صفحة 1
الكتاب: القواعد والضوابط في فهم أحاديث الفتن وأشراط الساعة (دراسة عقدية مقارنة)
المؤلف: خالد بن محمد بن سالم العبدلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
جامعة آل البيت
كلية الدراسات الفقهية والقانونية
قسم أصول الدين
رسالة ماجستير بعنوان:
القواعد والضوابط في فهم أحاديث الفتن وأشراط الساعة
(دراسة عقدية مقارنة)
The rules And Criterions In Understanding The Hadiths Of Attractions And Signs Of Al-Sa'ah
(A Dogmatic Comparative Study)
إعداد الطالب:
خالد بن محمد بن سالم العبدلي
الرقم الجامعي:
0320105016
إشراف الدكتور:
شريف الخطيب
2007/2008
القواعد والضوابط في فهم أحاديث الفتن وأشراط الساعة
(دراسة عقدية مقارنة)
The rules And Criterions In Understanding The Hadiths Of Attractions And Signs Of Al-Sa'ah
(A Dogmatic Comparative Study)
إعداد الطالب:
خالد بن محمد بن سالم العبدلي
الرقم الجامعي:
0320105016
إشراف الدكتور:
شريف الخطيب
2007/2008
أعضاء اللجنة المناقشة التوقيع
1- الدكتور/ شريف الخطيب (رئيسًا ومشرفًا) ..............
2- الدكتور/محمد الخطيب ( عضواً ) ..............
3- الدكتور/ يوسف الزيوت ( عضواً ) ..............
4- الدكتور/محمد سعيد حوى ( عضواً ) ..............
قدمت هذه الرسالة استكمالاً لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في أصول الدين في كلية الدراسات الفقيهة والقانونية في جامعة آل البيت.
إهداء
إلى من أمرت بخفض جناح الذل لهما، والدي الكريمين اللذين أتحفاني بصالح الدعاء، والتربية، وحسن الرعاية والعناية.
إلى زوجي العزيزة التي جاهدت واجتهدت، وسعت واحتملت عناء السفر معي.
إلى عشاق المعرفة، والباحثين عن الحقيقة، والآملين بلوغ الحق، والراجين تجارة لن تبور.
أهدي هذا العمل.
شكر وتقدير
الحمد لله أولاً وأخيراً، فله الثناء والشكر مهما حمده الحامدون، وشكره الشاكرون، فهو صاحب الإنعام والامتنان فقد قال : "ولئن شكرتم لأزيدنكم" (1/1)
صفحة 2
ومن شُكْرِ الله عز وجل شُكْرُ أهل الفضل وذويه، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله تبارك وتعالى، فمن هذا المنطلق أزف خالص الدعاء والثناء، وأقدم عبق الاحترام والإجلال وعظيم الشكر والامتنان، لشيخي الحليم والداعية الغيور في ذات الله الدكتور الفاضل شريف الخطيب الذي أمدني بتوجيهاته السديدة، ونظرته الحكيمة، والذي رأيت منه خالص النصح، وصادق الإرشاد، وفقه الله العلي القدير.
كما أقدم الشكر وافره إلى جناب الأساتذة المناقشين الذين تكرموا علي بقبول مناقشة هذه الرسالة، وإبدائهم للملاحظات والإرشادات التي ستثري هذه الرسالة.
ثم إني أتقدم بجميل العرفان، وصادق الامتنان إلى جامعة آل البيت التي أولتنا اهتماماً، وفتحت لنا أبواباً، فأشكر رئيسها المغوار الأستاذ الدكتور عبد السلام العبادي، وعميد كلية الدراسات الفقهية والقانونية، وأسأل الله أن يكلل جهودهم بالنجاح ويبارك في أعمالهم.
والشكر موصول إلى كل من أعانني في هذا البحث من طباعة وتوجيه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم .
قائمة المحتويات
المحتويات ... ... ... ... ... ... ... ... ... الصفحة
الإهداء.......................................................................... أ
الشكر والتقدير.................................................................. ب
قائمة المحتويات................................................................ ج
الملخص باللغة العربية......................................................... هـ
تحليل المصادر والمراجع....................................................... و
المقدمة......................................................................... 1
الفصل التمهيدي: التعريف بمصطلحات البحث والعلاقة بينها.................. 10
المبحث الأول:التعريف بمصطلحات البحث.................................... 10 (1/2)
صفحة 3
... المطلب الأول: المقصود بالقواعد...................................... 11
... المطلب الثاني: المقصود بالضوابط................................... 16
... المطلب الثالث: المقصود بالفتن....................................... 18
... المطلب الرابع: المقصود بأشراط الساعة............................. 25
المبحث الثاني:علاقة الفتن بأشراط الساعة ومرادفاتهما....................... 50
الفصل الأول: قواعد فهم أحاديث الفتن وأشراط الساعة....................... 54
المبحث الأول: القواعد التي لا ينبغي الاختلاف عليها....................... 55
... القاعدة الأولى: الإيمان المطلق للنصوص الغيبية.................... 56
... القاعدة الثانية: النصوص الغيبية معجزات............................. 61
... القاعدة الثالثة: لا تناقض في النصوص الغيبية...................... 64
... القاعدة الرابعة: لا تساهل في أحاديث الفتن وأشراط الساعة......... 66
... القاعدة الخامسة: البعد عن الإسقاط في التحليل..................... 70
... القاعدة السادسة: التبشير لا التنفير والتفاؤل لا اليأس............... 79
... القاعدة السابعة: التحذير لا الاستسلام.............................. 87
... القاعدة الثامنة: الأخذ بالأسباب من صميم الدين.................... 91
... القاعدة التاسعة: لا يعلم وقت قيام الساعة إلا الله................. 95
المبحث الثاني: القواعد المختلف فيها بين الفرق الإسلامية.................. 99
... القاعدة الأولى: حجية الخبر........................................ 100
... القاعدة الثانية: الاعتقاد بما جاء في أحاديث الفتن وأشراط الساعة.. 104
... القاعدة الثالثة: التأويل............................................. 107
الفصل الثاني: ضوابط التعامل مع أحاديث الفتن وأشراط الساعة........ 110
المبحث الأول : الضوابط التي لا ينبغي الاختلاف عليها................... 111 (1/3)
صفحة 4
... الضابط الأول: الإشكال والتعارض يعرض على القواعد الكليّة....... 112
... الضابط الثاني: عدم تعطيل السنن الإلهية............................ 114
المبحث الثاني: الضوابط المختلف فيها بين الفرق الإسلامية................. 116
... الضابط الأول: معرفة العلامات لا يعني تحديد وقت الساعة.......... 117
... الضابط الثاني: ما ادعي فيه التواتر لايكون ملزما للأمة............ 119
الخاتمة................................................................... 121
التوصيات..................................................................... 123
فهرس الآيات القرآنية....................................................... 125
فهرس الأحاديث النبوية..................................................... 128
فهرس الأعلام المترجم لهم.................................................. 132
قائمةالمصادروالمراجع........................................................... 136
الملخص باللغة الإنجليزية...................................................... 149
ملخص الرسالة باللغة العربية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فقد جاءت هذه الرسالة لمناقشة القواعد والضوابط في فهم أحاديث الفتن وأشراط الساعة، وقد حاول الباحث جاهداً أن يبين معالم وقواعد يهتدي بها الباحث والقارئ لهذه الأحاديث حتى لا يتخبط، ويتعسف في استخدامها والتعامل معها.
وقد احتوت الرسالة على مقدمة وفصل تمهيدي وفصلين وتوصيات وخاتمة:
- فأما المقدمة بيّن فيها الباحث أهمية الدراسة ومشكلتها وأهدافها، مع ذكر الدراسات السابقة وما تميزت به عن سابقاتها، وبعد ذلك كشف الباحث عن المنهجية التي سار عليها، وذكر مدخلاً بيّن فيه حال الأمة وواقعها وتعاملها مع هذه الأحاديث. (1/4)
صفحة 5
- وأما الفصل التمهيدي أوضح الباحث فيه معاني المصطلحات، والتعريف بمفرادات الرسالة، وذكر العلاقة بينها.
...
- وأما الفصل الأولى ففيه مبحثان:
المبحث الأول: بيّن الباحث فيه القواعد العامة المتفق عليها بين الفرق الإسلامية من غير نزاع، ويسلم لها الجميع في فهم هذه الأحاديث.
والمبحث الثاني: القواعد المختلف فيها التي سارت عليها هذه الفرق في التعامل وفهم هذه الأحاديث.
- وأما الفصل الثاني ذكر الباحث فيه مبحثين كذلك:
... المبحث الأول: الضوابط المتفق عليها وهي التي من باب واحد.
... والمبحث الثاني: الضوابط المختلف فيها.
وفي منتهى الدراسة ذكر الباحث خاتمة تضمنت أبرز وأهم نتائج هذه الدراسة ثم توصيات يقترحها.
والحمد لله رب العالمين
تحليل المصادر والمراجع
تحوي المكتبة الإسلامية كماً وافراً من المؤلفات في موضوع الفتن والملاحم وأشراط الساعة حاولت أن أستقي كثيراً من المعلومات من خلال هذه الكتب :
1-النهاية في الفتن والملاحم للعلامة الحافظ ابن كثير الدمشقي (ت 774 هـ)، وهو موسوعة في موضوع الفتن والأشراط، فيه فوائد جمّة، ومعلومات مهمّة، يقف عند بعض الأحاديث بالتوضيح والتبيين، وبعضها بالتضعيف والتصحيح والتحسين، وتعرض لمعظم الأشراط بالتفصيل.
2-السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها للإمام العلامة أبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت 444 هـ)، وامتاز الكتاب بإسناده المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما رواه من الأحاديث او الصحابة والسلف من الموقوفات والمقطوعات والآثار.
3-القناعة فيما يستحسن الإحاطة به من أشراط الساعة للحافظ أبي الخير محمد بن عبدالرحمن السخاوي (ت 902هـ)، وهو متوسط الحجم ذكر فيه فوائد في جمع بعض الأحاديث المشكلة مع إيضاحات مليحة، ونقولات مفيدة. (1/5)
صفحة 6
4-الإشاعة لأشراط الساعة للشيخ السيد محمد بن رسول بن عبدالسيد الحسيني البرزنجي (ت1103 هـ)، وقد قسّم كتابه إلى ثلاثة أبواب: الباب الأول الأمارات البعيدة والباب الثاني: الأمارات المتوسطة والباب الثالث: الأمارات القريبة، وقد ضم كتابه الصحيح والضعيف والموضوع.
5-الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة للسيد العالم محمد صديق حسن خان القنوجي الهندي (ت 1307هـ)، وهو قد جمع في كتابه من كلام من سبقه كثيراً من الفوائد والنكات الحسنة، وهو متوسط الحجم، وجاء على طريقة كتاب الإشاعة.
6-إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، للشيخ العلامة حمود بن عبدالله التويجري (ت 1413هـ)، وهو موسوعة ضخمة في ثلاث مجلدات ذكر في الجزء الأول كتابي الفتن والملاحم، وأما الجزء الثاني والثالث ضمنهما كتاب أشراط الساعة، وحاول جهده أن يرد على أبي عبية في كل مسألة يخالفه فيها، وقد أودع كتابه مسائل جيدة، ومعلومات مفيدة.
7-صحيح أشراط الساعة ووصف ليوم البعث وأهوال يوم القيامة بقلم الأستاذ الشيخ مصطفى أبو النصر الشلبي، وهو كتاب حسن ضمنه الأحاديث الصحيحة في غالبه مع وصف رائق، وتحليل متميّز، وترتيب حسن من غير خوض في تفاصيل الروايات، وقد يستعين بكلام أهل العلم في بعض المواضع.
8-الصحيح المسند من أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة للشيخ أبي عبدالله مصطفى بن العدوي قام بجمع مادته وانتقائه على غرار كتب العلامة مقبل بن هادي الوادعي، وهو جيد في فنه، ابتدأه بإيراد الفتن ثم الملاحم، وختمه بذكر الأشراط الكبرى مع ذكر بعض المسائل التي قد يكون فيها لبس وإستشكالات. (1/6)
صفحة 7
9-أشراط الساعة الكبرى في ضوء القرآن الكريم للدكتور فهد بن عبدالعزيز الفاضل، وهو متوسط الحجم أيد كلامه بنصوص أهل العلم مورداً الأدلة القرآنية لكل شرط من الأشراط الكبرى، مكتفياً بالدجال ونزول عيسى -عليه السلام-، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، والدخان، والنار التي تسوق الناس إلى أرض المحشر.
10-أشراط الساعة في مسند الإمام أحمد وزوائد الصحيحين تأليف خالد بن ناصر الغامدي وهو رسالة ماجستير، من جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، وقد جاء في مجلدين ضخمين يبلغ 770 صفحة، وقد جاء في تمهيد وبابين وهو يذكر الأحاديث ثم يذكر المسائل المستفادة منها، وعقيدة أهل السنّة والجماعة تجاه هذه الأحاديث في بعض الأحيان.
11-أشراط الساعة للدكتور يوسف بن عبدالله بن يوسف الوابل، والكتاب في أصله رسالة علمية لنيل درجة الماجستير من جامعة أم القرى سنة 1404هـ، مهّد فيه بذكر مباحث عن أهمية الإيمان باليوم الآخر ثم حجيّة خبر الآحاد في العقائد، وقسّم كتابه على بابين الأول منهما في ذكر الأشراط بتعريفها وأقسامها، ثم تطرق للأشراط الصغرى، والباب الثاني أفرده للأشراط الكبرى، والكتاب فيه منافع مع إطنابه في تحليل بعض الأشراط.
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (1) ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? (2) ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (3) أما بعد :
__________
(1) 1 آل عمران، الآية 102.
(2) 2 النساء، الآية 1.
(3) 3 الأحزاب، الآية 70-71. (1/7)
صفحة 8
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن الله عزوجل بعث محمداً -صلى الله عليه وآله وسلم بين يدي الساعة فنصح وبشر، وحذر وأنذر، فكان هادياً أمته إلى سبيل الرشاد، ومنقذاً لها من طريق الشر والغواية والفساد، وما من نبي إلا وحذر أمته الساعة، وقد اختص الله عزوجل محمداً أن جعله خاتم النبيين والمرسلين فأوضح السبيل، وأنار الطريق، وبيّن أنه بعث والساعة قريب، فأرشد أمته ليأخذوا حذرهم، وليتأهبوا لمقدمها بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، والاستعداد والإعداد والتزود بالطاعات.
ومن المعلوم أن الساعة جزء من اليوم الآخر الذي هو ركن من أركان الإيمان، والذي يجب الاعتقاد به، وسوف يترتب به الثواب السرمدي، والعقاب الأبدي، والإنسان بطبيعته جبل على النسيان، وحب متاع الدنيا، فكان ذلك مدعاةً لعزوفه عن الآخرة، والتفكير فيها ؛ لذا جعل الله عزوجل مذكرات ومنبهات توقظه من غفوته، وتنبهه من غفلته، ومن بين ذلك أشراط الساعة وعلاماتها التي تهيئ النفوس للاستعداد، وشحذ هممها للمثابرة بفعل الصالحات من الأعمال، وقد كان هذا الباب له نصيب وافر من سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - شفقة ورحمة بهذه الأمة.
هذه الأحاديث وهذه الروايات كانت نبراساً يهتدى به في ظلمات الفتن ففيها المخرج، ولا زالت وقوداً لأهل الإيمان عندما يرون صدق ما وعدهم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد حظيت هذه الأحاديث اهتماماً من عوام المسلمين فضلاً عن علمائهم يتداولونها ويتدارسونها ويتذاكرونها أسوة بصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أما أهل العلم فكان لهم شأن آخر ما بين مقيد لها، وذاكر لشواردها، أو جامع لمتونها ناقد لسندها، أو شارح لمعناها كاشف عن مبهمها، أو مستدلٍ بها محتج بظاهرها، أو مؤول لها مبيّن لغامضها . (1/8)
صفحة 9
وقد ظهرت في الآونة الأخيرة محاولات بارزة، واجتهادات ظاهرة للتوسط والاعتدال في التوفيق والبيان، أو مجازفات شاهرة حادت عن بر الأمان، فعقدت الهمة لوضع هذه الدراسة.
"مبررات اختيار الموضوع:
تأتي أهمية هذه الدراسة في وقت كثرت فيه الأقاويل، وتباينت فيه الآراء بشأن المغيبات التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديث أشراط الساعة والفتن والملاحم، وظهر طوفان من المؤلفات والكتب بهذا الصدد، وتلاحقت البحوث والرسائل في جمع مادتها، مع غياب معايير لازمة وقواعد حتمية لا بد أن تكون نصب الأعين، ومصاحبة للأفكار مبتعدة عن التشويش، رافضة للتنقيص، بعيدة عن اللمز، وتقصّد الزلات، ومجانبة إثارة الفتن، فيكفي ما في الأمة من آلام ومصايب؛
لذا اخترت هذا الموضوع لـ:
أ- يكون أنموذجاً للحديث عن قواعد وضوابط ينطلق بها الباحث في حديثه عنها، وإرساء قواعد كلية منهجية مهمة لبحث هذه الأحاديث.
ب- الحاجة لمثل هذا الموضوع في عصرنا المليء بالفتن والمحن لفهم سليم لهذه الأحاديث، وتصور صحيح لموضوعاتها، وتعامل أمثل لتنزيلها على واقعنا، وضبط محكم للتعامل معها.
ج- غفلة أو تغافل كثير من الباحثين عن مثل هذه القواعد التي قد تؤدي إلى إنزلاق خطير، وشر مستطير.
" صعوبة البحث
تكمن صعوبة البحث ومتاعبه في النقولات والنصوص التي تحال إلى طائفة أو أشخاص، وهم لم يقولوها ولم يقولوا بها أصلاً بل توجد من نصوصهم ما يدل على خلاف ما نقل عنهم.
وكذلك في استخراج هذه القواعد والضوابط، أو اصطيادها بل انتزاعها من كلام أهل العلم في بعض الأحيان.
" الدراسات السابقة: (1/9)
صفحة 10
لقد أولى كثير من العلماء اهتماماً بموضوع الفتن وأشراط الساعة، والمكتبة الإسلامية تزخر بموروث ضخم في هذا المجال ما بين قديم وحديث معاصر أكثر من ثلاثمائة عنوان، أما القديم فهي لا تعدو من تجميع وتقييد لها بأسانيدها أو عارية عن الأسانيد، أو شرح للأحاديث من كتب الصحاح والسنن. أما المعاصرة:
فهناك محاولات جادة، ومبادرات طيبة للكتابة فيما يخص موضوع القواعد والضوابط للتعامل مع أحاديث الفتن وأشراط الساعة منها:
أ- الموسوعة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة للدكتور محمد أحمد المبيّض، وهو كتاب ضخم نفيس ضم فيه معظم العلامات والأشراط مع تحليل رائق، وتنسيق متميز، وجعله في بابين مع باب تمهيدي وحاول الباحث أن يربط بين العلامات، ويرتبها حسب اجتهاده إلا أنه قد يناقض بعض النتائج في بعض المباحث، مع خلو الكتاب من القواعد والضوابط إلا قاعدة واحدة وهي قاعدة التبشير.
ب- فقه أشراط الساعة للدكتور محمد أحمد إسماعيل المقدم وهو كتاب حسن، وهو في ثلاثة أبواب والكتاب متوسط الحجم أتى بالمفيد غير أنه أغرق في مقدمات وردود كان في غنىً عنها، وذكر قاعدتين مهمتين وهما الأخذ بالأسباب ولا يعلم وقت قيام الساعة إلا الله ، وكتابه فيه مبادرة طيبة في إبراز مثل هذه القواعد، إلا أنه لم يستوفها، وقد اقتصر على نظرة معينة أو من مذهب معين.
ج- أحاديث الفتن والفقه المطلوب للدكتور مأمون فريز جرار، وهو كتيب صغير، ورسالة وجيزة عقد فيها فصلين الثاني منهما هو الذي يتعلق بعنوان الكتاب أما الأول فلا:
... الفصل الأول نظرات في أحاديث الفتن
... الفصل الثاني الفقه المطلوب لأحاديث الفتن والملاحم
وهذا واضح البيان فالفصل الثاني قلب العنوان فأتى بالمراد بالكتاب فيه، وقد وعد في كتابه أن هذه الرسالة طليعة وبداية بحث لفقه هذه الأحاديث، ولم يذكر شيئاً من قواعدها. (1/10)
صفحة 11
د- معالم ومنارات في تنزيل أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الوقائع والحوادث بقلم عبدالله بن صالح العجيري، والرسالة غاية في بابها، ومتميزة في تناولها للموضوع، وقد أجاد فيها الباحث إلا أنه اقتصر على قاعدة واحدة، وهي قاعدة البعد عن الإسقاط، وينقصها التثبت من النقول من مصادر الغير، فقد أتى الباحث من نقله عن مخالفيه من غير مصادرهم، مع عدم المقارنة بالمذاهب الأخرى.
- ولم أجد حسب اطلاعي، وفي حدود ما وصل إليه علمي أن هناك من كتب في القواعد والضوابط للتعامل مع أحاديث الفتن وأشراط الساعة عموماً، بحيث ينطلق أي باحث في بحثها من خلالها، ولم أجد من لمّ شملها في بحث مستقل، ولما رأى الباحث كل هذا، وتميزت الرسالة بتخصيص الحديث عن القواعد والضوابط التي يتعامل بها مع أحاديث الفتن وأشراط الساعة بين الأمة الإسلامية.
"إشكالية الرسالة:
بغية هذه الرسالة التوصل إلى الإجابة عن الأسئلة التالية:
1- ما المقصود بالقواعد والضوابط والفتن والأشراط والعلاقة بينهما.
2- ما هي القواعد المتفق عليها، والمختلف فيها بين الفرق الإسلامية.
3- ما هي الضوابط المتفق عليها، والمختلف فيها بين الفرق الإسلامية.
وفي حدود هذه الإشكالية سوف يتركز موضوع هذه الرسالة.
"منهجية الرسالة:
أ- تعتمد هذه الدراسة على المنهج الاستقرائي المقارن من حيث:
- النظر في الأسس والقواعد التي تعامل بها المتقدمون مع هذه الأحاديث، وذكر اجتهاداتهم المحضة.
- التتبع لكلام أهل العلم في شرحهم للأحاديث والأخبار والروايات، والآثار الواردة في موضوع الفتن وأشراط الساعة.
- دراسة هذه الأحاديث عقدياً، ومنزلتها عند علماء أهل الكلام والعقيدة من غير دراسة لأسانيدها أو ثبوتها وعدمها، والاقتصار على المشهور منها. (1/11)
صفحة 12
ب- وتعتمد الدراسة كذلك على المنهج الاستنباطي غالباً بتقصي كلام أهل العلم في حديثهم عن أشراط الساعة من خلال كتب التفسير والعقيدة والحديث، واستخراج القواعد والضوابط.
وقد راعيت في بحثي الأمور التالية:
1- إذا كان الحديث في الصحيحين اكتفيت بالعزو إليهما، وإلا سردت بعض من خرّجه.
2- إن كان الحديث في غير الصحيحين أو أحدهما ذكرت قول أهل العلم فيه مكتفياً بما قالوا من غير تتبع للإسناد والمتن.
3- حرصت على أن أنقل النصوص من مصادرها الأصلية مباشرة، وإلا بينت لا سيما فيما ينسب إلى طائفة بعد التتبع والتقصي ثم أردف ببعض ما قالوه.
4- حاولت جاهداً البحث عن قول كل مذهب من مصادرهم إلا أني أجد بعض التناقضات في بعض المذاهب، فتارة أبيّن ذلك بالإشارة، وتارة أكتفي بمصدر واحد ناسباً إليهم القول مع حرصي بالتأكد.
5- ذكرت في القواعد المتفق عليها ما يسعف القاعدة من دليل من القرآن العظيم والسنة النبوية على صاحبها -أفضل الصلاة وأتم التسليم- ثم أذكر بيان معناها، وقد اكتفيت بذكرها غير مسندة لأنه لا يتصور فيها من يخالف ذلك بخلاف باقي المباحث.
6- قد لا أجد نصاً بعد التتبع والقراءة من مصادر متعددة ما يشير إلى القاعدة، لا سيما في مذهب معين ؛ لذا لم أستطع نسبتها إليه لئلا يقال تقوّل علينا، وأن لازم المذهب ليس بمذهب كما عند البعض.
7- إذا نسبت قولاً إلى عالم أو إلى طائفة فلا يعني أبداً أن كل أفراد ذلكم المذهب يعتقدونه، بل هو المشهور عنهم.
8- ترجمت للأعلام غير المشاهير، ولا بد أن يوضع في الحسبان أن الشهرة مسألة نسبية فقد يكون مشهوراً عند قوم غريباً عند آخرين، وعليه فلم أترجم للصحابة والتابعين مكتفياً بعلو قدرهم، ورفعة منزلتهم.
9- اكتفيت بالأحاديث التي لها صلة بالموضوع من غير تتبع لها مع محاولة ربطها، وذكر علاقتها بالموضوع. (1/12)
صفحة 13
10- قد أنقل النص مع الإشارة إليه في الهامش، ولا أذكر قائله في صلب الرسالة، حتى لا أثقل الرسالة بكثرة الهوامش للترجمة لهم.
"خطة الرسالة:
اقتضت طبيعة الدراسة أن أجعلها في مقدمة ومدخل وفصل تمهيدي وفصلين أساسيين مع خاتمة:
المقدمة: ذكرت فيها مسوغات ومبررات اختياري للموضوع، والصعوبات التي واجهتني، ثم ذكرت الدراسات التي تقدمت هذه الدراسة مع شرح موجز عنها، ثم بيّنت إشكالية الدراسة مع حدود هذه الإشكالية ثم أوضحت عن المنهجية المتبعة في كتابة هذه الدراسة.
المدخل: ذكرت فيه حال الأمة المؤلم، وما آلت إليه من مرارة وما تتجرعه من غصص وويلات، ثم بينت كيفية تعامل الناس مع هذه الأحاديث.
الفصل التمهيدي: وهو تعريف بمصطلحات الدراسة مع علاقتها ببعضها، ويتكون من مبحثين
المبحث الأول:التعريف بمصطلحات البحث وفيه أربعة مطالب:
... المطلب الأول: المقصود بالقواعد
... المطلب الثاني: المقصود بالضوابط
... المطلب الثالث: المقصود بالفتن
... المطلب الرابع: المقصود بأشراط الساعة
والمبحث الثاني ذكرت فيه علاقة الفتن بأشراط الساعة ومرادفاتهما
الفصل الأول: قواعد فهم أحاديث الفتن وأشراط الساعة وفيه مبحثان:
المبحث الأول: القواعد التي لا ينبغي الاختلاف عليها.
... القاعدة الأولى: الإيمان المطلق للنصوص الغيبية.
... القاعدة الثانية: النصوص الغيبية معجزات.
... القاعدة الثالثة: لا تناقض في النصوص الغيبية .
... القاعدة الرابعة: لا تساهل في أحاديث الفتن وأشراط الساعة.
... القاعدة الخامسة: البعد عن الإسقاط في التحليل.
... القاعدة السادسة: التبشير لا التنفير والتفاؤل لا اليأس.
... القاعدة السابعة: التحذير لا الاستسلام.
... القاعدة الثامنة: الأخذ بالأسباب من صميم الدين.
... القاعدة التاسعة: لا يعلم وقت قيام الساعة إلا الله.
أما المبحث الثاني: القواعد المختلف فيها بين الفرق الإسلامية:
... القاعدة الأولى: حجية الخبر. (1/13)
صفحة 14
... القاعدة الثانية: الاعتقاد بما جاء في أحاديث الفتن وأشراط الساعة.
... القاعدة الثالثة: التأويل.
الفصل الثاني: عن ضوابط التعامل مع أحاديث الفتن وأشراط الساعة وهو في مبحثين:
المبحث الأول : الضوابط التي لاينغي الاختلاف عليها.
... الضابط الأول: الإشكال والتعارض يعرض على القواعد الكليّة.
... الضابط الثاني: عدم تعطيل السنن الإلهية
المبحث الثاني: الضوابط المختلف فيها بين الفرق الإسلامية.
... الضابط الأول: معرفة العلامات لا يعني تحديد وقت الساعة.
... الضابط الثاني: ما ادعي فيه التواتر لايكون ملزما للأمة.
ثم ذيلت الرسالة بذكر خاتمة ذكرت فيها أهم نتائج الرسالة وتوصيات.
وأسأل الله العلي القدير، أن يصلح عملي ويسدد قولي مع اعترافي بالعجز والتقصير، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
والله ولي التوفيق والسداد
"مدخل وفيه أمران:
الأمر الأول: بيان حال الأمة وواقعها المرير
أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصادق الأمين أن من أشراط الساعة ظهور الفتن العظيمة، والمحن الجسيمة التي يلتبس فيها الحق بالباطل، ويختلط الحلال بالحرام، فلا يسلم أحد من زلزلة الإيمان، وزعزعة الدين إلا من رحم ربي، حتى يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، تلحقه رائحة الحرام في مأكله ومشربه مع هروبه عنها، وتزداد الفتن، وتتكاثر كلما ظهرت فتنة قال الرجل العاقل:هذه مهلكتي، هذه قاصمتي حتى تظهر غيرها فيقول:هذه، هذه، ولا تزال، تظهر وتتفاقم حتى يأذن الله عزوجل بقيام الساعة. (1/14)
صفحة 15
ونحن في عصر أخذت أمواج الفتن تتلاطم بألوان باهرة من الأمور العجيبة، موجات فتن تتلاحق، ومصائب محن تتوافد، وآلام مفجعة تتوالى، ومشكلات عظيمة تتنزل علينا، مع تخبط في العقائد والآراء والأخلاق، فتن هذا الزمان لا تقتصر على السفيه والجاهل بل تصيّر الحليم حيرانا، إنها فتن من كل حدب وصوب، فتن الأعداء، فتن الأصدقاء، فتن الأفكار والآراء، وفتن قلب الحقائق، وتزيين الباطل، وتشكيك الحق، قال أحد السلف :"احذروا مصارع العقول عند التهاب الشهوات" (1) وقد حذّر الله عزوجل هذه الأمة من مخالفة أمره، وعدم اتباع دينه، وتنكب صراطه، ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (2) وما نراه في حال الأمة المؤلم ما هو إلا بسبب المخالفة، وهو جزء مما توعده الله عزوجل، وهذه الفتنة بشتى أنواعها وأشكالها وأصنافها بعض عقوبات ذنوب اقترفتها الأمة كانتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة، والأعاصير المدمرة، والزلازل المحطمة، والبراكين الرهيبة، وتسلط سلطان الجور عليهم، وظهور الفقر والجهل هذه الفتن تعم الجميع لا تبقي ولاتذر ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? (3) .
__________
(1) 1 عبدالرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، ذيل طبقات الحنابلة، بدون ذكر طبعة ولا دار ولا سنة، ص 112.
(2) 2 النور، الآية 63.
(3) 3 الأنفال، الآية 25. (1/15)
صفحة 16
والناظر في حال الأمة وإلى ديار المسلمين يَعلمْ حقيقة ما أخبر به رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم سيرى ما يُدمي القلوب، ويذرف الدموع، ويقطع الأكباد من اتباع الشهوات، والركون إلى زخرف الحياة الدنيا، والجري خلف حطامها الزائف، وتتبع سنن المشركين من اليهود والنصارى، والتشبه بأعداء الإسلام حتى يخال المرء أن هؤلاء ليسوا بمسلمين ولا مسلمات وتزداد الهوة، ويتسع الخرق، ويتعمق الجرح في جسد الأمة بالاختلاف المذموم، والتناحر المشؤوم الذي يورث الكراهية، ويربي العداوة حتى يعتقد كل طرف بطلان حجة الآخر، بل قد يؤدي الأمر إلى استباحة قتال بعضهم بعضا، فما أحوجنا نحن المسلمين إلى جمع الشمل، ولمّ الشعث على أساس واحد الكتاب والسنة، ونبذ الفرقة والتعصب الممقوت يكفي ما أصيب به المسلمون من نير المشكلات، وترنحهم تحت وطأة الاستعمار، فقد آن للمسلمين أن يتخذوا ويتحدوا بالمخرج المرسوم، والمخرج منها الكتاب والسنة، ما تمسك به المسلمون فلن يضلوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبدا.
الأمر الثاني:
تعامل الأمة الإسلامية مع أحاديث الفتن وأشراط الساعة (1/16)
صفحة 17
الفتن سنة ربانية ماضية، وحقيقة لا تتبدل، فقد قال سبحانه وتعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (1) 1 للتمحيص والابتلاء والاختبار والامتحان، وقد كان تعامل المسلمين مع أحاديث الفتن وأشراط الساعة نوعاً من الفتن التي اضطربت بها الألباب، واختلفت بسببها الأسباب، فظهر في الساحة من لا يجيد السباحة في فن الحديث، ولا يعرف صمام الأمان لأهل الإيمان، فأخذ يتخبط مع هذه الأحاديث، وهؤلاء قسمان قسم كانوا كحاطب ليل لا يدري الغث من السمين، والصحيح من الضعيف فقعّد وحلّل، وشرح وفصّل، وحشر وأطنب، حتى أخذ به المركب إلى فج عميق، ومكان سحيق، فخرج بكتابه عن المألوف، وجاء بالعجب العجاب مما يصادم به عقول أولي الألباب، وبما يتعارض مع كتاب الله، والمتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقسم حكّموا عقولهم، وسيّسوا أفكارهم وأراءهم، وعوّلوا على أذواقهم ليفهموا ما جاء من أحاديث وروايات، فزلت أقدامهم، وأسقط علمهم بين أيديهم بإنكارهم ما ورد وصح وتواتر.
__________
(1) 1 العنكبوت، الآية 2. (1/17)
صفحة 18
وبالمقابل انبرى أهل العلم ليسدوا أي ثلمة علّها تخدش الدين أو تخرج الناس عن اليقين، وهم ما بين ناصح شفيق، ومحذر أمين ؛ ولذا ظهرت دراسات كثيرة، لا سيما في الآونة الأخيرة، بعضها نقل وترديد (1) 1 ، وأخرى تحليل وتحقيق (2) 2 ، وغيرها نسف وعدم اكتراث بهذه الأحاديث (3) 3 ، ولله الأمر من قبل ومن بعد، والله المستعان، وهو ولي التوفيق.
...
... الفصل التمهيدي
التعريف بمصطلحات البحث والعلاقة بينها
المبحث الأول:
التعريف بالمصطلحات لغة واصطلاحاً
المبحث الثاني:
علاقة الفتن بأشراط الساعة ومرادفاتهما
الفصل التمهيدي
التعريف بمصطلحات البحث والعلاقة بينها
المبحث الأول
التعريف بالمصطلحات لغة واصطلاحاً
المطلب الأول: القواعد
تعريف القواعد لغة واصطلاحاً:
تعريف القواعد لغة:
__________
(1) 1 مثل المنة الكبرى للغرباوي، وكتاب المنار في دلائل اقتراب الساعة لأبي عبيدة راتب عبدالرحيم، والمسيح المنتظر ونهاية العالم، لعبدالوهاب عبدالسلام طويلة وغيرها .
(2) 2 مثل: الموسوعة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة لمحمد أحمد المبيّض، ومعالم ومنارات في تنزيل أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الوقائع والحوادث لعبدالله العجيري وأخرى .
(3) 3 مثل كتاب المفاجأة لمحمد عيسى داود وقد أتى بعجائب وهذا الكتاب لابد أن يحذر، كتاب (هرمجدون) لأمين، وكتاب القيامة الصغرى على الأبواب لفاروق الدسوقي . (1/18)
صفحة 19
القواعد: مفردها قاعدة، وتجمع أيضاً على قاعدات، والقاعدة: أصل الأس، والقواعد: الإساس (1) ، وقواعد البيت إساسه، وفي القرآن الكريم قوله تعالى: { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) } (2) ، وفيه أيضاً قوله تعالى: { قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ } (3) .
__________
(1) الإساس بكسر الهمزة لا بالفتح كما توهم البعض، هو جمع الأس أي الأصل، وأما الأساس بالفتح فمفرد، جمعه أسس، ينظر: محمد بن مكرم (ابن منظور)، لسان العرب، ج1، الطبعة الأولى، دار صادر، بيروت، لبنان، 2000م، ص ص 104-105.
(2) البقرة: الآية 127.
(3) النحل: الآية 26. (1/19)
صفحة 20
قال الزجاج (1) : "القواعد أساطين البناء التي تعمده، وقواعد الهودج: خشبات أربع معترضة في أسفله تركب عيدان الهودج فيها". (2)
والقواعد: منها ما يكون حسياً، ومنها ما يكون معنوياً، فالحسي مثل: قواعد البيت، والبناء.
والمعنوي مثل: قواعد السحاب، وقواعد الدين، وأصول الفقه، ونحو ذلك.
__________
(1) الزجّاج: هو إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق الزجاج، عالم بالنحو واللغة، وكان من أهل الفضل والدين، ولد عام 241هـ، في بغداد، وكان في فتوته يخرط الزجاج، ومال إلى النحو فعلمه المبرد، من كتبه "معاني القرآن وإعرابه، و"خلق الإنسان"، و"فعلت وأفعلت" وغيرها توفي عام 311هـ، ينظر: أحمد بن محمد ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس، ج1، بدون ذكر طبعة، دار الثقافة، بيروت، لبنان، بدون تاريخ ص ص 49-50، وخير الدين الزركلي، الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، ج1، الطبعة السابعة، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1992م، ص 40.
(2) ابن منظور، لسان العرب، ج12، ص 150، وابن دريد، جمهرة اللغة، ج2، الطبعة الأولى، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1987م، ص 662. (1/20)
صفحة 21
قال أبو عبيد (1) : "قواعد السحاب أصولها المعترضة في آفاق السماء، شبهت بقواعد البناء" (2) ، مستدلاً لذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سأل عن سحابة مرت، فقال: "كيف ترون قواعدها، وبواسقها" (3) .
تعريف القواعد اصطلاحاً:
للعلماء في تعريف القاعدة عدة آراء، وقد اختلفت عباراتهم لاختلاف اعتباراتهم في معنى القاعدة، مع وجود تشابه في بعضها، ومن هذه التعريفات:
__________
(1) أبو عبيد: هو القاسم بن سلام الهروي الأزدي الخزاعي، اشتغل بالحديث والأدب والفقه، وكان متفنناً في أصناف علوم الإسلام من القراءات والفقه والعربية والأخبار، من كتبه "الغريب المصنف"، و"الأمثال"، و"الأموال"، وغيرها، توفي عام 224هـ، ينظر: ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج4، ص ص 60-62، والزركلي، الأعلام، ج5، ص 176.
(2) ابن منظور، لسان العرب، ج12، ص 150.
(3) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، ج9، ص 2818 برقم (15949)، وابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج4، ص 5، والبيهقي، شعب الإيمان، ج3، ص469 رقم الحديث (1414)، وأبو الشيخ الأصبهاني، العظمة، ج2، ص220 رقم الحديث (697)، وأبو علي القالي، الأمالي في لغة العرب، ج1، ص 9، وفي سنده موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال عنه يحيى: ليس بشيء ولا يكتب حديثه، وقال مرة: ضعيف، وقال البخاري: عنده مناكير، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال الدارقطني: متروك، ينظر: أبو الفرج ابن الجوزي، الضعفاء والمتروكين، تحقيق عبد الله القاضي، ج3، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1406هـ، ص 148، وأحمد بن علي ابن حجر، تقريب التهذيب، تحقيق محمد عوامة، الطبعة الأولى، دار الرشيد، سوريا، 1406هـ-1986م، ص 553. (1/21)
صفحة 22
1- "هي الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزيئات يفهم أحكامها منها " (1) .
2- "هي حكم كلي ينطبق على جزيئاته ليتعرف أحكامها منه " (2) .
3- "هي قضية كلية منطبقة على جميع جزيئاتها " (3) .
4- "هي صور كلية تنطبق كل واحدة منها على جزيئاتها التي تحتها " (4) .
هذه بعض تعريفات القاعدة (5) ، وهي لم تسلم من الاعتراضات والانتقادات، وقد تضمنت هذه التعريفات ما يأتي: ... ... ... ... ... ... ... ...
