صفحة 1
الكتاب: السنة والحديث، قراءة في تراث المدرسة الجابرية...
المؤلف: خالد بن مبارك الوهيبي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] السنة والحديث (1-4)، قراءة في تراث المدرسة الجابرية... أ. خالد بن مبارك الوهيبي
بتاريخ 28-6-1425 هـ
القسم: الحديث و علومه
علم مصطلح الحديث من العلوم التي راجت في العالم الإسلامي قديماً وحديثاً، وقد قام المحدثون من أهل السنة بتشييد دعائمه وتقعيد نظرياته، ومن الملاحظة السريعة يتبين أن كثيراً من المدارس الإسلامية الأخرى كالإباضية والمعتزلة والشيعة والزيدية لم تدون آراؤها في مصنفات هذا العلم لأسباب سياسية، لكن في المقابل يرى بعض الباحثين أن بعض هذه المدارس لم تعتن مع مرور الزمن ببناء نظرياتها الخاصة بها في التعامل مع الرواية الحديثية، بل أخذت تستورد النظريات من علم المصطلح دون الانتباه إلى طبيعة الحقل المعرفي الذي نشأت فيه، ويرجع ذلك إلى أمور منها:
-كثافة الانتشار الذي حققته النظريات الحديثية التي شيدها المحدثون، بفعل الدعم السياسي لها من قبل السلطات الحاكمة عبر التاريخ (=الأموية، العباسية، العثمانية).
-العجز السياسي والعلمي للمدارس الإسلامية الأخرى، التي أقصيت من الساحة السياسية بدعوى أنها من الفرق المبتدعة.
وهذا العلم نما وترعرع بجهود عدد من كبار المنظرين كشعبة بن الحجاج (ت 160هـ)، ومالك بن أنس (ت 179هـ)، وسفيان الثوري (ت 161هـ)، ويحيى بن سعيد القطان (ت 198هـ)، وعبد الرحمن بن مهدي (ت 198هـ)، وأحمد بن حنبل (ت 242هـ) الذي يعد من أكبر المنظرين لهذه المدرسة، ويحيى بن معين (ت 233هـ)، وعلي بن المديني (ت 234هـ)، ومحمد بن إسماعيل البخاري (ت 256هـ)، وأبو زرعة الرازي (ت 264هـ)، ومحمد بن يحيى الذهلي (ت 258هـ)، ومسلم بن الحجاج (ت 261هـ)، وأبو داود السجستاني (ت 275هـ)، ومحمد بن عيسى الترمذي (ت 279هـ) وغيرهم، وهؤلاء لهج المحدثون الذين جاءوا من بعد بمصطلحاتهم، وتحددت معالم المنهج الحديثي بما قدموه بما لا مبتغى بعده، بل إن مصطلحاتهم غلبت على أصولها اللغوية حتى كادت تنسى عند أهل هذا الفن[1]. (1/1)
صفحة 2
بل وحتى المدارس الفقهية في المحيط السني القائمة على التعويل على الطرائق الكلية في الاجتهاد والاستنباط لم تستطع الصمود طويلاً، ويبدو للمتتبع أنها كانت تمثل الطريقة الأصيلة عند عموم فقهاء الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، لكنها ولعوامل كثيرة ظلت تنكمش وتتتقلص لحساب النظرة الجزئية القائمة على النظر في نصوص مفردة ومجتزئة، وعزز هذه النزعة المبالغة في طلب الروايات والأحاديث التي تم تدوينها في القرنين الثالث والرابع، (وفي وجه هذا التطور برز المحدثون لتدوين الحديث والتحقق من سنده لتمييز صحيحه من سقيمه، ودونت كتب الصحاح والسنن والمساند في أسفار ضخمة غطت كل موضوع ومسألة، وانقسم الفقهاء بين مؤثر لاتباع النصوص، وراغب في تأصيل الأصول وتقعيد القواعد واعتماد الكليات في مسالك الاجتهاد)[2]، فدونت من بعد كتب القواعد الفقهية والأشباه والنظائر ككتاب قواعد الأحكام لابن عبد السلام والفروق للقرافي والموافقات للشاطبي وغيرها، وحاول الكثير من الفقهاء اتخاذ طريقة وسطاً بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية (=اللغوية)، لكن بمرور الزمن لم يستطع الفقهاء القواعديون الصمود طويلاً أمام الهجمة الشرسة للنصوصيين من المحدثين، الذين ظلوا يجلدونهم باستمرار بسياط دعاوى التنكر للنصوص، والمقصود بالذات نصوص الأحاديث والروايات الآحادية التي دونت في مصنفات الحديث.
المدرسة الجابرية
ناقشنا في حلقات نشرت في العام الماضي بعضاً من القواعد التي ذكرها علماء المدرسة الجابرية في مصنفاتهم، أو تلك التي تعلم باستقراء النصوص والأحكام المأثورة عنهم، لكن بعض القراء الكرام أساء فهم ما كتبته واعترض عليها بأمور منها:
1. أن تلك المقالات مجدت المدرسة الجابرية (=المدرسة الإباضية الأولى) وهمشت أو ألغت التاريخ الفقهي الإباضي اللاحق.
2. أن تلك المقالات روجت لآراء فقهية ترك العمل بها في العصور المتأخرة. (1/2)
صفحة 3
وعلى كل حال أنا أرحب بالملاحظات والطرح المتعدد حتى تنضج الأفكار وتصل إلى مرحلة متقدمة من الرقي والتطور، أما عن هاتين الملاحظتين، فأقول معقباً:
1. ما كتبته هو إبراز لمزايا لمدرسة تعد المحضن والمنشأ الأول للمدرسة الفقهية الإباضية، ولا أذكر أنني بهذا قد همشت من أي دور من أدوار الفقه الإباضي عبر تاريخه الطويل، والمدارس الفقهية الإباضية قد مرت بأدوار وأطوار متعددة، ويقسمها بعض الباحثين المتخصصين إلى[3]:
- المدرسة الجابرية
-المدرسة المحبوبية
-المدرسة الرستاقية
-المدرسة النزوانية
-المدرسة الشقصية
-المدرسة البونبهانية
-المدرسة السالمية
-المدرسة الخليلية
وكل مدرسة من هذه المدارس تميزت بخصائص ومميزات ميزتها عن غيرها في إطار المرجعية العليا للمذهب الإباضي، فإبراز الخصائص المميزة لكل مدرسة من هذه المدارس لا يعد هضماً أو انتقاصاً من قدر المدارس الأخرى.
2. وكذلك الحال في الاستفادة من آراء قد أهملت أو أهيل عليها التراب في العصور المتأخرة، فإنه ليس بمستغرب، ففي دائرة الوجود الإنساني والاجتماعي لا بد من الاستفادة من كافة التجارب والآراء، فقد تكون هناك من الآراء لدى المتقدمين تركت ثم دعت الحاجة لإحيائها من جديد، فليست القضية حفاظاً على آراء معينة بقدر ما هي تسيير لحركة الحياة (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).
ولهذه الأسباب ولكون المدرسة الجابرية هي المنشأ والمحضن الأول للفكر الإباضي آثرنا الاستفادة من تراثها الفقهي في بناء نظرية حديثية متكاملة، وسنحاول خلال هذا المسلسل دراسة بعض من جوانب هذه النظرية.
السنة والحديث
درج المتأخرون من الفقهاء والمحدثين على المرادفة بين السنة والحديث؛ بإعطائهما تعريفاً واحداً هو (ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم)[4]، ويشمل هذا (قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره وصفته)[5]. (1/3)
صفحة 4
وقد انتقد بعض المعاصرين هذا التعريف ومنهم محمد رشيد رضا، حيث يرى أن سنته صلى الله عليه وسلم (التي يجب أن تكون أصل القدوة هي ما كان عليه هو وخاصة أصحابه عملاً وسيرة فلا تتوقف على الأحاديث القولية)[6]، وعاب على الفقهاء المتأخرين (جعلهم الأحاديث القولية من السنن، وهو اصطلاح للعلماء توسعوا فيه بمعنى السنة، فجعلوها أعم مما كان يريده الصحابة من هذا اللفظ، وهي الطريقة المتبعة التي جرى عليها العمل)[7]، (ومن العجائب أن يغبى بعض المحدثين أحياناً عن الفرق بين السنة والحديث في عرف الصحابة الموافق لأصل اللغة؛ فيحملوا السنة على اصطلاحهم الذي أحدثوه بعد ذلك)[8].
وقد نقل هذا التفريق عن بعض قدامى المحدثين ، قال عبد الرحمن بن مهدي: (سفيان الثوري إمام في الحديث وليس بإمام في السنة، والأوزاعي إمام في السنة، وليس بإمام في الحديث، ومالك إمام فيهما جميعاً)[9] ومعنى هذه العبارة أن سفيان الثوري عند عبد الرحمن بن مهدي هو الأعلم بالطريقة المتبعة والسنن الماضية للنبي صلى الله عليه وسلم، والأوزاعي هو الأعلم بالحديث، أي بالروايات التي تصف حوادث متفرقة من حياته صلى الله عليه وسلم وتعامله معها، أما مالك فهو عالم بالسنة والحديث، أي عالم بالسنن الماضية والطريقة المتبعة للنبي صلى الله عليه وسلم، وعالم بالحديث أي بالروايات والأخبار المتفرقة التي تصف أحداثاً ووقائع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. (1/4)
صفحة 5
فالسنة تحمل معاني الاضطراد لما فيها من جريان الأحكام، وهو المعنى المتفق مع المعنى اللغوي للسنة، فالفعل "سَنَّ" يحمل معنى الاستمرارية، ويعني العمل المتواصل، ولهذا فالتعبيران "سننت الماء على وجهي وسننت التراب على وجه الأرض" يعني: ظللت أصب الماء على وجهي، واستمر الغبار يسقط على وجه الأرض، قال ابن الأعرابي: (السن مصدر سنَّ الحديد سَناً، وسن للقوم سُنَّة وسَنَنَّاً، وسَنَّ الإبل يسنها سناً إذا أحسن رِعيتها، حتى كأنه صقلها، وسَنَّنَ المنطق حسنه، فكأنه صقله)[10].
فسنة النبي صلى الله عليه وسلم تحمل هذه المعاني اللغوية، فهي الطريقة المتبعة التي تصقل الحياة الإنسانية، لذا كان الصحيح من الأحاديث ما (أيده العمل أو وقع عليه الإجماع)[11] دون ما كان منسوخاً أو استقر عمل المسلمين على خلافه أو كان مخالفاً للسنن الماضية.
والسنة في التعبير القرآني في نسبتها للخلق الإلهي تقتضي الثبات والاطراد في خصوصية الزمان والمكان
(سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً)
(سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً)
ولكن عند دلالة السنن المنسوبة إلى الفعل الإنساني نجد أن السنة استبدلت بسنن متعددة (=بشرية)، كلها تصب في معاني التفاعل الإنساني مع حركة الكون والحياة خيراً كانت أو شراً، وهو الحراك الاجتماعي.
( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كان عاقبة المكذبين)
(يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم) وهذا مدخل مهم ومعايير قرآنية لفهم السنة والحديث في ضوء الدلالات القرآنية الكلية.
فإذن الأحاديث لا تخرج في طبيعتها عن هذين الإطارين:
- القوانين الإلهية في كتاب الله تعالى، بالتشريع النبوي داخل القواعد والمقاصد الكلية للكتاب العزيز، بتطبيق أحكامه وبيان معانيه ودلالاته. (1/5)
صفحة 6
- القوانين الكونية والاجتماعية: وهذه أيضاً تطبيق للقواعد والمقاصد القرآنية في واقع الحياة المتغير، وهذا البعد لابد من إدراكه لدى الفقيه في تعامله مع الأحاديث، إذ إن إدراك هذا البعد الزمني الذي ورد في النص المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفق مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية هو الذي يضمن عملية التفريق الدقيق بين التشريع النبوي وبين تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم للنصوص وفق حركة المجتمع والحياة[12].
السنة في اصطلاح المدرسة الجابرية
وردت نصوص كثيرة عن أئمة وعلماء المدرسة الجابرية في معنى (السنة)، لنقرأها ونحاول أن نخرج بنتيجة من خلال استقرائها:
1. روى الإمام أفلح عن الحسن بن أبي الحسن قال: مضت السنة أن يقصر المسافرون في بلد أقاموا فيه، وإن أقاما فيه عشر سنين ما لم يتخذوه وطناً.[13]
2.أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: الوتر والرجم والاختتان والاستنجاء سنن واجبات، فأما الوتر فلقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (إن الله زادكم صلاة سادسة خير لكم من حمر النعم وهي الوتر)[14].
3. قلت (=أبو غانم الخراساني): فإن قدم شيئاً قبل شيء؟. قال الربيع: لا، إلا أن يتابع وضوءه كما جاءت به السنة[15].
4. قال أبو المؤرج وابن عبد العزيز: (السنة في المغرب أن يجهر الإمام بالقراءة في الركعتين الأوليين)[16].
5. قال (= أبو المؤرج): (ومما يؤمر به الرجل في السنة عشر خصال: خمس في الرأس، وخمس في الجسد، فأما اللواتي في الرأس: فالمضمضة والاستنشاق وقص الشارب وفرق الرأس والسواك، وأما اللواتي في الجسد: فتقليم الأظافر ونتف الإبطين وحلق العانة والاختتان والاستنجاء بالماء)[17].
6. قال أبو غانم في المدونة: (حدثني أبو المؤرج عن أبي عبيدة رفع الحديث إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه إذا قام إلى الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. ثم يتعوذ من الشيطان الرجيم ويكبر)[18]. (1/6)
صفحة 7
7.(قال أبو سعيد عبد الله بن عبد العزيز سألت أبا عبيدة عن رجل أكل أو شرب أو جامع ناسياً صومه في رمضان. قال سألت أبا الشعثاء جابر بن زيد عن ذلك فقال: لا قضاء عليه. ثم قال عبد الله بن عبد العزيز: مضت السنة وأجمعت الأمة بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أطعمه الله وسقاه")[19].
8. (السنة المجتمع عليها في الصوم أن يدع الصائم الطعام والشراب والرفث كله لله نهاراً)[20].
9. (والسنة عندنا أن الله أحل الميتة والدم ولحم الخنزير لمن اضطر إليها وخاف على نفسه، وليس قتل النفس من التقرّب إلى الله، وقد قال الله "وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً* وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً " )[21].
10. (والسنة على من أفطر في رمضان عدة من أيام أخر)[22].
11. (والسنة المجتمع عليها أن الحائض لا صوم لها وعليها عدة من أيام أخر)[23].
12. (والسنة المجتمع عليها أن الشمس إذا غابت فقد ذهب النهار وجاء الليل، والسنة أن الصوم بالنهار وليس بالليل)[24].
13. (وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنن الصلاة بقيامها وركوعها وسجودها وتشهدها) [25].
14. (وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم المضمضة والاستنشاق) [26].
15. (وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستنجاء) [27].
16. (فريضة الزكاة من التنزيل، مقرونة بالصلاة، ثم فسرت السنة كيف كان قسمها)[28].
17. (وزكاة الفطر يؤديها من كان له ما يقوته سنة، وهي سنة، الأخذ بها فضيلة، وتركها ليس بخطيئة، والسنة سنتان:
أ - سنة في غير فريضة، الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة.
ب - وسنة في فريضة، الأخذ بها هدى وتركها ضلال) [29].
18. (والسنة المجتمع عليها لا يغط الرجل رأسه) [30]. (1/7)
صفحة 8
19. (وإنما يقطع يده اليمنى، وهذا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والسنة أن يقطع من أخرج من الحرز؛ ولا يقطع إلا بإقرار أو بشاهدين عدلين) [31].
20. (ذكر الله الأذان ذكراً ولم يأمر به، أجمع الناس أنه من سنة رسول الله عليه السلام، واختلفوا فيه، وقولنا الذي نأخذ به: الأذان مثنى مثنى، والإقامة كذلك، وهما من سنة رسول الله عليه السلام)[32].
21. قال أبو غانم في المدونة نقلاً عن أبي المؤرج: (وجاء في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله زادني صلاة وهي الوتر، فصلوها ما بين صلاة العشاء وهي العتمة إلى انشقاق الفجر)[33].
قال أبو غانم في المدونة: (قال أبو المؤرج: أخبرني أبو عبيدة: أن السنة مضت في الشياه أن يؤخذ من كل الأربعين من الشياه شاة إلى عشرين ومائة، ليس فيها إلا واحدة)[34].
22. قال أبو غانم نقلاً عن أبي المؤرج: (لأن السنة عن النبي عليه السلام على المدَّعي البينة والمنكر اليمين، والبائع الآن هو المنكر عليه اليمين، فلست أن أحطها منه وأحولها إلى غيره ممن لم يجعلها عليه النبي عليه السلام)[35].
23. قال أبوغانم في المدونة عن أبي المؤرج: (قال: نعم، قد جاء ما ذكرت وأخبرت السنة أن الزانية والزاني اللذين أمر الله بإقامة الحدود عليهما هو الذي يولج كولوج المرود في المكحلة)[36].
24. جاء في آثار الربيع: (الربيع عن ضمام أنه قال: أتيت أبا الشعثاء يوم الجمعة، فلما حضره الرواح قال لي: قم حتى ننطلق إلى الجمعة.
فقلت: أخلف الحجاج؟
قال: نعم؛ فإنها صلاة جامعة وسنة متبعة)[37].
25. جاء في الديوان المعروض: (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أجاز شهادة رجل على الهلال.
وبلغنا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون.
وكان عمر بن عبد العزيز يقبل شهادة رجل واحد على الصوم، ولا يقبل على الفطر إلا شهادة رجلين. والسنة في هذا ما تثبت به الأشياء)[38]. (1/8)
صفحة 9
من كل هذا الحشد من النصوص يتبين لنا:
- أن مصطلح السنة عبر به عن المفردات التالية:
(قصر الصلاة في السفر- صلاة الوتر-تتابع غسل الأعضاء في الوضوء- جهر الإمام بالقراءة في الركعتين الأوليين من المغرب-القيام والركوع والسجود والتشهد في الصلاة-المضمضة والاستنشاق في الوضوء- الاستنجاء-السواك-نتف الإبط-الرجم-عدم تغطية الرأس للمحرم-قطع اليد اليمنى في السرقة-الأذان والإقامة- في زكاة الشياه أن يؤخذ من كل الأربعين من الشياه شاة إلى عشرين ومائة-صلاة الجمعة-البينة على من ادعى واليمين على من أنكر- الزانية والزاني اللذين أمر الله بإقامة الحدود عليهما هو الذي يولج كولوج المرود في المكحلة-السنة في حديث "أطعمه الله وسقاه").
- وهذه المفردات عند تأملها يتبين أنها: سنن مورست عملياً ومثلت المقدار المتفق عليه بين المسلمين أوبعبارة ابن بركة ما (أيده العمل أو وقع عليه الإجماع)[39] وهذا هو معنى قول الإمام جابر عن صلاة الجمعة بأنها (سنة متبعة)، ومعنى قولهم كثيراً (السنة المجتمع عليها).
