم يستفزها قول البربهاري المحدث الحنبلي (إن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن) (2) [16])!
__________
(1) محمد عبده "الإسلام دين العلم والمدنية" ص20 - 21.
(2) حسن البربهاري "شرح السنة" ص89. (1/9)
صفحة 10
وقد ابتدأت محاولات إزاحة النص القرآني مع تلفيق روايات جمع وتدوين القرآن الكريم حيث زعم أهل الحديث أن القرآن الكريم جمعه رجل واحد وهو زيد بن ثابت، وأن زيداً رفض بدايةً اقتراح أبي بكر وعمر له بجمع القرآن وقال: (كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟) (1) [17])، بل إن أهل الحديث قد فتحوا باباً للطعن في القرآن الكريم حين رووا في قصة جمع زيد بن ثابت القرآن قول زيد (فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} التوبة: 128، حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه) (2) [18]). وفي رواية أخرى أن الآية التي فقدها كانت من سورة الأحزاب (3) [19])!
فالقرآن حسب أهل الحديث جمعه شخص واحد، وأن بعض آياته لم توجد إلا عند رجل واحد، وأن المصحف أودع عند رجل واحد، وورثه عنه رجل واحد، ثم ورثته عنه امرأة!، فانتفى عن القرآن صفة التواتر، وسقطت حجيته، وانتهز أعداء الإسلام الفرصة ليطعنوا في القرآن وآياته ويشككوا في عصمته عن التحريف والتغيير والتبديل.
__________
(1) البخاري 4986.
(2) البخاري 4986.
(3) البخاري 2807. (1/10)
صفحة 11
وزعم أهل الحديث أيضاً أن القرآن الكريم كان متناثر الآيات مبعثر السور مات النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يعلم الأمة كيفية مواضع آياته وترتيب سوره! وقد نسب هؤلاء إلى أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر أنه جاءها رجل عراقي (فقال: أي الكفن خيرٌ؟ قالت: ويحك، وما يضرّك؟ قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك، قالت: لم؟ قال: لعلي أولف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف. قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل) (1) [20])، ورووا أيضاً أن الزبير بن العوام قال: (أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة، فقال أشهد أني سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووعيتها. فقال عمر: وأنا أشهد، لقد سمعتها. ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا آخر سورة من القرآن، فألحقوها في آخرها. قال ابن حجر: ظاهر هذا أنهم كانوا يؤلفون آيات السور باجتهادهم) (2) [21]). وقال ابن حجر أيضاً: (كان القرآن كله كتب في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور) (3) [22])، وقال السيوطي: (وأما ترتيب السور: فهل هو توقيفي أيضاً، أو هو باجتهاد من الصحابة؟ خلاف. فجمهور العلماء على الثاني) (4) [23]).
__________
(1) البخاري 4993.
(2) السيوطي "الإتقان" ج1ص123.
(3) ابن حجر العسقلاني "فتح الباري" شرح الحديث 4986، ج10ص15.
(4) السيوطي "الإتقان" ج1ص124. (1/11)
صفحة 12
بل قد وصل الأمر بأهل الحديث إلى رواية روايات تزعم وقوع الزيادة والنقصان في القرآن الكريم، وبمصطلح تقني أدق "تحريف القرآن"، فقد زعموا أن "بسم الله الرحمن الرحيم" ليست آية من القرآن الكريم وإنما هي زيادة من الصحابة في أوائل سور القرآن الكريم (1) [24])!، وزعموا كذلك أن قوله تعالى {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} الليل:2 - 3، إنما أصلها هكذا (والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى)، فقد رروا ان أبا الدرداء جاء إلى أصحاب عبدالله بن مسعود فسألهم عن قراءة عبدالله بن مسعود لقوله تعالى {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} الليل: 1، فقال علقمة: (والذكر والأنثى). قال أبو الدراداء: أشهد أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدونني على أن أقرأ {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} الليل: 3، والله لا أتابعهم) (2) [25]). وزعموا كذلك أن عبدالله بن عباس كان يقرأ القرآن يزيد ويغير آياته! حيث زعموا أنه كان يقرأ قوله تعالى {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} الكهف: 79. بتغير كلمة {وَرَاءهُم} بكلمة (أمامهم، وزيادة كلمة "صالحة" قبل {غَصْبًا} فقد زعموا أن سعيد بن جبير قال: (كان ابن عباس يقرأ "وَكَانَ أمامهم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالحة غَصْبًا") (3) [26]). وأنه كان يزيد عبارة "كافراً وكان" في قوله تعالى {وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} الكهف: 80.
__________
(1) ابن كثير "التفسير" ج1ص28 في تفسير آية البسملة من سورة الفاتحة.
(2) البخاري 4944، ومسلم [1916] 282 - (824).
(3) البخاري 4725. (1/12)
صفحة 13
فقد زعموا أن سعيد بن جبير قال أن عباس (كان يقرأ "وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ كافراً وكان أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ") (1) [27]).
وزعموا كذلك أن هناك آيات من القرآن الكريم قد تم حذفها من المصحف! حيث نسبو إلى عمر بن الخطاب القول: (كان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلاناها ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله) (2) [28]). وقد جاء تفصيل هذه الآية في رواية أخرى نسبوها إلى أبي بن كعب وأنه قال: (كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، وكان فيها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)) (3) [29]). آية أخرى زعموا أنها حذفت من القرآن الكريم هي ما نسبوه إلى عمر وأنه قال: (ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) (4) [30]). آية أخرى يروي أهل الحديث أنه تم مصادرتها من المصحف الشريف وهي ما نسبوه إلى أم المؤمنين عائشة وأنها قالت: (كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يُحرّمن، ثم نسخن: بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهن مما يقرأ في القرآن) (5) [31]). بل أنهم زعموا ان عبدالله بن الزبير كان يحرض عثمان على تغيير القرآن الكريم بحذف أحد آيات سورة البقرة! فرووا أن ابن الزبير قال: (قلت لعثمان بن عفان {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} البقرة: 240، قال: قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي، لا أغير شيئاً منه من مكانه) (6) [32]).
__________
(1) البخاري 4725.
(2) البخاري 6830.
(3) الحاكم "المستدرك" 3554/ 691 وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (صحيح). انظر "المستدرك" ج2ص450.
(4) البخاري 6830.
(5) مسلم [3597] 24 - (1452).
(6) البخاري 4530. (1/13)
صفحة 14
ومن غرائب ما يروونه في حق القرآن الكريم زعمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينسى القرآن ويتعلمه مرة أخرى من الصحابة!، حيث زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع (رجلاً يقرأ في المسجد، فقال: يرحمه الله لقد أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا) (1) [33]). وزعموا كذلك أن أفضل الصحابة قراءة للقرآن كان كثير اللحن فيه، وأنه تعلم اللحن في القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم! حيث رووا عن عمر أنه قال: (أبيٌّ أقرؤُنا وإنا لندع من لحن أبيّ، وأبيٌّ يقول: أخذته من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أتركه لشيء) (2) [34]).
تقديس الرواية على حساب القرآن:
__________
(1) البخاري 5038.