أ- أنها أمر، أي حقيقة أو شيء، وأنها قضية وهي "قول يصح أن يقال لقائله إنه صادق فيه أو كاذب فيه" (6) ، أو حكم وفيه معنى اللزوم، أو صور (صورة) أي صفة وحقيقة .
ب- كلية: وهو أمر أساسي في القاعدة، وهو قيد وضع؛ لأنه لا يتحقق معنى القاعدة إلا به، ومعناه أنه محكوم على كل فرد وكل جزء.
__________
(1) عبد الوهاب بن علي السبكي، الأشباه والنظائر، تحقيق عادل أحمد وعلي معوض، ج1، بدون ذكر الطبعة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1422هـ-2001م، ص11.
(2) مسعود بن عمر التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، ج1، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، 1416هـ-1996م، ص 35.
(3) علي بن محمد الجرجاني، التعريفات، تحقيق إبراهيم الأبياري، الطبعة الأولى، دار الكتاب العربي، بيروت، 1405هـ، ص 219.
(4) محمد الفتوحي (ابن النجار)، شرح الكوكب المنير، تحقيق محمد حامد الفقي، الطبعة الأولى، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، 1372هـ-1953م، ص 13.
(5) معنى القاعدة عموماً، وإلا فإن علماء كل فن يخصون التعريف غالباً بما يناسب فنهم، فمثلاً الحموي عرف القاعدة عند الفقهاء بأنها "حكم أكثري لا كلي، ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه"، ينظر: أحمد ابن محمد الحموي، غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر، ج1، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1985م، ص 51.
(6) الجرجاني، التعريفات، ص 226. (1/22)
صفحة 23
ج- أنها تنطبق عليها جزئيات كثيرة، أو تنطبق هي على الجزئيات، وقد نشأ خلاف بين أهل العلم في كونها أكثرية أغلبية، أو كلية على جميع جزئياتها.
...
ولذا نص التمرتاشي (1) على ذلك وغيره، عندما فرق بين القواعد الكلية والقواعد الأكثرية، فقال: القواعد الكلية: "حكم كلي منطبق على جميع جزئياته لتعرف أحكامها منه" (2) .
والقواعد الأكثرية، هي: "حكم أكثري منطبق على أكثر جزئياته، لتعرف أحكامها منه" (3) .
__________
(1) التمرتاشي: هو صالح بن محمد بن عبد الله بن أحمد التمرتاشي الغزي، فقيه حنفي، مشارك في بعض العلوم، من تصانيفه "زواهر الجواهر حاشية على الأشباه والنظائر"، و"العناية في شرح النقاية"، توفي عام 1055هـ، ينظر: المحبي، خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، ج2، دار صادر، بيروت، ص ص 239-240، والزركلي، الأعلام، ج3، ص 195، عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، ج5، دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان، ص 11.
(2) محمد بن عمر (ابن الوكيل)، الأشباه والنظائر، تحقيق أحمد بن محمد العنقري، ج1، الطبعة الأولى، مكتبة الرشد، الرياض، 1413-1993م، قسم الدراسة، ص 18.
(3) المصدر السابق نفسه. (1/23)
صفحة 24
ويرى الباحث أنه لا داعي لمثل هذا التعريف؛ لأنه لا يكاد توجد قاعدة إلا ولها شواذ ومتخلفات قد تكون خرجت اضطراراً أو لحكم آخر، وقد علل لذلك الشاطبي (1) فقال: "لأن الأمر الكلي إذا ثبت كلياً، فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كلياً. وأيضاً فإن الغالب الأكثر معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي؛ لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت" (2) .
وقال: "فالجزئيات المتخلفة قد يكون تخلفها لحكم عن مقتضى الكلي، فلا تكون داخلة تحته أصلاً" (3) .
__________
(1) الشاطبي: هو إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي المالكي أبو إسحاق الشهير بالشاطبي، عالم مجتهد في الأصول والتفسير والفقه واللغة، أخذ العربية وغيرها عن أئمة وقته، من مؤلفاته "الموافقات" و"الاعتصام" و"شرح الخلاصة مع النحو" توفي في شعبان عام 790هـ، ينظر الزركلي، الأعلام، ج1، ص 75، وعمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، ج1، ص 118.
(2) الشاطبي، الموافقات، ج2، بدون ذكر طبعة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1422هـ-2001م، ص 41.
(3) المصدر السابق نفسه. (1/24)
صفحة 25
هذا وبما أن دراستنا مقيدة بدراسة عقدية، فقد منع بعض أهل العلم من وجود قواعد عقدية أصلاً، فقد نقل العطار (1) عن بعض المحققين قوله: "إن العقائد الإسلامية أكثرها قضايا شخصية؛ لأن موضوعها ذات الله، مثل الله عالم، الله واحد وموجود وقديم، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - نبي صادق" (2) .
ثم ذكر جزم بعضهم بـ "أن مسائل الكلام ليست بقواعد لعدم كونها كلية، وأن ما قيل أن موضوعها وإن كان جزئياً حقيقياً لكن لا يتصور إلا بوجه كلي، فتكون قضايا كلية موضوعها منحصر في فرد فهو على تقدير تسليمه لا يفيد؛ لأنه لا يتحقق حينئذٍ عقائد جزئية تستفاد منها " (3) .
إلا أني وجدت كثيراً من المتقدمين قد نصوا على أن هناك قواعد للمسائل العقدية والكلامية، وذكروا أمثلة على ذلك.
__________
(1) العطار: هو حسن بن محمد بن محمود العطار الشافعي المصري أبو السعادات المغربي الأصل، ولد ونشأ في القاهرة، وتولى مشيخة الأزهر، ارتحل إلى عدد من البلدان عرف بنبوغه في الهندسة والفلك من مؤلفاته "حاشية على شرح التهذيب في المنطق" و"حاشية على شرح الجلال على جمع الجوامع"، "رسالة في كيفية العمل بالاسطرلاب" توفي عام 1250هـ، ينظر: الزركلي، الأعلام، ج2، ص 220، عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، ج3، ص 285.
(2) حسن العطار، حاشية العطار على شرح الجلال لجمع الجوامع، ج1، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1420هـ-1999م، ص 33.
(3) المصدر السابق نفسه. (1/25)
صفحة 26
منهم الجويني (1) فقد قال: "...ولا خلاف أن الكفار أجمعين مخاطبون بتصديق الأنبياء عليهم السلام، وإن اقتضى وقوع ذلك تقديم قواعد العقائد في الإلهيات" (2) 2
وقال أيضاً:"ومن هذا القبيل كل أمر كلي يتعلق بقواعد العقائد في الملل فإن على القلوب روابط في أمثالها حتى كأن نواصي العقلاء تحت ربقة الأمور العظيمة الدينية" (3)
والسبكي فقد قال بعد كلام هناك:"والمراد أن الشريعة المتأخرة قد تنسخ بعض أحكام الشريعة المتقدمة أما كلها فلا ؛ لأن قواعد العقائد لم تنسخ" (4)
وقال في موضع آخر:"وتلك أصول الديانات وكلياتها كقواعد العقائد المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته" (5)
والشاطبي قال:" وأول شاهد على هذا أصل الشريعة فإنها جاءت متممة لمكارم الأخلاق، ومصلحة لما أفسد قبل من ملة إبراهيم عليه السلام، ويليه تنزيل سورة الأنعام فإنها نزلت مبينة لقواعد العقائد وأصول الدين، وقد خرّج العلماء منها قواعد التوحيد التي صنف فيها المتكلمون من أول إثبات واجب الوجود إلى إثبات الإمامة " (6)
__________
(1) 1 الجويني :هو عبدالملك بن عبدالله بن يوسف بن عبدالله الجويني أبو المعالي لقب بضياء الدين، وعرف مشتهراً بإمام الحرمين، كان رئيس الشافعية في زمانه، مجمع على إمامته وعلمه، عاش في زمان السلطان ألب السلجوقي، وكان خطيباً من غير مزاحم ولا مدافع من مصنفاته "غياث الخلق في اتباع الحق" و"الورقات" و"التلخيص " وغيرها، توفي عام 478 هـ، ينظر : ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج3، ص ص 167-170، والزركلي، الأعلام، ج4، ص 160.
(2) 2 عبدالملك الجويني، البرهان في أصول الفقه، تحقيق عبد العظيم محمود الديب، الطبعة الرابعة، الوفاء، المنصورة - مصر، 1418هـ، ص 92.
(3) 3 المصدر السابق، ص 433.
(4) 4 علي السبكي، الإبهاج، ج2، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1404هـ، ص 121
(5) 5 المصدر السابق، ج2، ص 278.
(6) 6 الشاطبي، الموافقات، ج3، ص 304. (1/26)
صفحة 27
وعليه فلا ضير من ذكر قاعدة تكون أصلاً لفهم نصوص شرعية سواء أكانت عقدية أو فقهية أو نحو ذلك على الصحيح.
وقد قصدت بالقاعدة في هذه الرسالة " الأصل العام الذي تفهم به نصوص أحاديث الفتن وأشراط الساعة "، والمقصود من ذكرها.
المطلب الثاني: الضوابط
تعريف الضوابط لغة واصطلاحاً
تعريف الضوابط لغةً:
الضوابط مفردها ضابط وضابطة (1) ، والضبط: لزوم الشيء وحبسه، ضبط عليه وضبطه يضبُط ضبطاً وضباطة، وقال الليث: الضبط لزوم شيء لا يفارقه في كل شيء، وضبط الشيء حفظه بالحزم" (2) .
تعريف الضوابط اصطلاحاً:
من العلماء من لم يفرق بين الضابط والقاعدة، وجعلها بمعنى واحد (3) ، وهناك من فرق، وجعل الضابط مختلفاً عن القاعدة، فمن تعريفات الضابط:
1- "والغالب فيما اختص بباب، وقصد به نظم صور متشابهة أن يسمى ضابطاً (4) .
2- "أن القاعدة تجمع فروعاً من أبواب شتى، والضابط يجمع فروع باب واحد" (5) .
3- "والفرق بين الضابط والقاعدة، أن القاعدة تجمع فروعاً من أبواب شتى والضابط يجمعها من باب واحد، هذا هو الأصل" (6) .
وقوله: هذا هو الأصل، فيه إشارة إلى أن هناك تجاوزات لهذا المصطلح بحيث لا يفرق بينه وبين القاعدة، أو يستعمل في غير محله.
__________
(1) محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس، ج19، دار الهداية، بدون سنة نشر، ص 443، وينظر: الحموي، غمز عيون البصائر، ج1، ص 31.
(2) ابن منظور، لسان العرب، ج9، ص 12.
(3) الفيومي، المصباح المنير، ج2، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1414هـ-1994م، ص 510.
(4) ابن السبكي، الأشباه والنظائر، ج1، ص 11.
(5) عبد الرحمن السيوطي، الأشباه والنظائر في النحو، تحقيق عبد العال سالم مكرم، ج1، الطبعة الثالثة، عالم الكتب، 1423هـ-2003م، ص ص 10-11.
(6) زين الدين أوزين العابدين بن إبراهيم (ابن نجيم)، الأشباه والنظائر، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، 1413هـ-1993م، ص 166. (1/27)
صفحة 28
وقد فصل المرداوي (1) فقال: "والغالب فيما يختص بباب، وقصد به نظم صور متشابهة يسمى ضابطاً، وإن شئت قلت: ما عم صوراً، فإن كان المقصود من ذكر القدر المشترك الذي به اشتركت الصور في الحكم فهو المدرك، وإلا فإن كان القصد ضبط تلك الصور بنوع من أنواع الضبط من غير نظر في مأخذها فهو الضابط، وإلا فهو القاعدة" (2) .
وعليه فإني سأجعل الضابط ما يتعلق بقضية واحدة، وباب واحد، وأقصد أن هذا الضابط يخدم قضية واحدة بانفراد، ويمكن أن تنطبق على أكثر من قضية منفردة كقضية المهدي وحدها، أو الدجال ونحو ذلك.
المطلب الثالث: الفتن
تعريف الفتن لغةً واصطلاحاً
تعريف الفتن لغةً:
الفتن في اللغة: جمع واحدها فتنة.
__________
(1) المرداوي: هو علي بن سليمان بن أحمد بن محمد العلاء المرداوي السعدي أبو الحسن علاء الدين، فقيه متفنن مشارك في الأصول، انتهت إليه رئاسة مذهب الحنابلة، من كتبه (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف"، و"التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع"، و"التحبير شرح التحرير"، توفي بصالحية دمشق عام 885هـ، ينظر: السخاوي، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، ج5، مكتبة الحياة، بيروت،بدون ذكر طبعة ولا سنة نشر، ص ص 225-227، وابن العماد، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ج9، الطبعة الأولى، دار ابن كثير، بيروت، 1413هـ-1993م، ص ص 510-511.
(2) أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، التحبير شرح التحرير، ج1، الطبعة الأولى، مكتبة الرشد، الرياض، 1421هـ-2000م، ص126، وأصل هذا الكلام لابن السبكي ينظر: الأشباه والنظائر، مصدر سابق، ج1، ص11. (1/28)
صفحة 29
قال ابن منظور (1) عن الأزهري) (2) ( وغيره: "جماع معنى الفتنة الابتلاء والامتحان والاختبار". وذكر غير واحد من أهل اللغة عدة معان للفتنة) (3) ( وهي:
" المال. ... ?الابتلاء والامتحان والاختبار.
?الأولاد. ... " المحنة.
" اختلاف الناس بالآراء. ... ?الكفر.
?الظلم. ... " الإحراق بالنار.
" إعجابك بالشيء. ... ?الخبرة.
?الفضيحة. ... " الضلال والإثم.
" القتل أو ما يقع بين الناس من القتال. ... ?العذاب.
?الإزالة أوالإمالة. ... " الاختبار للمكروه.
" ذهاب العقل أوالمال (4) . ... ?الصد أوالصرف عن الشيء.
__________
(1) ابن منظور: هو محمد بن مكرم بن علي، أبو الفضل الإمام اللغوي الحجة، ولد بمصر وقيل في طرابلس عام 630هـ، قدم في ديوان الإنشاء بالقاهرة ثم ولي القضاء في طرابلس وعاد إلى مصر فتوفي فيها من كتبه "لسان العرب" و"نثار الأزهار في الليل والنهار" و"مختار الأغاني" وغيرها توفي عام 711هـ، ينظر: محمد بن شاكر بن أحمد الكتبي، فوات الوفيات، تحقيق :علي محمد وعادل عبد الموجود، ج2، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 2000م، ص ص 436 - 437، والزركلي، الأعلام، ج7، ص 108، .
(2) الأزهري: هو محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة الهروي أبو منصور، من أئمة اللغة والأدب، كان فقيهاً شافعي المذهب، فاشتهر به أولاً ثم غلب عليه التبحر في العربية من تصانيفه "تهذيب اللغة" و"غريب الألفاظ التي استعملها الفقهاء" توفي بخراسان سنة 370هـ، أبوبكر ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، ج1، الطبعة الأولى، تحقيق الحافظ عبدالعليم خان، عالم الكتب، بيروت، 1407هـ، ص 144، وابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ج4، ص334، والزركلي، الأعلام، ج5، ص 311.
(3) في كلام عامة الناس استخدام كلمة الفتنة للنميمة ولعل المقصود ما ينتج من النميمة من فتنة.
(4) ابن حجر، مقدمة فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج1، بدون ذكر طبعة، دار المعرفة، بيروت-لبنان، 1379هـ، ص165. (1/29)
صفحة 30
" التوبيخ. (1)
وقد استدلوا على هذه المعاني ببعض الآيات من القرآن الكريم، والمتتبع لهذه الاستدلالات يجد اختلافاً في المعنى المراد للآيات، ولذا تجد عدة تفسيرات للعلماء أو للعالم الواحد.
ومن الواضح أن أغلب هذه المعاني هي من لوازم الفتنة أو سبب لها أو نتيجة لها وليست أصلا في معنى الفتنة.
وقد أشار إلى هذا ابن عاشور) (2) ( حيث قال : " الفتنة لفظ يجمع معنى مرج واضطراب أحوال أحد، وتشتيت باله بالخوف والخطر على الأنفس والأحوال على غير عدل ولا نظام، وقد تخصص وتعمم بحسب ما تضاف إليه أو بحسب المقام يقال فتنة المال وفتنة الدين، ولما كانت هذه الحالة يختلف ثبات الناس فيها بحسب اختلاف رجاحة عقولهم وصبرهم، ومقدرتهم على حسن المخارج منها كان من لوازمها الابتلاء والاختبار، فكان ذلك من المعاني التي يكنى بالفتنة عنها كثيراً، ولذلك تسامح بعض علماء اللغة ففسر الفتنة بالابتلاء، وجرأه على ذلك قول الناس فتنت الذهب والفضة إذا أذابهما بالنار لتمييز الرديء من الجيد، وهذا الإطلاق إن لم يكن مولداً فإن معنى الاختبار غير منظور إليه في لفظ الفتنة، وإنما المنظور إليه ما في الإذابة من الاضطراب والمرج" ) (3) (.
تعريف الفتنة اصطلاحاً:
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، ج11، ص ص125-127.
(2) ابن عاشور: هو محمد الطاهر بن عاشور رئيس المفتين المالكيين بتونس، وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس، ولد عام 1296هـ، وهو من أعضاء المجمعين العربيين في دمشق والقاهرة له عدة مصنفات منها "مقاصد الشريعة الإسلامية" و"التحرير والتنوير" و"موجز البلاغة" توفي عام 1393هـ، ينظر: الزركلي، الأعلام، ج6، ص 174.
(3) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 1، ص 643 . (1/30)
صفحة 31
قال الجرجاني) (1) (: " الفتنة ما يتبين به حال الإنسان من الخير والشر ") (2) (.
__________
(1) الجرجاني: هو علي بن محمد بن علي المعروف بالشريف الجرجاني فيلسوف من كبار العلماء بالعربية ولدعام 740 في تاكو، من مصنفاته "التعريفات" و"شرح مواقف الإيجي" و"الكبرى والصغرى في المنطق، وغيرها توفي عام 816هـ، ينظر: الزركلي، الأعلام، ج5، ص7، أدورد فنديك، اكتفاء القنوع بما هو مطبوع، ج1، بدون ذكر طبعة، دار صادر، بيروت، 1986م، ص 202.
(2) الجرجاني، كتاب التعريفات، ص 212. (1/31)
صفحة 32
وذكر الراغب الأصفهاني) (1) ( " أنها في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالاً ") (2) ( وقد نقل ابن حجر) (3) ( تعريف الفتنة بأنها "الاختبار ثم استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه، ثم أطلقت على كل مكروه أو آيل إليه كالكفر والإثم والتحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك ") (4) (.
__________
(1) الراغب الأصفهاني: هو الحسين بن محمد بن المفضل أبو القاسم الأصفهاني أو الأصبهاني من الحكماء والعلماء من أهل أصبهان، سكن بغداد، من كتبه "محاضرات الأدباء"و"الذريعة إلى مكارم الشريعة"و"المفردات في غريب القرآن" وغيرها، توفي عام 502هـ، ينظر: الزركلي، الأعلام، ج2، ص 255.
(2) الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، الطبعة الثانية، دار القلم، دمشق، 1418- 1997م، ص 623.
(3) ابن حجر: هو أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني أبو الفضل شهاب الدين، من شيوخه البلقيني والعراقي، وتلامذته كثر منهم السخاوي، ولد سنة 773هـ، وابن حجر من أئمة العلم والتاريخ أصله من عسقلان بفلسطين ومولده ووفاته بالقاهرة، ولع بالأدب والشعر ثم أقبل على الحديث، وله مصنفات كثيرة منها "الدرر الكامنة" و"لسان الميزان" و"تهذيب التهذيب" و"فتح الباري" وغيرها توفي عام 852هـ. ينظر: السخاوي، الضوء اللامع، ج2، ص ص36- 38، والزركلي، الأعلام، ج8، ص 178.
(4) ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق: محب الدين الخطيب، ج 13دون ذكر الطبعة، دار المعرفة، بيروت، دون ذكر سنة نشر، ص3. (1/32)
صفحة 33
وقال رضاء الله المباركفوري: "وأما الفتن التي أخبر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديثه، وأن أمته سوف تبتلى بالكثير منها، وأنها ترسل عليهم إرسال القطر فأغلبها من هذا القبيل أي من قبيل الاختبار والابتلاء ليتبين حال الإنسان فيها من الخير والشر وتعلقه بها كما يوجد فيها بعض المعاني المذكورة عند أهل اللغة من القتل والاختلاف والعذاب وتغير الأحوال والأزمنة ") (1) (.
وهذا التعريف، والذي ذكره ابن حجر أقرب وأدق من قول بعضهم في تعريف الفتن : " هي ما حصل بعد استشهاد عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه_ من الاختلاف والتفرق والاقتتال والردة والزندقة ونحوها، وما سيحصل من ذلك إلى قيام الساعة ".) (2) (
لأن هناك فتناً وقعت قبل ذلك منها وفاته _عليه أفضل الصلاة والسلام_ نعم هي من الأشراط لكن حصلت بالوفاة فتنة نشبت بين الصحابة - رضي الله عنهم - وقد أنقذهم الله تعالى بالتفافهم ومبايعتهم لأبي بكر - رضي الله عنهم - ولله الحمد.
ومنها ارتداد بعض قبائل العرب، ومنعهم للزكاة، وكذلك مقتل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- هي في حقيقتها فتنة.
والظاهر: أن الفتن هي كل ما يصيب هذه الأمة من ابتلاءات وامتحانات وحوادث ، ومواقف في كل مراحلها.
لفظة الفتنة في القرآن الكريم:
__________
(1) أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها، قسم الدراسة والتحقيق، للمباركفوري، ج1،الطبعة الأولى، دار العاصمة، الرياض، 1416هـ - 1995م، ص21.
(2) كمال مرعي طالب، كتاب الفتن لنعيم بن حماد، تحقيق وتخريج وتعليق، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الدعوة وأصول الدين، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، 1423هـ-1424هـ، ص13. (1/33)
صفحة 34
وردت كلمة الفتنة بمشتقاتها في القرآن الكريم ستين مرة) (1) (، وقد ذكر العلماء عدة وجوه لمعنى الفتنة الوارد ذكرها في الآيات، بل ذكروا عدة معان للآية الواحدة، وقد أورد ابن الجوزي) (2) ( خمسة عشر وجهاً للفتنة) (3) (، وذكر الفيروزآبادي) (4) ( اثني عشر وجهاً) (5) (، والواضح أنها اجتهادات؛ لأن هناك معاني أخرى ذكرها المفسرون في تفاسيرهم، ومن هذه المعاني ما لم ترد في المعاني السابقة في اللغة.
__________
(1) محمد فؤاد عبد الباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، بدون ذكر طبعة، دار الحديث، القاهرة، 1422هـ-2001م، ص623.
(2) ابن الجوزي: هو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي أبو الفرج علامة عصره وإمام وقته وفي التاريخ والحديث وصناعة الوعظ، كثير التصانيف مولده ووفاته ببغداد من مؤلفاته "تلبيس إبليس" و"زاد المسير في علم التفسير" و"شرح مشكل الصحيحين" وغيرها، توفي عام 597هـ، الزركلي، الأعلام، ج3، ص ص 316-31، ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج3، ص ص 140-142.
(3) ابن الجوزي، نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، تحقيق :محمد عبدالكريم، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة، لبنان - بيروت، 1404هـ - 1984م، ص ص 478-480.
(4) هو محمد بن يعقوب بن محمد أبو طاهر مجد الدين الشيرازي الفيروزآبادي من أئمة اللغة والأدب ولد بكارزين من أعمال شيراز وانتقل إلى العراق وجال في مصر والشام ودخل بلاد الروم والهند، كان مرجع عصره في اللغة والحديث والتفسير من كتبه "القاموس المحيط" و"بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز"و"نزهة الأذهان" وغيرها توفي في زبيد عام 817هـ، ينظر: ابن شهبة، طبقات الشافعية، ج4، ص 63، الزركلي، الأعلام، ج7، ص 146.
(5) الفيروزآبادي، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، ج4، بدون ذكر طبعة ولا سنة نشر، المكتبة العلمية، بيروت، ص 167. (1/34)
صفحة 35
) (1) (
أقسام الفتن:
ذكر أهل العلم للفتن أقساماً مستمدين ذلك من خلال النصوص الواردة في الأحاديث النبوية-على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- فقد ذكر ابن بطال) (2) ( أن الفتنة على قسمين :كبرى، وخاصة في أهل الرجل وماله وولده وجاره) (3) ( في معرض شرحه لحديث حذيفة وهو: (( بينما نحن جلوس عند عمر إذ قال أيكم يحفظ قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة؟ قال: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، يكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر قال: ليس عن هذه أسالك، ولكن التي تموج كموج البحر؟ فقال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها باباً مغلقا ًقال عمر: أيكسر الباب أم يفتح؟ قال: لا بل يكسر، قال عمر: إذن لا يغلق أبداً، قلت: أجل... ))) (4) (.
__________
(1) ينظر: حسين بن محسن أبي ذراع الحازمي، موقف المسلم من الفتن في ضوء الكتاب والسنة، الطبعة الأولى، أضواء السلف، الرياض، 1420هـ - 2000م، ص ص37-50.
(2) ابن بطال: هو علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال أبو الحسن ويعرف أيضاً بابن اللجام، عالم بالحديث من أهل قرطبة له "شرح البخاري"توفي عام 449هـ، ينظر: صلاح الدين الصفدي، الوافي بالوفيات، تحقيق:أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، ج21، دار إحياء التراث، بيروت، 1420هـ - 2000م، ص ص 79-80، والزركلي، الأعلام، ج4، ص 285.
(3) ابن بطال، شرح صحيح البخاري، تحقيق: أبي تميم ياسر، ج10، الطبعة الثانية، مكتبة الرشد، السعودية - الرياض، 1423هـ -2003م، ص48.
(4) رواه البخاري، كتاب: الزكاة، باب: الصدقة تكفر الخطيئة، رقم الحديث (1368). وكتاب: الفتن، باب: الفتنة التي تموج كموج البحر، رقم الحديث (6683). ورواه مسلم، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: في الفتنة التي تموج كموج البحر، رقم الحديث (144). (1/35)
صفحة 36
وقد بوَب ابن كثير في كتابه " النهاية في الفتن والملاحم " باباً خاصاً بالفتن فقال: " باب ذكر الفتن جملة ثم تفصيلا "ً) (1) (.) (2) ( ثم أورد عدة أحاديث ذكر فيها أقسام الفتن التي تشتد وهي كبيرة، ومن الفتن الكبيرة ما ذكر في الحديث السابق.
و قد أفاض الدهلوي) (3) ( الحديث عن الفتن وأقسامها، وذكر أنها على ستة أنواع:
1. فتنة الرجل في نفسه: بأن يقسو قلبه، فلا يجد حلاوة الطاعة، ولا لذة المناجاة.
2. فتنة الرجل في أهله: وهي فساد تدبير المنزل، وإليها الإشارة في قوله - صلى الله عليه وسلم - : ((إن إبليس يضع عرشه - إلى أن قال - ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت)) (4) .
3. فتنة تموج كموج البحر: وهي فساد تدبير المدينة، وطمع الناس في الخلافة من غير حق.
4. فتنة ملية: وهي أن يموت الحواريون من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويسند الأمر إلى غير أهله، فيتعمق رهبانهم وأحبارهم، ويتهاون ملوكهم وجهالهم، ولا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، فيصير الزمان زمان الجاهلية.
__________
(1) ورد في المطبوع: (تفصيل)، والصواب ما ذكرته.
(2) إسماعيل ابن كثير، النهاية في الفتن والملاحم، الطبعةالأولى، المكتب الثقافي، 1423هـ - 2002م، ص29.
(3) الدهلوي، هو أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي الدهلوي الهندي أبو عبد العزيز المقلب شاه ولي الله، فقيه حنفي من المحدثين، وله أثر في الديار الهندية، وله عدة مؤلفات منها "الفوز الكبير في أصول التفسير"و"حجة الله البالغة" و"عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد" توفي عام 1176هـ وقيل 1179هـ، ينظر: الزركلي، الأعلام، ج1، ص 149.
(4) رواه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه، برقم (2813). (1/36)
صفحة 37
5. فتنة مستطيرة: وهي تغير الناس من الإنسانية ومقتضاها، فأزكاهم وأزهدهم إلى الانسلاخ من مقتضيات الطبع رأساً دون إصلاحها والتشبه بالمجردات والتحنن إليهم بوجه من الوجوه، ونحو ذلك، وعامتهم إلى البهيمية الخالصة، ويكون ناس بين الفريقين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
6. فتنة الوقائع الجوية: المنذرة بالإهلاك العام كالطوفانات العظيمة من الوباء والخسف والنار المنتشرة في الأقطار (1) .
وتوجد تقسيمات للفتن غير التي ذكرتها على حسب الاعتبارات والتصورات وقد اكتفيت بالمذكور للتمثيل لا للحصر ولشمولها واندراج غيرها تحتها.
والفيصل في تقسيم الفتن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - :((ومنهن فتن كرياح الصيف، منها صغار، ومنها كبار))) (2) (.
المطلب الرابع: أشراط الساعة
تعريف أشراط الساعة لغة واصطلاحاً:
تعريف الأشراط لغة:
الأشراط: في اللغة جمع واحده شَرَط - بالتحريك- أي: العلامة.
والشرطة في السلطان: من العلامة والإعداد سموا بذلك؛ لأنهم أعدوا لذلك وأعلموا أنفسهم بعلامات .
وأشراط الشيء: أوائله، وقال ابن الأعرابي (3) : أشراط كل شيء: أبتداءُ أوله.
__________
(1) الدهلوي، حجة الله البالغة، تحقيق سيد سابق، بدون ذكر طبعة، دار الكتب الحديثة-مكتبة المثنى، القاهرة-بغداد، بدون ذكر سنة نشر، ص ص877-879.
(2) رواه مسلم، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يكون إلى قيام الساعة، برقم (2891).
(3) ابن الأعرابي:هو محمد بن زياد المعروف، أبو عبدالله، مولى بني هاشم، علامة باللغة، كثير الحفظ لها، ومن أحفظ الناس للغات والأيام والأنساب، وله تصانيف كثيرة منها "أسماء الخيل وفرسانها"، و"النوادر في الأدب"، و"تفسير الأمثال" وغيرها، توفي عام 231هـ، ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، تحقيق:مصطفى عبد القادر، ج2، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1417هـ، ص ص 354-357، والزركلي، الأعلام، ج6، ص131. (1/37)
صفحة 38
وشَرَط الإبل: حواشيها وصغارها واحدها شَرَط أيضاً (1) . فهذه ثلاثة معان لكلمة شَرَط بالتحريك:
1. العلامة.
2. ابتداء أول الشيء.
3. صغار الشيء.
ومنها سوف نأخذ المعنى الاصطلاحي.
غير أني وجدت الشوكاني (2) يقول: "والأشراط: جمع شرط بسكون الراء وفتحها (3) ". وقد نص بعض أهل العلم بأن شَرْط بالسكون لا يأتي بمعنى العلامة فقال : "والذي بمعنى العلامة الشرط بالفتح دون الشرط بالسكون" (4) وكذلك وزن فَعَل يجمع على أفعال كسبب وأسباب وقلم وأقلام بخلاف فَعْل يجمع على فعول كقرض وقروض وكنز وكنوز.
ولذا الأشراط جمع شَرَط بفتح الراء، والشروط جمع شَرْط بسكون الراء، وهو المستعمل على لسان الفقهاء (5) .
تعريف الساعة لغة:
والساعة في اللغة: من سوع فهي في الأصل جزء يسير من الزمن قد يقل هذا الجزء، وقد يتسع نوعاً ما. فهي اسم لمقدار قليل من الزمان غير معين (6) .
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، ج8، ص ص56 - 58، والراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص 450، أبو الحسين ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج3، الطبعة الأولى، دار الجيل، بيروت، 1411 - 1991م، ص ص 260-261.
(2) الشوكاني: هو محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني فقيه مجتهد من كبار علماء اليمن من أهل صنعاء ونشأ بها وولي قضاءها ولد عام 1173هـ وله مصنفات كثيرة منها "نيل الأوطار" و"البدر الطالع"و"إرشاد الفحول" وغيرها توفي عام 1250هـ، الزركلي، الأعلام، ج6، ص 298.
(3) الشوكاني، فتح القدير، ج4، بدون ذكرطبعة ، دار الفكر، بيروت، بدون ذكر سنة نشر، ص 35.
(4) أبوالبقاء أيوب الكفوي، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1413- 1993، ص 529 .
(5) المصدر السابق نفسه.
(6) الألوسي، روح المعاني، ج5، الطبعة الخامسة، دار الفكر، بدون ذكر سنة نشر، ص131. (1/38)
صفحة 39
والساعة أيضاً: الوقت الحاضر (1) فتقول جاء فلان الساعة أو أريدك الساعة أي الآن.
والساعة كذلك جزء من أجزاء الليل والنهار، والجمع ساعات وساع قال ابن منظور: "والساعة في الأصل تطلق بمعنيين: أحدهما: أن تكون عبارة عن جزء من أربعة وعشرين جزءاً هي مجموع اليوم والليلة والثاني: أن تكون عبارة عن جزء قليل من النهار أو الليل" (2) . ...
فالمعنى الأول يطلق عليه: الساعة الفلكية، والمعنى الثاني يطلق عليه: الساعة الزمانية (3) .
تعريف الساعة اصطلاحاً:
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، ج7، ص302.
(2) المصدر السابق نفسه.
(3) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج9، الطبعة الثانية، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ص462. (1/39)
صفحة 40
وفي الاصطلاح: "الساعة هي الوقت الذي تقوم فيه القيامة" (1) وهي من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا (2) . قال الزجاج "معنى الساعة في كل القرآن الوقت الذي تقوم فيه القيامة" (3) وقد تبع كثير من المتأخرين الزجاج في هذا الإطلاق ودرجوا عليه حتى أن ابن عاشور قال: "الساعة عَلَم بالغلبة على ساعة البعث والحشر" (4) ولكن من يمعن النظر في الآيات الواردة بشأن الساعة يجد خلاف ذلك، ولذا قال صاحب المنار: "أقول الصواب أنها استعملت في القرآن منكرة بمعنى الساعة الزمانية، ومعرفة بالألف واللام العهدية بمعنى الساعة الشرعية، وهي ساعة خراب هذا العالم وموت أهل الأرض... ثم قال: والغالب في استعمال القرآن التعبير بيوم القيامة عن يوم البعث والحشر الذي يكون بعد الموت الذي يكون في الحساب وما يتلوه من الجزاء والتعبير بالساعة عن الوقت الذي يموت فيه الأحياء في هذا العالم ويضطرب نظامه ويخرب ... ثم قال: "فالساعة هي المبدأ، والقيامة هي الغاية" (5) .
والعجيب أن الزجاج نفسه الذي عمم إطلاق الساعة بيوم القيامة يقول : "الساعة اسم للوقت الذي يصعق فيه العباد، واسم للوقت الذي يبعث فيه العباد" (6) .
بل صرح في موضع آخر فقال : "والساعة ههنا التي يموت فيها الخلق" (7) .
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، ج7 /302.
(2) محمود الزمخشري، الكشاف، ج2، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص 172.
(3) إبراهيم بن السري الزجّاج، معاني القرآن وإعرابه، ج4، الطبعة الأولى، عالم الكتب، بيروت، 1408-1988، ص421.
(4) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 7، ص 190.
(5) محمد رضا، تفسير المنار، ج9، ص 462.
(6) الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج2، ص 246.
(7) المصدر السابق ج2، ص 392. (1/40)
صفحة 41
وكذلك ابن عاشور ذكر خلاف ما قاله سابقاً فقال : "الساعة عَلَم بالغلبة على انقراض الدنيا" (1) ، وفي موضع آخر قال: "معرفة باللام عَلَم بالغلبة في اصطلاح القرآن على وقت فناء هذا العالم الدنيوي والدخول في العالم الأخروي" (2) .
وقال ابن عطية (3) : "ويحتمل أن يراد بالساعة في هذه الآية (4) ساعة موت الإنسان" (5) .
__________
(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج7، ص 224.
(2) المصدر السابق ج9/201 .
(3) ابن عطية: هو عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي الغرناطي أبو محمد مفسر فقيه أندلسي عارف بالأحكام والحديث، ولي قضاء المرية، وكان يكثر الغزوات في جيوش الملثمين، له "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز"، وبرنامج في ذكر مروياته وأسماء شيوخه، وقد اختلف في وفاته ما بين 541 و546،ينظر:الزركلي، الأعلام، ج3، ص 282.
(4) قول الله عز وجل: ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? الأنعام: الآية 31.
(5) ابن عطية، المحرر الوجيز، ج5، طبع على نفقة صاحب السمو الشيخ خليفة آل ثاني، 1403هـ 1983، ص197. (1/41)
صفحة 42
وقال غيره: " وقيل المراد بالساعة وقت مقدمات الموت" (1) ، وقال القطب (2) : " المراد بيوم القيامة المعبر عنه بالساعة : وقت موت الحيوانات كلها، وهذا أولى من تفسير الساعة بوقت البعث أو ما بين موتهم وبعثهم " (3) .
إلا أن بعض أهل العلم جمع بين المعنيين فقال الآلوسي (4) : وتطلق في عرف الشرع على يوم موت الخلق، وعلى يوم قيام الناس لرب العالمين" (5) كما مر مثله قريباً عن الزجاج.
هذا والخلاصة من ذلك أن الساعة المعرّفة في القرآن لها معنيان :
1- فناء الأحياء وموتهم وتداعي هذا الكون ونهايته وفساد نظامه وتهاوي أجرامه .
2- يوم الحشر والبعث والحساب "يوم القيامة" .
__________
(1) صديق بن حسن القنوجي، فتح البيان، ج4، إدارة إحياء التراث الإسلامي، 1410هـ-1989م، ص12.
(2) القطب: هو محمد بن يوسف بن عيسى أطفيش الحفصي العدوي الجزائري علامة بالتفسير والفقه والأدب، إباضي المذهب مجتهد كان له أثر بارز في قضية بلاده السياسية مع الفرنسيين مولده ووفاته في بلدة يسجن من وادي ميزاب بالجزائر له أكثر من ثلاثمائة مؤلف منها "تيسير التفسير" و"الذهب الخالص" و"شرح النيل" و"وفاء الضمانة بأداء الأمانة" وغيرها توفي عام 1332هـ، ينظر: الزركلي، الأعلام، ج7، ص ص 156-157.
(3) محمد بن يوسف أطفيش، تيسير التفسير، ج5، المطبعة العربية، غرداية، 1419-1998م، ص246.
(4) الآلوسي: هو محمود بن عبد الله الحسيني الآلوسي شهاب الدين أبو الثناء: مفسر ومحدث وأديب من أهل بغداد مولده ووفاته فيها كان مجتهداً وتقلد الإفتاء ببلده ثم عزل فانقطع للعلم له عدة كتب منها "روح المعاني" و"الخريدة الغيبية" و"كشف الطرة عن الغرة" توفي عام 1270هـ، الأعلام، ج7، ص 176.
(5) الألوسي، روح المعاني، ج5، ص 131. (1/42)
صفحة 43
فورود كلمة الساعة معرفة (1) في القرآن تحتمل الأمرين، بل يحتمل حلول أحد المعنيين محل الآخر في الغالب (2) .
اللهم إلا أن يقال بأن الموت مبدأ القيامة وباب لها (3) ، ولكن لا يستقيم ذلك، ولا يستساغ في بعض المواضع من القرآن.
أما ما ورد في السنة فيرى الباحث أنه لا يمكن أن تقسم الساعة على ثلاثة أقسام أو معان أو ساعات على ما يتناقله الكثير بحيث ذهبوا إلى أن الساعة تطلق على :
1- الساعة الكبرى :- وهي بعث الناس للحساب والجزاء .
2- الساعة الوسطى:- وهي موت أهل القرن الواحد .
3- الساعة الصغرى:- وهي موت الإنسان فساعة كل إنسان موته كما نص الراغب الأصفهاني (4) وتبعه من بعده، وذلك لأمور:
أ- هذا التقسيم غير وارد على الآيات القرآنية، فموت أهل القرن الواحد لا يمكن أن يطبق على آية أو يفسر بها .
