صفحة 1
الكتاب: الإمام الربيع بن حبيب (رحمه الله تعالى) .. مكانتُه ومسندُه.
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الكتاب : الإمام الربيع مكانته ومسنده
المقدمة
في تعريف السنة والحديث والخبر والأثر والمحدث وحجية السنة.
1-السنة
أ- السنة لغة:
1- هي الطريق المسلوكة، قال الله تبارك وتعالى: (( قد خلقت من قبلكم سنن فسيروى في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين))(1) .
وأصلها من قولهم: سننت الشيء بالمسن، إذا أمررته عليه حتى يؤثر فيه سننا؛ أي طرائق.
وتطلق على السيرة؛ حميدة كانت أو مذمومة، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((من سن في الإسلام حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)) (2)
__________
(1) سورة آل عمران آية 137.
(2) في هذا الحديث دلالة واضحة جلية على أن ما يأتيه الناس من أقوال أو أفعال بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ليس كله من البدع السيئة كما تزعم الحشوية المجسمة، بل منه ما هو حسن؛ يؤجر قائله وفاعله وإن اختلفت في تسميته بدعة ومنه ما هو سيء يؤثم قائله وفاعله، والحاصل أن جمهور الأمة اتفقوا على أن بعض الأمور الحادثة بعده صلى الله عليه وسلم سواء كانت قولية أو فعلية: منها ما هو حسن يؤجر من فعله أو قاله، ومنها ما هو سيء يؤثم من فعله أو قاله، وإن اختلفوا في إطلاق اسم البدعة عليه، فقيل لا يطلق عليه ذلك، وقيل يسمى بدعة، وقسم هؤلاء البدعة إلى قسمين: بدعة حسنة، وبدعة سيئة، وهذا كما تراه خلاف لفظي ليس تحته كبير معنى.
وما يحتج به الحشوية على أن كل الأمور الحادثة بعده صلى الله عليه وسلم التي لها تعلق بالدين غير جائزة؛ كحديث ((فإن كل محدثة بدعة)) وهو حديث صحيح ثابت؛ لا حجة لهم فيه البتة لأنه عام مخصوص بهذا الحديث ونحوه، أو أنه مجمل مبين بهذا الحديث ونحوه. (1/1)
صفحة 2
ومن المعلوم أن الصحابة رضوان الله عليهم قد أحدثوا بعض الأمور التي لم تكن معهودة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وذلك كتمصير الأمصار، وتدوين الدواوين، وكتابة التاريخ، وزيادة الأذان الأول لصلاة الجمعة، وكتابة القرآن، وجمع الناس على مصحف واحد، إلى آخر ذلك، ولم يقل أحد منهم ولا من بعدهم ممن يعبأ بقوله إن هذه الأمور بدع غير جائزة، وقد نص علماء المذاهب ممن يعتبر بأقوالهم على جوازه ومشروعيته، وأنه ليس كل محدث بدعة غير جائزة، ولولا خوف الإطالة لأوردت طائفة منها، ولعلنا نذكر ذلك في مناسبة أخرى- إن شاء الله تعالى- والله ولي التوفيق.
(1/1)
.
رواه مسلم 1017 (70) والنسائي 5/75- 77 والترمذي 2675 وابن ماجة 203 والطيالسي 670 وأحمد 4/357 و 358- 359 وابن حبان 3308 وابن أبي شيبة والطحاوي في " مشكل الآثار" وابن الجعد في مسنده 531 والطبراني 2372 و 2373 و 2374 و 2375 والبيهقي 4/ 175- 176 والبغوي في شرح السنة 1661.
وقول لبيد بن ربيعة:
من معشر سنت لهم آباؤهم ولكل قوم سنة وإمامها
وقول خالد بن زهير الهذلي:
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرها
2- وقيل: أصلها الطريقة المحمودة؛ فإذا أطلقت انصرفت إليها، وقد تستعمل في غيرها مقيدة؛ كقولهم: من سن سنة سيئة، والأول هو المشهور.
3- وقيل: معناها الدوام، فقولنا: (سنة) معناه: أمر بإدامته، من قولهم سننت الماء؛ إذا واليت في صبه.
ب- وفي اصطلاح المحدثين:
ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خُلقية أو سيرة، وقيل: إن الصفات الخلقية والخُلقية لا تدخل في ذلك، والخلاف لفظي(1).
ج- وفي اصطلاح الأصوليين:
ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير، وأريد به إثبات حكم شرعي أو نفيه.
والصواب أن يقال ما يثبت؛ لأن الأحكام الشرعية لا تثبت بغير الثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - .
د- وفي اصطلاح الفقهاء: (1/2)
صفحة 3
ما في فعله ثواب، وفي تركه عتاب لا عقاب.
2-الحديث
أ- الحديث لغة:
يأتي بمعاني كثيرة من بينها ما يلي:
الحديث من الأشياء؛ أي نقيض القديم.
ما يحدث به المحدث.
كل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو منامه.
ب- واصطلاحها:
1- ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خُلقية، فهو بهذا مرادف للسنة.
__________
(1) وتحقيق القول في ذلك، لأنه لا يمكن لأن يقال إن الصفات الخلقية مطلقا لا تدخل في السنة يطول به المقام والبحث لم يوضع لمثل ذلك، وإنما ذكرنا هذه المصطلحات من باب التوطئة لغيرها.
(1/2)
2- وقيل: هو ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابي والتابعي من قول أو فعل....الخ.
وقيل غير ذلك.
3-الخبر
لغة:
النبأ.
اصطلاحا:
فيه مذاهب كثيرة وهي:
هو مرادف الحديث - أي أن معناهما واحد اصطلاحا -: وهو ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير....الخ.
مغاير له: فالحديث ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخبر ما جاء غيره.
أعم منه: أي أن الحديث ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخبر ما جاء عنه أو عن غيره من صحابي أو تابعي، وهو بهذا مرادف للحديث على التعريف الثاني للحديث. وقيل غير ذلك.
4-الأثر
أ- لغة:
بقية الشيء.
ب- اصطلاحا:
فيه أقوال وهي:
هو مرادف للحديث - أي أن معناهما واد اصطلاحا - : وهو ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير ...الخ. وهو المراد بقولهم: لا حظ للنظر مع وجود الأثر.
هو مرادف للحديث على التعريف الثاني للحديث: وهو ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أو إلى الصحابي أو التابعي.
مغاير له: وهو ما أضيف إلى الصحابي أو التابعي أو إلى عالم من العلماء السابقين، وهو المشهور في عصرنا هذا. وقيل غير ذلك.
5-المحدث (1/3)
صفحة 4
هو من يشتغل بعلم الحديث رواية ودراية، ويطلع على كثير من الروايات وأحوال رواتها وعللها إلى غير ذلك مما له تعلق بهذا الفن الشريف.
وقيل: من يحفظ ألف حديث فصاعدا، وقيل: من يحفظ عشرة آلاف حديث، وقيل غير ذلك، ولا دليل على شيء من ذلك، والله أعلم.
6-حجية السنة
السنة حجة شرعية باتفاق المسلمين، على خلاف بينهم في بعض الشروط التي يجب توافرها فيها، والأدلة على ذلك كثيرة جدا، من ذلك قول الله سبحانه: (( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا))(1).
__________
(1) سورة النساء آية 59.
(1/3)
وقوله تعالى: ((وما كنا لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسول أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)) (1).
وقوله تعالى: ((فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)) (2).
وقوله تعالى: ((ومن يطع الرسول فقد أطاع الله))(3).
وقوله تعالى: ((ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا))(4).
وقوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم))(5).
وقوله تعالى: ((إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون))(6).
وقوله تعالى: ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما))(7).
وقوله تعالى: ((وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا))(8).
وقوله تعالى: ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله))(9). (1/4)
صفحة 5
وفي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكثير الطيب من الأحاديث الدالة على حجية السنة؛ لا نطيل المقام بذكرها. وقد أجمعت على ذلك الأمة الإسلامية(10)
__________
(1) سورة الأحزاب آية 36.
(2) سورة النور 63.
(3) سورة النساء آية 80.
(4) سورة النساء 69.
(5) سورة الحجرات آية 1.
(6) سورة النور آية 51.
(7) سورة النساء آية 65.
(8) سورة الحشر آية 7.
(9) سورة آل عمران آية 31.
(10) ومنهم الإباضية أهل الحق والاستقامة، ومن نسب إليهم خلاف ذلك فقد كذب عليهم، وإن شئت أن تتحقق من ذلك فارجع إلى كتبهم، وهي كثيرةجدا، والحمد لله. واسمع إلى الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى حيث قال:
--والأصل للفقه كتاب الباري ** إجماع بعد سنة المختار
والاجتهاد عند هذي منعا ** وهالك من كان فيها مبدعا
- حد أصول الفقه علم يقتدر ** به على استنباط أحكام السور
وسنة الرسول والإجماع ** كذلك القياس مع نزاع
- نقدم الحديث مهما جاء ** على قياسنا ولا مراء
- حسبك أن تتبع المختارا ** وإن يقولوا خالف الآثارا
- ولا تناظر بكتاب الله ** ولا كلام المصطفى الأواه =
= معناه لا تجعل له نظيرا ** ولو يكون عالما خبيرا
- فقولهم عند وجود الأثر ** لا حظ فيه أبدا للنظر
معناه ما أتى عن المختار ** ينفي خلافه من الأنظار
- إذ ليس ما قيل جميعا يقبل ** إلا الذي عن النبي ينقل
- أو كان أصله من الكتاب ** ينزعه فهم أولي الألباب
- لا نقبل الخلاف فيما وردا ** فيه عن المختار نص أبدا (1/5)
صفحة 6
نعم لا نرى الاحتجاج بأخبار الآحاد في مسائل العقيدة، وهذا القول لم ننفرد به، بل وافقنا على ذلك جمهور الأمة، كما حكاه عنهم الإمام النووي في شرح مسلم وفي التقريب وفي الإرشاد، وإمام الحرمين في البرهان، والغزالي في المستصفى، والسعد في التلويح، وابن عبد البر في التمهيد، وابن قدامة في الروضة، وابن السبكي في جمع الجوامع، وابن عبد الشكور في مسلم الثبوت، وغيرهم، كما أوضحته في "السيف الحاد" وهو مذهب أحمد بن حنبل على الصحيح وطائفة كبيرة من أصحابه، فانظر إن شئت أن تتحقق من ذلك الكتاب الآنف الذكر. وفي ذلك يقول ابن تيمية في منهاج سنته 1/133:( الثاني: أن هذا من أخبار الآحاد فكيف يثبت به أصل الدين الذي لا يصح الإيمان إلا به).
ونص قريب من ذلك في "نقد مراتب الإجماع"، ونص على ذلك أيضا السفاريني الحنبلي، حيث قال في "لوائح الأنوار السنية" 1/ 149- 150 ، و "لوامع الأنوار" 1/ 5: (وأما تعريفه – يعني علم التوحيد – فهو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية أي العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسب من أدلتها اليقينية، والمراد بالدينية المنسوبة إلى دين محمد - صلى الله عليه وسلم - من السمعيات وغيرها، سواء كانت من الدين في الواقع ككلام أهل الحق، أو لا ككلام أهل البدع، واعتبروا في أدلتها اليقين لعدم الاعتداد بالظن في الاعتقاديات)اهـ.
فماذا تقول الحشوية في مثل هذا الكلام ونحوه؟؟.
وانظر أدلة هذا القول في "السف الحاد" وأضف إلى ما هناك: كثرة الرواية بالمعنى من كثير من المحدثين، بل من أكثرهم، والرواية بالمعنى لا يؤمن معها من الغلط، ولا سيما إذا نظرنا إلى أن كثيرا من الرواة ليس عنده كبير فقه، بل بعضهم من الأميين وأشباههم، وبعضهم من الأعاجم الذين لا معرفة لهم بلغة العرب. (1/6)
صفحة 7
أضف إلى ذلك أن الخلاف في هذه المسائل قد وجد منذ أوائل القرن الثاني، ومن اعتقد شيئا يمكن أن يعبر عما دل عليه بعض الأحاديث على حسب ظنه بعبارة قد يفهم غيره الحديث بخلافها، بل قد يكون اللفظ الحقيقي للحديث لا يدل على ذلك من قريب ولا من بعيد.
هذا ومن أوضح الأدلة التي ذكرتها في "السف الحاد" على أن الحديث لا يستدل به في مسائل العقيدة الأمران الآتيان: 1- أن التصحيح والتضعيف والحكم بالوضع ونحوها أمور ظنية، وما دام الأمر كذلك فلا يمكن أن يقطع بثبوت حديث آحادي.
2- أن العلماء جعلوا خبر الثقة الضابط من باب الخبر المظنون صدقه، ومعنى ذلك أنه لا يمكن القطع بثبوت روايته، والله أعلم.
- هذا وقد أوجبنا في الرسالة المذكورة على أدلة القائلين إن أخبار الآحاد تفيد القطع، وأضيف إلى ما هناك: أن أغلب تلك الأدلة نفسها من أخبار الآحاد، فكيف يمكن أن يستدل بخبر آحادي على أن الأخبار الآحادية تفيد القطع؟ مع أننا لا نقطع بثبوت تلك الأدلة نفسها.
وأما ما استدلوا به من الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة: فمنها ما هو عام الدلالة، ومنها ما لا يستفاد منه ذلك إلا من باب دلالة المفهوم، والعام دلالته على أراده ظنية، وكذا عند القائلين بالاستدلال به، وهذا مما لا يمكن الاستناد إليه في مثل هذه المسألة، على أن تلك الأدلة مخصصة بما ذكرناه. (1/7)
صفحة 8
ثم إن ما استدلوا به من بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - للرسل لا دليل فيه أصلا، لأن أولئك الرسل لم يكونوا يبلغون الناس شيئا من أمثال هذه المسائل المتداولة في عصرنا، كمسألة الرؤية، والخلود، والشفاعة، ونحوها، ومن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل، وإنما غاية ما كانوا يبلغونهم إياه وجوب إفراد الله بالعبادة، وأنه لا إله إلا هو وأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - رسول من عنده، وهذا ثابت بالتواتر القطعي، بل هو معلوم من الدين بالضرورة، وانظر الرسالة المذكورة، وكذا كانوا يعلمونهم المسائل العلمية، ولا نزاع أنها تثبت بأخبار الآحاد، والله أعلم.
(1/4)
؛ إذ لم يخالف عليها أحد في ذلك، فلا حاجة لإطالة الكلام في هذه المسألة.
هذا وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن السنة تأتي تارة مخصصة لعموم الكتاب ومقيدة لمطلقاته ومفصلة لمجملاته، وتأتي تارة أخرى دالة على بعض الأحكام التي يتعرض لها الكتاب العزيز، وهذا هو الحق الذي دلت عليه الأدلة، ولم يأت من قال بخلاف ذلك بما يستحق الذكر. ((ونظرا لهذه الأهمية البالغة للسنة المطهرة هيأ الله لها رجالا أعلاما ورواة أئمة قاموا بحفظها وروايتها كابرا عن كابر في مراتب يدركها العلماء الذين يعرفون قيم الرجال ومنازلهم وأقدارهم)).
((هؤلاء الرجال الذين كانوا يقطعون الفيافي والقفار، يبحثون عن حديث سمعوا أنه عند فلان أو فلان في ذلك المكان القصي من الأرض، في وقت لم تعرف فيه الرفاهية في المركب؛ وإنما كانت أسفارهم قطعة من العذاب، ولقد سجلوا بهذه الجهود المضنية أسفارا ضمنوها السنة الغراء على صاحبها أفضل الصلاة والسلام)). ومن بين هؤلاء العلماء الأعلام الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب رضي الله عنه وأرضاه.
- - ? -
حياة الإمام الربيع رحمه الله تعالى، ويتضمن:
تعريفه
كنيته
نسبه
تاريخ مولده
مكان ولادته
نشأته
تحول الإمام الربيع رحمه الله من عمان إلى البصرة
طلبه للعلم
وفاته
- - ? - (1/8)
صفحة 9
- في حياة الإمام الربيع رحمه الله تعالى -
تعريفه:
هو الإمام الكبير المحدث الشهير الحافظ المتقن الحجة الربيع بن حبيب بن عمرو بن الربيع بن راشد بن عمرو الفراهيدي العماني البصري - رضي الله عنه - (1).
كنيته:
أبو عمرو.
نسبه:
__________
(1) شرح الجامع الصحيح للإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى ج1 ص3 ، ورسالة لشيخنا الخليلي- حفظه الله – حول المسند.
(1/5)
ينتسب الإمام الربيع رحمه الله تعالى إلى فراهيد بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس بن عدنان بن عبدالله بن زهران بن كعب بن الحارث بن عبدالله بن مالك بن نضر بن الأزد ابن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ابن هود النبي - عليه الصلاة والسلام-(1).
تاريخ مولده:
لم أجد تاريخا محددا لمولده - رضي الله عنه - وقد اختلف المؤرخون في تاريخ ولادته، والذي يظهر لي أنه ولد في النصف الثاني من العقد الثامن من القرن الأول، أي بين سنتي 75- 80 هـ.
والدليل على ذلك: ما ذكره الإمام محمد بن محبوب - رحمهما الله تعالى - أن الإمام الربيع رحمه الله تعالى أدرك الإمام جابرا - رضي الله عنه - والربيع شاب، ومن المعلوم أم الإمام جابر - رضي الله عنه - قد توفي في سنة 93هـ على أشهر الأقوال وأصحها، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى- والله أعلم.
مكان ولادته:
ولد الإمام الربيع رحمه الله تعالى بعمان في منطقة الباطنة على السهل الساحلي بمنطقة غضفان التابعة لولاية لوى.
(قال أبو عبدالله رحمه الله تعالى: الربيع من فراهيد من غضفان من عمان)(2).
وأبو عبدالله هذا هو: محمد بن محبوب بن الرحيل، أخذ العلم عن أبيه، وأبوه من جملة تلامذة الإمام الربيع المشهورين - كما سيأتي- فهو أدرى الناس بحال الإمام الربيع رحمه الله تعالى. (1/9)
صفحة 10
ويؤيد ذلك: أن الإمام الربيع رحمه الله تعالى عندما عاد إلى عمان في آخر حياته سكن غضفان حتى توفي بها، وقد جاء في بعض الآثار أنه رجع إلى بلده وسكن بها.
وقيل: ولد بودام، ولم أجد دليلا على ذلك.
__________
(1) تحفة الأعيان للإمام السالمي رحمه الله تعالى ج1 ص20، وإسعاف الأعيان بنسب أهل عمان للشيخ سالم بن حمود السيابي ص92.
(2) شرح المسند للإمام السالمي رحمه الله تعالى ج1 ص4.
(1/6)
وذكر الإمام السالمي رحمه الله تعالى رواية عن بعضهم تفيد: أن الإمام الربيع رحمه الله تعالى ولد في البصرة، ثم انتقل إلى عمان وسكن بغضفان من أهل الباطنة(1)، وهذه الرواية ضعيفة جدا، لا أعرف لها مستندا، إلا أن يكون قائل ذلك أخذ ذلك من نسبة الإمام الربيع رحمه الله تعالى إلى البصرة، ولا يخفى أن هذا لا دليل فيه البتة، فإن هناك طائفة كبيرة من المحدثين قد نُسبوا إلى أماكن لم يولدوا بها؛ كما لا يخفى من تتبع كتب الرجال والتاريخ.
نشأته:
نشأ الإمام الربيع رحمه الله تعالى في عمان مسقط رأسه وموطن آبائه وأجداده، وبها أمضى طفولته فيما يظهر، ثم سافر إلى البصرة؛ حيث كانت تغص بفطاحل الرجال من محدثين وفقهاء وغيرهم، وفي مقدمتهم الإمام الكبير جابر بن زيد التابعي الجليل رضي الله عنه الذي تتلمذ على يديه والد الربيع الشيخ حبيب بن عمرو الفراهيدي رضي الله عنه.
تحول الإمام الربيع رحمه الله من عمان إلى البصرة:
لم أجد في شيء من الكتب التاريخية التي تحدثت عن حياة الإمام الربيع رحمه الله تعالى دليلا يعين السنة التي سافر فيها رحمه الله تعالى إلى البصرة، والذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أن رحلته كانت في سنة اثنتين وتسعين أو ثلاث وتسعين؛ بعد أن تلقى علمه الأول في موطنه عمان على يد والده حبيب؛ الذي كان تلميذا للإمام جابر بن زيد رحمه الله.
__________
(1) نفس المرجع السابق ونفس الصفحة.
(1/7) (1/10)
صفحة 11
والدليل على اختيارنا هذا: هو قلة رواية الربيع رخمه الله تعالى عن الإمام جابر بن زيد رضي الله عنه وعدم روايته مباشرة عن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه الذي كان موجودا بالبصرة؛ بل لم نجد ما يمكن الاستناد إليه في ثبوت رؤية الإمام الربيع رحمه الله تعالى لأنس رضي الله عنه؛ أنه رحمه الله رحل إلى البصرة قبل هذا التاريخ لأكثر من الرواية عنهما؛ لما علم من مزية علو الإسناد، فلا يعقل أن يترك الربيع رحمه الله تعالى ذلك مع ما عرف عنه من الهمة العالية في تحصيل العلم، والله أعلم.
هذا وقد سكن الربيع رحمه الله تعالى في البصرة بمنطقة الخريبية(1) التي كان يسكنها قومه الأزد، والله أعلم.
طلبه للعلم:
أ- في عمان:
لم نجد في المصادر التي بين أيدينا نصا صريحا يكشف لنا عن أول أمره، وكيفية توجهه إلى طلب العلم، وهل كان ذلك باعتناء والده أو أحد أقاربه أو أحد أبناء أسرته أو لا؟ وما مدى علم مشايخه الذين أخذ عنهم؟
والذي يظهر لنا: أنه لم يأخذ الحديث عن أحد في عمان، بدليل أنه لم يرو عن أحد منهم؛ لا في المسند ولا خارجه - على إطلاعنا – ولعله درس في عمان العلوم الابتدائية؛ كبعض المسائل العقائدية والفقهية بالإضافة إلى قراءة القرآن الكريم، والله تعالى أعلم.
ب- في البصرة:
قلنا - فيما سبق – إن الإمام الربيع رحمه الله تعالى رحل إلى البصرة في ريعان شبابه، وقد التقى هناك بجماعة كبيرة من التابعين وأتباع التابعين، وفي مقدمتهم الإمام الحجة المحدث البارع علم الحفاظ جابر بن زيد رحمه الله تعالى وتلميذه الإمام المحدث الحافظ الحجة أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله تعالى وقد أخذ عنهما وعن غيرهما علوم التفسير والحديث والفقه، وقد برع فيها جميعا، ولاسيما الحديث والفقه؛ فإنه أحرز فيهما قصبات السبق؛ بحيث صار أعلم أهل زمانه بعد وفاة شيخه الإمام أبي عبيدة رحمه الله تعالى.
__________
( (1/11)
صفحة 12
1) منهج الطالبين للشيخ خميس الشقصي ج1 ص 628.
(1/8)
وفاته:
انتقل الإمام الربيع رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه إلى جوار ربه تبارك وتعالى بعد جهاد كبير وكفاح مرير خاضهما دفاعا عن الإسلام وانتصارا للحق وإعلاء لكلمة الله تعالى، فتخرج على يديه أفواج من طلاب العلم؛ الذين صاروا بعد ذلك أئمة أناروا بقعة شاسعة من العالم الإسلامي بعلمهم الغزير؛ كما ترك رحمه الله تعالى المسند الصحيح؛ الذي هو من حيث الجملة أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى.
إلا أننا لم نجد رواية تدل على السنة التي توفي فيها هذا الإمام - رضوان الله تعالى عليه - وقد اختلف الباحثون في ذلك، والذي عندي أنه توفي بين سنتي 175- 180هـ تقريبا، بدليل أن الإمام عبد الوهاب بن عبد الحمن الرستمي - رضوان الله عليهما - قد تولى الخلافة في المغرب سنة 171هـ، وأن هذا الإمام رحمه الله تعالى قد بعث برسالة إلى الإمام الربيع رحمه الله تعالى بعد ذلك بمدة يسيرة؛ يستفتيه فيها بخصوص ما ادعاه ابن فندين الزائغ أحد المتمردين على الإمام عبد الوهاب رحمه الله تعالى، ثم بعث إليه الإمام عبد الوهاب بسؤال آخر بعدما استقرت الأوضاع واستتب الأمن، وكانت هذه الفتوى تتعلق بجواز الإنابة في الحج، ولا يخفى أن هذه المراسلات تحتاج إلى مدة طويلة بالنظر إلى ذلك العصر.
فإذا نظرنا إلى هذا وما وقع من الحروب بين الإمام وابن فندين؛ علمنا أن ذلك يحتاج إلى مدة لا تقل عن أربع سنوات تقريبا، وقد ثبت أن موسى بن أبي جابر رحمه الله تعالى قد صلى على الإمام الربيع رحمه الله تعالى ومن المعلوم أن موسى رحمه الله تعالى قد توفي عام 181هـ(1) وبذلك تعرف صواب ما قلناه، والحمد لله رب حق حمده.
هذا وقد كانت وفاة الإمام الربيع رحمه الله تعالى بموطنه الأصلي غضفان؛ حيث إنه رجع إليها رحمه الله تعالى في آخر حياته؛ كما تقدم نقله عن الإمام ابن محبوب - رحمهما الله تعالى -(2) والله تعالى أعلم.
- - ? - (1/12)
صفحة 13
__________
(1) الربيع بن حبيب محدثا ص263.
(2) تقدم ذكره.
(1/9)
شيوخ الإمام الربيع رحمه الله وتلامذته وآثاره:
شيوخ الإمام الربيع رحمه الله تعالى:
الإمام جابر بن زيد الأزدي.
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء.
ضمام بن السائب.
أبو نوح صالح الدهان.
تلامذة الإمام الربيع رحمه الله تعالى.
آثار الإمام الربيع رحمه الله تعالى.
- - -
- شيوخ الإمام الربيع رحمه الله وتلامذته وآثاره -
لقد أخذ الإمام الربيع رحمه الله تعالى العلم عن جماعة كبيرة من العلماء من التابعين وأتباعهم، وقد أوصلهم بعض المؤرخين إلى ما يزيد على ثلاثين عالما؛ إلا أنني أكتفي هنا بذكر أربعة منهم فقط، وهم:
جابر بن زيد الأزدي العماني - رضي الله عنه - .
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي - رضي الله عنه - .
ضمام بن السائب رحمه الله تعالى .
أبو نوح صالح بن نوح الدهان رحمه الله تعالى .
وذلك لما كان لهؤلاء الأئمة من تأثير كبير في تكوينه العلمي والفكري والاجتماعي والسياسي، ولما لهم من منزلة عظيمة في الفقه والحديث وغيرهما من العلوم.
- ? - ? -
هو الإمام الحافظ الحجة المتقن جابر بن زيد الجوفي البصري، من قبيلة اليحمد العمانية، كان مولده في بلدة فرق لولاية نزوى في المنطقة الداخلية من عمان، وقد اختلف في سنة ميلاده، فقيل: إنه ولد سنة 18هـ(1)، وقيل: سنة 21هـ، وقيل: سنة 22هـ في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
وقد تلقى المرحلة الأولى من تعلمه في وطنه الأصلي عمان، ثم ارتحل مع أسرته إلى البصرة؛ التي كانت في ذلك الوقت أهم مركز علمي، واستقر بين أقاربه من الأزد؛ الذين سكنوا أحد أحياء البصرة.
__________
(1) الجواهر المنتقاة للبرادي ص155.
(1/10) (1/13)
صفحة 14
ولم أجد تاريخا لهذه الرحلة، والظاهر أنها كانت في مرحلة مبكرة من حياته - رضي الله عنه - وقد تتلمذ على يد جماعة كبيرة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكبار التابعين؛ منهم: ابن عباس وأبو هريرة وابن عمر وأنس بن مالك وجابر بن عبدالله وعائشة أم المؤمنين والحكم بن عمرو الغفاري وغيرهم.
وقد أخذ عنه جماعة من التابعين وأتباع التابعين؛ منهم: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وضمام بن السائب وأبو نوح صالح الدهان وجعفر بن السماك وقتادة وعمرو بن دينار ويعلى بن مسلم وأيوب السختياني وعمرو بن هرم وآخرون(1).
وقد أثنى عليه جمع من العلماء من الصحابة والتابعين وغيرهم، قال عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس: ( لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علما من كتاب الله )، وقال ابن عباس أيضا: ( تسألوني وفيكم جابر بن زيد )(2).
وفي الطبقات(3) ذكر أبو طالب مكي في كتاب " قوت القلوب" أن ابن عباس قال: ( اسألوا جابر بن زيد، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علما )، وعن إياس بن معاوية قال: ( لقد رأيت البصرة وما بها مفت غير جابر بن زيد )، وعن الحصين بن حيان أنه قال: ( لما مات جابر بن زيد بلغ موته أنس بن مالك فقال: مات أعلم من على ظهر الأرض، أو قال: مات خير أهل الأرض ) وعن ابن عباس أيضا أنه قال: ( جابر بن زيد أعلم الناس )، وعنه أنه كان يقول: ( عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد؛ لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه ).
__________
(1) تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر ج2 ص34 وغيره.
(2) تهذيب التهذيب ج2 ص34.
(3) الطبقات للدرجيني ج2 ص205.
(1/11) (1/14)
صفحة 15
وفي تاريخ البخاري(1): عن جابر بن زيد قال: لقيني ابن عمر فقال: ( جابر إنك من فقهاء أهل البصرة )، وفي كتاب "الزهد" لأحمد: لما مات جابر بن زيد قال قتادة: ( اليوم مات أعلم أهل العراق )، وقال العجلي: " تابعي ثقة "، قال لبن معين وأبو رزعة: " ثقة "، وقال ابن حبام في الثقات: (كان فقيها، ودفن هو وأنس ابن مالك في جمعة واحدة، وكان من أعلم الناس بكتاب الله )(2).
وقال أو العباس الدرجيني(3): ( منهم - أي الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم - جابر بن زيد رحمه الله تعالى بحر العلوم العجاج، وسراج التقوى ناهيك به من سراج، أصل المذهب وأسه الذي قام عليه نظامه، ومنار الدين ومن انتصبت به أعلامه، صاحب ابن عباس - رضي الله عنه - وكان من أمهر من صحبه وقرأ عليه، والمقدم ممن يشار في الفتيا إليه ) ثم ذكر بعض الآثار التي ذكرناها، ثم قال: ( وله آثار كثيرة مذكورة وكرامات ومقامات في العلم تعلو المقامات) 1هـ.
وقال البدر الشماخي رحمه الله تعالى(4): ( ومنهم جابر بن زيد الأزدي رحمه الله تعالى بحر العلم وسراج الدين، أصل المذهب وأسه الذي قامت عليه آطامه، صاحب ابن عباس - رضي الله عنه - وكان من أشهر من صحبه وقرأ عليه ).
توفي - رضي الله عنه - سنة 93هـ على الصحيح، وهو قول أبي عبيدة(5) أحمد بن حنبل والبخاري. وقال ابن سعد سنة 103هـ. وقال الهيثم بن عدي سنة 104هـ(6). وفي آخر عمره نفاه الحجاج مع هبيرة - جد أبي سفيان محبوب بن الرحيل - إلى عمان، ثم رجع إلى البصرة وتوفي بها؛ رحمه الله ورضي عنه وأرضاه وجعل الجنة مستقره ومثواه، آمين.
- - ? -
__________
(1) التاريخ الكبير ج1 قسم2 ص204.
(2) تهذيب التهذيب ج2 ص34.
(3) الطبقات ج2 ص205.
(4) السير للبدر الشماخي ج1 ص67.
(5) الجامع الصحيح ص193.
(6) التهذيب ج2 ص34..
(1/12) (1/15)
صفحة 16
هو الإمام الكبير المحدث الحافظ الثقة الثبت الزاهد المجاهد أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي - بالولاء - كان مولى لعروة بن أدية التميمي، وقيل إن اسم أبيه كورين، وكني بابنته عبيدة، التي كانت لها أخبار وآثار تتعلق بالنساء ترويها عن أبيها رحمه الله تعالى، وقد اختلف في لأصله، فقيل: حبشي، وقيل: فارسي، وقيل: كردي(1).
مولده:
ولد بالبصرة سنة 45هـ أو بعدها بقليل، والأدلة على ذلك ما يلي:
حضوره مجلسا لأبي بلال - رضي الله عنه - قبل خروج طواف بن المعلى عام 58هـ.(2)
أنه كان مولى لعروة، وعروة استشهد عام 58هـ(3) على يد الفاسق ابن زياد، وقبل عام 61هـ.(4)
روايته عن جماعة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ممن ماتوا بين الستين والسبعين؛ بل قيل: إنه روى عن السيدة عائشة وأبي هريرة - رضي الله عنهما – وهما ماتا عام 58ه، على المشهور.
نشأته:
نشأ - رضي الله عنه - في مدينة البصرة، وقد كانت يومئذ مدينة العلم والفضل والحضارة احتضنت فطاحل العلماء في كل فن، وقد نزلها جملة من الصحابة والتابعين وأتباعهم، وكان الناس يشدون الرحال إليها لرواية الحديث ودراسة الفقه والتفسير ومختلف العلوم.
وفي هذا الأفق العلمي شب أبو عبيدة رحمه الله تعالى ونشأ وترعرع، وفيه تفقه وأخذ كثير من فطاحل العلماء وفحول الرجال ولازمهم، ودأب في طلب العلم؛ لاسيما الحديث والفقه فقد تفنن فيهما وبرع وفاق فيهما أهل عصره أو أغلبهم.
__________
(1) ذكر ذلك شيخنا علامة العصر ومفخرته الحافظ المحقق أحمد الخليلي حفظه الله في رسالة له حول المسند.
(2) نشأة الحركة الإباضية للدكتور عوض خليفات ص68.
(3) الكامل لابن الأثير ج4 ص95.
(4) الطبقات ج2 ص232.
(1/13) (1/16)
صفحة 17
وقد عاش رحمه الله تعالى في مبدأ أمره في كنف شيخه ومولاه عروة بن أدية رحمه الله تعالى فورث عته شجاعته وزهده وتقواه، ثم انتقل إلى الإمام جابر بن زيد رحمه الله تعالى فأخذ عنه الحديث والفقه والسياسة؛ ثم خلفه بعد وفاته في رئاسة المذهب، فدرس الطلبة وأرسلهم إلى البلدان الشاسعة لتعليم أهلها ولإقامة العدل فيها متى أمكن ذلك، وناظر المخالفين فأقام عليهم الحجة، وأوضح لهم المحجة، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير جزاء.
شيوخه:
أخذ الإمام أبو عبيدة العلم عن جماعة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما يدل على ذلك ما رواه الإمام الربيع رحمه الله تعالى عنه أنه قال: سمعت ناسا من الصحابة يقولون: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( من حكم بين اثنين فكأنما ذبح نفسه بغير سكين ))(1).
وفي حديث آخر قال أبو عبيدة: سمعت ناسا من الصحابة يروون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( الذنوب على وجهين: ذنب بين العبد وربه، وذنب بين العبد وصاحبه.... الحديث ))(2).
__________
(1) الجامع الصحيح ج2 ص157 حديث رقم 590.
(2) المصدر السابق ج1 ص181 حديث رقم691.
(1/14) (1/17)
صفحة 18
وعن جماعة من التابعين: كجابر بن زيد والحسن البصري وابن سيرين ومجاهد وضمام بن السائب وأبي نوح الدهان وجعفر بن السماك؛ الذي قال عنه الدرجيني رحمه الله تعالى: ( شيخ الصيانة والنزاهة، وركن الديانة والفقاهة، المحافظ على طريق الصديقين، والمطرح في حرمة الخالق حرمة المخلوقين، الآتي بيت الصلاح من بابه إلا فيما ليس باللائق بأضرابه، له الكعب العالي في أهل زمانه، والتقدم في فضله ومكانه، قال أبو سفيان: وكان شيخ أبي عبيدة، وكان ما حفظ عنه أبو عبيدة أكثر مما حفظ عن جابر )(1). وأخذ أبو عبيدة أيضا عن صحار العبدي، الذي قال عنه الدرجيني رحمه الله تعالى ( ذو المآثر الأثيرة، ومن كان يدعو إلى الله على بصيرة، حمل فقها جزيلا، وكان باعه في العقائد طويلا، وكان أحد الزهاد، وأحد الزاهدين عن معتقد فاسدي الاعتقاد )(2) وقد عده غير واحد من العلماء من الصحابة(3).
تلاميذه:
__________
(1) الطبقات ج2 ص232.
(2) نفس المصدر ج2 ص232.
(3) الطبقات لابن سعد ج5 ص562، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ج2 ص272، وفقه الإمام أبي عبيدة لشيخنا الفاضل سعيد بن عبدالله العبري حفظه الله تعالى ص45.
(1/15) (1/18)
صفحة 19
لقد أخذ العلم عن أبي عبيدة رحمه الله تعالى خلق كثير لا يحصى عددهم؛ منهم: ضمام بن السائب والربيع بن حبيب وسلمة بن سعد و عبدالله بن يحيى الكندي الإمام العادل وأبو أيوب وائل الحضرمي وأبو المهاجر الحضرمي وأبو المؤرج وأبو حمزة المختار بن عوف وأبرهة بن الصباح الحميري و عبدالله بن خيران وأسد بن كثير وأبو سفيان محبوب بن الحيل القرشي وبلج بن عقبة الفراهيدي والجلندى بن مسعود الإمام العادل والفضل بن جندب ويحيى بن نجيح و عبدالرحمن بن رستم الفارسي الإمام العادل وعاصم السدراتي وأبو داود القبلي النفزاوي وإسماعيل بن دردار الغدامسي ومحمد بن عبد الحميد النفوسي وأبو الخطاب عبد الأعلى ابن السمح المعافري الخليفة الراشد وأبو غسان مخلد بن العمرد الغساني وخلف ابن زياد البحراني والمعتمر بن عمارة الهلالي و عبد السلام بن عبد القدوس والمثنى ابن المعروف وحيان بن حاجب وسهل بن صالح وقرة بن عمر و عبدالله بن عبد العزيز وشعيب بن المعروف وابن عباد عبدالله بن عباد المصري وآخرون(1).
عدالته وثناء العلماء عليه:
لقد كان أبو عبيدة رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه ثقة حافظا ضابطا ورعا زاهدا تقيا نقيا، وقد أثنى عله جمع من العلماء، ووصفوه بما ذكرنا وزيادة.
قال العلامة الدرجيني رحمه الله تعالى: ( كبير تلامذة جابر، وممن حسنت أخباره والمخابر، تعلم العلوم وعلمها، ورتب الأحاديث وأحكمها، وحافظ في خفية على الدين؛ حتى ظهر على يده الخمسة الميامين، حسب ما تقدم ذكر دراستهم وحملهم العلوم وما شفى الله به وبهم من الكلوم، كان عالما مع الزهد في الدنيا، والتواضع مع نيل الدرجات والاعتراف بضيق الباع؛ مع ما عليه من اتساع )(2).
__________
(1) فقه الإمام أبي عبيدة ص45 وص46، وشرح الجامع الصحيح ج1 ص4.
(2) الطبقات ج2 ص238.
(1/16) (1/19)
صفحة 20
وقال البدر الشماخي رحمه الله تعالى: ( تعلم العلوم وعلمها، ورتب روايات الحديث وأحكمها، وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه، ويزدحم لاستماع ما يقرع الأسماع من زواجر وعظه، وقد اعترف له بحوز قصب السبق في العلوم؛ واعترف مع ذلك بقصر الباع؛ مع ما عليه من الاتساع)(1).
وقال القطب رحمه الله تعالى: ( كان رجلا ذا علم ووعظ نافذ وفقه وحديث )(2).
والنقول في ذلك كثيرة لا نطيل المقام بذكرها.
وقد سأل أحمد بن حنبل يحيى بن معين -إمام الجرح والتعديل- عن أبي عبيدة رحمه الله تعالى حيث قال له: ( شيخ حدث عنه معتمر يقال به أبو عبيدة عن ضمام عن جابر بن زيد: كره أن يأكل متكئا، من أبو عبيدة هذا؟ قال: رجل روى عنه معتمر ليس به بأس، قلت: من حدث عنه غير المعتمر؟ قال: البصريون يحدثون عنه، وسأل أحمد بن حنبل عن عمارة بن حيان، فقال يحيى بن معين: رجل روى عنه أبو عبيدة؛ هذا من أصحاب جابر بن زيد وقد حدث أبو عبيدة عن صالح الدهان )(3).
فهل خفي هذا المعترض الآتي ذكره؛ مع أنه موجود في جزء الفهارس ص82 حيث قال صاحب الفهارس: أبو عبيدة الذي حدث عنه معتمر وحدث عن ضمام ليس به بأس، أو أنه تجاهل ذلك؟!
إذا كنت لا تدري... ** وإن كنت تدري...
هذا ومن المعلوم أن ابن معين من المتشددين في الجرح والتعديل؛ كما نص على ذلك الذهبي وغيره، وأن قوله: " لا بأس به " هو بمنزلة قوله " ثقة " على ما ذهب إليه كثير من أئمة الحديث.
قال العراقي في ألفيته؛ عند ذكره لمراتب الجرح والتعديل:
وابن معين من أقول لا ** بأس به فثقة.....الخ(4)
__________
(1) السير للبدر الشماخي ج1 ص78.
(2) شرح عقيدة التوحيد ص95.
(3) كتاب العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل ج3 ص11- 12 ترجمة رقم 3922.
(4) ألفية العراقي بشرح السخاوي ج1 ص361.
(1/17) (1/20)
صفحة 21
قال السخاوي في شرحه عليه: ( وابن معين هو يحيى الإمام المقدم في الجرح والتعديل؛ سوى بينهما - أي ثقة ولا بأس به - إذ قيل له : إنك تقول " فلان لا بأس به " و " فلان ضعيف " قال من أقول فيه " لا بأس به فثقة " )اهـ(1) المراد منه.
كما أنه من المعلوم أن الجرح والتعديل يكتفى فيهما بواحد على الصحيح؛ كما هو مذهب المحققين من المحدثين والأصوليين، قال السيوطي في ألفيته:
واثنان إن زكاه عدل والأصح ** إن عدل الواحد يكفي أو جرح(2)
وقال الصنعاني:
ويكتفى في الجرح والتعديل ** من واحد ولو بلا تفصيل(3)
فإذا عرفت ذلك تبين لك أن ما ذكره المعترض عن أبي حاتم ومن تابعه من جهالة أبي عبيدة رحمه الله تعالى(4) لا قيمة له، وأبو حاتم معروف عنه التسرع في هذا الباب، فكم من ثقة حكم بجهالته؛ منهم بعض رجال الشيخين.
__________
(1) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ج1 ص367.
(2) ألفية السيوطي بتعليقات الشيخ أحمد محمد شاكر ص97.
(3) إجابة السائل ص117.
(4) على أن مسلم بن أبي كريمة الذي حكم بجهالته أبو حاتم غير الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة قطعا؛ لأن مسلما الذي ذكره أبو حاتم يروي عن الإمام علي؛ وأبو عبيدة الإمام راوي المسند عن الإمام جابر لم يرو عن علي شيئا؛ بل لم يكن أبو عبيدة مولودا في حياة علي، والله أعلم.
(1/18) (1/21)
صفحة 22
قال السيوطي في " التدريب ": ( جهل جماعة من الحفاظ قوما من الرواة لعدم علمهم بهم؛ وهم معروفون بالعدالة عند غيرهم، وأنا أسرد ما في الصحيحين: من أحمد بن عاصم البلخي؛ جهله أبو حاتم؛ لأنه لم يخبر بحاله ووثقه ابن حبان وقد روى عنه غيره، و..أسباط أبو اليسع؛ جهله أبو حاتم وعرفه البخاري، وبيان ابن عمرو؛ جهله أبو حاتم ووثقه ابن المديني وابن حبان وابن عدي وروى عنه البخاري وأبو زرعة و...والحسين بن الحسن بن يسار؛ جهله أبو جاتم ووثقه أحمد وغيره، والحكم بن عبدالله؛ جهله أبو حاتم ووثقه الذهلي وروى عنه أربعة ثقات، وعباس بن حسين القنطري؛ جهله أبو حاتم ووثقه أحمد وابنه وروى عنه البخاري و..و..و..ومحمد بن الحكم المروزي؛ جهله أبو حاتم ووثقه ابن حبان )اهـ(1).
وقد حكم بجهالة آخرين من غير رجال الشيخين؛ مع أنهم معروفون، وتابعه الذهبي في كثير من ذلك، والأغرب من ذلك أنه جهل جماعة من الصحابة والتابعين المشهورين، قال ابن أبي حاتم في ترجمة مدلاج بن عمرو السلمي: ( قال أبي: مجهول )، وتابعه على ذلك الذهبي؛ فقال في " الميزان " ج4 ص86: ( مدلاج بن عمرو السلمي لا يدرى من هو )اهـ، قال الحافظ في " اللسان " ج6 ص13: ( والمصنف - يعني الذهبي- تبع ابن الجوزي في ذكره في الضعفاء، لكن صنيع ابن الجوزي أخف؛ فإنه قال: قال أبو حاتم " مجهول "، وكذا هو في كتاب ابن أبي حاتم )اهـ. هذا ومن المعلوم أن مدلاج بن عمرو هذا صحابي بدري، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها.
وقال الحافظ ابن حجر في " التهذيب " ج3 ص356 في ترجمة زياد بن جارية التميمي: ( يقال: إن له صحبة؛ روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (( من سأل وله مال يغنيه...الخ)) قال أبو حاتم: شيخ مجهول، وذكره ابن أبي عاصم وأبو نعيم الأصبهانيان في الصحابة، وجزم بكونه تابعيا ابن حبان وغيره، وأبو حاتم قد عبر بعبارة " مجهول " في كثير من الصحابة)اهـ.
__________
(1) تدريب الراوي ج1 ص271- 272.
( (1/22)
صفحة 23
1/19)
وقال أيضا في " التهذيب " ج4 ص335 في ترجمة صالح بن جبير الصدائي: ( أبو محمد الطبراني قال: ويقال الأزدي، كان كاتب عمر بن عبد العزيز على الخراج، روى عن أبي جمعة الأنصاري وأبي العجفاء السلمي وأبي أسماء الرحبي ورجاء بن حيوة، وعنه أسيد بن عبدالرحمن ومعاوية بن صالح وأبو عبيد حاجب سليمان ومرزوق ابن نافع وغيرهم، قال عثمان الدارمي عن ابن معين " ثقة "، وقال أبو حاتم " شيخ مجهول "، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال رجاء بن أبي سلمة: قال عمر ابن عبد العزيز: ولينا صالح بن جبير فوجدناه كاسمه )اهـ المراد منه. ومن المعلوم أن جمعة الأنصاري صحابي؛ فيكون صالح بن جبير بروياته عنه تابعيا.
ونظرا لتسرع أبي حاتم في الحكم بالجهالة؛ نص العلماء على أنه لا يجوز الاعتماد على حكمه بالجهالة؛ ما لم يوافقه غيره.
قال العلامة اللكنوي: ( لا تغتر بقول أبي حاتم في كثير من الرواة - على ما يجده من يطالع "الميزان" وغيره- " إنه مجهول "، ما لم يوافقه غيره من النقاد العدول؛ فإن الأمان من جرحه بهذا مرتفع عندهم، فكثيرا ما ردوا عليه: بأنه جهل من هو معروف عندهم، فقد قال الحافظ ابن حجر في مقدمة " فتح الباري ": الحكم بن عبدالله البصري؛ قال ابن أبي حاتم عن أبيه " مجهول " قلت: ليس بمجهول من روى عنه أربع ثقات ووثقه الذهلي ) اهـ.
وقال أيضا: ( عباس القنطري؛ قال ابن أبي حاتم عن أبيه " مجهول " قلت: إن أراد العين؛ فقد روى عنه البخاري وموسى بن هلال والحسن بن علي المعمري، إن أراد الحال؛ فقد وثقه عبدالله بن أحمد؛ قال: سألت أبيح فذكره بخير )اهـ.
وقال ابن دقيق العيد: ( لا يكون تجهيل أبي حاتم حجة ما لم يوافقه غيره )اهـ.
ولا يخفى عليك أن موافقة الذهبي ومن يقلده لا عبرة بها؛ لما علم بها؛ لما علم من متابعة الذهبي لأبي حاتم في هذه القاعدة؛ كما صرح به في أول " الميزان ".
(1/20) (1/23)
صفحة 24
على أن قول أبي حاتم عن شخص إنه " مجهول " وبين قول غيره ذلك فرقا شاسعا؛ كما نبه جماعة من العلماء.
قال الإمام اللكنوي: ( فرق بين قول أكثر المحدثين في حق الراوي إنه " مجهول " وبين قول أبي حاتم إنه " مجهول " فإنهم يريدون به غالبا جهالة العين بألا يروي عنه إلا واحد؛ وأبو حاتم يريد به جهالة الوصف؛ فافهمه واحفظه؛ لئلا تحكم على كل من وجدت في " الميزان " إطلاق " المجهول عليه " أنه مجهول العين ) اهـ.
ومثل هذا لا يخفى على طلبة العلم؛ فضلا عن العلماء؛ فلا نطيل به الكلام، والله ولي التوفيق.
وفاته - رضي الله عنه -:
توفي - رضي الله عنه -في عهد جعفر المنصور 136هـ - 158هـ، بدليل ما رواه أبو سفيان رحمه الله تعالى: ( أنه وقع غلام لحاجب رحمه الله تعالى عند أبي جعفر المنصور، فسأله: لمن كان؟ فقال: لحاجب، وكان عالما به وبأبي عبيدة، فدخل عليه يوما حزينا فسأله؟ فقال: مولاي الذي كنت له مات - يعني حاجبا رحمه الله - فرجع أبو جعفر فقال: رحم الله حاجبا، ثم دخل عليه بعد ذلك فرآه حزينا، فقال: مالي أراك حزينا؟ فقال: مات صديق لمولاي يقال له أبو عبيد الأعور، قال: إنه قد مات، قال: نعم، فرجع وقال: ذهبت الإباضية )(1).
إلا أنني لم أد دليلا يعين السنة التي توفي فيها، والذي يظهر لي أنه توفي سنة 150هـ أو بعدها بقليل، بدليل ما ذكره أبو سفيان رحمه الله تعالى: ( من أن أبا عبيدة - رضي الله عنه - أفتى بقتل معن بن زائدة بعد أن قتل زجرا الحضرمي رحمه الله تعالى بعد أن أمنه )(2) وقد قتل معن سنة 150هـ بسجستان على المشهور، والله أعلم.
__________
(1) الكامل لابن الأثير ج5 ص316- 317.
(2) السير ج1 ص107.
(1/21) (1/24)
صفحة 25
هذا ولا يشكل عليك عدم التحقق من معرفة السنة التي توفي فيها الإمام أبو عبيدة - رضي الله عنه - وكذا بالنسبة إلى الإمام الربيع رحمه الله تعالى فإن هذا هو الغالب في وفيات أئمة السلف - رضوان الله تعالى عليهم - وذلك لأنهم لم يكونوا يعتنون بذلك؛ لأن همهم وغاية مقصودهم نشر العلم والجهاد في سبيل الله.
قال الإمام الحافظ الذهبي في " تاريخ الإسلام " ص16 ج السيرة النبوية، و26 ج المغازي: ( ولم يعتن القدماء بضبط الوفيات كما ينبغي؛ بل اتكلوا على حفظهم، فذهبت وفبات خلق من الأعيان من الصحابة ومن تبعهم إلى قريب زمان أبي عبدالله الشافعي، فكتبنا أسمائهم على الطبقات تقريبا، ثم اعتنى المتأخرون بضبط وفيات العلماء وغيرهم، حتى ضبطوا جماعة فيهم جهالة بالنسبة إلى معرفتنا لهم، فلهذا حفظت وفيات خلق من المجهولين، وجهلت وفيات أئمة من المعروفين. وأيضا فإن عدة بلدان لم يقع إلينا أخبارها؛ إما لكونها لم يؤرخ علمائها أحد من الحفاظ، أو جمع لهم تاريخ ولم يقع إلينا ).