- وفي أحيان أخرى يعبر بالسنة عن دلالات قرآنية مورست عملياً في تشريع النبي صلى الله عليه وسلم، أمثلة (9، 10).
- وأحياناً يعبر بالسنة عن المعاني الثاوية في مجموع النصوص الثابتة في الكتاب والسنة، والتي تستخلص من خلال النظر، مثال (25).
وفي الحلقة القادمة سنتعرض إن شاء الله تعالى لمصطلحات الرواية والحديث وعلاقتها بالسنة.
=============================
[1] المنهج المقترح لفهم المصطلح ص 56 ـ 58، حاتم بن عارف العوني.
[2] إعمال العقل ص 165، لؤي صافي.
[3] هذا التقسيم بالنسبة إلى إباضية المشرق، وهو للشيخ أحمد بن سعود السيابي.
[4] شرح شرح نخبة الفكر ص 153، ملا علي القارئ.
[5] المرجع السابق ص 153.
[6] مجلة المنار، المجلد 10 ص 852.
[7] المرجع السابق، المجلد 10 ص 852.
[8] المرجع السابق، المجلد 10 ص 853.
[ (1/9)
صفحة 10
9] حلية الأولياء ج6 ص 332، أبو نعيم الأصبهاني.
[10] لسان العرب ج13 ص 223، ابن منظور.
[11] كتاب الجامع ج1 ص 280، محمد بن عبد الله بن بركة.
[12] انظر أيضاً أحمد بن علي الرازي الجصاص "الفصول في الأصول" ج3 ص 239 ـ 244.
[13] كتاب الترتيب، روايات الإمام أفلح (16).
[14] كتاب الترتيب، مسند الربيع (195).
[15] المدونة الصغرى ج1 ص 15، بشر بن غانم الخراساني.
[16] المرجع السابق ج1 ص 46.
[17] المرجع السابق ج1 ص 69 ـ 70.
[18] المرجع السابق ج1 ص 25.
[19] الديوان المعروض، كتاب الصيام ص 7 . يقول عمرو النامي في دراسات عن الإباضية ص 137: (كتاب الصيام، وهو يبدأ بروايات أبي المؤرج عن شيخه أبي عبيدة على شكل أسئلة وأجوبة، وبعد العنوان التالي "باب اختلاف العلماء في الصيام" ترد آراء مختلف العلماء حول الموضوع، منوهة بالآراء التي يعتمدها الأئمة الإباضيون، لا سيما أبو عبيدة).
[20] المرجع السابق ص 40.
[21] المرجع السابق ص 43.
[22] المرجع السابق ص 49.
[23] المرجع السابق ص 83.
[24] المرجع السابق ص 72.
[25] أصول الدينونة الصافية ص91، عمروس بن فتح.
[26] المرجع السابق ص 92.
[27] المرجع السابق ص 93.
[28] المرجع السابق ص 95 ـ 96.
[29] المرجع السابق ص 102.
[30] المرجع السابق ص 110. (هذا الكلام في الإحرام).
[31] المرجع السابق ص 128.
[32] المرجع السابق ص 156.
[33] المدونة الصغرى ج1 ص 62، بشر بن غانم الخراساني.
[34] المرجع السابق ج1 ص 156.
[35] المرجع السابق ج2 ص 164 ـ 165.
[36] المرجع السابق ج2 ص 74.
[37] آثار الربيع ج1 ص 46، عبد الملك بن صفرة.
[38] الديوان المعروض، كتاب الصيام ص 67.
[39] كتاب الجامع ج1 ص 280، محمد بن عبد الله بن بركة.
-----------------------
السنة والحديث (2-4)، قراءة في تراث المدرسة الجابرية... أ. خالد بن مبارك الوهيبي
بتاريخ 4-7-1425 هـ
القسم: الحديث و علومه (1/10)
صفحة 11
تحدثنا في الحلقة الماضية عن معنى السنة في استعمال فقهاء المدرسة الجابرية، وقلنا إن مصطلح السنة لديهم يدل على سنن مورست عملياً ومثلت المقدار المتفق عليه بين المسلمين أوبعبارة ابن بركة ما (أيده العمل أو وقع عليه الإجماع)[1] وهذا هو معنى قولهم (سنة ماضية)، وأحياناً يعبرون بالسنة عن المعاني الثاوية في مجموع النصوص الثابتة في الكتاب والسنة.
الحديث والرواية في استعمال المدرسة الجابرية
وهذه نصوص من تراث المدرسة الجابرية في استعمال مصطلحي الحديث والرواية.
1. قال الإمام جابر بن زيد: (كيف يمسح الرجل على خفيه والله تعالى يخاطبنا في كتابه بنفس الوضوء؟! والله أعلم بما يرويه مخالفونا في أحاديثهم)[2].
2. قال الإمام جابر: (وهذه الرواية تمنع من التيمم بغير التراب) [3].
3. قال أبو المؤرج: (لسنا نأخذ بهذا من حديث ابن عمر، وقد كان أبوه أمير المؤمنين رحمة الله عليه يقول بخلاف هذا القول)[4].
4. قال أبو غانم في المدونة: (حدثني أبو المؤرج عن أبي عبيدة رفع الحديث إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه إذا قام إلى الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. ثم يتعوذ من الشيطان الرجيم ويكبر)[5].
5. قال أبو غانم في المدونة: (وروى لي أبو المؤرج عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلاً من الأنصار ذبح ضحيته ثم خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى، فلما انصرف النبي عليه الصلاة والسلام، وعاب ذلك عليه أصحابه.........)[6].
6. قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج: عن الإمام يؤم الناس؛ كيف ينبغي أن يصلي بهم؟.
قال: حدثني أبو عبيدة فقال: من أم الناس فليخفف وليصل بأضعف من خلفه، فإنه يصلي وراءه السقيم والضعيف وذو الحاجة والكبير والمريض والحامل. ولا أحسبه إلا وقد رفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم)[7]. (1/11)
صفحة 12
7. قال أبو غانم في المدونة: (أليس قد روى الناس عن النبي عليه السلام أنه يتوضأ بنبيذ التمر إذا لم يجد الماء حين وفد الجن. قال أبو المؤرج: قال الله أعلم بما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو نعلم أن النبي عليه السلام فعل ذلك لأخذنا به) [8].
8. قال أبو غانم في المدونة: (سألت ابن عبد العزيز وأخبرني من سأل الربيع بن حبيب عما روى الناس ورفعوه إلى النبي عليه السلام أنه قال: البايعان بالخيار ما لم يفترقا. قالوا جميعاً: بلغنا ذلك عن النبي عليه السلام، والأمر عندنا كذلك، قال ابن عبد العزيز: البيع جايز ماض وإن لم يفترقا والله أعلم بحديث النبي عليه السلام ما معناه، والافتراق عندنا افتراق صفقة البيع)[9].
9. قال أبو غانم في المدونة: (قلت: أخبرني عن قول هؤلاء فيما رووه ورفعوه إلى أبي سعيد الخدري أنه قال: ليس فيما دون المائتين من الورق شئ، ولا فيما دون عشرين مثقالاً من الذهب شئ، ولا فيما دون الأربعين من الشياه شئ، ولا فيما دون الثلاثين من البقر شئ، ولا فيما دون خمسة من الإبل شئ، ولا فيما دون خمسة أوساق من الحنطة والشعير والزبيب والتمر شئ. والوسق ستون صاعاً.
قال: كل حديثهم الذي ذكرت مستقيم، غير قولهم: "ليس فيما دون ثلاثين من البقر شئ"، وزكاة البقر عندنا كزكاة الإبل يؤخذ منها ما يؤخذ من الإبل، ويعمل فيها ما يعمل في الإبل، وسائر ما ذكرت من السنة في الذهب والورق والغنم والحنطة والإبل والشعير والزبيب والتمر كما ذكرت)[10].
10. قال أبو غانم نقلاً عن أبي المؤرج: (لأن السنة عن النبي عليه السلام على المدَّعي البينة والمنكر اليمين، والبائع الآن هو المنكر عليه اليمين، فلست أن أحطها منه وأحولها إلى غيره ممن لم يجعلها عليه النبي عليه السلام)[11].
- من كل النصوص السابقة يتبين أن فقهاء المدرسة الإباضية الأولى استعملوا مصطلح (الحديث) للتعبير عن معاني: (1/12)
صفحة 13
· أحاديث تنسب إلى الصحابي (=قول للصحابي)، مثال ذلك (3 ، 4).
· رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم. مثال ذلك (5 ، 6).
- في النصوص (2، 3): استخدم فقهاء المدرسة الجابرية مصطلح (الرواية) للتعبير عما تفرد به الآحاد من الرواة فيما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومثال ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً ".
- في النصوص (1، 3، 7 ،8 ،9): اعترض فقهاء المدرسة الجابرية على بعض الروايات والأحاديث التي رويت عنه صلى الله عليه وسلم أو عن غيره من الصحابة لمخالفتها ما هو أقوى منها في نظرهم، وحملوا البعض الآخر على محمل مقبول اقتضاه النظر في الثابت من النصوص من الكتاب والسنة.
من واقع الاستقراء للنصوص السابقة المأثورة عن فقهاء المدرسة الجابرية، يتبين لنا:
- من هذا الاستقراء للنصوص الإباضية الأولى، نجد أن مصطلح:
1. السنة: استعمل للتعبير عما جرى عليه عمل الأمة واستقرت عليه الشريعة وما اجتمعت عليه من السنن، دون ما ينفرد به الأفراد القليلون.
2. الرواية: استعمل للتعبير عن بعض ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أقوال قيلت في مناسبات ووقائع لا تذكر في كثير من الأحيان الملابسات والظروف التي قيلت فيها من قبل الرواة، مما ينفردون به عن غيرهم.
3. الحديث: استعمل للتعبير عن أقوال أو أفعال تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من صحابته الكرام رضي الله عنهم، مما يرويه الآحاد من الناس.
- إذن نلاحظ أن مصطلحي (الرواية) و(الحديث) متقاربان جداً وليس بينهما سوى فروق طفيفة للغاية، بينما مصطلح (السنة) يعبر عن درجة أعلى ومستوى من الثبوت أرقى، هذا ما بينه الاستقراء.
العلاقة بين السنة والحديث (1/13)
صفحة 14
قدمنا فيما سبق من تعريفات للسنة والحديث أن السنة تعبر عن الجانب التشريعي المتيقن منه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما يعبر الحديث عن وقائع متفرقة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم مما ينفرد به الآحاد من الرواة.
إذن يكون بذلك الحديث دالاً على السنة أحياناً، وفي أحيان أخرى معبراً عن جوانب منها، وفي أحيان أخرى قد يحصل للحديث نوع من عدم الانسجام الداخلي مع البنية الهيكلية للسنة نتيجة للعوارض الداخلية والخارجية التي ترافق عملية نقله، ومن هذه العوارض: النسيان والخطأ والرواية بالمعنى والبتر والزيادة وغيرها مما يعتري حتى أوثق الرواة، قال الإمام أبو عبيدة مسلم في رسالته عن الزكاة التي وجهها إلى أتباعه بالمغرب (فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ في رواية أو خبر أو غير ذلك فمن نفسي، استغفر الله من جميع ما ليس هو له رضى) [12] وهذه الرسالة فيها من الأخبار والروايات عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن صحابته الكرام، وأبو عبيدة راو من رواة الحديث كما يظهر من مسند الربيع ومدونة أبي غانم، فقوله (وما كان من خطأ في رواية أو خبر) ينصرف لمعنى الرواية والخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو صحابته. (1/14)
صفحة 15
لذا كان بعض علماء الصحابة ينكر على من يسرد الحديث عن النبي صلى الله عليه بدون ذكر الوقائع والملابسات التي تكتنفه، فعندما كان الصحابي أبو هريرة يروي ويروي عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت السيدة عاشة تقول: (ولو أدركته لرددت عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم)[13] وكان عمر بن الخطاب يوصي بالإقلال من الحديث والرواية، روى ابن ماجه (28) والدارمي في السنن (280) والحاكم في المستدرك (347) عن قرظه بن كعب قال: بعث عمر بن الخطاب رهطاً من الأنصار إلى الكوفة، فبعثني معهم، فجعل حتى أتى صرار ـ وصرار ماء في طريق المدينةـ فجعل ينفض الغبار عن رجليه، ثم قال: "إنكم تأتون الكوفة، فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن، فيأتونكم فيقولون قَدِم أصحاب محمد قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فاعلموا أن سبغ الوضوء ثلاث وثنتان تجزيان".
ثم قال: "إنكم تأتون الكوفة، فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن فيقولون قَدِم أصحاب محمد قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم فيه".
نخلص من كل ذلك أن الحديث يكون:
- الحديث دالاً على السنة.
- وفي أحيان أخرى معبراً عن جوانب منها.
- وفي أحيان أخرى أخرى قد يحصل للحديث نوع من عدم الانسجام الداخلي مع البنية الهيكلية للسنة نتيجة للعوارض الداخلية والخارجية التي ترافق عملية نقله.
(1) عندما يكون الحديث دالاً على السنة.
- روى الإمام الربيع (523): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : (لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها).
قال أبو عيسى الترمذي بعد روايته للحديث عن ابن عباس وأبي هريرة: (حديث ابن عباس وأبي هريرة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافاً أنه لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها)[14]. (1/15)
صفحة 16
فهذا الحديث عبارة عن عمل مورس من قبل المسلمين عبروا فيه عن السنة (=الطريقة المتبعة) النبوية، وهذا التشريع في حقيقته موجود في كتاب الله تعالى، فالله تعالى نهى عن الجمع بين الأختين (وأن تجمعوا بين الأختين)، ونهى عن نكاح البنت إذا كانت الأم قد دخل بها الرجل (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن)، أما مجرد العقد على البنت فيجعل الأم محرمة على الرجل (وأمهات نسائكم)، فمن تلك التشريعات يظهر حرص الإسلام على الحفاظ على منظومة العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة من أن يقطعها الاشتراك في علاقة الزوجية (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم)، وهذا يشمل القرابة من الدرجة الأولى كالأم والبنت والأخت، وجاء النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها من التشريع النبوي المفعل للتعاليم والرؤية القرآنية.
- روى الإمام الربيع (239): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: (التحيات كلمات كان يعلمهن النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ومعنى التحيات الملك لله)، وجاء في مدونة أبي غانم من كلام أبي المؤرج: (التشهد أن تقول حين تجلس بعد كل ركعتين: "التحيات لله والصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله". ثم تدعو بعد كمال الرابعة وبعد هذا التشهد بما بدا لك وبما يصلح لك أن تدعو به. قال أبو المؤرج: قال أبو عبيدة: فهذا تشهد عبد الله بن مسعود)[15]. (1/16)
صفحة 17
وهذه الأحاديث في التحيات (=على اختلاف يسير في بعض ألفاظها) مثلت السنة العملية المجتمع عليها بين المسلمين والتي حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليمها لأمته، (قال الربيع وأبو المؤرج: بلغنا عن عبد الله بن مسعود أنه كان يعلم أصحابه هذه الكلمات من التشهد كما كان يعلمهم السورة من القرآن، وكان ابن مسعود يقول: "علمنيهن النبي عليه السلام")[16].
(2) عندما يكون الحديث معبراً عن جوانب من السنة.
فالحديث عبارة عن نقل وقائع متفرقة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم يشهدها بعض الصحابة وينقلونها (=مستلهمين في ذلك فهمهم في كثير من الأحيان)، ومن خلال ربط تلك الأقوال أو الممارسات بالأصول الكلية للدين من الكتاب والسنة يتبين لنا أن الأحاديث لا تخرج في طبيعتها عن:
- القوانين الإلهية في كتاب الله تعالى، بالتشريع النبوي داخل القواعد والمقاصد الكلية للكتاب العزيز، بتطبيق أحكامه وبيان معانيه ودلالاته.
- القوانين الكونية والاجتماعية: وهذه أيضاً تطبيق للقواعد والمقاصد القرآنية في واقع الحياة المتغير، وهذا البعد لابد من إدراكه لدى الفقيه في تعامله مع الأحاديث، إذ إن إدراك هذا البعد الزمني الذي ورد في النص المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفق مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية هو الذي يضمن عملية التفريق الدقيق بين التشريع النبوي وبين تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم للنصوص وفق حركة المجتمع والحياة [17].
ولنضرب على لك مثالين:
المثال الأول:
روى الإمام الربيع (623) من طريق ابن عباس عن النبي عليه السلام أنه سئل عن ضالة الغنم فقال: (خذها فهي لك أو لأخيك أو للذئب). ثم قيل له: ما تقول في ضالة الإبل؟، فاحمر وجهه وغضب وقال: (مالك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها). (1/17)
صفحة 18
وروى الإمام الربيع (624) ومن طريق ابن عباس أن أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن لقطة التقطها، فقال: (عرفها سنة، فإن جاء مدعيها بوصف عفاصها ووكائها فهي له، وإلا فانتفع بها). قال الربيع: العفاص الوعاء، والوكاء الخيط الذي تشد به.
وعند الربيع (625) من طريق ابن عباس أيضا أن زيد بن ثابت التقط صرة فيها مائة دينار، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له: (عرفها سنة، فمن جاءك بالعلامة فادفعها له). فجاءه عند تمام السنة فقال له: عرفتها يا رسول الله سنة. فقال له: (عرفها سنة أخرى). فجاءه عند انقضاء السنة الثانية فأخبره أنه عرفها سنة أخرى، فقال: (هو مال الله يؤتيه من يشاء).
وهذه الأحاديث رواها البخاري (91) ومسلم (1722) وغيرهم.
ومن هذه الأحاديث نلحظ:
- أن حق صاحب اللقطة لا يسقط بالتقادم.
- وأن الانتفاع بالمفقود أولى من إهلاكه، فالمال يُعرّف سنة أو سنتين ثم ينتفع به، ويلزم رده عند ظهور صاحب الحق.
- وأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز التقاط ضالة الغنم ونهى عن التقاط ضالة الإبل.
وهذه التشريعات مأخوذة من القواعد التشريعية العامة من الكتاب والسنة العملية، فالله تعالى يقول: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) فمن ثوابت الإسلام ومن أخص صفات المؤمنين حفظ الأمانة وتأديتها إلى أهلها (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون). (1/18)
صفحة 19
وكذا الانتفاع بها إن لم يعرف صاحبها بعد تعريفها هو من باب الحفاظ على المال من الضياع والإهمال، وحق صاحبها لا يسقط بالتقادم، لأن الحق لا ينتقل عن صاحبه إلا بموجبات شرعية كالهبة أو الهدية أو البيع وما شابهها، فالله تعالى نسب المال إلى أصحابه (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) (وآتوا اليتامى أموالهم)، ولا تنتقل هذه الملكية إلا بوجه مشروع }يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم{، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في بيان أمام الأمة في حجة الوداع: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا)[18].
