صفحة 1
الكتاب: حاشية الترتيب على الجامع الصحيح
المؤلف: أبو ستة السدويكشي أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبي ستة
تحقيق: إبراهيم محمد طلاي
الناشر: مطابع دار البعث
مكان النشر: قسنطينة، الجزائر
تاريخ النشر: 1994
عدد الأجزاء: خمسة أجزاء
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) حاشية الترتيب على الجامع الصحيح
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
الجزء الأول
للشيخ العلامة أبو ستة السدويكشي أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبي ستة
إخراج وتحقيق:
إبراهيم محمد طلاي
مطابع دار البعث، قسنطينة، الجزائر
1994
مقدمة الكتاب
الحمد لله الذي أوضح لمعالم السنة سبيلاً، وجعلها على أحكام الشريعة دليلا، ومهَّد بها لمشارع الهداية وصولاً، والصلاة والسلام على محمد المبعوث للعالمين رسولا، المؤيَّد بالبراهين القاطعة، والحجج الساطعة والآيات الباهرة. أظهره الله بها على الكفرة الجاحدة، وغيرهم من الملحدة المتنافرة، وأمدَّه بالكتاب الناطق واللسان الصادق، رحمةً وبشرى للمؤمنين، وموعظة وذكرى للمتقين؛ فشفا بهما من ظمأ القلوب غليلاً، وصار سيف الحق ببرهانهما صقيلا، وصلى الله عليهِ وعلى آلهِ وأصحابه وأتباعه بكرة وأصيلا. وبعد:
فلما كان علم الأحاديث النبوية من أنفس ما يقتنى، وأعز ما يُشتغل بتوصيله ويعتنى، صنّف فيها الحفَّاظ المبرّزون مصنفات كثيرة، لاشتمالها على المنافع الدينية والدنيوية، وكان من أصحِّها رواية، وأخفِّها رعاية تصنيف أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني المسمَّى بكتاب الترتيب أجراه الربيع بن حبيب أوَّلا، لكون أحاديثه غير مرسلة، بل هو عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة عن جابر بن زيد عن ابن عباس وغيرهم عن النبي عليه السلام ورضي الله عنهم أجمعين.
غير أنَّ في بعض أحاديثه صعوبة وإجمالاً يحتاجان إلى الحل والبيان، والكشف عن وجه عرائسه الحسان، غمست بذلك في خدرها زمانا فلا تستطاع، ولم تتعلق بنيلها الأطماع، إلى أن منَّ اللّه على عباده المؤمنين وأوليائه المتقين، المجدين في طلب العلم، المجتهدين مثل العالم العلامة، البحر الحبر الفهَّامة، الجامع بين المعقول والمنقول، الشيخ أبي عبد الله محمد بن عامر بن أبي ستة السَّدْوِيكْشي، رجع من مصر القاهرة البهية، إلى جزيرة جربة (1/1)
صفحة 2
الفاخرة المحمية، في رجب سنة ثمان وستين وألف، فشمَّر عن ساق الجد والاجتهاد، في شرح هذا الكتاب وغيره من كتب الأصحاب، وحلَّ صعوبتها، وبيَّنَ مجملها ومشكلها ترغيبا للطلاب، ورجاءَ جزيل الثواب من الملك الوهاب، جازاه الله بحسن صنيعه الجنة العلية، والغرف البهية في جوار خير البرية صلَّى الله عليه وعلى آلهِ وأصحابهِ الخيرية، وهذا أول كلامه بعد قول المصنف. (1/2)
صفحة 3
الباب الأول
في النية
01) ... قَالَ أَبُو عَمْرٍو الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَمْرٍو الْبَصْرِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ التَّمِيمِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ الأُزْدِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ».
وَبِهَذَا السَّنَدِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَال: َ) خ إنما («الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
قوله: «نية المؤمن خير من عمله».
بدأ رحمه الله بحديثي النية تنبيهاً للطالب على مزيد الاعتناء والاهتمام بحسن النية، والإخلاص في الأعمال، فإنه روحها الذي به قوامها، وبفقده تصير هباءً منثورا.
قال الشيخ أبو طاهر رحمه الله في القواعد بعد ذكر الحديث ومعناه والله أعلم: "إنَّ النية في نفسها خير من الأعمال إذا كانت لا تصح إلا بها، ونية المؤمن اعتقاده طاعة الله ولو عاش ألف سنة، وإن مات دونها انقطع عمله ولم تنقطع نيته" إلى آخره.
وقوله رحمه الله: «ونية المؤمن» هو بالواو فيما رأيناه من النسخ، والظاهر أن يكون بالواو ليكون توجيهاً ثانيا للحديث. وحاصل التوجيهين: إنما كانت النية أفضل من الأعمال إما لتوقف صحة العمل عليها، وإما لأنها مستدامة والعمل منقطع، ثم ظهر أن الأولى صنيعه رحمه الله، فتكون خيرية النية معللة بوجهين: أحدهما توقف الأعمال عليها، والثاني دوامها مع انقطاع العمل.
ثم قوله: «خير من عمله» يحتمل أنَّ المراد خير من عمله الذي تجرد عن النية، وهو المناسب للتوجيه الأول، فيكون أفعل التفضيل على بابه، على حد {اَصْحَابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} [الفرقان:24] يعني أنهم حازوا أصل الفعل. ويحتمل أنه خير من عمله مطلقا وهو المناسب للتوجيه الثاني، لدوامها وانقطاعه، فيكون أفعل على بابه، والله أعلم. (1/3)
صفحة 4
وفي كلام بعضهم ما يدل على أن معنى كون "نية المؤمن خير من عملهِ" أن النية أحد أقسام كسب العبد، فإنهُ يكون بالقلب والجوارح واللسان، وهي تكون عبادة بانفرادها بخلاف القسمين الأخيرين، ولأن القول والعمل يدخلهما الفساد بالرياء، بخلاف النية، والله أعلم.
وزاد في الجامع الصغير في هذا الحديث: "وعمل المنافق خير من نيته، وكلٌّ يعمل على نيتِه؛ فإذا عمل المؤمن عملاً نارَ في قلبه نور". ولعل هذه الزيادة لم تثبت عند المصنف رحمه الله ولذلك تركها، ولم يتكلم شارح الجامع على هذا الحديث بشيء.
وسمعت عن بعض فقهائهم أنَّ هذا الحديث ورد على سبب، وذلك أن عثمان أراد أن يحفر بئرا في موضع فسبقه إليها بعض المنافقين فحفرها فقال عليه السلام: "نية المؤمن" إلى آخره، والمعنى أن نية المؤمن الذي هو عثمان خير من عمل ذلك المنافق؛ ولكن لا يناسبه بقية الحديث عندهم، فالظاهر الأول، والله أعلم.
والنية؛ قال الراغب: "تكون مصدراً واسماً من نويت، وذكر غيره أنهُ يجوز فيها التشديد على أنها من نوى بمعنى قصد، فأصل نية (نوْيَة) فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، كما في سيد وميت، ويجوز فيها التخفيف على أنها من نوى بمعنى (بعد وأبطأ) لأن النية وسيلة لحصول المنويّ مع بُعده لعدم الوصول إليهِ بالجوارح وحركاتها الظاهرة، وأصلها نِوية بكسر النون فأُعِلّ إعلال سنة" وهي لغةً: القصد الذي عززه القلب، وشرعا: قصده المقترن بالفعل، أي إلا في الصوم، لقولهِ عليهِ السلام: "لا صوم لمن لم يبيت الصيام من الليل"؛ وكذلك الكفارات. وعند قومنا يجوز تقديم النية على الشروع في الفعل، ويستحب عندنا وعند الشافعية وبعض أصحاب مالك مساعدة اللسان لها خلافاً للمشهور من مذهب مالك، ومحلها القلب؛ وقيل الدماغ. ورُدَّ بأن هذا لا مجال للراد فيهِ بل يتوقف على السمع، والأدلة السمعية دالة على الأول كقوله تعالى {وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5] والإخلاص إنما يكون بالقلب. (1/4)
صفحة 5
قال العلقمي في الحديث الثاني: "قال بعضهم: والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه على ما بعده" وتقسيمه بقوله: «فمن كانت هجرته» إلى آخره فإنهُ تفصيل لما أجمله واستنباط للمقصود عما أصله على أهل الإشارة.
قال بعضهم: "النية جمع الهم في تنقية العمل للمعمول له وأن لا يسنح في السر ذكر غيره، وقال بعضهم: نية العوام في طلب الأغراض مع نسيان الفعل، ونية الجهال التحصن عن سوء القضاء ونزول البلاء، ونية أهل النفاق التزين عند الله وعند الناس، ونية العلماء لحرمة ناصبها لا لحرمتها، ونية أهل التصوف ترك على ما يظهر منهم من الطاعات، ونية أهل الحقيقة في ربوبية تولدت عن عبودية". انتهى كلام الطيبي.
وإنما شرعت لتمييز العبادة من العادة، كالغسل يكون للجنابة تنظيفاً وعبادة، أو لتمييز العبادات بعضها عن بعض كالتيمم يكون للجنابة والوضوء؛ وصورتهما واحدة، والصلاة تكون فرضاً ونفلاً، وكذلك الصوم والحج وغير ذلك.
قال ابن حجر: "فلا تجب في عبادة لا تكون عادة أولا تلتبس بغيرها كالإيمان بالله، والمعرفة به، والخوف والرجاء، والنية، والقراءة والأذكار، حتى خطبة الجمعة على الأوجَه، لتمييزها بصورتها مع لزوم التسلسل أو الدور لو اتفقت النية على نية، ولزوم التناقض المحال لو توقفت المعرفة عليها، إذ هي قصد المنوي؛ ولا يقصد إلا ما يعرف، فيلزم أن يكون الإنسان عارفاً بالله تعالى قبل معرفته به، فيكون عارفا به غير عارف به في حال واحدة، إلى أن قال: ولا تجب في المتروك كترك الزنا إلا لحصول ثواب الترك، لأن القصد اجتناب المنهي وهو حاصل بانتفاء وجوده، وإن لم تكن نية. إلى آخره، وكذا لا تجب في إزالة النجاسات، وردّ المغصوب والعواري والودائع وقضاء النفقات، وغير ذلك مما هو معقول المعنى، إلا إذا أراد حصول الثواب"، والله أعلم.
قول: "الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى". هذا الحديث متفق على صحته، وهو مجمع على عظم موقعه وجلالته وكثرة فوائده، وأنه أصل عظيم من أصول الدين. (1/5)
صفحة 6
قال أبو عبيد: "ليس في الأحاديث أجمع وأغنى وأكثر فائدة منه"، ومن ثم قال أبو داود: "إنه نصف العلم، ووجهه أنه أصل أعمال القلب والطاعة المتعلقة بها، وعليهِ مدارها"، فهو قاعدة عظيمة للدين، ومن ثم كان أصلاً في الإخلاص أيضاً، وأعمال القلب تقابل أعمال الجوارح بل تلك أجلّ وأفضل. بل هي الأصل فكان نصفا، بل أعظم النصفين كما تقرر.
وقال كثيرون، منهم الشافعي: "إنه ثلث العلم"، قال البيهقي: "لأن كسب العبد إما بقلبهِ أو بلسانهِ وجوارحه، فالنية أحدها وأرجحها لأنهما تابعان لها صحة وفساداً، وثواباً وحرماناً، ولا يتطرق إليها رياء ونحوه بخلافهما". ومن ثم ورد "نية المؤمن خير من عمله" إلى آخره، قاله ابن حجر، ثم قال: وقال الشافعي أيضاً: "إنه يدخل في سبعين بابا. ولم يُرد به المبالغة، خلافاً لمن وهم فيه، لأن من تدبر مسائل النية في متفرقات الأبواب وجدها تزيد على ذلك، إذ يدخل في ربع العبادات بكماله، وكنايات العقود والحلول والإقرار والأيمان، إلى آخر ما أطال فيه، قال بعضهم: "وليس متواترا كما زعمه بعض الناس بفقد شرط التواتر في أوله، ولكنه مجمع على صحته".
وهو ظاهر كلام المصنف رحمهُ الله حيث قال: "وبهذا السند فإن ابن عباس رضي الله عنهُ راو لهذا الحديث عن النبي من غير واسطة، خلافاً لما ذكره القوم في كتبهم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد انفرد برواية هذا الحديث عن النبي. قال اللخمي: "وقد روي من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وابن عباس، وابن عمر ومعاوية"، قالوا: ولا يصح سنده إلا من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه انتهى، ووافقه على ذلك ابن حجر حيث قال: إذا لم يرو هذا الحديث غيره من طريق صحيح، وإن رواه عنه نحو عشرين صحابيا انتهى، وذكر كل منهما أنه لم يروه عن عمر رضي الله عنه إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولم يروه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التميمي، ولم يروه عن محمد إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، وروى عن يحي نحو مائتين وخمسين رجلاً انتهى، واللفظ للخمي.
والعجب منهما كيف يثبتان الرواية عن عمر لجماعة من الصحابة ثم يقصرونها على علقمة بن وقاص ومن ذكر بعده، ولعل هذا بالنظر إلى ما صح عندهم، وهي (1/6)
صفحة 7
بشهادة نفر في قصرها على عمر وعلى علقمة عن عمر، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وذكروا أنه روي في الصحيحين عندهم بألفاظ "إنما الأعمال بالنيات. إنما الأعمال بالنية. الأعمال بالنيات. العمل بالنية" قال اللخمي: وجه إفراد النية على إحدى الروايتن لكونها مصدراً، وإنما جمعت في رواية بالنيات لاختلاف أنواعها ومعانيها، لأن المصدر إذا اختلفت أنواعه جمع نحو العلوم والحلوم والأشغال، فمتى أريد مطلق النية من غير نظر لأنواعها تعين الإِفراد، ومتى أريد ذلك جمعت. انتهى.
ثم قوله: «الأعمال» قال ابن حجر الهيثمي: هي حركات البدن؛ فيدخل فيها الأقوال ويُتجوّز بها عن حركات النفس وأثرها، أي أثر الأعمال على الأفعال لئلا يتناول أفعال القلوب وهي لا تحتاج لنية، وأل فيها للعهد الذهني، أي غير العادية لعدم توقف صحتها على نية، أو للاستغراق وهو ما حكي عن جمهور المتقدمين؛ ولا يَرد عليهِ نحو الأكل من العاديات، ونحو قضاء الديون من الواجبات، لأن من أراد الثواب عليها احتاج إلى نية كما يأتي، لا مطلقاً لحصول المقصود بوجوده وصورته. انتهى.
وقوله: «بالنيات» يجوز فيه التشديد والتخفيف على ما تقدم، والباء للسببية، وقيل للمصاحبة، فعلى الأول هو جزء من العبادة وهو الأصح، وعلى الثاني شرط، قالهُ ابن حجر، وقال العلقمي: قال شيخنا: قال الكراطني: الباء للمصاحبة، وقيل: للاستعانة، وقال ابن فرحون في إعراب العمدة: هي للسببية، أي إنما الأعمال ثابت ثوابها بسبب النيات، وتحتمل الإلصاق لأن كل عمل يلتصق بنيتهِ، وقال الحافظ ابن حجر يحتمل أن تكون للسببية بمعنى أنها مقدمة للعمل، فكأنها سبب في إيجاده، ولا بد من محذوف يتعلق به الجار والمجرور، إلى آخره، يعني لأنه وقع خبر المبتدإ.
قال اللخمي ناقلاً عن شيخهِ تقي الدين في شرح العمدة: "فمن أوجب النية قدَّره (إنما الأعمال مجزية أو معتبرة بالنيات، أو إنما صحة الأعمال أو اعتبار الأعمال بالنيات)، فيكون إنما حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ومن لم يوجبها قدَّره (إنما الأعمال كاملة بالنيات، أو إنما كمال الأعمال بالنيات). وحجة الأول من حيث إن الصحة أكثر لزوماً للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى، لأن (1/7)
صفحة 8
ما كان ألزم للشيء كان أقرب خطورا للبال عند إطلاق اللفظ. وهذا الحديث أصل في وجوب النية في سائر العبادات انتهى". يعني إلا ما قام الدليل على إخراجه من هذا العموم، كأن تكون عبادة معقولة المعنى كغسل النجاسات، أو تكون من باب الترك كترك الزنا وشرب الخمر ونحو ذلك، إلا إذا أراد حصول الثواب على ذلك فلا بد من النية كما تقدم، والله أعلم.
قوله: «ولكل امرئ ما نوى» في كتب قومنا (وإنما لكل امرئ ما نوى) قال ابن حجر الهيثمي: "أي جزاء الذي نواه دون الذي لم ينوه؛ ودون ما نواه غيره لهُ، فاستفيد من هذه الجملة دون التي قبلها وجوب التعيين في نية ما يلتبس إلى آخره، وقال اللخمي: "إن قلت: ما فائدة قوله (وإنما لكل امرئ ما نوى)، بعد تقدم لفظ يقتضي العموم وهو قوله: (إنما الأعمال بالنيات)؟ قلت: فيه معنى جليل وهو أن اللفظ به يقتضي اشتراط النية لكل عمل؛ وذلك يقتضي منع الاستنابة في النية؛ فاعرفه. وقد استثني من هذا نية الولي عن الصبي في الحج، إذ لو نوى واحد عن غيره لصدق عليه أنه عمل بنيته وذلك ممتنع، فلما قال صلى الله عليه وسلم: (وإنما لكل امرئ ما نوى) أفاد النص على منع الاستنابة في النية فاعرفه، وقد استثنى من هذا نية الولي عن الصبي في الحج، والمسلم عن زوجتِه الذمية عند طهرها من الحيض على القول بذلك، وحج الإنسان عن غيره، انتهى".
وهذا الحديث فيه زيادة في كتب قومنا لفظها (فمن كانت هجرته إلى الله ورسولهِ فهجرته إلى اللّه ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) وتكلموا عليه بما يطول ذكره، فليراجع. (1/8)
صفحة 9
الباب الثاني
في ابتداء الوحي
02) ... قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ: أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ». قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا.
قَالَ الرَّبِيعُ: «فَيَفْصِمُ عَنْهُ» أَيْ فَيَنْجَلِي.
الظاهر من سوق كلامه رحمه الله أنه ترجم لشيء ولم يتكلم عليه، اللهم إلا أن يقال: أراد بابتداء الوحي كيفية نزوله مطلقا والله أعلم، وقد بين كيفية ابتداء الوحي في المواهب وغيره من كتب قومنا.
قال في المواهب بعد كلام على كمية عمره صلى الله عليه وسلم، حين نزل عليه الوحي ما نصه: "وروى البخاري في التعبير من حديث عائشة: "أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" وكان يأتي حراء فيتحنث فيه (وهو التعبد) الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة يتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} حتى بلغ {ما لم يعلم}، فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، وقال: يا خديجة مالي؟، وأخبرها الخبر، ثم قال: قد خشيت على نفسي، فقالت له: كلا، أبشر. (1/9)
صفحة 10
فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَل، وتَقْري الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن قصي (وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي) فقالت له خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: ما ترى؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ياليتني فيها جذعا أكون حيا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أومخرجيّ هم؟ فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي به، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا". ثم لم يلبث ورقة أن توفي.
وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفىَ بذروة جبل لكي يلقي بنفسه منه تبدى له جبرائيل فقال له: يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبرائيل فقال: له مثل ذلك، انتهى".
والوحي ذكر له في السؤالات ثمانية أوجه، حيث قالوا: والوحي يتصرف على ثمانية أوجه: على الاسترسال كقوله عز وجل: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنم بَعْدِهِ ... } الآية [النساء:163]، والذي أوحي إليهم الأعمال بالنيات، عن أبي عمرو وعن أبي محمد ماكسن قال: فوفقه الله في آرائه وأوحى الصواب إلى قلبه أي ألهمه الصواب. والثاني: بمعنى الإلهام كقوله: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل:68]، {وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى} [القصص:7] أي ألهمها، والثالث: على الأمر قوله تعالى: {وَإِذَ اَوْحَيْتُ إِلىَ الْحَوَارِيِّينَ} [المائدة:111] أي أمرتهم، والرابع: على معنى البيان كقوله تعالى: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُّقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه:114] أي بيانه، والخامس: الوسوسة كقوله تعالى: {يُوحِي بَعْضُهُمُ, إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام:112] أي يوسوس، والسادس: على معنى القرآن {قُلِ اِنَّمَآ أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} [الأنبياء:45] أي بالقرآن، والسابع: على معنى الإيماء والإشارة كقوله عز وجل: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمُ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم:11] أي أومى، والثامن: على معنى الاستقرار كقوله تعالى: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة:5] أي أقرها فاستقرت، لها أي إليها، وهدأت (1/10)
صفحة 11
وسكنت عن الحركة والزلزلة التي أصابتها، وقال: أوحى لها القرار فاستقرت.
والوحي أصله الكلام الخفي؛ قال الشاعر يذكر ظليما وهقلة:
أوحى لها بأنقاض ونقنقة ... كما تراطن في أفدانها الروم
والوحي الكتاب قال جرير إلى آخره، ولا يناسب ما نحن فيه من المعاني المذكورة إلا كونه بمعنى القرآن أو الكتاب أو الكلام الخفي. وكلام القواعد يدل على أن المراد به هو العلم الذي خص به الأنبياء والرسل عليهم السلام، حيث قال: "والوحي علم الأنبياء والرسل". وسئل النبي عليه السلام فقيل له: كيف يأتيك الوحي؟ إلى آخره. فذكر رحمه الله الحديث عقب تفسير الوحي فدل على أنه بذلك المعنى، وقال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: {إِلاَّ وَحْيًا} [الشورى:51] "كلاما خفيا يدرَك بسرعة، لأنه تمثيل ليس في ذاته مركبا من حروف مقطعة يتوقف على تموجات متعاقبة، إلى آخره".
وقال في الصحاح: "الوحي الكتاب وجمعه وحًى مثل حلي وحلى، إلى أن قال: والوحي أيضا الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك؛ يقال: أوحيت إليه الكلام وأوحيت وهو أن تكلمه بكلام تخفيه إلى آخره"، وهذا المعنى الأخير شديد المناسبة للحديث، والله أعلم.
قوله: «مثل صلصلة الجرس» الصلصلة الصوت المضاعف؛ قال في الصحاح: "وصلصلة اللجام صوته إذا ضوعف، وتصلصل الحلي إذا صوّت إلى آخره، والجرس بفتح الراء وبالسين الذي يعلق في عنق البعير، والذي يضرب به أيضا، وفي الحديث "لا تصحب الملائكة وفقة فيها جرس".
قوله: «وهو أشده علي» أي أعظم حالات الوحي عليه وأصعبها.
قوله: «وقد وعيت» هو بفتح العين بمعنى حفظت وجمعت. وانظر هل هاتان الحالتان خاصتان بإتيان الوحي عيانا؟ وإنما خصهما بالذكر لكون ذلك هو الغالب في حقه صلى الله عليه وسلم، أو هما شاملتان لجميع حالاته، فليحرر.
قوله: «لَيَتَفَصَّد عرقا» الرواية في القواعد (لينصب عرقا)، ومؤدى الروايتين واحد، فإن الأولى بمعنى يسيل، والثانية بمعنى ينسكب، قال في (1/11)
صفحة 12
الصحاح: "وانفصد الشيء وتفصد سال، وقال أيضا: أصببت الماء فانصب أي سكبته فانسكب"، وفي بعض النسخ ليتفصد والمعنى واحد.
قوله: «أي فيذهب عنه» الظاهر أن هذا تفسير مزاد؛ ولذلك تعرض له، وليس هو معناه اللغوي كما يدل عليه كلام الصحاح حيث قال: فصمَ الشيء كسره من غير أن يبين، تقول: فصمته فانفصم، قال الله تعالى: {لاَ اَنفِصَامَ لَهَا} [البقرة:256] وتفصم مثله، إلى أن قال: وأفصم المطر أي أقلع، وأفصمت عنه الحمى انتهى". وفي بعض النسخ فيفصم عنه أي فينجلي، فعلى هذا يكون من أفصم المطر بمعنى أقلع، قال الخطابي: "وقوله: (يفصم عني) أي يقلع وينجلي ما يغشاني منه، وأصل الفصم القطع ومنه لا انفصام لها، إلى آخره". (1/12)
صفحة 13
الباب الثالث
في ذكر القرآن
3) ... قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ: حدَّثني أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «عَلِّمُوا أَوْلاَدَكُمُ الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَعَلَّمَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ هُوَ».
4) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَرَتِّلْهُ تَرْتِيلاً وَلاَ تَغَنَّوْا بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْمَلاَئِكَةُ لِذِكْرِهِ».
5) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ».
6) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ حُشِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمُ».
قَالَ الرَّبِيعُ: الأَجْذَمُ: الْمَقْطُوعُ الْيَدِ.
7) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ سِتَّةُ نَفَرٍ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ وَمُعَاذُ وَأَبُو زَيْدٍ وَأَبُو أَيُّوبٍ وَعُثْمَانُ (1) وَالْبَاقِي مِنَ الصَّحَابَةِ قَدْ يَحْفَظُ السُّوَرَ الْمَعْدُودَاتِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْفَظُ السُّورَةَ وَالسُّورَتَيْنِ.
8) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَجُلاً سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ
__________
(1) / قوله: زيد. هو زيد بن ثابت، وأبو زيد، قيل: ثابت والد زيد، وقيل: سعد القارئ الأوسي، وأبو أيُّوب خالد بن زيد وعثمان بن حنيف أخو سهل بن حنيف. (1/13)
صفحة 14
يُولَدْ ولَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا اَحَدٌ} وَيُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فكَانَ الرَّجُلُ يَتَقَلَّلُهَا (1) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لإِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ».
9) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَجَبَتْ» فَقُلْتُ: مَاذَا يَارَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «الْجَنَّةُ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى الرَّجُلِ فَأُبَشِّرَهُ، ثُمَّ خِفْتُ أَنْ يَفُوتَنِي الْغَدَاءُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَآثَرْتُ الْغَدَاءَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَهَبْتُ إِلَى الرَّجُلِ فَوَجَدْتُهُ قَدْ ذَهَبَ.
10) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ خَرَجَ مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ سَأَلَهُ ثَلاَثًا فَلَمْ يُجِبْهُ؛ فَقَالَ عُمَرُ عِنْدَ نَفْسِهِ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا عُمَرُ! نَزَّرْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) ثَلاَثًا وَكُلُّ ذَلِكَ لاَ يُحِبيبُكَ. قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى تَقَدَّمْتُ أَمَامَ النَّاسِ فَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَمَا مَشَيْتُ إِذْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ، فَهَرْوَلْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ»، ثُمَّ قَرَأَ: {إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا}.
11) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالذِينَ لَمْ يَكُونُوا عَلَى طَهَارَةٍ:
__________
(1) / يقلِّلها.
(2) / قوله: نزَّرت رسول اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّم ... في شرح الحديث: نزرت برسول الله، بتخفيف الزاي، ويجوز تشديدها، أي ألححت عليه. (1/14)
صفحة 15
«لاَ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، وَلاَ يَطَؤُونَ مُصْحَفًا بِأَيْدِيهِمْ حَتَّى يَكُونُوا مُتَوَضِّئِينَ».
12) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ لِئَلاَّ يَذْهَبُوا بِهِ فَيَنَالُوهُ.
قَالَ الرَّبِيعُ: يَعْنِي بِالْقُرْآنِ هَاهُنَا الْمُصْحَفَ.
13) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا ذَاتَ يَوْمٍ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ ذَكَرَ حَدِيثًا فَقَالَ: «ذَلِكَ أَوَانَ يُنْسَخُ الْقُرْآنُ» فَقَالَ رَجُلٌ كَالأَعْرَابِيِّ: يَارَسُولَ اللَّهِ، مَا النَّسْخُ؟ وَكَيْفَ يُنْسَخُ؟ قَالَ: «يُذْهَبُ بِأَهْلِهِ وَيَبْقَى رِجَالٌ كَأَنَّهُمُ الْبُغَاثُ». قَالَ الرَّبِيعُ: الْبُغَاثُ: أَرْذَلَةُ الطَّيْرِ (1).
14) ... أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ سَمِعَ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ قِرَاءَتِهِ هُوَ، قَالَ عُمَرُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَنِيهَا، فَلَبَّبْتُهُ (2) بِرِدَائِي فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ: «اِقْرَأْ» فَقَرَأَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ»، قَالَ عُمَرُ: فَقَالَ لِي: «اِقْرَأْ» فَقَرَأْتُ، فَقَالَ لِي: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ، فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ».
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى قَوْلِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» قَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ: وَعْدٌ، وَوَعِيدٌ، وَحَلاَلٌ، وَحَرَامٌ، وَمَوَاعِظُ،
__________
(1) / خ: أذلَّة الطير.
(2) / خ: بإزاره. (1/15)
صفحة 16
وَأَمْثَالٌ، وَاحْتِجَاجٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَلاَلٌ، وَحَرَامٌ، وَأَمْرٌ، وَنَهْيٌ، وَخَبَرُ مَا كَانَ قَبْلُ، وَخَبَرُ مَا هُوَ كَائِنٌ، وَأَمْثَالٌ. وَقَدْ قِيلَ: لاَ يُوجَدُ حَرْفٌ وَاحِدٌ مِنَ القُرْآنِ يُقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ التَّفْسِيرِ. (1)
15) ... أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آيَةٌ قَالَ: «اِجْعَلُوهَا فِي سُورَةِ كَذَا وكذا». وَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ وَالْقُرْآنُ مَجْمُوعٌ مَتْلُوٌّ.
16) ... قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ دَاوُدَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، وكَانَ اللَّه إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ فِي الأَرْضِ شَيْئًا أَنْزَلَ مِنْهُ، حَتَّى جَمَعَهُ». قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْضِي بِالْقَضِيَّةِ فَيَنْزِلُ الْقُرْآنُ بِخِلاَفِ قَضَائِهِ، فَلاَ يَرُدُّ قَضَاءَهُ، وَيَسْتَقْبِلُ حُكْمَ الْقُرْآنِ.
17) ... قَالَ الرَّبِيعُ عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءُ وَالْمَائِدَةُ وَالتَّوْبَةُ مَدَنِيَّاتٌ، وَالرَّعْدُ مَدَنِيَّةٌ إِلاَّ آيَةً وَاحِدَةً وَهِيَ: {وَلَوَ اَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الاَرْضُ ... }، وَالنَّحْلُ مَا فَوْقَ الأَرْبَعِينَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا مَدَنِيٌّ، وَالْحَجُّ مَدَنِيٌّ إِلاَّ أَرْبَعَ آيَاتٍ وَهِيَ: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ ... } إِلَى قَوْلِهِ: { ... عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} مَكِّيَّةٌ، وَالنُّورُ كُلُّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَالأَحْزَابُ كُلُّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَالْقِتَالُ وَالْفَتْحُ وَالْحُجُرَاتُ مَدَنِيَّاتٌ، وَمِنَ الْحَدِيدِ عَشْرُ سُوَرٍ مُتَوَالِيَاتٌ إِلَى: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ... } فَهَذَا كُلُّهُ مَدَنِيٌّ، و {لَمْ يَكُنِ الذِينَ كَفَرُوا ... } مَدَنِيَّةٌ، وَ {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ... } مَدَنِيَّةٌ، وَالْمُعَوِّذَتَانِ مَدَنِيَّتَانِ. فَهَذِهِ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سُورَةً مَدَنِيَّاتٌ، وَسَائِرُ الْقُرْآنِ مَكِّيٌّ».
__________
(1) / خ: التأويل. (1/16)
صفحة 17
قوله: «فرتلهُ ترتيلا» قال في الصحاح: "الترتيل في القراءة الترسل فيها والتبين بغير بغي، وكلام رتل بالتحريك أي مرتل، وثغر رتل إذا كان مستوي الأسنان، ورجل رتِل مثل تعب بيّن الرتل أي مفلج الأسنان، إلى آخره".
قوله: (بغير بغي) لعله البغي، مجاوزة المقدار بغير تغنّ. وقال: البيضاوي في قوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل:4] اقرأه على تؤدة وتبيين حروف بحيث يتمكن السامع من عدها، من قولهم: ثغر رتّل ورتل إذا كان مفلجا"، وقال في محل آخر: "وأصل الترتيل في الأسنان هو تفليجها إلى آخره"، والترسل التوءدة، قال في الصحاح: "وترسّل في قراءته أي اتأد فيها" وهي في بعض كتب قومنا، وقالت حفصة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها إلى آخره، وروي عن قتادة أنه قال: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "كان يمد مدا"، وفي رواية أخرى عنه: "كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: (كانت مدا). ثم قرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} بمد باسم الله وبمد بالرحمن وبمد بالرحيم. وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقطِّع قراءته، يقول: الحمد لله رب العالمين ثم يقف، الرحمن الرحيم، ثم يقف، قال: وكان يقرؤها {مالك يوم الدين}.
وقال العلماء: قول أم سلمة: "كان يقطع قراءته" يدخل فيها جميع ما كان يقرؤه عليه السلام من القرآن، وإنما ذكرت فاتحة الكتاب لتبين صفة التقطيع، أو لأنها أم القرآن فيغني ذكرها عن ذكر ما بعدها.
قال بعضهم: وتقطيع القرآن آية آية أولى عندنا من تتبع الأغراض والمقاصد والوقوف عند انتهاءها لحديث أم سلمة رضي الله عنها إلى آخره، وقيل لعائشة رضي الله عنها إن رجالا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثا، فقالت: أولئك قرؤوا أولم يقرؤوا إلى آخره. قال بعضهم: وأكثر العلماء يستحبون الترتيل في القراءة ليتدبره القارئ، ويتفهم معانيه. (1/17)
صفحة 18
وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك في الهز في القراءة فقال: من الناس من إذا هز كان أخف عليه، وإذا رتل أخطأ، ومن الناس من لا يحسن بهز، والناس في هذا على قدر درجاتهم وما يخف عليهم، وكلٌّ واسع، وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كان يختمون القرآن في ركعة وهذا لا يتمكن إلا بالهز، انتهى.
أقول: ومثل هذا ما روي عن أيوب بن العباس رحمه الله أنه قرأ القرآن بالليل في ركعتين حين ذهب مع أصحابه إلى تيهرت في زمن الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه، فعلى هذا يكون الأمر بالترتيل للندب، وروي عن بعضهم أنه قال: الترتيل هو تبيّن الحروف والمحافظة على الوقوف.
قوله: «ولا تغن به» مأخوذ من الغناء، بالكسر والمد وهو السماع، قال في الصحاح: "والأغنية الغناء والجمع الأغاني، تقول منه: تغنَّى وغنى بمعنى والغناء بالفتح النفع، والغناء بالكسر: من السماع، والغنى مقصور: اليسار، إلى آخره"، والظاهر أن المراد بالتغني به الترجيع والتطريب فيه. قال في الصحاح: "وترجيع الصوت ترديده في الحلق كقراءة أصحاب الألحان".
وقال أيضا: والتطريب في الصوت مده وتحسينه إلى آخره.
والحاصل أنه قد اختلف العلماء فيهما والأصح منعهما وكراهتهما، خلافا للشافعي وأبي حنيفة ومن وافقهما، لما روي عن زياد النميري أنه جاء مع القراء إلى النظر بن مالك فقيل له: اقرأ، فرفع صوته وطرب، وكان رفيع الصوت فكشف النظر عن وجهه وكان على وجهه خرقة سوداء فقال: ما هذا؟ ما هكذا كانوا يفعلون، وكان إذا رأى شيئا ينكره كشف الخرقة عن وجهه. وروي عن سعيد بن المسيب أنه سمع عمر بن عبد العزيز يؤم الناس فطرب في قراءته فأرسل إليه سعيد يقول: أصلحك الله إن الأئمة لا تقرأ هكذا، فترك عمر التطريب بعد.
وروي عن مالك أنه سئل عن الألحان في الصلاة، فقال: لا يعجبني، وقال: إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم، وروي عن القاسم بن محمد أن رجلا قرأ في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فطرب، فأنكر ذلك القاسم وقال: يقول الله عز وجل: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَّ يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنم بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:41/ 42]. (1/18)
صفحة 19
قالوا: وكانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم -وهو المبيّن عن الله عز وجل- لم يكن فيها تطريب ولا ترجيح وإنما كانت مدا، وأما ما احتج به المخالف من قوله عليه السلام: "زينوا القرآن بأصواتكم" فقالوا: إنه ليس على ظاهره، وإنما هو من باب القلب، أي زيّنوا بالقرآن أصواتكم، قال الخطابي: وهكذا فسره غير واحد من أئمة الحديث إلى آخره. وذكروا أنه وردت رواية أخرى عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "زينوا أصواتكم بالقرآن" أي الهجوا بقراءته واشغلوا به أصواتكم، واتخذوه شعارا وزينة، وقيل: معناه الحض على قراءة القرآن والذب عنه، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (حسنوا أصواتكم بالقرآن) قال: بعضهم وإلى هذا المعنى يرجع قوله عليه السلام: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" أي ليس منا من لم يحسّن صوته بالقرآن. كذلك قاله عبد الله بن يزيد وابن أبي مليكة، إلى آخره.
وقيل: إن معنى (يتغنى به) يستغني به من الاستغناء الذي هو ضد الافتقار من الغنا، يقال: تغنيت وتغانيت بمعنى استغنيت، وأغناه الله عز وجل، قال الجوهري: "تغنى الرجل بمعنى استغنى، وأغناه الله وتغانوا أي استغنى بعضهم ببعض"، وإلى هذا التأويل ذهب سفيان بن عيينه، ووكيع بن الجراح، ورواه سفيان أيضا عن سعيد ابن أبي وقاص رضي الله عنه.
وقد روي عن سفيان أيضا وجه آخر أي يستغني عما سواه من الأحاديث، وإلى هذا التأويل ذهب البخاري لقوله عز وجل: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمُ, أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت:51] والمراد الاستغناء بالقرآن عن أخبار الأمم، قاله أهل التأويل.
وقيل: إن معنى يتغنى به يتحزن به، أي يظهر على قارئه الحزن الذي هو ضد السرور عند قراءته وتلاوته، ذهب إلى هذا جماعة من العلماء منهم الحليمي، وهو قول الليث بن سعيد وأبي عبيد ومحمد بن حيان واحتجوا بما روي عن بعض الصحابة أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ولصدره أزيز (1/19)
صفحة 20
كأزيز المرجل من البكاء (الأزيز -بزايَيْن- صوت الرعد وغليان القدر) فقالوا: قضى الخبر ببيان واضح أن المراد بهذا الحديث الحزن، وورد عن سعيد بن وقاص عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن هذا القرآن نزل فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به فمن لم يتغن به فليس منا". قال أبو عبيدة: "ومحل الأحاديث التي جاءت في حسن الصوت إنما هو على طريق الحزن والتخويف والتشويق". وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن مِن أحسن الناس صوتا مَن إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله".
قوله: «قال الربيع الأجذم» يعني بالذال المعجمة من جذم الرجل بالكسر، قال في الصحاح: "وجذمت الشيء جذما قطعته فهو جذيم، وجذم الرجل بالكسر جذما صار أجذم وهو مقطوع اليد".
وفي الحديث "من تعلم القرآن ثم نسيه إلى آخره"، وذكر في القواعد الخلاف في نسيانه، هل المراد به نسيانه حتى لا يفرزه من الشعر، أو المراد به ترك العمل به وإن كان يقرؤه ظاهرا، وقيل: إذا نسيه بالمرض لا يكون عليه شيء. ثم الظاهر أن المراد بنسيانه حتى لا يفرزه من الشعر نسيان قراءته كما يدل عليه استدلاله وكلامه عقبه حيث قال: وهذا قد ورد فيه الوعيد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث، إلى أن قال: وقوله عليه السلام: "عُرضت علي أو قال نظرت ذنوب أمتي فلم أر أعظم ذنبا من ناسي القرآن" وذلك أنه لا ينسى إلا بهجرانه إياه، وتهاونه به، وإنما أراد القراءة ولم يرد نسيان نفس القرآن إلى آخره، يعني والله أعلم أن الوعيد يتوجه لمن ترك قراءته وإن كان حافظا له فعلى هذا يكون من ترك قراءته حتى نسيه من باب أولى، والله أعلم.
والحاصل أن المتبادر من الأحاديث الواردة في الأمر بتعاهد القرآن يدل أن الوعيد يتعلق بنسيان قراءته، وأما نسيان العمل به فإنه لا فرق فيه بين جميع المكلفين، والله أعلم.
لكن بقي الكلام على المراد بنسيان قراءة القرآن ترك قراءته وإن كان حافظا له، وهو المتبادر من تأويل الشيخ إسماعيل حيث قال: وإنما أراد القراءة ولم يرد نسيان بعض القرآن، أو المراد به زواله من القلب حتى لا يقدر على قراءته غيبا، (1/20)
صفحة 21
وهو المتبادر من ظاهر الحديث ومن كلامهم في الرجوع عن العلم، والله أعلم، فليحرر.
وقوله: _ «عثمان» قال في السؤالات عند ذكره لهؤلاء الستة وعثمان بن حنيف وهو الذي أخذ الزبير وطلحة ومن معهما يوم دخلوا البصرة في دار الإمارة وقتلوا من معه في سبعين شيخا رحمة الله عليهم، ونتفوا لحية عثمان وهو والي على البصرة، ولم يقتلوه خوف أهاليهم بالمدينة. عن سهل بن حنيف: لعنوا بما فعلوا إلا من تاب وعمل صالحا ثم اهتدى، وعثمان بن حنيف أخو سهل بن حنيف، انتهى.
قوله: «الغدا» في بعض النسخ القِرى، ومؤداهما واحد، فإن القِرى هو الإحسان إلى الضيف، ويجب فيه القصر والمد، قال في الصحاح: "وقريت الضيف قري مثل قليته قلى وقراءً أحسنت اليه، إذا كسرت القاف قصرت، وإذا فتحت مددت، إلى أن قال: واسم ذلك قرى بكسر القاف، وكذلك ما قري به الضيف إلى آخره، ويحتمل أن يكون هذا هو المراد في الحديث فيتعين فيه الكسر والقصر، والله أعلم.
قوله: «في بعض أسفاره» قال بعض علمائنا رحمهم الله على صلح الحديبية حين صده المشركون عن البيت، والحديبية بتخفيف الياء وتشديدها وهي بئر سمي المكان بها، وقيل شجرة، وقال المحب الطبري: قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم وهي على تسعة أميال من مكة. قاله في المواهب.
قوله: «ثكلتك أمك» أي فقدتك، قال في الصحاح: والثكل يعني بضم الثاء وسكون الكاف فقدان المرأة ولدها، وكذلك الثَكَل بالتحريك يعني بالفتح فيهما وامرأة ثاكل وثكلى، وثكلته أمه ثكلا يعني بضم الثاء أثكل الله أمه، والثكول التي ثكلت ولدها، ويقال قرحة للوالدات ومثكلة، كما يقال: الولد مبخلة ومجبنة، إلى آخره. قوله: «نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم» يؤخذ من كلام الصحاح وضبطه أنه يقرأ بتشديد الزاء من التنزير بمعنى الإلحاح والتصغير، قال: النزر القليل وقد نزر الشيء بالضم نزارة، وعطاء منزور، وقولهم: فلان لا يعطي حتى ينزر، أي يلح عليه ويصغر من قدره إلى آخره. (1/21)
صفحة 22
وقوله: «فهرولت». قال في الصحاح: الهرولة ضرب من العدو، وهو بين المشي والعدو، قوله: ثم قرأ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} [الفتح:1] قال البيضاوي: نزَلَت في مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلمَ من الحديبية، ثم: قال وعد بفتح مكة، والتعبير عنه بالماضي لتحققه، أو بما اتفق له من تلك السنة كفتح خيبر وفدك، أو إخبار عن صلح الحديبية وإنما سماه فتحا لأنه كان بعد ظهوره على المشركين حتى سألوا الصلح وسبب فتح مكة وفرغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم لسائر العرب فغزاهم وفتح مواضع، إلى آخره.
وقال في المواهب بعد كلام طويل: وأقام صلى الله عليه وسلم بالحديبية بضعة وعشرين يوما، وقيل: عشرين يوما ثم قفل وفي نفوس بعضهم شيء فأنزل الله سورة الفتح ليسليهم بها ويذكرهم نعمه فقال تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} [الفتح:1]، قال ابن عباس والنضر والبراء بن عازب: المراد بالفتح هنا فتح الحديبية ووقوع الصلح بعد أن كان المنافقون يظنون {أَن لَّنْ يَّنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُومِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمُ, أَبَدًا} [الفتح:12]، أي حسبوا أنهم لا يرجعون بل يقتلون كلهم.
وأما قوله تعالى: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح:18] فالمراد فتح خيبر على الصحيح، لأنها وقعت فيه الغنائم الكثيرة للمسلمين، وقد رواه أحمد وأبو داود والحاكم من حديث مجمع بن حارثة قال: شهدنا الحديبية فلما انصرفنا وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا عند كراع الغميم وقد جمع الناس فقرأ عليهم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} [الفتح:1]، فقال رجل: يا رسول الله أوَ فتح هو؟ فقال: "إي والذي نفسي بيده إنه لفتح"، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الشعبي: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} [الفتح:1] الحديبية، وغُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وتبايعوا بيعة الرضوان، وأطعموا نخيل خيبر، وظهر المسلمون على فارس، وأما قوله تعالى: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر:1]، فالمراد به فتح مكة.
قوله: «لا هجرة بعد فتح مكة» باتفاق إلى آخره.
قوله: «لا يقرؤون القرآن ولا يطؤون مصحفا» وفي بعض النسخ وفي نسخ الإيضاح: (لايقرؤون القرآن ولا يطؤون مصحفا) بالنون، ولا منافاة بينهما، لأنه وإن كان خبرا فمعناه الإنشاء، على حد {وَإِذَ اَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ (1/22)
صفحة 23
لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ} [البقرة:83]، وظاهر هذا الحديث عدم التفرقة بين الأحداث الثلاثة. وظاهر كلام الإيضاح يدل على التفرقة بينهما، وعلى التفرقة بين القراءة واللمس، وإن هذا النهي ليس متفقا عليه، فإنه ذكر في آخر باب الوضوء في مسألة ما تفعل له هذه الطهارة اختلافا بين العلماء هل يشترط لمس المصحف أولا، وذكر أن سبب الخلاف تردد المفهوم من قوله تعالى: {لاَ يَمَسُّهُ, إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79] بين أن يكون المطهرون بني آدم وبين أن يكون الملائكة وبين أن يكون هذا الخبر مفهومه النهي وبين أن يكون خبرا لا نهيا، إلى أن قال: بعد ذكر هذا الحديث مقويا لمن فهم من الآية بني آدم والنهي ما نصه: "ومن فهم من لفظ المطهرين الملائكة وفهم من الآية الخبر، قال ليس في الآية دليل على اشتراط هذه الطهارة في مس المصحف، وإذا لم يكن دليل لا من كتاب ولا من سنة ثابتة بقي الأمر على البراء الأصلية وهي الإباحة، انتهى.
أقول لكن قوله: «ولا من سنة ثابتة» مع ثبوت رواية جابر لهذا الحديث تأمل، وذكر أيضا في الإيضاح الخلاف هل من شرط القراءة هذه الطهارة أم لا، وذكر أن سبب الخلاف تعارض حديث جابر المذكور، وحديث علي أنه كان صلى الله عليه وسلم لا يمتنع من قراءة القرآن إلا إذا كان جنبا، انتهى.
وقال أيضا رحمه الله في آخر باب الجنابة: "واختلفوا أيضا في قراءة القرآن للجنب، فذهب الجمهور إلى منع ذلك لحديث علي فذكره، إلى أن قال: وذهب آخرون إلى إباحة ذلك قالوا: إن حديث علي لا يوجب شيئا، لأنه ظن من الراوي، ومن أين يعلم أحد أن ترك القراءة كان لموضع الجنابة إلا إن أخبره بذلك عليه السلام، والجمهور قالوا: لم يكن علي قال هذا عن توهم وظن، إنما قاله عن تحقق، وقوم جعلوا الحائض في هذا بمنزلة الجنب، وقوم فرقوا بينهما وأجازوا للحائض القراءة استحبابا لطول مقامها، وهي عندي أعذر من الجنب المضيع للغسل إذ هي لا تصل إلى الطهارة ولو اغتسلت فهي معذورة، والله أعلم، انتهى".
وقال أيضا عند آخر الكلام على ممنوعات الحيض: "وفي الأثر وليس على الحائض في ذكر الله وقراءة القرآن واستقبال القبلة بأس، ولا تمنع من ذكر الله، (1/23)
صفحة 24
وقال بعضهم: يكره لها قراءة القرآن، والأول أحب إلى العلماء لأنهم مجمعون على أنها تذكر الله، والذي خلق القرآن أعظم من القرآن، ولا يدنس الذكر بدنس الأجساد إلى آخره"، ولم يذكر رحمه الله الترخيص في مس المصحف للجنب ولا للحائض، وأما القراءة لمن لم يكن جنبا فالظاهر اختيار جوازها كما يؤخذ من كلامهم على ما لقارئ القرآن من الأجر، وهو أنه إذا كان في الصلاة فله بكل حرف خمسون حسنة، وإذا كان خارجا من الصلاة فله بكل حرف عشر حسنات إذا كان على الوضوء، وإذا كان على غير الوضوء فله بكل حرف حسنة، وإذا كان الأمر كذلك يكون النهي عن القراءة حتى يكون متوضئا محمولا على التنزيه لا على التحريم، والله أعلم، فليحرر.
قوله: «المصحف» يجوز فيه ضم الميم وكسرها كما يؤخذ من كلام الصحاح حيث قال: "المصحف والمصحف، قال القراء: قد استثقلت العرب الضمة في حروف، فكسروا ميمها، وأصلها الضم، من ذلك: مِصحف، ومِخدع، ومِطرف، ومِغزل، ومِجسد لأنها في المعنى مأخوذة من أصحف أي جمعت فيه الصحف، وأطرف أي جعل في طرفيه علمان، وأجسد ألصق بالجسد، وكذلك المغزل إنما هو أدير وفتل إلى آخره.
قوله: «كأنهم البغاث» قال في الصحاح عن ابن السكيت: البغاث طائر أبغث إلى الغبرة دُون الرخمة، بطيء الطيران، وفي المثل: (إن البغاث بأرضمنا يستنسر) أي مَن جاورنا عزَّ بنا، وقال يونس: من جعل البغاث واحدا فجمعه بغثان، مثل غزال وغزلان، ومن قال للذكر والأنثى بغاثة فالجمع بغاث مثل: نعامة ونعام، وقال الفراء: بغاث الطير شرارها وما لا يصيد منها، وبغاث وبغاث ثلاث لغات، والأبغث قريب من الأغبر إلى آخره"، وقال شارح التوضيح: والبغاث بتثليث الموحدة أوله وبثاء مثلثة آخره فأوله مثلث الضبط، وآخره مثلث النقط وبينهما غين معجمة: طائر ضعيف يصاد ولا يصطاد.
قوله: «فَلَبَّبْتُهُ» يعني بالتشديد قال في الصحاح: "ولببت الرجل تلبيبا إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحره في الخصومة ثم جررته إلى آخره".
قوله: «قال أبو عبيدة: اختلف في معنى قول الرسول، إلى آخر» قال في الضياء: "طعن قوم من الملحدين في القرآن لاختلاف القراءات واختلاف أهل العلم في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن على (1/24)
صفحة 25
سبعة أحرف كلها شاف كاف" ولا معنى لطعن الملحدين في هذه الوجوه لأنهم ذهبوا من الاختلاف إلى التناقض فلم يجدوه بحمد الله، وليس بمستحيل أن ينزل الحكيم كلاما، يأمر بحفظه ودرسه ويبيح في قراءته الوجوه الصحيحة إلى آخره"، فذكر الوجهين اللذين ذكرهما المصنف ثم قال: "وقال قوم هي سبعة أوجه من اللغات متفرقة في القرآن لأنه لا يوجد فيه حرف قرئ على سبعة، وقال بعضهم هي سبع لغات في الكلمة. وقد تكلم أهل العلم في هذا المعنى وأكثروا وبيّنوا معاني قولهم بالاحتجاج، وهو معروف في آثارهم، وكل قد قال فيه بما يحتمل جوازه ألا ترى أن الألفاظ قد تختلف ولا يختلف المعنى لاختلاف الألفاظ.
والاختلاف نوعان اختلاف تغاير واختلاف تضاد، وليست واحدة والحمد لله في شيء من كتاب الله، إلا في الأمر والنهي من الناسخ والمنسوخ، واختلاف التغاير جائز، وذلك قوله تعالى: {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف:45] بضم الألف والتشديد، أي بعد حين. وبعد أَمَة بفتح الألف والتخفيف أي بعد نسيان، وأشباه هذا كثير، انتهى.
فلفظ الحديث في بعض كتب قومنا: "أقرأني جبريل القرآن على حرف فراجعته فم أزل أستزيده فيزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف".
العلقمي، قوله: (إلى سبعة أحرف) قال شيخ شيوخنا: أي على سبعة أحرف، يجوز أن يقرأ بكل وجه منها، وليس المراد أن كل كلمة وكل جملة منه تقرأ على سبعة أحرف بل المراد أن غاية ما ينتهي إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة، فإن قيل: إنا نجد بعض الكلمات يقرأ على أكثر من سبعة أوجه، فالجواب أن غالب ذلك إما أنه لا يثبت الزيادة وإما أن لا يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء كما في المد والإمالة ونحوهما، وقيل ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد، بل المراد التيسير والتسهيل، ولفظ السبعة أطلق على إرادة الكثرة في الآحاد كما تطلق السبعين في العشرات والسبع المائة في المئين.
وقال القاضي عياض: اختلف في المراد بالسبعة أحرف على نحو أربعين قولا، وأقربها قولان: أحدهما أن المراد سبع لغات، وعليه أبو عبيد وثعلب والأزهري والآخرون، وصححه ابن عطية والبيهقي؛ والثاني أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة نحو أقبل وتعالى، وأعجل وأسرع، وعليه سفيان (1/25)
صفحة 26
بن عيينة وابن وهب وخلائق، ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء. والمختار أن هذا الحديث من المشكل الذي لا يدرى معناه كمتشابه القرآن والحديث، إلى أن قال: والقدر المعلوم منه بعدد وجوه القراءات".
قوله: «فلم أزل أستزيده فيزيدني» أي فلم أزل أطلب منه أن يطلب من الله الزيادة في الأحرف، أي التوسع والتخفيف، ويسأل جبريل ربه أن يزيده، انتهى.
قوله: «أنزل الله القرآن كله» يعني من اللوح المحفوظ في الرابع والعشرين من شهر رمضان إلى بيت العز في السماء الدنيا ثم نزل بعد ذلك نجوما بحسب المصالح في عشرين سنة.
قال البغوي: روي عن مقسم عن ابن عباس أنه سئل عن قوله عز وجل: {شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءَانُ} [البقرة:185]، وقوله: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1]، وقوله: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [الدخان:4] وقد نزل في سائر الشهور وقال تعالى: {وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ} [الإسراء:106]، فقال: أنزل الله القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة في ليلة القدر من شهر رمضان إلى بيت العز في السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما في عشرين سنة فذلك قوله تعالى: {فَلآَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة:75]، قال داود بن هند: قلت للشعبي: {شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءَانُ} أما كان ينزل في سائر السنة؟ قال: بلى، ولكن جبريل كان يعارض محمدا صلى الله عليه وسلم في رمضان ما أنزل إليه، فيُحكم الله ما يشاء، ويثبت ما يشاء، وينسخ ما يشاء.
وروي عن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلت صحف إبراهيم في ثلاث ليال مضين من رمضان"، وروي في أول ليلة من رمضان، وأنزلت توراة موسى في ست ليال مضين من رمضان، وأنزل إنجيل عيسى في ثلاث عشرة مضين من رمضان، وأنزل زبور داود في ثماني عشرة مضت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمد صلى الله عليهم أجمعين في الرابعة والعشرين لست بقين بعدها)، انتهى. (1/26)
صفحة 27
قوله: «مدنيات إلى قوله سائر القرآن مكي» بيّن في الضياء ترتيب نزول كل من المكي والمدني من أول القرآن إلى آخره، حيث قال: ماأنزل منه بمكة أوله "اقرأ باسم ربك"، ثم نون والقلم، ثم المزمل، ثم المدثر، ثم تبت، ثم إذا الشمس كورت، ثم سبح اسم ربك الأعلى، ثم والليل، ثم الفجر، ثم الضحى، ثم ألم نشرح، ثم والعاديات، ثم والعصر، ثم الكوثر، ثم ألهاكم، ثم أرأيت، ثم الكافرون، ثم ألم تر، ثم الفلق، ثم الناس، ثم قل هو الله أحد، ثم والنجم، ثم عبس، ثم إنا أنزلناه، ثم والشمس وضحاها، ثم البروج، والتين، ثم لإيلاف، ثم القارعة، ثم لا أقسم بيوم القيامة، ثم الهمزة، ثم المرسلات، ثم قاف والقرآن، ثم لا أقسم بهذا البلد، ثم الطارق، ثم اقتربت الساعة، ثم ص، ثم المص، ثم قل أوحي، ثم يس، ثم الفرقان، ثم فاطر، ثم كهيعص، ثم طه، ثم الواقعة، ثم الشعراء، ثم النمل، ثم القصص، ثم سبحان الذي أسرى بعبده، ثم يونس، ثم هود، ثم يوسف، ثم الرعد، ثم الأنفال، ثم الصافات، ثم لقمان، ثم سبأ، ثم تنزيل الكتاب، ثم حم المؤمن، ثم حم السجدة، ثم حم عسق، ثم الزخرف، ثم الدخان، ثم حم الجاثية، ثم الأحقاف، ثم والذاريات، ثم الغاشية، ثم الكهف، ثم النحل، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم الأنبياء، ثم المؤمنون، ثم الم تنزيل السجدة، ثم والطور، ثم تبارك الذي بيده الملك، ثم الحاقة، ثم سأل سائل، ثم عم يتساءلون، ثم النازعات، ثم انفطرت، ثم انشقت، ثم الروم، ثم العنكبوت، ثم المطففين، فجميع ما نزل بمكة خمس وثمانون سورة وما نزل بالمدينة: البقرة، ثم آل عمران، ثم الأحزاب، ثم الممتحنة، ثم النساء، ثم إذا زلزت، ثم الحديد، ثم الذين كفروا، ثم الحجر، ثم الرحمن، ثم هل أتى على الإنسان، ثم الطلاق، ثم لم يكن، ثم الحشر، ثم الفتح، ثم النور، ثم الحج، ثم المنافقون، ثم المجادلة، ثم الحجرات، ثم التحريم، ثم الجمعة، ثم التغابن، ثم الصف، ثم إنا فتحنا، ثم المائدة، ثم التوبة وهي آخر
القرآن، وآخر القرآن: {لَقَدْ جَآءكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ} إلى آخر السورة. وقال مقاتل بن سليمان: وآخر ما أنزل من القرآن يوم الجمعة يوم عرفة والناس وقوف بعرفات رافعة أيديهم في الدعاء: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3] ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ولا حكم ولا حدود ولا فريضة، (1/27)
صفحة 28
غير آيتين من سورة النساء في آخرها قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَآءِ} [النساء:127]، وعاش النبي صلى الله عليه وسلم إحدى وثلاثين ليلة، ثم توفي في ليلة الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول. وهذا ما نزل بالمدينة والله أعلم. وفاتحة الكتاب قيل إنها مدنية وقيل إنها مكية، وقيل إنها مكررة فيهما.
وعن الضحاك: كل ما كان في القرآن "يا أيها الناس" فإنه نزل بمكة، وما كان "يا أيها الذين آمنوا" فإنه نزل بالمدينة.
وذكر قبل ذلك أن عدد السور المدني والكوفي والشامي مائة وأربع عشرة سورة بالمعوذتين، وعدد آياته في المدني ستة آلاف ومائتان وأربع عشرة آية، وفي الكوفي ستة آلاف ومائتان وسبع وثلاثون آية، وفي الشامي ستة آلاف ومائتان وست وعشرون آية.
وهو سبعون ألف كلمة وست مائة وأربع وعشرون كلمة، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "القرآن ألف ألف وسبعة وعشرون ألف حرف فمن قرأه صابرا محتسبا كان له بكل حرف زوجة من الحور العين)، وفي رواية: إن عدد حروفه ثلاث مائة ألف وخمسة وعشرون ألفا وثلاث مائة وخمسة وأربعون حرفا. وقد ذكرت أعداد كل حرف من الألف إلى الياء جميع حروف أ ب ت ث إلى آخرها في كتاب الإبانة، انتهى.
أقول وبين الروايتين بون بعيد، فإن بين عشرين ومائة ألف وبين ثلاث مائة ألف شيء لا يجوزه العقل، والظاهر الرواية الثانية، فإن أقصر الكلمات حرف واحد كتاء الضمير، وياء المخاطبة، وأطولها سبعة أحرف كالاستخراج والاستدعاء، كما هو معلوم، وإذا قسم العدد المذكور في الرواية الأخيرة على الكلمات من غير تفاوت صح لكل كلمة أربعة أحرف ونصف وعشر وزيادة يسيرة، وأما على رواية أنها ألف ألف وسبعة وعشرون ألف حرف فإنه لا يصح بوجه من الوجوه بعد ثبوت انحصار الكلمات في العدد المذكور كما هو ظاهر، والله أعلم. (1/28)
صفحة 29
الباب الرابع
في العلم وطلبه وفضله
18) ... قَالَ الرَّبِيعُ بن حبيب: أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اُطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ بِالصِّينِ»
19) ... وَمِنْ طَرِيقِهِ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًى لِمَا يَطْلُبُهُ».
قَالَ الرَّبِيعُ: الأَجْنِحَةُ بَدَلٌ مِنَ الأَيْدِي فِي بَابِ الدُّعَاءِ.
20) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ».
21) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْم لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَمِلَ بِهِ حَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا، ويُرْزَقُ الوُرُودَ عَلَى الْحَوْضِ». هَكَذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
22) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لاَ يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ الْعِلْمَ لَيَنْزِلُ بِصَاحِبِهِ فِي مَوْضِعِ الشَّرَفِ وَالرِّفْعَةِ، وَالْعِلْمُ زَيْنٌ لأَهْلِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ».
23) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَعْلِيمُ الصِّغَارِ يُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ». (1/29)
صفحة 30
24) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (1) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ، وَرَفْعُهُ: ذَهَابُ أَهْلِهِ».
25) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ».
26) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ، وَلاَ مُعْطٍ (2) لِمَا مَنَعَ اللَّهُ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجِدِّ مِنْهُ الْجِدُّ. مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عَلَى هَذِهِ الأَعْوَادِ، يَعْنِي الْمِنْبَرَ.
27) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رَسْمُ الْمِدَادِ فِي ثَوْبِ أَحَدِكُمْ إِذَا كَانَ يَكْتُبُ عِلْمًا كَالدَّمِ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَلاَ يَزَالُ يَنَالُ بِهِ الأَجْرَ مَا دَامَ ذَلِكَ الْمِدَادُ فِي ثَوْبِهِ».
28) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ أَصْحَابَهُ (3) عِزِينَ ذَاكِرِينَ فُنُونَ الْعِلْمِ، فَأَوَّلُ حَلْقَةٍ وَقَفَ عَلَيْهَا وَجَدَهُمْ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «بِهَذَا أَرْسَلَنِي رَبِّي». ثُمَّ قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ فَوَجَدَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْحَلاَل وَالْحَرَامِ، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الثَّالِثَةِ فَوَجَدَهُمْ يَذْكُرُونَ تَوْحِيدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَنَفْيَ الأَشْبَاهِ وَالأَمْثَالِ عَنْهُ، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ كَثِيرًا، ثُمَّ قَالَ: «بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي».قَالَ جَابِرٌ: لأَنَّ التَّوْحِيدَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ لاَ يَعْرِفُ تَوْحِيدَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.
__________
(1) / عن أبي هريرة، في نسخة القطب: عن أنس بن مالك عن أبي هريرة.
(2) / خ: معطي.
(3) / عِزِينَ وعِزُونَ جمع عِزة وزان عدة: الطائفة من الناس والجماعات. (1/30)
صفحة 31
29) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنَ الصَّحَابَةِ أَكْثَرُ فُتْيَاهُمُ حَدِيثُ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ (1): قَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ أَوْ يَتَوَضَّأُ».
30) ... أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَمَا لَمْ تَجِدُوهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفِي سُنَّتِي، فَمَا لَمْ تَجِدُوهُ فِي سُنَّتِي، فَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ».
31) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ أَقْبَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ، فَقَصَدَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَهَبَ وَاحِدٌ فِي حَاجَتِهِ؛ فَلَمَّا وَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) سَلَّمَا، فَقَصَدَ أَحَدُهُمَا إِلَى فُرْجَةٍ فِي الْحَلْقَةِ فَقَعَدَ فِيهَا، وَجَلَسَ الآخَرُ فِي الْحَلْقَةِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَمْرِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ»، فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَمَّا أَحَدُهُمْ فَآوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَاسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ فَاسْتَحْيَى اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ».
قوله: «اطلبوا العلم ولو بالصين». قال في الصحاح: "والصين بلد، والصواني الأواني منسوبات إليه، انتهى".
ونحفظ أن الصين أقصى بلاد الإسلام، وأنه جزائر في بحر الهند، والمراد من هذا الحديث التحريض على طلب العلم وإن بَعُد محله، وأنه فريضة على مكلف، وجعلوا في كتب قومنا هذا الحديث والذي بعده حديثا واحدا مع زيادة، ولفظه في الجامع: "اطلبوا العلم ولو بالصين، فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم، وإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب" انتهى.
__________
(1) / خ: ويقولون.
(2) / خ: وأصحابه. (1/31)
صفحة 32
واعلم أن العلم الذي يكون طلبه فريضة على كل مكلف، ويحمل عليه الحديث على ظاهر كلام أصحابنا رحمهم الله: هو علم ما لا يسع جهله من توحيد وغيره كما هو معلوم، وأما سائر علوم الديانات فإنه من فروض الكفاية، إذا قام به البعض أجزى عن الباقين.
وأما مخالفونا فقد اختلفوا في معنى قوله صلَّى الله عليه وسلَّم "طلب العلم فريضة على كل مسلم" اختلافا كثيرا، قال العلقمي: "قال البيهقي في المدخل: أراد (والله أعلم) العلم العام الذي لا يسع البالغ جهله، أو علم ما يطرأ له خاصة، أو أراد فريضة على كل مسلم حتى يقوم به مَن فيه الكفاية".
ثم روي عن ابن المبارك أنه سئل عن تفسير هذا الحديث، فقال: "ليس هذا الذي تظنون؛ إنما طلب العلم فريضة أن يقع الرجل في شيء من أمر دينه يسأل عنه حتى يعلمه"، وقال البيضاوي: "المراد من العلم هنا ما لا مندوحة للعبد عن تعلمه، كمعرفة الصانع، والعلم بوحدانيته ونبوة رسوله، وكيفية الصلاة، فإن تعلمه فرض عين، إلى أن قال: قال الشيخ أبو حفص السهروردي: اختلف في العلم الذي هو فريضة، قيل: هو علم الإخلاص، ومعرفة آفات النفوس، وما يفسد الأعمال؛ لأن الإخلاص مأمور به، كما أن العمل مأمور به، وخدع النفس وغرورها وشهواتها تخرب مباني الإخلاص المأمور به، فصار علم ذلك فرضا، وقيل: معرفة الخواطر وتفصيلها؛ لأن الخواطر منشأ الفعل، وبذلك يعرف الفرق بين لمّة الملك ولمّة الشيطان، وقيل: هو طلب علم الحلال حيث كان أكل الحلال فريضة، وقيل هو البيع والشراء والنكاح والطلاق إذا أراد الدخول في شيء من ذلك يجب عليه طلب علمه، وقيل: هو علم الفرائض الخمس التي بني الإسلام عليها، وقيل: هو طلب علم التوحيد بالنظر والاستدلال أو النقل، وقيل: هو طلب علم الباطن وما يزداد به العبد يقينا، وهو الذي يكتب بصحبة الصالحين والزهاد والمقربين، فهم ورّاث علم النبي صلوات الله وسلامه عليه" انتهى.
قوله: «قال الربيع: الأجنحة بدل الأيدي في باب الدعاء». اقتصر رحمه الله في معنى وضع الأجنحة على هذا الوجه، وكأنه هو الذي صح عنده، وإلا فهو محتمل لغير ذلك أيضا. قال العلقمي: "وذكر أبو سليمان الخطابي في معنى وضع أجنحة الملائكة ثلاثة أقوال: أحدها بسط الأجنحة، والثاني أن المراد به التواضع (1/32)
صفحة 33
للطالب أي تعظيما لحقه، والثالث النزول عند مجالس العلم وترك الطيران، كقوله صلَّى الله عليه وسلَّم "ما من قوم يذكرون الله تعالى إلا حفت بهم الملائكة" انتهى.
قال العلقمي: "قلت: ولا مانع من اجتماعها، وقال أيضا: قلت: قوله: تبسط أي تضعها لتكون وطاء له إذا مشى كما في النهاية، وقيل: معناه المعونة وتيسير السعي في طلب العلم، وقيل: أراد به إظلالهم بها، إلى أن قال حاكيا عن بعضهم قال: كنا نمشي في بعض أزقة البصرة إلى دار بعض المحدثين فأسرعنا المشي، وكان معنا رجل فاجر متهم في دينه فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة لا تكسروها كالمستهزئ فما زال من موضعه حتى جفت رجلاه وسقط، قال الزهاوي: إسناد هذه الحكاية كالأخذ باليد إلى آخره.
قوله: «سهل الله له طريقا إلى الجنة» قال العلقمي: "قال الدميري: قال ابن العربي: لا خلاف أن طريق العلم طريق إلى الجنة، بل هي أوضح الطرق إليها، وقال الإمام السبكي: مجامع السعادة سبعة أشياء: الدين، والعقل، والعلم، والأدب، وحسن السمعة، والتودد إلى الناس، ورفع الكلفة عنهم، انتهى".
ثم قال: تظاهرت الآيات والأخبار والآثار، وتوازت وتطابقت الدلائل الصريحة وتوافقت على فضيلة العلم والحث على تحصيله والاجتهاد في أسبابه وتعليمه، وروى أبو الشيخ وابن عبد البر عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعلموا العلم فإن تعليمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلم صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والوزير عند الأخلاء، والقرين عند الغرباء، ومنار سبيل الخير يرفع الله به أقواما يجعلهم في الخير قادة هداة يهتدى بهم، أدلة في الخير تقتص آثارهم، وترمق أفعالهم، وترغب الملائكة في خلتهم، ثم بأجنحتها تمسحهم، وكل رطب ويابس يستغفر لهم حتى حيتان البحر وهوامّه، وسباع البر وأنعامه والسماء ونجومها، لأن العلم حياة القلب من العمى، ونور الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ به العبد منازل الأبرار والدرجات العلى، التفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته (1/33)
صفحة 34
تعدل القيام، وبه توصل الأرحام، هو إمام والعمل تابعه، يُلهَمه السعداء، ويُحرَمه الأشقياء" انتهى.
وذكر في الإيضاح في حق المجلس وفي الأثر قال صلى الله عليه وسلم: "إذا حضرت الجنازة وحضر مجلس العلم فإذا كان للجنازة من يتبعها ويدفنها فإن حضور مجلس العالم أفضل من ألف جنازة، وعيادة ألف مريض، ومن قيام الليل، وصيام ألف يوم، وصدقة ألف درهم، ومن ألف حجة سوى حجة الفريضة، وألف غزوة سوى الغزوة الواجبة تغزوها في سبيل الله بمالك ونفسك، وأنفع هذه المشاهد من شهد مجلس العلم، أمَا علمت أن الله يطاع بالعلم، ويعبد بالعلم، وخير الدنيا والآخرة مع العلم، وشر الدنيا والآخرة مع الجهل، فقال رجل: فقراءة القرآن يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويحك وما قراءة القرآن بغير علم، وما الحج بغير علم، وما الجهاد بغير علم، أما بلغك أن السنة تقضي على القرآن، والقرآن لا يقضي على السنة". إلى آخره.
قوله: «وإن العلم لينزل بصاحبه في موضع الشرف، إلى آخره» قال في السؤالات: "وحكي عن ابن الأعرابي أنه قال: دخلت البادية فلقيت رجلا من أهلها، فقال: ما أدخلك باديتنا هذه؟ فقلت له: طلب العلم، فقال له: أي بني عليك به فإنه زين في المجلس، وشرف في النسب، وأنس في السفر، وزيادة في المروءة، وأنشأ يقول إلى آخره.
قوله: «تعلموا العلم قبل أن يرفع، ورفعه ذهاب أهله» ومثله ما روي في الأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: عليكم بالعلم قبل أن يرفع، ورفعه بأن تهلك رواته، والذي نفسي بيده لَيَوَدَّن رجال قتلوا في سبيل الله شهداء أن يبعثهم الله عز وجل علماء لما يرون من كراماتهم، وإن أحدا لم يولد عالما، وإنما العلم بالتعلم، انتهى".
قوله: «فقه في الدين» قال العلقمي: "أي فهّمه الأحكام الشرعية إما بتصورها والحكم عليها، وإما باستنباطها من أدلتها، كل ميسر لما وهبه". (1/34)
صفحة 35
قوله: «لا مانع لما أعطى الله إلى آخره» ظاهر كتابة "لا مانع" اسم لا في هذا الحديث، وصريح كلام غيره أنه بالفتح من غير تنوين مع أنه شبيه بالمضاف؛ حيث اتصل به شيء من تمام معناه، وكان القياس تنوينه لكن جاء على ما ذهب إليه البغداديون.
قال في شرح التوضيح: وما ذكر من نصب المشبه بالمضاف وتنوينه هو مذهب البصريين؛ وأجاز البغداديون: (لا طالعَ جبلا) بلا تنوين، أجروه في ذلك مجرى المضاف، كما أجري مجراه في الإعراب، وعليه يتخرج الحديث: "لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت" قاله في المغني، وفي بعض كتب قومنا زيادة في هذا الحديث من أوله ولفظه.
وعن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، الحديث"، ثم قال في عقب هذا الحديث: دليل على استحباب هذا الذكر المخصوص عقب الصلاة المكتوبة، وذلك لما يشتمل عليه من معاني التوحيد، ونسبة الأفعال إلى الله تعالى، والمنع والإعطاء، وتمام القدرة. والثواب المرتب على الأذكار ثواب كثير من خفة اللسان بالأذكار، إلى أن قال: ليعلم أن المنع والإعطاء بيد الله سبحانه وتعالى.
«ولا ينفع ذا الجد» بفتح الجيم أي صاحب العناء والحظ منك غناه وحظه، أي إنما ينفع الإنسان عند الله عمله الصالح الذي يتقرب به إليه من صلاة وصدقات، ولا ينفعه غناه في الدنيا ولا حظّه ولا جاهه إلى آخره.
قوله: «رسمُ المداد في ثوب أحدكم إلى آخره»، ومثله ما روي عنه عليه السلام أنه قال: "يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء"، وفي بعض الروايات زيادة وهي: "فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء"، وذكر في القناطر في فضل العلم والتعليم من الآيات والأحاديث والآثار ما يقضي منه العجب، فليراجع.
قوله: «عزين» أي فرقا شتى جمع عزة، وأصلها عزو من العزو، وهو الانتساب قاله البيضاوي، وقال في الصحاح: "والعزه الفرقة من الناس والهاء عوض من الياء والجمع عزى، على فعل وعِزون وعُزون أيضا بالضم، ولم يقولوا (1/35)
صفحة 36
عزاة كما قالوا ثباة. ومنه قوله تعالى: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} [المعارج:37]، إلى أن قال: وقال الأصمعي: يقال في الدار عزون أي أصناف من الناس.
قوله: «فأول حلْقة» هي بالتسكين على الراجح والجمع حَلَق بفتحهما على غير قياس، وقيل: حِلَق بكسر الحاء كبَدْرة وبِدر، وقَصْعة وقِصَع.
قوله: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم إلى آخره» ذكر في الإيضاح أنه استدل به مَن فرّق بين القليل والكثير من الماء إذا خالطته نجاسة ولم يتغير أحد أوصافه، أما أصحابنا والشافعي فقالوا: إن كان كثيرا لا ينجس لقوله عليه السلام: "إذا كان الماء قدر قلّتين لم يحتمل خبثا" يعني ما لم يتغير أحد أوصافه لقوله عليه السلام: "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته"، وإن كان قليلا بأن كان أقل من قلّتين نجس، لقوله عليه السلام: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه أو يتوضأ"، ولما روي عنه عليه السلام أنه نهى الجنب أن يغتسل في الماء الدائم، ولقوله عليه السلام: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا".
قال في الإيضاح فدلت هذه الأحاديث على أن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة ولو لم يتغير أحد أوصافه، ثم قال بعد ذلك: وعن بعض أصحابنا أنه لا بأس بالبول في الماء الجاري لأن النهي إنما ورد في الماء الدائم لقلته.
قوله: «فإلى أولي الأمر منكم». الظاهر أنه يريد به علماء الشرع، لقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ, إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الاَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83]، وفي هذه الآية والحديث دليل على ثبوت القياس، واستدل من أنكر القياس بقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:59]، وقالوا: إنه تعالى أوجب ردّ المختلف فيه إلى كتابه وسنته دون القياس، وأجيب بأن ردّ المختلف إلى المنصوص عليه إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه وهو القياس، ويؤيد ذلك الأمر بالرد بعد الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله بأنه يدل على أن الأحكام (1/36)
صفحة 37
ثلاثة: مثبت بالكتاب، ومثبت بالسنة، ومثبت بالرد إليهما على وجه القياس، كذا ذكره البيضاوي.
قوله: «بينما هو جالس في المسجد» قال اللخمي في مثل هذا التركيب: "بينما هذه هو بين الظرفية زيدت عليها الألف لتكفها عن عملها الخفض، كما زيدت عليها (ما) أيضا لذلك، فإذا وليها الاسم العلم فالرفع نحو: بينما زيد قائم جاء عمرو، وإن وليها المصدر فالأحسن الجر، وجاز الرفع".
قوله: «فلما وقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه سلّما»، يؤخذ منه سنية السلام على من في المسجد ومجلس الذكر، وقد ذكر في الإيضاح في ذلك خلافا حيث قال: "وفي الأثر ولا يسلم على من يأكل ويشرب، ولا من كان في الخلاء، أو يشتغل للصلاة، ولا يسلم على من أخذ في الأذان أو في إقامة الصلاة، أو من كان في الصلاة أو مجلس الذكر، أو من يقرأ القرآن، أو من يقرأ الكتاب، أو من كان في المسجد، أو كل من اشتغل بذكر الله، إلى أن قال: ومن سلم على هؤلاء فليس لهم أن يردوا له السلام، إلى أن قال: وقال بعضهم: من أمكن له رد السلام من هؤلاء في ذلك الوقت فليرده مثل من كان في مجلس الذكر أو في المسجد وما أشبه ذلك، ومن لم يمكنه الرد مثل من كان في الصلاة فليرد عليه السلام إذا سلم، وفي الأثر: وقال: أحق بالسلام من كان في المجلس أو في ذكر الله، ويردونه أيضا إلى آخره". أقول: ويشهد لهذا القول هذا الحديث المروي هنا، والله أعلم.
قال ابن حجر: "ويستفاد منه أن الداخل يبدأ بالسلام، وأن القائم يسلم على القاعد، وإنما لم يذكر رد السلام عليهما اكتفاء بشهرته، أو يستفاد منه أن المستغرق في العبادة يسقط عنه الرد، ولم يذكر أنهما صليا تحية المسجد، إما لكون ذلك قبل أن تشرع، أو كان على غير وضوء، أو وقع فلم ينقل للاهتمام بغير ذلك من القصة، أو كان في غير وقت تنفل، إلى آخره.
قوله: «إلى فرجة في الحلقة»، قال ابن حجر: "فرجة بالضم والفتح معا هي الخلل بين الشيئين، والحلقة بإسكان اللام كل شيء مستدير خالي الوسط، والجمع حَلَق بفتحتين، وحكي فتح اللام في الواحد وهو نادر، وفيه استحباب التحليق في مجالس الذكر والعلم، وفيه أن من سبق إلى موضع منها كان أحق به من غيره". (1/37)
صفحة 38
قوله: «وقعد الآخر» قال ابن حجر: "بفتح الخاء المعجمة وفيه رد على من زعم أنه مختص بالأخير لإطلاقه هنا على الثاني".
قوله: «أوى إلى الله فآواه الله» قال ابن حجر: "قال القرطبي: الرواية الصحيحة بقصر الأول ومد الثاني وهو المشهور في اللغة، وفي القرآن: {اِذَ اَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} [الكهف:10] بالقصر، {وَءاوَيْنَاهُمَآ إِلى رُبْوَةٍ} [المؤمنون:50] بالمد، وحكي في اللغة القصر والمد معا فيهما، ومعنى أوى إلى الله لجأ إلى الله، أو على الحذف أي انضم إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى فآواه الله أي جازاه بنظير فعله بأن ضمه إلى رحمته ورضوانه. وفيه استحباب الأدب في مجالس العلم، وفضل سد الحلقة ما لم يؤذ، فإن خشي استحب الجلوس حيث انتهى كما فعل الثاني، وفيه الثناء على من زاحم في طلب الخير، انتهى".
قوله: «فاستحيى» أي ترك المزاحمة كما فعل رفيقه حياء من النبي صلى الله عليه وسلم وممن حضر، قاله القاضي عياض، إلى آخره.
قوله: «فاستحيى الله منه» قال ابن حجر: "أي رحمه ولم يعاقبه".
قوله: «فأعرض الله عنه». قال ابن حجر "أي سخط عليه"، وهو محمول على من ذهب مُعرضا لا لعذر، هذا إذا كان مسلما، ويحتمل أن يكون منافقا واطلع النبي صلى الله عليه وسلم على أمره، كما يحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم: "فأعرض الله عنه" إخبارا ودعاء، ووقع في حديث أنس: "فاستغنى فاستغنى الله عنه" وهذا يرشح كونه خبرا.
وإطلاق الإعراض وغيره في حق الله على سبيل المقابلة والمشاكلة فيحمل كل لفظ منها على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى. وفائدة إطلاق ذلك بيان الشيء بطريق واضح. وفيه جواز الإخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم للزجر عنها، وأن ذلك لا يعد من الغيبة. وفي الحديث فضل ملازمة حلق العلم والذكر، وجلوس العالم والذاكر في المسجد، وفيه الثناء على المستحيي، والجلوس حيث ينتهي به المجلس. ولم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تسمية واحد من الثلاثة المذكورين، والله أعلم، انتهى". (1/38)
صفحة 39
الباب الخامس
في طلب العلم لغير الله وعلماء السوء
32) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَيْلٌ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ (1) مَرَّةً وَوَيْلٌ لِمَنْ يَعْلَمُ وَلَمْ يَعْمَلْ مَرَّتَيْنِ».
33) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ خَائِبٌ مِنَ الْحَسَنَاتِ».
34) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِلْعَظَمَةِ وَالرِّفْعَةِ أَوْقَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَوْقِفَ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ حَسْرَةً وَنَدَامَةً حَتَّى (2) يَكُونَ الْعِلْمُ لأَهْلِهِ زَيْنًا»
35) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَفْتَى مَسْأَلَة أَوْ فَسَّرَ رُؤْيًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَمَنْ وَقَعَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَصَادَفَ بِئْرًا لاَ قَعْرَ لَهُ وَلَوْ أَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ».
36) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ وَلاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، تَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلاَ تَرَى شَيْئًا؛ ثُمَّ تَنْظُرُ فِي
__________
(1) / قوله: لمن لم يعلم مرّة في نسخة القطب لمن لا يعلم ولم يعلم مرّة
(2) / خ: حين. (1/39)
صفحة 40
الْقِدْحِ فَلاَ تَرَى شَيْئًا؛ ثُمَّ تَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلاَ تَرَى شَيْئًا، وَتَتَمَارَى فِي الفُوقِ».
قَالَ الرَّبِيعُ: النَّصْلُ حَدِيدَةُ السَّهْمِ، وَالْقِدْحُ السَّهْمُ الذِي فِيهِ الْحَدِيدَةُ، وَرِيشُ السَّهْمِ الذِي يُوضَعُ فِيهِ الوَتَرُ. (1)
37) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَدِمَ رَجُلاَنِ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَخَطَبَا، فَأَعْجَبَ (2) النَّاسَ بَيَانُهُمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا».
قَالَ الرَّبِيعُ: إِنَّمَا يَعْنِي بالبيان المنطقَ (3) بِالنَّاسِ حَتَّى يَأْخُذَ قُلُوبَهُمْ وَأَسْمَاعَهُمْ.
قوله: «ويل» جاز الابتداء بالنكرة لأنه دعاء على حد سلام عليكم، قال العلقمي: واختلف في معناه على أقوال: أظهرها ما رواه ابن حيان في صحيحه من حديث أبي سعيد مرفوعا: (ويل) واد في جهنم ... الخ، وذكر النووي أنه بمعنى الهلكة والخيبة، وقال البيضاوي: (فويل) أي تحسر وتهلك، ومن قال: إنه واد أو جبل في جهنم فمعناه أن فيها موضعا يتبوأ فيه من جعل لهم الويل، ولعله سماه بذلك مجازا، وهو في الأصل مصدر لا فعل له، إلى آخره، وفي مثل ما ورد في هذا الحديث قال بعضهم:
وعالم بعلمه لم يعملن ... معذب من قبل عباد الوثن
قوله: «ليباهي به العلماء». قال في الصحاح: "والمباهاة المفاخرة، وتباهوا أي تفاخروا إلى آخره".
قوله: «أو ليماري به السفهاء» قال في الصحاح: وماريت الرجل أماريه مراء إذا جادلته.
قوله: «والصَّغار» بالفتح، الذل والحقارة فهو من باب عطف التفسير.
__________
(1) / قوله: وريش السهم الذِي يوضع فيه أي يوضع في السهم ليقوى سيره عند الرمي. والوتر بفتحتين حبل القوس وفي النسخة سقط أشرنا إليه برمز التمريض، والصواب: «والفوق الذِي يوضع فيه الوتر» وفي نسخة القطب إسقاط ذكر الريش متنا وشرحا. ونصُّها: «ثمَّ تنتظر في القدح فلا ترى شيئا ثُمَّ تتمارى في الفوق». قال الربيع: النصل حديدة السهم، والقدح السهم الذِي فيه الحديدة، والفوق رأس السهم الذِي يوضع فيه الوتر، قال الربيع: ويروى أيضا: «في القديدة» ... الخ.
(2) / فعجب الناس ببيانهما.
(3) / قوله: يعني بالبيان المنطق، في نسخة القطب: يعني نطق اللسان لا يزال بالناس ... الخ. (1/40)
صفحة 41
قوله: «زينا» هو بفتح الزاي نقيض الشي.
قوله: «ولو أنه أصاب الحق» يعني لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء:36]. وفي السؤالات ما يدل على الخلاف في هلاكه حيث قال: واختلف العلماء فيمن أفتى مسألة بغير علم فأصاب؛ فقال قوم يهلك في القول والفعل وقال الله عز وجل: {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف:86] وقال: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف:33]، إلى أن قال: واستدلوا بقول المشايخ في رجل متول فعل كبيرة قدام نفر ثلاثة ولم يعرفوا ما بلغ به فعله ذلك فتولاه أحدهم، وتبرأ منه أحد منهم على الفعل، ووقف فيه الآخر، قالوا فيهم: إنهم هالكون جميعا، وهو جواب الشيخ هارون ابن أبي عمران لموسى بن سحرين الوسياني رحمة الله عليهما، وقيل: إن من تبرأ منه أخطأ ولا يهلك به، وقال قوم: يهلك في القول ويعصي في الفعل، وقال قوم: يعصي في القول ولا ينبغي له التقدم بالفعل، وقال قوم: لا ينبغي له القول بما لم يعلم، وأما الفعل فلا بأس، وروي عن الشيخ أبي عمرو من كتاب أن الذي لا يجوز أن يقول: علمت أن الله أحل لي هذا الظبي بغير علم وهو لم يعلم أنه حلال له فيعصي بذلك، وإذا قال: إنه حلال لي ولم يعن أن يدعي المعرفة فلا بأس حين أصاب، وكذلك إذا مر به الخنزير فقال هذه الدابة علي حرام، أو علمت أنها حرام علي، وأما إذا تقدم وأخطأ فهو أشد وأبعد من السلامة، والقول أشد من الفعل لأن القول يعدو القائل والفعل لا يعدو إلى غيره، وقال الله عز وجل: {لَولاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالاَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الاِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} [المائدة:63]، فقدم القول قبل الفعل، انتهى".
قوله: «تحقرون صلاتكم» أي تستصغرونها. قال في الصحاح: "حقره واحتقره واستحقره: استصغره".
قوله: «حناجرهم» جمع حنجرة بالفتح: في الصحاح، والحَنجرة والحنجورة الحلقوم بزيادة الواو، وقال البيضاوي: إلى رأس الحنجرة وهي منتهى الحلقوم مدخل الطعام والشراب". (1/41)
صفحة 42
قوله: «يمرقون» هو بضم الراء بمعنى يخرجون، قال في الصحاح: "ومرق السهم من الرمية مروقا أي خرج من الجانب الآخر، وبه سميت الخوارج مارقة لقوله عليه السلام: "يمرقون من الدين"، إلى آخره.
قوله: «من الرمية» هي بفتح الراء وكسر الميم وتشديد الياء، قال في الصحاح: "والرمية الصيد يرمى، يقال بئس الرمية الأرنب، أي بئس الشيء مما يرمى الأرنب، وإنما جاءت بالهاء لأنها صارت في عداد الأسماء.
قوله: «فلا ترى شيئا» أي شيئا من الدم.
قوله: «وتتمارى» أي تتشكك، قال في الصحاح: والامتراء في الشيء: الشك وكذلك التماري.
قوله: «النصل حديدة السهم» يعني بالنظر إلى المراد هنا، وإلا فقد قال في الصحاح النصل نصل السهم والسيف والسكين والرمح والجمع نصول ونصال، والقدح السهم الذي فيه الحديدة، لعله سمي بذلك نظرا إلى حاله قبل أن يجعل له النصل والريش، وإلا فقد قال في الصحاح: "القدح بالكسر السهم قبل أن يراش ويركب عليه نصله، وقدح الميسر أيضا، إلى آخره".
قوله: «والفوق رأس السهم إلى آخره» هو بضم الفاء وسكون الواو، كما ضبطه في الصحاح بالقلم حيث قال: والفوق موضع الوتر من السهم، والجمع أفواق وفوق، تقول: فقت السهم فانفاق أي كسرت فوقه فانكسر، وفوَّقته أي جعلت له فوقا، والأفوق السهم المكسور الفوق.
قال الأصمعي: يقال: رجع بأفوق ناصل أي بسهم منكسر لا نصل فيه، أي رجع بحظ ليس بتمام، وأفقت السهم أي وضعت فوقه في الوتر لأرمي به، وأوفقته أيضا، ولا يقال: أفوقته وهو من النوادر، إلى أن قال: والفواق ما بين الحلبتين من الوقت، لأنها تحلب ثم تترك سويعة لمرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب، يقال: (ما أقام عنده إلا فواقا)، وفي الحديث: "العبادة قدر فواق ناقة"، وقوله عز وجل: {مَا لَهَا مِن فَوَاقٍ} [ص:15] يقرأ بالفتح والضم أي مالها من نظرة وراحة وإفاقة، إلى آخره. (1/42)
صفحة 43
قوله: «إن من البيان لسحرا» زاد في المواهب: "وإن من العلم جهلا وإن من الشعر حكما"، قال: أما قوله: "من البيان لسحرا" فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجة من صاحب الحق فيسحر القول ببيانه فيذهب بالحق.
وأما قوله: "إن من العلم جهلا" فتكلف العالم إلى علمه ما لم يعلم بجهله.
وأما قوله: "إن من الشعر حكما" فهي هذه المواعظ والأمثال التي يتعظ بها الناس، ومفهومه أن بعض الشعر ليس كذلك لأن (مِن) تبعيضية، وفي البخاري: "إن من الشعر حكمة" أي قولا صادقا مطابقا للحق، وفي هذا الحديث ردٌّ على من كره الشعر مطلقا، انتهى.
قوله: «المنطيق» بكسر الميم هو البليغ. (1/43)
صفحة 44
الباب السادس
في الأمة يعني في مدحها وبيان حالها
38) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُ أُمَّتِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَيَعْمَلُونَ بِأَمْرِي وَلَمْ يَرَوْنِي فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى إِلاَّ مَنْ تَعَمَّقَ فِي الْفِتْنَةِ».
39) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلٍ».
40) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَخْتَلِفُونَ مِنْ بَعْدِي فَمَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا وَافَقَهُ فَعَنِّي وَمَا خَالَفَهُ فَلَيْسَ عَنِّي».
41) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ إِلَى النَّارِ مَا خَلاَ وَاحِدَةً نَاجِيَةٌ، وَكُلُّهُمْ يَدَّعِي تِلْكَ الْوَاحِدَةَ».
42) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَحْدَثَ فِي الإِسْلاَمِ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا».
43) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَقَالَ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنِّي (1) رَأَيْتُ إِخْوَانِي» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا بِإِخْوَانِكَ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِنَّمَا إِخْوَانِي الذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ»
__________
(1) / خ: لو أنِّي. (1/44)
صفحة 45
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ دُهْمٍٍ بُهْمٍ، أَلاَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، ولَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ فَأُنَادِيهِمْ: أَلاَ هَلُمَّ، فَيُقَالُ: (1) إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: فَسُحْقًا فَسُحْقًا».
يعني في مدحها وبيان حالها، كما يدل عليه قوله: «خير أمتي قوم يأتون من بعدي، إلى آخره» يتأمل هذا مع ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم على ما في الجامع الصغير وغيره من أنه قال: "خير أمتي القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يخلف قوم يحبون السمانة، ويشهدون قبل أن يستشهدوا"
وفي حديث آخر: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته" وفيه أيضا: "خير الناس قرني، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم يجيء قوم لا خير فيهم"، وفيه أيضا: "خير الناس قرني الذين أنا فيهم، ثم الذين يلونهم، والآخرون أراذل"، وفيه أيضا: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي من بعدهم قوم يسمنون ويحبون السمن، يعطون الشهادة قبل أن يُسألوها"، وفيه أيضا: "خير أمتي أولها وآخرها، وفي وسطها الكدر"، وفيها أيضا: "خير هذه الأمة أولها وآخرها، أولها فيهم رسول الله، وآخرها فيهم عيسى بن مريم، وبين ذلك نهج أعوج (أي طريق فاسد) ليسوا مني ولست منهم"، وفيه أيضا: "خيار أمتي في كل قرن خمس مائة، والأبدال أربعون، فلا الخمس مائة ينقصون، ولا الأربعون، كلما مات رجل أبدل الله من خمس مائة مكانه، وأدخل في الأربعين مكانه يعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويتواسون فيما آتاهم الله".
وفيه أيضا: "خيار أمتي الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا، وشرار أمتي الذين
__________
(1) / خ: لا. (1/45)
صفحة 46
ولدوا في النعيم وغذوا به، وإنما نهمتهم ألوان الطعام والثياب، ويتشدقون في الكلام"، وفيه أيضا: "خير أمتي علماؤها، وخيار علمائها لها رحماؤها، ألا وإن الله تعالى ليغفر للعالم أربعين ذنبا قبل أن يغفر للجاهل ذنبا واحدا، ألا وإن العالم الرحيم يجيء يوم القيامة وإن نوره قد أضاء يمشي فيه ما بين المشرق والمغرب كما يضيء الكوكب الدري" وفيه أيضا: "خيار أمتي الذين إذا رأوا ذكروا الله، وشرار أمتي المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة الباغون"، وفيه أيضا: "خيار أمتي الذين إذا غضبوا رجعوا"، وفيه أيضا: "خيار أمتي من دعا إلى الله تعالى وحبب عباده إليه".
فترى الأحاديث المذكورة أولا تخالف ظاهر رواية المصنف رحمه الله حيث جعلت الخير في قرن النبي عليه السلام وقرنين بعده، والأحاديث المذكورة آخرا ليس فيها تعيين، لأن الخبر المذكور فيها يصح في كل قرن، وأما ما ذكره المصنف فلعل المراد به الإشارة إلى قوم معينين كالرستميين مثلا لقوله صلى الله عليه وسلم حين نزل قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَاتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} الآية [المائدة:54]، "مِن رهطك يا سلمان"، ولقوله أيضا: "لو تعلق الدين بالثريا لنالته رجال من الفرس" أو كما قال. أو يكون المراد بتفضيلهم على غير من عينت لهم الخيرية في القرون الثلاثة، والله أعلم بحقيقة التأويل، فليحرر.
ثم رأيت صاحب المواهب يذكر في المسألة قولين وأن مذهب الجمهور تفضيل قرنه صلى الله عليه وسلم على غيره، حيث قال بعد قوله صلى الله عليه وسلم "خير الناس قرني" الحديث، ما نصه: "وهذا يدل على أن أول هذه الأمة أفضل ممن بعدها، وإلى هذا ذهب معظم العلماء، إلى أن قال: وذهب أبو عمر وابن عبد البر إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة، وأن قوله عليه السلام: "خير الناس قرني" ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول، وقد جمع قرنه صلى الله عليه وسلم جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان، وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو بعضهم الحدود.
وقد روى أبو أمامة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى سبع مرات لمن لم يرني وآمن بي". وفي مسند أبي داود عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون أي الخلق أفضل إيمانا؟ قلنا: الملائكة، (1/46)
صفحة 47
قال: وحق لهم بل غيرهم، قلنا: الأنبياء، قال: وحق لهم بل غيرهم، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني فهم أفضل الخلق إيمانا"، إلى أن قال: فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها في فضل عمل الأمة إلا أهل بدر والحديبية. ومن تدبر هذا الباب بان له الصواب والله يوتي فضله من يشاء، إلى أن قال: والحق ما عليه الجمهور وهو أن فضيلة الصحابة لا يعدلها عمل لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدلالة على أفضلية الصحابة على غيرهم كثيرة متظاهرة لا نطيل بذكرها، إلخ، والله أعلم.
قوله: «ما كان الله ليجمع أمتي على ضلال» استدل به على أن إجماع هذه الأمة حجة في حق أحد من هذه الأمة، وعلى أنها معصومة يعني أنه لا يقع إجماع هذه الأمة على الباطل لا عمدا ولا خطأ. وفي الصحاح والضلال والضلالة ضد الرشاد. والمراد بالأمة من ينعقد الإجماع باتفاقهم كما هو ظاهر، لأن اتفاق غير العلماء لا يكون حجة، وحجته أن اتفاق العلماء لا يتوقف على موافقة غيرهم.
قوله: «فما جاءكم عني، إلخ» يعني والله أعلم مما وقع الاختلاف فيه، وأما ما وقع الاتفاق عليه فإنه يجب العمل به، ولو خالف بحسب الظاهر الكتاب، فيكون ناسخا عند بعضهم أو مخصصا، فالأول قوله صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث" بعد قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ, إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا اِلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالاَقْرَبِينَ} الآية [البقرة:180]، حيث نسخت وصية الوالدين، والثاني كقوله صلى الله عليه وسلم في حق لهذه الأمة: "لها ما سعت وما سعي لها" أو كما قال بعد قول الله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلاِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} [النجم:39] حيث جعل خاصا بغير هذه الأمة، والله أعلم.
قوله: «وما خالفه فليس عني» يعني والله أعلم، أي بالنظر إلى ما يرجع إلى الأخبار بوقوع شين، أو انتفائه بعدم جواز النسخ فيه كالأحاديث التي يرويها قومنا في جواز الخروج من النار والرؤية وغير ذلك مما أخبر الله به بخلافه كما هو معلوم، وأما ما يرجع إلى الأمر والنهي والتحليل والتحريم فيجوز ورود (1/47)
صفحة 48
الأحاديث المخالفة لظاهر الكتاب في ذلك، فتُجعل ناسخة أو مخصصة كما تقدم، وكقوله صلى الله عليه وسلم: "أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام" بعد قول الله تعالى: {قُل لآَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِليَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ, إِلآَّ أَنْ يَّكُونَ مَيْتَةً اَو دَمًا مَّسْفُوحًا اَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} الآية [الأنعام:145]، فإن ذلك محمول على ما كان قبل نزول بقية المحرمات، والحديث محمول على ما كان بعد ذلك لقوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [الأعراف:157]. وطعن بعض المخالفين في الحديث الذي رواه المصنف فقالوا: عرضناه على كتاب الله فوجدناه مخالفا له، لأن الله يقول: {وَمَآ ءاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7]، وجوابه أنه لا يأتي عن الرسول صلى الله عليه وسلم إلا ما لا مصادمة فيه لأخباره تعالى كما تقدم، والله أعلم.
قوله: «ستفترق أمتي، إلى آخره» هذه قطعة من حديث مشهور في كثير من كتب أصحابنا وغيرهم، ولعله اقتصر عليها لكونه بصدد بيان حال هذه الأمة. ونصه كما في السؤالات وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بلوت اليهود فوجدتهم قد كذبوا على أخي موسى، وافترقوا على إحدى وسبعين فرقة وكلها إلى النار ما خلا واحدة ناجية"، قال الله تعالى: {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف:159]،"وبلوت النصارى فوجدتهم قد كذبوا على أخي عيسى وافترقوا على اثنتين وسبعين فرقة كلها إلى النار ما خلا واحدة ناجية"، قال الله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلِذِينَ ءَامَنُواْ الذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} الآية [المائدة:82] "وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها إلى النار ما خلا واحدة ناجية وكلهم يدعي تلك الواحدة"، قال الشيخ رضي الله: عنه عشرون منها في المرجئة، وأربع وعشرون في الشيعة، واثنتا عشرة في المعتزلة، وسبع عشرة في المحكمة. وقد نظم شيخنا ذلك في بيت وقال:
وكذا شيعي ومحكّم يزِ ... وكاف مرجِي ويبّ مغتزي.
وقد نقلت في المعالم ذكر الفرق وبيان أسمائها واعتقاداتها، فليراجع". (1/48)
صفحة 49
قوله: «ما خلا واحدة ناجية إلخ» هذه الواحدة الناجية هي ما عليه أهل الدعوة، نفعنا الله ببركاتهم وأماتنا على الوفاء بمذهبهم في القول والعمل.
قال في السؤالات: "وعلينا التمسك بديننا، وعلينا أن نعلم أنَّ كل مايفتيه المفتي من المسائل التي لا يسع جهلها حق، مثل أبي عبيدة والربيع ووائل وغيرهم رحمهم الله، وعلينا أن نعلم أن ديننا حق وعدل وصواب، وخلافه جور ومكر وظلم، والدليل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعبرة أي النظر، فمن السنة قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من شق عصا المسلمين بعد إسلام دامج فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه".
قوله: «دامج» أي مجتمع، وأول من شق عصا المسلمين عثمان بن عفان، ثم يليه طلحة والزبير، ثم معاوية بن أبي سفيان، ثم علي بن أبي طالب، وأول من شق عصا المحكمة نافع بن الأزرق، وأول من شق عصا الأباضية عبد الله بن يزيد الفزاري وقيل: عيسى بن عمير، والعصى في هذا الموضع الجماعة، إلى أن قال: ومن الحديث: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق بأرض المغرب ظاهرين حتى يأتي أمر الله، لا تضرهم عداوة من ناوأهم" وهذا الضرر في الدين، وأما في الدنيا فسجن المؤمن. والطائفة مازاد على ثلاثة إلى فوق وتطلق على الواحد، قال تعالى: تعذب طائفة، إلخ.
ولم يتعرض للدليل من الكتاب والنظر، لظهور ذلك، وأما الإجماع فقد تعرض له، وغرضنا الاختصار.
قوله: «دار قوم» منادى أو منصوب بنزع الخافض على الاختصاص، ويجوز جره على البدل من الضمير في عليكم.
قوله: «دُهْمٌ» جمع أدهم وهو الأسود، قال في الصحاح: والدهمة السواد، يقال: فرس أدهم وبعير أدهم وناقة دهماء إذا اشتدت درقته حتى ذهب البياض الذي فيه، فإذا زاد على ذلك حتى اشتد السواد فهو جون إلى إلخ، قال والأورق من الإبل في لونه بياض إلى سواد.
قوله: «بُهْمٌ» بالضم جمع بهيم. قال في الصحاح: وهذه فرس بهيم أي صمت، وهو الذي لا يخلط لونه شيء سوى لونه، والجمع بهم، مثل رغيف ورغف إلخ.
قوله: «غُرًّا» على وزن فعل جمع أغر كحمر جمع أحمر، وهو مأخوذ من الغرة بالضم، وهي في اللغة بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم، استعيرت للنور الذي يكون في وجه المؤمن يوم القيامة من الوضوء. (1/49)
صفحة 50
قوله: «محجّلين» وهو مأخوذ من التحجيل، قال في الصحاح: والتحجيل بياض في قوائم الفرس أو في ثلاث منها أو في الرجلين، قلّ أو كثر بعد أن يجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين لأنها مواضع الإحجال، وهي الخلاخل والقيود إلخ، ثم استعير التحجيل للنور الذي يكون في أرجل المؤمنين يوم القيامة من أثر الوضوء، ثم الظاهر أن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل، وأما الوضوء فثابت لغيرهم ويدل له سؤال الأحبار المشهور عن علة أمر الله تعالى بغسل هذه الأعضاء، قال في بعض كتب قومنا عند ذكره لخصائص هذه الأمة مانصه: "ومن خصائص هذه الأمة أيضا الوضوء، فإنه لم يكن إلا للأنبياء دون أممهم" ذكره الحلمي، واستدل بحديث البخاري "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء" لكن قال في فتح الباري: وفيه نظر لأنه ثبت في البخاري في قصة سارة عليها السلام مع الملك الذي أعطاها هاجر لما همّ الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي، وفي قصة جريج الراهب أيضا أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلم الغلام، والظاهر أن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء، وقد صرح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة مرفوعا: "سيما ليست لغيركم" أي علامة. وغاية التحجيل استيعاب العضدين والساقين، والغرة غسل مقدمات الرأس وصفحة العنق على الوجه"، انتهى من المواهب. وقال ابن حجر: الذي اختصت به هذه الأمة الوضوء على هذه الكيفية المخصوصة.
قوله: «وأنا فرطهم» في الصحاح والفرَط بالتحريك الذي يتقدم الواردة فيهيئ لهم الأرسان والدلاء ويمدر الأحواض ويستقي لهم، وهو فعل بمعنى فاعل كتبع بمعنى تابع، ويقال: رجل فرط وقوم فرط أيضا، وفي الحديث: "أنا أفرطكم على الحوض" ومنه قيل للطفل الميت: "اللهم اجعله لنا فرَطا" أي أجرا يقدمنا حتى نرد عليه، إلخ.
قوله: «ولَيُذَادَنَّ» بذال معجمة فدال مهملة من الذياد وهو الطرد، قال في الصحاح: والذياد الطرد تقول: ذدته عن كذا وذدت الابل سقتها وطردتها والتذويد مثله، إلخ. (1/50)
صفحة 51
قوله: «فسحقا سحقا» في بعض النسخ سحقا بغير الفاء فيها، في الصحاح السحق بالضم البعد يقال: سحقا له، وكذلك السحق بالتحريك، أي سَق مثل عسر وعسر، وقد سُحق الشيء بالضم فهو سحيق أي بعيد، وأسحقه الله أي أبعده إلخ. وقال البيضاوي في قوله تعالى: {فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:11] فأسحقهم الله أي أبعدهم من رحمته. (1/51)
صفحة 52
الباب السابع
في الولاية والإمارة
44) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يَزَالُ الأَمْرُ - يَعْنِي الْوِلاَيَةَ - فِي قُرَيْشٍ مَا دَامَ فِيهِمْ رَجُلاَنِ - وَأَشَارَ بِإِصْبِعَيْهِ - وَلَكِنَّ الْوَيْلَ لِمَنْ افْتَتَنَ بِالْمُلْكِ».
45) ... قَالَ الرَّبِيعُ: بَلَغَنِي عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقُرَيْشٍ: «لَنْ يَزَالَ هَذَا الأَمْرُ فِيكُمْ وَأَنْتُمْ وُلاَتُهُ مَا لَمْ تُحْدِثُوا، فَإِذَا فَعَلْتُمْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَ خَلْقِهِ فَيَلْحُونَكُمْ كَمَا يُلْحَى هَذَا الْقَضِيبُ» لِقَضِيبٍ كَانَ فِي يَدِهِ.
46) ... قَالَ الرَّبِيعُ: بَلَغَنِي أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ أَقْبَلَ حَاجًّا مِنَ الشَّامِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فَأَتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ (1): أَلاَ أُخْبِرُكَ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «سَيَكُونُ مِنْ بَعْدِي أُمَرَاءُ يَقْرَؤُونَ كَمَا تَقْرَؤُونَ، وَيَعْمَلُونَ مَا تُنْكِرُونَ، فَلَيْسَ لأُوْلَئِكَ (2) عَلَيْكُمْ طَاعَةٌ».
47) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَ أَمْرِي (3) فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمْرِي (4) فَقَدْ عَصَانِي، أَلاَ وَإِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا».
48) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ،
__________
(1) / خ: فقال له.
(2) / خ: لأولئكم.
(3) / خ: أميري.
(4) / خ: أميري. (1/52)
صفحة 53
وَرَجُلٌ مُتَعَلِّقٌ قَلْبُهُ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا وَتَفَرَّقَا عَلَى ذَلِكَ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ حُسْنٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا أَنْفَقَتْ يَمِينُهُ».
49) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
الباب السابع في الولاية والإمارة، يعني بكسر الأول فيهما، فالأول من ولي الوالي البلد وولي الرجل البيع ولاية بالكسر فيهما، والثاني من أمّر بالتشديد إمارة بالكسر ومنه قراءة بعضهم: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَّرْنَا مُتْرَفِيهَا} [الإسراء:16] أي جعلناهم أمراء.
قوله:» فيلحونكم «هو بفتح الياء وسكون اللام وضم الحاء مخففة بمعنى يقشرونكم من قولهم: لَحَوْتُ العصا ألحوها لحوًا، قال في الصحاح: واللحاء يعني بكسر اللام ممدود قشر الشجر، وفي المثل: (بين العصا ولحائها) ولَحَوْت العصا أَلْحُوها لَحْوًا قشرتها، وكذلك لحيت العصا، ألحي لحيا، وقال: لَحَيْتُهُم لَحْيَ العصا فطردتهم إلخ.
قوله:» لا يزال هذا الأمر إلى إلخ «لفظ الحديث في الجامع: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان" قال العلقمي: وهو مقيد بالحديث الآخر: "إن هذا الأمر في قريش مدة إقامتهم أمور الدين فإن لم يقيموها خرج عنهم بتسليط غيرهم عليهم" انتهى.
أقول: ويدل على هذا التقييد المذكور عندنا الحديث الذي بعد هذا، والذي رواه في القواعد من قوله صلى الله عليه وسلم: "قدموا قريشا ولا تتقدموها، وتعلّموا منها ولا تعلموها وأطيعوهم ما أقاموا فيكم كتاب الله وسنتي، فإذا عصوهما (1/53)
صفحة 54
فلا طاعة لهم عليكم، ثم خذوا أسيافكم واضربوهم بها حتى تبيدوا خضراءهم وإلا فعيشوا تحت حرّاثين فدّادين حتى تلقوني بسوء حال" انتهى.
قوله:» خضراءهم «يعني سوادهم ومعظمهم كما يؤخذ من القاموس.
وقوله:» فدّادين «بتشديد الدال الأولى، هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم، وأما الفَدَادين بالتخفيف فهي البقر التي تحرث.
قوله:» حتى لا تعلم شماله إلخ «قال بعضهم: خص ضرب المثل باليمين والشمال لقرب مابينهما واشتراكهما. وسيأتي الكلام على هذا الحديث بعد.
قوله:» من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد «، وذلك أنه قال فيه شيخ شيوخنا: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده؛ فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل فلا يلتفت إليه، قال النووي: هذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به لذلك، وقال الطوفي: هذا الحديث يصلح أنَّ يسمى: (نصف أدلة الشرع) لأن الدليل يتركب من مقدمتين، والمطلوب بالدليل إما إثبات حكم أو نفيه، وهذا الحديث حجة كبرى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه؛ لأن منطوقه مقدمة كلية في كل دليل ناف لحكم، مثل أن يقال في الوضوء بماء نجس: ليس هذا من أمر الشرع، وكل ما كان كذلك فهو مردود، فهذا العمل مردود، فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث، وإنما يقع النزاع في الأولى، ومفهومه أن من عمل عملا عليه أمر الشرع فهو صحيح، مثل أن يقال في الوضوء بالنية: هذا عليه أمر الشرع، وكل ما عليه أمر الشرع فهو صحيح، فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث، والأولى فيها النزاع، فلو اتفق أن يوجد حديث يكون مقدمة أولى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه لاستقل الحديثان بجميع أدلة الشرع، لكن هذا الثاني لا يوجد فإذن حديث الباب: (نصف أدلة الشرع).
وقوله:» رد «معناه مردود من إطلاق المصدر على اسم المفعول مثل خلق ومخلوق ونسج ومنسوج، فكأنه قال: فهو باطل غير معتد به، واللفظ الثاني هو قوله: "من عمل" أعم من اللفظ الأول، وهو قوله "من أحدث" (1/54)
صفحة 55
فيحتج في إبطال جميع العقود المنهية وعدم وجود ثمراتها المترتبة عليها، وفيه رد المحدثات، وأن النهي يقتضي الفساد، لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها، ويستفاد منه أن حكم الحاكم لا يغير ما في باطن الأمر لقوله: "ليس عليه أمرنا"، والمراد به أمر الدين، وفيه أن الصلح الفاسد منتقض والمأخوذ عليه مستحق الرد، قلت وهو أمر حسن. والله أعلم، انتهى. (1/55)
صفحة 56
الباب الثامن
في الرؤيا
50) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ قَالَ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيًا؟» وَيَقُولُ: «إِنَّهُ لَيْسَ يَبْقَى مِنْ بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ».
51) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ».
52) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ (1) نَاسًا يَرْوُونَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ (2) عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ إِذَا اسْتَيْقَظَ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، فَإِنَّهَا (3) لَنْ تَضُرَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ». وَقَالَ: قَالَ أَحَدُهُمْ (4): إِنِّي كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا هِيَ أَثْقَلُ عَلَيَّ مِنَ الْجَبَلِ فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فَمَا كُنْتُ أُبَالِي بِهَا.
53) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَفْتَى مَسْأَلَةً أَوْ فَسَّرَ رُؤْيًا ... » الْحَدِيث. (5)
54) ... أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلاً آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا يُرَى (6) مِنْ آدَمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا يُرَى (7) مِنَ اللِّمَمِ، قَدْ رَجَّلَهَا وَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ، يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ،
__________
(1) / خ: سمعت.
(2) / خ: فلينفث.
(3) / خ: لا.
(4) / قوله أحدهم هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
(5) / قوله الحديث، إشارة إلى تقدمه في آخر باب طلب العلم لغير الله.
(6) / خ: مَا أنت راء.
(7) / خ: مَا أنت راء. (1/56)
صفحة 57
فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ لِي: الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ (1)، ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ».
قوله:» كان إذا انصرف من صلاة الغداة قال هل رأى أحد، إلخ «رواه في الجامع الصغير من طريق ابن عمر بزيادة ونقصان، ولفظه: "كان إذا صلى بالناس الغداة أقبل عليهم بوجهه فقال: هل فيكم مريض أعوده؟ فإن قالوا: لا، قال: فهل فيكم جنازة أتبعها؟ فإن قالوا: لا، قال: هل رأى أحد منكم رؤيا يقصها علينا؟ " انتهى. ولم يكتب شارحه عليه شيئا.
قوله:» جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة «روي هذا الحديث في الجامع من طرق متعددة بألفاظ مختلفة قال العلقمي: "قال شيخنا: ولمسلم (من خمسة وأربعين) وله (من سبعين) وللطبراني (من ستة وسبعين) ولابن عبد البر (من ستة وعشرين) ولأحمد (من خمسين) وللترمذي (من أربعين) " انتهى.
وقال في الفتح: "وللطبري (من تسعة وأربعين)، وللقرطبي (بسبعة) بتقديم السين، قال: وللطبري أيضا (من أربعة وأربعين)، قال: فتحصلنا من هذه الروايات على عشرة أوجه أقلها جزء من ستة وعشرين، وأكثرها من ستة وسبعين، وبين ذلك أربعين، أربعة وأربعين، خمسة وأربعين، ستة وأربعين، سبعة وأربعين، تسعة وأربعين، خمسين وسبعين، وأصحها مطلقا الأولى، ويليه السبعين" انتهى، وجمع بين ذلك بحسب مراتب الأشخاص.
قال القرطبي: "المسلم الصادق الصالح يناسب حاله حال الأنبياء وهو الاطلاع على الغيب بخلاف الكافر والفاسق والمخلط"، قال غيره: ومعنى كونها جزءا من أجزاء النبوة على سبيل المجاز، وهو أنها تجيء على موافقة النبوة، لا أنها باقي جزء من النبوة؛ لأن النبوة انقطعت بموته صلى الله عليه وسلم.
وقيل: المعنى أنها جزء من علمها؛ لأنها وإن انقطعت فعلمها باق؛ وقيل: المراد أنها تشابهها في صدق الإخبار عن الغيب، وأما تخصيص عدد الأجزاء وتفصيلها فمما لا مطلع لنا عليه، ولا يعلم حقيقته إلا نبي أو ملك،
__________
(1) / خ: عليه السلام. (1/57)
صفحة 58
وقيل إن مدة الوحي ثلاث وعشرون سنة منها ستة أشهر منام وذلك جزء من ستة وأربعين، ثم قال شيخنا: وهذا عندي من الأحاديث المتشابهة التي نؤمن بها ونكل معناها المراد لقائله صلى الله عليه وسلم، ولا نخوض في تعيين هذا الجزء من هذا العدد ولا في حكمته، خصوصا وقد اختلفت الروايات في كمية العدد كما تقدم، والله أعلم بمراد نبيه صلى الله عليه وسلم". انتهى كلام العلقمي.
قوله:» منها ستة أشهر منام «ظاهره بل صريحه أن ستة الأشهر محسوبة من ثلاث وعشرين سنة، وهو المناسب لجعل المنام جزءا من ستة وأربعين، وفي كلام بعضهم ما يدل على أنها خارجة عن ثلاثة وعشرين حيث قال: معناه عند بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم أوحي إليه ثلاثا وعشرين سنة، عشر بالمدينة وثلاث عشرة بمكة، وكان قبل ذلك بستة أشهر يرى في المنام ما يلقيه إليه الملَك، وذلك سنة ونصف سنة من ثلاث وعشرين سنة جزء من ستة وأربعين جزءا". انتهى من شرح الرسالة لأبي الحسن.
قوله:» الرؤيا من الله والحلم من الشيطان إلخ «لفظ الحديث في الجامع: "الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان إلخ"، فيه أيضا: "الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا فكره منها شيئا فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان فإنها لا تضره، ولا يخبر بها أحدا، فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر بها ولا يخبر بها إلا من يحب"، وفيه أيضا: "الرؤيا ثلاث فبشرى من الله، وحديث النفس، وتخويف من الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإن رأى شيئا يكرهه فلا يقصها على أحد وليقم يصلي، وأكره الغل وأحب القيد" القيد ثبات في الدين، وفيه أيضا: "الرؤيا ثلاثة: منها تهاويل من الشيطان ليحزن ابن آدم، ومنها ما يهتم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة) وفيه أيضا: (رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوة، وهي على رجل طائر ما لم يحدّث بها، فإذا تحدث بها سقطت، ولا تحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا".
قال العلقمي: قوله: "الرؤيا" بالقصر اسم للمحبوبة.
قوله:» الصالحة «قال شيخنا: قال القاضي: يحتمل أن معنى الصالحة حسن ظاهرها، ويحتمل أن المراد صحتها، قال: والرؤيا السوء تحتمل الوجهين أيضا سوء الظاهر وسوء التأويل. (1/58)
صفحة 59
قوله:» والحلم «بضم الحاء وسكون اللام اسم للمكروهة.
قوله:» من الشيطان «قال النووي وغيره: "إضافة الرؤيا المحبوبة إلى الله تعالى إضافة تشريف بخلاف المكروهة، وإن كانتا جميعا من خلق الله تعالى وتدبيره وبإرادته، ولا فعل للشيطان فيها، لكنه يحضر المكروهة ويرتضيها ويُسَرّ بها".
وقال الزركشي: "هذا تصرف شرعي بتخصيص الرؤيا بما يراه من الخير، والحلم بما يراه من الشر، وإن كان في أصل اللغة لما يراه النائم".
وقال في النهاية: "الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء، لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشر والشيء القبيح، ويستعمل كل واحدة منهما موضع الآخر، قال: وتضم لام الحلم وتسكن".
وقال ابن الجوزي: "الرؤيا والحلم واحد، غير أن صاحب الشرع خص الخير باسم الرؤيا والشر باسم الحلم".
قوله:» فينفث «بضم الفاء وكسرها،» عن يساره «، قال عياض: "أمر به طردا للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة تحقيرا واستقذارا، وخص بها اليسار لأنها محل الأقذار ونحوها.
قوله: «وليتعوذ بالله من شرها» قال شيخنا: ورد أنه يقول: "اللهم إني أعوذ بك من عمل الشيطان، وسيئات الأحلام" رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة.
وقال الحافظ ابن حجر: "ورد في صفة التعوذ من شر الرؤيا أثر صحيح أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد الرزاق بأسانيد صحيحة عن إبراهيم النخعي قال: "إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فليقل إذا استيقظ: أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسوله من شر رؤياي هذه أن يصيبني منها ما أكره في ديني ودنياي" انتهى.
وذكر في متن الرسالة وشرحها ما نصه: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم ما يكره في منامه فإذا استيقظ فليتفل عن يساره ثلاثا وليقل: اللهم إني أعوذ بك من شر ما رأيت في منامي أن يضرني في ديني ودنياي"، كذا صح عنه صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: "وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه". انتهى. (1/59)
صفحة 60
وقال أيضا في معنى «كونها على رجل طائر ما لم تعبر» ما نصه: قال شيخنا: قال الخطابي: هذا مثل ومعناه أنها لا يستقر قرارها ما لم تعبر، وقال في النهاية: أي أنها على رجل قدَر جارٍ وقضاء ماضٍ من خير أو شر، وأن ذلك هو الذي قسمه الله لصاحبها، من قولهم: "اقتسموا دارًا فطار سهم فلان في ناحيتها" أي وقع سهمه وخرج، إلى أن قال: والمراد أن الرؤيا التي يعبرها المعبر الأول، فكأنها كانت على رجل طائر فسقطت ووقعت حيث عبرت، كما يسقط الذي يكون على رجل الطائر بأدنى حركة" انتهى.
قوله: «فلينفث» قال في الصحاح: "النفث شبيه بالنفخ وهو أقل من التفل، وقد نفث الراقي ينفُث وينفِث والنفاثات في العقد السواحر إلخ"، وقال البيضاوي: "النفث النفخ مع ريق"، وقال العلقمي: "والنفث شبه النفخ دون تفل ريق".
قوله: «أراني الليلة عند الكعبة فرأيت رجلا آدم إلخ» لفظ الحديث في الجامع: "رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا أدم طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، ورأيت مالكا خازن النار والدجال".
وقال في الصحاح: "وفي حديث المسيح أنه سبط الشعر كثير خيلان الوجه، كأنه خرج من ديماس يعني في نضرته وكثرة ماء وجهه كأنه خرج من كن؛ لأنه قال صلى الله عليه وسلم في وصفه: "كأن رأسه يقطر ماء". انتهى.
وأظن أن وصف عيسى عليه السلام بها مذكور في السؤالات.
قال شارح الجامع: "قال النووي: أما طوال فبضم الطاء وتخفيف الواو ومعناه طويل وهما لغتان، وأما شنوءة فبشين مفتوحة ثم نون ثم واو ثم همزة ثم هاء أي تأثيث وهي قبيلة معروفة، إلى أن قال: وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "مربوع" فقال أهل اللغة: هو الرجل بين الرجلين في القامة ليس بالطويل البائن ولا القصير الحقير، وفيه لغات ذكرهن صاحب المحكم وغيره، وهي مربوع ومرتبَع ومرتبِع بفتح الياء وكسرها، وربع وربعة وربعة الأخيرة بفتح الباء والمرأة ربعة وربعة.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم في عيسىصلى الله عليه وسلم "أجعد" ووقع في أكثر الروايات "سبط الرأس" فقال العلماء: المراد بالجعد هنا جعودة الجسم وهو اجتماعه واكتنازه، وليس المراد جعودة الشعر، وأما الجعد في صفة موسى صلى الله عليه وسلم فقال في التحرير: فيه معنيان؛ أحدهما ما ذكرنا في عيسى عليه السلام، (1/60)
صفحة 61
وهو اكتناز الجسم، والثاني جعودة الشعر، قال: والأول أصح لأنه قد جاء في رواية أبي هريرة في الصحيح أنه رجل أشعر. هذا كلام هاجه التحرير والمعنيان جائزان، وتكون جعودة الشعر على المعنى الثاني ليست جعودة القطط بل معناها أنه بين القطط والسبط، والله أعلم.
والسبط بفتح الباء وكسرها لغتان مشهورتان، ويجوز إسكان الباء مع كسر السين ومع فتحها على التخفيف كما في كتف وبابه، قال أهل اللغة: السبط هو المسترسل ليس فيه تكسر، ويقال في الفعل منه: سبِط شعره بكسر الباء يسبَط بفتحها سبَطا بفتحها أيضا، والله أعلم، انتهى إلخ.
قوله: «أدم» بفتح الهمزة والدال على وزن فعل من الأُدْمَة بضم الهمزة وسكون الدال وهي السمرة، قال في الصحاح: والأَدَم من الناس الأسمر، والجمع أُدْمَان إلخ بمعنى كذَكَر وذُكْران، وجَدَع وجُدْعَان، وهو ممنوع من الصرف فيما رأيناه من النسخ، ولم تظهر له علة المنع ولعله تحريف من الكتبة، وصوابه أدما، والله أعلم، فليراجع.
قوله: «لِمّة» في الصحاح: واللمة بالكسر الشعر يجاوِز شحمة الأذن فإذا بلغت المنكبين فهي جَمَّة والجمع لمم ولمام إلخ.
قوله: «قد رجَّلها» كأن المراد بالترجيل التسريح بالمشط مثلا، لكن ليس في الصحاح ما يدل على ذلك حيث قال: قال ابن السكيت: شعرٌ رَجْل ورجل إذا لم يكن شديد الجعودة ولا سبطا تقول منه رجَّل شعره ترجيلا إلخ قوله، وقال في شرح التوضيح: والمرجل بالميم الذي شعره بين الجعودة والسبوطة، ثم رأيت في مختصر الصحاح ما يشعر بما ذكرته حيث قال: ترجيل الشعر تجعيده وترجيله أيضا إرساله بمشطة.
قوله: «على عواتق رجلين» كأنه جمع عاتق وهو موضع الرداء من المنكب، وإنما جمع مع أنه إنما يتكئ من كل رجل على عاتق لأن المضاف إلى المثنى الأفصح فيه الجمع قال الله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم:4]، ويجوز الإفراد والتثنية أيضا وهي أقلها، تقول: أكلت رؤوس الكبشين، ورأسَي الكبشين، ورأس الكبشين.
قوله: «جعد قطط» في الصحاح شعر جعد بين الجعودة، وقد جعد شعره وجعده صاحبه تجعيدا إلخ، وقال أيضا في محل آخر: وجعد قطط، أي شديد (1/61)
صفحة 62
الجعودة، وقد قطط شعره بالكسر، وهو أحد ما جاء على الأصل بإظهار التضعيف، ورجل قطّ الشعر وقطط الشعر بمعنى إلخ، وضبط القَطَط بفتحتين.
قوله: «عِنَبَةٌ طافية» في الصحاح الواحد من العنب عنبة، وهو بناء نادر لأن الأغلب على هذا البناء الجمع، نحو: قرد وقردة، وفيل وفيلة، إلى أن قال: والعِنَبَة بثرة تخرج بالإنسان إلخ، والبثرة بالمثلثة، قال في الصحاح: والبثرة والبثور جراح صغار واحدها بثرة، وقد بثَر وجهه يبثر، وكذلك بثِر وجهه بالكسر، وبثُر بالضم، ثلاث لغات، وتبثّر جلده تنفظ إلخ.
وقوله: «طافية»، لعله من طفا الشيء فوق الماء يطفو طفوًّا وطفوا إذا علا ولم يرسب إلخ. ورأيت على نسخة لبعض مشايخ أصحابنا ما نصه "شبّهها بالحبة من العنب إذا فضخت وذهب ماؤها". ويحتمل أن تكون طافية بمعنى بارزة، فطافية في التفسير الأول أصله الهمز، وفي الثاني من طفا يطفو، انتهى.
قوله: _ «المسيخ الدجال» هو بالخاء المعجمة فيما رأيناه من النسخ، وصوابه بالحاء المهملة كما في الصحاح حيث قال في باب الحاء المهملة في فصل الميم: والميسح عيسى عليه السلام، والمسيح الكذاب الدجال، إلخ.
وفي كلام بعضهم ما نصه ومما سبيله أن يخفف وهم يثقلونه قوله عليه السلام في الدعاء: (وأعوذ بك من شر المسيح الدجال) قد أولعت العامة بتشديد السين وكسر الميم ليكون ـ فيما زعموا ـ فصلا بين مسيح الضلالة وبين مسيح ابن مريم عليه السلام، وليس ما ادّعَوه بشيء، وكلاهما مسيح مفتوح الميم خفيف السين، فعيسى مسيح بمعنى ماسح، فعيل بمعنى فاعل لأنه كان إذا مسح ذا عاهة عُفِي، والدجال مسيح فعيل بمعنى مفعول لأنه ممسوح إحدى العينين. (1/62)
صفحة 63
الباب التاسع
في الإيمان والإسلام والشرائع
55) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلاَ يُفْقَهُ قَوْلُهُ، حَتَّى دَنَا (1) فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»، قَالَ: هَلْ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ» فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ»، قَالَ: هَلْ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالزَّكَاةُ»، ثُمَّ قَالَ: هَلْ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ» قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: لاَ أَزِيدُ (2) عَلَى هَذَا ولاَ أَنْقُصُ مِنْهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْلَحَ (3) إِنْ صَدَقَ».
56) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْمَلَ للَّهِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».
57) ... قَالَ الرَّبِيعُ: بَلَغَنِي عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ (4) أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَتَصْدِيقٌ بِهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ» فَقَالَ: أُرِيدُ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لاَ تَتَّهِمِ اللَّهَ فِي شَيْءٍ قَضَى لَكَ بِهِ».
58) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَشَارَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمِينِ فَقَالَ: «أَلاَ إِنَّ
__________
(1) / خ: إِذَا دنا.
(2) / خ: واللَّه لا أزيد.
(3) / خ: الرجل.
(4) / خ: الأعمال. (1/63)
صفحة 64
الإِيمَانَ هَاهُنَا، وَإِنَّ الْفِتْنَةَ (1) وَغِلَظَ الْقَلْبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ».
قوله: «في الإيمان والإسلام والشرائع» الظاهر أنه أراد بالشرائع دين الإسلام.
ثم اعلم أن هذه الألفاظ الثلاثة أعني: الدين والإيمان والإسلام، يؤخذ من كلام أصحابنا الاختلاف فيها، هل هي بحسب الشرع مختلفة المفهوم متحدة بمعنى أنه لا يوجد أحدها بدون الآخر، فلا يوجد مثلا مسلم بدون مؤمن، ولا مؤمن بدون مسلم، وهو الذي يدل عليه جواب النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام حين جاءه في صورة أعرابي فسأله عن الإيمان والإسلام كما هو مشهور؟، أو هي ألفاظ مترادفة لمعنى واحد وهو ما أمر الله عباده أن يطيعوه به وهي العبادات المعتبرة، وهو الذي صرح به في السؤالات حيث قال: "الإيمان والإسلام والدين معناها واحد"، واستدل لذلك بآيات فليراجع. وهو الذي صرح به صاحب الوضع أيضا حيث قال: ودين الله تعالى هو الإسلام، وقال أيضا: والدين والإيمان والإسلام أسماء مختلفة لشيء واحد هو طاعة الله إلى آخره.
وفي بعض كتب قومنا ما هو صريح في الاختلاف في ذلك حيث قالوا: اختلفوا في الإسلام هل هو الإيمان أو غيره، وإن كان غيره فهل هو منفصل يوجد دونه أو يلازمه؟ فقيل: إنهما اسمان مترادفان على معنى واحد، وقيل: إنهما متباينان لا متلازمان، وقيل: إنهما شيئان ولكنهما مرتبطان.
ويتعلق النظر بثلاثة أطراف: أحدها في مقتضى اللفظين في وضع اللسان، والثاني في وضعهما في لسان الشرع، والثالث في الأحكام المرتبة عليهما.
النظر الأول ما يتعلق بفهم اللغة، والإيمان في وضع اللغة عبارة عن التصديق، قال الله تعالى في قصة بني يعقوب عليهم السلام: {وَمَآ أَنتَ بِمُومِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف:17] أي بمصدق لنا.
والإسلام عبارة عن الاستسلام والإذعان والانقياد وترك التمرد والعناد والإباء، ومحل التصديق القلب واللسان ترجمان، أما
__________
(1) / خ: القسوة. (1/64)
صفحة 65
الاستسلام فيتعلق بجميع أعضاء الإنسان من القلب والجوارح واللسان، فإن كان تصديقا بالقلب فهو تسليم له، ويصح أن يستسلم ظاهره وباطنه ممتنع، وهو فعل المنافقين، فإن لفظ الإسلام المطلق يتناول القلب واللسان جميعا فيكون الإسلام على هذا أعم، وإن أطلق الإسلام على الاستسلام بالجوارح وأطلق الإيمان على الإيمان بالقلب تباين اللفظ والمعنى والمحل جميعا.
وأما استعمال الشرع هاتين اللفظتين فقد استعملهما للترادف والتباين والتداخل، أما التداخل فقوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُومِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات:35/ 36] ولم يكن فيها بالاتفاق إلا بيت واحد وهو بيت لوط عليه السلام وبناته، وقال تعالى: {إِن كُنتُمُ, ءَامَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} [يونس:84]، وقال صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس"، وسئل مرة أخرى عن الإيمان فأجاب بهذه الخمس.
وأما الاختلاف، فقوله تعالى: {قَالَتِ الاَعْرَابُ ءامَنَّا قُل لَّمْ تُومِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات:14] بمعنى استسلمنا في الظاهر، فأراد بالإيمان هاهنا تصديق القلب فقط، وبالإسلام الاستسلام ظاهرا باللسان والجوارح، وفي حديث جبريل عليه السلام لما سأله عن الإيمان فقال صلى الله عليه وسلم: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالبعث بعد الموت، وبالحساب وبالقدر خيره وشره، فقال: فالإسلام؟ فذكر الخصال الخمس"، فعبر بالإسلام عن تسليم الظاهر بالقول والعمل، وفي حديث سعيد: أنه صلى الله عليه وسلم أعطى رجلا عطاء ولم يعط الآخر، فقال له سعيد: يا رسول الله تركت فلانا لم تعطه وهو مؤمن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مسلم؟ فأعاد عليه فعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي أيضا: "أنه سئل، وقيل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: الإسلام، فقيل: أي الإسلام أفضل؟ فقال: الإيمان"، وهذا دليل على التداخل، وهذا وفق الاستعمال في اللغة، فإن الاستسلام المطلق إذا حصل استسلمت الجوارح والقلب جميعا، فإذا للترادف والتداخل والتباين وجه صحيح في اللغة على ما قررناه، وإطلاق في الشرع كما حققناه، انتهى. (1/65)
صفحة 66
قوله: «من أهل نجد» في الصحاح: النجد ما ارتفع من الأرض، إلى أن قال: ونجد من بلاد العرب، وهوخلاف الغور، والغور هو تهامة، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد وهو مذكر، إلى آخره.
قوله: «ثائر الرأس» أي مرتفع الشعر ومنتفشه لإهماله، كذا في غريب الموطأ، وفي الصحاح: وثارت نفسه: جأشت، ورأيته ثائر الرأس إذا رأيته وقد أشعن شعر رأسه وثار ثائره أي: هاج غضبه إلى آخره، وقال في محل آخر أشعنّن شعره اشعنانا وهو شعنان الرأس إذا كان ثائر الرأس أشعث.
قوله: «يسأل عن الإسلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس صلوات إلى آخره» يعني بعد التوحيد والظاهر -والله أعلم- أنه إنما تركه لكون السائل موحدا، ولأن ذلك معلوم من الدين بالضرورة، وانظر لِم ترك الحج مع ذكره له عليه السلام في قوله: "بني الإسلام على خمس" الحديث، وفي جوابه لجبريل عليه السلام حين جاءه في صورة أعرابي فسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان كما هو مشهور، اللهم إلا أن يقال: لعله صلى الله عليه وسلم يعلم عدم استطاعة الرجل، والله أعلم فليحرر. وهذا الحديث مما يستدل به على عدم وجوب صلاة الوتر لحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه وغيره كما هو مشهور وهو مختار صاحب الإيضاح رحمه الله، والله أعلم.
قوله: «وصيام شهر رمضان، قال: هل غيره؟ قال: لا إلا أن تطوع» وذلك لأن الله تعالى نسخ بوجوب صيام شهر رمضان كل صوم كان واجبا قبل ذلك، كما معلوم، وقوله: (تطوّع) أصله تتطوع فحذفت إحدى التاءين على حد قوله تعالى: {تَنَزَّلُ المَلاَئِكَةُ} [القدر:4].
قوله: «والزكاة إلى قوله إلا أن تطوع»، فيه دليل على عدم وجوب زكاة الفطر لأنها منسوخة، أو هي سنة، وهو مذهب أصحابنا من أهل الجبل وأهل المغرب.
قوله: «الإحسان أن تعمل لله كأنك تراه إلى آخره» هذا بقية حديث مشهور نصه في القواعد، "روي أن جبريل عليه السلام أتى النبي عليه السلام في صورة أعرابي وهو لا يعرفه فقال: يا محمد ما الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والبعث بعد الموت، والقدر خيره وشره أنه من الله، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: نعم، قال: صدقت، قال: (1/66)
صفحة 67
فما الإسلام؟ قال صلى الله عليه وسلم: أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده وأن محمدا عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت، وتغتسل من الجنابة، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم، قال: صدقت، قال: فما الإحسان؟ قال: أن تعمل لله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال صدقت"، الحديث إلى آخره.
ولفظه في بعض كتب قومنا: "عن عمر رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: أخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاء يتطاولون في البنيان، ثم انطلق فلبث مليا ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"، انتهى.
وتكلموا على هذا الحديث في كتب قومنا بما يطول ذكره إلى أن قال بعضهم: الإحسان مصدر أحسن وهو ضد الإساءة، قال الله تعالى: {اِنَ اَحْسَنتُمُ, أَحْسَنتُمْ ِلأَنفُسِكُمْ وَإِنَ اَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء:7]، وهو منقول بالهمزة من حسن الشيء، ويستعمل متعديا بنفسه كأحسنت الشيء إذا أتقنته وأكملته، وبحرف جر كأحسنت إلى زيد إذا فعلت معه ما يحسن فعله، وهو في الحديث بالمعنى الأول؛ إذ المراد إتقان العبادات وإكمالها وإصلاحها على ما يليق بها، ومراعاة حقوق الله فيها، ومراقبته واستحضار عظمته وجلاله حالة الشروع فيها، والاستمرار عليها. (1/67)
صفحة 68
وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين: منهم من يغلب عليه مشاهدة الحق حتى كأنه يراه لا سيما إذا استحضر قوله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ اِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا اِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس61]، وقوله تعالى: {الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فيِ السَّاجِدِينَ} [الشعراء:218/ 219]، ومنهم من لا ينتهي إلى هذه الحالة لكنه يغلب عليه استحضار حقيقية العبودية وأنه مأمور بإيقاع هذه العبادات فيوقعها بالإخلاص وصدق وقوة عزم واستحلائها وتلذذ بها، فهذا يصدق عليه أنه محسن، والأول محسن غاية الإحسان، وإنما يقع التفاوت بينهما بقدر تفاوت المعرفة والخشية، وقد فسر الإحسان في حديث أبي هريرة بقوله: "أن تخشى الله كأنك تراه" فعبر عن المسبب باسم السبب توسعا.
قال بعض من تكلم على هذا الحديث: الألف واللام في الإحسان المسؤول عنه للعهد، وهو الذي قال الله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس:26]، {هَلْ جَزَآءُ الاِحْسَانِ إِلاَّ الاِحْسَانُ} [الرحمن:60] {وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]، ولما تكرر الإحسان في القرآن وترتب عليه هذا الثواب العظيم سأل عنه جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فأجابه ببيانه ليعمل الناس عليه، فيحصل لهم هذا الحظ العظيم، انتهى.
قوله: «كأنك تراه» قال بعضهم: "ينبغي أن يكون انتهاء الجواب عند قوله صلى الله عليه وسلم كأنك تراه، ويكون قوله: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» مستأنفا لأن الأول من جنس مقدور العبد، يجوز أن يكون وأن لا يكون بخلاف الثاني؛ فإن الباري تعالى يرى جميع الأشياء على الجملة والتفصيل، أحسن هذا عبادته أو لم يحسنها، إلى آخره.
قوله: _ «في الفدادين» هو جمع فداد، في الصحاح: ورجل فداد شديد الصوت، وفي الحديث: "إن الجفاء والقسوة في الفدادين" بالتشديد وهم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم، وأما القدادين بالتخفيف فهي البقر التي تحرث، واحدها قدان بالتشديد، إلخ.
قوله: «قرنا الشيطان بين ربيعة ومضر» هما قرنا الشيطان، وهما عسكر علي بالمشرق، وعسكر معاوية أهل اليمن، انتهى من الدليل،
وفي الأبّي: "ربيعة ومضر أخوان وهما ولدا نزار بن معدّ بن عدنان". (1/68)
صفحة 69
الباب العاشر
في ذكر الشرك والكفر
59) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَشْرَكَ سَاعَةً أُحْبِطَ عَمَلُهُ، فَإِنْ تَابَ جُدِّدَ لَهُ الْعَمَلُ».
60) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَهُوَ لَهُ كُلُّهُ، وَأَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ».
61) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَة زَوْجِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ».
62) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَّةِ فِي أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ».
63) ... قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: بَلَغَنِي عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنْ كَانَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو لأَوَّلَ مَنْ عَابَ عَلَيَّ (1) عِبَادَةَ الأَصْنَامِ وَالذَّبْحَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ أَنِّي أَقْبَلْتُ مِنَ الطَّائِفِ وَمَعِي زَيْدُ
__________
(1) / قوله: "عاب عليَّ " بتشديد الياء أي ذكر عيب ذلك عندي ولم يكن صلّى اللَّه عليه وسلّم دنا من الأصنام شيئا وَلاَ ذبح عليها ولكن كان قومه يفعلون ذلك فظنّ زيد بن عمروٍ أنّ السيرة واحدة وذلك قبل النبوّة فلهذا ذكر عيبها عنده وهو صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لم يزل مسددا موفقا. اهـ. (1/69)
صفحة 70
ابْنُ حَارِثَةَ، وَمَعَنَا خُبْزَةٌ وَلَحْمٌ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ آذَتْ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَمَرَرْتُ بِهِ وَعَرَضْتُ عَلَيْهِ السُّفْرَةَ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَنْتُمْ (1) تَذْبَحُونَ عَلَى أَصْنَامِكُمْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: لاَ آكُلُهَا، ثُمَّ عَابَ الأَصْنَامَ وَالأَوْثَانَ وَمَنْ يُطْعِمُهَا وَمَنْ يَدْنُو مِنْهَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ مَا دَنَوْتُ مِنَ الأَصْنَامِ شَيْئًا حَتَّى أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ». قَالَ: وَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقُرِنَ مَعَهُ إِسْرَافِيلُ ثَلاَثَ سِنِينَ وَلَمْ يَكُنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ثُمَّ عُزِلَ عَنْهُ إِسْرَافِيلُ وَقُرِنَ مَعَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ وَعَشْرَ سِنِينَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
64) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاَءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ، وَالْجَهْلُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ».
65) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَالَ لأَخِيهِ (2): يَا كَافِرُ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْكَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ أَحَدُهُمَا، وَالْبَادِئُ أَظْلَمُ».
قَالَ الرَّبِيعُ: اسْتَحَقَّ اسْمَ الْكَافِرِ دُونَ صَاحِبِهِ لِقَوْلِهِ لَهُ: يَا كَافِرُ.
66) ... أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «الرِّيَاءُ يُحْبِطُ الْعَمَلَ كَمَا يُحْبِطُهُ الشِّرْكُ».
في الشرك والكفر، عطف الكفر على الشرك من عطف العام على الخاص عندنا على حد: {وَلَقَدَ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ} [الحجر:87].
قوله: «فإن تاب» قال في بعض كتب أصحابنا المشارقة: "مسألة، والراجع إلى الإسلام كالمبتدئ ودخولهما فيه سواء لا فرق بينهما وهو أن يقول: أشهد أن
__________
(1) / خ: إنَّما.
(2) / خ: المسلم. (1/70)
صفحة 71
لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وأن ما جاء به محمد من عند الله هو الحق، كذلك قال علماؤنا، فإن لم يقر بما جاء به من عند الله لم يكن مؤمنا حتى يقول ذلك.
قال أبو محمد: ويعجبني أن لا يعذر من القول وأنه بريء من كل دين يخالف الدين الذي دعا إليه محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن من الكفار من يقول: أن محمدا رسول الله إلى العرب دون غيرهم" انتهى.
وظاهر هذا الأثر يقتضي أنه لا يعيد شيئا من العمل حيث لم يذكر ذلك وجعله كالمشرك الأصلي لا فرق بينهما، إلا أن يقال معناه في كيفية الدخول فقط، والله أعلم.
قوله: «جدد له العمل» هكذا في غالب ما رأيناه من نسخ هذا الكتاب والمعنى والله أعلم: "جدد له ثواب العمل" وإليه ذهب الشافعي بقوله تعالى: {وَمَنْ يَّرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ، فَأُوْلَئكَ حَبِطَتَ اَعْمَالُهُمْ} الآية [البقرة:217]، حيث قيد الردة بالموت عليها في حبط الأعمال، ونظير ذلك الفاسق إذا تاب وقبل الله توبته فإنه يجدد له ثواب عمله السابق، والله أعلم.
وفي الإيضاح في كتاب البيوع ما يدل على هذا حيث قال في فصل بيوع الذرايع: "وحجة من أبطلها ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لسُرِّيَة زيد بن أرقم: أبلغي زيدا أنه قد أبطل غزوه وجهاده مع رسول الله، وأبطل حجه وصلاته وصيامه إن لم يتب، وذلك أن زيدا ابتاع جارية من سريته بثمانمائة درهم إلى خروج العطايا فاشترتها منه سريته نقدا بستمائة درهم، والله أعلم" انتهى. فظاهر هذا يقتضي أن إبطال العمل مشروط بعدم التوبة، وأن من تاب لم يبطل عمله، ومن فوائد صحة العمل ترتب الثواب عليه، والله أعلم.
وفي غالب نُسَخ القواعد: "فإن تاب جدد العمل يعني أعاده"، والله أعلم، لبطلانه بالارتداد وهو المناسب لما صدّر به في السؤالات فيمن ارتد زلة حيث قال: "واختلفوا فيمن ارتد زلة عن دينه ثم رجع سريعا إلى دينه، قال: يغسل ثيابه وجسده ويعيد ما مضى من صلاته وحجه وصيامه، وقال (1/71)
صفحة 72
بعض: لا يعيد إلا الحج، وقال أبو محمد: "إذا كانت المعاني التي يلزمه بها الحج حين رجع، وفيها رخصة" انتهى.
ولعل من قال بوجوب إعادة العمل تعلق بظاهر قوله تعالى: {لَئِنَ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر:65]، لكن هذه عامة فتخصص بقوله: {وَمَنْ يَّرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ، فَأُوْلَئكَ حَبِطَتَ اَعْمَالُهُمْ} الآية [البقرة:217].
وأما مرتكب الكبيرة فالظاهر أنه لا يعيد قولا واحدا، كما يدل عليه كلام الضياء حيث قال: "ومن كتاب الرهائن قال بشير عن الفضل بن أبي الحواري جرت مسألة عن أبي عبد الله في الفاسق يعمل بالحسنات في وقت فسقه ثم يتوب هل يثيبه الله عليها إذا تاب؟ قال: نعم إلى آخر ما أطال فيه.
وأما المرتد فالحاصل أن فيه ثلاثة أقوال إذا رجع إلى الإسلام؛ منهم من يقول: لا يبطل عمله ولا ثوابه حتى يموت على ذلك، وهو مذهب الشافعي واستدل بظاهر قوله تعالى: {وَمَنْ يَّرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ، فَأُوْلَئكَ حَبِطَتَ اَعْمَالُهُمْ} الآية [البقرة:217]، ومنهم من يقول: بطل ثواب عمله ولا يطالب بالإعادة إلا في الحج، وهو مذهب مالك، ومنهم يقول: بطل عمله وثوابه ويطالب بالإعادة، وهو الراجح عند أصحابنا على ما يفهم من كلام السؤالات حيث صدر به والله أعلم لقوله تعالى: {لَئِنَ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر:65]، وأما الآية التي استدل بها الشافعي فأجيب عنها بأنه سبحانه وتعالى رتب على الردة والموت على الكفر شيئين الإحباط والخلود في النار، فالأول مرتب على الردة، والثاني على الموت عليها؛ فلا دليل في الآية على ما ذكره الشافعي، فإن تاب أعاد ما مضى على التفصيل السابق في السؤالات فيمن ارتد زلة فكيف بمن ارتد متعمدا، نعم ظاهر الأثر المحكي عن بعض أصحابنا المشارقة في كيفية المرتد يدل على أنه كالمشرك الأصلي فيكون قولا رابعا في المرتد، ولعل الرخصة التي ذكرها في السؤالات تشير إلى هذا، لكن ذكرها في من ارتد زلة، والله أعلم، فليحرر. (1/72)
صفحة 73
قوله: «أشرك فيه غيري» أي بأن يرائي فيه أو يطلب به عرض الدنيا، ومثل هذا الحديث قوله عز وجل: {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110]، قال البيضاوي: بأن يرائيه أو يطلب منه أجرا، روي أن جندب بن زهير قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعمل العمل لله فإذا اطلع عليه أحد سرني فقال: "إن الله لا يقبل ما شورك فيه" فنزلت تصديقا له، وعنه عليه السلام: "اتقوا الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء" والآية جامعة لخلاصتي العلم والعمل، وهما التوحيد والإخلاص في الطاعة، إلخ.
قوله: «من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية». قال في السؤالات: التقى الشيخ موسى يعني ابن هارون النفوسي بسقاء في سقاقس، فطلبه الشيخ أن يسقيه، فقال له السقاء: لا أسقيك حتى تجيب لي هذه المسائل وهن: من قال لامرأته أنت طالق لا طالق بل طالق يا مطلقة، قال: هي مطلقة منه تطليقتين، ومن قال لآخر: أنت خلاف لخلاف الذي هو خلاف لخلاف الجميل؟ قال: هو مدح، ومن قال: أنت خلاف لخلاف الذي هو خلاف القبيح؟ قال: هو ذم، ومتولي دعاء اللهم إني أسأل كنار انقطع لي منه ثياب ولا أسألك الجنة، فأوصل الكافين باللامين يوهم أنهما للخطاب؟ قال: ذلك جائز، والكنار شقق الحرير، وقال له ما تقول في عائشة وابن عباس وهما متوليان عندكم؟ قال ابن عباس: إن محمدا رأى ربه بعين رأسه، وقالت عائشة: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية؟ قال: أراد ابن عباس علمه بتميز واستدلال من عقل ولا يعني به التفكير بل بتعلم، والأطباء تزعم أن العقل في الرأس، فسقاه، انتهى.
قوله: «صلى بأصحابه صلاة الصبح» إلى آخره، ذكر في الإيضاح هذا الحديث للاستدلال على نفي ما كان تتوهمه العرب أن هذه أشياء ليس لله فيها صنع، وأنها فعل غيره ونهاهم أن يعتقدوا ذلك.
قوله: «بالحديبية» قال ابن حجر بالمهملة والتصغير وتخفيف يائها وتثقل يقال: سميت بشجرة حدباء هناك. (1/73)
صفحة 74
قوله: _ «في إثر» قال ابن حجر: إثر بكسر الهمزة وسكون المثلثة على المشهور، وهو ما يعقب الشيء، وقال في الصحاح: والأثر بالتحريك يعني بالفتح، ما بقي من رسم الشيء وضربة السيف إلى آخره، والظاهر الأول.
قوله: «سماء» قال في الصحاح: السماء يذكر ويؤنث أيضا، ويجمع على أسمية وسماوات، والسماء كل ما علاك فأظلك ومنه قيل لسقف بيت: سماء، والسماء المطر يقال: ما زلنا نطوي السماء حتى أتيناكم، قال الشاعر:
إذا سقط السماء بأرض قوم ... ... رعيناه وإن كانوا غضابا
ويجمع على أسمية وسمى على فعول إلى آخره، والمراد من السماء في الحديث المعنى الأخير وهو المطر، قال ابن حجر: وأطلق عليها سماء لكونها تنزل من جهة السماء، وكل جهة علوى تسمى سماء.
قوله: «هل تدرون؟» قال ابن حجر: لفظ استفهام معناه التنبيه، ووقع في رواية سفيان عن صالح عند النسيء: "ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟ ". وهذا من الأحاديث الإلهية وهي يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أخذها عن الله بلا واسطة أو بواسطة.
قوله: «أصبح من عبادي» هذه إضافة عموم بدليل التقسيم إلى مؤمن وكافر، بخلاف مثل قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر:42] فإنها إضافة تشريف قاله ابن حجر.
وقوله: «مؤمن وكافر» قال ابن حجر: "يحتمل أن يكون المراد بالكفر هنا كفر الشرك بقرينة مقابلته بالإيمان، إلى أن قال: ويحتمل أن يكون المراد به كفر النعمة، إلى أن قال: في رواية أبي هريرة عند مسلم: "قال الله: ما أنعمت على عبيدي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين" وله في حديث ابن عباس: "أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر" وعلى الأول حمله كثير من أهل العلم، إلى أن قال بعد كلام: وكانوا في الجاهلية يظنون أن نزول الغيث بواسطة النوء، إما بصنعه على زعمهم، وإما بعلامته، فأبطل الشرع قولهم وجعله كفرا، فإن اعتقد قائل ذلك أن للنوء صنعا في ذلك فكفره كفر شرك، وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة فليس (1/74)
صفحة 75
بشرك لكن يجوز إطلاق الكفر عليه وإرادة كفر النعمة لأنه لم يقع في شيء من طرق الحديث بين الكفر والشرك واسطة، فيحمل الكفر فيه على المعنيين ليتناول الأمرين والله أعلم. ولا يرد الساكت لأن المعتقد قد يشكر بقلبه أو يكفر. وعلى هذا فالقول في قوله، فأما من قال بهما هو أعم من النطق والاعتقاد، كما أن الكفر فيه أعم من كفر الشرك وكفر النعمة، والله أعلم بالصواب"، انتهى، وهو كلام مناسب لما عليه الأصحاب رحمهم الله.
قوله: _ «ومن قال مُطرنا بِنَوْء كذا وكذا إلى آخره»، قال ابن حجر في حديْث أبي سعيد عند النسائي: "مطرنا بنوء مجدح، بكسر الميم وسكون الجيم وفتح الدال بعدها مهملة، ويقال: بضم أوله هو الدبران بفتح المهملة والموحدة بعدها راء، قيل سمي بذلك لاستدبارها الثريا وهو نجم أحمر منير".
قال ابن قتيبة: "كل النجوم المذكورة له نوء غير أن بعضها أحمد وأغزر من غيره، ونوء الدبران غير محمود عندهم" انتهى.
وكان ذلك ورد في الحديث تنبيها على مبالغتهم في نسبة المطر إلى النوء، ولو لم يكن محمودا، أو اتفق وقوع ذلك المطر في ذلك الوقت، وإن كانت القصة واحدة.
وفي مغازي الواقدي أن الذي قال في ذلك الوقت: (مُطرنا بنوء الشعرى) هو عبد الله بن أبيّ، المعروف بابن سلول، إلى أن قال: وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم طرح الإمام المسألة على أصحابه وإن كانت لا تدرك إلا بدقة النظر، ويستنبط منه أن للولي المتمكن من النظر في الإشارات أن يأخذ عبارات ينسبها إلى الله تعالى، كذا قرأت بخط بعض شيوخنا، وكأنه أخذه من استنطاق النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عما قال ربهم، وحمل الاستفهام على الحقيقة، لكن رضي الله عنهم فهموا خلاف ذلك ولهذا لم يجيبوا إلا بتفويض الأمر إلى الله ورسوله، انتهى.
والحاصل أن المراد من الحديث الرد على ما كانت العرب تعتقده، من أن المطر يحصل بسقوطه أو طلوعه المسمى عندهم نوء بفتح النون وسكون الواو وفي آخره همزة، قال في الصحاح: "والنوء سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته في كل ثلاثة عشر يوما، هكذا كل نجم منها إلى انقضاء السنة، ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوما". (1/75)
صفحة 76
قال أبو عبيدة: ولم نسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، وقال الأصمعي: إلى الطالع منها في سلطانه فتقول مطرنا بنوء كذا، والجمع أنواء ونوآن أيضا مثل عبد وعبدان وبطن وبطنان إلى آخره.
قوله: _كان زيد بن عمرو هو أول من عاب عبادة الأصنام» إلى آخره، ذكر هذا الحديث صاحب هذا الترتيب رحمه الله في كتاب العدل من أدلة الأشعرية على أنه صلى الله عليه وسلم قد عرف الله عز وجل وعرف دينه الذي يخصه قبل مبعثه، وذلك أنه أمْرٌ وقع في قلبه من قبل الله عز وجل فصانه به حتى جاءه الحق في غار حراء إلى آخره، لكن تعقبه الشارح رحمه الله في نسبة هذا إلى الأشعرية فساق كلام أبي المعالي، إلى أن قال: "قال القاضي: وما صار إليه جماهير المتكلمين أنه لم يكن قبل المبعث متعبَّدا بشيء قطعا، ثم انقسموا في ذلك فذهب طوائف المعتزلة إلى أنا نستدرك ذلك عقلا ونتخيل تعبده قبل النبوة، وذهب عصبة الحق إلى أنه لو تُعبد قبل المبعث كان سائغا، بيد أنه لم يُتَعَبّد وثبت ذلك، وهذا ما نرتضيه وننصره". انتهى كلام أبي المعالي.
ثم ذكر الشارح رحمه الله ما هو اعتقاد أئمتنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والرسل عليهم السلام، حيث قال راويا عن شيخه رحمه الله بعدما سأله، فأجابني في السؤال بأن قال: نحن لم نعتقد في رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خيرا وننزهه عن القبائح وارتكاب الكبائر والشرك والكفر والنفاق وسائر الأخلاق الذميمة، ولا يقع في الصغائر إلا غافلا أو ناسيا من غير تعمد، وكذا نعتقد في سائر الرسل والأنبياء قبل النبوة وبعدها، ولا نقطع فيهم قبل النبوة بشيء إذ ذاك أمر مجهول عندنا لم يرد فيه من البراهين السمعية أثر يقطع به في القرآن ولا في السنة إلى آخره.
ثم قال: وزيد بن عمرو يعني ابن نفيل وهو ابن عم عمر رضي الله عنه، وعمرو بن نفيل والخطاب بن نفيل أخوان، وحديثه وقصته مذكورة في سيرة ابن إسحاق، إلى أن قال: وحديثه الذي استشهد به الشيخ رضي الله عنه مذكور في المسند. ويقال: أدركت النبوة من العرب أربعة على الإسلام دون سائرهم: زيد بن عمرو هذا، وقس بن ساعدة الإيادي، وورقة بن نوفل، والرابع غاب عني، إلى أن قال: (1/76)
صفحة 77
وكذلك حديث زيد بن عمرو ليس فيه قاطع إلا تلويحات لا تقنع الباحث ولا تبرد غلة المتعطش، مثل قوله: إن كان زيد بن عمرو لأَول من عاب على عبادة الأصنام والدنو منها، فليس في هذا ما يقطع به على أنه عبدها، فمن أجل ذلك عيبها عليه، ولا ما يقطع به أنه لم يعبدها، وإنما عيبها من أجل عبادة قومه لها دونه، فاللفظ محتمل الوجهين.
قوله: «أنتم تذبحون على أصنامكم» فيه ثلاث روايات: إحداها: (إنما تذبحون) بلفظ الحصر، أي ليست لكم ذبيحة محللة حيث ذبائحكم كلها للأصنام، والثانية: إما على الاستفهام والاستخبار عنها، فكأنه توهم أنه ثَمَّ ذبائح أخر تذبح لله عز وجل وهي محللة الأكل، والثالثة: كان شيخنا يرويها ويصلحها في النسخ وهي: (ممّ) بإسقاط الألف لتحقيق الاستفهام فرقا بينه وبين الخبر، كقوله عز وجل: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} [النبإ:1] وقوله: {قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ} [النساء:97]، وأما رواية الشيخ: (إن كان مما تذبحون على أصنامكم) فليست عندنا ولم تقع في المسند، فإن كانت فمن رواية غيرنا، والله أعلم، وليس في جميع ذلك قاطع بالنفي ولا بالإثبات.
و"السفرة" وعاء من جلد يبسط ويمد ويطرح فيه الطعام فيحفظ ويضم ويجمع إلى آخره، فليراجع.
قوله: «وقس بن ساعدة» قال المرزباني: عاش ثلاثمائة سنة وثمانين سنة. وكثير من أهل العلم يذكر أنه عاش ستمائة سنة، وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم حكمته، وهو أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأول من اتكأ على عصا في الخطبة، وأول من قال: (أما بعد)، وأول من كتب من فلان إلى فلان، وقد جاء أنه خطب الناس بعكاظ وبشرهم ببعث النبي صلى الله عليه وسلم، وحثهم على اتباعه وذلك قبل المبعث، إلى آخر ما أطال فيه العلقمي عند قوله: "رحم الله قسا كأني أنظر إليه على جمل أورق".
وقول الشارح رحمه الله: "والرابع غاب عني" هو عامر بن الظرب العدوي كما نص عليه صاحب الكشف والبيان من كتب أصحابنا المشارقة، وذكر أن له وصية كبيرة وموعظة حسنة، أقول لكن في كلام الشارح رحمه الله تأمل في قوله رواية عن شيخه رحمه الله (وهي ممّ بإسقاط الألف) إلى آخره فإنه هكذا فيما رأيناه من النسخ، وليس بظاهر بل الصواب ترك هذا التصحيح وإثبات الألف (1/77)
صفحة 78
لتكون ما موصولة، وكأنهما رحمهما الله توهما أن: (ما) استفهامية وليس كذلك بل هي موصولة، والاستفهام مستفاد من الهمزة وجلَّ من لا يسهو.
قوله: «والله ما دنوت من الأصنام حتى أكرمني الله بالنبوة» قال شارح العدل رحمه الله: يحتمل الماضي والاستقبال يعني يحتمل أنه ما دنا منها قبل ذلك ولا بعده، ويحتمل أنه ما دنا منها بعد ذلك فقط، والله أعلم.
قوله: __ «ومعي زيد بن حارثة» رضي الله عنه، هو عتيق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المراد في قوله عز وجل: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا} الآية [الأحزاب:37]، وكان من أدعياء النبي.
قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللآَّئِي تَظَّهَّرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءكُمُ, أَبْنَآءكُمْ} [الأحزاب:4] وما جعل الزوجية والأمومة في امرأة، ولا الدعوة والنبوة في رجل، والمراد بذلك رد ما كانت العرب تزعم إلى آخره، والحاصل: أن العرب تزعم أن دعي الرجل ابنه؛ ولذلك كانوا يقولون لزيد بن حارثة الكلبي عتيق رسول الله: (ابن محمد) فردّ الله عليهم.
قوله: «وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة_» قال في المواهب: وقيل: وأربعين يوما، وقيل: وعشرة أيام، وقيل: وعشرين، يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان، وقيل: لسبع وقيل لأربع وعشرين ليلة، وقال ابن عبد البر: يوم الاثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الفيل، وقيل: في أول ربيع بعثه الله رحمة للعالمين ورسولا إلى كافة الثقلين أجمعين، إلى آخره.
قوله: «ولم يكن ينزل عليه شيء» لعل المراد لم ينزل عليه شيء من القرآن، وإلا فما فائدة كونه مبعوثا؟ ويدل لهذا ما ذكره في المواهب حيث قال معترضا على بعضهم: لكنه لم يذكر نزول إسرافيل إليه بكلمات من الوحي قبل جبريل، فقد ثبت في الطرق الصحاح عن عامر الشعبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكّل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين يأتيه بالكلمة من الوحي والشيء، ثم وكل به جبريل فجاء بالقرآن، إلى آخره. (1/78)
صفحة 79
قوله: _ «رأس الكفر نحو المشرق» إلى آخره، قال العلقمي: في رواية: (قِبل المشرق) وهو بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهته أي معظمه وشدته، وفي ذلك إشارة إلى شدة كفر المجوس؛ لأن مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة للمدينة، وكانوا في غاية القوة والتكبر والتجبر، حتى مزق ملكهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم واستمرت الفتن من قبل المشرق. قال شيخنا: قال الباجي: يحتمل أن يريد فارس، وأن يريد أهل نجد، قوله: "رأس الكفر نحو المشرق" قال شيخنا قال الزركشي: بنصب لأنه ظرف وهو خبر نحو: (زيد خلفك).
قوله: «والفخَر» بفتح الخاء المعجمة، قال في النهاية: الفخر ادعاء العظم والكبر والشرف، انتهى. ومنه الإعجاب بالنفس.
قوله: «والخيلاء» بضم المعجمة وفتح التحتية والمد: كبر واحتقار الغير.
قوله: «الفدادين» بتشديد الدال عند الأكثر، وحكى أبو عبيدة عن أبي عمرو الشيباني أنه خففها، وقال إنه جمع: (فدان) والمراد به البقر التي يحرث عليها، وقال الخطابي: (الفدان) آلة الحرث والسكة. فعلى الأول: (فالفدادون) جمع فداد وهو من يعلو صوته في إبله وخيله وحرثه ونحو ذلك، (والفديد) الصوت الشديد. وحكى الأخفش ووهّاه: أن المراد بالفدادين من يسكن الفدافد جمع: (فدد) وهي البراري والصحاري وهو بعيد، وحكى أبو عبيدة معمر بن المثنى أن الفدادين هم أصحاب الإبل الكثيرة من المائتين إلى الألف، وعلى ما حكاه أبو عمرو الشيباني من التخفيف فالمراد أصحاب الفدادين على حذف مضاف، ويؤيد الأول أن في رواية أخرى وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل، وقال أبو العباس: (الفدادون) هم الرعاة والحمالون، وقال الخطابي: إنما يذم هؤلاء لاشتغالهم بمعالجة ما هم فيه عن أمور دينهم، وذلك يفضي إلى قسوة القلب.
قوله: «أهل الوبر» بفتح الواو والباء الموحدة أي ليسوا من أهل المدر، لأن العرب تعبر عن الحضر بأهل المدر وعن أهل البادية بأهل الوبر، واستشكل بعضهم ذكر الوبر بعد ذكر الخيل وقال: إن الخيل لا وبر لها، ولا إشكال لأن المراد ما بينته.
قوله: «والسكينة تطلق على الطمأنينة والسكون والوقار والتواضع» قال ابن خالويه: لا نظير لها، أي في وزنها إلا قولهم: (على فلان ضريبة) أي خراج معلوم. (1/79)
صفحة 80
وإنما خص أهل الغنم بذلك لأنهم غالبا دون أهل الإبل في التوسع والكثرة وهما من سبب الفخر والخيلاء. وقيل: أراد بأهل الغنم أهل اليمن لأن غالب مواشيهم الغنم، انتهى كلام العلقمي.
ولكن قوله: (والفخر) بفتح الخاء المعجمة في الاقتصار عليه قصور فإن فيه لغتين، قال في الصحاح: الفخر الافتخار وعدُّ القديم، وكذلك الفخر كمثل نهر ونهر، إلى آخره.
قوله: «فقد باء بالكفر أحدهما» أي رجع به، (والبادي أظلم). الظاهر أن أفعل ليس على بابه، والمراد: (والبادي بقوله يا كافر هو الظالم) لأنه هو الذي يبرأ منه دون الثاني.
قال في القواعد: وأما إن قال له: (زانٍ) فقال له: (أنت الزاني) فإنه يبرأ منهما جميعا، وسواء في هذا كانا متولَّيَيْن، أو أحدهما متولًّى والآخر من أهل الجملة إلى آخره". أقول: وكذلك إن كان من أهل البراءة فإنه لا يجوز الرمي بالزنا مطلقا، وكذلك كبيرة الشرك على هذا الحال، لأنهم يقولون: (ارم الفاسق بما شئت) أي قل بما شئت مما هو فيه إلا الشرك والزنا كما هو معلوم، والله أعلم.
قوله: «الرياء يحبط العمل كما يحبطه الشرك» أراد -والله أعلم- كما يحبطه الشرك الأكبر فلا ينافي ما هو معلوم من أن الرياء هو الشرك الأصغر، وقد تقدم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اتقوا الشرك الأصغر"، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: (الرياء)، وعدَّه أيضا في القواعد من وجوه الشرك، واستدل له بقوله صلى الله عليه وسلم: "الشرك أخفى في أمتي من ذرة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء". وبقوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ} الآية [الكهف:110]، قال: نزلت فيمن يتصدق بصدقة ويلتمس بها الأجر والثناء لكنه استثناه بعد ذلك من أقسام الشرك ووجوهه إذا لم يقارنه تقرب، ولكنه محبط للعمل على كل حال. وانظر لم خصه صلى الله عليه وسلم بالذكر في كونه محبطا للعمل مع أن سائر الكبائر عندنا كذلك كما هو معلوم؛ لأنه لا يتحقق الثواب والعقاب لشخص واحد بل هو إما سعيد وإما شقي، وصاحب الكبيرة عندنا مخلد في النار ولا ثواب له على عمله ما لم يتب كما تقدم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لسُرّية زيد بن أرقم: (1/80)
صفحة 81
"أبلغي زيدا أنه قد أبطل غزوه وجهاده مع رسول الله وأبطل حجه وصلاته وصيامه إن لم يتب". ويحتمل أنه إنما خصه بالذكر لخفائه في الإنسان فبيّنه له، أو لأنه يحتاج معه إلى إعادة العمل لاختلال شرط صحة العمل وهو النية التي هي الإخلاص بخلاف سائر الكبائر فإن العمل معها صحيح، إذا وجدت شروط الصحة من العلم والعمل والنية. وإنما اختل شرط الثواب وهو الورع، فإن تاب صح له ثواب عمله، والله أعلم. (1/81)
صفحة 82
الباب الحادي عشر
في الحب
67) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ: يَا جِبْرِيلُ إِنِّي أَحْبَبْتُ عَبْدِي فُلاَنًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ أَلاَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ عَبْدًا فَمِثْلُ ذَلِكَ».
68) ... وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ (1) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لأَجْلِي (2) الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي».
69) ... قال أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مُعَاذَ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالمُتَدَالين فيَّ (3)».
70) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ عَبْدِي لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ».
قوله: «إذا أحب الله عبدا» إلى آخره، قال العلقمي: "قال شيخنا: تبعا للنووي قال العلماء: محبة الله لعبده هي: إرادة الخير له وهدايته وإنعامه
__________
(1) / قوله من طريق أبي هريرة في نسخة القطب ذكر السند وهو قوله: أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ ذكره.
(2) / خ: لجلالي.
(3) / وفي نسخة: المتأدِّبين في مكان المتدالين فيَّ، وفي نسخة أخرى: بالجمع بينهما، وفي نسخة القطب: المتباذلين فيَّ. (1/82)
صفحة 83
عليه ورحمته، وبغضه: إرادة عقابه وشقاوته ونحوه. وحب جبريل والملائكة يحتمل وجهين: أحدهما استغفارهم له وثناؤهم عليه ودعاؤهم، والثاني أنه على ظاهره المعروف من الخلق، وهو ميل القلب إليه واشتياقه إلى لقائه، وسبب ذلك كونه مطيعا لله محبوبا له.
ومعنى: «يوضع له القبول في الأرض» أي الحب في قلوب الناس ورضاؤهم عنه، انتهى.
قوله: «وإذا أبغض الله عبدا فمثل ذلك» صرح ببقية الحديث في الجامع حيث قال: "وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فابغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فابغضوه، فيبغضونه ثم توضع له البغضة في الأرض".
قوله: «لا ظل إلا ظلي» قال في السؤالات عند قوله صلى الله عليه وسلم: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" إلى آخره، ظل الله الجنة، لكن فيه إن هذا يوم القيامة قبل دخول الناس إلى الجنة والنار، والظاهر أن المراد ظل العرش كما ورد ذلك في دعاء الطائف عند الميزاب، والله أعلم. (1/83)
صفحة 84
قوله: «إذا أحب عبدي لقائي» إلى آخره، يعني عند الاحتضار وظهور علامات الموت، لما ورد من النهي عن تمني الموت والدعاء به قبل إتيانه، كما هو مشهور من ذلك على ما في كتب قومنا.
قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنى أحدكم الموت» إما محسن فلعله يزداد، وإما مسيء فلعله يستعتب، أي يسترضي الله بالإقلاع والاستغفار، وفي رواية: "لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدعو به من قبل أن يأتيه". قال العلقمي: "فجمع في النهي عن ذلك بين القصد والنطق، وفي قوله: «من قبل أن يأتيه» إشارة إلى الزجر عن كراهته إذا حضر لئلا يدخل في كره لقاء الله.
وحكمة النهي في ذلك أن في طلب الموت قبل حلوله نوع اعتراض ومراغمة للقدر، وإن كانت الآجال لا تزيد ولا تنقص فإن تمني الموت لا يؤثر في زيادتها ولا نقصها ولكنه أمر قد غُيِّب عنه.
قال النووي: في الحديث تصريح بكراهة تمني الموت لضرّ نزل به من فاقة أو محنة بعدو ونحوه من مشاق الدنيا، فأما إذا خاف ضررا أو فتنة في دينه فلا كراهة فيه لمفهوم هذا الحديث، وقد فعله خلائق من السلف لذلك، وفيه أن من خاف ولم يصبر على الضر وتمنى الموت لضر نزل به فليقل الدعاء المذكور، قلت: ظاهر الحديث المنع مطلقا والاقتصار على الدعاء مطلقا، لكن الذي قاله الشيخ لا بأس به لمن وقع منه التمني ليكون له عونا على ترك التمني، انتهى.
ولعل المراد بالدعاء المذكور عندهم ما يدعو به مشايخنا من نحو قولهم: (اللهم أحينا إذا كانت الحياة زيادة لنا في كل خير، وأمتنا إذا كان الموت راحة (1/84)
صفحة 85
لنا من كل شر). وفي السؤالات الإشارة إلى ذلك عند قوله: سؤال: فإن قال أي: شيء خير للمؤمن أن يحييه الله أو يميته؟ إلى آخره، ثم رأيت في كتاب الضياء ما هو صريح في ذلك عندنا أيضا حيث قال: "وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يتمنى أحدكم الموت، يدعو به إلا أن يكون قد وثق بعمله، ألا وإن المؤمن يزداد إحسانا في أجله إن أصابته سراء شكرها فازداد بها خيرا، وإن أصابته ضراء صبر عليها فكانت خيرا"، ومن قال: إنه يهلك في بقية أجله فقد كذّب النبي صلى الله عليه وسلم"، انتهى. (1/85)
صفحة 86
الباب الثاني عشر
في القدر والحذر والتطير
71) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ».
72) ... قَالَ الرَّبِيعُ: بَلَغَنِي عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ وَلَنْ تُؤْمِنَ وَتَبْلُغَ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ» قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ خَيْرَ الْقَدَرِ وَشَرَّهُ قَالَ: «تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، فَإِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ».
73) ... أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ هَامَةَ وَلاَ عَدْوَى وَلاَ صَفَرَ».
قَالَ الرَّبِيعُ: «لاَ عَدْوَى» أَيْ لاَ يَتَحَوَّلُ شَيْءٌ مِنَ الْمَرَضِ إِلَى غَيْرِهِ فَيَعْدُوَ (1)، «وَلا هَامَةَ»: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ خَرَجَتْ مِنْ رَأْسِهِ هَامَةٌ وَهِيَ التِي تَقْتُلُهُ. «وَلاَ صَفَرَ»: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ شَهْرَ صَفَرٍ عَامًا وَيُحَرِّمُونَ شَهْر مُحَرَّمٍ عَامًا (2) فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَقَالَ آخَرُونَ (3): إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِهِ صَفَرٌ وَهِيَ التِي تَقْتُلُهُ فَنَهَى النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ.
74) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يَرِدُ (4) هَائِمٌ عَلَى مُصِحٍّ».
قَالَ الرَّبِيعُ: الْهَائِمُ
__________
(1) / خ: فيعدي.
(2) / قوله: شهر صفر وشهر محرّم في نسخة القطب إسقاط لفظة شهر في الموضوعين وهي أصحّ.
(3) / قوله: آخرون يعني من أهل الجاهليّة فهم في الصفر على طريقتين يهم من يطلقه على النسيء ومنهم من يطلقه على الحية المتوهمة.
(4) / خ: لا يورد. (1/86)
صفحة 87
الذِي جَرِبَتْ مَاشِيَتُهُ أَوْ مَرِضَتْ، وَالْمُصِحُّ الذِي لَيْسَ فِي مَاشِيَتِهِ مَا يُكْرَهُ، يَعْنِي: لاَ يَنْزِلُ بِمَاشِيَتِهِ عَلَيْهِ فَيَضُرَّ بِهِ، وَالضَّرَرُ لاَ يَحِلُّ.
قال في الضياء: "القدر فيه لغتان، تقول العرب: قدر الله وقدره بفتح الدال وجزمها وسكونها وهو القضاء المؤقت، إلى آخره، وفيه بعض إشارة إلى ما في بعض كتب قومنا من الفرق بين القضاء والقدر.
قال زكريا الأنصاري الملقب عندهم بشيخ الإسلام في شرح الطوالع: "القضاء إيجاد جميع الكائنات إجمالا في اللوح المحفوظ وفي علم الله تعالى، والقدر إيجادها تفصيلا في المواد الخارجية واحدا بعد آخر، قال الله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ اِلاَّ عِندَنَا خَزَآئِنُهُ, وَمَا نُنَزِّلُهُ, إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر:21].
وقال في التلويح: "القضاء هو الحكم من الله تعالى والأمر أولا، والقدر هو التقدير والتفضيل بالإظهار والإيجاد.
وفي كلام الحكماء: القضاء عبارة عن وجود جميع المخلوقات في الكتاب المبين واللوح المحفوظ مجتمعة مجملة على سبيل الإبداع. والقدر عبارة عن وجودها مفصلة منزلة في الأعيان بعد حصول الشرائط كما قال عز وعلا: {وَإِن مِّن شَيْءٍ اِلاَّ عِندَنَا خَزَآئِنُهُ, وَمَا نُنَزِّلُهُ, إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر:21].
وقريب منه ما يقال: القضاء ما في العلم والقدر ما في الإرادة.
وقد يقال: إن الله تعالى إذا أراد شيئا قال له: كن، فهناك شيئان: الإرادة والقول، فالإرادة قضاء والقول قدر، انتهى.
وقال في السؤالات: "القدر معناه انتهاء الأمور إلى أوقاتها وارتجاعها إلى مقدورها. والقدر يتصرف على ثمانية أوجه، يخرج على الخلق، قال الله عز وجل: {وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى:3] أي خلق وبيّن لهم ما يأتون وما يذرون إلى آخره. وذكر في القضاء أنه يخرج على ستة أوجه إلى أن قال: وعلى الخلق {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [فصلت:12] إلى آخره، فعلى هذا بين القضاء والقدر عموم وخصوص من وجه يجتمعان في الخلق وينفرد كل واحد منهما في بقية معانيه كما هو ظاهر. وإلى مادة الاجتماع نظر صاحب السؤالات رحمه الله حيث قال: "ويقال: جعل الله كل شيء وخلق كل شيء وقضاه وكتبه وقدره ودبره إلى آخره". وكلام الضياء يشعر بأن القضاء أعم حيث ذكر أن القدر هو القضاء المؤقت، وكلام قومنا المتقدم يشعر بتباينهما، (1/87)
صفحة 88
والظاهر أن صاحب الترتيب رحمه الله نظر إلى مادة اجتماعهما واتحادهما، إذ كانا بمعنى الخلق فلذلك اقتصر على أحدهما.
وإنما خص القدر بالذكر لأنه هو الذي ورد فيما ذكره من الأحاديث، وإلا فالقضاء أيضا مما يجب الإيمان به، وقد جمعهما في الضياء في ترجمة واحدة فقال: (باب في القضاء والقدر)، وقد جمعهما الشيخ الذي سأل علي بن أبي طالب حين رجع من صفين فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء وقدر؟ قال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما وطئنا موطئا، ولا هبطنا واديا، ولا علونا قلعة إلا بقضاء وقدر، فقال الشيخ: أحتسب عنائي، والله ما أرى لي من الأجر شيئا، فقال له علي: بل أيها الشيخ لقد عظم الله أجركم في مسيركم وأنتم سائرون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين، فقال الشيخ: كيف لم نكن مضطرين والقضاء والقدر ساقنا، وعنهما كان مسيرنا وانصرافنا؟ فقال علي: ويلك أيها الشيخ لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حاتما، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والأمر والنهي، ولم تكن لائمة لمذنب، ولا محمدة لمحسن، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء، ولا المسيء أولى بالذم من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان، وجند الشيطان، وخصماء الرحمن، وشهود الزور، وأهل الغي عن الصواب، وهم قدرية هذه الأمة ومجوسها، إن الله أمر تخييرا، ونهى تحذيرا، وكلف يسيرا، ولم يُعْصَ مغلوبا، ولم يُطَع مكرها، ولم يرسل الرسل عبثا، ولم يخلق السماوات الأرض وما بينهما باطلا، {ذَالِكَ ظَنُّ الذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص:27]، فنهض الشيخ مسرورا وهو يقول شعرا:
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته ... يوم النشور من الرحمن رضوانا
أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا ... جزاك ربك عنا فيه إحسانا
إلى آخره، ثم بين في الضياء معنى كونهم قدرية ومجوسا، فليراجع.
