صفحة 1
الكتاب: الجرح والتعديل قراءة في تراث المدرسة الجابرية لخالد الوهيبي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الجرح والتعديل (1-3)، قراءة في تراث المدرسة الجابرية... أ. خالد بن مبارك الوهيبي
بتاريخ 27-7-1425 هـ
القسم: الحديث و علومه
الجرح والتعديل أو علم الرجال من العلوم التي نشأت في أكناف مدرسة أهل الحديث، ويرجع بعض الباحثين نشأته الأولى إلى عصر التابعين، روى مسلم عن ابن سيرين قال: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد؛ فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم. فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم)[1].
موضوع الجرح والتعديل
يبحث الجرح والتعديل معرفة أحوال الرواة تعديلاً وتجريحاً، وقد اشتغل بهذا العلم عدد من كبار المحدثين كشعبة بن الحجاج (ت 160هـ)، ومالك بن أنس (ت 179هـ)، وسفيان الثوري (ت 161هـ)، ويحيى بن سعيد القطان (ت 198هـ)، وعبدالرحمن بن مهدي (ت 198هـ)، وأحمد بن حنبل (ت 242هـ) الذي يعد من أكبر المنظرين لهذه المدرسة، ويحيى بن معين (ت 233هـ)، وعلي بن المديني (ت 234هـ)، ومحمد بن إسماعيل البخاري (ت 256هـ)، وأبي زرعة الرازي (ت 264هـ)، ومحمد بن يحيى الذهلي (ت 258هـ)، ومسلم بن الحجاج (ت 261هـ)، وأبي داود السجستاني (ت 275هـ)، ومحمد بن عيسى الترمذي (ت 279هـ) وغيرهم.
وأما دوافع هذا العمل الضخم الذي فاق التصورات وعُد من العلوم التي تميز بها المسلمون بها دون غيرهم من الأمم[2]؛ فيرجعها الكثير من الباحثين إلى:
1. الرغبة في التوثق من حال الرواة من العدالة والضبط لما يروون خشية الكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عبر عن هذا الصحابي الجليل ابن عباس عندما قال: (إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف)[3]، ويروى أيضاً عن ابن سيرين قوله: (إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم)[4]. (1/1)
صفحة 2
2. ضبط تواريخ ولادة ووفاة الرواة وأوطانهم وأنسابهم حتى يتسنى معرفة المرسل والموقوف والمتصل وغير المتصل من الأسانيد، وكذا معرفة الناسخ من المنسوخ.
وقد ألفت في هذا العلم مصنفات كثيرة منها: "التاريخ الكبير" لمحمد بن إسماعيل البخاري، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم الرازي، و"الكنى والأسماء" لمسلم بن الحجاج، و"العلل ومعرفة الرجال" لأحمد بن حنبل، و"تاريخ ابن معين" وغيرها كثير.
الجرح والتعديل بين القبول والتحفظ
يعد علم الجرح والتعديل أو علم الرجال من الفروع المهمة في منظومة علم الحديث، وقد رأى كثير من الباحثين والأكاديميين أن الحكم على الأحاديث والروايات لدى المحدثين يعتمد في معظمه على منهج الجرح والتعديل (=الإسناد)، لذا فالفقه الناشئ عند مدرسة أهل الحديث يعتمد بالدرجة الأولى على الإسناد الروائي.
ونستطيع القول كذلك إنه بناء متكامل أنتجته عقلية أهل الحديث، وهم النواة الصلبة للدول والحكومات المتعاقبة التي حكمت العالم الإسلامي لقرون طويلة (أمويين، عباسيين، عثمانيين)، وهذا الانفراد بتقعيد هذا المنهج من قبل مدرسة أهل الحديث كما أن له إيجابياته؛ فإن له سلبياته أيضاً، فقد أدت الرغبة لدى أهل الحديث في تهميش وإقصاء المدارس الإسلامية الأخرى إلى إضاعة التنوع والثراء الفكري الموجود لديها، كما أسهم ذلك أيضاً في عدم إجراء مراجعات للتصورات الذاتية من خلال البحث الحر والنظر والحوار، مما جعل كثيراً من المفاهيم والتصورات غير المنضبطة تعيش لمئات السنين. (1/2)
صفحة 3
والمشكلة أن القضية لم تأخذ بعداً علمياً فحسب؛ بل تدخلت السياسة فيها كثيراً، فالمدارس الإسلامية الأخرى كانت لها مواقف سياسية معارضة للسلطات القائمة آنذاك، مما جعلها عرضة للملاحقة والمطاردة على الصعيدين: السياسي والعلمي، ومع اكتمال منظومة التدوين الروائي كانت الكثير من المدارس الإسلامية المعارضة للحكومات آنذاك قد صنفت ضمن الفرق المبتدعة الخارجة عن النطاق الإسلامي "الرسمي"، فعمرو بن عبيد المعتزلي لم يشفع له زهده وورعه فهو (عمرو بن عبيد الضال، عمرو بن عبيد المبتدع)[5]، وعلماء الإباضية تم تجاهل أئمتهم كأبي عبيدة والربيع بن حبيب في كتب الجرح والتعديل، ورغم أن بعض الباحثين يرى أنهم قد ذكروا عرضاً في بعضها، إلا أن آخرين يرون أنهم غيرهم وهناك تشابه في الأسماء[6]!، ومن ذُكِروا وتُرِجم لهم ـ وما أقلهم ـ: إما أن لا يذكر انتماؤهم أو يتم التحذير منهم رغم الاعتراف بصدقهم وأمانتهم، ومن هؤلاء:
1. أبو نوح صالح الدهان: قال عنه علي بن المديني: (ضعيف يرى رأي الأباضية)[7]، فضعفه لا لأجل روايته، بل لأجل انتمائه السياسي والفقهي، فقد كانوا ينظرون إليه على أنه (كان يرضى بقول الخوارج؛ وذلك للزومه جابر بن زيد)[8].
2. الوليد بن كثير: قال عنه أبو داود: (ثقة إلا أنه إباضي)[9].
3. داود بن الحصين: (قال النسائي ليس به بأس، وقال ابن عدي صالح الحديث إذا روى عنه ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال كان يذهب مذهب الشراة، وكل من ترك حديثه على الإطلاق وهم؛ لأنه لم يكن بداعية)[10].
وهذا غيض من فيض، والأمثة على ذلك تزخر بها كتب الجرح والتعديل.
المراجعات (1/3)
صفحة 4
رغم تفرد مدرسة أهل الحديث بوضع مناهج الجرح والتعديل (=الإسناد) إلا أنه كتب لها الذيوع والانتشار بين المدارس الإسلامية الأخرى كمدارس الرأي بفعل عوامل سياسية وعلمية[11]، وأما ما قدمته المدارس الأخرى فقد طوته أيادي النسيان، وصار من تراث الماضي، فمثلاً ما قاله الجاحظ (ولو كانوا يروون الأمور مع عللها وبرهاناتها خفت المؤونة، ولكن أكثر الروايات مجردة، وقد اقتصروا على ظاهر اللفظ دون حكاية العلة ودون الإخبار عن البرهان)[12] ضاع أدراج الرياح مقابل كلام يحيى بن سعيد القطان (لا تنظروا إلى الحديث، ولكن انظروا إلى الإسناد فإن صح الإسناد وإلا فلا تغتروا بالحديث إذا لم يصح الإسناد)[13].
ولكن مع هذا وجدت هناك مراجعات مبكرة جداً لمنهج الجرح والتعديل تجدها (=رغم إهمالها) مبثوثة هنا وهناك، دعونا نستعرضها ونحاول تحليلها:
(1) قال أبو غانم في المدونة: (قلت لأبي المؤرج: إن هؤلاء يقولون ويروون عن عبدالله بن عمر أنه كان يقول: هذا بحر وتحته سبعة أبحر، وتحتها النيران، وكان ينهى عن الوضوء والاغتسال بماء البحر، وكان يقول: لأن أتيمم أحب إليّ من أن أغتسل من ماء البحر.
قال أبو المؤرج: لسنا نأخذ بهذا من حديث ابن عمر، وقد كان أبوه أمير المؤمنين رحمة الله عليه يقول بخلاف هذا القول، ويجيز الوضوء بماء البحر والاغتسال به من الجنابة)[14].
· في هذا النص يؤكد الفقيه الإباضي أبو المؤرج على ضرورة تمحيص ما يروى، حتى ولو كان ثابتاً من جهة الإسناد عن كبار الصحابة كابن عمر، وفي جرأة وصراحة يقول: "لسنا نأخذ بهذا من حديث ابن عمر".
(2) قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج: هل في الصلاة قنوت؟.
قال: حدثني أبو عبيدة أنه سأل جابر بن زيد عن ذلك فقال: الصلاة كلها قنوت، قال الله تبارك وتعالى: "أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً" فالصلاة كلها قنوت. (1/4)
صفحة 5
قلت: يا أبا الشعثاء؛ ليس عن هذا أسألك، ولكن إنما أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يدعون ويهللون وهم قيام.
قال: هذا أمر محدث لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة)[15].
· يؤكد الإمام جابر في هذا النص على مبدأ حماية السنن العملية من أن تطغى عليها مرويات الآحاد " هذا أمر محدث لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة"، وهو موقف جنب المدرسة الجابرية الكثير من الدخيل في عالم الرواية.
(3) قال الإمام جابر بن زيد: (كيف يمسح الرجل على خفيه والله تعالى يخاطبنا في كتابه بنفس الوضوء؟! والله أعلم بما يرويه مخالفونا في أحاديثهم)[16].
· ينتقد الإمام جابر في هذا النص مبدأ قبول الرواية المخالفة للدلالات القرآنية.
(4) قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج وأبا سعيد عبدالله بن عبدالعزيز، وأخبرني محبوب عن الربيع: عن قول الناس أفطر الحاجم والمحجوم.
قالوا جميعاً: إنما يكره ذلك للصائم مخافة أن يضعف، فإن لم يخف ضعفاً فليحتجم إن شاء)[17].
· الربيع وعبدالله بن عبدالعزيز وأبو المؤرج كلهم يوجهون حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" توجيهاً معيناً وهو مخافة أن يضعف الصائم، وهو توجيه لم يذكر في متن الرواية، لكن أوجبه النظر في الدلالات الكلية الثاوية في نصوص الكتاب والسنة (لأن السنة في الصيام إنما نهوا عن الطعام والشراب وغشيان النساء، والحجامة ليس بشيء من ذلك، إنما يمنع منها مخافة الضعف، فإن احتجم فقد تم صومه بهذا نأخذ وعليه نعتمد وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا)[18].
(5) جاء في الديوان المعروض: (قلت: إن قومنا وبعضهم يقولون ويروون عن علي أنه قال: لا يقضي رمضان في العشرة؟ (1/5)
صفحة 6
قال: أساءوا الرواية، ولقد كان علي لعمري يقول ذلك على غير ما قالوا، إنما قال علي ذلك لئلا يؤخروا رمضان إلى العشرة، كذلك حدث عنه الحسن وإنما دعاه إلى ذلك لئلا يؤخر رمضان إلى العشرة، فهم يروون الرواية ولا يعرفون وجهها ولا معانيها، والسنة أن رمضان فرض من الله، والعشرة صيامها تطوعاً فلا ينبغي لأحد أن يدع الفرض ويتطوع، وليس صوم العشرة حتماً، ولكن أيام الصوم فيها متضاعف، وأن العمل فيها مضعف إن شاء الله.
فهذا كله قولنا فبه نأخذ وعليه نعتمد وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا)[19].
· ينتقد أبو المؤرج ظاهرة الرواية التي لا تتقيد بفقه كليات الدين وثوابته اليقينية، وعاب على أقوام " يروون الرواية ولا يعرفون وجهها ولا معانيها"، وعد ذلك من باب إساءة الرواية لا من إتقانها.
(6) جاء في الديوان المعروض: (وقال قوم: لا يصام آخر يوم من شعبان، ورووا فيه حديثاً والله أعلم به: قالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لئن أفطر يوماً من رمضان أحبّ إليّ من أن أصوم آخر يوم من شعبان".
ولسنا نرى أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول هذا، لأن صوم رمضان فريضة افترضها الله على النبي عليه الصلاة والسلام ولم يحرم عليه صوم شعبان أو آخر يوم منه.
حدثنا هارون بن اليماني في هذا الحديث أنه قال: حديث مقلوب، إنما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "لئن أصوم آخر من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان")[20].
· يكرر أبو المؤرج انتقاده لظاهرة الرواية التي لا تتقيد بفقه كليات الدين وثوابته اليقينية، وينفي فيه أن ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم ما يخالف ذلك.
(7) قال أبو غانم في المدونة: (سألت ابن عبدالعزيز: عن الدرهم بالدرهمين يداً بيد، وعن الرواية التي يروي هؤلاء عن النبي عليه السلام أن الدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، وهل هذه الرواية ثابتة أم لا؟ . (1/6)
صفحة 7
قال لي: ما كان يداً بيد فلا بأس بالزيادة فيه، و قد بلغنا عن البراء بن عازب أنه سأل النبي عليه السلام، وكان يشتري الذهب بالفضة، قال: يا نبي الله إنا نشري هذا التبر ونستزيد فيه. فقال النبي عليه السلام: "ما كان يداً بيد فلا بأس به، وإنما الربا في النظرة"، غير أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس فقال: "يا ابن عباس صحبت النبي عليه السلام ما لم نصحبه وقرأت من القرآن ما لم نقرأه".
قال: ما قرأت إلا نحو ما قرأتم، وما أنا بأقدم من صحبة رسول الله منكم.
قال: فما الذي رواه الناس عنك في الصرف؟.
قال: فقال ابن عباس: حدثني أسامة بن زيد أن النبي عليه السلام قال: "لا بأس بالذهب والفضة اثنان بواحد يداً بيد، وإنما الربا في النظرة".
قال ابن عبدالعزيز: الرواية في ذلك تكثر منا ومنهم.
قلت: إن هؤلاء يقولون ويروون عن ابن عباس أنه رجع عن قوله هذا وقال الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلاً بمثل لا زيادة فيه ولا نقصان.
قال: في شهادتهم لك أن ابن عباس قاله كفاية على عدل ما في يدك، ولا يصدقوا في ادعائهم رجوع ابن عباس لموضوع النكير منهم لعيبهم هذا القول ورفضهم)[21].
هذا النص عن عبدالله بن عبدالعزيز يناقش فيه مسألة التفاضل في الجنس الواحد "عن الدرهم بالدرهمين يداً بيد"، ويسأل بشر بن غانم الخراساني ابن عبدالعزيز عن الرواية التي تروى في منع ذلك.
وهذه الرواية هي ما تداوله بعض الصحابة في منع ذلك، مثاله ما روي من بعد من طريق أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مِثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الوَرِق بالوَرِق إلا مِثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز)[22]. (1/7)
صفحة 8
وقد أجاب ابن عبدالعزيز بما يعارض هذه الرواية مما رواه الناس عن (البراء بن عازب أنه سأل النبي عليه السلام، وكان يشتري الذهب بالفضة، قال: يا نبي الله إنا نشري هذا التبر ونستزيد فيه. فقال النبي عليه السلام: "ما كان يداً بيد فلا بأس به، وإنما الربا في النظرة" )[23]، وبما روي كذلك عن ابن عباس (قال حدثني أسامة بن زيد أن النبي عليه السلام قال: "لا بأس بالذهب والفضة اثنان بواحد يداً بيد، وإنما الربا في النظرة" ).
ثم أعقب ذلك قوله: (الرواية في ذلك تكثر منا ومنهم)، وفيه إشارة واضحة إلى ما يعتري النقل الآحادي من التضارب والتعارض وما يولد ذلك من تزايد الحذف والبتر والزيادة والرواية بالمعنى وغيرها من العوارض الداخلية والخارجية الناشئة عن الطبيعة البشرية، لذا كان من اللازم إحاطة هذه المنطقة بسياج من الرد إلى الأصول الكلية والقواعد التشريعية التي تولدت عنها هذه الفروع.
وعبارة ابن عبدالعزيز (الرواية في ذلك تكثر منا ومنهم)، هي عبارة تنم عن فهم للحقول والبيئات المعرفية التي نشأت فيها الرواية، والتي لا تخرج عن نطاق الطبيعة الإنسانية بما تمثله من الخطأ والوهم والنسيان، بل والتعبير عن الفهم من خلال الرواية (=الرواية بالمعنى)، وضرب ابن عبدالعزيز على ذلك مثالاً بما يروونه من تراجع ابن عباس عن رأيه السابق في جواز بيع التفاضل إذا كان يداً بيد، فقال (في شهادتهم لك أن ابن عباس قاله كفاية على عدل ما في يدك، ولا يصدقوا في ادعائهم رجوع ابن عباس لموضوع النكير منهم لعيبهم هذا القول ورفضهم).
تطلع نحو المستقبل (1/8)
صفحة 9
مع بدايات النهضة الإسلامية المعاصرة والرغبة في رجوع الأمة لمكانتها اللائقة بها؛ بدأت معها مراجعات للمناهج والأفكار التي تسببت في إعطاب عجلة التسارع الزمني للأمة، وقدمت في ذلك دراسات وبحوث بدأت بسيطة وخجولة ثم ترقت ونمت لتقدم مشروعات على درجة عالية من الرقي، والغريب أن هذه المراجعات تتم في الأجواء التي يهيمن عليها فكر مدرسة أهل الحديث، ولكن يبدو أن الإخفاقات المتتالية للقصور في أي منهج مؤذن بضرورة مراجعته، وقد ذكرت قبل عدة سنين في سلسلة عن المدرسة الإصلاحية أن سبب العداء " لهذه المدرسة محاولتها الجريئة لإعادة قراءة كثير من النصوص دون الوصاية السلفية عليها، بعد أن أدرك رواد المدرسة الإصلاحية أن واقع التخلف له جذور عميقة ضاربة في القدم، تغلغلت في جسد الأمة حتى أنهكتها فلم تستطع مجابهة الأفكار الوافدة التي أخذت تعمل عملها في هذا الجسم المنهك".
وقد نوقشت الكثير من نظريات الجرح والتعديل -التي تشكل أحد أعمدة النظرية الحديثية- في العقود الأخيرة من قبل عدد من العلماء والباحثين المتخصصين، وقد تعددت وتنوعت اطروحاتهم حول القضية، لكنها بدايات نحو إعادة الصياغة للكثير من المناهج السائدة، والمجال هنا لا يتسع لتتبعها وذكرها جميعاً، لكن نقتصر على أربعة أمثلة: (1/9)
صفحة 10
1. الشيخ محمد الغزالي: مفكر صاحب قلم سيال وحس أدبي راق وعقل واع ذكي، عرف بجرأته في الجهر بما يحسبه صواباً، ألف في عام 1989م كتاب (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث) أثار ضجة عارمة في حينها، وألفت كتب ورسائل كثيرة في الرد عليه، وقد بين الغزالي سبب تأليف للكتاب بقوله (وقد ضقت ذرعاً بأناس قليلي الفقه في القرآن كثيري النظر في الأحاديث. يصدرون الأحكام ويرسلون الفتاوى فيزيدون الأمة بلبلة وحيرة، ولا زلت أحذر الأمة من أقوام بصرهم بالقرآن كليل، وحديثهم عن الإسلام جريء، واعتمادهم كله على مرويات لا يعرفون مكانها من الكيان الإسلامي المستوعب لشئون الحياة)، وأكد مراراً وتكراراً في الكتاب (أنه ليس لروايات الآحاد أن تشغب على المحفوظ من كتاب الله وسنة رسوله، أو أن تعرض حقائق الدين للتهم والريب)، وضرب عشرات الأمثلة على أن (تلاوة قليلة للقرآن الكريم، وقراءة كثيرة للأحاديث، لا تعطيان صورة دقيقة للإسلام بل يمكن القول بأن ذلك يشبه سوء التغذية، إذ لابد من توازن العناصر التي تكون الجسم والعقل على سواء).
وعلى ضوء ذلك ناقش قضايا كثيرة كفقه الدعوة والجهاد وموضوعات الجبر والحرية الإنسانية وعلاقة المرأة بالمسجد والنقاب وآداب الطعام وآداب المسكن وبعض من أحاديث الفتن والملاحم وغيرها من القضايا.
ولخص رسالة الكتاب بأن (كل ما نحرص نحن عليه شد الانتباه الى ألفاظ القرآن ومعانيه، فجملة غفيرة من أهل الحديث محجوبون عنها، مستغرقون في شئون أخرى تعجزهم عن تشرب الوحي!! والفقهاء المحققون إذا أرادوا بحث قضية ما، جمعوا كل ما جاء في شأنها من الكتاب والسنة، وحاكموا المظنون الى المقطوع، وأحسنوا التنسيق بين شتى الأدلة... (1/10)
صفحة 11
أما اختطاف الحكم من حيث عابر، والإعراض عما ورد في الموضوع من آثار أخرى فليس عمل العلماء...وقد كان الفقهاء على امتداد تاريخنا العلمي هم القادة الموثقون للأمة، الذين أسلمت لهم زمامها عن رضى وطمأنينة، وقنع أهل الحديث بتقديم ما يتناقلون من آثار كما تقدم مواد البناء للمهندس الذي يبني الدار، ويرفع الشرفات، والواقع أن كلا الفريقين يحتاج الى الآخر، فلا فقه بلا سنة ولا سنة بلا فقه، وعظمة الإسلام تتم بهذا التعاون).
2. عبدالجواد ياسين: مستشار قضائي له عدة مؤلفات أهمها "السلطة في الإسلام"، وهذا الكتاب من أهم وأبرز الإصدارات التي خرجت في السنوات الأخيرة، وطرح المؤلف في هذا الكتاب قد أذهل الكثيرين لقوته وعمقه وقدرته الكبيرة على النقد والتحليل، وإبراز نقاط القوة والضعف في منظومة الفكر.
يقدم المؤلف طرحاً جديداً متكاملاً لجدليات النص والتأريخ، وتأثير كل منهما على الآخر موضحاً أن (أصول الخلل في تأريخ الأمة الإسلامية ترجع إلى بدايات سابقة على الحقبة الغربية بأمد غير قصير)
يدور الكتاب في ثلاثة محاور وهي:
أ-إشكالية عملية التدوين للنص الحديثي وتداخلها مع جدليات التاريخ مما أوجد ظاهرة (التنصيص السياسي).
ب-منهج التعامل مع الرواية الحديثية عند المحدثين ماله وما عليه، وقد انتقد بشدة من خلال عشرات الأمثلة منهج المحدثين في التعامل مع الرواية الحديثية قائلاً: (ونحن نعجب من هذا الموقف الحنبلي المتعصب، ونرى فيه ضرباً من السذاجة الفكرية وضيق الأفق، ونأسف شديد الأسف لأن أصحابه بالذات ودون غيرهم هم الذين كتبوا علم الحديث ودونوا السنة)، وأن (المنهج التقليدي لعلم الحديث بطابعه الكمي وأدواته الإسنادية، قد سمح للكثير من الأقاويل والأفعال التي لم تصدر يقيناً عن النبي صلى الله عليه وسلم أن تدخل في نطاق السنة، التي صارت مصطلحاً مرادفاً للأحاديث المجموعة في الكتب).
ج-تأثير السلطة في بنية النص والعقل. (1/11)
صفحة 12
وقد لخص رسالة الكتاب عندما قال: (ومن هنا فإن حديثنا عن عدم ضرورة أخبار الآحاد لقيام الدين في حده الأدنى، ينبغي أن يفهم في إطار التفرقة بين الضروري والنافع، وليس في إطار التفرقة بين المقبول كله والمردود كله، لأن من أخبار الآحاد ما يمكن قبوله وفق الشرطين التاليين:
أولا: ثبوت الخبر بمقاييس المنهج النقدي التاريخي الشامل، الذي يتجاوز كما أسلفنا منهج علم الحديث الكلاسيكي ذي الطابع الإسنادي، إلى آفاق أوسع تقوم على محاكمة الخبر من متنه إلى القرآن والتاريخ والعقل الكلي.
ثانياً: خضوع النص، بعد ثبوته وفق هذا المنهج، لهيمنة الأحكام القرآنية، باعتبارها أصول الدين الثابتة ثبوتاً قطعياً، ولذلك فإن الترجمة النهائية لحديثنا هذا، ليست رداً للسنة في جملتها، كما قد تفهم بعض العقول المتوجسة الموسوسة، ولكنها في الحقيقة رد عن السنة أن يدخل فيها ما ليس منها). (1/12)
صفحة 13
3. لؤي صافي: أستاذ جامعي درس في ماليزيا والولايات المتحدة، له عدة مؤلفات منها "العقيدة والسياسة" و"إعمال العقل"، وهذا الأخير خصص فيه المؤلف فصلاً للحديث عن "الرؤية القرآنية والمنهجية النصوصية" قرر فيه أن (الرؤية القرآنية تتحدد في القواعد العامة والمقاصد الكلية المستمدة من الكتاب، والمنتظمة وفق أنساق تحقق ترابطها ترابطها الداخلي) ومن خلال قراءة في التراث الفقهي للصحابة وجد أنهم (لم يقبلوا الحديث المرفوع إلى رسول الله على عواهنه؛ لأن صحابياً رواه، بل نظروا إلى الرواية من خلال الرؤية القرآنية التي اكتسبوها من استبطان معاني كتاب الله الكريم، وعرضوها على نسق المبادئ والمقاصد التي تشكل ثوابت هذه الرؤية، ولم يترددوا في رد الحديث أو تأويله عند تعارضه مع المبادئ القرآنية الثابتة) وخلص من ذلك إلى (ضرورة ربط نصوص الحديث بأنساق القواعد القرآنية الكلية والمبادئ القرآنية العامة، أي فهمها وفقاً للرؤية القرآنية المتحددة بناء على هذه القواعد، وتأويل الأحاديث حال تضاربها مع الرؤية القرآنية). (1/13)
صفحة 14
4. الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: مفتي سلطنة عمان وفقيه مدرك لحاجات زمنه وعضو بارز في مجمع الفقه الإسلامي، بصماته واضحة على الأجيال التي نشأت منذ السبعينيات في عمان، له عدة مؤلفات منها "جواهر التفسير" و"الحق الدامغ" و"زكاة الأنعام" و"شرح غاية المراد" و"إعادة صياغة الأمة"، وهذا الأخير عبارة عن عدة محاضرات ألقاها الشيخ في عدة مناسبات تصب في هذا المصب، فيها يقول الشيخ بوضوح بأنه (إذا جئنا إلى قضية التعديل والتجريح، نجد هذه القضية شيبت بالكثير، فلربما كان تجريح أحد من الرواة بسبب موقف سياسي ما كان يتفق مع السياسة التي كانت متغلبة ومتسلطة في ذلكم العصر، ولربما كان ذلك بسبب عدم اتفاق في قضية من القضايا مع جمهور المحدثين، بحيث كان لهذا الراوي موقف معين، وكانت العصبية تدعو إلى أن يعتبر مجروحاً ترفض روايته ولا تقبل، فإذن قضية التعديل والتجريح يجب أن تكون مجردة من العصبيات المذهبية والأهواء)، ورأى أنه (مما يؤسف أن الكثير من المحدثين والنقاد نظروا إلى جانب السند وتجاهلوا جانب المتن، مع أنه لا بد من أن ينقد الحديث من جانب المتن، وهذا الذي فعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد كانوا كثيراً ما ينقدون الروايات حتى ولو جاءت عن الثقات من الصحابة).
5. طه جابر العلواني: أكاديمي عراقي معروف، يرأس الآن المعهد العالمي للفكر الإسلامي في ولاية "فريجينيا" الأمريكية، له العديد من المؤلفات، منها كتاب "مقاصد الشريعة" و"إصلاح الفكر الإسلامي" وتحقيق كتاب "المحصول في علم الأصول" للفخر الرازي. (1/14)
صفحة 15
وفي كتاب "مقاصد الشريعة" يقدم مجموعة من المحددات المعرفية منها أن علاقة القرآن بالسنة تتحدد في أن (السنة والسيرة تبدوان تطبيقاً عملياً للقرآن في مقاصده العليا الحاكمة، تتكامل السنة معه في وحدة بنائية تقرأ وتفهم في ضوئها آلاف الأحاديث الصحيحة والأفعال والتصرفات النبوية الثابتة، التي أدخلتها القراءات الجزئية المعضاة ولا تزال في دوائر "مختلف الحديث" و"مشكل الآثار" ونحو ذلك، ولم تستطع قواعد الجرح والتعديل وموازين الأسانيد والمتون أن توقف ذلك الجدل الذي دار).
--------------------------------------------------------------------------------
[1] صحيح مسلم ج1 ص 15.
[2] المنهج المقترح في فهم المصطلح ص 35، حاتم بن عارف العوني.
[3] صحيح مسلم ج1 ص 13.
[4] المرجع السابق ج1 ص 14.