(2) البخاري 5005. (1/14)
صفحة 15
استفاد أهل الحديث من الخلط الحاصل في أذهان الناس بين مفهوم "السنة" ومفهوم "الحديث والرواية"، وقاموا باسم "السنة" بإزاحة القرآن الكريم من أمام "الرواية"، في ذات الوقت بدأ أهل الحديث في نهم غريب البحث والتتبع لكل ما يشم منه رائحة النسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الجمع الروائي غير الواعي صار غرضاً سهلاً للمغرضين ليدسوا فيه ما شاءوا، ولإضفاء الشرعية على عجائب وغرائب المرويات قام أهل الحديث بسك وتعليب الروايات التي تجعل من الأحاديث مساوية في حجيتها للقرآن الكريم، وأنها تأسس لسقف تشريعي مساو للسقف التشريعي للقرآن الكريم، وقد أفرد الخطيب البغدادي لهذه الدعوى فصلاً في كتابه "الكفاية" وعنونه بـ (باب ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله تعالى وحكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب العمل ولزوم التكليف) (1) [35]) أورد فيه روايات نسبها أهل الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وزعموا أنه قال: (ألا أني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا أني قد أوتيت القرآن ومثله، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه) (2) [36]). وأنه صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك رجل متكئ على أريكته يحدث بالحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدناه حلالا أحللناه، وما وجدناه حراماً حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله عز وجل) (3) [37]). وأنه قال كذلك: (بحسب امرئ قد شبع وبطن وهو متكئ على أريكته لا يظن أن لله حراماً إلا ما في القرآن، وأني والله قد حرمت ونهيت ووعظت بأشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر) (4) [38]).
__________
(1) الخطيب البغدادي "الكفاية في علم الرواية" ص8.
(2) المرجع السابق ص8.
(3) المرجع السابق ص8.
(4) المرجع السابق ص8. (1/15)
صفحة 16
وأن حسان بن عطية قال: (كان جبرئيل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمه آياها كما يعلمه القرآن) (1) [39])، وأن إسماعيل بن عبيدالله يقول: (ينبغي لنا أن نحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نحفظ القرآن) (2) [40]).
ثم في مرحلة تالية زعموا أن القرآن يأتي في الدرجة الثانية بعد الأحاديث، فقالوا: (أن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن) (3) [41])، وقالوا أيضاً: (السنة قاضية على الكتاب، ليس الكتاب قاضياً على السنة) (4) [42])، وساقوا لذلك حججاً منها (أن رجلاً قال لعمران بن الحصين ما هذه الأحاديث التي تحدثونها؟ وتركتم القرآن. قال: أرأيت لو أبيت أنت وأصحابك إلا القرآن من أين كنت تعلم أن صلاة الظهر عدتها كذا وكذا، وصلاة العصر عدتها كذا وحين وقتها كذا، وصلاة المغرب كذا، والموقف بعرفة، ورمي الجمار كذا، واليد من أين تقطع ههنا أم ههنا أم من ههنا، ووضع يده على مفصل الكف، ووضع يده عند المرفق، ووضع يده عند المنكب، اتبعوا حديثنا ما حدثناكم وإلا والله ضللتم) (5) [43]). وفي هذا خلط واضح بين "الأحاديث" وهي الروايات التي ينفرد هذا الفرد أو ذاك بروايتها ولم يروها عن النبي صلى الله عليه وسلم الجمع الغفير من الأمة، وبين السنة العملية التي مارسها النبي صلى الله عليه وسلم عملياً أمام جميع الصحابة، وتناقلتها الأجبال جيلاً بعد جيل، رجالهم ونسائهم شيبتهم وأطفالهم، وهي نابعة من تشريعات القرآن الكريم، وهذا الخلط المتعمد إنما قصد به التمويه لترسيخ ثقافة الرواية في عقل الأمة ووجدانها.
__________
(1) المرجع السابق ص12.
(2) المرجع السابق ص12.
(3) المرجع السابق ص14.
(4) المرجع السابق ص14.
(5) المرجع السابق ص15 - 16. (1/16)
صفحة 17
بعدها بدأت عجلة الضخ الإعلامي تدور مروجة لثقافة الرواية ومحاربة كل ما من شأنه يرجع هيبة القرآن الكريم ومكانته، وكانت البداية في التنفير من العقلاء الذين طالبوا بالإبقاء على هيبة القرآن وهيمنته التشريعية، وقالوا: (إذا حدّثت الرجل بالسنة، فقال: دعنا من هذا وحدثنا من القرآن. فاعلم أنه ضال مضل) (1) [44]). ورووا أن الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحاق كان يناظر رجلاً، فقال الشيخ: حدثنا فلان. فقال له الرجل: دعنا من حدّثنا إلى متى حدّثنا. فقال له الشيخ: قم يا كافر، ولا يحل لك أن تدخل داري بعد هذا) (2) [45]). وكل من انتقد المنهج الحديثي وحزبه يتم حشره في قائمة الزنادقة والخارجين عن الملة، فقد قيل لأحمد بن حنبل: (يا أبا عبدالله، ذكروا لابن أبي فتيلة بمكة أصحاب الحديث فقال: أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أبو عبدالله وهو ينفض ثوبه فقال:: زنديق! زنديق! زنديق! ودخل البيت) (3) [46]).
__________
(1) المرجع السابق ص16.
(2) الحاكم "معرفة علوم الحديث" ص2.
(3) المرجع السابق ص4. (1/17)
صفحة 18
ولإضفاء القدسية على النهج الحديثي قام أهل الحديث بسك وتعليب الروايات التي تضفي القدسية عليهم وعلى مروياتهم، فقد نسب هؤلاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يزال أناس من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة) (1) [47]). وعلق أحمد بن حنبل على هذه الرواية بالقول: (إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم) (2) [48]). وقالوا أن أهل الحديث هم (حزب الرسول وأتباع الوحي وأوعية الدين، وخزنة العلم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه فقال: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} التوبة: 100، وكفى بالمحدّث شرفاً أن يكون اسمه مقروناً باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكره متصلاً بذكره) (3) [49]). وزعموا أن أعداء الدين لا يخافون من القرآن الكريم قدر خوفهم من الحديث والأسانيد التي يروى بها! فقد قال أبو نصر أحمد بن سلام: (ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته بإسناد) (4) [50]).
__________
(1) المرجع السابق ص2.
(2) المرجع السابق ص2.
(3) الخطيب البغدادي "الكفاية في علم الرواية" ص6
(4) الحاكم "معرفة علوم الحديث" ص4. (1/18)
صفحة 19
وحين انتشرت ثقافة الرواية في الأمة بدأ أهل الحديث يأصلون لعلم الحديث وبدأوا يتحدثون عن عظمة علم الحديث وفضله على بقية العلوم –ومنها القرآن بالطبع- وجعلوا الحديث وأهله هما عماد الإسلام وركنه المتين الذي لولاهما لبطلت شريعة الإسلام وانهار قوامه، وزال الإيمان من دونهما، فقالوا أن (علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة، وأنفع الفنون النافعة، يحبه ذكور الرجال وفحولهم، ويُعنَى به محققو العلماء وكَمَلتهم، ولا يكرهه من الناس إلا رُذالتهم وسفلتهم، وهو من أكثر العلوم تولجاً في فنونها) (1) [51]). وقالوا أيضاً: (لما كان ثابت السنن والآثار، وصحاح الأحاديث المنقولة والأخبار ملجأ المسلمين في الأحوال، ومركز المؤمنين في الأعمال، إذ لا قوام للإسلام إلا باستعمالها، ولا ثبات للإيمان إلا بانتحالها، وجب الاجتهاد في علم أصولها ولزم الحث على ما عاد بعمارة سبيلها) (2) [52]). وقالوا أيضاً: (لولا عناية أصحاب الحديث بضبط السنن وجمعها واستنباطها من معادنها والنظر في طرقها لبطلت الشريعة وتعطلت أحكامها) (3) [53]). حتى قال أحد متأخريهم: (لا يستطيع من يدرس موقف العلماء منذ عصر الصحابة إلى أن تم تدوين السنة من الوضع والوضاعين وجهودهم في سبيل السنة وتمييز صحيحها من فاسدها إلا أن يحكم بأن الجهد الذي بذلوه في ذلك لا مزيد عليه، وأن الطرق التي سلكوها هي أقوم الطرق العلمية للنقد والتمحيص، حتى لنستطيع أن نجزم بأن علماءنا رحمهم الله هم أول من وضعوا قواعد للنقد العلمي الدقيق للأخبار والمرويات بين أمم الأرض كلها، وأن جهدهم في ذلك جهد تفاخر به الأجيال وتتيه به على الأمم) (4)
__________
(1) ابن الصلاح "مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث" ص15.