وقال أيضا ومعنى كلام علي: أن الله لم يجبر عباده على طاعته ولم تكن معصية العاصي لغلبة، ولا طاعة المطيع على كره وجبر، تعالى الله عز وجل. (1/88)
صفحة 89
قال في السؤالات: "قال رحمه الله: ستة أشياء مبطلة للحيل والجبر، مثبتة للاختيار والاكتساب؛ الأمر والنهي، والحمد والذم، والثواب والعقاب".
وقال في الضياء أيضا: "فإن قال قائل: أفتقولون: إن الله تعالى قضى المعصية على العبد؟ قيل له: نعم، فإن قال: فما معنى القضاء؟ قيل له: معناه خلق المعصية من مكتسبها، وقضاء الطاعة أمر بها وحث عليها، فإن قال: فقضى عليه الكفر ثم يعذبه بما قد قضاه عليه؟ قيل له: قد قلنا إن القضاء يتصرف على وجوه؛ فإن أردت أنه قضى عليه الكفر أي خلق الكفر من الكافر قبيحا فاسدا مذموما متناقضا فكذلك نقول، وإن أردت أنه قضى عليه جبره عليه أمره به أو رضيه منه فلا".
وقد ذكر أن وفد نجران قالوا للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم: يكتب الله علينا الذنب ثم يعذبنا، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: "أنتم خصماء الله"، انتهى.
وقال أيضا في القدر: "فإن قال قائل: فما القدر؟ قيل له: هو الخلق، فإن قال: فيعذب الله على القدر؟ قيل له: إنما يعذب على المقدور، فإن قال: فما الفرق بينهما؟ قيل له: القدر فعل الله والمقدور فعل العبد، وكذلك قوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب:38]. فالقدر فعل الله، والمقدور فعل خلقه، والمقادير من الله عز وجل.
وقد روي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: "سيكون لهذه الأمة قوم يعملون بالمعاصي، ثم يقولون: هي من الله قضاء وقدر، فإذا لقيتموهم فأعلموهم أني بريء منهم"، إلى أن قال: روي أن جعفر بن محمد سأله رجل فقال له: العباد مجبرون؟ فقال: إن الله تعالى هو أعدل من أن يجبر خلقه على المعاصي ثم يعاقبهم عليها، قال: فمفوض إليهم؟ قال: هو أعز من أن يكون لأحد في ملكه سلطان، قال: وكيف هو؟ قال: أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض إلى آخره.
وذكر أيضا عن ابن عباس أنه سئل عن القدر فقال: الناس فيه على ثلاث منازل؛ من جعل للعبد في الأمر مشيئة فقد ضاد الله في أمره، ومن أضاف إلى الله الأشياء مما ينزه الله عنه فقد افترى على الله عظيما، ورجل قال: إن رحمت فبفضل الله، فذلك الذي يسلم له دينه ودنياه، ولم يظلم الله في خلقه، ولم يجهله في حكمه. (1/89)
صفحة 90
وفي حديث النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: كان إذا مر بهدف مائل أسرع المشي، فقيل: يا رسول الله أتفر من قضاء الله؟ قال: "أفر من قضاء الله إلى قدره" إلى آخره. وفي هذا الحديث إشارة إلى أخذ الحذر، وهو التحرز وفيه لغتان: كسر الحاء وسكون الذال، وفتحهما. قال في الصحاح: "الحذر والحذر التحرز وقد حذرت الشيء أحذره حذرا، ورجل حذر وحذر أي متيقظ متحرز، والجمع حذرون إلى آخره".
والتطير التشاؤم. قال في الصحاح: وتطيرت من الشيء وبالشيء، والاسم منه طيرة مثال العنة وهو ما يتشاءم من الفأل الردي، وفي الحديث كان يحب الفأل ويكره الطيرة، إلى آخره. وقال في الضياء: والطيرة مصدر كقولك: طيرت أي تطيرت والطيرة لغة، قال الشاعر:
طيرة الناس لا ترد قضاء ... ... فاعذر الدهر لا تعبه بلوم
أي يوم تخصه بسعود ... ... والمنايا ينزلن في كل يوم
ليس يوم إلا وفيه سعود ... ... ونحوس تجري لقوم وقوم
وقد كانت الفرس أكثر الناس طيرة، وكانت العرب إذا أرادت سفرا نفرت أول طائر تلقاه فإن طار يمنة سارت وتيمنت، وإن طار يسرة رجعت وتشاءمت، فنهى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن ذلك وقال: "أقرّوا الطير في وكناتها"، وحكى عكرمة عن ابن عباس: أنه مر به طائر يصيح فقال له رجل جالس عنده: خير، فقال ابن عباس: لا خير ولا شر، إلى أن قال: والطيرة من وساوس النوكى وذرائع الحرمان فيجب اطّراحها وصرف النفس عنها، وليقل إن عارضته ما روي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: "من تطير فليقل اللهم لا يأتي بالخيرات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
روي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: "كفارة الطيرة توكل على الله تعالى"، وقيل في الحِكم: الخيرة في ترك الطيرة، إلى آخره.
أقول: وقد ورد عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: "إذا تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا"، وورد عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنه كان يحب الفأل ويكره الطيرة، وروي عنه أنه سمع كلمة فأعجبته فقال: "لبيك لبيك أخذنا فألك من فيك"، وورد من هذا شيء كثير، والله أعلم. (1/90)
صفحة 91
قوله: "كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس" قال العلقمي: "قال القاضي: رويناه برفع العجز والكيس عطفا على كل، وبجرهما عطفا على شيء، قال: ويحتمل أن العجز هنا على ظاهره وهو عدم القدرة، وقيل: هو ترك ما يجب فعله والتسويف به وتأخيره عن وقته، قال: ويحتمل العجز عن الطاعات، ويحتمل العموم في أمور الدنيا والآخرة، والكيس ضد العجز وهو النشاط والحذق بالأمور، ومعناه أن العاجز قد قدر عجزه، والكيس قدر كيسته".
قوله: أي «لا يتحول شيء من المرض إلى غيره فيعدو» وهكذا فيما رأيناه من النسخ، فيكون من (عدا)، والذي يدل عليه كلام الصحاح أنه يعدي من أعدى حيث قال: والعدوى أيضا ما يعدي من جرب أو غيره، وهو مجاوزته من صاحبه إلى غيره، يقال أعدى فلان فلانا من خلقه أو من علة به أو جرب.
وفي الحديث: "لا عدوى" أي لا يعدي شيء شيئا إلى آخره، ومثله كلام الضياء حيث قال بعد ذكر الحديث: "والعدوى ما يقولون إنه يعدي من جرب أو داء، وجاء في الحديث: "لا يعدي شيء شيئا" إلى آخره وضبط في الصحاح: العدوى بفتح العين، والمراد أنه لا يتعدى بنفسه من غير أن يكون لله في ذلك فعل كما تتوهمه العرب.
وليس المراد أنه لا يحذر من ذلك كما يدل عليه كلام الإيضاح حيث قال: وأما ماء المجذومين وأهل العلل مثل المجروب والمجدور وغيره فإنه يجزيه التيمم، ولا يستنجي بمائهم إذا خاف المضرة من مائهم، فإن عارض معارض بقوله عليه السلام: "لا هامة ولا عدوى" أي لا يتحول شيء من المرض ولا يعدو، قيل له: لما روي أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "لا يورد هائم على مصح"، أي لا ينزل عليه فيضره، والضرر لا يحل، علمنا أن قوله عليه السلام: "لا هامة ولا عدوى" وقوله: "فما أعدى الأول ما كان تتوهمه العرب" أن هذه أشياء ليس لله فيها صنع وأنها فعل غيره، ونهاهم أن يعتقدوا ذلك. إلى آخره،
ومما يدل أيضا على وجوب أخذ الحذر من مثل هذه الأمراض بعد وجوب اعتقاد أنها لا تعدي بنفسها قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: "فر من الجذام فرارك من الأسد" وقوله في المجذوم أيضا: "إذا نزل واديا فانزلوا غيره".
وذكروا أيضا فيمن يرغب عن تزويجها من النساء أنه يرغب عن ثلاث؛ عن امرأة فيها عرق جذام ولو إلى سبعة (1/91)
صفحة 92
آباء إلى آخره كما هو معلوم؛ وذلك أن الله تعالى أجرى العادة في الغالب أنه يخلق هذه العلل عند مباشرة أصحابها وقد لا يخلق، ولله خرق العوائد، ولكن أخذ الحذر واجب، وليس للعباد أن يختبروا ربهم، والله أعلم.
قوله: «كان أهل الجاهلية يقولون إذا مات الإنسان خرجت من رأسه هامة وهي التي تقتله». ظاهره أن أهل الجاهلية يعتقدون هذا في كل ميت، والذي في الصحاح وغيره أن الهامة إنما هي في القتيل فقط حيث قال: الهامة الرأس، والجمع هام، وهامة القوم رئيسهم، والهامة من طير الليل وهو الصدي، والجمع هام، إلى أن قال: وكانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة فتزقو وتقول: (اسقوني اسقوني) فإذا أدرك بثأره طارت، وهذا المعنى أراد الشاعر بقوله:
ومنا الذي أبكي صدي ابن مالك ... ونفر طيرا عن جعادة وقعا
يقال: قتل قاتله فنفرت الطير عن قبره إلى آخره.
قال ابن هشام في شرح بانت سعاد عند قوله:
فما تدوم على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول
بعد كلام ما نصه: وللعرب أمور تزعمها، لا حقيقة لها، منها: أن الغول تتراءى في الفلوات وتتلون لهم وتضلهم عن الطريق، ومنها الهديل: زعموا أنه فرخ كان في عهد نوح عليه الصلاة والسلام فصاده بعض الجوارح، وأن جميع الحمام تبكيه إلى يوم القيامة، إلى أن قال: ومنها الصفر: زعموا أنه حية في جوف الإنسان تعض عند الجوع شراسيفه وهي أطراف الأضلاع التي تشرف على البطن، إلى أن قال: ومنها الهامة: زعموا أنها طائر يخرج من رأس المقتول فيصيح: (اسقوني فإني عطشان) إلى أن يؤخذ بثأره، إلى أن قال: ومنها النوء: وهو أن يسقط نجم من منازل القمر الثمانية والعشرين من المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع في تلك الساعة آخر مقابله من المشرق فيأتي المطر، وأمور أخرى من الخرافات لا حقيقة لشيء منها، ففي الحديث: "لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر"، وفي حديث آخر: "لا طيرة ولا نوء ولا غول"، رواهما مسلم، وقال بعض الشعراء:
الجود والغول والعنقاء ثالثة ... ... أسماء أشياء لم تخلق ولم تكن (1/92)
صفحة 93
إلى آخره. وضبط في الصحاح (صفر) بفتح الصاد والفاء مرادا به الشهر والحية التي تزعمها العرب، وزاد على كلام ابن هشام واللذع الذي يجده عند الجوع من عضه.
قوله: «لا يورد»، الظاهر أنه مبني للفاعل، من أورد، والمفعول محذوف للعلم به من الفاعل. أي لا يورد صاحب الدابة العليلة دابته العليلة، إلخ.
قوله: «هايم»، هكذا فيما رأيناه من النسخ، ولم يذكر في الصحاح الهايم بهذا المعنى حيث قال: وهام على وجهه يهيم هيما وهيمانا ذهب من العشق أو غيره، وقلب مستهام أي هايم، والهيام بالضم أشد العطش، والهيام كالجنون من العشق، والهيام داء يأخذ الإبل فتهيم في الأرض لا ترعى، يقال: ناقة هيماء إلى آخره، وقال: لعل في النسخة تحريفا كما يدل عليه كلام الصحاح في "صحح" حيث قال بعد كلام: وأصحَّ القوم فهم مُصِحُّون إذا كان قد أصابت أموالهم عاهة ثم ارتفعت، وفي الحديث: "لا يوردن ذو عاهة على مصح" إلى آخره، والمعنى حينئذ ظاهر، والله أعلم. (1/93)
صفحة 94
الباب الثالث عشر
في الفتنة
75) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلا إِنَّ الْفِتْنَة هَاهُنَا» وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ. قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَهَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَشَعَّبَتْ مِنْ نَحْوِ الْمَشْرِقِ، فَالنَّاجِي مَنْ نَجَا مِنْهَا، وَالْهَالِكُ مَنْ هَلَكَ فِيهَا.
76) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاضِعَ الْمَطَرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتْنَةِ».
قَالَ الرَّبِيعُ: «شَعَفَ الْجِبَالِ»: رُؤُوسَهَا.
قال في الصحاح: الفتنة الامتحان والاختبار، تقول: فتنت الذهب لتنظر ما جودته، ودينار مفتون، قال الله تعالى: {إِنَّ الذِينَ فَتَنُوا الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ} [البروج:10] إلى آخره، وقال ابن حجر: والفتن جمع فتنة، قال الراغب: أصل الفتن إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، وتستعمل في إدخال الإنسان النار، وتطلق على العذاب كقوله تعالى: {ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} [الذاريات:14]، وعلى ما يحصل منه العذاب كقوله تعالى: {أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة:49]، وعلى الاختبار كقوله: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه:40]، وفيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورجاء، وفي الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا، قال الله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35]، ومنه قوله: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} [الإسراء:73]، أي يوقعونك في بلية وشدة في صرفك عن العمل بما أوحي إليك، وقال أيضا: الفتنة تكون من الأفعال الصادرة من الله ومن العبد كالبلية والمعصية والقتل والعذاب والمصيبة وغيرها من المكروهات، فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة، فقد ذم الله الإنسان بإيقاع (1/94)
صفحة 95
الفتنة كقوله: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة:191]، وقوله: {إِنَّ الذِينَ فَتَنُوا الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ} [البروج:10] وقوله: {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} [الصافات:162]، وقوله: {بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ} [القلم:6]، وقوله: {وَاحْذَرْهُمُ, أَنْ يَّفْتِنُوكَ} [المائدة:49].
وقال غيره: أصل الفتنة الاختبار ثم استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار والمكروه، ثم أطلقت على كل مكروه، وأوائل الكفر والإثم والتحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك، انتهى.
وقال في شرح النونية: والمفتن والمفتون بمعنى واحد، يقال: أفتنت الرجل وفتنته أي اختبرته، قال الله تعالى: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه:40]، والفتنة في القرآن تخرج على وجوه؛ على الشرك كقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [الأنفال:40]، وقوله: {ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لأَتَوْهَا} [الأحزاب:14]، وتخرج على القتل، كقوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمُ, أَنْ يَّفْتِنَكُمُ الذِينَ كَفَرُوا} [النساء:101]، وعلى الضلال، كقوله تعالى: {وَمَن يُّرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ} [المائدة:41]، وعلى المقدرة كقوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتَهُمُ, إلآَّ أَن قَالُواْ} الآية [الأنعام:24]، وعلى القضاء كقوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} [الأعراف:155]، وعلى الإثم كقوله تعالى: {أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة:49]، أي في الإثم وقعوا، وعلى العبرة كقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} [الممتحنة:5]، وعلى العقوبة كقوله تعالى: {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} [الفرقان:63]، وعلى الاختبار والاعتبار كقوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [العنكبوت:3]، وعلى العذاب كقوله تعالى: {جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت:10] أي عذاب الناس، وعلى الاحتراق كقوله تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} [الذاريات:13]، وقوله: {إِنَّ الذِينَ فَتَنُوا الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ} [البروج:10] وعلى الجنون كقوله تعالى: {بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ} [القلم:6].
والفتنة ما يقع بين الناس من الحروب، قالت امرأة يوم الجمل:
شهدت الحروب وشيبتني ... فلم أر يوما كيوم الجمل
أضر على مسلم فتنة ... وأقتله لشجاع بطل
فليت الظعينة في رحلها ... وليتك عسكر لم ترحل
(
الظعينة) المرأة في الهودج وأظنها عائشة رضي الله عنها، و (عسكر) اسم جمل، (الفتان) الشيطان، إلى أن قال: و (فاتنا القبر) ملكان أحدهما منكر والآخر نكير، انتهى.
قوله: «يوشك» قال ابن حجر: هو بكسر الشين المعجمة أي يسرع وزنه ومعناه، ويجوز يوشَك بفتح الشين، وقال الجوهري: هي لغة رديئة، انتهى. (1/95)
صفحة 96
قوله: «أن يكون خير مال المسلم» إلى آخره. قال ابن حجر: يجوز في: (خير) الرفع والنصب فإن كان غنم بالرفع فالنصب، وإلا بالرفع وقد تقدم، إلى أن قال: والأشهر في الرواية غنم بالرفع، وقد جوز بعضهم رفع خير مع ذلك على أن يقدر في: (يكون) ضمير الشأن وغنم وخير مبتدأ وخبر، ولا يخفى تكلفه، انتهى.
قوله: «شعف الجبال» قال ابن حجر: بفتح الشين المعجمة والعين المهملة بعد فاء، جمع شعفة، كأكم وأكمة رؤوس الجبال والمرعى فيها والماء، ولا سيما هي في بلاد الحجاز أيسر من غيرها. ووقع عند بعض رواة الموطأ بضم أوله وفتح ثانيه وبالموحدة بدل الفاء جمع شعبة وهي ما انفرج بين الجبلين، ولم يختلفوا في الشين معجمة، إلى أن قال: وقد وقع في حديث أبي هريرة عند مسلم نحو هذا الحديث ولفظه: "رجل في رأس شعبة من هذه الشعاب"، انتهى.
قوله: «يفر بدينه من الفتن» قال ابن حجر: قال ا لكرماني: هذه الجملة حالية، وذو الحال الضمير مستتر في يتبع، أو المسلم إذا جوزنا الحال من المضاف إليه، فقد وجد شرطه وهو شدة الملابسة بجزء، واتحاد الخير بالمال واضح، ويجوز أن تكون استئنافية، وهو واضح، انتهى.
قال: والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، وقد اختلف السلف في أصل العزلة. فقال الجمهور: الاختلاط أولى لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الإسلام، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال الخير إليهم من إعانة وإغاثة وعيادة وغير ذلك، وقال قوم: العزلة أولى لتحقق السلامة بشرط معرفة ما يتعين، وقد مضى، إلى أن قال: وقال النووي: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة أولى، وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص؛ فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين، ومنهم من يترجح وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فممن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر فيجب عليه إما عينا وإما كفاية بحسب الحال والإمكان، وممن يترجح من يغلب على ظنه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وممن يستوي من يأمن على نفسه ولكن لا يتحقق أنه لا يطاع وهذا حيث لا تكون هناك فتنة عامة، وإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة مما ينشأ فيها (1/96)
صفحة 97
غالبا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال:25]، ويؤيد التفضيل المذكور حديث أبي سعيد أيضا: "خير الناس رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شعبة من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره". وقد تقدم في باب العزلة من كتاب الرقاق حديث أبي هريرة الذي أشرت إليه آنفا، فإن أوله عند مسلم: "خير معاش الناس رجل مستمسك بعنان فرسه في سبيل الله" الحديث، وقوله: "ورجل له غنيمة" الحديث، وكأنه ورد في أي الكسب أطيب، فإن أخذ على عمومه دل على فضيلة العزلة ممن لا يتأتى منه الجهاد في سبيل الله إلا بزمن وقوع الفتن، والله أعلم. (1/97)
صفحة 98
[صفحة بيضاء] (1/98)
صفحة 99
كتاب الطهارة (1/99)
صفحة 100
[صفحة بيضاء] (1/100)
صفحة 101
الباب الرابع عشر
في الطهارة بالاستجمار
77) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ (1) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ وَلاَ غَائِطٍ». قَالَ جَابِرٌ: فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الصَّحَارِي وَالْقِفَارِ، وَأَمَّا فِي الْبُيُوتِ فَلاَ بَأْسَ، لأَنَّهُ قَدْ حَالَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ حِيَالٌ (2)، وَهُوَ الْجِدَارُ.
78) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا لِحَاجَتِهِ بَيْنَ لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ، مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ الْمَقْدِسِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَالَ جَابِرٌ: فَمِنْ أَجْلِ هَذَا أَبَاحَ ابْنُ عَبَّاسٍ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ فِي الْبُيُوتِ.
79) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ صَاحِبِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَهُوَ بِمِصْرَ: وَاللَّهِ مَا (3) أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ بِهَذِهِ الْكَرَائِسِ (4) وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ فَلاَ يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلاَ يَسْتَدْبِرْهَا بِفَرْجِهِ».
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذَا الأَمْرِ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَا قِيلَ فِيهِ وَمَا رُوِيَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
80) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا لَكُمْ (5) مِثْلُ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ
__________
(1) / خ: قال بلغني.
(2) / خ: حائل.
(3) / خ: لا.
(4) / قوله الكرائس هي الكنف.
(5) / خ: إنما أنا لكم. (1/101)
صفحة 102
دِينِكُمْ» وَأَمَرَ أَنْ يُسْتَنْجَى (1) بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ، وَهِيَ الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ.
81) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا أَرَادَ الْقِيَامَ إِلَى حَاجَةِ الإِنْسَانِ (2) قَالَ: «ائْتِنِي بِالأَحْجَارِ»، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَاسْتَنْجَى بِالْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «إِنَّهَا رِكْسٌ». قَالَ جَابِرٌ: وَقَدْ سَمِعْتُ نَاسًا مِنَ الصَّحَابَةِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا نَهَى النَّبِيء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الاِسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ، لأَنَّ الْعَظْمَ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ، وَالرَّوْثُ زَادُ دَوَابِّهِمْ. قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: وَالذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: الاِسْتِنْجَاءُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ.
82) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ».
83) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فِي الأَجْحِرَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لأَنَّهَا مَسَاكِنُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ.
84) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ آدَابِهِ (3) لاَ يَكْشِفُ إِزَارَهُ إِذَا أَرَادَ حَاجَةَ الإِنْسَانِ حَتَّى يَقْرُبَ مِنَ الأَرْضِ، قَالَ: وَقَدْ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ وَهُوَ يُرِيدُ الْبَوْلَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ.
__________
(1) / خ: يستجمر.
(2) / خ: لحاجته.
(3) / خ: أدبه. (1/102)
صفحة 103
85) ... وَمِنْ طَرِيقِهِ (1) عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: «لاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ وَلاَ غَائِطٍ».
86) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ وَكُلِّ وُضُوءٍ».
قوله: «لا تستقبلوا قبلة ببول ولا غائط) ظاهر هذا الحديث يقتضي النهي عن الاستقبال فقط حيث اقتصر عليه، وقد حكي ذلك عن أبي حنيفة وأحمد.
قوله: «وذلك إذا كان في الصحاري والقفار وأما في البيوت فلا بأس» كأنه أراد بالبيوت مطلق الساتر كما يرشد إلى ذلك التعليل والتفريق بين الأبنية والصحاري، وهو مذهب أصحابنا وجمهور مخالفينا، وهو أعدل الأقوال لإعماله بجميع الأدلة، وقال قوم بالتحريم مطلقا، وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد، ورجحه من المالكية ابن العربي، وحجتهم أن النهي مقدم على الإباحة، وقال قوم بالجواز مطلقا وهو قول عائشة وعروة وداود، واعتلوا بالرجوع عند التعارض إلى الأصل الذي هو الإباحة، فهذه أربعة مذاهب مشهورة على ما في كتب قومنا، وزاد بعضهم ثلاثة مذاهب: أحدها جواز الاستدبار في البناء فقط تمسكا بظاهر حديث ابن عمر وهو قول أبي يوسف، ثانيها التحريم مطلقا حتى في القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس وهو يحكى عن إبراهيم وابن سيرين عملا بحديث معقل الأسدي قال: نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن تستقبل القبلتان ببول أو غائط، ثالثها أن التحريم يختص بأهل المدينة ومن كان على سمتها، فأما من كان قبلته جهة المشرق والمغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقا لعموم قوله: (شرقوا أو غربوا) قاله أبو عوانة صاحب المزني، انتهى، مختصرا من الفتح.
وذكر في الإيضاح في استقبال القبلة واستدبارها ثلاثة أقوال من المشهورة وبينها، ثم قال: وقول رابع من قصر النهي في استقبال القبلة واستدبارها بمكة وهو بمذهب الجمع أليق إلى آخره، فعلى هذا يتحصل في المسألة ثمانية أقوال،
__________
(1) / قوله: ومن طريقه، في نسخة القطب ذكر السند وهو: أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذكره. (1/103)
صفحة 104
والمذهب ما تقدم، والمستحب ترك الاستقبال والاستدبار ولو مع الساتر، قال في القناطر: والانحراف أيضا في البناء أحب إلي.
قوله: «دخلت على حفصة فرأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جالسا بين لبنتين» إلى آخره، يعني رآه على ظهر البيت كما يدل عليه ما في كتب قومنا، ومن المعلوم أيضا أن حاجة الإنسان لا تقضى داخل البيت.
وفي هذا الحديث روايات عند قومنا ولفظه في البخاري: «لقد ارتقيت يوما على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بين لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته» وفي رواية: "على ظهر بيتنا" وفي رواية "على ظهر بيت حفصة" وفي رواية "على بيت حفصة بنت عمر فصعدت البيت"، قال ابن حجر: وطريق الجمع أن يقال: إضافة البيت إليه على طريق المجاز لكونها أخته فله منها سبب، أو حيث أضافه إلى حفصة كان باعتبار البيت الذي أسكنها النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فيه واستمر في يدها إلى أن ماتت فورثه عنها، إلى أن قال: وحيث أضافه إلى نفسه باعتبار ما يدل عليه الحال لأنه ورث حفصة دون إخوته لكونها كانت شقيقته ولم تترك من يحجبه عن الاستيعاب، إلى أن قال: ولم يقصد ابن عمر الإشراف على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في تلك الحالة وإنما صعد السطح لضرورة كما في الرواية الآتية فحانت منه التفاتة كما في رواية البيهقي من طريق نافع عن ابن عمر، نعم لما اتفقت له رؤيته في تلك الحالة عن غير قصد أحب أن لا يخلي ذلك من فائدة، فحفظ هذا الحكم الشرعي، وكأنه إنما رآه من جهة ظهره حتى ساغ له تأمل الكيفية المذكورة من غير محذور، وكل ذلك يدل على شدة حرص الصحابي على تتبع سيرة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ليتبعها إلى آخره، وقول ابن حجر: كما في الرواية الآتية المراد بها قوله: "ارتقيت فوق ظهر البيت لأقضي حاجتي، إلى آخره".
وقوله: «لبنتين» بفتح اللام وكسر الموحدة وفتح النون، تثنية لبنة وهي ما يصنع من الطين أو غيره للبناء قبل أن يحرق.
قال ابن حجر: قوله: "فمن أجل هذا أباح ابن عباس" إلى آخره أي جمعا بين الأحاديث وهو المذهب كما تقدم. (1/104)
صفحة 105
قوله: «الكرايس» جمع كرياس بكسر الكاف وسكون الراء وبالياء المثناة التحتية وهو المرحاض الذي يكون على السطح، وأما الذي يكون على الأرض فإنه يسمى كنيفا، قال أبو عبيد: يقال لموضع الغائط: المرحاض والخلاء بالمد والمذهب والمرفق.
قوله: «ونهى عن الروث والرمة وهي العظام البالية» لفظ الحديث في الإيضاح: "ونهى عن الروث والرمة والعظم"، وهي أشمل من هذه خصوصا إذا كانت الرواية عنده، و (الرمة) بضم الراء فإنها القطعة البالية من الحبل، والعظم يشمل البالي وغيره، وأما على رواية المصنف رحمه الله فإنه يكون النهي خاصا بالروث والعظام البالية.
قال في الصحاح: (الرمة) يعني بالضم قطعة من الحبل البالية والجمع رمم ورمام، وبها سمي ذو الرمة، إلى أن قال: والرمة بالكسر العظام البالية والجمع رمم ورمام إلى آخره، لكن سياق كلامه في الإيضاح يدل على أن الرمة في الحديث بالكسر حيث قال نقلا عن المعترض: فخص بالنهي الروث والعظم، فعلى هذا يكون عنده عطف العظم على الرمة من عطف العام على الخاص.
قوله: «قال كنت مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، حتى إذا أراد القيام لحاجته» إلى آخره، لفظ الحديث في البخاري: "سمع عبد الله يقول: أتى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة، قال: (إنها ركس".
قوله: «فأخذت روثة» قال ابن حجر: زاد ابن خزيمة في رواية له في هذا الحديث أنها كانت روثة حمار، ونقل التميمي أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير.
قوله: «وألقى الروثة» قال ابن حجر: استدل به الطحاوي على عدم اشتراط الثلاثة، قال: لأنه لو كان مشترطا لطلب ثالثا واعترضه وأطال في ذلك، وظاهر رواية المصنف رحمه الله يدل على ما قاله الطحاوي، لكن حديث ابن عباس بعده يدل على أنه لا بد من ثلاثة أحجار وهو الذي يدل عليه كلام صاحب الإيضاح حيث قال: ومن غلب الظاهر على المفهوم أو خصه به قال: لا بد من ثلاثة أحجار وهو أقل (1/105)
صفحة 106
ما يجزي، أو سبعة أو ما يمكنه مما يزيل به الأذى عن نفسه وهو قول أصحابنا، إلى آخره.
قوله: «إنها ركس» قال في الصحاح: الركس رد الشيء مقلوبا، وركسه وأركسه بمعنى {وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا} [النساء:88] ردهم إلى كفرهم إلى آخره، وقال ابن حجر: قوله: (هذا ركس) كذا وقع هنا بكسر الراء وإسكان الكاف، فقيل: هي لغة في رجس بالجيم، وقد دل عليه رواية ابن ماجة وابن خزيمة في هذا الحديث، فإنها عندهما بالجيم، وقيل: (الركس) الرجيع، رد من حالة الطهارة إلى حالة النجاسة، قاله الخطابي وغيره، والأولى الذي يقال: رد من حالة الطعام إلى حالة الروث، وقال ابن بطال: لم أر هذا الحرف في اللغة يعني: (الركس) بالكاف وتعقبه أبو عبد الملك بأن معناه الرد كما قال تعالى: {أُرْكِسُوا فِيهَا} [النساء:91] أي ردوا، فكأنه قال: هذا رد عليك، انتهى. ولو ثبت ما قال لكان بفتح الراء يقال: أركسه ركسا إذا رده، وفي رواية الترمذي: (هذا ركس) يعني نجسا وهو يؤيد الأول، وأغرب النسائي فقال عقب هذا الحديث: (الركس) طعام الجن، وهذا إن ثبت في اللغة فهو صريح من الإشكال، انتهى كلام ابن حجر.
أقول: وهذا التفسير الأخير هو المناسب لما عليه أصحابنا من كون أرواث الخيل والبغال والحمير طاهرة وأنها علف دواب الجن، ولعل نسخته طعام دواب الجن، انتهى، وهو على حذف مضاف، والله أعلم.
قوله: «لأن العظم زاد إخوانكم من الجن والروث زاد دوابهم» قال في الإيضاح: وكذلك طعام بني آدم وطعام بهائمهم قياسا على الجن، إلى آخره.
قوله: «لأنها مساكن إخوانكم من الجن» قيل: إن البول في الجحر هو سبب موت سعد بن عبادة، وذلك أنه كان بالشام فقام ليلة فبال في جحر فلم يأت، فبينما غلمان بالمدينة في بئر سكن نصف النهار في حر شديد إذ سمعوا قائلا يقول في البئر:
نحن قتلنا سيد ... ... الخزرج سعد بن عبادة
ورميناه بسهمين ... فلم تخط فؤاده (1/106)
صفحة 107
فذعر الغلمان وحفظ ذلك اليوم فوجد اليوم الذي مات فيه سعد بالشام، والله أعلم.
وقيل: إنما نهي عن ذلك للإشفاق أن تكون فيها دابة مؤذية، قال في الإيضاح: وكذلك لا تقضى في أثر الحوافر كلها لأنها مساكن الجن، والله أعلم، إلى آخره، ورخص بعضهم أن يقضي حاجته في أثر الحوافر إذا زاد فيها وذكر اسم الله عليها إن لم يجد ما يحفر به، والله أعلم.
قوله: «فلم يردّ عليه» استدل به على أنه لا يتحدث مع أحد، يعني ما لم يكن لمهم كتنجية نفس أو مال، والله أعلم، ولا ينصت إلى حديث أحد، ولا يشمت عاطسا، ولا يحمد إن عطس، ولا يحكي أذانا، ولا يشغل بشيء غير حاجته لئلا يكون ذلك ذريعة إلى وصول النجس إلى ثيابه أو بدنه، وذلك منهي عنه كما هو معلوم، ولأنه حيث وردت السنة بترك الفريضة التي في رد السلام فغيرها من المباحات من باب أولى، والله أعلم.
قوله: «من استنشق فليستنثر» قال في القواعد في بيان الاستنشاق: وهو غسل باطن الأنف، وأما ما يبدو منه فهو من الوجه، وصفته أن يجتذب الماء بخياشيمه ويجعل إبهامه وسبابته على أنفه ثم يستنثر بالنفس إلى آخره، يعني بعد أن يدخل إصبعه في أنفه إلى العظم الذي فيه إذا لم يكن له عذر، وذكر في الإيضاح أنه يدخل في أنفه عند الاستنشاق السبابة والوسطى إلى العظم إلا إن لم يمكنه ذلك فليفعل ما يمكنه إلى آخره، وقال في الصحاح: الانتثار والاستنثار بمعنى وهو نثر ما في الأنف بالنفس.
وفي الحديث إلى آخره قال ابن حجر: الاستنثار هو استفعال من النثر بالنون والمثلثة وهو طرد الماء الذي يستنشقه المتوضئ، أي يجذبه بريح أنفه لتنظيف ما في داخله فيخرج بريح أنفه سواء كان بإعانة يده أم لا، وحكي عن مالك كراهية فعله بغير اليد لكونه يشبه فعل الدابة، والمشهور عدم الكراهة، وإذا استنثر بيده فالمستحب أن يكون باليسرى، إلى آخره.
قوله: «ومن استجمر» أي استعمل الجمار وهي الحجارة الصغار في الاستنجاء.
قوله: «فليوتر» أقل الوتر عند أصحابنا ثلاثة أحجار لما تقدم من قوله: "وأمر أن يستنجي بثلاثة أحجار" إلى آخره. (1/107)
صفحة 108
الباب الخامس عشر
في آداب الوضوء وفرضه
87) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (1) عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثاً، لأَنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ».
88) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ».
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذَلِكَ تَرْغِيبٌ مِنَ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَيْلِ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ فِي ذِكْرِ اللَّهِ.
89) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً فَقَالَ: «هَذَا وُضُوءٌ لاَ تُقْبَلُ الصَّلاَةُ إِلاَّ بِهِ»، ثُمَّ تَوَضَّأَ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ: «مَنْ ضَاعَفَ ضَاعَفَ اللَّهُ لَهُ»؛ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلاَثًا ثَلاَثًا فَقَالَ: «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي».
90) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَلِّلُوا بَيْنَ أَصَابِعِكُمْ فِي الْوُضُوءِ (2) قَبْلَ أَنْ تُخَلَّلَ بِمَسَامِيرَ مِنْ نَارٍ».
91) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ صَلاَةَ لَهُ، وَلاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ وُضُوءَ لَهُ، وَلاَ صَوْمَ إِلاَّ بِالْكَفِّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ».
__________
(1) / قوله: عن أبي هريرة، في نسخة القطب عن ابن عباس مكان أبي هريرة.
(2) / خ: وفي نسخة بإسقاط قوله في الوضوء، وفي أخرى بالماء في الوضوء. (1/108)
صفحة 109
92) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ وَوَيْلٌ لِبُطُونِ الأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ».
قَالَ الرَّبِيعُ: أَرَادَ بِذَلِكَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُعْرَكَ بِالْمَاءِ وَيُبَالَغَ فِي غَسْلِهَا.
93) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلُقَيطِ بْنِ صُبْرَةَ: «إِذَا اسْتَنْشَقْتَ فَأَبْلِغْ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا». وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا السَّنَدِ أَنَّهُ قَالَ لِلُقَيْطِ بْنِ صُبْرَةَ أَوْ لِغَيْرِهِ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَضَعْ فِي أَنْفِكَ مَاءً ثُمَّ اسْتَنْثِرْ».
94) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ.
95) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَّخِذًا مِنْدِيلاً يَمْسَحُ بِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وكَانَ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ فَيُجَفِّفُ بِهِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمَعْمُولُ (1) بِهِ عِنْدَنَا أَنْ لاَ يَمْسَحَ أَعْضَاءَهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَهُوَ اسْتِحْبَابٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَتَرْغِيبٌ مِنْهُمْ فِي نَيْلِ الثَّوَابِ مَا دَامَ الْمَاءُ عَلَى أَعْضَائِهِ.
96) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ بِبَعْضِ رَأْسِهِ فِي الْوُضُوءِ.
97) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) قَالَ: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنَّهُ غَرَفَ غَرْفَةً فَمَسَحَ بِهَا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ.
__________
(1) / قوله المعمول بِهِ عندنا ... الخ هذا منه رضي اللَّه عنه إشارة إلى أنَّ الحديث منسوخ.
(2) / قوله: سمعت أنَّ رسول اللَّه (ص) ... الخ في نسخة القطب: عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن رسول اللَّه (ص) والإرسال أثبت. (1/109)
صفحة 110
قوله: «إذا استيقظ أحدكم» إلى آخره، قال العلقمي: استيقظ تيقظ.
قوله: «من نومه» قال النووي: النوم انغمار وغلبة على العقل يسقط به الإحساس، وقال العلقمي: النوم غشية ثقيلة تهجم على القلب فتقطعه عن المعرفة بالأشياء، ولهذا قيل: هو آفة كأن النوم أخو الموت، وقيل: إن النوم مزيل للقوة والعقل، وأما السِنة ففي الرأس، والنعاس في العين، وقيل: السنة هي النعاس، وقيل: السنة آخر النوم تبدو في الوجه ثم تنبعث إلى القلب فينعس الإنسان، إلى آخره.
قال العلقمي: قال شيخ شيوخنا: وأخذ بعمومه الشافعي والجمهور فاستحبوه عقب كل نوم وخصه أحمد بالليل لقوله: (باتت يده) لأن حقيقة المبيت يكون في الليل، لكن التعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة، قال الرافعي: يمكن أن يقال: الكراهة في الغمس لمن نام ليلا أشد لمن نام نهارا، انتهى.
ثم الأمر عند الجمهور محمول على الندب، وحمله أحمد على الوجوب في نوم الليل دون النهار، وعنه في رواية استحبابه في نوم النهار، واتفقوا على أنه لو غمس لم يضر الماء، إلى أن قال: ولا تزول الكراهة إلا بغسلهما ثلاثا، وحكمته أن الشارع إذا غيّى حكما بغاية فإنما يخرج من عهدته باستيعابها، فسقط ما قيل: ينبغي زوال الكراهة بواحدة للمتيقن الطهر بها، كما لا كراهة إذا تيقن طهرهما ابتداء إلى آخر ما أطال فيه، وظاهر كلام صاحب الإيضاح رحمه الله في الماء إذا دخلته نجاسة ولم تغير أحد أوصافه أن غسلها واجب إذا كان الماء قليلا لئلا ينجس، حيث قال بعد رواية الحديث: ولو لم ينجس القليل من الماء بقليل النجاسة لما كان لغسله يده ثلاثا معنى، فدلت هذه الأحاديث أن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة ولو لم يتغير أحد أوصافه، إلى آخره.
قوله: «في الإناء» قال العلقمي: أي الإناء الذي أعد للوضوء، وفي رواية: (في وضوئه) وهو بفتح الواو أي في الماء الذي في الإناء المعد للوضوء، وخرج بذكر الإناء البرك والحياض التي لا تفسد بغسل اليد فيها على تقدير نجاستها فلا يتناولها النهي، انتهى. (1/110)
صفحة 111
قوله: «فإنه لا يدري» قال البيضاوي: فيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة؛ لأن الشارع إذا ذكر حكما وعقبه بعلة دل على أن ثبوت الحكم لأجلها، إلى آخره، قال بعضهم: نظير قوله صلى الله عليه وسلم: "الهرة ليست بنجسة فإنها من الطوافين عليكم والطوافات"
فقوله: «لا يدري» قال العلقمي: فيه أن علة النهي احتمال هل لاقت يده ما يؤثر في الماء أو لا، ومقتضاه إلحاق من شك في ذلك ولو كان مستيقظا، ومفهومه أن من درى أين باتت يده كمن لف عليها خرقة مثلا فاستيقظ وهي على حالها أن لا كراهة، وإن كان غسلا مستحبا على المختار، انتهى.
قوله: «أين باتت يده» قال العلقمي: قال الشافعي: كانوا يستجمرون وبلادهم حارة، فربما عرق أحدهم إذا نام فيحتمل أن تطوف يده على المحل أو على بثرة أو دم حيوان أو قذر أو غير ذلك، إلى أن قال: قال شيخنا: وذكر غير واحد أن: (بات) في هذا الحديث بمعنى: (صار). منهم ابن عصفور، والآمدي في شرح الجزولية وإن كان أصلها للسكون ليلا كما قاله الخليل وغيره، وقد استشكل هذا ابن كثير من جهة أن انتفاء الدراية لا يمكن أن يتعلق بلفظ: (أين باتت يده) ولا بمعناه؛ لأن معناه الاستفهام، ولا يقال: إنه لا يدري الاستفهام، فقالوا: معناه لا يدري تعيين الموضع الذي باتت فيه؛ فيكون فيه مضاف محذوف وليس استفهاما، وإن كان صورته صورة الاستفهام، وهذا الإشكال والجواب مطرد في كل ما علق من أفعال القلوب عن العمل فيما بعده باستفهام، إلى آخره.
قوله: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» قال في الإيضاح: ذهب قوم إلى أن التسمية من فروض الوضوء، واحتجوا بما روي عنه عليه السلام أنه قال: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" وذهب قوم إلى أن المراد بالتسمية النية، وحملها بعضهم وهو الصحيح على الندب لنيل الفضل، كقوله عليه السلام: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" لأنهم أجمعوا أن من صلى في بيته فقد أدى الفرض الذي عليه، فكذلك التسمية يقول: بسم الله، هكذا في آثارهم رحمهم الله، انتهى. وذكر في القناطر أنه يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون). (1/111)
صفحة 112
قوله: «ثلاثا ثلاثا» أي لكل عضو، وظاهره أنه لا فرق بين المغسول والممسوح، وهو الذي صرح به الشيخ إسماعيل رحمه الله في القناطر حيث قال: ثم يستوعب رأسه بالمسح بأن يبل يديه ويمسح من مقدم رأسه وقد فرق رؤوس أصابع يديه حتى يبلغ القفا ثم يردهما إلى فوق، ذلك لأن العلماء نزلوا الرأس منزلة العظمين، إلى أن قال: يفعل ذلك ثلاثا، وإن مسح بعض رأسه أجزأه، إلى آخره، وكلامه في القواعد يشعر بوجود الخلاف في ذلك حيث قال في فضائل الوضوء: الخامسة البداية في مسح الرأس من مقدمه، والتيامن فيه، والاقتصار على مسحة واحدة عند بعضهم، إلى آخره.
وهذا الخلاف موجود بين قومنا أيضا، قال في الفتح بعد كلام: وليس في شيء من طرقه في الصحيحين ذكر عدد المسح، وبه قال أكثر العلماء، قال الشافعي: يستحب التثليث في المسح كما في الغسل واستدل به بظاهر رواية لمسلم: أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم توضأ ثلاثا ثلاثا، وأجيب بأنه مجمل تبين في الرواية الصحيحة أن المسح لم يتكرر فيحمل على الغالب، أو يخص بالمغسول.
قال أبو داود في السنن: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة، وكذا قال ابن المنذر: إن الثابت عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في المسح مرة واحدة، وبأن المسح مبني على التخفيف فلا يقاس على الغسل المراد منه المبالغة في الإسباغ، وبأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل إذ حقيقة الغسل جريان الماء، والدلك ليس بمشترط على الصحيح عند أكثر العلماء، وبالغ أبو عبيدة فقال: لا نعلم أحدا من السلف استحب تثليث مسح الرأس إلا إبراهيم التميمي، وفيما قال نظر؛ فقد نقله ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أنس وعطاء وغيرهما، وقد روى أبو داود من وجهين أنه صحيح؛ أحدهما عن ابن خزيمة وغيره في حديث عثمان تثليث مسح الرأس، والزيادة من الثقة مقبولة، انتهى.
قوله: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» يؤخذ منه أن الوضوء ثابت لغير هذه الأمة أيضا؛ فعلى هذا يكون الذي اختصت به هذه الأمة إنما هو الغرة والتحجيل وقد تقدم الكلام على ذلك، فليراجع.
قوله: «خللوا بين أصابعكم قبل أن تخلل بمسامير من نار»، قال في القواعد: وصفة تخليل الأصابع أن يجعل باطن كفه اليسرى على ظاهر اليمنى، (1/112)
صفحة 113
وباطن اليمنى على ظاهر اليسرى، فيخللها كذلك إلى آخره، ولم يبين رحمه الله كيفية تخليل البنان مع أن قوله عليه السلام: "خللوا بين أصابعكم" شامل لأصابع الرجلين أيضا كما يؤخذ من كلام الإيضاح حيث قال: ويخللوا ما بينهن وما تحتهن لقوله عليه السلام: "خللوا بين أصابعكم في الوضوء" الحديث إلى آخره، وقال في القناطر: ويخلل بخنصر اليد اليسرى من أسفل أصابع الرجل اليمنى ثلاثا، ويبدأ بالخنصر من الرجل اليسرى إلى آخره.
والتخليل عنده في القواعد أولا من السنن، ثم قال: وقيل واجب لأنها من اليد إلى آخره، أقول: ويشهد للوجوب ظاهر قوله عليه السلام: "قبل أن تخلل بمسامير من نار" فإن العقاب إنما يتعلق بترك الواجب؛ ومن قال بوجوب التخليل مالك، لكن قال في الإيضاح: وأجمعوا أنه غير واجب وإن كان إيصال الماء إلى موضع التخليل واجبا، وفي هذا دليل على أن ما أصابه الماء من مواضع الوضوء إذا لم يمر عليه اليد مع الماء أنه يجزيه إذا جرت اليد على الأكثر منه في قول من رأى أن اليد مع الماء واجب في الطهارة إلى آخره، فكأن صاحب الإيضاح رحمه الله لم يعتد بقول المخالف، أو أراد إجماع الأصحاب، والله أعلم، فليحرر.
قوله: «لا إيمان لمن لا صلاة له» في هذا الحديث دليل لأصحابنا على أن تارك الصلاة كافر، وكذلك سائر الفرائض كما هو معلوم، والمراد كفر النفاق، وهو كفر النعمة لا كفر الشرك؛ فالإيمان المنفي هو الشرعي المركب من القول والعمل، لا الإيمان اللغوي الذي هو التصديق الذي قارنه الإقرار وهو التوحيد كما هو معلوم.
قوله: «ولا صلاة لمن لا وضوء له» يعني أن الوضوء شرط في صحة الصلاة، والمشروط ينعدم بانعدام شرطه، وهذا بالنظر إلى القادر عليه كما هو معلوم. وتتمة هذا الحديث في بعض الروايات: «ولا صلاة ولا وضوء لمن لا صوم له ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله».
قوله: «ويل للعواقب من النار» هكذا فيما رأيناه من النسخ بواو بعدها ألف، والذي في كتب قومنا: "ويل للأعقاب" ولفظه في البخاري عن عبد الله بن عمر قال: تخلف النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عنا في سفرة فأدركنا (1/113)
صفحة 114
وقد أرهقنا العصر فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النار" مرتين أو ثلاثا، انتهى، وهذا هو الظاهر لأن العقب بكسر القاف وهو مؤخر الرجل لا يجمع هذا الجمع بل يجمع على أفعال جمع قلة وعلى فعال جمع كثرة، اللهم إلا أن يقال: الرواية (للعراقيب) بالراء فصحف بالواو وهو جمع عاقبة وهو آخر كل شيء، والله أعلم، فليراجع.
ثم أخبرني ثقة أنه رأى في منهاج الطالبين للشيخ خميس بن سعيد أنه ذكر فيه روايتين الأعقاب والعراقيب، قال ابن حجر: قوله: للأعقاب أي المرئية إذ ذاك فاللام للعهد ويلتحق بها ما شاركها في ذلك، والعقب مؤخر القدم، وقال البغوي معناه ويل لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها، وقيل أراد أن العقب يختص بالعقاب إذا قصر في غسله، وفي الحديث تعليم الجاهل ورفع الصوت بالإنكار وتكرير المسألة لتفهم كما تقدم في كتاب العلم، انتهى. أقول والتأويل الأول هو الظاهر، والثاني هو المتبادر، والله أعلم.
قوله: «للقيط بن صبرة «قال شيخنا رحمه الله في حواشيه على الإيضاح: (لقيط) باللام في أوله والطاء المهملة في آخره كذا رأيته في نسخة صحيحة وصبرة بالصاد والباء، انتهى، يعني بضم الصاد وإسكان الباء.
قوله: «إذا توضأت فضع في أنفك ماء» أي إذا أردت الوضوء فضع، فالفعل مستعمل في الإرادة على حد قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمُ, إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة:6]، وقوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98]، وقوله: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ اَهْلَكْنَاهَا فَجَآءهَا بَأْسُنَا} [الأعراف:4]، قال في الإيضاح بعد ذكر هذا التأويل: ويحتمل أن يتوجه إلى غسل اليد أي إذا غسلت يديك فضع في أنفك ماء، والدليل على هذا التأويل أن الغسل يسمى وضوءا، وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا رسول الله تصيبني الجنابة من الليل ما ذا أصنع؟ قال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "توضأ واغسل رأس ذكرك" أراد غسل يديه ثم ذكره لأنه لم ينقل عن أحد بلغنا جعل المضمضة والاستنشاق بعد الوضوء، انتهى. (1/114)
صفحة 115
قوله: «قال أبو عبيدة: المعمول به عندنا أن لا يمسح أعضاءه» إلى آخره يتأمل هذا مع ما ثبت عنه عليه السلام من أنه يمسح أعضاءه بعد الوضوء، ومن قواعدهم أنه لا حظ للنظر مع وجود الأثر. اللهم إلا أن يقال: قد ثبت عندهم أنه إنما فعله عليه السلام لبيان الجواز فقط، وأن المستحب خلافه، ويشهد لذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "حدثتنا ميمونة قالت: صببت للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم غسلا فأفرغ بيمينه على يساره فغسلها، ثم غسل فرجه، ثم مال بيده على الأرض فمسحها بالتراب ثم غسلها، ثم مضمض واستنشق، ثم غسل وجهه وأفاض على رأسه، ثم تنحى فغسل قدميه، ثم أتي بمنديل فلم ينقض بها، قال أبو عبد الله: يعني لم يمسح بها"، انتهى. وقال في محل آخر في بقية الحديث: "ثم تنحى فغسل قدميه فناولته خرقة فقال بيده: هكذا ولم يردها، قال ابن حجر: قوله: (ولم يُردْها) بضم أوله وإسكان الدال من الإرادة، والأصل يريدها لكن جزم بلم، ومن قرأها بفتح أوله وتشديد الدال فقد صحف وأفسد المعنى، وقد رواه الإمام أحمد عن عفان عن أبي عوانة بهذا الإسناد وقال في آخره: فقال: هكذا وأشار بيده أن لا أريدها، وسيأتي في رواية أبي حمزة عن الأعمش فناولته ثوبا فلم يأخذه"، انتهى.
وظاهر تعليل بعض المالكية يدل على الاستحباب حيث قال: ولا بأس بمسح الأعضاء بالمنديل لما روي أنه صلَّى الله عليه وسلَّم كان إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه، ولأن المسح يؤدي إلى النظافة، فإن الماء إذا بقي في شعره قطر من اللحية على الثوب فعلق به الغبار فينطمس لونه وكذلك تعلق ماء رجليه بذيول ثوبه، انتهى.
وكلام الشيخ إسماعيل رحمه الله في القناطر يدل على الخلاف في المسألة حيث قال: وكره قوم التنشف وقالوا: (الوضوء نور) قاله سعيد بن المسيب والزهري، ولكن قد روي عن معاذ رضي الله عنه أنه صلَّى الله عليه وسلَّم مسح وجهه بطرف ثوبه، وروي عن عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام كانت له منشفة. قال الربيع قال أبو عبيدة رحمهما الله: المعمول به عند أصحابنا أن لا يمسح، إلى آخره. (1/115)
صفحة 116
قوله: «مسح ببعض رأسه في الوضوء» فيه دليل لأصحابنا على أنه لا يجب مسح جميع الرأس، وأقل ذلك عندهم ثلاث شعرات بثلاثة أصابع، والمستحب مسح جميعه خروجا من الخلاف، واختلف في كلام الشيخين في كيفية ذلك، فليراجع.
قال في القواعد: وحدّ الرأس فيما بلغنا من فوق الأذنين إلى أعلى الجبين، وكان عمر رحمه الله لا يرى القفا من الرأس في القصاص، انتهى، ولكن ذكر قبل ذلك أنه إلى آخر منابت شعر القفا حتى يخرج من الخلاف.
قوله: «الأذنان من الرأس» يعني أنهما يمسحان مع الرأس من غير تجديد الماء وهو المعمول به عندنا، ومسحهما سنة خلافا لمن زعم أن مسحهما فرض مستقل ويجدد لهما الماء، وأما بالنظر إلى الخلقة فلا شك أنهما من الرأس كما يشهد به الحس، قال في القواعد: وعن الربيع بن حبيب رحمه الله أنه قال: يستحب مسح باطن الأذنين مع الوجه وظاهرهما مع الرأس، وعن عبد الله بن مسعود رحمه الله أنه يستحب تجديد الماء للأذنين، وكيفية مسحهما أن يدخل إصبعيه في أصماخ أذنيه ويمسح ظاهرهما وباطنهما إلى آخره، وقال في القناطر: وذلك بأن يدخل مسبحيه في صماخي أذنيه ويدير إبهاميه على ظاهر أذنيه ثم يضع كفيه على الأذنين استظهارا ويكرره ثلاثا، إلى آخره.
ومعنى قول ابن مسعود رحمه الله: "يستحب تجديد الماء للأذنين" أنهما لا يمسحان بماء الرأس، وليس المراد أنه يكرر له المسح بماء جديد في كل مرة، على أن بعضهم يرى أن المستحب في الممسوح الاقتصار على مرة واحدة كما تقدم في مسح الرأس، والله أعلم. (1/116)
صفحة 117
الباب السادس عشر
في فضائل الوضوء
بَابٌ فِي فَضَائِلِ الْوُضُوءِ
98) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» قَالَهَا ثَلاَثًا.
99) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِهِ، آخِرَ قَطْرِ الْمَاءِ؛ فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ مِنْهُمَا كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَهَا بِهِمَا، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ».
100) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبَرَةِ ... الْحَدِيثُ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الأُمَّةِ.
101) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمَقَاعِدِ (1) فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَأَذَّنَ لِصَلاَةِ الْعَصْرِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَوْلاَ أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنِ امْرِئٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ لِصَلاَتِهِ ثُمَّ يُصَلِّيهَا إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلاَةِ الأُخْرَى حَتَّى يُصَلِّيَهَا».
قَالَ الرَّبِيعُ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: «لَوْلاَ أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ» قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:
__________
(1) / قوله المقاعد هي مجالس كانوا يجلسون فيها في سوق المدينة. (1/117)
صفحة 118
{وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}.
قوله: «يمحو الله به الخطايا» قال الباجي: محو الخطايا كناية عن غفرانها والعفو عنها وقد يكون محوها من كتاب الحفظة، وقيل: عفوه تعالى عمن كتبت عليه.
قوله: «يرفع به الدرجات» قال الباجي: أي المنازل في الجنة، ويحتمل أن يريد رفع درجة في الدنيا بالذكر الجميل وفي الآخرة بالثواب الجزيل، وقيل: هي أعلى المنازل في الجنة.
قوله: «إسباغ الوضوء» أي إتمامه وإكماله واستيعاب أعضائه بالماء.
قوله: «على المكاره» قال الباجي: من شدة برد، وحاجة عند النوم، وعجلة إلى أمر مهم، وغير ذلك.
قوله: «وكثرة الخطا إلى المساجد» قال الباجي: وهو يكون ببعد الدار عن المسجد، ويكون بكثرة التكرر عليه.
قوله: «فذلكم الرباط» قال ابن العربي: يعني به تفسير قوله تعالى: {اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ} [آل عمران:200]، وقال في النهاية: الرباط في الأصل الإقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها، شبه به ما ذكر من الأفعال الصالحة والعبادة. وقال القتبي: أصل المرابطة أن يربط الفريقان خيولهم في ثغر كل منهما مُعدًّا لصاحبه، فسمي المقام في الثغور رباطا، ومنه قوله: "فذلكم الرباط"، أي المواظبة على الطهارة والصلاة والعبادة كالجهاد في سبيل الله، فيكون الرباط مصدر رابطت أي لازمت، وقيل: إن الرباط هنا اسم لما يربط به الشيء أي يشد، يعني أن هذه الخلال تربط صاحبها عن المعاصي وتكفه عن المحارم. ثم قال: وحقيقة الرباط ربط النفس عن المعاصي والجسم مع الطاعات، وحكمة تكراره؛ قيل: للاهتمام به وتعظيم شأنه، وقيل: كرره صلَّى الله عليه وسلَّم على عادته في تكرير الكلام ليفهم عنه، قال النووي: والأول أظهر، انتهى. (1/118)
صفحة 119
وقال الباجي: يعني أنه من الرباط المرغب فيه لأنه قد ربط نفسه على هذا العمل وحبس نفسه عليه، قال: ويحتمل أن يريد تفضيل هذا الرباط على غيره من الرباط في الثغور فلذا قال: "فذلكم الرباط" أي أنه أفضل أنواعه، كما يقال: (جهاد النفس هو الجهاد) أي أنه أفضله، ويحتمل أن يريد أنه الرباط الممكن المتيسر، وقد قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: إن ذلك من ألفاظ الحصر، وكرره ثلاثا على معنى التعظيم لشأنه، انتهى من العلقمي.
قوله: «إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة» إلى آخره، معنى هذا الحديث رواه في الوضع والإيضاح بلفظ آخر مع زيادة عن عمرو بن عنبسة وكان يسمى ربع الإسلام، قال: قلت: يا رسول الله حدثني عن الوضوء، فقال: "ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيمضمض ويستنشق إلا خرجت خطاياه من فيه وخياشيمه مع الماء، ثم غسل وجهه كما أمره الله خرجت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم إذا غسل يديه إلى المرفقين خرجت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم إذا مسح رأسه خرجت خطاياه من أطراف شعره مع الماء، ثم إذا غسل رجليه إلى الكعبين خرجت خطايا قدميه من أنامله مع الماء، فإذا قام وصلى وحمد الله وأثنى عليه ومجده انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه) انتهى.
وفي نسخة شيخنا رحمه الله مصلحه عبسة بغير نون، وكتب عليه بهامش نسخته في بعض كتب المخالفين عمرو بن عيينة السلمي، وكتب أيضا على قوله: (إلا خرجت) في رواية المخالفين (إلا خرت) بالخاء والراء ومعناه سقطت، ويروى (جرت) بالجيم أي خرت ماء الوضوء، وكتب أيضا على قوله: (إلا خرجت خطاياه).
المراد بالخطايا الصغائر دون الكبائر، والمراد بخروجها المجاز في غفرانها لأنها ليست بأجسام فتخرج حقيقة، والله أعلم، وقيل: بل حقيقة إذ المعاني قد تتشكل، انتهى، وأقول: إن كان مراده بتشكلها تجسيما فهو لا يناسب المذهب، لأن الأعمال أعراض، والأعراض عندنا لا تجسم؛ لأن ذلك يؤدي إلى قلب الحقائق وهو محال، كما نص عليه في السؤالات، والله أعلم، وإنما قلنا بالتأويل في (1/119)
صفحة 120
الخطايا لأنا ندين بأن الله لا يغفر الكبائر لمن اجتنب الصغائر إلا بالتوبة منها كما هو معلوم.
وأما عند غيرنا، فقال ابن حجر في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في بعض الأحاديث: "غفر له ما تقدم من ذنبه": ظاهره يعم الكبائر والصغائر لكن العلماء خصوه بالصغائر لوروده مقيدا باستثناء الكبائر في غير هذه الرواية، وهو في حق من له صغائر وكبائر، فمن ليس له إلا صغائر كفرت عنه، ومن ليس له إلا كبائر خفف عنه منها بمقدار ما لصاحب الصغائر، ومن ليس له لا صغائر ولا كبائر يزاد في حسناته نظير ذلك إلخ، وهذا التفصيل كله من الهذيانات التي لا تصح عندنا كما هو معلوم؛ فالحديث خاص بمن ليس له إلا الصغائر وهي لا يخلو منها إلا أحد المعصومين على ما فيه، والله أعلم.
قوله: «الحديث مذكور في باب الأمة» إنما نبه عليه هنا لأجل قوله صلَّى الله عليه وسلَّم فيه حين قالوا: يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ فقال: "أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل بُهْم دُهْم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء".
قوله: «على المقاعد» قال في الصحاح: والمقاعد مواضع قعود الناس في الأسواق وغيرها.
قوله: «فدعا بماء فتوضأ فقال: والله لأحدثنكم حديثا لولا أنه في كتاب الله ما حدثتكم» إلخ، ذكر في هذا الحديث في البخاري روايتين إحداهما: "دعا بماء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح رأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين" قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه". والرواية الثانية شبيهة برواية المصنف رحمه الله هي: فلما توضأ عثمان قال: لأحدثنكم حديثا لولا آية ما حدثتكموه، سمعت النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: "لا يتوضأ رجل فيحسن وضوءه ويصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة حتى يصليها"، قال عروة الآية: {اِنَّ الذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} [البقرة:159] انتهى. (1/120)
صفحة 121
قال ابن حجر: قوله: "لولا آية" زاد مسلم: "في كتاب الله" ولأجل هذه الزيادة صحف بعض رواياته أيضا فجعلها: (أنه) بالنون وبهاء الشأن، إلى أن قال: مراد عثمان أن هذه الآية تحرض على التبليغ وهي وإن نزلت في أهل الكتاب لكن العبرة لعموم اللفظ، وقد تقدم نحو ذلك لأبي هريرة في كتاب العلم، وإنما كان عثمان يرى ترك تبليغهم ذلك لولا الآية المذكورة خشية عليهم من الاغترار.
وقد روى مالك هذا الحديث في الموطأ عن هشام بن عروة ولم يقع في روايته تعيين الآية فقال من قبل نفسه: أراه يريد: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114] انتهى، وما ذكر عروة راوي الحديث بالجزم أولى، والله أعلم، انتهى كلام ابن حجر.
وما ذكر من أن الرواية آية بالياء وأن الآية هي: {اِنَّ الذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} [البقرة:159] إلخ في غاية الظهور في مراد عثمان والمتقدم، وأما رواية: (أنه) بالنون وأن الآية هي قوله: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114] فينظر هل مراده بذلك تقوية آية مخافة الشك فيها، أو مراده خوف الاغترار منهم بهذا، ولكن لما كان موجودا في كتاب الله فلا ضرر عليهم في ذلك والله ذو الفضل العظيم، فليحرر مراده على هذه الرواية، والله أعلم.
قوله: «ثم يصليها» أي الصلاة التي توضأ لها وهي المكتوبة بدليل ما بعده.
قوله: «حتى يصليها» أي يشرع فيها كما قال ابن حجر.
قوله: «إن الحسنات يذهبن السيئات» قال في الوضع: هي الصلوات الخمس يكفرن السيئات لمن اجتنب الكبائر. (1/121)
صفحة 122
الباب السابع عشر
ما يجب منه الوضوء
102) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْوُضُوءُ مِنَ الْمَذِيِّ، وَالغُسْلُ مِنَ الْمَنِيِّ».
103) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ أَمَرَ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَجُلٍ دَنَا مِنْ أَهْلِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذِيُّ مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَأَنَا أَسْتَحْيِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَسْأَلَهُ مِنْ أَجْلِ ابْنَتِهِ عِنْدِي، فَجَاءَ الْمِقْدَادُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَنْضَحْ ذَكَرَهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَ الصَّلاَةِ».
104) ... أَبُوعُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ بِلاَلُ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لاَ يُتَوَضَّأُ مِنْ طَعَامٍ أَحَلَّ اللَّهُ أَكْلَهُ».
105) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْغِيبَةُ تُفْطِرُ الصَّائِمَ وَتَنْقُضُ الْوُضُوءَ».
106) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلاَ يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَشُمَّ رِيحًا».
107) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا مَسَّتِ الْمَرْأَةُ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ». (1/122)
صفحة 123
108) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِنَّهَا قَالَتْ: يُقَبِّلُنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يُصَلِّي وَلاَ يَتَوَضَّأُ.
109) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَاءَ أَوْ قَلَسَ فَلْيَتَوَضَّأْ».
110) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَطَلَبْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى أَخْمَصِ رِجْلَيْهِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وَهُوَ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عِقَابِكَ وَبِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ».
قَالَ جَابِرٌ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى إِزَالَةِ (1) الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ.
111) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: قَدَّمْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْساً مُلَتَّتًا بِسَمْنٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
قَالَ الرَّبِيعُ: الْحَيْسُ: السُّوَيْقُ الْمُلَتَّتُ بِالسَّمْنِ.
112) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ ضَمَّامِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْوِي عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مَنْ مَسَّ عَجْمَ الذَّنَبِ وُضُوءٌ، وَلاَ عَلَى مَنْ مَسَّ مَوْضِعَ الاِسْتِحْدَادِ وُضُوءٌ».
113) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْقَيْءُ وَالرُّعَافُ لاَ يَنْقُضَانِ الصَّلاَةَ، فَإِذَا انْفَلَتَ الْمُصَلِّي بِهِمَا تَوَضَّأَ وَبَنَى عَلَى صَلاَتِهِ».
114) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُوتِيَ بِكَتِفٍ مُؤَرَّبَةٍ فَأَكَلَ (2) ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
قَالَ الرَّبِيعُ: الْمُؤَرَّبَةُ: الْمُوَفَّرَةُ.
__________
(1) / قوله: على إزالة الوضوء، يحتمل وجهين: أحدهما رفع وجوب الوضوء عنه، بمعنى أنَّ وضوءه الأوَّل باق، فلا يجب عليه تجديد الوضوء؛ والثاني نقض عليه وضوءه فيجب عليه التجديد، فتكون الإزالة على هذا الوجه بمعنى النقض، وهو الظاهر من كلامه، والوجه الأوَّل أنسب بالقواعد وعليه حمله غير واحد. واللَّه أعلم.
(2) / خ: فأكلها. (1/123)
صفحة 124
115) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ».
116) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: فَتَذَاكَرْنَا مَا كَانَ (1) مِنْ نَقْضِ الْوُضُوءِ، قَالَ: قَالَ مَرْوَانُ: مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا أَعْلَمُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ مَرْوَانُ: أَخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ».
قوله: «الوضوء من المذي» بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وتخفيف الياء، ويجوز فيه كسر الذال وتشديد الياء، هو الذي يخرج منه قبل الانتشار وبعده، وهو رقيق يسيل كاللعاب، وقال في الصحاح: المذي بالتسكين ما يخرج عند الملاعبة والتقبيل وفيه الوضوء، تقول منه مذى الرجل بالفتح وأمذى بالألف مثله، إلى أن قال: وقال الأموي: المذي والودي والمني مشددات إلخ، وكون المذي لا يجب منه الاغتسال هو الراجح لهذا الحديث والذي بعده، وقيل: إنه يجب منه الاغتسال وينتقض به الصوم.
قوله: «والغسل من المني» الغسل بالفتح مصدر قولك غسلت الشيء، وبالضم الاسم، وبالكسر ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره كما في الصحاح، وكان المراد بالاسم الأثر الحاصل بالمصدر، وقال ابن العربي: لا خلاف أعلمه أنه بفتح الغين اسم الفعل، وبضمها اسم الماء، وقال في الذخيرة: الغسل بالضم الفعل، وبالفتح الماء على الأشهر، وقال الفاكهاني: الغسل بضم الغين المعجمة وفتحها مصدر غسل يغسل غسلا، وبضمها فقط اسم للماء، وبالكسر اسم لما يغسل به الرأس كالخطمي والطفل، وذكر بعضهم أنه إذا أضيف إلى المغسول كان بالفتح كغسل الميت، وإن أضيف إلى غير المغسول كان بالضم كغسل الجنابة، والله أعلم، فليحرر ما الأصح من هذه الأقوال.
و (المني) بفتح الميم وكسر النون وتشديد الياء هو الماء الدافق الذي له رائحة كرائحة الطلع، وهو ثخين أبيض، وقد يصفر من علة، إلا أن الرائحة لا تنقطع عنه، وبه توجد اللذة وتنقطع الشهوة ويضطرب القضيب، وإنما سمي
__________
(1) / خ: يكون. (1/124)
صفحة 125
بذلك لأنه يمنى أي ينصب، ولذا سميت (مُنى) بما يصب فيها من الدماء، واختلف فيه وفي المذي والودي والطهر من النساء هل هي من أعيان النجاسات أو مستنجسة بمرورها على محل البول كما هو معلوم.
قوله: «أمر المقداد بن الأسود أن يسأل» إلخ، سبب ذلك أنه روى علي أنه قال: "كنت رجلا مذاء فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشقق ظهري".
قوله: «من أجل ابنته عندي» في بعض الروايات عند قومنا من أجل فاطمة عليها السلام.
قوله: «فلينضح ذكره بالماء» يعني بغسله كله لأجل ما يلحقه من النجس كما يؤخذ من كلام الإيضاح في صفة الاستنجاء، ولأنه ذكر في كيفية إزالة النجاسات أن بعض أصحابنا قصر النضح على بول الطفل الذي لم يأكل الطعام، وكلام القواعد صريح في أنه ينضح فقط عملا بظاهر الحديث، والله أعلم.
قال ابن حجر: واستدل به بعض المالكية والحنابلة على إيجاب استيعابه بالغسل عملا بالحقيقة، لكن الجمهور نظروا إلى المعنى، فإن الموجب لغسله إنما هو خروج الخارج فلا تجب المجاوزة إلى غير محله، ويؤيده ما عند الإسماعيلي في رواية فقال: "توضأ واغسله" فأعاد الضمير على المذي، ونظير هذا قوله: "من مس ذكره فليتوضأ" فإن النقض لا يتوقف على مس جميعه، واختلف القائلون بوجوب غسل جميعه هل هو معقول المعنى أو للتعبد، فعلى الثاني تجب النية فيه، واستدل به أيضا على نجاسة المذي وهو ظاهر، إلى أن قال: واستدل به على قبول خبر الواحد، وعلى جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع، وفيه نظر لما قدمنا من أن السؤال كان بحضره علي، ثم إنه لو صح أن السؤال كان في غيبته لم يكن دليلا على المدعى لاحتمال وجود القرائن التي تحف الخبر فترقيه عن الظن إلى القطع، قاله القاضي عياض، إلى أن قال: وفيه جواز الاستنابة في الاستفتاء، وقد يؤخذ منه جواز دعوى الوكيل بحضرة موكله، وفيه ما كان الصحابة عليه من حفظ حرمة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وتوقيره، وفيه استعمال الأدب في ترك المواجهة لما يستحيى منه عرفا، وحسن المعاشرة مع الأصهار، وترك ما يتعلق بجماع المرأة ونحوها بحضرة أقاربها، وقد تقدم استدلال المصنف به لمن استحيى (1/125)
صفحة 126
فأمر غيره بالسؤال لأن فيه جمعا بن المصلحتين؛ استعمال الحياء، وعدم التفريط في معرفة الحكم، انتهى.
قوله: «ثم يتوضأ وضوء الصلاة» قال ابن حجر: واستدل بقوله: (توضأ) على أن الغسل لا يجب بخروج المذي، وصرح بذلك في رواية لأبي داود وغيره وهو إجماع، وعلى أن الأمر بالوضوء منه كالأمر بالوضوء من البول، إلى أن قال: حكى الطحاوي عن قوم أنهم قالوا بوجوب الوضوء بمجرد خروجه، يعني كما يجب الغسل بمجرد خروج المني وأنه تعبد، فالشارع أمر بذلك، ثم رد عليهم بما رواه من طريق عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن علي قال سأل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن المذي فقال: "فيه الوضوء وفي المني الغسل"، فعرف بهذا أن حكم المذي حكم البول وغيره من نواقض الوضوء إلا أنه يوجب الوضوء بمجرده، انتهى.
قوله: «لا يتوضأ من طعام أحل الله أكله» استدل به في الإيضاح على أن من أكل الميتة أو الدم أو لحم الخنزير لاضطراره لا ينتقض وضوءه، وكذلك إن أكل ما مست النار.
وأما ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "يتوضأ أحدكم مما مست النار"، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم على ما في بعض الكتب "الوضوء مما مست النار"، وقوله: "توضأوا مما مست النار" فالمراد به غسل اليد والفم منه، ومنهم من حمله على ظاهره وأوجب عليه وضوء الصلاة، قال النووي: ذهب جماهير العلماء من السلف إلى أنه لا ينتقض الوضوء بأكل ما مسته النار، وممن ذهب إليه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وأبو الدرداء وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك وجابر بن سمرة وزيد بن ثابت وأبو موسى وأبو هريرة وأبي بن كعب وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وعائشة رضي الله عنهم، وهؤلاء كلهم صحابة، وذهب إليه جماهير التابعين، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيى وأبي ثور وأبي خيثمة، وذهب طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي وضوء الصلاة بكل ما مسته النار، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري والزهري وأبي قلابة وأبي مجلز، واحتج هؤلاء بحديث: "توضأوا مما مست النار"، احتج الجمهور بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مسته النار، وأجابوا عن حديث الوضوء "مما مست النار" بجوابين: أحدهما: أنه منسوخ بحديث جابر رضي الله عنه: "كان آخر (1/126)
صفحة 127
الأمرين من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ترك الوضوء مما مست النار" وهو حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وغيرهما من أهل السنن بأسانيدهم الصحيحة، والجواب الثاني: أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين، ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء من كل ما مسته النار، انتهى من العلقمي.
قوله: «الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء»، الغيبة بكسر الغين والمراد بها غيبة المسلم لأن المنافق لا غيبة له لقوله عليه السلام: "اذكر الفاسق بما فيه يعرفه الناس" واستثنوا من ذلك الشرك والزنا كما هو معلوم، قال في الإيضاح "وروى ضمام قال: قيل لجابر بن زيد: أرأيت الرجل يكون وقاعا في الناس فأقع فيه، أله غيبة؟ قال: لا، قيل له: وما الذي تحرم غيبته؟ قال: رجل خفيف الظهر من دماء المسلمين، خفيف بطنه من أموالهم، أخرس اللسان عن أعراضهم، فهذا الذي تحرم غيبته، ومن سواه فلا حرمة له ولا غيبة فيه".
قال ضمام: قلت: يا أبا الشعثاء ما تقول في الرجل يعرف بالكذب أله غيبة؟ قال: لا، قلت: والغاش لأمة محمد صلَّى الله عليه وسلَّم؟ قال: لا غيبة له ولا حرمة، قلت: والصانع بيده يغش في عمله أله غيبة؟ قال: لا، قلت: ولم؟ قال: من أكل الحرام فلا غيبة له ولا حرمة وهو مهتوك الستر، ألا لا غيبة لكل مهتوك ولا حرمة له عند رب العالمين، فكيف عند الخلق؟ قلت: فإنه يكذب أحيانا، ويتوب أحيانا، ويغش أحيانا، ويتوب أحيانا، فأي صنف هذا من الناس؟ قال: هذا رجل مستخف بالله، مستهزئ بالأمة، انتهى.
قوله: «إذا شك أحدكم في صلاته فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يشم ريحا» استدل به في الإيضاح على أن من تيقن الطهارة وشك في انتقاضها يكون على يقينه منها، ولا يرفع الشك ما ثبت باليقين، فذكر الحديث ثم قال: فكان شكه في الصلاة لا يؤثر في طهارته، وكذلك في غير الصلاة على هذا الحال، والله أعلم، انتهى.
ولفظ الحديث في البخاري بعد ذكر الإسناد أنه شكا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: "لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يشم ريحا". (1/127)
صفحة 128
قال ابن حجر: ودل حديث الباب على صحة الصلاة ما لم يتيقن الحدث، وليس المراد تخصيص هذين الأمرين باليقين لأن المعنى إذا كان أوسع من اللفظ كان الحكم للمعنى، قاله الخطابي، وقال النووي: هذا الحديث أصل في حكم بقاء الأشياء على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك ولا يضر الشك الطارئ عليهما، وأخذ بهذا الحديث جمهور العلماء، وروي عن مالك النقض مطلقا، وروي عنه النقض خارج الصلاة دون داخلها، وروي هذا التفصيل عن الحسن البصري، إلى أن قال: وقال الخطابي: يستدل به لمن أوجب الحد على من وجد منه ريح الخمر؛ لأنه اعتبر وجدان الريح ورتب عليه الحكم، ويمكن الفرق بأن الحدود تدرأ بالشبهات، والشبهة هنا قائمة بخلاف الأول فإنه متحقق، انتهى.
قوله: «إذا مست المرأة فرجها فلتتوضأ» يعني مسته بيدها على الراجح كما جزم به في القواعد، واستدل له بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: "أيما رجل أفضى بيده إلى ذكره انتقض وضوءه، وأيما امرأة أفضت بيدها إلى فرجها انتقض وضوءها"، قال: "فذهب العلماء إلى أن الأمر بذلك لمراعاة وجود اللذة، ولذلك اعتبر بعض علمائنا اللمس بباطن الكف".
واختلف أصحابنا في تحديد القدر الناقض للوضوء من العورة إلخ، فذكر أن المعمول به أنه الذكر والدبر دون غيرهما، والله أعلم.
ولا بد أيضا أن يكون اللمس باليد مباشرة من غير حائل لما روي في بعض الأخبار عن النبي عليه السلام أنه قال: "من مس فرجه قاصدا بيده ليس دونه ستر فليتوضأ" والله أعلم.
قوله: (من قاء أو قلس فليتوضأ) فيه دليل لأصحابنا على نجاسة القيء والقلس، قال في القواعد: لأن الوضوء طهارة والطهارة إنما يؤثر فيها النجس، فثبت أنه إذا خرج من الجسد نقض الوضوء على أي جهة خرج من مرض أو صحة، ووافق أصحابنا أبو حنيفة وأصحابه في هذا المعنى، فذكر هذا الحديث ثم قال: وقد استحب أبو عبيدة مسلم رحمه الله الوضوء من القلس إذا وجد الإنسان طعمه في الحلق وإن لم يبلغ حد الفم، إلى آخره.
قوله: «قالت يقبلني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثم يصلي ولا يتوضأ» قال في القواعد: وإن قبل زوجته أو سريته فلا ينتقض الوضوء عليه (1/128)
صفحة 129
لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم كان يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ إلى آخره، قال في الإيضاح: "فإن عارض بعض مخالفينا بقوله تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ} [النساء:43] قيل له: اللمس هاهنا الجماع بدليل قراءة العامة، أو لامستم والمفاعلة لا تكون إلا من اثنين، ولأن اللمس أيضا والمباشرة كناية عن الجماع، وكان اللمس هاهنا يدل على الجماع إلخ، ووافق أصحابنا على عدم النقض في القبلة أبو حنيفة.
قوله: «وبرضاك من سخطك» ظاهر هذا مشكل على مذهب أصحابنا المغاربة رحمهم الله من أن السخط والرضا صفتان لله عز وجل كالولاية والعداوة لا فعلان من أفعاله وهما الجنة والنار كما هو مذهب أصحابنا من أهل الجبل، قال في السؤالات في سؤال ما يسع جهله إلى الورود ولا يجوز: "أعوذ برضاك من سخطك وبك منك"، وروى أبو الفتوح عن أبي عمار رحمه الله أنه قال: يجوز: "أعوذ برضاك من سخطك" لا على معنى أن الرضا والسخط أفعال بل على اتساع اللغة؛ لأنهم يقيمون الصفة مقام الموصوف، وقال تعالى: {إِنَ اَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا} [الملك:30] أي غائرا ويقال: قوم صوم أي صائمون، إلى أن قال: والمعنى أعوذ بالراضي الساخط، فافهم ذلك تجده صحيحا، إلخ.
والمراد بإقامة الصفة مقام الموصوف إقامة المصدر مقام اسم الفاعل وهذا التأويل صحيح، ولكن قوله: والمعنى أعوذ بالراضي الساخط بعيد من مدلول العبارة جدا إن صحت النسخة بإسقاط (من) وإن كانت (بمن) بعد العفو، بَعُد المعنى جدا، لأنه يستلزم المغايرة ويرجع إلى معنى (أعوذ بك منك)، وقد نص على أنه لا يجوز، اللهم إلا أن يقال: المراد أنه لا يجوز إلا على ضرب من التأويل بأن يقال: المعنى أعوذ بك من عقابك مثلا. وظاهر قوله تعالى: {لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلآَّ إِلَيْهِ} [التوبة:119] يدل على أنه يصح أن يقال: (الجأ من الله إلى الله) وهو معنى أعوذ بك منك لأن الاستعاذة واللجاء واحد.
قال في الصحاح: عذت بفلان واستعذت به أي لجأت إليه فمعنى قوله تعالى: على ما ذكر في التفسير "لا ملجأ من عذاب الله إلا إلى استغفاره"، وعلى تقدير كون (1/129)
صفحة 130
السخط والرضا فعلين يصير المعنى "أعوذ بعفوك من عقابك وبجنتك من نارك"، ولعل هذا ضرب من التأويل، لأن الاستعاذة الحقيقية إنما هي بالله تعالى، والمعنى والله أعلم: اللهم أغنني بالعفو عن العقاب، وبالجنة عن النار، والله أعلم، فليحرر.
قوله: «حيسا فأكل فصلى ولم يتوضأ» لفظ الحديث في البخاري بعد ذكر الإسناد: "أنه خرج مع رسول صلَّى الله عليه وسلَّم عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء وهي أدنى خيبر فصلى العصر، ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق فأمر به فثرى أي بلّ، فأكل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ثم صلى ولم يتوضأ".
قال ابن حجر: قوله: "ثم دعا بالأزواد" فيه جمع الرفقاء على الزاد في السفر، وإن كان بعضهم أكثر أكلا، وفيه حمل الأزواد في الأسفار، وأن ذلك لا يقدح في التوكل، واستنبط منه المهلب أن الإمام يأمر المحتكرين بإخراج الطعام عند قلته ليبيعوه من أهل الحاجة، وأن الإمام ينظر للعسكر فيجمع الزاد ليصيب منه من لا زاد معه.
قوله: "فثُرّي" بضم المثلثة وتشديد الراء ويجوز تخفيفها أي بُلّ بالماء لما يلحقه من اليبس، إلى أن قال الخطابي: فيه دليل على أن الوضوء مما مست النار منسوخ لأنه متقدم، وخيبر كانت سنة سبع، إلى أن قال: واستدل به البخاري على جواز صلاتين فأكثر بوضوء واحد، وعلى استحباب المضمضة بعد الطعام إلى آخره، ثم ظهر أن الحديث الذي رواه المصنف هنا غير حديث البخاري فإن حديث البخاري سيأتي له رحمه الله في باب الطعام والشراب.
قوله: «الحيس السويق الملتث بسمن» قال في الصحاح: الحيس الخلط ومنه سمي الحيس وهو تمر يخلط بسمن وإقط، قال الراجز:
التمر والسمن معا ثم الإقط ... ... الحيس إلا أنه لم يختلط
يقال منه: حاس الحيس يحيسه حيسا أي اتخذه، قال الشاعر:
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
إلخ، والسويق قال ابن حجر: قال الداودي: هو دقيق الشعير أو السلت المقلي.
قوله: «ليس على من مس عجم الذنب وضوء ولا على من مس موضع الاستحداد وضوء» وكذلك من مس ما عدا الفرجين لا وضوء عليه لما تقدم من (1/130)
صفحة 131
القواعد من أن المعمول به أن الناقض بالوضوء الذكر والدبر دون غيرهما، والعجم بسكون الجيم، والذنب بفتح النون، قال في الصحاح: العجم أصل الذنب مثل العجب وهو العصعص، يعني أن فيه لغتين العجم أو العجب بالإسكان فيهما.
قوله: «القيء والرعاف لا ينقضان الصلاة» إلخ القيء بفتح القاف وسكون الياء وبالهمزة في الأصل مصدر، تقول قاء يقوء قيئا والمراد به الحاصل بالمصدر، وهو نجس عند أصحابنا بالاتفاق خلافا لمالك، لأن كل ما وصل إلى الجوف نجس، قال في الإيضاح: والدليل على نجاسة القيء ما روي أنه قال عليه السلام: "الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه" فأخبر عليه السلام أنه لا يجوز أن يرجع إنسان في هبته كما لا يجوز أن يرجع في قيئه.
والرعاف بالضم كما ضبطه في الصحاح حيث قال: الرعاف الدم يخرج من الأنف، وقد رعف الرجل يرعف ويرعف ورعف بالضم لغة فيه ضعيفة إلخ، فضبط الماضي بالفتح والمضارع بالضم والفتح.
قوله: «بكتف مؤربة فأكلها ثم صلى ولم يتوضأ» إلى آخره، ذكر فيه في البخاري روايتين: إحداهما عن ابن عباس: أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ، والأخرى عن غيره، أنه رأى رسول الله يحتز من كتف شاة فدعى إلى الصلاة فألقى السكين فصلى ولم يتوضأ.
قال ابن حجر: قوله: "أكل كتف شاة" أي لحمه و"تعرق" أي أكل ما على العرق بفتح العين المهملة وسكون الراء وهو العظم، ويقال له العراق أيضا، وأفاد القاضي إسماعيل أن ذلك كان في بيت ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب وهي بنت عم النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ويحتمل أنه كان في بيت ميمونة كما سيأتي من حديثها وهي خالة ابن عباس كما أن ضباعة بنت عمه، إلى أن قال: وفيه أن الشهادة على النفي إذا كان محصورا تقبل، انتهى. (1/131)
صفحة 132
قوله: «المؤربة الموفرة» يعني بميم مضمومة وهمزة مفتوحة وراء مشددة مفتوحة وباء موحدة، قال في الصحاح: وتأريب الشيء توفيره، وكل موفر مؤرب، يقال: أعطاه عضوا مؤربا أي تاما لم يكسر.
قوله: «مس ذكره» أي كلا أو بعضا، مباشرة بيده أو بباطن كفه فقط عند بعض أصحابنا كما تقدم، وعند غيرنا فيه خلاف.
قال العلقمي: "قال الدميري وهو شافعي: مذهبنا انتقاض الوضوء بمس فرج الآدمي بباطن الكف ولا ينتقض بغيره، وبه قال عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وعائشة وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وأبان بن عثمان وعروة بن الزبير وسليمان بن يسار ومجاهد وأبو العالية والزهري ومالك، وقال الأوزاعي: ينقض اللمس بالكف والساعد وهو رواية عن أحمد، وعنه رواية أخرى أنه ينقض ظهر الكف وبطنها، وأخرى إن الوضوء مستحب، وأخرى بشرط اللمس بشهوة وهي رواية عن مالك، وقالت طائفة لا ينقض مطلقا وبه قال علي بن أبي طالب وابن مسعود وحذيفة وعمار وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس وعمران بن الحصين وأبي الدرداء وربيعة والثوري، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وابن القاسم وسحنون واختاره ابن المنذري، وقال بعض أهل العلم ينتقض بمسه ذكر نفسه دون غيره، قاله القاضي أبو الطيب روى الوضوء من مس الذكر عن بضعة عشر نفسا من الصحابة عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، إلخ. (1/132)
صفحة 133
الباب الثامن عشر
في النوم الذي ينقض الوضوء
117) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى غَطَّ فَنَفَخَ، فَقَامَ فَصَلَّى، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ نِمْتَ! فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا».
118) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعَيْنَانِ وِكَاءُ الدُّبُرِ».
قَالَ الرَّبِيعُ: الوِكَاءُ الْخَيْطُ (1) الذِي يُشَدُّ بِهِ فَمُ الْقِرَبِ.
119) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُونَ جُلُوسًا حَتَّى تَخْفَقَ رُؤُوسُهُمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلاَ يَتَوَضَّؤُونَ، وَالنَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشَاهِدُهُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ وَلاَ يَأْمُرُهُمْ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ.
120) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَنَامُ قَاعِدًا ثُمَّ يُصَلِّي وَلاَ يَتَوَضَّأُ.
قوله: «حتى غط فنفخ» قال في الصحاح أبو زيد: غط البعير يغط غطيطا أي هدر في الشقشقة، فإذا لم يكن في الشقشقة فهو هدير، والناقة تهدر ولا تغط لأنها لا شقشقة لها، وغطيط النائم والمجنون نخيره، وقال في محل آخر: والنخير صوت بالأنف تقول منه: نخر ينخر وينخر نخيرا إلخ، يعني بالضم والكسر.
قوله: «إنما الوضوء على من نام مضطجعا»، أي ما لم يكن قصيرا خفيفا، وذلك أن النوم على أربعة أقسام؛ أن يكون طويلا ثقيلا في حالة
__________
(1) / خ: الحبل. (1/133)
صفحة 134
الاضطجاع فهذا متيقن على أنه ينقض الوضوء، الثاني: أن يكون قصيرا خفيفا غير مزيل للعقل، فهذا لا ينقض الوضوء على أي حالة كان عليها المتوضئ من قيام أو قعود أواضطجاع، الثالث: أن يكون خفيفا طويلا بمعنى أن النعاس لم يغلب عليه ولكن يطاوله ويعالجه، وهذا فيه اختلاف إذا كان مضطجعا، والأصل فيه الانتقاض، والرابع: أن يكون ثقيلا قصيرا وهذا أيضا مختلف فيه، كما ذكر جميع ذلك في القواعد، لكن في نسخته تحريف كما يعلم بالوقوف عليها، وذكر في نوم القعود إذا كان متكئا وطال به، فيه اختلاف. وذكر أن الساجد إذا انتهى به النوم في الطول إلى خروج الحدث غالبا انتقض وضوؤه وذكر في الراكع اختلافا ثم قال: ومقصود الجميع النظر إلى أغلب الهيئات في النوم فإن كان يمكن خروج الحدث ولم يشعر به انتقض وضوؤه، وإن كان بالعكس لم ينتقض ولم يجب الوضوء إلا إن احتاط إلخ.
وذكر في الإيضاح في النوم أربعة أقوال: أحدها: أن النوم حدث ينقض قليله وكثيره الوضوء وذكر دليله، الثاني: أنه لا ينقض الوضوء إلا نوم الاضطجاع واستدل له بهذا الحديث وبقوله: "كان أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الحديث"، الثالث: أن من نام ساجدا أو متكئا على شيء انتقض وضوؤه لأنه في معنى الاضطجاع، الرابع: مذهب الجمع بين الأحاديث بأن تحمل الأحاديث التي أوجبت النقض على النوم الثقيل، والأحاديث التي لم توجب النقض على النوم الخفيف، قال: "والنظر يوجب عندي هذا القول حتى يصح القياس، وتطّرد العلة في المجنون والسكران والمغمى عليه إلخ".
قوله: «العينان وكاء الدبر» الرواية في الإيضاح وكاء الأست إلخ، واستدل به لمن قال: إن النوم حدث ينقض الوضوء مطلقا. (1/134)
صفحة 135
الباب التاسع عشر
في المسح على الخفين
121) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى خُفِّهِ (1) قَطُّ.
122) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى خُفِّهِ (2) قَطُّ، وَإِنِّي وَدِدْتُ أَنْ يَقْطَعَ الرَّجُلُ رِجْلَيْهِ مِنَ الْكَعْبَيْنِ أَوْ يَقْطَعَ الْخُفَّيْنِ مِنْ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا.
123) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ جَمَاعَةً (3) مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُمْ: هَلْ يَمْسَحُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُفِّيْهِ؟ قَالُوا (4): لاَ.
قَالَ جَابِرٌ: كَيْفَ يَمْسَحُ الرَّجُلُ عَلَى خُفَّيْهِ وَاللَّهُ تَعَالَى يُخَاطِبُنَا فِي كِتَابِهِ بِنَفْسِ الْوُضُوءِ؟! وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَرْوِيهِ مُخَالِفُونَا فِي أَحَادِيثِهِمْ.
124) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ انْكَسَرَ إِحْدَى زِنْدَيْهِ فَسَأَلَ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ، قَالَ (5) لَهُ: «نَعَمْ».
125) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: لأَنْ أَحْمِلَ السِّكِّينَ عَلَى قَدَمَيَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
126) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَّخِذًا مِنْدِيلاً يَمْسَحُ بِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَكَانَ بَعْضُ
__________
(1) / خ: خُفَّيه.
(2) / خ: خُفَّيه.
(3) / خ: جملة.
(4) / خ: فقالوا.
(5) / خ: فقال. (1/135)
صفحة 136
نِسَائِهِ يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ، وَيُجَفِّفُ بِهِ. وَالْحَدِيثُ مَذْكُورٌ فِي آدَابِ الْوُضُوءِ.
127) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ بِبَعْضِ رَأْسِهِ فِي الْوُضُوءِ.
128) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» قَالَ: وبَلَغَنِي عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنَّهُ غَرَفَ غَرْفَةً فَمَسَحَ بِهَا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ.
في المسح على الخفين، أي ثبوتا ونفيا ولذلك أطلقه، فالثبوت كالمسح على الجبائر ومسح الرأس والنفي كالمسح على الخفين.
قوله: «ما رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مسح على خفيه قط» إلخ، أحاديث الباب تدل على أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم كان له خفان إلا أنه لا يمسح عليهما، وروي في القواعد عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: "والله ما كان للنبي عليه السلام خفان قط ولا مسح عليهما" إلخ، ويمكن الجمع بينهما بأن يكون معنى ما في القواعد أنه ما كان له خفان قط أي ما ملكهما، ويحمل ما يدل على ثبوت الخفين إلا أنه لم يمسح عليهما على العارية مثلا، والإضافة لأدنى ملابسة، والله أعلم.
وقال في القواعد قبل ذلك في المسح على الخفين: اختلف الناس فيه على ثلاثة مذاهب؛ فذهب أكثر مخالفينا إلى إجازته بإطلاق من غير ضرورة في السفر والحضر، وذهب آخرون إلى إجازته في السفر دون الحضر، وأجمع أصحابنا فيما علمت على منعه في الحالتين ولهم في ذلك سلف من الصحابة، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وبلال وعائشة رضي الله عنها، وكان ابن عباس يقول إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، ويذهب إلى أنه منسوخ بآية المائدة، وكان جابر بن زيد يقول: "كيف نمسح على الخفين والله تعالى يخاطبنا بنفس الوضوء؟ " وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: "الله ما كان للنبي عليه السلام خفان قط ولا مسح عليهما، ولوددت لو أن رجلي قطعت (1/136)
صفحة 137
يوم أمسح على الخفين".
والأمر المجمع عليه عند أصحابنا أن المتوضئ إذا أحدث يتوضأ وينزع خفيه ويغسل قدميه مقيما كان أو مسافرا، وإن طهارة القدمين هي الغسل خلافا لمن قال: طهارتهما المسح، واستدل بقراءة من قرأ: {وَأَرْجُلِكُم} بالخفض عطفا على الرأس بالمسح، انتهى.
أقول: وجوابه ما ذكره التفتازاني حيث قال: "وأقرب ما قيل في غسل الأرجل أن قراءة النصب توجب الغسل لأنه لا مجال للعطف على محل الجار والمجرور مع الإلباس، فوجب حمل قراءة الجر عليه بطريق المشاكلة، أو الجر على الجواز لانتفاء الإلباس بضرب الغاية، أو بتقدير: "وامسحوا بأرجلكم" مرادا به الغسل الشبيه بالمسح تنبيها على وجوب الاقتصاد، أو بالتزام الجمع بين الحقيقة والمجاز دفعا لاختلاف القراءتين، ولو سلم تساويهما وجواز حمل قراءة النصب على المسح بالعطف على المحل بقرينة أن في العطف على المنصوب تخلل المفاصل بالأجنبي فغايته أن تصير الآية بمنزلة المجمل، أو تدل على جواز الأمرين، وقد دلت الأحاديث المشهورة على وجوب الغسل والوعيد على الترك فكان هذا أوفق لما عليه الأكثرون، وأوفى بتحصيل الطهارة المقصودة من الوضوء، وأقرب إلى الاحتياط لما في الغسل من المسح إذ لا إسالة بدون الإصابة فتعين الرجوع إليه" انتهى.
لكن قوله رحمه الله رواية عن ابن عباس ويذهب إلى أنه منسوخ بآية المائدة يعني بآية الوضوء يدل على أنهم كانوا يتوضأون قبل نزولها، والظاهر أن هذا إنما يتمشى على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا مطلقا، والراجح عندنا أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا إلا في ما لا ينسخ كالتوحيد ومحاسن الأخلاق، والله أعلم، فليحرر.
قوله: «من أن يمسح» الظاهر أن مِن للبدلية على حد {أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الاَخِرَةِ} [التوبة:38] أي بدل الآخرة والمعنى هنا بدل المسح، والله أعلم، ثم رأيت في نسخة (خير من أن يمسح).
قوله: «انكسر إحدى زنديه» إلخ الزند بفتح الزاء وسكون النون كما ضبطه في الصحاح حيث قال: (الزند) موصل طرف الذراع في الكف، وهما (1/137)
صفحة 138
زندان: الكوع والكرسوع إلخ، قال بعضهم في بيان الكوع والبوع والكرسوع ما نصه:
فعظم يلي الإبهام كوع وما يلي ... لخنصرة الكرسوع والرصغ ما وسط
وعظم يلي إبهام رجل ملقب ... ببوع فخذ بالعلم واحذر من الغلط
قوله: «فسأل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أن يمسح على الجبائر» الجبائر جمع جبيرة أو جبارة، قال في الصحاح: الجبارة والجبيرة أيضا العيدان التي يجبر بها العظام، إلى آخره.
واستدل بهذا الحديث في الإيضاح في موضعين: أحدهما فيمن كان سالم بعض الأعضاء مريض البعض، فإن الواجب عليه عندنا أن يتوضأ للصحيح، وأما العليل ففيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه يمسح عليه ولو من فوق الجبيرة ولا يتيمم عليه لهذا الحديث، ومثل الجبيرة الخرقة ونحوها، والله أعلم، الثاني: أنه يتوضأ للصحيح ويتيمم للعليل، قال: لأن كل عضو عندهم قد انفرد بفرضه، الثالث: أنه يتوضأ للصحيح وليس عليه في التيمم شيء، قال: وهؤلاء أنزلوه منزلة المقطوع لأنه لم يخاطب بالفرض لوجود العلة لقوله عز وجل: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:13] إلخ، والعمل فيما رأيناه عندنا في هذا الزمان على القول الثاني، والمناسب القول الأول لهذا الحديث الصحيح إن قدر الإنسان على المسح والله أعلم. وعند قومنا أنه يتيمم وليس عليه في الوضوء شيء لأن الوضوء عندهم فريضة واحدة، قالوا والله تعالى لم يتعبدنا إلا بفريضة واحدة، ثانيهما فيمن عم الجرح مثل يده أو وجهه ولم يمكنه المسح عليه إلا وهو ملفوف فإنه يمسح كذلك قال: قياسا على الوضوء، وذلك أنه روى علي بن أبي طالب أنه انكسر إحدى زنديه، إلى أن قال: فكان التيمم كذلك قياسا عليه إلخ، وهذا أيضا يدل على اختيار القول الأول حيث جعله مقيسا عليه، والله أعلم.
قوله: «مسح ببعض رأسه في الوضوء» قد تقدم الكلام عليه في باب أدب الوضوء وفرضه. (1/138)
صفحة 139
الباب العشرون
في جامع الوضوء
129) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِبَدْءِ الْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ الْوَلَهَانُ، فَاحْذَرُوهُ».
قَالَ الرَّبِيعُ: وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ الْوَلَهَانُ، لأَنَّهُ يُلْهِي النُّفُوسَ.
130) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاثَ عُقْدَاتٍ يَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلاً طَوِيلاً (1) فَارْقُدْ؛ فَإِذَا اسْتَيْقَظَ وَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ؛ فَيُصْبِحُ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ».
131) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَانَ وَقْتُ الصَّلاَةِ فَالْتَمَسَ النَّاسُ وَضُوءًا فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُوتِيَ رَسُولُ اللَّهِ بِوَضُوءٍ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، فَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّؤُوا. قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَوَضَّؤُوا إِلَى آخِرِهِمْ. (2)
قَالَ الرَّبِيعُ: الْوَضُوءُ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَهُوَ الْمَاءُ الذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ، والوُضُوءُ بِضَمِّ الْوَاوِ وَهُوَ الْفِعْلُ.
قوله: «إن لبدء الوضوء شيطانا يقال له: الولهان» وفي خبر آخر كما في القناطر عن الحسن: "إن شيطانا يضحك بالناس في الوضوء يقال له: الولهان".
__________
(1) / ليلٌ طويل.
(2) / قوله: فتوضَّؤوا إلى آخرهم، في نسخة القطب: حتَّى توضَّأ الناس إلى عند آخرهم. (1/139)
صفحة 140
قوله: «إنما قيل له: الولهان لأنه يلهي النفوس» لعل تفسير المراد منه لأن ألهاه بمعنى شغله. ولا شك أن هذا الشيطان المسمى بالولهان يشغل الإنسان إن قدر على ذلك، وليس مراده أن الولهان مأخوذ من ألهى يلهي، ولو كان كذلك لقيل له: الملهي، بل الولهان بفتح الواو واللام في الأصل مصدر (وله) بالكسر بمعنى (تحير) وهو فعل قاصر.
قال في الصحاح: " (الوله) ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد، إلى أن قال: وقد وله يوله ولها وولهانا، إلى أن قال: (والتوليه) أن يفرق بين المرأة وولدها، إلى أن قال: أراد البلاد التي توله الإنسان أي تحيره" انتهى.
ولم يذكر للولهان معنى غير المصدرية من الفعل القاصر، لكن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وذكر هذا الحديث في الجامع الصغير ولفظه: "إن للوضوء شيطانا يقال له: الولهان، فاتقوا وسواس الماء". ولم يتكلم شارحه على الولهان، والله أعلم.
قوله: «يعقد الشيطان» قال بعضهم: اختلف العلماء في تأويله، فقيل: هو مثل واستعارة من عقد بني آدم، وقيل بل هو على ظاهره وأن الشيطان يفعل من ذلك نحو ما يفعله السواحر من عقدها ونفثها.
قوله: «قافية أحدكم» أي قفاه ومنه قافية الشعر وهو آخر البيت، قال في الصحاح: " (القفا) مقصور مؤخر العنق يذكر ويؤنث، إلى أن قال: والقافية أيضا القفاء، وفي الحديث: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم" إلخ.
قوله: «الشيطان» قال ابن حجر: كان المراد به الجنس، وفاعل ذلك القرين أو غيره، ويحتمل أن يراد به رأس الشياطين وهو إبليس، وتجوز نسبة ذلك إليه لكونه الآمر به الداعي إليه، إلخ.
قوله: «قافية رأس أحدكم» قال ابن حجر: أي مؤخر عنقه، وقافية كل شيء مؤخره، ومنه قافية القصيدة، وفي النهاية: القافية القفا، وقيل: مؤخر الرأس، وقيل: وسطه، وظاهر قوله: (أحدكم) التعميم في المخاطبين ومن في معناهم. ويمكن أن يختص منه من تقدم ذكره، يعني به من صلى العشاء في جماعة عند بعضهم، ومن ورد في حقه أنه يحفظ من الشيطان كالأنبياء، ومن تناوله قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر:42]، وكمن قرأ آية الكرسي عند نومه، فقد (1/140)
صفحة 141
ثبت أنه يحفظ من الشيطان حتى يصبح، وفيه بحث سأذكره في آخر شرح هذا الحديث إن شاء الله تعالى.
قوله: «يضرب مكان كل عقدة» قال ابن حجر: أي بيده على العقدة تأكيدا وإحكاما لها، قائلا ذلك، وقيل معنى يضرب: يحجب الحس عن النائم حتى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ} [الكهف:11] أي حجب الحس أن يلج في آذانهم فيتنبهوا، وفي حديث أبي سعيد: "ما أحد ينام إلا ضرب على صماخه بجرير معقود، إلى آخره".
قوله: «عليك ليل طويل» ذكر ابن حجر فيه روايتين الرفع والنصب، ثم قال عياض: رواية الأكثر عن مسلم بالنصب على الإغراء، ومَن رفع فعلى الابتداء، أي باق عليك، أو بإضمار فعل أي بقي عليك، وقال القرطبي: الرفع أولى من جهة المعنى، لأنه الأمكن في الغرور من حيث أنه يخبر عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد بقوله: ارقد، وإذا نصب على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمر بملازمة طول الرقاد، وحينئذ يكون قوله: (فارقد) ضائعا، ومقصود الشيطان بذلك تسويفه للقيام والإلباس عليه.
وقد اختلف في هذه العقد؛ فقيل: هو على الحقيقة وأنه كما يعقد الساحر من يسحره، وأكثر من يفعله النساء تأخذ إحداهن الخيط فتعقد منه عقدة وتتكلم عليه بالسحر فيتناثر المسحور عند ذلك، ومنه قوله تعالى: {وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق:3]، وعلى هذا فالمعقود شيء عند قافية الرأس لا قافية الرأس نفسها، وهل العقد في شعر الرأس أو في غيره؟ الأقرب الثاني إذ ليس لكل أحد شعر، ويؤيده ما ورد في بعض طرقه: "إن على رأس كل آدمي حبلا". ففي رواية ابن ماجة ومحمد بن نصر من طريق أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا: "على قافية رأس أحدكم حبل فيه ثلاث عقد" ولأحمد من طريق الحسن عن أبي هريرة بلفظ: "إذا نام أحدكم عقد على رأسه بجرير"، ولابن خزيمة وابن حبان من حديث جابر مرفوعا: "ما من ذكر ولا أنثى إلا على رأسه جرير معقود حين يرقد"، إلى أن قال: (والجرير) بفتح الجيم وهو الحبل، إلى أن قال: وقيل: هو المجاز كأنه شبه فعل الشيطان بالنائم بفعل الساحر بالمسحور، فلما كان الساحر يمنع بعقده ذلك تصرف من يحاول عقده كان هذا مثله من الشيطان للنائم. (1/141)
صفحة 142
وقيل: المراد به عقد القلب وتصميمه على الشيء كأنه يوسوس له بأنه بقي من الليل قطعة طويلة فيتأخر عن القيام، وانحلال العقد كناية عن علمه بكذبه فيما يوسوس به، وقيل: العقد كناية عن تثبيط الشيطان للنائم بالقول المذكور، ومنه عقدت فلانا عن امرأته أي منعته عنها، وعن تثقيله عليه النوم كأنه قد شد عليه شدادا، وقال بعضهم: المراد بالعقد الثلاث الأكل والشرب والنوم لأن من أكثر الأكل والشرب كثر نومه. واسبعده المحب الطبري لأن الحديث يقتضي أن العقد تقع عند النوم فهي غيره.
قال القرطبي: الحكمة في الاقتصار على الثلاث أن أغلب ما يكون انتباه الإنسان في السحر، فإن اتفق له أن يرجع إلى النوم ثلاث مرات لم تنقض النومة الثالثة إلا وقد ذهب الليل، وقال البيضاوي: وفي التقييد بالثلاث إما للتأكيد، أو لأنه يريد أن يقطعه عن ثلاثة أشياء: الذكر والوضوء والصلاة، فكأنه منع من كل واحدة منها بعقدة عقدها على رأسه. وكان تخصيص القفا بذلك لكونه محل الوهم ومجال تصرفه وهو طوع القوى للشيطان وأسرعها إجابة لدعوته. وفي كلام الشيخ الملوي أن العقد تقع على خزانة الإلهيات من المحافظة وهي الكنز المحصل من القوى، ومنها يتناول القلب ما يريد التذكر له به، انتهى.
قوله: «نشيطا طيب النفس» قال ابن حجر: أي لسروره بما وفقه الله له من الطاعة وما وعده من الثواب، وبما زال عنه من عقد الشيطان، هكذا قيل، والذي يظهر أن في صلاة الليل سرا في طيب النفس وإن لم يستحضر المصلي شيئا مما ذكر، وكذا عكسه، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً} [المزمل:6]. واستنبط منه بعضهم أن من فعل ذلك مرة ثم عاد إلى النوم لا يعود إليه الشيطان بالعقد المذكور ثانيا، واستثنى بعضهم ممن يقوم ويذكر ويتوضأ من لم ينهه ذلك عن الفحشاء، بل يفعل ذلك من غير أن يقلع. والذي يظهر فيه التفصيل بين من يفعل ذلك مع الندم والتوبة والعزم والإقلاع وبين المصر، انتهى.
قوله: «وإلا أصبح خبيث النفس» قال ابن حجر: أي بتركه ما كان اعتاده لو أراده من فعل الخير، إلى أن قال:
وقوله: «كسلان» غير مصروف للوصف وزيادة الألف والنون، (1/142)
صفحة 143
ومقتضى قوله: "وإلا أصبح" إن لم يجمع الأمور الثلاثة يدخل تحت يصبح خبيثا كسلان، وإن أتى ببعضها وهو كذلك، لكن يختلف ذلك بالقوة والخفة؛ فمن ذكر الله مثلا كان في ذلك أخف ممن لم يذكر أصلا، إلى أن قال: وقال ابن عبد البر: "هذا الذي يختص بمن لم يقم إلى صلاته وضيعها، أما من كانت عادته القيام إلى الصلاة المكتوبة أو النافلة بالليل فغلبته عينه فقد ثبت أن الله يكتب له أجر صلاته، ونومه عليه صدقة، إلى أن قال:
تنبيهات:
الأول: ذكر الليل في قوله: "عليك ليل طويل" ظاهر اختصاص ذلك بنوم الليل وهو كذلك، لكن لا يبعد أن يجيء مثله في نوم النهار بالنوم حالة الإبراد مثلا، ولا سيما على تفسير البخاري من أن المراد بالحديث صلاة المفروضة.
ثانيها: ادعاء ابن العربي أن البخاري أومأ هنا إلى وجوب صلاة الليل لقوله: "يعقد الشيطان" وفيه نظر فقد صرح البخاري في خامس ترجمة من أبواب التهجد بخلافه حيث قال: من غير إيجاب. وأيضا فما تقدم تقريره في أنه حمل الصلاة هنا على المكتوبة يدفع ما قاله ابن العربي أيضا. ولم أر النقل في إيجابه إلا عن بعض التابعين، وقال ابن عبد البر: شذ بعض التابعين فأوجب قيام الليل ولو قدر حلب شاة، والذي عليه جماعة العلماء أنه مندوب إليه.
ثالثها: قد يظن أن بين هذا الحديث والحديث الآتي في الوكالة من حديث أبي هريرة الذي فيه: "إن قارئ آية الكرسي عند نومه لا يقربه شيطان" معارضة، وليس كذلك، لأن العقد إن حمل على الأمر المعنوي والقرب على المعنى الحسي وكذا العكس فلا إشكال؛ إذ لا يلزم من سحره إياه مثلا أن يماسه، كما لا يلزم من مماسته أن يقربه بسرقة أو أذى في جسده ونحو ذلك، وإن حمل على المعنويين أو العكس فيجاب بادعاء الخصوص في عموم أحدهما، والأقرب أن المخصوص حديث الباب كما تقدم تخصيصه عن ابن عبد البر بمن لم ينو القيام، فكذا يمكن أن يقال: يختص بمن لم يقرأ آية الكرسي بطرد الشيطان، والله أعلم.
رابعها: ذكر شيخنا الحافظ أبو الفضل ابن الحسين في شرح الترمذي أن السر في استفتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين المبادرة إلى حل عقد الشيطان، وبناء على أن الحل لا يتم إلا بتمام الصلاة وهو واضح؛ لأنه لو شرع في صلاة ثم أفسدها لم يساو من أتمها وكذا الوضوء، وكان الشروع في حل العقد يحصل (1/143)
صفحة 144
بالشروع في العبادة وينتهي بانتهائها. وقد ورد الأمر بصلاة الركعتين الخفيفتين عند مسلم من حديث أبي هريرة فاندفع إيراد من أورد أن الركعتين الخفيفتين إنما وردتا من فعله صلَّى الله عليه وسلَّم، كما تقدم من حديث عائشة وهو منزه عن عقد الشيطان، حتى ولو لم يرد الأمر بذلك لأمكن أن يقال: يحمل فعله ذلك على تعليم أمته وإرشادهم إلى ما يحفظهم من الشيطان. وقد وقع عند ابن خزيمة من وجه آخر عن أبي هريرة في آخر الحديث: "فحلوا عقد الشيطان ولو بركعتين".
خامسها: إنما خص الوضوء بالذكر لأنه الغالب، وإلا فالجنب لا يحل عقدته إلا الاغتسال، وهل يقوم التيمم مقام الوضوء أو الغسل لمن ساغ له ذلك؟ هذا محل بحث، والذي يظهر أنه يقوم، ولا شك أن معاناة الوضوء عون كبير على طرد النوم لا يظهر مثله في التيمم.
سادسها: لا يتعين للذكر شيء مخصوص لا يجزيه غيره بل كل ما صدق عليه ذكر الله أجزأه، أو يدخل فيه تلاوة القرآن والحديث النبوي والاشتغال بالعلم الشرعي، إلى آخره.
قوله: «حان وقت الصلاة فالتمس الناس وضوءا» إلخ، هذا الحديث رواه في المواهب في معجزاته وخصائصه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "قال القرطبي: قصة نبع الماء من بين أصابعه قد تكررت منه صلى الله عليه وسلم في عدة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر، ولم يسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا صلَّى الله عليه وسلَّم، حيث نبع الماء من عظمه وعصبه ولحمه ودمه، وقد نقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: "نبع الماء من بين أصابعه صلَّى الله عليه وسلَّم أبلغ المعجزات من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت منه المياه لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من اللحم والدم" انتهى.
وقد روى حديث نبع الماء جماعة من الصحابة منهم أنس وجابر وابن مسعود، فأما حديث أنس ففي الصحيحين قال: رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وجاءت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه فأتي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بوضوء فوضع يده في ذلك الإناء فأمر الناس أن يتوضأوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضأوا من عند آخرهم. (1/144)
صفحة 145
وفي لفظ البخاري: "كانوا ثمانين رجلا" وفي لفظ: "فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم" قال: فقلنا لأنس: كم كنتم؟ قال: كنا ثلاثمائة رجل، إلى أن قال: وروي هذا الحديث أيضا عن أنس بن شاهين ولفظه قال: "كنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في غزوة تبوك فقال المسلمون: يا رسول الله عطشت دوابنا وإبلنا، فقال: هل من فضلة ماء؟ فجاء رجل في شن بشيء، فقال: هاتوا صحفة فصب الماء ثم وضع راحته في الماء، قال: فرأيناه تخلل عيونا بين أصابعه، قال: فسقينا إبلنا ودوابنا وتزودنا فقال: أكفيتم؟ فقالوا: نعم اكتفينا يا نبي الله فرفع يده فارتفع الماء" إلخ. فذكر مواضع متعددة وقع فيها نبع الماء من بين أصابعه صلَّى الله عليه وسلَّم ثم قال: وإنما فعل ذلك ولم يخرجه من غير ملابسة ماء ولا وضع إناء تأدبا مع الله تعالى، إذ هو المنفرد بابتداع المعدومات وإيجادها من غير أصل، إلخ. (1/145)
صفحة 146
الباب الحادي والعشرون
في ما يكون منه غسل الجنابة
132) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْوُضُوءُ مِنَ الْمَذِيِّ وَالغُسْلُ مِنَ الْمَنِيِّ».
133) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: هَلْ كَانَ يَغْتَسِلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِمَاعٍ وَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ بِنَا ذَلِكَ وَيَغْتَسِلُ وَيَأْمُرُنَا بِالْغُسْلِ، وَيَقُولُ: «الْغُسْلُ وَاجِبٌ إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ».
134) ... قَالَ جَابِرٌ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَقُولُ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قَعَدَ الرَّجُلُ مِنَ الْمَرْأَةِ بَيْنَ شُعَبِهَا (1) وَجَبَ الْغُسْلُ».
135) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» يَعْنِي لاَ يَكُونُ الْغُسْلُ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُنْزِلَ، وَلَوِ الْتَقَى الْخِتَانَانِ. قَالَتْ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ زَوْجَا النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيَغْتَسِلُ وَيَأْمُرُ نِسَاءَهُ بِالْغُسْلِ، وَيَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَالْغُسْلُ وَاجِبٌ أَنْزَلَ الرَّجُلُ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ». وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُرْوَى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلاَئِهَا. (2)
136) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: بَرِحَ الْخَفَاءُ
__________
(1) 3/ شعبيها.
(2) / خ: وفضلائهم. (1/146)
صفحة 147
يارَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ تَرَى فِي النَّوْمِ مَا يَرَى الرَّجُلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْهَا الْغُسْلُ إِذَا أَنْزَلَتْ».
137) ... عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ امْرَأَةَ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ».
قَالَ جَابِرٌ: وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِزَالَةُ الْغُسْلِ عَنْهَا إِلاَّ الْوُضُوءَ.
قوله: «الغسل من المني» الحديث تقدم في باب ما يجب منه الوضوء إلا أن فيه تقديما وتأخيرا، ولفظه "الوضوء من المذي والغسل من المني"، وتقدم الكلام عليه هناك، وقوله: "الحديث" بالنصب مفعول لفعل محذوف أي اقرأ الحديث أي بقيته.
قوله: «الغسل واجب إذا التقى الختانان»، وفي بعض الروايات: "إذا التقى الختانان وجب الغسل"، واختلف في كلام الإيضاح في معنى الختانين حيث قال: والختانان هما الفرجان وهما ذكر الرجل وقبل المرأة، والختانان موضع القطع من الرجل والمرأة، والتقاء الختانين اسم لا يصح إلا بعد غيوب الحشفة إلخ، فذكر بعد ذلك أقوالا ثم قال: والصحيح عندي هو القول الأول وهو التقاء الختانين، لأن مجاوزة الختانين توجب الحد بالإجماع فأحرى أن توجب الطهر، وهذا القياس مأخوذ من الخلفاء، والله أعلم إلخ، ولعل في كلامه رحمه الله أولا تجوز من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء لظهور المعنى على حد: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فيِ ءَاذَانِهِم} [البقرة:19].
قال في الصحاح: وختنت الصبي ختنا، والاسم الختان والختانة، يقال: اطرحت ختانته إذا استقصيت في القطع، والختان أيضا موضع القطع من الذكر ومنه: "إذا التقى الختانان إلخ" ولم يذكر للمرأة ختانا ولعله في اللغة خاص بالذكر، وربما يشعر بذلك كلام العلقمي حيث قال: قوله: "إذا التقيا" أي (1/147)
صفحة 148
تحاذيا، والمراد ختان الرجل وختان المرأة فثنيا بلفظ واحد تغليبا، وذكر الختان جري على الغالب بدليل إيجاب الغسل بإيلاج ذكر لا حشفة له في دبر أو فرج بهيمة لأنه جماع في فرج فكان في معنى المنصوص عليه، إلى أن قال: وذلك إنما يحصل بإدخال الحشفة في الفرج، إذ الختان محل القطع في الختان، وختان المرأة فوق مخرج البول فوق مدخل الذكر، وأجمعت الأمة الآن على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال، وما كان فيه من خلاف فقد انقضى.
والمراد تغييب الحشفة أو قدرها من مقطوعها في فرج امرأة أو دبرها أو دبر رجل أو فرج بهيمة أو دبرها سواء كان المولج فيه حيا أو ميتا، صغيرا أو كبيرا، وسواء ذلك عن قصد أو نسيان، وسواء كان كل منهما مختارا أو مكرها أو استدخلت المرأة ذلك وهو نائم، وسواء انتشر الذكر أم لا، وسواء كان مختونا أم أقلف، فالغسل واجب في كل هذه الصور على الفاعل والمفعول به إذا كان كل منهما مكلفا إلخ، وكل هذه الصور تؤخذ من كتب أصحابنا رحمهم الله، وتغيب بعض الحشفة لا يتعلق به حكم فلا يوجب شيئا من أحكام الجماع كما يؤخذ من قول صاحب الإيضاح رحمه الله: لا يصح إلا بعد غيوب الحشفة.
قال ابن وصاف رحمه الله: ويتعلق عشرة أحكام بغيوب الحشفة في الفرج؛ نقض الطهارة ووجوب الغسل، ووجوب الحد، ووجوب الكفارة عند الصيام، ونقض الصيام، وإباحتها للزوج الأول، والتحريم على الآباء والأبناء، وخروجها من حكم الإيلاء، وإفساد الحج. ومن أولج بعض الحشفة في دبر امرأته أو في قبلها لا على طهر لم تحرم بذلك حتى يولج الحشفة كلها إلخ.
قوله: «بين شعبها وجب الغسل» في نسخ القواعد "بين شعاب المرأة الأربع وأجهد نفسه إلخ"، وفي نسخ الإيضاح بين شعبيها بالتثنية وجعله مقابلا لقول من قال: "إذا التقى الختانان" ولقول من قال: "إذا التقى الرفغان"، وبيَّن الختانين كما تقدم، وبيَّن الرفغين ولم يبين الشعبين، وكأن المراد بهما الرجلين، والله أعلم.
ولم يذكر هذا المعنى صاحب الصحاح إلا أنه ذكر معنيين، فربما يؤخذ منهما معنى شعب المرأة على نسخة المسند بالجمع حيث قال: والشعبة بالضم واحدة (1/148)
صفحة 149
الشعب، يعني بفتح الشين وسكون العين وهي الأغصان، وشعب الفرس أيضا يعني بضم الشين وفتح العين ما أشرف منه كالعنق والمنسج إلخ، وقال في محل آخر: ومنسج الفرس أسفل من حاركه، وقال في محل آخر: والحارك من الفرس فروع الكتفين وهو أيضا الكاهل إلخ، ورأيت بهامش نسخة صحيحة من المسند: الشعب رجلاها وشفراها وقيل رجلاها ويداها.
قوله: «الماء من الماء» جعله في الإيضاح قولا رابعا في المسألة.
قوله يعني: «لا يكون على الرجل غسل حتى ينزل ولو التقى الختانان» إلخ، حمل حديث أبي رحمه الله على هذا إذا لم يكن ذلك التفسير مرويا عنه كما هو المتبادر، ويرشد إليه كلام الإيضاح بعد، وهو الذي أوجب التناقض بين الروايتين والحيرة التي ذكرها في آخر كلامه رحمه الله، فالأولى حمله على ما قاله صاحب الإيضاح رحمه الله حيث قال: "والصحيح عندي هو القول الأول، إلى أن قال: وقوله عليه السلام: "لماء من الماء" يحتمل أن يكون في الاحتلام، والله أعلم" إلخ، فلا تناقض ولا حيرة لأن الحديث كالقرآن يصدق بعضه بعضا، فإذا أمكن الجمع وجب المصير إليه وإلا تعين النسخ فيما يرجع إلى الأحكام كما هو معلوم، والله أعلم.
قوله: «برح الخفاء» يعني بالمد، قال في الصحاح: وبرح الخفاء أي وضح الأمر كأنه ذهب السر وزال إلخ.
قوله: «إذا هي احتلمت» قال في الصحاح: الحُلُم بالضم ما يراه النائم، تقول منه: حلم واحتلم إلخ، فالرواية الأولى أعني قوله: "ترى في النوم ما يرى الرجل" على هذا أصرح في المراد.
قوله: «قد جاءت رواية أخرى عن كثير من الصحابة» إلخ، جعل في الإيضاح هذا القول مرجوحا حيث قال بعد أن ذكر الخلاف فيها: والصحيح أنها تغتسل إذا احتلمت لما روي من طريق زيد بن ثابت فذكر الحديث، إلا أن في كلامه أولا بعض تأمل، حيث قال: والحدث الثاني خروج المني في النوم أو في اليقظة من ذكر أو أنثى إلا ما روي عن بعض الصحابة إلخ، فانظر كيف يكون خروج المني من المرأة من غير أن يكون أصابها من خارج، اللهم إلا أن يقال: أراد بالمني ما يشمل الماء الخارج من المرأة، والقرينة على ذلك استحالة خروج المني منها عادة، والله أعلم. (1/149)
صفحة 150
الباب الثاني والعشرون
في كيفية الغسل من الجنابة
138) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ الْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ (1) ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ وَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِ رَأْسِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ (2) بِيَدِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جَسَدِهِ كُلِّهِ، وَهَذَا بَعْدَ الاِسْتِنْجَاءِ (3).
139) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَبُلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشْرَةَ».
140) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَمَرَنِي حَبِيبِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنْ أَغْسِلَ فُنَيْكَتِي وَعَنْفَقَتِي وَعَنْقَفَتِي عِنْدَ الْجَنَابَةِ».
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ غَسْلُ رُفْغَيْهِ وَمَأْبَضَيْهِ وَمَسْرُبَتِهُ وَسُرَّتِهُ وَكُلِّ مَا بَطَنَ مِنْ جَسَدِهِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: الْفُنَيْكَةُ هِيَ: الْمَسْرُبَةُ التِي فِي وَسَطِ الشَّارِبِ، وَالْعَنْفَقَةُ هِيَ: الْمَسْرُبَةُ التِي فِي الرَّقَبَةِ مِنْ خَلْفِ قَفَا الرَّأْسِ، وَالْعَنْقَفَةُ هِيَ: الشُّعَيْرَاتُ الْمُنْحَازَةُ مِنَ اللِّحْيَةِ تَحْتَ الشَّفَةِ السُّفْلَى، وَالرُّفْغَانِ: مَا بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْفَخِذَيْنِ، وَالْمَأْبَضَانِ: مَا تَحْتَ الرُّكْبَتَيْنِ، وَالْمَسْرُبَةُ هِيَ: التِي فَصَلَتِ الصَّدْرَ إِلَى السُّرَّةِ.
141) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: جَاءَتْ أُمُّ سَلَمَةَ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْتَفْتِيهِ لاِمْرَأَةٍ
__________
(1) / خ: يغسل.
(2) / خ: غرفات.
(3) / خ: مَا استنجى. (1/150)
صفحة 151
جَاءَتْهَا، فَقَالَتْ: امْرَأَةٌ تَشُدُّ شَعْرَ رَأْسِهَا، هَلْ تَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: «يَكْفِيهَا أَنْ تَحْثِيَ عَلَيْهِ ثَلاَثَ حَفْنَاتٍ (1) مِنْ مَاءٍ، وَاغْمِزِي قُرُونَكِ عِنْدَ كُلِّ حَثْيَةٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ مِنَ الْمَاءِ وَتَطْهُرِينَ».
142) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا ورَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.
143) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ (2) مِنْ إِنَاءٍ وَهُوَ الْفَرَقُ مِنَ الْجَنَابَةِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: الْفَرَقُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلاً.
144) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُنُبَ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَنَهَى عَنِ الْوُضُوءِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الرَّجُلِ.
145) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ (3) مَاذَا أَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ».
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَى تَوَضَّأْ لَيْسَ بِوُضُوءِ الصَّلاَةِ، وَهُوَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ.
قوله: «إذا أراد الغسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم توضأ» إلخ، يعني بعد إراقة البول والاستبراء والاستنجاء كما هو معلوم، فإن اغتسل من غير إراقة البول فإنه إن خرج منه شيء بعد ذلك فإنه يعيد الغسل دون الصلاة إن كان قد صلى قبل خروج ذلك، ثم إذا أراد الغسل قدم النية ونوى أن يغتسل من الجنابة فريضة افترضها الله عليه طاعة لله ولرسوله عليه السلام ويمضمض ويستنشق فإن ذلك واجب في الاغتسال.
__________
(1) / خ: حثيات.
(2) / خ: يغتسل.
(3) / خ: بالليل. (1/151)
صفحة 152
قوله:» ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة «ظاهر هذا الحديث يدل على أنه يتوضأ وضوءا كاملا وأنه لا يؤخر القدمين، وظاهر حديث ميمونة رضي الله عنها صريح في أنه يؤخرهما حتى يفرغ من الغسل.
قال في القواعد: "ومما يؤثر عن ميمونة زوج النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في كيفية غسله أنه صلَّى الله عليه وسلَّم يغسل يديه وكفيه، ثم يفرغ بيده اليمنى على اليسرى فيغسل بها عورته، ثم يمسح يده اليسرى بالأرض ثم يغسلها، ثم يتوضأ وضوء الصلاة غير القدمين، ثم يصب الماء على رأسه وعلى جسده، ثم يتنحى عن مكانه فيغسل قدميه، وهكذا الغسل من الجنابة، إن أخر الوضوء حتى يغتسل فلا بأس" إلخ، قال في الإيضاح: "وإن أخر الوضوء بعد الغسل لما يخاف أن تلاقي يده عورته في الغسل كان أحوط، والله أعلم" إلخ.
ويؤخذ من كلامهما رحمهما الله أن هذا الوضوء إنما هو للصلاة، فلو اغتسل وترك الوضوء صح اغتساله، لأنه ليس من شروطه صحة الوضوء، والله أعلم، ولكن لما كان غسل الجنابة تعقبه الصلاة غالبا ذكر الوضوء معه، وعند غيرنا في سنيته خلاف، وقال ابن حجر: قوله: "كما يتوضأ للصلاة" فيه احتراز عن الوضوء اللغوي، ويحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد في الغسل، ويحتمل أنه يكفي لغسلها في الوضوء عند إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول جزء، وإنما قدم غسل أعضاء الوضوء تشريفا لها، وليحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى، وإلى الثاني جنح الداودي شارح المختصر من الشافعية فقال: يقدم غسل أعضاء وضوئه على ترتيب الوضوء لكن بنية غسل الجنابة، ونقل ابن بطال الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل، وهو مردود، فقد ذهب جماعة منهم أبو ثور وداود إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث، انتهى.
ويدل لنقل ابن بطال ما وجد عن جابر بن زيد رحمه الله أن الجنب إذا غسل مواضع النجس من يديه ثم أنقى جميع جسده بالغسل فلا بأس بذلك، وأي الوضوء أفضل من الاغتسال، والله أعلم، قاله في القواعد وهذا قول في المذهب، والمشهور خلافه كما يؤخذ من كلام الإيضاح حيث قال في باب التيمم: وقد قال البعض: إن عليه إحدى الطهارتين غسل الأعضاء إذا (1/152)
صفحة 153
كان محدثا من غير جنابة، وغسل البدن إذا كان جنبا، وعلى هذا المذهب يجزيه تيمم واحد إلخ.
وعند المالكية قال في الطراز: المذهب أنه يؤمر بالوضوء بعد الغسل إلخ، وذهب ابن بركة رحمه الله إلى أنه يجب عليه الوضوء للصلاة قبل الغسل ثم يغتسل؛ لأنه مخاطب عند قيامه للصلاة بالطهارتين جميعا إن كان جنبا بظاهر الآية، قاله في الإيضاح، والمعمول به عند أصحابنا المغاربة أنه لا بد من الوضوء لأجل الصلاة، وأنه يجوز تقديمه وتأخيره كما تقدم، والله أعلم.
قوله:» ثم يدخل «قال ابن حجر: إنما ذكره بلفظ المضارع وما قبله مذكور بلفظ الماضي وهو الأصل لإرادة استحضاره صورة الحال للسامعين.
قوله:» ويخلل بها أصول شعر رأسه «يعني لحكمة طبية، وهو سد مسام الشعر لئلا يدخل فيها الماء فيضرّ به، والفائدة فقهية وهي سرعة إيصال الماء بالبشرة، والله أعلم.
قال ابن حجر: "وفائدة التخليل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة، ومباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه بالماء وتأنيس البشرة لئلا يصيبها بالصب ما يتأذى به، ثم هذا التخليل غير واجب اتفاقا إلا إن كان الشعر ملبدا بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله" انتهى، ونقل في شرح الرسالة لأبي الحسن غير هذا، قال في التخليل: ويبدأ في ذلك من مؤخر الجمجمة لأنه يمنع الزكام والنزلة هو صحيح مجرب، إلى أن قال: والتخليل واجب إجماعا على ما قاله عياض، وعلى الأشهر على ما قاله ابن الحاجب.
قوله:» ثلاث غرفات جمع غرفة «قال ابن حجر: "وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف، إلى أن قال: وفيه استحباب التثليث في الغسل، قال النووي: ولا نعلم في ذلك خلافا إلا ما انفرد به الماوردي فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل، قلت: وكذا القرطبي، وحمل التثليث في هذه الرواية على رواية القاسم عن عائشة الآتية قريبا، فإن مقتضاها أن كل غرفة كانت في جهة من جهات الرأس" إلخ.
قوله:» ثم يفيض الماء على جسده كله «قال ابن حجر: "هذا التأكيد يدل على أنه عمم جميع جسده بالغسل بعد ما تقدم، وهو يؤيد الاحتمال الأول أن الوضوء (1/153)
صفحة 154
سنة مستقلة قبل الغسل، وعلى هذا فينوي المغتسل الوضوء إن كان محدثا وإلا فسنته الغسل" إلخ.
قوله:» فبلوا الشعر وأنقوا البشر «بلوا بالضم قال في الصحاح: "وبله يبله بالضم ندّاه وبلله شدد للمبالغة فابتل" إلخ، "وأنقوا" بقطع الهمزة من نقي الشيء بالكسر ينقى نقاوة بالفتح فهو نقي أي نظيف، (والنقاء) ممدود النظافة (والنقي) مقصور الكثيب من الرمل، والبَشَر بفتح الباء والشين كما ضبطه في الصحاح بالقلم حيث قال: البشرة والبشر ظاهر جلد الإنسان إلخ.
قال في الديوان: "ويقال: إن كل موضع لم يعم غسله من جسده يبعث الله إليه يوم القيامة حيات تلدغه من ذلك الموضع"، وعن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: "تحت كل شعرة جنابة"، وكل شعرة لم يعم غسلها تشتعل يوم القيامة نارا فليحذر أن يبقي من جسده شيئا لم يمر عليه بالماء ولم يعم غسله" انتهى.
قوله:» الفينكة هي المسربة التي وسط الشارب «هكذا فيما رأيناه من النسخ في المسند والإيضاح، بفاء فياء فنون فكاف فهاء تأنيث، والذي في الصحاح: والفَنِيك يعني بفاء مفتوحة ونون مكسورة فياء ساكنة فكاف كما ضبط بالقلم طرف اللحيين عند العنفقة، ويقال: هو الأفنيك ولم يعرفه الكسائي، وفي الحديث: (إذا توضأت فلا تنس الفنيكين) وهما جانبا العنفقة من يمين وشمال، إلخ.
قوله:» والرفغان ما بين الذكر والفخذين «قال في الصحاح: "الأرفاغ المغابظ وأصول الفخذين، الواحد رَفغ ورُفغ إلخ يعني بفتح الراء وضمها.
قوله:» والمأبضان «تثنية مأبض بفتح الميم وسكون الهمزة وكسر الباء الموحدة وبالضاد المعجمة كما ضبطه في الصحاح حيث قال: والمأبض باطن الركبة من كل شيء والجمع مآبض.
قوله:» والمسربة «يعني بضم الراء، قال في الصحاح: والمسربة بضم الراء الشعر المستدق الذي يأخذ من الصدر إلى السرة، إلخ.
قوله:» فقال إنما يكفيها أن تحثي «إلخ في بعض النسخ "أن تحفي" بالفاء، ويناسبه قوله: "ثلاث حفنات" وفي بعضها أن تحثي بالتاء والياء ويناسبه قوله بعد: "عند كل حثية" لكن نسخة الفاء لا يناسبها ما ذكره في الصحاح حيث قال: "الحفنة ملء الكفين من طعام ومنه (إنما نحن حفنة من حفنات الله) أي يسير (1/154)
صفحة 155
بالإضافة إلى ملكه ورحمته، وحفنت الشيء إذا جرفته بكلتا يديك ولا يكون إلا من الشيء اليابس كالدقيق ونحوه، إلخ.
قوله:» واغمزي قرونك عند كل حثية ثم تفيضين «إلخ، الظاهر أن الغمز هو الضغث والقرون هي الضفائر، قال في القواعد: "ولا يجب على المرأة نقض ضفائرها بل تحثي عليها الماء وتضغثها بيدها كما جاء في حديث أم سلمة إلخ، والضغث هو العرك كما في الصحاح".
وفي الحديث التفات من الغيبة إلى الخطاب، واستدل في الإيضاح بهذا الحديث في موضعين.
أحدهما: لمن قال يجزئ الغاسل إفاضة الماء من غير إمرار اليد، بعد أن ذكر أن الأصح أنه لا بد للغاسل من إمرار اليد مع الماء، يعني وما يقوم مقامه.
الثاني: لمن اشترط الترتيب في الغسل وأنه بين الرأس والجسد، حيث قال: "والترتيب في الغسل أبين منه في الوضوء وذلك بين الرأس وسائر الجسد، فذكر الحديث إلى أن قال: وحرف (ثم) يقتضي الترتيب بلا خلاف، ولهذا المعنى قال بعض العلماء: من غسل بعض أعضائه من الجنابة في موقف وبعضها في موقف آخر جاز ولو كان قد جف، وكذلك من اغتسل إلا موضعا من جسده لم يغسله لجرح أو قرح ثم استراح بعد ذلك فإنه يعيد الغسل لجنابته، وقول آخر: يقصد إلى ذلك الموضع فيغسله على هذا الاختلاف، والله أعلم إلخ.
قوله:» قالت كنت أغتسل أنا ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من إناء واحد «زاد في الإيضاح "يقول: أبقي لي، وأقول: أبق لي"، وذكر للاستدلال على أن المراد بفضل المرأة الذي ورد النهي عن الوضوء به ما لاقى بدنها، لا ما بقي في الإناء بعد وضوئها منه. قال بعد رواية الحديث: "فعلمنا عند هذا أنه إنما نهي عن ما لاقى بدنها، لأن المتوضئين من إناء واحد كل واحد منهما يغتسل بفضلة صاحبه" إلخ.
قوله:» كان يغتسل من إناء هو الفرق إلى قوله هو ستة عشر رطلا «لعل المراد أنه قد يتفق له ذلك في بعض المرات، ولم يتعرض لهذا الحديث صاحب الإيضاح ولا صاحب القواعد رحمهما الله، قال في الإيضاح: "وأما أقل (1/155)
صفحة 156
ما يجزي منه فقد ذكر في بعض الكتب. قال بعض العلماء: لا يجزي في الوضوء أقل من المد، ولا في الغسل أقل من الصاع، واحتجوا بما روي أنه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد، واختلفوا في مقدار المد والصاع إلخ"، واختار أن الصاع خمسة أرطال وثلث، وأن المد رطل وثلث، ثم قال: وقال آخرون: إن عم جسده الغسل فقد أتى بما أمر به ولو بأقل من الصاع والمد في الوضوء، ودليلهم ما روي من طريق عائشة أنها قالت: "اغتسلت أنا والنبي صلَّى الله عليه وسلَّم بصاع ونصف يقول: أبقي لي، وأقول: أبق لي". وهذا الحديث يدل على أن الصاع والمد ليسا بحتم في الغسل والوضوء، لأن المغتسلَين من إناء واحد لا بد أن يفضل أحد منهم الآخر بشيء، ولأن الماسح يسمى غاسلا لما روي أنه اغتسل من جنابة فرأى في بدنه لمعة لم يصبها الماء فعصر جمته ثم مسحها بما قطر منها إلخ. وجزم في القواعد بالقول الثاني حيث قال: "وأما القدر الذي يغتسل به من الماء فغير محدود ولا مقدر لأنه قد يرفق بالقليل فيكفي، ويخرق بالكثير فلا يكفي، وإن كان جاء في حديث أنه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد، والأصل في هذا الإنقاء والنظافة" إلخ.
قوله:» نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الجنب أن يغتسل في الماء الدائم «يعني إذا كان أقل من قلتين على الراجح كما سيأتي إن شاء الله في أحكام المياه جمعا بين الأحاديث.
قوله:» ونهى عن الوضوء بفضل المرأة وكذلك في الرجل «المراد بفضلهما ما لاقى بدنهما لأنه يصير مستعملا، وغلا بعضهم حتى زعم أن اسم الغسالة أحق به من اسم الماء. وهو متفق على طهارته، إلا خلافا شاذا عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، والمشهور عدم جواز التطهر به. وليس المراد بفضلهما ما يفضل في الإناء لأنه ماء مطلق، ولما تقدم عن الإيضاح من أن المتوضئين من إناء واحد كل واحد منهما يغتسل بفضلة صاحبه إلخ، ثم استعمال الفضل فيما ذكر غير مناسب للغة.
قال في الصحاح: "والفضل والفضيلة خلاف النقص بل المناسب لها الفضلة والفضالة"، قال في الصحاح: "والفضل الفضالة ما فضل من شيء إلخ"، على أن (1/156)
صفحة 157
إطلاق الفضلة أيضا على ما لاقى بدنها بعيد من ظاهر العبارة لكن الدليل أوجب حملها عليه، والله أعلم.
قوله:» معنى توضأ اغسل يديك وليس بوضوء الصلاة «أقول: ومما يدل على حمل الوضوء على هذا تقديمه في الذكر على غسل الذكر وإن كان العطف بالواو، ووافق أصحابنا على عدم مشروعية الوضوء الشرعي، منهم أبو يوسف.
قال ابن حجر: ونقل الطحاوي عن أبي يوسف أنه ذهب إلى عدم الاستحباب وتمسك بما رواه أبو إسحاق عن الأسود عن عائشة أنه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يجنب ثم ينام ولا يمس ماء، رواه أبو داود وغيره وتعقب، إلى أن قال: ثم جنح الطحاوي إلى أن المراد بالوضوء التنظيف، واحتج بأن عمر راوي الحديث وهو صاحب القضية كان يتوضأ وهو جنب ولا يغسل رجليه إلخ، وذهب جمهور مخالفينا إلى أن المراد بالوضوء هنا الوضوء الشرعي، وأنه مستحب، وذهب أهل الظاهر وطائفة من غيرهم إلى أنه واجب، وهذا الوضوء عندهم من خواصه أنه لا ينقضه إلا الجماع حتى ألغز بعضهم فقال:
إذا سئلت وضوءا ليس ينقضه ... إلا الجماع وضوء النوم للجنب
يعني فقل وضوء الجنب للنوم ففي العبارة قلب، قال ابن حجر: "والحكمة فيه أنه يخفف الحدث لا سيما على القول بجواز تفريق الغسل، فينويه فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصحيح، إلى أن قال: وقيل: الحكمة فيه أنه إحدى الطهارتين، وقيل: الحكمة فيه أنه ينشط إلى العود أو إلى الغسل، إلى أن قال: قال ابن الجوزي: والحكمة فيه أن الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة بخلاف الشياطين فإنها تقرب من ذلك، والله أعلم، انتهى. (1/157)
صفحة 158
الباب الثالث والعشرون
في جامع النجاسات
146) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَبَاحَ لِلْعُرَنِيِّينَ قَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِ الإِبِلِ وَالْبَهَائِمِ وَأَلْبَانِهَا مَعَ الضَّرُورَةِ (1).
147) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَتْهُ عَنِ امْرَأَةٍ وَقَعَ فِي ثَوْبِهَا دَمٌ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ دَمٌ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ فَلْتَعْرِكْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ تُصَلِّي».
148) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمَنِيُّ وَالْوَذِيُّ وَالْوَدِيُّ وَدَمُ الْحَيْضَةِ (2) وَدَمُ النِّفَاسِ نَجِسٌ لاَ يُصَلَّى بِثَوْبٍ وَقَعَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يُغْسَلَ وَيَزُولَ أَثَرُهُ».
149) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «دَمُ الاِسْتِحَاضَةِ نَجِسٌ، لأَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ، يَنْقُضُ الْوُضُوءَ».
150) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ».
__________
(1) / قوله: مع الضرورة، زيادة لا توجد في نسخة القطب. فكأنَّها مدرجة في الحديث.
(2) / خ: الحيض. (1/158)
صفحة 159
151) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ ثَوْبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَنِيِّ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاَةِ وَالْمَاءُ يَقْطُرُ مِنْهُ.
152) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ إِنَّ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ نَضْحًا (1) وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
153) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ (2) قَالَ بَلَغَنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُهْرِقْهُ (3) وَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاَهُنَّ وَأُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ».
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ ضَمَّامُ بْنُ السَّائِبِ: يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ ثَلاَثُ مَرَّاتٍ.
154) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُهْرِقْهُ وَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ».
قَالَ جَابِرٌ: وَفِي الثَّلاَثِ كِفَايَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
155) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ».
قوله:» أباح للعرنيين «يعني بضم العين وفتح الراء وكسر النون بعدها ياء واحدة على ما كتبه هنا وفي الصحاح حيث قال: " (وعرينة) بالضم اسم قبيلة ورهط من العرنيين ارتدوا فقتلهم النبي صلَّى الله عليه وسلَّم إلخ"،
__________
(1) / خ: اسقاط نضحا.
(2) / قوله: أبو عبيدة عن جابر، في نسخة القطب: أبو عبيدة قال بلغني. بإسقاط جابر.
(3) / قوله فليرهقه في بعض النسخ اسقاط هذه اللفظة. (1/159)
صفحة 160
وكتبه في المواهب بياءين بعد النون كما هو في بعض نسخ هذا الكتاب، ولعله جمع عرني نسبة إلى عرينة كجهني نسبة إلى جهينة.
قال ابن مالك: ووزن فعلى في فعيلة حتم قال في المواهب: "في سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين بضم العين وفتح الراء المهملتين، حي من قضاعة، وحي من بجيلة، والمراد هنا الثاني، إلى أن قال: وفي البخاري في كتاب المغازي عن أنس أن ناسا من عكل -يعني بضم العين وسكون الكاف- وعرينة قدموا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وتكلموا بالإسلام، فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بذَود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، واستاقوا الذود، فبلغ الخبر النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم، وفي لفظٍ: "فسمر أعينهم ثم نبذوا في الشمس"، وفي لفظ: "ولم يحسمهم" أي لم يكو موضع القطع فينحسم الدم، وقال أنس: إنما سمل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاء" رواه مسلم. فيكون ما فعل بهم قصاصا، وفي رواية "إنهم كانوا ثمانية"، وعند البخاري أيضا في المحاربين "أنهم كانوا في الصفة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل"، وفي رواية قال أنس: "فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه حتى مات"، وعند الدمياطي أن اللقاح كانت خمس عشرة لقحة بكسر اللام وسكون القاف، ويقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهر"، إلخ.
قوله:» من أبوال الإبل والبهائم «الظاهر أن المراد بالبهائم ما كان من بهيمة الأنعام، وأما ما كان من غيرها فيجمع على نجاسة بوله، وقد انفرد بزيادة لفظ البهائم على ما رأيناه من نسخ القواعد والإيضاح وغيرها من كتب قومنا، واستدل مالك ومن قال بقوله بهذا الحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه.
قالوا: ولو لم تكن طاهرة لما أباح لهم صلَّى الله عليه وسلَّم أن يتداووا بها، وهو قد نهى صلَّى الله عليه وسلَّم أن يتداوى بشيء مما حرم الله عز وجل، قال (1/160)
صفحة 161
في الإيضاح: والصحيح عندي أن أهل الضرر تحل لهم أشياء محرمة على غيرهم ممن ليس في حالتهم رخصة من الله عز وجل، والرخصة لا يقاس عليها، إلخ.
والذي عليه أصحابنا وجمهور غيرهم أن الأبوال كلها نجسة، قال في الإيضاح: "قياسا على بول ابن آدم المتفق على نجاسته، والدليل على هذا القياس اتفاق الجميع على تساوي دمهما في النجاسة، وكذلك البول لاتفاقهما في الشراب الذي يكون بولا وهو الماء" إلخ، وقال في القواعد بعد إقامة الدليل على نجاسة البول مطلقا ما نصه: "ولم يقطع أصحابنا عذر من شرب أبوال المأكولات يعني لأن هذه مسألة اجتهادية، ومسائل الاجتهاد لا يقطع فيها العذر ما لم يقطع المجتهد على أسباب معينة" والله أعلم.
قوله:» مع الضرورة «فيه إشارة إلى أن أهل الضرورة تحل لهم أشياء لا تحل لغيرهم، والله أعلم.
قوله:» فلتعركه ثم لتنضحه بالماء «العرك هو الدلك، والظاهر أن المراد به الغسل بالماء أولا حتى يزول أثر الدم، ثم تنضحه بالماء أي ترشه به، فإن النضح معناه الرش على ما في الصحاح. وذكر في الإيضاح أن النضح هو إفراغ الماء من غير حك، وذكر في صفة إزالة النجاسة بالماء أنه قد ورد في الشرع النضح والغسل، والنضح بعد العرك ففصل ذلك، إلى أن قال: "وأما النضح بعد العرك فما روي أن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، إلى أن قال: وكذلك كل نجس عندهم يصعب غسله وهو رطب مثل النطفة والقيء والغائط، فإنه لا يغسل من الثوب حتى ييبس ويقشر لأن ذلك أسهل لإزالة عينه، غير أن الدم غسله وهو رطب أسهل منه وهو يابس، وهذا في الثياب، وأما في الأبدان فلا" إلخ.
قوله:» المني والمذي والودي ودم الحيضة ودم النفاس «لعله أراد بدم الحيضة ما يشمل دم الاستحاضة لأن للرجل ثلاثة مياه وللمرأة ثلاثة دماء، أو يقال: لما ذكره عليه السلام في حديث مستقل استغني عن ذكره في هذا الحديث لئلا يلزم التكرار، والله أعلم. ويجب على كل واحد من الرجل والمرأة الفرق بين ما يختص به لاختلاف الأحكام فيها. وتقدم الفرق بين مياه الرجل في باب ما يجب منه الوضوء. (1/161)
صفحة 162
قوله:» نجس «يريد به ما يشمل المتنجس ليدخل المني والمذي والودي على القول بأنها ليست من أعيان النجاسات، وإنما هي نجسة بمرورها على محل البول، وأن الإنسان إذا أمنى أربع مرات متواليات لم يتخلل بينهما بول فإنه يكون منيه في الرابع طاهرا. وذهب الشافعي إلى أن المني طاهر ليس بنجس ولا متنجس بدليل خلق الإنسان منه، وأجيب بأنه استحال إلى طهارة كاستحالة الدم إلى اللبن، والله أعلم.
قوله:» حتى يغسل ويزول أثره «يعني إن كان قابلا للزوال، قال في الإيضاح: وإن بقي أثر نجس بعد الاجتهاد في الغسل فإن بعضهم قال بغيره بما يخالف لونه، وهذا عندي منهم استحسان لئلا يساء به الظن أو يشتبه عليه مرة أخرى، والله أعلم.
وقال آخرون: لا يكلف في ذلك غير الاجتهاد، ولكنه يغسل ما دام النجس ينتقص وليس عليه أن يقطع ذلك المكان لأن قطعه فساد، والله لا يحب الفساد. والدليل على هذا ما أجمعوا عليه أن من صبغ يده بالحناء المنجوس ليس عليه أن يسلخ جلده لأجل أثر الصباغ المنجوس حين لم يزل بالغسل، فكان هذا قياسا عليه، والله أعلم، انتهى.
وقال في القواعد: "وأما بقاء الرائحة فلا بأس بها بعد زوال العين" إلخ، فعلى هذا يكون المراد بالأثر في الحديث بقية لون النجس، والله أعلم.
قوله:» دم الاستحاضة نجس لأنه دم عرق يفسد الوضوء «،استدل به في الإيضاح على قول أصحابنا: بأن الأنجاس مطلقا تنقض الوضوء حيث علله عليه السلام بأنه دم عرق نجس، والله أعلم.
قوله:» أطيل ذيلي وأمشي في المكان «المراد بالذيل هنا فيما سمعت ساتر من الثياب عرضه من شبر إلى ذراع تخيطه المرأة على طرف ثوبها من خلفها من أسفل، تجره وراءها، وتستر به قدميها أو خفيها، والله أعلم. ويحتمل أن المراد بالذيل طرف ثوبها الذي لبسته ترخيه ويجر وراءها ليسترها وهو المتبادر.
قال في الصحاح: "الذيل" واحد أذيال القميص وذيوله، وذيل الريح ما انسحب منها على الأرض، وذالت المرأة تذيل أي جرت ذيلها على الأرض وتبخترت، إلخ.
ثم رأيت ما نصه "الذيل" ما أسبل من طرف ثوب أو غيره، (1/162)
صفحة 163
ويفعلن ذلك لستر أقدامهن.
ولم ترد النجاسة التي تتمكن من الثوب، وإنما أرادت ما يتعلق بالذيل من ندوة الأرض أو ما يمس من الأرواث، وقوله عليه السلام: "يطهره ما بعده" يعني ما يمر عليه الذيل من الطاهر بعد القذر، انتهى، من غريب الموطأ.
قوله:» يطهره ما بعده «قال في القواعد: "وهذا لما كانت المرأة مأمورة بإطالة الذيل الذي جعل الشارع ما بعده مطهرا كما قدمنا في الحديث، وهذا عند العلماء فيما وجدت إذا كان الذيل جافا، والمعنى أنه لا ينجسه لجفافه، وإن كان رطبا فلا بد من غسله كسائر النجاسات. وأقول: قوله: "إذا كان الذيل جافا" يعني وكان النجس أيضا جافا كما يدل عليه سياق كلامه، فإنه حينئذ لا يتعلق بالذيل شيء من النجس، لكن على هذا التأويل لا فرق بين الذيل وغيره؛ لأن اليابس لا يأخذ من اليابس وهو بعيد من ظاهر الحديث، فإن ظاهره يقتضي أنه يتنجس فيطهر بما بعده من التسحب على الأرض مثلا، والله أعلم، واستدل به في الإيضاح على أن إزالة النجاسة يكون بكل طاهر مائعا كان أو جامدا، لأن المراد بإزالة النجاسة بالماء إتلاف عينها؛ ولذلك لم يحتج إلى نية خلافا لمن قال: لا تصح إزالة النجاسة بما سوى الماء، والله أعلم.
قوله:» أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام «إلى آخره يعني أتت به إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ليحنكه تبركا.
قال في الصحاح: "وحنكت الصبي وحنكته إذا مضغت ثمرا أو غيره ثم دلكته فحنكته، والصبي محنوك ومحنك".
واستدل به في الإيضاح على جواز النضح في بول الصبي.
وقال في القواعد: "وأما النضح فقد وردت به السنة في ثلاثة أشياء؛
أحدها: الحصير في حديث أنس بن مالك، إلى أن قال: ولم أر أصحابنا يعتبرونه إلا في الحصير إذا أرادوا أن يغسلوا عليه الميت فإنهم قالوا: إنه ينضح بالماء لئلا يسبق إليه النجس.
الثاني: في بول الرضيع في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان يؤتى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالصبيان فيحنكهم فأوتي بصبي لم يأكل الطعام، إلى أن قال: ولم يعتبره أصحابنا في هذا الحديث. (1/163)
صفحة 164
الثالث: قد وجدت أنهم يعتبرونه في أبوال المأكولات إذا بالت على غرائر الطعام، وأنهم قالوا: يصب على البول الماء فيكفي في طهارة الغرائر، والله أعلم، انتهى، لكن قوله رحمه الله:» ولم يعتبره أصحابنا في هذا الحديث «ينظر ما معناه، وكيف يتأتى لأصحابنا عدم اعتباره بعد صحته وهم يقولون: "لا حظّ للنظر مع وجود الأثر"، وكلام الإيضاح صريح في اعتباره حيث قال: اختلف علماؤنا رحمهم الله في النضح لأي نجاسة هو، قال بعضهم: مقصور على بول الطفل الذي لم يأكل الطعام، إلى أن قال: وقال آخرون: النضح يجزئ في غسل الأبوال كلها وما كان في معناها مثل الماء المنجوس ما دامت رطبة إلخ، وقال في القواعد: الغسل طهارة ما تيقنت نجاسته، والنضح ما كان مشكوكا فيها، وقوم فرقوا بين بول الغلام وبول الجارية فقالوا: ينضح بول الغلام ويغسل بول الجارية إلخ، يعني لحديث علي قال: "سئل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن بول الرضيع فقال: يُنضح بول الصبي ويُغسل بول الجارية".
قوله:» إذا ولغ الكلب «هو بفتح اللام في الماضي والمضارع، قال في الصحاح: "ولغ الكلب في الإناء يلغ ولوغا إذا شرب ما فيه بأطراف لسانه، إلى أن قال: وحكى أبو زيد ولغ الكلب بشرابنا وفي شرابنا ومن شرابنا" إلخ.
قوله:» فليغسله سبع مرات «إلخ، استدل به على نجاسة الكلب خلافا لمالك كما هو معلوم.
قوله:» أولاهن وأخراهن بالتراب «الظاهر أن المراد أنه يخلط التراب مع الماء في المرة الأولى والمرة الأخيرة.
قوله:» قال الربيع: قال ضمام بن السايب: يكفي من ذلك ثلاث مرات «وكذلك قوله:» قال جابر وفي الثلاث كفاية إن شاء الله «هذا يدل من قولهم رحمهم الله أنهم فهموا من قوله: "فليغسله سبعا" أن الأمر بذلك محمول على الندب، أو أنه لم يرد حقيقة العدد لأن المراد من غسل النجس إزالة عينه، والله أعلم.
وذهب مالك إلى أن الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا مخافة أن يكون الكلب كلِبا فيحصل للإنسان منه الضرر، قالوا: فلذلك كان لا بد من السبع وكان (1/164)
صفحة 165
خارجا عن أصل غسل النجاسات، والله أعلم. قال في الضياء: "وروى أيضا أبو هريرة عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فليغسل سبع مرات أولاهن وأخراهن بالتراب"، وأفتى أبو هريرة بغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات، قال أبو حنيفة: أقبل فتياه وأجعله دليلا على حفظ نسخ الخبر عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، لأنه لا يكون يفتي بغير ما حفظ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ما هو سنة عنه صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال الشافعي: أقبل خبره في غسل الإناء ولا أقبل فتياه؛ لما يجوز أن يكون قد نسي الخبر؛ لأنا قد تُعبدنا بتصديق الراوي إذا كان عدلا، ولم نتعبد أن ننسخ السنن المروية بقول من يجوز عليه الغلط ويتعمد الكذب، فانظروا رحمكم الله إلى هاتين الأعجوبتين من قول الإمامين وتفكروا في ذلك تعلموا فضل الله عليكم" انتهى، كان مراده رحمه الله بهذا الكلام الإشارة إلى أن الواجب قبول خبره وفتياه ويجمع بينهما بوجه صحيح كما قدمنا مثلا، والله أعلم، فيراجع. (1/165)
صفحة 166
الباب الرابع والعشرون
في أحكام المياه
156) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ إِلاَّ مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رَائِحَتَهُ».
157) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْتَمِلْ خَبَثًا». وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «قَدْرَ قُلَّتَيْنِ مَاءً لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».
158) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السِّبَاعِ تَرِدُ الْحِيَاضَ وَتَشْرَبُ مِنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «لَهَا مَا وَلَغَتْ فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ مَا غَبَرَ».
قَالَ الرَّبِيعُ: أَيْ لَكُمْ مَا بَقِيَ.
159) ... أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ كُبَيْشَةَ (1) بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهَا سَكَبَتْ لأَبِي قَتَادَةَ وَضُوءًا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ مِنْهُ، فَأَصْغَى أَبُو قَتَادَةَ لَهَا الإِنَاءَ، حَتَّى شَرِبَتْ؛ قَالَتْ كُبَيْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ مِمَّا رَأَيْتِ؟ قَالَتْ: قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ لِي: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ عَلَيْكُمْ».
160) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَتَوَضَّأُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ قَدْ أَصَابَتْ مِنْهُ الْهِرَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ.
__________
(1) / قوله: كبيشة هكذا وقع في النسختين بصيغة التصغير والموجود في أسماء الصحابة أنّها كبشة بنت كعب ثُمَّ ظفرنا بها في نسخة القطب غير مصغّرة. (1/166)
صفحة 167
161) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا لَنَرْكَبُ الْبَحْرَ عَلَى أَرْمَاثٍ لَنَا، وَتَحْضُرُنَا الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ إِلاَّ لِشِفَاهِنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، وَالْحِلُّ مِيتَتُهُ».
قَالَ الرَّبِيعُ: الأَرْمَاثُ: الْخَشَبُ.
162) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ مِنَ الصَّحَابَةِ أُنَاسًا أَكْثَرُ فُتْيَاهُمْ حَدِيثُ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ (1): قَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ أَوْ يَتَوَضَّأُ».
163) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ بَعْضَ نِسَاءِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) اغْتَسَلَتْ مِنَ الْجَنَابَةِ فَجَاءَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَوَضَّأَ مِنْ فَضْلِهَا.
164) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُنُبَ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَنَهَى عَنِ الْوُضُوءِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الرَّجُلِ.
165) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: يُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَيْلَةَ الْجِنِّ فِي إِجَازَةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِالنَّبِيذِ، قَدْ سَمِعْتُ جُمْلَةً مِنَ الصَّحَابَةِ يَقُولُونَ مَا حَضَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَالذِي رُفِعَ عَنْهُ كَذِبٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْغَيْبِ.
__________
(1) / خ: ويقولون.
(2) / قوله: أنّ بعض نساء النبيء (ص) هي ميونة بنت الحارث خالة ابن عبّاس رضي اللَّه عنهم. (1/167)
صفحة 168
قوله:» الماء طهور لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته «لفظ الحديث في السؤالات: "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه" إلخ وذلك أنه ذكر أن الجواب على ثلاثة أوجه مطابق وعام وخاص، وذكر هذا الحديث من العام حيث قال بعد كلام: "وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بئر بضاعة تلقى فيها الحيض والميتة وغير ذلك من النجاسات فقال: "خلق الله الماء طهورا" إلخ، والمراد من الماء في هذا الحديث ما كان قدر قلتين فصاعدا، ليحصل الجمع بينه وبين قوله: "إذا كان قدر قلتين لم يحتمل خبثا". فإن المفهوم منه أن ما دون القلتين يحتمل الخبث مطلقا، ومنطوقه أن قدر القلتين لا ينجس أصلا مع أنه محمول على ما إذا لم يتغير أحد أوصافه. والحاصل أنه يُخص الثاني بمنطوق الأول، ويُخص الأول بمفهوم المخالفة في الثاني، والله أعلم.
اختلفوا في مقدار القلتين فقيل: القلة قربتان ونصف، وقيل: خمسمائة رطل، والذي عليه أكثر أصحابنا أن القلة هي الجرة التي يحملها الخادم في العادة الجارية في استخدام العبيد بها، والله أعلم.
قوله:» لها ما ولغت في بطونها «لفظ الحديث في القواعد: "لها ما أخذت بأفواهها"، وفي بعض النسخ: (في أفواهها) ولعله هنا ضمّن (ولغ) معنى (أخذ) أي لها ما أخذت في بطونها. وفي بعض النسخ "لها ما حملت في بطونها". وهي أظهر في المراد، وقد استدل بهذا الحديث من قال: إن أسآر السباع طاهرة، وأقول: إنه ليس نصا في ذلك لجواز أن يكون إنما أباح لهم ما بقي لكونه زائدا على قدر القلتين، ويرشد إلى ذلك كون المسؤول عنه الحياض فيتحد مع قوله صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى وقد سئل عن الحياض التي تكون في الفلاة وما تأويه من السباع والدواب: "إذا كان الماء قدر قلتين لم يحتمل خبثا" يعني ما لم يتغير أحد أوصافه، فلو لم تكن السباع نجسة لم يكن للتقييد بقلتين معنى فلا تعارض بين الأحاديث، والله أعلم.
قوله:» أي لكم ما بقي «يعني إذا كان قدر قلتين أو أكثر ولم يتغير أحد أوصافه، كما يدل عليه بقية الأحاديث المتقدمة، والله أعلم. (1/168)
صفحة 169
قوله:» إنها ليست بنجسة إنما هي من الطوافين والطوافات عليكم «ظاهره يدل على أن مخطمه طاهر أيضا خلافا لما ذهب إليه صاحب الدعائم رحمه الله حيث قال:
ومخطم السنور إمساسه ... ... يذهب من ذي الطهر بالطهر
فإن ظاهر كلامه يدل على أن الخلاف إنما وقع في سؤره دون مخطمه، وظاهر كلام القواعد أن كلا منهما طاهر، حيث قال: "وأما الهر ففيه خلاف والأصح أنه طاهر، لأنه من الطوافين والطوافات، وبحديث أبي قتادة قد ذكره، إلى أن قال: ومن ذهب إلى نجاسته راعى أن الأصل فيه سبع. والفأر كذلك، فلعمري إنهما لكما زعم، لكن الرخصة وردت في الهر للحاجة إليه، ولتعذر الاحتراز منه في البيوت، ونلحق به الفأرة في تعذر الاحتراز منها" انتهى. وظاهر كلامه رحمه الله يميل إلى نجاسته إلا أنه عفا عنه لشدة البلوى كما عفا عن مداد الصبيان المتخذ مما اختلط بالبول، وعن الورق الذي يؤتى به من بلاد النصارى، وعن الصلاة بالثوب الذي فيه القمل ويماس البدن، وعن القليل من الدم وغير ذلك، والله أعلم.
قوله:» إلا لشفاهنا «قال في السؤالات: أي لمعاشنا، الظاهر أنه أراد به ما يشمل الشرب، قال في الصحاح: "وقولهم نحن نشفه عليك المرتع والماء، يعني نشغله عنك أي هو قدرنا لا فضل فيه".
قوله:» هو الطهور ماؤه والحل ميتته «ساقه في السؤالات للاستدلال على أن الجواب قد يكون أعم من السؤال وهو ظاهر، وفيه دليل على أن ماء البحر طاهر مطهر؛ لأن فعولا من أمثلة المبالغة فيكون كثير الطهارة فيطهر غيره ولو وجد غيره، خلافا لمن زعم أنه لا يتوضأ به إلا في حال الضرورة، وغلا بعضهم حتى قال: التيمم أحب إلي منه، والصحيح ما تقدم وهو مذهب الجمهور.
قوله:» الأرماث الخشب «قال في السؤالات: "والأرماث واحدها رمث يعني بفتح الراء والميم وبالثاء المثلثة خشب يشد بعضها إلى بعض فيركب عليها"، وقال في الفائق: " (الرمث) الطوف وهو خشب يضم بعضه إلى بعض ويركب في البحر، وهو فعل بمعنى مفعول من رمثت الشيء إذا أصلحته ولممته".
قول:» أكثر فتياهم حديث النبي «إلخ لم يبين رحمه الله الحديث الذي يفتون به، وقد بينه صاحب الإيضاح رحمه الله حيث قال في الاحتجاج لمن (1/169)
صفحة 170
فرق بين القليل والكثير كما ذهب إليه أصحابنا ما نصه: "واحتج من فرق بين القليل والكثير بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الجنب أن يغتسل في الماء الدائم، وما روي عن جابر قال: أدركت ناسا من الصحابة أكثر فتياهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: قال النبي عليه السلام: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه أو يتوضأ"، إلى أن قال: فدلت هذه الأحاديث أن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة ولو لم يتغير أحد أوصافه إلى آخره. وقد بينه في بعض النسخ كما بينه صاحب الإيضاح، وتقدم أيضا بيانه في باب طلب العلم وهو المراد.
قوله:» فتوضأ من فضلها «المتبادر من الفضل ما بقي في الإناء الذي اغتسلت منه، والظاهر أنه المراد هنا، وليس المراد به ما لاقى بدنها كما في الحديث الذي بعده بأنه منهي عنه لكونه مستعملا، والمشهور أنه لا يجوز التطهر به وإن كان طاهرا.
قوله:» نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنب «إلخ قد تقدم الكلام عليه في باب كيفية الغسل من الجنابة، وقد تقدم أن المراد بفضل المرأة والرجل ما لاقى بدنهما، فليراجع.
قوله:» إن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ليلة الجن بالنبيذ «إلى آخره، الذي يرى جواز الوضوء بالنبيذ هو أبو حنيفة، وهذا الحديث صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي توضأ بالنبيذ، وكلامه الآتي في كتاب الأشربة صريح في أنه أجاز لابن مسعود أن يتوضأ بالنبيذ، وكلام صاحب القواعد رحمه الله يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من ابن مسعود رحمه الله الماء حيث قال: وأما الخل والنبيذ واللبن والزيت فقد قالوا: إن هذه الأشياء تنزع النجس، ولكن لا يحل أن يتعمد تنجيسها إلا ما ذكره عن أبي حنيفة أنه أجاز الطهارة بالنبيذ محتجا بحديث ليلة الجن، وذلك زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ابن مسعود: هل معه الماء؟ فقال: معي نبيذ، فقال: ثمرة طيبة وماء طهور، والله أعلم، انتهى. (1/170)
صفحة 171
الباب الخامس والعشرون
فرض التيمم والعذر الذي أوجبه
166) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَوْا إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالُوا: أَلاَ تَرَى مَا صَنَعَتْ ابْنَتُكَ بِالنَّاسِ، أَقَامَتْهُمْ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ؟ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَهُ وَاضِعًا رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي وَقَدْ نَامَ، فَقَالَ: قَدْ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ لَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلاَ مَاءَ مَعَهُمْ (1)، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، فَجَعَلَ يَطْعَنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَمَنَعْتُ نَفْسِي مِنَ الْحَرَكَةِ لِمَكَانِ رَأْسِ (2) رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْقِلاَدَةَ (3) تَحْتَهُ.
167) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّيَمُّمِ فَقَالَ: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرَابُهَا طَهُورًا».
قَالَ جَابِرٌ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَمْنَعُ مِنَ التَّيَمُّمِ مِنْ غَيْرِ تُرَابٍ. قَالَ الرَّبِيعُ: وَالْمَسْجِدُ مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ مَسَاجِدُ الْمُصَلِّي، وَهِيَ سَبْعَةُ أَعْضَاءٍ: الْقَدَمَانِ وَالرُّكْبَتَانِ وَالْيَدَانِ وَالْجَبْهَةُ.
__________
(1) / قوله وَلاَ ماء معهم في بعض النسخ وليس معهم ماء.
(2) / في نسخة القطب لا توجد كلمة (رأس).
(3) / خ العقد. (1/171)
صفحة 172
168) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا لأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ يَكْفِي (1) وَلَوْ إِلَى سِنِينَ (2)، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَامْسَسْ بِهِ جِلْدَكَ» (3).
169) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأَبِي ذَرٍّ: «التَّيَمُّمُ يَكْفِيكَ إِنْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ» (4).
170) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: اجْتَنَبْتُ (5) فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ، فَقَالَ (6) رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا يَكْفِيكَ هَكَذَا؟»، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ.
171) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: تَيَمَّمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَضَرَبْنَا ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ (7) وَضَرْبَةً لِلْيَدَيْنِ.
التيمم في اللغة القصد، قال الله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة:267] أي لا تقصدوه. وفي الشرع عرّفه بعض قومنا "طهارة ترابية ضرورية تشتمل على الوجه واليدين تستعمل عند فقد الماء أو عند عدم القدرة على استعماله"، وعرفه بعضهم "بأنه عبادة حكمية تستباح بها الصلاة وهي القصد إلى الصعيد الطاهر يمسح به وجهه ويديه". وهو واجب بالكتاب والسنة والإجماع؛ فمن جحده أو شكّ فيه فهو
__________
(1) / خ يكفيك.
(2) / خ عشر سنين.
(3) / خ بشرتك.
(4) / خ حجج.
(5) / خ أجنبت.
(6) / خ لي.
(7) / خ فضرب. (1/172)
صفحة 173
مشرك، ولوجوبه شرائط وهي: الإسلام والبلوغ والعقل، وانقطاع دم الحيض والنفاس، ودخول الوقت، وكون المكلف ذاكرا غير ساه ولا نائم، وعدم الإكراه، وعدم الماء أو عدم القدرة على استعماله. والشرطان الأخيران على سبيل البدل، والله أعلم.
قوله:» في بعض أسفاره «قال ابن حجر: "قال ابن عبد البر في التمهيد: يقال: إنه كان في غزوة بني المصطلق، وجزم بذلك في الاستذكار، وسبقه إلى ذلك ابن سعد وابن حبان. وغزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع وفيها وقعت قصة الإفك لعائشة رضي الله عنها، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها أيضا، فإن كان ماجزموا به ثابتا حمل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين لاختلاف القصتين كما هو مبين في سياقهما إلخ.
قوله:» بالبيداء «جزم النووي بأنها بين المدينة وخيبر، وجزم ابن التين بأنها ذو الحليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة، قاله ابن حجر، ثم قال: "وقال أبو عبيد البكري في معجمه: (البيداء) أدنى إلى مكة من ذي الحليفة، إلى أن قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون بها، ما أهلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد"، الحديث، قال: " (والبيداء) هو الشُّرْف الذي قدام ذي الحليفة في طريق مكة إلخ.
قوله:» عقد «قال ابن حجر: بكسر المهملة كل ما يعقد ويعلق في العنق ويسمى قلادة، إلى أن ذكر رواية أخرى فيها: "سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة" إلى أن قال: وهذا مشعر بأن ذلك كان عند قربهم من المدينة، والله أعلم" انتهى.
قوله:» على التماسه «أي لأجل طلبه.
قوله:» وليسوا على ماء وليس معهم ماء «قال ابن حجر: واستدل بذلك على جواز الإقامة في المكان الذي لا ماء فيه. قال: وفيه نظر؛ لأن المدينة كانت قريبة منهم وهم على قصد دخولها، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم بعدم الماء مع الركب وإن كان قد علم أن المكان لا ماء فيه، ويحتمل أن يكون قوله: "ليس معهم" أي للوضوء، وأما ما يحتاجون إليه للشرب فيحتمل أن يكون معهم، والأول محتمل لجواز إرسال المطر أو نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم كما وقع في مواطن أخرى، وفيه اعتناء الإمام بحفظ (1/173)
صفحة 174
حقوق المسلمين. فإن قلت: فقد نقل ابن بطال أنه روي أن ثمن العقد المذكور كان اثني عشر درهما، ويلتحق بتحصيل الضائع الإقامة للحاق المنقطع ودفن الميت ونحو ذلك من مصالح الرعية، وفيه إشارة إلى ترك إضاعة المال، انتهى.
قوله:» فقام الناس إلى أبي بكر «إلخ، قال ابن حجر: "فيه شكوى المرأة إلى أبيها وإن كان لها زوج، وكأنهم إنما شكوا إلى أبي بكر لكون النبي صلى الله عليه وسلم كان نائما وكانوا لا يوقظونه، وفيه نسبة الفعل إلى من كان سببا فيه لقولهم: صنعت وأقامت، وفيه جواز دخول الرجل على ابنته وإن كان زوجها عندها إذا علم رضاه بذلك ولم تكن حالة مباشرة".
قوله:» فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول «قال ابن حجر: في رواية عمرو بن الحارث فقال: "حبست الناس في قلادة" أي بسببها، وسيأتي من الطبراني أن مِن جملة ما عاتبها به قوله: "في كل مرة تكونين عناء" والنكتة في قول عائشة: "فعاتبني أبو بكر" ولم تقل: "أبي" لأن قضية الأبوة الحنو، وما وقع من العتاب بالقول والتأديب بالفعل مغاير لذلك في الظاهر، فلذلك نزلته منزلة الأجنبي، انتهى.
قوله:» يطعن «هو بضم العين وكذا جميع ما هو حسي، وأما المعنوي فقال: يطعن بالفتح، هذا هو المشهور فيها، وحكي الفتح فيهما معا في المطالع وغيرها، والضم فيهما حكاه صاحب الجامع، وفيه تأديب الرجل ابنته ولو كانت مزوجة كبيرة خارجة عن بيته، ويلحق بذلك تأديب من له تأديبه ولو لم يأذن له الإمام، انتهى".
قوله:» فمنعت نفسي عن الحركة لمّا كان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي «لفظ الحديث في الوضع والبخاري:» ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي «.
قال ابن حجر: "فيه استحباب الصبر لمن ناله ما يوجب الحركة ويحصل به التشويش لنائم وكذا مصل أو قارئ أو بمشتغل بعلم أو ذكر" انتهى.
قوله:» فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء «وفي بعض الروايات "فقام حين أصبح" وظاهرهما يدل على أن قيامه من نومه كان عند الصبح. (1/174)
صفحة 175
قال ابن حجر: "وقال بعضهم: ليس المراد بقوله: "حتى أصبح" بيان غاية النوم إلى الصباح بل بيان غاية فقدِ الماء إلى الصبح لأنه قيد قوله: "حتى أصبح" بقوله: "على غير ماء" أي آل أمره إلى أن أصبح على غير ماء.
وأما رواية عمرو بن الحارث فلفظها: "ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح" فإن أعربت الواو حالية كان دليلا على أن الاستيقاظ وقع حال وجود الصباح وهو الظاهر. واستدل به على الرخصة في ترك التهجد في السفر إن ثبت أن التهجد كان واجبا عليه، وعلى أن طلب الماء لا يجب إلا بعد دخول الوقت لقوله في رواية عمرو بن الحارث بعد قوله: "وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يجده". وعلى أن الوضوء كان واجبا عليهم قبل نزول آية الوضوء، لهذا استعظموا نزولهم على غير ماء، ووقع من أبي بكر في حق عائشة ما وقع".
قال ابن عبد البر: "معلوم عند جميع أهل المغازي أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ منذ افترضت عليه الصلاة إلا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند، قال: وفي قوله في هذا الحديث: "آية التيمم. إشارة إلى أن الذي طرأ إليهم من العلم حينئذ حكم التيمم لا حكم الوضوء. قال: والحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العلم به ليكون فرضه متلوا بالتنزيل، وقال غيره: ويحتمل أن يكون أول آية الوضوء نزل قديما فعملوا بها ثم نزل بقيتها وهو ذكر التيمم، وإطلاق آية التيمم على هذا من تسمية الكل باسم البعض، لكن رواية عمرو بن الحارث التي قدمنا أن المصنف أخرجها في التفسير تدل على أن الآية نزلت جميعها في هذه القصة" انتهى.
قوله:» فأنزل الله آية التيمم «قال ابن حجر: "قال ابن العربي: هذه معضلة ما وجد لدائها من دواء، لأنا لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة، وقال ابن بطال: هي آية النساء أو آية المائدة، وقال القرطبي: هي آية النساء، ووجهه: أن آية المائدة تسمى آية الوضوء، وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء، فيتجه تخصيصها بآية التيمم. وأورد الواحدي في أسباب النزول هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضا، وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري من أن المراد آية المائدة بغير تردد (1/175)
صفحة 176
لرواية عمرو بن الحارث إذ صرح فيها بقوله فنزلت: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمُ, إِلَى الصَّلاَةِ} الآية [المائدة:6]، انتهى.
أقول: وكذلك ظاهر كلام صاحب الإيضاح رحمه الله في أول (باب التيمم) يدل على أن المراد بآية التيمم هي آية المائدة حيث قال: "اتفق العلماء أن التيمم بدل من الطهارة الصغرى، واختلفوا في الكبرى، إلى أن قال: والدليل قوله تبارك وتعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمُ, إِلَى الصَّلاَةِ} الآية [المائدة:6]، وذكر في ابتداء الآية أنواع الطهارات بالماء، ثم قال: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [المائدة:6] أراد أن تقوم طهارة التيمم مقام الطهارة بالماء فوجب أن يكون قوله: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ} [المائدة:6] كناية عن الجماع ليقوم ذلك مقام قوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا} [المائدة:6] إلخ.
وفي هذا الحديث زيادة لفظها في الوضع بعد قوله فأنزل الله آية التيمم: {فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6]، قال أسيد ابن الحصين: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر قالت: "فبعثنا البعير" إلخ، وكذلك لفظها في البخاري إلا أنه قال: فأنزل الله تعالى آية التيمم: {فَتَيَمَّمُوا} فقال أسيد إلخ، قال ابن حجر: قوله: {فَتَيَمَّمُوا} يحتمل أن يكون حكاية لبعض الآية وهو الأمر في قوله: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} بيانا لقوله: آية التيمم أو بدلا. واستدل بالآية على وجوب النية في التيمم لأن معنى: {فَتَيَمَّمُوا} اقصدوا كما تقدم، وهو قول فقهاء الأمصار إلا الأوزاعي.
قوله:» في زيادة الوضع «فقال أسيد بن الحصين بالحاء والصاد المهملة والنون في جميع نسخ الوضع وهو تحريف على ما في البخاري، قال ابن حجر: قوله: "فقال أسيد" هو بالتصغير "ابن حضير" بمهملة ثم معجمة مصغرا أيضا يعني بالحاء والضاء المعجمة والراء وهو من كبار الأنصار، قال: وإنما قال ما قال دون غيره لأنه كان رأس من بعث في طلب العقد الذي ضاع.
قوله في الزيادة أيضا:» ما هي بأول بركتكم «بل هي مسبوقة بغيرها من البركات، والمراد بآل أبي بكر نفسه وأهله وأتباعه، وفيه دليل على فضل عائشة وأبيها وتكرار البركة منهما، وفي رواية عمرو بن الحارث: "لقد بارك الله للناس فيكم"، وذكر رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "ما كان أعظم بركة قلادتك"، وذكر رواية أخرى:.فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله فيه (1/176)
صفحة 177
للمسلمين خيرا". وذكر رواية أخرى: "إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه بركة". وهذا يشعر بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك، إلخ ما أطال فيه.
