صفحة 1
بحث تخرج: تخريج أحاديث من مدونة أبي غانم الخراساني بترتيب القطب لمحمد الشعيبي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
سلطنة عمان.
وزارة الأوقاف والشّؤون الدّينيّة.
معهد العلوم الشّرعيّة.
بحث التخرج بعنوان:
تخريج أحاديث من مدونة أبي غانم الخراساني
إشراف الدكتور :
د. عمر محمد عبد المنعم الفرماوي
إعداد الطّالب:
محمد بن خميس بن سعيد الشعيبي
السنة الجامعيةالرابعة:1427هـ/2006م.
بسم الله الرحمن الرحيم
الإهداء
أهدي هذا البحث المتواضع إلى الوالدين العزيزين اللذين ربياني وعملا على
تعليمي ولم يألوا جهدا بالدعاء لي
إلى كل إخوتي وأهلي وكل محب ُفي الله عز وجل
إلى كل من علّمني حرفا صرت له عبدا
إلى مشايخي الأعزاء الذين بذلوا الوقت والجهد في سبيل النهوض بالطالب إلى الخير والفلاح.
إلى كل من قدم لي يد العون و الإرشاد
إلى كل مسلم غيور يسعى إلى خدمة هذا الدين، وإلى وحدة المسلمين
إلى كل هؤلاء
أهدي ثمرة جهدي
محمد الشعيبي
مقدمة
... الحمد لله رب العالمين، حمدا طيبا مباركا فيه كما يحبّ ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي الهادي الهمام.
أما بعد:
... فإنّه لا يخفى على بشر ذي عقل ونظر أهمية السنة النبوية المطهرة المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن، فهي حوت كل ما أُثر عن المصطفى صلى الله عليه وسلًم من أقوال وأفعال وتقارير، منها ينهل المسلمون معارفهم .
... ومن منطلق العناية بالسنة والاهتمام بها فقد سعى العلماء لجمع المصنفات التي جمعوا فيها سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلًم ووضعوا القواعد والعلوم لحفظ الحديث النبوي وتُعد مدونة أبي غانم الخرساني من ضمن الموروث الذي جمع بين الفقه والحديث، والمدونة تعتبر مصدرا للفكر الإباضي . (1/1)
صفحة 2
... وإيمانا من معهد العلوم الشرعية بهذا الفكر فقد أولى اهتمامه بالمدونة، فكان تخري أحاديثها وتحقيق مسائلها وإيجاد آراء علماء الإباضية المعاصرين من ضمن البحوث التي يقوم بها طلاب السنة الدراسية الرابعة استكمالا لمتطلبات المعهد الميمون، ورغبة مني في مواصلة العمل الذي قام به من سبقني اخترت هذا الموضوع ليكون بحثا لي، وفي خلال البحث قمتُ بتخريج الأحاديث الواردة في النص ووضع أبواب للمسائل الفقهية حيث وضعتها ما بني قوسين لتمييز بها عن الأبواب الموجودة داخل النص، كما قمتُ بوضع علامات الترقيم والزوائد اللازمة للبحث، كما قمتُ بذكر آراء علماء المذهب المعاصرين في المسائل الفقهية الواردة في نص المدونة فكانت الخطة كما يأتي:
مقدمة.
الفصل الأول: التعريف بفني التحقيق والتخريج، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: التعريف بفن التحقيق.
المطلب الأول: التعريف بفن التحقيق لغة.
المبحث الثاني: التعريف بفن التحقيق اصطلاحا.
المبحث الثاني: التعريف بفن التخريج.
المطلب الأول: التعريف بفن التخريج لغة.
المبحث الثاني: التعريف بفن التخريج اصطلاحا
الفصل الثاني: التعريف بأبي غانم ومنهجيته في المدونة، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: التعريف بأبي غانم، ويحتوي على أربعة مطالب:
المطلب الأول: نسبه ومولده.
المطلب الثاني: صفاته وحياته ورحلاته في طلب العلم.
المطلب الثالث: شيوخه وتلامذته.
المطلب الرابع: آثاره ووفاته.
المبحث الثاني: التعريف بالمدونة، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: التعريف بالكتاب.
المطلب الثاني: المنهج المتبع في الكتاب.
المطلب الثالث: منهج المؤلف في رواية الحديث.
المبحث الثالث: ترجمة للشيخ المرتٍّب- رحمه الله-.
الفصل الثالث: النص المحقق.
الخاتمة.
الملاحق.
فهرس الأعلام.
المصادر والمراجع.
الفهرس العام. (1/2)
صفحة 3
... وفي الختام أسأل الله العلي القدير أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجه الكريم، وأن يجزي أستاذي الدكتور: عمر محمد الفرماوي الذي قدًّم لي يد العون والمساعدة ولم يبخل عليًّ بأي مساعدة في إنجاز هذا البحث0 – محمد الشعيبي –
- - - - - - -
- - - - -
الفصل الأول:
التعريف بفني التحقيق والتخريج
المبحث الأول: التعريف بفن التحقيق لغة
واصطلاحا
المبحث الثاني: التعريف بفن التخريج لغة
واصطلاحا
المبحث الأول: التعريف بفن التحقيق لغة واصطلاحا
...
المطلب الأول: فن التحقيق لغة
... جاء في المصباح المنير: حققت الأمر، أحقه: إذا تيقنته، أو جعلته ثابتا لازما (1) .
... وجاء في لسان العرب: حق الأمر يحق حقا وحقوقا: صار حقا وثبت.
وحقه يحقه حقا وأحقه: أثبته، وصار عنده حقا لا شك فيه.
وحققه: صدقه.
وحقق الرجل: إذا قال هذا الشيء هو الحق، كقولك: صدق.
وأحققت الأمر إحقاقا: إذا أحكمته وصححته (2) .
... وفي المنجد: تحقيق: اسم مصدر تقصي المعلومات، والتثبت من صحتها، وله عدّة استخدامات:
... يقال: تحقيق إداري: إجراء تقوم به الإدارة، فتجمع المعلومات، وتتثبت من بعض الوقائع قبل اتّخاذ القرار.
... وتحقيق الذات: تحقيق المرء كفاءته الكامنة أو إمكاناته الشخصية.
... وتحقيق مخطوطة أو نص: فرع من فروع البحث العلمي، يراد به التثبت من سلامة النص بطرق مختلفة (3) .
__________
(1) - محمد علي الفيومي: المصباح المنير، (مكتبة الإيمان، بيروت، لبنان)، ص55.
(2) - ابن منظور: لسان العرب، ط3، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، لبنان، 1419هـ- 1999م)، 3/256.
(3) - المنجد في اللغة العربية المعاصرة، ط2، دار الشروق، ص308. (1/3)
صفحة 4
... ويقول الزمخشري: حققت الأمر، أحققه، كنت على يقين منه (1) .
المطلب الثاني: فن التحقيق اصطلاحا
... هذه آراء بعض أهل الاختصاص:
... يقول الدكتور أحمد مطلوب، بذل العناية بالمخطوطات لتكون أقرب إلى الصورة التي كتبها مؤلفها، دقّة وسلامة، ممّا يجعل الإفادة منها كبيرة (2) .
... وجاء في كتاب تحقيق النصوص، بذل العناية بالمخطوطات حتّى يمكن التثبت من استيفائها لشرائط معيّنة. والكتاب المحقق: هو الذي صحّ عنوانه، واسم مؤلفه، ونسبة الكتاب إليه، وكان مكانه أقرب إلى الصورة التي تركها (3) .
... أمّا الدكتور عبد الهادي الفضلي فعرّف التحقيق بقوله: هو العلم الذي يبحث فيه عن قواعد نشر المخطوطات (4) .
... ومع اختلاف هذه التعريفات في اللفظ، إلاّ أنّها بمعاني متقاربة، والذي يعنينا من هذه التعريفات هو: أنّ التحقيق هو تقديم النص المخطوط بشكل يرتضيه مؤلفه، ويفهمه قارئه (5) .
- - - - - - - -
المبحث الثاني: التعريف بفن التخريج لغة واصطلاحا
المطلب الأول: التعريف بفن التخريج لغة
... أشار صاحب القاموس إلى أنّ كلمة تخريج تعني: اجتماع أمرين متضادين في أمر واحد حيث قال: عام فيه تخريج: خصب وجدب (6) .
__________
(1) - محمد بن عمر الزمخشري، دار المعرفة، ص9؛ صالح بن أحمد البوسعيدي: رواية الحديث عند الإباضية، ط1، د.ن، 1420هـ- 2000م، ص89؛ أحمد بن سعيد الشماخي: كتاب السير، تحقيق: أحمد بن سعود السيابي، ط2، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1/194.
(2) - نظرة في تحقيق الكتب: مجلة معهد المخطوطات، 1/9.
(3) - محمد عبد السلام هارون: تحقيق النصوص ونشرها ، (ط5، د.ت، مكتبة السنة)، ص38.
(4) - عبد المجيد دياب: تحقيق التراث العربي، (د.ط، 1983م، منشورات سمير أبو داود، القاهرة)، ص38.
(5) - محمد صالح ناصر: منهج البحث وتحقيق النصوص، (د.ط، 1222هـ- 2001م)، ص72، بتصرف.
(6) - محمد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، ط3، 1413هـ- 1993م، مؤسسة الرسالة)، ص237. (1/4)
صفحة 5
... والمعجم الوسيط تدور كلمة التخريج فيه حول: الظهور والبروز، حيث فيه: خرج خروجا: برز من مقره أو حاله وانفصل، يقال: خرجت السماء: أصحت وانقشع عنها الغيم، وخرجت خوارج فلان: ظهرت نجابته. وخرج من الأمر أو الشدة، خلص منه. وخرج من دينه: قضاه. وخرج على السلطان: تمرّد وثار. وخرج في العلم أو الصناعة: نبغ فيها (1) .
... وفي الصحاح: الاستخراج: بمعنى الاستنباط، وهو عندما يحتاج المخرج إلى مجهود يبذله (2) .
... فالتخريج في اللغة يأتي على معان متعددة منها:
1- اجتماع أمرين متضادين.
2- الظهور والبروز.
3- الاستنباط.
4- التدريب.
المطلب الثاني: التعريف بفن التخريج اصطلاحا
... كان للتخريج عند كلّ من المتقدمين والمتأخرين تعريفاً، وقد جرى اصطلاح بين المحدثين على أنّ نهاية القرن الثالث للهجرة هو الحد الفاصل بين المتقدمين، فمن العام الأول للهجرة حتّى سنة ثلاثمائة للهجرة هو زمن المتقدمين، وعام ثلاثمائة وواحد وما بعده هو زمن المتأخرين.
... يقول الشيخ العلامة محمد عبد العزيز الخولي تحت عنوان: كتب السنة في القرن الرابع الهجري: الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين من رواة الحديث وحملته هو رأس ثلاثمائة. (3)
__________
(1) - مجمع اللغة العربية بجمهورية مصر العربية؛ المعجم الوسيط، دار الدعوة، ص224.
(2) - محمد بن أبي بكر: مختار الصحاح، ط1، د.ت،ن)، ص191.
(3) - محمد بن عبد العزيز الخولي: مفتاح السنة أو تاريخ فنون الحديث، (ط3، 1403هـ- 1983م، دار الكتب العلمية)، ص34. (1/5)
صفحة 6
... فأمّا تعريفه عند المتقدمين: فهو إيراد الحديث بإسناد في مصنف ما من كتب السنة الأصلية، وهذا التعريف يستنبط من خلال كلام وألفاظ أهل الحديث المتقدمين، حيث يقول العلامة الخولي: وقد صنف في زمان مالك موطّآت كثيرة في تخريج أحاديثه، ووصل منقطعه كمثل ابن أبي ذئب، وابن عيينة، والثوري، وغيرهم ممّن شارك مالكا في الشيوخ، ويستفاد من قوله: ممّن شارك مالكا في الشيوخ (1) : أنّ سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وابن أبي ذئب، قد أوردوا أحاديث بأسانيدهم في كتب خاصة بهم، وقد اشتركوا مع مالك في شيوخه. وهذا التعريف السابق غير مشتغل به عند أهل هذا الفن، وذلك لأنّه صار تعريفاً ناقصاً لأهمّ شيء، وهو ما سنذكره عند الكلام عن تعريفه عند المتأخرين (2) .
تعريف التخريج عند المتأخرين
... ذكروا له كثير من التعريفات نذكر منها على سبيل المثال:
... يقول الحافظ أبي عبد الله السخاوي: التخريج: إخراج المحدث الأحاديث من بطون الأجزاء (3) .
والمشيخات (4) ، ونحوها: سياقها من مرويات نفسه أو بعض شيوخه، أو أقرانه أو نحو ذلك، والكلام على من رواها من الكتب والدواوين، مع بيان البدل والموافقة (5) .
__________
(1) - المرجع السابق، ص24.
(2) - د. عمر الفرماوي: الهداية في علم تخريج الرواية، ص10، بتصرف.
(3) - الأجزاء: قال الكتابي: الجزء عندهم: تأليف الأحاديث المروية عن رجل من الصحابة أو من بعدهم. (ينظر: محمد بن جعفر الكتابي: الرسالة المستطرفة لبيان السنة المشرفة، (ط6، 1412هـ- 2000م، د.ن)، ص86.
(4) - المشيخات: قال الكتابي: كتب المشيخات: هي التي تشمل على ذكر الشيوخ الذين منهم المؤلف وأخذ عنهم، أو أجازوه وإن لم يلقهم.
(5) - لعله يقصد بالبدل والموافقة، المتابعة القاصرة أو الناقصة، وقد ذكر السخاوي هذا التعريف في كتابه فتح المغيث. (ينظر: محمد بن عبد الرحمن السخاوي: الفتح المغيث بشرح ألفية الحديث العراقي، (ط1، 1415هـ- 1995م، مكتبة السنة، القاهرة)، 3/318. (1/6)
صفحة 7
... أمّا المناوي فعرفه بقوله: هو عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث من الجوامع (1) والسنن، والمسانيد، بعد التفتيش عن حاله وحال مخرجه.
... ويقول الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف: التخريج: هو نقل الحديث بسنده من الكتب المعتمدة ومسانيد الأئمة المحدثين وبيان صحته وغيرها (2) .
... وعرفه الدكتور عمر محمد الفرماوي بقوله: عزو الأحاديث إلى مخرجيها، من المصادر الأصلية المعتبرة عند أئمة الحديث، بأسانيد مستقلة، مع ذكر طرقها وبيان درجتها (3) عند الحاجة. وهو من التعاريف الشاملة الجامعة لمصطلح التخريج عند المتأخرين.
- - - - - - -
- - - - -
الفصل الثاني:
التعريف بأبي غانم ومنهجيته
في المدونة
المبحث الأول: حياة الإمام أبي غانم وآثاره
المبحث الثاني: منهجية أبي غانم في المدونة
المبحث الثالث: ترجمة للشيخ المرتٍّب
المبحث الأول: حياة الإمام أبي غانم وآثاره
المطلب الأول: نسب الإمام أبي غانم و مولده
__________
(1) - الجامع: المصدر الذي يشتمل على جميع أنواع الحديث المحتاج إليها، والتي اصطلح العلماء على أنّها ثمانية، ويدخل فيها ما كان في معناها، ويجمعها قولنا: عارف شامت، حيث كل حرف نوع منها، وسواء كانت هذه المصادر مرتبة على الكتب والأبواب الفقهية أو مرتبة على حروف المعجم، والأنواع الثمانية هي: العقائد والأحكام والرقائق والفتن والشمائل والآداب والمناقب والتفسير. (ينظر: عبد الموجود محمد عبد اللطيف، (ط1، 1404هـ- 1984م، مكتبة الأزهر)، 1/161).
(2) - عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي: تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحـ: عبد اللطيف، (ط2، 1423هـ- 2002م، دار الكتب العلمية، 2/ 125.
(3) - د. عمر الفرماوي: الهداية في علم تخريج الرواية، ص11. (1/7)
صفحة 8
... هو الإمام الحافظ أبو غانم بشر بن غانم الخرساني ولم أجد في نسبه أكثر من هذا وهو من أهل خرسان (1) ، عما هو الظاهر من النسبة إليها، ولم نستطع الوقوف على تاريخ ولادته بالدقة، والظاهر أن كثيرا من لا أوائل لم يهتموا بتدوين سيرهم والكتابة عن حياتهم، وذلك لأنهم اشتغلوا بالدين ونشره والسعي في طلب العلم وتعليمه، وإقامة شرع الله في أرضه، فلم يلتفتوا إلى تدوين حياتهم وخصوصا سنوات ميلادهم.
قدم البصرة لطلب العلم وذلك لأن البصرة كانت في ذلك الوقت قبلة للعلم، فهي تزخر بشتى فنون العلم، وفي شتى المذاهب الإسلامية، قدم لتلقي العلم على يد علماء الإباضية وخاصة أبو عبيدة وإن كان لم يدرك من حياته إلا قليلا إلا أنه أخذ العلم عن تلامذته وعنهم دون كتبه وأهمها كتاب المدونة التي دون فيها أقوال تلاميذ أبي عبيدة ورواياتهم واختلافاتهم. (2)
المطلب الثاني: صفات الإمام وحياته ورحلاته في طلب العلم
__________
(1) - بلاد واسعة أول حدودها العراق وآخرحدودها الهند، اختلف في تسميتها، خرسان، فقيل: خراسم: للشمس بالفارسية، وقيل: أسان: كأنه أصل الشيئ ومكانه، وقيل غير ذلك. (ينظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان دار إحياء التراث العربي بيروت، ط1، 1412هـ- 1996م، 1/ 218).
(2) - ينظر: دليل مصادر الفقه الإباضي (قسم المشرق)، ص68؛ يوسف بن خلفون المزاتي، تحقيق الدكتور عمربن خليفة النامي دار الفتح، بيروت، ط1، 1394هـ- 1974م، ص111؛ طبقات المشائخ، تحقيق: إبراهيم طلاي، د.ن، ط، 2/323؛ صالح بن أحمد البوسعيدي: رواية الحديث عند الإباضية، ط1، د.ن، 1420هـ-2000م، ص89؛ أحمد بن سعيد الشماخي: كتاب السير، تحقيق: أحمد بن سعيد السيابي، ط2، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1/194. (1/8)
صفحة 9
... عندما نمعن النظر في سيرة الإمام الجليل أبي غانم الخرساني ومدونته وما ذكر عنه في العديد من الكتب، ندرك ما كان يتحلى به الإمام الجليل من صفات أهل العلم (1) ، فقد كان رحمه الله تعالى حافظا للعلم، ساعيا في طلبه وتدينه، محافظا عليه من الضياع وكان يتصف بالتوضع والدقة والأمانة في النقل وعرف عنه كثرة المسألة لأشياخه واستجوابهم والتحري في النقل وتمحيص المسائل والوقوف عند النص وإبداء رأيه أحيانا وكان مطلعا على مجريات التاريخ فقد انتقل من المشرق إلى المغرب لزيارة الإمام عبد الوهاب (2) ، لتهنئته بالإمامة (3) ، ومما يدل على حرصه على طلب العلم رحلاته التي قام بها، فقد رحل في أواخر القرن الثاني الهجري إلى تاهرت (4) ، ومارا بجبل نفوسة بليبيا (5) ،
__________
(1) - البوسعيدي: رواية الحديث، مصدر سابق، ص98.
(2) - الإمام عبدالوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، بويع بالإمامة بعد أبيه حوالي 171هـ، ومكث في الحكم تسع عشرة سنة، وكانت وفاته حوالي: 191هـ، له مؤلفات منها كتاب مسائل نفوسة. (ينظر: سليمان باشا الباروني: الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، تحقيق: محمد الصليبي، 1407هـ- 1987م، وزارة التراث والثقافة، ص151؛ يوسف المزاتي: أجوبة ابن خلفون، مصدر سابق، ص109.
(3) - حمد بن عبد الله الهاشمي: اللطائف المكنونة في تخريج أحاديث المدونة، خمسين حديثا من المدونة الكبرى، بحث تخرج بمعهد العلوم الشرعية، 1410هـ- 1995م، مخطوط بيد الباحث، ص13.
(4) - بفتح الهاء وسكون الراء، اسم لمدينتين بأقصى المغرب، يقال لأحدهما: تاهرت القديمة، وللأخرى تاهرت المحدثة، بينهما وبين المسيلة ست مراحل وهي: بين تلمسان وقلعة بني حماد، وهي كثيرة الإنداء والضباب والأمطار حتى أن الشمس بها قل ما ترى. (ينظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان، 1/462).
(5) - يوسف بن بكير الحاج سعيد: تاريخ بني ميزاب، دراسة اجتاعية واقتصادية وسياسية، (1410هـ- 1995م، د.ن)، ص149.. (1/9)
صفحة 10
ورويت عنه المدونة التي دون فيها أقوال تلاميذ أبي عبيدة (1) ، في الفقه ورواياتهم واختلافاتهم (2) ، رويت في تهرت عندما كان زائرا للإمام عبد الوهاب فاستودعها عمروس بن فتح (3) ، فاستنسخ منها نسخة بقيت بالمغرب وكانت في اثني عشر مجلد طبع منها مجلدين. (4)
المطلب الثالث: شيوخ الإمام أبي غانم وتلامذته
أولا: شيوخ الإمام أبي غانم
__________
(1) - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء، ولد في البصرة ونشأ وعاش فيها، نصب نفسه للتعليم لمدة أربعين عاما، أخذ العلم عن جابر ابن زيد، وجعفر السماك وصحار الحبسي، كما أخذ العلم من بعض الصحابة أيضا من أمثال ابن عباس وأبي هريرة وأنس بن مالك، توفي في عام: 145هـ، وقيل عام: 150هـ. (ينظر: مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي: الإمام أبي عبيدة بن أبي كريمة التميمي وفقهه، (ط1، 1413هـ- 1993م)، ص25- 30.
(2) - البوسعيدي : رواية الحديث، مرجع سابق، ص9؛ يوسف المزاتي: أجوبة ابن خلفون، مصدر سابق، ص11.
(3) - أبوحفص عمروس بن فتح، ولد في قرية قطرس، شهد معركة (ماتو) بين النفوسيين والأغالبة وأسر فيها توفي سنة 283هـ، وله مؤلفات عديدة منها: كتاب العمروس. (ينظر: معجم أعلام الإباضية، نشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر ، 1420هـ- 1999م، 11/27).
(4) - ندوة الفقه الإسلامي: بجامعة السلطان قابوس، بتاريخ 22-26 شعبان 1408هـ، ص18. (1/10)
صفحة 11
... لكلّ طالب علم شيخ بلا شك، وقد كان للإمام أبي غانم عدد كبير من الشيوخ ذكر منهم في مدونته أربعة عشر شيخا وهم: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (1) ، والربيع بن حبيب (2) ، وعبد الله بن عبد العزيز (3) ، وأبو المؤرج عمر بن محمد (4) ،
__________
(1) - تقدم التعريف به.
(2) - هو الإمام الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي، ولد بعمان في غطفان التابعة لولاية لوي بمنطقة الباطنة.
(3) - أبو سعيد عبد الله بن عبد العزيز البصري من علماء الإباضية الكبار في أواخر القرن الثاني للهجرة وقد امتاز من بين أقرانه بدقة الفهم مع طول باع في العلم ولذلك كثر نقل الإمام أبو غانم الخرساني عنه في المدونة، كما امتاز بسعة صدره لتلاميذه ،ولهذه الصفات فقد كثر الثناء عليه، فقد قال عنه حاتم بن منصور ولا نزال بخير مادام فينا أبو سعيد فلا نأت عنا داره ولا أوحشنا الله بفقده، وقال أبو المؤرج عنه أكثر الله فينا مثل ابن عبد العزيز، إنه لطالب العلم لا يريد أن يفوته منه شيء . (ينظر: مبارك الراشدي: الإمام أبو عبيدة وفقهه، مصدر سابق، ص232؛ أبو غانم: المدونة الكبرى، 2/53،190؛ والمدونة الكبرى، 2/132).
(4) - أبو المؤرج عمر بن محمد اليمني: من أقران الربيع بن حبيب، روى عنه الربيع فقال: روى لي أبو المؤرج عن أبي عبيدة قال: "إذا استأجر أحدكم أجيرا فليعلم له أجره"، وقد امتاز أبو المؤرج باتباع الأثر وعدم الإكثار من القياس، كما يتصف بالأمانة في النقل والتخريج من حكاية الأقوال. (ينظر صالح البوسعيدي: رواية الحديث، ص ؛ أبو غانم: المدونة الصغرى، 2/163).. (1/11)
صفحة 12
وأبو سفيان محبوب بن الرحيل (1) ، وأبو نوح صالح الدهان (2) ،
__________
(1) - أبو سفيان محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المكي من الفقهاء البارزين في أواخر القرن الثاني الهجري، قال فيه الشماخي: "أحد الأشياخ الأخيار المقيد غريب الفقه وعجائب الأخبار ساد الفضلاء علما وحفظ الآثار"، أخذ العلم عن الربيع بن حبيب؛ لأنّه زوج أمه ولذلك فإنّ ما نقله الربيع عنه في المدونة أكثر من تلميذ آخر، بل إنها أقواله بنفسه، وقد آلت قيادة الحركة الإباضية بعد وفاة الربيع بن حبيب وأبي أيوب، وله عدد من الرسائل والسير. (ينظر: الدرجيني : الطبقات مصدر سابق 2/278؛ الشماخي: السير، 1/108؛ الراشدي: الإمام أبو عبيدة وفقهه، 2/242).
(2) - أبو نوح صالح بن نوح الدهان العماني، سكن البصرة وكان مسكنه في طيء، وهو من الفقهاء الذين يشار إليهم في عصره، كان شديد الورع وغزير العلم، أخذ العلم عن جابر بن زيد وغيره، وأخذ عنه الربيع. (ينظر: الراشدي: أبو عبيدة وفقهه، ص601؛ يوسف المزاتي: أجوبة ابن خلفون، ص109؛ الدرجيني: الطبقات، 2/254-255). (1/12)
صفحة 13
و أبو أيوب وائل بن أيوب (1) ، وحاتم بن منصور (2) ، وأبو المهاجر هاشم بن المهاجر (3) ،
__________
(1) - أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي ،من أقران الربيع بن حبيب، قال عنه الدرجيني صنو الربيع وتلوه ومن له حلية الفضائل مثواه، فإنها رضعا لبن التفقه في العلوم فما منهما إلا له فيه مقام معلوم، وقال عنه الشماخي: "هو من أفاضل أصحابنا علما وزهدا وتقيا وأمرا ونهيا"، عاش بعد الأربعين حبيب فكان أبو عبيدة عبد الله بن القاسم إذا سئل عن مسألة، قال: "عليكم بوائل فإنه أقرب عهدا بالربيع"، وكان أبو أيوب قد اشترك مع طالب الحق في حروبه، وهو رجل يحب التسهيل ويقول: "إنما الفقيه الذي يعلم الناس ما يسع الناس فيه مما سأله عنه، وأما من يضيق عليهم فكل من شاء أخذ بالاحتياط. (ينظر: الشماخي: السير، ص97؛ الراشدي: الإمام أبو عبيدة وفقهه، ص238؛ الدرجيني: الطبقات، مصدر سابق، 2/278).
(2) - حاتم بن منصور الخرساني من الفقهاء البارزين في القرن الثاني الهجري، ومن تلاميذ أبي عبيدة، أقام بمصر مدة من الزمن فقد روى عنه أبو غانم أنه قال: "حدثني من لا أتهم قوله من أصحابنا وأنا بمصر أو في طريق مصر"، قال عنه محبوب بن الرحيل: "وكان فقيها عالما". (ينظر: الشماخي: السير، مصدر سابق، 1/104؛ الراشدي: الإمام أبو عبيدة وفقهه، ص46؛ الإمام الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح، تحقيق سعود بن عبد الله الوهيبي، (ط1، 1415هـ- 1994م، مكتبة مسقط، سلطنة عمان، ص910).
(3) - أبو المهاجر هاشم بن المهاجر الحضرمي، فقيه كبير من حضرموت وكان من كبار الفقهاء المفتين، فقد أخذ العلم من الإمام أبو عبيدة، وبعد وفاة أبي عبيدة انتقل من البصرة إلى الكوفة وقد نسب إليها. (ينظر: الراشدي: أبو عبيدة وفقهه، ص239؛ يوسف المزاتي: أجوبة ابن خلفون، ص115).. (1/13)
صفحة 14
وأبو معروف شعيب بن معروف (1) ، وأبو غسان مخلد بن عمرو (2) ، حاجب أبو مودود (3) ، وابن عباد المصري (4) .
ثانيا: تلامذة الإمام أبي غانم
__________
(1) - أبو معروف شعيب بن معروف من طبقة الربيع بن حبيب، ويظهر أن موطنه مصر، أو أنه أقام بها فترة من الزمان وكان بها عند وقوع الخلاف بالمغرب على إمامة عبد الوهاب، فرحل إلى تاهرت وعاضد النكار ثم رجع إلى طرابلس بعد هزيمة يزيد بن فندين، وواصل معارضته للإمام عبد الوهاب، مما جعل الربيع وبقية الأئمة أن يخلعوه ويعلنوا البراءة منه. (ينظر: يوسف المزاتي: أجوبة ابن خلفون، ص114؛ الراشدي: أبو عبيدة وفقهه، ص601).
(2) - أبو غسان مخلد بن مخلد بن مخلد العمرو الغساني، أحد علماء الفروع والكلام والمناضلين عن كلمة أهل الإسلام عده صاحب الطبقات من الرجال الخمسين الثانية، من المائة الثانية، من أصحاب أبي عبيدة وضع يده في العلوم وأيده وهو من طبقة الربيع بن حبيب. (ينظر: الدرجيني: طبقات المشائخ، 2/290؛ الشماخي: السير، 1/102؛ الراشدي: الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وفقهه، ص239).
(3) - حاجب أبو مودود حاجب بن مودود الطائي، وأصله من عمان وكان مولده بالبصرة، وكان حاجب الساعد الأيمن للإمام أبي عبيدة في نشاطه، وكان هو القائم بجمع المال وشراء السلاح وشؤون الحرب والنظر في أمور المجالس والدعوة، توفي حاجب في أيام أبي جعفر المنصور، قبل وفاة الإمام أبي عبيدة. (ينظر: يوسف المزاتي: أجوبة ابن خلفون، ص114).
(4) - عبد الله بن عباد المصري، الفقيه المفتي أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بالبصرة، وعاد إلى مصر وأقام بها، أرسل إليه الإمام عبد الوهاب بمسائل فأفتاه بها، وهو من طبقة الربيع بن حبيب. (ينظر: الراشدي: أبو عبيدة وفقهه، ص267-268). (1/14)
صفحة 15
كان للإمام أبي غانم الخرساني تلامذة درسوا العلم على يده نظرا لما يتمتع به من العلم و الصلاح والجهاد في طلب العلم، ولكن المصادر لا تسعفنا بعدد كبير، من هؤلاء التلاميذ الذين درسوا على يد أبي غانم ولعل السبب في ذلك تلف المكتبات الإباضية وغيرها. ومن أشهر تلامذته: أبو حفص عمروس بن فتح المساكيني النفوسي (1) ، والإمام أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي (2) .
المطلب الرابع: آثار الإمام أبي غانم ووفاته
أولا: آثار الإمام أبي غانم
... ذكرت المصادر أنّ لأبي غانم كتابين هما:
1- المدونة وهو موضوع البحث وسأتكلّم عنه بشيء من الاختصار.
2- اختلاف الفتوى وهو مفقود لم يعثر عليه. (3)
ثانيا: وفاة الإمام أبي غانم
__________
(1) - أبو حفص عمروس بن فتح ولد في قرية قطرس، توفي سنة 283هـ، وشهد معركة بين النفوسيين والأغالبة وأسر فيها، له مؤلفات عديدة منها: الدينونة الصافية، وكتاب العروس. (ينظر: معجم أعلام الإباضية من القرن 1-10هـ، (نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية- الجزائر، 1420هـ- 1999م)، 3/671- 672).
(2) - الإمام أفلح
(3) - ندوة الفقه الإسلامي: بحث الشيخ مبارك الراشدي، ص188. (1/15)
صفحة 16
... ذكرت بعض المصادر أنّ وفاته كانت سنة 200هـ الموافق لـ: 815م، إلاّ أنّ الشيخ صالح بن أحمد البوسعيدي يرى رأياً آخر في تاريخ وفاته، إذ يقول: "إنّ هذا التقييد غير دقيق، وأنّ وفاة أبي غانم كانت بعد ذلك، والذي يدعونا إلى هذا الترجيح هو أنّ الإمام أبا غانم قد لقي عمروس بن فتح، وترك عنده نسخة في المدونة، وعمروس قتل في وقعة مانو سنة 283هـ، وتبيّن قصّة مشاركته في القتال، وكيفية أسره، أنّه كان حينذاك قويّا صلباً، فلو فرضنا أنّ أبا غانم قد لقيه سنة 200هـ مثلا، وفرضنا أنّ عمر عمروس حينئذ كان عشرين سنة على أقلّ تقدير، فإنّ سنّ عمروس حين استشهاده يكون مائة وثلاث سنوات، ورجل في مثل هذا السنّ تستعد في مشاركته في الحرب، تلك الصّلابة التي يوصف بها، ولهذا يترجّح أنّ لقاء أبي غانم بعمروس كان حوالي سنة 220هـ، ومعنى هذا أنّ وفاة أبي غانم ليست قبل هذا التاريخ" (1) .
... ويذهب الباحث سلطان الشيباني إلى خلاف ما يراه الشيخ صالح البوسعيدي، إذ يقول: "إنّ مرور أبي غانم بعمروس وتركه نسخة من المدونة عنده، كان في زمن الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي، وقد اختلف المؤرخون في سنة وفاة الإمام عبد الوهاب، قيل: عام 188هـ، وهو قول ابن عذاري المراكشي، وقيل: سنة 190هـ، وهو القول الذي رجحه
__________
(1) - البوسعيدي: رواية الحديث، ص98. (1/16)
صفحة 17
سليمان الباروني (1) ، وتابعه الدكتور عمرو خليفة النامي (2) ، وقيل: سنة 208هـ.
... وعلى القولين يكون أبو غانم قد التقى بعمروس سنة 188هـ، أو 190هـ، وهذا على الذي يراه الدكتور النامي إذ يقول: "إنّ أبا غانم رحل إلى تاهرت في أوائل القرن الثاني الهجري، أمّا على القول الأخير يمكن أن تكون في أوائل القرن الثالث، ولكنّها لا تتعدّى سنة 280هـ (3) .
- - - - - - - - -
المبحث الثاني: التعريف بالمدونة وبيان منهج المؤلف فيه
المطلب الأول: التعريف بالمدونة
__________
(1) - الشيخ سليمان الباروني باشا: عالم حكيم، وسياسي محنّك، من العائلة البارونية المعروفة بجبل نفوسة، ولد عام 1287هـ، أخذ مبادئ العلوم عن والده، ثمّ سافر إلى تونس لتلقّي علوم العربية بجامع الزيتونة، وهو ذو أناة وتبصّر في جميع الأمور، وكان على قدر كبير من الهمّة والشهامة والكرامة وعزّة النفس، سافر إلى عدّة بلدان إسلامية وغربية، توفي سنة 1359هـ. (انظر: سليمان باشا في أطوار حياته: الحاج إبراهيم أبو اليقظان، طبعة الدار العمانية، ص47).
(2) - الدكتور عمرو خليفة النامي، مفكر إسلامي، ولد في مدينة نالوت بجبل نفوسة عام 1939م، عاش في أحضان أسرة فقيرة مادياً، ولكنّها غنية بالقيم، والمحافظة على الدين الحنيف، تعلّم مبادئ اللغة والعلوم الشرعية، سافر إلى مصر ثمّ إلى بريطانيا، ودرس في جامعة كمبردج، خمس سنوات، وكتب أبحاثه باللغتين العربية والإنجليزية، ثمّ رجع إلى ليبيا، ثمّ نفي إلى أمريكا اللاتينية، ثمّ طلب بعد ذلك اللجوء إلى اليابان عام 1979م، وفي 1981م ألقي عليه القبض في بلده، وأودع السجن، وانقطعت أخباره بعد ذلك عام 1986م، (ينظر: دراسات عن الإباضية: د. عمرو النامي، ترجمة: ميخائيل خوري، راجعه: ماهر جرار، وعلق عليه: د. محمد صالح ناصر، مصطفى باجو، ط1، 2001م، دار الغرب الإسلامي، ص9.
(3) - بحوث وتحقيقات للباحث سليمان الشيباني، مخطوط بيد الباحث. (1/17)
صفحة 18
... مدونة أبي غانم الخراساني، تعتبر من أقدم ما دوّن في الفقه الإباضي، وقد جمع فيها أبو غانم أقوال تلاميذ الإمام أبو عبيدة، وهي عبارة عن اثني عشر مجلدا، يحوي أحاديث النبي –صلى الله عليه وسلّم- وآثار الصحابة وأقوال التابعين (1) ، ونظرا لما تشتمل عليه المدونة من مسائل وأجوبة بين أبي غانم وأشياخه، فهي تعتبر بذلك كتاب حديثي من جهة، وفقهي من جهة أخرى (2) .
... وتنقسم المسائل التي أوردها أبو غانم في مدونته قسمين، منها ما سأل عنها مشافهة، ومنها ما أخبره بها من سأل أولئك التلاميذ، مشافهة حيث يقول أبو غانم في مدونته: "سألت الربيع وأبا المهاجر وأبا المؤرج وأبا سعيد عبد الله بن عبد العزيز، وأبا غسان مخلد بن العمرو وأبا أيوب وحاتم بن منصور، منهم من سألت مشافهة، ومنهم من أخبرني [عنهم] من سألهم مشافهة. (3)
... ولم يقتصر الشيخ أبو غانم على هؤلاء العلماء، بل نجده يسأل غيرهم من العلماء من أمثال محبوب بن الرحيل وابن عباد وغيرهم، وإنّما خصّ هؤلاء بالذكر؛ لأنّ أغلب مادة المدونة جاءت من طريقهم (4) .
... والذي يمعن النظر في المدونة يجد أنّ صاحبها قصد منها جمع أقوال الرسول –صلى الله عليه وسلم- والعلماء والفقهاء من قبله، فهي تحتوي على:
? 140 من أقوال الرسول –صلى الله عليه وسلم-.
? 245 من آثار الصحابة –رضوان الله عليهم-.
? 1907 من أقوال فقهاء المذهب الإباضي.
__________
(1) - مبارك الراشدي: أبو عبيدة وفقهه، مرجع سابق، ص289.
(2) - حمد الهاشمي: اللطائف المكنونة في تخريج أحاديث المدونة، بحث تخرج بمعهد العلوم الشرعية، 1415هـ- 1995م. هذه الكلمة زيادة يقتضيها السياق.
(3) - أبو غانم الخراساني: المدونة الصغرى، 1404هـ- 1984م، وزارة التراث القومي والثقافة، 1/13.