هو الشيخ الإمام الحافظ المتقن الحجة ضمام بن السائب الندبي؛ نسبة إلى بني ندب بن شمس.
قال عنه العلامة الدرجيني رحمه الله تعالى: ( كهف اليتامى والأرامل؛ والمفزوع إليه في النوازل، فطالما أوصى إليه أبو عبيدة في الفتاوي والمعضلات؛ فانكشفت بأجوبته ظلم المشكلات، وكان ذا رفق وتلطف واجتهاد وتقشف )(1).
وقال عنه البدر الشماخي رحمه الله تعالى: ( من أهل العمل والتحقيق، والكاشف أمر المعضلات عند حصر ذوي الضيق، أخذ عن جابر وغيره، وكان ما أخذ عن جابر أكثر مما أخذ عنه أبو عبيدة)(2).
وذكره أحمد في كتاب القيم " العلل ومعرفة الرجال "(3) في موضعين.
__________
(1) الطبقات ج2 ص246- 247.
(2) السير ج1 ص81.
(3) العلل ومعرفة الرجال ج2 ص56 وج3 ص11.
(1/22) (1/25)
صفحة 26
وقد روى عنه الإمام الربيع رحمه الله تعالى في المسند الصحيح ثلاثة أحاديث؛ الأول: في باب ( ما يجب منه الوضوء ) برقم 112؛ وقد رواه الربيع رحمه الله تعالى عن أبي عبيدة عنه، والثاني: في باب ( ما يجوز وما لا يجوز من النكاح ) حديث رقم 520، والثالث: في باب ( الضيافة والجواز وما ملكت اليمين واليتيم ) حديث رقم 688.
شيوخه:
أخذ ضمام رحمه الله تعالى عن جماعة؛ منهم: جابر بن زيد وصحار العبدي وأبو عبيد وأبو نوح؛ وهما من أقرانه.
تلاميذه:
أخذ العلم عن ضمام رحمه الله تعالى جماعة منهم الإمام أبو عبيدة والإمام الربيع بن حبيب وآخرون، وقد أكثر الإمام الربيع رحمه الله تعالى من الرواية عنه، وقد اعتنى بهذه الروايات الإمام العلامة أبو صفرة عبد الملك بن أبي صفرة رحمه الله تعالى.
- - ? -
هو الشيخ الإمام الفقيه الحافظ المتقن أبو نوح صالح بن نوح الدهان. قال عنه العلامة الدرجيني رحمه الله تعالى في " الطبقات ": ( شيخ التحقيق وأستاذ أهل الطريق، ناهج طريق الصالحين، وناقض دعاوي الزائغين الجانحين، أُخذ عنه الحديث والفروع، وكان ذا خشية لله وخضوع )(1).
وقال الإمام البدر الشماخي رحمه الله تعالى: ( كان شديد الورع غزير العلم )(2)، وقد ذكره الإمام أحمد في كتاب " العلل ومعرفة الرجال "(3)، وأخرج له الدارمي في سننه(4).
مولده:
ولد رحمه لله تعالى عام 35 هـ.
شيوخه و تلاميذه:
أخذ العلم رحمه الله تعالى عن جماعة؛ منهم: الإمام جابر بن زيد رحمه الله تعالى وأخذ عنه العلم جماعة؛ منهم: الإمام أبو عبيدة والربيع وآخرون.
هذا، ولم أجد دليلا يعين السنة التي توفي فيها ضمام ولا أبو نوح الدهان - رضوان الله تعالى عليهما - .
__________
(1) الطبقات ج2 ص254- 255.
(2) السير ج1 ص82- 83.
(3) العلل ومعرفة الرجال ج3 ص11.
(4) سنن الدارمي ج1 ص86 نشر دار إحياء السنة النبوية.
(1/23) (1/26)
صفحة 27
وقد أخذ الإمام الربيع رخمه الله تعالى الحديث أيضا عن جماعة من أصحاب المذاهب الأخرى، أكتفي هنا بذكر اثنين منهم؛ لأن الإمام الربيع رحمه الله تعالى روى لهما في مسنده الصحيح وهما:
عبد الأعلى بن داود، روى له الربيع رحمه الله تعالى حديثا واحدا برقم 16عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما -.
قال الشيخ السالمي رحمه الله تعالى في شرح الجامع ج1 ص35: ( الموجود في كتب الرجال عبدالله بن داود بن عامر الهمداني... وثقه ابن معين وأبو حاتم، وقال ابن سعد: كان ثقة عابدا ناسكا... وقال ابن سعد: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين عن سبع وثمانين سنة )اهـ(1) مع بعض تصرف.
هذا ما قاله الشيخ رحمه الله تعالى وهو بعيد جدا، وبيان ذلك: أن هذه الرواية من طريق عكرمة مولى ابن عباس، وعكرمة متوفي عام 107هـ وقيل 106هـ، وقيل 115هـ؛ أي قبل عاما منولادة عبدالله بن داود هذا على الرواية الأولى، وقبل 20 عاما على الرواية الثانية، وقبل 11 عاما على الرواية الثالثة؛ وذلك لأن عبدالله بن داود مولود عام 126هـ تقريبا.
وقد وقع مثل ذلك في كثير من كتب السنة؛ أكتفي هنا بمثال واحد من مسند الإمام أحمد.(2)
__________
(1) شرح الجامع الصحيح للشيخ نور الدين السالمي رحمه الله تعالى ج1 ص35.
وإذا عرفت ذلك؛ فالذي يظهر لي أنه وقع خطأ في هذا الإسناد، وصوابه هكذا: قال الربيع بن حبيب عن عبد الأعلى عن داود عن عكرمة عن ابن عباس.
(2) ولدينا أمثلة على ذلك أو قريب منه في مسند أحمد أيضا ومصنف عبد الرازق ومصنف ابن أبي شيبة وسنن الدارمي وسنن أبي داود وسنن النسائي وسنن البيهقي وغيرها، وقد نبه على ذلك بعض الحشوية أنفسهم، والله المستعان.
(1/24) (1/27)
صفحة 28
قال الشيخ أحمد شاكر ج2 ص267 من حاشيته على المسند: ( ثم إن نسخ المسند وقع فيها هنا خطأ في إسناد رواية أبي أبي خثيمة، فإن فيها: " وحدثني أبو خثيمة حدثنا عبد الصند وعاذ بن هشام " فكلمة ابن هشام؛ خطأ، صوابها: عن هشلم؛ كما صححناها وأثبتهناها )اهـ.
وعليه فإن شيخ الإمام الربيع رحمه الله تعالى في هذا الحديث هو عبد الأعلى لن عبد الأعلى بن محمد، وقيل: ابن شراحيل القرشي البصري السامي،؛ روى عن حميد الطويل وعبيد الله بن عمر وداود بن أبي هند وآخرون، وعنه إسحاق بن راهويه وابن أبي شيبة وابن المديني وآخرون.
قال ابن معين وأبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: لا بأس به. وقال العجلي: بصري ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان متقنا في الحديث قدريا غير داعية إليه. ووثقة ابن خلفون. قلت: وتوفي سنة 198هـ(1) كما قال ابن حبان، فتكون رواية الربيع رحمه الله تعالى عنه من باب رواية القران أو من باب رواية الأكابر عن الأصاغر، وهما جاشزتان وواقعتان باتفاقهم.
قال السيوطي في ألفيته الأولى(2):
ووقعت رواية الأقران ** وعلمها يقصد للبيان
أن لا يظن الزيد في الإسناد أو ** إبدال عن بالواو والحد رأوا
إن يك في الإسناد قد تقاربا ** والسن دائما وقيل غالبا
وقال عن الثانية:
وقد روى الكبار عن صغار ** في السن أو في العلم والمقدار
أو فيهما وعلم ذا أفادا ** أن لا يظن قلبه الإسنادا
ومنه أخذ الصحب عن أتباع ** وتابع عن تابع الأتباع
__________
(1) تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر ج6 ص87-88.
(2) ألفية السيوطي بتعليقات الشيخ أحمد محمد شاكر ص239.
(1/25) (1/28)
صفحة 29
وأما داود - وهو شيخ عبد الأعلى في هذا الحديث - فهو ابن أبي هند، واسمه دينار بن عذافر، ويقال: طهمان القشيري مولاهم البصري، رأى أنس بن مالك، وروى عن عكرمة والشعبي وأبي العالية وسعيد بن المسيب وابن سيرين وآخرين، وروى عنه شعبة وسفيان والثوري وابن جريج والحمادان وعبد الأعلى بن عبد الأعلى وآخرون، أخرج له البخاري في التعاليق ومسلم والأربعة، قال ابن المبارك عن الثوري: هو من حفاظ البصريين. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة، وسئل عنه مرة فقال: مثل داود يسأل عنه؟. وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن معين: ثقة. وقال العجلي: بصري ثقة جيد الإسناد رفيع وكان صالحا. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، ووثقه أيضا ابن سعد وابن خراش.
وأما عكرمة: فهو البربري أبو عبدالله المدني، مولى ابن عباس، روى عن مولاه وعلي بن أبي طالب والحسن بن علي وابن عمر وأبي سعيد وآخرين، وروى عنه إبراهيم النخعي والإمام جابر بن زيد والشعبي وأبو الزبير وأبو إسحاق السبيعي وقتادة وخالد الحذاء وادود بن أبي هند وخلق كثير، وأخرج له الستة وغيرهم، وقد وثقه الجمهور، وقدحت فيه جماعة بغير مستند يمكن التعويل عليه، والله تعالى أعلم.
هذا ما رواه في إسناد هذا الحديث، ويؤيد ذلك أن النسائي وأبا حاتم والحاكم والبيهقي قد أخرجوه من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة، والله تعالى أعلم.
يحيى بن كثير، روى عنه الإمام الربيع رحمه الله تعالى حديثين برقم 17، 739.
قال الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى في " شرح الجامع ": ( يحيى بن كثير هو: ابن درهم العنبري البصري، كنيته: أبو غسان، قال النسائي: ليس به بأس، وقال حاتم: صالح الحديث، وقال عباس العنبري: كأنه ثقة، قال ابن أبي عاصم: مات سنة ست ومائتين كذا في الخلاصة )اهـ.
(1/26) (1/29)
صفحة 30
كذا قال الشيخ رحمه الله تعالى والذي يظهر لي - والله تعالى أعلم – أن يحيى بن كثير هذا هو أبو النضر، صاحب البصري؛ الذي روى عن أيوب وعاصم الأحول وعطاء بن السائب وغيرهم، وذلك لأن الإمام الربيع رحمه الله تعالى قد روى عنه الحديث الثاني من هذين الحديثين، وهو الحديث رقم 739؛ من كريق عطاء بن السائب، ولم يذكروا أن العنبري روى عن عطاء بن السائب شيئا، وأنا أستبعد أن يكون روى عنه؛ وذلك لأن العنبري توفي سنة 206هـ وعطاء توفي سنة 136هـ، وقيل سنة 137هـ، وقيل سنة 133هـ وقيل سنة 134هـ، فبين وفاتيهما ما يقرب من سبعين عاما، أضيف إلى ذلك مرحلة صغر السن؛ التي لا يمكن معها تحمل الرواية إلى غير ذلك، وع ذلك كله لا يمكن أن نقطع بعدم سماع العنبري من عطاء بن السائب؛ وإن كنا نستبعد ذلك جدا.
إذ تقرر ذلك فاعلم أن يحيى بن كثير صاحب البصري ضعيف، ضعفه ابن معين وأبو زرعة والدارقطني وآخرون، وقال عمرو بن علي: لا يتعمد الكذب ويكثر الغلط والوهم، وعليه فتعتبر روايته ضعيفة بالنظر إلى إسنادها، وأما المتن فينظر فيه؛ فإن وجد له ما يعضده فيحكم عليه بما تقتضيه الصناعة الحديثية من حسن أو ضعف؛ على حسب قوة أو ضعف ذلك الشاهد؛ وإلا فهو ضعيف كما هو مقرر في علم الحديث.
وهذا وليعلم أن رواية الريبع رحمه الله تعالى عن شخص ضعيف حديثا أو حديثين لا يعني بوجه ولا بآخر القدح في شخصه رحمه الله تعالى ولا في مسنده؛ كما لا يخفى ذلك على أحد.
(1/27)
ومن المعلوم أن أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم وغيرها قد رووا عن جماعة من الضعفاء بل والكذابين(1)
__________
( (1/30)
صفحة 31
1) قال العلامة اللكنوي في التعليق الممجد ج1 ص127 عند ذكره للانتقادات التي وجهت إلى الإمام أبي حنيفة والجواب عليهما، قال: ( ومنها: أنه روى كثيرا عن الضعفاء. وهذا أمر مشترك بين العلماء، فإن كثيرا من رواة الشافعي ومالك وأحمد والبخاري ومسلم ومن يحذو حذوهم كانوا ضعفاء )اهـ. ونص على مثل ذلك أو قريب منه ابن الوزير في " العواصم والقواصم " والعلامة المقبلي في " المنار " " والعلم الشامخ " (وكلاهما في رجال الشيخين فافهم) ومن المعلوم أن الشيخين البخاري ومسلم قد رويا في صحيحيهما عن طائفة كبيرة من الضعفاء تقرب من خمسمائة راو، منهم من رويا له في الأصول، ومنهم من رويا له في لاشواهد والمتابعات، ومنهم من روى مسلم في المقدمة، وجرح بعضهم مقبول، كما صرح بذلك الأئمة الفحول، ولولا خسوف الإطالة لسردت هنا طائفة منهم، ولعلنا نفرد بذلك برسالة خاصة، وأرجو أن يوفق الله تعالى لذلك في القريب العاجل، وانظر " السيف الحاد ".
هذا وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم عن جماعة من الكذابين المشهورين( وأرجو أن أوفق لكتابة مؤلف خاص لذكر هؤلاء الكذابين الذين روى لهم أصحاب السنن، والله ولي التوفيق) أكتفي هنا بذكر واحد منهم روى له الإمام الترمذي وهو من شيوخ أحمد الذين روى عنهم، وهو عامر بن صالح بن عبدالله بن الزبير بن العوام، قال أبو داود: (سمعت يحيى بن معين يقول: جن أحمد، يحدث عن عامر بن صالح). قال ابن معين أيضا عن عامر هذا: كذاب خبيث عدو الله. بل روى أصحاب السنن عن بعض من اتهم بالزندقة، وصلب على ذلك، والله تعالى أعلم.
(1/28)
، ولم يقدح أحد من العلماء فيهم ولا في أحاديثهم التي رووها عن غير هؤلاء الرواة؛ ما دام لم يثبت عنهم تعمد الرواية عن الكذابين، والمثلة على ذلك كثيرة؛ أكتفي هنا بمثالين من رجال البخاري: (1/31)
صفحة 32
فليح بن سليمان الخزاعي السلمي، قال عثمان الدارمي عن البن معين: ضعيف. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بالقوي ولا يحتج بحديثه وهو الداوردي. وقال في رواية الدارمي: ما أقربه من أبي أويس. وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال ىلآجري: (( قلت لأبي داود: قال ابن معين: ( عاصم بن عبيد الله وابن عقيل وفليح لا يحتج بهم ) قال: صدق )). وقلا النسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بالقوي. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. وقال ابن المديني: فليح وأخوه ضعيفان.
إبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي، مولى صخير، قال أحمد بن حنبل: ضعيف. وقال القطان: كان شعبة ضعيف؛ كان يقول: لا يحسن يتكلم. وقال النسائي: ليس بذاك القوي يكتب حديثه. وقال الحاكم: ( قلت لعلي بن عمر بل روى البخاري عن بعض من اتهم بوضع الحديث كما تجد ذلك في " التهذيب " و " محلى ابن حزم "، " والضعفاء والمجروحين " لابن حبان وغيرها والله أعلم.
هذا وشعيب – شيخ يحيى بن كثير في الحديث الأول – هو شعيب بن الحبحاب الأزدي المعولي، مولاهم البصري، روى: عن أنس وأبي العالية وإبراهيم النخعي وجماعة، وعنه: ابناه أبو بكر وعبد السلام وسليمان التيمي وآخرون. وذكره ابن حبان في الثقات، هذا هو الصواب.
(1/29)
وأما ما ذكره الشيخ الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه من أن شعيبا هو ابن إسحاق الأموي فهو سبق قلم منه - رضي الله عنه - وإن تابعه عليه جماعة، وذلك لأن شعيب بن إسحاق مات سنة تسع وثمانين ومائة هـ، وعمره إحدى وسبعون سنة؛ كما ذكر ذلك هذا الإمام وغيره، ومعنى ذلك أنه مولود سنة 118هـ وهي السنة التي توفي فيها قتادة بن دعامة؛ الذي روى عنهه شعيب هذه الرواية، وقيل: إن قتادة مات قبل ذلك بسنة، وبذلك يتبين لكم صواب ما ذكرناه، والله أعلم. (1/32)
صفحة 33
هذا ومن المعلوم أن الإمام الربيع رحمه الله تعالى قد عاصر يحيى بن كثير صاحب البصري وشعيب بن الحبحاب الأزدي المعولي، وأن يحيى بن كثير صاحب البصري قد عاصر داود بن أبي هند، وشعيب بن الحبحاب قد عاصر قتادة، وكانوا في مصر واحد، ويعرف عن أحد منهم – أي الربيع ويحيى بن كثير وشعيب بن الحبحاب – التدليس وسماع بعضهم من بعض ممكن؛ كما لا يخفى، وعليه فروايتهم محمولة على الاتصال، حتى إن بعضهم؛ وهو الإمام مسلم صاحب الصحيح؛ قد حكى الاتفاق على ذلك، ولو لم يثبت اللقاء بينهم في رواية، وسيأتي أن هذا هو القول الصحيح الذي ينبغي المصير إليه والتعويل عليه والأخذ به، والله تعالى أعلم.
- - ? -
أخذ العمل عن الإمام الربيع رحمه الله تعالى جماعة من الطلبة الذين صاروا بعد ذلك علماء جهابذة؛ منهم الشيخ الإمام الحافظ الحجة المؤرخ محبوب بن الرحيل القرشي، والإمام الكبير موسى بن أبي جابر الأزكوي، والشيخ بشير بن المنذر، والإمام الحافظ أبو صفرة عبد الملك بن أبي صفرة، ومنير بن النير، ومحمد بن المعلى، وأبو أيوب وائل بن أيوب، وهشام بن غيلان الخراساني، وغيرهم كثير، والله أعلم.
...
(1/30)
إن الآثار التي تركها الإمام الربيع رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه تدل على غزارة علمه ورسوخ قدمه وطول باعه وكثرة إطلاعه وعلو قدره وعمق مأخذه وسمو مكانته في الفقه والحديث، وقد كان رحمه الله تعالى بحرا لا ساحل له فيهما، حائزا قصبات السبق في مضمارهما، ومن نظر في أقواله الموجودة في " المدونة " وغيرها؛ عرف ذلك حق معرفته، وقد أطبقت كلمة أصحابنا رضوان الله عليهم على أنه رحمه الله تعالى من العلماء المشهورين والجهابذة المتبحرين، فلم يكن من الحشوية الذين كل همهم رواية الحديث؛ من غير إدراك لمعناه ومدلوله، ولا تمييز بين صحيحه وسقيمه ومعلوله ومقبوله. (1/33)
صفحة 34
ويكفي دليلا على ذلك: أن الإمام العادل والخليفة الراشد عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي رضوان الله تعالى عليهما مع غزارة علمه وسعة إطلاعه وكثرة العلماء الموجودين بحضرته وبعد المسافة بينه وبين الربيع رحمه الله تعالى وصعوبة الاتصال في ذلك الوقت كان يبعث إليه بالأسئلة ثم يأخذ بما يراه، كما تجد ذلك في " الطبقات " وغيره.
وهذا ومن أهم الآثار التي تركها رحمه الله تعالى والتي تدل على منزلته الرفيعة وعلمه الغزير ما يأتي:
المسند الصحيح: وأغلب روايته فيه عن شيخه أبي عبيدة رحمه الله تعالى وهذا المسند هو أول ما صنف في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأغلب ثلاثي السند، وقد رتبه رحمة الله عليه على أسماء الرواة؛ كما هي الطريق المتداولة عند أكثر أهل عصره.
ثم رتبه على أبواب الفقه الشيخ الإمام العلامة الحافظ المحقق أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، المتوفي 570هـ وترتيبه هو الموجود في عصرنا هذا.
(1/31)
وأما المسند نفسه على حسب ما صنفه الإمام الربيع رحمه الله تعالى فلم نعثر له على أثر حتى الآن؛ مثله مثل كثير من الكتب الحديثية وغيرها؛ كمسند الربيع بن صبيح، ومسند خليفة بن خياط، وتفسير ابن مردويه، وتفسير أبي الشيخ، وأغلب صحيح ابن خزيمة، وبعض سنن سعيد بن منصور، وعدة أجزاء من كبير الطبراني، وبعض تهذيب الآثار.. وغيرها(1)، وعلى كل فترتيب أبي يعقوب يغني عن المسند، بخلاف الكتب الأخرى فإن أغلبها لا يوجد له ما ينوب عنه.
بعض الأحاديث النبوية والآثار المروية عن بعض الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم- التي لها تعلق بالعقيدة: وقد وضعها الإمام أبو يعقوب رحمه الله تعالى في آخر المسند، وهي تشكل الجزء الثالث من أجزاء المسند، وهي ليست منه على الصحيح.
كتاب آثار الربيع رحمه الله تعالى: وقد رواه الربيع رحمه الله تعالى عن شيخه ضمام بن السائب عن جابر بن زيد، ولم يطبع بعد. (1/34)
صفحة 35
إجابات أسئلة في العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية: وقد رواها عنه أبو غانم الخرساني في مدونته. هذا أهم ما اطلعنا عليه من آثاره رحمه الله تعالى.
- - ? -
...
الربيع محدثا، ويتضمن:
كيفية تحمل الإمام الربيع رحمه الله تعالى للحديث
عدالته
أهم الأسباب التي أدت إلى عدم ذكر الإمام الربيع رحمه الله تعالى ضمن المحدثين
توثيق الربيع رحمه الله تعالى من بعض المحدثين
- - ? -
- الربيع محدثا -
كيفية تحمل الإمام الربيع رحمه الله تعالى للحديث:
__________
(1) سيأتي ذكر بعضها في آخر هذه الرسالة، فهل عند الحشوية أسانيد متصلة منهم إلى مؤلفي هذه الكتب يستطيعون بواسطتها أن يرووا لنا أحاديث هذه الكتب، ولو لم توجد نسخها؟ إن كان ذلك موجودا لديهم فليظهروا لنا ذلك، أما مجرد إجازات فارغة أو أسانيد متصلة منهم إلى مؤلفي هذه الكتب بدون رؤية لها ولا معرفة لأحاديثها؛ فهذه مما لا قيمة له، كما لا يخفى على الفطن.
(1/32)
قسم جمهور علماء الحديث طرق تحمل الحديث إلى ثمانية أقسام(1):
1- السماع من لفظ الشيخ. 2- القراءة على الشيخ.
3- الإجازة. 4- المناولة.
5- الكتابة. 6- الإعلام.
7- الوصية. 8- الوجادة. (1/35)
صفحة 36
وقد اتفق العلماء على صحة الرواية بالسماع؛ وإن اختلفوا في غيرها، وإنها - أي الرواية بالسماع- أقوى طرق التحمل عند الأكثرين، وهذه الصيغة وحدها هي التي تلقى بها الإمام الربيع رحمه الله تعالى الروايات عن شيخه الإمام أبي عبيدة، كما يفهم ذلك من صنيع الإمام الربيع نفسه؛ حيث صدر رواياته بقوله " حدثني أبو عبيدة " كما في الأحاديث 1، 2، 3، 18 وكذا بالنسبة إلى بقية روايات المسند، بدليل قوله " أبو عبيدة " فإن ذلك لا بد له من تقدير، وذلك لا يكون إلا بنحو: حدثني أو أخبرني أو ما شابه ذلك، وحدثني صريحة في السماع، وأخبرني وإن كانت تستعمل في القراءة على الشيخ عند طائفة من المحدثين؛ فإن الأظهر أنها بالنسبة للإمام الربيع أنها للسماع لا للقراءة؛ كما لا يخفى على المتأمل المنصف.
على أن الرواية بالقراءة متفق على صحتها عند المحققين من العلماء، ولا عبرة بخلاف من خالف في ذلك؛ إذ إنه لو قيل بعدم صحة ما تحمل بهذا النوع؛ لوجب أم يحكم بعدم ثبوت أكثر سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ إن هذه الطريق هي الطريقة الشائعة عند كثير من المحدثين في تحمل السنة، كما لا يخفى على من له أدنى إطلاع على هذا العلم الشريف.
هذا ومن المعلوم أن الإمام الربيع رحمه الله تعالى من أخص الطلبة عند الإمام أبي عبيدة وأقرب المقربين إليه، فلا بد من أن يكون مجلسة قريبا من مجلس شيخه عند إلقاء الدروس، على أننا نرجح الطريقة السابقة كما تقدم بيانه.
الرواية بعن:
__________
(1) في بعض أقسام هذه المسألة خلاف للعلماء، ولنا في بعض ذلك نظر لا داعي لذكره هنا.
(1/33) (1/36)
صفحة 37
وأما بالنسبة إلى الروايات التي رواها الربيع رحمه الله تعالى بصيغة " عن " فهي متصلة أيضا، وكذا بالنسبة لروايات أبي عبيدة وجابر ابن زيد - رضي الله عنهما- وذلك لما تقرر عند جمهور المحدثين من أن الرواية بالعنعنة محمولة على الاتصال إذا كان الراوي بها لم يعرف عنه التدليس وقد أدرك شيخه الذي حدث عنه ولقيه، وإليك نصوص بعض العلماء في ذلك:
قال الخطيب البغدادي في " الكفاية "(1): ( أهل العلم مجمعون على أن قول المحدث " حدثنا فلان عن فلان " صحيح معمول به إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أنه قد أدرك الذي حدث عنه ولقيه وسمع منه ولم يكن هذا المحدث مدلسا ..الخ ).
قال الحاكم أبو عبد الله في " معرفة علوم الحديث"(2): ( الأحاديث المعنعنة التي ليس فيها تدليس متصلة بإجماع أئمة النقل ).
قال ابن الصلاح(3): ( الإسناد المعنعن وهو الذي يقال فيه " فلان عن فلان " عده بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره، والصحيح والذي عليه العمل: أنه من قبيل الإسناد المتصل، وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح تصانيفهم وقبلوه، وكاد أبو عمر بن عبد البر الحافظ يدعي إجماع أئمة الحديث على ذلك، وادعى أبو عمر المقرئي الحافظ إجماع أهل النقل على ذلك، وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضا مع براءتهم من وصمة التدليس، فحينئذ يحمل على ظاهر الاتصال إلا أن يظهر فيه خلاف ذلك )اهـ.
بل ذهب الإمام مسلم إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فحكم على الحديث المعنعن بالاتصال إذا لم لم يكن الراوي مدلسا وكان معاصرا لشيخه الذي روى عنه إذا أمكن اللقاء بينهما ولو لم يثبت أنهما التقيا، وحكى اتفاق العلماء عليه.
__________
(1) الكفاية في فن الرواية ص292.
(2) معرفة علوم الحديث ص34.
(3) التقييد والإيضاح على مقدمة ابن الصلاح ص83، 48.
(1/34) (1/37)
صفحة 38
قال في مقدمة صحيحه: ( وقد تكلم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بقول لو ضربنا عن حكايته وذكر فساده صفحا لكان رأيا متينا ومذهبا صحيحا؛ إذ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإماتته وإخمال ذكر قائليه، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيها للجهال عليه.
غير أنا لما تخوفنا من شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأمور وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين والأقوال الساقطة عند العلماء رأينا الكشف عن فساد قوله ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد أجدى على الأنام وأحمد للعاقبة - إن شاء الله تعالى -.
وزعم القائل الذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله والإخبار عن سوء رويته: أن كل إسناد لحديث فيه " فلان عن فلان " وقد أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به، غير أنه لا نعلم له منه سماعا، ولم نجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط أو تشافها بحديث؛ أن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء هذا المجيء حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعدا أو تشافها بالحديث بينهما أو يرد خبر فيه بيان اجتماعهما وتلاقيهما مرة من دهرهما فما فوقها فإن لم يكن عنده علم ذلك ولم تأت رواية صحيحة تخبر أن هذا الراوي عن صاحبه قد لقيه مرة وسمع منه شيئا لم يكن في نقله الخبر عمن روى عنه ذلك، والأمر كما وصفنا حجة وكان الخبر عنده موقوفا حتى يرد عليه سماعه منه لشيء من الحديث قل أو كثر في رواية مثل ما ورد.
(1/35) (1/38)
صفحة 39
وفي هذا القول - يرحمك الله - في الطعن في الأسانيد قول مخترع مستحدث غير مسبوق صاحبه إليه ولا مساعد له من أهل العلم عليه، وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديما وحديثا أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثا وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه لكونهما جميعا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام؛ فالرواية والحجة بها لازمة إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لمن يلتق من روى عنه أو لم يسمع منه شيئا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا فالرواية على السامع أبدا حتى تكون الدلالة التي بينا.
فيقال لمخترع هذا القول الذي وصفنا مقالته، أو للذاب عنه: قد أعطيت في جملة قولك أن خبر الواحد الثقة: حجة يلزم به العمل، ثم أدخلت فيه الشرط بعد، فقلت: حتى نعلم أنهما قد كانا التقيا مرة فصاعدا، أو سمع شيئا.
فهل تجد هذا الشرط الذي اشترطته عن أحد يلزم قوله؟ وإلا فهلم دليلا على ما زعمت ! فإن ادعى قول أحد من علماء السلف، بما زعم من إدخال الشريطة في تثبيت الخبر، طولب به، ولن يجد هو ولا غيره إلا إيجاده سبيلا، وإن ادعى فيما زعم دليلا يحتج به، قيل له: وما ذاك الدليل؟...
وما علمنا أحداً من أئمة السلف , ممن يستعمل الأخبار , ويتفقد صحّة الأسانيد وسقمها , مثل أيوب السّختياني , وابن عون , ومالك بن أنس , وشعبة بن الحجاج , ويحيى بن سعيد القطان , وعبدالرحمن بن مهدي , ومن بعدهم من أهل الحديث , فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد , كما ادعاه الذي وصفنا قوله من قبل .
وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنه , إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس وشُهر به , فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته , ويتفقدون ذلك منه , كي تنزاح عنه علّة التدليس , فمن ابتغى ذلك من غير مدلّس على الذي زعم من حكينا قوله , فما سمعنا ذلك عن أحد ممن سّمينا ولم نسمّ من الأئمة .
( (1/39)
صفحة 40
1/36)
فمن ذلك أن عبدالله بن يزيد الأنصاري – وقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - - قد روى عن حذيفة , وعن أبي مسعود الأنصاري , عن كلّ واحد منهما حديثا يُسنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس في روايته عنهما ذكر السماع منهما , ولا حفظنا في شيء من الروايات أن عبدالله بن يزيد شافه حذيفة وأبا مسعود بحديث قطّ , ولا وجدنا ذكر رؤيته إياهما في رواية بعينها .
ولم نسمع عن أحد من أهل العلم ممن مضى ولا ممن أدركنا , أنه طعن في هذين الخبرين الذين رواهما عبدالله بن يزيد عن حذيفة وأبي مسعود بضعف فيهما , بل هما وما أشبههما عند من لاقينا من أهل العلم بالحديث : من صحاح الأسانيد وقويّها , ويرون استعمال ما نُقل بها والاحتجاج بما أتت من سنن وآثار . وهي في زعم من حكينا قوله من قبل : واهية مهملة , حتى يُصيب سماع الراوي عمن روى .
ولو ذهبنا نعدّد الأخبار الصحاح عند أهل العلم , مما يهن بزعم هذا القائل - أي يعدّ واهناً ضعيفاً - ونحصيها , لعجزنا عن تقصي ذكرها وإحصائها كلّها , ولكنا أحببنا أن ننصب منها عدداً يكون سمة لما سكتنا عنه منها .
وهذا أبو عثمان النهدي .
2- وأبو رافع الصائغ - وهما ممن أدرك الجاهلية , وصحبها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونقلا عنهم الأخبار - قد أسند كل واحد منهما عن أبيّ بن كعب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا , ولم نسمع في رواية بعينها أنهما عاينا أبيا أو سمعا شيئا .
وأسند أبو عمرو الشيباني , وهو ممن أدرك الجاهلية , وكان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا .
وأبو مَعْمَر عبدالله بن سَخْبَرة , كل واحد منهما عن أبي مسعود الأنصاري , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خَبَرين .
وأسند عُبَيد بن عُمير , عن أم سلمة , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا . وعُبيد بن عمير وُلد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
(1/37) (1/40)
صفحة 41
وأسند قيس بن أبي حازم - وقد أدرك زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - - عن أبي مسعود الأنصاري , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أخبار .
وأسند عبدالرحمن بن أبي ليلى - وقد حفظ عن عمر بن الخطاب وصحب علياً - عن أنس بن مالك , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثاً .
وأسند رِبْعِيُّ بن حِرَاس , عن عمران بن حُصَين , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثين وعن أبي بَكْرَة , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثاً . وقد سمع ربْعِيُّ من علي بن أبي طالب وروى عنه .
وأسند نافع بن جُبَير بن مُطعِم , عن أبي شُريَح الخُزاعي , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا.
10- وأسند النعمان بن أبي عياش , عن أبي سعيد الخدري , ثلاثة أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
11- وأسند عطاءُ بن يزيد الليثيُّ , عن تمتم الداريّ , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا .
12- وأسند سليمان بن يسار , عن رافع بن خَدِيج , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا .
13- وأسند حُميَد بن عبدالرحمن الحِمْيَري , عن أبي هريرة , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث .
فكلّ هؤلاء التابعين , الذين نصبنا روايتهم عن الصحابة الذين سّميناهم , يُحفظ عنهم سماع علمناه منهم في رواية بعينها , ولا أنهم لقولهم في نفس خبر بعينه .
وهي أسانيد عند ذوي المعرفة بالأخبار والروايات من صحاح الأسانيد نعلمهم وهّنوا منها شيئا قط , ولا التمسوا فيها سماع بعضهم من بعض , إذ السماع لكل واحد منهم ممكن من صاحبه , غير مُستنكر , لكونهم جميعا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه .
(1/38) (1/41)
صفحة 42
وكان هذا القول الذي أحدثه القائل - الذي حكيناه في توهين الحديث , بالعلة التي وصف - أقلّ من أن يُعرّج عليه , ويُثار ذكره , إذ كان قولاً مُحدثاً وكلاما خلفاً - أس ساقطاً فاسداً يُرمى إلى الخلف - لم يقبله أحد من أهل العلم سلف , ويستنكره من بعدهم خلف , فلا حاجة بنا في ردّه بأكثر مما شرحنا , إذ كان قَدْرُ المقالة وقائلها القَدْر الذي وصفناه , والله المستعان على دفع ما خالف مذهب العلماء , وعليه التُّكْلان ) ا هـ(1) .
وهذا القول هو القول الحق الحقيق بالقبول لما رأيت من أدلّته
ومما يدلّ أيضا على أنه هو الحق أنه لم يستطع أحد من العلماء أن يحصر الرواة الذين رووا عن أكثر أئمة الحديث .
قال الحافظ ابن حجر في مقدمة " التهذيب " : ( ثم إن الشيخ - يعني الحافظ المزي صاحب " تهذيب الكمال " - قصد استيعاب شيوخ صاحب الترجمة واستيعاب الرواة عنه , ورتّب ذلك على حروف المعجم في كلّ ترجمة , وحصل من ذلك على الأكثر ؛ لكنه شيء لا سبيل إلى استيعابه ولا حصره , وسببه انتشار الروايات وكثرتها وتشعبها وسعتها , فوجد المتعنّت سبيلا إلى الاستدراك على الشيخ بما لا فائدة فيه جليلة ولا طائلة , فإن أجلّ فائدة في ذلك هو في شيء واحد؛ وهو إذا اشتهر أن الرجل لم يرو عنه إلاّ واحد , فإذا ظفر له براو آخر أفاد رفع جهالة عين ذلك الرجل برواية راويين عنه , فتتّبع مثل ذلك والتنقيب عليه مهم .
__________
(1) - صحيح مسلم ج1 ص 127 – 131 بشرح الإمام النووي .
(1/39) (1/42)
صفحة 43
وأما إذا جئنا إلى مثل سفيان الثوري وأبي داود الطيالسي ومحمد بن إسماعيل و .... و ..... وغير هؤلاء ممن زاد عدد شيوخهم على الألف ؛ فأردنا استيعاب ذلك تعذّر علينا غاية التعذّر , فإن اقتصرنا على الأكثر الأشهر بطل ادّعاء الاستيعاب , ولا سيما إذا نظرنا إلى ما رُوي لنا عن من لا يدفع قوله : أن يحيى بن سعيد الأنصاري - راوي حديث الأعمال - حدّث به عنه سبعمائة نفس , وهذه الحكاية ممكنة عقلاً ونقلاً , ولكن لو أردنا أن نتتبع من روى عن يحيى بن سعيد - فضلاً عمّن روى هذا الحديث الخاص عنه - لما وجدنا هذا القدر , ولا ما يقاربه ) اهـ المراد منه .
فلو كانت الرواية بالعنعنة لا تُقبل إلاّ ممن عُلم سماعه ممن روى عنه ولو أمكن سماعه منه ؛ لما قُبلت عنعنة من كان من هذا القبيل , وهذا مخالف لصنيع العلماء المتقدمين منهم والمتأخرين , وهذا كله على طريق التنزيل ؛ وإلا فإن سماع الإمام الربيع رحمه الله تعالى من الإمام أبي عبيدة وسماع الإمام أبي عبيدة من الإمام جابر مقطوع به .
هذا ومن المعلوم أن أكثر الروايات مروية بصيغة العنعنة في الطبقات العليا عند أكثر المحدثين من أرباب الصحاح والسنن وغيرهم , فإذا كانت الحشوية أو بعضهم لا يرون الاحتجاج بذلك ؛ فعليهم أن يردوا جميع الروايات المروية بصيغة العنعنة ولو كان أولئك الرواة الذين رووا الأحاديث بها غير مدلّسين , وبذلك يتبين لكم فساد هذا الاعتراض , والله المستعان .
2- عدالته :
(1/40) (1/43)
صفحة 44
كان الإمام الربيع رحمه الله تعالى ثقة عدلاً حافظاً ضابطاً متقناً , قال عنه الإمام أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني رحمه الله تعالى : ( الربيع بن حبيب رحمه الله تعالى طود المذهب الأشم , وعلم العلوم الذي إليه الملجأ في معضلات الخطب الأصم , ومن تُشدّ إليه حبال الرواحل وتُزم , صحب أبا عبيدة فاغترف من بحره الزاخر ؛ ولزم مجلسه فكان الأول والآخر , روى المسند المشهور ؛ المتعارف البركة على مرّ الدهور , وله في الفروع كلّ قول ومذهب ؛ أجوبته من المعتمدة في المذهب , باين من خالف من معاصريه أهل العدل والصواب ؛ ووقف في الإمامة والولاية والبراءة عند موافقة السنة والكتاب والصواب , عندنا في كلّ جوابه ؛ فإن سمعت بأصحابه فنحن – والحمد لله – أصحابه ) ا هـ(1) .
وقال البدر الشماخي رحمه الله تعالى : ( طود المذهب الأشم , وبحر العلوم الأصم, صحب أبا عبيدة وأفلح , وتصدّر بعده على الأفاضل فأنجح )(2) .
وقال قطب الأئمة محمد بن يوسف رحمه الله تعالى : ( الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي أزد عمان الفرهودي – وفرهود من قبيلة منها الخليل بن أحمد , وهو من غضفان من عمان من أرض الباطنة , وهو بحر العلم , روى عنه الصحيح الحديث محبوب ورواه عن محبوب ابنه محمد ) ا هـ(3) .
وقد ذكره أيضا كثير من أصحابنا من المتقدمين والمتأخرين , وأثنوا عليه الثناء الجميل , ووصفوه بالعدالة والضبط والإتقان والفقه والعفة والزهد والنزاهة .
ومن المعلوم المتقرر عند المحدثين والأصوليين أن العدالة تثبت بأحد أمرين اثنين :-
أولهما : أن ينص عليها عالمان من العلماء المعروفين بالبحث في أحوال الرواة, وقيل : يكفي ذلك ولو من واحد , وهو المشهور الراجح .
__________
(1) - الطبقات ج2 ص 273 .
(2) - السير ج1 ص 95 .
(3) - ورقة مخطوطة تكملة خارجة عن " المدونة " .
(1/41) (1/44)
صفحة 45
والثاني : أن تستفيض عدالته : فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم , وشاع الثناء عليه وذاع , لا يحتاج بعد ذلك إلى معدل ينص عليها .
قال السيوطي في ألفيته ص 97 , 98 :
واثنان إن زكاه عدل والأصح ** إن عدل الواحد يكفي أو جرح
أو كان مشهورا وزاد يوسف ** بأن كل من بعلم يعرف
عدل إلى ظهور جرح وأبوا ** ............................ الخ
قال الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه على هذه الأبيات : ( تثبت عدالة الراوي بأن ينص عليها واحد من العلماء المعروفين بالبحث في أحوال الرواة , هذا هو الراجح(1) , وذهب ابن الصلاح إلى اشتراط تزكية اثنين من العلماء .
وهذا في غير من استفاضت عدالتهم , واشتهروا بالتوثيق والاحتجاج بهم بين أهل العلم , وشاع الثناء عليهم ؛ مثل مالك والشافعي وشعبة والثوري وابن عيينة وابن المبارك والأوزاعي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وابن المديني , ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر , فلا يُسأل عن عدالة هؤلاء ؛ إنما يُسأل عن عدالة من خفي أمره , وقد سئل أحمد بن حنبل عن إسحاق بن راهوية ؛ فقال : مثلي يُسأل عن أبي عبيد ؟ أبو عبيد يُسأل عن الناس .
__________
(1) - هو الذي ذهب إلى جمهور العلماء , كما حكاه عنهم الآمدي وابن الحاجب والصفي الهندي والعضد والتاج السبكي وابن مفلح وابن النجار , وصححه جماعة من المحققين منهم القاضي الباقلاني والفخر الرازي والآمدي والصفي الهندي وابن السبكي والزركشي والكمال والعراقي والحافظ ابن حجر وغيرهم , وهو الذي رجحه ابن الصلاح ص138 , أما قوله ص134 ثبت بتنصيص المعدلين فهو بصيغة الجمع ومراده بذلك جنس المعدلين لا كما توهم النووي وابن الملقن والسيوطي وأحمد شاكر أنه بصيغة التثنية فافهم .
(1/42) (1/45)
صفحة 46
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني : ( والشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية إذا لم يكونا مشهورين بالعدالة والرضا ؛ وكان أمرهما مشكلا ملتبسا ؛ ومجوزا فيهما والعدالة وغيرها , والدليل على ذلك : أن العلم بظهور شهرتهما واشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة )(1) ا هـ .
وهذان الأمران متوفران في الإمام الربيع – رضوان الله تعالى عليه – أما الأمر الأول فبيانه:
أن جماعة من أصحابنا – رضوان الله تعالى عليهم – قد وثقوه وعدلوه ووصفوه بما يدل على الحفظ والضبط والإتقان – كما تقدم – ولو لم يكن من ذلك إلا قول شيخه الإمام أبي عبيدة رحمه الله تعالى عنه ( فقيهنا وإمامنا وتقينا )(2) لكان كافيا للحكم بعدالته وضبطه وإتقانه وسعة علمه ورسوخ قدمه – رضوان الله تعالى عليه - .
على أن الأصحاب – رضوان الله تعالى عليهم – لم ينفردوا بتوثيقه ؛ بل وثقه بعض فطاحل العلماء من غيرهم , كما سيأتي بيانه قريبا بإذن الله تعالى .
وأما الأمر الثاني فواضح جداً : فإنك لا تكاد تطالع كتابا من كتب الأصحاب في التفسير أو الفقه أو السير والتواريخ إلا وترى عبارات الإكبار والإجلال تنصبّ عليه – رضوان الله عليه – وهذا مما يدل على علو قدره , وعظم منزلته عندهم .
3- أهم الأسباب التي أدت إلى عدم ذكر الإمام الربيع رحمه الله تعالى ضمن المحدثين :-
اعلم أن الأسباب التي أدت إلى عدم ذكر الإمام الربيع رحمه الله تعالى عند المحدثين والمؤرخين تتلخص في النقاط التالية :-
__________
(1) - تعليقات الشيخ أحمد شاكر على ألفية السيوطي .
(2) - الطبقات للدرجيني ج2 ص 276 .
(1/43)
ظلم الحكام الذين تسلطوا على الأمة الإسلامية في ذلك العصر وسياستهم الجائرة , بما أملوه في نفوس الجماهير – الذين يرون وجوب طاعتهم – من الكراهية والبغض ضدّ أولئك الذين لا يرون هذا الرأي ؛ بل يرون مشروعية الخروج عليهم والخلاص من ظلمهم(1) (1/46)
صفحة 47
__________
(1) - وهذا هو المسلك الذي سلكه الصحابة والتابعون وبعض العلماء المحققين الذين جاءوا بعدهم . قال الإمام الجصاص في كتابه القيم " تفسير آيات الأحكام " ج1 ص 69 – 71 عند تفسيره لقول الله تعالى : ( لا ينال عهدي الظالمين ) ( البقرة : 124 ) قال : ( دل على أن الإجابة قد وقعت له في أن في ذريته قال : ( لا ينال عهدي الظالمين ) فأخير أن الظالمين من ذريته ولا يكونون أئمة ولا يجعلهم موضع الاقتداء بهم . وقد روي عن السدي في قوله تعالى : ( ولا ينال عهدي الظالمين ) أنه النبوة , وعن مجاهد أنه أراد أن الظالم لا يكون إماما , وعن ابن عباس أنه قال : ( ولا يلزم الوفاء بعهد الظالم فإذا عقد عليك في ظلم فانقضه ) وقال الحسن : ( ليس لهم عند الله عهد يعطيهم عليه خيرا في الآخرة ) .
قال أبو بكر : جميع ما روي من هذه المعاني يحتمله اللفظ , وجائز أن يكون جميعه مراد الله تعالى , وهو محمول على ذلك عندنا , فلا يجوز أن يكون الظالم نبيا ولا خليفة لنبي ولا قاضيا ولا من يلزم الناس قبول قوله في أمور الدين من مفتن أو شاهد أو مخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خبرا , فقد أفادت الآية أن شرط جميع من كان في محل الائتمام به في أمر الدين العدالة الصلاح . (1/47)
صفحة 48
وهذا يدل أيضا على أن أئمة الصلاة ينبغي أن يكونوا صالحين غير فساق ولا ظالمين لدلالة الآية على شرط العدالة لمن نصب منصب الائتمام به في أمور الدين ؛ لأن عهد الله هو أوامره فلم يجعل قبوله عن الظالمين منهم وهو ما أودعهم من أمور دينه وأجاز قولهم فيه وأمر الناس بقبوله منهم الاقتداء بهم فيه , ألا ترى إلى قوله تعالى : ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوا مبين ) ( يس آية 60 ) يعني أقدم إليكم الأمر به , وقال تعالى : ( الذين قالوا إن الله عهد إلينا ) ومنه عهد الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم إنما هو ما يتقدم به إليهم ليحملوا الناس عليه ويحكموا به فيهم , وذلك لأن عهد الله إذا كان إنما هو أوامره , لم يخل قوله ( لا ينال عهدي الظالمين ) من أن يرد أن الظالمين غير مأمورين أو أن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منه أوامر الله تعالى وأحكامه ولا يؤمنون عليها , فلما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم , وأنهم إنما استحقوا سمة الظلم لتركهم أوامر الله ثبت الوجه الآخر وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير مقتدى بهم فيها فلا يكونون أئمة في الدين .
فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق وأنه لا يكون خليفة , وأن من نصب نفسه في هذا المنصب وهو فاسق لم يلزم الناس إتباعه ولا طاقته , وكذلك قال النبي - عليه السلام - : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) ودل أيضا على أن الفاسق لا يكون حاكما , وأن أحكامه لا تنفذ إذا ولي الحكم , وكذلك لا تقبل شهادته ولا خبره إذا أخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا فتياه إذا كان مفتيا , وأنه لا يقدم للصلاة , وإن كان لو قدم واقتدى به المقتدي كانت صلاته ماضية , فقد حوى قوله تعالى : ( لا ينال عهدي الظالمين ) هذه المعاني كلها . (1/48)
صفحة 49
ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة تجويز إمامة الفاسق وخلافته , وإنه يفرق بينه وبين الحاكم فلا يجيز حكمه , وذكر ذلك عن بعض المتكلمين وهو المسمى زرقان , وقد كذب في ذلك , قال بالباطل , وليس هو أيضا ممن تقبل حكايته .
ولا فرق عند أبي حنيفة بين القاضي وبين الخليفة في أن شرط كل واحد منهما العدالة , وأن الفاسق لا يكون خليفة , ولا يكون حاكما , كما لا تقبل شهادته , ولا خبره لو روى خبرا عن النبي - عليه السلام - وكيف يكون خليفة وروايته غير مقبولة وأحاكمه غير نافذة ؟ وكيف يجوز أن يدى ذلك على أبي حنيفة ؛ وقد اكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على القضاء وضربه فامتنع عن ذلك , وحبسه فلج بن هبيرة وجعل يضربه كل يوم اسواطا , فلما خيف عليه قال له الفقهاء : تولى شيئا من أعماله أي شيء كان حتى يزول عنك هذا الضرب . فتولى له عد أحمال التبن الذي يدخل فخلاه , ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك فأبى فحبسه حتى عدى له اللبن الذي كان يضرب لسور مدينة بغداد . (1/49)
صفحة 50
وكان مذهبه مشهورا في قتال الظلمة وأئمة الجور , ولذلك قال الأوزاعي : ( احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف - يعني قتال الظلمة - فلم نحتمله ) وكان من قوله : ( وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض بالقول , فإن لم يؤتمر له فبالسيف على ما وري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وسأله إبراهيم الصايغ - وكان من فقهاء أهل خراسان ورواية الأخبار ونساكها - عن المر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ فقال : هو فرض , وحدثه بحديث عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب , ورجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف والنهي عن المنكر فقتل ) فرجع إبراهيم إلى مرو وقام إلى أبي مسلم صاحب الدولة فأمره ونهاه وأنكر عليه ظلمه وسفكه الدماء بغير حق , فاحتمله مرارا ثم قتله . وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة وفي عمله المال إليه وفتياه الناس سرا في وجوب نصرته والقتال معه , وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبدالله بن حسن , وقال لأبي إسحاق الفزاري حين قال له : لم أشرت على أخي بالخروج مع إبراهيم حتى قتل ؟ قال : مخرج أخيك أحب إليّ من مخرجك . وكان أبو إسحاق قد خرج إلى البصرة , وهذا إنما أنكره علىّ أغمار أصحاب الحديث الذين بهم فقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تغلب الظالمون على أمور الإسلام . (1/50)
صفحة 51
فمن كان هذا مذهبه بالأمر عن المعروف والنهي عن المنكر كيف يرى إمامة الفاسق ؟ فإنما جاء غلط من غلط في ذلك إن لم يكن تعمد الكذب من جهة قوله وقول سائر من يعرف قوله من العراقيين : إن القاضي إذا كان عدلا في نفسه فولي القضاء من قبل إمام جائر ؛ أن أحكامه نافذة وقضاياه صحيحة وأن الصلاة خلفهم جائزة مع كونه فساق وظلمه وهذا مذهب صحيح , ولا دلالة فيه على أن من مذهبه تجويز إمامة فاسق ؛ وذلك لأن القاضي إذا كان عدلا فإنما يكون قاضيا بأن يمكنه تنفيذ الأحكام , وكانت له يد وقدره على من امتنع من قبول أحكامه حتى يجبره عليها , ولاعتبار في ذلك من ولاه ؛ لن الذي ولاه إنما هو بمزلة سائر أعوانه , وليس شرط أعوان القاضي أن يكونوا عدولا , ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضى بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعوان له على من امتنع من قبول أحكامه فكان قضاءه نافذا ؛ وإن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان . وعلى هذا تولى شريح وقضاة التابعين من قبل بني أمية , وقد كان شريح قاضيا بالكوفة إلى أيام الحجاج , ولم يكن في العرب ولا في آل مروان أظلم ولا أكفر ولا أفجر من عبدالملك , ولم يكن في عماله أكفر ولا أظلم ولا أفجر من الحجاج , وكان عبد الملك أول من قطع ألسنت الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , صعد المنبر فقال : ( إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا بالخليفة المصانع - يعني معاوية - وإنكم تأمروننا بأشياء تنسونها في أنفسكم , والله لا يأمرني أحد بعد مقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه ) . وكانوا يأخذون الأرزاق من بيوت أموالهم , وقد كان المختار الكذاب يبعث إلى ابن عباس وحمد ابن الحنيفة وابن عمر بأموال فيقبلونها , فذكر محمد بن عجلان على القعقاع قال : ( كتب عبدالعزيز بن مروان إلى ابن عمر : ارفع إليّ حوائجك . (1/51)
صفحة 52
فكتب إليه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن اليد العلى خير من اليد السفلى ) وأحسب أن اليد العلى يد المعطي , وأن اليد السفلى يد الآخذ , وإني لست سائلك شيئا , ولا رادا عليك رزقك رزقيه الله منك والسلام ) .