قوله:» فبعثنا «أي أثرنا البعير الذي كنت عليه أي حالة السير.
قوله:» فأصبنا العقد تحته «قال ابن حجر: "ظاهر في أن الذين توجهوا في طلبه أولا لم يجدوه إلخ، فذكر رواية فيمن بعث في طلبه، إلى أن قال: فائدة: وقع في رواية عمار عند أبي داود وغيره في هذه القصة أن العقد المذكور كان من جزع ظفار، وكذا وقع في قصة الإفك كما سيأتي في موضعه، (والجزع) بفتح الجيم وسكون الزاء خرز يمني، إلى أن قال: وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: جواز السفر بالنساء، واتخاذهن الحلي تجملا لأزواجهن، وجواز السفر بالعارية وهو محمول على رضا صاحبها". انتهى، وذلك أنه قبل ذلك أنها استعارت قلادة من أسماء يعني أختها.
قوله:» وترابها طهورا «قال ابن حجر: "استدل به على أن الطهور هو المطهر لغيره، لأن الطهور لو كان المراد به الطاهر لم تثبت الخصوصية، والحديث إنما سيق لإثباتها، إلى أن قال: واستدل به على أن التيمم يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في هذا الوصف" إلخ.
قوله:» تمنع التيمم بغير تراب «قال في الإيضاح بعد ذكر الخلاف في جواز التيمم بما عدا التراب من أجزاء الأرض المتولد منها ما نصه: "وقال أبو محمد: رأيت أصحابنا يقولون بجواز غير التراب ويقيمونه مقامه، والنظر يوجب عندي أن التيمم لا يجوز إلا بالتراب دون غيره؛ لأن الخطاب من الله تعالى يدل على ذلك، قال الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6]، والصعيد هو التراب وحده؛ لأن اللغة دلت على ذلك والأخبار من النبي عليه السلام إلخ.
قوله:» والمسجد ما استقرت عليه مساجد المصلى «إلخ، يعني أن المراد بالمسجد موضع السجود منها لا يختص بموضع دون غيره.
قال ابن حجر: "ويمكن أن يكون مجازا عن المكان المبني للصلاة وهو من مجاز التشبيه؛ لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك، قال ابن التميمي: قيل المراد: "وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وجعلت لغيري (1/177)
صفحة 178
مسجدا ولم تجعل طهورا"، لأن عيسى كان يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة كذا قال، وسبقه إلى ذلك الداودي وقال: إنما أبيح لهم في موضع يتيقنون طهارته، بخلاف هذه الأمة فأبيح لهم جميع الأرض إلا فيما يتيقنون نجاسته، والأظهر ما قاله الخطابي، وهو أن من قبله إنما أبيح لهم الصلاة في أماكن مخصوصة كالبِيَع والصوامع، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: "وكان من قبلي إنما يصلون في كنائسهم"، وهذا نص في موضع النزاع فثبتت الخصوصية" انتهى.
ثم قال: "وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدم، مشروعية تعديد نعم الله، وإلقاء العلم قبل السؤال، وأن الأصل في الأرض الطهارة، وأن صحة الصلاة لا تختص بالمسجد المبني لذلك" إلخ.
قوله:» ولو إلى سنين ««لفظ الحديث في الإيضاح "ومن طريق أبي هريرة قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الجنب أيتيمم فقال: "التيمم طهور المسلم ولو عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسسه بشرته". وعن أبي ذر أن رجلا من ربيعة قال: يا رسول الله إنا لا نصيب الماء ومعنا الأهلون؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "لتيمم كافيك ولو إلى عشر حجج" إلى آخره، يعني وكذلك إذا كان يتمم لعدم القدرة على استعمال الماء. ويؤخذ منه جواز إحداث الجنابة ولو كان لا يصل إلى الاغتسال.
قوله:» فتمعكت في التراب «أي تمرغت، قال في الصحاح: "وتمعكت الدابة أي تمرغت".
قوله:» فمسح وجهه ويديه إلى الرسغين «لفظ الحديث في الوضع بعد قوله كان يكفيك هكذا "وضرب بيديه إلى الأرض ومسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما ثانية ومسح كفيه إلى الرسغين". وهذه الرواية أظهر في المراد، وذكر له في البخاري روايات متعددة منها: قال عمار لعمر تمعكت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يكفيك الوجه والكفان"، ومنها قال عمار: "فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه". وبوّب في البخاري للتيمم للوجه والكفين حيث قال: "باب التيمم للوجه والكفين"، قال ابن حجر: أي هو الواجب المجزئ، وأتي بذلك بصيغة الجزم مع شهرة الخلاف لقوة دليله؛ فإن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها شيء سوى حديث أبي جهيم وعمار، وما عداه فضعيف (1/178)
صفحة 179
أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، أما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملا، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين إلخ، ثم قال: "ويستفاد من هذا اللفظ أن ما زاد على الكفين ليس بفرض كما تقدم، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن خزيمة، ونقله ابن الجهم وغيره عن مالك، وقال النووي: رواه أبو ثور وغيره عن الشافعي في القديم" إلخ، وذكر صاحب الوضع رحمه الله في صفة التيمم خمسة مذاهب، والصحيح منها ما ذهب إليه أصحابنا كما دل عليه حديث عمار رضي الله عنه.
قوله:» وضربة لليدين «فيه إجمال بينته الرواية الأخرى إن قلنا إن اليد في الكف من قبل المجمل، وإن قلنا إنها في الكف أظهر منها في بقية الأجزاء فالأمر ظاهر والله أعلم. (1/179)
صفحة 180
الباب السادس والعشرون
الزجر عن غسل المريض
172) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلاَسِلِ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْجَيْشِ، فَأَجْنَبَ، فَخَافَ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِ الْمَاءِ، فَتَيَمَّمَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَهُ أَصْحَابُهُ بِمَا فَعَلَ عَمْرٌو، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَمْرُو، لِمَ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ، وَمِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ؟» فَقَالَ: يارَسُولَ اللَّهِ، وَجَدْتُ اللَّهَ يَقُولُ: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} فَضَحِكَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا.
173) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً أَجْنَبَ فِي سَفَرِهِ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ فَامْتَنَعَ مِنَ الْغُسْلِ، فَأُمِرَ بِهِ (1)، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ. فَقِيلَ ذَلِكَ لرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ».
174) ... قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ قَوْمٍ مَاتَ بِحَضْرَتِهِمْ مَجْدُورٌ، فَقِيلَ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ أُمِرَ بِالغُسْلِ كَمَا تَرَى، فَكَرَّ عَلَيْهِ الْجُدَرِيُّ، فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ (2) مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ أَمَرُوهُ بِالتَّيَمُّمِ؟».
كِتَابُ الصَّلاَةِ وَوُجُوبِهَا
قوله:» فاجتنب فخاف من شدة الماء فتيمم «في بعض الروايات عند قومنا "عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:
__________
(1) / فأمر به: أي بالغسل
(2) / خ قاتلهم الله. (1/180)
صفحة 181
يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب، فأخبرته بالذي منعني عن الاغتسال" إلخ.
قوله:» ولم يرد عليه شيئا «في بعض الروايات عند قومنا "ولم يقل شيئا"، وفي بعضها "فلم يعنف". قال ابن حجر: أي لم يَلُم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر، فكان ذلك تقريرا دالا على الجواز، إلى أن قال: "وفي هذا الحديث جواز التيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك، سواء كان لأجل برد أو غيره، وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين، وجواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم" انتهى، واستدل به في الإيضاح على أنه يجوز التيمم عند الخوف من سبع أو عدو أو نحوهما، قال: وليس له أن يحمل نفسه على حالة مخوفة، ولا يعرضها لخطة متلفة إلخ.
قوله:» بلغنا في قوم مات في حضرتهم مجدور «إلخ لفظ الحديث في الإيضاح: "وروي أنه صلى الله عليه وسلم أخرج سرية غازية فشج رجل منهم فأمموه فسأل القوم هل يسعه التيمم أم لا؟ فقالوا: لا إلا الغسل، فاغتسل فكرّت عليه الشجة فمات، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فغضب غضبا شديدا فقال: "أليس شفاء العي السؤال؟ ما لهم قتلوه على الجراحة قتلهم الله، لو أمروه فاغتسل ومسح". وفي خبر آخر فاغتسل وتيمم، وفي خبر آخر لو اغتسل وترك موضع الجراحة إلخ، والظاهر أن هذا حديث آخر، والحديث الذي رواه المصنف رحمه الله أرفق لصاحب العذر وأشد مناسبة لباب التيمم، والله أعلم. (1/181)
صفحة 182
[صفحة بيضاء] (1/182)
صفحة 183
كتاب الصلاة (1/183)
صفحة 184
[صفحة بيضاء] (1/184)
صفحة 185
الباب السابع والعشرون
في الأذان
175) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ وَالأَذَانُ مَثْنَى مَثْنَى، وَالإِقَامَةُ مَثْنَى مَثْنَى».
176) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: «إنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ وَبَادِيَتَكَ فَأَذَّنْتَ لِلصَّلاَةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». هَكَذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
177) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ وَرِيحٍ (1) أَنْ يَقُولَ ألاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ».
قوله:» (في الصلاة ووجوبها «المناسب أن يقول مثلا ووظائفها.
قال ابن حجر: "الأذان لغة الإعلام، قال الله تعالى: {وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة:3] واشتقاقه من الأَذَن بفتحتين وهو الاستماع، وشرعا: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة".
قال القرطبي وغيره: "الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة لأنه بدئ بالأكبرية وهي تتضمن وجود الله وكماله، ثم ثني بالتوحيد ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة لأنها لا تعرف إلا من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد، ثم أعادها توكيدا".
__________
(1) / وفي نسخة: ورعد مكان وريح. (1/185)
صفحة 186
ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام. والحكمة في اختيار القول دون الفعل سهولة القول وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان.
واختلف أيهما أفضل الأذان أو الإمامة، ثالثها إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل وإلا فالأذان، ثم قال: واختلف في الجمع بينهما فقيل: يكره، وفي البيهقي من حديث جابر مرفوعا النهي عن ذلك لكن سنده ضعيف، وصح عن عمر لو أطيق الأذان مع الخلافة لأذّنت، رواه سعيد بن منصور وغيره، وقيل: هو خلاف الأولى، وقيل: يستحب وصححه النووي انتهى.
قوله:» فقولوا مثل ما يقول المؤذن «ظاهره مطلقا وهو أحد القولين في القواعد، والذي جزم به في القناطر أنه يقول عند الحيعلتين: لا حول ولا قوة إلا بالله.
قوله:» الأذان مثنى مثنى والإقامة مثنى مثنى «ووافق أصحابنا على ذلك أبو حنيفة، قال في القواعد: واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا فأذن مثنى مثنى وأقام كذلك، إلى أن قال: وقال أصحابنا: إن أول من أفرد الإقامة معاوية وكان يطول عليه القعود على المنبر، ويستحب الجزم في الإقامة إلخ.
قوله:» مثنى مثنى «أي مرتين فهو معدول عن اثنين اثنين، ممنوع من الصرف للوصف والعدل، فمثنى الثاني مؤكد لأن الأول يفيد تثنية كل لفظ من ألفاظ الأذان والإقامة، والثاني يؤكد ذلك، وحكموا للتثنية في التكبير بحكم الكلمة الواحدة، ولذلك يقول المؤذن كل تكبيرتين بنفس واحد والله أعلم.
قوله:» إني أراك تحب الغنم والبادية «إلخ، فاستدل به في الإيضاح على الاجتهاد في رفع الصوت بالأذان ابتغاء وجه الله ورجاء لما عنده، ويدل أيضا على أن الأذان سنة لكل أحد في خاصة نفسه.
قوله:» كان يأمر المؤذن «إلى آخره، انظر هل المراد أنه يؤذن للصلاة لحضوره صلى الله عليه وسلم ومن معه مثلا ثم ينادي للمسلمين ألا صلوا في (1/186)
صفحة 187
الرحال، وهو الظاهر لأن اسم الفاعل حقيقة في المتلبس بالفعل، والمراد أنه يأمر من كان مؤذنا قبل ذلك أن ينادي لأجل العذر بدل الأذان: ألا صلوا في الرحال، ثم رأيت الحديث في البخاري صريحا في الاحتمال الأول ولفظه: "كان يأمر مؤذنا يؤذن ثم يقول على أثره: ألا صلوا في الرحال" في الليلة الباردة أو المطيرة، أو المطيرة في السفر. والحاصل أن المطر والريح من الأعذار التي تسقط الصلاة جماعة، لكن ظاهر قوله: ليلة باردة، اختصاص ذلك بالليل.
قال ابن حجر: "لكن في السنن من طريق ابن إسحاق عن نافع في الحديث في الليلة المطيرة والغداة المقرة، وفيها إسناد صحيح من حديث أبي المليح عن أبيه أنهم مطروا يوما فرخص لهم، ولم أر في شيء من الأحاديث الترخيص بعذر الريح في النهار صريحا لكن القياس يقتضي إلحاقه، وقد نقله ابن الرفعة وجها"، انتهى. ولا يختص ذلك بالسفر عند الجمهور، وإن كان ظاهر قول البخاري في السفر يقتضي ذلك.
وأما قوله: "في الرحال" فانظر هل يقتضي ذلك أولا والله أعلم. (1/187)
صفحة 188
الباب الثامن والعشرون
في أوقات الصلاة
178) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَخْرُجُ (1) (الإِنْسَانُ: النَّاسُ) إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ.
179) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ».
قَالَ الرَّبِيعُ: فَيْحُهَا: نَفَسُهَا.
180) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ، أَيْ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ.
181) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْفَجْرَ وَالنِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ وَالْغَبَشِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: الْمُرُوطُ: الأُزُرُ، وَالْغَبَشُ وَالْغَلَسُ وَاحِدٌ، وَهُوَ الظُّلْمَةُ (2).
182) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنَ بِهَا (3)، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً يَؤُمُّ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُخَالِفَ (4) إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ».
183) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَسٌ ذَاتَ يَوْمٍ قَاعِدًا، إِذْ ذَكَرَ تَعْجِيلَ الصَّلاَةِ وَتَأْخِيرَهَا، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تِلْكَ صَلاَةُ الْمُنَافِقِينَ يَجْلِسُ
__________
(1) / خ ثُمَّ يخرج.
(2) / خ: أي ظلمة يخالطها بياض فأوَّلها الغبش ثُمَّ الغبس ثُمَّ الغلس كذا في النهاية.
(3) / خ: لها
(4) / خ: اتخلَّف (1/188)
صفحة 189
أَحَدُهُمْ يَتَحَدَّثُ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ ثُمَّ يَقُومُ فَيَنْقُرُ أَرْبَعًا لاَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً».
184) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا».
قَالَ الرَّبِيعُ: وَذَلِكَ فِي حِينٍ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الصَّلاَةُ.
185) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ (1) أَمَرَتْ أَبَا يُونُسَ مَوْلاَهَا أَنْ يَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا فَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّي: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى} فَلَمَّا بَلَغَهَا آذَنَهَا، فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ: «حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى صَلاَةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ». فَقَالَتْ: هَكَذَا سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قوله:» كنا نصلي الظهر «إلخ، لعل المراد من سوق هذا الحديث الاستدلال بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر الظهر كثيرا لأجل الإبراد والله أعلم، ولفظ الحديث في البخاري عن أنس بن مالك قال: "كنا نصلي العصر ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر".
قال ابن حجر: قوله: "إلى بني عمرو بن عوف) أي بقباء لأنها كانت منازلهم، إلى أن قال: قال النووي: قال العلماء: كانت منازل بني عمرو بن عوف على ميلين من المدينة، وكانوا يصلون العصر في وسط الوقت، لأنهم كانوا يشتغلون بأعمالهم وحروثهم، فدل هذا الحديث على تعجيل النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة العصر في أول وقتها، وسيأتي من طريق الزهري عن أنس: "أن الرجل كان يأتيهم والشمس مرتفعة" انتهى.
__________
(1) / قوله: أمًَّ المؤمنين يعني عائشة رضي اللَّه عنها لأنَّ جابر أخذ عنها ولأن أبا يونس كان مولاها ووقع في الموطأ نحوه أيضا عن حفصة رضي اللَّه عنها، ثُمَّ وجدتُ في نسخة القطب التصريح بعائشة رضي اللَّه عنها. (1/189)
صفحة 190
قوله:» إذا اشتد «قال ابن حجر: أصله اشتدد بوزن أفعلّ من الشدة ثم أدغمت إحدى الدالين في الأخرى، ومفهومه أن الحر إذا لم يشتد لم يشرع الإبراد، وكذا لا يشرع في البرد من باب أولى.
قوله:» فأبردوا «قال ابن حجر: "بقطع الهمزة وكسر الراء أي أخروا إلى أن يبرد الوقت، يقال: أبرد إذا دخل في البرد كأظهر إذا دخل في الظهيرة، ومثله في المكان أنجد إذا دخل نجدا، وأتهم إذا دخل تهامة، والأمر بالإبراد أمر استحباب، وقيل: أمر إرشاد، وقيل: بل هو للوجوب حكاه عياض وغيره، إلى أن قال: وخصه بعضهم بالجماعة فأما المنفرد فالتعجيل في حقه أفضل، وهذا قول أكثر المالكية والشافعية لكن خصه أيضا بالبلد الحار، وقيل: إن الجماعة فيما إذا كانوا يأتون مسجدا من بعد، فلو كانوا مجتمعين أو كانوا يمشون في كن فالأفضل في حقهم التعجيل، إلى أن قال: وذهب بعضهم إلى أن تعجيل الظهر أفضل مطلقا، وقال: معنى "أبردوا" صلوا في أول الوقت، أخذ من برد النهار وهو أوله، وهو تأويل بعيد ويرده قوله: "فإن شدة الحر من فيح جهنم" إذ التعليل بذلك يدل على أن المطلوب التأخير، ثم قال: وتمسكوا أيضا بالأحاديث الدالة على فضيلة أول الوقت وبأن الصلاة حينئذ أكثر مشقة فتكون أفضل، إلى أن قال: وجمع بعضهم بين الحديثين بأن الإبراد رخصة والتعجيل أفضل، وهو قول من قال: إنه أمر إرشاد، وعكسه بعضهم فقال: الإبراد أفضل، إلى أن قال: والجواب عن أحاديث أول الوقت أنها عامة أو مطلقة، والأمر بالإبراد خاص، ولا التفات إلى من قال: "التعجيل أكثر مشقة فيكون أفضل" لأن الأفضلية لم تنحصر في الأشق بل قد يكون الأخف أفضل كما في قصر الصلاة في السفر" انتهى.
والمصدّر به في الإيضاح والقواعد أن الصلاة في أول الوقت أفضل مطلقا، وذكر قولا آخر قال في القواعد: "وتعجيل الصلاة أول الوقت أفضل عند الجميع لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أفضل الأعمال الصلاة لوقتها"، وقال بعضهم: الأفضل في حق الجماعة تأخير الظهر إلى ربع القامة، والإبراد بها في وقت الحر الشديد للحديث الثابت عنه عليه السلام أبردوا بالظهر إلخ، يعني فيكون هذا تخصيصا لعموم ذلك، وهذا هو الأولى لما فيه من الجمع بين الحديثين كما تقدم" والله أعلم. (1/190)
صفحة 191
قوله:» فإن شدة الحر «قال ابن حجر: "تعليل لمشروعية التأخير المذكور، وهل الحكمة فيه رفع المشقة لكونها قد تسلب الخشوع، وكونها الحالة التي ينشر فيها العذاب ويؤيده حديث عمرو وابن عيينة عند مسلم حيث قال له: "اقصر عن الصلاة عند استواء الشمس فإنه ساعة تسجر فيها جهنم". وقد يستشكل هذا بأن الصلاة سبب الرحمة، ففعلها مظنة لطرد العذاب فكيف من يتركها؟ وأجاب عنه أبو الفتح اليعمري بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع وجب قبوله وإن لم يفهم معناه، واستنبط له الزين بن المنير معنى مناسبا فقال: "وقت ظهور أثر الغضب لا ينفع فيه الطلب إلا ممن أذن له فيه، واستدل بحديث الشفاعة حيث اعتذر الأنبياء كلهم للأمم بذلك سوى نبينا صلى الله عليه وسلم لكونه أذن له في ذلك انتهى".
قوله:» فيحها نفسها «قال ابن حجر: "قوله من: "فيح جهنم" أي من سعة انتشارها وتنفسها، وفيه مكان أفيح أي متسع، وظاهره أن مثار وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة، وقيل: هو من مجاز التشبيه أي كأنه نار جهنم في الحر والأول أولى، ويؤيده الحديث الآتي: "اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين" وسيأتي البحث فيه انتهى، ولفظه في البخاري: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم، واشتكت النار إلى ربها فقالت: يا ربي أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير". وتكلم عليه ابن حجر بما يطول ذكره فليراجع،
واستدل بعضهم بقوله: "من فيح جهنم" على أن النار مخلوقة فتكون الجنة كذلك أيضا، والله أعلم.
قوله:» والشمس في حجرتها «المراد بالحجرة وهي بضم المهملة وسكون الجيم البيت وبالشمس ضوؤها، قال ابن حجر: "والمستفاد من هذا الحديث تعجيل صلاة العصر في أول وقتها، وهذا الذي فهمته عائشة وكذا الراوي عنها عروة، واحتج به على عمر بن عبد العزيز في تأخيره صلاة العصر كما تقدم. وشذ الطحاوي فقال: لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار فلم تكن الشمس تحجب عنها إلا بقرب غروبها، فيدل على التأخير لا على التعجيل، وتعقب بأن الذي ذكره من الاحتمال إنما يتصور مع اتساع الحجرة، وقد عرف بالاستفاضة والمشاهدة أن حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن متسعة، ولا يكون ضوء الشمس باقيا في قعر الحجرة الصغيرة إلا والشمس (1/191)
صفحة 192
قائمة مرتفعة، إلى أن قال: قال النووي كانت الحجرة صغيرة العرصة، قصيرة الجدار بحيث كان طول جدارها أقل من مسافة العرصة بشيء يسير، فإذا صار ظل الجدار مثله كانت الشمس بعد في أواخر العرصة انتهى إلخ.
لكن قول المصنف رحمه الله "قبل أن تظهر" أي قبل أن تخرج، قد يتبادر منه أن المراد قبل أن تجاوز الحائط الذي يلي المشرق، وذلك صادق بأن يبقى منها شيء يسير فقط، وإذا كان كذلك فلا دلالة له على التعجيل بل على التأخير كما قال الطحاوي، وهو ظاهر كلام الإيضاح حيث قال: وقال آخرون: "آخر وقت صلاة العصر عند اصفرار الشمس" لما روي أنه قال عليه السلام: "العصر ما لم تصفرّ الشمس"، ولما روي من طريق عائشة رضي الله عنها إلخ، فذكر الحديث ثم قال وظاهر هذا الحديث أنه عليه السلام كان يصلي العصر قبل أن تصفر الشمس إلخ.
قوله:» متلفعات بمروطهن «قال في الصحاح: "لفع رأسه تلفيعا أي غطاه، ثم قال: وتلفعت المرأة بمرطها أي تلحفت، واللفاع ما تتلفع به".
وقال ابن حجر: "قال الأصمعي: التلفع أن تشتمل بالثوب حتى تجلل به جسدك، وفي شرح الموطأ لابن حبيب: التلفع لا يكون إلا بتغطية الرأس، والتلفف يكون لتغطية الرأس وكشفه، والمروط جمع (مِرط) بكسر أوله كساء من خز أو صوف أو غيره، وعن النظر بن شميل ما يقتضي أنه خاص بلبس النساء إلخ، وقال في محل آخر: وهو كساء معلّم من خز أو صوف أو غير ذلك، وقيل لا يسمى مِرطا إلا إذا كان أخضر ولا يلبسه إلا النساء، وهو مردود بقوله مرط من شعر أسود انتهى.
قوله:» من الغلس «قال ابن حجر: "من ابتدائه أو تعليله، ولا معارضة بين هذا وبين حديث أبي برزة السابق أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه بأن هذا إخبار عن رؤية المتلفعة على بعد، وذلك إخبار عن رؤية الجليس".
وفي الحديث استحباب المبادرة بصلاة الصبح في أول الوقت، وجواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة في الليل، ويؤخذ منه جوازه في النهار من باب أولى، لأن الليل مظنة الريبة أكثر من النهار، ومحل ذلك إذا لم يخش عليهن (1/192)
صفحة 193
أو بهن فتنة، واستدل به بعضهم على جواز صلاة المرأة متخمرة الأنف والفم فإنه جعل التلفع صفة لشهود الصلاة، وتعقبه عياض بأنها إنما أخبرت عن هيئة الانصراف" انتهى.
قوله:» لقد هممت أن آمر بحطب «إلخ، هذا الحديث يستدل به على وجوب صلاة الجماعة كما في الإيضاح والبخاري وأنه فرض عين، والذي عليه أصحابنا والجمهور من غيرهم أنها فرض كفاية، وأجابوا عن هذا الحديث بأوجه ذكر ابن حجر منها عشرة.
منها: أن بعضهم استنبط من نفس الحديث عدم الوجوب لكونه صلى الله عليه وسلم همّ بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما هم بتركها إذا توجه.
ومنها: أن الخبر ورد مورد الزجر وحقيقته غير مرادة، وإنما المراد المبالغة ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك.
ومنها كونه صلى الله عليه وسلم ترك تحريقهم بعد التهديد، فلو كان واجبا ما عفا عنهم إلى آخر ما أطال فيه فليراجع.
قوله:» لقد هممت «قال ابن حجر: "اللام جواب القسم، والهم العزم وقيل دونه، وزاد مسلم في أوله أنه صلى الله عليه وسلم فقد ناسا في بعض الصلوات فقال: لقد هممت فأفاد سبب ذكر الحديث".
قوله:» بحطب فيحطب «في بعض الروايات عند قومنا "ليحطب" قال ابن حجر: "ومعنى (يحطب) يكسر ليسهل اشتعال النار فيه، ويحتمل أن يكون أطلق عليه ذلك قبل أن يتصف به تجوزا بمعنى أن سيتصف به" انتهى.
قوله:» ثم أخالف إلى رجال «قال ابن حجر: أي آتيهم من خلفهم، وقال الجوهري: "خالف إلى فلان، أي أتاه إذا غاب عنه، أو المعنى أخالف الفعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة فأتركه وأسير إليهم، أو أخالف ظنه في أني مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم، أو معنى (أخالف) أتخلف أي عن الصلاة إلى قصد المذكورين، والتقييد بالرجال يخرج النساء والصبيان" انتهى. (1/193)
صفحة 194
قوله:» فأحرق «قال ابن حجر: "بالتشديد، والمراد به التكثير، يقال: حرّقه، إذا بالغ في تحريقه"، انتهى.
قوله:» عليهم «، قال ابن حجر: "يشعر بأن العقوبة ليست قاصرة على المال بل المراد تحريق المقصودين والبيوت تبع للقاطنين بها، وفي رواية مسلم ومن طريق أبي صالح: "فأحرق بيوتا على من فيها" انتهى.
قوله:» والذي نفسي بيده «قال ابن حجر: "هو قسم كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقسم به، والمعنى أن أمر نفوس العباد بيد الله أي بتقديره وتدبيره، وفيه جواز القسم على الأمر الذي لا شك فيه تنبيها على عظم شأنه، وفيه الرد على من كره الحلف بالله مطلقا.
قوله:» عظما سمينا «يعني عظم عليه لحم سمين، وفي رواية البخاري عرقا سمينا.
قال ابن حجر: "عرقا بفتح العين المهملة وسكون الراء بعد قاف، قال الخليل: (العراق) العظم بلا لحم، فإن كان عليه لحم فهو عرق، وفي المحكم عن الأصمعي (العرق) بكسر الراء قطعة لحم، وقال الأزهري: (العرق) واحد العراق وهي العظام التي يؤخذ منها هبر اللحم ويبقى عليها لحم رقيق فيكسر ويطبخ ويؤكل على ما في العظام من لحم رقيق وتمشمش العظام، يقال: عرقت اللحم وأعرقته وتعرقته إذا أخذت اللحم منها نهشا، وفي المحكم جمع العرق على عراق بالضم عزيز. وقول الأصمعي هو اللائق هنا" انتهى.
قوله:» أو مرماتين «قال ابن حجر: "تثنية مِرماة، بكسر الميم وحكي الفتح، قال الخليل: ما بين ظلفتي الشاة، وحكاه أبو عبيدة وقال لا أدري ما وجهه، إلى أن قال: وقال الأخفش: المرماة: لعبة كانوا يلعبون بها لنصال محددة يرمونها في كوم من تراب فأيهم أثبتها في الكوم غلب وهي المرماة والمرحاة، قلت: ويبعد أن تكون هذه مراد الحديث لأجل التثنية.
وحكى المزني عن الأصمعي أن المرماة سهم الهدف، إلى أن قال: وقيل: المرماة سهم يتعلم عليه الرمي وهو سهم دقيق مستو غير محدود، قال الزين ابن المنير ويدل على ذلك التثنية فإنها مشعرة بتكرار الرمي بخلاف السهام (1/194)
صفحة 195
المحددة العربية فإنها لا يتكرر عنها، إلى أن قال: وإنما وصف العرق بالسمن والمرماة بالحسن ليكون ثم باعث نفساني على تحصيلهما، وفيه الإشارة إلى ذم المتخلفين عن الصلاة ووصفهم بالحرص على الشيء الحقير من مطعوم أو ملعوب به مع التفريط فيما يحصل رفيع الدرجات ومنازل الكرامة".
وفي الحديث من الفوائد أيضا تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسره أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفي به عن الأعلى من العقوبة، نبه عليه ابن دقيق العيد، وفيه جواز العقوبة بالمال كذا استدل به كثير من القائلين بذلك من المالكية وغيرهم، وفيه نظر لما أسلفناه، يعني من أن الخبر ورد مورد الزجر وحقيقته غير مرادة، والاحتمال أن التحريق من باب ما لا يتم الواجب إلا به، إذ الظاهر أن الباعث على ذلك أنهم كانوا يختفون في بيوتهم فلا يتوصلون إلى عقوبتهم إلا بتحريقها عليهم، وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غرة، لأنه صلى الله عليه وسلم همّ بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة فرأى أن يبغتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه، وفي السياق إشعار بأنه تقدم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل، إلى أن قال: واستدل به ابن العربي وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونا بها، إلى أن قال: واستدل به ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية كما هو مذهب مالك، وتعقب بأنه منسوخ كما قيل في العقوبة بالمال" انتهى.
قوله:» وكانت بين قرني الشيطان «في بعض كتب قومنا مستدلا على تحريم الصلاة في الأوقات المكروهة ما نصه: قال عليه السلام: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا دنت للغروب قارنها" رواه الشافعي بسنده، والمراد بقرن الشيطان قومه وهم عباد الشمس يسجدون لها في هذه الأوقات، وقيل: إن الشيطان يدني رأسه من الشمس في هذه الأوقات ليكون الساجد له ساجدا له وقيل غير ذلك" انتهى.
قوله:» فليصلها إذا ذكرها «زاد في الإيضاح بعده "فذلك وقتها" وقد وجد هذا في بعض النسخ، ولفظ الحديث في البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نسي صلاة فليصل إذا ذكر لا كفارة لها إلا ذلك، قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْريَ} [طه:14]. (1/195)
صفحة 196
قال ابن حجر: "فاستفيد من هذا الحصر أنه لا يجب غير إعادتها، و ذهب مالك إلى أن من ذكر بعد أن صلى صلاة أنه لم يصل التي قبلها فإنه يصلي التي ذكر ثم يصلى التي كان صلاها مراعاة للترتيب إلخ، ثم قال: وقد تمسك بدليل الخطاب منه القائل: أن العامد لا يقضي الصلاة لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي، وقال من قال: يقضي العامد، لأن ذلك يستفاد من مفهوم الخطاب فيكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى لأنه إذا وجب القضاء على الناسي مع سقوط الإثم ورفع الحرج عنه فالعامد أولى إلخ، وهذا الذي اعتمده صاحب الإيضاح رحمه الله ثم قال: وشدد بعضهم في الذي يصلي زمانا ويترك زمانا، ورخص فيمن لم يصل حتى تاب أن لا يعيد وذلك أنه شبهوه بالكافر الأصلي وهو المشرك إلا ما يتعلق بالمظالم والله أعلم إلخ، فذكر الخلاف في المغمى عليه وسببه هل هو مشبه بالنائم أو بالمجنون.
قوله:» وذلك حين تجب عليه فيه الصلاة «الظاهر أن المراد به ما زاده صاحب الإيضاح رحمه الله في رواية الحديث من قوله: "فذلك وقتها" يعني أن النائم والساهي لا تجب عليهما الصلاة إلا في وقت الانتباه والتذكر لأنهما قبل ذلك مرفوع عنهما القلم، وفي بعض النسخ "وذلك في حين تجوز فيه الصلاة" والمراد به إخراج الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، والله أعلم.
وظاهره أنه يجب عليهما المبادرة إلى فعلها إذا إلا أن صاحب الإيضاح رحمه الله ذكر في قوله: "فذلك وقتها" قولين حيث قال بعد كلام: ثم إنهم اختلفوا في معنى قوله عليه السلام: "فذلك وقتها" قال بعضهم: وقت إعادتها أقول: يعني وقت قضائها، وقال آخرون: وقت فرضها، فمن ذهب إلى أن ذلك وقت وجوبها جعلها دينا عليه يقضيها أقول: يعني يفعلها وقت ما يتيسر له ما لم يمت، ومن ذهب إلى أنه وقت إعادتها جعلها وقتا لها فإن تركها بعد ما ذكرها وبعد ما انتبه من نومه مقدار ما يصليها فيه هلك، وقال بعضهم: وقتها مع وقت صلاة ذكرها فيه أو وقت انتبه فيه من منامه إذا كان ذلك في وقت الصلاة، وإن كان في غير وقت الصلاة فعلى ما ذكرناه حتى يخرج وقت الصلاة المستقبلة، فعلى هذا إن ذكرها أو انتبه في وقت الصلاة الحاضرة صار في وقت المنسية وقت الحاضرة مشتركتان فيه، وعليه أن يصلي المنسية ثم الحاضرة قياسا على المؤدات المشتركات (1/196)
صفحة 197
الأوقات إذا أراد أن يجمع بينهن في السفر، أو في حال يجوز فيه الجمع، وإن ذكر المنسية على هذا القول وهو في الصلاة الحاضرة جعلها نافلة حتى يصلي المنسية ثم يصلي الحاضرة إلا أن يخاف فوات الحاضرة إلخ.
وقوله:» وإن ذكر المنسية على هذا القول وهو في الصلاة إلخ «يقتضي أنه على غير هذا القول ليس الحكم كذلك وهو الظاهر، فإنه على القول بأنه لا يجوز له أن يؤخرها مقدار ما يصليها فيه تفسد إذا كان الوقت متسعا، وكان صاحب القواعد رحمه الله ماشيا على هذا القول، فإنه جعل من مفسدات الصلاة تذكر صلاة فرض يجب ترتيبها عليه، إلا أن ظاهره أنها إنما فسدت لأجل وجوب الترتيب، ولك أن تقول ولأجل وجوب المبادرة، وأما على القول بأنها واجبة وجوبا موسعا فالظاهر أنها لا تفسد ولا يجعلها نافلة والله أعلم، والظاهر أنه تجب المبادرة إليها ويصليها أداء، أما الأول فلقوله عليه السلام: "فليصلها إذا ذكرها" فأمر بصلاتها وقت تذكرها والأصل في الأمر الوجوب، وأما الثاني فلما ثبت من أمره عليه السلام بلالا حين نام حتى طلعت عليه الشمس أن يؤذن فأقام فصلى، ولما ذكروه من أن من تذكر في السفر حضرية يصليها سفرية، ومن تذكر في الحضر سفرية يصليها حضرية، وكذا النائم فلو كان ذلك وقت قضائها لوجب عليه الإتيان بها كما وجبت قبل ذلك كالعامد، ولأن النائم والناسي معذوران فلا يجب عليهما شيء إلا بعد التذكر والانتباه والله أعلم.
قوله:» والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانتين «إلخ ظاهره أنها رضي الله عنها أملت عليه ذلك ليكتب في المصحف، وأن الجميع قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعلها قراءة شاذة، ولذلك اختلف العلماء في الصلاة الوسطى فإن كل واحدة قابلة لذلك.
قال البغوي في قوله: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة:238] أي واظبوا وداوموا على الصلوات المكتوبات بمواقيتها وحدودها وإتمام أركانها، ثم خص من بينها الصلاة الوسطى بالمحافظة عليها دلالة على فضلها، والوسطى تأنيث الأوسط، ووسط الشيء خيره وأعدله.
واختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم في الصلاة الوسطى، فقال قوم: هي صلاة الفجر، وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس ومعاذ وجابر وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد وإليه ذهب مالك والشافعي لأن الله تعالى قال: {وَقُومُواْ للهِ (1/197)
صفحة 198
قَانِتِينَ} [البقرة:238] والقنوت طول القيام وصلاة الفجر مخصوصة بطول القيام وبالقنوت لأن الله خصها في آية أخرى من بين الصلاة فقال: {وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78] يعني تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، وهي مكتوبة في ديوان الليل وديوان النهار، ولأنها بين صلاتي جمع وهي لا تقصر ولا تجمع إلى غيرها.
وذهب قوم إلى أنها صلاة الظهر، وهو قول زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد لأنها في وسط النهار وهي أوسط صلاة النهار، إلى أن قال: عن زيد بن ثابت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منها فنزلت: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَلاة الوُسْطَى} [البقرة:238].
وذهب الأكثرون إلى أنها صلاة العصر رواه جماعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول علي وعبد الله بن مسعود وأبي أيوب وأبي هريرة وعائشة وبه قال إبراهيم النخعي وقتادة والحسن، إلى أن قال: عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت: إذا بلغت لهذه الآية فآذني: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَلاة الوُسْطَى} [البقرة:238]. فلما بلغتها أذنتها فأملت علي: {{حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَلاة الوُسْطَى - صلاة العصر-وَقُومُواْ للهِ قَانِتِينَ} قالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن حفصة مثل ذلك، إلى أن قال: قلنا لعبيدة: سل عليا عن الوسطى فسأله فقال: "كنا نرى أنها صلاة الفجر حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الخندق: شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا". لأنها بين صلاتي نهار وصلاتي ليل، وقد خصها النبي صلى الله عليه وسلم بالتغليظ، إلى أن قال: "بكروا لصلاة العصر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك صلاة العصر حبط عمله".
قال قبيصة: "المراد بها صلاة المغرب لأنها وسط ليس بأقلها ولا أكثرها".
ولم ينقل عن أحد من السلف أنها صلاة العشاء وذكره بعض المتأخرين لأنها بين صلاتين لا تقصران. (1/198)
صفحة 199
وقال بعضهم: إحدى الصلوات الخمس لا بعينها، أبهمها الله تعالى تحريضا للعباد على المحافظة على أداء جميعها كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان، وساعة إجابة الدعوة يوم الجمعة، وأخفىسمه الأعظم في الأسماء ليحافظوا على جميعها انتهى، إلا أنه خالف رواية المصنف عن عائشة رضي الله عنها في الصلاة الوسطى صلاة العصر فكتبها وصلاة العصر بالواو، وكذلك البيضاوي حيث قال: وعن عائشة رضي الله عنها: "أنه عليه السلام كان يقرأ والصلاة الوسطى وصلاة العصر" فتكون الصلاة الوسطى من الأربع خصت بالذكر مع العصر لانفرادها بالفضل إلخ، وأما على رواية المصنف فالظاهر أن قوله: صلاة العصر بدل من قوله: الصلاة الوسطى، والله أعلم. (1/199)
صفحة 200
الباب التاسع والعشرون
في فرض الصلاة في الحضر والسفر
186) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: «فُرِضَتِ الصَّلاَةُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلاَةِ الْحَضَرِ».
187) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إنَّا نَجِدُ صَلاَةَ الْخَوْفِ وَصَلاَةَ الْحَضَرِ فِي الْقُرْآنِ وَلاَ نَجِدُ صَلاَةَ السَّفَرِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: يَاهَذَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ نَعْلَمُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ.
188) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عَلَى الْمُقِيمِ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةَ وَعَلَى الْمُسَافِرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً». يَعْنِي بِهَا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ.
189) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ قَبْلَ هِجْرَتِهِ بِسَنَتَيْنِ، وَصلَّى عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَتْ الأَنْصَارُ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ نَحْوَ سَنَتَيْنِ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ سِنِينَ إِلَى أَنْ عُرِجَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى قِبْلَتِهِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: إِلَى الْكَعْبَةِ، فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الوِتْرِ هَلْ هُوَ فَرِيضَةٌ أَمْ لاَ؟ فَقُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَمْسُ صَلَواتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ تَامَّةً لَمْ يُضَيِّعْ مِنْ حَقِّهِنَّ شَيْئًا فَلَهُ (1/200)
صفحة 201
عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمنْ نَقَصَ مِنْ حَقِّهِنَّ شَيْئًا فَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ النَّارَ». وَلَمْ يَذْكُرِ الْوِتْرَ، وَهُوَ عِنْدِي غَيْرُ وَاجِبٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
190) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُقَصِّرُ الصَّلاَةَ وَهُوَ لاَ يَنْوِي الإِقَامَةَ بِهَا.
قَالَ الرَّبِيعُ: هَذِهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَرُدُّ الإِقَامَةَ لِلْمُسَافِرِ إِذَا كَانَ يَنْوِي الإِقَامَةَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فِي مَوْضِعِهِ الذِي نَزَلَ فِيهِ.
191) ... الرَّبِيعُ عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوْتِرْ بِخَمْسٍ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطَعْ فَبِثَلاَثٍ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطَعْ فَبِوَاحِدَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطَعْ فَتُومِي إِيمَاءً».
192) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: الْوِتْرُ وَالرَّجْمُ وَالاِخْتِتَانُ سُنَنٌ وَاجِبَاتٌ، فَأَمَّا الْوِتْرُ فَلِقَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَصْحَابِهِ: «إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلاَةً سَادِسَةً خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ، وَهِيَ الْوِتْرُ».
قوله:» قالت فرضت الصلاة ركعتين ركعتين «إلخ، لفظ الحديث في الإيضاح "أول ما فرضت الصلاة ركعتان ركعتان" إلخ، وهذا الحديث يقتضي أن الركعتين في السفر ليستا قصرا وهو أحد القولين عند أصحابنا رحمهم الله، ويدل على ذلك أيضا ما روي أنه عليه السلام سئل عن صلاة السفر أقصر هي؟ قال: "لا الركعتان في السفر ليستا قصرا، إنما القصر واحدة عند الخوف". وما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "صلاة السفر ركعتان تماما غير قصر على لسان نبيكم". وذهب بعضهم إلى أن الركعتين في السفر يسميان قصرا، وهو الذي مشى عليه صاحب القواعد رحمه الله كما يعلم بالوقوف عليه، وهو المشهور في زماننا، واستدل له في الإيضاح ما روي أن عمر رضي الله عنه (1/201)
صفحة 202
سأله رجل فقال: "يا أمير المؤمنين لم كان قصر الصلاة في الأمن والله يقول: {إِنْ خِفْتُم} [النساء:101]؟ فقال عمر رضي الله عنه: لقد عجبت مما عجبت منه فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "صدقة من الله تصدق بها عليكم فاقبلوا صدقته".
قال في الإيضاح: فالمفهوم من الحديث أن القصر في السفر رخصة وتخفيف لأن السفر له تأثير في التخفيف كالفطر في رمضان وغيره من التخفيف للمسافر، ولكن يلزم صاحب هذا القول أن يجيز للمسافر أن يصلي أربع ركعات لأن إتيان الرخص ليس بواجب كالفطر في رمضان إلخ.
ولقائل أن يقول: أمّا أولا، فإنا لا نسلم أن يجيز ذلك، وإن لزمه، لأن اللازم للمذهب لا يكون مذهبا، وأما ثانيا فإنا لا نسلم أن إتيان الرخص ليس بواجب على الإطلاق، ألا ترى أن المضطر رخص له في أكل الميتة مثلا عند الاضطرار، مع أنه إذا تركها مع القدرة عليها حتى مات فهو هالك، كما ذكره في السؤالات، فقد وجب عليه إتيان الرخصة. وأما ثالثا فلأن الأصل في الأمر أن يكون محمولا على الوجوب حتى يدل الدليل على غيره، فيحمل الأمر في قوله: "فاقبلوا صدقته" على الوجوب، ووافق أصحابنا على وجوب القصر أبو حنيفة وأصحابه والله أعلم.
قوله:» يا هذا إن الله بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم «إلخ، استدل به في الإيضاح لمن قال: النبي هو المبين عن الله لأمته، وقد عرفهم صلاة السفر من صلاة الحضر، ولولا ذلك ما عقلوه، ثم قال: فالمفهوم من هذا أن القصر في السفر عنده سنة لا يجوز تركها إلخ.
قوله:» وعلى المسافر إحدى عشرة ركعة «يعني ما لم يصل خلف إمام مقيم، لأنه لا يجوز للمسافر أن يصلي أربع ركعات إلا إذا صلى خلف إمام مقيم، ويقول في بدء صلاته مثلا أصلي صلاة الظهر صلاة الإمام، ولا يقول حضرية لأنه ليس من أهل الحضر، ولا سفرية لئلا يخالف إمامه لأنه من مساجين الإمام.
قوله:» يعني بهذا الصلوات الخمس «إنما قال: يعني إلخ، لئلا يتوهم أنها غير الصلوات الخمس، فقوله: الصلوات منصوب بالكسرة لأنه مفعول يعني، والخمس بالفتح نعت له وتفصيلها ركعتان للظهر وركعتان للعصر وثلاث للمغرب وركعتان للعشاء وركعتان للفجر كما هو معلوم. (1/202)
صفحة 203
قوله:» فرضت الصلوات الخمس على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل هجرته بسنتين «، يعني ليلة الإسراء، قال البخاري في أول كتاب الصلاة بعد كلام طويل في حديث المعراج ما نصه: "قال النبي صلى الله عليه وسلم ففرض الله على أمتي خمسين صلاة فرجعت بذلك حتى مررت على موسى فقال ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت فوضع شطرها فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجعت ووضع شطرها، فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت فقال: هي خمس وهن خمسون لا يبدل قول لدي، فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك فقلت: استحييت من ربي، ثم انطلق بي إلى السدرة المنتهى وغشيها ألوان ما أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبائل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك، انتهى". وفي رواية أخرى "ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال: مثله، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ فقلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني جربت الناس وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربي حتى استحييت منه ولكني أرضى وأسلم، فلما جاوزت ناداني مناد: "أمضيت فرضيتي، وخففت عن عبادي" انتهى.
قوله:» وصلى عليه السلام بعد هجرته إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا «إلخ، لفظ الحديث في البخاري قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ} [البقرة:144] فتوجه نحو (1/203)
صفحة 204
الكعبة، وقال: "قال السفهاء -هم اليهود- {مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التِي كَانُواْ عَلَيْهَا، قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ اِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة:142]، فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رجل، ثم خرج بعد ما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه توجه نحو الكعبة فانحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة" انتهى.
وذكر ابن حجر: أن في بعض الروايات الجزم بسبعة عشر شهرا كما في رواية ابن عباس، وفي بعضها بستة عشر، كما في مسلم، وفي بعضها الشك كما في البخاري، ثم قال: والجمع بين الروايتين سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرا وألغى الأيام الزائدة، ومن جزم بسبعة عشر عدمها معا، ومن شك تردد في ذلك؛ وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس إلخ.
قوله:» صلى إلى الكعبة بمكة ثماني سنين «لعله إلى بيت المقدس كما هو ظاهر مما قبله وما بعده، ومعلوم عند جميع العلماء أنه ما أمر باستقبال الكعبة إلا بعد الهجرة، اللهم إلا أن يقال: المراد بصلاته إلى الكعبة ما ذكره ابن عباس وغيره.
قال ابن حجر بعد كلام "وبيان ذلك أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم توجه إليها للصلاة وهو بمكة، فقال ابن عباس وغيره: كان يصلي إلى بيت المقدس لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس، وأطلق الآخرون أنه كان يصلي إلى بيت المقدس، وقال آخرون: كان يصلي إلى الكعبة فلما تحول إلى المدينة استقبل بيت المقدس، وهذا ضعيف ويلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصح" إلخ، لكن إن صحت نسخة المسند إلى الكعبة حملت على القول الأخير، أو على الأول بالتأويل المتقدم، والله أعلم.
ثم إن المراد بالصلاة التي كان يصليها عليه السلام قبل أن تفرض الصلوات الخمس وقع الخلاف فيه كما يؤخذ من كلام ابن حجر حيث قال: (1/204)
صفحة 205
"فائدة؛ ذهب جماعة إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة إلا ما كان وقع الأمر به من صلاة الليل من غير تحديد، وذهب الحربي إلى أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وذكر الشافعي عن بعض أهل العلم أن صلاة الليل كانت مفروضة ثم نسخت بقوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل:20]،فصار الفرض قيام بعض الليل ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس إلخ، وذكر البيضاوي عن الحسن أنه كان يقول: كان الواجب بمكة ركعتين في أي وقت اتفقت إلخ، والله أعلم.
قوله:» إلى أن عرج به إلى بيت المقدس «يعني إلى أن أسري به، ففرضت عليه الصلوات الخمس فأمر باستقبال بيت المقدس، والله أعلم.
قوله:» ثم تحول إلى قبلته «يعني مكة بعد قدومه إلى المدينة بسبعة عشر شهرا كما تقدم، فعلى هذا يحتاج إلى ما قاله ابن حجر من دعوى النسخ مرتين، فإنه يلزم أن يكون قبلته قبل الإسراء وفرض الصلوات الخمس هي الكعبة، فلما فرضت عليه الصلوات الخمس أمر باستقبال بيت المقدس فاستقبلها في مكة سنتين وفي المدينة سبعة عشر شهرا، ثم نسخت فأمر باستقبال الكعبة، والله أعلم.
قوله:» فله عهد عند الله أن يدخله النار «لفظه في كتاب الوضع: "ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد؛ إن شاء عذبه وإن شاء رحمه” ولا منافاة بينهما، بل لكل منهما وجه ظاهر، فإن معنى كلام المسند أنه إذا مات على ما هو عليه من التضييع لبعض حقوق الصلاة فهو من أهل النار؛ لأنه مات على كبيرة، ومعنى كلام صاحب الوضع أنه إن شاء عذبه بأن يموت على ما هو عليه من التضييع، وإن شاء رحمه بأن يتوب ويقضيها ويموت على الوفاء بدين الله، والحاصل أن هذا الشخص مرتكب للكبيرة، فإن تاب تاب الله عليه، وإن مات عليها عذبه كما هو معلوم، والله أعلم.
قوله:» وهو عندي غير واجب «الظاهر أن هذا من كلام الربيع لا من كلام المصنف رحمه الله.
والحاصل أن أصحابنا رحمهم الله اختلفوا في الوتر؛ فذهب أكثرهم إلى وجوبه، وبعضهم إلى تأكيده، ولكلٍّ دلائل، واختار صاحب الإيضاح أيضا ما اختاره المصنف حيث قال: وهذا القول عندي أصح لقوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى} [البقرة:238] (1/205)
صفحة 206
وهي إنما تنسب إلى الخمس دون الست والله أعلم، وأقول: الاستدلال بهذه الآية إنما يتم إذا كانت الوسطى بمعنى المتوسطة بينهما، وأما إذا كانت الوسطى تأنيث الأوسط من الوسط وهو الخيار لقوله تعالى: {وَكَذَالِكَ جَعَلْنَاكُمُ, أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة:143] فلا دليل فيه، والله أعلم.
قوله:» خمسة عشر يوما «ومثله في الإيضاح، والذي في القواعد أنه قام بمكة عام الفتح سبعة عشر يوما يقصر الصلاة، وفي بعض الروايات ثمانية عشر أو تسعة عشر، أقول ويمكن الجمع بين خمسة عشر وسبعة عشر بما تقدم عن ابن حجر.
قوله:» حجة لمن لم يرد الإقامة «يعني الاتمام وهم أصحابنا، فإنهم يقولون بما قال به الحسن بن أبي الحسن البصري: "مضت السنة أن يقصر المسافرون ولو أقاموا عشر سنين ما لم يتخذوها وطنا" قال في الإيضاح: وروي عن عبد الله بن عمر أنه أقام بأذربيجان سبعة عشر شهرا يصلي قصرا، والذين يقولون بأربعة أيام هم المالكية، والشافعية قالوا: من عزم على إقامة أربعة أيام لزمه التمام.
قوله:» أوتر بخمس «إلى آخره قال في القواعد، الثانية في صفته: وقد اختلف فيها، فقيل: هي سبع ركعات، وقيل: خمس، وقيل: ثلاث وقيل: واحدة، وبهذا يقول أصحابنا، ولكن استحبوا أن تصلى ثلاثا يفصل بين الركعتين والركعة بتسليم، إلى أن قال: لأنهم زعموا أنه عليه السلام يصلي مثنى مثنى حتى إذا انتهى إلى الوتر أيقظ عائشة رضي الله عنها فأوترت معه، فظاهر هذا أنها أوترت من غير شفع متقدم، وإلى هذا ذهب أصحابنا أن من أوتر بعد العتمة بركعة واحدة أجزاه؛ لما روي أن جابر بن زيد رحمه الله أوتر بركعة واحدة ليري أصحابه أن ذلك جائز لهم فقال: “هذا وتر العاجز"، إلى أن قال أيضا: ولكن المستحب عند أصحابنا أن يصلي الوتر ثلاثا إن شاء فصل بين الركعتين وبين الركعة بتسليم وإن شاء لم يفصل، إلا من كان له عذر خوف أو مرض أو سفر أو شغل فإن اقتصر على واحدة أجزاه إلخ.
ولم يذكر المصنف رحمه الله الوتر بسبع وقد ذكره صاحب الإيضاح رحمه الله حيث قال: "ومن أوتر بثلاث لا يفصل بينها بتسليم أو بخمس أو بسبع فهو (1/206)
صفحة 207
مصيب على طريق اللغة، ومن فصل بينها بتسليم وأوتر بواحدة فهو مصيب أيضا، غير أن الذي أخذ به علماؤنا رحمهم الله أن يوتروا بواحدة بشرط أن يتقدمها شفع، وأقل ذلك ركعتان، إلى أن قال: وقد روي أنه كان صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع وبثلاث، ولذلك استحب علماؤنا رحمهم الله الوتر على سبع، وقال بعضهم: الوتر ثلاث ركعات لا يفصل بينهن بتسليم، ودليلهم ما روي أنه قال عليه السلام: "صلاة المغرب وتر النهار فأوتروا صلاة الليل"، وقالوا: لما كانت المغرب وتر النهار واختلفوا في وتر الليل كان أحسن الأشياء أن يشبه به، وقد روي أيضا أنه صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن" انتهى.
وذكر صاحب القواعد في فصل: "متطوعات الصلاة" أنهم قالوا: يستحب للمقيم أن يصلي بين الليل والنهار خمسين ركعة فأخذ في عدها، إلى أن قال: وسبع بعدها بالوتر إلخ، والظاهر من قولهم أن الذي أخذ به علماؤنا رحمهم الله أن الوتر واحدة بشرط أن يتقدمه شفع أي أنه ينوي الشفع وحده والوتر وحده، إلا أن قولهم إن شاء فصل بتسليم وإن شاء لم يفصل يدل على أنه ينوي الجميع وترا، والظاهر أن الكل واسع، والله أعلم.
قوله:» فأما الوتر فلقوله صلى الله عليه وسلم «إلخ الظاهر أنه إنما استدل لوجوب الوتر دون غيره مما ذكر معه لوجود الخلاف فيه دون غيره، ولأن غيره وجوبه معلوم من الدين بالضرورة، والله أعلم.
قوله:» إن الله زاد عليكم «لفظ الحديث في القواعد "إن الله زادكم" وهو المناسب للغة، فإن زاد تارة يكون تاما، تقول: زاد المال، وتارة يكون متعديا إلى مفعولين بنفسه، قال الله تعالى: {فَزَادَتْهُمُ, إِيمَانًا} [التوبة:124]، {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} [هود:101]، {زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ} [النحل:88]، وتقول: زادك الله خيرا إلى غير ذلك، ولفظه في الوضع والإيضاح "زادكم" وعبارة المصنف رحمه الله أصرح في المراد إن كانت موافقة للغة والله أعلم، وفي بعض النسخ (زادكم) وفي بعضها (زاد لكم). (1/207)
صفحة 208
الباب الثلاثون
في صلاة الخوف
193) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جُمْلَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ صَلَّوْا مَعَهُ صَلاَةَ الْخَوْفِ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَفِي غَيْرِهَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: صَفَّتْ طَائِفَةٌ خَلْفَ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَائِفَةٌ وَاجَهَتِ الْعَدُوَّ، فَصَلَّى بِالذِينَ وَقَفُوا خَلْفَهُ، رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ لأَنْفُسِهِمْ، فَانْصَرَفُوا وَوَاجَهُوا الْعَدُوَّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ أَجْمَعِينَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْهُمْ: صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُولَى رَكْعَةً فَانْصَرَفَتْ، فَوَاجَهَتِ الْعَدُوَّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثَانِيَةً فَسَلَّمَ فَسَلَّمُوا جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ حَتَّى تُتِمَّ مِثْلَ مَا قَالَ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الأَخِيرِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ.
قوله:» يوم ذات الرقاع «ذكر في المواهب في سبب تسميتها بذلك: أقوالا فقيل: لأنهم رفعوا فيها راياتهم، وقيل: لشجرة في ذلك الموضع يقال لها: ذات الرقاع، وقيل: الأرض التي نزلوا بها فيها بقع سود وبقع بيض وكأنها مرقعة برقائع مختلفة فسميت ذات الرقاع لذلك، وقيل: إن خيلهم كان بها سواد وبياض، وقيل: سميت بجبل هناك فيه بقع، وقيل: لوقوع صلاة الخوف فيها فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها، ثم قال: "قال السهلي: وأصح من هذه الأقوال كلها ما رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت (1/208)
صفحة 209
أظفاري فكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت: (غزوة ذات الرقاع) لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا، قال: وكان من خبر هذه الغزوة كما قاله ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلب، إلى أن قال: فخرج في أربعمائة من أصحابه، وقيل سبعمائة، إلى أن قال: وقال ابن إسحاق: فلقي جمعا منهم فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الخوف ثم انصرف" إلخ.
وذكر البيضاوي في سبب نزول صلاة الخوف أنه روي أن المشركين رأوا رسول الله وأصحابه بعَسَفان قاموا إلى الظهر، فلما صلوا ندموا أن لا أكبوا عليهم، وهمّوا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إلى العصر، فرد الله كيدهم بأن أنزل صلاة الخوف.
وذكر في المواهب أن المشركين قالوا: لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وأمهاتهم وهي العصر، فأجمعوا أمركم فتميلوا عليهم ميلة واحدة، وإن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يقسم أصحابه شطرين، إلى أن قال: قال ابن حزم: وقد صح فيها يعني صلاة الخوف أحد عشر وجها"إلخ.
قوله:» وأتموا الركعة الثانية لأنفسهم «يعني والله أعلم مع التشهد حتى تثبت لكل طائفة ركعتان بتشهدهما والله أعلم.
قوله:» فصلى بهم ركعة ثانية فسلم فسلموا جميعا «قال في الإيضاح: بناء على هذا القول وليس على الذين في وجه العدو تحيات ولا تشهد، ولكن إذا سلم الإمام سلم الجميع منهم، وهي في المغرب وغيرها، والحضر والسفر سواء.
قوله:» على هذا القول العمل عندنا «قال في الإيضاح: وهذا القول أيضا موافق لما عليه الأصول، أعني أن لا ينتظر الإمام الطائفتين حتى يفرغا من صلاتهما لأن الإمام متبوع لا تابع إلخ. (1/209)
صفحة 210
الباب الواحد والثلاثون
في صلاة الكسوف
194) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَسَفَتِ (1) الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ بَشَرٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ».
195) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ (2) الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم مَاتَ وَلدُهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَقَامَ وَأَطَالَ (3) الْقِيَامَ.
قَالَ الرَّبِيعُ: وَقَدْ ذَكَرْنَا صَلاَتَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ جَابِرٌ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلاَةِ خَطَبَ النَّاسَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ بَشَرٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوهُ، وَتَضَرَّعُوا وَتَصَدَّقُوا، ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا». قَالَتْ عَائِشَةُ: وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَاب الْقَبْرِ. قَالَ الرَّبِيعُ: وَكَانَ جَابِرٌ مِمَّنْ يُثْبِتُ عَذَابَ الْقَبْرِ.
__________
(1) / خ: كسفت.
(2) / خ: كسفت.
(3) / خ: فأطال. (1/210)
صفحة 211
أراد المصنف رحمه الله بالكسوف ما يشمل الخسوف لانطلاقه عليه في اللغة، قال في الصحاح: وخسوف القمر كسوفه، قال ثعلب: "كسفت الشمس وخسف القمر هذا أجود الكلام إلخ، وقال في محل آخر وكسفت الشمس تكسف كسوفا وكسفها الله سبحانه يتعدى ولايتعدى، إلى أن قال: وكذلك كسف القمر إلا أن الأجود فيه أن يقال: خسف القمر والعامة تقول انسكفت الشمس" إلخ.
وضبط في الصحاح بالقلم المضارع من خسف بالكسر حيث قال: خسف المكان يخسف خسوفا، ورأيت في بعض التقاييد ما نصه (يخسُف) بضم السين وهو لازم ومصدره الخسوف، وأما يخسِف بالكسر فهو متعد ومصدره الخسف انتهى، ورأيت في نسخة صحيحة من البخاري في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يخسفان لموت بشر" إلخ، ضبطه بالضم والكسر معا، والله أعلم.
قوله:» خسفت الشمس «لم يذكر في الصحاح هذا الإطلاق ولكن من حفظ حجة على من لم يحفظ والله أعلم، ويدل لما رواه المصنف ما رواه في البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" إلخ.
وكتب عليه بعضهم ما نصه يقال: كسفت الشمس والقمر بفتح الكاف وكسفا وانكسفا وانخسفا بمعنى، وقيل كسفت الشمس بالكاف وخسف القمر بالخاء، وحكى القاضي عياض عكسه عن أهل اللغة، وهو باطل مردود بقوله تعالى: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة:8]، والخسوف والكسوف يكونان لذهاب ضوئهما كله ويكونان لذهاب بعضه، وقيل: الخسوف في الجميع والكسوف في البعض والله أعلم انتهى، ولم يحضر في شرح ابن حجر في وقت الكتابة على هذا المحل فليراجع.
قوله:» فقام قياما طويلا فقرأ نحوا من سورة البقرة «. اختلفت الرواية في هذا الحديث في كتب أصحابنا فلفظه في الوضع: "وقد ذكر عن ابن عباس أنه قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم مات ولده إبراهيم، فصلى بالناس فقام قياما طويلا فقرأ نحوا من سورة البقرة، فركع ركوعا طويلا ثم سجد، ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد سجودا طويلا وهو دون السجود الأول، ثم انصرف وقد تجلت الشمس". (1/211)
صفحة 212
ولفظه في الإيضاح: "والأصل فيها ما روي عن ابن عباس قال: كسفت الشمس فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه، فقام قياما طويلا فقرأ نحوا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا دون الركوع الأول، وقام قياما طويلا دون القيام الأول، ثم سجد ثم انصرف وقد تجلت الشمس"، إلى أن قال: وهذا الحديث يدل على أن صلاة الكسوف ركعتان في ركعة إلخ، يعني حيث أتى بركوعين ولم يهو إلى السجود إلا مرة واحدة.
وأما رواية الوضع فتدل على أنها ركعتان كاملتان كالركعتين المعهودتين قبل ذلك، وأما رواية المسند فتدل على أنها ركعتان كاملتان أيضا إلا أن كل ركعة فيها زيادة قيام طويل بعد الركوع، ورواية البخاري عن عائشة رضي الله عنها تخالف كلاًّ من الروايات الثلاث، ولفظها عن عائشة أنها قالت: "خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الأولى، ثم انصرف وقد تجلت الشمس فخطب إلى آخره"، وفي رواية أخرى عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "خسفت الشمس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه فكبر فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم قال: سمع الله لمن حمده فقام ولم يسجد وقرأ قراءة طويلة وهي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر وركع ركوعا طويلا وهو أدنى من الركوع الأول، ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم سجد، ثم قال: في الركعة الآخرة مثل ذلك فاستكمل أربع ركعات في أربع سجدات وانجلت الشمس قبل أن ينصرف، ثم قام فأثنى على الله بما هو أهله" إلخ.
لكن المختار من هذه الروايات ما ذهب إليه صاحب الوضع رحمه الله كما يدل عليه كلام الإيضاح حيث قال: "وقال بعضهم ـ وهو الأصح ـ: “صلاة الكسوف ركعتان” لما روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين، إلى أن قال: ويجهر فيهما بالقراءة، كما روي أنه عليه السلام كان يجهر فيهما بالقراءة لأنهما تطوع بجماعة في وقت (1/212)
صفحة 213
حاضر، وجعل وقتها حالا كصلاة العيدين، وأما الخطبة فليست هي من شروطها لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما خطب لأن الناس زعموا أن الشمس إنما كسفت لموت ولده إبراهيم والله أعلم، وكذلك خسوف القمر على هذا الحال" إلخ.
قوله:» وأمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر «إلخ، ومثله ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها حيث قال: "عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن يهودية جاءت تسألها فقالت لها: "أعاذك الله من عذاب القبر" فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيعذب الناس في قبورهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عائذا بالله من ذلك، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة مركبا فخسفت الشمس فرجع ضحى، إلى أن قال: ثم ركع وسجد وانصرف فقال ما شاء الله أن يقول، ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر" انتهى.
قوله:» وكان جابر ممن يثبت عذاب القبر «قال في القناطر: "وقد ورد الشرع به قال الله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر:46] وقد اشتهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن السلف الصالحين الاستعاذة بالله من عذاب القبر، فالتصديق به ممكن، ولا يمنع منه تفرق أجزاء الميت في بطون السباع وحواصل الطير؛ فإن المدرك لآلام العذاب في أجزاء مخصوصة يعلم أن الله تعالى يقدر على إعادة الإدراك إليها والله أعلم، انتهى.
وقال في محل آخر: "واختلفوا في كيفية عذاب القبر: فقيل: السؤال للروح دون الجسد، وقيل: يكون الروح في الجسد إلى الصدر، وقيل: يكون الروح بين الكفن والجسد، وقيل: يمكن أن يؤخر إلى البعث والله أعلم بما حكم على عباده، وروي أن النبي عليه السلام كلم قتلى بدر فقيل: يا رسول الله هم أموات، فقال: "والذي نفسي بيده إنهم لأسمع لهذا الكلام منكم إلا أنهم لا يقدرون على الجواب". قالوا: فكل من آمن بالله والوحي والملائكة فكيف لا يجوز هذا في الميت؟ قالوا: فكما أن الملائكة لا تشبه الآدميين والحيوانات، فالحيات والعقارب التي تلدغ في القبر ليست من حيات الدنيا وإنما هي من جنس آخر يدرك بحاسة أخرى، إلى أن قال: ويمكن أن تكون الصفات المهلكات في الإنسان تنقلب مؤذيات (1/213)
صفحة 214
كلدغ الحيات من غير وجود الحيات، كما أن العشق إذا مات المعشوق انقلب صفة مؤذية محزنة للعاشق، ومثل عذاب القبر والتنعم فيه في حق الميت مثل لدغ الحية في حق النائم وتنعمه بوقائع جارية في نومه، ولا يرى حية حوله ولا وقائع جارية، فالعذاب والتنعم حاصلان ولكنهما غير مشاهدين في حق اليقظان، وهذا الذي قاله أصحاب الحديث في عذاب القبر ليس في الشرع ما يبطله، ولا في العقل ما يحيله، وقد روي أن النبي عليه السلام قال: “لو نجا أحد من عذاب القبر لنجا منه سعد بن معاذ، ولقد ضغط ضغطة اختلفت منها أضلاعه”، وقال في ابنته زينب: “إن الله قد خفف عنها، ولقد ضغطت ضغطة سمع صوتها ما بين الخافقين”، إنها أقوال فعلى هذا يكون المستعاذ منه في عذاب القبر دوامه أو شدته أو نحو ذلك. والمناسب لكون قبر المؤمن روضة من رياض الجنة أن لا يحصل له فيه ضرر أصلا، لكن لا حظ للنظر مع وجود الأثر، فنسأل الله اللطف في القضاء ولا نسأله رده.
قال في السؤالات في قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمُ, أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} الآية [البقرة:28]، كانوا أمواتا في أصلاب ابائهم فأحياهم، ثم أخرجهم ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث وهما حياتان وموتتان زيادة، وهذا التفسير يدل على أن سؤال منكر ونكير وعذاب القبر للمسلم ليس بصحيح، وهو قول جل الإباضية والشيعة، وحكى أبو عمر عن أبي الربيع أنه ندم على ذكر هذه المسألة وإثباته وحكايته في كتابه الثالث عن أبي عبد الله رحمه الله وإن كان قالها أبو عبد الله رحمه الله"، انتهى.
لكن في قوله: "وهذا التفسير يدل" إلخ، فيه تأمل من وجهين، أحدهما أن هذا التقرير يدل على أنه لا فرق في ذلك بين المسلم وغيره، والثاني أن الحياة الثانية التي للبعث هي التي يشاهدها كل أحد وتكون على رؤوس الأشهاد، وذلك لا ينافي أن تعاد الروح فيه أو في بعضه، فيكون كالنائم تصديقا للحديث، والله أعلم. (1/214)
صفحة 215
ثم رأيت في أسرار التنزيل للفخر الرازي ما نصه: “احتج قوم بهذه الآية على بطلان القول بعذاب القبر قالوا: لأن الله تعالى بين أنه يحييهم مرة في الدنيا، والأخرى في الآخرة، ولم يذكر منهما حياة القبر، والجواب أن الله تعالى ذكر حياة القبر في هذه الآية لأن قوله: {ثم يحييكم} ليس المراد منه حياة القيامة وإلا لكان هذا عين قوله: {ثم إليه ترجعون} إشارة إلى عذاب القبر، ثم قوله: {ثم إليه ترجعون} إشارة إلى حياة القيامة، لكن في التعبير بثم على هذا تأمل، فإنه لو أراد حياة القبر لأتى بالفاء، والله أعلم. (1/215)
صفحة 216
الباب الثاني والثلاثون
في سبحة الضحى وتبردة الصلاة
196) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإنِّي لأُسَبِّحُهَا، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَل بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ.
197) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ طَالِبٍ قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي صَلاَةَ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ.
198) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لاَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ النَّاسُ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، لِكِنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ.
199) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ (1) رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.
200) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ.
قَالَ الرَّبِيعُ: وَذَلِكَ فِي النَّوَافِلِ.
201) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ
__________
(1) / خ: للصبح. (1/216)
صفحة 217
يَجْلِسَ». قَالَ الرَّبِيعُ عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذِهِ الصَّلاَةُ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهَا فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: «إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ بِهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ».
السبحة بضم السين التطوع، قال في الصحاح: والسبحة بالضم خرزات يسبح بها، والسبح أيضا التطوع من الذكر والصلاة، يقال: قضيت سبحتي، وروي أن عمر رضي الله عنه ضرب رجلين سبحا بعد العصر أي صليا، ولم يتعرض لصلاة الضحى صاحب الإيضاح ولا صاحب العقيدة حيث قال: "ندين لله تعالى بعشرين صلاة إلخ". ولعلهما اعتمدا قول عائشة رضي الله عنها: "ما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط"، فلا يمكن حينئذ جعلها من السنن، وأثبتها صاحب الوضع والديوان والقواعد، وجعلوها من السنن اعتمادا على ما روي عن أم هانئ، والله أعلم.
قوله:» ثماني ركعات «قال في القواعد: "وقد اختلفت الرواية فيها من اثنتين إلى اثنتي عشرة ركعة، فأقلها ركعتان وأكثر ذلك أفضل، ووقتها منذ ترتفع الشمس قيد رمح إلى أن ينتصف النهار، إلى أن قال: والمستحب أن تصلى الضحى ركعتين عند إشراق الشمس وانبساطها وارتفاعها قيد رمح، وتصلى أربعا أو ستا أو ثمانيا إذا رمضت الفصال وضحيت الأقدام بحرّ الشمس إلى آخره، وذكر لها في الوضع فضلا كبيرا، وذكر ما يقرأ في كل ركعة منها فليراجع.
قوله:» ملتحفا في ثوب واحد «يعني يوم فتح مكة كما في الوضع والقواعد، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم دخل محرما، والراجح عند قومنا أنه دخل مكة يوم الفتح غير محرم، قال في المواهب بعد كلام في ذلك: وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن طاووس قال: لم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة إلا محرما إلا يوم فتح مكة، إلى أن قال: وفي رواية أخرى له يعني البخاري أنه يوم فتح مكة اغتسل في بيت أم هاني ثم صلى الضحى ثماني ركعات قالت: لم أره صلى صلاة أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود إلخ. (1/217)
صفحة 218
قوله:» يصلي قبل الظهر ركعتين «إلخ استدل به في الإيضاح على أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، ولعل هذه رواية بالنظر إلى بعض المرات، والذي في القواعد أنها أربع ركعات حيث قال: أما الأربع قبل الظهر فلما روي أنه عليه السلام صلاها، وقال: "ليرفع عملي في العابدين" وعنه أيضا قال: "من صلاهن تامات صلى معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى الليل"، وتصلى بعد الزوال وهي ساعة يستجاب فيها الدعاء فيما قيل إلخ، وسينبه على هذا بعد قليل، والله أعلم.
قال في القواعد: "ويستحب أن يقرأ في هذه النافلة بأم القرآن وآية الكرسي، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وسورة الإخلاص ثلاثا، وفي الثالثة بخواتم البقرة وفي الرابعة بسورة الإخلاص ثلاثا بعد الفاتحة إلخ.
قوله:» وبعدها ركعتين «الذي في القواعد أيضا أنها أربع يقرأ فيهن بالمعوذتين وقل يا أيها الكافرون وسورة الإخلاص ثلاثا.
قوله:» وبعد المغرب ركعتين «ذكر في الديوان أن من يصلي بعد المغرب ركعتين يثبت ركعتي السحر، قال: وأما من يقول: أربع ركعات بعد المغرب فإنه ينزع اللتين قبل الصبح.
قوله:» وبعد صلاة العشاء ركعتين «يتأمل هذا مع قول صاحب القواعد رحمه الله: "وسبع بعدها بالوتر، اللهم إلا أن يقال: هذا بالنظر إلى من لا يعتاد القيام بالليل، وأما من يعتاده فإنه يكفيه بعد العشاء ولو ركعتان، ويؤخر الوتر إلى أن يركع ما شاء الله بدليل قوله رحمه الله: "والمستحب لمن يعتاد القيام في الليل أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل" إلخ، يعني والنبي صلى الله عليه وسلم من هذا القبيل لأن قيام الليل واجب عليه، ويدل له قوله بعد: "لكن له حظ من الليل يصلي فيه ما شاء الله"، أو يقال: الحديث محمول على بعض الأحوال، والله أعلم.
قوله:» وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف الناس ويصلي ركعتين «في بعض الأحوال فلا ينافي ما ذكره الشيخ إسماعيل رحمه الله في القناطر حيث قال: "ثم يصلي بعد الجمعة ست ركعات"، فقد روي عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أربعا، (1/218)
صفحة 219
وعن علي وابن عباس ستا، والكل صحيح فيما بلغنا في أحوال مختلفة والأكمل أفضل، والله أعلم انتهى.
والظاهر أن قوله في القناطر: ثم يصلي بعد الجمعة ست ركعات إلخ يعني بعد انصراف الناس كما يشعر به هذا الحديث والله أعلم، والظاهر أن تأخير الركوع إلى أن ينصرف الناس خاص بمن وجبت عليه الجمعة، وأما من يصليها ظهرا مثلنا فالظاهر أنه لا فرق بينهما وبين سائر الأيام، والله أعلم.
قوله:» يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة «يعني بالوتر، بل جعلها في الإيضاح كلها وترا حيث قال: غير أنه لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر بأكثر من ثلاث عشرة ركعة لما روي عن عائشة رضي الله عنها فذكر الحديث، إلى أن قال: قد روي أنه كان صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع وثلاث إلخ، والظاهر من كلامهم أنه لا يزيد صلى الله عليه وسلم في قيام الليل على ثلاث عشرة ركعة بل ربما نقص منها كما يؤخذ من الإيضاح والله أعلم، ثم رأيت التصريح بذلك في القواعد حيث قال: "وأكثر ما صح عنه عليه السلام في قيام الليل ثلاث عشرة ركعة، ويستحب أن يقرأ في هذه الصلاة قدر ثلاثمائة آية من السور المخصوصة التي روي أن النبي عليه السلام يكثر قراءتها مثل يس والسجدة ولقمان وسورة الدخان وتبارك الملك والزمر والواقعة، وخواتم الحديد وخواتم الحشر وسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد وما أشبه ذلك والله أعلم، انتهى.
قوله:» ركعتين خفيفتين «استدل به في الإيضاح على أنه يستحب التخفيف في ركعتي الفجر، وذكر هو وغيره أنه يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد ثلاث مرات. قال في الإيضاح: والمستحب صلاتهما في البيت لما روي عن ابن عباس إلخ، أقول: وظاهر هذا الحديث أيضا يدل على أنه عليه السلام يصليهما في الموضع الذي يصلي فيه بالليل، والله أعلم. (1/219)
صفحة 220
قوله:» يصلي على راحلته حيث ما توجهت به راحلته «، لفظ الحديث في الإيضاح "يصلي على راحلته النوافل أين ما توجهت به، وإذا أراد أن يصلي الفريضة نزل". ومثله ما في البخاري، "قال ابن عمر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح على الراحلة قِبَلَ أيّ وجه توجهت ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة". وفي رواية أخرى "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته نحو المشرق فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل واستقبل القبلة"، وفي رواية "يصلي على راحلته حيث ما توجهت به"، وفي رواية "كان يصلي التطوع وهو راكب في غير القبلة"، وظاهر هذه الروايات كلها يدل على أنه تجوز صلاة النافلة على الراحلة من غير استقبال القبلة أصلا، وليس على إطلاقه على ما ذكره في القواعد حيث قال: "ولا تؤدى فريضة على الراحلة إلا في حال الاضطرار، وأما النوافل فلا بأس، ويستقبل القبلة بوجهه عند الإحرام ثم لا يضره انحراف الدابة عن القبلة في التمادي، وكذلك راكب السفينة على هذا الحال" انتهى، ومثله كلام الإيضاح حيث قال في راكب السفينة: "وإن لم يمكنه صلى كما أمكنه ولا يضره استدبار القبلة بعد الإحرام، وإن لم يمكنه الاستقبال بالإحرام فليحرم كما أمكنه وينوي في نفسه الاستقبال ويمضي على صلاته"، إلخ.
قوله:» وذلك في النوافل «يعني وأما الفرائض فإنه لا يصح فيها ذلك إلا في حال الاضطرار كما تقدم عن القواعد.
قوله:» فليركع ركعتين قبل أن يجلس «يعني على يمين المحراب، فإن وجد من يصلي فيه قصد إلى يسار المحراب، فإن وجد من يصلي فيه صلى في مقابلة المحراب، فإن وجد من يصلي فيه صلى حيث شاء، قال في القواعد ويقال: "من لم يحي المسجد عند دخوله بركعتين حاجّه يوم القيامة، وذكر أنه يستحب إذا منع من الصلاة أن يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أربع مرات فيقال: إنها تعدل ركعتين في الفضل" إلخ. (1/220)
صفحة 221
الباب الثالث والثلاثون
الإمامة في النوافل
202) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَتْ جَدَّتِي مُلَيْكَةُ صَنَعَتْ لرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا أُصَلِّي (1) بِكُمْ» قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ (2) إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَفَفْتُ أَنَا وَالشَّيْخُ وَرَاءَهُ (3) وَالْعَجُوزُ وَرَاءَنَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ.
203) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ خَالَتُهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، فَاسْتَيْقَظَ وَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ بِيَدِهِ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَ: فَقُمْتُ وَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي يَفْتِلُهَا، ثُمَّ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ:
__________
(1) / خ: لأصلِّي.
(2) / خ: فعمدت.
(3) / قوله: والشيخ، وفي رواية: عند قومنا واليتيم وإنَّما سمَّاه شيخا باعتبار حاله عند الإخبار وهو عند الصلاة كان يتيما فاختلف الوصفان باختلاف الحالين. (1/221)
صفحة 222
كَذَلِكَ فَافْعَلْ يَاجَابِرُ وَثنِّ فِي رَمَضَانَ.
قَالَ الرَّبِيعُ: الشَّنُّ الْقِرْبَةُ الْبَالِيَةُ.
204) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلاَتِهِ نَاسٌ كَثِيرٌ (1)، ثُمَّ صَلَّى اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ فَكَثُرَ النَّاسُ ثُمَّ تَجَمَّعُوا فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: «قَدْ رَأَيْتُ الذِي صَنَعْتُمْ فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْكُمْ». وَذَلكَ فِي رَمَضَانَ.
205) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: كَمْ يُصَلِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ عَنْ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: قُلْتُ لرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَنَامُ قَبْلَ أَنْ نُوتِرَ؟ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنِيَّ يَنَامَانِ وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي».
قوله:» كانت جدتي مُلَيْكَة «إلخ استدل في الإيضاح بهذا الحديث في ثلاثة مواضع.
الأول: في صفة الاستنجاء حيث قال: "فإن قال قائل: أيجزيه النضح إن بقي في يده شيء؟ قيل له: نعم يجزيه؛ لأنه قد ورد الشرع بالنضح في زوال النجاسة الغير المتيقنة الدليل ما روي من طريق أنس بن مالك إلخ.
والثاني: في كيفية إزالة النجاسات وأنه قد ورد في الشرع النضح والغسل، والنضح بعد العرك إلى آخره.
والثالث: في معرفة مقام المأموم خلف الإمام، وأن المرأة تقف خلف الإمام، قال: لأنه لا صف على النساء ولا عليهن جماعة، والدليل ما روي من حديث أنس حيث وصف صلاة رسول الله به وهو والعجوز إلخ.
__________
(1) / في نسخة القطب إسقاط (كثير). (1/222)
صفحة 223
قوله: (مُلَيكة) قال ابن حجر: "هي بضم الميم تصغير ملكة، إلى أن قال: وقال ابن سعد في الطبقات أم سليم بنت ملحان فساق نسبها إلى عدي ابن النجار قال وهي القميصا ويقال الرميصا، ويقال: اسمها سهلة ويقال: أنيفة أي بالنون والفاء مصغرة، ويقال: رُمَيتة إلخ.
قوله:» صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فأكل «وفي البخاري: "دعت رسول الله لطعام صنعته له فأكل"، إلخ قال ابن حجر: قوله: "لطعام" أي لأجل طعام، وهو مشعر بأن مجيئه كان لذلك لا ليصلي بهم ليتخذوا مكان صلاته مصلى لهم كما في قصة عتبان بن مالك الآتية، وهذا هو السر في كونه بدأ في قصة عثمان بالصلاة قبل الطعام وهنا بالطعام قبل الصلاة فبدأ في كل منهما بأصل ما دعي لأجله انتهى.
قوله:» ثم قال قوموا «قال ابن حجر: "استدل به على ترك الوضوء مما مست النار لكونه صلى الله عليه وسلم صلى بعد الطعام، وفيه نظر، لما رواه الدار قطني في غرائب مالك عن البغوي عن عبد الله بن عون عن مالك ولفظه: "صنعت مليكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فأكل منه وأنا معه ثم دعا بوضوء فتوضأ، الحديث" انتهى.
وأقول: الصحيح أنه لا يجب الوضوء مما مست النار لما تقدم، وهذا الحديث إن صح فيحتمل أنه إنما توضأ لكونه على غير وضوء قبل ذلك، أو أن المراد الوضوء اللغوي وهو النظافة فالمراد غسل اليدين والفم، والله أعلم.
قوله:» أصلي بكم «في بعض الروايات "فلأصلي لكم" كما في الإيضاح والبخاري.
قال ابن حجر: "قوله: "فلأصلي لكم" كذا في روايتنا بكسر اللام وفتح الياء، وفي رواية "لأصل" بحذف الياء، قال ابن مالك: روي بحذف الياء وثبوتها مفتوحة وساكنة، ووجهه أن اللازم عند ثبوت الياء مفتوحة لام كي، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف والتقدير قوموا فقيامكم لأصلي لكم، ويجوز على مذهب الأخفش أن تكون الفاء زائدة واللام متعلقة بقوموا، وعند سكون الياء يحتمل أن تكون اللام أيضا لام كي وسكنت الياء تخفيفا أو لام الأمر وتثبت الياء في الجزم إجراء للمعتل مجرى الصحيح كقراءة قنبل (1/223)
صفحة 224
{من يتقي ويصبر}، وعند حذف الياء اللام لام الأمر وأمر المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام فصيح قليل في الاستعمال، ومنه قوله تعالى: {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [العنكبوت:12] إلخ ما أطال فيه فذكر فيه روايتين؛ إحداهما فأصلِّ، والأخرى فلنصلي، قال: بالنون وكسر اللام والجزم واللام على هذا لام الأمر وكسرها لغة معروفة انتهى.
وقوله:» لكم «أي لأجلكم على رواية اللام، قال ابن حجر: "قال السهيلي: الأمر هنا بمعنى الخبر وهو كقوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم:75]، ويحتمل أن يكون أمرا لهم بالإتمام لكنه أضافه إلى نفسه لارتباط فعلهم بفعله انتهى.
قوله:» من طول ما لُبس «قال ابن حجر: "فيه أن الافتراش يسمى لبسا، وقد استدل به على منع افتراش الحرير لعموم النهي عن لبس الحرير، ولا يرد على ذلك أن من حلف لا يلبس حريرا فإنه لا يحنث بالافتراش لأن الأيمان مبناها على العرف" انتهى.
وأقول: رأيت سابقا في بعض كتب أصحابنا وأظن أنه في الضياء أنه لا بأس بافتراش الحرير والجلوس عليه والاتكاء إليه لأنه إنما نهي عن لبسه فقط، فاستعمال اللبس فيها هو المتعارف فليراجع، وما ذكره ابن حجر أحوط، والله أعلم.
قوله:» فنضحته «ظاهر كلام الإيضاح أن النضح إنما هو لأجل الشك في نجاسته وعند غيرنا أنه لا يصح الجزم بذلك، قال ابن حجر: "يحتمل أن يكون النضح لتليين الحصير أو لتنظيفه أو لتطهيره، ولا يصح الجزم بالأخير بل المتبادر غيره لأن الأصل الطهارة" انتهى.
وأقول: ظاهر هذا الحديث يدل على أن الصلاة على الحصير أفضل من الصلاة على الأرض يدل له ما ذكره في الديوان من الخلاف في الأفضل للمصلي إذا لم يجد إلا قطعة صغيرة هل يسجد عليها أو يقف عليها فليراجع، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم خمرة يصلي عليها وهي بكسر الخاء (1/224)
صفحة 225
حصيرة صغيرة، قال ابن بطال: "إن كان ما يصلى عليه كبيرا قدر طول الرجل فأكثر فإنه يقال له: حصير ولا يقال له: خمرة، وكل ذلك يصنع من سعف النخل وما أشبهه انتهى"، وكلام القناطر صريح في أن مباشرة الأرض بالجبهة أفضل حيث قال في السجود: هو أعلى درجات الخضوع والاستكانة، فمكّن أعز أعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب، وإن أمكنك أن لا تجعل بينهما حائلا فافعل، فإنه أجلب للخضوع وأدل على التواضع والذل" إلى آخره.
قوله:» فصففت أنا والشيخ وراءه «هكذا فيما رأيته من النسخ والمشهور كما في الإيضاح وفي البخاري فصففت أنا واليتيم، ثم رأيت في بعض النسخ واليتيم، قال ابن حجر: "ويجوز في اليتيم الرفع والنصب، قال صاحب العمدة: هو ضميرة جد حسين بن عبد الله بن ضميرة، إلى أن قال: وضميرة هو ابن أبي ضميرة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلف في اسم أبي ضميرة فقيل: روح وقيل: غير ذلك" انتهى إلخ.
قوله:» والعجوز «قال ابن حجر: "هي مليكة المذكورة أولا".
قوله:» ثم انصرف «قال ابن حجر: "أي إلى بيته أو من الصلاة".
قال ابن حجر: "وفي هذا الحديث من الفوائد، إجابة الدعوة ولو لم تكن عرسا ولو كان الداعي امرأة لكن حيث تؤمن الفتنة، والأكل من طعام الدعوة، وصلاة النافلة جماعة، إلى أن قال: وفيه تنظيف مكان المصلى، وقيام الصبي مع الرجل صفا، وتأخير النساء عن صفوف الرجال، وقيام المرأة صفا وحدها إذا لم يكن معها غيرها، واستدل به على جواز صلاة المنفرد خلف الصف وحده ولا حجة في ذلك، وفيه الاقتصار في نافلة النهار على ركعتين خلافا لمن اشترط أربعا، إلى أن قال: وفيه صحة صلاة الصبي المميز ووضوؤه، وإنما محل الفضل الوارد في صلاة النافلة منفردا حيث لا يكون هناك مصلحة كالتعليم، بل يمكن أن يقال: هو إذ ذاك أفضل ولا سيما في حقه صلى الله عليه وسلم" انتهى.
قوله:» عن ابن عباس قال: أخبرني أنه بات «إلخ استدل به في الإيضاح على أن من سنة الواحد أن يقوم عن يمين الإمام، واستدل به أيضا لمن أجاز أن يصلي الوتر بالجماعة ولو في غير رمضان، فساق الحديث إلخ، ثم قال: (1/225)
صفحة 226
فقد صلى عليه السلام في غير رمضان صلاة الليل والوتر جماعة والله أعلم، هذا يدل على أن صلاة السنن تصلى بجماعة انتهى.
قوله:» فصنعت مثل ما صنع «قال ابن حجر: "ولا يلزم من إطلاق المثلية المساواة من كل جهة" انتهى، يعني لأن حقيقة مماثلته صلى الله عليه وسلم لا يقدر عليها غيره كما قال الكرماني.
قوله:» ثم ذهبت فقمت إلى جنبه «إلخ الذي في البخاري "ثم جئت فقمت عن يساره" وربما قال سفيان "عن شماله فحولني فجعلني عن يمينه ثم صلى ما شاء الله" إلخ.
ويشهد له ما ذكره في الإيضاح حيث قال: "أجمعوا أن من سنة الواحد أن يقوم عن يمين الإمام، والدليل ما روي من طريق ابن عباس أنه قام عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم فأقامه عن يمينه، إلى أن قال: وإن قام عن يساره أو خلفه أعاد صلاته لهذه الأحاديث" إلخ، واستدل البخاري بهذا الحديث على أنه إذا قام الرجل عن يسار الإمام وحوّله الإمام خلفه إلى يمينه تمت صلاته، واستدل به في محل آخر على أنه إذا قام الرجل عن يسار الإمام فحوله الإمام إلى يمينه لم تفسد صلاتهما، قال ابن حجر: "وجه الدليل من حديث ابن عباس المذكور أنه صلى الله عليه وسلم لم يبطل صلاة ابن عباس مع كونه وقف عن يساره أولا، وعن أحمد تبطل لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقره على ذلك، والأول قول الجمهور، بل قال سعيد بن المسيب: إن موقف المأموم الواحد يكون عن يسار الإمام ولم يتابع على ذلك" انتهى.
وأقول: المناسب لكلام أصحابنا في نواقض الصلاة أنه لو وقف المأموم عن يسار الإمام مثلا فحوله إلى يمينه أنه تنتقض صلاته لأن هذا الفعل ليس فيه إصلاح صلاته، مع أن ظاهر الحديث يدل على أنه لا تفسد، اللهم إلا أن يقال: إن أصحابنا حملوا فعله عليه السلام مع ابن عباس على غير ما يتبادر منه بأن قالوا: فعل به ذلك خارج الصلاة وإلا فكيف تصح الصلاة مع هذه الأفعال، أو يقال: إن ذلك من خصوصياته عليه السلام فعَله لأجل التشريع، أعني ليبين أن من سنة الواحد أن يقوم عن يمين الإمام، كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي وعن يمينه رجل يصلي بصلاته ثم دخل عليهما جابر بن عبد الله فقام عن يسار (1/226)
صفحة 227
النبي صلى الله عليه وسلم فأدارهما إلى خلفه وهو في الصلاة، يعني ليعلم أن من سنة الاثنين أن يقوما خلف الإمام والله أعلم فليحرر.
قوله:» ثم أوتر «يعني بواحدة، وفيه دليل على ما ذهب إليه أصحابنا من أن الوتر واحدة بشرط أن يتقدمها شفع، والله أعلم.
قوله:» ثم اضطجع حتى جاء المؤذن «لفظه في البخاري "ثم اضطجع فنام حتى نفخ ثم أتاه المنادي فآذنه بالصلاة" إلخ.
قوله:» فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح «لفظه في البخاري "فقام معه إلى الصلاة فصلى ولم يتوضأ، قلنا لعمر: إن ناسا يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه، قال عمر: سمعت عبيد بن عمير يقول: "رؤيا الأنبياء وحي ثم قرأ: {إِنِّيَ أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّيَ أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى} [الصافات:103] ".
قال ابن حجر: قوله: "فصلى ولم يتوضأ" فيه دليل على أن النوم ليس حدثا بل مظنة الحدث لأنه صلى الله عليه وسلم كان تنام عينه ولا ينام قلبه، فلو أحدث لعلم بذلك، ولهذا كان ربما توضأ إذا قام من النوم وربما لم يتوضأ، قال الخطابي: وإنما منع قلبه النوم ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه "انتهى، ثم قال: "ووجه الاستدلال بما تلاه من جهة أن الرؤيا لو لم تكن وحيا لما جاز لإبراهيم عليه السلام الإقدام على ذبح ولده إلخ.
قوله:» الشَن القربة البالية «يعني بفتح المعجمة وتشديد النون، وإنما ذكر الوصف في قوله: "معلق" على إرادة الجلد والوعاء، قاله ابن حجر، وذكر أنه ورد أيضا بلفظ معلقة.
قوله:» قالت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد «إلخ، استدل به على سنية قيام رمضان وأنه مرغب فيه، وقدره وكيفية صلاته ووقته معلوم مبين في محله.
قوله:» قالت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان على ثلاث عشرة ركعة «إلخ لعلها رضي الله عنها إنما خصت رمضان (1/227)
صفحة 228
بالذكر لوقوعه في السؤال، أو ليعلم أنه إذا كان في رمضان لا يزيد على العدد المذكور، فغير رمضان من باب أولى، وإلا فقد تقدم عن القواعد أن أكثر ما صح عنه عليه السلام في قيام الليل ثلاث عشرة ركعة إلخ، يعني لا فرق بين رمضان وغيره، والله أعلم.
قوله:» أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي «تقدم مثله عن البخاري في حديث ابن عباس وكلام ابن حجر عليه وتعليل عدم نوم قلبه صلى الله عليه وسلم. (1/228)
صفحة 229
الباب الرابع والثلاثون
في استقبال القبلة وبيت المقدس
206) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُرِضَتْ عَلَيْهِ صَلَوَاتُ الْخَمْسِ قَبْلَ هِجْرَتِهِ بِنَحْوِ سَنَتَيْنِ، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ نَحْوَ سَنَتَيْنِ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى إِلَى الْكَعْبَة بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ سِنِينَ إِلَى أَنْ عُرِجَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى قِبْلَتِهِ.
207) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَأُمِرَ (1) أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبَلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ.
قوله:» فرضت عليه الصلوات الخمس قبل هجرته «إلخ قد تقدم الكلام عليه في باب فرض الصلاة في الحضر والسفر فليراجع.
قوله:» بينما الناس في صلاة الصبح «قال ابن حجر: "ولمسلم في صلاة الغداة وهو أحد أسمائها، وقد نقل بعضهم كراهية تسميتها بذلك، وهذا فيه مغايرة لحديث البراء المتقدم فإن فيه أنهم كانوا في صلاة العصر، والجواب أن لا منافاة بين الخبرين لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة وهم بنو حارثة وذلك في حديث البراء والآتي بذلك إليهم عباد بن بشر أو ابن نهيك كما تقدم، ووصل الخبر وقت الصبح إلى من هو خارج المدينة وهم
__________
(1) / خ: وَقَدْ أمر. (1/229)
صفحة 230
بنو عمرو بن عوف أهل قباء، وذلك في حديث ابن عمر، ولم يسم الآتي بذلك إليهم، وإن كان ابن طاهر وغيره نقلوا أنه عباد بن بشر، ففيه نظر؛ لأن ذلك إنما ورد في حق بني حارثة في صلاة العصر، فإن كان ما نقلوه محفوظا فيحتمل أن يكون عباد أتى بني حارثة أولاً، في وقت العصر، ثم توجه إلى أهل قباء فأعلمهم بذلك في وقت الصبح. ومما يدل على تعددهما أن مسلما روى من حديث أنس “أن رجلا من بني سلمة مرّ وهم ركوع في صلاة الفجر” فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة. وبنو سلمة غير بني حارثة" انتهى.
قوله:» بقباء «قال ابن حجر: "بالمد والصرف وهو الأشهر، ويجوز فيه القصر وعدم الصرف، وهو يذكر ويؤنث، موضع معروف ظاهر المدينة. والمراد هنا مسجد قباء ففيه مجاز الحذف واللام في "الناس" للعهد، والمراد أهل قباء ومن حضر معهم" انتهى.
قوله:» قد أنزل عليه الليلة قرآن «، قال ابن حجر: "فيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي والليلة التي تليه مجازا، والتنكير في قوله: (قرآن) لإرادة البعضية والمراد قوله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} الآيات، [البقرة:144].
قوله:» وقد أمر أن يستقبل الكعبة «قال ابن حجر: "فيه دليل على أن ما يؤمر به النبي صلى الله عليه وسلم يلزم أمته، وأن أفعاله يُتأسى بها كأقواله حتى يقوم دليل الخصوص".
قوله:» فاستقبَلوها «قال ابن حجر: "بفتح الموحدة للأكثر أي فتحولوا إلى جهة الكعبة، وفاعل استقبلوها المخاطبون بذلك وهم أهل قباء".
قوله:» وكانت وجوههم ««إلخ، قال ابن حجر: "تفسير من الراوي للتحول المذكور، ويحتمل أن يكون فاعل استقبلوها النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه وضمير وجوههم لهم أو لأهل قباء على الاحتمالين، وفي رواية الأصيلي فاستقبِلوها بكسر الموحدة بصيغة الأمر، ويأتي في ضمير وجوههم الاحتمالان المذكوران. وعوده إلى أهل قباء أظهر، إلى أن قال: وفي هذا الحديث أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه لأن أهل قباء لم يؤمروا بالإعادة (1/230)
صفحة 231
مع كون الأمر باستقبال الكعبة وقع قبل صلاتهم تلك الصلوات، واستنبط منه الطحاوي أن من لم تبلغه الدعوة ولم يمكنه استعلام ذلك فالفرض غير لازم له إلخ.
أقول: هو كذلك في حق من كان على الدين كهؤلاء ومن كان على دين نبي من الأنبياء لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماَم بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} [التوبة:115]، وأما من لم يكن على الدين فهو مقطوع العذر، قال: وفيه جواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم لما تمادوا على الصلاة ولم يقطعوها دل على أنه رجح عندهم التمادي والتحول على القطع والاستئناف ولا يكون ذلك إلا عن اجتهاد، كذا قيل، وفيه نظر لاحتمال أن يكون عندهم في ذلك نص سابق لأنه كان صلى الله عليه وسلم مترقبا التحويل المذكور فلا مانع أن يعلمهم ما صنعوا من التمادي والتحول، وفيه قبول خبر الواحد ووجوب العمل به ونسخ ما تقرر لطريق العلم لأن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت عندهم بطريق القطع لمشاهدتهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى جهته، ووقع تحولهم عنها إلى جهة الكعبة بخبر الواحد، وأجيب بأن الخبر المذكور احتفت به قرائن ومقدمات أفادت القطع عندهم بصدق ذلك المخبر فلم ينسخ عندهم ما يفيد العلم إلا بما يفيد العلم، وقيل: كان النسخ بخبر الواحد جائزا في زمنه مطلقا وإنما منع بعده، ويحتاج إلى دليل، وفيه جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها، واستماع المصلي لكلام من ليس في الصلاة لا يفسد صلاته.
وقد تقدم الكلام على تعيين الوقت الذي حولت فيه القبلة في الكلام على حديث البراء في كتاب الايمان إلخ.
واستدل في الإيضاح بهذا الحديث على أن من خالف الأمين عند التحير في القبلة يعيد صلاته ولو وافق القبلة عند بعضهم، واستدل به في القواعد على أن الواجب عند الجمهور استقبال الجهة عند تعذر المعاينة فساقه، إلى أن قال: فاستداروا في أثناء الصلاة من غير طلب دلالة ولم ينكر عليهم، فسمي مسجدهم ذا القبلتين. ومقابلة العين من المدينة إلى مكة لا تعرف إلا بأدلة هندسية يطول النظر فيها فكيف أدركوا ذلك على البديهة في أثناء الصلاة في ظلمة الليل؟ إلخ. (1/231)
صفحة 232
الباب الخامس والثلاثون
في الإمامة والأئمة والخلافة في الصلاة
208) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الصَّلاَةُ جَائِزَةٌ خَلْفَ كُلِّ بَارٍّ وَفَاجِرٍ، مَا لَمْ يُدْخِلْ فِيهَا مَا يُفْسِدُهَا».
209) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَأُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا».
210) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطِلْ مَا شَاءَ».
211) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي (1) بِالنَّاسِ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يَسْمَعِ النَّاسُ مِنَ الْبُكَاءِ، فَأْمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ (2) بِالنَّاسِ، قَالَتْ: فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَا قُلْتُ لَهُ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ!» قَالَتْ: فَقَالَتْ حَفْصَةُ: مَا كُنْتُ لأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا.
__________
(1) / خ: وَقَدْ أمر.
(2) / خ: ليصلِّيَ. (1/232)
صفحة 233
212) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتُدْرِكُونَ مِنْ بَعْدِي أَئِمَّةً يُؤَخِّرُونَ الصَّلاَةَ عَنْ وَقْتِهَا، فَإِذَا أَدْرَكْتُمْ ذَلِكَ، فَاجْعَلُوا صَلاَتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً». أَيْ نَافِلَةً.
213) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَأَنِّي بِقَوْمٍ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الصَّلاَةِ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمُسٍ».
214) ... الرَّبِيعُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَيَكُونَ مِنْ بَعْدِي أُمَراُء تَشْغَلُهُمْ أَشْيَاءُ عَنِ الصَّلاَةِ حَتَّى يُؤَخِّرُوهَا عَنْ وَقْتِهَا، فَصَلُّوهَا لِوَقْتِهَا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنْ أَدْرَكْتُهُمْ أُصَلِّي مَعَهُمْ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِنْ شِئْتَ».
قوله:» الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر «لفظه في القواعد "صلوا خلف كل بار وفاجر"، ولفظه في الإيضاح في باب (الصلاة على الميت) "صلوا خلف كل بار وفاجر، وصلوا على كل بار وفاجر"، ولفظه في الجامع الصغير "صلوا خلف كل بر وفاجر، وصلوا على كل بر وفاجر، وجاهدوا مع كل بر وفاجر) ولم يتكلم عليه شارحه بشيء.
وظاهر كلام الصحاح يدل على جواز بر وبار حيث قال: "البر خلاف العقوق والمبرة مثله تقول: بررت والدي بالكسر أبره برا فأنا بَرٌّ به، وجمع البَرّ الأبرار وجمع البار البررة، وفلان يبر خالقه ويتبرره أي يطيعه" إلخ.
واستدل في الإيضاح بهذا الحديث لقول بعضهم: بجواز الصلاة في خلف المنافق إذا قدمه غيره، والمختار عنده رحمه الله أنه لا تجوز الصلاة خلفه حيث قال: "وأما المنافق من أهل الدعوة فلا تجوز الصلاة خلفه، كما لا تجوز شهادته، لأنه متهم أن يصلي بما لا يجوز أو ينقص شيئا من شروطها، كما أنه متهم في الشهادة أن يشهد كما لا يجوز فكانت شهادته غير مقبولة وكذلك صلاته على هذا الحال، (1/233)
صفحة 234
والعبد إذا كان لا يقلد في دنياه إلا أهل العدالة فأولى به أن لا يقلد في صلاته إلا الثقات، إلى أن قال: وقد أجاز بعض المرخصين وهو عندي قول ضعيف أن يقدم المنافق من أهل الدعوة في الصلاة والله أعلم" إلخ.
وذكر في القواعد فيه ثلاثة أقوال من غير ترجيح شيء منها: أولا حيث قال: "واختلفوا في إمامة الفاسق: فردها قوم بإطلاق، وأجازها آخرون بإطلاق، وفرق قوم بين الفاسق المتأول وغيره، وسبب الخلاف" إلخ، لكن قال بعد ذلك: "وقال أصحابنا: الصلاة خلف من لا ولاية له صلاة واحدة" إلخ.
وأما المخالف فجزم في الإيضاح بجواز الصلاة خلفه بشرط حيث قال: "وأما المخالف فإنه تجوز الصلاة خلفه ما لم يدخل فيها ما يفسدها، وذلك عندي إذا كان عنده أشياء لا تجوز بها الصلاة عند المسلمين والله أعلم" إلخ.
وقال في القواعد: "وأجاز بعضهم الصلاة خلف أهل الأهواء ما لم يدخلوا فيها ما يفسدها؛ لأن المطلوب من الإمام صحة الصلاة، ولم يجوز أصحابنا الصلاة خلف من يقنت فيها أو يقول ولا الضالين آمين، لأنهما من كلام الآدميين والله أعلم" انتهى.
والظاهر أن المراد بالمخالف الذي تجوز الصلاة خلفه هو الذي يكون ورعا في دينه، وأما الفاسق بالجارحة فلا أقل أن يكون كفاسق أهل الدعوة" والله أعلم.
قوله:» يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القرآن سواء فأعلمهم بالسنة «ظاهر هذا الحديث يدل على أن الأقرأ أولى من الأفقه، وهو مذهب أبي حنيفة، وذهب مالك والشافعي إلى أن الأفقه أولى على ما ذكره في القواعد، ثم قال: وسبب الخلاف قوله عليه السلام: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله"، الحديث فمن فهم من الأقرأ أنه الأفقه قال: الفقيه أولى، ولأن الحاجة إلى (1/234)
صفحة 235
الفقه ماسة في الإمامة أمس من الحاجة إلى القراءة، وأيضا فإن الأقرأ من الصحابة هو الأفقه، مخالف لما عليه الناس اليوم، وأما أبو حنيفة فحمل الحديث على ظاهره فأوجب إمامة القارئ" انتهى، لكن قوله رحمه الله "فمن فهم من الأقرأ أنه الأفقه" إلخ فيه تأمل، فإن الظاهر أن هذا لا يناسبه بقية الحديث، فإنها تقتضي أنه غيره حيث قابل بينهما، وذكر لكل واحد منهما متعلقا، وأن المنظور إليه أولا هو الأكثر قراءة، ولا شك أنه ليس الأقرأ هو الأفقه ولو في زمن الصحابة رضي الله عنهم؛ فإنه من المعلوم أن أقرأهم أبي وأن معاذ بن جبل وابن عباس وعلي بن أبي طالب مثلا أعلم منه. نعم الصحابة كلهم يعلمون من السنة القدر الذي تحتاج إليه الصلاة والإمامة مثلا، فمن كان أكثر قراءة لكتاب الله يكون أولى بالإمامة، بخلاف هذا الزمان فإنه قد يكون الإنسان حافظا لكتاب الله ولا يحسن كيفية الوضوء والصلاة، فلا شك أنه في هذا الزمان يكون الفقيه أولى من الأكثر قراءة إلا أن يكون كل منهما عالما بالقدر الذي تحتاج إليه الصلاة والإمامة، فالظاهر حينئذ أن الأقرأ أولى بالإمامة عملا، بظاهر الحديث، ولم يبين صاحب القواعد رحمه الله ما هو المذهب من القولين لكن كلامه في التعليل يشعر باختيار الأفقه مطلقا، إلا أن يحمل على ما إذا تفاوتا في مسائل الصلاة، والله أعلم.
قوله:» إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف «إلى آخره، وفي رواية أخرى في البخاري بعد ذكر الإسناد أن رجلا قال: "والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبا منه يومئذ ثم قال: "إن منكم منفرين فأيكم صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة".
قال ابن حجر: قوله: "فليخفف" قال ابن دقيق العيد: "التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية فقد يكون الشيء خفيفا بالنسبة إلى عادة قوم طويلا بالنسبة لعادة آخرين، قال وقول الفقهاء لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات لا يخالف ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يزيد على ذلك؛ لأن رغبة الصحابة في الخير تقتضي أن لا يكون ذلك تطويلا". (1/235)
صفحة 236
قلت: وأولى ما أخذ حد التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "أنت إمام قومك وأقدِرِ القوم بأضعفهم" إسناده حسن وأصله في مسلم انتهى.
قوله:» فإن فيهم السقيم والضعيف «إلخ قال ابن حجر: وهو تعليل للأمر المذكور ومقتضاه أنه متى لم يكن فيهم متصف بصفة من المذكورات لم يغير التطويل، وقد قدمت ما يرد عليه في الباب الذي قبله إلخ.
وذلك أنه قال فيه: وفي حديث الباب من الفوائد أيضا استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين، وأما من قال: لا يكره التطويل إذا علم رضى المأمومين فيشكل عليه أن الإمام قد لا يعلم حال من يأتي فيأثم به بعد دخوله في الصلاة كما في حديث الباب، فعلى هذا يكره التطويل مطلقا إلا إذا فرض في مصل يؤم محصورين راضين في مكان لا يدخله غيرهم، وفيه أن الحاجة من أمور الدنيا عذر في تخفيف الصلاة إلخ، ثم قال في الحديث الذي نحن فيه: "وقال اليعمري: الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالصورة النادرة فينبغي للأئمة التخفيف مطلقا، قال: وهذا كما شرع القصر في صلاة المسافر وعلل بالمشقة، وهي مع ذلك تشرع ولو لم يشق، عملا بالغالب لأنه لا يدري ما يطرأ عليه، وهنا كذلك" انتهى، وذكر أن المراد بالضعيف هنا ضعيف الخلقة كالنحيف والمسن والسقيم ومن به مرض.
قوله:» وذا الحاجة «هي أشمل الأوصاف المذكورات.
قوله:» فإذا صلى بنفسه فليطل ما شاء «، قال ابن حجر: "يريد أن الأمر بالتخفيف مختص بالأئمة فأما المنفرد فلا حجر عليه" إلخ، يعني ما لم يخف خروج الوقت كما هو معلوم، خلافا لبعض الشافعية أخذا بظاهر هذا الحديث.
قال ابن حجر: "وفيه نظر لأنه يعارضه عموم قوله في حديث أبي قتادة: "إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى"، أخرجه مسلم. وإذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كانت مراعاة ترك المفسدة. واستدل بعمومه أيضا على جواز تطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين" انتهى، أقول: وهذا عندنا غير صحيح لما فيه من الشغل عن الفرض، والله أعلم. (1/236)
صفحة 237
قوله:» قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يعني في مرضه الذي مات فيه، ولفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد "كنا عند عائشة رضي الله عنها فذكرنا المواظبة على الصلاة والتعظيم، قالت: لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه حضرت الصلاة فأذّن لها فقال: مروا أبا بكر إل")، وفيه اختلاف في بعض الألفاظ وذكر كيفية خروجه وجلوسه إلى جنب أبي بكر إلى آخر القصة. وذكر ابن حجر أن الصلاة التي حضرت هي العشاء.
قوله:» مروا أبا بكر ليصلي «قال ابن حجر: "استدل به على أن الأمر بالشيء يكون أمرا به، وهي مسألة معروفة في أصول الفقه، وأجاب المانعون بأن المعنى بلغوا أبا بكر أني أمرته، وفُصل النزاع أن النافي إن أراد أنه ليس أمرا حقيقة فمسلَّم بأنه ليس فيه صيغة أمر للثاني، وإن أراد أنه لا يستلزم فمردود والله أعلم.
قوله:» إنكن لأنتن صواحبات يوسف «لفظه في البخاري "صواحب يوسف" قال ابن حجر: "وصواحب جمع صاحبة والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن، ثم إن هذا الخطاب وإن كان بلفظ الجمع فالمراد به واحد وهو عائشة فقط، كما أن صواحب صيغة جمع والمراد زليخا فقط، ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة، ومرادها زيادة على ذلك وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ويعذرنها في محبته، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها زيادة على ذلك وهو أن لا يتشاءم الناس به، وقد صرحت هي فيما بعد ذلك فقالت: "لقد راجعته وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب ا لناس بعده رجلا قام مقامه أبدا" الحديث، وسيأتي بتمامه في "باب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم"، إلى أن قال: وبهذا التقرير يندفع إشكال من قال: إن صواحب يوسف لم يقع منهن إظهار يخالف ما في الباطن، ووقع في مرسل الحسن عند أبي خيثمة أن أبا بكر أمر عائشة إن تكلم النبي صلى الله عليه وسلم أن تصرف ذلك عنه فأرادت (1/237)
صفحة 238
التوصل إلى ذلك بكل طريق فلم يتم، ووقع في أمالي ابن عبد السلام أن النسوة أتين امرأة العزيز يظهرن تعنيفها ومقصودهن في الباطن أن يدعون يوسف إلى أنفسهن، كذا قال، وليس في سياق الآية ما يساعد ما قال" انتهى.
قوله:» فقالت حفصة: ما كنت لأصيب منك خيرا «قال ابن حجر: وإنما قالت ذلك لأن كلامها صادف المرة الثالثة من المعاودة وكان صلى الله عليه وسلم لا يراجع بعد ثلاث، فلما أشار إلى الإنكار عليها بما ذكر من كونهن صواحب يوسف، وجدت حفصة في نفسها من ذلك لكون عائشة هي التي أمرتها بذلك، ولعلها تذكرت ما وقع لها معها أيضا في قصة المغافير كما سيأتي في موضعه" انتهى.
واستدل ببقية هذا الحديث في الإيضاح كما رواه البخاري لمن قال بجواز إمامة القاعد يعني إذا كان من أئمة العدل، وأن المأمومين يصلون خلفه قياما حيث قال: "والدليل ما روي أنه صلى الله عليه وسلم رأى إفاقة في مرضه الذي مات فيه فأتى المسجد وأبو بكر يصلي بهم رضي الله عنه، فصف عن يمين أبي بكر قاعدا وأتم بهم الصلاة، فالمفهوم من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس قاعدا وهم قيام يكون فعله هذا ناسخا لقوله وفعله المتقدم، لأنه في مرضه الذي مات فيه وهو آخر فعله" إلخ.
واستدل به في المؤجز لخلافة أبي بكر رضي الله عنه حيث قال بعد أن ساق الحديث مع زيادة ما نصه: وقد أخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عمود الدين الصلاة" فلما أن ولاه عليه السلام الأمر الذي هو العمود عرف المسلمون أن ما سوى العمود محمول على العمود فلذلك اجتمعوا على بيعة أبي بكر رضي الله عنه إلخ.
قوله:» خيلٌ شُمُس «قال في الصحاح: "وشَمَس الفرس أيضا شموسا وشماسا أي منع ظهره فهو فرس شَموس وبه شماس، ورجل شَموس صعب الخُلُق" إلخ، فعلى هذا يكون قوله شُمُس على وزن فُعُل بضمتين أنه مطرد (1/238)
صفحة 239
في شيئين أحدهما وصف على فعول بمعنى فاعل كصبور وغفور ولا شك أن شموسا مثلهما، والله أعلم.
قوله:» حتى يؤخروها عن وقتها «انظر هل المراد أنهم يتركونها حتى يخرج الوقت بالكلية، أو المراد أنهم يؤخرونها عن أول الوقت وما يقرب منه، والظاهر أن هذا هو المراد بدليل قوله في الحديث الذي قبله: "فاجعلوا صلاتكم معهم سبحة"، وقوله في آخر هذا الحديث: "قال نعم إن شئت"، فإنهما يدلان على أن الوقت باق، ولأنه يبعد في حق من يكون إماما لقوم أميرا كان أو غيره، أن يترك الصلاة حتى يخرج وقتها أصلا، فيأتي إلى المسجد مثلا ليصلي تلك الصلاة التي خرج وقتها. غايته أنه صلى الله عليه وسلم لما علم أنهم يؤخرونها عن الوقت المستحب أمر بالمبادرة إليها فيه؛ لأن فضل أول الوقت أولى من فضل الجماعة مع التأخير؛ لأن أحب الأعمال إلى الله الصلاة في أول وقتها كما هو معلوم، والله أعلم.
قوله:» أصلي معهم «بإثبات الياء فيما رأيته من النسخ، ولعله لأن الفعل ليس هو الجواب وحده، وإنما الجواب الجملة بتمامها لأن الظاهر أنها إنشائية، وأنها حذفت منها الفاء وهمزة الاسفهام، على أن الهمزة ثابتة في بعض النسخ والأصل والله أعلم "أفأصلي معهم" لأن الرجل سائل بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "نعم إن شئت"، ويحتمل أنه الجواب وأن الاستفهام مقدر قبل الشرط، والأصل إن أدركتهم وأثبت الياء في جواب الشرط على حد "ألم يأتيك والأنباء تنمي"، ويحتمل أنه إنما رفع لكون الشرط ماضيا، والله أعلم.
قوله:» نعم إن شئت «، يعني ويجعلها نافلة كما تقدم في الحديث، لأنه لا يصلي الفرض مرتين لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وهذا خاص عندنا بغير صلاة العصر وصلاة الفجر لأنه لا يتنفل بعدهما كما هو معلوم، والله أعلم. (1/239)
صفحة 240
الباب السادس والثلاثون
في فضل الجماعة والقضاء في الصلاة
215) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الصَّلاَةُ فِي الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِنْ صَلاَةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً».
216) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً».
217) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلاَةِ فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا كَانَ يَعْمَدُ إِلَى الصَّلاَةِ».
218) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمن أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ (1) الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ».
219) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَجْلِسِهِ رَجُلٌ يُسَمَّى مِحْجَنًا، فَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ نَظَرَ إِلَى مِحْجَنٍ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ، أَلَسْتَ بِرَجُلٍ
__________
(1) / خ: تغرب. (1/240)
صفحة 241
مُسْلِمٍ؟» قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلكِنْ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا جِئْتَ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ فَصَلِّ مَعَهُمْ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ فِي أَهْلِكَ».
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَهَا سُبْحَةً.
قوله:» والصلاة في الجماعة خير من صلاة الفذ «إلخ، واستدل بهذا الحديث والذي بعده على أن صلاة الجماعة ليست بفرض عين وأن صلاة المنفرد صحيحة، قال في القواعد: فكأنه قال: "صلاة الجماعة أكمل من صلاة المنفرد" إلخ، والفذ بالذال المعجمة المنفرد، قال ابن حجر: "يقال: فذ الرجل من أصحابه إذا بقي منفردا وحده، وقد رواه مسلم في رواية عبيد الله، إلى أن قال: ولفظه: "صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده" انتهى.
قوله:» بسبع وعشرين درجة «، وقوله في الحديث الثاني: "بخمس وعشرين درجة"، قال ابن حجر بعد كلام على رجال كل منهما، "واختلف في أيهما أرجح فقيل: رواية الخمس لكثرة رواتها، وقيل: رواية السبع لأن فيها زيادة من عدل حافظ، إلى أن قال: قال: وقد جُمع بين روايتي الخمس والسبع بوجوه منها:
أن ذكر القليل لا ينافي الكثير، وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد، إلى أن قال:
الثاني: لعله صلى الله عليه وسلم أخبر بالخمس ثم أعلمه الله بزيادة الفضل فأخبر بالسبع، وتعقب بأنه يحتاج إلى التاريخ وبأن دخول النسخ في الفضائل مختلف فيه، لكن إذا فرعنا على المنع تعين تقدم الخمس على السبع من جهة أن الفضل من الله يقبل الزيادة لا النقص.
ثالثها: أن اختلاف العددين باختلاف مميزهما؛ وعلى هذا قيل: الدرجة أصغر من الجزء، وتعقب بأن الذي روي عنه الجزء روي عنه الدرجة، وقال بعضهم: الجزء في الدنيا والدرجة في الآخرة وهو مبني على التغاير.
رابعها: الفرق بقرب المسجد وبعده.
خامسها: الفرق بحال المصلي كأن يكون أعلم أو أخشع. (1/241)
صفحة 242
سادسها: الفرق بإيقاعها في المسجد أو في غيره.
سابعها: الفرق بالمنتظر للصلاة وغيره.
ثامنها: الفرق بإدراكها كلها أو بعضها.
تاسعها: الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم.
عاشرها: السبع مختصة بالفجر والعشاء، وقيل: بالفجر والعصر والخمس بما عدا ذلك.
حادي عشرها: السبع مختصة بالجهرية والخمس بالسرية، وهذا الوجه عندي أوجهها لما سأبينه.
ثم إن الحكمة في هذا العدد الخاص غير محققة المعنى، ونقل الطيبي عن التوريشي ما حاصله أن ذلك لا يدرك بالرأي بل مرجعه إلى علم النبوة إلخ، فنقل عن جماعة أقوالا في حكمة ذلك ولم يرتضها، ثم قال: وقد خاض قوم في تعيين الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة.
قال ابن الجوزي وما جاءوا بطائل، إلى أن قال: وقد نقحت ما وقفت عليه من ذلك وحذفت ما لا يختص بصلاة الجماعة، فأولها: إجابة المؤذن بنية الصلاة في الجماعة، والتبكير إليها في أول الوقت، والمشي إلى المسجد بالسكينة، ودخول المسجد داعيا بصلاة التحية عند دخوله، كل ذلك بنية الصلاة في الجماعة، سادسها: انتظار الجماعة، سابعها: صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له، ثامنها: شهادتهم له، تاسعها: إجابة الإقامة، عاشرها: السلامة من الشيطان حين يفر عند الإقامة، حادي عشرها: الوقوف منتظرا إحرام الإمام والدخول معه في أي هيئة وجده عليها، ثاني عشرها: إدراك تكبيرة الإحرام كذلك، ثالث عشرها: تسوية الصفوف وسد فرجها، رابع عشرها: جواب الإمام عند قوله: سمع الله لمن حمده، خامس عشرها: الأمن من السهو غالبا وتنبيه الإمام إذا سها بالتسبيح أو الفتح عليه، سادس عشرها: حصول الخشوع والسلامة مما يلي غالبا، سابع عشرها: تحسين الهيئة غالبا، ثامن عشرها: احتفاف الملائكة به، تاسع عشرها: التدرب على تجويد القراءة وتعلم الأركان والأبعاض، العشرون: إظهار شعار الإسلام، الحادي والعشرون: إرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة، والتعاون على الطاعة ونشاط المتكاسل، الثاني والعشرون: السلامة من صفة (1/242)
صفحة 243
النفاق ومن إساءة غيره الظن أنه ترك الصلاة رأسا، الثالث والعشرون: نيته رد السلام على الإمام، الرابع والعشرون: الانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر، وعود بركة الكامل على الناقص، الخامس والعشرون: قيام نظام الألفة بين الجيران وحصول تعاهدهم في أوقات الصلوات فهذه خمس وعشرون خصلة ورد في كل منها ترغيب يخصه.
وبقي منها أمران يختصان بالجهرية، وهما الإنصات عند قراءة الإمام والاستماع لها والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة، وبهذا يترجح أن السبع تختص بالجهرية" انتهى، وكلها ظاهرة إلا الأخيرة، وقوله: "أو الدخول معه في أي هيئة وجده عليها" فإن الدخول عندنا خاص بحالة القيام والقعود.
قال ابن حجر: تنبيهات:
الأول: مقتضى الخصال التي ذكرتها اختصاص التضعيف بالتجميع في المسجد وهو الراجح في نظري كما سيأتي البحث فيه، وعلى تقدير أن لا يختص بالمسجد فإنما يسقط مما ذكرته ثلاثة أشياء وهي المشي والدخول والتحية، فيمكن أن تعوض من بعض ما ذكرته مما يشتمل على خصلتين متقاربتين أقيمتا مقام خصلة واحدة، إلى أن قال:
الثاني: لا يرد على الخصال التي ذكرتها كون بعض الخصال يختص ببعض من صلى جماعة دون بعض، كالتكبير في أول الوقت وانتظار إحرام الإمام ونحو ذلك؛ لأن أجر ذلك يحصل لقاصده بمجرد النية ولو لم يقع كما في من سبق، والله أعلم.
الثالث: معنى الدرجة والجزء حصول مقدار صلاة المنفرد بالعدد المذكور للجمع إلى آخره".
قوله:» إذا ثوب إلى الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون «إلخ، ومثله رواية الإيضاح وهو بحسب الظاهر تدل على أن النهي خاص بصلاة الفجر؛ لأن التثويب إنما يكون لصلاة الفجر كما هو معلوم.
والظاهر أن هذا الظاهر ليس بمراد كما هو معلوم، ويدل عليه سياق الكلام فيكون المراد بالتثويب للصلاة ما يشمل الأذان والله أعلم، وفي البخاري روايتان؛ إحداهما بعد ذكر الإسناد “بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة الرجال فلما صلى قال: ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: لا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم (1/243)
صفحة 244
فأتموا، والثانية بعد ذكر الإسناد، قال: إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا”. ثم الظاهر أن المفهوم من التقييد بقوله: “إذا ثوب" مفهوم موافقة لأنه إذا نهي عن الإسراع من يرجو أن يدرك تكبيرة الإحرام فمن تحقق ذلك من باب أولى.
قال ابن حجر: قوله: "إذا سمعتم الإقامة" هو أخص من قوله في حديث أبي قتادة: "إذا أتيتم الصلاة" لكن الظاهر أنه من مفهوم الموافقة لأن المسرع إذا أقيمت الصلاة يترجى إدراك فضيلة التكبيرة الأولى ونحو ذلك، ومع ذلك فقد نهي عن الإسراع فغيره من جاء قبل الإقامة لا يحتاج إلى الإسراع لأنه يتحقق إدراك الصلاة كلها فينهى عن الإسراع من باب أولى.
وقد لحظ فيه بعضهم معنى غير هذا فقال: الحكمة في التقييد بالإقامة أن المسرع إذا أقيمت الصلاة يصل إليها وقد انبهر، فيقرأ وهو في تلك الحالة فلا يحصل له تمام الخشوع في الترتيل وغيره، بخلاف من جاء قبل ذلك فإن الصلاة لا تقام حتى بتسريح" انتهى، قال: وقضية هذا أنه لا يكره الإسراع لمن جاء قبل الإقامة، وهو مخالف لصريح قوله: "إذا أتيتم الصلاة" لأنه يتناول ما قبل الإقامة، وإنما قيد في الحديث الثاني بالإقامة لأن ذلك هو الحامل في الغالب على الإسراع" انتهى، أقول: وكذا يقال في التقييد بالتثويب عندنا.
قوله:» وعليكم السكينة والوقار «، ضبطها بعضهم بالنصب على الإغراء، وبعضهم بالرفع على أنها جملة في موضع الحال، و (الوقار) قال عياض والقرطبي: هو بمعنى السكينة وذكر على سبيل التأكيد، وقال النووي: الظاهر أن بينهما فرقا وأن (السكينة) التأني في الحركات واجتناب العبث، و (الوقار) في الهيئة كغض البصر وخفض الصوت وعدم الالتفات، قاله ابن حجر.
قوله:» فما أدركتم فصلوا «قال الكرماني: "الفاء جواب شرط محذوف أي إذا بينت لكم ما هو أولى بكم فما أدركتم فصلوا.
قال ابن حجر: "قلت: أو التقدير "إذا فعلتم فما أدركتم أي فعلتم الذي أمرتكم به من السكينة وترك الإسراع". واستدل بهذا الحديث على حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزء من الصلاة لقوله: "فما أدركتم فصلوا" ولم يفصل بين القليل والكثير، وقيل: لا يدرك الجماعة بأقل من ركعة للحديث السابق "من أدرك ركعة (1/244)
صفحة 245
من الصلاة فقد أدرك الصلاة" إلى آخره. وأجاب عنه بأن هذا الحديث ورد في الأوقات إلخ، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
قوله:» وما فاتكم فاقضوا «، استدل بهذه الرواية من قال: إن ما أدرك مع الإمام هو آخر صلاته وأن ما فاته يكون قضاء لا أداء، واقتصر على هذا القول في الديوان والإيضاح ولم يحكيا غيره، وذهب بعضهم إلى أن ما أدركه مع الإمام هو أول صلاته وأن ما فاته أداء لا قضاء، واستدلوا برواية أخرى ذكرها صاحب القواعد رحمه الله، وذكرها البخاري أيضا وهي "ما فاتكم فأتموا"، وذكر في القواعد القولين واختار مذهب البناء ثم استدل عليه حيث قال: والصحيح أن ما أدرك هو أول صلاته لاتفاقهم على أنه موضع الإحرام، وإيجابهم على الداخل ترتيب آخر صلاته لكن تختلف في الترتيب فيه نية المأموم والإمام" انتهى.
والمراد بالداخل الشارع في الصلاة ابتداء ولم يفته شيء ليكون دليلا على مدعاه، وأما إذا حمل على الداخل على الإمام بأنه لا ينهض دليلا لذلك لأنه لا يقول به إلا القائل بالأداء والله أعلم، والجواب من طرف القائل بالقضاء أن محل ذلك إذا لم يعارضه ما يوجب عدم الترتيب وهو اتحاد النية ووجوب متابعة الإمام.
وأما قوله في رواية: (فأتموا) فيحمل أن المراد بالإتمام أن لا يكون فيها نقص بأن يقضي ما مضى فيتحد معنى الروايتين والله أعلم، وقوله في القواعد: "لكن يختلف في الترتيب نية" إلخ، أقول: أولا قد يلزم عليه زيادة التحيات وجلوسها معا إن كان يقرؤها وهو الظاهر لوجوب تبعية الإمام، وجلوسها فقط إن كان لا يقرؤها في كل صلاة أدرك فيها الركعة الأخيرة، وفي كل رباعية أدرك فيها ثلاث ركعات كما هو ظاهر، ويلزم عليه أيضا ترك قراءة السورة فيما إذا أدرك الثالثة من المغرب والركعتين الأخيرتين من العشاء، والمذهب عند مالك أنه يكون قاضيا في الأقوال، بانيا في الأفعال، فلا تفوته قراءة السورة عندهم، بخلافه على ظاهر كلام صاحب القواعد رحمه الله والله أعلم.
وقوله رحمه الله في التعليل بقوله: "لاتفاقهم على أنه موضع الإحرام"، في الإيضاح ما يدفعه حيث قال: "والأصل في هذا كله إذا سلم الإمام يقوم إلى أول صلاته فيرقعها من هناك بأن العلة التي أوجبت التأخير أول صلاته قد زالت وهي اتباع الإمام والله أعلم" انتهى. (1/245)
صفحة 246
قوله:» فإن أحدكم في الصلاة ما كان يعمد إلى الصلاة «يستفاد منه الحكمة في الأمر بالإتيان إلى الصلاة وعليهم السكينة والوقار، أي أن أحدكم في حكم المصلي فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه.
قوله: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر «. هذا الحديث محمول عند أصحابنا على أهل الأعذار وأهل الضرورات كالمجنون إذا أفاق والصبي إذا بلغ، والمشرك إذا أسلم والحائض والنفساء إذا طهرتا، وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة بعد تحصيل الشروط في غير المشرك، وأما المشرك فقال في القواعد: "إن ما يعتد به من حين أسلم دون الفراغ من الغسل والله أعلم" انتهى. فإذا أدرك هؤلاء ركعة وجبت عليهم الصلاة بتمامها إلا أنهم لا يتمونها في وقت الطلوع ولا الغروب، ولكنهم يمسكون عن الصلاة حتى يتكامل طلوعها أو غروبها فيتمونها بعد ذلك، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند الطلوع والغروب كما هو معلوم، ويجوز له النظر إليها في تلك الحالة لأجل الضرورة وحمل الحديث على من ذكر، وأنها تجب عليهم إذا بقي مقدار ما يسع ركعة هو الراجح على ما يفهم من القواعد.
وأما صاحب الإيضاح رحمه الله فالمصدّر به عنده أنها لا تجب عليهم إلا إذا أدركوها بتمامها، حيث قال: "وأما الطفل إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق، والحائض والنفساء إذا طهرتا، فإنهم غير مدركين للصلاة ما لم يدركوها بجميع وظائفها قبل خروج وقتها، ولا يقصرونها كغيرهم لأنهم غير مخاطبين بها إلا في ذلك الوقت، والله أعلم".
وقال بعضهم: من أدرك منهم ركعة والوقت قائم إذا كان متطهرا فهو مدرك للوقت لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" والله أعلم" انتهى.
والظاهر والله أعلم أن هذا القول أولى لأنه مؤيد بظاهر الحديث. ولم يتعرض في القواعد بتصريح للقول الأول في الإيضاح، لكن يفهم من كلامه في سبب (1/246)
صفحة 247
التنازع حيث قال: وسبب التنازع في هذه المسألة الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر"، فجعلها بعضهم من باب التنبيه بالأقل على الأكثر، أعني أنه عبر بالركعة عن الأربع إلخ.
أقول: ويجب حمل الحديث على ما صدر به صاحب الإيضاح على هذا التأويل، وإلا كان مصادما للحديث، والله أعلم.
والظاهر أن النائم والساهي يلحقان بمن ذكر من المعذورين من جهة أنهما إذا بقي من الوقت بعد تحصيل الشروط مقدار ما يسع ركعة يصليان أداء قولا واحدا، وإنما حمل الحديث على ما ذكر ولم يحمل على عمومه، لأن من تعمد ترك الصلاة إلى أن بقي من الوقت ما لا يسع الصلاة بجميع شروطها فقد كفر.
قال في الإيضاح بعد كلامه: وكذلك من تركها متعمدا حتى لا يتمها بوظائفها فقد هلك وبمنزلة من تركها كلها إلخ. ووافقنا على حمل الحديث على أهل الأعذار قومنا.
قال ابن حجر: “قوله: “فقد أدرك الصبح لإدراك الوصول إلى الشيء”، فظاهره أنه يكتفي بذلك وليس ذلك مرادا بالإجماع، فقيل: يحمل على أنه أدرك الوقت فإذا صلى ركعة أخرى فقد كملت صلاته، وهذا قول الجمهور. وقد صرح بذلك في رواية الداروردي، إلى أن قال: قال الرافعي: المعتبر فيها يعني في الركعة أخف ما يقدر عليه أحد، وهذا في حق أصحاب الأعذار كمن أفاق من إغماء أو طهرت من حيض أو غير ذلك، فإذا بقي من الوقت هذا القدر كانت الصلاة في حقهم أداء، وقد قال قوم: يكون ما أدرك في الوقت أداء وبعده قضاء، وقيل: يكون كذلك لكنه يلحق بالأداء حكما، ونقل بعضهم الاتفاق على أنه لا يجوز لمن ليس له عذر تأخير الصلاة حتى لا يبقى منها إلا هذا القدر، والله أعلم" انتهى.
واستدل بهذا الحديث أيضا في الإيضاح في باب الأوقات لمن قال:" (آخر وقت العصر غيوب قرن منها" يعني أنه إذا فرغ من صلاة العصر قبل أن يغيب قرن من الشمس فقد أدى الفرض الواجب عليه، فإن هذا الحديث يدل على أن الوقت باق إلى أن يغيب قرن من الشمس، فجميع الصلاة لمن ليس له عذر كركعة لمن له، والله أعلم. (1/247)
صفحة 248
قوله:» جلس ذات يوم في مجلسه رجل يسمى محجنا «إلخ، استدل به في الإيضاح على أن من صلى في بيته أو في المسجد منفردا ثم أصاب الناس يصلون تلك الصلاة بالجماعة أنه يصلي معهم ويجعلها نافلة، ثم قال: وبعضهم كره هذا واحتج بما روي أنه قال: "لا يصلي أحدكم صلاة واحدة في يوم مرتين"، غير أن بعض الناس ممن ذهب مذهب الجمع بين الحديثين حمل هذا الحديث على أنه لا يصلي صلاة واحدة في يوم مرتين يعتقد في كل مرة أنها فريضة، وبعض حمل النهي على المنفرد فقط، والله أعلم. (1/248)
صفحة 249
الباب السابع والثلاثون
في ابتداء الصلاة
220) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَحْرِيمُ الصَّلاَةِ التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ».
221) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ وَعِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ».
قوله:» تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم «، ومثله رواية القواعد، وفي الإيضاح زيادة وهي من الثقة مقبولة ولفظه: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" إلخ، والمراد به تكبيرة الإحرام، وإنما سميت بذلك لأنها يحرم بها ما كان حلالا قبل ذلك، كما أن السلام تحليل لأنه يحل به ما كان محرما لأجلها، واستدل به على وجوب تكبيرة الإحرام وبقوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر:3] ودخلت الفاء فيه وفيما بعده لإفادة معنى الشرط وكأنه قال: (وما يكن فكبر ربك)، قاله البيضاوي.
ثم إنهم اختلفوا هل لا بد من لفظ: "الله أكبر" أو يجوز أن يقوم غيره مقامه مما هو في معناه مثل: "الله أجل، والله أعظم، أو الله أعز". وإليه ذهب أصحابنا، وقال في القواعد: والنظر يوجب القول الأول لأنه منصوص عليه، وإليه ذهب ابن بركة العماني في كتابه والله أعلم انتهى.
قوله:» لولا أن أشق على أمتي «، قال العلقمي: "محل أن أشق رفع بالابتداء والخبر محذوف وجوبا، أي لولا المشقة موجودة أي لولا مخافة وجودها". (1/249)
صفحة 250
قوله: (لأمرتهم بالسواك) أي أمر إيجاب وإلا فهو مأمور به أمر ندب قطعا، قال العلقمي: "أي باستعمال السواك لأن السواك هو الآلة، وقد قيل: إنه يطلق على الفعل أيضا، فعلى هذا التقدير، والسواك مذكر على الصحيح، وحكي في المحكم تأنيثه وأنكر ذلك الأزهري".
قال البيضاوي: " (لولا) كلمة تدل على انتفاء شيء لثبوت غيره، والحق أنها مركبة من (لو) الدالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره، و (لا) النافية. فدل الحديث على انتفاء الأمر لثبوت المشقة، لأن انتفاء النفي ثبوت، فيكون الأمر منفيا لثبوت المشقة".
وقال الشيخ أبو إسحاق في اللمع: "هذا الحديث دليل على أن الاستدعاء على جهة الندب ليس بأمر حقيقة، لأن السواك عند كل صلاة مندوب إليه، وقد أخبر الشارع أنه لم يأمر به" انتهى، ويؤيده رواية عند النسائي: "لفرضت عليهم" بدل "أمرتهم"، وقال الشافعي: فيه دليل على أن السواك ليس بواجب لأنه لو كان واجبا لأمرتهم شق عليهم أو لم يشق" انتهى. وإلى القول بعدم وجوبه صار أكثر أهل العلم بل ادعى بعضهم الإجماع، لكن حكى الشيخ أبو حامد وتبعه الماوردي عن إسحاق بن راهويه قال: "هو واجب لكل صلاة فمن تركه عامدا بطلت صلاته"، وعن داود أنه قال: "هو واجب لكن ليس شرطا" واستدل بقوله: "كل صلاة" على استحبابه للفرائض والنوافل، واستدل به على أن الأمر يقتضي التكرار لأن الحديث دل على كون المشقة هي المانعة من الأمر للسواك ولا مشقة في وجوبه مرة وإنما المشقة في وجوب التكرار، وفي هذا البحث نظر؛ لأن التكرار لم يؤخذ هنا من مجرد الأمر وإنما أخذ من تقييده بكل صلاة.
وقال المهلب فيه أن المندوبات ترتفع إذا خشي منها الحرج، وفيه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم من غاية الشفقة على أمته، وفيه جواز الاجتهاد منه فيما ينزل عليه، وفيه نظر لكونه جعل المشقة سببا لعدم، أمره فلو كان الحكم متوقفا على النص لكان انتفاء الوجوب عدم ورود النص لا وجود المشقة. قال ابن دقيق العيد: "وفيه بحث" وهو كما قال، ووجهه أنه يجوز أن يكون إخبار أمته بأن سبب عدم ورود النص وجود المشقة فيكون معنى قوله: "لأمرتهم"، أي عن الله بأنه واجب. واستدل به النسائي على استحباب السواك للصائم بعد الزوال لعموم قوله لكل صلاة. (1/250)
صفحة 251
فائدة: قال ابن دقيق العيد: "الحكمة في استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة كونها حال تقرب إلى الله فاقتضى أن يكون حال كمال ونظافة إظهارا لشرف العبادة.
وقد ورد من حديث علي عند البزاز مرفوعا ما يدل على أنه لأمر يتعلق بالملك الذي يستمع القرآن من المصلي فلا يزال يدنو منه حتى يضع فاه على فيه لكنه لا ينافي ما تقدم. انتهى ملخصا من الفتح.
وقال شيخنا: "قال الحافظ زين الدين العراقي: يحتمل أن يقال حكمته عند إرادة الصلاة ما ورد أنه يقطع البلغم، ويزيد في الفصاحة، وتقطيع البلغم مناسب للقراءة لئلا يطرأ عليه فيمنعه القراءة وكذلك الفصاحة" انتهى كلام العلقمي.
وقال الشيخ اسماعيل رحمه الله في القناطر: "ويستحب للإنسان أن يبتدئ بالسواك قبل الوضوء، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك". فينبغي أن ينوي بالسواك تطهير فمه لقراءة الفاتحة وذكر الله عز وجل في الصلاة، وقد قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صلاة على إثر السواك أفضل من خمس وسبعين صلاة بغير سواك"، وعنه عليه السلام قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وعند كل وضوء"، وعنه عليه السلام قال: "مالي أراكم تدخلون علي قلَّحًا" أي صفر الأسنان، وكان عليه السلام فيما بلغنا يستاك في الليلة مرارا، وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: "لم يزل عليه السلام يأمر بالسواك حتى ظننا أنه سينزل عليه فيه شيء". وعنه عليه السلام أنه قال: "عليكم بالسواك فإنه مطهرة للفم، ومرضاة للرب". وعن علي أنه قال: "السواك يزيد في الحفظ ويذهب البلغم” وكان أصحاب النبي عليه السلام يروحون والسواك على آذانهم.
وكيفيته أن يستاك بخشب الأراك أو غيره من قضبان الأشجار مما يحسن ويزيل القلح أعني صفرة الأسنان، ويستاك عرضا وطولا، وإن اقتصر فعرضا، ويستحب السواك عند كل صلاة وكل وضوء وإن لم يصلّ عقبه، وعند تغير رائحة الفم بالنوم أو طول الإدام إذا أمسك الرجل عن الطعام أو أكل ما تكره رائحته، ثم عند الفراغ من السواك فليجلس للوضوء إلخ. (1/251)
صفحة 252
الباب الثامن والثلاثون
في القراءة في الصلاة
222) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خَدَاجٌ».
قَالَ الرَّبِيعُ: الْخَدَاجُ، النَّاقِصَةُ وَهِيَ غَيْر التَّمَامِ.
223) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، فَقَرَأَهَا وَقَرَأَ (1) فِيهَا {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وَقَالَ: إِنَّهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَقَدْ رَوَى (2) سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ هَذَا.
224) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَّمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ: نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قَالَ الْعَبْد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، فَيَقُولُ اللَّهُ: حَمَدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، فَيَقُولُ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ الْعَبْد: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، فَيَقُولُ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَيَقُولُ الْعَبْدُ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، فَيَقُولُ اللَّهُ: هَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَيَقُولُ الْعَبْدُ: {اِهْدِنَا اَلصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّآلِّينَ}، فَيَقُولُ اللَّهُ: هَؤُلاَءِ (3) لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ».
225) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اِنْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من صَلاَةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ
__________
(1) / خ: فاقرها واقرأ.
(2) / خ: عن.
(3) / خ: هذه. (1/252)
صفحة 253
فَقَالَ: «هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَالِي أُنَازَعُ فِي الْقُرْآنِ؟!». فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَهَرَ بِهِ مِنَ الصَّلاَةِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهَا تُقْرَأُ مَعَ كُلِّ إِمَامٍ وَغَيْرِهِ.
226) ... قَالَ الرَّبِيعُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ الْغَدَاةِ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ»، قَالَ: قُلْنَا: أَجَلْ، قَالَ: «لاَ تَفْعَلُوا إِلاَّ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِهَا».
227) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَوَجَدَ النَّاسَ يُصَلُّونَ وَقَدْ عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ بالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ مَا يُنَاجِيهِ بِهِ، وَلاَ يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقِرَاءَةِ فَيَشْغَلَهُم عَنْ صَلاَتِهِمْ».
228) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ فِيهَا: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ}.
229) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعَتْنِي أُمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَهِيَ وَالِدَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ أَقْرَأُ وَالْمُرْسَلاَتِ، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ.
قوله:» من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج «لفظه في الإيضاح والقواعد والجامع الصغير من كتب قومنا: "كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة (1/253)
صفحة 254
الكتاب فهي خداج" إلا في الجامع (بأم القرآن) قال في القواعد: فذهب أصحابنا رحمهم الله إلى أنها تقرأ بجميعها في جميع ركعات الصلاة، فإن ترك منها شيئا عامدا أعاد صلاته، وإن ترك الأقل منها ناسيا فلا إعادة عليه، وحكي عن الشافعي أنه أوجبها في نصف الصلاة، وحكي عن الحسن البصري أنه قال: يجزئ قراءتها في ركعة، وروي عن أبي حنيفة أنه أجاز في الركعتين الأخيرتين التسبيح بغير قراءة.
وسبب الخلاف الاحتمال المفهوم من قوله عليه السلام: "كل صلاة لم يقرأ فيه بأم القرآن" وذلك أن من قرأها أو قرأ بعضها في كل الصلاة أو في ركعة منها لم يدخل تحت قوله: لم يقرأ فيها والله أعلم" انتهى. وقال في الإيضاح: "لأن الضمير من قوله صلى الله عليه وسلم: "لم يقرأ فيها" يحتمل أن يعود على أجزاء الصلاة كلها، ويحتمل أن يعود على بعضها، والقول الأول أصح عندي لما ذكرناه من الأدلة المتقدمة" إلخ. وقال العلقمي: "واستدل الجمهور بهذا الحديث وغيره على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، وأنها متعينة لا يجزئ غيرها، ولا يقوم مقامها ترجمتها بغير العربية، ولا قراءة غيرها من القرآن، ويستوي في تعينها جميع الصلوات فرضها ونفلها، جهرها وسرها، والرجل والمرأة، والمسافر والصبي، والقائم والقاعد والمضطجع، وفي حال شدة الخوف وغيرها، وسواء في تعيينها الإمام والمأموم. وهذا مذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وقال أبو حنيفة وطائفة قليلة: لا تجب الفاتحة قراءة بل الواجب قراءة آية من القرآن انتهى.
قوله:» بأم القرآن «قال العلقمي: سميت (أم القرآن) لأنها أصل القرآن، وقيل: لأنها متقدمة فكأنها تؤمه.
قوله:» قال الربيع: الخداج ناقصة «قال العلقمي: "قال الدميري: والخداج بكسر الخاء المعجمة النقصان يقال: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج".
قوله:» فقرأها وقرأ فيها: {بسم الله الرحمن الرحيم} «يعني فهذا الحديث يدل على أن قراءة البسملة واجبة في الصلاة لأنها آية من الفاتحة فوجبت لوجوبها.
قوله:» وقال إنها آية من كتاب الله «. يعني من الفاتحة ومن كل سورة إلا سورة التوبة، لأنها نزلت بالسيف، والبسملة أمان، والله أعلم. ووافق أصحابنا على ذلك (1/254)
صفحة 255
أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأبو ثور وسفيان الثوري وابن قتيبة وغيرهم. وذهب مالك وأصحابه إلى أنها ليست بآية إلا في سورة النمل خاصة. والدليل على ما ذهب إليه أصحابنا كما في الإيضاح ما روي أنه صلى الله عليه وسلم لم يزل يقرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم} حتى مات، ثم أبو بكر ثم عمر رحمهما الله حتى ماتا، إلى آخر، وروي في القواعد مثل هذا ثم قال: فقال ابن عمر: إنها آية من كتاب الله اختلسها منهم الشيطان إلخ. وهي تقرأ عند أصحابنا سرا مع قراءة السر وجهرا مع قراءة الجهر، ومن ترك قراءتها متعمدا أعاد صلاته، والله أعلم.
قوله:» فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين} «قال العلقمي: "لم يذكر البسملة، واحتج به من لا يرى البسملة منها فقال: لو كانت منها لذكرها".
وأجاب أصحابنا وغيرهم ممن قال: إن البسملة من الفاتحة بأجوبة: أحدها: أن التنصيف عائد إلى جملة الصلاة لا إلى الفاتحة هذا حقيقة اللفظ، الثاني: أن التنصيف عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة، والثالث: معناه فإذا انتهى العبد في قراءته إلى: {الحمد لله رب العاملين}.
قال العلماء: وقوله: "حمدني عبدي ومجدني وأثنى علي" إنما قاله لأن التحميد والثناء بجميع الفعال، والتمجيد الثناء بصفات الجلال، ويقال: أثنى عليه في ذلك كله، ولهذا جاء جوابا للرحمن الرحيم، لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية، وفي بعض روايات مسلم وربما قال: "فوض إلي عبدي" ووجه مطابقة هذا القول: {مالك يوم الدين} أن الله تعالى منفرد بالملك ذلك اليوم، وبجزاء العباد وبحسابهم والدين الحساب، وقيل: الجزاء ولا دعوى لأحد ذلك اليوم لا حقيقة ولا مجازا، وأما في الدنيا فلبعض العباد ملك مجازي، ويدعي بعضهم دعوى باطلة، وكل هذا منقطع في ذلك اليوم، هذا معناه، وإلا فالله سبحانه وتعالى هو المالك والملك على الحقيقة في الدارين وما فيهما ومن فيهما، وكل من سواه مربوب له عبد مسخر، ثم في هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد وتفويض الأمر ما لا يخفى.
وقوله سبحانه وتعالى:» فإذا قال العبد: {اهدنا الصراط المستقيم} إلى آخر السورة، قال الله: هذا لعبدي «. وفي رواية: "هؤلاء لعبدي"، في هذه الرواية دليل على أن {اهدنا} وما بعدها إلى آخر السورة ثلاث آيات لا آيتان. (1/255)
صفحة 256
وفي المسألة خلاف مبني على أن البسملة من الفاتحة أم لا؟ ومذهبنا ومذهب الأكثرين أنها آية منها، وأن {اهدنا} وما بعدها آيتان، ومذهب مالك وغيره ممن يقول: إنها ليست من الفاتحة أن {اهدنا} وما بعدها ثلاث آيات. وللأكثرين أن يقولوا: قوله، "هؤلاء” المراد به الكلمات لا الآيات، فهذا أحسن من أن الجمع محمول على الاثنين، لأن هذا مجاز عند الأكثرين، فيحتاج إلى دليل على صرفه من الحقيقة إلى المجاز". انتهى من الدميري. انتهى كلام العلقمي.
قوله:» فقالوا: بلى «. المناسب: "فقالوا: نعم"، لأنها هي التي تكون إعلاما للمستخبر، وأما بلى فهي رد للنفي كما هو معلوم.
قوله:» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالي أنازع في القرآن «إلخ، اعلم أن الإمام لا يحمل عن المأموم شيئا من فرائض الصلاة اتفاقا ما خلا القراءة، ولا شيئا من سننها على الراجح، خلافا لمن قال: إنه يحمل عنه التعظيم في الركوع والتسبيح في السجود، قال في الإيضاح: والأصل أنه لا يحمل عنه شيئا لقوله عليه السلام: "إنما جعل الإمام ليؤتم به"، إلا ما قام الدليل على إخراجه من هذا العموم.
وقد ورد الشرع في القراءة ولم نسمع في التعظيم شيئا إلا أن يكون التعظيم عند من قال: يحمله الإمام عن المأموم مقيسا على القراءة إذ هو من القرآن فنعم، وكذلك بلغنا عن الإمام عبد الوهاب ووزيره مزور بن عمران أنهما اختلفا في التحيات هل يحملها الإمام أو لا، فقال الإمام: يحملها، وقال الوزير: لا يحملها، والدليل على قول الإمام ما روي أنه قال عليه السلام: "إذا قعد الرجل مقدار التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته" والله أعلم، أقول: وفي هذا الاستدلال لما ذكر نظر كما هو ظاهر، إلا أن يكون المراد إذا قعد الرجل خلف الإمام إلخ، والله أعلم.
ثم أنهم اختلفوا في القراءة هل يحملها الإمام: فذهب بعضهم إلى أنه يحملها في جميع الصلوات لقوله عليه السلام: "من كان له إمام فقراءة الإمام قراءته"، وذهب بعضهم إلى أنه لا يحملها عنه إلا في الصلاة الجهرية كما يدل عليه كلام الإيضاح، حيث قال: "وقال آخرون: لا يقرأ خلف الإمام في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة شيئا، والدليل معهم ما روي من طريق أبي هريرة أن النبي (1/256)
صفحة 257
صلى الله عليه وسلم انصرف فذكر الحديث إلخ. وذهب بعضهم إلى أنه يحمل عنه قراءة السورة فقط، وأما الفاتحة فلا بد من قراءتها لقوله عليه السلام في الحديث الآتي: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة إلا بها"، ولقوله عليه السلام: "كل صلاة لم تقرأ فيها فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" كما تقدم، وأما قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف:204] فمحمول على قراءة السورة كما ذكره في الإيضاح، ووافقنا على ذلك أكثر العلماء، قال العلقمي: فمذهبنا وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في كل الركعات من الصلاة السرية والجهرية، وبه قال أكثر العلماء. قال الترمذي في جامعه: "القراءة خلف الإمام هو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين، قال: وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق" إلخ.
قوله:» قال أبو عبيدة: إلا بفاتحة الكتاب «، يعني كما يدل عليه الحديث الذي بعده والحديث المصدر به خلافا لمن حمله على عمومه كما تقدم.
قوله:» إن المصلي يناجي ربه فلينظر ما يناجيه به «، لفظه في الجامع الصغير: "إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه فلينظر كيف يناجيه"، قال العلقمي: "قال في المصباح: ناجيته ساررته، وقال الفخر الرازي: والمناجاة لله المخاطبة، وقال شيخنا: فيه إشارة إلى إخلاص القلب وحضوره وتقويته لذكر الله وتمجيده وتلاوة كتابه وتدبره" انتهى.
قوله»» عن البراء بن عازب قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة فقرأ فيها والتين والزيتون «لفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد: "سمعت البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بالتين". ولم يكتب عليه شارحه شيئا.
قوله:» سمعتني أم الفضل بنت الحارث «إلخ، قال ابن حجر: "اسمها لبانة بنت الحارث الهلالية ويقال: إنها أول امراة أسلمت بعد خديجة، والصحيح أنها أخت عمر زوج سعيد بن زيد إلخ، والفضل ابن العباس هو أخو عبد الله وكان أسن منه بمدة. (1/257)
صفحة 258
قوله:» لقد ذكرني «. قال ابن حجر: "أي شيئا نسيته، وصرح عقيل في روايته عن ابن شهاب أنها آخر صلوات النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظه: "ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله" إلخ، فذكر عن عائشة أن الصلاة التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في مرض موته كانت الظهر، قال: وأشرنا إلى الجمع بينه وبين حديث أم الفضل بأن الصلاة التي حكتها عائشة كانت في المسجد، والتي حكتها أم الفضل كانت في بيته، كما رواه النسائي" إلخ.
قوله:» يقرأ بها «، قال ابن حجر: "هو في موضع الحال أي سمعته في حال قراءته". (1/258)
صفحة 259
الباب التاسع والثلاثون
في الركوع والسجود وما يفعل فيهما
230) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}، قَالَ: «اِجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ»، فَلَمَّا نَزَلَ: {سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الاَعْلَى}، قَالَ: «اِجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ».
231) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُبْسِ القَسِّيِّ، وَعَنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ، وَعَنْ لُبْسِ خَاتَمِ الذَّهَبِ، وَعَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
232) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ مَنْ خَلْفَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ (1)، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلاَئِكَةِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي هَذَا.
233) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى ذَاتَ يَوْمٍ بِأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ قَالَ لأَصْحَابِهِ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا وَهُوَ يَقُولُ رَبَّنَا وَلكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ»؟، قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعًا وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلاً».
234) ... أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي تَحْتَ شَجَرَةٍ أَقْرَأُ: {صَ وَالْقُرْآنِ}، فَلَمَّا بَلَغْتُ السَّجْدَةَ،
__________
(1) / خ: لك الحمد. (1/259)
صفحة 260
سَجَدَتِ الشَّجَرَةُ، ثُمَّ قَالَتْ: رَبِّ أَعْطِنِي (1) بِهَا أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَارْزُقْنِي بِهَا شُكْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَ مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ سَجْدَتَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَخْبَرْتُ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالسُّجُودِ مِنَ الشَّجَرَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {صَ .. } وَسَجَدَ وَقَالَ هَذَا الْقَوْلَ.
قوله:» اجعلوها في ركوعكم «، وقوله:» اجعلوها في سجودكم «، يعني فيقول المصلي في حالة الاستواء في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي حالة الاستواء في سجوده: سبحان ربي الأعلى.
ثم إنهم اختلفوا في عدد ما يجعله من ذلك في الركوع والسجود، والمعمول به عند أصحابنا ثلاث مرات إلا ما روي عن الربيع رحمه الله أنه قال: "المجتزيء من ذلك ثلاث مرات، وإن زاد فحسن إلا أن يكون إماما فليقتصر على الثلاث لئلا يطيل عليهم". قال في القواعد: "وليس عند أهل العلم نقض صلاة في الزايد والناقص في التسبيح والتعظيم، ومن سبح ثلاثا فهو المعمول به، ومن سبح واحدة فلا نقض عليه" انتهى. لكن ظاهر قوله: "وليس عند أهل العلم نقض صلاة في الزايد والناقض" إلخ، مشكل مع صريح كلام الديوان حيث قال: "وإنما يعظم الرجل في ركوعه أو في سجوده ثلاث مرات، وإن عظم مرة فإنه يعيد صلاته، وإن عظم مرتين ففيه قولان، وإن عظم أربعا ففيه قولان، وإن عظم خمسا فسدت صلاته وكذلك إن عظم ست مرات فسدت صلاته، ومنهم من يرخص في هذه الوجوه كلها" إلخ. ومشكل أيضا بالنظر إلى الاقتصار على الواحدة مع ما قدمه في مفسدات الصلاة حيث قال: "أو ترك أكثر التكبير أو التعظيم إلخ" فإنه لا شك أنه إذا اقتصر على واحدة في كل ركعة فقد ترك أكثر التعظيم على المعمول به والله أعلم. إلا أن يكون مراده أنه لم يعظم في أكثر صلاته وهذا
__________
(1) / خ: أعظم لي. (1/260)
صفحة 261
بعيد، فإن من ترك التعظيم أصلا على جهة العمد ولو في ركوع واحد فسدت صلاته، والله أعلم، فليحرر مراده.
قوله:» عن لبس القسي «، يعني بضم اللام قال في الصحاح: اللُبس بالضم مصدر قولك: لبست الثوب ألبس، واللَبس بالفتح مصدر قولك: لبست عليه الأمر ألبس أي خلطت من قوله تعالى: {ولَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} [الأنعام:9] إلخ، والمراد بالقسي على كلام مختصر الصحاح: نوع من الثياب حيث قال: والقسي ثوب يحمل من مصر يخالطه الحرير، وفي الحديث نهي عن لبس القسي، قال أبو عبيدة: هو منسوب إلى بلاد الهند انتهى. وضبط القسي بفتح القاف ولم أقف عليه في الصحاح في هذه المادة، والله أعلم، فليراجع.
قوله:» والمعصفر «، المراد به الثوب المصبوغ بالعصفر، ولعل هذا بالنظر إلى المحرم فقط، لما فيه من الرائحة الطيبة كما يؤخذ من كلام صاحب الإيضاح رحمه الله في ممنوعات الإحرام أيضا، حيث قال: "الممنوع الثاني الذي هو الطيب فالأصل فيه الحديث المتقدم وهو قوله عليه السلام: "ولا يلبس المحرم شيئا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس"، فعلى هذا يلبس من الثياب ما شاء وأي لون شاء ما لم يكن مسها الزعفران أو ورس أو عصفر وما كان من طيب، وقد بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس القسي والمعصفر، وإن غسل ولم يتنقص منه ولم يكن فيه ريح الطيب فلا بأس بلبسه إلخ، ومثله كلام القواعد حيث قال: واختلف في لبس الثوب الذي مسه زعفران أو ورس أو غيرهما فغسل حتى ذهب ريحه فرخص فيه أصحابنا، وروي ذلك عن جابر بن زيد وسعيد بن المسيب، إلى أن قال: وكره ذلك مالك بن أنس إلا أن يكون غسل فذهب لونه إلخ.
قوله:» وعن تختم الذهب «، أي لبس خاتم الذهب، قال في الصحاح: "تختمت أي لبسته إلخ"، وذكر في الخاتم بفتح التاء وكسرها، وهذا في حق الرجال دون النساء كما هو معلوم. (1/261)
صفحة 262
قال النووي: "أجمع المسلمون على إباحة خاتم الذهب للنساء وأجمعوا على تحريمه على الرجال إلا ما حكي عن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم أنه أباحه، وعن بعضهم أنه مكروه حرام، وهذان النقلان باطلان وقائلهما محجوج بالأحاديث الصحيحة التي ذكرها مسلم مع إجماع من قبله على تحريمه، مع قوله عليه السلام في الذهب والحرير: "إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثها"، قال أصحابنا: ويحرم سن الخاتم إذا كان ذهبا وإن كان باقيه فضة، وكذا لو مُوِّهَ خاتم الفضة بالذهب فهو حرام انتهى. وسن الخاتم هو الشعبة التي يستمسك بها الفص". انتهى من العلقمي.
قوله:» وعن القراءة في الركوع والسجود «قال في القواعد: "وأجمع العلماء على منع القرآن في الركوع والسجود لحديث ابن عباس عنه عليه السلام قال: "نهيت عن قراءة القرآن في الركوع والسجود". وذهب بعض إلى جواز ذلك إلخ، لكن قوله: "وذهب بعضهم" إلخ مناف بحسب الظاهر لقوله أولا: "وأجمع العلماء"، إلا أن يكون المراد جمهورهم أو علماء المذهب، والله أعلم، فليحرر.
قوله:» إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده قال من خلفه: ربنا ولك الحمد «، قال ابن حجر: "استدل به على أن الإمام لا يقول: (ربنا ولك الحمد) وعلى أن المأموم لا يقول: (سمع الله لمن حمده)، لكون ذلك لم يذكر في هذه الرواية، كذلك حكاه الطحاوي، وهو قول مالك وأبي حنيفة، وفيه نظر، لأنه ليس فيه ما يدل على النفي بل فيه إن قول المأموم: (ربنا ولك الحمد) يكون عقب قول الإمام: (سمع الله لمن حمده)، والواقع في التصوير ذلك، إلى أن قال: ويأتي أنه صلى الله عليه وسلم كان يجمع التسميع والتحميد.
وأما ما احتجوا به من حيث المعنى من أن معنى: (سمع الله لمن حمده) طلب التحميد فيناسب حال الإمام، وأما المأموم فتناسبه الإجابة بقول: (ربنا لك الحمد) ويقويه حديث أبي موسى الأشعري عند مسلم وغيره ففيه وإذا قال: (سمع الله لمن حمده) فقولوا: (ربنا لك الحمد) يسمع الله لكم، فجوابه أن يقال: لا يدل ما ذكرتم على أن الإمام لا يقول: (ربنا ولك الحمد) إذ لا يمتنع أن يكون طالبا ومجيبا، إلى أن قال: ويقرب منه ما تقدم البحث فيه في الجمع بين الحيعلة والحوقلة لسامع المؤذن، وقضية ذلك أن الإمام يجمعهما. وهو قول الشافعي (1/262)
صفحة 263
وأحمد وأبي يوسف ومحمد والجمهور والأحاديث الصحيحة تشهد له، وزاد الشافعي أن المأموم يجمع بينهما أيضا لكن لم يصح في ذلك شيء إلخ.
وظاهر كلام الإيضاح يدل على أن مذهب أصحابنا كهؤلاء في جواز الجمع بينهما حيث قال بعد ذكر هذا الحديث: وإن قال: (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) وجمع بينهما فلا بأس بصلاته، لما روي أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال: (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد)، وكذلك إن قال: (ربنا ولك الحمد) وهو يصلي وحده فلا بأس بصلاته، وكذلك إن قال: (سمع الله لمن حمده) وهو خلف الإمام على هذا الحال إلخ.
وقد شدد في كتاب: (سبوغ النعم) في إفراد أحدهما عن الآخر إذا كان منفردا حيث قال: "وإذا فرغ من الركوع قام وقال: (سمع الله لمن حمده) واستوى قائما حتى يرجع كل عضو إلى مفصله، ثم قال: (ربنا ولك الحمد) وهو سنة في الصلاة، ومن ترك (سمع الله لمن حمده وربنا ولك الحمد) متعمدا إذا صلى وحده فسدت صلاته، إلى أن قال: وقد اختلفوا فيه خلف الإمام، فقال قوم: يقول: (سمع الله لمن حمده)، وقال آخرون: لا يقولها ويقول: (ربنا ولك الحمد والحمد لله لا شريك له) إلخ، وجزم في ا لقواعد بما عليه العمل في زماننا حيث قال: وإذا أتم المصلي التعظيم فليستو قائما حتى يرجع كل عضو إلى مفصله، ويقول في حين الرفع: (سمع الله لمن حمده) إذا كان فذا أو إماما، وإن كان مأموما فليقل: (ربنا ولك الحمد) ثم يهوي إلى السجود" إلخ.
قوله:» عن أبي هريرة قال: إذا قام الإمام «إلخ. لفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد: "عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، فإنه) إلخ قال ابن حجر: "قوله: (اللهم ربنا) ثبت في أكثر الطرق هكذا، وفي بعضها بحذف اللهم، وثبوتها أرجح، وكلاهما جائز، وفي ثبوتها تكرار النداء كأنه يقول: يالله يا ربنا.
قوله:» ولك الحمد «. قال ابن حجر: "كذا ثبت بزيادة (الواو) في طرق كثيرة، وفي بعضها كما في الباب الذي يليه بحذفها، قال النووي: المختار أن لا ترجيح لأحدهما على الآخر. (1/263)
صفحة 264
وقال ابن دقيق العيد: "كان إثبات الواو دالا على معنى زائد لأنه يكون التقدير مثلا: (ربنا استجب ولك الحمد) فيشتمل على معنى الدعاء ومعنى الخبر، وهذا بناء منه على أن الواو عاطفة، وقد تقدم في (باب التكبير) إذا قام من السجود على قول من جعلها حالية، وأن الأكثر رجحوا ثبوتها إلخ، قال في ذلك الباب: قال العلماء: الرواية بثبوت الواو أرجح وهي زائدة، وقيل: عاطفة على محذوف، وقيل: هي واو الحال، قال ابن الأثير: وضعف ما عداه" انتهى.
قوله:» فإن من وافق قوله قول الملائكة «. قال ابن حجر: "فيه إشعار بأن الملائكة تقول ما يقول المأمومون، وقال في محل آخر وهو دال على أن المراد الموافقة في القول والزمان خلافا لمن قال: المراد الموافقة في الإخلاص والخشوع، إلى أن قال: وقال ابن المنير: الحكمة في إثبات الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها، لأن الملائكة لا غفلة عندهم فمن وافقهم كان متيقظا، ثم ظاهره أن المراد بالملائكة جميعهم، واختاره ابن بزيزة، وقيل: الحفظة منهم، وقيل: الذين يتعاقبون منهم إذا قلت: إنهم غير الحفظة، والذي يظهر أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في الأرض أو في السماء إلخ، فذكر له أدلة ثم قال: ومثله لا يقال بالرأي فالمصير إليه أولى، والله أعلم" انتهى.
قوله:» غفر له ما تقدم من ذنبه «. قال ابن حجر: "ظاهره غفران الذنوب الماضية، وهو محمول عند العلماء على الصغائر إلخ، ويشترط عندنا أن يكون مجتنبا للكبائر كما هو معلوم، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب الوضوء.
قوله:» صلى يوما بأصحابه فلما فرغ من صلاته قال لأصحابه «إلخ، لفظ الحديث في البخاري بعد ذكر الإسناد قال: "كنا يوما نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركوع قال: (سمع الله لمن حمده) فقال رجل وراءه: (ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه) فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا قال: رأيت بضعا وثلاثين ملكا" إلخ.
قوله:» من المتكلم «. قال ابن حجر: "زاد رفاعة بن يحيى في الصلاة فلم يتكلم أحد ثم قال الثانية فلم يتكلم أحد ثم قال الثالثة، فقال رفاعة بن رافع: أنا، قال: كيف قلت؟ فذكره، فقال: والذي نفسي بيده، الحديث. (1/264)
صفحة 265
قوله:» آنفا «بمعنى سالفا، كما يدل عليه كلام الصحاح حيث قال: وقلت كذا آنفا وسالفا.
قوله:» مباركا «. قال في الإيضاح: "مباركا فيه" وكذا في البخاري، قال ابن حجر: "قوله: (مباركا فيه) زاد رفاعة بن يحيى (مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى) فأما قوله: (مباركا عليه) فيحتمل أن يكون تأكيدا وهو الظاهر، وقيل: الأول بمعنى الزيادة والثاني بمعنى البقاء قال الله تعالى: {وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} [فصلت:10] فهذا يناسب الأرض لأن المقصود به النماء والزيادة لا البقاء لأنه بصدد التغيير، وقال تعالى: {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ} [الصافات:113]، فهذا يناسب الأنبياء لأن البركة باقية لهم. ولما كان الحمد يناسبه المعنيان جمعهما، كذا قرره بعض الشراح، ولا يخفى ما فيه، وأما قوله: "كما يحب ربنا ويرضى" ففيه من حسن التفويض إلى الله ما هو الغاية في القصد.
قوله:» قال رجل «، هو رفاعة بن رافع كما في ابن حجر.
قوله:» بضعا وثلاثين «، قال ابن حجر: "فيه رد على من زعم كالجوهري أن البضع يختص بما دون العشرين".
قوله:» أيهم يكتبها أولا «، قال ابن حجر: "في رواية رفاعة بن يحيى المذكورة: (أيهم يصعد بها أول) وللطبراني من حديث أبي أيوب (أيهم يرفعها)، قال السهيلي: روي (أول) بالضم على البناء لأنه ظرف قطع عن الإضافة، وبالنصب على الحال" انتهى. وأما "أيهم" فرويناه بالرفع وهو مبتدأ وخبره يكتبها، قال الطيبي وغيره: تبعا لأبي البقاء في إعراب قوله تعالى: {يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمُ, أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران:44]، قال: وهو في موضع نصب والعامل فيه ما دل عليه (يلقون)، و (أي) استفهامية، والتقدير يقول: (أيهم أن يكتبها)، ويجوز في أيهم النصب بأن يقدر المحذوف (ينظرون أيهم). وعند سيبويه أي موصولة، والتقدير (يبتدرون الذي هو يكتبها أول). وأنكر جماعة من البصريين ذلك، ولا تعارض بين روايتي (يكتبها ويصعد بها) لأنه يحمل على أنهم يكتبونها ثم يصعدون بها، والظاهر أن هؤلاء الملائكة غير الحفظة ويؤيده ما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا: "أن لله (1/265)
صفحة 266
ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر" الحديث. واستدل به على أن بعض الطاعات قد يكتبها غير الحفظة، إلى أن قال: "والحكمة في سؤاله له عما قال أن يتعلم السامعون كلامه فيقولوا بمثله إلخ، فذكر أن هذا الحديث يدل على جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش على من معه، وعلى تطويل الاعتدال بالذكر، إلى أن قال: فائدة:
قيل: الحكمة في اختصاص العدد المذكور من الملائكة بهذا الذكر أن عدد حروفه مطابق للعدد المذكور، فإن البضع من الثلاث إلى التسع وعدد الذكر المذكور ثلاثة وثلاثون حرفا، ويعكر على هذا الزيادة المتقدمة في رواية رفاعة بن يحيى وهو قوله: "مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى" بناء على أن القصة واحدة، ويمكن أن يقال: المتبادر إليه هو الثناء الزائد على المعتاد وهو من قوله: "حمدا كثيرا" إلى آخره دون قوله: "مباركا عليه"، فإنها كما تقدم للتأكيد، وعدد ذلك سبعة وثلاثون حرفا إلخ.
قوله:» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ص وسجد «، لعله إنما خص سجدة ص بالذكر لوقوع الخلاف فيها، فثبت مشروعية السجود فيها؛ ولأن الظاهر أن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ص كانت لرؤية أبي سعيد أنه يقرؤها، وإلا فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قرأ جميع سجدات القرآن وسجد فيها، ففي البخاري عن ابن عمر قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة وفيها السجدة فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته".
قال ابن حجر: فيما يتعلق بسجدة ص من طريق مجاهد قال:.سألت ابن عباس من أين سجدت في ص؟ ولابن خزيمة هذا من الوجه من أين أخذت سجدة ص؟ ثم اتفقا فقال: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوودَ وَسُلَيْمَانَ} إلى قوله {فَبِهُدَاهُمُ اَقْتَدِهْ} [الأنعام:84 - 90] ففي هذا أنه استنبط مشروعية السجود فيها من الآية، وفي الأول أنه أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وقع في أحاديث الأنبياء من طريق مجاهد في آخر فقال ابن عباس: “نبيكم ممن أمر أن يقتدي"، فاستنبط وجه سجود النبي صلى الله عليه وسلم فيها من الآية، وسبب ذلك كون السجدة التي في ص إنما وردت بلفظ الركوع فلولا التوقيف ما ظهر أن فيها سجدة إلخ. (1/266)
صفحة 267
الباب الأربعون
في القعود في الصلاة والتحيات (1)
235) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلاَةُ أَحَدِكُمْ قَاعِدًا نِصْفُ صَلاَتِهِ قَائِمًا».
236) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي جَالِسًا (2) صَلاَةَ اللَّيْلِ قَطُّ.
237) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيءَ يُصَلِّي قَاعِدًا فِي سُبْحَتِهِ قَطُّ حَتَّى إِذَا كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي قَاعِدًا وَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ وَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا.
238) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى الْمُصَلِّيَ أَنْ يُقْعِيَ فِي صَلاَتِهِ إِقْعَاءَ الْكَلْبِ، وَأَنْ يَنْقُرَ فِيهَا (3) نَقْرَ الدِّيكِ، أَوْ يَلْتَفِتَ فِيهَا الْتِفَاتَ الثَّعْلَبِ، أَوْ يَقْعُدَ فِيهَا قُعُودَ الْقِرْدَ.
قَالَ الرَّبِيعُ: إِقْعَاءَ الْكَلْبِ: أَنْ يَفْرِشَ ذِرَاعَيْهِ وَلاَ يَنْصُبَهُمَا، وَقُعُودُ الْقِرْدِ: أَنْ يَقْعُدَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَنْصُبَ قَدَمَيْهِ، وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الوُجُوهِ الأَرْبَعَةِ فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الصَّلاَةِ.
239) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: التَّحِيَّاتُ كَلِمَاتٌ كَانَ يُعَلِّمُهُنَّ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ. وَمَعْنَى التَّحِيَّاتِ: الْمُلْكُ لِلَّهِ.
__________
(1) / خ: للتحيّات.
(2) / خ: قاعدا.
(3) / خ: ينقرها. (1/267)
صفحة 268
240) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَصَلَّى وَهُوَ جَالِسٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ إِمَامًا (1) لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فصلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ».
قَالَ جَابِرٌ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِثْلُ هَذَا خَلْفَ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلاَ.
قوله:» صلاة أحدكم قاعدا مثل نصف صلاته قائما «. الظاهر والله أعلم أن هذا خاص بالنوافل لمن قدر على القيام فيكون ذلك مؤاخذة له حيث ترك القيام مع قدرته عليه، فإن المتبادر من الحديث أنه ورد فيمن له القدرة على القيام وتركه، ومن المعلوم أنه لا يجوز ذلك إلا في النوافل على قول، واستدل له في الإيضاح بهذا الحديث بعد الاستدلال بحديث غيره حيث قال: "وما روي أنه قال عليه السلام: "صلاة أحدكم قاعدا مثل نصف صلاته وهو قائم" يحتمل هذا الرأي، والنوافل أيضا غير واجبة في الأصل، والله أعلم" انتهى.
وأما من لا قدرة له على القيام فالمناسب لكرم الله وسعة فضله أن لا تنقص صلاته قاعدا عن صلاته قائما لأنه معذور، وقد أتى بما استطاع والله يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، وقال أيضا: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11] وهذا لم يقع التغيير من قبله، فالظاهر أنه لا تنقص صلاته كما لا تنقص صلاة الخوف وصلاة السفر في الفضل عن صلاة الأمن والحضر؛ لأن هذا هو الواجب في حق كل واحد كما هو معلوم، والله أعلم.
إلا أنه ذكر في كتاب الترغيب ما هو بحسب الظاهر صريح في خلاف هذا ويقتضي حمل الحديث على إطلاقه حيث قال: ومن قرأ القرآن في صلاة الفريضة فله من الأجر لكل حرف مائة حسنة إذا صلى قائما، وإن صلى قاعدا فنصف ذلك،
__________
(1) / في نسخة القطب اسقاط إماما. (1/268)
صفحة 269
والنافلة نصف الفريضة إلخ، ثم رأيت في شرح البخاري الإشارة إلى ما قد بحثته أولا حيث تكلم على قوله في رواية البخاري ولفظها بعد ذكر الإسناد عن عمران بين حصين وكان مبسورا ـ أي كان به بواسير ـ أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل قاعدا فقال: “إن صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا له نصف أجر القائم، ومن صلى نائما له نصف أجر القاعد".
قال ابن حجر: قوله: "عن صلاة الرجل قاعدا" قال الخطابي: كنت تأولت هذا الحديث على أن المراد به صلاة التطوع يعني للقادر، لكن قوله: "من صلى نائما" يفسده لأن المضطجع لا يصلي التطوع كما يفعل القاعد، لأني لا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه رخص في ذلك، قال: فإن صحت هذه اللفظة ولم يبين بعض الرواة أدرجها قياسا منه للمضطجع على القاعد كما يتطوع المسافر على راحلته، فالتطوع للقادر على القعود مضطجعا جائز بهذا الحديث. قال: وفي القياس المتقدم نظر، لأن القعود شكل من أشكال الصلاة بخلاف الاضطجاع، قال: وقد رأيت الآن أن حديث عمران محمول على المريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل فيقوم مع مشقة فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم ترغيبا له في القيام مع جواز قعوده" انتهى. قال ابن حجر: "وهو حمل متجه، إلى أن قال: فلو تحامل هذا المعذور وتكلف القيام ـ ولو شق عليه ـ لكان أفضل لمزيد أجر تكلف القيام، فلا يمتنع أن يكون أجره على ذلك على تحمل المشقة نظير أجره على أصل الصلاة فيصح أن أجر القاعد على النصف من أجر القائم.
ومن صلى النفل قاعدا مع القدرة على القيام أجزاه وكان أجره على النصف من أجر القائم لغير إشكال، وأما قول الباجي: إن الحديث في المفترض والمتنفل معا، فإن أراد بالمفترض ما قررناه فذاك، وإلا فقد أبى ذلك أكثر العلماء. وحكى ابن التين وغيره عن أبي عبيد وابن الماجشون وإسماعيل القاضي وابن شعبان والإسماعيلي والداودي وغيرهم أنهم حملوا حديث عمران على المتنفل، وكذا نقله الترمذي عن الثوري قال: وأما المعذور إذا صلى جالسا فله مثل أجر القائم، قال: وفي الحديث ما يشهد له، يشير إلى ما أخرجه البخاري في الجهاد من حديث أبي موسى رفعه: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له صالح ما كان يعمل وهو صحيح (1/269)
صفحة 270
مقيم". ولهذا الحديث شواهد كثيرة سيأتي ذكرها في الكلام عليه إن شاء الله. ويؤيد ذلك قاعدة تغليب فضل الله تعالى، وقبول عذر من له عذر، والله أعلم. إلى أن قال: وأما نفي الخطابي جواز النفل مضطجعا فقد تبعه ابن بطال على ذلك، وزاد: لكن الخلاف ثابت فقد نقله الترمذي بإسناده إلى الحسن البصري قال: "إن شاء صلى الرجل التطوع قائما وجالسا ومضطجعا، وقال به جماعة من أهل العلم، إلى أن قال: وهو اختيار الأبهري منهم، يعني من المالكية، واحتج بهذا الحديث" انتهى، وأقول: هو أحد القولين عندنا لكن بشرط أن يكون غير قادر على القيام والقعود ورجع في صلاة الفرض إلى الاضطجاع، والله أعلم.
وإذا صح ما ذكره ابن حجر من حمل المفترض الذي يمكنه أن يتحامل فيقوم مع مشقة مع جواز قعوده، صح حمل كلام الترغيب عليه أيضا فيكون معنى قوله: "وإن صلى قاعدا فنصف ذلك"، يعني إذا لم يتحمل المشقة في القيام وصلى قاعدا، قال في القواعد: ولو قدر على القيام ولكن تلحقه مشقة فادحة بحكم العجز لسقط عنه القيام إلخ، يعنى والله أعلم، وإن تحمل المشقة فهو الأفضل له وتكتب صلاته كاملة الأجر، وإن لم يتحمل فهي على النصف، وإذا تم هذا صح هذا البحث الذي ذكرته أولا، والله أعلم.