أما ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في جواز إيواء ضالة الغنم والنهي عن إيواء ضالة الإبل؛ فلأن ضالة الإبل (معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها) بخلاف ضالة الغنم.
فتجدون من كل هذه التشريعات النبوية أنها تُستَقى من أمرين اثنين:
- القواعد التشريعية العامة في الكتاب العزيز والسنة العملية.
- دائرة الوجود الإنساني الاجتماعي التي تعمل فيها هذه القواعد.
وقد أدرك الصحابة رضوان الله تعالى عليهم هذا الأمر، فلم يقفوا عند ظواهر الألفاظ مستأسرين لحرفيتها، بل غاصوا في حقائق مراميها واكتشاف قواعدها وأصولها، روى مالك في الموطأ (عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن ثابت بن الضحاك الأنصاري أخبره أنه وجد بعيراً بالحرة فعقله، ثم ذكره لعمر بن الخطاب، فأمره عمر أن يعرفه ثلاث مرات. فقال له ثابت إنه قد شغلني عن ضيعتي. فقال له عمر: أرسله حيث وجدته)[19].
و(كانت ضوال الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلاً مؤبلة تناتج لا يمسها أحد، حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها)[20]. (1/19)
صفحة 20
فعمر بن الخطاب أجاز إمساك وإيواء ضالة الإبل بشرط تعريفها ثلاثاً، ثم إطلاقها إذا لم يتعرف عليها أحد، أما عثمان بن عفان فقد أمر بإمساكها وبيعها، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها، فهل في فعل الخليفتين مخالفة السنة؟، قد يحسب ذلك بعض ممن لا يفرقون بين السنن الماضية وما انبنت عليه، وبين مواقف يتخذها النبي صلى الله عليه وسلم استناداً إلى القواعد التشريعية في دائرة الوجود الاجتماعي.
والمدقق يرى أن (تكاثر ضوال الإبل في ولاية عمر يعود إلى انتقال قبائل برمتها من الحجاز ونجد إلى العراق وخراسان والشام ومصر، وامتداد سلطان المسلمين خارج الجزيرة وتخلف أعداد من الإبل في أحيائها القديمة)[21] ، ولعل الناس قد خف الوازع لديهم، وكما يقال المال السائب يعلم السرقة، فأجاز عمر إمساكها وتعريفها ثلاثاً.
ثم (رأى الخليفة عثمان أن ترك الإبل طليقة يحول دون الانتفاع بها بعد أن تكاثر عددها في عهد عمر بن الخطاب وأصبحت كما روى ابن شهاب "إبلاً مؤبلة تناتج لا يمسها أحد" أي تتوالد دون أن يعرف لها مالك، لذلك أمر عثمان ببيعها والاستفادة من أثمانها في تنمية ثروة المسلمين، بدلاً من تركها تتوالد وتموت دون أن ينتفع بها أحد، ولو تمسك بظاهر النهي عن التقاط الإبل لخالف سنة رسول الله لتضييعه أموال المسلمين وثرواتهم) [22]، وعليه (فمن وجد بعيراً ضالاً فيما لا يقدر فيه على الورود ولا على الرعي، وأخذه قصداً إلى حفظه على ربه فهو مطيع لله في فعله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينه عن أخذ مثل هذا)[23]، ويؤيد خميس بن سعيد الشقصي هذا الرأي بقوله: (ولا يبعد أن يكون هذا البعير في معنى ضالة الغنم ونحوها، وقال عمر: "من آوى الضالة فهو ضال ما لم يعرفها" فهذا يدل على أنه إذا عرفها وحبسها على ربها كان مأجوراً)[24]. (1/20)
صفحة 21
ويعلل ابن بركة هذا التوجه بقوله: (فإن قال قائل: لم أجزت أخذه والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يأوي الضالة إلا ضال" وقال عليه السلام: " ضالة المؤمن حرق النار"، والظاهر يمنع من أخذه؟.
قيل له: إنما هذا الوعيد لمن فعل ما قد نُهي عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وأما من تقرب إلى الله تعالى بأخذ البعير وحفظه على ربه في حال كان فيها لو تركه لتلف، وليس معه شرطه الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أخذه لأجله، وإذا كان هذا هكذا كان مطيعاً في فعله لقول الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى) .
وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "من آوى الضالة فهو ضال ما لم يعرفها" فهذا يدل على أنه إذا عرفها فحبسها على ربها كان مأجوراً.
وروى أصحاب الحديث من مخالفينا عن الزهري أنه قال:"كانت الإبل أيام عمر بن الخطاب مؤبلة تناتج لا يمسكها أحد، حتى كان أيام عثمان فأمر ببيعها بعد تعريفها، فإن جاء لها رب دفع إليه ثمنها)[25]. وماذا عسانا أن نقول في زماننا هذا الذي صارت فيه ضوال الإبل تهدد أرواح البشر في الطرقات؟! إن إمساكها هو الوجه المعتبر في هذا الوقت حفاظاً على أرواح الناس وممتلكاتهم، وهو التطبيق الصحيح للسنة النبوية.
أما مدة تعريف اللقطة؛ فجاءت الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحديد السنة والسنتين، ولا يخفى على المتأمل أن البعد الاجتماعي متداخل في هذه القضية مع الجوانب التشريعية، فتحديد مدة التعريف يرتبط أساساً بطبيعة وسائط النقل والاتصال اللازمة للتعريف، ونعرف أن تلك الوسائط تتطور بفعل حركة الحياة، وقد انتبه الفقهاء المحققون باستمرار لهذه الظاهرة؛ فأبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي يقول بأن اللقطة (تُعرَّف على قدرها)[26] وأبو سعيد الكدمي يرى أن (ما قيمته ثلاثة دراهم فصاعداً عُرِّف سنة، والدرهمان شهرين، والدرهم شهراً)[27].
المثال الثاني: (1/21)
صفحة 22
روى الإمام الربيع (592): أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عام سَنَة ـ وإنما سُمِي عام سَنَة لشدة غلائها ـ أن يُسَعِّرَ عليهم الأسواق فامتنع؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (القابض الباسط هو المُسَعِّرُ، ولكن سلوا الله).
وعند أبي داود (3451) عن أنس قال: قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسَعِّر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله هو المُسَعِّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال). والحديث رواه أيضاً ابن ماجه (2200) والترمذي (1314) وابن حبان وآخرون.
وروى مالك في الموطأ (1328) عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيباً له بالسوق، فقال له عمر بن الخطاب: (إما ان تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا).
وقال البيهقي في السنن الكبرى (10929) (وهذا فيما كتب إليَّ أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفرائيني أن أبا عوانة أخبرهم قال ثنا المزني ثنا الشافعي عن الدراوردي عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد عن عمر رضي الله عنه أنه مر بحاطب بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيبن فسأله عن سعرهما. فسعر له مدين لكل درهم، فقال له عمر رضي الله عنه: قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيباً وهم يعتبرون بسعرك، فإما أن ترفع في السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت.
فلما رجع عمر حاسب نفسه ثم أتى حاطباً في داره، فقال له: " إن الذي قلت ليس بعزمة مني ولا قضاء، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع").
فالظاهر أن عمر بن الخطاب لم يكن يرى في التسعير إلا أمراً يدور مع تحقيق مصلحة البائع والمشتري ويرفع الظلم والضرر عنهم ولا يقتضي حالة واحدة يلزمها. (1/22)
صفحة 23
قال ابن بركة بعد أن استدل بالحديث السابق في منع تسعير السلع (ولكن إذا بلغ الناس حال الضرورة من الحاجة إلى الطعام على ما في أيديهم واستغنائهم عنه مع سوء حال الناس والشدة جاز للإمام أن يأخذ أصحاب الطعام ببيع ما في أيديهم بالثمن الذي يكون عدلاً من قيمته ويجبرهم على ذلك، فإن قال قائل: فَلِمَ منعتم التسعير للإمام وقد جوزتموه؟ قيل له: جوزناه في حال الضرورة، وغيرها، وعلى الإمام أن يمنع أهل الأسواق عن الغش؛ لأن في ذلك ظلماً من بعضهم لبعض، وكذلك يمنعهم من كتمان العيوب التي يغش بها المتاع)[28].
(وقال الشيخ أحمد بن محمد بن بكر: يجوز لقاض أو جماعة أن يسعروا على قدر نظرهم، وما رأوه أصلح على الثمن أو على المثمن، وفي رواية عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل أن يسعر لهم فامتنع، فقال: "إني لأرجو أن لا ألقى الله بمال مسلم" فمن منع التسعير حمل الحديث على التحريم، ومن أجاز حمله على التنزه والحوطة، كما يقول الإنسان: "لا أقضي بين الناس لئلا أظلم أجداً في مال أو نفس" أو يقول: "لا أبيع ولا أشتري لئلا آكل أموال الناس، أو لئلا أربي".
وقال ابن بركة بعد أن ذكر الحديث الأول: فلا يجوز لهذا الخبر أن يسعر أحد على الناس أموالهم أو يجبرهم على بيعها بغير طيب نفوسهم من إمام ولا غيره، ولكن إذا بلغ الناس حال الضرورة من الحاجة إلى الطعام وعزم أصحاب الطعام ببيع ما في أيديهم جاز للإمام أخذ أصحاب الطعام ببيع ما في أيديهم بالثمن الذي يكون عدلاً في قيمته، فيجوز التسعير في حال الضرورة لا غير اهـ. وقيل: يجوز التسعير بلا ضرورة وهو القول الأول الذي ذكرته عن الشيخ أحمد)[29]. (1/23)
صفحة 24
قال صاحب متن النيل وشفاء العليل عبد العزيز الثميني: (وجاز لأهل سوق مشهور وما حوله من منازل رد أسعار منازلهم لسعره) وعلل الشارح محمد بن يوسف اطفيش هذا الرأي بقوله: (لئلا يقع اللبس على الناس في السعر فيتوهم الإنسان أنه يبيع له البائع على سعر ذلك السوق مع أنه باع له على غير سعره فيبيعون في منازلهم على سعر البيع في السوق)[30].
من كل هذه النصوص المأثورة عن العلماء ابتداء بعمر بن الخطاب وانتهاء بالعلماء المتأخرين يتبين أنهم عولوا على:
- أن القضية برمتها في دائرة الوجود الاجتماعي المرتبطة بحياة الناس اليومية فيما يتمونون به من سلع وبضائع، فهي تمثل العلاقة المتبادلة بين ثلاثية: المنتج والموزع والمستهلك، وهذه العلاقة عند سبر نصوص الكتاب والسنة الماضية تقوم على رفع الضرر والظلم وتحقيق المصلحة (والأصل فى العقود جميعها هو العدل، فإنه بعثت به الرسل وأنزلت الكتب قال تعالى "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"، والقرآن نهى عن الربا لما فيه من الظلم، وعن الميسر لما فيه من الظلم، وكلاهما أكل للمال بالباطل، وما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من المعاملات كبيع الغرر وبيع الثمر قبل بدو صلاحه وبيع السنين وبيع المزابنة والمحاقلة ونحو ذلك هي داخلة إما فى الربا وإما في الميسر)[31]، فالواقعة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم تحقيق لهذه المبادئ العظيمة، فلذا قال صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: (وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال).
===================================
[1] كتاب الجامع ج1 ص 280، محمد بن عبد الله بن بركة.
[2] كتاب الترتيب، مسند الربيع (125).
[3] كتاب الترتيب، مسند الربيع (168).
[4] المدونة الصغرى ج1 ص 135، بشر بن غانم الخراساني.
[5] المرجع السابق ج1 ص 25.
[6] المرجع السابق ج1 ص 129.
[7] المرجع السابق ج1 ص 70.
[ (1/24)
صفحة 25
8] المرجع السابق ج2 ص 53.
[9] المرجع السابق ج2 ص 129.
[10] المرجع السابق ج1 ص 155.
[11] المرجع السابق ج2 ص 164 ـ 165.
[12] الديوان المعروض (رسالة الشيخ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في الزكاة ص2).
[13] البخاري (3375 ) مسلم (2493).
[14] سنن الترمذي ج3 ص433.
[15] المدونة الصغرى ج1 ص 31، بشر بن غانم الخراساني.
[16] المرجع السابق ج1 ص 32.
[17] انظر أيضاً أحمد بن علي الرازي الجصاص "الفصول في الأصول" ج3 ص 239 ـ 244.
[18] البخاري (105)، مسلم (1218)، السنن الكبرى للنسائي (11213)، أبو داود (1905) وآخرون.
[19] الموطأ (1447)، انظر أيضاً الديوان المعروض (من قول قتادة ج4 ص 13).
[20] المرجع السابق (1449).
[21] إعمال العقل ص 160، لؤي صافي (بتصرف بسيط).
[22] المرجع السابق ص 160، (بتصرف بسيط).
[23] التاج المنظوم ج 7 ص 128، عبد العزيز الثميني.
[24] المرجع السابق ج 7 ص 129.
[25] كتاب الجامع ج1 ص 239، عبد الله بن محمد بن بركة. بيان الشرع ج 64 ص 318، محمد بن إبراهيم الكندي ( بتصرف).
[26] التاج المنظوم ج 7 ص 119، عبد العزيز الثميني.
[27] المرجع السابق ج7 ص 119.
[28] كتاب الجامع ج2 ص 604 ـ 605، بن عبد الله محمد بن بركة.
[29] شرح كتاب النيل وشفاء العليل ج 13 ص 663، محمد بن يوسف اطفيش.
[30] المرجع السابق ج 13 ص 663 ـ 664.
[31] كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج20 ص510 (بتصرف بسيط)، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية.
-----------------------
السنة والحديث (3-4)، قراءة في تراث المدرسة الجابرية... أ. خالد بن مبارك الوهيبي
بتاريخ 17-7-1425 هـ
القسم: الحديث و علومه
قلنا في الحلقة الماضية: إن الحديث يكون:
- إما دالاً على السنة.
- وإما معبراً عن جوانب منها. (1/25)
صفحة 26
- وفي أحيان أخرى أخرى قد يحصل للحديث نوع من عدم الانسجام الداخلي مع البنية الهيكلية للسنة نتيجة للعوارض الداخلية والخارجية التي ترافق عملية نقله، فيحتاج الفقيه إلى عملية من المواءمة والموازنة (=التأويل) في قبول الحديث أو رده، لكن علينا التنبيه أنه في بعض الأحيان قد تختلف أنظار الناس في هذه العملية بين القبول والرد بحسب تفكيرهم، وهذا حاصل حتى في عصر الصحابة، فقد روى البخاري (556) ومسلم (826) عن ابن عباس قال: "شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب ".
وقد تعقبت السيدة عائشة هذه الرواية فقالت: (وهم عمر، إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها)[1]. وعند النسائي (570): "أوهم عمر رضي الله عنه، إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها)[2].
وقد نحا ابن عمر منحى السيدة عائشة في ذلك ووافقها على رأيها مخالفاً لما يروى عن أبيه حيث قال: (أصلي كما رأيت أصحابي يصلون؛ لا أنهى أحداً يصلي بليل ولا نهار، غير أن لا تحروا طلوع الشمس ولا غروبها)[3].
الحديث بين القبول والرد
(قد يقع للصحابي أن يسمع من صحابي آخر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فيتوقف فيه، حيث لا يراه منسجماً مع ما فهمه من معاني القرآن الكريم، وما سمعه هو من فم النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا إما أن يتوقف الصحابي في الرواية مجرد توقف، وإما أن ينكرها إطلاقاً، حملاً لها على سهو الناقل وخطئه ووهمه)[4]. (1/26)
صفحة 27
كما علمنا في الفصول الماضية أن السنة هي الطريقة المتبعة المطردة، لذا كان المعبر عنها بما استقر عليه العمل وما اجتمعوا عليه دون ما يروى آحاداً، ومن خلال تتبع طريقة فقهاء المدرسة الجابرية تبين أنهم عبروا عن الآحاد بمصطلحات الرواية والحديث، حرصاً منهم على فصل ما يعبر عن طبيعة الدين ومصدره التشريعي المطلق عن التطبيق الزمني الظرفي المولَد من التشريع الدائم المطلق.
لذا مارسوا فهم الحديث والرواية في ضوء السنة، مع التنبيه على أن السنة لديهم لم تنفصل على الإطلاق عن القرآن، فهما يمثلان معاً المرجعية العليا للإسلام، فـ(السنة مأخوذة من الكتاب)[5]، وهي (عمل بكتاب الله وبه وجب اتباعها)[6].
لذا لم يتردد فقهاء المدرسة الجابرية في ترك مئات الروايات الآحادية أو تأويلها تعويلاً على فهمها وعرضها على السنة المتمثلة في السنة العملية المتبعة وأنساق القواعد العامة والمقاصد الكلية للمارسات العملية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تحقق ترابطها وانسجامها الداخلي. ومن أمثلة ذلك عندهم:
(1) القنوت في الصلاة
قال أبو غانم الخراساني في مدونته (سألت أبا المؤرج: هل في الصلاة قنوت؟.
قال: حدثني أبو عبيدة أنه سأل جابر بن زيد عن ذلك فقال: الصلاة كلها قنوت، قال الله تبارك وتعالى: "أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً" فالصلاة كلها قنوت.
قلت: يا أبا الشعثاء؛ ليس عن هذا أسألك، ولكن إنما أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يدعون ويهللون وهم قيام.
قال: هذا أمر محدث لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة). والقنوت في نشأته الأولى عبارة عن لعن الخصم السياسي أثناء الصلاة لم يقبلوه لمخالفته الأصل العملي، ولكونه من كلام الآدميين الذي لا يصح في الصلاة، إنما هو الذكر والتسبيح وقراءة القرآن، وقد رووا ذلك عن فقهاء الصحابة كما في مسند الربيع. (1/27)
صفحة 28
- (أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيناه قنت في صلاته قط).[7]
- (أبو عبيدة قال: وقد سمعت عن ابن عمر أنه لا يرى القنوت في الصلاة ولم يقنت في صلاته قط، وكان يراه بدعة)[8].
- (وعن الإمام رضي الله عنه (=الإمام أفلح بن عبد الوهاب) مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم من طريق جابر بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقنت قط في صلاته ولا الخليفتين بعده)[9].
- (الإمام عن أبي غانم الخراساني عن حاتم بن منصور قال: حدثني من لا أتهم قوله من أصحابنا وأنا بمصر أو في طريق مصر عن أبي أهيف الحضرمي فقيه أهل مصر عن ابن عمرانة، قال: كان في الزمان الذي كان فيه أقرب إسناداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غيره.
قال حاتم بن منصور: حدَّثَني عن القنوت في صلاة الصبح بعدما سألته، هل بلغك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قنت؟.
قال: فقال لي: لم يصنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال حاتم: فقلت له: كيف كان يصنع فيما بلغك؟.
قال بلغني أنه كان إذا فرغ من القراءة الأخيرة قرأ بقل هو الله أحد ولا يقنت)[10].