ب- وردت بعض الآيات والأحاديث دالة على اليوم الأخير من هذه الدنيا، ولا يوجد هذا المعنى في هذا التقسيم .
__________
(1) ذكرت عفاف عبد الغفور في كتابها "الفتن والمحن بين يدي الساعة"، الطبعة الأولى، دار عمار للنشر والتوزيع، 1422هـ-2001م، ص232 "أن الساعة ذكرت 48 مرة" وليس الأمر كذلك ففي ثمانية مواضع معناها اللحظة أو الزمن اليسير، وليست القيامة أو الفناء، فإذاً ذكرت معرفة في أربعين موضعاً فقط.
(2) محمد رضا، تفسير المنار، ج9، ص 463.
(3) محمد أطفيش، تيسير التفسير، ج4، ص 254.
(4) الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص 435. (1/43)
صفحة 44
ج- جاء في الحديث "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة" قيل أي ساعة قيامة الأمة وهلاكها؛ لأن لكل الأمة ساعة أي وقتاً تهلك فيه عزاه صاحب المنار (1) إلى ابن تيمية (2) إلا أن هذا المعنى لا يستقيم مع بداية الحديث فقد قال-عليه أفضل الصلاة والسلام-: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قيل يا رسول الله وما إضاعتها فقال "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" (3) والمقصود بالساعة الأولى اليوم الأخير من الدنيا وهلاك الناس كلهم.
مع أن بعض أهل العلم ذهب إلى أن المقصود بالساعة هنا ساعة زوال الدولة؛ لأن هذا من شؤونها لا هلاك القرن والجيل (4) .
أما إذا قيل تنقسم القيامة (5) إلى كبرى وصغرى فيمكن ذلك؛ لأن المقصود بها الموت، حتى الكبرى فهي بوابة للجزاء والحساب .
سبب تسميتها بالساعة:
__________
(1) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج 5، ص 173.
(2) ابن تيمية: هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني الدمشقي أبو العباس تقي الدين الإمام، ولد في حران وتحول به أبوه إلى دمشق فنبغ واشتهر كان آية في التفسير والأصول، كثير البحث في فنون الحكمة، ومصنفاته كثيرة منها "منهاج السنة" و"الصارم المسلول على شاتم الرسول" و"مجموع الفتاوى" و"السياسة الشرعية" وغيرها، مات معتقلاً بقلعة دمشق عام 728هـ،ينظر: الزركلي، الأعلام، ج1، ص 144.
(3) رواه البخاري، كتاب: العلم، باب: من سئل علماً، وهو مشتغل في حديثه رقم الحديث (59).
(4) محمد رضا، تفسير المنار، ج9، ص 463.
(5) ينظر: محمد بن أحمد القرطبي، التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، دار الفجر للتراث، القاهرة، 1421هـ، 2000م، ص 206، حيث قال: "قال علماؤنا: واعلم أن كل ميت مات فقد قامت قيامته، ولكنها قيامة صغرى وكبرى فالصغرى هي ما يقوم على كل إنسان في خاصته من خروج روحه وفراق أهله، والقيامة الكبرى هي التي تعم الناس وتأخذهم أخذة واحدة". (1/44)
صفحة 45
وقد اختلف أهل العلم في سبب تسمية الساعة بهذا الاسم إلى عدة أقوال:
الأول: إنما سميت ساعة لسرعة الحساب فيها (1) .
الثاني: لأنها تفجأ الناس في ساعة (2) .
الثالث: لأن القيامة للسعيد كساعة (3) .
الرابع: لأنه أمر يسير عند الله تعالى (4) .
الخامس: لأن هذا اللفظ أقل أسماء الأوقات وهي سريعة جداً (5) .
السادس: مجيئها بعد الموت بسرعة. وقريب من هذا القول قول من قال تشبيها بسرعة قيامها (6) .
السابع: لقلتها بالنسبة إلى الخلود (7) .
الثامن: لأنها على طولها كساعة واحدة عند الخلق (8) .
التاسع: إنما سميت الساعة لسعي الأرواح إلى الأجساد في تلك السرعة (9) ، والحاصل من هذه الأقوال أنها تكون في زمن يسير وقصير سواء قدومها أو الحساب فيها.
معنى أشراط الساعة اصطلاحاً:
بعد تعريف الأشراط لغة، والساعة لغة واصطلاحاً آن لنا أن نعرف هذا المصطلح المركب :-
القول الأول: إن أشراط الساعة: "هي علامات القيامة التي يعقبها قيام الساعة" (10)
القول الثاني : "هي ما تنكره الناس من صغار أمورها قبل أن تقوم الساعة" (11) .
__________
(1) محمد بن عمر الفخر الرازي، التفسير الكبير، ج12، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت عام 1415هـ-1995، ص 208.
(2) ابن منظور، لسان العرب، ج 7، ص 302.
(3) محمد أطفيش، تيسير التفسير، ج5، ص 246.
(4) المصدر السابق نفسه.
(5) الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ج2، ص334.
(6) فهد الفاضل، أشراط الساعة الكبرى في ضوء القرآن الكريم، الطبعة الأولى، دار طيبه للنشر والتوزيع، الرياض، 1425هـ-2000م، ص 21.
(7) محمد أطفيش، تيسير التفسير، ج 4، ص 254.
(8) الرازي، التفسير الكبير، ج 15، ص 84.
(9) القرطبي، التذكرة، ص 205.
(10) ابن حجر، فتح الباري، ج13، ص 79.
(11) أبو سليمان الخطابي، غريب الحديث، تحقيق عبد الكريم العزباوي، ج2، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1402هـ، ص 252. (1/45)
صفحة 46
القول الثالث: "هي أسبابها التي هي دون معظمها وقيامها" (1) ، وهي ما عبر عنها النووي (2) بمقدماتها (3) .
__________
(1) محمد بن أحمد الأزهري، تهذيب اللغة، تحقيق محمد عوض، ج11، الطبعة الأولى، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 2001م، ص 212.
(2) النووي:هو يحيى بن شرف بن مري بن حسن الخزامي الحوراني النووي الشافعي أبو زكريا محي الدين علامة بالفقه والحديث، مولده ووفاته في نوا من قرى حوران بسورية، تعلم في دمشق من كتبه "رياض الصالحين" و"منهاج الطالبين" و"تهذيب الأسماء واللغات" و"شرح صحيح مسلم" وغيرها توفي عام 676هـ، خطر له الاشتغال في علم الطب فتركه، ينظر:محمد الكتبي، فوات الوفيات، ج2، ص ص 593-594، والزركلي، الأعلام، ج8، ص149.
(3) النووي، شرح صحيح مسلم، ج1/144 . (1/46)
صفحة 47
والملاحظ من هذه التعريفات أنها مأخوذة من التعريف اللغوي، فلا داعي لتصويب وتضعيف أحد هذه الأقوال؛ لأن لها أصلاً في اللغة، وأقربها للمراد القول الأول، وذكر الماوردي (1) أقوالاً أخرى في معنى الأشراط فقال: قيل: آياتها قاله ابن زيد، وقيل: أوائلها قاله ابن عباس، وقيل: انشقاق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله الحسن، وقيل: ظهور النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله الضحاك (2) " (3) .
القولان الأخيران ظاهرهما تفسير لقول الله عز وجل "فقد جاء أشراطها" (4) وإلا ففي حديث مسلم "سأحدثك عن أشراطها (5) تعميم لمعنى الأشراط.
فالأشراط إذن هي العلامات والآيات والأمارات التي تدل على قرب قيام الساعة .
__________
(1) الماوردي: هو علي بن محمد بن حبيب أبو الحسن الماوردي البصري، اقضى قضاة عصره أو من العلماء الباحثين، ومن أصحاب التصانيف الكثيرة ولد في البصرة وانتقل إلى بغداد من كتبه "أدب الدنيا والدين"، و"الأحكام السلطانية" و"النكت والعيون" وغيرها، توفي في بغداد عام 450هـ، ينظر:ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج3، ص ص 282-284، السيوطي، طبقات المفسرين، تحقيق على محمد عمر، ج1، الطبعة الأولى، مكتبة وهبة، القاهرة، 1396هـ،ص 83، والزركلي، الأعلام، ج4، ص 327.
(2) الضحاك بن مزاحم البلخي الخراساني أبو القاسم مفسر كان يؤدب الأطفال له كتاب في التفسير توفي بخراسان عام 105هـ، ينظر: الزركلي، الأعلام، ج3، ص 215.
(3) علي بن محمد الماوردي، النكت والعيون، ج5، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1412هـ- 1992م، ص 299 .
(4) محمد الآية 18 .
(5) أخرجه مسلم، كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان، رقم (9) و(10). (1/47)
صفحة 48
ولا معنى للتفريق بين العلامات والآيات (1) ؛ لأن اللفظتين جاءت كل واحدة في محل الأخرى في عدة أحاديث، وقد بوب أبو عمرو الداني (2) في كتابه السنن الواردة في الفتن وغوائلها باباً بعنوان "باب من الأشراط والدلائل والعلامات" (3) وأورد من الأحاديث ما يدل على عدم الفرق بينهما (4) ، وسيأتي مزيد توضيح بإذن الله.
أقسام أشراط الساعة:
__________
(1) ذكرت عفاف: أن هناك فرقاً بين العلامات والآيات في كتابها "الفتن والمحن"، ص 228.
(2) أبو عمرو الداني: هو عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد أبو عمرو الداني، ويقال له ابن الصيرفي، مالكي المذهب، وأحد حفاظ الحديث، وكان أحد الأئمة في علم القرآن ورواياته وتفسيره ومعانيه وطرقه وإعرابه من مصنفاته "التيسير" و"التجديد في الإتقان والتجويد"، و"طبقات القراء" توفي عام 444هـ، ينظر:الذهبي، تاريخ الإسلام، ج3، ص ص 97-101، والصفدي، الوافي بالوفيات، ج20، ص ص 20-21، الزركلي، الأعلام، ج4، ص 206.
(3) أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، السنن الواردة في الفتن، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1418هـ-1997م، ص 144.
(4) ينظر: العيني، عمدة القاري، ج7، دار إحياء التراث العربي، بيروت. ص57. (1/48)
صفحة 49
... الأشراط حق يجب الإيمان بها، ولا يجوز إنكارها لقول الله عزوجل: { فقد جاء أشراطها } (1) وقد أنذر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته الساعة، وذكر لهم أشراطها لتكون كل أمارة أو علامة أو آية داعية للاستعداد لها والتأهب لقدومها وحصولها، فتضييع الأمانة-مثلا- هي أمارة دالة على قرب قيام الساعة كما ثبت في الحديث (2) ، مع أننا نجد أن العلماء اجتهدوا في تصنيفها، وجعلوها من الأشراط الصغرى أو التي وقعت، وكذلك اختلفوا في تصنيف بعض الأشراط، فمنهم من جعلها من الأشراط الصغرى، ومنهم من جعلها من الأشراط الكبرى، بل تجاوز الأمر - كما سيأتي- في بعض الأشراط منهم من اعتبرها قد وقعت، ومنهم من اعتبرها من الأشراط الكبرى التي لم تقع.
ولذا فتقسيم أشراط الساعة هو اجتهاد محض -عن طريق الاستقراء (3) -من قبل أهل العلم المتأخرين كل أجال نظره فيها، فأفرز ذلك تقسيمات عدة باعتبارات متعددة، وحيثيات مختلفة، وهذه التقسيمات هي:-
" التقسيم الأول: باعتبار أنواع الأشراط :-
قسم أكثر المتأخرين أشراط الساعة من حيث الأنواع إلى قسمين) (4) ( هما :-
__________
(1) محمد، الآية 18.
(2) تقدم تخريجه
(3) ينظر: تامر محمد متولي، منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الدعوة وأصول الدين، الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية،1420-1421، ص770.
(4) ينظر: محمد أنور شاه الكشميري، التصريح بما تواتر في نزول المسيح، الطبعة: الخامسة، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، 1412هـ-1992م، قسم الدراسة، ص9، ومصطفى الشلبي، صحيح أشراط الساعة، الطبعة: الثانية، مكتبة الوادي للتوزيع، جدة، 1418هـ-1998م، ص 21-22، وعمر الأشقر، القيامة الصغرى، الطبعة: الثالثة عشر، دار النفائس، الأردن، 1423هـ-2004م، ص ص142-143. (1/49)
صفحة 50
أ. أشراط صغرى: منها بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقبض العلم، وإضاعة الأمانة، والتطاول في البنيان، وانتشار الخمر،و أن تلد الأمة ربتها) (1) (، ونحو ذلك.
ب. أشراط كبرى: وهي خروج الدجال، ونزول عيسى -عليه السلام-، والدابة وأمثالها، وهي مجموعة في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري -رضي الله عنه- قال: "اطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون) (2) ( قالوا: نذكر الساعة قال: (إنها لن تقوم الساعة حتى تروا) (3) ( قبلها عشر آيات، فذكر الدخان،
والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم)) (4) (.
وزاد بعضهم قسما ثالثا وهو:
__________
(1) اختلف أهل العلم في معنى "وأن تلد الأمة ربتها أو ربها" فقيل: معناها اتساع الإسلام، واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبي ذراريهم فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد منها بمنزلة ربها؛ لأنه ولد سيدها. وقيل أن تبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك فيتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها أولادها ولا يشعروا بذلك، وقيل أن تلد الآمة حرا من غير سيدها بوطء شبهة أو رقيقا بنكاح أو زنى ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أو ابنتها، وقيل أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد لأمته. ينظر: ابن حجر، فتح الباري، ج1، ص ص 122-123، وقيل غير ذلك.
(2) في رواية "تذكرون " وليست هي خطأ كما يظن البعض، وهناك رواية أخرى "تتذاكرون".
(3) في المطبوع " ترون " وهو خطا بيّن اللهم إلا أن تكون النون نون توكيد.
(4) رواه مسلم كتاب: الفتن وأشرط الساعة، باب: في الآيات التي تكون قبل الساعة رقم الحديث (2901)، وأحمد في مسنده، ج4، ص 6، رقم الحديث (16186). (1/50)
صفحة 51
ج. أشراط وسطى: وهي ما بين الأشراط الصغرى والكبرى.
ومعنى هذا التقسيم أن الأشراط الصغرى: هي التي تكون قبل قيام الساعة بفترة طويلة وبزمن بعيد، والأشراط الكبرى: هي التي تكون قريبة من الساعة بحيث يعقبها قيام الساعة. إلا أن هذا التقسيم يورد عليه -في نظر الباحث- ما يلي:
1- لا دليل ينص على مثل هذا التقسيم، والوارد في السنة لفظة "العظام" في حديث أنس حيث قال "...فلما سلم قام على المنبر فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورا عظاما..." (1) .
__________
(1) رواه البخاري كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت الظهر عند الزوال رقم الحديث (515)، وكتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: ما يكره من كثرة السؤال رقم الحديث (6864)، ومسلم، كتاب: الفضائل، باب: توقيره - صلى الله عليه وسلم - وترك إكثار سؤاله، رقم الحديث (2359). (1/51)
صفحة 52
ولم يفرق -عليه الصلاة والسلام- بينها، والواضح أن هذه الأمور العظام جاءت منكرة لتعم جميع الفتن والعلامات الآيات فهذا التقسيم إذن استحدثه المتأخرون، اللهم إلا ما ذكره ابن حجر حيث قال:" قال البيهقي (1) وغيره: الأشراط منها صغار وقد مضى أكثرها، ومنها كبار ستأتي") (2) ( وقد أحال بعضهم) (3) ( هذا النص عن البيهقي إلى كتابه "شعب الإيمان" ولم أجده فيه مع أن البيهقي نفسه التزم بما ورد، ولعل ابن حجر ذكر ذلك بالمعنى، فقد قال البيهقي: "أما انتهاء الحياة الأولى فإن لها مقدمات تسمى أشراط الساعة، وهي أعلامها منها خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم - عليه السلام- وقتله إياه،ومنها خروج يأجوج ومأجوج،ومنها خروج دابة الأرض ومنها طلوع الشمس من مغربها فهذه هي الآيات العظام") (4) ( ثم ذكر بعض ما يتقدم هذه الآيات من قبض العلم وغلبة الجهل... وقال إثرها "فإنها أسباب حادثه") (5) ( ولم يقل "صغار".
2- هذا التقسيم مخالف لمعنى الأشراط كما تقدم من أنها علامات القيامة التي تسبقها وتدل على قربها.
__________
(1) البيهقي: هو أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر من أئمة الحديث الحافظ الكبير المشهور، ولد في خسروجرد من قرى بيهق بنيسابور ورحل إلى بغداد ثم الكوفة ومكة وغيرهما وطلب إلى نيسابور فلم يزل فيها إلى أن مات، صنف زهاء ألف جزء من تصانيفه "دلائل النبوة" و"السنن الكبرى" و"شعب الإيمان" وغيرها توفي عام 458هـ، ينظر:ابن خلكان،وفيات الأعيان، ج1، ص ص 75-76، الزركلي، الأعلام، ج1، ص 116.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 13، ص 85.
(3) خالد بن ناصر الغامدي، أشراط الساعة في مسند الإمام أحمد وزوائد الصحيحين، ج1، الطبعة: الأولى، دار الأندلس الخضراء، جدة، 1420ه -1999م، ص 35. ولكن لا يوجد هذا الكلام.
(4) البيهقي، شعب الإيمان، ج1، ص307.
(5) المصدر السابق ذاته. (1/52)
صفحة 53
وقد نص العلماء في معنى الأشراط عموما إنها تدل على قربها لا أن بعضها يأتي بزمن طويل.
قال البيهقي في معنى الأشراط "أي ما يتقدمها من العلامات الدالة على قرب حينها") (1) (.
وقال ابن حجر:" المراد بالأشراط العلامات التي يعقبها قيام الساعة ") (2) (
3- قولهم عن الأشراط الصغرى أنها تتقدم الساعة بأوقات بعيدة متطاولة، قال بعض الباحثين: "وهذا فيه نظر ؛لأن الأشراط الصغرى بعضها يسبق الكبرى، وبعضها يصحبها، كانتشار الربا والزنا والعقوق وغيرها يكون بعد الكبرى، كقبض أرواح المؤمنين وبقاء شرار الخلق حتى تقوم عليهم الساعة" (3) ، وكلامه أيضاً فيه نظر؛ لأن بعض العلماء عد الريح التي تقبض أرواح المؤمنين من الكبرى وليست من الصغرى (4) .
"
التقسيم الثاني:- باعتبار ظهورها ووقوعها:
وهؤلاء نظروا إلى ما وقع من الأشراط ومضى، وما بقي منها، وقد اختلف هؤلاء في هذا التقسيم والتصنيف فبعضهم (5) قسمها إلى :
أ. أشراط ظهرت ووقعت وانقضت: كبعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وانشقاق القمر، ونحو هذا.
ب. أشراط ظهرت ولم تستحكم وهي مستمرة: قال ابن حجر: "ومن النمط الثاني تقارب الزمان، وكثرة الزلازل، وخروج الدجالين، والكذابين" (6) . وألحق بهذا القسم ما وقع من الخسف والدخان.
ج. أشراط لم يقع شيء منها: الدجال وطلوع الشمس من مغربها ونحو ذلك.
وبعضهم (7) قسمها بهذا الاعتبار إلى:
__________
(1) نقلاً عن ضياء الله المباركفوري، السنن الواردة في الفتن، قسم الدراسة، ج1، ص 24.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج13، ص79.
(3) خالد بن ناصر الغامدي، أشراط الساعة في مسند الإمام أحمد وزوائد الصحيحين،ج1، ص37 .
(4) ابن حجر، فتح الباري، ج 13، ص85.
(5) ابن حجر، فتح الباري، ج13، ص ص 83-84.
(6) المصدر السابق نفسه.
(7) عمر الأشقر، القيامة الصغرى، ص 143، و محمود الغرباوي، المنة الكبرى، الطبعة الأولى ، دار الكتاب العربي، دمشق- القاهرة ، 2004م، ص14. (1/53)
صفحة 54
1. ظهرت ومضت: النبي - صلى الله عليه وسلم - ووفاته وانشقاق القمر ونار الحجاز التي أضأت أعناق الإبل ببصرى، وتوقف الجزية والخراج.
2. ظهرت ووقعت وهي مستمرة: أو يتكرر وقوعها كخروج الدجالين، والفتن وولادة الأمة ربتها، والتطاول في البنيان من رعاة الشاه، والخسف والقذف والمسخ.
3. لم تقع بعد: كانتفاخ الأهلة وانحسار الفرات عن جبل من ذهب وخروج المهدي.
4. علامات كبرى لم تقع: وهي الآيات العشر المذكورة في حديث حذيفة الغفاري (1) .
والتقسيم الأول من هذا الاعتبار مع حسنه وجودته إلا أن العلماء اختلفوا في بعضها هل ظهرت ووقعت أم لا؟
وأما الثاني فكأنه متفرع من التقسيم الأول من حيث الأنواع.
"
التقسيم الثالث: باعتبار القرب والبعد من الساعة:
فقد قسم البرزنجي (2) والسفاريني (3) أمارات الساعة إلى:
__________
(1) تقدم تخريجه ص 23 .
(2) البرزنجي: هو محمد بن عبد الرسول بن عبد السيد الحسيني البرزنجي له علم بالتفسير والأدب من فقهاء الشافعية، رحل إلى همذان وبغداد ودمشق والقسطنطينية ومصر واستقر في المدينة فتصدر للتدريس من كتبه "الإشاعة في أشراط الساعة" و"النواقض للروافض"وغيرهما توفي عام 1103هـ،ينظر: الزركلي، الأعلام، ج6، ص 203-204، ينظر: محمد خليل المرادي، سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، تحقيق أكرم حسن العلبي، ج4، الطبعة الأولى، دار صادر، بيروت، 1422هـ-2001م ص 78-79.
(3) السفاريني: هو محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني شمس الدين، أبو العون عالم بالحديث والأصول والأدب، محقق، له باع في التاريخ، ولد في سفارين من قرى نابلس ورحل إلى دمشق فأخذ عن علمائها من كتبه "غذاء الألباب شرح منظومة الآداب"، و"لوائح الأنوار البهية" وغيرهما وتوفي عام 1188هـ، ينظر: الزركلي، الأعلام، ج6، ص14، ومحمد خليل المرادي، سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، ج4، ص ص 39-41. (1/54)
صفحة 55
1. أمارات بعيدة عن الساعة وقد ظهرت: منها موت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والفتن التي وقعت بين الصحابة-رضوان الله تعالى عليهم- ونار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى، ووقوع ثلاث خسوفات التي ذُكرت في حديث حذيفة السابق، وكثرة الزلازل، والقتل، والمسخ ..ألخ (1) .
2. الأمارات المتوسطة التي ظهرت ولم تنقض: وهي كثيرة منها التباهي بالمساجد، والتطاول في البنيان، وتوسيد الأمر إلى غير أهله.. إلخ (2) .
3. الأشراط العظام والأمارات القريبة التي يعقبها قيام الساعة: ومنها المهدي والدجال ونزول عيسى -عليه السلام-، وطلوع الشمس من مغربها (3) .
وهذا التقسيم وإن كان مقارباً لسابقه- إلا أنه زاد كلمة البعد والقرب وصرح بعضهم (4) وقال في تقسيمه: " البعدى والقربى وما بينهما البينية ويورد على هذا التقسيم:-
1- أنه ينافي ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ذكره الأشراط أية كانت يعتبرها قريبة ويصرح بذلك، حتى التي سميت الصغرى أو البعيدة عن الساعة، ولم يقل عن إحدى هذه الأشراط بأنها بعيدة.
__________
(1) محمد البرزنجي، الإشاعة لأشراط الساعة، تحقيق: سيد زكريا، الطبعة الأولى، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، 1425هـ-2004م، ص ص16-92، وفي غلاف الكتاب خطأ واضح أنه توفي سنة 1303هـ، وليس كذلك بل توفي سنة 1103هـ، محمد السفاريني، لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار، ج2، الطبعة الثالثة، المكتب الإسلامي، بيروت، 1411هـ-1991م، ص ص66-67.
(2) البرزنجي، الإشاعة لأشراط الساعة، ص ص 93-115، والسفاريني، لوامع الأنوار،ج2 ص ص 68-70.
(3) البرزنجي، الإشاعة لأشراط الساعة، ص ص 116-239، والسفاريني، لوامع الأنوار، ج2، ص ص 70-149، والغرباوي، المنة الكبرى، ص14.
(4) عبدالقادر محمد منصور، علامات الساعة، الطبعة الأولى، دار الرضوان، حلب، دون سنة نشر، ص 9. (1/55)
صفحة 56
2- اختلاف هؤلاء فيما بينهم في تصنيف هذه الأشراط ما بين الأمارات البعيدة والمتوسطة والقريبة من الساعة
3- عدوا بعض الأشراط المذكور في حديث حذيفة من البعيد التي ظهرت كالخسوفات، فالبرزنجي بعدما ساق الحديث قال : "وقد وقعت الخسوفات الثلاثة..." (1) وهو مخالف للجمهور الذين يرون أنها من العشر المتتابعة ولم تقع.
4- تقسيم الأشراط بهذه الطريقة يوحي إلى أن قيام الساعة مازال بعيداً لأننا ننتظر وقوعها كما أخبر هؤلاء بطريقة تدريجية لاسيما أن الأمارات المتوسطة بعضها لم يظهر مع أن البرزنجي أغرب عندما قال: "...وعلى هذا فلا يتقيد ظهور الآيات القريبة من الساعة بما بعد المائتين بعد الألف، ولو سلم أن المراد هو الاحتمال الثاني، وأنه المائتان بعد الألف فلا يلزم تأخر المهدي إلى ذلك الوقت؛ لجواز أن يخص الآيات ببعضها، كالدابة وطلوع الشمس من مغربها وهدم الكعبة ونحوها. وعلى كل تقدير فظهور المهدي على رأس هذه المائة يحتمل احتمالاً قوياً ظاهراً، وإن تأخر عنها فلا يتأخر عن المائة الثانية قطعاً" (2) !!؟ فقد ناقض نفسه بهذا الكلام الذي هدمه عليه الزمان (3) .
"
التقسيم الرابع:- باعتبار الاعتياد والألفة:-
قسم بعض أهل العلم أشراط الساعة إلى:
1. أشراط مألوفة ومعتادة: فالمألوف مثل خروج الدجال ونزول عيسى -عليه السلام-ويأجوج ومأجوج، والمعتاد ما جاء في حديث جبريل المشهور ونحوه.
__________
(1) البرزنجي، الإشاعة لأشراط الساعة، ص 68 .
(2) المصدر السابق ص 92.
(3) لا أدري ما معنى هذا القطع الذي لا أساس له إلا التخمين، فهل يدين الله به بحيث يقطع به عذر من يخالفه أم ماذا؟! ومن الغريب في زماننا أن هناك من حلف بطلاق زوجته إن لم يظهر المهدي خلال عشر سنوات، وقد مضى بعض العشر؟!! نقلاً عن: مشهور بن حسن آل سلمان، العراق في أحاديث وآثار الفتن، ج2، الطبعة الأولى، مكتبة الفرقان، الإمارات، 1425هـ-2004م، ص 600. (1/56)
صفحة 57
2. أشراط غريبة ومستنكرة وغير مألوفة:- وهي خارقة وخارجة عن مجرى العادات مثل خروج الدابة، و طلوع الشمس من مغربها (1) ، هؤلاء نظروا إلى أن الدجال وعيسى -عليه السلام- ويأجوج ومأجوج من البشر فمشاهدتهم مألوفة، وأما الدابة وطلوع الشمس من مغربها فغير معتاد ولا مألوف (2) .
__________
(1) إسماعيل بن كثير، النهاية في الفتن والملاحم، ص 124. وينظر: علي بن علي بن محمد بن أبي العز الدمشقي، شرح العقيدة الطحاوية، ج2، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1421هـ-2001م، ص ص 763-764.
(2) قال محمد عبدالرحمن السخاوي في القناعة في ما يحسن الإحاطة من أشراط الساعة، الطبعة الأولى، مكتبة أضواء السلف، الرياض، 1422هـ-2002م، ص 62: "وبالجملة فالوارد في كون أول الآيات خروجاً خروج الشمس من مغربها وخروج الدابة مع صحته لا ينافي الوارد في كون أولها الدجال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج لحمله فيها على الأمور المألوفة؛ لأنه شيء مشاهد بخلافه فيهما فليس بمألوف بل هو مخالف للعادات المستقرة، أي: خروج الدابة على شكل غريب غير مألوف ومخاطبتها الناس ووسمها إياهم بالإيمان والكفر أمر خارج عن مجاري العادات، وذلك أول الآيات الأرضية كما إن طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة أول الآيات السماوية فهما أول بهذا التأويل وآخر على الإطلاق كما مشى عليه الحاكم وأقره تلميذه البيهقي ناصر السنة ثم جنح إليه ابن كثير". (1/57)
صفحة 58
بينما يرى القرطبي (1) المعتاد والمألوف من حيث الوقوع وعدمه قال: "ثم إنها [أي الأشراط] منقسمة إلى ما يكون من نوع المعتاد كهذه الأشراط المذكورة في هذا الحديث، وكرفع العلم وظهور، الجهل وكثرة الزنا وشرب الخمر إلى غير ذلك، وأما التي ليست من النوع المعتاد فخروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم وخروج يأجوج ومأجوج، ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها والدخان والنار التي تسوق الناس وتحشرهم على ما يأتي" (2) .
ولعل ابن حجر يقصد هذا الكلام عندما قال:" قال القرطبي: علامات الساعة على قسمين ما يكون من النوع المعتاد أوغيره" (3) .
... ... وتقسيم القرطبي أوضح من السابق؛ لأن المقصود بالمعتاد من حيث وقوعه بخلاف تقسيم غيره فيأجوج ومأجوج- وإن قيل إنهم من البشر- مشاهدتهم مستغربة للأوصاف التي ذكرت عنهم.
... ومع ذلك لدي تحفظ من هذا التقسيم لأمرين:
__________
(1) القرطبي: هو أحمد بن عمر بن إبراهيم، أبو العباس الأنصاري القرطبي، فقيه مالكي من رجال الحديث يعرف بابن المزين كان مدرساً بالاسكندرية وتوفي بها ومولده بقرطبة، من كتبه "المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم"، و"كشف القناع عن الوحده والسماع"، توفي عام 656هـ،ينظر:الصفدي، الوافي بالوفيات، ج7، ص173، والزركلي، الأعلام، ج1، ص 186.
(2) القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ج1، الطبعة الأولى، دار أبن كثير، دمشق-بيروت، 1417هـ-1996م، ص155.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج1، ص 121. (1/58)
صفحة 59
1- جاء ما يخالف هذا التقسيم أن هناك من الأشراط الصغرى ما هي غير معتادة بل هي خارقة للعادة وخارجة عن المألوف فقد جاء في الحديث " والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس، ويكلم الرجل عذبة سوطه، وشراك نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده" (1) فإذن لا يقتصر ذلك بالأشراط العشر.
2- إطلاق لفظة: المألوف، والمعتاد" على الأشراط وهذا يجرأ الناس على كثير من الأمور من غير استنكار، ولا يحدث ذلك ذكراً ليستعدوا للساعة والله المستعان.
" التقسيم الخامس: باعتبار مكان وقوع الأشراط:
فقد ذكر غير واحد من أهل العلم هذا التقسيم، وجعلوه على قسمين:
1. أشراط سماوية (علوية): وهي التي تكون في السماء، مثل انشقاق القمر، وانتفاخ الأهلة، وطلوع الشمس من مغربها
2. أشراط أرضية: وهي التي تكون على الأرض، وهذه الأشراط هي ما عدا الأشراط السماوية (2) .
ويفصّل آخرون (3) في هذا التقسيم فيجعلونه على:
أ. الأشراط السماوية (العلوية): وهي على قسمين:
1- تبدأ في السماء وتنتهي بالسماء كانشقاق القمر، وانتفاخ الأهلة، وطلوع الشمس من مغربها.
2- تبدأ في السماء وتنتهي بالأرض كالدخان، ونزول عيسى -عليه السلام-.
ب. الأشراط الأرضية: وهي على قسمين: صغرى وكبرى
" التقسيم السادس: باعتبار الوضوح والإشكال والغموض
__________
(1) رواه أحمد في المسند، ج3، ص ص 83-84 رقم الحديث (11808)، والحاكم في المستدرك ج4، ص514، رقم الحديث (8442)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وابن حبان، في صحيحه، ج14، ص419، رقم الحديث (6494)، من طريق أبي سعيد الخدري وجاء من طرق أخرى.
(2) السخاوي، القناعة في ما يحسن الإحاطة من أشراط الساعة، ص ص 64-65 من كلام المحقق.
(3) محمود عطية محمد علي، فقد جاء أشراطها، الطبعة الثانية، رمادي للنشر، الدمام، 1417هـ- 1997م، قسم هذا التقسيم في كتابه. (1/59)
صفحة 60
نظر بعض أهل العلم إلى أحاديث الأشراط فوجدوا نوعاً من الإشكال والغموض في بعضها ولذا قالوا تنقسم إلى:
1. واضحة وجلية وظاهرة: لا تحتاج إلى بيان ولا تفسير.
2. مشكلة وغامضة وظاهرها التعارض فتحتاج إلى جمع أو توفيق أو إيضاح أو نظر دقيق ومراجعة في بعض الأحاديث.
وهذا ظاهر صنيع محمد رشيد رضا (1) في تفسيره (2) .
ومع ذلك بين كثير من العلماء معناها، وذكروا الجمع بينهما فلعل المقصود أن تلك التوجيهات والإجابات لم ترفع الإبهام والغموض عنها.
" التقسيم السابع: باعتبار الاتفاق والاختلاف فيها:
رأى البعض (3) أن تقسم هذه الأشراط إلى قسمين:
أ. متفق عليها: مثل كثرة الهرج والمرج، وتطاول البنيان من الحفاة العراة رعاة الشاء، وتوسيد الأمر إلى غير أهله، وأن تلد الأمة ربتها.
ب. مختلف فيها أو في معناها: كيأجوج ومأجوج والمهدي، والدجال وخروج النار، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها.
وهذا التقسيم فيه نظر أيضاً؛ لأنه يكاد أن تتفق كلمة المتقدمين في معنى طلوع الشمس من مغربها بل اعتبرها غير واحد من أهل العلم أنها من المتواتر.
__________
(1) هو محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين القلموني البغدادي الأصل، الحسيني النسب، أحد رجال الإصلاح الإسلامي، ومن الكتاب العلماء، ولد ونشأ في القلمون من أعمال طرابلس الشام وتعلم فيها ثم رحل إلى مصر فلازم الشيخ محمد عبده، وتتلمذ له من آثاره مجلة "المنار" و"تفسير القرآن الكريم" توفي 1354هـ،ينظر: الزركلي، الأعلام، ج6، ص 126.
(2) محمد رشيد رضا، تفسيره المنار، ج9، ص ص488-489.
(3) نديم الملاح، العقائد الإسلامية، مطبعة دار الأيتام الإسلامية الصناعية، القدس، 1371-1952م، ص177. (1/60)
صفحة 61
وقد ذكر السخاوي (1) تقسيماً آخر عندما قال: "وهذا التقسيم (2) أحسن من قول بعضهم (3) من العلامات ما هو إمارة لمجرد القرب كالدخان والخسف،ومنها ما هو إمارة للحصول كالدجال وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس" (4) .
بعد ذكر هذه التقسيمات (5) السابقة، والتي لا ريب في تداخل وترابط بعض التقسيمات بقي أن أضيف بعض التعليقات على هذه التقسيمات :
1- ذكرت فيما سبق أن كثيراً من العلماء اجتهدوا في تصنيف وتقسيم الأشراط وذلك؛ لأن هناك من المذاهب من لم تقسم، ولم تصنف هذه الأشراط وفق هذه الاعتبارات أو الحيثيات، بل ذكرتها أو بعضا منها من غير الخوض فيها.
2- ما ذُكرت هذه التقسيمات إلا لأجل الجمع بين الأحاديث الواردة في أشراط الساعة، أو التوفيق بينهما، أو هو النظر والاجتهاد فحسب، ولا دليل عليها.
__________
(1) السخاوي: هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد شمس الدين السخاوي: مؤرخ وعالم بالحديث والتفسير والأدب أصله من سخا من قرى مصر ومولده بالقاهرة ووفاته بالمدينة من كتبه "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع"، و"شرح ألفية العراقي" و"المقاصد الحسنة"وغيرها، توفي عام 902هـ، الزركلي، الأعلام، ج6، ص 194، أدورد فنديك، اكتفاء القنوع، ج1، ص 377.
(2) أي تقسيم شيخه ابن حجر وهو التقسيم الثاني انظر ص 36.
(3) لعله يقصد الطيبي، وعبارته: "الآيات إمارة دالة على قرب قيام الساعة، وإمارة دالة على وجود قيام الساعة وحصولها، ومن الأول الدخان، وخروج الدجال، ونحوها، ومن الثاني ما نحن فيه من طلوع الشمس من مغربها..." الحسين بن عبد الله بن محمد الطيبي، شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ج11، الطبعة الأولى، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، 1417هـ-1997م، ص3449.
(4) السخاوي، القناعة في ما يحسن الإحاطة من أشراط الساعة، ص132.
(5) هنالك تقسيمات أخرى لم أذكرها؛ لأن بعضها داخل فيما ذكرته أو لا فائدة من ذكره. (1/61)
صفحة 62
3- بعض هذه التقسيمات غير سائغة، بل مناقضة لبعض الأحاديث كيف لا والنبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأشراط كان لايستبعد وقوعها في زمانه، وتنبئ بعض هذه التقسيمات إلى إن وقوعها بعد فترة طويلة.
4- بعض هذه التقسيمات تؤمن الناس من قيام الساعة في الزمان الذي هم فيه، فتراهم معرضين عن التأهب والاستعداد وأرى أنه لا داعي لمثلها.
5- وقوع الخلاف الكثير، والآراء المتباينة في تقسيم الأشراط وتصنيفها يجعل الناس في دوامة مستمرة، واضطراب واضح مما يؤدي إلى التعسف والزلل تارة أخرى، بل التناقض في بعض الأحيان، ومن هذه الخلافات على سبيل المثال :
أ. الخسوفات الثلاثة: ذهب القرطبي (1) إلى وقوع بعض هذه الخسوفات فقال: "وقد وقع بعضها في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكره ابن وهب وقد تقدم ذكره، وقد ذكر أبو الفرج الجوزي انه وقع بعراق العجم زلازل وخسوفات هائلة هلك بسببها خلق كثير قلت: وقد وقع ذلك عندنا بشرق الأندلس.." (2) .
__________
(1) القرطبي:هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج الأنصاري الخزرجي الأندلسي أبو عبد الله القرطبي من كبار المفسرين، إمام متفنن متبحر في العلم، رحل إلى الشرق، واستقر بمصر وتوفي فيها من كتبه "الجامع لأحكام القرآن"، و"التذكار في أفضل الأذكار"و"التذكرة في أحوال الموتى وأحوال الآخرة"، إمام متفنن متبحر في العلم، ينظر: الداودي، طبقات المفسرين، ج1، ص 246، وصلاح الدين الصفدي، الوافي بالوفيات، ج2، ص 87، والزركلي، الأعلام، ج5، ص 322.
(2) القرطبي، التذكرة في أحوال الموتى وأحوال الآخرة، ص 609. (1/62)
صفحة 63
وذهب البرزنجي إلى وقوع الخسوفات الثلاثة كلها فقال: "وقد وقعت الخسوفات الثلاثة" (1) .بينما يرى الجمهور عدم وقوعها وأنها من الأشراط العظمى العشر المتتابعة. ولذا قال ابن حجر: "وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدراً زائداً على ما وجد كأن يكون أعظم منه مكانا وقدرا" (2) وهناك فريق آخر يذكرها في معرض الأشراط الصغرى مع الاستشهاد بحديث حذيفة، وحديث بعضهم يدل على التردد وعدم التأكد أو التوقف في تصنيفها (3) ، كما أنه لم يذكر هذه العلامة جماعة من العلماء .