ثم الظاهر أن في قوله: "صلاة أحدكم قاعدا" إلخ، بالإضافة إلينا إشارة إلى ما ذكر بعض قومنا من أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن صلاته قاعدا لا ينقص أجرها عن صلاته قائما، قال ابن حجر: قوله: "ومن صلى قاعدا" يستثنى من عمومه النبي صلى الله عليه وسلم فإن صلاته قاعدا لا ينقص أجرها عن صلاته قائما لحديث عبد الله بن عمر قال: "بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الرجل قاعدا على نصف الصلاة) فأتيته فوجدته يصلي جالسا، فوضعت يدي على رأسي فقال: (مالك يا عبد الله؟) فأخبرته فقال: (أجل، ولكني لست كأحد منكم) ” أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. وهذا ينبني على أن المتكلم داخل في عموم خطابه وهو الصحيح. وقد عد الشافعية في خصائصه صلى الله عليه وسلم هذه المسألة إلخ.
قوله:» قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل جالسا قط «. زاد فيه البخاري ما يناسب الحديث الذي بعده ولفظه بعد (1/270)
صفحة 271
ذكر الإسناد "عن عائشة أم المؤمنين أنها أخبرته أنها لم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل قاعدا قط حتى أسن فكان يقرأ قاعدا، حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلاثين أو أربعين آية ثم ركع" قال ابن حجر: "قال ابن التين: قيدت عائشة ذلك بصلاة الليل لتخرج الفريضة، ويقولها: (حتى أسن) لتعلم أنه ما فعل ذلك إبقاء على نفسه ليستديم الصلاة، وأفادت أنه كان يديم القيام، وأنه كان لا يجلس عما يطيقه من ذلك" انتهى.
وقوله:» إبقاء «، لعله من أبقيت على فلان إذا رعيت عليه ورحمته والله أعلم.
قوله:» نهى المصلي أن لا يقعي في صلاته «، هكذا فيما رأيته من النسخ ولعل (لا) زائدة كما في قوله تعالى: {لئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} [الحديد:29] وقوله: {فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ} [النمل:24 - 25] على القول: بأنه متعلق بلا يهتدون أي لا يهتدون إلى أن يسجدوا بزيادة (لا) بخلافه على القول: بأنه متعلق بصدهم أو بدل من أعمالهم، وإنما قلنا: إنها زائدة لأن النهي إنما وقع عن الإقعاء لا عن عدمه. ولفظ الحديث في الجامع الصغير نهى عن الإقعاء والتورك في الصلاة.
قوله:» وأن ينقرها نقرا «، يعنى بضم القاف من نقر الطائر الحبة أي التقطها، والمعنى أنه يستعجل صلاته فلا يتم ركوعها ولا سجودها مثلا.
قوله:» قال الربيع: إقعاء الكلب أن يفرش ذراعيه ولا ينصبهما «. هكذا فيما رأيته من النسخ، وهو بحسب الظاهر لا يناسب تفسير أهل اللغة ولا تفسير الفقهاء على ما ذكره في الصحاح حيث قال: "إقعاء الكلب" إذا جلس على أسته مفترشا رجليه وناصبا يديه. وقد جاء النهي عن الإقعاء في الصلاة وهو أن يضع إليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا تفسير الفقهاء، فأما أهل اللغة فالإقعاء عندهم أن يلصق الرجل إليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويتساند إلى ظهره إلخ، وهذا التفسير هو الذي يميل إليه كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله حيث قال في (مكروهات الصلاة): "الخامسة الإقعاء وهو الجلوس على الإليتين مع نصب الفخذين عند بعضهم في التشهد" انتهى.
وقوله:» عند بعضهم «، يشعر بوجود الخلاف في كيفيته، وقد ذكر له في الإيضاح غير تفسير الربيع تفسيرين:
أحدهما: ما ذكره صاحب الصحاح عن الفقهاء، إلا أنه لم يقيده بما بين السجدتين حيث قال: "واختلف العلماء في صفة الإقعاء المنهي عنه في الصلاة، قال بعضهم: أن يضع إليتيه على (1/271)
صفحة 272
عقبيه وهو الذي يعرف بعقبي الشيطان إلخ.
والثاني: ما ذكره صاحب الصحاح عن أهل اللغة إلا أنه زاد عليه وضع اليدين على الأرض حيث قال: وقال آخرون: معنى الإقعاء المنهي عنه في الصلاة هو أن يلصق إليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض كما تفعل الكلاب والسباع، إلى أن قال: والنظر يوجب عندي هذا التفسير، إلى أن قال: غير أن الربيع بن حبيب رحمه الله ذكر في تفسير الإقعاء قال: أن يفرش ذراعيه في الصلاة ولا ينصبهما إلخ. فقوله رحمه الله: "غير أن الربيع" إلخ فيه إشارة إلى أن تفسير الربيع للإقعاء مخالف للمشهورين بين العلماء، ويدل على ذلك أيضا ما ذكر في بعض كتب قومنا، قال العلقمي: "الإقعاء أن يلصق الرجل إليتيه بالأرض وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب أن يضع إليتيه وينصب ساقيه بين السجدتين. والرأي الأول أبين الرأيين، قال النووي: "والصواب عنه أن الإقعاء فيه قولان:
أحدهما: أن يلصق إليتيه وينصب ساقيه على الأرض كإقعاء الكلب وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي.
والثاني: أن يجعل إليتيه على عقبيه بين السجدتين وهذا مراد ابن عباس بأنه سنة" إلخ، وكان هذا مراد الشيخ إسماعيل رحمه الله حيث قال بعد حكاية القولين في الإقعاء: "وقوم رأوا أن الإقعاء هو أن يجعل إليتيه على عقبيه وأن يجلس على صدر قدميه، وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: "الإقعاء على القدمين في السجود وعلى هذه الصفة هو سنة نبيكم" إلخ. والظاهر أن هذه الصفة لا تجوز عندنا أيضا لأنها هي قعود القرد على تفسير الربيع رحمه الله حيث قال: "وقعود القرد أن يقعد على عقبيه وينصب قدميه، يعني ويجلس على صدرهما لأنه لا يتأتى له ذلك إلا إذا جلس على صدور القدمين كما هو ظاهر، والله أعلم.
ولم يتعرض هنا لصفة القعود المطلوبة شرعا عند قراءة التحيات، ولا لصفة قعود من لم يقدر على القيام.
أما الأولى: فقد بينها صاحب الإيضاح حيث قال: وأما صفة القعود فإنه إذا قعد الرجل للتشهد فليقعد على رجليه وليكن اعتماده على رجله اليسرى، وليجعل بنان رجله اليمنى في أخمص اليسرى وليوصلهما إلى الأرض جميعا، وإن جعل بنان اليسرى في أخمص اليمنى فلا بأس عليه بصلاته، إلى أن قال: (1/272)
صفحة 273
وبالجملة إن جميع القعود لا يفسد الصلاة إلا ما قام عليه الدليل مثل قعود الحبشة، وتربيع الملوك، وجلوس القرفصاء، إلخ فبين كل صفة فليراجع.
وأما الثانية: فقد بينها أيضا حيث قال: وأما صفة قعود المريض الذي هو بدل من القيام عند العجز إذا أراد أن يصلي، قال بعضهم: يقعد كقعود التشهد، وقال آخرون: يقعد ويوقف رجليه ويوصلها إلى الأرض إن أمكنه ذلك ويجعل بينهما فرجة ويقدم بنان رجله الشمال على اليمنى ويصلي كذلك كصلاة القيام إلخ، ثم ذكر الخلاف أيضا هل يسجد إذا قدر على السجود أو يوميء على كل حال وهو المصدّر به عنده، والله أعلم.
قوله:» ومن فعل شيئا من هذه الوجوه الأربعة فعليه إعادة الصلاة «، ظاهر هذا مشكل بالنظر إلى الإقعاء ومطلق الالتفات مع ظاهر كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله، فإنه جعلها من المكروهات لا من المفسدات حيث قال في (المكروهات): "الثانية الالتفات قليلا من غير أن يرى من خلفه، ثم قال: الخامسة الإقعاء وهو الجلوس" إلخ، ويمكن الجمع بينهما بالنظر إلى الالتفات بل يجمل كلام الربيع رحمه الله على إذا رأى من خلفه ويرشد إليه قوله في الحديث: "التفات الثعلب" ليخرج غيره، وأما الإقعاء فلعل فيه قولين، والظاهر أن قعود القرد كالإقعاء وقد جاء النهي عن هيئات من القعود غير ما ذكر كتربيع الملوك، وقعود القرفصاء، قال في الإيضاح: "وهو أن يقعد الرجل قعدة المحتبي ثم يحتبي بيديه يضعهما على ساقيه، وعقبي الشيطان وقعود الحبشة، قال في الإيضاح: وهو أن يضع إليتيه على عقبيه في الصلاة ويجلس على صدور قدميه، والدليل ما روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن عقبي الشيطان وقعود الحبشة بذكر قعود الكلب بدل القرد. فإن محصل كلامهم رحمهم الله في التفسير أن معنى قعود القرد وقعود الحبشة وعقبي الشيطان واحد، وكذلك في الإقعاء على تفسير بعضهم كما تقدم، والله أعلم.
وأما قعود المرأة فكيفيته أن تفضي إلى الأرض بأوراكها وترد رجليها إلى الجانب الأيمن، والله أعلم.
قوله:» التحيات كلمات كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهن أصحابه «لفظ الحديث في الإيضاح: "روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه (1/273)
صفحة 274
التشهد كما يعلمهم سورة القرآن. واستدل به على القول بوجوبها، وهو الذي صدر به في القواعد حيث قال: وقراءة التحيات في الصلاة فرض واجب من السنة لا تتم الصلاة إلا بها.
ثم قال: والتشهد المأثور عن الصحابة رحمهم الله على ثلاثة؛
أحدهما: تشهد ابن عباس وهي التحيات المباركات لله والصلوات الطيبات. وكان يقال في ذلك: تحية من عند الله مباركة طيبة، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، ثم قال: وهذا الشهد هو الذي أخذ به أصحابنا ووافقهم على ذلك الشافعي" إلخ، فذكر التشهد الثاني والثالث ثم قال: فبأي هذه الألفاظ أخذ الإنسان فلا بأس عليه إن شاء الله.
وذكر في بعض كتب أصحابنا أنهم في زمان النبي عليه السلام كانوا يقولون: السلام عليك أيها النبي، وبعد موته: السلام على النبي ورحمة الله إلخ.
ثم صريح كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله في القواعد أن قوله: السلام على النبي بغير واو كما هو في جميع ما رأيناه من النسخ، وكذلك كلامه في القناطر إلا أنه جعل الطيبات معطوفة على الصلوات لا صفة لها حيث قال: فاجلس متأدبا وصرح بأن جميع ما تدلي به من الصلوات والطيبات أي الأخلاق الطاهرة لله تعالى، وكذلك التحيات ومعناه الملك، وأحضر في قلبك النبي صلى الله عليه وسلم بشخصه الكريم وقل: السلام على النبي إلخ". فجعل رحمه الله الصلوات الطيبات راجعة إلى الله واستأنف السلام على النبي عليه السلام. ومثله كلام الشيخ خميس بن سعيد رحمه الله في منهاجه فإنه عطف الطيبات على الصلوات، وفصل السلام على النبي عليه السلام عما قبله كما سيأتي بيانه في معنى التحيات، وكلام صاحب الإيضاح رحمه الله صريح في ثبوت الواو في قوله: والسلام على النبي، ويدل على وجود الخلاف في الصلوات الطيبات هل هي راجعة إلى الله أو إلى النبي عليه السلام حيث قال بعد ذكر الخلاف في القدر المجزيء من قراءة التحيات لمن أحدث قبل السلام ما نصه: "وذلك أن الصلوات عند بعضهم إنما هي الصلاة على النبي عليه السلام، ويكون والسلام على النبي ورحمة الله وبركاته معطوفا عليه إلخ، فعلى هذا يكون الراجع إلى الله تعالى آخر عند قوله لله، (1/274)
صفحة 275
والظاهر كلام صاحب القناطر وصاحب المنهاج رحمهما الله، ولم يذكر في البخاري وشرحه غيره أعنى عطف الطيبات وفصل السلام، والله أعلم.
ثم رأيت في شرح الجهالات ما هو صريح فيما يدل عليه كلام الإيضاح حيث قال بعد كلام وقع فيه الخلاف بين الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف وأبي محمد عبد الله اللتني رحمهما الله ما نصه: وحدثني أيضا أنهما اختلفا في الصلوات الطيبات من التحيات ما هي؟ فقال الشيخ أبو الربيع: إنها الصلوات الخمس وأنها لله، وقال أبو محمد عبد الله: إنها الصلاة على النبي، والسلام على النبي عنده معطوف على الصلوات الطيبات” انتهى، لكن كلامهما معًا يدل على أن الطيبات صفة الصلوات لا معطوفة عليها. ويؤخذ من كلامهم جميعا رحمهم الله أنه يجوز للإنسان الأخذ بأي رواية شاء، والله أعلم.
قوله:» ومعنى التحيات «الملك لله هذا قول الأكثرين.
قال الشيخ خميس بن سعيد رحمه الله: واختلف في معنى التحيات فقال ابن عمر وأبوعبيدة وأكثر الفقهاء: التحية الملك والبقاء، وقال ابن عباس: العظمة، وقال بشير بن محمد بن محبوب: التحيات المجد، والمباركات هي أسماء الله الحسنى لأنهن بركة لمن ذكرهن وذكرن عليه لله، والصلوات هي الصلوات الخمس المفروضة، والطيبات هي الأعمال الصالحة الزاكية.
السلام هو التحية من الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم وبركاته من البركة، وقيل: السلام من الله على النبي هو الرحمة من الله والنعمة، والسلام من المسلمين من بعضهم على بعض هو التحية. والسلام علينا بمعنى الرحمة والسلامة لأن رحمة ربنا قد وسعت المؤمن وغير المؤمن في دار الدنيا، وفي الآخرة لأوليائه خاصة.
» أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له «أي أعلم وأستيقن أن لا إله إلا الله واحد أحد، فرد صمد، ليس كمثله شيء، ولا يستحق العبادة غيره، وأشهد أومن وأصدق تصديقا لا شك فيه، ولا ريب أن محمدا بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي العربي، عبد الله ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون إلى آخره. (1/275)
صفحة 276
ثم قال: "وبلغنا أن بدء التحيات أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى يقول لك: (التحيات لله)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وأنا أقول: (والصلوات والطيبات)، فقال جبريل عليه السلام: وأنا أقول: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، وقيل: كذلك كان يقال في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن أبا بكر رضي الله عنه قال: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، وقال عمر رضي الله عنه: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) صلى الله عليه وسلم، وقال بعض الصحابة: (أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) فهذا تمام ما نقوله في صلاتنا إلخ.
أقول: وأما أصحابنا من أهل الجبل فذكر صاحب الإيضاح رحمه الله أنهم يزيدون بعد التشهد: (أشهد أن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الموت حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور) قال: وهو حسن جدا لأنه من تمام التوحيد، وهو من العشر الكلمات، ولا أدري هذه الزيادة منهم استحسانا أو أثرا عن بعض الأئمة أو عن النبي عليه السلام" انتهى.
وأطال ابن حجر في بيان معنى التحيات وفي إعرابها وغير ذلك، فنورد كلامه لما فيه من الفوائد، قال:
"قوله: (التحيات) جمع تحية ومعناها السلام، وقيل: البقاء وقيل: العظمة، وقيل: السلامة من الآفات والنقص، وقيل: الملك، وقال أبو سعيد الضرير: ليست التحية الملك نفسه، لكنها الكلام الذي يحيّى به الملك، وقال ابن قتيبة: لم يكن يحيى إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه، فلهذا جمعت فكان المعنى التحيات التي يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة لله، وقال الخطابي ثم البغوي: لم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على الله، فلهذا أبهمت ألفاظها واستعمل منها معنى التعظيم فقال قولوا: (التحيات لله) أي أنواع التعظيم له، وقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركا بين المعاني المتقدم ذكرها، وكونها بمعنى السلام أنسب هنا" انتهى.
"قال: قوله: (الصلوات) قيل: المراد الخمس، أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافل في كل شريعة، وقيل: المراد العبادات كلها، وقيل: الدعوات، (1/276)
صفحة 277
وقيل: الرحمة، وقيل: التحيات العبادات القولية والصلوات العبادات الفعلية، والطيبات العبادات المالية" انتهى.
"قال: وقوله: (والطيبات) أي ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به، وقيل: الطيبات ذكر الله، وقيل: الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء، وقيل: الأعمال الصالحة، وهو أعم.
قال ابن دقيق العيد: إذا حملت التحية على السلام فيكون التقدير (التحيات التي تعظم بها الملوك مستمرة لله)، وإذا حملت على البقاء فلا شك في اختصاص الله به، وكذلك الملك الحقيقي والعظمة التامة.
وإذا حملت الصلاة على العهد أو الجنس كان التقدير (أنها لله واجبة لا يجوز أن يقصد بها غيره)، وإذا حملت على الرحمة فيكون معنى قوله: لله: (أنه المتفضل بها) لأن الرحمة التامة لله يؤتيها من يشاء، وإذا حملت على الدعاء فظاهر. وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال ولعل تفسيرها بما هو أعم أولى فيشتمل الأقوال والأفعال والأوصاف، و (طيبة) كونها كاملة خالصة عن الشوائب.
وقال القرطبي: قوله: (لله) فيه تنبيه على الإخلاص في العبادة، أي أن ذلك لا يفعل إلا لله، ويحتمل أن يراد به الاعتراف بأن ملك الملوك وغير ذلك مما ذكر كله في الحقيقة لله.
وقال البيضاوي: ويحتمل أن يكون والصلوات والطيبات عطفا على التحيات، ويحتمل أن يكون الصلوات مبتدأ وخبره محذوف والطيبات معطوفة عليها، قالوا: والأولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على الجملة، وقال ابن مالك: إذا جعلت التحيات مبتدأ ولم تكن صفة لموصوف محذوف كان قولك: والصلوات مبتدأ لئلا يعطف نعت على منعوته فيكون من باب عطف الجمل بعضها على بعض، وكل جملة مستقلة بفائدتها وهذا المعنى لا يوجد عند إسقاط الواو" انتهى.
"قال: قوله: (السلام عليك أيها النبي) قال النووي: يجوز فيه وما بعده أي السلام حذف اللام وإثباتها والإثبات أفضل وهو الموجود في رواية الصحيحين، إلى أن قال: قال القرطبي: أصل سلام عليك سلمت سلاما عليك، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على (1/277)
صفحة 278
ثبوت المعنى واستمراره، ثم التعريف إما للعهد التقديري أي ذلك السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك أيها النبي، وكذلك السلام الذي وجه إلى الأمم السالفة علينا وعلى إخواننا، وإما للجنس، والمعنى أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل واحد وعن من يصدر، وعلى من ينزل عليك وعلينا، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: {وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الذِينَ اصْطَفَى} [النمل:59]، قال: ولا شك أن هذه التقادير أولى من تقدير النكرة" انتهى.
وحكى صاحب الإقليد عن أبي حامد أن التنكير فيه للتعظيم، وهو وجه من وجوه الترجيح لا يقصر عن الوجوه المتقدمة، وقال البيضاوي: "علمهم أن يفردوه صلى الله عليه وسلم بالذكر لشرفه فهو مزيد حقه عليهم، ثم علمهم أن يخصوا أنفسهم أولا؛ لأن الاهتمام بها أهم، ثم أمرهم بتعميم السلام على الصالحين إعلاما منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملا لهم".
وقيل: السلام بمعنى السلامة كالمقام والمقامة، والسلام اسم من أسماء الله تعالى، وضع المصدر موضع الإسلام مبالغة، والمعنى أنه سالم من كل عيب وآفة ونقص وفساد، ومعنى قولنا: (السلام عليك) الدعاء أي سلمت من المكاره، وقيل: معناه (اسم السلام عليك) كأنه تبرك عليه باسم الله.
فإن قال: كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهيا عنه في الصلاة؟ فالجواب أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: "عليك أيها النبي مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق كأن يقول: السلام على النبي فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي ثم إلى تحية النفس ثم إلى الصالحين؟ أجاب القرطبي بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي كان يعلمه للصحابة، ويحتمل أن يقال على طريق أهل العرفان: إن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته، فالتفتوا فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضر، فأقبلوا عليه قائلين: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" انتهى. (1/278)
صفحة 279
وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه صلى الله عليه وسلم، فيقال بلفظ الخطاب وأما بعده فيقال بلفظ الغيبة، وهذا مما يخدش في وجه الاحتمال المذكور، ففي الاستئذان في صحيح البخاري إلخ ما أطال فيه من الاستدلال على المغايرة بين ما يقال في حياته وما يقال بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، كما ذكره في القواعد عن بعض كتب أصحابنا، والله أعلم.
قوله:» ركب فرسا «، قال في الصحاح: الفرس يقع على الذكر والأنثى ولا يقال للأنثى فرس، وتصغير الفرس فريس إن أردت الأنثى خاصة لن تقول إلا: فريسة بالهاء إلخ.
قوله:» فصرع عنه «، أي سقط، قال ابن حجر: "وإنما كان ذلك حيث سقط عن الفرس كما في رواية أبي سفيان عن جابر أيضا قال: "ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا بالمدينة فصرعه على جذع نخلة فانفكت قدمه إلخ، والجذع بالكسر أصل الشيء وقد يفتح كما ذكره في الصحاح".
قوله:» فجُحِش «بالبناء للمفعول بمعنى خدش، قال الخليل: وقال ابن حجر: الحجش الخدش، والخدش قشر الجلد.
قوله:» شقه الأيمن «، قال ابن حجر: كانت قدمه صلى الله عليه وسلم انفكت، إلى أن قال: "وأما قوله في رواية الزهري عن أنس: "جحش شقه الأيمن"، وفي رواية يزيد عن حميد عن أنس "جحش ساقه أو كتفه" كما تقدم في باب الصلاة على السطوح، فلا ينافي ذلك كون قدمه انفك لاحتمال وقوع الأمرين، إلى أن قال: قال سفيان: حفظت من الزهري (شقه الأيمن) فلما خرجنا قال ابن جريج: (ساقه الأيمن) إلخ، فذكر أن هذه الرواية مفسرة لمحل الخدش من الشق الأيمن، لأن الخدش لم يستوعبه، قال: وحاصل ما في القصة أن عائشة أبهمت الشكوى، وبيّن جابر وأنس السبب وهو السقوط عن الفرس، وعيّن جابر العلة في الصلاة قاعدا وهي انفكاك القدم، وأفاد ابن حيان أن هذه القصة كانت في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة" انتهى.
قوله:» فصلى وهو جالس «. في البخاري فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد، قال ابن حجر: "قال القرطبي: اللام للعهد ظاهرا والمراد الفرض لأنها (1/279)
صفحة 280
التي عرف من عادتهم أنهم يجتمعون لها بخلاف النافلة، وحكى عياض عن ابن القاسم أنها كانت نفلا، وتعقب بأن في رواية جابر عند ابن خزيمة وأبي داود الجزم بأنها فرض كما سيأتي، لكن لم أقل على تعيينها إلا أن في حديث أنس (فصلى بنا يومئذ) وكأنها نهارية، الظهر أو العصر" انتهى.
قوله:» وصلينا وراءه قعودا «، قال ابن حجر: "ظاهره يخالف حديث عائشة إلخ. أقول: وذلك أن لفظ الحديث في البخاري من عائشة أنها قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال" إلخ، قال ابن حجر: "والجمع بينهما أن في رواية أنس هذه اختصارا، وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس إلخ. والحاصل على هذا أنهم ابتدأوا الصلاة قياما فأومى إليهم بأن يقعدوا فقعدوا، والله أعلم".
قوله:» وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا «، قال ابن حجر: "استدل به على صحة إمامة الجالس إلخ، وكذلك صاحب الإيضاح رحمه الله حيث قال بعد ذكر الخلاف في إمام القاعد: "وقال بعض بجواز إمامة القاعد، واختلف هؤلاء كيف يصلي من خلفه، قال بعضهم: يصلون قعودا ولو كانوا صحيحين، والدليل على هذا ما روي من طريق أنس" إلخ، قال ابن حجر: "وادعى بعضهم أن المراد بالأمر أن يقتدى به في جلوسه في التشهد وبين السجدتين لأنه ذكر ذلك عقب ذكر الركوع والرفع والسجود، قال: فيحمل على أنه لما جلس للتشهد قاموا تعظيما له فأمرهم بالجلوس تواضعا، وقد نبه على ذلك بقوله في حديث جابر: "إن كدتم آنفا تفعلون كفعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا". وتعقبه ابن دقيق العيد وغيره بالاستبعاد، وبأن سياق طرق الحديث تأباه إلخ ما أطال فيه من أن المراد التعميم في جميع الصلاة.
قوله:» قال جابر: وإنما يجوز هذا خلف أئمة العدل «إلخ. قال في الإيضاح بعده: "وقال آخرون: إنما يصلون خلفه قياما، والدليل ما روي أنه صلى الله عليه وسلم رأى إفاقة في مرضه الذي مات فيه فأتى إلى المسجد وأبو بكر يصلي بهم رضي الله عنه، فصف عن يمين أبي بكر قاعدا فأتم بهم الصلاة، فالمفهوم من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس قاعدا وهم قيام، ويكون (1/280)
صفحة 281
فعله هذا ناسخا لفعله وقوله المتقدم، لأنه في مرضه الذي مات فيه وهو آخر فعله إلخ. وجزم في البخاري بهذا القول حيث قال بعد رواية حديث الجلوس ما نصه: "قال أبو عبد الله: قال الحميدي: هذا منسوخ قوله: "إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا" لأن هذا كان في مرضه القديم ثم صلى بعد ذلك جالسا والناس معه قيام، قال أبو عبد الله: لم يأمرهم بالقعود وإنما يؤخذ بالآخِر، فالآخِر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مرضه الذي مات فيه جالسا والناس خلفه قيام" انتهى.
قوله:» وأما غيرهم فلا «، يعنى ما لم يحدث لهم في الصلاة ما يقتضي قعودهم، قال في الإيضاح: "والنظر يوجب عندي أنه لا تجوز إمامة القاعد إلا إذا كان إمام العدل كما قال جابر بن زيد رحمه الله، وكان إماما يصلي فحدث له المرض وهو في الصلاة، فإنه يتم بهم وهو قاعد، والله أعلم" انتهى.
قال ابن حجر: "وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم، مشروعية ركوب الخيل والتدرب على أخلاقها والتأسي لمن يحصل له منها سقوط ونحوه مما اتفق للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة، وبه الأسوة الحسنة، وفيه أنه يجوز عليه صلى الله عليه وسلم ما يجوز على البشر من الأسقام ونحوها من غير نقص في مقداره بذلك، بل ليزداد قدره رفعة ومنصبه جلالة، انتهى. (1/281)
صفحة 282
الباب الحادي والأربعون
الجواز بين يدي المصلي
241) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ يَعْلَم الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَوَقَفَ إِلَى الْحَشْرِ».
242) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ يَعْلَم الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَوَقَفَ أَرْبَعِينَ، خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ».
قَالَ جَابِرٌ: قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يَعْنِي (1) أَرْبَعِينَ خَرِيفًا. وَقَالَ آخَرُونَ: أَرْبَعِينَ شَهْرًا. وَقَالَ آخَرُونَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
243) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاَةِ فَلاَ يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلْيَدْرَأْ (2) مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ».
244) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْلاَيَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ.
قَالَ جَابِرٌ: وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «لاَ (3) يَسْتَقْبِلِ الرَّجُلُ فِي صَلاَتِهِ حَيَوَانًا».
245) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَنَا رَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلاَمَ، أَيْ
__________
(1) / في نسخة اسقاط يعني
(2) / خ: وليدرأه.
(3) / خ: أن لا. (1/282)
صفحة 283
قَارَبْتُ أَوَّلَهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ يَوْمَئِذٍ بِمِنًا (1)، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ فَأَرْسَلْتُ الْحِمَارَ يَرْتَعُ، فدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ أَحَدٌ.
أقول: حاصل ما في الباب الإشارة إلى إثم المار بين يدي المصلي، يعني إذا كان بالغا عاقلا، وإلى جواز دفع المار مطلقا، والإشارة إلى أنه لا يقطع الصلاة شيء، كما في الحديثين الأخيرين. ولم يتعرض رحمه الله للأحاديث التي تدل صريحا على أن هناك أشياء تقطع الصلاة كحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه سيفا، وإن لم يجد فعصا، وإن لم يجد فليخط بيده خطا بين يديه ثم لا يضره ما مر بين يديه"، وكحديث طلحة بن عبد الله قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان بين يدي المصلي مثل مؤخرة الرحل لم يبال بما مر بين يديه" قال ابن حجر: "ومؤخرته بضم أوله ثم همزة ساكنة، وأما الخاء فجزم أبو عبيدة بكسرها وجوز الفتح، وأنكر أبو قتيبة الفتح، وعكس ذلك ابن مكي فقال: لا يقال مقدم ومؤخر بالكسر إلا في العين خاصة وأما في غيرها فيقال بالفتح فقط، ورواه بعضه بفتح الهمزة وتشديد الخاء والمراد بها العود الذي في آخر الرحل الذي يستند إليه الراكب، إلى أن قال: واختلفوا في تقديرها فقيل: ذراع، وقيل ثلثا ذراع، وهو أشهر، لكن في مصنف عبد الرزاق عن نافع أن مؤخرة رحل ابن عمر كانت قدر ذراع" انتهى. وقال في الإيضاح" وقد يقال: إنها ثلاثة أشبار في السماء لهذه الأخبار، إلى أن قال: وقالوا: قول النبي عليه السلام لا يخلو من فائدة، فاستعمال ما أمر به أولى؛ لأن بعض ما يمر بين يدي المصلي يقطع الصلاة، فعد أشياء كثيرة ثم قال: قال بعض: لا يقطع الصلاة شيء من هذه الأشياء ما لم يسجد عليه، واستدلوا بقوله عليه السلام:"لا يقطع الصلاة شيء فادرؤوا ما استطعتم" إلخ، فذكر حديث نوم عائشة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) / هكذا بالألف في الأصل وهو صحيح لأنّ منى تذكّر وتؤنَّث، وَإِذَا ذكِّر صرف وكتب بالألف، وَإِذَا أنِّث لا يصرف ويكتب بالياء، واختار بعض تذكيره وتنوينه. سميّ منى لما يمنى فيه من الدماء أي يراق. قال بعض: لم يظهر وجه كتابته بالألف في صورة تذكيره وصرفه لأنّ الكلمة يائيّة وهي بالياء في الصحاح ولسان العرب، وذكرها القاموس في الناقص اليائي. ... ... ... أبو اسحاق. (1/283)
صفحة 284
قوله:» بين يدي المصلي «، أي أمامه بالقرب منه، قال ابن حجر: "وغير اليدين لكون أكثر الشغل يقع بهما، واختلف في تحديد ذلك فقيل: إذا مر بينه وبين سجوده، وقيل: بينه وبين ثلاثة أذرع، وقيل: بينه وبين قدر رمية بحجر" انتهى.
ولم يتعرض أصحابنا فيما رأيته لمقدار ذلك في المار الذي لا يقطع الصلاة، وإنما تعرضوا لذلك فيما يقطع الصلاة، قال في الإيضاح: وإن لم يخط ولم تكن سترة فمرّ شيء مما يقطع الصلاة على المصلي في أقل من خمسة عشر ذراعا قطع عليه، وقول قوم: سبعة أذرع، وقال قوم: ثلاثة أذرع إلى آخره، والظاهر أن الحكم كذلك بالنظر إلى إثم المار إلا أن قوله في الحديث الآتي: "وليدرأ ما استطاع" ما يدل على قربه، والله أعلم.
قوله:» ما ذا عليه «. قال ابن حجر: زاده الكشميهني (من الإثم) وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات، إلى أن قال: لكن في مصنف ابن أبي شيبة يعني من الإثم، فيحتمل أن يكون ذكرت حاشية، فظنها الكشميهني أصلا إلخ.
قوله:» لوقف إلى الحشر «، يعني أن المار لو يعلم مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلي لاختار أن يقف المدة المذكورة حتى لا يلحقه ذلك الإثم.
قوله:» لوقف أربعين «، قال ابن حجر نقلا عن الكرماني: "وأبهم المعدود تفخيما للأمر وتعظيما، قال: قلت: ظاهر السياق أنه عين المعدود لكن شك الراوي فيه إلخ، أقول والظاهر أن رواية المصنف كذلك لأن مثل هذا لا يقال بالرأي" والله أعلم.
قال ابن حجر: "ثم إن لتخصيص الكرماني الأربعين بالذكر حكمتين:
إحداهما: كون الأربعة أصل جميع الأعداد فلما أريد التكثير ضربت في عشرة.
ثانيهما: كون كمال أطوار الإنسان بأربعين كالنطفة والمضغة والعلقة وكذا بلوغ الأشد، قال: ويحتمل غير ذلك" انتهى. وأقول: يتأمل ما معنى الحكمة الأولى.
قوله:» خيرا له «. قال ابن حجر: "كذا في روايتنا بالنصب على أنه خبر كان، ولبعضهم خبر بالرفع وهي رواية الترمذي، وأعربها ابن العربي على أنها اسم كان، وأشار إلى تسويغ الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة، ويحتمل أن يكون اسمها (1/284)
صفحة 285
ضمير الشأن والجملة خبرها" انتهى. لكن هذا الإعراب إنما يناسب رواية البخاري "لكان أن يقف أربعين خيرا له" وأما النصب في رواية المصنف رحمه الله فالظاهر على أنه خبر لكان محذوفة وقعت جوابا لشرط مقدر مدلول عليه بالجواب السابق والتقدير (ولو وقف أربعين لكان خيرا له)، ويؤيده تأويل الكرماني لرواية البخاري حيث قال في قوله: (لكان أن يقف أربعين) جواب لو ليس هو المذكور بل التقدير (لو يعلم ما عليه لوقف أربعين ولو وقف أربعين لكان خيرا له) إلخ، قال ابن حجر: "قال النووي: فيه دليل على تحريم المرور فإن معنى الحديث النهي الأكيد والوعيد الشديد على هذا" انتهى.
قال ابن حجر: "ومقتضى ذلك أن يعد في الكبائر، إلى أن قال: تنبيهات:
أحدها: استنبط ابن بطال من قوله: (لو يعلم) أن الإثم يختص بمن علم بالنهي وارتكبه انتهى، قال ابن حجر: وأخذه من ذلك فيه بُعد، لكن هو معروف من أدلة أخرى" انتهى.
وأقول: كل من الاستنباط والحكم المذكور باطل عندنا، أما الاستباط فلأن الحديث يدل على ثبوت إثم للمار وإن لم يعلم بالنهي، كما هو ظاهر، وأما الحكم المذكور وهو اختصاص الإثم بالعالم بالنهي فلأن الجهل لا يرفع الإثم، ولا يكون حجة، وإنما يرفعه الخطأ والنسيان ويعذر عندنا في جهل المحرمات ما لم يقارف، ولا يجوز له الإقدام على شيء حتى يعلم حكم الله فيه، كما هو معلوم، ثانيها ظاهر الحديث أن الوعيد المذكور يختص بمن مر لا بمن وقف عامدا بين يدي المصلي أو قعد أو رقد، لكن إن كانت العلة التشويش على المصلي فهو في معنى المار.
ثالثها: ظاهره عموم النهي في كل مصل، وخصه بعض المالكية بالإمام والمنفرد، لأن المأموم لا يضره من مر بين يديه لأن سترة إمامه سترة له أو إمامه سترة له" انتهى.
أقول: وهو ظاهر كلام أصحابنا رحمهم الله في المار الذي يقطع الصلاة، فلعل المار الذي لا يقطعها كذلك، لكن قال ابن حجر ردا على هذا البعض من المالكية: والتعليل المذكور لا يطابق المدعى لأن السترة تفيد رفع الحرج عن المصلي لا عن المار. (1/285)
صفحة 286
رابعها: ذكر ابن دقيق العيد أن بعض الفقهاء أي المالكية قسم أحوال المار والمصلي في الإثم وعدمه إلى أربعة أقسام:
الأول: يأثم المار دون المصلي وعكسه يأثمان جميعا، وعكسه في الصورة الأولى أن يصلي إلى سترة في غير مشروع وللمار مندوحة فيأثم المار دون المصلي.
الثاني: أن يصلي في مشروع مسلوك بغير سترة أو متباعدا عن السترة ولا يجد المار مندوحة فيأثم المصلي دون المار.
الثالث: مثل الثاني لكن يجد المار مندوحة فيأثمان جميعا.
الرابع: مثل الأول لكن لا يجد المار مندوحة فلا يأثمان جميعا، انتهى.
قال: وظاهر الحديث يدل على منع المرور مطلقا ولو لم يجد مسلكا بل يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته إلخ، أقول: وظاهر كلام أصحابنا على ما في الإيضاح في الأشياء التي تقطع الصلاة على المصلي يشير إلى التفضيل المذكور، والله أعلم.
قوله:» قال بعض الناس أربعين خريفا «إلخ. لعل المراد من هذا الاختلاف وفي الرواية لأن مثل هذا لا يقال بالرأي، والله أعلم. باجو
قوله:» وليدرأ ما استطاع «. قال ابن حجر: قال القرطبي: أي بالإشارة ولطيف المنع، وقوله: "فليقاتله" أي يزيد في دفعه الثاني أشد من الأول، قال: وأجمع على أنه لا يلزم منه أن يقاتله بالسلاح لمخالفة ذلك قاعدة الإقبال على الصلاة والاشتغال بها والخشوع فيها" انتهى.
قال: وأطلق جماعة من الشافعية أن له أن يقاتله حقيقة، واستبعد ابن العربي ذلك في القياس وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة، إلى أن قال: وقد رواه الإسماعيلي بلفظ "فإن أبى فليجعل يده في صدره وليدفعه"، وهو صريح في الدفع باليد، إلى أن قال: فقالوا: يرده بأسهل الوجوه فإن أبى فبأشد ولو أدى إلى قتله، فإن قتل فلا شيء عليه لأن الشارع أباح له مقاتلته، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها. ونقل عياض وغيره أن عندهم خلافا في وجوب الدية في هذه الحالة، ونقل ابن بطال وغيره الاتفاق على أنه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه ولا العمل الكثير في مدافعته لأن ذلك أشد في الصلاة من المرور، إلى أن قال: وقال النووي: لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع بل صرح أصحابنا بأنه مندوب" (1/286)
صفحة 287
انتهى. قال: وصرح بوجوبه أهل الظاهر فكأن الشيخ لم يراجع كلامهم فيه أو لم يعتد بخلافه" انتهى.
قوله:» فإنما هو شيطان «. قال ابن حجر: "أي فعله فعل الشيطان لأنه أبى إلا التشويش على المصلي. وإطلاق الشيطان على المار من الإنس شائع، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: {شَيَاطِينَ الاِنسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام:112]. وقال ابن بطال في هذا الحديث جواز إطلاق لفظ الشيطان على من يفتن في الدين، وأن الحكم للمعاني دون الأسماء، لاستحالة أن يصير المار شيطانا بمجرد مروره” انتهى. قال: “وهو مبني على أن لفظ الشيطان يطلق حقيقة على الجني ومجازا على الإنسي، وفيه بحث. ويحتمل أن يكون المعنى فإنما الحامل له على ذلك الشيطان. وقد وقع في رواية الإسماعيلي “فإن معه الشيطان”، إلى أن قال: واستنبط ابن أبي حمزة من قوله: (فإنما هو شيطان) أن المراد بقوله: فليقاتله المدافعة اللطيفة، لا حقيقة القتال، لأن مقاتلة الشيطان إنما هي بالاستعاذة، والسترة عنه بالتسمية ونحوها، وإنما جاز الفعل اليسير في الصلاة للضرورة، فلو قاتله حقيقة المقاتلة لكان أشد على صلاته من المار، قال: وهل المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلي من المرور أو لدفع الإثم عن المار؟ الظاهر الثاني، وقال غيره: بل الأول أظهر لأن إقبال المصلي على صلاته أولى له من اشتغاله بدفع الإثم عن غيره، وقد روي ابن شيبة عن ابن مسعود أن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته، وروى أبو نعيم عن عمر “لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس”. فهذان أثران مقتضاهما الدفع لخلل يتعلق بصلاة المصلي ولا يختص بالمار، وهما وإن كانا موقوفين لفظا فلهما حكم الرفع، لأن مثلهما لا يقال بالرأي” انتهى. أقول: وظاهر كلام أصحابنا وقواعدهم يقتضيان هذا القول، أعني الدفع لخلل في الصلاة، والله أعلم.
قوله:» كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم «إلخ، استدل به في الإيضاح لمن قال: لا يقطع الصلاة شيء مما ذكر قبل ذلك ما لم يسجد عليه، قال ابن حجر: بعد كلام وكأنه يعني صاحب البخاري الذي أشار أيضا إلى تضعيف الحديث الوارد في النهي عن الصلاة إلى النائم، إلى أن قال: "وكره (1/287)
صفحة 288
مجاهد وطاووس ومالك الصلاة إلى النائم خشية ما يبدو منه مما يلهي المصلي عن صلاته إلى آخره. أقول: وعدم جواز استقبال النائم هو أحد القولين عندنا على ما في الإيضاح، ولم يعرج عليه المصنف رحمه الله والله أعلم.
قوله:» ورجلاي في قبلته «، أي في مكان سجوده بدليل قولها: "فإذا سجد غمزني"، واعلم أن الغمز يكون باليد كما هنا، ويكون بالعين كما في قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} [المطففين:30]، ويؤخذ منه أن الغمز باليد جائز، وأما الغمز بالعين فنص في السؤالات على أنه من الكبائر، وغير جائز ولو في الحلال حيث قال: "الرمز بالرأس، والغمز بالعين، واللمز باللسان، والهمز باليد، والوكز بالأصابع، وكلها كبائر قد أوعد الله عليها في القرآن النار، غير الرمز بالرأس، وكلها غير سائغة ولو في الحلال فيما ذكر عيسى بن سجميمان عن أبي العباس رحمهم الله" إلخ.
قال ابن حجر: وقد استدل بقولها: "غمزني" على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، وتعقب باحتمال الحائل أو بالخصوصية، وعلى أن المرأة لا تقطع الصلاة إلخ، أقول: وفي التعقيب نظر لأن الخصوصية لا تثبت باحتمال.
قوله:» والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح «، قال ابن حجر: "كأنها أرادت به الاعتذار عن نومها على تلك الصفة، قال ابن بطال: وفيه إشعار بأنهم صاروا بعد ذلك يستصبحون إلخ، وقال في محل آخر: وفي قولها: "والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح"، إشارة إلى عدم الاشتغال بها، ولا يعكر على ذلك كونه يغمزها عند السجود ليسجد مكان رجليها كما وقع صريحا في رواية لأبي داود، لأن الشغل بها مأمون في حقه صلى الله عليه وسلم، فمن أمن ذلك لم يكره في حقه" انتهى.
قوله:» ورد النهي في رواية أخرى أن لا يستقبل الرجل في صلاته حيوانا «. يؤخذ من كلام الإيضاح أنه حمل النهي فيه على التحريم حيث جعل ذلك قاطعا للصلاة، وأنه جعل قوله: (حيوانا) على حذف مضاف حيث قال: وكذلك الاستقبال (1/288)
صفحة 289
لوجوه الحيوان يقطع الصلاة، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن يستقبل الرجل في صلاته شيئا من الحيوان إلخ، أقول: ويدل على تقدير المقام في الحديث ما رواه البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان يعرّض راحلته فيصلي إليها) إلخ، فقوله: (يعرّض) بتشديد الراء أي يجعلها عرضا.
قوله:» فلم ينكر على أحد «، لقائل أن يقول: إنما لم ينكر عليه أحد لأنه في الحقيقة لم يفعل ما يستحق عليه الإنكار، لأن مروره بين يدي بعض الصف إذا لم يمر بينهم وبين إمامهم أو بين يدي الإمام لا ضرر فيه، كما تقدم من أن الإمام سترة لمن خلفه، والله أعلم. (1/289)
صفحة 290
الباب الثاني والأربعون
في السهو في الصلاة
[42] بَابٌ فِي السَّهْوِ فِي الصَّلاَةِ
246) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ (1) قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ صَلاَتَهُ حَتَّى لاَ (2) يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ».
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذَلِكَ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ خَلْفَ إِمَامِهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ وَحْدَهُ فَلْيُعِدْ صَلاَتَهُ.
247) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ صَوْتٌ، حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا مَضَى النِّدَاءُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ (3) أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا مَضَى أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ فَيَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا، حَتَّى يُصَلِّيَ الرَّجُل (4) وَلاَ يَدْرِي كَمْ صَلَّى».
248) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَّمَ مِنِ اثْنَتَيْنِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقَصُرَتِ الصَّلاَةُ؟ فَقَامَ فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلاَةِ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلاَمِ.
249) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ
__________
(1) / في نسخة القطب اسقاط جابر.
(2) / في نسخة القطب حتّى يصلّي وَلاَ يدري.
(3) / خ: للصلاة.
(4) / في نسخة القطب اسقاط الرجل. (1/290)
صفحة 291
فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ (1) لِئَلاَّ تَدْعُوَ أَحَدَكُمْ نَفْسُهُ إِلَى الطَّعَامِ فَيَشْتَغِلَ عَنِ الصَّلاَةِ، فَيَنْقُصَ مِنْهَا» (2).
250) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَرْقُدْ، حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ».
قوله:» فلبس عليه صلاته «، هو يفتح الباء مخففة بمعنى خلط، قال في الصحاح: واللبس بالفتح مصدر قولك: لبست عليه الأمر ألبس خلطت ومنه قوله تعالى: {ولَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} [الأنعام:9] إلخ.
قوله: (فليسجد سجدتين وهو جالس) يعني بعد السلام كما سيأتي، وهو مذهب أصحابنا سواء وجبتا للزيادة أو للنقصان، وأجمع أصحابنا على أنهما من تمام الصلاة.
واختلفوا فيهما هل هما بدل من سهوه في الصلاة أو استغفار من سهوه فيها؟ وينبني على الخلاف في ذلك الخلاف فيما يقال فيهما، وفي السلام بعدهما، وفي تكررهما بتكرر السهو في الصلاة.
فمن قال: إنهما بدل من سهوه في الصلاة قال: يقول فيهما: (سبحان ربي الأعلى) ثلاثا في كل مرة كما يسبح في الصلاة، ويسلم منهما كما يسلم في الصلاة، ويكررهما بتكرر السهو في الصلاة لقوله عليه السلام: "لكل سهو سجدتان بعد التسليم".
ومن قال: إنهما استغفار من سهوه قال: يقول: (أستغفرك اللهم مما كان مني) ثلاثا في كل سجدة، فإذا فرغ منهما قال: (صلى الله على نبينا محمد وآله وسلم)، ولا يكررهما بتكرر السهو.
قال في الإيضاح: "كما كان يستغفر لأفعال كثيرة بمرة واحدة، وظاهر كلام الإيضاح الميل إلى القول الأول كما يعلم بالوقوف عليه، وعليه العمل في زماننا
__________
(1) / خ: قبل العِشاء.
(2) / خ: فيقصر منها، وعليها جرى الشارح. (1/291)
صفحة 292
فإنهم يسلمون بعدهما كما هو المذهب، وظاهر كلام صاحب الوضع رحمه الله الميل إلى الثاني، حيث جزم بأنه يستغفر ثلاثا ثم يصلي على النبي على السلام بعد سجودهما. وانظر لِمَ عدل عما هو المذهب من وجوب السلام.
وظاهر كلام الشيخ أبي نصر رحمه الله في الرائية يدل على أن السجود فيه جبر وإرغام، حيث قال: هما المرغمات المصلحات لما مضى إلخ، ولعل مراده رحمه الله الإشارة إلى القولين، وظاهر كلام أصحابنا رحمهم الله أن سجود السهو واجب ولا ينافيه قول صاحب الإيضاح رحمه الله حيث قال: سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ، فإنه يحمل على السنة الواجبة، فإن نسيهما سجدهما إثر صلاة أخرى أو إثر ركعتين يصليهما، قال في الإيضاح: "وإن سجدهما ولم يركع فلا بأس والله أعلم".
قوله:» وأما إذا كان وحده فليعد صلاته «بعد البناء على اليقين والإتمام. قال في القواعد: وأما الشك في الصلاة إن طرأ عليه حتى لا يدري كم صلى فإنه يتم ويعيد، وأما ما ذكر في الحديث إلخ فرواه وذكر تأويل أبي عبيدة رحمه الله.
وأما صاحب الإيضاح رحمه فذكر هنا مسألتين:
إحداهما: جزم بالإعادة ولم يذكر أنها بعد الإتمام وهي التي ذكرها صاحب القواعد رحمه الله، لكن سماها سهوا حيث قال: "وإن سها في صلاته حتى لا يدري أين كان فيها فإنه يعيد صلاته إلا إن كان خلف الإمام"، واستدل بهذا الحديث وتأويل أبي عبيدة له.
وثانيها: ذكر فيها ثلاثة أقول وعبر فيها بالشك حيث قال: وأما من شك في صلاته هل صلى واحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا أو سجد مرتين أو واحدة أو ركع أم لا فإنه يبني على اليقين في هذا كله لأن الله عز وجل لا يعبد بالشك، وقال بعض: يعيد صلاته لأنه لا يدري لعله زاد في صلاته، وقد روي أنه قال عليه السلام: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، قال بعض: لا يشتغل بالشك إذا كان عنده أنه قد صلى، واستدل بحديث ذي اليدين فقال: ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن متيقنا لأنه لو انصرف عن يقين لم يصدقهم، والله أعلم.
قوله:» أدبر الشيطان له صوت «، أي ضراط كما صرح بذلك في البخاري، قال ابن حجر: " (له ضراط) جملة اسمية وقعت حالا بدون واو (1/292)
صفحة 293
لحصول الارتباط بالضمير وفي رواية الأصيلي (وله ضراط)، إلى أن قال: قال عياض: يمكن حمله على ظاهره لأنه متغذ يصح منه خروج الريح. ويحتمل أنها عبارة عن شدة نفاره، ويقربه رواية لمسلم (له حُصاص) بمهملات مضموم الأول فقد فسره الأصمعي وغيره بشدة العدو، وقال الطيبي: شبه شغل الشيطان نفسه عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطا تقبيحا له، انتهى.
قوله:» حتى لا يسمع للتأذين «، قال ابن حجر: "ظاهره أنه يتعمد إخراج ذلك أما ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع المؤذن، أو يصنع ذلك استخفافا كما يفعله السفهاء، ويحتمل أن لا يتعمد ذلك بل يحصل له عند سماع شدة خوف يحدث له ذلك الصوت بسببها، ويحتمل أن يتعمد ذلك ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث، واستدل به على استحباب رفع الصوت بالأذان لأن قوله: (حتى لا يسمع) ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفي فيها سماعه للصوت إلخ.
قوله:» فإذا مضى النداء «. في رواية البخاري "فإذا قضى النداء". قال ابن حجر: "استدل به على أنه كان بين الأذان والإقامة فصل، خلافا لمن اشترط في إدراك فضيلة أول الوقت أن ينطبق أول التكبير على أول الوقت" انتهى.
قوله:» حتى إذا ثوب «. قال ابن حجر: بضم المثلثة وتشديد الواو المكسورة قيل: من ثاب إذا رجع، وقيل: من ثوب إذا أشار بثوبه عند الفراغ لإعلام غيره، قال الجمهور: المراد بالتثويب هنا الإقامة وبذلك جزم أبو عوانة في صحيحه والخطابي والبيهقي وغيرهم، وقال القرطبي: (ثوب بالصلاة) أي أقيمت. وأصله راجع إلى ما يشبه الأذان، وكل من رد صوتا فهو مثوب، ويدل عليه رواية مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة (فإذا سمع الإقامة ذهب)، وزعم بعض الكوفيين أن المراد بالتثويب قول المؤذن بين الأذان والإقامة: (حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة)، وحكى ذلك ابن المنذر عن أبي حنيفة وزعم أنه تفرد به، إلى أن قال: قال الخطابي: لا تعرف العامة التثويب إلا قول المؤذن في الأذان: (الصلاة خير من النوم) لكن المراد به في هذا الحديث الإقامة والله أعلم انتهى، وهذا هو الظاهر كما قال لأن التثويب المعروف إنما هو في الصبح خاصة وهذا عام في كل صلاة، والله أعلم. (1/293)
صفحة 294
قوله:» أقبل حتى يخطر «، قال ابن حجر: "بضم الطاء، قال عياض: كذا سمعناه من أكثر الرواة وضبطناه عن المتقنين بالكسر وهو الوجه، ومعناه يوسوس، ومعناه من خطر البعير بذنبه إذا حركه فضرب به فخذيه، وأما بالضم فمن المرور أي يدنو منه فيمر بينه وبين قلبه فيشغله، وضعف الجوهري في نوادره مطلقا وقال: وهو يخطر بالكسر في كل شيء". انتهى.
قوله:» بين المرء ونفسه «، قال ابن حجر: "أي قلبه، إلى أن قال: قال الباجي المعنى: أنه يحول بين المرء وبين سائر ما يريده من إقباله على صلاته وإخلاصه فيها" انتهى.
قوله:» فيقول له: اذكر كذا اذكر كذا «ذكر ابن حجر أن في بعض الروايات (واذكر كذا) بالعطف، وزاد البخاري (لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى) قال ابن حجر: (لما لم يكن يذكر) أي لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله في الصلاة، إلى أن قال: ومن ثم استنبط أبو حنيفة للذي شكا إليه أنه دفن مالا ثم لم يهتد لمكانه أن يصلي ويحرص على أن لا يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا، ففعل فذكر مكان المال في الحال، إلى أن قال: والذي يظهر أنه أعم من ذلك فيذكره بما سبق له به علم ليشتغل باله به، وبما لم يكن سبق له ليوقعه في الفكر فيه، وهذا أعم من أن يكون في أمور الدنيا أو في أمور الدين كالعلم، لكن يشمل ذلك التفكر في معاني الآيات التي يتلوها؟ لا يبعد ذلك لأن غرضه نقص خشوعه وإخلاصه بأي وجه كان انتهى.
ثم قال: واختلف العلماء في الحكمة في هروب الشيطان عند سماع الأذان والإقامة دون سماع القرآن والذكر في الصلاة فقيل: يهرب حتى لا يشهد للمؤذن يوم القيامة، فإنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس إلا شهد له إلخ ما أطال فيه فليراجع.
قوله:» سلم من اثنتين «إلخ، لفظ الحديث في الإيضاح "صلى بأصحابه ركعتين ثم قام لينصرف فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يارسول الله؟ فقال: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم. فقال: كل ذلك لم يكن عندي أني نسيت ولا أنها قصرت”، واستدل به كما تقدم لمن قال: إن المصلي لا (1/294)
صفحة 295
يشتغل بالشك إذا كان عنده أنه قد صلى، وذكر في باب (معرفة نواقض الصلاة) أن بعضهم استدل بهذا الحديث على أن الكلام في الصلاة بالسهو والنسيان لا يفسدها، يعني لأنهم إنما تكلموا لأنهم ظانون أن الصلاة قد قصرت، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما تكلم ظانا أنها قد تمت، قال في الإيضاح: “والقول الأول أصح وهو قول أصحابنا، لأن الكلام في الصلاة منسوخ بما قدمناه من الأحاديث" إلخ.
قوله:» أقصرت الصلاة «، يعني بهمزة الاستفهام، ويجوز فيه ضم القاف وكسر الصاد على البناء للمفعول أي أن الله قصرها، وفتح القاف وضم الصاد على البناء للفاعل، أي صارت قصيرة، قال النووي: "هكذا أكثر وأرجح، وفيه دليل على ورعهم إذا لم يجزموا بوقوع شيء لغير علم وهابوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألوه، وإنما استفهمه ذو اليدين لأن الزمان زمان النسخ.
وذو اليدين اسمه الخرباق بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة وآخره قاف، وإنما سمي ذا اليدين لأنه كان في يديه طول وقيل: في إحداهما فقيل: حقيقة وقيل: كناية عن طولها بالعمل، وقيل بالبذل.
وفي الحديث أن الثقة إذا انفرد بزيادة خبر وكان المجلس متحدا ومنعت العادة غفلته عن ذلك أن لا يقبل خبره، وفيه العمل بالاستصحاب لأن ذا اليدين استصحب حكم الإتمام فسأل مع كون أفعال النبي صلى الله عليه وسلم للتشريع، والأصل عدم السهو، والوقت قابل للنسخ، وبقية الصحابة ترددوا بين الاستصحاب وتجويز النسخ فسكتوا، وفيه أن الباني لا يحتاج إلى تكبيرة الإحرام، وأن السلام ونية الخروج من الصلاة سهوا لا يقطع الصلاة، وأن سجود السهو بعد السلام، وفيه أن اليقين لا يترك إلا باليقين، لأن ذا اليدين كان على يقين أن فرضهم الأربع فلما اقتصر فيها على اثنتين سأل عن ذلك ولم ينكر عليه سؤاله، وفيه أن الظن قد يصير يقينا بخبر أهل الصدق، وهذا ينبني على أنه صلى الله عليه وسلم رجع لخبر الجماعة، واستدل به على أن الإمام يرجع لقول المأمومين في أفعال الصلاة ولو لم يتذكر، وبه قال مالك وأحمد وغيرهما، ومنهم من قيده بما إذا كان إماما مجوزا لوقوع السهو منه بخلاف ما إذا كان متحققا لخلاف ذلك أخذا من ترك رجوعه صلى الله عليه وسلم لذي اليدين ورجوعه للصحابة، ومن حجتهم قوله في حديث ابن مسعود: (فإذا نسيت فذكروني). أقول: وهذا (1/295)
صفحة 296
هو المذهب كما يؤخذ من كلامهم في تنبيه الإمام فليراجع.
واستدل الحنفية بهذا الحديث على أن الهلال لا يقبل بشهادة الآحاد إذا كانت السماء مصحية بل لا بد فيه من عدد الاستفاضة" إلخ انتهى المراد باختصار من ابن حجر.
فرع؛ قال في القواعد: “اتفق العلماء على أن سجود السهو إنما يكون عن نسيان سنن الصلاة دون الفرائض والفضائل، فالفرائض لا يجزي فيها إلا الإتيان بها أو جبرها إذا كان السهو عنها مما لا يوجب إعادة الصلاة بأسرها، والفضائل لا شيء عليه فيها" انتهى.
وحاصل القول في الفرائض والسنن المنسية على كلام الإيضاح أن الفرض إذا نسيه حتى تجاوزه إلى حد ثالث بطلت صلاته، وإن تذكر قبل ذلك رجع إليه وأخذه مع ما بعده وسجد للسهو، وأن السنة إذا نسيها قالها حيث ذكرها وسجد للسهو، وذهب بعضهم إلى أن السنة إذا نسيها سجد لها فقط، والله أعلم فليراجع.
قوله:» فابدؤوا بالعشاء «، لعله إنما خصه بالذكر لأنه هو الذي يكون في وقت الصلاة غالبا، والعلة تقتضي حمل سائر الطعام على العشاء إذا حضر عند إرادة الصلاة، أعني التشويش المفضي إلى ترك الخشوع.
قال ابن حجر: "حمل الجمهور هذا الأمر على الندب ثم اختلفوا فمنهم من قيده بمن كان محتاجا إلى الأكل وهو المشهور عند الشافعية، وزاد الغزالي ما إذا خشي فساد المأكول، ومنهم من لم يقيده وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق وعليه يدل فعل ابن عمر الآتي، وأفرط ابن حزم فقال: (تبطل الصلاة)، ومنهم من اختار البدء بالصلاة إلا إن كان الطعام خفيفا، نقله ابن المنذر عن مالك، وعند أصحابه تفصيل قالوا: يبدأ بالصلاة إن لم يكن متعلق النفس بالأكل أو كان متعلقا به لكن لا يعجله عن صلاته، فإن كان يعجله بدأ بالطعام واستحب له الإعادة" انتهى.
والمراد بفعل ابن عمر الآتي ما روي أنه كان يصلي المغرب إذا غابت الشمس، وكان أحيانا يلقاه وهو صائم فيقدم له عشاء وقد نودي للصلاة ثم تقام وهو يسمع فلا يترك عشاء ولا يعجل حتى يقضي عشاءه ثم يخرج فيصلي، انتهى.
قال النووي: "في هذه الأحاديث كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله، لما فيه من ذهاب كمال الخشوع، ويلحق به ما في معناه مما يشغل القلب". قال ابن حجر: "وهذا إذا كان في الوقت سعة، فإن ضاق صلى على حاله محافظة (1/296)
صفحة 297
على حرمة الوقت ولا يجوز التأخير إلخ، ثم قال: واستدل به القرطبي على أن شهود صلاة الجماعة ليس بواجب لأن ظاهره أنه يشتغل بالأكل وإن فاتته الصلاة في الجماعة، وفيه نظر لأن بعض من ذهب إلى الوجوب كابن حبان جعل حضور الطعام عذرا في ترك الجماعة فلا دليل فيه حينئذ على إسقاط الوجوب مطلقا. وفيه دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت، إلى أن قال: فائدتان:
الأولى: قال ابن الجوزي: ظن قوم أن هذا من باب تقديم حق العبد على حق الله وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الحق ليدخل الخلق في عبادته بقلوب مقبلة، ثم إن طعام القوم كان شيئا لا يقطع عن لحاق الجماعة غالبا.
الثانية: ما يقع في بعض كتب الفقه (إذا حضر العشاء والعشاء فابدؤوا بالعشاء) لا أصل له في كتب الحديث بهذا اللفظ إلخ.
قوله:» إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد «إلخ، لعل المراد من الصلاة صلاة النافلة وأن المراد أنه لا ينسى الصلاة بعد الفراغ من التي نعس فيها لأنه من المعلوم أنه لا يجوز قطع الصلاة ولو كانت نفلا لقوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33]، ومن المعلوم أيضا أنه لا يؤمر بالنوم عن الفرض بعد دخول وقته مخافة أن يخرج عنه الوقت وهو نائم. قال في الإيضاح: وكذلك من نام متعمدا في أول وقت الصلاة ولم ينتبه إلا بعد خروج الوقت فإنه هالك في قول بعضهم، ومنزلته منزلة العامد، لأنه مضيع” انتهى. ومما يدل أيضا أن المراد غير الفرض قوله: “إن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر الله فيسب نفسه"، لأن الاستغفار والدعاء مكروه في الفرض عندنا اللهم إلا أن يكون المراد يذهب يستغفر بعد السلام من الصلاة، والظاهر أن هذا في صلاة الليل لأنها هي التي تكون مظنة لذلك، والله أعلم فليراجع. (1/297)
صفحة 298
الباب الثالث والأربعون
في القِران في الصلاة
251) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الآخِرَةَ (1) جَمِيعًا فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ وَلاَ سَحَابٍ وَلاَ مَطَرٍ.
252) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مُعَاذَ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ تَبُوكٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. قَالَ مُعَاذٌ: فَأَخَّرَ الصَّلاَةَ يَوْمًا ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ فَخَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا.
253) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا.
اعلم أنه يجوز الجمع بين الصلاتين عند أصحابنا لأسباب ذكر منها في الوضع خمسة حيث قال: "وفي الأثر يجوز جمع الصلاتين لخمسة أشياء: أحدها المسافر، والثاني المريض المدنف، والثالث من خفيت عليه أوقات الصلاة بالسحاب، والرابع الواقف بعرفة يوم عرفة للحج، والخامس البائت بجَمْع إذا أفاض من عرفات إلخ، وزاد في القواعد المستحاضة والمبطون، وزاد في الإيضاح من له عذر بيِّن يخاف منه الفوات في الأنفس والأموال، وأشباه ذلك فليراجع.
__________
(1) / في نسخة القطب اسقاط الآخرة. (1/298)
صفحة 299
قال في القواعد: وقد اتفق الناس على جواز الجمع بعرفة والمزدلفة واختلفوا في غير هذين الموضعين. فأجازه الجمهور من الناس ومنعه أبو حنيفة وأشياعه إلخ، وقال ابن حجر بعد كلام: "وهذا مما وقع فيه الاختلاف بين أهل العلم، فقال بالإطلاق كثير من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأشهب، وقال قوم: لا يجوز الجمع مطلقا إلا بعرفة ومزدلفة، وهو قول الحسن والنخعي وأبي حنيفة وصاحبيه، إلى أن قال: وأجابوا عما ورد من الأخبار في ذلك بأن الذي وقع جمع صوري إلخ، ثم رده بما يطول ذكره ثم قال: وقيل: يختص الجمع بمن يجدّ في السير، قاله الليث وهو القول المشهور عن مالك، وقيل: يختص بالسائر دون النازل وهو قول ابن حبيب، وقيل: يختص بمن له عذر حكي عن الأوزاعي، وقيل: يجوز جمع التأخير دون، التقديم وهو مروي عن مالك وأحمد واختاره ابن حمزة" انتهى.
والذي عليه أصحابنا رحمهم الله أنه يجوز الجمع عند وجود سببه تقديما وتأخيرا، وسائرا ونازلا، إلا أنه يختلف الحال في الأفضل من الجمع والإفراد.
قال في الإيضاح: فمن جمع الصلاة ويريد بذلك إحياء السنة فله فضله، ومن جمع الصلاة لعجز وراحة فالمفرد أفضل، وانظر هل يجوز للمسافر إذا كان مقيما في البلد أن يجمع بين الصلاتين؟ ظاهر إطلاقهم الجمع للمسافر يقتضي الجواز، وظاهر التعليل يقتضي المنع، قال في الإيضاح بعد أن ذكر أن من خفيت عليه أوقات الصلاة بالسحاب مثلا يجوز له الجمع ما نصه: “لأن علة الجمع في السفر التخفيف من المشقة التي تلحق المسافر، وهي موجودة في من خفيت عليه أوقات الصلاة، وكلف الاجتهاد في معرفتها، وكذلك المريض إذا ثقل عليه المرض على هذا الحال” إلخ، ثم رأيت في (كتاب السير) لعمنا أحمد الشماخي رحمه الله ما يدل على عدم الجواز حيث قال ما نصه: “أبو سفيان عن الربيع أن أبا عبيدة يجمع الصلاة في الفلاة فإذا مر بقرية فإن شاء جمع وإن شاء أفرد، وإن نزل بقرية يقيم فيها أفرد إلى آخره”. ولعل هذا على وجه الاستحباب، بدليل ما ذكره عمنا يحيى رحمه الله في (كتاب الصوم) من جواز الإفطار للمسافر إذا نزل في قرية وأقام بها حيث قال: “والمسافر إذا قدم إلى الموضع الذي سافر إليه فلا بأس عليه أن يأكل فيه إن شاء وهو مقيم فيه” إلخ، وإذا جاز الإفطار (1/299)
صفحة 300
جاز الجمع والله أعلم. لكن يكون الإفراد حينئذ أفضل اقتداء بفعل أبي عبيدة رحمه الله، والله أعلم.
وإنما يجوز الجمع بين الصلاتين إذا نواه أول الوقت كما يؤخذ من كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله في القواعد حيث قال: وكيفية الجمع أن يؤخر الأولى ويعجل العصر ويجمع بينهما، وكذلك المغرب والعشاء. هذا بعد أن ينوي الجمع قبل قيامه ويقول: اللهم إن نيتي واعتقادي أن أؤخر الظهر وأعجل العصر وأجمع بينهما إحياء للسنة طاعة لله ولرسوله عليه السلام. فإذا نوى الجمع جاز له ذلك من أول الأولى إلى آخر العصر، ومن أول المغرب إلى ثلث الليل أو نصفه إلخ، فإنه يؤخذ من قوله: "فإذا نوى الجمع جاز له ذلك من أول الأولى" أن نية الجمع عند أول الأولى بل ربما يؤخذ منه أنها سابقة على أول الأولى فتكون سابقة على دخول الوقت والله أعلم. ومثله كلام الإيضاح حيث قال: "ويجوز الجمع من وقت الزوال إلى أن يغيب من الشمس قرن، ومذ تغيب الشمس إلى ثلث من الليل أو نصف الليل للصلاتين جميعا بعد أن ينوي الجمع" والله أعلم.
قوله:» صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر «. المراد أنه صلى الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، كما هو معلوم ففيه، الحذف من الأوائل لدلالة الآخر خلافا لما توهمه ظاهر العبارة، واستدل به في الإيضاح لمن قال من أصحابنا بالاشتراك بين الظهر والعصر في الوقت، وكذلك بين المغرب والعشاء، أعني كأبي الربيع سليمان بن يخلف رحمه الله، وقواه بالآيات الواردة في أوقات الصلاة.
أقول: وأما من رأى أن كل صلاة انفردت بوقتها كالربيع بن حبيب رحمه الله مستدلا بدلائل أخرى، ومن رأى أن قدر الاشتراك ما توقع فيه إحدى الصلاتين بدليل إمامة جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الأول والثاني كما هو مشهور، فالظاهر أنه يرى أن هذا جمع صوري فقط لانتفاء السبب المجوز حقيقة، بأن صلى الأولى مثلا في آخر وقتها ودعا، وأقام الصلاة الثانية في أول وقتها، ألا ترى أنا لا نقول بجواز الجمع الحقيقي في مثل هذه الصورة، والله أعلم. (1/300)
صفحة 301
ثم رأيت في شرح البخاري لابن حجر: في بعض التأويلات ما هو صريح في التأويل المذكور حيث قال بعد كلام على تأويلين غير ظاهرين، قال يعني النووي: "ومنهم من تأوله على أن الجمع المذكور صوري بأن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها، قال: وهو احتمال ضعيف أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل" انتهى، وهذا الذي ضعفه استحسنه القرطبي، ورجحه قبله إمام الحرمين، وجزم به من القدماء ابن الماجشون والطحاوي، وقواه ابن سيد الناس بأن أبا الشعثاء وهو راوي الحديث قد قال به وذلك فيما رواه الشيخان من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار فذكر هذا الحديث، وزاد قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء قال: وأنا أظنه، قال ابن سيد الناس: وراوي الحديث أدرى بالمراد من غيره، إلى أن قال:
وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا فجوزوا الجمع في الحضر للحاجة، لكن بشرط أن لا يتخذه عادة، وممن قال به ابن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث، إلى أن قال: فقلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحد من أمته. وللنسائي من طريق عمر بن هرم عن أبي الشعثاء أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل، وفيه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أن قال: وما ذكره ابن عباس من التعليل بنفي الحرج، وجاء مثله عن ابن مسعود مرفوعا أخرجه الطبراني ولفظه: “جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فقيل له في ذلك، فقال: صنعت هذا لئلا تحرج أمتي” انتهى.
وهذا كله يؤيده ما ذكره صاحب الإيضاح رحمه الله من الاشتراك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، والله أعلم.
قوله:» عام تبوك «، ذكر في المواهب أن تبوك مكان معروف وهو نصف طريق المدينة إلى دمشق، قال: وهي غزوة العسرة، وتعرف بالفضّاحة لافتضاح المنافقين فيها، وكانت يوم الخميس في رجب سنة تسع من الهجرة بلا خلاف، إلى أن قال: وكان حرا شديدا، وجدبا كثيرا فلذلك لم يور عنها كعادته (1/301)
صفحة 302
في سائر الغزوات، إلى أن قال: وسببها أنه بلغه صلى الله عليه وسلم من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم تجمعت بالشام مع هرقل فندب صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخروج، وأعلمهم بالمكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك إلى آخره.
قوله:» فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء «. قال معاذ: "فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا" إلخ، كان المراد بقوله أولا: يجمع بين الظهر والعصر جمع التقديم، وبقوله ثانيا: فأخر الصلاة إلى قوله: جميعا جمع التأخير، فيستفاد من الحديث جواز جمع التقديم والتأخير، والله أعلم.
قوله:» صلى في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا «. قال في القواعد: "وأجمع العلماء على أن السنة فيها أن يجمع بين المغرب والعشاء إلا ما روي عن أبي عبيدة مسلم رحمه الله أنه قال: "يستحب بعد المغرب ركعتان خفيفتان".
واختلفوا فيمن صلاهما: قيل: أن يأتي جمعا، قال قوم: لا إعادة عليه وبه قال بعض علمائنا رحمهم الله، إلى أن قال: وقال آخرون: لا تصلى إلا بجمع إلخ، يعني ما لم يخف طلوع الفجر.
واعلم أنه لا يلزمه دم في ترك هذه السنة، قال في الإيضاح: "وإن ترك الجمع فيها وصلى كل صلاة في وقتها فقد أخطأ ولا شيء عليه، وقال في محل آخر: وإن صلى المغرب قبل أن يأتي المزدلفة وهو لا يخاف طلوع الفجر قال بعضهم: لم تجزه صلاته، واستدل له بحديث أسامة حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين دفع من عرفات الصلاة فقال له عليه السلام: الصلاة أمامك بجمع، ثم قال: وقال بعضهم: إن صلاها أجزأته ويكره له ذلك" إلخ.
ويؤخذ من كلامهم رحمهم الله أن من خصوصيات هذا الموضع وهذه الليلة جواز تأخير الصلاة عن وقتها المختار عمدا، ويحرم عليه أو يكره إذا لم يبلغ المزدلفة أداؤها في وقتها ما لم يخف طلوع الفجر وهذا مما يلغز به. (1/302)
صفحة 303
لكن في بعض أثر أصحابنا تفصيلا يخالف ما تقدم حيث قال:
مسألة: قال أبو المؤثر: إذا أفاض من عرفات فلا يصلي في عرفات صلاة المغرب، ولكن يجمع صلاة المغرب والعشاء بجمع، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن شغله شيء فخاف أن لا يصل إلى جمع حتى يذهب ثلث من الليل فليصل إذا هبط من بطن عرنة صلاة المغرب ويؤخر العشاء حتى يصليها بجمع قبل نصف الليل، قال: فإن اشتغل وخاف أن ينتصف الليل قبل أن يصل إلى جمع فليجمع بين المغرب والعشاء إذا هبط من بطن عرنة أو حيث شاء من الطريق، قال: وإن جمع بعرفة ثم أفاض فهو مكروه ولا نرى عليه إعادة وقد مضت صلاته إلخ، والله أعلم.
قال في القواعد: "وصح أنه جمع بين المغرب والعشاء هناك بأذان وإقامتين"، وقال في القناطر: ثم يجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء قاصرا لها بأذان وإقامتين ليس بينهما نافلة، ولكن يجمع بين سبحة المغرب والوتر بعد الفريضة يبدأ بركعتي المغرب ثم ركعتي الشفع ثم ركعة الوتر فهكذا يفعل الجامع في السفر وغيره إلخ. لكن في كلام أصحابنا رحمهم الله ما يدل على الخلاف في جواز تقديم الوتر حينئذ عن وقت غيوب الشفق وعدم جوازه والله أعلم فليراجع. وليس بين الصلاتين إلا التسليم والإقامة وتوجيه النبي عليه السلام، ولا يتكلم بينهما.
قال في الإيضاح: "ولا يبطل القِران غير الكلام في جميع عمل الجوارح إلخ، يعني ما عدا الأكل والشرب، وإذا بطل القران أخر الثانية إلى وقتها، وإذا عقد النية على الجمع جاز له التفريق، وإذا عقدها على التفريق لم يجز له الجمع، والله أعلم. (1/303)
صفحة 304
الباب الرابع والأربعون
في المساجد
وفضل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
254) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صَلاَةُ أَحَدِكُمْ فِي مَسْجِدِي هَذَا - يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ - خَيْرٌ مِنَ الصَّلاَةِ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ بِأَلْفِ صَلاَةٍ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ».
255) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّيَمُّمِ فَقَالَ: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرَابُهَا طَهُورًا ... » الحَدِيثُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ.
256) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ صَلاَةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ».
قَالَ الرَّبِيعُ: يَعْنِي بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ الْفَضْلَ (1) مَا بَيْنَ صَلاَتِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَصَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَمنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ فَقَدْ جَازَتْ صَلاَتُهُ بِاتِّفَاقِ الأُمَّةِ.
257) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ ... » الْحَدِيثُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الوِلاَيَةِ.
258) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ».
__________
(1) / خ: فضل. (1/304)
صفحة 305
259) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ (1) بَنِي إِسْرَائِيلَ.
قَالَ الرَّبِيعُ: ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ مَا يَعْمَلْنَ مِنَ الْعِطْرِ وَالرِّيحِ الطَّيِّبِ فَيَدْخُلْنَ بِهِ الْمَسْجِدَ وَيَشْغَلْنَ بِهِ النَّاسَ عَنِ الصَّلاَةِ.
260) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «طُهِّرَتِ الْمَسَاجِدُ مِنْ ثَلاَثٍ: مِنْ أَنْ يُنْشَدَ فِيهَا بِالضَّوَالِّ (2)، أَوْ يُتَّخَذَ فِيهَا طَرِيقٌ، أَوْ يَكُونَ فِيهَا سُوقٌ».
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلاَ بَأْسَ بِإِنْشَادِ الضَّالَّةِ فِي (3) أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ.
261) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأَى بُصَاقًا (4) فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ، فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلاَ يَبْزُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى».
262) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُزَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ ... الْحَدِيثُ.
263) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ (5) فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ ذَنُوبٌ مِنَ الْمَاءِ (6).
__________
(1) / خ: مُنعته.
(2) / خ: بالضالة.
(3) / خ: على.
(4) / خ: بزاقا.
(5) / خ: في مسجد رسول اللَّه (ص).
(6) / خ: من ماء. (1/305)
صفحة 306
264) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ السَّمَّاكِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى.
265) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لاَ يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ.
قوله:» إلا في المسجد الحرام «، يعني فإن الصلاة فيه بمائة ألف، قال في القناطر: "وفي الحديث "الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، وفي المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفي بيت المقدس بخمسمائة صلاة" إلخ. والظاهر أن سائر الحسنات تتضاعف كذلك قياسا على حسنات الحرم، قال في القناطر: وروي عن الحسن (أن صوم يوم في مكة بمائة ألف، وصدقة درهم بمائة ألف درهم وكذا كل حسنة بمائة ألف) إلخ، ثم رأيت التصريح بذلك في الأبدلاني، وذكر أيضا رواية أخرى عن ابن عباس (أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف، وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة آلاف، وفي المسجد الأقصى بألف) والله أعلم.
قوله:» جعلت لي الأرض «الحديث، يعني مسجدا وترابها طهورا وقد تقدم الكلام عليه في باب فرض التيمم، فليراجع.
قوله:» لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد «، يعني لا صلاة كاملة الأجر، وانظر هل المراد بقوله: "إلا في المسجد" الصلاة في الجماعة، وأنه إنما ذكر المسجد لأنه هو محل الجماعة غالبا؟ والمراد أن جار المسجد لا يكمل أجر صلاته إلا إذا صلى فيه ولو لم توجد الجماعة، وهو المتبادر من ظاهر اللفظ لأن الأصل عدم التأويل، والمناسب لما ورد من الفضل في الصلاة في المسجد. قال في القناطر: “ويقال: (الصلاة في المسجد بأربع وعشرين صلاة وفي المصلى باثنتي عشرة) إلخ، فعلى هذا يكون من صلى (1/306)
صفحة 307
جماعة في المسجد له سبع وعشرون أو خمس وعشرون من جهة الجماعة، وأربع وعشرون من جهة المسجد.
وانظر أيضا هل المسجد شامل لما في حريمه، وهو الذي عليه عمل الناس اليوم خصوصا في زمن الصيف؟ أو هو خاص بما دار عليه حائطه، وهو الظاهر والمتبادر من الظرفية، والله أعلم.
والظاهر أن هذا كله بالنظر إلى الفرض وتوابعه إلا ركعتي الفجر، وأما النفل المطلق فالأفضل صلاته في البيت لأن من مستحباته الإخفاء عن أعين الناس، ولعله إن أمكن ذلك في المسجد أفضل لما ذكروه من أنه تطهر في بيته وذهب إلى المسجد ليصلي فيه الفريضة كمن حج الفريضة، ومن ذهب ليصلي نافلة كمن حج نافلة والله أعلم، وأما سنة الفجر فنص في الإيضاح على أن المستحب ركوعها في البيت، وكذلك الركوع للإمام يوم الجمعة كما نصوا عليه، فليراجع.
قوله:» ومن صلى في بيته فقد جازت صلاته باتفاق الأمة «. لعله رحمه الله لم يعتد بقول من قال: (إن صلاة الجماعة فرض عين) مع أنه مشهور والله أعلم. وقد يقال: لا يلزم من كون الصلاة في الجماعة فرضا أن تفسد صلاته وحده وهو الظاهر، فلذلك حكي الاتفاق على صحة الصلاة، غايته أنه ارتكب معصية على هذا القول، والله أعلم.
قوله:» سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله «، الحديث تقدم في باب الولاية والإمارة، ولفظه "إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل متعلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا وتفرقا على ذلك، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه بالدمع من خشية الله عز وجل، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه" انتهى. ولم يتقدم الكلام عليه هناك، فنقول هنا:
قوله:» سبعة «قال ابن حجر: "ظاهره اختصاص المذكورين بالثواب المذكور، ووجهه الكرماني بما محصله أن الطاعة إما أن تكون بين العبد وبين الرب، أو بينه وبين الخلق، فالأول باللسان وهو الذكر، أو بالقلب وهو المعلق بالمسجد، أو (1/307)
صفحة 308
بالبدن وهو الناشئ في العبادة، والثاني عام وهو العادل، أو خاص بالقلب وهو التحابّ، أو بالمال وهو في الصدقة أو بالبدن، وهو العفة. وقد نظم السبعة العلامة أبو شامة، إلى أن قال:
وقال النبي المصطفى إن سبعة ... يظلهم الله الكريم بظله
محب عفيف ناشئ متصدق ... وباك مصل والإمام بعدله
ووقع في صحيح مسلم من حديث أبي اليسر مرفوعا "من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" وهاتان الخصلتان غير السبعة الماضية فدل على أن العدد المذكور لا مفهوم له، إلى أن قال: ثم تتبعت بعد ذلك الأحاديث الواردة في مثل ذلك فزادت على عشر خصال وقد انتقيت منها سبعة وردت بأسانيد جياد ونظمتها في بيتين تذييلا على بيتي أبي شامة وهما:
وزد سبعة في الظل غاز وعونه ... وإنظار ذي عسر وتخفيف حمله
وإرفاد ذي غرم وعون مكاتب ... وتاجر صدق في المقال وفعله
إلخ، فذكر الرواية لهذه السبعة وبعض المواضع التي ذكرت فيها، إلى أن قال: ثم تتبعت ذلك فجمعت سبعة أخرى ونظمتها في بيتين آخرين وهما:
وزد سبعة حزن ومشى لمسجد ... وكره وضوء ثم مطعم فضله
وآخذ حق باذل ثم كافل ... وتاجر صدق في المقال وفعله
قال: ثم تتبعت ذلك فجمعت سبعة أخرى لكن أحاديثها ضعيفة، إلى أن قال: وقد أوردت الجميع في الأمالي، وقد أفردته في جزء سميته معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال.
قوله:» في ظله «. قال ابن حجر: "قال عياض: إضافة الظل إلى الله إضافة ملك، وكل ظل فهو ملكه، كذا قال، وكان حقه أن يقول: (إضافة تشريف) ليحصل امتياز هذا على غيره كما قيل: (الكعبة بيت الله) مع أن المساجد كلها ملكه، وقيل: المراد بظله كرامته وحمايته كما يقال: (فلان في ظل الملك)، وهو قول عيسى بن دينار، وقواه عياض، وقيل: المراد ظل عرشه، ويدل عليه حديث سلمان عند سعيد بن منصور بإسناد حسن (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه) فذكر الحديث، وإذا كان المراد ظل العرش استلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس، فهو أرجح وبه جزم القرطبي، ويؤيده أيضا تقييد ذلك بيوم القيامة، إلى (1/308)
صفحة 309
أن قال: وبهذا يندفع قول من قال: المراد (ظل طوبى، أو ظل الجنة) لأن ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة، ثم إن ذلك مشترك لجميع من يدخلها، والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة، فترجح أن المراد ظل العرش.
روى الترمذي وحسنه من حديث أبي سعيد مرفوعا "أحب الناس يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل" انتهى.
قوله:» الإمام العادل «، اسم فاعل من العدل، وذكر ابن عبد البر أن بعض الرواة عن مالك رواه بلفظ العدل، قال: وهو أبلغ لأنه جعل المسمى نفسه عدلا، والمراد به صاحب الولاية العظمى، ويلتحق كل من ولي شيئا من أمور المسلمين فعدل فيه، ويؤيده رواية مسلم من حديث عبد الله بن عمر ورفعه "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلُّوا"، وأحسن ما فسر به العادل أنه الذي يضع كل شيء في موضعه بغير إفراط ولا تفريط، وقدمه في الذكر لعموم النفع به، انتهى من ابن حجر.
قوله:» وشاب «، قال ابن حجر: "خص الشاب لكونه مظنة غلبة الشهوة لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى، فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشد وأدل على غلبة التقوى".
قوله:» في عبادة الله «، قال ابن حجر: "زاد حماد بن زيد عن عبيد بن عمر "حتى توفي على ذلك" أخرجه الجوزي، وفي حديث سلمان "أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله".
قوله:» متعلق قلبه إلى المسجد «في بعض الروايات عند قومنا "متعلق بالمساجد" والمعنى أنه شديد الحب للمسجد من العلاقة وهي شدة الحب.
قوله:» فتحابا «قال ابن حجر: بتشديد الباء أصله (تحاببا) أي اشتركا في جنس المحبة وأحب كل منهما صاحبه حقيقة لا إظهارا فقط، ووقع في رواية حماد بن زيد "ورجلان قال كل منهما للآخر: إني أحبك في الله فصدر على ذلك" ونحوه في حديث سلمان، انتهى.
قوله:» اجتمعا وتفرقا على ذلك «، قال ابن حجر: "أي على الحب المذكور، والمراد أنهما داما على المحبة الدينية ولم يقطعاها بعارض دنيوي سواء اجتمعا حقيقة أم لا، (1/309)
صفحة 310
حتى فرق بينهما الموت، إلى أن قال: تنبيه: عدت هذه الخصلة واحدة مع أن متعاطيها اثنان لأن المحبة لا تتم إلا باثنين، إلخ.
قوله:» ذكر الله «، قال ابن حجر: "أي بقلبه من التذكر أو بلسانه من الذكر".
قوله:» خاليا «، قال ابن حجر: "أي من الخلق، لأنه حينئذ يكون أبعد من الرياء، أو المراد خاليا من الالتفات إلى غير الله ولو كان في ملإ، ويؤيده رواية البيهقي (ذكر الله بين يديه) ويؤيده الأول رواية ابن المبارك وحماد بن زيد (ذكر الله في خلاء) أي في موضع خال وهي أصح، انتهى.
قوله: "ففاضت عيناه بالدمع «، قال ابن حجر: "أي فاضت الدموع من عينيه، وأسند الفيض إلى العين مبالغة كأنها هي التي فاضت، قال القرطبي: وفيض العين بحسب حال الذاكر، وبحسب ما تنكشف له، ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله، وفي حال أوصاف الجمال يكون البكاء من الشوق إليه إلخ، أقول: لكن رواية المصنف رحمه الله لا تناسب البكاء من الشوق إليه حيث قيدها بقوله: (من خشية الله) وهي رواية لبعض قومنا أيضا.
قال ابن حجر: قلت قد خص في بعض الروايات بالأول، ففي رواية حماد بن زيد (ففاضت عيناه من خشية الله حتى يصيب الأرض من دموعه لم يعذب يوم القيامة) إلخ، فذكر تنبيهين:
الأول منهما يتعلق بما نحن فيه حيث قال: "الأول: ذكر الرجال في هذا الحديث لا مفهوم له بل يشترك النساء معهم فيما ذكر، إلا إن كان المراد بالإمام العادل الإمامة العظمى، وإلا فيمكن دخول المرأة حيث تكون ذات عيال فتعدل فيهم.
التنبيه الثاني: ويخرج خصلة ملازمة المسجد لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من المسجد، وما عدا ذلك فالمشاركة حاصلة لهن، حتى الرجل الذي دعته المرأة فإنه يتصور في امرأة دعاها ملك جميل مثلا فامتنعت خوفا من الله مع حاجتها، أو شاب جميل دعاه ملك أن يزوجه ابنته مثلا فخشي إن تركت منه الفاحشة فامتنع مع حاجته إليه" انتهى.
قوله:» دعته امرأة ذات حسن وجمال «، في رواية البخاري (ذات منصب) وفي رواية مالك (ذات حسب) قال ابن حجر: والمراد بالمنصب الأصل والشرف، (1/310)
صفحة 311
وقال في الحسب: وهو يطلق على الأصل وعلى المال أيضا، ووصفها بأكمل الأوصاف التي جرت العادة بمزيد الرغبة لمن تحصل له فيه، وهو المنصب الذي يستلزم الجاه والمال مع الجمال، وقل من يجتمع ذلك فيها من النساء، إلى أن قال: والظاهر أنها دعته إلى الفاحشة، وبه جزم القرطبي ولم يحك غيره، وقال بعضهم يحتمل أن تكون دعته إلى التزويج بها فخاف أن يشتغل عن العبادة بالافتتان بها، أو خاف أن لا يقوم بحقها لشغله بالعبادة عن التكسب بما يليق بها، والأول أظهر، إلى أن قال: والصبر عن الموصوفة بما ذكر من أكمل المراتب كثرة الرغبة في مثلها وعسر تحصيلها لا سيما وقد أغنت عن مشاق التوصل إليها بمراودة ونحوها" انتهى.
قوله:» فقال: إني أخاف الله رب العالمين «. قال ابن حجر: "والظاهر أنه يقول ذلك بلسانه إما ليزجرها من الفاحشة أو ليعتذر إليها ويحتمل أن يقوله بقلبه، قاله عياض، وقال القرطبي: إنما يصدر ذلك من شدة خوف من الله ومتين تقوى وحياء" انتهى.
قوله:» حتى لا تعلم «. قال ابن حجر: "بضم الميم وفتحها".
قوله:» شماله ما أنفقته يمينه «. قال ابن حجر بعد كلام: "ثم المقصود منه المبالغة في إخفاء الصدقة بحيث أن شماله مع قربها من يمينه وتلازمهما لو تصور أنها تعلم لما علمت ما فعلت اليمين لشدة إخفائها، فهو على هذا من مجاز التشبيه، ويؤيده رواية حماد بن زيد عند الجوزي (تصدق بصدقة) كأنما أخفى يمينه عن شماله، ويحتمل أن يكون من مجاز الحذف والتقدير (حتى لا يعلم ملك شماله). وأبطل من زعم أن المراد بشماله نفسه وأنه من تسمية الكل باسم الجزء فإنه ينحل إلى أن نفسه لا تعلم ما تنفق نفسه، وقيل: هو من مجاز الحذف، والمراد بشماله من على شماله من الناس، كأنه قال: (مجاور شماله)، وقيل: المراد أنه لا يرائي بصدقته فلا يكتب كاتب الشمال، وحكى القرطبي عن مشايخ أن معناه أن يتصدق على الضعيف المتكسب في صورة الشراء، والترويج لسلعته أو رفع قيمتها؛ واستحسنه، وفيه نظر إن أراد أن هذه الصورة مراد الحديث خاصة، وإن أراد أن هذه من صور الصدقة المخفية فمسلم والله أعلم، انتهى. (1/311)
صفحة 312
قوله: (فليركع) أي فليصل من إطلاق الجزء وإرادة الكل، قاله ابن حجر.
قوله:» ركعتين «. قال ابن حجر: هذا العدد لا مفهوم لأكثره باتفاق، واختلف في أقله، والصحيح اعتباره فلا تتأدى هذه السنة بأقل من ركعتين، واتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب، ونقل ابن بطال عن أهل الظاهر الوجوب، والذي صرح به ابن حزم عدمه، ومن أدلة عدم الوجوب قوله صلى الله عليه وسلم للذي رآه يتخطى (اجلس فقد آذيت) ولم يأمره بصلاة كذا استدل به الطحاوي، وفيه نظر.
وقال الطحاوي أيضا: الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها ليس هذا الأمر داخلا فيها، قلت: هما عمومان تعارضا؛ الأمر بالصلاة لكل داخل من غير تفصيل، والنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة، فلا بد من تخصيص أحد العمومين، فذهب جمع إلى تخصيص النهي وتعميم الأمر وهو الأصح عند الشافعية، وذهب جمع إلى عكسه وهو قول الحنفية والمالكية انتهى.
أقول: وهذا هو مذهب أصحابنا رحمهم الله.
قال في القواعد: تحية المسجد ركعتان يصليهما الإنسان إذا دخل المسجد على يمين المحراب، وهذا إذا كان في وقت تحصل فيه الصلاة، إلى أن قال: ولكن يستحب إذا منع من الصلاة أن يقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) أربع مرات فيقال: إنها تعدل ركعتين في الفضل، وإن دخل المسجد في غير وقت الصلاة فلا يصلي فيه ولكن يدعو الله تعالى، ويقال: (من لم يحي المسجد عند دخوله بركعتين حاجّه يوم القيامة) والله أعلم انتهى. فإن وجد أحدا يصلي عن يمين المحراب فليصل عن يساره فإن وجد أيضا أحدا يصلي فيه ففي مقابلة المحراب، فإن وجد أحدا يصلي فيه فليصل حيث شاء، والله أعلم.
قوله:» قبل أن يجلس «. قال ابن حجر: صرح جماعة بأنه إذا خالف وجلس لا يشرع له التدارك، وفيه نظر لما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر أنه دخل المسجد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أركعت ركعتين؟) قال: لا، قال: (قم فاركعهما). ترجم عليه ابن حبان أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس، إلى أن قال: وقال المحب الطبري: ويحتمل أن يقال: وقتهما قبل الجلوس (1/312)
صفحة 313
وقت فضيلة وبعده وقت جواز، ويقال: وقتهما قبله أداء وبعده قضاء، ويحتمل مشروعيتهما بعد الجلوس إذا لم يطل الفصل، انتهى.
أقول: وظاهر كلام القواعد المتقدم حيث قال: ويقال: (من لم يحي المسجد عند دخوله بركعتين) إلخ، أن السنة لا تحصل إلا إذا ركعهما عند الدخول فيكون موافقا للجماعة القائلين بأنهما يفوتان بالجلوس، وهو المتبادر من ظاهر الحديث والله أعلم، فليحرر ما هو المذهب.
وذكر ابن حجر أن هذا الحديث ورد على سبب قال: وهو أن أبا قتادة دخل المسجد فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا بين أصحابه فجلس معهم فقال له: (ما منعك أن تركع؟) قال: رأيتك جالسا والناس جلوس، قال: (فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين) أخرجه مسلم انتهى، وظاهر هذا الحديث أنه يسن الركوع لكل داخل ولو تكرر منه ذلك، سواء كان من أهل المسجد أو غيرهم وهو الأحوط ما لم يمنع من ذلك مانع، والله أعلم.
قوله:» لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل «. زاد في البخاري قلت لعمرة: أَوَمُنعن؟ قالت: نعم، وعمرة عندهم هي الراوية لهذا الحديث عن عائشة، قال: قال ابن حجر: “وتمسك بعضهم بقول عائشة في منع النساء مطلقا، وفيه نظر إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم، لأنها علقته على شرط لم يوجد بناء على ظن طنته فقالت: (لو رأى لمنع) فيقال عليه: (لم ير فلم يمنع) فاستمر الحكم حتى أن عائشة لم تصرح بالمنع، وأن كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع، وأيضا فقد علم الله سبحانه ما سيحدثن فما أوحى إلى نبيه لمنعهن، ولو كن ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من غيرها كالأسواق أولى، وأيضا فالإحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهن، فإن تعين المنع فليكن ممن أحدثت، والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب لإشارته صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بمنع التطيب والزينة، وكذا التقييد بالليل كما سبق” انتهى
ومن جملة ما تقدم "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا".
قوله:» قال الربيع: ذلك من أجل ما يعملن من العطر والريح الطيبة «إلخ، قال ابن حجر: ويلحق بالطيب ما في معناه لأن سبب المنع ما فيه من تحريك (1/313)
صفحة 314
داعية الشهوة كحسن الملبس، والحلي الذي يظهر أثره، والزينة الفاخرة، وكذا الاختلاط بالرجال.
وقد فرق كثير من الفقهاء المالكية وغيرهم بين الشابة وغيرها وفيه نظر، إلى أن قال: وقد ورد في بعض طرق الحديث ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وذلك في رواية حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر بلفظ "لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن"، إلى أن قال: ولأحمد والطبراني من حديث أم حميد الساعدية أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، فقال: "قد علمت، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة" إلخ، ومثله كلام الإيضاح حيث قال: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صلاة المرأة في مخدعها خير من صلاتها في صحن بيتها، وصلاتها في دارها خير من صلاتها في المسجد" فخص صلى الله عليه وسلم صلاة النساء في بيوتهن أو في المساجد بالفضل، لأن هذه المواضع أستر لهن، ولا يجوز للمرأة على هذا أن تصلي خارجا من هذه المواضع إلا إن استترت وسترتها من خلفها إلخ، وإنما كانت صلاة المرأة في بيتها أفضل لتحقيق الأمن فيه من الفتنة، قال ابن حجر: ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة، ومن ثم قالت عائشة ما قالت إلى آخره.
قوله:» طهرت المساجد من ثلاث «. الرواية في الإيضاح (من خمس) حيث قال: وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "طهرت المساجد من خمس أن تقام فيها الحدود، أو تتخذ فيها طريق، أو ينشد فيها بالضالة، أو يبيعوا فيها، أو يشتروا، ومن فعل ذلك فلينهروه أو يخرجوه وإن لم ينته عن ذلك فليضربوه"، أما الحدود فإنها لا تقام في المساجد من أجل ما يحدث من المحدود، وكذلك في الأثر ولا يحكم ولا يضرب ولا يحلف إلا خارجا عنه يعني الحاكم إلخ.
قوله:» أن ينشد فيها بالضوال «. قال في الإيضاح: وجواب من ينشد على الضالة في المسجد أن يقال له: لا جمع الله عليك. (1/314)
صفحة 315
قوله:» أو يتخذ منها طريق «. قال في الإيضاح: ولا يدخل من أحد أبوابه ويخرج من الآخر إذا كان مارا لنهي النبي عليه السلام عن ذلك، ومن أراد ذلك فليركع مارا، فيه أو يدع الله ثم يخرج.
قوله:» ولا بأس بإنشاد الضالة على أبواب المساجد «. قال في الإيضاح: بعده لأنها مجمع الناس، وضالة المسجد كضالة غيره في حفظها وحرزها، وكذلك متروكة مثل غيره، والله أعلم انتهى.
قوله:» رأى بصاقا في جدار القبلة «إلخ. رواه في القناطر مطولا من حديث جابر بن عبد الله ولفظه، وفي حديث جابر بن عبد الله أنه قال: "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجدنا هذا وفي يده عرجون من طابن ـ يعني نوعا من أنواع التمر ـ قال: فنظر فرأى في قبلة المسجد نخامة فأقبل عليها فحكها بالعرجون ثم قال: (أيكم يحب أن يعرض الله عز وجل عنه؟) فقال: إن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله قِبل وجهه فلا يبصقن قبل وجهه، ولا عن يمينه وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة فليتفل بثوبه هكذا ووضعه على فيه ثم دلكه، أروني عبيرا ـ يعني أخلاطا من الطيب ـ فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله فجاء بخلوق في راحته فأخذه عليه السلام فجعل على رأس العرجون ثم لطخ به على أثر النخامة، قال جابر: فمن هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم. إلخ.
قوله:» فحكه «أي بالعرجون كما في رواية القناطر، وفي رواية البخاري فحكه بيده، قال ابن حجر: "أي تولى ذلك بنفسه إلا أنه لم يباشر بيده النخامة، ويؤيد ذلك الحديث الآخر (إنه حكها بعرجون) " إلخ.
قوله:» فإن الله قبل وجهه «، في بعض روايات البخاري "وإن ربه بينه وبين القبلة"، قال ابن حجر: "قال الخطابي: معناه ـ يعني في الروايتين ـ أن توجهه إلى القبلة يفهم بالقصد منه إلى ربه فصار في التقدير (كان مقصوده بينه وبين قبلته)، وهذا التعليل يدل على أن البزاق في القبلة حرام سواء كان في المسجد أم لا، ولا سيما من المصلي، ولا يجري فيه الخلاف في أن كراهية البزاق (1/315)
صفحة 316
في المسجد هل للتنزيه أو التحريم؟ وفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان من حديث حذيفة مرفوعا (من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه) وفي رواية ابن خزيمة من حديث ابن عمر (يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه) إلخ، ومثل القبلة اليمين كما في القناطر، وفي بعض طرق الحديث (فلا يبصقن أمامه فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا) إلخ.
قوله:» إن أعرابيا بال في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم «. قال ابن حجر: "حكى أبو بكر التاريخي عن عبد الله نافع المدني أنه الأقرع بن حابس التميمي، ثم ذكر في رواية أخرى أنه ذو الخويصرة اليماني، ووجدت في حاشية أنه عيينة بن حصين، وذكر ابن حجر في بعض الروايات (أنه صلى ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لقد حجرت واسعا، فلم يلبث أن بال في المسجد) إلخ، ولفظ الحديث في بعض طرق البخاري عن أنس بن مالك قال: (جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه).
قوله:» ذنوب من ماء «قال ابن حجر: "قال الخليل: الدلو ملؤه ماء، وقال ابن فارس: الدلو العظيمة، وقال ابن السكيت فيها: ما قربت من الامتلاء ولا يقال لها فارغة: (ذنوب)، إلى أن قال: وقال في الحديث: (من ماء) مع أن الذنوب من شأنها ذلك لكنه لفظ مشترك بينه وبين الفرض الطويل وغيرهما، إلى أن قال:
وفي الحديث من الفوائد أن الاحتراز من النجاسة كان مقررا في نفوس الصحابة، ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته صلى الله عليه وسلم قبل استئذانه، ولما تقرر عندهم أيضا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستدل به على جواز التمسك بالعموم إلى أن يظهر الخصوص.
قال ابن دقيق العيد: والذي يظهر أن التمسك يتحتم عند احتمال التخصيص عند المجتهد ولا يجب التمسك عن العمل بالعموم بذلك لأن علماء الأمصار ما برحوا يفتون بما بلغهم من غير توقف على البحث عن التخصيص، ولهذه القصة أيضا إذ لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة، ولم يقل لهم: لم نهيتم (1/316)
صفحة 317
الأعرابي؟ بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.
وفي الحديث المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المنافع لأمرهم عند فراغه بصب الماء، وفيه أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة، إلى أن قال: ويستدل به أيضا على عدم اشتراط نضوب الماء، لأنه لو اشترط لتوقفت طهارة الأرض على الجفاف، وكذا لا يشترط عصر الثوب إذ لا فارق، إلى أن قال: وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف، إذا لم يكن ذلك منه عنادا، ولا سيما إن كان ممن يحتاج إلى استئلافه، وفيه رأفة النبي صلى الله عليه وسلم وحسن خلقه، إلى أن قال: وتعظيم المسجد وتنزيهه عن الأقذار، إلى أن قال: وفيه أن الأرض تطهر بصب الماء عليها ولا يشترط حفرها خلافا للحنفية حيث قالوا: لا تطهر إلا بحفرها، كذا أطلق النووي وغيره، والمذكور في كتب الحنفية التفصيل بين ما إذا كانت رخوة بحيث يتخللها الماء حتى يغمرها وهذه لا تحتاج إلى حفر، وبين ما إذا كانت صلبة فلا بد من حفرها وإلقاء التراب لأن الماء لا يغمرها أعلاها وأسفلها، واحتجوا فيه بحديث جاء من ثلاث طرق إلخ، واستدل به في الإيضاح لمن قال: إن القليل من الماء لا ينجسه القليل من النجاسة، ولمن فرق بين ورود الماء على النجاسة وورود النجاسة على الماء، قالوا: إن ورد الماء على النجس صار طاهرا كما في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، وإن ورد النجس على الماء صار الماء نجسا كما في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه أو يتوضأ) إلخ، واستدل به أيضا لمن قال في الفخار إذا سبق إليه النجس قبل كل شيء من الأشياء المائعات: لا أجد في ذلك حدا ولكن صب الماء فيه ثم احكم له بحكم الطهارة بقدر ما يغلب على ظني أن الماء الطاهر قد بلغ حيث ما بلغت إليه النجاسة قياسا على بول الأعرابي الذي بال في المسجد فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصب عليه ذنوب من ماء فحكم بطهارته إلخ.
قوله:» مستلقيا «، أي نائما على ظهره.
قوله:» واضعا إحدى رجليه على الأخرى «، قال ابن حجر: "قال الخطابي فيه: إن النهي الوارد في ذلك منسوخ أو محل النهي حيث يخشى أن تبدو العورة، (1/317)
صفحة 318
والجواز حيث يؤمن ذلك، قلت: الثاني أولى من ادعاء النسخ لأنه لا يثبت بالاحتمال. وممن جزم به البيهقي والبغوي وغيرهما من المحققين، وجزم ابن بطال ومن تبعه بأنه منسوخ، إلى أن قال: والظاهر أن فعله صلى الله عليه وسلم كان لبيان الجواز وكان فعله ذلك في وقت الاستراحة لا عند مجتمع الناس، لما عرف من عادته من الجلوس بينهم بالوقار التام صلى الله عليه وسلم.
قال الخطابي: وفيه جواز الاتكاء في المسجد والاضطجاع وأنواع الاستراحة. قال الداودي: فيه أن الأجر الوارد للبث بالمسجد لا يختص بالجالس بل يحصل للمستلقي أيضا انتهى، والمراد من النهي ما روي عنه صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره" كذا في الجامع الصغير.
قوله:» إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله «ترك المصنف رحمه الله هنا بياضا ثم قال: واستدل به في الإيضاح على أن المعتكف يغسل رأسه ويدهن ويكتحل حيث قال: وللمعتكف أن يغسل رأسه ويدهن ويكتحل كما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يدني رسه إلى عائشة فترجله وهو معتكف إلخ. (1/318)
صفحة 319
الباب الخامس والأربعون
في الثياب والصلاة فيها وما يستحب من ذلك
266) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاَةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ».
267) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ (1) وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ فِيمَا بَلَغَنِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
268) ... قَالَ الرَّبِيعُ: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ، فَصَلَّى بِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا.
269) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَهْدَى أَبُو جَهْمٍ بْنُ حُذَيْفَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمِيصَةٍ شَامِيَّةٍ، فَشَهِدَ فِيهَا الصَّلاَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «رُدِّي هَذِهِ (2) الْخَمِيصَةَ لأَبِي جُهيْمٍ (3) فَإِنِّي نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلاَةَ فَكَادَ أَنْ يَفْتِنَنِي».
قَالَ الرَّبِيعُ: الْخَمِيصَةُ، شَمْلَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ قُطْنٍ فِيهَا عَلَمٌ مِنْ حَرِيرٍ.
270) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْكُلَ
__________
(1) / قوله: في بيت أمّ سلمة ... نسخة القطب تاخير هذه الكلمة، ونصّ الرواية عنده: كان رسول اللَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يصلّي في ثوب واحد واضعا طرفيه على عانقه، فيما بلغني وذلك في بيت أمِّ سلمة واللَّه أعلم.
(2) / قوله: ردّي الخطاب لعائشة.
(3) / خ: جهم، وَقَدْ جرى الشارح عليها. (1/319)
صفحة 320
الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ، أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، أَوْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ.
قَالَ الرَّبِيعُ: الصَّمَّاءُ: أَنْ يَرْمِيَ بِطَرَفَيْ إِزَارِهِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ وَيَبْقَى مَكْشُوفًا عَوْرَتُهُ، وَمَعْنَى الاِحْتِبَاءِ: أَنْ يَرْمِيَ بِطَرَفَيْ إِزَارِهِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ وَالآخَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ فَتَبْقَى عَوْرَتُهُ مَكْشُوفَةً إِلَى السَّمَاءِ.
271) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى حُلَّةً سِيرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ (1) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا (2) يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْوُفُودِ (3) إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا يَلْبِسُ هَذِهِ مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ». ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ جَاءَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْهَا حُلَّةً سِيرَاءَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلْبَسْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْطَيْتُكَهَا (4) لِتُلْبِسَهَا» فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا.
272) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، وَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ» قَالَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ «وَلاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ (5) يَجُرُّ إِزَارَهُ بَطَرًا».
273) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ذَكَرَ الإِزَارَ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ:
__________
(1) / خ: يا رسول الله.
(2) / خ: لتلبسها.
(3) / خ: وللوفود.
(4) / خ: لم اعطكها.
(5) / خ: رجل. (1/320)
صفحة 321
وَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «تُرْخِي شِبْرًا»، قَالَتْ: إِذَنْ يَنْكَشِفُ عَنْهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَذِرَاعًا لاَ تَزِيدُ عَلَيْهِ».
274) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: اِشْتَرَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ بِالْبَابِ وَلَمْ يَدْخُلْ، فَلَمَّا رَأَتْ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ (1) قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ (2) مِمَّا أَذْنَبْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟» فَقَالَتْ: اِشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ بِهَا فِي النَّارِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الْبَيْتَ الذِي فِيهِ تَصَاوِيرُ لاَ تَدْخُلُهُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ».
275) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى رَجُلٍ يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ».
276) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ اشْتَكَى أَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أُنَاسٌ (3) يَعُودُونَهُ، فَأَمَرَ رَجُلاً أَنْ يَنْزِعَ قَمِيصًا (4) تَحْتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ نَزَعْتَهُ يَا أَبَا طَلْحَةَ؟ فَقَالَ: لأَنَّ فِيهِ تَصَاوِيرَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَلَمْ يَقُلْ: «إِلاَّ مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ؟». فَقَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِي وَأَحْوَطُ مِنَ الإِثْمِ.
__________
(1) / في نسخة القطب: فلمّا رأته عرفت. وفيها ايضا: فقالت يارسول اللَّه.
(2) / خ: وإلى رسوله.
(3) / خ ناس.
(4) / خ: نمطا. (1/321)
صفحة 322
277) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ ذِى (1) أَنْمَارٍ فَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فَبَيْنَمَا أَنَا نَازِلٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ إِذَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ إِلَيْنَا قَالَ: قُلْتُ (2) هَلُمَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى الظِّلِّ، فَمَالَ فَنَزَلَ، قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فَقُمْتُ إِلَى غَرَارَةٍ لَنَا فَالْتَمَسْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا جِرْوَ قِثَّاءٍ، فَكَسَرْتُهُ وَقَرَّبْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «وَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟» فَقُلْتُ: خَرَجْنَا بِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ، قَالَ جَابِرٌ: وَعِنْدَنَا صَاحِبٌ لَنَا نُجَهِّزُهُ لِيَذْهَبَ فَيَرْعَى ظَهْرَنَا، قَالَ: فَجَهَّزْتُهُ، فَذَهَبَ إِلَى الظَّهْرِ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ خَلَقَانِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «ألاَ لَهُ (3) ثَوْبَانِ غَيْرُ هَذَيْنِ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَهُ ثَوْبَانِ فِي العَيْبَةِ كَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا، قَالَ: فَادْعُهُ فَمُرْهُ يَلْبَسْهُمَا، قَالَ: فَدَعَوْتُهُ فَلَبِسَهُمَا، ثُمَّ وَلَّى وَذَهَبَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا لَهُ ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ، أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا لَهُ؟!»، فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». قَالَ جَابِرٌ: فَقُتِلَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَهَذَا تَرْغِيبٌ وَتَحْرِيضٌ مِنَ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي التَّزَيُّنِ بِاللِّبَاسِ الْحَسَنِ.
قوله:» أوكلكم يجد ثوبين «، قال في الإيضاح: وأقل ما يجزئ من ذلك ثوب طاهر ساتر عورة المصلي وظهره وصدره، والدليل أنه يجزئ الثوب الواحد ما روي من طريق أبي هريرة إلخ، فذكر الحديث ثم قال: وأما ما روي أنه قال عليه السلام: "يجزئ الثوب الواحد إن لم يكن غيره" فدليل الخطاب
__________
(1) / خ: ذات.
(2) / خ: فقلت.
(3) / خ: ماله. (1/322)
صفحة 323
أنه لا يجزئ الثوب الواحد إلا إن لم يجد غيره، والقول الأول عندي أصح لحديث أبي هريرة المتقدم، وهو أولى من دليل الخطاب، إلخ.
قوله:» واضعا طرفيه على عاتقه «، الرواية في البخاري (على عاتقيه) بالتثنية، قال: وهو الاشتمال على منكبيه، وعلى رواية الإفراد فلعل المراد به الهيئة التي يلتحفها إلا من جعل الطرفين على العاتق الأيسر، وأما جعل أحد الطرفين على العاتق الأيسر والآخر تحت إبطه من جهة اليسار فلم أر من تعرض لهذه الهيئة، وهي في الحقيقة مستلزمة لعدم التجافي بعضديه معا، أو لكثرة الشغل برده تحت إبطه عقب كل سجدة إذا أراد المحافظة على ذلك، ولا أدري ما مستندهم في ذلك، والله أعلم.
قوله:» وعليه جبة من صوف شامية «، قال ابن حجر عقب ترجمة البخاري لهذا الحديث: "هذه الترجمة معقودة لجواز الصلاة في ثياب الكفار ما لم يتحقق نجاستها، إلى أن قال: وكانت الشام إذ ذاك دار كفر، إلى أن قال: إن الجبة كانت صوفا وكانت من ثياب الروم، ووجه الدلالة منه أنه صلى الله عليه وسلم لبسها ولم يستفصل، وروي عن أبي حنيفة كراهية الصلاة فيها إلا بعد الغسل، وعن مالك إن فعل يعيد في الوقت" انتهى.
وظاهر كلام أصحابنا رحمهم الله أنه إذا صلى بها يعيد أبدا حيث أطلقوا النهي عن الصلاة في ثياب غير الموحدين، قال في الإيضاح: وكذلك ثياب أهل الذمة لا يصلي بها ولا بكل ثوب صنعه المشركون وخيطوه حتى يغسل غسل النجاسة لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة:28] إلخ فعلى هذا يكون المراد من قوله: (وصلى بها) يعني بعد غسلها وإن كان المتبادر خلافه، والله أعلم.
قوله:» أبو جهم «ابن حذيفة، قال ابن حجر: هو عبيد، ويقال: عامر بن حذيفة القرشي العدوي صحابي مشهور إلخ.
قوله:» فشهد فيها الصلاة «. الرواية في الموطأ فشهد فيها العيد.
قوله:» ردي إلى أبي جهم هذه الخميصة «. زاد في البخاري وأتوني بأنبجانية أبي الجهم، وكذلك في القناطر، قال ابن حجر: (والأنبجانية) بفتح الهمزة (1/323)
صفحة 324
وسكون النون وكسر الموحدة وتخفيف الجيم وبعد النون ياء (النسب) كساء غليظ لا علم فيه، إلى أن قال: قال ابن بطال: إنما طلب منهم ثوبا غيرها ليعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافا به، قال: وفيه أن الواهب إذا ردت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها، فله أن يقبلها من غير كراهة، انتهى.
قوله:» فإني نظرت إلى علمها في الصلاة وكاد يفتنني «. قال ابن حجر: "قال ابن دقيق العيد: فيها مبادرة الرسول إلى مصالح الصلاة ونفي ما لعله يحدث فيها، وأما بعثه بالخميصة إلى أبي جهم فلا يلزم منه أن يستعملها في الصلاة، ومثله قوله في حلة عطارد حيث بعث بها إلى عمر: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها"، ويستنبط منه كراهية كل ما يشغل عن الصلاة من الأصباغ والنقوش ونحوها، وفيه قبول الهدية من الأصحاب، والإرسال إليهم، والطلب منهم، واستدل به الناجي على صحة المعاطاة لعدم ذكر الصبغة، وقال الطيبي: فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرا في القلوب الطاهرة والنفوس الزكية، يعني فضلا عمن دونها"انتهى.
قوله:» قال الربيع الخميصة شملة غليظة «إلخ. الظاهر أن المراد بالشملة الكساء، قال ابن حجر: "خميصة بفتح المعجمة وكسر الميم وبالصاد المهملة كساء مربع له علمان" إلخ.
قوله:» ويمشي في نعل واحدة «، قال العلقمي: "قال النووي: يكره المشي في نعل واحدة أو خف واحد أو مداس واحد إلا لعذر، قال العلماء: وسببه أن ذلك تشويه ومثلة ومخالفة للوقار، وهذا أدب مجمع على استحبابه وليس بواجب" انتهى، وعلل غيره بأنها مشية الشيطان، وقيل: لأنها خارجة عن الاعتدال، وقيل: لما فيها من الشهرة فتمتد الأبصار لمن ترى ذلك منه، وهذه من المسائل التي كانت عائشة تكرهها، ورجح الناس خلاف قولها وإنها لم يبلغها النهي، قال شيخنا: قال الخطابي في قوله: (لا يمش أحدكم في النعل الواحدة) لأن فيه شهرة وكل أمر كذلك فهو مكروه، قال: ومثل ذلك لبس أحد الخفين، وإخراج أحد اليدين من أحد الكمين وترك الأخرى داخل الكم، وإرسال الرداء على أحد المنكبين وإعراء الآخر منه، فكل ذلك مكروه" انتهى.
قوله:» قال الربيع: الصماء أن يرمي بأحد طرفي إزاره على عاتقه الأيمن «إلخ، هذا التفسير لا يناسبه ما ذكره في بعض كتب قومنا لا للعرب ولا لفقهائهم، (1/324)
صفحة 325
قال العلقمي: "قوله: (الصماء) قال شيخنا: بفتح الصاد المهملة وتشديد الميم والمد. قال الخطابي: قال الأصمعي: اشتمال الصماء عند العرب أن يشتمل بثوبه فيجلل به جسده ولا يرفع منه جانبا فيخرج منه يده وربما اضطجع على هذه الحالة، قال أبو عبيد: كأنه يذهب إلى أنه لا يدري لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه، وأن يقيمه بيديه ولا يقدر على ذلك بإدخاله إياهما في ثيابه فهذا كلام العرب، وأما تفسير الفقهاء فإنهم يقولون: هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فيبدو منه فرجه، قال: والفقهاء أعلم بالتأويل في هذا، وذاك أصح في الكلام، وقال ابن قتيبة: سميت صماء لأنه يسد المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق، قال العلماء: فعلى تفسير أهل اللغة يكره الاستعمال المذكور لئلا تعرض له حاجة من دفع بعض الهوام ونحوها فيعسر أو يتعذر عليه إخراج يده فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء يحرم أن ينكشف به بعض العورة وإلا فيكره" انتهى. وكلام الإيضاح موافق لما عليه أهل اللغة على ما نقله العلقمي حيث قال أي صاحب الإيضاح: "واشتمال الصماء هو أن يلبس الرجل ثوبه في الصلاة ويشده على يديه وبدنه ولا يرفع منه جانبا ويصير متجللا له حتى لا يسهل عليه أن يصل بأعضائه كلها إلى الأرض، وقد ذكر عن الربيع بن حبيب قال: الصماء أن يرمي" إلخ.
قوله:» ويبقى مكشوفا عورته إلى السماء «، يعني إذا كان في ثوب واحد كما نص في الحديث، "قال العلقمي: قال في النهاية: وإنما نهى عنه لأنه إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد ربما تحرك أو زال الثوب عنه فتبدو عورته" انتهى. قال في الإيضاح عقب تفسير الصماء والاحتباء: "فعلى هذا لا يعيد الصلاة ما لم تنكشف عورته إذا كان يصلي بأعضائه كلها إلى الأرض" إلخ، وكلام ابن حجر صريح في أن الاحتباء خاص بالقاعد وهو الظاهر قال: "الاحتباء أن يقعد على إليتيه وينصب ساقيه ويلف عليه ثوبا، ويقال له: الحبوة وكانت من شأن العرب، وفسرها في رواية يونس المذكور بنحو ذلك" انتهى.
قوله:» حلة سيراء «، إلى آخره، قال في الصحاح: (والسيراء) بكسر السين وفتح الياء برد فيه خطوط صفر، إلى أن قال الشيباني: السيراء الذهب، والسيراء نبت، إلى آخره والظاهر أن المراد الأول. (1/325)
صفحة 326
قوله:» إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة «إلخ، الظاهر أنها كانت من الحرير بدليل ما صرح به في رواية قومنا، لفظه في الجامع "إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة". قال العلقمي: "قال في الفتح: والحرير معروف وهو عربي سمي بذلك لخلوصه، يقال لكل خالص: محرر، وحررت الشيء خلصته من الاختلاط بغيره، وقيل فارسي معرب".
قال ابن بطال: اختلف في الحرير فقال قوم: يحرم لبسه في كل الأحوال حتى على النساء. نقل ذلك عن علي وابن عمر وحذيفة وأبي موسى وابن الزبير، ومن التابعين عن الحسن وابن سيرين، وقال قوم: يجوز لبسه مطلقا. وحملوا الأحاديث الواردة في النهي عن لبسه على من لبسه خيلاء أو على التنزيه، قلت: وهذا الثاني ساقط لثبوت الوعيد على لبسه.
واختلف في علة التحريم على رأيين مشهورين؛
أحدهما: الفخر والخيلاء.
والثاني: كونه ثوب رفاهية وزينة فيليق بزي النساء دون شهامة الرجال.
ويحتمل علة ثالثة وهي التشبه بالمشركين، قال ابن دقيق العيد: وهذا قد يرجع إلى الأول لأنه من شيمة المشركين، وقد يكون المعنيان معتبرين، إلا أن المعنى الثاني لا يقتضي التحريم لأن الشافعي قال: لا أكره لباس اللؤلؤ إلا للأدب فإنه زي النساء، واستشكل بثبوت اللعن للمتشبهين من الرجال بالنساء، فإنه يقتضي منع ما كان مخصوصا بالنساء في جنسه وهيئته. وذكر علة أخرى وهي السرف، إلخ.
قوله:» إزرة المؤمن «، بكسر الهمزة وسكون الزاي اسم للهيئة من الاتزار، قال في المواهب: والإزرة بالكسر الحالة وهيئة الاتزار مثل الركبة والجلسة، ثم الظاهر من كلام الصحاح أولا أن الإزار ما يشد على الحقوين حيث قال: "الأزر القوة، وقوله تعالى: {اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} [طه:31] أي ظهري، ومواضع الإزار من الحقوين إلخ، وظاهر كلامه في مكان آخر يستفاد منه أنه مثل اللحاف وزنا ومعنى حيث قال: والمئزر الإزار كقولهم ملحف ولحاف ومقرم ومقرام إلخ، وقال في محل آخر: التحفت بالثوب تغطيت به، واللحاف اسم ما يلتحف به، وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به إلخ، والحاصل أن الإزار لا بد أن يكون ساترا للعورة والظهر والصدر كما نص عليه في الإيضاح، والله أعلم. (1/326)
صفحة 327
قوله:» إلى أنصاف ساقيه «. إنما جمع المضاف لأن المضاف إلى المثنى يجوز فيه ثلاثة أوجه الجمع والإفراد والتثنية، تقول أكلت رؤوس الكبشين ورأس الكبشين ورأسي الكبشين.
قوله:» وما أسفل من ذلك ففي النار «. قال في المواهب قال الخطابي: يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار، فكني بالثوب عن بدن لابسه، ومعناه أن الذي دون الكعبين من القدم يعذب بالنار عقوبة، وحاصله أنه من باب تسمية الشيء باسم ما جاوره أو حل فيه وتكون (من) بيانية إلخ.
ثم قال: واعلم طهر الله ثوبي وثوبك، ونزه سري وسرك، أن هذا الإطلاق محمول على ما ورد من قيد الخيلاء فهو الذي ورد فيه الوعيد بالاتفاق، إلى أن قال: عن ابن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر منها شيئا خيلاء" الحديث، فبين في هذه الرواية أن الحكم ليس خاصا بالإزار وإن جاء في أكثر طرق الحديث بلفظ الإزار، قال الطبري: إنما ورد الخبر بلفظ الإزار لأن أكثر الناس في عهده كانوا يلبسون الإزار والأردية، فلما لبس الناس القمص والذراريع كان حكمها حكم الإزار في النهي، قال ابن بطال: هذا قياس صحيح لو لم يأت النص بالثبوت فإنه يشمل جميع ذلك. وفي تصوير جر العمامة نظر إلا أن يكون المراد ما جرت به عادة العرب من إرخاء العذبات، ومهما زاد على العادة في ذلك كان من الإسبال.
وهل يدخل في الزجر عن جر الثوب تطويل أكمام القميص ونحوه، محل نظر، والذي يظهر أن من أطالها حتى خرج عن العادة كما يفعله بعض الحجازيين دخل في ذلك، قال ابن القيم:.وأما هذه الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج وعمائم كالأبراج فلم يلبسها عليه السلام هو ولا أحد من أصحابه، وهو مخالف لسنته وفي جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء"انتهى. وقال في المدخل: ولا يخفى على ذي بصيرة أن كم بعض من ينسب إلى العلم اليوم فيه إضاعة المال المنهي عنها لأنه قد يفصل من ذلك الكم ثوب لصغيرة انتهى، لكن حدث للناس اصطلاح (1/327)
صفحة 328
بتطويلها وصار لكل نوع من الناس شعار يعرفون به، ومهما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شك في تحريمه، وما كان على طريق العادة فلا تحريم فيه ما لم يصل إلى جر الذيل الممنوع منه، ونقل القاضي عياض عن العلماء كراهية كل ما زاد عن العادة وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة، وفي حديث أبي هريرة عند البخاري مرفوعا (بينما رجل يمشي في حلة تعجبه مرجل جمته إذ خسف به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة) إلخ.
قوله:» بطرا «، أي فخرا وأشرا، وقال في الصحاح: البطر الأشر وهو شدة المرح، وهذا القيد يشعر بأن من جر إزاره لا على جهة الخيلاء لا يحرم عليه، والله أعلم.
قوله:» لما ذكر الإزار قالت أم سلمة «إلخ هي من أزواجه صلى الله عليه وسلم واسمها (هند)، وقيل: (رملة)، قال في المواهب: والأول أصح، وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة، وليست عاتكة بنت عبد المطلب فكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، وكانت هي وزوجها أول من هاجر إلى أرض الحبشة، إلى أن قال: وقيل: هي أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة إلخ، ولم يذكر أباها ولعله ساقط من نسختنا والله أعلم فليراجع، وذكر غيره أن أباها أبو أمية بن المغير، قال في المواهب بعد ذكر جر الإزار خيلاء وما فيه من الوعيد: وهذا الوعيد المذكور يتناول الرجال والنساء على هذا الفعل المخصوص، وقد فهمت من ذلك أم سلمة رضي الله عنها إلخ فذكر حديثها.
ثم قال: وحاصل ما ذكر في ذلك: أن للرجال حالين استحباب وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق، وحال جواز وهو إلى الكعبين، وكذلك للنساء حالان: استحباب وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر، وحال جواز بقدر ذراع، إلى أن قال: قال النووي وظاهر الأحاديث في تقييدها بالخيلاء يدل على أن التقييد بخصوص الخيلاء، ثم قال:
تنبيه قال العراقي في شرح الترمذي: الذراع الذي رخص للنساء فيه هل ابتدءوه من الحد الممنوع منه الرجال وهو من الكعبين، أو من الحد المستحب وهو أنصاف الساقين، أو حده من أول ما يمس الأرض، والظاهر أن المراد الثالث بدليل حديث أم سلمة، فذكره ثم قال: فظاهره أن لها أن تجر على الأرض منه ذراعا، (1/328)
صفحة 329
قال: والظاهر أن المراد بالذراع ذراع اليد وهو شبران لما في سنن ابن ماجة، إلى أن قال: وإنما جاز ذلك للنساء لأجل الستر لأن المرأة كلها عورة إلا ما استثني إلخ.
ثم قال: وكان أحب الثياب إليه صلى الله عليه وسلم القميص كما في الشمائل للترمذي من حديث أم سلمة قالت: "كان أحب الثياب إلى رسول صلى الله عليه وسلم القميص"، إلى أن قال: وعن أنس قال: "كان قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم قطنا قصير الطول والكمين"، إلى أن قال: وعن أنس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس الصوف، وكان له صلى الله عليه وسلم كساء ملبد يلبسه ويقول: إنما أنا عبد ألبس كما يلبس العبد)، إلى أن قال: وعن عروة "أن طول رداء النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر" إلى أن قال: وعن ابن عباس قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتزر تحت سرته وتبدو سرته ورأيت عمر فوق سرته" إلخ.
قوله:» نمرقة «، هي بضم النون وسكون الميم وضم الراء كما ضبطه في الصحاح حيث قال: النمرق والنمرقة وسادة صغيرة، وكذلك النمرقة بالكسر لغة حكاها يعقوب، وربما سموا الطنفسة التي فوق الرحل نمرقة عن أبي عبيدة، انتهى.
قوله:» فيها تصاوير «، أي تصاوير ما له روح بديل قوله في آخر الحديث: "فيقال: أحيوا ما خلقتم". وقال في المواهب في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود"، والمرط بكسر الميم وإسكان الراء كساء من صوف أو حرير اتزر به، والمرحل بتشديد الحاء المهملة المفتوحة كمعظم هو الذي فيه صور الرجال، إلى أن قال: وقال النووي: والصواب الذي رآه الجمهور وضبطه المتقنون بالحاء المهملة أي عليه صور رحال الإبل ولا بأس بهذه الصورة، وإنما يحرم تصوير الحيوان، وقال الخطابي: المرحل الذي فيه خطوط إلخ، واستدل في الإيضاح بهذا الحديث أعني حديث النمرقة على أنه لا يصلي بثوب فيه تصاوير ثم ذكر قولا آخر.
قوله:» نمط «هو بفتحتين قال في الصحاح: النمط ضرب من البسط والجمع أنماط مثل سبب وأسباب، والنمط أيضا الجماعة من الناس أمرهم واحد إلخ، واستدل به في الإيضاح لمن قال: إن من صلى بالثوب الذي فيه (1/329)
صفحة 330
التصاوير جازت صلاته، ثم قال: والقول الأول أصح لأنه أحوط من الإثم كما قال أبو طلحة إلخ.
قوله:» في غزوة ذي أنمار «. وسماها بعضهم غزوة ذي أمر، والمراد بها غزوة غطفان وهي بناحية نجد، خرج صلى الله عليه وسلم في أربعمائة وخمسين فارسا فلما سمعوا بمهبطه صلى الله عليه وسلم هربوا في رؤوس الجبال، قال في المواهب: ثم رجع صلى الله عليه وسلم ولم يلق كيدا وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة.
قوله:» جرو قثاء «، بكسر الجيم أي صغيرا منها، قال في الصحاح والجرو والجروة الصغيرة من القثاء وفي الحديث أوتي النبي صلى الله عليه وسلم بجرو زغب وكذلك جرو الحنضل والرمان.
قوله:» نجهزه «، قال في الصحاح: وجهزت فلانا إذا هيأت جهاز سفره إلخ.
قوله:» فيرعى ظهرنا «، أي ركابنا قال في الصحاح: والظهر الركاب.
قوله:» خلقان «، بفتح الخاء واللام أي باليان، قال في الصحاح: وملحفة خلق وثوب خلق أي بال، يستوي فيه المذكر والمؤنت لأنه في الأصل مصدر الأخلق وهو الأملس والجمع خلقان إلخ.
قوله:» في العيبة «، هي بفتح العين، قال في الصحاح: والعيبة ما يجعل فيه الثياب، وفي الحديث "الأنصار كرشي وعيبتي" والجمع عيب مثل بدرة وبدر وعياب وعيبات.
قوله:» هذا ترغيب وتحريض من النبي صلى الله عليه وسلم في التزين للمسلمين باللباس الحسن «. ومثله كلام المواهب حيث قال بعد كلام على حسن الهيئة: إذا كان المراد بها إظهار القناعة مثلا ما نصه "وقد ورد في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أن الله جميل يحب الجمال"، وفي السنن عن أبي الأحوص الحبشي عن أبيه قال: "رآني النبي صلى الله عليه وسلم وعلي أطمار"، وفي رواية النسائي وعلي ثوب دون، فقال: هل من مال؟ قلت: نعم، قال: من أي المال؟ قلت: من كل ما أتى الله من الإبل والشاء، قال: فكثر نعمته وكرامته عليك، وفي رواية النسائي قال: “فإذا آتاك مالا فليُر أثر نعمة الله عليك وكرامته”. وفي حديث جابر أنه عليه السلام رأى رجلا شعثا قد تفرق شعره فقال: “ما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه”، ورأى رجلا عليه ثياب وسخة فقال: (1/330)
صفحة 331
”ما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه”، ورأى رجلا عليه ثياب وسخة فقال: “ما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه”، رواه أحمد وفي السنن: “أن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده”، فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده فإنه من الجمال الذي يحبه، وذلك من شكره على نعمه وهو جمال باطن، ويحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة والجمال الباطن بالشكر عليها، ولأجل محبته تعالى للجمال أنزل على عباده لباسا يجمل ظواهرهم ويقوي تجمل بواطنهم، فقال تعالى: {يَابَنِي ءَادَمَ قَدَ اَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَالِكَ خَيْرٌ} [الأعراف:26]، إلى أن قال: وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال والهيئة يبغض القبيح من الأقوال والأفعال والهيئة، فيبغض القبيح وأهله ويحب الجمال وأهله.
ولكن ضل في هذا الموضع فريقان:
فريق قال: كل ما خلق الله فهو جميل، فهو يحب كل ما خلقه، ونحن نحب كل ما خلقه فلا نبغض منها شيئا قالوا: ومن رأى الكائنات منه كلها جميلة، واحتجوا بقوله تعالى: {الذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة:7]، وهؤلاء قد علموا الغيرة لله من قلوبهم، والبغض في الله، والمعاداة فيه وإنكار المنكر، وإقامة الحدود.
والفريق الثاني قالوا: قد ذم الله جمال الصور وتمام القامة والخلقة فقال عن المنافقين: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} [المنافقون:4]، وفي حديث مسلم مرفوعا: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"، قالوا: وقد حرم علينا لباس الحرير والذهب، وآنية الذهب والفضة وذلك من أعظم جمال الدنيا، وقال تعالى: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىَ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [طه:131]، وفي الحديث "البذاذة من الإيمان"، وقد ذم الله المسرفين والسرف كما يكون في الطعام والشراب يكون في اللباس.
وفضل النزاع أن يقال الجمال في الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع منها ما يحمد ومنها ما يذم ومنها ما لا يتعلق به مدح ولا ذم. (1/331)
صفحة 332
فالمحمود منه ما كان لله وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة كما كان صلى الله عليه وسلم يتجمل للوفود، وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال، ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه، فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله، ونصر دينه، وغيظ عدوه.
والمذموم منه ما كان للدنيا والرئاسة والفخر والخيلاء، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه فإن كثيرا من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك.
وأما ما لا يحمد ولا يذم فهو ما خلا هذين القصدين، وتجرد عن الوصفين.
والمقصود من هذا الحديث أن الله تعالى يحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، وتطهيره له من الأنجاس والأحاديث والشعور المكروهة والختان وتقليم الأظفار وغير ذلك مما وردت به السنة، والله أعلم انتهى. (1/332)
صفحة 333
[صفحة لم ترقن] (1/333)
صفحة 334
[صفحة لم ترقن] (1/334)
صفحة 335
[صفحة لم ترقن] (1/335)
صفحة 336
[صفحة لم ترقن] (1/336)
صفحة 337
[صفحة لم ترقن] (1/337)
صفحة 338
[صفحة لم ترقن] (1/338)
صفحة 339
[صفحة لم ترقن] (1/339)
صفحة 340
[صفحة لم ترقن] (1/340)
صفحة 341
[صفحة لم ترقن] (1/341)
صفحة 342
[صفحة لم ترقن] (1/342)
صفحة 343
[صفحة لم ترقن] (1/343)
صفحة 344
[صفحة لم ترقن] (1/344)
صفحة 345
[صفحة لم ترقن] (1/345)
صفحة 346
[صفحة لم ترقن] (1/346)
صفحة 347
[صفحة لم ترقن] (1/347)
صفحة 348
[صفحة لم ترقن] (1/348)
صفحة 349
[صفحة لم ترقن] (1/349)
صفحة 350
[صفحة لم ترقن] (1/350)
صفحة 351
[صفحة لم ترقن] (1/351)
صفحة 352
[صفحة لم ترقن] (1/352)
صفحة 353
[صفحة لم ترقن] (1/353)
صفحة 354
[صفحة لم ترقن] (1/354)
صفحة 355
[صفحة لم ترقن] (1/355)
صفحة 356
[صفحة لم ترقن] (1/356)
صفحة 357
[صفحة لم ترقن] (1/357)
صفحة 358
[صفحة لم ترقن] (1/358)
صفحة 359
[صفحة لم ترقن] (1/359)
صفحة 360
[صفحة لم ترقن] (1/360)
صفحة 361
[صفحة لم ترقن] (1/361)
صفحة 362
[صفحة لم ترقن] (1/362)
صفحة 363
[صفحة لم ترقن] (1/363)
صفحة 364
[صفحة لم ترقن] (1/364)
صفحة 365
[صفحة لم ترقن] (1/365)
صفحة 366
[صفحة لم ترقن] (1/366)
صفحة 367
[صفحة لم ترقن] (1/367)
صفحة 368
[صفحة لم ترقن] (1/368)
صفحة 369
[صفحة لم ترقن] (1/369)
صفحة 370
[صفحة لم ترقن] (1/370)
صفحة 371
[صفحة لم ترقن] (1/371)
صفحة 372
[صفحة لم ترقن] (1/372)
صفحة 373
[صفحة لم ترقن] (1/373)
صفحة 374
[صفحة لم ترقن] (1/374)
صفحة 375
[صفحة لم ترقن] (1/375)
صفحة 376
[صفحة لم ترقن] (1/376)
صفحة 377
[صفحة لم ترقن] (1/377)
صفحة 378
[صفحة لم ترقن] (1/378)
صفحة 379
[صفحة لم ترقن] (1/379)
صفحة 380
[صفحة لم ترقن] (1/380)
صفحة 381
[صفحة لم ترقن] (1/381)
صفحة 382
[صفحة لم ترقن] (1/382)
صفحة 383
[صفحة لم ترقن] (1/383)
صفحة 384
[صفحة لم ترقن] (1/384)
صفحة 385
[صفحة لم ترقن] (1/385)
صفحة 386
[صفحة لم ترقن] (1/386)
صفحة 387
[صفحة لم ترقن] (1/387)
صفحة 388
[صفحة لم ترقن] (1/388)
صفحة 389
[صفحة لم ترقن] (1/389)
صفحة 390
[صفحة لم ترقن] (1/390)
صفحة 391
[صفحة لم ترقن] (1/391)
صفحة 392
[صفحة لم ترقن] (1/392)
صفحة 393
[صفحة لم ترقن] (1/393)
صفحة 394
[صفحة لم ترقن] (1/394)
صفحة 395
[صفحة لم ترقن] (1/395)
صفحة 396
[صفحة لم ترقن] (1/396)
صفحة 397
[صفحة لم ترقن] (1/397)
صفحة 398
[صفحة لم ترقن] (1/398)
صفحة 399
[صفحة لم ترقن] (1/399)
صفحة 400
[صفحة لم ترقن] (1/400)
صفحة 401
حاشية الترتيب على الجامع الصحيح
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
الجزء الثاني
للشيخ العلامة أبو ستة السدويكشي أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبي ستة
إخراج وتحقيق:
إبراهيم محمد طلاي
مطابع دار البعث، قسنطينة، الجزائر
1994 (2/1)
صفحة 402
جميع الحقوق محفوظة
طبع بمطابع –دار البعث- قسنطينة (الجزائر)
رقم الايداع القانوني: 47054/ 1/94/و. قسنطينة (2/2)
صفحة 403
بسم الله الرحمن الرحيم (2/3)
صفحة 404
[صفحة بيضاء] (2/4)
صفحة 405
الباب السادس والأربعون في صلاة الجمعة وفضل يومها (2/5)
صفحة 406
قوله: (نحن الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة) قال ابن حجر: أي الآخرون زمانا الأولون منزلة، والمراد أن هذه الأمة وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية فهي سابقة لهم في الآخرة بأنهم أول من يحشر، وأول من يحاسب وأول من يقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة، وفي حديث حذيفة عند مسلم (نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق) إلخ.
قوله: (بيد) قال ابن حجر: بموحدة ثم تحتانية ساكنة مثل (غير) وزنا ومعنى، وبه جزم الخليل والكسائي ورجحه ابن سيدة، وروي ابن حاتم في مناقب الشافعي عن الربيع عنه أن معنى (بيد) من أجل، وكذا ذكره ابن حبان والبغوي عن المزني عن الشافعي، وقد استبعده عياض ولا بعد فيه بل معناه أنا سبقنا بالفضل إذ هدينا للجمعة مع تأخرنا في الزمان بسبب أنهم ضلوا عنها مع تقدمهم، ويشهد له ما وقع في فوائد ابن المقري من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ (نحن الآخرون في الدنيا، ونحن أول من يدخل الجنة إلا أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا) وفي موطأ سعيد بن عفير عن مالك عن أبي الزناد بلفظ ذلك (بأنهم أوتوا الكتاب)، وقال الداؤودي: هي بمعنى (على أو مع)، قال القرطبي: إن كانت بمعنى غير فنصب على الاستثناء وإن كانت بمعنى (مع) فنصب على الظرف، وقال الطيبي: هي للاستثناء وهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، والمعنى (نحن السابقون للفضل غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)، ووجه التأكيد فيه ما أذيع من معنى النسخ لأن الناسخ هو السابق في الفضل وإن كان متأخرا في الوجود، وبهذا التقرير يظهر موقع قوله: (نحن الآخرون) مع كونه أمرا واضحا، انتهى. (2/7)
صفحة 407
قوله: (أوتوا الكتاب) اللام للجنس والمراد التوراة والإنجيل، والضمير في أوتيناه للقرآن، وقال القرطبي: المراد بالكتاب التوراة، وفيه نظر لقوله: (وأتيناه من بعدهم)، وأعاد الضمير على الكتاب، فلو كان المراد التوراة لما صح الإخبار لأنا إنما أوتينا القرآن، إلخ.
قوله: (هذا يومهم الذي فرض عليهم) قال ابن حجر: كذا الأكثر، وللحموي (الذي فرض الله عليهم) والمراد باليوم يوم الجمعة، والمراد بفرضه فرض تعظيمه فأشير إليه بهذا لكونه ذكر في أول الكلام كما عند مسلم من طريق آخر عن أبي هريرة، ومن حديث حذيفة قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا) الحديث.
قال ابن بطال: ليس المراد أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله عليه وهو مؤمن، وإنما يدل ـ والله أعلم ـ أنه فرض عليهم يوم من الجمعة ووكل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم فاختلفوا في أي الأيام هو، ولم يهتدوا ليوم الجمعة، ومال عياض إلى هذا ورشحه بأنه لو كان فرض عليهم بعينه لقيل: فخالفوا بدل فاختلفوا، وقال النووي: يمكن أن يكونوا أمروا به صريحا فاختلفوا هل يلزم تعيينه أو يسوغ إبداله بيوم آخر فاجتهدوا في ذلك فأخطأوا انتهى، ويشهد له ما رواه الطبري بإسناد صحيح عن مجاهد في قوله تعالى:) إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه (، قال: أراد الجمعة فأخطأوا وأخذوا السبت مكانه، ويحتمل أن يراد بالاختلاف اختلاف اليهود والنصارى في ذلك وقد روى ابن أبي حاتم من طريق أسباط بن نصر عن السدي التصريح بأنهم فرض عليهم يوم الجمعة بعينه فأبوا ولفظه: (إن الله تعالى فرض على اليهود الجمعة فأبوا، وقالوا: يا موسى إن الله لم يخلق السبت شيئا فاجعله لنا) فجعل عليهم، وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم كما وقع لهم في قوله:) ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة (وغير ذلك، وكيف لا وهم القائلون: سمعنا وعصينا، انتهى. (2/8)
صفحة 408
قوله: (فهدانا الله إليه) قال ابن حجر: يحتمل أن يراد بأن نص لنا عليه، وأن يراد الهداية إليه بالاجتهاد، ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقبل أن تنزل الجمعة فقالت الأنصار: إن لليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى مثل ذلك فهلم فلنجعل يوما نجتمع فيه فنذكر الله تعالى ونصلي ونشكره فجعلوه يوم العروبة وأجمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ، وأنزل الله بعد ذلك) إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة (الآية، وهذا وإن كان مرسلا فله شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة وصححه ابن خزيمة وغير واحد من حديث كعب بن مالك قال: (كان أول من صلى بنا يوم الجمعة قبل مقدم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة أسعد بن زرارة) الحديث، فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن يكون النبي صلَّى الله عليه وسلَّم علمه بالوحي وهو بمكة فلم يتمكن من إقامتها ثم فقد ورد فيه حديث عن ابن عباس عن الدار قطني ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدينة كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق، وقيل في الحكمة في اختيارهم الجمعة وقوعه خلق آدم فيه، والإنسان إنما خلق للعبادة فناسب أن يشتغل بالعبادة فيه، ولأن الله تعالى أكمل فيه الموجودات، وأوجد فيها الإنسان الذي ينتفع بها فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة فيه، انتهى.
قوله: (اليهود غدا والنصارى بعد غد) قال ابن حجر: في رواية أبي سعيد المقري عن أبي هريرة عند ابن خزيمة (فهو لنا ولليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد) والمعروف أنه لنا بهداية الله تعالى، ولهم باعتبار اختيارهم وخطئهم في اجتهادهم.
قال القرطبي: (غدا) هنا منصوب على الظرف وهو متعلق بمحذوف تقديره (اليهود يعظمون غدا) وكذا قوله: (بعد غد) ولا بد من هذا التقدير لأن ظرف (2/9)
صفحة 409
الزمان لا يكون خبرا عن الجثة انتهى، وقال ابن مالك: الأصل أن يكون المخبر عنه بظرف الزمان من أسماء المعاني كقولك: غدا التأهب، وبعد غد الرحيل، فيقدر هنا مضافان ويكون ظرفا الزمان خبرين عنهما أي تعبيد اليهود غدا وتعبيد النصارى بعد غد انتهى، وسبقه إلى نحو ذلك عياض وهو أوجه من كلام القرطبي.
وفي الحديث دليل على فرضية الجمعة كما قال النووي لقوله: (فرض عليهم فهدانا الله له) فإن التقدير (فرض عليهم وعلينا فضلوا وهدينا) وقد وقع في رواية سفيان عن أبي الزناد عند مسلم بلفظ (كتب علينا)، وفيه أن الهداية والإضلال من الله تعالى كما هو قول أهل السنة، وأن سلامة الإجماع من الخطإ مخصوص بهذه الأمة، وأن استنباط معنى من الأصل يعود عليه بالإبطال باطل، وأن القياس مع وجود النص فاسد، وأن الاجتهاد في زمن نزول الوحي جائز، وأن الجمعة أول الأسبوع شرعا ويدل على ذلك تسمية الأسبوع كله جمعة وكانوا يسمون الأسبوع سبتا كما سيأتي في الاستقاء في حديث أنس، وذلك أنهم كانوا مجاورين لليهود فتبعوهم في ذلك، وفيه بيان واضح لمزيد فضل هذه الأمة على الأمم السالفة زاده الله تعالى، انتهى.
قوله: (وفيه ساعة) قال ابن حجر: كذا فيه مبهمة عينت في أحاديث أخرى ما سيأتي انتهى، أقول: ومن جملة التعيين ما ذهب إليه جابر رحمه الله كما ذكره بعد.
قوله: (لا يصادفها) قال ابن حجر: هو أعم من أن يقصد لنا أو يتفق له وقوع الدعاء فيها، انتهى.
قوله: (وهو قائم يصلي يسأل الله) قال ابن حجر: هي صفات للمسلم أعربت حالا، ويحتمل أن يكون يصلي حالا منه لاتصافه بقائم، ويسأل حال مرادفة أو متداخلة، وأفاد ابن عبد البر أن قوله: (وهو) سقط من رواية أبي مصعب، إلى أن قال: وأثبتها الباقون، ثم قال: وحكى أبو محمد بن السيد عن محمد بن وضاح أنه يأمر بحذفها من الحديث، وكان السبب في ذلك أنه يشكل على أصح الأحاديث الواردة في تعيين هذه الساعة وهما حديثان؛
أحدهما: أنها من جلوس الخطيب على المنبر إلى انصرافه من الصلاة.
والثاني: أنها من بعد العصر (2/10)
صفحة 410
إلى غروب الشمس.
وقد احتج أبو هريرة على عبد الله بن سلام لما ذكر له القول الثاني بأنه ليست ساعة صلاة وقد ورد النص بالصلاة فأجابه بالنص الأخر (إن منتظر الصلاة في حكم المصلي) فلو كان قوله: وهو قائم عند أبي هريرة ثابت لاحتج عليه بها لكنه سلم له الجواب وارتضاه وأفتى به بعده، وأما إشكاله على الحديث الأول فمن جهة أنه يتناول حال الخطبة كله وليست صلاة على الحقيقة، وقد أجيب عن هذا الإشكال وبحمل الصلاة على الدعاء والانتظار، ويحمل القيام على الملازمة أو المواظبة ويؤيد ذلك أن حال القيام في الصلاة غير حال السجود والركوع والتشهد مع أن السجود مظنة إجابة الدعاء، فلو كان المراد بالقيام حقيقة لأخرجه، فدل على أن المراد مجاز القيام وهو المواظبة ونحوها ومنه قوله تعالى:) إلا ما دمت عليه قائما (إلخ.
قوله: (شيئا) قال ابن حجر: أي مما يليق أن يدعو به المسلم ويسأل ربه تعالى، وفي رواية سلمة ابن علقمة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عند المصنف في الطلاق (يسأل الله خيرا) ولمسلم من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة مثله، وفي حديث أبي لبابة عند ابن ماجة (ما لم يسأل حراما) إلخ.
قوله: (قال جابر هي آخر ساعة يوم الجمعة) في بعض النسخ (من يوم الجمعة).
قال ابن حجر: وقد اختلف أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الساعة هل هي باقية أو رفعت؟ وعلى البقاء هل هي في كل جمعة أو في جمعة واحدة من كل سنة؟ وهل هي وقت من اليوم معين أو مبهم؟ وعلى التعيين هل تستوعب الوقت أو تبهم فيه؟ وعلى الإبهام ما ابتداؤه وما انتهاؤه؟ وعلى كل ذلك هل تستمر أو تنتقل؟ وعلى الانتقال هل تستغرق اليوم أو بعضه؟ وهاأنا أذكر تلخيص ما اتصل إلي من الأقوال مع أدلتها ثم أعود إلى الجمع بينها أو الترجيح إلخ، فذكر في ذلك اثنتين وأربعين قولا أرجحها ما ذهب إليه جابر رحمه الله ورجحه كثير من الأئمة.
قال ابن حجر بعد كلام كثير: وذهب آخرون إلى ترجيح قول عبد الله بن سلام، فحكى الترمذي عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك، وقال ابن عبد البر أنه أثبت شيء في هذا الباب، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة (2/11)
صفحة 411
ابن عبد الرحمن (أن ناسا من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا فلم يختلفوا أنها آخر ساعة يوم الجمعة) ورجحه كثير من الأئمة أيضا إلخ.
واختار صاحب الإيضاح أنها تنتقل كتنقل ليلة القدر حيث قال: وينبغي أن يكون حسن المراقبة للساعة المشرفة التي ورد الخبر بها (لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها إلا أعطاه إياه)، وفي حديث آخر (لايوافقها عبد يصلي) فاختلف فيه فقيل: إنها عند طلوع الشمس، وقيل: عند الزوال، وقيل: مع الأذان، وقيل: إذا صعد الإمام المنبر وأخذ في الخطبة، وقيل: إذا قام الناس إلى الصلاة، وقيل: آخر وقت العصر، وقيل: عند غروب الشمس، ويقال: (كانت فاطمة رضي الله عنها تراعي ذلك الوقت فتأخذ في الدعاء والاستغفار إلى أن تغرب الشمس وتخبر بأن تلك الساعة هي المنتظرة) وقد روي عن كعب الأحبار أنها في آخر ساعة من يوم الجمعة، فقال أبو هريرة: كيف والنبي عليه السلام يقول: (لا يوافقها عبد يصلي) ولات حين صلاة؟ فقال كعب ألم يقل: من قعد ينتظر الصلاة فهو في صلاة؟ قال: بلى، قال: فتلك صلاة، فسكت أبو هريرة. وقال بعض العلماء: هي مبهمة في جميع اليوم والليلة مثل ليلة القدر حتى تكثر الرغبة في مراقبتها، وقيل: إنها تنتقل في ساعات يوم الجمعة كتنقل ليلة القدر، وهذا هو الأشبه، ولكن ينبغي للإنسان أن يصدق بقوله عليه السلام: (إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها) ويوم الجمعة من تلك الأيام فينبغي أن يكون العبد متعرضا له بإحضار القلب، وملازمة الذكر، والنزوع عن وساوس الدنيا فعسى أن يحظى بشيء من تلك النفحات، والله أعلم إلخ.
قال ابن حجر: وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم فضل يوم الجمعة واختصاصه بساعة الإجابة، وفي مسلم إنه خير يوم طلعت عليه الشمس وفي فضل الدعاء واستحباب الإكثار منه، واستدل به على بقاء الإجمال بعد النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وتعقب بأن الاختلاف في بقاء الإجمال في الأحكام الشرعية لا في الأمور الوجودية كوقت الساعة فهذا لا خلاف في إجماله، والحكم الشرعي المتعلق بساعة الجمعة وليلة القدر وهو تحصيل الأفضلية يمكن الوصول إليه والعمل (2/12)
صفحة 412
بمقتضاه باستيعاب اليوم أول الليلة فلم يبق في الحكم الشرعي إجمال والله أعلم إلخ.
قوله: (فأشار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، إلى تقليلها بيده) قال ابن حجر: ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر قلنا: يزهدها، إلى أن قال: وإنها ساعة لطيفة تنتقل ما بين وسط النهار إلى قرب آخره، إلى أن قال: وفي رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة وساعة خفيفة، إلى أن قال: في رواية أنس وهي قدر هذا يعني قبضة، قال الزين بن المنير الإشارة إلى تقليلها هو الترغيب فيها والحض عليها ليسارة وقتها وغزارة فضلها إلخ.
قوله: (الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) قال ابن حجر: أي بالغ، وإنما ذكر الاحتلام لكونه الغالب، واستدل به على دخول النساء في ذلك، إلى أن قال: واستدل بقوله: (واجب) على فرضية غسل الجمعة، وقد حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمار بن ياسر وغيرهما وهو قول أهل الظاهر وإحدى الروايتين عن أحمد، وحكاه ابن حزم عن عمر وجمع من الصحابة ومن بعدهم، إلى أن قال:
وقد قال الشافعي في الرسالة بعد أن أورد حديثي ابن عمر وأبي سعيد: احتمل قوله: (واجب) معنيين.
الظاهر منها أنه واجب فلا تجزئ الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل.
واحتمل أنه واجب في الاختيار وكرم الأخلاق والنظافة، ثم استدل للاحتمال الثاني بقضية عثمان مع عمر التي تقدمت، قال: فلم يترك عثمان الصلاة للغسل ولم يأمره عمر بالخروج للغسل، دل على ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار، انتهى.
وعلى هذا الجواب عول أكثر المصنفين في هذه المسألة كابن خزيمة والطبري والطحاوي وابن حبان وابن عبد البر وهلم جرا، وزاد بعضهم فيه أن من حضر من الصحابة وافقوهما على ذلك فكان إجماعا منهم أن الغسل ليس شرطا في صحة الصلاة، وهو استدلال قوي، وقد نقل الخطابي وغيره الإجماع على أن صلاة (2/13)
صفحة 413
الجمعة بدون الغسل مجزئة، لكن حكى الطبري عن قوم أنهم قالوا بوجوبه ولم يقولوا: إنه شرط بل هو واجب مستقل تصح الصلاة بدونه لأن أصله قصد التنظيف وإزالة الروائح الكريهة التي يتأذى بها الحاضرون من الملائكة والناس وهو موافق لقول من قال: (يحرم أكل الثوم على من قصد الصلاة في الجماعة)، ويرد عليهم أنه يلزم من ذلك تأثيم عثمان، إلخ.
والمذهب عندنا أن الغسل يوم الجمعة ليس بواجب وإنما هو سنة لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) يعني فبالرخصة أخذ ونعمت الرخصة، ولقصة عثمان مع عمر المشهورة ولفظها في الإيضاح (وقيل إن عثمان قال لعمر: ما زدت على الوضوء يا أمير المؤمنين، قال عمر: الوضوء نقى) انتهى، أقول: وعلى هذا يتعين حمل الوجوب في الحديث على ما ذكره ابن حجر نقلا عن القائلين بعدم وجوبه وإلا لزم التعارض والله أعلم، ثم ظاهر قوله: (على كل محتلم) يتناول من وجبت عليه ومن لم تجب عليه ولم أر من تعرض من أصحابنا لذلك، وعند قومنا في ذلك خلاف، والذي يميل إليه البخاري أن الغسل للجمعة لا يشرع إلا لمن وجبت عليه وهو الظاهر من كلام أصحابنا في أدب الجمعة وسننها والأحسن التعميم، والله أعلم.
تنبيه؛ قال في القناطر: ومن اغتسل للجنابة فليفض الماء على بدنه مرة أخرى على نية غسل الجمعة، فإن اكتفى بغسل واحد أجزأه، والله أعلم انتهى.
قوله: (من اغتسل) قال ابن حجر: يدخل فيه كل من يصح منه من ذكر وأنثى حرا وعبدا.
قوله: (كغسل الجنابة) قال ابن حجر: ظاهره أن التشبيه للكيفية لا للحكم، وهو قول الأكثرين، وقيل: فيه إشارة إلى الجماع يوم الجمعة يغتسل فيه من الجنابة، والحكمة فيه أن تسكن نفسه في الرواح إلى الصلاح ولا يمتد عينه إلى شيء يراه، وفيه حمل المرأة أيضا على اغتسال ذلك اليوم، وعليه حمل قائل: (ذلك حديث من غسل واغتسل)، المخرج من السنن على رواية من غسل بالتشديد، قال النووي: ذهب بعض أصحابنا إلى هذا وهو ضعيف أو باطل، إلخ.
قوله: (ثم راح) قال ابن حجر: زاد أصحاب الموطأ عن مالك في الساعة الأولى.
قوله: (فكأنما قرب بدنة) قال ابن حجر: أي تصدق بها متقربا إلى الله، وقيل: (2/14)
صفحة 414
المراد أن للمبادرة في أول ساعة تصير ما لصاحب البدنة من الثواب من شرع له القربان لأن القربان لم يشرع لهذه الأمة على الكيفية التي كانت للأمم السالفة، إلى أن قال: والمراد بالبدنة (البعير) ذكرا كان أو أنثى، والهاء فيه للوحدة لا للتأنيث وكذا في باقي ما ذكر.
وحكى ابن التين عن مالك أنه كان يتعجب ممن يخص البدنة بالأنثى، وقال الأزهري في شرح ألفاظ المختصر: البدنة لا تكون إلا من الإبل وصح ذلك عن عطاء، وأما الهدي فمن الإبل والبقر والغنم هذا لفظه، إلى أن قال: وفي الصحاح البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة، إلى أن قال: والمراد بالبدنة هنا الناقة بلا خلاف، واستدل به على أن البدنة تختص بالإبل لأنها قوبلت بالبقرة عند الإطلاق، وقسم الشيء لا يكون قسيمه، أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد، وقال إمام الحرمين: البدنة من الإبل، ثم الشرع قد يقيم مقامها بقرة وسبعا من الغنم، وتظهر ثمرة هذا فيما إذا قال: (لله علي بدنة) وفيه خلاف الأصح تعيين الإبل إن وجدت وإلا فالبقرة أو سبع من الغنم، وقيل: تعيين الإبل مطلقا وقيل: يتخير مطلقا، انتهى.
قوله: (دجاجة) قال ابن حجر: بالفتح ويجوز الكسر وحكى البلبلي الضم أيضا وعن محمد بن حبيب أنها بالفتح من الحيوان وبالكسر من الناس إلخ.
قوله: (فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) قال ابن حجر: استنبط منه المارودي أن التكبير لا يستحب للإمام، قال: ويدخل المسجد من أقرب أبوابه إلى المنبر، إلى أن قال: وزاد في رواية الزهري الآتية (طووا صحفهم)، ولمسلم من طريقه (إذا جلس الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر، وكان ابتداء طي الصحف عند ابتداء خروج الإمام وانتهاؤه بجلوسه على المنبر وهو أول سماعهم للذكر) والمراد به ما في الخطبة من المواعظ وغيرها، إلى أن قال: وقع في حديث ابن عمر صفة الصحف المذكورة، أخرجه أبو نعيم في الحلبة مرفوعا بلفظ (إذا كان يوم الجمعة بعث الله ملائكة بصحف من نور وأقلام من نور) الحديث وهو دال على أن الملائكة المذكورين غير الحفظة، والمراد بطي الصحف طي صحف الفضائل المتعلقة بالمبادرة إلى الجمعة دون غيرها من سماع الخطبة وإدراك الصلاة والذكر والدعاء والخشوع ونحو ذلك، فإنه يكتبه الحافظان قطعا، إلى أن قال: (2/15)
صفحة 415
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم الحض على الاغتسال يوم الجمعة وفضله، وعليه يحمل ما أطلق في باقي الروايات من ترتب الفضل على التبكير من غير تقييد بالغسل، وفيه مراتب الناس في الفضائل بحسب أعمالهم، وأن القليل من الصدقة غير محتقر في الشرع، وأن التقرب بالإبل أفضل من التقرب بالبقر وهو بالاتفاق في الهدي، واختلف في الضحايا، إلخ.
قوله: (وإنما يريد فصل ما بين أول الوقت وآخره) يناسبه ما ذكره ابن حجر: حيث قال بعد كلام: وانفصل المالكية إلا قليلا منهم وبعض الشافعية عن الإشكال بأن المراد بالساعات الخمس لحظات لطيفة أولها زوال الشمس وآخرها قعود الخطيب على المنبر، واستدلوا على ذلك بأن الساعة تطلق على جزء من الزمان غير محدود، تقول: جئت ساعة كذا، وبأن قوله في الحديث: (ثم راح) يدل على أول الذهاب إلى الجمعة من الزوال لأن حقيقة الرواح من الزوال إلى آخر النهار، والغدو من أوله إلى الزوال، قال المازري: تمسك مالك بحقيقة الرواح وتجوز في الساعة وعكس غيره انتهى، وقد أنكر الأزهري على من زعم أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، ونقل أن العرب تقول: (تروح) في جميع الأوقات بمعنى (ذهب)، قال وهي لغة أهل الحجاز، ونقل أبو عبيد في الغربيين نحوه إلخ.
ونقل الشيخ إسماعيل رحمه الله ما ذهب إليه الغزالي في تقسيم الساعات حيث قال: (والساعة الأولى إلى طلوع الشمس، والثانية إلى ارتفاعها، والثالثة إلى انبساطها حين ترمض الأقدام، والرابعة والخامسة بعض الضحى الأعلى إلى الزوال وفضلها قليل، ووقت الزوال حق الصلاة ولا فضل فيه) إلخ، ولكن في بعض كلامه إجمال بينه ابن حجر حيث قال: وتجاسر الغزالي فقسمها برأيه فقال: الأولى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والثانية إلى ارتفاعها، والثالثة إلى انبساطها، والرابعة إلى أن ترمض الأقدام، والخامسة إلى الزوال، واعترضه ابن دقيق العيد بأن الرد إلى الساعات المعروفة أولى وإلا لم يكن لتخصيص هذا العدد بالذكر معني لأن المراتب متفاوتة جدا إلخ ما أطال فيه، والله أعلم. (2/16)
صفحة 416
الباب السابع والأربعون في فضل الصلاة وخشوعها (2/17)
صفحة 417
قوله: (لكل شيء عمود) إلخ قال في النهاية: العماد والعمود الخشبة التي يقوم عليها البيت انتهى، والظاهر أنه من باب الاستعارة بالكناية وهو أنه شبه الدين بذي عمود يقوم عليه تشبيها مضمرا في النفس، ولم يصرح بشيء من أركان المشبه به ليساوي المشبه الذي هو الدين، وأثبت له شيئا من لوازم المشبه به الذي هو العمود على جهة التخييل، ولما كانت الصلاة هي عمود الدين غيرها تبع لها أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في مرضه الذي مات فيه بتقديم أبي بكر فيها فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، قال في الموجز: فلما أن ولاه عليه السلام الأمر الذي هو العمود عرف المسلمون أن ما سوى العمود (2/18)
صفحة 418
محمول على العمود فلذلك أجمعوا على بيعة أبي بكر رضي الله عنه.
قوله: (وعمود الصلاة الخشوع) قال ابن حجر: والخشوع تارة يكون من فعل القلب، وتارة من فعل البدن كالسكون، وقيل: لا بد من اعتبارهما، حكاه الفخر الرازي في تفسيره، وقال غيره: هو معنى يقوم بالنفس يظهر عنه سكون في الأطراف يلائم مقصود العبادة، ويدل على أنه من عمل القلب حديث علي (الخشوع في القلب) أخرجه الحاكم، وأما حديث (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه) ففيه إشارة إلى أن الظاهر عنوان الباطن إلخ.
وذكر في الوضع فيه خلافا حيث قال: واختلف العلماء في معنى الخشوع في الصلاة فقال عمرو بن دينار: ليس الخشوع بالركوع ولا بالسجود ولكنه السكون وحسن الهيئة في الصلاة، وقال ابن سيرين: هو أن لا ترفع بصرك عن موضع سجودك، وقال بعضهم: هو جمع الهمة لها، والإعراض عما سواها، وقال بعضهم: يحتاج المصلي إلى أربع خصال حتى يكون خاشعا: إعظام المقام، وإخلاص المقال، واليقين التام، وجمع الهمة إلخ، وكلام أصحابنا رحمهم الله يدل على أنه لا بد من خشوع القلب والجوارح، قال الشيخ أبو نصر رحمه الله:
وليس خشوع الجسم يوما بنافع ... إذا غاب قلب في شعاب التدبر
أقول: أما سكون الجوارح فلا بد منه من أول الصلاة إلى آخرها لأن ذلك مقدور للإنسان، وأما حضور القلب من زوالها إلى آخرها فليس بلازم، لأن ذلك غير مقدور لغير المعصوم، قال الشيخ أبو نصر أيضا:
ولن يستطع العبد دفع خواطر ... فكيف بأصحاب العلائق والخشر
قال في القناطر بعد كلام طويل على الخشوع: والحق الرجوع إلى أدلة الشرع والأخبار والآيات ظاهرة في هذا الشرط، إلا أن مقام الفتوى في التكلف الظاهر يتقيد بقدر قصور الخلق، فلا يمكن أن يشترط على الناس إحضار القلب في جميع الصلاة فإن ذلك يعجز عنه كل البشر إلا الخاشعين المخلصين وقليل ما هم، وإذا لم يمكن اشتراط جميع ذلك في الصلاة بضرورة العجز فلا بد أن يشترط منه ما ينطلق عليه الاسم ولو في اللحظة الواحدة وأولى اللحظة تكبيرة الإحرام، فاقتصر الشرع في التكليف على ذلك، إلى أن قال بعد كلام: ومع هذا فلا مطمع (2/19)
صفحة 419
في مخالفة الفقهاء في ما اتفقوا عليه من الصحة مع الغفلة فإن ذلك ضرورة الفتوى كما سبق التنبيه عليه، إلى أن قال: وحاصل الكلام أن خضوع القلب هو روح الصلاة، وأن أقل ما بقي به رمق الروح الحضور عند تكبيرة الإحرام والنقصان منه هلاك، فبقدر الزيادة ينبسط الروح في أجزاء الصلاة، وكم من حي لا حراك به قريب من ميت، فصلا الغافل في جميعها إلا عند التكبير لأنه لا حركة به، انتهى.
وقال ابن حجر: وقد حكى النووي الإجماع على أن الخشوع ليس بواجب، ولا يرد قول القاضي حسين أن مدافعة الأخبثين إذا انتهت إلى حد يذهب معه الخشوع أبطلت الصلاة، وقاله أيضا أبو زيد المروزي لجواز أن يكون بعد الإجماع السابق والمراد بالإجماع أنه لم يصرح أحد بوجوبه وكلامهم في أمر يحصل من مجموع المدافعة وترك الخشوع، وفيه تعقب على من نسب إلى القاضي وأبي زيد أنهما قالا: إن الخشوع شرط في صحة الصلاة، وقد حكاه المحب الطبري وقال: هو محمول على أن يحصل في الصلاة في الجملة لا في جميعها، والخلاف في ذلك عند الحنابلة أيضا.
وأما قول ابن بطال: فإن قال قائل: فإن الخشوع فرض الصلاة قيل له: بحسب الإنسان إن أقبل على صلاته بقلبه ونيته ويريد بذلك وجه الله، ولا طاقة له بما اعترضه من الخواطر فحاصل كلامه أن القدر المذكور هو الذي يجب من الخشوع وما زاد على ذلك فلا إلخ، قال في القناطر مشبها للصلاة إلخ.
قوله: (وخيركم عند الله أتقاكم) قال البيضاوي: فإن التقوى بها تكمل النفوس، وتتفاضل الأشخاص، فمن أراد شرفا فليلبس منها كما قال عليه السلام: (من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله) فقال: (يا أيها الناس إنما الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله) انتهى.
قوله: (هل ترون قبلتي) قال ابن حجر: هو استفهام إنكار لما يلزم منه أي تظنون أني لا أرى فعلكم لكون قبلتي في هذه الجهة، لأن من استقبل شيئا استدبر ما وراءه، لكن بين صلَّى الله عليه وسلَّم أن رؤيته لا تختص بجهة واحدة. (2/20)
صفحة 420
وقد اختلف في معنى ذلك فقيل: المراد بها العلم إما أن يوحى إليه كيفية فعلهم وإما بأن يلهم، وفيه نظر لأن العلم لو كان مرادا لم يقيده بقوله من وراء ظهري، وقيل: المراد أنه يريد من على يمينه ومن على يساره ممن تدركه عينه مع التفات يسير في النادر ويوصف من هو هناك بأنه وراء ظهري، وهو ظاهر التكلف وفيه عدول عن الظاهر بلا موجب، والصواب المختار أنه محمول على ظاهره، وإن الإبصار إدراك حقيقي خاص به صلَّى الله عليه وسلَّم انخرقت فيه العادة، وعلى هذا عمل المصنف، وقد خرج هذا الحديث في علامات النبوة، وكذا نقل عن الإمام أحمد وغيره، ثم إن ذلك الإدراك يجوز أن يكون برؤية عينه انخرقت له العادة فيه أيضا فكان يرى بها من غير مقابلة، إلى أن قال: وقيل: كانت له عين خلف ظهره يرى بها من ورائه دائما، وقيل: كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط يبصر بهما لا يحجبهما ثوب ولا غيره، وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنطبع في المرآة فيرى أمثلتهم فيها فيشاهد أفعالهم، انتهى.
قوله: (فوالله ما يخفى على خشوعكم) قال ابن حجر: في جميع الأركان، ويحتمل أن يراد به السجود لأن فيه غاية الخشوع، وقد صرح بالسجود في رواية لمسلم، انتهى.
قوله: (ولا ركوعكم) قال ابن حجر: أفرده بالذكر وإن كان داخلا في الصلاة اهتماما به، إما لكون التقصير فيه كان أكثر أو لأنه أعظم الأركان بدليل أن المسبوق يدرك الركعة بتمامها بإدراك الركوع، انتهى.
قوله: (فإني أرى من وراء ظهري) زاد في البخاري كما أراكم، قال ابن حجر: يعني عن أمامي، وصرح به في رواية أخرى كما سيأتي، ولمسلم (إني لأبصر من ورائي كما أبصر بين يدي)، وفيه دليل على المختار أن المراد بالرؤية الإبصار، وظاهر الحديث أن ذلك يختص بحالة الصلاة، ويحتمل أن يكون ذلك واقعا في جميع أحواله، وقد نقل عن مجاهد وعن تقي بن مخلد (أنه صلَّى الله عليه وسلَّم يبصر في الظلمة كما يبصر في الضوء)، وفي الحديث الحث على الخشوع في الصلاة، والمحافظة على إتمام أركانها وأبعاضها، وأنه ينبغي للإمام (2/21)
صفحة 421
أن ينبه الناس على ما يتعلق بأحوال الصلاة ولا سيما إن رأى منهم ما يخالف الأولى، انتهى.
قوله: (إن الملائكة ليصلون على أحدكم) أي يستغفرون له، قيل: عبر بيصلون ليناسب الجزاء العمل، والمراد بالملائكة الحفظة أو السيارة أو أعم من ذلك، قاله ابن حجر.
قوله: (ما دام في مصلاه) قال ابن حجر: مفهومه أنه إذا انصرف عنه انقضى ذلك وسيأتي في باب (من جلس في المسجد ينتظر الصلاة) بيان فضيلة من انتظر الصلاة مطلقا سواء ثبت في مجلسه ذلك أم تحول إلى غيره، ولفظه (ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة) فأثبت للمنتظر حكم المصلي، فيمكن أن يحمل قوله: (في مصلاه) على المكان المعد للصلاة لا الموضع ا لخاص بالسجود فلا يكون بين الحديثين تخالف، إلخ.
قوله: (الذي صلى فيه) قال ابن حجر: يؤخذ منه أن ذلك مقيد بمن صلى ثم انتظر صلاة أخرى، يعني دون من انتظر من غير صلاة سابقة وإن كان له أجر من جهة أخرى قال: وتتقيد الأولى بأنها مجزئة أما لو كان فيه نقص فإنها تخير بالنافلة كما ثبت في الخبر الآخر، انتهى. (2/22)
صفحة 422
قوله: (ما لم يحدث) قال ابن حجر يدل على أن الحدث يبطل ذلك ولو استمر جالسا، وفيه دليل على أن الحدث في المسجد أشد من النخامة لما تقدم من أن لها كفارة ولم يذكر لهذا كفارة بل عومل صاحبه بحرمان استغفار الملائكة، إلخ.
واختلفوا في الحدث فقيل: المراد به الريح كما فسره أبو هريرة في حديث آخر تقدم في الطهارة حيث قيل له: وما الحدث يا أبا هريرة؟ فقال: فساء أو ضراط، وقيل: المراد هنا أعم من ذلك أي ما لم يحدث سواه، ويؤيده رواية مسلم (ما لم يحدث فيه ما لم يؤذ فيه) على أن الثانية تفسير للأولى قاله ابن حجر.
قوله: (اللهم اغفر له اللهم ارحمه) قال ابن حجر: هو مطابق لقوله: (والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض) قيل: السر فيه أنهم يطلعون على أفعال بني آدم وما فيها من المعصية والخلل في الطاعة فيقتصرون على الاستغفار لهم لذلك، لأن رفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ولو فرض أن فيهم من تحفظ من ذلك فإنه يعوض من المغفرة بما يقابلها من الثواب، انتهى.
قوله: (تتعاقب فيكم) الرواية في البخاري (يتعاقبون) كما هو مشهور، قال ابن حجر: أي تأتي طائفة عقب طائفة ثم تعود الأولى عقب الثانية، قال ابن عبد البر: وإنما يكون التعاقب بين طائفتين وبين رجلين بأن يأتي هذا مرة ويعقبه هذا، ومنه تعقيب الجيوش أن يجهز الأمير بعثا إلى مدة ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز غيرهم إلى مدة ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز الأولين، إلخ.
قوله: (فيكم) قال ابن حجر أي المصلين أو مطلق المؤمنين.
قوله: (ملائكة) قال ابن حجر: قيل: هم الحفظة، نقله عياض وغيره عن الجمهور، وتردد ابن بزيرة، وقال القرطبي: الأظهر عندي أنهم غيرهم ويقويه أنه لم يقل: إن الحفظة يفارقون العبد، والأولى أن حفظة الليل غير حفظة النهار، وبأنهم لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله: كيف تركتم عبادي؟ انتهى. (2/23)
صفحة 423
قوله: (فيجتمعون في صلاة الفجر) زاد البخاري (وصلاة العصر) قال الزين ابن المنير: التعاقب مغاير للاجتماع لكن ذلك منزل على حالين قلت: وهو ظاهر، وقال ابن عبد البر: الأظهر أنهم يشهدون معهم الصلاة في الجماعة واللفظ محتمل للجماعة وغيرهما، إلى أن قال: قال عياض: والحكمة في اجتماعهم في هاتين الصلاتين، من لطف الله تعالى بعباده وإكرامه لهم بأن جعل ملائكته في حال طاعته عباده لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة، قلت: وفيه شيء لأنه رجح أنهم الحفظة ولا شك أن الذين يصعدون كانوا مقيمين عندهم، مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات فالأولى أن يقال: الحكمة في كونه تعالى لا يسألهم إلا عن الحالة التي تركهم عليها ما ذكره، ويحتمل أن يقال: إن الله تعالى يستر عنهم ما يعملون فيما بين الوقتين لكن بناء على أنهم غير الحفظة.
قوله: (ثم يعرج الذين باتوا فيكم) قال ابن حجر: استدل به بعض الحنفية على استحباب تأخير صلاة العصر ليقع عروج الملائكة إذا فرغ منها آخر النهار، وتعقب بأن ذلك غير لازم إذ ليس في الحديث ما يقضي أنهم لا يصعدون إلا ساعة الفراغ من الصلاة، بل جائز أن تفرغ الصلاة ويتأخروا بعد ذلك إلى آخر النهار، ولا مانع أيضا من أن تصعد ملائكة النهار وبعض النهار باق وتقيم ملائكة الليل، ولا يرد على ذلك وصفهم بالمبيت لقوله: (باتوا) لأن اسم المبيت صادق عليهم ولو تقدمت إقامتهم بالليل إقامتهم قطعة من النهار.
قوله: (فيسألهم ربهم) قال ابن حجر: اختلف في سبب الاختصار على سؤال الذين باتوا دون الذين ظلوا، فقيل: هو من الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر كقوله تعالى:) فذكر إن نفعت الذكرى (، أي وإن لم تنفع، وقوله:) سرابيل تقيكم الحر (أي والبرد، وإلى هذا أشار ابن التين وغيره.
ثم قيل: الحكمة في الاقتصار على ذلك أن حكم طرفي النهار يعلم من حكم طرفي الليل فلو ذكره لكان تكرارا، ثم قيل: الحكمة في الاقتصار على هذا الشق دون الآخر أن الليل مظنة المعصية فما لم يقع منهم عصيان مع إمكان دواعي الفعل من إمكان الإخفاء (2/24)
صفحة 424
ونحوه واشتغلوا بالطاعة كان النهار أولى بذلك فكان السؤال عن الليل أبلغ من السؤال عن النهار لكن النهار محل الاشتهار، وقيل: الحكمة في ذلك أن ملائكة الليل إذا صلوا الفجر عرجوا في الحال، وملائكة النهار إذا صلوا العصر لبثوا إلى آخر النهار الضبط (بقية النهار)، وهذا ضعيف لأنه يقتضي أن ملائكة النهار لا يسألون، إلى أن قال: وقيل: يحتمل أن يكون العروج إنما يقع عند صلاة الفجر خاصة، وأما النزول فيقع في الصلاتين معا، وفيه التعاقب وصورته أن تنزل طائفة عند العصر وتبيت ثم تنزل طائفة ثانية عند الفجر فتجتمع الطائفتان في صلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فقط ويستمر الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر، فتنزل الطائفة الأخرى فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضا ولا يصعد منهم أحد أحد بل تبيت الطائفتان أيضا، ثم تعرج إحدى الطائفتين، إلى أن قال: مؤيد الرواية المصنف رحمه الله ما نصه، وقيل: إن قوله في هذا الحديث (ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر) وهم؛ لأنه ثبت في طرق كثيرة أن الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذكر صلاة العصر كما في الصحيحين من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة في أثناء حديث قال: (وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر)، قال أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم:) وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا (.
وفي الترمذي والنسائي من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى:) وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا (قال: تشهده ملائكة الليل والنهار، وروى ابن مردويه من حديث أبي الدرداء مرفوعا نحوه، قال ابن عبد البر: ليس في هذا دفع للرواية التي فيها ذكر العصر، إذ لا يلزم من عدم ذكر العصر في الآية والحديث الآخر عدم اجتماعهم في العصر، لأن المسكوت عنه قد يكون في حكم المذكور بدليل آخر، إلى آخر ما أطال فيه.
فعلى رواية المصنف رحمه الله يتعاقبون ولكن لا يجتمعون إلا عند صلاة الفجر، وهذا ظاهر إذا قلنا: إنهم غير الحفظة، وأما إذا كانوا هم الحفظة فلا بد من اجتماعهما وقت تعقبهما ليلا كان أو نهار لأنه لا يخلو المكلف منهما ولو لحظة. (2/25)
صفحة 425
وعلى كل تقدير يحتاج إلى الحكمة في الاقتصار على سؤال الذين باتوا قال ابن حجر: بناء على أن وقت صلاة العصر ثابت وأن السؤال واقع على أصحاب الليل وأصحاب النهار ما نصه، أو يحمل قوله: (ثم يعرج الذين باتوا) على ما هو أعم من المبيت بالليل والإقامة بالنهار فلا يختص ذلك بالليل دون النهار ولا عكسه بل كل طائفة منهم إذا صعدت سئلت، وغاية ما فيه أنه استعمل بات في مقام مجازا ويكون قوله: (ويسألهم) أي كلا من الطائفتين في الوقت الذي يصعد فيه، ويدل على هذا الحمل رواية موسى بن عقبة عن أبي الزناد عند النسائي ولفظه (ثم يعرج الذي كانوا فيكم)، إلى أن قال: وهذا أقرب الأجوبة، ووقع هذا الحديث من أخرى واضحا وفيه التصريح بسؤال كل الطائفتين، إلى أن قال: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر فتصعد ملائكة الليل وتبيت ـ أي تقيم ـ ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر فتصعد ملائكة النهار وتبيت ملائكة الليل فيسألهم ربهم كيف تركتم عبادي) الحديث وهذه الرواية تزيل الإشكال وتغني عن كثير من الاحتمالات المتقدمة فهي العمدة، ويحمل ما نقص منها على نقص بعض الرواية انتهى، وهذا في غاية الظهور إذا ثبت اجتماعهم عليهم السلام عند صلاة العصر كما ذكروا أو عند صلاة المغرب مثلا وهو المناسب للتعاقب بالليل والنهار وكنا نعتقده، ولكن لم نر في ذلك نصا لموافق ولا لمخالف، والله أعلم.