وقد كان الحسن وسعيد بن كبير والشعبي وسائر التابعين يأخذون أرزاقهم من أيدي هؤلاء الظلمة , لا على أنهم كانوا يتولونهم ولا يرون إمامتهم , وإنما كانوا يأخذونها على أنها حقوق لهم في أيدي قوم فجرة , وكيف يكون ذلك على وجه موالاتهم ؛ وقد ضربوا وجه الحجاج بالسيف , وخرج عليه من القراء أربعة آلاف رجل هم خيار التابعين وفقهاؤهم فقاتلوه مع عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث بن الأهواز ثم بالبصرة ثم بدير الجماجم من ناحية الفرات بقرب الكوفة , وهم خالعون لعبدالملك بن مروان لاعنون لهم متبرءون منهم ؟ وكذلك كان سبيل من قبلهم مع معاوية حين تغلب على الأمر )) اهـ المراد منه .
وهو من الحسن بمكان , بل هو الحق الذي ليس وارءه إلا الباطل , وقد دلت على ذلك ادلة كثيرة من الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة وهو الذي جرى عليه عمل السلف الصالح وإنني لأعجب كل العجب من هؤلاء الحشوية كيف يعيبون على أهل الحق والاستقامة هذا القول , ولا يعيبون ذلك على الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم ممن ذهبوا إلى هذا المذهب ؟ وكيف يطلقون لفظ " الخوارج " على أهل الحق والاستقامة ولا يطلقونه على من خرج على الأئمة والملوك كعائشة والزبير وطلحة ومن كان معهم في خروجهم على علي - كرم الله وجه - في معرجة الجبل , وعلى معاوية وعمرو بن العاص ومن كان معهما في صفين , وعلى الحسين بن علي وابن الزبير وعلى أهل الحرة في خروجهم على يزيد الفاجر , وعلى ابن الأشعث ومن معه من سادات التابعين وأتباعه في خروجهم على عبدالملك بن مروان , وعلى العباسيين في خروجهم على مروان الحمار ........... الخ .
فمن هناك تردي أن الأهوا تقوده لا الحق حين يروى (1/52)
صفحة 53
يأب الفتى إلا اتباع الهوى ومنهج الحق له واضح
هذا واعلم أن الإباضية لا يقولون بشرك الإمام الجائر , وأما ما يدعيه الحشوية أن بعضهم من أن الإباضية يحكمون بالشرك على الإمام الجائر فهو فرية بلا مرية , واستدلال بعضهم على ذلك بقول الإمام أبي حمزة الشاري رضي الله عنه ( الناس منا ونحن منهم ؛ إلا ثلاثة : مشرك بالله عابد وثن , وكافرا من أهل الكتاب , وإمام جائرا يحكم بغير ما انزل الله ) استدلال فاسد لا يصدر ممن شم ولو مرة في حياته رائحة العلم أو كان له مقدار حبة خردل من الفهم , وذلك لأن قول الإمام أبي حمزة رحمه الله تعالى لا يستفاد منه ذلك , لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام ولا بأي وجه من وجوه الدلالة المعتبر , اللهم إلا أن يقال أن ذلك يؤخذ من دلالة الإقتران , ومع أن هذه الدلالة من أضعف الدلالة عند الأصوليين , بل ولم يؤخذ بها إلا من شذ منهم , فقد قامت القرينة هنا على عدم أرادت ذلك حتى عند من يقول بجواز الاستدلال بها , ولا خلاف أنه لا يستدل بها إذا قامت قرينة على عدم اعتبارها. (1/53)
صفحة 54
هذا وإذا تقرر لك ذلك فاعلم أن كلام أبي حمزة رحمه الله تعالى هذا أخذه من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من غشنا فليس منا ) وهو حديث صحيح ثابت , بل عده بعضهم من قبيل المتواتر , ولا يخفى على من له مسكه من عقل أنه لا يوجد غش أعظم من غش الأمة قاطبة وأنه لا يوجد غش ولا ظلم بعد الشرك بالله أعظم من عدم الحكم بما انزل الله تعالى , وإن مما يستغرب منه حقا أن يقول رجل يقرأ كتاب الله وشيء من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يجوز الخروج على الملوك الجوره ( من أمثال ملوك بني أمية ما لم يأتوا كفرا بواحا , ولو تركوا الحكم بما أنزل الله وعطلوا الشرع الشريف وتركوا جميع الواجبات باستثناء الشهادتين , وارتكبوا جميع المحرمات وانتهكوا الأعراض ...... الخ , فإنا لله وإنا إليه راجعون , فلا حي الله أمثال هؤلاء المتعالمين , ولا بياهم , ولا صبحهم بخير , ولا مساهم . (1/54)
صفحة 55
وإن مما يتعجب منه أيضا أن يقول العشوية المجسمة إن أهل الحق والاستقامة يكفرون المسلمين ؛ مع أن الحشوية هم الذين كفروا المسلمين وقتلوهم وسلبوهم واستباحوا أموالهم وانتهكوا أعراضهم , كما تجد ذلك في عنوان مجدهم ( المراد به كتاب " عنوان المجد " ) وغيره , ولا أريد هنا أن أنقل شيء من ذلك وإنما اكتفي بنقل نص واحد عن أئمتهم كفر فيه عالما من علماء المسلمين وفحلا من فحول المتحدثين , فقد قال الخلال في سنته التالفة ج1 ص 243 عن الإمام الترمذي : ( وقال محمد بن يونس البصري : إن هذا الرجل المعروف بالترمذي قد تبين لنا ولأصحابنا بدعته وإلحاده في الدين , ورد الآثار التي يحتج بها على الجهمية .......... الخ ) . وقال ناقلا : إن هذا الترمذي الجهمي الراد لفضيلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .......... الخ ) وقال ص237 : وقال أبو علي إسماعيل ابن إبراهيم الهاشمي إن هذا المعروف بالترمذي مبتدع جهمي ........... ومن رد فضيلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو عندنا كافر مرتد عن الإسلام . والمراد بهذه الفضيلة - بحسب زعمهم - جلوس النبي - صلى الله عليه وسلم - بجنب الله تعالى على العرش , تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا , ومعنى ذلك أنهم يحكمون بهذا الحكم ( الفسق ) على كل من قال بقول الإمام الترمذي هذا فالله المستعان.
(1/44)
, وإرجاع الأمر إلى ما كان عليه في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين , حيث أطلق أولئك الملوك الجورة على هذه الطائفة التي تنادي بالتخلص من هؤلاء الحكام الظلمة وتحكيم كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفظ " الخوارج " . (1/55)
صفحة 56
وإن مما يستغرب منه حقا أن ينبري علماء أعلام آتاهم الله قسطا وافرا من العلم للدفاع عن هؤلاء الملوك الجورة ؛ بتحسين سيرتهم وتصويب آرائهم ونصرة باطلهم وتفسيق وتضليل وتبديع مناوئيهم إلى غير ذلك , كما تراه مسطورا في كتب التاريخ وغيرها , وعند الله تجتمع الخصوم .
عدم مصانعة الإمام الربيع رحمه الله تعالى للسلطات الجائرة : التي لاقى منها علماء الأمة وصالحوها في القرون الثلاثة الأولى كل عنت واضطهاد , فمنهم من ضُرب بالسياط وعُذب , ومنهم من سُجن , ومنهم من نُفي , ومنهم من قُتل ... إلى غير ذلك من العقوبات التي تعرض لها خيار الأمة في تلك العصور .
(1/45)
اعتبار الإباضية إحدى فرق الخوارج المبتدعة الضالة : ولما كان الإمام الربيع رحمه الله تعالى من زعماء هذه الحركة وأعلامها بعد تأسيسها على يد الإمام جابر بن زيد وتلميذه أبي عبيدة رضوان الله تعالى عليهما – وهما شيخان للربيع رحمه الله كما تقدم – اعتبره بعض المحدثين مبتدعا داعيا لبدعته ؛ فتجنبوا الرواية عنه , ولم يهتموا بمسنده لأنهم اشترطوا فيمن يؤخذ عنه الحديث ألا يكون مبتدعا داعيا لبدعته ؛ ولا يخفي عليكم أن هذه القاعدة غير مسلم بها ؛ لأنها إنما وُضعت من زاوية ضيقة محصورة في نطاق المذاهب الأربعة فقط , ومع ذلك فهم لم يتفقوا عليها , بل الخلاف شائع بينهم فيها , على أنه لا يوجد عليها دليل ولا شبهة دليل ؛ بل الأدلة قاضية ببطلانها وفسادها وإنني لأعجب كل العجب من أولئك الذين يردون روايات من يعتقد أن الكذب كبيرة من كبائر الذنوب التي تخلد صاحبها في نار جهنم ما لم يتب منها , ويحتجون بروايات ابن بطة والعشاري وابن كادش وغيرهم من الكذابين الدجالين ؛ والضعفاء والمتروكين والمختلطين والمدلسين , وبروايات أولئك الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الملوك الجائرين وعمالهم المفسدين الضالين المضلين. (1/56)
صفحة 57
عزلة فرضها الإمام الربيع رحمه الله تعالى على نفسه : بإغلاق الباب في وجوه طلبة العلم من غير أصحابه ؛ خشية أن يشيع أمره ؛ فيطلب لما هو أعظم ؛ فيفتن كما فتن غيره .
قلة مصادر تاريخ الإباضية : بذهاب كثير منها نتيجة الظلم والغش والتعصب والحسد من مناوئيهم .
هذه هي الأسباب التي أدت إلى تجاهل المحدثين للإمام الربيع رحمه الله تعالى ولكثير من الإباضية.
4- توثيق الربيع رحمه الله من بعض المحدثين :-
(1/46)
ومع ذلك فقد ذكر جماعة من المحدثين من غير الإباضية الإمام الربيع رحمه الله تعالى ووثقوه , فقد ذكره الإمام أحمد بن حنبل في كتاب " العلل ومعرفة الرجال " في ترجمة الهيثم بن عبد الغفار الطائي(1) فقال : يقدم علينا من البصرة رجل يقال له الهيثم بن عبد الغفار الطائي يحدثنا عن همام عن قتادة رأيه , وعن رجل يقال له الربيع بن حبيب عن ضمام عن جابر بن زيد ..... الخ .
وذكره في موضع آخر فقال : ( ما أرى به بأسا )(2) وذكر أيضا ابن حبان في " الثقات "(3) , والإمام البخاري في " التاريخ الكبير "(4) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا ؛ ومن عادته ذكر الجرح والمجروحين غالبا .
وقد رأينا هؤلاء كثيرا ما يستدلون بسكوت البخاري عن رجل ما على توثيقه , والأمثلة على ذلك عنهم كثيرة , أكتفي هنا بمثال واحد :
قال ابن القيم في " زاد المعاد " عند ذكره لحديث عثمان بن عفان الذي فيه : أنه صلى بمنى أربع ركعات , فأنكره الناس عليه , فقال : أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم ) .
قال ابن القيم : ( وقد أعله البيهقي بانقطاعه وضعف عكرمة بن إبراهيم (5) .
قال أبو البركات ابن تميمة : ويمكن المطالبة بسبب الضعف , فإن البخاري ذكره في تاريخه ولم يطعن فيه , وعادته ذكر الجرح والمجروحين )(6) .
__________
(1) - العلل ومعرفة الرجال ج2 ص 56 .
( (1/57)
صفحة 58
2) - المصدر السابق ج2 ص 492 ترجمة رقم 3241 .
(3) - الثقات لابن حبان ج6 ص 299 .
(4) - التاريخ الكبير للبخاري 2 / 1 / 253 .
(5) * ) تنبيه : عالم أن عكرمة الذي في إسناد هذا الحديث هو الباهلي لا الأزدي , كما توهم البيهقي وابن تميمة وابن القيم والحافظ ابن حجر , كما أوضحت ذلك في " الحق المبين " .
(6) - زاد المعاد ج1 ص 470 والمراد بابن تميمة هنا الجد .
(1/47)
هذا ما قاله ابن تميمة من صحة الاعتماد في الاحتجاج على سكوت البخاري , مع أن عكرمة هذا قال عنه يحيى وأبو داود : ليس بشيء . وقال النسائي : ضعيف , وققال مرة ليس بثقة . وقال ابن حبان : كان ممن يقلب الأخبار ويرفع المراسيل لا يجوز الاحتجاج به . وقال يعقوب بن سفيان : منكر الحديث .
وقال البراز : لين الحديث . وقال الحكم أبو أحمد : ليس بالقوي . وقال البيهقي : ضعيف . وقال العقيلي : في حديثه اضطراب .
وذكره ابن الجارود وابن شاهين في الضعفاء .
وإذا كان ابن تميمة وابن القيم قد اعتمدا على سكوت البخاري عن عكرمة ؛ وفيه ما رأيت من التضعيف ؛ أفلا يصح لنا أن نعتمد على سكوته عن الربيع رحمه الله تعالى الذي وثقه جماعة من الثقات الأثبات , ولم يقدح فيه أحد بشيء .
- - ? -
الفصل الرابع
ذكر الاعتراضات التي اعترض بها على المسند الصحيح ألفه الإمام الربيع رحمه الله .. ودحضها :
أن الإمام الربيع رحمه الله تعالى وشيخه أبا عبيدة – رحمهما الله – مجهولان ؛ إذ لا ذكر لهما في كتب الرجال والسير والتواريخ .
أن أبا عبيدة رحمه الله تعالى لم يلق جابرا - رضي الله عنه - والربيع لم يلق أبا عبيدة , فالإسناد منقطع من موضعين .
أن هذا المسند لم يصنفه الربيع رحمه الله تعالى بل هو من تصنيف شخص آخر .
أنه توجد في المستند أحاديث ضعيفة .
أن الربيع رحمه الله تعالى روى أحاديث عن عبادة مباشرة ... وروى حديثا عن أبي أيوب مباشرة .
الإعضال في رواية أبي عبيدة - رضي الله عنه - . (1/58)
صفحة 59
أنه توجد في المسند بعض الأحاديث الدالة على إثبات أو نفي بعض المسائل الإعتقادية التي لم تكن موجودة في القرن الثاني , وإنما حدثت في القرنين الثالث والرابع .
أن في المسند بعض الأحاديث التي فيها تكفير مرتكبي الكبائر من أهل القبلة .... الخ .
- - ? -
الفصل الرابع
(1/48)
- ذكر الاعتراضات(1) التي اعترض بها على المسند الصحيح ألفه الإمام الربيع رحمه الله .. ودحضها -
الاعتراض الأول :
أن الإمام الربيع رحمه الله تعالى وشيخه الإمام أبا عبيدة – رحمهما الله – مجهولان ؛ إذ لا ذكر لهما في كتب الرجال والسير والتواريخ .
والجواب عن هذا الاعتراض قد تقدم في الفصول المتقدمة فلا داعي لإعادته مرة ثانية .
وقد علمت – مما تقدم – أن مثل هذا الاعتراض إن دل على شيء فإنما يدل على جهل صاحبه وقلة اطلاعه وقصر باعة ؛ حيث أنه ضن أن علم التعديل والتجريح والتضعيف والتصحيح من اختصاص فرقة واحدة من الفرق دون سواها ؛ فمن عرفته هذه الفرقة فذاك وإلا فهو مجهول لا تقبل له رواية , وما صححته فهو صحيح وإلا فهو موضوع لا تقوم به حجة .
وهذا في حقيقة الواقع لم يقل به أحد من العلماء , ولو قدر أن أحدا ممن يدعي العلم أو ينسب إليه قال به وثبت ذلك عنه ؛ فهو دليل على أنه جاهل لهذا العلم , بل وبهذه الشريعة جهلا فضيعا , وأعجب من جهله حكاية من يحكي عنه الخلاف في كتب الشريعة ؛ فإنه إنما يعتد بخلاف المجتهدين , لا بخلاف من بلغ في الجهل إلى هذه الغاية .
هذا وقد قدمنا هناك أن الإمام يحيى بن معين قال عن الإمام أبي عبيدة رحمه الله تعالى : " ليس به بأس " , وقدمنا أن ابن معين إذا قال عن راوي من الرواة " لا بأس به " أو " ليس به بأس " فهو ثقة عنده , وأن قوله " لا بأس به " أو " ليس به بأس " بمنزلة قوله ثقة ؛ كما نص على ذلك بنفسه كما نقله عنه الحافظ السخاوي , ونقله أيضا ابن الصلاح وابن جماعة والحافظ ابن حجر .
__________
( (1/59)
صفحة 60
1) - ذكرنا هذه الاعتراضات وأجبنا عنها لعلاقتها الماسة بهذا البحث ؛ لأنه لا يمكن أن يحكم بثقة الإمام الربيع رحمه الله تعالى وضبطه وإتقانه إذا قدرنا صحة بعض هذه الاعتراضات كما لا يخفى , كما أنه لا يمكن أن يحكم بصحة أحاديثه في المسند على تقدير صحة بعض الاعتراضات الأخرى .
(1/49)
وأزيد هنا أن ابن معين لم يتفرد بهذا الاصطلاح ؛ بل وافقه عليه جماعة من المتقدمين ؛ ومنهم دحيم وأبو حاتم ويعقوب بن سفيان وأحمد ابن حنبل وآخرون .
قال السخاوي في " فتح المغيث شرح ألفية الحديث " ج1 ص 396 بعدما ذكر كلام ابن معين المتقدم : ( ونحوه قول أبي زرعة الدمشقي , قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم – يعني الذي كان في أهل الشام كأبي حاتم في أهل المشرق - : ما تقول في علي بن حوشب الفزاري ؟ قال : لا بأس به , قال : فقلت : ولم لا تقول ثقة ولا تعلم إلا خيرا ؟ قال : قد قلت لك إنه ثقة ) أهـ .
وقال الحافظ ابن حجر في " تعجيل المنفعة " ص14 في ترجمة إبراهيم بن أبي حرة النصييي : ( وقد وثقه أبو حاتم فقال : لا بأس به ) أ هـ .
وقال في " تهذيب التهذيب " ج2 ص396 في ترجمة حطان بن خفاف الجرمي: ( ...وقال يعقوب بن سفيان: ثقة لا بأس به ) ا هـ.
وقال في " تهذيب التهذيب " أيضا ج2 ص419، 420 في ترجمة ابن حفص بن ميسرة العقيلي: ( قال أحمد ليس به بأس ثقة و....و.... وقال يعقوب بن سفيان: ثقة لا بأس به)أهـ.
وقال في " التهذيب " أيضا ج8 ص348 في ترجمة قبيصة بن عقبة السوائي: ( قال أحمد: كان قبيصة رجلا صالحا ثقة لا بأس به ) أهـ.
وبذلك يتبين لك أن قول أحمد عن الربيع " لا أرى به باسا " قريب من قوله " ثقة" وقد قدمنا أن ابن حبان قد ذكره في كتاب " الثقات " ، وأن البخاري أورده في تاريخه؛ ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. (1/60)
صفحة 61
وقد احتج كثير من العلماء بتوثيق ابن حبان إذا كان الراوي الذي وثقه لم يأت بما ينكر عليه، كما أنهم احتجوا بمن سكت عنه البخاري، وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
احتجاج بعض العلماء بتوثيق ابن حبان:
(1/50)
لقد وثق جماعة من العلماء طائفة كبيرة من الرواة الذين لم يوثقهم أحد غير ابن حبان، واكتفي هنا بذكر خمسة عشرة راويا لم يوثقهم غير ابن حبان، وقد أقره على ذلك الحافظ الذهبي في " الكاشف " ، وخمسة عشر ممن وثقهم ابن حبان أيضا، وأقره على توثيقهم الحافظ ابن حجر في " التقريب ":
أ- أمثلة الرواة الذين انفرد بتوثيقهم ابن حبان ووثقهم الحافظ الذهبي في " الكاشف ":
إسماعيل بن إبراهيم الكرابيسي.
إسماعيل بن بهرام الوشاء.
إسماعيل بن صبيح اليشكري.
الحسن بن يحيى الرزي البصري.
زائدة بن نشيط.
الزبير بن الوليد الشامي.
سليمان بن عمرو بن الأحوص الأزدي الكوفي.
شراحيل بن يزيد المعافري.
شريح بن أرطأة النخعي.
صالح بن أبي عريب الحضرمي.
عبدالله بن إسحاق الناقد.
عبدالله بن عصمة الجشمي.
عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب.
عبد الملك بن نوفل بن مساحق.
عبد الوارث بت عبيد الله العتكي المروزي.
ب- أمثلة الرواة الذين انفرد بتوثيقهم ابن حبان ؛ ووثقهم الحافظ ابن حجر في " التقريب ":
خبيب بن عبدالله بن الزبير.
رافع بن سلمة بن زياد بت أبي الجعد الغطافي.
علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
شريك بن حنبل العبسي الكوفي.
طلحة بن عبدالله بن عثمان التيمي.
طليق بن محمد بن السكن الواسطي البزار.
عبدالله بن إسحاق الجوهري البصري.
عبيدالله بن عبدالله بت أبي ثور.
عتبة بن مسلم المدني التيمي مولاهم.
عمار بت طالوت بن عباد الجحدري.
عمرو بن الضحاك بن مخلد البصري.
عمرو بن عيسى الضبعي الأدمي.
هريم بن عبد الأعلى بن الفرات الأسدي.
يزيد بن حمير اليزني الحمصي.
أبو عبدالله الأشعري.
احتجاج بعض العلماء بسكوت البخاري: (1/61)
صفحة 62
احتج كثير من العلماء بسكوت البخاري وأبي حاتم، وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
(1/51)
قدمنا عن ابن تيمية الجد أنه احتج بحديث فيه عكرمة بن إبراهيم؛ حيث قال: ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإن البخاري ذكره في تاريخه؛ ولم يطعن فيه، وعادته ذكر الجرخ والمجروحين. وأقره على ذلك ابن القيم والشوكاني.
قال ابن كثير – بعدما ذكر في ستده موسى بن جبير - : ( ذكره ابن أبي حاتم في كتاب " الجرح والتعديل " ولم يحك فيه شيئا من هذا ولا هذا فهو مستور الحال ) أهـ.
الإمام الزركشي، فقد قال في " الدرر المنثورة " عن موسى بن جبير هذا: ( ذكره ابن أبي حاتم في كتاب " الجرح والتعديل " ولم يحك فيه شيئا، فهو مستور الحال )أهـ.
ومن المعلوم أن مستور الحال قد احتج به كثير من العلماء:
قال السخاوي في كتاب " الغاية في شرح الهداية في علم الرواية " بحث المجهول: ( وثالثها – أي أحوال المجهول- مجهول الحال في العدالة باطنا لا ظاهرا لكونه علم عدم الفسق فيه؛ ولم اعلم عدالته لفقدان التصريح بتزكيته، فهذا معنى إثبات العدالة الظاهرة ونفي العدالة الباطنة؛ لأن المراد بالباطنة ما في نفس الأمر؛ وهذا هو المستور، والمختار قبوله وبه قطع سليم الرازي، قال ابن الصلاح: ويشبه أن يكون عليه العمل في كثير من كتب الحديث المشهورة فيمن تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة لهم ) أهـ المراد منه.
وقال الحافظ السيوطي في " التهذيب ": ( ورواية المستور؛ وهو عدل الظاهر مجهول العدالة باطنا؛ يحتج بها من رد الأول – يعني مجهول العدالة ظاهرا وباطنا – وهو قول بعض الشافعيين، قال الشيخ ابن الصلاح في معرفة أنواع علوم الحديث؛ في النوع الثالث والعشرين: ( ويشبه أن يكون العمل على هذا في كثير من كتب الحديث في جماعة من الرواة تقادم العهد بهم وتعذرت خبرتهم باطنا ) وكذا صححه المصنف – يعني الإمام النووي – في " شرح المهذب " )أهـ.
(1/52) (1/62)
صفحة 63
وقال الحافظ الذهبي في " الموقظة " : ( وقد اشتهر عند طوائف من المتأخرين إطلاق اسم " الثقة " على من لم يجرح مع ارتفاع الجهالة عته، وهذا يسمى مستورا، ويسمى محلة الصدق، ويقال فيه شيخ )أهـ.
وقال في " الميزان " ج1 ص556 في ترجمة حفص بن بغيل: (( قال ابن القطان: ( لا يعرف له حال ولا يعرف ) قلت – والقائل الذهبي - : لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا، فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره ما يدل على عدالته، وهذا شيء كثير؛ ففي الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون، ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل )) أهـ.
وقال أيضا في " الميزان " ج3 ص426 في ترجمة مالك بن الخير الزبادي المصري: (( قال ابن القطان: ( هو ممن لم تثبت عدالته ) يريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة، وفي رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدا نص على توثيقهم، والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه؛ أن حديثه صحيح )) أهـ.
وقال الإمام السندي بعد ما ذكر حديثا رواه الحاكم والبيهقي: ( ومسند هذا الحديث صحيح؛ لأنهما روياه عن إسماعيل بن الفضل عن عيسى بن جعفر عن سفيان الثوري عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال، فأما من فوق عيسى بن جعفر فلا كلام فيهم؛ فإنهم حفاظ ثقات متقنون روى عنهم البخاري ومسلم وغيرهما، وأما إسماعيل بن الفضل فلم نجد أحدا من الأئمة الحفاظ ذكره بجرح ولا نقيضه ولا تهمة؛ فكان حديثه مقبولا معمولا به على قاعدة الحافظين ابن خزيمة وابن حبان؛ القائلين: بأن الأصل في المؤمن العدالة ما لم يثبت جرحه ) أهـ.
قلت: وهو مذهب الحاكم أبي عبدالله؛ كما هو واضح من صنيعه في " المستدرك "، بل قد نص على ذلك في عدة مواضع، وقد ضربت بعض الأمثلة على ذلك في غير هذا الموضع.
(1/53) (1/63)
صفحة 64
وممن اعتمد على سكوت البخاري وأبي حاتم في كثير من الأحيان: المنذري، والذهبي، وابن عبد الهادي , والحافظ ابن حجر وآخرون , ولولا خوف الإطالة لذكرت بعض الأمثلة الدالة على اعتمادهم في التصحيح والتحسين على سكوت البخاري وأبي حاتم , وبما ذكرناه من اعتماد غيرهم على سكوتهما كفاية – إن شاء الله تعالى - .
هذا وقد رأيت مشهور بن الحسن آل سلمان قد ذكر مسند الإمام الربيع رحمه الله تعالى في جملة الكتب التي حذر منها العلماء , وذكر هناك كلاما عن الألباني ؛ ذكر فيه أن الربيع رحمه الله تعالى نكره , أي لا يعرف , إلى آخر هرائه فارغ , ومشهور هذا جاهل أو أشبه ما يكون بالجاهل.
فإن لم يكنها أو تكنه فإنه ... ... أخوها غذته أمها بلبانها
فهو ليس في العير ولا في النفير , فلا حاجة إلى إطالة الكلام معه , على أنه لم يأتي بدليل ولا شبهة دليل على ذلك حتى نناقشه فيه , وإنما اعتمد على كلام لشيخه الألباني , فظن أن من لم يعرفه الألباني لا وجود له أو أنه مجهول على أقل تقدير , ولم يدر هذا المسكين أن الألباني جاهل بهذا الفن – في حقيقة الواقع – جهلا يكاد يكون مركبا في بعض الأحيان , ولا أدل على ذلك من جهله بكثير من الرواة منه من هو من رجال الشيخين , وعدم معرفته بوجود كثير من الأحاديث؛ كثير منها من أحاديث الصحيحين اللذين اختصرهما بنفسه بحسب زعمه , وكثير من كتب أخرى مشهورة متداولة , ولدي على ذلك أمثلة كثيرة جدا , أكتفي هنا بذكر خمسين مثالا وإليكها , والله ولي التوفيق :
( 1 ) – قال في الضعيفة ج4 ص 200 : ( وسليمان بن شرحبيل .... ولم أجد في هذه الطبقة من اسمه سليمان بن شرحبيل أو شراحيل ) .
(1/54) (1/64)
صفحة 65
كذا قال , وسليمان هذا اسمه بالكامل : سليمان بن عبدالرحمن بن عيسى بن ميمون ابن بنت شرحبيل , ويختصرونه أحيانا إلى ما رأيت , وهو مترجم في : " رجال البخاري " للكلاباذي 1 / 314 و " التاريخ الكبير " 4 / 24 و " الجرح والتعديل " 4 / 29 لابن أبي حاتم و " علل الحديث " له أيضا " و سؤالات الآجري " لأبي داود و " الضعفاء " لأبي زرعة الدمشقي و " والمعرفة والتاريخ " للفسوي 1 / 209 و " تهذيب الكمال " 8 / 79 ط دار الفكر و " تهذيب التهذيب " و " الكاشف " 1 / 462 و " تاريخ الإسلام " و " سير أعلام النبلاء " 11 / 136 و " الميزان " 2 / 212 و " تذكرت الحفاظ " 2 / 438 و " العبر " 1 / 413 للذهبي و " البداية والنهاية " 10 / 312 و " تهذيب التهذيب " 4 / 181 و " التقريب " رقم 2588 و " خلاصة التذهيب " للخزرجي و " شذرات الذهب " 2 / 78 و " الجامع في الجرح والتعذيب " 1 / 340 و " الجمع بين رجال الصحيحين " ج1 ص 183 و " هدي الساري " ص 408 و " الثقات " لابن شاهين .
وهو من رجال البخاري والأربعة .
(2 ) عبدالأعلى بن عبدالله بن أبي فروة .
قال في ضعيفته 1 / 213 : ( وهو مجهل , لم أجد له من ترجمة ) كذا قال , وليس الأمر كما قال؛ وذلك لأن عبدالأعلى هذا مترجم في كتب كثيرة جدا منها : " التاريخ الكبير " للبخاري 6 / 71 و " تاريخ ابن معين " و " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم 6 / 27 و " الثقات " لابن حبان 7 / 130 و " الضعفاء " للدار قطني 94 و " المعرفة والتاريخ " ليعقوب بن سفيان الفسوي 3 / 55 و " طبقات ابن سعد و " تهذيب الكمال " للمزي 11 / 8 – 9ت رقم 3669 ط دار الفكر و " تهذيب التهذيب " 6 / 87 و " تقريب التهذيب " ص 331 وقال الحافظ فيه : ثقة فقيه و " جامع الجرح والتعديل " 2 / 47 .
(1/55) (1/65)
صفحة 66
وقد قال ابن معين : ( عبدالحكيم بن عبدالله بن أبي فروة , وصالح بن عبدالله ابن أبي فروة , وعبدالأعلى بن عبدالله بن أبي فروة , كلهم ثقات ) . ومثله قال يعقوب ابن سفيان , وقال الدار قطني : ( إسحاق ابن عبدالله بن أبي فروة متروك , له ثلاثة أخوه ثقات ) .
( 3 ) سعيد بن أشوع .
قال في إرواء الغليل 3 / 121 عند ذكره لأثر : ( وسنده حسن لولا الرجل الذي لم يسلم , وقد سماه الدارقطني في روايته سعيد بن أشوع , ولم أجد له ترجمة ) .
كذا قال هذا المسكين ؛ لأنه نظر في بعض(1) كتب الرجال فلم يجد سعيد ابن أشوع , ولم يدر بأن أباه اسمه عمرو , فهو سعيد بن عمرو بن أشوع , ونسبه بعضهم إلى جده , فقال : سعيد بن أشوع , وهاك أسماء بعض الكتب التي ترجمت له :
" رجال البخاري " للكلاباذي 1 / 288 و " رجال مسلم " لابن منجويه 1 / 247 و " التاريخ الكبير " 2 / 1 / 500 و " تاريخ ابن معين " 2 / 205 و " علل الترمذي " و " الجرح والتعديل " 4 / 50 و " طبقات ابن سعيد " 6 / 327 و " الثقات " لابن حبان " و " الثقات " للعجلي و " تهذيب الكمال " 7 / 268 و " تهذيب التهذيب " و " ميزان الاعتدال " و " المغني في الضعفاء " 2356 و " الكشاف " 1 / 441 و " تهذيب التهذيب 4 / 60 و " تقريب التهذيب " 239 و " خلاصة التهذيب " و الجامع في الجرح والتعديل " 1 / 305 و " الجمع بين رجال الصحيحين " ج1ص116 و " هدى الساري " ص 406 .
(4 ) قال في صحيحته السقيمة ج3 / 191 : ( ورجاله ثقات رجال الستة غير عباد بن سالم ؛ فلم أجد من ترجمة ) .
كذا قال , ولو أنه نظر " التاريخ الكبير " للبخاري 6 / 38 " والجرح والتعديل " لابن أبي حاتم 6 / 80 " والثقات " لابن حبان 7 / 159 ؛ لعرف أنه مترجم له فيها .
__________
(1) - مع أن بعضهم نسبه إلى جده عندما ترجم له ؛ كالذهبي قي " الميزان " .
(1/56)
( (1/66)
صفحة 67
5 ) قال في تعليقه على المشكاة ج1 ص438 في تعليق له هناك : ( رجاله ثقات غير يحيى بن مالك , وهو الأزدي العتكي , وأورده ابن أبي حاتم 4 / 2 / 190 ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا ) أ هـ .
كذا قال , ولم يدر أن يحيى بن مالك هذا ثقة , كما نصّ على ذلك جماعة , منهم ابن سعد والنسائي , وابن حبان , والعجلي , والدارقطني , وهو مترجم في كتب كثيرة جدا منها :
" رجال البخاري " ج2 ص799 و " رجال مسلم " ج2 ص382 و " طبقات ابن سعد " و " الثقات " لابن حبان و " الثقات " للعجلي و " طبقات خليفة ابن خياط " و " سؤالات البرقاني " 544 و " التاريخ الكبير " للبخاري 4 / 2 / 303 و " تهذيب الكمال " 21 / 44 و " الكاشف " 2 / 407 و " ميزان الاعتدال " 4 / 494 و " تهذيب التهذيب " للذهبي و " تهذيب التهذيب " 12 / 9 و " تقريب التهذيب " 620 و " خلاصة التهذيب " للخزرجي و " الجامع في الجرح والتعديل " و " الجمع بين رجال الصحيحين " ج2 ص564 .
وبذلك أيضا ينهدم ما ذكره في صحيحته أن يحيى هذا لم يترجم له أحدا ممن كتب في رجال الستة , لا في التهذيب , ولا في التذهيب , ولا في التقريب .
( 6 ) قال في صحيحته 5 / 368 عند كلامه على أثر رواه ابن الإعرابي في معجمه من طريق شيخه أبي رفاعة عبدالله بن محمد بن عمر العدوي , قال : ( هذا إسناد رجاله ثقات معروفون غير أبي رفاعة , فلم أجد له ترجمة ) .
كذا قال , وأبو رفاعة هذا مترجم في " تاريخ بغداد " 10 / 83 للخطيب , وقال عنه الخطيب هناك : ثقة .
( 7 ) قال في ضعيفته ج4 ص397 : ( والحارث بن محمد المكفوف لم أجد له ترجمة ) .
كذا قال , وفاته أن الحارث هذا مترجم في " الميزان " ج1 ص 443 , و " لسان الميزان " ج2 ص159 .
( 8 ) قال في رده على الحبشي : ( في السند إليه أم يونس بنت عبيد , ولا ذكر لها في شيء من كتب التراجم ) .
(1/57) (1/67)
صفحة 68
كذا قال , وأم يونس لها ترجمة في " التاريخ الكبير " 9 /44 , " والمنفردات " للإمام مسلم ص19 , و " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم 8 / 333 .
( 9 ) قال في صحيحته ج2 ص 395 : ( وعمارة لم أعرفه ) أ هـ .
كذا قال , وعمارة هذا معروف , فقد ترجم له الذهبي في " الميزان " ج2 ص178 و " في المغني " ترجمة رقم 4415 و في " ديوان الضعفاء " ج 2 ص2 , و الحافظ بن حجر في " لسان الميزان " ج4 ص 279 , وقال الأزدي عنه : ضعيف جدا , وقال المنذري : ضعيف .
( 10 ) قال في ضعيفته ج4 ص 404 : ( وعمرو بن ابن أبي عمرو العبدي لم أعرفه ) أ هـ .
كذا قال , وعمرو هذا معروف مترجم في كتب كثيرة جدا منها : " رجال البخاري " للكلاباذي ج2 ص 549 , و " رجال مسلم " لابن منجويه 2 / 76 و " التاريخ الكبير " 3 / 2 / 359 و " الجرح والتعديل " 6 / 252 و " سنن النسائي " 2 / 302 و " طبقات ابن سعد " و " الثقات " لابن حبان و " الكامل " لابن عدي و " الثقات " للعجلي و " مختصر الكامل " ص540 و " تهذيب الكمال " 14 / 300 و " تهذيب التهذيب " و " الكاشف " 2 / 84 و " ميزان الاعتدال " 3 / 281 و " المغني في الضعفاء " ترجمة رقم 4685 و " تهذيب التهذيب " 8 / 73 و " تقريب التهذيب " ص 425 و " خلاصة التذهيب " و" الجامع في الجرح والتعديل " 2 / 302 و " الجمع بين رجال الصحيحين " ج1 ص 116 .
وهو من رجال البخاري ومسلم , والعبدي نسبة إلى مولاه المطلب بن عبدالله مغزومي .
( 11 ) قال في تعليقه على المشكاة 1 / 466 عن عيسى بن هلال الصدفي : ( فيه عندي جهالة , فقد ذكره ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " و لم يذكر فيه جرحا ولا توثيقا , وإنما وثقه ابن حبان , وهو معروف بتساهله ) .
كذا قال , ولم يدري أن يعقوب بن سفيان الفسوي قد وثقه , حيث ذكره في ثقات التابعين ؛ كما في " المعرفة والتاريخ " 2 / 515 .
(1/58)
( (1/68)
صفحة 69
12 ) قال في صحيحته ج3 ص253 عن إسناد حيث هناك : ( قلت: وهذا إسناد حسن ، رجاله معرفون غير اليحصبي هذا – وهو محمد بن عبد الرحمن بن عرق – فقد ترجمه أبن أبي حاتم 3/2/316 برواية جماعة، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا ، والظاهر أنه وثقة ابن حبان؛ كما يدل عليه كلا م الهيثمي السابق ) أهـ.
هذا كلامه ، ولم يدر بأن اليحصبي هذا مترجم في " تهذيب الكمال " مختصراته؛ لأنه على شرطها، فقد ترجمه المزي في " تهذيب الكمال" ج16/ 493 ط دار الفكر، وترجمة الحافظ ابن حجر في " تهذيب التهذيب" 492، والذهبي في " الكاشف" ج2 ص 139، وفي " التهذيب" والخزرجي في " الخلاصة".
وقال الحافظ في " التقريب" : صدوق. ونقل هو والمزي في التهذيبين عن عثمان بن سعيد الدارمي أنه قال : ( سمعت دحيما يقول: محمد بن عبد الرحمن اليحصبي من مشيخة أهل حمص ما أعلمه إلا ثقة. وأما ابن حبان فقد قال عنه في " الثقات" : لا يعتد بحديثه ما كان من حديث بقية ويحيى بن سعيد العطار ودونه؛ بل يغتد بحديثه من رواية الثقات عنه ) أهـ.
(13) قال في تخريجه لفضائل الشام عن أبي صالح الخولاني: ( ولم أعرفه ) أهـ.
كذا قال، ولم يدر أن الخولاني هذا مترجم في " الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم 9/392 وقد نقل عن أبيه أنه قال: لا بأس به.
(14) قال في ضعيفته ج3 ص442 عن طريق لحديث هناك: ( فيها من لم اعرفه ) أهـ.
كذا قال، وفي تلك الطريق أحمد بن محمد بن غالب بن مرداس البصري المعروف بغلام خليل، وهو كذاب، وقد أقر بوضعه للأحاديث، وممن كذبه أبو بكر ابن إسحاق وإسماعيل القاضي، وقال أبو داود: أحاديثه كذب. كما تجد ذلك في " لسان الميزان " وغيره، وشيخه محمد بن إبراهيم بن العلاء، قال عنه الدارقطني: كذاب. وقال ابن حبان: يضع الحديث. وقال الحاكم أبو أحمد وأبو نعيم: روى موضوعات.
(15) قال في صحيحته التالفة ج4 ص55: ( والمعلى بن رؤبة لم أجد له ترجمة، ولعله في ثقات ابن حبان ).
(1/59) (1/69)
صفحة 70
كذا قال، ولم يدر أن المعلى بن رؤبة هذا له ترجمة في " المعرفة والتاريخ " ليعقوب بن سفيان الفسوي، فانظر " المعرفة والتاريخ " ج1 ص403، وانظر التاريخ الكبير للبخاري.
(16) قال في إرواء غليله 7/254 عن حديث هناك: ( رجاله ثقات غير عمرو بن غالب وثقه ابن حبان، ولم يرو غير أبي إسحاق وهو السبيعي ).
كذا قال، وخفي غليه أن النسائي قد وثقه.
(17) قال في ضعيفته ج3 ص469- 470: ( وشيخه النظر بن محمد الشيباني لم أعرفه ).
كذا قال: والنظر بن محمد هذا مشهور مترجم في كتب كثيرة جدا منها: " التاريخ الكبير " 4/2/89 و " أسامي الضعفاء " لأبي زرعة الرازي 339 و " الجرح والتعديل " " والثقات " لابن حبان و " تهذيب الكمال " 19/94 ط دار الفكر و " تذهيب التهذيب " و " الكاشف " ج2 ص321 و " ديوان الضعفاء " ج2 ص403 و " ميزان الاعتدال " ج4 ص262 و " المغني في الضعفاء " ترجمة رقم 6643 و " تهذيب التهذيب " ج10 ص397 و " تقريب التهذيب " ص562 و " خلاصة التذهيب " و " الجامع في الجرح والتعديل " 3/208.
وقد وثقه النسائي، والدارقطني، وقال الأزدي: ضعيف. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي.
هذا والسبب في عدم معرفة الألباني له: أنه قد وقع في إسناد هذا الحديث سقط، فلذلك لم يعرف؛ لأنه ليس من فرسان هذا الفن، وصواب إسناده هكذا: محمد بن مزاحم عن النضر بن محمد عن أبي إسحاق السيباني، ومحمد بن مزاحم هذا هو أبو وهب، لا كما زعم الألباني أنه أخو الضحاك، فافهم.
(18) قال في صحيحته التالفة ج4 ص269: ( ورجال إسناده ثقات كلهم غير امرأة ابن عمر فلم أعرفها ) اهـ.
(1/60) (1/70)
صفحة 71
وامرأة ابن عمر هذه معروفة مشهورة، واسمها صفية بنت أبي عبيد الثقفية، روى لها الإمام مسلم والإمام البخاري في التعاليق، وهاك بعض الكتب التي ترجمت لها: " رجال مسلم " ج2 ص423 و " الثقات " للعجلي 1875 و " الاستيعاب لابن عبد البر و " تهذيب الكمال " 22/361 ط دار الفكر و " تذهيب التهذيب " و " الكاشف " 2/152 و " تذهيب التهذيب " ج12 ص459 و " التقريب " ص749 و " الإصابة " للحافظ ابن حجر و " خلاصة التذهيب " للخزرجي و " الجامع في الجرح والتعديل " ج3 ص472.
(19) قال في صحيحته ج1 ص42 عن مسكين بن بكير الحذاء: ( إنه من رجال البخاري ).
كذا اقل، والصواب أنه من رجال البخاري ومسلم، كما تجد ذلك في " التهذيب " ومختصراته، وفي الكتب المؤلفة في رجال الشيخين.
(20) قال في إرواء غليله ج5 ص31 عن روح بن الفرج أبو الزنباع: ( من رجال البخاري ).
وليس الأمر كما زعم، وإن شئت أن تتحق من ذلك فانظر " التقريب " ص211 قال بعد أن ذكره: ( تمييز فهو ليس من رجال الستة أصلا ).
(21) قال في تعليقه على المشكاة ج1 ص97 عن جرير بن كليب: ( لم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي ) أهـ.
كذا قال ولو نظر " تهذيب الكمال " ج3 ص367 لوجد أنه قد روى عنه أيضا يونس بن أبي إسحاق، ولو نظر " تهذيب التهذيب " ج2 ص68 لوجد أنه قد روى عنه أيضا عاصم بن أبي النجود.
(22) قال في تعليقه على المشكاة ج1 ص213 عن عيسى بن عمر: ( لا يعرف ).
ويرده قول الدارقطني: مدني معروف.
(23) قال في صحيحته ج4 ص397 عن حديث هناك: ( وإسناده حسن، رجاله كلهم ثقات، وفي حفظ عبد الواحد بن قيس ضعف يسير... الخ ).
كذا قال، ولم يعلم أن عبد الواحد هذا لم يسمع من أبي هريرة كما قال صالح جزرة. وقال ابن حبان: ( يروي عن أبي هريرة ولم يره ) أهـ.
(24) قال في صحيحته ج1 ص191: ( قلت: وهذا سند صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير القاسم هذا، وهو ثقة، وأخرج له مسلم في المقدمة ) أهـ.
(1/61) (1/71)
صفحة 72
كذا قال، وخفي عليه أن الإمام مسلما قد أخرج له في الصحيح وفي عدة مواضع، فانظر حديث 1064 (150) و 1995 (37).
(25) قال في صحيحته ج1 ص739: ( فالإسناد صحيح على شرط مسلم إن كان العدوي قد حفظ ) اهـ.
كذا قال، ولم يعلم أن العدوي هذا ليس رجال مسلم، كما تجد ذلك في " التهذيب " وغيره، بل ولم يرو له أحد من الستة إلا ابن ماجة وحده.
(26) قال في تعليق له على المشكاة ج3 ص1409 عن حديث هناك: ( إسناده صحيح ) اهـ.
كذا قال، ولم يعرف أن رواية المطلب بن عبدالله بن حنطب الراوي عن عائشة مرسلة، كما نص عليه أبو حاتم.
(27) قال في تعليق له على صحيح ابن خزيمة ج1 ص119: ( وإسناده صحيح على شرط الشيخين ) ناصر اهـ.
مع أن في هذا السند أحمد بن المقدام، وهو من رجال البخاري دون مسلم في " التهذيب " و " التقريب " وغيرهما من الكتب المؤلفة في هذا الشأن.
(28) قال في صحيحته ج2 ص277 عن حديث هناك: ( أخرجه الحاكم 2/90 وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي، وهو كما قال ).
كذا قال، وفي إسناد هذا الحديث يحيى بن المغيرة المخزومي، وهو من رجال الترمذي، ولم يرو له البخاري ومسلم شيئا، انظر " التقريب " 597، وفيه أيضا محمد بن أيوب، وليس هو من رجالهما.
(29) قال في إرواء غليله ج1 ص151: ( ولأما حديث أبي أيوب – يعني الذي في نقض الوضوء بمس الفرج – فلم أقف على إسناده، وقد خرج الحافظ في " التلخيص " هذا الحديث – حديث نقض الوضوء بمس الفرج – عن جماعة من الصحابة، وليس فيهم أبو أيوب، ثم ذكرهم ).
قلت: حديث أبي أيوب موجود في كثير من الكتب المشهورة المتداولة الموجودة بين يدي الألباني، فقد رواه ابن ماجة ج1 ص رقم 482، والطبراني في " الكبير " 3928، وابن شاهين في " الناسخ والمنسوخ " 114، وابن الجوزي في " التحقيق " 1.
(1/62)
( (1/72)
صفحة 73
30) وقال في صحيحته التالفة ج2 ص99 – 100 عن حديث (( نعم سحور المؤمن التمر )): ( تنبيه: عزا الحديث المنذري في " الترغيب " 2/94 وتبعه الخطيب التبريزي في المشكاة 988 إلى أبي داود، وذلك وهم لا أدري من أين جاءها ).
كذا قال، والحديث موجود في سنن أبي داود ج1 ص543 برقم 2345.
(31) وقال في إرواء غليله ج8 ص222: (... وصححه أيضا ابن دقيق العيد في الاقتراح كما في " التلخيص " وعزاه للحاكم أيضا، ولم أره في مستدركه، وكذلك لم أره عند أحمد، وقد عزاه إليه المصنف – يعني مؤلف " منار السبيل " - ).
كذا قال، والحديث موجود في المسند ج3 ص363، وفي المستدرك ج4 ص304 – 305.
(32) قال في تعليقه على مشكاة المصابيح ج1 ص62 عن حديث: (( اتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ؛ شذ في النار )): ( قال لم أجده في شيء من كتب السنة المعروفة، حتى الأمالي والفوائد والجزاء التي مررت عليها، وهي تبلغ المئات ).
كذا قال، و الحديث موجود في " المستدرك " ج1 ص115.
(33) قال في تعليقاته على صحيح ابن خزيمة ج2 ص143: ( إسناده ضعيف لعنعنة أبي إسحاق، وهو السبيعي ).
كذا قال، وأبو إسحاق قد صرح بالسماع عند الطيالسي (15) وأحمد 1/105 حديث رقم 825.
(34) قال في صحيحته التالفة ج1 ص760 حديث رقم 468 (( إذا نعس أخوكم في المسجد يوم الجمعة فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره )): ( قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي .
كذا قال، وابن إسحاق، وقد عنعنه في جميع الطرق عنه ).
كذا قال، وليس الأمر كما زعم، وذلك لأن ابن إسحاق قد صرح بالسماع عند أحمد 2/135.
(1/63)
( (1/73)
صفحة 74
35) قال في إرواء غليله ج4 ص317: ( وأما اللفظ الثالث " ابدءوا " فقد عزاه المصنف – يعني مؤلف " منار السبيل " – وهو في ذلك تابع لغير واحد من الحفاظ كالزيلعي في " نصب الراية " 3/54، وابن الملقن في " الخلاصة " 108/2، وابن حجر في " التلخيص " 114، وغيرهم، وقد أطلقوا جميعا العزو للنسائي، وذلك يعني اصطلاحا سننه الصغرى، وليس فيه هذا اللفظ أصلا... الخ هرائه ).
هكذا قال هذا المتعالم، والحديث بهذا اللفظ موجود في " السنن الصغرى " للنسائي فانظر ج5 ص236.
(36) قال في إرواء غليله عن أثر هناك مروي عن علي ج6 ص251: ( لم أقف على إسناده ) اهـ.
كذا قال، والأثر موجود في سنن البيهقي ج7 ص121، وهاك سنده: قال البيهقي: ( أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الحميد حدثنا أبو سفيان عن سلمة بن كهيل عن معاوية بن سويد قال: وجدت في كتاب أبي عن علي فذكره ).
(37) قال في إرواء غليله ج4 ص120 عن حديث هناك: ( لم أقف على إسناده ) اهـ.
كذا قال، والحديث رواه النسائي في " السنن الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " للمزي ج12 ص401 من طريق داود بن عبيد الله عن خالد بن معدان عن عبدالله بن بسر عن أخته الصماء عن عائشة.