ب. الدخان: هذه العلامة للناس فيها ثلاثة مواقف:
1- الموقف الأول: أنها وقعت وحدثت، وهذا رأي ابن مسعود (4) -رضي الله عنه - وإليه ذهب السخاوي (5) .
2- الموقف الثاني: أنها لم تقع لأنها من العلامات الدالة على قرب قيام الساعة.
3- الموقف الثالث: هما دخانان أو أنها آية كبرى غير معتادة حدثت وسوف يتكرر
حدوثها (6) ، وهذا الخلاف بغض النظر عن تفسير قول الله عز وجل { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ } (7) ففي تفسيرها ثلاثة آراء أيضا :
__________
(1) البرزنجي، الإشاعة أشراط الساعة، ص 68.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج13، ص 84.
(3) مصطفى الشلبي، صحيح أشراط الساعة، ص 77.
(4) ينظر: محمد بن جرير الطبري، جامع البيان، ج25، دون ذكر طبعة، دار الفكر، بيروت، 1405هـ، ص ص 112-113.
(5) السخاوي، القناعة في ما يحسن الإحاطة من أشراط الساعة، ص 82.
(6) محمود عطية، فقد جاء أشراطها، ص81، وينظر: القرطبي، التذكرة، ص655.
(7) الدخان، الآية: 10. (1/63)
صفحة 64
1- أن الدخان الذي أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يرتقبه هو ما أصاب قومه من الجهد بدعائه عليهم، وهو رأي ابن مسعود (1) ، وقال به أبو العالية، ورجحه ابن جرير (2) ، وانتصر له الشوكاني (3) ، وابن عاشور (4) ، وآخرون .
2- أن الدخان المذكور هو ما وقع يوم فتح مكة، وإليه ذهب عبدالرحمن الأعرج، ورواه عن أبي هريرة - رضي الله عنه (5)
3- أن الدخان المقصود به علامة من علامات قرب القيامة، ولم يحدث بعد، وقال به جماعة من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - منهم ابن عباس وابن عمر،
وأبو مالك الأشعري وغيرهم (6) ، وجاء في حديث أبي هريرة: "بادروا بالأعمال ستاً..." (7) وحديث حذيفة أنه من العشر، وهذا الذي عليه الجمهور، ولكل فريق دليل اعتمد عليه.
وقد أحسن من قال: "وكذلك تمييز العلامات الصغرى من الكبرى أمر غير قطعي، بل اختلف العلماء في كثير منها" (8) .
" ترتيب الأشراط:
__________
(1) ينظر: ابن جرير، جامع البيان، ج25، ص 114.
(2) ابن جرير الطبري: محمد بن جرير بن يزيد الطبري أبو جعفر كان إماماً في التفسير والحديث والفقه والتاريخ ولد في آمل طبرستان، واستوطن بغداد وتوفي بها وعرض عليه القضاء فامتنع والمظالم فأبى من مصنفاته "أخبار الرسل والملوك" و"جامع البيان في تفسير القرآن" و"اختلاف الفقهاء"وغيرها توفي عام 310هـ، ينظر: ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج4، ص ص 191-192، والزركلي، الأعلام، ج6، ص 69، وترجيحه في جامع البيان، ج25، ص 114.
(3) الشوكاني، فتح القدير، ج4، ص 573.
(4) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج25، ص 278.
(5) ينظر:ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج4، بدون ذكر طبعة، دار الفكر، بيروت، 1401هـ، ص 139.
(6) المصدر السابق.
(7) سيأتي تخريجه ص 45.
(8) 10) أحمد بن إبراهيم بن أبي العينين، تحذير ذوي الفطن من عبث الخائضين في أشراط الساعة والملاحم والفتن، مكتبة ابن عباس، سمنود، 2003، ص 37. (1/64)
صفحة 65
ثبت ترتيب بعض الأشراط عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عدة أحاديث ووقع معظمها (1) كما أخبر -عليه أفضل الصلاة والسلام- منها حديث عوف بن مالك -رضي الله عنه- قال: "أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، وهو في قبة من آدم فقال: "اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً" (2) ، ففي هذا الحديث جاء الترتيب بـ "ثم" وقد وقع مثل ما أخبر - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- وهناك أحاديث أخرى جاء فيها النص بالترتيب في بعض الأشراط إلا أن أهل العلم اهتموا كثيرا بالأشراط العشر وترتيبها، وذكروا في ذلك كلاما طويل الذيل، وقد اختلف في هذه العشر وفي ترتيبها وذلك راجع لعدة أمور:
1- لا يوجد نص صريح واضح يبين ترتيب هذه الأشراط اللهم إلا ما جاء من طريق النواس بن سمعان -رضي الله عنه- في حديث طويل (3) وفيه الترتيب بـ "ثم" وهي الدجال ثم نزول عيسى - عليه السلام - ثم يأجوج ومأجوج، وما عدا ذلك فالخلاف قائم.
2- جاءت روايات ذكرت الأشراط العظام لكنها مختلفة من وجهين :
__________
(1) أي الأشراط وبقيت بعض الأشراط التي أخبر عنها - عليه أفضل الصلاة والسلام - ولم يأتِ أوانها، ولا يعني معظمها أي وقع خلاف ما أخبر حاشا وكلا.
(2) رواه البخاري كتاب الجزية والموادعة، باب ما يحذر من الغدر، رقم الحديث (3005)، وأحمد في مسنده، ج6، ص 34.
(3) رواه مسلم كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر الدجال رقم الحديث (2936). (1/65)
صفحة 66
أ- أحاديث ذكرت الأشراط على وجه كحديث حذيفة بن أسيد - رضي الله عنه - وقد تقدم، وحديث آخر من طريق أبي هريرة جاء بترتيب آخر، وهو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة" (1) قال المباركفوري (2) "اعلم أن
الروايات قد اختلفت في ترتيب الآيات العشر؛ ولذا اختلف أهل العلم في ترتيبها" (3) .
ب- كل من حديث حذيفة وأبي هريرة جاء بلفظين مختلفين مع أنه من طريق واحد (4) ؛ ولذا لم يؤخذ بترتيبها.
3- نصت بعض الأحاديث على أن أول الأشراط كذا، وهناك روايات أخرى ذكرت غير ذلك، فحاول بعض العلماء الجمع بين هذه الروايات كما سيأتي -بإذن الله تعالى-.
__________
(1) رواه مسلم كتاب: الفتن وأشرط الساعة، باب: في بقية من أحاديث الدجال رقم الحديث (2947)، وأحمد في مسنده ج2، ص 337، رقم الحديث (8427)، وأبو يعلى ج11، ص 397 رقم الحديث (6516).
(2) المباركفوري:هو محمد عبدالرحمن بن عبدالرحيم المباركفوري، ابو العلاء عالم مشارك في أنواع من العلوم، قرأ العلوم العربية والمنطق والفلسفة والهيئة والفقه وأصول الفقه على علماء كثيرين، من مؤلفاته "تحفة الأحوذي" وغيرها، توفي عام 1353هـ، ينظر: عمر كحالة، معجم المؤلفين، ج5، ص 166.
(3) محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ضبط وتوثيق صدقي محمد جميل العطار، ج6، بدون طبعة، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1415هـ-1995م، ص 349.
(4) أي أن حديث حذيفة جاء بلفظين وحديث أبي هريرة جاء بلفظين، وهذا لا يمكن لاتحاد المخرج والظاهر أنه من تصرف الرواة ولا يقال أنه - صلى الله عليه وسلم - قال بلفظين. (1/66)
صفحة 67
هذا وقد اختلف العلماء في أول الآيات العشر مع اختلافهم في العشر نفسها (1) :-
فالجمهور على أن العشر هي ما ورد ذكرها في حديث حذيفة وهي الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم -عليه السلام- ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب وعاشرها نار تخرج من اليمن.
وخالف في ذلك البرزنجي (2) وذكر المهدي، والدجال، ونزول عيسى -عليه السلام- ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، والدابة، والدخان، وخراب المدينة، وهدم الكعبة، ونار تخرج من قعر عدن ووافقه على ذلك السفاريني (3) .
أما أول أشراط الساعة:-
1- القول الأول: المهدي، وهذا رأي البرزنجي (4) والسفاريني، حيث قال: "وقال الحليمي (5) من الشافعية: أول الآيات الدجال ثم نزول عيسى عليه السلام، ثم طلوع الشمس من مغربها. قلت: والذي يظهر والله أعلم أن أول الآيات خروج المهدي...". (6) .
__________
(1) حكى الغامدي إجماع المؤلفين على أن العشر هي ما ذكرت في حديث حذيفة، وليس الأمر كذلك كما سترى ينظر: الغامدي، أشراط الساعة في مسند الإمام أحمد، ج1، ص 37.
(2) البرزنجي، الإشاعة لأشراط الساعة، ص ص116-223.
(3) السفاريني، لوامع الانوار، ج2، ص ص 70-149.
(4) البرزنجي، الاشاعة لاشراط الساعة، ص116
(5) 2 الحليمي: هو الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الجرجاني، أبو عبد الله فقيه شافعي قاص، كان رئيس أهل الحديث في ما وراء النهر، من كتبه "المنهاج" في شعب الإيمان توفي عام 403هـ، ينظر: ابن شهبة، طبقات الشافعية، ج1، ص 178، والزركلي، الأعلام، ج2، ص 235
(6) السفاريني، لوامع الأنوار، ج2، ص142. (1/67)
صفحة 68
2- القول الثاني: أول الأشراط الدخان ذكره البغوي (1) في حديث لايصح (2) ، وقال المباركفوري: "فقد قيل إن أول الآيات الدخان ... " (3) .
3- القول الثالث: أول أشراط الساعة الخسوفات قال صاحب عون المعبود (4) : " قال في فتح الودود: قيل: أول الآيات الخسوفات"، وذكره أيضا القرطبي (5) ، وانتصر له بعض المعاصرين بل جزم به (6) .
4- القول الرابع: الدابة (7) .
5- وجاء أن أول الأشراط نار تحشر الناس، وذلك في حديث أنس رضي الله عنه :" أن عبدالله ابن سلام لما أسلم سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مسائل ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ومنها: ما أول أشراط
__________
(1) البغوي: هو الحسين بن مسعود بن محمد الفراء، أبو محمد، فقيه ومحدث ومفسر، كان لا يلقى الدرس إلى على طهارة، نسبته إلى بغا من قرى خراسان من كتبه "شرح السنة"، و"الباب التأويل في معالم التنزيل"و"الجمع بين الصحيحين" وغيرها توفي سنة 910هـ، ينظر:ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج2، ص ص 136-137 الزركلي، الأعلام، ج2، ص 259.
(2) البغوي، معالم التنزيل، ج4، الطبعة الثالثة، دار المعرفة، بيروت-لبنان، 1413هـ/1992م، ص150.
(3) المباركفوري، تحفة الأحوذي، ج6، ص350.
(4) 7 محمد شمس الحق العظيم آبادي ابو الطيب، عون المعبود، ج11، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت،1995م، ص 289.
(5) القرطبي، التذكرة، ص609، وص655.
(6) بشير محمد عبدالله، زلزال الأرض العظيم، بدون ذكر طبعة، دار الطباعة الحديثة، 1994، ص31، بل بنى كتابه على هذا الأمر، وأتى فيه بالعجائب والتناقضات منها تحديد الحرب مع أمريكا، ومضت الأيام ولم يحصل شيء مما توقعه.
(7) 10) البرزنجي، الإشاعة لأشراط الساعة، ص 210. (1/68)
صفحة 69
الساعة؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب" (1) .
1- وقيل: أول أشراط الساعة الدجال، وإليه ذهب أكثر أهل العلم قال به البيهقي (2) والقرطبي (3) ، وأنكر هذا القول غير واحد من أهل العلم (4) .
2- جاء في الحديث من طريق عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- جلس إلى مروان بن الحكم بالمدينة ثلاثة نفر من المسلمين فسمعوه وهو يحدث عن الآيات أن أولها خروجا الدجال فقال عبدالله بن عمرو: "لم يقل مروان شيئا قد حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثاً لم أنسه بعد، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها...) (5) .
__________
(1) رواه البخاري، كتاب: الأنبياء، باب: خلق آدم صلوات الله عليه وذريته، رقم الحديث (3151)، وكتاب: التفسير، باب: قوله (من كان عدواً لجبريل)، رقم الحديث (4210). وأحمد في مسنده ج3، ص 108 رقم الحديث (12076).
(2) البيهقي، شعب الإيمان، ج1، ص 309.
(3) القرطبي، التذكرة، ص 655.
(4) أولهم ابن عمرو كما في الحديث الآتي، وقال الملا علي بن سلطان محمد القاري: " وأما حديث أن أولها خروج الدجال فلا صحة له كذا في جامع الأصول" ينظر: الملا علي القاري، مرقاة المفاتيح، تحقيق جمال عيتاني، ج10، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، لبنان-بيروت، 1422هـ-2001م، ص106.
(5) رواه مسلم، كتاب: الفتن وأشرط الساعة، باب: في خروج الدجال ومكثه في الأرض رقم الحديث (2941)، وأبو داود في سننه كتاب: الملاحم، باب: أمارات الساعة رقم الحديث (4310). (1/69)
صفحة 70
وقد حاول ابن حجر أن يجمع بين الروايات فقال: "الذي يترجح من مجموع الأخبار، أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى -عليه السلام- وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب " (1) .
كما حاول الجمع بين حديث أنس -رضي الله عنه- "وأما أول أشراط الساعة فنار.."، وبين حديث حذيفة "وآخر ذلك نار تحشر.."، فقال: "ويجمع بينهما بأن آخرتها باعتبار ما ذكر معها من الآيات، وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلاً، بل يقع بانتهائها النفخ في الصور، بخلاف ما ذكر معها فإنه يبقى بعد كل آية منها أشياء من أمور الدنيا" (2) .
ومع هذا الجمع الذي ذكره ابن حجر بين هذه الروايات إلا أنه لا يتجه هذا الجمع مع حديث أنس الصحيح" فأما أول أشراط الساعة فنار..."، فابن حجر حاول الجمع بينه، وبين حديث حذيفة "وآخر ذلك نار..." ولم أر من حاول الجمع بين حديث أنس "أن أول أشراط الساعة نار تحشر الناس" وبين أول أشراط الساعة الدجال أو طلوع الشمس، وعليه فالإشكال مازال قائما.
وكذلك ينطبق هذا الكلام على رأي من قال بأولية الخسوفات أو الدخان أو الدابة.
ولذا قال المباركفوري: "فالظاهر بل المتعين هو ما قال صاحب فتح الودود من أن الأقرب في مثله هو التوقف والتفويض إلى عالمه (3) .
وأضيف هنا وأقول في ترتيب الأشراط وأوليتها:-
1. إما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم، ويعرف ذلك، وقد بينه إلا أن أحد الرواة أخطأ في ذكرها.
__________
(1) ابن حجر فتح الباري، ج 13، ص 83.
(2) المصدر السابق نفسه.
(3) المباركفوري، تحفة الأحوذي، ج6، ص 350. (1/70)
صفحة 71
2. وإما أنه لا يعلم فذكرها مرة كذا ومرة كذا ، وعليه فلا داعي للجمع والترجيح، ولا نتجاوز ما جاء به النص الصحيح، وما روي بالمعنى خاصة بلفظين مختلفين لا يعول عليه.
ومع هذا وذاك فالكل متفقون على أن أول أشراط الساعة بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) .
المبحث الثاني
علاقة الفتن بأشراط الساعة ومرادفاتهما
المطلب الأول
العلاقة بين الفتن والأشراط
من الواضح- لمن تتبع أحاديث الفتن وأشراط الساعة- أن الفتن هي من أشراط الساعة، لا سيما أن الأحاديث نصت على ذلك" لا تقوم الساعة حتى... وتظهر الفتن..." (2) و"اعدد ستاً بين يدي الساعة... وذكر عدة فتن" (3) و" إن بين يدي الساعة فتناً" (4) وغيرها من الأحاديث التي بينت أن من أشراط الساعة ظهور الفتن، وأنها تكثر في آخر الزمان فعلى هذا يتضح أن الأشراط أعم من الفتن، والفتن هي جزء من الأشراط.
بيد أنه يلاحظ أن الإمام البخاري عقد في صحيحه كتاباً سماه كتاب الفتن، وأدرج فيه ما يتعلق بالفتن والملاحم والأشراط، فالأشراط عنده جزء من كتاب الفتن العام الذي جمع المواضيع الثلاثة، وعلى هذا المنهج سار كثير من أئمة الحديث كالترمذي وابن ماجه في سننيهما وغيرهما، بينما فرق الإمام مسلم فوضع كتاباً سماه الفتن وأشراط الساعة ليبين ما يتعلق بكل واحد منهما في باب مستقل.
__________
(1) ينظر القرطبي، التذكرة، ص585، والغامدي، أشراط الساعة في مسند الإمام أحمد، ج1، ص393.
(2) أخرجه البخاري، كتاب: الاستسقاء، باب: ما قيل في الزلازل والآيات، حديث رقم( 1036).
(3) أخرجه البخاري، كتاب: الجزية والموادعة، باب: ما يحذر من الغدر حديث رقم (1036).
(4) أخرجه أبو داود كتاب: الفتن، باب: في النهي عن السعي في الفتنة حديث رقم (4259)، وابن ماجه كتاب: الفتن، باب: التثبت في الفتنة حديث رقم (3961)، وأحمد، ج4، 416، حديث رقم (19618)، وابن حبان، ج13، ص 297، حديث رقم (5962). (1/71)
صفحة 72
وهناك من العلماء من فرق بينها فأفرد كلاً منها في كتاب مستقل، كالإمام أبي داود في سننه وغيره (1) ، بل بعض العلماء صنف مؤلفاً سماه كتاب الفتن جمع فيه المواضيع الثلاثة (2) .
وقد حدا الأمر ببعض الباحثين أن يجعل الفتن كلمة عامة تشمل "كل ما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بوقوعه بعده من اختلاف الناس فيما بينهم، واقتتالهم لأجل الحصول على المناصب والجاه الدنيوي، ومن تغير في أحوالهم الدينية والدنيوية، وفساد في الأزمنة، وعقوبات إلهية على سوء أعمالهم بما فيها من علامات للساعة الصغيرة منها والكبيرة، وجوَز إطلاقها على كل من الملاحم والأشراط" (3) .
وعلى كل فالظاهر أن بين الأشراط والفتن عموماً وخصوصاً؛ وذلك لأن الفتن ليست كلها من الأشراط، فهناك من الفتن ما هي حاصلة في كل الأمم، وغير مختصة بآخر الزمان، كفتنة الأموال، وفتنة الأولاد، وفتنة الأهل يقول الله سبحانه وتعالى? ? ? ? ? ? ? " (4) ويقول عز وجل? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (5) ، وهذه الآيات عامة، وقد أصابت وحلت هذه الفتن في الأمم الغابرة والقرون الماضية.
وكذلك الأشراط ليست كلها من الفتن، فبعثته - صلى الله عليه وسلم - هي نعمة ورحمة للعالمين وليست فتنة، ومن الأشراط التي ليست بفتنة: رؤيا المؤمن الصادقة، وتكليم السباع وشراك النعل الفخذ وعذبة السوط.
ومع هذا يصح أن نقول بعموم الأشراط من الفتن في الغالب للأحاديث الواردة التي ذكرتها سلفاً.
المطلب الثاني
مرادفات الفتن والأشراط
__________
(1) وهذا أيضاً منهج حمود التويجري من المعاصرين في كتابه "إتحاف الجماعة".
(2) منهم نعيم بن حماد. ...
(3) رضاء الله المباركفوري، تحقيق السنن الواردة في الفتن، مرجع سابق، ص ص25-26.
(4) الأنفال، الآية 28.
(5) طه، الآية 131. (1/72)
صفحة 73
تحدثت فيما سبق عن معنى الفتن والأشراط، ولهاتين الكلمتين مرادفات، ذكرت طرفاً منها في الأشراط من غير بيان لمعناها، وبما أنها من الألفاظ والمفردات التي ستكثر في البحث لا بد من إماطة اللثام عن معناها لوجود بعض الفروقات الدقيقة، فمن مرادفات الفتن الملاحم.
والملاحم جمع ملحمة وهي كما ذكر ابن منظور: الوقعة العظيمة القتل، وقيل: موضع القتال أو هي الحرب وموضع القتال.
ومنهم من خص الملحمة بالقتال في الفتنة أو الوقعة العظيمة في الفتنة أو الوقعة العظيمة في الفتنة، وهناك معانٍ أخرى مقاربة لما ذكرت، وأصل كلمة الملحمة مأخوذ من اشتباك الناس، واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسدى وقيل: هو من اللحم لكثرة لحوم القتلى فيها؛ ولذا قال ابن الأعرابي: الملحمة حيث يقاطعون لحومهم بالسيوف (1) .
وقد خص بعض أهل العلم الملاحم بما يقع بين المسلمين وغيرهم من قتال وحروب ومعارك قال ابن تيمية:"فالملاحم الحروب التي بين المسلمين والكفار، والفتن ما يكون بين المسلمين" (2) .
وأما مرادفات الأشراط فهي العلامات والأمارات والآيات.
فالعلامات: جمع علامة وهي: السمة، ويقال لما يبنى في جواد الطريق من المنازل يستدل بها على الطريق أعلام، واحدها علم.
والعلامة والعلم: شيء ينصب في الفلوات تهتدي به الضالة (3) . ويذكر أهل العلم العلامة بمعنى: الأشراط؛ ولذا ترى التعاور بينهما حتى في تقسيم العلامات إلى صغرى وكبرى.
والأمارات: جمع أمارة من الأمر بالتحريك، وهي العلم الصغير من أعلام المفاوز من حجارة، والأَمَرة: العلامة.
ومنهم من قال: الأمارة والأمار: الموعد والوقت المحدود، وعم ابن الأعرابي فقال: الأمارة الوقت (4) .
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، ج13، ص 182.
(2) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج13، ص255.
(3) ابن منظور، لسان العرب، ج1، ص 264.
(4) المصدر السابق،ج1، ص ص 152-153. (1/73)
صفحة 74
وشراح حديث جبريل المشهور بلفظ" سأخبرك عن أماراتها" يذكرون الأمارة بمعنى العلامة.
وأما الآيات: فجمع آية على وزن فَعَلَة، وقيل فَعْلَة، والآية: العلامة، وهي بمعنى العبرة (1) كذلك، أي الأمر الذي يتطلب منه الاعتبار والتعجب.
وقد خص بعض العلماء الآيات بالأشراط العشر الكبرى دون غيرها (2) اقتصاراً بما ورد في الحديث" إنها لن تقوم حتى تروا عشر آيات"، ولكن يعكر ذلك صنيع الإمام البخاري عندما بوب في كتاب "الاستسقاء" باباً سماه" باب في الزلازل والآيات" وذكر من الآيات غير العشر؛ ولذا قال العيني شارحاً: "الآيات جمع آية وهي العلامة، وأراد بها علامات القيامة، أو علامات قدرة الله تعالى" (3) .
بل جاء نصاً في حديث السيدة عائشة رضي الله عنها- مرفوعاً أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاة الآيات ست ركعات وأربع سجدات" (4) والمقصود بالآيات هنا غير العشر كما هو غير خاف، وهو الذي يظهر من صنيع ابن ماجه عندما بوب باباً في الآيات ذكر مع العشر غيرها لتعم كلمة الآيات غير العشر.
وكذلك هناك خوارق غير العشر كتكليم السباع ونحو ذلك إن قالوا إن العشر من الخوارق دون غيرها (5) .
الفصل الأول
القواعد في فهم أحاديث الفتن وأشراط الساعة
المبحث الأول
القواعد التي لاينبغي الاختلاف عليها
المبحث الثاني
القواعد المختلف فيها بين الفرق الإسلامية
المبحث الأول
القواعد التي لا ينبغي الاختلاف عليها.
... القاعدة الأولى: الإيمان المطلق بالنصوص الغيبية.
... القاعدة الثانية: النصوص الغيبية معجزات.
__________
(1) المصدر السابق، ج1، ص ص 206-207.
(2) محمد أحمد المبيّض، الموسوعة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، الطبعة الأولى، مؤسسة المختار، القاهرة، 1425هـ-2006، ص 52.
(3) العيني، عمدة القاري، ج7، ص 57.
(4) رواه ابن حبان، ج7، ص 70، حديث رقم (2830).
(5) بشير محمد عبد الله، زلزال الأرض العظيم، ص 15. (1/74)
صفحة 75
... القاعدة الثالثة: لا تناقض في النصوص الغيبية .
... القاعدة الرابعة: لا تساهل في أحاديث الفتن وأشراط الساعة.
... القاعدة الخامسة: البعد عن الإسقاط في التحليل.
... القاعدة السادسة: التبشير لا التنفير.
... القاعدة السابعة: التحذير لا الاستسلام.
... القاعدة الثامنة: الأخذ بالأسباب من صميم الدين.
... القاعدة التاسعة: لا يعلم وقت قيام الساعة إلا الله.
القاعدة الأولى
الإيمان المطلق بالنصوص الغيبية
" دليل هذه القاعدة: (1/75)
صفحة 76
نص الله عز و جل في كتابه المبين على أن من صفات المتقين أنهم يؤمنون بالغيب، بل ذكرها أول صفة من صفاتهم فقال عز من قائل: ? ? ? ? ?? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (1) وأكسبهم ذلك الخشية منه سبحانه وتعالى فيسلمون له ويرضون، ويستسلمون له ويذعنون فقال ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (2) هذه الخشية أضفت على قلوبهم المنيبة حب اتباع أوامر الله ? ? ? ? ? ? ? ? ? (3) ، وإيمانهم بالغيب جعلهم يشفقون من الساعة ومن عذاب الله ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (4) .إذن من الإيمان التام، والتسليم المطلق لله هو الإذعان والانقياد لتلك النصوص الغيبية التي جاءت من قبل الوحي القاطع، ويفهم كذلك من مجموع النصوص النبوية في أفضلية هذا الإيمان، والثناء على أولئك الذين آمنوا بالغيب، وآمنوا به ولم يروه، فقد جاء في الحديثٍ من طريق عبدالله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب" (5) وحديث : " خير أمتي قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي،ويعملون بأمري، ولم يروني،فأولئك لهم الدرجات العلى ... " (6) وكذلك حديث : " ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني" (7)
__________
(1) 1 البقرة، الآية 2-3.
(2) 2 الملك، الآية12.
(3) 3 ق، الآية 33.
(4) 4 الأنبياء، الآية 49.
(5) 5 رواه الحاكم في المستدرك، ج2، ص286، حديث رقم (3033)، وابن أبي حاتم في تفسيره، ج1، ص36، حديث رقم (66)، وسعيد بن منصور في السن، ج2، ص544، حديث رقم 180، وقال الحاكم:" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
(6) 6 رواه الربيع في مسنده حديث رقم (38).
(7) 7 رواه أحمد في المسند، ج3، ص155 حديث رقم(12601)، وراه أبو يعلى في مسنده، ج6، ص118 حديث رقم (3390)، قال محمد بن طاهر المقدسي، ذخيرة الحفاظ، تحقيق: عبدالرحمن الفريوائي، ج4، الطبعة الأولى، دار السلف، الرياض، 1416هـ-1996م، ص 2129 : "وهذا ليس بمحفوظ". (1/76)
صفحة 77
ونحو هذه الأحاديث التي تبين أفضلية وعلو منزلة الذين آمنوا بالغيب أو بما لم يروه ويشاهدوه.
" بيان معنى هذه القاعدة:
الإيمان بالغيب هو الفاصل والفارق بين الذين ما زالوا على فطرهم النقية، وعقولهم السليمة، وبين الذين تأثرت فطرهم، وتبلدت عقولهم وأفكارهم، ولذا نعت الله عباده المتقين بإيمانهم واتصالهم بعالم الغيب، وبسمو نفوسهم بحيث تتجلى لهم الحقائق الغيبية، فيستسلمون لها ويذعنون بحسب ما تقتضيه الأدلة العقلية والنقلية،تجلياً واضحاً لا يترك مجالاً للوهم والشك والريب.
... والإيمان بالغيب كما يقول الخليلي (1) : " القاعدة الأساسية التي يقوم عليها العمل الإسلامي، وينطلق منها المسلم في اتجاهه إلى ربه في جميع مجالات الحياة.
... فالأنظمة كلها في الإسلام يجب أن يكون بناؤها على هذه القاعدة سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية كما أن جميع التصورات والأفكار الإسلامية لا تنشأ إلا عنها، ولا ترتكز إلا عليها" (2) .
... وعليه فمن مقتضيات الإيمان بالغيب" الإيمان بالأركان الستة، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره، والإيمان بالغيب هو الفاصل بين حياة الشرك وحياة التوحيد". (3)
__________
(1) الخليلي : هو أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي، عالم مجتهد إباضي معاصر، وهو المفتي العام لسلطنة عمان حاليا له مشاركات واسعة في عالمه الإسلامي، من مؤلفاته " جواهر التفسير" و " الحق الدامغ" وغيرهما.
(2) أحمد بن حمد الخليلي، جواهر التفسير، الطبعة الأولى، مطابع دار جريدة عمان، والناشر مكتبة الاستقامة، 1406هـ - 1986م، ص 127.
(3) بسام سلامة، الإيمان بالغيب، الطبعة الأولى، مكتبة المنارة، الأردن، 1403هـ - 1983م، ص 35. (1/77)
صفحة 78
... ومن خصائص أصول ديننا الإسلامي التسليم لله عز وجل و لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ، والإيمان بنصوص الوحي، فهو من الغيب الذي يجب التسليم المطلق له، والانقياد التام لصدوره عن الله سبحانه وتعالى.
بل من " الواجب على كل أحد أن يقابل ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن ربه بالتصديق الجازم، والتسليم المؤكد، وأن يقابل ما أمر به أو نهى عنه بالطاعة، والانقياد، فمن قبل عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما أخبر به فعن الله قبل، ومن أطاع الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما أمر به فقد أطاع الله" (1) بحيث لا يرد ما جاء من طريق الوحي بشيء لا بعقل ولا منام ولا ذوق.
__________
(1) عثمان بن علي حسن، منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد، ج 1، الطبعة الخامسة، مكتبة الراشد، الرياض،1427هـ - 2006م، ص224، وينظر: إبراهيم بن عبدالله بن سيف المزروعي، دروس في العقيدة والمنهج، بدون ذكر طبعة، بيت الأفكار الدولية، الأردن، 2006، ص12. (1/78)
صفحة 79
كما أنه " ليس المراد بالإيمان بالغيب التسليم الأعمى بدون دليل أو نظر أو برهان مما يؤدي إلى اعتقاد الخرافات والتصديق بالأوهام، والإيمان بما لا يتفق مع الحقائق العليا التي جاء بها الدين الحنيف، فقد نهينا عن مثل هذا الإيمان الضعيف المتهافت، وقد أمرنا بالنظر في ملكوت السماوات والأرض وتقدير نعمة الله علينا بالإدراك والعقل، واعتبر التفكر عبادة من أجل العبادات الموصلة إلى معرفة الخالق جل وعلا وكمال الإيمان به، وجعل العقل مناط التكليف، ومدار الثواب والعقاب، وتردد ذكره في القرآن الكريم أكثر من أربعين مرة مقروناً بالحث على استخدامه فيما خلق له، فلا يمكن أن يكون معنى ذلك تشجيع الاستسلام للأوهام بدون نظر أو برهان، ولكن المراد - والله أعلم -: أن طبائع البشر مختلفة، فمنها الحجري المتصلب المكابر المعاند، الذى لا يؤمن إلا بما يرى بعينه ويدركه بحاسته الكثيفة، وقد تدفعه الأهواء والأعراض الفاسدة إلى المكابرة حتى في هذا المحسوس، وقد وردت الإشارة إلى هذا الصنف من البشر في كثير من آيات القرآن الكريم من مثل قول الله تبارك وتعالى في بنى إسرائيل : ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? (1) ،وقوله تعالى : ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? (2) ،
وقوله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (3) ، فهؤلاء وأمثالهم لا يمكن أن تنفع فيهم موعظة أو تشرق أرواحهم بحقائق الإيمان.
__________
(1) 2 البقرة، الآية 74.
(2) 3 الأنفال، الآية 22-23.
(3) 1 البقرة، الآية 75. (1/79)
صفحة 80
كما أن من النفوس البشرية المشرق المستنير اللين المستعد لتلقى الحق والإذعان له، وهو من الشفافية والصفاء والإشراق بحيث يدرك الحقائق بحاسة أخرى هى فوق الحس والشم والذوق والسمع والبصر، وفي هؤلاء وأمثالهم يقول الحق تبارك تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? (1) .
ولا ينكر هذا التفاوت في طبائع النفوس البشرية إلا جاحد مكابر من الصنف الأول،فإنه مشاهد ملموس.
فالمراد بالذين يؤمنون بالغيب: هو هذا الصنف المشرق الشفاف من النفوس الطيبة اللينة، الحسنة الاستعداد لتقبل الحقائق وإن جاءتها عن غير طريق الحواس" (2)
ومن المعلوم أن أشراط الساعة جزء من الإيمان باليوم الآخر الذي هو ركن من أركان الإيمان المستلزم للإيمان بالغيب، والتسليم المطلق، " وهذه العلامات وهذه الأشراط هي من علم الغيب الذي أخبرنا به ربنا جلا وعلا في القرآن، ورسولنا - صلى الله عليه وسلم - في سنته، وهذا الغيب من الأمور التي ينبغي للمؤمن أن يصدق بها" (3) قال سبحانه وتعالى: ? ? ? ? ? (4) فالتصديق بها من صميم الدين كيف لا " وعلامات الساعة من أمور الغيب التى لابد من إثبات علامة منها أو نفيها من مصادر موثوق بها، والمصدر الموثوق به في هذا الباب هو الوحي، والوحي الذي بين أيدينا له مصدران لا ثالث لهما، وهما الكتاب والسنة" (5) .
__________
(1) 2 الزمر، الآية 24.
(2) عصام تليمة، في صميم العقيدة للإمام الشهيد حسن البنا، الطبعة الأولى، دار التوزيع والنشر الإسلامي، القاهرة، 1427هـ - 2006م، ص 158 - 159.
(3) أبو أنس صديق، صحيح الفتن وأشراط الساعة، الطبعة الأولى، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، 1424هـ - 2003م، ص 32.
(4) 5 محمد، الآية 18.
(5) محمد أحمد المبيّض، الموسوعة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، ص 56. (1/80)
صفحة 81
وأخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغيوب المستقبلة بلغت حد التواتر المعنوي. (1)
القاعدة الثانية
النصوص الغيبية هي معجزات
" دليل القاعدة: ...
إن السنة النبوية هي المصدر الثاني للمسلمين، وما هي إلا وحي من الله عزوجل، وقد قال الله عزوجل ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (2) ، فما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أخبار ماضية أو مستقبلية ليست من عنده ولا يعلمها هو ولا قومه، وقد أوضح القرآن هذه الحقيقة عندما قال الله عزوجل ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (3) ، ويقول سبحانه ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (4) ، وكذلك ما جاء من خبر المستقبل وهو في القرآن الكريم كثير، وأدل دليل على ذلك سورة الفتح التي تحمل البشائر والأخبار المتنوعة، فهذه الأخبار ما هي إلا نصوص غيبية، وأنباء وأخبار من الغيبيات التي أخبر بها الله سبحانه وتعالى، وهي من معجزاته -صلوات الله وسلامه عليه-.
أما من السنة فقد أخبر- صلى الله عليه وآله وسلم - عن وقائع وأحداث ثم وقعت حسبما أخبر عليه الصلاة والسلام كحديث عمار "تقتله الفئة الباغية" (5) وغيره كثير، وهذا يدل على تأييد الله له، وإخباره إياه - صلى الله عليه وسلم - .
" بيان معنى القاعدة:
__________
(1) يوسف بن عبدالله الوابل، أشراط الساعة، الطبعة الثالثة والعشرون، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، 1426 هـ، ص 53.
(2) 1 النجم، الآية 3-4.
(3) 2 آل عمران، الآية 44.
(4) 3 هود، الآية 49.
(5) 4 أخرجه البخاري، كتاب : الصلاة، باب: التعاون في بناء المسجد، حديث رقم (436)، وكتاب: الجهاد والسير، باب: مسح الغبار عن الناس في السبيل حديث رقم (2657)، ومسلم، كتاب : الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل...حديث رقم (2916). (1/81)
صفحة 82
جاءت الأخبار عن أمور غيبية في كتاب الله عزوجل فكانت تلك الأخبار من علم الله تعالى الذي أطلعه رسوله- صلى الله عليه وآله وسلم - ليكون دليلا على صدق نبوته - صلى الله علي وآله وسلم - منها الماضي والحاضر والمستقبل أما الماضي فقصص النبيين والأمم التي لا مجال لتكذيبها وهذا واضح وضوح الشمس في رابعة النهار والحاضر كقوله سبحانه : ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (1) والمستقبل كقوله تعالى? ? ? ? ? ? (2) ، وقد أخبر الله عزوجل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بمغيبات أخر ؛ ولذا قال بعض أهل العلم في تفسير قول الله عزوجل ? ? ? ? ? (3) معناه :"كل ما أخبر به الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم -مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار " ثم قال :"وأنت تدري أن مفهوم الغيب يصدق على كل ما غاب عن الحواس سواء اهتدى إليه الإنسان بعقله أو دله عليه دليل الوحي، فيدخل في ذلك كل ما ذكره المفسرون كما يدخل فيه كل ما دل عليه القرآن أو تواترت به السنة من أخبار الأمم البائدة، وأحوال الأحداث المستقبلية" (4) .
وإخباره -صلى الله عليه وسلم - يدل على تيقنه بوقوعه، وإلا لكان عبثاً لزم به التكذيب، وهذه الأخبار المتواترة "منها ما تحقق، ومنها ما لم يتحقق بعد، وكلاهما دليل على النبوة إذ الأول قد تحقق وقوعه كما أخبر، والثاني فيه من قوة التحدي ما يدل على النبوة؛ إذ لا يتحدى بوقوع هذا إلا من هو على ثقة واطمئنان إلى ربه، فيما أطلعه عليه من الأمور المستقبلية" (5) ، وعليه لا ينبغي إقحام أو تنزيل بعض النصوص على وقائع أو أحداث ثم يكون خلاف ما فهم من تلك النصوص.
__________
(1) 1 الروم، الآية 1-4.
(2) 2 القمر، الآية 45.
(3) 3 البقرة، الآية 3.
(4) 4 الخليلي، جواهر التفسير، ج2، ص 134.
(5) 5 بسام سلامة، الإيمان بالغيب، ص24. (1/82)
صفحة 83
ونصوص أهل العلم في ذكر أن هذه الأخبار من معجزاته، وأعلام ودلائل نبوته كثيرة، أذكر بعضاً منها :
أ- قال ابن تيمية:" وهذا وأمثاله مما أخبر به -صلى الله عليه وسلم - من المستقبلات فوقع بعده كما أخبر ورأى الناس ذلك، وأما ما أخبر به مما لم يقع إلى الآن فكثير، وقد أخبر بأشياء من المغيبات، ووقعت في زمانه" (1)
ب- قال النووي :"هذا الحديث فيه معجزة ظاهرة بالإخبار بالمستقبل، ووقع ذلك كما أخبر - صلى الله عليه وسلم - " (2) .
جـ- وقال المناوي (3) :"قال في المطامح: هذا وما أشبهه من أحاديث الفتن من جملة معجزاته الاستقبالية التي أخبر أنها ستكون بعده وكانت وستكون" (4) .
القاعدة الثالثة
لا تناقض في الأخبار الغيبية
" دليل القاعدة:
__________
(1) 1 أحمد ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، تحقيق: علي سيد المدني، ج6، مطبعة المدني، مصر، بدون ذكر طبعة ولا سنة نشر، ص 133
(2) 2 النووي، شرح صحيح مسلم، ج 12، ص 243، والحديث هو قوله صلى االله عليه و سلم:" ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف فقد برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا" رواه مسلم كتاب: الإمارة، باب: وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع حديث رقم(1854).