قوله: (فيسألهم ربهم) قال ابن حجر: قيل الحكمة فيه استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير واستنطاقهم بما يقتضي التعطف عليهم؛ وذلك لإظهار الحكمة في خلق الإنسان في مقابلة من قال من الملائكة:) أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (أي قد وجد فيهم من يسبح ويقدس مثلكم بنص شهادتكم، وقال عياض: هذا السؤال على سبيل التعبد للملائكة كما أمروا أن يكتبوا أعمال بني آدم وهو سبحانه وتعالى أعلم من الجميع بالجميع، انتهى. (2/26)
صفحة 426
قوله: (كيف تركتم عبادي) قال ابن حجر: قال ابن أبي حمزة: وقع السؤال عن آخر الأعمال لأن الأعمال بخوايتمها، قال: والعباد المسؤول عنهم هم المذكورون في قوله تعالى:) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان (، انتهى.
قوله: (تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون) قال ابن حجر: لم يراعوا الترتيب الوجودي لأنهم بدؤوا بالترك قبل الإتيان، والحكمة فيه أن المخبر به صلاة العباد والأعمال بخواتيمها يناسب ذلك إخبارهم عن آخر عملهم قبل أوله، وقوله: (تركناهم وهم) ظاهره أنهم فارقوهم عند شروعهم في صلاة العصر سواء تمت أم منع مانع من إتمامها وسواء شرع الجميع فيها أم لا، لأن المنتظر في حكم المصلي، ويحتمل أن يكون المراد بقولهم: (وهم يصلون) أي ينتظرون صلاة المغرب، وقال ابن التين: (الواو) في قوله: (وهم يصلون) واو الحال أي تركناهم على هذا الحال، ولا يقال: يلزم منه أنهم فارقوهم قبل انقضاء الصلاة فلم يشهدوها معهم والخبر ناطق بأنهم يشهدونها، لأنا نقول: هو محمول على أنهم شهدوا الصلاة مع من صلاها في أول وقتها، وشهدوا من دخل فيها بعد ذلك ومن شرع في أسباب ذلك.
(نكتة): استنبط منه بعض الصوفية أنه يستحب أن لا يفارق الشخص شيئا من أموره إلا وهو على طهارة، كشعره إذا حلقه وظفره إذا قلمه وثوبه إذا أبدل ونحو ذلك.
وقال ابن أبي حمزة: أجابت الملائكة بالخبر مما سئلوا عنه لأنهم علموا أنه سؤال يستدعي التعطف على ابن آدم فزادوا في موجب ذلك، قلت: وقع في صحيح ابن خزيمة من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث (فاغفر لهم يوم الدين).
قال: ويستفاد منه أن الصلاة أعلى العبادات لأنه عنها وقع السؤال والجواب، وفيه الإشارة إلى أعظم هاتين الصلاتين لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان وفي غيرهما طائفة واحدة، والإشارة إلى شرف الوقتين المذكورين، وقد ورد أن الرزق يقسم بعد بعد صلاة الصبح، وأن الأعمال ترتفع آخر النهار فمن كان حينئذ في طاعة بورك في رزقه وفي عمله والله أعلم، ويترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما والاهتمام (2/27)
صفحة 427
بهما، وفيه تشريف هذه الأمة على غيرها، ويستلزم تشريف نبيها صلَّى الله عليه وسلَّم على غيره، وفيه الإخبار بالغيوب ويترتب عليها زيادة الإيمان، وفيه الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتى نتيقظ ونتحفظ في الأوامر والنواهي ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربنا وسؤال ربنا عنا، وفيه إعلامنا بحب ملائكة الله لنا لنزداد فيهم حبا وتقربا إلى الله بذلك، وفيه كلام الله تعالى مع ملائكته وغير ذلك من الفوائد، والله أعلم انتهى.
قوله: (لا يزال أحدكم في الصلاة) أي في ثواب الصلاة لا في حكمها لأنه يحل له الكلام وغيره مما منع في الصلاة كما قاله ابن حجر.
قوله: (لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة) قال ابن حجر: يقتضي أنه إذا صرف نيته عن ذلك صارف انقطع عنه الثواب المذكور، وكذا إذا شارك نية الانتظار أمر آخر.
وهل يحصل ذلك لمن نيته إيقاع الصلاة في المسجد ولو لم يكن فيه؟ الظاهر خلافه لأنه رتب الثواب المذكور على المجموع من النية وشغل البقعة بالعباد له ثواب يخصه إلخ، يعني كما ورد في قوله عليه السلام: (سبعة يظلهم الله ... إلى أن قال: ورجل متعلق قلبه إلى المسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه)، والله أعلم.
[فقرة لم ترقن] (2/28)
صفحة 428
[فقرة لم ترقن]
قوله: (لو يعلم الناس ما في الصف الأول) لفظ الحديث في الإيضاح والبخاري (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول) كما هو مشهور، قال ابن حجر: قوله: (لو يعلم الناس) قال الطيبي: وضع المضارع موضع الماضي ليفيد استمرار العلم.
قوله: (الصف الأول) قال ابن حجر: زاد أبو الشيخ في رواية له من طريق الأعوج عن أبي هريرة (من الخير والبركة)، وقال الطيبي: أطلق مفعول يعلم وهو (ما) ولم يبين الفضيلة ما هي ليفيد ضربا من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الوصف والإطلاق إنما هو في قدر الفضيلة، وإلا فقد ميزت في الرواية الأخرى بالخير والبركة.
قوله: (ثم لم يجدوا إلا أن يتساهموا) قال ابن حجر: أي لم يجدوا شيئا من وجوه الأولوية، أما في الأذان فبأن يتساووا في معرفة الوقت وحسن الصوت ونحو ذلك من شرائط المؤذن، وأما في الصف الأول فبأن يصلوا دفعة واحدة، ويستووا في الفضل، فيقرعوا بينهم إذا لم يتراضوا في ما بينهم في الحالين، واستدل به بعضهم لمن قال بالاقتصار على مؤذن واحد، إلى أن قال: وزعم بعضهم أن المراد بالاستهام هنا الترامي بالسهام وأنه أخرج مخرج المبالغة، واستأنس بحديث لفظه (لتجالدوا عليه بالسيوف) لكن الذي فهمه منه البخاري أولى، إلى أن قال: ويدل عليه رواية لمسلم (لكانت فزعة)، انتهى.
قوله: (عليه) أي الصف الأول على رواية المصنف رحمه الله، أو على ما ذكر ليشمل الأمرين على رواية البخاري، وفي رواية عن مالك (عليهما).
وذكر ابن حجر: الخلاف في الصف الأول وأن الصحيح أنه الذي يلي الإمام حيث قال: (المراد به ما يلي الإمام مطلقا)، وقيل: أول صف تام يلي الإمام مطلقا، وقيل: أول صف تام يلي الإمام لا ما تخلله شيء كمقصورة، وقيل: المراد به من يسبق (2/29)
صفحة 429
إلى الصلاة ولو صلى آخر الصفوف قال ابن عبد البر، واحتج بالاتفاق على أن من جاء أول الوقت ولم يدخل في الصف الأول فهو أفضل ممن جاء في آخره وزاحم في إليه، ولا حجة له في ذلك كما لا يخفى، قال النووي: القول الأول هو الصحيح المختار وبه صرح المحققون، والقولان الآخران غلط صريح انتهى، وكان صاحب القول الثاني لاحظ أن المطلق ينصرف إلى الكامل وما فيه خلل فهو ناقص، وصاحب القول الثالث لاحظ المعنى في تفضيل الصف الأول دون مراعاة لفظه، وإلى الأول أشار البخاري، إلى أن قال: وحديث الباب فيه الصف المقدم وهو الذي لا يتقدمه إلا الإمام.
قال العلماء في الحض على الصف الأول: المسارعة إلى خلاص الذمة والسبق لدخول المسجد، والقرب من الإمام، واستماع قراءته، والتعلم منه، والفتح عليه، والتبليغ عنه، والسلامة من اختراق المارة بين يديه، وسلامة البال من رؤية من يكون قدامه، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلين انتهى.
قوله: (ما في التهجير) قال ابن حجر: أي التبكير إلى الصلوات قاله الهروي، وحمله الخليل وغيره على ظاهره فقالوا المراد الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت لأن التهجير مشتق من الهاجرة، وهي شدة الحر نصف النهار، وهو أول وقت الظهر، وإلى ذلك مال المصنف كما سيأتي، ولا يرد على ذلك مشروعية الإيراد لأنه أريد به الرفق وأما من ترك قابلته وقصد إلى المسجد لينتظر الصلاة فلا يخفى ما له من الفضل.
قوله: (لاستبقوا إليه) قال ابن أبي حمزة: المراد بالاستباق معنى لا حسا لأن المسابقة على الأقدام حسا يقتضي السرعة في المشي وهو ممنوع منه، انتهى. (2/30)
صفحة 430
الباب الثامن والأربعون في جامع الصلاة (2/31)
صفحة 431
قوله: (لا صلاة في المقبرة) يعني أن الصلاة فيها غير جائزة، فالنهي هنا محمول على التحريم لقوله عليه السلام: (لعن الله أقواما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، ولا يجوز الصلاة عليها دائما وأبدا، قال في الإيضاح: ولو قلعت من أصلها واستأصلها السبيل لأنها مقبرة لا يزول عنها اسم المقبرة لقوله تعالى:) وإذا القبور بعثرت (فسماها يوم القيامة قبورا مع أنها درست ودرس ما فيها، والله أعلم.
وما دفن على الحجر والتعدية فليس له حرمة وإذا زالت قبورهم حتى لا يبقى منها شيء جازت الصلاة على ذلك المكان، وكذلك من لا يلزمهم حقوقه مثل المشركين (2/32)
صفحة 432
والبغاة والأقلف إلى آخره.
قوله: (ولا في المجزرة) يعني بكسر الزاء (ولا في معاطن الإبل) المراد بمعاطن الإبل مجتمعها عند الصدور عن المنهل كما في القواعد، وقال غيره: مواضع إقامتها عند الماء، وروي عن أحمد أنه قال ومأواها مطلقا.
قال في القواعد: واختلف في علة نهيه صلَّى الله عليه وسلَّم عن الصلاة في معاطن الإبل دون مرابض الغنم فقيل: لأجل نجاستها، وقيل: لا يؤمن نفارها، وقيل: زفورتها، وقيل: سكونها يستتر بها في العادة عند قضاء الحاجة، وقيل: لأنها من جن خلقت، إلخ.
ومرابض الغنم قال ابن حجر: أي أماكنها وهو بالموحدة والضاد المعجمة جمع مربض بكسر الميم، إلى أن قال: كان يحب الصلاة حيث أدركته أي حيث دخل وقتها سواء كان في مرابض الغنم أو غيرها، وبين هنا أي في حديث البخاري أن ذلك كان قبل أن يبني المسجد ثم بعد بناء المسجد صار لا يحب الصلاة في غيره إلا لضرورة، وقال ابن بطال: هذا الحديث حجة على الشافعي في قوله بنجاسة أبوالها، لأن مرابض الغنم لا تسلم من ذلك، وتعقب بأن الأصل الطهارة، وعدم السلامة منها غالب، وإذا تعارض الأصل والغالب قدم الأصل إلخ، وهذا التأويل لا بد منه على مذهب أصحابنا رحمهم الله، والله أعلم.
واعلم أن المجزرة ومعاطن الإبل لا تمنع الصلاة فيها دائما بل تجوز الصلاة فيهما بعد طهارتهما بمطر سنة كما في القواعد، وقال في الإيضاح: فالمفهوم من النهي عن الصلاة في المجزرة والمزبلة ومعاطن الإبل والحمام والكنائس من أجل نجاستها فإذا زال عنها النجس وحكم بطهارتها جازت الصلاة عليها، إلخ.
قوله: (وقارعة الطريق) يؤخذ من كلام الإيضاح الخلاف في النهي عن الصلاة فيها هل هو محمول على الكراهة أو على التحريم؟ وأن ذلك محمول على الخلاف في المراد بقارعة الطريق حيث قال: وأما قارعة الطريق فإن بعضهم قال: إنما هو طريق الجرارات وقد نهي عن الصلاة فيها لئلا تؤذيه فإن صلى جازت صلاته لأن النهي إنما هو تحذير لما يؤذيه، وكذلك بطن الوادي عندهم مكروه الصلاة فيه إذا كان يجلب الماء من موضع بعيد لئلا يأتيه الوادي وهو في الصلاة، فإن صلى جازت صلاته والله أعلم، وقال بعض: إنما هو طريق الدواب الذي تجوز فيه، (2/33)
صفحة 433
نهي عن الصلاة فيه والله أعلم، ما خلا النجاسات والله أعلم إلخ، فعلى هذا إن صلى فسدت صلاته والله أعلم، والذي في الصحاح: إن قارعة الطريق أعلاه، والله أعلم.
قوله: (الصلاة بالآنك) الآنك بهمزة مفتوحة فألف مبدلة من همزة ساكنة فنون مضمومة على وزن أفعل، قال في الصحاح: الآنك الاسرب، وفي الحديث (من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك) وأفعل من أبنية الجمع ولا يجيء عليه الواحد، الآنك وأشد، انتهى.
قوله: (والشبه) يعني بفتحتين كما ضبط في الصحاح حيث قال: والشبه ضرب من النحاس إلخ، ومثل الآنك والشبه الحديد والرصاص والذهب والفضة والملح والشب والمغرة والنورة والزرنيخ إلا أن اختلط أحد هذه الأشياء بالترب حتى غلب عليها كما نص في القواعد.
قوله: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس) الحديثين.
حاصل الحديثين أن الأوقات المنهي عن الصلاة فيها خمسة وهي كما قال في الإيضاح: عند طلوع الشمس حتى يتكامل طلوعها وترتفع قليلا، وعند قيامها حتى تزول، وعند غروبها حتى يتكامل غروبها، وبعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، إلخ.
ثم إنهم اختلفوا في الصلاة التي لا تجوز في هذه الأوقات والمختار أن الأوقات الثلاثة التي نهي عن الصلاة فيها لعينها وهي عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند توسطها في كبد السماء: غير يوم الجمعة لا تجوز الصلاة فيها مطلقا ولو نام عنها أو نسيها، وأما بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر فالمختار أنه تقضى فيها الفوائت والمنسيات والتي نام عنها، وكذلك الصلاة التي لها سبب من قبل الله كصلاة الميت والزلزلة والكسوف بخلاف ركعتين للطواف فإن سببهما الطواف وقد صدر باختيار الإنسان فتمتنعان كسائر النوافل، والله أعلم.
ثم قوله: (لا صلاة) قال ابن حجر: قال ابن دقيق العيد: صيغة النهي في ألفاظ الشارع إذا دخلت على فعل كان الأولى حملها على نفي الفعل الشرعي لا الحسي، لأنا لو حملناه على نفي الحسي لاحتجنا في تصحيحه إلى إضمار والأصل عدمه، وإذا (2/34)
صفحة 434
حملناه على الشرعي لم تحتج إلى إضمار فهذا وجه الأولية، وعلى هذا فهو نفي بمعنى النهي والتقدير (لا تصلوا)، إلخ.
قوله: (يعني الحاقن) قال في الصحاح بعد ذكر الحديث: تقول منه زنى بوله يزنا زنوا إذا احتقن، إلخ.
والنهي عن الحقن تارة يكون للتحريم وتفسد صلاة صاحبه وهو الذي يشغل المصلي عن صلاته ولا يفقه ما يصلي، قال في القواعد في مفسدات الصلاة بعد ذكر جملة منها: والحقن حتى يشغله عنها ولا يفقه ما صلى، إلخ.
وتارة يكون للكراهية وهو الذي لا يصل إلى الحالة المذكورة قال في الإيضاح بعد ذكر هذا الحديث والذي بعده مبينا لمعنى الأخبثين ما نصه: يعني البول والغائط والبول أهون في ذلك من الغائط لأن البول لم ينتقل من موضعه بعد ذلك كالريح إذا قصده في صلاته فإنه يستعجل على رده ما لم يخرج وأما الغائط إذا قصده في صلاته فهو كمن صره في طرف كسائه، والله أعلم.
وقال بعضهم في هذا كله إذا أتى بصلاته كما أمر فلا فساد عليه والله أعلم انتهى، وقال في الديوان: ولا يصلي الرجل وهو زناء كما روي عن النبي عليه السلام، إلى أن قال: وقيل: إن لم يشغله ذلك عن صلاته فلا بأس ما لم يضع رجلا ويرفع رجلا بسبب ذلك، ومنهم من يرخص إن لم يخرج، إلى أن قال في الغائط: ومنهم من يرخص أيضا ما لم يخرج، إلخ.
وحابس الغائط يسمى حاقيا، وسمعت أن حابسهما معا يسمى حازقا، ولم أقف عليه بل صرح في القناطر بخلافه حيث قال: وأما الحاقن فمن البول والحاقب من الغائط والحازق صاحب الخف الضيق بأن ذلك يمنع الخشوع إلخ، ومثله كلام الصحاح حيث قال: والحازق الذي ضاق عليه حقه عن ابن السكيت لا رأي لحاقن ولا لحاذق، إلخ.
قوله: (وهو عاقص شعره) يعني إذا كان يوفر شعر رأسه كفعله صلَّى الله عليه وسلَّم فإنه كان لا يحلق إلا في نسك، وذكر في كتب قومنا أنه عليه السلام لم يحلق رأسه إلا أربع مرات، وكان يفرق شعره إذا حلق للتبرك بآثاره عليه السلام، قال في القناطر: والنهي في هذا للرجال خاصة، وفي الحديث أمرت (2/35)
صفحة 435
أن أسجد على سبعة آراب ولا أكفت شعرا ولا ثوبا، إلخ.
قوله: (أي عاقد شعره منكسا) يتأمل كيفية عقده منكسا إلى أسفل وعقده خلف قفاه فقد نكسه، قال في الصحاح: نكست الشيء أنكسه نكسا قلبته على رأسه فتنكس، ونكسته تنكيسا إلى آخره، وفسر في الصحاح العقص بالضفر بالضاد المعجمة حيث قال: العقيصة الضفيرة يقال: لفلان عقيصتان، وعقص الشعر ضفره وليه على الرأس، إلى أن قال: في قول امرئ القيس:
تضل العقاص في مثنى ومرسل
ويقال: هي التي يتخذ من شعرها مثل الرمانة على كل خصلة منه عقصة والجمع عقاص وعقائص، إلخ.
وانظر هل النهي عن عقص الشعر محمول على التحريم أو على الكراهة؟ والظاهر أنه إن كان قبل الصلاة فهو محمول على الكراهة، وإن كان في حال الصلاة فهو محمول على التحريم لأنه فعل ما ليس من إصلاح الصلاة، وعند قومنا فيه خلاف قال ابن حجر في قوله: (ولا يكف شعرا ولا ثوبا): واتفقوا على أنه لا يفسد الصلاة، لكن حكى ابن المنذر عن الحسن وجوب الإعادة، قيل: والحكمة في ذلك أنه إذا رفع ثوبه وشعره عن مباشرة الأرض أشبه المتكبر ثم قال أيضا في حكمة النهي عن كف الشعر: وجاء في حكمة النهي عن ذلك أن عرزة الشعر يقعد فيها الشيطان حالة الصلاة، ففي سنن أبي داود بإسناد جيد أن أبا رافع رأى الحسن بن علي يصلي قد غرز ضفيرته في قفاه فحلها وقال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: (ذلك مقعد الشيطان)، انتهى.
قوله: (وما رأيناه قنت في صلاته قط) قال ابن حجر: القنوت يطلق على معان والمراد به هنا الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام، ثم ذكر مثل ما رواه المصنف رحمه الله: أن منهم من روى عنه أنه بدعة كابن عمر، وفي الموطأ عنه أنه كان لا يقنت في شيء من الصلوات إلخ، وروى في البخاري حديثا عن أنس أنه قال: كان القنوت في الفجر والمغرب، قال ابن حجر: وتمسك الطحاوي في ترك القنوت في الصبح قال: لأنهم أجمعوا على نسخه في المغرب فيكونون في الصبح كذلك انتهى إلخ، وروي عن أبي حنيفة أنه قال: (من قنت في الصلاة (2/36)
صفحة 436
فقد أتبع نفسه هواها)، وهو عندنا مفسد للصلاة قال في القواعد: ولم يجز أصحابنا الصلاة خلف من يقنت فيها أو يقول: ولا الضالين آمين لأنهما من كلام الآدميين، وقال قبل ذلك قالوا: ومن صلى خلفه وهو غير عالم به فلا بأس بصلاته إلخ، أقول: لكن قنوتهم في الصلاة في زماننا معلوم بالضرورة فلا تصح الصلاة خلفهم بحال، والله أعلم.
قوله: (لا إيمان لمن لا صلاة له) الحديث تقدم الكلام عليه في باب (أدب الوضوء وفرضه).
قوله: (ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة) ظاهر هذا الحديث مشكل فإنه يقتضي أن الترك حاجز بين العبد والكفر مع أن الحاجز بينهما إنما هو المحافظة عليها كما هو ظاهر كلام الشيخ أبو نصر رحمه الله:
كتفريق بين العبد والكفر حفظه ... على الصلوات الخمس من أول العمر
فجعل المفرق بينهما هو المحافظة، اللهم إلا أن يقال: معنى الحديث التغليظ والمبالغة أي أنه لا واسطة ووسيلة توصل العبد إلى الكفر إلا ترك الصلاة، فمن أراد الوصول إليه فليترك الصلاة، ثم رأيت في العلقمي الإشارة إلى الإشكال والجواب في حديث آخر عندهم لفظه (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)، إلى أن قال: وظاهر الحديث من قوله تعالى:) ومن بيننا وبينك حجاب (، وقوله:) وجعل بين البحرين حاجزا (، فإذا ذهب إلى هذا المعنى يوجب خلاف المقصود.
ولهذا قيل فيه وجوه:
أحدها: أن ترك الصلاة يعبر عن فعل ضده لأن فعل الصلاة هو الحاجز بين الإيمان والكفر فإذا ارتفع رفع المانع قاله التوريشتي.
الثاني: قال البيضاوي: ويحتمل أن يؤول ترك الصلاة بالحد الواقع بينهما فمن تركها دخل الحد وحام حول الكفر ودنا منه.
الثالث: قال أيضا: تعلق الظرف بمحذوف تقديره (ترك الصلاة وصلة بين العبد والكفر) والمعنى يوصله إليه، قال الطيبي: وأقوى الوجوه الثاني ثم هو من باب التغليظ أي على المؤمن بتركها. (2/37)
صفحة 437
ويمكن أن يقال: الكلام مصبوب على غير مقتضى الظاهر، لأن الظاهر أن يقال: (بين الإيمان والكفر ترك الصلاة) (أو بين المؤمن والكافر تركها) فوضع موضع المؤمن العبد وموضع الكافر الكفر فجعله نفس الكفر مبالغة، انتهى.
قوله: (فكأنما وتر أهله وماله) قال ابن حجر: قوله: (وتر أهله) هو بالنصب عند الجمهور على أنه مفعول ثان لوتر، وأضمر في وتر مفعول لم يسم فاعله وهو عائد على الذي فاتته، فالمعنى أصيب بأهله وماله، وهو متعد إلى مفعولين ومثله قوله تعالى:) ولن يتركم أعمالكم (، إلى أن قال: (وتر) هنا لمعنى (نقص) فعلى هذا يجوز نصبه ورفعه لأن من رد النقص إلى الرجل نصب وأضمر ما يقوم مقام الفاعل، ومن رده إلى الأهل رفع.
وقال القرطبي: يروى بالنصب على أن (وتر) بمعنى (سلب) وهو يتعدى إلى مفعولين، وبالرفع على أن (وتر) بمعنى (أخذ) فيكون أهله هو المفعول الذي لم يسم فاعله، ووقع في رواية المستملي أيضا وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا أو أخذت ماله.
وحقيقة الوتر كما قال الخليل: هو الظلم في الدم، فعلى هذا فاستعماله في المال مجاز لكن قال الجوهري: الموتور هو الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه تقول منه: (وتر) وتقول أيضا (وتره حقه) أي نقصه، وقيل: الموتور من أخذ أهله وما له وهو ينظر وذلك أشد لغمه فوقع التشبيه بذلك لمن فاتته الصلاة لأنه يجتمع عليه غمان غم الإثم وغم فقد الثواب، كما يجتمع على الموتور غمان غم السلب وغم الطلب بالثأر، وقيل: معنى (وتر) أخذ أهله وماله فصار وترا فردا، إلى أن قال: وظاهر الحديث التغليظ على من يفوته العصر، وأن ذلك مختص بها.
وقال ابن البر: يحتمل أن يكون هذا الحديث خرج جوابا لسائل سأل عن صلاة العصر فأجيب، فلا يمنع ذلك إلحاق غيرها من الصلوات بها، وتعقبه النووي، إلى أن قال: والحق أن الله يخص ما شاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة، إلى أن قال: قال ابن عبد البر: في هذا الحديث إشارة إلى تحقير الدنيا وأن قليل العمل خير من كثير منها إلخ، والله أعلم. (2/38)
صفحة 438
كتاب الصوم (2/39)
صفحة 439
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الأول في الصيام ووظائفه
قدمه رحمه الله على كتاب الزكاة لتقدم فرضيته على فرضية الزكاة لأنه فرض في السنة الثانية من الهجرة لليلتين خلتا من شعبان وفي نصف شعبان حولت القبلة.
وأما الزكاة ففيها خلاف؛ قيل فرضت أيضا في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر، وقيل في الرابعة، وقيل في الهجرة وبينت بعدها.
وهل كان قبله صوم ثم نسخ أولا؟ قولان: وعلى الأول وهو الأصح فقد اختلف أي صوم وجب في الإسلام فقيل عاشوراء، أقول وهو المذهب عندنا، وقيل ثلاثة من كل شهر، وقال القرطبي ثلاثة من كل شهر ويوم عاشوراء.
وهل نسخ ذلك برمضان أو بأيام معدودة ثم نسخت برمضان؟ فيه خلاف، وقال القرافي: أول ما فرض رمضان خير بينه وبين الطعام أي الإطعام، ثم نسخ الجميع بقوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فأوجب الصيام إلى الليل وأبيح الطعام والشراب والجماع إلى أن يصلي العشاء أوينام فيحرم جميع ذلك، فاختان عمر رضي الله عنه زوجته فكذبها أنها نامت ووطئها فنزل قوله تعإلى (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم الآية) انتهى.
وبعضهم يقدمون الزكاة على الصوم كما فعل صاحب الإيضاح وصاحب القواعد رحمهما الله تعالى، قال في القواعد وإنما قدمنا الزكاة على الصوم في ترتيب أركان هذا الكتاب إذ كانت مقرونة بالصلاة في القرآن وفي أحاديث الرسول الموكول إليه البيان إلخ.
واعلم أن الصيام ومثله الصوم له معنيان معنى في اللغة ومعنى في الشرع، فمعناه في اللغة الإمساك.
وفي الشرع: قال ابن حجر إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص بشرائط مخصوصة، ثم ذكر عن الراغب أنه إمساك المكلف بالنية عن تناول المطعم والمشرب والاستمناء والاستقاء من الفجر إلى المغرب انتهى. (2/40)
صفحة 440
والمناسب أن يقال إمساك المكلف بالنية من الليل عن تناول المطعم والمشرب والجماع والاستمناء والاستقاء وجميع الكبائر من الفجر إلى المغرب والله أعلم. (2/41)
صفحة 441
الباب الثاني في صوم شهر رمضان في السفر
(
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد فأفطرنا وأفطر الناس معه وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من النبي عليه السلام).
قوله (خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام الفتح في رمضان إلخ) فيه رد على من زعم أن من استهل عليه رمضان في الحضر ثم سافر بعد ذلك فليس له أن يفطر لقوله تعالى (فمن شهد منكم الشهرفليصمه).
قال ابن حجر وقال أكثر أهل العلم لا فرق بينه وبين من استهل عليه رمضان في السفر إلى أن قال: (2/42)
صفحة 442
عن ابن عمر قال: قوله تعإلى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) نسخها قوله (ومن كان مريضا أو على سفر) الآية ثم احتج للجمهور بحديث ابن عباس المذكور في هذا الباب انتهى.
قوله (حتى بلغ الكديد) قال ابن حجر بفتح الكاف وكسر الدال مكان معروف وقع تفسيره في نفس الحديث بأنه بين عسفان وقد يدل على التصغير، قال يعنى بضم الكاف، قال وبين الكديد ومكة مرحلتان وهو ماء عليه نخل كثير إلى أن قال: وسيأتي في المغازي عن طريق معمر عن الزهري سياق هذا الحديث أوضح من رواية مالك، ولفظ رواية معمر خرج النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان من المدينة ومعه عشرة الآف من المسلمين وذلك على رأس ثماني سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار ومن معه من المسلمين يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد فأفطر وأفطروا.
قال الزهري وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمره صلى الله عليه وسلم إلى أن قال:
وظاهره أن الزهري ذهب إلى أن الصوم في السفر منسوخ ولم يوافق على ذلك إلخ، ولم يبين ما المراد به، وعلى هذا فيتأمل ما معنى قوله رحمه الله (وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث إلى آخره) ولعل المراد أنهم كانوا لا يعرفون الإفطار في السفر إذا تقدم الصوم في السفر كما هو المختار عندنا، وهو أن كل صوم في السفر يعقبه إفطار في السفر فهو باطل، وحجتهم كما قال في القواعد أن يقال للمسافر عليك أن تصوم ولك أن تفطر برخصة الله، فأي الحكمين التزم وجب عليه إتمامه، فإن حل ما عقد على نفسه كان هادما لما تقدم من فعله، غير مستحق لثواب عمله كالأجير الذي يرجع قبل تمام ما استؤجر عليه فلا يستحق ثواب ما مضى من عمله انتهى.
وهذا الحديث يدل على جواز الإفطار في السفر وإن تقدمه الصوم في السفر كما هو مذهب بعض أصحابنا، فإنهم ذهبوا إلى أنه لا يفسد إلا صوم وقع بين فطرين. (2/43)
صفحة 443
واستدل بهذا الحديث في الإيضاح على أنه لا بدل على المسافر لما مضى من صومه ولو أفطر في وقت من اليوم الذي هو صائم فيه، قال: لأن ذلك له في السفر وإنما عليه بدل يومه، وأحب أن يكون ذلك للمريض أيضا، والدليل على هذا القول حديث ابن عباس وأحب أن يكون ذلك قال: خرج رسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة فذكر الحديث ثم قال: فظاهر هذا يدل على أنه أفطر بعد أن بيت الصيام وأما الناس فلا شك أنهم أفطروا بعد تبييتهم الصوم، والقول الأول أصح انتهى وتمسك له بقوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم).
أقول وفيه تأمل وكيف يترك العمل بالحديث بعد صحته مع إمكان حمل الآية على غير الإفطار للصائم في السفر فإنه صلى الله عليه وسلم أدرى بالمراد من قوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم) خصوصا مع ظاهر قوله تعالى (ومن كان مريضا أوعلى سفر فعدة من أيام أخر) وقال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه الآية) والله أعلم، اللهم إلا أن يقال: إنه إنما فعل لسبب وهو التقوي للعدو وكما يشعر به الحديت الآتي والله أعلم.
(
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال سمعت جملة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان فأمر الناس أن يفطروا وقال تقوية لعدوكم فصام ولم يفطر، قال ولقد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب الماء على رأسه من شدة الحر ومن العطش فقيل له يا رسول الله إن ناسا صاموا حين صمت.
قوله: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ) ومثله حديث الموطأ من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن عن رجل من الصحابة قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج في الحر وهو يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش ومن الحر، ثم لما بلغ الكديد أفطر) كذا ذكره ابن حجر.
والحاصل أن الحدثين وقعا معا في غزوة الفتح على صريح كلام المصنف، وأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين خرجوا من المدينة صائمين فأمرهم بالإفطار لأجل التقوي للعدو فأفطر غالبهم وصام النبي صلى الله عليه وسلم وجماعة حتى بلغ الكديد فأفطروا جميعا والله أعلم.
(قال فلما بلغ الكديد دعا بقدح من ماء فشرب فأفطر الناس).
قوله: (دعا بقدح من ماء إلى آخره) زاد في البخاري (فرفعه إلى يده ليراه الناس فأفطر، إلى أن قال: فكان ابن عباس يقول قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر فمن شاء صام ومن شاء أفطر. (2/44)
صفحة 444
قوله: (فلم يعب الصائم على المفطر إلخ) قال ابن حجر يروى أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ومن وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن، وهذا التفصيل هو المعتمد وهو نص رافع للنزاع إلخ.
واختلف أصحابنا في السفر الذي يجوز فيه الإفطار بعد اتفاقهم على أن المسافر هو الذي يتعدى الفرسخين في حاجة عرضت له.
قال بعضهم يجوز الفطر في كل سفر.
وقال بعضهم لابد أن يكون سفرا نائيا وهو الأصح.
لكنهم اختلفوا فيه:
قال بعضهم هو ثلاثة أيام فصاعدا، وقال بعضهم هو الخروج من الحوزة.
وقال صاحب القواعد رحمه الله ذهب أصحابنا من أهل الجبل إلى أنه لا يفطر حتى يجاوز الحوزة المحدودة عندهم أو يسير ثلاثة أيام وهو السفر النائي عندهم إلا أن يكون منزله في طرف الحوزة فإنه يفطر إذا جاوز الفرسخين بعد الحوزة.
قالوا: وإن أفطر مفطر في دون الحوزة بعد أن يجاوز الفرسخين فإنه ينهر ولا يبرأ منه إلا أن يريد سفرا نائيا فلا بأس عليه إلخ. (2/45)
صفحة 445
الباب الثالث في صوم عاشوراء ويوم عرفة والنوافل
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (من صام يوم عاشوراء كان كفارة ستين شهرا أو عتق عشر رقبات مؤمنات من ولد إسماعيل عليه السلام). (2/46)
صفحة 446
قال ابن حجر: وعاشوراء بالمد على المشهور وحكى فيه القصر، وزعم ابن دريد أنه اسم إسلامي وأنه لايعرف في الجاهلية، (2/47)
صفحة 447
ورد ابن دحية بأن ابن الأعرابي حكى أنه سمع من كلامهم (حابوراء)، وتقول عائشة كانوا يصومونه انتهى، والأخير لا دلالة فيه على رد ما قال ابن دريد، واختلف أهل الشرع في تعيينه فقال الأكثر هو اليوم العاشر، وقال القرطبي عاشوراء معدول عن عاشر للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة الليلة العاشرة لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد واليوم مضاف إليها فإذا قيل يوم عاشوراء فكانه قيل (يوم الليلة العاشرة) إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية فاستغنوا عن الموصوفية فحذفوا الليلة فصار هذا اللفظ علما على اليوم العاشر، وذكر أبو منصور الجواليقي أنه لم يسمع فاعولاء إلا هذا وضاروراء وساروراء ودالولاء من الضار والسار والدال.
وقال الزين بن المنبر الأكثر علي أن عاشورا هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية.
وقيل: هواليوم التاسع فعلى الأول فاليوم مضاف إلى الليلة الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلة الآتية.
وقيل إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذا من أوراد الإبل، كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام ثم أوردوها في التاسع قالوا وردنا عشرا بكسر العين وكذا إلى الثلاثة إلخ فروي هذا عن ابن عباس، ثم تأوله بأنه أراد العاشر إلى أن قال:
ويرون هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضا من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع) فمات، ثم ما هم به من صوم التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر إما احتياطا له وإما مخالفة لليهود والنصارى وهو الأرجح، وبه يشعر بعض روايات مسلم.
ولأحمد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعا (صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا يوما قبله ويوما بعده) وهذا كان في آخر الأمر،
وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ولاسيما إذا كان في ما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فتحت مكة وأشهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضا كما ثبت في الصحيح، فهذا من ذاك فوافقهم أولا (2/48)
صفحة 448
وقال (نحن أحق بموسى منكم) ثم أحب مخالفتهم فالمراد أن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده خلافا لهم، إلى أن قال:
وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر.
وقال بعض أهل العلم قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع) يحتمل أمرين: أحدهما أنه أراد جعل العاشر إلى التاسع.
والثاني أراد أن يضيفه إليه في الصوم فلما توفي صلى الله عليه وسلم قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين والله أعلم انتهى،
وذكر صاحب القناطر رحمه الله أن ابن عباس كان يوالي بين اليومين خشية أن يفوته.
وقيل أنه كان يقول (صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود) والله أعلم انتهى.
(
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين قالت: كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك يوم عاشوراء ومن شاء صامه ومن شاء تركه لكن في صيامه أجر عظيم).
قوله (تصومه قريش في الجاهلية) قال ابن حجر وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة وغير ذلك، إلى أن قال:
عن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال أذنبت قريش ذنبا في الجاهلية فعظم في صدورهم، فقيل لهم صوموا عاشوراء يكفر ذلك إلخ.
قوله: (وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية) قال ابن حجر أي قبل أن يهاجر إلى المدينة فقال في الوضع: (وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه قبل الإسلام).
قوله (وأمر الناس بصيامه) قال ابن حجر: أفادت تعيين الوقت الذي وقع فيه الأمر بصيام عاشوراء وهو أول قدومه المدينة، ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية، وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان فعلى هذا لم يقع الأمر بصوم عاشوراء إلا في سنة واحدة ثم فرض (2/49)
صفحة 449
الأمر في صومه إلى رأي المتطوع، إلى أن قال: ونقل عياض أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضية عاشوراء لكن انقرض القائلون لذلك.
ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه ليس الآن بفرض والإجماع على أنه مستحب.
وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم ثم القول بذلك الخبر.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن معاوية بن أبي سفيان حين قدم من مكة ورقي المنبر فقال: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لهذا اليوم يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صومه وأنا صائمه فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر لكن في صيامه ثواب وأجر كريم).
قوله (حين قدم من مكة) الرواية في البخاري (عام حج) قال ابن حجر وكأنه تأخر بمكة أو المدينة في حجته إلى يوم عاشوراء. وذكر أبو جعفر الطبري أن أول حجة حجها معاوية بعد أن استخلف كانت في سنة أربع وأربعين، وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين، والذي يظهر أن المراد في هذا الحديث الحجة الأخيرة انتهى.
قوله: (أين علماؤكم) قال ابن حجر في سياق هذه القصة إشعار بأن معاوية لم ير لهم اهتماما بصيام عاشوراء فلذلك سأل عن علمائهم أو بلغه عمن يكره صيامه أو يوجبه انتهى.
قوله (ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائمه إلخ) قال ابن حجر إلى آخره، واستدل به هو كله من كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما بينه النسائي في روايته، واستدل به أنه لم يكن فرضا قط ولا دلالة فيه لاحتمال أن يريد (ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان) وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه.
والمراد أنه لم يدخل في قوله تعالى (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) فإنه فسره بأنه شهر رمضان. ولا يناقض هذا الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخا إلخ.
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من صام في كل شهر ثلاثة أيام فكأنما صام الدهر كله) هذا الربيع ابن حبيب عن أبي أيوب الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من صام رمضان ثم أتبعه بستة أيام من شوال فكانما صام الدهر كله).قوله: (من صام من كل شهر ثلاثة أيام) يحتمل أنه المراد بها الأيام البيض ثلاثة عشر وأربعة وخمسة عشر، لعله قوله ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر وهو الظاهر لما ورد فيها من الفضل. قال ابن حجر: قيل المراد بالبيض من الليالي وهي التي يكون القمر فيها من أول الليل إلى آخره حتى قال الجواليقي (من قال الأيام البيض، فجعل البيض صفة الأيام فقد أخطأ). (2/50)
صفحة 450
وفيه نظر لأن اليوم الكامل هو النهار بليلته وليس في الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام لأن ليلها أبيض ونهارها أبيض فصح قول الأيام البيض على الوصف إلخ.
ويحتمل أن المراد ثلائة من الشهر كيف ما اتفق وهو المتبادر من ظاهر الحديث، وعند قومنا في ذلك خلاف: قال ابن حجر: وتترجح البيض بكونها وسط الشهر ووسط الشيء أعدله)، إلى أن قال:
ورجح بعضهم صيام الثلاثة من أول الشهر لأن المرء لا يدري ما يعرض له من الموانع.
وقال بعضهم يصوم من كل عشرة أيام يوما وله وجه في النظر، ونقل ذلك عن أبي الدرداء، وهو يوافق ما تقدم في رواية النسائي في حديث عبد الله بن عمر (وصم من كل عشرة أيام يوما)، إلى أن قال:
عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الآخر الثلاثاء والاربعاء والخميس، وروي موقوفا وهو الأشبه، وكان الغرض به أن يستوعب غالبا أيام الأسبوع بالصيام،
واختار ابراهيم النخعي أن يصومها آخر الشهر ليكون كفارة لما مضى، إلى أن قال:
وقال الرؤياني (صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب) فإن اتفقت أيام البيض كان أحب.
وفي كلام غير واحد من العلماء أن استحباب صيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر انتهى.
وهذا الأخير هو الذي يشعر به كلام صاحب القناطر رحمه الله حيث قال في باب فضيلة التطوع بالصيام: وأما ما يتكرر في كل شهر فأول الشهر وأوسطه وآخره والأيام البيض إلخ.
قوله (فكأنما صام الدهر كله) قال ابن حجر: في قول البخاري مثال صيام الدهر بما نصه يقتضي أن المثلية لا تستلزم التساوي من كل جهة لأن المراد بها هنا أصل التضعيف دون التضعيف الحاصل من الفعل ولكن يصدق على فاعل ذلك أنه صام الدهر مجازا انتهى. (2/51)
صفحة 451
أقول وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها كما قال صلى الله عليه وسلم لابن عمر حين بلغه أنه يقوم الليل ويصوم النهار، فسأله عن ذلك فقال له: ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار فقال: بلى. قال: فلا تفعل نم وقم وصم وأفطر فإن لنفسك عليك حقا، ولضيفك عليك حقا، وأنه عسى أن يطول بك عمر فحسبك أن تصوم من كل شهر من ثلاثة فذلك صيام الدهر، الحسنة بعشر أمثالها. قال: إني أجد قوة قال: صم من كل جمعة ثلاثة أيام إلى آخر ما أطال فيه في القناطر.
واستدل بعضهم بهذا الحديث والذي بعده أعني قوله (ثم أتبعه ستة أيام من شوال إلخ) أن صوم الدهر جائز، وأنه أفضل.
قال ابن حجر بعد ذكر الحديثين ما نصه: قالوا فدل ذلك على أن صوم الدهر أفضل مما شبه به، وأنه أمر مطلوب، وتعقب بأن التشبيه في الأمر المقدر لا يقتضي جوازه فضلا عن استحبابه، وأنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوما، ومن المعلوم أن المكلف لا يجوز له صيام جميع السنة، فلا يدل التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه.
واختلف المجيزون لصوم الدهر بالشرط المتقدم هل هو أفضل؟ أو صيام يوم وإفطار يوم إلخ؟ ومال إلى الثاني كما مال إليه صاحب القناطر رحمه الله حيث قال: فصوم داود عليه السلام هو أشد على النفس وأقوى في قهرها لأن العبد فيه بين صبر يوم وشكر يوم إلخ هنا.
قوله: (ثم أتبعه ستة أيام من شوال) ظاهر التعبير بثم يقتضي التراخي فيها، وأنه يجوز الإتيان بها في الشهر كله ويكون محصلا للسنة.
وظاهره أيضا أنه لا فرق في ذلك بين أن تكون مجتمعة أومتفرقة.
والذي عليه العمل فيما شاهدناه الإتيان بها متوالية والبدء فيها في اليوم الثاني من شوال.
وعند قومنا في ذلك خلاف في استحبابها وكراهيتها: ذهب الشافعي وابن حنبل إلى الأول، وذهب مالك في الموطأ إلى الثاني قال: خوفا من أن يلحق أهل الجهالة برمضان ما ليس منه، وروى مطرف عنه أنه كان يصومها في خاصة نفسه. ووافقه أبو يوسف على الكراهة، وهذا خطأ ظاهر لمصادمته ظاهر الحديث. (2/52)
صفحة 452
واختلف القائلون باستحباب صيامها هل يتعين لها أول الشهر بعد يوم الفطر لأجل لفظ الإتباع أو يكون في جميعه لتكبر الأيام وهو قوله ستا من شوال، والرواية عندهم على ما في الجامع وأتبعه ستا إلخ بالواو بدل ثم بحذف تاء التأنيث مع أن المعدود مذكر وهو الأيام لأنه إذا حذف المعدود جاز فيه الوجهان كما هو معلوم والله أعلم.
قوله: (فكأنما صام الدهر كله) تقدم توجيهه وهو أن الحسنة بعشر أمثالها فشهر رمضان بعشرة أشهر وستة أيام بشهرين فذلك تمام الدهر المراد به السنة. قال العلقي ولا يشكل على هذا ما قيل أنه يلزم من ذلك مساواة ثواب النفل للفرض لأنه إنما صار سنة بالتضعيف وهو مجرد فضل من الله تعالى، انتهى.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول إنه لا يفطر، ويفطرحتى نقول لا يصوم، وما رأيته استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهرأكثر صياما منه في شعبان).
قوله: (أكثر صياما) قال ابن حجر بالنصب وهوثاني مفعولي رأيت.
وقوله (في شعبان) يتعلق بصياما والمعنى: كان يصوم في شعبان وغيره، وكان صيامه في شعبان تطوعا أكثر من صيامه في غيره، انتهى.
وذكر قبل ذلك أنه سمي شعبان لتشعبهم في طلب المياه أو في الغارات بعد أن يخرج شهر رجب الحرام، وهذا أولى من الذي قبله، وقيل فيه غير ذلك، انتهى.
ثم قال بعد ذلك: واختلف في الحكمة في إكثاره صلى الله عليه وسلم من صوم شعبان. فقيل: كان يشتغل عن صيام الثلاثة الأيام من كل شهر لسفر أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان، أشار إلى ذلك ابن بطال إلخ، فروى في ذلك حديثا عن عائشة (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان). وذكر أن الراوي ضعيف ثم قال: وقيل كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان وورد فيه حديث، إلى أن قال: عن أنس قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الصوم أفضل بعد رمضان، إلى أن قال: ويعارضه ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا (أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم).
وقيل الحكمة في إكثاره من الصيام في شعبان دون غيره أن نساءه كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان، إلى أن قال: وقيل الحكمة في ذلك أنه يعقبه (2/53)
صفحة 453
رمضان وصومه مفترض وكان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصومه في شهرين غيره لما يفوته من التطوع بذلك في أيام رمضان، والأولى في ذلك ما جاء في حديث صح ما مضى، إلى أن قال: عن أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم إلخ.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبى سعيد الخدري اختلف الناس عند أم الفضل بنت الحارث وهي والدة عبد الله بن العباس، في يوم عرفة في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قائلون هوصائم، وقال آخرون ليس بصائم، قال أبو سعيد فأرسلت إليه أم الفضل بقدح وهو واقف على بعيره فشربه).
قوله: (في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال ابن حجر هذا يشعر بأن صوم يوم عرفة كان معروفا عندهم معتادا لهم في الحضر. وكان من جزم به بأنه صائم استند إلى ما ألفه من العادة، ومن جزم بأنه غير صائم دامت عنده قرينة كونه مسافرا، وقد عرف نهجه عن صوم الفرض في السفر فضلا عن النفل، انتهى.
قوله: (وهو واقف على بعيره) زاد بعض الروايات (وهو يخطب الناس بعرفة).
قوله: (فشربه) زاد بعض الرواة (والناس ينظرون) والحاصل أن صوم يوم عرفة مستحب لغير الواقف بعرفة كما هومعلوم. قال في القناطر وأما الواقف بعرفة فلا يستحب له صيام يوم عرفة لئلا يضعفه عن الوقوف لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك صومه ليتأسى بذلك أهل الموسم، كما ورد في الحديث أن ناسا تماروا عند أم الفضل إلخ، فذكر الحديث، إلى أن قال: وإنما فعل ذلك عليه السلام للرفق بالناس الذين أجهدهم السفر فخاف عليهم أن يضعفوا عن الوقوف والذكر. وأما من قوي على صيامه هناك فصيامه أفضل لما روي عن القاسم بن محمد أن عائشة تصوم يوم عرفة. قال القاسم ولقد رأيتها عشية عرفة يدفع الإمام ثم تقف حتى يبيض ما بينها وبين الناس من الأرض ثم تدعو بشراب ثم تفطر، والله أعلم. انتهى. (2/54)
صفحة 454
الباب الرابع في ما يفطر الصائم ووقت الإفطار والسحور
يفطِّربضم الياء وفتح الفاء وكسر الطاء مشددة، من فطَّر بالتشديد، يقال أفطر الصائم وفطرته أنا تفطيرا كما في الصحاح.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبى هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أصبح جنبا أصبح مفطرا)، قال الربيع عن أبي عبيدة عن عروة بن الزبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وجملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: من أصبح جنبا أصبح مفطرا ويدرءون عنه الكفارة). (2/55)
صفحة 455
قوله (من أصبح جنبا أصبح مفطرا) هذا هو مذهب أصحابنا رحمهم الله، ووافقهم على ذلك أبو هريرة وطاووس وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعى كما ذكره المصنف رحمه الله، وذهب جمهور مخالفينا إلى أن غسل الجنابة ليس شرطا في صحة الصوم، وروى في ذلك حديثا عن عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام)، واحتجوا أيضا بظاهر قوله تعالى (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود. .) الآية. قالوا: قد جعل الله التبيين غاية للمباشرة وابتغاء الفضل والأكل والشرب. قال البيضاوي: في تجويز المباشرة إلى الصبح دلالة على جواز تأخير الغسل إليه وصحة صوم المصبح جنبا. ويمكن الجواب بأن أصحابنا يجعلون التبيين غاية للأكل والشرب فقط، لقوله عليه السلام: (من أصبح جنبا أصبح مفطرا) وأنه غاية للمباشرة وابتغاء الفضل أيضا بحسب الظاهر لكن لم يستثن منهما قدر ما يوقع فيه الاغتسال لأجل الحديث أيضا والله أعلم فليحرر.
وأما الحديث الذي استدلوا به فأوله صاحب كتاب القواعد رحمه الله حيث قال: والذي قالوه في هذا الحديث يحتمل أن يكون عليه السلام ناسيا أو له عذر، والصحيح ما قاله أصحابنا لأن فيه احتياطا للصوم وهو أجمع الأمرين إلخ.
والمراد بقوله (من أصبح جنبا) أي متعمدا كما يدل عليه تأويل صاحب القواعد للحديث الذي استدل به المخالف وقولهم في المفسدات (وتضييع الغسل) لأن الناسي لا يسمى مضيعا إلا أن صاحب الإيضاح رحمه الله ذكر في النسيان قولين ورجح القول بأنه يعيد ما صام وتعلق بظاهر هذا الحديث، لكن التفريع عليه يبطل الجواب الأول الذي ذكره صاحب القواعد في تأويل الحديث الذي استدل به المخالف إلا أن يقال إنه رحمه الله لا يرى النسيان مفسدا ولذلك أجاب به وهو الظاهر لأن الناسي معذور والله أعلم. (2/56)
صفحة 456
وإن كان ولا بد من الإعادة قياسا على من نسي شرطا من شروط الصلاة فليعد ما صام وهو ناس للجنابة فقط، ويحصل الفرق حينئذ بين الناسي والمتعمد والله أعلم.
والظاهر أن هذا هو المراد بقول صاحب الإيضاح رحمه الله (فإنه يعيد ما صام) ويشهد له قوله بعد ذاك (وكذلك من نسي وجامع في رمضان فإنه يعيد ذلك اليوم كما قدمنا قياسا على ناسي الصلاة إلخ) فإن ناسي الجنابة ليس أعظم ممن جامع ناسيا والله أعلم. وأما من نام بعد الجماع على أن يقوم فلم ينتبه إلا بعد الفجر واغتسل من حينه فقال في الإيضاح: فعليه بدل ما مضى من صومه لأنه مضيع حين نام بعد الجنابة. وقال بعض يبدل يومه، وعلى هذا لأنه غير متعمد لهتك حرمة الشهر وقد نام على أنه يقوم والله أعلم، انتهى.
ووافق أصحابنا على اشتراط الغسل للصوم من المالكية عبد العزيز بن الماجشون ومحمد بن سلمة ذهبا إلى أنه إن كان عالما بجنابته لم يجزه، حكاه في الإكمال، كما حمل عليه صاحب القواعد الحديث الذي استدلوا به كما تقدم قوله (أصبح مفطرا) صريح كلامهم أنه يقضي ذلك اليوم وما قبله لأنه مضيع.
قال في القواعد: فذهب أصحابنا إلى القول بانهدام ما مضى من صومه، وذكر في الإيضاح عند الكلام على شبهة ما يقضي: أنه لا يلزمه إلا إعادة ذلك اليوم وإن صرح في الكلام على التضييع بالقضاء يعني ما مضى كما صرح به غيره حيث قال: وذلك فيما يوجبه النظر أن رمضان على ثلاثة يعني بالنظر إلى من أتى فيه مفسدا عمد وتضييع وشبهة، فأوجبوا في العمد القضاء والكفارة، وفي التضييع القضاء يعني لما مضى دون الكفارة مثل تضييع الغسل من الجنابة حين يصبح، إلى أن قال: وفي الشبهة إعادة ذلك اليوم، إلى أن قال: وكذلك كل ما اختلف العلماء فيه هل هو من المفطرات أو لا يجب أن يلحق بهذا الجنس لأنه لم يختلفوا فيه إلا وفيه من كلا الجانبين شبهة والله أعلم، انتهى.
وهذا إنما ذكره بعد الخلاف فيما يلزم من بلع ما ليس بمغذ مثل الطين والحصا وأشباه ذلك الذي جعل الشيخ اسماعيل رحمه الله اجازته من الخطأ المحض فكيف بما وقع الإجماع عليه عند المخالف أنه غير مفطر ودل له ظاهر القرآن وظاهر الحديث الذي تقدم تأويله عندنا، كما ذكره صاحب القواعد، ولأن (2/57)
صفحة 457
الحديث الذي استدللنا به على بطلان صومه لا يدل على إعادة ما مضى، وفي كتاب السير لعمنا أحمد بن سعيد الشماخي رحمه الله عن بعض المشايخ أن من ضيع الغسل في رمضان أعاد يوما رخصة وهو غير مأخوذ به، انتهى.
والحاصل أن صاحب الإيضاح رحمه الله حكى أولا ما عليه العمل عند أصحابه رحمهم الله من إعادة ما مضى ثم أداه اجتهاده رحمه الله إلى أنه يقضي ذلك اليوم فقط والله أعلم فليحرر.
(أبو عبيدة عن جابر عن أبي هريرة: أفطر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا على قدر ما يستطيع من ذلك).
وقوله (ويدرءون) أي يدفعون. وذلك لأن الكفارة فيها نوع عقوبة فتشبه الحد، وقال صلى الله عليه وسلم (ادرءوا الحدود بالشبهات) وحيث وقع فيه شبهة حصل الخلاف فيه كما قال صاحب الإيضاح: لم يختلفوا فيه إلا وفيه شبهة والله أعلم.
قوله: (فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بعتق رقبة إلخ) استدل به في الإيضاح لقول أصحابنا بالتخيير في الكفارة بين العتق والصيام والإطعام، فعلى هذا يكون معنى قوله في آخر هذا الحديث (على قدر ما يستطيع من ذلك) على قدر ما يشاء من ذلك وإلا فظاهره يدل أنها على الترتيب لكن (أو) تدفع ذلك لأنها تدل على التخيير.
وذهب بعضهم إلى أنها على الترتيب واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة قال: (جاء رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله هلكت وأهلكت. قال: ما فعلت؟ قال: أتيت أهلي في نهار رمضان. قال: هل تجد ما تعتق به رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع صيام شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تطعم به ستين مسكينا؟ قال: لا. ثم جلس فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعذق فيه تمر فقال: تصدق بها. فقال: ما بين لابتيها أحوج إليها مني. قال: فضحك عليه السلام حتى بدت نواجذه فقال: اذهب فأطعمه أهلك ولا تجتزئ أحدا غيرك).
وقوله (بعذق) هو بكسر العين وسكون الذال المعجمة الكباسة كما في الصحاح، والمراد منه الشماريخ التي تكون في رأس العرجون لأن العرجون أصل العذق الذي يعوج وتقطع منه الشماريخ ويبقى على النخل يابسا كذا في الصحاح. (2/58)
صفحة 458
وفي الإيضاح (نأتي النبي صلى الله عليه وسلم بتمر من عنده إلخ) وفي بعض الكتب ما نصه (بعذق تمر) وهو مكيال لأهل الحجاز يسع خمسة عشر أو ستة عشر صاعا، انتهى.
وفي بعض نسخ القواعد (بعرق) أعني بالراء. وفي بعض الكتب ما نصه (بعرق) هو للجمهور بفتح العين والراء، ويروى بإسكان الراء، والصواب بالفتح، والعرق الزبيل بفتح الزاي دون نون، ويقال الزنبيل بكسر الزاء ونون زائدة، ويقال له القفة والمكيل بكسر الميم وفتح الياء، ويسمى زبيلا لحمل الزبيل فيه، وسمي عرق لأنه جمع عرقة وهي الضفيرة الواسعة من الخوص، انتهى.
وقوله (لابتيها) تثنية لابة وهي الحرة والمراد بها الأرض التي ألبستها حجارة سود، فللمدينة لابتان وهما حرتان بمكتنفاتها.
وقوله (نواجذه) جمع ناجذ بالذال المعجمة وهو آخر الأضراس، ويسمى ضرس الحلم لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل، فللإنسان أربع نواجذ.
وإنما تكلمت على هذا الحديث لأنه مذكور في الإيضاح والقواعد فأردت بيان معناه للاحتياج إليه والله أعلم.
ولم يتعرض في الحديثين اللذين ذكرت فيهما الكفارة للقضاء مع وجوبه كالكفارة ولعله للعلم به والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء).
قوله (الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء) وقد تقدم الكلام عليها في باب ما يجب منه الوضوء وهي بكسر الغين والمراد بها غيبة المسلم، وظاهر اقتصار المصنف رحمه الله على الغيبة يقتضي أنه لم يرد الحديث إلا فيها.
وكلام القواعد صريح في أنه ورد الحديث في الغيبة والنميمة حيث قال وذهب أصحابنا إلى أن الغيبة المحرمة والنميمة والكذب وأيمان الفجور والنظر إلى الفروج المحرمة، أن ذلك كله يفسد الصوم وينقض الوضوء لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغيبة والنميمة وسائر الكبائر قياسا عليهما إلخ.
وظاهر كلامه رحمه الله أنه لم يرد الحديث إلا في الغيبة والنميمة.
وظاهركلام الإيضاح أنه ورد في النميمة والكذب. (2/59)
صفحة 459
وكلام القناطر صريح في أن الحديث ورد في خمسة أشياء حيث قال بعد ذكر أمور، يجب الإمساك عنها لما روي عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (خمس تفطر الصائم الغيبة والنميمة والكذب والأيمان الكاذبة والنظر شهوة).
وفي حديث الربيع بن حبيب بإسناده إلى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (خمس تفطر الصائم وتنقض الوضوء)، وفي الأثر أن الخصال الخمس المتقدمة في الحديث يفطرن الصائم، وينقضن الوضوء، ويهدمن الأعمال هدما إلخ.
ولكن قوله في القواعد (وذهب أصحابنا إلى أن الغيبة المحرمة إلخ) لعل المراد الجمهور منهم وإلا فكلام الإيضاح صريح في وجود الخلاف بينهم حيث قال: واختلف أصحابنا في الكذب المتعمد عليه: قال بعضهم لا ينقض الصوم.
وقال بعض ينقض، والدليل على أنه ينقض ما روي من طريق أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (النميمة والكذب ينقضان الوضوء وينقضان الصوم)، إلى أن قال:
وكذلك جميع الكبائر كبائر النفاق على هذا الحال قياسا على الكذب والنميمة.
وأما من لم ير النقض بالكذب المتعمد عليه فلعله لم يبلغه هذا الحديث والله أعلم انتهى.
ثم قياس سائر الكبائر على ما ورد في الحديث يقتضي أنه لا فرق بين كبائر الفعل كما مثل وكبائر الترك كترك الصلاة ويشهد له ظاهر قوله عليه السلام (لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له ولا صلاة ولا وضوء لمن لا صوم له، ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله فإن ترك الصلاة من جملة محارم الله) اللهم إلا أن يراد بالمحارم التي يكون عدم الكف عنها مبطلا للصوم والكبائر التي يكون للجوارح فيها كسب، فيكون تارك الصلاة مثلا صومه صحيح إلا أنه لا يثاب عليه والله أعلم،
وإذا حمل على الظاهر يكون صوم كثير من الناس باطلا والله أعلم فليحرر.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال سألت عائشة هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، قالت: يصنع بنا ذلك وهو يضحك).
قوله قالت: (كان يصنع بنا ذلك وهو يضحك) الرواية في البخاري (قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقبل بعض أزواجه وهو صائم فضحكت). (2/60)
صفحة 460
ثم إنهم اختلفوا في سبب ضحكها.
قال ابن حجر قيل يحتمل ضحكها التعجب ممن خالف في هذا، وقيل تعجبت من نفسها إذ تحدث بمثل هذا مما يستحى من ذكر النساء مثله لرجال ولكن ألجأتها الضرورة في تبليغ العلم إلى مثل ذلك.
وقد يكون الضحك خجلا لإخبارها عن نفسها بذلك، أو تنبيها على أنها صاحبة القصة ليكون أبلغ في الثقة بها، أو سرورا بمكانها من النبي صلى الله عليه وسلم وبمنزلتها منه ومحبته بها إلى آخره.
قال في القواعد واختلفوا في القبلة للصائم فأجازها بعضهم إلخ، واستدل لهم بحديث عائشة وأرادوا الجواز من غير كراهة بدليل قوله (وكرهها آخرون) لما تدعو إليه من الوقاع.
وأجازها آخرون للشيخ وكرهها للشباب وهو مروي عن ابن عباس، وشذ قوم وقالوا إنها تفطر إلخ،
والمختار أنها مكروهة.
قال في الإيضاح والنظر عندي يوجب أنها مكروهة لأنها من دواعي الجماع إلخ.
وقال في القناطر ولا يفطر بقبلة زوجته ولا بمضاجعتها ما لم ينزل المني دون المذي والوذي لكن يكره إلا أن يكون شيخا كبيرا أو مالكا لأربه فلا بأس بالتقبيل، وتركه أحوط وأحسن، إذا كان يخاف الإنزال بالتقبيل ثم قيل فسبقه المني أفطر لأنه متعرض له إلخ.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا سمعتم بلالا فكلوا وإذا سمعتم ابن أم مكتوم فكفوا يعني في رمضان).
قوله (إذا سمعتم بلالا فكلوا وإذا سمعتم ابن أم مكتوم فكفوا) لفظه في البخاري عن عائشة (أن بلالا كان يؤذن بليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) قال القاسم ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا.
ولفظه في القواعد (فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه رجل اعمى لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت. (2/61)
صفحة 461
ولفظه في الإيضاح (ان بلالا لا يؤذن بليل فكلوا إلى أن تسمعوا أذان ابن أم مكتوم) والمراد من هذا الحديث التنبيه على تأخير السحور، وأنه لا يحرم الأكل والشرب حتى يطلع الفجر وهذا هو المذهب،
ولكن اختلفوا كما قال في الإيضاح في الحد المحرم للدلائل.
قال بعضهم ـ أعني بعض العلماء ـ طلوع الفجر نفسه، وقال بعضهم هو تبينه عند الناظر إليه ومن لم يتبين له فالأكل مباح له.
قال وفائدة الفرق أن من انكشف بعد ما أكل أنه أكل بعدما أصبح قال بعضهم عليه قضاء يومه، وقال آخرون ليس عليه القضاء، إلى أن قال: والقول الأول أصح عندي وهو قول الجمهور إلى أن قال أيضا: وقول الجمهور أصح إذ القياس يعضده وهو قياس الطلوع على الغروب وعلى سائر حدود الأوقات الشرعية كالزوال وغيره فإن الاعتبار في جميعها هو التبين نفسه لا العلم المتعلق به إلخ.
ومثله كلام القواعد في حكاية القولين في الحد المحرم للأكل إلا أنه أضاف القول الثاني إلى الجمهور حيث قال: ومن قال الحد هو العلم الحاصل له لم يوجب عليه قضاء وهو قول جمهور العلماء، إلى أن قال: وسبب الخلاف هو الاحتمال الواقع في قوله تعالى (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض) الآية فإضافة التبيين إلينا هو الذي أوقع الخلاف لأنه قد يتبين في نفسه ولم يتبين لنا، فظاهر اللفظ يوجب تعلق الإمساك بالعلم، والقياس يوجب تعلقه بالطلوع نفسه أعني قياسا على الغروب وسائر الأوقات الشرعية إلى آخره،
وظاهركلام الإيضاح بل صريحه يدل على أن في المسألة قولا ثالثا مقابلا للقولين السابقين حيث قال بعد ذكرهما وما يتعلق بهما وأطال في ذلك ما نصه: وأما من أوجب الإمساك قبل طلوع الفجر فلعله جرى على الاحتياط.
وقد اختلفت الرواية في ذلك عن ابن عباس قال للسائل له عن الوقت المحرم فيه الأكل على الصائم فقال له (كل حتى تشك) وروي أنه قال لآخر (كل حتى لا تشك) والله أعلم انتهى.
واستدل في القواعد لهذا القول بحديث الباب ثم قال وهو أقيس والأول أورع والله أعلم. (2/62)
صفحة 462
قوله (يعني في رمضان) لعل التقييد به نظر إلى أن الحديث ورد في رمضان، وإلا فكل صائم يجب عليه الإمساك، إذا طلع الفجر كما هو معلوم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تزال أمتى بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور).
قوله (لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور، لفظ الحديث في القواعد (لا تزال أمتي بخير ما لم ينتظروا بالمغرب اشتباك النجوم ولا يزال الدين ظاهرا ماعجلوا الإفطار) فإن اليهود والنصارى كانوا يؤخرون.
ولفظه في البخاري (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر).
وذكر ابن حجر فيه روايات منها (لا تزال أمتى على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم)، إلى أن قال: قال المهلب الحكمة في ذلك أن لا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة.
واتفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عدلين وكذا عدل واحد في الأرجح.
قال ابن دقيق العيد في هذا الحديث رد على الشيعة في تأخيرهم الفطر إلى ظهور النجوم ولعل هذا هو السبب في وجود الخبر بتعجيل الفطر، لأن الذي يؤخره يدخل في فعل خلاف السنة، وما تقدم من الزيادة عند أبي داود أولى بأن يكون سبب هذا الحديث، فإن الشيعة لم يكونوا موجودين عند تحديثه صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة لأن اليهود عرفوا بذلك إلخ.
والمراد بالزيادة عند أبي داود قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبى هريرة (لأن اليهود والنصارى يؤخرون) يعني إلى ظهور النجوم، قال في القواعد وأجمع العلماء على أن من سنن رمضان تعجيل الفطور وتأخير السحور واستدل لذلك بالحديث المتقدم وغيره، إلى أن قال: (تسحروا فإن في السحور البركة)، وقال (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتهاب أكلة السحور إلخ)،
وقال في القناطر فيما يتعلق بالإفطار: وينبغي أن يكون بالتمر أو الماء قبل الصلاة، ثم ذكر في صوم الأتقياء أن تمامه في ستة أمور فذكرها، إلى أن قال: الخامس أن لا يستكثر من أكل الحلال وقت الإفطارحتى يمتلئ فما من وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن مليء من حلال، وكيف يستفاد من الصوم قهر (2/63)
صفحة 463
الشيطان وكسره الشهوة إذا تدارك الصائم عند إفطاره ما فاته ضحوة نهاره، إلى أن قال: ومعلوم أن مقصود الصوم الخوى وكسر الهوى لتقوى النفس على التقوى، وإذا دبغت المعدة ضحوة النهار إلى العشاء حتى هاجت شهوتها، وقويت رغبتها ثم أطعمت من اللذات، وأشبعت زادت لذتها وتضاعفت قوتها وانبعثت من الشهوات ما عسى أن تكون ساكنة على حالها لو تركت على عادتها، فروح الصوم تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في قود الإنسان إلى الشرور، ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لولم يصم، فأما إذا جمع ما يأكله ضحوة إلى ما كان يأكل ليلا فإنه لا ينتفع بصومه، بل من الأدب أن لا يكثر النوم بالنهارحتى يحس الجوع والعطش، ويستشعر ضعف القوى فيصفو عند ذلك قلبه إلخ.
قوله (ما عجلوا الفطور) قال ابن حجر ما ظرفية أي مدة فعلهم ذلك امتثالا للسنة واقفين عند حدها، إلى أن قال: تنبيه من البدع المنكرة ما أحدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام زعما ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة ولا يعلم ذلك الا آحاد الناس، وقد جرهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت، زعموا فأخروا الفطور وعجلوا السحور فخالفوا السنة، فلذلك قل عنهم إلخير، وكثر فيهم الشر والله المستعان انتهى. (2/64)
صفحة 464
الباب الخامس في ليلة القدر
قال ابن حجر: "واختُلِف في المراد بالقدر الذي أضيفت إليه الليلة، فقيل المراد به التعظيم لقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 90]، والمعنى أنها ذات قدر لنزول القرآن فيها، ولما يقع فيها من نزول الملائكة، ولما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، وأن الذي يحييها يصير ذا قدر، وقيل القدر هنا التضييق، كقوله تعالى: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق:07]، ومعنى التضييق فيها، إخفاؤها عن العلم بتعيينها، ولأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة. (2/65)
صفحة 465
وقيل: "القدْر هنا بمعنى القدَر" (بفتح الدال) الذي هو مؤاخي القضاء، والمعنى: أنه يقدّر فيها أحكام تلك السنة، لقوله: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرحَكِيمٍ} [الدخان:04]، وبه صدّر النووي كلامه فقال: "قال العلماء سميت ليلة القدر لما تكتب فيها الملائكة من الأقدار" لقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}، رواه عبد الرازق وغيره من المفسرين بأسانيد صحيحة عن مجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم، وقال التوريشتي: "إنما جاء القدْر (بسكون الدال)، وأن الشائع في القدَر الذي هو مؤاخي القضاء (فتح الدال)، ليعلم أنه لم يرد به ذلك، وإنما أريد به تفضيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة، لتحصيل ما يلقى إليهم فيها مقدارا بمقدار"، انتهى.
قوله: «أريت هذه الليلة حتى تلاحى رجلان ... إلخ» لفظه في البخاري: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فَرُفِعَت، وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة"، انتهى.
فقوله: «أُرِيتُ»، (بضم أوله، وكسر ثانيه على البناء لغير مُعَيَّن)، وهو من الرؤيا، أي علمت بها، أو من الرؤية، أي أبصرتها، وإنما أراد علامتها وهو السجود في الماء والطين، قاله ابن حجر في الحديث الذي بعد هذا، فإن لفظه عندهم: "إني أريت ليلة القدر"، بدل رواية المصنف: "وقد رأيت هذه الليلة"، كما سيأتي.
قوله: «حتى تلاحى»، لفظه في البخاري: "فتلاحى" (بالفاء بدل حتى)، قال ابن حجر: " (بالمهملة)، أي وقعت بينهما ملاحاة، وهي المخاصمة والمنازعة والمشاتمة، والاسم اللِّحاء (بالكسر والمد ... إلخ). فذكر رواية أخرى: فجاء رجلان يختصمان معهما الشيطان، وذكر في رواية أخرى زيادة وهي: أنه لقِيَهما عند سَدَّةِ المسجد، فحجزَ بينهما".
قوله: «رجلان»،قال ابن حجر: "قيل هما عبد الله بن أبي حَدْرَد وكعب بن مالك"، ذكره ابن دحية ولم يذكر له مستندا، انتهى. (2/66)
صفحة 466
قوله: «فرفعت»، قال ابن حجر: "أي من قلبي فنسيت تعيينها للاشتغال بالمتخاصمين، وقيل فرفعت بركتها في تلك السنة، وقيل التاء في رفعت للملائكة، لا لليلة القدر، وقال الطيبي: "قال بعضهم رفعت، أي معرفتها، والحامل له على ذلك أن رفعها مسبوق بوقوعها، فإذا وقعت لم يكن لرفعها معنى"، قال: ويمكن أن يقال المراد برفعها، أنها شرعت أن تقع، فلما تخاصما رفعت، فنزل الشروع منزلة الوقوع، وإذا تقرر أن الذي ارتفع علم تعيينها تلك السنة، فهل أُعلِم النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بتعيينها؟ فيه احتمال، وقد تقدم قول ابن عيينة في أول الكلام على ليلة القدرأنه أُعلِم ... إلخ، وذلك أنه قال في البخاري: "قال ابن عيينة: ما كان في القرآن: {وَمَآ أَدْرَاكَ}، فقد أعلمه وما قال: {وَمَا يُدْرِيكَ}، فانه لم يعلم"، قال ابن حجر: "ومقصود ابن عيينة، أنه صلى الله عليه وسلم كان يعرف تعيين ليلة القدر"، وقد تعقب هذا الحصر، بقوله: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} [عبس:03]، فإنها نزلت في ابن أم مكتوم، وقد علم عليه السلام بحاله، وأنه ممن تزكى ونفعته الذكرى، انتهى. قال هنا: "وروى محمد بن نصر من طريق واهب المعافري، أنه سأل زينب بنت أم سلمة: هل كان صلى الله عليه وسلم يعلم ليلة القدر؟ فقالت: لا، لو علمها لما قام الناس غيرها"، انتهى. قال ابن حجر: وهذا قالته احتمالا وليس بلازم، لاحتمال أن يكون التعبد وقع بذلك أيضا، ليحصل الاجتهاد في جميع العشر كما تقدم. واستنبط السبكي الكبير في الحلبيات من هذه القصة، استحباب كتمان ليلة القدر لمن رآها، قال: وجه الدلالة، أن الله قدر لنبيه أنه لم يخبر بها، والخير كله فيما قدره له، فيستحب اتباعه في ذلك، إلى أن قال: والحكمة فيه أنها كرامة، والكرامة ينبغي كتمانها، بلا خلاف بين أهل الطريق من جهة رؤية النفس، فلا يأمن السلب، ومن جهة أخرى أن لا يأمن من الرياء، (2/67)
صفحة 467
ومن جهة الأدب فلا يتشاغل عن الشكر لله بالنظر إليها وذكرها للناس، ومن جهة أنه لا يأمن الحسد فيوقع غيره في المحذور، ويستأنس له بقول يعقوب عليه السلام: {قَالَ يَابُنَيِّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ} [يوسف:05] "، انتهى.
قوله: «فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» قال ابن حجر: "يحتمل أن يريد بالتاسعة، تاسع ليلة من العشر الأخير، فيكون ليلة تسعة وعشرين، ويحتمل أن يريد بها تاسع ليلة تبقى من الشهر، فتكون ليلة إحدى أو اثنتين حسب تمام الشهر ونقصانه، ويرجِّح الأوَّلَ قولُه في رواية إسماعيل بن جعفر عن حميد الماضية في كتاب الإيمان بلفظ: "التمسوها في التسع والسبع والخمس"، أي في تسع وعشرين وسبع وعشرين وخمس وعشرين وفي رواية لأحمد في تاسعة تبقى، والله أعلم"، انتهى. وتمام هذه الرواية في البخاري: "في سابقة تبقى في خامسة تبقى".
قوله: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الوسط من رمضان ... إلخ»، لفظه في البخاري في بعض الروايات عن أبي سلمة قال: "سألت أبا سعيد ـ وكان لي صديقا ـ فقال: اعتكفنا مع النبي صلى الله عليه وسلم العشر الوسط من رمضان، فخرج صبيحة عشرين فخطبنا وقال: إني رأيت ليلة القدر ثم أُنْسيتُها أو نَسَيْتُها فالتمسوها في العشر الأواخر في الوِتر، وإني رأيت أني أسجد في ماء وطين، فمن كان اعتكف مع رسول صلى الله عليه وسلم فليَرْجِع، فرجعنا وما نرى في السماء قزعة, أي قطعة من سحاب رقيقة، فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد، وكان من جريد النخل، وأقيمت الصلاة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء والطين، حتى رأيت أثر الطين في جبهته".
قوله: «في العشر الوسط»، في البخاري: "الأوسط"، قال ابن حجر: "هكذا وقع في أكثر الروايات، والمراد بالعشر الليالي، وكان من حقها أن توصف بلفظ التأنيث، لكن وُصِفت بالمذكر على إرادة الوقت والزمان، والتقدير الثلث، كأنه قال الليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر". (2/68)
صفحة 468
ووقع في الموطأ: "العشر الوُسُط"، (بضم الواو والسين) جمع وسطى، ويروى (بفتح السين)، مثل كُبُر وكبرى، ورواه الباجي في الموطأ، بإسكانها على أنه جمع واسط، كبازل وبُزْل ... إلخ، فذكر روايات متعددة، إلى أن ذكر في بعضها أنه اعتكف العشر الأول، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم اعتكف العشر الأواخر، وزاد في بعض الروايات أن جبريل أتاه في المرتين فقال له إن الذي تطلب أمامك ... إلخ، ورواية المصنف رحمه الله تحتمل الأوجه الثلاثة التي ضبطت بها رواية الموطأ والله أعلم.
قوله: «حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من اعتكافه غدوتها»، هذه الرواية كرواية مالك على ما ذكره ابن حجر ولفظها: "حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه"، قال ابن حجر: "وظاهره يخالف رواية الباب، يعنى رواية البخاري، فإن لفظها: فخرج صبيحة عشرين فخطبنا ... إلخ"، قال في حديث مالك: "ومقتضاه أن خطبته وقعت في أول اليوم الحادي والعشرين، وعلى هذا يكون أول ليالي اعتكافه الأخير ليلة اثنين وعشرين"، وهو مغاير لقوله في آخر الحديث: "فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى جبهته أثر الماء والطين، من صبيحة إحدى وعشرين"، فإنه ظاهر في أن الخطبة كانت في صبح اليوم العشرين، ووقوع المطر كان في ليلة إحدى وعشرين، وهو الموافق لبقية الطرق، وعلى هذا فكان قوله في رواية مالك المذكورة، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها، أي من الصبح الذي قبلها، ويكون في إضافة الصبح إليها تجوز، وقد أطال ابن دحية من تقرير أن الليلة تضاف لليوم الذي قبلها، ورد على من منع ذلك، ولكن لم يوافق على ذلك، فقال ابن حزم، إلى أن قال: ورواية مالك مشكلة، وأشار إلى تأويلها بنحو ما ذكرته، ويؤيده أن في رواية الباب الذي يليه "فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه"، وهذا في غاية الإيضاح ... إلخ، يعني أنه كان حين (2/69)
صفحة 469
يعتكف في العشر الأواسط، يخرج من اعتكافه من اليوم العاشر، وهو اليوم العشرون كما هو معلوم، قال ابن حجر: "وقد وجه شيخنا الإمام البلقيني رواية الباب، أن معنى قوله: "حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين"، أي حتى إذا كان المستقبل من الليالي، ليلة إحدى وعشرين".
وقوله:"وهي الليلة التي يخرج"، الضمير يعود على الليلة الماضية، ويؤيد هذا قوله: "من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر"، لأنه لم يتم ذلك إلا بإدخال الليلة الأولى، انتهى. والظاهر أن التأويل الذي وقع في رواية مالك لا بد منه في رواية المصنف رحمه الله، لأجل قوله: "من اعتكف معي فليعتكف في العشر الأواخر"، فإنه لابد من إدخال ليلة الحادي والعشرين، كما قال البلقينى، وإن كان بعيدا من ظاهر اللفظ، والله أعلم.
قوله: «ولقد رأيت هذه الليلة»، قد تقدم الكلام عليها في: "أُرِيتُ هذه الليلة"، وأنه يحتمل أن تكون علمية وأن تكون بصرية، وأن المراد أبصر علامتها، وهو السجود في الماء والطين، حتى رأى أثر ذلك في جبهته كما تقدم، وعلى كل تقدير فقوله: "هذه الليلة"، ليس بظرف، وإنما هو مفعول به، كما يدل عليه قوله: "ثم أُنسيتُها".
قوله: "ثم نسيتها"، في البخاري: " ثم أُنسيتُها أو نسيتها"، قال ابن حجر: "شكٌّ من الراوي، إلى أن قال: والمراد أنه أُنْسِيَ تعيينَها في تلك السنة، ثم ذكر بعد ذلك أن سبب النسيان هو ملاحاة الرجلين، كما يدل عليها الحديث الأول"، وذكر حديثا آخر، أن سبب ذلك إيقاظ أهله حيث قال فيه: "أُريت ليلة القدر، ثم أيقظني أهلي، فنسيتها"، وهذا سبب آخر، فإما أن يحمل على التعدد، إلى أن قال: ويحتمل أن يكون المعنى أيقظني بعض أهلي فسمعت تلاحي الرجلين، فقمت لأحجز بينهما فنسيتها للاشتغال بهما. (2/70)
صفحة 470
وقد روى عبد الرازق من مرسل سعيد بن المسيب: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بليلة القدر؟ قالوا بلى، فسكت ساعة، ثم قال: لقد قلت لكم وأنا أعلمها، ثم أُنسيتُها"، فلم يذكر سبب النسيان، وهو مما يقوّي الحمل على التعدد، انتهى.
قوله: «فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر»، ذكر ابن حجر: أن الذي يدل عليه مجموع الأحاديث الواردة فيها أنها منحصرة في رمضان، ثم في العشر الأخيرة منه، ثم في أوتاره، لا في ليلة منه بعينها، وذكر أيضا أن لها علامات، أكثرها لا يظهر إلا بعد أن تمضي: منها أن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها، وفي رواية مثل الطَّست، وفي رواية: "وإنها صافية"، وفي رواية: "وإنها طلقة لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة"، وفي رواية: "أنها صافية بلجة كأن فيها قمرا ساطعا، ساكنة صاحية، لا حر فيها ولا برد، يحل لكوكب يرمي به فيها"، وأن من أماراتها أن الشمس في صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع، مثل القمر ليلة البدر لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ، وفي رواية: "أن الشمس تطلع كل يوم بين قرني الشيطان إلا صبيحة ليلة القدر"، وفي رواية: "ليلة القدر ليلة مطر وريح"، وفي رواية: "هي طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة، تتضح كواكبها، ولا يخرج شيطانها، حتى يمضي فجرها"، وفي رواية: "أن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى"، وفي رواية: "لا يُرسَل فيها شيطان ولا يحدث فيها داء"، وفي رواية: "يقبل الله التوبة فيها من كل تائب، ويفتح فيها أبواب السماء وهي من غروب الشمس إلى طلوعها"، ذكر الطبري عن قوم: أن الأشجار في تلك الليلة تسقط إلى الأرض، ثم تعود إلى منابتها، وأن كل شيء يسجد فيها، وفي رواية: "أن المياه المالحة تعذب تلك الليلة"، انتهى باختصار. (2/71)
صفحة 471
وقد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافا كثيرا، فتحصل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولا، كما وقع لنا نظير ذلك في ساعة يوم الجمعة، وذكرها إلى آخرها بأدلتها، ثم قال: وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل كما يفهم من أحاديث الباب، وأرجاها أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين على ما في حديث أبي سعيد وعبد الله بن أنيس، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين، وقد تقدمت أدلة ذلك ... إلخ، فساق منها شيئا كثيرا، إلى أن قال:
وزعم ابن قدامة أن ابن عباس استنبط ذلك من عدد كلمات السورة، وقد وافق أن قوله فيها ـ في آي السورة ـ هي سابع كلمة بعد العشرين، وهذا نقله ابن حزم عن بعض المالكية، وبالغ في إنكاره، ونقله ابن عطية في تفسيره وقال إنه من ملح التفاسير وليس من متين العلم، واستنبط بعضهم ذلك من جهة أخرى، فقال: ليلة القدر تسعة أحرف، وقد أعيدت في السورة ثلاث مرات، وذاك سبع وعشرون، قال صاحب الكافي من الحنفية وكذا المحيط: "من قال لزوجته أنت طالق ليلة القدر، طلقت ليلة سبع وعشرين، لأن العامة تعتقد أنها ليلة القدر" انتهى.
وقال في محل آخر: "واختلفوا هل لها علامة تظهر لمن وقعت له أم لا؟ فقيل: يُرى كل شيء ساجدا، وقيل: الأنوار في كل مكان ساطعة، حتى في المواضع المظلمة، وقيل: يَسمع سلاما أو خطابا من الملائكة، وقيل: علامتها استجابة دعاء من وقعت له، واختار الطبري أن جميع ذلك غير لازم، وأنه لا يشترط لحصولها رؤية شيء ولا سماعه"، واختلفوا أيضا هل يحصل الثواب المرتب عليها لمن اتفق له أنه قامها، وإن لم يظهر له شيء؟ أو يتوقف ذلك على كشفها له؟ (2/72)
صفحة 472
وإلى الأول ذهب الطبري والمهلب وابن العربي وجماعة، وإلى الثاني ذهب الأكثر إلى آخر ما أطال فيه، ثم قال: وفي هذه الأحاديث رد على أبي الحسن الجزلي المقري، أنه اعتبر ليلة القدر فلم تفته طول عمره وأنها تكون دائما ليلة الأحد، فإن كان أول الشهر ليلة الأحد كانت له تسع عشر وهلم جرا، ولزم من ذلك أن تكون في ليلتين من العشر الوسط، لضرورة أن أوتار العشر خمسة، وعارضه بعض من تأخر عنه فقال: إنها تكون دائما ليلة الجمعة وذكر نحو قول أبي الحسن، وكلاهما لا أصل له بل هو مخالف لإجماع الصحابة في عهد عمر كما تقدم، وهذا كاف في الرد، وبالله التوفيق، انتهى. (2/73)
صفحة 473
الباب السادس في النهي عن صيام العيدين ويوم الشك
أما النّهي عن صيام العيدين فهو محمول على التحريم بالإجماع، وأما عن صيام يوم الشك فعلى الراجح. (2/74)
صفحة 474
وظاهر الحديث الآتي يدل على استوائهما في التحريم، حيث قال: "من صامهما فقد قارف إثما"، ولم يتعرض للنهي عن صيام أيام التشريق، لأنه لم يبلغ درجة النهي عن صيام هذه الثلاثة، وقد تعرض لذلك في القواعد والإيضاح.
قوله: «لا تصوموا حتى تروا الهلال»، قال ابن حجر: "ظاهره إيجاب الصوم حين الرؤية، متى وجدت ليلا أونهارا، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وبعض العلماء فرّق بين ما قبل الزوال وبعده، وخالف الشيعة الإجماع، فأوجبوه مطلقا ... إلخ"، والمذهب عندنا هو القول الأول على ما نص عليه في القواعد، حيث قال: "ذهب أصحابنا وبعض فقهاء الأمصار إلى أنه في أي وقت رُئِي من النهار فإنه من الليلة المستقبلة، روي ذلك عن الشافعي وأبي حنيفة ومالك ابن أنس وغيرهم، وذهب آخرون إلى أنه إن رئي قبل الزوال فهو من الليلة الماضية، وإن رئي بعد الزوال فهو من الليلة المقبلة ... إلخ"، وذكر في الإيضاح أن هذا هو المذهب حيث قال: "واختلفوا إذا رئي في سائر أوقات النهار، قال بعضهم: إذا رئي قبل الزوال خلف الشمس فهو من الليلة الماضية، وإن رئي بعد الزوال فهو من الليلة المقبلة، والدليل على هذا القول القياس والتجربة، لأن القمر لا يرى والشمس بعد لم تغب إلا وهو بعيد عنها، لأنه حينئذ يكون أكثر من قوس الرؤية، وقال بعض المخالفين: إن القمر في أي وقت رئي من النهار فإنه من اليوم المستقبل، كحكم رؤيته بالعشي، إلى أن قال: والقول الأول أصح، وهو قول أصحابنا، والله أعلم "،انتهى، فقد اختلف نقل الشيخين رحمهما الله في القول المنسوب لأصحابنا رحمهم الله كما ترى، ونقْلُ صاحب الإيضاح أظهر، لكونه أحوط والله أعلم.
قال ابن حجر: "وليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في حق كل أحد، بل المراد بذلك رؤية بعضهم، وهو من يثبت به ذلك، إما واحد على رأي الجمهور، أو اثنان على رأي آخرين"، (2/75)
صفحة 475
ووافق الحنفية على الأول، إلا أنهم خصوا ذلك بما إذا كان في السماء علة من غيم أو غيره كالغبار، وإلا متى كان صحواً لم يقبل إلا من جمعٍ كثير يقع العلم بخبرهم ... إلخ، والذي عليه أصحابنا كما ذكره في القواعد: "أنه يصام بأمين واحد وبأمينين وبأمين وامرأتين أمينتين وبثلاثة نفر من أهل الجملة؛ إذا لم يسترابوا وبالشهرة التي لا تدفع"، قال في الإيضاح: "ومن الرّيبة قولهم إذا قالوا رأوه وهم بين الناس في ليلة شديدة الغمام، أو كانوا في موضع استتر عن مواضع الأهلة، أو كانوا في حبس، أو من جر إلى نفسه منفعة مثل من له دَيْن معلّق إلى رؤ ية الهلال، وكذلك المرأة التي تعتدُّ بالشهور، وبالجملة إن جميع من جر إلى نفسه منفعة أودفع عنها مضرة لم تجز شهادته أمينا كان أو غير أمين ... إلخ".
قوله: «لا تفطروا حتى تروه»، وذلك بأن يراه الإنسان بنفسه، أو يشهد عنده رجلان أمينان، أو رجل أمين وامرأتان أمينتان، أو يشتهر شهرة لا تدفع، لأنه إذا بلغ الخبر مبلغ التواترلم يحتج فيه إلى الشهادة، لأنه يوجب العلم والعمل معا كما في الإيضاح.
قوله: «فإن غُمِيَ عليكم»، هكذا في بعض النسخ (بغين معجمة فميم فياء)، والمذكور في الإيضاح والقواعد والوضع إنما هو غم (بغين وميم مشددة)، وكذلك في البخاري في هذا الحديث ولم يذكر في الصحاح غيره، حيث قال: "وغُمّ عليه الخبر على ما لم يسم فاعله إذا استعجم مثل أغمي، وقال أيضا غُمَّ الهلال على الناس إذا ستره غيم أو غيره فلم ير، ويقال صمنا للغُمَّى، وحكى ابن السكيت عن الفراء: صمنا الغمى، والغمى (بالفتح والضم) جميعا، إلى أن قال: وصمنا للغماء على فعلاء، (بالفتح والمد) ... إلخ"، لكن في كلام ابن حجر ما يدل على هذه اللغة التى ذكرها المصنف حيث قال: قوله: "فإن غم عليكم" (بضم المعجمة وتشديد الميم)، أي حال بينكم وبينه غيم، يقال غممت الشيء إذا غطيته، إلى أن قال: من طريق الكشهميني أغمي. (2/76)
صفحة 476
ومن رواية السرخسي: غبى (بفتح الغين وتخفيف الموحدة)، وأغمى وغم وغمى (بتشديد الميم وتخفيفها) فهو مغموم الكل بمعنى، وأما: غبي، فمأخوذ من الغباوة وهي عدم الفطنة، وهي استعارة لخفاء الهلال، ونقل ابن العربي أنه روي عمى (بالعين المهملة) من العمى وهو بمعناه، لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات، أو ذهاب البصيرة عن المعقولات، انتهى.
قوله: «فأَقْدِرُوا له» من قدَر (بفتح الدال مخففة فهمزة) الأمر منه وصلية، ويجوز في الدال الضم والكسر، قال في الصحاح: وقدرت الشيء أقدره وأقدره قدرا من التقدير، وفي الحديث: "إذا غم عليكم الهلال فاقدروا له"، أي أتموا ثلاثين ... إلخ، قال ابن حجر عند الكلام على قول:"لا تصوموا حتى تروا الهلال" ما نصه: وهوظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها، ولو وقع الاقتصار على الجملة الأولى لكفى ذلك لمن تمسك به، إلى أن قال: في قوله:"فإن غم عليكم فاقدروا له" ما نصه: فاحتمل أن يكون المراد التفرقة بين حكم الصحو والغيم فيكون التعليق على الرؤية متعلقا بالصحو، وأما الغيم فله حكم آخر، ويحتمل أن لا تفرقة ويكون الثاني مؤكِّداً للأول، وإلى الأول ذهب أكثر الحنابلة، وإلى الثاني ذهب الجمهور فقالوا: المراد بقوله "فاقدروا له" أي أفطروا في أول الشهر واحسبوا تمام ثلاثين، ويرجح هذا التأويل الروايات الأخرى المصرَّحة بالمراد وهي ما تقدم من "فأكملوا العدة ثلاثين" ونحوها، وأولى ما فسر الحديث بالحديث ... إلخ، والمراد بما ذهب إليه أكثر الحنابلة وجوب الصوم في يوم الغيم. قال ابن حجر نقلا عن ابن الجوزي في التحقيق لأحمد في هذه المسألة وهي ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر أو غبرة ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال، أحدها: يجب صومه على أنه من رمضان، (2/77)
صفحة 477
وثانيها: لا يجوز فرضا ولا نفلا مطلقا، بل قضاء وكفارة، نذرا ونفلا يوافق عادة، وبه قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: "لا يجوز عن فرض رمضان، ويجوز عما سوى ذلك"، وثالثها: المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر ... إلخ، فذكر أن المشهور عن أحمد أنه خص الشك بما إذا تقاعد الناس عن رؤية الهلال أو شهد برؤيته من لا يقبل الحاكم شهادته، فأما إذا حال دون منظره شيء فلايسمى شكًّا، قال: واختار كثير من المحققين من أصحابه الثاني، إلى أن قال: وذهب آخرون إلى تأويل ثالث، قالوا: معناه فاقدروه بحساب المنازل، قاله أبو العباس بن سريج من الشافعية ومطرف بن عبد الله من التابعين وابن قتيبه من المحدثين، إلى أن قال: والمعروف عن الشافعي ما عليه الجمهور، ونقل ابن العربي عن ابن سريج أن قوله: "فاقدروا له" خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وأن قوله "فأكملوا العدة" خطاب للعامة، قال ابن العربي فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال: يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب العدد، وهذا بعيد عن النبلاء أي العقلاء، وقال ابن الصلاح: معرفة منازل القمر تدرك بأمر محسوس، يدركه من يراقب النجوم، وهذا هو الذي أراده ابن سريج، وقال به في حق العارف بها في خاصة نفسه، وقال الروياني عنه إنه لم يقل بوجوب ذلك عليه وإنما قال بجوازه وهو اختيار القفال وأبي الطيب، إلى أن قال: فتعددت الآراء في هذه المسألة بالنسبة إلىخصوص النظر في الحساب والمنازل، أحدها: الجواز ولا يجزي عن الفرض، وثانيها: يجوز ويجزي، ثالثها: يجوز للحساب ولا يجوز للمنجم، رابعها: لهما ولغيرهما مطلقا تقليدا للحساب دون المنجم، (2/78)
صفحة 478
خامسها: يجوز لهما ولغيرهما مطلقا، وقال ابن الصباغ: "أما بالحساب، فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا ... إلخ"، وقد نص في القواعد على الأقوال الثلاثة في معنى قوله:"فاقدروا له"، والله أعلم.
قوله: «وفي رواية أخرى فأتموا ثلاثين»، هذه الرواية تدل على أن المراد بقوله في الرواية الأولى (فاقدروا له) إتمام ثلاثين يوما، كما هو صحيح لأن الأولى تفسير الحديث بالحديث، كما تقدم لأنه يصدق بعضه بعضا والله أعلم.
قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم الشك"، قال في القواعد: وقد أجمع جمهور العلماء على ثبوت النهي عن صيام يوم الشك، على أنه من رمضان إلى أن قال: وقد اختلفوا في صومه، فقال كثير العلماء من الصحابة والتابعين: لا يجوز صومه، روي هذا عن عمر وعلي وحذيفة وابن مسعود وعمار، إلى أن قال: وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا، وأجاز آخرون صيامه، إلى أن قال: والصحيح القول الأول، لظاهر الأحاديث التي يوجب مفهومها تعلق الصوم بالرؤية أو بالخبر، إلى أن قال: والمعمول به عند أصحابنا في يوم الشك الإمساك عن الطعام حتى ينتشر الناس وترجع الرعاة فإن صح أنه من رمضان أتموه وإلا أفطروا، وعلى الجميع الإعادة على من أفطره ومن صامه، لأنه صامه على غير نية، والله أعلم، انتهى، وقال في الإيضاح معللا لذلك: "إذا كان قد عقد صومه على غير يقين في الابتداء"، وهذا أظهر في التعليل، ثم قال: وأكثر الفقهاء أنه لا بدل عليه إذا صح الخبر بعد انقضاء الشهر، لأنه إنما صح الخبر بعد انقضاء الفريضة، إلى أن قال: واختلفوا أيضا، هل يكون يوم الشك في النوافل قال: قال بعضهم لا يصام يوم الشك في فريضة ولا نافلة، وقال آخرون: لا يكون يوم الشك إلا في رمضان، وذلك مثل من أراد أن يصوم شهرا معروفا مثل رجب أو غيره، (2/79)
صفحة 479
والنظر يوجب عندي القول الأول، لأن علة النهي عن صوم يوم الشك من أجل أن صيامه على غير الشك بغير انعقاد نية على يوم معروف، والله أعلم، انتهى، وذكر قبل ذلك لأن الإمساك انتظارا للخبر إلى رجوع الرعاة منهم استحباب لا إيجاب، قوله: "فقد قارف إثما"، هذا يدل على أن صوم يوم الشك حرام كالعيدين.
قوله: «إن هذين يومان» الرواية في الإيضاح: "إن هذين اليومين"، وفي البخاري: "هذان يومان"، والأمر سهل، قال ابن حجر: قوله: "هذان يومان" فيه التغليب وذلك أن الحاضر يشار إليه بهذا، والغائب يشار إليه بذلك، فلما أن جمعهما اللفظ قال هذان تغليبا للحاضر على الغائب.
قوله: «يوم فطركم» قال ابن حجر: برفع يوم إما على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره أحدهما، أو على البدل من قوله يومان، إلى أن قال: وقيل وفائدة وصف اليومين الإشارة إلى العلة في وجوب فطرهما، وهو الفصل من الصوم وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده، والآخر لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى، وعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك لأنه يستلزم النحر ويزيد فائدة التنبيه على التعليل، والمراد بالنسك هنا الذبيحة المتقرب بها قطعا، قيل: ويستنبط من هذه العلة تعيين السلام للفصل من الصلاة، وفي الحديث تحريم صوم يومي العيد سواء النذر والكفارة والتطوع والقضاء والتمتع وهو بالإجماع، واختلفوا فيمن قدم من سفر وصام يوم عيد، فعن أبي حنيفة ينعقد، وخالفه الجمهور، فلو نذر صوم يوم قدوم زيد فقدم يوم العيد فالأكثر لا ينعقد النذر، وعن الحنفية ينعقد ويلزمه القضاء، (2/80)
صفحة 480
وفي رواية يلزمه الإطعام، إلى أن قال: عن ابن عمر أنه توقف في الجواب في هذه المسألة وأصل الخلاف في هذه المسألة أن النهي هل يقتضي صحة المنهي عنه؟ قال: الأكثر لا، وعن محمد بن الحنفية: نعم، واحتج بأنه لا يقال للأعمى لا تبصر لأنه تحصيل الحاصل، فدل على أن صوم يوم العيد ممكن، وإذا أمكن ثبتت الصحة، وأجيب بأن الإمكان المذكور عقلي، والنزاع في الشرعي، والمنهي عنه شرعا غير ممكن فعله شرعا، ومن حجج المانعين أن النفل المطلق إذا نهي عن فعله لم ينعقد، لأن المنهي عنه مطلوب الترك سواء كان للتحريم أو للتنزيه، والنفل مطلوب الفعل، فلا يجتمع الضدان، والفرق بينه وبين الأمر ذي الوجهين كالصلاة في الدار المغصوبة، أن النهي عن الإقامة في المغصوبة ليس لذات الصلاة، بل للإقامة وطلب الفعل لذات العبادة بخلاف صوم يوم النحر مثلا فإن النهي فيه لذات الصوم فافترقا، والله أعلم.
قوله: «عن الوصال أن يصل الرجل صوم يوم وليلة»، عرفه ابن حجر بأنه: "هو الترك في ليالي الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد، قال: فيخرج من أمسك اتفاقا، ويدخل من أمسك جميع الليل أو بعضه ... إلخ"، والظاهرعلى كلام المصنف رحمه الله أنه لا يدخل من أمسك بعض الليل، ولكن يكره له ذلك لأجل تأخيره للإفطار قصدا، ولعله لهذا أدخله ابن حجر في الوصال، وإنما نهى صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم وإبقاء عليهم كما ذكره البخاري، وذكر ما معناه أنه لما نهاهم عن الوصال فقال: "لا تواصلوا"، قالوا: إنك تواصل، قال: "لست كأحد منكم إني أُطعَم وأُسقَى أو إني أَبِيت"، وفي رواية: "إني أبيت لي مطعِم يطعمني، وساقٍ يسقيني"، وفي رواية: "إني يطعمني ربي ويسقيني" وذكر روايات أخر، إلى أن قال: فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما، ثم رأوا الهلال فقال: "لو تأخر لزِدتكُم"، كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا ... إلخ.
قوله: "ونهى عن قتل النملة"، لأنها تستسقي، قال في القواعد في قطعة من حديث سيأتي: "ولا تقتلوا النمل فإن سليمان عليه السلام خرج يستسقي إذا بنملة (2/81)
صفحة 481
رافعة قوائمها تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن فضلك، فاسقنا مطرا تنبت لنا به ثمرا، فقال سليمان: ارجعوا فقد سُقِيتم"، انتهى.
فقوله: "تنبت لنا به ثمرا"، يدل على أن المراد بالنملة هي التي تحمل الثمر والنوى والزبيب، وغير ذلك من الثمار، ولا تؤذي الناس في الحبوب، بخلاف غيرها، والله أعلم. رأيت في العلقمي ما هو قريب من هذا، حيث قال: قال الخطابي: "إنما أراد من النمل نوعا خاصا وهو الكبار؛ ذوات الأرجل الطوال لأنها قليلة الأذى والضرر، وكذا قاله البغوي، وأما الصغير المسمى بالذّر فقد صرح به بعض أصحابه بجواز قتلها، وكره مالك قتل النمل إلا أن يضر ولا يقدر على دفعه إلا بالقتل، قال النووي: ولا يجوز الإحراق بالنار للحيوان ولا قتل النمل" انتهى.
قوله: "ونهى أن يُتداوى بشيء مما حرم الله"، لفظ الحديث في الجامع الصغير: نهى عن الدواء الخبيث، قال العلقمي بعد كلام، وقال الخطابي: "قد يكون خبثه من وجهين، أحدهما: النجاسة؛ كالخمر ولحوم الحيوان الذي لا تؤكل والأرواث والأبوال إلا ما خصته السنة من أبوال الإبل، وسبيل السنن أن يقر كل شيء منها موضعه، وأن لا يضرب بعضها بعضا،
والثاني: من جهة المطعم والمذاق، ولا ينكر أن يكون ذلك للشفقة على الطباع وكراهة النفوس لها"، انتهى. وهذا الثاني لا تشمله رواية المصنف رحمه الله وهو الظاهر، لأن شأن غالب الدواء أن يكون كريه المطعم والمذاق، واعلم أن الدواء المحرم لا يجوز التداوي به، ولا يحصل منه النفع، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من تداوى بالنجس لا شفاه الله"، ولقوله أيضا: "لم يجعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها"، والله أعلم.
قوله: "ونهى عن قتل الضفدع والصُّرَد من الطيور"، وذكر في القواعد عن أصحابنا أنه يكره قتل ستة أجناس، (2/82)
صفحة 482
وأنه وجد في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تقتلوا ستة: الضفادع فإن الذي تسمعون منها تسبيح وتقديس، وأن إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار، استَأذنت دواب البر والطير أن تُطفِئ النارعلى إبراهيم، فأذن الله للضفادع، فأزكت عليها، فذهب ثلثاها وبقي الثلث، فأبدل الله لها بحرارة النار برد الماء، ولا تقتلوا النمل إلى آخر ما تقدم، ولا تقتلوا النحل فإنها تضع لكم طيبا، ولا تقتلوا الهدهد فإنه أَحبَّ أن يُعبَد الله ُحيث لم يكن عُبِد، ولا تقتلوا الصُّرَد؛ فإنه كان دليل آدم عليه السلام من الجنة إلى الأرض أربعين سنة، ولا تقتلوا الخطّاف فإن دورانه الذي ترون جزع على بيت المقدس حين أُحرِق"، فشدد أصحابنا في قتل هذه الأجناس؛ حتى جعلوا الدية على قاتلها درهمين لكل واحد منها، وجعلوا في الضفدع نعجة بجزّتها، والله أعلم بهذا إن كان عن أثر أثروه أو عن نظر منهم رووه، انتهى. وقوله: في الضفادع "فأزكت"، هكذا فيما رأيته من النسخ، ولعله فَزَكأت، فيكون من قولهم: زَكَأَت الناقة بولدها، تزكأ زُكاء؛ إذا رَميَت به عند رجليها، فيكون معنى زكأت عليها؛ رمَت نفسها أي على النار، وقوله: "فذهب ثلثاها" ينظر هل المراد ثلثا أفرادها وبقي الثلث، أو المراد ثلثا بدن كل واحدة منها وبقي ثلث بدنها، ورده الله بعد ذلك إلى ما كان عليها وأبدلها بحرارة النار برد الماء، وهو الظاهر، والله أعلم، فليحرر.
والضفدع بوزن الخنصر، واحد الضفادع والأنثى ضفدعة، والناس يقولونه بفتح الدال وأنكره الخليل، انتهى من مختصر الصحاح، قال العلقمي: والهدهد نهي عن قتله لتحريم أكل لحمه، ولا منفعة في قتله، وكل ما نهي عن قتله من الحيوانات ولم يكن ذلك لحرمته ولا ضرر فيه كان النهي لتحريم أكله؛ كما في الصُّرَد (بضم الصاد المهملة وفتح الراء، جمعه صرِدان بكسر الراء)؛ وهو طائر فوق العصفور ضخم الرأس، والمنقار نصفه أبيض ونصفه أسود، وقيل: يؤكل لأن الشافعي أوجب فيه الجزاء على المحرم إذا قتله، وبه قال مالك،
وقال أبوبكر بن العربى: نهي عن قتله لأن العرب كانت تتشاءم به وبصوته، وقيل إنه أول طير صام عاشوراء، انتهى. وظاهر كلام القواعد أنه إنما نهي عن قتله لاحترامه، وكذلك غيره مما ذكر الحديث وهو الظاهر، ولكن النكت لا تتزاحم، والله أعلم. (2/83)
صفحة 483
وذكر العلقمي حديثا يدل على النهي عن قتل الخفاش حيث قال: "لا تقتلوا الضفدع فان نقيقها تسبيح، ولا تقتلوا الخفاش فإنه لما خرب بيت المقدس، قال: يارب سلطني على البحر حتى أغرقهم"، انتهى. وذكر في الجامع الصغير حديثا آخر نهى عن قتل كل ذي روح إلا أن يؤذي. (2/84)
صفحة 484
الباب السابع في فضائل رمضان
المناسب تقديم هذا الباب على غيره من الأبواب المتقدمة كما فعل غيره، والله أعلم.
قوله: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له»، الرواية في القواعد والوضع: "من صام رمضان وقامه إيمانا واحتسابا"، (2/85)
صفحة 485
وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان ايمانا واحتسابا غفرله ما تقدم من ذنبه"، وذكر ابن حجر روايات متعددة عن أحمد وغيره فيها زيادة "وما تأخر".
قوله: «إيمانا واحتسابا»، قال ابن حجر نقلاً عن ابن المنير: "والأولى أن يكون منصوبا على الحال"، وقال غيره: انتصب على أنه مفعول لأجله أو تمييز أو حال، بأن المصدر في معنى اسم الفاعل أي مؤمنا محتسبا، والمراد بالإيمان: الاعتقاد بحق فريضة صومه،
وبالاحتساب طلب الثواب من الله تعالى.
وقال الخطابي: " "احتسابا"، أي عزيمة؛ وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه، طيبة نفسه بذلك غير مستثقل لصيامه، ولا مستطيل لأيامه"، انتهى. وقال العلقمي: "قال أبو البقاء: وفي نصب إيمانا واحتسابا وجهان، أحدهما: أنه مصدر في موضع الحال؛ أي من صام مؤمنا محتسبا، كقوله تعالى: {يَاتِينَكَ سَعْيًا} [البقرة:260]، أي ساعيات، والثاني: أنه مفعول لأجله؛ أي للإيمان والاحتساب، ونظيره في الوجهين {اِعْمَلُوا ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ:13]، ... إلخ". ثم قال في حديث آخر يناسب رواية القواعد في الاستدلال على أن قيام رمضان مرغّب فيه، لفظه: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" ما نصه، قال في الفتح؛ أي قام لياليه مصليا. والمراد من قيام الليل ما يحصل به مطلق القيام. وذكر النووي أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، وأغرب الكرماني فقال: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح.
قوله: «إيمانا»؛ أي تصديقا بوعد الله الثواب عليه، وقوله: "احتسابا"، أي طلبا للأجر لا لقصد آخر من رياء ونحوه.
وقوله: «غفرله ما تقدم من ذنبه»، قال ابن حجر: "ما"، اسم جنس مضاف فيتناول جميع الذنوب، إلا أنه مخصوص عند الجمهور. (2/86)
صفحة 486
وقد تقدم البحث في ذلك في كتاب الوضوء ... إلخ، ونقَلتُ كلامه هناك في باب فضائل الوضوء، وما عليه من أن الحديث خاص بالصغائر بشرط التوبة من الكبائر، كما هو المذهب الحق، فرمضان من مكفرات الصغائر؛ كالصلاة الخمس وصلاة الجمعة والوضوء والحج والعمرة واجتناب الكبائر وغير ذلك، والله أعلم.
قال ابن حجر في قوله "من ذنبه": "قال الكرماني كلمة "من" إما متعلقة بقوله "غفر"؛ أي غفر من ذنبه ما تقدم فهو منصوب المحل، وهي مبينة لما تقدم، وهو مفعول لما لم يسم فاعله، فيكون مرفوع المحل"، انتهى. وانظر ما المراد بقوله: "فيكون مرفوع المحل"؟ هل المراد أنه لما كان مبنيا لما لم يسم فاعله كان مرفوع المحل لأن البيان تابع للمبين وهو المتبادر من كلامه؟ أو المراد منه مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والجملة وقعت صلة للموصول الذي حل محل مِنْ البيانية، فإنهم قالوا: علامة مِنْ البيانية صحة وقوع موصول موضعها إذا بيَّنَت معرفةً، نحو: {فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الاَوْثَانِ} [الحج:30]، أي الذي هو الأوثان، وإذا بيَّنَت نكرةً فهي ومجرورها في موضع جملة، نحو: {مِنَ اَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} [فاطر: 33]، أي هي ذهب، والظاهر المناسب للقواعد العربية أنه إن بين معرفةً، كان متعلقه حالا، وإن بين نكرة كان صفة، والله أعلم.
قوله: «ولو علمتم ما في فضل رمضان لتمنيتم أن يكون سنة»، هذه زيادة على ما في رواية القواعد والبخاري، قوله: "لخلُوف"، قال ابن حجر: (بضم المعجمة واللام وسكون الواو بعدها)، قال عياض: هذه الرواية الصحيحة، وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء، قاله الخطابي وهو خطأ، وحكي عن القابسي الوجهين.
وبالغ النووي في شرح المهذب، فقال: لا يجوز فتح الخاء، واحتج غيره لذلك بأن المصادر التي جاءت على فَعول (بفتح أوله) قليلة، ذكرها سيبويه وغيره، وليس هذا منها، انتهى.
قوله: «فم الصائم»، قال ابن حجر: "فيه رد على من قال لا تثبت الميم في الفم عند الإضافة؛ إلا في ضرورة الشعر، لثبوته في هذا الحديث الصحيح وغيره"، انتهى. (2/87)
صفحة 487
قوله: «أطيب عند الله من ريح المسك»، قال ابن حجر: "اختلف في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك، مع أنه سبحانه وتعالى متَنزِّه عن استطابة الروائح، إذ ذاك من صفات الحيوان، ومع أنه يعلم الشيء وما هو عليه على أوجه"، قال المازري: "هو مجاز، لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا، استعير ذلك من الصوم لتقريبه من الله، فالمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم، أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم"، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر، وقيل إن المراد ذلك في حق الملائكة، وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك، وقيل المعنى: أن حكم الخلوف والمسك عند الله على ضد ما هو عندكم، وهذا قريب من الأول، وقيل: المراد أن صاحبه ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك، لاسيما بالإضافة إلى الخلوف حكاهما عياض، وقال الداودي وجماعة: معنى الطيب على القبول والرضا فحصلنا على ست أجوبة، وقد نقل القاضي حسين في تعليقه: أن للطاعات يوم القيامة ريحا يفوح، قال: فرائحة الصيام فيها بين العبادات كالمسك، ويؤيد الثلاثة الأخيرة قوله في رواية مسلم وأحمد والنسائي من طريق عطاء عن أبي صالح: "أطيب عند الله يوم القيامة"، إلى أن قال: وهذه المسألة إحدى المسائل التي تنازع فيها ابن عبد السلام وابن الصلاح، فذهب ابن عبد السلام إلى أن ذلك في الآخرة، كما في دم الشهيد، واستدل بالرواية التي فيها يوم القيامة، وذهب ابن الصلاح إلى أن ذلك في الدنيا، واستدل بما تقدم ... إلخ، يعني به قوله في فضل هذه الأمة في رمضان، فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك، قال ابن حجر: وجمهور العلماء ذهبوا إلى ذلك، فقال الخطابي: طيبه عند الله رضاه به وثناؤه عليه.
وقال ابن عبد البر أزكى عند الله وأقرب إليه. (2/88)
صفحة 488
وقال البغوي: "معناه الثناء على الصائم والرضا بفعله ونحو ذلك"، إلى آخره، فحكي عن جماعة كثيرة من العلماء: أنهم جزموا كلهم بأنه عبارة عن الرضا والقبول، وأما ذكر يوم القيامة في تلك الرواية فلأنه يوم الجزاء، وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبا، حيث يؤمر باجتنابها فقيد بيوم القيامة، وأطلق في باقي الروايات، نظرا إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين، وهو كقوله: {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} [العاديات:11]، وهو خبير بهم في كل يوم انتهى. قال ابن حجر: "ويترتب على هذا الخلافُ المشهورُ في كراهة إزالة هذا الخلوف بالسواك، إلى أن قال: ويؤخذ من قوله: "أطيب من ريح المسك"، أن الخلوف أعظم من دم الشهادة، شُبِّه ريحه بريح المسك، والخلوف وصف بأنه أطيب ولا يلزم من ذلك أن يكون الصيام أفضل من الشهادة لما لا يخفى.
ولعل سبب ذلك، النظر إلى أصل كل منهما، فإن أصل الخلوف طاهر وأصل الدم بخلافه، فكان ما أصله طاهر أطيب ريحا"، انتهى.
قوله: «فارق عبدي شهوته وطعامه من أجلي»، الرواية في البخاري: "ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي"، وذكر فيه ابن حجر روايات متعددة والمؤدى واحد، قال في رواية البخاري: والمراد بالشهوة في الحديث، شهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب، ويحتمل أن يكون من العام بعد الخاص.
ووقع في رواية الموطأ بتقديم الشهوة عليهما، فيكون من الخاص بعد العام ... إلخ، ويسفاد من قوله: "من أجلي"، التنبيه على الجهة التي بها يستحق الصائم ذلك، وهو الإخلاص الخاص به؛ حتى لو كان ترك ما ذكر لغرض آخر كالتخمة، لا يحصل للصائم الفضل المذكور، ولكن المدار في هذه الأشياء على الداعي القوي الذي يدور معه الفعل وجودا وعدما، ولا شك أن من لم يعرض في خاطره شهوة شيء من (2/89)
صفحة 489
الأشياء طول نهاره إلى أن يفطر، ليس هو في الفضل كمن عرض له ذلك فجاهد نفسه في تركه، قاله ابن حجر.
قوله: «فالصيام لي وأنا أجازي به»، الفاء السببية أي سبب كونه لي أنه فارق شهوته لأجلي، قاله ابن حجر، وذكر أن في بعض الروايات: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به)، واستشكل تخصيص الصيام بذلك مع أن الأعمال كلها له، وهو الذي يجزي بها وأجيب بأجوبة، منها: أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره، ويؤيد هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس في الصيام رياء"، وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى عن الناس، ومعنى النفي في قوله: "لا رياء في الصوم"، أنه لا يدخله الرياء بفعله، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء قد يدخلها لمجرد فعلها، ومنها: أن المراد بقوله: "وأنا أجازي به"، أنني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس، وقال القرطبي: معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس، وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة، إلى ما شاء الله، إلا الصوم فإن الله يثيب عليه بغير تقدير، ويشهد لهذا السياق الرواية الأخرى: "كل عمل ابن آدم يُضَاعَف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله"، قال الله: "إلا الصوم إنه لي وأنا أجزي به"، أي أجازي عليه جزاء كثيرا، من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى: {اِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10]، والصابرون هم الصائمون في أكثر الأقوال، ومنها: أن معنى قوله: "الصيام لي"، أنه أحب العبادات، والمقدم عندي وشهد له ما روي أنه قال: "عليك بالصوم فإنه لا مثل له"، ومنها أن الإضافة إضافة تشريف، كما يقال بيت الله وإن كانت البيوت كلها لله، وذلك لأن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات، من صفات الرب جل جلاله، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه اليه. (2/90)
صفحة 490
ومنها: أنه خالص لله، وليس للصائم ونفسه حظ،
ومنها: أنه لم يعبد به غير الله تعالى، فلم تعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودا لهم بالصيام، بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ونحو ذلك، ومنها: أن جميع العبادات توفى منها مظالم العباد إلا الصيام، روى ذلك البيهقي عن ابن عيينه قال: "إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من عمله، حتى لا يبقى له إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة"، قال القرطبي: كنت أستحسن هذا الجواب، إلى أن فكرت في حديث المقاصصة فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال، حيث قال: "المفلس الذي يأتي يوم القيام بصلاة وصدقة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أُخِذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار"، وظاهره أن الصيام مشترك مع بقية الأعمال في ذلك، انتهى. قال ابن حجر: إن ثبت قول ابن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك وقد يستدل به بما رواه أحمد _ إلى أن قال_: "كل العمل كفارة إلا الصوم لي وأنا أجزي به"، إلى أن ذكر حديثا آخر لفظه: "قال ربك تبارك وتعالى: كل العمل كفارة إلا الصوم"، إلى آخر ما أطال فيه، ثم قال: واتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سَلِم صيامُه من المعاصي قولا وفعلا، ونقل ابن العربي عن بعض الزهاد أنه مخصوص بصيام خواص الخواص فقال: إن الصوم على أربعة أنواع: صيام العوام وهو الصوم عن الأكل والشرب والجماع، وصيام خواص العوام، وهو هذا مع اجتناب المحرمات من قول وفعل، وصيام الخواص وهو الصوم عن غير ذكر الله وعبادته، (2/91)
صفحة 491
وصيام خواص الخواص وهو الصوم عن غير الله، فلا فطر لهم إلا يوم لقائه، وهذا مقام عال، ولكن في حصر المراد من الحديث في هذا النوع نظرا لا يخفى، وأقرب الأجوبة التي ذكرتها إلى الصواب الأول والثاني، إلى أن قال: وسبب اختصاص الصوم بهذه المزية أمران، أحدهما: أن سائر العبادات مما يطلع العباد عليه، والصوم سرٌّ بين العبد وبين الله تعالى يفعله خالصا له ويعامله به طلبا للرضا، وإلى ذلك أشار بقوله: "فإنه لي"، والآخر: أن سائر الحسنات راجعة إلى صرف المال، واستعمال البدن والصوم يتضمن كسر النفس وتعريض البدن للنقصان، وفيه الصبر على مضض الجوع والعطش وترك الشهوات، وإلى ذلك الإشارة بقوله: "يدع شهوته من أجلي"، قال الطيبي: وبيان هذا أن قوله: "يدع شهوته ... إلخ"، جملة مستأنفة وقعت موقع البيان لموجب الحكم المذكور ... إلخ، انتهى المراد من ابن حجر باختصار.
قوله: «لا إيمان لمن لا صلاة له»، تقدم الكلام عليه في باب أدب الوضوء وفرضه.
قوله: «ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله»، ظاهره شامل لكبيرة الفعل والترك، كترك الصلاة مثلا، وقد تقدم الكلام عليه في باب ما يفطر الصائم.
قوله: «الصوم جنة»، ذكر ابن حجر فيه روايات متعددة فيها زيادة مبينة للمراد، منها: "الصيام جنة كجنة أحدكم من القتال"، ومنها: "جنة وحصن حصين من النار"، ومنها: "الصيام جنة ما لم يخرقها بالغيبة"، قال ابن حجر: والجُنّة بضم الجيم، الوقاية والستر، وقد تبين بهذه الروايات متعلق هذا الستر وأنه من النار، وأما صاحب النهاية فقال: معنى كونه جنة؛ أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات. (2/92)
صفحة 492
وقال القرطبي: "جنة"، أي سترة، يعني بحسب مشروعيته فينبغي للصائم أن يصونه مما يفسده وينقص ثوابه، وإليه الإشارة بقوله: "فإذا كان يومَ صومِ أحدكم فلا يرفث"، إلى أن قال وقال عياض في الإكمال: معناه ستره من الآثام، أو من النار، أو من جميع ذلك، وبالأخير جزم النووي.
وقال ابن العربي: إنما كان الصوم جنة من النار؛ لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات.
والحاصل أنه إذا كف نفسه عن الشهوات في الدنيا، كان ذلك ساترا له من النار في الآخرة ... إلخ.
قوله: «فلا يرفث»، قال ابن حجر: ويرفث (بالضم والكسر)، ويجوز في ماضيه التثليث، والمراد بالرفث وهو (بفتح الراء والفاء ثم المثلثة): الكلام الفاحش، وهو يطلق على هذا وعلى الجماع، وعلى مقدماته، وعلى ذكره مع النساء أو مطلقا، ويحتمل أن يكون كما هو أعم منها، انتهى.
قوله: «ولا يجهل»، قال ابن حجر: أي لا يفعل شيئا من أفعال الجهل كالصياح والسفه ونحو ذلك ... إلخ، وذكر رواية: "فلا يرفث ولا يجادل". قال القرطبي: "لا يفهم من هذا أن غير الصوم يباح فيه ما ذكر وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم" انتهى.
قوله: «وإن امرؤ»، قال ابن حجر: (بتخفيف النون) "قاتله أو شاتمه"، ذكر ابن حجر فيه روايات،
منها: فإن سابه أحد أو قاتله، ومنها: وإن شتمه إنسان فلا يكلمه، ومنها: فإن سابَّه أحد أو مَارَاهُ يعني جادله، ومنها: فإن سابَّك أحد فقل إني صائم وإن كنتَ قائما فاجلس، ومنها: فإن جَهَل على أحدكم جاهلٌ وهو صائم، ومنها: وإن امرؤٌ جهل عليه فلا يشتمه ولا يسبه. (2/93)
صفحة 493
ثم قال: واتفقت الروايات كلها على أنه يقول: "إني صائم"، فمنهم من ذكرها مرتين، ومنهم من اقتصر على واحدة، واختلف في المراد بقوله: "فليقل إني صائم"، هل يخاطب بها الذي يكلمه بذلك، أو يقولها في نفسه.
وبالثاني جزم المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة، ورجح النووي الأول في الأذكار.
وقال في شرح المهذب: كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى ولو جمعهما لكان حسنا، إلى أن قال:
وقال الرؤياني: "إن كان رمضان فليقل بلسانه وإن كان غيره فليقله في نفسه"، وادعى ابن العربي أن موضع الخلاف في التطوع وأما في الفرض فيقوله بلسانه قطعا، وأما تكرير قوله إني صائم فليتأكد الانزجار منه أو ممن يخاطبه بذلك، ونقل الزركشي أن المراد بقوله: "فليقل إني صائم مرتين"، يقوله مرة بقلبه ومرة بلسانه فيستفيد بقوله بقلبه كف لسانه عن خصمه، وبقوله بلسانه كف خصمه عنه، وتعقب بأن القول حقيقة باللسان، وأجيب بأنه لا يمنع المجاز، إلى أن قال: ولا يمكن حمل قاتله أو شاتمه على المفاعلة، لأن الصائم مأمور بأن يكف نفسه عن ذلك فكيف يقع ذلك منه، وإنما المعنى إذا جاءه متعرضا لمقاتلته أو مشاتمته، كأن بدأه بقتل أو شتم، اقتضت العادة أن يكافئه عليه، فالمراد بالمفاعلة إرادة غير الصائم ذلك من الصائم.
وقد تطلق المفاعلة على النهي لها، ولو وقع الفعل من واحد، وقد تقع المفاعلة بفعل الواحد، كما يقال عالج الأمر وعافاه الله، وأبعد من حمله على ظاهره فقال: المراد إن بدت من الصائم مقابلة الشتم، بشتم على مقتضى الطبع فينزجر عن ذلك ويقول: "إني صائم"، ومما يبعده قوله في الرواية الماضية: "فإن شتمه"، والله أعلم، (2/94)
صفحة 494
وفائدة قوله: "إني صائم"، أنه يمكن أن يكف عنه بذلك، فإن أصر دفعه بالأخف فالأخف، كالصائل هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة.
فإن كان المراد بقوله: "قاتله" شاتمه فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله، بل يقتصر على قوله (إني صائم) والله أعلم.
تم كتاب الصوم بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه. ويتلوه كتاب الزكاة فنسأل الله العون والتوفيق لما يحبه ويرضاه بجاه سيد المرسلين آمين. (2/95)
صفحة 495
[صفحة فارغة] (2/96)
صفحة 496
كتاب الزكاة والصدقة (2/97)
صفحة 497
[صفحة فارغة] (2/98)
صفحة 498
كتاب الزكاة والصدقة
اعلم أن الزكاة قد تأخر فرضها عن فرض الصوم، ولذلك أخرها المصنف رحمه الله، وإنما قدمها صاحب الإيضاح وصاحب القواعد رحمهما الله؛ لأنها قرنت في كتاب الله بالصلاة، وتقدم الخلاف في وقت فرضيتها في أول كتاب الصوم، وهي كما قال بعضهم: لغة: التطهير والإصلاح وغيرهما، وشرعا: اسم لما يخرج من مال أو بدن على وجه مخصوص لطائفة مخصوصة بالنية، وهي مأخوذة من زكا الزرع إذا نما، فإن إخراجها يستجلب بركة في المال، وللنفس فضيلة الكرم، أو من الزكاة بمعنى الطهارة فإنها تُطهِّر المال من الخبث، والنفس من البخل، ولها في الشرع أسماء: الزكاة والصدقة والنفقة والماعون والحق والعفو، كما هو ظاهر من كتاب الله تعالى.
وقال ابن حجر: "الزكاة في اللغة: النماء، يقال زكا الزرع إذا نما، ويرد أيضا بمعنى التطهير، وشرعا: بالاعتبارين معا.
أما الأول: فإن إخراجها سبب للنماء في المال، أوبمعنى أن الأجر يكثر بسببها، أو بمعنى أن متعلقها الأموال ذات النماء كالتجارة والزراعة، ودليل الأول "ما نقص مال من صدقة"، ولأنها يضاعف ثوابها كما جاء "إن الله يربي الصدقة".
وأما الثاني: فلأنها مطهرة للنفس من رذيلة البخل وتطهير من الذنوب"، وهي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها كما تقدم في كتاب الإيمان. وقال ابن العربي تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة المندوبة والنفقة والحق والعفو، وتعريفها في الشرع: إعطاء جزء من النصاب الحولي إلى فقير ونحوه غير هاشمي ولا مطلبي. ثم لها ركن وهو الإخلاص، وشرط هو السبب، وهو ملك النصاب الحولي، وشرط من تجب عليه وهو العقل والبلوغ والحرية، ولها حكم هو سقوط الواجب (2/99)
صفحة 499
في الدنيا وحصول الثواب في الآخرة، وحكمة وهي التطهر من الأدناس ورفع الدرجة، واسترقاق الأحرار انتهى". يعني كلام ابن العربي.
قال ابن حجر: "وهو جيد لكن في شرط من تجب عليه اختلاف ... إلخ"، يعني لأنهم اختلفوا في المجنون والصبي والعبد، وهذا الخلاف مبني على الخلاف في أنها حق لله أو حق للفقراء، فمن قال إنها حق لله قال لا تجب على الصبي والمجنون، ومن قال إنها حق للفقراء قال بوجوبها في مالهما وهو المأخوذ به عندنا، ويخاطب الولي بإخراجها، وأما العبد فزكاة ماله عندنا على سيده، لأن ماله لسيده لقوله عليه السلام: "فماله للبائع إلا أن يشترطَه المبتاع"، وعند مالك لا زكاة فيه أصلا، لأن من ملك أن يملك لا يُعَدُّ مالكا، وليس هذا محلا لبيان ذلك لكن جرنا إليه قول ابن حجر: "لكن في شرط من تجب عليه اختلاف".
وأما قول ابن العربي: "من النصاب الحولي"، فالظاهر أنه أراد به ما يشمل زكاة الحبوب باعتبار أن الحب لا يزكى إلا مرة واحدة في الحول، فحب كل حول يزكى مرة واحدة، وظاهر قوله: "واسترقاق الأحرار"، يدل على أن المنة في الزكاة للدافع، وظاهر كلام صاحب القناطر رحمه الله يدل على أن المنة فيها إنما هي للقابل لها، وينبغي للدافع لها أن يستحضر ذلك فليراجع؛ فإنه قد أطال فيه والله أعلم.
قال ابن حجر: والزكاة أمر مقطوع به في الشرع، يستغنى عن تكلف الاحتجاج به، وإنما وقع الاختلاف في بعض فروعه ... إلخ، أقول: ولذلك ترك المصنف رحمه الله الاستدلال على وجوبه والله أعلم. (2/100)
صفحة 500
الباب الأول في النصاب
قوله: «فيما سقت السماء والعيون العشر»، يعني بعد بلوغ النصاب، لقوله عليه السلام: "ليس في ما دون خمسة أوساق صدقة"، كما سيأتي، وهو قول الجمهور خلافا لأبي حنيفة مستدلا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء ... إلخ»، (2/101)
صفحة 501
قال صاحب الإيضاح رحمه الله: "والقول ما قاله أصحابنا لأن قوله عليه السلام: "فيما سقت السماء والعيون العشر"، عام، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمسة أوساق صدقة"، خاص، والعام يبتني على الخاص، ورد قبله أو بعده كما قال صلى الله عليه وسلم: "في الرقة ربع العشر"، ثم قال: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة".
والنصاب في الذهب والفضة متفق عليه فوجب أن يكون كذلك في الحبوب، غير أن أبا حنيفة يرى أن العام والخاص يتعارضان، وينسخ العام بالخاص والخاص بالعام عنده، والقول الأول أصح ... إلخ.
تنبيه: اعلم أن العمومين إذا وردا ولم يمكن الجمع بينهما، فإن علم التاريخ، فالمتأخر منهما ناسخ، وإن جهل التاريخ، طلبنا الدليل المرجح من خارج، وإن لم نجد اخترنا، إذ لا سبيل إلى إسقاطهما ولا إلى العمل بهما، والترجيح من غير مرجح تحكم فلم يبق إلا التخيير، وإذا تعارضا عام وخاص، فإن تأخر العام على الخاص كان الحكم الخاص مخصصا للعام، وإن كان الخاص متأخرا عن العام، فإن تأخر عن العمل بالعام كان ناسخا له بالنسبة إلى ما تعارضا فيه، وإنما كان ناسخا له لئلا يلزم تأخر البيان عن وقت الحاجة، وإلا كان مخصصا له. هذا حاصل ما ذكره القوم، وظاهر كلام صاحب الإيضاح رحمه الله في أول كتابه؛ أن الحديثين إذا تعارضا ولم يمكن الجمع وجهل التاريخ تساقطا، ورجعنا إلى الأصل، وقد يقال: الرجوع إلى الأصل من مرجحات الموافق للأصل، والله أعلم.
قوله: «وما سقى بالدوال»، هكذا في غالب نُسَخ المسند، وكذلك في القواعد والإيضاح، والظاهر أنها جمع دالية على وزن عالية، قال في الصحاح: والدالية المنجنون تديرها البقرة، والناعورة يديرها الماء فإنها من قبيل ما فيه العشر، والله أعلم.
وفي بعض النسخ: بالدلو، والمتقدمة أولى لأن هذه يغني عنها قوله "والغرب"، ولفظ الحديث في ابن وصاف: "فيما سقت السماء والأنهار العشر، وما سقي بالدلاء فنصف العشر"، ولفظه في القواعد: "بالدوالي والنواضح"، وفي الإيضاح: "بالدوالي والغروب"، وفي البخاري: "وما سقي بالنضح نصف العشر"، والمؤدي في الجميع واحد، والله أعلم. (2/102)
صفحة 502
قوله: «والغرب»، قال ابن وصاف: "هو الدلو الكبير، والغرب يؤنث ويذكر، والغرب أيضا الحد، وغرب كل شيء حده، يقول القائل أَمسِك عني غربك أي أَمسِك عني حدَّك وشَرَّك، وغرب السيف حده"، انتهى.
وقال في الصحاح: والغرب أيضا الدلو العظيمة ... إلخ.
تنبيه: اعلم أنهم اختلفوا فيما سقي بالمعالجة والغيث مثلا: قال بعضهم: يزكى على ما أسس، وقال بعضهم: على ما أدرك، وقال بعضهم: بالمقاسمة بأن ما كان من ذلك بالمعالجة، هل يبلغ النصف أو أكثر أو أقل، فيخرج منه نصف العشر؟ وما كان بغير المعالجة لم يبلغ، فيخرج منه العشر، قال في الإيضاح: وهذا القول عندي أحسن، لما فيه من الاحتياط، وكذلك إن كانت هذه الأنواع للشركاء، بعضهم يسقيها بالمعالجة، وبعضهم يسقيها بالعيون على ما قدمنا، والله أعلم، انتهى.
قال ابن حجر: فإن وجد ما يسقي بهما، فظاهره أنه يجب فيه ثلاثة أرباع العشر، إذا تساوى ذلك، وهو قول أهل العلم، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافا، وإن كان أحدهما أكثر، كان حكم الأقل تبعا للأكثر، نص عليه أحمد، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، والثاني يؤخذ بالقسط، إلى أن قال: وعن ابن القاسم صاحب مالك، العبرة بما تم به الزرع، وانتهى ولو كان أقل ... إلخ.
قوله ومن طريقه صلى الله عليه وسلم: «خمس أواق»، (بهمزة مفتوحة من غير مد) على وزن مفاعل منقوصا كجوار، أو بياء مشددة على وزن مفاعيل، جمع أُوقِيَّة، (بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة وقاف مكسورة وياء مشددة)، بوزن أثفية.
قال في الصحاح: "والأوقية في الحديث أربعون درهما، وكذلك فيما مضى، فأما اليوم فيما يتعارفه الناس ويقدِّر عليه الأطباء فالأوقية عندهم وزن عشرة دراهم، وخمسة أسباع درهم، وهو أستار وثلثا أستار، والجمع الأواقي، مثل: أثفية وأثافي، وإن شئت خففت الياء في الجمع ... إلخ.
والمراد من الأوقية في الحديث، المعنى الأول كما بينه المصنف رحمه الله، فيكون نصاب الفضة مائتي درهم، والدرهم قيراطان، والقيراط ثلاثون حبة من شعير متوسط مقطوع الذنبين، فإذا حال الحول عليها ففيها خمسة دراهم، ثم لا شيء في الزيادة عندنا حتى تبلغ أربعين درهما، ثم فيها درهم، وذهب كثير من مخالفينا إلى أنه يخرج من ذلك ربع العشر، قَلَّت الزيادة أو كثرت، والله أعلم.
قوله: «ليس فيما دون عشرين مثقالا صدقة»، يعني في غير المسكك، ومثلها عشرون دينارا في المسكك. قال في الايضاح: "والمثقال عندهم وزن ثلاثة قراريط من الفضة، والقيراط وزن ثلاثين حبة من الشعير، وهذا في غير المسكك من التبر، وأما المسكك فإن وزن الدينار عندهم أربع وثمانون حبة ونقصت منه ست حبات بالنار"، وفي كلام الوضع ما يخالف هذا حيث قال: (2/103)
صفحة 503
"والمثقال ثلاثة قراريط، والقيراط ثلاثون حبة والدينار أربعة وعشرون قيراطا والقيراط أربع حبات ... إلخ".
والحاصل أن قيراط الفضة وزنه ثلاثون حبة، وقيراط الذهب وزنه أربع حبات، وفي كلامه رحمه الله إشكال، لأنه يقضي أن الدينار أكبر من المثقال، لأنه جعل الدينار ستا وتسعين حبة والمثقال تسعين حبة، والظاهر ما عليه كلام الإيضاح، فإن النار تأكل الوسخ، فينقص الدينار عن المثقال والله أعلم.
ثم لا شيء في الزيادة عندنا أيضا حتى تبلغ أربعة دنانير أو أربعة مثاقيل، فيكون فيها ربع العشر كما هو معلوم.
قوله: «وليس فيما دون خمس ذود صدقة»، قال بعض من تكلم على هذا الحديث الرواية المشهورة "خمس ذود"، بإضافة ذود إلى خمس، وروي تنوين خمس فيكون ذود بدلا منه، حكاه ابن عبد البر والقاضي وغيرهما، والمعروف الأول، ونقله ابن عبد البر والقاضي عن الجمهور.
قال أهل اللغة: الذود وهو بفتح الذال المعجمة من الثلاثة إلى العشرة، لا واحد له من لفظه، وإنما يقال في الواحد بعير، وكذلك النفر والرهط والقوم والنساء، وأشباه هذه الألفاظ لا واحد لها من لفظها، وقولهم خمس ذود كقولهم خمسة أبعرة وخمسة جِمال وخمس نوق وخمس نسوة، قال سيبويه: يقال ثلاث ذود لأن الذود مؤنث انتهى.
وقال: "بإضافة ذود إلى خمس"، الظاهر أن في العبارة قلبا، والأصل بإضافة خمس إلى ذود، ويجوز إبقاؤه على ظاهره؛ لأن منهم من يسمي الأول من المتضايفين مضافا إليه والثاني مضافا، وقيل يطلق كل منهما على الآخر، وقد وقع الإجماع على أن في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتين، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم توجد فابن (2/104)
صفحة 504
لبون ذكر إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإن زادت ففيها حقة طروقة الفحل إلى ستين، فإذا زادت ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها بنتا لبون إلى تسعين، وإذا زادت واحدة ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومائة، فإذا زادت تغير الحكم وكان في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ولا شيء في الشنق وعلى الصحيح وهو ما بين الفريضتين، وإنما تجب الزكاة عندنا في الإبل إذا كانت سائمة لما ورد عنه عليه السلام أنه قال: "لا زكاة في الإبل الجارَّة"، كما سيأتي، والله أعلم.
قوله: «وليس فيما دون أربعين شاة صدقة»، يعني فإذا بلغت أربعين شاة إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه، ثم لا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعمائة، فيكون في كل مائة شاة، ويستتم الشريك النصاب بنصيب شريكه في الإبل والبقر والغنم ويؤدي كل واحد منهما على قدر حصته، ويضم المعز إلى الضأن إجماعا، ويؤخذ من كل منهما على قدره على الأصح، ويعد في النصاب الكبير والصغير، ولو حمله الراعي عند بعضهم، ولا يعطي إلا المسنة السالمة من العيوب، ولو كانت كلها مهازيل أو ذوات عيب أو خرفانا، على ما نسبه في القواعد لأصحابنا.
وقيل: "زكاة المال منه" وهو الذي يميل إليه صاحب الإيضاح رحمه الله، حيث قال: "وقال آخرون يجوز أن يعطي على غنمه منها"، وهذا القول كما قدمنا أقوى في باب القياس والذي قدمه هو قوله في الخرفان، وقال بعض: جائز أن يعطي على الخرفان خروفا إن لم يكن له غيرها، وهذا القول أقوى في باب القياس لأن زكاة المال منه، انتهى.
واختلفوا أيضا في الغنم هل تجب فيها الزكاة مطلقا، لعموم قوله عليه السلام: "في الأربعين شاة" أو لا تجب إلا في سائمة الغنم الزكاة؟ وظاهر كلام صاحب الإيضاح رحمه الله، يدل على أن المختار وجوب الزكاة في السائمة وغيرها من الغنم دون الإبل حيث قال بعد ذكر سبب الخلاف: "والعموم أقوى من دليل الخطاب"، وكذلك في الإبل لقوله عليه السلام: "ليس فيما دون ذود صدقة"، غير أنه قد ورد في الإبل إسقاط الزكاة عن غير السائمة تصريحا ... إلخ. (2/105)
صفحة 505
قوله: «وليس فيما دون خمسة أوساق صدقة» الأوساق جمع وسق، (بفتح الواو وكسرها والفتح أفصح)، يجمع على أوساق وأوسق، وهو في الأصل مصدر بمعنى الجمع، ومنه قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} [الانشقاق:17]،أي جمع، والوسق ستون صاعا والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث عند الجمهور، قال في القواعد: "وزيادة يسيرة بالبغدادي"، وبه قال أهل الحجازي وذهب أبو حنيفة إلى أن المد رطلان ... إلخ، وفي كتب قومنا، الرطل مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا، كل درهم خمسون وخُمُسَا حبة من مطلق الشعير المتوسط، لا من ممتلئه ولا من مضاميره مقطوع من طرفيه ما امتد خارجا عن خلقته. وفي بعض كتب الشافعية أيضا: "والنصاب خمسة أوسق"، وهي بالوزن ألف وستمائة رطل بغدادي وهو مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم على الأصح عند النووي، وبالكيل ستة أرادب وربع أردب بالمصري ... إلخ، لكن كلام صاحب الوضع رحمه الله يدل على أن النصاب أكثر من هذا حيث قال: "والمد رطل وثلث، والرطل خمس عشرة أوقية، والأوقية عشرة دراهم، والدرهم قيراطان، والقيراط ثلاثون حبة"، قال في الإيضاح: "من الشعير"، فعلى كلام صاحب الوضع يكون الرطل مائة وخمسين درهما، فعلى هذا يتفاوت الحال في كل رطل بأحد وعشرين درهما وثلاثة أسباع درهم، في كل درهم تسع حبات وثلاثة أخماس حبة، فعلى كلام صاحب الوضع رحمه الله لا تجب الزكاة بميزان أهل بلادنا؛ حتى تصل الحبوب خمسة عشر قنطارا، وذلك لأن خمسة أوساق فيها ألف وستمائة رطل، لكن رطل أهل بلادنا فيه ست عشرة أوقية، ففي كل رطل أوقية فيتحصل من الأواقي الزائدة مائة رطل، فيكون في خمسة عشر قنطارا ألف وستمائة رطل على كلام صاحب الوضع؛ من أن الرطل في عشرة أوقية، وهذا كله إذا كان درهم بلادنا فيه ستون حبة من الشعير فليحرر، فإن كانت زنته أكثر من ستين حبة فهو كبير، والنصاب أنقص مما ذكر، وإن كانت زنته أنقص من ستين فهو صغير، والنصاب أكثر مما ذكرنا.
والذي عندي في غالب الظن أنه حرر فوجد ستين حبة، وهذا أمر سهل؛ إلا أنه لم تحضر الآلة وقت الكتابة، وعلى هذا فالنصاب بكيل أهل بلادنا على ما تحرر (2/106)
صفحة 506
سبع عشرة ويبة ونصف صاع، وذلك لأن صاع النبي عليه السلام، فيه ثمانية وثلاثة أخماس ثمنية، فالوسق بكيل أهل الجزيرة عام سبعين وألف، فيه ستة وتسعون ثمنية عنها ثلاث ويبات وصاع ونصف فتحصل في جملة الأوساق سبع عشرة ويبة ونصف صاع على ما تحرر عندي، والله أعلم بحقيقة الحال.
تنبيه: اعلم أنهم اختلفوا في تحقيق النصاب هل هو للتحديد؟ وهو الأصح عند الشافعية، أو للتقريب؟ وهو مذهب مالك، فعلى الأول إذا نقص ولو يسيرا أضرَّ كالرطل والرطلين، وقال النووي في شرح مسلم: "إنه للتقريب كالقلتين فلا يضر نقص يسير كالرطل ورطلين"، وقيل خمسة والاعتبار بالكيل لا بالوزن، والله أعلم، وكلام الإيضاح يشعر نصه بوجود القولين في المذهب، وصدر بأنه للتحديد إلى أن قال: ففي هذا دليل على أنه إذا نقص الكيل عن خمسة أوساق قليلا أو كثيرا؛ فإنه ليس فيه صدقة، وقال بعض أهل العلم: النقصان في ذلك نصف صاع أو ربع صاع على قول بعض، وهذا يشبه أن يكون عندهم استحسانا رحمهم الله ... إلخ.
قوله: «سن رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر ... إلخ»، ظاهر هذا الحديث يدل على ما ذهب إليه أصحابنا المغاربة، والحاصل أن في زكاة الفطر ثلاثة أقوال، أحدهما: فرض باق، وإليه ذهب أصحابنا العمانيون، والثاني: أنها فرض منسوخ، والثالث: أنها سنة باقية، قال في القواعد: "وذهب أصحابنا من أهل الجبل وأهل المغرب إلى أنها سنة والأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة.
قوله: «على الحر»، أما إذا كان غنيا فبالاتفاق، وأما إذا كان فقيرا ففيه اختلاف، وظاهر كلام الإيضاح أنه لا يطالَب بها إلا الغني حيث قال: "وأما من تجب عليه فإنها تجب على الغني على قدر اختلافهم في حد الغنى كما قدمنا" والدليل ما روي أنه قال عليه السلام: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" وما روي أنه قال عليه السلام: "في صدقة الفطر صاعا مما تأكلون، يعطيها الغني ويأخذها الفقير"، انتهى، وذكر في القواعد أنه قول أصحاب الرأي. (2/107)
صفحة 507
قوله: «والعبد»، يعني والمخاطب بها سيده، لقوله عليه السلام في زكاة الفطر: "يعطيها الرجل عن نفسه وعن من يعوله"، وهذا متفق عليه إذا كان موحدا، وأما إذا كان مشركا ففيه خلاف، قال في القواعد: وسبب الخلاف هو تنازعهم في الزيادة الواردة في الحديث وهو قوله: "على كل صغير وكبير من المسلمين"، ولم يبين رحمه الله ما هو المذهب فيه، وكأنه قيل بهما في المذهب معا، ولم يترجح عنده أحدهما على الآخر، لكن جعله سبب الخلاف الزيادة الواردة في الحديث يقتضي ترجيح عدم الزكاة فيه، لأن الزيادة في الحديث من الثقة مقبولة، والذي جزم به في الإيضاح، أولا: أنه لا فرق في ذلك بين الموحدين والمشركين: لعموم قوله عليه السلام: "يعطيها الرجل عن نفسه وعن من يعول"، لكن لا تعارض عندنا بين العام والخاص فيخص عموم قوله: "وعن من يعول" بقوله في هذه الزيادة: "من المسلمين" وهو الذي مال إليه صاحب الإيضاح آخرا حيث قال: فهذا الحديث يدل على أنه لا تلزمه زكاة عبيده المشركين ولا نسائه المشركات وكذلك قال بعضم ... إلخ. ولقائل أن يقول: قوله "من المسلمين"، قيد جرى مجرى الغالب، فلا مفهوم له، كقوله تعالى: {وَرَبَآئِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم} [النساء:23]، والله أعلم.
واختلفوا أيضا في عبيد التجارة، والذي جزم به في الوضع، أنه ليس عليه من فطرتهم شيء، يعني لأنه لا يجتمع في مال واحد زكاتان كما قال في الإيضاح والله أعلم.
قوله: «والأنثى»، اعلم أنهم اختلفوا في الزوجة، هل زكاتها على زوجها أو على نفسها؟ استدل من قال بأنها على زوجها، بعموم قوله عليه السلام: "يعطيها الرجل عن نفسه وعن من يعوله". قال في الإيضاح: "وقال آخرون لم تلزمه فطرة الزوجة، كما لا يجب عليه شيء من ديونها، وصدقة الفطر هي من ديونها"، ومن حجة أصحاب هذا الرأي أيضا أن فرض الصدقة كان عليها فالفرض لا ينتقل عنها بتزويجها، ومن حجتهم أيضا أن المرضع ممن يجب على الزوج مؤونتها في وقت رضاعها، ولا تجب عليه فطرتها باتفاق الأمة، وكذلك المطلقة الحامل تلزمه مؤونتها ولا تجب عليه صدقة الفطر عنها. (2/108)
صفحة 508
والحجة لأصحاب القول الأول أن المطلقة الحامل والمرضع كالأجيرين، والزوجة ليست كذلك، والله أعلم، انتهى. وجزم في الوضع بهذا القول حيث قال: "يخرجها الرجل عن من يعول ... إلخ"، وهو الذي جرى به العمل في زماننا، والله أعلم.
قوله: «والصغير والكبير»، أما الصغير فيخاطب بها من تلزمه نفقته، وهل يخرجها من ماله مطلقا؟ وهو ظاهر إطلاق الوضع والإيضاح، قال في الإيضاح: "وعن من يمونه ممن تلزمه نفقته؛ مثل أولاده الأطفال ... إلخ"، أو لا يخرجها من ماله إلا إذا لم يكن للطفل مال، وهو ظاهركلام القواعد، حيث قال: "واتفقوا على أنها تجب على المرء في نفسه، وأنها زكاة بدن لا زكاة مال، وأنها تجب عليه في أولاده الصغار إذا لم يكن لهم مال ... إلخ".
وفي حكايته رحمه الله الاتفاق على الوجوب، تأمل مع ما تقدم عن أصحابنا المغاربة، اللهم إلا أن يقال المراد بوجوبها مطلقا إخراجها، وهو ماش على ما ذهب إليه المشارقة، والله أعلم. وأما الكبير الذكر فيخاطب بها في نفسه على ظاهر كلام الإيضاح والقواعد، رحمه الله ولو كان تحت أبيه، أعني أنه لا يجزيه؛ لأنه لا تجب عليه نفقته، وأما عن ظاهر كلام الوضع فيخاطب بها أبوه حيث لم يجزه قال: "وكل من جاز من أولاده البلوغ، فليس عليه منه شيء، وأما البنات فيخاطب بزكاتهن أبوهن ما لم يجلبهن أزواجهن، قال في الإيضاح: "وبناته البالغات ولو تزوجن ما لم يجلبهن أزواجهن، وينبغي أن يزيد أو يؤمروا بجلبهن قياسا على النفقة، والله أعلم.
قوله: «صاعا من تمر ... إلخ»، تقدم أن صاع النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أمداد، وأن المد رطل وثلث عند الجمهور، وأنه بكيل جربة، إلا أن فيه ثمنية وثلاثة أخماس ثمينة، يعطيها الإنسان عند أصحابنا من جل قوته وكثرة عيشه من قمح أو شعير أو بر أو ذرة أو زبيب أو لحم أو لبن أو بقل أو غير ذلك مما يأكله، ما خلا بقول الصحراء لأن الأغياء والفقراء في ذلك سواء، قال في الإيضاح: "ويعطي من اللبن صاحبه حين يحلبه بكيل، ويعطي صاحب البقل من البقل منقطعا بكيل، وكذلك صاحب اللحم يعطيه منقطعا وينزع عظامه ... إلخ". (2/109)
صفحة 509
وقال في القواعد: "وقال آخرون إنما تخرج من البر أو الشعير أو التمر أو الزبيب أو الإقط، وأنه مخير في إخراج أيها شاء ... إلخ". وظاهر هذا الحديث يدل على ما ذهبوا إليه، وأما أصحابنا فقد استدلوا بقوله عليه السلام: "صاعا مما تأكلون"، وأما الاقتصار في هذا الحديث على ما ذكر؛ فلأنه اعتبر غالب قوت الإنسان والله أعلم. ولا تعطى زكاة إنسان واحد من جنسين، ولا تعطى إلا للمتولى عند أصحابنا، قال في الإيضاح لأنها زكاة ولا يأخذها الغني مثل الزكاة. وتجب بطلوع الفجر من يوم الفطر وقيل بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان.
قال في الإيضاح: "وقد أجازأصحابنا تعجيلها في شهر رمضان قياسا على تعجيل زكاة الأموال، إلى أن قال: وأفضل إخراجها يوم الفطر قبل الصلاة، ثم قال: وإن أخرجها بعد الصلاة أجزأ عنه ذلك، وقيل هي فطرة حتى ينسلخ الشهر، ثم قال: وقال قوم هي فطرة من يوم الفطر إلى يوم الأضحى ... إلخ".
وذكر في القواعد أن هذا هو المذهب، قال في الإيضاح: "وبعض أجاز له أن يعطي قيمة الصاع من الذهب والفضة كما قدمنا قبل هذا في الزكاة.
قوله: «أو من أقط»، الأقط شيء يتخذ من اللبن ويجفف وهو (بكسر القاف وربما تسكن في الشعر وتنقل حركة القاف إلى ما قبلها)، وأظن أنه قد تقدم الكلام عليه والله أعلم.
قوله: «جرح العجماء جبار»، لفظه في الجامع "العجماء جرحها جبار"، قال العلقمي: العجماء (بفتح المهملة وسكون الجيم وبالمد تأنيث) أعجم وهو البهيمة، ويقال أيضا لكل حيوان غير الإنسان، ويقال أيضا لمن لا يفصح، والمراد هنا الأول، وإنما سميت البهيمة عجماء لأنها لا تتكلم، إلى أن قال: الجرح هنا (بفتح الجيم على المصدر)، لا غير قاله الأزهري، فأما الجُرح (بالضم) فهو الاسم، والمراد بجرحها ما يحصل بالواقع فيها من الجراحة، وليست الجراحة مخصوصة بذلك، بل كل الإتلافات ملحقة بها، قال عياض: وإنما عبر بالجرح لأنه الأغلب، أو هو مثال نبه به على ما عداه.
قوله: «جُبَار»، قال العلقمي: (بضم الجيم وتخفيف الموحدة)، هو الهدرالذي لا شيء فيه، والمراد الدابة المرسلة في رعيها، أو المنفلتة من صاحبها انتهى، (2/110)
صفحة 510
وقال في الديوان: "وأما الدابة فلا يلزمه ما عملت في هروبها ... إلخ"، فذكر الحديث، وقال في القواعد: "وأما البهائم فإنه إن ضيع لزمه الضمان قليلا كان أو كثيرا، وقيل مقدار الرقاب، وإن لم يُضيِّع فلا ضمان عليه إذا أوثقها بما يوثق به مثلها فانفلتت ولم يقدر عليها، انتهى، وكلام القواعد أخص من كلام الديوان، والله أعلم.
قوله: «والبئر جُبَار»، قال العلقمي: "البئر"، (بكسر الموحدة ثم ياء ساكنة مهموز، يجوز تسهيلها وهي مؤنثة، وقد تُذكر على معنى القليب والطوي، قال أبو عبيد: "المراد بالبئر هنا العادية القديمة، التي لا يعلم لها مالك تكون في البادية، ويقع فيها إنسان أو دابة، فلا شيء في ذلك على أحد، انتهى. وقال شيخنا: "يتأول بوجهين: بأن يحفر الرجل بئرا بأرض فلاة للمارة فيسقط فيها إنسان فيهلك، وبأن يستأجر الرجل من يحفر له البئر في ملكه فينهار عليه فإنه لا يلزم بشيء من ذلك"، انتهى كلام العلقمي. وهذا التأويل أظهر من تأويل أبي عبيد، والله أعلم.
قوله: «والمعدن جبار»، قال العلقمي: "أي هدر، وليس المراد أنه لا زكاة فيه وإنما المعنى أن من استأجر رجلا ليعمل في معدن مثلا فهلك فهو في هدر لا شيء على من استأجره"، وعبر عنه شيخنا بقوله: "هم الأجراء في استخراج ما في بطون الأرض، لو انهار عليهم المعدن لا يكون على المستأجر غرامة"،انتهى. وقال شيخنا زكرياء: "المعدن هو الجوهر المستخرج من مكان خلقه الله تعالى فيه، وسمي به مكانه أيضا لإقامة ما خلقه الله فيه، تقول عدَنَ بالمكان يعدن إذا أقام به، والأصل في زكاته قبل الإجماع قوله تعالى: {أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الاَرْضِ} [البقرة:267] ".
وذكر الحاكم في صحيحه: أنه صلى الله عليه وسلم أخذ من المعادن القبلية الصدقة، إذا استخرج من تلزمه الزكاة من معدن أي مكان موات، أو ملك له نصابا من ذهب أو (2/111)
صفحة 511
فضة لا من غيرهما كلؤلؤ وياقوت وحديد ونحاس، إلى أن قال: "لزمه ربع العشر في الحال ولا يعتبر الحول إلى آخره"، والذي عليه أصحابنا رحمهم الله إنما يخرج من المعدن من الذهب والفضة إذا بلغ النصاب، واستقبل به الحول لأنه كسائر الذهب والفضة، وذكر في القواعد أنه مذهب الشافعي، فعلى هذا يخالف ما ذكره العلقمي مع أنه شافعي، والله أعلم، وعدم اعتبار الحول هو مذهب مالك.
قوله: «وفي الركاز الخمس»، قال العلقمي: الركاز بمعنى المركوزكالكتاب بمعنى المكتوب، ومعناه لغة: الثبوت، وشرعا: ما دفنه جاهلي في موات، سواء كان بدار الإسلام أو بدار الحرب وإن كانوا يذبون عنه، إلى أن قال: وحصره في الموات يخرج ما لو وجده في طريق مسلوك أو مسجد فهو لقطة، وإذا وجده في أرض مملوكة فإن كان المالك الذي وجده فهو له، وإن كان غيره فإن ادعاه المالك فهو له، وإلا فهو لمن تلقاه عنه، إلى أن ينتهي الحال إلى من أحيى تلك الأرض ... إلخ، وذكر في القواعد فيه قولين: إذا وجده فى ملك الغير- ولم يذكر ما هو المذهب- حيث قال: "واختلفوا فيه أيضا إذا وجد في ملك الغير من دار أو أرض فقيل هو للواجد، وقيل هو لمالك الأرض أو الدار، والله أعلم، ولا يؤخذ الركاز إلا إذا وجد فيه علامة أهل الشرك كالصليب والتمثال، ولا يأخذه عند أصحابنا إلا من يأخذ الغنيمة، فلا يأخذه ذمي ولا عبد ولا امرأة ولا صبي، ولا يجب فيه الخمس عندنا إلا إذا كان أكثر من خمس دوانق، قال في القواعد: "وأجمعوا على أن الخمس في ركاز الذهب والفضة، واختلفوا فيه إذا كان جوهرا أو حديدا أو غير ذلك من العروض، فقال جمهور فقهاء الأمصار في جميع ذلك الخمس ... إلخ"، ولم يذكر ما هو المذهب والظاهر أن الجميع غنيمة، والله أعلم، قال العلقمى: "وخصّه الشافعي بالذهب والفضة"، وقال الجمهور: لا يختص، ومصرفه عند مالك وأبي حنيفة والجمهور مصرفُ خُمُس الفيء، وعند الشافعي مصرف الزكاة، وعن أحمد روايتان ... إلخ، وظاهر كلام القواعد أن مصرفه مصرف الزكاة حيث قال: "أخرج خمسة إلى الإمام وأهل ولايته إن عدم الإمام" (2/112)
صفحة 512
قال العلقمي: "فائدة: قال شيخنا: وقع في زمن شيخ الإسلام عز الدين ابن عبد السلام، أن رجلا رآى النبيء عليه السلام في النوم، فقال له: اذهب إلى موضع كذا، فاحفره فإن فيه ركازا فخذ ذلك ولا خمس عليك فيه، فلما أصبح ذهب إلى ذلك الموضع فحفره فوجد الركاز، فاستفتى علماء عصره، فأفتوه بأنه لا خمس، عليه لصحة الرؤ يا، وأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام بأن عليه الخمس، قال: وأكثر ما ينزل منامه منزلة حديث روي بإسناد صحيح، وقد عارضه ما هو أصح منه وهو الحديث المخرج في الصحيحين "في الركاز الخمس "، انتهى ... الخ، والظاهر ما أفتى به علماء عصره فيكون كقوله عليه السلام في كفارة الذي أتى أهله نهارا: "ولا تُجزي أحدا غيرك"، والله أعلم.
في الصحيحين (في الركاز الخمس) انتهى إلخ، والظاهر ما أفتى به علماء عصره فيكون كقوله صلى الله عليه وسلم في كفارة الذى أتى أهله نهارا (ولا تجزي أحدا غيرك) والله أعلم. (2/113)
صفحة 513
الباب الثاني في ما لا يؤخذ في الزكاة
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد) قال بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للسعاة (لا تأخذوا من أرباب الماشية سخلة ولا ربا ولا أكولة ولا فحلا ولا شارفة ولا ذات هزال ولا ذات عوار)، قال الربيع السخلة التي تتبع أمها وهي ترضع عليها، والربا التي تربي ولدها، والأكولة شاة اللحم وهي السمينة.
(قوله سخلة) وذلك لأنه لا يعطى في الزكاة إلا المسنة الثنية من الضأن فما فوقها والرباعية من المعز فما فوقها قال في الإيضاح إن أعطى الجذعة من الضأن والثنية من المعز فلا بأس وهو أقل ما يجزي في الضحايا على ما روي إلخ، وظاهر هذا الحديث يقتضي أنه لا تؤخذ السخلة ولو كانت كلها سخالا وهو المذهب على ما في القواعد، وتقدم عن الإيضاح أن الأقوى في القياس أن زكاة المال منه، أقول: لكن فيه أنه لا حظ للنظر مع وجود الأثر والله أعلم. (2/114)
صفحة 514
قوله (السخلة التي تتبع أمها وهي ترضع عليها) يعني من أولاد الضأن والمعز، قال في الصحاح أبو زيد يقال لأولاد الغنم ساعة تضعه من الضأن والمعز جميعا ذكرا كان أو أنثى سخلة وجمعها سخل وسخال.
قوله (والربا التي تربي ولدها) قال الأزهري وجمعها رباب بضم الراء، وهذا الاسم يطلق عليها إلى خمسة عشر يوما من ولادتها، وقال في الصحاح: والربى على فعلى بالضم الشاة التي وضعت حديثا، وجمعها رباب بالضم، والمصدر رباب بالكسر وهو قرب العهد بالولادة، تقول شاة ربي بينة الربابة وأعنز رباب، قال الأموي هي ربي ما بينها وبين شهرين، قال أبو زيد الربي من المعز، وقال غيره من المعز والضأن جميعا، وربما جاء في الإبل أيضا إلخ.
وإنما لم يجوز أخذها لأنها من كرائم الأموال وقد نهى عليه السلام أن تؤخذ كرائم الأموال إلا أن يشاء ربها، وقال في الإيضاح ولعله إنما نهى عن ذلك عليه السلام لئلا يفرق بينها وبين ولدها كما روي أن رجلا قال له: أبعث إليك ببدنة هدية؟ قال: نعم ولا تجعلها ولهى، والولهى هي الربا إلخ، وقيل لا تؤخذ لأنها لقرب ولادتها مهزولة بالولادة والله أعلم.
قوله (والأكولة شاة اللحم وهي السمينة) وقال في الصحاح: والأكولة، الشاة التي تعزل للأكل وتسمن ويكره للمصدق أخذها إلخ، وهذا أظهر في المراد من الأول، وقال في الإيضاح إنما نهاهم عن ذلك إلا أن يشاء رب الغنم فحسن جميل، لما روي من طريق آخر أنه نهى أن تؤخذ كرائم الأموال ولا زيفها، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم السعاة أن يأخذوا خيار الأموال، ونهى أرباب الأموال أن يعطوا الدون من أموالهم إلخ.
(أبو عبيدة قال بلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لسعاته (ولا تأخذوا خزرات الناس ولا الحاقل) قال الربيع الخزرات الخيار، والحاقل ذات الضرع العظيم.
قوله (والخزرات خيار الأموال) قال في مختصر الصحاح خزرة المال خياره بوزن حضرة، ثم قال والجمع خزرات بفتح الزاء، وفي الحديث (لا تأخذوا من خزرات أنفس الناس شيئا) يعني في الصدقة.
قوله (والحاقل ذات الضرع العظيم) المراد أنها الكثير اللبن، قال في الصحاح وضرع حاقل أي ممتليء لبنا إلخ، وبقي مما صرح به بالنهي عن أخذه على ما في القواعد الماخض وهي الحامل التي ضربها الطلق، أخذا من المخاض وهو وجع الولادة، واللبون وهي ذات اللبن، قال في الصحاح أبو زيد اللبون من الشاة (2/115)
صفحة 515
والإبل ذات اللبن غزيرة كانت أو بكية، وجمعها لبن ولبن، وعن يونس يقال: كم لبن غنمك؟ كم لبن غنمك؟ أي ذوات الدر منها قال فإذا قصدوا الغزيرة قالوا اللبنة إلخ.
(أبو عبيدة قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمد الرجل إلى أشر ماله فيزكي منه قال (وخيركم عند الله من يخرج من ماله أحسنه).
قوله (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمد الرجل إلى أدنى ماله إلخ) قال في الإيضاح بعد حكاية هذه الأحاديث إنما يأخذ المصدق الأوسط، ولذلك قال بعضهم يقسم المصدق الغنم، أثلاثا فيأخذ صاحب الغنم الثلث الجيد، والثلث الرديء، ويختار المصدق من الثلث الاوسط ما وجب عليه إلخ. (2/116)
صفحة 516
الباب الثالث في ما عفي عن زكاته
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس في الجارة ولا في الكسعة ولا في النخة ولا في الجبهة صدقة) قال الربيع الجارة الإبل تجر بالزمام وتذهب وترجع بقوت أهل البيت، والكسعة الحمير، والنخة الرقيق، والجبهة الخيل، قال الربيع قال أبو عبيدة ليس في شيء من هذا صدقة ما لم يكن للتجارة.
قوله (الجارة الإبل التي تجر بالزمام إلخ) قال في الإيضاح وسميت جارة في معنى مجرورة كما يقال سر كاتم أي مكتوم، قال الله تعالى (فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق) أي مدفوق إلخ، ومثل الإبل الجارة البقر العوامل فإنه لا فرق بينهما في الخلاف في وجوب الزكاة وعدم وجوبها.
قال في القواعد واختلفوا في العوامل من الإبل والبقر إلخ إلا أنه روي عن ابن جعفر وغيره من أصحابنا أن المأخوذ به وجوب الزكاة فيها عندهم، لكن استبعده حيث قال: وقالت طائفة في الإبل النواضح والبقر السواقي وبقر الحرث صدقة. وروي هذا عن مكحول وقتادة وبه قال مالك، وروي مثله في كتاب ابن جعفر وغيره من أصحابنا، وأن هذا هو المأخوذ به عندهم، وهذا مع استضافة حديث الرسول وهو قوله (ليس في القتوبة ولا في الجارة صدقة) وأظن أنهم احتجوا بعموم قوله عليه السلام (في خمس ذود صدقة)، ومن أسقط الزكاة عن العوامل خصه بالحديث المتقدم إلخ، وجزم في الإيضاح بهذا كما تقدم في زكاة الإبل، (2/117)
صفحة 517
والعجب لأصحابنا كيف عدلوا عن هذا الحديث الصحيح على كلام القواعد مع أن العام والخاص لا يتعارضان كما تقدم والله أعلم.
قوله (والكسعة) يعني بضم الكاف وسكون السين كما ضبطه في الصحاح.
قوله (والنخة) يعني بفتح النون والخاء المشددة كما ضبطه في الصحاح أولا.
قوله (الرقيق) هذا هو الذي جزم به في الصحاح أولا، وذكر فيها أيضا قولين آخرين حيث قال: والنخة الرقيق ويقال البقر العوامل، قال ثعلب هذا هو الصواب لأنه من النخ وهو السوق الشديد، وفي الحديث (ليس في النخة صدقة) وكان الكسائي يقول: إنما هو النخة بالضم، قال وهو البقر العوامل، وقال الفراء: النخة بالفتح أن يأخذ المصدق دينار النفقة بعد فراغه من أخذ الصدقة وأنشد إلخ.
قوله (ليس في شيء من هذا صدقة إلخ) خلافا لما ذهب إليه ابن جعفر وغيره من أصحابنا وطائفة من غيرهم كما تقدم في الإبل الجارة، وخلافا لما ذهب إليه أبو حنيفة في الخيل كما سيأتي.
قوله (ما لم تكن للتجارة) يعني فيزكي زكاة النقدين بأن يخرج منه ربع العشر كما هو معلوم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليس على الرجل في عبده ولا في فرسه صدقة).
قوله (ليس على الرجل في عبده ولا في فرسه صدقة) قال ابن حجر: قال ابن رشيد: أراد بذلك الجنس في الفرس والعبد لا الفرد الواحد إذ لا خلاف في ذلك في العبد المتصرف والفرس المعد للركوب، ولا خلاف أيضا أنها لا تؤخذ من الرقاب، وإنما قال بعض الكوفيين يؤخذ منها بالقيمة، إلى أن قال: والخلاف في ذلك عن أبي حنيفة إذا كانت الخيل ذكرانا وإناثا نظرا إلى النسل، فإن انفردت فعنه روايتان، ثم إن عنده أن المالك يخير بين أن يخرج عن كل فرس دينارا أو يقوم ويخرج ربع العشر، واستدل عليه بهذا الحديث، وأجيب بحمل النفي فيه على الرقبة لا على القيمة، واستدل به من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقا ولو كلها للتجارة. وأجابوا بأن زكاة (2/118)
صفحة 518
التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره فيختص به عموم هذا الحديث والله أعلم انتهى.
وإنما تجب الزكاة عند أبي حنيفة في الخيل إذا كانت سائمة مقصودا بها النسل تشبيها بالإبل والبقر لكن الواجب عنده دينار عن كل فرس أنثى أو ربع العشر بالقيمة كما تقدر عن ابن حجر، ووافقه على ذلك شيخه حماد بن أبي سليمان وزفر وكافة العلماء من السلف والخلف على خلافهم والله أعلم. (2/119)
صفحة 519
الباب الرابع في الوعيد في منع الزكاة
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مانع الزكاة يقتل).
قوله (مانع الزكاة يقتل) يعني إذا منعها عن الإمام العدل كما ذكره في الحديث الثاني.
(
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغنا أن أبا بكر الصديق قال: (والله لو منعوني عقالا لقاتلتهم عليه)، قال الربيع قال أبو عبيدة: ذلك منعها من الإمام الذي يستحق أخذها، وأما غيره فلا يقتل لمن منعه إياها).
قوله (والله لو منعوا مني عقالا إلخ) هذا جواب لقول عمر رضي الله عنه كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ كما بينه في (2/120)
صفحة 520
البخاري حيث قال بعد ذكر الإسناد أن أبا هريرة قال: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر فكفر من كفر من العرب فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله)؟ فقال: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها) قال عمر: فو الله ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر فعرفت أنه الحق انتهى.
وقوله في البخاري (وكان أبو بكر) قال ابن حجر (كان) تامة بمعنى حصل، والمراد به قام مقامه انتهى، قال في الإيضاح بعد رواية الحديث: وما كان يستحل أبو بكر رضي الله عنه سفك دمائهم على غير واجب انتهى.
والحاصل أن مانع الزكاة من إمام العدل يقتل كتارك الصلاة لاشتراكهما في الغاية في قوله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) فإن الآية تدل على أنه لا غاية لقتال المشركين إلا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وذهب بعضهم إلى أن مانع الزكاة يقاتل ولا يقتل صبرا لإمكان أن تؤخذ منه قهرا بخلاف الصلاة وهو كلام متجه والله أعلم.
قوله (وأما غيره فلا يقتل من منعه إياها) بل ولا مجوز له دفعها للإمام الجائر ولا لعامله.
قال في الإيضاح فإذا كان الإمام مسلما فليدفعوا زكاة أموالهم لمن أرسله إليهم، وإن كان غير متول فلا يدفعوا إلى العامل ولو كان متوليا إلا إن خاف على نفسه، وإن أعطاها للحامل بالتقية فعليه أن يعيدها في المسلمين إلخ.
مسألة: واختلف أصحابنا فيمن ضيع زكاة ماله هل يكفر أولا؟ قال في القناطر: ومن أخر زكاة ماله مع التمكن فقد عصى.
وقيل: من فرط فيها مع التمكين حتى يدخل حول في حول فإنه هالك.
وقيل: لا يهلك ما لم يمت مضيعا لها إلخ، وهذا القول هو الذي جزم به في الدعائم حيث قال: (2/121)
صفحة 521
والزكوات مثله ووقتها ... إلى انقطاع الرزق والحبل
قال الشيخ أبو القاسم الرادي رحمه الله في شرح قوله: (والزكوات مثله) أي والزكاة مثل الحج لا يسع جهلها ولا يكفر بتأخيرها حتى يموت، فإن مات ولم يؤدها أيضا مات كافرا.
وقوله (وقتها إلى انقطاع الرزق والحبل) أي وقتها متراخ إلى الموت، والرزق والحبل كناية عن الموت لعلة والأجل إلخ.
لكن قوله (فإن مات ولم يؤدها أيضا مات كافرا) لعله أراد إذا لم يوص بها كما فعل في الحج وذكر ذلك غيره كما هو معلوم، وقوله (والرزق والحبل كناية عن الموت) لعله وانقطاع الرزق، والحبل، أو هو حذف مضاف.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا صلاة لمانع الزكاة) قالها ثلاثا والمتعدي فيها كمانعها، قال الربيع المتعدي فيها هو الذي يدفعها لغير أهلها).
قوله (لا صلاة لمانع الزكاة إلخ) المراد أنه لا يثاب عليها، وليس المراد أنها باطلة، ويؤمر بإعادتها، لأن الفاسق لا يطالب بالإعادة إذا تاب وقد أتى بالفعل مستوفى للشروط بل يثاب عليه بعد التوبة كما تقدم في باب ذكر الشرك والكفر عند قوله (فإن تاب جدد له العمل) والله أعلم.
ثم ظاهر هذا الحديث يقتضي أن مانع الزكاة كافر مطلقا اللهم إلا أن يحمل على ما إذا منعها من الإمام العادل وهو المتبادر من المنع كما تقدم تأويله في مانع الزكاة بقتل، أو يحمل على المانع لها على جهة الإنكار لفريضتها فحينئذ يكون مشركا وصلاته باطلة كما هو معلوم والله أعلم.
قوله (والمتعدي فيها هو الذي يدفعها لغير أهلها) قال في القناطر ولا يجوز أن يعطي لخمسة: مشرك ومنافق وعبد وغني ومن تلزمه نفقته من والدين وولد غير بالغ وزوجة وأشباههم إلخ.
قال بعد في التاسعة من الوظائف التي يجب على مؤدي الزكاة مراعاتها ما نصه (التاسعة أن يطلب بصدقته فقراء أهل الولاية من تزكو به الصدقة، فإن في عمومهم خصوصا، فليراع خصوص تلك الصفات وهي ست.
الصفة الأولى أن يخص بصدقته الزهاد الأولياء المعرضين عن الدنيا، وفي كتاب الضياء قال: ومن قصد بزكاته أهل الفضل كان أفضل، وكذلك قالوا من أعطى زكاته ثقة ضوعفت له أربعا وعشرين زكاة. (2/122)
صفحة 522
الثاني أن يكون من أهل العلم أو التعلم خاصة فإن ذلك إعانة على العلم والتعلم لأن العلم أفضل العبادات مهما صحت النية، ولذلك قيل: من أطعم عالما فكأنما أطعم سبعين نبيا، ومن أطعم متعلما فكأنما أطعم سبعين شهيدا، ويروى أن ابن المبارك كان يخص بمعروفه أهل العلم فقيل له لوعممت؟ فقال: إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلم، وإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجته لم يتفرغ للعلم ولم يقبل على التعلم فتفريغهم للعلم أفضل إلخ.
وقال أيضا رحمه الله في القواعد وأما العدالة المشروطة عند أصحابنا دون غيرهم من أصحابنا رحمهم الله، ولا تدفع لصاحب الكبيرة عندهم إلخ.
وظاهر كلام الإيضاح بل صريحا يدل على وجود الخلاف بين أصحابنا في اشتراط الولاية إلا أنه اختار القول بأنها لا تدفع إلا للمسلمين من أهل الموافقة حيث قال: واختلفوا في هذا الباب في صفة الفقير الذي لا يجوزله أخذ الزكاة.
ذكر في بعض كتب أصحابنا لا تدفع الزكاة إلا لمن يعلم أنه لا يتقوى بها على معصية الله، وأكثر قول المسلمين أنها تدفع للمستحقين لها من أهل دعوة المسلمين، ومنهم من يقول إنها تدفع إلى الفقراء ما لم يعلم منهم خلافا للمسلمين في دينهم.
ومنهم من يقول إذا كانت دعوة المسلمين ظاهرة دفع، إلى أن قال: وأما إن كانت دعوة المسلمين مقهورة فعلى صاحب الصدقة دفعها إلى المسلمين من أهل الموافقة، وهذا القول عندي أحسن، إلى أن قال:
فإذا عدم الإمام ومزجت عهود الناس وأمانتهم فعلى كل ذي مال تلزمه الزكاة أن يضعها في مواضعها التي تكون عز الإسلام وعونا لأهله، ولا يكون ذلك إلا إن وضعها في الولي والله أعلم.
وقال آخرون إن الصدقة لجميع الفقراء ومن دفع شيئا إلى غير الولي فقد بريء إلخ.
قال في القواعد وأما ابن عبد العزيز وشعيب فروي عنهما أن الصدقات للفقراء عامة من أهل الإسلام مسلمين كانوا أو من قومنا تؤخذ منهم وتوضع فيهم إلخ. (2/123)
صفحة 523
وذكر عمنا أحمد بن سعيد رحمه الله في كتاب السير ما يدل على أن ابن عبد العزيز وأصحابه في مسائل الاجتهاد بمنزلة غيرهم من المسلمين حيث قال وفي جواب الإمام أفلح وقد سئل عن أبي المؤرج وابن عبد العزيز فقال وقعت منهم مسائل معروفة فلم يؤخذ بقولهم في تلك المسائل، وأما غيرها فما فيه اختلاف من رأي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف فقهائنا فلا يندفع إسنادهم وهم بمنزلة من سواهم من المسلمين إلخ.
فعلى هذا لو قلدهما الدافع لم يطالب بالإعادة، أو القابض لم يطالب بالرد، ويدل على هذا أيضا ما ذكره صاحب القواعد رحمه الله حيث قال ومن أخذها وهو مشرك مستتر بالإسلام أو عبد في هيئة الأحرار أو غني في زي الفقراء ثم تاب بأنه يردها على صاحبها، أو ينفقها على الفقراء بخلاف صاحب الكبيرة إذا تاب، لأن في إجازة ذلك له خلافا بين العلماء إلخ.
وقوله رحمه الله فيما تقدم (ولا تدفع لصاحب الكبيرة عندهم) أعم من قوله أولا (فلا تدفع الزكاة عندهم إلا للمتولى) كما هو ظاهر والاحتياط أولى والله أعلم.
(وعنه عليه السلام قال (من كثر ماله ولم يزكه جاء، يوم االقيامة في صورة شجاع أقرع له زبيبتان موكل بعذابه حتى يقضي الله بين الخلائق) قال الربيع يعني ثعبانا أقرع فيكون في فمه من كل الجانبين رغوة السم بمنزلة الزبيبتين في التماحهما ولم يرد بهما العينين).
قوله (من كثر ماله ولم يزكه) الظاهر أن المراد بكثرته بلوغه حد النصاب، ولفظه في البخاري (من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاع أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزيه يعني شدقيه ثم يقول أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا (ولا تحسبن الذين يبخلون) الآية) انتهى.
وذكر ابن حجر أن المراد بالمال الفائض، ثم قال ووقع في رواية زيد بن أسلم (ما من صاحب ذمب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نارفأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جبهته وجبينه وظهره) ولا تنافي بين الروايتين لاحتمال الأمرين معا، فرواية ابن دينار توافق الآية التي ذكرها وهي (سيطوقون)، ورواية زيد بن أسلم توافق قوله تعالى (يوم يحمى عليها في نارجهنم الآية). (2/124)
صفحة 524
قوله (يعني ثعبانا أقرع) قال ابن حجر والمراد بالشجاع وهو بضم المعجمة ثم جيم الحية الذكر، وقيل الذي يقوم على ذنبه ويواثب الفارس، والأقرع الذي يقرع رأسه أي تمعط لكثرة سمه، وفي كتاب أبي عبيد سمي (أقرع) لأن شعر رأسه يتمعط لجمعه السم فيه، وتعقبه القزاز بأن الحية لا شعر برأسها فلعله يذهب جلد رأسه، وفي تهذيب الأزهري سمي (أقرع) لأنه يقري السم ويجمعه في رأسه حتى تتمعط فروة رأسه - قال ذو الرمة، إلى أن قال: القرطبي: الأقرع من الحيات الذي ابيض رأسه من السم، ومن الناس الذي لا شعر برأسه انتهى.