(4) - صالح البوسعيدي: رواية الحديث، مصدر سابق، ص99. (1/18)
صفحة 19
? 40 رأيا للمذاهب الإسلامية الأخرى فقط، ويقلّ أن تجد لأبي غانم رأيا في المسألة. (1)
... يقول الشيخ صالح البوسعيدي بالمدونة على صغر حجمها، قامت بسدّ فراغ كبير في المكتبة الإسلامية عموما والإباضية خصوصا، وهيّأت الأرضية الصالحة لمن جاء بعد أبي غانم للإطلاع على أقوال السلف، ونقدها واختيار الأصح منها، بحيث لا تبدأ الاجتهادات من فراغ، بل يوجد لها منطلق تنطلق منه إلى أفق أوسع من الاجتهاد والترجيح، واختيار الأصح من الأقوال (2) ، وتعتبر المدونة من أهم الآثار الإسلامية لما تحويه من أحاديث المصطفى –عليه السلام- وأقوال الصحابة أفعالهم كابن عباس (3) ،
__________
(1) - يعقوب بن حمد الشريقي: بحث تخرج بعنوان الحثيث في التخريج عدد من الأحاديث؛ ثلاثون حديثا من المدونة الكبرى لأبي غانم، بحث تخرج بمعهد العلوم الشرعية 1421هـ، مخطوط بد الباحث، ص10.
(2) - صالح البوسعيدي: رواية الحديث، مصدر سابق، ص99.
(3) - عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي... يقال له حبر الأمة والبحر، روي عن النبي –صلى الله عليه وسلم- وعن أبيه، وعن أبي بكر وغيرهم، وعنه: أبناءه علي وابن ابنه محمد، وغيرهم، قال عنه ابن مسعود: "نعم ترجمان القرآن ابن عباس"، توفي -رضي الله عنه- سنة 68هـ. (ينظر: عز الدين بن الأثير أبي الحسن الجزري: أسد الغابة في معرفة الصحابة، ط1، 1416هـ- 1996م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 3/295؛ الإمام الحافظ شهاب أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب، ط1، 1404هـ- 1984م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 3/242؛ الإصابة في تمييز الصحابة، دط، دار الكتاب العربي، 2/322.. (1/19)
صفحة 20
وابن عمر (1) ، وابن مسعود (2) ، وعمر (3) ، وعثمان (4) ،
__________
(1) - عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي: أسلم مع أبيه وهو صغير، شهد الخندق وما بعدها، روي عن النبي – - صلى الله عليه وسلم - ، وأبو بكر، وأبيه، وعنه ابن عباس وجابر وسعيد بن المسيب، توفي سنة 73هـ، (ينظر: عز الدين بن الأثير: أسد الغابة، 3/347؛ ابن حجر العسقلاني: الإصابة، 2/338).
(2) - عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، أبو عبد الرحمن، أسلم حين أسلم سعيد بن يزيد، وأوّل من حهّز بالقرآن الكريم بمكة، وكان يخدم رسول الله – - صلى الله عليه وسلم - ، هاجر الهجرتين، وروي عن النبي – - صلى الله عليه وسلم - وسعد بن معاذ، وغيرهم؛ ابنه عبد الرحمن وعبد الله بن عتبة وأبو سعيد الخدري، مات سنة 32هـ. (ينظر: عز الدين بن الأثير: أسد الغابة، 3/394؛ يوسف بن عبد الله بن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق: علي محمد البجاوي، ط1، 1412هـ- 1992م، دار الجيل، 3/933؛ ابن حجر العسقلاني: الإصابة، 2/360؛ تقريب التقريب، ط1، 1395هـ- 1975م، دار المعرفة، 1/450).
(3) - عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، أبو حفص، أمير المؤمنين، روي عن النبي – - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر، وأبي بن كعب، وروي عنه أبناءه عبد الله وعاصم وحفصة وغيرهم، تولى الخلافة بعد أبي بكر الصديق، ودامت خلافته عشر سنين، وخمسة أشهر، قُتِل في نهاية ذي الحجة بأربعة أيام، سنة 23هـ بعد ما طعنه أبو لؤلؤة غلام الصغيرة بن شعبة، ودفن في المدينة المنورة مع رسول – - صلى الله عليه وسلم - . (ينظر: ابن عبد البر في الاستيعاب، 3/1144؛ ابن حجر: الإصابة، 2/511).
(4) - عثمان بن عفان بن العاص القرشي؛ يكنى بأبي عبد الله، زوجه رسول الله بابنته رقية، وبعدها أمّ كلثوم، ويسمّى بذي النورين، وهو ثالث الخلفاء الراشدين، قُتِل بالمدينة المنورة يوم الجمعة ثمان عشر يوم خلت من ذي الحجة سنة 30هـ. (.ينظر: ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب، 7/139؛ عز الدين ابن الأثير: أسد الغابة، 3/606؛ ابن عبد البر: الاستيعاب، 3/1037). (1/20)
صفحة 21
وعلي (1) ، وأنس (2) ، والسيدة عائشة (3) ، رضي الله عليهم وغيرهم.
__________
(1) - علي بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب الهاشمي القرشي أبو الحسن، كناه الرسول – - صلى الله عليه وسلم - أبا تراب. والخبر مشهور، روي عن النبي – - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وعمر، وغيرهم، وروي عنه أبناءه الحسن والحسين وعمر وغيرهم، وهو زوج فاطمة بنت الرسول – - صلى الله عليه وسلم - قُتِل سنة 40هـ. (ينظر: ابن حجر: الإصابة، 2/501؛ ابن عبد البر: الاستيعاب، 3/1089).
(2) - أنس بن مالك بن النظر الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله – - صلى الله عليه وسلم - ، روى عن النبي – - صلى الله عليه وسلم - ، وعن أبي بكر وعمر، دعا له الرسول – - صلى الله عليه وسلم - بكثرة المال والأولاد والجنة، مات سنة 95هـ. (ينظر: ابن عبد البر: الاستيعاب، 16/109؛ ابن حجر: الإصابة، 1/84).
(3) - السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين، زوجة الرسول – - صلى الله عليه وسلم - ، وأشهر نسائه، تزوجها بعد السيدة خديجة –رضي الله عنها-، قال رسول الله – - صلى الله عليه وسلم - : "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". توفيت –رضي الله عنها- سنة 57هـ. (ابن الأثير: الاستيعاب، 4/1881؛ عز الدين بن الأثير: أسد الغابة، 7/205). (1/21)
صفحة 22
... كما تضمّ أقوال التابعين، كالإمام جابر بن زيد (1) والحسن (2) والزهري (3) وغيرهم، وتضمّ أقوال وإجابات علماء غيرهم، ممّا يجعلها مرجعا ثريا أصيلا للأمة الإسلامية.
__________
(1) - جابر بن زيد اليحمدي الأزدي العماني أبو الشعثاء، ولد بالجوف بولاية نزوى، ونشأفي أحضان عائلة علم ورواية، تتلمذ على يد عدد كبير من الصحابة والتابعين، حيث يقول في ذلك: "أدركت سبعين بدريا فحويت ما عندهم من العلم إلا البحر"، يعني ابن عباس، وهو مؤسس المذهب الإباضي، مات سنة 93هـ. (ينظر: الدكتور صلح الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني وأثره في الدعوة، ط2، 1409هـ- 1989م، وزارة التراث القومي والثقافة، ص30؛ معجم أعلام الإباضية: لجنة البحث العلمي، نشر جمعية التراث، غرداية، الجزائر، ط1، 1420هـ- 1999م، 1/217؛ ابن حجر: تهذيب التهذيب، 2/263).
(2) - الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، كان فصيحا، رأى عليا وطلحة وعائشة – رضي الله عنهم-، روى عن أبيّ بن كعب، وسعد بن عبادة، وعمر بن الخطاب، وروى عنه حميد الطويل، ويزيد بن أبي مريم، وأيوب، ورأى مائة وعشرين صحابيا، وهو على رأس الطبقة الثالثة، توفي سنة 110هـ. (ينظر: ابن حجر: تهذيب التهذيب، 1/481؛ تقريب التهذيب، 1/165؛ أبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن بكر بن خلكان: وفيات الأعيان وأبناء الزمان، ط1، 1417هـ- 1997م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1/226- 227).
(3) - محمد بن عبد الله بن مسلم الزهري، أبو عبد الله المدني، روى عن أبيه وعمّه وصالح بن عبد الله، وروى عنه محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن إسحاق وغيرهم، توفي سنة 152هـ. (ينظر: ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب، 5/180- 181؛ تقريب التهذيب، 2/180). (1/22)
صفحة 23
... كما أنّها تمثّل في المذهب الإباضي مصدراً من المصادر المهمّة، بعد كتاب الله والجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب، كما تضمّ أقوال أئمّة المذهب العدول الثقات، ممّا يجعلها صحيحة النقل؛ حيث إنّها ألّفت في القرن الثاني الهجري (1) .
... وقد قام الإمام محمد بن يوسف اطفيش (2) بترتيب المدونة، وجعل حاشية عليها، وتتكون المدونة من جزأين بحيث يشتمل الجزء الأول، كما يقول الدكتور مبارك الراشدي: "على مائة واثنين وثلاثين بابا، واحد منها في التكليف، وسبعة في الطهارات، وتسعة وستون في الصلاة، اثنان وخمسون في الصوم، وواحد في الحج، واثنان في الذبائح والصيد، أما الجزء الثاني فيشتمل على تسعة وثمانين بابا، وهي في النكاح، والبيوع، والمعاملات، والإجارات، والشركة، والقسمة، والشفعة، والوصايا، والحريم وغيرها (3) . وكما يظهر إنّ أصل المدونة الكبرى نسخة من المدونة الصغرى، ولكن القطب زاد عليها بعض المسائل والتعليمات.
... وقد قامت وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان بطباعة المدونة في سنة 1404هـ- 1984م مرتين، فأطلعت على الطبعة الأولى (المدونة الصغرى)، وهي بدون حاشية القطب، والاتفاق بين المدونتين كبير، وإن كان بينهما بعض الاختلاف، وربما بسبب اعتماد القطب على نسخة مختلفة للمدونة (4) .
المطلب الثاني: منهج أبي غانم في المدونة
__________
(1) - صالح البوسعيدي: رواية الحديث، مصدر سابق، ص99.
(2) - سيأتي التعريف به لاحقا بإذن الله.
(3) - مبارك الراشدي: أبو عبيدة وفقهه، مصدر سابق، ص390- 391.
(4) - حمد الهاشمي: اللطائف المكنونة، مصدر سابق، ص23. (1/23)
صفحة 24
... يقول صالح البوسعيدي: ارتبط منهج الإمام أبي غانم في مدونته ارتباطاً وثيقاً بالهدف الذي سعى إلى تحقيقه، وهو جمع أقوال علماء الإباضية ومن قبلهم، ولذلك نجد أنّ المدونة عبارة عن أقول أشياخ المؤلف ومن سبقهم، وقلّما نجد للإمام أبي غانم رأيا في مسألة من المسائل، بل نراه يقتصر على نقل أقوال العلماء، وما ذهبوا إليه في المسألة، وهو يحصل على تلك الأقوال بسؤال مباشر منه وهو الأكثر، أو سؤال أحد حضرته، أو ينقل شخص ثالث (1) .
... وهذا الأخير يكاد يكون المنهج المتبع في المدونة، فهو يعرض المسألة بصيغة: (وسألت فلانا عن كذا... قال ...) وأمّا من ناحية عرض المسائل الفقهية فنجدها مرتبة ترتيبا فقهيا حسب التقسيم الشائع، بتقديم أبواب الطهارات والصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم النكاح والطلاق... إلخ (2) .
... وبالنسبة لمنهجه في ترتيب المسائل في الباب الواحد؛ فإنّ الإمام أبا غانم عند كلامه عن أيّ باب يقوم بسرد الأسئلة تباعا من غير أن يكون لها ترتيب معيّن، ولعلّ السبب في ذلك هو أنّه لو التزم بترتيب معيّن لاستلزم ذلك أن يستوفي جميع ما يتعلّق بالباب، وهو ما لا يمكنه لانحصار مادته في أقوال العلماء.
... وكذلك نجده لا يرتّب المسائل على اعتبار أقوال قائليها، وذلك لوجود أكثر من قول في كثير من المسائل، ممّا يضطره إلى تكرير المسألة أكثر من مرّة، فرأى أن يضمّ الأقوال بعضها إلى بعض أفضل وأيسر من تفريقها، كما أنّ هذا الجمع أفضل للقارئ؛ وذلك لأنّه يجد بغية في مكان واحد (3) .
__________
(1) - صالح البوسعيدي: رواية الحديث، مصدر سابق، ص103.
(2) - ياسين كومني: ابن عبد العزيز وفقهه في كتاب البيوع من خلال مدونة أبي غانم الخرساني، بحث تخرج لمعهد العلوم الشرعية، 1420هـ- 1999م، مخطوط بيد الباحث، ص29- 30.
(3) - البوسعيدي: رواية الحديث، ص104- 105. (1/24)
صفحة 25
... كما يمكن اعتبار المدونة كتابا تربويا؛ حيث إنّ مؤلفه يذكر فيه آداب السؤال ويذكر المداخلات التي تجري، ولو كانت في غير الموضوع المسؤول عنه، وأحيانا ينقل حركات الشيخ المعبّرة عن الرفض أو الموافقة (1) .
المطلب الثالث: منهج أبي غانم في رواية الحديث
... عندما نعيد النظر والتدقيق في المدونة، نجد أنّ الأحاديث التي فيها إسناداً إلى الرسول – - صلى الله عليه وسلم - قليلة جدا وعددها (140) (2) ، حديثا ولكن هذه النسبة من الأحاديث لا بأس بها في كتاب أُلّف في الفقه، ولم يفرد الحديث، وقد جاءت الأحاديث كالآتي:
... متصلة، ومرسلة، ومعضلة، ومعلّقة، وعندما نتتبّع عدد الأحاديث المتّصلة نجدها قليلة جدا،
فقد بلغ عددها (21) حديثا فقط، والباقي غير متّصلة، ممّا يجعلها نلحظ قلّة الاهتمام بالسند، ومردّ ذلك أنّ المدونة كتاب فقه، وليست كتاب حديث (3) ، وهذه عادة الفقهاء، وهو الوصول إلى الدليل بغض النظر عن الطريق إليه، ولذلك كانت معظم الروايات مروية بالمعنى.
... غير أنّنا إذا تتبّعنا أسباب كثرة ورود الأحاديث غير المتّصلة في المدوّنة، نجد أنّ ذلك يعود غالباً إلى الأسباب الآتية:
1) أنّ هذا من صنع الفقهاء.
2) أنّه يورد بعض الأحاديث مورد الردّ والتضعيف.
3) أنّ هذه الأحاديث لم تصل مسندة.
4) أنّ هذه الأحاديث وصلته مسندة زلن لشهرتها لم يذكر سندها اكتفاء بشهرتها.
المبحث الثالث: التعريف بالمرتب
المطلب الأول: نسب المرتب وميلاده
أولا: نسب المرتب
__________
(1) - يعقوب الشريقي: الحثيث في تخريج عدد من الأحاديث، ص11.
(2) - البوسعيدي: رواية الحديث، ص104- 105.
(3) - البوسعيدي: رواية الحديث، ص199، بتصرف. (1/25)
صفحة 26
... هو الشيخ محمد بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن بن عيسى بن إسماعيل بن محمد بن عبد العزيز بن بكير الحفصي (1) ، ينتهي نسبه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- ولا نستطيع أن نجزم بصحة النسب إلى عمر بن الخطاب، وذلك لعدم توفر الأدلة الواضحة في تسلسل هذا النسب، ولطول الأمد بين عصر الراشدين، وعصر الشيخ وكذلك بعد الشقة، اشتهر بقطب الأئمة، كما أنّ أسرته تلقّب بـ: (اطفيش) (2)
ثانيا: ميلاد المرتب
... ولد الشيخ ببلدة بني يزجن من وادي ميزاب بالجزائر (3) ، ولكن اختلفت المصادر في تاريخ ميلاده، فبعضها ذكر أنّه ولد سنة 1236هـ، ومصادر أخرى تحدّده بسنة 1237هـ، وإذا رجعنا إلى الشيخ اطفيش نفسه نجده يقول إنّ عمره سنة 1267هـ، هو نيف وعشرون سنة، ويستخلص من ذلك إلى أنّ أبعد احتمال لميلاده هو سنة 1238هـ/1821م (4) .
المطلب الثاني: شيوخ المرتب وتلاميذه
أولا: شيوخ المرتب
... لا تذكر المصادر إلاّ بعض الذين درس عندهم الشيخ اطفيش، وأخذ عنهم بعض العلوم، ولا تعلم على من ابتدأ التعلم، سوى أنّه ابتدأ مثل غيره بحفظ القرآن الكريم لما أرسلته أمّه إلى الكتّاب، وبعد أن حفظه وعمره ثماني سنوات، أصبح مؤهّلا لمتابعة الدراسة عند تلاميذ الشيخ عبد العزيز الثميني، أمثال: محمد بن عيسى ازيار، والشيخ عمر بن سليمان، والشيخ سعيد بن يوسف وغيرهم (5) .
ثانيا: تلاميذ المرتب
__________
(1) - الراشدي: الإمام أبو عبيدة وفقهه، مصدر سابق، ص391؛ البوسعيدي: رواية الحديث.
(2) - محمد بن يوسف اطفيش: شرح النيل وشفاء العليل، معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد، بسلطنة عمان، 417هـ- 1997م، الفهارس، ص598.
(3) - محمد صالح ناصر: مصادر البحث في العلوم الإسلامية، ط2، 1416هـ- 1995م، معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد، ص592.
(4) - القطب: شرح النيل، الفهارس، ص600.
(5) - المصدر السابق، ص28. (1/26)
صفحة 27
... أمّا عن تلاميذ الشيخ اطفيش، فهو حديث عن مجتمع كوّنه بعلمه، وتربيته سواء بوادي ميزاب أو غيره، ومنهم: الشيخ الحاج صالح بن عمر لعلي، سليمان باشا الباروني، أبو إسحاق إبراهيم بن الحاج محمد بن الحاج، وأبو اليقظان إبراهيم بن عيسى وغيرهم (1) .
المطلب الثالث: آثار المرتب ووفاته
أولا: آثار المرتب
... أدّى الشيخ اطفيش التأليف أهمية وعناية كبرى: بدأه وعمره ست عشرة سنة، واستمرّ لا ينقطع بتغيّر الأحوال والتنقلات، فألف وهو مقيم ببلده، أو مسافر، لذا كثر إنتاجه، وتنوّع حتّى صعب حصره.
... وقد اختلف الدارسون في تحديد عدد مؤلفاته وعناوينها، فقدّر البعض مؤلفاته بحوالي ثلاثمائة كتاب، وذهب البعض إلى تقدريرها بمائة كتاب، وتنوّعت الفنون والمواضيع التي تكلّم عنها الشيخ في مؤلفاته، خاصة أصول الدين والعقيدة، وأصول الفقه، وعلوم اللغة والتفسير، والحديث، والعلوم الأخرى (2) .
ثانيا: وفاة المرتب
... توفي -رحمه الله تعالى- يوم السبت 23 ربيع الثاني 1332هـ، الموافق لشهر مارس 1914م، وتوفي بعد مرض ألمّ به ثمانية أيام، ويرى البعض أنّه توفي متأثّرا بسمّ من وضع الاستعمار الفرنسي (3) .
- - - - -
الفصل الثالث:
النص المحقق
المبحث الأول: باب المكاتبة
المبحث الثاني: كتاب الوصايا
المبحث الثالث: كتاب الشهادة
المبحث الأول: باب المكاتبة
باب المكاتبة (4)
(باب في معنى الخيرية في المكاتب)
__________
(1) - المصدر السابق، نفسه، ص28.
(2) - مصطفى الناصر ونتن: آراء الشيخ اطفيش العقدية، مصدر سابق، ص27- 37.
(3) - مرجع سابق، ص41.
(4) - المكاتبة هي أن يكاتب الرجل عبده أو أمته على مال ينجِّمه عليه، ويكتب عليه أنّه أدّى نجومه في كل نجم كذا وكذا فهو حراً. ينظر: ابن منظور: لسان العرب، (ط3، 1414هـ- 1994م، دار صادر، بيروت)، 1/700. (1/27)
صفحة 28
... سألتُ أبَا المُؤرِّج (1) عنْ معنىَ قولهِ تعالَى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} (2) (3) ، قالَ أبُو المُؤرِّج: حدَّثنِي أبُو عُبيدَة (4) إنَّه قالَ: إنَّما يَعنِي بِه إنْ علِمتُمْ عنْدهُمْ مَالاً، قالَ: وكَذلِكَ قَالَ ابْنُ عبدِ العزِيزِ (5) .
__________
(1) - سبق التعريف به في الفصل الثاني.
(2) - سورة النور الآية 33.
(3) - يرى علماء المذهب المعاصرين أن معنى الخير في قوله تعالى: {وكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً} هو الأمانة والصلاح، في أمر الدين كما حكى ذلك القطب ونسبه إلى المذهب، وزاد بعضهم من أمثال أبي الحسن البسيوي وسلمة بن مسلم العوتبي، وفاء المكاتب بما كوتب عليه. ينظر: سلمة بن مسلم العوتبي: كتاب الضياء، (ط1، 1404هـ- 1984م، وزارة التراث القومي والثقافة)، 3/199؛ أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي النزوي: المصنف، (دط، 1404هـ- 1984م، وزارة التراث القومي والثقافة)، 30/166؛ محمد اطفيش: تيسير التفسير، 1407هـ- 1987م، وزارة التراث القومي والثقافة)، 9/109؛ الإمام السالمي: جوابات الإمام السالمي، إعداد: عز الدين خوجة، عبد الرحمن السالمي، (ط2، 1419هـ- 1999م، دن)، 5/451؛ الشيخ بيوض: في رحاب القرآن (مختصر تفسير سورة الحج، المؤمنون، النور)، اختصره ورتبه: الشيخ الناصر بن محمد المرموري، (ط1، 1420هـ- 2000م، دن)، ص340.
(4) - سبق التعريف به في الفصل الثاني.
(5) - سبق التعريف به في الفصل الثاني. (1/28)
صفحة 29
... قَالَ المُُرتِّب (1) : هذَا لاَ يثْبُت عنْ أبِي عُبيْدةَ، وإنَّما يُفسِّر الخَيرَ بِالخَيْرِ فيِ الدِّينِ (2) . ومَا فَائِدةُ تقْييِد المُكَاتبةِ بوُجودِ المالِ عنْدَهُم؟ وأيُّ مالٍ يَكوُنُ للعَبدِ؟ (3) وقَدْ يَكُونُ لهُ بِوجْهٍ كمَا بيِّنٍ فيِ محلِّه (4) ، وأيْضاً يقولُ اللهُ تعَالى: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ}11 وهذاَ ألَيْقُ بِأنْ لاَ مالَ لهمُ، وإنْ قِيلَ ذَلِك ليقُومُوا بِأَنْفُسهِم، أَو آتُوهمُ فيِ مُكاَتبِينَ لاَ مالَ لهمُ، فهُو بخِلافِ الظَّاهِر. انتهى.
(باب في دلالة الأمر في قوله تعالى: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّه} (5)
... قُلتُ لابْنِ عبْدِ العزِيزِ فقَوْل اللهِ تعاَلى: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ}1، هُو كَما قالَ هؤُلاءِ (6) ، قالَ: ومَا هُو؟ قلتُ: يقُولُونَ لاَ تُكاتِبُوهُم حتَّى تُعطُوهُم منْ مَالِكُم، ويزعمُونَ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ
__________
(1) - سبقت ترجمته في الفصل الثاني.
(2) - عن قتادة قال: إن علمتم أنّ عندهم وفاء وصدق وأمانة، وقال الربيع مثل ذلك، هذا فيه تدعيم لقول المرتب عن معنى الخير عن أبي عبيدة. (ينظر: محمد بن إبراهيم الكندي: بيان الشرع، تحقيق لجنة من علماء عمان، بإشراف سماحة الشيخ أحمد الخليلي، (دط، 1402هـ- 1982م، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان)، 46/366).
(3) - العبد لا يملك المال، وإنّما ماله لسيّده، وإنّما يكون له مال إذا أهدي إليه مال فقبله السيد. (سؤال وجهته إلى سماحة الشيخ أحمد الخليلي، بتاريخ: 30 شعبان 1426هـ- 4 أكتوبر 2005م).
(4) - انظر: أبو غانم الخرساني: المدونة الكبرى، 2/141.
(5) 11- سورة النور الآية 33.
(6) - الضمير يعود إلى أبو المؤرج وابن عبد العزيز. (1/29)
صفحة 30
–رضي الله عنه- (1) فعَلَ ذلِكَ لمُِكاتِب لهُ أعْطَاهُ منْ عنِدهِ مالاً حينَ كاَتبهُ وتَلاهُ هذِه الآيَة: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ} (2) ، (3) قَالَ: فمَا فعلَ عُمر هُو العَدْل، غيرَ أنَّ المَعنىَ عندَ فُقهائِنا الذِين نأخُذُ عنْهُم ونعتَمِد علَيهِم فهُمْ يرَوْنَ أنَّ معنىَ الآية: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}، هُو: أنْ يَدعُوا لهُم طَائِفَة ممِّا كاتَبُوهُم عَليهِ، قَالَ المُرتِّب: قَالَ ابْن القَاسِم فيِ وثائِقهِ (4) : ويُستحبُّ للسَّيِّد أنْ يضَع منْ مُكَاتبَة مُكَاتِبهِ شَيئاً مُراعَاةً لقَولهِ تَعالَى، وذكَر الآيَة. انتهى (5) .
__________
(1) - تقدم التعريف به في الفصل الثاني.
(2) - سورة النور الآية 33.
(3) - أخرجه البيهقي: كتاب المكاتب، باب ما جاء في تفسير قوله تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} من طريق عبد الملك بن أبي أمية عن أبيه، 10/577، الحديث رقم: 21687.
(4) - عبد الله القاسم بن سابور المكنى بـ: "أبي عبيدة الصغير" أحد فضلاء من أقام بالأمصار، أصله من بسيا بعمان، اشتهر برحلته إلى الصين، وكان ذلك سنة 133هـ، وهي من أقدم رحلات العرب إلى المنطقة، كما اشتهر من بين التجار بتحريه الحلال وتجنبه الحرام، حتّى لقبه الإمبراطور الصيني (سون- ين- زون) بـ: (جنرال الأخلاقية الطيبة)، استطاع من خلال رحلاته هذه أن يعمل على نشر الإسلام على يديه أو على أيدي زملائه من التجار العمانيين. (ينظر: الدرجيني: الطبقات، 1/7؛ د. نايف عبيد جابر السهيل: الإباضية في الخليج العربي في القرن الثالث والرابع الهجريين، (ط2، 1418هـ- 1998م، مكتبة الاستقامة، مسقط)، ص166.
(5) - أجمع فقهاء المذهب على أن الأمر في الآية للندب، فيستحب للسيد أن يضع عمّن كاتبه من مكاتبته شيء، كما يؤمر الإنسان بالصدقة النافلة وبالحطّ عن غريمه، وعمّن اشترى منه إن كان ذا احتياج. (.ينظر: محمد بن يوسف اطفيش: تيسير التفسير للقرآن الكريم، (دط، 1407هـ- 1987م، وزارة التراث القومي والثقافة)، 9/109؛ محمد بن يوسف الوهبي الإباضي المصعبي: هميان الزاد إلى دار المعاد، (دط، 1409هـ- 1989م، وزارة التراث القومي والثقافة)، 11/292؛ خميس بن سعيد الشقصي: منهج الطالبين وبلوغ الراغبين، دط، 1404هـ- 1983م، وزارة التراث القومي والثقافة، 17/193؛ الشيخ بيوض: في رحاب القرآن، مصدر سابق، ص340). (1/30)
صفحة 31
وشَهرَ أنَّ مالَ اللهِ: الزكَاة (1) . انتهى. وأمَّا أنْ يُعطُوهُم منْ عِندِهمْ مَالاً مِنْ غيرِ مَا كاتَبُوهُم عَليهِ فَهذَا أمْرٌ لمْ أسمعْه منُه، والله أعلَم بقولِ عُمرَ.
(باب: الشرط في المكاتبة)
... سألتُ أبَا المُؤرِّج عنْ مُكاتِبٍ يَشْترطُ إليهِ سيِّدُه أنْ لاَ يَخرُج منَ البَلدِ، قَال: أكرَهُ أنْ يُشْترطَ عَليهِ ذَلِك ولْيَدعْه يخْرُج يطْلبُ منْ فضْلِ اللهِ تعَالى، قاَل: وقَال عبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزيزِ لهُ شَرْطُه، وليسَ لهُ أنْ يخْرُج إلاَّ بإِذنِه، لأنَّه لمْ يشْترِط عليهِ شَرطاً حَراماً.
... قالَ المُرتِّب: لا شَرْط لهُ، وقولِه - صلى الله عليه وسلم - : "المسلِمُ أحقُّ بشَرطِه" (2) ،
__________
(1) - أجمع فقهاء المذهب على أنّ المقصود بمال الله هو ما يجمع من الزكوات، والخراج، وسائر الصدقات، وأن يتصدّق عليهم ويعانوا في مكاتبتهم مصداقاً لقوله - صلى الله عليه وسلم - : "ثلاثة حق على الله عونهم المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف"، (أخرجه الترمذي في السنن، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في المجاهد والناكح والمكاتب وعون الله إياهم، 3/581، الحديث رقم: 1655؛
أخرجه ابن ماجه في السنن، كتاب العتق، باب المكاتب، 2/841، الحديث رقم: 2518، كلاهما من طريق أبي هريرة.
(ينظر: العوتبي: كتاب الضياء، مصدر سابق، 8/109؛ أبو الحسن البسيوي: كتاب الجامع، (دط، 1404هـ- 1984م، وزارة التراث القومي والثقافة)، 3/200؛ محمد بن يوسف اطفيش: تيسير التفسير، مصدر سابق، 9/110؛ الشيخ بيوض: في رحاب القرآن، مصدر سابق، ص340).
(2) - هذا الحديث رواه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أبو هريرة وأنس بن مالك والسيدة عائشة وعمرو بن دينار وعطاء وكثير بن عبد الله المزني، أمّا حديث أبي هريرة فقد أخرجه: أبو داود: كتاب الأقضية، باب في الصلح، 3/304، الحديث رقم: 3594، بلفظ مخالف؛
الحاكم في المستدرك، كتاب البيوع، 2/57، الحديث رقم: 2309/180، بلفظ مخالف؛
البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الشركة، باب الشرط في الشركة وغيرها، 6/131، الحديث رقم: 1429، بلفظ مخالف؛ البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصداق، باب الشروط في النكاح، 7/406، الحديث رقم: 4434، بلفظ مخالف؛
البيهقي في شعب الإيمان، باب في الإيفاء بالعقود، الحديث رقم: 2348، 4/75، بلفظ مخالف؛
وأمّا حديث أنس بن مالك فقد أخرجه: الحاكم في المستدرك، كتاب البيوع، 2/181، الحديث رقم:310، بلفظ مخالف؛ الدارقطني، كتاب البيوع، 3/24، الحديث رقم: 2872. من طريق أنس بن مالك، بلفظ مخالف؛
وأمّا حديث السيدة عائشة فقد أخرجه: الحاكم في المستدرك، كتاب البيوع، 2/57، الحديث رقم: 2310/181، بلفظ مخالف؛
البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصداق، باب الشروط في النكاح، 7/406، الحديث رقم: 4435. بلفظ مخالف؛
الدارقطني، كتاب البيوع، 3/24، الحديث رقم: 2870، من طريق السيدة عائشة، بلفظ مخالف؛
أمّا حديث عمرو بن دينار فقد أخرجه: ابن أبي شيبة، 9/24، الحديث رقم: 16217، موقوفا، بلفظ مخالف؛
أمّا حديث عطاء فقد أخرجه: ابن عبد الرازق: باب الشرط على المكاتب، 8/377، الحديث رقم: 15596، من طريق عطاء موقوفا، بلفظ مخالف؛ وكذلك 9/24، الحديث رقم: 16216، موقوفا، بلفظ مخالف؛
أمّا حديث كثير بن عبد الله فقد أخرجه: الترمذي: كتاب الأحكام، باب ما جاء في الرقبى، 3/49، الحديث رقم: 1252. بلفظ مخالف، وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح؛
البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الشركة، باب الشروط في الشركة وغيرها، 6/131، الحديث رقم: 1430. وكذلك في كتاب الصداق، باب الشروط في النكاح، 7/406، الحديث رقم: 4433. بلفظ مخالف؛
الدارقطني، كتاب البيوع، 3/23، الحديث رقم: 2869، بلفظ مخالف وإسناده ضعيف؛
ابن عدي في الكامل، 5/61، بلفظ مخالف، ويلاحظ أن اللفظ تفرد به المرتب. (1/31)
صفحة 32
لاَ يشْملُ اشْتِراطَ أنْ لاَ يخْرُج المُكاتِب منَ البَلدِ علَى قَوْل منْ قالَ أنَّه عبْدٌ مَا لمْ يقْضِي مَا عليهِ (1) ، ومَع هذَا إذَا قضَى مضَى حيثُ شاءَ. انتهى (2) .
... وكذلِكَ قالَ حاتِم بنُ منصُور (3) ، ورفَع الحديثَ إلِى رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قالَ: "المُسلِم أحقُّ بشَرطِه مَا وَافَق الحقَّ" (4) .
(باب في عجز المكاتب عن كتابته)
... قلتُ لأبِي المُؤرِّج: فالمُكاتِب يعجَزُ عنْ كتابتِه أيُردُّ فِي الرِّقِّ؟ قالَ: لاَ يُردُّ فيِ الرِّقِّ وهُو حرٌّ، وإنَّما هُو غَريم (5)
__________
(1) - وهو قول فقهاء المذاهب الأخرى غير الإباضية، ينظر: موفق الدين أبي عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي: العمدة في الفقه الحنبلي، (ط1، 1410هـ- 1990م، دار المتحدة للطباعة والنشر)، ص198؛ علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، تقديم: فضيلة الشيخ عبد الرزاق الحنبلي، (ط2، 1419هـ- 1998م، دار إحياء التراث العربي)، 3/597؛ الإمام القرافي: الذخيرة في فروع المالكية، تحقيق وتعليق: أبي إسحاق أحمد بن عبد الرحمن، (ط1، 1422هـ- 2001م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان)، 8/403.
(2) - يرى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، أنّ السيد ليس له أن يشترط على عبده عدم الخروج، إلاّ إذا أحسّ أنّ العبد لا يؤدّي نجوم المكاتبة، فله أن يشترط عليه عدم الخروج لحذره على ماله أن يغيب. (ضمن عدة أسئلة وجهتها لسماحته بتاريخ: 30 شعبان 1426هـ- 4 أكتوبر 2005م).
(3) - سبق التعريف به.
(4) - سبق تخريجه بطرق متعددة.
(5) - الغريم: مأخوذ من غرم غرما وغرامة: لزمه مالا يجب عليه، ويقال: غرم الدية والدين: أي أداهما عن غيره، والتجارة: خسر، وهو الذي يلتزم ما ضمنه وتكفل به. (ابن منظور: لسان العرب، مصدر سابق، 19/78).
وهو المدين وصاحب الدين وهو الخصم مأخوذ من ذلك لأنه يصير بالحاجة على خصمه ملازماً والجمع غرماء. (أحمد بن حمد بن علي الفيومي المقري: المصباح المنير، مكتبة لبنان، 1987م، ص171. (1/32)
صفحة 33
منَ الغُرمَاء.
... قالَ: وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزِيز: وكيفَ يُردُّ فيِ الرِّقِّ بعدَما صارَ حُراً! وإنَّما لهمُ أنْ يتبَعُوه بدَينِهم وينظُرونَه وهُو غَرِيم منَ الغُرماءِ يفْعلُ بِه كمَا يفْعلُ بالغرِيم.
... قلتُ إنَّ هؤُلاءِ (1) يقُولُون ويرْوُون عنْ عُمر بن الخطابِ –رضي الله عنه- (2) وزيدِ بنِ ثابت (3) وعائشةَ (4) أنَّه عبْدٌ ما بقِي عليهِ دِرْهم. قالَ: قدْ بلغَنا ذلِك عمَّن وصفْت، غيرَ أنَّ المعنىَ عنْدنَا مَا أعلمتُك بهِ إنُّه حرٌّ حينَ وقَعتْ عليهِ المُكاتبَة.
... قلتُ (5) لهُ فعمَّن أخذْتُم ذلِك؟ وإِلى منْ تسبُّونَه منَ الصَّحابةِ والعامَّةُ يخالِفُونَكم، ويأثَرُونه عنْ أصحابِ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ فكيفَ جازَ لكُم خلافَ الأُمَّة كلِّها؟ ومنْ أينَ استدْللتُم علىَ أنَّه حرٌّ؟
__________
(1) - يقصد بهذا فقهاء المذاهب الأخرى غير الإباضية.
(2) - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب المكاتب، باب ما جاء في المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، من طريق معبد الجهني، 10/547، الحديث رقم: 21649.
البيهقي في معرفة السنن والآثار، كتاب المكاتب، باب المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ، 14/447، الحديث رقم: 21687.
(3) - أخرجه: ابن أبي شيبة: كتاب البيوع والأقضية، في المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، من طريق معبد الجهني، 5/66، الحديث رقم: 3.
البيهقي في السنن الكبرى، كتاب المكاتب، باب ما جاء في المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، من طريق معبد الجهني، من طريق مجاهد، 10/545، الحديث رقم: 21641، من طريق معبد الجهني ومجاهد.
(4) - أخرجه: ابن أبي شيبة: كتاب البيوع والأقضية، في المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، من طريق معبد الجهني، 5/67، الحديث رقم: 6.
(5) - زيادة يقتضيها السياق. (1/33)
صفحة 34
... قاَل: أخذْناَ ذلِك عنْ فُقهائِنا ونسبْنَاه إليهِم (1) ، واسْتَدللْنا علَى صِدْق قَوْلهم بكتابِ اللهِ تعاَلى، والدَّليلُ والشَّاهِد الذِي لاَ يتَّهَم.