(3) 3 المناوي: هو محمد عبدالرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي المناوي القاهري من كبار العلماء، انزوى للبحث والتصنيف، كان قليل الطعام كثير السهر، من أشهر مصنفاته " فيض القدير شرح الجامع الصغير" و"كنوز الحقائق" و" التيسير" وغيرها، توفي عام 1031هـ، ينظر: الزركلي: الأعلام، ج6، ص 204، وعمر كحالة، معجم المؤلفين، ج10، ص 166.
(4) 4 المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير، ج3، الطبعة الأولى، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، 1356هـ، ص 193. (1/83)
صفحة 84
يقول الله سبحانه وتعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (1) ، والاختلاف والتناقض والتعارض باطل لا يمكن أن يوصف به قول الحق، ولا الوحي كيف والله عزوجل وصف القول الباطل بأنه مختلف، فقال سبحانه وتعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (2) ، فكلام الناس يعتريه التعارض والتناقض وهذا باطل، والله عزوجل نفى البطلان عن كتابه العزيز، فقال عز من قائل ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? (3) ، وكذلك السنة النبوية على صاحبها- أفضل الصلاة والسلام- لم تخرج إلا من مشكاة واحدة مع القرآن الكريم فلا يمكن في الحقيقة أن يتعارضا ولا أن يتناقضا، والله عزوجل يصف كلام رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم - أنه وحي ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (4) .
والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم - يقول لمن يظن التعارض أو يفرق ما بينهما "لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول :لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" (5) .
" بيان القاعدة:
__________
(1) 1 النساء، الآية 82.
(2) 2 الذاريات، الآية 8-9.
(3) 3 فصلت، الآية 42.
(4) 4 النجم، الآية 3-4.
(5) 5 رواه الترمذي، كتاب : العلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، باب: ما نهي أن يقال عند حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حديث رقم (2663)، وأبوداود، كتاب: السنة، باب: في لزوم السنة حديث رقم (4605)، وابن ماجه، باب: تعظيم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حديث رقم (13)، والحاكم في المستدرك، ج1، ص 190، حديث رقم (368)، وقال:" وهو صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، والذي عندي أنهما تركاه لاختلاف المصريين في هذا الإسناد". (1/84)
صفحة 85
... يتضح من الآيات الكريمة أن التعارض والتناقض بين ما جاء به الله عزوجل محال؛ لأن هذا الاختلاف والتعارض أمارة من أمارات الجهل والعجز، التي يتصف بها المخلوق دون الله عزوجل تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والسنة النبوية هي وحي من قبل الله عزوجل، فالأصل أنه من المحال أن يقع ذلك فيما تواتر عنه، وصح أنه من الله عزوجل، وأهل العلم يصرّحون بذلك ويبينون، يقول ابن حزم (1) بعد ما أورد الآية الكريمة: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (2) "فصح بهذه الآية صحة ضرورية أن القرآن والحديث الصحيح متفقان، هما شيء واحد، لا تعارض بينهما ولا اختلاف، يوفق الله تعالى لفهم ذلك من شاء من عباده، ويحرمه من شاء، لا إله إلا هو" (3) .
__________
(1) 1 ابن حزم:هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي أبو محمد أصله من فارس، من أئمة الظاهرية، وعالم الأندلس في عصره، حافظ متفنن، انتقد كثيراً من العلماء والفقهاء، من أشهر مصنفاته "الفصل في الملل والنحل"، و"المحلى"، و"جمهرة الأنساب"، وغيرها، توفي عام 456هـ، ينظر:الزركلي، الأعلام، ج4، ص254، وعمر كحالة، معجم المؤلفين، ج7، ص16.
(2) 2 النساء، الآية 82.
(3) 3 ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، ج1، الطبعة الأولى، دار الحديث، القاهرة،1404هـ، ص96. (1/85)
صفحة 86
ويقول الشاطبي تقريراً للناظر في أدلة الشريعة:"أن يوقن أنه لا تضاد بين آيات القرآن، ولا بين الأخبار النبوية، ولا بين أحدهما مع الآخر، بل الجميع جار على مهيع واحد، ومنتظم إلى معنى واحد، فإذا أداه بادئ الرأي إلى ظاهر اختلاف، فواجب عليه أن يعتقد إنتفاء الاختلاف؛ لأن الله قد شهد له أن لا اختلاف فيه، فليقف وقوف المضطر السائل عن وجه الجمع، أو المسلّم من غير اعتراض فإن كان الموضوع فيما يتعلق به حكم عملي فليلتمس المخرج حتى يقف على الحقّ اليقين أو ليبقى باحثاً إلى الموت..." (1) ، ونحو هذه النصوص القاضية باتفاق الأمة عليه، بقي إن وُجد ذلك ما بين الأحاديث، فلا بد من الصيرورة إلى الجمع، أو أنه لم يصح أصلاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدهما إن لم يكن منسوخاً هذا في الأحكام فحسب، بخلاف الأخبار والعقائد التي لا نسخ فيها.
القاعدة الرابعة
لا تساهل في أحاديث الفتن وأشراط الساعة
" دليل القاعدة:
قال الله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (2) ، فأمرنا سبحانه وتعالى بالتأكد والتثبت من الأخبار والأنباء خشية الوقوع فيما لا يحمد عقباه.
__________
(1) 4 الشاطبي، الاعتصام، ج2، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، من غير ذكر طبعة ولا سنة نشر، ص 310.
(2) 1 الحجرات، الآية 6. (1/86)
صفحة 87
والنبي- صلى الله عليه وآله وسلم - بيّن أيما بيان في عدم جواز رواية ما لم يقله صلى الله عليه وسلم - فقد جاء من طريق سمرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه و سلم-:"من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (1) وجاء أيضا قوله عليه أفضل الصلاة والسلام :كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" (2) ، فذكر أحاديث أو نسبتها إليه -عليه الصلاة والسلام - وهو لم يقلها لا يصح أبداً، وجاء الوعيد الشديد في ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (3) .
" بيان معنى القاعدة:
إن هذا الدين دين متين، وشرع قويم، لا يقوم على الاحتمالات ولا التنازلات، ونحن تعبدنا الله سبحانه وتعالى بما جاء في كتابه، وما تواتر وصح من سنة رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم - وأما غير ذلك فهو مرفوض ومردود، كيف لا وقد نهانا الشرع الحنيف من نسبة حديث إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - وهو لم يثبت عنه، والتساهل في قبول رواية ما قد يؤدي إلى هذا الأمر، وهو محظور؛ لذا ينبغي التثبت والتأكد من ثبوت أي رواية عنه -صلى الله عليه وآله وسلم -، ولعل التساهل الحاصل في التعامل مع أحاديث الفتن وأشراط الساعة بسبب تلك النصوص المنقولة عن بعض أهل العلم الذين نُقل عنهم القول بالتساهل فيما عدا الحلال والحرام، وصفات الله ذي الجلال والإكرام فمن ذلك:
__________
(1) 2 رواه مسلم في المقدمة، باب: وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين والتحذير من الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
(2) 3 رواه مسلم في المقدمة، باب: تغليظ الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث رقم (5).
(3) 4 رواه البخاري، كتاب : الجنائز، باب: ما يكره من النياحة على الميت حديث رقم (1229)، ومسلم، المقدمة، باب:تغليظ الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث رقم(3)، وقد حكم على هذا الحديث بالتواتر . (1/87)
صفحة 88
أ- ما ذكره الحاكم (1) في المستدرك قال:" وأنا بمشيئة الله أجري الأخبار التي سقطت على الشيخين في كتاب الدعوات على مذهب أبي سعيد عبدالرحمن بن مهدي في قبولها، فإني سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري، يقول: سمعت أبا الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، يقول:كان أبي يحكي عن عبدالرحمن بن مهدي، يقول: إذا روينا عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم - في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد، وانتقدنا الرجال، وإذا روينا في فضائل الأعمال والثواب، والعقاب والمباحات، والدعوات تساهلنا في الأسانيد" (2)
ب- ما رواه الخطيب (3) عن أحمد بن حنبل قال "إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم - في فضائل الأعمال، وما لا يضع حكما، ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد"
__________
(1) 1 الحاكم: هو محمد بن عبدالله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي النيسابوري، الشهير بالحاكم، ويعرف بابن البيع، أبو عبدالله من أكابر حفاظ الحديث صنف كتبا كثيرة، منها "المستدرك على الصحيحين" و "المدخل" و" معرفة علوم الحديث"، وغيرها كثير، توفي في نيسابور عام 405هـ، ينظر: الذهبي، تاريخ الإسلام، ج28، ص 122، ابن شهبة، طبقات الشافعية، ج1، ص ص 194-195، والزركلي، الأعلام، ج6، ص 227.
(2) 2 الحاكم، المستدرك على الصحيحين، ج 1، ص666.
(3) 3 الخطيب: هو أحمد بن علي ثابت بن أحمد بن مهدي الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، أحد حفاط الحديث وضابطيه والمتقنين، كان فصيح اللهجة عارفاً بالأدب، له مصنفات كثيرة، من بينها موسوعته "تاريخ بغداد" و"الكفاية في علم الرواية"، و"موضح أوهام الجمع والتفريق"، وغيرها، توفي ببغداد عام 463هـ، ينظر: ابن شهبة، طبقات الشافعية، ج1، ص 240، والزركلي، الأعلام، ج1، ص 172. (1/88)
صفحة 89
ثم نقل عنه أيضاً قوله: "الأحاديث الرقاق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجيء شيء فيه حكم" (1)
جـ- عن أبي زكرياً العنبري قال:"الخبر إذا ورد لم يحرم حلالاً، ولم يحل حراماً، ولم يوجب حكماً وكان في ترغيب أو ترهيب أو تشديد أو ترخيص وجب الإغماض عنه، والتساهل في رواته" (2) .
وقد يقول القائل هذا في فضائل الأعمال بخلاف أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة إلا أننا نجد النص الصريح في ذلك من بعض الباحثين كما قال أحدهم في أحاديث الفتن مفرقاً بين أحاديث الحلال والحرام وبين أحاديث الفتن وأشراط الساعة وأن المنهج المتبع فيها يختلف قال:"فمن هنا نقول إنه لا بد من التساهل في أحاديث الفتن والأمور المستقبلية خاصة أن غالب أهل الحديث لم يولوها أهمية بنفس المقدار الذي أعطوه للأحاديث الفقهية والعقائدية" (3) .
وهذا الأمر ليس بصحيح ألبتة بل لا بد فيها كذلك من التثبت ولا يصح فيها التساهل والترقيع غير أني وجدت ما يسعف هذا الكلام من كلام أهل العلم من ذلك:
__________
(1) 1 الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، تحقيق:السورقي والمدني، ج1، المكتبة العلمية، المدينة المنورة، بدون ذكر طبعة ولا سنة نشر، ص 134.
(2) 2 المصدر السابق ذاته .
(3) 3 حاتم الشريف، الرايات السود في أحاديث الفتن، موقع ملتقى أهل الحديث، الشبكة العالمية. (1/89)
صفحة 90
أ- قال الإمام أحمد:"ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير" (1) وعلّق على ذلك الخطيب قائلاً:"وهذا الكلام محمول على وجه وهو أن المراد به كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير معتمد عليها، ولا موثوق بصحتها لسوء أحوال مصنفيها، وعدم عدالة ناقليها، وزيادات القصاص فيها" ثم قال:"فأما كتب الملاحم فجميعها بهذه الصفة، وليس يصح في ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة اتصلت أسانيدها إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من وجوه مرضية، وطرق واضحة جلية" (2) ، ووافقه على ذلك ابن حجر فقال:"قلت ينبغي أن يضاف إليها الفضائل، فهذه أودية الأحاديث الضعيفة والموضوعة، إذ كانت العمدة في المغازي على مثل الواقدي، وفي التفسير على مثل مقاتل والكلبي، وفي الملاحم على الإسرائيليات" (3) .
__________
(1) 4 الخطيب البغدادي،الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تحقيق:محمود الطحان، ج2، بدون ذكر طبعة، مكتبة المعارف، الرياض، 1403هـ، ص162.
(2) 5 المصدر السابق، ج2، ص ص 162-163.
(3) 6 ابن حجر، لسان الميزان، تحقيق:دائرة المعارف النظامية، ج1، الطبعة الثالثة، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1406هـ -1986م، ص 12. (1/90)
صفحة 91
ب- قال ابن عساكر (1) بعد ذكر رواية هناك عن أهل الشام:"في ثبوت هذه الحكاية نظر؛ لأن العدوي كذاب، وإن صح فيحتمل أنه إنما قال ذلك؛ لأن الغالب على أحاديث أهل الشام أحاديث الفتن والملاحم، أو لأنهم لا يسألون عن الإسناد، ويأخذون الأحاديث كما تيسر كما في الحكاية التي قبلها عن مكحول والله أعلم" (2) .
وعليه بما أنها أودية الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وفيها ما فيها من التساهل، وجب إعادة النظر، وتتبعها واستخلاص الصحيح من الضعيف، والسمين من الغث حتى لا يختلط الحابل بالنابل.
القاعدة الخامسة
البعد عن الإسقاط في التحليل
" دليل القاعدة
يقول الله سبحانه وتعالى ? ? ? ? ? ? ? ? ? (3) فهذه الآية الكريمة تدل على النهي عن القول بدون علم ولا بصيرة، والخوض في أمور لا معرفة للمرء بها، وقد قال سبحانه وتعالى ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (4) فتفسير الآيات أو توجيه الأحاديث بما يبعد النص عن حقيقته هو تقول على الله عزوجل وهو منهي عنه كما قال سبحانه ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (5)
__________
(1) 1 ابن عساكر: هو علي بن الحسن بن هبة الله بن عبدالله الحافظ، أبو القاسم، المعروف بابن عساكر، إمام أهل الحديث في زمانه، كان ديّنا خيرا، كثير العلم، غزير الفضل، من مصنفاته الموسوعة الضخمة "تاريخ مدينة دمشق"، و"تبين كذب المفتري"، و"معجم الصحابة"، وغيرها توفي عام 571هـ، ينظر: ابن شهبة، طبقات الشافعية، ج2، ص13، والزركلي، الأعلام، ج4، ص273.
(2) 2 ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، تحقيق:محب الدين العمري، ج1، دار الفكر، بيروت، 1995م، ص363.
(3) 1 الإسراء، الآية 36.
(4) 2 البقرة، الآية 169.
(5) 3 الأعراف، الآية 33. (1/91)
صفحة 92
والنبي -صلى الله عليه وآله و سلم- نهى عن الخوض فيما لا علم للمرء فيه، وأن المسلم ينبغي له أن يبتعد، وينأى بنفسه عن الأمر الذي لا يعرفه، ويشك فيه، فقال صلى الله عليه وآله و سلم:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (1)
" بيان معنى القاعدة:
قبل الخوض في تفصيل هذه القاعدة من الجدير بنا أن نبين معنى الإسقاط في التحليل، وقصدت بهذا التعبير هو تنزيل النصوص على الوقائع والحكم على أحداث معينة بما تضمنته أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة، وتفسيرها بواقعة معينة ماضية أو حاضرة، وقد نهانا الشرع الحنيف من الولوج في باب هو ضرب من الخيال والأوهام والظنون والتخرصات، فكل أمر أشكل علينا لا بد أن نقف عنده، ولا نخوض فيه إلا عن علم وبصيرة ودراية، والله عزوجل أوضح لنا ذلك كما تبين في الآية الكريمة ? ? ? ? ? ? ? ? ? (2) ، والمسلم الحق هو وقّاف عن مالا علم له به كيف لا وقد ذكر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم - الوعيد الشديد فيمن يفتي بلا علم أو يفسر رؤيا من غير دراية ولو كان جوابه صواباً فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام: "من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن وقع من السماء إلى الأرض فصادف بئرا لا قعر له، ولو أنه أصاب الحق" (3)
__________
(1) 4 رواه أحمد في مسنده، ج3، ص153، حديث رقم (12572)، والحاكم في المستدرك، ج2، ص15، وقال:هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
(2) 1 الإسراء، الآية 36.
(3) 2 رواه الربيع بن حبيب في مسنده، ج1، ص34، حديث رقم(35)، وهو مرسل. (1/92)
صفحة 93
وهذا كله إن كان إقدامه وتجاسره من غير علم، وإلا فالواضح من النصوص النبوية جواز ذلك إن كان قوله منبنياً على علم ومعرفة، وهذا أيضاً هو صنيع كثير من أهل العلم كما هو ظاهر في كتبهم، وهو منهج الرعيل الأول -رضوان الله تعالى عليهم- عندما يرون حقيقة ما وعدوا، وأخبروا من الوحي قال الله عزوجل: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? (1) ولكي أوضح المسألة لا بد أن أقسمها على أربعة أقسام:
1- أن يكون النص صحيحاً والتنزيل صحيحاً، ومن ذلك ما جاء في حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه "تقتله الفئة الباغية" (2) فوصف البغي باتفاق أهل العلم أنه ينطبق على صف معاوية ومن معه، ومنها أيضاً حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال:"أيكن تنبحها كلاب الحوأب"، فهنا وقفت السيدة عائشة -رضي الله عنها- وقالت "ما أظنني إلا راجعة ..." (3) لعلمها أنه في هذه الواقعة هي المقصودة في حديث رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - فأسقطت النص على الواقعة ومنها أيضاً حديث حذيفة عن الفتنة الكبرى ومن يكسر الباب" (4) فأنزل رضوان الله عليه النص على عمر رضي الله عنه فمثل هذا كما تراه تطبيق وتنزيل صحيح، موافق للنص الصحيح.
__________
(1) 3 الأحزاب، الآية 22
(2) 4 تقدم تخريجه ص61.
(3) 5 رواه أحمد في مسنده، ج6، ص52، حديث رقم(24299)، وأبو يعلى في مسنده، ج8، ص282، حديث رقم(4868)، قال الهيثمي:"ورجال أحمد رجال الصحيح" ينظر:الهيثمي، مجمع الزوائد، ج7، ص234.
(4) 1 تقدم تخريجه. (1/93)
صفحة 94
2- أن يكون النص صحيحاً والتنزيل غير صحيح، وهذا بلا شك قول بلا علم، وجسارة بلا معرفة، وينبغي للمسلم أن يتورع من ذلك قبل أن تزل قدمه، فيقع فيما لا يحمد عقباه، فيضيع دينه بتقوله، وقوله ما لا يصح له، أو أن يصيب قوماً بجهالة وسوء وضرر، فيصبح على ما فعله وأقدم عليه من النادمين، ومن ذلك ما نراه في زماننا من ظهور كتابات ومؤلفات تسرد قصصاً خيالية، يحاولون فيها تطويع النصوص، وانتزاعها وتذليلها لمرادهم، فيسقطون الأحاديث، وينزلونها على أوهام وظنون، وإذا بالزمان، يهدم عليهم ما أتوا به من هذيان، حتى يظن الواحد منهم أنه قد أجاد وأفاد، وإذا بكتاباته قد فتن الناس، ولبسّ عليهم وزاد، فينبغي لأهل العلم أن ينبروا، وينادوا بكلمة واحدة هذه كتب باطلة، وقراءتها مضيعة للوقت والعمر، ولا بد من تحذير الناس من هذه الكتب ومقاطعتها، أو يصدر أهل العلم فتوى تقطع دابر هؤلاء المستخفين بعقول الناس والمتلاعبين والعابثين بنصوص الشرع الحنيف، ومن أمثلة هذا القسم أيضا ما جاء عن معاوية أنه قال -في تنزيله حديث عمار تقتله الفئة الباغية- لعمرو:"دحضت في بولك أونحن قتلناه، إنما قتله علي وأصحابه، جاؤوا به حتى ألقوه بين رماحنا أو قال بين سيوفنا" (1) .
3- أن يكون النص غير صحيح والتنزيل صحيحاً: وهذا القسم مرفوض لكونه منبنياً على مالم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأما تنزيله على الواقعة وموافقته فهذا لا يعني صحته كما ذكر ذلك بعض أهل العلم بجواز ذكره (2)
__________
(1) 2 رواه أحمد في مسنده، ج4، ص199، حديث رقم (17813)، وأبو يعلى في مسنده، ج13، ص123، حديث رقم (7175)، والحاكم في المستدرك، ج2، ص168، حديث رقم(2663) وقال:هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة.
(2) 3 حمود التويجري، إتحاف الجماعة، ج1، ص12 (1/94)
صفحة 95
لتشويه صورة جماعة أو طائفة أو فرقة أو مذهب ومن ذلك بعض ما جاء في ذم الدولة الأموية، والدولة العباسية، وهذا واضح لمن تتبع كتاب الفتن.
4- أن يكون النص غير صحيح والتنزيل غير صحيح: وهو أشد وأدهى، وطائفة من الكتّاب المعاصرين بنوا كتبهم على مثل هذه الأحاديث التي حكم عليها أهل العلم بالبطلان أو الضعف أو النكارة ومن ذلك أحاديث السفياني (1) وأحاديث الرايات السود ونحوها، والغريب أن يُعتمد على نص لم يثبت ثم ينزل على أشخاص وأماكن ووقائع، وفي الحقيقة من فتن الزمان بروز كتابات ما أنزل الله بها من سلطان.
هذا والقسمان الأخيران كما هو واضح ليس من شأننا، ولا كبير فائدة في البحث فيها، وإطالة الحديث عنها، فعمدتنا النص الصحيح.
وتنزيل النصوص على الوقائع كما سبق هو منهج أهل العلم قديماً وحديثاً، والأمثلة على ذلك كثيرة، وسأسوق بعضاً منها هنا:
1- ما رواه الإمام البخاري:عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال سمعت الصادق المصدوق يقول:"هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش فقال مروان:لعنة الله عليهم غلمة، فقال أبوهريرة:لو شئت أن أقول من فلان بني فلان لفعلت فكنت اخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا بالشام فإذا رآهم غلماناً أحداثاً قال: لنا عسى هؤلاء يكونوا منهم قلنا أنت أعلم" (2) .
__________
(1) 1 قال ابن حجر:"والسفياني المذكور في كتب الملاحم والفتن أنه يخرج في آخر الزمان، يقال:إن بعض آل أبي سفيان وضع خبره لما زالت دولتهم" ينظر:ابن حجر، تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، ج2، المكتبة العلمية، بيروت، بدون ذكر طبعة ولا سنة نشر، ص735.
(2) 2 رواه البخاري، كتاب:الفتن، باب:قول النبي - صلى الله عليه وسلم - هلاك أمتي على يديّ أغيلمة سفهاء حديث رقم(6649). (1/95)
صفحة 96
2- ما رواه الإمام مسلم أن جابر بن عبدالله كان يحلف أن ابن صائد هو الدجال، فقلت أتحلف بالله، قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي- صلى الله عليه وسلم - فلم ينكره النبي - صلى الله عليه وسلم - " (1) .
3- حديث أسماء: وهي تخاطب الحجاج:"أما إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - حدثنا أن في ثقيف كذاباً ومبيراً، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا أخالك إلا إياه، قال: فقام عنها، ولم يراجعها" (2) .
قال النووي:" وقولها في الكذاب فرأيناه، تعني به المختار بن أبي عبيد الثقفي، كان شديد الكذب، ومن أقبحه ادعى أن جبريل -عليه السلام- يأتيه، واتفق العلماء على أن المراد بالكذاب
هنا المختار بن أبي عبيد، وبالمبير الحجاج بن يوسف. والله أعلم" (3)
4- وقال النووي أيضاً في معرض شرحه لحديث "منعت العراق درهمها وقفيزها ..." (4) :"وهذا قد وجد في زماننا في العراق، وهو الآن موجود ...." (5)
5-وقال أيضاً عند شرحه لحديث "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضئ أعناق الأبل ببصرى" (6) :"وقد خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت ناراً عظيمة جداً من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، تواتر العلم بها عند جميع أهل الشام، وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها بالمدينة" (7) .
__________
(1) 3 رواه مسلم، كتاب:الفتن وأشراط الساعة، باب:ذكر ابن صياد حديث رقم(2929).
(2) 4 رواه مسلم، كتاب:فضائل الصحابة، باب:ذكر كذاب ثقيف ومبيرها حديث رقم(2545).
(3) 1 النووي، شرح صحيح مسلم، ج16، ص100.
(4) 2 رواه مسلم، كتاب:الفتن وأشراط الساعة، باب:لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب حديث رقم(296).
(5) 3 النووي، شرح صحيح مسلم، ج18،ص20.
(6) 4 رواه مسلم، كتاب:الفتن وأشراط الساعة، باب:لا تقوم الساعة حتى تخرج من أرض الحجاز حديث رقم(2902).
(7) 5 النووي، شرح صحيح مسلم، ج18، ص28. (1/96)
صفحة 97
6-وقال ابن حجر :"والذي ظهر لي أن النار المذكورة في حديث الباب هي التي ظهرت بنواحي المدينة، كما فهمه القرطبي وغيره " (1) .
7-وقال عند شرحه لحديث أبي هريرة قال :قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -:"لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما واحدة...." (2) :"وأما قوله حتى تقتتل فئتان الحديث تقدم في كتاب الرقاق أن المراد بالفئتين علي ومن معه، ومعاوية ومن معه" (3) .
__________
(1) 6 ابن حجر، فتح الباري، ج13، ص79.
(2) 7 رواه البخاري، كتاب: الفتن، الباب:26 حديث رقم(6704).
(3) 8 ابن حجر، فتح الباري، ج13، ص85. (1/97)
صفحة 98
وغيرها من النصوص كثيرة "يتبين مما سبق أن التنزيل على قسمين:قسم هو اجتهاد وتأويل محض يصيب ويخطئ أياً كان قائله، ومهما بلغ في الفضل والعلم، كما في تأويل جابر وعمر أن ابن صياد هو الدجال، وأما عدم إنكار النبي -صلى الله عليه و سلم- على حلف عمر فهذا لا يدل على موافقة النبي -صلى الله عليه و سلم- على هذا التنزيل ورضاه بهذا التأويل، وقد ذكر العلماء أوجها تبين هذا: منها ما ساقه الحافظ ابن حجر عن ابن بطال فإنه قال بعد أن قرر دليل جابر فإن قيل تقدم في الجنائز أن عمر قال للنبي -صلى الله عليه و سلم- في قصة ابن صياد: دعني أضرب عنقه، فقال:إن يكن هو فلن تسلط عليه، فهذا صريح في أنه تردد في أمره، فلا يدل سكوته عن إنكاره عند حلف عمر على أنه هو، ونقل الحافظ عن النووي قوله:"قال العلماء قصة ابن صياد مشكلة، وأمره مشتبه، لكن لا شك أنه دجال من الدجاجلة، والظاهر أن النبي -صلى الله عليه و سلم- لم يوح إليه في أمره بشيء، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال وكان في ابن صياد قرائن محتملة، لذلك كان - صلى الله عليه وسلم - لا يقطع في أمره بشيء، بل قال لعمر:لا خير لك في قتله" فهذا النوع من التنزيل لا يمكن أن تجرى عليه الأحكام؛ لأنه مظنة الخطأ، وموافقة الصواب فيه محتملة، وليس فيه خبر عن المعصوم يقطع به، ومن ههنا منع النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر من قتل ابن صياد لما تأول أنه هو الدجال، ومنه نقول أنه لا يجوز أن تتخذ مواقف عملية تجاه كثير من الإسقاطات والتنزيلات لأحاديث الفتن والملاحم، فلا يجوز الخروج على حاكم ما بزعم أنه السفياني، ولا الثورة مع أي داعية بدعوى أنه المهدي المنتظر، ولقد أثبت التاريخ والواقع بطلان كثير من تلكم المزاعم، والفساد العريض الذي أحدثه أولئك المتأولون المتسرعون المعتمدون على أحاديث الفتن والملاحم بإسقاطات متكلفة، والرؤى والمنامات بتأويلات وتعبيرات خاطئة فيتلاعب بهم الشيطان، فينشرون الفتن، (1/98)
صفحة 99
ويبثون الرعب في صفوف الآمنين، ويغررون بكثير من العوام والمخدوعين ممن لا علم عندهم ولا بصيرة في الدين.
والقسم الثاني: هو تنزيل عن وحي وعلم من المعصوم، فهذا حق لا شك فيه، والتحدث به يكون حسب ظروف القائم وأحوال المستمعين إليه كما تقدم بيانه، ويدخل حينها في باب من خص للعلم قوماً دون قوم كراهية ألا يفهموا، وبتتبع كتب السنة وشروحها المختلفة لا نجد من هذا النوع إلا نزراً يسيراً جداً مما يدل على أنه كان استثناء يعمل به في ظروف خاصة، كما يدل على أن المحدثين ما كانوا يقحمون أنفسهم في إسقاط هذه الأحاديث على الوقائع والأحداث، ولم نجد لهم في هذا كتاباً واحداً" (1)
وعليه لا بد من وضع ضوابط ومعايير ومعالم حتى نتفادى الزلل والخطأ، ويكون التنزيل صحيحاً وصوابا،ً وهذا كله إن كان النص ثابتاً وصحيحاً كما مر، وإلا فلا فائدة من التقعيد، وذكر الضوابط.
ومن هذه المعايير والمعالم:
1-المعيار الأول:- التأكد من معنى النص :
فلا يتصور من مريد تنزيل النص على الواقع أن يقدم على مراده إلا إن فهم معنى النص، وتجلت له حقيقته، فقد كان الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- يسألون النبي -صلى الله عليه وآله وسلم - ما أشكل عليهم، ويستوقفونه فيما لم يظهر لهم معناه، أو يطلبون منه أن يصف لهم الحال، والأشخاص فمن ذلك:
أ- عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "أين أراه السائل عن الساعة قال: ها أنا يا رسول الله قال: فإذا ضيعت الأمانة، فانتظر الساعة قال:كيف إضاعتها قال:إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" (2)
__________
(1) 1 أبو بكر كافي، أحاديث الفتن والملاحم بين الفقه والصحيح والتأويلات الخاطئة، في محاضر ندوة الحديث الشريف وتحديات العصر، دبي 28-30 مارس، 2005م، ج3، ص ص 1136-1137.
(2) 1 رواه البخاري، كتاب:العلم، باب: من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه، حديث رقم(59). (1/99)
صفحة 100
ب- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يتقارب الزمان وينقص العمل ويلقى الشح ويكثر الهرج قالوا وما الهرج قال القتل" (1) .
جـ- عن حذيفة -رضي الله عنه- عندما سأله عن الفتن والشر، فقال صلى الله عليه وسلم:" نعم دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، فقال : هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ..." (2)
وليعلم أن "كثيراً من أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة مما يراد به وقائع معينة، ويمكن أن تنزل عليها مما اختلف أهل العلم في معانيها، وهذا الاختلاف عامل مؤثر في تصوير الواقع الذي ينبغي أن يتناوله النص" (3) وعليه فمن الواجب فهم معنى النص قبل أن يسقط على الواقع.
2- المعيار الثاني:- أن يكون التنزيل بعيداً عن التكلف والتعسف مستكملاً لأوصاف النص، ومطابقاً له، فلا يحتاج عند التطبيق إلى لي أعناق النصوص، وتطويعها إلى المراد، وقد سار أهل العلم على هذا المنوال، فالنووي عندما شرح حديث "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك قوماً وجوههم كالمجان المطرقة، يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر" (4)
__________
(1) 2 رواه البخاري، كتاب: الأدب، باب:حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل، حديث رقم(5690)، ومسلم، كتاب:العلم، باب:رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، حديث رقم(157).
(2) 3 رواه البخاري، كتاب:المناقب، باب:علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم(3411)، ومسلم، كتاب:الإمارة، باب:وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، حديث رقم(1847).
(3) 4 عبدالله بن صالح العجيري، معالم ومنارات في تنزيل أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الوقائع والحوادث، غير منشور، ويوجد على موقع الدرر السنية، ص 80.
(4) 1 رواه مسلم، كتاب:الفتن وأشراط الساعة، باب:لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى، حديث رقم(2912). (1/100)
صفحة 101
قال: "وقد وجدوا في زماننا هكذا" ثم قال :"فوجدوا بهذه الصفات كلها في زماننا، وقاتلهم المسلمون مرات، وقتالهم الآن، ونسأل الله الكريم إحسان العاقبة للمسلمين في أمرهم، وأمر غيرهم، وسائر أحوالهم، وإدامة اللطف بهم والحماية، وصلى الله على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" (1) .
3- المعيار الثالث:-أن يكون النص حكماً على الواقع لا العكس.
فنحن غير ملزمين ولا متعبدين أن نطبق أحاديث الفتن على الواقع، بل ندع الواقع ينطبق على النصوص ثم نقول:هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وإلا للزم تكذيب النصوص إن وقع خلل كما هو حال بعض الكتّاب الذين يسقطون النصوص على الواقع فلما يتبين الخطأ ينقلبون على النص بالرد والتكذيب، وعليه ينبغي للمتصدر لتنزيل النصوص وإسقاطها على الواقع أن يفقه واقعه ويفهمه، ويحيط بكل جزئياته، وكأنه يعاينه كما قال الحسن البصري:"فإذا كنت في أشراط الساعة فكأنك قد عاينته " (2) فلا داعي للتسرع في إطلاق الأحكام بل المطلوب التأني في التنزيل وعدم العجلة.
4- المعيار الرابع:- المحافظة على الألفاظ الشرعية:
فمن الضروري أن نلتزم بما جاء به النص، وعدم الخروج عنه لئلا يقع الناس في الخطأ، حتى بالغ بعض أهل العلم في التشديد في ذلك قال ابن حجر :"وبالغ القاضي ابن العربي فقال:ضلّ قوم فرووه المسيخ بالخاء المعجمة، وشدّد بعضهم السين ليفرقوا بينه وبين المسيح عيسى بن مريم بزعمهم، وقد فرق النبي -صلى الله عليه وسلم - بينهما بقوله في الدجال مسيح الضلالة، فدل على أن عيسى مسيح الهدى، فأراد هؤلاء تعظيم عيسى فحرفوا الحديث" (3)
__________
(1) 2 النووي، شرح صحيح مسلم، ج18، ص ص 37-38.
(2) 3 نعيم بن حماد، الفتن، تحقيق:أيمن عرفه، بدون ذكر طبعة، المكتبة التوثيقية، مصر، بدون ذكر سنة نشر، ص498.
(3) 1 ابن حجر، فتح الباري، ج13، ص94. (1/101)
صفحة 102
ومن أمثلة ذلك تسمية القتال بين المسلمين واليهود بهرمجدون وهو تعبير يتردد في ألسنة الناس اليوم، ولا حقيقة له في الشرع، وقد قال ابن القيم (1) :"فتولد من هجران ألفاظ النصوص، والإقبال على الألفاظ الحادثة، وتعليق الأحكام بها على الأمة من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، فألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب، ولما كانت هي عصمة عهدة الصحابة وأصولهم التي إليها يرجعون، كانت علومهم أصح من علوم من بعدهم، وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقل من خطأ من بعدهم، ثم التابعون بالنسبة إلى من بعدهم كذلك وهلم جرا" (2)
وقال:"وهذا محافظة منه -صلى الله عليه وسلم - على الأسماء التي سمى الله بها العبادات، فلا تهجر، ويؤثر عليها غيرها كما فعله المتأخرون في هجران ألفاظ النصوص، وإيثار المصطلحات الحادثة عليها، ونشأ من هذا الجهل والفساد ما الله به عليم" (3)
القاعدة السادسة
التبشير لا التنفير والتفاؤل لا اليأس
" دليلها:
__________
(1) 2 ابن القيم: هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعيد الزرعي الدمشقي الحنبلي شمس الدين، ابن قيم الجوزية، جريء الجنان، واسع العلم، وغلب عليه حب ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، ألف تصانيف كثيرة نافعة منها "زاد المعاد"، و"شفاء العليل"، و"الصواعق المرسلة"، وغيرها كثير توفي سنة 751هـ، ينظر:ابن حجر، الطبعة الثانية، مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، 1392هـ -1972م ، ج5، ص ص 137-140، والزركلي، الأعلام، ج6، ص56.
(2) 3 ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين، تحقيق:طه عبدالرؤوف، ج4، بدون ذكر طبعة، دار الجيل، بيروت، 1973م، 170.
(3) 4 ابن قيم الجوزية، زاد المعاد، تحقيق:شعيب الأرناؤوط، ج2، الطبعة الرابعة عشر، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1407هـ - 1986م، ص 350. (1/102)
صفحة 103
أصل هذه القاعدة مأخوذ من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أما من القرآن فقد قال سبحانه وتعالى: ? ? ? ? ? ? ? ?? (1) ، ووصفه بالتبشير في غير ما موضع، بل أرسله المولى عز وجل للناس كافة بهذه الصفة ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (2) ، وبصفة أخص ليبشر المؤمنين بالنصر ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? (3) ، وحذره من الصفات التي تنفر الناس منه ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (4) فهذه الآيات وأمثالها تبين أنه عليه أفضل الصلاة والسلام-جاء بالتبشير لا التنفير.
ومن القرآن كذلك تلك الآيات التي وعد الله عز وجل فيها عباده الصالحين مبشراً- النصر والتمكين وميراث الأرض، وسيأتي بيان ذلك بإذن الله تعالى.
وأما من السنة ما جاء صريحاً في الأحاديث الصحيحة بالأمر بالتبشير ونبذ التنفير؛ لأن التبشير سمة من سمات الإسلام، فقد وصى النبي - صلى الله عليه وسلم - رسله بذلك، فحينما بعث معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن أمرهما بالتبشير فقال لهما:"يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا" (5) فكأنه يقول لهما: الدعوة بالتبشير أبلغ وأقوى، والنصيحة بالتبشير أدعى للقبول والاستجابة.
وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته أجمع فعن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" (6) فهذه الأمة أمة تدعو بالتيسير وإلى التيسير، وبالتبشير وإلى التبشير.
" بيان القاعدة:
__________
(1) الأحزاب، الآية 45.
(2) سبأ، الآية 28.
(3) الصف، الآية 13.
(4) آل عمران، الآية 159.
(5) أخرجه مسلم، كتاب: المغازي، باب: الأمر بالتيسير حديث رقم (1732)، وابن حبان (5373).
(6) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، ومسلم كتاب الأشربة، باب: بيان أن كلّ مسكر حرام، حديث رقم (4500). (1/103)
صفحة 104
جاء هذا الدين من أول يوم بزوغه حاملاً في طياته معاني الاستبشار والبشارة، داعياً إلى التفاؤل والأمل، باعثاً إلى الرجاء بما وعد الله سبحانه وتعالى، سائقاً إلى الأمن والأمان"فأي الفريقين أحق بالأمن" (1) ، فمَقَدمه - صلى الله عليه وسلم - ودعوته هي نعمة للأمة، وهداية للبشرية، وفتح لباب نصر دين الله سبحانه وتعالى، وكسر لشوكة الظلم والشرك وأهله، تراه يدعو ويكافح ومع ذلك يتفاءل ويبشر في جميع مراحل دعوته حتى عندما احلولك الظلام، واشتدت الأزمات، ويظهر ذلك جلياً في موقفين رائدين الأول: بشّر سراقة بن مالك" في أحرج المواقف التي تضيق منها الصدور، ويضطرب فيها البال، فعندما خرج - صلى الله عليه وسلم - مهاجراً من مكة ومعه الصديق -رضي الله عنه-، وكان المشركون يكادون يأخذون عليهما جميع المسالك بالرصد والتبع، إذ كانوا يعدون من يأتيهم به حياً أو ميتاً بمائة قلوص، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه اللحظات الحاسمة ينظر إلى وعد الله القاطع بالنصر والتمكين، وظهور هذا الدين على كل دين، حتى كأنه من ثقته بهذا الوعد ينظر إلى الموعود به أمام ناظريه، وعندما لحق به سراقة، وصده الله تعالى عنه وطلب منه كتاب الأمان قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - :" كيف بك إذا لبست سواري كسرى" " (2) .
__________
(1) الأنعام، الآية 81.