(2) حديث أفطر الحاجم والمحجوم
قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج وأبا سعيد عبد الله بن عبد العزيز، وأخبرني محبوب عن الربيع: عن قول الناس أفطر الحاجم والمحجوم[11]. قالوا جميعاً: إنما يكره ذلك للصائم مخافة أن يضعف، فإن لم يخف ضعفاً فليحتجم إن شاء)[12].
(3) حديث النهي عن صيام الجمعة
قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج وابن عبد العزيز: عن صيام يوم الجمعة ويوم عرفة.
قالا: حسن جميل.
قلت لهما: إن رجالاً يكرهونهما من أجل أنهما عيدان[13].
قال أبو المؤرج: سألت عن ذلك أبا عبيدة فقال: إن أفضل ما صمت فيه يوم الجمعة ويوم عرفة، إلا أن يكون يوم الجمعة التي يكره الصيام فيها.
قلت: وما هي يا أبا عبيدة؟.
قال: يوم الفطر والأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشك)[14].
( (1/28)
صفحة 29
4) حديث عن صيام آخر يوم من شعبان
جاء في الديوان المعروض: (باب في رجل يصوم آخر يوم من شعبان متحرجاً لرمضان. قال قوم: حسن جميل، لأن الله لم يحرم صوم شعبان كله ولا صوم بعضه، ولأنه يصام في الكفارة، وفي التطوع وصيام آخر يوم من شعبان كصيام جميع الأيام، فإذا أصاب رمضان فكان موافقاً لرمضان، وإن لم يوافق رمضان لم يكن عليه حرج في صيام يوم من الأيام.
وقال قوم: لا يصام آخر يوم من شعبان، ورووا فيه حديثاً والله أعلم به. قالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لأن أفطر يوماً من رمضان أحبّ إليّ من أن أصوم آخر يوم من شعبان".
ولسنا نرى أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول هذا، لأن صوم رمضان فريضة افترضها الله على النبي عليه الصلاة والسلام ولم يحرم عليه صوم شعبان أو آخر يوم منه.
حدثنا هارون بن اليماني في هذا الحديث أنه قال: حديث مقلوب، إنما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "لأن أصوم آخر يوم من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان".
حدثنا هارون بن اليماني، رفع الحديث إلى أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال السحاب في صومه فعدوا له، وإن حال السحاب دونه في فطره فأكملوا العدة ثلاثين يوماً")[15].
(5) حديث البيعان بالخيار
روى الربيع (574): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البَيِّعان بالخِيار ما لم يَفْتَرِقا).
قال الربيع: قال أبو عبيدة: "الافتراق بالصفقة أي يبيع هذا ويشتري هذا، وليس كما قال من خالفنا بافتراق الأبدان، أرأيت إن لم يفترقا يومين أو ثلاثة أيام أو أكثر، فلا يستقيم على هذا الحال بيع لأحد"[16].
قال أبو غانم في المدونة: (سألت ابن عبد العزيز وأخبرني من سأل الربيع بن حبيب عما روى الناس ورفعوه إلى النبي عليه السلام أنه قال: البايعان بالخيار ما لم يفترقا[17]. (1/29)
صفحة 30
قالوا جمياً: بلغنا ذلك عن النبي عليه السلام والأمر عندنا كذلك.
قال ابن عبد العزيز: البيع جايز ماض وإن لم يفترقا، والله أعلم بحديث النبي عليه السلام ما معناه، والافتراق عندنا افتراق صفقة البيع)[18].
والرواية التي ناقشها الإمام أبو عبيدة وتلميذاه: الربيع بن حبيب وعبد الله بن عبد العزيز رووها بأنفسهم من طرقهم التي يثقون بها، لكنهم سلكوا بها مسلك التأويل لمخالفة ظاهرها للأصول الكلية والقواعد التشريعية فـ(الله أعلم بحديث النبي عليه السلام ما معناه)، ورأوا أنها لا تتسق والأصول الكلية إلا بحملها على (افتراق صفقة البيع) كما قال ابن عبد العزيز، وأن (الافتراق بالصفقة أي يبيع هذا ويشتري هذا) كما قال الإمام أبو عبيدة، (وليس كما قال من خالفنا بافتراق الأبدان).
والظاهر أنهم سلكوا هذا المسلك اعتماداً على: (1/30)
صفحة 31
- أن البيوع تدخل ضمن دائرة الوجود الاجتماعي بعلاقاته الشائكة التي تتأثر باستمرار بمتغيرات الحياة المتسارعة، لذا كان الأصل في البيوع التي تظهر هي الإباحة قال الله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا) وما كان محرماً منها فهي البيوع التي تشتمل على الغرر أو الضرر بالفرد أو المجتمع، ومن استقراء واقع البيوع المحرمة التي جاءت بها الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يتبين لنا هذا، (والأصل فى العقود جميعها هو العدل، فإنه بعثت به الرسل وأنزلت الكتب قال تعالى "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"، والقرآن نهى عن الربا لما فيه من الظلم، وعن الميسر لما فيه من الظلم، وكلاهما أكل للمال بالباطل، وما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من المعاملات كبيع الغرر وبيع الثمر قبل بدو صلاحه وبيع السنين وبيع المزابنة والمحاقلة ونحو ذلك هي داخلة إما فى الربا وإما في الميسر)[19] ، فالاعتبار في الاقتصاد هو تحقق العدالة وارتفاع الظلم، وهذا ما دل عليه استقراء الشريعة الإسلامية، وظهور أي معاملة من المعاملات الاقتصادية إنما يحكم فيها هذا الأمر، والشروط المصاحبة للعقد ينظر فيها هل تحقق العدالة وترفع الظلم فتجاز، أو توقع الظلم فتحرم [20].
- والحرج مرفوع في الشريعة قال الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)، وصاغ الفقهاء ذلك في قواعدهم الفقهية بقولهم (المشقة تجلب التيسير) ، والمشقة الكامنة في هذا الأمر أن إلغاء صفقة البيع التي تمت طالما البيعان في المجلس يؤدي أن (لا يستقيم على هذا الحال بيع لأحد)[21] وتتعرض المعاملات التجارية التي تقضي حوائج الناس للضيق الشديد والعسر في التنفيذ.
(6) حديث "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس"
قال أبو غانم في المدونة: (قلت لأبي المؤرج أبلغك ما يروي هؤلاء عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام؟.
قال: وما هو؟ (1/31)
صفحة 32
قلت: يقولون إن رجلاً أفلس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رجلاً قد باعه متاعاً فوجد الرجل ذلك المتاع بعينه فرد عليه متاعه، قال أبو هريرة: فإن كان بيع منه شيء فإن الناس يطلبون صاحب المتاع كأحد الغرماء.
قال: الله ورسوله أعلم بهذا الحديث، وما قال رسول الله فهو حق، والقول من الناس كثير، غير أن أصحابنا يروون أنه بين الغرماء بالحصص، ولست أعرف بينهم في ذلك اختلافاً، إلا أن يكون الرجل المفلس خدع رجلاً من المسلمين فاشترى منه بعدما أفلس ولم يطلع على إفلاسه، ثم علم بعد ذلك؛ فذلك الذي يقول أصحابنا يأخذ متاعه، وليس لأحد من الغرماء فيه شيء، لأنه بمنزلة قاطع الطريق، أو بمنزلة السارق.
قلت: فلو كان اشترى جارية على هذه الجهة التي أعلمتني بها، ثم علم الرجل بإفلاسه، فانطلق إليه يأخذ جاريته، فوجد المفلس قد أحدث فيها عتقاً؟.
قال: لا يجوز عتقه، ولا نعمت له عين)[22]. وهذا النص في المدونة تداول فيه أبو غانم وأبو المؤرج رواية رواها الربيع (593) والبخاري (2272) ومسلم (1559) والنسائي في السنن الكبرى (6272) وأبو داود (3519) والترمذي (1262) عن أبي هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره). قال أبو عيسى الترمذي: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم هو أسوة الغرماء، وهو قول أهل الكوفة)[23].
نتساءل ما الذي جعل فقهاء المدرسة الإباضية الأولى يرون أن مال المفلس بين الغرماء بالحصص بلا خلاف بينهم في ذلك، بينما الرواية تنص على خلاف ذلك؟. (1/32)
صفحة 33
أولاً: لم تكن الرواية تشكل طابعاً إلزامياً بفعل طبيعة نقلها الآحادية لذا قال أبو المؤرج: (الله ورسوله أعلم بهذا الحديث) مع التنبيه على عدم الاستخاف أبداً بما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم (وما قال رسول الله فهو حق)، وبسبب كون المسألة لم تشكل سنة ماضية فـ(القول من الناس كثير)، وآراؤهم متنوعة حولها استناداً إلى الأصول الكلية والقواعد التشريعية في هذا الباب، ومن هؤلاء فقهاء المدرسة الإباضية الأولى.
ثانياً: ومما يظهر أن الأصول الكلية والقواعد التشريعية التي قام عليها هذا الرأي:
تحقيق العدل في إرجاع الحقوق لأصحابها قال تعالى (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، إذ المفلس شخص (تزيد ديونه على موجوده)[24] يطالبه الناس بإرجاع حقوقهم من الأموال، وهو في كثير من الأحيان لا يملك ما يغطي كل تكاليف ديونه، فما يملكه مما قد تعود ملكيته السابقة لأي من الغرماء فيه نصيب لبقيتهم، فأخذ أي من الغرماء لأشياء تعود ملكيتها السابقة له في حقيقته تعد على حصص بقية الغرماء، لذا رأى فقهاء المدرسة الإباضية الأولى أنه بين الغرماء بالحصص، ليس بينهم في ذلك اختلاف.
ثالثاً: أما الرواية فحملوها على حال كون (المفلس خدع رجلاً من المسلمين فاشترى منه بعدما أفلس ولم يطلع على إفلاسه، ثم علم بعد ذلك؛ فذلك الذي يقول أصحابنا يأخذ متاعه، وليس لأحد من الغرماء فيه شيء، لأنه بمنزلة قاطع الطريق، أو بمنزلة السارق)، وهذا التوجيه للرواية لم يذكر بالطبع في الرواية، لكنه محمل صحيح تفرضه الأصول الكلية والقواعد التشريعية.
( (1/33)
صفحة 34
قال ابن وصاف: المسألة من الجامع، ومن أخذ من قوم مالاً ثم أفلس فهو بين الغرماء، وإن أخذه بعد أن أفلس ولم يعلم فتلك خيانة وصاحب المال أحق به أدركه بعينه، وقال أبو الحسن: من أخذ مال قوم ثم أفلس فهو بين الغرماء، ودين رب المال بالحصة عليه، وإن أخذه بعد أن أفلس فعلى قول تلك خيانة والمال لربه أحق به إذا أدركه بعينه)[25].
(وقال أبو معاوية عزان بن الصقر وتبعه أكثر من جاء بعده من فقهاء الأصحاب: إن كان إفلاسه من بعد ما اشترى فالبائع والغرماء سواء في المتاع، وإن اشتراه بعد إفلاسه ثم مات فهو بمنزلة المتغتصب، فإن وجد المتاع بعينه أخذه، وإن لم يوجد المتاع فثمن المتاع في ماله، وله الوفاء دون الغرماء)[26]، وكما يظهر من هذه النقول أن هذا الرأي هو الذي ساد لدى أكثر فقهاء المذهب الإباضي (وهو في غاية من التحقيق)[27].
(7) حديث "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه"
روى الإمام الربيع (89): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه). قال الربيع: قال أبو عبيدة: ذلك ترغيب من النبي صلى الله عليه وسلم في نيل الثواب الجزيل في ذكر الله.
يرى الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أن التسمية مندوبة وليست فرضاً مع مجئ الحديث عنه صلى الله عليه وسلم بلفظ (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) التي .
ومرد هذا الرأي فيما يظهر أنه نظر إلى: (1/34)
صفحة 35
أن فرائض الوضوء وأركانه الأساسية ثابتة بالكتاب العزيز (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم المضمضة والاستنشاق)[28] ومسح الأذنين من خلال الممارسة العملية، قال أبو غانم الخراساني (حدثني الربيع: أنه سأل أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة عن الوضوء للصلاة، قال: تبدأ فتغسل كفيك، ثم تستنجي، ثم تمضمض فاك، ثم تستنشق بالماء، وتغسل وجهك وذراعيك إلى المرفقين، وتمسح برأسك وأذنيك ظاهرهما وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين)[29].
فالوضوء بهيئاته وكيفيته ثابت بنصوص الكتاب العزيز والسنة العملية المجتمع عليها، لذا فعندما وردتهم هذه الرواية تعاملوا معها بالشكل التالي:
- نظروا إلى كونها تحث على الذكر في حال الشروع في الوضوء، وذكر الله تعالى عند الشروع في الأعمال وردت بها بعض جزئيات الشريعة كالذبح والصيد والجماع والأكل، وذكر الله تعالى على أي حال أمر مرغب فيه (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم)، فالرواية لا تخرج عن نطاق هذه الأصول.
- لكن رفعها لدرجة الإلزام يحتاج إلى مستوى من الممارسة العملية في الوضوء ذاته، إذ إن بقية هيئات الوضوء ثبتت بهذه الكيفية، والدلالة اللغوية للرواية المنقولة لا تكفي وحدها لرفع الأمر إلى درجة الإلزام في مثل هذه الأبواب، لذا اكتفى الإمام أبو عبيدة بالقول باستحباب ذكر الله تعالى عند الشروع في الوضوء وقال: (ذلك ترغيب من النبي صلى الله عليه وسلم في نيل الثواب الجزيل في ذكر الله).
--------------------------------------------------------------------------------
[1] صحيح مسلم (833).
[2] انظر أيضاً مسند الربيع (299): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتحرى أحدكم أن يصلي عند طلوع الشمس أو عند غروبها).
[ (1/35)
صفحة 36
3] صحيح البخاري (564).
[4] منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي ص 105، صلاح الدين الأدلبي.
[5] كتاب الجامع ج1 ص 280، محمد بن عبد الله بن بركة.
[6] المرجع السابق ج1 ص 280.
[7] الربيع (303).
[8] الربيع (304)
[9] كتاب الترتيب، روايات الإمام أفلح (6).
[10] كتاب الترتيب، روايات الإمام أفلح (9).
[11] الترمذي (774)، أبو داود (2371)، النسائي (3137)، الدارمي (1731).
[12] المدونة الصغرى ج1 ص 164، بشر بن غانم الخراساني.
[13] روى مسلم (1144) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم)، وروى البخاري (1884) ومسلم (1144) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يوماً قبله، أو يوماً بعده)، وعند ابن خزيمة (2161) عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده).
[14] المدونة الصغرى ج1 ص 168، بشر بن غانم الخراساني.
[15] الديوان المعروض (كتاب الصيام ص 28).
[16] كتاب الترتيب (الجامع الصحيح) ص 259.
[17] البخاري (1976)، مسلم (1532) من طريق حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا). قال أبو عيسى الترمذي في "سنن الترمذي ج3 ص547 " : (وفي الباب عن أبي برزة وحكيم بن حزام وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو وسمرة وأبي هريرة).
[18] المدونة الصغرى ج2 ص 129، بشر بن غانم الخراساني.
[19] كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج20 ص510 (مع تصرف بسيط) ، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية.
[20] ربا النسيئة وربا الفضل ص 6(مقال)، خميس بن راشد العدوي.
[21] كتاب الترتيب (الجامع الصحيح) ص 259.
[22] المدونة الصغرى ج2 ص 148، بشر بن غانم الخراساني.
[23] سنن الترمذي ج3 ص562 .
[ (1/36)
صفحة 37
24] شرح كتاب النيل وشفاء العليل ج13 ص 608، محمد بن يوسف اطفيش.
[25] المرجع السابق ج 13 ص 635.
[26] شرح الجامع الصحيح ج3 ص 234، عبد الله بن حميد السالمي.
[27] المرجع السابق ج3 ص 234.
[28] أصول الدينونة الصافية ص 92، عمروس بن فتح.
[29] المدونة الصغرى ج1 ص 13، بشر بن غانم الخراساني.
-----------------------
السنة والحديث (3-4)، قراءة في تراث المدرسة الجابرية... أ. خالد بن مبارك الوهيبي
بتاريخ 17-7-1425 هـ
القسم: الحديث و علومه
قلنا في الحلقة الماضية: إن الحديث يكون:
- إما دالاً على السنة.
- وإما معبراً عن جوانب منها.
- وفي أحيان أخرى أخرى قد يحصل للحديث نوع من عدم الانسجام الداخلي مع البنية الهيكلية للسنة نتيجة للعوارض الداخلية والخارجية التي ترافق عملية نقله، فيحتاج الفقيه إلى عملية من المواءمة والموازنة (=التأويل) في قبول الحديث أو رده، لكن علينا التنبيه أنه في بعض الأحيان قد تختلف أنظار الناس في هذه العملية بين القبول والرد بحسب تفكيرهم، وهذا حاصل حتى في عصر الصحابة، فقد روى البخاري (556) ومسلم (826) عن ابن عباس قال: "شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب ".
وقد تعقبت السيدة عائشة هذه الرواية فقالت: (وهم عمر، إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها)[1]. وعند النسائي (570): "أوهم عمر رضي الله عنه، إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها)[2].
وقد نحا ابن عمر منحى السيدة عائشة في ذلك ووافقها على رأيها مخالفاً لما يروى عن أبيه حيث قال: (أصلي كما رأيت أصحابي يصلون؛ لا أنهى أحداً يصلي بليل ولا نهار، غير أن لا تحروا طلوع الشمس ولا غروبها)[3].
الحديث بين القبول والرد
( (1/37)
صفحة 38
قد يقع للصحابي أن يسمع من صحابي آخر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فيتوقف فيه، حيث لا يراه منسجماً مع ما فهمه من معاني القرآن الكريم، وما سمعه هو من فم النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا إما أن يتوقف الصحابي في الرواية مجرد توقف، وإما أن ينكرها إطلاقاً، حملاً لها على سهو الناقل وخطئه ووهمه)[4].
كما علمنا في الفصول الماضية أن السنة هي الطريقة المتبعة المطردة، لذا كان المعبر عنها بما استقر عليه العمل وما اجتمعوا عليه دون ما يروى آحاداً، ومن خلال تتبع طريقة فقهاء المدرسة الجابرية تبين أنهم عبروا عن الآحاد بمصطلحات الرواية والحديث، حرصاً منهم على فصل ما يعبر عن طبيعة الدين ومصدره التشريعي المطلق عن التطبيق الزمني الظرفي المولَد من التشريع الدائم المطلق.
لذا مارسوا فهم الحديث والرواية في ضوء السنة، مع التنبيه على أن السنة لديهم لم تنفصل على الإطلاق عن القرآن، فهما يمثلان معاً المرجعية العليا للإسلام، فـ(السنة مأخوذة من الكتاب)[5]، وهي (عمل بكتاب الله وبه وجب اتباعها)[6].