__________
(1) - أجمع فقهاء المذهب الإباضي المتقدمين والمتأخرين على أنّ المكاتب إذا عجز عن المكاتبة لا يرد إلى الرق، وإنّما يكون المال عليه ديناً إلى ميسرة؛ لأنّ المكاتب عنهم حراً من حين ما كوتب ولو لم يؤدّي شيء، ولقد استدلّ العلماء المتأخرون من الإباضية لذلك بالأدلة التالية وهي: جواز إعطاء المكاتب من الذكاة كما في قوله تعالى: {وفي الرقاب} التوبة لآية 60، وقوله تعالى: {وآتوهم من مال الله} سورة النور الآية 33، وأيضا فإنّ المكاتبة لا يجوز وطؤها بملك يمين وكذلك إباحة للمكاتب التصرف فيما عنده مثل ما أبيح للحر، فهو يبيع ويشتري ويحترف ويكتسب، ولو كان عبداً لمنع هذا كله فاتضح من خلال هذه الأدلة أنه حراً من حين ما كوتب، ينظر: أبو بكر أحمد بن عبد الله الكندي: المصنف، مصدر سابق، 30/173؛ العوتبي: كتاب الضياء، مصدر سابق، 8/109؛ محمد اطفيش: هميان الزاد، مصدر سابق، 11/191؛ الإمام عبد الله بن حميد السالمي: العقد الثمين نماذج من فتاوى نور الدين السالمي، 1286- 1332هـ، دار الشعب، 3/430؛ أبو الحسن البسيوي، كتاب الجامع، 1404هـ- 1984م، وزارة التراث القومي والثقافة، 3/200؛ محمد بن إبراهيم الكندي: بيان الشرع، تحـ: لجنة من علماء عمان، بإشراف: سماحة الشيخ أحمد الخليلي، 1402- 1982م، وزارة التراث القومي والثقافة، 46/367. (1/34)
صفحة 35
... قلتُ لَه: إنْ كانَ حقاًّ مَا تقُولُ فلاَ أحَد أَولىَ بِالعدْل منكُم، فأيُّ آيةٍ فيِ كتابِ اللهِ وجدْتُم فيهَا المُكاتِب حُرّاً صَراحةً، وقَد قرأْت ما بيَّن اللهُ حينَ فمَا أصبْت مَا تقُول؟ قالَ: بلَى، ذلِك كتابُ اللهِ حيثُ يقولُ اللهُ تعَالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَاب} (1) ، وهلْ الرِّقابُ (2) إلاَّ المُكاتبِوُن. [قلتُ له] وأيُّ حريَّة هاَ هُنا؟ فقالَ ليِ: يَا عَاجز يَفرِض اللهُ الصّدقات علَى السِّهامِ التِي سمَّى (3) للعِبادِ، قلتُ وقَد يجْعلُ معهُم المُكاتِبُون يُعانُون منَ الصَّدقاتِ فيِ رِقابهِم؟ قال: فمِن هُنا علِمْنا أنَّهم أحرارٌ، لأنَّّ الله تعَالى فرضَ لهُم منَ الصَّدقاتِ، وجعَل لهُم فيهَا نصِيباً، والسِّيرةُ منْ جمَيعِ أهلِ التَّوحيدِ أنْ تُقسَّم صدقاتُهم وزكوَاتهُم وتُعْطَى الفُقراء منَ الأحرارِ لأنَّ اللهَ تعَالى جعَلَها لهَمُ، ولا يجُوزُ أنْ يُعطُوها عبيدَهم وإمَاءَهم ولا يُجزِي ذلك عنْهم من صدقَاتِهم.
__________
(1) - سورة التوبة الآية 60.
(2) - زيادة يقتضيها السياق.
(3) - هم الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والرقاب والغارمين وابن السبيل أو سبيل الله. (1/35)
صفحة 36
... ثمَّ قالَ لِي (1) : فمَا تقُول فيِ رجُلٍ وجَبَت عليهِ الزَّكاةُ ففرَّقَها علَى منْ سمَّى اللهُ تعَالى بعدَ مَا أعْطَى الإمام نِصفَها، ثمَّ أعْطى منْ ذَلِك النِّصفَ البَاقِي فيِ يدِه سهْماً لغُلامِه فأَدْخلَه فيِ حسابِ الفُقراءِ منَ الأحرَارِ، أجزِيه ويعتَمِد عليهِ منْ زكَاتِه؟ قلتُ: لاَ، قال: ولِم، قلتُ أنَّه عبدٌ وهو مُكاتِب؟ وإنّما فرَضها اللهُ للمُكاتِبين معَ سِهام الأحرَارِ الذِين سمَّى اللهُ تعَالى، قالَ أوَليْسَ المُكاتِب عندَهُم عبْدٌ مَا بقِي عليهِ درْهم؟ قلت: بَلى.
... قالَ: فكيفَ تجُوِّزُ أنْ تعطِي صدقاتِ المسلمِين وزكواتِهم للعبِيدِ؟ وكيفَ يجُوزُ لهُم أنْ يقُولُوا إنَّما فرضَها اللهُ للأحْرارِ منْ أهلِ السِّهامِ التِي ذكرَها اللهُ في صدقاتِ الأحرارِ؟
والمُكاتِبون أحرارٌ معَهُم لأنَّ اللهَ تعَالى لمْ يجْعَل هذهِ القِسْمة التِي أعلمْتُك منْ أهلِ السِّهامِ الذينَ ذكرَ الله تعَالى فيِ كتابِه إلاّ للأَحرَارِ منْ جمَيِع هذهِ الأصنافِ، فافْهم ذلِك منْ قولِنا واعتمِد عليهِ.
(باب تعجيل المكاتبة)
__________
(1) - القائل هو أبو المؤرج والمقال له هو أبو غانم الخراساني. (1/36)
صفحة 37
... سألتُ أبَا المُؤرِّج وأبَا سَعِيد (1) عنْ رجُلٍ يُكاتَِب عبْدَه وينجُم (2)
__________
(1) - محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد الكدمي الناعبي النزوي السلوتي، وكدم من أعمال ولاية الحمراء، ولد سنة 305هـ، وهو من كبار علماء عمان المحققين المبصرين، ومن أئمة المذهب المقتدى بهم، فهو العالم الفقيه في تخريجاته لمسائل الفقه واستنباط للأحكام ومن أبصر العلماء في أحكام الولاية والبراءة، له مؤلفات عدة منها: الاستقامة، كتاب المعتبر، مات يوم الأربعاء لثالث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة 361. (ينظر: الشيخ سيف بن حمود البطاشي: إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، (ط2، 1419هـ- 1998م، مكتبة المستشار الخاص لجلالة السلطان لشؤون الدينية التاريخية)، 1/282؛ محمد بن إبراهيم الكندي: بيان الشرع، مصدر سابق، 6/70؛ الإمام السالمي: إتحاف الأعيان بسيرة أهل عمان، (دط، 1417هـ- 1997م، مكتبة إشاعة الإسلام، الهند)، 1/191).
(2) - النجوم: الكواكب والجمع نجوم وأنجم مثل: فلس وفلوس وأفلس، وكانت العرب تؤقت بطلوع النجوم، لأنهم كانوا يسمون الوقت الذي يحلّ فيه الأداء نجما تجوزا، لأنّ الأداء لا يعرف إلاّ بالنجم. (ينظر: أحمد الفيومي المقري: المصباح المنير، ص227).
وهو مفرد نجم وهو أن يقدّر عطاؤه في أوقات معلومة متتابعة مشاهرة أو مساناة، وأصله أنّ العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيت حلول ديونها وغيرها، فتقول إذا طلع النجم حل عليك مالي أي الثريا، وكذلك في المنازل. (ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 12/570). (1/37)
صفحة 38
عليهِ نجُوماً يُؤدِّي فيِ كلِّ سنةٍ نجماً مُسمَّى ثمَّ يهيِّئ العبدُ نجمَين أو ثلاثةً أو أربعةً أو جميعَ ما كاتبَه عليهِ فيقولُ: خذْ حقَّك فقدْ تهيّأَ فيأبَى الرَّجلُ أنْ يأخُذ منْه إلاَّ نجْما، قال يُجبَر المولَى علَى أخذِه حقَّه، قلتُ إنَِّّه يأْبى منْ ذلِك ويقولُ لا آخذُها منْه إلاَّ منقطِعةً لِكلِّ سنةٍ نجماً، قالَ: لا ينْظُر إِلىَ قولِه ويُجبَر علَى أخذِ حقَّه كلَّه، ومَا تهيَّأ لَه.
... قالَ: وقالَ عبدُ اللهِ بنِ عبدِ العزيزِ: لا أُجبِره على أخذِ حقِّهنَّ إذا أبَى منْ أخذِه جمَيعاً، ولاَ أحسَب رجُلاً يُؤتَى إليهِ بحقِّه كلِّه، فيَأْبى منْ أخذِه منْ رجُلٍ حُرٍّ مِثلِه إلاَّ وهُو أحمَق، وإنَّما يرْغَبُ فيِ مِثلِ ما وصفْتَ منْ يرَى المُكاتبَةَ إذاَ عجزَ ردَّ فيِ الرِّقِّ فينظُر بِه رجاءَ أنْ يعجِز عنِ النَّجمِ أوْ النَّجمينِ أو الثلاثةِ فيجْعلَه عاجزٌ ويغتنِم ما أخذَ منْهُ قبلَ ذلِك ثمَّ يردُّه فيِ الرِّقِّ، وليسَ هذاَ مِنْ قولِنا (1) ، وليسَ أحدٌ يعرِفُ حُكمَ المسلمِين وسِيرَتهَم في المُكاتِب ثمّ يَأتِيه بِبعضِ نُجُومه أو بِها كلِّها فيرُدّها عليهِ، ويأْبَى منْ أخذِها إِلاّ إنْ كانَ عاجِزاً سفِيهاً ضعيفَ الرأْيِ، قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ إنْ أبَى لاَ أُجبِره على القبضِ كلِّه إنْ شاءَ وإنْ أبَى، بلْ كانَ المُكاتِب الحرُّ أوّلاً يحبِسُ ذلِك المالِ.
__________
(1) - أي إنّا لا نقول بأنّ المكاتب إذا عجز عن دفع ما عليه ردّ إلى الرق، وإنّما هو حر، ولقد أجمع الإباضية على أنّ المكاتب حر من حين ما كوتب. (1/38)
صفحة 39
... أَرَأَيْت لو طلَب إليهِ الذِي كاتَبه أنْ يَأتِيَه بنجْمَين فيِ السّنةِ أو ثلاثةٍ، وأبَى منْ ذلِك وقالَ لاَ أُعطِيكَ إلاّ نجمَك الواحدَ، فإنْ فضُل عليّ نجْمٌ أو نجمَانِ انتفعْتُ بهمَا إِلىَ السّنةِ الأُخرَى وربِحْت فيهِما مثلَهُما، فلاَ أرَاه حينئِذٍ إلِاّ محسِنا مُجمَلاً مؤدِّياً لماَ جُملَ عَليهِ وإذاَ لم يغتنِم العطاَ ويمكِّنَ صاحِبَه منْ رَحلِه ويقولُ إِنَّما أنا غرِيمُ من الغرمَاءِ يصنَع فيّ ما يصنَعُ بالغريمِ (1) .
(باب التصدق على المكاتب وما يفضل عنه)
__________
(1) - يرى الإمام الشافعي جبر السيد على قبول النجم إذا عاجله المكاتب، واحتجّ في ذلك بعمر بن الخطاب حينما مرّ بسيرين، فقال: إن أنس بن مالك كاتبني على عشرين ألف درهم فكنت ممن فتح الله عليه فتيسّر، فاشتريت رثة فربحت فيها فأتيت أنس بكتابته، فأبى أن يقبلها منّي إلاّ نجوما، فقال عمر بن الخطاب له: أراد أنس الميراث وكتب إلى أنس أن اقبلها من الرجل فقبلها.
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب المكاتب، باب تعجيل المكاتبة، 10/561، الحديث رقم: 21707. أمّا إذا كانت الدنانير أو الدراهم أو مالاً يتغيّر على طول المكث، أو كانت لحمولته مؤنة، فليس عليه قبوله، إلاّ في موضعه، فإن كان في طريق لصوص أو في البلد فلا يلزم قبوله، إلاّ أن يكون في ذلك الموضع كاتبه فيلزمه القبول، ولو عاجله ببعض الكتابة على أن يبرّئه من الباقي لم يجز، وردّ عليه ما أخذ. (ينظر: الإمام الشافعي: كتاب الأم، ط1، 1423هـ- 2002م، دار الفكر للطباعة والنشر، 5/349). (1/39)
صفحة 40
... سألتُ أباَ المُؤرِّج وابنَ عبدِ العزيزِ، وأخبَرنِي منْ سأَلَ الربيعَ بنَ حبيبٍ عنِ المُكاتبِ يُكاتِبه سيِّدهِ فيعطِيه النّاسُ ويتصدَّقُون عليهِ، ثمَّ يجتمِعُ إِليه مالٍ كثيرٍ، فأَدَّى لهُ (1) ما جعلَه عليهِ، وفضُل عنْدَه فضْلٌ، كيفَ يصنعُ فيِ الفضْل؟ قالُوا جَمِيعاً: لا يحِبسُ ذلِك الفضل (2) ، وليجْعلْه فيِ مثلِه منَ الرُّقبَاء، إلاّ أنّ أبا المُؤرِّج رفعَ الحدِيثَ إِلَى أبِي عُبيدَة، وقالَ: سمِعتُه يقولُ ذلِك. (3)
(باب المكاتبة على وصف)
__________
(1) - الضمير يعود إلى السيد.
(2) - أي لا يجعله في ملكه.
(3) - يذهب كلٌّ من الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي صاحب بيان الشرع وأبو بكر أحمد بن عبد الله الكندي صاحب كتاب المصنف، وعبد العزيز الثميني، إلى أنّه إذا فضل عن المكاتب شيء ممّا تصدّق به عليه، فليجعله في مكاتب آخر، واستشهدوا لذلك بأن عبداً اشترى نفسه من عند مولاه فكاتبه، ثم جاء إلى أبي موسى الأشعري فقال له: أني مثقل يعني أنّ عليه دين مكاتبه، فحث الناس عليه، فأصرّ أبو موسى الناس أن يعينوه على مكاتبته فلم يزالوا يعطوه من الدراهم حتّى قال: يكفيني، ثمّ قال لأبي موسى: إنّ عندي فضلا عن أداء مكاتبيّ ممّا أعطاني الناس، فكيف أضع به؟ قال له أبو موسى: أده في ثمن مكاتب. (ينظر: محمد الكندي: بيان الشرع، 46/366؛ أحمد الكندي: المصنف، 30/167؛ عبد العزيز الثميني: التاج المنظوم، ط1،
1421هـ- 2000م، 7/80). (1/40)
صفحة 41
... سألتُ أبَا المُؤرِّج عنْ رجُلٍ كاتَبَ عبْدَه علَى وصفٍ، فقالَ: لا بأسَ بذلِك، وهُو جائزٌ، وكذلِك قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ، إلاّ أنّه قالَ: علَى نعتٍ معلومٍ وصفةً معروفةً (1) .
(باب التعجيل بالحطّ)
... سألتُ أبَا المُؤرِّج عنْ رجُلٍ يحُطّ عنْ مُكاتِبه علَى أنْ يُؤدِّي إليهِ قبلَ حُلولِ الأجلِ، قالَ: كانَ أبُو عُبيدَة يَكْره ذلِك فيِ المُكاتِب.
... وفيِ رجلٍ يبِيع منْ رجُلٍ سِلْعةً إلىَ أجَلٍ ثمّ سَألَه أنْ يعجِّل له ويضَعَ عنْهُ، قالَ أبُو المُؤرِّج: فَكَرِه ذلك أبُو عُبيْدةَ فيِ الأمْرَين جمِيعاً.
... قالَ أبُو المؤرِّج: حدَّثني أبو عُبيْدة رفَع الحدِيثَ إِلى عبدِ اللهِ بن عباس أنَّه لا يَرى بتعجِيلِ قبْضِ الحقِّ منَ الغرِيم والمُكاتِب والوَضْع عنْهُما بَأْساً (2) .
... قالَ أبُو المُؤرِّج: قالَ أبُو عُبيْدة: قدْ سمِعنا ذلِك قوْلاً منْ بعضِ الصَّحابةِ فهُو أحبُّ إليَّ منْ قولِ ابنِ عباسٍ، أنَّه كرِه ذلِك.
__________
(1) - اختلف في ذلك، قيل من كاتب على وصف إلى أجل فلا يصح ولكن ما جعل منه عند المكاتبة، فلا بأس، وقيل يصح أن يكاتب على وصيف ثم يقوم الوصيف مكانه دراهم لأنه إنما ذلك دراهم، ويرى سماحة الشيخ أحمد الخليلي: "أن المكاتبة على وصف تتقيّد ببيان هذا الوصف، فإنّ الحكم على الشيء فرع من تصوره". (عبارة عن سؤال وجهته إلى سماحة الشيخ بتاريخ: 30 شعبان 1426هـ- 4 أكتوبر 2005م؛ ينظر: العوتبي: كتاب الضياء، 8/112؛ أحمد الكندي: كتاب المصنف، 30/175).
(2) - أخرجه: البيهقي في السنن الكبرى، كتاب المكاتب، باب الوضع بشرط التعجيل وما جاء في قطاعة المكاتب، 10/562، الحديث رقم: 21713؛
البيهقي في معرفة السنن والآثار، كتاب المكاتب، باب تعجيل المكاتبة، 14/458، الحديث رقم: 20759؛
ابن أبي شيبة، كتاب البيوع والأقضية، باب ما جاء في المكاتب يقول لمواليه: أعجل لك وتضع عنّي، 5/264، الحديث رقم: 6. (1/41)
صفحة 42
... قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ: ذلِك قولُ ابنِ عمَر (1) فيِ الغرِيمِ والمُكاتِب. وفيِ هذاَ تصدِيقٌ لقولِه (2) أنَّ المُكاتِبَ حرٌّ بمنزِلةِ الغرِيمِ الذِي كرِه ابنَ عُمر تعجِيلَ حقِّهِ قبلَ حلُولِ الأجلِ والوضعِ عنهُما، ولوْ كانَ المكاتِبُ عبدٌ لسيِّدِه كمَا قالَ هؤلاءِ (3) ، وكانَ قدْ نجَمَ عليهِ سيِّدهُ نجوماً إلىَ أجلٍ فأرادَ سيِّدُه أنْ يضعَ عنهُ ويتَعجَّلَ كانَ ذلِك جائزٌ، لأنَّه عبدُه كمَا وصفُوهُ، وليسَ بينَ العبدِ وبينَ مَولاهُ رِباً، وإنّمَا يُتخوَّف هاهُنَا فيِ مكاتبتِهِ الرِّبَا.
__________
(1) - أخرجه: البيهقي في السنن الكبرى، كتاب المكاتب، باب الوضع بشرط التعجيل وما جاء في قطاعة المكاتب، 10/562، الحديث رقم: 21711؛
البيهقي في معرفة السنن والآثار، كتاب المكاتب، باب تعجيل المكاتبة، 4/458، الحديث رقم: 20758.
(2) - الضمير يعود إلى أبي المؤرج.
(3) - تعود على أصحاب المذاهب الأخرى غير الإباضية. (1/42)
صفحة 43
... وقالَ بعضٌ: لاَ أرَى أنْ يُباعَ وإنَّما يُتخوَّفُ هاهُنَا علىَ الأحرَارِ منَ الغُرمَاءِ، وأمَّا العبِيدُ فكيفَ يجُوزُ لأحَدٍ أنْ يقُولَ أنَّ الرِّبا يدْخلُ بيْنيِ وبينَ عبْدِي؟ (1) وهلْ يقولُ أحدٌ منَ العلماءِ أنّ بينَ العبدِ وسيِّدهِ رِباً فيِ وجْهٍ منَ الوجُوهِ؟ أضعفَ عليهِ فيِ البيعِ بالنّسيئةِ منَ الذّهبِ والفضّةِ أوْ لمْ يضعُفْ، يدخلُ عليهِ فيِ شَيءٍ منْ هذَا أو نحوُه رباً لِأنَّه علامةٌ والمالُ مالُه، وكيفَ يخُافُ عليهِ الرِّباَ فيِ هذَا؟ وإنَّما اشْتَرى مالَه بمالِهِِ. (2)
(باب أسر المشركين المكاتب)
... قلتُ لابنِ عبدِ العزيزِ: مَا تقُولُ فيِ مُكاتبٍ أسِرَه العدُوُّ منَ المُشرِكينَ فاشْترَاهُ رجلٌ منَ المُسلِمينَ ثمَّ جاء سيِّدُه؟ [قال] (3) ما عَسيتُ أنْ أقولَ لكَ فيِ رجلٍ حراً؟ وأُجِيزَ بيعُ المشرِكينَ الأحرَار، وأُجِيز شِراءُ المسلمِينَ الأحْرَار منْ أهلِ الشِّركِ الذينَ لا يجُوزُ بيعُهم ولاَ شرَاؤُهم ولاَ يَسْترِقونَ عنْدنَا فيِ قولِنَا.
__________
(1) - استفهام إنكاري.
(2) - يرى الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي أنّه لا يجوز تعجيل نجوم المكاتبة مقابل الحط قبل حلول الأجل، وإذا أراد المكاتب أن يعطي سيّده شيئاً قبل حلول الأجل، فليقل قبضتك هذه الدراهم، ويقبضها صاحب الحق قرضاً، فإذا جاء الأجل تقاصها. بينما يرى الشيخ خميس بن حميد الشقصي والشيخ عبد العزيز الثميني أنّه يكره لسيّد أن يتعجّل حقه قبل الأجل ولو حطّ منه، ولا بأس إن أحبّ الغريم أن يؤدّي عن نفسه بطيب قلبه، ولو لم يحطّ عنه شيئاً. (ينظر: محمد الكندي:بيان الشرع، 6/365؛ خميس بن سعيد الشقصي: منهج الطالبين وبلوغ الراغبين، دط، 1404هـ- 1983م، وزارة التراث القومي والثقافة، 17/186؛ عبد العزيز الثميني: التاج المنظوم، مصدر سابق، 7/80).
(3) - زيادة يقتضيها السياق. (1/43)
صفحة 44
... قلتُ: فمَا تقُولُونَ؟ قالَ: أقولُ: إنَّه غرِيمٌ لمَولاَه يُؤَدّي إليهِ مَا بقِي عليهِ منْ مُكَاتبةٍ ليسَ عليهِ أكثرَ منْ ذلِكَ.
... قلتُ: أفيُذْهبُ مالَ الرّجلِ؟ قالَ: كذلِكَ منِ اشْترَى الأحرَارَ فأرَادَ أنْ يسْترِقهُم، هُو الذِي أتلَف مالَه وصنَع ذلِكَ لنفسِهِ.
... قلتُ: أفلاَ ترَى علَى المُكاتِب أنْ يُؤدِّي إلىَ هذَا المسلِمِ الذِي نفَذَ فيهِ مالَه الذِي اشْترَاه بهِ؟ فقالَ: لاَ، لأنَّه رجلٌ حُرٌّ، يجُوزُ لهُ بيْعُه ولاَ يجُوزُ لأحدٍ منَ المسلِمينَ شرَاؤُه لأنّه حُرٌّ (1) .
... قلتُ: إنَّ هؤُلاءِ (2) يقولُونَ ويرْوُونَ عن عليِّ بنِ أبيِ طالبٍ إنَّهُ قالَ: إنْ شاءَ مولاَهُ أنْ يفُكَّه بالثَّمنِ الذِي اشْترَاه بِه، وهُو عنْدَه علَى مَا بَقِي منْ كتَابتِهِ. (3) قال: لسْنا نأْخذُ بهذَا القولِ منْ قولِ عليٍّ، لأنَّه يرَاهُ عبداً مَا بَقِيَ عليهِ شيءٌ، ولوْ كانَ عبْداً أيضاً لم تأخُذْ بقولِ علِيٍّ فيهِ لأنَّ العبدَ مالٌ، وكلُّ مالٍ حازَه المُشرِكونَ فيِ دارِ شِركِهِم ثمّ صارَ للمسلِمينَ أدْركَه أهلُه منَ المسلِمينَ عنْدَهم، أخذُوه منهُم بلاَ حقٍّ لأنَّه لاَ يحِلُّ مالُ المسْلمِ المغتصَبِ علَى حالٍ منَ الأحوَالِ ولا يجُوزُ بيْعُه ولاَ شِراؤُه إذَا كانَ مغتصَباً.
__________
(1) - ذهب العالمان أبو بكر أحمد بن عبد الله الكندي ومحمد بن إبراهيم الكندي إلى أن الثمن الذي اشتري به المكاتب من المشركين عليه دين ولا رق عليه لأحد. (ينظر: أبو بكر الكندي: المصنف، 30/175؛ محمد الكندي: بيان الشرع، 4/367).
(2) - الضمير يعود على فقهاء المذاهب الأخرى غير الإباضية.
(3) - لم أقف على تخريج هذا الأثر. (1/44)
صفحة 45
... قالَ المُرتِّب: قالَ المصنِّف فيِ غيرِ هذَا الكتابِ (1) ، يأْخُذُه أهلُه حيثُ وجدُوهُ بغيرِ ثمنِ، وذكرَ أيضاً فيِ غيرِ هذَا الموقعِ أنَّ الإنسانَ إذاَ أخذَ لهُ شيئاً مغتصَباً، فإنّه يأخذُه منْ مالِ الغاصبِ بغَيرِ استئْذانِه حلالاً، جائزٌ، والله أعلم.
... وقالَ عبدُ الله بن عبدِ العزيزِ: وقدْ خالفَ أبُو بكرٍ علياً فيِ هذاَ فأخذْنَا بقولِ أبِي بكرٍ واعتمَدنَا عليهِ (2) ؛ لأنَّه الحقُّ الذِي يخالجُِك (3) فيهِ شكٌّ، وتركْنَا قولَ عليٍّ عمداً.
(باب مكاتبة الرجل لمملوك ولده)
... سألتُ أبَا المؤرِّج عنْ رجُلٍ كاتَبَ ممْلوكَ ولَدِه، قالَ: سُئِلَ أبُو عُبيدَة عنْ ذلِكَ فقالَ: نعمْ ذلِكَ جائِزٌ، قالَ: وكذلِكَ قالَ ابنُ عبدِ العزِيزِ، إلاّ أنّهُ قالَ: هوَ للوَالِدِ منْ مالِ ولدِهِ، إذَا كانَ يُريدُ بذلِكَ إدْخَالَ المنفعةَ عليهِ، والنَّظرَ لهُ، إلاّ أنْ يعلمَ أنّهُ يرِيدُ الضَّررَ، ولاَ يجُوزُ الضَّررُ ولاَ يحِلُّ (4) .
(باب تصرفات المكاتب)
__________
(1) - لم أقف على هذا الكتاب.
(2) - لم أقف على تخريج قول أبي بكر الصديق.
(3) - أي لا ينازعك فيه شك. (ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 5/122؛ الفيومي: المصباح المنير، ص68).
(4) - يرى الشيخ أحمد بن حمد الخليلي أنّه ليس للأب مكاتبة مملوك ولده، لأنّه لا يملك التصرف فيه كسائر مال ولده، وإنّما له الانتفاع به فقط. (ينظر: لقاء قمت به مع سماحته، بتاريخ: 30 شعبان 1426هـ- 4 أكتوبر 2005م). (1/45)
صفحة 46
... سألتُ أبَا المؤرِّج وابنَ عبدِ العزيزِ عنِ المكاتِبِ هلْ يتزوّجُ بغيرِ إذنِ سيِّدهِ؟ فقالاَ: يتزوَّجُ إنْ شاءَ بغيرِ إذنِ سيِّدهِ إلاّ أنّ ابنَ عبدِ العزيزِ قالَ ليِ: يَا هذَا المسألةُ الواحدةُ فيِ هذَا نحوُه منَ المكاتبِ تجتزِي بهَا منْ قولِنَا، إنّمَا يقولُ لاَ يتزوَّجُ المكاتِبُ إلاّ بإذنِ سيِّدِه منْ يجعلْه عبْداً ممْلوكاً، وقدْ أعلمتُكَ أنَّه فيِ جميعِ حالاَتِه عندنَا حرٌّ يجرِي فيِ ذلكَ مجْرَى الأحرَارِ ويجبُ عليهِ ما يجبُ علىَ الحرِّ فافهَم جميعَ مذهبِنا (1) فيِ ذلكَ.
... واستدِلّ بالمسألةِ الواحدةِ فيِ هذَا علىَ المسائلِ الكثيرةِ، وقِسْ بهَا علىَ غيرِها منَ المسائلِ. ... قلتُ: لقدْ أخبرْتنِي بجملةٍ فيهَا الكِفايةَ –إن شاء الله تعالى- أنْ أجعلَه حُراًّ فيِ جميعِ حالاَتِه يجرِي مجْرَى الأحرارِ، قالَ: نعم، هُو كذلكَ عندنَا فيِ قولِنا الذِي تأخُذ بِه فيمَا جَنى وفيمَا جُنِي عليهِ، وفيِ إقامةِ الحدُودِ إذَا نزلَ بهَا، وتجوِيزِ الشهادةِ إذَا شهِد بهَا، وكانَ عدْلاً مسلماً، وجراحَاتِه وقصاصِة ونكاحِه للأربعِ منَ النّساءِ وتسوِيه منَ الإِماءِ ما أحبَّ، قلَّ منْ ذلكَ أو أكثَر.
__________
(1) - أي: أقوالنا. (1/46)
صفحة 47
... قلتُ: [أ] (1) ليسَ المكاتِبُ والعبدُ المملوكُ فيِ نكاحِ الأربعِ، وفيِ [الـ] (2) ـتسَرِّي منَ الإمَاءِ بمنزلةٍ واحدةٍ؟ قالَ: لاَ ولاَ نعِمتْ عينٌ لهُ (3) وليسَ للعبدِ أنْ ينكِح منَ النِّساءِ إلاّ اثنتَينِ بإذنِ مُوالِيهِ، ولاَ يجوزُ لهُ أنْ يتسرَّى منَ الجوَارِي شيئاً لأنَّه ليسَ لهُ مُلكَ اليمينِ إلاّ أنْ يعطيَه سيِّدُه جاريةً عطاءً باتا يهبُها لهُ أوْ يزوِّجهَا إيّاهُ بمُهرٍ، وأمَّا علَى غيرِ مَا وصفتُ لكَ، فلاَ يكونُ ذلِك للعبيدِ، إنَّما يكونُ ذلِكَ للأحْرَارِ المكاتِبينَ وغيرُهم منَ الأحرارِ الذينَ ليسُوا بمُكاتِبينَ (4) .
... وإذَا كاتَب المكاتِبُ علَى نفسِه فإنَّ ابنَ عبدِ العزيزِ كانَ يقولُ: مَالُه لمولاَه إذَا لمْ يشتَرطْه مولاَهُ، وبهِ نأْخذْ.
... وقالَ الربيعُ: المالُ للمكاتِبِ إذَا لمْ يشْترِطهُ مولاَهُ، فإنْ تزوَّجَ المكاتِبُ أوْ وهَبَ أوْ أعتَقَ أوْ تكفَّلَ عنهُ رجلٌ فذلِكَ جائزٌ، وأحكامُه أحكامَ الأحرارِ فيِ ذلكَ كلِّهِ (5) .
(باب ولاء المكاتب)
__________
(1) - زيادة يقتضيها السياق.
(2) - "ال" زيادة يقتضيها السياق.
(3) - كناية عن عدم الاستحقاق.
(4) - أجمع الإباضية على أن المكاتب من الأحرار، كما سبق فبالتالي يأخذ أحكام الأحرار في جميع تصرفاته.
(5) - يرى سماحة الشيخ أحمد الخليلي أنّه إن كان المراد بهذا أنه تمت المكاتبة بينه وبين سيّده، فالمال ماله لأنّه حرّ. (ضمن عدة أسئلة وجهتها إلى سماحته، بتاريخ: 30 شعبان 1426هـ- 4 أكتوبر 2005م). (1/47)
صفحة 48
... قلتُ لابنِ عبدِ العزيزِ: فالمُكاتِبُ إذاَ كُوتِبَ لمنْ ولاؤُه؟ قال: ولاؤُه لسيِّدِه ليسَ فيِ ذلكَ اختلافٌ بينَنا وبينَ منْ خالفَنَا منْ قومِنا أنَّ الولاَءَ لمنْ كاتَبَهُ، قلتُ: أفيُباعُ ولاءُ المكاتِبِ؟ قالَ: لاَ يُباعُ ولاءُ المكاتِبِ ولاَ يُوهبُ وهُو نسَب ثابِتٌ لا يتحوَّلُ واللهُ أعلَم وبهِ التوفيقُ (1) .
المبحث الثاني: كتاب الوصايا
كِتَابُ الوَصايَا
(بابُ نَسْخِ الوَصِيّةِ لِلوَالِدَيْنِ)
... سَأَلْتُ أبَا المُؤَرِّجِ عَنْ قَولِهِ تعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (2) .
... قالَ أبُو المُؤَرّجِ: حدَّثَنِي أبُو عُبَيدَةَ: أنَّ اللهَ تعالَى أمَرَ أنْ يُوصِيَ [الرجلُ] (3) لِوالِدَيهِ ولِقَرَابَتِهِ.
__________
(1) - أجمع الإباضية على أنّ ولاء المكاتب لمن أعتقه مستدلين بذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم - : "الولاء لمن أعتق"، أخرجه ابن حبان، كتاب العتق، باب الولاء، 10/168، الحديث رقم: 4326؛ أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب العتق، باب الولاء لمن أعتق، 2/408؛ وكما أعجبوا أيضا على أنّ الولاء لا يباع ولا يوهب، وإنّما هو كلحمة النسب محتجين لقوله - صلى الله عليه وسلم - : "لحمة الولاء كلحمة النسب..."، أخرجه الإمام الربيع في المسند، كتاب الإيمان والنذور، ص173؛ أخرجه الترمذي، كتاب الولاء والهبة، باب النهي عن بيع الولاء وهبته، 4/191، (ينظر: العوتبي: كتاب الضياء، 8/109؛ الثميني: التاج المنظوم، 7/83؛ محمد بن يوسف الوهيبي: هميان الزاد إلى دار المعاد، 1409هـ- 1989م، وزارة التراث القومي والثقافة، 11/291).
(2) - سورة البقرة الآية 180.
(3) - زيادة يقتضيها السياق. (1/48)
صفحة 49
... قالَ أبُو عُبيدةَ: ثُمّ نَسخَ أمْرَ الوالِدَينِ فجَعلَ لَهُمْ نَصيباً مَعلُوماً في سورةِ النّساءِ، {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} (1) ، وجَعلَ لِكُلِّ ذِي مِيرَاثٍ نَصِيبَهُ مِنَ الميرَاثِ فَصارَتْ لِمنْ لَا يَرِثُ مِنْ قَريبٍ أوْ غيْرِ قَريبٍ (2) .
(بابُ الوَصِيةِ لِغيرِ القَرَابَةِ)
__________
(1) - سورة النساء الآية 11.
(2) - ذهبت طائفة من العلماء ومنهم أبو إسحاق اطفيش إلى أنّ الوصية للوالدين لم تنسخ، وإنّما هي من باب العموم الذي أريد منه الخصوص، فقد قال ابن إسحاق بأنّ هذا الحكم إنّما هو في الوالدين غير الوارثين لشركهما، أو لأنّهما مملوكان، فإنّ شركهما لا يقطع حقهما من صلته بهما بعد موته وكذلك رقهما، فيوصي لهما بما يمكن أن يتملكاه بغد عتقهما، وهذا الرأي الذي جنح إليه أبو الحسن البسيوي وكى بأنّ الآية الكريمة خصّصت بما دلّ عليه الحديث، وهو إن كان عاما، ولكن له جانب خاص، هذا الجانب هو الذي خصّص الآية الكريمة، وهو القول من القوّة بمكان ورجحه سماحة الشيخ أحمد الخليلي. (ينظر: الشيخ أحمد الخليلي: كتاب الفتاوى، (مكتبة الأجيال، ط1، د,ت)، 4/10). (1/49)
صفحة 50
... قالَ أبُو عُبيدَةَ: إنَّه إنْ أَوْصَى لِغَيرِ قرَابَتِهِ رُدَّ لِقرَابَتِهِ الثُّلُثَانِ مِنَ الثُّلُثِ، وأُجِيزَ لمِنْ أَوْصَى لهُ بهِ ثُلُثَ الوَصيةِ، قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ: أَفْضَلُ مِنْ ذلكَ أنْ يُوصِيَ لِقرابتِهِ الذِينَ لَا يَرِثونَ شَيئاً، فإِنْ لمْ يُوصِ لهُمْ فقدْ تَرَكَ الذِي فيهِ الفَضْلُ، ورَكِبَ أمْراً مَكْروهًا، ولَا تُرَدُّ تلكَ الوَصيَّةُ ولَا تَنْقُضُ (1) .
... قالَ ابنُ عبدَ العزيزِ: بَلَغَنَا أنَّ رجُلاً قالَ لِعَطَا بْنِ أبِي رَبَاحٍ (2) : إِنَّ الحَسَ (3) نَ لمْ يَجعَلْ الوصيةَ إلاّ لِقرَابتِهِ الذِينَ لا يَرثونَ شيئاً، قالَ: فقَالَ عَطَا: نَعَمْ، ثُمّ سَكَتَ طَويلاً، فقالَ: إِنِّي خَشِيتُ أنْ يَكونَ قدْ بَدَّلَهُ بعدَ ما سَمِعَهُ.
... قالَ: وقالَ: حَدَّثنِي عَنْ قَتَادَةَ عنْ حَاِتمِ بنِ منصو (4) رٍ عنْ شَهْرِ بنِ حَوْشِبٍ (5)
__________
(1) - ذهب أكثر الإباضية إلى أنّ الأقربون يعطون الثلثين ممّا أوصى به لغير قرابته؛ لأنّ وصية الأقرب إرث من الثلث، وهي أصل في الثلث، كما أنّ للورثة إرث ثلثي التركة بعد الدين، فكان لهم ردّ ثلثي وصية الأجنبين إذا لم يوصي لهم من ماله بعد موته، إلاّ الثلث وما دونه، لتعلّق حقّ الورثة بالمال، فقيس عليه الأقرب، فكان له ثلثا ما أوصى به للأجنبين، لتعلّق حقّه بالثلث لتعلق حق الورثة بالمال. وذهب الإمام السالمي إلى أنّ الوصية تنفذ كما أوصى بها الميت، ويتحمّل هو تبعة مخالفته لحكم الشرع. (أبي الحسن البسيوي: كتاب الجامع، مصدر سابق، 3/177؛ الشماخي: الإيضاح، 4/497؛ القطب: شرح النيل، 12/380؛ أحمد الخليلي: كتاب الفتاوى، 4/11).
(2) - تقدمت ترجمته، ص
(3) - هو الحسن البصري، وتقدمت ترجمته، ص
(4) - سبقت ترجمته، ص
(5) 4 - هو شهر بن حوشب الأشعري مولى أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية.