(2) أحمد بن حمد الخليلي، جواهر التفسير، ج1، الطبعة الأولى، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، 1404هـ-1984م، ص 127. (1/104)
صفحة 105
والثاني: بشر أصحابه في موقف لا يحسدون عليه، تكالبت عليهم اليهود والمشركون في غزوة الخندق، بينما الصحابة يحفرون فاعترضهم صخرة، وهم يعانون ويقاسون من الحفر يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فيضع البلسم على الجراح، ويحلي الموقف الذي شابته مرارة التعب والهم، بضرباته الثلاث التي فتتت الصخر، وزادهم ببشارته لهم بفتح مدائن كسرى وقيصر وكأنه -عليه أفضل الصلاة والسلام- يشير إليهم أنه مهما اشتدت الأزمات، فإن وعد الله عز وجل آتٍ، وأنه لا حياة بدون عمل، ولا حياة بدون أمل، ويربيهم على روح التفاؤل والاستبشار بالفجر القادم.
وأحاديث الفتن وأشراط الساعة لها النصيب الأوفى، والحظ الأوفر في تعزيز هذه القاعدة، إلا "أن كثيراً من المتدينين يشيع بينهم فكر مغلوط عن (آخر الزمان) وبعبارة أخرى: عن مستقبل الأمة، وهو مستقبل أقرب إلى السواد، إن لم يكن أسود حالكاً وهو فكر مؤسس على أفهام شاعت لبعض الأحاديث التي وردت في سياق الكلام عن الفتن والملاحم وأشراط الساعة، ولكن هذه الأفهام غير سليمة، لهذا كنا في حاجة إلى تجلية حقيقية المبشرات الغائبة عن كثيرين من القرآن الكريم، ومن السنة المشرفة، ومن التاريخ الحافل، ومن الواقع الماثل، ومن سنن الله الثابتة التي لن تجد لها تبديلاً، ولن تجد لها تحويلاً.
وكل داعية للإسلام يحب أن يكون واثقاً بوعد الله تعالى، مستبشراً بمستقبل رسالته الخاتمة، ودعوته الخالدة، رافضاً اليأس الذي هو من لوازم الكفر، والقنوط الذي هو من مظاهر الضلال" (1) .
__________
(1) يوسف القرضاوي، المبشرات بانتصار الإسلام، الطبعة الأولى، مكتبة وهبة، القاهرة، 1417هـ-1996م، ص ص 7-8. (1/105)
صفحة 106
وقد أقبل كثير من الناس على أحاديث الفتن وأشراط الساعة- ذامين زمانهم- بالتأليف وإشاعتها بفهم قاصر ترهيباً وترعيباً، بل" راج في عدد من المواقع العربية في الانترنت الحديث عن أحاديث الفتن بل خصصت لها مواقع، ومن الناس من يتحمس لها، ويأخذها بشيء من التسرع في الفهم" (1) .
وتُبث هذه الأحاديث بصورة مثبطة داعية إلى التشاؤم يقول أحد العلماء المعاصرين: "يتحدث كثير من الدعاة عن آخر الزمان، وعن أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة، حديثاً يوحي مجمله أن الكفر في إقبال، وأن الإسلام في إدبار، وأن الشر ينتصر، والخير ينهزم، وأن أهل المنكر غالبون، وأهل المعروف ودعاته مخذولون.
ومعنى هذا: أن لا أمل في تغيير، ولا رجاء في إصلاح، وأننا ننتقل من سيء إلى أسوأ، ومن الأسوأ إلى الأشد سوءاً، فما من يوم يمضي إلا والذي بعده شر منه، حتى تقوم الساعة.
وهذا لا شك خطأ جسيم، وسوء فهم لما ورد من بعض النصوص الجزئية، وإغفال للمبشرات الكثيرة الناصعة القاطعة، بأن المستقبل للإسلام، وأن هذا الدين سيظهره الله على كل الأديان ولو كره المشركون.
لهذا كان من اللازم أن نتحدث عن هذه المبشرات، ونشيعها بين المسلمين، حتى نبعث الأمل المحرك للعزائم، ونهزم اليأس القاتل للنفوس" (2) .
وإشاعة أحاديث ظهور الفتن بكثرة، وتزايد الفساد جعل بعض الناس القاصرين إذا نصح في نفسه أو أهله وما يظهر عليهم من التبرج والسفور والمخالفة يستشهد بهذه الأحاديث.
وبهذا الفهم السقيم" تنبأ الكثير من السياسيين والمستشرقين باختفاء الإسلام تماماً، وفي غضون حياتهم، فدرسوا الإسلام كحضارة على وشك الاندثار، عليهم أن يسجلوها لأجيال المستقبل" (3) .
__________
(1) مأمون فريز جرار، أحاديث الفتن والفقه المطلوب، الطبعة الأولى، دار المأمون، العبدلي، عمان، 1427هـ-2006م، ص 87.
(2) القرضاوي، المبشرات بانتصار الإسلام، ص 9.
(3) المرجع السابق، ص 61. (1/106)
صفحة 107
هذا الفكر المغلوط الذي سرى في هذه الطائفة يحتم علينا أن نضع المقصل على المفصل بتوضيح الأحاديث التي تحمل في طياتها وعوداً وبشائر بغد مشرق الوجه للأمة وللإسلام والبشرية.
وقبل أن أورد الأحاديث المبشرة، ألقي الضوء قليلاً فيما ورد في القرآن الكريم من مبشرات قاطعة.
فقد قال سبحانه وتعالى واعداً النصر عباده المؤمنين: ? ? ? ? ? ? ? (1) فلا ريب أن النصر حليف المؤمنين.
وقال سبحانه وتعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (2) فهذه الآية يستنشق منها المؤمن المتفائل عبق التمكين ووعد النصر.
وقال سبحانه:? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (3) فهذه الآيات وغيرها مبشرة بخير قادم.
وأما من السنة فالمبشرات كثيرة جداً:
أ منها قوله - صلى الله عليه وسلم - :" ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر" (4) ، يبشر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته ببلوغ وانتشار الإسلام مبلغ الليل والنهار، أي في العالم كله، والبشارة هنا هي تأكيده بقوله" ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين" فهذه من البشارات التي ننتظرها بحيث يدخل الإسلام كل البيوت، على أقل تقدير واحد من أصحابها إن لم يكن الكل أو دخوله بمعنى بلوغه، ومن المعلوم أن هناك بيوتاً في أدغال إفريقيا وغيرها لم تصلهم دعوة الإسلام.
__________
(1) الروم، الآية 47.
(2) النور، الآية 55.
(3) الأنبياء، الآية 105. وقيل: إن الأرض هنا بمعنى أرض الجنة.
(4) رواه أحمد، 4/103، حديث رقم (16998)، والحاكم 4/477، حديث رقم (8326)، والبيهقي في السنن الكبرى، 9/81 حديث رقم (18400) قال الهيثمي:"رجال أحمد رجال الصحيح".ينظر: الهيثمي، مجمع الزوائد، ج6، ص 14. (1/107)
صفحة 108
ب ومنها ما جاء من طريق عبد الله بن عمرو وقد سئل أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو روميه؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتاباً، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نكتب، إذ سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي المدينتين تفتح أولاً: قسطنطينية أو روميه؟ فقال:" مدينة هرقل تفتح أولاً" (1) .
ومن المتعارف أن القسطنطينية التي هي استانبول حالياً تحقق فتحها، فنحن ننتظر فتح روما، وهي عاصمة إيطاليا الآن.
ج- ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - : "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض" (2) .
وهذا الحديث من المبشرات باتساع دولة الإسلام، ولا يقال: يفهم من الحديث بلوغ الإسلام فقط وقد بلغ، بل من الواضح قوله"سيبلغ ملكها" بمعنى الحكم وهذا الوعد الذي ننتظره بحيث يكون الإسلام هو الحاكم والمالك في مشارق الأرض ومغاربها.
__________
(1) رواه أحمد، 2/176 حديث رقم (6645)، والحاكم 4/598 حديث رقم (8662) وابن أبي شيبة في مصنفه، 4/219 حديث رقم (19463)، قال الهيثمي:"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي قبيل وهو ثقة" ينظر:الهيثمي، مجمع الزوائد، ج6، ص219 .
(2) راوه مسلم كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: هلال هذه الأمة بعضهم ببعض حديث رقم (2889) والترمذي، كتاب: الفتن، باب: ما جاء في سؤال النبي ثلاثاً في أمته، وأبو داود، كتاب: الفتن، باب: ذكر الفتن ودلائلها حديث رقم (4252). (1/108)
صفحة 109
د- ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - : "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكاً جبرياً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" (1) .
هذا الحديث الذي ختم فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخلافة الراشدة التي تكون على منهاج النبوة هي البشارة التي ننتظرها بعد الملك الجبري.
هـ- ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - : "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله" (2) .
هذه البشارة النبوية التي ننتظرها هي دليل على علو كلمة الله، وصدع راية الحق، وانتشار الإسلام، وكل شيء يكون من جند الإسلام.
__________
(1) رواه أحمد، 4/273، حديث رقم (18430)، وأبو داود الطيالسي 1/58 حديث رقم (438) والطبراني في المعجم الكبير، 1/157 (368) قال الهيثمي:"ورجاله ثقات" ينظر:الهيثمي، مجمع الزوائد، ج5، ص189.
(2) رواه البخاري، كتاب: الجهاد والسير، باب: قتال اليهود حديث رقم (2767)، ومسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتّى يمر الرجل بقبر الرجل حديث رقم (2922). (1/109)
صفحة 110
و- ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - : "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس" (1) .
هذه من بشارات النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمة الإسلام، والذي يتراءى بين عيني في هذا الحديث قوله: "حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس" فهذا الظهور لا يعني إلا الحكم والانتشار، ولذا فنحن نأمل أن يكون قريباً، وليس ذلك على الله بعزيز.
ز- ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - : "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة، من يجدد دينها" (2) وهذا يعني أنه لا انقطاع بمثل هؤلاء المجددين، والتجديد مقصود به هو تجديد الفهم للدين والإيمان والعمل به وإعادة صياغة الأمة، ومحاولة عودة إلى ما كان عليه الرعيل الأول وليس التجديد بمعنى التطوير والتغيير، ومع هذا كله هناك جماعة تحاول أن توغل في التثبيط وقرع مسامع الناس بأحاديث الفتن، وأنه علم مهمل بحجة أن هذه الأحاديث السابقة يقصد بها زمن الخلافة الراشدة، وقد مضى زمنها، وأما أحاديث الفتن والأشراط فهي تتحدث عن آخر الزمان قرب قيام الساعة، وأنه الزمان الذي نحن فيه.
وأقول الجواب على ذلك من شقين:
__________
(1) رواه البخاري كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، حديث رقم (6881)، ومسلم كتاب: الإيمان، باب: نزول عيسى بن مريم حاكماً بشريعة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - حديث رقم (156).
(2) رواه أبو داود بكتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة حديث رقم (4291)، والحاكم 4/567، حديث رقم (8592)، و4/568 حديث رقم (8593)؛ والطبراني في المعجم الأوسط، 6/324 حديث رقم (6527). (1/110)
صفحة 111
1) - ما ذكره أهل العلم في شرحهم لحديث:"بشروا ولا تنفروا" قال النووي: "وفي هذا الحديث الأمر بالتبشير بفضل الله وعظيم ثوابه وجزيل عطائه، وسعة رحمته، والنهي عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير" (1) وهذا الواضح من صنيع المثبطين.
وقال ابن حجر: "ويظهر لي أن النكتة في الإتيان بلفظ البشارة وهو الأصل، وبلفظ التنفير، وهو اللازم، وأتى بالذي بعده على العكس للإشارة إلى أن الإنذار لا ينفي مطلقاً، بخلاف التنفير فاكتفى بما يلزم عنه الإنذار وهو التنفير، فكأنه قيل إن أنذرتم فليكن بغير تنفير" (2) ولو عمل هؤلاء بهذه النصيحة فذكروا أحاديث الإنذار حيال أحاديث التبشير لكان أحسن.
2) - جاءت الأحاديث ناصة كذلك: "لا تقوم الساعة" و"خلافة على منهاج النبوة" وهي آخر ما سيكون، وإتيان أمر الله "وهم ظاهرون على الناس"، كلها على أنها في آخر الزمان وعليه فالأحاديث التي ذكرت فيها الفتن والملاحم وشيوعها وذيوع الفساد قبل هذا الأمر.
ومع هذا وذاك، فقد جاء في الحديث من غير ما طرق أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "أمتي كالمطر وفي رواية مثل أمتي مثل المطر- لا يدري أوله خير أم آخره" (3) وجاء بألفاظ مختلفة وبطرق متعددة يبين وجود الخير في آخر هذه الأمة، وهي بشارة من البشائر النبوية.
__________
(1) النووي، شرح صحيح مسلم، ج12، ص 41.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج8، ص61
(3) رواه الترمذي، كتاب: الأمثال عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث رقم (2869)، وأحمد 3/130 برقم (12349)، و3/143 برقم (12483)، و4/319 برقم (18901)، والطيالسي، 1/270، حديث رقم (2023)، وابن حبان، 16/210 حديث رقم (7226)، وأبو يعلى 6/190، برقم (3475)، و6/380 رقم (3717)، والطبراني في المعجم الأوسط، 4/78 حديث رقم (3660) قال ابن حجر:"وهو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة" ينظر:ابن حجر، فتح الباري، ج7، ص6. (1/111)
صفحة 112
إذن جاءت أحاديث الفتن وأشراط الساعة لـ "فتح باب الأمل، والاستبشار بحسن العاقبة لأهل الإيمان، إذا ادلهمت الخطوب، وضاقت الصدور، ممّا يعطي المسلمين طاقة يصارعون بها ما يسميه المتخاذلون "الأمر الواقع" ليصبح عزهم ومجدهم هو الأمر الواقع؛ وذلك بناء على البشارات النبوية بالتمكين للدين، وظهوره على الدين كله، ولو كره الكافرون" (1) .
وعليه حق لهذه الأحاديث أن تسمى أحاديث البشائر أو أحاديث المبشرات وأشراط الساعة مقابل أحاديث الفتن.
القاعدة السابعة
التحذير لا الاستسلام
" دليل القاعدة :
... ... ذكر الله سبحانه وتعالى أنه أرسل نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - ليحذر الناس و ينذرهم في كثير من الآيات، فقال سبحانه:? ? ? ? ? ? ? ? ? (2) وقال عز وجل: ? ? ? ? ? ? ? (3) وقال تعالى ? ? ? ? ? ? ?( (4) ، فهذه الآيات كلها تصف نبي الرحمة -عليه الصلاة والسلام- أنه جاء منذراً ومحذراً أمته.
... ... وبالمقابل فقد ذم الله عز وجل صفة القنوط واليأس والاستسلام، فقال عز من قائل ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (5) ، وقد وصف الله جل جلاله فريقاً من عباده الذين إذا امتحنوا وابتلوا أثخنوا ويأسوا من رحمته فقال سبحانه وتعالى ? ? ? ? ? ? ? (6) ، وقال تبارك وتعالى ? ? ? ? ? ? ? (7) .
__________
(1) محمد المقدم، فقه أشراط الساعة، ص 22.
(2) سبأ، الآية 28.
(3) البقرة، الآية 119، وفاطر، الآية 124.
(4) الفتح، الآية 8.
(5) الروم، الآية 36.
(6) فصلت، الآية 49.
(7) الإسراء، الآية 83. (1/112)
صفحة 113
... ... وأما من السنة فقد جاء صريحاً أنه -عليه أفضل الصلاة والسلام- حذر أمته من فتن حاصلة، وعظائم واقعة من بعده، فقد جاء من طريق أبن مسعود - رضي الله عنه- قال: قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أحذركم سبع فتن تكون بعدي...." (1) وقال - صلى الله عليه وسلم - : " احذروا الدنيا فإنها خضرة حلوة..." (2) ، ولم يألوا جاهداً توضيح ذلك لأمته فعن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام فحذر الناس....." (3) وأحاديث أخرى تبين تحذيره - صلى الله عليه وسلم - لأمته خشية الوقوع في المهالك والمزالق والأخطار.
" معنى القاعدة:
... ... من خلال الآيات الكريمة السابقة، وفيما جاء من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبين لنا أن الأصل في ذكر أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة هو الإنذار والتحذير، وأخذ الأهبة والاستعداد "ومعرفة علامات الساعة تتضمن تنبيهاً للأمة، وتحذيراً لها، وتصف العلاج الرباني لكل ما يصيبها من مواطن الزلل والسقوط، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أرشد أمته إلى طبيعة الفتن التي ستقع فيها، لم يقتصر حديثه على وصف هذه الفتن، وإنما تعداه لبيان سبل النجاة منها، ورسم منهجاً متكاملاً يتضمن السلامة لمن يعايش هذه الفتن،أو يقع فيها.
__________
(1) رواه الحاكم في المستدرك ج 4، ص 515 حديث رقم (8447 )وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".
(2) رواه مسلم، كتاب:الرقاق، باب:أكثر أهل الجنة الفقراء، حديث رقم(2742)، وابن ماجه، كتاب:الفتن، باب:فتنة النساء، حديث رقم(4000)، وأحمد في الزهد، ج1، ص12، واللفظ له.
(3) رواه أحمد 3/167، حديث رقم (12726)، والبزار، المسند، ج12، ص326، حديث رقم(6190). (1/113)
صفحة 114
... ... فأحاديث الفتن والملاحم ترسم وصفاً دقيقاً لحقيقتها، ومنهجاً حكيماً للنجاة منها، والمسلم يعايش هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخاص به وبزمانه في كل ما يحيط به من فتن، وهذا يتفق مع عمومية رسالة الاسم للزمان والمكان.
ومن هنا تظهر أهمية دراسة علامات الساعة، وذلك لما تتضمن من تفهم وتحذير وإرشاد وتنبيه لمواطن البلاء، أو الزلل وحقيقة الداء وطبيعة الدواء المناسب له إلى قيام الساعة، وهذا الهدف واضح في أكثر علامات الساعة، على سبيل المثال عندما تحدث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن غثائية الأمة في آخر الزمان وتكالب الأمة عليها بين سبب العلة الموضحة لسبيل العلاج من خلال بيانه بان هذه الغثائية سببها حب الدنيا وكراهية الموت، وعندما تحدث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الذبذبة الإيمانية عند وقوع الفتن التي كقطع الليل المظلم بدأ بالعلاج لها قبل أن تبدأ بوصفها، وذلك عند قوله: بادروا بالأعمال الصالحة فتناً، وعندما أشار إلى الفرقة والاقتتال الداخلي في الأمة، أو إلى مرحلة الهرج التي تعصف بالأمة بين الوسائل المنجية فيها" (1) .
... والنبي - صلى الله عليه وسلم - وجه أمته إلى الاستعداد والإعداد لا الخنوع والخمول والانتظار فقد بين - صلى الله عليه وسلم - أن الفائدة من معرفة العلامات والأشراط هو الاستعداد، وقد صرف السائل إلى ما ينبغي له كما يثبت في الحديث الشريف " وماذا أعددت لها" (2)
__________
(1) محمد المبيّض، الموسوعة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، ص ص 39-40.
(2) رواه البخاري، كتاب:فضائل الصحابة، باب:مناقب عمر بن الخطاب، حديث رقم(3485)، ومسلم، كتاب:البر والصلة والآداب، باب:المرأ مع من أحب، حديث رقم(2639). (1/114)
صفحة 115
... " ومن المؤسف أن كثيراً من الأحاديث المتعلقة بآخر الزمان أو ما يسمى أحاديث الفتن وأشراط الساعة يفهمها بعض الناس فهماً يوحي باليأس من كل عمل للإصلاح والتغيير، ولا يتصور أن يدعو الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - الأمة إلى اليأس والقنوط، وترك الفساد يستشري في الناس، والمنكرات تنخر في عظام المجتمع، دون أن يصنع الناس شيئا، يقوم ما أعوج، أو يصلح ما فسد" (1) .
... ومما جاء عنه عليه أفضل الصلاة والسلام من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه- أنه قال: " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء" (2) ، " و لا دلالة في الحديث على اليأس من المستقبل أن أحسنا فهمه، ومما يدل على أن الحديث لا يعني الاستسلام أو اليأس، ولا يدعو إليه بحال، ما جاء في بعض الروايات من وصف لهؤلاء الغرباء من أنهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من السنة، ويحيون ما أماته الناس منها، فهم قوم ايجابيون بناؤون مصلحون، وليسوا من السلبيين أو الانعزاليين أو الاتكاليين، الذين يدعون الأقدار تجري في أعنتها، ولا يحركون ساكناً، أو ينبهون غافلاً" (3) .
... وقد أجاد أحد العلماء عندما رأى تقاعس بعض الناس، وتخاذلهم و تقوقعهم على أنفسهم، وفهمهم السقيم لأحاديث أشراط الساعة، فوجه كلمة إلى المتواكلين القاعدين عن العمل الجدي لنصرة الإسلام استسلاما، فقال: "وهناك فكرة شائعة لدى عدد من عوام المسلمين، وهي أنهم يتخذون من إخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذه العلامات، متكئاً لهم في ترك العمل الجدي إلى إعادة الحياة الإسلامية الصحيحة، وقد ربطوا بعلامات الساعة أمراً لا صلة له بها!
__________
(1) يوسف القرضاوي، المبشرات بانتصار الاسلام، ص 108.
(2) رواه مسلم، كتاب:الإيمان، باب:بيان أن الإسلام بدأ غريبا حديث رقم(145)، وابن ماجه، كتاب: الفتن، باب:بدأ الإسلام غريباً، حديث رقم(3986).
(3) يوسف القرضاوي، المبشرات بانتصار الإسلام، ص 110. (1/115)
صفحة 116
وهو أن العمل الآن لا يجدي؛ لأنه لا بد أن يزداد الفساد، وينتشر الضلال، وتأتي الخوارق التي تتقدم الساعة، من ظهور المهدي ونزول ـ عيسى عليه السلام ـ...، وحينئذ يعود الإسلام وينتصر الدين، وينتشر الحق، ويقوى أهله، ويسود الحكم بالإسلام على وجهه، فلا جدوى الآن من مقاومة الباطل وأهله مهما حاول الإنسان المسلم!
وهذه الفكرة الضالة الخبيثة -وقد تكون دخيلة على المسلمين بمخارز أعدائهم الناعمة- :أسقطت السعي الجدي الواجب، والوعي الإسلامي الصحيح، عند هؤلاء الجاهلين ومن يدور في فلكهم من المسلمين المغفلين لِلَّهِ فقد أثرت فيهم تأثيراً سلبياً، وأحبطت منهم العمل الجدي والسعي المتواصل لإعادة الحياة الإسلامية.
وكثيرا ما خدع هؤلاء الجاهلون الأغرار من المسلمين : أشباههم بقولهم لهم : إن العالم قد اقترب من نهايته، وإن الأحاديث النبوية تدل على استمرار التدهور في شأن الإسلام والمسلمين، ولما كان الأمر هكذا، كان لا جدوى من السعي لعمل شيء في وقف هذا التيار الفاسد، ومنع هذا الإنحدار، إذ هو أمر قدّره الله تعالى، وبلغه رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا بد أنه واقع، فما علينا إلا التسليم والسكون حتى يأتي أمر الله الذي لا مفر منه.
وهذه الفكرة الخاطئة الزائفة، تجب معالجتها في نفوس المصابين بها، لدفع هذا التأثير السلبي" (1)
القاعدة الثامنة
الأخذ بالأسباب من صميم الدين
" دليل القاعدة :
قال الله تبارك وتعالى مخاطباً المؤمنين ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (2) فأخذ الحيطة والحذر في الحقيقة هو أخذ بالأسباب، وقال سبحانه جل وعلا ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (3) ، فقد أمرهم سبحانه وتعالى بتعاطي أسباب النصر من استعداد وإعداد.
__________
(1) 1 محمد أنور شاه الكشميري، التصريح بما تواتر في نزول المسيح، المقدمة لأبي غدة، ص ص و-ز.
(2) النساء، الآية 71.
(3) الأنفال، الآية 60. (1/116)
صفحة 117
... وهناك آيات أخرى تدل على أن من نواميس الله تبارك وتعالى في هذا الكون اتخاذ الأسباب، وأنه من سنن الله التي لن تجد لها تبديلاً ولا تحويلاً، ففي قصة مريم -عليها السلام- أمرها الله عز و جل بهز جذع النخلة مع أن الرجل السوي القوي الصحيح لا يستطيع ذلك، فكيف بامرأة في حال المخاض، فقال سبحانه ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (1) ، ولذا " أخذ بعض العلماء من قوله تعالى في هذه الآية الكريمة "وهزي إليك بجذع النخلة" أن السعي والتسبب في تحصيل الرزق أمر مأمور به شرعاً، وأنه لا ينافي التوكل على الله عز وجل، وهذا أمر كالمعلوم من الدين بالضرورة" (2) .
... وكذلك قصة يعقوب عليه السلام مع أبنائه عندما أمرهم بالدخول من أبواب متفرقة لأخذ الحيطة والحذر، وعدم الوقوع في مزالق الخطر، وتتبع الأسباب،" وهذا الاحتياط من باب الأخذ بالأسباب المأمور بها، لأنها من القدر، لا من باب التحرز من القدر" (3) .
وغير ذلك من الآيات القرآنية التي توضح هذه القضية.
أما من السنة، فقد ثبت في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:" احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان" (4)
__________
(1) مريم، الآية 25.
(2) محمد الأمين بن محمد الشنقيطي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، تحقيق مكتب البحوث والدراسات، ج 3، بدون ذكر طبعة، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت 1415 هـ - 1995م، ص 398.
(3) إبراهيم بن عمر البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، تحقيق:عبدالرزاق المهدي، ج4، بدون طبعة، دار الكتب العلمية، بيروت، 1415هـ -1995م، ص72.
(4) رواه مسلم، كتاب:القدر، باب:الأمر بالقوة وترك العجز، حديث رقم(2664)، وابن حبان، ج13، ص28، حديث رقم(5721)، وأحمد، ج2، ص366، حديث رقم(8777). (1/117)
صفحة 118
أي على المؤمن أن يعمل ويحرص على الأخذ بأسباب النجاة والسعادة، ونحو هذا من الأحاديث التى يأمر فيها عليه الصلاة والسلام أمته بالسعي والعمل في هذه الحياة.
- معنى القاعدة:
جعل الله سبحانه وتعالى قوانين لهذه الحياة لا تختلف، ونواميس لا تتغير و لا تتبدل، تمشي وفق نظام محكم، فهي من السنن الإلهية الكونية، لينضبط هذا العالم المترامي الأطراف، ولا يحدث أي شيء في هذا الكون إلا وقد جعل الله له سبباً ليتم التناسق والانسجام فيه، ومن بين هذه القضايا قضية الفتن الواقعة في آخر الزمان إذا علمنا أن السبب فيها هو الإنسان نفسه، فقد قال سبحانه ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (1) ، والمصايب التي حلت بالأمة فمن نفسها ? ? ? ? ? ? ? ? ? (2) يعنى ذلك ما نراه في زماننا من التسابق الحثيث في المعصية، وإظهار التحلل والتبرج والسفور، وإبراز الفتن والفواحش، وإشاعة الحرام وانتشاره، والولوغ في المنهيات، هو من كسب الناس، ولا يعني أبداً ما نسمعه من لسان بعض الناس من الانقياد والانسياق والتخاذل أمام المنكر وعدم النهي عنه،وقولهم إن هذا من متطلبات العصر وآخر الزمان، وأنه قد ثبت في سنته -عليه أفضل الصلاة والسلام- أن الفتن ستظهر وتكثر وتفشو، بل بعض أولياء الأمور يرمون ذلك إلى أنه مما قدر لهم في آخر الزمان، ويتخلون عن مسؤوليتهم بزج ذلك إلى يد القضاء المحتوم، والقدر المقسوم، من غير تغيير بل يقابلونه بالتسليم والاستمراء، والله عز وجل يقول عز من قائل ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (3) ،
__________
(1) الروم، الآية41.
(2) الشورى، الآية 30.
(3) الرعد، الآية 11. (1/118)
صفحة 119
فلا بد أن يسلك الجميع مسلك الأخذ بالأسباب في تغيير المنكر، وعدم الرضا بالواقع المرير، فإصلاح الوضع الراهن من الواجبات، وهذا الأمر لا ينافي تفويض الأمر لله والتوكل عليه، فقد جمع الله سبحانه وتعالى الأمرين اتخاذ الأسباب، والتوكل عليه في قوله عز وجل ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (1) .
" والأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع، ودفع المضار في الدنيا أمر مأمور به شرعاً، لا ينافي التوكل على الله بحال؛ لأن المكلف يتعاطى السبب امتثالاً لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه، فهو متوكل على الله، عالم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر، ولو شاء الله تخلف تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلف" (2) .
ولا يصح أبداً أن ننتظر لحظة تغير العالم، وانقلاب الموازين من غير سعي أو بذل يقول أحد العلماء: " ومن الواضح عند ذوي العقول السليمة أن التوكل على الله لا ينافي الأخذ بالأسباب التى شرعها الله سبحانه بل إن الأخذ بالأسباب التى شرعها الله، وأمر بها لبلوغ الغايات لدليل على قوة الإيمان، وعلى حسن طاعته سبحانه فيما شرعه، وفيما أمر به، وليس من الإيمان، ولا من العقل، ولا من التوكل على الله أن ينتظر الإنسان ثماراً بدون غرس، أو شبعاً بدون أكل، أو نجاحاً بدون جهد، أو ثواباً بدون عمل صالح، إنما المؤمن العاقل المتوكل على الله هو الذي يباشر الأسباب التي شرعها الله لبلوغ الأهداف مباشرة سليمة ثم بعد ذلك يترك النتائج له سبحانه يسيرها كيف يشاء، وحسبما يريد" (3) .
__________
(1) يوسف، الآية67.
(2) الشنقيطي، أضواء البيان، ج 3، ص 398.
(3) محمد سيد الطنطاوي، الوسيط، ج6، بدون ذكر طبعة، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، مصر - القاهرة ،1998م،ص 31. (1/119)
صفحة 120
وينطبق هذا الأمر على كل جزئية من جزئيات الفتن وأشراط الساعة، حتى أولئك الذين قالوا بظهور المهدي ومجيئه نص أحد العلماء وقال: " ومما لا ريب فيه أن تحقيق هذين الواجبين يتطلب جهوداً جبارة متعاونة من الجماعات الإسلامية المخلصة، التي يهمها حقا إقامة المجتمع الإسلامي المنشود، كل في مجاله، واختصاصه، وأما بقاؤنا راضين عن أوضاعنا، متفاخرين بكثرة عددنا، متوكلين على فضل ربنا، أو خروج المهدي، ونزول عيسى، صائحين بأن الإسلام دستورنا، جازمين بأنا سنقيم دولتنا ، فذلك محال، بل وضلال لمخالفته لسنة الله
الكونية، والشرعية معا؛ قال تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (1) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : " إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم" (2)
من أجل ذلك قال أحد الدعاة الإسلاميين اليوم : " أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم في أرضكم"، وهذا كلام جميل جداً، ولكن أجمل منه: العمل به، ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (3) (4) .
__________
(1) 1 الرعد، الآية 11.
(2) 2 رواه أبوداود في السنن كتاب :البيوع، باب: في النهي عن العينة حديث رقم (3462) .
(3) التوبة، الآية 105.
(4) محمد المقدم، فقه أشراط الساعة، ص ص224-225. (1/120)
صفحة 121
"واتخاذ الأسباب هو منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقد كان عليه الصلاة والسلام حريصاً كل الحرص علما أن يأخذ بالأسباب في كل شيء امتثالاً لأمر الله سبحانه؛ فلذلك عندما هاجر صلوات الله وسلامه عليه سلك مسالك فيها تعمية على المشركين لئلا يطلعوا على أمره، مع أنه محفوظ بعناية الله سبحانه؛ ولأن جميع تصرفاته وأعماله - صلى الله عليه وسلم - تشريعات لهذه الأمة كان لزاماً أن يسلك المسالك التي تتفق مع مصالح الأمة في إتباعها سنن هذه الحياة" (1) ، وأرشد أصحابه على هذا المنهج، وأمرهم بالعمل والسعي واتخاذ السبب حتى إذا احلولك ظلام الفتن والزمان، ودق ناقوس الخطر، فيجب علينا أن نتعامل مع أحاديث الفتن والملاحم التعامل الصحيح ونفهم الصواب أن " أحاديث الفتن والملاحم التي تحدث عنها الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أنها ليست جبراً وقدراً لازما يحيق بالناس دون أن يقدموا من الأسباب و العلل ما يجعلهم يجنون تلك النتائج، ويصلون إلى تلك الحال، فليست الفتن إلا بما كسب الناس أنفسهم كما قال تعالى { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير } ومن ثم فإن دفع الفتن يكون بتوقي أسبابها وعللها بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالفتن والملاحم التي أخبر عنها الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما هو إخبار بمغيبات ستقع وفقا لسنن كونية، وهذا لا ينافي أنها من قدر الله تعالى، فهي مرتبطة بالأسباب التي يكتسبها الناس في واقع الحياة، فالأخذ بسنن الله الكونية وقوانينه في الأنفس والآفاق، مع التزام بسننه الشرعية يكون صمام الأمان من الفتن" (2) .
القاعدة التاسعة
لا يعلم وقت قيام الساعة إلا الله
" دليل القاعدة
__________
(1) الخليلي، إعادة صياغة الأمة، الطبعة الأولى،الناشر: مكتبة الاستقامة، مسقط، 2003م، ص 95.
(2) أبو بكر كافي، أحاديث الفتن والملاحم بين الفقه الصحيح والتأويلات الخاطئة،ج 3، ص ص 1131،1132 (1/121)
صفحة 122
... جاء النص الصريح، والبيان الواضح، أن علم الساعة لا يعلمه إلا الله عزوجل، فقال سبحانه وتعالى ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? ?? ? ? ? ?? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (1) وقال سبحانه: ? ? ? ? ? ? ? (2) ،قال تبارك وتعالى، ?? ? ? ? ? ? (3) ، وقال جل جلاله: ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?? (4) ، وقال تقدست أسماؤه:? ? ? ? ?? (5) ، وقال جل شأنه ? ? ? ? ? ?? (6) ، وقال عظم ذكره ? ? ? ? ? ?? (7) ، وقال تعالى ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? (8)
__________
(1) الأعراف، الآية 187.
(2) طه، الآية 15.
(3) لقمان، الآية 34.
(4) الأحزاب، الآية 63.
(5) فصلت، الآية 47.
(6) الشورى، الآية 17.
(7) الزخرف، الآية 85.
(8) النازعات، الآية 42-46. (1/122)
صفحة 123
وأما من السنة: فقد جاءت أحاديث كثيرة وشهيرة، تقرر أنه لا يعلم متى الساعة إلا الله، عزوجل فمنها حديث جبريل -عليه السلام- المشهور الطويل لما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم - متى الساعة فقال -صلى الله عليه وسلم - :"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" (1) وحديث جابر بن عبدالله -رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يقول قبل أن يموت بشهر "تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليه مائة سنة" (2) وجاء من طريق حذيفة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم - عن الساعة فقال: "علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن أخبركم بمشاريطها....." (3)
"بيان معنى القاعدة:
__________
(1) رواه البخاري، كتاب:الإيمان، باب:سؤال جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان، حديث رقم(50)، ومسلم، كتاب:الإيمان، باب:بيان الإيمان والإسلام والإحسان.... حديث رقم(8).
(2) رواه مسلم، كتاب:فضائل الصحابة، باب:قوله - صلى الله عليه وسلم - لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس.... حديث رقم(2538).
(3) رواه أحمد في مسنده، ج5، ص389، حديث رقم(23354)، وأبو يعلى في مسنده، ج13، ص198، حديث رقم(7228)، قال الهيثمي:"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح"، ينظر:الهيثمي، مجمع الزوائد ج7، ص309. (1/123)
صفحة 124
هذه النصوص القطعية من كتاب الله عزوجل، والأحاديث الصريحة تبين أن علم الساعة وتوقيتها من علم الغيب الذي استأثر به المولى سبحانه وتعالى، فلا يجوز لأحد أن يتجاوز حده، ولا يتعدى قدره في الخوض في علمها ووقتها، فهو ضرب من التخرصات التي يجب على عوام الناس أن يصرفوا نظرهم عنها فضلاً عن علماء الأمة، وقد جاء القرآن جلياً ناصعاً يوضح هذه القاعدة بلا لبس ولا ريب ? ? ? ? ? ? ? ? ? (1) ، وأنى لبشر أن يقدم فيما لا علم له، وقد رد الله عزوجل علم الساعة إليه وحده ? ? ? ? ? ? ?? (2) فلا يجوز لأحد أن يتجرأ في ذكر زمنها المخفي عن الخلق، وهاهو رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - يتردد إليه الناس ليسألوه فيوكل الأمر إلى ربه، ويرده إلى مولاه موضحاً عدم معرفته، وهو -عليه أفضل الصلاة والسلام-، يوجه الصحابة إلى المهم من معرفة ذلك، ويصرف أنظارهم وفكرهم إلى الاستعداد، والتأهب لذلك اليوم العظيم، وإن الله عزوجل من حكمته أنه أخفى على جميع الخلق وقت قيام الساعة، وجعل ذلك من خصائص ما استأثر به من علمه لا يعرف ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل ? ? ? ? ? ? ? ? ? (3)
__________
(1) الأعراف، الآية 187.
(2) فصلت، الآية 47.
(3) طه، الآية 15.. (1/124)
صفحة 125
كل ذلك لأجل أن يخشى أهل كل زمان إتيانها فيه، ولأجل إيقاظ العاصين الغافلين، وحضهم على التوبة والإنابة، والرجوع إلى الله جل وعلا، فمن العبث وتضييع الأوقات أن يتصدر أحد الناس لتحليل النصوص ليستخرج منها تاريخ ووقت قيام الساعة، ومن الغريب ما قام به السيوطي (1) ، على جلالته وقدره عندما ألف رسالته "الكشف عن مجاوزة هذه
الأمة الألف" (2) ، وقد رد عليه أهل العلم وبينوا خطأه، ومن الغريب كذلك أن يحسب الإنسان أنه يحسن صنعاً بما يأتي به من غرائب وعجائب، فيحدد موعد قيام الساعة باليوم والتاريخ وممن حدد من قال : "أنه تعالى سيرجف الأرض بعباده في خير ليال أي الليالي العشر من ذي الحجة أفليس هذا دليلاً واضحاً صريحاً على أن الرجفة التي هي الزلزال العظيم يعذب بها الله تعالى في الليالي العشر من ذي الحجة، وبذلك يكون الشهر المرتقب لحدوث الزلزال هو شهر ذي الحجة، إن هذا الدليل الثالث ليرقى بالدليل الأول والثاني إلى مستوى الصراحة والوضوح والقوة" (3) ،وهذا في الحقيقة خطأ بيّن ولو بلغ صاحبه من العلم ما بلغ.
المبحث الثاني:
... ... القواعد المختلف فيها بين الفرق الإسلامية
... القاعدة الأولى: حجية الخبر.
... القاعدة الثانية: الاعتقاد بما جاء في أحاديث الفتن وأشراط الساعة.
__________
(1) السيوطي:هو عبدالرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق بن عثمان السيوطي الشافعي جلال الدين، نشأ يتيماً فحفظ القرآن في صغره، وهو إمام حافظ بارع، له نحو 600 مصنف من مصنفاته "الإتقان في علوم القرآن"، و"الأشباه والنظائر"، و"تفسير الجلالين"، و"همع الهوامع"، وغيرها كثير، توفي عام 911هـ، ينظر: السخاوي، الضوء اللامع، ج4، ص ص 65-70، والزركلي، الأعلام، ج3، ص ص 301-302.
(2) السيوطي، الحاوي للفتاوي، تحقيق:عبداللطيف حسن، ج2، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1421هـ - 2000م، ص ص 82-87.
(3) بشير محمد عبدالله، زلزال الأرض العظيم، ص484. (1/125)
صفحة 126
... القاعدة الثالثة: التأويل.
القاعدة الأولى
حجية الخبر
مما وقع الخلاف فيه بين الأمة الإسلامية قضية الاحتجاج بالآحاد (1) في مسائل الاعتقاد، وهي مسألة مشهورة، والخلاف فيها قديم وشهير، والذي يعنينا هنا التقعيد بهذه المسألة؛ لأنه تنبني عليها قضية الفهم والتعامل مع أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة، فحالها كحال غيرها من المسائل في ثبوتها، فحجية الخبر الوارد في أحاديث الفتن وأشراط الساعة يعرض على مسألة الاحتجاج بالآحاد في مسائل الاعتقاد، وينظر في مرتبتها وفي المسألة مذاهب عدة منها المذهبان المشهوران:
1- فريق اكتفى بصحة الخبر للاحتجاج به، فبمجرد وروده وصحته يُسلَم له ويحتج به، ولو جاء من طريق الآحاد ؛ لأنه يفيد العلم عندهم، وقد قيده بعضهم بشروط، ونسبه إلى جمهور المحدثين والأصوليين وأكثر المتكلمين وعامة السلف وفقهاء الأمة (2) .