(38) قال في صحيحته ج4 ص262 بعد كلام: ( أخرجه أحمد 2/49 ثنا إبراهيم بن وهب بن الشهيد... وإبراهيم هذا أبوه لم أعرفهما، وصواب ذلك: إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، وهما ثقتان من رجال " تهذيب الكمال " ومختصراته، والأب من رجال البخاري ومسلم.
وأمثال هذا التصحيف يقع كثيرا في مسند الإمام أحمد، ولدي أمثلة لا بأس بها على ذلك، أكتفي هنا منها بمثال واحد نبه عليه الألباني نفسه؛ حيث قال في صحيحته ج1 ص429: ( الثاني: أن رواية أبي يعقوب عنه في المسند 4/ 172- 173 لكنه وقع فيه أبو يعقزب، وهو تصحيف ) اهـ.
(1/64) (1/74)
صفحة 75
ثم إن الألباني قال ص432 من المجلد المذكور عن إسناد حديث هناك: ( قلت - الألباني - : وهذا سند رجاله ثقات معروفون غير أبي يعقوب، وقد سماه عبد الواحد ابن زياد: عبدالله، وذكر أنه جده كما ترى، ولم أعرفه ) اهـ.
هذا كلامه، ونسي أنه قد قال قبل ذلك بقليل: إن هذا تصحيف، هذا وقوله في الإسناد " عبدالله " تصحيف آخر صوابه " عبد الرحمن " إن لم يكن له اسمان.
هذا وفي ما قدمناه عن الألباني حول هذا الحديث دليل واضح وحجة نيرة على سوء حفظ الألباني، وقلة ذاكرته، ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك، أكتفي منها بمثال واحد خشية الإطالة:
أورد الألباني في صحيحته ج2 ص254 حديثا، ونصه حسب ما ذكره الألباني (( ثلاثة لا تقبل منهم صلاة.. ورجل صلى جنازة ولم تويز )) وعلق على لفظة " تويز " بقوله: ولم يتبين لي الصواب.
كذا قال هذا المسكين الذي لا يدري ما يخرج من رأسه، ولو أنه رجع إلى كتابه " صحيح الترغيب والترهيب " ج1 ص 195 لوجد أنه قد أورده هناك بلفظ " يؤمر " فالله المستعان.
(39) قال في تعليقه على مشكاة المصابيح عن حديث رقم 238 وهو حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن، ولكل حد مطلع )) الذي عزاه صاحب المشكاة للبغوي في " شرح السنة " ، قال: ( لينظر في أي مكان رواه في " شرح السنة " فإني راجعته في العلم وفي فضائل القرآن فلم أره فيه ) اهـ كلامه.
كذا قال، والحديث موجود في " شرح السنة " فانظره في ج1 ص262 في باب ( الخصومة في القرآن ) والحديث رواه أبو يعلى في مسنده برقم 5148 5403، والبزار، والطبراني في " الأوسط " كم في " المجمع " ج7 ص152.
(40) قال في صحيحته التالفة ج3 ص62 عن حديث (( تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي مناد: هل من داع فيستجاب له )) بعد كلام: ( تنبيه: عزاه السيوطي في الجامع الصغير والكبير للطبراني في المعجم الكبير، وهو خطأ... الخ ).
كذا قال، والحديث موجود في المعجم الكبير كما تراه في ج9 ص51 منه.
( (1/75)
صفحة 76
1/65)
(41) قال في تعليق له على " صحيح الجامع الصغير " 1/440 عن حديث (( أم الكتاب هي السبع المثاني والقرآن العظيم )): ( ....فإن له أصلا عن أبي هريرة عند غير البخري كالترمذي وغيره ).
كذا قال، والحديث موجود في البخاري برقم 4704.
(42) قال في صحيحته ج2 ص613 عن حديث (( إن الدنيا خضرة حلوة، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء )) قال: ( أخرجه أحمد في المسند 3/22 من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكره، قلت - الألباني -: وإسناده صحيح على شرط مسلم ).
كذا قال، وحديث أبي سعيد هذا موجود في صحيح مسلم من طريق أبي سعيد فانظره رقم 2742.
(43) قال في صحيحته 2/ 227 عن حديث (( لك بها سبعمائة ناقة مخطومة في الجنة )): ( أخرجه أبو نعيم عن ابن مسعود في " الحلية " 8/ 116 ).
كذا قال مع أن الحديث موجود في صحيح مسلم برقم 1892 ورواه غيره من أئمة الحديث، ثم من طريق أبي مسعود كما زعم، ولا عبرة بكونه كذلك في " الحلية " لأنه خطأ محض .
(44) أورد في صحيحته ج2 ص713 حديث أبي هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال (( لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده يوم )) وذكر أنه رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد والطحاوي في " شرح المعاني " والحاكم.
والحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه برقم 1985 ولفظه عنده: (( لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده )). ورواه أيضا الإمام مسلم.
(45) ذكر في تعليقه على شرح العقيدة الطحاوية عند الكلام على حديث: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله .. الخ )) أنهه متفق عليه من طريق ابن عباس.
وليس الأمر كما زعم، فإنهما لم يروياه ولا أحدهما من طريق ابن عباس البتة، وإنما رواه من طريقه الطبراني في " الكبير " 11487.
(1/66)
( (1/76)
صفحة 77
46) قال في صحيحته التالفة ج1 ص404 عن حديث (( زادك الله حرصا ولا تعد )): ( وإسناده صحيح على شرط مسلم، وأصله في صحيح البخاري ).
كذا قال، والحديث بنصه وفصه في صحيح البخاري ج2 ص340 برقم 783.
(47) قال في صحيحته ج3 ص64 عن حديث (( خلق الله آدم على صورته، وطوله ستون ذراعا )): ( أخرجه أحمد 2/ 232... وأخرجه عبدالله بن الإمام أحمد في كتاب السنة ص186 ).
كذا قال، والحديث موجود في صحيح البخاري برقم 6227، وكذا رواه مسلم برقم 2841.
(48) أورد في صحيحته ج3 ص5 حديث (( من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة، إن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي )) وعزاه لابن ماجة 4/ 390 وابن حبان 1801 من طريق أبي جحيفة عن أبيه مرفوعا، ثم قال: ( أورده صاحب مختصر المشكاة رقم 118 عن أبي هريرة مرفوعا ).
وليس هو عنده من حديث أبي هريرة وإنما من حديث أبي جحيفة...الخ.
وللحديث شاهد من طريق عبدالله بن عمرو مرفوعا له أخرجه الطبراني في الكبير بإسناد رجاله ثقات كما قال الهيثمي 7/ 181، ولم يذكر أن البخاري قد رواه في صحيحه من طريق أبي هريرة في عدة مواضع أقربها إلى هذا اللفظ 6993 ولكن ليس فيه " فكأنما " وإنما بلفظ " فسيراني " . ورواه مسلم برقم 2266/ 11 بلفظ: ( فسيراني في اليقظة أو لكأنما رآني في اليقظة ).
(49) قال في صحيحته ج3 ص277 عن حديث (( أيام التشريق أيام طعم )) وذكر: ( رواه الطبري...وابن حبان...وأحمد...والطحاوي...عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة...إلى أن قال: وأخرجه الطحاوي من حديث علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص، وهو وابن سعد عن عبدالله بن حذيفة، وهو أيضا عن نبيشة الهذلي ).
ولم يذكر أن الإمام مسلما قد رواه في صحيحه 1141 عن نبيشة.
(1/67)
( (1/77)
صفحة 78
50) قال في إرواء غليله ج1 ص112: ( وله شاهد من حديث ابن عمر مرفوعا بلفظ (( الفطرة قص الأظافر، وأخذ الشارب، وحلق العانة )) أخرجه النسائي بإسناد صحيح على شرط مسلم، وصححها ابن حبان... الخ ).
ولم يذكر أن الحديث مروي عند الإمام البخاري برقم 5890.
- هذا ومن الجدير بالذكر أن الألباني يرى أنه لا يصح لأحد أن يترك نسبة حديث ما إلى الصحيحين إذا كان موجودا فيهما، وكذا الحال إذا كان موجودا في أحدهما، وإليك بعض ما قاله في ذلك:
1- قال في مقدمة " صحيح الترغيب والترهيب " ج1 ص56 ط2 تحت عنوان ( التقصير في التخريج ): (10- التقصير في التخريج، وذلك بأن يكون الحديث في الصحيحين أو أحدهما فيعزوه إلى بعض أصحاب السنن أو غيرهم من الأئمة المشهورين دونهما.. وكل هذا غير سائغ عند أصحاب الحديث لما يعطي العزو لـ " الصحيحين " من القوة للحديث... ثم يليهما السنن الأربعة وغيرها مع اعتناء العلماء بها شرحا ونقدا وفقها، وسهولة الرجوع إليها عند الحاجة ) اهـ المراد منه.
2- قال في صحيحته ج5 ص292: ( ولقد أخطأ في حق هذا الحديث جماعة من العلماء... الثاني: السيوطي، فإنه لما أورده في الجامع الصغير والكبير أيضا عزاه للطبراني فقط، وهذا تقصير فاحش؛ لإيهامه أنه ليس في الصحيحين؛ وإلا لعزاه إليهما...الخ ).
3- قال في نفس المصدر: ( الثالث: المناوي، فإنه قال في شرحه " فيض القدير" رمز المؤلف ( السيوطي ) لصحته. وليس كما قال... وهذا من أفحش الخطأ الذي رأيته للمناوي، وإنما نشأ ذلك من قلة حفظه أو عدم استحضاره أن الحديث في الصحيحين ).
4- قال في " صحيح الأدب المفرد " ص11 عن الشيخ الجيلاني - شارح الأدب المفرد – بعد كلام ( .... وبخاصة فيما يتعلق بتخريج الأحاديث كما سيأتي في التعليق عليها، فقد وقعت له أخطاء عجيبة تدل على أنه لم يكن حافظا عارفا بهذا العلم وأصوله... فإنه وقعت له أوهام فاحشة... إلى أن قال: وإليك بعض الأمثلة من أنواع مختلفة:
( (1/78)
صفحة 79
1/68)
الأول: الحديث رقم الأصل 196 عزاه البخاري، وليس هو عنده فيه: تقول امرأتك " أنفق علي أو طلقني " وهو في البخاري موقوف على أبي هريرة.
الثاني: الحديث 352 عزاه لغير الشيخين، وهو فيهما فقد جعله من الأوهام الفاحشة كما ترون، هذا وقد علق على هذا الحديث ص142 عندما نسبه محمد فؤاد عبد الباقي إلى الترمذي والحاكم بقوله: ( كذا قال ، وهو تقصير فاحش تبعه عليه الشارح 1/ 446، والحديث من المتفق عليه بين الشيخين – كما ذكرنا - ).
5- قال في " صحيح الترغيب " ص 24 في رده على بعضهم: ( فقد عزا الحديث لأبي داود فقط، وهو في صحيح البخاري، وهذا خطأ لا يغتفر في فن التخريج ) اهـ المراد منه.
وله نصوص كثيرة مبثوثة في كتب التالفة، يطول المقام بذكرها.
هذا وقد أورد في كتبه عشرات الأحاديث، بل تتجاوز ذلك، وهي موجودة في الصحيحين أو في أحدهما ولم ينسبها إليهما، وعت أنه من المعلوم أن الألباني قد اختصر الصحيحين، فالعجب كل العجب من رجل يدعي أنه من المحدثين؛ وهو لا يعرف ما في كتبه.
فإذا كان الألباني ينسب إلى الصحيحين ما لا يوجد فيهما، وينفي عنهما ما هو موجود فيهما من رجال وأحاديث – مع أنه قد اختصرهما بنفسه – فإذن لا قيمة لكلامه في عدم معرفة أحاديث ورجال غيرهما.
- وأما قوله: ( إن الربيع روى عن بشر المريسي، وهو من المبتدعة..) فنعم قد روى عنه، فكان ماذا؟
(1/69) (1/79)
صفحة 80
هل يعني ذلك: أن جميع روايات هذا الإمام لا تقبل بسبب روايته لتلك الراوية عن بشر المريسي؟ ثم ألم يرو أكثر أئمة الحديث كالبخاري، ومسلم، وأحمد وغيرهم عن المبتدعة(1) أو ممن يحكمون عليهم بالابتداع ؟ بل ألم يرو كثير من المحدثين كالإمام أحمد وأبي داود، والترمذي، وابن ماجة، الدراقطني، والحاكم، والبيهقي، وابن مندة وأبي نعيم وغيرهم عن بعض الكذابين الدجالين؛ حتى أن بعضهم روى عمن صلب على الزندقة ! بل ألم يرو الإمام أحمد الذي تنتسب إليه أيها الحشوي عن أبي طالب؛ وهو مشرك لم يؤمن بالله تعالى ! كما يدل على ذلك حديث علي قال: ( لما مات أبو طالب أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله: إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: (( اذهب فواره )) فقلت: إنه مات وهو مشرك...الخ ) وهو حديث ثابت رواه النسائي، وأبو داود، وأحمد، والطيالسي، وابن أبي شيبة، وابن الجارود، وابن خزيمة، وأبو يعلى، والدراقطني في " العلل"، والبيهقي في " السنن " وفي " دلائل النبوة "، والخطيب في " التلخيص ".
وله شاهد من طريق أبي سعيد الخدري عند البخاري، ومسلم، وأحمد، وابن حبان، وأبي يعلى، والبيهقي في " الدلائل ".
وآخر من طريق المسيب بن حزن عند البخاري، ومسلم، وأبي عوانة، والنسائي، وأحمد، وابن حبان، والطحاوي في " المشكل "، وابن جرير، وابن مندة في " الإيمان "، والبيهقي في " الدلائل "، والبغوي في " شرح السنة ".
وآخر من طريق أبي هريرة عند مسلم، وأبي عوانة، والترمذي، وأحمد، وابن حبان، وابن جرير، وابن مندة في " الإيمان "، والبيهقي في" الدلائل ".
وآخر من طريق العباس عند البخاري، ومسلم، وأحمد، والبيهقي في " الدلائل ".
وآخر من طريق أنس عند أبي يعلى، وعمر بن شيبة في كتاب " مكة "، وسمويه في فائده، قال الحافظ في " الإصابة ": ( وسنده صحيح ).
__________
(1) على أن المريسي في مسألتي خلق القرآن وتنزيه الله تعالى على الحق الذي لا يقبل الباطل.
( (1/80)
صفحة 81
1/70)
وأما ما جاء ابن عباس من أنه قد أسلم، فهو حديث باطل قطعا.
فهل تقول أيها الحشوي إنه لا يجوز الاحتجاج بما في هذه الكتب لرواية أصحابها عن المبتدعة والكذابين أم أنك تزن بميزانين وتكيل بمكيالين؛ فتحلل الرواية عن هؤلاء وتحرمها عن الإمام الربيع إتباعا لهواك؛ ورضوخا لما يمليه عليك شيطانك ؟ ثم هل توجد بدعة أشد من داء التجسيم الذي أنتم عليه ؟؟.
وأما الإعراض بأن وفاة المريسي متأخرة عن وفاة الإمام الربيع؛ فنحيل صاحبه إلى " متن النخبة " وسيجد ضالته هناك - إن شاء الله تعالى - .
هذا ومن المعلوم أن رواية الإمام الربيع عن بشر المريسي في الزائد وليست في صلب المسند، والزائد ليست في صلب المسند - كما قدمنا ذكره - والله أعلم.
- هذا، وأما ما ذكره من عدم وجود إسناد منا إلى الإمام الربيع رحمه الله تعالى فجوابه: أن المسند قد رواه جماعة من حملة العلم، منهم الإمام محبوب بن الرحيل قد رواه عن محبوب ابنه محمد، وهما من الثقات الأثبات، على أن المسند قد اشتهر عند الخاص والعام منا على أنه من تصنيف الإمام الربيع رحمه الله تعالى وتداوله العلماء فيما بينهم، ككثير من كتب السنة، والشهرة أقوى من نقل الواحد والاثنين، كما وهو واضح لا يخفى.
(1/71) (1/81)
صفحة 82
وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر في " النكت على ابن الصلاح " ج1 ص271 في رده على ابن الصلاح: ( الأمر الخامس: ما استدل به على تعذر التصحيح في هذه الأعصار المتأخرة؛ بما ذكره من كون الأسانيد ما منها إلا فيه من لم يبلغ درجة الضبط والحفظ والإتقان. ليس بدليل ينهض لصحة ما ادعاه من التعذر؛ لأن الكتاب المشهور الغني بشهرته عن اعتبار الإسناد منا إلى مصنفه؛ كسنن النسائي مثلا لا يحتاج في صحته إلى النسائي إلى اعتبار رجال الإسناد منا إلى مصنفه )اهـ، ومثله لبي زرعة العراقي، وقال ابن الصلاح في " صيانة صحيح مسلم " ص117 بعد ما تبين أن بعض أحاديث مسلم مروية إما بطريق الوجادة أو الإجازة: ( ثم إن الرواية بالأسانيد المتصلة ليس المقصود بها في عصرنا وكثير من الأعصار قبله إثبات ما يروى بها إذ لا يخلو إسناد منها عن شيخ لا يدري ما يرويه ولا يضبط في كتابه ضبطا يصلح لأن يعتمد عليه في ثبوته ولأن يعتمد عليه في ثبوته وإنما المقصود منها إبقاء سلسلة الإسناد ) اهـ، وسيأتي في آخر هذا البحث مزيد - كلام إن شاء الله - حول هذا الموضوع، والله ولي التوفيق.
- - -
الاعتراض الثاني:
أن أبا عبيدة لم يلق جابرا - رضي الله عنه - والربيع لم يلق أبا عبيدة، فالإسناد منقطع من موضعين، والجواب عن هذا قد تقدم أيضا؛ فلا نعيده.
الاعتراض الثالث:
أن هذا المسند لم يصنفه الربيع رحمه الله تعالى بل هو من تصنيف شخص آخر، بدليل قوله في الأحاديث الثلاثة الأولى: قال أبو عمرو الربيع بن حبيب...الخ فلو كان المصنف هو الربيع نفسه لما قال: قال الربيع....الخ ما قاله.
(1/72) (1/82)
صفحة 83
وهنا تيقنت جهل هذا المعترض، وعدم معرفته بطرق العلماء في التصنيف التي لا تخفى حتى على طلبة المدارس الابتدائية، ولو قرأ ها المعترض " سنن الترمذي "، و " صحيح ابن حبان "، و " الثقات والمجروحين " لابن حبان أيضا، و " معرفة السنن " و " الآثار " للبيهقي، و " التمهيد " لابن عبد البر، و " المحلى " و " الإحكام في أصول الأحكام " و " الفصل في الملل والنحل " لابن حزم، و " السيرة النبوية " لابن هشام، و " مشكل الآثار " للطحاوي، و " الحاوي الكبير " للماوردي، و " الانتصاف " لابن المنير، و " مختصر الخصال " للإمام العلامة المحقق رب السيف والقلم أبي إسحاق الحضرمي - رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه - ...وغيرها(1) لعلم أن هذه الطريقة - وهي طريقة ذكر المؤلف اسمه وكنيته – شائعة ذائعة بين العلماء من كافة المذاهب، فقاتل الله الجهل ما أقبحه.
- هذا وذهب بعضهم إلى أنه يمكن أن يكون مؤلف المسند هو الإمام أبو صفرة عبد الملك بن أبي صفرة؛ أحد تلامذة الربيع رحمه الله تعالى.
وهو احتمال باطل عاطل؛ إذ لا دليل عليه البتة، بل الأدلة متوفرة - بحمد الله تعالى – على بطلانه وفساده من أصله، ويكتفي من ذلك الشهرة؛ فإنها أقوى من إسناد الواحد أو الاثنين أو ممن يجوز عليه الخطأ أو الكذب أو الغلط؛ كما هو مقرر عند المحققين من العلماء، والله ولي التوفيق.
الاعتراض الرابع:
أنه توجد في المسند أحاديث ضعيفة، وإليك منها مع الجواب عليه:
حديث: ( لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ).
__________
(1) فإن قيل: يمكن أن يكون التصريح باسم المؤلفين لتلك الكتب هو من بعض رواتها عنهم لا منهم أنفسهم. قلنا: هذا الاحتمال ممكن بالنسبة لبعض تلك الكتب، ولمنه بعيد جدا؛ بل ممتنع كما هو ظاهر لا يخفى للبعض الآخر، وقد رأينا المؤلفين في هذه الأيام يصنعون ذلك.
(1/73) (1/83)
صفحة 84
هذا الحديث رواه الإمام الربيع عن طريق أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - برقم 88 وقد جاء:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ).
رواه أبو داود 101، وابن ماجة 399، وأحمد 2/ 418، والدارقطني 1/ 72، 79، والحاكم 1/ 146، والبيهقي 1/ 43، والغوي في " شرح السنة " 1/ 409، والترمذي في " العلل "، وابن السكن في صحيحه كما في " التلخيص الحبير " 1/ 146، من طريق يعقوب بن أبي سلمة عن لأبيه عن أبي هريرة . - رضي الله عنه -
قال الحاكم: ( صحيح الإسناد، فقد احتج مسلم بيعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة دينار ).
كذا قال، وفيه نظر من وجهين:
الأول: أن يعقوب هذا ليس هو ابن أبي سلمة الماجشون.
قال الحافظ ابن حجر: ادعى الحاكم أنه الماجشون، والصواب أنه الليثي، وكذا قال الذهبي والعيني وآخرون.
وقال ابن دقيق العيد: لو سلم للحاكم أنه يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة دينار؛ فيحتاج إلى معرفة حال أبي سلمة، وليس ذكر في شيء من كتب الرجال، فلا يكون أيضا صحيحا.
الثاني: قال البخاري في " التاريخ الكبير " 2/2/76: لا يعرف لأبي سلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب عن أبيه.
(1/74) (1/84)
صفحة 85
عن كثير بن زيد: حدثنا ربيح بن عبد الرحمن عن أبي سعيد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ). رواه أحمد 3/41، وابن ماجة 397، وابن أبي شيبة 1/2، 3، والدارمي 1/141، والطبراني في الدعاء، وأبو يعلى 2/324/424، وابن السني في عمل اليوم والليلة 26، وابن عدي في " الكامل " 3/1034، والدارقطني 1/71، والجاكم 1/147، والبيهقس 1/43، وابن السكن، والبزار كما في " التلخيص الحبير " 1/73، وإسناده ضعيف؛ كثير بن زيد ضعيف، وربيح بن عبد الرحمن؛ قال أبو زرعة: صدوق فيه لين. وقال البخاري: منكر الحديث.
وقال الحافظ ابن حجر عن هذا الحديث في " نتائج الأفكار " 1/231: حديث حسن.
ج- عن سهل بن سعيد - رضي الله عنه - مرفوعا: ( لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ). رواه ابن ماجة 400، والدارقطني 1/136، والحاكم 1/269، والبيهقي 2/379، وفي إسناده عبد المهيمن بن عباس بن سهل وهو ضعيف، لكنه لم ينفرد به فقد تابعه أخوه أُبي بن عباس، أخرجه الطبراني في الكبير 5698 وفي الدعاء، وأُبي هذا؛ وإن ضعفه بعضهم فقد قواه آخرون.
وللحديث شواهد كثيرة عن جماعة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم: سعيد ابن زيد، وعائشة أم المؤمنين، وأنس بن مالك، وعلي بن أبي طالب، وأبو سبرة، وأم سبرة، يطول المقام بتخريجها.
قال ابن القيم في " المنار " ص45: ( أحاديث التسمية على الوضوء أحاديث حسان ) وقد قواه أيضا في " زاد المعاد " 1/195، وحسنه أيضا ابن الصلاح، وابن الجوزي، وابن سيد الناس، والعراقي، وابن كثير، وابن الملقن، والحافظ ابن حجر، والصنعاني، والشوكاني، وأحمد شاكر، وصديق خان، وقواه المنذري، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والمباركفوري، وصححه: الضياء، والهيثمي، والشيخ أحمد الغماري في " الهداية "، انظر " نيل الأوطار " 1/160، و " الروضة الندية " ج1/ 33، 34.
(1/75) (1/85)
صفحة 86
وقال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: ( لا يخلو هذا الباب من حسن صحيح، وصحيح غير صريح ).
وقال ابن أبي شيبة: ( ثبت لنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله ).
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ). رقم 256 ص68.
هذا الحديث روي من طريق جابر بن عبدالله وأبي هريرة وعائشة أم المؤمنين مرفوعا، وعن علي بن أبي طالب مرقوفا.
أ- أما حديث جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - فهو عند الدارقطني؛ قال: حدثنا أبو حامد محمد بن هارون الحضرمي حدثنا أبو السكين الطائي زكريا بن يحيى، وحدثنا محمد بن مخلد بن جنيد بن حكيم حدثنا أبو السكين الطائي حدثنا محمد بن السكين الشقري المؤذن حدثنا عبدالله بن بكير الغنوي عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال: فقد النبي - صلى الله عليه وسلم - قوما في صلاة الفجر فقال: ( ما خلفكم عن الصلاة ؟ فقالوا: لحاء كان بيننا، فقال: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد )
قال الدارقطني: (هذا لفظ ابن مخلد، وقال أبو حامد: لا صلاة لمن سمع النداء لم يأت إلا من علة.
وبهذا اللفظ أخرجه العقيلي في الضعفاء، قال: ( محمد بن سكين؛ قال البخاري: فيه نظر ) وهذا يروى بغير هذا الإسناد من وجه صالح ) اهـ.
ب- وأما حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - فقد رواه الدارقطني 1/ 161، والحاكم 18246، والبيهقي 3/57؛ وقال: ( وهو ضعيف ) اهـ.
وعلته سليمان بن داود اليمامي، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف منكر الحديث.
ج- وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - فقد رواه ابن حبان في الضعفاء وفي إسناده عمر بن راشد الجاري؛ وهو متروك.
د- وأما حديث علي بن أبي طالب؛ فهو عند البيهقي 3/57، ونسبه الحافظ ابن حجر في " الدراية " إلى الشافعي؛ وقال: رجال ثقات.
(1/76) (1/86)
صفحة 87
قلت: ومثله لا يقال بمجرد الرأي المحض؛ كما هو مقرر في مصطلح الحديث. ويشهد لصحته حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له؛ إلا من عذر ).
رواه ابن ماجة 792، والدارقطني 1/420، وابن حبان 2064، والحاكم 1/245، والبيهقي 3/57، وآخرون.
وقال الحاكم: ( صحيح على شرط الشيخين؛ ولم يخرجاه ) ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
وقال الحافظ في " بلوغ المرام ":( صحيح على شرط مسلم، لكن رجح بعضهم وقفه ).
قلت: لا وجه لهذا الترجيح، فإن جماعة من الثقات قد رفعوه، والرفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة؛ كما هو مقرر في أصول الفقه ومصطلح الحديث، وقد صحح رفعه جماعة من العلماء؛ منهم: ابن حزم، والحاكم، وابن التركاني، وعبد الحق الإشبيلي، والذهبي وآخرون.
وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين؛ ولم يخرجاه ) ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
وقال الحافظ في " بلوغ المرام ": ( صحيح على شرط مسلم، لكن رجح بعضهم وقفه ).
قلت: لا وجه لهذا الترجيح، فإن جماعة من الثقات قد رفعوه، والرفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة؛ كما هو مقرر في أصول الفقه ومصطلح الحديث، وقد صحح رفعه جماعة من العلماء؛ منهم: ابن حزم، والحاكم، وابن التركماني، وعبد الحق الإشبيلي، والذهبي وآخرون.
وقال الحافظ في " التلخيص ": ( إسناده صحيح، لكن قال الحاكم: وقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة).
قلت: لكن الحاكم أجاب عن هذا الاعتراض بقوله: ( وهو صحيح على شرط الشيخين وهشيم وأبو نوح ثقتان؛ وقد وصلاه، فإذا وصلاه فالقول قولهما ) اهـ.
فالعجب من الحافظ كيف ذكر عن الحاكم الاعتراض؛ ولم يذكر الذي ذكره الحاكم !! وقد تابع الحافظ على صنيعه هذا الصنعاني والشوكاني؛ كما هي عادتهما.
وقد وهم المناوي في تخريج هذا الحديث؛ حيث نسبه إلى الشيخين؛ وهو لا يوجد عندهما، وإنما هو على شرطهما فقط، والله تعالى أعلم.
(1/77) (1/87)
صفحة 88
3- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله؛ فما وافقه فعني، وما خالفه فليس عني ) رقم 40 ص17.
هذا الحديث روي من طريق علي بن أبي طالب، وابن عمر، وأبي هريرة، وثوبان، وكل طرقه ضعيفه.
أ- فحديث علي؛ رواه الدارقطني والبيهقي في " المدخل " مرفوعا: ( إنها ستكون بعدي رواة يروون عني الحديث، فاعرضوا حديثهم على القرآن، فما وافق القرآن فخذوا به، وما لم يوافق القرآن فلا تأخذوا به ).
وفي إسناده جبارة بن مغلس، وهو ضعيف مضطرب الحديث؛ كم قال الإمام البخاري.
ب- وحديث ابن عمر؛ رواه الطبراني في " الكبير" ، وإسناده ضعيف، وله طريق آخر رواه البيهقي في " المدخل " وابن حزم في " المحلى " وإسناده ساقط.
ج- وحديث أبي هريرة؛ رواه الهروي في " ذم الكلام " ، والدارقطني، والبيهقي في " المدخل " وابن عدي في " الكامل " والخطيب في " الكفاية "، وفي إسناده متروك، وقد جاء من غير هذه الطرق؛ وكلها ضعيفة.
د- وحديث ثوبان؛ رواه الطبراني، وفي إسناده يزيد بن ربيعة، قال البخاري: منكر الحديث.
ورواه البيهقي في كتاب " المعرفة " من حديث أبي جعفر مرفوعا: ( ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فلم أقله ).
وأبو جعفر إن كان هو الأنصاري؛ الذي ولد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كما هو الظاهر؛ فالحديث مرسل، وإن كان غيره فهو مجهول، والراوي عن أبي جعفر خالد ابن أبي كريمة ضعيف، وقد جاء عند أحمد وغيره لمعناه.
وعلى كل حال فالأمة متفقة على مقتضى دلالته، وذلك دليل على صحته، وبيان ذلك: أن الأمة متفقة على رد الحديث إذا خالف نص الكتاب؛ ولم يمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع المعروفة، وإليك أقوال بعض العلماء في ذلك:
(1/78) (1/88)
صفحة 89
1- قال الشيخ أبو إسحاق الشيزاوي: ( إذا روى الخبر ثقة رد بأمور: أحدها: أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه؛ لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا.
الثاني: أن يخالف نص كتاب أو سنة متواترة، فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ.
الثالث: أن يخالف الإجماع، فيستدل به على أنه منسوخ أو لا أصل له؛ لأنه لا يجوز أن يكون صحيحا غير منسوخ وتجمع الأمة على خلافه.
الرابع: أن ينفرد الواحد بما يجب على الكافة علمه، فيدل ذلك على أنه لا أصل له؛ لأنه لا يجوز أن يكون له أصل وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم.
الخامس: أن ينفرد برواية ما جرت العادة أن ينقله أهل التواتر، فلا يقبل؛ لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية )(1) اهـ المراد منه. ومثله عن الخطيب البغدادي في " الفقيه والمتفقه "(2).
2- قال الخطيب البغدادي في " الكفاية " (3): ( ولا يقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل، وحكم القرآن الثابت المحكم، والسنة المعلومة، والفعل الجاري مجرى السنة، وكل دليل مقطوع به ) اهـ.
3- قال ابن الجوزي: ( ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول أو يناقض الأصول؛ فاعلم أنه موضوع ) (4).
4- قال ابن القيم في " المنار المنيف " (5): ( وللحديث الموضوع علامات فذكر بعضا من تلك العلامات...إلى أن قال: ومنها مخالفة الحديث لصريح القرآن، ومنها: مناقضة الحديث لما جاءت به السنة الصريحة مناقضة بينة ) اهـ.
5- قال ابن كثير في " علوم الحديث " : ( يعرف الحديث الموضوع بأمور كثيرة، ومن ذلك: ركاكة ألفاظه وفساد معناه أو مجازفة فاحشة أو مخالفة لما ثبت في الكتاب والسنة الصحيحة ) (6) اهـ.
__________
(1) اللمع في أصول الفقه ص8.
(2) الفقيه والتفقه ج1 ص132.
(3) الكفاية في فن الرواية ص432.
(4) شرح ألفية السيوطي لأحمد شاكر ص84.
(5) المنار المنيف ص43،44.
(6) علوم الحديث لابن كثير بتعليقات أحمد محمد شاكر ص74.
( (1/89)
صفحة 90
1/79)
6- قال الحافظ ابن حجر: ( ومما يدل في قرينة حال المروي، ما نقل عن الخطيب عن أ[ي بكر ابن الطيب أن من جملة دلائل الوضع: أن يكون مخالفا للعقل، بحيث لا يقبل التأويل، ويلحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة أو يكون منافيا لدلالة الكتاب القطعية أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي، أما المعارضة مع إمكان الجمع فلا ) اهـ(1).
- وقال في " نزهة النظر " (2): ( ومنها ما يؤخذ من حال المروي؛ كأن يكون مناقضا لنص القرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي أو صريح العقل؛ حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل ) اهـ.
7- قال السيوطي في ألفيته(3):
الخبر الموضوع شر الخبر ** وذكره لعالم به احظر
في أي معنى كان إلا واصفا ** لوضعه والوضع فيه عرفا
إما الإقرار وما يحكيه ** وركة وبدليل فيه
وأن يناوي قاطعا وما قبل ** تأويله..........الخ
إلى أن قال:
وقال بعض العلماء الكمل ** احكم بوضع خبر إن ينجلي
قد باين المعقول أو منقولا ** خالفه أو ناقض الأصول
8- قال الشوكاني في " إرشاد الفحول ": ( المقطوع بكذبه، وهو على ضروب...إلى أن قال: الخامس: كل خبر استلزم باطلا ولم يقبل التأويل، ومن ذلك الخبر الآحادي إذا خالف القطعي كالمتواتر ، وقال: وأما الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر؛ فالأول منها: ما يستحيل وجوده في العقل؛ فإن خالف العقل رد.
الثاني: أن لا يكون مخالفا لنص مقطوع به على وجه لا يمكن الجمع بينهما بحال ) (4).
9- قال السيد رشيد رضا في " المنار ": ( وإذا كان من علل الحديث المانعة من وصفه بالصحة مخالفة راويه لغيره من الثقات؛ فمخالفة القطعي من القرآن المتواتر أولى بسلب وصفه الصحة عنه ) اهـ(5).
والنقول عنهم بذلك كثيرة جدا، وبما ذكرناه كفاية.
__________
(1) تعليقات أحمد شاكر على مسند أحمد ج1 ص330.
(2) نزهة النظر ص120.
(3) ألفية السيوطي ص84، 89.
(4) إرشاد الفحول ص46، ص55، وانظر حصول المأمول لصديق خان ص58.
( (1/90)
صفحة 91
5) تفسير المنار ج1 ص85، 86.
(1/80)
وغاية ما في الأمر: أن كل حديث عارض الكتاب العزيز؛ ولم يمكن الجمع بينه وبينه يحكم بوضعه، وهذا هو الذي دل عليه هذا الحديث، فإن قوله: ( إنكم ستختلفون من بعدي ) كالنص في ذلك.
قال النور السالمي رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: ( قوله " فما وافقه فعني " وهذا في ما وقع فيه الاختلاف بين الأمة، بدليل قوله " إنكم ستختلفون من بعدي " أما المتفق عليه أنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يحتاج إلى عرض، بل يجب العمل به؛ وإن خالف ظاهر الكتاب، لأنه إما ناسخ أو مخصص... الخ ) اهـ(1).
قلت: وهذا هو الحق الذي لا محيص عنه. أما أولئك الذين حكموا على هذا الحديث بالوضع فهم لم يفهموه حق الفهم؛ إذ إنهم ظنوا أن معناه: أن كل حديث خالف ظاهر القرآن؛ ولو أمكن الجمع بينه وبينه بوجه منن وجوه الجمع المعروفة؛ أنه يجب رده. وليس الأمر كذلك.
والعجب كل العجب من هذا المعترض كيف يعتمد في الحكم على هذا الحديث بالوضع على الكذاب ابن بطة العكبري؛ الذي قال عنه الحافظ ابن حجر في " اللسان " ج4 ص113: ( وقفت لابن بطة على أمر استعظمته واقشعر جلدي منه ) اهـ.
ثم أثبت أنه وضاع، وأنه كان يحك أسماء الأئمة من كتب الحديث ويضع اسمه مكان الحك.
وقال أبو القاسم الأزهري: ( ابن بطة ضعيف؛ ضعيف ). وقال أبو ذر الهروي: ( اجتهدت على أن يخرج لي شيئا من الأصول فلم يفعل فزهدت فيه ). وأورد الخطيب البغدادي ج10 ص375 حديثا، ثم قال: ( وهو موضوع بهذا الإسناد، والحمل فيه على ابن بطة ) اهـ. أي أنه هو واضعه، كما بينت ذلك في رسالة الآحاد(2).
قلت: وابن بطة هذا كان صديقا حميما للكذاب المخلط أبي العز بن كادش.
قال ابن عساكر: ( قال لي أبو العز بن كادش: وسمع رجلا قد وضع في حق علي حديث، ووضعت أنا حق أبي بكر حديث، بالله أليس فعلت خيرا ؟!!.
__________
( (1/91)
صفحة 92
1) شرح الجامع الصحيح للإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى ج1 ص66.
(2) ص106.
(1/81)
قال الذهبي في " سير أعلام النبلاء " 19/ 599: ( قلت: هذا يدل على جهله؛ يفتخر بالكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ).
قلت: فيا ويحه، ويا ويح من يصادقه، ويا ويح من يحتج بكلامه وكلام صديقه؛ من الوعيد الشديد الذي ذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: (( من كذب علي متعمدا؛ فليتبوأ مقعده من النار )) ولست أدري: هل صاحب هذه الاعتراضات على علم بهذه الحقيقة أو لا ؟! وكلا الأمرين مر أمر من الحنظل:
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة ** أو كنت تدري فالمصيبة أعظم
فواغوثاه بالله ممن يعتمد على كلام الكذابين والمجروحين في رد سنة سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - والقدح في عباد الله الصالحين.
هذا ونحن إذا نظرنا إلى أقوال وأفعال صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجدناهم هم أول من طبق هذا الحديث حق التطبيق، فإنهم - رضوان الله عليهم - كانوا يردون الأحاديث الآحادية بمجرد معارضتها للقرآن الكريم، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، وأكتفي هنا بمثالين اثنين:
رد عمر - رضي الله عنه - خبر فاطمة بنت قيس، عندما روت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل لها نفقه ولا سكنى، فقال: ( لا نترك كتاب الله وسنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - لقول امرأة؛ لا ندري لعلها حفظت أو نسيت ). والحديث رواه مسلم وغيره.
ردت السيدة عائشة - رضي الله عنها - خبر عمر - رضي الله عنه - في حديث تعذيب الميت ببكاء أهله عليه.
وقالت - كما في صحيح البخاري وغيره -: ( رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ليعذب الميت ببكاء أهله " وقالت: حسبكم القرآن ? ولا تزر وازرة وزر أخرى ? (الزمر آية 7).
وكذلك ردت حديث ابنه عبدالله في القضية نفسها، والله أعلم.
حديث ( الأذنان من الرأس ). (1/92)
صفحة 93
هذا الحديث رواه الإمام الربيع رحمه الله تعالى عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فذكره...
(1/82)
وقد جاء هذا الحديث من طرق كثيرة عن جماعة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم: أبو أمامة، وأبو هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو موسى، وعائشة أم المؤمنين، وابن عمر، وعبدالله بن زيد، وسمرة بن جندب، وقد رواه عنهم من أئمة الحديث، ولولا خوف الإطالة لخرجت جميع هذه الطرق، وذكرت ما لها وما عليها؛ بحيث يعلم طالب الحق أن الحديث ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
هذا.. وقد قوى هذا الحديث جماعة من العلماء؛ منهم: ابن القطان، وعبد الحق الإشبيلي، وابن الجوزي، والمنذري، وابن التركماني، وابن دقيق العيد، والزيلعي، والعيني، والشيخ أحمد محمد شاكر وآخرون، منهم من صححه ومنهم من حسنه.
هذا.. ومن المعلوم أنه لو سلم بضعف هذه الروايات مثلا؛ فإن ذلك لا يعني القدح في بقية روايات الربيع رحمه الله تعالى كما أن وجود بعض الروايات الضعيفة في الصحيحين لم يقدح في بقية رواياتهما الصحيحة، وإليك بعض الروايات الضعيفة الموجودة في الصحيحين(1):
روى مسلم في صحيحه رقم 2501 من طريق عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : يا نبي الله ثلاث أعطنيهن، قال " نعم " قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها، قال " نعم " قال: معاوية تجعله كاتبا بين يديك قال " نعم " قال: وتؤمرني أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين...الخ.
- قال الذهبي في " الميزان " 3/93 في ترجمة -عكرمة بن عمار - أحد رواة هذا الحديث-: ( وفي صحيح مسلم قد ساق له أصلا منكرا عن سماك الحنفي عن ابن عباس في الثلاثة التي طلبها أبو سفيان ).
__________
( (1/93)
صفحة 94
1) وقد اعترف بوجود بعض الأحاديث الضعيفة في الصحيحين أو في أحدهما جماعة كبيرة من العلماء ذكرت منهم في " السيف الحاد " ص89، 99 أكثر من مئة عالم، ولدي مزيد، والله أعلم.
(1/83)
- وقال في " سير أعلام النبلاء " 7/137 عن هذا الحديث: ( قلت: قد ساق له مسلم في الأصول حديثا منكرا، وهو الذي يرويه عن سماك الحنفي عن ابن عباس في الأمور الثلاثة التي التمسها أبو سفيان من النبي - صلى الله عليه وسلم - ).
- وقال ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " 17/236: ( روى مسلم أحاديث قد عرف أنها غلط، مثل قول أبي سفيان لما أسلم: أريد أن أزوجك أم حبيبة. ولا خلاف بين الناس أنه تزوجها قبل إسلام أبي سفيان ).
- وقال ابن القيم في " زاد المعاد " 1/110: ( وهذا الحديث غلط لا خفاء به. قال أبو محمد بن حزم: وهو موضوع بلا شك فيه؛ كذبه عكرمة بن عمار. وقال ابن الجوزي: في هذا الحديث وهم من بعض رواته لا شك فيه ولا تردد، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار؛ لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش، وولدت له وهاجر بها - وهما مسلمان - إلى أرض الحبشة، ثم تنصر، وثبتت أم حبيبة على إسلامها، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي يخطبها عليه؛ فزوجه إياها وأصدقه عنه صداقا، وذلك في سنة سبع من الهجرة، وجاء أبو سفيان فدخل عليها، فثنت فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يجلس عليه، ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان، وأيضا ففي هذا الحديث أنه قال له: وتؤمرني أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال " نعم ". ولا يعرف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا سفيان البتة ) اهـ.
(1/84) (1/94)
صفحة 95
- وذكر ابن القيم أيضا هذا الحديث في " جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام - صلى الله عليه وسلم - " ص132، 134 فذكره وما أجيب به عنه، ثم ناقش تلك الوجوه واحدا واحدا، ثم ختم ذلك بقوله: ( وبالجملة، فهذه الوجوه وأمثالها مما يعلم بطلانها واستكراهها وغثاثتها ولا تفيد الناظر فيها علما، بل النظر فيها والتعرض لإبطالها من منارات العلم، والله تعالى أعلم، فالصواب أن الحديث غير محفوظ؛ بل وقع فيه تخليط والله أعلم ).
- وقد تعرض لهذا الحديث والأجوبة التي أجيب بها عنه ثم بيان ما فيها من مغامز العلامة الزرقاني في " شرح المواهب اللدنية " 3/ 243، 245.
- وقال ابن الأثير: ( وهذا الحديث مما أُنكر على مسلم؛ لأن أبا سفيان لما جاء يجدد العقد قبل الفتح دخل على ابنته أم حبيبة فثنت فراش النبي- صلى الله عليه وسلم - فقال: والله ما أدري أرغبت بي عنه أم به عني ؟ قالت: بل هذا فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنت رجل مشرك، فقال: والله لقد أصابك بعدي يا بنية شر ) اهـ. " البداية والنهاية " 4/ 144.
- قال ابن كثير في " السيرة النبوية " ج3 ص277، وفي " البداية النهاية " ج4 ص145، بعد أن ذكر بعض الأجوبة التي أجيب بها عن هذا الحديث: ( وهذه كلها ضعيفة، والأحسن في هذا أنه أراد أن يزوجه ابنته الأخرى عمرة لما رأى في ذلك من الشرف، واستعان بأختها أم حبيبة - كما في الصحيحين - وإنما وهم الراوي في تسمية أم حبيبة ) اهـ.
(1/85) (1/95)
صفحة 96
قلت: وهذا في حقيقة الواقع هو أضعف الأجوبة؛ لأن في الرواية نفسها ما يحكم ببطلانه، فإنن فيها أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن، قال " نعم " ...إلى أن قال: وعندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها، قال " نعم ". فإن فيها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وافق على ذلك، ومن المعلوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يوافق، بل ولا يجوز له؛ لأن عنده أختها، ولا يجوز الجمع بين الأختين بنص الكتاب والسنة والإجماع. وقد ضعفه غير هؤلاء كما في رسالة الآحاد.
2- روى مسلم في حديث الكسوف: ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بثلاث ركوعات، وبأربع ركوعات، كما روى أنه صلى بركوعين ).
- قال ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " 1/256 وهو منقول من كتابه " قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة " ص86 بعد أن ذكره: ( والصواب أنه لم يصل إلا بركوعين؛ إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم، وقد بين ذلك الشافعي، وهو قول البخاري، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، والأحاديث التي فيها الثلاث والأربع فيها أنه صلاها يوم مات إبراهيم، ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف، ولا كان له إبراهيمان، ومن يقل إنه مات عاشر الشهر فقد كذب ).
- وذكر ذلك أيضا في ج17 ص236 من " مجموع الفتاوى " وقال بعد كلام: ( ومثل ما روي في بعض طرق أحاديث صلاة الكسوف: أنه صلاها ثلاث ركوعات وأربع، والصواب أنه لم يصلها إلا مرة واحدة بركوعين، ولهذا لم يخرج البخاري إلا هذا، وكذلك الشافعي وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه وغيرهما ) اهـ. المراد منه. انظر أيضا ج18 ص17.
(1/86) (1/96)
صفحة 97
- وذكر ابن القيم في " زاد المعاد " ج1 ص452، 456 وقال بعد أن ذكر بعض روايات هذا الحديث: ( لكن كبار الأئمة لا يصححون ذلك كالإمام أحمد والبخاري والشافعي ) ثم ذكر كلاما عن البيهقي فيه تضعيف تلك الروايات... إلى أن قال: ( والذي ذهب إليه البخاري والشافعي من ترجيح الأخبار أولى لما ذكر من رجوع الأخبار إلى حكاية صلاته - صلى الله عليه وسلم - يوم توفي ابنه ).
- وقال الشيخ أحمد الغماري في " الهداية في تخريج أحاديث البداية " 4/198: ( والحديث كذب باطل مقطوع ببطلانه عقلا، ولو أنه في صحيح مسلم، فإن كسوف الشمس إنما وقع مرة واحدة يوم مات إبراهيم ابن الرسول - صلى الله عليه وسلم - .... الخ ).
- وقال الألباني في إرواء غليله ج3 ص139: ( ضعيف وإن أخرجه مسلم ومن ذكر معه وغيرهم.. إلى أن قال: فهذا خطأ قطعا ). وقد ضعف بعض هذه الروايات الحافظ ابن عبد البر.
3- ( خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ). رواه مسلم 2789 من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
- قال ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " 17/ 235، 236: ( وأم الحديث الذي رواه مسلم في قوله (( خلق الله التربة يوم السبت )) فهو حديث معلول، قدح فيه أئمة الحديث كالبخاري وغيره، قال البخاري: الصحيح أنه موقوف على كعب. وقد ذكر تعليله البيهقي أيضا، وبينوا أنه غلط ليس مما رواه أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مما أنكر الحذاق على مسلم إخراجه إياه ) اهـ.
(1/87) (1/97)
صفحة 98
- وقال في ج1 ص256، 257 من " مجموع الفتاوى ": ( .. وكذلك روى مسلم (( خلق الله التربة يوم السبت )) ونازعه فيه من هو أعلم منه كيحيى بن معين والبخاري وغيرهما، فبينوا أن هذا غلط ليس من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال: والحجة مع هؤلاء فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأن آخر ما خلقه هو آدم، وكان خلقه يوم الجمعة، وهذا الحديث المختلف فيه يقتضي أنه خلق ذلك في الأيام السبعة، وقد روى إسناد أصح من هذا أن أول الخلق كان يوم الأحد ). وانظر أيضا ج18 ص18، 19 من " مجموع الفتاوى " وكتاب " دقائق التفسير " ج6 ص366.
- وقال ابن كثير في تفسيره 1/99: ( هذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه ابن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب الأحبار، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار ) اهـ.
- وذكره البخاري في " التاريخ " في ترجمة أيوب بن خالد بن أبي أيوب، وقال 1/1/413، 414: ( وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصح ) وذكره البيهقي في " الأسماء والصفات " ص275، 276 ونقل تضعيفه عن بعض أئمة الحديث، وأن ابن المديني أعله بأن إسماعيل بن أبي أمية أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى، وهذا عن أيوب بن خالد، وإبراهيم متروك، وكذا أعله الحاكم أبو عبدالله، وابن أبي الوفاء القرشي، وآخرون.
4- حديث ( أنس بن مالك - رضي الله عنه - في قصة الإسراء )الذي رواه البخاري رقم 7517 قال: ( حدثنا عبد العزيز بن عبدالله حدثني سليمان عن شريك بن عبدالله أنه قال: سمعت أنس بن مالك... فذكره ) وهو حديث طويل .
وقد انتقد هذا من أكثر من عشرة وجوه، وممن أعله ببعض هذه الوجوه الخطابي، وابن حزم، وعبد الحق الإشبيلي، والقاضي، والنووي وآخرون.
وعبارة النووي: ( وقع في رواية شريك - يعني هذه - أوهام أنكرها العلماء ).
(1/88) (1/98)
صفحة 99
- وقال ابن القيم في " زاد المعاد " ج3 ص42: ( وقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه ثم قال: فقدم وأخر، وزاد ونقص، ولم يسرد الحديث فأجاد ) اهـ.
وقال الذهبي في " الميزان " ج2 ص270 بعد ذكره لهذا الحديث: (وهذا من غرائب الصحيح) اهـ
- وقال ابن كثير في تفسيره 3/3: ( إن شريك بن عبدالله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث وساء حفظه ولم يضبطه ) انظر الفتح 13/584.
- حديث ابن عباس - رضي الله عنهما قال -: ( كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر؛ طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم ). رواه مسلم 10/70 بشرح الإمام النووي من طريق ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس - رضي الله عنهما -.
هذا الحديث ضعفه جماعة من العلماء؛ منهم: أحمد بن حنبل، والباجي، وابن عبد البر، وابن العربي، والجوزجاني، والقرطبي، وابن التركماني، وابن رجب، والقاضي إسماعيل.
- قال الجوزجاني: ( هو حديث شاذ ).
- وقال البيهقي في " السنن ": ( إن البخاري لم يخرج هذا الحديث لمخالفة هؤلاء لرواية طاووس عن ابن عباس، وقال الأثرم: سألت أبا عبدالله عن حديث ابن عباس: بأي شيء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن عبدالله من وجوه خلافه.
- وقال الباجي: ( وما روى عن ابن عباس في ذلك من رواية طاووس قال فيه بعض المحدثين: هو وهم ).
- وقال ابن عبد البر: ( ورواية طاووس وهم وغلط، لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق والمشرق والمغرب، وقد قيل: إن أبا الصهباء لا يعرف في موالي ابن عباس ).