روي عن قتادة وجابر بن عبد الله الأنصاري وغيرهم، وروى عنه أبان بن صالح وإبراهيم بن أشعث وغيرهم. قال فيه أبو حاتم: أحبّ إليّ من أبي هارون وبشر بن حب وليس دون أبي الزبير. ولا يحتج به. وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أحمد بن حنبل: ما أحسن حديثه ووثقه، قال ابن معين: ثقة، مات سنة مائة هجري، وقيل سنة مائة وأحد عشر للهجرة. (ينظر: الحافظ المزي: تهذيب الكمال في أسماء الرجال، راجعه وقدم عليه: د. سهيل زكار، تحقيق: الشيخ أحمد علي عبيد وحسن أحمد آغا، (المكتبة التجارية، مصطفى الباز، 8/406- 410؛ محمد بن عبد الله الذهبي: ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق: علي محمد البجاوي، (دار المعرفة، بيروت، لبنان)، 2/284- 285). (1/50)
صفحة 51
عبدِ الرحمنِ بنِ غانمٍ (1) عنْ عُمَرَ بنِ خارِجَةَ (2) قالَ: خَطَبَنَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلّم بِمِنًى، وأَنَا تَحتَ جِرَانِ (3) ناقَتِهِ وهِيَ تَقْطَعُ (4)
__________
(1) 5 - عبد الرحمن بن غنم الأشعري الشافعي، مختلف في صحبته، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - وعن ثوبان مولى رسول الله وغيرهم، وروى عنه صفوان بن سليم وإسماعيل بن عبيد الله وغيرهم، قال عنه ابن سعد ثقة، يعقوب بن شيبة مشهور من ثقات الشاميين، وقال حرب بن إسماعيل عنه: أدرك النبي - صلى الله عليه وسلّم - ولم يسمع منه. (ينظر: المزي: تهذيب الكمال، 11/331- 333؛ شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني (382هـ): تهذيب التهذيب، (دار الفكر للطباعة والنشر، ط1، 1404هـ- 1984م)، 6/225- 226).
(2) - عمر بن خارجة بن المنتفق الأسدي، وقيل الأشعري، حليف أبي سفيان بن حرب، وقيل إنّه أنصاري، وجمحي، والأول أشهر وأصح، قال ابن السكن: هو أسدي يسكن الشام، ومخرج حديثه عن أهل البصرة، وكان رسول أبي سفيان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . (ينظر: ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب، 8/23؛ علي بن محمد الجزري: أسد الغابة في معرفة الصحابة، (دار إحياء التراث العربي، ط2، 1417هـ- 1997م)، 3/716).
(3) - الجران: باطن العنق، وقيل: مقدّم العنق من مذبح البعير إلى منحره، فإذا برك البعير وصل عنقه على الأرض، قيل: ألقى جرانه بالأرض، وقيل الجران: هي جلدة تضرب باطن العنق، من ثغرة النحر، إلى منتهى العنق في الرأس. (ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 13/86).
(4) - قصع البعير بجرته والناقة بجرتها يقصع قصعا: مضغها، وقيل: هو بعد الدسم، وقيل: المضغ والدسم: أن تنزع الجرة من كرشها، ثم القصع بعد ذلك، والمضغ والإفاضة، وقيل: هو أن يردها إلى جوفه، وقيل: هو أن يخرجها ويملأ بها فاه. (ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 8/275؛ المنجد في اللغة والأدب، دار الشرق، بيروت، ط30، ص634).. (1/51)
صفحة 52
بِجِرَانِهَا، ولُعَابُهَا (1) يَسِيلُ بَينَ كَتِفَيَّ، فقالَ: "ألَا إنَّ اللهَ قدْ قَسَمَ لِكُلِّ ذِي ميراثٍ
نَصيبَهُ مِنَ الميراثِ، فلَا تَجُوزُ لِوارِثٍ وَصيةٌ، ألَا إنَّ الوَلَدَ لِلفِراشِ ولِلعَاهِرِ الحَجَرُ، ألَا ومَنِ ادَّعَى غَيرَ أبَوَيْهِ، وتَوَلَّى غَيرَ مَوَالِيهِ، رَغْبَةً عَنْهُمْ فَعلَيهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلَائكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (2) .
__________
(1) - ما سال من الفم. (ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 13/206؛ المنجد، ص723).
(2) - أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث، 4/188، الحديث رقم: 2121، من طريق قتيبة حدثنا أبو عوانة به ، بلفظ مخالف، وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح؛
أخرجه النسائي في السنن، كتاب الوصايا، باب إبطال للوارث، 6/247، من طريق قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة به، مختصرا؛
أخرجه ابن ماجه في السنن، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، 2/905، الحديث رقم: 2712. من طريق أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا سعيد بن أبي عروبة به، بلفظ مخالف؛
أخرجه أبو يعلي في مسنده، باب مسند عمرو بن خارجة، 3/78، الحديث رقم: 1508، من طريق خلف بن هشام حدثنا أبو عوانة به ، بلفظ مخالف.
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، 17/33- 35، الحديث رقم: 60، من طريق أبو مسلم الكشي حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام الدستوائي به ،بلفظ مخالف ، وكذلك الحديث رقم: 62، من طريق أسلم بن سهل الواسطي حدثنا القاسم بن عيسى الطائي حدثنا طلحة بن عبد الرحمن به، بلفظ مخالف، وكذلك17/34، الحديث رقم: 63، من طريق محمود بن محمد الواسطي حدثنا زكريا بن يحي رحموبه حدثنا هشيم عن طلحة أبي محمد مولى باهلة به، بلفظ مخالف، وكذلك: 17/ 34 ، الحديث رقم: 64، من طريق إسحاق بن خالويه الواسطي حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي حدثنا حمّاد بن مسلمة به ،بلفظ مخالف، وكذلك: 17/34، الحديث رقم: 65، من طريق يوسف القاضي حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد بن أبي عوانة به، بلفظ مخالف، وكذلك: 17/35، الحديث رقم: 66، من طريق السري بن سهل الجند يسابوري حدثنا عبد الله بن رشيد حدثنا مجاعة بن الزبير به، بلفظ مخالف، وكذلك: 17/35، الحديث رقم: 67، من طريق محمد بن يحي الفزار حدثنا حفص بن عمر الحوضي حدثنا همام به، بلفظ مخالف، وكذلك: 17/35، الحديث رقم: 68، من طريق أسلم بن سهل الواسطي حدثتا وهب بن بقية حدثنا محمد بن يزيد عن إسماعيل بن أبي خالد به، بلفظ مخالف، وكذلك: 17/35، الحديث رقم: 69، من طريق عبد الرحمن بن سلم الرازي حدثنا سهل بن عثمان حدثنا حفص بن غيات عن ليث عن مجاهد به، بلفظ مخالف، وكذلك: 17/35، الحديث رقم:70، من طريق عبد الرحمن بن سلم حدثنا سهل بن عثمان حدثنا حفص عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن البصري به ،بلفظ مخالف، وكذلك 17/35 الحديث رقم: 71، من طريق محمد بن حموية الجوهري حدثنا معمر بن سهل حدثنا عامر بن مدرك حدثنا السري بن إسماعيل حدثنا عامر به ،بلفظ مخالف؛
أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، باب من اسمه محمود، 8/41، الحديث رقم: 9177، من طريق محمود حدثنا زكريا حدثنا هشيم عن طلحة به، بلفظ مخالف؛
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الوصايا، باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين الوارثين، 9/358، الحديث رقم: 12802، من طريق أبوالحسن بن الفضل القطان أنبأنا أبو عمرو بن السماك حدثنا الحسن بن علي بن القطان حدثنا إسماعيل بن عيسى حدثنا زياد بن عبدالله قال حدثنا إسماعيل بن مسلم عن الحسن به، مختصرا. (1/52)
صفحة 53
... (بابُ: مِقْدَارِ الوصيةِ)
... قالَ أبُو المُؤَرِّجِ: حَدَّثنِي أبُو عُبيدَةَ، يَرْفَعُ الحدِيثَ إلَى عُمَرَ بنِ الخَطّابِ –رَضيَ اللهُ عنهُ- أَنّهُمْ ذَكرُوا الوَصِيةَ عنْدَهُ، فقالَ بَعضُهُمْ: النِّصفُ، وقالَ بعضُهُمْ: الثُّلُثُ، وقالَ بعضُهُمْ: الرُّبُعُ، فقالَ عُمرُ: الثُّلثُ لَا بَخْسَ (1) ولَا شَطَطَ (2) ، (3)
قالَ أبُو عُبَيدَةَ: أَفْضَلُ الوصِيةِ الخُمُسُ لِمنْ لهُ ولَدٌ، والرّبُعُ لِمنْ لَا ولَدَ لهُ،
__________
(1) - نقصان. (ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 2/128؛ المصباح المنير، ص15).
(2) - زيادة. (ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 8/80).
(3) - أخرجه البيهقي في السنن، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، 2/241، الحديث رقم: 12572؛
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف،كتاب الوصايا :باب ما يجوز للرجل من الوصية ، 9/306، الحديث رقم: 4. (1/53)
صفحة 54
قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ: بَلَغَنَا عنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ –رضيَ اللهُ عنهُ- أنَّهُ أَوْصَى بِخُمُسُ مَاِلِه، وقالَ: أَرْضَى مِنْ مَالِي مَا رَضِيَ اللهُ بهِ مِنْ غَنِيمَةِ المُسلمينَ (1) . (2)
(بابُ: الوَصِيةِ لِلمُكَاِتبِ ولِأُمِّ الوَلَدِ والمُدَبِّرِ)
__________
(1) - أخرجه ابن عبد الرزاق في المصنف، كتاب الوصايا، باب كم يوصي الرجل من ماله؟، 9/66، الحديث رقم: 16363؛ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الوصايا، باب ما يجوز للرجل من الوصية، 9/306، الحديث رقم: 7.
(2) - أجمع علماء الإباضية على أنّ الوصية لا تتجاوز الثلث لمن كان له ورثة، إلاّ إن أجازه الورثة، بدليل قوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} سورة البقرة الآية 182. والمعنى في ذلك لا إثم على من أصلح بين الموصي وبين ورثته، حتّى يجنب الورثة الحيف والظلم، لئلاّ يكون قصد إلجاء المال عنهم، وفي نفس الوقت فلا حرج أيضا أن يوافق الورثة على ذلك، لأنّ ذلك حقّ يتنازلونه. أمّا إذا لم يكن له ولد فالراجح جواز أن يوصي بأكثر من الثلث ولو بجميع ماله. (ينظر: الإمام عبد الله بن حميد السالمي: جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، علق عليه: أبو إسحاق اطفيش وإبراهيم العبري؛ القطب: شرح النيل، 12/269؛ محمد بن شامس البطاشي: غاية المأمول في الفروع والأصول، (وزارة التراث القومي والثقافة، 1415هـ- 1985م)، 7/199؛ أحمد الخليلي: كتاب الفتاوى، 4/23). (1/54)
صفحة 55
... سَأَلتُ ابنَ عبدِ العزيزِ عنْ الرجلِ يُوصِي لِمَمْلُوكِهِ، أو لِأمِّ ولَدِهِ (1) أو لِمُدَبِّرِهِ (2) أو لِمُكَاتِبِهِ (3) ،
قالَ: لَا يَجوزُ لَهُمْ شَيءٌ مِمَّا أَوصَى بهِ، مَا خَلَا المُكَاتِبَ فَإِنّهُ حُرٌ وإنْ ماتَ السّيّدُ قَبلَ أنْ يَمُوتَ المُدَبِّرُ جازَتْ لهُ الوَصيةُ.
... قُلتُ: فَالرجلُ لهُ أنْ يُوصِيَ لِمَملُوكِ رجلٍ آخَرَ (4) ؟ قالَ: ذلكَ جَائزٌ، ويَرْجِعُ ذلكَ إلَى سَيِّدِ العبْدِ المُوصَى لهُ.
(
__________
(1) - أجمع العلماء المتأخرون من الإباضية على عدم جواز الوصية للعبد من سيده، لأنّ العبد مال للورثة والوصية له وصية للورثة؛ لأنّها لهم وإليهم راجعة بحكم الحياة، وبعد الوفاة، وكذلك أجمعوا على عدم جواز الوصية لأم الولد؛ لأنّ ولدها الحر كان سبباً في عتقها، فتكون إذاً من الورثة، ولا وصية لوارث. (ينظر: أبي الحسن البسيوي: كتاب الجامع، 3/324).
(2) - التدبير هو عتق مغيبا إلى صفة، مأخوذ من قولك: دبرت الشيء تدبيراً: أي جعلته وارثي، ومعنى دبرت عبدي: جعلته حراً دبر حياتي، والتدبير جائز وهو عتق بصفة علق لموت سيد، أو عبد أو غيرهما.
وحكم الوصية له فقد ذهب كلاً من عبد العزيز الثميني والقطب ومحمد بن شامس البطاشي إلى جواز الوصية للمدبر ولكنه حال الوصية لا تجوز له؛ لأنّه عبده وتجوز له عند تحقق الموت. (ينظر: القطب: شرح النيل، 12/207؛ محمد بن شامس البطاشي: غاية المأمول، 7/266).
(3) - أجمع الإباضية على أنّ المكاتب حر، كما سبق ذكر ذلك في باب المكاتبة، فإذاً تكون الوصية جائزة له.
(4) - اختلف العلماء في ذلك فأجازها الأكثر وأبطلها البعض، واختلف الذين أجازوها، هل هي لربّ العبد كرقبته، فلله التصرف فيها بما شاء؟ وحرّم على ربه أخذها منه في الحكم، وفيما بينه وبين الله، وقال الإمام القطب الأول هو الراجح. (ينظر: أبي الحواري: كتاب الجامع، 4/194؛ القطب: شرح النيل، 12/336؛ محمد بن شامس البطاشي، 7/2007). (1/55)
صفحة 56
بابُ: تَفسيرِ آياتِ الوَصيةِ مِنْ سورَةِ البقَرَةِ)
... قُلْتُ لِابنِ عبدِ العزيزِ: فمَا وَجْهُ قَولِهِ تعَالَى: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (1) ، قالَ: هيَ الوَصيةُ، فَمَنْ بَدَّلهَاَ بَعدَ ما سَمِعَهَا فإنَّمَا إِثْمُهَا علَى الذِي بدَّلهََََا.
... قُلتُ: وكيفَ التَّبْدِيلُ؟ فَسِّرْهُ لٍي. قالَ: الوَصيةُ يُوصِي بهَا المَيّتُ لِآلِ فُلَانٍ، فَيُحَوِّلُهَا القَرِيبُ أو غَيرُهُ مِنْ الأَولِيَاءِ إلَى آلِ فُلَانٍ مِن قَوْمٍ آخَرِينَ. فَهذَا هوَ التَّبْدِيلُ عِندَ العُلماءِ (2) .
__________
(1) - سورة البقرة الآية 181.
(2) - الخطاب موجه إلى الذين يبدلون ذلك الإيصاء، أو القول الذي صدر من الموصي، سواءً كان المبدل هو الوصي، وذلك بأن لا ينفذ الوصية، أو ينفذها بخلاف ما أوصى الموصي، بأن يزيد أحداً على حقّه، أو يحرم أحداً من حقّه، أو يجحف بمال الورثة فيعطي الوصية أكثر من قدرها، ممّا تستحقّ، أو كان المبدل هم الشهود؛ وذلك إذا حرّف الشاهد الشهادة أو كتمها. والتحريف يصدق على الزيارة والنقصان والتبديل، ويدخل في ذلك أيضا الحاكم بعدما يعلم بالوصية بل يدخل في ذلك المجتمع، فإنهم جميعا يجب عليهم أن يتناصروا على إنفاذها، من غير إجحاف بحقّ أحد، أو إعطاء أحد غير ما يستحقّ. (ينظر: الشماخي: غاية المأمول، 7/184؛ الشيخ أحمد الخليلي: الفتاوى، 4/367). (1/56)
صفحة 57
... قُلتُ: فمَا تَفسيرُ هذهِ الآيَةِ: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (1) ؟ قالَ: تَفسيرُهَا عِندَ جَابِرِ بنِ زَيدٍ أنّ الجَنَفَ [هوَ] (2) الجُورُ فِي الوصيةِ بِلَا تَعَمُّدٍ لِلجُورِ. والِإثْمُ الإيصَاءُ بِالجُورِ عَمْداً [وهوَ] (3) يَعْلَمُ أنّهُ جُورٌ، والِإصْلاحُ الذِي ذَكَرِهُ اللهُ –عزَّ وجلَّ-: أنّ يَرُدَّ الإمامُ أو الوَلِيُّ مَا جاءَ بهِِ في الوَصيةِ إلَى كتَابِ اللهِ –عزَّ وجلَّ- وسُنَّةِ نَبِيِّهِ فذلكَ لهُ.
... قُلتُ: فَكَيفَ أنْتَ لَا تُجِيزُ ذلكَ وتَتَرَكَّزُ الوصيةُ علَى مَا أَوْصَى بهِ المَيتُ؟ قالَ: إِنّمَا أَفعَلُ ذلكَ إذَا أَوصَى لِغيِر قَرَابَتِهِ، وتَرَكَ قَرَابَتَهُ، أَمْضَيْتُ تلكَ الوَصيةَ وأَجَزْتُهَا لِمَنْ أَوصَى لهُ بَها، وَاسْتَنْبَهْتُ الذِي فَعَلَ، قُلتُ: أَوَلَيْسَ الجُورُ والجَنَفُ حَيثُ أَوصَى لِغَيرِ قَرَابتِهِ، وتَرَكَ أَقَارِبَهُ؟ قالَ: لَا أَقُولُ أنَّ ذلكَ جُوراً، وقدْ أَسَاءَ فَاعِلُ ذلكَ وَرَكَبَ أَمْراً مَكْرُوهًا.
__________
(1) - سورة البقرة الآية 182.
(2) - زيادة يقتضيها السياق.
(3) - زيادة يقتضيها السياق. (1/57)
صفحة 58
... قُلتُ: فَإِنّمَا تَحْمِلُ قولَ اللهِ تعالَى، وتَفْسيرَ العُلماءِ فِيمَنْ أَوصَى في وَصيتِهِ بِجُورٍ وجَنَفٍ في ذلكَ، وأَثِمَ علَى غَيِر الوَصيةِ لِغيرِ القرابَةِ، قالَ: لوْ لم أَحْمِلْ التفْسيرَ علىَ ذلكَ لَنَقَضْتُهُ مِمَّنْ فعَلَهُ، ولمْ أَجِدْ لِقولِهِ تعالَى: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ} وَجْهاً، وهلْ التّبديلُ في لُغَةِ العَرَبِ وفي كَلامِهِمْ الذِي يَفْعَلُهُ النّاسُ إلاّ التَّحْويلُ [أيْ] (1) أنْ يُحَوِّلَ الشَّيْءَ علَى الشّيءِ فهذَا هوَ التّبديلُ؛ لأَنَّ الميَتَ إذَا أَوصَى لِغيرِ مَنْ جَعَلْتَهُ أَنْتَ فَبَدَّلْتَهُ عَمَّنْ أَوصَى لهُ بهَا، وتَحَرَّجْتَ بِزَعْمِكَ مْن أَمْرٍ، فَوَقَعْتَ فِيمَا هوَ أَعْظَمُ منهُ؛ وذلكَ أنّكَ قُلتَ: أنَّ أَفْضلَ الوصيةِ لِلأَقْربينَ: فذلكَ –إنْ شاءَ اللهُ تعالَى كَمَا قُلتَ- فلَمّا أَوصَى المَيتُ لغيرِ قرابَتِهِ فَأَنْزَلْتَ الذِي هوَ خَيرٌ، الذِي يَحْسُنُ ويَنْبَغِي بِمَنزلَةِ المَفرُوضِ الوَاجِبِ، فَالتَّبديلُ عندَكَ لِقَولِ الميّتِ مِمّنْ أَعطاهُ،
وتَأَوَّلتَ قولَ اللهِ تعالَى: {فَأَصلَحَ بَينَهُمْ} فَزَعَمْتَ أنَّهُ يَجوزُ ذلكَ إذَا جَارَ فَي وَصيتِهِ وأَثِمَ فيهَا، أنْ تَنقُضَ تلكَ الوَصيةَ وتَرُدَّهَا إلَى العَدلِ، والعَدْلُ عندَكَ أنْ يَأَخُذَ أَقَارِبُهُ ثُلُثَيْهَا، وهذَا تَأْويلٌ مِنكَ، ليسَ نَتلُوهُ في كتابِ اللهِ تعالَى صَرَاحاً ناَطقاً هكذَا، وعسَى أنْ يكونَ الجَنَفُ،
__________
(1) - زيادة يقتضيها السياق. (1/58)
صفحة 59
والِإثمُ هنَا، أنْ يُوصِيَ أنْ تَنْحَرَ عنهُ البُدْنَ فِي الكَنَائِسِ، وأنْ تَشتَرِيَ لهُ العَبيدَ [أو] (1) المَمَاليكَ يَخْدُمُونَ النّصارَى فِي كنَائِسِهِمْ، أو يُوصِيَ لِأقَاربِ النّصارَى ويَدَعَ أقَارِبَهُ المسلمِينَ وهوَ مُسلِمٌ، أو يُوصيَ بِعُقوبَةِ غُلَامِهِ، أو بِمثلةِ خَادِمِهِ، أو بمَا حرَّمَ اللهُ عليهِ علَى هذَا المَعنىَ، أَفَيَجُوزُ لِوَلِيِّهِ حِينئِذٍ أو إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ المُسلمِينَ، أنْ يَرُدُّوا وَصِيَّتَهُ إلَى العَدْلِ؛ لأَنّهُ أَوصَى بهَا في غَيرِ العَدلِ؟ فإِمَّا أنْ يَجْعلَ وَصِيَّتَهُ لِلمسلمِينَ مِنْ غَيرِ قَرَابتِهِ، أو لِأهلِ التَّوحِيدِ إذَا تَرَكَ أقَاربَهُ، فَتَجْعلَ ذلكَ إِثمًا أوْ جَنَفاً، فلَا تَقُولُ ذلكَ. ولَا نَصيبَ أيضًا منْ تَأَوَّلَ ذَلكَ بِرأْيِهِ وأَخطَأَ. واللهُ أعلمُ بِحقيقَةِ التَّفسيرِ.
__________
(1) - زيادة يقتضيها السياق. (1/59)
صفحة 60
قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ: فهذَا أَنتَ قدْ قُلتَ هذَا وأَخَذتَ فيهِ بِتَأْوِيلِ الرجَالِ، ولمْ يَأتِكَ في التَّنْزيلِ هكذَا صَرَاحاً، ولَهَوْتَ عنْ قولِ اللهِ تعالَى الذِي جاءَ في التّنزِيلِ صَرَاحاً، ولم يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنَ المُفسِّرينَ في تَأْوِيلِ قولِهِ تعالَى: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} فجعلَ اللهُ الإثْمَ علَى الذِينَ يُبَدِّلُونَهُ بِلا تَأْوِيلٍ في ذلكَ يَتَحَيَّرُ المُتَحَيِّرُ فيهِ، ولَا مَذْهَبَ فِي التّفسيرِ بِأَمْرٍ يَنْقُضُ بهِ التّنزِيلَ، فَالتّبدِيلُ لِوصيةِ الميتِ والتحوِيلُ لهَا، إلَى غيرِ مَنْ أَوصَى لهُ بهَا، فَأيُّ الأمْرَينِ أَعْظَمُ خَطَراً، وأَرْكَبُ لِمَا نُهِيَ عنهُ؟ يُخْبِرُكَ اللهُ بالإثمِ والجورِ على مَن بدّلَ وصيةَ الميتِ لِلتلَاوَةِ التِي تَتْلُوهَا مِنْ كِتابِ اللهِ تعالَى صَراحاً، وكَلَّمتَ بهِ كَلاماً، وتَأخُذُ بِزَعْمِكَ بِتأويلِ الرجالِ في قَولهِِِِمْ: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ}، فقالَ: المعنىَ في ذلكَ أنَّ الجَنَفَ في وصيتِهِ مُتعمّداً، فَزَعَمَ المفسرُونَ أنَّ اللهَ قدْ أَحَلَّ لكَ أنْ تَرُدَّ ذلكَ، إذَا كُنتَ وَلِيَّهُ أوْ إِماماً مِنْ أَئِمَّةِ المسلمينَ إلى العَدْلِ إذَا جارَ، ولَعلَّ لهذَا الجورِ مِنْ قَولِهِمْ مَعَانٍ لمْ تَقَعْ علَيهَا مِنْ نَحوِ ما ذَكَرتُ لكَ مِنَ الأُمورِ التِي يُوصِي بها الميتُ، ويَجورُ فيهَا علَى غيرِ الوَصيةِ لِغيرِ الأقربينَ، وقدْ رَدَدْنَا في هذَا، وأَكْثَرْنَا الِاختِصَارَ إلَى الذِي هُوَ أَقرَبُ إلَى الحقِ، وأَبْيَنُ فِي العَدْلِ، ونَحنُ نَتبرَّأُ إلَى اللهِ مِنَ الإثمِ، بَلْ ما حَمَلْنَا القرآنَ مِنْ هذَا إلاّ التَّخَوُّفُ مِنْ وُقوعِ الإثمِ، وإنّمَا إثمُ ذلكَ -إنْ كانَ فيهِ إثمٌ- علَى الميتِ الذِي (1/60)
صفحة 61
حَرَمَ قَرَابَتَهُ، ومَنَعَ مَنْ تَحِقُّ لهُ الوَصيةُ عندَهُ المُكَلَّفُ المُبَدِّلُ لِذلكَ المُحَوِّلُ لهُ، وعسَى بِالميتِ أيضاً أنْ يكونَ إنّمَا لِأُبَاعِدَ لهُ بِدَينٍ كانَ لهَُمْ عليهِ أو بِوَجهٍ مِنَ الوُجوهِ ممَّا قدْ بَطَنَ عنَّا عِلْمُهُ. وقالَ غَيرُهُ: لَا يُؤخَذُ بِهذَا مِنْ قولِ ابنِ عبدِ العزيزِ (1) .
__________
(1) - الخوف في الآية يطلق على تأثر النفس بالشيء الواقع لا بالشيء المتوقع، ويحتمل ذلك من أمرين، إمّا أن يعني الحالة التي تكون قبل وفاة الموصي عندما يريد أن يوصي، فإذا حضره أحد وأحسّ من هذا الموصي شيئا يفضي إلى الجنف على أحد، سواءً على الوارث أو على غير الوارث، فإنّه يصلح بينه وبين ورثته، أو ما بينه وما بين الذين أوصى لهم بحيث لا تتجاوز هذه الوصية حدود الجائز شرعاً، وذلك بأن يحضر أحد في مجلس الوصية، وإذا بهذا الموصي يوصي للأبعدين ويحرم الأقربين، أو يوصي وصية فيها ظلم لورثته، وذلك يتصوّر فيما إذا أوصى، وقال إنّ هذه الوصية ضمان كذا، وهذه الوصية من ضمان كذا، وهذه الوصية من ضمان كذا، فتجتاح هذه الوصايا ماله وقصده بذلك حرمان الورثة، وفي قرارة نفس السامع لهذه الوصية أنّ هذا الوصي لم تلزمه هذه الحقوق، وإنّما بربد إبعاد ماله عن الورثة؛ لأجل حرمانهم منه، أو يريد إيثار بعض الورثة على بعض، ويحتمل أيضا أن يحاول أن يوصي للأبعدين غير الوارثين، وصية تعود نفعها إلى بعض، الوارثين، كوصيته لأزواج بناته، أو لأبنائهن، أو أبناء بنيه، أو نحو ذلك من الأسباب التي تفضي إلى حرمان بعض الورثة بعض حقوقهم، والجنف في الآية يعني الوقوع في الخطأ دون تعمّد، فعلى الذي تنبه لهذا الخطأ أن ينبّهه لذلك، وأن يردّه إلى الصلاح بإبعاده عن الفساد..والأتم هو الخطأ المتعمّد، فمن تعمّد مخالفة الشرع يكون آثماً، وإذا نبّه أحد على الجنف فأصرّ عليه كان من ضمن الآثمين بذلك؛ {فلا إثم عليه}: المصلح يستحقّ الثواب من الله تعالى، ولكن الله –عز وجل- لم ينص هنا على الثواب، وإنّما قال: {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ}؛ لأنّ الأصل في الوصية عدم التبديل. فالله تعالى أكّد بقاء الوصية على ما هي عليه، ولكن بما أنّ هذا التبديل تبديل من باطل إلى حق، ومن فساد إلى صلاح، كان الإثم متدرئا وذلك يستلزم مثوبة الذي يقوم بهذا الإصلاح، وإنّما لم يذكر المثوبة لأجل تهويل مر تبديل الوصية، ومن ناحية أخرى، فإنّ الذي يصلح ما بين هذه الأطراف المتنازعة، قد يصطر إلى الإتيان بكلمات مجانية للحقيقة في إصلاحه، وأبيح الكذب في الإصلاح ذات البين، فلأجل ذلك ذكر تعالى أنه أثم عليه. (ينظر: الشيخ أحمد الخليلي: الفتاوى، 4/369- 374. بتصرف). (1/61)
صفحة 62
(بابُ: مَنْ لهُ مَملوكَيْنِ فَأَعْتَقَهُمَا في مَرَضِهِ)
... سَأَلتُ أبَا المُؤرّجِ عنْ رجلِ أَعتقَ مملوكَيْنِ في مَرضِهِ، وليسَ لهُ مالٌ غَيرَهمُاَ، قالَ: حَدَّثَنِي أبُو عُبَيدَةَ: إنَّهُ يُعْتَقُ مِن كُلِّ واحدٍ ثُلُثُهُ، ويَسْتَعِينَانِ فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِمَا.
... قالَ المُرَتِّبُ: أيْ يُعتَقُ كُلُّ وَاحدٍ ثُلثُهُ، ولَكِنْ يَسقُطُ عَن كُلِّ واحدٍ ثُلثُ قِيمتِهِ فَقَطْ، فَكأنَّهُ لم يُعتَقْ إلاّ ثُلثُهُ. انتَهَى (1) .
(بابُ: كَفَنُ الميتِ)
__________
(1) - يرى أبو الحسن البسيوي وأحمد الخليلي القيام بالمحاصصة في هذه المسألة بحيث يعتق من كل واحد من المملوكين ثلثه، ويستسعى في الثلثين الباقيين، مستدلين لذلك بما رواه النسائي عن عمران بن حصين –رضي الله عنه- أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن رجل لا يملك إلاّ ستّة مماليك، ولمّا حضرته الوفاة أعتقهم جميعا، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: "لقد هممت أن لا أصلي عليه" ثمّ قرع النبي - صلى الله عليه وسلم - ما بين الستة، فخرجت القرعة على اثنين فأعتقهما، وأرق الباقين. (أخرجه النسائي، كتاب الجنائز، باب الصلاة على من يحيف في وصيته، 4/66، الحديث رقم: 1954؛ أحمد بن حنبل في المستند، باب حديث عمران بن حصين، 5/595، الحديث رقم: 1936.
وعلل الشيخ أحمد الخليلي فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لأجل الورثة، حتّى لا يحرمهم نصيبهم من التركة. (ينظر: أبو الحسن البسيوي: كتاب الجامع، 3/183؛ أحمد الخليلي: الفتاوى، 4/376). (1/62)
صفحة 63
... قُلتُ لأبِي المُؤرّجِ: أَخبِرنِي عَن كَفَنِ المبتِ، أَمِنْ ثُلثِ مَالِهِ؟ أمْ مِن جَميعِ المالِ؟ قالَ: بلْ مِن جميعِ المالِ، وكذلكَ قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ، وحاتِمُ بنُ منصورٍ (1) .
(بابُ: تَصَرُّفَاتِ الرجلِ فِي مَرَضِ المَوتِ)
... قُلتُ لأبِي المُؤرِّجِ: أَيُوصِي الرجلُ بمالِهِ كُلِّهِ، ويَتْرُكَ وَرَثَتَهُ بغيرِ شيءٍ؟
قالَ: لَا يَجوزُ ذلكَ وليسَ لهُ مَنٌّ عَن ذلكَ إلاّ الثُلثُ يَأخذُونَ فيهِ جميعاً بِالحِصَصِ علَى قَدْرِ مَا أَوصَى لهُم بهِ.
قالَ: وكذلكَ ابنُ عبدِ العزيزِ، قالَ: وكذلكَ الحُبْلَى (2) والذِي يَخَافُ الغرق، وعِندَ الزَّحْفِ لا يَجوزُ عَطِيَّتُهُمْ إلَاّ في الثُلثِ (3) .
قُلتُ لأبِي المؤرجِ: الرجلُ يَتَزوّجُ وهوَ مَريضٌ، قالَ: صَدَاقَهَا مِن ثُلثِ مالِهِ، قالَ: وكذلكَ قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ، قالَ: وأَخْبَرَنِي وَائلٌ ومَحبوبٌ عنِ الرّبيعِ بنِ مَحبوبٍ أنَّهُ كانَ يَجعلُ رأَسَهُ مِن رِأسِ المالِ.
... قالَ المُرتّبُ: هوَ الحقُّ، إنَّهُ مِنَ الكُلِّ لأنَّهُ دَينٌ، نَعَمْ لوْ أَسْرَفَ لَكَانَ مَا زَادَ مِنَ الثُّلثِ. انتهَى. وقالَ أبُو غَسَّانٍ: قدْ كانَ ذلكَ رَأيُ الربيعِ، وأنَا أُخَاِلفُهُ في ذلكَ، ولَا أَجعَلُ صَداقَهَا إلاّ مِنَ ثُلثِ مالِهِ.
... قالَ: وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزيزِ ألاّ يُؤخَذَ بهذَا مِنْ قولِ الرَّبيعِ، وقدْ قالَهُ غيرُ واحدٍ مِنَ الفُقهاءِ.
__________
(1) - يذهب أبو الحسن البسيوي وعبد العزيز الثميني والقطب ومحمد بن شامس البطاشي إلى أن كفن الميت يخرج من رأس المال. (ينظر: أبي الحسن البسيوي: كتاب الجامع، 3/178؛ القطب: شرح النيل، 12/403؛ محمد بن شامس البطاشي، 7/225.
(2) - المرأة الحامل. (ينظر: ابن منظور، لسان العرب، 4/23؛ المنجد، ص115.
(3) - أجمع فقهاء الإباضية على أنّ الوصية لا تتجاوز الثلث، لمن كان له ورثة إلا إن أجازه الورثة، كما سبق ذلك في (باب مقدار الوصية). (1/63)
صفحة 64
... قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ: كُلُّ ما صَنَعَ الميتُ في مرضِهِ مِنْ نكاحٍ أو عتقٍ أو إِعطاءِ مالٍ أو بَيعٍ، يُتَّهَمُ فيهِ بِالرَّخْصِ الذِي لَا يَبِيعُ بهِ الناسُ لو يَشْتَرِي بِالغَلاءِ الذِي لا يَشتَرِي بهِ الناسُ، فَإنّهُ يَجعَلُ ذلكَ الرَّخْصَ وذلكَ الغَلاءَ في ثُلثِهِ بَالِغًا مَا بَلغَ (1) .
(بابُ: الوصيةُ للوارِثِ بِدَينٍ)
... سَأَلتُ أبَا المُؤَرّجِ وابنَ عبدِ العزيزِ، وأَخبَرَنِي مَنْ سَألَ الرَّبيعَ بنَ حَبيبٍ عنْ رجلٍ أَوصَى لِوَارِثِهِ بِدينٍ قدْ كانَ لهُ عليهِ، قالُوا جميعًا: يَجوزُ ذلكَ ويَأخُذُ الوارثُ ما أَوصَى لهُ بهِ مِنْ دَينِهِ، ورَفَعَ ذلكَ أبُو المُؤرِّجِ إلَى أبِي عُبَيدَةَ، وإلَى جابرِ بنِ زَيدٍ، وحَدَّثَنِي غيرُ واحدٍ مِنْ أصحابِنَا أنَّ ذلكَ رَأيُ الحَسَنِ أيضًا.
قالَا جميعًا –جابرُ بنُ زيدٍ والحسنُ-، أَصْدَقُ مَا يَكُونُ النَّاسُ عنْدَ الموتِ.
__________
(1) - يرى العالمان خميس بن سعيد الشقصي والقطب أن الزواج في مرض الموت جائز صحيح يرتب عليه كل الآثار الشرعية للزواج ما دام لا يوجد نص شرعي يمنع ذلك، ويكون المهر الذي يدفعه المريض للزوجة في حدود مهر المثل فترد ما زاد إن وصلها. ووجه هذا القول: أنّ المريض كالمحجور عليه في غير الوصية والدّين، ويكون من كل المال. (ينظر: خميس الشقصي: منهج الطالبين، ص311- 312؛ القطب: شرح النيل، 12/286). (1/64)
صفحة 65
... قالَ (1) : وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزيزِ: قدْ جاءَ في ذلكَ اخْتلافٌ مِنَ الفُقهاءِ كَثيراً، بَعضُهُمْ يُجِيزُهُ، وبَعضُهُمْ لَا يُجِيزُهُ، وكانَ إِبْرَاهِيمُ (2) مِمَّنْ لَا يُجِيزُهُ، وقَولُ إِبراهيمَ عِندِي أَعْدَلُ وبهِ نَأخُذُ.
... قُلتُ لِعبدِ اللهِ بنِ عبدِ العزيزِ: سُبحَانَ اللهِ، سُبحانَ اللهِ العَظِيمِ، أَتَأخذُ بِقَولِ إبراهيمَ، وتدَعُ قولَ جابرٍ وأبِي عُبيدةَ! قالَ لِي: أَنْتَ رجلٌ مُقَلّدٌ، ومَا لِي لَا آخُذُ بقولِ مَنْ أَرَى قَولَهُ عَدْلًا نَافيًا لِرَيبَةِ (3) نَفسِي ومُبعِدًا عَن مُقَارَفَةِ الخَطَاءِ [؟] (4) ، والأَخذُ بِالثِّقةِ قولُ إبراهيمَ فَأَعتَمِدُ عَلَيهِ.
__________
(1) - القائل هو أبو غانم الخرساني.
(2) - إبراهيم بن سويد النخعي الصرفي الكوفي الأعور، روى عن الأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس، وروى عنه الحسن بن عبيد الله النخعي وسلمة بن كهيل وغيرهم، قال فيه ابن معين: مشهور، وقال النسائي: فيه ثقة، وقال العجلي: فيه ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. (ينظر: العسقلاني: تهذيب التهذيب، 1/83؛ أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي: ميزان الاعتدال، تحقيق: علي محمد البجاوي، (دار المعرفة، بيروت، لبنان)، 1/37).
(3) - الشك. (ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 6/273؛ المنجد، ص282.
(4) - استفهام إنكاري. (1/65)
صفحة 66
... قالَ المُرَتبُ: بلْ الحقُّ قولُ جابِرِ بنِ زيدٍ ومَن معَهُ، حتَّى يَتَبَيَّنَ المَيلُ الأَبْيَضُ وأَمَارَتُهُ، وإلاّ فهوُ مَريضٌ أَقَرَّ بِتَبَاعَةٍ عليهِ، لِئَلاَّ يَلْقَى اللهَ بهَا، فهيَ لِلمُوصَى لهُ ولوْ وارِثَا، وكَيفَ يُسْنَدُ بابُ الإِقرَارِ علَى المريضِ هكذَا جُزافًا (1) ، ويُحْمَلُ علَى التُّهْمَةِ بِلا إِمَارَةٍ. انتهَى (2) .