[5] تاريخ مدينة دمشق ج41 ص282 ، ابن عساكر.
[6] راجع في ذلك كتاب "رواية الحديث عند الإباضية"، صالح بن أحمد البوسعيدي.
[7] تهذيب التهذيب ج4 ص340، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.
[8] الكامل في ضعفاء الرجال ج4 ص71 ، عبدالله بن عدي.
[9] تهذيب التهذيب ج11 ص130، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.
[10] المرجع السابق ج3 ص157.
[11] انظر "السلطة في الإسلام" عبدالجواد ياسين. و"إعمال العقل" لؤي صافي، و" القواعد الأصولية والفقهية وضوابطها" رضوان السيد.
[12] الحيوان ج1 ص 166، الجاحظ.
[13] سير أعلام النبلاء ج9 ص 188، الذهبي.
[14] المدونة الصغرى ج1 ص 135- 136، بشر بن غانم الخراساني.
[15] المدونة الصغرى ج1 ص 67.
[16] كتاب الترتيب، مسند الربيع (125).
[17] المدونة الصغرى ج1 ص 164، بشر بن غانم الخراساني.
[18] الديوان المعروض (كتاب الصيام ص 46).
[ (1/15)
صفحة 16
19] المرجع السابق ص 47. السائل هو أبو غانم الخراساني كما يظهر، والديوان المعروض على علماء الإباضية (يظن أنه من تأليف أبي غانم مؤلف المدونة، لأن الكثير من الأعمال الواردة في هذه المخطوطة الكبيرة منقول عن مصادر المدونة نفسها) انظر دراسات في الإباضية ص 137 عمرو النامي، و(كتاب الصيام يبدأ بروايات أبي المؤرج عن شيخه أبي عبيدة على شكل أسئلة وأجوبة، وبعد العنوان التالي "باب اختلاف العلماء في الصيام" ترد آراء مختلف العلماء حول الموضوع، منوهة بالآراء التي يعتمدها الأئمة الإباضيون، لا سيما أبو عبيدة)، انظر دراسات في الإباضية ص 138.
[20] المرجع السابق ص 28.
[21] المدونة الصغرى ج2 ص 182- 183، بشر بن غانم الخراساني.
[22] البخاري (2068)، مسلم (1584).
[23] روى البخاري (1955) عن أبي المنهال يقول: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصرف فقال: (إن كان يداً بيد فلا بأس، وإن كان نساء فلا يصلح).
الجرح والتعديل (2-3)، قراءة في تراث المدرسة الجابرية... أ. خالد بن مبارك الوهيبي
بتاريخ 4-8-1425 هـ
القسم: الحديث و علومه
تحدثنا في الحلقة السابقة عن بعض من المراجعات لمنهج الجرح والتعديل (=الإسناد) الذي اعتمد قواماً للحكم على الرواية الحديثية وبناء منهج التفكير عليه، وسنقدم في هذه الحلقة إن شاء الله تعالى محاولة منا في استخراج بعض من معالم منهج التعامل الكلي مع الرواية الذي برز بقوة لدى عموم فقهاء المدونة (=المدرسة الجابرية).
قواعد عامة
(1) لا بد أن تكون الرواية عن الثقات الأثبات العدول العارفين بحقائق ما يروون. (1/16)
صفحة 17
وهذه قواعد متفق عليها من حيث الإجمال، لكننا نرى أن منهج الجرج والتعديل أغفل بدرجة كبيرة قاعدة فقه الراوي، فاستجاز الرواية عن مئات بل آلاف الرواة من العامة وأشباههم، معتمداً في ذلك على العدالة فحسب؛ مما تسبب في تسريب الكثير من الأوهام والأخطاء في الروايات.
ونحن نجد أن مسند الإمام الربيع بن حبيب والمدونة وآثار الربيع وغيرها من المصنفات قد بنيت على رواية الفقهاء العارفين بما يروون، وهؤلاء الفقهاء الثقات العارفون بالروايات ومواضعها في منظومة الحياة نصوا بأنفسهم على أن الخطأ يعتريهم في الرواية، قال الإمام أبو عبيدة مسلم في رسالته عن الزكاة التي وجهها إلى أتباعه بالمغرب (فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ في رواية أو خبر أو غير ذلك فمن نفسي، استغفر الله من جميع ما ليس هو له رضى)[1] فكيف الحال بمن هم دونهم؟!.
وروى الإمام الربيع (167): أبو عبيدة بن جابر بن زيد قال: (يُروَى عن عبدالله بن مسعود ليلة الجن في إجازة النبي صلى الله عليه وسلم له أن يتوضأ بالنبيذ؛ قد سمعت جملة من الصحابة يقولون ما حضر ابن مسعود تلك الليلة والذي رُفِعَ عنه كذب، والله أعلم بالغيب) في هذه الرواية يتضح جانب النظر في إسناد الرواية ونقلتها والقرائن المحيطة بها، والعناية والاهتمام بهذا الجانب.
وتبرز هنا مسألة هامة وهي الرواية عن غير المنتمين للمدرسة الفقهية المتجانسة، لا سيما بعد أن افترق المسلمون إلى فئات سياسية متعادية وظهرت مقالات لدى بعضها لم تقبل لدى البعض الآخر والعكس بالعكس، ومن خلال سبر نصوص فقهاء المدرسة الجابرية يتضح أن لديهم تحفظاً من الرواية بإطلاق عن الآخرين، تجد ذلك في من خلال تآليفهم الفقهية والحديثية، وفي ثنايا عباراتهم، ومن ذلك:
- قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج: هل في الصلاة قنوت؟. (1/17)
صفحة 18
قال: حدثني أبو عبيدة أنه سأل جابر بن زيد عن ذلك فقال: الصلاة كلها قنوت، قال الله تبارك وتعالى: "أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً" فالصلاة كلها قنوت.
قلت: يا أبا الشعثاء؛ ليس عن هذا أسألك، ولكن إنما أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يدعون ويهللون وهم قيام.
قال: هذا أمر محدث لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة)[2].
وقال الإمام جابر (كيف يمسح الرجل على خفيه والله تعالى يخاطبنا في كتابه بنفس الوضوء؟! والله أعلم بما يرويه مخالفونا في أحاديثهم)[3].
والحقيقة أنه ليس هناك تحفظ بمعناه النفسي، لكنه عبارة عن جانب موضوعي علمي في قبول الرواية للأسباب التالية:
- عدم التورع عن الكذب والدس في الرواية، وهذا قد ظهر مبكراً في تاريخ الرواية، ففي مقدمة صحيح مسلم (جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع، فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف)[4].
- تأثير الصراعات السياسية والعقائد المذهبية على رواية الأحاديث، فقد تحول الانقسام السياسي الأول إلى مجال خصب للدس والكذب في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم[5]، وزاد الطين بلة أن ركب هذه الموجة أناس دخلوا الإسلام وهم يحملون أوزاراً من عقائدهم ومورثاتهم السابقة والتي جاء الإسلام لاجتثاثها من جذورها، فحصل خلط كبير، ودخلت المسلمين على حين غفلة منهم كثير من الروايات الباطلة، فكان لا بد من الحذر والحيطة في أخذ الحديث وتلقيه. (1/18)
صفحة 19
فالرواد الأولون للمدرسة الجابرية لم يمارسوا هذه الصرامة في قبول الأحاديث لأجل الخلاف السياسي، بل لأجل ما جره هذا الخلاف السياسي من تبعات في القول والعمل، ويؤيد هذه الحيطة ما ورد في كتاب الله تعالى (يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا) فبين تعالى في هذه الآية أن التعلق بأماني الغفران مؤد بدوره إلى التكالب على الحطام الفاني وتضييع معاني الخوف من الله تعالى، وقال تعالى أيضاً: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون) ثم بين تعالى سبب هذا الإعراض عن حكمه ومنهجه (بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات)، فتضييع العمل أو التهوين من قيمته من شأنه أن يلقي بظلاله الكئيبة على تلقي الرواية وأدائها، ولعل هذا يفسر تكالب آلاف الكذابين والدجالين لاختلاق الروايات ونسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وللأسف الشديد أن يكون بين هؤلاء بعض ممن حملوا أمانة العلم.
وهذا كما قلنا لا يعني بالضرورة أنهم تركوا مرويات من عداهم، فأبو المؤرج يقول لتلميذه أبي غانم: (قومك يقولون حقاً كثيراً، لم يخالفهم المسلمون فيما أصابوا فيه، ولكن إنما خالفوهم فيما أخطأوا فيه وكذبوا)[6]، فأبو المؤرج يؤكد على أن عند الآخرين الكثير من الخير الذي لا ينبغي إهماله والإعراض عنه، لكنه يؤخذ بما ينسجم مع القواعد الكلية والأصول التشريعية، ولعل هذا المثال يوضح الفكرة بشكل جيد، حيث سأل أبو غانم أبا المؤرج فقال: (أبلغك عن عبدالله بن مسعود أنه قال لشيخ أتاه قد ذكر له أنه تزوج جارية شابة فأشفق أن تبغضه فأتى عبدالله بن مسعود. فقال: إني شيخ كبير فتزوجت فتاة، وأخاف العزل. (1/19)
صفحة 20
فقال له عبدالله بن مسعود: إن الألفة من الله والفرك من الشيطان، فإذا دخلت بإمرأتك فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم تطهر وتقوم إلى المسجد وامر امرأتك أن تقوم خلفك ثم تصي ركعتين، ولتصليهما معاً، فإذا صليت ركعتين فاجلس وتشهد ثم تحمد الله تعالى وتصلي على سيدنا محمد عليه السلام، وتثني على ربك ثم تقول ثم تقول "اللهم بارك لي في أهلي وبارك لها فيَّ، وارزقها مني وارزقني منها، واجمع بيننا ما جمعتنا على خير، وإذا فرقت بيننا فاجعل فرقتنا على خير".
قال: ففعل الرجل ما أمره به ابن مسعود فعطف عليه امرأته ورزق ودها، ولم ير شيئاً مما كان يتخوف منه.
قال أبو المؤرج: لم تبلغني هذه الرواية ولم نسمعها قبل يومي هذا، ولست استنكر من هذا الحديث شيئاً والله أعلم)[7].
وكذلك فإنهم رووا عمن كان مقارباً لهم في توجهاته الفكرية[8] (=يثقون في أدائه للرواية) كالحسن البصري الصديق الحميم للإمام جابر[9]، وإبراهيم النخعي الذي يشيد بفقهه عبدالله بن عبدالعزيز ويفضل آراءه أحياناً على آراء أبي عبيدة[10]، وسعيد بن جبير[11] الذي يجعل أبو المؤرج من بعض آرائه مقدمة على آراء بعض الصحابة الكبار كعلي بن أبي طالب حين قال: (ليس فيما قال علي في هذا شيء، والأمر عندنا على ما وصفت لك عن النبي عليه الصلاة والسلام وابن عباس وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير)[12].
في المقابل رووا عن بعض الذين خاضوا في الفتن والصراعات وكانت لهم فيها مواقف غير محمودة كمروان بن الحكم ومعاوية بن أبي سفيان، وهذه الروايات كما في مسند الربيع:
– أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن معاوية بن أبي سفيان قال وهو على المنبر: (أيها الناس إنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معط لما منع الله، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، من يرد به خيرا يفقهه في الدين) ثم قال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الكلمات على هذه الأعواد يعني المنبر[13]. (1/20)
صفحة 21
– أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن معاوية بن أبي سفيان حين قدم من مكة ورقي المنبر فقال: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهذا اليوم يوم عاشوراء (لم يكتب الله عليكم صومه وأنا صائمه فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر ولكن في صيامه ثواب عظيم وأجر كريم)[14].
– أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن معاوية بن أبي سفيان قال وهو على المنبر عام حج، فتناول قصة من شعر في يد حرسي فقال: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذت مثل هذه نساؤهم)[15].
– أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عروة بن الزبير قال: دخلت على مروان بن الحكم، قال: فتذاكرنا ما كان من نقض الوضوء، قال: قال مروان: من مس ذكره فليتوضأ. قال: قلت له: ما أعلم ذلك. فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ).[16]
ولو جئنا نقرأ هذه الروايات لوجدنا أنها لا تخرج عن إطارين اثنين:
· أنهم كانوا يروون هذه الأحاديث بمحضر من الصحابة الذين عاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وخبروا سنته وحديثه، فلو وقع منهم تلاعب لأنكروا عليهم ذلك، وهذا هو المعهود عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فعن أنس بن مالك قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة، فقرأ فيها (بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ) لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين من كل مكان: "يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟!". فلما صلى بعد ذلك قرأ (بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ) للسورة التي بعد أم القرآن وكبر حين يهوي ساجداً[17]. (1/21)
صفحة 22
· أن ما يروونه لم ينفردوا به عن غيرهم، فحديث صوم يوم عاشوراء رواه أيضاً ابن عباس والسيدة عائشة[18]، وحديث نقض الصوم من مس الذكر رواه أيضاً ابن عباس[19].
وتحت هذا البند تندرج بنود ومحددات منها:
1. لا بد للرواية من أصل من الكتاب أو السنة.
أ- جاء في الديوان المعروض في سؤال أبي غانم لأبي المؤرج: (قلت: إن أناساً من قومنا يروون عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: أفطر الحاجم والمحجوم؟
قال: ليس فيما قال علي في هذا شيء، والأمر عندنا على ما وصفت لك عن النبي عليه الصلاة والسلام وابن عباس وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير، لأن السنة في الصيام إنما نهوا عن الطعام والشراب وغشيان النساء، والحجامة ليس بشيء من ذلك، إنما يمنع منها مخافة الضعف، فإن احتجم فقد تم صومه بهذا نأخذ وعليه نعتمد وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا).
فالسؤال كان عن حديث أفطر الحاجم والمحجوم[20]، فكان الجواب عدم اعتبار الحجامة من جملة المفطرات؛ (لأن السنة في الصيام إنما نهوا عن الطعام والشراب وغشيان النساء، والحجامة ليس بشيء من ذلك، إنما يمنع منها مخافة الضعف، فإن احتجم فقد تم صومه بهذا نأخذ وعليه نعتمد وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا).
والسنة التي عناها أبو المؤرج هي جملة المعاني الثاوية في مجموع النصوص الثابتة في الكتاب والسنة، والتي تستخلص من خلال النظر، وإنما عبر عنها بالسنة لأنها مما مورس عملياً وكانت سنة للحياة. (1/22)
صفحة 23
ب- سئل الربيع بن حبيب عن لحوم الحمر الأهلية (قال: كان جابر لا يرى بلحومها وألبانها بأساً، وقال إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر أن يشرعوا في كراعهم ولم يحرم لحومها)[21]، وعن الربيع أيضاً قال: (ونهى رسول الله عليه السلام عن لحوم الحمر الأهلية وعن كل ذي ناب من السباع، وأما الحمر الأهلية فبلغنا أنها كانت حمولتهم يومئذ؛ فخافوا أن يأكلوها ولا تبقى معهم حمولة، وكان أبو عبيدة رحمه الله يتأول هذه الآية "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير" )[22].
وهذا الموقف من جابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع في هذه المسألة يدل على أنهم (لم يقبلوا الحديث المرفوع إلى رسول الله على عواهنه؛ لأن صحابياً رواه، بل نظروا إلى الرواية من خلال الرؤية القرآنية التي اكتسبوها من استبطان معاني كتاب الله الكريم، وعرضوها على نسق المبادئ والمقاصد التي تشكل ثوابت هذه الرؤية، ولم يترددوا في رد الحديث أو تأويله عند تعارضه مع المبادئ القرآنية الثابتة)[23]. (1/23)
صفحة 24
ومما يظهر من كلام أبي عبيدة مسلم أن المحرمات المطعومة بأعيانها وردت في قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به)، فأصول المحرمات المطعومة محصورة في هذه الآية الكريمة، فتحريم الخمر مثلاً لأنها (رجس من عمل الشيطان) والرجس محرم بنص هذه الآية، والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع من أصناف الميتة، والميتة محرمة بنص هذه الآية، فلم يخرج شيء من المحرمات المطعومة الأخرى التي ذكرها الكتاب العزيز عن دلالات هذه الآية، وما لم يذكر في الآية فهو محكوم بقول الله تعالى (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث)، فعندما يأتي الحديث ينبغي أن يحمل على هذه الكليات فرأى أن منع أكل الحمر الأهلية يوم خيبر كان لأجل أنها كانت حمولتهم، واستدل بالآية الكريمة[24].
2. لا بد من حياطة الرواية وفهمها في ضوء القواعد الكلية والأصول التشريعية لاكتشاف أي خلل فيها (=العلة) وتحديد موقعها في البناء التشريعي.
جاء في الديوان المعروض: (قلت: إن قومنا وبعضهم يقولون ويروون عن علي أنه قال: لا يقضي رمضان في العشرة؟.
قال: أساءوا الرواية، ولقد كان علي لعمري يقول ذلك على غير ما قالوا، إنما قال علي ذلك لئلا يؤخروا رمضان إلى العشرة، كذلك حدث عنه الحسن وإنما دعاه إلى ذلك لئلا يؤخر رمضان إلى العشرة، فهم يروون الرواية ولا يعرفون وجهها ولا معانيها، والسنة أن رمضان فرض من الله، والعشرة صيامها تطوعاً فلا ينبغي لأحد أن يدع الفرض ويتطوع، وليس صوم العشرة حتماً، ولكن أيام الصوم فيها متضاعف، وأن العمل فيها مضعف إن شاء الله.
فهذا كله قولنا فبه نأخذ وعليه نعتمد وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا)[25]. (1/24)
صفحة 25
فأبو المؤرج ينتقد من (يروون الرواية ولا يعرفون وجهها ولا معانيها)، فما روي عن علي بن أبي طالب من أنه لا يقضى رمضان في العشرة لا يصح، لأن (السنة أن رمضان فرض من الله، والعشرة صيامها تطوعاً فلا ينبغي لأحد أن يدع الفرض ويتطوع، وليس صوم العشرة حتماً).
3. لا بد من تمييز الأحاديث والروايات التي جرى عليها العمل من غيرها، فـ(الصحيح منها ما أيده العمل أو وقع عليه الإجماع لذلك)[26]، فالظهور المتأخر للروايات وعدم قيام عمل عليها مؤذن بضرورة الفحص والتمحيص الدقيق والعرض على الأصول، (فلذلك تجب الأسانيد والبحث عن صحتها وثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب)[27]، إذ قد تكون من جملة ما نسخ فترك، أو هي من جملة الدس المتأخر الذي يراد به التشويش على الأصول الثابتة، أو هي من جملة التسريبات من الثقافات الأخرى، أو هي نتاج أي عارض من العوارض الإنسانية الأخرى كالخطأ والوهم والنسيان والرواية بالمعنى.
قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج: هل في الصلاة قنوت؟.
قال: حدثني أبو عبيدة أنه سأل جابر بن زيد عن ذلك فقال: الصلاة كلها قنوت، قال الله تبارك وتعالى: "أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً" فالصلاة كلها قنوت.
قلت: يا أبا الشعثاء؛ ليس عن هذا أسألك، ولكن إنما أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يدعون ويهللون وهم قيام.
قال: هذا أمر محدث لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة)[28].
و(قال أبو الأشهب جعفر بن حيان: سألت جابر بن زيد عن القنوت. قال: الصلاة كلها قنوت، وأما الذي يصنعون فما أدري ما هو)[29]. (1/25)
صفحة 26
فقول الإمام جابر "لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة" وقوله "وأما الذي يصنعون فما أدري ما هو" يعبر بصراحة عن ظاهرة الظهور المتأخر للروايات وعدم قيام عمل عليها، وفي مخطوطة "من قول قتادة" من الديوان المعروض لما سئل أحد تلاميذ الإمام الربيع بن حبيب عن (قول أبي معشر النخعي أربعة يخفيهن الإمام: بسم الله الرحمن الرحيم، والاستعاذة، وآمين عند خاتمة فاتحة الكتاب، وربنا ولك الحمد عند رفع رأسه من الركوع.
قال: يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأما آمين فلا نعرفه، وإن جهر باسم ربنا ولك الحمد حتى يسمع من على يمينه فلا بأس)[30]، في هذا النص يقول أحد تلاميذ الربيع إن "آمين" عند خاتمة الفاتحة لا يعرفها من أين جاءت!!.
وليس ذلك ببدع من الأمر، فحتى بعض علماء المحدثين كان يبني آراءه الفقهية على ذلك، فمالك بن أنس عالم المدينة وإمام المذهب المالكي يقول (في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة؛ قال: لا أعرف ذلك في الفريضة)[31] فكان يكرهه، فقوله (لا أعرفه) أي لم يكن عليه العمل المستقر المنقول جيلاً بعد جيل.
وهذا بالضبط ما يمثل نوعاً من المفارقة الجوهرية بين طرق المحدثين في التعامل مع الرواية وطرق المدرسة الجابرية، فالنظرية التي تقوم عليها مدرسة أهل الحديث في عمومها تنادي بأنه (لا تنظروا إلى الحديث، ولكن انظروا إلى الإسناد فإن صح الإسناد وإلا فلا تغتروا بالحديث إذا لم يصح الإسناد)[32]، و(إذا صح الحديث فهو مذهبي)[33]، في حين أن عموم الاستقراء للنصوص عن المدرسة الجابرية تؤكد على أنهم كانوا يتحفظون بشدة على الروايات المتأخرة الظهور والتي لم يقم عليها عمل.
ورغم قوة هذه النظريات التي قام عليها الفقه الإباضي القديم؛ صرنا في العهود المتأخرة نستورد دون وعي وبنيات حسنة في الغالب كثيراً من الأحاديث والروايات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ومن ينادي بخلاف ذلك يدمغ بتهمة "إنكار السنة"، ومرد ذلك في نظري إلى: (1/26)
صفحة 27
- قلة التآليف أو انعدامها في مناهج الأصول والحديث وغيرها التي تعتمد على أسس الحقل المعرفي للمدرسة الإباضية.
- الضغط السياسي الذي جعل من المدرسة الإباضية في مقابل السلطة السياسية (=أمويين، عباسيين، بويهيين، سلاجقة، أغالبة، فاطميين.....الخ) باستمرار، وهذا ولد من جانبه شعوراً بالضغط الفكري من الأقوى على الأضعف، وهذا بدوره جعل النظريات المتولدة في المحيط السياسي السلطوي تنساح على المنطقة الإباضية وتشكل حضوراً متعاظماً فيها.
4. صحة السند والمتن لا تعني بالضرورة حيزاً واسعاً في البناء التشريعي:
فإن الرواية قد تصح سنداً ومتناً لكن قد تلزم حيزاً تشريعياً محدوداً تفرضه الأصول الكلية والقواعد التشريعية الثاوية في نصوص الكتاب والسنة، وبعبارة أخرى فإن صحة الرواية غير فقه الرواية، وأفضل الأمثلة على ذلك ما رووه بأنفسهم ثم بينوا كيف يتم التعامل معه بالشكل المطلوب.
أ- روى الإمام الربيع (89): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه). قال الربيع: قال أبو عبيدة: ذلك ترغيب من النبي صلى الله عليه وسلم في نيل الثواب الجزيل في ذكر الله.
يرى الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أن التسمية مندوبة وليست فرضاً مع مجئ الحديث عنه صلى الله عليه وسلم بلفظ (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه).
ومرد هذا الرأي فيما يظهر أنه نظر إلى: (1/27)
صفحة 28
أن فرائض الوضوء وأركانه الأساسية ثابتة بالكتاب العزيز (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين )، (وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم المضمضة والاستنشاق)[34] ومسح الأذنين من خلال الممارسة العملية، قال أبو غانم الخراساني (حدثني الربيع: أنه سأل أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة عن الوضوء للصلاة، قال: تبدأ فتغسل كفيك، ثم تستنجي، ثم تمضمض فاك، ثم تستنشق بالماء، وتغسل وجهك وذراعيك إلى المرفقين، وتمسح برأسك وأذنيك ظاهرهما وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين)[35].
ب- روى الإمام الربيع (155): أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبع مرات أولاهن وأخراهن بالتراب) قال الربيع: قال ضمام بن السائب: يكفي من ذلك ثلاث مرات.
وعند الربيع (156): أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبع مرات) قال جابر: وفي الثلاث كفاية إن شاء الله.
وقال أبو غانم في المدونة: (قال أبو المؤرج: قال أبو عبيدة: "أو لامستم النساء" يعني أو جامعتم النساء.
وسألته: أيتوضأ الرجل من الإناء الذي ولغ فيه الكلب أو السبع؟.
قال: ليغسله، ثم ليتوضأ فيه، ولا يتوضأ فيه حتى يغسله.
قلت: أتوقت في غسله ثلاثاً أو سبعاً كما قال هؤلاء؟.
قال: لا أوقت في ذلك وقتاً دون حسن التنقي والغسل، فإن أنقاه في مرة واحدة فليتوضأ فيه)[36].
هذا الحديث يدل على أن ولوغ الكلب في الإناء يوجب غسله سبع مرات بعضها بالتراب، لكن لماذا اكتفى بعض الفقهاء كجابر بن زيد وضمام بن السائب بثلاث مرات، وبعضهم كأبي المؤرج قالوا إن حسن التنقي والغسل هو المطلوب ولو بمرة واحدة؟. (1/28)
صفحة 29
عالم كابن عبدالبر رفض هذه الأقوال بحجة أنه قد (ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ما يرد قول هؤلاء، فلا وجه للاشتغال به)[37]. لكن هل بالفعل كان كل هؤلاء العلماء على غفلة عن هذه الرواية وهم الذين رووها؟ أم أن هناك نظراً آخر في المسألة؟.
الظاهر من قراءة النصوص الواردة في التطهر من النجاسات أنها جميعاً تهدف إلى تحقيق الطهارة الحسية والمعنوية للفرد والبيئة من حوله
قال الله تعالى: (والله يحب المطهرين).
وقال تعالى: (وثيابك فطهر).
وقال تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها).
وسخر الله سبحانه وتعالى للناس أشياء تنقيهم من النجاسات والأحداث قال الله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهوراً).
وتشريعات الإسلام الثابتة المستقرة من الأمر بالغسل من الجنابة والحيض والنفاس والوضوء للصلاة وغسل النجاسات من البدن والثياب والمرافق المختلفة والاستنجاء بالماء والمنظفات؛ كلها تعطينا دلالة قطعية في أن إزالة النجاسة والتطهر منها أمر لا بد منه بأي من الوسائل المعتبرة المؤدية للغرض، وهذا يعني أن الوسائل والطرائق مقصودة لأجل تحقيق هذه الغاية؛ لا أنها مقصودة لذاتها، لذا رأى هؤلاء النفر من العلماء أنه (ليس من شرط غسل النجاسة العدد)[38].
--------------------------------------------------------------------------------
[1] الديوان المعروض (رسالة الشيخ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في الزكاة ص2).
[2] المدونة الصغرى ج1 ص 67، بشر بن غانم الخراساني.
[3] الربيع (125).
[4] مقدمة صحيح مسلم (1/13).
[5] انظر "السلطة في الإسلام" ص 233-348، عبدالجواد ياسين.
[6] المدونة الصغرى ج1 ص38، بشر بن غانم.
[7] المرجع السابق ج2 ص 223- 224.
[8] هذا الرأي للشيخ أحمد بن سعود السيابي في محاضرة له بولاية بَهلا عام 1425هـ/2003م .
[ (1/29)
صفحة 30
9] انظر كتاب الترتيب، آثار الربيع بن حبيب في الحجة على مخالفيه (53). و"الديوان المعروض، كتاب الصيام ص 46".
[10] المدونة الصغرى ج1 ص 347 ـ 348.
[11] الديوان المعروض، كتاب الصيام ص 42.
[12] المرجع السابق ص 46.
[13] الربيع (27).
[14] الربيع (313).
[15] الربيع (747).
[16] الربيع (118).
[17] المستدرك للحاكم (851)، السنن الصغرى للنسائي (398)، سنن الدارقطني (33).
[18] الربيع (311)، (312).
[19] الربيع (116).
[20] ابن حبان (3532)، الترمذي (774)، أبو داود (2366).
[21] الديوان المعروض (من قول قتادة ج3 ص29).
[22] المرجع السابق (من قول قتادة ج4 ص5).
[23] إعمال العقل ص 128ـ 129، لؤي صافي.
[24] ينبغي أن ننبه على أن مثل هذه القضايا قد تختلف فيها آراء الناس، بحسب أنظارهم ومناهجهم في الاستنباط، وهو مما تتسع له دائرة الاختلاف الإنساني في دائرة الدين.