(2) الخطيب البغدادي "الكفاية في علم الرواية" ص3.
(3) المرجع السابق ص3.
(4) مصطفى السباعي "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" ص108 .. (1/19)
صفحة 20
[54])، وقال أيضاً: (بتلك الجهود الموفقة التي سردناها عليك بإيجاز استقام أمر الشريعة بتوطيد دعائم السنة التي هي ثاني مصادرها التشريعية، واطمأن المسلمون إلى حديث نبيهم فأقصي عنه كل دخيل) (1) [55]).
ولا نعلم لأي شيء نطمأن هل للروايات التي تزعم تحريف القرآن والزيادة والنقصان في آياته أم الروايات التي سنرى لاحقاً أنها كانت وراء تخلف الأمة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ونفسياً مع انها مروية في أصح كتب أهل الحديث!
الإشكالات السياسية التي خلقتها الرواية:
لا يشك أي مؤمن بعظمة الإسلام أن القرآن الكريم يأسس لمناهج إلهية تروم تحقيق الخير والسعادة للبشرية، وفي الإطار السياسي نجد أن القرآن الكريم قد أرسى قواعد كلية مطلقة يستطيع الإنسان من خلالها بناء صروح المنظومات السياسية التي تليق بأوضاعه الزمانية والمكانية وأعراف المجتمعات التي يعيش فيها، وهذه القواعد هي:
القاعدة الأولى: الحاكم يجب أن يكون من المؤمنين.
يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} النساء: 59.
ويقول تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} النساء: 83.
وهذه القاعدة تشير إلى وجوب كون الحاكم من جماعة المؤمنين، وهي كما يُلحظ لا تشترط أن يكون الحاكم أكثر الناس زهداً وورعاً، وإنما تؤكد على وجوب أن يصدق عليه صفة الإيمان، وهو التزام الصواب ومجانبة الإنحراف والوفاء قولاً وعملاً.
القاعدة الثانية: أهمية العلم والقدرة البدنية في الحاكم.
__________
(1) المرجع السابق ص122. (1/20)
صفحة 21
يقول تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} البقرة:247.
وقد مرّ العالم الإسلامي بفترات عصيبة حين تولى أمرها الجهلة والضعفاء بدنياً.
القاعدة الثالثة: مساواة البشر في حظوظ وصولهم إلى درجة الحكم.
يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} الحجرات: 13. (1/21)
صفحة 22
تؤكد هذه القاعدة على مبدأ المساواة البشرية فهي بالتالي تلغي أسس التفاضل الجاهلية التي كانت سائدة في المجتمعات البشرية المختلفة كالقبلية والعرقية والمادية، فالمسلمون جميعاً سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى أي بمقدار تحليه بأخلاق وآداب الإسلام، ومن هذا المنظور السامي فإن القرشية والعلوية والأموية والعرقية لا أصل لها في الإسلام، بل إن القرآن ينسب هذه النوعية من المفاضلة حسب الأعراق إلى الشيطان الرجيم، حيث أورد على لسانه إقراره السافر عن سبب عصيانه لأمر الله وهو اعتبار أصله أفضل من أصل آدم، حيث قال: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} الأعراف:12. وقد قال تعالى قاطعاً السبيل أمام شبهة التفاضل العرقي {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} الأحزاب: 40، فالقرابة من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا تغني في ميزان الله شيئاً بل أنها تحقق فوضى الوسائط، ولو كانت تغني من الحق شيئاً لأغنت ابن نوح وزوجته، وزوجة لوط، ولأغنت أبا لهب من الحريق واللهب، وحين نزل قوله تعالى {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} الشعراء: 214، جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتفخذ أفخاذ قريش فخذاً فخذاً حتى أتى إلى بني عبدالمطلب فقال: (يا بني المطلب إن الله أمرني أن أنذركم، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، ألا إن أوليائي منكم المتقون، ألا لأعرفن ما جاء الناس غداً بالدين فجئتم بالدنيا تحملونها على رقابكم يا فاطمة بنت محمد ويا صفية عمة محمد اشتريا أنفسكما من الله، فإني لا أغني عنكما من الله شيئاً) (1) [56]).
القاعدة الرابعة: الشورى هي أساس اختيار الحاكم وتدبير أمور الحكم.
__________
(1) الربيع بن حبيب برقم 1005. (1/22)
صفحة 23
يقول تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} الشورى: 38.
وقوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ} آل عمران: 159.
وهي قاعدة كلية غير مقيدة بصور الممارسات البشرية السابقة، بل هي موكلة لطبيعة المجتمع الإسلامي الثقافية والاجتماعية المتغيرة زمانياً ومكانياً، فقد تكون محصورة في فئة معينة ذات مواصفات قياسية خاصة كالعلم والتقوى والحكمة كما هو الحال مع تعيين عمر بن الخطاب لستة شخصيات مرموقة في الدولة الإسلامية تختار من بينها فرداً يقود الأمة، أو قد تتم من خلال مجالس بلدية أو مجالس شورى تمثل عقلاء الأمة ومثقفيها، أو قد يكون مفتوحاً كما هو الحال مع الانتخابات العامة للمفاضلة بين الأفراد الذين تتحقق فيهم مواصفات الترشح لمنصب الحاكم، وهذا كله يفهم من خلال أمره تعالى باعتبار عرف المجتمع إذا لم يتصادم مع قواعد الشريعة حيث يقول عز وجل {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الأعراف: 199.
القاعدة الخامسة: العدل أساس الحكم.
يقول تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} النساء: 58.
ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} المائدة:8
ويقول تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى} النحل: 90.
ويقول تعالى: {وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} الشورى: 15. (1/23)
صفحة 24
القاعدة السادسة: تحريم الظلم.
يقول تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} يونس: 13.
ويقول تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ} الشورى: 42.
القاعدة السابعة: وجوب تحكيم شرع الله.
يقول تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} المائدة: 48.
ويقول تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ} المائدة: 49.
ويقول تعالى: {فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} المائدة: 44.
ويقول تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} المائدة: 45.
ويقول تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} المائدة:47.
القاعدة الثامنة: عدم الركون إلى الظلمة.
يقول تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} هود: 113. حيث يؤكد تعالى على تحريم الظلم وتحريم الركون إلى الظلمة. (1/24)
صفحة 25
ويقول تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} المائدة: 2.
ويقول تعالى: {إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} العصر: 3، حيث يأمر عز وجل بالتعاون على البر والتقوى ويحرّم التعاون على الإثم والعدوان
والحكومات الظالمة المتعسفة ذات النزعة الاستبدادية لا يجوز الركون إليها ولا إعانتها على ظلمها.