لذا لم يتردد فقهاء المدرسة الجابرية في ترك مئات الروايات الآحادية أو تأويلها تعويلاً على فهمها وعرضها على السنة المتمثلة في السنة العملية المتبعة وأنساق القواعد العامة والمقاصد الكلية للمارسات العملية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تحقق ترابطها وانسجامها الداخلي. ومن أمثلة ذلك عندهم:
(1) القنوت في الصلاة
قال أبو غانم الخراساني في مدونته (سألت أبا المؤرج: هل في الصلاة قنوت؟.
قال: حدثني أبو عبيدة أنه سأل جابر بن زيد عن ذلك فقال: الصلاة كلها قنوت، قال الله تبارك وتعالى: "أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً" فالصلاة كلها قنوت.
قلت: يا أبا الشعثاء؛ ليس عن هذا أسألك، ولكن إنما أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يدعون ويهللون وهم قيام. (1/38)
صفحة 39
قال: هذا أمر محدث لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة). والقنوت في نشأته الأولى عبارة عن لعن الخصم السياسي أثناء الصلاة لم يقبلوه لمخالفته الأصل العملي، ولكونه من كلام الآدميين الذي لا يصح في الصلاة، إنما هو الذكر والتسبيح وقراءة القرآن، وقد رووا ذلك عن فقهاء الصحابة كما في مسند الربيع.
- (أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيناه قنت في صلاته قط).[7]
- (أبو عبيدة قال: وقد سمعت عن ابن عمر أنه لا يرى القنوت في الصلاة ولم يقنت في صلاته قط، وكان يراه بدعة)[8].
- (وعن الإمام رضي الله عنه (=الإمام أفلح بن عبد الوهاب) مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم من طريق جابر بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقنت قط في صلاته ولا الخليفتين بعده)[9].
- (الإمام عن أبي غانم الخراساني عن حاتم بن منصور قال: حدثني من لا أتهم قوله من أصحابنا وأنا بمصر أو في طريق مصر عن أبي أهيف الحضرمي فقيه أهل مصر عن ابن عمرانة، قال: كان في الزمان الذي كان فيه أقرب إسناداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غيره.
قال حاتم بن منصور: حدَّثَني عن القنوت في صلاة الصبح بعدما سألته، هل بلغك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قنت؟.
قال: فقال لي: لم يصنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال حاتم: فقلت له: كيف كان يصنع فيما بلغك؟.
قال بلغني أنه كان إذا فرغ من القراءة الأخيرة قرأ بقل هو الله أحد ولا يقنت)[10].
(2) حديث أفطر الحاجم والمحجوم
قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج وأبا سعيد عبد الله بن عبد العزيز، وأخبرني محبوب عن الربيع: عن قول الناس أفطر الحاجم والمحجوم[11]. قالوا جميعاً: إنما يكره ذلك للصائم مخافة أن يضعف، فإن لم يخف ضعفاً فليحتجم إن شاء)[12].
(3) حديث النهي عن صيام الجمعة (1/39)
صفحة 40
قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج وابن عبد العزيز: عن صيام يوم الجمعة ويوم عرفة.
قالا: حسن جميل.
قلت لهما: إن رجالاً يكرهونهما من أجل أنهما عيدان[13].
قال أبو المؤرج: سألت عن ذلك أبا عبيدة فقال: إن أفضل ما صمت فيه يوم الجمعة ويوم عرفة، إلا أن يكون يوم الجمعة التي يكره الصيام فيها.
قلت: وما هي يا أبا عبيدة؟.
قال: يوم الفطر والأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشك)[14].
(4) حديث عن صيام آخر يوم من شعبان
جاء في الديوان المعروض: (باب في رجل يصوم آخر يوم من شعبان متحرجاً لرمضان. قال قوم: حسن جميل، لأن الله لم يحرم صوم شعبان كله ولا صوم بعضه، ولأنه يصام في الكفارة، وفي التطوع وصيام آخر يوم من شعبان كصيام جميع الأيام، فإذا أصاب رمضان فكان موافقاً لرمضان، وإن لم يوافق رمضان لم يكن عليه حرج في صيام يوم من الأيام.
وقال قوم: لا يصام آخر يوم من شعبان، ورووا فيه حديثاً والله أعلم به. قالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لأن أفطر يوماً من رمضان أحبّ إليّ من أن أصوم آخر يوم من شعبان".
ولسنا نرى أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول هذا، لأن صوم رمضان فريضة افترضها الله على النبي عليه الصلاة والسلام ولم يحرم عليه صوم شعبان أو آخر يوم منه.
حدثنا هارون بن اليماني في هذا الحديث أنه قال: حديث مقلوب، إنما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "لأن أصوم آخر يوم من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان".
حدثنا هارون بن اليماني، رفع الحديث إلى أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال السحاب في صومه فعدوا له، وإن حال السحاب دونه في فطره فأكملوا العدة ثلاثين يوماً")[15].
(5) حديث البيعان بالخيار
روى الربيع (574): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البَيِّعان بالخِيار ما لم يَفْتَرِقا). (1/40)
صفحة 41
قال الربيع: قال أبو عبيدة: "الافتراق بالصفقة أي يبيع هذا ويشتري هذا، وليس كما قال من خالفنا بافتراق الأبدان، أرأيت إن لم يفترقا يومين أو ثلاثة أيام أو أكثر، فلا يستقيم على هذا الحال بيع لأحد"[16].
قال أبو غانم في المدونة: (سألت ابن عبد العزيز وأخبرني من سأل الربيع بن حبيب عما روى الناس ورفعوه إلى النبي عليه السلام أنه قال: البايعان بالخيار ما لم يفترقا[17].
قالوا جمياً: بلغنا ذلك عن النبي عليه السلام والأمر عندنا كذلك.
قال ابن عبد العزيز: البيع جايز ماض وإن لم يفترقا، والله أعلم بحديث النبي عليه السلام ما معناه، والافتراق عندنا افتراق صفقة البيع)[18].
والرواية التي ناقشها الإمام أبو عبيدة وتلميذاه: الربيع بن حبيب وعبد الله بن عبد العزيز رووها بأنفسهم من طرقهم التي يثقون بها، لكنهم سلكوا بها مسلك التأويل لمخالفة ظاهرها للأصول الكلية والقواعد التشريعية فـ(الله أعلم بحديث النبي عليه السلام ما معناه)، ورأوا أنها لا تتسق والأصول الكلية إلا بحملها على (افتراق صفقة البيع) كما قال ابن عبد العزيز، وأن (الافتراق بالصفقة أي يبيع هذا ويشتري هذا) كما قال الإمام أبو عبيدة، (وليس كما قال من خالفنا بافتراق الأبدان).
والظاهر أنهم سلكوا هذا المسلك اعتماداً على: (1/41)
صفحة 42
- أن البيوع تدخل ضمن دائرة الوجود الاجتماعي بعلاقاته الشائكة التي تتأثر باستمرار بمتغيرات الحياة المتسارعة، لذا كان الأصل في البيوع التي تظهر هي الإباحة قال الله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا) وما كان محرماً منها فهي البيوع التي تشتمل على الغرر أو الضرر بالفرد أو المجتمع، ومن استقراء واقع البيوع المحرمة التي جاءت بها الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يتبين لنا هذا، (والأصل فى العقود جميعها هو العدل، فإنه بعثت به الرسل وأنزلت الكتب قال تعالى "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"، والقرآن نهى عن الربا لما فيه من الظلم، وعن الميسر لما فيه من الظلم، وكلاهما أكل للمال بالباطل، وما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من المعاملات كبيع الغرر وبيع الثمر قبل بدو صلاحه وبيع السنين وبيع المزابنة والمحاقلة ونحو ذلك هي داخلة إما فى الربا وإما في الميسر)[19] ، فالاعتبار في الاقتصاد هو تحقق العدالة وارتفاع الظلم، وهذا ما دل عليه استقراء الشريعة الإسلامية، وظهور أي معاملة من المعاملات الاقتصادية إنما يحكم فيها هذا الأمر، والشروط المصاحبة للعقد ينظر فيها هل تحقق العدالة وترفع الظلم فتجاز، أو توقع الظلم فتحرم [20].
- والحرج مرفوع في الشريعة قال الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)، وصاغ الفقهاء ذلك في قواعدهم الفقهية بقولهم (المشقة تجلب التيسير) ، والمشقة الكامنة في هذا الأمر أن إلغاء صفقة البيع التي تمت طالما البيعان في المجلس يؤدي أن (لا يستقيم على هذا الحال بيع لأحد)[21] وتتعرض المعاملات التجارية التي تقضي حوائج الناس للضيق الشديد والعسر في التنفيذ.
(6) حديث "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس"
قال أبو غانم في المدونة: (قلت لأبي المؤرج أبلغك ما يروي هؤلاء عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام؟.
قال: وما هو؟ (1/42)
صفحة 43
قلت: يقولون إن رجلاً أفلس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رجلاً قد باعه متاعاً فوجد الرجل ذلك المتاع بعينه فرد عليه متاعه، قال أبو هريرة: فإن كان بيع منه شيء فإن الناس يطلبون صاحب المتاع كأحد الغرماء.
قال: الله ورسوله أعلم بهذا الحديث، وما قال رسول الله فهو حق، والقول من الناس كثير، غير أن أصحابنا يروون أنه بين الغرماء بالحصص، ولست أعرف بينهم في ذلك اختلافاً، إلا أن يكون الرجل المفلس خدع رجلاً من المسلمين فاشترى منه بعدما أفلس ولم يطلع على إفلاسه، ثم علم بعد ذلك؛ فذلك الذي يقول أصحابنا يأخذ متاعه، وليس لأحد من الغرماء فيه شيء، لأنه بمنزلة قاطع الطريق، أو بمنزلة السارق.
قلت: فلو كان اشترى جارية على هذه الجهة التي أعلمتني بها، ثم علم الرجل بإفلاسه، فانطلق إليه يأخذ جاريته، فوجد المفلس قد أحدث فيها عتقاً؟.
قال: لا يجوز عتقه، ولا نعمت له عين)[22]. وهذا النص في المدونة تداول فيه أبو غانم وأبو المؤرج رواية رواها الربيع (593) والبخاري (2272) ومسلم (1559) والنسائي في السنن الكبرى (6272) وأبو داود (3519) والترمذي (1262) عن أبي هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره). قال أبو عيسى الترمذي: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم هو أسوة الغرماء، وهو قول أهل الكوفة)[23].
نتساءل ما الذي جعل فقهاء المدرسة الإباضية الأولى يرون أن مال المفلس بين الغرماء بالحصص بلا خلاف بينهم في ذلك، بينما الرواية تنص على خلاف ذلك؟. (1/43)
صفحة 44
أولاً: لم تكن الرواية تشكل طابعاً إلزامياً بفعل طبيعة نقلها الآحادية لذا قال أبو المؤرج: (الله ورسوله أعلم بهذا الحديث) مع التنبيه على عدم الاستخاف أبداً بما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم (وما قال رسول الله فهو حق)، وبسبب كون المسألة لم تشكل سنة ماضية فـ(القول من الناس كثير)، وآراؤهم متنوعة حولها استناداً إلى الأصول الكلية والقواعد التشريعية في هذا الباب، ومن هؤلاء فقهاء المدرسة الإباضية الأولى.
ثانياً: ومما يظهر أن الأصول الكلية والقواعد التشريعية التي قام عليها هذا الرأي:
تحقيق العدل في إرجاع الحقوق لأصحابها قال تعالى (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، إذ المفلس شخص (تزيد ديونه على موجوده)[24] يطالبه الناس بإرجاع حقوقهم من الأموال، وهو في كثير من الأحيان لا يملك ما يغطي كل تكاليف ديونه، فما يملكه مما قد تعود ملكيته السابقة لأي من الغرماء فيه نصيب لبقيتهم، فأخذ أي من الغرماء لأشياء تعود ملكيتها السابقة له في حقيقته تعد على حصص بقية الغرماء، لذا رأى فقهاء المدرسة الإباضية الأولى أنه بين الغرماء بالحصص، ليس بينهم في ذلك اختلاف.
ثالثاً: أما الرواية فحملوها على حال كون (المفلس خدع رجلاً من المسلمين فاشترى منه بعدما أفلس ولم يطلع على إفلاسه، ثم علم بعد ذلك؛ فذلك الذي يقول أصحابنا يأخذ متاعه، وليس لأحد من الغرماء فيه شيء، لأنه بمنزلة قاطع الطريق، أو بمنزلة السارق)، وهذا التوجيه للرواية لم يذكر بالطبع في الرواية، لكنه محمل صحيح تفرضه الأصول الكلية والقواعد التشريعية.
( (1/44)
صفحة 45
قال ابن وصاف: المسألة من الجامع، ومن أخذ من قوم مالاً ثم أفلس فهو بين الغرماء، وإن أخذه بعد أن أفلس ولم يعلم فتلك خيانة وصاحب المال أحق به أدركه بعينه، وقال أبو الحسن: من أخذ مال قوم ثم أفلس فهو بين الغرماء، ودين رب المال بالحصة عليه، وإن أخذه بعد أن أفلس فعلى قول تلك خيانة والمال لربه أحق به إذا أدركه بعينه)[25].
(وقال أبو معاوية عزان بن الصقر وتبعه أكثر من جاء بعده من فقهاء الأصحاب: إن كان إفلاسه من بعد ما اشترى فالبائع والغرماء سواء في المتاع، وإن اشتراه بعد إفلاسه ثم مات فهو بمنزلة المتغتصب، فإن وجد المتاع بعينه أخذه، وإن لم يوجد المتاع فثمن المتاع في ماله، وله الوفاء دون الغرماء)[26]، وكما يظهر من هذه النقول أن هذا الرأي هو الذي ساد لدى أكثر فقهاء المذهب الإباضي (وهو في غاية من التحقيق)[27].
(7) حديث "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه"
روى الإمام الربيع (89): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه). قال الربيع: قال أبو عبيدة: ذلك ترغيب من النبي صلى الله عليه وسلم في نيل الثواب الجزيل في ذكر الله.
يرى الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أن التسمية مندوبة وليست فرضاً مع مجئ الحديث عنه صلى الله عليه وسلم بلفظ (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) التي .
ومرد هذا الرأي فيما يظهر أنه نظر إلى: (1/45)
صفحة 46
أن فرائض الوضوء وأركانه الأساسية ثابتة بالكتاب العزيز (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم المضمضة والاستنشاق)[28] ومسح الأذنين من خلال الممارسة العملية، قال أبو غانم الخراساني (حدثني الربيع: أنه سأل أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة عن الوضوء للصلاة، قال: تبدأ فتغسل كفيك، ثم تستنجي، ثم تمضمض فاك، ثم تستنشق بالماء، وتغسل وجهك وذراعيك إلى المرفقين، وتمسح برأسك وأذنيك ظاهرهما وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين)[29].
فالوضوء بهيئاته وكيفيته ثابت بنصوص الكتاب العزيز والسنة العملية المجتمع عليها، لذا فعندما وردتهم هذه الرواية تعاملوا معها بالشكل التالي:
- نظروا إلى كونها تحث على الذكر في حال الشروع في الوضوء، وذكر الله تعالى عند الشروع في الأعمال وردت بها بعض جزئيات الشريعة كالذبح والصيد والجماع والأكل، وذكر الله تعالى على أي حال أمر مرغب فيه (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم)، فالرواية لا تخرج عن نطاق هذه الأصول.
- لكن رفعها لدرجة الإلزام يحتاج إلى مستوى من الممارسة العملية في الوضوء ذاته، إذ إن بقية هيئات الوضوء ثبتت بهذه الكيفية، والدلالة اللغوية للرواية المنقولة لا تكفي وحدها لرفع الأمر إلى درجة الإلزام في مثل هذه الأبواب، لذا اكتفى الإمام أبو عبيدة بالقول باستحباب ذكر الله تعالى عند الشروع في الوضوء وقال: (ذلك ترغيب من النبي صلى الله عليه وسلم في نيل الثواب الجزيل في ذكر الله).
--------------------------------------------------------------------------------
[1] صحيح مسلم (833).
[2] انظر أيضاً مسند الربيع (299): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتحرى أحدكم أن يصلي عند طلوع الشمس أو عند غروبها).
[ (1/46)
صفحة 47
3] صحيح البخاري (564).
[4] منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي ص 105، صلاح الدين الأدلبي.
[5] كتاب الجامع ج1 ص 280، محمد بن عبد الله بن بركة.
[6] المرجع السابق ج1 ص 280.
[7] الربيع (303).
[8] الربيع (304)
[9] كتاب الترتيب، روايات الإمام أفلح (6).
[10] كتاب الترتيب، روايات الإمام أفلح (9).
[11] الترمذي (774)، أبو داود (2371)، النسائي (3137)، الدارمي (1731).
[12] المدونة الصغرى ج1 ص 164، بشر بن غانم الخراساني.
[13] روى مسلم (1144) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم)، وروى البخاري (1884) ومسلم (1144) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يوماً قبله، أو يوماً بعده)، وعند ابن خزيمة (2161) عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده).
[14] المدونة الصغرى ج1 ص 168، بشر بن غانم الخراساني.
[15] الديوان المعروض (كتاب الصيام ص 28).
[16] كتاب الترتيب (الجامع الصحيح) ص 259.
[17] البخاري (1976)، مسلم (1532) من طريق حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا). قال أبو عيسى الترمذي في "سنن الترمذي ج3 ص547 " : (وفي الباب عن أبي برزة وحكيم بن حزام وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو وسمرة وأبي هريرة).
[18] المدونة الصغرى ج2 ص 129، بشر بن غانم الخراساني.
[19] كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج20 ص510 (مع تصرف بسيط) ، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية.
[20] ربا النسيئة وربا الفضل ص 6(مقال)، خميس بن راشد العدوي.
[21] كتاب الترتيب (الجامع الصحيح) ص 259.
[22] المدونة الصغرى ج2 ص 148، بشر بن غانم الخراساني.
[23] سنن الترمذي ج3 ص562 .
[ (1/47)
صفحة 48
24] شرح كتاب النيل وشفاء العليل ج13 ص 608، محمد بن يوسف اطفيش.
[25] المرجع السابق ج 13 ص 635.
[26] شرح الجامع الصحيح ج3 ص 234، عبد الله بن حميد السالمي.
[27] المرجع السابق ج3 ص 234.
[28] أصول الدينونة الصافية ص 92، عمروس بن فتح.
[29] المدونة الصغرى ج1 ص 13، بشر بن غانم الخراساني.
روابط ذات صلة
· زيادة حول الحديث و علومه
· الأخبار بواسطة الإدارة-hacked
--------------------------------------------------------------------------------
أكثر مقال قراءة عن الحديث و علومه:
كيف نتعامل مع السنة النبوية؟، تعقيبات واستدراكات ... أ.عبد الله بن صالح الخالدي
تقييم المقال
المعدل: 4.5
تصويتات: 2
الرجاء تقييم هذا المقال:
خيارات
صفحة للطباعة
أرسل هذا المقال لصديق
عفوا، التعليقات غير ممكنه لهذا المقال.
Web site engine's code is Copyright © 2003 by PHP-Nuke. All Rights Reserved. PHP-Nuke is Free Software released under the GNU/GPL license.