[25] الديوان المعروض (كتاب الصيام ص 47). السائل هو أبو غانم الخراساني كما يظهر، والديوان المعروض على علماء الإباضية (يظن أنه من تأليف أبي غانم مؤلف المدونة، لأن الكثير من الأعمال الواردة في هذه المخطوطة الكبيرة منقول عن مصادر المدونة نفسها) انظر دراسات في الإباضية ص 137 عمرو النامي، و(كتاب الصيام يبدأ بروايات أبي المؤرج عن شيخه أبي عبيدة على شكل أسئلة وأجوبة، وبعد العنوان التالي "باب اختلاف العلماء في الصيام" ترد آراء مختلف العلماء حول الموضوع، منوهة بالآراء التي يعتمدها الأئمة الإباضيون، لا سيما أبو عبيدة)، انظر دراسات في الإباضية ص 138.
[26] كتاب الجامع ج1 ص 547.
[27] كتاب الجامع ج1 ص 280، عبدالله بن محمد بن بركة.
[28] المدونة الصغرى ج1 ص 67، بشر بن غانم الخراساني.
[29] آثار الربيع ج1 ص 61.
[30] الديوان المعروض (من قول قتادة ج1 ص 17).
[ (1/30)
صفحة 31
31] المدونة الكبرى ج1 ص 74، مالك بن أنس (برواية سحنون بن سعيد عن عبدالرحمن بن القاسم عن مالك)
[32] سير أعلام النبلاء ج9 ص 188، الذهبي.
[33] المرجع السابق ج10 ص 25.
[34] أصول الدينونة الصافية ص 92، عمروس بن فتح.
[35] المدونة الصغرى ج1 ص 13، بشر بن غانم الخراساني.
[36] المرجع السابق ج1 ص 17.
[37] التمهيد ج18 ص269 ، يوسف بن عبدالله بن عبدالبر.
[38] كتاب الإيضاح ج1ص 81، عامر بن علي الشماخي. وقال محمد بن جعفر الإزكوي في "الجامع" ج1 ص 274:(وقد اختلف الناس في تطهير الإناء من ولوغ الكلب، فقال بعضهم سبع، وقال قوم بخمس، وقال قوم بثلاث، وقال قوم يغسل كما يغسل غيره).
الجرح والتعديل (3-3)، قراءة في تراث المدرسة الجابرية... أ. خالد بن مبارك الوهيبي
بتاريخ 11-8-1425 هـ
القسم: الحديث و علومه
مقارنة
عرضنا في الحلقات الماضية أبرز معالم المنهج الحديثي عند فقهاء المدرسة الجابرية، وهو منهج مورس قبل اكتمال منظومة الجرح والتعديل، وقد لاحظنا من خلال التتبع أن:
1. الحكم على الرواة ليس من خلال العدالة والضبط فحسب (=مع التنبيه على أهمية ذلك بالطبع)، لكن يضاف إلى ذلك شرط الفقه والقدرة على تمييز ما يروى[1]، قال الإمام أبو عبيدة: (لا ينبغي أن تأخذ العلم من مبتدع لأنه يدعو إلى بدعته، ولا من سفيه يدعو إلى سفهه، ولا ممن يكذب وإن كان يصدق في فتواه، ولا ممن يفرز مذهبه من مذهب غيره)[2]، فنبه الإمام أبو عبيدة على ضرورة أن يكون الراوي عدلاً، وممن "يفرز مذهبه من مذهب غيره" أي أن يكون فقيهاً بما يروي حتى يجنب الفقه القائم على الأصول المستقرة ما يعكر صفوه من مرويات غير منضبطة بضابط الفقه، والتي عبر عنها هنا بالمذهب. (1/31)
صفحة 32
2. أن الحكم على الرواية يعتمد في الجانب الأكبر منه على النظر في المتن، ثم بالدرجة الثانية على السند، وهنا تكمن مفارقة أخرى بين معالم المنهج الحديثي عند فقهاء المدرسة الجابرية ومنهج الجرح والتعديل عند مدرسة أهل الحديث، فمن خلال تأمل الجوانب النظرية والتطبيقية لمنهج الجرح والتعديل عند مدرسة أهل الحديث يتبين أنه (في غالبه الأغلب منصب على الجانب الإسنادي، ولم يكن ينظر في المتن إلا في القليل النادر)[3].
ومن خلال النصوص التي استخرجناها من تراث المدرسة الجابرية وعرضناها في الحلقات السابقة من هذه السلسلة نخلص إلى مقاربة مفادها أن:
– الجم الغفير والغالبية العظمى من القواعد الحديثية لديهم تركز على النظر في المتن وتحديد موقع الرواية في البنية التشريعية.
– الأقل من القواعد الحديثية لديهم للنظر في الجوانب الإسنادية وسلاسل الرواة.
كتب الجرح والتعديل
يتساءل الكثير من الباحثين وطلاب العلم عن عدم وجود كتب في أوصاف الرواة وأحوالهم (=الجرح والتعديل) في المذهب الإباضي كما هو الحال عند مدرسة أهل الحديث ومدرسة آل البيت، وإذا استثنينا القليل من كتب السير والطبقات في المذهب الإباضي فإنه لا توجد لديهم كتب في أوصاف الرواة وأحوالهم (=الجرح والتعديل).
وبعد دراسة لهذا التساؤل المطروح منذ عدة سنوات توصلت إلى الآتي:
1. أن الرواة في المذهب كانوا قلة لا يتعدون العشرات وهم في غالبيتهم من الفقهاء الثقات الذين يقتدى بهم، وقلة الرواة عندهم ناشئة عن أمور موضوعية تتعلق بضوابط الرواية وتلقيها.
2. وأن الرواية الحديثية لم تتضخم لديهم، فمسند الإمام الربيع على سبيل المثال يحوي معظم أبواب الشريعة وعدد أحاديثه (754) حديثاً، ومدونة أبي غانم الخراساني تحوي (140) حديثاً[4]، (1/32)
صفحة 33
وهذا المنهج مورس من قبل هؤلاء العلماء عن وعي كامل بأبعاده وخلفياته، وفي هذا يقول الإمام الربيع: (بلغنا أن عدة ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث، منها تسعمائة في الأصول والباقي في الآداب والأخبار)[5].
وهذا الإقلال من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس معيباً ولا يدل على ضعف علمي بحال من الأحوال، بل هو المنهج الذي سار عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الاستقرار السياسي.
وهذا الإقلال في نظري مرده إلى أمرين:
- أولاً: الخشية من اختلاط التطبيق بالتشريع، وخاصة في عملية الرواية التي تتم من غير الفقهاء العارفين بظروف وملابسات الرواية، فتأتي آليات الاقتطاع والحذف والبتر والرواية بالمعنى، لتقدم للأجيال نصاً على أنه نص تشريعي، في حين أنه نص تطبيقي (=واقعة حال لا تتعداها، أو تطبيق لنصوص تشريعية أخرى). ومن أمثلة ذلك كثير من المرويات التي صنفت تحت باب الطب النبوي، فكثير منها ليس تشريعاً، إنما هي تعبير عن جملة المعارف الموجودة في ذلك العصر، وإنما جاءت تطبيقاً لأصل تشريعي وهو وجوب التداوي[6]، ومن أمثلة ذلك كثير من المرويات التي صنفت تحت باب الطب النبوي، فكثير منها ليس تشريعاً، إنما هي تعبير عن جملة المعارف الموجودة في ذلك العصر، وإنما جاءت تطبيقاً لأصل تشريعي وهو وجوب التداوي[7] ومنها قول الله تعالى (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ) وقوله (وَلاَ تَقْتُلُوَاْ أَنْفُسَكُمْ إِنّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) ، ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء)[8]. (1/33)
صفحة 34
وهذا أمر جعل الكثير من فقهاء الصحابة يتعاملون بحذر مع روايات غير الفقهاء منهم، ويمكن للقارئ استقراء ذلك من تعامل أمثال ابن عباس والسيدة عائشة وعمر بن الخطاب وغيرهم مع مرويات من كان غير فقيه منهم، وكل ذلك مدون في الصحاح والسنن.
ومثال ذلك ما جاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الشؤم في الدار والمرأة والفرس). لكن السيدة عائشة رضي الله عنها اعترضت على ذلك وبينت أن رواية أبي هريرة مجردة عن الملابسات التي قيلت فيها، لذا جاءت الرواية مخالفة للأصول العامة الثابتة بالاستقراء الكلي لمجموع النصوص الصحيحة الثابتة.
ففي رواية مكحول عند الطيالسي أنه قيل لعائشة أم المؤمنين إن أبا هريرة يقول قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثم الشؤم في ثلاث في الدار والمرأة والفرس)، فقالت عائشة: لم يحفظ أبو هريرة لأنه دخل ورسول الله صلى الله عليه سلم يقول: (قاتل الله اليهود يقولون: إن الشوم في ثلاث في الدار والمرأة والفرس). فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله[9].
- ثانياً: الخشية من طمر الدلالات القرآنية بروايات هي في حقيقتها تعامل زمني معها، في حين أن دلالات القرآن الكريم على تلك القضايا دلالات منطلقة عبر الزمان والمكان، وهو ما يعبر عنه عبدالجواد ياسين بخاصية (الاكتناز) أي وجود اكتناز هائل للنص القرآني يستثار عند احتكاك النص القرآني بالواقع، ولذلك كانت نصائح الفاروق عمر إلى البعوث التي يرسلها إلى الأمصار بأن يقلوا من الرواية ولا يشغلوا الناس عن القرآن، اعتماداً على ما استقر عليه العمل من السنن المعروفة بدلاً من إحداث مرويات مجتزأة عن سياقاتها وملابساتها. (1/34)
صفحة 35
روى ابن ماجه (28) والحاكم في المستدرك (347) والدارمي في السنن (280)عن قرظة بن كعب (بعث عمر بن الخطاب رهطاً من الأنصار إلى الكوفة، فبعثني معهم فجعل يمشي معنا حتى أتى صرار- وصرار ماء في طريق المدينة- فجعل ينفض الغبار عن رجليه ثم قال: إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن فيأتونكم، فيقولون قدم أصحاب محمد قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فاعلموا أن أسبغ الوضوء ثلاث وثنتان تجزيان، ثم قال: إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن، فيقولون قدم أصحاب محمد قدم أصحاب محمد ، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم فيه.
قال قرظة : وإني كنت لأجلس في القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، و إني لمن أحفظهم له، فإذا ذكرت وصية عمر سكتُ).
ويرى عبدالجواد ياسين أن (علم الحديث التقليدي كان يواجه بالفعل معضلة عسيرة، تتمثل في هذا الكم الهائل من الروايات الواجب فحصها، وهذا العدد الغفير من الرواة الواجب وزنهم بالجرح والتعديل، ولكن هذه المعضلة بغير شك، كانت تحكمية إلى حد كبير، بمعني أنه كان بالواسع تلافيها من حيث الابتداء. لقد صنع أهل الحديث المشكلة بأيديهم، ثم راحوا يجهدون أنفسهم في وضع الحلول لها. وذلك أن عملية جمع الحديث وتدوينه لم تكتف بالمتواتر المستفيض أو المشهور الشائع كما كان ينبغي، بل راحت تفتش في ضرب عجيب من المبالغة والنهم، وبقدر واضح من التصنع والافتعال عن كل خبر تشتم فيه رائحة النسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام سيل جارف من الروايات والأخبار، كان بعضها صحيحاً بغير شك، ولكنها صنعت بغير شك كذلك هذه المشكلة التي اخترع لحلها علم الحديث)[10].
تطبيق عملي (1/35)
صفحة 36
بعد أن ذكرنا عدداً من القواعد الحديثية عند عموم فقهاء المدرسة الجابرية، سوف نقدم أمثلة عملية، نحاول فيها تطبيق بعض القواعد التي قمنا باستخراجها من النصوص المأثورة عنهم.
المثال الأول: روى الربيع: (510): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي مسعود قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فسكت حتى نسينا أنه سأله فقال: (قولوا اللهم صلي على نبينا محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم).
قال الربيع: قال أبو عبيدة: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته هكذا علمناه".
وهذا الحديث رواه أيضاً: البخاري (4519)، ومسلم (405)، والنسائي في السنن الكبرى (1208)، والترمذي (483)، وأبو داود (976) وغيرهم.
هذه الرواية كثيراً ما يتداولها شراح الأحاديث في باب صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويرون فيها الصيغة المفضلة أو الصحيحة –كما هو تعبير بعضهم- للصلاة على النبي عليه السلام، وللتعامل مع هذه المسألة دعونا نستحضر بعضاً من القواعد التي استخرجناها من تراث المدرسة الجابرية: (1/36)
صفحة 37
قاعدة 1: (لا بد من تمييز الأحاديث والروايات التي جرى عليها العمل من غيرها، فـ"الصحيح منها ما أيده العمل أو وقع عليه الإجماع لذلك"[11]، فالظهور المتأخر للروايات وعدم قيام عمل عليها مؤذن بضرورة الفحص والتمحيص الدقيق والعرض على الأصول، "فلذلك تجب الأسانيد والبحث عن صحتها وثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب"[12]، إذ قد تكون من جملة ما نسخ فترك، أو هي من جملة الدس المتأخر الذي يراد به التشويش على الأصول الثابتة، أو هي من جملة التسريبات من الثقافات الأخرى، أو هي نتاج أي عارض من العوارض الإنسانية الأخرى كالخطأ والوهم والنسيان والرواية بالمعنى)، وقد ناقشنا هذه القادعدة وضربنا عليها الأمثلة في الحلقة الماضية فلتراجع من هناك، والآن دعونا نعطي تصوراً لهذه المسألة بناء على ما قلناه:
هذه الصيغة الواردة في الحديث (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) لم يجر عليها عمل، والصيغ المتداولة عملياً للصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام الواردة إذا ذكر هي "عليه السلام" و "صلى الله عليه وسلم" أو "عليه الصلاة والسلام" كما هو صنيع علماء المدرسة الجابرية في مسند الربيع ومدونة أبي غانم وآثار الربيع والديوان المعروض وكافة تآليفهم الأخرى، وهو الذي درج عليه المسلمون منذ عهود الصحابة والتابعين متى ما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، والتآليف الحديثية والفقهية التي دونت كلامهم تشهد بهذا. (1/37)
صفحة 38
وكذلك الحال بالنسبة لذكر النبي صلى الله عليه وسلم في تشهد الصلاة، فإن علماء المدرسة الجابرية الذين تولوا عملية التدوين الروائي في المذهب لم يطالبوا أحداً بذلك؛ أخذاً بما دلت عليه السنة العملية في عدم مطالبة الناس بذلك في صلاتهم، إذ أن الصلاة عبارة عن أفعال وأقوال توقيفية لا مجال للزيادة عليها، قال أبو غانم في المدونة: (التشهد أن تقول حين تجلس بعد كل ركعتين: "التحيات لله والصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله".
ثم تدعو بعد كمال الرابعة وبعد هذا التشهد بما بدا لك وبما يصلح لك أن تدعو به.
قال أبو المؤرج: قال أبو عبيدة: فهذا تشهد عبدالله بن مسعود)[13].
وهذه الكلمات كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على تبليغها وتعليمها للناس (قال الربيع وأبو المؤرج: بلغنا عن عبدالله بن مسعود أنه كان يعلم أصحابه هذه الكلمات من التشهد كما كان يعلمهم السورة من القرآن، وكان ابن مسعود يقول: "علمنيهن النبي عليه الصلاة والسلام")[14].
قاعدة 2: (صحة السند والمتن لا تعني بالضرورة حيزاً واسعاً في البناء التشريعي:
فإن الرواية قد تصح سنداً ومتناً لكن قد تلزم حيزاً تشريعياً محدوداً تفرضه الأصول الكلية والقواعد التشريعية الثاوية في نصوص الكتاب والسنة، وبعبارة أخرى فإن صحة الرواية غير فقه الرواية).
والسؤال الآن: ما هي الأصول التشريعية التي نبني عليها فهمنا للصلاة على (آل محمد)؟ وهل هو شعار على المسلم أن يلتزم به كي يكون مطبقاً للسنة بحذافيرها؟.
نبدأ بالإجابة على هذا التساؤل بالطريقة المتبعة عند الفقهاء بالتعريف اللغوي للمصطلحات: (1/38)
صفحة 39
- فالصلاة: هي مطلق الدعاء وهي (من الله رحمة، ومن الخلق كلهم دعاء؛ لأن الاستغفار من الملائكة دعاء أيضاً كما صرح به الإمام أبو سعيد رضي الله عنه في معتبره)[15].
- والآل: هم آل الرجل أي أهله أوعياله وآله أيضاً أتباعه[16].
وقد أخبرنا الله تعالى أنه وملائكته يصلون على النبي (إن الله وملائكته يصلون على النبي) وأمرنا بالاقتداء (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً).
فصلاة الله على عباده هي إسباغه لرحمته عليهم ولطفه بهم، وهم ممن وفوا بالقول والعمل، قال تعالى (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون)، وقال تعالى: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيماً).
لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: (اللهم صل على آل فلان)، فلما أتاه ابن أبي أوفى بصدقته قال: (اللهم صل على آل أبي أوفى)[17].
وكذا الحال في الصلاة على (آل محمد) وهم الموفون بالقول والعمل من أزواجه أو ذريته أو أتباعه على اختلاف الآراء في ذلك.
فالصلاة على آل أبي أوفى أو غيرهم مثلها مثل الصلاة على (آل محمد)، فالصلاة على عموم المؤمنين الموفين بالقول والعمل، فليست هناك ميزة خاصة (لآل محمد) على عموم المؤمنين تجعلهم يقترنون بالنبي صلى الله عليه وسلم في طبيعة تعبر عن وراثة النبوة، وقد نبه القرآن الكريم على هذه القضية بالذات، قال تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين). (1/39)
صفحة 40
فالحديث الوارد هو عبارة عن واقعة حال تعبر عن الصلاة عن عموم المؤمنين الموفين، وكما رأينا فإن الصلاة على آل محمد مثلها مثل لما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: (اللهم صل على آل فلان)، فلما أتاه ابن أبي أوفى بصدقته قال: (اللهم صل على آل أبي أوفى).
ومفهوم (الآل) قدم في التراث الروائي لدى مدرستي أهل الحديث وآل البيت متشبعاً بصراعات التاريخ بكل ايحاءاته وانفعالاته، وصور على أنه مفهوم ديني مقدس يقترن بوراثة النبوة، ونحن عندما نسبر النصوص الثابتة المستقرة من الكتاب والسنة نجد أننا غير مطالبين بأن ندخل في دائرة الإيمان أناساً بأعيانهم عاشوا في كنف النبي صلى الله عليه وسلم، فالإيمان مرتبط في هذ الموضع بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد نفي القرآن الكريم أية صلة بينه وبين أحد غيره في وراثة النبوة ومتعلقاتها (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين)، فما يسمونه بالصلاة البتراء -وهي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فقط دون اتباعها بالصلاة على الآل- هو في حقيقته اتهام صريح للقرآن الكريم بالبتر والتقصير الذي طالبنا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً)، فالقرآن الكريم اقتصرت مطالبته لنا بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم دون ذكر الآل أو غيرهم.
وفي رأينا أن أي طرح فقهي يعلي من شأن هذا المفهوم فوق ما ذكرنا هو طرح لم يستطع أن يستوعب كليات الدين وقواعده، ويصب في الوقت ذاته في خانة المنظومات الفكرية التي تعلي من شأن هذا المفهوم التاريخي.
المثال الثاني: (1/40)
صفحة 41
روى الربيع (384): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الشرب قائماً، ويروى أنه شرب من زمزم قائماً. قال ابن عباس: المرجع فيه إلى كتاب الله وهو قوله (كلوا واشربوا) فهذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال إلا في موضع خصه النهي من النبي صلى الله عليه وسلم.
والحديث أيضاً رواه مسلم (2024) (2027).
وروى مسلم (2026) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يشربن أحد منكم قائماً فمن نسي فليستقئ).
كيف نتعامل مع هذه الروايات، هل هي ثابتة وصحيحة؟ وهل نجعل هذا النهي محكاً يقاس به دين الإنسان واستقامته؟ وما هي مكانة هذه الروايات في بناء صرح الإيمان في آداب الأكل والشرب؟.
دعونا نطبق بعض القواعد التي استخرجناها:
قاعدة 1: (صحة السند والمتن لا تعني بالضرورة حيزاً واسعاً في البناء التشريعي:
فإن الرواية قد تصح سنداً ومتناً لكن قد تلزم حيزاً تشريعياً محدوداً تفرضه الأصول الكلية والقواعد التشريعية الثاوية في نصوص الكتاب والسنة، وبعبارة أخرى فإن صحة الرواية غير فقه الرواية).
قاعدة 2: (لا بد من حياطة الرواية وفهمها في ضوء القواعد الكلية والأصول التشريعية لاكتشاف أي خلل فيها "=العلة" وتحديد موقعها في البناء التشريعي).
في هذا الحديث يرى ابن عباس أن (المرجع فيه إلى كتاب الله، وهو قوله (كلوا واشربوا) فهذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال إلا في موضع خصه النهي من النبي صلى الله عليه وسلم) وهو رأي علي بن أبي طالب[18] .
والظاهر أن عبدالله بن عباس وعلي بن أبي طالب عولا على مجموعة من المقدمات النصية من الكتاب والسنة شكلت القواعد الكلية والأصول التشريعية في هذا الباب، من ذلك: (1/41)
صفحة 42
1. قول الله تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) فلا بد من شكر النعم بشكر المنعم سبحانه وتعالى ومن ذلك الدعاء والتسمية.
2. قول الله تعالى: (كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَات) )يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث)، أكل الحلال الطيب المباح والبعد عن الحرام والخبيث.
3. قول الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، النهي عن الإسراف والتبذير.
هذه هي الخطوط العريضة أو القواعد العامة التي تحكم آداب الأكل والشرب، فأين يمكن أن نضع مثل هذه الروايات في البنية الكلية لهذه القواعد؟. (1/42)
صفحة 43
الذي يظهر من هذا الاستقراء لنصوص الشريعة أن هذه الروايات ترجع إلى الأمور التحسينية؛ أي الهيئة الأفضل والأحسن، الهئية التي قد تكون هي غالب وضعية الإنسان، فالإنسان يتناول الطعام والشراب غالباً أثناء جلوسه سواء كان على طاولة أو على كرسي أو على الأرض، فهي الهيئة التي تسترخي وتستريح فيها أعضاء الإنسان، فلا تتعلق المسألة بشئ من أمور الدين التي يمكن أن يخالفها الإنسان، ولذلك قال فقهاء الصحابة أمثال ابن عباس وعلي بن أبي طالب أنه يشرب واقفا أو جالساً أو متكئاً، واعتمدوا على الإطلاق في قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) ، بل إن ابن عباس يرى أن النهي جاء مخصوصاً في حادثة معينة لأجل اعتبارات ظرفية (فهذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال إلا في موضع خصه النهي من النبي صلى الله عليه وسلم) فنقلها الرواة على أنه نهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن ذات الشرب واقفاً، ونفس الكلام عن علي بن أبي طالب أنه (قام فشرب فضله وهو قائم ثم قال: إن ناساً يكرهون الشرب قياماً، وإن النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت). وذهب بعض من أهل العلم إلى أن الشرب واقفاً من المكروهات فحسب، والمكروه يمكن أن يرتفع لأدنى ضرورة، والشرب واقفا ليس أمراً تتعلق به استقامة الإنسان أو تدينه، إنما هو من الأمور التحسينية التكميلية.
قاعدة 3: (لا بد للرواية من أصل من الكتاب أو السنة)[19].
قاعدة 4: (لا بد من تمييز الأحاديث والروايات التي جرى عليها العمل من غيرها، فـ"الصحيح منها ما أيده العمل أو وقع عليه الإجماع لذلك"[20]، فالظهور المتأخر للروايات وعدم قيام عمل عليها مؤذن بضرورة الفحص والتمحيص الدقيق والعرض على الأصول، "فلذلك تجب الأسانيد والبحث عن صحتها وثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب"[21]). (1/43)
صفحة 44
يبقى الشق الأخير من الرواية (ومن نسي فليستقي) عند مسلم، فهذه لا يمكن أن تقبل، إذ ليس لها أصل تشريعي تستند إليه[22]، والنبي صلى الله عليه وسلم شرب من ماء زمزم قائماً وما تقيأ، وورد عن كثير من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أنهم شربوا قياماً وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة[23]، فالعمل لم يكن عليها، فلا تقبل لمخالفتها الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكونها لا تستند إلى أصل تشريعي.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه ص 366، مبارك بن عبدالله الراشدي.
[2] دراسات عن الإباضية ص 127، عمرو خليفة النامي. نقلاً عن مسائل أبو عبيدة ص 24.
[3] السلطة في الإسلام ص285، عبدالجواد ياسين.
[4] رواية الحديث عند الإباضية ص ، صالح بن أحمد البوسعيدي.
[5] كتاب الترتيب، مسند الربيع ص 328.
[6] حول هذه المسألة انظر كتاب "الطب النبوي الوقائي" محمود الحاج قاسم، ط دار النفائس.
[7] حول هذه المسألة انظر كتاب "الطب النبوي الوقائي" محمود الحاج قاسم.
[8] البخاري (5354)، السنن الكبرى للنسائي (7555)، ابن ماجه (3439).
[9] كتاب الجامع ج1 ص 547-548، عبدالله بن محمد بن بركة.
[10] السلطة في الإسلام ص237 ، عبدالجواد ياسين.
[11] كتاب الجامع ج1 ص 547، عبدالله بن محمد بن بركة.
[12] المرجع السابق ج1 ص 280،.
[13] المدونة الصغرى ج1 ص 31، بشر بن غانم الخراساني.
[14] المرجع السابق ج1 ص 32.
[15] مشارق أنوار العقول ص 34، عبدالله بن حميد السالمي.
[16] لسان العرب ج11 ص 39.
[17] البخاري (1426)، مسلم (1078).
[18] البخاري (5293).
[19] قال الشاطبي في الموافقات ج3 ص 15-25: (كل دليل شرعي إما أن يكون قطعياً أو ظنياً: (1/44)
صفحة 45
- فإن كان قطعياً فلا إشكال في اعتباره كأدلة وجوب الطهارة من الحدث والصلاة والزكاة والصيام والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجتماع الكلمة والعدل وأشباه ذلك....
- وأما الثاني وهو الظني الراجع إلى أصل قطعي، فإعماله أيضاً ظاهر، وعليه عامة أخبار الآحاد فإنها بيان للكتاب لقوله تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) ومثل ذلك ما جاء فى الأحاديث من صفة الطهارة الصغرى والكبرى والصلاة والحج وغير ذلك مما هو بيان لنص الكتاب وكذلك ما جاء من الأحاديث فى النهي عن جملة من البيوع والربا وغيره من حيث هي راجعة إلى قوله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا) وقوله تعالى (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) إلى سائر أنواع البيانات المنقولة بالآحاد أو التواتر، إلا أن دلالتها ظنية، ومنه أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام "لا ضرر ولا ضرار" فإنه داخل تحت أصل قطعي في هذا المعنى، فإن الضرر والضرار مبثوث منعه فى الشريعة كلها فى وقائع جزئيات وقواعد كليات كقوله تعالى (ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا) (ولا تضاروهن).....
- وأما الثالث وهو الظني المعارض لأصل قطعي ولا يشهد له أصل قطعي فمردود بلا إشكال.
- وأما الرابع وهو الظني الذي لا يشهد له أصل قطعي ولا يعارض أصلاً قطعياً فهو في محل النظر).
[20] كتاب الجامع ج1 ص 547، عبدالله بن محمد بن بركة
[21] المرجع السابق ج1 ص 280.
[22] نقل ابن حجر العسقلاني في ج10 ص 83 عن القاضي عياض قوله: (لا خلاف بين أهل العلم في أن من شرب قائماً ليس عليه أن يتقيأ).
[23] فتح البارئ ج10 ص84، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.
السنة والحديث (1-4)، قراءة في تراث المدرسة الجابرية... أ. خالد بن مبارك الوهيبي
بتاريخ 28-6-1425 هـ
القسم: الحديث و علومه (1/45)
صفحة 46
علم مصطلح الحديث من العلوم التي راجت في العالم الإسلامي قديماً وحديثاً، وقد قام المحدثون من أهل السنة بتشييد دعائمه وتقعيد نظرياته، ومن الملاحظة السريعة يتبين أن كثيراً من المدارس الإسلامية الأخرى كالإباضية والمعتزلة والشيعة والزيدية لم تدون آراؤها في مصنفات هذا العلم لأسباب سياسية، لكن في المقابل يرى بعض الباحثين أن بعض هذه المدارس لم تعتن مع مرور الزمن ببناء نظرياتها الخاصة بها في التعامل مع الرواية الحديثية، بل أخذت تستورد النظريات من علم المصطلح دون الانتباه إلى طبيعة الحقل المعرفي الذي نشأت فيه، ويرجع ذلك إلى أمور منها:
-كثافة الانتشار الذي حققته النظريات الحديثية التي شيدها المحدثون، بفعل الدعم السياسي لها من قبل السلطات الحاكمة عبر التاريخ (=الأموية، العباسية، العثمانية).