هذه هي القواعد القرآنية الكلية في الشأن السياسي وهي ولا ريب قواعد مطلقة تصلح لكل زمان ومكان، إلا أن الأمة الإسلامية للأسف الشديد لم تعش من بعد عهد الخلقاء الراشدين إلا أحقاباً متتابعة من الظلم والقهر والاستبداد، إلى درجة حدت بكبار علماء الأمة ومفكريها إلى نسبة الشورى إلى الغرب والأوربين بدل نسبتها إلى الإسلام والقرآن، فقد قال (السيد محمد رشيد رضا في معرض ملاحظاته على مماهاة المسلمين المعاصرين له إبّان الحرب العالمية الأولى بين الشورى والحكم الدستوري: لا تقل أيها المسلم إنّ هذا الحكم المقيّد بالشورى أصل من أصول الدين ونحن قد استفدناه من الكتاب المبين ومن سيرة الخلفاء الراشدين لا من معاشرة الأوربيين والوقوف على حال الغربيين. فإنه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس لما فكّرت أنت وأمثالك أن هذا من الإسلام) (1) [57]).
__________
(1) رضوان السيد "سياسات الإسلام المعاصر" ص262. (1/25)
صفحة 26
فما الذي غير وجه التاريخ الإسلامي من صورة العدل والمساواة القرآنية إلى صورة الظلم والقهر والاستبداد؟ قد يجيب البعض قبل أن يأخذ برهة كافية للتفكير أن السبب في ذلك هو اتباع الأهواء والابتعاد عن سنة الكتاب والسنة وسيرة الراشدين من الخلفاء، وعلى ما في هذا الجواب من وجوه صحيحة إلا أنه يظل ناقصاً ما لم نقرر حقيقة أن الروايات الحديثية التي تسلطت على السنة النبوية وأزاحة الكتاب الكريم وحلت محله في التراتيبية التشريعية هي العائق الأكبر أمام الرجوع إلى "الكتاب والسنة وسيرة الراشدين من الخلفاء"، فقد استطاع المستبدون الأوائل من بني أمية الذين انحرفوا عن مسيرة العدالة والمساواة والشورى الإسلامية القرآنية وبالتعاون مع الرعيل الأول من أهل الحديث المؤسسون أن يرسخو في الأمة ثقافة الرضوخ للطغيان والقبول بالهوان والتسليم لأصحاب الشوكة والسلطان، وأسسو كذلك لمرحلة عنصرية في التاريخ الإسلامي تعامل بعض قبائله وعوائله على أنها محفوفة بالرعاية الربانية ومشمولة بالرضا الإلهي وانه يلزم التسليم والرضوخ لأهواءها ونزواتها!
كانت البداية باختراع فكرة وجوب أن يكون الحاكم قرشياً، فسكّ أهل الحديث الروايات في تأصيل هذه الفكرة وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين) (1) [58])، وأنه قال: (الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم لمسلهم وكافرهم لكافرهم) (2) [59])، وهذه الروايات تعبر عن الأصل السياسي لأهل الحديث الذي يعبر عنه أحمد بن حنبل بالقول (والخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها ولا يخرج عليهم، ولا نقرّ لغيرهم بها إلى قيام الساعة) (3) [60]).
__________
(1) البخاري 7139.
(2) مسلم [4701] 1 - (1818).
(3) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص30. (1/26)
صفحة 27
ثم تلى ذلك اختلاق روايات تحرم الاعتراض على أهل الظلم والاستبداد، فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة جاهلية) (1) [61])، وأنه قال: (يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال [الراوي] قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضُرب ظهرك، واُخذ مالك، فاسمع وأطع) (2) [62]).
فماذا كانت النتيجة سوى انتشار الاستبداد، وحرمان الأمة من من حقها في اختيار ممثليها طوال القروون المتطاولة الماضية إلى درجة تسممت فيها العقول الإسلامية وصار كبار مفكريها ينظرون إلى الشورى على أنها سلعة غربية أوربية غريبة عنهم، لا ذكر لها في تاريخهم، ولم يجدوها في تراثهم (3) [63])!
__________
(1) البخاري 7143.
(2) مسلم [47850] 52 - (1847).
(3) رضوان السيد "سياسات الإسلام المعاصر" ص262. (1/27)
صفحة 28
والسبب في ذلك هو ذلك السيل الجارف من المرويات التي تثبط العزائم وتدعو إلى الخمول والهوان والدعة، يقول محمد عابد الجابري: (والملاحظة التي تفرض نفسها في هذا الصدد هي أنه بينما تتكرر في القرآن –كما رأينا- الدعوة إلى إقامة العدل سواء على مستوى العلاقات بين الأشخاص أو على مستوى الحكم، فإننا لا نجده يهتم بمسألة الطاعة إلا بالنسبة لطاعة الله وطاعة الرسول، وما في معنى ذلك. هذا باستثناء تلك الآية الشهيرة بين الناس والتي تضيف إلى طاعة الله والرسول طاعة أولي الأمر. وسنرى مدى اختلاف المفسرين والفقهاء حول مفهوم أولي الأمر. هذا بينما نجد أنفسنا أمام كثرة كاثرة من الأحاديث التي تحث على طاعة الحكام والتي ينخرط كثير منها انخراطاً مباشراً في الصراعات السياسية التي عرفها القرن الأول من تاريخ الإسلام) (1) [64]).
الإشكالات الإقتصادية التي خلقتها الرواية:
لا شك أن الجانب الاقتصادي مرتبط موضعياً وموضوعياً بالجانب السياسي، فحيث يكون استبداد وظلم وجور يتزعز الاستقرار النفسي والاقتصادي للمجتمع، ولم يكتف أهل الحديث بإحداث مأساة سياسية ما تزال الأمة تعيش ويلاتها إلى يومنا هذا بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك في محاصرة الأمة اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً، فكما هو معلوم أن القرآن الكريم جاء بقواعد مطلقة تنظم الحركة الاقتصادية المتغيرة، وهذه القواعد هي:
أولاً: العدالة.
__________
(1) مجموعة من المؤلفين "حقوق الإنسان في الفكر العربي" ص40 - 41. (1/28)
صفحة 29
يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} البقرة: 282.
ثانيا: رفع الظلم.
يقول تعالى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} البقرة: 279.
ويقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} النساء: 10.
ويقول عز وجل: {قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ} يوسف: 79.
ويقول تعالى: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} ص: 24.
ثالثاً: التراضي.
يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} النساء: 29.
رابعاً: الشفافية.
يقول تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ & الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ & وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}.
خامساً: حفظ الحقوق عن طريق التوثيق الكتابي والشهادة أوالرهن. (1/29)
صفحة 30
يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء} البقرة: 282.
ويقول تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} البقرة: 283.