-----------------------
الجرح والتعديل (1-3)، قراءة في تراث المدرسة الجابرية... أ. خالد بن مبارك الوهيبي
بتاريخ 27-7-1425 هـ
القسم: الحديث و علومه
الجرح والتعديل أو علم الرجال من العلوم التي نشأت في أكناف مدرسة أهل الحديث، ويرجع بعض الباحثين نشأته الأولى إلى عصر التابعين، روى مسلم عن ابن سيرين قال: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد؛ فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم. فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم)[1].
موضوع الجرح والتعديل (1/48)
صفحة 49
يبحث الجرح والتعديل معرفة أحوال الرواة تعديلاً وتجريحاً، وقد اشتغل بهذا العلم عدد من كبار المحدثين كشعبة بن الحجاج (ت 160هـ)، ومالك بن أنس (ت 179هـ)، وسفيان الثوري (ت 161هـ)، ويحيى بن سعيد القطان (ت 198هـ)، وعبد الرحمن بن مهدي (ت 198هـ)، وأحمد بن حنبل (ت 242هـ) الذي يعد من أكبر المنظرين لهذه المدرسة، ويحيى بن معين (ت 233هـ)، وعلي بن المديني (ت 234هـ)، ومحمد بن إسماعيل البخاري (ت 256هـ)، وأبي زرعة الرازي (ت 264هـ)، ومحمد بن يحيى الذهلي (ت 258هـ)، ومسلم بن الحجاج (ت 261هـ)، وأبي داود السجستاني (ت 275هـ)، ومحمد بن عيسى الترمذي (ت 279هـ) وغيرهم.
وأما دوافع هذا العمل الضخم الذي فاق التصورات وعُد من العلوم التي تميز بها المسلمون بها دون غيرهم من الأمم[2]؛ فيرجعها الكثير من الباحثين إلى:
1. الرغبة في التوثق من حال الرواة من العدالة والضبط لما يروون خشية الكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عبر عن هذا الصحابي الجليل ابن عباس عندما قال: (إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف)[3]، ويروى أيضاً عن ابن سيرين قوله: (إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم)[4].
2. ضبط تواريخ ولادة ووفاة الرواة وأوطانهم وأنسابهم حتى يتسنى معرفة المرسل والموقوف والمتصل وغير المتصل من الأسانيد، وكذا معرفة الناسخ من المنسوخ.
وقد ألفت في هذا العلم مصنفات كثيرة منها: "التاريخ الكبير" لمحمد بن إسماعيل البخاري، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم الرازي، و"الكنى والأسماء" لمسلم بن الحجاج، و"العلل ومعرفة الرجال" لأحمد بن حنبل، و"تاريخ ابن معين" وغيرها كثير.
الجرح والتعديل بين القبول والتحفظ (1/49)
صفحة 50
يعد علم الجرح والتعديل أو علم الرجال من الفروع المهمة في منظومة علم الحديث، وقد رأى كثير من الباحثين والأكاديميين أن الحكم على الأحاديث والروايات لدى المحدثين يعتمد في معظمه على منهج الجرح والتعديل (=الإسناد)، لذا فالفقه الناشئ عند مدرسة أهل الحديث يعتمد بالدرجة الأولى على الإسناد الروائي.
ونستطيع القول كذلك إنه بناء متكامل أنتجته عقلية أهل الحديث، وهم النواة الصلبة للدول والحكومات المتعاقبة التي حكمت العالم الإسلامي لقرون طويلة (أمويين، عباسيين، عثمانيين)، وهذا الانفراد بتقعيد هذا المنهج من قبل مدرسة أهل الحديث كما أن له إيجابياته؛ فإن له سلبياته أيضاً، فقد أدت الرغبة لدى أهل الحديث في تهميش وإقصاء المدارس الإسلامية الأخرى إلى إضاعة التنوع والثراء الفكري الموجود لديها، كما أسهم ذلك أيضاً في عدم إجراء مراجعات للتصورات الذاتية من خلال البحث الحر والنظر والحوار، مما جعل كثيراً من المفاهيم والتصورات غير المنضبطة تعيش لمئات السنين. (1/50)
صفحة 51
والمشكلة أن القضية لم تأخذ بعداً علمياً فحسب؛ بل تدخلت السياسة فيها كثيراً، فالمدارس الإسلامية الأخرى كانت لها مواقف سياسية معارضة للسلطات القائمة آنذاك، مما جعلها عرضة للملاحقة والمطاردة على الصعيدين: السياسي والعلمي، ومع اكتمال منظومة التدوين الروائي كانت الكثير من المدارس الإسلامية المعارضة للحكومات آنذاك قد صنفت ضمن الفرق المبتدعة الخارجة عن النطاق الإسلامي "الرسمي"، فعمرو بن عبيد المعتزلي لم يشفع له زهده وورعه فهو (عمرو بن عبيد الضال، عمرو بن عبيد المبتدع)[5]، وعلماء الإباضية تم تجاهل أئمتهم كأبي عبيدة والربيع بن حبيب في كتب الجرح والتعديل، ورغم أن بعض الباحثين يرى أنهم قد ذكروا عرضاً في بعضها، إلا أن آخرين يرون أنهم غيرهم وهناك تشابه في الأسماء[6]!، ومن ذُكِروا وتُرِجم لهم ـ وما أقلهم ـ: إما أن لا يذكر انتماؤهم أو يتم التحذير منهم رغم الاعتراف بصدقهم وأمانتهم، ومن هؤلاء:
1. أبو نوح صالح الدهان: قال عنه علي بن المديني: (ضعيف يرى رأي الأباضية)[7]، فضعفه لا لأجل روايته، بل لأجل انتمائه السياسي والفقهي، فقد كانوا ينظرون إليه على أنه (كان يرضى بقول الخوارج؛ وذلك للزومه جابر بن زيد)[8].
2. الوليد بن كثير: قال عنه أبو داود: (ثقة إلا أنه إباضي)[9].
3. داود بن الحصين: (قال النسائي ليس به بأس، وقال ابن عدي صالح الحديث إذا روى عنه ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال كان يذهب مذهب الشراة، وكل من ترك حديثه على الإطلاق وهم؛ لأنه لم يكن بداعية)[10].
وهذا غيض من فيض، والأمثة على ذلك تزخر بها كتب الجرح والتعديل.
المراجعات (1/51)
صفحة 52
رغم تفرد مدرسة أهل الحديث بوضع مناهج الجرح والتعديل (=الإسناد) إلا أنه كتب لها الذيوع والانتشار بين المدارس الإسلامية الأخرى كمدارس الرأي بفعل عوامل سياسية وعلمية[11]، وأما ما قدمته المدارس الأخرى فقد طوته أيادي النسيان، وصار من تراث الماضي، فمثلاً ما قاله الجاحظ (ولو كانوا يروون الأمور مع عللها وبرهاناتها خفت المؤونة، ولكن أكثر الروايات مجردة، وقد اقتصروا على ظاهر اللفظ دون حكاية العلة ودون الإخبار عن البرهان)[12] ضاع أدراج الرياح مقابل كلام يحيى بن سعيد القطان (لا تنظروا إلى الحديث، ولكن انظروا إلى الإسناد فإن صح الإسناد وإلا فلا تغتروا بالحديث إذا لم يصح الإسناد)[13].
ولكن مع هذا وجدت هناك مراجعات مبكرة جداً لمنهج الجرح والتعديل تجدها (=رغم إهمالها) مبثوثة هنا وهناك، دعونا نستعرضها ونحاول تحليلها:
(1) قال أبو غانم في المدونة: (قلت لأبي المؤرج: إن هؤلاء يقولون ويروون عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: هذا بحر وتحته سبعة أبحر، وتحتها النيران، وكان ينهى عن الوضوء والاغتسال بماء البحر، وكان يقول: لأن أتيمم أحب إليّ من أن أغتسل من ماء البحر.
قال أبو المؤرج: لسنا نأخذ بهذا من حديث ابن عمر، وقد كان أبوه أمير المؤمنين رحمة الله عليه يقول بخلاف هذا القول، ويجيز الوضوء بماء البحر والاغتسال به من الجنابة)[14].
· في هذا النص يؤكد الفقيه الإباضي أبو المؤرج على ضرورة تمحيص ما يروى، حتى ولو كان ثابتاً من جهة الإسناد عن كبار الصحابة كابن عمر، وفي جرأة وصراحة يقول: "لسنا نأخذ بهذا من حديث ابن عمر".
(2) قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج: هل في الصلاة قنوت؟.
قال: حدثني أبو عبيدة أنه سأل جابر بن زيد عن ذلك فقال: الصلاة كلها قنوت، قال الله تبارك وتعالى: "أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً" فالصلاة كلها قنوت. (1/52)
صفحة 53
قلت: يا أبا الشعثاء؛ ليس عن هذا أسألك، ولكن إنما أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يدعون ويهللون وهم قيام.
قال: هذا أمر محدث لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة)[15].
· يؤكد الإمام جابر في هذا النص على مبدأ حماية السنن العملية من أن تطغى عليها مرويات الآحاد " هذا أمر محدث لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة"، وهو موقف جنب المدرسة الجابرية الكثير من الدخيل في عالم الرواية.
(3) قال الإمام جابر بن زيد: (كيف يمسح الرجل على خفيه والله تعالى يخاطبنا في كتابه بنفس الوضوء؟! والله أعلم بما يرويه مخالفونا في أحاديثهم)[16].
· ينتقد الإمام جابر في هذا النص مبدأ قبول الرواية المخالفة للدلالات القرآنية.
(4) قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج وأبا سعيد عبد الله بن عبد العزيز، وأخبرني محبوب عن الربيع: عن قول الناس أفطر الحاجم والمحجوم.
قالوا جميعاً: إنما يكره ذلك للصائم مخافة أن يضعف، فإن لم يخف ضعفاً فليحتجم إن شاء)[17].
· الربيع وعبد الله بن عبد العزيز وأبو المؤرج كلهم يوجهون حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" توجيهاً معيناً وهو مخافة أن يضعف الصائم، وهو توجيه لم يذكر في متن الرواية، لكن أوجبه النظر في الدلالات الكلية الثاوية في نصوص الكتاب والسنة (لأن السنة في الصيام إنما نهوا عن الطعام والشراب وغشيان النساء، والحجامة ليس بشيء من ذلك، إنما يمنع منها مخافة الضعف، فإن احتجم فقد تم صومه بهذا نأخذ وعليه نعتمد وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا)[18].
(5) جاء في الديوان المعروض: (قلت: إن قومنا وبعضهم يقولون ويروون عن علي أنه قال: لا يقضي رمضان في العشرة؟ (1/53)
صفحة 54
قال: أساءوا الرواية، ولقد كان علي لعمري يقول ذلك على غير ما قالوا، إنما قال علي ذلك لئلا يؤخروا رمضان إلى العشرة، كذلك حدث عنه الحسن وإنما دعاه إلى ذلك لئلا يؤخر رمضان إلى العشرة، فهم يروون الرواية ولا يعرفون وجهها ولا معانيها، والسنة أن رمضان فرض من الله، والعشرة صيامها تطوعاً فلا ينبغي لأحد أن يدع الفرض ويتطوع، وليس صوم العشرة حتماً، ولكن أيام الصوم فيها متضاعف، وأن العمل فيها مضعف إن شاء الله.
فهذا كله قولنا فبه نأخذ وعليه نعتمد وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا)[19].
· ينتقد أبو المؤرج ظاهرة الرواية التي لا تتقيد بفقه كليات الدين وثوابته اليقينية، وعاب على أقوام " يروون الرواية ولا يعرفون وجهها ولا معانيها"، وعد ذلك من باب إساءة الرواية لا من إتقانها.
(6) جاء في الديوان المعروض: (وقال قوم: لا يصام آخر يوم من شعبان، ورووا فيه حديثاً والله أعلم به: قالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لئن أفطر يوماً من رمضان أحبّ إليّ من أن أصوم آخر يوم من شعبان".
ولسنا نرى أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول هذا، لأن صوم رمضان فريضة افترضها الله على النبي عليه الصلاة والسلام ولم يحرم عليه صوم شعبان أو آخر يوم منه.
حدثنا هارون بن اليماني في هذا الحديث أنه قال: حديث مقلوب، إنما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "لئن أصوم آخر من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان")[20].
· يكرر أبو المؤرج انتقاده لظاهرة الرواية التي لا تتقيد بفقه كليات الدين وثوابته اليقينية، وينفي فيه أن ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم ما يخالف ذلك.
(7) قال أبو غانم في المدونة: (سألت ابن عبد العزيز: عن الدرهم بالدرهمين يداً بيد، وعن الرواية التي يروي هؤلاء عن النبي عليه السلام أن الدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، وهل هذه الرواية ثابتة أم لا؟ . (1/54)
صفحة 55
قال لي: ما كان يداً بيد فلا بأس بالزيادة فيه، و قد بلغنا عن البراء بن عازب أنه سأل النبي عليه السلام، وكان يشتري الذهب بالفضة، قال: يا نبي الله إنا نشري هذا التبر ونستزيد فيه. فقال النبي عليه السلام: "ما كان يداً بيد فلا بأس به، وإنما الربا في النظرة"، غير أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس فقال: "يا ابن عباس صحبت النبي عليه السلام ما لم نصحبه وقرأت من القرآن ما لم نقرأه".
قال: ما قرأت إلا نحو ما قرأتم، وما أنا بأقدم من صحبة رسول الله منكم.
قال: فما الذي رواه الناس عنك في الصرف؟.
قال: فقال ابن عباس: حدثني أسامة بن زيد أن النبي عليه السلام قال: "لا بأس بالذهب والفضة اثنان بواحد يداً بيد، وإنما الربا في النظرة".
قال ابن عبد العزيز: الرواية في ذلك تكثر منا ومنهم.
قلت: إن هؤلاء يقولون ويروون عن ابن عباس أنه رجع عن قوله هذا وقال الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلاً بمثل لا زيادة فيه ولا نقصان.
قال: في شهادتهم لك أن ابن عباس قاله كفاية على عدل ما في يدك، ولا يصدقوا في ادعائهم رجوع ابن عباس لموضوع النكير منهم لعيبهم هذا القول ورفضهم)[21].
هذا النص عن عبد الله بن عبد العزيز يناقش فيه مسألة التفاضل في الجنس الواحد "عن الدرهم بالدرهمين يداً بيد"، ويسأل بشر بن غانم الخراساني ابن عبد العزيز عن الرواية التي تروى في منع ذلك.
وهذه الرواية هي ما تداوله بعض الصحابة في منع ذلك، مثاله ما روي من بعد من طريق أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مِثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الوَرِق بالوَرِق إلا مِثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز)[22]. (1/55)
صفحة 56
وقد أجاب ابن عبد العزيز بما يعارض هذه الرواية مما رواه الناس عن (البراء بن عازب أنه سأل النبي عليه السلام، وكان يشتري الذهب بالفضة، قال: يا نبي الله إنا نشري هذا التبر ونستزيد فيه. فقال النبي عليه السلام: "ما كان يداً بيد فلا بأس به، وإنما الربا في النظرة" )[23]، وبما روي كذلك عن ابن عباس (قال حدثني أسامة بن زيد أن النبي عليه السلام قال: "لا بأس بالذهب والفضة اثنان بواحد يداً بيد، وإنما الربا في النظرة" ).
ثم أعقب ذلك قوله: (الرواية في ذلك تكثر منا ومنهم)، وفيه إشارة واضحة إلى ما يعتري النقل الآحادي من التضارب والتعارض وما يولد ذلك من تزايد الحذف والبتر والزيادة والرواية بالمعنى وغيرها من العوارض الداخلية والخارجية الناشئة عن الطبيعة البشرية، لذا كان من اللازم إحاطة هذه المنطقة بسياج من الرد إلى الأصول الكلية والقواعد التشريعية التي تولدت عنها هذه الفروع.
وعبارة ابن عبد العزيز (الرواية في ذلك تكثر منا ومنهم)، هي عبارة تنم عن فهم للحقول والبيئات المعرفية التي نشأت فيها الرواية، والتي لا تخرج عن نطاق الطبيعة الإنسانية بما تمثله من الخطأ والوهم والنسيان، بل والتعبير عن الفهم من خلال الرواية (=الرواية بالمعنى)، وضرب ابن عبد العزيز على ذلك مثالاً بما يروونه من تراجع ابن عباس عن رأيه السابق في جواز بيع التفاضل إذا كان يداً بيد، فقال (في شهادتهم لك أن ابن عباس قاله كفاية على عدل ما في يدك، ولا يصدقوا في ادعائهم رجوع ابن عباس لموضوع النكير منهم لعيبهم هذا القول ورفضهم).
تطلع نحو المستقبل (1/56)
صفحة 57
مع بدايات النهضة الإسلامية المعاصرة والرغبة في رجوع الأمة لمكانتها اللائقة بها؛ بدأت معها مراجعات للمناهج والأفكار التي تسببت في إعطاب عجلة التسارع الزمني للأمة، وقدمت في ذلك دراسات وبحوث بدأت بسيطة وخجولة ثم ترقت ونمت لتقدم مشروعات على درجة عالية من الرقي، والغريب أن هذه المراجعات تتم في الأجواء التي يهيمن عليها فكر مدرسة أهل الحديث، ولكن يبدو أن الإخفاقات المتتالية للقصور في أي منهج مؤذن بضرورة مراجعته، وقد ذكرت قبل عدة سنين في سلسلة عن المدرسة الإصلاحية أن سبب العداء " لهذه المدرسة محاولتها الجريئة لإعادة قراءة كثير من النصوص دون الوصاية السلفية عليها، بعد أن أدرك رواد المدرسة الإصلاحية أن واقع التخلف له جذور عميقة ضاربة في القدم، تغلغلت في جسد الأمة حتى أنهكتها فلم تستطع مجابهة الأفكار الوافدة التي أخذت تعمل عملها في هذا الجسم المنهك".
وقد نوقشت الكثير من نظريات الجرح والتعديل -التي تشكل أحد أعمدة النظرية الحديثية- في العقود الأخيرة من قبل عدد من العلماء والباحثين المتخصصين، وقد تعددت وتنوعت اطروحاتهم حول القضية، لكنها بدايات نحو إعادة الصياغة للكثير من المناهج السائدة، والمجال هنا لا يتسع لتتبعها وذكرها جميعاً، لكن نقتصر على أربعة أمثلة: (1/57)
صفحة 58
1. الشيخ محمد الغزالي: مفكر صاحب قلم سيال وحس أدبي راق وعقل واع ذكي، عرف بجرأته في الجهر بما يحسبه صواباً، ألف في عام 1989م كتاب (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث) أثار ضجة عارمة في حينها، وألفت كتب ورسائل كثيرة في الرد عليه، وقد بين الغزالي سبب تأليف للكتاب بقوله (وقد ضقت ذرعاً بأناس قليلي الفقه في القرآن كثيري النظر في الأحاديث. يصدرون الأحكام ويرسلون الفتاوى فيزيدون الأمة بلبلة وحيرة، ولا زلت أحذر الأمة من أقوام بصرهم بالقرآن كليل، وحديثهم عن الإسلام جريء، واعتمادهم كله على مرويات لا يعرفون مكانها من الكيان الإسلامي المستوعب لشئون الحياة)، وأكد مراراً وتكراراً في الكتاب (أنه ليس لروايات الآحاد أن تشغب على المحفوظ من كتاب الله وسنة رسوله، أو أن تعرض حقائق الدين للتهم والريب)، وضرب عشرات الأمثلة على أن (تلاوة قليلة للقرآن الكريم، وقراءة كثيرة للأحاديث، لا تعطيان صورة دقيقة للإسلام بل يمكن القول بأن ذلك يشبه سوء التغذية، إذ لابد من توازن العناصر التي تكون الجسم والعقل على سواء).