-العجز السياسي والعلمي للمدارس الإسلامية الأخرى، التي أقصيت من الساحة السياسية بدعوى أنها من الفرق المبتدعة.
وهذا العلم نما وترعرع بجهود عدد من كبار المنظرين كشعبة بن الحجاج (ت 160هـ)، ومالك بن أنس (ت 179هـ)، وسفيان الثوري (ت 161هـ)، ويحيى بن سعيد القطان (ت 198هـ)، وعبدالرحمن بن مهدي (ت 198هـ)، وأحمد بن حنبل (ت 242هـ) الذي يعد من أكبر المنظرين لهذه المدرسة، ويحيى بن معين (ت 233هـ)، وعلي بن المديني (ت 234هـ)، ومحمد بن إسماعيل البخاري (ت 256هـ)، وأبو زرعة الرازي (ت 264هـ)، ومحمد بن يحيى الذهلي (ت 258هـ)، ومسلم بن الحجاج (ت 261هـ)، وأبو داود السجستاني (ت 275هـ)، ومحمد بن عيسى الترمذي (ت 279هـ) وغيرهم، وهؤلاء لهج المحدثون الذين جاءوا من بعد بمصطلحاتهم، وتحددت معالم المنهج الحديثي بما قدموه بما لا مبتغى بعده، بل إن مصطلحاتهم غلبت على أصولها اللغوية حتى كادت تنسى عند أهل هذا الفن[1]. (1/46)
صفحة 47
بل وحتى المدارس الفقهية في المحيط السني القائمة على التعويل على الطرائق الكلية في الاجتهاد والاستنباط لم تستطع الصمود طويلاً، ويبدو للمتتبع أنها كانت تمثل الطريقة الأصيلة عند عموم فقهاء الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، لكنها ولعوامل كثيرة ظلت تنكمش وتتتقلص لحساب النظرة الجزئية القائمة على النظر في نصوص مفردة ومجتزئة، وعزز هذه النزعة المبالغة في طلب الروايات والأحاديث التي تم تدوينها في القرنين الثالث والرابع، (وفي وجه هذا التطور برز المحدثون لتدوين الحديث والتحقق من سنده لتمييز صحيحه من سقيمه، ودونت كتب الصحاح والسنن والمساند في أسفار ضخمة غطت كل موضوع ومسألة، وانقسم الفقهاء بين مؤثر لاتباع النصوص، وراغب في تأصيل الأصول وتقعيد القواعد واعتماد الكليات في مسالك الاجتهاد)[2]، فدونت من بعد كتب القواعد الفقهية والأشباه والنظائر ككتاب قواعد الأحكام لابن عبدالسلام والفروق للقرافي والموافقات للشاطبي وغيرها، وحاول الكثير من الفقهاء اتخاذ طريقة وسطاً بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية (=اللغوية)، لكن بمرور الزمن لم يستطع الفقهاء القواعديون الصمود طويلاً أمام الهجمة الشرسة للنصوصيين من المحدثين، الذين ظلوا يجلدونهم باستمرار بسياط دعاوى التنكر للنصوص، والمقصود بالذات نصوص الأحاديث والروايات الآحادية التي دونت في مصنفات الحديث.
المدرسة الجابرية
ناقشنا في حلقات نشرت في العام الماضي بعضاً من القواعد التي ذكرها علماء المدرسة الجابرية في مصنفاتهم، أو تلك التي تعلم باستقراء النصوص والأحكام المأثورة عنهم، لكن بعض القراء الكرام أساء فهم ما كتبته واعترض عليها بأمور منها:
1. أن تلك المقالات مجدت المدرسة الجابرية (=المدرسة الإباضية الأولى) وهمشت أو ألغت التاريخ الفقهي الإباضي اللاحق.
2. أن تلك المقالات روجت لآراء فقهية ترك العمل بها في العصور المتأخرة. (1/47)
صفحة 48
وعلى كل حال أنا أرحب بالملاحظات والطرح المتعدد حتى تنضج الأفكار وتصل إلى مرحلة متقدمة من الرقي والتطور، أما عن هاتين الملاحظتين، فأقول معقباً:
1. ما كتبته هو إبراز لمزايا لمدرسة تعد المحضن والمنشأ الأول للمدرسة الفقهية الإباضية، ولا أذكر أنني بهذا قد همشت من أي دور من أدوار الفقه الإباضي عبر تاريخه الطويل، والمدارس الفقهية الإباضية قد مرت بأدوار وأطوار متعددة، ويقسمها بعض الباحثين المتخصصين إلى[3]:
- المدرسة الجابرية
-المدرسة المحبوبية
-المدرسة الرستاقية
-المدرسة النزوانية
-المدرسة الشقصية
-المدرسة البونبهانية
-المدرسة السالمية
-المدرسة الخليلية
وكل مدرسة من هذه المدارس تميزت بخصائص ومميزات ميزتها عن غيرها في إطار المرجعية العليا للمذهب الإباضي، فإبراز الخصائص المميزة لكل مدرسة من هذه المدارس لا يعد هضماً أو انتقاصاً من قدر المدارس الأخرى.
2. وكذلك الحال في الاستفادة من آراء قد أهملت أو أهيل عليها التراب في العصور المتأخرة، فإنه ليس بمستغرب، ففي دائرة الوجود الإنساني والاجتماعي لا بد من الاستفادة من كافة التجارب والآراء، فقد تكون هناك من الآراء لدى المتقدمين تركت ثم دعت الحاجة لإحيائها من جديد، فليست القضية حفاظاً على آراء معينة بقدر ما هي تسيير لحركة الحياة (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).
ولهذه الأسباب ولكون المدرسة الجابرية هي المنشأ والمحضن الأول للفكر الإباضي آثرنا الاستفادة من تراثها الفقهي في بناء نظرية حديثية متكاملة، وسنحاول خلال هذا المسلسل دراسة بعض من جوانب هذه النظرية.
السنة والحديث
درج المتأخرون من الفقهاء والمحدثين على المرادفة بين السنة والحديث؛ بإعطائهما تعريفاً واحداً هو (ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم)[4]، ويشمل هذا (قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره وصفته)[5]. (1/48)
صفحة 49
وقد انتقد بعض المعاصرين هذا التعريف ومنهم محمد رشيد رضا، حيث يرى أن سنته صلى الله عليه وسلم (التي يجب أن تكون أصل القدوة هي ما كان عليه هو وخاصة أصحابه عملاً وسيرة فلا تتوقف على الأحاديث القولية)[6]، وعاب على الفقهاء المتأخرين (جعلهم الأحاديث القولية من السنن، وهو اصطلاح للعلماء توسعوا فيه بمعنىالسنة، فجعلوها أعم مما كان يريده الصحابة من هذا اللفظ، وهي الطريقة المتبعة التي جرى عليها العمل)[7]، (ومن العجائب أن يغبى بعض المحدثين أحياناً عن الفرق بين السنة والحديث في عرف الصحابة الموافق لأصل اللغة؛ فيحملوا السنة على اصطلاحهم الذي أحدثوه بعد ذلك)[8].
وقد نقل هذا التفريق عن بعض قدامى المحدثين ، قال عبدالرحمن بن مهدي: (سفيان الثوري إمام في الحديث وليس بإمام في السنة، والأوزاعي إمام في السنة، وليس بإمام في الحديث، ومالك إمام فيهما جميعاً)[9] ومعنى هذه العبارة أن سفيان الثوري عند عبدالرحمن بن مهدي هو الأعلم بالطريقة المتبعة والسنن الماضية للنبي صلى الله عليه وسلم، والأوزاعي هو الأعلم بالحديث، أي بالروايات التي تصف حوادث متفرقة من حياته صلى الله عليه وسلم وتعامله معها، أما مالك فهو عالم بالسنة والحديث، أي عالم بالسنن الماضية والطريقة المتبعة للنبي صلى الله عليه وسلم، وعالم بالحديث أي بالروايات والأخبار المتفرقة التي تصف أحداثاً ووقائع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. (1/49)
صفحة 50
فالسنة تحمل معاني الاضطراد لما فيها من جريان الأحكام، وهو المعنى المتفق مع المعنى اللغوي للسنة، فالفعل "سَنَّ" يحمل معنى الاستمرارية، ويعني العمل المتواصل، ولهذا فالتعبيران "سننت الماء على وجهي وسننت التراب على وجه الأرض" يعني: ظللت أصب الماء على وجهي، واستمر الغبار يسقط على وجه الأرض، قال ابن الأعرابي: (السن مصدر سنَّ الحديد سَناً، وسن للقوم سُنَّة وسَنَنَّاً، وسَنَّ الإبل يسنها سناً إذا أحسن رِعيتها، حتى كأنه صقلها، وسَنَّنَ المنطق حسنه، فكأنه صقله)[10].
فسنة النبي صلى الله عليه وسلم تحمل هذه المعاني اللغوية، فهي الطريقة المتبعة التي تصقل الحياة الإنسانية، لذا كان الصحيح من الأحاديث ما (أيده العمل أو وقع عليه الإجماع)[11] دون ما كان منسوخاً أو استقر عمل المسلمين على خلافه أو كان مخالفاً للسنن الماضية.
والسنة في التعبير القرآني في نسبتها للخلق الإلهي تقتضي الثبات والاطراد في خصوصية الزمان والمكان
(سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً)
(سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً)
ولكن عند دلالة السنن المنسوبة إلى الفعل الإنساني نجد أن السنة استبدلت بسنن متعددة (=بشرية)، كلها تصب في معاني التفاعل الإنساني مع حركة الكون والحياة خيراً كانت أو شراً، وهو الحراك الاجتماعي.
( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كان عاقبة المكذبين)
(يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم) وهذا مدخل مهم ومعايير قرآنية لفهم السنة والحديث في ضوء الدلالات القرآنية الكلية.
فإذن الأحاديث لا تخرج في طبيعتها عن هذين الإطارين:
- القوانين الإلهية في كتاب الله تعالى، بالتشريع النبوي داخل القواعد والمقاصد الكلية للكتاب العزيز، بتطبيق أحكامه وبيان معانيه ودلالاته. (1/50)
صفحة 51
- القوانين الكونية والاجتماعية: وهذه أيضاً تطبيق للقواعد والمقاصد القرآنية في واقع الحياة المتغير، وهذا البعد لابد من إدراكه لدى الفقيه في تعامله مع الأحاديث، إذ إن إدراك هذا البعد الزمني الذي ورد في النص المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفق مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية هو الذي يضمن عملية التفريق الدقيق بين التشريع النبوي وبين تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم للنصوص وفق حركة المجتمع والحياة[12].
السنة في اصطلاح المدرسة الجابرية
وردت نصوص كثيرة عن أئمة وعلماء المدرسة الجابرية في معنى (السنة)، لنقرأها ونحاول أن نخرج بنتيجة من خلال استقرائها:
1. روى الإمام أفلح عن الحسن بن أبي الحسن قال: مضت السنة أن يقصر المسافرون في بلد أقاموا فيه، وإن أقاما فيه عشر سنين ما لم يتخذوه وطناً.[13]
2.أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: الوتر والرجم والاختتان والاستنجاء سنن واجبات، فأما الوتر فلقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (إن الله زادكم صلاة سادسة خير لكم من حمر النعم وهي الوتر)[14].
3. قلت (=أبو غانم الخراساني): فإن قدم شيئاً قبل شيء؟. قال الربيع: لا، إلا أن يتابع وضوءه كما جاءت به السنة[15].
4. قال أبو المؤرج وابن عبدالعزيز: (السنة في المغرب أن يجهر الإمام بالقراءة في الركعتين الأوليين)[16].
5. قال (= أبو المؤرج): (ومما يؤمر به الرجل في السنة عشر خصال: خمس في الرأس، وخمس في الجسد، فأما اللواتي في الرأس: فالمضمضة والاستنشاق وقص الشارب وفرق الرأس والسواك، وأما اللواتي في الجسد: فتقليم الأظافر ونتف الإبطين وحلق العانة والاختتان والاستنجاء بالماء)[17].
6. قال أبو غانم في المدونة: (حدثني أبو المؤرج عن أبي عبيدة رفع الحديث إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه إذا قام إلى الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. ثم يتعوذ من الشيطان الرجيم ويكبر)[18]. (1/51)
صفحة 52
7.(قال أبو سعيد عبدالله بن عبدالعزيز سألت أبا عبيدة عن رجل أكل أو شرب أو جامع ناسياً صومه في رمضان. قال سألت أبا الشعثاء جابر بن زيد عن ذلك فقال: لا قضاء عليه. ثم قال عبدالله بن عبدالعزيز: مضت السنة وأجمعت الأمة بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أطعمه الله وسقاه")[19].
8. (السنة المجتمع عليها في الصوم أن يدع الصائم الطعام والشراب والرفث كله لله نهاراً)[20].
9. (والسنة عندنا أن الله أحل الميتة والدم ولحم الخنزير لمن اضطر إليها وخاف على نفسه، وليس قتل النفس من التقرّب إلى الله، وقد قال الله "وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً* وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً " )[21].
10. (والسنة على من أفطر في رمضان عدة من أيام أخر)[22].
11. (والسنة المجتمع عليها أن الحائض لا صوم لها وعليها عدة من أيام أخر)[23].
12. (والسنة المجتمع عليها أن الشمس إذا غابت فقد ذهب النهار وجاء الليل، والسنة أن الصوم بالنهار وليس بالليل)[24].
13. (وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنن الصلاة بقيامها وركوعها وسجودها وتشهدها) [25].
14. (وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم المضمضة والاستنشاق) [26].
15. (وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستنجاء) [27].
16. (فريضة الزكاة من التنزيل، مقرونة بالصلاة، ثم فسرت السنة كيف كان قسمها)[28].
17. (وزكاة الفطر يؤديها من كان له ما يقوته سنة، وهي سنة، الأخذ بها فضيلة، وتركها ليس بخطيئة، والسنة سنتان:
أ سنة في غير فريضة، الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة.
ب وسنة في فريضة، الأخذ بها هدى وتركها ضلال) [29].
18. (والسنة المجتمع عليها لا يغط الرجل رأسه) [30]. (1/52)
صفحة 53
19. (وإنما يقطع يده اليمنى، وهذا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والسنة أن يقطع من أخرج من الحرز؛ ولا يقطع إلا بإقرار أو بشاهدين عدلين) [31].
20. (ذكر الله الأذان ذكراً ولم يأمر به، أجمع الناس أنه من سنة رسول الله عليه السلام، واختلفوا فيه، وقولنا الذي نأخذ به: الأذان مثنى مثنى، والإقامة كذلك، وهما من سنة رسول الله عليه السلام)[32].
21. قال أبو غانم في المدونة نقلاً عن أبي المؤرج: (وجاء في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله زادني صلاة وهي الوتر، فصلوها ما بين صلاة العشاء وهي العتمة إلى انشقاق الفجر)[33].
قال أبو غانم في المدونة: (قال أبو المؤرج: أخبرني أبو عبيدة: أن السنة مضت في الشياه أن يؤخذ من كل الأربعين من الشياه شاة إلى عشرين ومائة، ليس فيها إلا واحدة)[34].
22. قال أبو غانم نقلاً عن أبي المؤرج: (لأن السنة عن النبي عليه السلام على المدَّعي البينة والمنكر اليمين، والبائع الآن هو المنكر عليه اليمين، فلست أن أحطها منه وأحولها إلى غيره ممن لم يجعلها عليه النبي عليه السلام)[35].
23. قال أبوغانم في المدونة عن أبي المؤرج: (قال: نعم، قد جاء ما ذكرت وأخبرت السنة أن الزانية والزاني اللذين أمر الله بإقامة الحدود عليهما هو الذي يولج كولوج المرود في المكحلة)[36].
24. جاء في آثار الربيع: (الربيع عن ضمام أنه قال: أتيت أبا الشعثاء يوم الجمعة، فلما حضره الرواح قال لي: قم حتى ننطلق إلى الجمعة.
فقلت: أخلف الحجاج؟
قال: نعم؛ فإنها صلاة جامعة وسنة متبعة)[37].
25. جاء في الديوان المعروض: (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أجاز شهادة رجل على الهلال.
وبلغنا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون.
وكان عمر بن عبدالعزيز يقبل شهادة رجل واحد على الصوم، ولا يقبل على الفطر إلا شهادة رجلين. والسنة في هذا ما تثبت به الأشياء)[38]. (1/53)
صفحة 54
من كل هذا الحشد من النصوص يتبين لنا:
- أن مصطلح السنة عبر به عن المفردات التالية:
(قصر الصلاة في السفر- صلاة الوتر-تتابع غسل الأعضاء في الوضوء- جهر الإمام بالقراءة في الركعتين الأوليين من المغرب-القيام والركوع والسجود والتشهد في الصلاة-المضمضة والاستنشاق في الوضوء- الاستنجاء-السواك-نتف الإبط-الرجم-عدم تغطية الرأس للمحرم-قطع اليد اليمنى في السرقة-الأذان والإقامة- في زكاة الشياه أن يؤخذ من كل الأربعين من الشياه شاة إلى عشرين ومائة-صلاة الجمعة-البينة على من ادعى واليمين على من أنكر- الزانية والزاني اللذين أمر الله بإقامة الحدود عليهما هو الذي يولج كولوج المرود في المكحلة-السنة في حديث "أطعمه الله وسقاه").
- وهذه المفردات عند تأملها يتبين أنها: سنن مورست عملياً ومثلت المقدار المتفق عليه بين المسلمين أوبعبارة ابن بركة ما (أيده العمل أو وقع عليه الإجماع)[39] وهذا هو معنى قول الإمام جابر عن صلاة الجمعة بأنها (سنة متبعة)، ومعنى قولهم كثيراً (السنة المجتمع عليها).
- وفي أحيان أخرى يعبر بالسنة عن دلالات قرآنية مورست عملياً في تشريع النبي صلى الله عليه وسلم، أمثلة (9، 10).
- وأحياناً يعبر بالسنة عن المعاني الثاوية في مجموع النصوص الثابتة في الكتاب والسنة، والتي تستخلص من خلال النظر، مثال (25).
وفي الحلقة القادمة سنتعرض إن شاء الله تعالى لمصطلحات الرواية والحديث وعلاقتها بالسنة.
=============================
[1] المنهج المقترح لفهم المصطلح ص 56 ـ 58، حاتم بن عارف العوني.
[2] إعمال العقل ص 165، لؤي صافي.
[3] هذا التقسيم بالنسبة إلى إباضية المشرق، وهو للشيخ أحمد بن سعود السيابي.
[4] شرح شرح نخبة الفكر ص 153، ملا علي القارئ.
[5] المرجع السابق ص 153.
[6] مجلة المنار، المجلد 10 ص 852.
[7] المرجع السابق، المجلد 10 ص 852.
[8] المرجع السابق، المجلد 10 ص 853.
[ (1/54)
صفحة 55
9] حلية الأولياء ج6 ص 332، أبو نعيم الأصبهاني.
[10] لسان العرب ج13 ص 223، ابن منظور.
[11] كتاب الجامع ج1 ص 280، محمد بن عبدالله بن بركة.
[12] انظر أيضاً أحمد بن علي الرازي الجصاص "الفصول في الأصول" ج3 ص 239 ـ 244.
[13] كتاب الترتيب، روايات الإمام أفلح (16).
[14] كتاب الترتيب، مسند الربيع (195).
[15] المدونة الصغرى ج1 ص 15، بشر بن غانم الخراساني.
[16] المرجع السابق ج1 ص 46.
[17] المرجع السابق ج1 ص 69 ـ 70.
[18] المرجع السابق ج1 ص 25.
[19] الديوان المعروض، كتاب الصيام ص 7 . يقول عمرو النامي في دراسات عن الإباضية ص 137: (كتاب الصيام، وهو يبدأ بروايات أبي المؤرج عن شيخه أبي عبيدة على شكل أسئلة وأجوبة، وبعد العنوان التالي "باب اختلاف العلماء في الصيام" ترد آراء مختلف العلماء حول الموضوع، منوهة بالآراء التي يعتمدها الأئمة الإباضيون، لا سيما أبو عبيدة).
[20] المرجع السابق ص 40.
[21] المرجع السابق ص 43.
[22] المرجع السابق ص 49.
[23] المرجع السابق ص 83.
[24] المرجع السابق ص 72.
[25] أصول الدينونة الصافية ص91، عمروس بن فتح.
[26] المرجع السابق ص 92.
[27] المرجع السابق ص 93.
[28] المرجع السابق ص 95 ـ 96.
[29] المرجع السابق ص 102.
[30] المرجع السابق ص 110. (هذا الكلام في الإحرام).
[31] المرجع السابق ص 128.
[32] المرجع السابق ص 156.
[33] المدونة الصغرى ج1 ص 62، بشر بن غانم الخراساني.
[34] المرجع السابق ج1 ص 156.
[35] المرجع السابق ج2 ص 164 ـ 165.
[36] المرجع السابق ج2 ص 74.
[37] آثار الربيع ج1 ص 46، عبدالملك بن صفرة.
[38] الديوان المعروض، كتاب الصيام ص 67.
[39] كتاب الجامع ج1 ص 280، محمد بن عبدالله بن برك
السنة والحديث (2-4)، قراءة في تراث المدرسة الجابرية... أ. خالد بن مبارك الوهيبي
بتاريخ 4-7-1425 هـ
القسم: الحديث و علومه (1/55)
صفحة 56
تحدثنا في الحلقة الماضية عن معنى السنة في استعمال فقهاء المدرسة الجابرية، وقلنا إن مصطلح السنة لديهم يدل على سنن مورست عملياً ومثلت المقدار المتفق عليه بين المسلمين أوبعبارة ابن بركة ما (أيده العمل أو وقع عليه الإجماع)[1] وهذا هو معنى قولهم (سنة ماضية)، وأحياناً يعبرون بالسنة عن المعاني الثاوية في مجموع النصوص الثابتة في الكتاب والسنة.
الحديث والرواية في استعمال المدرسة الجابرية
وهذه نصوص من تراث المدرسة الجابرية في استعمال مصطلحي الحديث والرواية.
1. قال الإمام جابر بن زيد: (كيف يمسح الرجل على خفيه والله تعالى يخاطبنا في كتابه بنفس الوضوء؟! والله أعلم بما يرويه مخالفونا في أحاديثهم)[2].
2. قال الإمام جابر: (وهذه الرواية تمنع من التيمم بغير التراب) [3].
3. قال أبو المؤرج: (لسنا نأخذ بهذا من حديث ابن عمر، وقد كان أبوه أمير المؤمنين رحمة الله عليه يقول بخلاف هذا القول)[4].
4. قال أبو غانم في المدونة: (حدثني أبو المؤرج عن أبي عبيدة رفع الحديث إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه إذا قام إلى الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. ثم يتعوذ من الشيطان الرجيم ويكبر)[5].
5. قال أبو غانم في المدونة: (وروى لي أبو المؤرج عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلاً من الأنصار ذبح ضحيته ثم خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى، فلما انصرف النبي عليه الصلاة والسلام، وعاب ذلك عليه أصحابه.........)[6].
6. قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج: عن الإمام يؤم الناس؛ كيف ينبغي أن يصلي بهم؟.
قال: حدثني أبو عبيدة فقال: من أم الناس فليخفف وليصل بأضعف من خلفه، فإنه يصلي وراءه السقيم والضعيف وذو الحاجة والكبير والمريض والحامل. ولا أحسبه إلا وقد رفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم)[7]. (1/56)
صفحة 57
7. قال أبو غانم في المدونة: (أليس قد روى الناس عن النبي عليه السلام أنه يتوضأ بنبيذ التمر إذا لم يجد الماء حين وفد الجن. قال أبو المؤرج: قال الله أعلم بما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو نعلم أن النبي عليه السلام فعل ذلك لأخذنا به) [8].
8. قال أبو غانم في المدونة: (سألت ابن عبدالعزيز وأخبرني من سأل الربيع بن حبيب عما روى الناس ورفعوه إلى النبي عليه السلام أنه قال: البايعان بالخيار ما لم يفترقا. قالوا جميعاً: بلغنا ذلك عن النبي عليه السلام، والأمر عندنا كذلك، قال ابن عبدالعزيز: البيع جايز ماض وإن لم يفترقا والله أعلم بحديث النبي عليه السلام ما معناه، والافتراق عندنا افتراق صفقة البيع)[9].
9. قال أبو غانم في المدونة: (قلت: أخبرني عن قول هؤلاء فيما رووه ورفعوه إلى أبي سعيد الخدري أنه قال: ليس فيما دون المائتين من الورق شئ، ولا فيما دون عشرين مثقالاً من الذهب شئ، ولا فيما دون الأربعين من الشياه شئ، ولا فيما دون الثلاثين من البقر شئ، ولا فيما دون خمسة من الإبل شئ، ولا فيما دون خمسة أوساق من الحنطة والشعير والزبيب والتمر شئ. والوسق ستون صاعاً.
قال: كل حديثهم الذي ذكرت مستقيم، غير قولهم: "ليس فيما دون ثلاثين من البقر شئ"، وزكاة البقر عندنا كزكاة الإبل يؤخذ منها ما يؤخذ من الإبل، ويعمل فيها ما يعمل في الإبل، وسائر ما ذكرت من السنة في الذهب والورق والغنم والحنطة والإبل والشعير والزبيب والتمر كما ذكرت)[10].
10. قال أبو غانم نقلاً عن أبي المؤرج: (لأن السنة عن النبي عليه السلام على المدَّعي البينة والمنكر اليمين، والبائع الآن هو المنكر عليه اليمين، فلست أن أحطها منه وأحولها إلى غيره ممن لم يجعلها عليه النبي عليه السلام)[11].
- من كل النصوص السابقة يتبين أن فقهاء المدرسة الإباضية الأولى استعملوا مصطلح (الحديث) للتعبير عن معاني: (1/57)
صفحة 58
· أحاديث تنسب إلى الصحابي (=قول للصحابي)، مثال ذلك (3 ، 4).
· رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم. مثال ذلك (5 ، 6).
- في النصوص (2، 3): استخدم فقهاء المدرسة الجابرية مصطلح (الرواية) للتعبير عما تفرد به الآحاد من الرواة فيما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومثال ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً ".
- في النصوص (1، 3، 7 ،8 ،9): اعترض فقهاء المدرسة الجابرية على بعض الروايات والأحاديث التي رويت عنه صلى الله عليه وسلم أو عن غيره من الصحابة لمخالفتها ما هو أقوى منها في نظرهم، وحملوا البعض الآخر على محمل مقبول اقتضاه النظر في الثابت من النصوص من الكتاب والسنة.
من واقع الاستقراء للنصوص السابقة المأثورة عن فقهاء المدرسة الجابرية، يتبين لنا:
- من هذا الاستقراء للنصوص الإباضية الأولى، نجد أن مصطلح:
1. السنة: استعمل للتعبير عما جرى عليه عمل الأمة واستقرت عليه الشريعة وما اجتمعت عليه من السنن، دون ما ينفرد به الأفراد القليلون.
2. الرواية: استعمل للتعبير عن بعض ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أقوال قيلت في مناسبات ووقائع لا تذكر في كثير من الأحيان الملابسات والظروف التي قيلت فيها من قبل الرواة، مما ينفردون به عن غيرهم.
3. الحديث: استعمل للتعبير عن أقوال أو أفعال تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من صحابته الكرام رضي الله عنهم، مما يرويه الآحاد من الناس.
- إذن نلاحظ أن مصطلحي (الرواية) و(الحديث) متقاربان جداً وليس بينهما سوى فروق طفيفة للغاية، بينما مصطلح (السنة) يعبر عن درجة أعلى ومستوى من الثبوت أرقى، هذا ما بينه الاستقراء.
العلاقة بين السنة والحديث (1/58)
صفحة 59
قدمنا فيما سبق من تعريفات للسنة والحديث أن السنة تعبر عن الجانب التشريعي المتيقن منه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما يعبر الحديث عن وقائع متفرقة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم مما ينفرد به الآحاد من الرواة.