__________
(1) حديث الآحاد:هو ماعدا المتواتر على المشهور. ينظر:النووي، شرح صحيح مسلم، ج1، ص131، وعلي ابن سلطان محمد القاري، شرح نخبة الفكر، تحقيق:محمد نزار وهيثم نزار، بدون ذكر طبعة، دار الأرقم، لبنان -بيروت، بدون سنة نشر، ص243.
(2) عثمان بن علي الحسن، منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد، ج1، ص116. (1/126)
صفحة 127
2- وفريق يلتزم التواتر، ولا يأخذ بخبر الواحد في مسائل العقيدة، وهذا هو مذهب جمهور الأمة كما حكاه عنهم غير واحد من أهل العلم منهم النووي في مقدمة شرح مسلم (1) ، وإمام الحرمين الجويني في البرهان (2) ، والغزالي (3) في المستصفى (4) ، وابن الأثير (5)
__________
(1) النووي، شرح صحيح مسلم، ج1، ص131.
(2) الجويني، البرهان في أصول الفقه، ص392.
(3) الغزالي:هو محمد بن محمد بن محمد أبو حامد الغزالي الطوسي إمام من أئمة الشافعية، وأنظر أهل زمانه، من تصانيفه، "إحياء علوم الدين"، و"إلجام العوام"، و"تهافت الفلاسفة"، وغيرها كثير، توفي سنة 505هـ، ينظر:ابن شهبة، طبقات الشافعية، ج1، ص ص 293-294، والزركلي، الأعلام، ج7، ص ص22-23.
(4) أبو حامد محمد الغزالي، المستصفى، تحقيق:محمد الشافي، ج1، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1413هـ، ص 116.
(5) ابن الأثير:هو المبارك بن محمد بن محمد ابن عبدالكريم الشيباني الجزري الموصلي أبو السعادات ابن الأثير، فقيه محدث لغوي بارع له مصنفات عدة "النهاية في غريب الحديث والأثر"، و"الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف"، وغير ذلك، وهو أخ ابن الأثير المؤرخ، وابن الأثير الكاتب، توفي سنة 606هـ، ينظر:ابن شهبة، طبقات الشافعية، ج2، ص ص 60-62، والزركلي، الأعلام، ج5، ص ص 272-273. (1/127)
صفحة 128
في مقدمة جامع الأصول (1) ، وابن قدامة (2) في روضة الناظر (3) ، وابن السبكي (4) في جمع الجوامع وشرحه (5) ، والصنعاني (6) في إجابة السائل (7) ،
__________
(1) ابن الأثير، جامع الأصول، ج1، بدون ذكر طبعة ولا سنة نشر، ص ص، 125-126.
(2) ابن قدامة:هو عبدالله بن احمد بن محمد ابن قدامة المقدسي الأصل الدمشقي الحنبلي، إمام في الحديث والفقه، وله مصنفات عديدة منها "المغني"، و"المقنع"، و"العمدة"، وغيرها، توفي سنة 620هـ، ينظر:ابراهيم ابن محمد ابن مفلح، المقصد الأرشد، تحقيق:عبدالرحمن العثيمين، ج2، الطبعة الأولى، مكتبة الرشد، السعودية - الرياض، 1410هـ - 1990م، ص ص 15-20، والزركلي، الأعلام، ج4، ص67.
(3) ابن قدامة، روضة الناظر، تحقيق:عبدالعزيز السعيد، الطبعة الثانية، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، 1399هـ،ص 99.
(4) ابن السبكي: هو الوهاب بن علي بن عبدالكافي بن علي السبكي أبو نصر، تاج الدين، قاضي القضاة، من كبار علماء الشافعية، من تصانيفه "طبقات الشافعية الكبرى"، و"الأشباه والنظائر"، و"معيد النعم"، وغيرها، توفي 771هـ، ينظر:ابن حجر، الدرر الكامنة، ج3، الطبعة الثانية، مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، 1392هـ -1972م، ص ص 232-236، والزركلي، الأعلام، ج4، ص ص 184-185.
(5) حسن العطار، حاشية العطار على جمع الجوامع، ج2، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، لبنان - بيروت، 1420هـ -1999م، ص158.
(6) الصنعاني:هو محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني الكحلاني الصنعاني، المعروف كأسلافه بالأمير، عالم مجتهد، له نحو مائة مصنف منها "سبل السلام"، و"منحة الغفار"، و"الروض النضير"، وغيرها، توفي سنة 1182هـ، ينظر:الزركلي، الأعلام، ج6، ص38.
(7) الصنعاني، إجابة السائل شرح بغية الآمل، تحقيق:حسين السياغي والأهدل، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1986م، ص102.. (1/128)
صفحة 129
وبه قالت الإباضية والمعتزلة (1) (2) .
__________
(1) سعيد بن مبروك القنوبي، السيف الحاد في الرد على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد، الطبعة الثالثة، مطابع النهضة، 1418هـ، ص8.
(2) "الإباضية: نسبة إلى عبدالله بن إباض، وهي أقدم الفرق الإسلامية، مؤسسها جابر بن زيد (ت 93هـ -713م) وهو من كبار التابعين، وتعتبر من الفرق الإسلامية المعتدلة أكثر وجودها في عمان وبعض الدول الإفريقية كالجزائر وتونس وزنجبار ومالي وغيرها، ينظر:محمد صالح، منهج الدعوة عند الإباضية، مكتبة مسقط، سلطنة عمان، 1418هـ - 1997م، ص ص 24-31، وعلي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، والإباضية بين الفرق الإسلامية، وغيرها.
"المعتزلة: مؤسسها واصل بن عطاء الغزال (ت 131هـ) وتلميذه عمر بن عبيد، وسبب التسمية اعتزال واصل مجلس الحسن لما خالفه في المنزلة بين المنزلتين، وأصول المعتزلة التي بنوا عليها مذهبهم خمسة:العدل، والتوحيد، وإنفاذ الوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ينظر:عواد عبدالله المعتق، المعتزلة وأصولهم الخمسة، الطبعة الثالثة، مكتبة الرشد، السعودية، الرياض. (1/129)
صفحة 130
هذا وليعلم أن أكثر الأشراط وأغلبها إن لم أقل كلها جاء ذكرها في أحاديث آحادية ؛ ولذا منهم من أثبتها وأقرها، ومنهم من أنكرها وردها، والبعض قد توقف، وإلى الأول ذهب السلفية (1) ، وإلى الثاني نسب إلى المعتزلة (2) ، وتوقف في بعضها الإباضية كمسألة الدجال وعيسى عليه السلام فمما ورد عندهم أنه "يسع الوقوف في الأطفال لأنه مما يسع جهله حتى يصح أمرهم، والدجال مختلف فيه أثبته قوم وأنكره آخرون وهو مما يسع جهله وقولنا فيه قول المسلمين" (3) وقال السالمي (4) :"وسع السكوت على من قبلنا فلا يضيق علينا" (5) .
__________
(1) السلفية :نسبة إلى السلف، وهم الذين ينتسبون إلى مذهب السلف، ويسمون بأهل الحديث والأثرية، وهم يجرون النصوص على ظواهرها، والمقصود سلفية عقيدة لا زمن، ينظر:محمد بن صالح العثيمين، شرح العقيدة السفارينية، الطبعة الأولى، دار الوطن للنشر الرياض، 1426هـ، ص ص 19-20. وينظر القول:حمود التويجري، إتحاف الجماعة، ج1، ص7، ويوسف الوابل، أشراط الساعة، ص42.
(2) ينظر: النووي، شرح صحيح مسلم، ج18، ص58، ويوسف الوابل، أشراط الساعة، ص45، مع أن الزمخشري وغيره يقولون بها كما هو واضح ومليء في كتابه الكشاف.
(3) سلمة بن مسلم العوتبي، كتاب الضياء، الطبعة الأولى، ج2، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1415هـ-1995م، ص281.
(4) السالمي: هو عبدالله بن حميد بن سلوم بن عبيد السالمي من بني ضبة، أبو محمد نور الدين، عالم مجتهد، إباضي المذهب، ومرجع أهل عمان في عصره، له مؤلفات كثيرة، منها "مشارق أنوار العقول"، و"معارج الآمال"، و"طلعة الشمس"، وغيرها كثير، توفي عام 1332هـ، ينظر:محمد بن عبدالله السالمي، نهضة الأعيان، بدون طبعة، مكتبة التراث، ص99، والزركلي، الأعلام، ج4، ص84.
(5) السالمي، جوابات الإمام السالمي، ج6، الطبعة الثالثة، بدون ذكر دار، 1422هـ-2001م، ص224. (1/130)
صفحة 131
وعليه فيعتبرون أحاديث الفتن وأشراط الساعة من باب الظن، وعدم القطع واليقين.
وكذلك يفهم من كلام الشيعة (1) أنهم لا يأخذون إلا بالمتواتر من هذه الأحاديث قال الريشهري (2) :"والأحاديث المنقولة في أشراط الساعة -ومنها ما نقلناها في هذا الباب- أخبار آحاد وأكثرها ضعاف جداً لا يمكن التعويل عليها، إلا ما كانت محفوفة بالقرائن التي تؤيد صدورها عن النبي أو الأئمة -عليهم السلام- كما لا يجوز طرحها إلا ما كان منها مخالفاً للكتاب أو الضرورة" (3) .
القاعدة الثانية
الاعتقاد بما جاء في أحاديث الفتن وأشراط الساعة
__________
(1) الشيعة:نسبة إلى مشايعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ويسمون بالاثني عشرية والإمامية والجعفرية، ويسميهم غيرهم بالرافضة لرفضهم إمامة إبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، ينظر:جعفر السبحاني، العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت، بدون طبعة، الوكالة العالمية للتوزيع، بيروت- لبنان، بدون سنة نشر، ص ص 180-182.
(2) الريشهري:هو محمد الريشهري، عالم مشارك معاصر، شيعي المذهب، أنشأ مؤسسة دار الحديث الثقافية، له عدة مؤلفات منها "ميزان الحكمة" في 4 مجلدات، و"العقل والجهل في الكتاب والسنة"، ينظر مقدمة:الراوندي، النوادر، تحقيق:سعيد عسكري، الطبعة الأولى، دار الحديث، 1407هـ، ص79.
(3) الريشهري، ميزان الحكمة، ج3، الطبعة الأولى، دار الحديث، بدون ذكر مكان ولا سنة نشر، ص2167. (1/131)
صفحة 132
هذه القاعدة مبنية على القاعدة التي قبلها وهي حجية الخبر، فإن كان الحديث متواترا فالكل يقول بالاعتقاد بما جاء به، وإلا فالخلاف حاصل أيضاً في قضية الاعتقاد وعدمه في أحاديث الفتن وأشراط الساعة، وقد تقدم أن هناك من قسم أشراط الساعة إلى قسمين: أ- متفق عليها ب- مختلف فيها أو في معناها، وبعض أهل العلم قال بتواتر خمس علامات فقط (1) فهي التي ينبغي الاعتقاد بها دون غيرها، وقد تباينت أراء أهل العلم في قضية الاعتقاد بما جاء في أحاديث الفتن وأشراط الساعة فمنهم من قال بوجوب الاعتقاد ولزوم الإيمان بها وإليك نصوص بعضهم:
أ- قال الطحاوي (2) :"ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها" ووافقه شارحها (3) .
__________
(1) ينظر: حسن بن علي السقاف، صحيح شرح العقيدة الطحاوية، الطبعة الثانية، دار الإمام النووي، الأردن- عمّان، 1419هـ - 1998م،ص 512.
(2) الطحاوي:هو أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمه الطحاوي الأزدي المصري، شيخ الحنفية، برع في الفقه والحديث، تفقه على مذهب الشافعي، ثم تحول حنفياً، له عدة مصنفات منها "مشكل الآثار"، و"شرح معاني الآثار"، و"المختصر"، وغيرها، توفي عام 321هـ، ينظر:عبدالحي بن أحمد العكري الحنبلي، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ج2، ص288، والزركلي، الأعلام، ج1، ص206.
(3) علي بن علي بن أبي العز، شرح العقيدة الطحاوية، ج2، ص ص 760-764. (1/132)
صفحة 133
ب- قال أبو محمد المقدسي (1) :"ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه مثل حديث الإسراء والمعراج ... ثم قال:ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام وقتله له وخروج يأجوج ومأجوج وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها وأشباه ذلك مما صح به النقل" (2) .
__________
(1) هو ابن قدامة المقدسي مرت ترجمته قريباً.
(2) ابن قدامة، لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، تحقيق:بدر البدر، الطبعة الأولى، الدار السلفية، الكويت، 1406هـ، ص ص24-26. (1/133)
صفحة 134
جـ- ومنهم من قال بعدم لزوم ذلك، ولا يجب الاعتقاد بها، والمتتبع لكتب الأشاعرة (1) المتقدمين والماتريدية (2) يجد أغلبها إن لم أقل كلها لم تذكر أشراط الساعة من جملة المعتقدات والمتأخرون نصوا على ذلك كمحمد عبده (3) ومحمد رشيد رضا وقال محمود شلتوت (4) :"وقد أجمع العلماء على أن أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة ولا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيبات" (5) ،
__________
(1) الأشاعرة أو الأشعرية:نسبة إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، (ت 324هـ) وهم الذين يثبتون سبع صفات معنوية لله تعالى، وتنزيهه فيما يوهم التشبيه، ومن أهم مسائلهم التي ذهبوا إليها مسألة الكلام، ينظر:محمد بن عبدالكريم الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق:محمد كيلاني، بدون ذكر طبعة، دار المعرفة، 1404هـ، ص ص 94-103.
(2) الماتريدية: فرقة كلامية تنسب إلى أبي منصور محمد بن محمد الماتريدي السمرقندي(ت333هـ) قامت على استخدام البراهين والدلائل العقلية والكلامية في محاججة خصومها. ينظر:الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب، إشراف مانع بن حماد الجهني، ج1، الطبعة الخامسة، دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض 1424هـ-2003م، ص95.
(3) محمد عبده: هو محمد عبده بن حسن خير الله من آل التركماني، مفتي الديار المصرية، ومن كبار رجال الإصلاح والتجديد في الإسلام من كتبه "تفسير القرآن الكريم"، و"رسالة التوحي"، و"حاشية على شرح الدواني"، وغيرها، توفي عام 1323هـ، ينظر:الزركلي، الأعلام، ج6، ص ص 252-253.
(4) محمود شلتوت: هو فقيه مفسر مصري، شيخ الأزهر، ولد في منية بني منصور، كان داعية إصلاح نير الفكرة، له عدة مؤلفات منها "هذا هو الإسلام"، و"الإسلام والتكافل الإجتماعي"، و"الفتاوى"، وغيرها، توفي سنة 1383هـ، ينظر:الزركلي، الأعلام، ج7، ص 173.
(5) محمود شلتوت، الفتاوى، الطبعة الثامنة، دار الشروق، القاهرة، 1395هـ، ص 62.. (1/134)
صفحة 135
واعتبرها البوطي (1) من الأمور التي لا تثبت إلا عن طريق الخبر اليقيني فقال :"وذلك كالأخبار اليقينية الواردة في أشراط الساعة" (2) .
وخص ابن عاشور من ذلك مسألة المهدي فقال: "إن التصديق بظهور المهدي في آخر الزمان لا ينزوي تحت تلك الأنواع إذ ليس هو من الأمور التي يجب اعتقادها" (3) .
__________
(1) البوطي:هو محمد سعيد رمضان البوطي، من مواليد الجزيرة الفراتية، ولد سنة 1929م، عالم معاصر تقلب في كثير من المناصب العلمية، له مشاركات في عالمه الإسلامي، وهو عضو المجمع الملكي لبحوث الحضارة له أكثر من ستين مؤلفاً منها، "تنصيص الجهاد في الإسلام"، و"فقه السيرة"، و"السلفية مرحلة زمنية"، وغيرها، ينظر:مقدمة كتابه كبرى اليقينيات الكونية، طبعة دار الفكر المعاصر، بيروت، 1425هـ.
(2) البوطي، كبرى اليقينيات الكونية، الطبعة الثامنة، دار الفكر المعاصر، بيروت- لبنان، 1425هـ- 2004م، ص301.
(3) ابن عاشور، فتاوى الشيخ الإمام محمد الطاهر بن عاشور، جمع وتحقيق: محمد بوزغبية، الطبعة الأولى، جمعية الماجد للثقافة والتراث، دبي، 1425هـ-2004م، ص174 (1/135)
صفحة 136
أما الشيعة فيعتبرون ظهور المهدي من أسس عقائدهم (1) وأما الإباضية فلا يقولون باعتقاد شيء من غير المتواتر؛ ولذا نص ابن ابي نبهان (2) عند ذكره للدجال وعيسى - عليه السلام- ونحو ذلك قال:"ولا يلزم هنا شيء من الاعتقاد معنا" (3) .
القاعدة الثالثة
التأويل
__________
(1) ينظر: حسن محمد مكي العاملي، الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل، ج2، الطبعة الأولى، الدار الإسلامية، لبنان، 1410هـ - 1990م، ص633.
(2) ابن أبي نبهان: هو ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي، قاض فقيه داهية من علماء الإباضية، نشأ في بيت علم وصلاح، من مؤلفاته "العلم المبين وحق اليقين"، و"تنوير العقول"، و"لطائف المنن"، وغيرها توفي سنة 1263هـ، وقد أخطأ الزركلي خطأ فادحاً عندما نسب إليه السحر وليس كذلك، ينظر:الزركلي، الأعلام، ج7، ص350، وفهد السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج3، الطبعة الأولى، مكتبة الجيل الواعد، سلطنة عمان-مسقط، 1428هـ- 2007م، ص ص240-248.
(3) جميّل بن خميس السعدي، قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، ج6، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان،1983م، ص ص 140-141. (1/136)
صفحة 137
الأصل في النصوص حملها على ظاهرها، ولا يخرج المعنى عن الظاهر إلا بدليل، وقد اختلفت الأمة في أحاديث الفتن وأشراط الساعة من حيث حملها على ظاهرها أو تأويلها حسبما يقتضي الدليل، فأهل السنة والجماعة من الأشاعرة والسلفية قالوا بالأخذ بظاهر النصوص الواردة فيما يتعلق بأحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة من غير تأويل ولا خروج عن ظاهر النص، واعتبروا التأويل في مثل هذا الباب ضرباً من الاعتزال (1) ، أو أشبه ما يكون بعبارات أهل الكلام، وقد وافقهم على الأخذ بظواهر هذه النصوص الشيعة الإمامية بينما قالت الإباضية والمعتزلة (2) بالتأويل فيما يقتضي تأويله أو الإنكار رأساً.
وإليك نصوص الفريقين:
أ- قال النووي :"قال القاضي (3) :هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب منه .... وبعض المعتزلة، وخلافا للبخاري المعتزلي وموافقيه من الجهمية وغيرهم" (4) .
__________
(1) الأمين الصادق الامين، موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية، ج2، الطبعة الأولى، مكتبة الرشد، الرياض، 1418هـ1998م، ص 201.
(2) ينظر:جمّيل السعدي، قاموس الشريعة، ج6، ص ص140-141، ويوسف الوايل، أشراط الساعة، ص 45.
(3) يقصد: القاضي عياض.
(4) النووي، شرح صحيح مسلم، ج18، ص58. (1/137)
صفحة 138
ب- وكتب الشيعة تنص على ذلك فمنها :"أما الأحاديث الواردة في كتب الشيعة المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرين عليهم السلام فكلها تصرح باقتداء عيسى ابن مريم -عليهما السلام- بالإمام المهدي عليه السلام ولا نبالغ إذا قلنا: إن نزول عيسى من السماء واقتداءه بالإمام المهدي يعتبر -عند الشيعة- من الأمور القطعيّة، بل من أشهر القضايا" (1) .
وقد وجدت بعضاً من علماء أهل السنة السلفية والأشاعرة من تأول بعض هذه أشراط الساعة أو ما يتعلق بها.
__________
(1) محمد كاظم القزويني، الإمام المهدي عليه السلام من المهد إلى الظهور، الطبعة الأولى، مؤسسة النور للمطبوعات، بيروت، 1415هـ -1995م، ص457. (1/138)
صفحة 139
ومن هؤلاء السعدي (1) في رسالتيه فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج فذكر فيهما التأويل الصريح في هاتين القضيتين وأيد كلامه بأدلة ونصوص من كلام المتقدمين، فقد بيّن أن معنى الدجال : الفتنة وأن العلوم العصرية هي من خوارق الدجال، وقد أطنب في ذلك فقال:"المقدمة الثالثة أن فتنة المسيح الدجال نوعان: نوع يراد به الشخص الذي وصفه الرسول -صلى الله عليه وسلم - بالصفات السابقة، ونوع يراد به جنس الفتنة" ثم قال :قال شيخ الإسلام في رسالته السبعينية: وفتنة الدجال لا تختص بالموجودين في زمانه، بل حقيقة فتنته الباطل المخالف للشريعة، المقرون بالخوارق، فمن أقر بما يخالف الشريعة لخارق، فقد أصابه نوع من هذه الفتنة، وهذا كثير في كل زمان ومكان، لكن هذا المعين فتنته أعظم الفتن، فإذا عصم الله عبده منها، سواء أدركه أو لم يدركه، كان معصوماً مما هو دون هذه الفتنة" إلى أن قال:"ومعلوم أن ما ذكر معه من التعوذ من عذاب جهنم والقبر، وفتنة المحيا والممات أمر به كل مصل، إذ هذه الفتن مجرية على كل أحد، ولا نجاة إلا بالنجاة منها، فدل على أن فتنة الدجال كذلك، ولو لم تصب فتنته إلا مجرد الذين يدركونه، لم يؤمر بذلك كل الخلق، مع العلم بأن جماهير العباد لا يدركونه، ولا يدركه إلا أقل القليل من الناس المأمورين بهذا الدعاء" ثم قال بعد كلام :"أما ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ففي غاية الحسن والمطابقة لفتنة الدجال" ثم قال:"ويؤيد كلام الشيخ ويقربه من الأحوال الواقعة ما ذكرناه من كلام صاحب المنار بقوله :"ولا شك عندنا أن الفتنة المنتظره من أعظم فتن الأرض أو أعظمها على الإطلاق وهي محاولة إعادة ملك اليهود المعبر
__________
(1) السعدي:هو عبدالرحمن بن ناصر بن عبدالله السعدي التميمي، من علماء الحنابلة مفسرين من أهل نجد، له عدة كتب منها "تيسير الكريم المنان"، و"القواعد الحسان"، و"الدرة البهية"، وغيرها، توفي سنة 1376هـ، ينظر:الزركلي، الأعلام، ج3، ص340. (1/139)
صفحة 140
عنها بالأحاديث بفتنة الدجال" وأنهم يستعينون على ذلك بالاعتماد على الإنكليز الذي هو من أكبر الدجالين وبخوارق العلوم والفنون العصرية والمخترعات الهائلة" (1) هذا نص كلامه، وهو واضح التأويل، ويقرب من ذكر هذا التأويل كلام ابن مانع (2) في شرحه للعقيدة السفارينية: واعلم أن العلماء قد اختلفوا في الدجال فقيل أنه ليس بإنسان وإنما هو شيطان.." (3)
وقد تأول بعض الشيعة (4) الدابة التي تعلم الناس بأنه علي- كرم الله وجهه-.
وعليه فالتأويل لم يختص به الإباضية والمعتزلة فهناك من ذهب إليه من السلفية والأشاعرة كما هو واضح في هذه النصوص.
أما الماتريدية فلم أجد لهم نصا في موضوع الفتن وأشرط الساعة لا سيما عمدة مصادرهم ومراجعهم (5) .
الفصل الثاني
__________
(1) عبدالرحمن بن ناصر السعدي، رسالتان في فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج، الطبعة الأولى، دار ابن الجوزي، السعودية- الدمام، 1424هـ، ص ص30-35.
(2) ابن مانع: هو محمد بن عبدالعزيز بن محمد بن عبدالله ابن مانع ابن شبرمة الوهيبي التميمي، فقيه غزير المعرفة بالأدب، لازم محمد عبده ثم عاد إلى دمشق، من كتبه "حاشية على عمدة الفقه"، و"إرشاد الطلاب"، و"مختصر عنوان المجد"، وغيرها توفي عام 1385هـ، ينظر:الزركلي، الأعلام، ج6، ص209.
(3) ياسر بن إبراهيم المزروعي، تبصير القانع في الجمع بين شرحي ابن شطي وابن مانع، الطبعة الأولى، دار البشائر الإسلامية، بيروت- لبنان، 1420هـ- 1999م، ص285.
(4) محمد بن المرتضى الكاشاني، علم اليقين في أصول الدين، ج2، بدون طبعة، دار البلاغة، بيروت-لبنان، دون سنة نشر، ص825.
(5) مثل: أبو منصور محمد الماتريدي، تأويلات أهل السنة، تحقيق: محمد مستفيض الرحمن، بدون ذكر طبعة، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1404هـ-1983م، وأبو المعين ميمون بن محمد النسفي، تبصرة الأدلة في أصول الدين، تحقيق: كلود سلامة،ج2، الجفان والجابي للطباعة والنشر، دمشق، 1993م. (1/140)
صفحة 141
ضوابط التعامل مع أحاديث الفتن وأشراط الساعة
المبحث الأول
الضوابط التي لا ينبغي الاختلاف عليها
المبحث الثاني
الضوابط المختلف فيها بين الفرق الإسلامية
... ... ...
المبحث الأول
الضوابط التي لا ينبغي الاختلاف عليها
الضابط الأول: الإشكال والتعارض يعرض على القواعد الكليّة.
الضابط الثاني: عدم تعطيل السنن الإلهية
المبحث الأول
الضوابط التي لا ينبغي الاختلاف عليها
الضابط الأول
الإشكال والتعارض يعرض على القواعد الكليّة
الأصل أن نصوص الوحي من الكتاب والسنة لا يتعارضان؛ لأنهما من مصدر واحد، ومنبع واحد، وهو الشارع الحكيم، إلا أن بعض النصوص قد يوهم ظاهرها التعارض، ويوحي للناظر إليها من أول الأمر شيئاً من الإشكال والتناقض، فإن كان كذلك فلا بد من الجمع بينها بوجه من وجوه الجمع المعتبرة؛ ولذا قال الشاطبي في المسألة الأولى :لا تعارض في الشريعة في نفس الأمر بل في نظر المجتهد :" كل من تحقق بأصول الشريعة فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض كما أن كل من حقق مناط المسائل فلا يكاد يقف في متشابه ؛ لأن الشريعة لا تعارض فيها ألبتة فالمتحقق بها متحقق بما في الأمر، فيلزم أن لا يكون عنده تعارض ؛ ولذلك لا تجد ألبتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم" (1)
وقال :"وأما تجويز أن يأتي دليلان متعارضان فإن أراد الذاهبون إلى ذلك التعارض في الظاهر وفي أنظار المجتهدين لا في نفس الأمر، فالأمر على ما قالوه جائز، ولكن لا يقضي ذلك بجواز التعارض في أدلة الشريعة، وإن أرادوا تجويز ذلك في نفس الأمر، فهذا لا ينتحله من يفهم الشريعة لورود ما تقدم من الأدلة عليه، ولا أظن أن أحداً منهم يقوله" (2) .
__________
(1) الشاطبي، الموافقات، ج4، ص294.
(2) المصدر السابق ج4، ص129. (1/141)
صفحة 142
غير أننا نجد أن العلماء قد ينصون على وجود إشكال أواشتباه أو تعارض في باب واحد أو في مسألة وموضوع معين، ففي مسألة ابن صائد قال النووي:" قال العلماء وقصته مشكلة وأمره مشتبه" ثم قال:"قال البيهقي في كتابه البعث والنشور :اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافاً كثيراً هل هو الدجال؟" (1) وقال الشوكاني:"هذا الحديث ينافي ما استدل به على أن ابن صياد هو الدجال، ولا يمكن الجمع أصلاً" (2) وقال :"وقد اختلف في أمر ابن صياد اختلافاً شديدا، وأشكل أمره حتى قيل فيه كل قول" (3) ، وقال محمد رشيد رضا:"اعلم أيها المسلم الذي يجب أن يكون على بصيرة من دينه، إن في روايات الفتن وأشراط الساعة من المشكلات والتعارض ما ينبغي لك أن تعرفه، ولو إجمالاً، حتى لا تكون مقلداً لمن يظنون أن كل ما يعتمده أصحاب النقل حق، ولا لمن يظنون أن كل ما يقوله أصحاب النظريات العقلية حق" (4) ثم قال :"إن أحاديث الدجال مشكلة من وجوه ...، خامسها: أنها متعارضة تعارضاً كثيراً يوجب تساقطها" ثم قال:" وقد حاول شراح الصحيحين وغيرهم الجمع بين الروايات المتعارضة في كل مسألة فجاءوا بأجوبة متكلفة ردها المحققون كلها أو أكثرها" (5) .
__________
(1) النووي، شرح صحيح مسلم، ج28، ص46.
(2) الشوكاني، نيل الأوطار، ج8، بدون طبعة، دار الجيل، بيروت، 1973م، ص20.
(3) المصدر السابق، ج8، ص18.
(4) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج9، ص488.
(5) المرجع السابق، ج9، ص491. (1/142)
صفحة 143
فالأصل الرجوع إلى المحكم الذي لا تعارض فيه، ولا إشكال فيه ؛ لأن مراد الشرع واحد لا يختلف ولا يتناقض، ولما رأى أحد الباحثين وجوه الاضطراب والتناقض من ثلاث وستين وجهاً في أحاديث ابن صياد والدجال قال: " لأن الروايتين إذا تساوتا في كل شيء وجب ردهما، وهذا مقرر في فن الدراية نفسه، ويقول به هؤلاء المحدثون" (1) .
الضابط الثاني
عدم تعطيل السنن الإلهية
__________
(1) إيهاب حسن، استحالة ظهور المسيح الدجال، الطبعة الأولى، مكتبة النافذة، الجيزة- مصر، 2004م،ص100. (1/143)
صفحة 144
مع اتفاق جمهور أهل السنة والجماعة والشيعة في قضية ظهور المهدي المنتظر إلا أنهم يؤكدون أنه يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يعني انتظار ظهوره الاستسلام والإذعان للواقع، والتخاذل أمام مجريات الأحداث، وقد ذكرت طرفاً من كلام أهل العلم في ذلك في القواعد المتفق عليها، والمهدي مسألة واحدة اتفقت عليها مدرستان جمهور مدرسة أهل السنة والجماعة، ومدرسة الشيعة قاطبة، فمن تلك النصوص قولهم: "تتفق مصادر الحديث الشيعية والسنية حول المهدي -عليه السلام- على أنه يظهر بعد حركة تمهيدية له" (1) ،
__________
(1) علي الكوراني العاملي، عصر الظهور، الطبعة الأولى، مكتب الإعلام الإسلامي، 1408هـ، ص203، وينظر للاستزادة في الموضوع:محمد العاملي، الفوائد البهية، ج2، الطبعة الأولى، مركز العترة للدراسات والبحوث، 1418هـ - 1998م، ص ص 221-222.. (1/144)
صفحة 145
وعليه فالضابط في قضية المهدي هو منع الاتكالية والتقوقع، وتؤكد مصادر المدرستين على ذلك، ووصف المتواكلين والخانعين بالجهل، ولله در القائل: "واعلم يا أخي المسلم أن كثيراً من المسلمين اليوم قد انحرفوا عن الصواب في هذا الموضوع ، فمنهم من استقر في نفسه أن دولة الإسلام لن تقوم إلا بخروج المهدي، وهذه خرافة وضلالة ألقاها الشيطان في قلوب كثير من العامّة، وبخاصة الصوفية منهم، وليس في شيء من أحاديث المهدي ما يشعر بذلك مطلقاً، بل هي كلها لا تخرج عن أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بشّر المسلمين برجل من أهل بيته، ووصفه بصفات ، أبرزها: أنه يحكم بالإسلام، وينشر العدل بين الأنام، فهو في الحقيقة من المجددين الذين يبعثهم الله في رأس كل مائة سنة، كما صح عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فكما أن ذلك لا يستلزم ترك السعي وراء طلب العلم، والعمل به لتجديد الدين، فكذلك خروج المهدي لا يستلزم التواكل عليه، وترك الاستعداد، والعمل لإقامة حكم الله في الأرض، بل العكس هو الصّواب ، فإن المهدي لن يكون أعظم سعياً من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي ظل ثلاثة وعشرين عاماً، وهو يعمل لتوطيد دعائم الإسلام، وإقامة دولته، فماذا عسى أن يفعل المهدي لو خرج اليوم، فوجد المسلمين شيعاً وأحزاباً، وعلماءهم -إلا القليل منهم- اتخذهم الناس رؤوساً، لما استطاع أن يقيم دولة الإسلام إلا بعد أن يوحد كلمتهم، ويجمعهم في صف واحد، وتحت راية واحدة، وهذا -بلا شك- يحتاج إلى زمن مديد الله أعلم به، فالشرع والعقل معاً يقضيان أن يقوم بهذا الواجب المخلصون من المسلمين، حتى إذا خرج المهدي، لم يكن بحاجة إلا أن يقودهم إلى النصر، وإن لم يخرج، فقد قاموا بواجبهم، والله يقول : ? ? ? ? ? ? ? ? ? (1) " (2)
المبحث الثاني
الضوابط المختلف فيها بين الفرق الإسلامية.
__________
(1) التوبة، الآية 105.
(2) محمد المقدم، فقه أشراط الساعة، ص ص 225-226. (1/145)
صفحة 146
الضابط الأول: معرفة العلامات لا يعني تحديد وقت الساعة.
الضابط الثاني: ما ادعي فيه التواتر لا يكون ملزما للأمة.
المبحث الثاني
الضوابط المختلف فيها بين الفرق الإسلامية
الضابط الأول
معرفة العلامات لا يعني تحديد وقت الساعة
خاض المسلمون في مسألة أشراط الساعة ووقوعها، وترتيبها الزمني، وتدرجها والمدة التي تكون في كل قضية، فالدجال سيكون بمقدار كذا يوم، يوم كسنة، ويوم كشهر، ونحو ذلك، وعيسى -عليه السلام- هل يعيش أربعين سنة أم ماذا، والمهدي سبع أو تسع سنين، ونحو ذلك من المسائل التي فيها تحديد لأعمار هذه القضايا، وقد انقسموا إلى قسمين منهم من اعتبر هذا الأمر سائغا لا يعني تعييناً ولا تحديداً لقيام الساعة ولذلك خاض في هذا الموضوع بكل أريحية ولا يرى غضاضة في ذلك قال القرطبي: "إن ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم - من الفتن والكوائن أن ذلك يكون، وتعيين الزمان في ذلك من سنة كذا يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر، وإنما ذلك كوقت قيام الساعة، فلا يعلم أحد أي سنة هي، ولا أي شهر أما أنها تكون في يوم الجمعة في آخر ساعة منه، وهي الساعة التي خلق الله فيها آدم -عليه السلام-، ولكن أي جمعة لا يعلم تعيين ذلك اليوم إلا الله وحده لا شريك له، وكذلك ما يكون من الأشراط تعيين الزمان لها لا يعلم، والله أعلم" (1) .
__________
(1) القرطبي، التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، ص628. (1/146)
صفحة 147
بينما يعتبر هذا الأمر البعض هو تحديد، وتأمين للناس، فالكل يعلم بعد خروج الدجال ونزول عيسى، وقتله للدجال، ثم تطلع الشمس من مغربها وهكذا ليصل إلى يوم الجمعة وكأنه تحديد، يقول محمد رشيد رضا:"وأن ما ورد من الأشراط الكبرى الخارقة للعادة يضع العالم به في مأمن من قيام الساعة قبل وقوعها كلها، فهو مانع من حصول تلك الفائدة، فالمسلمون المنتظرون لها يعلمون أن لها أشراطاً تقع بالتدريج فهم آمنون من مجيئها بغتة في كل زمن، وإنما ينتظرون قبلها ظهور الدجال والمهدي والمسيح -عليه السلام- ويأجوج ومأجوج، وهذا الاعتقاد لا يفيد الناس موعظة ولا خشية، ولا استعداداً لذلك اليوم أو لتلك الساعة، فما فائدة العلم به إذاً ؟
وهل من الحكمة أن تكون فائدتها محصورة في وقوع الرعب في قلوب الذين يشاهدون هذه الآيات الكبرى، ولا سيما آخر آية منها ؟ وكيف يتفق هذا، وما ورد من كون كل رسول كان يخوف قومه، وينذرهم الساعة، والدجال قبلها ؟ وكيف وقع هذا منهم، ولم يصدقه الواقع، ومثله لا يكون بمحض الرأي ؟ وهل كان نبينا -صلى الله عليه وسلم - يريد بالإخبار بها تأمين الناس من قيام الساعة مدة قرون كثيرة إلى أن تظهر هذه الأشراط ؟ أم كان يتوقع ظهورها بعده في قرنه أو فيما يقرب منه كغيره من الرسل بدليل ما ورد من تجويزه ظهور الدجال في زمنه، وتصديقه ما حكاه تميم الداري من خبر الجساسة، وكون الدجال محبوساً في جزيرة ؟" (1)
الضابط الثاني
ما ادعي فيه التواتر لا يكون ملزما للأمة.
__________
(1) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج9، ص 489. (1/147)
صفحة 148
انفردت الشيعة بالقول بالرجعة (1) دون غيرها من الفرق الإسلامية التي لا تؤمن بها، ولا تعترف بها، بل وتنكرها قال ابن الجزري (2) :"والرجعة مذهب قوم من العرب في الجاهلية معروف عندهم ومذهب طائفة من فرق المسلمين من أولي البدع والأهواء، يقولون: إن الميت يرجع إلى الدنيا، ويكون فيها حياً كما كان، ومن جملتهم طائفة من الرافضة، يقولون إن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- مستتر في السحاب فلا يخرج مع من خرج من ولده حتى ينادي مناد من السماء اخرج مع فلان" (3) ، وكتب الشيعة تضم كثيراً من النصوص التي يستدلون بها من القرآن أو السنة النبوية التي يروونه، ومن نصوصهم :"قضية الرجعة التي تحدثت عنها بعض الآيات القرآنية، والأحاديث المروية عن أهل بيت الرسالة، مما تعتقد به الشيعة من بين الأمة الإسلامية، وليس هذا بمعنى أن مبدأ الرجعة يعد واحداً من أصول الدين، وفي مرتبة الاعتقاد بالله وتوحيده والنبوة والمعاد بل إنها تعد من المسلمات القطعية" (4) ، ويقول آخر :"وعلى كل حال فالرجعة ليست من الأصول التي يجب الاعتقاد بها والنظر فيها" (5)
__________
(1) الرجعة:عند الشيعة بالفتحة عود البدن للدنيا بعد الموت بعد ظهور المهدي يعيد الله أرواح جماعة من الناس، ينظر:محمد العاملي، الفوائد البهية، ج2، ص304، وجعفر السبحاني، العقيدة الإسلامية، ص291.
(2) ابن الجزري:هو ابن الأثير، وقد تقدمت ترجمته.
(3) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق:الزاوي والطناحي، ج2، بدون طبعة، المكتبة العلمية، بيروت، 1979م، ص202.
(4) حسن العاملي، الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل، ج2، ص787.
(5) محمد العاملي، الفوائد البهية، ج2، ص303.. (1/148)
صفحة 149
مع أنه وصلت الروايات عندهم حد التواتر الذي لم تبلغه غيرها فمما وجدته من كلامهم في الرجعة :"وإذا لم يكن مثل هذا متواتراً، ففي أي شيء يمكن دعوى التواتر مع ما روته كافة الشيعة خلفاً عن سلف" (1) .