(بابُ: الوصيةُ لِلأغنياءِ)
... قُلتُ لِابْنِ عبدِ العزيزِ: الرجلُ يُوصِي بِوصيةٍ والمُوصَى له غَنِيٌّ، هلْ هيَ جائزَةٌ؟
قالَ: هي جائزةٌ، يَأخذُهَا وإنْ كانَ أَكْثَرَ النّاسِ مالًا، هذَا ما لَيسَ فِيهِ اخْتلَافٌ مِنَ الأَئِمَّةِ كُلِّهَا. (3)
(بابُ: وصيةُ الرجلِ فِي مرضِهِ بِثُلثِ مَالِهِ لِقرابَتِهِ)
__________
(1) - التخمين. (ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 3/141؛ المنجد، ص90).
(2) - يرى كلا من العلماء المعاصرين أبي الحسن البسيوي، وأحمد بن عبد الله بن موسى الكندي، ومحمد بن شامس البطاشي، و القطب، أنّ الوصية للوارث بحق في مرض الموت جائزة، ما لم يكن الموصي متهما في أخباره؛ لأنّ ذلك إخباراً منه بوجوب حق متقدم. (ينظر: أبي الحسن البسيوي: كتاب الجامع، 3/176؛ أبي بكر أحمد بن عبد الله الكندي: المصنف، (وزارة التراث القومي والثقافة، 1404هـ- 1984م)، 8/87؛ محمد بن شامس البطاشي: غاية المأمول، 7/203؛ القطب: شرح النيل، 12/325).
(3) - اختلف علماء المذهب المعاصرين في حكم الوصية للأغنياء، فقد ذهب العلامة محمد بن شامس البطاشي إلى عدم جواز الوصية للأغنياء، بينما ذهب الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش (القطب) والشيخ أحمد الخليلي إلى جواز الوصية للأغنياء لأنّ الله تعالى جعلها لهم صلة أيضا بعد الممات، فكما أنّه على القريب أن يصل قرابته في حياته كذلك عليه أن يصلهم بعد الممات. (ينظر: محمد بن شامس البطاشي: غاية المأمول، 7/237؛ القطب: شرح النيل، 12/265؛ الشيخ أحمد الخليلي: كتاب الفتاوى، 4/11). (1/66)
صفحة 67
... سَأَلتُ أبَا المُؤرِّجِ عنْ رجلٍ يَقولُ في مرضِهِ: ثُلثُ مالِي لِقرابَتِي.
قالَ: حَدَّثنِي أبُو عُبَيدَةَ أنَّهُ قالَ لِأََعمَامِهِ: الثُلثُانِ مِنَ الثُّلثِ، ولِأَخْوالِهِ الثُّلُثُ مِنَ الثُّلثِ (1) .
(بابُ: الوَصِيةُ بِالحجِّ والزّكاةِ والكَفّارَةِ)
... قُلتُ: [لِأبِي المُؤَرِّجِ] (2) فَالرجلُ يُوصِي بِحَجَّةِ فَريضَةٍ أوْ زكاةٍ أو كفّارةٍ، قالَ أبُو المؤرّجِ: إنْ [كانَ ليسَ بِمُفَرِّطٍ في ذلكَ، غيرَ أنَّ المُوصِيَ عَاجَلَهُ الموتُ، وهوَ يُريدُ الحَجَّ، أو إِصَابَةُ المرضِ قبلَ دُخولِ الشهرِ الذِي يُزَكِّي فيهِ فَتَطَاوَلَ بهِ مَرضُهُ حتَّى ذَهَبَ الوقتُ الذِي يُزَكِّي فيه فهو مِنْ رأسِ مَالِهِ، وإنْ كانَ مُضَيِّعاً لِذلكَ مُسْتَخِفًّا بهِ غيرَ ذَاكِرٍ لهُ، ولَا مُعْتَِياً به، فهو مِن ثُلثِ مالِهِ.
__________
(1) - اختلف علماء المذهب المعاصرين في قسمة الوصية بين الأعمام والأخوال، قيل: العم يأخذ ضعف ما يأخذه الخال، وممن ذهب إلى هذا القول: الشيخ محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان السمدي. وقيل: إنّ الأعمام والأخوال في وصية الأقربين سواء، فيأخذ الأعمام النصف من الثلث، ويأخذ الأخوال النصف الآخر؛ إذ أنّ سبيل الوصية يختلف عن سبيل الميراث. وممن ذهب إلى هذا القول: الشيخ أبو بكر الموصلي، والإمام نور الدين السالمي، وهو ما رجحه الشيخ أحمد الخليلي. (ينظر: أبو الحسن البسيوي: كتاب الجامع، 3/170؛ أحمد الكندي: المصنف، 28/69؛ الشيخ عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني: فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم، تحقيق: د. محمد صالح ناصر وأ. مضي بن عمر اليواجيني، (مسقط، ط1، 1415هـ- 1994م)، 3/255؛ الإمام السالمي: جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، علق عليه: أبو إسحاق اطفيش، وإبراهيم العبري، د.ن، 3/123؛ الشيخ أحمد الخليلي: كتاب الفتاوى، 4/49).
(2) - زيادة يقتضيها السياق. (1/67)
صفحة 68
... قالَ: وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزيزِ: جَميعُ مَا ذَكَرْتَ مِن ثُلُثِ مالِه، وكذلكَ قالَ حاتمُ بنُ منصورٍ، وكذلكَ عَن ابنِ عَبَّادٍ (1) .
... قالَ: وحَدَّثَنِي مَن سَأَلَ أبَا المَعْرُوفِ شُعَيْباً عَن ذلكَ. فقالَ فيهَا مِثلُ قَولِهِمْ –مِن ثُلُثِ مالِه- (2) .
(بابٌ آخرُ فِي: الوصيةِ بالحجِّ)
... قُلتُ: فَرجلٌ (3) يُوصِي أنْ يُحَجَّ عنهُ، ولمْ يَكُنْ فِي ثُلُثِهِ (4) ، مَا يَكْفِيهِ للحجِّ مَن مَكَانَهُ.
قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ: يُحجُّ عنه مِن حَيثُ يكْفِيهِ الثُّلثُ فيما بينَهُ، وبينَ الوَقتِ الذِي يُحْرِمُ منه.
__________
(1) - سبقت ترجمته، ص
(2) - يذهب أكثر علماء المذهب المعاصرين من أمثال الإمام السالمي والإمام محمد بن عبد الله الخليلي والشيخ أحمد الخليلي أنّ الحجة الواجبة والزكاة الواجبة والكفارة الواجبة، تخرج من ثلث المال –وهو الذي عليه العمل-. وذهب آخرون إلى أنّها تخرج من رأس المال سائر الحقوق المأمور بها. (ينظر: أبو الحسن البسيوي: كتاب الجامع، 3/178؛ عبد العزيز الثميني: التاج المنظوم، 6/39؛ الإمام السالمي: جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، 3/135؛ الإمام محمد بن عبد الله الخليلي: الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبو خليل، (1385هـ- 1965م، ص396؛ الشيخ أحمد الخليلي: كتاب الفتاوى، 4/19).
(3) - الصواب: فالرجل.
(4) - أي ثلث ماله. (1/68)
صفحة 69
قالَ: فَحدَّثَنِي مَن سألَ أبَا المَعروفِ شُعَيباً عَن ذلك، فقالَ: فيهَا إلى أمامِهِ فيمَا بينَهُ وبينَ مَكّةَ مِن حيثُ يرَى أنّ َنفَقَتَهُ تُبْلِغُهُ الحَجَّ (1) .
(بابُ مَن علَيهْ الحجُّ والزّكاةُ ولمْ يُوصِ بهَا)
... قُلتُ [لأَبِي المُؤرّجِ] (2) فَرجلٌ (3) ماتَ وعليهِ الحجُّ وعليهِ الزّكاةُ ولم يُوصِ بهمَا.
... قالَ أبُو المؤرّجِ: سُئِلَ أبُو عُبيدَةَ عنْ ذلكَ، فقالَ هذاَ يَأكُلُهُ ورثةُ مالِهِ، ويَحُجُّونَ عنهُ، ولا يُزَكّونَ عنهُ.
... قُلتُ: فالزّكاةُ مِثلُ ذلكَ؟ قالَ: نعمْ.
... قالَ المُرَتِّبُ: أيْ مِثلَ الحَجِّ، قدْ قالَ أنَّهَا مِثْلَهُ، لَكنْ أستعظمَ أمْرَهَا، فَسألَ ثانيًا. انتَهَى.
... قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ: لَا يَحُجونَ عنهُ ولا يُزكونَ عنه، ولا نَعِمَتْ عَيْنٌ لهُ (4) ؛ لِأَنّهُ لوْ يُوصِ بذلكَ هذَا مَا لا يَختِلِفُ فيه أَحدٌ مِن أهلِ النَّظرِ.
__________
(1) - يرى الشيخ امحمد اطفيش، والشيخ بيوض، والشيخ أحمد الخليلي، أنّه في حالة كون المال لا يكفي للحج، فإنّه تؤدي عنه الحجة من أقرب طريق تكفي منه النفقة للحج، مثل: جدة أو المدينة المنورة أو مكة المكرمة، وإن لم يجدوا أعانوا بالمال الذي أوصى به للحج حاجا قليل المال ليحج بها عن نفسه. (ينظر: القطب: شرح النيل، 12/472؛ الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض: فتاوى الشيخ بيوض، ترتيب وتقديم: بكير محمد الشيخ بالحاج، (مكتبة أبي الشعثاء، ط2، 1411هـ- 1990م)، ص510؛ الشيخ أحمد الخليلي: كتاب الفتاوى، 4/84).
(2) - زيادة يقتضيها السياق.
(3) - بعد الفاء زيادة يقتضيها السياق.
(4) - كناية عن الخسران. (1/69)
صفحة 70
... قالَ المرتبُ: إلاّ زكاةُ الثِّمَارِ، فَفيهَا قُولٌ: إِنّهُ يُزَكَّى عنه، ولَم يُوصِ بها إنْ كانَتْ على الشَّجَرِ. انتَهَى (1) . (2)
(بابُ: مَن أوصَى بِوصيةٍ ثُمّ يُوصِي بِأُخرَى)
... قُلتُ لأبِي المُؤرّجِ: الرجلُ يُوصِي بِوَصِيّةٍ، ثُم يُوصِي بِأخرَى، قالَ: إِنّهُ إنْ [لمَ] (3) تَنْقُضْ الأُولَى، وزَادَ شَيْئًا آخَرَ، مَضَتْ الأُولَى والآخِرَةِ.
... قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ: الأَخِيرَةِ مِنَ الوَصِيَّتَيْنِ أَمْلِكُ، وهِيَ أَحَقُّ أنْ يُؤْخَذَ بهَا (4)
(بابُ: الرُّجوعِ فِي الوَصيةِ)
__________
(1) - وهو قول العلامة محمد بن شامس البطاشي. (ينظر: البطاشي: غاية المأمول، 3/18).
(2) - اختلف علماء المذهب المعاصرين فيمن عليه حج وزكاة ولم يوص بهما، هل يجبر الورثة على أدائها عنه أم لا؟ فقد ذهب الأكثر من أمثال الشماخي، وعبد العزيز الثميني، وغيرهم، إلى أنّه لا يلزم الورثة أداءهما عنه، وذهب البعض إلى وجوب أداء الورثة الزكاة والحج التي كانت على الميت إذا اتّضح ذلك، ولو لم يوص بهما، وهذا القول الذي رجحه سماحة الشيخ أحمد الخليلي. (ينظر: الشماخي: الإيضاح، 2/27؛ عبد العزيز الثميني: التاج المنظوم، 6/39؛ الشيخ أحمد الخليلي: كتاب الفتاوى، 1/286، 4/126).
(3) - زيادة يقتضيها السياق.
(4) - اختلف علماء المذهب المعاصرين في ذلك، فمنهم من يرى أنّ الأخيرة هي ناسخة للأولى، ويكون العمل بها، ومنهم من يرى بتفريق ما إذا اتّحدتا أو اختلفتا، والقول الذي يرجحه سماحة الشيخ أحمد الخليلي، هو ثبوت كلتا الوصيتين، وذلك لأنّ الأولى ثبتت بيقين، ولا يرفع اليقين إلاّ بيقين مثله، كما هو الحال في القواعد الفقهية المعروفة. (ينظر: عبد الله بن محمد الخراسيني: فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم، 2/43؛ عبد العزيز الثميني: التاج المنظوم، 6/194؛ سماحة الشيخ أحمد الخليلي: كتاب الفتاوى، 4/87). (1/70)
صفحة 71
... قُلتُ لأَبِي المُؤرّجِ ولأَبِي سعيدٍ: الرجلُ يقولُ إنْ مِتُّ في مرضِي هذَا فَغُلامِي حرٌّ، وأَعطُوا فلاناً كذَا وكذَا، وَاصْنَعُوا كذَا وكذَا، وعلَى يَسْتَثْنِي إنْ مِتُّ في مرضِي هذَا.
قالَ: إنْ لمْ يَمُتْ في مرضِهِ الذِي أَوصَى فيه، فَجمعُ مَا ذَكَرْ ليسَ بِشيءٍ.
قُلتُ لابنِ عبدِ العزيزِ: فالرجلُ يُوصِي بِوصيةٍ، هلْ له الرجوعُ فيها؟ قالَ: لهُ إنْ شاءَ (1) .
(بابُ: تَصرُّفِ الوصِيِّ مِنْ غيرِ أمرِ القاضِي)
... سَألتُ أبَا المؤرّجِ عنْ بَيْعِ الوصيِّ كلَ ما أَوصَى بهِ المَيتُ مِن غيرِ أمرِ القاضِي، قالَ: لِيَطََّلِعِ عندَ القاضِي، ثمّ يَبيعُ فهوَ أَحَبُّ إليَّ.
__________
(1) - يرى الإمام محمد بن عبدالله الخليلي أنّ للموصي الرجوع في وصيته ما عدا الضمانات فلا رجوع فيها، ويذهب العلامة القطب إلى أنّ للموصي الرجوع في وصيته في الحكم مطلقا، إمّا فيما بينه وبين الله، فلا يجوز له الرجوع إلاّ إلى مثله، أو أفضل منه، كذا ما أوصى به قاصداً به القرابة إلى الله، فالرجوع فيه كالرجوع إلى القيء، إلاّ إلى أفضل منه، ولا يجوز الرجوع في التنصل من مال، بينما يرى سماحة الشيخ أحمد الخليلي: أنّ الوصية تثبت بموت الموصي، وقبل أن يموت، له أن يتصرف فيها، فقدم ويؤخر، ويبدّل ويغيّر، ويحذف ويزيد، وهكذا. (ينظر: الإمام محمد بن عبد الله الخليلي: الفتح الجليل من أجوبة أبي خليل، 1385هـ- 1965م، ص390؛ محمد بن يوسف اطفيش: كشف الكرب، 1406هـ- 1986م، 2/305؛ الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: كتاب الفتاوى، 4/112). (1/71)
صفحة 72
... قالَ: وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزيزِ: ليسَ عليهِ في شَيءٍ مِنْ هذَا، إِتْيَانُ القاضِي ولا رَفْعُهُ إليهِ، وبَيعُهُ جائزٌ ماضِي (1) .
(بابُ: حُكمِ رُجوعِ المُوصَى لهُ بعدَ قَبُولِهِ الوصيةَ)
... قُلتُ لأبِي المُؤَرِّجِ: فالرجلُ يُوصِي إليه رجلٌ بوصيةٍ، فَيَقبَلُ وصيتَهُ، ثُم يَأْبَى أنْ يَقبَلَهَا بَعدَ ذلكَ، قالَ: إذَا قَبِلَهَا فَليسَ لهُ أنْ يَرجِعَ فيهَا؛ لأنّهُ إنْ شاءَ لم يَقبَلْهَا.
... قالَ: وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزيزِ: إنْ كانَ رُجوعُهُ قَبلَ مَوتِ الذِي أَوصَى إليه، وأَعْلَمَهُ (2) بِرجوعِهِ فلَه ذلك. وإنْ كانَ رُجُوعُهُ بَعدَمَا قَبِلَهَا، وبعدَ مَوتِهِ، فَلَيسَ لَهُ ذلكَ (3) .
(بابُ: وَصيةِ الوَصِيِّ بِالوصيةِ)
__________
(1) - يرى سماحة الشيخ أحمد الخليلي أن بيع الوصي ما أوصى به الميت من غير أمر القاضي جائز إن كان يحسن البيع، وعليه أن يراعي في ذلك قيمة السلعة فلا يبيعها بثمن أقل من قيمتها. (سؤال وجهته إلى مكتب الإفتاء، بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، بتاريخ: 24 ديسمبر 2005م).
(2) - الألف قبل العين زيادة يقتضيها السياق.
(3) - يرى سماحة الشيخ أحمد الخليلي أنّه إذا كان رجوعه في حياة الموصي فقد أبطل الوصية بنفسه، أمّا إذا كان رجوعه بعد وفاة الموصي، فإنّ المال يرجع إلى الورثة. (سؤال وجهته إلى مكتب الإفتاء، بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، بتاريخ: 24 ديسمبر 2005م). (1/72)
صفحة 73
... قُلتُ لابنِ عبدِ العزيزِ: فالرجلُ تَحضُرُهُ الوفاةُ، فَيُوصِي بِتلكَ الوصيةِ إلَى رجلٍ آخرَ، قالَ: ذلكَ جائزٌ، وهلْ يُحْمَلُ إلاّ ذلكَ الذِي فَعَلَ ذلكَ (1) .
(بابُ: الوصيةِ لِلأُختِ الوارثَةِ)
... سَألتُ أبَا المُؤرّجِ عن رجلٍ هَلَكَ ولهُ أُختٌ وليسَ لهُ وَارثٌ غَيرهَا، فَأَوصَى أنَّ لِأختِهِ نِصفُ مَالِهِ، ولِلمَوالِي نِصفُ مالِهِ، وقدْ كانَ أَوصَى بِثُلُثِ مالِهِ كُلِّهِ. فهلْ (2) يَجُوزُ ذلكَ أمْ لا؟
... قالَ: نِصفُ مالِهِ لِأُختِهِ بِمِيرَاثِهَا، ولا وَصِيَّةَ لهَا؛ لِأنّهَا وارثةٌ، والثُّلثُ المَوالِي والمُوصَى لهُمْ على قَدْرِ أَنْصِبَائِهِمْ بِالحِصَصِ، وكذلكَ قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ (3) .
(بابٌ آخَرُ: الرُّجوعُ في الوصيةِ)
... سَألتُ أبَا المُؤرّجِ وابنَ عبدِ العزيزِ عنْ رجلٍ ليسَ له وَلَدٌ، فَيَتَصَدَّقُ بِمَنْزِلِهِ علَى وَلَدِهِ، إنْ كانَ له ولدٌ يَومًا مِنَ الدَّهْرِ، أو على وَلَدِ وَلدِهِ، فإنْ انْقَرَضُوا فَالمَنزِلُ لِفَُقَرَاءِ المسلمينَ، ثُمَّ بَدَا له أنْ يَبيعَ المنزلَ، هلْ يَجوزُ له ذلكَ أمْ لا؟
__________
(1) - اختلف علماء المذهب المعاصرين في ذلك، فمنهم من ذهب إلى أنّه ليس للوصي أن يوصي في ذلك بعد موته، إلاّ أن يجعل له ذلك من أوصى إليه فيه، فله أن يوصي إلى منتهى ما جعل له، ومنهم من ذهب إلى أنّه يجوز للوصي أن يجعل لإنفاذ ما جعل فيه وصيا، إذا خاف الموت ولو لم يجعل له الموصي ذلك، وهذا ما رجحه الإمام السالمي. (ينظر: أبي الحسن البسيوي: كتاب الجامع، 3/176؛ الإمام السالمي: جوهر النظام، 3/133).
(2) - الفاء قبل الهاء زيادة يقتضيها السياق.
(3) - يوافق سماحة الشيخ أحمد الخليلي أبا المؤرج وابن عبد العزيز في رأيهما. (سؤال وجهته إلى مكتب الإفتاء، بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، بتاريخ: 24 ديسمبر 2005م). (1/73)
صفحة 74
... قالَ أبُو الُمؤرِّجِ: أمَّا الأَولادُ فلا أَرَى لهمْ شَيئًا، لم يُجِبْنِي عَن الفُقراءِ بِشيءٍ.
... قالَ: وقالَ عبدُ العزيزِ: إنّمَا أَوصَى هذاَ بِمَنزِلِهِ لِوارِثِهِ، ولا وَصيةَ لِوارثٍ، وأَوصَى لِلفُقراءِ، بَعدَ انْقِرَاضِ الأَولادِ، فلَا شَيءَ للفقراءِ حتَّى يَنْقَرِضَ الأولادُ، فإِنْ انْقرضُوا أَجْزَتْ الوصيةُ بِالمنزلِ للفقراءِ، قُلتُ: كيفَ يَضَعُ الوَرثةُ بِالمَنزلِ؟ قالَ: لا أَرَى بَأْسًا أنْ يَنْتَفِعُوا به حَيَاتَهُمْ، قُلتُ: فَقَدْ أَجْزَتٌ الوصيةُ لِلوارثِ، قالَ: هوَ بِمَنْزِلَةِ رجلٍ أَعطَى بَعضَ ولَدِهِ شيئًا، ثُمّ قالَ: أَعْطُوا فُلانًا وفلانًا لِجميعِ ولَدِهِ، مَنْ حَازَ مِنهُمْ ومَنْ لمَ يَحُزْ، وسَاوَى بَينَهُم فِي تِلكَ العَطِيَّةِ (1) .
... قالَ المُرتِّبُ: ليسَ في المَسألَةِ أَنَّهُ أَعْطَى بَعضَ ولَدِهِ، ثُمّ أَعطَى الآَخَرينَ، ولا مَا هوَ بِمنزلةِ هذَا قَولُهُ أُبْطِلَتْ الوصيةُ مِمَّنْ يَرِثُ ذلكَ. يُقَالُ يُبْطِلُونُهُ بالوصيةِ، ويُثْبِتُونَهُ بِالِإرْثِ. انتَهَى.
... قالَ: لا أَرَاهُ إلاَّ وقدْ عَدَلَ عِندِي إذَا سَاوَى بَينَهُمْ، ولَا أَرَى الوَصيةَ إلاّ هاَ هُنَا جَائِزَةً؛ لِأنّهُ أَعْطَى جميعَ وَلَدهِ، وإنْ قُلْتَ: إِنّهَا لا تَجوز {فقد } (2) ُ أَبْطَلْتَ تلكَ الوصيةَ مِمَّنْ يَرِثُ ذلك المالَ، ولَيسَ لهُ وَارِثٌ غيرَهُمْ.
__________
(1) - يرى سماحة الشيخ أحمد الخليلي أنّ الوصية للولد باطلة من أساسها، وكذلك الوصية لولد الولد، إذا كان وارثا أمّا إذا لم يكن وارث فأوصى له وللفقراء، ثم أراد أن يرجع عن هذا الأمر، فله الرجوع عن ذلك؛ لأنّ الوصية إنّما تثبت بموت الوصي، وإمّا في حياته، فله التصرف فيها كما أراد. (سؤال وجهته إلى سماحة الشيخ أحمد الخليلي بجامع السبطان قابوس بروي، بتاريخ: 28 ديسمبر 2005م).
(2) زيادة يقتضيها السياق . (1/74)
صفحة 75
... قالَ: لَا أَراهُ إلاّ وقدْ عَدَلَ عِندِي وهُم فِي عَطِيَّتِهِمْ كمَا يَرَعَوْنَ، وسَاوَى بَينَهُم.
(باب: الوصية بالمنافع)
... وعنْ رَجلٍ قالَ: مَنزِلِي هذَا لِأُختيِ فُلَانَةُ حَيَاتُهَا فَإِنْ انْقَرَضَتْ فَهُوَ في سَبِيلِ اللهِ، هلْ يَجوزُ أم لَا؟
... قالَ أبُو المُؤَرِّجِ: هوَ لهَا حَيَاتُهَا ومَمَاتُهَا، قالَ: وقالَ عَبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزيزِ: هُوَ لهَاَ حَيَاتُهَا، فإِنْ انْقَرَضَتْ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ كمَا قاَلَتْ (1) . (2) وسَأَلْتُهُمَا عَن رَجُلٍ قالَ مَنْزِلِي لِأَخِي سُكْنَى مائةِ سَنَةٍ، وإذَا مَضَتْ مائةُ سنَةٍ فهوَ في سَبِيلِ اللهِ، فَلم يُجِبْنيِ أبُو المُؤَرِّجِ فيهَا بِشيءٍ، وقالَ اللهُ أعلمُ.
... قالَ: قالَ عبدُ العزيزِ: لَسْنَا نُغَيِّرُ الوَصيةَ إلَى غيرِ مَا أَوصَى بِهِ الميتُ، فَالمَنزِلُ لِأَخِيهِ فُلَانُ المُوصَى لهُ بهِ مائةُ سنةٍ سُكْنىَ، فإذَا هَلَكَ أَخُوهُ قَبلَ مائةِ سنةٍ فهوَ في سَبِيلِ اللهِ.
__________
(1) - في المخطوطة: كما قالت.
(2) - يرى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي أنه لا مانع من هذه الوصية بشرط ألاّ تكون أخته وارثة وأن لا تزيد هذه الوصية مع باقي الوصايا عن ثلث التركة. (عبارة عن سؤال وجهته إلى سماحته بمكتب الإفتاء بتاريخ 2 ربيع الأول 1427هـ الموافق 1/4/2006م). (1/75)
صفحة 76
... قالَ: وقالَ أبُو المؤرّجِ: إذَا قالَ هُوَ سُكْنَى علَى أنْ يَسْكُنَهُ حَيَاتَهُ ولِعَقِبِهِ مِن بَعدِهِ، ثُمَّ هو في سبيلِ اللهِ، فهو لهَمُ حَيَاتَهُم، ثمّ هو في سبيلِ اللهِ بَعدَهُم، وأمَّا إذَا سَمَّى جُملةً هو لَه حَيَاتَهُ، فإذَا قالَ ذلكَ فهو له حَيَاتَهُ، ولِعَقِبِهِ بَعدَ مَوتِهِ (1) .
(بابُ: صِفَةُ يَدِ الوَصِيِّ)
... سَأَلتُ أبَا المُؤَرّجِ عَن الوَصِيِّ إذَا قالَ لِشَيءٍ ماَ في يدِهِ: هَلَكَ أَو ذَهبَ، قالَ: لا ضَمَانَ عليهِ، ولَكِنْ يُصَدَّقُ، هو بِمَنزِلَةِ الأَمينِ، وكذلكَ قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ، إلاّ أنّه قالَ: فإِنْ اتُّهِمَ حَلَفَ باللهِ تعَالَى لَقدْ صَدَقَهُمْ (2) .
(بابٌ: آخرٌ في الوصيةِ لِلوارثِ بِالدَّيْنِ)
__________
(1) - يقول سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: أمّا سكنى مائة سنة فهي أشبه بالمتعذر إذ لا يرجى لأخيه أن يعمّر بعده مائة سنة وإنمّا تثبت الوصية بالسكنى مادام أخوه حياً ثم يصرف البيت بعد وفاته فيما بعد في سبيل الله على أن لا يكون الأخ وارثا وألاّ تزيد الوصية مع بقية الوصايا على ثلث التركة. (عبارة عن سؤال وجهته إلى سماحته بمكتب الإفتاء بتاريخ 2 ربيع الأول 1427هـ الموافق 1/4/2006م).
(2) - يرى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي أنّ الوصي إذا كان صادقا في قوله، ولم يقصّر في حفظ الوصية، فلا ضمان عليه؛ وذلك لأنّ يده على الوصية يد أمانة لا يد ضمان. (سؤال وجهته إلى مكتب الإفتاء، بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، بتاريخ: 24 ديسمبر 2005م). (1/76)
صفحة 77
... قُلتُ فالرجلُ (1) تَحضُرُهُ الوفَاةُ، فَأَوصَى أَنَّ عَليه مِنَ الدَّينِ كذَا وكذَا لِولَدِهِ ولِورثَتِهِ، قالَ أبُو المُؤَرِّجِ: أَصْدَقُ مَا يَكونُ النَّاسُ قَولُهُ فيمَا ذُكِرَ (2) .
(بابُ: وصيةُ الرجلِ بِمالٍ في الرِّقابِ وِبمالٍ في سبيلِ اللهِ وبِغلامٍ بِكذَا)
... سَأَلتُهُمَا عنْ رجلٍ أَوصَى عندَ مَوتِهِ بِمالٍ في الرقابِ، وبِمالٍ في سبيلِ اللهِ، ثُمَّ قالَ بَعدَ الذِي ذَكَرَ مِنَ الرّقابِ، ومَنْ في سبيلِ اللهِ: لِفلانٍ كذَا وكذَا، ومَالُهُ بِمالٍ،
... قالَ أبُو المُؤَرّجِ: يَصيرُ ذلكَ إلَى الثُّلثِ، فَلْيَبْدَأْ بِالرّقابِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيءٌ، فَلْيُعْطِ الذِي أَوصَى لهُ بهِ. فَإِنْ فَضَلَ علَى الرجلِ شَيءٌ، جُعِلَ في سبيلِ اللهِ، وإِنْ لَمْ يَفْضُلْ علَى الرجلِ شَيءٌ (3) ، وإِنّمَا بَدأَ المُتَوَفَّى في وَصيّتِهِ بِالرقابِ، ثُمّ في سبيلِ اللهِ، ثمّ ذَكَرَ الرجلَ، ثمّ بَدَأَ بالرقابِ، ثُمّ الرجلُ، ثُم في سبيلِ الله،
__________
(1) - زيادة الألف بعد الفاء زيادة يقتضيها السياق.
(2) - يرى كل من أبي الحسن البسيوي، وأحمد بن عبد الله بن موسى الكندي، ومحمد شامس البطاشي والقطب: أنّ الوصية للوارث حقّ في مرض الموت، جائزة ما لم يكن الموصي متهما في إخباره؛ لأنّ ذلك إخبارا منه بوجوب حق متقدم. (ينظر: أبي الحسن البسيوي: كتاب الجامع، 3/176؛ أبي بكر أحمد بن عبد الله الكندي: المصنف28/87؛ محمد بن شامس البطاشي: غاية المأمول، 7/203؛ القطب: شرح النيل، 2/325).
(3) - الصواب: "عن". (1/77)
صفحة 78
... قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ: يُقْسَمُ الثُّلثُ بَينَ هؤُلاءِ كُلِّهِم، فَإِنْ عَجَزَ نُقِّصَ مِنْ كُلِّ سَهمٍ، نَقْصٌ بِقَدْرِهِ، ولَا يُنْظَرُ فيمَا قُدِّمَ مِن ذلكَ، ولَا فِيمَا أُخِّرَ (1) .
(بابُ: إِجَازَةُ الورثةِ لِلمُوصِي الإِيصَاءَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلثِ)
... سَألتُ أبَا المُؤَرّجِ عَن الرجلِ والمَرأَةِ يَحْضُرُهُمَا الموتُ، فَيُوصِيَانِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلثِ، قالَ: ليسَ بِشيءٍ، إِنّمَا يَرجِعُ ذلكَ إلَى الثُّلثِ. قُلتُ: فَإِنْ طَابَتْ أَنْفُسُ الوَرَثةِ بذلكَ عِندَ وَصيتِهِ ثُمّ ماتَ، فأَرَادَ الورثةُ أنْ يَرجِعُوا في ذلكَ بعدَ مَوتِهِ. قالَ: ليسَ لَهُم أنْ يَرجعُوا فيه، بعدَ أنْ طَيَّبُوا له. قالَ: وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزيزِ: قدْ جاءَ في ذلكَ اخْتِلافُ الفُقهَاءِ كَثِيرٌ، والعَدْلُ (2) مِن ذلكَ إنْ شاءَ الورثةُ أنْ يَرجعُوا في ذلكَ، فَإنَّهُم أجَازُوا مَا لَم يَمْلِكُوهُ، ومَالم يستحِوذوُه بَعدُ، وإِنّمَا يكونُ لهٌم بعدَ مَوتِ الميتِ.
__________
(1) - يرى كل من أبي الحسن البسيوي، وسماحة الشيخ أحمد الخليلي، أنّ الوصية تنفذ من ثلث المال، يُوزَّع أثلاثا، ثلث في الرقاب، وثلث في سبيل الله، وثلث لفلان الذي أوصى به بكذا. (ينظر: أبي الحسن البسيوي: كتاي الجامع، 3/181؛ الشيخ أحمد الخليلي: كتاب الفتاوى، 4/84).
(2) - أي الصواب. (1/78)
صفحة 79
... قالَ: كذلكَ قالَ حاتمُ بنُ منصورٍ قالَ: وَرَوَوْا إلَى وائِلٍ وابنِ مَحبوبٍ عَن الربيعِ بنِ حبيبٍ إِنَّهُم إذَا أجازُوا في حيَاتِهِ، ثُمّ يَرجعُوا فيهِ بعدَ مَوتِهِ، إِنَّهُم ليسَ لهُم ذلكَ –كمَا قالَ أبُو المُؤَرّجِ- (1) .
(باب: تأخير إنفاذ وصية الأقربين حتى يولد من هو أقرب للميت)
__________
(1) - اختلف علماء المذهب المعاصرين في ذلك، فمنهم من ذهب إلى أنّ للورثة الرجوع عن إجازتهم، الوصية بأكثر من الثلث؛ لأنهم أذنوا له فيما لا يملكونه، وممّن ذهب إلى ذلك أبي الحسن البسيوي، بينما ذهب آخرون –وهو ما رجحه سماحة الشيخ أحمد الخليلي- إلى أنّه لا يحقّ للورثة الرجوع فيما أجازوا به، في أكثر من الثلث؛ وذلك لأنّ الآية الكريمة أجازت الصلح، وهي قوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، البقرة: 182، والصلح يكون في حال الإيصاء ولو لم يكن هذا الإيصاء نافذا لما كان معنى لإثباته في النص القرآني. (ينظر: أبي الحسن البسيوي: كتاب الجامع، 3/185؛ الشيخ أحمد الخليلي: كتاب الفتاوى، 4/23). (1/79)
صفحة 80
... سألت أبا المؤرج عن رجل يوصي للأقربين، فيموت ثم تمكث وصيته من يوم أوصى إلى أن يولد أقرب من الذين كانوا أوصى لهم، أيدخلون جميعاً في الوصية، أم تكون للذين أوصى لهم يومئذ حضر؟ قال: أعجب ذلك أن تكون للذين أوصى لهم يومئذٍ، ولا يلحق بهم من كان من بعدهم من لم يكن حاضرا يوم أوصى لهم، قال: وكذلك قال ابن عبد العزيز وأبو غسان. قال (1) : وأخبرني أبو أيوب وائل بن محبوب عن الربيع أنّه كان يرى أن يُلحِقوا الذين ولدوا من بعد الوصية بمن حضر الوصية يومئذٍ (2) .
(بابُ: كَيْفِيّةُ القِسمَةِ بينَ الأقارِبِ المُوصَى لَهمْ)
__________
(1) - القائل هو أبو المؤرج.
(2) - اختلف علماء المذهب المعاصرين في هذه المسألة، فمنهم من ذهب إلى أنّه يدخل في الوصية إذا لم تقسم، ومنهم من قال يدخل المولود في قسمة الأقربين إذا وُلِد قبل انقضاء ستة أشهر، أمّا إذا وُلِد بعد ستة أشهر من موت الموصي، فلا يدخل هذا المولود في وصية الأقربين، ممّن ذهب إلى هذا القول الشيخ البكري عبد الرحمن بكلي. (ينظر: الإمام السالمي: جوابات الإمام السالمي، 4/89؛ بكلي عبد الرحمن بن عمر: فتاوى البكري، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1404هـ- 1983م، 2/240). (1/80)
صفحة 81
... قُلتُ: فَكَيفَ القِسمةُ بينَ أقارِبِهِ الذِينَ أَوصَى لهُمْ؟ قالَ أبُو المُؤَرِّجِ: حَدَّثَنِي أبُو عُبَيدَةَ: إنَّ القِسمَةُ فِيمَنْ كانَ مِن أقاربِهِ مِنَ العَصَبَةِ أنْ يُفَضِّلَ رِجَالَهُمْ علَى نِسائِهِم تَفَاضُلًا لا تَقْبُحُ ولا تَبْلُغُ أنْ تَكونَ كَالمِيرَاثِ، ومَا كانَ مِنْ أقارِبِهِ مِن أَخوالِهِ وخَالَاتِهِ، ومَا كانَ مِن نَسَبِ أُمِّهِ ذَوِي الأرحَامِ، فَرجالُهُمْ ونسائُهُمْ فِيهِ سَواء،ً الأُنْثَى مِثلَ الذَّكَرِ، قالَ: وقالَ عَبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزِيزِ: قَدْ جاءَ فِي ذلكَ اخْتِلاَفٌ مِنَ الفُقُهَاءِ، وأُفَضِّلُ مَا سَمِعْتُ فيهِ أنْ تُفُضَّلَ العَصبَةُ ما كانَ مِنْ جِنْسِ الأبِ، فِلِلذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الأُنثَيَيْنِ كالمِيراثِ؛ لأنَّ الوَصَايَا إنَّمَا تُقَاسُ علَى المَواريثِ، ومَا كانَ مِن جِنسِ الأمِّ فَهوَ كمَا قالَ أَبُو المُؤَرّجِ.
... قالَ: وأَخْبَرَنِي مَنْ سَألَ الربيعَ بنَ حبيبٍ عَن ذلكَ، فقالَ فيهَا مِثلُ قولِ ابنِ عبدِ العزيزِ: إِنّهُم يُعطونَ الذَّكرَ مِثلَ حظِّ الأُنثيينِ كَالميرَاثِِ. (1/81)
صفحة 82
... قالَ الذِي أَخبَرَنِي بذلكَ! قدْ كانَ ذلكَ رأيَ الربيعِ حتَّى لَحِقَ باللهِ تعالَى (1) .
(بابُ: الوصيةُ للأَقاربِ الأَبْعَدِينَ وتَرْكُ ممَِّنْ هوَ أقْرَبُ مِنهُم)
... سَألتُ عَن رجلٍ يُوصِي لِقرابَتِهِ، ويَدَعُ غيرَهُم، مِمَّن هوَ أقربُ مِنهُم، [و] (2) ولَا يُوصِي لَهُم بِشيءٍ.