إذن يكون بذلك الحديث دالاً على السنة أحياناً، وفي أحيان أخرى معبراً عن جوانب منها، وفي أحيان أخرى قد يحصل للحديث نوع من عدم الانسجام الداخلي مع البنية الهيكلية للسنة نتيجة للعوارض الداخلية والخارجية التي ترافق عملية نقله، ومن هذه العوارض: النسيان والخطأ والرواية بالمعنى والبتر والزيادة وغيرها مما يعتري حتى أوثق الرواة، قال الإمام أبو عبيدة مسلم في رسالته عن الزكاة التي وجهها إلى أتباعه بالمغرب (فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ في رواية أو خبر أو غير ذلك فمن نفسي، استغفر الله من جميع ما ليس هو له رضى) [12] وهذه الرسالة فيها من الأخبار والروايات عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن صحابته الكرام، وأبو عبيدة راو من رواة الحديث كما يظهر من مسند الربيع ومدونة أبي غانم، فقوله (وما كان من خطأ في رواية أو خبر) ينصرف لمعنى الرواية والخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو صحابته. (1/59)
صفحة 60
لذا كان بعض علماء الصحابة ينكر على من يسرد الحديث عن النبي صلى الله عليه بدون ذكر الوقائع والملابسات التي تكتنفه، فعندما كان الصحابي أبو هريرة يروي ويروي عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت السيدة عاشة تقول: (ولو أدركته لرددت عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم)[13] وكان عمر بن الخطاب يوصي بالإقلال من الحديث والرواية، روى ابن ماجه (28) والدارمي في السنن (280) والحاكم في المستدرك (347) عن قرظه بن كعب قال: بعث عمر بن الخطاب رهطاً من الأنصار إلى الكوفة، فبعثني معهم، فجعل حتى أتى صرار ـ وصرار ماء في طريق المدينةـ فجعل ينفض الغبار عن رجليه، ثم قال: "إنكم تأتون الكوفة، فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن، فيأتونكم فيقولون قَدِم أصحاب محمد قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فاعلموا أن سبغ الوضوء ثلاث وثنتان تجزيان".
ثم قال: "إنكم تأتون الكوفة، فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن فيقولون قَدِم أصحاب محمد قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم فيه".
نخلص من كل ذلك أن الحديث يكون:
- الحديث دالاً على السنة.
- وفي أحيان أخرى معبراً عن جوانب منها.
- وفي أحيان أخرى أخرى قد يحصل للحديث نوع من عدم الانسجام الداخلي مع البنية الهيكلية للسنة نتيجة للعوارض الداخلية والخارجية التي ترافق عملية نقله.
(1) عندما يكون الحديث دالاً على السنة.
- روى الإمام الربيع (523): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : (لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها).
قال أبو عيسى الترمذي بعد روايته للحديث عن ابن عباس وأبي هريرة: (حديث ابن عباس وأبي هريرة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافاً أنه لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها)[14]. (1/60)
صفحة 61
فهذا الحديث عبارة عن عمل مورس من قبل المسلمين عبروا فيه عن السنة (=الطريقة المتبعة) النبوية، وهذا التشريع في حقيقته موجود في كتاب الله تعالى، فالله تعالى نهى عن الجمع بين الأختين (وأن تجمعوا بين الأختين)، ونهى عن نكاح البنت إذا كانت الأم قد دخل بها الرجل (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن)، أما مجرد العقد على البنت فيجعل الأم محرمة على الرجل (وأمهات نسائكم)، فمن تلك التشريعات يظهر حرص الإسلام على الحفاظ على منظومة العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة من أن يقطعها الاشتراك في علاقة الزوجية (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم)، وهذا يشمل القرابة من الدرجة الأولى كالأم والبنت والأخت، وجاء النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها من التشريع النبوي المفعل للتعاليم والرؤية القرآنية.
- روى الإمام الربيع (239): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: (التحيات كلمات كان يعلمهن النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ومعنى التحيات الملك لله)، وجاء في مدونة أبي غانم من كلام أبي المؤرج: (التشهد أن تقول حين تجلس بعد كل ركعتين: "التحيات لله والصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله". ثم تدعو بعد كمال الرابعة وبعد هذا التشهد بما بدا لك وبما يصلح لك أن تدعو به. قال أبو المؤرج: قال أبو عبيدة: فهذا تشهد عبدالله بن مسعود)[15]. (1/61)
صفحة 62
وهذه الأحاديث في التحيات (=على اختلاف يسير في بعض ألفاظها) مثلت السنة العملية المجتمع عليها بين المسلمين والتي حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليمها لأمته، (قال الربيع وأبو المؤرج: بلغنا عن عبدالله بن مسعود أنه كان يعلم أصحابه هذه الكلمات من التشهد كما كان يعلمهم السورة من القرآن، وكان ابن مسعود يقول: "علمنيهن النبي عليه السلام")[16].
(2) عندما يكون الحديث معبراً عن جوانب من السنة.
فالحديث عبارة عن نقل وقائع متفرقة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم يشهدها بعض الصحابة وينقلونها (=مستلهمين في ذلك فهمهم في كثير من الأحيان)، ومن خلال ربط تلك الأقوال أو الممارسات بالأصول الكلية للدين من الكتاب والسنة يتبين لنا أن الأحاديث لا تخرج في طبيعتها عن:
- القوانين الإلهية في كتاب الله تعالى، بالتشريع النبوي داخل القواعد والمقاصد الكلية للكتاب العزيز، بتطبيق أحكامه وبيان معانيه ودلالاته.
- القوانين الكونية والاجتماعية: وهذه أيضاً تطبيق للقواعد والمقاصد القرآنية في واقع الحياة المتغير، وهذا البعد لابد من إدراكه لدى الفقيه في تعامله مع الأحاديث، إذ إن إدراك هذا البعد الزمني الذي ورد في النص المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفق مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية هو الذي يضمن عملية التفريق الدقيق بين التشريع النبوي وبين تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم للنصوص وفق حركة المجتمع والحياة [17].
ولنضرب على لك مثالين:
المثال الأول:
روى الإمام الربيع (623) من طريق ابن عباس عن النبي عليه السلام أنه سئل عن ضالة الغنم فقال: (خذها فهي لك أو لأخيك أو للذئب). ثم قيل له: ما تقول في ضالة الإبل؟، فاحمر وجهه وغضب وقال: (مالك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها). (1/62)
صفحة 63
وروى الإمام الربيع (624) ومن طريق ابن عباس أن أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن لقطة التقطها، فقال: (عرفها سنة، فإن جاء مدعيها بوصف عفاصها ووكائها فهي له، وإلا فانتفع بها). قال الربيع: العفاص الوعاء، والوكاء الخيط الذي تشد به.
وعند الربيع (625) من طريق ابن عباس أيضا أن زيد بن ثابت التقط صرة فيها مائة دينار، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له: (عرفها سنة، فمن جاءك بالعلامة فادفعها له). فجاءه عند تمام السنة فقال له: عرفتها يا رسول الله سنة. فقال له: (عرفها سنة أخرى). فجاءه عند انقضاء السنة الثانية فأخبره أنه عرفها سنة أخرى، فقال: (هو مال الله يؤتيه من يشاء).
وهذه الأحاديث رواها البخاري (91) ومسلم (1722) وغيرهم.
ومن هذه الأحاديث نلحظ:
- أن حق صاحب اللقطة لا يسقط بالتقادم.
- وأن الانتفاع بالمفقود أولى من إهلاكه، فالمال يُعرّف سنة أو سنتين ثم ينتفع به، ويلزم رده عند ظهور صاحب الحق.
- وأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز التقاط ضالة الغنم ونهى عن التقاط ضالة الإبل.
وهذه التشريعات مأخوذة من القواعد التشريعية العامة من الكتاب والسنة العملية، فالله تعالى يقول: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) فمن ثوابت الإسلام ومن أخص صفات المؤمنين حفظ الأمانة وتأديتها إلى أهلها (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون). (1/63)
صفحة 64
وكذا الانتفاع بها إن لم يعرف صاحبها بعد تعريفها هو من باب الحفاظ على المال من الضياع والإهمال، وحق صاحبها لا يسقط بالتقادم، لأن الحق لا ينتقل عن صاحبه إلا بموجبات شرعية كالهبة أو الهدية أو البيع وما شابهها، فالله تعالى نسب المال إلى أصحابه (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) (وآتوا اليتامى أموالهم)، ولا تنتقل هذه الملكية إلا بوجه مشروع }يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم{، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في بيان أمام الأمة في حجة الوداع: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا)[18].
أما ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في جواز إيواء ضالة الغنم والنهي عن إيواء ضالة الإبل؛ فلأن ضالة الإبل (معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها) بخلاف ضالة الغنم.
فتجدون من كل هذه التشريعات النبوية أنها تُستَقى من أمرين اثنين:
- القواعد التشريعية العامة في الكتاب العزيز والسنة العملية.
- دائرة الوجود الإنساني الاجتماعي التي تعمل فيها هذه القواعد.
وقد أدرك الصحابة رضوان الله تعالى عليهم هذا الأمر، فلم يقفوا عند ظواهر الألفاظ مستأسرين لحرفيتها، بل غاصوا في حقائق مراميها واكتشاف قواعدها وأصولها، روى مالك في الموطأ (عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن ثابت بن الضحاك الأنصاري أخبره أنه وجد بعيراً بالحرة فعقله، ثم ذكره لعمر بن الخطاب، فأمره عمر أن يعرفه ثلاث مرات. فقال له ثابت إنه قد شغلني عن ضيعتي. فقال له عمر: أرسله حيث وجدته)[19].
و(كانت ضوال الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلاً مؤبلة تناتج لا يمسها أحد، حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها)[20]. (1/64)
صفحة 65
فعمر بن الخطاب أجاز إمساك وإيواء ضالة الإبل بشرط تعريفها ثلاثاً، ثم إطلاقها إذا لم يتعرف عليها أحد، أما عثمان بن عفان فقد أمر بإمساكها وبيعها، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها، فهل في فعل الخليفتين مخالفة السنة؟، قد يحسب ذلك بعض ممن لا يفرقون بين السنن الماضية وما انبنت عليه، وبين مواقف يتخذها النبي صلى الله عليه وسلم استناداً إلى القواعد التشريعية في دائرة الوجود الاجتماعي.
والمدقق يرى أن (تكاثر ضوال الإبل في ولاية عمر يعود إلى انتقال قبائل برمتها من الحجاز ونجد إلى العراق وخراسان والشام ومصر، وامتداد سلطان المسلمين خارج الجزيرة وتخلف أعداد من الإبل في أحيائها القديمة)[21] ، ولعل الناس قد خف الوازع لديهم، وكما يقال المال السائب يعلم السرقة، فأجاز عمر إمساكها وتعريفها ثلاثاً.
ثم (رأى الخليفة عثمان أن ترك الإبل طليقة يحول دون الانتفاع بها بعد أن تكاثر عددها في عهد عمر بن الخطاب وأصبحت كما روى ابن شهاب "إبلاً مؤبلة تناتج لا يمسها أحد" أي تتوالد دون أن يعرف لها مالك، لذلك أمر عثمان ببيعها والاستفادة من أثمانها في تنمية ثروة المسلمين، بدلاً من تركها تتوالد وتموت دون أن ينتفع بها أحد، ولو تمسك بظاهر النهي عن التقاط الإبل لخالف سنة رسول الله لتضييعه أموال المسلمين وثرواتهم) [22]، وعليه (فمن وجد بعيراً ضالاً فيما لا يقدر فيه على الورود ولا على الرعي، وأخذه قصداً إلى حفظه على ربه فهو مطيع لله في فعله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينه عن أخذ مثل هذا)[23]، ويؤيد خميس بن سعيد الشقصي هذا الرأي بقوله: (ولا يبعد أن يكون هذا البعير في معنى ضالة الغنم ونحوها، وقال عمر: "من آوى الضالة فهو ضال ما لم يعرفها" فهذا يدل على أنه إذا عرفها وحبسها على ربها كان مأجوراً)[24]. (1/65)
صفحة 66
ويعلل ابن بركة هذا التوجه بقوله: (فإن قال قائل: لم أجزت أخذه والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يأوي الضالة إلا ضال" وقال عليه السلام: " ضالة المؤمن حرق النار"، والظاهر يمنع من أخذه؟.
قيل له: إنما هذا الوعيد لمن فعل ما قد نُهي عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وأما من تقرب إلى الله تعالى بأخذ البعير وحفظه على ربه في حال كان فيها لو تركه لتلف، وليس معه شرطه الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أخذه لأجله، وإذا كان هذا هكذا كان مطيعاً في فعله لقول الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى) .
وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "من آوى الضالة فهو ضال ما لم يعرفها" فهذا يدل على أنه إذا عرفها فحبسها على ربها كان مأجوراً.
وروى أصحاب الحديث من مخالفينا عن الزهري أنه قال:"كانت الإبل أيام عمر بن الخطاب مؤبلة تناتج لا يمسكها أحد، حتى كان أيام عثمان فأمر ببيعها بعد تعريفها، فإن جاء لها رب دفع إليه ثمنها)[25]. وماذا عسانا أن نقول في زماننا هذا الذي صارت فيه ضوال الإبل تهدد أرواح البشر في الطرقات؟! إن إمساكها هو الوجه المعتبر في هذا الوقت حفاظاً على أرواح الناس وممتلكاتهم، وهو التطبيق الصحيح للسنة النبوية.
أما مدة تعريف اللقطة؛ فجاءت الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحديد السنة والسنتين، ولا يخفى على المتأمل أن البعد الاجتماعي متداخل في هذه القضية مع الجوانب التشريعية، فتحديد مدة التعريف يرتبط أساساً بطبيعة وسائط النقل والاتصال اللازمة للتعريف، ونعرف أن تلك الوسائط تتطور بفعل حركة الحياة، وقد انتبه الفقهاء المحققون باستمرار لهذه الظاهرة؛ فأبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي يقول بأن اللقطة (تُعرَّف على قدرها)[26] وأبو سعيد الكدمي يرى أن (ما قيمته ثلاثة دراهم فصاعداً عُرِّف سنة، والدرهمان شهرين، والدرهم شهراً)[27].
المثال الثاني: (1/66)
صفحة 67
روى الإمام الربيع (592): أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عام سَنَة ـ وإنما سُمِي عام سَنَة لشدة غلائها ـ أن يُسَعِّرَ عليهم الأسواق فامتنع؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (القابض الباسط هو المُسَعِّرُ، ولكن سلوا الله).
وعند أبي داود (3451) عن أنس قال: قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسَعِّر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله هو المُسَعِّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال). والحديث رواه أيضاً ابن ماجه (2200) والترمذي (1314) وابن حبان وآخرون.
وروى مالك في الموطأ (1328) عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيباً له بالسوق، فقال له عمر بن الخطاب: (إما ان تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا).
وقال البيهقي في السنن الكبرى (10929) (وهذا فيما كتب إليَّ أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفرائيني أن أبا عوانة أخبرهم قال ثنا المزني ثنا الشافعي عن الدراوردي عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد عن عمر رضي الله عنه أنه مر بحاطب بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيبن فسأله عن سعرهما. فسعر له مدين لكل درهم، فقال له عمر رضي الله عنه: قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيباً وهم يعتبرون بسعرك، فإما أن ترفع في السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت.
فلما رجع عمر حاسب نفسه ثم أتى حاطباً في داره، فقال له: " إن الذي قلت ليس بعزمة مني ولا قضاء، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع").
فالظاهر أن عمر بن الخطاب لم يكن يرى في التسعير إلا أمراً يدور مع تحقيق مصلحة البائع والمشتري ويرفع الظلم والضرر عنهم ولا يقتضي حالة واحدة يلزمها. (1/67)
صفحة 68
قال ابن بركة بعد أن استدل بالحديث السابق في منع تسعير السلع (ولكن إذا بلغ الناس حال الضرورة من الحاجة إلى الطعام على ما في أيديهم واستغنائهم عنه مع سوء حال الناس والشدة جاز للإمام أن يأخذ أصحاب الطعام ببيع ما في أيديهم بالثمن الذي يكون عدلاً من قيمته ويجبرهم على ذلك، فإن قال قائل: فَلِمَ منعتم التسعير للإمام وقد جوزتموه؟ قيل له: جوزناه في حال الضرورة، وغيرها، وعلى الإمام أن يمنع أهل الأسواق عن الغش؛ لأن في ذلك ظلماً من بعضهم لبعض، وكذلك يمنعهم من كتمان العيوب التي يغش بها المتاع)[28].
(وقال الشيخ أحمد بن محمد بن بكر: يجوز لقاض أو جماعة أن يسعروا على قدر نظرهم، وما رأوه أصلح على الثمن أو على المثمن، وفي رواية عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل أن يسعر لهم فامتنع، فقال: "إني لأرجو أن لا ألقى الله بمال مسلم" فمن منع التسعير حمل الحديث على التحريم، ومن أجاز حمله على التنزه والحوطة، كما يقول الإنسان: "لا أقضي بين الناس لئلا أظلم أجداً في مال أو نفس" أو يقول: "لا أبيع ولا أشتري لئلا آكل أموال الناس، أو لئلا أربي".
وقال ابن بركة بعد أن ذكر الحديث الأول: فلا يجوز لهذا الخبر أن يسعر أحد على الناس أموالهم أو يجبرهم على بيعها بغير طيب نفوسهم من إمام ولا غيره، ولكن إذا بلغ الناس حال الضرورة من الحاجة إلى الطعام وعزم أصحاب الطعام ببيع ما في أيديهم جاز للإمام أخذ أصحاب الطعام ببيع ما في أيديهم بالثمن الذي يكون عدلاً في قيمته، فيجوز التسعير في حال الضرورة لا غير اهـ. وقيل: يجوز التسعير بلا ضرورة وهو القول الأول الذي ذكرته عن الشيخ أحمد)[29]. (1/68)
صفحة 69
قال صاحب متن النيل وشفاء العليل عبدالعزيز الثميني: (وجاز لأهل سوق مشهور وما حوله من منازل رد أسعار منازلهم لسعره) وعلل الشارح محمد بن يوسف اطفيش هذا الرأي بقوله: (لئلا يقع اللبس على الناس في السعر فيتوهم الإنسان أنه يبيع له البائع على سعر ذلك السوق مع أنه باع له على غير سعره فيبيعون في منازلهم على سعر البيع في السوق)[30].
من كل هذه النصوص المأثورة عن العلماء ابتداء بعمر بن الخطاب وانتهاء بالعلماء المتأخرين يتبين أنهم عولوا على:
- أن القضية برمتها في دائرة الوجود الاجتماعي المرتبطة بحياة الناس اليومية فيما يتمونون به من سلع وبضائع، فهي تمثل العلاقة المتبادلة بين ثلاثية: المنتج والموزع والمستهلك، وهذه العلاقة عند سبر نصوص الكتاب والسنة الماضية تقوم على رفع الضرر والظلم وتحقيق المصلحة (والأصل فى العقود جميعها هو العدل، فإنه بعثت به الرسل وأنزلت الكتب قال تعالى "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"، والقرآن نهى عن الربا لما فيه من الظلم، وعن الميسر لما فيه من الظلم، وكلاهما أكل للمال بالباطل، وما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من المعاملات كبيع الغرر وبيع الثمر قبل بدو صلاحه وبيع السنين وبيع المزابنة والمحاقلة ونحو ذلك هي داخلة إما فى الربا وإما في الميسر)[31]، فالواقعة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم تحقيق لهذه المبادئ العظيمة، فلذا قال صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: (وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال).
===================================
[1] كتاب الجامع ج1 ص 280، محمد بن عبدالله بن بركة.
[2] كتاب الترتيب، مسند الربيع (125).
[3] كتاب الترتيب، مسند الربيع (168).
[4] المدونة الصغرى ج1 ص 135، بشر بن غانم الخراساني.
[5] المرجع السابق ج1 ص 25.
[6] المرجع السابق ج1 ص 129.
[7] المرجع السابق ج1 ص 70.
[ (1/69)
صفحة 70
8] المرجع السابق ج2 ص 53.
[9] المرجع السابق ج2 ص 129.
[10] المرجع السابق ج1 ص 155.
[11] المرجع السابق ج2 ص 164 ـ 165.
[12] الديوان المعروض (رسالة الشيخ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في الزكاة ص2).
[13] البخاري (3375 ) مسلم (2493).
[14] سنن الترمذي ج3 ص433.
[15] المدونة الصغرى ج1 ص 31، بشر بن غانم الخراساني.
[16] المرجع السابق ج1 ص 32.
[17] انظر أيضاً أحمد بن علي الرازي الجصاص "الفصول في الأصول" ج3 ص 239 ـ 244.
[18] البخاري (105)، مسلم (1218)، السنن الكبرى للنسائي (11213)، أبو داود (1905) وآخرون.
[19] الموطأ (1447)، انظر أيضاً الديوان المعروض (من قول قتادة ج4 ص 13).
[20] المرجع السابق (1449).
[21] إعمال العقل ص 160، لؤي صافي (بتصرف بسيط).
[22] المرجع السابق ص 160، (بتصرف بسيط).
[23] التاج المنظوم ج 7 ص 128، عبدالعزيز الثميني.
[24] المرجع السابق ج 7 ص 129.
[25] كتاب الجامع ج1 ص 239، عبدالله بن محمد بن بركة. بيان الشرع ج 64 ص 318، محمد بن إبراهيم الكندي ( بتصرف).
[26] التاج المنظوم ج 7 ص 119، عبدالعزيز الثميني.
[27] المرجع السابق ج7 ص 119.
[28] كتاب الجامع ج2 ص 604 ـ 605، بن عبدالله محمد بن بركة.
[29] شرح كتاب النيل وشفاء العليل ج 13 ص 663، محمد بن يوسف اطفيش.
[30] المرجع السابق ج 13 ص 663 ـ 664.
[31] كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج20 ص510 (بتصرف بسيط)، أحمد بن عبدالحليم بن تيمية.
السنة والحديث (3-4)، قراءة في تراث المدرسة الجابرية... أ. خالد بن مبارك الوهيبي
بتاريخ 17-7-1425 هـ
القسم: الحديث و علومه
قلنا في الحلقة الماضية: إن الحديث يكون:
- إما دالاً على السنة.
- وإما معبراً عن جوانب منها. (1/70)
صفحة 71
- وفي أحيان أخرى أخرى قد يحصل للحديث نوع من عدم الانسجام الداخلي مع البنية الهيكلية للسنة نتيجة للعوارض الداخلية والخارجية التي ترافق عملية نقله، فيحتاج الفقيه إلى عملية من المواءمة والموازنة (=التأويل) في قبول الحديث أو رده، لكن علينا التنبيه أنه في بعض الأحيان قد تختلف أنظار الناس في هذه العملية بين القبول والرد بحسب تفكيرهم، وهذا حاصل حتى في عصر الصحابة، فقد روى البخاري (556) ومسلم (826) عن ابن عباس قال: "شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب ".
وقد تعقبت السيدة عائشة هذه الرواية فقالت: (وهم عمر، إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها)[1]. وعند النسائي (570): "أوهم عمر رضي الله عنه، إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها)[2].
وقد نحا ابن عمر منحى السيدة عائشة في ذلك ووافقها على رأيها مخالفاً لما يروى عن أبيه حيث قال: (أصلي كما رأيت أصحابي يصلون؛ لا أنهى أحداً يصلي بليل ولا نهار، غير أن لا تحروا طلوع الشمس ولا غروبها)[3].
الحديث بين القبول والرد
(قد يقع للصحابي أن يسمع من صحابي آخر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فيتوقف فيه، حيث لا يراه منسجماً مع ما فهمه من معاني القرآن الكريم، وما سمعه هو من فم النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا إما أن يتوقف الصحابي في الرواية مجرد توقف، وإما أن ينكرها إطلاقاً، حملاً لها على سهو الناقل وخطئه ووهمه)[4]. (1/71)
صفحة 72
كما علمنا في الفصول الماضية أن السنة هي الطريقة المتبعة المطردة، لذا كان المعبر عنها بما استقر عليه العمل وما اجتمعوا عليه دون ما يروى آحاداً، ومن خلال تتبع طريقة فقهاء المدرسة الجابرية تبين أنهم عبروا عن الآحاد بمصطلحات الرواية والحديث، حرصاً منهم على فصل ما يعبر عن طبيعة الدين ومصدره التشريعي المطلق عن التطبيق الزمني الظرفي المولَد من التشريع الدائم المطلق.
لذا مارسوا فهم الحديث والرواية في ضوء السنة، مع التنبيه على أن السنة لديهم لم تنفصل على الإطلاق عن القرآن، فهما يمثلان معاً المرجعية العليا للإسلام، فـ(السنة مأخوذة من الكتاب)[5]، وهي (عمل بكتاب الله وبه وجب اتباعها)[6].
لذا لم يتردد فقهاء المدرسة الجابرية في ترك مئات الروايات الآحادية أو تأويلها تعويلاً على فهمها وعرضها على السنة المتمثلة في السنة العملية المتبعة وأنساق القواعد العامة والمقاصد الكلية للمارسات العملية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تحقق ترابطها وانسجامها الداخلي. ومن أمثلة ذلك عندهم:
(1) القنوت في الصلاة
قال أبو غانم الخراساني في مدونته (سألت أبا المؤرج: هل في الصلاة قنوت؟.
قال: حدثني أبو عبيدة أنه سأل جابر بن زيد عن ذلك فقال: الصلاة كلها قنوت، قال الله تبارك وتعالى: "أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً" فالصلاة كلها قنوت.
قلت: يا أبا الشعثاء؛ ليس عن هذا أسألك، ولكن إنما أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يدعون ويهللون وهم قيام.
قال: هذا أمر محدث لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة). والقنوت في نشأته الأولى عبارة عن لعن الخصم السياسي أثناء الصلاة لم يقبلوه لمخالفته الأصل العملي، ولكونه من كلام الآدميين الذي لا يصح في الصلاة، إنما هو الذكر والتسبيح وقراءة القرآن، وقد رووا ذلك عن فقهاء الصحابة كما في مسند الربيع. (1/72)
صفحة 73
- (أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيناه قنت في صلاته قط).[7]
- (أبو عبيدة قال: وقد سمعت عن ابن عمر أنه لا يرى القنوت في الصلاة ولم يقنت في صلاته قط، وكان يراه بدعة)[8].
- (وعن الإمام رضي الله عنه (=الإمام أفلح بن عبدالوهاب) مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم من طريق جابر بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقنت قط في صلاته ولا الخليفتين بعده)[9].
- (الإمام عن أبي غانم الخراساني عن حاتم بن منصور قال: حدثني من لا أتهم قوله من أصحابنا وأنا بمصر أو في طريق مصر عن أبي أهيف الحضرمي فقيه أهل مصر عن ابن عمرانة، قال: كان في الزمان الذي كان فيه أقرب إسناداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غيره.
قال حاتم بن منصور: حدَّثَني عن القنوت في صلاة الصبح بعدما سألته، هل بلغك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قنت؟.
قال: فقال لي: لم يصنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال حاتم: فقلت له: كيف كان يصنع فيما بلغك؟.
قال بلغني أنه كان إذا فرغ من القراءة الأخيرة قرأ بقل هو الله أحد ولا يقنت)[10].
(2) حديث أفطر الحاجم والمحجوم
قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج وأبا سعيد عبدالله بن عبدالعزيز، وأخبرني محبوب عن الربيع: عن قول الناس أفطر الحاجم والمحجوم[11]. قالوا جميعاً: إنما يكره ذلك للصائم مخافة أن يضعف، فإن لم يخف ضعفاً فليحتجم إن شاء)[12].
(3) حديث النهي عن صيام الجمعة
قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج وابن عبدالعزيز: عن صيام يوم الجمعة ويوم عرفة.
قالا: حسن جميل.
قلت لهما: إن رجالاً يكرهونهما من أجل أنهما عيدان[13].
قال أبو المؤرج: سألت عن ذلك أبا عبيدة فقال: إن أفضل ما صمت فيه يوم الجمعة ويوم عرفة، إلا أن يكون يوم الجمعة التي يكره الصيام فيها.
قلت: وما هي يا أبا عبيدة؟. (1/73)
صفحة 74
قال: يوم الفطر والأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشك)[14].
(4) حديث عن صيام آخر يوم من شعبان
جاء في الديوان المعروض: (باب في رجل يصوم آخر يوم من شعبان متحرجاً لرمضان. قال قوم: حسن جميل، لأن الله لم يحرم صوم شعبان كله ولا صوم بعضه، ولأنه يصام في الكفارة، وفي التطوع وصيام آخر يوم من شعبان كصيام جميع الأيام، فإذا أصاب رمضان فكان موافقاً لرمضان، وإن لم يوافق رمضان لم يكن عليه حرج في صيام يوم من الأيام.
وقال قوم: لا يصام آخر يوم من شعبان، ورووا فيه حديثاً والله أعلم به. قالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لأن أفطر يوماً من رمضان أحبّ إليّ من أن أصوم آخر يوم من شعبان".
ولسنا نرى أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول هذا، لأن صوم رمضان فريضة افترضها الله على النبي عليه الصلاة والسلام ولم يحرم عليه صوم شعبان أو آخر يوم منه.