قوله (بمنزلة الزبيبتين في التماحهما ولم يرد بهما العينين) ظاهركلامه رحمه الله أن إطلاق الزبيبة على الرغوة المذكورة مجاز وأنهاحقيقة في العين، وظاهركلام الصحاح يدل على أن إطلاقها على الرغوة المذكورة حقيقة، وكذلك على النكتة التي فوق العين حيث قال: والزبيبة قرحة تخرج في اليد والزبيبتان الزبدتان في الشدقين، يقال تكلم فلان حتى زبب شدقاه أي أخرج الزبد عليهما، ومنه الحية ذو الزبيبتين يقال هما النكتتان السوداوان فوق عينيه إلخ.
وقوله (يقال) لعله (ويقال قال ابن حجر زبيبتان تثنية زبيبة بفتح الزاي وموحدتين وهما الزبدتان اللتان في الشدقين، يقال تكلم حتى زبب شدقاه أي خرج الزبد منهما، قيل هما النكتتان السوداوان فوق عينيه، وقيل نقطتان يكتنفان فاه، وقيل هما في حلقه بمنزلة زلمتي العنز، وقيل لحمتان على رأسه مثل القرنين، وقيل نابان يخرجان من فيه انتهى، ولم يذكر إطلاق الزبيبة على العين اللهم إلا أن يكون مراد الربيع رحمه الله بالعينين النكتتين السوداوين فوق العينين، وسماهما عينين مجازا لمجاورتهما العينين، والمعنى أن المراد من الزبيبتين الرغوتان اللتان في جنبي شدقيه الشبيهتان في الالتماح والسواد بالنكتتين وليس المراد نفس النكتتين لأن المعنى الأول أبلغ وليس المراد أنه مجاز والله أعلم. (2/125)
صفحة 525
الباب الخامس في الصدقة
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن الصدقة تطفئ النار) (2/126)
صفحة 526
قوله (ولو بشق تمرة إلخ) المراد من هذا الحديث ونحوه الحث على الصدقة كثيرها وقليلها فهو كقوله تعالى (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء (2/127)
صفحة 527
مرضات الله) فإنه يشمل قليل النفقة وكثيرها قال ابن حجر ويشهد له قوله (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيبة نفس) فإنه يتناول القليل والكثير إذ لا قائل يحل القليل دون الكثير.
ثم قال (وشق) بكسر المعجمة نصفها وجانبها أي ولو كان الاتقاء بالتصدق بشق تمرة واحدة فإنه يفيد، ثم ذكر روايات.
منها (اجعلوا بينكم وبين النارحجابا ولو بشق تمرة).
ومنها (ليتق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة).
ومنها (يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان.
وفي لفظ (تقع من الجائع موقعها من الشبعان) قال وكان الجامع بينهما في ذلك حلاوتها.
وفي الحديث الحث على الصدقة بما قل وما جل، وأن لا يحتقر ما يتصدق به وأن اليسير من الصدقة يستر المتصدق من النار.
قوله (فإن الصدقة تطفئ النار) بدله في البخاري (فإن لم يجد فبكلمة طيبة) وكان المراد بإطفائها النار أن صاحبها لا يدخل النار وهذا إذا كانت خالصة لوجه الله، وكان موفيا بدينه كما هومعلوم، ولكنه بالغ فيها حتى جعلها هي التي أطفأت عنه النار والله أعلم.
(أبو عبيدة قال بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (اليد العليا خير من اليد السفلى والعليا إلخ) في بعض روايات البخاري (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه، ومن يستغن يغنه الله) قوله (والعليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة) هذا التفسير من نفس الحديث وليس من الراوي كما في البخاري وشرحه، وذكر ابن حجر أن في بعض الروايات (أن العليا هي المتعففة) ثم روى أحاديث تشهد لرواية المصنف رحمه الله فقال بعدها فهذه الأحاديث متضافرة على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية، وأن السفلى هي السائلة، وهذا هو المعتمد وهو قول الجمهور، (2/128)
صفحة 528
وقيل اليد السفلى الآخذة سواء كان بسؤال أم بغير سؤال، وهذا أباه قوم واستندوا إلى أن الصدقة تقع في يد الله قبل يد المتصدق عليه.
قال ابن العربي: التحقيق أن السفلى يد السائل، وأما يد الآخذ فلا، لأن يد الله هي المعطية، ويد الله هي الآخذة، وكلتاهما عليايان انتهى.
قال ابن حجر وفيه نظر لأن البحث إنما هو في أيدي الآدميين، وأما يد الله فباعتبار كونه مالك كل شيء نسبت يده إلى الإعطاء، وباعتبار قبوله للصدقة ورضاه بها نسبت يده إلى الأخذ، ويده العليا على كل حال.
وأما يد الآدمي فهي أربعة؛ يد المعطي وقد تضافرت الأخباربأنها عليا.
ثانيها يد السائل وقد تضافرت بأنها سفلى سواء أخذت أم لا، إلى أن قال:
ثالثها يد المتعفف عن الأخذ ولو بعد أن تمد إليه يد المعطي وهذه توصف بكونها عليا علوا معنويا.
رابعها يد الآخذ بغير سؤال وهذه قد اختلف فيها فذهب جمع إلى أنها سفلى وهذا بالنظر إلى الأمر المحسوس: وأما المعنوي فلا يطرد فقد تكون عليا في بعض الصور، وعليه يحمل كلام من أطلق كونها عليا، قال ابن حبان اليد المتصدقة أفضل من السائلة لا الآخذة بغير سؤال، إلى أن قال: فربما كان الآخذ بما أبيح له أفضل وأورع من الذي يعطي انتهى.
وعن الحسن البصري: اليد العليا المعطية والسفلى المانعة ولم يوافق عليه إلخ.
فذكر تأويلات أخرى ثم قال وكل هذه التأويلات المتعسفة تضمحل عند الأحاديث المتقدمة المصرحة بالمراد، فأولى ما فسر بالحديث الحديث.
ومحصل ما في الآيات المتقدمة أن أعلى الأيدي المنفقة ثم المتعففة عن الأخذ ثم الآخذة بغير سؤال، وأسفل الأيدي السائلة والمانعة والله أعلم.
قال ابن عبد البر: وفي الحديث إباحة الكلام بكل ما يصلح من موعظة وغنم وقربة،
وفيه الحث على الإنفاق في وجوه الطاعة، وفيه تفضيل الغني مع القيام بحقوقه على الفقير لأن العطاء إنما يكون مع الغني وقد تقدم الخلاف في ذلك، إلى أن قال: (2/129)
صفحة 529
وفيه كراهة السؤال والتنفير عنه، ومحله إذا لم تدع إليه ضرورة من خوف هلاك ونحوه، وقد روى الطبراني من حديث ابن عمر بإسناد فيه مقالا مرفوعا (ما المعطي من سعة بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجا) إلخ.
(
ومن طريق ابن عباس عنه عليه السلام قال (تصدقوا فإن الصدقة تقي مصارع السوء وتدفع منية السوء) قال الربيع بلغني عن ابن مسعود الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (نفقة الرجل على أهله صدقة).
قوله (تقي مصارع السوء وتدفع منية السوء) تقي من الوقاية وهي الحفظ والمراد والله أعلم أنها تحفظ صاحبها من أنواع البلاء والموت على سوء الخاتمة، وفي الجامع الصغير: الصدقة تسد سبعين بابا من السوء، الصدقة تمنع منية السوء، الصدقة تمنع سبعين نوعا من أنواع البلاء أهونها الجذام والبرص، الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة.
قوله (نفقة الرجل على أهله صدقة) إذا كان محتسبا أي طالبا بها الأجر عند الله كما جاء في حديث آخر (إذا أنفق الرجل على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة) قال العلقمي: قال شيخ شيوخنا: المراد بالاحتساب القصد إلى طلب الأجر، والمراد بالصدقة الثواب وإطلاقها عليه مجاز، ويستفاد منه أن الأجر لا يحصل بالعمل إلا مقرونا بالنية.
وقوله (على أهله) يحتمل أن يشمل الزوجة والأقارب، يحتمل أن يختص بالزوجة ويلحق بها من عداها بطريق الأولى، لأن الثواب إذا ثبت فيما هو واجب فثبوته فيما ليس بواجب أولى، وحذف المقدار من قوله (إذا أنفق) لإرادة التعميم ليشمل الكثير والقليل.
وقال الطبري ما ملخصه الإنفاق على الأقل واجب، والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صدقة بل هي أفضل من صدقة التطوع.
وقال المهلب النفقة واجبة على الأهل بالإجماع، وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر فعرفهم أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفوهم ترغيبا لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع.
وقال ابن المنير تسمية النفقة صدقة من جنس تسمية الصداق نحلة، فلما كان احتياج المرأة إلى الرجل كاحتياجه إليها في اللذة والتحصين وطلب الولد كان الأصل أن لا يجب لها عليه شيء إلا أن الله خص الرجل بالفضل على المرأة وبالقيام عليها (2/130)
صفحة 530
ورفعه عليها بذلك درجة، فمن ثم جاز إطلاق النحلة على الصداق والصدقة على النفقة انتهى.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ردوا السائل ولو بظلف محرق).
قوله (ردوا السائل ولو بظلف محرق) قال العلقمي أي أعطوه ولو ظلفا محرقا، إلى أن قال: وقال أيضا: أي لا تردوه رد حرمان بلا شيء ولو أنه ظلف محرق، والظلف للبقر والغنم كالحافر للفرس والبغل والخف للبعير من النهاية انتهى.
(أبو عبيدة قال بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أطعم مسلما تمرة أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقاه سقاه الله من الرحيق المختوم).
قوله (من الرحيق المختوم) قال البيضاوي من رحيق شراب خالص مختوم ختامه مسك أي مختوم أوانيه بالمسك مكان الطين، ولعله تمثيل لنفاسته، أو الذي له ختام أي مقطع هو رائحة المسك إلخ. (أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان) قالوا فمن يا رسول الله؟ قال (الذي لا يجد غناء يغنيه ولا يفطن إليه فيعطى، ولا يقوم فيسأل الناس).قوله (ليس المسكين) قال ابن حجر: والمسكين مفعيل من السكون قاله القرطبي، قال: فكأنه من قلة المال سكنت حركاته، وكذا قال تعالى (أو مسكينا ذا متربة) أي لاصق بالتراب انتهى. قوله (الذي لا يجد غنى يغنيه) قال ابن حجر في (يغنيه) وهذه صفة زائدة على اليسار المنفي إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن يغنى به بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر، وكأن المعنى نفي اليسار المقيد بأنه يغنيه مع وجود أصل اليسار وهذا كقوله تعالى (لا يسألون الناس إلحافا).
قوله (فيعطى) وقوله (فيسأل الناس) هما بالنصب في جواب النفي، وفي رواية أخرى للبخاري (ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويتسحي أن يسأل الناس إلحافا). قال ابن حجر بعد كلام: وفيه استحباب الحياء في كل الأحوال، وحسن الإرشاد لوضع الصدقة، وأن يتحرى وضعها في من صفته التعفف دون الإلحاح.
وفيه دلالة لمن يقول إن الفقير أسوأ حالا من المسكين، وأن المسكين الذي له شيء لكنه لايكفيه والفقير الذي لاشيء له كما تقدم توجهه يؤيده قوله تعالى (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة يعملون فيها، وهذا قول الشافعي وجمهور أهل الحديث والفقه، وعكس آخرون فقالوا المسكين أسوأ حالا من الفقير، وقال آخرون هما سواء، وهذا قول ابن القاسم وأصحاب مالك، وقيل الفقير الذي يسأل والمسكين الذي لا يسأل إلخ. (2/131)
صفحة 531
قوله (من أنفق زوجين نودي في الجنة إلى آخره) لفظ الحديث في البخاري (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة) فقال أبوبكر بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على من دعي إلخ، قال ابن حجر في رواية البخاري (في سبيل الله) واختلف في المراد بقوله (في سبيل الله) فقيل المراد الجهاد، وقيل ما هو أعم منه إلخ، أقول التعميم هو ظاهر رواية المصنف رحمه الله، قال ابن حجر وقوله (هذا خير) ليس اسم تفضيل بل المعنى (هذا خير) من الخيرات، والتنوين فيه للتعميم وبه تظهر الفائدة انتهى.
قوله (من باب الريان) قال ابن حجر (الريان) بفتح الراء وتشديد التحتانية وزن فعلان من الري اسم علم على باب من أبواب الجنة يختص بدخول الصائمين منه، وهو مما وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه، لأنه مشتق من الري وهومناسب لحال الصائم، إلى أن قال: قال القرطبي: اكتفى بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه، قلت أو لكونه أشق على الصائم من الجوع انتهى، ثم ذكر رواية عند أحمد (لكل أهل عمل باب يدعون منه بذلك العمل إلخ).
قوله (يعني خفين أو نعلين إلخ قال ابن حجر والمراد بالزوجين إنفاق شيئين من أي صنف من أصناف المال إلخ، وظاهره سواء كان لا يستغني أحدهما عن الآخر أو يستغني، وظاهر تفسير الربيع رحمه الله أنه يختص بالأول والله أعلم، قال ابن حجر وسيأتي الكلام على هذا الحديث مستوفى في فضائل أبي بكر إن شاء الله، أقول فإن ظفرنا به كتبناه هنا إن شاء الله.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وذكر الحديث حتى قال ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.
قوله (حتى قال ورجل تصدق بصدقه فأخفاها إلخ) قد تقدم الكلام عليه في باب المساجد فليراجع،
قال ابن حجر وهو أقوى الأدلة على أفضلية إخفاء الصدقة، وأما الآية يعني (إن تبدوا الصدقات الآية) فظاهرة في تفضيل صدقة السر أيضا، ولكن ذهب الجمهور إلى أنها نزلت في صدقة التطوع. (2/132)
صفحة 532
ونقل الطبري وغيره الإجماع على أن الإعلان في صدقة الفرض أفضل من الإخفاء وصدقة التطوع على العكس من ذلك، إلى أن قال: نقل أبو إسحاق الزجاج أن إخفاء الزكاة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان أفضل فأما بعده فإن الظن يساء بمن أخفاها فلهذا كان إظهار الزكاة المفروضة أفضل.
قال ابن عطية ويشبه في زماننا الإخفاء بصدقة الفرض أفضل فقد كثر المانع لها، وصار إخراجها عرضة للرياء انتهى.
وأيضا فكان السلف يعطون زكواتهم للسعاة وكان من أخفاها اتهم بعدم الإخراج، وأما اليوم فصار كل أحد يخرج زكاته بنفسه فصار إخفاؤها أفضل والله أعلم.
وقال الزين بن المنير: لو قيل إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال لما كان بعيدا فإذا كان الإمام مثلا جائرا أو مال من وجبت عليه مخفيا فالإسرار أولى، وإن كان المتطوع ممن يقتدى به ويتبع وتنبعث الهمم على التطوع بالإنفاق وسلم قصده فالإظهار أولى والله أعلم انتهى.
وبهذا صرح صاحب القناطر رحمه الله حيث قال: الثامنة أن يظهر الصدقة حيث يعلم أن في الإظهار ترغيبا للناس في الاقتداء ويحرس سره عن داعية الرياء فقد قال تعالى (إن تبدوا الصدقات) إلى أن قال: وكل مقبول إذا كانت النية صادقة ولكن صدقة السر أفضل.
وفي التفسير قال أهل المعاني هذه الآية في صدقة التطوع لإجماع العلماء أن الزكاة المفروضة إعلانها أفضل كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل من إفرادها وكذلك سائر الفرائض لمعنيين: أحدهما ليقتدي به الناس، لئلا يسوء به الظن ولا رياء في الفرض، وأما النوافل فإخفاؤها أفضل لبعدها من الرياء والآفات.
فهكذا ينبغي لصاحب الزكاة أن يبديها حيث يقتضي الحال الإبداء للاقتداء ولإزالة التهمة، إلى أن قال بعد ذكر أمور في الإعلان: وليكن متيقظا لهذه الغوائل ومتفطنا في الإعلان من الفوائد فإن ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص، فبذلك يكون الإعلان في بعض الأحوال لبعض الأشخاص أفضل والله أعلم انتهى. (2/133)
صفحة 533
قوله (قال الربيع معناه يروح بصاحبه) الظاهر أنه إنما أول رحمة الله اسم الفاعل بالفعل المضارع لأن اسم الفاعل حقيقة في الملتبس بالفعل وهو غير صحيح هنا بخلاف الفعل، ولكن هذا للبيان يكاد أن يكون من التطويل لأن كل أحد يعلم أن الرواح إلى الجنة مستقبل بقرينة المجاز ظاهرة كنار على علم والله أعلم، يحتمل أنه إنما فسره بما ذكر مخافة التصحيف برابح بالباء الموحدة وللإشارة إلى الرد على من رواه بالباء الموحدة في حديث أبي طلحة الآتي كما سيأتي، وإلى الرد على من قال (رايح) معناه يروح بالأجر ويغدو به كما سيأتي والله أعلم.
قوله (وفي حديث أبي طلحة الذي قدمناه) لعل هذا سبق قلم لأن حديث أبي طلحة إنما ذكر في الباب الذي يلي هذا، ويحتمل أنه كان متقدما في مسند الربيع رحمه الله وأخره أبو يعقوب رحمه الله في الترتيب ونقل كلام الربيع كما هو ولم يتصرف فيه بشيء والله أعلم. (2/134)
صفحة 534
الباب السادس في أفضل ما يتصدق به والبركة في الطعام
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار مالا بالمدينة من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من مائها وهو طيب. قال أنس فلما نزلت هذه الآية (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) قال أبو طلحة إن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها لصدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يارسول الله حيث شئت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخ بخ ذلك مال رايح يروح بصاحبه إلى الجنة وقد سمعت ما قلت، وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين. قال أبوطلحة: أفعل يارسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. (2/135)
صفحة 535
قوله (بيرحاء) قال ابن حجر بفتح الموحدة وسكون التحتانية وفتح الراء وبالمهملة والمد، وجاء في ضبطه أوجه كثيرة جمعها ابن الأثير في النهاية فقال: يروى بفتح الباء وبكسرها، أو بفتح الراء وضمها، أو بالمد والقصر، فهذه ثماني لغات، وفي رواية حماد بن سلمة (بيريحاء) بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على التحتانية، وفي سنن أبي داود (باريحاء) مثله لكن بزيادة ألف، وقال الباجي أفصحها فتح الباء وسكون الياء وفتح الراء مقصور وكذا جزم به المغاني وقال إنه فيعلا من البراح، قال ومن كان ذكره بكسر الموحدة وظن أنه بئر من آبار المدينة فقد صحف انتهى. (2/136)
صفحة 536
قوله (بخ بخ) في الصحاح (بخ) كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء وتكرر للمبالغة فيقال بخ بخ، فإن وصلت خفضت ونونت فقلت بخ بخ وربما شددت كالاسم، إلى أن قال: وبخبخت الرجل إذا قلت له ذلك إلخ.
قوله (ذلك مال رايح يروح بصاحبه إلى الجنة) في بعض روايات البخاري (ذلك مال رابح ذلك مال رابح) بالباء الموحدة. وذكر ابن حجر أنها من الربح أي ذو ربح، وقيل هو فاعل بمعنى مفعول أي هو مال مربوح فيه. وذكر أن رواية الياء معناها رايح عليه آخره، قال قال ابن بطال والمعنى أن مسافته قريبة وذلك أنفس الأموال.
وقيل معناه يروح بالأجر ويغدو به واكتفى به الرواح عن الغدو. وادعى الإسماعيلي أن من رواها بالتحتانية فقد صحف والله أعلم انتهى. ويرده رواية المصنف رحمه الله فإن ظاهره أن قوله (يروح بصاحبه إلى الجنة) تفسير من النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم، ومثل حديث أبي طلحة حديمث أبي الدحداح رحمه الله، قال في القناطر: ويقال لما نزلت هذه الآية (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ... ) الآية قال أبو الدحداح فداؤك أبي وأمي يارسول الله، إن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض؟ قال نعم، يريد أن يدخلكم الجنة. قال فإني قد أقرضت ربي قرضا يضمن لي الجنة. قال: نعم من تصدق بصدقة فله مثلها في الجنة. قال: وزوجتي أم الدحداح معي؟ قال: نعم. قال: وصبيتي الدحداحة معي؟ قال: نعم. قال: ناولني يديك. فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم يده. فقال: إن لي حديقتين إحداهما في السافلة والأخرى بالعالية والله لا أملك غيرهما جعلتهما قرضا لله عز وجل. فقال عليه السلام: اجعل إحداهما لله عز وجل والأخرى معيشة لك ولعيالك. قال: فأشهدك يارسول الله أني جعلت خيرهما لله تعالى وهو حائط فيه ستمائة نخلة. قال: إذا يجزيك به الجنة. ثم قال كم من عذق رداح، ودار فياح في الجنة لأبي الدحداح والله أعلم انتهى.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (نعم الصدقة المنيحة الصفي تروح بإناء وتغدو بآخر قال الربيع المنيحة الشاة والصفي الغزيرة اللبن.
قوله (المنيحة الشاة) هكذا فيما رأيناه من النسخ، والذي في الصحاح أن المنحة العطية، وأن الشاة مثلا اسمها منيحة بالياء بعد النون على وزن فعيلة (2/137)
صفحة 537
حيث قال: المنح العطاء ثم قال والاسم المنحة بالكسر وهي العطية، والمنيحة منيحة اللبن كالناقة والشاة تعطيها غيرك يحلبها ثم يردها عليك إلخ. قوله (والصفي الغزيرة اللبن) ومثله كلام الصحاح حيث قال: والصفي الناقة الغزيرة، والجمع صفايا، يقال ما كانت الناقة والشاة صفا إلخ. (أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: قال أبو طلحة لأم سليم قد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفا أعرف فيه الجوع هل عندك من شيء؟ قالت: نعم. فأخرجت أقراصا من شعير ثم أخذت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه ودسته تحت يدي وردتني ببعضه ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أنس فذهبت فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في المسجد ومعه الناس فوقفت فقال: أرسلك أبو طلحة؟ فقلت: نعم. فقال: أبطعام؟ فقلت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: (قوموا) قال أنس: فانطلقنا حتى جئنا أبا طلحة فأخبرته. قال أبوطلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم. قال أنس فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أم سلمة ما عندك؟ فأتيت بذلك الخبز. فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتت فعصرت عليه أم سليم عكة فأدمته ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطعام ما قال ثم قال: ايذن للعشرة فدخلوا فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم أذن لعشرة فدخلوا فأكلوا حتى شبعوا كذلك حتى أكل القوم أجمعون وكانوا سبعين رجلا).قوله (جالسا في المسجد) قال في المواهب والمراد بالمسجد هنا الموضع الذي أعده النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه حين محاصرته الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق انتهى. قوله (أرسلك أبو طلحة؟ فقلت: نعم. فقال: أبطعام؟ فقلت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه قوموا) قال في المواهب فظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله فلذلك قال لمن عنده قوموا، وأول الكلام يقتضي أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس أن يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فيأكله، فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس حول النبي صلى الله عليه وسلم استحيى وظهر له أن يدعو النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم معه وحده إلى المنزل فيحصل مقصودهم من إطعامه، ويحتمل أن يكون ذلك عن رأي من أرسله: عهد إليه إذا رأى كثرة الناس أن يستدعي النبي صلى الله عليه وسلم وحده خشية أن لا يكفي ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه وقد عرفوا إيثاره عليه السلام وأنه لا يأكل وحده، فذكروا رواية أخرى، إلى أن قال: فقال لي طلحة: يا أنس اذهب فقم قريبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قام فدعه حتى يتفرق عنه أصحابه ثم اتبعه حتى إذا قام على عتبة بابه فقل له إن أبي يدعوك، وفيه فقال أبو طلحة يارسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أرسلت أنسا يدعوك وحدك ولم يكن عندنا ما يشبع ما أرى. فقال (ادخل فان الله سيبارك فيما عندك إلخ).قوله (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطعام ما قال) ذكر في المواهب ما يستفاد منه بيان ما قال على الطعام حيث قال: وفي رواية مبارك بن فضالة فقال: هل من سمن؟ فقال أبو طلحة قد كان في العكة شيء فجاء بها فجعلا يعصرانها حتى يخرج ثم مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم القرص فانتفخ وقال (بسم الله) فلم يزل يصنع ذلك والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة يتسع، وفي رواية النظر (2/138)
صفحة 538
بن أنس: فجئت بها ففتح رباطها ثم قال (بسم الله اللهم أعظم فيها البركة) وعرف بهذا المراد بقوله (فقال فيها ماشاء الله أن يقول إلخ).
قوله (ثم قال ايذن لعشرة إلخ) قال في المواهب وفي رواية لمسلم أنه قال ايذن لعشرة فدخلوا. فقال: كلوا وسموا الله فأكلوا حتى فعل ذلك ثماتون رجلا ثم أكل النبي صلى الله عليه وسلم وأهل البيت وترك سؤرا أي بقية وهو بالهمز، وفي رواية البخاري قال (أدخل علب عشرة حتى عد أربعين ثم أكل النبي صلى الله عليه وسلم فجعلت أنظر هل نقص منها شيء؟ إلخ، فذكر رواية أخرى فيها ثم دعاني ودعا أمي وأبا طلحة فأكلنا حتى شبعنا إلخ، وهذه الرواية تدل على أن أم سليم هي أم أنس وتقدم ما يدل على أن أبا طلحة هو أبوه حيث قال في بعض الروايات (فقل له إن أبي يدعوك) فعلى هذا يكون أبو طلحة كنيته واسمه مالك والله أعلم فليحرر.
وأبو طلحة هذا هو صاحب بيرحاء المتقدم والله أعلم، ثم رأيت في بيان رجال هذا المسند أن ابن سليم وربيب أبي طلحة فعلى هذا إنما سمي أبا طلحة أبا لكونه زوج أمه والله أعلم.
قال في المواهب قال العلماء: وإنما أدخلهم عشرة والله أعلم لأنها كانت قصعة واحدة لا يمكن الجماعة الكثيرة أن يقدروا على التناول منها مع قلة الطعام فجعلهم عشرة لينالوا من الأكل ولا يزدحموا إلخ. أقول: فعلى هذا يسن للجماعة الكبيرة أن يدوروا عشرة عشرة اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. (2/139)
صفحة 539
الباب السابع في من تكره له الصدقة والمسألة
(أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ولا لماثل مال) قال الربيع ذو المرة السوي القوي المحترف، والماثل الجامع المال.
قوله (لا تحل الصدقة لغني) اعلم أن العلماء اختلفوا في حد الغنى اختلافا كثيرا وكل رجع إلى اجتهاده كما قال في القواعد واختار ما ذهب إليه بعض أصحابنا حيث قال: وقال بعض أصحابنا من لم يكن له مال يكفيه هو وعياله نفقتهم وكسوتهم ومؤونتهم إلى الحول فهو فقير ويأخذ الصدقة، وهذا هو الذي يوجبه النظر ويشهد بصحته الخبر، وهذا إذا كان عنده في (2/140)
صفحة 540
جميع ما جرى عليه ملكه ما لو باعه فإنه يكفيه سنة ما خلا بيتا يسكنه، وخادما يخدمه. وقال من قال: لا ينظر في ذلك إلى قيمة المملوكات التي لا يستغنى عنها مثل البيت والدار والخادم والدابة والأصل الذي لا يستغنى عنه والله أعلم انتهى.
وهذا هو القول الذي يميل إليه ظاهر الإيضاح حيث قال بعد أن ذكر القول بأن الغني هو المالك للنصاب، واستدل له بقوله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها في فقرائكم) ما نصه: وهذا القول عندي أقواهم حجة، غير أنه ربما يكون للرجل نصاب من المال وتجب عليه الزكاة ولا يكون في ذلك النصاب ما يكفيه ويكفي عياله إلى الثمرة الأخرى، ولذلك قال بعضهم: إذا كان من أهل القرار وله بيت يسكنه وخادم يخدمه، وجنان يأكل منه الثمار أيام الغلة، وله دابة يركبها، وله قوت سنة، وليس عليه دين، فإذا كانت عنده هذه المعاني فلا يأخذ الزكاة، وإن كان من أهل البادية وكان له بيت يسكنه وحمولة، إلى أن قال: واختلفوا في قيمة هذه المعاني، هل تقوم مقام هذه المعاني أولا إلخ. لكن ينظر ما معنى قوله رحمه الله (واختلفوا في قيمة هذه المعاني إلخ) هل معناه إن تكن عنده هذه المعاني وكان عنده مال تجب فيه الزكاة فإنه ينظر: فإن كان ما عنده من المال يساوي قيمة هذه الأشياء فهو غني لا يأخذ الزكاة، وإن كان ما عنده لا يفي بهذه الأشياء فهو فقير يأخذ الزكاة عند بعضهم وإن وجبت عليه الزكاة، أو لا ينظر إلى قيمتها حيث لم تكن موجودة بالفعل فيكون غنيا حيث وجبت عليه الزكاة. وإن كانت هذه الأشياء غير موجودة على قول البعض الآخر، أو معناه إن من لم تكن عنده هذه المعاني وكان عنده من الأصل مثلا ما يساوي قيمته هذه المعاني هل تعتبر قيمة الأصل فيكون غنيا أو لا يعتبر فيكون فقيرا؟ كما أشار إلى ذلك في القواعد كما تقدم، والظاهر حمله على الاحتمال الثاني ليتحد مع كلام القواعد، ويحتمل إرادة كل منهما للتعميم فيأخذ الزكاة عند بعضهم ليحصل به المعاني التي لا يستغني عنها وإن وجبت عليه الزكاة إذا كان ما عنده لا يفي بذلك كما يؤخذ من الإيضاح والله أعلم.
قوله (ذو المرة السوي القوي المحترف والماثل الجامع للمال) قال في الإيضاح فعلى هذا لا يجوز الصدقة للمحتاج إلا إذا كانت به زمانة تمنعه من الكسب (2/141)
صفحة 541
انتهى، والظاهر من كلامه رحمه الله أنه حمل القوي المحترف على القادر على الاحتراف وإن لم تكن له حرفة أصلا والله أعلم، وجعل في القواعد هذا قولا لبعضهم بشرط حيث قال: وقال بعضهم لا تحل الصدقة للقوي المحترف إذا كان ماثلا بها مالا أي جامعا له، وأما إن احتاج إليها في طلب علم أو معيشة فلا بأس انتهى. وقال في الإيضاح بعد ما ذكر أنه يأخذها ليقضي ما عليه من دين أو تباعة أو كفارة، وكذلك أيضا جائز له أن يأخذ الزكاة ليتزوج بها أو يتسرى إذا احتاج إلى ذلك ولم يكن له مال يستغني به والله أعلم، ولا يأخذ الزكاة ليبني بها مسجدا ولا لأكفان الموتى ولا لمصالح الطرق ولا ليطعم بها الأضياف ولا ليحج بها نافلة ولا ليزوج بها أولاده ذكورا كانوا أو إناثا ولا ليصل بها قرابته والأصل في هذا أن الله إنما أباح الزكاة لمن احتاج إليها إما لمعيشة لا بد له منها وإما لقضاء دين وجب عليه قضاؤه إلخ.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: كان ناس من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم ثلاثا حتى نفذ ما عنده ثم قال (ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه، ومن يصبر يصبره الله، وما أعطى أحد عطاء إلا هو خير له وأوسع من الصبر).
قوله (كان ناس من الأنصار) قال ابن حجرلم يتعين أسماؤهم إلا أن النسائي روى من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ما يدل على أن أبا سعيد راوي هذا الحديث خوطب بشيء من ذلك ولفظه (ففي حديثها سرحتني أمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعني لأسأله من حاجة شديدة فأتيته وقعدت فاستقبلني فقال: (من استغنى أغناه الله الحديث) وزاد فيه (ومن سأل وله أوقية فقد ألحف) فقلت: ناقتي خير من أوقية فرجعت ولم أسأله).
وعند الطبراني من حديث حكيم بن حزام أنه ممن خوطب ببعض ذلك ولكنه ليس أنصاريا إلا بالمعنى الأعم انتهى.
قوله (حتى نفذ) بكسرالفاء أي فرغ. قوله (فلن أدخره عنكم) قال ابن حجر أي أحبسه وأخبئه وأمنعكم إياه منفردا به عنكم، وفيه ما كان عليه من السخاء وإنفاذ أمر الله، وفيه إعطاء السائل مرتين وأقول بل ثلاثا، والاعتذار إلى السائل، والحض على التعفف، وفيه جواز السؤال للحاجة وإن كان الأولى تركه والصبر حتى يأتيه رزقه بغير مسألة.
وقوله (ومن يستعفف) في رواية الكشميهني يستعف انتهى. وقال أيضا في فوائد حديث حكيم بن حزام القريب من هذا ما نصه: وفيه أنه ينبغي للإمام أن لا يبين للطالب ما في مسألته من المفسدة إلا بعد قضاء حاجته (2/142)
صفحة 542
لتقع موعظته له الموقع المناسب لئلا يتخيل أن ذلك سبب لمنعه من حاجته، وفيه جواز تكرار السؤال ثلاثا، وجواز المنع في الرابعة والله أعلم.
وفي الحديث أيضا أن سؤال الأعلى ليس بعار وأن رد السائل بعد ثلاث ليس بمكروه إلخ.
قوله (ومن يستعفف) من الاستعفاف وهو من الكف عن الشيء، قال في الصحاح عف عن الحرام يعف عفا وعفة وعفافا وعفافة أي كف فهو عف وعفيف، والمرأة عفة وعفيفة وأعفة، وأعفه الله سبحانه واستعف عن المسألة أي عف وتعفف أي تكلف العفة إلخ، وذكر أولا أن (عف) بمعنى كف فتئول إلى أن الاستعفاف معناه الكف.
قوله (يعفه الله) لعله بضم الياء وبكسر الفاء والجزم بحذف الآخر في جواب الشرط من (أعفاه الله) مأخوذ من العافية. قال في الصحاح: وعافاه الله وأعفاه بمعنى، والاسم العافية وهي دفاع الله عن العبد، ويوضع موضع المصدر يقال عافاه الله عافية إلخ، والمعنى والله أعلم: ومن يكف عن المسألة يدفع الله عنه السوء أو نحوه، ويحتمل أن يكون بضم الياء وفتح الفاء مشددة من أعفه الله مأخوذا من العفة والمعنى عليه والله أعلم: ومن يستعفف يرزقه الله العفة أو نحو ذلك، وإنما فتح مع أنه مجزوم في جواب الشرط لأنه لما اجتمع المثلان أدغم أحدهما في الآخر فوجب التخلص من التقاء الساكنين بتحريك الثاني وكانت فتحة طلبا للتخفيف. والظاهر أنه لا يتأتى أن يكون مضارعا من عفوته أو أعفيته بمعنى كثرته لأن التكثير لا يكون إلا في شيء قابل له إلا أن يحمل على مجاز الحذف أي بكثرة رزقه أو ماله أو طاعته أو نحو ذلك لكن الأصل الحقيقة والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده ليأخذ أحدكم حبلا فيحتطب على ظهره خير من أن يأتي رجلا أتاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه).
قوله (الذي نفسي بيده) قال ابن حجر: فيه القسم على الشيء المقطوع بصدقه لتأكيده في نفس السامع، وفيه الحث على التعنيف على المسألة والتنزه عنها ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك، ولولا قبح المسألة في نظر الشارع لم يفضل ذلك عليها، وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال ومن ذل الرد إذا لم يعط، ولما يدخل على المسؤول من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل إلخ. (2/143)
صفحة 543
قوله (ليأخذ أحدكم) هكذا فيما رأينا من النسخ بلام داخلة على المضارع، ولعله (لأن يأخذ) بلام داخلة على أن المصدرية كما في البخاري فتسبك مع ما بعدها بمصدر يكون مبتدأ خبره قوله (خير من أن يأتي إلخ) والجملة الاسمية جواب القسم، ويحتمل أن يكون قد حذفت منه أن الناصبة للمضارع على حد (ومن آياته يريكم البرق) وقولهم (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) والله أعلم.
قوله (فيحتطب على ظهره خير له إلخ) لفظ الحديث في البخاري (والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) انتهى. ولعل ذلك حذف من رواية المصنف للعلم به والله أعلم.
قوله (خير من أن يأتي إلخ) قال ابن حجر: وأما قوله (خير له) فليست بمعنى أفعل التفضيل إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب، والأصح عند الشافعية أن سؤال من هذا حاله حرام، ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل وتسميته الذي يعطاه خيرا وهو في الحقيقة شر والله أعلم انتهى. (2/144)
صفحة 544
الباب الثامن في جامع الصدقة والطعام
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (يا نساء المؤمنات لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو كراع شاة محرق). (2/145)
صفحة 545
قوله (لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو كراع شاة محرق) ولعله إذا شمت رائحة ذلك عندها أو علمت به مثلا كما يدل عليه كلام الإيضاح في حقوق الجار حيث قال (ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تهدي له منها)، وروي أنه عليه السلام قال: (يا نساء المؤمنات لا تحقر إحداكن لجارتها ولو كراع شاة محرق) وقد ذكر لنا أن نبي الله يعقوب عليه السلام قال: يا إلهي أذهبت ولدي وبصري فهلا ترحمني؟ فأوحى الله إليه: وعزتي وجلالي إني لأرحمك وأرد ولدك وبصرك ولكن بلوتك بهذه البلوة أنك شويت حملا فوجد جارك رائحة ذلك ولم تطعمه منه. وكان يعقوب عليه السلام ينادي ألا من كان مفطرا فليتغذ عند آل يعقوب، وعند المساء ينادي ألا من كان صائما فليفطر عند آل يعقوب، إلى أن قال: وفي الأثر قال الوضاح بن عقبة (إذا اشتريت فاكهة فاسترها عن جارك، وإلا فناوله منها) فهذا يدل من قوله أن كل شيء لم يعلم ليس عليه أن يعطيه منه لأنه لم يؤذه في ذلك، ألا ترى ما روي في خبر النبي يعقوب عليه السلام حين قال الله له (إنما بلوتك بهذه البلوى أنك شويت حملا فوجد جارك رائحة ذلك ولم تطعمه منه) ولم يقل (إنك شويت حملا فأكلته ولم تطعم جارك منه) وهذا يؤيد قول من قال في حد الجوار مقدار قتار اللحم واللحم أعلم، انتهى.
وفي هذا الحديث دليل على أن حق الجار يسقط ولو بقليل، قال في الإيضاح وإن رد له جاره ما أعطى له أمسكه وليس عليه شيء وإن زاد له على ما أعطاه أولا فلا يقبل الزيادة لأنها ليست بطيبة نفس إلخ. (2/146)
صفحة 546
[فقرة لم ترقن]
قوله (ولو كراع شاة محرق) هكذا فيما رأيته من النسخ، والمناسب للصياغة إنما هو (محرقا) بالنصب لأنه صفة لكراع وهو خبر لكان محذوفة اللهم إلا أن يقال جر بالمجاورة لشاة على حد (هذا جحر ضب خرب) والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (طعام اثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة).
قوله (طعام اثنين كافي الثلاثة إلخ) قال العلقي قال المهلب المراد من هذه الأحاديث الحض على المكارمة والتقنع بالكفاية يعني وليس المراد الحض في مقدار الكفاية وإنما المراد المواساة وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما، وإدخال رابع أيضا بحسب من يحضر.
ووقع عند الطير إلى ما يرشد إلى العلة في ذلك وأوله (كلوا جميعا ولا تفرقوا فإن طعام الواحد يكفي الاثنين حديث) فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ من بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما كبر زادت البركة.
قال ابن المنذر يؤخذ من حديث أبي هريرة استحباب الاجتماع على الطعام، وأن لا يأكل المرء وحده انتهى.
وفي الحديث الإشارة إلى أن المواساة إذا حصلت حصل معها أيضا البركة فتعم الحاضرين.
وفيه أنه لا ينبغي للمرء أن يستحقر ما عنده فيمتنع من تقديمه فإن القليل قد يحسن به الاكتفاء بمعنى حصول سد الرمق وقيام البنية لا حقيقة الشبع، انتهى ملخصا.
وقال شيخنا قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه إن أريد به الإخبار عن الواقع فذلك يشكل لأن طعام الاثنين لا يكفي إلا اثنين وإن كان له معنى آخر فما هو؟ قال والجواب من وجهين.
أحدهما أنه خبر بمعنى الأمر أي أطعموا طعام اثنين الثلاثة.
والثاني أنه للتنبيه على أن ذلك يقوت الثلاثة، وأخبرنا بذلك لئلا نجزع،
قال والأول أرجح لأن الثاني معلوم. (2/147)
صفحة 547
وروى العسكري في المواعظ من حديث عمر قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (كلوا جميعا ولا تفرقوا فإن البركة في الجماعة) فيؤخذ من هذا أن شرط المسألة الاجتماع على الأكل وأن معنى الحديث طعام الاثنين إذا أكلا متفرقين كافي الثلاثة اذا أكلوا مجتمعين انتهى.
ومن طريقه عليه السلام قال (كان الناس إذا رأوا أول الثمرة جاءوا به إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فإذا أخذه دعا للمدينة بالبركة ثم يدعو أصغر ولد يراه فيعطيه تلك الثمرة.
قوله (كان الناس إذا رأوا الثمرة إلخ) لفظه في الجامع الصغير (كان إذا أوتي بباكورة الثمرة وضعها على عينيه ثم على شفتيه وقال اللهم كما آتيتنا أوله فآتنا آخره ثم يعطيه من يكون عنده من الصبيان)، ولفظه في القواعد (كان إذا أوتي بالفاكهة وضعها على عينيه) وفيه (ويقول الحمد لله رب العالمين اللهم فكما أطعمتنا أولها فأطعمنا آخرها، ثم يدعو أصغر ولد يراه فيناوله إياها) إلخ، ولعله يفعل ذلك عليه السلام لتفريح الصبيان كما ورد عنه من الفضل في ذلك، قال في الإيضاح وفي الأثر قال عليه السلام (إن للجنة بابا يسمى باب الفرح لا يدخله إلا من يفرح الصبيان) إلخ.
(أبو عبيدة قال بلغني عن ابن عمر يروي عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها).
قوله (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها) ظاهره أن الإتيان إلى الوليمة بعد الدعاء إليها مأمور به في كل وليمة إذا تمعنا فيها.
وقيدها في رواية الجامع الصغير بوليمة العرس ولفظه (إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب).
قال العلقمي في شرحه هذا حجة لمن يخص وجوب الإجابة بوليمة العرس، قال وهو الراجح عندنا يعني الشافعية.
قال والوليمة الطعام المتخذ للعرس مشتقة من الولم وهو الجمع وزنا ومعنى لأن الزوجين يجتمعان قاله الأزهري وغيره.
وقال شيخ شيوخنا الوليمة مختصة بطعام العرس عند أهل اللغة فيما نقله عنهم ابن عبد البر، وهو المنقول عن الخليل وثعلب وغيرهما، وجزم به الجوهري وابن الأثير.
وقال صاحب المحكم الوليمة طعام العرس والإملاك.
قيل كل طعام صنع لعرس وغيره. (2/148)
صفحة 548
وقال عياض في المشارق الوليمة طعام النكاح، وقيل الإملاك، وقيل طعام العرس خاصة انتهى.
وعند الشافعي وأصحابه الوليمة تقع على كل طعام يتخد لسرور حادث من عرس وإملاك وغيرهما لكن استعمالها مطلقة في العرس أشهر، وفي غيره يقيد فيقال وليمة ختان أو غيره، وجزم الماوردي ثم القرطبي بأنها لا تطلق في غير طعام العرس إلا بقرينة انتهى.
وأما الدعوة فهي أعم من الوليمة وهي بفتح الدال على المشهور، إلى أن قال: وذكر النووي تبعا لعياض أن الولائم ثمانية.
فيقال في دعوة العرس أي الإملاك وهو العقد وليمة وملاك وشندخ.
وقيل إن الوليمة خاص بطعام الدخول وأما طعام الإملاك (الشندخ) بضم المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة وقد تضم وآخره خاء معجمة مأخوذ من قولهم فرس شندخ أي يتقدم غيره وسمي طعام الإملاك بذلك لأنه يتقدم الدخول.
والختان (إعذار) بكسر الهمزة والعين المهملة الساكنة والذال المعجمة ويقال فيه أيضا (العذرة) بضم ثم سكون.
وللولادة (عقيقة) وللسلامة من الطلق (خرس) بضم الخاء المعجمة وسكون الراء وبسين مهملة ويقال الصاد.
قيل الخرس طعام الولادة والعقيقة يختص باليوم السابع وقد يزاد في آخرها هاء فيقال خرسه وخرصه.
وقيل بالهاء طعام النفساء.
وقيل إنها لسلامة المرأة من الطلق وأما التي للولادة بمعنى الفرح للمولود فهي العقيقة.
وللقدوم من السفر نقيعة وهو الإفنار أو القتل أو النحر وهو طعام يصنع للقدوم سواء صنعه القادم أو صنعه غيره، إلى أن قال:
قيل النفيعة التي صنعها القادم، والتي تصنع له تسمى (التحفة). (2/149)
صفحة 549
وللبناء أي المسكن المتجدد (وكيرة) من الوكر وهو المأوى والمستقر.
وللمصيبة (وضيمة) بكسر المعجمة وليست من الولائم نظرا لاعتبار السرور، لكن ظاهر كلامهم خلافه ويوجه بأن اعتبار السرور إنما هو في الغالب.
(والمأدبة) لما يتخذ بلا سبب ودالها مضمومة ويجوز فتحها انتهى كلام النووي مع زيادة في الضبط والأقوال.
قال شيخ شيوخنا وفاتهم ذكر (الحذاق) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الذال المعجمة وآخرها قاف الطعام الذي يتخذ عنه حذق الصبي، ذكره ابن الصباغ في الشامل.
وقال ابن الرفعة هو الذي يصنع عند ختم القرآن كذا قيده، ويحتمل ختم قدر مقصود منه
ويحتمل أن يطرد ذلك في حذقه بكل صناعة.
وذكر المحاملي في الرونق في الولائم (العتيرة) بفتح المهملة ثم مثناة مكسورة وهي ما يذبح في أول رجب، وتعقب بأنه في معنى الأضحية فلا معنى لذكرها مع الولائم، إلى أن قال: وأما المأدبة ففيها تفصيل لأنها إن كانت لقوم مخصوصين فهي (النقرى) بفتح النون والقاف مقصور، وإن كانت لعامة الناس فهي (الجفلى) بجيم بوزن الأولى، إلى أن قال: ونظم ذلك بعضهم فقال:
أسامي الطعام اثنان من بعد عشرة ... سأسردها مقرونة ببيان
وليمة عرس ثم خرس ولادة ... ... عقيقة مولود وكيرة بان
وضيمة ذي موت نفيقة قادم ... عذيرة أو إعذار يوم ختان
ومأدبة الخلان لا سبب لها ... حذاق صغير يوم ختم قران
وعاشرها في النظم تحفة زاير ... ... قرى الضيف مع نزل له بقران
قال شيخ شيوخنا وقد نقل ابن عبد البر ثم عياض عن النووي الاتفاق على القول بوجوب الإجابة بوليمة العرس، وفيه نظر.
نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب، صرح جمهور الشافعية والحنابلة بأنها فرض عين ونص عليه مالك، وعن بعض الشافعية أنها مستحبة، وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب، إلى أن قال: وعن بعض الشافعية والحنابلة هي فرض كفاية. (2/150)
صفحة 550
وحكى ابن دقيق العيد في شرح الأكمام أن محمل ذلك إذا عمت الدعوة أما لو خص كل واحد بالدعوة فإن الاجابة تتعين.
وشرط وجوبها أن يكون الداعي مكلفا حرا رشيدا إلى آخر الشروط المذكورة في كتب الفقه.
ولها أعذار يسقط بها الوجوب مذكورة في كتب الفقه.
وأقلها للممكن شاة ولغيره ما قدر عليه، إلى أن قال:
ووليمة العرس وقتها بعد الدخول وقال الزكرشي إنه الصواب، قلت وهو المصرح به في حديث البخاري في سورة الأحزاب في بنائه صلَّى الله عليه وسلَّم بزينب ومثله في صفية انتهى.
وظاهر كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله أن الإجابة ليست بواجبة حيث قال: ومن آداب المدعو إلى الضيافة أن لا يمتنع من الإجابة لقوله عليه السلام (لو دعيت إلى كراع الغميم لأجبت) وهو موضع على أميال من المدينة، إلى أن قال:
وأما إن كان الداعي ظالما أو صاحب ريبة أو فاسقا أو مبتدعا أو شريرا أو متكلفا أو مهابا فلا بأس بترك إجابته بل لا ينبغي أن يجيبه.
وإن أجاب لمن ينبغي فلا يتصدر في المجلس بل يتواضع ولا يضيق على الحاضرين بالزحمة، ولا ينبغي أن يجلس في مقابلة بيت الناس أو النساء، ويغص بصره، ولا يكثر الالتفات إلى مجيء الطعام فإنه دليل الشره، وإن رآى في الدار منكرا فليغيره وإلا فليخرج إن لم يقدر على تغييره والله أعلم انتهى.
فعلى هذا يكون الأمر بالإجابة محمولا على الندب إلا أن يحمل كلامه رحمه الله على غير وليمة العرس وظاهر الحديث عليها لما في ذلك من الإشهار المطلوب شرعا والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء)
قوله (شر الطعام طعام الوليمة إلخ) قال العلقمي قال النووي معناه الإخبار بما يقع من الناس بعده صلَّى الله عليه وسلَّم من مراعاة الأغنياء في الولائم ونحوها، وتخصيصهم بالدعوة، وإيثارهم بطيب الطعام، ورفع مجالسهم وتقديمهم وغير ذلك ما هو الغالب في الولائم انتهى، وتقدم الكلام على الوجوب في (إذا دعي (2/151)
صفحة 551
أحدكم) انتهى، يعني فلا منافاة بين كون الإجابة إليها واجبة أو مندوبة مثلا، وبين كون طعامها شر الطعام لاختلاف الجهة والله أعلم.
ومن طريقه عليه السلام (لا يمنع أحدكم فضل الماء ليمنع به الكلأ) (معنى ذلك رجل له بئر فيمنع ماءها ليمنع ما حوله من الرعي).
قوله (لا يمنع أحدكم فضل الماء ليمنع به الكلأ) الظاهر أن قوله (ليمنع به الكلأ) لا مفهوم له لأن فضل الماء لا يجوز منعه مطلقا كما هو معلوم، والكلأ بفتح الكاف واللام وبالهمزة من غير مد كما ضبطه في الصحاح حيث قال (الكلأ) العشب إلخ، وإنما لم يجز منع فضل الماء والكلأ لأن الناس فيهما سواء.
قال في الإيضاح في الاستنفاع بما يحتاج الناس فيه إلى إذن صاحبه ما نصه، وذلك أن الاستنفاع الذي لا يحتاج الناس فيه إلى الإذن على وجهين.
أحدهما لا يجوز فيه المنع من صاحبه أصلا مثل شرب الماء من الآبار والأنهار والسواقي والأودية ونزع الكلأ والحطب من الفحوص حيث لا يضر بها والاستظلال بظلال الأشجار والحيطان من خارج إن لم يكن في الاستظلال بها مضرة، وما أشبه ذلك مما لا يجوز فيه المنع لصاحبه.
بخلاف المعادن النابتة من الطفل والجبس والشب والحجارة والكبريت إلخ.
لكن قيده عمنا أبو زكريا رحمه الله في لفظه بما نصه بعد السؤال قال إن كان ذلك المعدن يأخذ منه الناس ولهم إليه طريق فليأخذ الناس، وأما إذا كان المعدن لا يصل إليه أحد إلا بإذن صاحب الأرض فلا يأخذ منه شيئا، وأما المعادن التي تكون في الحوض والبراري فلا بأس أن يأخذ منها الرجل حاجته إلخ.
(ومن طريق ابن عباس عنه عليه السلام قال (مكتوب على باب الجنة العطية بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر).
قوله (والقرض بثمانية عشر) القرض هو دفع المال على وجه القربة لله تعالى لينتفع به آخذه ثم يرد له مثله أو عينه وهو مندوب إليه وجائز في جميع الممتلكات التي يجوز بيعها وتحصرها الصفة ويقدر على الوفاء بها إلا الجواري فإنه لا يجوز لأنه يؤدي إلى إعارة الفروج وذلك لأن من اقترض شيئا فله أن يرد عين ذلك الشيء إن بقي على الصفة التي أخذه بها، وله أن يرد المثل، فإذا اقترض جارية فله وطؤها ثم له أن يردها بحكم القرض، فلو جاز ذلك لأدى الى ردهن بعد وطئهن وهو عين إعارة الفروج.
قالوا إلا أن يكون القرض لامرأة أو لذي محرم لو كانت في سن من لا توطأ، وبعض جوز ذلك بشرط أن يرد المثل فقط، كذا في بعض كتب قومنا وهو ظاهر والله أعلم.
وعندهم أن القرض مستثنى من بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والطعام بالطعام وغير ذلك إلى (2/152)
صفحة 552
أجل، قالوا لأنه من المعروف عندنا لا حاجة إلى الاستثناء لانتفاء الزيادة التي هي من شروط الربا كما هو معلوم، وإنما كان أجر القرض أكثر من العطية لأنه لا يقترض إلا من ضاق به الحال ويمنعه التعفف والحياء من السؤال والله أعلم.
ومن طريق أبي هريرة قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فإن ذلك حق واجب عليه والله أعلم).
قوله (فإن ذلك حق واجب عليه) هذا محمول على ما إذا لم يحصل الضرر بذلك لجاره كما نص عليه في الإيضاح حيث قال بعد رواية الحديث بلفظ آخر ما نصه وروى أبو هريرة أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال (إذا استأذن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه فنكسوا فقال: مالي أراكم قد أعرضتم؟ لألقينها بين أكتافكم، وأجمعوا أن الغرز إذا كان يضر الجدار لم يجب عليه ذلك إلى آخره. (2/153)
صفحة 553
الباب التاسع في أدب الطعام والشراب
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال (يأكل المسلم في أمعاء واحد والكافر في سبعة أمعاء). (2/154)
صفحة 554
قوله (يأكل المسلم في معي واحد والكافر في سبعة أمعاء) قال العلقمي قال شيخنا قيل هو مثل ضرب للمؤمن وزهده في الدنيا والكافر وحرصه عليها وشدة رغبته فليس المراد حقيقة المعنى ولا خصوص الأكل، وقيل المراد أن المؤمن يأكل الحلال، والكافر يأكل الحرام، والحلال أقل من الحرام.
وقيل المراد حض المؤمن على قلة الأكل إذا علم أن كثرة الأكل صفة الكافر، فإن نفس المؤمن تنفر من الاتصاف بصفة الكافر، ويدل على أن كثرة الأكل من صفات الكافر قوله تعالى (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام).
قيل المراد به شخص معين وهو الذي ورد الحديث لأجله فاللام عهدية،
قيل إنه خرج مخرج الغالب وحقيقة السبعة غير مرادة بل للمبالغة في التكثير.
وقيل المراد بالمؤمن التام الإيمان لكثرة تفكره وشدة خوفه فيمنعانه من استيفاء شهوته لحديث (من كثر تفكره قل مطعمه ومن قل فكره كثر مطعمه).
وقيل إن المراد المؤمن يسمي فلا يشركه الشيطان فيكفيه القليل بخلاف الكافر.
وقال النووي المختار أن المراد أن بعض المؤمنين يأكلون في معي واحد وأن أكثر الكفار يأكلون في سبعة أمعاء، ويلزم أن يكون كل واحد من السبعة مثل معي المؤمن.
ويدل على تفاوت الأمعاء ما ذكره عياض عن أهل التشريح أن أمعاء الإنسان سبعة المعدة ثم ثلاثة أمعاء بعدها متصلة بها البواب ثم الصائم ثم الرقيق والثلاثة رقاق ثم الأغور والقولون والمستقيم وكلها غلاظ شداد فيكون المعنى أن الكافر لا يشبعه إلا ملء السبعة والمؤمن يشبعه ملء معي واحدة. (2/159)
صفحة 555
وقال النووي يحتمل أن يريد بالسبعة في الكافر صفات هي الحرص والشره وطول الأمل والطمع والحسد وحب السمن والواحد في المؤمن سد خلته.
والمعي بكسر الميم مقصور والجمع أمعاء المصارين.
وفي رواية مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة (المؤمن يشرب في معي واحد الحديث) انتهى كلام العلقمي.
ونظم الحافظ زين الدين العراقي الأمعاء المتقدمة قوله:
سبعة أمعاء لكل آدمي معدة صوابها مع صائم
ثم الرفيق أعور قولون مع المستقيم مسلك المطاعم
قاله في المواهب، وتأول ابن العماد في كشف الأسرار الحديث تأويلا آخر فقال المعنى أن المؤمن همته في الآخرة والمهموم يقل أكله، والكافر همته الدنيا فهو يأكل بسبع شهوات، والمراد بالسبع المبالغة في كثرة الأكل،
وقيل المراد بالأكل التبسط في أنواع الملبس والمطعم والمشرب والمنكح والمسكن والمركب واقتناء الأموال فالكافر يتبسط في هذه السبعة والمؤمن يقتصر على قدر الحاجة منها.
وقيل: المراد أنه إذا أكل أكل قدر الشبع الشرعي وهوثلث البطن كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم (حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان ولا بد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) وقال صلَّى الله عليه وسلَّم (طعام واحد يكفي اثنين) فالثلث طعام واحد إذا قسم بين اثنين كفى كل واحد السدس فالمؤمن يكفيه سدس بطنه. قال الميسوري ويقال للمؤمن معي واحد وللكافر سبعة أمعاء أحدها طبع وستة حرص فالمؤمن يأكل بالطبع والكافر يأكل بالطبع والحرص انتهى.
واقتصر في الصحاح على معنى واحد حيث قال بعد رواية الحديث وهو مثل لأن المؤمن لا يأكل إلا من الحلال ويتوقى الحرام والشبهة، والكافر لا يبالي ما أكل ومن أين أكل، وكيف أكل انتهى.
قال في المواهب ومحصل القول أن من شأن المؤمن الحرص على الزهادة والاقتناع بالبلغة بخلاف الكافر، إلى أن قال: وقالوا لا تدخل الحكم معدة (2/160)
صفحة 556
ملئت طعما ومن قل طعامه قل شربه وخف نومه، ومن خف نومه ظهرت بركة عمره، ومن امتلأ بطنه كثر شربه، ومن كثر شربه ثقل نومه، ومن ثقل نومه محقت بركة عمره، فإذا اكتفى بدون الشبع حسن اغتذاه وبدنه، وصلح حال نفسه وقلبه، ومن امتلأ من الطعام ساء غذاء بدنه، وأشرت نفسه، وقسا قلبه.
وعن ابن عباس قال صلَّى الله عليه وسلَّم (إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع غدا في الآخرة)، ومن طريقه عليه السلام قال (طعام الاثنين كافي الثلاثة) الحديث.
قوله (طعام الاثنين كافي الثلاثة الحديث) تقدم الكلام عليه في الباب الذي قبله وإنما ذكر في البابين لمناسبة كل منهما: أما الأول فمن جهة الحث على الصدقة، فإنه خبر بمعنى الأمر على الراجح فكأنه قال أطعموا طعام الاثنين الثلاثة إلخ، وأما الثاني فمن جهة الإشارة. إلى أن من أدب الطعام التقليل منه والاجتماع عليه فإن البركة مع الاجتماع لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم (كلوا جميعا ولا تفرقوا فإن البركة في الجماعة) والله أعلم.
(أبو عبيدة عنه أيضا قال أضاف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ضيفا فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها حتى شرب حلاب سبعة شياه ثم إنه اصبح فأسلم فأمر له النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أخرى فلم يكملها فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (إن المؤمن ليأكل في معي واحد والكافر في سبعة أمعاء).
قوله (أضاف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ضيفا إلخ، لفظ الحديث في البخاري في بعض الروايات عن أبي هريرة (أن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا فأسلم فكان يأكل أكلا قليلا فذكر ذلك للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم فقال (إن المؤمن يأكل في معي واحد والكافر في سبعة أمعاء) انتهى، وذكر ابن العماد في كشف الأسرار أن الرجل اسمه جهجاه بن سعيد الغفاري كان يكثر الأكل في حال كفره فلما أسلم أقل الأكل فمدحه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم انتهى.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قالت عائشة كنت أشرب أنا ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالقدح فيجعل فاه على موضع فمي فيشرب وأنا حائض
قوله (فيجعل فاه على موضع فمي فيشرب وأنا حائض) فيه إشارة إلى طهارة سؤر الحائض، وأن ريقها طاهر، ومثل الحائض النفساء.
وأما ما تفعله نساء أهل زماننا من حكمهن بنجاسة سؤر النفساء ولو نظفن أيديهن بالغسل غاية النظافة، ودفنهن نوى التمر الذي أكلته النفساء في الأيام السبعة الأوائل فمن الغلو في الدين المنهي عنه ومن الاستظهار على الشارع بعد قوله صلَّى الله عليه وسلَّم لعائشة رضي الله عنها (ليست حيضتك بيدك) وقوله أيضا (المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا) وأي فرق بين الحيض والنفاس في جميع الأحكام، غاية ما يلزم في (2/161)
صفحة 557
النفساء أنها تنجست يداها بمس الولد، فإنه لا تفارقه النجاسة في الغالب فإذا غسلتهما غسلا نظيفا فكيف لا يحكم بطهارتهما. وأما ما ذكر فمن أحكام المشركين التي يتنزه الموحدون عنها.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه فان في أحد جناحيه داء والآخر شفاء، وإنه يقدم الداء ويؤخر الدواء) وقال الربيع امقلوه أي اغمسوه.
قوله (إذا وقع الذباب إلخ) قال العلقمي: الذباب معروف واحده ذبابة والجمع أذبة وذبان بالكسر وذب بالضم وكنيته أبو جعفر وأبو حكيم وأبو الخدرش، وهو أصناف كثيرة متولدة من العفونة، ولم يخلق لها أجفان لصغر أحداقها ومن شأن الأجفان أن تصقل مرآة الحدقة من الغبار فجعل الله لها يدين تصقل بهما مرآة حدقتها، فلهذا ترى الذباب يمسح عينيه بيديه، إلى أن قال: إنه ألوان، فللإبل ذباب، وللبقر ذباب، وأصله دود صغار يخرج من أبدانهن فيصير ذبابا وزنابير. وذباب الناس متولد من الزبل، ويكثر إذا هاجت ريح الجنوب ويخلق في تلك الساعة. وإذا هاجت ريح الشمال خفت وتلاشى، وهو من ذوات الخراطيم كالبعوض، إلى أن قال: قيل سمي ذبابا لكثرة حركته واضطرابه، وقيل لأنه كلما ذب آب، وقد أخرج أبو علي عن ابن عمر مرفوعا (عمر الذباب أربعون ليلة، والذباب كله في النار إلا النحل) وسنده لا بأس به. قال شيخ شيوخنا قال الحافظ كونه في النار ليس تعذيبا له، بل ليعذب أهل النار به.
وعن مقاتل بن سليمان أنه قال يوما اسألوني عما دون العرش أخبركم، فقال له رجل: أمعاء الذباب في مقدمها أم مؤخرها؟ فلم يدرما يقول، إلى أن قال: إنه صلَّى الله عليه وسلَّم كان لا يقع على جسده ولا ثيابه ذباب أصلا.
قوله (فامغلوه) بالغين على ما في نسختنا وفي الصحاح (فامقلوه) بالقاف، قال ومقله في الماء مقلا غمسه وفي الحديث (إذا وقع الذباب إلخ) وكنت أسمع قديما أنه يجوز فيه الغين والقاف، ولم يذكر في الصحاح المغل بهذا المعنى والله أعلم. والأمر بالغل ذكروا أنه للإرشاد.
قوله (في أحد جناحيه) قال العلقمي: الجناح يذكر ويؤنث، وقيل أنث باعتبار اليد، وجزم الصغاني بأنه لا يؤنث وحقيقته للطائر ويقال لغيره على سبيل (2/162)
صفحة 558
المجاز، كما في قوله (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة). قال شيخ شيوخنا ووقع في رواية أبي داود وصححه ابن حبان: وأنه يتقي بجناحه الذي فيه الدواء ولم يقع في شيء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره لكن ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء والمناسبة في ذلك ظاهرة في حديث أبي سعيد فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء، ويستفاد من هذه الرواية تفسير الداء الواقع في حديث الباب وأن المراد به السم انتهى.
وقال أبو عبيدة (وهذا يدل على أن الذباب وما ليس فيه دم لا ينجس ما وقع فيه).
قوله (وهذا يدل أن الذباب وما يشبهه مما ليس فيه دم لا ينجس ما وقع فيه) قال العلقمي في وجه الاستدلال إنه صلَّى الله عليه وسلَّم لا يأمر بغمس ما ينجس الماء إذا مات فيه لأن ذلك فساد، والأمر بالغمس يتناول صورا منها ما لو كان الطعام حارا فإن الغالب أنه يموت في هذه الصورة بخلاف البارد، فلما لم يقع التقييد حمل على العموم، وذكر بعض الأطباء أن في الذباب قوة سمية يدل عليها الورم والحكة العارضة عن لسعه وهي بمنزلة السلاح له، فإذا سقط الذباب فيما يؤذيه يلقاه بسلاحه، فأمر الشارع أن يقاتل تلك السمية بما أودعه الله تعالى في الجناح الآخر من الشفاء فيزول الضرر باذن الله تعالى، إلى أن قال: وإنما قال (إحدى) لأن الجناح يذكر ويؤنث فإنهم قالوا في جمعه أجنحة وأجنح، فأجنحة جمع المذكر كقذال وأقذلة، وأجنح جمع المؤنث كشمال وأشمل، انتهى.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في ماء مسته الهرة فإنها من الطوافين والطوافات عليكم). قوله (فإنهن من الطوافين والطوافات عليكم) قد تقدم الكلام عليه في باب أحكام المياه فليراجع.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني أن أبا سعيد إلخدري دخل على مروان بن الحكم فقال له مروان: هل سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ينهى عن التنفس في الشراب؟ فقال أبو سعيد: نعم. قال فقيل له يا رسول الله إني لا أروي عن نفس واحد، فقال له فأبن القدح عن فيك ثم تنفس) فقال الرجل: فاني أرى القذى. قال: فأهرقه. قال الربيع: قال أبو عبيدة: وكذلك في الطعام لا ينفخ فيه وإن كان حارا فليبرده).
قوله (مروان بن الحكم) هو الذي قال فيه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقد أوتي به ليحاكمه: الوزع بن الوزع، اللعين بن اللعين، وكان الحكم من المستهزئين الذين قال الله فيهم (إنا كفيناك المستهزئين) لعنة الله عليهم أجمعين. (2/163)
صفحة 559
قوله (فأبن القدح عن فيك ثم تنفس) يعني خارجا، وذلك لأن من آداب الشراب أن يشرب في ثلاثة أنفاس. قال في القواعد: يسمي الله في أولها ويحمده في آخرها، يقول في آخر النفس الأول (الحمد لله) وفي الثاني يزيد (رب العالمين) وفي الثالث يزيد (الرحمن الرحيم) ثم يقول بعد الشرب (الحمد لله الذي جعله عذبا فراتا برحمته ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا إلخ). وقال في المواهب: وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يتنفس في الشراب ثلاثا وقيل إنه أروى وأمرى وأبرأ، رواه مسلم. ومعنى تنفسه إبانة القدح عن فيه وتنفسه خارجه ثم يعود إلى الشراب، إلى أن قال: وفي هذا الشرب حكم جمة وفوائد مهمة نبه عليه السلام على مجامعها بقوله (إنه أروى وأمرى وأبرى: فأروى من الري بكسر الراء من غير همز أشد ريا وأبلغه وأنفعه، وأبرأ أفعل من البرء بالهمز وهو الشفاء أي يبرى من شدة العطش ودائه لتردده على المعدة الملتهبة دفعات فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه والثالثة ما عجزت عنه الثانية. وأيضا فإنه أسلم لحرارة المعدة وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة، فإنه أسلم عافية وآمن غائلة من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة، فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغزيرة بشدة برده وكثرة كميته ويضعفها فيؤدي ذلك إلى فساد المعدة والكبد، أو إلى أمراض رديئة خصوصا في سكان البلاد كل الحارة في الأزمنة الحارة فإن الشرب فيهما وهلة واحدة يخاف عليهم جدا.
وقوله (وأمرأ) بالهمز أفعل من مرأ الطعام والشراب في بدنه إذا دخله وخالطه بسهولة ولذة، انتهى.
وقال بعضهم والمعنى: أنه يصبه هنيا مريا أي سالما أو مريا من مرض أو عطش أو أذى، ويؤخذ من ذلك أنه أقمع للعطش، وأقوى على الهضم.
ومن آفات الشرب نهلة واحدة أنه يخاف منه الشرق بأن تسد مجرى الشراب بكثرة الوارد عليه فإذا تنفس رويدا ثم شرب أمن ذلك، وقد روى عبد الله بن المبارك والبيهقي وغيرهما عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم (إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصا ولا يعبه عبا فإنه يورث الكباد) والكباد بضم الكاف وتخفيف الباء وجع الكبد، ولا معارضة بين التنفس هنا وبين النهي عن التنفس داخل الإناء الوارد في الحديث، لأن المنهي عنه التنفس داخل الإناء، فإنه ربما حصل للماء تغير من (2/164)
صفحة 560
النفس: إما لكون المتنفس كان متغير الفم بمأكول مثلا، أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأن التنفس يصعد ببخار المعدة، وها هنا التنفس خارج الإناء فلا تعارض، فلولم يتنفس جاز الشرب بنفس واحد، وقيل يمنع مطلقا لأنه شرب الشيطان، انتهى.
قوله (فإني لأرى القذى فيه) قال في الصحاح القذى يعنى بالقصر في العين وفي الشراب ما يسقط فيه إلخ، زاد بعضهم مما يكره ويستقذر.
قوله (فأهرقه) أي صبه من أهرق لغة في أراق، قال في الصحاح وهراق الماء يهريقه بفتح الهاء هراقه أي صبه، وأصله أراق يريق إراقة، إلى أن قال: وإنما قالوا (أنا أهريقه) وهم لا يقولون (أنا أريقه) لاستثقال الهمزتين وقد يفعل، قال سيبويه قد أبدلوا من الهمزة الهاء ثم التزمت فصارت كأنها من نفس الحرف، ثم أدخلت الألف بعد على الهاء وتركت الهاء عوضا من حذفهم حركة العين، لأن أصل أهرق أريق وفيه لغة ثالثة أهراق يهريق اهرياقا فهو مهريق.
قوله (وكذلك في الطعام لا ينفخ فيه) يعني للعلة السابقة عن المواهب.
قوله (فليبرده) يعني يتركه حتى يبرد وليس المراد أنه يبرده بالنفخ كما قد يتوهم، وإنما أمر بتبريده لقلة البركة في الحار، قال عليه السلام (دعوا الحار حتى يبرد فإنه غير ذي بركة) وليس المراد ببرودته زوال الحرارة منه بالكلية لقولهم (ما أنضجته الشمس يؤكل باردا، وما أنضجته النار يؤكل حارا) يعني فالأحسن أن توجد فيه بعض الحرارة لأنه أهنأ للأكل وأنفع للجسد والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أوتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام صغير وعن يساره شيوخ من أصحابه فقال للغلام: (أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟) فقال: لا والله لا أوثر نفسي منك أحدا. قال: فتله، فتركه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في يديه.
قوله (أوتي بشراب فشرب منه) في بعض روايات البخاري (أوتي بقدح فشرب منه) وذكر ابن حجر أنه كان لبنا، ثم ذكر أنه لا فرق بين اللبن والماء، قال ونقل عن مالك وحده أنه خصه بالماء، قال ابن عبد البر لا يصح عن مالك، وقال عياض يشبه أن يكون مراده أن السنة تثبت نصا في الماء خاصة، وتقديم الأيمن في غير شرب الماء يكون بالقياس، وقال ابن العربي كان اختصاص الماء بذلك لكونه قيل أنه لا يملك بخلاف سائر المشروبات، ومن ثم اختلف هل يجري الربا فيه؟ وهل يقطع في سرقته؟ وظاهر قوله في الشرب أن ذلك لا يجري في الأكل، لكن وقع في حديث أنس خلاف إلخ. (2/165)
صفحة 561
قوله (وعن يمينه غلام) قال ابن حجر هو الفضل بن عباس حكاه ابن بطال، وقيل أخوه عبد الله حكاه ابن التين.
قوله (وعن يساره شيوخ) ذكر بعضهم من الشيوخ أبا بكر الصديق، وبعضهم خالد بن الوليد رضي الله عنهما.
قوله (أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟) قال ابن حجر ظاهر أنه لو أذن له لأعطاهم، ويؤخذ منه جواز الإيثار بمثل ذلك، وهو مشكل على ما اشتهر من أنه لا إيثار بالقرب، وعبارة إمام الحرمين في هذا (لا يجوز التبرع في العبادات ويجوز في غيرها). وقد يقال إن القرب أعم من العبادة، وقد أورد على هذه القاعدة تجويز جذب واحد من الصف الأول ليصلي معه ليخرج الجاذب عن أن يكون مصليا خلف الصف وحده لثبوت الزجر عن ذلك، ففي مساعدة المجذوب للجاذب إيثار بقربة كانت له وهي تحصيل فضيلة الصف ليحصل فضيلة تحصل للجاذب وهي الخروج من الخلاف في بطلان صلاته، ويمكن الجواب بأنه لا إيثار، إذ حقيقة الإيثار إعطاء ما استحقه لغيره، وهذا لم يعط الجاذب شيئا وإنما رجح مصلحته على مصلحته لأن مساعدة الجاذب على تحصيل مقصوده ليس فيه إعطاؤه ما كان يحصل للمجذوب لولم يوافقه والله أعلم، انتهى.
قوله (فقال لا والله لا أوثر بنفسي منك أحدا) الرواية في البخاري (فقال الغلام والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا) وفي بعض الروايات (بفضلي منك) فلعل رواية المصنف رحمه الله على حذف مضاف أي بقرب نفسي أوحظها أو فضلها أو نحو ذلك والله أعلم.
قوله (فتله) قال ابن حجر بفتح المثناة وتشديد اللام أي وضعه، وقال الخطابي وضعه بعنف، وأصله من الرمي على التل وهو المكان العالي المرتفع ثم استعمل في كل شيء يرمى به وفي كل إلقاء، وقيل هو من التلتل بلام ساكنة بين المثناتين المفتوحتين وآخره لام وهو العنق، ومنه (وتله للجبين) أي صرعه فألقى عنقه وجعل جبينه إلى الأرض، والتفسير الأول أليق بمعنى حديث الباب إلخ.
وفي الحديث أن سنة الشرب العامة تقديم الأيمن في كل موطن، وأن تقديم الذي على اليمين ليس المعنى فيه بل لمعنى في جهة اليمين وهو فضلها على جهة اليسار فيؤخذ منه أن ذلك ليس ترجيحا لمن هو على اليمين، بل هو ترجيح لجهته، (2/166)
صفحة 562
وفيه أن من سبق إلى مجلس علم أو مجلس رئيس لاينحى منه من هو أولى منه بالجلوس في الموضع المذكور، بل يجلس الآتي حيث انتهى به المجلس، لكن إن آثره السابق جاز، وأن من استحق شيئا لم يدفع عنه إلا بإذنه كبيرا كان أو صغيرا إذا كان ممن يجوز إذنه، وفيه أن الجلساء شركاء فيما يقرب إليهم على سبيل الفضل لا اللزوم للإجماع على أن المطالبة بذاك لا تجب، قاله ابن عبد البر ومحله إذا لم يكن فيهم الإمام أو من يقوم مقامه فإن كان فالتصرف في ذلك له إلخ من ابن حجر.
(أبو عبيدة عن جابر قال: بلغني عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (لا تغبوا الماء غبا فإن من ذلك يتولد البهر، ولكن مصوه مصا).
قوله (لاتغبوا الماء غبا) قال العلقمي: قال في المصباح: غب الرجل الماء غبا من باب قتل شربه من غير نفس، انتهى. وقال في الصحاح (الغب) شرب الماء من غير مص، وفي الحديث الكباد من الغب إلخ.
قوله (يتولد البهر) هوبضم الباء وسكون الهاء، قال في الصحاح: والبهر بالضم تتابع النفس، وبالفتح المصدر، يقال بهره الحمل يبهره إذا وقع عليه البهر فابتهر أي تتابع نفسه إلخ. ولفظ الحديث في القواعد (مصوا الماء مصا ولا تغبوه غبا فإن الكباد من الغب) وهم بضم الكاف وتخفيف الباء وجع الكبد كما تقدم من المواهب. فالفتح الشدة والضيق زاده العلقمي.
قوله (ولكن مصوه مصا) قال في الصحاح: مصصت الشيء بالكسر أمصه مصا وكذلك امتصصته والتمصص المص في مهملة.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة قالت: قدمنا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حيسا الحديث).
قوله (قالت قدمنا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حيسا الحديث) تمامه (فأكل فصلى ولم يتوضأ) وقد تقدم الكلام عليه في باب ما يجب منه الوضوء.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قال ابن النعمان خرجنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى إذا كان بالصهباء وهي أدنى خيبر فصلى العصر فدعا بالأزواد ولم يوف إلا بالسويق فأمر به فثري فأكل وأكلنا ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ثم صلى ولم يتوضأ).
قوله (حتى إذا كنا بالصهباء) قال ابن حجر بفتح المهملة والمد.
قوله (وهي من أدني خيبر) قال ابن حجر أي طرفها مما يلي المدينة وللمصنف في الأطعمة وهي على روحة من خيبر، وقال أبو عبيد البكري في معجم البلدان هي على بريد.
قوله (فدعا بالأزواد) قال ابن حجر فيه جمع الرفقاء على الزاد في السفر وإن كان بعضهم أكثرأكلا، وفيه حمل الأزواد في الأسفار وأن ذلك لا يقدح في (2/167)
صفحة 563
التوكل، واستنبط منه المهلب أن الإمام يأمر المحتكرين بإخراج الطعام عند قلته ليبيعوه من أهل الحاجة، وأن الإمام ينظر لأهل العسكر فيجمع الزاد ليصيب منه من لازاد معه انتهى.
قوله (فثري قال ابن حجر بضم المثلث وتشديد الراء ويجوز تخفيفها أي بل. قوله (وأكلنا) زاد في بعض الروايات (عند قومنا وشربنا)، وفي بعضها (فلكنا وأكلنا وشربنا).
قوله (ثم قام إلى المغرب فمضمض) قال ابن حجر أي قبل الدخول في الصلاة، وفائدة المضمضة من السويق وإن كان لا دسم له أن يحتبس بقاياه بين الأسنان أو نواحي الفم فيشغله تتبعه عن أحوال الصلاة انتهى.
قوله ولم يتوضأ، قال ابن حجر أي بسبب أكل السويق، قال الخطابي فيه دليل أن الوضوء مما مست النار منسوخ لأنه متقدم، وخيبر كانت سنة سبع، قلت لا دلالة فيه لأن أبا هريرة حضر بعد فتح خيبر وروى الأمر بالوضوء كما في مسلم وكان يفتي به النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، واستدل به البخاري على جواز صلاتين فأكثر بوضوء واحد، وعلى استحباب المضمضة بعد الطعام انتهى.
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن جابر بن عبد الله قال بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعثا وأمر علينا أبا عبيدة بن الجراح وهو في ثلاثمائة وأنا فيهم فخرجنا حتى إذا كان ببعض الطريق ففني الزاد فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمعه وكان مزودي تمر فكان يفوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني ولم يصبنا تمرة تمرة قال ولقد وجدنا فقدها حين فنيت ثم انتهينا إلى البحر فإذا بحوت مثل الضرب فأكل منه ثم ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعها فنصبتا فأمر براحلته فرحلت ثم مر تحتهما فلم يصبهما قال الربيع الضرب الجبل).قوله (بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعثا إلخ) في بعض روايات البخاري بعد ذكر الإسناد قال سمعت جابرا يقول: بعثنا النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ثلاث مائة راكب وأميرنا أبو عبيدة نرصد عيرا لقريش فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط فسمي جيش الخبط، وألقى البحر حوتا يقال له العنبر فأكلنا منه نصف شهر وادّهنا بودكه حتى صلحت أجسامنا قال فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فنصبه فمر الراكب تحته، وكان فينا رجل فلما اشتد الجوع نحر ثلاث جزائر ثم نهاه أبو عبيدة وزاد في رواية فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فذكرنا ذلك له فقال (هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم شيء من لحمه فتطعمونا) قال فأرسلنا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم منه فأكل. (2/168)
صفحة 564
قوله (وأمر عليهم أبا عبيدة) قال في المواهب (وكان فيهم عمر بن إلخطاب رضي الله عنه يتلقى عيرا لقريش) رواه مسلم، وعنده أيضا (إلى أرض جهينة) ولا منافاة بينهما فالجهة أرض جهينة والقصد تلقي عير قريش وهو الإبل المحملة للطعام أو غيره، إلى أن قال: قال شيخ الإسلام ابن العراقي في شرح التقريب قالوا وكانت هذه السرية في شهر رجب سنة ثمان من الهجرة وذلك بعد نكثة قريش العهد وقبل الفتح فإنه كان في رمضان من السنة المذكورة انتهى.
قوله (وهو في ثلاثمائة) ذكر في بعض روايات البخاري ثلاثمائة راكب كما تقدم في بعضها (خرجنا ونحن ثلاثمائة محمل زادنا على رقابنا إلخ)، ورواية المصنف رحمه الله تحملهما والله أعلم.
قوله (فخرجنا) يعني إلى ساحل البحر، وسماها البخاري غزوة سيف البحر.
قوله (فقل الزاد) في رواية البخاري (ففني الزاد) وذكروا أن المراد بالزاد الذي فني الزاد الذي كان العموم وهو جراب التمر الذي زودهم النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وكلام المصنف رحمه الله محتمل لذلك ولزاد الخصوص وهو الظاهر كما فعل صلَّى الله عليه وسلَّم في غزوة خيب رحين بلغ الصهباء والله أعلم.
قوله (وكان مزودي تمر) هكذا فيما رأيته من النسخ، وفي رواية البخاري (مزود تمر) بالإفراد أي وكان المتحصل من المجموع مزود تمر، وأما على رواية المصنف فإنه يكون المتحصل من ذلك مزودين تمرا، قال ابن حجر والمزود بكسر الميم وسكون الزاء ما يجعل فيه الزاد.
قوله (وكان يقوتنا) قال ابن حجر بفتح أوله والتخفيف من الثلاثي، أو بضمه والتشديد من التقويت.
قوله (ولقد وجدنا فقدها حين فنيت) قال ابن حجر أي موثرا، وفي رواية أبي الزبير: فقلت كيف كنتم تصنعون بها قال نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل انتهى.
قوله (ثم انتهينا إلى البحر أي إلى ساحل البحر.
قوله (فإذا بحوت مثل الظرب) قال ابن حجر أما الحوت فهو اسم جنس لجميع السمك، وقيل هو مخصوص بما عظم منها. (2/169)
صفحة 565
والظرب بفتح المعجمة المشالة، ووقع في بعض النسخ بالمعجمة الساقطة حكاها ابن التين، والأول الصواب بكسر الراء بعدها موحدة الجبل الصغير.
وقال الفزاز هو بسكون الزاء إذا كان منبسطا ليس بالعالي.
وفي رواية أبي الزبير (فوقع لنا على ساحل البحركهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر، إلى أن قال: قال أهل اللغة العنبر سمك بحرية كبيرة يتخذ من جلدها الترسة، ويقال العنبر المشموم رجيع هذه الدابة.
وقال ابن سيناء بل الشموم يخرج من البحر وإنما يؤخذ من أجواف السمك الذي يبتلعه. ونقل الماوردي عن الشافعي قال سمعت من يقول رأيت العنبر نابتا في البحر ملتويا مثل عنق الشاة وفي البحر دابة تأكله وهو سم لها فيقتلها فيقذفها البحر فيخرج العنبر من بطنها.
وقال الأزهري العنبر سمكة تكون بالبحر الأعظم يبلغ طولها خمسين ذراعا يقال لها (بالة) وليست بعربية، إلى أن قال: واستدل به على جواز أكل ميتة السمك إلخ.
قوله (فنصبتا) إنما ألحق الفعل علامة التأنيث لأن الضلع مؤنثة وهي بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام ويجوز تسكينها، واحدة الضلوع والأضلاع.
قوله (فأمر براحلته ثم مر تحتهما فلم يصبهما) ذكر ابن حجر فيه روايات منها فعمد إلى أطول رجل معه فمر تحته، ومنهما ثم أمر بأجسم بعير منا فحمل عليه أجسم رجل منا فخرج من تحتها وما مست رأسه، إلى أن قال: وزاد مسلم في رواية أبي الزبير (وأخذ أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينه)، والوقب بفتح الواو والقاف صحاح تقدم ضبطه وهو حفرة العين في عظم الوجه، وأصله نثرة في الصخرة يجتمع فيها الماء والجمع وقاب بكسر أوله إلخ.
(أبو عبيدة قال نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في الأكل عن ثلاثة أوجه عن التقشير والترميل والتنقيب فالقشار الذي يأكل من كل ناحية ويقشر وجه الطعام، والمرمل الذي يرفع كفيه ما لا يسع، والنقاب الذي يحفر في الطعام ويرجع إليه الإدام).
قوله (عن التقشير والترميل والتنقيب) لفظ الحديث في القواعد (عن الحفار والقشار والدوار وهو الذي يأكل يمينا وشمالا إلخ، وهذا في غير الفواكه كما هومعلوم. (2/170)
صفحة 566
قوله (ويقشروجه الطعام) فيه ثلاث لغات فتح الياء وكسر الشين وضمها وضم الياء وكسر الشين مشدودة.
قوله (والمرمل الذي يرفع كفيه ما لا يسع) قال في القواعد وعن المرمل وهو المتابع اللقم بعجلة، وقيل هو الذي يرفع ما لا يسع فمه. قوله (ويرجع إليه الإدام) قال في القواعد ولا يحفر فيه ليجتمع إليه الإدام دون القوم.
(أبو عبيدة عن ابن عباس عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم نهى عن الشرب قائما، ويروى أنه شرب من زمزم قائما، قال ابن عباس المرجع فيه إلى كتاب الله وهو قوله (كلوا واشربوا) فهذه الآية تتيح الأكل والشرب على أي حال إلا في موضع خصه النهي من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه نهى عن الشرب في فم السقا، وروي أنه خنث سقاء فشرب منه، قال ابن عباس وإنما، نهى ذلك اشفاقا أن تكون فيه دابة).
قوله (نهى عن الشرب قائما، وروي أنه شرب من زمزم قائما) قال ابن عباس إلخ، فيه إشارة إلى أن النهي عن الشرب قائما منسوخ، وأن فعله ناسخ لقوله كما نص عليه في السؤالات.
واختار في المواهب عدم النسخ وأن النهي محمول على التنزيه، قال بعد حكاية هذين الحديثين وغيرهما ما نصه وكل هذه الأحاديث صحيحة ولا إشكال فيها ولا تعارض، وغلط من زعم أن فيها نسخا وكيف يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث، والصواب أن النهي محمول على كراهة التنزيه وأما شربه عليه السلام قائما فلبيان الجواز.
فإن قلت: كيف يكون الشرب قائما مكروها وقد فعله صلَّى الله عليه وسلَّم؟ فالجواب أن فعله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا كان بيانا للجواز لا يكون مكروها بل البيان واجب عليه صلَّى الله عليه وسلَّم.
وأما قوله صلَّى الله عليه وسلَّم (ومن نسى فليستق) فمحمول على الاستحباب والندب، فيستحب لمن شرب قائما أن يتقيأ لهذا الحديث الصحيح الصريح سواء كان ناسيا أو لا قاله النووي.
وقالت المالكية لا بأس بالشرب قائما واستدلوا لذلك بحديث جبير بن مطعم، قال رأيت أبا بكر الصديق يشرب قائما، ويقول مالك إنه بلغه عن عمر بن الخطاب وعثمان وعلي أنهم كانوا يشربون قائمين وأجابوا عن حديث أبي هريرة (لا يشربن أحدكم قائما فمن نسى فليستق) بأن عبد الحق قال: إن في إسناده عمر بن حمزة العمري وهو ضعيف انتهى.
وقال المارزي قال بعض شيوخنا لعل النهي ينصرف لمن أتى أصحابه بماء فبادر لشربه قائما قبلهم استبدادا به وخروجا عن كون ساقي القوم آخرهم شربا، (2/171)
صفحة 567
إلى أن قال: والأظهر لي أن أحاديث شربه قائما تدل على الجواز، وأحاديث النهي تدل على الاستحباب والحث على ما هو أولى وأكمل، لأن في الشرب قائما إضرار ما ذكره لأجله وبفعله هو لأمنه منه، قال: وعلى هذا الثاني يحمل قوله (فمن شرب منه فليستق) على أن ذلك! يحرك خلطا يكون القيء دواؤه، ويؤيده قول النخعي إنما نهي عن ذلك لداء البطن انتهى.
وقال ابن القيم للشرب قائما آفات عديدة:
منها أنه لا يحصل به الري التام ولا يستقر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة إلى المعدة فيخشى منه أن تبرد حرارتها ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج وكل هذا يضر الشارب قائما فإذا فعله نادرا لم يضره، وعن أحمد عن أبي هريرة أنه رآى رجلا يشرب قائما فقال فيه بمقال له: أيسرك أن يشرب معك الهر؟ قال: لا قال قد شرب معك من هو أشر منه الشيطان إلخ.
وكلام الشيخ إسماعيل رحمه الله صريح في موافقة كلام المواهب حيث قال في أدب الشراب: الرابع في أدب الشرب أن لا يشرب قائما ولا مضطجعا، يستحب ذلك لنهيه عليه السلام عن الشراب قائما، وقد قيل لو يعلم الشارب قائما ما عليه لا ستقى ما شرب، وقد روي أنه عليه السلام شرب من زمزم قائما انتهى، فكأنه رحمه الله يشير إلى الجواز وأن النهي محمول على كراهة التنزيه فلا منافاة بينهما، وحيث أمكن الجمع فلا يصار إلى النسخ والله أعلم.
ومما يكره من الشرب الشرب قبل الأكل أو بعده. قال في القواعد حكاية عن بعض الأطباء في صفة وصفها للحجاج من جملتها وكل ما أحببت من الطعام ولا تشرب عليه، وإذا شربت فلا تأكل عليه إلخ.
وقال في المواهب قال ابن القيم ولم يكن صلَّى الله عليه وسلَّم يشرب على طعامه لئلا يفسده ولا سيما إن كان الماء حارا أو باردا فإنه رديء جدا انتهى إلخ.
وكذلك الأكل قائما منهي عنه ولفظ الحديث في الجامع الصغير نهى عن الشرب قائما والأكل قائما، قال العلقمي وفي رواية لمسلم نهى عن الشرب قائما قال قتادة قلنا فالأكل قال أشر وأخبث إلخ.
قوله (خنث سقاه) قال في الصحاح الانخناث التثني والتكسر، والاسم الخنث، وقال ابن حجر الاختناث افتعال من الخنث بالخاء المعجمة والنون والمثلثة (2/172)
صفحة 568
وهو الانطواء والتكسير إلخ، فذكر أن المراد بالسقاء ما يتخذ من الأدم صغيرا كان أو كبيرا، ثم قال وقيل القربة قد تكون كبيرة وقد تكون صغيرة والسقاء لا يكون إلا صغيرا انتهى.
وانظر هل المراد من ذكر هذه الرواية الإشارة إلى أن فعله ناسخ لقوله كما تقدم نظيره عن السؤالات في حديث الشرب قائما أو الإشارة إلى أن النهي عن الشرب من فم السقاء نهي تنزيه وأن شربه عليه السلام من فم السقاء لبيان الجواز وهو الظاهر كما تقدم نظيره عن المواهب والقواعد لأنه لايصار إلى النسخ إذا أمكن الجمع وستأتي كيفيته والله أعلم.
قوله (قال ابن عباس إنما نهي عن ذلك اشفاقا إلخ) قال الخطابي إنما ذكره ذلك من أجل ما يخاف من أذى يكون فيه لا يراه الشارب حتى يدخل جوفه، فاستحب له أن يشربه في إناء ظاهر يبصره وروي أن رجلا شرب من في سقاء فناب جان فدخل جوفه، إلى أن قال العلقمي ومن هذا استفيد سبب النهي، وروى البيهقي عن عروة عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نهى أن يشرب من في السقاء وقال إنه ينتنه إلخ.
وذكر ابن حجر في علة النهي أقوالا حيث قال: قال الشيخ أبو محمد بن أبي حمزة ما ملخصه اختلف في علة النهي. فقيل يخشى أن يكون في الوعاء حيوان أن ينصب بقوة فيشرق به أو يقطع العروق الضعيفة التي بإزاء القلب فربما كان سبب الهلاك.
أو بمايتعلق بفم السقاء من بخارالنفس،
أو بما يخالط الماء من ريق الشارب فيستقذره غيره.
أو لأن الوعاء يفسد بذلك في العادة فيكون من إضاعة المال،
قال والذي يقتضيه الفقه أنه لابد أن يكون النهي لمجموع هذه الأمور فيها ما يقتضي التحريم.
والقاعدة في مثل ذلك ترجيح القول بالتحريم وقد جزم ابن حزم بالتحريم لثبوت النهي وحمل أحاديث الرخصة على أصل الإباحة، وأطلق أبو بكر الأثرم صاحب أحمد أن أحاديث النهي ناسخة للإباحة لأنهم كانوا لا يفعلون ذلك حتى وقع (2/173)
صفحة 569
دخول الحية في بطن الذي شرب من في السقاء فنسخ الجواز إلخ، فذكر ما يدل على الجواز، إلى أن قال: قال شيخنا في شرح الترمذي ولو فرق بين ما يكون لعذركأن تكون القربة معلقة ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناء متيسرا ولم يتمكن من التناول بكفه فلا كراهية حينئذ وعلى ذلك تحمل الأحاديث المذكورة وبين ما يكون لغير عذر فتحمل عليه أحاديث النهي.
قال ابن حجر قلت ويؤيده أن أحاديث الجواز كلها فيها أن القربة كانت معلقة والشرب من القربة المعلقة أخص من الشرب من مطلق القربة وحملها على حال الضرورة جمعا بين الخبرين أولى من حملها على النسخ والله أعلم إلخ.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال أتي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بلبن شيب بماء وعلى يمينه أعرابي وعلى يساره أبو بكر فشرب وأعطى الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن).
قوله (قد شيب) بكسر المعجمة بعدها تحتانية على البناء للمجهول من الشوب وهو المزج والخلط، قال ابن حجر وإنما كانوا يمزجون اللبن بالماء لأن اللبن عند الحلب يكون حارا، أو تلك البلاد في الغالب حارة فكانوا يكسرون حر اللبن بالماء البارد إلخ. وهذا الخلط إنما يجوز للشرب دون البيع فإنه غش.
قوله (وعلى يساره أبو بكر في بعض الروايات عند قومنا بعده (فقال عمر وخاف أن يعطيه الأعرابي اعط أبا بكر) وفي بعضها (فقال عمر هذا أبو بكر). قال ابن حجر قال الخطابي وغيره كانت العادة الجارية لملوك الجاهلية ورؤسائهم بتقديم الأيمن في الشرب حتى قال عمرو بن كلثوم في قصيدة له (وكان الكأس مجراها اليمين) فخشي عمر لذلك أن يقدم الأعرابي على أبي بكر في الشرب فنبه عليه، لأنه احتمل عنده أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يؤثر تقديم أبي بكر على تلك العادة فتصير السنة تقديم الأفضل في الشرب على الأيمن فبين النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بفعله وقوله أن تلك العادة لم تغيرها السنة، وأنها مستمرة، وأن الأيمن يقدم على الأفضل في ذلك، ولا يلزم من ذلك حط رتبة الأفضل، وكان ذلك لفضل اليمين على اليسار انتهى.
قوله (وقال الأيمن فالأيمن) يجوز فيه الرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر أي الأيمن مقدم أو أحق، أو على أنه نائب الفاعل أي يقدم الأيمن، والنصب على تقدير قدموا أو أعطوا. قال ابن حجر واستنبط بعضهم من تكرير الأيمن أن السنة إعطاء من على اليمين ثم الذي يليه وهلم جرا، ويجوز أن يكون عمر في الصورة التي وردت في هذا الحديث شرب بعد الأعرابي ثم شرب أبو بكر بعده لكن الظاهر عن عمر إيثاره (2/174)
صفحة 570
أبا بكر بتقديمه عليه والله أعلم انتهى. وذكر في محل آخر أن هذا مستحب عند الجمهور وقال ابن حزم يجب. (أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (من شرب في آنية الذهب والفضة كأنما يجرجر في جوفه نار جهنم).
قوله (من شرب في آنية الذهب والفضة) في بعض الروايات عند قومنا (إن الذي يأكل أو ويشرب في آنية الذهب والفضة).قوله (كأنما يجرجر) قال ابن حجر بضم التحتانية وفتح الجيم وسكون الراء ثم جيم مكسورة ثم راء من الجرجرة وهو صوت يردده البعير في حنجرته إذا هاج نحو صوت اللجام في فك الفرس، قال النووي اتفقوا على كسر الجيم الثانية من يجرجر، وتعقب بأن الموفق بن حمزة في كلامه على المهذب حكى فتحها، وحكى ابن الفركاح عن والده أنه قال روي (يجرجر) على البناء للفاعل والمفعول إلخ.
قوله (في جوفه نار جهنم) قال ابن حجر وقع للأكثر بنصب نار على أن الجرجرة بمعنى الصب أو التجرع فيكون (نارا) نصبا على المفعولية والفاعل الشارب أي يصب أو يتجرع، وجاء الرفع على أن الجرجرة هي التي تصوت في البطن، قال النووي النصب أشهر ويؤيده رواية عثمان بن مرة عند مسلم بلفظ (فإنما يجرجر في بطنه نارا من نارجهنم إلخ). وفي بعض الروايات عند البخاري عن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة وتشميت العاطس وإجابة الداعي وإفشاء السلام ونصر المظلوم وإبرار القسم، ونهانا عن خواتم الذهب وعن الشرب في الفضة أو قال آنية الفضة وعن المياثر والقسي وعن لبس الحرير والديباج والاستبرق، وقال ابن حجر وفي هذه الأحاديث تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كل مكلف رجلا كان أو امرأة، ولا يلحق ذلك بالحلي للنساء لأنه ليس من التزين الذي أبيح لها في شيء إلخ.
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال خالد بن الوليد المخزومي: دخلت على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في بيت ميمونة فأتى محنوذ فأهوى إليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بيده، فقال بعض النسوة التي في البيت: انبرز لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بما يريد أن يأكل منه، فقيل هو ضب يا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فرفع يده، قال خالد فقلت أحرام هو يا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟ قال: لا ولكن ليس بأرض قومي فتجدني أعافه، قال خالد فاختززته فأكلته ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ينظر.
قوله (عن ابن عباس قال خالد بن الوليد) في بعض الروايات عند قومنا أن ابن عباس أخبره أن خالد بن الوليد الذي يقال له (سيف الله) أخبره قال ابن حجر وهذا الخبر مما اختلف فيه على الزهري هل هو من مسند ابن عباس أو من مسند خالد إلخ.
قوله (دخلت على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في بيت ميمونة) في رواية البخاري أنه دخل مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بيت ميمونة. قال ابن حجر زاد يونس في (2/175)
صفحة 571
روايته (وهي خالته وخالة ابن عباس) قلت: واسم أم خالد لبابة الصغرى، واسم أم ابن عباس لبابة الكبرى وكانت تكنى (أم الفضل) بابنها الفضل بن عباس وهما أختا ميمونة والثلاث بنات الحارث بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي الهلالي انتهى.
قوله (فأوتي بضب) قال ابن حجر هو دويبة تشبه الجرذون لكنه أكبر منه ويكنى (أبا حسن) بمهملتين مكسورة ثم ساكنة، ويقال للأنثى ضبة وبه سميت القبيلة، إلى أن قال: ويقال إن لأصل ذكر الضب فرعين ولهذا يقال له ذكران، وذكر ابن خالويه أن الضب يعيش سبعمائة سنة، وأنه لا يشرب الماء، ويبول في كل أربعين يوما قطرة، ولا يسقط له سن، ويقال بل أسنانه قطعة واحدة. وحكى غيره أن أكل لحمه يذهب العطش، ومن الأمثال (لا أفعل كذا حتى يرد الضب) يريد بقوله ومن أراد أن لا يفعل الشيء، لأن الضب لا يرد، بل يكتفي بالنسيم ويرد الهواء ولا يخرج من جحره في الشتاء، انتهى.
قوله (محنوذ) قال ابن حجر بمهملة ساكنة ونون مضمومة وآخره ذال معجمة أي مشوي بالحجارة المحماة، ووقع في رواية معمر نصب مشوي والمحنوذ أخوه والحنيذ بمعناه. زاد يونس في روايته (قدمت به أختها حفيدة) وهي بمهملة وفاء مصغر، ومعنا في رواية سعيد بن جبير أن أم حفيدة بنت الحارث بن حزن خالة ابن عباس أهدت للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم سمنا وإقطا وضبا إلخ.
قوله (فأهوى إليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بيده) قال ابن حجر زاد يونس (وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قل ما يقدم يده لطعام حتى يسمي له)، إلى أن قال: إن اعرابيا جاء إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بأرنب يهديها إليه وكان صلَّى الله عليه وسلَّم لا يأكل من الهدية حتى يأمر صاحبها فيأكل منها من أجل الشاة التي أهديت اليه بخيبر إلخ.
قوله (فقال بعض النسوة أخبرن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بما يريد أن يأكل منه فقيل هو ضب يا رسول الله) قال ابن حجر لمسلم من طريق يزيد بن الأصم عن ابن عباس (أنه بينما هو عند ميمونة وعندها الفضل بن عباس وخالد ابن الوليد وامرأة أخرى إذ قرب إليهم خوان أي سفر عليه لحم، فلما أراد النبي صلَّى الله عليه وسلَّم (2/176)
صفحة 572
أن يأكل قالت له ميمونة إنه له لحم ضب، فكف يده وعرف بهذه الرواية اسم المرأة التي أبهمت في الرواية الأخرى إلخ.
قوله (فرفع يده) قال ابن حجر زاد يونس (عن الضب) ويؤخذ منه أنه أكل من غير الضب مما كان قدم له من غير الضب، كما تقدم أنه كان فيه غير الضب، وقد جاء صريحا في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس كما تقدم في الأطعمة قال: فأكل الأقط وشرب اللبن إلخ انتهى.
قوله (لم يكن بأرض قومي) قال ابن حجر في رواية يزيد بن الأصم (هذا لحم لم آكله قط).
قال ابن العربي اعترض بعض الناس على هذه اللفظة (لم يكن بأرض قومي) بأن الضباب كثيرة بأرض الحجاز، قال ابن العربي فإن كان أراد تكذيب الخبر فقد كذب هو فإنه ليس بأرض الحجاز منها شيء أو ذكرت له بغير اسمها، أوحدثت بعد ذلك.
وكذا أنكر ابن عبد البر ومن تبعه أن يكون ببلاد الحجاز شيء من الضباب.
قلت ولا يحتاج إلى شيء من هذا بل المراد بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم (بأرض قومي) قريشا فقط ليختص النفي بمكة وما حواها، ولا يمنع ذلك أن تكون موجودة بسائر بلاد الحجاز.
وقد وقع في رواية يزيد بن الأصم دعانا عروس بالمدينة فقدم إلينا ثلاثة عشر ضبا فأكل وتأول الحديث، فهذا يدل على كثرة وجدانها بتلك البلاد انتهى.
قوله (فتجدني أعافه) الرواية في الإيضاح والبخاري (فأجدني أعافه) قال ابن حجر بعين مهملة وفاء حقيقة أي أتكره أكله، يقال عفت الشيء أعافه إلخ، فذكر روايات متعددة، إلى أن قال: وفي هذا كله بيان سبب تكره النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فإنه بسبب أنه ما اعتاده.
وقد ورد لذلك سبب أخرجه مسلم من رواية سليمان بن يسار فذكر معنى حديث ابن عباس وفي آخره فقال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم (كلا) يعني لخالد وابن عباس فإنني يحضرني من الله حاضرة قال المازري يعني الملائكة، وكان للحم الضب ريح فترك أكله لأجل ريحه كما ترك أكل الثوم مع كونه حلالا. (2/177)
صفحة 573
قلت وهذا إن صح يمكن ضمه إلى الأول ويكون لتركه الأكل من الضب سببان انتهى.
واستدل به في الإيضاح على أن استقذار النفوس ليس هو سبب التحريم وإنما الحرام ما حرمه الشرع.
قوله (فاحتززته) بزايين على ما رأيته من النسخ، قال في الصحاح: حزه واحتزه أي قطعه. والرواية في البخاري (فاجتززته) قال ابن حجر بجيم وزايين، هذا هو المشهور في كتب الحديث، وضبطه بعض شراح المذهب بزاي قبل الراء وقد غلطه النووي انتهى.
قوله (ينظر) قال ابن حجر: زاد يونس في روايته (إلى) وفي هذا الحديث من الفوائد جواز أكل الضب، وحكى عياض عن قوم تحريمه، وعن الحنفية كراهيته، وأنكر ذلك النووي وقال: لا أظنه يصح عن أحد فإن صح فهو محجوج بالمنصوص وبإجماع من قبله، قلت وقد نقله ابن المنذر عن علي، فأي إجماع يكون مع مخالفته؟ ونقل الترمذي مخالفته عن بعض أهل العلم إلى آخر ما أطال فيه.
ثم قال وفي الحديث أيضا الإعلاء بما شك فيه لإيضاح حكمه.
وأن مطلق النفرة وعدم الاستطابة لا تستلزم التحريم.
وأن المنقول عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنه كان لا يعيب الطعام إنما هو فيما صنعه الآدمي لئلا ينكسر خاطره، وينسب إلى التقصير فيه، وأما الذي خلق كذلك فليس نفور الطبع منه ممتنعا.
وفيه أن وقوع مثل ذلك ليس بمعيب ممن يقع منه خلافا لبعض النطعة.
وفيه أن الطباع تختلف في النفور عن بعض المأكولات.
وقد يستنبط منه أن اللحم إذا نتن لم يحرم لأن بعض الطباع لا تعافه. وفيه دخول أقارب المرأة بيتها إذا كان بإذن الزوج ورضاه.
وذهل ابن عبد البر هنا ذهولا فاحشا فقال: كان دخول خالد بن الوليد بيت النبي صلَّى الله عليه وسلَّم هذه القصة قبل نزول الحجاب، وغفل عما ذكره هو أن (2/178)
صفحة 574
اسلام خالد كان بين عمرة القضاء والفتح، وكان الحجاب قبل ذلك اتفاقا، وقد وقع في حديث قال خالد أحرام هو يا رسول الله؟ أحرام هو؟ فلو كانت القصة قبل الحجاب لكانت قبل إسلامه ولم يسأل عن حلال ولا حرام، ولا خاطب بقوله (يا رسول الله).
وفيه جواز الأكل من بيت الغريب والصهر والصديق.
وكان خالد أو من وافقه أرادوا جبر قلب الذي أهدته، أو ليتحقق حكم الحل، ولامتثال قوله صلَّى الله عليه وسلَّم (كلوا)، وفهم من لم يأكل أن الأمر فيه للإباحة.
وفيه أنه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يؤاكل أصحابه ويأكل اللحم حيث تيسر، وأنه كان لا يعلم من المغيبات إلا ما علمه الله تعالى.
وفيه وفور عقل ميمونة أم المؤمنين وعظيم نصيحتها للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم لأنها فهمت مظنة نفوره صلَّى الله عليه وسلَّم عن أكله منه بما استقرت منه؛ فخشيت أن يكون ذلك فيتأذى بأكله لاستقذاره له فصدقت فراستها.
ويؤخذ منه أن من خشي أن يتقذر شيئا لا ينبغي له أن يدلس له لئلا يتضرر به، وقد شوهد ذلك من بعض الناس انتهى.
(أبو عبيدة عن جابر قال: بلغني عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ما تقول في الضب يا رسول الله؟ قال (لست بآكله ولا محرمه) وحديث أبي طلحة قد تقدم.
قوله (لست بآكله) يعني بكونه ليس بأرض قومه فعافته نفسه.
(ولا محرمه) يعني أنه حلال فلا منافاة بينه وبين الحديث الأول خلافا لما يفهمه ظاهر كلام ابن عباس.
قال ابن حجر ووقع في حديث يزيد بن الأصم: أخبرت ابن عباس بقصة الضب فأكثر القوم حوله حتى قال بعضهم: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (لا آكله ولا أنهي عنه ولا أحرمه) فقال ابن عباس (بئس ما قلتم. ما بعث نبي الله إلا محللا أو محرما) أخرجه مسلم.
قال ابن العربي: ظن أن ابن عباس أن الذي أخبره بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم (لا آكله) أراد (لا أحله) فأنكره عليه لأن خروجه من قسم الحلال والحرام محال.
وتعقبه شيخنا في شرح الترمذي بأن الشيء إذا لم يتضح إلحاقا بالحلال والحرام يكون من الشبهات فيكون من حكم الشيء قبل ورود الشرع.
والأصح كما قال النووي لا يحكم عليها بحل ولا حرمة. (2/179)
صفحة 575
قلت وفي كون مسألة الكتاب من هذا النوع نظري لأن هذا إنما هو إذا تعارض الحكم على المجتهد، أما الشارع إذا سئل عن مسألة فلا بد أن يذكر فيه الحكم الشرعي، وهذا هو الذي أراده ابن العربي، وجعل محط كلام ابن عباس عنه.
ثم وجدت في الحديث زيادة لفظة سقطت من رواية المسلم، وبها يتجه إنكار ابن عباس، ويستغنى عن تأويل ابن العربي (لا آكله بل لا أحله)، إلى أن قال: قال في روايته (لا آكله أو لا أنهي عنه، ولا أحله ولا أحرمه) ولعل مسلما حذفها عمدا لشذوذها؛ لأن ذلك لم يقع في شيء من الطرق: لا في حديث ابن عباس ولا في غيره.
وأشهر من روى عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم (لا آكله ولا أحرمه) ابن عمر كما تقدم، وليس في حديثه (لا أحله) بل جاء التصريح عنه بأنه حلال فلم تثبت هذه اللفظة وهي قوله (لا أحله)، لأنها وإن كانت من رواية يزيد بن الاصم - وهو ثقة - لكنها أخبر بها عن قوم كانوا عند ابن عباس فكانت رواية عن مجهول إلخ.
قوله (وحديث أبي طلحة قد تقدم) لم تفهم منه المراد، ولا تعرف حديثا تقدم لأبي طلحة إلا ما ذكر في باب (أفضل ما يتصدق به) وانظر كيفيته مناسبة لما هو بصدده من بيان أدب الطعام والشراب، وبيان الحلال والحرام والله أعلم.
اللهم إلا أن يقال من جهة قوله (ايذن لعشرة) فإنه يؤخذ منه أن من سنة أدب الطعام أن يدوروا عشرة عشرة عند الاجتماع والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال (أكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير حرام).
قوله (أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام) اعلم أن العلماء اختلفوا فيما ذكر على ثلاثة أقوال: منهم من حرمها بظاهر هذا الحديث.
ومنهم من أباحها لقوله تعالى (قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما الآية).
ومنهم من كرهها جمعا بين الآية والحديث.
قال في الإيضاح فمن ذهب مذهب النسخ أو مذهب الترجيح قال إما بإباحتها بظاهر الكتاب وإما بتحريمها بظاهر حديث أبي هريرة، وأما من حملها على (2/180)
صفحة 576
الكراهية فإنه ذهب إلى ما روي أنه صلَّى الله عليه وسلَّم نهى عن أكل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير وحمل النهي على الكراهة ليجمع بينه وبين الآية إلخ.
وظاهر كلام السير أن المذهب وهو القول بالكراهة قال عمنا أحمد بن سعيد الشماخي رحمه الله حين ذهب إلى تيهرت ما نصه: ومن مشهور شجاعته ما ذكر أنه جاز على أسد ولبوة وأشبال فقطع أرجلها فجاز على حي فقال: من يبتغي اللحم المكروه فعليه بالوادي، فذهبوا مبادرين فمن يأكل المكروه أخذ إلخ.
لكن جمهور العلماء على القول بالتحريم وهو الذي فرع عليه صاحب الإيضاح كلامه حيث قال: واختلفوا أيضا في جنس السباع المحرمة: فقال بعضهم ما أكل اللحم فهو سبع، وقال آخرون السبع هو الذي يعدو ويساور إلخ.
وقال ابن حجر بعد كلام: قال الترمذي: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وعن بعضهم لا يحرم، وحكى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك كالجمهور، وقال ابن العربي المشهور عنه الكراهية.
وقال ابن عبد البر اختلف فيه عن ابن عباس وعائشة، وجاء عن ابن عمر من وجه ضعيف، وهو قول الشعبي وسعيد بن جبير واحتجوا بعموم (قل لا أجد) والجواب أنها مكية وحديث التحريم بعد الهجرة ثم ذكر نحو ما تقدم من أن نص الآية عدم تحريم غير ما ذكر إذ ذاك، فليس فيها نفي ما سيأتي.
وعند بعضهم أن آية الأنعام خاصة ببهيمة الأنعام، لأنه تقدم قبلها حكاية عن الجاهلية أنهم كانوا يحرمون شيئا من الأزواج الثمانية بآرائهم فنزلت الآية (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما) أي المذكورات إلا الميتة منها أو الدم المسفوح، ولا يرد كون لحم الخنزير ذكر معها لأنه قرن بها علة تحريمه وهو كونه رجسا.
ونقل إمام الحرمين عن الشافعي أنه يقول بخصوص السبب إذا ورد في مثل هذه القصة، لأنه لم يجعل الآية حاصرة لما يحرم من المأكولات مع ورود صيغة العموم فيها، وذلك أنها وردت في الكفار الذين يحلون الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ويحرمون كثيرا مما أباحه الشرع فكان الغرض من الآية إبانة (2/181)
صفحة 577
حالهم، وأنهم يضادون الحق فكأنه قيل لا حرام إلا ما حللتموه مبالغة في الرد عليهم.
وحكى القرطبي عن قوم أن آية الأنعام المذكورة نزلت في حجة الوداع فتكون ناسخة، وردت بأنها مكية كما صرح به كثير من العلماء، ويؤيده ما تقدم قبلها من الآيات من الرد على مشركي العرب في تحريمهم ما حرموه من الأنعام وتخصيصهم بعض ذلك بآلهتهم إلى غير ذلك مما سبق للرد عليهم وذلك كله قبل الهجرة إلى المدينة.
واختلف القائلون بالتحريم في المراد بما له من ناب فقيل: إنه ما يتقوى به ويثور على غيره ويصطاد ويعدو بطبعه غالبا كالأسد والفهد والصقر والعقاب، وأما ما لا يعدو كالضبع والثعلب فلا، وإلى هذا ذهب الشافعي والليث ومن تبعهما.
وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس بها، وأما الثعلب فقد ورد في تحريمه حديث خزيمة بن جزء عند الترمذي وابن ماجة بسند ضعيف انتهى.
والذي يميل إليه كلام صاحب الإيضاح رحمه الله أن الضبع من الصيد وأن، الثعلب من السباع والله أعلم.
قال ابن حجر والمخلب بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح اللام بعدها موحدة وهو للطير كالظفر لغيره لكنه أشد منه وأغلظ وأحد فهو كالناب للسبع إلخ.
وقال في الإيضاح وأما ذوات المخالب من الطير فهي سباع الطير شبهت بسباع الوحش لأنها تصطاد وتعقر وتأكل اللحم كالعقاب والصقر والبازي، وربما كان من سباع الطير ما ليس له مخلب كالنسر لا مخلب له وإنما له ظفر كالدجاج والغراب والرخمة، إلى أن قال: وإنما القصد بالتحريم لما اصطاد وعقر وأكل اللحم وإن لم يكن ذا مخلب إلخ.
(أبو عبيدة عن جابر قال بلغني عن علي ابن أبي طالب قال: نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية).
قوله (نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن متعة النساء يوم خيبر) وذلك أن المتعة كانت حلالا في الجاهلية وفي صدر الاسلام وهي أن يتزوج الرجل المرأة بكذا وكذا على شرط أيام معلومة فإذا تم الأجل أعطاها أجرها الذي فرض لها فإن أحب أن تزيده في الأيام قال لها أزيدك في الأجرة وتزيدينني في الأيام، (2/182)
صفحة 578
فإن شاءت المرأة فعلت ذلك ولا بد فيه على كلام ابن وصاف رحمه الله من ولي وشاهدين كغيره إلا أنهما لا يتوارثان وكذلك لا عدة ولا نفقة ولا سكن ولا كسوة، وأكثر القول أنه منسوخ.
قيل نسخته آية الميراث، وقيل نسخه هذا الحديث وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال (لو أطاعني عمر في نكاح المتعة لم يجلد على الزنا إلا شقي) والله أعلم.
قوله (وعن أكل لحوم الحمر الإنسية) بكسر الهمزة وسكون النون منسوبة إلى الإنس، ويقال فيه الإنسية.
وزعم ابن الاثير أن في كلام أبي موسى المديني ما يقتضي أنها بالضم ثم السكون بقوله الإنسية هي التي تولف البيوت، والإنس ضد الوحشة، وفي بعض الروايات الأهلية بدل الإنسية.
ويؤخذ من التقييد بها جواز أكل الحمر الوحشية.
واعلم أن العلماء اختلفوا في الحمر الأهلية: فقال بعضهم بإباحتها، وبعضهم بتحريمها، (وبعضهم بكراهيتها).
وذكر في الإيضاح أن سبب اختلافهم معارضة ظاهر قوله تعالى (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما الآية) لظاهر هذا الحديث قال: فمن ذهب إلى ظاهر النهي في هذا الحديث قال بتحريم الحمر الإنسية، ومن ذهب إلى ظاهر الآية المتقدمة قال بإباحتها، ومن جمع بين الآية والحديث حمل النهي على الكراهية وحمل ظاهر الآية على ترك التحريم.
وظاهركلامه يميل إلى القول بالتحريم حيث قال: قوله تعالى: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة) فدل تخصيص الخيل والبغال والحمير بالركوب أنه لا يحل أكلها لأنها لو كانت مباحة الأكل لذكر ذلك كما ذكره في الأنعام إلى آخره.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: مر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بشاة كانت أعطتها مولاة ميمونة فقال: (هل لا انتفعتم بجلدها؟) قيل: يا رسول الله إنها ميتة. قال: (إنما حرم أكلها وأيما اهاب دبغ فقد طهر).
قوله (إنها ميتة قال إنما حرم أكلها) قال ابن حجر قال ابن أبي حمزة فيه مراجعة الإمام فيما لا يفهم السامع معنى ما أمر به كأنهم قالوا: كيف تأمرنا (2/183)
صفحة 579
بالانتفاع بها وقد حرمت علينا فبين لهم وجه التحريم. ويؤخذ منه جواز تخصيص الكتاب بالسنة لأن لفظ القرآن (حرمت عليكم الميتة) وهو شامل لجميع أجزائها في كل حال فخصت السنة ذلك بالأكل. وفيه حسن مراجعتهم وبلاغتهم في الخطاب لأنهم جمعوا معاني كثيرة في كلمة واحدة وهي قوله (إنها ميتة). واستدل به الزهري لجواز الانتفاع بجلد الميتة مطلقا سواء دبغ أو لم يدبغ لكن صح التقييد من طريق أخرى وهي حجة ا لجمهور.
واستثنى الشافعي من الميتات الكلب والخنزير وما تولد منهما لنجاسة عينهما عنده إلخ.
أقول وهو المذهب عندنا لأن الدباغ للجلد بمنزلة الذكاة للحم ولذلك اختلفوا في جلود ميتة السباع هل يطهرها الدباغ أم لا، وسبب اختلافهم هل تصح فيها الذكاة أم لا كما بينه في الإيضاح فليراجع.
قوله (أيما إهاب دبغ فقد طهر) الإهاب بكسر الهمزة وتخفيف الهاء الجلد قبل أن يدبغ، وقيل هو الجلد دبغ أولم يدبغ، وجمعه أهب بفتحتين، ويجوز بضمتين، والمراد من الإهاب إهاب ما يؤكل لحمه كما تقدم.
قال في الإيضاح بعد الكلام على جلود السباع: وأن جلودها تابعة للحومها، فإن قال قائل: أليس قلتم (أيما إهاب دبغ فقد طهر) فهذا عموم؟ قيل له: هذا عموم يراد به الخصوص، وذلك أن جلد الخنزير خارج من هذا العموم باتفاق منهم رحمهم الله كقوله تعالى: (إلا ما ذكيتم) والخنزير خارج من عموم الزكاة باتفاق والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن ينتفع بجلد الميتة إذا دبغ).
قوله (قالت أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يستنفع بجلود الميتة إذا دبغت) هذا الحديث كالذي قبله يدل على جواز الانتفاع بجلود الميتة إذا دبغت.
وذهب بعضهم إلى أنها لا يجوز الانتفاع بها دبغت أو لم تدبغ لما ورد عنه أنه صلَّى الله عليه وسلَّم كتب إلى أناس قبل موته بشهر (أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) ووجه الجمع بين الأحاديث أن يحمل حديث المنع من الانتفاع بالإهاب على ما قبل الدباغ، وحديث جواز الانتفاع به على ما بعد الدباغ، وإذا أمكن الجمع بين الحديثين وجب المصير إليه عملا بالدليلين والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الأغنياء ويترك المساكين).
قوله (شر الطعام طعام الوليمة) تقدم الكلام عليه في باب جامع الصدقة والطعام والله أعلم. (2/184)
صفحة 580
كتاب الحج (2/185)
صفحة 581
[صفحة بيضاء] (2/186)
صفحة 582
باب فرض الحج
اعلم أن الحج في اللغة العربية هو القصد وقال الخليل كثرة القصد إلى معظم. وفي الشرع قال ابن حجر: القصد إلى البيت الحرام بأعمال مخصوصة. وهو بفتح المهملة وبكسرها لغتان.
نقل الطبري أن الكسر لغة أهل نجد والفتح لغيرهم، ونقل عن الحسين الجعفي أن الفتح الاسم والكسر المصدر، وعن غيره عكسه.
ووجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة، وأجمعوا أنه لا يتكرر إلا لعارض كالنذر، واختلف هل هو على الفور أو على التراخي.
وهو مشهور في وقت ابتداء فرضه فقيل قبل الهجرة وهو شاذ، وقيل بعدها، ثم اختلف في سنته فالجمهور على أنها سنة ست إلخ.
أقول والمنصوص عليه عندنا أنه فرض عام تسع وحج (عام عشر وهو دليل من قال أنه على التراخي والله أعلم. (2/187)
صفحة 583
الباب الأول في فرض الحج
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: كان الفضل بن عباس آخر رديف رسول الله (فجاءت امرأة من خشم تستفتيه فجعل الفضل بن العباس ينظر إليها وتنظر إليه فجعل رسول الله (يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر قالت: يا رسول الله (إن فريضة الله على العباد في الحج إذا أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكنت قاضية عنه؟ قالت: نعم. قال: فذلك كذلك). (2/188)
صفحة 584
قوله (كان الفضل بن عباس) هو أخو عبد الله وكان أكبر ولد العباس وبه كان يكنى.
قوله قال (رديف) ابن حجر زاد شعيب (على عجز راحلته).
قوله (فجاءت امرأة من خثعم) بفتح المعجمة وسكون المثلثة قبيلة مشهورة.
قوله (فجعل الفضل ينظر إليها) قال ابن حجر في رواية شعيب (وكان الفضل رجلا وضيئا أي جميلا، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها).
قوله (يصرف وجه الفضل) قال ابن حجر في رواية شعيب (فالتفت النبي (والفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها. وهذا هو المراد بقوله في حديث علي (فلوى عنق الفضل) ووقع في رواية الطبري في حديث علي (وكان الفضل غلاما جميلا فإذا جاءت الجارية من هذا الشق صرف رسول الله (وجه الفضل إلى الشق الآخر فإذا جاءت إلى الشق الآخر صرف وجهه عنه) وقال في آخره (رأيت غلاما حدثا وجارية حدثة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان) انتهى.
قوله (إن فريضة الله على العباد في الحج أدركت أبي إلخ) ذكر ابن جر فيه روايات ثم قال: واتفقت الروايات كلها عن ابن شهاب على أن السائلة كانت امرأة وأنها سألت عن أبيها، وخالفه يحى ابن أبي إسحاق عن سليمان فاتفق الرواية عنه على أن السائل رجل ثم اختلفوا عليه في إسناده ومتنه إلى آخر ما أطال فيه. ومن جملة ما ذكر أن السائل سأل عن أمه ثم قال: والذي يظهر من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل وكانت ابنته معه فسألت أيضا والمسئول عنه أبو الرجل وأمه جميعا، وبقرب ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قوي من طريق سعيد (2/189)
صفحة 585
بن جبير عن ابن عباس عن الفضل ابن عباس قال كنت رديف النبي (وأعرابي معه بنت حسنى فجعل الأعرابي يعرفها لرسول الله (رجاء أن يتزوجها، وجعلت ألتفت إليها وبأخذ النبي (برأسي ويلويه وكان يلبي حتى رمى جمرة العقبة.
فعلى هذا فقول الشابة (إن أبي) لعلها أرادت به جدها لأن أباها كان معها وكأنه أمرها أن تسأل النبي (ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها فلما لم يرضها سأل أبوها عن أبيه، ولا مانع أيضا أن يسأل عن أمه، إلى أن قال: ووقع السؤال عن هذه المسألة من شخص آخر.
قوله (شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة) رواية البخاري (شيخا لا يثبت على راحلة) قال ابن حجر قال الطيبي: شيخا حال، ولا يثبت صفة له، ويحتمل أن يكون حالا أيضا ويكون من الأحوال المتداخلة، والمعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو بهذه الصفة. وذكر في روايات من جملته (وإن شددته بالحبل على الراحلة خشيت أن أقتله) قال: وهذا يفهم منه أن من قدر على غير هذين الأمرين من الثبوت على الراحلة أو الأمن عليه من الأذى لو ربط لم يرخص له في الحج كمن يقدر على محمل موطى كالمحفة انتهى.
قوله (أفأحج عنه) أي أيجوز أن أنوب عنه فأحج عنه لأن ما بعد الفاء الداخلة عليها الهمزة معطوف مقدر قال ابن حجر.
قوله (فذا كذلك) الرواية في البخاري بعد قوله أفأحج عنه (قال نعم) وذلك في حجة الوداع قال ابن حجر وفي هذا الحديث من الفوائد جواز الحج عن الغير، واستدل الكوفيون بعمومه على جواز صحة حج من لم يحج نيابة عن غيره وخالفهم الجمهور فخصوه بمن حج عن نفسه واستدل بما في السنن وصحيح ابن خزيمة وغيره من حديث ابن عباس أيضا أن النبي (رأى رجلا يلبي عن شبرمة فقال أحجت عن نفسك؟ فقال: لا. قال: (هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة) واستدل به على أن الاستطاعة تكون بالغير كما تكون بالنفس، واستدل به بعض المالكية فقال من لم يستطع بنفسه لم يلاقه الوجوب، وأجابوا عن حديث الباب بأن ذلك وقع من السائل على جهة التبرع وليس في شيء من طرقه تصريح بالوجوب، وبأنها عبادة بدنية فلا تصح النيابة فيها. (2/190)
صفحة 586
وقد نقل الطبري وغيره الإجماع على أن النيابة لا تدخل في الصلاة قالوا: ولأن العبادة فرضت على جهة الابتلاء وهو لا يوجد في العبادات البدنية إلا بإتعاب البدن وفيه يظهر الانقياد أو النفور بخلاف الزكاة فإن الابتلاء فيها بنقص المال وهو حاصل بالنفس وبالغير، وأجيب بأن قياس الحج على الصلاة لا يصح لأن عبادة الحج مالية بدنية معا فلا يترجح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة. ولهذا قال المازري من غلب عليه حكم البدن في الحج ألحقه بالصلاة. ومن غلب عليه حكم المال ألحقه بالصدقة إلخ.
والذي عليه أصحابنا جواز الحج عن الغير إذا كان ميتا بالاتفاق، واختلفوا في الحج عن الحي العاجز. قال ابن حجر واتفق من أجاز النيابة في الحج على أنها لا تجزي في الفرض إلا عن موت أو عن عضب فلا يدخل المريض لأنه يرجى برؤه ولا المجنون لأنه يرجى إفاقته، ولا المحبوس لأنه يرجى خلاصه، ولا الفقير لأنه يمكن استغناؤه إلخ. وقال أيضا: واختلفوا فيما إذا عوفي المعضوب فقال الجمهور لا يجزيه لأنه تبين أنه لم يكن مأيوسا منه، وقال أحمد وإسحاق لا تلزمه الإعادة لئلا يقضي إلى إيجاب حجتين انتهى.
وقال: وفي الحديث من الفوائد أيضا جواز الارتداف، ثم قال وارتداف المرأة مع الرجل وتواضع النبي (ومنزلة الفضل بن عباس منه وبيان ما ركب في الآدمي من الشهوة وجبلت طبائعه عليه من النظر إلى الصور الحسنة، وفيه منع النظر إلى الأجنبيات وغض النظر. قال عياض: وزعم بعضهم بأنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة. قال وعندي أن فعله (اذ غطى وجه الفضل أبلغ من القول ثم قال: لعل الفضل لم ينظر نظرا ينكر بل يخشى عليه أن يئول إلى ذلك، أو كان قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب. ويؤخذ منه التفريق بين الرجال والنساء خشية الفتنة، وجواز كلام المرأة وسماع صوتها للأجانب عند الضرورة كالاستفتاء عن العلم، والترافع في الحكم، والمعاملة. وفيه أن إحرام المرأة في وجهها فيجوز لها كشفه في الإحرام.
وروى أحمد وابن خزيمة من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي (قال للفضل حين غطى وجهه يوم عرفة: هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له. وفي الحديث أيضا النيابة في السؤال عن العلم حتى من المرأة عن الرجل، (2/191)
صفحة 587
وأن المرأة تحج بغير محرم وأن المحرم ليس من السبيل المشترط في الحج لكن الذي تقدم من أنها كانت مع أبيها قد يرد على ذلك. وفيه بر الوالدين، والاعتناء بأمرهما، والقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة ونفقة وغير ذلك من أمور الدين والدنيا.
واستدل به على أن العمرة غير واجبة لكون الخثعمية لم تذكرها ولا حجة فيه لأن مجرد ترك السؤال لا يدل على عدم الوجوب لاستفادة ذلك من حكم الحج، ولاحتمال أن يكون أبوها قد اعتمر قبل الحج، إلى أن قال: وقال ابن العربي حديث الخثعمية أصل متفق على صحته في الحج خارج عن القاعدة المستقرة في الشريعة من أنه ليس للإنسان إلا ما سعى رفقا من الله في استدراك ما فرط فيه المرء بولده وماله، وتعقب بأنه يمكن أن يدخل في عموم السعي وبيان السعي في الآية للخصوص اتفاقا. انتهى.
واستدل بهذا الحديث في الإيضاح لمن قال: إن ما يجب على الإنسان من حقوق الله تعالى مثل فرض الصيام والحج والعتق وكفارة الأيمان والنذر وغير ذلك من الحقوق التي أمر الله بها ولا خصم للمأمور من الخلق إذا أوصى به وأمر بإنفاذه يجب إخراجه من جملة المال حيث قال بعد ذكر الحديث: قالوا فقد شبه الحج بالدين فلما كان الدين من رأس المال كان الحج مثله إلخ. فذكر القول الثاني وهو أن ما كان من هذه الحقوق التي ذكرناها ترجع إلى الثلث إذا أوصى بها الميت إلخ. وظاهر سياقه يدل على أن هذا القول أرجح لأن ما لا يجب إلا بالوصية سبيله الثلث والله أعلم.
قوله (لم يحج إلا بعد عشر حجج من هجرته) قد تقدم لخلاف في وقت وجوبه والذي عليه أصحابنا على حد ما ذكره الأبدلاني رحمه الله أنه فرض عام تسع وحج عام عشر واستدل به من قال إنه على التراخي. قال في الإيضاح بعد ذكر هذا الحديث فهذا فرض لم يجبر الله تعالى به وقته وإنما فعله النبي (بعد وجوبه بزمان. وكذلك روي عن الربيع بن حبيب أنه قال من وجب عليه الحج ولم يحج ولم يوص به مات كافرا، فقد جعل له الربيع رحمه الله المخرج بالوصية وبلغنا عن عطاء مثل ذلك، ومن وجب عليه الحج ولم يحج فهو دين عليه في حياته، فإن لم يحج حتى حضره الموت فليوص به أن يحج عنه وإن لم (2/192)
صفحة 588
يوص به فمات على ذلك غير تائب مات كافرا كما قال الله تعالى (ومن كفرفإن الله غني عن العالمين) إلخ. فذكر القول الثاني وهو أنه على الفور فذكر حجته فليراجع.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: صلى رسول الله (الظهر ذات يوم فجلس فقال: (سلوني عما شئتم ولا يسألني أحد عن شيء إلا أخبرته) فقال الأقرع بن حابس يا رسول الله (الحج واجب علينا كل عام؟ فغضب رسول الله (حتى احمرت وجنتاه فقال: (والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولم تفعلوا، ولولم تفعلوا لكفرتم، ولكن إذا نهيتم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتم بشيء فأتوا منه ما استطعتم).
قوله (سلوني عما شئتم إلخ) هذا الحديث هو سبب نزول قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) على ما ذكره بعضهم راجع السؤالات.
(أبو عبيدة عن جابر عن أنس بن مالك قال: أتى رجل إلى رسول الله (فقال: يا رسول الله (إن أمي عجوز كبيرة لا تستطيع أن أركبها على البعير وإن ربطتها خفت عليها أن تموت أفأحج عنها؟ قال نعم).
قوله (أتى رجل إلى رسول الله (فقال: يا رسول الله إن أمي عجوز كبيرة إلخ) ظاهر كلام المصنف رحمه الله أن هذا الحديث غير حديث الخثعمية لأن السائل رجل عن أمه وهناك امرأة عن أبيها.
وكلام ابن حجر صريح في أن القصة واحدة وأنه قد اختلفت الروايات فيها فذكرها ثم قال محاولا الجمع بينها: والذي يظهر من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل وكانت ابنته معه فسألت أيضا والمسئول عنه أبو الرجل وأمه جميعا إلى آخر ما تقدم، وذكر أن اسم الرجل السائل في حديث الخثعمية اسمه حصين بن عوف الخثعمي. وذكر قصة أخرى ووقع فيها السؤال من رجل عن أبيه حيث قال: ووقع السؤال عن هذه المسألة من شخص آخر وهو أبو رزين بفتح الراء وكسر الزاء العقيلي بالتصغير واسمه لقيط بن عامر ففي السنن وصحيح ابن خزيمة وغيرهما من حديثه أنه قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة قال: (حج عن أبيك واعتمر وهذه قصة أخرى ومن وحد بينها وبين حديث الخثعمي فقد أبعد وتكلف انتهى.
ويحتمل أن هذه القصة هي المراد من حديث المصنف إلا أنه اختلفت الرواية في المسئول عنه والله أعلم.
وهذا الحديث يدل على جواز الحج عن الغير ولو كان حيا إذا كان لا يستطيع والله أعلم. (2/193)
صفحة 589
الباب الثاني في المواقيت
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد إلخدري قال: وقت رسول الله لأهل المدينة أن يهلوا من ذي الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرنا، ولأهل اليمن لملما، ولأهل العراق ذات عرق).
قوله (وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة إلخ) لفظ الحديث في البخاري (وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة فمن كان دونهن فمهله من أهله وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها انتهى. (2/194)
صفحة 590
قوله (وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال ابن حجر (وقت) أي حدد، وأصل التوقيت أن يجعل للشيء وقتا مختصا به، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضا.
قال ابن الاثير التوقيت والتأقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به وهو بيان مقدار المدة، ويقال وقت للشيء بالتشديد يوقته ووقت بالتخفيف يقته إذا بين مدته، ثم اتسع فيه فقيل للموضع ميقات.
وقال ابن دقيق العيد: قيل إن التوقيت في اللغة التحديد والتعيين فعلى هذا فالتحديد من لوازم الوقت وقوله هنا (وقت) يحتمل أن يريد التحديد أي حد هذه المواضع للإحرام، ويحتمل أن يريد به تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بالشرط المعتبر.
وقال عياض وقت أي حدد، وقد يكون بمعنى أوجب منه قوله تعالى (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) إلخ.
قوله (أن يهلوا) أي يحرموا والإهلال في الأصل رفع الصوت لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعا قاله ابن حجر.
قوله (من ذي الحليفة) قال ابن حجر بالمهملة والفاء مصغر مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين قاله ابن حزم، وقال غيره بينهما عشر مراحل، قال النووي بينهما وبين المدينة ستة أميال، ووهم من قال بينهما ميل واحد وهو ابن الصباغ، وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خرب، وبها بئر يقال لها بئر علي انتهى.
وقوله (ولأهل الشام الجحفة) قال ابن حجر الجحفة بضم الجيم وسكون المهملة وهي قرية بينها وبين مكة خمس مراحل أو ست، وفي قول النووي في شرح المهذب ثلاث مراحل فقط، وسيأتي في حديث ابن عمر أنها مهيعة بوزن علقمة وقيل بوزن لطيفة وسميمت الحجفة لأن السيل جحف بها.
قال ابن الكلبي كان العماليق يسكنون بيثرب فوقع بينهم وبين بني عبيل بفتح المهملة وكسر الموحدة وهم إخوة عاد حرب فأخرجهم من يثرب فنزلوا مهيعة فجاء سيل فاحتجفهم أي استأصلهم فسميت الحجفة. (2/195)
صفحة 591
ووقع في حديمث عائشة عند النسائي (ولأهل الشامل ومصر الجحفة) والمكان الذي يحرم منه المصريون الآن (رابغ) بوزن فاعل براء موحدة وغين معجمة قريب من الجحفة واختصت الجحفة بالحمى فلا ينزلها أحد إلا حم كما سيأتي في فضائل المدينة انتهى.
قوله (ولأهل نجد قرنا) قال ابن حجر أما نجد فهو كل مكان مرتفع، وهو اسم لعشرة مواضع والمراد منها هنا التي أعلاها تهامة واليمن وأسفلها الشام والعراق إلخ (والمراد بقرن هنا قرن المنازل) كما في رواية البخاري.
قال ابن حجر والمنازل بلفظ جمع المنزل والمركب الإضافي هو اسم المكان، ويقال له (قرن) أيضا بلا إضافة وهو بفتح القاف وسكون الراء بعدها نون، وضبطه صاحب الصحاح بفتح الراء وغلطوه، وبالغ النووي فحكى الاتفاق على تخطئته في ذلك، لكن حكى عياض عن تعليق القابسي أن من قاله بالإسكان أراد الجبل ومن قاله بالفتح أراد الطريق.
والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة المشرق مرحلتان، وحكى الروياني عن بعض قدماء الشافعية أن المكان الذي يقال له (قرن) موضعان أحدهما في هبوط وهو الذي يقال له (قرن المنازل)، والآخر في صعود وهو الذي يقال له (قرن الثعالب) والمعروف الأول.
وفي أخبار مكة للفاكهي أن (قرن الثعالب) ظهر جبل مشرف على أسفل منى بينه مسجد منى ألف وخسمائة ذراع، وقيل له (قرن الثعالب) لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب، فظهر أن قرن الثعالب ليس من المواقيت إلخ.
قوله (ولأهل اليمن يلملما) قال ابن حجر يلملم بفتح التحتانية واللام وسكون الميم بعدها لام مفتوحة ثم ميم على مرحلتين من مكة بينهما ثلاثون ميلا، ويقال لها ألملم بالهمزة وهو الأصل والياء تسهيل لها وحكى ابن السيد فيه (يرمرم) براءين بدل اللامين إلخ.
قوله (ولأهل العراق ذات عرق) هذا الحديث صريح في أن الذي وقت ذات عرق لأهل العراق هوالنبي صلى الله عليه وسلم.
والمذكور في كتب الفقه قولان: أحدهما هذا وهو الذي صدر به في الإيضاح والقواعد والثاني أن الموقت لها عمر قالوا لأن العراق في زمن عمر رضي الله عنه (2/196)
صفحة 592
واختاره في القواعد حيث قال: وقيل عمر بن الخطاب لأنه هو الذي فتح العراق على أيدي عماله وهو الأصح إلخ.
ولقائل أن يقول لا يلزم من كون عمر هو الذي فتح العراق أن يكون هو الموقت لهم ألا ترى أن الشام إنما فتح في زمن عمر أيضا مع أن الموقت لهم إنما هو النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع فالظاهر أن الموقت للمواقيت كلها إنما هو النبي صلى الله عليه وسلم كما دل عليه هذا الحديث لأته يعلم أن بلادهم ستفتح ويحجون البيت الحرام والله أعلم.
والذي جزم به في البخاري أن الموقت لذات عرق إنما هو عمر رضي الله عنه ولفظه بعد ذكر الإسناد عن عبد الله بن عمر قال (لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنا وهو جور عن طريقنا وإنا إذا أردنا قرنا شق علينا، قال فانظروا حذوها من طريقكم فحد لهم ذات عرق) انتهى.
والمراد بالمصريين الكوفة والبصرة، قال ابن حجر: والمراد بفتحهما غلبة المسلمين على مكان أرضهما وإلا فهما من تمصير المسلمين إلخ فذكر أن الجور بفتح الجيم وسكون الواو بعدها راء هو الميل عن القصد ومنه قوله تعالى (ومنها جائر).
وذكر أن (ذات عرق) بكسر العين وسكون الراء بعدها قاف سمي بذلك لأن فيه عرقا وهو الجبل الصغير وهي أرض فسحة تنبت الطرفا بينها وبين مكة مرحلتان، والمسافة اثنان وأربعون ميلا، وهي الحد الفاصل بين نجد وتهامة انتهى.
وقال في محل آخر تنبيه: أبعد المواقيت من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة فقيل الحكمة في ذلك أن يعظم أجور أهل المدينة.
وقيل رفقا بأهل الآفاق لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة أي ممن له ميقات معين انتهى.
واعلم أنهم أجمعوا على أن من أحرم من أحد هذه المواقيت أو قبلها فهو محرم. (2/197)
صفحة 593
واختلفوا فيمن أحرم بعد أن تعداها واتفق الجمهور على أن من كان منزله داخل الميقات فميقاته منزله، واختلفوا فيمن ترك ميقاته وأحرم من ميقات غيره هل عليه دم أم لا؟ والأصح أنه لا شيء عليه لقوله عليه السلام (لهن لهم ولكل آت عليهن من غيرهم ممن أراد الحج أو العمرة) والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال (هذا جبل يحبنا ونحبه اللهم إن إبراهيم حرم مكة وأنا أحرم ما بين لابتيها قال الربيع يعني ما بين حرتيها).
قوله (طلع أحد إلخ) هذه قطعة من حديث أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي طلحة التمس غلاما من غلمانكم يخدمني حتى أخرج إلى خيبر، فخرج أبو طلحة مردفي وأنا غلام راهقت الحلم فكنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل فكنت أسمعه كثيرا يقول (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال) ثم قدمنا خيبرا فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قتل زوجها وكانت عروسا فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه فخرج بها حتى إذا بلغنا سد الصهباء حلت فبنى بها، ثم صنع حيسا في نطع صغير ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (آذن من حولك) فكانت تلك وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة قال فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر لها وراءه بعباءته ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى ركبت فسرنا حتى إذا أشرفنا على المدينة نظر إلى أحد فقال (هذا جبل يحبنا ونحبه) ثم نظر إلى المدينة فقال (اللهم إني أحرم ما بين لابتيها بمثل ما حرم إبراهيم مكة اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم) انتهى.
وأحد بضمتين جبل مشهور بالمدينة على أقل من فرسخ، وسمي بذلك لتوحده وانقطاعه عن جبال أخر هناك، قيل وفيه قبر هارون أخي موسى عليهما السلام، وهو مذكر فينصرف، وقيل يجوز التأنيث على معنى البقعة فيمتنع صرفه وليس بالقوي.
قوله (هذا جبل يحبنا ونحبه) قال ابن حجر وللعلماء في معنى ذلك أقوال: أحدها أنه على حذف مضاف والتقدير أهل أحد والمراد بهم الأنصار لأنهم جيرانه.
ثانيها أنه قال ذلك للمسرة بلسان الحال إذ قدم من سفر لقربه من أهله ولقياهم وذلك فعل من يحب بمن يحب. (2/198)
صفحة 594
ثاللها أنه للحب من الجانبين على حقيقته، وظاهره لكون أحد من جبال الجنة كما ثبت في حديث أبي عبس بن حمر مرفوعا (جبل أحد يحبنا ونحبه وهو من جبال الجنة) أخرجه أحمد.
ولا مانع في جانب الجبل من إمكان المحبة كما جاز التسبيح منها وقد خاطبه صلى الله عليه وسلم مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب (اسكن أحد) الحديث أقول تمامه (فإنما عليك نبي وصديق وشهيد)، إلى أن قال:
وقال السهيلي: كان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن، والاسم الحسن، ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الأحدية محركات حروفه بالرفع، وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه، فتعلق الحب من النبي صلى الله عليه وسلم به لفظا ومعنى، فخص من بين الجبال بذلك والله أعلم إلخ.
قوله (إن ابراهيم حرم مكة) قيل المعنى إن إبراهيم حرم مكة بأمر الله لا باجتهاده أو أن الله قضى يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس وكان قبل ذلك عند الله حراما أو أول من أظهره بعد الطوفان قاله ابن حجر، ومراده بذلك دفع المعارضة بين هذا الحديث وبين قوله صلى الله عليه وسلم (إن الله حرم مكة) وفي بعض الروايات (هذا بلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض) إلخ.
قوله (وأنا أحرم ما بين لابتيها إلخ) قال ابن حجر واللابتان جمع لابة بتخفيف الموحدة وهي الحجارة السود، إلى أن قال: ووقع في حديث جابر عند أحمد (وأنا أحرم المدينة ما بين حرتيها إلخ).
وفي بعض الروايات المدينة حرم من عير إلى ثور، فعير من جهة المغرب، وثور من جهة المشرق، قيل إنه جبل صغير خلف أحد من جهة الشمال، قال ابن حجر: وزاد مسلم في بعض طرقه (وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى).
وروى أبو داود من حديث عدي بن زيد قال: حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريدا بريدا لا يخبط شجره، ولا يعضد إلا ما يساق به الجمل انتهى.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مكة حرم لحرم الله لاتحل لقطتها، ولايعضد شجرها، ولاينفر صيدها، ولا يختلى خلاها) قال عمه العباس يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الإذخر يا رسول الله فقال (إلا الإذخر) قال الربيع لا يعضد أي لا يقطع، والخلا الكلأ، والإذخر نبت يصنع منه الحصر وتسقف به البيوت.
قوله (مكة حرم لحرم الله إلخ) لفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن الله حرم مكة فلم تحل لأحد قبلي ولا (2/199)
صفحة 595
تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفرصيدها، ولا تلقط لقطتها إلا لمعرف) وقال العباس يا رسول الله إلا الإذخر لصاغتنا وقبورنا فقال (الا الإذخر).
وعن خالد عن عكرمة هل تدري ما معنى لا ينفر صيدها؟ هو أن تنحيه عن الظل، تنزل مكانه انتهى، وتقدم أنه لا منافاة بين الإخبار بأن إبراهيم حرم مكة وبين الإخباربأن الله حرمها.
قوله (لا تحل لقطتها) يعني إلا لمنشدها كما ورد التصريح بذلك في حديث آخر، فلا يجوز لأحد أن يتناول لقطة مكة إلا للتعريف بها. قال ابن حجر واللقطة الشيء الذي يلتقط، وهو بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين. وقال عياض لا يجوز غيره، وقال الزمخشري في الفائق: اللقطة بفتح القاف والعامة تسكنها كذا قال، وقد جزم الخليل بأنها بالسكون قال: وأما بالفتح فهو اللاقط وقال الزهري: هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة والحديث الفتح، وقال ابن بري التحريك للمفعول نادر فاقتضى أن الذي قاله الخليل هو القياس.
وفيها لغتان أيضا (لقاطة) بضم اللام و (لقطة) بفتحها، إلى أن قال: ووجه بعض المتأخرين فتح القاف في المأخوذ أنه للمبالغة وذلك لمعنى فيها اختصت به، وهو أن كل من يراها يميل لأخذها فسميت باسم الفاعل لذلك انتهى.
وقال في محل آخر (إلا لمنشد) أي معرف، وأما الطالب فيقال له الناشد. تقول (نشدت الضالة) إذا طلبتها و (أنشدتها) إذا عرفتها، وأصل الإنشاد والنشيد رفع الصوت، والمعنى لا تحل لقطتها إلا لمن يريد أن يعرفها فقط، وأما إن أراد أن يعرفها ثم يتملكها فلا، إلى أن قال: وهو قول الجمهور. وإنما اختصت بذلك عندهم لإمكان كل إيصالها إلى ربها لأنها إن كانت للمكي فظاهر، وإن كات للآفاقي فلا يخلو أفق غالبا من وارد إليها، فإذا عرفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها قاله ابن بطال.
وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية هي كغيرها من البلاد وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف، إلى أن قال: واحتج ابن المنير لمذهبه بظاهر الاستثناء من النفي لأنه نفي الحل واستثنى المنشد فدل على أن الحل ثابت لمنشد لأن الاستثناء من النفي إثبات إلى آخر ما أطال فيه والله أعلم.
قوله (ولا يعضد شجرها) قال ابن حجر أي لا يقطع، قال ابن الجوزي: أصحاب الحديث يقولونه يعضد بضم الضاد، وقال لنا ابن الخشاب هو بكسرها، والمعضد بكسر أوله الآلة التي يقطع بها، قال الخليل المعضد الممتهن من السيوف في قطع الشجر، قال الطبري أصله من عضد الرجل إذا أصابه سوء في عضده.
ووقع في رواية لعمر بن شيبة بلفظ (لا يخضد) بالخاء المعجمة بدل العين المهملة وهو راجع إلى (2/200)
صفحة 596
معناه، فإن أصل الخضد الكسر، ويستعمل في القطع.
قال القرطبي: خص الفقهاء الشجر المنهي عن قطعه بماينبته الله تعالى من غير صنع آدمي، فأما ما نبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه، والجمهور على الجواز، إلى أن قال: واختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول، فقال مالك: لا جزاء فيه بل يأثم، وقال عطاء يستغفر، وقال أبو حنيفة يؤخذ بقيمته هدى، وقال الشافعي في العظيمة بقرة وفيما دونها شاة إلخ، وهذا هو المذهب.
قال في الإيضاح وأما الشجر فقد بلغنا عن ابن عباس أنه قال في الدوحة وهي الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الجزلة وهي الشجرة الوسطى شاة، وفي القضيب درهم، وفي الأثر (وفي الجزلة من الشجرة شاة، وفي الدوحة جزور، وفي العود درهم، وفي القضيب الصغير نصف درهم، وفي الورقة طعام مسكين، هكذا كله في غير ما يزرعه الناس إلخ) يعني وأما ما يزرعونه فقدوقع الإجماع على إباحته.
قوله (ولا ينفر صيدها) قال ابن حجر بضم أوله وتشديد الفاء المفتوحة قيل هو كناية عن الاصطياد، وقيل على ظاهره كما سيأتي. قال النووي يحرم التنفير وهو الإزعاج عن موضعه، فإن نفره عصى سواء تلف أولا، فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن، وإلا فلا، قال العلماء يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى انتهى.
قوله (ولا يختلى خلالها) قال ابن حجر بالخاء المعجمة والخلا مقصور، وذكر ابن التين أنه وقع في رواية القابسي بالمد وهو الرطب من النبات، واختلاؤه قطعه واحتشاشه. واستدل به على تحريم رعيه لكونه أشد من الاحتشاش وبه قال مالك (2/201)
صفحة 597
والكوفيون واختاره الطبري، وقال الشافعي لا بأس بالرعي لمصلحة البهائم وهو عمل الناس بخلاف الاحتشاش فإنه المنهي عنه فلا يتعدى ذلك إلى غيره.
وفي تخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس واختلائه وهوأصح الوجهين للشافعية، لأن النبت اليابس كالصيد الميت، قال ابن قدامة لكن في استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس من الحشيش إلخ.
ومثله كلام الإيضاح حيث قال: وما نبت في الحرم مما يأكل الناس من الشجر فبعض رخص فيه وبعض كرهه، غير أن قوله عليه السلام (إلا الإذخر يدل أنه لو كانت رخصة في غيره لاستثناها عليه السلام، إلى أن قال: وفي الأثر: وأجاز من أجاز أيضا السني المكي إن نزعه أحد أن يشربه للمشي أو لضروسه ولا يقتل له أصلا ولا يقلعه، وكذلك أيضا في الأثر، وقيل لا بأس فيما أخرج من حطب الحرم اليابس الميت، وفيما يسقط من الشجر من الورق والثمر إلخ.
قوله (إلا الإذخر) قال ابن حجر يجوز فيه الرفع والنصب: أما الرفع فعلى البدل مما قبله، وأما النصب فلكونه استثناء واقعا بعد النفي، وقال ابن مالك المختار النصب لكون الاستثناء واقعا ومتراخيا عن المستثنى منه فبعدت المشاكلة بالبدلية، ولكون الاستثناء أيضا عرض في آخر الكلام ولم يكن مقصودا إلخ.
قوله (والإذخر نبت تصنع الحصر منه، وتسقف منه البيوت). قال ابن حجر: والإذخر نبت معروف عند أهل مكة طيب الريح، له أصل مندفن وقضبان دقاق، ينبت في السهل والحزن، وبالمغرب صنف منه فيما قاله ابن البيطار قال والذي بمكة أجوده، وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب، ويسدون به الخلل بين اللبنات في القبور، ويستعملونه بدلا من الحلفاء في الوقود، ولهذا قال العباس فإنه لقينهم، إلى أن قال: وهذا يدل على أن الاستثناء في حديث الباب لم يرد به أن يستثنى، وإنما أراد به أن يلقن النبي صلى الله عليه وسلم الاستثناء.
وقوله صلى الله عليه وسلم في جوابه (إلا الإذخر) هو استثناء بعض من كل لدخول الإذخر في عموم ما يختلى، واستدل به على جواز النسخ قبل الفعل وليس بواضح، وعلى جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه. ومذهب الجمهور اشتراط الاتصال إما لفظا وإما حكما لجواز الفصل بالنفس مثلا، وقد اشتهر عن ابن عباس الجواز مطلقا، ويمكن أن يحتج له بظاهر هذه القصة، وأجابوا عن ذلك (2/202)
صفحة 598
بأن هذا الاستثناء في حكم المتصل لاحتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم أراد أن يقول (إلا الإذخر) فشغله العباس بكلامه فوصل كلامه بكلام نفسه فقال إلا الإذخر، وقد قال مالك: يجوز الفصل مع إضمار للاستثناء متصلا بالمستثنى منه.
واختلفوا هل كان قوله صلى الله عليه وسلم (إلا الاذخر) باجتهاد أو وحي، وقيل: كان الله فوض له الحكم في هذه المسألة مطلقا، وقيل أوحي إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء من ذلك فأوجب سؤاله.
وقال الطبري: ساغ للعباس أن يستثني الإذخر لأنه احتمل عنده أن يكون المراد بتحريم مكة تحريم القتال دون ما ذكر من تحريم الاختلاء، فإنه من تحريم الرسول باجتهاده، فساغ له أن يسأله استثناء الإذخر، وهذا مبني على أن الرسول كان له أن يجتهد في الأحكام وليس ما قاله بلازم بل في تقريره صلى الله عليه وسلم للعباس على ذلك دليل على جواز تخصيص العام.
حكى ابن بطال عن المهلب أن الاستثناء هنا للضرورة كتحليل أكل الميتة عند الضرورة، وقد بين العباس ذلك بأن الإذخر لا غنى لأهل مكة عنه، إلى أن قال: قال ابن المنير: والحق أن سؤال العباس كان معنى الضراعة، وترخيص النبي صلى الله عليه وسلم كان تبليغا عن الله إما بطريق الإلهام أو بطريق الوحي، ومن ادعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متسع فقد وهم.
وفي الحديث بيان خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكر في الحديث، وجواز مراجعة العالم في المصالح الشرعية والمبادرة إلى ذلك في المجامع والمشاهد، وعظيم منزلة العباس عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنايته بأمر مكة لكونه كان بها أصله ومنشؤه إلخ. (2/203)
صفحة 599
الباب الثالث في الإهلال بالحج والتلبية (2/204)
صفحة 600
المراد بالإهلال هنا الإحرام، ويطلق على رفع الصوت بالتلبية، وكل رافع صوته بشيء فهو مهل به، مأخوذ من استهل الصبى إذا رفع صوته بالصياح إذا خرج من بطن أمه ومنه قوله تعالى (وما أهل به لغير الله) أي رفع الصوت به عند الذبح للأصنام. والتلبية مصدر لبى إذا قال (لبيك).
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد إلخدري قال: إن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) قال نافع وكان ابن عمر يزيد فيها (لبيك وسعديك والخير بيديك) لبيك الرغبة والعمل.
قوله (لبيك اللهم لبيك لا شريك لك) زاد في البخاري بعده (لبيك) ولفظ الحديث في القواعد والإيضاح (لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إلخ).
قال ابن حجر (لبيك) هو لفظ مثنى عند سيبويه ومن تبعه، وقال يونس هو اسم مفرد وألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها بالضمير كلدي وعلي، ورد بأنها قلبت ياء مع المظهر.
وعن الفراء هو منصوب على المصدر وأصله (لببالك) فثني على التأكيد أي (إلباب بعد إلباب) وهذه التثنية ليست حقيقية بل هي للتكثير أو المبالغة ومعناها إجابة بعد إجابة أو إجابة لازمة.
قال ابن الأنباري ومثله حنانيك أي تحننا بعد تحننا إلى أن قال: وقيل أنا مقيم على طاعتك من قولهم لب الرجل بالمكان، إذا قام إلخ.
فذكر له معاني ثم قال: والأول أظهر وأشهر لأن المحرم مستجيب لدعاء الله إياه في حج بيته ولهذا من دعي فقال لبيك فقد استجاب.
قال ابن عبد البر: قال جماعه من أهل العلم معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحج، إلى أن قال: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قيل (2/205)
صفحة 601
له أذن في الناس بالحج قال: رب وما يبلغ صوتي؟ قال أذن وعلي البلاغ، قال فنادى إبراهيم يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت فسمعه من بين السماء والأرض .. أفلا ترون الناس يجيبون من أقصى الأرض يلبون.
ومن طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وفيه فأجابوا بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأول من أجابه أهل اليمن فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ.
قال ابن المنير في الحاشية وفي مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه فسبحانه وتعالى. انتهى.
قوله (إن الحمد) يروى بكسر الهمزة من إن وفتحها وجهان مشهوران لأهل الحديث وأهل اللغة، قال الجمهور والكسر أجود لأن من كسرها جعل معناه إن الحمد والنعمة لك على كل حال، ومن فتحها قال معناه لبيك لهذا السبب.
قوله (والنعمة لك) قال ابن حجر: المشهور فيه النصب، قال عياض ويجوز فيه الرفع على الابتداء ويكون الخبر محذوفا والتقدير إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك قاله ابن الأنباري.
وقال ابن المنير في الحاشية قرن الحمد والنعمة وأفرد الملك لأن الحمد متعلق بالنعمة، ولهذا يقال (الحمد لله على نعمه) فجمع بينهما كأنه قال لا حمد إلا لك لأنه لا نعمة إلا لك، وأما الملك فهو معنى مستقر بنفسه ذكر لتحقق أن النعمة كلها لله لأنه صاحب الملك.
قوله (والملك) قال ابن حجر بالنصب أيضا على المشهور، ويجوز الرفع وتقديره (والملك كذلك).
قوله (وكان ابن عمر يزيد فيه لبيك وسعديك إلخ) اعلم أن التلبية المتقدمة هي تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلاف بين العلماء في استحبابها، وإنما الخلاف في تبديلها والزيادة عليها كما نص عليه في القواعد.
قال ابن حجر بعد ذكر أحاديث تدل على الزيادة وعدمها ما نصه: وهذا يدل على أن الاقتصارعلى التلبية المرفوعة أفضل لمداومته هو صلى الله عليه وسلم عليها، ولا بأس بالزيادة لكونه لم يزدها عليهم وأقرهم عليها وهو قول الجمهور. ثم (2/206)
صفحة 602
ذكر عن مالك الكراهة، وعن أبي حنيفة الاستحباب، واستواء الأمرين عند الشافعي والله أعلم. ثم إنهم أجمعوا على أن الإحرام لا يكون إلا بنية وهي الاعتقاد بالقلب للدخول في الحج أو العمرة. واختلفوا: هل تجزي النية فيه من غير تلبية؟ فذهب أصحابنا إلى أنه لا يكون محرما داخلا في الحج أو العمرة إلا بالتلبية، كما لا يكون داخلا في الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام، ووافقهم على ذلك الثوري وأبو حنيفة وابن حبيب من المالكية والزبير من الشافعية وأهل الظاهر وهو قول ابن عمر وعطاء وطاووس وعكرمة.
وذهب مالك والشافعي وأحمد وآخرون إلى أنها سنة ليست بشرط لصحة الحج ولا واجبة، فلو تركها صح حجه ولا دم عليه، لكن فاتته الفضيلة.
وقال بعض أصحاب الشافعي هي واجبة تجبر بالدم ويصح الحج بدونها. ثم اختلفوا في رفع الصوت بها فاستحبه جمهور العلماء، وأوجبه أهل الظاهر.
وأما المرأة فأجمعوا على أنها تسمع نفسها لأنها مأمورة بخفض الصوت والله أعلم.
ومعنى (سعديك) إسعادا لك بعد إسعاد، قالوا ولا يستعمل سعديك إلا بعد لبيك، لأن لبيك هي الأصل في الإجابة وسعديك كالتوكيد لها.
قال المرادي أراد سيبويه بقوله (لبيك وسعديك) إجابة بعد إجابة. انتهى.
وعامل لبيك من معناه على حد (قعدت جلوسا) والتقدير (أجيب لبيك) وعامل سعديك من لفظه والتقدير (أسعد سعديك) والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقبل من حج أو غزو أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون ساجدون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده).
قوله (كان إذا أقبل) الرواية في البخاري (كان إذا أقفل) بالقاف بمعنى رجع.
قوله (من حج أو غزو أو عمرة) قال العلقمي: قال في الفتح ظاهر اختصاص ذلك بهذه الأمور الثلاثة، وليس الحكم كذلك عند الجمهور بل يشرع قول ذلك في كل سفر إذا كان سفر طاعة كصلة الرحم وطلب العلم لما يشمل الجميع من اسم الطاعة. وقيل يتعدى أيضا إلى السفر المباح لأن المسافر فيه لاثواب له فلا يمتنع عليه مافعل ما يحصل له الثواب من غيره، وهذا التعليل متعقب لأن الذي يخصه بسفر الطاعة لا يمنع من يسافر في مباح ولا معصية من الإكثارمن ذكر الله. (2/207)
صفحة 603
وإنما النزاع في خصوص هذا الذكر في هذا الوقت المخصوص: فذهب قوم إلى الاختصاص لكونها عبارة مخصوصة شرع لها ذكر مخصوص فيختص به كالذكر المأثور عقب الأذان وعقب الصلاة، وإنما اقتصر الصحابي على الثلاث لانحصار سفر النبي صلى الله عليه وسلم فيها. انتهى.
قوله (يكبر على كل شرف) قال العلقمي: بفتح المعجمة والراء بعدها فاء هو المكان المرتفع العالي، وعند مسلم (إذا أوفى) أي ارتفع على ثنية إلخ. والثنية بتشديد الياء هي العقبة وقيل غير ذلك.
قوله (ثم يقول لا إله إلا الله إلخ) قال العلقمي: يحتمل أنه كان يأتي بهذا الذكر عقب التكبير وهو على المكان المرتفع، ويحتمل أنه يكمل الذكر مطلقا عند التكبير ثم يأتي بالتسبيح إذا هبط. قال القرطبي: وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المتفرد بإيجاد جميع الموجودات وأنه المعبود في جميع الأماكن. انتهى.
قوله (آيبون) قال العلقمي: جمع آيب أي راجع وزنه ومعناه، وهو خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير (نحن آيبون) وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع فإنه تحصيل الحاصل بل الرجوع في حالة مخصوصة وهي تلبسهم بالعبادة المخصوصة والاتصاف بالأوصاف المذكورة.
وقوله (تائبون) فيه إشارة إلى التقصير في العبادة، وقاله صلى الله عليه وسلم على سبيل التواضع، أو تعليما لأمته، أو المراد أمته، وقد تستعمل التوبة لإرادة الاستمرار على الطاعة فيكون المراد أن لا يقع منهم ذنب. انتهى.
قوله (صدق الله وعده) قال العلقمي أي فيما وعد به من إظهار دينه في قوله (وعدكم الله مغانم كثيرة) وقوله (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض .. الآية) وهذا في سفر الغزو ومناسكه كسفر الحج والعمرة مثل قوله تعالى (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) انتهى. (2/208)
صفحة 604
قوله (ونصر عبده) يريد نفسه.
قوله (وهزم الأحزاب وحده) قال العلقمي أي من غير فعل أحد.
واختلفوا في المراد بالأحزاب هنا.
فقيل هم كفار قريش ومن وافقهم من العرب واليهود الذين تحزبوا أي تجمعوا في غزوة الخندق ونزل في شأنهم سورة الأحزاب.
وقيل: المراد أعم من ذلك.
وقال النووي المشهور الأول، وقيل فيه نظر لأنه يتوقف على أن هذا الذكر إنما شرع من بعد الخندق والجواب أن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم التي خرج فيها بنفسه محصورة والمطابق منها غزوة الخندق بظاهر قوله تعالى في سورة الأحزاب (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال) وفيها قيل ذلك (إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها الآية).
والأصل في الأحزاب أنه جمع حزب وهو القطعة المجتمعة من الناس: فاللام إما جنسية والمراد كل من تحزب من الكفار، وإما عهدية والمراد من تقدم وهو الأقرب قاله القرطبي.
ويحتمل أن يكون هذا الخبر بمعنى الدعاء أي اللهم اهزم الأحزاب، والأول أظهر انتهى من الفتح انتهى.
(أبو عبيدة عن جابر قال جاء رجل إلى عبد الله بن عمر فقال: يا عبد الرحمن لقد رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا يصنعها من أصحابك فقال: وما هن؟ قال: ما رأيتك تمس من الأركان إلا اليماني، ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهلل إلا يوم التر وية. قال له ابن عمر: أما الأركان فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس إلا الركن اليماني، وأما النعال فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها، وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها، وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته. قال الربيع النعال السبتية لا شعر لها).
قوله (لم أر أحدا يصنعها من أصحابك) يحتمل أن المراد لا يصنعها غيرك مجتمعة وإن كان صنع بعضها.
قوله (إلا اليماني) لفظه في القواعد إلا الركنين اليماني وركن الحجر، وفي الإيضاح لا تلمس من الأركان إلا اليمانيين، واستدل به على ما ذهب إليه الجمهور من استحباب لمس الركنين، وروايتهما هي الظاهر لأنها أدل على المراد.
قوله (اليمانيين) بتخفيف الياء هي اللغة الفصيحة المشهورة، وقيل لهما يمانيان تغليبا، ويقال لركن الحجر لأنه إلى جهة العراق، ويقال للآخرين الشاميان لكونهما إلى جهة الشام، وللذي يلي الباب (2/209)
صفحة 605
منهما العراقي أيضا.
قال العلماء فاليمانيان باقيان على قواعد ابراهيم عليه السلام بخلاف الشاميين ولهذا لم يستلما واستلم اليمانيان، ثم إن العراقي من اليمانيين اختص بفضيلة أخرى وهي الحجر الأسود، واختص لذلك مع الاستلام بالتقبيل.
قوله (النعال السبتية) هي بكسر السين وإسكان الباء الموحدة هي التي لا شعر فيها كما قال الربيع، وبه قال جمهور أهل اللغة،
وأهل الغريب قالوا هي مشتقة من السبت بفتح السين وهو الحلق والإزالة، ومنه قولهم سبت رأسه أي حلقه.
قال الهروي وقيل سميت بذلك لأنها انسبتت بالدباغ أي لانت، يقال رطبة منسبته أي لينة.
قال أبو عمرو الشيباني السبت كل جلد مدبوغ، وقال أبو زيد السبت جلود البقر مدبوغة كانت أو غير مدبوغة، وقيل هي نوع من الدباغ يقع به الشعر.
وقال ابن وهب: النعال السبتية كانت سودا لا شعر فيها قيل وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها غير مدبوغة وكانت المدبوغة تعمل بالطائف وغيره، وإنما كان يلبسها أهل الرفاهية.
قيل: والأصح أن يكون اشتقاقها وإضافتها إلى الجلد المدبوغ لأن السين مكسورة في نسبتها ولو كانت من السيت الذي هو الحلق كما قالوا لكانت المسبة سبتية بفتح السين، ولم يروها أحد في هذا الحديث فيما علمت إلا بالكسر.
قوله (تصبغ بالصفرة) قال المازني: قيل المراد صبغ الشعر، وقيل صبغ الثوب، قال والأشبه الثاني لأنه أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم صبغ، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه صبغ شعره انتهى، لكن في مسند أبي داود أن ابن عمر كان يصفر لحيته ويحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم يصفر لحيته بالورس والزعفران، وفي حديث آخر احتجاجه بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبغ بها ثيابه حتى عمامته انتهى من النووي. (2/210)
صفحة 606
قوله (وأما إهلال إلخ) قال المازني أجابه ابن عمر بضرب من القياس حيث لم يتمكن من الاستدلال بنفس فعل النبي صلى الله عليه وسلم على المسألة بعينها، واستدل بما في معناه، ووجه قياسه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أحرم عند الشروع في الحج والذهاب إليه فأخر ابن عمر الإحرام إلى حال شروعه في الحج وتوجهه إليه إلخ. والله أعلم.
قوله (أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال اصطحب محمد ابن أبي بكر وأنس بن مالك من منى إلى عرفات فقال محمد بن أبي بكر كيف كنتم تصنعون في مثل هذا اليوم وأنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يهل المهل من منى إلى عرفات فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه).
قوله (اصطحب محمد بن أبي بكر) ذكر المصنف رحمه الله في شرح رجال هذا المسند أنه ليس المراد محمد ابن أبي بكر المذكور في هذا الحديث ولد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وإنما المراد به محمد بن أبي بكر الثقفي، قال ابن حجر وليس لمحمد المذكور في الصحيح عن أنس ولا غيره غير هذا الحديث.
قوله (كيف تصنعون) قال ابن حجر أي من الذكر، ولمسلم من طريق موسى بن عقبة عن محمد ابن أبي بكر قلت لأنس غداة عرفة ما تقول في التلبية في هذا اليوم.
قوله (يهل منا المهل) المراد من الإهلال هنا التلبية، وذلك لأن العلماء اختلفوا متى يقطع المحرم التلبية، فقيل إذا راح إلى الموقف، وقيل إذا زالت الشمس، والذي عليه الجمهور أنه لا يقطعها إلا عند جمرة العقبة.
قوله (فلا ينكر عليه) قال ابن حجر بضم أوله على البناء للمجهول، وفي رواية موسى بن عقبة لا يعيب أحدنا على صاحبه إلخ.
فذكر في بعض الروايات (منا الملبى ومنا المكبر) ثم قال: فقلت له يعني لعبيد الله عجبا لكم كيف لم تسألوه ماذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؟ وأراد عبد الله ابن أبي سلمة بذلك الوقوف على الأفضل، لأن الحديث يدل على التخيير بين التكبير والتلبية من تقريره لهم صلى الله عليه وسلم على ذلك، فأراد أن يعرف ما كان يصنع هو ليعرف الأفضل من الأمرين إلخ. (2/211)
صفحة 607
الباب الرابع في غسل المحرم (2/212)
صفحة 608
أراد به ما يشمل غسل المحرم الميت واغتسال الحي بدليل سياق الأحاديث، قال ابن حجر في اغتسال المحرم أي ترفها وتنظفا وتطهيرا من الجنابة، قال ابن المنذر أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة واختلفوا فيما عدا ذلك.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال (يغسل المحرم بماء وسدر).
قوله (يغسل المحرم بماء وسدر) يعني لأن السدر لا طيب فيه قال في القواعد ورخص الربيع رحمه الله في الريحان العربي وقال إنه ليس من أمر الطيب، وبه قال ابن عباس إلخ، وأما الطيب كله فجمع على أنه محرم على المحرم في حال إحرامه.
واختلفوا في جوازه له عند الإحرام قبل الاغتسال، والمذهب أنه مكروه، وقال في الإيضاح وعن ابن عباس أنه كره للرجل أن يمس الطيب قبل أن يحرم بيومين إلخ.
(ومن طريقه عليه السلام قال (إذا مات المحرم غسل ولا يكفن إلا في ثوبيه اللذين أحرم فيهما، ولا يمس بطيب ولا يخمر رأسه. قوله (إذا مات المحرم إلخ) لفظ الحديث في البخاري بعد ذكر الإسناد عن ابن عباس (أن رجلا كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فوقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا).
قوله (كفنوه في ثوبيه اللذين أحرم فيهما) قال ابن حجر وقال الطبري إنما لم يزده ثوبا ثالثا تكرمة له كما في الشهيد حيث قال (زملوهم بدمائهم) واستدل على أن الإحرام لا ينقطع بالموت وعلى ترك النيابة في الحج لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا أن يكمل عن هذا المحرم أفعال الحج، إلى أن قال: وقال ابن بطال وفيه أن من شرع في عمل طاعة ثم حال بينه وبين إتمامه الموت رجي له أن الله يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل انتهى.
وذكر في محل آخر ما يؤخذ منه أن هذا الحديث يدل على أن الوتر في الكفن ليس بشرط في الصحة، وأن الكفن من رأس المال لأمره صلى الله عليه وسلم بتكفينه في ثوبيه ولم يستفصل هل عليه دين مستغرق أم لا. (2/213)
صفحة 609
وفيه استحباب تكفين المحرم في ثياب المحرم، وأن إحرامه باق، وأنه لا يكفن في المخيط، إلى أن قال: وفيه التكفين في الثياب الملبوسة، وفيه استحباب دوام التلبية إلى أن ينتهي الإحرام إلخ.
قوله (ولا يمس بطيب) مبني للمجهول من أمس، قال ابن المنذر: في حديث ابن عباس إباحة غسل المحرم الحي بالسدر خلافا لمن كرهه، يعني لأنه لا طيب فيه والله أعلم.
قوله (ولا يخمر رأسه) يعني ولا يغطى، قال البيهقي فيه دليل على أن غير المحرم يحنط كما يخمر رأسه، وأن النهي وقع لأجل الإحرام خلافا لمن قال من المالكية وغيرهم أن الإحرام ينقطع بالموت فيصنع بالميت ما يصنع بالحي، قال ابن دقيق العيد وهو مقتضى القياسين لكن الحديث بعد أن يثبت يقدم على القياس إلخ.
من ابن حجر وفيه أيضا دليل على أن إحرام الرجل في رأسه وهذا مجمع عليه، وأما الوجه ففيه خلاف، وذكر في الإيضاح أن سبب الخلاف هل الوجه من الرأس أو لا؟ قال والصحيح من الرأس إلخ.
ومع ذلك ذكر له أن يترخص له أن يغطى على أنفه من النتن إذا مر به، ويغطي لحيته وأكثر من ذلك إلخ، وذكر في القواعد القولين ولم يبين ما هو المذ هب.
واستدل بعضهم بهذا الحديث على أن الإحرام يتعلق بالرأس لا بالوجه والله أعلم.
(وعن ابن عباس أيضا قال اختلفت أنا والمسور ابن أبي مخرمة بالأبواء فقلت: يغسل المحرم رأسه، وقال هو لا يغسله قال ابن عباس فأرسلت رجلا اسمه عبد الله بن أبي أيوب الأنصاري فوجده الرجل يغتسل بين القرنين وهو يستر بثوب فسلم عليه فقال له من هذا؟ فقال: له الرجل أنا رسول ابن عباس إليك يسألك كيف يغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهومحرم؟ قال الرجل: فوضع يده على الثوب فطأطأه حتى بلغ رأسه ثم قال لإنسان يصب عليه اصبب فصب على رأسه ثم حركه بيديه فأقبل بهما وأدبر. فقال: هكذا رأيته يفعل صلوات الله عليه. قال الربيع القرنان عمودان بالأبواء مملسان يكونان على سانية البئر).
قوله (بالأبواء) قال ابن حجر أي وهما نازلان بهما، وفي رواية ابن عينية بالعرج وهو بفتح أوله وإسكان ثانيه قرية جامعة أو قريبة من الأبواء.
قوله (إلى أبي أيوب) زاد ابن حجر فقال (فقل له يقرأ عليك السلام ابن أخيك عبد الله بن عباس ويسألك) انتهى من ابن حجر.
قوله (فقال إنه الرجل إلخ) في البخاري (فقال: من هذا؟ فقلت أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك عبد الله بن عباس إلخ). (2/214)
صفحة 610
قال ابن حجر في قوله (أرسلني إليك ابن عباس يسألك كيف كان إلخ) قال ابن عبد البر الظاهر أن ابن عباس كان عنده في ذلك نص عن النبي صلى الله عليه وسلم أخذه عن أبي أيوب أو غيره ولهذا قال عبد الله بن حنين لأبي أيوب (يسألك كيف كان يغسل رأسه) ولم يقل (هل كان يغسل رأسه أو لا) على حسب ما وقع فيها اختلاف المسور بن مخرمة وابن عباس.
قال ابن حجر قلت ويحتمل أن يكون عبد الله بن حنين تصرف في السؤال لفطنة كلامه لأنه لما قال له سله هل يغسل المحرم أو لا، فوجده. يغتسل فهم من ذلك أنه يغسل فأحب أن لا يرجع إلا بفائدة فسأله عن كيفية الغسل، وكأنه خص الرأس بالسؤال لأنها موضع الإشكال في هذه المسألة لأنها محل الشعر الذي يخشى انتتافه وبخلاف بقية البدن غالبا.
قوله (فطأطأه) قال ابن حجر أي أزاله عن رأسه، وفي رواية ابن عيينة (جمع ثيابه إلى صدره حتى نظرت إليه) وفي رواية ابن جريج (حتى رأيت رأسه ووجهه) انتهى.
قوله (لإنسان) قال ابن حجرلم أقف على اسمه، ثم قال أبو أيوب هكذا رأيناه أي النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، زاد ابن عيينة (فرجعت إليهما فأخبرتهما، فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدا أي لا أجادلك. وأصل المراء استخراج ما عند الإنسان، يقال أمرأ فلانا إذا استخرج ما عنده، قاله ابن الأنباري، وأطلق ذلك على المجادلة لأن كلا من المجادلين يستخرج ما عند الآخر من الحجة. وفي هذا الحديث من الفوائد مناظرة الصحابة في الأحكام ورجوعهم إلى المنصوص، وقبولهم لخبر الواحد ولو كان تابعيا وأن قول بعضهم ليس حجة على بعض. قال ابن عبد البر لو كان معنى الاقتداء في قوله صلى الله عليه وسلم (أصحابي كالنجوم) يراد به الفتوى لما احتاج ابن عباس إلى إقامة البينة على دعواه بل كان يقول للمسور أنا نجم وأنت نجم فبأينا اقتدى من بعده كفاه، ولكن معناه كما قال المزني وغيره من أهل النظر أنه في النقل لأن جميعهم عدول. وفيه اعتراف للفاضل بفضله وإنصاف الصحابة بعضهم بعضا، وفيه استتار الغاسل عند الغسل والاستعانة في الطهارة، وجواز الكلام والسلام حالة الطهارة. وجواز غسل المحرم وتشريبه شعره بالماء ودلكه بيده إذا أمن تناثره. (2/215)
صفحة 611
واستدل به القرطبي على وجوب الدلك في الغسل، قال: لأن الغسل لو كان يتم بدونه لكان المحرم أحق بأن يجوز له تركه ولا يخفى ما فيه، واستدل به على أن تخليل شعر اللحية في الوضوء باق على استحبابه خلافا لمن قال غيره كالمتولي من الشافعية خشية انتتاف الشعر، لأن في الحديث (ثم حرك رأسه بيده) ولا فرق بين شعر الرأس واللحية، إلا أن يقال إن شعر الرأس أصلب والتحقيق أنه خلاف الأولى في حق بعض دون بعض قاله السبكي الكبير. انتهى.
قوله (القرنان عمودان بالأبواء مملسان يكونان على سانية البئر) وكذا قال ابن حجر في قوله القرنان أي قرني البئر، وكذا هو لبعض رواه الموطأ وكذا في رواية ابن عيينة وهما العمودان أو العمودان المنتصبان لأجل عود البكرة. انتهى.
ولكن يتأمل كيف يغتسل بين قرني البئر اللهم إلا أن يقال بينهما من أمامهما أو من ورائهما أو تكون البئر مردومة والله أعلم.
والمصرح به في الإيضاح أن المحرم لا يغسل رأسه من غير جنابة حيث قال (ولا يغسل رأسه من غير جنابة في حال الإحرام) إلا أنه ممنوع في حال الإحرام من قتل القمل ونتف الشعر وإلقاء النفث والغاسل رأسه إما أن يفعل هذه كلهما أو بعضها إلخ، فذكر هذا الحديث ثم قال: فعلى هذا الحديث لأنه جائز لأن الماء لا يزيد إلا شعثا، والقول الأول أحوط لئلا ينزع شيئا من شعره والله أعلم. انتهى.
وذكرفي القواعد في كراهة غسل الرأس قولين ونسب القول بالجواز لأصحابنا فليراجع. (2/216)
صفحة 612
الباب الخامس في ما يتقي المحرم وما لا يتقي
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد إلخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا السراويلات ولا البرانيس ولا الأخفاف فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس المحرم شيئا من ثياب مسها الزعفران ولا الورس).