والغريب من تهويل الشيعة في تقرير هذه المسألة يشنعون على من خالفهم؛ لأنها من المسائل القطعية عندهم، بيد أن هناك من الشيعة من يتأول الرجعة برجعة الدولة الإسلامية لا الأشخاص (2) .
ولعل الشيعة يستخدمون التقيّة في مثل هذه المسألة، حتى لا يمكن للخصم أن يحجهم فيما ذهبوا إليه هل هو متواتر فيعتقدونه، أو هو متواتر، ولا يجب الاعتقاد به ، والله المستعان؟!.
الخاتمة
الحمد لله حمداً متوالياً غير منقطع، والصلاة والسلام على رسولنا محمد، وآله وصحبه وكل من تبع .
وبعد :
فقد منّ المولى المتفضل عليّ أن أتجول بين رياض حديث رسولنا الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم، وأطوف حول كلام أهل العلم الفضلاء، مستخلصاً نصوصهم، مستنبطاً القواعد من كلامهم، وبعد هذا التجوال والرحلة العلمية، كان ما كان من نتائج إما صواب أحمد الله عزوجل عليه، وإما خطأ مني وطائف من الشيطان أستغفر الله منه وأتوب إليه، وأهم هذه النتائج وأبرزها:
1- وجود قواعد للمسائل العقديّة، والقضايا الكلاميّة، فلا ضير إذن من وضع وإرساء قواعد كليّة لأجل الانطلاق منها، وعدم تغافلها.
2- كلمة الساعة بالألف واللام جاءت في القرآن بمعنيين فناء الناس ونهاية الدنيا، ويوم الحشر والحساب.
3- لا يوجد نص صريح لا من القرآن الكريم، ولا من الحديث الصحيح، ما يدل على تقسيم الأشراط والعلامات إلى صغرى وكبرى، ونحو ذلك بل هو اجتهاد محض لا يخلو أي تقسيم من نظر.
__________
(1) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج53، الطبعة الثانية، مؤسسة الوفاء، بيروت -لبنان، 1403هـ-1983م، ص 123.
(2) ينظر، محمد بن المرتضى، علم اليقين، ج2، ص824، ومحمد العاملي، الفوائد البهية، ج2، ص305. (1/149)
صفحة 150
4- ليس هناك نص من القرآن العظيم ولا من صحيح السنّة، ما يبين ترتيب وقوع الأشراط والعلامات سواء ما قسّم إلى صغرى أو كبرى أو غيرها، لكي يتوقع الجميع وقوع الساعة في زمنهم.
5- هناك قواعد متفق عليها ينبغي أن نفهم أحاديث الفتن وأشراط الساعة على ضوئها وأساسها.
6- الإيمان المطلق والتسليم والتصديق بالنصوص لا يعني تسليماً أعمى، وعدم إعمال الفهم بل لا بد عن بصيرة.
7- مسألة التصحيح بالشاهد تحتاج إلى إعادة نظر، فلا ينبغي التساهل في الاحتجاج بها، بترقيع الحديث ثم يقال بتواتره.
8- الابتعاد عن تنزيل النصوص على وقائع معينة إلا بشروطه وضوابطه.
9- أحاديث الفتن وأشراط الساعة تحمل في طياتها البشائر والتحذير، لا التنفير والتخدير، وتُحمل على الإرشاد والتوجيه.
10- أحاديث الفتن والملاحم والأشراط لا تعني أبداً الاستسلام للواقع من غير تعاطي أسباب نصر الدين وعودته.
11- علم الساعة وتحديد وقوعها مما استأثر الله به، فمن العبث والفتنة محاولة تعاطيها.
12- هنالك قواعد اختلفت الأمة في اعتبارها وتطبيقها في بعض النصوص من بينها أحاديث الفتن وأشراط الساعة.
13- توجد ضوابط للتعامل مع أحاديث الفتن وأشراط الساعة، وهي في مسألة معينة أو باب واحد منها المتفق عليه، ومنها المختلف فيه.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
التوصيات والمقترحات
في نهاية مطاف هذه الرسالة أوصي بما يأتي:
1-إقامة ندوات، تناقش فيها موضوعات أحاديث الفتن وأشراط من الساعة من حيث درجة صحتها، وكيفية التعامل معها، ومستقبل الأمة على ضوئها.
2-إيقاف هذا الطوفان الجارف من المؤلفات، وتسارع المكتبات لإخراج المؤلفات التي تحيد عن جادة الطريق، وإبراز ما يسعف الأمة مما هي واقعة فيه من آلام ومصايب من حيث المخرج والمستقبل والمصير.
الفهارس العامة
فهرس الآيات القرآنية
فهرس الأحاديث النبوية
فهرس الأعلام المترجم لهم (1/150)
صفحة 151
فهرس المصادر والمراجع
...
فهرس الآيات
الآية ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... الصفحة
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته...) 1
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس ...) 1
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً...) 1
(فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم.....) 8
(واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا.....) 8
(أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا أمنا...) 9
(وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل...) 11
(قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله .....) 11
(قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ....) 27هـ
(فقد جاء أشراطها.......)
(واعلموا أنما أموالكم وأولادكم....)
(ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا.....)
(وما ينطق عن الهوى إن هو....) 61
(ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك...) 61
(تلك من أبناء الغيب نوحيها....) 61
(ألم غلبت الروم.....) 62
(سيهزم الجمع ويولون الدبر....) 62
(الذين يؤمنون بالغيب....) 62
(ولو كان من عند غير الله لوجدوا...) 64
(إنكم لفي قول مختلف.....) 64
(لا يأتيه الباطل من بين يديه ....) 64
(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق...) 66
(ولا تقف ما ليس لك به علم...) 70
(إنما يأمركم بالسوء والفحشاء...) 70
(قل إنما حرم ربي الفواحش...) 70
(ولما رأى المؤمنون الأحزاب...) 71
(وما أرسلناك إلا كافة للناس...) 79
(وأخرى تحبونها نصر من الله...) 79
(فبما رحمة من الله لنت لهم...) 79
(فأي الفريقين أحق بالأمن....) 80
(وكان حقاً علينا نصر المؤمنين...) 82
(وعد الله الذين آمنوا منكم....) 82
(ولقد كتبنا في الزبور من بعد ..) 82
(وإن تصبهم سيئة....) 87
(وإن مسه الشر....) 87
(وإذا مسه الشر...) 87
(يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم...) 91
(وأعدوا لهم ما استطعتم....) 91
(وهزي إليك بجذع النخلة....) 91
(ظهر الفساد في البر والبحر...) 92
(وما أصابكم من مصيبة....) 92
(إن الله لا يغير ما بقوم حتى...) 92
( (1/151)
صفحة 152
وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد..) 93
(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم...) 94
(يسألونك عن الساعة....) 95
(إن الساعة آتية أكاد أخفيها....) 95
(إن الله عنده علم الساعة....) 95
(يسألك الناس عن الساعة...) 95
(إليه يرد علم الساعة....) 95
(وما يدريك لعل الساعة....) 95
(يسألونك عن الساعة إيان....) 95
(وعنده علم الساعة وإليه ترجعون...) 95
فهرس الأحاديث
كيف ترون قواعدها وبواسقها ... 12
بينما نحن جلوس عند عمر إذ قال أيكم ... 23
إن إبليس يضع عرشه ... 23
ومنهن فتن كرياح الصيف ... 24
سأحدثك عن أشراطها ... 32
اطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن نتذاكر ... 34
فلما سلم قام على المنبر ... 34
والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة ... 40
بادر بالأعمال ستا ... 44-45
عددت ستا بين يدي الساعة ... 45
ما أول أشراط الساعة ... 48
إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس ... 48
لا تقوم الساعة حتى ... 50
اعدد بين يدي الساعة ... 50
إن بين يدي الساعة فتن ... 50
صلاة الآيات ست ركعات ... 53
ما آمن مؤمن أفضل ... 56
خير أمتي قوم يأتون ... 56
ولكن إخواني الذين آمنوا ... 56
عمار تقتله الفئة الباغية ... 61
لا ألفين أحدكم متكئا ... 64
من حدث عني بحديث ... 66
كفى بالمرء كذبا ... 66
من كذب علي متعمدا ... 66
دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ... 70
من أفتى مسألة أو فسر رؤيا ... 71
أيكن تنبحها كلاب الحوأب ... 71
دحضت في بولك ... 72
هلكة أمتي على يدي غلمة ... 73
إني سمعت عمر يحلف ... 73
إما إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثنا ... 73
منعت العراق درهمها ... 74
لا تقوم الساعة حتى تخرج نار ... 74
لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان ... 74
إذا وسد الأمر إلى غير أهله ... ، 76
يتقارب الزمان وينقص العلم ... 76
لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك ... 77
يسرا ولا تعسرا ... 79
يسروا ولا تعسروا ... 79
ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ... 82
أي المدينتين تفتح أولا ... 83
إن الله زوى لي الأرض ... 83
تكون النبوه فيكم ما شاء الله أن تكون ... 83
لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ... 84 (1/152)
صفحة 153
لا تزال طائفة من أمتي قائمة ... 84
إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة ... 84
أمتي كالمطر ... 85
أحذركم سبع فتن ... 87
احذروا الدنيا فإنها ... 87-88
قام فحذر الناس ... 88
ماذا أعددت لها ... 89
بدأ الإسلام غريباً وسيعود ... 89
احرص على ما ينفعك ... 92
إذا تبايعتم بالعينة ... 94
ما المسؤول عنها بأعلم ... 96
تسألوني عن الساعة ... 96
علمها عند ربي لا يجليها ... 96
فهرس الأعلام المترجم لهم
العلم ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... الصفحة
ابن أبي نبهان.................................................................... 106
ابن الأثير.................................................................... 143
ابن الأعرابي.................................................................... 25
ابن الجوزي.................................................................... 22
ابن السبكي.................................................................... 101
ابن القيم.................................................................... 78
ابن بطال....................................................................... 22
ابن تيمية.................................................................... 29
ابن جرير الطبري............................................................... 44
ابن حجر....................................................................... 20
ابن حزم.................................................................... 65
ابن عاشور..................................................................... 19
ابن عساكر.................................................................... 69
ابن عطية.................................................................... 27
ابن قدامة.................................................................... 101 (1/153)
صفحة 154
ابن مانع.................................................................... 109
ابن منظور..................................................................... 18
أبو عبيد........................................................................ 12
أبو عمرو الداني................................................................... 32
الأزهري....................................................................... 18
الآلوسي.................................................................... 28
البرزنجي.................................................................... 37
البوطي.................................................................... 105
البيهقي.................................................................... 34
التمرتاشي...................................................................... 63
الجرجاني...................................................................... 19
الجويني........................................................................ 15
الحاكم.................................................................... 67
الحليمي.................................................................... 47
الخطيب.................................................................... 67
الخليلي.................................................................... 57
الدهلوي.................................................................... 23
الراغب الأصفهاني............................................................. 20
الريشهري.................................................................... 102 (1/154)
صفحة 155
الزجّاج......................................................................... 11
السالمي.................................................................... 102
السخاوي.................................................................... 42
السعدي.................................................................... 108
السفاريني.................................................................... 37
السيوطي.................................................................... 97
الشاطبي........................................................................ 14
الشوكاني.................................................................... 25
الصنعاني.................................................................... 101
الضحاك.................................................................... 32
الطحاوي.................................................................... 104
العطار......................................................................... 14
الغزالي.................................................................... 100
الفيروز آبادي.................................................................. 22
القرطبي أبو العباس................................................................ 49
القرطبي أبو عبدالله................................................................. 44
القطب أطفيش.................................................................... 28
الماوردي.................................................................... 31
المباركفوري.................................................................... 45 (1/155)
صفحة 156
محمد رشيد رضا.................................................................... 41
محمد عبده.................................................................... 105
محمود شلتوت.................................................................... 105
المرداوي....................................................................... 107
المناوي.................................................................... 65
النووي.................................................................... 31
قائمة المصادر والمراجع
1. إبراهيم بن السري الزجّاج(ت311هـ-924م)، معاني القرآن وإعرابه، الطبعة الأولى، عالم الكتب، بيروت، 1408هـ-1988م.
2. إبراهيم بن عبدالله بن سيف المزروعي، دروس في العقيدة والمنهج، بدون ذكر طبعة، بيت الأفكار الدولية، الأردن، 2006م.
3. إبراهيم بن عمر البقاعي(ت885هـ-1481م)، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، تحقيق: عبدالرزاق المهدي، بدون طبعة، دار الكتب العلمية، بيروت، 1415هـ -1995م.
4. أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت790هـ-1389م))، الاعتصام، ج2، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، من غير ذكر طبعة ولا سنة نشر.
5. أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، الموافقات، ج2، بدون ذكر طبعة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1422هـ-2001م.
6. أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (395هـ/1004م)، معجم مقاييس اللغة، الطبعة الأولى، دار الجيل، بيروت، 1411 - 1991م.
7. أبو أنس صديق، صحيح الفتن وأشراط الساعة، الطبعة الأولى، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، 1424هـ - 2003م.
8. أبو بكر كافي، أحاديث الفتن والملاحم بين الفقه والصحيح والتأويلات الخاطئة، في محاضر ندوة الحديث الشريف وتحديات العصر، دبي 28-30 مارس، 2005م. (1/156)
صفحة 157
9. أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (ن 505هـ/ 1111م)، المستصفى، تحقيق:محمد الشافي، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1413هـ.
10. أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها، قسم الدراسة والتحقيق، للمباركفوري، الطبعة الأولى، دار العاصمة، الرياض، 1416هـ - 1995م,
11. أبوالبقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي(ت1094هـ/1683م)، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1413- 1993م.
12. أبوبكر بن أحمد ابن قاضي شهبة( ت 851هـ-1448م))، طبقات الشافعية، الطبعة الأولى، تحقيق الحافظ عبدالعليم خان، عالم الكتب، بيروت، 1407هـ
13. أحمد بن إبراهيم بن أبي العينين، تحذير ذوي الفطن من عبث الخائضين في أشراط الساعة والملاحم والفتن، مكتبة ابن عباس، سمنود، 2003م.
14. أحمد بن الحسين بن علي البيهقي(ت 458هـ/1065)، شعب الإيمان، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1410هـ.
15. أحمد بن حمد الخليلي، إعادة صياغة الأمة، الطبعة الأولى،الناشر: مكتبة الاستقامة، مسقط، 2003م.
16. أحمد بن حمد الخليلي، جواهر التفسير، ج1، الطبعة الأولى، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، 1404هـ-1984م.
17. أحمد بن حمد الخليلي، جواهر التفسير، ج2، الطبعة الأولى، مطابع دار جريدة عمان، والناشر مكتبة الاستقامة، 1406هـ - 1986م.
18. أحمد بن عبدالحليم ابن تيمية(ت728هـ-1327م)، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، تحقيق: علي سيد المدني، مطبعة المدني، مصر، بدون ذكر طبعة ولا سنة نشر.
19. أحمد بن عبدالحليم ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، تحقيق: علي سيد المدني، مطبعة المدني، مصر، بدون ذكر طبعة ولا سنة نشر.
20. أحمد بن عبدالحليم ابن تيمية، مجموع الفتاوى، الطبعة الثانية، مكتبة ابن تيمية. (1/157)
صفحة 158
21. أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني (ت852هـ/1448)، تقريب التهذيب، تحقيق محمد عوامة، الطبعة الأولى، دار الرشيد، سوريا، 1406هـ-1986م.
22. أحمد بن علي ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق: محب الدين الخطيب، دون ذكر الطبعة، دار المعرفة، بيروت، دون ذكر سنة نشر.
23. أحمد بن علي ابن حجر، لسان الميزان، تحقيق:دائرة المعارف النظامية، الطبعة الثالثة، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1406هـ -1986م.
24. أحمد بن علي ابن حجر، مقدمة فتح الباري شرح صحيح البخاري، بدون ذكر طبعة، دار المعرفة، بيروت-لبنان، 1379هـ.
25. أحمد بن علي المقري الفيومي ( ت 770/1366م)، المصباح المنير، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1414هـ-1994م.
26. أحمد بن علي بن الخطيب البغدادي (ت463هـ/ 1071م)، الكفاية في علم الرواية، تحقيق:السورقي والمدني، المكتبة العلمية، المدينة المنورة، بدون ذكر طبعة ولا سنة نشر.
27. أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي (ت307هـ-919م)، مسند أبي يعلى، الطبعة الأولى، دار المأمون للتراث، دمشق، 1404هـ-1984م.
28. أحمد بن عمر القرطبي(ت656هـ-1258م)، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، الطبعة الأولى، دار أبن كثير، دمشق-بيروت، 1417هـ-1996م.
29. أحمد بن عمرو البزار(ت292هـ)، البحر الزخار، الطبعة الأولى، مؤسسة علوم القرآن، بيروت، 1409هـ.
30. أحمد بن محمد الحموي(ت1098هـ-1687م)، غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر، ج1، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1985م.
31. أحمد بن محمد بن أبي بكر ابن خلكان (ت681هـ/1282م)، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس، بدون ذكر طبعة، دار الثقافة، بيروت، لبنان، بدون تاريخ.
32. أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني(ت241هـ-855م)، مسند أحمد، مؤسسة قرطبة، مصر. (1/158)
صفحة 159
33. أحمد عبدالرحيم الدهلوي(ت1176هـ-17622م)، حجة الله البالغة، تحقيق سيد سابق، بدون ذكر طبعة، دار الكتب الحديثة-مكتبة المثنى، القاهرة-بغداد، بدون ذكر سنة نشر.
34. أدورد فنديك، اكتفاء القنوع بما هو مطبوع، بدون ذكر طبعة، دار صادر، بيروت، 1986م.
35. إسماعيل ابن كثير، النهاية في الفتن والملاحم، الطبعة الأولى، المكتب الثقافي، 1423هـ - 2002م.
36. إسماعيل ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، بدون ذكر طبعة، دار الفكر، بيروت، 1401هـ.
37. إسماعيل بن القاسم أبو علي القالي(ت356هـ-966م)، الأمالي في لغة العرب، دار الكتب العلمية، بيروت، 1398هـ-1978م.
38. إسماعيل بن كثير الدمشقي(ت774هـ-1372م)، النهاية في الفتن والملاحم، الطبعة الأولى، المكتب الثقافي، القاهرة، 1423 هـ - 2002م.
39. الأمين الصادق الامين، موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية، الطبعة الأولى، مكتبة الرشد، الرياض، 1418هـ1998م.
40. إيهاب حسن، استحالة ظهور المسيح الدجال، الطبعة الأولى، مكتبة النافذة، الجيزة- مصر، 2004م.
41. بسام سلامة، الإيمان بالغيب، الطبعة الأولى، مكتبة المنارة، الأردن، 1403هـ - 1983م.
42. بشير محمد عبدالله، زلزال الأرض العظيم، بدون ذكر طبعة، دار الطباعة الحديثة، 1994م.
43. تامر محمد متولي، منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الدعوة وأصول الدين، الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية،1420-1421هـ.
44. جعفر السبحاني، العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت، بدون طبعة، الوكالة العالمية للتوزيع، بيروت- لبنان، بدون سنة نشر.
45. جميّل بن خميس السعدي(ت ق:13هـ)، قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان،1983م.
46. حاتم الشريف، الرايات السود في أحاديث الفتن، موقع ملتقى أهل الحديث، الشبكة العالمية. (1/159)
صفحة 160
47. حسن العطار(ت1250هـ-1835م)، حاشية العطار على جمع الجوامع، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، لبنان - بيروت، 1420هـ -1999م.
48. حسن بن علي السقاف، صحيح شرح العقيدة الطحاوية، الطبعة الثانية، دار الإمام النووي، الأردن- عمّان، 1419هـ - 1998م.
49. حسن محمد مكي العاملي، الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل، الطبعة الأولى، الدار الإسلامية، لبنان، 1410هـ - 1990م.
50. الحسين بن عبد الله بن محمد الطيبي(ت743هـ-1342م)، شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، الطبعة الأولى، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، 1417هـ-1997م.
51. حسين بن محسن أبي ذراع الحازمي، موقف المسلم من الفتن في ضوء الكتاب والسنة، الطبعة الأولى، أضواء السلف، الرياض، 1420هـ - 2000م.
52. الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني(ت502هـ1107م)، مفردات ألفاظ القرآن، الطبعة الثانية، دار القلم، دمشق، 1418هـ- 1997م.
53. الحسين بن مسعود البغوي(ت516هـ-1122م)، معالم التنزيل، الطبعة الثالثة، دار المعرفة، بيروت-لبنان، 1413هـ-1992م.
54. حمد بن محمد أبو سليمان الخطابي(ت388هـ-998م)، غريب الحديث، تحقيق عبد الكريم العزباوي، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1402هـ.
55. خالد بن ناصر الغامدي، أشراط الساعة في مسند الإمام أحمد وزوائد الصحيحين، الطبعة: الأولى، دار الأندلس الخضراء، جدة، 1420ه -1999م.
56. الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، تحقيق:مصطفى عبد القادر، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1417هـ.
57. الخطيب البغدادي،الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تحقيق:محمود الطحان، بدون ذكر طبعة، مكتبة المعارف، الرياض، 1403هـ.
58. خير الدين الزركلي (ت1396هـ/1976م)، الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، الطبعة السابعة، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1992م. (1/160)
صفحة 161
59. الربيع بن حبيب الأزدي البصري (ت بين 175-180هـ/791-796م)، الجامع الصحيح، الطبعة الأولى، دار الحكمة، بيروت، 1415هـ.
60. زين الدين أوزين العابدين بن إبراهيم (ابن نجيم) (ت970هـ/1563م)، الأشباه والنظائر، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، 1413هـ-1993م.
61. سعيد بن مبروك القنوبي، السيف الحاد في الرد على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد، الطبعة الثالثة، مطابع النهضة، 1418هـ.
62. سلمة بن مسلم العوتبي(ت :ق6هـ)، كتاب الضياء،الطبعة الأولى، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1415هـ-1995م.
63. سليمان بن أحمد الطبراني (ت360هـ-970م)، المعجم الأوسط، دار الحرمين، القاهرة، 1415هـ.
64. سليمان بن الأشعث أبوداود السجستاني (275هـ-889م)، سنن أبي داود،دار الفكر ، دون ذكر مكان ولا طبعة.
65. سليمان بن داود الطيالسي(ت202هـ-819م)، مسند الطيالسي، دار المعرفة، بيروت.
66. صديق بن حسن القنوجي(1307هـ-1891م)، فتح البيان، إدارة إحياء التراث الإسلامي، 1410هـ-1989م.
67. عبد الوهاب بن علي السبكي(ت771هـ-1370م)، الأشباه والنظائر، تحقيق عادل أحمد وعلي معوض، بدون ذكر الطبعة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1422هـ-2001م.
68. عبدالحق بن غالب ابن عطية(ت546هـ-1148م)، المحرر الوجيز، ج5، طبع على نفقة صاحب السمو الشيخ خليفة آل ثاني، 1403هـ 1983م.
69. عبدالحي ابن العماد الحنبلي (ت1089هـ/1679م)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، الطبعة الأولى، دار ابن كثير، بيروت، 1413هـ-1993م
70. عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي (911هـ-1505م)، الحاوي للفتاوي، تحقيق:عبداللطيف حسن، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1421هـ - 2000م.
71. عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي، طبقات المفسرين، تحقيق على محمد عمر،الطبعة الأولى، مكتبة وهبة، القاهرة، 1396هـ. (1/161)
صفحة 162
72. عبدالرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي(ت795هـ-1394م)، ذيل طبقات الحنابلة، بدون ذكر طبعة ولا دار ولا سنة، ص 112.
73. عبدالرحمن بن علي ابن الجوزي(ت597هـ-1200م)، نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، تحقيق :محمد عبدالكريم، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة، لبنان - بيروت، 1404هـ - 1984م.
74. عبدالرحمن بن علي أبو الفرج ابن الجوزي(ت597هـ-1200م)، الضعفاء والمتروكين، تحقيق عبد الله القاضي، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1406هـ.
75. عبدالرحمن بن محمد ابن أبي حاتم(ت327هـ-938م)، تفسير القرآن، المكتبة العصرية، صيدا، بدون ذكر طبعة ولا سنة نشر.
76. عبدالرحمن بن ناصر السعدي(1376هـ)، رسالتان في فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج، الطبعة الأولى، دار ابن الجوزي، السعودية- الدمام، 1424هـ.
77. عبدالقادر محمد منصور، علامات الساعة، الطبعة الأولى، دار الرضوان، حلب، دون سنة نشر
78. عبدالله بن أحمد ابن قدامة(ت620هـ-1223م)، روضة الناظر، تحقيق:عبدالعزيز السعيد، الطبعة الثانية، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، 1399هـ.
79. عبدالله بن أحمد ابن قدامة، لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، تحقيق:بدر البدر، الطبعة الأولى، الدار السلفية، الكويت، 1406هـ.
80. عبدالله بن حميد بن سلوم السالمي (ت1332هـ/1914م)، جوابات الإمام السالمي، الطبعة الثالثة، بدون ذكر دار، 1422هـ-2001م.
81. عبدالله بن صالح العجيري، معالم ومنارات في تنزيل أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الوقائع والحوادث، غير منشور، ويوجد على موقع الدرر السنية.
82. عبدالله بن محمد بن أبي شيبة(ت235هـ-849م)، المصنف، الطبعة الأولى، مكتبة الرشد، الرياض، 1409هـ.
83. عبدالملك بن عبدالله الجويني(ت478هـ-1085م)، البرهان في أصول الفقه، تحقيق عبد العظيم محمود الديب، الطبعة الرابعة، الوفاء، المنصورة - مصر، 1418هـ. (1/162)
صفحة 163
84. عبدالوهاب بن علي السبكي، الإبهاج، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1404هـ.
85. عثمان بن سعيد أبو عمرو الداني(ت444هـ-1042م)، السنن الواردة في الفتن، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1418هـ-1997م.
86. عثمان بن علي حسن، منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد، ج 1، الطبعة الخامسة، مكتبة الراشد، الرياض،1427هـ - 2006م.
87. عصام تليمة، في صميم العقيدة للإمام الشهيد حسن البنا، الطبعة الأولى، دار التوزيع والنشر الإسلامي، القاهرة، 1427هـ - 2006م.
88. عفاف عبد الغفور في كتابها "الفتن والمحن بين يدي الساعة"، الطبعة الأولى، دار عمار للنشر والتوزيع، 1422هـ-2001م.
89. علي ابن سلطان محمد القاري(ت1014هـ)، شرح نخبة الفكر، تحقيق:محمد نزار وهيثم نزار، بدون ذكر طبعة، دار الأرقم، لبنان -بيروت، بدون سنة نشر.
90. علي الكوراني العاملي، عصر الظهور، الطبعة الأولى، مكتب الإعلام الإسلامي، 1408هـ.
91. علي بن أبي بكر الهيثمي(ت807هـ-1404م) ، مجمع الزوئد ومنبع الفوائد، دار الريان للتراث، القاهرة، 1407هـ.
92. علي بن أحمد ابن حزم(ت456هـ-1064م)، الإحكام في أصول الأحكام، الطبعة الأولى، دار الحديث، القاهرة،1404هـ.
93. علي بن إسماعيل أبو الحسن المرداوي(ت885هـ-1480م)، التحبير شرح التحرير، الطبعة الأولى، مكتبة الرشد، الرياض، 1421هـ-2000م.
94. علي بن الحسن ابن عساكر(ت571هـ)، تاريخ مدينة دمشق، تحقيق:محب الدين العمري، دار الفكر، بيروت، 1995م.
95. علي بن خلف ابن بطال(ت449هـ-1058م)، شرح صحيح البخاري، تحقيق: أبو تميم ياسر، الطبعة الثانية، مكتبة الرشد، السعودية - الرياض، 1423هـ -2003م.
96. علي بن علي بن محمد بن أبي العز الدمشقي(ت792هـ-1390م)، شرح العقيدة الطحاوية، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1421هـ-2001م. (1/163)
صفحة 164
97. علي بن محمد الجرجاني (ت816هـ-1415م))، التعريفات، تحقيق إبراهيم الأبياري، الطبعة الأولى، دار الكتاب العربي، بيروت، 1405هـ.
98. علي بن محمد الماوردي(ت450هـ)، النكت والعيون، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1412هـ- 1992م.
99. عمر الأشقر، القيامة الصغرى، الطبعة: الثالثة عشر، دار النفائس، الأردن، 1423هـ-2004م.
100. عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان.
101. عواد عبدالله المعتق، المعتزلة وأصولهم الخمسة، الطبعة الثالثة، مكتبة الرشد، السعودية، الرياض.
102. فهد السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، الطبعة الأولى، مكتبة الجيل الواعد، سلطنة عمان-مسقط، 1428هـ- 2007م.
103. فهد الفاضل، أشراط الساعة الكبرى في ضوء القرآن الكريم، الطبعة الأولى، دار طيبه للنشر والتوزيع، الرياض، 1425هـ-2000م.
104. كمال مرعي طالب، كتاب الفتن لنعيم بن حماد، تحقيق وتخريج وتعليق، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الدعوة وأصول الدين، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، 1423هـ-1424هـ.
105. مأمون فريز جرار، أحاديث الفتن والفقه المطلوب، الطبعة الأولى، دار المأمون، العبدلي، عمان، 1427هـ-2006م.
106. مانع بن حماد الجهني وآخرون، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب، الطبعة الخامسة، دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض 1424هـ-2003م.
107. المبارك ابن الأثير أبو السعادات الجزري(ت606هـ-1209م)، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق:الزاوي والطناحي، بدون طبعة، المكتبة العلمية، بيروت، 1979م
108. المبارك ابن الأثير، جامع الأصول، بدون ذكر طبعة ولا سنة نشر.
109. المحبي(ت1111هـ)، خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، دار صادر، بيروت. (1/164)
صفحة 165
110. محمد (ابن النجار) الفتوحي(ت972هـ-1564م) ، شرح الكوكب المنير، تحقيق محمد حامد الفقي، الطبعة الأولى، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، 1372هـ-1953م
111. محمد أحمد المبيَض، الموسوعة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، الطبعة الأولى، مؤسسة المختار، القاهرة، 1425هـ-2006م.
112. محمد الأمين بن محمد الشنقيطي(ت1393هـ-1973م)، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، تحقيق مكتب البحوث والدراسات، بدون ذكر طبعة، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت 1415 هـ - 1995م.
113. محمد الريشهري، ميزان الحكمة، الطبعة الأولى، دار الحديث، بدون ذكر مكان ولا سنة نشر
114. محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، 1997م.
115. محمد العاملي، الفوائد البهية، الطبعة الأولى، مركز العترة للدراسات والبحوث، 1418هـ - 1998م.
116. محمد أنور شاه الكشميري(ت1352هـ)، التصريح بما تواتر في نزول المسيح، الطبعة: الخامسة، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، 1412هـ-1992م.
117. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، الطبعة الثانية، مؤسسة الوفاء، بيروت -لبنان، 1403هـ-1983م.
118. محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، زاد المعاد، تحقيق:شعيب الأرناؤوط، الطبعة الرابعة عشر، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1407هـ - 1986م.
119. محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية(ت751هـ-1350م)، إعلام الموقعين، تحقيق:طه عبدالرؤوف، بدون ذكر طبعة، دار الجيل، بيروت، 1973م.
120. محمد بن أحمد الأزهري(ت370هـ-980م)، تهذيب اللغة، تحقيق محمد عوض، الطبعة الأولى، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 2001م.
121. محمد بن أحمد الذهبي(ت748هـ-1347م)، تاريخ الإسلام، الطبعة الأولى، دار الكتاب العربي، لبنان-بيروت، 1407هـ-1987م.
122. محمد بن أحمد السفاريني(ت1188هـ1776م)، لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار، الطبعة الثالثة، المكتب الإسلامي، بيروت، 1411هـ-1991م. (1/165)
صفحة 166
123. محمد بن أحمد القرطبي(ت671هـ-1272م)، التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، دار الفجر للتراث، القاهرة، 1421هـ، 2000م.
124. محمد بن إسماعيل البخاري(256هـ/ 870)، صحيح البخاري، الطبعة الثالثة، دار ابن كثير، بيروت، 1407هـ-1987م.
125. محمد بن إسماعيل الصنعاني(ت1182هـ-1768م)، إجابة السائل شرح بغية الآمل، تحقيق:حسين السياغي والأهدل، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1986م.
126. محمد بن الحسن ابن دريد(ت321هـ)، جمهرة اللغة، الطبعة الأولى، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1987م.
127. محمد بن المرتضى الكاشاني، علم اليقين في أصول الدين، بدون طبعة، دار البلاغة، بيروت-لبنان، دون سنة نشر.
128. محمد بن جرير الطبري(ت310هـ-923م)، جامع البيان، دون ذكر طبعة، دار الفكر، بيروت، 1405هـ.
129. محمد بن حبان البستي (ت354هـ-965م)، صحيح ابن حبان، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1414هـ-1993م.
130. محمد بن شاكر بن أحمد الكتبي(ت764هـ-1363م)، فوات الوفيات، تحقيق :علي محمد وعادل عبد الموجود، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 2000م.
131. محمد بن صالح العثيمين، شرح العقيدة السفارينية، الطبعة الأولى، دار الوطن للنشر الرياض، 1426هـ.
132. محمد بن عاشور(ت1393هـ1973م)، فتاوى الشيخ الإمام محمد الطاهر بن عاشور، جمع وتحقيق: محمد بوزغبية، الطبعة الأولى، جمعية الماجد للثقافة والتراث، دبي، 1425هـ-2004م.
133. محمد بن عبدالرحمن السخاوي(ت902هـ-1494م) ، القناعة في ما يحسن الإحاطة من أشراط الساعة، الطبعة الأولى، مكتبة أضواء السلف، الرياض، 1422هـ-2002م.
134. محمد بن عبدالرحمن السخاوي، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، مكتبة الحياة، بيروت،بدون ذكر طبعة ولا سنة نشر. (1/166)
صفحة 167
135. محمد بن عبدالرسول البرزنجي(ت1103هـ-1688م)، الإشاعة لأشراط الساعة، تحقيق: سيد زكريا الطبعة الأولى، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، 1425هـ-2004م.
136. محمد بن عبدالكريم الشهرستاني(ت548هـ-1153م)، الملل والنحل، تحقيق:محمد كيلاني، بدون ذكر طبعة، دار المعرفة، 1404هـ.
137. محمد بن عبدالله الحاكم (ت405هـ-1014م)، المستدرك على الصحيحين، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1411هـ -1990م.
138. محمد بن عبدالله السالمي، نهضة الأعيان، بدون طبعة، مكتبة التراث.
139. محمد بن علي الشوكاني(ت1250هـ-1834م)، فتح القدير، الطبعة الأولى، دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق - بيروت،1414 - 1994م.
140. محمد بن علي الشوكاني، نيل الأوطار، بدون طبعة، دار الجيل، بيروت، 1973م.
141. محمد بن عمر (ابن الوكيل)(ت716هـ-1296م)، الأشباه والنظائر، تحقيق أحمد بن محمد العنقري، الطبعة الأولى، مكتبة الرشد، الرياض، 1413-1993م.
142. محمد بن عمر الفخر الرازي(ت606هـ-1210م)، التفسير الكبير، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت عام 1415هـ-1995م.
143. محمد بن عيسى الترمذي السلمي (ت 279هـ-892م)، سنن الترمذي ،دار إحياء التراث العربي، بيروت.
144. محمد بن محمد الماتريدي أبو منصور(ت33هـ-944م) ، تأويلات أهل السنة، تحقيق: محمد مستفيض الرحمن، بدون ذكر طبعة، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1404هـ-1983م.
145. محمد بن مكرم (ابن منظور) (ت711هـ/1311م)، لسان العرب، الطبعة الأولى، دار صادر، بيروت، لبنان، 2000م.
146. محمد بن يزيد أبو عبدالله القزويني (ت 273هـ-887م)، سنن ابن ماجه، دار الفكر، دون ذكر مكان ولا طبعة.
147. محمد بن يعقوب الفيروزآبادي(ت817هـ-1414م)، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، بدون ذكر طبعة ولا سنة نشر، المكتبة العلمية، بيروت. (1/167)
صفحة 168
148. محمد بن يوسف أطفيش (ت1332هـ-1914م)، تيسير التفسير، المطبعة العربية، غرداية، 1419هـ-1998م.
149. محمد خليل المرادي، سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، تحقيق أكرم حسن العلبي، الطبعة الأولى، دار صادر، بيروت، 1422هـ-2001م.
150. محمد رشيد رضا(ت1354هـ)، تفسير المنار، الطبعة الثانية، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
151. محمد سعيد رمضان البوطي، كبرى اليقينيات الكونية، الطبعة الثامنة، دار الفكر المعاصر، بيروت- لبنان، 1425هـ- 2004م.
152. محمد شمس الحق العظيم آبادي أبو الطيب(ت1329هـ)، عون المعبود، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت،1995م.
153. محمد صالح، منهج الدعوة عند الإباضية، مكتبة مسقط، سلطنة عمان، 1418هـ - 1997م.
154. محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري(1353هـ)، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ضبط وتوثيق صدقي محمد جميل العطار، بدون طبعة، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1415هـ-1995م.
155. محمد عبدالروؤف المناوي(ت1031هـ)، فيض القدير شرح الجامع الصغير، الطبعة الأولى، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، 1356هـ.
156. محمد فؤاد عبد الباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، بدون ذكر طبعة، دار الحديث، القاهرة، 1422هـ-2001م.
157. محمد كاظم القزويني، الإمام المهدي عليه السلام من المهد إلى الظهور، الطبعة الأولى، مؤسسة النور للمطبوعات، بيروت، 1415هـ -1995م.
158. محمد مرتضى الزبيدي(ت1205هـ/1790م)، تاج العروس من جواهر القاموس، دار الهداية، بدون سنة نشر.
159. محمود الألوسي(ت1270هـ-1855م)، روح المعاني، الطبعة الخامسة، دار الفكر، بدون ذكر سنة نشر.
160. محمود الغرباوي، المنة الكبرى ، الطبعة الأولى ، دار الكتاب العربي، دمشق- القاهرة ، 2004م.
161. محمود بن أحمد العيني (ت 855هـ1451م)، عمدة القاري، دار إحياء التراث العربي، بيروت. (1/168)
صفحة 169
162. محمود بن عمر الزمخشري(ت538هـ-1143م)، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
163. محمود شلتوت(ت1383هـ)، الفتاوى، الطبعة الثامنة، دار الشروق، القاهرة، 1395هـ.
164. محمود عطية محمد علي، فقد جاء أشراطها، الطبعة الثانية، رمادي للنشر، الدمام، 1417هـ- 1997م.
165. مسعود بن عمر التفتازاني(ت792هـ-1391م)، شرح التلويح على التوضيح، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، 1416هـ-1996م.
166. مسلم بن الحجاج (ت 261هـ/875م)، صحيح مسلم، بدون طبعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
167. مشهور بن حسن آل سلمان، العراق في أحاديث وآثار الفتن، الطبعة الأولى، مكتبة الفرقان، الإمارات، 1425هـ-2004م.
168. مصطفى الشلبي، صحيح أشراط الساعة، الطبعة: الثانية، مكتبة الوادي للتوزيع، جدة، 1418هـ-1998م.
169. ميمون بن محمد النسفي أبو المعين (ت508هـ-1114م)، تبصرة الأدلة في أصول الدين، تحقيق: كلود سلامة،ج2، الجفان والجابي للطباعة والنشر، دمشق، 1993م.
170. نديم الملاح، العقائد الإسلامية، مطبعة دار الأيتام الإسلامية الصناعية، القدس، 1371-1952م
171. ياسر بن إبراهيم المزروعي، تبصير القانع في الجمع بين شرحي ابن شطي وابن مانع، الطبعة الأولى، دار البشائر الإسلامية، بيروت- لبنان، 1420هـ- 1999م.
172. يوسف القرضاوي، المبشرات بانتصار الإسلام، الطبعة الأولى، مكتبة وهبة، القاهرة، 1417هـ-1996م.
173. يوسف بن عبدالله الوابل، أشراط الساعة، الطبعة الثالثة والعشرون، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، 1426 هـ. (1/169)