حدثنا هارون بن اليماني في هذا الحديث أنه قال: حديث مقلوب، إنما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "لأن أصوم آخر يوم من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان".
حدثنا هارون بن اليماني، رفع الحديث إلى أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال السحاب في صومه فعدوا له، وإن حال السحاب دونه في فطره فأكملوا العدة ثلاثين يوماً")[15].
(5) حديث البيعان بالخيار
روى الربيع (574): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البَيِّعان بالخِيار ما لم يَفْتَرِقا).
قال الربيع: قال أبو عبيدة: "الافتراق بالصفقة أي يبيع هذا ويشتري هذا، وليس كما قال من خالفنا بافتراق الأبدان، أرأيت إن لم يفترقا يومين أو ثلاثة أيام أو أكثر، فلا يستقيم على هذا الحال بيع لأحد"[16]. (1/74)
صفحة 75
قال أبو غانم في المدونة: (سألت ابن عبدالعزيز وأخبرني من سأل الربيع بن حبيب عما روى الناس ورفعوه إلى النبي عليه السلام أنه قال: البايعان بالخيار ما لم يفترقا[17].
قالوا جمياً: بلغنا ذلك عن النبي عليه السلام والأمر عندنا كذلك.
قال ابن عبدالعزيز: البيع جايز ماض وإن لم يفترقا، والله أعلم بحديث النبي عليه السلام ما معناه، والافتراق عندنا افتراق صفقة البيع)[18].
والرواية التي ناقشها الإمام أبو عبيدة وتلميذاه: الربيع بن حبيب وعبدالله بن عبدالعزيز رووها بأنفسهم من طرقهم التي يثقون بها، لكنهم سلكوا بها مسلك التأويل لمخالفة ظاهرها للأصول الكلية والقواعد التشريعية فـ(الله أعلم بحديث النبي عليه السلام ما معناه)، ورأوا أنها لا تتسق والأصول الكلية إلا بحملها على (افتراق صفقة البيع) كما قال ابن عبدالعزيز، وأن (الافتراق بالصفقة أي يبيع هذا ويشتري هذا) كما قال الإمام أبو عبيدة، (وليس كما قال من خالفنا بافتراق الأبدان).
والظاهر أنهم سلكوا هذا المسلك اعتماداً على: (1/75)
صفحة 76
- أن البيوع تدخل ضمن دائرة الوجود الاجتماعي بعلاقاته الشائكة التي تتأثر باستمرار بمتغيرات الحياة المتسارعة، لذا كان الأصل في البيوع التي تظهر هي الإباحة قال الله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا) وما كان محرماً منها فهي البيوع التي تشتمل على الغرر أو الضرر بالفرد أو المجتمع، ومن استقراء واقع البيوع المحرمة التي جاءت بها الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يتبين لنا هذا، (والأصل فى العقود جميعها هو العدل، فإنه بعثت به الرسل وأنزلت الكتب قال تعالى "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"، والقرآن نهى عن الربا لما فيه من الظلم، وعن الميسر لما فيه من الظلم، وكلاهما أكل للمال بالباطل، وما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من المعاملات كبيع الغرر وبيع الثمر قبل بدو صلاحه وبيع السنين وبيع المزابنة والمحاقلة ونحو ذلك هي داخلة إما فى الربا وإما في الميسر)[19] ، فالاعتبار في الاقتصاد هو تحقق العدالة وارتفاع الظلم، وهذا ما دل عليه استقراء الشريعة الإسلامية، وظهور أي معاملة من المعاملات الاقتصادية إنما يحكم فيها هذا الأمر، والشروط المصاحبة للعقد ينظر فيها هل تحقق العدالة وترفع الظلم فتجاز، أو توقع الظلم فتحرم [20].
- والحرج مرفوع في الشريعة قال الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)، وصاغ الفقهاء ذلك في قواعدهم الفقهية بقولهم (المشقة تجلب التيسير) ، والمشقة الكامنة في هذا الأمر أن إلغاء صفقة البيع التي تمت طالما البيعان في المجلس يؤدي أن (لا يستقيم على هذا الحال بيع لأحد)[21] وتتعرض المعاملات التجارية التي تقضي حوائج الناس للضيق الشديد والعسر في التنفيذ.
(6) حديث "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس"
قال أبو غانم في المدونة: (قلت لأبي المؤرج أبلغك ما يروي هؤلاء عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام؟.
قال: وما هو؟ (1/76)
صفحة 77
قلت: يقولون إن رجلاً أفلس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رجلاً قد باعه متاعاً فوجد الرجل ذلك المتاع بعينه فرد عليه متاعه، قال أبو هريرة: فإن كان بيع منه شيء فإن الناس يطلبون صاحب المتاع كأحد الغرماء.
قال: الله ورسوله أعلم بهذا الحديث، وما قال رسول الله فهو حق، والقول من الناس كثير، غير أن أصحابنا يروون أنه بين الغرماء بالحصص، ولست أعرف بينهم في ذلك اختلافاً، إلا أن يكون الرجل المفلس خدع رجلاً من المسلمين فاشترى منه بعدما أفلس ولم يطلع على إفلاسه، ثم علم بعد ذلك؛ فذلك الذي يقول أصحابنا يأخذ متاعه، وليس لأحد من الغرماء فيه شيء، لأنه بمنزلة قاطع الطريق، أو بمنزلة السارق.
قلت: فلو كان اشترى جارية على هذه الجهة التي أعلمتني بها، ثم علم الرجل بإفلاسه، فانطلق إليه يأخذ جاريته، فوجد المفلس قد أحدث فيها عتقاً؟.
قال: لا يجوز عتقه، ولا نعمت له عين)[22]. وهذا النص في المدونة تداول فيه أبو غانم وأبو المؤرج رواية رواها الربيع (593) والبخاري (2272) ومسلم (1559) والنسائي في السنن الكبرى (6272) وأبو داود (3519) والترمذي (1262) عن أبي هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره). قال أبو عيسى الترمذي: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم هو أسوة الغرماء، وهو قول أهل الكوفة)[23].
نتساءل ما الذي جعل فقهاء المدرسة الإباضية الأولى يرون أن مال المفلس بين الغرماء بالحصص بلا خلاف بينهم في ذلك، بينما الرواية تنص على خلاف ذلك؟. (1/77)
صفحة 78
أولاً: لم تكن الرواية تشكل طابعاً إلزامياً بفعل طبيعة نقلها الآحادية لذا قال أبو المؤرج: (الله ورسوله أعلم بهذا الحديث) مع التنبيه على عدم الاستخاف أبداً بما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم (وما قال رسول الله فهو حق)، وبسبب كون المسألة لم تشكل سنة ماضية فـ(القول من الناس كثير)، وآراؤهم متنوعة حولها استناداً إلى الأصول الكلية والقواعد التشريعية في هذا الباب، ومن هؤلاء فقهاء المدرسة الإباضية الأولى.
ثانياً: ومما يظهر أن الأصول الكلية والقواعد التشريعية التي قام عليها هذا الرأي:
تحقيق العدل في إرجاع الحقوق لأصحابها قال تعالى (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، إذ المفلس شخص (تزيد ديونه على موجوده)[24] يطالبه الناس بإرجاع حقوقهم من الأموال، وهو في كثير من الأحيان لا يملك ما يغطي كل تكاليف ديونه، فما يملكه مما قد تعود ملكيته السابقة لأي من الغرماء فيه نصيب لبقيتهم، فأخذ أي من الغرماء لأشياء تعود ملكيتها السابقة له في حقيقته تعد على حصص بقية الغرماء، لذا رأى فقهاء المدرسة الإباضية الأولى أنه بين الغرماء بالحصص، ليس بينهم في ذلك اختلاف.
ثالثاً: أما الرواية فحملوها على حال كون (المفلس خدع رجلاً من المسلمين فاشترى منه بعدما أفلس ولم يطلع على إفلاسه، ثم علم بعد ذلك؛ فذلك الذي يقول أصحابنا يأخذ متاعه، وليس لأحد من الغرماء فيه شيء، لأنه بمنزلة قاطع الطريق، أو بمنزلة السارق)، وهذا التوجيه للرواية لم يذكر بالطبع في الرواية، لكنه محمل صحيح تفرضه الأصول الكلية والقواعد التشريعية.
( (1/78)
صفحة 79
قال ابن وصاف: المسألة من الجامع، ومن أخذ من قوم مالاً ثم أفلس فهو بين الغرماء، وإن أخذه بعد أن أفلس ولم يعلم فتلك خيانة وصاحب المال أحق به أدركه بعينه، وقال أبو الحسن: من أخذ مال قوم ثم أفلس فهو بين الغرماء، ودين رب المال بالحصة عليه، وإن أخذه بعد أن أفلس فعلى قول تلك خيانة والمال لربه أحق به إذا أدركه بعينه)[25].
(وقال أبو معاوية عزان بن الصقر وتبعه أكثر من جاء بعده من فقهاء الأصحاب: إن كان إفلاسه من بعد ما اشترى فالبائع والغرماء سواء في المتاع، وإن اشتراه بعد إفلاسه ثم مات فهو بمنزلة المتغتصب، فإن وجد المتاع بعينه أخذه، وإن لم يوجد المتاع فثمن المتاع في ماله، وله الوفاء دون الغرماء)[26]، وكما يظهر من هذه النقول أن هذا الرأي هو الذي ساد لدى أكثر فقهاء المذهب الإباضي (وهو في غاية من التحقيق)[27].
(7) حديث "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه"
روى الإمام الربيع (89): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه). قال الربيع: قال أبو عبيدة: ذلك ترغيب من النبي صلى الله عليه وسلم في نيل الثواب الجزيل في ذكر الله.
يرى الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أن التسمية مندوبة وليست فرضاً مع مجئ الحديث عنه صلى الله عليه وسلم بلفظ (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) التي .
ومرد هذا الرأي فيما يظهر أنه نظر إلى: (1/79)
صفحة 80
أن فرائض الوضوء وأركانه الأساسية ثابتة بالكتاب العزيز (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم المضمضة والاستنشاق)[28] ومسح الأذنين من خلال الممارسة العملية، قال أبو غانم الخراساني (حدثني الربيع: أنه سأل أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة عن الوضوء للصلاة، قال: تبدأ فتغسل كفيك، ثم تستنجي، ثم تمضمض فاك، ثم تستنشق بالماء، وتغسل وجهك وذراعيك إلى المرفقين، وتمسح برأسك وأذنيك ظاهرهما وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين)[29].
فالوضوء بهيئاته وكيفيته ثابت بنصوص الكتاب العزيز والسنة العملية المجتمع عليها، لذا فعندما وردتهم هذه الرواية تعاملوا معها بالشكل التالي:
- نظروا إلى كونها تحث على الذكر في حال الشروع في الوضوء، وذكر الله تعالى عند الشروع في الأعمال وردت بها بعض جزئيات الشريعة كالذبح والصيد والجماع والأكل، وذكر الله تعالى على أي حال أمر مرغب فيه (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم)، فالرواية لا تخرج عن نطاق هذه الأصول.
- لكن رفعها لدرجة الإلزام يحتاج إلى مستوى من الممارسة العملية في الوضوء ذاته، إذ إن بقية هيئات الوضوء ثبتت بهذه الكيفية، والدلالة اللغوية للرواية المنقولة لا تكفي وحدها لرفع الأمر إلى درجة الإلزام في مثل هذه الأبواب، لذا اكتفى الإمام أبو عبيدة بالقول باستحباب ذكر الله تعالى عند الشروع في الوضوء وقال: (ذلك ترغيب من النبي صلى الله عليه وسلم في نيل الثواب الجزيل في ذكر الله).
--------------------------------------------------------------------------------
[1] صحيح مسلم (833).
[2] انظر أيضاً مسند الربيع (299): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتحرى أحدكم أن يصلي عند طلوع الشمس أو عند غروبها).
[ (1/80)
صفحة 81
3] صحيح البخاري (564).
[4] منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي ص 105، صلاح الدين الأدلبي.
[5] كتاب الجامع ج1 ص 280، محمد بن عبدالله بن بركة.
[6] المرجع السابق ج1 ص 280.
[7] الربيع (303).
[8] الربيع (304)
[9] كتاب الترتيب، روايات الإمام أفلح (6).
[10] كتاب الترتيب، روايات الإمام أفلح (9).
[11] الترمذي (774)، أبو داود (2371)، النسائي (3137)، الدارمي (1731).
[12] المدونة الصغرى ج1 ص 164، بشر بن غانم الخراساني.
[13] روى مسلم (1144) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم)، وروى البخاري (1884) ومسلم (1144) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يوماً قبله، أو يوماً بعده)، وعند ابن خزيمة (2161) عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده).
[14] المدونة الصغرى ج1 ص 168، بشر بن غانم الخراساني.
[15] الديوان المعروض (كتاب الصيام ص 28).
[16] كتاب الترتيب (الجامع الصحيح) ص 259.
[17] البخاري (1976)، مسلم (1532) من طريق حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا). قال أبو عيسى الترمذي في "سنن الترمذي ج3 ص547 " : (وفي الباب عن أبي برزة وحكيم بن حزام وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو وسمرة وأبي هريرة).
[18] المدونة الصغرى ج2 ص 129، بشر بن غانم الخراساني.
[19] كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج20 ص510 (مع تصرف بسيط) ، أحمد بن عبدالحليم بن تيمية.
[20] ربا النسيئة وربا الفضل ص 6(مقال)، خميس بن راشد العدوي.
[21] كتاب الترتيب (الجامع الصحيح) ص 259.
[22] المدونة الصغرى ج2 ص 148، بشر بن غانم الخراساني.
[ (1/81)
صفحة 82
23] سنن الترمذي ج3 ص562 .
[24] شرح كتاب النيل وشفاء العليل ج13 ص 608، محمد بن يوسف اطفيش.
[25] المرجع السابق ج 13 ص 635.
[26] شرح الجامع الصحيح ج3 ص 234، عبدالله بن حميد السالمي.
[27] المرجع السابق ج3 ص 234.
[28] أصول الدينونة الصافية ص 92، عمروس بن فتح.
[29] المدونة الصغرى ج1 ص 13، بشر بن غانم الخراساني.
السنة والحديث (4-4)، قراءة في تراث المدرسة الجابرية... أ. خالد بن مبارك الوهيبي
بتاريخ 18-7-1425 هـ
القسم: الحديث و علومه
· حديث الآحاد منسوباً إلى الراوي
وكذلك نلحظ أمراً آخر يحتاج منا إلى النظر والفحص، فقد وجدنا أنهم يعبرون عن روايات آحاد شائعة في عصرهم بـ(قال الفقهاء) أو (يروون عن فقهائهم)، ومن أمثلة ذلك:
1. قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج: هل في الصلاة قنوت؟.
قال: حدثني أبو عبيدة أنه سأل جابر بن زيد عن ذلك فقال: الصلاة كلها قنوت، قال الله تبارك وتعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً) فالصلاة كلها قنوت.
قلت: يا أبا الشعثاء؛ ليس عن هذا أسألك، ولكن إنما أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يدعون ويهللون وهم قيام)[1].
2. قال أبو غانم في المدونة: (قال أبو المؤرج: قال أبو عبيدة: الصلاة على الميت في الحضر والسفر واحدة، وعلى الصغير والكبير سواء.
قلت: أبلغك أنه يقال في التكبيرات الأربع على الميت كما يقول هؤلاء ويروونه عن فقهائهم؟.
قال: وما هو؟.
قلت: يقولون: ليس فيهن قراءة إلا دعاء معروف، يقولون: اللهم اغفر لحينا وميتنا وذكورنا وإناثنا وشاهدنا وغائبنا، اللهم من توفيته منا فتوفه على الإسلام، ومن أبقيته منا فابقه على الإيمان. يقولون ذلك في ثلاث تكبيرات اللاتي يلين التكبيرة الأولى، يقرأون في التكبيرة الأولى وحدها)[2].
3. قال أبو غانم في المدونة: (وسألته (=أبو المؤرج): أيتوضأ الرجل من الإناء الذي ولغ فيه الكلب أو السبع؟. (1/82)
صفحة 83
قال: ليغسله، ثم ليتوضأ فيه، ولا يتوضأ فيه حتى يغسله.
قلت: أتوقت في غسله ثلاثاً أو سبعاً كما قال هؤلاء؟.
قال: لا أوقت في ذلك وقتاً دون حسن التنقي والغسل، فإن أنقاه في مرة واحدة فليتوضأ فيه)[3].
4. قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج: أيُسقى الصبيُ البول؟
قال: لا.
وسألت عن شرب أبوال البهائم كلها؟
فقال: سألت عن ذلك أبا عبيدة فقال: لا يحل شرب أبوال البهائم كلها.
وقال وائل ومحبوب عن الربيع: كل ما حل أكل لحمه فلا بأس ببوله والشراب منه والتداوي به.
قال وقال عبدالله بن عبدالعزيز: هذا غلط؛ لا يؤخذ بهذا القول، وشرب أبوال البهائم كلها لا يحل ولا التداوي بشيء منها)[4].
5. قال أبو غانم: (سألت أبا المؤرج عن رجل يموت له الإبل والبقر والغنم فيدبغ جلودها؛ أينتفع بها؟
قال: لا بأس بذلك، حدثنا أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أنه قال: إيما إهاب دبغ فقد طهر.
قال: وكذلك قال ابن عبدالعزيز)[5].
6. قال أبو غانم: (سألت أبا المؤرج وأبا سعيد عبدالله بن عبدالعزيز وأخبرني محبوب عن الربيع عن قول الناس "أفطر الحاجم والمحجوم" ؟.
قالوا جميعاً: إنما يكره ذلك مخافة أن يضعف، فإن لم يخف ضعفاً فليحتجم)[6].
7. قال أبو غانم في المدونة: (إن هؤلاء يقولون ويروون عن فقهائهم: إن الرجل إذا أصبح ولم يحدث نفسه بالصيام فهو بالخيار إلى ارتفاع النهار، فإن بدا له الصيام وأتم كتب له ما مضى في يومه)[7].
8. (قلت (=أبو غانم): إن أناساً يقولون: إنه إن أصبح ولم ينو الصيام من الليل فهو بالخيار ما لم ينتصف النهار، ويروون ذلك عن أحد من الفقهاء.
قال (=أبو المؤرج): لسنا نأخذ بذلك ولا نعتمد عليه)[8].
9. (قلت: إن أناساً من قومنا يروون عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
قال: ليس فيما قال علي شيء، والأمر عندنا على ما وصفت لك عن النبي صلى الله عليه وسلم)[9]. (1/83)
صفحة 84
10. قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج وابن عبدالعزيز: عن صيام يوم الجمعة ويوم عرفة.
قالا: حسن جميل.
قلت لهما: إن رجالاً يكرهونهما من أجل أنهما عيدان.
قال أبو المؤرج: سألت عن ذلك أبا عبيدة فقال: إن أفضل ما صمت فيه يوم الجمعة ويوم عرفة، إلا أن يكون يوم الجمعة التي يكره الصيام فيها.
قلت: وما هي يا أبا عبيدة؟.
قال: يوم الفطر والأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشك)[10].
11. قال أبو غانم في المدونة: (إن هؤلاء يقولون ويروون عن فقهائهم أن الرجل إذا أصبح ولم يحدث نفسه بالصيام فهو بالخيار إلى ارتفاع النهار، فإن بدا له الصيام وأتم كتب له ما مضى في يومه وما بقي صياماً تاماً، وإن بدا له الصيام ولم يذق شيئاً حتى ينتصف النهار أو حتى تصفر الشمس، فإنما يكتب له من صيامه قدر ما بقي من يومه.
قال (=أبو المؤرج): لسنا نأخذ بذلك من قولهم، ولا نأمر به أحداً، غير أن أصحابنا الذين نأخذ عنهم ونعتمد عليهم قالوا: إن الصيام من الليل إلى الليل، فمن أصبح صائماً لم يفطر ومن أصبح مفطراً لم يصم، وكذلك الصوم عندنا، والله أعلم بقول من ذكرت)[11].
15. قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج: عمن وطئ القبور؟.
قال: كان أبو عبيدة يكره وطأها، قال: وقال عبدالله بن عبدالعزيز: بلغنا عن عبدالله بن مسعود أنه قال: لأن أطأ جمرة أحب إليَّ من أن أطأ قبراً متعمداً)[12].
16. قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج وابن عبدالعزيز: عن بيع الخمر؟.
فقالا: لا يصلح، وهو حرام.
قال: وقال أبو المؤرج: حدثني أبو عبيدة رفع الحديث إلى ابن عباس أنه قال: إن الله تبارك وتعالى حرم على اليهود الشحوم فلم يأكلوها فباعوها، وأكلوا أثمانها، وإنه لا يحل الخمر ولا بيعه ولا التداوي به)[13].
17. قال أبو غانم في المدونة: (قلت: أوَ ليس قد قيل من لغا فلا جمعة له؟. (1/84)
صفحة 85
قال أبو المؤرج: قد جاء في ذلك أثر عن الفقهاء، وتفسير ذلك في رأينا والله أعلم أنه لا جمعة له؛ أي ما ذكر من فضل الجمعة فلا فضل له في ذلك، والله أعلم بتحقيق التفسير، وأما أن ينقض ذلك جمعته فلا نقول ذلك)[14].
18. قال أبو غانم في المدونة: (قلت لأبي المؤرج: ما أشد ما بلغك؟. قال: بلغنا عن عبدالله بن مسعود أن قال: ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعاء الجاهلية) [15].
ومن واقع الدراسة للأجواء التاريخية للتدوين الروائي، ودراسة آثار المدرسة الإباضية الأولى وقراءتها قراءة متأنية، نطرح التفسيرات التالية:
- التفسير الأول: أنهم لم يطلعوا عليها مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إنما رووها آراء للفقهاء والعلماء في عصرهم.
- التفسير الثاني: أنه لم يكن يُعرَف رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم في عصرهم، بل كانت تنسب إلى الصحابة والتابعين، والرفع تم في فترات لاحقة بفعل عوامل متعددة كالوهم والخطأ والنسيان.
- التفسير الثالث: أن التعبير عن تلك الروايات الآحادية التي ينفرد بها القليل من الرواة بنسبتها للفقهاء هو تعبير يقصد من ورائه أنها لا تشكل بمفردها مرجعية مستقلة تعبر عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بل تعبر عن رأي من وصلت إليه ووثق بها وعول عليها.
· التفسير الأول:
وهذا التفسير يعكر عليه صفاءه أمران:
- أن تلك الروايات كانت شائعة وذائعة، ومن الصعب جداً أن يكون عدم إطلاعهم عليها بهذه الكثرة والوفرة، ومن المعلوم أن المدرسة الإباضية الأولى كانت بالبصرة وهي مستقر كثير من تلك المدارس الفقهية الأخرى، فيصعب جداً القول بهذا الرأي.
- أن بعض تلك الروايات هي من ضمن مجموعات الأحاديث الإباضية، التي تداولوها فيما بينهم.
· التفسير الثاني: (1/85)
صفحة 86
وهو تفسير له وجاهته، ويعترف المحدثون بحصوله ، ومن المؤسف أن بعضهم (أدت بهم الرغبة في أن يعثروا على أكبر قدر ممكن من الأحاديث النبوية، إلى أن يجعلوا كثيراً من الأقوال الموقوفة في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ورغم احتمال أن تكون هذه الأقوال إسرائيلية المصدر، فقد رفعها بعضهم من قول صحابي إلى حديث نبوي)[16].
(وليس هذا افتراضاً مجرداً بل هو افتراض وواقع، وقد صرح بسر بن سعيد بهذا محذراً، حيث قال: "اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحدثنا عن كعب الأحبار، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)[17].
لكن يصعب القول بأنه يشكل هذه الظاهرة بمجموعها للأسباب التالية:
- أن بعض تلك الروايات من مجموعات الأحاديث الإباضية، والرواة الإباضيون تداولوها مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدفع هذا الاحتمال بشدة في المجموع العام. (1/86)
صفحة 87
- أن القول بذلك لا بد أن يدعم بأدلة تاريخية وتشريعية تدل على هذا الاحتمال، لا بمحض الرغبة في ذلك، ونحن لا ننكر أخبار الآخرين (فيما تفردوا به دون أصحابنا من غير أن نعلم فسادها، لأنا قد علمنا فساد بعضها، ويجوز أن يكون ما لم يعلم بفساده أن يكون صحيحاً، وإن لم ينقلها معهم أصحابنا لما يجوز أن يكون البعض من الصحابة علم بالخبر أو بعض الأخبار، ولم يستقص في الكل، علم ذلك الخبر ولم يشتهر بينهم، وقد تختلف الأخبار بيننا وبينهم لتأويلها أو لانقطاعها بعض الأخبار أو اتصالها وقلة حفظنا فيها، وقد كان بعض الصحابة يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو الرجل يصل إلى الصحابي، وقد ذكر بعض الخبر، ومنهم من ينسى من الخبر شيئاً فيغير معناه أو يزيد فيه، ومنها ما ينقل على وجه القصص أو لفائدة الأدب أو لغيره، والصحيح منها ما أيده العمل أو وقع عليه الإجماع لذلك، وكذلك اختلفت الأخبار وأحكامها والله أعلم)[18].
· التفسير الثالث:
وهو أن الروايات الآحادية التي تصل لبعض الناس ولا تصل للآخرين؛ لا تشكل بمفردها مرجعية مستقلة تعبر عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بل تعبر عن رأي من وصلت إليه ووثق بها وعول عليها. (1/87)
صفحة 88
يقول أبو المؤرج: (ومن أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام ناسخ ومنسوخ، والقرآن قد نسخ بعضه بعضاً، وقد فعل النبي عليه الصلاة والسلام أشياء مثل هذا ورجع عنها، وقد فعل أصحابه مثل ذلك أشياء كثيرة ثم رجعوا عنها، وقد قال السلف من أئمة المسلمين أقاويل كثيرة ثم رجعوا عن ذلك، وقالوا بغير أقاويلهم ثم رجعوا إلى بعض أقاويلهم وذلك كله اختلاف منهم في الرأي، ولم يكن اختلاف في كتاب ولا سنة ولا أثر مجتمع عليه، إلا اختلافهم في الرأي)[19]، والرأي الذي عناه أبو المؤرج تدخل فيه مرويات الآحاد (=خبر الخاصة) عاملاً من عوامل توليده كما هو الظاهر من مداولاتهم الفقهية في المدونة وغيرها من مصنفاتهم الفقهية، فلم يكن اختلاف في كتاب ولا سنة ولا أثر مجتمع عليه.
وتظهر هذه المعاني في هذه المداولة الفقهية بين ابن عبدالعزيز وأبي غانم الخراساني في العمرى والرقبى
(قلت: أخبرني عن العمرى والرقبى والسكنى.
قال ابن عبدالعزيز: إن كان معنى العمرى والرقبى والسكنى من العمر، أن يقول الرجل قد عمرتك هذه الدار حياتك فهي لك عمرا ولك رقبا ولك سكنا على إنها لحياتك.
قال أبو عبيدة رفع الحديث إلى جابر بن زيد إلى ابن عباس أنه قال: من عمر شيئاً حياته فهو له حياته ولورثته من بعد مماته.
قال ابن عبدالعزيز: وكان غيره من الفقهاء لا يجيز ذلك ولا يراه لورثته من بعده، وكان إبراهيم ممن لا يجيز ذلك، ويقول في العمرى إذا مات الذي عمرها فهي راجعة إلا أن يقول هي لك ولعقبك، وقول إبراهيم أعدل عندي.
قلت: رأيتك تأخذ بقول إبراهيم في كثير من المسائل وتختار قوله على قول من هو أكبر منه وأفضل.
قال: ومن هو؟
قلت: أبو عبيدة.
قال: الانصاف في الحق قبول الحق ممن جاء به، والأمر القوي الذي لا دخل فيه ولا خلل ليس كغيره مما يدخل فيه الوهن والضعف.
قلت: وأي قوة أقوى من قول أبي عبيدة وغيره من أصحابنا حيث قالوا: من عمر أرضاً فهي له ولعقبه من بعده. (1/88)
صفحة 89
قال: وأي قوة في هذا؟.
قلت: لأن سبيل العمرا سبيل المواريث.
قال: ليس لك في هذا من القوة شيء إلا أن تقول هكذا قالوا؛ وأما القياس فلا تتكلم به عند أهله فيسخرون منك ويتبين ضعف مقالتك.
قلت: وكيف يكون هذا وهناً وضعفاً وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمر شيئاً فهو له حياته وبعد مماته؟.
قال فقال لي: يا عاجز لو اتفق الناس على هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخالفه أحد من الفقهاء، ولم يجاوزه بالقياس وبالرغبة عنه؛ لأن كل ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لأحد أن يخالف فيه.