(1/89) (1/99)
صفحة 100
- وقال ابن التركماني في " الجوهر النقي في الرد على البيهقي " ج7 ص336: ( وأبو الصهباء ممن روى عنهم مسلم دون البخاري، وتكلموا فيه. قال الذهبي في " الكاشف ": (( قال النسائي: ضعيف )) فعلى هذا يحتمل أن البخاري ترك هذا الحديث لأجل أبي الصهباء ) اهـ.
- وقال ابن العربي: ( إن هذا الحديث مختلف في صحته، فكيف يقدم على الإجماع؟ ... إلى أن قال: وهذا الحديث لم يرد إلا عن ابن عباس، ولم يرو عنه إلا من طريق طاووس، فكيف يقبل ما لم يروه من الصحابة إلا واحد، وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد؟! وكيف خفي على جميع الصحابة وسكتوا عنه إلا ابن عباس؟! وكيف خفي على أصحاب ابن عباس إلا طاووس؟! ).
- وقال ابن رجب: ( فهذا الحديث لأئمة الإسلام فيه طريقان: أحدهما وهو مسلك الإمام أحمد ومن وافقه: ويرجع إلى الكلام في إسناد الحديث لشذوذه وانفرد طاووس به وأنه لم يتابع عليه، وانفرد الراوي بالحديث - وإن كان ثقة - وهو علة في الحديث، يوجب التوقف فيه، وأن يكون شاذا ومنكرا إذا لم يرد معناه من وجه يصح، وهذه طريقة أئمة الحديث كالإمام أحمد، ويحيى بن القطان، ويحيى بن معين، وعلي ابن المديني وغيرهم، وهذا الحديث لا يرويه عن ابن عباس غير طاووس ).
- قال الجوزجاني: ( هو حديث شاذ. قال: وقد عنيت بهذا الحديث في قديم الدهر فلم أجد له أصلا. قال: وقد صح عن ابن عباس - وهو راوي الحديث - أنه أفتى بخلاف هذا الحديث ... ولزوم الثلاث المجموعة، وهذا الحديث أيضا علة في الحديث بانفرادها، فكيف وقد ضم إليها علة الشذوذ والإنكار والإجماع ؟ وقال: كان علماء مكة ينكرون على طاووس ما ينفرد به من شواذ الأقاويل ) اهـ.
ومن المعلوم أن مسائل الطلاق مما تعم به البلوى أيضا كما لا يخفى، فكلامه هذا يصلح أن يجاب به على ما اعترض به على القدح في حديث الطلاق السابق فتأمل، والله أعلم.
(1/90) (1/100)
صفحة 101
6- حديث أنس - رضي الله عنه - قال: ( صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بـ" الحمد لله رب العالمين " لا يذكرون " بسم الله الرحمن الرحيم " في أول القراءة ولا في آخرها ). رواه مسلم.
هذا الحديث ضعفه جمع من العلماء؛ منهم: الشافعي، والترمذي، والدارقطني، والبيهقي، والفخر الرازي، وابن عبد البر، وابن الصلاح، وابن الملقن، والعراقي، والسيوطي وآخرون، وقد مثل به جماعة في مصطلح الحديث للحديث المعل.
- قال العراقي في ألفيته ج1 ص224 بشرح السخاوي:
وسم ما بعلة مشمول ** معللا ولا تقل معلول
وهي عبارة عن أسباب طرت ** فيه غموض وخفاء أثرت
إلى أن قال:
وعلة المتن كنفي البسملة ** إذ ظن راو نفيها فنقله
وصح أن أنسا يقول لا ** أحفظ شيئا فيه حين سئلا
- وقال السيوطي في ألفيته ص55:
وغالبا وقوعها في السند ** وكحديث البسملة في المسند
وأراد بالمسند صحيح مسلم، كما أوضح ذلك أحمد شاكر في تعليقاته عليها، وقد أقره على ذلك، وأقره على ذلك أيضا شارحه الترمسي، انظر " مقدمة ابن الصلاح " وحاشية العراقي عليها ص116، 121، و " تدريب الراوي " للسيوطي ج1 ص254، 257.
- وقال السيوطي ص255: ( هذا الحديث معلول أعله الحافظ بوجوه جمعتها وحررتها في المجلس الرابع والعشرين بما لم أُسبق إليه، وأنا ألخصها هنا فذكرها ) ثم لخص ذلك ص257 فقال: ( وتبين بما ذكرناه أن لحديث مسلم السابق تسع علل: المخالفة من الحفاظ والأكثرين، والانقطاع، وتدليس التسوية من الوليد، والكتابة وجهالة الكاتب، والاضطراب في لفظه، والإدراج، وثبوت ما يخالفه من صحابيه، ومخالفته لما رواه عدد التواتر ) اهـ.
7- حديث كعب بن مالك ( في ذبيحة المرأة والأمة ) رواه الإمام البخاري.
- قال الحافظ الدارقطني: ( أخرج البخاري حديث عبيد الله عن نافع عن ابن كعب عن أبيه: أن جارية لكعب.
(1/91) (1/101)
صفحة 102
وعن مالك عن نافع عن رجل من الأنصار عن معاذ بن سعد أو سعد بن معاذ: أن جارية لكعب.
وعن موسى عن جويرية عن نافع عن رجل من بني سلمة أخبر عبدالله: أن جارية لكعب.
وقال الليث عن نافع سمع رجلا من الأنصار أخبر عبدالله: أن جارية لكعب.
قال: وهذا قد اختلف فيه على نافع وعلى أصحابه عنه.
اختلف فيه على عبد الله، وعلى يحيى بن سعيد، وعلى أيوب، وعلى قتادة، وعلى موسى بن عقبة، وعلى إسماعيل بن أمية، وعلى غيرهم، فقيل عن نافع عن ابن عمر، ولا يصح، والاختلاف فيه كثير ).
- قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح ص376 بعد أن أورد كلام الدارقطني: ( قلت: وهو كما قال، وعلته ظاهرة، والجواب عنه فيه تكلف وتعسف ).
8- حديث ( اختصام الجنة والنار ) وفيه: (( فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدا، وأنه ينشئ للنار من يشاء فيلقون فيها...الخ ). رواه الإمام البخاري من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - .
- قال ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " ج13 ص353: ( هذا مما وقع فيه الغلط ).
- وقال الحافظ ابن حجر في " الفتح " ج13 ص437: ( قال جماعة من الأئمة: إن هذا الموضع مقلوب، وجزم ابن القيم بأنه غلط، وكذا أنكر الرواية شيخنا البلقيني، واحتج بقوله ? ولا يظلم ربك أحدا ? ( الكهف آية 49) ).
- وقد مثل به ابن الوزير في " تنقيح الأنظار " ج2 ص106، 107 مع توضيح الأفكار للحديث المقلوب، وأقره على ذلك شارحه الصنعاني، ومن المعلوم أن المقلوب من أقسام الضعيف.
- قال الشيخ طاهر بن صالح الجزائري الدمشقي في " توجيه النظر إلى أصول الأثر " ص136 بعد أن أورد كلاما لابن تيمية حكم فيه بغلط هذا الحديث قال: (( تنبيه: ما ذهب إلى هذا المحقق من أن ما وقع في بعض طرق البخاري في حديث تحاج الجنة والنار: من أن النار لا تمتلئ حتى ينشئ الله لها خلقا آخر؛ مما وقع فيه الغلط، قد مال إليه كثير من المحققين كالبلقيني وغيره.
(1/92) (1/102)
صفحة 103
ومن الغرائب في ذلك محاولة بعض الأغمار ممن ليس له إلمام بهذا الفن لا من جهة الرواية ولا من جهة الدراية؛ نسبة الغلط إليه، كأنه ظن أن النقد قد سد بابه على كل أحد، أو ظن أن النقد من جهة المتن لا يسوغ؛ لأنه يخشى أن يدخل منه أرباب الأهواء، ولم يدر أن النقد إذا أُجري على المنهج المعروف لم يستنكر.
وقد وقع ذلك لكثير من أئمة الحديث؛ مثل: الإسماعيلي، فإنه بعد أن أورد حديث ( يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعل وجه آزر قترة.. الحديث ) قال: ( وهذا خبر في صحته نظر من جهة إبراهيم عالم بأن الله لا يُخلف الميعاد، فقد يجعل ما بأبيه خزيا له؛ مع إخباره بأن الله قد وعده أن لا يخزيه يوم يبعثون، وعلمه بأنه لا خلف لوعده، فانظر كيف أعل المتن بما ذكر.
فإن قلت: إن كثيرا مما انتقدوه من هذا النوع يمكن تأويله بوجه يدفع النقد.
قلت: إذا أمكن التأويل على وجه يعقل فلا كلام في ذلك، وإن كان على وجه لا يعقل لم لتفت إليه، ولو فتح هذا الباب أمكن حمل كل عبارة على خلاف ما تدل عليه... الخ ).
9- حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: ( بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أقواما من بني سليم إلى بني عامر في سبعين.. الخ ) رواه البخاري.
قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " ج6 ص19: ( قوله " بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أقواما من بني سليم إلى بني عامر " قال الدمياطي: (( هو وهم؛ فإن بني سليم مبعوث إليهم، والمبعوث هم القراء، وهم من الأنصار )) اهـ قلت - والقائل الحافظ ابن حجر -: التحقيق أن المبعوث إليهم بنو عامر، وأما بنو سليم فغدروا بالقراء المذكورين، والوهم في هذا السياق من حفص بن عمر شيخ البخاري ) اهـ.
10- حديث الجارية، الذي فيه ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها أين الله؟ قالت: في السماء ) رواه مسلم.
فقد حكم ببطلانه جماعة من العلماء، وهو الحق الذي لا مرية فيه ولا تردد، وبيان بطلانه من وجوه:
(1/93) (1/103)
صفحة 104
الأول: أنه مخالف لما تواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا أتاه شخص يريد الإسلام أمره أن ينطق بالشهادتين، من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه.
الثاني: مخالفته لما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا " أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسوله الله - صلى الله عليه وسلم - " من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن هذه العقيدة المزعومة.
الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أركان الإسلام والإيمان في حديث جبريل - عليه السلام - ولم يذكر فيه عقيدة أن الله في السماء؛ التي عليها المجسمة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
الرابع: أنه مخالفة لحديث: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم فعلوا ذلك؛ فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله )) وقد نص غير واحد على أنه حديث متواتر.
الخامس: أن مخالفة لإجماع الأمة؛ من أن من نطق بالشهادتين وصدق بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد دخل الإسلام.
السادس: أن عقيدة أن الله في السماء لا تثبت توحيدا، ولا تنفي شركا، وذلك لأن بعض المشركين يعرفون بوجود الله، وكذا النصارى؛ ومع ذلك يشركون معه في الإلوهية غيره.
السابع: أن هذا الحديث قد جاء بألفاظ متعددة، فقد جاء بما ذكرنا، وجاء بلفظ: ( أتشهدين أن " لا إله إلا الله ؟ فقالت: نعم...الخ ).
رواه مالك، وأحمد ج3 ص452، وعبد الرازق في " المصنف " ج9 ص175، وعبد بن حميد، والبزار، والدارمي ج2 ص187، والطبراني ج12 ص27، وابن أبي شيبة، وابن الجارود رقم 931، والبيهقي ج10 ص57.
قال الهيثمي في " المجمع" ج4 ص244: ( رجال أحمد رجال الصحيح ) ومثله في ج1 ص23.
(1/94) (1/104)
صفحة 105
وقال ابن كثير في التفسير 1/547: ( إسناده صحيح، وجهالة الصحابي لا تضره ) اهـ. وصححه أيضا ابن عبد البر في " التمهيد " 9/114.
وجاء بلفظ ( من ربك...الخ ) رواه الربيع رحمه الله تعالى في الجامع الصحيح ج2 ص62، ورواه بهذا اللفظ في حادثة أخرى كل من النسائي ج6 ص252، وأبي داود ج2 ص230، وأحمد ج4 ص222 و ص388 و ص389، والطراني ج7 ص320 وج17 ص136 وفي " الأوسط "، وابن حبان، والحاكم ج3 ص258، والبيهقي ج7 ص388 و ص389.
واللفظ الثاني هو الصواب؛ لموافقته للمتواتر من سنته - صلى الله عليه وسلم - كما بيناه آنفا، فإن قيل: إن اللفظ الأول هو الصواب لرواية الإمام له. قلنا: إن الترجيح برواية الشيخين أو أحدهما لبعض الألفاظ على رواية غيرهما ضعيف جدا، بل باطل لا وجه له؛ لعدم وجود الدليل الدال عليه، بل الأدلة متوفرة - بحمد الله - على خلافه، وهذا هو الذي ذهب إليه جمهور الأمة.
وممن ذهب إليه من المتأخرين العلامة قاسم والكمال بن الهمام في " فتح القدير والتحرير " وشارحا كتابه ابن أمير الحاج محمد الأمين - المعروف بأمير باد شاة -، وابن كثير، والقسطلاني، وعلي القاري، والصنعاني، وأكرم السندي، وأحمد شاكر، والكوثري وآخرون، وهو الحق.
الثامن: أنه لو سلم جدلا أن لفظ مسلم مساو للفظين الآخرين؛ فإنه لا يجوز الاحتجاج به؛ لأن الحديث يكون حينئذ محتملا للكل، وع الاحتمال يسقط الاستدلال، كما هو مقرر عند أولي العلم والكمال.
التاسع: أن يحيى بن أبي كثير أحد - رواة هذا الحديث - مدلس، وهو وإن كان قد صرح بالسماع عند بعضهم؛ إلا أن بعض العلماء لا يأخذ برواية المدلس ولو صرح بالسماع، ولا شك أن المتفق عليه أولى بالتقديم من المختلف فيه.
العاشر: أن هذا الحديث معارض للقواطع العقلية الدالة على عدم تحيز المولى سبحانه في جهة الفوق، والحديث الآحادي لا يحتج به في العقائد - كما أوضحناه في رسالة أخبار الآحاد - ولا مع معارضته للقواطع.
(1/95) (1/105)
صفحة 106
على أنه لو سلم بثبوت الحديث، فإن المراد بقولها: ( في السماء ) أي في علو مرتبة، كما أوضحه الحافظ وغيره(1)
__________
(1) ومن الأحاديث الباطلة التي في صحيح البخاري، ما جاء في حديث الأبرص والأقرع والأعمى؛ في رواية "بدا الله"، مكان الرواية الصحيحة " أراد الله ". انظر مختصر صحيح البخاري للألباني ج2 ص6.
قال الألباني هنالك: ( فإن نسبة البداء لله تعالى لا يجوز...كيف لا؟ وهي من عقائد اليهود عليهم لعائن الله ) اهـ. والأمر كما قال.
- وهذه طائفة من الأحاديث التي قدح الحافظ الدمياطي في بعض ألفاظها وفي بعض رواتها، وهي في صحيح البخاري، وإن كنا لا نوافقه على كل ما قاله.
قال الحافظ الدمياطي، كما في " الطبقات الكبرى " لابن السبكي ج7 ص115:( وأما إمام الدنيا أبو عبدالله البخاري ففي " جامعه الصحيح " أوهام؛ منها:
* في (باب من بدأ بالحلاب والطيب عند الغسل) ذكر فيه حديث عائشة: ((كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب فأخذ بكفه)) الحديث.
ظن البخاري أن الحلاب ضرب من الطيب فوهم فيه، وإنما هو إناء يسع حلب الناقة، وهو أيضا المحلب –بكسر الميم-. وحبُ المحلب –بفتح الميم- من العقاقير الهندية.
* وذكر في (باب مسح الرأس كله) من حيث مالك، عن عمرو بن يحيى عن أبيه: أن رجلا قال لعبدالله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ؟.
قوله (جد عمرو بن يحيى) وهم، وإنما هو عم أبيه، وهو عمرو بن أبي حسن، وعمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن تميم بن عمرو بن قيس بن محرث بن الحارث بن ثعلبة بن مازن بن النجار المازني، ولأبي حسن صحبة، وقد ذكره في الباب بعده على الصواب، من حديث وهيب عن عمرو بن يحيى عن أبيه قال: شهدت عمرو ابن أبي حسن، سأل عبدالله بن زيد عن وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، الحديث. (1/106)
صفحة 107
* وذكر فيه أيضا في (باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) من حديث شعبة عن سعد بن إبراهيم عن حفص بن عاصم عن رجل من الأزد يقال له: مالك بن بُحينة.
وقد وهم شعبة في قوله (مالك بن بحينة) وإنما هو ولده عبدالله بن بحينة، وقد رواه مسلم والنسائي، وابن ماجة، على الصواب.
فأما ابن ماجة؛ فرواه من حديث إبراهيم بن سعيد بن إبراهيم عن أبيه عن حفص عن عبدالله بن بحينة، ورواه مسلم والنسائي من حديث أبي عوانة عن سعد بن إبراهيم عن حفص عن ابن بحينة؛ يعني عبدالله، وليس لمالك صحبة، وإنما الصحبة لولده عبدالله بن مالك بن القشب. هذا قول ابن سعد.
وقال ابن الكلبي: مالك بن معبد بن القشب، وهو جندب بن نضلة بن عبدالله بن رافع بن محضب بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبدالله بن مالك بن نصر بن الأزد.
وبحينة أم عبدالله: بنت الحارث بن المطلب بن عبد مناف، واسمها عبدة، أخت عبيدة بن الحارث بن المطلب المقتول يوم بدر، رفيق حمزة وعلي الذين برزوا يوم بدر لعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، والوليد بن عتبة. ولبحينة صحبة.
* وذكر فيه أيضا في (باب من يقدم في اللحد) في الجنائز: قال جابر " فكفن أبي وعمي في نمرة واحدة " ولم يكن لجابر عم، وإنما هو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب، كانت عنده عمةُ جابر هند بنت عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة.
* وذكر فيه أيضا في ( غزوة المرأة البحر) عن عبدالله بن محمد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن عبدالله ابن عبد الرحمن الأنصاري عن أنس قال: (دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - على بنت ملحان) الحديث. قال أبو مسعود: سقط بين أبي إسحاق وبين أبي طوالة عبدالله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم: زائدة بن قدامة الثقفي.
* وذكر فيه أيضا في (مناقب عثمان بن عفان) أن عليا جلد الوليد بن عقبة ثمانين. (1/107)
صفحة 108
والذي رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة من حديث عبد العزيز بن المختار عن الداناج عبدالله بن فيروز عن حضين بن المنذر عن علي: أن عبدالله بن جعفر جلده وعلي يعد، فلما بلغ أربعين قال علي: أمسك.
* وذكر فيه أيضا في (باب وفود الأنصار): (حدثنا علي حدثنا سفيان قال: كان عمرو يقول: سمعت جابر بن عبدالله يقول: شهد بي خالاي العقبة، قال عبدالله بن محمد: قال ابن عيينة: أحدهما البراء بن معور).
* وهذا وهم، وإنما خالاه ثعلبة وعمرو ابنا عنمة بم عدي بن سنان بن نابي بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة، أختهما أنيسة بنت عنمة، أم جابر بن عبدالله.=
=* وذكر فيه أيضا في (باب فضل من شهد بدرا): فابتاع بنو الحارث بن عامر بنن نوفل بن عبد مناف خبيبا وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر.
وهذا وهم، ما شهد خبيب بن عدي بن مالك بن عامر بن مجدعة بن جحجبا بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس؛ بدرا، ولا قتل الحارث، وإنما الذي شهد بدرا وقتل الحارث بن عامر هو خبيب بن إساف بن عنبة بن عمرو بن خديج بن عامر بن جشم بن الحارث بن الخزرج.
وفي " الجامع " أوهام غير ذلك ) اهـ.
(1/96)
، فلا نطيل المقام بذكره.
وخلاصة القول: أن الإمام الربيع رحمه الله تعالى روى هذه الأحاديث بإسناده العلي وقد توفرت فيها شروط الصحة الخمسة.
1- اتصال السند 2- ثقة الرجال 3- ضبطهم 4- عدم الشذوذ 5- عدم العلة القادحة.
وعليه فتعتبر هذه الأحاديث صحيحة ثابتة، بغض النظر عن ثبوتها أو عدمه عند بقية علماء الحديث، والله تعالى أعلم.
الاعتراض الخامس:
أن الربيع رحمه الله تعالى روى أحاديث عن عبارة مباشرة، وهي الأحاديث التالية:
رقم 214و 469و 577و 584، وروى حديثا عن أبي أيوب مباشرة، وهو حديث رقم 191 مرفوعا.
والجواب عن هذه الأحاديث من حيث الإعضال سيأتي في الجواب الآتي بعد - إن شاء الله تعالى - وإنما أكتفي هنا بتخريج هذه الأحاديث، وإليكها وبالله التوفيق: (1/108)
صفحة 109
1- حديث رقم 214 عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( سيكون بن بعدي أمراء تشغلهم أشياء عن الصلاة حتى يؤخروها عن وقتها، صلوها لوقتها، فقال رجل: يا رسول الله، إن أدركتهم أصلي معهم؟ قال: نعم إن شئت )).
هذا الحديث قال عنه شارح المسند الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى: ( الحديث رواه أيضا أبو داود بسند رجاله ثقات عندهم، ورواه أحمد بنحوه ) اهـ.
قلت: وكذا رواه ابن ماجة 1257، وورد معناه عن جماعة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : منهم أبو ذر، وابن مسعود - رضي الله عنهما -.
أما حديث أبي ذر فقد رواه مسلم 648، والنسائي 2/75، 241، والدرامي 1/279، والطيالسي 454، وعبد الرزاق 3780، وابن حبان 1482، والطبراني 1633، والبغوي في " شرح السنة " 293 عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها، قال: كيف أفعل؟ قال: صل الصلاة لوقتها، فإذا أدركتهم لم يصلوا فصل معهم، ولا تقل إني صليت فلا أصلي)).
(1/97)
ورواه أحمد 5/149و 169، وأبو داود 431، والترمذي 176، وابن ماجة 1256، وابن أبي شيبة 2/381، والبيهقي 3/124 وآخرون. وهو أيضا عند مسلم بلفظ: (( وصل الصلاة لوقتها، فإن وجدت الإمام قد صلى فقد أحرزت صلاتك وإلا فهي نافلة )).
وأما حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - فقد رواه النسائي 2/75، 76 وأبو داود 432، وابن ماجة 1255، وأحمد 1/379و 5/231، 232، وابن حبان 1481، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( كيف بكم إذا أمر عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير وقتها، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك يا رسول الله ؟ قال: صل الصلاة لميقاتها، واجعل صلاتك معهم سبحة )). (1/109)
صفحة 110
وقد رواه ابن حبان برقم 1558 بلفظ: (( إنها ستكون أمراء يسيئون الصلاة يخنقونها إلى شرق الموتى، فمن أدرك ذلك منكم فليصل الصلاة لوقتها، وليجعل صلاته معهم سبحة )). ورواه مسلم 534، وابن أبي شيبة 2/381، وعبد الرزاق 3787 موقوفا على ابن مسعود - رضي الله عنه - .
2- حديث رقم 469 عن عبادة بن الصامت قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومر بنا بعير من المغنم، فلما انصرف تناول وبرة من دبر البعير فقال: (( ما يحل لي من غنائمكم ما يزن هذه إلا الخمس، وهو مردود فيكم )).
هذا الحديث رواه النسائي 7/131، والدارمي 2/148، والحاكم 3/49 والبيهقي 6/303و 315، وابن زنجويه 1187؛ عن عبادة بن الصامت قال: أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - وبرة من جنب بعير فقال: (( أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم )).
وفي إسناده عبد الرحمن بن عياش، ويقال: ابن عباس. وثقه ابن سعد وابن حبان، وقال ابن معين: لا بأس به. وضعفه جماعة. وقد رواه ابن ماجة 2850 من طريق أخرى فيها عيسى بن سنان القسملي، قال الحافظ في " التقريب ": ( لين الحديث ) اهـ.
(1/98)
قلت: والحديث بمجموع طريقيه يرتقي إلى درجة الحسن - إن شاء الله تعالى - وله شواهد كثيرة يرتقي بمجموعها إلى درجة الصحة، وإليك بعض هذه الشواهد:
أ- عن عمرو بن عنبسة - رضي الله عنه - قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال: (( ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود فيكم )). رواه أبو داود 2755، والحاكم 3/616، 617، والبيهقي 6/339، وإسناده صحيح. (1/110)
صفحة 111
ب- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( ردوا ردائي، فوالله لو كان عندي عدد شجر تهامة نعما لقسمته بينكم، وما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا )) ثم قام إلى جنب بعير فأخذ من سنامه وبرة فقال: (( أيها الناس إنه ليس لي من فيئكم مثل هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط فإن الغلول يكون على صاحبه عارا ونارا وشنارا يوم القيامة..الخ )). رواه النسائي 6/262، 263، وأبو داود 2694، وأحمد 2/184، والبيهقي في " السنن الكبرى " 6/336، 337 و في " دلائل النبوة " 5/ 194، 195، وأبو عبيد في " الأموال" ، وابن زنجويه 484و 1138و 1234و 1139، وسعيد بن منصور 2754، وابن الجارود 1080، وعبد الرزاق 5/ 243، 244. وإسناده حسن؛ للخلاف الوارد في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
قال البخاري : ( رأيت أحمد بن حنبل وعليّ بن المديني وإسحاق بن راهوية وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده , ما تركه أحد من المسلمين )(1) أهـ .
قلت : وهذا هو الصحيح عندي , وإليه ذهب أكثر المحققين من المتأخرين , وبيان ذلك لا تتسمع له هذه العجالة .
__________
(1) - تهذيب التهذيب 8 / 44 .
(1/99)
ج- عن العرباض بن سارية - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ وبرة من الفيء فقال : ( مالي من هذه إلا ما لأحدكم إلا الخميس , وهو مردود عليكم , فردوا الخيط والمخيط , وإياكم والغلول فإنه عار وشنار ) . رواه أحمد 4 / 127 - 128 , والطبراني في " الكبير " ج18 رقم 649 , والبراز 1734 .
قال الهيثمي في " المجمع " 5 / 337 : ( وفيه أم حبيبة بنت العرباض , ولم أجد من وثقها ولا من جرحّها ,و بقية رجاله ثقات ) أ هـ . (1/111)
صفحة 112
3- حديث رقم 495 عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن جبريل رقاة وهو يوعك فقال : ( بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك , من كل حاسد إذا حسد , ومن كل عين , واسم الله يشفيك ) .
الحديث رواه أحمد 5 / 323 , وابن ماجة 3527 وابن حبان 953 . قال البوصيري في " الزوائد " 2 / 220 : ( هذا إسناد حسن ) أ هـ .
وفي الباب ما يشهد له من حديث عائشة عند مسلم 2185 , ومن حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم 2186 , والترمذي 972 , ومن حديث أبي هريرة عند ابن ماجة 3524 وفي إسناده عاصم العمري , وهو ضعيف .
4- حديث رقم 577 , حديث رقم 584 , وهما عن عبادة - رضي الله عنه - عنه - صلى الله عليه وسلم - ( وفي النهي عن بيع الذهب بالذهب ... الخ ) .
وأقوال : إن الحديث عن عبادة - رضي الله عنه - وفي النهي عن بيع هذه الأصناف بعضها ببعض ثابت من طرق عدة , وقد جاء بألفاظ مختلفة , وممن رواه الإمام مسلم 1587 والنسائي 7 / 277 , وأبو داود 3349 و 3350 , والترمذي 1240 , والدرامي 2 / 174 , وأحمد 5 / 319 و 320 وابن الجارود 650 و 652 , والطحاوي 4 / 67 والدار قطني 3 / 24 , والبيهقي 5 / 278 وآخرون , وله شواهد متعددة عن جماعة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
(1/100)
5- حديث رقم 191 عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( أوتر بخمس , فإن لم تستطع فبثلاث , فإن لم تستطع فبواحدة , فإن لم تستطع فتومئ إيماء ) . (1/112)
صفحة 113
هذا الحديث رواه النسائي 3 / 238 , وأبو داود 1422 , والدرامي 1 / 371 , وأحمد 5 / 418 , وابن حبان 2407 و 2411 , , وعبد الرزاق 4633 , والطحاوي 1 / 291 , والطبراني 3962 و 3964 و 3967 , والدار قطني 2 / 22 و 23 و الحاكم 1 / 302 و 303 والبيقهي 3 / 27 , وصححه الحاكم , ووافقه الذهبي بلفظ : ( الوتر حق , فمن أحب أن يوتر بخمس فليوتر , ومن أحب أن يوتر بثلاث فليوتر , ومن أحب أن يوتر بواحدة فليوتر , ومن شق عليه فليومئ إيماء ) .
فالحديثان بمعنى واحد , ولعل أحدهما مروي بالمعنى , ومن المعلوم أن رواية الحديث بالمعنى جائزة عند جمهور العلماء , كما هو محرر في أصول الفقه ومصطلح الحديث .
وغاية ما في رواية الربيع رحمه الله تعالى استحباب الإيثار بخمس ركعات ثم بثلاث ثم بواحدة , وهذا الاستحباب معلوم بالضرورة وإن لم يذكر في الرواية الثانية , ولهذا الحديث نظائر لا داعي لذكرها هنا , بل ورد عن الحاكم بنفس لفظ الإمام الربيع رحمه الله تعالى إلا أن في إسناده مقالا معروفا , والله وليّ التوفيق .
الاعتراض السادس:
* الإعضال في رواية أبي عبيدة - رضي الله عنه -
قال هذا المعترض : فأبو عبيدة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برقم 278 و 291 .
قلت : بل قال في الثاني : بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
برقم 337 و 348 . قلت : بل قال : بلغني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فانظر ص88 .
وبرقم 380 , ويروي بلاغا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رقم 15 و 30 و 63 و 66 و 73 .
قلت : بل قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانظر ص25 .
(1/101)
وبلاغا عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - م سنة 23 هـ برقم 14 و 120 , قلت : بل رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : ( بلغني عن عمر بن الخطاب ) انظر ص35 .
وبرقم 336 قلت : بل قال أبو عبيدة - رضي الله عنه - عن جابر بن زيد عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فانظر ص86 . (1/113)
صفحة 114
وبلاغا عن جابر بن عبدالله المتوفى بعد سنة 70هـ برقم 77 قلت : بل الحديث متصل رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن جابر بن عبدالله قال : ( قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) فانظر ص27 .
وبرقم 363 و 364 , قلت : بل الحديثان متصلان , وهما من مسند أبي هريرة ؛ لا كما زعم هذا الجهول , فأنظرهما ص92 و 93 أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكره . والثاني ومن طريقه أي بالسند الأول كما هو موضح في الحديث رقم 1 أ هـ .
وبرقم 379 قلت : بل الحديث من طريق أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن جابر بن عبدالله .... الخ .
وبلاغا عن أبي هريرة م سنة 58 هـ - رضي الله عنه - برقم 350 و 363 و 364 قلت : بل هما متصلان كما تقدم ورقم 290 .
وبلاغا عن أبي أيوب الأنصاري م سنة 50هـ برقم 79 و 253 قلت : بل هو عن جابر بن زيد قال : بلغني عن أبي أيوب ... الخ . فانظر ص68 .
وبرقم 312 قلت : هذا الحديث رواه الربيع رحمه الله تعالى مباشرة فانظر ص80 - 81 .
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - المتوفى قبل سنة 74 هـ برقم 234 .
وعن كبشة بنت كعب بن مالك برقم 159 أ هـ كلامه .
ولم يصدق في كثير مما قال، وإليك بيان ذلك:
قال في الحديثين رقم 120، 336: ( رواهما أبو عبيدة عن عمر - رضي الله عنه - ) وليس الأمر كذلك كما بيناه.
وقال عن الحديث رقم 77: ( رواه أبو عبيدة بلاغا عن جابر بن عبدالله ) والواقع أن الحديث متصل رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن جابر بن عبدالله.
(1/102)
وقد رأيت أن الحديثين 363، 364 من مسند أبي هريرة لا من مسند جابر بن عبدالله، وأنهما متصلان لا معضلان كما زعم.
وأن الحديث رقم 379 رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد بلاغا عن جابر بن عبدالله.
وأن الحديث 363 و 364 متصلان كما بيناه أعلاه.
وأن الحديث 253 رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد بلاغا عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - . (1/114)
صفحة 115
وبذلك يتبين أن خمسة من هذه الأحاديث التي ذكرها متصلة، وأن ثلاثة منها - وهي التي من طريق جاب بن زيد - منقطعة، ولا وجه للقول بإرسالها أو إعضالها؛ وذلك لأن الصحابي موجود ولأن جابرا من كبار التابعين، فالساقط شخص واحد لا أكثر. وكذا بالنسبة إلى الأحاديث التي رواها أبو عبيدة - رضي الله عنه - فهي منقطعة أيضا للسبب نفسه.
وأما الأحاديث التي رواها أبو عبيدة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهي إما تكون مرسلة، وإما أن تكون معضلة؛ لاحتمال أن يكون الساقط شخصا واحدا - وهو الصحابي - لأن أبا عبيدة قد روى عن جملة من الصحابة، أو شخصين؛ لأن أبا عبيدة لم يكن من كبار التابعين فيمكن أن يكون قد أخذها عن بعض التابعين. هذا هو الاصطلاح الذي لا يعرف أهل العلم غيره.
وأما ما ذكره هذا المعترض بقوله:( هذه روايات لأبي عبيدة هذا عن هؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - فهي إرسال من بعد إعضال ) فهو دليل واضح وحجة نيرة جلية على جاهل بهذا العلم الشريف جهلا مدقعا، وإلا فإن أصغر الطلبة يعلمون أنه لا وجود لمثل هذا المصطلح المزعوم.
هذا ومن المعلوم أن كثيرا من كتب الحديث من صحاح وسنن ومسانيد وغيرها يوجد فيها كثير من الأحاديث المعلقة والمرسلة والمعضلة والمنقطعة، وأقرب الأمثلة على ذلك موطأ الإمام مالك، فإن فيه 222 حديثا مرسلا ومعضلا، و617 حديثا موقوفا، وفيه275 أثرا من أقوال التابعين، وصحيح البخاري فيه 1341 حديثا معلقا.
(1/103)
قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: ( وأكثرها مكرر مخرج في الكتاب أصول متونه، وليس فيه من المتون التي لم تخرج ولو من طريق أخرى إلا مائة وستون حديثا ...الخ). (1/115)
صفحة 116
ولم يقل أحد من العلماء بضعف هذه الكتب لوجود هذه الأحاديث المرسلة أو المعضلة أو المعلقة فيها، وإنما قالوا بوجوب البحث عن أسانيد هذه الروايات من طرق أخرى، ثم النظر في أسانيد تلك الطرق والحكم عليها بما تقتضيه الصناعة الحديثية، على خلاف بينهم في جواز الاحتجاج بالمرسل إذا لم يعتضد، كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى.
أما سائر أحاديث تلك الكتب المتصلة فلا يؤثر فيها وجود هذه الأحاديث شيئا، وإذا تقرر ذلك فنقول: إن أحاديث الربيع المرسلة أو المعضلة أو المعلقة قد ثبت اتصالها أو اتصال أكثرها عند غيره بأسانيد حسنة أو صحيحة، فدل ذلك على ثبوتها عنده رحمه الله تعالى وقد خرجنا بعضها عند الجواب على الاعتراض السابق، وسنخرج بعضا منها في نهاية هذا الجواب.
- وقبل تخريجها لا بأس أن أذكر ما قاله الشيخان ناصر الألباني وعبدالله الغماري عن حال تلميذهما صاحب هذه الاعتراضات، ومن المعلوم أن الشيخ أدرى الناس بحال طلابه.
(1/104) (1/116)
صفحة 117
1- قال الألباني في " تمام المنة " ص197: (( تنبيه: ثم رأيت لبعض الفضلاء المعاصرين- يعني الدكتور بكر أبا زيد، كما صرح الألباني بذلك في مقدمة " صحيح الترغيب والترهيب " الطبعة الثالثة 1409هـ - جزءا في كيفية النهوض من الصلاة ضعف فيه حديث العجن، ويؤسفني أن أقول: لقد كان في بحثه بعيدا عن التحقيق العلمي، والتجرد عن التعصب المذهبي، على خلاف ما كنا نظن به؛ فإنه غلب عليه نقل ما يوافقه وطي ما يخالفه أو إبعاده عن موضعه المناسب له إن نقله؛ بحيث لا ينتبه القارئ لكونه حجة عليه لا له، وتوسعه في نقد ما يخالفه وتشدده والتشكيك في دلالته، وتساهله في نقد ما يؤيده، وإظهار الحديث الضعيف مظهر القوي بطرقه؛ وليس له سوى طريقين واهيين أوهم القراء أنه خمسة، ثم يطيل الكلام جدا في ذكر مفردات ألفاظها حتى يوصلها إلى عشرة؛ دون فائدة تذكر سوى زيادة في الإيهام المذكور، إلى غير ذلك مما يطول البحث بالإشارة إليه... إلى أن قال ص198: أما الفاضل المشار إليه فجاء بشيء لم يأت به الأوائل فقال ص16...إلى أن قال: يقول هذا من عنده توهينا منه لدلالته، وهو يعلم أن الأئمة جميعا فهموه على خلاف زعمه... إلى أن قال: وهذا هو الذي لا يفهم سواه كل عربي أصيل لم تداخله لوثة العجمة .. ثم قال: قلت: والذي ذكرته هناك حجة عليه لو أنه ساقه بتمامه، لكنه يأخذ منه ما يشتهي ويعرض عن الباقي... إلى أن قال ص199: فتأمل كيف أخذ من كلام الأمير بعضه وترك البعض الآخر الذي قال به جميع العلماء الموافقون منهم والمخالفون كما تقدم ذكره؛ لأنه ينقض احتماله الثاني الذي أيده بحديث وائل.. إلى أن قال: ولكنه عاد فقال ص99: ( فيه حديث صحيح صريح، وحديث مالك صحيح غير صريح ) وهكذا مما لم يسبق إليه من أحد من أهل العلم في تناقضه في شطريه كما تقدم ويأتي.. إلى أن قال: يتجاهل ما يرجح الاحتمال الثاني.. إلى أن قال ص200: والواقع خلافه، وهو على علم به؛ ومع ذلك فهو يشير إليه
( (1/117)
صفحة 118
1/105)
ص38 بعيدا عن موضعه المناسب له، أما هنا فلا يسوق لفظه بل يوهم أنه موقوف... إلى أن قال: ولم يسق لفظه هنا أيضا بل ساقه بعيدا عن البحث ص85 تشتيتا لدلالته الصريحة المؤيدة لحديث مالك بن الحويرث.. إلى أن قال: فها أنت قد رجعت من حيث تدري أو لا تدري .. إلى أن قال: ولكن هل ثبت الأستاذ الفاضل على صوابه بعد أن وفقه الله إليه، ويؤسفني أن أقول لقد رجع فيما بعد .. إلى أن قال: فتأمل أيها القارئ يتبين لك خطأ الرجل في تضعيفه ليونس، وأنه لم يصدر ذلك منه عن علم ومعرفة بهذا العلم الشريف.. إلى أن قال: وبعد فإن نقد الجزء تفصيليا وإظهار ما فيه من المخالفات لأقوال العلماء وأصولهم، وتقوية ما لا يصح من الحديث، واستشهاده ببعض الأقوال ووضعها في غير موضعها، ومبالغته في بعض الأمور والتهويل فيها... الخ. وقال ص25: فتوهم بعض الناشئين في هذا العلم.. الخ )).
(1/106) (1/118)
صفحة 119
2- قال الشيخ عبدالله الغماري في رسالته " بيني وبين الشيخ بكر " ص67 فما بعدها: (( وبعد فقد تعرف بي الشيخ بكر.. إلى أن قال: ثم فجأة لبس جلد النمر، وقلب لي ظهر المجن؛ لعلمه بأني مؤول كما يقول، وقد حرف النقل عني مرتين .. إلى أن قال: فتبين لي أنه خطأ مقصود، وأنه أراد الوقيعة بيني وبين الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة، وليس من خلق أهل العلم الوقيعة بين الناس والسعي في إفساد الود بينهم ولهذا أعلن مرة أخرى أن كلمة " محضر نصوص " لم أقلها قط، ولم يسمعها مني الشيخ بكر، وأنه نسبها إلي عمدا... إلى أن قال: والسيخ عبد الفتاح لا يستحق تلك الحملة الظالمة من بكر حملة سفيهة سافلة، ما كنت أصدق أن تقع، لولا أني أبصرتها وقرأتها حملة حملت في طيها الاستعداء على الشيخ وطلب إبعاده عن عمله.. إلى أن قال: ثم من الظلم البين والإسفاف القبيح إتيان بكر بكلمة مخنثة قالها مخنث في وصف النساء يقبل بأربع ويدبر بثمان، تذكر في وصف الشيخين الكوثري وأبو غدة.. إلى أن قال: فتلك دعوى من دعاواك التي ترمي الناس بالجهل والكفر يمينا وشمالا، وتوزع عليهم أنواعا من الفحش والبذاءة بقدر ما ينطوي عليه قلبك من اللؤم والخبث.. إلى أن قال: لأنك متمسلف قبيح اللسان )) اهـ بحروفه.
(1/107) (1/119)
صفحة 120
هذا ما قاله هذان الشيخان في شأن تلميذهما، وهما أدرى الناس وأعلمهم به وقد رأيت أنهما حكما عليه بقلة العلم، وركاكة الفهم، وسوء القصد، وقلة الاطلاع، والابتداع، وسب المسلمين وشتمهم، وتفسيقهم وتكفيرهم، والوقيعة بينهم، والغش، والتدليس، والتهويل، وعدم الصدق في القول، ونصرة الباطل، وكتمان الحق ومحاولة إخفائه، والفحش، والبذا، والخبث.. إلى غير ذلك من الأوصاف التي يحتاج التمثيل عليها من كلامه، ثم الاستدلال على تحريمها من آي الكتاب وسنة النبي الأواب - صلى الله عليه وسلم - وجمع الأصحاب وإجماع الأمة المشهود لإجماعها بالصواب إلى مجلد ضخم، فكيف إذا ذكر مع ذلك ما قاله بعض العلماء الآخرين في مقدار علم هذا الرجل وما ينطوي عليه قلبه(1) من الخبث و.. و.. الخ.
وإذا عرفت ذلك هان عليك ما ذكره عن مسند الإمام الربيع رحمه الله تعالى ورجاله - رضوان الله عليهم - .
- والآن إليك ما وعدنا به من تخريج بعض هذه الأحاديث التي اعترض عليها والله ولي التوفيق:
1- حديث رقم 278: أبو عبيدة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( نحن الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، هذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله إليه، والناس فيه لنا تبع، اليهود غدا، والنصارى بعد غد ))..
الحديث رواه البخاري: 238 و 876 و 2956 و 3486 و 6624 و 6887 و 7036 و 7495، ومسلم: 855 و 856، والنسائي 3/ 85، 86، وابن ماجة 1083، وأحمد 2/ 236، 243، 249، 250، 274، 388، 491، 502، 512، 518، 519، وابن حبان 2784، والدارقطني 2/3، والبغوي في " شرح السنة " 1045، من طرق عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فذكره.
__________
(1) حكم عليه أحدهما ببعض هذه الأحكام؛ وحكم عليه الآخر بالآخر منها، كما تقدم. انظر كتاب " التبصير بما في كتاب التعالم " للشيخ الفاضل الصابوني.
(1/108) (1/120)
صفحة 121
2- حديث رقم 73: أبو عبيدة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( لولا هامة ولا عدوى ولا صفر )).
رواه البخاري 5707 و 5717 و 5757، ومسلم 2220، وأبو داود 3911، وأحمد 2/267، وعبد الرزاق 19507، وابن حبان 6116، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار في مسند علي 3و 7، والطحاوي في شرح معاني الآثار 4/ 309، 312، وابن أبي عاصم في سنته 284 و 285، والبيهقي 7/216 وغيرهم من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - .
وله شواهد متعددة عن جماعة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن عبدالله - رضي الله عنهم - عند جماعة من أئمة الحديث، وعند بعضهم زيادة ونقص يطول المقام بذكرها، والله أعلم.
3- حديث رقم 14: أبو عبيدة قال: بلغني أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو حديث إنزال القرآن على سبعة أحرف، أنظره من المسند.
رواه البخاري 5/317 بشرح الفتح، ومسلم 818، والنسائي ج2 ص151، والترمذي 2943، وأبو داود 1475، وأحمد 1/24 من طريق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - .
قد جاء عن جماعة كبيرة من أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - منهم أبي كعب، وأنس ابن مالك، وحذيفة بن اليمان، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وأبو طلحة، وأبو هريرة، وأبو أيوب، وعثمان بن عفان، ومعاذ بن جبل، وأبو جهم، وأبو بكرة، وسمرة بن جندب، وزيد بن أرقم، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وعمرو بن أبي سلمة، وسليمان بن صرد، وهشام بن حكيم، وقد نص غير واحد على أنه حديث متواتر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
4- حديث رقم 290: أبو عبيدة - رضي الله عنه - قال: بلغني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( لا يزال أحدكم في الصلاة ما دامت الصلاة تحبسه، ولا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة )).
(1/109) (1/121)
صفحة 122
هذا الحديث رواه البخاري 1/166، 168، ومسلم رقم 275( المساجد ) باب 49، وأبو عوانة 2/22، وأبو داود 470، والترمذي 330، وأحمد 2/66، 289، 319، 394، 486 وابن حبان 2882 وآخرون بألفاظ متقاربة.
5- رقم 312: قال الربيع بن حبيب: عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( من صام رمضان، ثم أتبعه بستة أيام من شوال فكأنما صام الدهر كله )).
هذا الحديث رواه مسلم 3/169، وأبو داود 2433، والترمذي، وابن ماجة 1716، والدارمي 2/12، وابن أبي شيبة 2/180، وابن خزيمة 2114، وابن حبان 3626، والطيالسي 594، والطحاوي في " مشكل الآثار " 3/117، 119، والحميدي 381 و 382، وأحمد 5/417، 419، والبيهقي 4/292، وعبد بن حميد في " المنتخب " 228، وعبد الرزاق 7918 و 7919 و 7921، والطبراني في " الكبير " 3902 و 3903 و 3904 و 3905 و 3906 و 3907 و 3909 و 3911 و 3912 وفي الصغير 1/238، والخطيب في " التاريخ " 3/57، والبغوي في " شرح السنة " 1780، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
هذه خمسة أحاديث من الأحاديث التي أعلها هذا المعترض بالإعضال، وقد رأيت أنها متصلة عند غير الإمام الربيع رحمه الله تعالى وأما بقية الأحاديث التي ذكرها هذا المعترض، وكذا ما لم يذكره وله حكمه؛ فنتركه في هذا البحث مخافة التطويل(1) وعسى أن نقوم بتخريجها في مناسبة أخرى - بإذن الله تعالى - .
- - ? -
1- تعريفه:
أ- لغة: هو اسم مفعول من أرسل؛ بمعنى أطلق، مأخوذ من الإطلاق وعدم المنع، كقوله تعالى ? أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين ? ( سورة مريم، آية 83 ) فكأنما المرسل أطلق الإسناد.
وقيل: مأخوذ من قولهم ( ناقة رسل ) أي سريعة السير، كأن المرسل للحديث أسرع فيه فحذف بعض إسناده.
__________
(1) وقد خرج بعضا منها الإمام نور الدين السالمي - رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه - في شرحه على " الجامع الصحيح ".
(1/110) (1/122)
صفحة 123
وقيل: مأخوذ من قولهم ( جاء القوم أرسالا ) أي متفرقين، لأن بعض الإسناد منقطع عن بقيته.
ب- اصطلاحا:
اختلف العلماء في تعريف المرسل في الاصطلاح على عدة أقوال:
القول الأول: هو ما أضافه التابعي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - . وهذا قول جمهور المحدثين وإليه ذهبت طائفة من أهل الأصول.
القول الثاني: هو ما أضافه التابعي الكبير إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - . حكاه ابن عبد البر في " التمهيد " عن بعضهم.
القول الثالث: المرسل هو ما سقط من إسناده راو واحد. وهذا مذهب أكثر الأصوليين، وإليه ذهبت طائفة قليلة من أهل الحديث.
القول الرابع: هو قول غير الصحابي: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وبه قال الآمدي وابن الحاجب وابن قدامة وآخرون، فيدخل في عمومه رواية كل من لم تثبت له صحبة ولو تأخر عصره، وهو بهذا يشمل المعضل والمنقطع والمعلق، وقد نسب بعضهم هذا القول إلى جمهور أهل الأصول.
وهذه التعاريف قد اعترض عليها بعدة اعتراضات، لا نطيل المقام بذكرها، كما أن للمرسل تعريفات كثيرة غير هذه، ولكنها ضعيفة جدا.
والذي أراه في تعريف المرسل هو: ( ما رواه الصحابي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مما لم يسمعه منه مرسلا، وما رواه التابعي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مما سمعه منه؛ متصلا، وهذا يتصور في حالة واحدة، وهي ما إذا سمع المشرك من النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا ولم يسلم إلا بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أنه أسلم في حياته - صلى الله عليه وسلم - ولكنه لم يره بعد إسلامه.
وبذلك تعرف صواب هذا التعريف وضعف التعاريف الأخرى، والحمد لله حق حمده.
2- حكم الاحتجاج بالمرسل:
اختلف العلماء في جواز الاستدلال بالحديث المرسل على نحو من عشرين قولا أهما الأقوال الآتية:
(1/111) (1/123)
صفحة 124
الرد مطلقا؛ حتى لمراسيل الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم – وهو مذهب أبي إسحاق الإسفرائيني، والقاضي أبي بكر الباقلاني في " التقريب "، ونقله ابن بطال في أوائل شرح البخاري عن الإمام الشافعي، وقال ابن برهان في الأوسط: ( إن الصحيح أنه لا يفرق بين مراسيل الصحابة ومراسيل غيرهم ).
القبول مطلقا في جميع العصور، وهو مذهب ضعيف جدا.
قبول مراسيل الصحابة – رضي الله عنهم – دون غيرهم، وهو الذي عليه جمهور أئمة الحديث.
قبول مراسيل الصحابة وكبار التابعين، ونسب إلى أكثر المتقدمين.
قبول مراسيل الصحابة مطلقا ومراسيل غيرهم بالشروط الآتية:
أن يكون المرسل من كبار التابعين.
وإذا سمى من أرسل عنه سمى ثقة.
وإذا شاركه الحفاظ المأمونون لم يخالفوه.
وأن ينضم إلى هذه الشروط واحد مما يلي:
أن يروى الحديث من وجه آخر مسندا.
أو يروى من وجه آخر مرسلا أرسله من أخذ العلم عن غير شيوخ المرسل الأول.
أو يوافق قول صحابي، وفي هذا عندي نظر.
أو يفتي بمقتضاه أكثر أهل العلم.
وتحقيق الحق بذكر أدلته وأدلة مخالفيه، وما فيها من عوج لا تتسع له هذه العجالة.
هذا وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى الاحتجاج بالمرسل إذا كان راويه تابعيا متوسطا، وقد أخذ عن جملة من الصحابة وكبار التابعين إذا توفرت فيه الشروط السابقة – باستثناء الأول بالطبع – ولم يعارضه ما يساويه في القوة أو يرحج عليه، ولعل هذا المذهب هو الذي ذهب إليه الربيع رحمه الله تعالى.
وعلى كل حال فقد روى الإمام الربيع رحمه الله تعالى بعض الأحاديث المرسلة والمعضلة، وكذا روى غيره من أئمة الحديث مثل هذه الأحاديث، فما قيل عنها في المسند فيجب أن يقال عن مثلها في غيره، والله أعلم.
3- أسباب الإرسال:
للإرسال أسباب عدة أهما ما يلي:
1- أن يكون المرسل سمع الحديث عن جماعة ثقات وصح عنده، فيرسله اعتمادا على صحته عن شيوخه.
(1/112) (1/124)
صفحة 125
كما جاء عن إبراهيم النخعي أنه قال: ( ما حدثتكم عن ابن مسعود - رضي الله عنه - فقد سمعته من غير واحد، وما حدثتكم فسميت فهو عمن سميت )(1).
أن يكون نسي من حدثه به وعرف المتن فذكره مرسلا؛ لأن أصل طريقته أنه لا يحمل إلا على ثقة.