وفق هذه المنظومة الكلّية الجامعة قررت الشريعة الإسلامية أسس البناء الإقتصادي، وقد استطاع المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام أن يصل إلى درجة الإكتفاء الذاتي والقضاء على مظاهر الفقر حتى قام المسلمون بتوزيع ما زاد عن حاجتهم من بيت المال إلى فقراء أهل الذمة وغير المسلمين تآلفا لقلوبهم وتأصيراً لعلاقة الأخوة الإنسانية التي حض الإسلام على تأكيدها ووصلها. إن أهم ما يميز هذه المنظومة بجانب قدرتها على استعياب جميع أنواع التعاملات الاقتصادية في شتى المجالات: التجارية، والصناعية، والزراعية، هو أنها قادرة على التلائم مع الواقع الإقتصادي المتغير. (1/30)
صفحة 31
إلا أن أهل الحديث ما لبثوا أن انقلبوا على هذه المنظومة، وادخلوا على التشريع الإسلامي مواداً جنحت به بعيداً عن فضاءات الشمول والاتساع وحكرته في زوايا ضيقة من الأحكام الجزئية التي لا تراعي التغير الزماني والمكاني للمجتمعات الإنسانية، سواء أكان ذلك بالجمع غير الواعي للرواية، أو بتوجيهها بعيداً عن الدلالات القرآنية. هذه الثقافة التجزيئية التي أشاعها أهل الحديث أصابت الاقتصاد الإسلامي بالعطب وعدم القدرة على مجارات التحولات الإقتصادية الهائلة التي تموج بها الحضارة الإنسانية.
ومن نماذج التشريعات الجزئية التي قيدت حركة الاقتصاد الإسلامي بسبب المرويات وسوء التعامل معها:
أولاً: عدم مشروعية الصفقات التجارية ما لم يغادر أحد المتعاقدين مكان العقد!
جاء في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) (1) [65]). فزعم أهل الحديث أنه يحق لأي طرف من المتبايعين أن يتراجع عن البيع إذا وجد عرضاً آخر أفضل من الأول ولا يهم ما يقع على الطرف الثاني من خسائر اقتصادية، فحسب أهل الحديث على أحد الطرفين أن يغادر مكان عقد الصفقة حتى لا يتراجع الطرف الآخر عنها!. أما إذا قدر لهما أن يظلا في نفس المكان لوقت طويل كأن يكونا في سجن أو سفينة أو مركبة فضائية أو حتى طائرة أو قطار أو سيارة فإن العقد يظل معلقاً مهما طار الزمان إلى أن يتفارقا في المكان!
ثانياً: تحريم التبادل التجاري إن كانت السلعة والثمن متشابهين.
__________
(1) البخاري 2079. (1/31)
صفحة 32
جاء في الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الذهب بالذهب رباً إلا هاء وهاء، والبر بالبر رباً إلا هاء وهاء، والشعير بالوَرِق رباً إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر رباً إلا هاء وهاء) (1) [66]). وأنه صلى الله عليه وسلم (استعمل رجلاً على خيبر فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاث. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً) (2) [67]).
فقال أهل الحديث إن المبادلات التجارية القائمة على استبدال سلعة بأخرى أكبر أو أصغر من نفس النوع غير جائزة شرعاً، فلا يجوز أن تبيع تمراً غالياً بآخر رخيص إذا اختلف الوزن وإن كنت محتاجاً إلى التمر الرخيص بسبب تفضيلك إياه على النوع الغالي، ولا أن تستبدل ذهباً قديماً بآخر جديد أقل منه أو يزيد عليه في الوزن إلا بعد أن تقبض ثمن الأول ومن ثم ترد المبلغ الذي قبضته مرة أخرى إلى البائع! والأمر كذلك في صرف الأوراق المالية فلا تجوز الحوالات المالية إذا اختلفت الأوراق المالية، فمثلاً لا يجوز تحويل مئة دينار إلى رجل في أمريكا ليستلمها بالدولار وإنما يجب فعل التالي: إما أن يتم قبض ما يعادل المئة دينار من الدولارات ومن ثم تحويل تلك الدولارات، أو تحويل المئة دينار بحيث يقبضها ذلك الشخص كما هي مئة دينار ومن ثم يحولها يداً بيد بحيث لا يسلم المئة دينار حتى تلامس يده ما يعادلها من الدولارات!، وكل هذا تعقيد وتشديد لا يتناسب والمنظومة الاقتصادية الكلية للشريعة الإسلامية والتي رسمت خطوطها الواضحة نصوص الكتاب العزيز.
ثالثاً: التعامل مع المفلس.
__________
(1) البخاري 2174.
(2) البخاري 2201، و2202. (1/32)
صفحة 33
روى أهل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أدرك مال بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره) (1) [68]). فلو أعلنت شركة ما إفلاسها فإن أي شخص تدين له هذه الشركة بمال جاز له انتزاعه قبل أن يصل غيره من الناس للمطالبة بأموالهم! وهذا أقرب ما يكون إلى قانون الغاب حيث يتسابق الدائنون من يصل أولاً لاسترداد أمواله دون مراعاة لغيره من الدائنين الذين ينتظرون استرداد أموالهم، فالأصل هو أن تحجز تلك الأموال ويتم توزيعها على الدائنين بالتساوي لا أن يتسابق الناس رجالاً ونساءاً إلى تلك الأموال.
فالحاصل أن أهل الحديث بمروياتهم استطاعوا أن يكبحوا حركة الإقتصاد الإسلامي التي كان ينبغي أن تتميز بالسرعة والمرونة والانفتاح، الأمر الذي أدى إلى تذمر الناس من هذا الفقه القائم على التشظية والتجزيئ والهدم، والواقع ينبأنا عن حقيقة مؤلمة وهي تبني أكثر المسلمين اليوم لمنظومات إقتصادية غير إسلامية بعد أن عجز الفقه الإسلامي التجزيئي القائم على الروايات أن يوفر للناس حاجاتهم الأساسية!
الإشكالات الاجتماعية التي خلقتها الرواية:
__________
(1) البخاري 2201، و2202. (1/33)
صفحة 34
جاء الإسلام بشريعة غراء حققت كرامة الشيخ والطفل والمرأة والرجل، فقد كانت المرأة مسلوبة الحقوق لا حق لها في مال ولا اختيار شريك حياتها، وكانت تعامل على أنها عورة يجب الحجر عليها في البيوت، وجاء الإسلام وأزال كل هذا الظلم عن المرأة وأكرمها وأبطل كل نكاح لا يأخذ فيه رأيها وفرض لها قسطاً من الميراث، إلا أن أهل الحديث حاصروا المرأة من جديد، وجردوها من الميزات التي أكرمها بها الإسلام، حتى صرنا نسمع أصوات ودعوات تطالب بتحرير المرأة من جديد! وأهل الحديث يتهمون هذه الأصوات بأنها خارجة عن الإسلام!، وهي في الحقيقة خارجة عن الرواية التي شوهت سمعة الإسلام والمرأة المسلمة، فالإسلام بريء من هذه التهم براءة الذئب من دم يوسف، والمتهم الحقيقي الذي لم يدركه هؤلاء إنما هي مرويات أهل الحديث التي قالت في المرأة ما يلي:
أولاً: المرأة مخلوقة من ضلع أعوج.
زعم أهل الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن المرأة خلقت من ضلع، وأن أعوج شيء في الضلع أعلاه) (1) [69]). علماً بأن عقيدة خلق المرأة من الضلع توراتية المنشأ، فقد جاء في سفر التكوين: (فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام. فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً. وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلي آدم. فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تدعى امرأة لأنها من امرأ أخذت. لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً) (2) [70]).
__________
(1) البخاري 3331.
(2) سفر التكوين 2: 21 - 25. (1/34)
صفحة 35
لقد بين الله تعالى أن الأنثى خلقت من الذكر {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} النساء: 1، فهذه حقيقة يقينة لا مراء فيها، أما طريقة هذا الخلق وطبيعته وموضعه فلم يخبرنا الله تعال به، فهو يقع في دائرة الغيب التي لا يجوز اختراقها إلا بالدليل القطعي اليقيني، وليست روايات التوراة المحرفة ومرويات أهل الحديث التي شوهت موقف الإسلام من المرأة إلا محاولة فاشلة لاختراق حجب الغيب الذي لم يأذن الله تعالى للإنسان بولوجه لانعدام المصلحة في حصول هذه المعرفة.