قلت: وأي قوة أعجبتك من قول إبراهيم في هذا الذي كان رأياً منه ولم يكن أمراً مجتمعاً عليه؟.
قال: أعجبني أنه يقول إنما أعطيتها لرجل حياته ولم يجعلها لعقبه من بعده، فكيف يكون لهم ما لم أجعل لهم إليه سبيلاً بعطاء، وإنما أعطيته له على جهة العارية، والدليل على قوله إنها عارية استثناء أنها لك حياتك ولم يجعلها له بعد مماته، فكيف يكون هذا عدلاً عندك أن يجعلها بإذن له فيها)[20].
وهذا النهج هو نهج الصحابة رضي الله عنهم، فلم يكونوا يقبلون أي رواية من روايات بعضهم البعض دون تمحيص ودون عرض على الأصول، فكان القبول بعد التثبت والتدقيق والفحص، وهو أيضاً النهج البارز في المدرسة الإباضية الأولى التي تشكلت في البصرة في عموم مداولاتها الفقهية، (إن بعض أحاديث الآحاد تكون حجة عند من ثبتت عنده واطمأن قلبه بها، ولا تكون حجة على غيره يلزم العمل بها، ولذلك لم يكن الصحابة رضي الله عنهم يكتبون جميع ما سمعوه من الأحاديث ويدعون إليها، مع دعوتهم إلى اتباع القرآن والعمل به، وبالسنة العملية المتبعة المبينة له)[21].
فعلى هذا يمكن تعريف حديث الآحاد:
(هو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الأفراد القليلين ولم يكن من الشرع المبلغ للجميع المدعم بالعمل المتواصل من الأمة).
ويلاحظ على هذا التعريف:
( (1/89)
صفحة 90
1) أنه يعتمد في الدرجة الأولى على كون الرواية من الشرع غير المبلغ للكافة (=خبر الخاصة)، وليس بالضرورة اشتهارها وكثرة رواتها لدى فئة معينة كمذهب فقهي أو حزب سياسي.
(2) اعتبار الدعم العملي للرواية في اعتبار قبولها، فالظهور المتأخر للروايات وعدم قيام عمل عليها مؤذن بضرورة الفحص والتمحيص الدقيق والعرض على الأصول، (فلذلك تجب الأسانيد والبحث عن صحتها وثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب)[22].
يقول ابن بركة: (وأحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق واحد وأصل واحد، وهو كتاب رب العالمين، فهو قوله "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون"، والسنة أيضاً مأخوذة من الكتاب قال جل ذكره "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول" وقال "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر" وقال جل ذكره "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" وقال "من يطع الرسول فقد أطاع الله" وقال "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً" وقال "وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحي يوحى" والسنة عمل بكتاب الله وبه وجب اتباعها، والإجماع أيضاً عمل بكتاب الله وبالسنة التي هي من كتاب الله، لأن الإجماع توقيف والتوقيف لا يكون إلا من الرسول صلى الله عليه وسلم)[23].
من هذا النص عن ابن بركة يتبين أنه يرى أن الأصل الأصيل للدين هو كتاب الله وأن (أحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق واحد وأصل واحد، وهو كتاب رب العالمين) والسنة كذلك هي التطبيق العملي لكتاب الله تعالى لأن (السنة عمل بكتاب الله وبه وجب اتباعها).
ثم يقول ابن بركة: (والسنة أيضاً على ضربين:
· فسنة قد اجتمع عليها، وقد استغني بالإجماع عن طلب صحتها. (1/90)
صفحة 91
· وسنة مختلف فيها، ولم يبلغ الكل علمها، وهي التي يقع التنازع بين الناس في صحتها) [24].
يقسم ابن بركة السنة (=بحسب اصطلاحه) هنا إلى قسمين، والذي يظهر أن هذا التقسيم بحسب طريق الورود:
- سنة مجمع عليها (وقد استغني بالإجماع عن طلب صحتها)، وهذه تشمل ما تواتر من العمليات من سنته صلى الله عليه وسلم، وهي توقيف (لأن الإجماع توقيف، والتوقيف لا يكون إلا من الرسول صلى الله عليه وسلم). ويبدو من مصطلح ابن بركة أنه يعبر عن السنة المتواترة بالسنة التي قد اجتمع عليها، إذ ما تواتر من العمليات وبعض الأقوال عن النبي صلى الله عليه هو القدر المجمع عليه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وبلغ الكل علمها.
- سنة مختلف فيها، ولم يبلغ الكل علمها، وهي التي يقع التنازع بين الناس في صحتها)، وهي المعروفة بأخبار الآحاد ("الأحاديث/الروايات" كما هو مصطلح المدرسة الجابرية كما ظهر من الاستقراء)، وهي التي لم يبلغ الكل علمها، لذا فهو يقول إن (الصحيح منها ما أيده العمل أو وقع عليه الإجماع لذلك)[25].
--------------------------------------------------------------------------------
[1] المدونة الصغرى ج1 ص 67، بشر بن غام الخراساني. ومن أحاديث القنوت في الصلاة المروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ انظر البخاري (956)، مسلم (677) وغيرهم.
[2] المرجع السابق ج1 ص 121. وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الترمذي (1026)، ابن ماجه (1495) (1496).
[3] المرجع السابق ج1 ص 17. وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الربيع (155) (156) (167)، مسلم (279) (280)، الترمذي (91) وغيرهم.
[4] المرجع السابق ج2 ص 145. وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الربيع (148)، البخاري (231) وغيرهم.
[ (1/91)
صفحة 92
5] المرجع السابق ج2 ص 126، المرجع السابق ج2 ص 143. وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الربيع (392) ومسلم (366) والنسائي في السنن الكبرى (4567) والترمذي (1728) وآخرون من طريق ابن عباس قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة ميتة كانت قد أعطيتها مولاة ميمونة، فقال: ( هلا انتفعتم بجلدها) قيل يا رسول الله: إنها ميتة. قال: (إنما حرم أكلها، وأيما إهاب دبغ فقط طهر).
[6] المرجع السابق ج1 ص 164. وهو مروي عن البي صلى الله عليه وسلم عند ابن حبان (3532)، الترمذي (774)، أبو داود (2366) وغيرهم.
[7] المرجع السابق ج1 ص 167. وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم (1154)، الترمذي (733) ، أبو داود (2455) وغيرهم.
[8] الديوان المعروض، كتاب الصيام ص 40. وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم (1154)، الترمذي (733) ، أبو داود (2455) وغيرهم.
[9] المرجع السابق ص 46. وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عند ابن حبان (3532)، الترمذي (774)، أبو داود (2366) وغيرهم.
[10] المدونة الصغرى ج1 ص 168، بشر بن غانم الخراساني. وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم (1144) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم)، وروى البخاري (1884) ومسلم (1144) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يوماً قبله، أو يوماً بعده).
[11] المرجع السابق ج1 ص 167. وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم (1154) من طريق أم المؤمنين عائشة قالت: دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، قال: "فإني إذن صائم".
[ (1/92)
صفحة 93
12] المرجع السابق ج2 ص 143. وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم (971) من طريق أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلي جلده خير له من أن يجلس على قبر).
[13] المرجع السابق ج1 ص 143. وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عند البخاري (2121) ومسلم (1581) من طريق جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام). فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: (لا هو حرام). ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: (قاتل الله اليهود، إن الله عز وجل لما حرم عليهم شحومها أجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه).
[14] المرجع السابق ج1 ص 56، وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عند البخاري (892) والترمذي (512) وآخرين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال يوم الجمعة والإمام يخطب انصت فقد لغا). قال الترمذي: وفي الباب عن ابن أبي أوفى وجابر بن عبد الله.
[15] المرجع السابق ج2 ص 147، وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عند البخاري (1235) ومسلم (103) عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية).
[16] منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي ص 221، صلاح الدين الأدلبي.
[17] المرجع السابق ص 95.
[18] كتاب الجامع ج1 ص 547، محمد بن عبدالله بن بركة.
[19] المدونة الصغرى ج1 ص 48، بشر بن غانم الخراساني.
[20] المرجع السابق ج1 ص 347 ـ 348.
[21] تفسير المنار ج1 ص 138، محمد رشيد رضا.
[22] كتاب الجامع ج1 ص 280، عبدالله بن محمد بن بركة.
[23] المرجع السابق ج1 ص280.
[24] المرجع السابق ج1 ص280.
[25] المرجع السابق ج1 ص 547. (1/93)
صفحة 94
كيف نتعامل مع السنة النبوية؟، تعقيبات واستدراكات ... أ.عبدالله بن صالح الخالدي
بتاريخ 21-10-1424 هـ
القسم: الحديث و علومه
تابعت بشغف سلسلة مقالات خالد الوهيبي التي نشرتها جريدة الوطن من 27 ديسمبر إلى 17 يناير والتي كانت بعنوان (كيف نتعامل مع السنة النبوية؟)، وكنت كلما نشر مقال من هذه السلسلة أكتب ملاحظاتي عليها، وسارعت بجمعها وتحضيرها للنشر.
ولا أستطيع إخفاء إعجابي بهذه السلسلة الإبداعية التي تعد من الطرح المقابل للطرح الذي يسطح القضايا ويعطيها أبعاداً ظاهرية وحرفية، لكن ما دامت (سيرة وفتحت) أحببت التعليق ببعض الملاحظات والاستدراكات على هذه السلسلة القيمة.
الحلقة الأولى (1-4) (1/94)
صفحة 95
- وهذه الحلقة خصصها الكاتب للحديث عن كيفية تعامل ابن بركة مع السنة، وما يهمني في هذا الجانب أن الكاتب أغفل قضية غاية في الأهمية في موضوع السنة عند ابن بركة في كتابه (الجامع) وهي مسألة المثاقفة بين المدارس الإسلامية الأخرى وخاصة في موضوع السنة، فمن المعلوم أن المدارس الإسلامية المختلفة دونت أحاديثها التي جاءت من طرقها، فما هي حدود تعاطي كل مدرسة لأحاديث المدرسة الأخرى؟، صحيح أن الكاتب تعاطى موضوع ضوابط أخذ الرواية عموماً عند ابن بركة؛ لكن ابن بركة نفسه تطرق لهذا الموضوع في كتابه الجامع، فقد قال في ج1 ص 547 : (ولسنا ننكر أخبار مخالفينا فيما تفردوا به دون أصحابنا من غير أن نعلم فسادها، لأنا قد علمنا فساد بعضها، ويجوز أن يكون ما لم يعلم بفساده صحيحاً، وإن لم ينقلها معهم أصحابنا لما يجوز أن يكون البعض من الصحابة علم بالخبر أو بعض الأخبار، ولم يستقص في الكل....)، وهو كلام قريب من كلام بعض من يسميهم خالد الوهيبي بفقهاء المدونة، فقد جاء فيها ج1 ص38 : (قال أبو المؤرج: قال أبو عبيدة: وكل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج. فقلت له حينئذ: يا أبا المؤرج إن هذا قول قومنا، قال: قومك يقولون حقاً كثيراً لم يخالفهم فيه المسلمون فيما أصابوا، ولكن إنما خالفوهم فيما أخطأوا فيه وكذبوا).
فأبو المؤرج يؤكد على أن عند الآخرين الكثير من الخير الذي لا ينبغي إهماله والإعراض عنه، ولكن في نفس الوقت يبين أن ذلك الخير يؤخذ بعد تنقيح وتمحيص وغربلة من خلال مناهج دقيقة قائمة على أرضية صلبة، لأن هناك من بقايا الدس والوضع والأهواء والصراعات السياسية. (1/95)
صفحة 96
- من خلال المقارنة التي أجراها بين مناهج الفقهاء وأهل الأثر؛ الكاتب يصر على وجود شقاق وفجوة بين المنهجين، وأنا أرى أن هناك تكاملاً بينهما، لا ننكر وجود نوع من الجفوة والقطيعة الفكرية بين الطريقتين في تاريخنا الإسلامي، لكن في المقابل نجد هذه المناهج تندمج في بوتقة واحدة، وتظهر جلية في تعامل بعض العلماء مع النصوص، ومن المتأخرين الذين امتزجت فيهم الطريقتان الشيخ العلامة نور الدين السالمي رحمه الله ومن المعاصرين شيخنا القنوبي حفظه الله تعالى.
الحلقة (2-4)
- عرف الكاتب السنة بقوله: (ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير على سبيل التشريع)، هذا التعريف هو التشريع الشائع في كتب الأصول، وهو تعريف جيد إلى حد كبير، لكن مشكلته تكمن في:
1. آحاديته واجتزائه؛ بمعنى آخر هل السنة تكمن في كل نص مفرد؟ أم أنها مجموعة المبادئ المحددة للرؤية القرآنية التي تجلت في ممارسات الرسول صلى الله عليه وسلم ومواقفه العملية، وهذه الممارسات هي الحكمة في قوله تعالى: (ويعلمهم الكتاب والحكمة).
ولذا نعاني في فقهنا الإسلامي عبر التاريخ من آحادية النظر والاجتزاء، ولذا لا يمكن القول بأن كل نص آحادي يمثل (السنة) دون فهمه في إطار (مجموعة المبادئ المحددة للرؤية القرآنية التي تجلت في ممارسات الرسول صلى الله عليه وسلم ومواقفه العملية).
من أمثلة ذلك:
1. روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن)، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
- (قال النووي: المختار أنها سنة لظاهر حديث أبي هريرة، وابن حزم ومن تابعه قالوا بوجوبها، وأبطلوا صلاة الفجر بتركها!!) انظر سبل السلام للصنعاني. (1/96)
صفحة 97
- هل سنقول هنا إن السنة هي أن نضطجع على شقنا الأيمن بعد ركعتي سنة الفجر؟!
- بطبيعة الحال لايمكن لعاقل أن يقول ذلك!، فالاضطجاع ليس من الأمور التعبدية، وإنما هو أمر بشري محض، لننظر في السنة بمجموع محدداتها لنكشف عن (السنة) في هذه القضية.
o من المعوم قطعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر يمارس بشريته بصورة واضحة (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي)، فالزواج والمشي في الأسواق والصحة والمرض هي من دلائل بشريته صلى الله عليه وسلم.
o والاضطجاع كذلك لا يدخل ضمن نطاق (أفعال الصلاة) التي نقلت عملياً لنا، وهي تنتهي بالتسليم.
o من هاتين المقدمتين النصيتين يتبين لنا: أن الاضطجاع لا يمت للصلاة بصلة، وأنه مورس بحكم الطبيعة البشرية المحضة التي يمكن أن تعرض لأي إنسان كان.
2. جاء في مسند الإمام الربيع بن حبيب (192): أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: (الوتر والرجم والاختتان والاستنجاء سنن واجبات، فأما الوتر فلقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه إن الله زادكم صلاة سادسة خير لكم من حمر النعم وهي الوتر). وجاءت أحاديث كثيرة في الاستجمار بالحجارة.
- هل يمكننا أن نقول إن السنة هي الاستجمار بالحجارة وأن (العلماء رخصوا في استخدام مناديل الورق بدل الأحجار!)؟
- قد يمكننا القول بذلك، لكن بعد أن نضحك العالم علينا ونقدم فهماً سطحياً أقرب لفهم العوام للإسلام؟
- لكن ما هي السنة في ذلك؟....السنة هي التنظيف والتطهير، وممارساته العملية صلى الله عليه وسلم في قضاء الحاجة والغسل والوضوء وكل حياته تدور حول هذا المحدد الذي جاء تمثلاً لقول الله تبارك وتعالى: (والله يحب المطهرين).
- فعلى هذا يكون استعمال كافة المنظفات المؤدية للغرض هو تطبيق للسنة وليست ترخيصاً وتكرماً من العلماء!، لأن السنة هي مجموعة المحددات والمبادئ الثاوية في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله.
الحلقة (3-4) (1/97)
صفحة 98
وهذه الحلقة خصصها الكاتب للحديث عن معالم المدرسة الجابرية، وهو المصطلح الذي يستخدمه الشيخ أحمد بن سعود السيابي كما ظهر من محاضرته التي ألقاها بولاية إبرا في الأسبوع الماضي للمدرسة الإباضية الأولى بالبصرة.
وهذا الجزء الذي أبدع فيه الكاتب في بيان مزايا التدوين الإباضي للحديث، وقدم تفسيراً جديداً لظاهرة إقلال رواة الإباضية من الحديث، لكن تبقى نظريته دون تطبيق، إذ إنه لم يقدم دلائل مقنعة وعملية من المسند أو من المدونة على ذلك، لا نستبق الأحداث بل نطالب الكاتب بتقديم دلائل على صحة نظريته من تآليف الإباضية الأولى.
الحلقة (4-4)
هذه الحلقة خصصها الكاتب لمناقشة محورين:
- تفسير آراء لبعض العلماء جاءت على خلاف روايات رووها هم أو رواها غيرهم.
- ضوابط الفقهاء في قبول الأحاديث الآحادية، وركز كثيراً على ضوابط المدرسة الجابرية، باعتبارها من أوائل المدارس الإسلامية نشأة.
1. في مسألة تحريم ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير، أرجع الكاتب آراء المتقدمين من العلماء كابن عباس وأبي عبيدة وغيرهم إلى اعتمادهم على قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به)، واعتبر أن كثيراً مما ورد (آحاداً) رأوه من وقائع الأحوال، وهو التوجيه جيد لكن:
- لم يبين لنا الكاتب ما هو منهج أولئك العلماء في التعامل مع المطعومات عموماً وخاصة تلك التي تظهر كل يوم؟ وما هي ضوابطهم في ذلك إذا كانوا يرون في تلك الأحاديث وقائع أحوال لها ملابساتها؟
2. درج المؤلف كثيراً على استعمال مصطلحات قد لا يفهمها الكثيرون لندرة استعمالها كمصطلحات (النصوص الثابتة المستقرة) و (ما استقر عليه العمل)، فكان لزاماً عليه توضيح مفهوم هذه المصطلحات. (1/98)
صفحة 99
3. مثل الكاتب لمصطلح (السنة المجتمع عليها) والتي عرفها بقوله: (السنة التي وصلت للجميع وإن كانت آحاداً) بنص من المدونة، لكن في رأيي أن قول الإمام الكبير جابر بن زيد في المسند (192): (الوتر والرجم والاختتان والاستنجاء سنن واجبات) أكثر دلالة على المراد.
4. هناك مصطلحات لم يدلل عليها من تراث المدرسة الجابرية؛ مثل مصطلح (ما استقر عليه العمل)، وأنا أرى أنه موجود في مسند الربيع (193)؛ فبعد أن روى الربيع بطريقه الرفيع عن جابر بن زيد الذي روى عن جملة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في صفة صلاة الخوف، قال الربيع: (قال أبو عبيدة على هذا القول الأخير العمل عندنا؛ وهو قول ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة).
5. أما عن قضية ضوابط الفقهاء في التعامل مع الرواية الآحادية؛ فأنا أتفق مع الكاتب في طرحه العلمي عن القضية، وقد كتبت من قبل في موضوع (الطب النبوي) طرحاً مشابهاً في كيفية التعامل مع الأحاديث التي صنفت على أنها من طب النبوة، ولكن اختلف مع الكاتب في تقسيم الناس إلى فقهاء وأثريين، والكاتب يصر على هذا التمايز منذ بداية هذه السلسلة، قد نتفهم هذا التصنيف على أنه نوع من التمايز بين المدارس العلمية في الاجتهاد والاستنباط، لكن نرفض أي تبعات تنتج عنه، وهو نفس ما وقع فيه الشيخ محمد الغزالي في كتابه (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث)، ولي توجيه للقضية دعوني أشرحها لكم من بدايتها.
- خلق الله تعالى الناس متفاوتين في المواهب والأفكار، وهذه سنة الله في خلقه، ولعلها من أوضح البدهيات التي لا تحتاج لشرح أو تفصيل.
- لذا كان من العبث صب الناس في قوالب محددة سلفاً ثم جلدهم بالسياط للتقولب فيها، والحياة الكريمة المتقدمة قوامها التنوع في الأفكار ضمن نطاق الثوابت. (1/99)
صفحة 100
- والإسلام دين يتسم بالفهم لطبيعة النفس الإنسانية (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)، لذا تأتي التشريعات مراعية لطبيعة النفس البشريعة ومداركها المختلفة، انظر في كتاب الله تعالى تجد في خطابه توجهاً لكافة القطاعات البشرية من العالم والجاهل والصغير والكبير والرجل والمرأة، قد شملهم دين الله تعالى جميعاً واحتواهم.
- نأتي لبعض من نماذج التعامل النبوي مع قضية الفهم، فعندما رحل الأحزاب يجرون وراءهم ذيول الخيبة والفشل، تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم للقاء يهود بني قريظة الذين خانوا العهد وتحالفوا مع المشركين ضد المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)، فظن بعضهم أن تصلى العصر في بني قريظة ولو تأخر الوقت ووصلوا إلى هناك في وقت العشاء.
- وذهب فريق آخر إلى أن المراد التعجيل في المسير، فلو حضرت صلاة العصر قبل ذلك عليهم أن يصلوها قبل فوات وقتها؛ لأن الصلاة كتاب موقوت، فعمل هؤلاء بما وقر في وجدانهم وانقدح في أذهانهم وكذا الآخرون، ولما عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يعنف الذين صلوا قبل الوصول إلى بني قريظة، ولا الذين أخروا الصلاة حتى وصلوا إلى بني قريظة.
- كيف نفسر مثل هذا الموقف من الفريقين؟ ثم تعامل ذلك المربي العظيم صلى الله عليه وسلم معهم؟.
- أنا أتصور أن الفريق الذي صلى في الطريق في وقت العصر عول على الذي استقر عليه العمل ويمارس عملياً كل يوم، فهو أشبه بالعمل التواتري الذي وصل علمه للجميع، ولو كنت ممن أنعم الله عليهم بشهود ذلك العصر الذهبي لصليت في الطريق لأن أدلة الشريعة ثابتة في أن الصلاة كتاب موقوت على المؤمنين، وتلك المقولة من النبي صلى الله عليه وسلم فهموها في هذا الإطار المرجعي على سرعة المبادرة للقاء العدو. (1/100)
صفحة 101
- وأما الذين صلوا عند وصولهم لبني قريظة في وقت متأخر فقد عرضت لهم شبهة التعارض بين ما يعرفونه من رسوخ أدلة الشريعة في أوقات الصلاة وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)، فعولوا على الدليل الجزئي وصلوا العصر في بني قريظة مع فوات وقتها المحدد، وتلك الطريقة التي تتسم بالبساطة والسطحية هي أحد أنماط التفكير الإنساني التي يتقبلها الإسلام في إطاره الواسع.
- لذا لم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم أي من الفريقين، ثم وقفوا صفاً واحداً في مواجهة اليهود.
- فالمدارس الاجتهادية لدينا لا تختلف عما حصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من أمور أظهرت الفوارق البشرية في التفكير، ويعاب على المدارس المعاصرة من الطرفين:
1. المدارس الأثرية ذات النزعة المغلبة للآثار: يعاب عليها اعتدادها الشديد بنفسها وإضفاءها ثوب الشرعية على نفسها والتحدث ((الرسمي)) باسم الإسلام، ودمغ مخالفيهم بشتى التهم بقوائم تبدأ من التسيب وتنتهي بالعلمانية!.
2. وكذا مدارس الفقهاء المعاصرة: يعاب عليها دمغها لمخالفيها ((بالحمق والغباء)) ونزعتها السيكلوجية نحو ((مخالفة)) الأثريين حتى فيما هو صواب وحق.
فعلى العقلاء من الطرفين:
- دعم اتجاه الحوار والنقاش والتفاهم الأخوي، فكلنا في خندق واحد، يجمعنا مبدأ واحد، والحوار الأخوي هو السبيل الوحيد لبناء جسور التفاهم والثقة بين أطياف التفكير المختلفة.
- محاولة استفادة كل طرف من الآخر، بحيث تتحول الطاقات إلى طاقات تكامل وبناء لا إلى طاقات تصادم وهدم.
- البعد عن لغة ((الحدية)) في الانتصار للرأي وتحويل الرأي إلى دين، بحيث تعبأ الجماهير وتشحن للانتصار لذاك الرأي أو لهذا، بل لا بد من الاعتراف بالرأي الآخر والسعي للتفاهم والتشاور والحوار معه للحصول على التكامل في الحياة.
كيف نتعامل مع السنة النبوية؟ الحلقة (3) ... أ. خالد بن مبارك الوهيبي
بتاريخ 14-10-1424 هـ (1/101)
صفحة 102
القسم: الحديث و علومه
يعتبر مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي ومدونة أبي غانم الخرساني من أقدم المؤلفات الإباضية التي وصلتنا، فالإمام الربيع توفي عام (181هـ) على رأي بعض العلماء، وأبو غانم الخرساني دون مدونته بعد عصر الإمام الربيع بسنوات لظروف تتعلق بالنضج العلمي، أي أن كلا المؤلفين من مؤلفات القرن الثاني الهجري.
فالإمام الربيع تتلمذ على أيدي علماء كبار من علماء المدرسة الإباضية الأولى، من أمثال أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وضمام بن السائب وأبي نوح صالح الدهان وغيرهم من تلاميذ التابعي الكبير الإمام جابر بن زيد، فكانت روايته الحديثية عن هؤلاء، وأكثر ما جاء منها عن طريق أكبر أساتذته وهو التابعي أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي.
وأبو غانم الخراساني تلميذ للربيع ولأقران الربيع من التلاميذ الآخرين لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وقد ضمن مدونته آراء واجتهادات هؤلاء، التي تشكل بمجموعها الخطوط العريضة للنظريات الأولى للمدرسة الإباضية بالبصرة التي اصطلح بعض المفكرين المعاصرين على تسميتها بالمدرسة الجابرية، والتي يمكن أن تعد مدرسة فكرية بارزة بجانب المدارس الفكرية الأخرى في تلك الحقبة.
القيمة العلمية:
أما مسند الإمام الربيع بن حبيب فقد ألفه في القرن الثاني الهجري، أي أنه من أوائل الكتب الحديثية تأليفاً، ولم ينل حظه من الشهرة للأسباب السياسية والمذهبية التي صنفت رواد المدرسة الإباضية على أنهم من المعارضين السياسيين للسلطة المركزية.
وهذا القرب النسبي من عهد النبوة يجعل للمسند مكانة علمية كبيرة باعتباره من أوائل الكتب الحديثية تصنيفاً، وهو يكشف بالطبع عن منهجية مدرسة إسلامية –كالمدرسة الإباضية- في تعاملها مع النص الحديثي من ناحية التدوين والفحص. (1/102)
صفحة 103
وفي المقابل تعتبر مدونة بشر بن غانم الخراساني من المدونات القيمة في كشف ملامح ومعالم هذا النهج الحديثي المتبع لدى منظري هذه المدرسة، إذ أنها ليست مجرد نقول مجردة لعلماء المدرسة الجابرية بالبصرة، لكنها كذلك تكشف عن طريقتهم في التعامل مع مختلف المرويات سواء تلك التي جاءت من طرق علمائهم أو من طرق علماء بقية المدارس الفكرية.
ولا نريد أن نطيل على القارئ الكريم في وصف هذين السفرين ولكن نحيل القارئ إلى دراسات حديثة ألفت عنهما، من ذلك كتاب (الإمام الربيع مكانته ومسنده) للشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي، وكتاب (رواية الحديث عند الإباضية) للشيخ صالح بن أحمد البوسعيدي، وكتاب (الإمام أبو عبيدة وفقهه) للدكتور مبارك بن عبدالله الراشدي.
مدرسة أهل الحديث:
لا يمكن توصيف نظرية للتعامل مع النص الحديثي دون التعريج على إنتاج مدرسة أهل الحديث –كبرى المدارس الإسلامية-، إذ أنها المدرسة التي استأثرت بأغلب الجهود في تدوين الحديث ووضع المناهج والنظريات للتعامل معه.
نستطيع أن نصف هذه المدرسة بأنها كبرى المدارس الإسلامية، والتي اشتغلت بالرواية منذ وقت مبكر، والبواكير الأولى لهذه المدرسة تعود إلى بعض الصحابة المكثرين من الرواية، والذين كان لهم تلاميذ كثر أخذوا عنهم.
ويبدو أن الإكثار من الرواية قد بدأ ينشط مع اشتعال لهيب الفتن، وفتح الباب على مصراعيه لكل من هب ودب ليروي، في حين أن الوضع السائد أيام الاستقرار السياسي على عهد الخليفتين أبي بكر وعمر كان الإقلال من الرواية فيما لا جدوى من ورائه، والاكتفاء بما يعرفون من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته خشية الكذب والدس وآليات الحذف والبتر.
روى الحاكم في المستدرك والدارمي في السنن عن عمر أيضاً: أقلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم. (1/103)
صفحة 104
وروى ابن عساكر عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لألحقنك بأرض دوس.