... قالَ أبُو المُؤرّجِ: الوَصيَّةُ لِمَن أَوصَى لهُ بهَا، مِن قَرِيبٍ مَاضِيَةٌ، وقَد أََساءَ ولَا تُرَدُّ تلكَ الوصيةُ، ولَو أََعَمَّ لكَانَ أَحَبَّ إلَيَّ, قُلتُ: أَفَتُرَدُّ علىَ هؤُلاَءِ الذِينَ لم يُوصَ لَهُم ثُلثُ الوصيةِ؛ لأَنَّهم أَقربُ إلَى المَيتِ؟
... قالَ أبُو الُمؤَرجِ: إِنَّمَا صُنْعُ هذَا إذَا أَوصَى لِغيرِ قَرابَتِهِ، وتَرَكَ أقَارِبَهُ، لم يُوصِ لَهُم بِشيءٍ، وأمَّا إذاَ أَوصَى لِقرابَتِهِ هُم أَبْعَدُ مِن قرَابَةٍ أُخرَى، فَذلكَ جَائزٌ لَه، وقدْ أَساءَ ورَكِبَ أَمْراً مَكْرُوهًا، وتَرَكَ الأَمْرَ الذِي فيهِ الفَضلُ، ولا تُردُّ تلكَ الوصيةُ.
__________
(1) - اختلف علماء المذهب في كيفية تقسيم الوصية بين الأقارب، فمنهم من قال يقدم الأقرب فالأقرب، كميراث الأرحام وهم أربع درجات، الأولى البنوة والثانية درجة الجدود، والثالثة درجة الأخوة، والرابعة درجة الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وكل درجة من هذه الدرجات يعطى الأعلى منها ضعف ما يعطاه من هو أسفل منه، ومنهم من قال يعطون بالسوية. وهناك من ذهب إلى أن كل درجات الأقربين بعدوا أو قربوا، تقسم الوصية بينهم على السواء، وهذا القول الأخير رجحه الإمام عبد الله بن حميد السالمي والشيخ أحمد الخليلي. (ينظر: أبي الحسن البسيوي: كتاب الجامع، 3/170؛ الإمام السالمي: جوهر النظام، 3/155؛ خلفان بن جميل السيابي: فصل الخطاب في المسألة والجواب، 1404هـ- 1984م، وزارة التراث القومي والثقافة، 2/96؛ سماحة الشيخ أحمد الخليلي: كتاب الفتاوى، 4/48).
(2) - زبادة يقتضيها السياق. (1/82)
صفحة 83
... قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ: فيهَا مِثلُ قولِ أبِي المُؤرِّجِ إَلاّ أنَّهُ قالَ: ولَو أنَّ رجلاً أَوصَى لِلأجْنَبِيِّ مِنَ الناسِ، وتَرَكَ أقَارِبَهُ ولم يُوصِ لهُم بِشيءٍ، مَضَتْ تلكَ الوصِيَّةُ لمَِنْ أوصَى لهُ بهَا، وكانَ الذِي فَعلَ ذلكَ، قدْ أساءَ ورَكبَ أمراً مكروهًا، وتَركَ الذِي فيه الفَضلُ، والذِي نَدَبَ اللهُ إليهِ العَبَادَ، وحَضَّهُم عليهِ مِنَ الفضلِ في الوصيةِ للأَقربينَ، لِأقرَبِ الناسِ إليهِ مِمَّن لَا يَرِثُ.
... قالَ: وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزيزِ: لا أُغَيِّرُ شيئًا ممّا أَوصَى بهِ الميتُ، ولَا أَرُدُّهُ ولا أُبَدِّلُهُ،
... قُلتُ لابنِ عبدِ العزيزِ: فَمَا وجْهُ قَولِ اللهِ تعالَى: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (1) ؟
... فَما يقولُ المُفسرونَ: الجَنَفُ: هوَ غَيرُ مُتَعَمَّدِ الجُورِ فِي الوَصِيةِ، وأمَّا الإثمُ: فهوَ المُتَعَمَّدُ للجورِ في الوصيةِ.
... قلتُ: إنَّهُم يَرَونَ عَن جابرِ بنِ زيدٍ أنَّه قالَ: مَن جارَ في وصيتِهِ وأَثِمَ، فقدْ أحَلَّ لِوَلِيِّهِ أو الِإمامِ مِن أئمةِ المسلمينَ، أنْ يُحوِّلَ ذلكَ، ويَرُدَّهَا إلى العدلِ.
__________
(1) - سورة البقرة الآية 182. (1/83)
صفحة 84
... قالَ: أفَكُلُّ الناسِ أَخْطَأُوا رُدُّوا إلى العدلِ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فمَا يقولونَ فِيمَنْ طَلَّقَ امرأَتَهُ ثَلَاثةً؟ قُلتُ: يَقولونَ أَخْطَأَ السُّنّةَ وعَصَى رَبَّهُ، وحَرُمَتْ عليهِ امْرَأَتَهُ، قالَ: أَفَتَرُدُّونَهُ إلى طلاقِ السّنّةِ الذِي أَمَرَ اللهُ تعالَى بهِ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ولَا يُجيزُونَ عليهِ التَّطْليقَتَينِ؟ قلتُ: بَلْ يُجيزونَ عليهِ التّطليقتينِ ويُحرِّمونَ عليهِ امْرأتَهُ. قالَ: كذلكَ قُلنَا لكَ نَحنُ نُجيزُ وصِيتَهُ، وقدْ خَالفَ السُّنّةَ وعصَى ربَّهُ، وتَرَكَ الذِي فيهِ الفَضلَ. قلتُ: فمَا تَصنَعُ بقولُ مَن يقولُ، وتَأَوَّلَ قولَ اللهِ تعالىَ: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (1) ؟
__________
(1) - سورة البقرة الآية 182. (1/84)
صفحة 85
... قلتُ: فمَا تَأويلُ ذلكَ؟ قالَ: يَقولونَ سَمِعَ مِن المَيتِ أنّهُ أَوصَى لِآلِ فُلانٍ فَيُحَوِّلُهَا الوَصِيُّ لِآلِ فُلانٍ مِنْ قَومٍ آخَرينَ، فهذَا هُوَ التَّبِديلُ. قلتُ: أمَّا في القِياسِ إنَّ هذَا القَولَ قولٌ قويٌّ، فمَا أَدْرِي أَيُهْدَمُ هذا الأَثرُ أمْ لا؟ قالَ: الأَثرُ في ذلكَ مِنكَ، ومِمَّن خاَلفَكَ غيرَ أنَّا نَقولُ في ذلكَ بِرَأيِنَا –واللهُ أعلمُ- وقَولُنَا قَولُ المسلمينَ تَبَعٌ (1)
(بابُ: قولُ الرجلِ الذِي تَحضُرُهُ الوفاةُ لِامْرَأَتِهِ أوْ لِأُمِّ وَلَدِهِ: لهَا ما أَغْلَقَتْ عليهِ بَابَهَا)
... سَألتُ مَحْبُوبًا عَن رجلٍ تَحضُرُهُ الوفاةُ فيقولُ لأمرَأَتِهِ عندَ مَوتِهِ: لهَاَ مَا أغلَقَتْ عليهِ باَبَهاَ, قلتُ: فَلهَا مَا أَغلَقَتْ عليهِ دَارَهَا؟
قالَ أبُو المُؤَرّجِ عَن مَحْبُوبٍ: ليسَ لهَا مِنْ ذلكَ شيءٌ، إلاّ أنْ يكونَ ذلكَ مِنهُ علىَ غَيرِ وصيةِ الأَقربينَ (2) .
__________
(1) 2- اختلف علماء المذهب في من أوصى لأقاربه الأبعدين، وترك من هو أقرب منهم، فمن يرى أنّ للأقرب الثلثين من تلك الوصية، والثلث لمن أوصى لهم، ويرى آخرون أنّ الوصية جائزة لمن أوصى لهم، ولا يعطي لمن هو أقرب منهم شيء، إذا لم يوص له الميت؛ لأنّ إيصاءه لبعض الأقارب، مسقطا لحق الذين لم يوص لهم بوصية الأقربين، وهذا القول الذي رجّحه الشيخ سالم بن سيف بن حمد الأغبري. (ينظر: أحمد الكندي: المصنف، 28/105؛ سالم بن سيف الأغبري: النظم المحبوب في غاية المطلوب، 1404هـ- 1984م، وزارة التراث القومي والثقافة، ص193؛ أحمد الخليلي: كتاب الفتاوى، 4/40).
(2) - يرى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، أنّ هذه وصية، ولا وصية لوارث إلاّ إذا رضي الورثة، أو كانت عن ضمان لازم شرعا. (ينظر: أحمد الخليلي: كتاب الفتاوى، 4/56). (1/85)
صفحة 86
سُئِلَ عَن مَتاعِ البَيتِ، يقولُ: هوَ لِلمَرأَةِ مَا أَغلَقَتْ عليهِ بَابَهَا، فَهوَ لهَا ليَسَ لِي فيهِ شَيءٌ. قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ: هذِهِ وصيةٌ لَا تَجوزُ لِوارِثٍ، ولَا أرَى هذَا اللَّفْظَ يَصِيرُ إلاَّ إلَى ذلكَ لا مَحَالَةَ.
قُلتُ لأَبِي المُؤَرِّجِ: فإنْ قالَ لأنَّ وَلَدَهُ عِندَ مَوتِهِ: لهَا مَا غَلَقَتْ عليهِ بَابَهَا. قالَ: يَصِيرُ ذلكَ إلَى الثُّلثِ، وكذلكَ قالَ وائِلُ ومحبوبُ عنِ الربيعِ، قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ: إنّمَا أَوصَى هذَا الخَادِمَةَ، فإِذا هوَ ماتَ كانَتْ لِلخادِمِ، ومَا أَوصَى لهضا لِوَرثَةِ الميتِ (1) .
(بابُ: الوصيةُ لِغيرِ المسلمينَ)
... سَألتُ أبَا المؤرّجِ عَن رجلٍ تَحضرُهُ الوفاةُ، فَيُوصِي لِيَهودِيٍّ أو نَصرانِيٍّ، قالَ: لَا بَأسَ بذلكَ، ولَو أَوصَى بهَا إلَى مسلمٍ، لكانَ أَحَبَّ إليَّ، قالَ: وكذلكَ قالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزيزِ (2) .
(بابُ وصيةِ الصبيِّ)
... سَألتُ أبَا المؤرّجِ عَن الغُلامِ الذِي لمْ يَحْتَلِمْ، فُيُوصِي بوصيةٍ، أَتجوزُ وصيتُهُ؟
__________
(1) - يرى الشيخ أحمد بن عبد الله الكندي صاحب المصنف، أنّه لا تثبت هذه الوصية لأم الولد، إلاّ أن يقول بعد موتي لها كذا وكذا، فإن عُتِقت بولدها ثبتت لها الوصية. (ينظر: أحمد الكندي: المصنف، 28/83).
(2) - اختلف علماء المذهب المعاصرين في ذلك، فمنهم من ذهب إلى عدم ثبوت الوصية لليهودي والنصراني من المسلم قياساً على عدم ثبوت الإرث لهم من المسلم، وهو ما يرجحه الشيخ محمد بن شامس البطاشي، وهناك من ذهب إلى جواز الوصية لهم؛ لأنّ الوصية فيها معروف، والمعروف صدفة تجوز في المسلمين، وكذلك في غيرهم من ليسوا بمسلمين. (ينظر: أحمد الكندي: المصنف، 28/153- 154؛ محمد بن شامس البطاشي: غاية المأمول، 7/205). (1/86)
صفحة 87
قالَ: نَعمْ، أخبَرَنِي بذلكَ أبُو عُبيدةَ قالَ: إنَّ وصيتَهُ جائزةٌ، مَا وَافَقَ الحَقّ َوالصّوابَ (1) .
... قالَ أبُو المؤرّجِ: إذَا كانَ لِرجلٍ خَمسَةُ بَنينَ فَأوصَى بِمثلِ نَصيبِ أَحدِهِمْ لِرَجلٍ أَجنَبِيٍّ، وثُلثُ ما بَقِيَ مِنَ الثّلثِ بَعدَ التَّنْصِيبِ للآخَرِ؛ فإنَّ الفَرِيضَةَ مِنْ أحدٍ وخمْسِينَ سَهمًا، الثّلثُ مِن ذلكَ سبعةَ عشَرَ سهماً، ولِصاحبِ النّصيبِ مِن ذلكَ ثمانِيَةُ أَسْهُمٍ، ولصَاحبِ الثّلثِ مَا بَقِيَ مِن الثّلثِ، ثَلاثَةُ أسهمٍ، وتَبقَى سِتّةٌ رَدّهَا إلى الثّلثَيْنِ، فَيكونَ أربَعينَ سهماً بَينَ خمسَةٍ، لِكُلٍّ ثَمانيةُ أسهمٍ. وإذَا كانَ خمسةُ بَنينَ، فأوصَى بِمثلِ نصيبِ أحدِهِم، لِرجلٍ وبِرُبُعِ مَا بقيَ مِن الثلثِ بعدَ التنصيبِ للآخَرِ؛ فإنَّ الفريضةَ مِن تِسعَةٍ وسِتِّينَ سهماً، الثلثُ مِن ذلكَ ثلاثةٌ وعشرُونَ، والنّصيبُ مٍن ذلكَ أَحَدَ عشَرَ سهمًا، وربعُ ما بقيَ ثلاثةُ أسهمٍ، تَبقَى تسعةٌ رَدَّها إلَى الثلثَينِ، فتَكونَ خمسَةً وخمسينَ سهماً بينَ خمسةٍ، لِكُلِّ ابْنٍ أحَدَ عشَرَ سهماً.
__________
(1) - اختلف علماء المذهب في وصية الصبي، فمنهم من ذهب إلى عدم جواز وصيته، كما لا تجوز أفعاله؛ وذلك لأنّ الوصية عقد، والعقد لا يصحّ من الصبي، وممّن ذهب إلى هذا القول الشيخ الشماخي، وذهب آخرون إلى جواز وصية الصبي إذا عقل وعدل في وصيته بمقدار ثلث ماله، وقيل: إلى الخمس، وقيل: ربع ماله فقط. (ينظر: الشماخي: الإيضاح، 7/190؛ محمد بن شامس البطاشي: غاية المأمول، 7/198؛ القطب: شرح النيل، 12/283). (1/87)
صفحة 88
... قالَ أبُو المُؤَرّجِ عَن أبِي عُبيدةَ: أنَّ أبَا بَكرٍ وعُمَرَ –رضيَ اللهُ عنهُمَا- يقُولَانِ: لَأَنْ يُوصِيَ بالخُمُسِ أَحَبُّ إلينَا مِنْ أنْ يُوصِيَ باِلربعِ، ولَأَنْ يُوصِيَ بالرّبعِ أحبُّ إلينَا مِنْ أَنْ يُوصِيَ بِالثّلثِ (1) .
__________
(1) - لم أقف على تخريج هذا الأثر عن أبي بكر وعمر –رضي الله عنهما- إلاّ أنّه قد روي مثل ما ذهبا إليه، من طريق إبراهيم النخعي مبهما الذي أخرجه: ابن عبد الرزاق، كتاب الوصايا، باب كم يوصي الرجل من ماله، 9/67، حديث رقم: 12365؛ ابن أبي شيبة: كتاب الوصايا، باب ما يجوز للرجل من الوصية، 7/306، حديث رقم: 11، حيث إنّ إبراهيم النخعي قد روى هذا الإبهام بصيغة الجمع، فيحتمل أنّه قصد بقوله: "كانوا يقولون..." أبو بكر وعمر وعلي –رضي الله عنهم- حيث إنّه روي عن علي –رضي الله عنه- ذهابه إلى ما ذهب إليه أبو بكر وعمر، فقد أخرج عنه ذلك؛ ابن عبد الرزاق، كتاب الوصايا، باب يوصي المن ماله؟، 9/66، حديث رقم: 16361؛ البيهقي، كتاب الوصايا، باب من استحبّ النقصان عن الثلث إذا لم يترك ورثته أغنياء، 6/442، حديث رقم: 12576، كلاهما من طريق الحارث. كما يؤيد ما ذهب إليه أبو بكر وعمر –رضي الله عنهما- ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: "الثلث والثلث كثير" الذي أخرجه: ابن أبي شيبة، كتاب الوصايا، باب ما يجوز للرجل من الوصية في ماله، 7/305، حديث رقم: 1؛ البيهقي، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، 6/440، حديث رقم: 12569، كلاهما من طريق عامر بن سعد الجبلي الكوفي. (1/88)
صفحة 89
... وأَخبَرَنِي أبُو المُؤرّجِ ومَحبوبُ عَن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ إنَّه سُئلَ عَن إِنسَانٍ أَوصَى بِسَهمِ مِن مَالِهِ، فَقَالَ: أَعطُوا فُلانًا سَهمًا مِنْ مَالِي، ولمْ يُسَمِّ شيئًا. قالَ ابنُ مَسعودٍ: يُعطَى السُّدُسَ (1) ،
وقالَ الربيعُ: إذَا أَوصَى الرجلُ فقَالَ: أَعطُوا فلاناً سهماً مِن مَالِي، ولم يُسَمِّ شيئًا. قالَ الربيعُ: قالَ عمرُ بنُ الخطَّابِ –رضِيَ اللهُ عنْه- أَحْسِبُوا سِهَامَ الفريضةِ، واجْعَلُوا لَه سَهْمًا كَأَحدِهِم (2) .
قالَ عمَرُ بنُ الخَطَّابِ: إذَا أَوصَى الرجلُ بِوَصِيتينِ، فالآخِرَةُ مِنهُمَا أَمْلِكُ، وهيَ أَحَقُّ أنْ يُؤْخَذَ بهَا. (3)
(بابُ كيفيَّةِ قسمةِ الثُّلثِ بينَ الذِينَ أَوصَى لهُم)
... قَالَ أَبُو المُؤَرِّج وقالَ أبُو عُبيدةَ: إذَا قالَ الرجلُ ثُلثُ مَالِي لِفُلَانٍ، وآلِهِ وللمساكينَ؛ فَإنَّ لِفُلانٍ نِصفُ الثُّلثُ، وللمَسَاكِينَ نِصفُهُ، وكذلكَ إذَا قالَ: ثُلثُ مَالِي لِفلانٍ، وللحَجِّ، فإنَّ لفُلانٍ نصفُ الثلثِ، وللحجِّ نصفُهُ.
__________
(1) - أخرجه بن أبي شيبة، كتاب الوصايا، باب الرجل يوصي للرجل بسهم من ماله، 6/392، حديث رقم: 151، من طريق هلال بن بلال الفزاري.
(2) - لم أوفق على تحريج هذا الأثر عن عمر بن الخطاب إلاّ أنّه روي مثل هذا الأثر الذي ذُكر عن عمر بن الخطاب عن شريح قاضي عمر، حيث أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الوصايا، باب في الرجل يوصي للرجل بسهم من ماله، 7/292، حديث رقم: 1، من طريق يسار بن أبي كريب.
(3) - أخرجه بن أبي شيبة، كتاب الوصايا، باب في الرجل يوصي بالوصية ثم يوصي بأخرى بعدها، 7/284، حديث رقم: 5، من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . (1/89)
صفحة 90
... قالَ محبوبُ: وكذلكَ إذَا أَوصَى فقالَ: حُجُّوا عَنِّي حَجّةً، وأَعتِقُوا عنِّي نَسَمَةً (1) ، فإِنْ كانَ الثلثُ يبلُغُ ذلكَ فَأَمضُوهُ في ذلكَ، وإنْ لم يبْلغْ ذلكَ بُدِئَ بالحجِّ؛ لأَنَّهُ فريضةٌ، وإنْ بُدئَ بالنَّسَمَةِ قَبلَ الحجِّ بُدئَ بهَا، وإنْ كانَ حجةُ الإسلامِ بُدئَ بهَا؛ لأنَّها حجةُ الإسلامِ فريضةٌ (2) .
... وإذَا أَوصَى الرجلُ بشاةٍ ثُمَّ ذَبَحَهَا أو بَاعَهَا، فهذَا رَجْوع منهُ فِي الوصيةِ؛ لأنَّهُ ذبحَهَا، وكذَا لوْ أوصَى بِقَميصٍ ثُمّ لَبِسَهُ أوْ بَاعَهَ فإنَّ ذلكَ رَجْوُهُ منهُ في الوصيةِ.
... (بابُ الوصيةِ بأَكثَرَ مِن الثلثِ)
__________
(1) - النسمة هي: المملوك. (ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 14/1249؛ المنجد، ص807).
(2) - يرى سماحة الشيخ أحمد الخليلي أنّ الحجّة تدخل ضمن الوصايا بالمحاصصة، فيقسم ثلث ماله قسمين، قسم للحجة، والقسم الآخر يعتق به الرقبة، هذا إذا كان المال كافيا للحج والعتق، وأمّا إذا لم يكن كافيا فبدلاً من أن يكون السفر من داره، يؤجر لها من يسافر إليها من حيث تكفي النفقة كالمدينة المنورة مثلا ويستسعى العبد فيما بقي عليه من الثمن ليتمكن من عتق نفسه. (ينظر: سماحة الشيخ: كتاب الفتاوى، 4/84). (1/90)
صفحة 91
... وعَن رجلٍ يوصِي لرجلٍ عندَ موتِهِ بمائَةِ دينارٍ، ولرجلٍ آخرَ بمائَةِ دينارٍ سَلَفًا، يَضرِبُ بهَا إلَى الحولِ، وثلثُ مالِهِ مائَةُ دينارٍ، قالَ: الوصيةُ جائزةٌ، وليسََ لهُ في السلفِ قَضاءٌ (1) ، وفي رجلٍ يَعتِقُ في وصيتِهِ، ويتَصدَّقُ ويصلُ قرابتَهُ، فيَعَجِزُ الثلثُ عن ذلكَ، قالَ: يَقْسِمُ الثلثَ بينَ أهلِ الوصيةِ جميعاً، لكُلِّ إنسانٍ منهُم بِقَدْرِ حصَّتِهِ مِن الثلثِ، ويَرُدّونَ ما بَقِيَ مِن أَثمانِهِم علَى الورثَةِ، وعلى أهلِ الوصيةِ، ثُمَّ هُم أحرارٌ.
... وعَن رجلٍ أَوصَى عندَ وَجَعِهِ الذِي ماتَ فيه يَعتِقُ عبدَينِ مِن عَبيدِهِ عَن تَدبيرِ، ثُمّ تكلَّمَ فِيهمَا قَبلَ موْتِهِ، فجعَلَ علَيهِمَا مائَةَ دينارٍ أو أَقَلَّ أو أَكثَرَ، حتَّى جعَلَهُمَا حُرَّينِ، ثُمّ بَعدَ ذلكَ رَجعَ عَن الأمرِ الأولِ، قالَ: ليسَ عليهِ أنْ يَرجعَ عَن الأمرِ الأوَّلِ، وما جعلَ عليهِمَا بَاطِلٌ، وهُمَا حُرَّانِ حِينَ ماتَ. واللهُ أعلمُ (2) .
(بابُ الوصيةِ بالمنَافِعِ)
__________
(1) - يرى الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي أنّ الوصية للرجل بمائة دينار جائز، أمّا الوصية بالمائة الأخرى سلفاً مضاربة إلى الحول، فهي باطلة؛ لأنّ الميت لأه أن يضارب في حياته، وأمّا بعد موته فالمال ينتقل للورثة. (عبارة عن سؤال وجهته للشيخ سعيد القنوبي بمكتب الإفتاء، يوم الاثنين بتاريخ: 13/ 2 / 2006م).
(2) - يرى سماحة الشيخ أحمد الخليلي أنّ الوصية بالعتق عن تدبير، ليس للوصي أن يرجع عنها؛ لأنّ التدبير إنّما يكون بعد موت الموصي بخلاف العتق الذي يصحّ له الرجوع عنه. (عبارة عن سؤال وجهته للشيخ بمكتب الإفتاء، يوم الاثنين بتاريخ: 6/ 2 / 2006م). (1/91)
صفحة 92
... وإذَا أَوصَى الرجلُ لرجلٍ بِسُكْنَةِ دارٍ، وبِخِدْمَةِ عَبْدٍ، وبِنخْلَةِ بُستَانٍ، أو أرضٍ، وذلكَ ثلثُهُ، أو أقلُّ، فإنَّ ابنَ عبدِ العزيزِ والربيعَ بنَ حبيبٍ كانَا يقولَانِ: ذلكَ جائزٌ، وبهِ نَأخُذُ (1) . وكانَ ابنُ عَبَّادٍ يقولُ: لَا يجوزُ ذلكَ، والوَقتُ في ذلكَ وغيْرُ الوقتِ سواءٌ (2) .
... (بابٌ آخرُ: فِي إجازةِ الورثَةِ للمُوصِي الإيصاءَ بِأكثرَ مِن الثلثِ)
... وإذَا أوصَى الجلُ بأكثرَ مِن الثلثِ فأجازَ ذلكَ الورثةُ في حيَاتِه ِوهُمْ كِبارٌ، ثُمّ رجلٌ فِيهَا بعدَ موتِهِ، فإنَّ ابنَ عبدِ العزيزِ لا يُجَوِّزُ تلكَ الوصيةَ، ولهُم أنْ يَرُدُّوهَا؛ لأنّهُم أَجَازُوهَا وهُم لَا يَملِكُونَ المالَ، قالَ: وكذلكَ بَلَغَنَا عَن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ (3) . وعَن شُرَيْحٍ (4) .
__________
(1) - هذا قول القطب.
(2) - ذهب أكثر علماء المذهب إلى جواز الوصية بالمنافع؛ لأنّها المقصودة من نفس المال، كما أنّ أحاديث العمرى والرقبى نص على جوازها. (ينظر: القطب: شرح النيل، 12/306؛ محمد بن شامس البطاشي: غاية المأمول، 7/198).
(3) - أخرجه ابن أبي شيبة: كتاب الوصايا، باب في الرجل يستأذن ورثته أن يوصي بأكثر من الثلث، 9/283، حديث رقم: 9، من طريق وكيع؛ وكذلك أيضا في كتاب الوصايا، باب ما يجوز للرجل من الوصية، 9/306، حديث رقم: 11، من طريق معاوية.
(4) - أخرجه: عبد الرزاق، كتاب الوصايا، باب وصية الرجل يستأذن ورثته في الوصية، 7/86، حديث رقم: 16449،
ابن أبي شيبة، كتاب الوصايا، باب في الرجل يستأذن ورثته أن يوصي بأكثر من الثلث، 7/282، حديث رقم: 2؛ وكذلك في صفحة: 283، حديث رقم:10، كلاهما من طريق الشعبي. (1/92)
صفحة 93
(1) وبهِ نَأخُذُ (2) .
وكانَ الربيعُ يقولُ: إِجاَزَتُهُم جائزَةٌ عليهِم، ولَا يَستَطيعونَ أنْ يَرجِعُوا في شَيءٍ مِنهَا. ولوْ أَجازُوهَا بعدَ موتِهِ، ثُمّ أرَادُوا أنْ يرجعُوا فِيهَا قَبلَ أنْ يَتَّخذُوا الوصيةَ، لمْ يكُنْ لَهُم ذلكَ، وكانَتْ إجَازَتُهُم غيرَ جائِزَةً في قَولِهِم جميعاً (3) .
(بابٌ: تزاحم الوصايا)
__________
(1) - هو شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية، وقيل: شريح بن الحارث بن المنتجع بن معاوية بن ثور بن عفير بن عدي الكندي، أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يلقه، وقيل: لقيه، استقضاه عمر بن الخطاب على الكوفة، فقضى بها أيام عمر وعثمان وعلي –رضي الله عنهم- إلى أيام الحجاج، كان أعلم الناس بالقضاء، وكان شاعرا محفظا في معان حسان، توفي سنة سبع وثمانين، وله مائة سنة، وقال أبو نعيم: مات سنة ست وسبعين، والراجح هو سبع وثمانين للهجرة، كما رجحه ابن عبد البر. (ينظر: أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق: علي محمد البجاوي، (ط1، 1412هـ- 1992م، دار الجيل، بيروت)، 2/701؛ عز الدين بن الأثير: الإصابة في معرفة الصحابة، ط1، 1417هـ- 1996م، دار إحياء التراث العربي)، 2/595).
(2) - هذا قول القطب.
(3) - اختلف الإباضية المعاصرين في هذه المسألة، كما سبق ذكر ذلك في باب إجازة الورثة للموصي الإيصاء بأكثر من الثلث. (1/93)
صفحة 94
... وإذَا أوصَى الرجلُ بالثلثِ مالِهِ لرجلٍ، وبِمَالِهِ كلِهِ لآخرَ، فَردَّ الورثةُ ذلكَ كلَّهُ إلى الثلثِ، فإنَّ ابنَ عبدِ العزيزِ كانَ يقولُ: الثلثُ بينَهُمَا نصفَانِ، ويقولُ: لا يَضُرُّ صاحِبُ الجميعِ بِحِصّةِ الورثَةِ مِنَ المالَ، وقولُ العامةِ مِنْ أصحابِنَا: أنَّ الثلثَ بينَهمَا علَى أرْبَعَةِ أسهُمٍ، يُضرَبُ صاحبُ الجمِيعِ بثَلاثَةِ أسهمٍ، ويُضرَبُ صاحِبُ الثلثِ بِسهمٍ واحِدٍ، وبِهِ نَأخُذُ (1) . (2)
... باب ُالوَصِيِّ
... ولَو أنَّ رجلاً أَوصَى إلى رجلٍ فَماتَ المُوصَى إليهِ، فأوصَى إلى رجلٍ آخرَ، فإنَّ ابنَ عبدِ العزيزِ كانَ يقولُ: هذَا الآخرُ وَصِيُّ الرّجُلَينِ جميعاً.
وبهِ نأخُذُ (3) . وكانَ الربيعُ يقولُ: هذَا وَصِيُّ الذِي أوصَى إليهِ، ولا يكونُ وصِيُّ الأولِ إلاّ إذا كانَ الآخرُ أوصَى إليهِ بوَصيةِ الأولِ لا يكونُ وصِيَّهُما جميعاً (4) . (5)
__________
(1) - قول القطب.
(2) - يرى سماحة الشيخ أحمد الخليلي أنّ منأوصى لفلان بماله كلّه، ولآخر بمثله؛ فإنّ الوصية هنا تردّ إلى ثلث المال فيقسم بينهما بالمحاصصة إلى أربعة أسهم، فيعطي من أوصى له بكلّ المال ثلاثة أسهم، ولمن أوصى له بالثلث سهم واحد. (ينظر: سماحة الشيخ: كتاب الفتاوى، 4/84، 376).
(3) - قول القطب.
(4) - علّق القطب على هذه الجملة (لا يكون وصيّهما جميعا) على هامش المخطوطة فقال: لعله فيكون وصيّهما جميعا، وقوله: لا يكون غلط من الناسخ فالعلم عند الله.
(5) - يوافق الشيخ سعيد القنوبي رأي الربيع في أنّ الرجل الآخر يكون وصي الذي أوصى إليه. (عبارة عن سؤال وجهته للشيخ سعيد القنوبي بمكتب الإفتاء، يوم الاثنين بتاريخ: 13/ 2 / 2006م). (1/94)
صفحة 95
... ولوْ أنَّ وَصِيَّ اليتَامَى يَتَّجِرُ لهُم بِأمْوَالٍ فدفَعَهَا مُضَارَبَةً، فإنَّ ابنَ عبدِ العزيزِ يقولُ في ذلكَ: جائزٌ عليهِم ولهُم، وكانَ الربيعُ يقولُ: لا يجوزُ عليهِم والوَصِيُّ ضامِنٌ لذلكَ، وقالَ الربيعُ: علَى اليتامَى الزكاة في أموالِهم ما بَلَغَتْ (1) .
... ولوْ أنَّ وصِيَّ الميتِ ورَثَُتُهُ صغارٌ وكبارٌ، ولا دَينَ علَى الميتِ، ولم يُوصِ بشيءٍ، باعَ عَقَاراً مِن صغارِ الميتِ، فإنَّ ابنَ عبدِ العزيزِ كانَ يقولُ: بَيعُهُ جائزٌ على الصغيرِ والكبيرِ، وأمَّا يقولُ: بيعُهُ جائزٌ على الصغيرِ، ولا يجوزُ على الكبيرِ إذا باعَ ذلك فيما لابُدَّ منهُ، وكانَ ابنُ عَبَّادٍ يقولُ: بيعُهُ جائِزٌ علَى الصغيرِ في كلِّ شيءٍ، كانَ منهُ بدَأَ أو لم يَكُنْ، ولا يُجْبَرُ الكبارُ في شيءٍ مِنَ العقَارِ. واللهُ أعلمُ.
المبحث الثالث: كتاب الشهادة
كتاب الشهادة
(باب شهادة النساء)
... قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أُبَلِّغُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: "لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ ذِي الظِنَّةِ وَلاَ ذِي الحِنَّةِ" (2) ؟
__________
(1) - يذهب الشيخان عامر بن علي الشماخي وأحمد بن حمد الخليلي أنّ على الوصي الضمان، وليس له شيء في الحكم، وله عناؤه فيما بينه وبين الله؛ وذلك لأنّه اتّجر بمال غيره بغير إذنه. (ينظر: الشماخي: الإيضاح، 4/18؛ سؤال وجهته للشيخ بمكتب الإفتاء، يوم الاثنين بتاريخ: 6/ 2 / 2006م).
(2) 1- هذا الحديث رواه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - : أبو هريرة، والسيدة عائشة، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وإسحاق بن راشد، وعبد الرحمن بن فروخ.
أما حديث أبو هريرة فقد أخرجه: ابن عبد الرزاق: كتاب الشهادات، باب من لا يُقبل متهم ولا جار إلى نفسه ولا ظنين، 8/32، حديث رقم: 15365، بلفظ مخالف.
الحاكم في المستدرك: كتاب الأحكام، باب لا تجوز شهادة ذي الظنة ولا ذي الحنة، 4/99، بلفظ مخالف، وقال الحاكم: حديث حسن صحيح على شرط مسلم، وقال الزهري مرفوعا.
أما حديث السيدة عائشة فقد أخرجه: الترمذي: كتاب الشهادات، باب ما جاء فيمن لا تجوز شهادته، 4/31، حديث رقم: 2298، بلفظ مخالف، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن زياد الدمشقي، ويزيد يُضعّف في الحديث، وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فقد أخرجه: أبو داود: كتاب الأقضية، باب من ترد شهادته، 3/306، حديث رقم: 3600، وقد رواه بالمعنى.
ابن ماجه: كتاب الأحكام، باب من لا تجوز شهادته، 2/792، حديث رقم: 2366، بلفظ مخالف.
أحمد بن حنبل: مسند عبد الله بن عمرو، 2/377، حديث رقم: 6659 بلفظ مخالف، وكذلك 2/414، حديث رقم: 686، بلفظ مخالف.
ابن عبد الرزاق: كتاب الشهادات، باب من لا يقبل متهم ولا جار إلى نفسه ولا ظنين، 8/320، حديث رقم: 15364، بلفظ مخالف.
الدارقطني: كتاب الأقضية والأحكام وغير ذلك، 2/159، حديث رقم: 4554، بلفظ مخالف، وكذلك حديث رقم: 4555، بلفظ مخالف، وإسناده ضعيف.
البيهقي: كتاب الشهادات، باب من قال لا تقبل شهادته، 10/261، حديث رقم: 20568، وكذلك حديث: 25569، كلاهما بلفظ مخالف.
وأما حديث إسحاق بن راشد فقد أخرجه: ابن عبد الرزاق: كتاب الشهادات، باب من لا يقبل متهم ولا جار إلى نفسه ولا ظنين، 8/319، حديث رقم: 15362، بلفظ مخالف.
وأما حديث عبد الرحمن بن فروخ فقد أخرجه: ابن عبد الرزاق: كتاب الشهادات، متهم ولا جار إلى نفسه ولا ظنين، 8/321، حديث رقم: 15366، بلفظ مخالف. (1/95)
صفحة 96
قَالَ: بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنِ الثِّقَةِ، قُلْتُ: فَمَاذَا وَالظِّنَّة؟ قَالَ: المُتَّهَمُ، قُلْتُ: مَاذَا وَالحنَّة؟ قَالَ: الحنَّة التِي تَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، قُلْتُ: مَاذَا وَالجِنَّةُ؟ قَالَ: الجِنَّةُ الجُنُونُ.
... سَأَلْتُ أَبَا المُؤَرِّج عَنْ شَهَادَةِ النِّسَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنَّهَا جَائِزَةٌ فيِ كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ فِي فَاحِشَةِ الزِّناَ. قَالَ أَبُو المُؤَرِّج: كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُجِيزُ شَهَادَةَ المَرْأَةِ وَحْدَهَا فيِ النُّفَسَاءِ وَفِي العَذْرَاءِ (1) ، وَفيِ الرَّتْقَاءِ (2) ، وَالرَِضَاعِ، وَفِيمَا لاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرَهُنَّ.
... قَالَ ابْنُ عَبدِ العَزِيزِ: أُجِيزَ شَهَادَتُهُنَّ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْتُ إِلَا فِي الرِضَاعِ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ ولَيسَ كَبَاطِنِ مِمَّا يَخْفَى علَى الرِّجَالِ مِمَّا لَا يَراهُ إِلَّا النِّساءُ، والرَّضاعُ ظَاهِرٌ يُرَى.
__________
(1) - هي المرأة البكر التي لم يمسها الرجل. (ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 10/77؛ المنجد في اللغة ص 494).