ثانياً: المرأة تقطع الصلاة مثل الحمير والكلاب. (1/35)
صفحة 36
روى أهل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب) (1) [71]). وقد ردت السيدة عائشة هذه الرواية وقالت محتجة: (قد شبهتمونا بالكلاب والحمير، والله لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة) (2) [72]). وقالت: (إن المرأة لدابة سوء لقد رأيتني بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معترضة كاعتراض الجنازة وهو يصلي) (3) [73])، ورد ابن عباس أيضاً هذه الرواية قائلاً (بئسما عدلتم بامرأة مسلمة كلباً وحماراً، لقد رأيتني أقبلت على حمار ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس حتى إذا كنت قريباً منه مستقبلهُ نزلت عنه وخليت عنه، ودخلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاته فما أعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته ولا نهاني عما صنعت ... ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في مسجد فخرج جديٌ من بعض حجرات النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذهب يجتاز الصفوف بين يديه، فمنعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أفلا تقولون: الجدي يقطع الصلاة) (4) [74]).
ثالثاً: أن النساء أكثر أهل النار وأنهن ناقصات عقل ودين.
زعم أهل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا معشر النساء تصدّقن فإني أُرِيتُكُنَّ أكثر أهل النار. فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن. قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصلّ؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها) (5) [75]).
__________
(1) مسلم [1139] 266 - (511)
(2) البخاري 514، ومسلم [1143] 270 (512).
(3) البخاري 508، ومسلم [1142] 269 - (512).
(4) مسند أحمد بن حنبل 2222.
(5) البخاري 304. (1/36)
صفحة 37
وهذه الرواية مخالفة لكل النصوص القرآنية التي لم تفرق بين الرجال والنساء في دخول الجنة أو المصير إلى النار، بل العكس تماماً، فإن النصوص القرآنية وهي تعدّد نماذج المعاندين والمستكبرين من أهل النار تذكر رجالاً أكثر من النساء، ولأن ذكر القرآن امرأة نوح وامرأة لوط وامرأة أبي لهب، فقد ذكر في المقابل فرعون، وهامان، والسامري، والقاتل من ابني آدم، وقاتل ناقة صالح، والملك الذي ألقى بإبراهيم في النار، وذكر الفتى الذي قتله الرجل الصالح الذي علّم موسى، وذكر الملك الذي يأخذ كل سفينة غصبا، وذكر كذلك أبا لهب وذكر العتلّ الزنيم. فعدد الرجال الذين صرح القرآن بفسقهم وفجورهم ودخولهم النار أكبر بكثير من النساء اللاتي صرح القرآن بظلمهن، فكيف يُزعم أن أكثر أهل النار من النساء!
أما مسألة كثرة اللعن فلا دخل فيها للرجل والمرأة بل هي عائدة إلى ثقافة المرء وعاداته في الكلام والتعبير، والمرأة بحكم احتكاكها المتواصل مع الأولاد ربما تثور ثائرتها فتخرج من فيها ألفاظ الشتم واللعن للأولاد إلا أن معاني ذلك الكلام لا يعدو أن تجاوز اللسان لإنها غير نابعة من القلب وإنما هي تنفيس عن حالة ضيق عابرة، والله سبحانه وتعالى يقول: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} البقرة: 225.
أما كفران العشير فللنساء أن يتساءلن حقيقة هل هن من يكفرن العشير أم أن الرجال في كثير من الأحيان هم من يكفرون علاقاتهم الزوجية مع نسائهم ويبحثون عن خلائل يعاشرونهن سفاحاً ليجلبوا الأمراض القاتلة لهذه المرأة المهيضة الجناح؟ (1/37)
صفحة 38
أما شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل في الحقوق المالية فذلك تشريع من الله تعالى، ولا يعني إنقاص عقل المرأة بحال من الأحوال بل أن شهادة المرأة تكون مثل شهادة الرجل في بعض الأحيان كما هو الحال في مسألة اللعان حيث يقول تعالى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} النور: 8، وكون شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل في الدين لا يدل على نقص عقلها كما تزعم الرواية وإنما في ذلك دلالة على رعاية الإسلام للمرأة واعترافه بدورها المركزي في تربية الأبناء وتحمل مسؤوليات الأسرة، فلم يُرد لها أن تتردد على المحاكم ومجالس القضاء التي تنتهي بسبب المشاحنات المالية، فأراد إبعادها عن هذه التعقيدات التي ربما تؤثر على دورها المحوري في بناء الأسرة، فرغب الإسلام في استشهاد الرجال وصعّب من مسألة استشهاد النساء في المعاملات التجارية حفظاً لدورهن الاجتماعي في تربية الأجيال وحفظ كيان الأسرة، وهذا اعتراف من الإسلام بأهمية المرأة ورجاحة وكمال عقلها إذ حافظ على دورها في تنشئة أجيال الأمة وحفظ نواة المجتمعات الإسلامية.
أما عدم قضائها للصلاة التي توافق وقت حيضها فذلك تشريع إسلامي نابع من القواعد الكلّية للدين الحنيف التي جاءت للتيسير ورفع الحرج ومراعاة ظروف الضعفاء وذوي الحاجة، والحيض كما هو معلوم (أذى) يصيب المرأة {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ} البقرة: 222، فما ذنبها إن اختار لها الله تعالى هذه الظاهرة الطبيعية تحصل في جسدها باستمرار، وهل يزعم هؤلاء أنه لو أصيب أحد علمائهم بغيبوبة طويلة صار ناقصاً للدين بسبب عدم صلاته وصيامه؟
رابعاً: تحريم تولّي المرأة مناصب قيادية. (1/38)
صفحة 39
روى أهل الحديث عن أبي بكرة قال: (لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل، لمّا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن فارساً ملّكوا ابنة كسرى قال: لن يفلح قوماً ولوا أمرهم امرأة) (1) [76]). فبنى أهل الحديث على هذه الرواية أحكاماً ظالمة للمرأة فمنعوها من مزاولة النشاطات القيادية، وصادروا حقها في الانتخاب، واسقطوا حقها في الترشح للمجالس الشورية، وحرموها من تولي مناصب قيادية! مع أن هذه الرواية التي استدلوا بها تشي بالكثير من الدلالات الناسفة للقلاع والحصون التي أراد بها أهل الحديث محاصرة المرأة وعزلها عن الحياة والنشاط والإجتماعي والسياسي! منها:
أولاً: أبو بكرة نفيع بن مسروق راوي الحديث لا تقبل شهادته بنص القرآن الكريم! فقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} النور: 4، وأبو بكرة هذا جلده عمر حدّ القذف ثمانين جلدة (2) [77])، والراوي شاهد لما سمع ورأى.
ثانياً: رواية أبي بكرة في معركة الجمل ضد جيش السيدة عائشة يشي بتسيس الرواية ومحاولة فلّ جيش السيدة عائشة وهزيمته معنوياً.
ثالثاً: لو صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول فيوجه قوله صلى الله عليه وسلم إلى أنه يقرأ واقعة سياسية محددة ولا يعطي حكماً مطلقاً مخترقاً لحدود الزمان والمكان، فالنبي صلى الله عليه وسلم علم أن الفرس سيغلبون سواء أكان ملكهم رجل أم امرأة لإن الله تعالى أخبر المؤمنين بهزيمة الفرس حين قال تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ & فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ & فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} الروم: 2 - 4.