أن لا يقصد التحديث؛ بأن يذكر الحديث على وجه المذاكرة أو على جهة الفتوى فيذكر المتن؛ لأنه المقصود في تلك الحالة دون السند، ولاسيما إن كان السامع عارفا بما طوى ذكره لشهرته، إلى غير ذلك من الأسباب.
وهذا كله في حق من لا يرسل إلا عن الثقات، وأما من كان يرسل عن كل أحد فربما تكون له بواعث أخرى لا حاجة لنا بذكرها هنا؛ إذ لا تعلق لها بحثنا هذا، والله أعلن.
الاعتراض السابع:
أنه توجد في المسند بعض الأحاديث الدالة على إثبات أو نفي بعض المسائل الإعتقادية التي لم تكن موجودة في القرن الثاني، وإنما حدثت في القرنين الثالث والرابع.
والجواب: أن هذه الأحاديث لا تخلو من أحد أمرين اثنين: إما أن تكون ثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإما أن تكون مكذوبة عليه - عليه أفضل الصلاة والسلام - .
وعلى الأول، وهو الحق(2)، فلا يوجد دليل يدل على أن هذه الأحاديث لا تجوز روايتها في القرنين الأول والثاني، بل الدليل قاض بخلاف ذلك، وذلك أن الصحابة – رضوان الله عليهم – قد حثوا بها وعنهم أخذت؛ إلا لما أمكنت روايتها كما لا يخفى.
على أن هذا التعليل لو كان له نصيب من الصحة لكان معناه أنه لا يجوز لأحد أن يروي حديثا في مسألة من المسائل إلا بعد حصولها ووقوع الخلاف فيها؛ وإلا لعد كاذبا وعدت روايته موضوعه. ومن المعلوم أن هذا لم يقل به أحد، فدل ذلك على أن هذه الدعوى فاسدة من أصلها.
__________
(1) التمهيد ج1 ص38.
(2) المراد بذلك ما احتج به الإمام في المسند الأصل لا كل ما روي في العقيدة، كما لا يخفى على الفطن.
(1/113) (1/125)
صفحة 126
وأما على الاعتبار الثاني؛ وهو أن هذه الأحاديث مكذوبة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيجب أن يحكم بكذبها، وترد روايتها في أي عصر من العصور؛ إذ لا يمكن أن يكون وقوع النزاع في بعض المسائل الإعتقادية التي يمكن أن يستدل عليها بشيء من هذه الأحاديث مسوغا لثبوت هذه الأحاديث.
على أن معنى هذا الاعتراض – وهو أن هذه المسائل من خصوصيات القرنين الثالث والرابع – أن هذه المسائل لا يجوز أن يحتج عليها بشيء من السنة لا إثباتا ولا نفيا؛ إذ لا واسطة بين أصحاب هذين القرنين وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما دمتم لا تجوزون رواية هذه الأحاديث في القرنين الأول والثاني، ومن المعلوم أن الذين سمعوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد انقرضوا في هذين القرنين، وبذلك يتبين لكم فساد هذا الاعتراض.
هذا ومن المعلوم أن طائفة من هذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث الإعتقادية موجودة في الصحيحين وغيرهما، وإليكم طائفة منها:
(( من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية )).
رواه البخاري 4855 و 7380، ومسلم 177، والترمذي 2068 و 3278، والنسائي في الكبرى كما في " تحفة الأطراف " 12/311، وأحمد 6/49، وابن خزيمة في توحيده التالف ص222، 223، وابن حبان 60، والطبري في تفسيره 27/50 والحديث في المسند برقم (61) من طريق السيدة عائشة - رضي الله تعالى عنها -.
2- عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل رأيت ربك ؟ قال: (( نور أنى أراه )).
رواه مسلم 178، وأحمد 5/147، وابن مندة في الإيمان 770، بألفاظ متقاربة.
3- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( يا بني عبد مناف لا أملك لكم من الله من شيء، يا صفية عمة رسول الله لا أملك لك من الله من شيء، يا عباس عم رسول الله لا أملك لك من الله من شيء، ويا فاطمة بنت محمد لا أملك لك من الله من شيء )).
(1/114) (1/126)
صفحة 127
رواه البخاري 2753 و 3527 و 4771، ومسلم 348 (204)، والنسائي 6/248 و 249 و 250، وأحمد 2/333، والبغوي في " شرح السنة " 3744.
والحديث له ألفاظ متعددة، وفي بعض رواياته زيادة ونقص.
4- عن عائشة - رضي الله عنها – قالت: لما نزلت ? وأنذر عشيرتك الأقربين ? قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الصفا فقال: (( يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية بنت عبد المطلب، ويا بني عبد المطلب؛ لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم )).
رواه مسلم 350 ( 205 ) ,والنسائي 6 / 250 , والترمذي 2311 و 3183 و أحمد 6 / 187 , والبغوي في " شرح السنة " 3743 .
5- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيمة على رقبته له رغاء أو شاة لها ثغاء أو رقاق تخفق ؛ فيقول أغثني , فأقول قد أبلغتك لا أملك لك من الله من شيء ) .
رواه البخاري 3073 , ومسلم 1831 , وأحمد 2 / 426 , وأبو يعلى 1083 و 1098 .
6- عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أنا فرطكم على الحوض , من ورده شرب منه , ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا , وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني , ثم يحال بيني وبينهم ) .
رواه الإمام البخاري 6583 و 7050 و مسلم 2290 , وأحمد 5 / 333 و 339 , و الطبراني 5760 و 5783 و 5834 و 894 و 5996 , وابن أبي عاصم في سنته 741 و 743 و 744 , والآجري في الشريعة ص355, والبيهقي في الدلائل 6 / 361 و في البعث 157 , والبغوي 4344 , وابن عبد البر في " التمهيد " 2 / 301 و 308 .
7- وعن أبي سعيد الخدري , وزاد فيه : ( إنهم مني , فقال : إنك لا تدري ما بدلوا بعدك , فأقول : سحقا لمن بدل بعدي ) .
رواه البخاري 6584 و 7051 و مسلم 2291 , وأحمد 5 / 333 و 339 , وابن أبي عاصم 774 , والحاكم 4 / 74 – 75 , والطيالسي 2221 , وابن عبد البر في " التمهيد " 2 / 299 و 358 .
( (1/127)
صفحة 128
1/115)
8- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - . رواه الإمام الربيع رحمه الله تعالى 43 , والبخاري 6576 و 6585 و 6578 , ومسلم 249 , وأبو عوانة 1 / 138 , ومالك 30 , والنسائي 1 / 93 , وابن ماجة 4306 , وأحمد 2 / 300 و 408 , وابن خزيمة 1 / 6 , وابن حبان 1046 , والبيهقي 1 / 83 و 4 / 78 , وأبو يعلى 6410 , والآجري ص355 – 356 , والخطيب 6 / 219 , والبغوي 151 .
9- وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - . رواه البخاري 6576 , ومسلم 2297 , وأحمد 1 / 384 و 406 و 407 و 425 و 439 و 453 و 455 , وابن أبي عاصم 736 و 761 و 762 , والطبراني 10409 , وأبو يعلى 5168 و 5199 , والآجري في الشريعة ص355 , واللالكائي 6 / 1118 , والخطيب 7 / 237 , والبيهقي في البعث 162 .
10- وفي الباب عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - . وراه البخاري 6582 , ومسلم 2304 .
11- وعن حذيفة - رضي الله عنه - . رواه الإمام مسلم 2297 , وأحمد 5 / 338 , وابن أبي شيبة , وابن أبي عاصم في سنته 761 , وابن عبد البر في " التمهيد " 2 / 291 , وعلقه الإمام البخاري بعد الحديث 6576 .
12- وعن أبي بكرة . رواه أحمد 5 / 48 و 50 , وابن أبي شيبة .
13- وعن أسماء بنت أبي بكر – رضي الله عنهما – رواه الإمام البخاري 6593 و 7048 , ومسلم 2293 .
14- وعن السيدة عائشة – رضي الله عنهما - . رواه الإمام مسلم 2294 .
15- وعن أم سلمة – رضي الله عنهما - . رواه مسلم 2295 .
16- وعن جماعة من الصحابة . رواه الإمام البخاري 6586 .
وقد جاء من طرق أخرى لا نطيل بها المقام , وقد نص ابن عبد البر في " التمهيد " على أنه حديث متواتر , وهو كما قال .
17- عن كعب بن عجرة قال : خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( اسمعوا أنه سيكون من بعدي أمراء , فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه , وليس بوارد عليّ الحوض .... الخ ) .
(1/116) (1/128)
صفحة 129
رواه النسائي 7 / 160 , والترمذي 614 و 2259 , وأحمد 4 / 243 و 6 / 395 , والطيالسي 1064 , وابن حبان 279 و 282 و 283 , والطحاوي في " مشكل الآثار " 2 / 136 , والطبراني 19 ( 121 ) و 19 ( 294 ) و 19 ( 295 ) و 19 ( 296 ) و 19 ( 297 ) و 19 ( 298 ) وفي الصغير 1 / 224 – 225 , والحاكم 1 / 78 و 79 , والبيهقي 8 / 165 , وقال الترمذي : ( حديث صحيح ) وصححه أيضا الحاكم , والذهبي , وقد جاء من طريق جابر بن عبدالله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لكعب ... الخ .
رواه أحمد 3 / 321 و 399 , وابن حبان 1723 , وعبد الرازق 20719 , والبزار 1609 , الحاكم 3 / 479 و 480 و 4/ 422 , وقال الهيثمي في " المجمع " 5 / 247 : ( رواه أحمد والبزار , ورجالهما رجال الصحيح ) وقال 10 / 130 و 131 : ( رواه الطبراني في الأوسط , ورجاله ثقات ) أ هـ . وللحديث شواهد أخرى لا نطيل بها المقام .
18- 19- عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة - رضي الله عنهما – أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من ادعى في الإسلام أبا غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه؛ فالجنة عليه حرام )).
رواه البخاري 4326 و 6766 و 6767، ومسلم 114 (63) و 115 (63)، وأبو عوانة 2/28 و 29 و 30، وأبو دواد 5113، والدارمي 2/244 و 343، وابن ماجة 2610، وأحمد 1/169 و 174 و 179 و 5/38 و 46، والطيالسي 199 و 885، وعبد الرزاق 9/50-51، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد 135، والهيثم بن كليب، وابن خزيمة في توحيده، والبزار، وابن حبان 415 و 416، وأبو يعلى 700 و 706 و 765، والبيهقي 7/403، والطبراني في الدعاء 2135، وابن مندة في الإيمان 2/614، وابن قانع في معجم الصحابة، والبغوي في " شرح السنة " 2376.
20- عن جبير بن مطعم عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا يدخل الجنة قاطع )).
(1/117) (1/129)
صفحة 130
رواه الإمام البخاري في صحيحه 5984 وفي الأدب المفرد 64، ومسلم 2556، وأبو داود1696، والترمذي 1909، وأحمد 4/80 و 83 و 84، وابن حبان 454، والحميدي 557، وعبد الرزاق 11/20328، ويعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " 1/364، والبيهقي 7/27، والبغوي في " شرح السنة " 3437، وتمام الرازي في " الفوائد " 1267.
21- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه فيهوي في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل متعمدا فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا )).
أخرجه البخاري 5778، ومسلم 109، والنسائي 4/66- 67، وأبو داود 3872، والترمذي 2043 و 2044، وابن ماجة 3460، وأحمد 2/254 و 478 و 488، والدارمي 2/192، والطيالسي 2416، وابن حبان 5986، والطحاوي في " مشكل الآثار "، وابن مندة 627 و 628 و 629، والبيهقي 8/ 23- 24.
22- عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما )).
رواه البخاري 3166 و 6914، والنسائي 8/25، وابن ماجة 2686، وابن الجارود 834، وابن أبي عاصم في الديات ص175، والحاكم 2/126- 127، والبيهقي 9/205، وقال الحاكم: ( صحيح على شرط الشيخين ). ووافقه الذهبي.
23- عن أبي بكرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( من قتل معاهدا حرم الله عليه الجنة أن يشم ريحها)).
(1/118) (1/130)
صفحة 131
رواه النسائي 8/24- 25 وفي الكبرى، وأبو داود 2760، والدارمي 2/235 و 236، وأحمد 5/36 و 38 و 46 و 50 و 51 و 52، والطيالسي 879، وابن حبان 4881 و 7382 و 7383، وابن الجارود 835 و 1070، والحاكم 1/44 و 2/126، وعبد الرزاق 18522 و 19712، والطبراني في " الأوسط " 433، والدولابي 2/156، والبيهقي 8/133 و 9/205 و 231، والبغوي 10/151 و 152، وقال الحاكم: ( صحيح على شرط الشيخين ) وأقره الذهبي.
24- عن رجل من الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ...فذكره.
أخرجه النسائي 8/25، وأحمد 4/237 و 369 وسنده صحيح، وجهالة الصحابي لا تضر.
25- عن حذيفة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا يدخل الجنة قتات ))وفي رواية (( نمام )).
رواه الإمام البخاري في صحيحه 6056 وفي الأدب المفرد 322، ومسلم 168 (105) و 169 (105)، وأبو عوانة 1/31، والنسائي في الكبرى كما في " تحفة الأطراف " للمزي 3/ 54- 55، وأبو داود 4871، والترمذي 2026، وأحمد 5/382 و 389 و 391 و 392 و 396 و 397 و 399 و 402 و 404 و 406، والحميدي 443، والطيالسي 21، وابن خزيمة في توحيده ص358، وابن حبان 5765 وفي " روضة العقلاء " ص176، وابن المبارك في الزهد 245، والبيهقي 8/166 و 10/247 وفي الآداب 137، والطبراني في الكبير 3/168 وفي الصغير 1/203، والخرائطي في مساوي الأخلاق، وابن الأعرابي في معجمه، والقضاعي في مسند الشهاب 876، وابن أبي الدنيا في الصمت 251 و 252 و 271، وابن مندة في الإيمان 609 و 615، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " 4/179، والبغوي في " شرح السنة " 3570، وتمام الرازي في " الفوائد " 1131.
(1/119) (1/131)
صفحة 132
26- عن معقل بن يسار - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه؛ لم يجد رائحة الجنة )). وفي رواية (( ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم؛ إلا حرم الله عليه الجنة )).
رواه البخاري 7150 و 7151، ومسلم 227 و 229، والدرامي 2/324، وأحمد 5/25 و 27، والطيالسي 928 و 929، وابن حبان 4495، وابن الجعد 3261، والطبراني 20/ (449) و (455) و (456) و (457) و (458) و (459) و (469) و (472) و (473) و (474) و (476) و (478) و (506) و (513) و (515) و (516) و (517) و (518) و (519) و (524) و (533) و (534) ، وابن زنجويه 4، والبيهقي 9/41، والبغوي في " شرح السنة " 2478.
27- عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حق - وفي رواية -: من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار، قيل: يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا ؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك )).
رواه الإمام مسلم 218 و 219 (137)، ومالك 2/227، والنسائي في الكبرى كما في" تحفة الأطراف" للمزي 3/8، والدارمي 2/266، وابن ماجة 2324، والدولابي في الكنى والأسماء 1/12، وأحمد 5/260، وابن حبان 5087، والطحاوي في " مشكل الآثار " 1/186، والطبراني 796 و 797 و 799 و 800 و 801، والحاكم 2/294، والبيهقي 10/179، والبغوي في " شرح السنة " 2507 وفي معالم التنزيل 1/319.
28- عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر... الخ )).
(1/120) (1/132)
صفحة 133
رواه الإمام مسلم 148 (91) و 149 (91)، وأبو عوانة 1/17 و 31، وأبو داود 4091، والترمذي 1998و 1999، وابن ماجة 4173 وفي المقدمة 59، وأحمد 18/399 و 416 و 451، وابن خزيمة في توحيده ص384، وابن حبان 244و 5680، وأبو يعلى 5014 و 1065 و 5066 و 5289 و 5330 و 5331، وابن أبي شيبة، والطبراني 10000 و 100001 و 10066 و 10533، وابن مندة 540 و 541 و 542، والبغوي في " شرح السنة " 3587، والحاكم 1/26، والحاكم أبو أحمد في معرفة شعار أهل الحديث 24، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ج3 ص557.
29- عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه )).
رواه أحمد 3/154، وابن حبان 510، والحاكم 1/11، والبزار 21، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق 341 وفي الصمت 9 و 28.
30- ورواه مسلم 73 (46)، والحاكم 1/10، وأبو يعلى 649 من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - .
31- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( صنفان من أمتي لم أرهما: قوم معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، لا يدخلن الجنة، ولا يجدون ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا )).
رواه مسلم 2128، وأحمد 2/355 - 356 و 440، وابن حبان 7461، وأبو يعلى 6690 والبيهقي 2/234، والبغوي في " شرح السنة " 2578.
32- عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة )).
رواه الإمام البخاري 5832، ومسلم 2073، وابن ماجة 3588، وابن حبان 5429 و 5435، وابن أبي شيبة، وأحمد 3/101 و 281، وأبو يعلى 3930، والطحاوي 4/ 246 و 247، والبيهقي 2/ 422.
(1/121) (1/133)
صفحة 134
33- عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( من لبس الحرير حرمه أن يلبسه في الآخرة )).
رواه الإمام أحمد 4/156، وابن حبان 5436، والطحاوي في شرح المعاني 4/247، وأبو يعلى 1751، والطبراني 17 (904) و (905) وفي الأوسط، والبزار كما في المجمع 5/ 142.
وقد جاء هذا الحديث عن جماعة آخرين منهم : 1 – عمر 2- ابن عمر 3- أبو هريرة 4- أسماء 5- ابن الزبير 6- سعد بن مالك , يطول المقام بتخريجها .
وفي رواية سعد بن مالك وهو أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - عند بعضهم زيادة , وهي : ( وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة , ولم يلبسه هو ) وهي زيادة منكرة بمرة ؛ لمخالفتها للأدلة القاطعة من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - المتواترة من أكثر من وجه , وفي إسنادها داود السراج , وهو مجهول ؛ كما قال ابن المديني .
34- عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من شرب الخمر فمات ولم يتب منها ؛ لم يشربها في الآخرة ) .
رواه الإمام البخاري 5575 , ومسلم 2003 ( 73 ) و ( 74 ) و ( 76 ) و ( 77 ) و ( 78 ) , ومالك , والنسائي 8 / 296 و 297 و 318 , وأبو داود 3679 , والترمذي 1861 , والدرامي 2 / 111 , وأحمد في المسند 2 / 19 و 21 و 22 و 28 , وفي الأشربة 26 و 102 , والشافعي 2 / 92 , وابن أبي شيبة , وعبد الرازق 17056 و 17057 , وابن حبان 5366 , والدار قطني 4 / 248 , والطحاوي 4 / 216 , والبيهقي 8 / 287 و 288 و 293 , والبغوي في " شرح السنة " 3012 و 3013 .
(1/122) (1/134)
صفحة 135
35- عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا صار أهل الجنة إلى الجنة , وأهل النار على النار ؛ أتي بالموت حتى يعجل بين الجنة والنار , ثم يذبح , ثم ينادي مناد : يا أهل الجنة لا موت , يا أهل النار لا موت – وفي رواية خلود لا موت – فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم , ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم ) .
رواه البخاري 6544 و 6548 , ومسلم 2850 ( 42 ) و 2850 ( 43 ) , وابن حبان 7474 , وأحمد 2 / 118 و 120 – 121 , وأبو نعيم في الحلية 8 / 183 – 184 , والبيهقي في البعث 585 , وابن أبي داود في البعث 55 , ىوالبغوي في " شرح السنة " 4367 .
36 – عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح , فينادي مناد : يا أهل الجنة , فيشرئبون وينظرون فيقول : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم هذا الموت ؛ وكلهم قد رآه . ثم ينادي : يا أهل النار , فيشرئبون وينظرون , فيقولون : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم هذا الموت ؛ وكلهم قد رآه , فيذبح , ثم يقول : يا أهل الجنة خلود فلا موت , ويا أهل النار خلود فلا موت ) .
رواه الإمام البخاري 4730 , ومسلم 2849 ( 40 ) و 2849 ( 41 ) , والترمذي 2558 , وأحمد 3 / 9 , وهناد في الزهد 213 , وأبو يعلى 1175 , وابن جرير 16 / 87 – 88 , والبيهقي في البعث 584 , والآجري في شريعته 400 – 401 وأبو نعيم في صفة الجنة 106 .
37 – عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يقال لأهل الجنة : يا أهل الجنة خلود لا موت , ويقال لأهل النار : يا أهل النار خلود لا موت ) .
رواه الإمام البخاري 6545 , والحاكم 1 / 83 وصححه على شرط مسلم , وفيه نظر ليس هذا موضع بيانه .
38 - ( يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام , لا يريحون رائحة الجنة ).
(1/123) (1/135)
صفحة 136
رواه النسائي 8 / 138 , وأبو داود 2 / 42 , وأحمد 1 / 273 , وابن سعد في الطبقات 1 / 441 , والطبراني في الكبير 12254 و 11 / 442 و 443 , والحكيم الترمذي في المنهيات 102 , والبيهقي في الآداب 822 , والبغوي في " شرح السنة " 12 / 92 , والضياء في المختارة من طريق ابن عباس - رضي الله عنهما - وصححه الحاكم والذهبي وغيرهما , وعبد الكريم الذي في إسناده هو الجزري لا ابن المخارق ؛ كما نص على ذلك الذهبي في " مختصر الموضوعات " وغيره , والله أعلم .
39 - عن ثوبان - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس ؛ فحرام عليها رائحة الجنة ) .
رواه أبو داود 2226 , والترمذي 1187 , والدرامي 2 / 162 , وابن ماجة 1055 , وابن حبان 4184 , وابن الجارود 748 , وأحمد 5 / 277 و 283 , وابن أبي شيبة , وابن جرير الطبري في التفسير , والحاكم 2 / 200 , والبيهقي 7 / 316 ولؤلؤ في جزئه 6 .
وقال الترمذي : ( حديث حسن ) وقال الحاكم : ( صحيح على شرط الشيخين ) وأقره الذهبي . كذا قالا , وفي إسناد الحديث أبو أسماء الرحبي ؛ ولم يرو له البخاري شيئا في الصحيح .
وللحديث طريق أخرى رواها ابن جرير الطبري في تفسيره ؛ ولكن في إسنادها ليث أبي سليم ؛ وهو ضعيف جدا .
وله شاهد من طريق ابن عباس عند ابن ماجة 2054 و وفي إسناده جعفر بن يحيى ابن ثوبان ؛ وهو مجهول , كما قال ابن المديني , وشيخ جعفر عمه عمارة بن ثوبان ؛ مجهول أيضا , والله أعلم .
الاعتراض الثامن :
أنه في المسند بعض الأحاديث التي فيها تكفير مرتكبي الكبائر من أهل القبلة ... الخ .
والجواب / أنه أحاديث تكفير مرتكب الكبيرة قد رواها جمع من أئمة الحديث من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد وغيرهم من طرق متعددة , عن جماعة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أطبقت الأمة على ثبوت كثير منها ؛ إليكم بعض هذه الأحاديث :-
(1/124) (1/136)
صفحة 137
1- عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( سباب المسلم فسوق , وقتاله كفر ) .
رواه الإمام البخاري في صحيحه 48 و 6044 و 7076 وفي التاريخ الصغير 1 / 229 وفي الأدب المفرد 431 , ومسلم 116 و 117 ( 64 ) وأبو عوانة 1 / 24 و 25 , والنسائي 7 / 122 وفي الكبرى 3572 , والترمذي 1983 و 2634 و 2635 , وابن ماجة 3939 وفي المقدمة 69 , وأحمد 1 / 385 و 411 و 433 و 439 و 446 و 454 و 460 , والطيالسي 248 و 258 و 306 , والحميدي 104 , وابن حبان 5939 , والطبراني في الكبير 10105 و 10308 و 10316 , وأبو نعيم في الحلية 5 / 23 و 34 و 8 / 123 و 10 / 215 , والطحاوي 1 / 365 و أبو يعلى 4988 و 4911 و 5119 و 5276 و 5332 , وابن الجعد 2715 , وابن مندة 653 و 655 و 656 , وابن أبي الدنيا في الصمت 589 , والخطيب في تاريخ بغداد 10 / 86 – 87 و 13 / 185 وفي التلخيص 1 / 32 وفي موضح الأوهام 1 / 45 , والبيهقي في السنن 8 / 10 وفي الآداب 157 , والبغوي في " شرح السنة " 13 / 129 , ومريم بن عبد الرحمن في جزئها 226 , ورواه الدار قطني في الجزء الثالث والعشرين من حديث أبي طاهر 40 من طريق أبي هريرة , وهو وهم أو خطأ من ناسخ .
2- ورواه البخاري في الأدب المفرد 429، والنسائي 7/121 وفي الكبرى 3567، وابن ماجة 3941، وأحمد 1/176، والطحاوي في مشكل الآثار 1/365، والطبراني في الكبير 324 و 325، وأبو نعيم، والضياء في المختارة، من طريق سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - .
3- ورواه ابن ماجة 3940، وأبو نعيم في الحلية 8/359، والخطيب في تاريخ بغداد 3/397 وفي التلخيص، وابن أبي الدنيا في الصمت 591، من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - .
4- ورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني 1087، وابن أبي الدنيا في الصمت 590، والطبراني في الكبير 17 (80).
(1/125) (1/137)
صفحة 138
قال الهيثمي في " المجمع " 8/73: ( ورجاله رجال الصحيح، غير أبي خالد الوالبي؛ وهو ثقة ) من طريق ابن مقرن، ورواه الطبراني في الأوسط 738، والخطيب في الموضح 2/29 من طريق ابن مغفل - رضي الله عنه - وإسناده ضعيف.
5- عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض )).
رواه الإمام البخاري 4403 و 6616 و 6785 و 7077، ومسلم 100، وأبو عوانة 1/25 و 26، والنسائي 7/126 و 127، وأبو داود 4686، وابن ماجة 187 و 3943، وأحمد 2/85 و 87 و104، وابن أبي شيبة، وابن حبان 187، وابن مندة في الإيمان 658 و 659.
6- ورواه البخاري 121 و 4405 و 6869 و7080، ومسلم 118، والنسائي 7/127- 128، والدارمي 2/69، وابن ماجة 3942، وأحمد 4/358 و363 و 366، والطحاوي في مشكل الآثار 3/194، والطبراني 2042 و 2277، وابن أبي شيبة، وابن مندة في الإيمان 657، والبغوي في " شرح السنة " 2550، من طريق جرير بن عبدالله.
7- ورواه الإمام الخاري 1741، ومسلم 1679، والنسائي 7/127، وأحمد 5/39 و 49، والطيالسي 859، والطبراني في الصغير 1/153، والخطيب في تاريخ بغداد 8/246، والبيهقي 9615، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني 1567، من طريق أبي بكرة.
8- ورواه الإمام البخاري 1739 و 7079، والترمذي 2193، وأحمد 1/230، من طريق ابن عباس - رضي الله عنهما -.
9- عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ليس بين الرجل والكفر إلا تركه الصلاة )).
(1/126) (1/138)
صفحة 139
رواه الإمام مسلم 134، وأبو عوانة 1/61، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأطراف للمزي 2/320، وأبو داود 4678، والترمذي 2621، والدارمي 1/280 و 1078، وابن أبي شيبة، وأحمد 3/370 و 389، وابن حبان، والطحاوي في مشكل الآثار 4/226 - 227، والطبراني في الصغير 1/134، وأبو يعلى 1783 و 1953 و 2102 و 2191، وأبو نعيم في الحلية 6/276 و 8/256، والقضاعي في مسند الشهاب 267، والدارقطني، والخطيب في تاريخ بغداد 10/180، والبيهقي 3/366، وابن مندة، والبغوي في " شرح السنة " 347.
10- ورواه الربيع رحمه الله تعالى بمعناه من طريق ابن عباس - رضي الله عنهما -.
11- عن بريدة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر)).
رواه النسائي 1/231، والترمذي 2621، وابن ماجة 1075، وأحمد 5/346 و 355، وابن أبي شيبة، وابن حبان 1654، والدارقطني 2/52، والحاكم 1/6 و 7، والبيهقي 3/366، وقال الترمذي: ( حديث حسن صحيح غريب ) وصححه الحاكم والذهبي.
وهذا بناء على أن تارك الصلاة إذا لم يكن منكرا لوجوبها لا يكفر كفر شرك كما هو مذهب الجمهور؛ كما حكاه عنهم النووي في شرح صحيح مسلم وفي المجموع شرح المهذب، وهذا هو القول الذي يجتمع به شمل الأدلة المتعارضة في هذه المسألة.
12- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا تغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فقد كفر)).
رواه البخاري 6868، ومسلم 113 (62) وأبو عوانة 1/24، وأحمد 2/526، وابن حبان 1466، والطحاوي في مشكل الآثار 1/368، وابن مندة في الإيمان 590 و 591 و 592، ورواه أحمد 1/47، من طريق عمر - رضي الله عنه - .
13- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( اثنتان في أمتي هما كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت )).
(1/127) (1/139)
صفحة 140
رواه الإمام مسلم 121 (67) وأحمد 2/377 و 441 و 496، وابن مندة في الإيمان 660 و 662 و 663.
14- عن أبي ذر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى قوما ليس فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار )).
رواه الإمام البخاري 3508، ومسلم 112 (61) وأحمد.
15- عن جرير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أيما عبد أبق من مواليه؛ فقد كفر حتى يرجع إليهم )).
رواه الإمام مسلم 122 (68).
16- عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أيما رجل قلا لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما )).
رواه الإمام البخاري في صحيحه 6104 وفي الأدب المفرد 439 و 440، ومسلم 111 (60)، ومالك، وأبو عوانة 1/22 و23، وأبو داود 4687، والترمذي 2637، وأحمد 2/18 و 44 و 47 و 60 و 112 و 113 و 143، والحميدي 698، وابن حبان 249 و 250، والطحاوي في مشكل الآثار 1/368 و 369، وابن مندة في الإيمان 521 و 594 و 595 و 596 و 597، والبيهقي 10/208، والبغوي في " شرح السنة " 3550 و 3551.
17- ورواه الإمام البخاري 6103 من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه -.
18- ورواه الإمام الربيع رحمه الله تعالى من طريق ابن عباس - رضي الله عنهما - برقم 65.
19- ورواه الإمام البخري 1045، وأبو عوانة وآخرون من طريق أبي ذر - رضي الله عنه - بمعناه.
20- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( من أتى كاهنا فصدقه أو أتى امرأة في دبرها؛ فقد كفر بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - )).
رواه أبو داود 3905، والترمذي 135، والنسائي في العشرة، والدارمي 1/259، وابن ماجة 639، وأحمد 2/408 و 429 و 476، والطحاوي في شرح معاني الآثار 3/44 - 45، والبيهقي 7/198، والضياء في المختارة.
(1/128) (1/140)
صفحة 141
21- عن ابن عباس - رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أُريت النار؛ فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن، قيل: أيكفرن بالله ؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط )).
رواه الإمام البخاري 29 و 748 و 5179، ومسلم 907، ومالك، وأبو عوانة 2/379- 380، والنسائي 3/146 و 147 و 148 و 248، والبيهقي 7/194.
ورواه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجة، وأحمد، والبغوي في " شرح السنة " من طريق أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - .
ورواه البخاري وغيره من طريق أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - .
ورواه مسلم، والنسائي، والدارمي، وأحمد من طريق جابر بع عبدالله - رضي الله عنهما - .
ورواه مسلم، والترمذي من طريق ابن عمر - رضي الله عنهما.
ورواه الدارمي، وأحمد، والطيالسي، وابن حبان وآخرون من طريق ابن مسعود - رضي الله عنه - .
وقد جاء عن غير هؤلاء من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بألفاظ مختلفة.
22- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( المراء في القرآن كفر )).
رواه أبو داود 4603، والنسائي في فضائل القرآن 118، وأحمد 2/258 و 286 و 424 و 475 و 478 و 494 و 503 و 528، وابن أبي شيبة، وابن حبان 74 و 1464، والحاكم 2/23، والبزار 2313 كشف الأستار، والطبراني في مسند الشاميين 1305، وتمام الرازي في الفوائد 1321، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " 5/192 و 6/215 وفي أخبار أصبهان 2/123، والآجري في شريعته 27، واللالكائي في أصول السنة 182، والبيهقي في السنن الكبرى 2/416 وفي شعب الإيمان 2/416، والخطيب في تاريخ بغداد 4/81 و 11/136.
وله شاهد من طريق أبي جهم، ورواه أحمد 4/169- 170، وأبو عبيد في الفضائل، والبيهقي في السنن الكبرى 2/419، قال الهيثمي في المجمع: ( رجاله رجال الصحيح ).
(1/129) (1/141)
صفحة 142
وله شاهد آخر من طريق زيد بن ثابت، رواه الطبراني 5/159 وإسناده ضعيف، إلا أنه يصلح في الشواهد المتابعات.
وله شاهد ثالث من طريق عمرو بن العاص، رواه أحمد 204، والبيهقي في شعب الإيمان 2/419، قال الحافظ في الفتح: ( إسناده حسن ) ولي في ذلك نظر.
وله شاهد رابع من طريق عبدالله بن عمرو بن العاص، عند أبي شيبة والآجري، وإسناده تالف بمرة.
23- عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ( جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أتردين عليه حديقته ؟ قالت: نعم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اقبل الحديقة، وطلقها تطليقه).
رواه الإمام البخاري 5273 و 5276، والنسائي 6/139، وابن ماجة 2056، وابن الجارود 750، والدارقطني 3/61، والبيهقي 7/313، والبغوي في " شرح السنة " 9/193 - 194.
وفي الباب أحاديث كثيرة لا نطيل المقام بذكرها.
والمراد بالكفر في هذه الأحاديث ونحوها عند أصحابنا ( كفر نعمة )(1)
__________
(1) وفي ذلك يقول الإمام نور الدين رحمه الله تعالى في " أنوار العقول ":
والكفر قسمان جحود ونعم ** وبالنفاق الثاني منهما وسم =
= والمراد بالنفاق هنا: النفاق العملي؛ بدليل الحديثين الآتيين بعد، وذلك أن النفاق ينقم عندنا إلى قسمين: نفاق عمل، ونفاق عقيدة.
وفي ذلك يقول الإمام السالمي رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه في " جوهر النظام ":
أما النفاق فهو في السرائر ** وتارة يكون في الظواهر
فأول القسمين ما تقدما ** في عصره عليه ربي سلما
فإنهم يخفون نفس الشرك ** ويظهرون القول بالتزكي
فأظهر القرآن ما قالوه ** لكن مرادهم به نالوه
ولهم في النار أسفل الدرك ** وذاك موضع لمن في الله شك
صار الجزا موافقا للعمل ** أخفوا فأخفوا في القرار الأسفل (1/142)
صفحة 143
أما الذي يظهر فهو ينقسم ** لبدعة ولانتهاك قد علم... الخ.
(1/130)
وقد وافقهم على ذلك جماعة من العلماء؛ منهم: البيهقي، وابن الأثير، وابن العربي، والحافظ ابن حجر، والعيني، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا، وابن عاشور، وغيرهم، وهو الذي يقتضيه صنيع كل من الإمام البخاري، والإمام مسلم، وابن حبان في صحاحهم، وقد اعترف بهذا النوع من الكفر بعض الحشوية أنفسهم كما تجده مصرحا به في بعض كتبهم.
وقد دلت على هذا النوع من الكفر أيضا آيات قرآنية كثيرة، منها قوله سبحانه: ? ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ? ( المائدة: 44).
وقوله: ? ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ? ( آل عمران: 97).
وقوله ? إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا? ( الإنسان:3).
وقوله ? ليبلوني أأشكر أم أكفر(1) ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم ? ( النمل: 40) وغيرها.
وكذا جاءت أحاديث كثيرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها إطلاق النفاق على مرتكبي الكبائر أكتفي بذكر اثنين منها:
1- عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر )) وفي رواية (( إذا وعد أخلف )) بدل قوله (( وإذا عاهد غدر)). (1/143)
صفحة 144
رواه الإمام البخاري 34 و 2459 و 3178، ومسلم 106 (58) و 107 (59) وأبو عوانة 1/20، والنسائي 8/116، وأبو داود 4688، والترمذي 2632، وأحمد 2/189 و 198، وابن حبان 254، وابن أبي شيبة 8/405- 406، والفريابي في صفة النفاق 13، 14، 15، والخرائطي في مكارم الأخلاق 201، وابن أبي الدنيا في الصمت 472، والحاكم في علوم الحديث ص11، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " 7/204، وابن مندة في الإيمان 522 و 523 و 524 و 525 و 526، والبغوي في " شرح السنة " 37.
__________
(1) الكفر يشمل هنا: كفر النعمة، وكفر الشرك.
(1/131)
2- عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان )).
رواه الإمام البخاري 33 و 2682 و 2749 و 6095، ومسلم 108 و 109 (59) والنسائي 8/117، والترمذي 2631، والفريابي في صفة النفاق 2 و 3، وابن أبي الدنيا في الصمت 470، وابن مندة في الإيمان 527 و 528، والبغوي في " شرح السنة " 35.
فما أجيب به عن وجود مثل هذه الأحاديث في الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم والأجزاء وغيرها؛ فهو جوابنا عن مثلها في مسند الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب رحمه الله تعالى.
الاعتراض التاسع:
أنه لا توجد نسخة صحيحة من المسند؛ كما ذكر ذلك الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى في مقدمته.
والجواب: أن الإمام السالمي رحمه الله تعالى لم يقل إنه لا توجد نسخة صحيحة من المسند، وإنما قال: ( لم يطلع هو على نسخة خالية من الأغلاط ). (1/144)
صفحة 145
وبين العبارتين فرق ظاهر، فإن عدم اطلاع الشيخ على نسخة صحيحة لا يعني – بوجه ولا بآخر – عدم وجود ذلك؛ كما لا يخفى، ثم إن الإمام السالمي رحمه الله تعالى قد صرح بعد ذلك بأنه وجد نسخة صحيحة من المسند؛ وإليك نص عبارته، قال - رضي الله عنه - في المقدمة ص5: ( ثم جاءتنا نسخة غلبت عليها الصحة من جناب شيخنا الكامل قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش؛ فوجدنا فيها ما أهملته النسخ العمانية، فصححنا عليها نسختنا هذه، فخرجت نسخة صحيحة جامعة لصواب النسخ؛ تاركة لتحريفها ) اهـ المراد منه.
فلا أدري لماذا أعرض هذا المعترض عن هذا الكلام ولم يذكره:
فمن هناك تدري أن الأهوا ** تقودهم لا الحق حين روى
هذا وكان من الواجب على هذا المعترض أن يوجه اعتراضه إلى مسند الإمام أحمد وغيره من الكتب التي لا توجد لها نسخة صحيحة البتة إلى الآن؛ لو كان هدفه طلب الحق والدفاع عن السنة كما يدعي، ومن هذه الكتب:
1- مسند أحمد بن حنبل:
(1/132)
قال الإمام الذهبي في كتابه القيم " ميزان الاعتدال " ج1 ص511- 512 في ترجمة الحسن بن علي بن المذهب التميمي: ( رواية المسند عن القطيعي بعد كلام، قلت: الظاهر من ابن المذهب أنه شيخ ليس بالمتقن؛ وكذلك شيخه ابن مالك، ومن ثم وقع في المسند أشياء غير محكمة المتن والإسناد )(1) اهـ.
وقد نص على مثل ذلك غير الذهبي من أئمة الحديث، كما هو معلوم عند المشتغلين بهذا الفن.
1- سنن سعيد بن منصور:
قال محقق السنن ص220ق وما بعدها؛ تحت عنوان " التريف بنسخ الكتاب ": ( يوجد للكتاب حسب علمي ثلاث نسخ ): (1/145)
صفحة 146
النسخة الأولى: كاملة موجودة في الخزانة الألمانية بخط الشوكاني، ذكر ذلك المبار كفوري في مقدمة " تحفة الأحوذي " وعمدة المبار كفوري: رجل هندي ذكر أنه زار هذه المكتبة، وانتخب من موجوداتها بعض العناوين، ومنها سنن سعيد بن منصور.. إلا أننا لا نعلم شيئا عن هذه النسخة حتى الآن، وسمعت بعض المهتمين بالمخطوطات يكذب ما جاء في هذا الفهرس.
النسخة الثانية: هي النسخة التي اعتمدها الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في ما نشره من هذه السنن، وهي نسخة مكتبة كوبريلي... لكن هذه النسخة ناقصة، وتشكر فقط المجلد الثالث؛ يبدأ بكتاب الفرائض، وينتهي بنهاية كتاب الجهاد.
__________
(1) وقال في : سير أعلام النبلاء ": (وفي المسند جملة من الأحاديث الضعيفة، مما يسوغ نقلها ولا يجوز الاحتجاج بها، وفيه أحاديث عديدة شبه موضوعة، ولكنها قطرة في بحر ) اهـ.
وقال العراقي: ( فيه أحاديث كثيرة ضعيفة، وإن فيه أحاديث يسيرة موضوعة ) اهـ.
وقد ضعف أحمد محمد شاكر – مع تساهله الذي عرف به عند الخاص والعام – طائفة كبيرة من الأحاديث التي حققها من المسند، وحكم على بعضها بالوضع، ولو نظر في المسند بعض المنصفين الذين لا يتعصبون إلا للحق؛ لحكم بالوضع والرتك؛ فضلا عن الضعف؛ على طائفة لا بأس بها من أحاديث هذا المسند، والله المستعان.
(1/133)
النسخة الثالثة: هي النسخة التي اعتمدت عليها في تحقيق هذا القسم.. وهي نسخة ناقصة تشكل فيما يظهر نصف السنن.. لذا فإن التصحيف في النسخة قليل جدا، لمن يبقى ما لا يسلم منه عالم ولا غيره؛ وهو السقط الذي لا يمكن التحرر منه إلا بالمقابلة، وهذا هو عيب هذه النسخة؛ فإنها مع كونها قليلة التصحيف فإنها كثيرة السقط... الخ.
1- كتاب الأوسط لابن المنذر: (1/146)
صفحة 147
قال محقق الكتاب ج1 ص30- 31 بعد أن ذكر نسخ الكتاب: ( هذا ما اطلعت عليه من القطاعات الموجودة من الأوسط، وهذه القطاعات كلها لا تكمل نسخة كاملة؛ فإن بعض القطاعات منها تعتبر نسخة ثانية لقطاعات أخرى، وما زالت بداية كتاب الزكاة إلى أوائل أبواب الجهاد ناقصة، أي: كتاب الزكاة، كتاب الصيام والاعتكاف، كتاب الحج، كتاب الضحايا والذبائح، وعدة أبواب من كتاب الجهاد.
وقال ص97 تحت عنوان " وصف المخطوطة ": ( اعتمدت في إخراج هذا الجزء في آخره.. والظاهر أن هذه النسخة نسخت في القرن السادس الهجري، والخط ليس بواضح تماما؛ ولذا يقرأ بصعوبة ومشقة، وقد مسح بعض الكلمات مع طول الزمن...الخ ).
1- صحيح ابن السكن:
لا توجد منه الآن إلا ورقة واحدة، والله المستعان.
وغيرها كثير يطول المقام بذكرها، وانظر إذا شئت طائفة منها في مقدمة مسند إسحاق ابن راهويه، وانظر تحقيق الأستاذ أحمد محمد شاكر لسنن الترمذي؛ لترى ما وقع فيها من الخلاف بين النسخ المختلفة، وقد وقع قريب من ذلك في كثير من نسخ الكتب الحديثية، كما صرح به غير واحد من المحققين، والله المستعان.
- - ? -
تنبيه
روى الإمام الربيع - رضي الله عنه - حديثا واحدا من طريق مروان بن الحكم - الملك الجائر - في نقض الوضوء بمس الذكر.
(1/134)
وليته لم يرو عنه شيئا، فإنه ليس بأهل أن يروى عنه ولا كرامة، لا قبل توليه الملك وتسلطه على عباد الله يحكم فيهم بغير ما أنزل الله، ولا بعد ذلك، هذا هو الحق، وهو الذي ذهب إليه الحافظ ابن حبان؛ حيث قال في صحيحه 3/397: ( عائذ بالله أن نحتج بخبر رواه مروان بن الحكم وذووه في شيء من كتبنا ).
وقال الذهبي في " المغني " ت 6163: ( هو تابعي، له تلك الأفاعيل ) وقال في " الميزان " ج4 ص98: ( له أعمال موبقة، نسأل الله السلامة، رمى طلحة بسهم وفعل وفعل ) اهـ. (1/147)
صفحة 148
وزعم بعضهم أنه قد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يصح ذلك؛ كما ذكر ذلك الإمام البخاري وغيره، قال الحافظ في " هدي الساري " ص443: ( يقال له رؤية، فإن ثبتت فلا يعرج على من تكلم فيه ) اهـ، المراد منه.
وهو كلام هزيل بارد، ومراده بذلك: أنه إذا ثبت أنه قد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو ثقة حجة لا يتطرق إليه جرح؛ لأن كل من صدق عليه اسم الصحبة فهو ثقة عدل عنده. وإليه ذهب كثير من الناس.
والحق: أن هذا الحكم لا يشمل جميع الصحابة، كما ذهب إليه الحافظان ابن عبد البر وابن القطان وابن الوزير وغيرهم من المحققين، والأدلة عليه كثيرة جدا:
منها: حديث الورود على الحوض، وفيه: (( وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم )) وهو حديث متواتر؛ كما تقدم بيانه.
وقد جاء في بعض طرقه: التصريح بأنهم صحابته - صلى الله عليه وسلم - وهذا اللفظ أيضا صريح في ذلك؛ كما هو ظاهر من قوله (( أعرفهم ويعرفونني )).
(1/135) (1/148)
صفحة 149
وحديث سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل لا يدع لهم شاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( أما إنه من أهل النار )) فقال رجل من القوم: أنا أصاحبه أبدا، قال فخرج معه؛ كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال فجرح الرجل جرحا شديدا؛ فاستعجل الموت؛ فوضع نصل سيفه بالأرض وذبا به بين ثدييه؛ ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: وما ذاك ؟ قال: الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أهل النار؛ فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه حتى جرح جرحا شديدا؛ فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه بالأرض وذبا به بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك: (( إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس؛ وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس؛ وهو من أهل الجنة )). رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
(1/136) (1/149)
صفحة 150
- وروى البخاري، ومسلم، وأحمد، وابن حبان، والبيهقي، والبغوي في " شرح السنة " والقضاعي في مسند الشهاب من طريق أبي هريرة قال: ( شهدنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر - وعند بعضهم: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحنين، والأولى اصح - فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: (( هذا من أهل النار )) فلما حضر القتال؛ قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابه جراح، فقيل: يا رسول الله؛ الرجل الذي قلت إنه من أهل النار قاتل اليوم قتالا شديدا فمات، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (( إلى النار )) فكاد بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرتاب.
فبينما هم على ذلك إذ قيل: لم يمت وبه جراح شديدة، فلما كان الليل اشتد به الجراح فقتل نفسه، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقال: (( الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله )) ثم أمر بلالا فنادى في الناس: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر )).
- وحديث عمر - رضي الله عنه - قال: ( لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: فلان شهيد.. فلان شهيد؛ حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( كلا، إني رأيته في النار في بردة سلبها أو عباءة )) ثم قال: (( يا ابن الخطاب، اذهب فنادي في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون... الحديث ).
رواه مسلم، وأحمد، والترمذي، والدارمي، وابن حبان، وابن أبي شيبة.
- وحديث زيد بن خالد الجهني ( أن رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توفي يوم خيبر؛ فذكروه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( صلوا على صاحبكم )) فتغيرت وجوه القوم من ذلك، فقال: (( إن صاحبكم غل في سبيل الله )) ففتحنا متاعه؛ فوجدنا خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين ).
(1/137) (1/150)
صفحة 151
رواه مالك، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجة، وأحمد، وابن حبان، وابن الجارود، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والحميدي، والحاكم، والبيهقي في" السنن الكبرى " وفي " دلائل النبوة " والبغوي في " شرح السنة " وفي التفسير، والطبراني في الكبير، وقد أعله بعضهم بجهالة أبي عمرة مولى الجهني أحد رواته؛ بناء على أنه غير أبي عمرة الأنصاري الثقة، والذي يظهر لنا أنهما شخص واحد، والله أعلم.
- وحديث أبي هريرة قال: ( خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر، فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع، فوجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو وادي القرى، وقد اهدى رفاعة بن زيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غلاما أسود يقال له مدعم، فبينما مدعم فبينما مدعم يحط رحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه سهم غرب فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا... الخ ).
رواه الإمام الربيع، والبخاري، ومسلم، ومالك، والنسائي، وأبو داود، وابن حبان، والبيهقي، والبغوي في " شرح السنة " وفي التفسير.
- وحديث جابر بن سمرة ( أن رجلا كانت له جراحة، فأخذ مشقصا فذبح نفسه، فلم يصل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ).
رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأحمد، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن حبان، والطيالسي، والطبراني، والحاكم، والبيهقي، وله ألفاظ متعددة.
- وحديث أبي قتادة قال: ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دعي إلى جنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خيرا صلى عليها، وإن أثني عليها شرا قال لأهلها: شأنكم بها، ولم يصل عليها ).
رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم، وصححه الحاكم، وأقره الذهبي، وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد ": ( رجال أحمد رجال الصحيح ).
(1/138) (1/151)
صفحة 152
وغيرها كثير يطول المقام بذكرها، وقصدنا هنا الإشارة، وبما ذكرناه كفاية لمن أراد الله له الهداية.
واعلم أن الصحابة قد ورد في فضلهم وعلو منزلتهم آيات قرآنية كثيرة وأحاديث نبوية شهرية، وقد ثبت كثير منها، وبعضها ضعيف؛ وآخر موضوع.
والحجة فيما ثبت لا في غيره إلا أن ذلك عام والأدلة التي ذكرناها مخصصة لذلك، فمن ظهر منه خلاف ما كان عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - حملت عليه هذه الأدلة المخصصة، ومن بقي على تلك السيرة العطرة حملت عليه الأدلة العامة، وبذلك يجتمع شمل الأدلة، ويظهر الحق واضحا جليا، والحمد لله حق حمده.
هذا وحديث بسرة هذا رواه جماعة كبيرة من أئمة الحديث؛ منهم مالك، والنسائي، وأبو داود، والترمذي، والدارمي، وابن ماجة، والشافعي في مسنده وفي الأم، وأحمد، والحميدي، والطيالسي، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وإسحاق بن راهويه، وابن المنذر في الأوسط، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، والحاكم، والطحاوي في شرح معاني الآثار، والطوسي في " المستخرج على الترمذي " وابن سعد في " الطبقات " والدارقطني، والحازمي في الاعتبار، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ، وتمام الرازي في الفوائ، والبيهقي في " السنن الكبرى وفي المعرفة، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني "، والطبراني في المعجم الكبير وفي المعجم الصغير، وابن حزم في " المحلى " والخطيب في " تاريخ بغداد " وفي " تلخيص المتشابه " والبغوي في " شرح السنة " وقد صححه طائفة كبيرة من العلماء؛ منهم:
1- يحيى بن معين 2- البخاري 3- أحمد 4- الترمذي 5- أبو حامد ابن الشرقي 6- الدارقطني 7- البيهقي 8- ابن حزم 9- عبد الحق الأشبيلي 10- الحاكم 11- ابن الصلاح 12- ابن الأثير 13- ابن خزيمة 14- ابن حبان 15- ابن الجوزي 16- الحازمي 17- الذهبي 18- ابن الملقن 19- الحافظ ابن حجر، كما هو واضح من كلامه 20- ابن عبد الهادي 21- السيوطي
(1/139) (1/152)
صفحة 153
22- الصنعاني 23- الشوكاني 24- صديق حسن خان 25- المبار كفوري 26- أحمد محمد شاكر 27- أحمد الغماري، وغيرهم.
وحسنه البغوي، والنووي، وقد أعله بعضهم من عدة وجوه:
أحدها: أنه منقطع بين هشام بن عروة وأبيه، قال الطحاوي: ( لم يسمع هذا من أبيه، وإنما أخذه من أبي بكر، فدلس به عن أبيه ). اهـ. وقد أعله بالانقطاع أيضا النسائي.