(2) - المرأة المنضمة الفرج التي لا يكاد الذكر يجوز فرجها لشده انضمامه. (ينظر: إسماعيل بن حماد الجوهري: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطّار، ط3، 1404 هـ، 1984م، دار العلم للملايين، 4/1480؛ ابن منظور: لسان العرب، 6/96). (1/96)
صفحة 97
قَالَ ابنُ عبدِ العزِيزِ: ولَمْ أُخَاِلفْ أَبَا عُبَيْدَةَ فِي ذَلكَ بِرأْيٍ كَانَ مِنِّي، ولَكِنِّي أَخذْتُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ مِنَ الفُقَهَاءِ مِمَّنْ نَظَرُهُ أَعْدَلُ عِنْدِي وأَحْسَنُ منَ الأَولِ. (1)
(بابُ شَهَادةُ الصِّبْيانِ)
__________
(1) - أجمع علماء المذهب المعاصرين على أن شهادة النساء وحدهن تجوز في كل ما يمنع على الرجال مباشرته كالرتق والعفن والعذرة وكفض البكارة وغير ذلك مما يمنع على الرجال مباشرته، ومنهم من أجاز شهادتهن وحدهن أيضا في الرضاع، ومنهم الآخر لم يذكره ضمن ما يباح للنساء الشهادة فيه وحدهن دون الرجال، وهذا قد اختلف في عدد النساء اللائي تقبل منهن الشهادة، فقيل: أربع نسوة مقام رجلين، وقول أقله امرأتان مقام شاهد، وقيل: تجزي واحدة للحجة. (ينظر أبو إسحاق إبراهيم اطفيش: مختصر الخصال، (د، ط، 1404 هـ- 1984م) وزارة التراث القومي والثقافة، ص 197، أبو بكر أحمد الكندي: المصنف، 15/75، محمد البطاشي: غاية المأمول في الفروع والأصول، 8/47، عبد العزيز الثميني: التاج المنظوم، 7/250). (1/97)
صفحة 98
... سَأَلْتُ أَبَا المُؤَرِّجِ عنْ شَهَادَةِ الصِّبيَانِ قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ عنْ جَابرٍ بْنِ زَيْدٍ عنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسُوا مِمَّنْ تَرضَوْنَ منَ الشُّهَدَاءِ (1) ، قالَ أَبُو المُؤَرِّجِ: قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ رَأْيًا مِنْهُ لَا يَنْسِبُهُ إلَى غَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يَكونُوا اسْتَشْهَدُوا وهُمْ صِغَارٌ، فَحفِظُوهَا ثُم أَدَّوْهَا وهُم صِغَارٌ، فَرَدَّهُمْ القَاضِي لِصِغَرِ سِنِّهِمْ، فَشَهِدُوا بهَا وهُم كِبَارٌ، لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ ولَمْ يُقْطَعْ بهَا. قالَ وقالَ عبدُ اللهِ بْنُ عبدِ العزِيزِ: وقَدْ جاءَ فِي ذلكَ اخْتِلَافٌ منَ الفُقَهَاءِ والأَنْصَافِ (2) ، والِإخْبَارُ بِالعدْلِ إِنَّهُمْ لَمْ يُرَدُّوا فِي صِغَرِ سِنِّهِمْ بِعَيْبٍ يُطْعَنُ بِِِهِ علَيهِمْ وتَفْسُدُ بهِ شَهَادَتُهُمْ، وليسَ العِلَّةُ مِنَ القَاضِي فِي رَدِ شَهَادَتِِهِمْ إِلَّا الصِّغَرُ، (فَمِنَ العَدْل) (3) ِ فَصَارُوا فِي المَنْزِلَةِ التِي يَقْطَعُ بِشهَادَتِهِمْ قَبُولُهَا إِذَا كانُوا عَدْلًا لِهَذَا، واللهِ العَدْلُ عِندِي في رَأْيِي واللهُ أَعْلَمُ، فَانْظُرْ في ذَلكَ.
__________
(1) - أخرجه البيهقي في السنن: كتاب الشهادات، باب من رد شهادة الصبيان ومن قبلها في الجراح، 10/273، حديث رقم: 20611؛ ابن أبي شيبة: كتاب الشهادات والبيوع والأقضية، باب في شهادة الصبيان، 5/120، حديث رقم: 3، كلاهما من طريق عبد الله بن أبي مليكة.
(2) - بمعنى العدول. (ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 10/77؛ المنجد في اللغة، ص494).
(3) - زيادة على الأصل. (1/98)
صفحة 99
... قالَ ابْنُ عبْدِ العزِيزِِ: وكَذَلِكَ العَبْدُ إذَا شَهِدَ{فشهادته} (1) مِثلُ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ في الحالِ الذِي لَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتِهِ مِنَ الرِّقِ الذِي فيهِ لَا مِنْ عِلَّةٍ سٍوَاهُ، قالَ: وكَذلِكَ المُشِرِكُ في حالِ شِرْكِِه، ولَا تُنْصِفُ القُضَاةُ بِاتِّبَاعِ النَّاسِ فِي أَقَاوِيلِهِمْ حتَّى يَخْتَارُوا ويَنظُُرُوا ويَجتَهِدُوا، واللهُ فِي إِصَابَةِ الحَقِّ والقَضَاءِ والعدْلِ والتَّخْيِيرِ فِي أَقَاوِيلِ الفَُقَهَاءِ (2) .
(بابُ اخْتِلَافِ الدِّينِ فِي الشَّهَادَةِ)
... سَأَلْتُ أبَا المُؤَرِّجِ عَنْ شَهَادَةِ اليَهُودِيِّ علَى اليَهودِيِّ وشَهَادَةِ النَّصْرَانِيِّ علَى النّصرانِيِّ، وشّهادَةِ النّصرانِيِّ علَى اليَهُودِيِّ، وشَهادَةِ اليَهودِيِّ علَى النّصرانِيِّ، قالَ: تَجُوزُ شهادَةُ اليَهودِيِّ علَى اليَهودِيِّ وشَهادَةُ النّصرانِيِّ علَى النّصرانِيِّ، ولَا تَجوزُ شَهادَةُ اليَهودِيِّ علَى النّصرانِيِّ ولَا شَهادَةُ النّصرانِيِّ علَى اليَهودِيِّ، ولَا تَجوزُ شَهادَتُهُمْ علَى المُسْلِمِينَ، وتَجوزُ شَهادَةُ المُسلِمينَ علَيْهِمْ جَميعًا.
__________
(1) - زيادة يقتضيها السياق.
(2) - أجمع أصحاب المذهب المعاصرين على عدم جواز شهادة الصبيان إلا إذا شهد الصبي على صبي مثله ولم يوجد غيره، ولم يلق من يعلمه، ففي هذه الحالة تقبل شهادته، ولكنهم اختلفوا فيما إذا شهد الصبي فرده القاضي بصغره، هل تقبل منه إذا بلغ وأراد أن يؤديها أم لا؟ في ذلك قولان: فمنهم من أجاز ومنهم من منع، ولقد رجح صاحب المصنف أحمد بن عبد الله الكندي جوازها وقبولها منه إذا أداها لما بلغ. (ينظر: أحمد الكندي: المصنف، 15/65؛ عبد العزيز الثميني: التاج المنظوم، 7/246؛ محمد بن شامس البطاشي: غاية المأمول، 8/48- 54). (1/99)
صفحة 100
... قالَ أُبُو المُؤَرِّجِ: حَدَّثَنِي أبُو عُبَيْدَةَ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ حَرْفًا بِحَرْفٍ، قالَ: وكَذلِكَ رَوَى لِي وَائلٌ ومَحْبُوبٌ عنِ الرَّبِيعِ قالَ: وكَذلِكَ قالَ أبُو غَسَّانٍ، قالَ ابْنُ عبْدِ العزِيزِ: شَهَادَتُهُمْ جَمِيعًا جائِزَةٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعضٍ، ولَا تُقْبَلُ شَهادَتُهُمْ علَى المُسلمِينَ، وتُقْبَلُ شَهادَةُ المُسلمينَ عَليْهِمْ جَمِيعًا. (1)
(بابُ شَهادَةِ الأَقْلَفِ والأَصَمِّ)
... سَأَلْتُ أبَا المُؤَرِّجِ عنْ شَهادَةِ الأَقْلَفِ، قالَ: حَدَّثنِي أبُو عُبَيْدَةَ عنْ جَابرِ بْنِ زَيْدٍ عنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهادَةُ الأَقْلَفِ.
__________
(1) - انعقد الإجماع بين فقهاء المذهب المعاصرين على عدم جواز شهادة أهل الكتاب على المسلمين، بينما تجوز شهادة المسلمين عليهم، ولكنهم اختلفوا في قبول شهادة أهل الكتاب على بعضهم بعض، فمنهم من قال: لا تجوز شهادة اليهودي على النصراني أو العكس، والبعض قال بالجواز، واحتجوا لذلك بأن الشرك كله ملة واحدة، وإلى هذا القول ذهب الشيخ محمد بن شامس البطاشي. (ينظر: الشيخ أحمد الكندي: المصنف، 15/84، 91؛ الشيخ سيف ابن محمد الأغبري: فتح الأكمام على الورد البسام في رياض الأحكام (د.ن 1380هـ)؛ محمد بن شامس البطاشي: غاية المأمول، 8/45، 52). (1/100)
صفحة 101
قالَ: وقالَ عَبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزِيزِ: بَلَغَنَا عنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الفُقَهاءِ أَنّهُمْ قالُوا: إِنْ كانَ إِنّمَا مَنَعَهُ مِنَ الِاخْتِتَانِ الكِبَرُ أوْ مِنْ عِلَّةٍ يَخَافُ علَى نَفسِهِ فِيهَا الهَلَكَ فَشَهادَتُهُ جَائِزَةٌ، وإنْ كانَ إنَّمَا فَعَلَ ذَلكَ مُتَعَمِّدًا لِتَرْكِ السُّنَّةِ فَلَا تَجُوزُ شَهادَتُهُ ولَا وَلَايَتُهُ (1) .
... قُلْتُ لِأَبِي المُؤَرِّجِ: فَشَهادَةُ الأَصَمِّ فَلمْ يُجِبْنِي أَبو المُؤَرِّجِ فيهَا بِشَيْءٍ، وقالَ: اللهُ أَعْلَمُ.
قالَ: وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزِيزِ: إذَا كانَ لايَسْمَعُ الأَصْوَاتَ فَلا تَجُوزُ شهادَتُهُ (2) .
(بابُ الشّهادَةِ علَى الشّهادَةِ)
... قُلتُ لأبِي المُؤَرِّجِ: فالشّهادَةُ علَى الشّهادَةِ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو عُبَيْدَةُ إِنَّهُ قالَ: علَى الميِّتَ وَاحِدٌ وعلَى الحَيِّ اثْنَانِ.
__________
(1) - ذهب بعض علماء المذهب المعاصرين إلى أن شهادة الأقلف لا تجوز، وممن ذهب إلى ذلك صاحب المصنف أحمد بن عبد الله الكندي، بينما قال آخرون: عدم جواز شهادة الأقلف إذا لم يكن له عذر يمنعه عن الاختتان، أما إذا كان له عذر يمنعه من ذلك فله أن يشهد. وممن ذهب إلى هذا القول الشيخ محمد بن شامس البطاشي والشيخ عبد الله بن حميد السالمي، هذا فيما يخص الأقلف الذكر أما الأنثى فقد أجمعوا على جواز شهادتها ولو لم تختتن. (ينظر: أحمد بن عبد الله الكندي: المصنف، 15/68؛ الإمام عبد الله بن حميد السالمي: معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، 1404هـ- 1984م، وزارة التراث القومي والثقافة، 1/198؛ محمد البطاشي: غاية المأمول، 8/49).
(2) - يرى الشيخ محمد بن شامس البطاشي أن الأصم يشهد في الأفعال. (ينظر: محمد بن شامش البطاشي: غاية المأمول، 8/45). (1/101)
صفحة 102
... قال أبُو المؤَرّجِ: قالَ أبُو عُبيْدةَ: لأنَّ المَيّتَ لَا يَرْجِعُ ولَا يُجْحَدُ، وِأنّ الحيَّ إذَا رجَعَ شَهِدَ علَيهِ الشُّهودُ. قالَ أبُو المؤَرّجِ: وكانَ ضَمَّامُ (1) ، يُخَالِفُهُ في ذلكَ ويقولُ: رجُلٌ بِرجلٍ، وجَامَعَهُ علَى ذلكَ غيْرُ واحِدٍ مِنَ الفُقَهَاءِ.
... قالَ ابنُ عبدِ العزِيزِ: قَوْلُ أبُو عبَيدَةَ في هذَا أحَبُّ إِلَيَّ غيْرَ أَنِّي أُخالِفُهُ في الميّتِ أيضًا، فلا أُجيزُهُ في حَيٍّ ولا ميّتٍ إِلاّ بِاثْنَيْنِ؛لأنّ الشّهادَةَ حَقٌّ لِمنْ قامَ بهَا ولَا يّقْطَعُ لِمنْ قامَ بهَا بِأَقَلِّ مِنْ اثنَينِ (2) .
(بابُ خَيْرِ الشُّهَداءِ)
... قُلتُ لِأَبي المؤَرّجِ: الرجُلُ تَكُونُ عِنْدُه الشّهَادةُ لِرجلٍ لاَ يعْلَمُ بهَا ذلكَ الرجُلُ أَيُخْبِرُهُ بهَا؟
... قالَ: سُئِلَ عنْ ذلكَ أبُو عُبيدَةَ فَقالَ: نَعَمْ يُخْبِرُهُ بِهَا؛ لأنّهُ لا عِلْمَ لهُ بهَا، ولوْ عَلمَ بهَا عندَهُ لَسَأَلَهُ إِيَاهَا.
__________
(1) - سبق التعريف به.
(2) - الأكثر من علماء المذهب يذهبون أنه لا يجزي عن شهادة الحي أو الحية إلا رجلان أو رجل وامرأتان، ويوجد قول آخر أنه يجوز أن يشهد على كل واحد من شاهدي الأصل شاهد فرع، فيشهد شاهد فرع عن شاهد أصل.
أما الشهادة عن الميت فقد اختلفوا في ذلك، فقد قيل: إن المرأة الميتة تجزي عن شهادة امرأة وكل من قام مقامه واحد، وقيل: لا يجوز عن الميتة إلا رجل واحد وامرأتان، وذلك لأنه لا يجتمع الشاهدان ولا تكون شهادة شاهد إلا رجل وامرأتان. (ينظر: محمد بن عبد الله بن عبيدان: جواهر الآثار، 1406هـ- 1986م، وزارة التراث القومي والثقافة، 17/106؛ أحمد الكندي: المصنف، 15/182- 183؛ أبو جعفر محمد بن جعفر الأزكوي: الجامع لأبي جعفر، 1414هـ- 1994م، وزارة التراث القومي والثقافة، 4/26، أبو إسحاق إبراهيم بن قيس: مختصر الخصال، 1404هـ- 1984م، وزارة التراث القومي والثقافة، ص 199. (1/102)
صفحة 103
... قالَ: وكذلكَ قالَ ابنُ عبدِ العزِيزِ: قالَ وقالَ حَاتِمُ بنُ منصُورٍ: بَلَغَنَا عنْ الحَسَنِ رَفْعُ الحدِيثِ إلَى النّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ أنّهُ قالَ: "خَيرُ الشّهداءِ الذِي يَأْتِي بِالشّهادَةِ قَبْلَ أنْ يُسْأَلَ عَنهَا" (1) ،
__________
(1) - لم أقف على تخريج هذا الحديث من طريق الحسن البصري إلا أنه قد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن خالد الجهني وإسحاق بن عسى وإبراهيم بن ميسرة؛ أما حديث زيد بن خالد الجهني فقد أخرجه: مسلم: كتاب الأقضية، باب خير الشهود، ص 682، حديث رقم: 1719، بلفظ مخالف.
أبو داود: كتاب الأقضية، باب في الشهادات، 3/304، حديث رقم: 35960، بلفظ مخالف، الترمذي: كتاب الشهادت، باب ما جاء في الشهداء أيهم خير؟ 4/678، الحديث رقم: 2295، وكذلك 4/279، الحديث رقم: 2297، كلاهما بلفظ مخالف، إلا أن الحديث رقم 2297 قال عنه الترمذي: حسن غريب.
النسائي: السنن الكبرى: كتاب القضاء، باب من خير الشهداء؟ 5/442، الحديث رقم: 5985، بلفظ مخالف.
ابن ماجه: كتاب الأحكام، باب الرجل عنده الشهادة لا يعلم بها صاحبها، 2/792، الحديث رقم: 2364، بلفظ مخالف،
الإمام مالك: كتاب الأقضية، باب ما جاء في الشهادات، ص 511، الحديث رقم: 1399، بلفظ مخالف،
الإمام أحمد بن حنبل: مسند زيد بن خالد الجهني، 5/91، الحديث رقم: 16594، وكذلك: 5/93، الحديث رقم: 16599، كلاهما بلفظ مخالف،
ابن عبد الرزاق: كتاب الشهادات، باب هل يؤدي الرجل شهادته قبل أن يسأل عنها، 8/364، الحديث رقم: 15557، بلفظ مخالف،
أبو عوانه في مسنده، 4/171، الحديث رقم: 6411، بلفظ مخالف، الطبراني في الكبير، 5/432، الحديث رقم: 1582، بلفظ مخالف،
البيهقي: كتاب الشهادات، باب ما جاء في خير الشهداء، 10/268، الحديث رقم: 2059، بلفظ مخالف،
ابن حبان: كتاب الشهادات، باب ذكر استحباب إعلام الشاهد المشهود له ما عنده من الشهادة إذا جهل عليها، 11/470، حديث رقم: 5079، بلفظ مخالف، وقال ابن حبان: حديث صحيح.
وأما حديث إسحاق بن عيسى فقد أخرجه أحمد بن حنبل: مسند زيد بن خالد الجهني، 5/91، الحديث رقم: 16594، بلفظ مخالف.
وأما حديث إبراهيم بن ميسرة فقد أخرجه: ابن عبد الرزاق: كتاب الشهادات، باب هل يؤدي الرجل شهادته قبل أن يُسأل عنها، 8/364، الحديث رقم: 15558، بلفظه. (1/103)
صفحة 104
قالَ الحَسَنُ: لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ مَخَافَةُ النّاسِ أنْ يقُولَ الحقَّ إذَا شَهِدَ وعَلِمَ.
... [وقالَ] (1) الحَسَنُ أيضًا: واللهِ مَا هوَ رجُلٌ يُوَاثِبُ (2) ، السُّلطَانَ ولَكنّهُ الرجُلُ الذِي عندَهُ الشّهادَةُ فَيَشهَدُ بهَا.
... سَأَلْتُ أبَا المؤَرّجِ عنْ رجُلٍ يَسْمعُ لِرجُلٍ يَقرُّ لرَجلٌ مِنْ غيْرِ أنْ يَسْتَشْهِدَهُ، قالَ: يُؤْخَذُ بمَا سَمِعَ مِنهُ ويَقطَعُ بِشهادَةِ هذَا الشّهِيدِ عندَ الفُقَهاءِ. قالَ: وكذلكَ قالَ ابنُ عبدِ العزِيزِ.
... قالَ: وقالَ حاتِمُ بنُ منْصورٍ: لا تَشْهَدْ بِشيءٍ منْ ذلكَ إلَا أنْ يَسْتَشْهِدُوكَ علَيهِ، أمَّا ما لمْ يستشْهِدُوكَ عليهِ وإنّمَا ذلكَ إِقْرارٌ منهُ فلَا تَشهَدْ عليهِ (3) .
(بابُ الشّهَادَةِ علَى الوَصِيَّةِ)
... سَأَلتُ أبَا المؤَرّجِ عنْ الشّهادةِ على الوصِيّةِ مِن غيرِ أنْ يَقْرَأَهَا الرّجلُ الشّاهِدُ أو تُقْرَأََ عليهِ، قالَ: إذَا شَهدَ أنَّ ما في هذِهِ الوصِيّةِ حَقٌّ وكانَتْ الوصِيةُ مَطْبُوعٌ عليهَا في أسْفَلِهَا، فَكَتَبَ الرجلُ بِشهادَتِهِ في أَعْلَاهَا فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ.
__________
(1) * زيادة يقتضيها السياق.
(2) - يواثب من الوثب، بمعنى الظفر والمبادرة والمسارعة. (ينظر: ابن منظور: لسان العرب 15/150، المقري: المصباح المنير، ص 248).
(3) - جمهور علماء المذهب المعاصرين يوافقون أبو المؤرج وابن عبد العزيز فيما ذهبا إليه، ومن هؤلاء العلماء الشيخ أحمد بن عبد الله الكندي، والشيخ محمد بن إبراهيم الكندي، والشيخ محمد بن عبد الله بن عبيدان، والشيخ عبد العزيز الثميني، والشيخ خميس بن سعيد الشقصي، وغيرهم. (ينظر: أحمد الكندي: المصنف 15/208؛ محمد الكندي: بيان الشرع 31/178؛ ابن عبيدان: جواهر الآثار، 15/208؛ الثميني: التاج المنظوم، 7/278؛ الشقصي: منهج الطالبين وبلوغ الراغبين، 10/92؛ البطاشي: غاية المأمول، 8/55. (1/104)
صفحة 105
... قالَ: وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزِيزِ: لا تَشهَدْ على وصيّةٍ لا تَقْرأُهَا ولا تَعْلمُ ما فيهَا وتَفُضُّ خَاتَمَهَا. قالَ: وكذلكَ قالَ حَاتِمُ بنُ منصورٍ (1) .
قُلْتُ لِأبِي المؤَرِّجِ فالقَاضِي يَكتُبُ إلى قاضٍ آخَرَ في حَقٍّ فَيَخْتِمُهُ، ثُمّ يُرجِعُ الكتَابَ إلى صاحِبِهِ، فَيَجِيءُ بهِ إلى القاضِي الذِي كَتَبَ إليهِ بِخَاتَمِهِ فَيَشْهَدُ أنّهُ طَابِعُهُ وخَاتِمُهُ، قالُ: قدْ كانَتْ القُضَاةُ تَمنَعُ ذلكَ تَنْظُرُ إلى خَوَاتِمِهَا وعَلَامَاتِهَا، فإذَا عَرَفَهَا شَهِدَ أنّهُ خَاتَمُهُ وطابَعُهُ ولُا يَفْتَحُهُ.
... قالَ: وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزيزِ: إذا كَتَبَ القاضِي لِرجلٍ كِتابًا على نَحْوِ ما وَصَفْتُ فإنّهُ يَحْبِسُهُ عندَهُ ولَا يُعْطِيهِ إِيَاهُ، ويَأْمُرُهُ أن يُحضِرَ شُهودَهُ وُيَعِدهُ في ذلكَ مَوْعِدًا، فإذَا جاءَ الرجُلُ بِشَهادتِهِ أَخْرَجَ الكتَابَ مَخْتُومًا فَشَهِدُوا أنّهُ طَابعَهُ وخَاتَمُهُ.
(بابُ الشّهادةِ في الأَهِلَّةِ)
__________
(1) - يذهب كلا من الشيخ محمد بن عبد الله بن عبيدان والشيخ محمد بن إبراهيم الكندي والشيخ خميس بن سعيد الشقصي إلى عدم جواز الشهادة على الوصية دون أن يقرأها الشاهد أن تقرأ عليه؛ لأنه لا يجوز الشهادة على الغيب. ينظر (ابن عبيدان: جواهر الآثار 17/80، محمد الكندي: بيان الشرع 31/188، خميس بن سعيد الشقصي: منهج الطالبين وبلوغ الراغبين، تحقيق سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، وزارة التراث القومي والثقافة، 10/69، أحمد الكندي: المصنف، 15/150. (1/105)
صفحة 106
... سَأَلتُ أبَا المؤَرِّجِ عن الشهادةِ في الأَهِلّةِ قالَ: حَدّثّنِي أبُو عُبَيدةَ أنّهُ قالَ: يُقْبَلُ في الصِّيامِ الشاهدُ الوَاحِدُ إذَا كانَ عَدْلًا، والمرْأَةُ الواحدَةُ إذَا كانَتْ عَدْلَةً، ولا يُقْبَلُ في الِإفْطَارِ إلّا شَاهِدَينِ أو شاهِدٌ وامْرَأَتَينِ، ورَأَيتُهُ يَتَجَوَّزُ الشهادَةَ فيمَا يَجْعَلُهُ على نَفسِهِ مِنَ الصِّيَامِ.
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزيزِِ: لَيسَ الِإيجَابُ في الأَمْرَيْنِ جَميِعًا إلّا شَاهِدَينِ أوْ شاهِدًا وامْرِأَتَينِ؛ لِأنَّ الشهادَةَ لا تَقُومُ في أَدْنَى ما يَقُومُ بهِ الرجُلَانِ أو الرجلُ وامْرأتَانِ،
وأمّا الذِي يَحْسُنُ ويَنْبَغيِ (1) ، فلا نُنْزِلُ الذِي يَحْسُنُ وينبَغِي بِمَنْزِلَةِ الإيجَابِ في الفَرْضِ ولا أَوْجَبَ صيَامَهُ ولا إِفطارَهُ إلاّ بِإِقامَةِ شاهدَيْنِ اللَّذَيْنِ يُقْطَعُ بهِمَا في الحُكْمِ (2) .
(بابُ تَسَاوِي المُتَخاصِمَيْنِ في البَيِّنَةِ)
__________
(1) - لعل الصواب :وإنما يحسن وينبغي.
(2) - يذهب أكثر أصحابنا إلى جواز شهادة الواحد العدل في دخول شهر رمضان وإلى عدم قبول الشهادة في دخول شهر شوال إلا بشهادة عدلين أو رجل وامرأتين؛ وذلك لأنه في دخول شهر رمضان يكون الشاهد شاهدا على نفسه بينما في دخول شهر شوال يكون شاهدا لنفسه. وذهب البعض إلى عدم جواز الشهادة في دخول شهر رمضان وخروجه إلا بشاهدين عدلين أو رجل وامرأتين. (ينظر: أحمد الكندي: المصنف، 15/79؛ محمد بن إبراهيم الكندي: بيان الشرع، 21/37-40؛ السالمي: معارج الآمال على مدارج الكمال، 18/5). (1/106)
صفحة 107
... سَأَلتُ أبَا المؤَرِّجِ عنْ رجُلَيْنِ يَخْتصِمانِ في شَيْءٍ، فَيُقِيمُ كلُّ واحِدٍ منْهمَا بيِّنَةً علَى الشيْءِ الذِي يَختصِمَانِ فيهِ أنّهُ لهُ دُونَ صاحِبِهِ، وكَيفَ بِهمَا أيضًا إنْ كانَ ذلكَ الشّيءُ الذِي يختصمَانِ فيهِ بَعِيرًا أو دَابّةً، فَأقَامَ كلُّ واحِدٍ منْهُمَا البينَةَ أنّهمَا لهُ؟
... قالَ: حدَّثنِي أبُو عُبيدَةَ أنّهُ قالَ: لِأَكْثرِهِمْ شُهُودًا، قُلْتُ: فإنْ كانُوا في العدَدِ والمعْدِلَةِ (1) ، سَوَاءٌ؟ قالَ: فهيَ بَينهُمَا نِصفَانِ،
... قالَ: وكَذلكَ قالَ ابنُ عبدِ العزِيزِ إلَّا أنّهُ أدْخَلَ شيْئًا، قالَ: فإِنْ أقََامَ أحَدُهُمَا البيّنَةَ أنَّهَا لهُ أَنْتَجُ وأَتْلَدُ (2) ، وأقَامَ الآخَرُ البيّنَةَ أنّهَا لهُ، ولمْ يَذْكُرْ نَتَاجًا ولَا تِلَادًا قَضَيْتُ بهَا لِلذِي أَنْتَجَ وأَتْلَدَ، وكذلِكَ قالَ حَاتِمَ بنُ منْصورٍ.
... قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ: وكذلِكَ أيضًا إنْ أقَامَ رجُلانِ البينَةَ في شَيْءٍ يَختَصِمانِ فيهِ وهوَ في يَدِ أحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ وكانَ شُهُودُهُمَا في العدَدِ والمعْدِلَةِ سَوَاءٌ قَضَيْتُ بهَا لِلذِي هيَ في يدِهِ،
__________
(1) - أي في عدد الشهود وعدالة الشهود سواء.
(2) - كلمتان مترادفتان بمعنى أنه أنجب أو ولد. (1/107)
صفحة 108
... قالَ: وكذلكَ الرّجلانِ يَختصمَانِ في شيْءٍ، فَيُقِيمُ كلُّ واحِدٍ منِْهُمَا البينَةَ أنّهُ لهُ دُونَ صاحِبِهِ وليْسَ هوَ في يدِ وَاحِدٍ مِنهُمَا أو هوَ في أيْدِيهِمَا جمِيعًا فإذاًَ قُضِيَ بهِ حِينَئذٍ لهمَا جمِيعًا، وكذلكَ إنْ ادَّعَيَاهَا جميعًا وكانَتْ في أيدِيهِمَا، فإِنْ لمْ يُقِمْ كلُّ واحِدٍ منْهمَا البينَةَ فهِيَ بينَهُمَا نِصْفَانِ (1) .
(بابُ شهادَةِ الأَقْرِبَاءِ والزَّوْجَيْنِ)
... وسَأَلتُ أبَا المُؤَرِّجِ وابنَ عبدِ العزيزِ، وأَخْبرَنِي وَائلٌ ومَحْبوبٌ عنِ الرَّبيعِ بنِ حَبيبِ عنْ شهادَةِ الوَالِدِ لِوَلَدِهِ، قالَا جمِيعًا: لا تَجوزُ.
... قُلتُ لِأَبِي المُؤرّجِ: لِمَ لَا تَجوزُ شهادَةُ الوالِدِ لِولَدِهِ؟ قالَ: لِأنّهُ أَمْلَكُ لِمَا يَحتاجُ إليهِ مِنْ مالِ ولَدِهِ.
__________
(1) - يرى العالمان أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي صاحب كتاب الجامع، وعبد العزيز الثميني أنه في حالة تساوي المتخاصمين في البينة ولا سبيل لترجيح إحدى البينتين على الأخرى فإن المال يقسم بين المتخاصمين نصفان بالتساوي. (ينظر: الأزكوي: كتاب الجامع لأبي جعفر، 4/78؛ عبد العزيز الثميني: التاج المنظوم، 7/287). (1/108)
صفحة 109
... قُلتُ لهمَا: فَشهادَةُ الوَلدِ لِأبيهِ والأَخِ لِأخيهِ والزَّوجِ لِامْرأَتِهِ والَمرأَةِ لِزوجِهَا، قالَا: كُلُّ عَدْلٍ مِمَّنْ سَمِعْتَ، تَجُوزُ شهادتُهُ لِمَنْ ذَكَرْتَ مَاخَلَا الوالِدُ لِوَلَدِهِ (1) .
(بابُ آخَرُ في شهادَةِ النِّساءِ)
... قُلتُ: أَخْبِرْنِي عنْ شهادةِ المرأَِةِ وَحْدَهَا في العَذْرَاءِ والرُّتَقَاءِ والَحيَضِ، وعنْ شهادةِ القَابِلةِ (2) ، وحَدَهَا إذَا شَهِدَتْ أنَّ الصَّبِيَّ وَقَعَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ حَيًّا، هَلْ يَرِثُ الولدُ المَنْفُوسُ (3) بِشهادَةِ القَابلَةِ وحْدَهَا؟ وهَلْ تَجوزُ شهادةُ منْ ذَكَرْتُ في جمِيعِ ما وَصَفْتُ، وشهادَةُ المرأَةِ وَحْدَهَا في الرَّضَاعِ؟
__________
(1) - أجمع فقهاء المذهب المعاصرين على جواز شهادة الأخ لأخيه، والزوج لزوجته، والزوجة لزوجها، والولد لأبيه، ولكن اختلفوا في شهادة الوالد لولده، فقد ذهب الأكثر إلى جواز شهادة الوالد لولده فيما لا يجر له نفعا أو يدفع عنه مغرما، وذهب البعض إلى جواز شهادة الوالد لولده في كل شيء، وهو ما رجحه الفضل بن الحواري، كما اختلفوا في حكم شهادة الوالد لولده على ولده، منهم من ذهب إلى عدم جواز شهادته، والبعض ذهب إلى جواز شهادة الوالد لولده على ولده، وهو ما رجحه الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي وعبد العزيز الثميني ومحمد بن جعفر الأزكوي صاحب كتاب الجامع لأبي جعفر. (ينظر: الأزكوي: الجامع لأبي جعفر، 4/35؛ خميس الشقصي: منهج الطالبين وبلوغ الراغبين، 10/16؛ محمد الكندي: بيان الشرع، 13/87؛ عبد العزيز الثميني: التاج المنظوم، 7/278).
(2) - المرأة التي تأخذ أو تتلقى الولد عند الولادة. (ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 12/14؛ الجوهري: الصحاح، 5/1796).
(3) - الولد المعيون. (ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 14/321؛ الجوهري: الصحاح، 3/984). (1/109)
صفحة 110
... قالَ أبُو الُمؤَرِّجِ: شهادةُ المرأَةِ في جمِيعِ مَا ذَكرْتَ مَقبُولَةٌ، ويَرِثُ الولَدُ الَمْنفُوسُ بِشهادةِ المرأَةِ وِحدَهَا، وتُقْبَلُ شهادتُهَا في العَذْرَاءِ والرُّتَقَاءِ والرّضَاعِ وجمِيعِ مَا ذَكَرتَ.
... قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ مِثْلَ قَولِهِ في جَميعِ ذَلكَ إلّا في الرضَاعِ فإنَّهُ يُخَالِفُهُ فِيهِ،
وقالَ: لَا أُجِيزُ شهادَتََهَا وَحْدَهَا، ولَا أَقبلُ شهادَتهَا وحدَهَا؛ لأنَّهُ ظَاهْرٌ يُرَى ليسَ كَباطِنٍ مِمّا يَخْفَى علَى الرِّجالِ ممَّا لا يَرَاهُ إلّا النّساءُ، وفَرَّقَ بينَهُمَا فَرْقًا بَيِّنًا واضِحًا فمَا فَرَّقَ لِي مِنْ رأْيِهِ (1) .
(بابٌ آخَرُ في شهادَةِ الصِّبْيانِ)
... سَألتُ أبَا المُؤَرّجِ هلْ تَجُوزُ شهادةُ الصِّبْيَان علَى الرجلِ يُصيبُ (2) صَبيًّا لمْ يرَهُ غيرُهُ؟
__________
(1) - أجمع أصاحبنا على موافقتهم لقول أبي المؤرج الذي ذهب إليه في هذه المسألة. (ينظر: أحمد الكندي: المصنف، 15/75؛ الشقصي: منهج الطالبين وبلوغ الراغبين، 10/135؛ الإمام السالمي: جوابات الإمام السالمي، 5/140؛ البطاشي: غاية المأمول، 8/47؛ أبو زكريا يحي بن سعيد: الإيضاح في الأحكام، 1/127).
(2) - كناية عن ارتكاب فاحشة اللواط. (1/110)
صفحة 111
... قالَ: لَا تَجوزُ شهادةُ الصِّبيَانِ علَى الرجلِ، قُلتُ: فَإنْ جَرَحَ رجلٌ صبيًّا أوْ فَقَأَ (1) عَينَهُ أو كَسرَ يدَهُ أو وَضّحَهُ (2) ، وليسَ بِحَضْرَتِهِ أَحدٌ مِن الرّجالِ، وشَهِدَ الصِّبيَانُ علَى ذلكَ، قالَ: لَا تجوزُ شهادَتُهُمْ علَى الرّجلِ في شَيءٍ ممَّا ذَكَرْتَ، وكذلكَ قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ.
قُلتُ: أَتَجُوزُ شهادةُ الصّبيانِ على الصّبيَانِ؟ قالَ أبُو المُؤرّجِ: إنْ اتَّفَقَتْ شهادَتُهُمْ قُبِلَتْ، وإنْ اخْتَلَفَتْ فلَا تجُوزُ حتىّ يُسْأَلُوا عنهَا بعدَمَا يَكبُرُوا (3) .
(بابُ اختِلافِ الشهودِ في الشهادةِ)
__________
(1) - كسرها أو قلعها أو بخقها أي عوّرها. (ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 11/204؛ الجوهري، 1/63).
(2) - ما أظهر العظم بإزالة السّفاق عنه ولم تكسره. (ينظر: الشيخ خلفان بن جميل السيابي: جلاء العمى شرح ميمية الدما، صححه وعلّق عليه: عز الدين التنوخي، (ط2، 1411هـ-1991م، معهد العلوم الشرعية – سلطنة عمان)، ص52).
(3) - سبق الحديث عن شهادة الصبيان في (باب شهادة الصبيان) حيث تبين أنه لا تصح شهادة الصبي إلا على صبي مثله، وذلك إذا لم يوجد من يعلمه، ولم يوجد غيره يقوم بحمل الشهادة، ولكنهم اختلفوا فيما إذا شهد الصبي فرده القاضي بصغره، هل تقبل منه إذا بلغ وأراد أن يؤديها أم لا؟ في ذلك قولان: فمنهم من أجاز ومنهم من منع، ولقد رجح صاحب المصنف أحمد بن عبد الله الكندي جوازها وقبولها منه إذا أداها لما بلغ. (ينظر: أحمد الكندي: المصنف، 15/65؛ عبد العزيز الثميني: التاج المنظوم، 7/246؛ محمد بن شامس البطاشي: غاية المأمول، 8/48- 54). (1/111)
صفحة 112
... سَأَلتُ أبَا المُؤرّجِ عنْ رجلٍ يَدَّعِي علَى رجلٍ أنَّهُ قتَلَ أخَاهُ، ويُثبِتُ علَى ذلكَ بَيّنَةُ، عُدُولٌُُ يَشهدُونَ أنَّهُ قَتلَهُ في يومِ كَذَا وكَذَا وبَلَدِ كذَا وكذَا، ويُقِيمُ الآخَرُ البَينَةَ في ذلكَ اليَومِ أو في ذلكَ الشهرِ في بَلْدَةٍ غيرِ البلْدَةِ التِي ذَكَرَ الرجلُ أنَّهُ قُتِلَ فيها أخُوهُ، وبَينَهُمَا مَسِيرَةُ أيَّامٍ كَثيرَةٍ لَا يَنَالُهُ في مِثلِ هذِهِ الأيّامِ التِي مَضَتْ مِن الشهْرِ في تلْكَ البلادِ،
... قالَ أبُو المُؤَرِّجِ: لا يُنظَرُ إلى شهَادتِهِ ولا يُلْتَفَتُ إلى دَعْوَاهُ، ويَقْتُلُهُ الولِيُّ إلّا أنْ يُرِيدَ العَفْوَ أو الدِّيَّةَ أيُّهُمَا أَحَبُّ لهُ فلَهُ ذلكَ.
... قالَ: وقالَ أبُو أَيُّوبٍ: إذَا كانَ لِذلِكَ وَجهٌ يُنْظَرُ في شهادَةِ الشّهُودِ وفِي معْدِلَتِهِمْ فإِنْ كانَ الشُّهودُ الذِينَ يَشهَدونَ لِلْمُدَّعِى علَيهِ بِالقَتلِ عُدُولًا لم أَحْكُمْ عليهِ بِالقَوَدِ، ولمْ يَكُنْ عندَنَا في ظَاهِرِ الحُكْمِ قَاتِلًا، واللهُ أعْلَمُ.
... قالَ وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزيزِ: وهذَا القَولُ مِنْ أبِي أَيوبٍ غَلَطٌ، ولَوْ جَازَ هذَا ما قامَ للهِ عزَّ وجلَّ حَدٌّ، فلَا يُلْتَفَتُ إلَى دَعْوَاهُ، ولَا تُقْبَلُ شُهودُهُ ، فَالقَولُ في هذَا قَولُ أبِي المُؤرِّجِ (1) .