وعلى ضوء ذلك ناقش قضايا كثيرة كفقه الدعوة والجهاد وموضوعات الجبر والحرية الإنسانية وعلاقة المرأة بالمسجد والنقاب وآداب الطعام وآداب المسكن وبعض من أحاديث الفتن والملاحم وغيرها من القضايا.
ولخص رسالة الكتاب بأن (كل ما نحرص نحن عليه شد الانتباه الى ألفاظ القرآن ومعانيه، فجملة غفيرة من أهل الحديث محجوبون عنها، مستغرقون في شئون أخرى تعجزهم عن تشرب الوحي!! والفقهاء المحققون إذا أرادوا بحث قضية ما، جمعوا كل ما جاء في شأنها من الكتاب والسنة، وحاكموا المظنون الى المقطوع، وأحسنوا التنسيق بين شتى الأدلة... (1/58)
صفحة 59
أما اختطاف الحكم من حيث عابر، والإعراض عما ورد في الموضوع من آثار أخرى فليس عمل العلماء...وقد كان الفقهاء على امتداد تاريخنا العلمي هم القادة الموثقون للأمة، الذين أسلمت لهم زمامها عن رضى وطمأنينة، وقنع أهل الحديث بتقديم ما يتناقلون من آثار كما تقدم مواد البناء للمهندس الذي يبني الدار، ويرفع الشرفات، والواقع أن كلا الفريقين يحتاج الى الآخر، فلا فقه بلا سنة ولا سنة بلا فقه، وعظمة الإسلام تتم بهذا التعاون).
2. عبد الجواد ياسين: مستشار قضائي له عدة مؤلفات أهمها "السلطة في الإسلام"، وهذا الكتاب من أهم وأبرز الإصدارات التي خرجت في السنوات الأخيرة، وطرح المؤلف في هذا الكتاب قد أذهل الكثيرين لقوته وعمقه وقدرته الكبيرة على النقد والتحليل، وإبراز نقاط القوة والضعف في منظومة الفكر.
يقدم المؤلف طرحاً جديداً متكاملاً لجدليات النص والتأريخ، وتأثير كل منهما على الآخر موضحاً أن (أصول الخلل في تأريخ الأمة الإسلامية ترجع إلى بدايات سابقة على الحقبة الغربية بأمد غير قصير)
يدور الكتاب في ثلاثة محاور وهي:
أ-إشكالية عملية التدوين للنص الحديثي وتداخلها مع جدليات التاريخ مما أوجد ظاهرة (التنصيص السياسي).
ب-منهج التعامل مع الرواية الحديثية عند المحدثين ماله وما عليه، وقد انتقد بشدة من خلال عشرات الأمثلة منهج المحدثين في التعامل مع الرواية الحديثية قائلاً: (ونحن نعجب من هذا الموقف الحنبلي المتعصب، ونرى فيه ضرباً من السذاجة الفكرية وضيق الأفق، ونأسف شديد الأسف لأن أصحابه بالذات ودون غيرهم هم الذين كتبوا علم الحديث ودونوا السنة)، وأن (المنهج التقليدي لعلم الحديث بطابعه الكمي وأدواته الإسنادية، قد سمح للكثير من الأقاويل والأفعال التي لم تصدر يقيناً عن النبي صلى الله عليه وسلم أن تدخل في نطاق السنة، التي صارت مصطلحاً مرادفاً للأحاديث المجموعة في الكتب).
ج-تأثير السلطة في بنية النص والعقل. (1/59)
صفحة 60
وقد لخص رسالة الكتاب عندما قال: (ومن هنا فإن حديثنا عن عدم ضرورة أخبار الآحاد لقيام الدين في حده الأدنى، ينبغي أن يفهم في إطار التفرقة بين الضروري والنافع، وليس في إطار التفرقة بين المقبول كله والمردود كله، لأن من أخبار الآحاد ما يمكن قبوله وفق الشرطين التاليين:
أولا: ثبوت الخبر بمقاييس المنهج النقدي التاريخي الشامل، الذي يتجاوز كما أسلفنا منهج علم الحديث الكلاسيكي ذي الطابع الإسنادي، إلى آفاق أوسع تقوم على محاكمة الخبر من متنه إلى القرآن والتاريخ والعقل الكلي.
ثانياً: خضوع النص، بعد ثبوته وفق هذا المنهج، لهيمنة الأحكام القرآنية، باعتبارها أصول الدين الثابتة ثبوتاً قطعياً، ولذلك فإن الترجمة النهائية لحديثنا هذا، ليست رداً للسنة في جملتها، كما قد تفهم بعض العقول المتوجسة الموسوسة، ولكنها في الحقيقة رد عن السنة أن يدخل فيها ما ليس منها). (1/60)
صفحة 61
3. لؤي صافي: أستاذ جامعي درس في ماليزيا والولايات المتحدة، له عدة مؤلفات منها "العقيدة والسياسة" و"إعمال العقل"، وهذا الأخير خصص فيه المؤلف فصلاً للحديث عن "الرؤية القرآنية والمنهجية النصوصية" قرر فيه أن (الرؤية القرآنية تتحدد في القواعد العامة والمقاصد الكلية المستمدة من الكتاب، والمنتظمة وفق أنساق تحقق ترابطها ترابطها الداخلي) ومن خلال قراءة في التراث الفقهي للصحابة وجد أنهم (لم يقبلوا الحديث المرفوع إلى رسول الله على عواهنه؛ لأن صحابياً رواه، بل نظروا إلى الرواية من خلال الرؤية القرآنية التي اكتسبوها من استبطان معاني كتاب الله الكريم، وعرضوها على نسق المبادئ والمقاصد التي تشكل ثوابت هذه الرؤية، ولم يترددوا في رد الحديث أو تأويله عند تعارضه مع المبادئ القرآنية الثابتة) وخلص من ذلك إلى (ضرورة ربط نصوص الحديث بأنساق القواعد القرآنية الكلية والمبادئ القرآنية العامة، أي فهمها وفقاً للرؤية القرآنية المتحددة بناء على هذه القواعد، وتأويل الأحاديث حال تضاربها مع الرؤية القرآنية). (1/61)
صفحة 62
4. الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: مفتي سلطنة عمان وفقيه مدرك لحاجات زمنه وعضو بارز في مجمع الفقه الإسلامي، بصماته واضحة على الأجيال التي نشأت منذ السبعينيات في عمان، له عدة مؤلفات منها "جواهر التفسير" و"الحق الدامغ" و"زكاة الأنعام" و"شرح غاية المراد" و"إعادة صياغة الأمة"، وهذا الأخير عبارة عن عدة محاضرات ألقاها الشيخ في عدة مناسبات تصب في هذا المصب، فيها يقول الشيخ بوضوح بأنه (إذا جئنا إلى قضية التعديل والتجريح، نجد هذه القضية شيبت بالكثير، فلربما كان تجريح أحد من الرواة بسبب موقف سياسي ما كان يتفق مع السياسة التي كانت متغلبة ومتسلطة في ذلكم العصر، ولربما كان ذلك بسبب عدم اتفاق في قضية من القضايا مع جمهور المحدثين، بحيث كان لهذا الراوي موقف معين، وكانت العصبية تدعو إلى أن يعتبر مجروحاً ترفض روايته ولا تقبل، فإذن قضية التعديل والتجريح يجب أن تكون مجردة من العصبيات المذهبية والأهواء)، ورأى أنه (مما يؤسف أن الكثير من المحدثين والنقاد نظروا إلى جانب السند وتجاهلوا جانب المتن، مع أنه لا بد من أن ينقد الحديث من جانب المتن، وهذا الذي فعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد كانوا كثيراً ما ينقدون الروايات حتى ولو جاءت عن الثقات من الصحابة).
5. طه جابر العلواني: أكاديمي عراقي معروف، يرأس الآن المعهد العالمي للفكر الإسلامي في ولاية "فريجينيا" الأمريكية، له العديد من المؤلفات، منها كتاب "مقاصد الشريعة" و"إصلاح الفكر الإسلامي" وتحقيق كتاب "المحصول في علم الأصول" للفخر الرازي. (1/62)
صفحة 63
وفي كتاب "مقاصد الشريعة" يقدم مجموعة من المحددات المعرفية منها أن علاقة القرآن بالسنة تتحدد في أن (السنة والسيرة تبدوان تطبيقاً عملياً للقرآن في مقاصده العليا الحاكمة، تتكامل السنة معه في وحدة بنائية تقرأ وتفهم في ضوئها آلاف الأحاديث الصحيحة والأفعال والتصرفات النبوية الثابتة، التي أدخلتها القراءات الجزئية المعضاة ولا تزال في دوائر "مختلف الحديث" و"مشكل الآثار" ونحو ذلك، ولم تستطع قواعد الجرح والتعديل وموازين الأسانيد والمتون أن توقف ذلك الجدل الذي دار).
--------------------------------------------------------------------------------
[1] صحيح مسلم ج1 ص 15.
[2] المنهج المقترح في فهم المصطلح ص 35، حاتم بن عارف العوني.
[3] صحيح مسلم ج1 ص 13.
[4] المرجع السابق ج1 ص 14.
[5] تاريخ مدينة دمشق ج41 ص282 ، ابن عساكر.
[6] راجع في ذلك كتاب "رواية الحديث عند الإباضية"، صالح بن أحمد البوسعيدي.
[7] تهذيب التهذيب ج4 ص340، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.
[8] الكامل في ضعفاء الرجال ج4 ص71 ، عبد الله بن عدي.
[9] تهذيب التهذيب ج11 ص130، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.
[10] المرجع السابق ج3 ص157.
[11] انظر "السلطة في الإسلام" عبد الجواد ياسين. و"إعمال العقل" لؤي صافي، و" القواعد الأصولية والفقهية وضوابطها" رضوان السيد.
[12] الحيوان ج1 ص 166، الجاحظ.
[13] سير أعلام النبلاء ج9 ص 188، الذهبي.
[14] المدونة الصغرى ج1 ص 135- 136، بشر بن غانم الخراساني.
[15] المدونة الصغرى ج1 ص 67.
[16] كتاب الترتيب، مسند الربيع (125).
[17] المدونة الصغرى ج1 ص 164، بشر بن غانم الخراساني.
[18] الديوان المعروض (كتاب الصيام ص 46).
[ (1/63)
صفحة 64
19] المرجع السابق ص 47. السائل هو أبو غانم الخراساني كما يظهر، والديوان المعروض على علماء الإباضية (يظن أنه من تأليف أبي غانم مؤلف المدونة، لأن الكثير من الأعمال الواردة في هذه المخطوطة الكبيرة منقول عن مصادر المدونة نفسها) انظر دراسات في الإباضية ص 137 عمرو النامي، و(كتاب الصيام يبدأ بروايات أبي المؤرج عن شيخه أبي عبيدة على شكل أسئلة وأجوبة، وبعد العنوان التالي "باب اختلاف العلماء في الصيام" ترد آراء مختلف العلماء حول الموضوع، منوهة بالآراء التي يعتمدها الأئمة الإباضيون، لا سيما أبو عبيدة)، انظر دراسات في الإباضية ص 138.
[20] المرجع السابق ص 28.
[21] المدونة الصغرى ج2 ص 182- 183، بشر بن غانم الخراساني.
[22] البخاري (2068)، مسلم (1584).
[23] روى البخاري (1955) عن أبي المنهال يقول: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصرف فقال: (إن كان يداً بيد فلا بأس، وإن كان نساء فلا يصلح).
-----------------------
الجرح والتعديل (3-3)، قراءة في تراث المدرسة الجابرية... أ. خالد بن مبارك الوهيبي
بتاريخ 11-8-1425 هـ
القسم: الحديث و علومه
مقارنة
عرضنا في الحلقات الماضية أبرز معالم المنهج الحديثي عند فقهاء المدرسة الجابرية، وهو منهج مورس قبل اكتمال منظومة الجرح والتعديل، وقد لاحظنا من خلال التتبع أن: (1/64)
صفحة 65
1. الحكم على الرواة ليس من خلال العدالة والضبط فحسب (=مع التنبيه على أهمية ذلك بالطبع)، لكن يضاف إلى ذلك شرط الفقه والقدرة على تمييز ما يروى[1]، قال الإمام أبو عبيدة: (لا ينبغي أن تأخذ العلم من مبتدع لأنه يدعو إلى بدعته، ولا من سفيه يدعو إلى سفهه، ولا ممن يكذب وإن كان يصدق في فتواه، ولا ممن يفرز مذهبه من مذهب غيره)[2]، فنبه الإمام أبو عبيدة على ضرورة أن يكون الراوي عدلاً، وممن "يفرز مذهبه من مذهب غيره" أي أن يكون فقيهاً بما يروي حتى يجنب الفقه القائم على الأصول المستقرة ما يعكر صفوه من مرويات غير منضبطة بضابط الفقه، والتي عبر عنها هنا بالمذهب.
2. أن الحكم على الرواية يعتمد في الجانب الأكبر منه على النظر في المتن، ثم بالدرجة الثانية على السند، وهنا تكمن مفارقة أخرى بين معالم المنهج الحديثي عند فقهاء المدرسة الجابرية ومنهج الجرح والتعديل عند مدرسة أهل الحديث، فمن خلال تأمل الجوانب النظرية والتطبيقية لمنهج الجرح والتعديل عند مدرسة أهل الحديث يتبين أنه (في غالبه الأغلب منصب على الجانب الإسنادي، ولم يكن ينظر في المتن إلا في القليل النادر)[3].
ومن خلال النصوص التي استخرجناها من تراث المدرسة الجابرية وعرضناها في الحلقات السابقة من هذه السلسلة نخلص إلى مقاربة مفادها أن:
– الجم الغفير والغالبية العظمى من القواعد الحديثية لديهم تركز على النظر في المتن وتحديد موقع الرواية في البنية التشريعية.
– الأقل من القواعد الحديثية لديهم للنظر في الجوانب الإسنادية وسلاسل الرواة.
كتب الجرح والتعديل
يتساءل الكثير من الباحثين وطلاب العلم عن عدم وجود كتب في أوصاف الرواة وأحوالهم (=الجرح والتعديل) في المذهب الإباضي كما هو الحال عند مدرسة أهل الحديث ومدرسة آل البيت، وإذا استثنينا القليل من كتب السير والطبقات في المذهب الإباضي فإنه لا توجد لديهم كتب في أوصاف الرواة وأحوالهم (=الجرح والتعديل). (1/65)
صفحة 66
وبعد دراسة لهذا التساؤل المطروح منذ عدة سنوات توصلت إلى الآتي:
1. أن الرواة في المذهب كانوا قلة لا يتعدون العشرات وهم في غالبيتهم من الفقهاء الثقات الذين يقتدى بهم، وقلة الرواة عندهم ناشئة عن أمور موضوعية تتعلق بضوابط الرواية وتلقيها.
2. وأن الرواية الحديثية لم تتضخم لديهم، فمسند الإمام الربيع على سبيل المثال يحوي معظم أبواب الشريعة وعدد أحاديثه (754) حديثاً، ومدونة أبي غانم الخراساني تحوي (140) حديثاً[4]،
وهذا المنهج مورس من قبل هؤلاء العلماء عن وعي كامل بأبعاده وخلفياته، وفي هذا يقول الإمام الربيع: (بلغنا أن عدة ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث، منها تسعمائة في الأصول والباقي في الآداب والأخبار)[5].
وهذا الإقلال من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس معيباً ولا يدل على ضعف علمي بحال من الأحوال، بل هو المنهج الذي سار عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الاستقرار السياسي.
وهذا الإقلال في نظري مرده إلى أمرين: (1/66)
صفحة 67
- أولاً: الخشية من اختلاط التطبيق بالتشريع، وخاصة في عملية الرواية التي تتم من غير الفقهاء العارفين بظروف وملابسات الرواية، فتأتي آليات الاقتطاع والحذف والبتر والرواية بالمعنى، لتقدم للأجيال نصاً على أنه نص تشريعي، في حين أنه نص تطبيقي (=واقعة حال لا تتعداها، أو تطبيق لنصوص تشريعية أخرى). ومن أمثلة ذلك كثير من المرويات التي صنفت تحت باب الطب النبوي، فكثير منها ليس تشريعاً، إنما هي تعبير عن جملة المعارف الموجودة في ذلك العصر، وإنما جاءت تطبيقاً لأصل تشريعي وهو وجوب التداوي[6]، ومن أمثلة ذلك كثير من المرويات التي صنفت تحت باب الطب النبوي، فكثير منها ليس تشريعاً، إنما هي تعبير عن جملة المعارف الموجودة في ذلك العصر، وإنما جاءت تطبيقاً لأصل تشريعي وهو وجوب التداوي[7] ومنها قول الله تعالى (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ) وقوله (وَلاَ تَقْتُلُوَاْ أَنْفُسَكُمْ إِنّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) ، ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء)[8].
وهذا أمر جعل الكثير من فقهاء الصحابة يتعاملون بحذر مع روايات غير الفقهاء منهم، ويمكن للقارئ استقراء ذلك من تعامل أمثال ابن عباس والسيدة عائشة وعمر بن الخطاب وغيرهم مع مرويات من كان غير فقيه منهم، وكل ذلك مدون في الصحاح والسنن.
ومثال ذلك ما جاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الشؤم في الدار والمرأة والفرس). لكن السيدة عائشة رضي الله عنها اعترضت على ذلك وبينت أن رواية أبي هريرة مجردة عن الملابسات التي قيلت فيها، لذا جاءت الرواية مخالفة للأصول العامة تة بالاستقراء الكلي لمجموع النصوص الصحيحة الثابتة. (1/67)
صفحة 68
ففي رواية مكحول عند الطيالسي أنه قيل لعائشة أم المؤمنين إن أبا هريرة يقول قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثم الشؤم في ثلاث في الدار والمرأة والفرس)، فقالت عائشة: لم يحفظ أبو هريرة لأنه دخل ورسول الله صلى الله عليه سلم يقول: (قاتل الله اليهود يقولون: إن الشوم في ثلاث في الدار والمرأة والفرس). فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله[9].