قوله (فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلبس المحرم القميص إلخ) هذا جواب عن سؤال رجل على ما ذكره البخاري، ولفظه بعد ذكر الإسناد عن عبد الله بن عمر (أن رجلا قال: يارسول الله ما يلبس المحرم من ثياب؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يلبس القميص إلخ) وذكروا أن هذا من بديع الكلام وجزله لأن ما يلبس منحصر فحصل التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر فقال لا يلبس كذا أي ويلبس ما سواه. (2/217)
صفحة 613
قال البيضاوي سئل عما يلبس فأجاب بما لا يلبس ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنما عدل عن الجواب لأنه أخصر وأحصر، وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس لأنه الحكم العارض في الإحرام المحتاج لبيانه إذ الجواز ثابت بالأصل معلوم بالاستصحاب، إلى أن قال: ويقرب منه قوله تعالى (يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين .. الآية) فعدل عن جنس المنفق وهو المسئول عنه إلى ذكر المنفق عليه لأنه أهم.
قال ابن دقيق العيد يستفاد منه أن المعتبر في الجواب ما يحصل منه المقصود كيف كان ولو بتغيير أو زيادة، ولا يشترط المطابقة انتهى من ابن حجر.
ورواية البخاري هي رواية القواعد ورواية المصنف والإيضاح. واعلم أن المراد بالمحرم هنا الرجل دون المرأة لأنهم أجمعوا على أن هذا مخصوص بالرجال دون النساء، وأنه لا بأس أن تلبس المرأة الدرع والقميص والسراويل والخف والخمار، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو الورس والله أعلم.
تنبيه: أجمع العلماء على أنه لا يجوز لمحرم لبس شيء من هذه المذكورات. قال في الإيضاح وقاس الفقهاء ما لم يذكر في هذا الحديث على ما ذكر مما هو في معناه، وذلك أنه ذكر القميص فكذلك جميع الأطواق لا يلبسها المحرم قياسا على القميص، وذكر العمائم فكذلك لا يغطي المحرم رأسه ووجهه بشيء ويخرج رأسه في إحرامه إلا أن يكون فوقه ظل لا يمسه، إلى أن قال: وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم السراويلات فكذلك لا يربط المحرم ولا يشد على رأسه ولا على جسده ولا يحتزم ولا يزر عليه ثوبا، ولا يعقد على نفسه عقد الخيط ولا الثوب، وكذلك لا يتقلد سيفا ولا قوسا وإن كان خائفا فيمسكه ولا يتقلده وكذلك لا يتقلد بالتعاويذ والحروز إلخ.
وقال ابن حجر نقلا عن عياض: إنه نبه بالقميص والسراويل على كل مخيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى الرأس به مخيطا أو غيره، وبالأخفاف على كل ما يستر الرجل، إلى أن قال: والمراد بتحريم المخيط ما يلبس على الوضع الذي جعل له ولو في بعض البدن، فأما لو ارتدى بالقميص مثلا فلا بأس إلخ. (2/218)
صفحة 614
ومثله كلام الإيضاح حيث قال: سئل عن المحرم يحتبي بثوبه قال لا بأس بذلك، قال: ولا أراه من ناحية العقد، والعلة الجامعة لهذا اللباس المنهي عنه فيما أراه أن لا يعقد على نفسه عقدا ولا بخيط ولا بثوب، وهذه العلة موجودة في القميص والعمامة والسراويل والبرنس والخفين. فإن قال قائل فعلى هذه العلة إن جعل قميصا على ظهره لا بأس عليه؟ قيل له لعل ذلك كذلك على هذا والله أعلم إلخ.
قوله (فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين) قال ابن حجر: واستدل بقوله (فإن لم يجد) على أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين، وهو قول الجمهور، وعن بعض الشافعية جوازه، وكذا عند الحنفية إلخ.
قوله (وليقطعهما أسفل من الكعبين) قال في القواعد واتفق أكثرهم على إجازة لبس الخفين مقطوعين لمن لم يجد النعلين، وأجاز آخرون لبسهما من غير قطع إلخ.
وحاصل القول في مسألة لبس الخفين: أن العلماء اختلفوا فيها عند عدم النعلين لاختلاف ظاهرحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفان لمن لم يجد النعلين) كما رواه في القواعد، وظاهر الحديث الذي رواه المصنف رحمه الله هنا عن أبي سعيد الخدري، ورواه في القواعد عن ابن عمر.
فقال أحمد ومن وافقه يجوز لبس الخفين بحالهما ولا يجب قطعهما لحديث ابن عباس، وكان أصحابه يزعمون نسخ حديث ابن عمر المصرح بقطعهما كحديث أبي سعيد الخدري وزعموا أن قطعهما إضاعة مال.
وقال أصحابنا ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء لا يجوز لبسهما إلا بعد قطعهما أسفل من الكعبين لحديث ابن عمر، قالوا وحديث ابن عباس مطلق فيجب حمله على المقطوعين لحديث ابن عمر، فإن المطلق يحمل على المقيد، والزيادة من الثقة مقبولة.
وقولهم (إنه إضاعة مال) ليس بصحيح لأن الإضاعة إنما تكون فيما نهى عنه، وأما ما ورد به الشرع فليس بإضاعة بل حق يجب الإذعان له. (2/219)
صفحة 615
ثم اختلفوا في لابس الخفين لعدم النعلين، هل عليه فدية أو لا؟ فقال أصحابنا ومالك والشافعي ومن وافقهم لا شيء عليه لأنه لو وجبت فدية لبينها صلى الله عليه وسلم، وقال أبو حنيفة وأصحابه عليه الفدية كما إذا احتاج إلى حلق الرأس يحلق ويفدي والله أعلم.
قوله (مسه الزعفران ولا الورس) الزعفران معروف والورس بوزن الفلس نبت أصفر يكون باليمن، تقول منه أورس المكان فهو وارس، ولا يقال موروس، وهو من النوادر، وقال ابن حجر نبت أصفر طيب الريح يصبغ به.
قال في الإيضاح بعد ذكر الحديث: فعلى هذا يلبس من الثياب ما شاء وأي لون شاء ما لم يكن مسها زعفران أو ورس أو عصفر وما كان من طيب، إلى أن قال: وإن غسل ولم ينقص منه شيء ولم يكن فيه ريح الطيب فلا بأس بلبسه، وكذلك لا يمس بيده طيبا إلخ.
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والفأر والعقرب والكلب العقور).
قوله (خمس من الدواب إلخ) في بعض روايات البخاري زيادة (كلهن فواسق) ويشعر بتسميتهن فواسق كلام صاحب القواعد رحمه الله حيث قال: وأجمع العلماء على أن صيد البر حرام على المحرم إلا الخمس الفواسق التي استثناها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذكر ابن حجر في سبب وصفها بالفسق خلافا حيث قال: قال النووي وغيره تسمية هذه الخمس فواسق صحيحة جارية على وفق اللغة بأن أصل الفسق لغة الخروج، ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وقوله تعالى (ففسق عن أمرربه) أي خرج، وسمي الرجل فاسقا لخروجه عن طاعة ربه فهو خروج مخصوص، إلى أن قال: وأما المعنى في وصف الدواب المذكورة بالفسق فقيل لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله، وقيل في حل أكله لقوله تعالى (أوفسقا أهل لغير الله به)، وقوله (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق)، وقيل لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع. (2/220)
صفحة 616
ومن ثم اختلف أهل الفتوى فمن قال بالأول ألحق بالخمس كل ما جاز قتله للحلال في الحرم وفي الحل، ومن قال بالثاني ألحق ما لا يؤكل إلا ما نهى عن قتله، وهذا قد يجامع الأول، ومن قال بالثالث خص الإلحاق بما يحصل منه الإفساد.
ووقع في حديث أبي سعيد عن ابن ماجه قيل له: لم قيل للفأرة فويسقة؟ فقال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ لها وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت، فهذا يومىء إلى أن سبب تسمية الخمس بذلك لكون فعلها يشبه فعل الفساق وهو بترجيح القول الأخير والله أعلم. انتهى.
قوله (خمس) أوصلها ابن حجر إلى تسع في روايات متعددة بزيادة الحية والسبع العادي والذئب والنمر، وذكر أن مفهوم العدد لا يفيد الحصر، وظاهر كلام القواعد يدل أنه لم يرد النهي إلا في هذه الخمسة والحية حيث قال بعد ذكر الحديث: واختلفوا هل هذا من باب الخاص أريد به العام أو بالعكس؟
فقال قوم هو من باب الخاص أريد به العام واختلفوا في أي العام أريد بذلك. فقال قوم: الكلب العقور إشارة إلى كل سبع عاد كالأسد والذئب والنمر والفهد، وأن ما ليس بعاد فليس للمحرم قتله، ولم يقر هؤلاء قتل صغار السباع لأنها لا تعدو ولا قتل كل ما لا يعدو من الكبار مثل الضبع والثعلب والهر.
وقال قوم: لا يقتل من الكلاب العقورة إلا الكلب الإنسي والذئب، وقال آخرون: كل محرم الأكل فهو في معنى الخمس، إلى أن قال: ولا خلاف بين العلماء في قتل العقرب والحية لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم إلخ.
والحاصل أن العلماء اختلفوا في المراد بالكلب العقور، فقيل: هو الكلب المعروف خاصة، حكي ذلك عن الأوزاعي وأبي حنيفة والحسن بن صالح وألحقوا به الذئب. وحمل زفر الكلب على الذئب وحده، وقال الجمهور: ليس المراد بالكلب العقور تخصيص هذا الكلب المعروف بل المراد كل عاد مفترس غالبا كالسبع والنمر والذئب ونحوها، وهو مذهب زيد بن أعلم والثوري وابن عيينة والشافعي وأحمد. والمشهور من مذهب مالك أنه لا يدخل الكلب المعروف، وقيل يدخل. واختلف قوله في قتل الذئب، ولا يقتل عنده في المشهور من مذهبه (2/221)
صفحة 617
صغار السباع لكنه إن فعل لا جزاء عليه، ويجوز قتل صغار الحيات والعقارب، ويقتل صغار الغربان على المشهور عنه.
ولم يتعرض في القواعد لبيان قول من قال إن الحديث من باب العام أريد به الخاص. ويؤخذ من الإيضاح بيانه قال: ويجوز له أيضا أن يقتل من قاتله من السباع فذكر الحديث، ثم قال: قال بعضهم يقتلهن إذا خافهن، وقال آخرون لم يرد ذكر الخوف إلخ.
فالقول الأول يشير إلى أنه من باب العام أريد به الخاص حيث لم يقتل ما ذكر مطلقا، ولعل ذلك في غير الحية والعقرب، وأما هما فيقتلان مطلقا.
والمختار عند صاحب الإيضاح أن المؤذيات كلها - يعني ما من شأنه الايذاء - يقتل مطلقا حيث قال بعد ذكر الخلاف فيمن قتل غرابا من غير أن يحصل منه أذى ما نصه: والذي يوجبه النظر عندي أن الضواري كلها يقتلها لقوله عليه السلام (اقتلوا كل مؤذ في الحل والحرم إلخ).
قوله (من الدواب) قال ابن حجر بتشديد الموحدة جمع دابة وهو ما دب من الحيوان، وقد أخرج بعضهم منها الطير لقوله تعالى (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه .. الآية) وهذا الحديث يرد عليه فإنه ذكر في الدواب الخمس الغراب والحدأة، ويدل على دخول الطير أيضا عموم قوله تعالى (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) وقوله تعالى (وكأين من دابة لا تحمل رزقها .. الآية) وفي حديث أبي هريرة عند مسلم في صفة بدء إلخلق (وخلق الدواب يوم الخميس) ولم يفرز الطير بالذكر.
وقد تصرف أهل العرف في الدابة فمنهم من يخصها بالحمار، ومنهم من يخصها بالفرس، وفائدة ذلك تظهر في الحلف. انتهى.
قوله (الغراب) قال ابن حجر زاد في رواية سعيد بن المسيب عن عائشة عند مسلم (الأبقع) وهو الذي في ظهره أو في بطنه بياض، وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث إلخ. (2/222)
صفحة 618
ومثله كلام الإيضاح حيث قال: وقال بعضهم لا يقتل الغراب الأبقع يعني من الغربان، وخصصوا عموم الاسم بأنه قد جاء في بعض الروايات (لا يقتل في الحرم شيء إلا الحية والعقرب أو حدأة أو غراب أبقع أو كلب عقور أو فأر).
وفي الأثر: وأما الغراب فلا يرميه إلا أن يريد خرق وعائه، أو يجرح ظهر راحلته فإنه يرميه وإن قتله فلا شيء عليه. وأما من غير علة يقتله قال بعضهم إن عليه الفداء والذي يوجبه النظر أن الضواري كلها يقتلها إلخ كما تقدم.
والغراب الأبقع هو غراب البين، قيل سمي بذلك لأنه بان عن نوح لما أرسله من السفينة ليكشف خبر الأرضر فلقي جيفة فوقع عليها ولم يرجع إلى نوح. وكان أهل الجاهلية يتشامون به فكانوا إذا نعب مرتين قالوا: أذن بشر، وإذا نعب ثلاثا قالوا: أذن بخير فأبطل الإسلام ذلك.
وإن كان ابن عباس إذا سمع الغراب قال: (اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك).
وقال صاحب الهداية المراد بالغراب في الحديث الغداف والأبقع لأنهما يأكلان الجيف، وأما غراب الزرع فلا، إلى أن قال: من خرج لسفر فسمع صوت العقعق فرجع كفر إلخ من ابن حجر، والعقعق نوع من الغربان.
قوله (والحدأة) قال ابن حجر: بكسر أوله وفتح ثانيه بعدها همزة بغير مد، وحكى صاحب المحكم المد فيه ندورا، إلى أن قال: في التاء وليست للتأنيث بل هي كالهاء كالتمرة. وحكى الأزهري فيها (حدوة) بواو بدل الهمزة إلخ، فذكر فيها لغة أخرى وهي الحديا بضم أوله وتشديد الياء والقصر إلخ.
قوله (والفأرة) قال ابن حجر: بهمزة ساكنة ويجوز فيها التسهيل، ولم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي فإنه قال (فيها جزاء إذا قتلها المحرم) أخرجه ابن المنذر وقال: هذا خلاف السنة وخلاف قول أهل العلم إلخ.
قوله (والعقرب) قال ابن حجر: هذا اللفظ للذكر والأنثى، وقد يقال عقربة وعقربا، وليس منها العقربان بل هو دوببة طويلة كثيرة القوائم، قاله صاحب (2/223)
صفحة 619
المحكم، ويقال إن عينها في ظهرها وأنها لا تضر ميتا ولا نائما حتى يتحرك، ويقال لدغته العقرب بالعين المعجمة ولسعته بالمهملتين إلخ.
قوله (والكلب العقور) قال ابن حجر: الكلب معروف والأنثى كلبة والجمع أكلب وكلاب وكليب بالفتح كأعبد وعباد وعبيد، وفي الكلب بهيميه وسبعية كأنه مركب، وفيه منافع للحراسة والصيد كما سيأتي في بابه، وفيه من اقتفاء الأثر وشم الرائحة والحراسة وخفة النوم والتودد وقبول التعليم ما ليس لغيره، ويقال: إن أول من اتخذه للحراسة نوح عليه السلام إلخ. وقد تقدم الخلاف في المراد بالكلب العقور هنا.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفرة فلما نزعه جاءه رجل فقال له: يارسول الله ابن خطل متعلق بأستارالكعبة. قال: اقتلوه. قال جابر: وقد بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ غير محرم).
قوله (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر) قال في المواهب وهو بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، وفي المحكم هو ما يجعل من فضل درع الحديد على الرأس مثل القلنسوة.
قوله (فلما نزعه جاءه رجل فقال: يارسول الله ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال: اقتلوه إلخ) ابن خطل بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة واسمه قيل: عبد الله، وقيل عبد العزى، وقيل هلال. قال في المواهب: وأما الجمع بين ما اختلف فيه من اسمه أنه كان يسمى عبد العزى فلما أسلم سمي عبد الله، وأما من قال هلال فالتبس عليه بأخ له اسمه هلال، انتهى.
وذكر قبل ذلك: أنه إنما أمر بقتله لأنه كان مسلما فبعثه صلى الله عليه وسلم مصدقا، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه، وكان مسلما، ونزل منزلا فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع له طعاما ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدى عليه فقتله ثم ارتد مشركا، وكانت له قينتان أي جاريتان يغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى.
وذكر ابن حجر: أنه كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشعر، وابن خطل ممن استثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمن. قال في المواهب بعد أن ذكر إسلام أبي سفيان فقال العباس: يارسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا. قال: نعم. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى مناديه: من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق (2/224)
صفحة 620
باب داره عليه فهو آمن إلا المستثنيين وهما كما قال مخلد أي عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وابن خطل قتله أبو بزرة، وقينتاه وهما فرتنا بالفاء المفتوحة والراء الساكنة والتاء المثناة الفوقية والنون وقريبة بالقاف والموحدة، أسلمت إحداهما وقتلت الأخرى. وذكر غير ابن اسحق أن التي أسلمت فرتنا وأن قريبة قتلت، وسارة مولاة لبني المطلب أسلمت، ويقال كانت مولاة عمر بن صيفي بن هشام، وأرنب علم امرأة، وقريبة قتلت، وعكرمة بن أبي جهل أسلم، والحارث بن نقيد قتله علي، ومقيس بن صبابة بمهملة مضمومة وموحدتين الأولى خفيفة قتله نميلة الليثي، وهبار بن الأسود أسلم وهو الذي عرض لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجرت فنخس بها حتى سقطت على صخرة وأسقطت جنينها، وكعب بن زهير أسلم، وهند بنت عتبة أسلمت، ووحشي بن حرب أسلم، انتهى إلخ.
واختلفوا في قاتل ابن خطل فقيل اشترك في قتله أبو برزة الأسلمي وسعيد بن حرث، وقيل قتله شريك بن عبدة العجلاني، وقيل استبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشب الرجلين فقتله، والأصح أن القاتل له أبو برزة، قال في المواهب: وتحمل بقية الروايات على أنهم ابتدروا قتله فكان المباشر له منهم أبو برزة، ويحتمل أن يكون غيره شاركه فيه إلخ.
ثم قال: وأما ابن أبي سرح فاختبأ عند عثمان بن عفان فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعه جاء به حتى أوقفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يانبي الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال: ما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين كففت عن بيعته فيقتله، فقالوا يا رسول الله ما ندري ما في نفسك، ألا أومأت إلينا قال: إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين إلخ.
قال ابن حجر: واستدل بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة على أن الكعبة لا تعيذ من وجب عليه القتل، وأنه يجوز قتل من وجب عليه القتل في الحرم، وفي الاستدلال بذلك نظر لأن المخالفين عكسوا بأن ذلك إنما وقع في الساعة التي حل للنبي صلى الله عليه وسلم فيه القتال بمكة، وقد صرح بأن حرمتها عادت كما كانت، والساعة المذكورة وقع عند أحمد من حديث عمرو (2/225)
صفحة 621
بن شعيب عن أبيه عن جده أنها استمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر إلخ، فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخرج من تحت أستار الكعبة عبد الله بن خطل فضربت عنقه صبرا بين زمزم ومقام إبراهيم إلخ.
قوله (وقد بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ غير محرم) قال في المواهب: قال مالك كما في رواية البخاري: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نرى يومئذ محرما، إلى أن قال: ويشهد له ما رواه مسلم من حديث جابر: دخل صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة. وعليه عمامة سوداء بغير إحرام. وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن طاووس قال: لم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة إلا محرما إلا يوم فتح مكة. وقد اختلف العلماء: هل يجب على من دخل مكة الإحرام أم لا؟ فالمشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقا، وفي قول يجب مطلقا، وفيمن يتكرر دخوله خلاف مرتب وهو أولى بعدم الوجوب، والمشهور عن الأمة الثلاثة الوجوب، وفي رواية عن كل منهم لا يجب، وجزم الحنابلة باستثناء ذي ا لحاجة المتكررة واستثناء الحنفية من كان داخل الميقات إلخ.
وذهب أصحابنا أنه لا يترخص لأحد في دخول مكة بغير إحرام إلا من يكثر تردده إلى مكة مثل الحطابين لأن في إلزامهم الإحرام مشقة وقطعا عن معاشهم، وأما غيرهم فيلزمه الدم إذا دخل بغير إحرام.
قال في القواعد وروي عن الربيع رحمه الله أنه يلزمهم الدم إلا الحطابين. قال: وعليهم أن يطوفوا بالبيت قبل أن يخرجوا من مكة إلخ والله أعلم.
قال في المواهب: وقد زعم الحاكم في الإكليل أن بين حديث أنس في المغفر وبين حديث جابر في العمامة السوداء معارضة، وتعقبوه باحتمال أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر ثم أزاله ولبس العمامة بعد ذلك، فحكى كل منهما ما رواه، إلى أن قال: وهذا الجمع لعياض. وقال غيره يجمع بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر أو كانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدأ الحديد فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متأهبا للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم إلخ. (2/226)
صفحة 622
الباب السادس في الكعبة والمسجد والصفا والمروة
( (2/227)
صفحة 623
أبو عبيدة قال: بلغني عن ابن عمر قال: سألت بلالا يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة كيف صنع؟ وما فعل؟ قال: جعل عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه والبيت يومئذ عال منه عمده ثم صلى، وجعل بينه وبين الجدار نحوا من ثلاثة أذرع. قال الربيع قال أبو عبيدة من صلى من داخلها أو على ظهرها فلا قبلة له).
قوله (بلغني عن ابن عمر قال: سألت بلالا إلخ) في بعض كتب قومنا زيادة قبل هذا. قال في المواهب: وفي رواية لمسلم دخل صلى الله عليه وسلم هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الجمحي فأغلقوا عليهم الباب. قال ابن عمر: فلما فتحوا كنت أول من ولج فلقيت بلالا فسألته: هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم بين العمودين اليمانيين وذهب عني كم صلى إلخ.
قال ابن حجر: وقال الرافعي في شرح المسند: احتج البخاري بهذا الحديث أي حديث ابن عمر عن بلال على أنه لا بأس بالصلاة بين الساريتين إذا لم يكن في جماعة، وأشار إلى أن الأولى للمنفرد أن يصلي إلى السارية، ومع هذه الأولوية فلا كراهة في الوقوف بينهما في الجماعة فالوقوف بين الساريتين كالصلاة إلى السارية انتهى كلامه. (2/230)
صفحة 624
قال ابن حجر وفيه نظر لورود النهي الخاص عن الصلاة بين السواري كما رواه الحاكم من حديث أنس بإسناد صحيح. وقال المحب الطبري كره قوم الصف بين السواري للنهي الوارد عن ذلك، ومحل الكراهة عند عدم الضيق، والحكمة فيه إما لانقطاع الصف أو لأنه موضع النعال انتهى.
وقال القرطبي روي في سبب كراهة ذلك أنه مصلى الجن المؤمنين انتهى.
قوله (وعمودين عن يمينه) في بعض روايات البخاري (وعمود عن يمينه) قال ابن حجر بعد كلام: ويمكن الجمع بين الروايتين بأنه حيث ثنى أشار إلى ما عليه البيت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وحيث أفرد أشار إلى ما صار إليه بعد ذلك، ويرشد إلى ذلك قوله (وكان البيت يومئذ) لأن فيه إشعارا بأنه تغير عن هيئته الأولى.
وقال الكرماني لفظ (العمود) جنس يحتمل الواحد والاثنين فهو مجمل بينته رواية (وعمودين)، إلى أن قال: وجوز الكرماني احتمالا آخر وهو أن يكون هناك ثلاثة أعمدة مصطفة فصلى إلى جنب الأوسط، فمن قال جعل عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره لم يعتبر الذي صلى إلى جنبه، ومن قال عمودين اعتبره والله أعلم، انتهى.
قوله (نحوا من ثلاثة أذرع) في بعض روايات البخاري (من ثلاث أذرع) بغير تاء التأنيث، قال ابن حجر: والذراع يذكر ويؤنث. قال في المواهب: وفي كتاب مكة للأزرقي الفاكهي أن معاوية سأل ابن عمر أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال اجعل بينك وبين الجدار ذراعين أو ثلاثة. فعلى هذا ينبغي لمن أراد الاتباع في ذلك أن يجعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، فإنه يقع قدماه في مكان قدميه صلى الله عليه وسلم إن كانت ثلاثة سواء أو تقع ركبتاه أو يداه أو وجهه إن كان أقل من ثلاثة أذرع والله أعلم إلخ.
قوله (قال أبو عبيدة من صلى في داخل الكعبة أو على ظهرها فلا قبلة له) أقول: أما على ظهرها فمسلم لأنه يراد أنه صلى الله عليه وسلم صلى على ظهرها، ولما ورد عن جابر بن زيد رحمه الله أنه رأى رجلا من الحجبة - جمع حاجب وهم الذين يخدمون البيت وبأيديهم المفتاح - يصلي على ظهر الكعبة فقال: من المصلي؟ (2/231)
صفحة 625
لا قبلة له. وأما في داخلها ففيه تأمل مع ما قبله وما بعده. نعم ذكر في بعض كتب قومنا أنه صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فدعا ولم يصل.
قال في المواهب وفي رواية عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد أنه عليه السلام لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل فيه حتى خرج، فلما خرج ركع في قبل البيت ركعتين فقال هذه القبلة رواه مسلم انتهى.
فلو استدل أبو عبيدة رحمه الله بهذه الرواية لكان لكلامه وجه وجيه وإلا فلا حظ للنظر مع وجود الأثر والله أعلم.
وصرح في القواعد بأن المسألة خلافية حيث قال: واختلف في الصلاة في داخل الكعبة فمنعها قوم على الإطلاق، وأجازها آخرون على الإطلاق، وفرق قوم بين الفرض والنفل. وسبب التنازع اختلاف الروايات المنقولة عنه عليه السلام، وذلك أن في بعضها أنه عليه السلام دخل فدعا فيها ولم يصل حتى خرج فركع ركعتين في قبل الكعبة وقال (هذه القبلة)، وفي حديث عن بلال رحمه الله أنه عليه السلام جعل عمودا عن يمينه وعمودين عن يساره وثلاثة أعمدة وراءه ثم صلى والله أعلم.
وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال (البيت كله قبلة وقبلة البيت الباب) إلخ.
وحاول في المواهب الجمع بين هذين الحديثين حيث قال: والجمع بينه وبين حديث ابن عمر أن أسامة أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة كما رواه أحمد والطبراني بأن أسامة - حيث أثبتها - اعتمد في ذلك على غيره وحيث نفاها أراد في علمه لكونه لم يره حين صلى، ويكون ابن عمر ابتدأ بلالا بالسؤال ثم أراد زيادة اللاستثبات في مكان الصلاة فسأل أسامة أيضا.
وقال النووي أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال لأنه مثبت جمعه زيادة علم، فوجب ترجيحه.
قال: وأما نفي أسامة فيشبه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء فرأى أسامة النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ثم اشتغل أسامة في ناحية من نواحي البيت والنبي صلى الله عليه وسلم في ناحية أخرى وبلال قريب منه، ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم فرآه بلال لقربه منه، ولم يره أسامة لبعده واشتغاله، وكانت صلاته عليه السلام خفيفة فلم يرها أسامة لإغلاق الباب مع بعده واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملا بظنه وأما بلال فتحققها وأخبر بها.
جاء في المواهب: وتعقبوه بما يطول ذكره، وأقرب ما قيل في الجمع أنه صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة لما غاب عنه أسامة من الكعبة لأمر ندبه إليه، وهو أن يأتي بماء يمحو به الصور التي كانت في الكعبة فأثبت الصلاة بلال لرؤيته لها، ونفاها أسامة لعدم رؤيته، ويؤيده ما رواه أبو داود والطيالسي عن أسامة بن زيد قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة فرأى (2/232)
صفحة 626
صورا فدعا بدلو من ماء فأتيته به فجعل صلى الله عليه وسلم يمحوها ويقول (قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون) ورجاله ثقات انتهى.
(أبو عبيدة قال: بلغني عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألم تري قومك بنوا البيت اقتصروا عن قواعد إبراهيم عليه السلام) فقالت: يارسول الله ألا تردها إلى قواعد إبراهيم؟ قال: (لو لا حدثان قومك بالكف).
قوله (ألم تري) أي ألم تعرفي.
قوله (قومك) أي قريشا.
قوله (اقتصروا عن قواعد إبراهيم عليه السلام) يعني من ناحية الحجر - بكسرالحاء وسكون الجيم -تركوا من البيت قريبا من سبعة أذرع كما في بعض الروايات عن قومنا حيث قال فيها (فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي فهلمي لأريك ما تركوا منه) فأراها قريبا من سبعة أذرع. وفي بعض الروايات أن عبد الله بن الزبير زاد فيها من الحجر ستة أذرع، وفي بعضها ستة أذرع وشبرا، وأما رواية خمسة أذرع فشاذة من ابن حجر باختصاره في بعض الروايات عند قومنا.
قلت (فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم القصة) قال ابن حجر بتشديد الصاد أي النفقة الطيبة التي أخرجوها لذلك إلخ.
فذكر أن أبا وهب بن عابد بن عمران بن مخزوم قال لقريش: لا تدخلوا فيه من كسبكم إلا طيبا، ولا تدخلوا فيه مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس إلخ. (2/233)
صفحة 627
فذكر أن عمر رضي الله عنه أرسل إلى شيخ من بني زهرة أدرك ذلك فسأله عن بناء الكعبة فقال: (إن قريشا تقربت لبناء الكعبة أي بالنفقة الطيبة فعجزت فتركوا بعض البيت في الحجر) فقال عمر صدقت انتهى.
قوله (لولا حدثان) قال ابن حجر بكسر المهملة وسكون الدال بعدها مثلة بمعنى الحدوث أي قرب عهدهم انتهى. وجواب لولا محذوف تقديره (لفعلت) كما جاء مصرحا به في بعض روايات البخاري، وفي بعضها (ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدار في البيت وأن ألصق بابه بالأرض) وفي بعضها (يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم وأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم). قال البخاري فذلك الذي حمل ابن الزبير على هدمه إلخ.
(أبو عبيدة قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة عام الفتح فصلى ركعتين).
قوله (دخل الكعبة عام الفتح فصلى فيها ركعتين) هذه الرواية تبين ما أبهم في الرواية الأولى عن بلال رضي الله عنه حيث أخبر أنه صلى ولم يبين قدر ما صلى والله أعلم.
(أبو عبيدة: سئل علي بن أبي طالب بأي شيء بعثك رسوك الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر في حجة عام تسع؟ قال: بأربع خصال: ألا يطوف بالبيت عريان، ولا تدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم بعد عامهم هذا، ومن كان له عند النبي صلى الله عليه وسلم عهد فإلى عهده، ومن لم يكن له عهد فإلى أربعة أشهر).
قوله (بأي شيء بعثك رسول الله إلى أبي بكر في حجة عام تسع؟) وفي البخاري بعد ذكر الإسناد: (أن أبا هريرة أخبره أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) وفي رواية أخرى أن أبا هريرة قال (بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد بن عبد الرحمن ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب وأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي بمنى يوم النحر في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان انتهى.
قال ابن حجر: وفيه حجة لاشتراط ستر العورة في الطواف كما يشترط في الصلاة، إلى أن قال: والمخالف في ذلك الحنفية قالوا: ستر العورة في الطواف ليس بشرط، فمن طاف عريانا أعاد ما دام بمكة، فإن خرج لزمه دم. (2/234)
صفحة 628
قال وكذلك ذكره ابن اسحاق في سبب هذا الحديث: أن قريشا أبدعت قبل الفيل أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد ممن يقدم عليهم من غيرهم أول ما يطوف إلا في ثياب أحدهم، فإن لم يجد طاف عريانا، فإن خالف فطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ ثم لم ينتفع بها، فجاء الإسلام فهدم ذلك، انتهى.
قوله (ومن كان له عند النبي عهد) يعني فوفى به فهو إلى عهده لقوله تعالى (إلا الذين عاهدتهم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا .. الآية).
قال البيضاوي: استثناء من المشركين أو استدراك كأنه قيل لهم بعد أن أمروا بنبذ العهد إلى الناكثين ولكن الذين عاهدوا منهم لم ينقصوكم شيئا من شروط العهد ولم ينكثوا ولم يقتلوا منكم ولم يضروكم قط ولم يظاهروا عليكم أحدا من أعدائكم (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) إلى تمام مدتهم ولا تجروهم مجرى الناكثين (إن الله يحب المتقين) تعليل وتنبيه على أن تمام عدهم من باب التقوى (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) التي أبيح للناكثين أن يسيحوا فيها، وقيل رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وهذا مخل بالنظم مخالف للإجماع فإنه يقتضي بقاء الأشهر الحرم إذ ليس فيما نزل بعدما ينسخها (فاقتلوا المشركين) الناكثين إلخ.
قوله (ومن لم يكن له عهد فإلى أربعة أشهر) صادق: بأن لم يكن له عهد أصلا أو كان له عهد فنقضه لقوله تعالى في المشركين الناكثين (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر). قال البغوي: رجع من الخبر إلى الخطاب أي قل لهم سيحوا أي سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين آمنين غير خائفين أحدا من المسلمين أربعة أشهر إلخ.
قال البيضاوي: وإنما علقت البراءة بالله ورسوله من المعاهدة بالمسلمين للدلالة على أنه يجب عليهم نبذ عهود المشركين إليهم وإن كانت هامدة بإذن الله وباتفاق الرسول فإنهما برئا منها، وذلك أنهم عاهدوا مشركي العرب فنكثوا إلا أناسا منهم بنو ضمرة وبنو كنانة فأمرهم بنبذ العهد إلى الناكثين وأمهل المشركين أربعة (2/235)
صفحة 629
أشهر يسيرون أين شاءوا فقال عز وجل (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) شوال وذي القعدة وذي الحجة والمحرم لأنها نزلت في شوال.
وقيل هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشرة من ربيع الآخر لأن التبليغ كان يوم النحر إلخ.
وهذا القول هو مذهمب أصحابنا كما في العقيدة. وظاهر القرآن وما صرح به المفسرون أن الأشهر الأربعة إنما هي للمعاهدين من المشركين الناكثين، بل كلام البيضاوي في أن جميع مشركي العرب كانوا معاهدين حيث قال: وذلك أنهم عاهدوا مشركي العرب فنكثوا إلا أناسا كما تقدم.
وذكر البغوي في ذلك خلافا حيث قال: واختلف العلماء في هذا التأجيل وفي هؤلاء الذين برئ الله ورسوله إليهم من العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال جماعة: هذا تأجيل من الله للمشركين فمن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر رفعه، إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدته أكثر من أربعة أشهر حطه إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدة عهده بغير أجل محدود حده بأربعة أشهر، ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله يقتل حيث أدرك ويؤسر إلا أن يتوب، إلى أن قال: وقال الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان له عهد دون أربعة أشهر فأتم له أربعة أشهر، فأما من كان عهده أكثر من أربعة أشهر فهذا أمر بإتمام عهده بقوله (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم).
وقال الحسن أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقتال من قاتله من المشركين فقال (قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) وكان لا يقاتل إلا من قاتله، ثم أمره بقتال المشركين والبراءة منهم وأجلهم أربعة أشهر إلا من كان له عهد قبل البراءة ولا من لم يكن له عهد وكان الأجل لجميعهم أربعة أشهر، وأجل دماء جميعهم من أهل العهد وغيرهم بعد انقضاء الأجل.
وقيل نزلت هذه الآية قبل تبوك.
وقال محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما نزلت في أهل مكة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد قريشا عام الحديبية أن يضعوا الحرب عشر سنين يأمن (2/236)
صفحة 630
فيها الناس ودخلت خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل بنو بكر في عهد قريش، ثم عدت بنو بكر على خزاعة فنالت منها وأعانتهم قريش بالسلاح، فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهدهم خرج عمر بن سالم الخزاعي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
لا هم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
فذكر أبيات ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا نصرت إن لم أنصركم) وتجهز إلى مكة سنة ثمان من الهجرة، فلما كان سنة تسع أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج ثم أراد أن يحضر المشركون فيطوفون عراة، فبعث أبا بكر تلك السنة أميرا على الموسم إلخ فذكر الحديث على على وفق رواية المصنف، وأنه قال بعثت بأربع لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له مدة فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع إلخ.
والحاصل بين جمع الآية والحديث أن من له عهد ولم يبدل فيه ولم يغير فهو إلى عهده، ومن كان له عهد فنكث فيه أولم يكن له عهد أصلا فمدته أربعة أشهر والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل إلى الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف فإذا وقف على الصفا كبر ثلاثا ويقول (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) ويصنع على المروة مثل ذلك ثلاثا ثلاثا وإذا نزل على الصفا مشى حتى إذا نصب قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا خرج منه نحر بعض هديه بيده ونحر بعضهم غيره.
قوله (رمل إلى الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف) قال ابن حجر في الرمل وهو بفتح الراء والميم هو الإسراع، وقال ابن دريد هو شبيه بالهرولة، وأصله أن يحرك الماشي منكبيه في مشيه، والخروج في الصحراء حمالة الهرولة وهو سنة منسوخة عندنا.
قال في القواعد اختلفوا في الرمل في الطواف فذهب أكثر مخالفينا من فقهاء الأمصار إلى أنه سنة في الثلاثة الأشواط، وروي ذلك عن عمر وابن مسعود، وزعموا أن ذلك ثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أصحابنا إن الرمل في الطواف منسوخ، وبه قال ابن عباس في حديث ابن الطفيل، وذكر له ذلك عن قومه فقال صدقوا وكذبوا، قال كيف؟ قال صدقوا أي قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم فعله هو وأصحابه، وكذبوا إذ جعلوه سنة لا يجوز تركها. (2/237)
صفحة 631
وذلك أن المشركين بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم في جهد وشدة جوع هو وأصحابه وذلك في زمان الحديبية فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا لكي يروا المشركين أن بهم قوة وأنهم غير مجهودين والله أعلم.
واتفق الجميع على أن النساء ليس عليهن رمل والله أعلم انتهى.
وفي البخاري عن عمر أنه استلم الركن ثم قال (مالنا وللرمل إنما كنا راآينا به المشركين وقد أهلكهم الله عز وجل) ثم قال (شيء صنعه النبي صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه) انتهى.
قال ابن حجر وزاد أبو داود وأورد من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم فيم الرمل والكشف عن المناكب الحديث. والمراد به الإضباع وهي هيئة تعين على إسراع المشي بأن يدخل رداءه تحت إبطه الأيمن ويرد طرفه على منكبه الأيسر فيبدي منكبه الأيمن ويستر الأيسر، وهو مستحب عند الجمهور سوى مالك قاله ابن المنذر انتهى.
وأظن أن الإضباع في الطواف ذكر الشيخ إسماعيل رحمه الله في مناسكه أنه مستحب والله أعلم فليراجع.
قال ابن حجر استشكل قول عمر (راآينا) مع أن الرياء بالعمل مذموم والجواب على صورته فإن كانت صورة الرياء لكنها ليست مذمومة لأن المذموم أن يظهر العمل ليقال إنه عامل ولا يعمله بغيبة إذا لم ير أحدا، وأما الذي وقع في هذه القصة فإنما هو من قبل المخادعة في الحرب لأنهم أوهموا المشركين أنهم أقوياء لئلا يطمعوا فيهم، وثبت أن الحرب خدعة انتهى.
وذكر أنه لا يذم تاركه عند الجمهور، وأنه لا شيء عليه، وأنه يختص بطواف يعقبه سعي على المشهور.
قوله (ويصنع على المروة مثل ذلك ثلاثا ثلاثا) يعني أنه يكبر ثلاثا، ويهلل ثلاثا على كل من الصفا والمروة، قال في القواعد ثم يدعو وينحدر إلخ، ودعاء الصفا والمروة مذكور في محله فليراجع.
قوله (سعى حتى إذا خرج منه) يعني أنه يهرول بين العلمين الأخضرين. (2/238)
صفحة 632
قال في الإيضاح وأما الإرمال عندهم في مسيل الوادي يلزم من تركه الدم.
وليس على المرأة أن ترمل بين الصفا والمروة ولكن تسرع المشي وفي أثر أصحابنا ومن نسي الرمل بين الصفا والمروة فلا دم عليه ولا شيء وقد ترك الفضل عندنا إلخ.
وقال الأبدلاني رحمه الله وعلى من يهرول في سعيه حتى قصر فعليه دم ويعيد السعي، فإن لم يقصر أعاد ولا شيء عليه، وإن ترك الهرولة في أكثر السعي فعليه دم إن حل وإلا أعاد ما عليه، وإن ترك الأقل أعاد قبل الإحلال ولا شيء عليه بعده، ومن نسي الرمل حتى جاوز موضعه رجع إليه ما لم يجاوز الموضع بثلاث خطوات أو خطوتين إلخ.
ولم يتعرض لعدد السعي بين الصفا والمروة وهو سبعة أشواط، لكن في ذلك خلاف بين أصحابنا المشارقة والمغاربة: فذهب المشارقة وجمهور المخالفين إلى أنه يعد الرجوع من المروة إلى الصفا شوطا،
وذهب أصحابنا المغاربة إلى أنه لا يعد الرجوع شوطا فيحتاج إلى سبعة أشواط يبدأ في كل شوط بالصفا ويختم بالمروة.
وقال يقول أصحابنا من المخالفين أبو عبد الرحمن الشافعي وأبو حفص بن الوكيل وأبو بكر الصيرفي كما ذكره النووي في مناسكه والله أعلم.
لكن الأخذ بقول المشارقة في هذا الزمان أسلم لمن شأنه الكتمان، ومن قلد عالما لقى الله سالما والله أعلم، والاحتياط أولى.
قوله (ونحر بعض هديه بيده ونحر بعضه غيره) لم يبين في هذا الحديث عدد ما نحره صلى الله عليه وسلم بيده، وقد بين ذلك في القواعد وبين الغير حيث قال: ويستحب أن يلي الإنسان ذبح ضحيته بيده لما روي أنه عليه السلام نحر بيده ثلاثة وستين بدنة فأعطى عليا ونحر ما غبر من هديه وأشركه عليه السلام فيه إلخ، فيكون علي قد نحر سبعا وثلاثين، لأنه صلى الله عليه وسلم أهدى مائة من الإبل في حجة الوداع كما ذكره في القواعد قبل ذلك والله أعلم، وفي البخاري ونحر صلى الله عليه وسلم بيده سبع بدن قياما إلخ. (2/239)
صفحة 633
قوله (إني أشتكي) يعني أنها ضعيفة.
قوله (طوفي بالبيت وراء الناس) ذكر ابن حجر أن هذا الطواف كان للوداع، قال: وإنما أمرها أن تطوف من وراء الناس ليكون أستر لها ولا تقطع صفوفهم ولا يتأذون بدابتها، إلى أن قال: ويلتحق بالراكب المحمول إذا كان له عذر، وهل يجزي هذا الطواف عن الحامل والمحمول؟ فيه بحث إلخ.
واعلم أن العلماء اختلفوا هل يجوز الطواف للراكب مطلقا أو لا يجوز إلا لعذر؟ قال في الإيضاح وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة راكبا وفي الأثر إذا كان لشكية كانت به، وقال مالك من شرط صحة الطواف المشي فيه والقدرة عليه كالقيام في الصلاة، وإن عجز كان كصلاة القاعدة، وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بغلته ولذلك كان جائزا والله أعلم. انتهى.
ذكر ابن حجر في سبب طوافه صلى الله عليه وسلم راكبا: هل كان لشكوى؟ أو ليراه الناس وليسألوه؟ ثم قال: فيحتمل أن يكون فعل هذين الأمرين، وحينئذ لا دلالة فيه على جواز الطواف راكبا لغير عذر، وكلام الفقهاء يقتضي الجواز إلا أن المشي أولى والركوب مكروه تنزيها، والذي يترجح المنع لأن طوافه صلى الله عليه وسلم وكذا أم سلمة كان قبل أن يحوطه المسجد، ووقع في حديث أم سلمة (طوفي من وراء الناس) وهذا يقتضي منع الطواف في المطاف، فإذا حوط المسجد امتنع داخله إذ لا يؤمن التلويث فلا يجوز بعد التحويط بخلاف ما قبله فإنه كان لا يحرم التلويث كما في السعي، وعلى هذا فلا فرق في الركوب إذا ساغ بين البعير والفرس والحمار، وأما طواف النبي صلى الله عليه وسلم راكبا فللحاجة إلى أخذ المناسك عنه، ولذلك عده بعض من جمع خصائصه فيها، واحتمل أيضا أن تكون راحلته عصمت من التلويث حينئذ كرامة له فلا يقاس غيره عليه إلخ.
قوله (وأنت راكبة) أي على بعيرك كما في بعض الروايات.
قوله (ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جنب البيت) قال ابن حجر في رواية هشام (والناس يصلون) وبين فيه أنها صلاة الصبح، إلى أن قال: وفيه جواز الطواف للراكب إذا كان لعذر إلخ. (2/240)
صفحة 634
قوله (فبدأ بما بدأ الله به) لفظه في الإيضاح (ابدأ بما بدأ الله به) بصيغة الأمر، وذكر أنه وقع جواب السؤال حيث قال مستدلا به على أن الواو لا تفيد الترتيب ما نصه: والصحيح أن الواو إنما تقتضي الجمع لا الترتيب، والترتيب في أعضاء الوضوء سنة ألا ترى أن العرب سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل (إن الصفا والمروة من شعائر الله) بأيهما يبدؤون؟ فقال: ابدؤوا بما بدأ الله به، والعرب عارفون بأنها لا تقتضي الترتيب ولو كانت تقتضي الترتيب لما سألوا إلخ.
ورواه في كتاب الحج باللفظ الذي رواه به المصنف فثبت بهذا الحديث أن الابتداء في السعي بالصفا سنة، فان ابتدأ بالمروة قبل الصفا ألغى ذلك الشوط والله أعلم.
(أبو عبيدة قال: بلغني عن عروة بن الربيع قال: قلت لعائشة وأنا يومئذ حديث السن رأيت قول الله تعالى (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه) فما أرى على أحد شيئا ألا يطوف بهما. قالت عائشة: كلا لو كان الأمر كما تقول كان (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) وإنما نزلت هذه الآية في الأنصاركانوا يهللون من منات وكانت منات خلف قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله تبارك وتعالى (إن الصفا والمروة .. الآية) قال الربيع منات حجر بقديد كانت الجاهلية يعبدونه).
قوله (عن عروة بن الزبير قال قلت لعائشة) هي خالته رضي الله عنها لأنه ابن أسماء بنت أبي بكر.
قوله (من شعائر الله) قال في الصحاح: الشعائر أعمال الحج وكل ما جعل علما لطاعة الله، وقال البيضاوي (من شعائر الله) من أعلام مناسكه جمع شعيرة وهي العلامة.
تنبيه: اعلم أن العلماء اختلفوا في حكم السعي بعد الإجماع على أنه مشروع. فذهب جمهور أصحابنا إلى أنه سنة تجبر بالدم، قال في الإيضاح والسعي بين الصفا والمروة سنة واجبة معمول بها. وقيل: فريضة أيضا ومن تركه فعليه دم وكذلك من ختم سعيه بالصفا وانصرف على ستة أشواط وأحل فعليه دم إلخ. فتراه رحمه الله قيد السنة بكونها واجبة وقابلها بالفريضة وكذلك فعل الشيخ إسماعيل رحمه الله في مناسكه. ثم ذكر أن بعض أصحابنا يقولون بأن السعي فريضة، فيؤخذ من كلامهما رحمهما الله أنه يفرق بين السنة الواجبة والفريضة مع أنهما كثيرا ما يطلقونها مرادا بها الفريضة، ووافق أصحابنا على ذلك أهل الكوفة والحسن وقتادة. وذهب أبو حنيفة إلى أنه واجب يجبر بالدم لأنه يفرق (2/241)
صفحة 635
بين الواجب والفرض فهو في الحقيقة كما ذهب أصحابنا حيث جعلوه سنة واجبة تجبر بالدم. وذهب بعضهم إلى أنه فريضة.
قال في القواعد: وهو مروي عن عائشة، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، ومن لم يسع عند هؤلاء فلا حج له في عامه ذلك وعليه الحج من قابل إلخ.
يعني إذا لم يسع حتى وطئ النساء أو خرج وقته إن كان له وقت كالطواف عند بعضهم والله أعلم.
وذهب قوم إلى أنه تطوع قال في القواعد: روي ذلك عن أنس بن مالك وعبد الله بن الزبير وابن سيرين والله أعلم.
قال: واحتج من قال بالوجوب بما روي أنه عليه السلام كان يسعى ويقول (اسعوا فقد كتب الله عليكم السعي) وأنه الأصل في العبادة ولعل العبارة قبل هذه العبارة أن تحمل على الوجوب حتى يدل الدليل على خلافه، وعمدة من يوجبه قول الله تعالى (إن الصفا والمروة - إلى قوله - فلا جناح عليه أن يطوف بهما) قالوا: معناه أن لا يطوف بهما، وهي قراءة ابن مسعود فيما روي عنه كما قال الله سبحانه وتعالى (يبين الله لكم أن تضلوا) معناه: لئلا تضلوا.
وحمل الأولون الآية على ظاهرها قالوا: وإن السعي من أفعاله عليه السلام. انتهى.
واستدل في الكشاف لمن لم ير السعي واجبا بما في الآية قال: بدليل رفع الجناح وما فيه من التخيير بين الفعل والترك لقوله (فلا جناح عليهما أن يتراجعا) وغير ذلك ولقوله ومن تطوع كقوله (ومن تطوع خيرا فهوخير له) ويروى ذلك عن أنس وابن عباس وابن الزبير، ونظيره قراءة ابن مسعود (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) وعن أبي حنيفة أنه واجب وليس بركن وعلى تاركه دم، وعند الأولين لا شيء عليه وعند مالك إلخ. (2/242)
صفحة 636
فظهر من كلام الكشاف أن قول الشيخ إسماعيل رحمه الله وعمدة من لم يوجب إلخ. راجع إلى القول بالتطوع لأن المذهب أنه سنة واجبة إلا أنه يجبر بالدم كمذهب أبي حنيفة كما تقدم والله أعلم.
قوله (فما أرى على أحد شيئا ألا يطوف بهما إلى آخر الجواب) لفظه في البخاري (فو الله ما على أحد جناح أن لا يطوف بهما) قال ابن حجر: محصله أن عروة احتج للإباحة باقتصار الآية على رفع الجناح، فلو كان واجبا لما اكتفى بذلك لأن رفع الإثم علامة المباح، ويزداد المستحب بإثبات الأجر ويزداد الوجوب عليهما بعقاب التارك.
ومحصل جواب عائشة أن الآية ساكتة على الوجوب وعدمه مصرحة برفع الإثم عن الفاعل، وأما الجناح فيحتاج إلى رفع الإثم عن التارك، والحكمة في التعبير بذلك مطابقة جواب السائلين لأنهم توهموا من كونهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية أن لا يستمر في الإسلام فخرج الجواب مطابقا لسؤالهم. وأما الوجوب فيستفاد من دليل آخر، إلى أن قال: ولا يلزم من نفي الإثم عن الفاعل نفي الإثم عن التارك، فلو كان المراد مطلق الإجابة لنفي الإثم عن التارك إلخ، فذكره قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب رضي الله عنهما وتأولها على زيادة (لا) أو أن الشاذ لا يحتج به إذا خالف المشهور، وما ذكره من كونهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية إلخ إنما هو في بعض الروايات كما سيأتي والله أعلم.
قوله (وكانوا يهلون من مناة، وكانت مناة حذو قديد) لفظه في البخاري (كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل) قال ابن حجر يهلون أي يحجون.
قوله (لمناة) بفتح الميم والنون المخففة صنم كان في الجاهلية، وقال ابن الكلبي كانت صخرة نصبها عمرو بن لحي لهذيل، وكانوا يعبدونها، والطاغية صفة إسلامية انتهى.
قوله (وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة) قال ابن حجر: ظاهره أنهم كانوا في الجاهلية لا يطوفون بين الصفا والمروة ويقتصرون على الطواف (2/243)
صفحة 637
بمناة فسألوا عن حكم الإسلام في ذلك، ويصرح بذلك رواية سفيان إلخ، فذكر روايات متعددة كلها صريحة في عدم الطواف، منها (إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة) ومنها (أن الأنصاركانوا قبل أن يسلموا هم وغسان يهلون لمناة فتحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة وكان ذلك سنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة) ومنها (أن عمرو بن لحي نصب مناة على ساحل البحر مما يلي قديد وكانت الأزد وغسان يحجونها فإذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات وفرغوا من منى أتوا مناة فأهلوا لها فمن أهل لها لم يطف بين الصفا والمروة) قال (وكانت مناة للأوس والخزرج والأزد من غسان ومن دان دينهم من أهل يثرب، إلى أن قال: وأخرج مسلم من طريق أبي معاوية بن هشام هذا الحديث فخالف جميع ما تقدم ولفظه (إنما كان ذلك لأن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر يقال لهما أساف ونائلة، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلون، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية) فهذه الرواية تقتضى أن تحرجهم إنما كان لئلا يفعلوا في الإسلام شيئا كانوا يفعلونه في الجاهلية لأن الإسلام أبطل أفعال الجاهلية إلا ما أذن فيه الشارع فخشوا أن يكون ذلك من أمر الجاهلية الذي أبطله الشارع إلخ.
فذكر روايات متعددة تدل على أنهم كانوا قبل الإسلام يطوفون بين الصفا والمروة فلما جاء الاسلام تحرجوا فأنزل الله الآية.
وذكر عن عياض أن قوله في الرواية المتقدمة لصنمين على شط البحر وهم فإنهما ما كانا قط على شط البحر وإنما كانا على الصفا والمروة إلخ، ويشهد لهذه الروايات ما ذكره صاحب الكشاف - حيث قال - كان على الصفا والمروة أساف وعلى المروة نائلة وهما صنمان يروى أنهما كانا رجلا وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما فلما طالت المدة عبدا من دون الله، وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما فلما جاء الاسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية إلخ.
وحاول ابن حجر الجمع بين الروايتين حيث قال: ويحتمل أن تكون الأنصار في الجاهلية كانوا فريقين منهم من كان يطوف بينهما على ما اقتضته رواية (2/244)
صفحة 638
أبي معاوية، ومنهم من كان لا يقربهما على ما اقتضته رواية الزهري، واشترك الفريقان في الإسلام على التوقف عن الطواف بين الصفا والمروة لكونه كان عندهم جميعا من أفعال الجاهلية فيجمع بين الروايتين بهذا وقد أشار إلى نحو هذا الجمع البيهقي والله أعلم انتهى.
قال في الإيضاح وقيل: إن سبب السعي بين الصفا والمروة أن إسماعيل عليه السلام لما حمل هنالك طفلا مع أمه هاجر عطش فقامت هاجر تطلب له الماء من ناحية الصفا والمروة مترددة هنالك إلى أن أنبع الله له عين زمزم من تحت قدمه وجعل الله الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله إلخ.
قوله (مناة) حجر بقديد تقدم في الحديث (حذو) أي مقابلة، و (قديد) بقاف مصغر قرية جامعة بين مكة والمدينة كثيرة المياه قاله أبو عبيدة البكري انتهى من ابن حجر وتقدم في رواية البخاري أنها بالمشلل بضم أوله وفتح المعجمة ولامين الأولى مفتوحة مثقلة وهي الثنية المشرفة على قديد وأظن أنها المسماة في هذا الزمان (بعقبة السكر) وتقدم أيضا أنها صخرة نصبها عمرو بن لحي لهذيل وكانوا يعبدونها والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعا الحديث.
قوله (لقد رأيتك تصنع أربعا الحديث) تقدم الكلام عليه في باب الإهلال بالحج ومناسبته لذلك الباب من جهة قوله ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهلل إلا يوم التروية، ومناسبته لهذا الباب من جهة قوله: ورأيتك لا تمس من الأركان إلا اليماني والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: لما احترق بيت الله الحرام من أجل شرارة طارت بها الريح قال بعض الناس قدر الله هذا، وقال آخرون لم يقدر الله أن يحترق بيته، فمن ثم وقع الخلاف الأول في القدر. قال أبو عبيدة وكان احتراقها يوم سبت لست ليال خلون من ربيع الأولى من سنة أربع وستين).
قوله (لما احترق بيت الله الحرام من أجل شرارة طار بها الريح) يعني من نيران جيش يزيد بن معاوية لعنة الله عليه وعليهم كما ذكر ذلك السيوطي في تاريخ الخلفاء حيث قال بعد كلام طويل في ذكر أحداثه:
في سنة ثلاث وستين بلغه أن أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه فأرسل إليهم جيشا كثيفا وأمر بقتالهم ثم بالمسير إلى مكة لقتال ابن الزبير فجاؤوا وكانت وقعة الحرة على باب طيبة، وما أدراك ما وقعة الحرة، ذكرها الحسن مرة وقال: والله ما كاد ينجو منهم واحد، قتل فيها خلق من الصحابة وغيرهم، ونهبت المدينة، وافتض فيها ألف عذراء فإنا لله وإنا إليه راجعون. (2/245)
صفحة 639
قال صلى الله عليه وسلم (من أخاف أهل المدينة أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) رواه مسلم.
وكان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي.
أخرج الواقدي من طرق أن عبد الله بن حنظلة بن العنساء قال: والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمي بالحجارة من السماء إنه رجل ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة. قال الذهبى ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل مع شربه الخمر وإتيانه المنكرات اشتد على النابر وخرج عليه غير واحد لم يبارك الله في عمره.
وسار جيش الحرة إلى مكة لقتال ابن الزبير فمات أمير الجيش بالطريق فاستخلف عليهم أميرا وأتوا مكة فحاصروا ابن الزبير وقاتلوه ورموه بالمنجنيق وذلك في صفر سنة أربع وستين واحترقت من شرارة من نيرانهم أستار الكعبة وسقفها وقرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل وكانا في السقف.
وأهلك الله يزيد في نصف ربيع الأول من هذا العام فجاء الخبر بوفاته والقتال مستمر فنادى ابن الزبير أهل الشام: إن طاغيتكم قد هلك فانقلبوا وذلوا وتخطفهم الناس ودعا ابن الزبير إلى بيعة نفسه إلخ. قوله (قال بعض الناس قدر الله هذا) هذا القول هو الحق لأن جميع ما يجري في العالم من خير وشر فهو بقضاء الله وقدره كما هو معلوم، وتقدم الكلام على القدر في صدر الكتاب فليراجع.
أبو عبيدة قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة عام الفتح فصلى فيها ركعتين ثم خرج وقد أفضى بالناس حول الكعبة فأخذ بعضادتي الباب فقال (الحمد لله الذي صدق وعده، ونصرعبده، وهزم الأحزاب وحده، ماذا تقولون؟ وماذا تظنون؟ قالوا: نقول خيرا ونظن خيرا أجر كريم قدرت فأسحج قال فأنا أقول كما قال أخي يوسف قال؟ لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ألا وإن كل ربا في الجاهلية ودم ومال أو مأثرة فهي تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج فإني قد أمضيتهما لأهلهما على ما كانتا عليه، ألا وإن الله تعالى أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بالآباء، وكلكم لآدم وآدم من تراب ليس إلا مؤمن تقي أو فاجر شقي، وأكرمكم عند الله أتقاكم ألا في قتيل العصا، والسوط والخطأ شبه العمد الديه مغلظة مائة من الإبل منها أربعون خلقه، مكة حرام حرمها الله تعالى إلى يوم القيامة لم تحل قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار) قال فعمرها النبي صلى الله عليه وسلم بيده وقال (لا ينفر صيدها، ولايقطع شجرها، ولاتحل لقطتها إلا لمنشد، ولايختلى خلاها) فقال له العباس عمه وكان شيخا إلا الإذخر يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لابد منه للقبور ولظهور البيوت فسكت النبي صلى الله عليه وسلم قليلا ثم قال (إلا الإذخر فإنه حلال).قوله (فصلى فيه ركعتين) قد تقدم الكلام عليه.
قوله (وقد أفضى بالناس حول الكعبة) كان المراد أنه وجد الناس حول الكعبة، لكن لا يناسب ما ذكر في اللغة لمعنى الإفضاء. قال في الصحاح الفضاء الساحة وما اتسع من الأرض، يقال أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء، وأفضيت إلى فلان سري إلخ فذكر معاني لا تناسب هنا. قوله (بعضادتي الباب) أي مصرعيه. قال في الصحاح: وإعضاد كل شيء ما يسد حواله من البناء وغيره كإعضاد (2/246)
صفحة 640
الحوض وهي حجارة تنصب حول شفيرة، وكذلك عضادتا الباب وهما خشبتاه من جانبه انتهى، وضبط العضادة بالكسر.
قوله (صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده) تقدم الكلام عليه في باب الإهلال بالحج.
قوله (قدرت فأسحج) يعني بقطع الهمزة من أسحج.
قال في الصحاح: الإسحاج حسن العفو يقال ملكت فأسحج، ويقال: إذا ملكت فأسحج أي سهل ألفاظك وارفق إلخ.
قوله (وأنا أقول كما قال أخي يوسف إلخ) لفظ الحديث في المواهب (ولما كان الغد من يوم الفتح قام عليه السلام خطيبا في الناس فحمد الله وأثنى عليه ومجده بما هو أهله ثم قال (يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص فيها لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب) ثم قال: (يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟) قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال (اذهبوا فأنتم الطلقاء) أي الذين أطلقوا فلم يسترقوا ولم يؤسروا والطليق الأسير إذا أطلق إلخ.
(قوله (لا تثريب عليكم اليوم) أي لا تعيير عليكم اليوم، ولا أذكر لكم ذنبكم بعد اليوم، قاله البغوي في تفسير هذه الآية.
قوله (ومأثره) قال في الصحاح المأثرة والمأثرة بفتح الثاء وضمها المكرمة لأنها تؤثر أي تذكر، ويأثرها قرن عن قرن يتحدثون بها انتهى.
قوله (فهي تحت قدمي هاتين) كان المراد إبطال ذلك كله بحيث لا يطالب به أحد ولا يذكره كأنه مدفون تحت قدمه صلى الله عليه وسلم والله أعلم.
ولفظ هذه القطعة في المواهب في خطبة خطبها عليه السلام يوم عرفة كما سيأتي (ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في (2/247)
صفحة 641
بني سعد فقتلته هذيل، ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله إلى آخره).
قوله (إلا سدانة البيت وسقاية الحاج) قال في الصحاح: السادن خادم الكعبة وبيت الأصنام والجمع السدنة، وقد سدن يسدن بالضم وسدانة، وكانت السدانة واللواء لبني عبد الدار في الجاهلية فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم لهم في الإسلام إلخ، وضبط السدانة بالكسر.
وذكر ابن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع مفتاح الكعبة إلى عثمان يعني ابن طلحة فقال (خذها خالدة مخلدة إني لم أدفعها لكم ولكن الله دفعها لكم، ولا ينزعها منكم إلا ظالم).
ومن طريق ابن حجر أن عليا قال للنبي صلى الله عليه وسلم اجمع الحجابة والسقاية فنزلت (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) فدعا عثمان فقال (خذوها يا بني شيبة خالدة مخلدة مؤبدة لا ينزعها منكم إلا ظالم).
ومن طريق علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (يا بني شيبة كلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف إلخ).
وأما سقاية الحاج فروي عن عطاء أنها زمزم قاله ابن حجر.
وقال الأزرقي كان عبد مناف يحمل الماء في الروايا والقرب إلى مكة ويسكبه في حياض من أدم بفناء الكعبة للحاج)، ثم فعله ابنه هاشم بعده ثم عبد المطلب، فلما حفر زمزم كان يشتري الزبيب فينبذه في ماء زمزم ويسقي الناس.
قال ابن إسحاق لما ولي قصي بن كلاب أمر الكعبة كان إليه الحجابة والسقاية واللواء والرفادة ودار الندوة ثم تصالح بنوه على أن لعبد مناف السقاية والرفادة يعني بالكسر والبقية للآخرين، إلى أن قال: ثم ولي السقاية من بعد عبد المطلب ولده العباس وهو يومئذ من أحدث إخوته سنا فلم تزل بيده حتى قام الإسلام وهي بيده فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه فهي اليوم إلى بني العباس.
وروى الفاكهي من طريق الشعبى قال: تكلم العباس وعلي وشبية بن عثمان في السقاية والحجابة فأنزل الله (أجعلتم سقاية الحاج الآية إلى قوله -حتى يأتي الله بأمره) قال بفتح مكة إلى أن قال: (2/248)
صفحة 642
وعن ابن عباس أن العباس لما مات أراد علي أن يأخذ السقاية فقال له طلحة أشهد لرأيت أباه يقوم عليها وإن أباك أبا طالب لنازل في إبله بالأراك بعرفة، قال فكف علي عن السقاية، إلى أن قال العباس: يا رسول الله لو جمعت لنا الحجابة والسقاية فقال إنما أعطيتكم ما ترزون ولم أعطكم ما ترزون الأول بضم أوله وسكون الراء وفتح الزاء والثاني بفتح أوله وضم الزاء أي أعطيتكم ما ينقصكم لا ما تنقصون به الناس.
وروى الطبراني والفاكهي حديث السايب المخزومي أنه كان يقول اشربوا من سقاية العباس فإنه من السنة، إلى أن قال: وقد أخرج مسلم من طريق بكر عبد الله المزني قال: كنت جالسا مع ابن عباس فقال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفه أسامه فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب فسقى فضله أسامة وقال: أحسنتم كذا فاصنعوا انتهى.
ولم يبين معنى الرفادة وبينها في الصحاح حيث قال: والرفادة أيضا شيء كانت ترادف به قريش في الجاهلية تخرج فيما بينها مالا تشتري به للحاج طعاما وزبيبا للنبيذ، وكانت الرفادة والسقاية لبني هاشم والسدانة واللواء لبني عبد الدار إلخ.
قوله (نخوة الجاهلية) قال في الصحاح النخوة الكبر والعظمة، يقال انتخى فلان علينا أي افتخر وتعظم انتهى.
وضبط النخوة بفتح النون، فعلى هذا يكون قوله (وتكبرها بالآباء) عطف تفسير والله أعلم.
قوله (ألا في قتيل العصا والصوت الخطأ شبه العمد الدية مغلظة) يتأمل ما معناه وكيفية إعرابه، وقد مثل الشيخ إسماعيل رحمه شبه العمد بالضرب بالريشة ونحوها.
وذكر الخلاف: هل الواجب فيه الدية أو القود؟ حيث قال:
وأما شبه العمد فهو أن يضرب بما لا يقتل مثله كالريشة ونحوها ثم يموت المضروب مكانه، وفيه اختلاف: قال بعضهم فيه دية ولا قود ولا تعقله العاقلة وهي (2/249)
صفحة 643
مغلظة على القاتل يؤديها في سنة واحدة وقال آخرون يقاد منه لأنه تعمد ضربه وإن لم يتعمد قتله والله أعلم انتهى.
ومثل أبو علي البسياني رحمه الله شبه العمد بالذي يضرب إنسانا ويرميه ولا يتعمد قتله فيأتي على نفسه إلخ، فأطلق ولكن لابد من تقييده بما لا يقتل عادة.
فعلى هذا فلو ضربه بعصا أو بسوط في محل لا يموت من ضرب فيه عادة كالقدمين والإليتين وضربه ضربا لا يقتل به عادة ولم يتعمد قتله فمات لكان من شبه العمد، وأما لو تعمد قتله فمات فإنه يقاد منه مطلقا.
قال أبو علي وأما العمد فلو تعمده ببعرة يريد بها قتله كان عليه القود إذا أراد ذلك أولياء المقتول إلخ.
فعلى هذا يكون معنى الحديث من ضرب بعصا أو بسوط فمات من غير تعمد لقتله بأن يضرب ضربا لا يقتل عادة في محل لا يموت من ضرب فيه عادة ولم يتعمد قتله فإن قتله يعد خطأ شبيها بالعمد تجب فيه الدية المغلظة والله أعلم.
وأما إعرابه فقوله في قتيل العصا والسوط خبر مقدم، وقوله الخطأ مبتدأ مؤخر، وقوله شبه العمد صفة له على التأويل بالمشتق أي الخطأ الشبيه بالعمد، ويحتمل أن يكون بدلا من الخطأ أو عطف بيان عليه، وكذا قوله الدية فالظاهر أنه عطف بيان أو بدل، وإن قلنا بجواز تعدده فكأنه قال في قتيل العصا إلخ.
وقوله (الدية مغلظة) الظاهر أنه بالنصب حال من الدية إن قلنا بجواز إتيان الحال من المبتدأ لأن الدية تكون مغلظة ومخففة كما سيأتي بيانه قريبا إن شاء الله.
قوله (مائة من الإبل) الظاهر أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هي مائة من الإبل، أو بدل أيضا والله أعلم فليحرر.
قوله (مائة من الإبل) أطلق في الدية وجعلها مائة من الإبل ولم يذكر قيمتها.
وذكر الشيخ إسماعيل رحمه الله أن قيمة كل ناقة أربعة دنانير حيث قال: فالدية في قضاء الرسول عليه السلام والخلفاء من بعده مائة من الإبل، وفي أثر أصحابنا قيمة كل ناقة أربعة دنانير، وجملة ذلك أربعمائة دينار ذهبا مسككا انتهى. (2/250)
صفحة 644
وهذا الذي ذكره رحمه الله قول لبعض أصحابنا، قال في أحكام الديوان مؤخرا لهذا القول ما نصه: وقضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالدية على أهل الإبل بمائة ناقة، وعلى أهل البقر بمائتي بقرة، وعلى أهل الشاة بألفي شاة، وعلى أهل الحلل بمائتي حلة يمانية إزار ورداء، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم وقيل اثني عشر ألفا وفي الذهب اختلاف في الدية:
قال بعض ألف دينار فعلى هذا تكون لكل ناقة عشرة دنانير بالقيمة، ومن قال خمس مائة دينار قومت النوق بخمسة دنانير لكل ناقة، ومن قال الدية أربع مائة دينار جعل قيمة كل ناقه أربعة دنانير إلخ، فتراه صدر بألف دينار وبذلك جزم ابن وصاف وعليه قومنا والله أعلم.
قوله (أربعون خلفة) يعني بفتح الخاء وكسر اللام وهي الحامل من الإبل، قال في الصحاح والخلف بكسر اللام المخاض وهي الحوامل من النوق الواحدة خلفة إلخ.
وفي هذا إشارة إلى أن دية شبه العمد مغلظة وهو الذي جزم به صاحب القواعد رحمه الله حيث قال: وهي مغلظة على القاتل كما تقدم،
والذي في كتب المشارقة أنها مخففة قال ابن وصاف رحمه الله: الدية في النفس من الإبل مائة، فإذا كانت دية عمد فهي مغلظة أخذت أثلاثا؛ ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، والمخففة على أربعة أجزاء وهي دية شبه العمد على أربعة أجزاء: خمسة وعشرون بنات مخاض، وخمسة وعشرون بنات لبون، وخمسة وعشرون حقه، وخمسة وعشرون جذعة، ودية الخطأ على خمسة أجزاء، عشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقه، وعشرون جذعة، وعشرون خلفة.
والدية تؤدى في ثلاث سنين إذا كانت على الخطأ إلخ، وليس هذا موضع بسط الكلام على الديات.
قوله (لم تحل لأحد قبلي إلخ) رجع الكلام إلى مكة شرفها الله وقد تقدم الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث إلخ. والله أعلم. (2/251)
صفحة 645
الباب السابع في عرفة والمزدلفة ومنى
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: بلغني عن أسامة بن زيد قال: دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالشعب فنزل وبال وتوضأ ولم يسبغ الوضوء فقلت له الصلاة فقال (الصلاة أمامك) فركب فلما جاء المزدلفة فنزل فتوضأ وأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يفصل بينهما بشيء قال الربيع يستحب بعد المغرب ركعتان خفيفتان) قوله (اختلف أناس عند أم الفضل إلخ) تقدم الكلام عليه في أول كتاب الصيام في باب صوم عاشورء فليراجع. (2/252)
صفحة 646
قوله (عن أسامة بن زيد إلخ) في بعض روايات البخاري أنه قال (ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات فلما بلغ إلخ) قال ابن حجر (ردفت) بكسر الدال أي ركبت وراءه، وفيه الركوب حال الدفع من عرفة، والارتداف على الدابة، ومحله إذا كات مطيعة، وارتداف أهل الفضل، وبعد ذلك من إكرامهم للرديف لا من سوء أدبه انتهى.
قوله (الشعب) في بعض روايات البخاري (أنه قرب المزدلفة) وفي بعضها (الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة) وفي بعضها (ابن عمر كان يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك) أي في كونه يقضي الحاجة بالشعب ويتوضأ ولا يصلي إلا بالمزدلفة، وورد في بعض الطرق تعريف الشعب بأنه الذي يصلي فيه الخلفاء المغرب.
وذكر ابن حجر في ذلك روايتين ثم قال: وظاهر هذين الطريقين أن الخلفاء كانوا يصلون المغرب عند الشعب المذكور قبل دخول وقت العشاء وهو خلاف السنة في الجمع بين الصلاتين بمزدلفة، إلى أن قال: والمراد بالخلفاء والأمراء بنو أمية فلم يوافقهم ابن عمر على ذلك، إلى أن قال:
في بعض الروايات سمعت عكرمة يقول: اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم مبالا واتخذتموه مصلى وكأنه أنكر بذلك على من ترك الجمع بين الصلاتين لمخالفته السنة في ذلك إلخ.
قوله (فتوضأ ولم يسبغ الوضؤ) في بعض روايات البخاري (فتوضأ وضوءا خفيفا) لكنه لم يذكر فيها أنه عليه السلام توضأ بعد ذلك، بل قال (حتى أتى المزدلفة فصلى) لكنه ذكر بعد ذلك رواية أخرى عن مالك هي نص في رواية المصنف رحمه الله واختلفوا في تأويلها.
قال ابن حجر في قوله (وضوءا خفيفا) أي توضأ مرة مرة وخفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته، وهو معنى قوله في رواية مالك الآتية بعد باب بلفظ (فلم يسبغ الوضوء).
وأغرب ابن عبد البر فقال معنى قوله (ثم توضأ ولم يسبغ) أي استنجاء وأطلق عليه اسم الوضوء اللغوي لأنه من الوضاءة وهي النظافة، ومعنى الإسباغ الإكمال أي لم يكمل وضوءه فتوضأ للصلاة، قال: (2/254)
صفحة 647
وقد قيل إنه توضأ وضوءا خفيفا ولكن الأصول تدفع هذا لأنه لا يشرع الوضوء لصلاة واحدة مرتين، وليس ذلك في رواية مالك ثم قال: وقد قيل إن معنى قوله (لم يسبغ الوضوء) أي لم يتوضأ في جميع أعضاء الوضوء بل اقتصر على بعضها واستضعفها انتهى.
وحكى ابن بطال أن عيسى بن دينار من قدماء أصحابهم سبق ابن عبد البر إلى ما اختاره أولا وهو متعقب بهذه الرواية الصريحة إلخ يعني قوله (توضأ وضوءا خفيفا) فذكر روايات تدل على أنه توضأ وضوءا لم يبالغ فيه، إلى أن قال: ومن موضحات ذلك قول أسامة له (الصلاة) فإنه يدل على أنه رواه (يتوضأ وضوءه للصلاة) ولذلك قال له: أتصلي كذا؟.
قال ابن بطال قال ابن حجر: وفيه نظر، لأنه لا مانع أن يقول له ذلك لاحتمال أن يكون مراده أتريد الصلاة فلم تتوضأ وضوءها؟
وجوابه (بأن الصلاة أمامك) معناه أن المغرب لا تصلى هنا فلا تحتاج إلى وضوء الصلاة، وكان أسامة ظن أنه صلى الله عليه وسلم نسى صلاة المغرب ورأى وقتها قد كاد أن يخرج أو خرج فأعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أنها في تلك الليلة يشرع تأخيرها للجمع مع العشاء بالمزدلفة، ولم يكن أسامة يعرف تلك السنة قبل ذلك.
وأما اعتلال ابن عبد البر بأن الوضوء لا يشرع مرتين لصلاة واحدة فليس بلازم لاحتمال أنه توضأ ثانيا عن حدث طارئ، وليس الشرط بأنه لا يشرع تجديد الوضوء إلا لمن أدى به صلاة فرضا أو نفلا متفقا عليه، بل ذهب جماعة إلى جوازه وإن كان الأصل خلافه، وإنما توضأ أولا ليستديم الطهارة ولاسيما في تلك الحالة لكثرة الاحتياج إلى ذكر الله حينئذ، وخفف الوضوء لقلة الماء حينئذ، إلى أن قال:
وقال الخطابي إنما ترك إسباغه حين نزل الشعب ليكون مستصحبا للطهارة في طريقه، وتجوز فيه لأنه لم يرد أن يصلي به فلما نزل وأرادها أسبغه انتهى المراد منه.
قوله (فقلت له الصلاة) قال ابن حجر بالنصب على إضمار الفعل أي تذكر الصلاة أو صل، ويجوز الرفع على تقدير حضرت الصلاة مثلا. (2/255)
صفحة 648
قوله (الصلاة أمامك) قال ابن حجر بالرفع وأمامك بفتح الهمزة وبالنصب على الظرفية أي الصلاة ستصلى بين يديك، أو أطلق الصلاة على مكانها أي المصلى بين يديك.
ومعنى (أمامك) لا تفوتك وستدركها، وفيه تذكير التابع بما تركه متبوعه ليفعله أو يعتذر عنه أو يبين له وجه صوابه انتهى.
قوله (فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره) قال ابن حجر وكأنهم صنعوا ذلك رفقا بالدواب أو للأمن من تشويشهم بها وفيه إشعار بأنه خفف القراءة في الصلاتين وفيه أنه لا بأس بالعمل اليسير بين الصلاتين اللتين يجمع بينهما ولا يقطع ذلك الجمع إلخ.
قال في الإيضاح ولا يبطل القرآن غير الكلام في جميع عمل الجوارج، إلى أن قال: ورخص بعضهم في الكلام اليسير الذي لا يستغنى عنه، وإن اشتغل في شيء غير صلاته مقدار ما يتم فيه صلاته انتقض قرآنه معناه إلخ. واستدل بهذا الحديث.
قوله (ولم يصل بينهما) قال ابن حجر ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرح بأنه لم يتنفل بينهما، إلى أن قال: ومن ثم قال الفقهاء تؤخر العشاء عنهما.
ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة لأنهم اتفقوا على أن السنة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما انتهى.
قال ابن حجر ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود الآتي إلخ، يعني به ما رواه البخاري بعد ذلك حيث قال بعد ذكر الإسناد حج عبد الله فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبا من ذلك فأمر رجلا فأذن وأقام ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى ثم أي أظن الرجل أذن وأقام قال عمر ولا أعلم الشك إلا من زهير، ثم صلى العشاء ركعتين إلخ ويعني بعبد الله عبد الله بن مسعود.
قوله (قال أبو عبيدة يستحب بعد المغرب ركعتان خفيفتان) يتأمل ويتعجب من أبي عبيدة رحمه الله كيف يروي الحديث بأنه عليه السلام جمع (2/256)
صفحة 649
المغرب والعشاء ولم يصل بينهما ومع ذلك يقول بأنه يستحب بينهما ركعتان ولم يستدل لذلك بحديث ولا بأثر، ولعله رحمه الله استدل بالأثر المروي عن ابن مسعود الذي رواه البخاري، ونظير هذا ما تقدم له رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى داخل الكعبة ومع ذلك قال (من صلى داخل الكعبة لا قبلة له) وقد تقدم الكلام عليه والله أعلم.
وظاهر كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله أن قول أبي عبيدة رحمه الله غير مأخوذ به في هذه المسألة وأنه خالف الإجماع حيث قال: وأجمع العلماء على أن السنة فيها أن يجمع بين المغرب والعشاء إلا ما روى مسلم عن أبي عبيدة رحمه الله أنه قال: يستحب بعد المغرب ركعتان خفيفتان انتهى، فظاهره أن أبا عبيدة رحمه الله انفرد بجواز الفصل بين المغرب والعشاء بالركعتين.
وفيه تأمل فإن هذه المسألة وقع فيها الخلاف بين الفقهاء قال ابن حجر بعد كلام على الأثر المروي عن ابن مسعود رحمه الله: وقد أخذ بظاهره مالك وهو اختيار البخاري.
وروى ابن عبد البر عن أحمد بن خالد أنه كان يعجب من مالك حيث أخذ بحديث ابن مسعود وهو من رواية الكوفيين مع كونه موقوفا، ومع كونه لم يرو ويترك ما روي عن أهل المدينة وهو مرفوع.
قال ابن عبد البر وأعجب أنا من الكوفيين حيث أخذوا بما رواه أهل المدينة وهو أنه يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة وتركوا ما رووا في ذلك عن ابن مسعود مع أنهم لا يعدلون به أحدا.
قال ابن حجر قلت: الجواب عن ذلك أن مالكا اعتمد صنيع عمر في ذلك وإن كان لم يروه في الموطأ.
واختار الطحاوي ما جاء عن جابر يعني في حديثه الطويل الذي أخرجه مسلم أنه جمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، وهذا قول الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد وبه قال ابن الماجشون وابن حزم، وقول الطحاوي بالقياس على الجمع بين الظهر والعصر بعرفة. (2/257)
صفحة 650
وقال الشافعي في الجديد وقواه الثوري وهو رواية عن أحمد بجمعهم بينهما بإقامتين فقط وهو ظاهر حديث أسامة الماضي قريبا حيث قال: فأقام المغرب ثم أناخ الناس ولم يخلوا حتى أقام العشاء.
وقد جاء عن ابن عمر كل واحد من هذه الصفات أخرجه الطحاوي وغيره، وكأنه كان يرى من الأمر الذي يتخير فيه الإنسان وهو المشهور عن أحمد.
واستدل بحديث ابن مسعود على جواز التنفل بين الصلاتين لمن أراد الجمع بينهما إلخ، والمنصوص عليه في كتب أصحابنا أنه ليس بين الصلاتين إلا التسليم والإقامة وتوجيه النبي عليه السلام.
قال في القواعد وإذا نوى الجمع جاز له ذلك من أول الأولى حتى آخر العصر ومن أول المغرب إلى ثلث الليل أو نصفه ولا يكون بين الصلاتين إلا الإقامة والتسليم، ولا يتكلم بينهما ولا يتنفل، ولا يعمل عملا وإن فعل شيئا من ذلك فقد انتقض قرآنه ويؤخر الآخرة إلى وقتها ويصليها انتهى.
وظاهر الحديث أنه جمع بإقامتين من غير أذان كما هو المذهب الجديد عند الشافعي ومذهب الثوري لكن المصرح به في القواعد خلافه حيث قال وصح أنه جمع بين المغرب والعشاء هنا بأذان وإقامتين والله أعلم.
قال ابن حجر واستدل بالحديث على جمع التأخير وهو إجماع بمزدلفة لكنه عند الشافعية وطائفة بسبب السفر، وعند الحنفية والمالكية بسبب النسك.
وأغرب الخطابي فقال فيه دليل على أنه لا يجوز أن يصلي الحاج المغرب إذا أفاض من عرفة حتى يبلغ المزدلفة ولو أجزأته في غيرها لما أخرها النبي صلى الله عليه وسلم عن وقتها المؤقت لها في سائر الأيام انتهى.
وكلام الإيضاح يشعر بوجود الخلاف عندنا ويميل إلى ما قاله الخطابي حيث قال وإن صلى المغرب قبل أن يأتي المزدلفة وهو لا يخاف طلوع الفجر قال بعضهم لم تجزه صلاته لقوله عليه السلام لأسامة بن زيد حين سأله عن الصلاة لما دفع من عرفات (الصلاة أمامك) وقال بعضهم إن صلاها أجزأته ويكره له ذلك انتهى. (2/258)
صفحة 651
تنبيه: وإنما سميت المزدلفة بهذا الاسم لأن المسلمين يزدلفون إليها إذا أفاضوا من عرفة قاله في الإيضاح، ويسمى أيضا جمعا والمشعر الحرام.
قال في الإيضاح وإنما سمي (المشعر الحرام) فيما ذكر في التفسير لأنه أشعر المؤمنون أنه حرام كالبيت ومكة أي علموا، ويقال لها المشعر الحرام.
وإنما سمي جمعا لأنه يجتمعون فيه بين المغرب والعشاء في وقت واحد إلخ.
وقال ابن حجر في المزدلفة وسميت (جمعا) لأن آدم اجتمع فيه مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها.
وروري عن قتادة أنها سميت جمعا لأنه يجمع فيها بين الصلاتين.
وقيل وصفت بفعل أهلها لأنهم يجتمعون بها ويزدلفون إلى الله أي يتقربون إليه بالوقوف فيها.
وسميت المزدلفة إما لإجماع الناس بها ولاقترابهم إلى منى أو لازدلاف الناس منها جميعا أو للنزول بها في كل زلفة من الليل أو لأنها منزلة وقربة إلى الله لازدلاف آدم إلى حواء بها انتهى.
(أبو عبيدة قال لما أذن الله تعالى علم أن تحج حجة الوداع وهي حجة التمام فوقف بعرفة وقال: أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض فلا شهر ينسأ ولا عدة تحصى ألاوإن الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة.
قوله (حجة الوداع) الحجة بالكسر اسم للمرة الواحدة من الحج على غير القياس.
قال في الصحاح الحج بالكسر الاسم والحجة المرة الواحدة وهو من الشواذ لأن القياس بالفتح إلخ.
لكن ذكر الشيخ خالد في شرح التوضيح في باب كيفية جمع الاسم جمع المؤنث لسالم ما هو صريح في جريان الحجة على القياس حيث قال: نحو حجات جمع حجة بفتح الحاء المرة من الحج إلخ، وانظر أيهما الراجح وكيف يوفق بينهما ولعل فيها لغتين والله أعلم فليراجع.
(والوداع) بفتح الواو الاسم من التوديع. قال في الصحاح: التوديع عند الرحيل والاسم الوداع بالفتح إلخ.
قوله (وهي حجة التمام) ولم يحج صلى الله عليه وسلم فرضا غيرها وقد تقدم الخلاف في وقت فرضية الحج والمصرح به عندنا أنه فرض عام تسع وحج صلى الله عليه وسلم عام عشر. (2/259)
صفحة 652
واختلفوا في عدد حجه صلى الله عليه وسلم فقيل حج ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعدما هاجر معها عمرة، وقيل حج قبل أن يهاجر ثلاث حجج، وقيل حج قبل أن يهاجر حججا لا يعلم عددها، وقيل كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر.
وقال جابر مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين ولم يحج ثم أذن في العاشر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج فقدم المدينة بشر كثير منهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل مثل عمله إلخ، مختصر من المواهب.
قوله (إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض فلا شهر ينسأ إلخ) من النساء وهو التأخير يعني أن كل ما كانت تفعله الجاهلية من تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر وتحريمه مرة وتحليله أخرى بطل باستدارة الزمان وعوده إلى ما وضعه الله عليه أولا.
قال البغوي ومعنى النسيء هو تأخير تحريم شهر إلى شهر آخر وذلك أن العرب كانت تعتقد تعظيم الأشهر الحرم، وكان ذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم عليه السلام.
أو كانت عامة معايشهم من الصيد والغارة وكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر على التوالي، وربما وقعت لهم حرب في بعض الأشهر الحرم فيكرهون تأخير حربهم فنسئوا أي أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر.
وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمون صفرا ويستحلون المحرم فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخروه إلي ربيع هكذا شهرا بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله عز وجل، وذلك بعد دهر طويل فخطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجته كما أخبرنا عبد الواحد، إلى أن قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: (الزمان قد استداركهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم إلى آخر الخطبة، ولفظها مغاير لخطبة المصنف رحمه الله، إلى أن قال: (2/260)
صفحة 653
قالوا: وكان قد استمر النسيء فكان ربما يحجون بعض السنين في شهر ويحجون من قابل في شهر آخر، قال مجاهد كانوا يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ذي الحجة عامين ثم حجوا في المحرم عامين، وكذلك في الشهور فوافقت حجة أبي بكر قبل حجة الوداع السنة الثانية من ذي القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم في العام المقبل وخطب اليوم العاشر بمنى وأعلمهم أن أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان وعاد الأمر إلى ما وضع الله عليه حساب الأشهر يوم خلق الله السموات والأرض وأمرهم بالمحافظة عليه لئلا يتبدل في مستأنف الأيام، واختلفوا في أول من نسأ النسيء إلخ.
(قال أبو عبيدة لما أتم حجه خطب الناس بعرفة فقال: إن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من عرفات إذا صارت الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم ويدفعون من المزدلفة إذا طلعت الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا لا ندفع من عرفات حتى تغرب الشمس ويفطر الصائم، وندفع من المزدلفة غدا إن شاء الله قبل طلوع الشمس هدينا مخالفة لهدى أهل الشرك والأوثان).
قوله (لما أتم حجه خطب بعرفة إلخ) يتأمل ما معنى (أتم حجه) مع أنه واقف بعرفة والشمس لم تغب بدليل قوله (وإنا لا ندفع من عرفات حتى تغيب الشمس) اللهم إلا أن يقال إنه من مجاز المشارقة، والأول على حد (إني أراني أعصر خمرا).
وقد ذكر المصنف رحمه الله في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم خطبتين بعرفة ولم يذكر في البخاري واحدة منهما، ولم يرو إلا الخطبة التي خطبها يوم النحر (قلنا: بلى. قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس ذو الحجة، قلنا بلى. قال: أي بلد هذا؟ قلنا الله أعلم ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس بالبلدة الحرام، قلنا: بلى. قال: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد. فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع، ولا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، إلى أن قال: في بعض الروايات وقال: هذا يوم الحج الأكبر فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اشهد. فودع الناس. قالوا: هذه حجة الوداع انتهى.
وذكر في المواهب له صلى الله عليه وسلم خطبة أخرى بعرفة حيث قال: ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفة وجد القبة ضربت له بنمرة فنزل بها (2/261)
صفحة 654
حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصوى فرحلت له فركب فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب وكيانه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكن عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكسها إلى الناس: اللهم اشهد ثلاث مرات ثم أذن بلال ثم قام فصلى الظهر ثم قام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا إلخ. وإنما ذكرت هذه الخطب لما فيها من الفوائد من جملتها الحكم على القاتل بأنه كافر خلافا للقوم والله أعلم.
قوله (وندفع من المزدلفة غدا إن شاء الله قبل طلوع الشمس) قال في الإيضاح: فإذا أصبح الإمام بجمع والناس معه صلى صلاة الفجر، ووقفوا ساعة يذكرون الله ثم يسألون حاجتهم وهم يلبون، ثم يفيض الإمام والناس معه من جمع قبل طلوع الشمس ويسيرون رويدا ويلبون ويذكرون الله حتى يأتوا منى انتهى.
قوله (هدينا مخالف لهدى أهل الشرك والأوثان) اعلم أن الهدي يطلق على ما يهدى إلى الحرم من النعم، ويطلق على السيرة يقال ما أحسن هديته وهديه أيضا بالفتح أي سيرته، ويقال أيضا هدى هدي فلان أي سار سيرته، وفي الحديث (أهدوا هدي عمار) قاله في الصحاح، والظاهر أن المراد هنا الثاني لأنه يعم جميع سيرته صلى الله عليه وسلم في الهدي وغيره والله أعلم.
ثم رأيت العلقمي ذكر في حديث: أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله (إلخ عند قوله) وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم على رواية فتح الهاء وسكون الدال عن شيخه أن معناه السيرة والهيئة والطريقة، ثم قال وفسره النووي على (2/262)
صفحة 655
رواية الفتح بالطريق أي أحسن الطرق طريق محمد صلى الله عليه وسلم، يقال فلان حسن الهدي أي الطريقة والمذهب ومنه اهدوا بهدي عمار إلخ.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: سئل أسامة بن زيد كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: (بسير العنق فإذا وجد فرجة نص) والنص فوق العنق والعنق هو السرعة في السعي.
قوله (سئل أسامة بن زيد) إنما خص بالسؤال والله أعلم لأنه كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات كما ذكره في بعض روايات البخاري.
قوله (بسير العنق) قال ابن حجر العنق بفتح المهملة والنون هو السير الذي بين الإبطاء والإسراع، قال في المشارق هو سير سهل في سرعة، وقال القزاز العنق سير سريع، وقيل المشي الذي يتحرك فيه عنق الدابة، وفي الفائق العنق الخطو الفسيح وانتصب العنق على الصدر المؤكد من لفظ الفعل انتهى.
قوله (فرجة) بضم الفاء وسكون الراء بمعنى الفجوة.
قوله (والنص فوق العنق) وهو السرعة في السعي، قال ابن حجر نص أي أسرع، قال أبو عبيدة النص تحريك الدابة حتى يستخرج به أقصى ما عندها، وأصل النص غاية المشي ومنه نصصت الشيء رفعته ثم استعمل في ضرب سريع من السير انتهى.
ثم قال: وقال ابن عبد البر: في هذا الحديث كيفية السير في الدفع من عرفة إلى مزدلفة لأجل الاستعجال للصلاة لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة فجمع بين المصلحتين من الوقار والسكينة عند الزحمة، ومن الإسراع عند عدم الزحام، وفيه أن السلف كانوا يحرصون على السؤال عن كيفية أحواله صلى الله عليه وسلم في جميع حركاته وسكونه ليقتدوا به في ذلك انتهى.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا).
قوله (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ) قد تقدم الكلام عليه في حديث أسامة.
(أبو عبيدة قال: بلغني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا كنت بين الأخشبين بمنى ونفخ بيده نحو المشرق فإن هناك واديا يقال له وادي السدر وفيه سرحة سر تحتها سبعون نبيا (يعني قطعت فيه سررهم حين ولدوا). قال الربيع: السرحة الشجرة العظيمة والأخشبان جبلان مشرفان على منى.
قوله (إذا كنت بين الأخشبين بمنى إلى آخره) هذا الحديث لا مساس له بشيء من مناسك الحج كما هو ظاهر، وانظر ما الحكمة في ذكره هنا؟ وما المناسبة المقتضية لذلك؟ اللهم إلا أن يقال إنه لما صدر منه صلى الله عليه وسلم هذا الحديث بين عرفة ومنى كما هو الظاهر، وأفاد ابن عمر هذه (2/263)
صفحة 656
الفائدة وهو ملتبس بمناسك الحج أراد المصنف أن يفيدنا ذلك مع الإشارة إلى أنه وقع فيما بين هذه المواضع التي صوب لها والله أعلم فليتحرر.
قوله (قطعت فيه سررهم) ظاهره أنه جمع سرة: بدليل تأنيث الفعل مع أن السرة لا تقطع وإنما هي الموضع الذي يقطع منه، والمناسب أن يقول قطعت فيه أسرتهم أو قطع فيه سرهم أو سررهم أو سررهم كما يؤخذ من كلام الصحاح أولا وأما آخرا فعبارته المنقولة عن ابن عمر موافقة لعبارة المصنف كما ستراها.
قال: والسر بالضم ما تقطعه القابلة من سرة الصبي، يقال عرفت ذلك من قبل أن يقطع سرك ولا تقل سرتك، لأن السرة لا تقطع وإنما هي الموضع الذي قطع منه السر، والسرر بفتح السين وكسرها لغة في السر، يقال سرر الصبي وسرره وجمعه أسرة عن يعقوب، وجمع السرة سرر وسرات، إلى أن قال: وسررت الصبي أسره سرا إذا قطعت سرره. وأما قول أبي ذؤيب:
بأية ما وقفت الركا ... ب بين الحجون وبين السرر
فإنما يعني به الموضع الذي سر فيه الأنبياء عليهم السلام وهو على أربعة أميال من مكة. وفي بعض الحديث أنه بالمازين من منى كانت فيه دوحة قال ابن عمر: سر تحتها سبعون نبيا أي قطعت سررهم إلخ.
فتراه أنت الفعل وعبر سررهم وضبطه بكسر السين الذي هو لغة في السر كما تقدم، فعلى هذا يكون السرر وهو الشيء المقطوع مؤنث. ويحتمل أن يكون سررهم بضم السين جمع سرة وجعلها مقطوعة مع أنها مقطوع منها مجازا من تسمية المحل باسم الحال على حد (ففي رحمة الله) والله أعلم فليحرر.
قوله (والأخشبان جبلان مشرفان على منى) تفسير الربيع رحمه الله يؤيد قول من قال: إن الموضع الذي سر فيه الأنبياء عليهم السلام كان بالمازمين كما أشار إليه في الصحاح حيث قال وفي بعض الحديث إلخ. والذي صرح به في الصحاح بحسب الظاهر يخالف هذا حيث قال (والأخشبان جبلا مكة) وفي الحديث (لا تزول مكة حتى يزول أخشباها إلخ) اللهم إلا أن يقال: الإضافة لأدنى ملابسة لأنهما لما كانا في حرمها أضيفا إليها والله أعلم. (2/264)
صفحة 657
قوله (رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاة الإبل في البيتوتة) يعني بغير منى في ليالي منى كما يدل عليه كلام القواعد حيث قال: ولا يجوز لأحد أن يبيت ليالي منى في غيرها فإن فعل فعليه دم لكل ليلة إلا الرعاة فإنه رخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم في البيتوتة بغير منى ويصبحون يرمون مع الناس إلخ. وأما ليلة المزدلفة فالرخصة فيها للضعفاء أن يتقدموا بليل لأجل الزحام والله أعلم.
قوله (يرمون يوم النحر بالغداة ومن بعد الغد يومين) هذا بيان لكيفية رمي الرعاة يعني أنهم يرمون جمرة العقبة يوم النحر ثم يخرجون للرعي مثلا فيبيتون خارجا ثم يرجعون للرمي وقت الزوال من اليوم الأول من أيام التشريق ثم يخرجون للرعي ويبيتون خارجا ثم يرجعون للرمي وقت الزوال من اليوم الثاني من أيام التشريق وهذا هو المتبادر من كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله المتقدم في بيان رخصة النبي صلى الله عليه وسلم للرعاة، إلا أن قوله (ويصبحون يرمون مع الناس) يحتاج إلى تقييد أي يرمون مع الناس وقت الرمي أي بعد الزوال كما هو معلوم. ويحتمل أن يكون معنى قوله (ومن بعد الغد يومين) أنه رخص للرعاة أن يبيتوا ليلتين متواليتين من غير رجوع بالنهار ويرمون جمرات يومين في يوم واحد كما ذكره الشيخ إسماعيل رحمه الله حيث قال: وعند جماعة من العلماء أن رخصة الرعاة إنما هي جمع بين يومين في يوم واحد، ورخص كثير من العلماء في جمع يومين في يوم والله أعلم.
قوله (ثم يرمون يوم النفر) يعني النفر الثاني إن تأخروا إليه وأما إن تعجلوا فلا إثم عليهم كغيرهم والله أعلم انتهى.
ولم يبين رحمه الله كيفية رمي الجمار لغير الرعاة ولا وقته ولا عدد ما ترمى به كل جمرة إلى غير ذلك ولعله لاشتهاره والله أعلم. (2/265)
صفحة 658
الباب الثامن في الهدي والجزاء والفدية (2/266)
صفحة 659
اعلم أن الهدي هو الذي يساق إلى مكة وينحر بها ولولم يقلد ولم يشعر قاله في الإيضاح.
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: كتب زياد بن أبي سفيان إلى عائشة أم المؤمنين فقال: إن عبد الله بن عباس يقول: من أهدى هديا يحرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه، وقد بعثت بهدي فاكتبي إلي بأمرك قال: قالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس. أنا فتلت قليد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أحله الله له حتى ينحر هديه).
قوله (كتب زياد بن أبي سفيان) انظر كيف نسبه المصنف رحمه الله لأبي سفيان مع أنه ولد على فراش عبيد وهو عبد لابنة الحارث بن كلدة الثقفي وادعاه أبو سفيان وقصته مشهورة ذكرها في السؤالات في سؤال، وعلينا أن نعلم أن لله جملة الملائكة فليراجع. ولعله إنما نسبه إليه بالنظر إلى ما اشتهر (2/267)
صفحة 660
ولذلك نسبه في البخاري. قال ابن حجر في قوله (إن زياد بن أبي سفيان كتب كذا) وقع في الموطأ وكان شيخ مالك حدث به كذلك في زمن بني أمية، وأما بعدهم فكان لا يقال له إلا زياد بن سمية، وقيل استلحاق معاوية له كان يقال له زياد بن عبيد، وكانت أمه سمية بنت الحارث بن كلدة الثقفي تحت عبيد المذكور فولدت زيادا على فراشه فكان ينسب إليه، فلما كان في خلافة معاوية شهد جماعة على إقرار أبي سفيان بأن زيادا ولده فاستلحقه معاوية لذلك، إلى أن قال: وأمّر زياد على العراقين البصرة والكوفة جمعهما له ومات في خلافة معاوية سنة ثلاث وخمسين انتهى.
قوله (قالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس) قال ابن حجر: قال ابن التين خالف ابن عباس في هذا جميع الفقهاء واحتجت عائشة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وما روته في ذلك يجب أن يصار إليه، ولعل ابن عباس رجع عنه انتهى.
قال ابن حجر: وفيه قصور شديد فإن ابن عباس لم ينفرد بذلك بل ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر، إلى أن قال: عن نافع أن ابن عمر كان إذا بعث بالهدي يمسك عما يمسك عنه المحرم إلا أنه لا يلبي، ومنهم قيس بن سعد بن عبادة، إلى أن قال: وروى ابن أبي شيبة من طريق محمد بن على بن الحسين عن عمر وعلي أنهما قالا في الرجل يرسل ببدنة أنه يمسك عما يمسك عنه المحرم وهذا منقطع. وقال ابن المنذر: قال عمر وعلي وقيس بن سعد وابن عمر وابن عباس والنخعي وطاوس وابن سيرين وآخرون: من أرسل الهدي وأقام حرم عليه ما حرم على المحرم. وقال ابن مسعود وعائشة وأنس وابن الزبير وآخرون لا يصير بذلك محرما، وإلى ذلك صار فقهاء الأمصار ومن حجة الأولين ما رواه الطحاوي وغيره من طريق عبد الملك بن جابر عن أبيه قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقد قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه وقال: إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على مكان كذا فلبست قميصي فنسيت فلم أكن لأخرجه من رأسي وهذا لا حجة فيه لضعف إسناده إلا أن نسبة ابن عباس إلى التفرد بذلك خطأ. وقد ذهب سعيد بن المسيب إلى أنه لا يجتنب شيئا مما يجنتبه المحرم إلا الجماع ليلة جمع رواه ابن أبي شيبة عنه بإسناد (2/268)
صفحة 661
صحيح.
نعم جاء عن الزهري ما يدل على أن الأمر استقر على خلاف ما قال ابن عباس، إلى أن قال: ولما بلغ الناس قول عائشة أخذوا به وتركوا فتوى ابن عباس إلخ.
ولم يتعرض في الإيضاح وفي القواعد لمسألة إرسال الهدي مع الغير ولا لحكم من أرسله فيما أظن والله أعلم فليراجع.
قوله (بيدي) قال ابن حجر فيه وقع مجاز أن تكون أرادت أنها فتلت بأمرها.
قوله (مع أبي) أي بفتح الهمزة وكسر الباء تريد بذلك أباها أبا بكر الصديق رضي الله عنه.
قال ابن حجر: واستفيد من ذلك وقت البعث وأنه كان في سنة تسع عام حج أبو بكر بالناس.
قال ابن التين: أرادت عائشة بذلك علمها بجميع القصة، ويحتمل أن تريد أنه آخر فعل النبي صلى الله عليه وسلم لأنه حج في العام الذي يليه حجة الوداع لئلا يظن ظان أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ فأزالت هذا اللبس وأكملت ذلك بقولها (فلم يحرم عليه شي كان له حلا حتى نحر الهدي)، إلى أن قال: وحاصل اعتراض عائشة على ابن عباس أنه ذهب إلى ما أفتى به قياسا للتولية في أمر الهدي على المباشرة له فبينت عائشة أن هذا القياس لا اعتبار له في مقابلة هذه السنة الظاهرة.
وفي الحديث من الفوائد تناول الكبير الشيء بنفسه وإن كان له من يكفيه إذا كان مما يهتم به ولاسيما ما كان من إقامة الشرائع وأمور الديانة. وفيه تعقب بعض العلماء على بعض ورد الاجتهاد بالنص وأن الأصل في أفعاله صلى الله عليه وسلم التأسي به حتى تثبت الخصوصية انتهى.
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: قالت حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ما بال الناس أحلوا بعمرة ولم تحلل أنت عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر.
قال الربيع: والتلبيد أن يعمد إلى غاسول أو صمغ فيعصب به رأسه ويلبد به شعره.
قوله (حلوا بعمرة ولم تحل أنت من عمرتك) قال ابن حجر: واستشكل كيف حلوا بعمرة مع قولها (ولم تحل من عمرتك)؟ والجواب أن المراد بقولها بعمرة أي أن إحرامهم بعمرة كان سببا لسرعة جهلهم، واستدل به على أن من ساق الهدي لا يحلل من عمل العمرة حتى يهل بالحج ويفرغ منه لأنه جعل العلة في بقائه على إحرامه كونه أهدى إلخ. (2/269)
صفحة 662
وظاهر هذا الحديث يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان محرما بالعمرة لحديث سعد بن أبي وقاص الآتي في الباب الذي بعده في التمتع مع أنه سيأتي عن عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام أفرد الحج وسيأتي إن شاء الله كيفية الجمع بين هذه الأحاديث.
قوله (والتلبيد أن يعمد الرجل إلخ) قال ابن حجر: وقد لبد شعر رأسه أي جعل فيه شيئا نحو الصمغ ليجتمع شعره لئلا يتشعث في الإحرام أو يقع فيه القمل انتهى. وفي التعليل الأول لما ورد أن الحاج أشعث أغبر والله أعلم.
وإنما لبد رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بعد أن غسله بخطمى وأشنان كما ورد في بعض الأحاديث فيستحب ذلك لمن أراد الاحرام وأما التلبيد فالظاهر أنه لا يتأتى في حقنا لقصر شعورنا وأما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يوفر شعر رأسه لأنه لم يحلق إلا في نسك والله أعلم.
وذكر الربيع رحمه الله صفة التلبيد ولم يذكر صفة التقليد ولعله يرى أنها معلومة وهي كما قال في القواعد: أن يجعل في عنق البعي رحبل فيعلق فيه نعلان أو نعل واحدة إلخ. لكن في تخصيص ذلك بالإبل تأمل لأن التقليد عند أصحابنا يكون للإبل والبقر والغنم إلا الربيع رحمه الله فإنه يرى أن الغنم لا تقلد والله أعلم.
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال: اركبها. فقال: يارسول إنها بدنة. قال: اركبها: فقال إنها بدنة. قال: اركبها، ويلك في الثالثة.
قوله (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا) قال ابن حجر لم أقف على اسمه بعد طول البحث.
قوله (فقال يارسول إنها بدنة) قال ابن حجر بعد كلام: فالظاهر أن الرجل ظن أنه خفي عنه كونها هديا فلذلك قال إنها بدنة، والحق أنه لم يخف ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم لكونها كانت مقلدة ولذلك قال له لما زاد في مراجعته ويلك. واستدل به على جواز ركوب الهدي سواء كان واجبا أو متطوعا به لكونه صلى الله عليه وسلم لم يستفصل صاحب الهدي على ذلك، فدل على أن الحكم لا يختلف بذلك إلى آخر ما أطال فيه.
وذكر الخلاف: هل يجوز ركوب الهدي مطلقا؟ أو يتقيد بالحاجة إلى ذلك وهو مذهب الجمهور؟ قال في القواعد: واختلفوا في ركوب هدي الواجب أو التطوع. فكره جمهور العلماء ركوبه إلا من ضرورة، وأجاز أهل الظاهر ركوبه بغير ضرورة (2/270)
صفحة 663
إلخ. فذكر أنهم احتجوا بهذا الحديث، ثم قال واحتج الأولون بما روي عنه عليه السلام أنه قال اركبها بالمعروف إذا احتجت إليها حتى تجد ظهرا.
ومن طريق المعنى أن الانتفاع بما كان المقصود به قربة إلى الله تعالى منعه مفهوم من الشريعة والله أعلم انتهى. ولعل هذا محمول على ما إذا قلدت أو أشعرت.
قال في الإيضاح بعد كلام وله أيضا أن يحمل عليها وينتفع بألبانها ما لم تقلد أو تشعر، فإذا قلدت أو أشعرت فلا ينتفع بها إلا مضطرا وهو المعنى بقوله عز وجل (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى) ذكر في التفسير عن عطاء عن ابن عباس قال (الأجل المسمى) أن تقلد وتشعر وهي البدن ينتفع بظهرها ويستعان بها إلخ.
تنبيه اعلم أن تقليد الهدى أو إشعاره يترتب عليه أمور.
منها وجوب الإحرام وإن لم يصل إلى الميقات لما روي في الأثر عن أبي سفيان قال: كانت امرأة من المسلمين يقال لها أم عمر بن كعب بن الحارث خرجت إلى مكة فلما كانت على مرحلة من البصرة أمرت مولى لها يقال له مسلم السقط وكان فاضلا يا مسلم اشتر لي بدنة قال: فاشترى لها بدنة فقالت له أشعرها قال: ففعل قال: فقالت ما صنعنا إنا نخاف أن يدخل علينا شيء من ذلك قال: فقامت مكانها فوجهت مسلما إلى الربيع تسأله قال فقال لها. قد وجب عليك الإحرام فأمسكي عما يمسك عنه المحرم حتى تنحري بدنك انتهى.
ومنها أنه ليس له الرجوع فيه بعد ذلك، وأما قبله فله الرجوع فيه وإن نواه ما لم يتكلم بلسانه أنه هدي.
ومنها أنه لا يبدله بغيره بعد ذلك أيضا.
ومنها أنه لا ينتفع به إلا في حال الضرورة على الراجح، وأما قبل ذلك فله الانتفاع به وإن نواه أيضا كما تقدم. (2/271)
صفحة 664
ومنها أنه لا يحل من إحرامه حتى ينحر هديه لأمره عليه السلام في حجة الوداع من لم يكن معه هدي أن يحل بعمرة، وأما من كان معه هدي فلا كما تقدم والله أعلم.
قوله (ويللك) قال ابن حجر: قال القرطبي: قالها له تأديبا لأجل مراجعته له معه مع عدم خفاء الحال عليه وبهذا جزم ابن عبد البر وابن العربي وبالغ حتى قال: الويل لمن راجع في ذلك بعد هذا قال: ولولا أنه صلى الله عليه وسلم اشترط على ربه ما اشترط لهلك ذلك الرجل لا محالة.
قال القرطبي: ويحتمل أن يكون فهم عنه أنه يترك ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة وغيرها فزجره عن ذلك، فعلى الحالتين هي إنشاء ورجحه عياض وغيره قالوا: والأمر هنا وإن قلنا إنه للإرشاد لكنه استحق الذم بتوقفه عن امتثال الأمر، والذي يظهر أنه ما ترك الامتثال عنادا.
ويحتمل أن يكون ظن أنه يلزمه غرم بركوبها وإثم وأن الإذن الصادر لهم بركوبها إنما هو للشفقة عليه فتوقف، فلما أغلظ عليه بادر إلى الامتثال.
وقيل لأنه كان أشرف على هلكة من الجهد.
و (ويل) كلمة تقال لمن وقع في هلكة فالمعنى أشرفت على الهلكة فاركب، فعلى هذا هي إخبار.
وقيل هي كلمة تدعم بها العرب كلامها ولا تقصد معناها كقولهم (لا أم لك) ويقويه ما تقدم في بعض الروايات بلفظ (ويحك) بدل (ويلك).
قال الهروي: يقال ويل لمن وقع في هلكة يستحقها، و (ويح) لمن وقع في هلكة لا يستحقها.
وفي الحديث تكرر الفتوى والندب إلى المبادرة إلى امتثال الأمر وزجر من لم يبادر إلى ذلك وتوبيخه وجواز مسايرة الكبار في السفر، وأن الكبير إذا رأى مصلحة الصغير لا يأنف عن إرشاده إليها.
واستنبط منه المصنف جواز انتفاع الواقف بوقفه وهو موافق للجمهور في الأوقاف العامة، وأما الخاصة فالوقف على النفس لا يصح عند الشافعية ومن وافقهم كما سيأتي بيانه في مكانه إن شاء الله تعالى انتهى. (2/272)
صفحة 665
قوله (عام الحديبية) يعني عام صده المشركون.
قال في المواهب (الحديبية) بتخفيف الياء وتشديدها وهي بئر سمي المكان بها، وقيل شجرة، وقال المحب الطبري قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم، وهي على تسعة أميال من مكة خرج عليه السلام يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة للعمرة إلخ.
قوله (البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة) والمقابلة بين البدنة والبقرة يقتضي أن البدنة لا تشمل البقرة لأن العطف يقتضي المغايرة، وهو صريح كلام البيضاوي حيث قال: البدن جمع بدنة كخشب وخشبة، وأصله الضم وقد قرئ به.
وإنما سميت به الإبل لعظم بدنها مأخوذ من بدن بدانة، ولا يلزم من مشاركة لها في أجزائها عن سبعة لقوله عليه السلام (البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة) تناول اسم البدنة لها شرعا بل الحديث فمنع ذلك إلخ.
وفيه إشارة إلى أنها تطلق على البدنة لغة، وقد صرح في الصحاح بذلك حيث قال: والبدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة سميت بذاك لأنهم يسمنونها إلخ.
وكلام الإيضاح والقواعد صريح في الخلاف في ذلك، ولفظه في الإيضاح والبدن هي الإبل وقيل أيضا هي البقر إلخ.
ولعل الشمول لغة لبعض العرب دون بعض، أو الشمول بالنظر في اللغة وعدم الشمول بالنظر إلى الشرع كما يؤخذ من كلام البيضاوي وكلام الصحاح والله أعلم.
ثم إن المصنف رحمه الله أطلق في كون البدنة والبقرة عن سبعة وليس على إطلاقه، قال في الإيضاح وفي الأثر أيضا أن بنت مخاض وابن مخاض وابنة لبون وابن لبون وحقه عن واحد ودون ابن مخاض لا يجزي، والجذعة عن خمسة والثنية فما فوقها عن سبعة، والجذعة من البقر عن ثلاثة، والثنية عن خمسة والمسنة فما فوقها عن سبعة إلخ.
ثم إن الأوتار المذكورة ليست شرطا في الإجزاء عند الاشتراك لحديث علي أنه عليه السلام أشركه في هديه فالأوتار المذكورة بيان للغاية فقط. (2/273)
صفحة 666
تنبيه الاشتراك في جميع الهدي جائز إلا في هدي جزاء الصيد لأن الواجب عليه جزاء مثل ما قتل من النعم، ويكون الاشتراك مجزئا في الهدي والضحية ما لم يكن منهم من اشترك لغير نسك والله أعلم.
(أبو عبيدة جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس ليال بقين من ذي القعدة ولا نرى إلا أنه الحج، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يحل قالت فدخل علينا بلحم بقر يوم النحر فقلت ما هذا اللحم؟ قال نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه.
قوله (لخمس ليال بقين من ذي القعدة) قال في المواهب بعد ذكر هذا: وكان خروجه عليه الصلاة والسلام من المدينة بين الظهر والعصر فنزل بذي الحليفة فصلى بها العصر ركعتين، ثم بات بها وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر وكانت نساؤه كلهن معه فطاف عليهن تلك الليلة ثم اغتسل غسلا ثانيا لإحرامه غير غسل الجماع الأول انتهى.
قوله (فدخل علينا بلحم بقر يوم النحر) ضبط الفعل أعني دخل في البخاري بالبناء للمجهول وهو المناسب لسياق بقية الحديث، ولم يحضرني في هذا المحل شرح ابن حجر.
قوله (فقال نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه) أي بغير أمرهن كما بوب له البخاري حيث قال باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن فذكر الحديث إلخ.
وذكر في المواهب أنه عليه السلام نحر عنهن بقرة واحدة حيث قال: وفي رواية جابر عند مسلم (نحر عليه الصلاة والسلام عن نسائه بقرة وقالت عائشة نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة إلخ.
يعني وأما عن نفسه فضحى بكبشين وأهدى مائة من الإبل وأشرك عليا فيها كما تقدم والله أعلم. أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال خرج كعب بن عجزه يريد الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذاه القمل في رأسه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق وقال: صم ثلاثة أيام وأطعم ستة مساكين أو انسك بشاة أي ذلك فعلت أجزأك).
قوله (كعب بن عجزة) بضم العين وسكون الجيم.
قوله (يريد الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) لم يبين رحمه الله في أي حجة وقع هذا ولا في أي محل، والذي صرح به في بعض روايات البخاري أن ذلك عام الحديبية حيث قال بعد ذكر الإسناد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه ودوابه تسقط على وجهه فقال: أيؤذيك هوامك؟ فقال: نعم فأمره أن يحلق وهو بالحديبية ولم يتبين أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة فأنزل الله عز وجل الفدية إلخ. (2/274)
صفحة 667
وبذلك جزم في القواعد حيث قال: وأما السنة فحديث كعب بن عجزة الثابت أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية محرما فأذاه القمل إلخ.
فعلى هذا يكون المراد بالحج العمرة لما فيها من قصد الكعبة لنسك، والقربة على ذلك العلم بأنه صلى الله عليه وسلم إنما خرج على الحديبية للعمرة، وكان اعتماره في السنة الثانية بعد عام الحديبية يسمى عمرة القضية، وعام الحديبية كان عام ستة من الهجرة والحج إنما فرض عام تسعة، وحج عام عشرة كما هو معلوم والله أعلم.
ولفظ الحديث في كتاب الوضع رواية عن كعب قال: وذلك أنه قال: مر بي النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية ولي وفرة من شعر فيها القمل المقصل والصبيان وهي تتناثر على وجهي وأنا أطبخ قدرا لي فقال عليه السلام أيؤذيك هو أم رأسك؟ فقلت: نعم يا رسول الله فقال: احلق رأسك إلخ.
قال ابن حجر: في رواية البخاري لعلك أذلك هوامك؟ قال القرطبي هذا سؤال عن تحقيق العلة التي يترتب عليها الحكم، فلما أخبره بالمشقة التي نالته خفف عنه.
والهوام بتشديد الميم جمع هامة وهي ما يدب من الأحناش، والمراد بها ما يلازم جسد الإنسان غالبا إذا طال عهده بالتنظيف، وقد عين في كثير من الروايات أنها القمل.
واستدل به على أن الفدية مرتبة على قتل القمل، وتعقب بذكر الحلق فالظاهر أن الفدية مرتبة عليه قال: وهما وجهان عند الشافعية ويظهر أثر الخلاف فيما لو حلق ولم يقتل قملا انتهى.
والذي عليه أصحابنا رحمهم الله أن هذه الشدية إنما هي للحلق كما يعلم ذلك بالوقوف على كلامهم، وأما القمل إذا قتله ففي كل قملة حبة أو تمرة والله أعلم. قوله (فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق إلخ) قال ابن حجر: قال ابن قدامة لا نعلم خلافا في إلحاق الإزالة بالحلق سواء كان بموس أو مقص أو نورة أو غير ذلك، وأغرب ابن حزم فأخرج النتف عن ذلك فقال تحلق جميع الإزالات إلا النتف إلخ. (2/275)
صفحة 668
قوله (وقال صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين إلخ) هذا هو مذهب أصحابنا وجمهور العلماء، وذهب بعضهم إلى أن الصيام عشرة أيام قياسا على صيام التمتع والإطعام لعشرة مساكين وسووا بين الصيام والإطعام لقوله تعالى في حيز الصيد (أو عدل ذلك صياما) ويرد عليهم بهذا الحديث، ثم إن المختار أن الدم والإطعام بمكة والصوم حيث شاء والله أعلم. (2/276)
صفحة 669
الباب التاسع في التمتع والإفراد والقران والرخصة (2/277)
صفحة 670
قوله (والرخصة) لعله أراد بها إدخال الحج على العمرة وإدخال العمرة على الحج وفسخ أحدهما في الآخر، ويحتمل أن يكون المراد بالرخصة ما سيأتي من ترخيصه عليه السلام في تقديم نسك على نسك والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن سعد بن أبي وقاس والضحاك بن قيس اختلفا في التمتع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله فقال سعد: بئس ما قلت: فقال الضحاك: إن عمر بن الخطاب قال: نهى عن ذلك فقال سعد: قد صنعها صلى الله عليه وسلم وصنعناها معهه، قال الربيع قال أبو عبيدة من أراد التمتع فعل ومن شاء ترك وكل واسع.
قوله (اختلفا في التمتع بالعمرة إلى الحج) الظاهر والله أعلم أنه أراد بالتمتع الذي اختلفا فيه التمتع الطارئ وهو فسخ الحج في العمرة بدليل قول الضحاك (لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله) فإن التمتع ابتدا وهو الإحرام بالعمرة وحدها إلى أن يحل منها جائز بنص كتاب الله تعالى وإجماع المسلمين فالمنكر لذلك مصادمة يكون مشركا والله أعلم وبدليل قول سعد (وصنعناها معه) فإن الذي صنعوه إنما هو فسخ الحج والعمرة إلا من كان معه هدي كما هو معلوم.
ويدل لما قلناه أيضا كلام صاحب الإيضاح حيث قال رحمه الله وإن دخل بالعمرة في أشهر الحج هل يردفها بالحج قبل أن يحل منها؟ وفي أثر أصحابنا روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من دخل بالحجة أن ينقلها إلى عمرة، والناس متفقون في إدخال الحج على العمرة ومختلفون في إدخال العمرة على الحج.
وذكر أيضا قبل ذلك خلافا في فسخ الحج إلى العمرة هل هو خاص بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو هو للناس كافة؟ ما نصه: وحدث ابن الزبير عن جابر بن عبد الله قال: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة قال سراقة بن مالك يا نبي الله أخبرنا عن عمرتنا هذه لسنتنا هذه خاصة أم هي للأبد؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم بل هي للأبد.
وقال بعض الناس إن الفسخ أعني فسخ الحج إلى العمرة مختص بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
والقول الأول أصح فقد بلغنا أيضا عن جابر بن زيد قال بلغني عن سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس إلخ فذكر هذا الحديث إلخ فهذا يدل على ما قلنا والله أعلم.
ويدل له أيضا كلام صاحب القواعد رحمه الله حيث قال بعد ذكر التمتع المجمع عليه ما نصه وهنا نوعان من التمتع اختلف العلماء فيهما أحدهما فسخ الحج في العمرة وهو تحويل النية من الإحرام بالحج إلى العمرة فجمهور العلماء يكرهون ذلك. (2/278)
صفحة 671
وذهب ابن عباس إلى جوازه وبه قال أهل الظاهر وكل الفقهاء متفقون على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه عام حجة الوداع بفسخ الحج إلى العمرة، إلى أن قال:
فذهب العلماء في هذا الأمر على ثلاثة مذاهب.
أحدها: أنه لا يحل محرم بحج أو بعمرة أو بهما جميعا إلا بإتمام ما أهل به كان معه هدي أولم يكن روي هذا عن أبي حنيفة ومالك والشافعي.
والثاني أن كل من لم يسق الهدي فإنه يحل بعمرة شاء أو أبى، سواء كان قارنا أو مفردا أو متمتعا، روي هذا عن ابن عباس وأهل الظاهر.
والثالث أن فسخ الإحرام بعمرة جائز من غير إيجاب إلخ والله أعلم.
قوله (فقال سعد قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه) ظاهر هذا الحديث يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما فعل أصحابه رضي الله عنهم من نقل الحج إلى العمرة مع أنه ليس كذلك كما سيأتي قريبا عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج.
والحاصل أنه اختلفت الروايات في كيفية حجه وفي كيفية إحرامه كما ذكره صاحب المواهب حيث قال: وقد اختلفت روايات الصحابة في حجه صلى الله عليه وسلم حجة الوداع: هل كان مفردا؟ أو قارنا؟ أو متمتعا؟ وروي كل منها في البخاري ومسلم وغيرهما واختلف الناس في ذلك على ستة أقوال:
أحدها أنه حج حجا مفردا لم يعتمر معه.
والثاني: أنه حج متمتعا أحل منه ثم أحرم بعده بالحج كما قاله القاضي أبو يعلى وغيره.
والثالث: أنه حج متمتعا تمتعا لم يحل فيه لأجل سوق الهدي ولم يكن قارنا.
الرابع: أنه حج قارنا قرانا طاف له طوافين وسعى له سعيين.
الخامس: أنه حج حجا مفردا اعتمر بعده من التنعيم.
السادس: أنه صلى الله عليه وسلم حج قارنا بالحج والعمرة ولم يحل حتى حل منهما جميعا وطاف لهما طوافا واحدا وسعيا واحدا وساق الهدي. (2/279)
صفحة 672
واختلفوا أيضا في إحرامه على ستة أقوال:
أحدها: أنه لبى بالعمرة وحدها واستمر عليها.
الثاني: أنه لبى بالحج وحده واستمر عليه.
الثالث: أنه لبى بالحج مفردا ثم أدخل عليه العمرة.
الرابع: أنه لبى بالعمره وحدها ثم أدخل عليها الحج.
الخامس: أنه أحرم إحراما مطلقا لم يبين فيه نسكا ثم عينه بعد إحرامه.
السادس: أنه لبى بالحج والعمرة معا إلى آخر ما أطال فيه من ذكر الأدلة لذلك.
ثم قال في كيفية الجمع بين الروايات فكل تأول بما يناسب مذهبه الذي قدمته.
قال البغوي والذي ذكره الشافعي في كتاب اختلاف الأحاديث كلاما موجزا أن اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان منهم المفرد والقارن والمتمتع، فكل كان يأخذ منه أمر نسكه، ويصدر عن تعليمه فأضيف الكل إليه على معنى أنه أمر بها وأذن فيها.
ويجوز في لغة العرب إضافة الفعل إلى الآمر، كما يجوز إضافته إلى الفاعل كما يقال بنى فلان دارا ويريد أنه أمر ببنيانها، وكما روي أنه عليه الصلاة والسلام رجم ماعزا وإنما أمر برجمه ثم احتج بأنه صلى الله عليه وسلم كان أفرد الحج انتهى وقال الخطابي نحوه.
وقال النووي كان صلى الله عليه وسلم أولا مفردا ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج فصار قارنا فمن روى الإفراد فهو الأصل يعني حمله على ما أهل به في أول الحال، ومن روى القران فهو أراد ما استقر عليه أمره، ومن روى التمتع أراد به التمتع اللغوي والارتفاق فقد ارتفق بالقران كارتفاق المتمتع وزيادة وهو الاقتصار على فعل واحد، وقال غيره أراد بالتمتع ما أمر به غيره.
قالوا ولهذا الجمع تنتظم الأحاديث كلها ويزول عنها الاضطراب والتناقض إلخ. (2/280)
صفحة 673
قوله (من أراد التمتع فعل ومن شاء ترك وكل واسع) ظاهر كلامه رحمه الله أنه لا أرجحية لأحد هذه الثلاثة الأشياء على الآخر، والمصرح به في كتب أصحابنا في المناسك أن الإحرام بالعمرة أفضل لأمره صلى الله عليه وسلم من لم يسق الهدي من أصحابه أن يحل بعمرة كما تقدم.
قال في القواعد وذهب أصحابنا إلى التخيير في ابتداء الإحرام بين الإفراد والقران والتمتع ولكنهم استحبوا التمتع لما فيه من التيسير والتسهيل، ولأمره عليه السلام أصحابه بها فقال سراقة بن مالك يا رسول الله عمرتنا هذه لعامنا هذا؟ أم للأبد؟ فقال: بل هي للأبد إلى يوم القيامة.
وعن مجاهد قال لو حججت أربعين مرة لجعلت منها متعة. وقال بهذا فيما وجدت عليا وابن عباس وسعد ابن أبي وقاص وابن عمر وسعيد بن المسيب وجماعة والله أعلم.
وأما فقفاء الأمصار فتمسكوا بنهي أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة عنها.
وسبب الخلاف هل فعل الصحابة في هذا محمول على العموم أو على الخصوص؟ والله أعلم إلخ، والحمل على العموم هو مذهب أصحابنا، ويدل لهم جواب النبي صلى الله عليه وسلم لسراقة بن مالك والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها قالت: أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم).
قوله (قالت أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي الحج في بدء إحرامه كما تقدم في كيفية الجمع بين الأحاديث، فلا ينافي ما تقدم أنه قارن أو تمتع والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال في حجة الوداع: إن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. فقال له: اذبح ولا حرج. فجاءه آخر فقال له: يارسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج. فما سئل في ذلك اليوم عن شيء إلا قال ولا حرج. قال الربيع: قال أبو عبيدة: هذه رخصة من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم).
قوله (هذه رخصة من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم) يعني وأما بعد ذلك فكل من قدم نسكا على نسك لزمه دم كما صدر به في الإيضاح حيث قال: وإن حلق قبل أن يذبح فعليه دم لقوله تعالى (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله). وقال بعضهم: ليس عليه شيء، والدليل ما روي من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص قال في حجة الوداع فذكر الحديث إلخ، واعتمد الأبدلاني رحمه الله هذا القول والله أعلم. (2/281)
صفحة 674
الباب العاشر في الصيد للمحرم
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: أهدى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا بالأنواء يعني موضعا فرده عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه قال إنا لم نرده عليك إلا أنا محرومون).
قوله (أهدى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) اسم الرجل الصعبد بن جثامة بفتح الصاد وسكون العين المهملتين بعدها موحدة، وأبوه بفتح الجيم وتثقيل المثلثة وهو من بني ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، وكان ابن أخت أبي سفيان بن حرب. قاله ابن حجر. (2/282)
صفحة 675
قوله (يوشك) بضم الياء وكسر الشين من أوشك، وأما فتحها فلغة رديئة، والمعنى أنه يسرع الإتيان إليه.
قال في الصحاح وقد أوشك فلان فلان يوشك إيشاكا أي أسرع السير، ومنه قولهم (يوشك أن يكون كذا)، إلى أن قال: والعامة تقول يوشك بفتح الشين وهي لغة رديئة إلخ.
قوله (شأنكم بهذا الحمار) قال في الصحاح: يقال: اشأن شأنك أي اعمل ما تحسنه إلخ، فعلى هذا يكون منصوبا على الإغراء بعامل محذوف جوازا لعدم شرط الوجوب، ولهذا صرح بالعامل في الصحاح فيكون التقدير (اشأنوا شأنكم به) أي اعملوا فيه ما تحسنونه والله أعلم.
قوله (فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق) ظاهر هذا الحديث بل صريحه يقتضي جواز أكل لحم الصيد للمحرم إذا لم يصده بنفسه، أولم يصد لأجله. وهي مسألة ذات خلاف.
فذهب أصحابنا إلى أنه لا يجوز أكله مطلقا، وهو مذهب علي وابن عباس وابن عمر وطاووس، واحتجوا بالحديث المتقدم وهو قوله (إن رجلا أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء إلخ) وحملوا النهي في قوله تعالى (يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) على القتل والأكل جميعا. وذهب بعضهم إلى جواز أكله إذا لم يصده، أولم يصد من أجله، وهو مذهب عطاء بن أبي رباح ومالك والشافعي وجماعة، واستدلوا بهذا الحديث ونحوه، وحملوا النهي في الآية على القتل دون الأكل والله أعلم.
قوله (العقير) هوالمعقور يعني أن فعيلا هنا بمعنى مفعول كجريح بمعنى مجروح فهو مثله وزنا ومعنى، لأن العقر معناه الجرح، يقال عقره أي جرحه.
قوله (والحاقب في الظل) هو المتعقب في موضع المفازة، والذي في الصحاح في تفسير (الحاقب) في هذا الحديث: أنه هو الذي انحنى وتثنى في نومه، وفي (2/283)
صفحة 676
غريب الموطأ أي منطو قد أدخل رأسه بين يديه إلى رجليه، وهكذا تفعل الضبا والغنم إذا رقدت أو ربطت، فكل منحن فهو حاقب ومحقوب.
قوله (لا يريبه أحد أي يمسه بسوء) فهو بفتح الباء من رابني فلان إذا رأيت منه ما يريبك وتكرهه. قال في الصحاح: هذيل تقول (أرابني فلان) إلخ. فعلى هذا يجوز في الباء الضم أيضا والله أعلم. (2/284)
صفحة 677
الباب الحادي عشر في ما تفعل الحائض في الحج
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهل بالعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا) قالت: فقدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (انقضى رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة) قالت: ففعلت فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن ابن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت فقال: (هذا مكان عمرتك) قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم). (2/285)
صفحة 678
قوله (قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) تقدم أنهم خرجوا لخمس ليال بقين من ذي القعدة، وفي بعض النسخ لتسع ليال.
قوله (فأهللنا بعمرة) يتأمل هذا مع ما تقدم من قولها (ولا نرى إلا أنه الحج) قال ابن حجر في قولها (ولا نرى إلا أنه الحج) ظاهره أن عائشة مع غيرها كانوا أولا محرمين بالحج.
وذكر عن عياض أنه قال: اختلفت الروايات في إحرام عائشة اختلافا كثيرا إلخ.
أقول: وفي الجمع بينهما كما يؤخذ من كلامهم أوجه، منها:
أن قولها: (ولا نرى إلا أنه الحج) محمول على أنها ذكرت ما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحج فخرجوا لا يريدون إلا الحج، لأنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، ثم بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم وجوه الإحرام وجوز لهم الاعتمار في أشهر الحج فأحرمت بالمرة كما يدل عليه هذا الحديث أعني قولها (فأهللنا بعمرة) تعني هي ومن اتفق أنه أحرم بعمرة، لأنه ورد عنها في بعض الطرق أنها قالت (فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج، فلما دخلت مكة وتعذر عليها إتمام العمرة أحرمت بالحج. (2/286)
صفحة 679
ومنها: أنه كانت أولا محرمة بالحج كما يدل عليه حديث جابر وهو أنها قالت (ولا نرى إلا أنه الحج) كما فعل غيرها من الصحابة لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يفسخوا الحج إلى العمرة فعلت عائشة ما صنعوا فصارت متمتعة. وعليه يحمل هذا الحديث (ثم لما دخلت مكة وهي حائض ولم تقدر على الطواف لأجل الحيض أمرها صلى الله عليه وسلم أن تحرم بالحج فأحرمت به فصارت مدخلة للحج على العمرة وقارنة.
وقوله (ودعي العمرة) على هذا ليس معناه إبطالها بالكلية والخروج منها، ويدل له قوله عليه السلام لعائشة في بعض الروايات (طوافك بالبيت يجزيك لحجك وعمرتك)، بل معناه ارفضي العمل بها وإتمام أفعالها التي هي الطواف والسعي وتقصير شعر الرأس فأمرها صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن أفعال العمرة وأن تحرم بالحج فتصير قارنة، وتقف بعرفات وتفعل المناسك كلها إلا الطواف فتؤخره حتى تطهر، وكذلك فعلت. وأما إتيانها بالعمرة بعد ذلك فلتأتي بها مستقلة، فمعنى قولها (أيرجع نساؤك بحج وعمرة) أي مستقلين.
قال ابن حجر: وإنما أعمرنا من التنعيم تطيبا لقلبها لكونها لم تطف بالبيت لما دخلت بعمرة، وقد وقع في رواية لمسلم (وكان النبي صلى الله عليه وسلم رجلا سهلا إذا هويت شيئا تابعها عليه) إلخ.
وفي كلام الإيضاح إشارة كل إلى الخلاف في عائشة رضي الله عنها هل كانت قارنة أو مفردة؟ حيث قال بعد تمام هذا الحديث: وبهذا يحتج من قال يجزي القارن طواف واحد وسعي واحد، واحتج أيضا بما روي أنه قال عليه السلام لعائشة (طوافك بالبيت يجزيك لحجتك وعمرتك).
وقال آخرون بطوافين وسعيين وحجتهم أن عائشة لم تكن قارنة وإنما رفضت العمرة لعذر نزل بها وهوالحيض، ويدل على هذا القول ما روي أنها قالت (أيرجع نسوانك بحج وعمرة وأرجع أنا بحج مفرد؟) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أخاها عبد الرحمن أن يعتمر بها من التنعيم إلخ. والجمع بمثل ما تقدم أولى دفعا للتنافي والله أعلم.
قوله (انقضي رأسك) هو بالقاف والضاد المعجمة أي حلي ضفائره. (2/287)
صفحة 680
قوله (وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة) إنما إذا قلنا أنها رفضت العمرة بالكلية وصارت مفردة بالحج كما يدل عليه ظاهر قولها (فلما قضيت الحج إلى قولها فاعتمرت) فالأمر ظاهر، وإذا قلنا إنها تركت العمل بها فقط لتعذر إتمامها وصارت قارنة كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات (طوافك بالبيت يجزيك لحجك وعمرتك) كما تقدم فالأمر مشكل
قال ابن حجر: قال (الخطابي: استشكل بعض أهل العلم أمره لها بنقض رأسها ثم الامتشاط، وكان الشافعي يتأوله على أنه أمرها أن تدع العمرة وتدخل عليها الحج فتصير قارنة، قال: وهذا لا يشاكل القصة.
وقيل: كان مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة، قال: وهذا لا يعلم وجهه.
وقيل كانت مضطرة إلى ذلك، قال: ويحتمل أن يكون نقض رأسها كان لأجل الغسل لتهل بالحج ولاسيما إن كانت ملبدة فيحتاج إلى نقض الضفر، وأما الامتشاط فلعل المراد به تسريحها شعرها بأصابعها برفق حتى لا يسقط منه ثم تضفره كما كان انتهى.
قوله (إلى التنعيم) قال ابن حجر: فائدة زاد أبو داود في روايته بعد قوله (إلى التنعيم) فإذا هبطت بها من الأكمة فلتحرم فإنها عمرة مستقلة.
وزاد أحمد في رواية له (وذلك ليلة الصدر) وهو بفتح المهملة والدال أي الرجوع من منى، إلى أن قال: والتنعيم بفتح المثناة وسكون النون وكسر المهملة مكان معروف خارج مكة وهو على أربعة أميال من مكة إلى جهة المدينة كما نقله الفاكهي.
وقال المحب الطبري: التنعيم أبعد من أدنى الحل إلى مكة بقليل وليس بطرف الحل بل بينهما نحوا من ميل، ومن أطلقه على أدنى الحل فقد تجوز.
قال ابن حجر: قلت: أو أراد بالنسبة إلى بقية الجهات. وروى الفاكهي من طريق عبيد بن عمير قال: إنما سمي التنعيم لأن الجبل الذي عن يمين الداخل يقال له (ناعم)، والذي عن اليساريقال له (منعم) والوادي (نعمان) وروى الأزرقي من طريق بن جريج قال: رأيت عطاء يصف الموضع الذي اعتمرت منه عائشة قال: (2/288)
صفحة 681
فأشار إلى الموضع الذي بنى فيه محمد بن شافع المسجد الذي وراء الأكمة وهو المسجد الخرب، إلى أن قال: وفي هذا الحديث جواز الخلوة بالمحارم سفرا وحضرا وإرداف المحرم محرمه. واستدل به على تعيين الخروج إلى الحل لمن أراد العمرة ممن كان بمكة وهو أحد قولي العلماء. والثاني تصح العمرة ويجب عليه دم لترك الميقات، وليس في حديث الباب ما يدفع ذلك. واستدل به على أن أفضل جهات الحل التنعيم، وتعقب بأن إحرام عائشة من التنعيم إنما وقع لكونه أقرب جهات الحل إلى الحرم لا أنه الأفضل.
قوله (هذا مكان عمرتك) أي التي أردت أن تكون منفردة عن الحج كما ذكره ابن حجر. وذكر عن عياض أنه قال: وأما قوله لها (هذا مكان عمرتك) فمعناه العمرة المنفردة التي حصل لغيرها التحلل منها بمكة ثم أنشؤوا الحج منفردا، فعلى هذا فقد حصل لعائشة عمرتان.
وكذا قولها (يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحج) أي يرجعون بحج منفرد وعمرة منفردة إلخ.
والمراد بالعمرتين على كلامه العمرة المقارنة للحج والعمرة المنفردة بعد ذلك والله أعلم.
قوله (فإنما طافوا طوافا واحدا) يعني وسعوا سعيا واحدا، وفيه دليل على أن القارن يجزيه طواف واحد وسعي. وذهب بعضهم إلى أنه لا بد له من طوافين وسعيين: أحدهما لعمرته عند قدومه والآخر لحجه بعد النحر. واختلفوا هل يجب عليه الهدي أعني الضحية أو لا والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن صفية بنت حيي قد حاضت. قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم (لعلها حابستنا ألم تكن قد طافت معكن بالبيت؟ قلت: فلا قال: (فاخرجن).
قوله (لعلها حابستنا) أي مانعتنا من التوجه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه، ظنا منه صلى الله عليه وسلم أنها ما طافت طواف الإفاضة، وإنما قال ذلك لأنه كان لا يتركها ويتوجه، ولا يأمرها بالتوجه معه وهي باقية على إحرامها فيحتاج إلى أن يقيم حتى تطهر وتطوف وتحل الحل الثاني.:
واستدل به على أن أمير الحاج يلزمه أن يؤخر الرحيل لأجل من تحيض ممن لم تطف للإفاضة، وتعقب باحتمال أن تكون إرادته صلى الله عليه وسلم تأخير الرحيل إكراما لصفية كما احتبس بالناس على عقد عائشة، أقول: وهذا الاحتمال بعيد من ظاهر الحديث والله أعلم. (2/289)
صفحة 682
وورد من طريق أبي هريرة مرفوعا: أميران وليسا بأميرين: من تبع جنازة فليس له أن ينصرف حتى تدفن أو يأذن أهلها، والمرأة تحج وتعتمر مع قوم فتحيض قبل طواف الركب فليس لهم أن ينصرفوا حتى تطهر وتأذن لهم.
وقد ذكر مالك في الموطأ أنه يلزم الجمال أن يحبس لها إلى انقضاء أكثر مدة الحيض وكذا على النفساء. واستشكله ابن المواز بأن فيه تعريضا للفساد كقطع الطريق، وأجاب عياض بأن كل ذلك مع أمن الطريق كما أن محله أن يكون مع المرأة محرم انتهى. باختصار من ابن حجر مع بعض تصرف والله أعلم.
قوله (ألم تكن قد طافت معكن بالبيت) يعني يوم النحر كما ورد عن عائشة رضي الله عنها في بعض روايات البخاري أنها قالت حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية فأراد النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يريد الرجل من أهله فقلت: يا رسول الله إنها حائض. قال أحبستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله هي أفاضت يوم النحر قال: اخرجوا، واستشكله ابن حجر وأجاب عنه فليراجع.
قوله (قال فاخرجن) في هذا الحديث دليل على أن طواف الوداع ليس بواجب وأنه ليس على الحائض التي قد أفاضت شيء إذا خرجت قبل أن تطهر، خلافا لمن زعم أنه واجب وأن الحائض يلزمها المقام لأجله حتى تطهر، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (افعلي ما يفعل الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) قوله (ولا بين الصفا والمروة) وإنما لم تطف بين الصفا والمروة لأن الطواف بينهما مرتب على الطواف بالبيت الذي تكون الطهارة شرطا فيه، فإنه لو حاضت المرأة بعد ما طافت بالبيت فإنها تسعى وهي حائض، فإن الطهارة في السعي مستحبة فقط والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت إن صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم حاضت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أحابستنا هي؟ فقيل: إنها أفاضت قال: فلا أذى).
قوله (فلا أذى) أي فلا حبس علينا حينئذ، أي إذا أفاضت فلا مانع لنا من التوجه لأن الذي عليها قد فعلت، قاله ابن حجر.
ثم قال اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في المرأة إذا حاضت وقد طافت بالبيت يوم النحر.
فقال زيد يكون آخر عهدها بالبيت. (2/290)
صفحة 683
وقال ابن عباس تنفر إن شاءت، فقالت الأنصار: لا نتابعك يا بن عباس وأتت تخالف زيدا فقال: اسألوا صاحبتكم أم سليم. فقالت: حضت بعد ما طفت بالبيت فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنفر، وحاضت صفية فقالت لها عائشة حبستنا. فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنفر إلخ.
وفي رواية (فقالت لها عائشة: الخيبة لك حبستنا، وفي رواية وحاضت صفية بنت حيي فقال النبي واعقري حلقي إنك لحابستنا وأما كنت طفت يوم النحر؟ فقالت: بلى قال: فلا بأس انفري إلخ.
(واعقري حلقي) بالقصر من غير تنوين، ويجوز في اللغة التنوين ومعناه الدعاء بالعقر والحلق، كما يقال سقيا ورعيا ونحو ذلك من المصادر التي يدعى بها.
ومعنى عقري عقرها الله أي جرحها، وقيل جعلها عاقرا لاتلد، وقيل عقر قومها.
ومعنى حلقي حلق شعرها وهو زينة المرأة، أو أصابها وجع في حلقها أو حلق قومها لشؤمها أي أهلكهم.
وحكى القرطبي أنها كلمة تقولها اليهود للحائض فهذا أصل هاتين الكلمتين، ثم اتسع العرب في قولهما بغير إرادة حقيقتهما كما قالوا (قاتله الله، وتربت يداك ونحو ذلك).
قال القرطبي وغيره شتان بين قوله صلى الله عليه وسلم هذا لصفية، وبين قوله لعائشة لما حاضت معه في الحج (هذا شيء كتبه الله على بنات آدم) لما يشعر به من الميل لها والحنو عليها بخلاف صفية.
قال ابن حجر: قلت: وليس فيه دليل على اتضاع قدر صفية عنده، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام فعائشة دخل عليها وهي تبكي أسفا على ما فاتها من النسك فسلاها بذلك، وصفية أراد منها ما يريد الرجل من أهله فأبدت المانع فناسب كلا منهما ما خاطبها به في تلك الحالة انتهى.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: إن أسماء بنت عيسى ولدت محمد ابن أبي بكر بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (مرها فلتغتسل ثم لتهد).
قوله (ولدت محمد ابن أبي بكر بالبيداء قريبا من ذي الحليفة) والذي في المواهب (أنها ولدت بذي الحليفة) قال فيه: (2/291)
صفحة 684
وقال جابر في حديثه الطويل كما في رواية مسلم: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين لم يحج ثم أذن في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج فقدم المدينة بشر كثير منهم يلتمس أن يأتم برسول الله ويعمل مثل عمله فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عيسى محمد ابن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أصنع؟ قال: (اغتسلي واستدفري بثوب وأحرمي) فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ثم ركب القصوى حتى استوت ناقته على البيداء، نظرت مد بصري بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القران وهو يعرف تأويله وما عمل من شيء عملنا به انتهى.
ويؤخذ منه جواز الاغتسال للنفساء وإزالة النجس إذا احتاجت إلى ذلك، ويحكم لها بالطهارة خلافا لمن يرى أنه ينجس سؤرها ولو غسلت يديها والله أعلم. (2/292)
صفحة 685
الباب الثاني عشر في فضل الحج والعمرة
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة).
قوله (كفارة لما بينهما) أي لمن اجتنب الكبائر لأن الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة لما هو معلوم.
قوله (الحج المبرور ثوابه الجنة) المبرور المقبول ومنه بر حجك ياقادم، وقيل: المبرور الذي لا يخالطه إثم، وقيل: الذي لا رياء فيه.
وقيل: إنه يظهر بأجره فإن رجع خيرا مما كان عليه عرف أنه مبرور.
وقال القرطبي: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى وهي أنه الحج الذي وفيت أحكامه، ووقعت موقعا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل.
قال ابن حجر بعد حكاية ما تقدم ولأحمد والحاكم من حديث جابر قالوا: يا رسول الله ما بر الحج؟ قال (إطعام الطعام، وإفشاء السلام) وفي إسناده ضعف فلو ثبت لكان هو المتعين دون غيره انتهى.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم ارحم المحلقين قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ لعله قال والمقصرين).
قوله (اللهم ارحم المحلقين إلخ) في بعض الروايات (اللهم اغفر للمحلقين). (2/293)
صفحة 686
واختلفوا في هذا الحديث هل قوله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية أو في حجة الوداع؟ وجزم في فتح الباري بأنه قاله في الموضعين إلا أن السبب في الموضعين مختلف.
فالذي في الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال لما دخل عليهم من الحزن لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك فخالف النبي صلى الله عليه وسلم وصالح قريشا على أن يرجع من العام المقبل فلما أمرهم بالإحلال توقفوا، فأشارت أم سلمة أن يحل هو صلى الله عليه وسلم قبلهم ففعل فتبعوه فحلق بعض وقصر بعض، فكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير
وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس قال في آخره عند ابن ماجه وغيره أنهم قالوا: يارسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: لأنهم لم يشكوا. وأما السبب في تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع فقال ابن الأثير في النهاية فإنه أكثر من حج معه صلى الله عليه وسلم لم يسق الهدي، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها ويحلقوا رؤوسهم شق عليهم، ولما لم يكن يشذ من الطاعة أحدكان التقصير في أنفسهم أخف من الحلق ففعله أكثرهم، فرجح صلى الله عليه وسلم فعل من حلق لكونه أبين في امتثال الأمر انتهى.
قال الحافظ بن حجر: وفيما قاله نظر وإن تابعه عليه غير واحد لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربا، وقد كان ذلك في حقهم كذلك. والأولى ما قاله الخطابي وغيره أن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعر والتزيين به وكان الحلق فيهم قليلا، وربما كانوا يرونه من الشهرة ومن فعل الأعاجم فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير انتهى، قاله في المواهب.
واستدل بهذا الحديث أيضا على أن الحلق أفضل من التقصير.
تنبيه: اعلم أن الناس بالنظر إلى الحلق والتقصير على ثلاثة أصناف: صنف يتعين في حقه الحلق وهو الذي يتعذرعليه التقصير كالملبد لرأسه، وكذلك الذي ليس له شعر فإنه يجري على رأسه الموسى. وصنف يتعين في حقه التقصير وهن (2/294)
صفحة 687
النساء فان الحلق في حقهن مثلة فلا يجوز. وصنف يجوز له الأمران وهم غير من ذكرنا كما يؤخذ من الإيضاح.
وأما صفة التقصير فقد بينها الشيخ إسماعيل رحمه الله في مناسكه حيث قال: ويقوم التقصير مقام الحلق حيث يتمكن من الإتيان به على وجهه، وقد يتعذر لعجز عن ذلك كمن لا شعر على رأسه أو شعره لطيف لا يمكن تقصيره، أو لبد شعره مثل أن يجعل الصمغ في الغاسول فليلبد به رأسه عند الإحرام أو يعتقص شعره أو يضفره فإنه لابد من الحلق في جميع هذه الوجوه.
قال: ويفتقر في التقصير إلى الأخذ من جميع الشعر كما يفتقر في الحلق إلى الأخذ من جميعه، والحلق بالموسى للرجل أفضل، إلى أن قال: ويستحب له أن يأخذ بعد الحلق والتقصير من لحيته وشاربه وأظفاره، إلى أن قال في حق المرأة: وتخصر من رأسها مقدار أصبعين، وقال بعض العلماء: تقصر المرأة من رأسها القصير منه والطويل. وكان أبو عبيدة ومسلم رحمه الله أو غيره فيما بلغنا يرى للمرأة الكثيرة الشعرأن تأخذ منه ثلثه أو ربعه والقليلة الشعر تأخذ دون ذلك، إلى أن قال: وفي أثر أصحابنا: وسئل عن المحرمة إن قصرت من شعرها ما تصنع به؟ قال: تدفنه أو تلقيه ليس عليها في ذلك شيء، رآه أحد أو لم يره، وصفة تقصير الرجل أن يجز الشعر جزا والله أعلم. (2/295)
صفحة 688
[صفحة بيضاء] (2/296)
صفحة 689
كتاب الجهاد (2/297)
صفحة 690
[صفحة بيضاء] (2/298)
صفحة 691
الباب الأول في البيعة
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: سمعت عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمكره والمنشط، ولا ننازع الأمر أهله، وأن نقول الحق ونقوم بالحق حيث ما كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم).
قوله: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) يعني الأنصار قبل الهجرة في أيام الحج بمنى عند العقبة كما نص عليه في المواهب حيث قال: ولما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه وإنجاز وعده له خرج صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه الأنصار الأوس والخزرج فعرض نفسه صلى الله عليه وسلم على قبائل العرب كما يصنع في كل موسم فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى فجلسوا معه فدعاهم إلى الله (2/299)
صفحة 692
عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. وكان من صنع الله أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب، وكان الأوس والخزرج أكثر منهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبينا سيبعث الآن فقد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه، فلما كلمهم النبي صلى الله عليه وسلم عرفوا المبعث. فقال بعضهم لبعض: لا تسبقنا عليه اليهود. فأجابوا إلى ما دعاهم إليه وصدقوا وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، فأسلم منهم ستة نفر وكلهم من الخزرج فعدهم الخ.
وذكر في الخلاف في عبادة بن الصامت وجابر بن رباب أيهما المعدود من الستة، ورواية المصنف رحمه الله تدل على أن عبادة رضي الله عنه كان حاضرا ثم قام، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: تمنعون ظهري حتى أبلغ رسالة ربي؟ فقالوا: يا رسول الله إنما كانت بعاث عام الأول يوما من أيامنا اقتتلنا فيه، فإن تقدم ونحن كذلك لا يكون لنا عليك إجماع فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعل الله أن يصلح ذات بيننا وندعوهم إلى ما دعوتنا فعسى الله أن يجمعهم عليك، فإن اجتمعت كلمتهم عليك واتبعوك فلا أحد أعز منك، وموعدك الموسم العام القابل. وانصرفوا إلى المدينة ولم يبق دور من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان العام المقبل لقيه اثنا عشر رجلا، إلى أن قال: فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء أي وفق بيعتهم التي نزلت بعد ذلك عند مكة. وهي: أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، والسمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق حيث كنا لا نخاف في الله لومة لائم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن وفيتم فلكم الجنة، إلى أن قال: ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة الثالثة في العام المقبل في ذي الحجة أوسط أيام التشريق ومنهم سبعون رجلا، وقال ابن مسعود يزيدون رجلا أورجلين وامرأتين، إلى أن قال: فكان أول من ضرب على يده عليه السلام البراء بن معرور، ويقال: أبو الهيثم، ويقال أسعد بن زرارة على أنهم يمنعونه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وعلى حرب الأحمر والأسود، إلى أن قال: وفي حديث جابر عند أحمد بإنساد حسن وصححه الحاكم وابن حبان: مكث صلى الله عليه وسلم عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في المواسم بمنى وغيرها يقول: من يؤويني؟ من ينصرني (2/300)
صفحة 693
حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ حتى بعثنا الله له من يثرب، إلى أن قال: وحضر العباس العقبة تلك الليلة متوثقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكدا على أهل يثرب وكان يومئذ على دين قومه.
قال ابن إسحاق: ولما تمت بيعة هؤلاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وكانت سرا عن كفار قريش أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه بالهجرة إلى المدينة فخرجوا أرسالا، وأقام بمكة ينتظر أن يؤذن له في الخروج الخ.
قوله: (على السمع والطاعة) أي له.
قوله: (والمكره والمنشط) بفتح الأول والثالث وسكون الثاني فيهما أي في حالة نشاطنا، وفي الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به، وذكر الداودي أن المراد الأشياء التي يكرهونها.
قال ابن التين: الظاهر أنه أراد في وقت الكسل والمشقة في الخروج ليطابق قوله منشطنا.
قال ابن حجر: قلت ويؤيده ما وقع في رواية إسماعيل بن عبيد، إلى أن قال: في النشاط والكسل.
قوله: (ولا ننازع الأمر أهله) قال ابن حجر أي الملك والإمارة.
وفي بعض روايات البخاري بعد قوله: (وأن لا ننازع الأمر أهله) (إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان) قال النووي المراد بالكفر هنا المعصية. ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وبوءوا بالحق حيث ما كنتم انتهى، قاله ابن حجر: وهو كلام حق، وقال بعد كلام لا يوافق ما عليه الأصحاب.
ونقل ابن التين عن الداودي: الذي عليه العلماء في أمير الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر الخ وهذا أيضا كلام صحيح والله أعلم. (2/301)
صفحة 694
قوله: (ولا نخاف في الله لومة لائم) أي لا يخافون في الله لوم الناس، فإن ذلك من فعل المنافقين لأنهم كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم.
قال البيضاوي في قوله: (ولا يخافون في الله لومة لائم) عطف على يجاهدون بمعنى أنهم الجامعون بين المجاهدة في سبيل الله والتصلب في دينه، أو حال بمعنى أنهم يجاهدون بحالهم خلاف المنافقين فإنهم يخرجون في جيش المسلمين خائفين ملامة أوليائهم من اليهود فلا يعملون شيئا يلحقهم فيه لوم من جهتهم الخ.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عمر قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة ويقول فيما استطعتم، قال جابر وسمعت من الصحابة من يقول بايعهم على أن لا يفروا).
قوله: (فيما استطعتم) هذا الحديث يفيد ما أطلق في الحديث قبله كما قاله ابن حجر.
قوله: (وسمعت من الصحابة من يقول بايعهم على أن لا ينفروا) قال في البخاري باب في البيعة في الحرب أن لا يفروا.
وقال بعضهم على الموت الخ ابن حجر. كأنه أشار إلى أن لا تنافي بين الروايتين لاحتمال أن يكون ذلك في مقامين: أو أحدهما يستلزم الآخر الخ.
والحاصل أنه لا منافاة بين قولهم بايعوه على الموت وعلى عدم الفرار لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت ولا بد، وهو الذي نفاه من قال إنهم بايعوه على الصبر أي على الثبات وعدم الفرار سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا والله أعلم كما يؤخذ عن ابن حجر.
(أبو عبيدة عن جابر بن عبد الله قال: بايع أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصاب الأعرابي وعك بالمدينة فقال: يا رسول الله أقلني بيعتي فأبي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاءه ثانية وثالثه فأبى له فخرج الأعرابي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وتمسك طيبها.
قوله: (بايع أعرابي إلى آخره) لفظ الحديث في البخاري أن أعرابيا بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام الخ.
قال ابن حجر: لم أقف على اسمه إلا أن الزمخشري ذكر في ربيع الأبرار أنه قيس بن أبى حازم وهو مشكل لأنه تابعي كبير مشهور، وصرحوا بأنه هاجر فوجد النبي صلى الله عليه وسلم قد مات فلعله إن كان محفوظا فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه. (2/302)
صفحة 695
وفي الدلائل لأبي موسى في الصحابة قيس بن حازم المنقري فيحتمل أن يكون هو هذا انتهى.
قوله: (وعك) قال ابن حجر والوعك بفتح الواو وسكون المهملة وقد تفتح بعدها كاف الحمى، وقيل ألمها، وقيل إرعادها، وعن الأصمعي أصله شدة الحر فأطلق على حر الحمى وشدته انتهى.
قوله: (أقلني بيعتي الخ) قد تقدم عن البخاري أنه بايع على الإسلام.
قال ابن حجر: قوله على الإسلام ظاهر في أن طلب الإقالة كان فيما يتعلق بنفس الإسلام، ويحتمل أن يكون في شيء من عوارضه كالهجرة وكانت في ذلك الوقت واجبة ووقع الوعيد على من أرجع، أعرابيا بعد هجرته الخ.
وذكر في محل آخر أنه جزم عياض بالأول، وقال غيره بالثاني وإلا كان قتله على الردة والله أعلم.
قوله: (فأبي له رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال ابن حجر قال ابن التين إنما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من إقالته لأنه لا يعين على معصية لأن البيعة في أول الأمر كانت على أن لا يخرج من المدينة إلا بإذن، فخروجه عصيان.
قال: وكانت الهجرة إلى المدينة فرضا قبل فتح مكة على كل من أسلم ومن لم يهاجر لم يكن بينه وبين المؤمنين موالاة لقوله تعالى (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا) فلما فتحت مكة قال صلى الله عليه وسلم (لا هجرة بعد الفتح) ففي هذا أشار إلى أن مبايعة الأعرابي المذكور كانت قبل الفتح.
وقال ابن المنير: ظاهر الحديث ذم من خرج من المدينة وهو مشكل فقد خرج جمع كثير من الصحابة وسكنوا غيرها من البلاد وكذا من بعدهم من الفضلاء، والجواب أن المذموم من خرج عنها كراهة فيها أو رغبة عنها كما فعل الأعرابي المذكور، وأما المشار إليهم فإنما خرجوا لمقاصد صحيحة كنشر العلم وفتح بلاد الشرك والمرابطة في الثغور وجهاد الأعداء، وهم مع ذلك مع اعتقاد فضل المدينة وفضل سكناها الخ والله أعلم. (2/303)
صفحة 696
قوله: (فخرج الأعرابي) أي من المدينة راجعا إلى البدو.
وقوله: (إنما المدينة كالكير) قال ابن حجر الكير بكسر الكاف وسكون التحتانية، وفيه لغة أخرى كور بضم الكاف، والمشهور بين الناس أنه الزق الذي ينفخ فيه لكن أكثر أهل اللغة على أن المراد بالكير حانوت الحداد والصايغ.
قال ابن التين وقيل الكير هو الزق، والحانوت هو الكور.
وقال صاحب المحكم الكير الزق الذي ينفخ فيه الحداد ويُريد الأول ما رواه، إلى أن قال: رأى عمر بن عبد الخطاب كير حداد في السوق فضربه برجله حتى هدمه انتهى.
قوله: (تنفي) قال ابن حجر بفتح أوله، والخبث بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة أي وسخه الذي يخرجه النار، والمراد أنها لا تترك فيها من في قلبه دغل بل تميزه عن القلوب الصادقة كما يميز الحداد رديء الحديد من حديده.
ونسبة التمييز إلى الكير لكونه السبب الأكبر في إشعال النار التي يقع التمييز بها.
واستدل بهذا الحديث على أن المدينة أفضل البلاد، قال المهلب لأن المدينة هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإسلام. فصار الجميع في صحائف أهلها، ولأنها تنفي الخبث،
وأجيب عن الأول بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة فالفضل الثابت للفريقين ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين.
وعن الثاني بأن ذلك إنما هو في خاص من الناس ومن الزمان بدليل قوله تعالى (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق) والمنافق خبيث بلا شك، وقد خرج من المدينة بعد النبي صلى الله عليه وسلم معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة ثم علي وطلحة وعمار والزبير وآخرون وهم من أطيب الخلق فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس، ووقت دون وقت. (2/304)
صفحة 697
قال ابن حزم: لو فتحت بلد من بلد فثبت بذلك الفضل للأولى للزوم أن تكون البصيرة وليس كذلك الخ.
وذكر أيضا في محل آخر ما حاصله أن ذلك خاص بزمنه صلى الله عليه وسلم لأنه لا يصبر على الهجرة والمقام معه إلا من ثبت إيمانه.
وزمن الدجال لما ورد أنه في آخر الزمان عندما ينزل بها الدجال ترجف بأهلها فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه قال وأما بين ذلك فلا. (2/305)
صفحة 698
الباب الثاني في عدة الشهداء
قال ابن حجر: اختلف في سبب تسمية الشهيد شهيدا.
فقال النظر بن شميل لأنه حي وكأن أرواحهم شاهدة أي حاضرة.
وقال ابن الأنباري لأن الله وملائكته (2/306)
صفحة 699
يشهدون له بالجنة.
وقيل لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعد له من الكرامة.
وقيل لأنه شهد له بالأمان من النار.
وقيل لأنه لا يشهده عند موته إلا ملائكة الرحمة.
وقيل: لأنه الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرسل.
وقيل: لإن الملائكة تشهد له بحسن الخاتمة.
وقيل لأنه شاهد الملائكة عند احتضاره.
وقيل لأنه شاهد الملكوت من دار الدنيا ودار الآخرة.
وقيل لأن عليه علامة شاهدة بأنه قد نجى.
قال ابن حجر: وبعض هذه يختص بمن قتل في سبيل الله، وبعضها يعم غيره، وبعضها قد ينازع فيه الخ.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (المقتول دون ماله شهيد) وقال أيضا (أفضل الأعمال كلمة حق يقتل عليها صاحبها عند سلطان جائر).
قوله: (المقتول دون ماله شهيد) يعني في الآخرة إذا كان القاتل له على ذلك أهل التوحيد، وأما شهيد الدنيا والآخرة الذي لا يغسل بل يزمل في ثيابه كما ورد في الحديث فهو المقتول في حرب الكفار أعني المشركين، والشهادة المذكورة في الحديث جائزة له لا واجبة عليه.
قال في الضياء ومن خرج عليه اللصوص وهو لا يقدر على قتالهم ويغلب على ظنه أنه مقتول متى قاتل فإنه لا يقاتل قال: وإنما يقاتل إذا طمع بالظفر إلا أن يكون إنما يريد من قتله فإنه يدفع عن نفسه جهده.
وفيه قول: أنه يقاتل فضيلة ولو لم يطمع له بظفر.
وقال أيضا: ومن أراد سلب إنسان فله قتاله أخذ قليلا أو كثيرا ولو شسع نعله، وقد قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم (المقتول دون ماله شهيد) وقال أيضا: ومن كان مسافرا في طريق فلقيه اللصوص يطلبون سلبه فإن كان عنده أنه لا طاقة له بقتالهم وإنما يريد سلبه سلم، وإن أرادوا نفسه فليقاتل على كل حال وإن كان عليه دين، وإن كان إنما يريدون سلبه لم يقاتل، وإن أرادوا النفس فلا بد له أن يجاهد الخ.
قوله: (أفضل الأعمال كلمة حق يقتل عليها صاحبها عند سلطان جائر) ومثله ما ذكره صاحب القناطر رحمه الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث قال عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أي الشهداء أكرم عند الله تعالى؟ قال: رجل قام إلى وال جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك فإن لم يقتله فإن القلم لا يجري عليه بعد ذلك وإن عاش. (2/307)
صفحة 700
وعن الحسن البصري عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك فذلك الشهيد منزلته في الجنة بين حمزة وجعفر).وعن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (بئس القوم قوما لا يأمرون بالقسط، وبئس القوم قوما لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر).
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإن ذلك لا يقرب أجلا ولا يقطع رزقا الخ).
(أبو عبيدة عن أبي هريرة قال: الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله).
قال الربيع قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم (الشهيد يغفر له عند أول قطرة تقطر من دمه في سبيل الله ويجار من عذاب القبر) قوله: (الشهداء خمسة) ثم قال (والشهيد في سبيل الله) قال ابن حجر: قال الطيبي يلزم منه حمل الشيء على نفسه، لأن قوله خمسة خبر لمبتدأ والمعدود بعده يبان له، وأجاب أنه من باب قول الشاعر شعرا:
أنا أبو النجم وشعري شعري
ويحتمل أن يكون المراد بالشهيد في سبيل الله المقتول فكأنه قال والمقتول فعبر عنه بالشهيد ويؤيده قوله في رواية جابر بن عتيك (الشهداء سبعة سوي القتل في سبيل الله الخ).
أقول ولا نفهم من قوله عليه السلام (والشهيد في سبيل الله) إلا المقتول لأن المراد أن الشهداء لا يقصرون على المقتولين في سبيل الله.
قوله: (المبطون) الخ المطعون هو الذي يموت بالطاعون.
والمبطون قيل: هو صاحب الإسهال، وقيل هو الذي يموت بمرض بطنه كاستسقاء ونحوه، وقيل هو صاحب الفولج.
الغريق هو الذي يموت غرقا في الماء.
وصاحب الهدم: هو الذي يموت تحت الهدم.
قال القرطبي: هذا والغريق إذا لم يغررا بأنفسهما ولم يهملا التحرز، فإن فرطا في التحرز حتى أصابهما فهما عاصيان. وقال صلى الله عليه وسلم (إن لم يكن الشهداء من أمتي إلا من قتل بالسيف فهم إذا قليل)، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (القتيل شهيد، والمطعون شهيد، والغريق شهيد، ومن أكله السبع شهيد، والسليم شهيد يعني اللديغ، وصاحب السل شهيد، ومن مات مرابطا في سبيل الله شهيد، ومن ذكر الله تعالى إذا أخذ مضجعه ثم مات فهو شهيد، والنفساء ومن مات على فراشه يريد أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى شهيد).
قوله: (إن لم يكن الشهداء من أمتي الخ) لعله إنما قيد (من أمتي) لما ورد في بعض الآثار أن تعدد أسباب الشهادة خصوصية لهذه الأمة، ولم يكن في الأمم السابقة شهادة إلا القتل في سبيل الله خاصة على ما ذكره بعض قومنا. (2/308)
صفحة 701
قوله: (قال صلى الله عليه وسلم القتيل شهيد الخ) هذا الحديث فيه زيادة كثيرة على الحديث الأول كما هو ظاهر وكيفية الجمع بينهما كما ذكره ابن حجر وهو أنه صلى الله عليه وسلم علم بالأقل ثم علم بزيادة على ذلك فذكرها في وقت آخر ولم يقصد الحصر في شيء من ذلك.
قال: وقد اجتمع له من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة الخ. فزاد على ما رواه المصنف رحمه الله صاحب ذات الجنب قال: وهو مرض معروف يقال له الشوصة، والمقتول دون دينه أو دمه أو أهله أو مظلمته، ومن خرج في سبيل الله فوقصه فرسه أو بعيره أو مات على فراشه على أي حيث شاء الله، والحريق والخائر عن دابته. ومن صبر في الطاعون ومن يتردى من رءوس الجبال، ومن مات غريبا.
زاد العلقمي: الميت في السجن وقد حبس ظلما، والميت هو طالب للعلم، ومن تقع عليه الصخرة، ومن قتل دون أخيه، ومن قتل دون جاره، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. قال: والغيرة على زوجها كالمجاهد في سبيل الله فلها أجر شهيد.
قال: والميت عشقا. أقول: وفيه نظر على قواعد المذهب ولعل المراد إذا كان في الحلال.
قال ابن حجر بعد حكاية الشهادة بالأمور المتقدمة: قال ابن التين: هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد بأن جعلها تمحيصا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم يبلغهم مراتب الشهداء.
قلت والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواء، ويدل عليه ما روي، إلى أن قال: أي الجهاد أفضل؟ فقال: من عقر جواده وأهريق دمه، إلى أن قال: رواية عن علي بن أبي طالب قال: كل موتة موت بها المسلم فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل، إلى أن قال:
ويتحصل مما ذكره في هذه الأحاديث أن الشهداء قسمان: شهيد الدنيا والآخرة وهو يقتل في حرب الكفار مقبلا غير مدبر، مخلصا، وشهيد في الآخرة وهم من ذكر، بمعنى أنهم يعطون من جنس أجر الشهداء، ولا تجري عليهم أحكامهم في الدنيا، إلى أن قال: (2/309)
صفحة 702
يختصم الشهداء والمتوفون على الفرش والذين يتوفون من الطاعون فيقول: انظروا إلى جراحهم: فإن أشبهت جراح المقتولين فإنهم معهم ومنهم، فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم.
قال: وإذا تقرر ذلك فيكون إطلاق الشهداء على غير المقتول في سبيل الله مجازا فيحتج به من يجيز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، والمانع يجيب بأنه من عموم المجاز الخ.
قوله (السليم شهيد يعني اللديغ) قال في الصحاح: كأنهم تفاءلوا له بالسلامة ويقال أسلم لما فيه. قوله (وصاحب السل) قال ابن حجر وهو بكسر المهملة وتشديد اللام.
قوله (ومن مات على فراشه يريد أن تكون كلمة الله هي العليا الخ) هذا يشهد بالشهادة لكل مسلم كما تقدم عن علي، وذلك لأن كل موف بدين الله يريد هذا ويتمناه كما هو معلوم. (2/310)
صفحة 703
الباب الثالث في فضل الشهداء
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لوددت أن أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل). (2/311)
صفحة 704
قوله: (والذي نفسي بيده لوددت الخ) في هذا الحديث زيادة في البخاري عن أبي هريرة أيضا لفظها (والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخليت عن سرية تغزو في سبيل الله والذي نفسي بيده الخ).
قال ابن حجر: ثم النكتة في، إيراد هذه الجملة عقيب تلك، إرادة تسلية الخارجين في الجهاد عن مرافقته لهم وكأنه قال: الوجه الذي تيسرون به له فيه من (2/312)
صفحة 705
الفضل ما أتمنى لأجله أن أقتل مرارا فمهما كان فإنكم مرافقون والقعود معي لهم من الفضل ما يجعل لكم مثله أو فوقه من فضل الجهاد. فراعى خواطر الجميع.
وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المغازي وتخلف عنه المشار إليهم، وكان ذلك حيث رجحت مصلحة خروجه على مراعاة حالهم الخ.
قوله (لوددت أن أقاتل في سبيل الله فأقتل الخ) قال ابن حجر: استنكر بعض الشراح صدور هذا التمني من النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بأنه لا يقتل، وأجاب ابن التين بأن ذلك لعله كان قبل نزول قوله تعالى (والله يعصمك من الناس)، وهو متعقب بأن نزولها كان في أوائل ما قدم المدينة، وهذا الحديث صرح أبو هريرة بأنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قدم أبو هريرة في أوائل سنة سبع من الهجرة، والذي يظهر في الجواب أن تمني الفضل والخير لا يستلزم الوقوع، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (وددت لو أن موسى صبر) كما سيأتي في مكانه وسيأتي في كتاب التمني نظائر لذلك وكأن صلى الله عليه وسلم أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد وتحريض المسلمين عليه، إلى أن قال:
قال النووي في هذا الحديث الحض على حسن النية، وبيان شدة شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته أو رأفته بهم واستحباب طلب القتل في سبيل الله وجواز قول (وددت حصول كذا من الخير) وإن علم أنه لا يحصل، وفيه ترك بعض المصالح لمصلحة راجحة أو أرجح أو لدفع مفسدة، وفيه جواز تمني ما يمنع في العادة، والسعي في إزالة المكروه عن المسلمين، وفيه أن الجهاد على الكفاية إذ لو كان على الأعيان ما تخلف عنه أحد الخ.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وجهه يثعب دما: اللون لون دم والريح ريح المسك).
قوله (لا يكلم) بضم أوله وسكون الكاف وفتح اللام أي يجرح.
قوله (أحد) قال ابن حجر قيده في رواية همام عن أبي هريرة بالمسلم.
قوله (والله أعلم بمن يكلم في سبيله) قال ابن حجر جملة معترضة قصد بها التنبيه على شرطية الإخلاص في مثل هذا الثواب. (2/313)
صفحة 706
قوله (وجرحه يثعب دما) أي يجري.
قال في الصحاح: ثعب الماء ثعبا فجر، والثعب مسيل الماء في الوادي، إلى أن قال: وأثعب الماء جرى في المثعب، وانثعب الدم من الأنف الخ. فعلى هذا لعل الرواية وجرحه يثعب دما والله أعلم. وفي بعض روايات البخاري تكون يوم القيامة كهيئتها إذ طعنت تفجر دما.
قوله (اللون لون الدم والريح ريح المسك) في بعض الروايات عند قومنا عن معاذ بن جبل (من جرح جرجا في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجري يوم القيامة كأغزر ما كانت: لونها الزعفران وريحها المسك).
قال ابن حجر: وعرف بهذه الزيادة أن الصفة المذكورة لا تختص بالشهيد بل حاصلة لكل من جرح في سبيل الله.
ويحتمل أن يكون المراد بهذا الجرح هو ما يموت صاحبه بسببه قبل اندماله لا ما يندمل في الدنيا، فإن أثر الجراحة وسيلان الدم يزول، ولا ينفي ذلك أن يكون له فضل في الجملة.
لكن الظاهر أن الذي يجيء يوم القيامة وجرحه يبعث دما من فارق الدنيا وجرحه كذلك، ويؤيده ما وقع عند ابن حبان في حديث معاذ المذكور (عليه طابع الشهداء)، إلى أن قال: قال العلماء: الحكمة في بعثه كذلك أن يكون معه شاهد فضيلة ببذله نفسه في طاعة الله تعالى.
واستدل بهذا الحديث على أن الشهيد يدفن بدمائه وثيابه ولا يزال عنه الدم بغسل ولا غيره ليجيء يوم القيامة كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخ.
(ومن طريقه أيضا عنه عليه السلام قال: (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الذي لا يفتر عن صلاة ولا صيام حتى يرجع).
قوله: (مثل المجاهد في سبيل الله) المراد به من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وكما ورد في بعض الأحاديث وأنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببا من الأسباب أخل بذلك، وأما لو حصل ضمنا لا قصدا بأنه لا يضر بذلك والله أعلم.
قوله (كمثل الصائم القائم الخ) شبه حال المجاهد في سبيل الله بحال الصائم القائم في نيل الثواب في كل حركة وسكون، لأن المراد من الصائم القائم من لا يفتر ساعة عن العبادة فأجره مستمر وكذلك المجاهد لا تضيع ساعة من (2/314)
صفحة 707
ساعاته بغير ثواب لقوله تعالى ذلك (بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب) ... الآيتين.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفضل الأعمال كلمة حق يقتل عليها صاحبها عند سلطان جائر).
قوله (أفضل الأعمال كلمة حق ... الحديث) ذكره أولا للاستدلال على أنه معدود من الشهداء، وثانيا للاستدلال على كثرة ثوابه والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (تكفل الله للمجماهد في سبيل الله ولا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيل الله وتصديق كلماته بأن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة).
قوله: (تكفل الله للمجاهد) في بعض الروايات عند قومنا (توكل) وفي بعضها (انتدب) وفي بعضها (تضمن).
قال ابن حجر: بمعنى واحد ومحصله تحقيق الوعد المذكور في قوله تعالى (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) وذلك التحقيق على وجه الفضل منه سبحانه وتعالى، وقد عبر صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه وتعالى بتفضيله بالثواب بلفظ ونحوه بما جرت به عادة المخاطبين فيما تطمئن به نفوسهم.
قوله (ولا يخرجه من بيته إلا الجهاد) فيه نص على اشتراط خلوص النية في الجهاد كما تقدم.
قوله (بأن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الخ) لفظه في البخاري (بأن يتوفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالما مع ما نال من أجر أو غنيمة) وهو بحسب الظاهر أبين من عبارة المصنف رحمه الله، فإن عبارة المصنف ظاهرها يقتضي أنه لا بد لكل مجاهد موصوف بما ذكر من الأمرين وهما دخول الجنة والرد إلى مسكنه مع أنه مشكل، لأنه من المعلوم أن من المجاهدين من لا يرجع إلى مسكنه بل يموت، اللهم إلا أن يقال الرواية بأو أو هي بمعنى الواو ثم رأيت في بعض النسخ الرواية بأو وهي الظاهر.
قال ابن حجر: والمراد يدخله الجنة ساعة موته كما ورد أن أرواح الشهداء تسرح في الجنة.
قال: وبهذا التقرير يندفع إيراد من قال ظاهر الحديث التسوية بين الشهداء (2/315)
صفحة 708
والراجع سالما لأن حصول الأجر يستلزم دخول الجنة ويحصل الجواب بأن المراد بدخول الجنة دخول خاص انتهى.
وجعل العطف في قوله (أو يرجعه سالما) على رواية البخاري على قوله يتوفاه.
قوله (مع ما نال من أجر أو غنيمة) قال ابن حجر: أي مع أجر خالص إن لم يغنم شيئا أو مع غنيمة خالصة معها أجر، وكأنه سكت عن الأجر الثاني الذي مع الغنيمة لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي بلا غنيمة.
قال: والحامل على هذا التأويل أن ظاهر هذا الحديث أنه إذا غنم لا يحصل له أجر وليس ذلك مرادا بل المراد أو غنيمة معها أجر أنقص من أجر من لم يغنم لأن القواعد تقتضي أنه عند عدم الغنيمة أفضل منه وأتم أجرا عند وجودها، فالحديث صريح في نفي الحرمان وليس صريحا في نفي الجمع.
وقال الكرماني: معنى الحديث أن المجاهد إما أن يستشهد أو لا، والثاني لا ينفك من أجر أو غنيمة مع إمكان اجتماعهما فهي قضية مانعة الخلو لا الجمع.
وقد قيل: الجواب عن هذا الإشكال أن (أو) بمعنى (الواو) وبه جزم ابن عبد البر والقرطبي ورجحها الثوري بشدتي والتقدير بأجر وغنيمة).
وقد وقع كذلك في رواية لمسلم، إلى أن قال: فإن كانت هذه الروايات محفوظة تعين القول بأن (أو) في هذا الحديث بمعنى (الواو) كما هو مذهب نحاة الكوفيين.
لكن فيه إشكال صب لأنه يقتضي من حيث المعنى أن يكون الضمان وقع بمجموع الأمرين لكل من رجع وقد لا يتفق ذلك، فإن كثيرا من الغزاة يرجع بغير غنيمة، فما فر منه الذي ادعى أن (أو) بمعنى (الواو) وقع في نظيره، لأنه يلزم على ظاهرها أن من رجع بغنيمة رجع بغير أجر، كما يلزم على أنه بمعنى (الواو) أن كل غاز يجمع له بين الأجر والغنيمة معا.
وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا (ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث، فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم) وهذا يؤيد التأويل الأول وأن الذي يغنم يرجع بأجر لكنه أنقص من أجر من لم يغنم فتكون الغنيمة في مقابلة جزء من أجر الغزو، فإذا قوبل أجر الغانم بما حصل له من الدنيا وتمتعه به بأجر (2/316)
صفحة 709
من لم يغنم مع اشتراكهما في التعب والمشقة كان أجر من غنم دون أجر من لم يغنم، وهذا موافق لقول ضباب في الحديث الصحيح الآتي (فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئا ... الحديث).
واستشكل بعضهم نقص ثواب المجاهد بأخذه الغنيمة وهو مخالف لما يدل عليه أكثر الأحاديث وقد اشتهر تمدح النبي صلى الله عليه وسلم بحل الغنيمة وجعلها من فضائل أمته، فلو كانت تنقص الأجر ما وقع التمدح بها، وأيضا فإن ذلك يستلزم أن يكون أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أحد مثلا مع أن أهل بدر أفضل بالاتفاق الخ. فذكر أجوبة لم يرتضها، إلى أن قال:
وقال عياض: الوجه عندي إجراء الحديثين على ظاهرهما واستعمالهما على وجههما ولم يجب على الإشكال المتعلق بأهل بدر.