باب الشهادة أيضا ً
__________
(1) - لم أجد رأيا لعالم من علماء المذهب المعاصرين يوافق رأي القطب أو يخالفه, ومن ثم قمت بتوجيه هذه المسائل إلى مكتب الإفتاء بتاريخ 8 صفر 1427هـ، وكان الجواب أنّ هذه المسألة من ضمن الدعاوي التي لا يمكن الإفتاء فيها. (1/112)
صفحة 113
... وإذَا ادَّعَى رَجُلٌ علَى رجلٍ مَالًا وجاءَ بِالبينَةِ، فشهِدَ أحَدُهُمَا بِأَلفِ دِرهَمٍ، وشَهِدَ الآخَرُ بَِأَلفَيْنِ، فكانَ بَعضُهُمْ يقُولُ: لَا شَهادةَ لهُمَا؛ لِأنّهُمَا قدْ اخْتَلَفَا، وكانَ ابنُ عبدِ العزيزِ والرَّبِيعُ بنُ حبِيبٍ وابنُ عَبَّادٍ يُجيزونَ مِنْ ذلكَ أَلْفَ دِرهَمٍ ويَقْضُونَ بهَا لِلطَّالِبِ، ويَرْوُونَ ذلكَ جَميعًا عنْ أبِي عُبيدَةَ مُسْلِمُ بنُ أبِي كَريمَةَ،
... قُلتُ: فإِنْ شَهدَ أحَدُهُمَا بِألفٍ وخَمْسِمَائةٍ، وشَهدَ الآخَرُ بِألفٍ؟ قالَ: فَالأَلفُ جائِزٌ في قَولِهِمْ جميعًا، وإِنّمَا أَجَازَ هذَا مَنْ أجازَهُ؛ لأَنّهُ يَقُولُ إنَّ الشّاهِدَيْنِ قدْ سَمَّيَا جميعًا الأَلفَ وإنّمَا قالَ الآخَرُ أَلفٌ وخَمْسُمَائةٍ فَصارَتْ هذِهِ مَفْصُولَةً مِنَ الألْفِ (1) .
(باب آخر في الشهادة على الشهادة)
__________
(1) - وُجد حول هذه المسألة خلاف بين فقهاء المذهب المعاصرين، فمنهم من ذهب إلى جواز الشهادة في الألف، ويثبت للمدعي، وممن ذهب إلى هذا القول الشيخ أبو زكريا يحي بن سعيد صاحب كتاب الإيضاح في الأحكام، والشيخ سيف بن محمد بن شيخان الأغبري، بينما ذهب آخرون إلى بطلان الشهادة ولا يثبت للمدعي شيء من ذلك. (ينظر: عبد العزيز الثميني: التاج المنظوم، 7/285؛ أبو زكريا يحي بن سعيد: الإيضاح في الأحكام، 1/172؛ سيف الأغبري: فتح الأكمام عن الورد البسام في رياض الأحكام (1380)، 1401هـ- 1981م، وزارة التراث القومي والثقافة، ص121؛ البطاشي: غاية المأمول، 8/59). (1/113)
صفحة 114
... وإذَا شهِدَ الرَّجلُ علَى شهادةِ رجلٍ وشهِدَ الآخَرُ علَى شهادةِ نفسِه فيِ دينٍ أو بيعٍ فكانَ بعضهُم يقولُ: لا تجوزُ شهادةُ شاهدٍ علىَ شاهدٍ لأنَّ الشهادةَ حقٌّ عندَ الشاهدِ ولاَ يقبلُ عليهِ إلاَّ شاهدانِ وهوَ قولُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ العزيزِ, وبهِ نأخُذْ (1) , وكانَ الربيعُ يقبَلُ شهادةَ شاهدٍ علَى شاهدٍ وكذلكَ بلغَنا عن شُريحٍ. (2)
(باب الشهادة على الميراث)
... وإذَا شهِدَ الشّهودُ علَى دارٍ أنَّها لفلانٍ ثمَّ تُوفيَ وتركهَا ميراثًا بينَ فلانٍ وفلانٍ فإنَّ ابنَ عبدِ العزيزِ والربيعَ كاناَ يقولانِ: إذَا شهِدُوا أنَّهم لاَ يعلمونَ لهُ وارثَ غيرهِ هؤلاءِ جازَتْ شهادتُهمْ, -وبهِ نأخذْ- (3) ، وقالَ ابنُ عبّاد: لاَ نجَوِّز شهادَتهَمْ إذَا قالُوا لاَ نعلمُ لهُ وارثاً غيرُهم, حتىَّ يُبيِّنوا الشهادةَ [و]*يقولونَ لاَ وارثَ لهُ غيرُهم ، وهوَ إذَا جاءَ وارثٌ غيرُهم بالبيِّنة دخلَ معهُم فيِ الميراثِ ولمْ تبطُلْ بذلكَ شهادةُ الأوَّلينَ. (4)
(باب :شهادة الوصي لوارث كبير على الميت)
__________
(1) - قول القطب.
(2) - يرى سماحة الشيخ أحمد الخليلي أنه إذا لم يستطع حامل الشهادة عن أدائها بنفسه فليرعها عنه رجلان يؤديانها عنه للقاضي ولا يكفي رجل واحد والله أعلم. (كان ذلك ضمن عدة أسئلة وجهتها إلى مكتب الإفتاء بتاريخ: 8 صفر 1427هـ, الموافق لـ: 8 مارس 2006م).
(3) - هذا القول للقطب.
(4) - يوافق كل من الشيخ أحمد الكندي صاحب المصنف والشيخ محمد الكندي صاحب بيان الشرع والشيخ عبد العزيز الثميني رأي بن عبد العزيز والربيع الذي ذهبا إليه. (ينظر: أحمد الكندي, المصنف، 15/178؛ محمد الكندي بيان الشرع, 31/179؛ الثميني, التاج المنظوم، 7/314). (1/114)
صفحة 115
... وإذَا شهِد الوصيُّ لوارثٍ كبيرٍ علَى الميِّت بدينٍ أو صدقةٍ فيِ دارٍ أو هبةٍ أو شراءٍ فإنَّ ابنَ عبدِ العزيزِ كانَ يقولُ: لاَ يجوزُ ذلكَ, وكانَ الربيعُ يقولُ: هوَ جائزٌ, -وبهِ نأخذ- (1) ، فإنْ شهِدَ لهُ علىَ غيرِ الميتِ فشهادَتهُ جائزةٌ فيِ قولهِمَا جميعاً. (2)
(باب شهادة الإنسان على نفسه)
... وإذَا ادَّعى رجُلٌ علىَ رجلٍ بدينٍ فشهِدَ لهُ شاهدَانِ علَى حقِّه ثمَّ شهِدَ هوَ وآخرُ علَى دينٍ عليهِ لرجلٍ آخرَ, فإنَّ ابنَ عبدِ العزيزِ كانَ يقولُ علَى شهادتِهمَا جائِزةٌ لأنَّ الغريمَ ضرَّ نفسَهُ بشهادَتهِ -وبهِ نأخذْ- (3) ، وكذلكَ قولُ الربيعِ وكانَ ابنَ عبَّادٍ يقولُ: لاَ تجوِّزُ شهادَتَهُ. (4)
(باب آخر الشهادة على الأقارب والزوجين)
... وإذَا شهِدَ رجلٌ لامرأَتِه أوْ لجَميعِ قرابَتهِ فإنَّهمَا يقولاَن جميعاً, شهادتُه جائِزةٌ. (5)
(باب تغيير الشهود عن حالهم)
__________
(1) - قول القطب.
(2) - يوافق كلا من الشيخ أحمد الكندي صاحب المصنف والشيخ محمد إبراهيم الكندي والشيخ خميس بن سعيد الشقصي ما ذهب إليه الربيع شهادة الوصي لوارث كبير بحق على الميت. (ينظر: أحمد الكندي: المصنف: 15/111؛ محمد الكندي: بيان الشرع, 31/72؛ الشقصي: منهج الطالبين وبلوغ الراغبين، 10/38).
(3) - هذا قول القطب.
(4) - لم أجد رأيا لعالم من علماء المذهب المعاصرين يوافق رأي القطب أو يخالفه, ومن ثم قمت بتوجيه هذه المسائل إلى مكتب الإفتاء بتاريخ 8 صفر 1427هـ، وكان الجواب أنّ هذه المسألة من ضمن الدعاوي التي لا يمكن الإفتاء فيها.
(5) - انعقد الإجماع بين فقهاء المذهب على جواز شهادة الرجل لأقاربه ولزوجته كما وضحنا ذلك في باب شهادة الأقرباء والزوجين. (ينظر: خميس الشقصي, منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، 10/16؛ محمد الكندي: بيان الشرع، 13/87؛ عبد العزيز الثميني: التاج المنظوم, 7/278). (1/115)
صفحة 116
... وإذَا شهِدَ الرجلُ علىَ شهادةٍ، وهُوَ صحيحُ البصرِ ثمَّ عمِيَ وذهبَ بصرُه، فإنَّ ابنَ عبدِ العزيزِ كانَ يقولُ: لا تجُوزُ شهادتُه تلكَ التِي تشهدُ بِهَا وأمَّا الربيعُ وابن عبّادٍ فإنهَّمَا يقولانِ: شهادتُه جائزةٌ. (1)
(باب رجوع الشهود عن شهادتهم بعد ما رجم المشهود عليه بالزنا)
... وَإذَا رجعَ الرجلُ عن شهادتِهِ بالزّنَا وقدْ رجَم صاحبَه, فإنّ ابنَ عبدِ العزيزِ كانَ يقولُ: يضرَبُ الحدَّ (2) ويغرَمُ ربعُ الديةِ – وبهِ نأخذْ. (3)
__________
(1) - يوافق علماء المذهب المعاصرين الرأي الذي ذهب إليه الربيع وابن عباد في إجازة شهادة من كان بصيرا ثم عمي. (ينظر: ابن عبيدان: جواهر الأثار, 17/46؛ محمد الكندي: بيان الشرع، 31/40؛ البطاشي: غاية المأمول، 8/46).
(2) - أي حد القذف وهو ثمانين جلدة لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. سورة النور,الآية 4.
(3) - هذا القول للقطب. (1/116)
صفحة 117
... وكانَ الربيعُ بنُ حبيبٍ يقولُ: أقتله وإنْ رجعُوا كلُّهم قلتَهُم ولاَ يغرمُوا الديَة, وإنْ رجعَ الثلاثةُ في قولِ ابنِ عبدِ العزيزِ, ضُربُوا الحدَّ، وغرمَ كلُّ واحدٍ منهُم ربعَ الديةِ. (1)
(باب الشهادة على العبد)
... وإذَا شهِدَ الشهُودُ عندَ القاضِي لرجلٍ علَى عبدٍ، ووصفَه وهُوَ ببلدةٍ أخرَى، فكتَب القاضِي بشهادتِهمْ علىَ ذلكَ, فإنَّ ابنَ عبدِ العزيزِ كانَ يقولُ: لاَ يقبلُ ذلكَ ولاَ يدفعُ إليهِ العبدُ؛ لأنّ الحِلِيِةَ (2) توافقُ الِحلِيةَ وهوَ يُنتفَع بالعبدِ حتىَّ يأتيَ بهِ إلىَ القاضِي الذِي كتبَ إليهِ, أرأَيتَ إنْ كانتْ جاريةً جميلةً والرّجلُ غيرَ أمينٍ, أكنتُ أبعثُ بها معه؟!
__________
(1) - فصّل علماء المذهب هذه المسألة فقد قالوا: إذا رجع أحد الشهود فقال: تعمدت الشهادة زورا عليه فإنه يقتل به ولا يكون لورثته شيء على أولياء المقتول وإن قال: شبه لي أو وهمت أو قال ما يجوز أن يكون من غير التعمد فعليه حصته من الدية يؤديها إلى أولياء الذي شهد عليه وقتل بشهادته, وقيل هو بمنزلة النائرة وقيل إذا رجع أحد الشهود كانت الدية عليه كلّها، وقيل حصته منها وأما إذا رجع ثلاثة من الشهود, وقالوا قد شبه لنا أو وهمنا أو أظهروا ما يفيد عدم التعمد, فإن على واحد منهم ربع الدية وإن قالوا تعمدنا قتله فهنا يقتلوا به، وهو بمنزلة الفتك. (ينظر: أحمد الكندي, المصنف، 15/266، 61/267؛ الشقصي, منهج الطالبين وبلاغ الراغبين, 10/108؛ ابن عبيدان: جواهر الآثار، 17/119؛ أبو زكريا: الإيضاح في الأحكام, 1/96, 97؛ البطاشي, غاية المأمول، 8/69).
(2) - الصفة أو الخلقة. (ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 4/214؛ الجوهري: الصحاح، 6/3218). (1/117)
صفحة 118
... قال ابنُ عبدِ العزيزِ وقدْ كانَ بعضُ الفقهاءِ يقولونَ يُختمُ فيِ عُنقِ العبدِ ويؤخذُ منَ الذِي جاءَ بالعبدِ (1) كفيل ويبعثُ بهِ معهُ إلَى القاضِي فإذَا جاءَ العبدُ والكتابُ الثانِي قضَى لهُ بالعبدِ وأبرأَ كفيلَه, قالَ ابنُ عبدِ العزيزِ: والقولُ الأوَّلُ أحبُّ إليَّ. (2)
(باب آخر:اختلاف الدين في الشهادة)
__________
(1) - في المخطوطة, "في العبد".
(2) - لم أجد رأي لعلماء المذهب المعاصرين في هذه المسألة ومن ثم وجهت هذه المسألة إلى مكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، بتاريخ: 8 صفر1427هـ, وكانت الإجابة هي: «لا علم لي بجواب ابن عبد العزيز والعلم عند الله تعالى». (1/118)
صفحة 119
... وإذَا شهِدَ شاهدَانِ منَ اليهودِ علَى رجلٍ منَ النصارَى أو شهِدَ شاهدَانِ منَ النَّصارَى علَى رجلٍ منَ اليهودِ فإنّ ابنَ عبدِ العزيزِ كانَ يقولُ: ذلكَ جائزٌ؛ لأنَّ الكُفرَ كلَّه مِلَّةٌ واحدةٌ, وكانَ الربيعُ يقولُ: لاَ يجوزُ ذلِكَ؛ لأنَّهمَا عندَهُ ملَّتانِ مُختلفتان (1) . وكانَ ابنَ عبدِ العزيزِ يورِّثُ بعضَهُم منَ بعضٍ، والربيعُ لاَ يُورِّثُ بعضهُم منْ بعضٍ. (2)
(باب الإشهاد على الوصية في السفر)
__________
(1) - وجد الخلاف بين المعاصرين من علماء المذهب في قبول شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض فمنهم من قال: لا تجوز شهادة النصراني على اليهودي أو اليهودي على النصراني, ومنهم الآخر من قال: بالجواز واحتجّوا لذلك بأن الشرك كله ملة واحدة، ورجّح هذا القول الشيخ محمد بن شامس البطاشي. (ينظر: أحمد الكندي: المصتف، 15/84, 91؛ الأغبري: فتح الأكمام، ص111؛ البطاشي: غاية المأمول، 8/45، 52).
(2) - يذهب العلامة أبي الحسن سفيان بن محمد الراشدي إلى ما ذهب إليه ابن عبد العزيز حيث أنه يرى توريث اليهودي من النصراني, والنصراني من اليهودي؛ وعلّل قوله بأنّ الشرك هو الجامع بينهم والشرك ملة واحدة، ويجعل اختلافهم فيه كاختلاف المذاهب في الإسلام. (ينظر: أبي الحسن الراشدي, كشف الغوامض في فن الفرائض, ط2، د.نا, 1412هـ، 1991م، ص10, 11). (1/119)
صفحة 120
... وإذَا سافرَ الرجلُ المسلِمُ وحضرتْهُ الوفاةُ وأوصَى وأشهدَ علىَ وصيّتِه رجلَينِ منْ أهلِ الكتابِ فإنَّ ابنَ عبدِ العزيزِ كانَ يقولُ: لاَ نُجوِّزُ ذلِك لقولهِ تعالَى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُم} (1) , وقالَ: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء} (2) وكانَ الربيعُ يُجيزُ ذلكَ وتأوَّلَ (3) قولَ اللهِ تعالىَ: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} (4) . (5)
(باب شهادة النساء)
__________
(1) - سورة الطلاق, الآية, 2.
(2) - سورة البقرة الآية 282.
(3) - بمعنى فسر. (ينظر ابن منظور: لسان العرب, 1/194؛ الجوهري: الصحاح4/1627).
(4) - سورة المائدة الآية 106.
(5) - يرى كل من العلماء أحمد بن عبد الله الكندي وأبو زكريا يحي بن سعيد ومحمد بن إبراهيم الكندي, جواز شهادة النصرانيين أو يهوديين على الوصية في السفر إذا لم يوجد مصلين فهذه الآية: {شَهَادَةُ بَيْنِكُم} المائدة: 106, منسوخة بقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُم}، الطلاق: 6. (ينظر: أحمد الكندي: المصنف، 15/170؛ أبو زكريا يحي بن سعيد: الإيضاح في الأحكام, 1/77؛ محمد الكندي: بيان الشرع, 31/183). (1/120)
صفحة 121
... أَخبِرنِي عنْ شهادةِ النساءِ هلْ تجُوزُ فيِ الطلاقِ؟ قالَ: حدَّثنِي أبُو عبيدَةَ عنْ شهادتِهنَّ إنَّها لاَ تجُوزُ وحدهنَّ وإنْ كثُر عددهنَّ إلاَّ ومعهنَّ رجلٌ, قلتُ فأيّ شيءٍ تجُوزُ شهَادتهنَّ فيهِ وحدَهنَّ بغيرِ رجلٍ؟ قالَ حدَّثنيِ أبُو عُبيدَةَ مُسلِم بن أبِي كريمةَ (1) عنْ أبِي الشَّعثاءَ جابرِ بنِ زيدٍ (2) أنَّ شهادَتهنَّ فيِ الرَّضاعِ وَفيِ العَذرَاءِ والرَّتقاءِ وهوَ الولدُ المنفوسُ هلْ خرجَ حيٌّ؟ وفيمَا لاَ ينظرُ إليهِ الرِّجالُ فشهادتَهنَّ فيهِ جائزةٌ, قلتُ: فكيفَ تقولُ أنتَ فيِ ذلكَ؟ قالَ: أقولُ ذلِكَ بقولهمْ فيِ جميعِ مَا ذكرتَ منَ المسائلِ مَا خَلاَ الرِّضاعَ فإنِّي لاَ أُجيزُ شهادةَ المرأةِ الواحدةِ ولاَ العددَ الكثيرَ [اللواتي] (3) لاَ يكونُ معهنَّ رجلٌ, (4) قلتُ لِمَ قالَ: لأنَّ الرَّضاعَ ليسَ كباطنِ ممَّا يَخفَى منَ الأشياءِ التِي لاَ يحلُّ للرِّجالِأنْ ينظرُوا إليهَا, والرَّضاعُ ظاهرٌ يرَى ولاَ تجوزُ شهادةُ النِّساءِ فيهِ وحدَهنَّ؟!. (5)
- -
خاتمة
...
__________
(1) - سبقت ترجمته في الفصل الأول.
(2) - سبقت ترجمته في الفصل الأول.
(3) - زيادة يقتضيها السياق.
(4) - اتعقد الإجماع بين علماء المذهب المعاصرين على شهادة النساء وحدهن في الطلاق؛ وذلك لأنه مما لا يخفى على الرجال، وأما شهادة النساء وحدهنّ في الرضاع فهو محل خلاف بيت الفقهاء فمنهم من أجاز شهادتهن وحدهن فيه، ومنهم من منع شهادتهن وحدهن دون الرجال ورجح العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن قيس والشيخ خميسبن سعيد الشقصي جواز شهادتهن وحدهن في الرضاع. (ينظر: أبو إسحاق: مختصر الخصال, ص194؛ أحمد الكندي: المصنف، 15/75؛ الشقصي: منهج الطالبين وبلوغ الراغبين, 10/135؛ عبد العزيز الثميني: التاج المنظوم، 7/250).
(5) - استفهام إنكاري. (1/121)
صفحة 122
... وفي الختام أشكر الله تعالى وأحمده على إتمام هذا البحث المتواضع، وأسأل الله أن يقيض لهذه المدوّنة من يهتم بتحقيقها وتحديث مسائلها الفقهية، في ضوء التطور العلمي، وإخراجها للناس, وأسأله تعالى أن يجعل هذا البحث عملاً خالصاً لوجهه الكريم, وأن ينفع به طلبة العلم عامّة والحديث خاصة. وأهمّ النتائج التي توصل إليها الباحث:
1- التعريف بصاحب المدونة ومنهجه فيها.
2- اعتبار المدونة من أهمّ الآثار الإسلامية.
3- وعلى ما هو ظاهر في هذا البحث وجود أحاديث في المدونة تتّسق بالمعنى مع أحاديث المصنفات الأخرى.
4- معرفة المسائل الفقهية الموجودة بالمدونة، حيث إنّها احتوت على ثروة فقهية كبرى، وذات أهمية في الوقت المعاصر كالوصايا والشهادات وغيرها.
... وأخيرا فهذه غاية القصد فإن أصبت فذلك بفضل الله ومنِّه, وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
- - - - - - -
فهرس الأعلام
رقم التسلسل ... أسماء الأعلام ... رقم
الصفحة
01 ... أبو المهاجر
02 ... أبو المؤرج عمر بن محمد
03 ... أبو المعروف شعيب بن المعروف
04 ... أبو أيوب وائل بن أيوب
05 ... أبو سفيان محبوب بن الرحيل
06 ... أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة
07 ... أبو عبيدة الصغير
08 ... أبو غسان مخلد بن المعمر
09 ... أبو مودود حاجب الطائي
10 ... أبو نوح صالح الدهان
11 ... الإمام أفلح بن عبد الوهاب
12 ... الإمام عبد الوهاب بن رستم
13 ... الحسن البصري
14 ... الربيع بن حبيب
15 ... الزهري
16 ... ابن عباد المصري
17 ... ابن عباس
18 ... ابن عمر
19 ... ابن مسعود
20 ... أنس بن مالك
21 ... إبراهيم النخعي
22 ... جابر بن زيد
23 ... حاتم بن منصور
24 ... شريح القاضي
25 ... شهر بن حوشب
26 ... السيدة عائشة أم المؤمنين
27 ... عبد الرحمن بن غنم
28 ... عبد الله بن عبد العزيز
29 ... عثمان بن عفان –رضي الله عنه -
30 ... علي بن أبي طالب – كرّم الله وجهه -
31 ... عمر بن خارجه
32 ... عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -
33 ... عمروس بن فتح
34 ... محمد بن سعيد الكدمي
- - - - -
الملاحق
المصادر والمراجع (1/122)
صفحة 123
أولاّ: المؤلفات
1- أجوبة ابن خلدون: يوسف بن خلدون المزني ،تحقيق د/عمرو بن خليفة النامي، ط1(1394ه-1974م)، دار الفتح، بيروت لبنان.
2- أسد الغابة في تمييز الصحابة:عز الدين بن الأثير أبي الحسن علي بن محمد الجزري، (د.ت)،ط،دار لإحياء التراث العربي.
3- الإصابة في معرفة الصحابة:للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852هـ)، ط2 (1423هـ-2002م)، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان.
4- الضياء: الشيخ سلمة بن مسلم العوتبي، ط1( 1404ه -1984م)، وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان.
5- الأم: الإمام أبي عبدا لله محمد بن إدريس الشافعي (ت204ه) ط1(1422 -2002م )،دار الفكر .
6- الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه (45-ه -145 ه):مبارك بن عبدا لله بن حمد الراشدي ،ط1(1413ه 1993م) ،مطابع الوفاء ،المنصورة – مصر .
7- الإمام جابر بن زيد العماني وآثاره في الدعوة :د/صالح بن أحمد الصوافي ،ط2 (1409-1989م )،وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان .
8- الإيضاح :عامر بن علي الشماخي ،ط4 (1420 -1990م) ،(د.ن) .
9- الإيضاح في الأحكام :للشيخ أبي زكريا يحيى بن سعيد ،ط (1404ه -1984م )،وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان .
10- إتحاف الأعيان في تأريخ بعض علماء عمان :للشيخ سيف بن حمود البطاشي، ط2
(1419ه -1998م )،مكتبة المستشار الخاص لجلالة السلطان لشوؤن الدينية والتاريخية.
11- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ،تقديم فضيلة الشيخ عيد العزيز الحنبلي، 2ط (1419هـ- 1998م) ،دار لإحياء التر اث العربي .
12- بيان الشرع: للشيخ محمد بن إبراهيم الكندي ،ط (1408هـ- 1988م)، وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان.
13- بغية الطلاب: الشيخ القاضي أبو سرور حميد بن عبد الله الجامعي، ط2(1418هـ-1997م)، (د،ن).
14- تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان: الإمام عبد الله بن حميد السالمي، (د.ن)، 1997م، مكتبة الاستقامة. (1/123)
صفحة 124
15- تقريب التهذيب: الإمام شهاب الدين أحمد بن علي العسقلاني، ط2، (1395هـ-1975م)، دار المعرفة.
16- تهذيب الكمال في أسماء الرجال: الحافظ المزي، تحقيق: د. بشار عوّاد، مؤسسة الرسالة.
17- التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم: الشيخ عبد العزبز بن الحاج بن إبراهيم الثميني (223هـ- 1808م)، ط1، (1421هـ-2000م)، (د.ن).
18- تيسير التفسير للقرآن الكريم: الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، (د.ن)، (1407هـ-1986م)، وزارة التراث القومي والثقافة– سلطنة عمان.
19- جلاء العمى شرح ميمية الدما: الشيخ خلفان بن جميّل السيابي، صححه وعلّق عليه: عز الدين التنوخي، ط2، (1411هـ-1991م)، معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد– سلطنة عمان.
20- جوابات الإمام السالمي: الإمام عبد الله بن حميد السالمي (1286هـ-1332هـ)، تنسيق ومراجعة: د. عبد الستار أبو عزة، إشراف: عبد الله السالمي، ط1، (1417هـ-1996م)، (د.ن).
21- جواهر الآثار: الشيخ محمد بن عبيدان، ط (1406هـ-1986م)، وزارة التراث القومي والثقافة– سلطنة عمان.
22- جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام: الإمام عبد الله بن حميد السالمي، علّق عليه أبو إسحاق اطفيش وإبراهيم العبري، ط11، (1419هـ- 1989م)، (د.ن).
23- الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع: الإمام الربيع بن حبيب، ضبطه وخرّج أحاديثه: محمد إدريس، راجعه وقدّم عليه: عاشور بن يوسف، ط1، (1415هـ-1996م)، بيروت– لبنان، دمشق، مكتبة الاستقامة– سلطنة عمان.
24- الذخيرة في فروع المالكية: الإمام القرافي، تحقيق: أبي إسحاق أحمد بن عبد الرحمن، ط1، (1422هـ- 2001م)، دار الكتب العلمية، بيروت– لبنان.
25- رواية الحديث عند الإباضية: الشيخ صالح بن أحمد البوسعيدي، ط1، (1420هـ-2000م)، (د.ن).
26- سنن ابن ماجه: الحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني (ت275هـ) إشراف: صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، ط، (1421هـ- 1999م)، دار السلام، الرياض– السعودية. (1/124)
صفحة 125
27- سنن أبي داود: الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت275ه)، إشراف: صالح آل الشيخ، ط (1421هـ-1999م)، دار السلام، الرياض– السعودية.
28- سنن الترمذي: أبي عيسى محمد بن عيسى (ت297هـ)، تحقيق: أحمد بن محمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، ط1، (1420هـ-2000م)، بيروت– لبنان.
29- سنن النسائي: الإمام المحدّث أبي عبد الرحمن بن شعيب بن علي الخرساني النسائي، اعتنى به عبد الفتّاح أبو غدة، ط4، (1414هـ-1994م)، دار البشائر الإسلامية.
30- سنن الدارقطني: الإمام الحافظ علي بن عمر الدارقطني، تعليق: مجدي بن منصور، ط1، (1417هـ-1996م)، دار الكتب العلمية.
31- السنن الكبرى: الإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت304هـ)، حققه وخرّج أحاديثه: حسن عبد المنعم شلبي، ط1، (1421هـ-2001م)، مؤسسة الرسالة.
32- السنن الكبرى: الإمام أبي بكر أحمد بن الحسن بن علي البيهقي (ت458هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ط1، (1414هـ-1994م)، دارالمعرفة، بيروت– لبنان.
33- شرح النيل وشفاء العليل: الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، ط3، (1405هـ- 1985م)، مكتبة الإرشاد، جدة– السعودية.
34- شعب الإيمان: الإمام أبي بكر أحمد بن الحسن بن علي البيهقي (ت458ه )، تحقيق: أبي هاجر السعيد، ط1، (.141هـ-1990م)، دار الكتب.
35- صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، ط2، (1414هـ-1993م)، مؤسسة الرسالة، بيروت– لبنان.
36- صحيح ابن خزيمة: الإمام أبي بكر محمد بن خزيمة السلمي النيسابوري، حققه وعلّق عليه: د. محمد الأعظمي، مكتب الإسلامي.
37- صحيح البخاري: الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، ضبطه: الشيخ محمد علي قطب، والشيخ هشام البخاري، ط1، (1423هـ-2002م)، المكتبةالعصرية.
38- صحيح مسلم: الإمام أبي الحسن مسلم بن الحجاج العشيري النيسابوري، ط2، (1398هـ-1978م)، دار الفكر. (1/125)
صفحة 126
39- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: إسماعيل بن حمّاد الجهوري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطّار، ط3، (1404هـ-1984م)، دار العلم للملايين.
40- طبقات المشائخ بالمغرب: الدرجيني، إبراهيم طلاي، (د.ت)، مكتبة الضامري– سلطنة عمان.
41- عين المصالح من أجوبة الشيخ صالح: الشيخ صالح بن علي الحارثي، ط2، (1414هـ-1993م)، مكتبة الضامري– سلطنة عمان.
42- غاية المأمون في علم الفروع والأصول: الشيخ محمد بن سامس البطاشي، ط، (1407هـ- 1997م)، وزارة التراث والثقافة– سلطنة عمان.
43- فتح الأكمام عن الورد البسام في رياض الأحكام: نظم الشيخ القاضي سعيد بن حمد بن شيخان الأغبري (ت1380هـ)، ط، (1401هـ-1981م)، وزارة التراث القومي والثقافة–سلطنة عمان.
44- فتاوى الشيخ بيوض، ترتيب وتقديم وتخريج: بكير محمد الشيخ بالحاج، ط2، (1411هـ- 1990م)، مكتبة أبي الشعثاء، السيب– سلطنة عمان.
45- فتاوى البكري، بكلي عبد الرحمن بن عمر، ط، (1402هـ-1982م)، المطبعة العربية، غرداية– الجزائر.
46- فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم: الشيخ عبد الله بن عامر بن محمد الخراسني النزوي، حققه وعلّق عليه: د. محمد صالح ناصر، وأ. مهنى بن عمر التيواجيني، ط2، (1415هـ-1994م)، مسقط– سلطنة عمان.
47- في رحاب القرآن مختصر تفسير العلامة بيوض، اختصره ورتبه وأشرف عليه: الشيخ الناصر بن محمد المرموري، ط1، (1423هـ -2003م)، (د .ن).
48- فواكه البستان الهادي إلى طريق الرحمن: سالم بن خميس بن سالم المحليوي، ط، (1408هـ- 1988م)، وزارة التراث القومي والثقافة– سلطنة عمان.
49- الفتح الجليل في أجوبة الإمام أبي الخليل: الشيخ محمد بن عبد الله الخليلي (ت1373هـ)، إشراف: عز الدين التنوخي، ط، (1385هـ- 1965م) دمشق- سوريا.
50- الفقه في إطار الأدب: الشيخ أبو سرور حميد بن عبد الله الجامعي، ط1، (1410هـ- 1990م)، وزارة التراث القومي والثقافة– سلطنة عمان. (1/126)
صفحة 127
51- قرة العينين في أجوبة الشيخين، ترتيب: محمد بن راشد الحبسي، صورة من المخطوط.
52- القاموس المحيط للفيروزأبادي: العلامة مجدي محمد يعقوب، ط3، (1400هـ– 1980م) المطبعة العصرية العامة للكتاب.
53- كتاب الجامع لأبي الحسن البسيوي: ط1، (1404هـ– 1984م)، وزارة التراث القومي والثقافة- سلطنة عمان.
54- كتاب الجامع: محمد بن الحواري، ط، (1405هـ- 1985م)، وزارة التراث القومي والثقافة– سلطنة عمان.
55- كتاب الجامع: محمد بن جعفر الأزكوي، تحقيق: د. جير محمد دل الفضيلات، ط1، (1422هـ- 2001م)، ( د.ن).
56- كتاب السير: أحمد بن سعيد الشماخي، ط، (1407هـ- 1987م)، وزارة التراث القومي والثقافة– سلطنة عمان.
57- كتاب الفتاوى: الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، ط1، (1424هـ-2004م)، الأجيال.
58- كشف الكرب: الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، ط، (1405هـ -1985م)، وزارة التراث القومي والثقافة– سلطنة عمان.
59- كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: علاء الدين علي المتقي الهندي (ت975هـ)، ط، (1413هـ-1993م)، مؤسسة الرسالة.
60- لسان العرب: أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الأفريقي المصري، ط1، 2000م، دار صادر، بيروت– لبنان.
61- لسان الميزان: الإمام الحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852ه)، ط3، (1406ه -1986م)، منشورات مؤسسة الأعلى، بيروت– لبنان.
62- مدارج الكمال في نظم مختصر الخصال: الشيخ عبد الله بن حميد السالمي، ط، (1403هـ- 1983م)، وزارة التراث القومي والثقافة– سلطنة عمان.
63- المدونة الكبرى: الشيخ أبي غانم الخرساني، ط1، (1404هـ-1984م)، وزارة التراث القومي والثقافة– سلطنة عمان.
64- مختصر الخصال للشيخ أبي إسحاق الحضرمي، ط، (1404هـ-1984م)، وزارة التراث القومي والثقافة– سلطنة عمان. (1/127)
صفحة 128
65- مسند أبي عوانة: الإمام أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الأسفرايني (ت316ه)، تحقيق: أيمن بن عارف الدمشقي، ط1، (1419هـ-1998م)، دار المعرفة، بيروت– لبنان.
66- مسند أبي يعلي: الحافظ أحمد بن علي التميمي (ت307هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت– لبنان.
67- المستدرك على الصحيحين: الحافظ أبي عبد الله النيسابوري، دراسة: مصطفى عبد القادر عطا، ط1، (1411هـ-1990م)، دار الكتب العلمية، بيروت– لبنان.
68- المسند: الإمام أحمد بن حنبل الحنبلي، ط1، (1416هـ-1995م)، دار الحديث، القاهرة– مصر.
69- مصادر البحث في العلوم الإسلامية: د. محمد صالح ناصر، ط2، (1416هـ-1995م)، معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد- سلطنة عمان.
70- مصنف في الحديث والآثار: الحافظ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي (ت235ه)، تحقيق: سعيد بن محمد الحام، ط، (1409هـ -1989م )، دار الفكر، بيروت– لبنان.
71- المصنف: الحافظ أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت211هـ)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، منشورات المجلس العالمي.
72- المصنف: الشيخ أحمد بن عبد الله الكندي، ط، وزارة التراث القومي والثقافة– سلطنة عمان.
73- معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال: الإمام عبد الله بن حميد السالمي، ط، (1403هـ-1983م)، وزارة التراث القومي والثقافة– سلطنة عمان.
74- معالم الإسلام في الأديان والأحكام: الشيخ سالم بن حمود السيابي، ط، (1404هـ-1984م)، وزارة التراث القومي والثقافة– سلطنة عمان.
75- معجم أعلام الإباضية من القرن (1هـ -15هـ)، ط1، (1420هـ-1999م)، جمعية التراث، غرداية_ الجزائر.
76- معجم البلدان: أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي، ط1، (1417هـ-1997م)، دار إحياء التراث.
77- المعجم الكبير: الحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت360ه)، تحقيق: حمدي عبد الحميد، مطبعة الأمة، بغداد– العراق. (1/128)
صفحة 129
78- معرفة السنن والآثار: أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (384هـ-458هـ)، وثّق أصوله وخرّج أحاديثه وعلّق عليه: د. عبد المعطي أمين قلعجي، ط1، (1411هـ-1991م)، دار الوغى، دار الوفاء للطباعة والنشر.
79- منهج الطالبين وبلاغ الراغبين: الشيخ خميس بن سعيد الشقصي، وزارة التراث القومي والثقافة– سلطنة عمان.
80- المنجد في اللغة العربية المعاصرة، ط13، دار المشرق، بيروت– لبنان.
81- المهّذب وعلم الأدب: محمد بن عامر المعولي (ت1190هـ)، تحقيق: محمد علي الصليبي، ط، (1408هـ- 1998م)، وزارة التراث القومي والثقافة– سلطنة عمان.
82- موسوعة أطراف الحديث النبوي: محمد السعيد بن بسيوني زغلول، ط1، (1414هـ-1994م)، دار عالم التراث.
83- موطأ الإمام مالك: الإمام مالك بن أنس، حقق أصوله وخرّج أحاديثه على الكتب الستة: خليل مأمون، دار المعرفة، بيروت– لبنان.
84- نصب الراية لأحاديث الرواية للإمام جمال الدين أبي محمد الحنفي الزيلعي، ط3، (1407هـ- 1987م)، بيروت– لبنان.
85- النظم المحبوب في غاية المطلوب: نظم للشيخ سالم بن سيف الأغبري، ط، (1404هـ-1984م)، وزارة التراث القومي والثقافة– سلطنة عمان.
86- هميان الزاد إلى دار المعاد: الشيخ محمد بن يوسف الوهبي، ط، (1409هـ- 1989م)، وزارة التراث القومي والثقافة– سلطنة عمان.
87- الهداية في علم تخريج الرواية: د. عمر محمد عبد المنعم الفرماوي، مكتبة الإيمان- المنصورة.
88- وفيات الأعيان وأنباء الزمان: أبي العباس شمس الدين أحمد بن أبي بكر بن خلكان (ت681ه )، ط1، (1417هـ- 1997م)، دار إحياء التراث العربي، بيروت– لبنان.
ثانياّ: المقابلات الشخصية
1- مقابلة بسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام بالسلطنة.
2- مقابلة بفضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي المستشار العلمي بمكتب الإفتاء.
3- مقابلة بالشيخ إبراهيم بن ناصر الصوافي الباحث بمكتب الإفتاء.
تم بحمد الله
فهرس الموضوعات (1/129)
صفحة 130
الموضوع ... الصفحة
ملخص البحث ... ..
إهداء ... ..
مقدمة ... 01
الفصل الأول: التعريف بفني التحقيق والتخريج ... 03
المبحث الأول: التعريف بفن التحقيق لغة واصطلاحا ... 04
المبحث الثاني: التعريف بفن التخريج لغة واصطلاحا ... 06
الفصل الثاني: التعريف بأبي غانم ومنهجيته في المدونة ... 09
المبحث الأول: حياة الإمام أبي غانم وآثاره ... 10
المبحث الثاني: منهجية أبي غانم في المدونة ... 16
المبحث الثالث: ترجمة للشيخ المرتٍّب ... 22
الفصل الثالث: النص المحقق ... 25
المبحث الأول: باب المكاتبة ... 26
المبحث الثاني: كتاب الوصايا ... 39
المبحث الثالث: كتاب الشهادة ... 66
خاتمة ... 82
فهرس الأعلام ... 83
الملاحق ... 85
المصادر والمراجع ... 103
فهرس الموضوعات ... 111 (1/130)