- ثانياً: الخشية من طمر الدلالات القرآنية بروايات هي في حقيقتها تعامل زمني معها، في حين أن دلالات القرآن الكريم على تلك القضايا دلالات منطلقة عبر الزمان والمكان، وهو ما يعبر عنه عبد الجواد ياسين بخاصية (الاكتناز) أي وجود اكتناز هائل للنص القرآني يستثار عند احتكاك النص القرآني بالواقع، ولذلك كانت نصائح الفاروق عمر إلى البعوث التي يرسلها إلى الأمصار بأن يقلوا من الرواية ولا يشغلوا الناس عن القرآن، اعتماداً على ما استقر عليه العمل من السنن المعروفة بدلاً من إحداث مرويات مجتزأة عن سياقاتها وملابساتها.
روى ابن ماجه (28) والحاكم في المستدرك (347) والدارمي في السنن (280)عن قرظة بن كعب (بعث عمر بن الخطاب رهطاً من الأنصار إلى الكوفة، فبعثني معهم فجعل يمشي معنا حتى أتى صرار- وصرار ماء في طريق المدينة- فجعل ينفض الغبار عن رجليه ثمون الكوفة فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن فيأتونكم، فيقولون قدم أصحاب محمد قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فاعلموا أن أسبغ الوضوء ثلاث وثنتان تجزيان، ثم قال: إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوماً لهم أزيز بالقاب محمد قدم أصحاب محمد ، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ش
قال قرظة : وإني كنت لأجلس في القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، و إني لمن أحفظهم له، فإذا ذكرت وصية (1/68)
صفحة 69
ويرى عبد الجواد ياسين أن (علم الحديث التقليدي كان يواجه بالفعل معضلة عسيرة، تتمثل في هذا الكم الهائل من الروايات الواجب فحصها، وهذا العدد الغفير من الرواة الواجب وزنهم بالجرح والتعديل، ولكن هذه المعضلة بغير شك، كانت تحكمية إلى حد كبير، بمعني أنه كان بالواسع تلافيها من حيث الابتداء. لقد صنع أهل الحديث المشكلة بأيديهم، ثم راحوا يجهدون أنفسهم في وضع الحلول لها. وذلك أن عملية جمع الحديث وتدوينه لم تكتف بالمتواتر المستفيض أو المشهور الشائع كما كان ينبغي، بل راحت تفتش في ضرب عجيب من المبالغة والنهم، وبقدر واضح من التصنع والافتعال عن كل خبر تشتم فيه رائحة النسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام سيل جارف من الروايات والأخبار، كان بعضها صحيحاً بغير شك، ولكنها صنعت بغير شك كذلك هذه المشكلة التي اخترع لحلها علم الحديث)[10].
تطبيق عملي
بعد أن ذكرنا عدداً من القواعد الحديثية عند عموم فقهاء المدرسة الجابرية، سوف نقدم أمثلة عملية، نحاول فيها تطبيق بعض القواعد التي قمنا باستخراجها من النصوص المأثورة عنهم.
المثال الأول: روى الربيع: (510): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي مسعود قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فسكت حتى نسينا أنه سأله فقال: (قولوا اللهم صلي على نبينا محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم).
قال الربيع: قال أبو عبيدة: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته هكذا علمناه".
وهذا الحديث رواه أيضاً: البخاري (4519)، ومسلم (405)، والنسائي في السنن الكبرى (1208)، والترمذي (483)، وأبو داود (976) وغيرهم. (1/69)
صفحة 70
هذه الرواية كثيراً ما يتداولها شراح الأحاديث في باب صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويرون فيها الصيغة المفضلة أو الصحيحة –كما هو تعبير بعضهم- للصلاة على النبي عليه السلام، وللتعامل مع هذه المسألة دعونا نستحضر بعضاً من القواعد التي استخرجناها من تراث المدرسة الجابرية:
قاعدة 1: (لا بد من تمييز الأحاديث والروايات التي جرى عليها العمل من غيرها، فـ"الصحيح منها ما أيده العمل أو وقع عليه الإجماع لذلك"[11]، فالظهور المتأخر للروايات وعدم قيام عمل عليها مؤذن بضرورة الفحص والتمحيص الدقيق والعرض على الأصول، "فلذلك تجب الأسانيد والبحث عن صحتها وثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب"[12]، إذ قد تكون من جملة ما نسخ فترك، أو هي من جملة الدس المتأخر الذي يراد به التشويش على الأصول الثابتة، أو هي من جملة التسريبات من الثقافات الأخرى، أو هي نتاج أي عارض من العوارض الإنسانية الأخرى كالخطأ والوهم والنسيان والرواية بالمعنى)، وقد ناقشنا هذه القادعدة وضربنا عليها الأمثلة في الحلقة الماضية فلتراجع من هناك، والآن دعونا نعطي تصوراً لهذه المسألة بناء على ما قلناه:
هذه الصيغة الواردة في الحديث (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) لم يجر عليها عمل، والصيغ المتداولة عملياً للصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام الواردة إذا ذكر هي "عليه السلام" و "صلى الله عليه وسلم" أو "عليه الصلاة والسلام" كما هو صنيع علماء المدرسة الجابرية في مسند الربيع ومدونة أبي غانم وآثار الربيع والديوان المعروض وكافة تآليفهم الأخرى، وهو الذي درج عليه المسلمون منذ عهود الصحابة والتابعين متى ما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، والتآليف الحديثية والفقهية التي دونت كلامهم تشهد بهذا. (1/70)
صفحة 71
وكذلك الحال بالنسبة لذكر النبي صلى الله عليه وسلم في تشهد الصلاة، فإن علماء المدرسة الجابرية الذين تولوا عملية التدوين الروائي في المذهب لم يطالبوا أحداً بذلك؛ أخذاً بما دلت عليه السنة العملية في عدم مطالبة الناس بذلك في صلاتهم، إذ أن الصلاة عبارة عن أفعال وأقوال توقيفية لا مجال للزيادة عليها، قال أبو غانم في المدونة: (التشهد أن تقول حين تجلس بعد كل ركعتين: "التحيات لله والصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله".
ثم تدعو بعد كمال الرابعة وبعد هذا التشهد بما بدا لك وبما يصلح لك أن تدعو به.
قال أبو المؤرج: قال أبو عبيدة: فهذا تشهد عبد الله بن مسعود)[13].
وهذه الكلمات كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على تبليغها وتعليمها للناس (قال الربيع وأبو المؤرج: بلغنا عن عبد الله بن مسعود أنه كان يعلم أصحابه هذه الكلمات من التشهد كما كان يعلمهم السورة من القرآن، وكان ابن مسعود يقول: "علمنيهن النبي عليه الصلاة والسلام")[14].
قاعدة 2: (صحة السند والمتن لا تعني بالضرورة حيزاً واسعاً في البناء التشريعي:
فإن الرواية قد تصح سنداً ومتناً لكن قد تلزم حيزاً تشريعياً محدوداً تفرضه الأصول الكلية والقواعد التشريعية الثاوية في نصوص الكتاب والسنة، وبعبارة أخرى فإن صحة الرواية غير فقه الرواية).
والسؤال الآن: ما هي الأصول التشريعية التي نبني عليها فهمنا للصلاة على (آل محمد)؟ وهل هو شعار على المسلم أن يلتزم به كي يكون مطبقاً للسنة بحذافيرها؟.
نبدأ بالإجابة على هذا التساؤل بالطريقة المتبعة عند الفقهاء بالتعريف اللغوي للمصطلحات: (1/71)
صفحة 72
- فالصلاة: هي مطلق الدعاء وهي (من الله رحمة، ومن الخلق كلهم دعاء؛ لأن الاستغفار من الملائكة دعاء أيضاً كما صرح به الإمام أبو سعيد رضي الله عنه في معتبره)[15].
- والآل: هم آل الرجل أي أهله أوعياله وآله أيضاً أتباعه[16].
وقد أخبرنا الله تعالى أنه وملائكته يصلون على النبي (إن الله وملائكته يصلون على النبي) وأمرنا بالاقتداء (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً).
فصلاة الله على عباده هي إسباغه لرحمته عليهم ولطفه بهم، وهم ممن وفوا بالقول والعمل، قال تعالى (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون)، وقال تعالى: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيماً).
لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: (اللهم صل على آل فلان)، فلما أتاه ابن أبي أوفى بصدقته قال: (اللهم صل على آل أبي أوفى)[17].
وكذا الحال في الصلاة على (آل محمد) وهم الموفون بالقول والعمل من أزواجه أو ذريته أو أتباعه على اختلاف الآراء في ذلك.
فالصلاة على آل أبي أوفى أو غيرهم مثلها مثل الصلاة على (آل محمد)، فالصلاة على عموم المؤمنين الموفين بالقول والعمل، فليست هناك ميزة خاصة (لآل محمد) على عموم المؤمنين تجعلهم يقترنون بالنبي صلى الله عليه وسلم في طبيعة تعبر عن وراثة النبوة، وقد نبه القرآن الكريم على هذه القضية بالذات، قال تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين). (1/72)
صفحة 73
فالحديث الوارد هو عبارة عن واقعة حال تعبر عن الصلاة عن عموم المؤمنين الموفين، وكما رأينا فإن الصلاة على آل محمد مثلها مثل لما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: (اللهم صل على آل فلان)، فلما أتاه ابن أبي أوفى بصدقته قال: (اللهم صل على آل أبي أوفى).
ومفهوم (الآل) قدم في التراث الروائي لدى مدرستي أهل الحديث وآل البيت متشبعاً بصراعات التاريخ بكل ايحاءاته وانفعالاته، وصور على أنه مفهوم ديني مقدس يقترن بوراثة النبوة، ونحن عندما نسبر النصوص الثابتة المستقرة من الكتاب والسنة نجد أننا غير مطالبين بأن ندخل في دائرة الإيمان أناساً بأعيانهم عاشوا في كنف النبي صلى الله عليه وسلم، فالإيمان مرتبط في هذ الموضع بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد نفي القرآن الكريم أية صلة بينه وبين أحد غيره في وراثة النبوة ومتعلقاتها (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين)، فما يسمونه بالصلاة البتراء -وهي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فقط دون اتباعها بالصلاة على الآل- هو في حقيقته اتهام صريح للقرآن الكريم بالبتر والتقصير الذي طالبنا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً)، فالقرآن الكريم اقتصرت مطالبته لنا بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم دون ذكر الآل أو غيرهم.
وفي رأينا أن أي طرح فقهي يعلي من شأن هذا المفهوم فوق ما ذكرنا هو طرح لم يستطع أن يستوعب كليات الدين وقواعده، ويصب في الوقت ذاته في خانة المنظومات الفكرية التي تعلي من شأن هذا المفهوم التاريخي.
المثال الثاني: (1/73)
صفحة 74
روى الربيع (384): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الشرب قائماً، ويروى أنه شرب من زمزم قائماً. قال ابن عباس: المرجع فيه إلى كتاب الله وهو قوله (كلوا واشربوا) فهذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال إلا في موضع خصه النهي من النبي صلى الله عليه وسلم.
والحديث أيضاً رواه مسلم (2024) (2027).
وروى مسلم (2026) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يشربن أحد منكم قائماً فمن نسي فليستقئ).
كيف نتعامل مع هذه الروايات، هل هي ثابتة وصحيحة؟ وهل نجعل هذا النهي محكاً يقاس به دين الإنسان واستقامته؟ وما هي مكانة هذه الروايات في بناء صرح الإيمان في آداب الأكل والشرب؟.
دعونا نطبق بعض القواعد التي استخرجناها:
قاعدة 1: (صحة السند والمتن لا تعني بالضرورة حيزاً واسعاً في البناء التشريعي:
فإن الرواية قد تصح سنداً ومتناً لكن قد تلزم حيزاً تشريعياً محدوداً تفرضه الأصول الكلية والقواعد التشريعية الثاوية في نصوص الكتاب والسنة، وبعبارة أخرى فإن صحة الرواية غير فقه الرواية).
قاعدة 2: (لا بد من حياطة الرواية وفهمها في ضوء القواعد الكلية والأصول التشريعية لاكتشاف أي خلل فيها "=العلة" وتحديد موقعها في البناء التشريعي).
في هذا الحديث يرى ابن عباس أن (المرجع فيه إلى كتاب الله، وهو قوله (كلوا واشربوا) فهذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال إلا في موضع خصه النهي من النبي صلى الله عليه وسلم) وهو رأي علي بن أبي طالب[18] .
والظاهر أن عبد الله بن عباس وعلي بن أبي طالب عولا على مجموعة من المقدمات النصية من الكتاب والسنة شكلت القواعد الكلية والأصول التشريعية في هذا الباب، من ذلك:
1. قول الله تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) فلا بد من شكر النعم بشكر المنعم سبحانه وتعالى ومن ذلك الدعاء والتسمية. (1/74)
صفحة 75
2. قول الله تعالى: (كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَات) )يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث)، أكل الحلال الطيب المباح والبعد عن الحرام والخبيث.
3. قول الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، النهي عن الإسراف والتبذير.
هذه هي الخطوط العريضة أو القواعد العامة التي تحكم آداب الأكل والشرب، فأين يمكن أن نضع مثل هذه الروايات في البنية الكلية لهذه القواعد؟.
الذي يظهر من هذا الاستقراء لنصوص الشريعة أن هذه الروايات ترجع إلى الأمور التحسينية؛ أي الهيئة الأفضل والأحسن، الهئية التي قد تكون هي غالب وضعية الإنسان، فالإنسان يتناول الطعام والشراب غالباً أثناء جلوسه سواء كان على طاولة أو على كرسي أو على الأرض، فهي الهيئة التي تسترخي وتستريح فيها أعضاء الإنسان، فلا تتعلق المسألة بشئ من أمور الدين التي يمكن أن يخالفها الإنسان، ولذلك قال فقهاء الصحابة أمثال ابن عباس وعلي بن أبي طالب أنه يشرب واقفا أو جالساً أو متكئاً، واعتمدوا على الإطلاق في قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) ، بل إن ابن عباس يرى أن النهي جاء مخصوصاً في حادثة معينة لأجل اعتبارات ظرفية (فهذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال إلا في موضع خصه النهي من النبي صلى الله عليه وسلم) فنقلها الرواة على أنه نهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن ذات الشرب واقفاً، ونفس الكلام عن علي بن أبي طالب أنه (قام فشرب فضله وهو قائم ثم قال: إن ناساً يكرهون الشرب قياماً، وإن النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت). وذهب بعض من أهل العلم إلى أن الشرب واقفاً من المكروهات فحسب، والمكروه يمكن أن يرتفع لأدنى ضرورة، والشرب واقفا ليس أمراً تتعلق به استقامة الإنسان أو تدينه، إنما هو من الأمور التحسينية التكميلية.
قاعدة 3: (لا بد للرواية من أصل من الكتاب أو السنة)[19]. (1/75)
صفحة 76
قاعدة 4: (لا بد من تمييز الأحاديث والروايات التي جرى عليها العمل من غيرها، فـ"الصحيح منها ما أيده العمل أو وقع عليه الإجماع لذلك"[20]، فالظهور المتأخر للروايات وعدم قيام عمل عليها مؤذن بضرورة الفحص والتمحيص الدقيق والعرض على الأصول، "فلذلك تجب الأسانيد والبحث عن صحتها وثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب"[21]).
يبقى الشق الأخير من الرواية (ومن نسي فليستقي) عند مسلم، فهذه لا يمكن أن تقبل، إذ ليس لها أصل تشريعي تستند إليه[22]، والنبي صلى الله عليه وسلم شرب من ماء زمزم قائماً وما تقيأ، وورد عن كثير من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أنهم شربوا قياماً وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة[23]، فالعمل لم يكن عليها، فلا تقبل لمخالفتها الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكونها لا تستند إلى أصل تشريعي.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه ص 366، مبارك بن عبد الله الراشدي.
[2] دراسات عن الإباضية ص 127، عمرو خليفة النامي. نقلاً عن مسائل أبو عبيدة ص 24.
[3] السلطة في الإسلام ص285، عبد الجواد ياسين.
[4] رواية الحديث عند الإباضية ص ، صالح بن أحمد البوسعيدي.
[5] كتاب الترتيب، مسند الربيع ص 328.
[6] حول هذه المسألة انظر كتاب "الطب النبوي الوقائي" محمود الحاج قاسم، ط دار النفائس.
[7] حول هذه المسألة انظر كتاب "الطب النبوي الوقائي" محمود الحاج قاسم.
[8] البخاري (5354)، السنن الكبرى للنسائي (7555)، ابن ماجه (3439).
[9] كتاب الجامع ج1 ص 547-548، عبد الله بن محمد بن بركة.
[10] السلطة في الإسلام ص237 ، عبد الجواد ياسين.
[11] كتاب الجامع ج1 ص 547، عبد الله بن محمد بن بركة.
[12] المرجع السابق ج1 ص 280،.
[13] المدونة الصغرى ج1 ص 31، بشر بن غانم الخراساني.
[ (1/76)
صفحة 77
14] المرجع السابق ج1 ص 32.
[15] مشارق أنوار العقول ص 34، عبد الله بن حميد السالمي.
[16] لسان العرب ج11 ص 39.
[17] البخاري (1426)، مسلم (1078).
[18] البخاري (5293).
[19] قال الشاطبي في الموافقات ج3 ص 15-25: (كل دليل شرعي إما أن يكون قطعياً أو ظنياً:
- فإن كان قطعياً فلا إشكال في اعتباره كأدلة وجوب الطهارة من الحدث والصلاة والزكاة والصيام والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجتماع الكلمة والعدل وأشباه ذلك....
- وأما الثاني وهو الظني الراجع إلى أصل قطعي، فإعماله أيضاً ظاهر، وعليه عامة أخبار الآحاد فإنها بيان للكتاب لقوله تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) ومثل ذلك ما جاء فى الأحاديث من صفة الطهارة الصغرى والكبرى والصلاة والحج وغير ذلك مما هو بيان لنص الكتاب وكذلك ما جاء من الأحاديث فى النهي عن جملة من البيوع والربا وغيره من حيث هي راجعة إلى قوله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا) وقوله تعالى (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) إلى سائر أنواع البيانات المنقولة بالآحاد أو التواتر، إلا أن دلالتها ظنية، ومنه أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام "لا ضرر ولا ضرار" فإنه داخل تحت أصل قطعي في هذا المعنى، فإن الضرر والضرار مبثوث منعه فى الشريعة كلها فى وقائع جزئيات وقواعد كليات كقوله تعالى (ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا) (ولا تضاروهن).....
- وأما الثالث وهو الظني المعارض لأصل قطعي ولا يشهد له أصل قطعي فمردود بلا إشكال.
- وأما الرابع وهو الظني الذي لا يشهد له أصل قطعي ولا يعارض أصلاً قطعياً فهو في محل النظر).
[20] كتاب الجامع ج1 ص 547، عبد الله بن محمد بن بركة
[21] المرجع السابق ج1 ص 280.
[22] نقل ابن حجر العسقلاني في ج10 ص 83 عن القاضي عياض قوله: (لا خلاف بين أهل العلم في أن من شرب قائماً ليس عليه أن يتقيأ).
[23] فتح البارئ ج10 ص84، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.
/////////// (1/77)