__________
(1) البخاري 304.
(2) ابن سعد "الطبقات" ج7ص10. (1/39)
صفحة 40
خامساً: وجه المرأة عورة.
زعم أهل الحديث أن وجه المرأة عورة يجب ستره، وأن قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} الأحزاب: 59 يؤكد كلامهم، ورووا أن قصة نزول هذه الآية هي أن وأن عمر بن الخطاب كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: (أحجب نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة فنادها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة، حرصاً على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله الحجاب) (1) [78])، ونسبوا إلى ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن) (2) [79])، واعتبر بعضهم أن سفور الوجه هو طريق الأفعال الذميمة! حيث قال حمود التويجري: (ومن أباح السفور للنساء [يعني به سفور الوجه فقط]، واستدّل على ذلك بمثل ما استدل به الألباني، فقد فتح باب التبرج على مصراعيه، وجرأ النساء على ارتكاب الأفعال الذميمة التي تفعلها السافرات الآن) (3) [80]).
__________
(1) البخاري 146.
(2) ابن كثير "التفسير" تفسير الآية 59 من سورة الأحزاب ج3ص568.
(3) نقله الألباني وردّ عليه في كتابه "جلباب المرأة المسلمة" ص10. (1/40)
صفحة 41
وهذا الحكم المتعسف من أهل الحديث على المرأة يعارض كتاب الله تعالى الذي كرّم الإنسان وأحسن صورته، والقرآن الكريم يأكد عدم وجوب تغطية المرأة لوجهها حيث يقول تعالى {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} البقرة: 282، ولا يجوز استشهاد الأقرباء فكيف تستشهد امرأة وهي تغطي وجهها ولا يعلم من هي مما يؤكد أن المرأة في المجتمع الإسلامي تكون كاشفة الوجه معروفة الصورة بحيث يعرفها طرفا عقد الدين! أما قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} الأحزاب: 59، فلا علاقة له بما روي عن ترصد عمر لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لم يعرفهن بعد أن غطين وجههن، ذلك أن الآية تشير إلى أن جلباب المرأة يؤدي إلى معرفتها وليس العكس فقوله تعالى {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ} أي ذلك أقرب أن يعرفن، وحين يعرفن فإنهن لن يأذين، وسبب ذلك أن الفساق لم يكونوا يميزون بين المرأة المؤمنة والمرأة الفاسقة وكانوا يأذون المؤمنات بالمعاكسات وبذاءة اللسان، فأمر الله تعالى نساء المؤمنين أن يتميزن على الفاسقات بغطاء رأس طويل يغطي شعر الرأس والصدر، وهو ما يفسره قوله تعالى {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} النور: 31، والخمار هو غطاء الرأس، ومنطقة الجيب هي المنطق التي تكون فيها جيوب القمصان عادة وهي أعلى الصدر، وهو ما تفعله أغلب المحتشمات من نساء المسلمين اليوم حيث يغطين شعر الرأس وأعلى الصدر بثوب واحد، وحين تلبس المؤمنة هذا الثوب المحتشم الذي يغطي شعر رأسها وأعلى صدرها فإنه يردع الفسقة (1/41)
صفحة 42
عن محاولة العبث معهن عكس النسوة اللاتي يبدين زينة أكبر من هذه كأن يبدين شعر رؤوسهن أو نحورهن أو سيقانهن للرجال، فإنهن الأكثر عرضة للمعاكسات ومتابعات الفسقة والمنافقين، فلهذا قال الله تعالى {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} النور: 31، وقد اجتمعت الأمة الإسلامية على وجوب كشف المرأة في الطواف والسعي والصلاة، فكيف يقال بعد ذلك أن وجه المرأة عورة فهل يعقل أن تكون شرائع الإسلام قائمة على كشف العورات؟!
وقد ألّف الألباني كتاباً بعنوان "جلباب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة" رد به على زملائه من أهل الحديث الذين أعتبروا وجه المرأة عورة يحرم كشفه، وبيّن أن الروايات التي يستدلون بها لا تثبت حتى بمقاييس أهل الحديث التقليدية القائمة على تقديس الأسانيد والابتعاد عن القراءة الداخلية لمتون ومضمون المرويات المتهالكة التي سحقوا بها المرأة المسلمة فأبعدوها عن الوسطية إلى هاوية الهروب عن تعاليم الإسلام فكشفت ما هو أكبر من الوجه، وفي صور العاريات من المسلمات في صفحات المجلات والجرائد والفضائيات والمواقع الإلكترونية عبرة للمتطرفين!
بقي أن نشير إلى أن المتعصبين الذين اعتبروا وجه المرأة عورة قد حرّموا على المرأة أيضاً استخراج بطاقة الهوية الشخصية وجواز السفر بحجة ان التصوير حرام حسب مرويات أهل الحديث التي فهيا ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله المصوِّر) (1) [81])، وأن وجه المرأة عورة لا يجوز أن يراه الرجل، وهم مع ذلك يزعمون أنهم لم يسجنوا المرأة!
تسطيح العقل المسلم:
__________
(1) البخاري 2086، لخالد الوهيبي بحث في تبيين جواز رسم وتصوير الحيوانات والإنسان إن لم يصاحبها تعظيم وعبادة. (1/42)
صفحة 43
من المعلوم أن أية ثقافة شعبية في عصر ما ليست إلا امتداداً لثقافة النخبة العالِمة في العصر الذي سبقه، وكذلك الأمر بالنسبة للخرافة المنتشرة في الوسط المسلم فهي ليست إلا امتداد لثقافة النخبة العالِمة في العصور السابقة بل وحتى اللاحقة لأن الخرافة ما تزال تطبع العقل المسلم الشعبي منه والعالِم!، ولأن كانت الثقافة الشعبية مبنية على الوراثة والتلقي السلبي من الأجيال السابقة فإن ثقافة النخبة العالمِة إنما تأسسها المراجع المعرفية التي تطالعها وتنهل منها، ومعلوم أن النصوص المقدسة تشكل الحجر الأساس في البنيان المعرفي الإسلامي للنخبة العالِمة، فكيف ولجت الخرافة والسلبية إلى العقل الإسلامي والثقافة الإسلامية؟ مع أن القرآن الكريم جاء مؤسساً لقواعدمنهجية في التعامل مع عالمي الغيب والشهادة منها:
أولاً: أن علم الغيب خاص بالله عز وجل.
يقول تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} الأنعام: 59.
ويقول تعالى: {وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ} يونس: 20.
ويقول تعالى: {قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} النمل: 65.
ويقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} لقمان: 34.
ثانياً: النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يعلم الغيب.
يقول تعالى: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} الأنعام: 50. (1/43)
صفحة 44
ويقول تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} الأعراف: 188.
ويقول تعالى: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} الأحقاف: 9.
ثالثاً: قانون السببية الذي خلقه تعالى لا ينخرم.
يقول تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا} الأحزاب: 62.
ويقول تعالى: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} الإسراء: 77.