وفي البداية والنهاية والنهاية لابن كثير عن أبي هريرة: إني لأحدث أحاديث لو تكلمت بها في زمان عمر لشج رأسي.
وكان من آثار إكثار الرواية وانفتاح الباب على مصراعيه أن تضخمت نصوص الحديث تضخماً كبيراً، مما سهل على أصحاب الغايات والمقاصد السيئة ركوب الموجة وبث ما يريدون من أفكار.
والعجيب أن مدرسة أهل الحديث – والتي وجدت نفسها في خندق واحد مع السلطة آنذاك- لم تنتبه منذ بداياتها الأولى إلى قضية الإكثار من الرواية والآثار السلبية المترتبة عليها، بل إنها واصلت في إصرار عجيب على تتبع غرائب وعجائب الروايات والتنقيب عنها، مما زاد الأمر سوءاً، والأعجب أن هذا الخلل المنهجي عد من بعد جهوداً مضنية لحفظ السنة النبوية من الضياع!.
وأمام هذا الطوفان الجارف من المرويات، بدأت مدرسة الحديث في حل هذه المشكلة بابتكار قانون قبول الرواية وتمحيصها وهو ما عرف من بعد بعلم مصلح الحديث.
وهذا المنهج المبتكر عكس طبيعة العقلية ذات النظر الجزئي لمدرسة أهل الحديث، إذ أنه أهمل بالكلية بعد الزمن بكافه محاوره، واكتفى بمجرد النظر في الإسناد في أغلب الأحيان، مما سمح لكثير من المرويات بالمرور والانطلاق والهيمنة على الفكر والحياة لمئات السنيين.
قراءة في المسند والمدونة:
بعد استعراضنا لأهم النقاط التي أخذت على مدرسة الحديث سواء كانت تلك التي تختص بالتدوين أو تلك التي تختص بالنظريات الحديثية التي أصلت للتعامل مع الرواية الحديثية، يمكننا أن نقول: من واقع الاستقراء الكلي والتتبع لمسند الإمام الربيع –وهو معتمد الحديث عند الإباضية- ومدونة بشر بن غانم الخراساني :
1. إن النص الحديثي لم يتضخم في هذين السفرين، فمسند الإمام الربيع على سبيل المثال يحوي معظم أبواب الشريعة وعدد أحاديثه (742) حديثاً. (1/104)
صفحة 105
وهذا الإقلال من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس معيباً ولا يدل على ضعف علمي بحال من الأحوال، بل هو المنهج الذي سار عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الاستقرار السياسي.
وهذا الإقلال في نظري مرده إلى أمرين:
-أولاً: الخشية من اختلاط التطبيق بالتشريع، وخاصة في عملية الرواية التي تتم من غير الفقهاء العارفين بظروف وملابسات الرواية، فتأتي آليات الاقتطاع والحذف والبتر والرواية بالمعنى، لتقدم للأجيال نصاً على أنه نص تشريعي، في حين أنه نص تطبيقي (=واقعة حال لا تتعداها، أو تطبيق لنصوص تشريعية أخرى). ومن أمثلة ذلك كثير من المرويات التي صنفت تحت باب الطب النبوي، فكثير منها ليس تشريعاً، إنما هي تعبير عن جملة المعارف الموجودة في ذلك العصر، وإنما جاءت تطبيقاً لأصل تشريعي وهو وجوب التداوي ومنها قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن أبي هريرة ( ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء).
وهذا أمر جعل الكثير من فقهاء الصحابة يتعاملون بحذر مع روايات غير الفقهاء منهم، ويمكن للقارئ استقراء ذلك من تعامل أمثال ابن عباس والسيدة عائشة وعمر بن الخطاب وغيرهم رضي الله تعالى عنهم – مع مرويات من كان غير فقيه منهم، وكل ذلك مدون في الصحاح والسنن.
ومثال ذلك ما جاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الشؤم في الدار والمرأة والفرس). لكن السيدة عائشة رضي الله عنها اعترضت على ذلك وبينت أن رواية أبي هريرة مجردة عن الملابسات التي قيلت فيها، لذا جاءت الرواية مخالفة للأصول العامة الثابتة بالاستقراء الكلي لمجموع النصوص الصحيحة الثابتة. (1/105)
صفحة 106
ففي رواية مكحول عند الطيالسي أنه قيل لعائشة أم المؤمنين أن أبا هريرة يقول قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثم الشؤم في ثلاث في الدار والمرأة والفرس)، فقالت عائشة: لم يحفظ أبو هريرة لأنه دخل ورسول الله صلى الله عليه سلم يقول: (قاتل الله اليهود يقولون: إن الشوم في ثلاث في الدار والمرأة والفرس). فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله).
-ثانياً: الخشية من طمر الدلالات القرآنية بروايات هي في حقيقتها تعامل زمني معها، في حين أن دلالات القرآن الكريم على تلك القضايا دلالات منطلقة عبر الزمان والمكان، وهو ما يعبر عنه بعض المعاصرين بخاصية (الاكتناز) أي وجود اكتناز هائل للنص القرآني يستثار عند احتكاك النص القرآني بالواقع، ولذلك كانت نصائح الفاروق عمر –رضي الله عنه - إلى البعوث التي يرسلها إلى الأمصار بأن يقلوا من الرواية ولا يشغلوا الناس عن القرآن، اعتماداً على ما استقر عليه العمل من السنن المعروفة بدلاً من إحداث مرويات مجتزئة عن سياقاتها وملابساتها.
روى الدارمي عن قرظة بن كعب (بعث عمر بن الخطاب رهطاً من الأنصار إلى الكوفة، فبعثني معهم فجعل يمشي معنا حتى أتى صرار- وصرار ماء في طريق المدينة- فجعل ينفض الغبار عن رجليه ثم قال: إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن فيأتونكم، فيقولون قدم أصحاب محمد قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فاعلموا أن أسبغ الوضوء ثلاث وثنتان تجزيان، ثم قال: إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن، فيقولون قدم أصحاب محمد قدم أصحاب محمد ، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم فيه.
قال قرظة : وإني كنت لأجلس في القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، و إني لمن أحفظهم له، فإذا ذكرت وصية عمر سكتُ). (1/106)
صفحة 107
2.من الخصائص التي ميزت مسند الإمام الربيع التلقي عن الفقهاء، فمعظم روايات المسند التي رواها الإمام الربيع بن حبيب جاءت بالسند التالي: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أحد من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وهذه سلسلة فقهاء تتلمذوا وتعاصروا وأخذوا عن بعضهم البعض، فالمسألة عندهم ليست مجرد رواية ونقل فحسب، بل نظر وتأمل وفحص، وهذا الملحظ أدى إلى تجنيب المسند الكثير من المرويات التي تخالف نصوص الكتاب العزيز، أو تصطدم مع الأصول الثابتة بالنصوص الصحيحة المتفق عليها، أو تلك التي طغى عليها المد الإسرائيلي المثيولوجي.
3.الترجمة العملية لأصول القرآن الكريم: الذي ينبغي أن ينتبه له أن القرآن الكريم هو المنهج والدستور وهو كتاب الأركان والأصول:
(وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون).
(ما فرطنا في الكتاب من شيء).
(ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين).
ولكن السؤال الملح: ما موقع السنة بالنسبة إلى القرآن ؟!.
من واقع الاستقراء الكلي للمسند يتبين لنا، أن روايات المسند ترجمة عملية للأصول التي جاء بها الكتاب العزيز، ولم يأت شيء من الروايات مبتوت الصلة عن القرآن الكريم، وما يتوهم من ذلك إنما هو في حقيقته عند النظر والتأمل ترجمة لأصول ثابتة بالاستقراء الكلي لمجموع نصوص وردت في الكتاب العزيز.
إن فقدان الرواية للأصل القرآني سواء كان بالنص عليه أو بالاستقراء والتتبع والنظر الكلي هو الذي كانت المدارس القديمة تعبر عنه بالشاذ، وتعتبره مبتوت الصلة بالوحي الإلهي لمجيئه خارج نطاق دائرة الأصول الثابتة.
وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرع أمراً خارج نطاق الوحي الذي جاءه من عند ربه تبارك وتعالى:
(وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).
انظر على سبيل المثال ما ذكروه من روايات في أن السنة تأتي بعيدة عن مقاصد القرآن الكريم: (1/107)
صفحة 108
-أحاديث تحريم الذهب والحرير على الرجال وإباحتها للنساء -وهي في المسند وغيره-
والناظر المتأمل يعلم أنها مسألة لم يأت تحريمها بالنص في الكتاب العزيز، إلا أن النظر الكلي في آيات الكتاب العزيز كقوله تعالى (وليس الذكر كالأنثى) وأنه (لن تجد لسنة الله تبديلا) يوصل إلى مقصد قرآني كلي وهو ضرورة الحفاظ على خصوصية كل جنس، وأنه من العبث التلاعب بالسنن الإلهية التي وضعها الله سبحانه وتعالى في هذا الكون، ومحاولة كل جنس السير في خط الآخر، وإلا كانت النتيجة (ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب) فالتشريع في إطار الدائرة القرآنية وهو ترجمة عملية للأصول التي جاء بها الكتاب العزيز.
وفي هذا يقول أحد فقهاء المدرسة الجابرية بالبصرة الذين روى لهم بشر بن غانم الخراساني في المدونة وهو ابن عبدالعزيز في ج 1ص212 راداً على الذين يحاولون تجزئة دائرة الوحي: (ولم نر قوماً أتبع لرواية وأنقض لكتاب الله منكم...).
ولا يفهم من ذلك إنكار المساحة المتاحة للنبي صلى الله عليه وسلم للتشريع فالله تعالى يقول: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، لذلك ما كان معبراً عن هذه المنطقة تجدها مما ثبت بالتواتر كهيئات الصلاة والحج وسائر الشعائر التعبدية أو هو من السنن المجمع عليها كما يعبر عنه العلامة ابن بركة، كرجم الزاني المحصن وحرمة الرضاع كحرمة النسب وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، وهو ما يعبر عنه فقهاء المدونة بقولهم ج1 ص : (وذلك كله اختلاف منهم في الرأي، ولم يكن اختلاف في كتاب ولا سنة ولا أثر مجتمع عليه، إلا اختلافهم في الرأي)[1].
4.إعلاء شأن الدلالات القرآنية: فالقرآن الكريم أولاً وثانياً وعاشراً ثم تأتي السنة بعد ذلك، أي أن القرآن هو الذي يجب أن تحاكم إليه الروايات الآحادية لا العكس، فتطمر الدلالات القرآنية تحت زخم طوفان الرواية الجارف. (1/108)
صفحة 109
وهذه كانت نتيجة طبيعية لظاهرة الإكثار من الروايات، وهو المنهج الذي سارت عليه المدارس الأثرية الأخبارية بشتى اتجاهاتها، والتي قلبت المعادلة رأساً على عقب، فأصبحت الروايات هي الأصل التي يجب أن توجه إليه الدلالات القرآنية.
أما بالنسبة إلى المدرسة الجابرية وفقهائها فلم يعانوا من هذه المشكلة، فبسبب الإقلال من الرواية، لم يتضخم النص الحديثي المدون لديهم إلى ذلك الحد المخيف، الذي أوجد بدوره حضوراً قرآنياً بارزاً حاكموا إليه المرويات.
وفي ذلك يقول فقهاء المدرسة الجابرية البصرية الذين نقل عنهم بشر بن غانم الخراساني في مدونته ج1 ص212 في مسألة زواج الزانية لمن زنى بها: (رضيتم بروايات الرجال وأتباع آرائهم فيما وهموا فيه وقادوهم وتركوا كتاب الله الذي جاء فيه تحريم نكاح الزاني والزانية، ولم نر قوماً اتبع لرواية وأنقض لكتاب الله منكم...).
وقالوا في ج2 ص76 في محاكمة رواية (أنه أوتي برجل زان وهو ضعيف الخلق فأمر بميلة من عثاكيل فقال: اجلدوه بها...) إلى قول الله عز وجل: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله): (لسنا نأخذ بهذا في أحاديثهم ولا نصدقهم فيه، ولو نعلم أن النبي عليه السلام فعل ذلك لأخذنا به...).
[1] انظر أيضاً (دراسات عن الإباضية) ص 128، د/ عمرو النامي: (وذكر عبدالله بن عبدالعزيز أن الأحاديث التي كانت مشهورة بين الصحابة والتابعين هي التي يجب أن تعتمد، أما الشواذ من الأخبار فينبغي أن لا تؤخذ).
كيف نتعامل مع السنة النبوية؟ الحلقة (4) ... أ. خالد بن مبارك الوهيبي
بتاريخ 15-10-1424 هـ
القسم: الحديث و علومه
في الحلقات الماضية تحدثنا عن الضوابط التي تحكم فهمنا للسنة النبوية المطهرة، وفي هذه الحلقة سنحاول إن شاء الله تعالى أن نلقي الضوء على بعض القضايا التي أثيرت حول مناهج فهم السنة.
سؤال يطرح نفسه: (1/109)
صفحة 110
هناك قضايا درست في وقت مبكر قبل تدوين الأحاديث، وكانت للفقهاء في وقتها وجهات نظر معينة، ومع التداخل والتثاقف بين المدارس الإسلامية المختلفة بدأت تظهر تساؤلات مفادها: هل أولئك الفقهاء كانوا على عدم علم بالأدلة (=والأدلة هنا بطبيعة الحال هي الأدلة الروائية)؟ أم أن لهم منهجاً يعبر عن ذاتيتهم وكينونتهم الخاصة؟
والباحثون وقفوا حيالها موقفين متباينين:
- موقف يرى بالفعل أنهم لم يطلعوا على السنة في ذلك، وأصحاب هذا الرأي يدللون على رأيهم هذا بالآيات والأحاديث في وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الرأي له وجاهته واعتباره وله أنصاره ومؤيدوه.
- وموقف يرى أن هناك موقفاً يتمثل بالموضوعية وظروف الرواية وموضعها في البنية الكلية للتشريع.
الرأي الأول كتبت حوله دراسات ورسائل كثيرة، لكن الرأي الثاني لم يكتب فيه إلا القليل، ومحاولة فهم مناهج العلماء ليس بالأمر السهل، إذ العملية تتطلب استقراء دقيقاً لما وصلنا من تراث أولئك الأئمة، كما يتطلب إلماماً بأدلة الشريعة.
وسنحاول إن شاء الله تعالى أن نقدم فهماً لتراث الأئمة الأوائل، ونناقش وجهات النظر المختلفة في ذلك.
المثال الأول: حديث تحريم ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير
ورد عن كثير من العلماء المتقدمين من أمثال أبي عبيدة مسلم ومالك بن أنس وغيرهم القول بكراهة أكل ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير، وروي كذلك عن الصحابي الجليل ابن عباس إنكار الروايات الواردة في ذلك.
والإشكال يكمن في أن أبا عبيدة مسلم مثلاً قد روى الحديث من طريقه: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام)، فهل يعقل أن أبا عبيدة لم يطلع على الحديث مع أنه قد رواه؟ وهل يمكن أن يكون قد ذهل عنه؟. (1/110)
صفحة 111
قد يكون هذا الاحتمال وارداً، وقد يكون الأمر عدم اعتبار الرواية دليلاً مستقلاً في ذاته على التحريم:
1. فالمحرمات المطعومة بأعيانها وردت في قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به)، ومما يظهر أن أصول المحرمات المطعومة محصورة في هذه الآية الكريمة، فتحريم الخمر مثلاُ لأنه (رجس من عمل الشيطان) والرجس محرم بنص هذه الآية، والموقوذة والمتردية والنطيحة من أصناف الميتة، والميتة محرمة بنص هذه الآية، فلم يخرج شيء من المحرمات المطعومة الأخرى التي ذكرها الكتاب العزيز عن مدلولات هذه الآية.
2. ونظروا إلى أن الخبر إذا جاء آحاداً ينبغي أن يحمل على هذه الكليات، فابن عباس مثلاً رأى إنكار ما يروى من تحريم الحمر الأهلية واستدل بالآية الكريمة، وكذا روي عن السيدة عائشة وابن عمر، وعدوها من وقائع الأحوال، فقالوا بكراهتها على أكثر تقدير.
3. ومن ذلك ما يروى من تحريم الحمر الأهلية، فقد ورد في الروايات الأخرى التي بينت إجمال الروايات التي ورد فيها لفظ التحريم أو فهم منها ذلك أن المنع كان لأجل علة عارضة، فقد روى مسلم من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه جاء فقال: أكلت الحمر، فسكت، ثم أتاه الثانية فقال: أكلت الحمر، فسكت، ثم أتاه الثالثة فقال: أفنيت الحمر، فأمر مناديا فنادى في الناس: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فأكفئت القدور، وإنها لتفور باللحم.
وعند مسلم أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنه قال:لا أدري؛ إنما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنه كان حمولة الناس، فكره أن تذهب حمولتهم)، فابن عباس يرى أن منع الناس من أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر كان لأجل المحافظة على الدواب التي يركب عليها، والروايات المفسرة دالة على ذلك. (1/111)
صفحة 112
4. لذا أنكر بعض الصحابة من أمثال ابن عباس على من فهم من ذلك التحريم ونبههم إلى وجوب التحاكم إلى كليات وقواعد القرآن الكريم، فقد روى البخاري عن عمرو بن دينارأنه قال: قلت لجابر بن زيد: يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن حُمُر الأهلية؟ فقال: قد كان يقول ذاك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذاك البحر ابن عباس وقرأ: (قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرَّماً....). انظر أيضاً تفسير المنار ج8 ص 147-167.
المثال الثاني: حديث نكاح المحرم
جاء في الحديث من طريق عثمان بن عفان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يَنكِح المحرم ولا يُنكِح ولا يخطب)، وورد من طريق ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم)، والحديثان موجودان في مسند الإمام الربيع.
- وقد قال بعض أصحابنا المتقدمين من أمثال ابن عبدالعزيز رحمه الله بجواز النكاح للمحرم، ففي المدونة الكبرى ج2 ص42: (سألت ابن عبدالعزيز عن نكاح الرجل وهو محرم؟ قال: نعم؛ لا بأس بذلك)، ونسب هذا القول أيضاً للإمام أبي عبيدة مسلم.
وهم يقصدون بذلك العقد لا الجماع ومتعلقاته، لأن الله تعالى يقول: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)، وقد صحح الشيخ محمد بن يوسف اطفيش رحمه الله هذا الرأي في شرح النيل ج 4 ص 98.
- ورأى آخرون أن أبا عبيدة وابن عبدالعزيز عندما قالا بهذا القول لم يكونا على إطلاع على حديث عثمان أو أنهم لم يستحضروه عند القول بهذا الرأي، وهذا الرأي مع وجاهته عليه ملاحظة هامة وهي:
1. أن الحديث كان متداولاً في المدرسة الإباضية الأولى في البصرة، فهو وإن لم يكن مروياً من طريق أبي عبيدة، فقد جاء من طريق ضمام بن السائب عن جابر بن زيد، وجابر هو أستاذ أبي عبيدة وضمام، فمن البعيد أن يكون غير عالم بالرواية، لا سيما وأنه أكثر الأخذ عن جابر بن زيد. (1/112)
صفحة 113
2. وكذا القول بالذهول عنه أو عدم استحضاره، فمثل هذا الأمر يمكن درؤه بتنبيه بسيط حتى من أقل الطلاب شأناً لأساتذتهم، فما بالك بأساطين العلماء القادرين على المناقشة والحوار؟.
وهذا يقودنا إلى احتمال آخر ووضع تفسير مناسب له، لم لا نفترض أن القضية قضية منهج انتقاء وتعامل مع الروايات التي في ظاهرها التعارض؟، فمن المحتمل جداً:
1. أن أبا عبيدة قدم رواية ابن عباس على رواية غيره لكونه الأفقه، ومن المعلوم أن رواية الفقيه العارف بالملابسات والوقائع أقوى من غيرها، فالقضية في جوهرها مسألة تحمل الرواية، وليست قضايا لغوية وتقديم النافي أو المثبت منها.
2. ولعله رأى أن النصوص الثابتة من القرآن والسنة تجعل الجماع ومتعلقاته هي المقصودة بالمنع، وأن العقد سواء للرجل أو للمرأة لا يؤثر على الإحرام، إذ لا يترتب عليه بالضرورة حصول شيء، فالمعاشرة ومتعلقاتها ممنوعة على المحرم المتزوج، فعقد النكاح كسائر العقود لا يمتنع شيء منها بسبب الإحرام، وحملوا حديث عثمان بن عفان الذي جاء من طرقهم على الجماع ومتعلقاته، أو لعله قيل في مناسبة معينة لها ظروفها الخاصة.
3. ولعله استبعد أيضاً ما يكون من روايات نسبت إلى السيدة ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها وأبي رافع السفير بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم في أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو محل، لكونها رويت من طريق أناس ليسوا بدرجة ابن عباس رضي الله عنه فقهاً وعلماً بالكتاب والسنة، أو لكونها لم ترد إليهم من طرق مأمونة يثقون بعدالة رواتها، فلم يعولوا عليها.
المثال الثالث: حديث الوباء
ففي مسند الإمام الربيع من طريق ابن عباس أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام أخبر أن الوباء وقع في الشام، فشاور عمر من معه فاختلفوا، فقال بعضهم: خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال آخرون: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تقدم على هذا الوباء. (1/113)
صفحة 114
ثم دعا المهاجرين الأولين، فاختلفوا، ثم دعا الأنصار فاختلفوا أيضاً، ثم دعا مشيخة قريش ومهاجرة الفتح، فلم يختلف منهم رجلان وقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فلماء جاء عبدالرحمن بن عوف وكان متغيباُ لبعض حاجته قال: إن عندي من ذا علماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه).
هذا الحديث يستدل به على أن هناك من السنن التي يمكن أن تخفى على الناس ويظفر بها النفر القليل منهم، وأن من ظفر بها أصبح حجة على من لم يظفر بها، وصيغت متأخرة على أن من (حفظ) حجة على (من لم يحفظ).
- في الطرف الآخر يقدمون تساؤلاً: لو لم تظهر رواية عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه كيف كانوا سيفعلون؟ وهل نصوص الشريعة الأخرى وبالأخص النصوص الثابتة المستقرة يمكن أن تسعف الناس بحل هذه القضية؟.
- وهل عدم إطلاع عمر بن الخطاب والمهاجرين الأولين والأنصار ومشيخة قريش ومهاجرة الفتح على الرواية دليل على إلزاميتها الاستقلالية إذا جاء بها الواحد أم أن قبولها تم لاعتبارات أخرى؟.
1. لو لم تظهر تلك الرواية التي أخبرهم بها كانوا سيعملون منهج البحث في الكون بضرورة توقي الوباء ومحاصرته (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض)، ومن المعلوم من أدلة الشريعة أن الإقدام على التهلكة محرم (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وهذا الذي قاموا به قبل وصول عبدالرحمن بن عوف عن طريق سلسلة من المشاورات. (1/114)
صفحة 115
2. وجهل هذا الجم الغفير من الصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم بشيء يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسألة مؤذن بعدم حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ الأمر للأمة؛ اعتماداً على كليات الشريعة وقواعدها العامة التي تسعف الناس بالحلول المتجددة عبر الزمان والمكان، وفتح المجال للناس كي يعملوا عقولهم في اكتشاف أسرار الكون ونواميسه التي تسعفهم لحل مثل هذه القضايا.
3. أما عن تسليم الجميع لخبر عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه في الوباء فيرجع إلى أمرين اثنين:
- أن الخبر جاء موافقاً لكليات الشريعة وقواعدها العامة، فهي تحرم الإقدام على التهلكة وقتل النفس.
- أن الخبر جاء موافقاً لرأي أهل الخبرة والتجربة في نظرهم الكوني المستند إلى المعارف الموجودة في ذلك العصر.
وليس الأمر أن الخبر يقبل هكذا دون ضوابط، وإلا فإن فعمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه رد روايات بعض الصحابة لمخالفتها تلك الشروط المنهجية، فقد ردّ حديث الصحابية فاطمة بنت قيس عندما روت عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنها طُلقت في عهده طلاقاً بائناً ولم يفرض لها نفقة ولا سكنى، فقال عمر رضي الله عنه: (لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت).
ضوابط منهجية:
يحصل في كثير من الأحيان خلط كبير بين الضوابط المنهجية لقبول الحديث الآحادي وبين رده مطلقاً، فالذين يشترطون شروطاً في حديث الآحاد قبل العمل به ليسوا ممن يقولون برده رأساً ممن يصنفون بأنهم ينكرون السنة.
ومن المعروف أن المحدثين في كثير من الأحيان يكتفون بشروط صحة السند والسلامة من الشذوذ والعلة، والعلة والشذوذ في كثير من الأحيان بمقاييسهم ومناهجهم، في حين أن الفقهاء لهم ضوابط أخرى قد يتفقون فيها مع المحدثين أو يختلفون، فمن ذلك مثلاً: (1/115)
صفحة 116
1. أن المالكية لا يقبلون حديث الآحاد المخالف لعمل أهل المدينة، وكذلك إمامهم مالك بن أنس كان لا يقبل حديث الآحاد المخالف للأصول الثابتة لديه.
2. والحنفية تبعاً لإمامهم أبي حنيفة كانوا لا يقبلون حديث الآحاد الذي تتوفر دواعي نقله بالشهرة، وأيضاً الذي يأتي مخالفاً للأصول الثابتة بالقياس الصحيح، وأيضاً لا يقبلون الرواية
التي يعمل الراوي بخلافها.
وعموماً تجد للفقهاء شروطاً أخرى تختلف عن شروط المحدثين، بل يمكن القول إن شروط الفقهاء أشد صرامة وأكثر فاعلية من شروط المحدثين، وقبل نشأة كل هذه المدارس الإسلامية الاجتهادية كانت هناك مدرسة نشأت مبكراً أرسى دعائمها عدد من فقهاء وعلماء التابعين على رأسهم الإمام التابعي الجليل جابر بن زيد، وهذه الدرسة كان لها منهجها الفقهي الرائد وطريقتها في الحياة والتي تتسم بالشمولية والتكامل، وقد تحدثنا في الحلقة الماضية بشيء من التفصيل عن هذه المسألة، لكن الذي يعنينا هنا أن نبين وباختصار كيف تعاملت هذه المدرسة الفقهية مع خبر الآحاد.
- من الضوابط التي كانت لهذه المدرسة للتعامل مع خبر الآحاد:
1. ضرورة تماشي الرواية الآحادية مع روح القرآن الكريم والقيم الإسلامية العليا عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم (=السنة المتواترة) ومقاصدها وكلياتها، وفي ذلك يقول الإمام جابر فيما رواه الربيع في مسنده (123): (كيف يمسح الرجل على خفيه والله تعالى يخاطبنا في كتابه بنفس الوضوء، والله أعلم بما يرويه مخالفونا في أحاديثهم). (1/116)
صفحة 117
2. عدم مخالفة الرواية لما استقر عليه العمل عند الأمة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، إذ إن ذلك مؤذن بظهور الرواية متأخرة أو هي من الشواذ الذي لم يعرف، والشريعة قد أكملت (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) يقول الإمام جابر فيما نقله أبو غانم في مدونته ج1 ص 67: (سألت أبا المؤرج هل في الصلاة قنوت؟ قال: حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد أنه سئل عن ذلك فقال: الصلاة كلها قنوت، قال الله تعالى: "أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا"، قلنا يا أبا الشعثاء ليس عن هذا أسألك، ولكن إنما أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، ويدعون ويتهللون وهم قيام. "قال: هذا أمر محدث لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة")، انظر أيضاً (دراسات عن الإباضية) ص 128، د/ عمرو النامي: (وذكر عبدالله بن عبدالعزيز أن الأحاديث التي كانت مشهورة بين الصحابة والتابعين هي التي يجب أن تعتمد، أما الشواذ من الأخبار فينبغي أن لا تؤخذ).
3. العناية بالسنن المجمع عليها في التعامل مع الآحاد فهماً وتطبيقاً، والسنن المجمع عليها هي التي وصلت للجميع وإن كانت آحاداً وجرى عليها العمل، يقول فقهاء المدونة في ذلك ج1 ص : (وذلك كله اختلاف منهم في الرأي، ولم يكن اختلاف في كتاب ولا سنة ولا أثر مجتمع عليه، إلا اختلافهم في الرأي).
كلمة أخيرة:
ما كان من توجيهات لبعض الآراء التي أثرت عن بعض العلماء المتقدمين ليست بالضرورة آراء نتبناها، إنما هي محاولات لتفسير آراء أثرت عنهم وتفسيرها على ضوء قواعد قد تكون هجرت من قبل الكثير من المتأخرين، فمن الصعب حمل آرائهم على قواعد استقرت في القرون المتأخرة، ومثل هذه القضايا مجالها الرحب في مناقشات العلماء العاملين. (1/117)