ويجاب عن هذا: بأنه قد جاء عند الإمام أحمد ما يبطل هذه الدعوى، فقد جاء فيه: ( عن يحيى بن سعيد عن هشام بن عروة قال: حدثني أبي أن بسرة بنت صفوان أخبرته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ ) اهـ.
ولعل هشام بن عروة رواه مرة عن أبيه، ورواه مرة عن أبي بكر، فكان يحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا فيكون من المزيد فيما اتصل من الأسانيد، ثم إن هشام بن عروة لم يتفرد به؛ إذ إنه قد توبع عليه، كما يعلم بالنظر في أسانيد هذا الحديث.
ثانيها: ضعف مروان بن الحكم، وقد أجيب عن ذلك بعدة أجوبة:
منها: أن مروان لم يعلم له جرحة قبل خروجه على ابن الزبير، ولم يلق عروة إلا قبل خروجه على أخيه لا بعد ذلك، كذا قال ابن حزم وتابعه عليه من تابعه.
وهو جواب عن الحق بمعزل، وذلك أن مروان مجروح بأسباب كثيرة جدا من قبل توليه الملك، كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بعلم التاريخ والسير.
الثاني: أن مروان كان لا يتهم في الحديث.
والجواب: أن مروان قد ثبت فسقه وفجوره بأدلة أوضح من شمس الظهيرة، ومن كان كذلك حاله فلا يحتج به ولا كرامة.
الثالث: وهو الجواب الصحيح؛ أن عروة قد سمع هذا الحديث من بسرة مباشرة بعدما سمعه من مروان، فالحجة في روايته عن بسرة لا في روايته عن مروان عن بسرة، وقد روى هذه الرواية أحمد، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي وغيرهم.
(1/140) (1/153)
صفحة 154
وقد أحسن الحافظ ابن حبان حيث قال ج3 ص397 بعد ذكره لبعض روايات هذا الحديث: ( عائذ بالله أن نحتج بخبر رواه مروان بن الحكم وذووه في شيء من كتبنا؛ لأنا لا نستحل الاحتجاج بغير الصحيح من سائر الأخبار وإن وافق ذلك مذهبنا، ولا نعتمد من المذاهب إلا على المنتزع من الآثار وإن خالف ذلك قول أئمتنا، وأما خبر بسرة الذي ذكرناه؛ فإن عروة بن الزبير سمعه من مروان بن الحكم عن بسرة فلم يقنعه ذلك حتى بعث مروان شرطيا له إلى بسرة فسألها، ثم أتاهم فأخبرهم بمثل ما قالت بسرة فسمع منها، فالخبر عن عروة عن بسرة متصل ليس بمنقطع، وصار مروان والشرطي كأنهما عاريتان يسقطان من الإسناد ) اهـ.
ثالثها: أن الواسطة بين مروان بن الحكم وبسرة شرطي، وهو غير معروف.
وجواب هذا هو الجواب السابق، والله أعلم.
رابعها: أن بسرة مجهولة.
والجواب: أن بسرة معروفة مشهورة، وهي بسرة بنت صفوان بن نوفل القرشية الأسدية، وكانت من المبايعات المهاجرات، وقد روى عنها جماعة من الصحابة وغيرهم، كما لا يخفى على من
طالع ترجمتها في الكتب المصنفة في الصحابة وغيرها من كتب التراجم، والله أعلم.
خامسها: أن هذا الخبر من الأخبار التي تعم بها البلوى فلا يقبل فيها خبر الواحد، وهذا الكلام مردود، كما هو محرر في كتب الأصول أحسن تحرير، ومقرر فيها أوضح تقرير، فلا نطيل المقام بذكره، والله أعلم.
على أن هذا الحديث قد جاء من طرق كثيرة عن طائفة كبيرة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم:
1- زيد بن خالد الجهني 2- أبو هريرة 3- عبدالله بن عمرو ابن العاص 4- أنم حبيبة 5- جابر بن عبدالله 6- عائشة 7- أبو أيوب الأنصاري 8- ابن عمر 9- ابن عباس 10- سعد بن أبي وقاص 11- طلق بن علي 12- أم سلمة 13- أروى بنت أنيس 14- أبي بن كعب 15- النعمان بن بشير 16- أنس بن مالك 17- قبيصة 18- معاوية بن حيدة 19- رجل من الأنصار
20- رجال من الأنصار.
(1/141) (1/154)
صفحة 155
منها الحسن، ومنها الضعيف المنجبر، ومنها التضعيف الذي اشتد ضعفه. والمعول على القسم الأول وعلى الثاني في الشواهد والمتابعات، وأما الثالث فلا قيمة له.
وبالغ بعض العلماء فعد هذا الحديث من باب المتواتر؛ بناء على رأي الأكثر أن المتواتر لا يشترط فيه ثقة الرواة وضبطهم، والحق بخلاف ذلك بالنسبة إلى السنة النبوية على صاحبها وآله أفضل الصلاة والسلام والأخبار التي طال عهدها وتقادم ومنها، ولتقرير ذلك موضع آخر.
هذا وتخريج هذه الروايات والكلام على أسانيدها ومتونها يحتاج إلى رسالة مفردة، فأكتفي هنا بالكلام على بعض منها باختصار، والله ولي التوفيق:
ابن عباس – رض الله عنهما - : رواه الإمام الربيع رحمه الله تعالى رواه ابن عدي في الكامل والبيهقي، وفي إسنادهما الضحاك بن حمزة، وهو منكر الحديث.
زيد بن خالد الجهني: رواه أحمد، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، والبزار، والطبراني في الكبير، والطحاوي في شرح معاني الآثار، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ، والبيهقي في المعرفة، وابن عدي في الكامل، وابن الجوزي في التحقيق، وفي إسناده ابن إسحاق؛ وهو حسن الحديث عند الجمهور إلا أنه مدلس، وقد صرح بالسماع هنا، وقد تابعه ابن جريح رواه عنه إسحاق في مسنده ومن طريقه البيهقي في المعرفة، وابن جريح مدلس أيضا إلا أنه قد صرح بالسماع فزالت شبهة تدليسه.
عبدالله بن عمرو بن العاص: رواه عنه أحمد، وإسحاق بن راهويه، وابن المنذر في الأوسط، وابن الجارود، والطحاوي في شرح المعاني، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ، والدارقطني، والحازمي في الاعتبار، والبيهقي في السنن الكبرى وفي المعرفة، وابن عدي في الكامل، وابن الجوزي في التحقيق، وصحح إسناده الحازمي وأحمد شاكر، وقال البخاري: ( صحيح ) أي لغيره؛ كما يؤخذ من كلام الترمذي في العلل الكبير، وحسنه الحافظ بن حجر في موافقة الخبر الخبر، وقد أعل بثلاث علل:
(1/142) (1/155)
صفحة 156
الأولى: ضعف أحمد بن فرج الحمصي، وهو كذلك إلا أنه لم ينفرد به؛ فقد تابعه إسحاق بن راهويه عند الحازمي، وهشام بن عبد الملك عند ابن شاهين، وعبد الجبار بن محمد الخطابي عند أحمد.
الثانية: عنعنة بقية.
وأجيب عن ذلك بأن بقية قد بالسماع في بعض الطرق.
قلت: بقية يدلس تدليس التسوية كما هو مشهور، ومن يدلس هذا النوع من التدليس مختلف بين العلماء في الاحتجاج بروايته، فقيل: يحتج بها بشرط أن يصرح بالسماع أو ما يقوم مقامه في جميع الطبقات، وبقية قد صرح بالسماع من شيخه، وشيخه قد صرح بالسماع من شيخه، ولا يضر بعد ذلك عدم تصريح عمرو ابن شعيب بالسماع من أبيه، ولا عدم تصريح أبيه بالسماع من جده، كما هو غير خاف، وهذا الحكم خاص بتراجم معدودة لا تخفى على من مارس هذه الصناعة.
وقيل: إن مدلس التسوية لا يؤخذ بروايته ولو صرح بالسماع أو ما يقوم مقامه؛ لأن هذا التدليس جرح على التحقيق، وهذا هو الصحيح عندنا، والله أعلم.
الثالثة: الانقطاع من أجل رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأنها صحيفة.
والصواب أن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده متصلة، وأن روايته حسنة ثابتة، وأن المراد بجده جد شعيب وهو عبدالله بن عمرو بن العاص، وقد سمع منه شعيب على التحقيق، هذا هو الصحيح الذي عليه جمهور المحدثين من المتقدمين والمتأخرين، ولكن قد عرفت علة الحديث إلا أن يؤخذ به في الشواهد على مذهب بعضهم، والله تعالى أعلم.
(1/143) (1/156)
صفحة 157
4- أبو هريرة: رواه عنه الإمام الشافعي في مسنده وفي الأم، وأحمد ، وابن حبان، والبزار، والطحاوي في شرح معاني الآثار، وابن المنذر في الأوسط، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ، والدارقطني، والحاكم، والحازمي في الاعتبار، والطبراني في الصغير، وابن عدي في الكامل، والبيهقي في السنن وفي المعرفة، والبغوي في " شرح السنة " وابن الجوزي في التحقيق، وهو حديث حسن – إن شاء الله تعالى – ولاسيما في الشواهد، وصححه الحاكم وأحمد الغماري، وقواه ابن السكن.
وقد أعله بعضهم بثلاث علل:
الأولى: أن البيهقي أخرج هذا الحديث في الخلافيات، وأدخل بين يزيد بن عبد الملك النوفلي أحد رواة هذا الحديث وبين المقبري وهو من رواة هذا الحديث أيضا أبا موسى الخياط، وهو مجهول كما قال ابن معين.
وأجيب على ذلك: بأن يزيد النوفلي ضعيف فلا تقبل منه هذه الزيادة، والعمدة على رواية نافع بن أبي نعيم المقرئ، وهي سالمة من هذه العلة، ورواية نافع رواها ابن حبان، والحاكم، وابن عبد البر في الاستذكار، قال ابن حبان 3/402: ( احتجاجنا في هذا الخبر بنافع بن أبي نعيم دون يزيد بن عبد الملك النوفلي؛ لأن يزيد ابن عبد الملك تبرأنا من عهدته في كتاب " الضعفاء " ).
الثانية: ضعف يزيد النوفلي، وقد تقدم الجواب عنها.
الثالثة: أن هذا الحديث قد رواه البخاري في التاريخ الكبير والبيهقي وأبو نعيم في الحلية موقوفا.
والجواب: أن هذه الرواية غير ثابتة؛ لأن في إسنادها جميل بن بشير أو بشر، وهو مجهول لا تقوم به حجة، وعلى تقدير ثبوتها فلا تقدح في الرواية المتصلة.
(1/144) (1/157)
صفحة 158
5- أم حبيبة: رواه عنها ابن ماجة، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، والطحاوي في شرح معاني الآثار، وتمام الرازي في الفوائد، وأبو يعلى، والبيهقي، والطبراني في الكبير وفي مسند الشاميين، والخطيب في تاريخ بغداد، والرامهرمزي في المحدث الفاصل، وابن الجوزي في التحقيق، وقد حكى الخلال عن الإمام أحمد أنه قد صححه، وقال ابن السكن: ( لا أعلم له علة ) وصححه أيضا أبو زرعة، والحاكم، وأعله البخاري بأن مكحولا لم يسمع من عنبسة، وكذا قال يحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، وخالفهم دحيم، وهو أعرف بحديث الشاميين؛ فأثبت سماع مكحول من عنبسة، كذا قال الحافظ ابن حجر، وفاته أن أبا مسهر – وهو شامي أيضا – قال إنه لم يسمع منه.
والحاصل: أن في سماع مكحول من عنبسة نظرا يحتاج إلى مزيد من البحث والتمحيص، ثم إنه لو ثبت سماعه منه في الجملة مثلا فإنه لا بد من تصريحه عنه بالسماع؛ لأن مكحولا مدلس، على ما ذكره بعضهم، وهذا لم يفعله مكحول في هذا الحديث، فالحديث بمفرده ضعيف على كل حال، وإن كان يمكن أن يعتد به في الشواهد في مثل هذا الحديث كما لا يخفى، هذا وقد أعله بالانقطاع أيضا الحافظ الذهبي في مذهب السنن، والله أعلم.
6- جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – رواه عنه ابن ماجة، والإمام الشافعي في مسنده وفي الأم، والطحاوي في شرح المعاني، والبيهقي في السنن الكبرى وفي المعرفة، والأثرم، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ، وأبو نعيم في أخبار أصبهان، وابن الجوزي في التحقيق، والمزي في تهذيب الكمال، وقواه الضياء وابن عبد البر، وصححه أحمد الغماري، وأعله جماعة منهم أبو حاتم والطحاوي بالإرسال، وهو الصواب.
(1/145) (1/158)
صفحة 159
وأما ما ذكره الشيخ الغماري ( من أن ابن ماجة قد رواه من طريق معن بن عيسى عن ابن أبي ذئب موصولا، وكل من عبدالله بن نافع ومعن بن عيسى ثقة من رجال الصحيح والثاني متفق عليه فهما اجتمعا على وصله ) فيسلم به أن لو صحت الطريق من ابن أبي ذئب إلى جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - وعن أبيه، ولكن الطريق من ابن أبي ذئب لم تثبت؛ وذلك لأن في إسنادها عقبة بن عبد الرحمن، وهو مجهول كما قال ابن المديني، ولا عبرة بذكر ابن حبان له في ثقاته لما عرف عنه من توثيق المجاهيل أو على الأقل من إيراده للمجاهيل في كتابه هذا، كما ضربت عليه أمثلة لا بأس بها في غير هذا الموضع، والشيخ الغماري نفسه يقول بذلك كما صرح به في غير موضع من كتبه، والله تعالى أعلم.
هذا واعلم أنه لا بد من أن تتوفر في الطرق المرفوعة المعلة بالوقف جميع شروط الحديث الصحيح؛ التي منها ثقة الرجال وضبطهم، وعدم الشذوذ وعدم العلة القادحة، وكذا يقال في الطرق التي صرح فيها المدلسون بالسماع أو رواها عن المختلطين أصحابهم الذين رووا عنهم قبل الاختلاط أو عرف أنهم سمعوها منهم قبل الاختلاط ولو كانوا قد رووا عنهم قبل الاختلاط وبعده، فهذه الشروط لا بد من مراعاتها في هذه الأمور ونحوها من هؤلاء الرواة الذين رووا روايات الوصل والرفع والتصريح بالسماع من المدلس والرواية عن المختلط، وتزاد في الوصل والرفع شروط أخرى ليس هذا موضع بسطها حتى يحكم بالرفع لتلك الطريق المعلة بالوقف، وكذا يقال في الاتصال والتصريح بالسماع من المدلس ونحوهما، وهذا موضوع مهم يغفل عنه كثير من الناس عند الكلام على الأحاديث، ومنهم من يتساهل في ذلك فيجب التنبه جيدا، والله المستعان.
(1/146) (1/159)
صفحة 160
7- عائشة الصديقة بنت الصديق رضوان الله تعالى عليهما: رواه عنها أبو نعيم في أخبار أصبهان، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ، وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وهو ضعيف، وشيخه عمر بن سريج وفيه ضعف، ورواه أيضا الحارث بن أسامة، وفي إسناده يحيى بن أبي كثير وهو مدلس مشهور وقد عنعنه؛ إلا أن الطحاوي رواه من طريقه في " شرح معاني الآثار " وقد صرح عنده يحيى بالسماع إلا أن في إسناده مجهولا، ورواه الدارقطني، ومن طريقه ابن الجوزي، وفي إسناده عبد الرحمن بن عبدالله العمري وهو متروك كما قال غير واحد؛ بل نص أحمد وأبو حاتم على أنه يكذب، ورواه الحاكم والبيهقي عنها موقوفا عليها، ورواه غيرهما عنها من طرق أخرى، وكلها لا تخلو من ضعف؛ بل في بعضها مقال شديد؛ باستثناء رواية الحاكم والبيهقي فإنها ثابتة، والله أعلم.
- - ? -
أختلف العلماء في نقض الوضوء بمس الذكر على أقوال كثيرة، فقيل: إن مسه ينقض الوضوء، وهو المذهب، وعليه الشافعي ومالك وأحمد في رواية عنهما، ونسب إلى سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وعائشة، وعطاء، وعروة، وسعيد بن المسيب، وأبان بن عثمان، وابن جريح،والأوزاعي، والليث، وإسحاق وغيرهم.
وقيل: إنه لا ينقض الوضوء، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن مالك، ورواية عن أحمد، وروي عن طائفة من الصحابة وغيرهم، وقيل غير ذلك.
وسبب الخلاف في المسألة هو تعارض الآثار المروية في ذلك، فمن قال بالنقض احتج بما تقدم ذكره من الأحاديث، وقد رأيت أن بعضا منها ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحسب ما تقتضيه الصناعة الحديثية، ومن قال بعدم النقض احتج بحديث طلق ابن علي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عندما سأله أيتوضأ أحدنا إذا مس ذكره ؟ قال له: (( هل هو إلا بضعة منك )).
(1/147) (1/160)
صفحة 161
رواه النسائي، وأبو داود، وابن ماجة، وأحمد، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والطحاوي في شرح معاني الآثار، والطيالسي، وابن المنذر في الأوسط، والحاكم، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ، والحازمي في الاعتبار، وأبو نعيم في " حلية الأولياء" ، والدارقطني، والبيهقي في السنن الكبرى وفي المعرف، والطبراني، وتمام الرازي في الفوائد، وابن عدي في الكامل، وابن الجوزي في التحقيق وفي الواهيات وفي إعلام العالم بعد رسوخه بحقائق ناسخ الحديث ومنسوخه، وصححه عمرو بن علي الفلاس، وابن المديني، والطحاوي، والطبراني، وابن حزم، وابن التركماني، وأحمد شاكر، وضعفه الشافعي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والدارقطني، والبيهقي، وابن الجوزي؛ وبالغ النووي فحكى اتفاق الحفاظ على تضعيفه، وليس الأمر كما قال.
وقد اعتمد الذين ضعفوه على ما نقله البيهقي عن ابن معين بسنده أنه قال: ( قد أكثر الناس في قيس بن طلق، ولا يحتج بحديثه ) وأجيب عن ذلك بأن في سند البيهقي إلى ابن معين بن محمد بن الحسن النقاش وهو متهم بالكذب، وعلى ما نقله ابن الجوزي عن الإمام أحمد أنه ضعف قيس بن طلق، ولكن نقل عنه الخلال أنه قال: ( غيره أثبت منه ) وهذا لا يقتضي التضعيف المطلق؛ وإنما غاية ما يؤخذ منه نفي الدرجة العليا من التثبت؛ كذا قال بعضهم، والحق أن قولهم: ( غيره أثبت منه ) ونحوها من صيغ التجريح؛ إلا إذا قامت قرينة على خلاف ذلك، وذلك كأن يقال: ( ثقة غيره أثبت منه ) أو نحو ذلك، أو أن يفاضل بينه وبين أحد الثقات، إلى غير ذلك، واعتمدوا أيضا على ما قاله الشافعي: ( لم نجد من عرفه ).
وفيه أنه قد روى عنه تسعة أنفس أو ما يقرب من ذلك كما في " تهذيب الكمال " وعلى ما قاله أبو زرعة وأبو حاتم قيس ليس مما تقوم به الحجة.
(1/148) (1/161)
صفحة 162
وأما الذين صححوا الحديث فقد اعتمدوا على توثيق ابن حبان والعجلي متساهلان في التوثيق ولاسيما فيما يتعلق بالتابعين، كذا ابن معين في بعض الأحيان، وإن كان الغالب عليه التشدد، وقد ذكرت في بعض الأجوبة طائفة من الرواة الذين وثقهم ابن معين؛ وقد كادت الأمة تتفق على ضعفهم؛ بل إنه وثق بعض الكذابين كما ذكرته في غير هذا الموضع.
والذي يظهر لنا: أن هذا الحديث لا يرتقي إلى درجة الصحيح ولكنه محتمل للتحسين، وإن كنت لا أقوى على الجزم بذلك الآن، ولسنا بحاجة إلى ذلك في هذا الوقت؛ لأن الحديث منسوخ على تقدير ثبوته على الصحيح كما سيأتي.
هذا وقد ضعف هذا الحديث بعض؛ بسبب ضعف بعض الرواة عن قيس، لكن ذلك مردود؛ لأن الحديث قد جاء من عدة طرق، فضعف بعضها لا يقدح في البعض الآخر ولاسيما أن ضعف بعضها من القسم الذي ينجبر بتعدد الطرق، ولحديث طلق عدة شواهد ولكنها واهية بمرة، فلا نطيل المقام بذكرها.
هذا وقد اعترض كل فريق على الآخر بعدة وجوه، وقد سلكوا في ذلك جميع المسالك الحديثية والأصولية المشهورة.
أما الاعتراض من جهة القائلين بعدم الانتقاض على القائلين بالانتقاض فمن وجوه:
ضعف الروايات الدالة على النقض، وهذا قد تقدم الجواب عليه بما يغنيك عن إعادته مرة ثانية.
أن النقض خلاف القياس.
والجواب: أنه لا دخل للقياس بعد ثبوت الآثار الدالة على النقض، وقول من يقول: إن القياس يقدم على خبر الآحاد قول ضعيف باطل، كما هو مقرر في علم الأصول.
أن حديث عدم النقض أرجح من أحاديث النقض، وهذا الوجه ضعيف كما يظهر بأدنى تأمل مما تقدم.
أن خبر النقض منسوخ بخبر عدم النقض.
(1/149) (1/162)
صفحة 163
والجواب: أن النسخ لا يحكم به بمجرد الاحتمال، بل لا بد من وجود دليل يدل على أن الناسخ متأخر عن المنسوخ، والأمر هنا بعكس ذلك؛ لأن قدوم طلق كان أول سنة من الهجرة كما صرح به غير واحد، وكان سماعه الحديث الدال على عدم النقض في ذلك المجلس، وحديث النقض ممن رواه أبو هريرة وغيره من صغار الصحابة، كذا قيل، وفي بعض هذا الجواب نظر سيأتي التنبيه عليه – إن شاء الله تعالى - .
أن الأحاديث الدالة على النقض تحمل على الندب جمعا بينها وبين حديث طلق، وأجيب عن ذلك بأن بعض روايات النقض لا يمكن حملها على ذلك.
أن أحاديث النقض محمولة على غسل اليدين، وهذا مخالف لصريح بعض تلك الأحاديث.
أن مس الذكر في أحاديث النقض يراد به الكناية عن البول، وهو تأويل باطل يأباه صريح تلك الروايات.
أن الأحاديث في الباب متعارضة ولا يمكن التوفيق بينها، فيجب أن تترك ويصار إلى الأصل وهو البراءة.
والجواب: أن البراءة لا يصار إليها إلا عند عدم الدليل أو عند عدم إمكان التوفيق بين الأدلة عند بعضهم، والأمر هاهنا بعكس ذلك، كما سيأتي – إن شاء الله تعالى - .
على أنه عند عدم إمكان التوفيق بين الأدلة يجب أن يؤخذ بالدليل الدال على شغل الذمة لا بالدليل الدال على براءتها؛ كما هو الصحيح الراجح عند الأصوليين، والله أعلم.
مثله وأنه يصار إلى مذهب الصحابة.
والجواب: أن الروايات عن الصحابة أيضا متعارضة، على أنه لا حجة في قول أحد من الناس ما خلا أنبياء الله ورسله – عليهم أفضل الصلاة والسلام - .
ولهم غير ذلك، وقد تقدم مشفوعا بالإجابة عليه.
وأما الاعتراض من جهة القائلين بالانتقاض على القائلين بعدم ذلك، فمن وجوه أيضا:
تضعيف حديث طلق، وقد تقدم ما فيه.
كثرة طرق أحاديث النقض، وفيه أن ذلك لا يصار إليه إلا عند عدم إمكان الجمع والنسخ، على أن أكثر روايات النقض لم تثبت، وفي هذا الأخير أن روايات النقض حتى مع ضعف أكثرها أكثر عددا وأقوى سندا من الأخرى.
(1/150) (1/163)
صفحة 164
أن حديث طلق منسوخ، وبيان ذلك: أن طلق بن علي قد قدم المدينة في السنة الأولى وأن أبا هريرة أحد رواة النقض قد اسلم عام سبع من الهجرة، وكذا روى هذا الحديث جماعة من صغار الصحابة.
والجواب على ذلك: أن رواية الصحابي المتأخر الإسلام لا تدل على النسخ لجواز أن يكون قد سمع من متقدم الإسلام، وعليه فيمكن أن تكون أحاديث النقض متقدمة على أحاديث العام.
نعم إذا ثبت أن ذلك الصحابي الراوي للرواية المدعي أنها ناسخة الذي هو متأخر الإسلام أو أنه كان صغيرا لا يمكنه تحمل الرواية في وقت صدور الرواية الأخرى وقد صرح بسماعها من النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه يستدل بروايته على نسخ رواية من متقدم إسلامه على إسلام هذا الراوي، وكذا يقال في رواية صغر السن؛ الذي لا يمكنه التحمل في وقت صدور الحكم الأول، ولكنه لم يثبت شيء من ذلك هنا.
على أن بعضهم قال - حسب حافظتي - إن طلقا قدم المدينة مرة ثانية، وعليه فيمكن أن يقال بأنه سمع رواية عدم النقض في المقدمة الثانية، وأجيب عن ذلك: بأن ظاهر الرواية أن طلقا قد سمع هذه الرواية في المرة الأولى، وهذا كله على تقدير ثبوت رواية أبي هريرة وغيره من صغار الصحابة، وقد تقدم ما فيه.
والحق: في الجواب على ما اعترض به المعترضون على القائلين بالنسخ، وفي بيان وجه النسخ قبل ذلك ما قاله ابن حزم في " المحلى " بعد أن صحح حديث طلق بن علي؛ حيث قال: ( إلا أنهم لا حجة لهم فيه لوجوه: أحدها: أن هذا الخبر موافق لما كان الناس عليه قبل ورود الأمر بالوضوء من مس الفرج، هذا لا شك فيه، فإذ هو كذلك فحكمه منسوخ يقينا حين أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالوضوء من مس الفرج، ولا يحل ترك ما تيقن أنه ناسخ والأخذ بما تيقن أنه منسوخ.
(1/151) (1/164)
صفحة 165
وثانيها: أن كلامه عليه الصلاة والسلام (( هل هو إلا بضعة منك )) دليل بين على أنه كان قبل الأمر بالوضوء منه؛ لأنه لو كان بعده لم يقل عليه الصلاة والسلام هذا الكلام؛ بل كان يبين أن الأمر بذلك قد نسخ، وقوله هذا يدل على أنه لم يكن سلف فيه حكم أصلا، وأنه كسائر الأعضاء) اهـ.
هذا ومن الجدير بالذكر أنه قد ورد حديث النقض من طريق طلق نفسه، وقد صححه بعضهم، ولا يحضرني إسناده الآن، ولئن صح – ولا أخاله يصح – فلعله قد سمعه في المرة الثانية على القول بأنه قدمها مرة ثانية.
وبذلك يتبين لكم أن أقوى أجوبة الفريق الأول: قول من قال بأن الأحاديث التي ظاهرها وجوب الوضوء من مس الفرج محمولة على الندب بدليل حديث طلق بن علي، وأن أقوى أجوبة القائلين بالنقض: القول بالنسخ، وهو أقوى الوجهين على تقدير ثبوت حديث طلق، والله أعلم.
وهناك مسائل كثيرة قد بحثها العلماء مما له تعلق بهذه الأحاديث، لا علاقة لها ببحثنا هذا، لأن غاية ما أردناه من ذكرنا لهذه القضية هو أنه: وإن كان مروان بن الحكم ليس بحجة ولا كرامة إلا أن رواية حديث واحد من طريقه – ولاسيما أنه قد ثبت من طريق أو طرق أخرى – لا يقدح في المسند ولا صاحبه شيئا، ومن أراد أن يقدح فيه بذلك ونحوه فيجب عليه أن يقدح بذلك في جميع الكتب التي روى أصحابها عن مروان وأضرابه، بل ويجب عليه أن يقدح في مؤلفي هذه الكتب أيضا إن قدح بذلك في الإمام الربيع رحمه الله تعالى فيكون بالتالي قد قدح في جميع كتب الحديث ومؤلفيها وهذه والله المصيبة التي تصغر عندها المصائب، ومع ذلك كله فليت الإمام الربيع رحمه الله تعالى لم يرو عن مروان ومن على شاكلته شيئا، والله المستعان، وهو أعلم بكل شيء.
- - ? -
تنبيه ثان
(1/152) (1/165)
صفحة 166
روى الإمام الربيع رحمه الله تعالى حديث النية (( الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى )) من طريق ابن عباس – رضي الله عنهما – وقد ذكر كثير من العلماء أنه لم يثبت إلا من طريق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو حكم سليم بالنظر إلى أن أولئك العلماء لم يطلعوا على مسند الإمام الربيع رحمه الله تعالى.
ومن المعلوم أن قول عالم أو طائفة من العلماء: ( إن الحديث الفلاني لم يأت من طريق تقوم بها الحجة مطلقا أو إلا من الطريق الفلانية ) حكم ظني.
هذا هو الذي ذهب إليه المحققون بل الجماهير، وقد نفى كثير من العلماء ثبوت بعض الأحاديث؛ وقد صححها كثير من العلماء لكونهم وجدوا لها أسانيد صحيحة ثابتة، وبعض ذلك موجود في صحيح البخاري، بل حكم بعض العلماء على بعض تلك الأحاديث بالتواتر كما هو معلوم عند من له أدنى اطلاع على هذا الفن الشريف، وقد ذكرت عدة أمثلة على ذلك في غير هذا الموضع.
وأكتفي هنا بذكر مثال واحد من صحيح البخاري، وهو حديث جابر بن عبدالله – رضي الله عنهما – قال: (( نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها )).
فقد رواه البخاري ج9 ص199 رقم 5108، ورواه أيضا النسائي 6/ 98، وأحمد 3/ 338 و 382، وأبو داود الطيالسي 1787، وعبد الرزاق 10759، وأبو يعلى 1890، وابن نصر في السنة 76، والبيهقي 7/ 166، وابن عدي في الكامل 2/ 660.
قال البيهقي: ( الحفاظ يرون رواية عاصم خطأ ) اهـ. يعني هذه الرواية ، وذلك أن عاصما رواها من طريق الشعبي عن جابر - رضي الله عنه - .
وقال ابن عبد البر: ( كان بعض الحفاظ يزعم أنه لم يرو هذا الحديث غير أبي هريرة، يعني من وجه يصح، وكأنه لم يصحح حديث الشعبي عن جابر، وصححه عن أبي هريرة، والحديثان جميعا صحيحان ) اهـ.
والحديث رواه النسائي 6/ 98، وابن جميع الصيداوي في معجم شيوخه 118 - 119 و 252 - 253 والحديث قد جاء عن جماعة من الصحابة وأسانيد بعضهم جيدة لا بأس بها.
( (1/166)
صفحة 167
1/153)
وبذلك يتبين لك فساد ما اعترض به الحشوية على المسند ومصنفه برواية الإمام الربيع رحمه الله تعالى لهذا الحديث من طريق ابن عباس - رضي الله عنهما - ولدينا أجوبة أخرى على اعتراضهم هذا نتركها خشية الإطالة، ولأن فساد اعتراضهم أوضح من شمس الظهيرة، وما كان كذلك فلا حاجة لأن يشغل الوقت بالإجابة عليه. (1/167)
صفحة 168
هذا ورواية عمر - رضي الله عنه - رواها عنه: الإمام البخاري، ومسلم، وأبو عوانة، والنسائي في الصغرى وفي الكبرى، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وأحمد، والطوسي في المستخرج على الترمذي، ومحمد بن الحسن في الموطأ، والحميدي، وأبو داود الطيالسي، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحه وفي الثقات، وابن الجارود، وابن المبارك في الزهد، والبزار، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار، ووكيع، وهناد ابن السري: كلاهما في الزهد، والنسوي في الأربعين، وابن المنذر في الأوسط، وابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل، والخليلي في الإرشاد، والطبراني في الأوسط، وابن أبي عاصم في الزهد، وتمام الرازي في الفوائد، والطحاوي في شرح معاني الآثار، وابن الأعرابي في المعجم، والدارقطني في السنن وفي العلل وفي أحاديث مالك التي لم يروها في الموطأ، وابن السكن، والحاكم في الأربعين، والبيهقي في السنن الكبرى وفي السنن الصغير وفي معرفة الآثار وفي الخلافيات وفي الاعتقاد،وفي شعب الإيمان وفي الآداب وفي الأربعين الصغرى، والحاكم أبو أحمد في شعار أصحاب الحديث، وابن زاذان في الفوائد، وابن مندة في الإيمان وفي مسند إبراهيم بن أدهم، والحسن بن علي في الأمالي وأبو إسماعيل الهروي الحشوي المجسم: القائل بالحلول الملقب بشيخ الإسلام !!!!!!!! في الأربعين في دلائل توحيده، وابن عساكر في تاريخ دمشق وفي الأربعين البلدانية، وأبو نعيم في المستخرج على الصحيحين وفي حلية الأولياء وفي أخبار أصبهان وفي معرفة الصحابة، وقاسم بن أصبغ كما في الفتح، والقضاعي في مسند الشهاب، والخطيب
(1/154) (1/168)
صفحة 169
في تاريخ بغداد وفي الجامع وفي تلخيص المتشابه، وابن الدبيثي في ذيل تاريخ بغداد، وابن جميع الصيداوي في معجم شيوخه، وابن حزم في المحلى، والبغوي في شرح السنة وفي معالم التنزيل، وابن النعمان في مشيخته، والحسن الخلال في المجلس الثاني من الأمالي، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات، والخلعي في الخلعيات، وابن طبرزد في جزئه، والآجري في الأربعين، والقاضي عياض في الإلماع، وابن المستوفي في تاريخ إربل، والأمير ابن مأكولا في تهذيب مستمر الأوهام، وصدر الدين البكري في الأربعين، وابن الجوزي في التحقيق وفي مشيخته، والرافعي في التدوين، والسلفي في معجم السفر، والنووي في الأذكار وفي بستان العافين، والمزي في تهذيب الكمال، والذهبي في تذكرة الحفاظ وفي معجم شيوخه الكبرى، وابن السبكي في الطبقات الكبرى، والعراقي في تقريب الأسانيد، والحافظ ابن حجر في الأربعين المتباينة وفي موافقة الخبر الخبر، وغيرهم.
وعزاه النووي في " المجموع شرح المهذب " إلى الإمام الشافهي، وعزاه بعضهم إلى الدارمي، ولم أره في سننه، وذكر الحافظ في التلخيص الحبير: ( أنه لم يبق أحد من أصحاب الكتب الشهيرة لم يخرجه ) وليس الأمر كذلك؛ فإن جماعة من أصحاب الكتب المشهورة لم يخرجوه.
هذا وقد ذكره أبو موسى المديني أن رواية ( الأعمال بالنيات ) لم تثبت بدون " إنما " وأقره على ذلك النووي في بستان العارفين، وليس الأمر كذلك، فقد رواها بدون " إنما " ابن حبان، والحاكم في الأربعين، وتمام الرازي في الفوائد، والبيهقي في المعرفة، وهي رواية القضاعي في الشهاب، ورواه البخاري أيضا بدون " إنما " في كتاب الإيمان برقم 45 وفي كتاب العتق 2529 وفي كتاب الأنصار برقم 3898 لكن بلفظ " الأعمال بالنية " ورواه في كتاب النكاح برقم 5070 بلفظ " العمل بالنية "، والله أعلم.
- - ? -
خاتمة البحث
(1/155) (1/169)
صفحة 170
بعد عرضنا لما تضمنه هذا البحث ( الربيع بن حبيب.. مكانته ومسنده ) أمكن أن نخرج بالنتائج الآتية:
أن الإمام الربيع رحمه الله تعالى ولد بعمان بمنطقة الباطنة بمدينة غضفان ؛ في النصف الثاني من العقد الثامن من القرن الأول , أي بين سنتي 75 - 80 هـ .
أن الإمام الربيع رحمه الله تعالى نشأ في عمان , وأنه تلقى بها علومه الأولية .
أن الإمام الربيع رحمه الله تعالى توجه إلى البصرة في سنة 92هـ أو 93هـ تقريبا , وأنه التلقى هناك بجماعة كبيرة من التابعين , وفي مقدمتهم الحافظ الحجة جابر بن زيد - رضي الله عنه - .
أن وفاة الربيع رحمه الله تعالى كانت سنة 175هـ تقريبا .
أن أهم الشيوخ الذين تتلمذ عليهم الربيع رحمه الله تعالى هم : جابر بن زيد , وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميم , وأبو نوح صالح الدهان , وصمام بن السائب .
أن الشيخ الذي روى عنه الإمام الربيع رحمه الله تعالى الحديث السادس عشر هو عبد الأعلى السامي , وأن الشيخ هذا هو داود بن أبي هند , وأن لفظه " بن " في هذا الحديث خطأ , والصواب " عن " .
أن يحيى بن أبي كثير - شيخ الربيع رحمه الله تعالى - في الحديث السابع عشر هو يحيى بن أبي كثير صاحب البصري , وشيخ هذا في هذا الحديث هو شعيب بن الحبحاب .
(1/156) (1/170)
صفحة 171
أن الإمام الربيع رحمه الله تعالى قد أسهم في الحركة العلمية بالبصرة سواء بإعداد الرجال أو التأليف . فقد تخرج على يديه جملة من طلبة العلم , وأشهرهم : موسى بن أبي جابر , وأبو سفيان محبوب بن الرحيل القرشي , وبشير بن المنذر النزواني , ومنير بن المنير الجعلاني , ومحمد بن المعلى , وأبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي , وهاشم الخراساني وآخرون . أما في مجال التأليف فقد كان الربيع رحمه الله تعالى من الرواد في تدوين الحديث والفقه ومن أهم آثاره في ذلك : الصحيح الذي روى أغلبه من شيخه الإمام أبي عبيدة - رضي الله عنه - عن جابر بن زيد عن جماعة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وكتاب آثار الربيع ؛ الذي رواه عنه الإمام الحافظ أبو صفرة عبد الملك بن أبي صفرة رحمه الله تعالى , وإجابات وفتاوى في العبادات والمعاملات وغيرها من المسائل الفقهية ؛ وردت في " مدونة أبي غانم الخراساني " وغيرها من آثار أصحابنا .
أن الإمام الربيع رحمه الله ثقه حافظ باتفاق أصحابنا , وقال عنه الإمام أحمد : ( لا أرى به بأسا ) وأورده ابن حبان في الثقات , والبخاري في تاريخه ؛ ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا .
10- أن أبا عبيدة ثقة باتفاق أصحابنا , ووثقه أيضا يحيى بن معين إمام الجرح والتعديل .
11- أن ضمام بن السائب وأبا نوح الدهان ثقتان باتفاق أصحابنا , ولم يقدح فيهما أحد .
12- أن الاعتراضات التي اعترضها بعض الكتاب على مسند الإمام الربيع رحمه الله تعالى اعتراضات ضعيفة , وإن دلت على شيء فإنما تدل على قلة إطلاع صاحبها , وضعفه في هذا العلم الشريف , وتصعبه الممقوت , وخبث طويته .... الخ .
(1/157) (1/171)
صفحة 172
وبعد فهذا آخر ما وفقنا الله إليه وأعاننا عليه من الكتابة عن حياة الإمام الربيع الحافظ الحجة الربيع بن حبيب - رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه , ونفع المسلمين بعلمه - من الناحية الحديثية . والحمد لله حق حمده , وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
- - ? -
تم بحمد الله
(1/158)
وما علمنا أحداً من أئمة السلف , ممن يستعمل الأخبار , ويتفقد صحّة الأسانيد وسقمها , مثل أيوب السّختياني , وابن عون , ومالك بن أنس , وشعبة بن الحجاج , ويحيى بن سعيد القطان , وعبدالرحمن بن مهدي , ومن بعدهم من أهل الحديث , فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد , كما ادعاه الذي وصفنا قوله من قبل .
وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنه , إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس وشُهر به , فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته , ويتفقدون ذلك منه , كي تنزاح عنه علّة التدليس , فمن ابتغى ذلك من غير مدلّس على الذي زعم من حكينا قوله , فما سمعنا ذلك عن أحد ممن سّمينا ولم نسمّ من الأئمة .
فمن ذلك أن عبدالله بن يزيد الأنصاري – وقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - - قد روى عن حذيفة , وعن أبي مسعود الأنصاري , عن كلّ واحد منهما حديثا يُسنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس في روايته عنهما ذكر السماع منهما , ولا حفظنا في شيء من الروايات أن عبدالله بن يزيد شافه حذيفة وأبا مسعود بحديث قطّ , ولا وجدنا ذكر رؤيته إياهما في رواية بعينها .
ولم نسمع عن أحد من أهل العلم ممن مضى ولا ممن أدركنا , أنه طعن في هذين الخبرين الذين رواهما عبدالله بن يزيد عن حذيفة وأبي مسعود بضعف فيهما , بل هما وما أشبههما عند من لاقينا من أهل العلم بالحديث : من صحاح الأسانيد وقويّها , ويرون استعمال ما نُقل بها والاحتجاج بما أتت من سنن وآثار . وهي في زعم من حكينا قوله من قبل : واهية مهملة , حتى يُصيب سماع الراوي عمن روى . (1/172)
صفحة 173
ولو ذهبنا نعدّد الأخبار الصحاح عند أهل العلم , مما يهن بزعم هذا القائل - أي يعدّ واهناً ضعيفاً - ونحصيها , لعجزنا عن تقصي ذكرها وإحصائها كلّها , ولكنا أحببنا أن ننصب منها عدداً يكون سمة لما سكتنا عنه منها .
(2/1)
وهذا أبو عثمان النهدي . 2- وأبو رافع الصائغ - وهما ممن أدرك الجاهلية , وصحبها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونقلا عنهم الأخبار - قد أسند كل واحد منهما عن أبيّ بن كعب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا , ولم نسمع في رواية بعينها أنهما عاينا أبيا أو سمعا شيئا .
وأسند أبو عمرو الشيباني , وهو ممن أدرك الجاهلية , وكان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا .
وأبو مَعْمَر عبدالله بن سَخْبَرة , كل واحد منهما عن أبي مسعود الأنصاري , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خَبَرين .
وأسند عُبَيد بن عُمير , عن أم سلمة , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا . وعُبيد بن عمير وُلد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وأسند قيس بن أبي حازم - وقد أدرك زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - - عن أبي مسعود الأنصاري , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أخبار .
وأسند عبدالرحمن بن أبي ليلى - وقد حفظ عن عمر بن الخطاب وصحب علياً - عن أنس بن مالك , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثاً .
وأسند رِبْعِيُّ بن حِرَاس , عن عمران بن حُصَين , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثين وعن أبي بَكْرَة , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثاً . وقد سمع ربْعِيُّ من علي بن أبي طالب وروى عنه .
وأسند نافع بن جُبَير بن مُطعِم , عن أبي شُريَح الخُزاعي , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا.
10- وأسند النعمان بن أبي عياش , عن أبي سعيد الخدري , ثلاثة أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
11- وأسند عطاءُ بن يزيد الليثيُّ , عن تمتم الداريّ , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا . (1/173)
صفحة 174
12- وأسند سليمان بن يسار , عن رافع بن خَدِيج , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا .
13- وأسند حُميَد بن عبدالرحمن الحِمْيَري , عن أبي هريرة , عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث .
(2/2)
فكلّ هؤلاء التابعين , الذين نصبنا روايتهم عن الصحابة الذين سّميناهم , يُحفظ عنهم سماع علمناه منهم في رواية بعينها , ولا أنهم لقولهم في نفس خبر بعينه .
وهي أسانيد عند ذوي المعرفة بالأخبار والروايات من صحاح الأسانيد نعلمهم وهّنوا منها شيئا قط , ولا التمسوا فيها سماع بعضهم من بعض , إذ السماع لكل واحد منهم ممكن من صاحبه , غير مُستنكر , لكونهم جميعا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه .
وكان هذا القول الذي أحدثه القائل - الذي حكيناه في توهين الحديث , بالعلة التي وصف - أقلّ من أن يُعرّج عليه , ويُثار ذكره , إذ كان قولاً مُحدثاً وكلاما خلفاً - أس ساقطاً فاسداً يُرمى إلى الخلف - لم يقبله أحد من أهل العلم سلف , ويستنكره من بعدهم خلف , فلا حاجة بنا في ردّه بأكثر مما شرحنا , إذ كان قَدْرُ المقالة وقائلها القَدْر الذي وصفناه , والله المستعان على دفع ما خالف مذهب العلماء , وعليه التُّكْلان ) ا هـ(1) .
وهذا القول هو القول الحق الحقيق بالقبول لما رأيت من أدلّته
ومما يدلّ أيضا على أنه هو الحق أنه لم يستطع أحد من العلماء أن يحصر الرواة الذين رووا عن أكثر أئمة الحديث . (1/174)
صفحة 175
قال الحافظ ابن حجر في مقدمة " التهذيب " : ( ثم إن الشيخ - يعني الحافظ المزي صاحب " تهذيب الكمال " - قصد استيعاب شيوخ صاحب الترجمة واستيعاب الرواة عنه , ورتّب ذلك على حروف المعجم في كلّ ترجمة , وحصل من ذلك على الأكثر ؛ لكنه شيء لا سبيل إلى استيعابه ولا حصره , وسببه انتشار الروايات وكثرتها وتشعبها وسعتها , فوجد المتعنّت سبيلا إلى الاستدراك على الشيخ بما لا فائدة فيه جليلة ولا طائلة , فإن أجلّ فائدة في ذلك هو في شيء واحد؛ وهو إذا اشتهر أن الرجل لم يرو عنه إلاّ واحد , فإذا ظفر له براو آخر أفاد رفع جهالة عين ذلك الرجل برواية راويين عنه , فتتّبع مثل ذلك والتنقيب عليه مهم .
__________
(1) - صحيح مسلم ج1 ص 127 – 131 بشرح الإمام النووي .
(2/3)
وأما إذا جئنا إلى مثل سفيان الثوري وأبي داود الطيالسي ومحمد بن إسماعيل و .... و ..... وغير هؤلاء ممن زاد عدد شيوخهم على الألف ؛ فأردنا استيعاب ذلك تعذّر علينا غاية التعذّر , فإن اقتصرنا على الأكثر الأشهر بطل ادّعاء الاستيعاب , ولا سيما إذا نظرنا إلى ما رُوي لنا عن من لا يدفع قوله : أن يحيى بن سعيد الأنصاري - راوي حديث الأعمال - حدّث به عنه سبعمائة نفس , وهذه الحكاية ممكنة عقلاً ونقلاً , ولكن لو أردنا أن نتتبع من روى عن يحيى بن سعيد - فضلاً عمّن روى هذا الحديث الخاص عنه - لما وجدنا هذا القدر , ولا ما يقاربه ) اهـ المراد منه .
فلو كانت الرواية بالعنعنة لا تُقبل إلاّ ممن عُلم سماعه ممن روى عنه ولو أمكن سماعه منه ؛ لما قُبلت عنعنة من كان من هذا القبيل , وهذا مخالف لصنيع العلماء المتقدمين منهم والمتأخرين , وهذا كله على طريق التنزيل ؛ وإلا فإن سماع الإمام الربيع رحمه الله تعالى من الإمام أبي عبيدة وسماع الإمام أبي عبيدة من الإمام جابر مقطوع به . (1/175)
صفحة 176
هذا ومن المعلوم أن أكثر الروايات مروية بصيغة العنعنة في الطبقات العليا عند أكثر المحدثين من أرباب الصحاح والسنن وغيرهم , فإذا كانت الحشوية أو بعضهم لا يرون الاحتجاج بذلك ؛ فعليهم أن يردوا جميع الروايات المروية بصيغة العنعنة ولو كان أولئك الرواة الذين رووا الأحاديث بها غير مدلّسين , وبذلك يتبين لكم فساد هذا الاعتراض , والله المستعان .
2- عدالته :
(2/4)
كان الإمام الربيع رحمه الله تعالى ثقة عدلاً حافظاً ضابطاً متقناً , قال عنه الإمام أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني رحمه الله تعالى : ( الربيع بن حبيب رحمه الله تعالى طود المذهب الأشم , وعلم العلوم الذي إليه الملجأ في معضلات الخطب الأصم , ومن تُشدّ إليه حبال الرواحل وتُزم , صحب أبا عبيدة فاغترف من بحره الزاخر ؛ ولزم مجلسه فكان الأول والآخر , روى المسند المشهور ؛ المتعارف البركة على مرّ الدهور , وله في الفروع كلّ قول ومذهب ؛ أجوبته من المعتمدة في المذهب , باين من خالف من معاصريه أهل العدل والصواب ؛ ووقف في الإمامة والولاية والبراءة عند موافقة السنة والكتاب والصواب , عندنا في كلّ جوابه ؛ فإن سمعت بأصحابه فنحن – والحمد لله – أصحابه ) ا هـ(1) .
وقال البدر الشماخي رحمه الله تعالى : ( طود المذهب الأشم , وبحر العلوم الأصم, صحب أبا عبيدة وأفلح , وتصدّر بعده على الأفاضل فأنجح )(2) .
وقال قطب الأئمة محمد بن يوسف رحمه الله تعالى : ( الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي أزد عمان الفرهودي – وفرهود من قبيلة منها الخليل بن أحمد , وهو من غضفان من عمان من أرض الباطنة , وهو بحر العلم , روى عنه الصحيح الحديث محبوب ورواه عن محبوب ابنه محمد ) ا هـ(3) .
وقد ذكره أيضا كثير من أصحابنا من المتقدمين والمتأخرين , وأثنوا عليه الثناء الجميل , ووصفوه بالعدالة والضبط والإتقان والفقه والعفة والزهد والنزاهة . (1/176)
صفحة 177
ومن المعلوم المتقرر عند المحدثين والأصوليين أن العدالة تثبت بأحد أمرين اثنين :-
أولهما : أن ينص عليها عالمان من العلماء المعروفين بالبحث في أحوال الرواة, وقيل : يكفي ذلك ولو من واحد , وهو المشهور الراجح .
__________
(1) - الطبقات ج2 ص 273 .
(2) - السير ج1 ص 95 .
(3) - ورقة مخطوطة تكملة خارجة عن " المدونة " .
(2/5)
والثاني : أن تستفيض عدالته : فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم , وشاع الثناء عليه وذاع , لا يحتاج بعد ذلك إلى معدل ينص عليها .
قال السيوطي في ألفيته ص 97 , 98 :
واثنان إن زكاه عدل والأصح ** إن عدل الواحد يكفي أو جرح
أو كان مشهورا وزاد يوسف ** بأن كل من بعلم يعرف
عدل إلى ظهور جرح وأبوا ** ............................ الخ
قال الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه على هذه الأبيات : ( تثبت عدالة الراوي بأن ينص عليها واحد من العلماء المعروفين بالبحث في أحوال الرواة , هذا هو الراجح(1) , وذهب ابن الصلاح إلى اشتراط تزكية اثنين من العلماء .
وهذا في غير من استفاضت عدالتهم , واشتهروا بالتوثيق والاحتجاج بهم بين أهل العلم , وشاع الثناء عليهم ؛ مثل مالك والشافعي وشعبة والثوري وابن عيينة وابن المبارك والأوزاعي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وابن المديني , ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر , فلا يُسأل عن عدالة هؤلاء ؛ إنما يُسأل عن عدالة من خفي أمره , وقد سئل أحمد بن حنبل عن إسحاق بن راهوية ؛ فقال : مثلي يُسأل عن أبي عبيد ؟ أبو عبيد يُسأل عن الناس .
__________
( (1/177)
صفحة 178
1) - هو الذي ذهب إلى جمهور العلماء , كما حكاه عنهم الآمدي وابن الحاجب والصفي الهندي والعضد والتاج السبكي وابن مفلح وابن النجار , وصححه جماعة من المحققين منهم القاضي الباقلاني والفخر الرازي والآمدي والصفي الهندي وابن السبكي والزركشي والكمال والعراقي والحافظ ابن حجر وغيرهم , وهو الذي رجحه ابن الصلاح ص138 , أما قوله ص134 ثبت بتنصيص المعدلين فهو بصيغة الجمع ومراده بذلك جنس المعدلين لا كما توهم النووي وابن الملقن والسيوطي وأحمد شاكر أنه بصيغة التثنية فافهم .