ويقول تعالى: {اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلا سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا} فاطر: 43. (1/44)
صفحة 45
هذه هي القواعد القرآنية الناضحة بالتوجيه الإيجابي إلى العمل والبناء والأخذ بالأسباب وعدم الإتكال على الأماني، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، بيد أن مرويات أهل الحديث دقت إسفينها في منظومة البناء القرآنية هذه، وزعمت أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب، وأنه أخبر الأمة بوقوع الفتن والشرور لأمة الإسلام، وقد عقد أكثر أهل الحديث فصلاً خاصاً في مدوناتهم الحديثية بعنوان "الفتن" حشروا فيه الروايات التي تم اختراعها لقتل روح العمل والأخذ بالأسباب، ومن نماذج هذه الروايات ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني) (1) [82])، وأنه قال: (ويل للعرب من شرب قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه) (2) [83])، وأنه قال: (يتقارب الزمان وينقص العمل، ويُلقى الشح، وتظهر الفتن ويكثر الهرج) (3) [84])، وأنه قال: (اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه حتى تلقوا ربكم) (4) [85])، وأنه قال: في وصفه للدجال: (إنه شاب قطط عينه طافئة ... إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينا وعاث شمالاً ... فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت ... ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه، فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم ... فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله) (5) [86]).
__________
(1) البخاري 7057.
(2) البخاري 7059.
(3) البخاري 7061.
(4) البخاري 7068.
(5) مسلم [7373] 110 - (2937)، الترمذي 2245، ابن حبان 6533 (14/ 469)، مستدرك الحاكم 8508 (4/ 538). (1/45)
صفحة 46
ونحن لا نحتاج أن نؤكد ما لهذه المرويات من تأثير تدميري على روح العمل والبناء في نفوس أبناء هذه الأمة وكذلك في إشاعة الخرافة وترسيخ اللاعقلانية فقد أقرّ بعض أصحاب النهج الحديثي بهذه الحقيقة حيث قال أبو غُدّة: (هناك فكرة شائعة لدى عدد من عوام المسلمين، وهي أنهم يتخذون من إخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذه العلامات متكأً لهم في ترك العمل الجدّي إلى إعادة الحياة الإسلامية الصحيحة، وقد ربطوا بعلامات الساعة أمراً لا صلة له بها، وهو أن العمل الآن لا يجدي، لأنه لا بد أن يزداد الفساد، وينتشر الضلال، وتأتي الخوارق التي تتقدم الساعة، من ظهور المهدي ونزول عيسى - عليه السلام -، وحينئذ يعود الإسلام، وينتصر الدين، وينتشر الحق، ويقوى أهله، ويسود الحكم بالإسلام على وجهه، فلا جدوى الآن من مقاومة الباطل وأهله مهما حاول الإنسان المسلم. وهذه الفكرة الضالة الخبيثة، وقد تكون دخيلة على المسلمين بمخارز أعدائهم الناعمة أسقطت السعي الجدّي الواجب، والوعي الإسلامي الصحيح عند هؤلاء الجاهلين ومن يدور في فلكهم من المسلمين الين، فقد أثرت فيهم تأثيراً سلبياً، وأحبطت منهم العمل الجدّي والسعي المتواصل لإعادة الحياة الإسلامية. وكثيراً ما خدع هؤلاء الجاهلون الأغرار من المسلمين أشباههم، بقولهم لهم: إن العالم قد اقترب من نهايته، وأن الأحاديث النبوية تدل على استمرار التدهور في شأن الإسلام والمسلمين، ولما كان الأمر هكذا، كان لا جدوى من السعي لعمل شيء في وقف هذا التيار الفاسد، ومنع هذا الانحدار، إذ هو أمر قدّره الله تعالى، وبلّغه رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا بد أنه واقع، فما علينا إلا التسليم والسكون) (1) [87]).
السنة غير والروايات غير:
__________
(1) عبد الفتّاح أبو غُدّة في تقديمه لكتاب "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" لمحمد الكشميري ص (و-ز). (1/46)
صفحة 47
للأسف الشديد أن ما تعاني منه الأمة اليوم من مرض روائي زاحف احتل أوطان الثقافة الإسلامية وحطمها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً يحتاج منا إلى قوات تدخل سريعة لمواجهة هذا الاحتلال الثقافي، إلا أن أهل الحديث الذين يخوضون معركة توجيه الأمة إلى ناصية التخلف والجمود استطاعوا في الفترات السابقة أن يحجموا دور المقاومة المشروعة للاحتلال الروائي، واستخدموا في ذلك أسلحة كثيرة كان أخطرها سلاح "معاداة السنة" المدمر لكل محاولات الإصلاح الفكرية والثقافية للأمة، فالإباضية والمعتزلة والزيدية معادون للسنة وأبو حنيفة معاد للسنة وهكذا على مر الأجيال إلى عهد محمد عبده (ت 1323هـ) ومن تلاه من مفكرين أحرار الكل متهم بمعاداة السنة!
ومعاداة السنة يترتب عليها معاداة النبي صلى الله عليه وسلم وبالتالي الخروج من دائرة الإسلام رأساً.
وما ينبغي التأكيد عليه في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الأمة أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ليست بالضرورة الروايات والآحاديث ذات الطبيعة الآحادية، فالسنة النبوية هي فهم النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم وممارسته له في حياته بكل حكمة واقتدار، وهي المقدار المتفق عليه عند الأمة، أما الآحاديث الآحاد فهي أخبار نقلها آحاد الناس، فهي إن وافقت القرآن الكريم والسنة المجتمع عليها قبلت واعتبرت معبرة عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أما الروايات المعارضة لما في كتاب الله أو السنة المجتمع عليها فلا يمكن أن تعبر بوجه من الوجوه عن السنة النبوية، ولا يجوز أن تستقل رواية ما بتأسيس حكم تشريعي ملزم للأمة دون الاستناد إلى نصوص تشريعية واضحة من الكتاب العزيز والسنة المجتمع عليها. (1/47)
صفحة 48
إن الأمم كلها تعتبر تراثها سمة حضارية لا يجوز التفريط فيها، وهذه الحقيقة تعبر عن ظاهرة طبيعية فُطرت عليها الإنسانية، ونحن نرى كيف يرفع ابناء الحضارة الغربية من قدر أجدادهم من فلاسفة اليونان وقادة الرومان، وتراث النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن يرفع ويقدر وأن يوضع في مكانه الصحيح، وأن ينقى من شوائب المرويات التي حاولت وسم ذلك التراث العظيم النقي الصافي بالتخلف والرجعية والجمود. وعلى الأمة أن تبدأ بتأسيس مرحلة جديدة يبنى الفقه الإسلامي فيها على الاحتكاك المباشر مع القرآن الكريم لاستخراج الكنوز واللألي التي تكتنز بها نصوص الكتاب العزيز بعيداً عن ضغط الرواية وتشويشها.
إن واجبنا التاريخي اتجاه ديننا يحتم علينا في هذه اللحظة الحاسمة من لحظات التاريخ الإنساني أن ننبه الأمة كي تقف صفاً واحداً في وجه المغفلين الذين حاولوا هدم عرى الإسلام بإنكارهم للسنة، فقالوا أنّ الإسلام فرض صلاتين فقط في اليوم والليلة، وأن المسلم يجوز له فطر رمضان وإن لم يكن مريضاً أو على سفر، وأن الحج جائز في ثلاثة أشهر وليس في أيام الحج المعلومة (1) [88])، وعليها قبل ذلك أن تحشد قواتها وقواها لتصرخ في وجه أصحاب النهج الحديثي وتقول لهم: كفاكم متجارة بميراث النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، فالسنة غير والروايات غير.
علاج الأزمة
(التكملة قريبا بإذن الله ... تابعونا ... )
__________
(1) محمد سليمان غانم "من حقائق القرآن الكريم" ص79. (1/48)