(2/6)
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني : ( والشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية إذا لم يكونا مشهورين بالعدالة والرضا ؛ وكان أمرهما مشكلا ملتبسا ؛ ومجوزا فيهما والعدالة وغيرها , والدليل على ذلك : أن العلم بظهور شهرتهما واشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة )(1) ا هـ .
وهذان الأمران متوفران في الإمام الربيع – رضوان الله تعالى عليه – أما الأمر الأول فبيانه:
أن جماعة من أصحابنا – رضوان الله تعالى عليهم – قد وثقوه وعدلوه ووصفوه بما يدل على الحفظ والضبط والإتقان – كما تقدم – ولو لم يكن من ذلك إلا قول شيخه الإمام أبي عبيدة رحمه الله تعالى عنه ( فقيهنا وإمامنا وتقينا )(2) لكان كافيا للحكم بعدالته وضبطه وإتقانه وسعة علمه ورسوخ قدمه – رضوان الله تعالى عليه - .
على أن الأصحاب – رضوان الله تعالى عليهم – لم ينفردوا بتوثيقه ؛ بل وثقه بعض فطاحل العلماء من غيرهم , كما سيأتي بيانه قريبا بإذن الله تعالى .
وأما الأمر الثاني فواضح جداً : فإنك لا تكاد تطالع كتابا من كتب الأصحاب في التفسير أو الفقه أو السير والتواريخ إلا وترى عبارات الإكبار والإجلال تنصبّ عليه – رضوان الله عليه – وهذا مما يدل على علو قدره , وعظم منزلته عندهم . (1/178)
صفحة 179
3- أهم الأسباب التي أدت إلى عدم ذكر الإمام الربيع رحمه الله تعالى ضمن المحدثين :-
اعلم أن الأسباب التي أدت إلى عدم ذكر الإمام الربيع رحمه الله تعالى عند المحدثين والمؤرخين تتلخص في النقاط التالية :-
__________
(1) - تعليقات الشيخ أحمد شاكر على ألفية السيوطي .
(2) - الطبقات للدرجيني ج2 ص 276 .
(2/7)
ظلم الحكام الذين تسلطوا على الأمة الإسلامية في ذلك العصر وسياستهم الجائرة , بما أملوه في نفوس الجماهير – الذين يرون وجوب طاعتهم – من الكراهية والبغض ضدّ أولئك الذين لا يرون هذا الرأي ؛ بل يرون مشروعية الخروج عليهم والخلاص من ظلمهم(1)
__________
(1) - وهذا هو المسلك الذي سلكه الصحابة والتابعون وبعض العلماء المحققين الذين جاءوا بعدهم . قال الإمام الجصاص في كتابه القيم " تفسير آيات الأحكام " ج1 ص 69 – 71 عند تفسيره لقول الله تعالى : ( لا ينال عهدي الظالمين ) ( البقرة : 124 ) قال : ( دل على أن الإجابة قد وقعت له في أن في ذريته قال : ( لا ينال عهدي الظالمين ) فأخير أن الظالمين من ذريته ولا يكونون أئمة ولا يجعلهم موضع الاقتداء بهم . وقد روي عن السدي في قوله تعالى : ( ولا ينال عهدي الظالمين ) أنه النبوة , وعن مجاهد أنه أراد أن الظالم لا يكون إماما , وعن ابن عباس أنه قال : ( ولا يلزم الوفاء بعهد الظالم فإذا عقد عليك في ظلم فانقضه ) وقال الحسن : ( ليس لهم عند الله عهد يعطيهم عليه خيرا في الآخرة ) .
قال أبو بكر : جميع ما روي من هذه المعاني يحتمله اللفظ , وجائز أن يكون جميعه مراد الله تعالى , وهو محمول على ذلك عندنا , فلا يجوز أن يكون الظالم نبيا ولا خليفة لنبي ولا قاضيا ولا من يلزم الناس قبول قوله في أمور الدين من مفتن أو شاهد أو مخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خبرا , فقد أفادت الآية أن شرط جميع من كان في محل الائتمام به في أمر الدين العدالة الصلاح . (1/179)
صفحة 180
وهذا يدل أيضا على أن أئمة الصلاة ينبغي أن يكونوا صالحين غير فساق ولا ظالمين لدلالة الآية على شرط العدالة لمن نصب منصب الائتمام به في أمور الدين ؛ لأن عهد الله هو أوامره فلم يجعل قبوله عن الظالمين منهم وهو ما أودعهم من أمور دينه وأجاز قولهم فيه وأمر الناس بقبوله منهم الاقتداء بهم فيه , ألا ترى إلى قوله تعالى : ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوا مبين ) ( يس آية 60 ) يعني أقدم إليكم الأمر به , وقال تعالى : ( الذين قالوا إن الله عهد إلينا ) ومنه عهد الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم إنما هو ما يتقدم به إليهم ليحملوا الناس عليه ويحكموا به فيهم , وذلك لأن عهد الله إذا كان إنما هو أوامره , لم يخل قوله ( لا ينال عهدي الظالمين ) من أن يرد أن الظالمين غير مأمورين أو أن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منه أوامر الله تعالى وأحكامه ولا يؤمنون عليها , فلما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم , وأنهم إنما استحقوا سمة الظلم لتركهم أوامر الله ثبت الوجه الآخر وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير مقتدى بهم فيها فلا يكونون أئمة في الدين .
فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق وأنه لا يكون خليفة , وأن من نصب نفسه في هذا المنصب وهو فاسق لم يلزم الناس إتباعه ولا طاقته , وكذلك قال النبي - عليه السلام - : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) ودل أيضا على أن الفاسق لا يكون حاكما , وأن أحكامه لا تنفذ إذا ولي الحكم , وكذلك لا تقبل شهادته ولا خبره إذا أخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا فتياه إذا كان مفتيا , وأنه لا يقدم للصلاة , وإن كان لو قدم واقتدى به المقتدي كانت صلاته ماضية , فقد حوى قوله تعالى : ( لا ينال عهدي الظالمين ) هذه المعاني كلها . (1/180)
صفحة 181
ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة تجويز إمامة الفاسق وخلافته , وإنه يفرق بينه وبين الحاكم فلا يجيز حكمه , وذكر ذلك عن بعض المتكلمين وهو المسمى زرقان , وقد كذب في ذلك , قال بالباطل , وليس هو أيضا ممن تقبل حكايته .
ولا فرق عند أبي حنيفة بين القاضي وبين الخليفة في أن شرط كل واحد منهما العدالة , وأن الفاسق لا يكون خليفة , ولا يكون حاكما , كما لا تقبل شهادته , ولا خبره لو روى خبرا عن النبي - عليه السلام - وكيف يكون خليفة وروايته غير مقبولة وأحاكمه غير نافذة ؟ وكيف يجوز أن يدى ذلك على أبي حنيفة ؛ وقد اكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على القضاء وضربه فامتنع عن ذلك , وحبسه فلج بن هبيرة وجعل يضربه كل يوم اسواطا , فلما خيف عليه قال له الفقهاء : تولى شيئا من أعماله أي شيء كان حتى يزول عنك هذا الضرب . فتولى له عد أحمال التبن الذي يدخل فخلاه , ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك فأبى فحبسه حتى عدى له اللبن الذي كان يضرب لسور مدينة بغداد . (1/181)
صفحة 182
وكان مذهبه مشهورا في قتال الظلمة وأئمة الجور , ولذلك قال الأوزاعي : ( احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف - يعني قتال الظلمة - فلم نحتمله ) وكان من قوله : ( وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض بالقول , فإن لم يؤتمر له فبالسيف على ما وري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وسأله إبراهيم الصايغ - وكان من فقهاء أهل خراسان ورواية الأخبار ونساكها - عن المر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ فقال : هو فرض , وحدثه بحديث عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب , ورجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف والنهي عن المنكر فقتل ) فرجع إبراهيم إلى مرو وقام إلى أبي مسلم صاحب الدولة فأمره ونهاه وأنكر عليه ظلمه وسفكه الدماء بغير حق , فاحتمله مرارا ثم قتله . وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة وفي عمله المال إليه وفتياه الناس سرا في وجوب نصرته والقتال معه , وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبدالله بن حسن , وقال لأبي إسحاق الفزاري حين قال له : لم أشرت على أخي بالخروج مع إبراهيم حتى قتل ؟ قال : مخرج أخيك أحب إليّ من مخرجك . وكان أبو إسحاق قد خرج إلى البصرة , وهذا إنما أنكره علىّ أغمار أصحاب الحديث الذين بهم فقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تغلب الظالمون على أمور الإسلام . (1/182)
صفحة 183
فمن كان هذا مذهبه بالأمر عن المعروف والنهي عن المنكر كيف يرى إمامة الفاسق ؟ فإنما جاء غلط من غلط في ذلك إن لم يكن تعمد الكذب من جهة قوله وقول سائر من يعرف قوله من العراقيين : إن القاضي إذا كان عدلا في نفسه فولي القضاء من قبل إمام جائر ؛ أن أحكامه نافذة وقضاياه صحيحة وأن الصلاة خلفهم جائزة مع كونه فساق وظلمه وهذا مذهب صحيح , ولا دلالة فيه على أن من مذهبه تجويز إمامة فاسق ؛ وذلك لأن القاضي إذا كان عدلا فإنما يكون قاضيا بأن يمكنه تنفيذ الأحكام , وكانت له يد وقدره على من امتنع من قبول أحكامه حتى يجبره عليها , ولاعتبار في ذلك من ولاه ؛ لن الذي ولاه إنما هو بمزلة سائر أعوانه , وليس شرط أعوان القاضي أن يكونوا عدولا , ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضى بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعوان له على من امتنع من قبول أحكامه فكان قضاءه نافذا ؛ وإن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان . وعلى هذا تولى شريح وقضاة التابعين من قبل بني أمية , وقد كان شريح قاضيا بالكوفة إلى أيام الحجاج , ولم يكن في العرب ولا في آل مروان أظلم ولا أكفر ولا أفجر من عبدالملك , ولم يكن في عماله أكفر ولا أظلم ولا أفجر من الحجاج , وكان عبد الملك أول من قطع ألسنت الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , صعد المنبر فقال : ( إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا بالخليفة المصانع - يعني معاوية - وإنكم تأمروننا بأشياء تنسونها في أنفسكم , والله لا يأمرني أحد بعد مقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه ) . وكانوا يأخذون الأرزاق من بيوت أموالهم , وقد كان المختار الكذاب يبعث إلى ابن عباس وحمد ابن الحنيفة وابن عمر بأموال فيقبلونها , فذكر محمد بن عجلان على القعقاع قال : ( كتب عبدالعزيز بن مروان إلى ابن عمر : ارفع إليّ حوائجك . (1/183)
صفحة 184
فكتب إليه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن اليد العلى خير من اليد السفلى ) وأحسب أن اليد العلى يد المعطي , وأن اليد السفلى يد الآخذ , وإني لست سائلك شيئا , ولا رادا عليك رزقك رزقيه الله منك والسلام ) .
وقد كان الحسن وسعيد بن كبير والشعبي وسائر التابعين يأخذون أرزاقهم من أيدي هؤلاء الظلمة , لا على أنهم كانوا يتولونهم ولا يرون إمامتهم , وإنما كانوا يأخذونها على أنها حقوق لهم في أيدي قوم فجرة , وكيف يكون ذلك على وجه موالاتهم ؛ وقد ضربوا وجه الحجاج بالسيف , وخرج عليه من القراء أربعة آلاف رجل هم خيار التابعين وفقهاؤهم فقاتلوه مع عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث بن الأهواز ثم بالبصرة ثم بدير الجماجم من ناحية الفرات بقرب الكوفة , وهم خالعون لعبدالملك بن مروان لاعنون لهم متبرءون منهم ؟ وكذلك كان سبيل من قبلهم مع معاوية حين تغلب على الأمر )) اهـ المراد منه .
وهو من الحسن بمكان , بل هو الحق الذي ليس وارءه إلا الباطل , وقد دلت على ذلك ادلة كثيرة من الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة وهو الذي جرى عليه عمل السلف الصالح وإنني لأعجب كل العجب من هؤلاء الحشوية كيف يعيبون على أهل الحق والاستقامة هذا القول , ولا يعيبون ذلك على الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم ممن ذهبوا إلى هذا المذهب ؟ وكيف يطلقون لفظ " الخوارج " على أهل الحق والاستقامة ولا يطلقونه على من خرج على الأئمة والملوك كعائشة والزبير وطلحة ومن كان معهم في خروجهم على علي - كرم الله وجه - في معرجة الجبل , وعلى معاوية وعمرو بن العاص ومن كان معهما في صفين , وعلى الحسين بن علي وابن الزبير وعلى أهل الحرة في خروجهم على يزيد الفاجر , وعلى ابن الأشعث ومن معه من سادات التابعين وأتباعه في خروجهم على عبدالملك بن مروان , وعلى العباسيين في خروجهم على مروان الحمار ........... الخ .
فمن هناك تردي أن الأهوا تقوده لا الحق حين يروى (1/184)
صفحة 185
يأب الفتى إلا اتباع الهوى ومنهج الحق له واضح
هذا واعلم أن الإباضية لا يقولون بشرك الإمام الجائر , وأما ما يدعيه الحشوية أن بعضهم من أن الإباضية يحكمون بالشرك على الإمام الجائر فهو فرية بلا مرية , واستدلال بعضهم على ذلك بقول الإمام أبي حمزة الشاري رضي الله عنه ( الناس منا ونحن منهم ؛ إلا ثلاثة : مشرك بالله عابد وثن , وكافرا من أهل الكتاب , وإمام جائرا يحكم بغير ما انزل الله ) استدلال فاسد لا يصدر ممن شم ولو مرة في حياته رائحة العلم أو كان له مقدار حبة خردل من الفهم , وذلك لأن قول الإمام أبي حمزة رحمه الله تعالى لا يستفاد منه ذلك , لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام ولا بأي وجه من وجوه الدلالة المعتبر , اللهم إلا أن يقال أن ذلك يؤخذ من دلالة الإقتران , ومع أن هذه الدلالة من أضعف الدلالة عند الأصوليين , بل ولم يؤخذ بها إلا من شذ منهم , فقد قامت القرينة هنا على عدم أرادت ذلك حتى عند من يقول بجواز الاستدلال بها , ولا خلاف أنه لا يستدل بها إذا قامت قرينة على عدم اعتبارها. (1/185)
صفحة 186
هذا وإذا تقرر لك ذلك فاعلم أن كلام أبي حمزة رحمه الله تعالى هذا أخذه من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من غشنا فليس منا ) وهو حديث صحيح ثابت , بل عده بعضهم من قبيل المتواتر , ولا يخفى على من له مسكه من عقل أنه لا يوجد غش أعظم من غش الأمة قاطبة وأنه لا يوجد غش ولا ظلم بعد الشرك بالله أعظم من عدم الحكم بما انزل الله تعالى , وإن مما يستغرب منه حقا أن يقول رجل يقرأ كتاب الله وشيء من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يجوز الخروج على الملوك الجوره ( من أمثال ملوك بني أمية ما لم يأتوا كفرا بواحا , ولو تركوا الحكم بما أنزل الله وعطلوا الشرع الشريف وتركوا جميع الواجبات باستثناء الشهادتين , وارتكبوا جميع المحرمات وانتهكوا الأعراض ...... الخ , فإنا لله وإنا إليه راجعون , فلا حي الله أمثال هؤلاء المتعالمين , ولا بياهم , ولا صبحهم بخير , ولا مساهم . (1/186)
صفحة 187
وإن مما يتعجب منه أيضا أن يقول العشوية المجسمة إن أهل الحق والاستقامة يكفرون المسلمين ؛ مع أن الحشوية هم الذين كفروا المسلمين وقتلوهم وسلبوهم واستباحوا أموالهم وانتهكوا أعراضهم , كما تجد ذلك في عنوان مجدهم ( المراد به كتاب " عنوان المجد " ) وغيره , ولا أريد هنا أن أنقل شيء من ذلك وإنما اكتفي بنقل نص واحد عن أئمتهم كفر فيه عالما من علماء المسلمين وفحلا من فحول المتحدثين , فقد قال الخلال في سنته التالفة ج1 ص 243 عن الإمام الترمذي : ( وقال محمد بن يونس البصري : إن هذا الرجل المعروف بالترمذي قد تبين لنا ولأصحابنا بدعته وإلحاده في الدين , ورد الآثار التي يحتج بها على الجهمية .......... الخ ) . وقال ناقلا : إن هذا الترمذي الجهمي الراد لفضيلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .......... الخ ) وقال ص237 : وقال أبو علي إسماعيل ابن إبراهيم الهاشمي إن هذا المعروف بالترمذي مبتدع جهمي ........... ومن رد فضيلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو عندنا كافر مرتد عن الإسلام . والمراد بهذه الفضيلة - بحسب زعمهم - جلوس النبي - صلى الله عليه وسلم - بجنب الله تعالى على العرش , تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا , ومعنى ذلك أنهم يحكمون بهذا الحكم ( الفسق ) على كل من قال بقول الإمام الترمذي هذا فالله المستعان.
(2/8)
, وإرجاع الأمر إلى ما كان عليه في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين , حيث أطلق أولئك الملوك الجورة على هذه الطائفة التي تنادي بالتخلص من هؤلاء الحكام الظلمة وتحكيم كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفظ " الخوارج " . (1/187)
صفحة 188
وإن مما يستغرب منه حقا أن ينبري علماء أعلام آتاهم الله قسطا وافرا من العلم للدفاع عن هؤلاء الملوك الجورة ؛ بتحسين سيرتهم وتصويب آرائهم ونصرة باطلهم وتفسيق وتضليل وتبديع مناوئيهم إلى غير ذلك , كما تراه مسطورا في كتب التاريخ وغيرها , وعند الله تجتمع الخصوم .
عدم مصانعة الإمام الربيع رحمه الله تعالى للسلطات الجائرة : التي لاقى منها علماء الأمة وصالحوها في القرون الثلاثة الأولى كل عنت واضطهاد , فمنهم من ضُرب بالسياط وعُذب , ومنهم من سُجن , ومنهم من نُفي , ومنهم من قُتل ... إلى غير ذلك من العقوبات التي تعرض لها خيار الأمة في تلك العصور .
(2/9)
اعتبار الإباضية إحدى فرق الخوارج المبتدعة الضالة : ولما كان الإمام الربيع رحمه الله تعالى من زعماء هذه الحركة وأعلامها بعد تأسيسها على يد الإمام جابر بن زيد وتلميذه أبي عبيدة رضوان الله تعالى عليهما – وهما شيخان للربيع رحمه الله كما تقدم – اعتبره بعض المحدثين مبتدعا داعيا لبدعته ؛ فتجنبوا الرواية عنه , ولم يهتموا بمسنده لأنهم اشترطوا فيمن يؤخذ عنه الحديث ألا يكون مبتدعا داعيا لبدعته ؛ ولا يخفي عليكم أن هذه القاعدة غير مسلم بها ؛ لأنها إنما وُضعت من زاوية ضيقة محصورة في نطاق المذاهب الأربعة فقط , ومع ذلك فهم لم يتفقوا عليها , بل الخلاف شائع بينهم فيها , على أنه لا يوجد عليها دليل ولا شبهة دليل ؛ بل الأدلة قاضية ببطلانها وفسادها وإنني لأعجب كل العجب من أولئك الذين يردون روايات من يعتقد أن الكذب كبيرة من كبائر الذنوب التي تخلد صاحبها في نار جهنم ما لم يتب منها , ويحتجون بروايات ابن بطة والعشاري وابن كادش وغيرهم من الكذابين الدجالين ؛ والضعفاء والمتروكين والمختلطين والمدلسين , وبروايات أولئك الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الملوك الجائرين وعمالهم المفسدين الضالين المضلين . (1/188)
صفحة 189
عزلة فرضها الإمام الربيع رحمه الله تعالى على نفسه : بإغلاق الباب في وجوه طلبة العلم من غير أصحابه ؛ خشية أن يشيع أمره ؛ فيطلب لما هو أعظم ؛ فيفتن كما فتن غيره .
قلة مصادر تاريخ الإباضية : بذهاب كثير منها نتيجة الظلم والغش والتعصب والحسد من مناوئيهم .
هذه هي الأسباب التي أدت إلى تجاهل المحدثين للإمام الربيع رحمه الله تعالى ولكثير من الإباضية .
4- توثيق الربيع رحمه الله من بعض المحدثين :-
(2/10)
ومع ذلك فقد ذكر جماعة من المحدثين من غير الإباضية الإمام الربيع رحمه الله تعالى ووثقوه , فقد ذكره الإمام أحمد بن حنبل في كتاب " العلل ومعرفة الرجال " في ترجمة الهيثم بن عبد الغفار الطائي(1) فقال : يقدم علينا من البصرة رجل يقال له الهيثم بن عبد الغفار الطائي يحدثنا عن همام عن قتادة رأيه , وعن رجل يقال له الربيع بن حبيب عن ضمام عن جابر بن زيد ..... الخ .
وذكره في موضع آخر فقال : ( ما أرى به بأسا )(2) وذكر أيضا ابن حبان في " الثقات "(3) , والإمام البخاري في " التاريخ الكبير "(4) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا ؛ ومن عادته ذكر الجرح والمجروحين غالبا .
وقد رأينا هؤلاء كثيرا ما يستدلون بسكوت البخاري عن رجل ما على توثيقه , والأمثلة على ذلك عنهم كثيرة , أكتفي هنا بمثال واحد :
قال ابن القيم في " زاد المعاد " عند ذكره لحديث عثمان بن عفان الذي فيه : أنه صلى بمنى أربع ركعات , فأنكره الناس عليه , فقال : أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم ) .
قال ابن القيم : ( وقد أعله البيهقي بانقطاعه وضعف عكرمة بن إبراهيم (5) .
قال أبو البركات ابن تميمة : ويمكن المطالبة بسبب الضعف , فإن البخاري ذكره في تاريخه ولم يطعن فيه , وعادته ذكر الجرح والمجروحين )(6) .
__________
(1) - العلل ومعرفة الرجال ج2 ص 56 .
( (1/189)
صفحة 190
2) - المصدر السابق ج2 ص 492 ترجمة رقم 3241 .
(3) - الثقات لابن حبان ج6 ص 299 .
(4) - التاريخ الكبير للبخاري 2 / 1 / 253 .
(5) * ) تنبيه : عالم أن عكرمة الذي في إسناد هذا الحديث هو الباهلي لا الأزدي , كما توهم البيهقي وابن تميمة وابن القيم والحافظ ابن حجر , كما أوضحت ذلك في " الحق المبين " .
(6) - زاد المعاد ج1 ص 470 والمراد بابن تميمة هنا الجد .
(2/11)
هذا ما قاله ابن تميمة من صحة الاعتماد في الاحتجاج على سكوت البخاري , مع أن عكرمة هذا قال عنه يحيى وأبو داود : ليس بشيء . وقال النسائي : ضعيف , وققال مرة ليس بثقة . وقال ابن حبان : كان ممن يقلب الأخبار ويرفع المراسيل لا يجوز الاحتجاج به . وقال يعقوب بن سفيان : منكر الحديث .
وقال البراز : لين الحديث . وقال الحكم أبو أحمد : ليس بالقوي . وقال البيهقي : ضعيف . وقال العقيلي : في حديثه اضطراب .
وذكره ابن الجارود وابن شاهين في الضعفاء .
وإذا كان ابن تميمة وابن القيم قد اعتمدا على سكوت البخاري عن عكرمة ؛ وفيه ما رأيت من التضعيف ؛ أفلا يصح لنا أن نعتمد على سكوته عن الربيع رحمه الله تعالى الذي وثقه جماعة من الثقات الأثبات , ولم يقدح فيه أحد بشيء .
الفصل الرابع
ذكر الاعتراضات التي اعترض بها على المسند الصحيح ألفه الإمام الربيع رحمه الله .. ودحضها :
أن الإمام الربيع رحمه الله تعالى وشيخه أبا عبيدة – رحمهما الله – مجهولان ؛ إذ لا ذكر لهما في كتب الرجال والسير والتواريخ .
أن أبا عبيدة رحمه الله تعالى لم يلق جابرا - رضي الله عنه - والربيع لم يلق أبا عبيدة , فالإسناد منقطع من موضعين .
أن هذا المسند لم يصنفه الربيع رحمه الله تعالى بل هو من تصنيف شخص آخر .
أنه توجد في المستند أحاديث ضعيفة .
أن الربيع رحمه الله تعالى روى أحاديث عن عبادة مباشرة ... وروى حديثا عن أبي أيوب مباشرة .
الإعضال في رواية أبي عبيدة - رضي الله عنه - . (1/190)
صفحة 191
أنه توجد في المسند بعض الأحاديث الدالة على إثبات أو نفي بعض المسائل الإعتقادية التي لم تكن موجودة في القرن الثاني , وإنما حدثت في القرنين الثالث والرابع .
أن في المسند بعض الأحاديث التي فيها تكفير مرتكبي الكبائر من أهل القبلة .... الخ .
الفصل الرابع
(2/12)
ذكر الاعتراضات(1) التي اعترض بها على المسند الصحيح ألفه الإمام الربيع رحمه الله .. ودحضها :
الاعتراض الأول :
أن الإمام الربيع رحمه الله تعالى وشيخه الإمام أبا عبيدة – رحمهما الله – مجهولان ؛ إذ لا ذكر لهما في كتب الرجال والسير والتواريخ .
والجواب عن هذا الاعتراض قد تقدم في الفصول المتقدمة فلا داعي لإعادته مرة ثانية .
وقد علمت – مما تقدم – أن مثل هذا الاعتراض إن دل على شيء فإنما يدل على جهل صاحبه وقلة اطلاعه وقصر باعة ؛ حيث أنه ضن أن علم التعديل والتجريح والتضعيف والتصحيح من اختصاص فرقة واحدة من الفرق دون سواها ؛ فمن عرفته هذه الفرقة فذاك وإلا فهو مجهول لا تقبل له رواية , وما صححته فهو صحيح وإلا فهو موضوع لا تقوم به حجة .
وهذا في حقيقة الواقع لم يقل به أحد من العلماء , ولو قدر أن أحدا ممن يدعي العلم أو ينسب إليه قال به وثبت ذلك عنه ؛ فهو دليل على أنه جاهل لهذا العلم , بل وبهذه الشريعة جهلا فضيعا , وأعجب من جهله حكاية من يحكي عنه الخلاف في كتب الشريعة ؛ فإنه إنما يعتد بخلاف المجتهدين , لا بخلاف من بلغ في الجهل إلى هذه الغاية .
هذا وقد قدمنا هناك أن الإمام يحيى بن معين قال عن الإمام أبي عبيدة رحمه الله تعالى : " ليس به بأس " , وقدمنا أن ابن معين إذا قال عن راوي من الرواة " لا بأس به " أو " ليس به بأس " فهو ثقة عنده , وأن قوله " لا بأس به " أو " ليس به بأس " بمنزلة قوله ثقة ؛ كما نص على ذلك بنفسه كما نقله عنه الحافظ السخاوي , ونقله أيضا ابن الصلاح وابن جماعة والحافظ ابن حجر .
__________
( (1/191)
صفحة 192
1) - ذكرنا هذه الاعتراضات وأجبنا عنها لعلاقتها الماسة بهذا البحث ؛ لأنه لا يمكن أن يحكم بثقة الإمام الربيع رحمه الله تعالى وضبطه وإتقانه إذا قدرنا صحة بعض هذه الاعتراضات كما لا يخفى , كما أنه لا يمكن أن يحكم بصحة أحاديثه في المسند على تقدير صحة بعض الاعتراضات الأخرى .
(2/13)
وأزيد هنا أن ابن معين لم يتفرد بهذا الاصطلاح ؛ بل وافقه عليه جماعة من المتقدمين ؛ ومنهم دحيم وأبو حاتم ويعقوب بن سفيان وأحمد ابن حنبل وآخرون .
قال السخاوي في " فتح المغيث شرح ألفية الحديث " ج1 ص 396 بعدما ذكر كلام ابن معين المتقدم : ( ونحوه قول أبي زرعة الدمشقي , قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم – يعني الذي كان في أهل الشام كأبي حاتم في أهل المشرق - : ما تقول في علي بن حوشب الفزاري ؟ قال : لا بأس به , قال : فقلت : ولم لا تقول ثقة ولا تعلم إلا خيرا ؟ قال : قد قلت لك إنه ثقة ) أهـ .
وقال الحافظ ابن حجر في " تعجيل المنفعة " ص14 في ترجمة إبراهيم بن أبي حرة النصييي : ( وقد وثقه أبو حاتم فقال : لا بأس به ) أ هـ .
وقال في " تهذيب التهذيب " ج2 ص396 في ترجمة حطان بن خفاف الجرمي: ( ...وقال يعقوب بن سفيان: ثقة لا بأس به ) ا هـ.
وقال في " تهذيب التهذيب " أيضا ج2 ص419، 420 في ترجمة ابن حفص بن ميسرة العقيلي: ( قال أحمد ليس به بأس ثقة و....و.... وقال يعقوب بن سفيان: ثقة لا بأس به)أهـ.
وقال في " التهذيب " أيضا ج8 ص348 في ترجمة قبيصة بن عقبة السوائي: ( قال أحمد: كان قبيصة رجلا صالحا ثقة لا بأس به ) أهـ.
وبذلك يتبين لك أن قول أحمد عن الربيع " لا أرى به باسا " قريب من قوله " ثقة" وقد قدمنا أن ابن حبان قد ذكره في كتاب " الثقات " ، وأن البخاري أورده في تاريخه؛ ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. (1/192)
صفحة 193
وقد احتج كثير من العلماء بتوثيق ابن حبان إذا كان الراوي الذي وثقه لم يأت بما ينكر عليه، كما أنهم احتجوا بمن سكت عنه البخاري، وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
احتجاج بعض العلماء بتوثيق ابن حبان:
(2/14)
لقد وثق جماعة من العلماء طائفة كبيرة من الرواة الذين لم يوثقهم أحد غير ابن حبان، واكتفي هنا بذكر خمسة عشرة راويا لم يوثقهم غير ابن حبان، وقد أقره على ذلك الحافظ الذهبي في " الكاشف " ، وخمسة عشر ممن وثقهم ابن حبان أيضا، وأقره على توثيقهم الحافظ ابن حجر في " التقريب ":
أ- أمثلة الرواة الذين انفرد بتوثيقهم ابن حبان ووثقهم الحافظ الذهبي في " الكاشف ":
إسماعيل بن إبراهيم الكرابيسي.
إسماعيل بن بهرام الوشاء.
إسماعيل بن صبيح اليشكري.
الحسن بن يحيى الرزي البصري.
زائدة بن نشيط.
الزبير بن الوليد الشامي.
سليمان بن عمرو بن الأحوص الأزدي الكوفي.
شراحيل بن يزيد المعافري.
شريح بن أرطأة النخعي.
صالح بن أبي عريب الحضرمي.
عبدالله بن إسحاق الناقد.
عبدالله بن عصمة الجشمي.
عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب.
عبد الملك بن نوفل بن مساحق.
عبد الوارث بت عبيد الله العتكي المروزي.
ب- أمثلة الرواة الذين انفرد بتوثيقهم ابن حبان ؛ ووثقهم الحافظ ابن حجر في " التقريب ":
خبيب بن عبدالله بن الزبير.
رافع بن سلمة بن زياد بت أبي الجعد الغطافي.
علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
شريك بن حنبل العبسي الكوفي.
طلحة بن عبدالله بن عثمان التيمي.
طليق بن محمد بن السكن الواسطي البزار.
عبدالله بن إسحاق الجوهري البصري.
عبيدالله بن عبدالله بت أبي ثور.
عتبة بن مسلم المدني التيمي مولاهم.
عمار بت طالوت بن عباد الجحدري.
عمرو بن الضحاك بن مخلد البصري.
عمرو بن عيسى الضبعي الأدمي.
هريم بن عبد الأعلى بن الفرات الأسدي.
يزيد بن حمير اليزني الحمصي.
أبو عبدالله الأشعري.
احتجاج بعض العلماء بسكوت البخاري: (1/193)
صفحة 194
احتج كثير من العلماء بسكوت البخاري وأبي حاتم، وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
(2/15)
قدمنا عن ابن تيمية الجد أنه احتج بحديث فيه عكرمة بن إبراهيم؛ حيث قال: ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإن البخاري ذكره في تاريخه؛ ولم يطعن فيه، وعادته ذكر الجرخ والمجروحين. وأقره على ذلك ابن القيم والشوكاني.
قال ابن كثير – بعدما ذكر في ستده موسى بن جبير - : ( ذكره ابن أبي حاتم في كتاب " الجرح والتعديل " ولم يحك فيه شيئا من هذا ولا هذا فهو مستور الحال ) أهـ.
الإمام الزركشي، فقد قال في " الدرر المنثورة " عن موسى بن جبير هذا: ( ذكره ابن أبي حاتم في كتاب " الجرح والتعديل " ولم يحك فيه شيئا، فهو مستور الحال )أهـ.
ومن المعلوم أن مستور الحال قد احتج به كثير من العلماء:
قال السخاوي في كتاب " الغاية في شرح الهداية في علم الرواية " بحث المجهول: ( وثالثها – أي أحوال المجهول- مجهول الحال في العدالة باطنا لا ظاهرا لكونه علم عدم الفسق فيه؛ ولم اعلم عدالته لفقدان التصريح بتزكيته، فهذا معنى إثبات العدالة الظاهرة ونفي العدالة الباطنة؛ لأن المراد بالباطنة ما في نفس الأمر؛ وهذا هو المستور، والمختار قبوله وبه قطع سليم الرازي، قال ابن الصلاح: ويشبه أن يكون عليه العمل في كثير من كتب الحديث المشهورة فيمن تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة لهم ) أهـ المراد منه.
وقال الحافظ السيوطي في " التهذيب ": ( ورواية المستور؛ وهو عدل الظاهر مجهول العدالة باطنا؛ يحتج بها من رد الأول – يعني مجهول العدالة ظاهرا وباطنا – وهو قول بعض الشافعيين، قال الشيخ ابن الصلاح في معرفة أنواع علوم الحديث؛ في النوع الثالث والعشرين: ( ويشبه أن يكون العمل على هذا في كثير من كتب الحديث في جماعة من الرواة تقادم العهد بهم وتعذرت خبرتهم باطنا ) وكذا صححه المصنف – يعني الإمام النووي – في " شرح المهذب " )أهـ.
(2/16) (1/194)
صفحة 195
وقال الحافظ الذهبي في " الموقظة " : ( وقد اشتهر عند طوائف من المتأخرين إطلاق اسم " الثقة " على من لم يجرح مع ارتفاع الجهالة عته، وهذا يسمى مستورا، ويسمى محلة الصدق، ويقال فيه شيخ )أهـ.
وقال في " الميزان " ج1 ص556 في ترجمة حفص بن بغيل: (( قال ابن القطان: ( لا يعرف له حال ولا يعرف ) قلت – والقائل الذهبي - : لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا، فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره ما يدل على عدالته، وهذا شيء كثير؛ ففي الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون، ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل )) أهـ.
وقال أيضا في " الميزان " ج3 ص426 في ترجمة مالك بن الخير الزبادي المصري: (( قال ابن القطان: ( هو ممن لم تثبت عدالته ) يريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة، وفي رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدا نص على توثيقهم، والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه؛ أن حديثه صحيح )) أهـ.
وقال الإمام السندي بعد ما ذكر حديثا رواه الحاكم والبيهقي: ( ومسند هذا الحديث صحيح؛ لأنهما روياه عن إسماعيل بن الفضل عن عيسى بن جعفر عن سفيان الثوري عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال، فأما من فوق عيسى بن جعفر فلا كلام فيهم؛ فإنهم حفاظ ثقات متقنون روى عنهم البخاري ومسلم وغيرهما، وأما إسماعيل بن الفضل فلم نجد أحدا من الأئمة الحفاظ ذكره بجرح ولا نقيضه ولا تهمة؛ فكان حديثه مقبولا معمولا به على قاعدة الحافظين ابن خزيمة وابن حبان؛ القائلين: بأن الأصل في المؤمن العدالة ما لم يثبت جرحه ) أهـ.
قلت: وهو مذهب الحاكم أبي عبدالله؛ كما هو واضح من صنيعه في " المستدرك "، بل قد نص على ذلك في عدة مواضع، وقد ضربت بعض الأمثلة على ذلك في غير هذا الموضع.
(2/17) (1/195)
صفحة 196
وممن اعتمد على سكوت البخاري وأبي حاتم في كثير من الأحيان: المنذري، والذهبي، وابن عبد الهادي , والحافظ ابن حجر وآخرون , ولولا خوف الإطالة لذكرت بعض الأمثلة الدالة على اعتمادهم في التصحيح والتحسين على سكوت البخاري وأبي حاتم , وبما ذكرناه من اعتماد غيرهم على سكوتهما كفاية – إن شاء الله تعالى - .
هذا وقد رأيت مشهور بن الحسن آل سلمان قد ذكر مسند الإمام الربيع رحمه الله تعالى في جملة الكتب التي حذر منها العلماء , وذكر هناك كلاما عن الألباني ؛ ذكر فيه أن الربيع رحمه الله تعالى نكره , أي لا يعرف , إلى آخر هرائه فارغ , ومشهور هذا جاهل أو أشبه ما يكون بالجاهل.
فإن لم يكنها أو تكنه فإنه ... ... أخوها غذته أمها بلبانها
فهو ليس في العير ولا في النفير , فلا حاجة إلى إطالة الكلام معه , على أنه لم يأتي بدليل ولا شبهة دليل على ذلك حتى نناقشه فيه , وإنما اعتمد على كلام لشيخه الألباني , فظن أن من لم يعرفه الألباني لا وجود له أو أنه مجهول على أقل تقدير , ولم يدر هذا المسكين أن الألباني جاهل بهذا الفن – في حقيقة الواقع – جهلا يكاد يكون مركبا في بعض الأحيان , ولا أدل على ذلك من جهله بكثير من الرواة منه من هو من رجال الشيخين , وعدم معرفته بوجود كثير من الأحاديث؛ كثير منها من أحاديث الصحيحين اللذين اختصرهما بنفسه بحسب زعمه , وكثير من كتب أخرى مشهورة متداولة , ولدي على ذلك أمثلة كثيرة جدا , أكتفي هنا بذكر خمسين مثالا وإليكها , والله ولي التوفيق :
( 1 ) – قال في الضعيفة ج4 ص 200 : ( وسليمان بن شرحبيل .... ولم أجد في هذه الطبقة من اسمه سليمان بن شرحبيل أو شراحيل ) .
(2/18) (1/196)
صفحة 197
كذا قال , وسليمان هذا اسمه بالكامل : سليمان بن عبدالرحمن بن عيسى بن ميمون ابن بنت شرحبيل , ويختصرونه أحيانا إلى ما رأيت , وهو مترجم في : " رجال البخاري " للكلاباذي 1 / 314 و " التاريخ الكبير " 4 / 24 و " الجرح والتعديل " 4 / 29 لابن أبي حاتم و " علل الحديث " له أيضا " و سؤالات الآجري " لأبي داود و " الضعفاء " لأبي زرعة الدمشقي و " والمعرفة والتاريخ " للفسوي 1 / 209 و " تهذيب الكمال " 8 / 79 ط دار الفكر و " تهذيب التهذيب " و " الكاشف " 1 / 462 و " تاريخ الإسلام " و " سير أعلام النبلاء " 11 / 136 و " الميزان " 2 / 212 و " تذكرت الحفاظ " 2 / 438 و " العبر " 1 / 413 للذهبي و " البداية والنهاية " 10 / 312 و " تهذيب التهذيب " 4 / 181 و " التقريب " رقم 2588 و " خلاصة التذهيب " للخزرجي و " شذرات الذهب " 2 / 78 و " الجامع في الجرح والتعذيب " 1 / 340 و " الجمع بين رجال الصحيحين " ج1 ص 183 و " هدي الساري " ص 408 و " الثقات " لابن شاهين .
وهو من رجال البخاري والأربعة .
(2 ) عبدالأعلى بن عبدالله بن أبي فروة .
قال في ضعيفته 1 / 213 : ( وهو مجهل , لم أجد له من ترجمة ) كذا قال , وليس الأمر كما قال؛ وذلك لأن عبدالأعلى هذا مترجم في كتب كثيرة جدا منها : " التاريخ الكبير " للبخاري 6 / 71 و " تاريخ ابن معين " و " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم 6 / 27 و " الثقات " لابن حبان 7 / 130 و " الضعفاء " للدار قطني 94 و " المعرفة والتاريخ " ليعقوب بن سفيان الفسوي 3 / 55 و " طبقات ابن سعد و " تهذيب الكمال " للمزي 11 / 8 – 9ت رقم 3669 ط دار الفكر و " تهذيب التهذيب " 6 / 87 و " تقريب التهذيب " ص 331 وقال الحافظ فيه : ثقة فقيه و " جامع الجرح والتعديل " 2 / 47 .
(2/19) (1/197)
صفحة 198
وقد قال ابن معين : ( عبدالحكيم بن عبدالله بن أبي فروة , وصالح بن عبدالله ابن أبي فروة , وعبدالأعلى بن عبدالله بن أبي فروة , كلهم ثقات ) . ومثله قال يعقوب ابن سفيان , وقال الدار قطني : ( إسحاق ابن عبدالله بن أبي فروة متروك , له ثلاثة أخوه ثقات ) .
( 3 ) سعيد بن أشوع .
قال في إرواء الغليل 3 / 121 عند ذكره لأثر : ( وسنده حسن لولا الرجل الذي لم يسلم , وقد سماه الدارقطني في روايته سعيد بن أشوع , ولم أجد له ترجمة ) .
كذا قال هذا المسكين ؛ لأنه نظر في بعض(1) كتب الرجال فلم يجد سعيد ابن أشوع , ولم يدر بأن أباه اسمه عمرو , فهو سعيد بن عمرو بن أشوع , ونسبه بعضهم إلى جده , فقال : سعيد بن أشوع , وهاك أسماء بعض الكتب التي ترجمت له :
" رجال البخاري " للكلاباذي 1 / 288 و " رجال مسلم " لابن منجويه 1 / 247 و " التاريخ الكبير " 2 / 1 / 500 و " تاريخ ابن معين " 2 / 205 و " علل الترمذي " و " الجرح والتعديل " 4 / 50 و " طبقات ابن سعيد " 6 / 327 و " الثقات " لابن حبان " و " الثقات " للعجلي و " تهذيب الكمال " 7 / 268 و " تهذيب التهذيب " و " ميزان الاعتدال " و " المغني في الضعفاء " 2356 و " الكشاف " 1 / 441 و " تهذيب التهذيب 4 / 60 و " تقريب التهذيب " 239 و " خلاصة التهذيب " و الجامع في الجرح والتعديل " 1 / 305 و " الجمع بين رجال الصحيحين " ج1ص116 و " هدى الساري " ص 406 .
(4 ) قال في صحيحته السقيمة ج3 / 191 : ( ورجاله ثقات رجال الستة غير عباد بن سالم ؛ فلم أجد من ترجمة ) .
كذا قال , ولو أنه نظر " التاريخ الكبير " للبخاري 6 / 38 " والجرح والتعديل " لابن أبي حاتم 6 / 80 " والثقات " لابن حبان 7 / 159 ؛ لعرف أنه مترجم له فيها .
__________
(1) - مع أن بعضهم نسبه إلى جده عندما ترجم له ؛ كالذهبي قي " الميزان " .
(2/20)
( (1/198)
صفحة 199
5 ) قال في تعليقه على المشكاة ج1 ص438 في تعليق له هناك : ( رجاله ثقات غير يحيى بن مالك , وهو الأزدي العتكي , وأورده ابن أبي حاتم 4 / 2 / 190 ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا ) أ هـ .
كذا قال , ولم يدر أن يحيى بن مالك هذا ثقة , كما نصّ على ذلك جماعة , منهم ابن سعد والنسائي , وابن حبان , والعجلي , والدارقطني , وهو مترجم في كتب كثيرة جدا منها :
" رجال البخاري " ج2 ص799 و " رجال مسلم " ج2 ص382 و " طبقات ابن سعد " و " الثقات " لابن حبان و " الثقات " للعجلي و " طبقات خليفة ابن خياط " و " سؤالات البرقاني " 544 و " التاريخ الكبير " للبخاري 4 / 2 / 303 و " تهذيب الكمال " 21 / 44 و " الكاشف " 2 / 407 و " ميزان الاعتدال " 4 / 494 و " تهذيب التهذيب " للذهبي و " تهذيب التهذيب " 12 / 9 و " تقريب التهذيب " 620 و " خلاصة التهذيب " للخزرجي و " الجامع في الجرح والتعديل " و " الجمع بين رجال الصحيحين " ج2 ص564 .
وبذلك أيضا ينهدم ما ذكره في صحيحته أن يحيى هذا لم يترجم له أحدا ممن كتب في رجال الستة , لا في التهذيب , ولا في التذهيب , ولا في التقريب .
( 6 ) قال في صحيحته 5 / 368 عند كلامه على أثر رواه ابن الإعرابي في معجمه من طريق شيخه أبي رفاعة عبدالله بن محمد بن عمر العدوي , قال : ( هذا إسناد رجاله ثقات معروفون غير أبي رفاعة , فلم أجد له ترجمة ) .
كذا قال , وأبو رفاعة هذا مترجم في " تاريخ بغداد " 10 / 83 للخطيب , وقال عنه الخطيب هناك : ثقة .
( 7 ) قال في ضعيفته ج4 ص397 : ( والحارث بن محمد المكفوف لم أجد له ترجمة ) .
كذا قال , وفاته أن الحارث هذا مترجم في " الميزان " ج1 ص 443 , و " لسان الميزان " ج2 ص159 .
( 8 ) قال في رده على الحبشي : ( في السند إليه أم يونس بنت عبيد , ولا ذكر لها في شيء من كتب التراجم ) .
(2/21) (1/199)
صفحة 200
كذا قال , وأم يونس لها ترجمة في " التاريخ الكبير " 9 /44 , " والمنفردات " للإمام مسلم ص19 , و " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم 8 / 333 .
( 9 ) قال في صحيحته ج2 ص 395 : ( وعمارة لم أعرفه ) أ هـ .
كذا قال , وعمارة هذا معروف , فقد ترجم له الذهبي في " الميزان " ج2 ص178 و " في المغني " ترجمة رقم 4415 و في " ديوان الضعفاء " ج 2 ص2 , و الحافظ بن حجر في " لسان الميزان " ج4 ص 279 , وقال الأزدي عنه : ضعيف جدا , وقال المنذري : ضعيف .
( 10 ) قال في ضعيفته ج4 ص 404 : ( وعمرو بن ابن أبي عمرو العبدي لم أعرفه ) أ هـ .
كذا قال , وعمرو هذا معروف مترجم في كتب كثيرة جدا منها : " رجال البخاري " للكلاباذي ج2 ص 549 , و " رجال مسلم " لابن منجويه 2 / 76 و " التاريخ الكبير " 3 / 2 / 359 و " الجرح والتعديل " 6 / 252 و " سنن النسائي " 2 / 302 و " طبقات ابن سعد " و " الثقات " لابن حبان و " الكامل " لابن عدي و " الثقات " للعجلي و " مختصر الكامل " ص540 و " تهذيب الكمال " 14 / 300 و " تهذيب التهذيب " و " الكاشف " 2 / 84 و " ميزان الاعتدال " 3 / 281 و " المغني في الضعفاء " ترجمة رقم 4685 و " تهذيب التهذيب " 8 / 73 و " تقريب التهذيب " ص 425 و " خلاصة التذهيب " و" الجامع في الجرح والتعديل " 2 / 302 و " الجمع بين رجال الصحيحين " ج1 ص 116 .
وهو من رجال البخاري ومسلم , والعبدي نسبة إلى مولاه المطلب بن عبدالله مغزومي .
( 11 ) قال في تعليقه على المشكاة 1 / 466 عن عيسى بن هلال الصدفي : ( فيه عندي جهالة , فقد ذكره ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " و لم يذكر فيه جرحا ولا توثيقا , وإنما وثقه ابن حبان , وهو معروف بتساهله ) .
كذا قال , ولم يدري أن يعقوب بن سفيان الفسوي قد وثقه , حيث ذكره في ثقات التابعين ؛ كما في " المعرفة والتاريخ " 2 / 515 .
(2/22)
( (1/200)
صفحة 201
12 ) قال في صحيحته ج3 ص253 عن إسناد حيث هناك : ( قلت: وهذا إسناد حسن ، رجاله معرفون غير اليحصبي هذا – وهو محمد بن عبد الرحمن بن عرق – فقد ترجمه أبن أبي حاتم 3/2/316 برواية جماعة، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا ، والظاهر أنه وثقة ابن حبان؛ كما يدل عليه كلا م الهيثمي السابق ) أهـ.
هذا كلامه ، ولم يدر بأن اليحصبي هذا مترجم في " تهذيب الكمال " مختصراته؛ لأنه على شرطها، فقد ترجمه المزي في " تهذيب الكمال" ج16/ 493 ط دار الفكر، وترجمة الحافظ ابن حجر في " تهذيب التهذيب" 492، والذهبي في " الكاشف" ج2 ص 139، وفي " التهذيب" والخزرجي في " الخلاصة".
وقال الحافظ في " التقريب" : صدوق. ونقل هو والمزي في التهذيبين عن عثمان بن سعيد الدارمي أنه قال : ( سمعت دحيما يقول: محمد بن عبد الرحمن اليحصبي من مشيخة أهل حمص ما أعلمه إلا ثقة. وأما ابن حبان فقد قال عنه في " الثقات" : لا يعتد بحديثه ما كان من حديث بقية ويحيى بن سعيد العطار ودونه؛ بل يغتد بحديثه من رواية الثقات عنه ) أهـ.
(13) قال في تخريجه لفضائل الشام عن أبي صالح الخولاني: ( ولم أعرفه ) أهـ.
كذا قال، ولم يدر أن الخولاني هذا مترجم في " الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم 9/392 وقد نقل عن أبيه أنه قال: لا بأس به.
(14) قال في ضعيفته ج3 ص442 عن طريق لحديث هناك: ( فيها من لم اعرفه ) أهـ.
كذا قال، وفي تلك الطريق أحمد بن محمد بن غالب بن مرداس البصري المعروف بغلام خليل، وهو كذاب، وقد أقر بوضعه للأحاديث، وممن كذبه أبو بكر ابن إسحاق وإسماعيل القاضي، وقال أبو داود: أحاديثه كذب. كما تجد ذلك في " لسان الميزان " وغيره، وشيخه محمد بن إبراهيم بن العلاء، قال عنه الدارقطني: كذاب. وقال ابن حبان: يضع الحديث. وقال الحاكم أبو أحمد وأبو نعيم: روى موضوعات.
(15) قال في صحيحته التالفة ج4 ص55: ( والمعلى بن رؤبة لم أجد له ترجمة، ولعله في ثقات ابن حبان ).
(2/23) (1/201)
صفحة 202
كذا قال، ولم يدر أن المعلى بن رؤبة هذا له ترجمة في " المعرفة والتاريخ " ليعقوب بن سفيان الفسوي، فانظر " المعرفة والتاريخ " ج1 ص403، وانظر التاريخ الكبير للبخاري.
(16) قال في إرواء غليله 7/254 عن حديث هناك: ( رجاله ثقات غير عمرو بن غالب وثقه ابن حبان، ولم يرو غير أبي إسحاق وهو السبيعي ).
كذا قال، وخفي غليه أن النسائي قد وثقه.
(17) قال في ضعيفته ج3 ص469- 470: ( وشيخه النظر بن محمد الشيباني لم أعرفه ).
كذا قال: والنظر بن محمد هذا مشهور مترجم في كتب كثيرة جدا منها: " التاريخ الكبير " 4/2/89 و " أسامي الضعفاء " لأبي زرعة الرازي 339 و " الجرح والتعديل "
(2/24) (1/202)