وقال ابن دقيق العيد لا تعارض بين الحديثين بل الحكم فيهما جار على القياس لأن الأجور تتفاوت بحسب زيادة المشقة فيما كان أجره بحسب مشقته إذ للمشقة دخول في الأجر.
وإنما المشكل العمل المتصل بأخذ الغنائم يعني فلو كانت تنقص الأجر لما كان السلف الصالح يتبادرون عليها، فيمكن الجواب بأن أحدهما من جهة تقديم بعض المصالح الجزئية على بعض، لأن أخذ الغنائم أول ما شرع كان عونا على الدين وقوة لضعفاء المسلمين وهي مصلحة عظمى يغتفر لها بعض النقص في الأجر من حيث هو.
وأما الجواب عن من اشتكل ذلك بحال أهل بدر فالذي ينفي أن يكون التقابل بين كمال الأجر ونقصانه لمن يغزو بنفسه إذا لم يغنم أو يغزو فيغنم فغايته أن حال أهل بدر مثلا عند عدم الغنيمة أفضل من عند وجودها، ولا ينفي ذلك أن يكون حالهم هم أفضل من حال غيرهم من جهة أخرى، ولم يرد فيهم نص أنهم لو لم يغنموا كان أجرهم بحال من غير زيادة، ولا يلزم من كونهم مغفورا لهم وأنهم أفضل المجاهدين أن لا يكون وراءهم مرتبة أخرى.
وأما الاعتراض بحل الغنائم فغير وارد أن لا يلزم من الحل ثبوت وفاء الأجر لكل غاز، والمباح في الأصل لا يستلزم الثواب بنفسه، لكن ثبت أن أخذ الغنيمة واستيلاءها من الكفار يحصل الثواب مع ذلك، فمع صحة ثبوت الفضل في أخذ (2/317)
صفحة 710
الغنيمة وصحة التمدح بأخذها لا يلزم من ذلك أن كل غاز يحصل له من أجر غزاته نظير من لم يغنم شيئا البتة.
قال ابن حجر: قلت والذي مثل بأهل بدر أراد التهويل وإلا فالأمر على ما تقرر آخرا بأنه لا يلزم مع كونهم - مع أخذ الغنيمة -أنقص أجرا مما لو لم تكن لهم الغنيمة أن يكونوا في حال أخذهم الغنيمة مفضولين بالنسبة إلى من بعدهم كمن شهد أحدا لكونهم لم يغنموا شيئا بل أجر البدري في الأصل أضعاف أجر من بعده.
مثال ذلك أن نقول: لو فرض أن أجر البدري بغير غنيمة ستمائة وأجر الأحدي مثلا بغير غنيمة مائة، فإذا نسبنا ذلك باعتبار حديث عبد الله بن عمر كان للبدري لكونه أخذ الغنيمة مائتان وهى ثلث الستمائة، فيكون أكثر أجرا من الأحدي.
إنما امتاز أهل بدر بذلك لكونها أول غزوة شهدها النبي صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار، وكانت مبدأ اشتهار الإسلام وقوة أهله، وكان لمن شهدها مثل أجر من شهد المغازي التي بعدها جميعا فصارت لا يوازيها شيء في الفضل والله أعلم، إلى أن قال: وذكر بعض المتأخرين في التعبير بثلثي الأجر في حديث عبد الله بن عمر حكمة لطيفة بالغة وذلك أن الله أعد للمجاهدين ثلاث كرامات دنيويتان وأخروية: فالدنيويتان السلامة والغنيمة، والأخروية دخول الجنة فإذا رجع سالما غانما فقد حصل له ثلثا ما أعد الله له وبقي له عند الله الثلث، وإن رجع بغير غنيمة عوضه الله عن ذلك ثوابا في مقابلة ما فاته.
وكأن معنى الحديث أن يقال للمجاهد: إذا فات عليك شيء من أمر الدنيا عوضتك عنه ثوابا، وأما الثواب المختص بالجهاد فهو حاصل للفريقين معا. قال: وغاية ما فيه عدم ما يتعلق بالغنيمتين الدنيويتين أجرًا بطريق المجاز والله أعلم الخ.
(
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: حدثني عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر أيكفر الله عني خطاياي؟ قال: نعم. فلما أدبر الرجل ناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي له فقال: كيف قلت؟ فأعاد قوله. فقال: نعم، إلا الدين، كذلك قال لي جبريل عليه السلام).
قوله (فقال نعم إلا الدين الخ) يعني لأن روح المديان محبوسة لأجل حق الغير، وسمعت من بعض فقهاء قومنا بمصر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي على من عليه الدين حتى يقضى عنه، لأن المصلي على الميت شافع له، والنبي صلى الله عليه وسلم لا ترد شفاعته، فلا يصلي على من علم أنه محبوس في حق الغير، قال ولكن كانت عادته في أول الأمر إذا حضر جنازة سأل: هل على (2/318)
صفحة 711
الكتاب: حاشية الترتيب على الجامع الصحيح
المؤلف: أبو ستة السدويكشي أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبي ستة
تحقيق: إبراهيم محمد طلاي
الناشر: مطابع دار البعث
مكان النشر: قسنطينة، الجزائر
تاريخ النشر: 1994
عدد الأجزاء: خمسة أجزاء
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) صاحبها دين أو لا؟ فإن لم يكن عليه دين صلى عليه، وإن كان عليه دين أمر بقضائه أولا ثم صلى عليه، وإن لم يكن عنده ما يقضى به ما عليه من الدين أمر من يصلي عليه، ثم لما فتح الله عليه صار يقضى من عنده عمن لم يخلف ما يقضى به ما عليه ثم يصلي عليه والله أعلم.
والذي يدل أيضا على أن المديان محبوس لأجل حق الغير ما ذكروه في تفسير قوله تعالى (وعلى الأعراف رجال) حيث قالوا: وقيل: قوم تداينوا دينا من غير إسراف كما في العقيدة، وذكر في السؤالات تلك الأقوال وخطأ غالبها، إلى أن قال:
وقيل قوم عليهم دين من غير إسراف. هذا حسن لأنه من الغارمين.
وفيه خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال فيه أبو عبد الله محمد بن محبوب يقر بما عليه وليس عليه شيء إن لم يجد الوفاء والله يعلم صحة ذلك من قبله انتهى.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المقتول في المعركة لا يغسل، فإن دمه يعود مسكا يوم القيامة).
قوله: (المقتول في المعركة) أي في معركة حرب الكفار أي المشركين، وأما قتيل معركة غيرهم وقتيل اللصوص ونحو ذلك ففيه خلاف والمذهب أنه يغسل.
قال في الإيضاح بعد أن ذكر أن كل ميت من أهل الإسلام يغسل إلا الشهيد ما نصه: والشهداء هم الذين يقتلون في الحرب وليس كل مقتول ظلما شهيدا وإن كان قد خالفنا في ذلك كثير من مخالفينا ممن زعم أن كل مقتول ظلما شهيد حتى ذكروا أن الساقط من النخلة ومن سقط عليه شيء فقتله شهيد والشهيد عندنا من قتل في الحرب الخ.
الظاهر أن المراد بالشهيد عنده الشهيد الخاص وهو شهيد الدنيا والآخرة وهو الذي يزمل في ثيابه ولا يغسل، فلا ينافي ما تقدم من تعدد الشهداء في الحديث لأن المراد به ما يعم شهداء الآخرة أيضا وإن كان يجب غسلهم والله أعلم. (2/319)
صفحة 712
قال في الإيضاح نقلا عن المشارقة: وإن حمل من المعركة وفيه رمق حياة حتى مات من بعد فإنه يغسل، إلى أن قال: وفي أثر أصحابنا النفوسيين أن المجروح إذا مات في يومه ذلك لا يغسل ولا ييمم له، إن ظن أنهم ألحقوا النفساء بالمجروح لأنها مذكورة من أصناف الشهداء في حديث النبي عليه السلام الخ.
قوله (لا يغسل) يعني ما لم يكن جنبا.
قال في الإيضاح: وإن كان الشهيد جنبا فإنه يغسل لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شهيدا على يدي الملائكة يغسلونه بالماء فسأل أهل بيته فأخبروه أنه سمع هيعة القتال في حال مجامعته فحمل سلاحه فخرج مبادرا إلى القتال فقتل. فقيل إنه حنظلة بن عامر الأنصاري والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشهداء: (زملوهم في ثيابهم أي لفوهم فيها من غير غسل).
قوله (زملوهم في ثيابهم) قال في الإيضاح: والذي ينزع من الشهيد إذا مات البرنوس ما لم تكن عليه العمامة أي على البرنوس والقرن والنعلان والحقان والخاتم، فهذا مذكور في أثر أصحابنا من أهل المشرق الخ.
أقول والتقييد في الحديث بقوله (في ثيابهم) يشعر بذلك والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لولا أن أشق على أمتي لأحببت ألا أتخلف عن سرية تخرج في سبيل الله ولكن لا أجد ما أحملكم عليه ولا تجدون ما تحملون عليه ويشق عليكم أن تتخلفوا بعدي).
قوله (لولا أن أشق على أمتي الخ) قال ابن حجر: ورواية الباب تفسر المراد بالمشقة وهي أن نفوسهم لا تطيب بالتخلف ولا يقدرون على التأهب لعجزهم عن آلة السفر من ركوب وغيره وتعذر وجوده عند النبي صلى الله عليه وسلم، وصرح بذلك في رواية همام ولفظه (ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة فيتبعوني ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي الخ). (2/320)
صفحة 713
الباب الرابع في الخيل
(أبو عبيدة قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سابق بين الخيل التي ضمر من الحفيا وكان أمدها من ثنية الوداع وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق وقد بلغني أن عبد الله بن عمر كان ممن سبق بها). (2/321)
صفحة 714
قوله (سابق بين الخيل التي ضمرت) يعني بضم الضاد وكسر الميم المشددة مبنيا للمفعول ويجوز فيه أضمرت أيضا.
قال في الصحاح: الضمر والضُّمُر مثل العسر والعسر الهزال وقلة اللحم، إلى أن قال: وقد ضمر الفرس بالفتح يضمر ضمورا، وضمر بالضم لغة فيه وأضمرته أنا وضمرته تضميرا، إلى أن قال: وتضمير الفرس أيضا أن تعلفه حتى يسمن ثم ترده إلى القوة وذلك في أربعين يوما ولهذه المدة تسمى (المضمار)، والموضع الذي تضمر فيه الخيل أيضا مضمار الخ.
وقال ابن حجر: في رواية البخاري بالهمزة.
قوله (أضمرت) بضم أوله. وقوله (لم تضمر) بسكون الضاد المعجمة والمراد به أن تعلف الخيل حتى تسمن وتقوى ثم يقلل علفها بقدر القوت وتدخل بيتا وتغشى بالجلال حتى يحمى فتعرق، فإذا جف عرقها خف لحمها وقويت على الجري الخ، وكلام الصحاح أبين لبيان تلك المدة والله أعلم.
قال ابن حجر: وفي الحديث مشروعية المسابقة وأنه ليس من العبث بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة، بحسب الباعث على ذلك.
قال القرطبي: لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب وعلى الأقدام، وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة لما في ذلك من التدريب على الحرب. (2/322)
صفحة 715
وفيه جواز إضمار الخيل ولا يخفى اختصاص استحبابه بالخيل المعدة للغزو.
وفيه مشروعية الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة.
وفيه نسبة النقل إلى الأمر به لأن قوله (قد سابق) أي أمر وأباح.
قال ابن حجر: تنبيه: لم يتعرض في هذا الحديث للمراهنة على ذلك لكن ترجم الترمذي له، إلى أن قال: عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل وراهن.
وقد أجمع العلماء كما تقدم على جواز المسابقة بغير عوض، لكن قصرها مالك والشافعي على الخف والحافر والنصل، وخصه بعض العلماء بالخيل، وأجازه عطاء في كل شيء ... واتفقوا على جوازها بعوض بشرط أن يكون من غير المتسابقين كالإمام حيث لا تكون له معهم فرس.
وجوز الجمهور أن يكون من أحد الجانبين من المتسابقين، وكذا إذا كان معهما ثالث محلل بشرط أن لا يخرج من عنده شيئا ليخرج العقد عن صورة القمار وهو أن يخرج كل منهما سبقا فمن غلب أخذ السبقين فاتفقوا على منعه.
ومنهم من شرطه في المحلل أن يكون لا يتحقق لسبق، إلى أن قال: وفيه جواز معاملة البهائم عند الحاجة بما يكون تعذيبا لها في غير الحاجة كالإجاعة والإجراء الخ.
قوله (من الحفيا) قال ابن حجر: بفتح المهملة وسكون الفاء بعدها تحتانية ومد مكان خارج المدينة من جهة، ويجوز القصر وحكى الحازمي تقديم الياء التحتانية على الفاء الخ.
قوله (وكان أمدها من ثنية الوداع) الرواية في البخاري (وكان أمدها ثنية الوداع) زاد بعده فقلت لموسى: فكم كان بين ذلك؟ قال: ستة أميال أو سبعة.
قال ابن حجر: أمد غاية (فطال عليهم الأمد) الخ فذكر في بعض الروايات أن المسافة التي بين الحفيا والثنية خمسة أو ستة أميال، قال: وهو اختلاف قريب. (2/323)
صفحة 716
قوله (من الثنية إلى مسجد بني زريق) زاد في البخاري بعده (فكم بين ذلك؟ قال ميل أو نحوه).
قال ابن حجر: في بقية هذا الحديث فوائد وفيه جواز إضافة المسجد إلى قوم مخصوصين، إلى أن قال:
وفيه تنزيل الخلق منازلهم لأنه صلى الله عليه وسلم غاير بين منزلة المضمر وغير المضمر ولو خلطهما لأتعب غير المضمر انتهى.
قوله (وقد بلغنا أن عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها) في بعض الروايات (قال ابن عمر: كنت ممن أجرى فوثب لي فرسي جدارا) وفي بعضها (فسبقت الناس فطفف بي الفرس مسجد بني زريق) أي جاوز بي المسجد الذي كان هو الغاية، وأصل التطفيف مجاوزة الحد.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حمل رجلا على فرس عتيق في سبيل الله فوجده يباع في السوق فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا تبتعه ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالكلب العائد في قيئه).
قوله (إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حمل رجلا الخ) قال ابن حجر وقد استشكل ذكر عمر مع ما فيه من إذاعة عمل البر وكتمانه أرجح؟ وأجيب أنه تعارض عنده المصلحتان الكتمان وتبليغ الحكم الشرعي فرجح الثاني فعمل به، إلى أن قال: والظاهر أن محل رجحان الكتمان إنما هو قبل الفعل وعنده وأما بعد وقوعه فلعل الذي أعطيه أذاع ذلك فانتفى الكتمان، إلى أن قال: ويحتمل أن يكون محل إباحة الكتمان لمن يخشى على نفسه من الإعلان العجب والرياء أما إذا أمن من ذلك كعمر فلا انتهى، وإنما أتى بهذا لأن الرواية عنهم (سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول حملت على فرس).
قوله: (على فرس عتيق) قال ابن حجر: والعتيق الكريم الفائق من كل شيء، إلى أن قال: وأهدى تميم الداري له فرسا سابقا يقال له (الورد) فأعطاه عمر فحمل عليه عمر في سبيل الله فوجده يباع الحديث فعرف بها تسميته وأصله الخ.
قوله: (في سبيل الله) قال ابن حجر: ظاهره أنه حمله عليه حمل تمليك ليجاهد به إذ لو كان حمل تحبيس لم يجز بيعه. (2/324)
صفحة 717
وقيل بلغ إلى حالة لا يمكن الانتفاع به فيما حبس فيه وهو مفتقر إلى ثبوت ذلك، ويدل على ذلك أنه تمليك قوله (العائد في هبته) ولو كان حبسا لقال (في حبسه أو وقفه)، إلى أن قال: فلا حجة فيه لمن أجاز بيع الموقوف إذا بلغ غاية لا يتصور الانتفاع به فيما وقف له انتهى.
قوله: (لا تبتعه ولا تعد في صدقتك) قال ابن حجر: سمي الشراء عودا في الصدقة لأن العادة جرت بالمسامحة من البائع في مثل ذلك للمشتري فأطلق على القدر الذي يسامح به رجوعا.
قوله: (فإن العائد في صدقته الخ) قال ابن حجر: حمل الجمهور هذا النفي في صورة الشراء على التنزيه، وحمله قوم على التحريم، قال القرطبي وغيره وهو ظاهر، ثم الزجر المذكور مخصوص بالصورة المذكورة وما أشبهها إلا ما إذا رده إليه الميراث مثلا الخ.
ويدل على ما قاله ما ذكره صاحب الإيضاح من أن رجلا تصدق على أمه بجارية فماتت أمه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فقال النبي صلى الله عليه وسلم (قد وقع أجرك على الله، ورد الله عليك جاريتك)، وقيل: إن رجلا من الأنصار تصدق على أمه بعطية ثم ماتت أمه فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال (قد وقع أجرك على الله ورد عليك قطعتك الخ).
وقال بعضهم يخص من عموم حديث عمر رضي الله عنه في المنهي عن الرجوع في الصدقة من وهب بشرط الثواب، ومن كان والدا أو الموهوب ولده، والهبة التي لم تقبض، والتي ردها الميراث إلى الواهب لثبوت الأخبار باسثناء كل ذلك، وأما ما عدا ذلك كالغني يثيب الفقير، ونحوه من يصل رحمه فلا رجوع لهؤلاء، قال ومما لا رجوع فيه مطلقا الصدقة يراد بها ثواب الآخرة والله أعلم.
قوله: (كالكلب العائد في قيئه) قال ابن حجر: زاد أبو دواد في آخره قال همام: قال قتادة ولا أعلم القيء إلا حراما إلخ.
وفي حديث آخر عند البخاري (ليس لنا مثل السوء الذي يرجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه). (2/325)
صفحة 718
قال ابن حجر: لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحوالها، ولعل هذا أبلغ في الزجر عن ذلك وأدل على التحريم مما لو قال مثلا (لا تعودوا في الهبة).
وإلى القول بتحريم الرجوع في الهبة بعد أن تقبض ذهب جمهور العلماء إلا هبة الوالد لولده جمعا بين هذا الحديث وبين حديث النعمان الماضي الخ.
وأراد بحديث النعمان ما روي أنه قال: أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى رسول صلى الله عليه وسلم فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله قال أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا قال (فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) قال فرجع فرد عطيته.
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كان له حسنات، فلو كان أنها قطعت طيلها ذلك فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه لم ترد أن تشرب كان له ذلك حسنات فهي له أجر، ورجل ربطها فخرا ورياء أو لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر، قال الربيع طال بها إذا ربطها في مرج فأطال لها حتى تتمكن من الرعي فاستنت أي مرحت تجري ولم ينس حق الله أي لم يترك حق الله ولا نواء لأهل الإسلام أي عداوة لأهل الإسلام).
قوله: (الخيل لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر) الرواية في البخارى (الخيل لثلاثة رجل أجر الخ).
قال ابن حجر: وقد فهم بعض الشراح منه الحصر فقال: اتخاذ الخيل لا يخرج عن أن يكون مطلوبا أو مباحا أو ممنوعا فيدخل في المطلوب الواجب والمندوب، ويدخل في الممنوع المكروه والحرام بحسب اختلاف المقاصد، واعترض بعضهم بأن المباح لم يذكر في الحديث لأن القسم الثاني يتخيل فيه ذلك وقد جاء مقيدا بقوله (ولم ينس حق الله فيها) فيلتحق بالمندوب.
قال: والسر فيه: أنه صلى الله عليه وسلم غالبا إنما يعتني بذكر ما فيه حض أو منع وأما المباح الصرف فيسكت عنه لما عرف أن سكوته عنه عفو. ويمكن أن يقال: القسم الثاني هو في الأصل المباح إلا أنه ربما ارتقى إلى الندب بالقصد بخلاف القسم الأول فإنه من ابتدائه مطلوب والله أعلم انتهى.
وقال في محل آخر ووجه الحصر في الثلاثة أن الذي يقتني الخيل إما أن يقتنيها للركوب أو للتجارة وكل منهما إما أن يقترن به فعل طاعة الله وهو الأول، أو بمعصية وهو الأخير، أو يتجرد عن ذلك وهو الثاني انتهى.
قوله: (في مرج أو روضة) قال ابن حجر: شك من الراوي والمرج موضع الكلأ وأثر ما يطلق في الموضع المطمئن، والروضة أكثر ما يطلق في الموضع المرتفع الخ، والمرج بسكون الراء. (2/326)
صفحة 719
قوله: (فما أصابت في طيلها) قال ابن حجر: بكسر الطاء المهملة وفتح التحتانية بعدها لام هو الحبل الذي تربط به ويطول أهل لترعى ويقال لها طول بالواو المفتوحة أيضا الخ.
قوله: (فاستنت) أي مرحت بنشاط. وقال الجوهري هو أن يرفع يديه ويطرحهما معا، وقال غيره: أن يلح في عدوه مقبلا أو مدبرا، وفي المثل (استنت الفصال حتى القرعى) مثل يضرب لمن يتشبه بمن هو فوقه الخ، كذا من ابن حجر، والذي في الصحاح واستن الفرس قمص وفي المثال الخ.
قوله: (شرفا أو شرفين) في الصحاح الشرف العلو والمكان العالي.
قوله: (كانت آثارها وأرواثها حسنات له) وفي حديث آخر عند البخاري (من احتبس فرسا في سبيل الله، ايمانا بالله وتصديقا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة) قال ابن حجر: يريد ثواب ذلك إلا أن الأرواث بعينها توزن.
وفيه أن العامل يؤجر بنيته كما يؤجر العامل، وأنه لا بأس بذكر الشيء المستقذر بلفظه للحاجة لذلك الخ.
قوله: (لم ترد أن تشرب) الرواية في البخاري (ولم يرد) بالواو.
وقال ابن حجر: فيه أن الإنسان يؤجر على التفاصيل التي تقع في فعل الطاعة إذا قصد أصلها وإن لم يقصد تلك التفاصيل وقد تأوله بعض الشراح فقال ابن المنير: إنما أجر لأن ذلك وقت لا ينتفع بشرفها فيه فيغنم صاحبه بذلك فيؤجر.
وقيل إن المراد حيث تشرب من ماء الغير بغير إذنه فيغتنم صاحبها لذلك فيؤجر، وكل ذلك عدول عن القصد انتهى.
قوله: (تغنيا) قال ابن حجر: بفتح المثناة والمعجمة ثم نون ثقيلة مكسورة ثم تحتانية أي استغناء عن الناس تقول تغنيت بما رزقني الله تغنيا وتغانيت تغانينا (2/327)
صفحة 720
واستغنيت استغناء كلها بمعنى الخ، أقول ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) أي لم يستغن به كما تقدم في أول الكتاب.
قوله: (وتعففا) قال ابن حجر: أي عن السؤال والمعنى أنه يطلب بنتاجها أو بما يحصل من أجرتها لمن يركبها أو نحو ذلك الغنى عن الناس والتعفف عن مسألتهم الخ.
قوله: (ولم ينس حق الله في رقابها) قال ابن حجر: قيل: المراد حسن ملكها وتعهد شبعها وريها والشفقة عليها في الركوب.
وإنما خص رقابها بالذكر لأنها تستعار كثيرا في الحقوق اللازمة ومنه قوله تعالى (فتحرير رقبة) وهذا جواب من لم يوجب الزكاة في الخيل وهو قول الجمهور.
وقيل: المراد بالحق أطراق فحلها والحمل عليها في سبيل الله، وهو قول الحسن والشعبي ومجاهد.
وقيل: المراد بالحق الزكاة وهو قول حماد وأبي حنيفة وخالفه صاحباه وفقهاء الأمصار، قال أبو عمر ولا أعلم أحدا سبقه إلى ذلك انتهى.
قوله: (فخرا) أي تعاظما وقوله: (ورياء) أي إظهار الطاعة والباطن بخلاف ذلك.
قوله: (ونواء لأهل الإسلام) قال ابن حجر: بكسر النون والمد هو مصدر تقول نوأت العدو مناواة ونواء، وأصله من ناء إذا نهض، ويستعمل في المعاداة، قال الخليل ناوأت الرجل ناهضته بالعداوة.
وحكى عياض عن الداودي الشارح أنه وقع عنده ونوى بفتح النون والقصر قال: ولا يصح ذلك، إلى أن قال: والظاهر أن الواو في قوله ورياء ونواء بمعنى (أو) لأن هذه الأشياء قد تفترق في الأشخاص وكل واحد منها مذموم على حدته.
وفي هذا الحديث بيان أن الخيل إنما تكون في نواصيها الخير والبركة إذا كان اتخاذها في الطاعة أو في الأمور المباحة وإلا فهي مذمومة انتهى. (2/328)
صفحة 721
الباب الخامس في جامع الغزو في سبيل الله
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) وفي رواية أخرى (دماؤكم وأموالكم عليكم حرام). (2/329)
صفحة 722
قوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) ذكروا في كتب قومنا أنه وردت الأحاديث في ذلك زائدا بعضها على بعض.
ففي حديث أبي هريرة الاقتصار على قول (لا إله إلا الله) وفي حديثه من وجه آخر (حتى يشهدوا أن لا إله الله وأن محمدا رسول الله).
وفي حديث ابن عمر زيادة (وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة).
وفي حديث أنس (فإذا صلوا واستقبلوا وأكلوا ذبيحتنا).
قال العلقمي قال القرطبي وغيره: أما الأول فقاله في حالة قتاله لأهل الأوثان الذين لا يقرون بالتوحيد.
وأما الثاني فقاله في حالة قتال أهل الكتاب الذين يعترفون بالتوحيد ويجحدون نبوءته عموما أوخصوصا.
وأما الثالث ففيه الإشارة إلى أن من دخل الإسلام وشهد بالتوحيد وبالنبوة ولم يعمل بالطاعات فإن حكمهم أن يقاتلوا حتى يذعنوا لذلك.
واقتصر في الأول على قول (لا إله إلا الله) ولم يذكر الرسالة وهي مرادة كما تقول قرأت الحمد تريد السورة كلها الخ.
والحاصل أن قول (لا إله إلا الله) صار علما على الجمل الثلاث لأن الإنسان لا يخرج من الشرك وتجري عليه أحكام الموحدين حتى يأتي بالجمل الثلاث كما هو معلوم والله أعلم. (2/331)
صفحة 723
قوله: (أمرت) أي أمرني الله لأنه من المعلوم أنه لا يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الله.
قال العلقمي وقياسه في الصحابي إذا قال (أمرت) فالمعنى أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحتمل أن يريد أمرني صحابي آخر لأنهم من حيث أنهم مجتهدون لا يحتجون بأمر مجتهد آخر الخ.
قوله: (أن أقاتل) الأصل بأن أقاتل لأن أمر يتعدى إلى مفعولين ثانيهما بحرف الجر لكنه يجوز حذف الجار فيصل الفعل بنفسه كما يقال (أمرتك الخير).
قوله: (حتى يقولوا لا إله إلا الله) قال الفاكهاني وهذا يضعف القول بوجوب معرفة الله تعالى بالبراهين القطعية وإلا لم يكن مؤمنا وهو غير مذاهب السلف وأئمة الهدى الذين أقام الله تعالى بهم الدين الخ.
قوله: (فقد عصموا مني دماءهم الخ) عصموا هنا بمعنى منعوا، والعصمة المنع والحفظ، يقال اعتصمت بالله إذا امتنعت بلطفه بن المعصية، وعصم يعصم عصما بالفتح، والعصام رباط القربة وسيرها الذي تحمل به قاله الجوهري.
قوله: (إلا بحقها) قد جاء هذا الحق مصرحا به في حديث آخر، أو هو قوله عليه السلام بعد السؤال عن حقها كزنا بعد إحصان، وارتداد بعد إيمان، وقتل النفس ظلما وعدوانا.
قوله (دماؤكم وأموالكم عليكم حرام) تقدم الكلام عليه في كتاب الحج من رواية غيرنا وهو حديث طويل فليراجع.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من حمل علينا السلاح فليس منا) قال الربيع قال أبو عبيدة يريد من حمله إلى أرض العدو والربيع عن أبي أيوب الأنصاري قال سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس).
قوله: (من حمل علينا السلاح فليس منا) أي ليس يولي لنا وليس من أخلاقنا كما ذكره شارح العقيدة رحمه الله في مثله، وليس المراد أنه خرج من ملة الإسلام لأنه لا يقال ذلك إلا فيمن فعل كبيرة الشرك، وكذلك تأوله قومنا أيضا قال العلقمي.
قوله: (فليس منا) أي على طريقتنا، وأطلق اللفظ مع احتمال إرادة أنه ليس على الملة للمبالغة في الزجر والتخويف انتهى. (2/332)
صفحة 724
قوله: (قال أبو عبيدة يريد من حمله إلى أرض العدو) ولعل هذا تفسير فزاد وإن كان بعيدا من ظاهر اللفظ وإنما جعل حاملا للسلاح على المسلمين لأنه إذا حمله إلى أرض العدو استعانوا به على المسلمين فلما كان هو السبب في ذلك صح جعله حاملا للسلاح على المسلمين والله أعلم.
ويحتمل أن يكون إنما فسره بذلك لأن المراد بحمل السلاح إبعاده عنهم، فعلى هذا تكون (على) بمعنى (عن) على طريقة الكوفيين في نيابة الحروف بعضها عن بعض والله أعلم.
وكلاهما بعيد من ظاهر اللفظ وحمله شراح الحديث عند قومنا على ظاهره.
قال ابن حجر: المراد من حمل عليهم السلاح لقتالهم لما فيه من إدخال الرعب عليهم، لا من حمله لحراستهم مثلا فإنه يحمله لهم لا عليهم انتهى.
أقول: وهذا الأخير بعيد التوهم فلا معنى لنفيه والله أعلم.
قوله: (غدوة في سبيل الله أو روحة) قال ابن حجر: الغدوة بالفتح المرة الواحدة من الغدو وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه، والروحة المرة الواحدة من الرواح وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها انتهى.
وقوله (في سبيل الله) أي الجهاد.
قوله: (خير مما طلعت عليه الشمس) في بعض روايات البخاري خير من الدنيا وما فيها، ومؤداهما واحدة.
قال ابن حجر: في قوله (خير من الدنيا وما فيها) قال ابن دقيق العيد: يحتمل أحدهما أن يكون من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس تحقيقا له في النفس لكون الدنيا محسوسة في النفس، مستعظمة في الطباع فلذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا لا يساوي ذرة مما في الجنة.
والثاني: أن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها لأنفقها في طاعة الله تعالى.
فإن قلت: يؤيد هذا الثاني ما رواه ابن المبارك في كتاب الجهاد من مرسل الحسن قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا فيه عبد الله بن رواحة (2/333)
صفحة 725
فتأخر ليشهد الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم). والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد وأن من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أعظم قدر من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حصل فيها أعلى الدرجات.
والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا فنبه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا انتهى.
(أبو عبيدة عن جابر قال: بلغني عن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين. قال: فاستدرت له حتى أتيته من خلفه فضربته بالسيف على حبل عاتقه حتى قطعت الدرع. قال: فأقبل علي وضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني ثم مضيت، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه) قال: فقلت: من يشهد لي؟ فجلست. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك أيضا. فقلت: من يشهد لي الثالثة، فقمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مالك يا أبا قتادة؟) فقصصت عليه القصة. فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلبه عندي فأرضه منه. فقال أبو بكر الصديق: لا والله لا يعمد أسد إلى أسد من أسود الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه. قال رسول الله (صدق فأعطه إياه) قال أبو قتادة فأعطانيه فبعت الدرع وابتعت منه مخرفا ثم سلمت وإنه لأول مال تأثلته في الإسلام. قال الربيع: المخرف بستان من نخل، وتأثلته اكتسبته).
قوله: (فلما التقينا كانت للمسلمين جولة) قال ابن حجر: بفتح الجيم وسكون الواو أي حركة فيها اختلاط الخ.
قوله: (فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين) قال ابن حجر: لم أقف على اسميهما، وقوله (علا) أي ظهر، قال: في رواية الليث التي بعدها (نظرت إلى رجل من المسلمين يقتل رجلا من المشركين وآخر من المشركين يختله) بفتح أوله وسكون الخاء وكسر المثناة أي يريد أن يأخذه على غرة. قال: وتبين من هذه الرواية أن الضمير في قوله (فضربته من ورائه) لهذا الثاني الذي كان يريد أن يختل المسلم انتهى.
أقول: وهذا بعيد من ظاهر هذه الرواية، فإن المتبادر منها أن المضروب هو الذي علا رجلا من المسلمين والله أعلم. قوله: (على حبل عاتقه) قال ابن حجر: حبل العاتق عصبه، والعاتق موضع الرداء من المنكب (فقطعت الدرع) أي التي كان لابسها.
قوله: (وجدت منها ريح الموت) أي من شدتها، وأشعر ذلك أن هذا المشرك كان شديد القوة جدا.
قوله: (فأرسلني) أي أطلقني.
قوله: (مضيت) قبله في رواية البخاري زيادة ولفظها (فأرسلني فلحقت عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله ثم رجعوا فجلس النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من قتل قتيلا). (2/334)
صفحة 726
قوله: (من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه) قال ابن حجر: السلب بفتح المهملة واللام بعدها موحدة هو ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره عند الجمهور.
وعن أحمد لا تدخل الدابة.
وعن الشافعي يختص بأداة الحرب الخ.
فذكر أن مذهب الجمهور أن القاتل يستحق السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك (من قتل قتيلا فله سلبه) أولم يقل ذلك، إلى أن قال:
وعن المالكية والحنفية لا يستحقه القاتل إلا إن شرط له الإمام ذلك.
وعن مالك يخير الإمام بين أن يعطي القاتل السلب أو يخمسه، إلى أن قال:
وعن مكحول والثوري يخمس مطلقا، وقد حكي عن الشافعي أيضا، وتمسكوا بعموم قوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه)، ولم يستثن شيئا،.واحتج الجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم: (من قتل قتيلا فله سلبه) فإنه خصص ذلك العموم الخ.
قوله: (فقلت من يشهد لي) زاد في بعض روايات البخاري (فلم أر أحدا يشهد لي).
قوله: (فقال رجل) قال ابن حجر: ذكر الواقدي أن اسمه أسود بن خزاعي، وفيه نظر، لأن في الرواية الصحيحة أن الذي أخذ السلب قريشي، واستدل به على دخول من لا يسهم له في عموم قوله (من قتل قتيلا).
وعن الشافعي في قول وبه قال مالك: أنه لا يستحق السلب إلا من استحق السهم الخ.
فذكر أن الأول هو الأصح، ثم قال: واستدل به على أن السلب للقاتل في كل حال.
وقال أبو ثور وابن المنتذر يستحقه ولو كان المقتول منهزما.
وقال أحمد: لا يستحقه إلا بالمبارزة.
وعن الأوزاعي: إذا التقى الزحفان فلا سلب.
واستدل به على أنه مستحق القاتل الذي أثخنه بالقتل دون من وقف عليه، قال كما سيأتي في قصة ابن مسعود مع أبي جمل في غزوة بدر. (2/335)
صفحة 727
واستدل به على أن السلب يستحقه القاتل من كل مقتول حتى لو كان المقتول امرأة، وبه قال أبو ثور وابن المنذر.
وقال الجمهور شرطه أن يكون المقتول من المقاتلة.
واتفقوا على أنه لا يقبل قول من ادعى السلب إلا ببينة تشهد له بأنه قتله، والحجة فيه قوله في هذا الحديث (له عليه بينة) فمفهومه أنه إذا لم يكن له بينة لا يقبل، وسياق أبي قتادة يشهد ذلك.
وعن الأوزاعي يقبل قوله بغير بينة لأن النبي أعطاه لأبي قتادة بغير بينة.
وفيه نظر، لأنه وقع في مغازي الواقدي أن أوس بن خولان شهد لأبي قتادة.
وعلى تقدير أن لا يصح فيحمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه القاتل بطريق من الطرق، وأبعد من قال من المالكية أن المراد بالبينة هنا الذي أقر له أن السلب عنده فهو شاهده الشاهد الثاني وجود المسلوب فإنه بمنزلة الشاهد على أنه قتله ولذلك جعل لوثا في باب القسامة.
وقيل إنما استحقه أبو قتادة بإقرار الذي بيده وهذا ضعيف، لأن الإقرار إنما يفيد إذا كان المال منسوبا لمن هو بيده فيؤخذ بإقراره والمال هنا منسوب لجميع الجيش.
ونقل ابن عطيه عن أكثر الفقهاء: أن البينة هنا شاهد واحد يكتفي به انتهى.
قوله: (فارضه منه) في بعض الروايات (فارضه عنى).
قوله: (لا يعمد أسد إلى أسد من أسد الله) أي يقصد لرسول الله صلى الله عليه وسلم (إلى رجل كأنه أسد في الشجاعة يقاتل عن دين الله ورسوله فيأخذ حقه ويعطيك بغير طيبة من نفسه).
قوله: (فيعطيك سلبه) أي سلب قتله فأضافه إليه باعتبار أنه ملكه.
قوله: (صدق) قال ابن حجر: أي القاتل (فأعطه) بصيغة الأمر الذي اعترف بأن السلب عنده.
قوله: (فبعت الدرع) قال ابن حجر: ذكر الواقدي أن الذي اشتراه منه حاطب ابن أبي بلتعة وأن الثمن كان سبع أواق. (2/336)
صفحة 728
قوله: (مخرفا) قال ابن حجر: بفتح الميم والراء ويجوز كسر الراء أي بستانا، سمي بذلك لأنه يخترف منه التمر أي يجتنى، إلى أن قال: وذكر الواقدي أن البستان المذكور كان يقال له (الوديين).
قوله: (بني سلمة) قال ابن حجر: بكسر اللام بطن من الأنصار وهم قوم أبي قتادة.
قوله: (تأثلته) قال ابن حجر: بمثناة ثم مثلثة أي أصلته، وأثلة كل شيء أصله، وفي رواية ابن إسحاق (أول ما اعتقدته) أي جعلته عقدة، والأصل فيه من العقد، لأن من ملك شيئا عقد عليه.
أبو عبيدة قال: سمعت عن أنس بن مالك قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فأتاها ليلا، وكان إذا أتى قوما ليلا لم يغر حتى يصبح، فأصبح فخرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوه قالوا: محمد والله والخميس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين).
قوله: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر) يعني في بقية المحرم سنة سبع بعد أن رجع من الحديبية فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر.
وهي بمعجمة وتحتانية وموحدة بوزن جعفر، وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام.
قال ابن حجر: وذكر أبو عبدة البكري أنها سميت باسم رجل من العماليق نزلها.
قوله: (فأتاها ليلا) قال ابن حجر: أي قرب منها.
وذكر ابن إسحاق أنه نزل بواد يقال له (الرجيع) بينهم وبين غطفان لئلا يمدوهم وكانوا حلفاءهم قال: فبلغني أن غطفان تجهزوا وقصدوا خيبرا فسمعوا حسا خلفهم فظنوا أن المسلمين خلفوهم في ذراريهم فرجعوا وأقاموا وخذلوا أهل خيبر.
قوله: (لم يغر من الإغارة، وفي بعض الروايات عند قومنا (لم يقر بهم).
قوله: (خرجت يهود) في بعض الروايات (إلى مزارعهم).
قوله: (بمساحيهم) بمهملتين جمع مسحاة.
قال ابن ججر: هي من آلات الحرث، أقول: والمتعارف الآن أنها من آلات الحفر.
قوله: (ومكاتلهم) قال ابن حجر: جمع مكتل وهي القفة الكبيرة التي يحول فيها التراب وغيره. (2/337)
صفحة 729
قال ابن حجر: وحكى الواقدي: أن أهل خيبر سمعوا قصده لهم فكانوا يخرجون في كل يوم مسلحين مستعدين فلا يرون أحدا، حتى إذا كان الليلة التي قدم فيها المسلمون ناموا فلم تتحرك لهم دابة، ولم يصح لهم ديك، وخرجوا بالمساحي طالبين مزارعهم فوجدوا المسلمين.
قوله: (قالوا محمد والله والخميس) المراد بالخميس الجيش، وفي بعض الروايات بعده فلجئوا إلى الحصن تحصنوا به.
قوله: (خربت خيبر) زاد قبله في بعض الروايات (فرفع يديه وقال الله أكبر خربت خيبر) قال ابن حجر: قال السهيلي: يؤخذ من هذا الحديث التفاؤل لأنه صلى الله عليه وسلم لما رأى آلة لهم مع أن لفظ المسحاة من سحوت إذا قشرت أخذ منه أن مدينتهم ستخرب.
قال ابن حجر: انتهى، ويحتمل أن يكون قال خربت خيبر عن طريق الوحي إلخ.
(الربيع عن عبادة بن الصامت قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومر بنا بعير من المغنم فلما انصرف تناول قردة من دبر البعير فقال: (ما يحل من غنائمكم ما يزن هذه إلا الخمس وهو مردود فيكم) وغزوة ذات السلاسل مذكورة في باب التيمم، وغزوة ذي أنمار مذكورة في باب النيات، وغزوة صيتة أبي عبيدة بن الجراح مذكورة في باب الطعام).
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر ولم يغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والمتاع فأهدى رجل من بني الطيب يقال له رفاعة بن زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما أسود يقال له مدعم فوجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى حتى إذا كنا بماء بينما مدعم يحط رحال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جاء سهم غرب فأصابه فقتله فقال الناس: هنيئا له الجنة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها من المغانم يوم خيبر لم تصبها، لعله اغتصبها مقاسمة لتشتعل عليه نارا) فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (شراك أو شراكين من النار).
قوله: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر الخ) الرواية في البخاري (افتتحنا خيبر فلم نغنم الخ) ورواية المصنف رحمه الله هي رواية الموطأ.
واعترض بأن أبا هريرة لم يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر وإنما قدم بعد خروجهم، وقدم عليهم خيبر بعد أن فتحت، ويؤيده حديث عنبسة بن سعد عن أبي هريرة قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر بعدما فتحوها).
قال: ولا يشك أحد أن أبا هريرة حضر قسمة الغنائم فالغرض من الحديث قصة مدعم في غلول الشملة. (2/338)
صفحة 730
قوله: (إلا الأموال والمتاع) في رواية البخاري إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط) ورواية الموطأ إلا الأموال والثياب والمتاع).
قال ابن حجر: ومقتضاه أن الثياب لا تسمى مالا.
وقد نقل ثعلب عن ابن الأعرابي عن المفضل الضبي قال: المال عند العرب الصامت والناطق: فالصامت الذهب والفضة والجوهر، والناطق البعير والبقرة والشاة، فإذا قلت عن حضري يكثر ماله فالمراد الصامت، وإذا قلت عن بدوي فالمراد الناطق، إلى أن قال:
فالذي يظهر أن المال ما له قيمة، لكن يغلب على قوم تخصيصه بشيء كما حكاه المفضل، فتحمل الأموال على المواشي والحوائط التي ذكرت في رواية الباب، ولا يراد به النقود لأنه نفاها أولا انتهى.
قوله: (من بني الضبيب) قال ابن حجر: بضم أوله بصيغة التصغير، وذكر أن هذه رواية مسلم.
وفي رواية البخاري (أحد بني الضباب) قال ابن حجر: بكسر الضاد المعجمة وموحدتين الأولى خفيفة بينهما ألف بلفظ جمع الضب الخ.
قوله (رفاعة بن زيد) قال ابن حجر: قال الواقدي: كان رفاعة وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من قومه قبل خروجه إلى خيبر فأسلموا وعقد له على قومه.
قوله (مدعم) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح العين المهملة.
قوله (فوجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى) وذلك أنه صلى الله عليه وسلم فتح وادي القرى بعدما فتح خيبر قبل رجوعه، إلى المدينة في جمادى الأخرى بعدما أقام بها أربعا يحاصرهم ويقال أكثر من ذلك.
قوله (بينما مدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال ابن حجر: زاد البيهقي في الرواية المذكورة (وقد استقبلتنا يهود بالرمي ولم يكن على تعبئة).
قوله (سهم غرب) الرواية في البخاري: سهم عابر.
قال ابن حجر: بعين مهملة بوزن الفاعل أي لا يدرى من رمى به، وقيل: هو الحائد عن قصده. (2/339)
صفحة 731
قوله (لتشتعل عليه نارا) قال ابن حجر: يحتمل أن يكون ذلك حقيقة بأن تصير الشملة نفسها نارا فيعذب بها.
ويحتمل أن يكون المراد أنها سبب لعذاب النار، وكذا القول في الشراك الآتي ذكره.
قوله (فجاء رجل) قال ابن حجر: لم أقف على اسمه.
قوله (بشراك أو شراكين) قال ابن حجر: بكسر المعجمة وتخفيف الراء سير النعل على ظهر القدم.
وفي الحديث تعظيم أمر الغلول، وقد مر شرح ذلك، إلى أن قال:
كان على نعل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال كركرة فمات فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو في النار في عباءة غلها، إلى أن قال:
لما كان يوم خيبر قالوا فلان شهيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة، إلى أن قال:
وذكر البيهقي في روايته أنه صلى الله عليه وسلم صالح أهل وادي القرى حتى فتحها، وبلغ ذلك أهل تيما فصالحوه.
وفي الحديث قبول الإمام الهدية فإن كانت لأمر مختص به في نفسه لو أنه كان غير وال فله التصرف فيها بما أراد وإلا فلا يتصرف فيها إلا للمسلمين.
وعلى هذا التفصيل يحمل حديث (هدايا الأمراء غلول) فيخص من أخذها واستبد بها.
وخالف في ذلك بعض الحنفية فقال: له الاستبداد مطلقا بدليل أنه لو ردها على مهديها لجار فلو كانت فيئا للمسلمين لما ردها وفي هذا الاحتجاج نظر لا يخفى الخ. (2/340)
صفحة 732
كتاب الجنائز (2/341)
صفحة 733
[صفحة فارغة] (2/342)
صفحة 734
الباب الأول في الكفن والغسل
(
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (عليكم بهذه الثياب البيض ألبسوها أحياءكم وكفنوا بها موتاكم فإنها خير ثيابكم، ولا تكفنوهم في حرير ولا مع شيء من الذهب لأنهما محرمان على رجال أمتي محللان لنسائها). (2/343)
صفحة 735
قوله (عليكم بهذه الثياب البيض الخ) استدل به في الإيضاح على أن ثياب الكتان الطاهرة الجديدة أولى، وكأنه رحمه الله صح عنده أن الإشارة في قوله (بهذه الثياب) إلى ثياب كتان طاهرة جديدة أو لأن الأصل في الثياب أن تكون من الكتان، والأصل في الأشياء الطهارة وكونها جديدة وإلا فظاهر الحديث إنما يدل على البياض فقط والله أعلم.
ولم يستدل في القواعد بهذا الحديث إلا على بياض الثياب مع سقوط لفظ الإشارة حيث قال: والمستحب في لون الكفن البياض لقوله عليه (2/344)
صفحة 736
السلام: (عليكم بالثياب البيض ألبسوها أحياءكم وكفنوا بها موتاكم) وأما جنسه فالكتان والقطن وكل ملبوس جائز لباسه في حال الحياة الخ.
وقال في الايضاح: ويستحب للرجل أن يكفن في ثوبيه اللذين كان يصلي فيهما.
وقيل كفن أبو بكر في ممصرتين كان يلبسهما خليقتين فقال لهم اغسلوهما ثم كفنوني فيهما فإن الأحياء أحق بالجديد الخ.
ومن طريقه أيضا عنه عليه السلام قال: (المقتول في المعركة لا يغسل فإن دمه يعود مسكا يوم القيامة) قال ابن عباس: الكفن من رأس المال لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ميت مات بحضرته (كفنوه في ثوبيه) فأضافهما إليه.
قوله (المقتول في المعركة لا يغسل) تقدم الكلام عليه في باب فضل الشهداء.
قوله (الكفن من رأس المال) أي قبل الدين والوصية.
قال في الإيضاح: وغلط من زعم أنه من ثلث المال واستدل بهذا الحديث ثم قال:
وإن لم يكن للميت مال فليؤخذ ورثته بكفنه كما يرثونه لأن ذلك عليهم حق واجب في حياته وبعد مماته إلا الأزواج والكلالة إذا لم يكونوا من العصبة الخ.
فإن لم يكن من يلزمه نفقته فكفنه على بيت مال المسلمين، قال في القواعد: فإن لم يكن فكفنه على كافة المسلمين ... وقال في الإيضاح: وإن لم يكن من أوليائه أحد فعلى من حضره أن يكفنه ولو لم يجدوا كفنه إلا بجميع أموالهم.
وإن أشهدوا على أنفسهم أنهم يأخذون قيمة كفنهم من مال الهالك فإنهم يدركونهم وإن لم يشهدوا على ذلك فليس لهم أن يأخذوها من مال الهالك بغير رأي الورثة، وأما فيما بينهم وبين الله فجائز لهم أن يأخذوا الخ.
أقول: ولعل هذا - والله أعلم - إذا لم يكن للميت مال حاضر بدليل قوله عليه السلام (كفنوه في ثوبيه) فأضافهما إليه كما تقدم وكفنوه فيهما بغير رأي الورثة لأن الظاهر أنهم غير حاضرين والله أعلم.
(ومن طريق ابن عباس قال: دفع النبي صلى الله عليه وسلم في كفن ابنته أم كلثوم خمسة أثواب).
قوله (دفع النبي صلى الله عليه وسلم في كفن ابنته أم كلثوم خمسة أثواب) قال في القواعد: واختلف في كفن المرأة فزعم بعضهم أن أكثر (2/345)
صفحة 737
أهل العلم استحبوا فيه خمسة أثواب درع وخمار ولفافتين وثوب لطيف يشد على وسطها يجمع بها ثيابها.
وقيل يجزى درع وخمار ولفافة تدرج فيها.
ويجزى في كفن الصبي ثوب واحد إزار، وخرقة والله أعلم انتهى.
ودرع المرأة قميصها، والخمار قال في القاموس: بالكسر النصيف وكل ما ستر شيئا فهو خمار.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة) قال الربيع: السحولية من موضع يسمى سحولا وهو موضع بأرض اليمن.
قوله (ليس فيهما قميص ولا عمامة) يعني أنه صلى الله عليه وسلم أدرج فيها إدراجا، وكذلك عمر رضي الله عنه كفن في ثلاثة أثواب فكان أحب الأكفان للرجل ماكفن فيه النبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن حجر: واختلف فيما إذا شح بعض الورثة في الثاني والثالث.
والمرجح أنه لا يلتفت إليه الخ.
قوله (من موضع يسمى سحولا) يعني فهي منسوبة إليه.
وفي الصحاح: السحل يعني بسكون الحاء الثوب الأبيض من الكرسف، إلى أن قال: وكفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب سحولية كرسف، ويقال سحول يعني بفتح السين موضع باليمن وهي تنسب إليه الخ.
وذكر في الإيضاح رواية أخرى أنه صلى الله عليه وسلم كفن في ثوبين صحاريين من ثياب عمان والله أعلم.
(أبو عبيدة قال: بلغنا عن محمد بن سيرين قال: قالت أم عطية الأنصارية: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها ثلاثا وخمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة شيئا من الكافور فإذا فرغتن فأذنني، فلما فرغنا أذناه فأعطانا حقوة وقال أشعرنها إياه.
قال الربيع الحقوة الإزار وقوله أشعرنها إياه أي تقبنها إياه).
قوله (عن أم عطيه الأنصارية أن محمد بن سيرين روى عنها) ذلك بالبصرة كما يدل عليه بعض الروايات عند قومنا قال: جاءت أم عطيه امرأة من (2/346)
صفحة 738
الأنصار اللاتي بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمت البصرة تبادر ابنا لها فلم تدركه.
وذكر ابن حجر أن قدومها كان بعد موته بيوم أو يومين، وذكر أيضا أن اسمها نسيبة بنون ومهملة وموحدة والمشهور فيها بالتصغير، وقيل بفتح أوله الخ.
قوله (حين توفيت ابنته) قال ابن حجر: لم تقع في شيء من روايات البخاري مسماة، والمشهور أنها زينب زوج أبي العاص بن الربيع، إلى أن قال: وهي أكبر من بنات النبي صلى الله عليه وسلم وكانت وفاتها فيما حكاه الطبري أول سنة ثمان الخ.
قوله (غسلنها) قال ابن حجر: قال ابن بزيرة: استدل به على وجوب غسل الميت، وهو مبني على أن قوله فيما بعد (إن رأيتن ذلك) هل يرجع إلى الغسل؟ أو إلى العدد؟ والثاني أرجح فثبت المدعى.
قال ابن دقيق العيد: لكن قوله (ثلاثا) ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء، فيتوقف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد، لأن قوله (ثلاثا) غير مستقل بنفسه فلا بد أن تكون داخلة تحت صيغة الأمر فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل والندب بالنسبة إلى الإيثار انتهى.
قوله: (ثلاثا أو خمسا) قال ابن حجر: في رواية البخاري اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا (أو) هنا للترتيب لا للتخيير.
قال النووي: المراد اغسلنها وترا وليكن ثلاثا فإن احتجتن إلى زيادة فخمسا.
وحاصله أن الإيثار مطلوب، والثلاثة مستحبة فإن حصل الإنقاء بها لم يشرع ما فوقها وإلا زيد وترا حتى يحصل الإنقاء، والواحد من ذلك مرة واحدة عامة البدن انتهى.
وذكر في القواعد الخلاف في ذلك حيث قال: واختلف أهل العلم في التوقيت في غسله، فاعتبر بعضهم فيه الوتر ثلاثا أو خمسا أوسبعا ولم يعتبر بعضهم فيه الإنقاء والتنظيف، وأن الواحدة تجزى والله أعلم انتهى. (2/347)
صفحة 739
وهذا هو الذي جزم به أولا حيث قال: ويستحب أن يغسل ثلاثا والواحدة تجزئ ... وقال ابن العربي: في قوله أو خمسا إشارة إلى أن المشروع هو الإيثار لأنه نقلهن من الثلاث إلى الخمس وسكت عن الأربع انتهى.
وإذا غسل ثلاثا فالمستحب أن تكون أولاهن بماء قراح، والثانية بماء وسدر، والثالثة بماء وكافور ما لم يكن محرما بأنه حينئذ يغسل بماء وسدر فقط ولا يمس طيبا كما هو معلوم.
قوله (أو أكثرن من ذلك) قال ابن حجر: بكسر الثاء لأنه خطاب للمؤنث الخ، وفي بعض روايات البخاري (ثلاثا أو خمسا أو سبعا).
وذكر ابن حجر أن قوله (أو سبعا) يحتمل أن يكون تفسيرا لقوله في الرواية الأخرى (أو أكثر من ذلك) قال: وبه قال أحمد فكره الزيادة على السبع.
وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا قال بمجاوزة السبع، إلى أن قال:
وقال الماوردي: الزيادة على السبع سرف وقال ابن المنذر: بلغني أن جسد الميت يسترخي بالماء فلا أحب الزيادة على ذلك انتهى.
قوله (إن رأيتن ذلك) قال ابن حجر: معناه التفويض إلى اجتهادهن بحسب الحاجة لا التشهي.
وقال ابن المنذر: إنما فوض الرأي إليهن بالشرط المذكور وهو الإيثار.
وحكى ابن التين عن بعضهم قال: يحتمل قوله (إن رأيتن) أن يرجع إلى الأعداد المذكورة، ويحتمل أن يكون معناه: إن رأيتن أن تفعلن ذلك وإلا فالإنقاء يكفي انتهى.
قوله (بماء وسدر) قال ابن حجر: قال ابن العربي: هذا أصل في جواز التطهر بالماء المضاف إذا لم يسلب الماء الإطلاق انتهى.
قوله (واجعلن في الأخيرة شيئا من كافور) قال ابن حجر: وظاهره جعل الكافور في الماء وبه قال الجمهور. (2/348)
صفحة 740
وقال النخعي: قيل الحكمة في الكافور في الحنوط، أي بعد انتهاء الغسل والتحقيق، قيل الحكمة في الكافور مع كونه يطيب رائحة الموضع لأجل من يحضر من الملائكة.
وقال غيرهم: إن فيه تجفيفا وتبريدا وقوة نفوذ خاصية في تصليب بدن الميت، وطرد الهوام عنه، وردع ما يتحلل من الفضلات، ومنع إسراع الفساد إليه وهو أقوى الأراييج الطيبة في ذلك، وهذا هو السر في جعله في الأخيرة إذ لو كان في الأولى مثلا لأذهبه الماء.
وهل يقوم المسك مثلا مقام الكافور وإن نظر إلى مجرد التطييب؟ نعم وإلا فلا وقد يقال إذا عدم الكافور قام غيره مما يقوم مقامه ولو بخاصة واحدة مثلا انتهى.
قوله (فأذنني) أي أعلمنني.
قوله (فأعطاني حقوة) قال ابن حجر: بفتح المهملة ويجوز كسرها وهي لغة هذيل بعدها قاف ساكنة، والمراد به هنا الإزار كما وقع وفسرا في آخر هذه الرواية.
والحقو في الأصل معقد الإزار وأطلق على الإزار مجازا الخ، فذكر أن في بعض الروايات بلفظ فنزع من حقوه إزاره، وألحقوا في هذا على حقيقته.
قوله (أشعرنها إياه) أي (نقينها إياه) الذي في ابن حجر أي اجعلنه شعارها أي الثوب الذي يلي جسدها الخ وذكر البخاري في معنى الإشعار قولين:
أحدهما للحسن: وهو أن الخرقة الخامسة يشد بها العجزان والوركان تحت الدرع.
الثاني لابن سيرين وقيل لغيره: وهو أن معنى أشعرنها ألففنها فيه.
قال ابن حجر: وهو ظاهر اللفظ لأن الإشعار ما يلي الجسد من الثياب الخ والله أعلم بحقيقة الحال لكن ليس لنا عدول عما ثبت عند الربيع رحمه الله.
(ومن طريق ابن عباس قال: لا ينبغي أن تحبس جيفة مسلم بين ظهران أهله).
وقال صلى الله عليه وسلم (اغسلوا موتاكم) فوجب غسل الميت على من حضره لقوله عليه السلام).
قوله (بين ظهران أهله) هكذا فيما رأيناه من النسخ بنون بعد ألف بوزن فعلان، والذي في كتب اللغة (ظهراني أهله) بياء ساكنة بعد النون تثنية ظهرانا وبغير نون تثنية ظهر. (2/349)
صفحة 741
قال في الصحاح: ويقال هو نازل بين ظهريهم وظهرانيهم بفتح النون، ولا تقل ظهرانيهم الخ يعني بكسر النون والمراد في وسطهم وفي معظمهم كما يشعر بذلك كلام القاموس، وقال الزبيدي أي بينهم.
قال في غريب الحديث: أقام فلان بين أظهر قومه وظهرانيهم، وإقحام الأظهر وهو جمع ظهر على معنى إقامته فيهم على سبيل الاستظهار بهم والاستناد إليهم، وأما ظهرانيهم فقد زيدت فيه ألف والنون على ظهر عند التثنية للتأكيد كقولهم في الرجل العيون نفساني وهي نسبة إلى النفس بمعنى العين، إلى أن قال: وكان معنى التثنية أن ظهرا منهم قدامه وآخر وراءه فهو مكنوف من جانبيه، هذا أصله ثم استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا وإن لم يكن مكنونا انتهى.
قوله (فوجب غسل الميت) يعنى إلا من استثنى وهو المقتول في معركة حرب الكفار إلا خلافا شاذا روي عن الحسن وسعيد بن المسيب قالا: يغسل لأن كل ميت يجنب أي يمكن أن تصدر منه الجنابة قبل ذلك فيغسل احتياطا.
واختلفوا في قتيل اللصوص والصحيح أنه يغسل.
قال في القواعد: واختلف في المجدور ومن كان في معناه فقيل: يصب عليه الماء إذا خيف أن ينهمر لحمه، وقيل بل يتيمم له وهذا أحب إلي ثم قال بعد ذلك: وفي رأي أصحابنا من أهل المغرب أن الميت إذا لم ينقطع بلله أو كان مفتوح الفم أو العينين أو تعلقت به قرادة منجوسة لا يمكن نزعها، وبالجملة كل ما يمنعه الغسل في حياته فإنه يتيمم له والله أعلم انتهى.
أقول: قياس الميت على الحي في هذا يقتضي أنه يغسل ما أمكن غسله ويتيمم لما لم يمكن غسله والله أعلم.
ومع هذا التأويل فعدم الغسل مستبعد جدا فإنه يقتضي أن من كان به قرح أو جرح يتيمم له أنه لا يغسل إذا مات ولو انقطع بلله، وفيه تأمل لعموم الأمر بغسل الموتى في غير الشهيد لكن لاحظ للنظر مع وجود الأثر والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن امرأة ماتت فأمر بتفريق شعر رأسها عند غسلها والله أعلم).
قوله (فأمر بتفريق شعر رأسها عند غسلها) ذكر في البخاري (2/350)
صفحة 742
أنه يغسل ويجعل ثلاثة قرون أي ضفائر، قال ابن حجر: ناصيتها وقرنيها، أي جانبي رأسها، إلى أن قال: وزاد ثم ألقيناها خلفها، ثم قال: واستدل به على ضفر شعر الميت خلافا لمن منعه، قال ابن القاسم: لا أعرف الضفر بل يلف، وعن الأوزاعي والحنفية يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها مفرقا الخ. فليراجع ما حكمه عندنا بعد التفريق والله أعلم. (2/351)
صفحة 743
الباب الثاني في صلاة الجنائز
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أولى بالصلاة على الميت أفضل القوم ورعا وأسنهم في ذكر الله).
قوله (أولى بالصلاة على الميت أفضل القوم الخ) لعل هذا محمول على ما اذا لم يحضر الولي بدليل كلام القواعد حيث قال: فيتقدم للصلاة عليه وليه أو من أمره غيره من المسلمين إن لم يحضر الخ.
قال في الايضاح: وفي الأثر أن أولى الناس بالصلاة على الميت الأب ثم الزوج ثم الابن ثم الأخ ثم العم ثم الأقرب فالأقرب، والدليل على هذا ما روي أنه قال (2/352)
صفحة 744
عليه السلام (يصلي عليها بإذن أوليائها) ولهذا أصحابنا لا يصلون على الجنازة حتى يستأذنوا أولياءها وإن كن نساء استأذنوهن الخ.
فذكر قولين آخرين:
أحدهما: أن القوم يقدمون من رضوا به لعموم قوله عليه السلام (يؤم القوم أفضلهم)، وسياق كلامه يدل على اختيار هذا القول.
والقول الآخر: التفصيل وهو أنه إن حضر الإمام يعني الأعظم أو أمير الجيش فهو أولى بالصلاة على الميت كصلاة الجمعة وإلا فالأولياء كما تقدم والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى فصفهم وكبر أربع تكبيرات).
قوله (نعى للناس النجاشي) الناعي هو الذي يأتي بخبر الموت.
قال في الصحاح: النعي خبر الموت يقال نعاه نعيا ونعيانا بالضم، وكذلك النعي على فعيل يقال: جاءه نعي فلان والنعي أيضا الناعي وهو الذي يأتي بخبر الموت.
وقال الأصمعي كانت العرب إذا مات له ميت له قدر ركب راكب فرسا وجعل يسير في الناس، ويقال: نعاء فلان أي أنعه أظهر خبر وفاته، وهي مبنية على الكسر مثل دراك ونزال الخ.
والنجاشي رضي الله عنه قد اختلفت الروايات في اسمه: قال ابن حجر: وقع في جميع الطرق التي اتصلت لنا من البخاري (أصمحة) بمهملتين بوزن أفعلة مفتوح العين، إلى أن قال:
ووقع في مصنف ابن أبي شيبة عن يزيد (صحمة) بفتح الصاد وسكون الحاء، إلى أن قال:
وحكى الإسماعيلي أن في رواية عبد الصمد (أصخمة) بخاء معجمة وإثبات الألف، إلى أن قال:
في رواية محمد بن سنان (أصبحه) بالموحدة بدل الميم.
قوله (وكبر أربع تكبيرات) هذا هو الذي وقع الإجماع عليه إلا خلافا شاذا.
قال ابن حجر: قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال: يزيد في التكبير على أربع إلا ابن أبي ليلى انتهى. (2/353)
صفحة 745
وفي المبسوط للحنفية أن أبا يوسف قال يكبر خمسا الخ.
وذكر في القواعد أنهم اختلفوا فيه اختلافا كثيرا حيث قال: وأما صفتها فقد اختلف فيه العلماء اختلافا كثيرا من الصحابة والتابعين في عدد تكبيرها وقراءتها والدعاء فيها، إلى آخره.
وظاهر كلام الإيضاح بل صريحه أنه وقع الإجماع على أربع تكبيرات في زمن عمر رضي الله عنه حيث قال: وقيل كانوا يكبرون ستا وأربعا وخمسا فلما ولي عمر جمع أصحابه وقال: (إن اجتمعتم اجتمع من بعدكم، وإن اختلفتم اختلف من بعدكم) فاجتمع رأيهم على أربع تكبيرات الخ.
اللهم إلا أن يقال: مراد القواعد باختلافهم في التكبير اختلافهم قبل أن يجمعهم عمر والله أعلم فليحرر.
(أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فلبس ثيابه ثم قام فأمرت جاريتي بريرة تتبعه فتبعته حتى جاء إلى البقع فوقف فوقفت بقربة ما شاءت أن تقف فانصرف فسبقته فأخبرتني فلم أذكر شيئا لرسول الله حتى أصبح فسألته فقال: بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم).
قوله: (في صلاته صلى الله عليه وسلم على أهل البقيع) كان استغفاره عليه السلام لأهل البقيع من السنة الحادية عشر مرجعه من حجته، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بأيام، وفي رواية فما لبث بعد ذلك الاستغفار إلا سبعا أو ثمانيا حتى قبض وكان مأمورا بالاستغفار عليهم.
قوله: (فأمرت جاريتي بريرة) أي لتستفيد علما، أو غيرة منها مخافة أن يأتي بعض حجر نسائه.
وبريرة بموحدة ورائين بينهما ياء ساكنة ثم هاء، صحابية مشهورة وهي مولاة لعائشة رضي الله عنها وكانت لبعض بني هلال أو لأحمد بن جحش أو لأناس من الأنصار فباعوها من عائشة فأعتقتها وعاشت إلى زمن يزيد بن معاوية.
والبقيع مقبرة من مات من أهل المدينة في الإسلام.
قوله: (لأصلي عليهم) قيل يحتمل أن الصلاة هنا الدعاء والاستغفار، ويحتمل أن تكون كالصلاة على الموتى خصوصية له لأن صلاته على من صلى عليه رحمة فكأنه أمر ليستغفر لهم، وأما بعثه وسيره إليهم فلا يدري لمثل هذا علة، وقيل أنه (2/354)
صفحة 746
خرج لذلك كالمودع للأحياء والأموات، وأخرج ابن عبد البر عن أبي مويهة مرفوعا (إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع) فاستغفر لهم ثم انصرف فأقبل علي فقال يا أبا مويهة (إن الله قد خيرني في مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة ولقاء ربي، فاخترت لقاء ربي) وفي الحديث جواز الصلاة على القبور وهي مسألة وقع فيها النزاع بين العلماء، وقد بسطت القول فيها في المعارج، اهـ. (2/355)
صفحة 747
الباب الثالث في القبور
(أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (كنت نهيتكم عبن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا أي لا تدعوا بالويل والعويل وما يسخط الرب). (2/356)
صفحة 748
قوله (نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا) الرواية في الجامع الصغيرة (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب وتدفع العين وتذكر الآخرة ولا تقولوا هجرا). (2/357)
صفحة 749
قال العلقمى: قال العلماء: ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه أن يكثر من ذكر هادم اللذات، ومفرق الجماعات وموتم البنين والبنات، ويواظب على شهادة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين، فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسا قلبه ولزمه ذنبه أن يستعين بها على دوائه فإن انتفع بالإكثار من ذكر الموت ولان قلبه فذاك، وإلا شاهد المحتضرين والأموات وزار القبور فليس الخبر كالمعاينة الخ.
وذكر في محل آخر أنه يطلب من زائر القبور أن يتأدب بآداب الزيارة فيدنو الزائر من القبر بقدر ما كان من صاحبه لو كان حيا.
واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يسن للرجل زيارة القبور وهو قول العلماء كافة فإنهم لا يختلفون في ذلك، وكانت زيارتهم منهيا عنها أولا ثم نسخ، إلى أن قال:
وكان النهي أولا لقرب عهدهم من الجاهلية فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل فنهاهم عن ذلك، إلى أن قال: فلما استقرت قواعد الإسلام وتمهدت الأحكام أبيح لهم الزيارة، واحتاط صلى الله عليه وسلم بقوله (ولا تقولوا هجرا).
قال النووي: وهذا من الأحاديث التي جمعت الناسخ والمنسوخ، وهو صريح في نهي الرجال عن زيارتها انتهى.
ويعبر عن زيارتها أولا قوله (ولا تقولوا هجرا) أي لا تدعوا بالويل والعويل الخ.
قال العلقمي في قوله (ولا تقولوا هجرا) قال في النهاية أي فحشا يقال: هجر في منطقة يهجر، هجارا إذا فحش، وكذا إذا أكثر الكلام فيما لا ينبغي، والاسم الهجر بالضم وتهجر هجرا بالفتح إذا خلط في كلامه، وإذا هذى.
قال: واختلف العلماء في دخول النساء في قوله (كنت نهيتكم عن زيارة القبور) والمختار عند أصحابنا أنهن لا يدخلن في ضمير الرجال اهـ (ومن طريق ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن تقصيص القبور أي عن تجصيصها).
قوله (نهى عن تقصيص القبور أي تجصيصهما) قال في الصحاح والقصة الجص يعني بالفتح فيها لغة حجازية، وقد قصص داره أي جصها. (2/358)
صفحة 750
وفي الإيضاح والقصة قطعة من الجص.
وذهب بعض أصحابنا إلى أنه قطعة من الورق الخ.
والمراد هنا الأول والجص هو الجير وإنما نهى عن ذلك لما فيه من الإشهار والله أعلم.
أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها سمعت أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت لمعذب ببكاء الأحياء فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما أنه لم يكذب ولكنه نسي وأخطأ ولعله إنما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال حين مر بيهودية ماتت وأهلها يبكون فقال (إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها) قال جابر: قالت عائشة: (ولا يعذب أحد ببكاء أهله وإنما يعذب بعمله السوء).
قوله (إن الميت ليعذب ببكاء الأحياء) حمله في البخاري على ما إذا كان النوح من سنته حيث قال: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (يعذب الميت ببكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته) لقوله عز وجل (قوا أنفسكم وأهليكم نارا) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) فإذا لم يكن البكاء من سنته فهو كما قالت عائشة (ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء) انتهى.
قال ابن حجر: هذا تقييد من المصنف لمطلق الحديث، وحمل منه لرواية ابن عباس المقيدة على رواية ابن عمر المطلقة بأنه يعذب ببعض بكاء أهله كما ساقه في الباب عنهما، وتفسير منه لبعض المبهم في رواية ابن عباس بأنه النوح ويؤيده أن المحذور بعض البكاء لا جميعه، إلى أن قال: وأما تعبير المصنف بالنوح فمراده ما كان من البكاء بصياح وعويل وما يلتحق بذلك من لطم خد أو شق جيب وغير ذلك من المنهيات انتهى.
ثم بين وجه استدلال البخاري بالآية قال: ووجه الاستدلال ما ذهب إليه من هذه الآية أن هذا الأمر عام في جهات الوقاية من جملتها أن لا يكون الأصل مولعا بأمر منكر لئلا يجري أهله عليه بعده، أو يكون قد عرف أن لأهله عادة بفعل أمر منكر وأهمل نهيهم عنه فيكون لم يق نفسه ولا أهله. ثم ذكر وجه الاستدلال بالحديث فقال وجه الاستدلال منه ما تقدم لأن من جملة رعايته لهم أن يكون الشر من طريقته فيجري أهله عليه، أو يراهم يفعلون الشر فلا ينهاهم عنه فيسأل عن ذلك ويؤخذ به.
وقد تعقب استدلال البخاري بهذه الآية والحديث على ما ذهب إليه من حمل حديث الباب عليه، لأن الحديث ناطق بأن الميت يعذب ببكاء أهله والآية والحديث يقتضيان أنه يعذب بسنته فلم يتحد الموردان.
والجواب أنه لا مانع في سلوك طريق الجمع من تخصيص بعض العمومات وتقييد بعض المطلقات فالحديث وإن كان دالا على تعذيب كل ميت بكل بكاء لكن (2/359)
صفحة 751
دلت أدلة أخرى على تحقيق ذلك ببعض البكاء كما سيأتي توجيهه، وتقييد ذلك بما كانت سنته وأهمل النهي عن ذلك فالمعنى على هذا أن الذي يعذب ببعض بكاء أهله من كان راضيا بذلك بأن تكون تلك طريقته الخ.
ولذلك قال المصنف فإذا لم يكن من سنته أي كمن لا شعور عنده بأنهم يفعلون شيئا من ذلك أو أدى ما عليه بأن نهاهم فهذا لا مؤاخذة عليه بفعل غيره، ومن ثم قال ابن المبارك إذا كان ينهاهم في حياته ففعلوا شيئا من ذلك بعد وفاته لم يكن عليه شيء انتهى.
قوله (قالت عائشة يغفر الله لأبي عبد الرحمن الخ) المراد بأبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وهذا الحديث ذكره أيضا عمر لصهيب رحمه الله حين بكى عليه بعد ما طعن كما يدل عليه كلام البخاري في حديث فيه طول حيث قال راويا عن ابن عباس بعد كلام ما نصه قال صدرت مع عمر مرة مكة حتى إذا كنا بالبيداء فإذا هو بركب تحت ظل سمرة فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب قال فنظرت فإذا هو صهيب فأخبرته، فقال: ادعه لي فرجعت إلى صهيب فقلت ارتحل فالحق أمير المؤمنين فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول وا أخاه، وا حباه، فقال عمر يا صهيب أتبكي علي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) قال ابن عباس فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت رحم الله عمر والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه) ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه) وقالت حسبكم القرآن (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وقال ابن عباس عن ذلك هو أضحك وأبكى قال ابن أبي مليكة: والله ما قال ابن عمر شيئا الخ، فذكر رواية أخرى عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكي عليها أهلها فقال: (إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها) انتهى.
وذكر قبل ذلك ما يرد قول ابن أبي مليكة: والله ما قال ابن عمر شيئا، فإنه ذكر أن عبد الله بن عمر قال لعمر بن عثمان ألا تنتهي عن البكاء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه). (2/360)
صفحة 752
قال ابن حجر وقد اختلف العلماء في مسألة تعذيب الميت بالبكاء عليه.
فمنهم من حمله على ظاهره وهو بين من قصة عمر مع صهيب، إلى أن قال: ويحتمل أن يكون عمر كان يرى أن المؤاخذة تقع على الميت إذا كان قادرا على النهي ولم يقع منه فلذلك بادر إلى نهي صهيب إلى أن قال: وممن أخذ بظاهره أيضا عبد الله بن عمر فروى عبد الرزاق من طريقه أنه شهد جنازة رافع بن خديج فقيل لأهله: إن رافعا شيخ كبير لا طاقة له بالعذاب وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ويقابل قول هؤلاء قول من رد هذا الحديث وعارضه بقوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
وممن روي عنه الإنكار مطلقا أبو هريرة كما رواه أبو يعلي، أن عبد الله بن الزبير قال: قال أبو هريرة: والله لئن انطلق رجل فجاهد في سبيل الله فاستشهد فعمدت امرأته سفها وجهلا فبكت عليه أيعذب هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة؟ وإلى هذا ذهب جماعة من الشافعية منهم أبو حامد وغيره.
ومنهم من أول قوله (ببكاء أهله عليه) على أن الباء للحال أي مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه وذلك أن شدة بكائهم غالبا إنما يقع عند دفنه وفي تلك الحالة يسأل ويبتدأ به عذاب القبر، فكان معنى الحديث أن الميت يعذب حالة بكاء أهله وليس عليه.
ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سببا لتعذيبه حكاه الخطابي ولعل قائله أخذه من قول عائشة إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنه ليعذب بمعصيته أو بذنبه وإذا أهله ليبكون عليه الآن)، إلى أن قال: ولهذا يكون خاصا ببعض الموتى.
ومنهم من أوله على أن الراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه وأن الكلام في الميت لمعهود معين كما جزم به القاضي أبو بكر بن الباقلاني وغيره وحجتهم، إلى أن قال: ذكره لعائشة أن ابن عمر يقول: إن الميت يعذب ببكاء الحي. فقالت عائشة يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية فذكرت الحديث.
ومنهم من أوله على أن ذلك يختص بالكافر وأن المؤمن لا يعذب بذنب غيره أصلا كما هو بين من رواية ابن عباس عن عائشة، إلى أن قال: (2/361)
صفحة 753
وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة وفيه إشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر بل بما استشعرته من آخر معارضة القرآن، إلى أن قال:
وقال القرطبي إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة والنسيان أو على أنه سمع بعضا ولم يسمع بعضه بعيد لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح.
وقد جمع كثير من أهل العلم بين حديثي عمر وعائشة بضروب من الجمع: أولها طريقة البخاري كما تقدم توجيهها.
ثانيها: وهو أخص مما قبله ما إذا أوصى أهله بذلك، وبه قال المزني وإبراهيم الحربي وآخرون من الشافعية وغيرهم حتى قال أبو الليث السمرقندي: إنه قول عامة أهل العلم، وكذا نقله النووي عن الجمهور، إلى أن قال:
ثالثها: يقع ذلك أيضا بمن أهمل نهي أهله عن ذلك وهو قول داود وطائفة، إلى أن قال:
رابعها معنى قوله (يعذب ببكاء أهله) أي بنظير ما يبكيه أهله به، وذلك أن الأفعال التي يعددون بها عليه غالبا تكون من الأمور المنهية فهم يمدحونه بها وهو يعذب بصنيعه ذلك وهو عين ما يمدحونه به، وهو اختيار ابن حزم وطائفة فذكر دليله، إلى أن قال:
خامسها: معنى التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه به أهله كما روى أحمد من حديث أبي موسى مرفوعا (الميت يعذب ببكاء الحي: إذا قالت النائحة واعضداه وا ناصراه وا كاسياه قيل له: حبذا الميت أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسيها، واستدل بذلك، إلى أن قال:
سادسها: معنى التعذيب تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها، وهذا اختيار أبي جعفر الطبري من المتقدمين، ورجحه ابن المرابط وعياض ومن تبعه ونصره ابن تيميه وجماعة من المتأخرين واستدل له، إلى أن قال:
وحكى الكرماني تفصيلا آخر وحسنه وهو التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم القيامة: فيحمل قوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) على يوم القيامة، وهذا الحديث وما أشبهه على البرزخ، ويؤيد هذا أن مثل ذلك يقع في الدنيا، والإشارة (2/362)
صفحة 754
إليه بقوله تعالى (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) فإنها دالة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس له فيه تسبب، فلذلك يمكن أن يكون الحال في البرزخ بخلاف يوم القيامة والله أعلم انتهى.
أقول: وهذا لا يناسب ما هو المذهب من أن الله عدل لا ينسب إليه الجور في حكم ولا فعل، وأنه لا يؤاخذ أحدا بما لم يصدر منه لقوله تعالى (وما ربك بظلام للعبيد) وقوله (ولا يظلم ربك أحدا) وقوله (وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين) أي لا يؤاخذهم بغير ما اكتسبوا، ولا يعذبهم بغير ما اجترموا فإنه تعالى نفى عن نفسه هذه الصفة وجعل مؤاخذة الإنسان بما لم يصدر منه ظلما، ولا نخص الظلم بالتصرف في ملك الغير بغير إذنه حتى يجيز في حق الله معاقبة الطائع لأن ذلك يؤدي إلى السفه والسفه نتيجة الجهل، ويؤدي إلى انقلاب الإحسان إساءة وهو محال لما فيه من قلب الحقائق، فالحق ما ذهبت إليه عائشة رضي الله عنها إلا إن صح الحديث فيتاول بما يكون للميت فيه مدخل كما تقدم في بعض التأويلات والله أعلم بحقيقة الحال.
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة).
قوله: (عرض عليه مقعدة بالغداة والعشي) قال ابن حجر: قال ابن التين: يحتمل أن يريد غداة واحدة وعشية واحدة يكون عرض فيها.
ومعنى قوله (حتى يبعثك الله) لا تصل إليه إلى يوم البعث.
ويحتمل أن يريد كل غداة وكل عشي وهو محمول على أنه يحي منه جزء ليدرك أن ذلك ممتنع الحياة بالنسبة إلى جزء من الميت أو أجزاء وتصح مخاطبته والعرض عليه انتهى.
قال والأول موافق للأحاديث المتقدمة قبل بابين في سياق المساءلة وعرض المقعدين على كل أحد يعني منها قوله صلى الله عليه وسلم إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى أنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه (2/363)
صفحة 755
عبد الله ورسوله فيقولان له انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا الخ.
قال القرطبي: يجوز أن يكون هذا العرض على الروح فقط، ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن، قال: والمراد بالغداة والعشي وقتهما وإلا فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء قال: وهذا في حق المؤمن والكافر واضح فأما المؤمن المخلط فيحتمل في حقه أيضا لأنه يدخل الجنة في الجملة، ثم هو مخصوص بغير الشهداء إلا أنهم أحياء وأرواحهم تسرح في الجنة.
ويحتمل أن يقال إن فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها فإن فيه قدرا زائدا على ما هي فيه الآن انتهى.
وفي قوله: (وهذا في حق المؤمن الخ) الاحتمال لا أصل له عندنا فإن المخلط كافر فيعرض عليه مقعده من النار ولا واسطة كما يدل عليه الحديث.
قوله: (إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة) قال ابن حجر: اتحد فيه الشرط والجزاء لفظا ولابد فيه من تقدير.
قال التوريشتي التقدير إن كان من أهل الجنة فمقعده من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه.
وقال الطيبي: الشرط والجزاء إذا اتحدا لفظا دل على الفخامة، والمراد أنه يرى بعد البعث من كرامة الله ما ينسيه هذا المقعد انتهى.
ووقع عند مسلم بلفظ (إن كان من أهل الجنة فالجنة) أي فالمعروض الجنة.
وفي هذا الحديث إثبات عذاب القبر وأن الروح تفنى بفناء الجسد لأن العرض لا يقع إلا على حي.
وقال ابن عبد البر استدل به على أن الأرواح على أفنية القبور وقال: والمعنى عندي أنها قد تكون على أفنية قبورها، إلا أنها لا تفارق الأفنية بل هي كما قال مالك: إنه بلغه أن الأرواح تسرح حيث شاءت.
قوله: (يبعثك الله إليه يوم القيامة) قال ابن حجر: حكاية عن ابن عبد البر والمعنى: يبعثك الله إلى ذلك.
ويحتمل أن يعود الضمير إلى الله فإلى الله ترجع الأمور والأول أظهر انتهى، قال ابن حجر: ويؤيده رواية الزهري عن سالم عن أبيه بلفظ (ثم يقال هذا مقعدك الذي يبعث الله يوم القيامة الخ). (2/364)
صفحة 756
قوله: (خرج إلى المقبرة فقال سلام عليكم دار قوم مؤمنين الحديث) لا أدري بقيته ولا أين ذكره، والذي في الجامع الصغير من كتب قومنا: كان إذا دخل الجبانة يقول (السلام عليكم أيتها الأرواح الفانية، والأبدان البالية، عليهم روحا منك، وسلاما منا) انتهى.
وفي بعض التعاليق لأصحابنا ومن اجتاز على مقبرة فليقل (السلام عليكم يا أهل القبور، دار قوم مؤمنين، المسلمين منكم والمسلمات، أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، جمع الله بيننا وبينكم في دار السعادة والهدى) انتهى، وأنا أحفظ قديما مما اطلعت أنه يقال (السلام عليكم يا أهل المقابر من المسلمين والمسلمات، أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع، نسأل الله لنا ولكم العاقبة، يغفر الله لنا ولكم) والكل حسن إن شاء الله، والقاعدة أنه ليس من الدعاء شيء مؤقت والله أعلم.
قوله: (مرت جنازة برسول الله صلى الله عليه وسلم) قال ابن حجر: فالباء على هذا بمعنى على.
قوله (من نصب الدنيا وأذاها) النصب بالفتح فيهما التعب، وعطف الأذى عليه من عطف العام على الخاص، قاله ابن حجر.
والمراد بالمؤمن الموفي بدين الله، وبالفاجر غيره كما هو المذهب الحق، خلافا لمن زعم أنه يحتمل خلاف.
وذلك كما قال ابن حجر قال ابن التين: يحتمل أن يريد بالمؤمن المتقي خاصة، ويحتمل كل مؤمن والفاجر يحتمل أن يريد به الكافر، ويحتمل أن يدخل فيه العاصي.
وقال الداودي أما استراحة العباد فلما يأتي به من المنكر فإن أنكروا عليه أذاهم وإن تركوه اتقوا. (2/365)
صفحة 757
واستراحة البلاد بما يأتي من المعاصي فإن ذلك مما يحصل به الجدب، فيقتضي هلاك الحرث والنسل.
وتعقب الباجي أول كلامه بأن من ناله، أذاه لا يأثم بتركه لأنه يقدر أن ينكر بقلبه أو ينكر بوجه لا يناله به أذى.
ويحتمل أن يكون المراد براحة العباد منه ما يقع لهم من ظلمه، وراحة الأرض منه لما يقع لها من غصبها ومنعها من حقها وصرفه في غير وجهه، وراحة البلاد مما لا يجوز من إتعابها والله أعلم انتهى.
(أبو عبيدة عن جابر قال بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مر برجلين يعذبان في القبر فقال يعذبان وما يعذبان بكبيرة: أما أحدهما فقد كان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فقد كان يمشي بين الناس بالنميمة).
قوله: (مر برجلين يعذبان الخ) لفظه في البخاري (مر النبي صلى الله عليه وسلم بحائط من حيطان مكة أو المدينة فسمع صوت إنسانين يعذبان فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير ثم قال: بلى كان أحدهما لا يستتر من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة، ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل واحد منهما كسرة. فقيل له: يا رسول الله لم فعلت؟ فقال: لعله أن يخفف ما لم ييبسا أو إلى أن ييبسا انتهى.
قال ابن حجر: قوله مر بحائط أي بستان.
قوله: (وما يعذبان بكبيرة) في رواية البخاري (وما يعذبان في كبيرة) ثم قال بلى.
قال ابن حجر: أي وإنه لكبيرة، وصرح بذلك في الأدب من طريق عبيدة بن حميد عن منصور فقال (وما يعذبان في كبير وإنه لكبير)، إلى أن قال:
وقال ابن مالك في قوله (في كبير) شاهد على ورود التعليل، وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم (عذبت امرأة في هرة) قال: وخفي على كثير من النحويين مع وروده في القرآن لقوله تعالى (لمسكم فيما أخذتم) وفي الحديث، إلى أن قال:
وقد اختلف في معنى قوله (وإنه لكبير) قال أبو عبد الملك البوني يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم ظن أن ذلك غير كبير فأوحي إليه في الحال أنه كبير فاستدرك. (2/366)
صفحة 758
وقيل: يحتمل أن الضمير في قوله (وإنه) يعود على العذاب لما ورد في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة (يعذبان عذابا شديدا في ذنب هين).
وقيل: الضمير يعود على أحد الذنبين وهو النميمة لأنها من الكبائر بخلاف كشف العورة فقط كما سيأتي.
وقال الداودي وابن العربي: كبير المنفي بمعنى أكبر والمثبت واحد الكبائر أي ليس ذلك بأكبر الكبائر كالقتل مثل وإن كان كبيرا في الجملة.
وقيل: المعنى ليس بكبير في الصورة لأن تعاطى ذلك يدل على الدناءة والحقارة.
وقيل: ليس بكبير وهو كبير في الذنب.
وقيل: ليس بكبير في اعتقادهما وفي اعتقاد المخاطبين وهو عند الله كبير كقوله تعالى (وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز، أي كان لا يشق عليهما الاحتراز من ذلك وهذا الأخير جزم به البغوي وغيره ورجحه ابن دقيق العيد وجماعة.
وقيل: ليس بكبير منهما بمجرده وإنما صار كبيرا بالمواظبة عليه ويرشد إلى ذلك بالسياق، فأنه وصف كلا منهما بما يدل على تجدد ذلك منه واستمراره عليه بالإتيان بصيغة المضارعة بعد حرف (كان) والله أعلم انتهى.
قوله: (لا يستبرئ من البول) مثله ما ورد عن أبي هريرة مرفوعا (أكثر عذاب القبر من البول أي بسبب ترك التحرز منه).
قوله: (يمشي بالنميمة) قال ابن حجر: قال ابن دقيق العيد: هي نقل كلام الناس، والمراد به هنا ما كان بقصد الإضرار، فأما ما كان يقتضي فعل مصلحة وترك مفسدة فهو مطلوب انتهى.
وهو تفسير للنميمة بالمعنى الأعم وكلام غيره يخالفه، إلى أن قال:
قال النووي هي نقل كلام الغير بقصد الإضرار وهي من أقبح القبائح.
وتعقبه الكرماني فقال: هذا لا يصح على قاعدة الفقهاء فإنهم يقولون الكبيرة هي الموجبة للحد ولا حد على الماشي بالنميمة إلا أن يقال الاستمرار هو المستفاد منه (2/367)
صفحة 759
جعله كبيرة لأن الإصرار على الصغيرة حكمة حكم الكبيرة، وأن المراد بالكبيرة معنى غير المعنى الاصطلاحي انتهى.
وما نقله من الفقهاء ليس هو قول جميعهم، لكن كلام الرافعي يشعر بترجيحه حيث حكى في تعريف الكبيرة وجهين:
أحدهما هذا. والثاني ما فيه وعيد شديد.
قال: وهم إلى الأول أميل والثاني أوفق لما ذكره عند تفصيل الكبائر انتهى.
ولابد من حمل القول الأول على أن المراد به غير ما نص في الأحاديث الصحيحة وإلا لزم أن لا يعد عقوق الوالدين وشهادة الزور من الكبائر مع أن النبي صلى الله عليه وسلم عدهما من أكبر الكبائر، إلى أن قال:
وعرف بهذا الجواب على اعتراض الكرماني أن النميمة قد نص في الصحيح على أنها كبيرة كما تقدم انتهى.
(أبو عبيدة: وكان جابر ممن يثبت عذاب القبر. الربيع عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوتا حين غربت الشمس فقال (هذا لعله أصوات اليهود يعذبون في قبورهم).
قوله: (وكان جابر ممن يثبت عذاب القبر) وهذا هو الصحيح والمشهور بين العلماء. وهل واقع على الروح فقط أو عليه وعلى سائر الجسد؟
قال ابن حجر في حق البخاري: لم يتعرض المصنف لترجمة كون عذاب القبر يقع على الروح فقط أو عليها وعلى سائر الجسد. وفيه خلاف شهير عند المتكلمين، وكأنه تركه لأن الأدلة التي يرضاها ليست قاطعة في أحد الأمرين، فلم يتقلد الحكم في ذلك.
وكفى بإثبات وجوده خلافا لمن نفاه مطلقا من الخوارج وبعض المعتزلة كضرار بن عمر وبشر المريسي ومن وافقهما وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السنة وغيرهم وأكثروا من الاحتجاج له، وذهب بعض المعتزلة كالجبائي إلى أنه يقع على الكفار دون المؤمنين، وبعض الأحاديث الآتية ترد عليهم أيضا انتهى.
قوله: (سمع صوتا) قال ابن حجر: يحتمل أن يكون سمع صوت ملائكة العذاب أو صوت المعذبين أو صوت وقع العذاب.
قال: قلت قد وقع عند الطبراني من طريق عبد الجبار ابن العباس عن عون بهذا السند مفسرا ولفظه (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غربت الشمس ومعي كوز من ماء فانطلق لحاجته حتى جاء فوضأته فقال: أتسمع (2/368)
صفحة 760
ما أسمع؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أسمع أصوات اليهود يعذبون في قبورهم) انتهى. ومثله رواية المصنف رحمه الله.
قوله: (اليهود يعذبون) قال ابن حجر: يفرق بينه وبين واحدة بالياء، والياء في المفرد قال الجوهري (يهود) قبيلة والأصل (اليهوديون) فحذفت الإضافة مثل زنج وزنجي، ثم عرف على هذا الحد فجمع على قياس شعير وشعيرة، ثم عرف الجمع بالألف واللام، ولو لا ذلك لم يجز دخول الألف واللام لأنه معرفة مؤنث فجرى في كلامهم مجرى القبيلة ولم يجر كالحي، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث، إلى أن قال:
وإذا ثبت أن اليهود تعذب بيهوديتهم ثبت تعذيب غيرهم من المشركين لأن كفرهم بالشرك أشد من كفر اليهود انتهى.
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه).
قوله: (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل الخ) قال العلقمي: ذكر الرجل جري على الغالب وإلا فغيره كذلك، ويتمنى ذلك لما يصيبه من البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده اهـ. (2/369)
صفحة 761
[صفحة بيضاء] (2/370)
صفحة 762
[صفحة لم ترقن] (2/371)
صفحة 763
[صفحة لم ترقن] (2/372)
صفحة 764
[صفحة لم ترقن] (2/373)
صفحة 765
[صفحة لم ترقن] (2/374)
صفحة 766
[صفحة لم ترقن] (2/375)
صفحة 767
[صفحة لم ترقن] (2/376)
صفحة 768
[صفحة لم ترقن] (2/377)
صفحة 769
[صفحة لم ترقن] (2/378)
صفحة 770
[صفحة لم ترقن] (2/379)
صفحة 771
[صفحة لم ترقن] (2/380)
صفحة 772
[صفحة لم ترقن] (2/381)
صفحة 773
[صفحة لم ترقن] (2/382)
صفحة 774
[صفحة لم ترقن] (2/383)
صفحة 775
[صفحة لم ترقن] (2/384)
صفحة 776
[صفحة لم ترقن] (2/385)
صفحة 777
[صفحة لم ترقن] (2/386)
صفحة 778
[صفحة لم ترقن] (2/387)
صفحة 779
[صفحة لم ترقن] (2/388)
صفحة 780
[صفحة لم ترقن] (2/389)
صفحة 781
[صفحة لم ترقن] (2/390)
صفحة 782
[صفحة لم ترقن] (2/391)
صفحة 783
[صفحة لم ترقن] (2/392)
صفحة 784
[صفحة لم ترقن] (2/393)
صفحة 785
[صفحة لم ترقن] (2/394)
صفحة 786
[صفحة لم ترقن] (2/395)
صفحة 787
[صفحة لم ترقن] (2/396)
صفحة 788
[صفحة لم ترقن] (2/397)
صفحة 789
[صفحة لم ترقن] (2/398)
صفحة 790
[صفحة لم ترقن] (2/399)
صفحة 791
[صفحة لم ترقن] (2/400)
صفحة 792
[صفحة لم ترقن] (2/401)
صفحة 793
[صفحة لم ترقن] (2/402)
صفحة 794
[صفحة لم ترقن] (2/403)
صفحة 795
[صفحة لم ترقن] (2/404)
صفحة 796
[صفحة لم ترقن] (2/405)
صفحة 797
[صفحة لم ترقن] (2/406)
صفحة 798
[صفحة لم ترقن] (2/407)
صفحة 799
[صفحة لم ترقن] (2/408)
صفحة 800
[صفحة لم ترقن] (2/409)
صفحة 801
[صفحة لم ترقن] (2/410)
صفحة 802
[صفحة لم ترقن] (2/411)
صفحة 803
[صفحة لم ترقن] (2/412)
صفحة 804
[صفحة لم ترقن] (2/413)
صفحة 805
[صفحة لم ترقن] (2/414)
صفحة 806
[صفحة بيضاء] (2/415)
صفحة 807
طبع بمطابع
دار البعث
قسنطينة - الجزائر
ه: 85 65 69 (2/416)
صفحة 808
حاشية الترتيب على الجامع الصحيح
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
الجزء الثالث
للشيخ العلامة أبو ستة السدويكشي أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبي ستة
إخراج وتحقيق:
إبراهيم محمد طلاي
مطابع دار البعث، قسنطينة، الجزائر
1994 (3/1)
صفحة 809
جميع الحقوق محفوظة
طبع بمطابع (دار البعث) قسنطينة
رقم الإيداع القانوني: 47054/ 1/94/و. قسنطينة (3/2)
صفحة 810
بسم الله الرحمن الرحيم (3/3)
صفحة 811
[صفحة بيضاء] (3/4)
صفحة 812
كتاب الأذكار (3/5)
صفحة 813
[صفحة بيضاء] (3/6)
صفحة 814
الباب الواحد والعشرون
في الدعاء
490) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ».
491) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيُّومُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ وَقوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ».
492) ... الرَّبِيعُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى الْهِلاَلَ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ» مَرَّتَيْنِ «الْحَمْدُ لِلَّهِ (1) لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الشَّهْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ سُوءِ الْقَدَرِ، وَمِنْ شَرِّ يَوْمِ الْمَحْشَرِ».
__________
(1) / قوله: الحمد لله، هكذا في بعض النسخ بإفراد الحمد وهي الموافقة لرواية قومنا وفي أكثر النسخ ذكر التحميد مرّتين؟؟. (3/7)
صفحة 815
493) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ عَلَى صَدْرِي وَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى».
494) ... قَالَ: وَبَلَغَنَا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ نَبِيءٍ يَمُوتُ حَتَّى يُخَيَّرَ» وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى». فَعَرَفْتُ أَنَّهُ ذَاهِبٌ.
495) ... الرَّبِيعُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ رَقَاهُ وَهُوَ يُوعَكُ، فَقَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ دَاءٍ يُؤْذِيكَ، وَمِنْ كُلِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ، وَاسْمُ اللَّهِ يَشْفِيكَ».
496) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَأْتِيَنَا بِرَحْمَةٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَجَاءَ رَجُل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: انْهَدَمَتِ الْبُيُوتُ وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ عَلَى رُؤُوسِ الْجِبَالِ وَالآكَامِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ». قَالَ أَنَسٌ: فَانْجَابَتِ السَّحَابَةُ عَلَى الْمَدِينَةِ كَانْجِيَابِ الثَّوْبِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: الآكَامُ الْكُدَا الصِّغَارُ. وَقَوْلُهُ: «فَانْجَابَتْ» مِثْلَ نَقْرَةِ جَيْبِ الْقَمِيصِ (1) أَيْ فَدَارَتِ السَّحَابَةُ بِالْمَدِينَةِ وَلَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّمَاءِ سَحَابٌ.
__________
(1) / قوله: مثل نقرة القميص، يعني أنّ انجياب السحاب كان مستديرا يشبه جيب القميص وهو الموضع الذِي يدخل منه الرأس وذلك أنّ السحاب استدار بالمدينة وانجاب عن أعلاها فصار الجو من أعلى المدينة خاليا والسحاب محيط بما حاذاها كأحاطة القميص بالعنق واللَّه أعلم. (3/8)
صفحة 816
497) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَطَلَبْتُهُ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى أَخْمَصِ رِجْلَيْهِ ... الْحَدِيثُ (1).
قوله: «كان يعلِّمهم هذا الدعاء كما يعلِّمهم السورة» وفي البخاري قالت عائشة: "فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر" انتهى.
قوله: «وأعوذ بك من عذاب القبر»، قال العلقمي: "العذاب اسم للعقوبة، والمصدر التعذيب، فهو يضاف إلى الفاعل على طريق المجاز، أو الإضافة من إضافة المظروف إلى ظرفه، فهو على تقدير: في، أي: نتعوذ من عذاب في القبر"؛ ـ وفيه إثبات عذاب القبر، فالإيمان به واجب ـ إلى أن قال: قال العلماء: "عذاب القبر هو عذاب البرزخ، أضيف إلى القبر لأنه الغالب، وإلا فكل ميت أراد الله تعذيبه ناله ما أراد به قُبر أولم يُقبر، ولو صُلب أو غرق في البحر أو أكلته الدواب أو حرق حتى صار رمادا، أو ذُري في الريح، على الروح والبدن جميعا باتفاق أهل السنة، وكذا القول في النعيم.
قال ابن القيم: "ثم عذاب القبر قسمان: دائم وهذا عذاب الكفار وبعض العصاة؛ ومنقطع وهو عذاب من خفَّت جرائمهم، فإنه يعذب بحسب جريمته ثم يرفع عنه، وقد يرفع بدعاء أو صدقة أو نحو ذلك".
وقال اليافعي في روض الرياحين: "بلغنا أن الموتى لا يعذَّبون ليلة الجمعة تشريفا لهذا الوقت؛ قال: ويحتمل اختصاص ذلك بعصاة المسلمين دون الكفار".
وزعم النسفي في بحر الكلام فقال: "إن الكافر يرفع عنه العذاب يوم الجمعة وليلتها وجميع شهر رمضان؛ قال: وأما المسلم العاصي فإنه يعذب في قبره، ولكنه يقطع عنه يوم الجمعة وليلتها ثم لا يعود إليه إلى يوم القيامة، وإن مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة يكون العذاب ساعة واحدة، وضغطة القبر كذلك، ثم ينقطع عنه العذاب ولا يعود إليه إلى يوم القيامة" انتهى.
__________
(1) / قوله: الحديث إشارة إلى تقدّمه في باب مَا يجب منه الوضوء. (3/9)
صفحة 817
وهذا يدل على أن عصاة المؤمنين لا يعذبون سوى جمعة واحدة أو دونها، فإذا وصلوا إلى يوم الجمعة انقطع ثم لا يعود؛ وهو محتاج إلى دليل.
وقال ابن القيم في البدائع: "نقلت من خط القاضي أبي يعلي في تآليفه: لابد من انقطاع عذاب القبر لأنه من عذاب الدنيا، والدنيا وما فيها منقطع ولابد أن يلحقهم الفناء والبلاء ولا يعرف مقدار مدة ذلك" انتهى.
قلت: ويؤيد هذا ما أخرجه ابن السري في الزهد عن مجاهد قال: "للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم حتى تقوم القيامة، فإذا صيح بأهل القبور يقول الكفار {قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنم بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} [يس: 52] "؛ قال العلقمي: "انتهى كلام شيخنا".
وقال الدميري: "عذاب القبر نوعان: نوع دائم بدليل قوله تعالى {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر: 46]؛ وفي حديث البخاري في الذي شدخ رأسه بحجر "والذي يُشَرِشِرُ شدقه إلى قفاه"، وفيه: "فهو يفعل به ذلك إلى يوم القيامة" ـ إلى أن قال ـ "والنوع الثاني إلى مدة ثم يقطع، وهم بعض العصاة الذين خفت جرائمهم"؛ إلى آخر ما أطال فيه.
ولعل المراد من التعوُّذ من عذاب القبر مع لزومه لقوله صلى الله عليه وسلم: "لو نجا أحد من عذاب القبر لنجا منه سعد بن معاذ" الحديث، التعوذ من دوامه أو منه بعد الضغطة التي لابد منها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" ومن كان في روضة الجنة لا يعذب؛ والله أعلم.
قوله: «وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال»، قال العلقمي: "قال شيخ شيوخنا: قال أهل اللغة: الفتنة الامتحان والاختبار، قال عياض: واستعمالها في العرف لكشف ما يكره" انتهى.
وهو أعظم فتنة في الدنيا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال"، أخرجه الحاكم عن هشام بن عامر. (3/10)
صفحة 818
والدجال فعَّال ـ بفتح أوله والتشديد ـ من الدجل وهو التغطية، وسمي الكذاب دجالا لأنه يغطي الحق بباطله.
وقال ابن دريد: "يسمى دجالا لأنه يغطي الحق بالكذب؛ وقيل: لضربه نواحي الأرض، وهو الكذاب الذي يخرج في آخر الزمان ويدَّعي الألوهية، ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مخلوقاته ثم يعجزه الله بعد ذلك؛ ثم يقتله عيسى عليه السلام، ويأتي من جهة المشرق، وقيل من خراسان، وقيل من أصبهان، وأخباره مذكورة في ابن ماجة وأبي داود وغيرهما فلا نطول بها" انتهى.
قوله: «وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات»، قال العلقمي: "قال شيخ شيوخنا: قال ابن دقيق العيد: "فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت.
وفتنة الممات، يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك؛ ويجوز أن يراد بها فتنة القبر أي: سؤال الملكين، والمراد من شر ذلك؛ وإلا فأصل السؤال واقع لا محالة فلا يُدعى برفعه فيكون عذاب القبر مسبَّبا عن ذلك، والسبب غير المسبَّب.
وقيل أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر، وبفتنة الممات السؤال في القبر مع الحيرة" انتهى ملخصا؛ قلت: وهذا الأخير عندي أحسن الوجوه"؛ انتهى.
قوله: «كان إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل الخ» الظاهر أنه يقول هذا التحميد قبل الدخول في الصلاة، وهو المناسب لقواعد المذهب، وصريح كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله؛ حيث قال بعد حكاية هذا الدعاء وزيادة: "ثم يفتح الصلاة فيصلي ركعتين خفيفتين، ثم يصلي مثنى مثنى الخ".
وزاد في هذا الدعاء قوله: "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، وأنت خير وليها ومولاها، اللهم اهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها فإنه لا يصرف سيئها إلا أنت، أسألك مسألة البائس (3/11)
صفحة 819
المسكين وأدعوك دعاء المفتقر الذليل، فلا تجعلني بدعائك ربي شقيا، وكن بي رؤوفا رحيما حفيا يا خير المسئولين وأكرم المعطين الخ".
وذكر ابن حجر أن بعضهم قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول هذا التحميد بعد تكبيرة الإحرام؛ وفي مسلم أنه قاله لما أراد أن يخرج إلى صلاة الصبح؛ والظاهر ما تقدم، والله أعلم.
قوله: _أنت نور السماوات والأرض»، قال في السؤالات: " في قوله عز وجل {اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ} [النور: 35] أي: عدل السماوات والأرض.
وقيل هادي من في السماوات والأرض؛ وقيل منوِّر السماوات والأرض؛ وقيل نور السماوات والأرض أنه خلق نورهما مثل نوره، أي: مثل هداه الخ.
وقال قبل ذلك: "وإن قال: "الله جسم" فقد أشرك، وكذلك: "جسم لا كالأجسام"، وكذلك إن قال: "نور" أو "نور لا كالأنوار"، أو قال: "يا نور النور" فقد أشرك في هذا كله، وإن قال: {اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ} فذلك توحيد الخ".
قال ابن حجر: "في قوله: «نور السماوات والأرض» أي: منوِّرهما، وبك يهتدي من فيهما؛ وقيل: المعنى: أنت المنزَّه عن كل عيب، يقال: فلان منور أي: مبرَّأ من كل عيب؛ ويقال: هو اسم مدح، تقول: فلان نور البلد، أي: مزينه" انتهى.
قوله: «أنت قيوم السماوات والأرض»، في رواية البخاري: "أنت قيم السماوات" وفي بعض الروايات: "أنت قيام السماوات".
قال ابن حجر: "قال قتادة: القيَّام: القائم بنفسه بتدبير خلقه، المقيم لغيره".
وقال البيضاوي: "القيوم: الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه، فيكون مِن قام بالأمر، إذا حفظه، وقرئ القيَّام والقيم".
قوله «أنت الحق»، قال ابن حجر: "أي المتحقق الوجود بلا شك فيه". (3/12)
صفحة 820
قال القرطبي: "هذا الوصف له سبحانه وتعالى بالحقيقة، خاص به، لا ينبغي لغيره، إذ وجوده لنفسه فلم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم بخلاف غيره".
وقال ابن التين: "يحتمل أن يكون معناه: أنت الحق بالنسبة إلى من يُدَّعى فيه أنه إله، أو بمعنى أنه من سماك إلها فقد قال الحق" انتهى.
قوله: «ووعدك الحق»، في البخاري "ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق الخ".
قال ابن حجر: "وعرَّفه ونكَّر ما بعده لأن وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره، والتنكير في البواقي للتعظيم، قاله الطيبي؛ واللقاء وما ذكر بعده داخل تحت الوعد، لكن الوعد مصدر وما ذكر بعده هو الموعود به.
ويحتمل أن يكون من الخاص بعد العام، كما أنَّ ذكر القول بعد الوعد من العام بعد الخاص، قاله الكرماني"، انتهى.
قوله: «ولقاؤك حق»، قال ابن حجر: فيه الإقرار بما بعد الموت، وهو عبارة عن مآل الخلق في الدار الآخرة بالنسبة إلى الجزاء على الأعمال.
وقيل: معناه لقاؤك حق: أي الموت، وأبطله النووي الخ.
قوله: «والجنة حق والنار حق»، قال ابن حجر: فيه إشارة إلى أنهما موجودتان، وسيأتي البحث فيه في بدء الخلق.
قوله: «والساعة حق» قال ابن حجر:" أي: يوم القيامة، وأصل الساعة القطعة من الزمان.
وإطلاق اسم الحق على ما ذكر من الأمور معناه أنه لابد من كونها، وأنها مما يجب أن يصدَّق بها، وتكرار لفظ الحق للمبالغة في التأكيد" انتهى.
قوله: «اللهم لك أسلمت»، أي: اِنقدت وخضعت، «وبك آمنت» أي: صدَّقت، «وعليك توكَّلت»، أي: فوَّضت إليك الأمر تاركا إياه للنظر في الأسباب العادية، «وإليك أنبت» أي: رجعت إليك في تدبير أمري.
قوله: «وبك خاصمت» أي: بما أعطيتني من البرهان، وبما لقَّنتني من الحجة.
قوله: «وإليك حاكمت» أي: كل من جحد الحق حاكمته إليك، وجعلتك الحكم بيننا لأن من كانت الجاهلية تتحاكم إليه من كاهن ونحوه قد انتهى أمره. (3/13)
صفحة 821
وقدَّم مجموع صِلات هذه الأفعال عليها إشعارا بالتخصيص، وإفادة حصر، وكذا قوله: «ولك الحمد».
وقوله: «فاغفر لي» قال ذلك مع كونه مغفورا له إمَّا على سبيل التواضع والهضم لنفسه وإجلالا وتعظيما لربه، أو على سبيل التعليم لأمَّته ليقتدى به، كذا قيل؛ والأولى أنه لمجموع ذلك، وإلا لو كان للتعليم فقط لكفى فيه أمرهم أن يقولوا.
قوله: «وما قدمت» أي: قبل هذا الوقت؛ «وما أخرت» أي: عنه.
وقوله: «وأسررت وأعلنت» أي: "أخفيت وأظهرت، أو ما حدثت به نفسي وما تحرَّك به لساني" انتهى من ابن حجر.
زاد في القواعد والبخاري: «أنت المقدم وأنت المؤخر»؛ قال ابن حجر: "قال المهلب: أشار بذلك إلى نفسه لأنه المقدم في البعث في الآخرة والمؤخر في البعث في الدنيا، إلى أن قال: قال الكرماني: هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأن لفظ القيم إشارة إلى أن وجود الجواهر وقوامها منه، والنورِ إلى أن الأعراض أيضا منه، والملِكِ إلى أنه حاكم عليها إيجادا وإعداما يفعل ما يشاء، وكل ذلك من نعم الله على عباده، فلذلك قرن كلا منها بالحمد وخصص الحمد به.
ثم قوله: «أنت الحق» إشارة إلى المبدأ؛ والقول ونحوه إشارة إلى المعاش؛ والساعة ونحوها إشارة إلى المعاد، وفيه إشارة إلى النبوة وإلى الجزاء ثوابا وعقابا، ووجوب الإيمان والإسلام والتوكل والإنابة والتضرع إلى الله، والخضوع له" انتهى.
"وفي الحديث زيادة معرفة النبيء صلى الله عليه وسلم بعظمة ربه وعظيم قدرته، ومواظبته على الذكر والدعاء والثناء على ربه، والاعتراف له بحقوقه والإقرار بصدق وعده ووعيده.
وفيه استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كل مطلوب اقتداء به صلى الله عليه وسلم" انتهى.
وقوله: "الملِك" ذكر في البخاري بدل "رب".
وقوله: "وفيه الإشارة إلى النبوة"؛ لأنه زاد في البخاري "ومحمد حق". (3/14)
صفحة 822
قوله: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال الخ» ذكر في الجامع روايات متعددة، وهي:
ـ كان إذا رأى الهلال صرف وجهه عنه.
ـ كان إذا رأى الهلال قال: هلال خير ورشد، آمنت بالذي خلقك، ثلاثا؛ ثم يقول: الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا، وجاء بشهر كذا.
ـ كان إذا رأى الهلال قال: هلال خير ورشد اللهم، إني أسألك من خير هذا الشهر، ثلاثا؛ وخير القدر، وأعوذ بك من شره، ثلاث مرات.
ـ كان إذا رأى الهلال قال: اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله.
ـ كان إذا رأى الهلال قال: الله أكبر الله أكبر، الحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أسألك من خير هذا الشهر، وأعوذ بك من شر القدر، ومن شر يوم الحشر.
ـ كان إذا رأى الهلال قال: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله.
ـ كان إذا رأى الهلال قال: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والسكينة والعافية والرزق.
ولم يتكلم شارحه على هذه الأحاديث بشيء، ولعله لظهور معناها والله أعلم.
قوله: «وألحقني الرفيق» في بعض الروايات «بالرفيق الأعلى»، قيل: الرفيق الأعلى هو الجنة.
وقيل: بل الرفيق هنا اسم جنس يشمل الواحد وما فوقه، والمراد الأنبياء ومن ذكر في الآية يعني قوله: {مَعَ الذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم} الآية [النساء: 69]، قال ابن حجر: وقد ختمت بقوله: {وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا}.
ونكتة الإتيان بهذه الكلمة بالإفراد إشارة إلى أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد، نبه عليه السهيلي؛ (3/15)
صفحة 823
وزعم بعض المغاربة أنه يحتمل به أن يراد بـ "الرفيق الأعلى" اللهُ عز وجل؛ لأنه من أسمائه الخ، فذكر الحديث أن الله رفيق يحب الرفق.
إلى أن قال: والرفيق يحتمل أن يكون صفة ذات كالحكيم، أو صفة فعل.
قال: ويحتمل أن يراد به حضرة القدس.
قال: ويحتمل أن يراد به الجماعة المذكورون في آية النساء، ومعنى كونهم رفيقا تعاونهم على طاعة الله وارتفاق بعضهم ببعض، وهذا الثالث هو المعتمد، وعليه اقتصر أكثر الشراح.
إلى أن قال: وقال السهيلي: الحكمة في اختتام كلام المصطفى بهذه الكلمة كونها تتضمن التوحيد والذكر بالقلب، حتى يستفاد منه الرخصة لغيره أنه لا يشترط أن يكون الذكر باللسان لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع فلا يضره إذا كان قلبه عامرا. انتهى ملخصا، إلى أن قال:
تنبيه: قال السهيلي: وجدت في بعض كتب الواقدي أن أول كلمة تكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم وهو مسترضع: "الله أكبر"، وآخر كلمة تكلم بها كما في حديث عائشة هي: "الرفيق الأعلى"، وروى الحاكم من حديث أنس أن آخر ما تكلم به: "جلال ربي الرفيع" انتهى.
قوله: «قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» يعني: قبل ذلك، وهو صحيح؛ كما صرح به في بعض الروايات عند البخاري؛ قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صحيح يقول: "إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يحي أو يخير"، فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: "اللهم في الرفيق الأعلى"، فقلت: إذا لا يختارنا فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح"، انتهى.
قوله: «حتى يُخَير» ـ بضم أوله وفتح الخاء المعجمةـ.
قوله: «فعرفت أنه ذاهب»، قال ابن حجر:" فَهم عائشة من قوله صلى الله عليه وسلم: «مع الرفيق الأعلى» أنه خُير، نظير فهم أبيها رضي الله عنه من قوله صلى الله عليه وسلم: "إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده" (3/16)
صفحة 824
أن العبد نعت بجملة "خيره الله الخ"، وأن المراد هو النبي صلى الله عليه وسلم، حتى بكى كما تقدم في مناقبه"، انتهى.
قوله: «رقاه» أي عوَّذه؛ قال ابن حجر: "يقال رقَى ـ بالفتح ـ في الماضي يرقِي ـ بالكسر ـ في المستقبل، ورقيت فلانا بكسر القاف أرقيه، واسترقى طلب الرقية، والجميع بغير همز وهو بمعنى التعويذ بالذال المعجمة"، انتهى.
وقال قبل ذلك في الرُقى ـ بضم الراء ـ وبالقاف جمع رقِية بكسر القاف الخ.
أقول: والذي ضبط به الرقية في الصحاح بالقلم ضبطا معتبرا: بضم الراء وسكون القاف، حيث قال: والرقية معروفة والجمع رقى، تقول منه: استرقيته فرقاني رقية فهو راق الخ.
قوله: «وهو يوعك» مأخوذ من الوعْك بالسكون؛ قال ابن حجر: "الوَعْك ـ بفتح الواو وسكون العين المهملة ـ الحمى، وقد يفتح، وقيل: ألم الحمى، وقيل: نصها، وقيل إرعادها الموعوك وتحريكها إياه وعن الأصمعي: الوعك الحر فلعل الحمى سميت وعكا لحرارتها.
قوله: «هلكت المواشي» المراد بهلاكها عدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر، قاله ابن حجر.
قوله: «وانقطعت السبل»، قال ابن حجر: المراد بذلك أن الإبل ضعفت لقلة القوت عن السفر، أو لكونها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم أودها.
وقيل المراد نفاد ما عند الناس من الطعام، أو قلته فلا يجدون ما يحملونه ويجلبونه، إلى الأسواق الخ.
قوله: «فادع الله أن يأتينا برحمة»، في رواية البخاري "أن يغيثنا" وهو يحتمل أنه مِن غاث أو مِن أغاث.
قال ابن القطاع غاث الله عباده غيثا وغياثا سقاهم المطر، وأغاثهم أجاب دعاءهم، ويقال غاث وأغاث بمعنى والرباعي أعلى. (3/17)
صفحة 825
وقال ابن دريد: الأصل غاثه الله يغوثه غوثا فأغيث، واستعمل أغاثه، ومن فتح أوله فمن الغيث الخ.
قوله: «فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم» يعني وهو قائم يخطب؛ قال في البخاري: ورفع يديه فقال: "اللهم اسقنا"، أعاده ثلاثا.
قوله: «فجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم»، في رواية البخاري: "ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة"؛ قال ابن حجر: ظاهره أنه غير الأول لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد، ـ إلى أن قال ـ: وسيأتي من رواية يحيى بن سعيد "وأتى الرجل فقال يا رسول الله"، ومثله لأبي عوانة من طريق حفص عن أنس بلفظ "فمازلنا حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى"، وأصله في مسلم وهذا يقتضي الجزم بكونه واحدا الخ.
قوله: «وهلكت المواشي وانقطعت السبل» أي: بسبب غير المسبب الأول، والمراد: أن كثرة الماء انقطع المرعى بسببها، فهلكت المواشي من عدم المرعى، وأما انقطاع السبل فلتعذر سلوك الطرق من كثرة الماء.
زاد في البخاري: "فادع الله أن يمسكها"، فرفع يديه فقال: الخ.
قوله: «اللهم على رؤوس الجبال والآكام وبطون الأودية»، في بعض روايات البخاري: "اللهم حوالينا لا علينا"، وهو بفتح اللام، والمراد صرف المطر عن الأبنية والدور.
والمراد ببطون الأودية ما يتحصل فيها الماء لينتفع به؛ قال ابن حجر: قالوا ولم يسمع أفعلة جمع فاعل مثل الأودية جمع واد، قال وفيه نظر.
قوله: «الآكام الكدى الصغار»، قال ابن حجر: "والإكام ـ بكسر الهمزة وقد تفتح وتمد ـ جمع أكمة بفتحات؛ وقيل هو التراب المجتمع؛ وقال الداودي هو أكبر من الكدية؛ (3/18)
صفحة 826
وقال القزاز هي التي من حجر واحد وهو قول الخليل؛ وقال الخطابي هي الهضبة الضخمة؛ وقيل الجبل الصغير، وقيل: ما ارتفع من الأرض؛ وقال الثعالبي الأكمة أعلى من الرابية" انتهى.
قوله: «فانجاب مثل نقرة جيب القميص» أي: فدارت الخ.
قال ابن حجر: في قوله: «فانجابت عن المدينة» أي خرجت عنها كما يخرج الثوب عن لابسه.
وفيه روايات متعددة منها: "فأقلعت" ومنها "فجعل السحاب يتصدع عن المدينة يريهم الله كرامة نبيه وإجابة دعوته"؛ ومنها "فتكشطت فجعلت تمطر حول المدينة ولا تمطر بالمدينة قطرات فنظرت المدينة وإنها مثل الإكليل"؛ ومنها "فتقور ما فوق رؤوسنا من السحاب حتى كنا في إكليل"؛ والإِكليل ـ بكسر الهمزة وسكون الكاف ـ كل شيء يدار من جوانبه، واشتهر لما يوضع على الرأس فيحيط بها وهو من ملابس الملوك كالتاج؛ ومنها "فما يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا تفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجَوبَة"؛ ـ بفتح الجيم ثم الموحدة ـ هي الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد به الفرجة في السحاب؛ وقال الخطابي المراد بالجوبة هنا الترس.
قال ابن حجر: وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم:
ـ جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة.
ـ وفيه القيام في الخطبة وأنها لا تنقطع بالكلام ولا تنقطع بالمطر.
ـ وفيه قيام الواحد بأمر الجماعة، وإنما لم يباشر ذلك بعض أكابر الصحابة لأنهم كانوا يسلكون الأدب بالتسليم وترك الابتدار بالسؤال، ومنه قول: "أنس كان يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية فيسأل".
ـ (3/19)
صفحة 827
وفيه سؤال الدعاء من أهل الخير ومن يرجى منه القبول وإجابتهم لذلك، ومن أدبه بث الحال لهم قبل الطلب لتحصيل الرقة المقتضية لصحة التوجه فترجى الإجابة عنده.
ـ وفيه تكرار الدعاء ثلاثا، وإدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة والدعاء به على المنبر ولا تحويل فيه ولا استقبال.
وفيه الاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء، وليس في السياق ما يدل على أنه نواها مع الجمعة.
ـ وفيه علَم من أعلام النبوَّه في إجابة الله دعاء نبيه عليه السلام عقبه أو معه، ابتداء في الاستسقاء وانتهاء في الاستصحاء، وامتثال السحاب أمره بمجرد الإشارة.
ـ وفيه الأدب في الدعاء حيث لم يدعُ برفع المطر مطلقا لاحتمال الاحتياج إلى استمراره فاحترز فيه بما يقتضي رفع المطر وانتفاء النفع.
ويستنبط منه أن مَن أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يَسخطها لعارض عرض فيها بل يسأل الله رفع ذلك العارض وإبقاء النعمة.
ـ وفيه أن الدعاء يدفع الضرر لا ينافي التوكل، وإن كان المقام الأفضل التفويض، لأنه صلى الله عليه وسلم كان عالما بما وقع لهم من الجدب، وأخر السؤال في ذلك تفويضا لربه ثم أجابهم إلى الدعاء لمَّا سألوه في ذلك بيانا للجواز وتقريرا لسنة هذه العبادة الخاصة، إلى أن قال:
ـ وفيه تبسم الخطيب على المنبر تعجبا من أحوال الناس، وجواز الصياح في المسجد بسبب الحاجة المقتضية لذلك.
ـ وفيه اليمين لتأكيد الكلام، إلى أن قال:
واستُدِل به على جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، وعلى أن الاستسقاء لا تشرع فيه صلاة: فأمَّا الأول فقال به الشافعي وكره ذلك سفيان الثوري؛ وأمَّا الثاني فقال به أبو حنيفة كما تقدم.
وتُعِقِّب بأن الذي وقع في هذه القصة مجرد دعاء لا ينافي مشروعية الصلاة لها، وقد بُيِّنت في واقعة أخرى كما تقدم. (3/20)
صفحة 828
واستُدِل به على الاكتفاء بدعاء الإمام في الاستسقاء، قاله ابن بطال.
وتُعقِّب بما سيأتي في رواية يحيى بن سعيد: "ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون".
وقد استَدلَّ به المصنف في الدعوات على رفع اليدين في كل دعاء"، انتهى المراد منه.
قوله: «على أخمص رجليه»، الحديث تمامه "وهما منصوبتان وهو يقول أعوذ بعفوك من عقابك، وبرضاك من سخطك"، وتقدم الكلام عليه في باب ما يجب منه الوضوء؛ وذكره هناك للاستدلال على أن مسَّ الرجل امرأته لا ينقض الوضوء، وذكره هنا لأجل قوله: "أعوذ بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك". (3/21)
صفحة 829
الباب الثاني والعشرون
في الدعاء وفضيلته
498) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلِظُّوا بِيَاذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ».
قَالَ الرَّبِيعُ: يُرِيدُ تَحَفَّظُوا بِهِ عِنْدَ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ قِيلَ: قَلَّ مَا يَدْعُو بِهِ الرَّجُلُ إِلاَّ اسْتُجِيبَ لَهُ.
499) ... أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيءٍ دَعْوَةٌ، وَأَنَا أَرَدْتُ أَنْ أَخْتَبِئَ (1) دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
500) ... أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَضَرَّعُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَادْعُوهُ فِي الرَّخَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ دَعَانِي فِي الرَّخَاءِ أَجَبْتُهُ فِي الشِّدَّةِ، وَمَنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِي رَفَعْتُهُ، وَمَنْ تَضَرَّعَ إِلَيَّ رَحِمْتُهُ، وَمَنِ اسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ».
501) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ (2): مَنْ يَدْعُنِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ».
502) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يُعَجِّلْ (3) فَيَقُولُ: دَعَوْتُ (4) فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي (5)».
__________
(1) / خ: اخبي.
(2) / خ: الأخير.
(3) / خ: يستعجل.
(4) / خ: ربّي.
(5) / خ: يستجيب. (3/22)
صفحة 830
503) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ عَلَى الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّهُ لاَ مُكْرِهَ لَهُ».
قوله: «ألِظُّوا بـ"يَاذَا الجلال والإكرام"» ألِظُّوا ـ بهمزة قطع ولام مكسورة وظاء مشالة مشددة ـ أمر من "ألظ" على وزن أفعل إلا أنه حصل تغيير في بعض الحركات لأجل الإدغام كما هو معلوم.
قوله: «يريد تحفظوا به الخ»، أي: الزموه في الدعاء؛ قال في الصحاح: ألظ فلان بفلان إذا لزمه؛ عن أبي عمر، ويقال هو ملظ به لا يفارقه؛ وقول ابن مسعود: "ألظوا في الدعاء بـ"يَاذَا الجلال والإكرام" أي الزموا ذلك.
قال أبو عبيدة: الإِلظاظ لزوم الشيء والمصابرة عليه، والإلظاظ الإلحاح؛ إلى أن قال: يقال رجل ملظ أي: ملح وملظاظ، أي: ملحاح، إلى أن قال: وألظ المطر أي: دام، وألظ بالمكان أي: أقام به، ورجل لظ كظ، أي عسر متشدد انتهى.
قوله: «لكل نبي دعوة»، زاد في البخاري "مستجابة يدعو بها"، زاد في بعض الروايات بعده عند غيره "فتعجل كل نبي دعوته"، وزاد أيضا في بعض الروايات "فاستجيب له".
قال ابن حجر: وقد استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة لاسيما نبينا صلى الله عليه وسلم، وظاهره أن لكل نبي دعوة مجابة فقط.
والجواب: أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وماعدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة. (3/23)
صفحة 831
وقيل: معنى قوله: "لكل نبي دعوة" أي: أفضل دعواته ولهم دعوات أخرى.
وقيل: لكل نبي منهم دعوة عامة مستجابة في أمته إما بإهلاكهم وإما بنجاتهم، وأما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب ومنها ما لا يستجاب.
وقيل: لكل نبي منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه، كقول نوح: {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]، وقول زكرياء: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَّرِثُنِي} [مريم: 04، 05]، وقول سليمان: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي ِلأَحَدٍ مِّنم بَعْدِيَ} [ص: 35]، حكاه ابن التين.
وقال بعض شراح المصابيح ما لفظه: اعلم أن جميع دعوات الأنبياء مستجابة، والمراد بهذا الحديث أن كل نبي دعا على أمته بالإهلاك إلا أنا فلم أدع فأُعطيت الشفاعة عوضا عن ذلك للصبر على أذاهم، إلى أن قال:
وتعقبه القرطبي بأنه صلى الله عليه وسلم دعا على أحياء من العرب، ودعا على ناس من قريش بأسمائهم، ودعا على رعل وذكوان، ودعا على مضر.
قال والأَولى أن يقال: إن الله جعل لكل نبي دعوة تستجاب في حق أمته فنالها كل منهم في الدنيا وأما نبينا فإنه لما دعا على بعض أمته نزل عليه {لَيْسَ لَكَ مِنَ الاَمْرِ شَيْءٌ اَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمُ,} [آل عمران: 128]، فبقيت تلك الدعوة المجابة مدخرة في الآخرة، وغالب من دعا عليهم لم يُرِد إهلاكهم وإنما أراد ردعهم ليتوبوا.
وأمَّا جزمه أولا بأن جميع أدعيتهم مستجابة ففيه غفلة عن الحديث الصحيح: "سألت الله ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة" الحديث؛ قال ابن بطال: في هذا الحديث بيان فضيلة نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة، ولم يجعلها أيضا دعاء عليهم بالهلاك كما وقع لغيره ممن تقدم.
وقال ابن الجوزي: هذا من حسن نظره صلى الله عليه وسلم لأنه جعل الدعوة فيما ينبغي، ومن كثرة كرمه لأنه آثر أمته على نفسه، إلى أن قال: (3/24)
صفحة 832
وقال النووي: فيه كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم واعتناؤه بالنظر في مصالحهم فجعل دعوته في أهم أوقات حاجتهم الخ.
قوله: «شفاعة لأمتي»، قال العلقمى: "هي سؤال فعل الخير وترك الضرر عن الغير على سبيل التضرع، قال: والمراد بها الشفاعة العظمى في راحة الناس من هول الموقف، وهي المراد بالمقام المحمود لأنها شفاعة عامة تكون في الحشر حين يفزع الخلائق إليه صلى الله عليه وسلم الخ.
وإنما خصها بذلك لأنها في روايته غير مقيدة، وأما على الرواية المقيدة بما قيد به المصنف فحملوا الشفاعة فيها على إخراج أهل الكبائر من النار، وهذا غير صحيح عندنا كما هو معلوم، وحينئذ يكون المراد بهما رفع الدرجات للمؤمنين في الجنة.
قال في شرح النونية: قال أصحابنا رحمهم الله الشفاعة حق لا تكذيب فيها، ولكنها للمؤمنين المطيعين دون أهل الكبائر من العاصين والفاسقين، وهكذا حُكي عن جابر بن زيد رحمه الله أنه قال: الشفاعة حق فمن كذب بها فقد كذب بالقرآن الخ ما أطال فيه.
ثم قال والدليل على أن الشفاعة ليست لأهل الكبائر من القرآن والسنة:
أما من القرآن فقوله تعالى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضَى} [الأنبياء: 28]، وقال: {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنَ اَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} [طه: 109] وقال: {لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم: 87]، أي: بعمل صالح، وأخبر أنه يعطيه عليه الجنة، وقال: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18]، وقال حكاية عنهم: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء:100، 101]، وقالت الملائكة عليهم السلام: {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} [غافر: 07]، وقال: {يَوْمًا لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَّلَدِهِ} [لقمان: 30]، إلى أن قال: (3/25)
صفحة 833
ومن السنة ما رواه جابر بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ينال شفاعتي سلطان ظلوم غشوم، ورجل لا يراقب الله في اليتيم"، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا ينال شافعتي الغالي في الدين، والجافي عنه"، يعني: الزائد فيه والناقص منه؛ إلى أن قال:
فإن قال قائل إن المؤمنين قد وعدهم الله في كتابه الجنة فما حاجتهم إلى ا لشفاعة؟
قيل له: إن الشفاعة زيادة في الثواب، وتشريف في المنازل؛ وأيضا فإن ا لمؤمنين تكون عليهم الذنوب والتبعات من قبل الأرحام والقرابات ومن حقوق الجيران والأولاد والزوجات وما أشبه ذلك؛ ألا ترى إلى قول الله تعالى حكاية عن المؤمنين: {يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 08]، فأخبر أنهم يسألونه إتمام نورهم وغفران ذنوبهم وهم يمشون على قناطر جهنم قبل دخول الجنة؟
ويدل على ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا بعمل صالح، وبرحمة من الله، وشفاعتي"؛ وبالله التوفيق.
مسألة: قال: والشفاعة عندنا إنما هي في الحشر قبل دخول الكفار النار، وهي مخزونة لا يصل إليها نبي مرسل ولا ملك مقرَّب حتى يفتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهي المقام المحمود الذي وعده الله عز وجل، يحمده فيه الأولون والآخرون حيث نجاهم من ذلك المقام.
ويحمده الأولون بما فتح لهم من الشفاعة لأنها مخزونة حتى يفتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى آخر ما طال فيه فليراجع.
وذُكر عن جابر أنه قال: والله ما شفاعة الملائكة والنبيين إلا للتائبين، وكان يقول: ما نالت دعوة مؤمن منافقا قط.
ثم قال رحمه الله في آخر كلامه في بقية حديث رواه: "يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد اشتريا أنفسكما من الله فإني لا أغني عنكما من الله شيئا" والله أعلم. (3/26)
صفحة 834
فكيف يطمع أهل الكبائر المصرون عليها مع هذا في شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فنسأل الله تعالى بجوده وكرمه أن يجعلنا من أهل شفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولو علمنا أنها لأهل الكبائر ما سألناه أن يجعلنا من أهلها، لأنا إذا سألناه ذلك فقد سألناه أن يجعلنا من أهل الكبائر حتى يعطيها لنا وبالله التوفيق انتهى.
وذكر الشيخ تبغورين بن عيسى رحمه الله بعد أن ذكر الشفاعة العظمى وأنها المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون ما نصه: "فإذا فرغوا من الحساب استأذن المسلمون من يشفع لهم إلى الله أن يأذن لهم إلى منازلهم في الجنة، فطلبوا آدم صلى الله عليه وسلم فلم يشفع لهم فصرفهم إلى نوح فدفعهم إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم فكلهم يدلهم على محمد صلى الله عليه وسلم، فطلبوه فدعا ربه فأعطاه مفاتيح الجنة، فهذا هو المقام المحمود".
هذا ما صح في الشفاعة في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وتصديق ذلك من كتاب الله عز لله جل إلى آخر ما أطال فيه.
قوله: «يقول ربُّنا تبارك وتعالى الخ»، رواية المصنف رحمه الله ليس فيها ما يقتضي التشبيه، بخلاف رواية البخاري فإنه قال: "ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، يقول من يدعوني الخ).
ولهم في ذلك تأويلات، أحسنها أن المعنى: أنه ينزل أمره، أو الملَك بأمره، أو أنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم، ونحوُ ذلك قوله: "حين يبقى ثلث الليل الأخيرُ" بِرَفْع الأخير لأنه صفة الثلث.
قوله: «من يدعوني الخ» قال ابن حجر: والفرق بين الثلاثة أن المطلوب، إما لدفع المضار أو لجلب المسار، وذلك إما ديني أو دنيوي، ففي الاستغفار إشارة إلى الأول، وفي السؤال إشارة إلى الثاني، وفي الدعاء إشارة إلى الثالث.
وقال الكرماني: يحتمل أن يقال الدعاء: ما لا طلب فيه نحو: يا الله، والسؤال: الطلب، وأن يقال: المقصود واحد وإن اختلف اللفظ الخ. (3/27)
صفحة 835
وذكر أن في بعض الروايات زيادة، منها:
ـ "هل من تائب فأتوب عليه".
ـ ومنها "من ذا الذي يسترزقني فأرزقه، من ذا الذي يستكشف الضر فأكشف عنه".
ـ ومنها "ألا سقيم يستشفي فيشفى".
قال ابن حجر: "ومعانيها داخلة فيما تقدم"؛ إلى أن قال: "وفيه تحريض على عمل الطاعة وإشارة إلى جزيل الثواب عليها الخ".
وذكر أنه زاد في آخر الحديث في بعض الروايات: "حتى يطلع الفجر"، إلى أن قال: ولذلك كانوا يفضلون آخر الليل على أوله الخ.
قوله: «فأستجيبَُ» بالنصب في جواب الاستفهام، وبالرفع على الاستئناف، وكذا قوله: "فأعطيه وأغفر له"، وقد قرئ بهما في قوله تعالى: {مَن ذَا الذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [الحديد: 11].
قال ابن حجر: "وليست السين في قوله: "فأستجيب"، للطلب بل "أستجيب" بمعنى: أجيب.
وفي حديث الباب من الفوائد:
ـ تفضيل صلاة آخر الليل على أوله.
ـ وتفضيل تأخير الوتر، لكن ذلك في حق من طمع أن ينتبه.
ـ وأن آخر الليل أفضل للدعاء والاستغفار، ويشهد له قوله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالاَسْحَارِ} [آل عمران: 17].
ـ وأن الدعاء في ذلك الوقت مجاب.
ولا يُعترض على ذلك بتخلفه عن بعض الداعين؛ لأن سبب التخلف وقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء، كالاحتراز في المطعم والمشرب والملبس، أو لاستعجال الداعي، أو بأن يكون الدعاء بإثم أو قطيعة رحم، أو تحصل الإجابة ويتأخر وجود المطلوب لمصلحة العبد أو لأمر يريده الله تعالى"، انتهى.
قوله: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجِّل» أي: يجاب دعاؤه، فاستجاب بمعنى أجاب، ويستجيب بمعنى يجيب، هذا قول أبي عبيدة؛ قال في قوله تعالى: (3/28)
صفحة 836
{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمُ,} [آل عمران: 195]، بمعنى أجابهم؛ تقول العرب: استجبتك، أي: أجبتك، قال في قوله: {وَيَسْتَجِيبُ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشورىك 26]، أي: يجيب الذين آمنوا، قاله ابن حجر.
قوله: «فيقول دعوت ربي فلم يستجب لي»، قال ابن حجر: "واللام منصوبة".
قال ابن بطال: المعنى أنه: يسأم فيترك الدعاء فيكون كالمانِّ بدعائه، وأنه أتى من الدعاء بما يستحق به الإجابة، فيصير كالمبخل للرب الذي لا تعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء؛ إلى أن قال: في رواية "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو ما لم يستعجل، قيل: وما الاستعجال؟ قال: يقول قد دعوت فلم يُستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء"؛ ومعنى قوله: "يستحسر" ـ وهو مهملات ـ ينقطع.
وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء وهو أنه يلازم الطلب ولا ييأس من الإجابة؛ لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار، حتى قال بعض السلف: "لأَنا أشد خشية أن أُحرم الدعاء من أن أُحرم الإجابة"؛ وكأنه أشار إلى حديث ابن عمر رفعه "من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة"، إلى أن قال: وقد تقدمت في كتاب الدعاء الأحاديث الدالة على أن دعوة المؤمن لا ترد، وأنها إما أن تعجل له الإجابة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها، وإما أن يدخر له في الآخرة خير مما سأل.
إلى أن قال حاكيا عن ابن الجوزي: اعلم أن دعاء المؤمن لا يرد؛ غير أنه قد يكون الأَوْلى له تأخير الإجابة أو يعوَّض بما هو أولى له عاجلا أو آجلا؛ فينبغي للمؤمن أن لا يترك الطلب من ربه فإنه متعبد بالدعاء كما هو متعبد بالتسليم والتفويض.
ومن جملة آداب الدعاء تحري الأوقات الفاضلة كالسجود وعقب الأذان.
ومنها تقديم الوضوء والصلاة واستقبال القبلة ورفع اليدين وتقديم التوبة والاعتراف بالذنب والإخلاص، وافتتاحه بالحمد والثناء والصلاة على النبي صلى (3/29)
صفحة 837
الله عليه وسلم والسؤال بالأسماء الحسنى؛ وأكثر أدلة ذلك ذكرت في هذا الكتاب.
وقال الكرماني ما ملخصه: الذي يتصور للإجابة وعدمها أربع صور:
ـ الأُولى: عدم العجلة وعدم القول المذكور.
ـ الثانية: وجودهما.
ـ الثالثة والرابعة: عدم أحدهما ووجود الآخر.
فدل الخبر على أن الإجابة تختص بالصورة الأولى دون الثلاث.
قال: ودل الحديث على أن مطلق قوله: {اُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي} [البقرة: 186]، مقيد بما دل عليه الحديث.
قلت: وقد أُوِّل الحديث المشار إليه قبل على أن المراد بالإجابة، ما هو أعم من تحصيل المطلوب بعينه أو ما يقوم مقامه ويزيد عليه" انتهى.
قوله: «اللهم اغفر لي إن شئت الخ»، في رواية عن أبي هريرة زيادة: "اللهم ارزقني إن شئت"، قال ابن حجر وهذه كلها أمثلة.
قوله: «ليعزم على المسألة» قال ابن حجر: "ومعنى الأمر بالعزم الجد فيه، وأن يجزم بوقوع مطلوبه ولا يعلق ذلك بمشيئة الله تعالى، وإن كان مأمورا في جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة الله تعالى.
وقيل: معنى العزم، أن يحسن الظن بالله في الإجابة.
قوله: «فإنه لا مكره له»، قال ابن حجر: والمراد أن الذي يحتاج إلى التعليق بالمشيئة ما إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على شيء فيخفف الأمر عليه ويعلم أنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلا برضاه، وأما الله سبحانه وتعالى فهو منزه عن ذلك فليس للتعليق فائدة.
وقيل: المعنى أن فيه ضرورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه، والأول أولى.
إلى أن قال: وقال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يقول: اللهم اعطني إن شئت وغير ذلك من أمور الدين والدنيا؛ لأنه كلام مستحيل لا وجه له، لأنه لا يفعل إلا ما شاء؛ وظاهره أنه حمل النهي على التحريم وهو الظاهر؛ (3/30)
صفحة 838
وحمل النووي النهي في ذلك على كراهة التنزيه، وهو أولى ويؤيده ما سيأتي في حديث الاستخارة.
قال ابن بطال في الحديث: أنه ينبغي أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء الإجابة ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعو كريما.
وقد قال ابن عيينه: لا يمنعن أحد الدعاء ما يعلم من نفسه ـ يعني من التقصيرـ فإن الله تعالى قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال {رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [ص: 79].
وقال الداودي: معنى "ليعزم على المسألة": أن يجتهد ويلح، ولا يقل إن شئت، كالمستثني، ولكن دعاء البائس الفقير.
قلت: وكأنه أشار بقوله كالمستثني إلى أنه إذا قالها على سبيل التبرك لا يكره وهو جيد"؛ انتهى. (3/31)
صفحة 839
الباب الثالث والعشرون
في التسبيح والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
504) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُصَلِّي عَلَيَّ مِائَةَ مَرَّةٍ إِلاَّ كُتِبَ مِنَ الذَّاكِرِينَ».
505) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ حَتَّى نَسِينَا أَنَّهُ سَأَلَهُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى نَبِيئِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ (1)، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلاَمُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ (2)».
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيءُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ هَكَذَا عَلِمْنَاهُ.
506) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عِدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ مَنْ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ».
507) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ عَلَى إِثْرِ صَلاَتِهِ سُبْحَانَ
__________
(1) / خ: وعلى آل إبراهيم.
(2) / قوله: كما قَدْ علمتم أي هذه صفة الصلاة على وأماّ السلام فهو كما قَدْ علمتموه من قبل بمعنى أنّ السلام عليه السلام هو الذِي عرفوه فيما بينهم ليس له صفة غير ذلك. واللَّه أعلم. (3/32)
صفحة 840
اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ (1) مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».
508) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى ذَاتَ يَوْم بِأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا وَهُوَ يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ... » الْحَدِيثُ (2).
509) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَقْبَلَ مِنْ حَجٍّ أَوْ غَزْوٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ ثَلاَثَ تَكْبِيرَاتٍ ... » مَذْكُورٌ (3).
أي في فضلها وكيفيتها كما يدل عليه السياق.
وأما حكمها فلم يتعرض له وفيه اختلاف كثير.
قال ابن حجر: "فحاصل ما وقفت عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب:
ـ أولها: قول ابن جرير الطبري أنها من المستحبات، وادعى الإجماع على ذلك.
ـ ثانيها: مقابله وهو نقل ابن القصار وغيره الإجماع على أنها تجب في الجملة بغير حصر، لكن أقل ما يحصل به الإجزاء مرة.
ـ ثالثها: تجب مرة في العصر في صلاة أو في غيرها، وهي مثل كلمة التوحيد، قاله أبو بكر الرازي من الحنفية وابن حزم وغيرهما؛ وقال القرطبي المفسر: لا خلاف في وجوبها في العمر مرة، وأنها واجبة في كل حين وجوب السنن المؤكدة، وسبقه ابن عطية.
__________
(1) / خ: وبحمده.
(2) / قوله: الحديث، إشارة إلى تقدّمه في باب الركوع والسجود.
(3) / قوله: (مذكور) أي هذا الحديث مذكور في كتاب الحجّ في باب الاهلال والتلبيّة ولكلّ واحد من الحديثين مناسبة بالباب لأنّ واحدا منهم قَدْ جاء بنوع من الاذكار وله مناسبة بالباب المتقدّم أيضا باعتبار موضع الذكر المخصوص واللَّه أعلم. (3/33)
صفحة 841
ـ رابعها: تجب في القعود من الصلاة بين قول التشهد وسلام التحلل، قاله الشافعي ومن تبعه.
ـ خامسها: تجب في التشهد، وهو قول الشعبي وإسحاق بن راهويه.
ـ سادسها: تجب في الصلاة من غير تعيين المحل، نقل ذلك عن أبي جعفر البارق.
ـ سابعها: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، قاله أبو بكر بن بكير من المالكية.
ـ ثامنها: كلما ذكر، قاله الطحاوي وجماعة من الحنفية والحلبي وجماعة من الشافعية، وقال ابن العربي من المالكية إنه الأحوط وكذا قال الزمخشري.
ـ تاسعها: في كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره مرارا، حكاه الزمخشري.
ـ عاشرها: في كل دعاء أيضا"، انتهى.
قوله: «فسكت حتى نسينا أنه سأله»، في بعض الروايات بدل قوله: "حتى نسينا أنه سأله"، "حتى تمنينا أنه لم يسأله".
قال ابن حجر: "وإنما تمنوا ذلك خشية أن يكون لم يعجبه السؤال المذكور، لما تقرر عندهم من النهي عن ذلك الخ، فذُكر أن في بعض الروايات: "فسكت حتى جاء فقال" الخ.
ثم قال: واختُلِف في المراد بقوله: "كيف".
فقيل: المراد السؤال عن معنى الصلاة المأمور بها وبأي لفظ تُؤدَّى.
وقيل: عن صفتها، قال عياض: لما كان لفظ الصلاة المأمور بها في قوله تعالى: {صَلُّوا عَلَيْهِ} [الأحزاب: 56] يحتمل الرحمة والدعاء والتعظيم، سألوا بأي لفظ تؤدَّى، هكذا قال بعض المشايخ، ورجح الباجي أن السؤال إنما وقع عن صفتها لا عن جنسها وهو أظهر لأن لفظ "كيف"، ظاهر في الصفة، وأما الجنس فيسأل عنه بلفظ "ما". (3/34)
صفحة 842
وبه جزم القرطبي فقال: هذا سؤالُ مَن أشكلت عليه كيفية ما فهم أصله، وذلك أنهم عرفوا المراد بالصلاة فسألوا عن الصفة التي تليق به ليستعملوها" انتهى.
والحامل لهم على ذلك أن السلام لما تقدم بلفظ مخصوص وهو "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، فهموا منه أن الصلاة أيضا تقع بلفظ مخصوص، وعدلوا عن القياس لإمكان الوقوف على النص، ولا سيما ألفاظ الأذكار فإنها تجيء خارجة عن القياس غالبا، فوقع الأمر كما فهموا، فإنه لم يقل لهم قولوا: الصلاة عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته؛ ولا قولوا: الصلاة والسلام عليك الخ، بل علمهم صفة أخرى.
قوله: «قولوا اللهم»، قال ابن حجر: هذه كلمة كثر استعمالها في الدعاء وهو بمعنى يا الله والميم عوض حرف النداء؛ ولا يقال: اللهم غفور رحيم؛ وإنما يقال: اللهم اغفر لي وارحمني؛ ولا يدخلها حرف النداء إلا في نادر، كقول الراجز:
إني إذا ما حدث ألمّا ... أقول يا اللهم يا اللهما
اختص هذا الاسم بقطع همزته عند النداء، ووجوب تفخيم لامه، وبدخول حرف النداء عليه مع التعريف.
وذهب الفراء ومن تبعه من الكوفيين إلى أن أصله: يا الله، وحذف حرف النداء تخفيفا، والميم مأخوذة من جملة محذوفة مثل: أمنا بخير.
وقيل: بل زائدة كما في زرقم للشديد الزرقة، وزيدت في الاسم العظيم تفخيما.
وقيل: بل هو كالواو الدالة على الجمع كأن الداعي قال يا من اجتمعت الأسماء الحسنى فيه، ولذلك شدِّدت الميم عوضا عن علامة الجمع؛ وقد جاء عن الحسن البصري: اللهمَّ مجتمع الدعاء.
وعن النضر بن شميل من قال: "اللهم، فقد سأل الله بجميع أسمائه" انتهى.
قوله: «صل»، اختلف العلماء في الصلاة عليه:
قال ابن حجر عن أبي العالية: "أن معنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند ملائكته، ومعنى صلاة الملائكة عليه الدعاء له. (3/35)
صفحة 843
وعند ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: صلاة الله مغفرته وصلاة الملائكة الاستغفار؛ وعن ابن عباس أن معنى صلاة الملائكة الدعاء بالبركة.
ونقل الترمذي عن سفيان الثوري وغير واحد قالوا صلاة الرب رحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار.
إلى أن قال بعد ذكر أقوال: وأولى الأقوال ما تقدم عن أبي العالية إن معنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم عليه طلب ذلك من الله تعالى، والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة.
وقيل: صلاة الله على خلقه تكون خاصة وتكون عامة: فصلاته على أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم الرحمة فهي التي وسعت كل شيء.
ونقل عياض عن بكر القشيري أن الصلاة على النبي من الله تشريف وزيادة تكرمة، وعلى مَن دون النبي رحمة.
وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين سائر المؤمنين، حيث قال الله تعالى {اِنَّ اللَّهَ وَمَلآَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيءِ} [الأحزاب: 55]، وقال قبل ذلك في السورة المذكورة: {هُوَ الذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلآَئِكَتُهُ} [الأحزاب: 43]، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم والتنويه به ما ليس في غيرها.
وقال الحليمي في الشعب: معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه، فمعنى قولنا: "اللهم صل على محمد": عظم محمدا، والمراد تعظيمه في الدعاء بإعلاء ذكره إظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى {صَلُّوا عَلَيْهِ} [الأحزاب: 55]، أي: ادعوا ربكم بالصلاة عليه انتهى، إلى أن قال: وما تقدم عن أبي العالية أظهر؛ فإنه لا يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله وإلى ملائكته وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد، ويؤيده أنه (3/36)
صفحة 844
لا اختلاف في جواز الترحم على غير الأنبياء، واختلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء.
ولو كان معنى قولنا: اللهم صل على محمد: اللهم ارحم محمدا، أو ترحم على محمد، لجاز لغير الأنبياء، وكذا لو كانت بمعنى البركة، وكذا الرحمة لسقط الوجوب في التشهد عند من يوجبه، بقول المصلي في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويمكن الانفصال أن ذلك وقع بطريق التعبد فلابد من الإتيان ولو سبق الإتيان بما يدل عليه" انتهى.
قوله: «على محمد وعلى آل محمد» قال ابن حجر: قيل أصل آل (أهل) قلبت الهاء همزة ثم سهلت، ولهذا إذا صغِّر رُد إلى الأصل فقالوا: أهيل؛ وقيل بل أصله: "أول" من "آل"، إذا رجع سمي بذلك من يؤول إلى الشخص، ويضاف إليه ويقويه أنه لا يضاف إلا إلى معظم، فيقال: آل القاضي، ولا يقال: آل الحمام، بخلاف "أهل" ولا يضاف غالبا إلى غير العاقل ولا إلى المضمر عند الأكثر، وجوزه بعضهم بقلة، وقد ثبت في شعر عبد المطلب في قوله في أصحاب الفيل من أبيات:
"وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم"
وقد يطلق آل فلان، على نفسه وعليه وعلى من يضاف إليه جميعا؛ وضابطه أنه إذا قيل: فعل آل فلان كذا، دخل هو فيهم إلا بقرينة، ومن شواهده قوله صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة الخ".
واختلِف في المراد بآل محمد فقيل هم الذين لا تحل لهم الصدقة وهم أقاربه المؤمنون من بني هاشم وبني عبد المطلب ابن عبد مناف؛ وقيل: أزواجه وذريته وقيل: أهل بيته؛ وقيل الأزواج ومن تحرم عليهم الصدقة ويدخل فيهم الذرية؛ وقيل المراد بالآل ذرية فاطمة خاصة وقيل: هم جميع قريش؛ وقيل: المراد جميع الأمة، أمة الإجابة ومال إليه مالك ورجحه النووي وقيده القاضي حسين والراغب بالأتقياء منهم، وعليه يحمل كلام من أطلق؛ ويؤيده قوله (3/37)
صفحة 845
تعالى: {إِنَ اَوْلِيَآؤُهُ, إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [التوبة: 34]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن أوليائي منكم المتقون"، وفي بعض الأحاديث: "آل محمد كل تقي"، أقول: وهذا هو الظاهر في الدعاء.
قوله: «كما صليت على إبراهيم»، قال ابن حجر: اشتهر السؤال عن موقع التشبيه مع أن المقرر أن المشبه دون المشبه به والواقع هنا عكسه؛ لأن محمدا صلى الله عليه وسلم وحده أفضل من إبراهيم ومن آل إبراهيم، ولا سيما قد أضيف إليه آل محمد، وقضية كونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره.
وأجيب عن ذلك بأجوبة:
ـ الأول: أنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم، إلى أن قال: وتُعقب بأنه لو كان كذلك لغيرَّ الصلاة عليه بعد أن علم أنه أفضل.
ـ الثاني: أنه قال ذلك تواضعا وشرع ذلك لأمته ليكتسبوا بذلك الفضيلة.
ـ الثالث: أن التشبيه إنما هو لأصل الصلاة لا للقدر بالقدر، فهو كقوله تعالى: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحٍ} [النساء: 163]، وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 163]، وهو كقولك: أحسن إلي كما أحسنت إلى فلان، ويريد بذلك أصل الإحسان لا قدره، ومنه قوله تعالى: {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77]، ورجح هذا الجواب القرطبي في المفهم.
ـ الرابع: أن الكاف للتعليل كما في قوله: {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً} [البقرة: 151]، وفي قوله: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 198]،
إلى أن قال:
ـ الخامس: أن المراد أن يجعله خليلا كما جعل إبراهيم، وأن يجعل له لسان صدق كما جعل لإبراهيم، مضافا إلى ما حصل له من المحبة.
ويرد عليه ما ورد على الأول، وقربه بعضهم فجعله بأنه مثل رَجلين يملك أحدهما ألفا ويملك الآخر ألفين، فسأل صاحب الألفين أن يُعطَى ألفا أخرى نظير الذي أعطيها الأول فيصير المجموع للثاني أضعاف ما للأول. (3/38)
صفحة 846
ـ السادس: أن قوله: "اللهم صل على محمد" مقطوع عن التشبيه فيكون التشبيه متعلقا بقوله وعلى آل محمد.
وتُعقب بأن غير الأنبياء لا يمكن أن يساوي الأنبياء فكيف يطلب لهم صلاة مثل الصلاة التي وقعت لإبراهيم والأنبياء من آله.
ويمكن الجواب عن ذلك بأن المطلوب الثواب الحاصل لهم لا جميع الصفات التي كانت سبب الثواب.
وقد نقل العمراني في البيان عن الشيخ أبي حامد أنه نقل هذا الجواب عن نص الشافعي.
واستبعد ابن القيم صحة ذلك عن الشافعي لأنه مع فصاحته ومعرفته بلسان العرب لا يقول هذا الكلام الذي يستلزم هذا التركيب الركيك المَعيب من كلام العرب؛ كذا قال، وليس التركيب المذكور بركيك بل التقدير: اللهم صل على محمد وصل على آل محمد كما صليت الخ، فلا يمتنع تعلق التشبيه بالجملة الثانية.
ـ السابع: أن التشبيه إنما هو للمجموع بالمجموع، فإن في الأنبياء من آل إبراهيم كثرة، فإذا قوبلت تلك الذوات الكثيرة من إبراهيم وآل إبراهيم بالصفات الكثيرة التي لمحمد أمكن انتفاء التفاضل.
قلت: ويعكر على هذا الجواب أنه وقع في حديث أبي سعيد ثاني حديث الباب مقابلة الاسم فقط بالاسم، ولفظُه: "اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم".
ـ الثامن: أن التشبيه بالنظر إلى ما يحصل لمحمد وآل محمد من صلاة كل فرد فيحصل من مجموع صلاة المصلين من أول التعليم إلى آخر الزمان أضعاف ما كان لآل إبراهيم، وعبرَّ عن ابن العربي عن هذا بقوله المراد دوام ذلك واستمراره، إلى أن قال:
ـ التاسع: دفع المقدمة المذكورة أولا، وهي أن المشبه به يكون أرفع من المشبه، وأن ذلك ليس مطردا بل قد يكون التشبيه بالمثل، بل وبالدون كما في قوله تعالى {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} [النور: 35]، وأنى يقع نور المشكاة من نوره تعالى، ولكن لما كان المراد من المشبه به أن يكون الشبه ظاهرا واضحا للسامع حسن تشبيه النور بالمشكاة، وكذا هنا لما كان تعظيم إبراهيم وآل إبراهيم بالصلاة عليهم مشهورا واضحا عند (3/39)
صفحة 847
جميع الطوائف حسن أن يطلب لمحمد وآل محمد بالصلاة عليهم مثل ما حصل لإبراهيم وآل إبراهيم.
ويؤيد ذلك ختم الطلب المذكور بقوله: "في العالمين"، أي: كما أظهرت الصلاة على إبراهيم وآل إبراهيم، ولهذا لم يقع قوله: "في العالمين" إلا في ذكر إبراهيم دون ذكر آل محمد على ما وقع في الحديث الذي وردت فيه، وهو حديث أبي مسعود فيما أخبر مالك ومسلم وغيرهما.
وعبر الطيبي عن ذلك بقوله: ليس التشبيه من باب إلحاق الناقص بالكامل، لكن من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر.
وقال الحليمي: سبب هذا التشبيه أن الملائكة قالت في بيت إبراهيم {رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ, عَلَيْكُمُ, أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ, حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} [هود: 73]، وقد علم أن محمدا وآل محمد من أهل بيت إبراهيم، فكأنه قال أجب دعاء الملائكة الذين هم قالوا ذلك في محمد وآل محمد كما أجبتها عندما قالوا هذا في آل إبراهيم الموجودين حينئذ، ولذلك ختم بما ختمت به الآية وهو قول: "إنك حميد مجيد".
وقال النووي بعد أن ذكر هذه الأجوبة: أحسنها ما نسب إلى الشافعي، أو أن التشبيه لأصل الصلاة أو للمجموع بالمجموع.
وقال ابن القيم بعد أن زيف أكثر هذه الأجوبة: لا تشبيه المجموع بالمجموع، وأحسن منه أن يقال: هو صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم، وقد ثبت ذلك عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى {إِنَّ اللهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33]، قال: محمد من آل إبراهيم فكأنه أمرنا أن نصلي على محمد وعلى آل محمد خصوصا، بقدر ما صلينا عليه مع إبراهيم وآل إبراهيم عموما؛ فيحصل لآله ما يليق بهم ويبقى الباقي كله له، وذلك القدر أَزْيد مما لغيره من آل إبراهيم قطعا، وتظهر حينئذ فائدة التشبيه، وأن المطلوب له بهذا اللفظ أفضل من المطلوب بغيره من الألفاظ الخ.
قوله: «وعلى آل إبراهيم»، قال ابن حجر: هم ذريته من إسماعيل وإسحاق، كما جزم به جماعة من الشراح، وإن ثبت أن إبراهيم كان له أولاد من غير سارة وهاجر (3/40)
صفحة 848
فهم داخلون لا محالة، ثم المراد المسلمون منهم ثم المتقون، فيدخل فيهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون دون مَن عداهم الخ.
قوله: «وبارك»، قال ابن حجر: المراد بالبركة هنا الزيادة من الخير والكرامة؛ وقيل: المراد التطهر من العيوب والتزكية؛ وقيل: المراد ثبات ذلك واستمراره، من قولهم "بركت الإبل"، أي: ثبتت على الأرض، وبه سميت بركة الماء ـ بكسر أوله وسكون ثانيه ـ لإقامة الماء فيها.
والحاصل أن المطلوب أن يُعْطَوا من الخير أوفاه وأن يثبت ذلك ويستمر دائما.
والمراد بالعالمين فيما رواه أبو مسعود في حديثه: أصناف الخلق.
وفيه أقوال أخرى: قيل: ما حواه بطن الفلك، وقيل كل محدَث، وقيل: ما فيه روح، وقيل: بقيد العقلاء، وقيل: الإنس والجن فقط، انتهى.
قوله: «إنك حميد مجيد»، قال ابن حجر: أما الحميد فهو فعيل من الحمد، بمعنى محمود وأبلغ منه؛ وهو من حصل له من صفات الحمد أكملها؛ وقيل: هو بمعنى الحامد أي يحمد فعال عباده.
وأما المجيد فهو من المجد، وهو صفة من كمل في الشرف، وهو مستلزم للعظمة والجلال كما أن الحمد يدل على صفة الإكرام.
ومناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله لنبيه وثناؤه عليه والتنويه به وزيادة تقريبه؛ وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل للمطلوب، أو هو كالتذليل له؛ والمعنى: أنك فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المترادفة، كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك الخ.
قوله: «والسلام كما قد علمتم؛ قال الربيع قال أبو عبيدة: السلام عليك أيها النبي» الخ، يعني أن المراد بالسلام الذي علموه السلام الذي علَّمهم في التشهد.
قال ابن حجر: وتفسير السلام بذلك هو الظاهر.
وحكى ابن عبد البر فيه احتمالا وهو: أن المراد به السلام الذي يتحلل به من الصلاة، وقال: إن الأول أظهر وكذا ذَكر عياض وغيره. (3/41)
صفحة 849
ورد بعضهم الاحتمال المذكور بأن سلام التحلل لا يتقيد به اتفاقا كذا قيل.
وفي نقل الاتفاق نظر فقد جزم جماعة من المالكية بأنه يستحب للمصلي أن يقول عند سلام التحلل "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام عليكم" ذكره عياض، وقبله ابن أبي زيد وغيره، انتهى.
واعلم أن ما رواه المصنف رحمه الله في كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مخالف لما رواه الشيخ إسماعيل رحمه الله في القناطر في كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، حيث قال في مستحبات يوم الجمعة: ويستحب أيضا إكثار الصلاة فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من صلى علي في يوم الجمعة ثمانين مرة غفر الله له ذنوب ثمانين سنة؛ فقيل له: كيف نصلي عليك؟ فقال: تقول: اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي؛ ثم تعقد واحدة" انتهى، اللهم إلا أن يقال هذا ليوم الجمعة بخصوصه، وما ذكره المصنف لسائر الأوقات؛ والله أعلم.
قوله: «له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»، قال ابن حجر: هكذا في أكثر الروايات وورد في بعضها زيادة: "يحي ويميت"، وفي أخرى زيادة: "بيده الخير" الخ.
قوله: «في يوم مائة مرة»، في بعض الروايات عند قومنا: "إذا أصبح"، وفي بعضها: "في دبر صلاة الفجر قبل أن يتكلم".
قوله: «عدل»، قال ابن حجر: بفتح العين، قال الفراء العدل بالفتح ما عدل الشيء من غير جنسه، وبالكسر المثل.
قوله: «عشر رقاب»، في بعض الروايات، "من قال لا اله إلا الله"، وفي آخره: "عشر مرات كن له عدل رقبة"، وفي بعضها: "من قالها فله عدل رقبة، ولا يعجز أن يستكثر من الرقاب".
قوله: «إلا من عمل أكثر من ذلك»، قال ابن حجر: والاستثناء في قوله: "إلا رجل" منقطع، والتقدير: ولكن رجل قال أكثر مما قاله فإنه يزيد عليه، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا. (3/42)
صفحة 850
قوله: «من قال على إثر صلاته سبحان الله وبحمده مائة مرة»، في بعض الروايات عند قومنا: "من قال حين يمسي وحين يصبح".
وذكر النووي أن الأفضل أن يقول ذلك متواليا في أول النهار وفي أول الليل.
وذكر ابن حجر: في معنى التسبيح أنه تنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص، فيلزم نفي الشريك والصاحبة والولد وجميع الرذائل.
ويطلق التسبيح ويراد به جميع ألفاظ الذكر، ويطلق ويراد به صلاة النافلة؛ وأما صلاة التسبيح فسميت بذلك لكثرة التسبيح فيها.
وسبحان الله منصوب على أنه واقع موقع المصدر بفعل محذوف تقديره: سبحت سبحانا، كسبحت الله تسبيحا، ولا يستعمل غالبا إلا مضافا وهو مضاف إلى المفعول، أي: سبحت الله، ويجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل، أي: نزه الله نفسه، والمشهور الأول، وقد جاء غير مضاف في الشعر كقوله
سبحانه ثم سبحانا أنزهه.
قوله: «حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر»، المراد بذلك الكناية عن المبالغة في الكثرة، قاله ابن حجر قال: وقال عياض: قوله:"حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر"، أضعاف أضعاف المائة لكن تقدم في التهليل.
ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، فيحتمل أن يجمع بينهما بأن يكون التهليل أفضل، وأنه إنما زيد من رفع الدرجات وكتب الحسنات، ثم ما جعل مع ذلك من فضل عتق الرقاب قد يزيد على فضل التسبيح وتكفير جميع الخطايا لأنه قد جاء: "من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار"، فحصل بهذا العتق تكفير جميع الخطايا عموما بعد حصر ما عدَّد منها خصوصا مع زيادة مائة درجة وما زاد عتق الرقاب الزائدة على الحديث، ويؤيده الحديث الآخر: "أفضل الذكر التهليل"، وأنه أفضل ما قاله والنبيون من قبله وهو كلمة التوحيد والإخلاص.
وقيل إنه اسم الله الأعظم وقد مضى شرح التسبيح بأنه التنزيه عما لا يليق بالله تعالى، وجميع ذلك داخل في ضمن: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد"، انتهى ملخصا، إلى أن قال: (3/43)
صفحة 851
يعارضه في الظاهر حديث أبي ذر: "قلت يا رسول الله أخبرني بأحب الكلام إلى الله؟ قال: سبحان الله وبحمده"، إلى آخر ما أطال فيه من محاولة الجمع بين حديث التهليل وحديث التسبيح وأن التهليل رفع؛ ثم قال: وقد جمع القرطبي بما حاصله أن هذه الأذكار إذا أطلق على بعضها أنه أفضل الكلام أو أحبه إلى الله فالمراد إذا انضمت إلى أخواتها بدليل حديث سمرة عند مسلم: "أحب الكلام إلى الله أربع، لا يضرك بأيهن بدأت: سبحانه الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر".
ويحتمل أن يكتفى في ذلك بالمعنى فيكون من اقتصر على بعضها كفى لأن حاصلها التعظيم والتنزيه، ومن نزهه فقد عظَّمه، ومن عظَّمه فقد نزهه"انتهى.
وقال النووي: هذا الإطلاق في الأفضلية محمول على كلام الآدمي، وإلا فالقرآن أفضل الذكر.
وقال البيضاوي: الظاهر أن المراد من الكلام كلام البشر، فإن الثلاث الأول وإن وجدت في القرآن، لكن الرابعة لم توجد فيه ولا يفضل ما ليس فيه على ما هو فيه.
قلت: ويحتمل أن يجمع بأن تكون "من" مضمرة في قوله: "أفضل الذكر لا إله إلا الله"، وفي قوله: "أحب الكلام"، بناء على أن لفظ أفضل وأحب متساويان في المعنى؛ لكن يظهر مع ذلك تفضيل "لا إله إلا الله"؛ لأنها ذكرت بالتنصيص عليها بالأفضلية الصريحة، وذكرت مع أخواتها بالأحبية فحصل لها التفضيل تنصيصا وانضماما والله أعلم الخ.
فأخرج حديثين: أحدهما: "أن الرجل إذا قال لا إله إلا الله فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله عملا حتى يقولها وإذا قال الحمد لله فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبده حتى يقولها"؛ الثاني: "من قال لا إله إلا الله فليقل على أثرها الحمد لله رب العالمين".
ثم ذكر تكملة روى فيها حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن موسى قال: يا رب علمني شيئا أذكر به؛ قال: قل: "لا إله إلا الله"، الحديث؛ وفيه: "لو أن السماوات السبع وعامرهن والأرضين السبع جعلن في (3/44)
صفحة 852
كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله" فيؤخد منه أن الذكر بلا إله إلا الله أرجح من الذكر بالحمد لله، إلى أن قال: وذكر ابن بطال عن بعض العلماء، أن الفضل الوارد في حديث الباب وما شابهه إنما هو لأهل الفضل في الدين والطهارة من الجرائم العظام، وليس من أصر على شهواته وانتهك دين الله وحرماته بلا حق بالأفاضل المطهرين في ذلك، ويشهد له قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآءٌ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21]؛ انتهى.
قوله: «صلى ذات يوم بأصحابه» الخ، هذا الحديث تقدم الكلام عليه في كتاب الصلاة، وكذا الذي بعده تقدم في كتاب الحج والله أعلم. (3/45)
صفحة 853
[صفحة بيضاء] (3/46)
صفحة 854
كتاب النكاح (3/47)
صفحة 855
[صفحة بيضاء] (3/48)
صفحة 856
كتاب النكاح
قال ابن حجر: النكاح في اللغة الضم والتداخل، وتجوَّز من قال إنه الضم، وقال الفراء: النكح ـ بضم ثم سكون ـ اسم الفرج ويجوز كسر أوله، وكثر استعماله في الوطء، وسمي بالعقد لكونه سببه؛ وقال ابن القاسم والزجاج: هو حقيقة فيهما؛ وقال الفارسي إذا قالوا: نكح فلان فلانة أو بنت فلان فالمراد العقد، وإذا قالوا نكح زوجته فالمراد الوطء؛ وقال آخرون: أصله لزوم شيء لشيء مستعليا عليه، ويكون في المحسوسات وفي المعاني، قالوا نكح المطر الأرض، ونكح النعاس عينه، ونكحتُ القمح في الأرض إذا حرثتُها وبذرتُه فيها، ونكحت الحصا أخفاف الإبل.
وفي الشرع: حقيقة في العقد مجاز في الوطء على الصحيح، والحجة في ذلك كثرة وروده في الكتاب والسنة للعقد حتى قيل إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد.
ولا يرد مثل قوله: {حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ،} [البقرة: 230]؛ لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنة وإلا فالعقد لابد منه لأن قوله: {حَتَّى تَنكِحَ} معناه حتى تتزوج، أي: يعقد عليها ومفهومه أن ذلك كاف بمجرده، ولكن بيَّنت السنة أن لا عبرة بمفهوم الغاية بل لابد بعد العقد من ذوق العسيلة كما أنه لابد بعد ذلك من التطليق ثم العدة الخ.
فذكر قولين: أحدهما: أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد؛ والثاني: أنه مقول بالاشتراك على كل منهما ورجحه؛ والله أعلم. (3/49)
صفحة 857
الباب الرابع والعشرون في الأولياء
510) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ طَلاَقَ إِلاَّ بَعْدَ نِكَاحٍ، وَلاَ ظِهَارَ إِلاَّ بَعْدَ نِكَاحٍ، وَلاَ عِتَاقَ إِلاَّ بَعْدَ مُلْكٍ، وَلاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَبَيِّنَةٍ».
511) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الأَيِّمُ (1) أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا».
512) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَتْ خَنْسَاءُ بِنْتُ خِدَامٍ الأَنْصَارِيَّةُ زَوَّجَهَا أَبُوهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) فَأَخْبَرَتْهُ فَرَدَّ نِكَاحَهَا.
أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذ خَطَبَ إِلَيْكَمْ كُفْؤٌ فَلاَ تَرُدُّوهُ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ بَوَارِ الْبَنَاتِ». وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الأَحْرَارُ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ كُلُّهُمْ أَكْفَاءُ، إِلاَّ أَرْبَعَةٌ: الْمَوْلَى، وَالْحَجَّامُ، وَالنَّسَّاجُ، وَالْبَقَّالُ».
514) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهَ لِرَجُلٍ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَ لَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ، وَكَذَلِكَ الأُخْتُ بِالأُخْتِ.
__________
(1) / قوله الأيمّ هي التِي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا والمراد بها في الحديث الثيب فقط لأنّه ذكرها في مقابلة البكر.
(2) / قوله: إلى رسول في نسخة اقاط إلى. (3/50)
صفحة 858
515) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ لَهُ: وَهَبْتُ لَكَ نَفْسِي، فَسَكَتَ طَوِيلاً، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهُ إِيَّاهَا»؟ فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلاَّ إِزَارِي هَذَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِزَارَكَ جَلَسْتَ بِلاَ إِزَارٍ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَهُ»، فَقَالَ: مَا أَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: «فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فَالْتَمَسَ الرَّجُلُ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ»؟ فَقَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا - لِسُوَرٍ سَمَّاهَا - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «زَوَّجْتُهَا لَكَ بِمَا مَعَكَ (1) مِنَ الْقُرْآنِ».
قوله: «لا طلاق إلا بعد نكاح» إلى آخره، في السؤالات: وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه: "لا طلاق فيما لا يملك، ولا عتاق فيما لا يملك، ولا يمين في قطيعة رحم، ولا نذر في معصية الله"، يريد رحمه الله أن يكَفِّر ولا يقطع رحمه وأن لا يوفي بنذر في معصية الله فليكَفِّر كفارة يمين، وقيل: يستغفر ربه؛ انتهى.
وذكر قبل ذلك عن علي أنه قال: "لا إيلاء إلا بعد نكاح، ولا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد حلم أو بلوغ، ولا صوم يوم إلى الليل، ولا وصال في الصوم" الخ.
وظاهر هذه الأحاديث أنه لا يقع عليه الطلاق إذا لم يوجد عقد النكاح ولو كان معلقا على معيَّنة، وعند قومنا خلاف.
قال العلقمي: في قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس على رجل طلاق فيما لا يملك ولا عتاق فيما لا يملك"الخ، ما نصه: قال الدميري: أجمعوا على أنه إذا خاطب أجنبية بطلاق لا يترتب عليه حكم ولو تزوجها،
__________
(1) / خ: بما عندك. (3/51)
صفحة 859
واختلفوا فيما إذا علق الطلاق بنكاحها: فالذي ذهب إليه الشافعي وجماعة من السلف أن الطلاق لا يقع؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا طلاق فيما لا يملك" الخ، فذكر الإسناد، إلى أن قال: وقال البخاري: إنه أصح شيء ورد.
وروى الدارقطني: "أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي عرضت عليّ قريبة لها أتزوجها فقلت: هي طالق إن تزوجتها، فقال لا بأس، فتزوجها"؛ وبهذا قال جماعة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار.
وقال شريك: النكاح عقد والطلاق حل ولا يكون الحل إلا بعد العقد، وتعليق العتاق بالملك كتعليق الطلاق بالنكاح من غير فرق.
وقال مالك: إن عمم بأن قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، لم يقع، وإن خص محصورات أو امرأة معينة وقع؛ وقال أبو حنيفة: يقع عمم أو خصص؛ وعن أحمد روايتان كالمذهبين" انتهى.
وقال في البخاري بعد قوله في الترجمة: باب لا طلاق قبل النكاح، ما نصه: "وقال ابن عباس جعل الله الطلاق بعد النكاح"، ويروى في ذلك عن علي وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبان بن عثمان وعلي بن حسين وشريح وسعيد بن جبير والقاسم وسالم وطاووس والحسن وعكرمة وعطاء وعامر بن سعد وجابر بن زيد ونافع بن جبير ومحمد بن كعب وسليمان بن يسار ومجاهد والقاسم بن عبد الرحمن وعمرو بن هرم والشعبي: أنها لا تطلق"، انتهى.
قوله: «ولا نكاح إلا بولي وصداق وبينة»، أما الولي فإنه لابد منه لقوله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة أنكحت نفسها بغير ولي فنكاحها باطل باطل باطل"، قالها ثلاثا.
قال الشيخ أبو زكريا رحمه الله: وإذا تزوجت المرأة بغير وليها فللولي أن يستمسك بالزوج والمرأة والشهود والذي عقد النكاح جميعا عند الحاكم على ذلك، فإن أقروا بذلك فليُخرج منهم الحاكم حق الأدب جميعا، وإن أنكروا فإنه يدرك عليهم اليمين جميعا الخ. (3/52)
صفحة 860
وذكر أن الولي إذا امتنع من تزويج وليته فإنه يجبر على ذلك بالضرب من غير عدد.
ولا يجوز لغير الولي أن يزوجها إلا بإذنه ما لم يكن غائبا، وحدُّ الغيبة ثلاثة أيام على ما ذكره أبو إسحاق رحمه الله، أو كان حاضرا ورمت نفسها في كفء وامتنع من تزويجها كما هو معلوم.
وأما الصداق فإن تسميته شرط كمال لا شرط صحة عندنا، فإذا تزوجها من غير صداق صح العقد ورجعت إلى صداق مثلها من النساء في حسبها ونسبها وجمالها وحسنها في أنساب آبائها، مثل الجدة والعمة والأخت وبنت الأخت وبنت العم؛ وقيل إنها ترجع إلى عقرها وهو عُشر ديتها وهو الذي يحكم به الحاكم.
وأما البينة فإنه لا يلزم العقد إلا بوجودها فإن عقد من غير بينة فمن شاء منهما رجع؛ قال في كتاب النكاح بعد كلام: وإذا تزوج الرجل امرأة بغير شهود فلها أن تتزوج إن شاءت ما لم يستشهد على النكاح؛ والله أعلم.
قوله: «الأيم أحق بنفسها من وليها»، والمراد بالأيم الثيب التي لا زوج لها بدليل قوله: "أحق بنفسها من وليها"، والأيم العازب مطلقا.
قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: {وَأَنكِحُواْ الاَيَامَى مِنكُمْ} [النور: 32]: "وفيه دليل على وجوب تزويج الولية والمملوك وذلك عند طلبهما، وإشارة بأن الأمة والعبد لا يستبدان به إذ لو استبدا لما وجب على الولي والمولى".
و"أيامى" مقلوب أيايم كيتامي جمع "أيم"، وهو العزب ذكرا كان أو أنثى بكرا أو ثيبا الخ، ومثله كلام الصحاح حيث قال: "الأيامى" الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، وأصلها أيايم فقلبت لأن الواحد رجل أيم، سواء كان تزوج من قبل أو لم يتزوج، وامرأة أيم أيضا بكرا كانت أو ثيبا؛ الخ؛ وقوله: "قلبت" يعني قدمت اللام التي هي الميم وأخرت العين التي هي الياء فقلبت ألفا. (3/53)
صفحة 861
وكلام ابن حجر هو المناسب للحديث حيث قال في الأيم: وهي التي يموت زوجها أو تبين منه وتقضي عدتها، وأكثر ما تُطلَق على من مات زوجها؛ وقال ابن بطال: العرب تطلق على كل امرأة لا زوج لها وعلى كل رجل لا امرأة له: "أيما"؛ زاد في المشارق: وإن كان بكرا، الخ.
والمراد بكون الأيم أحق بنفسها من وليها أنه يجب عليه أن يلحقها برضاها إذا وضعت نفسها في كفئها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: "استأمروا النساء في أبضاعهن، وألحقوهن بأهوائهن".
قال الشيخ أبو زكريا رحمه الله: ولا يزوج الولي وليته إلا بإذنها ورضاها الخ.
قوله: «والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها»، لفظ الحديث في البخاري: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن".
قال ابن حجر: فعبر للثيب بالاستئمار وللبكر بالاستئذان، فيؤخذ منه فرق بينهما من جهة أن الاستئمار يدل على تأكيد المشاورة وجعل الأمر إلى المستأمرة، ولهذا يحتاج الولي إلى صريح إذنها في العقد، فإذا صرحت بمنعه امتنع اتفاقا، والبكر بخلاف ذلك.
والإذن دائر بين القول والسكوت بخلاف الأمر فإنه صريح في القول.
وإنما جعل السكوت إذنا في حق البكر لأنها قد تستحي أن تفصح؛ انتهى.
والمراد من البكر: البالغة دون الصبية لأن البالغة هي التي يتأتى فيها الاستئذان؛ وظاهر هذا الحديث كظاهر قول الشيخ أبي زكريا المتقدم في أن الولي لا يزوج إلا بعد المشاورة والرضا والإذن في ذلك، وهو الظاهر لما فيه من رفع النزاع المترتب على العقد إذا تقدم على الرضى في بعض الصور كما يشهد به الوجدان، ولما فيه من السلامة من فسخ العقد بعد تحققه.
ولكن كلام أصحابنا رحمهم الله يدل على أنه يجوز العقد قبل الاستئمار والإذن؛ إلا أنها إذا بلغها الخبر وأرادت الإنكار فإنها تنكر من حينها فإن توانت لزمها النكاح؛ كما بُين في محله. (3/54)
صفحة 862
ومثل السكوت في الدلالة على الرضا في جانب البكر الضحك والبكاء على ما صرح به الشيخ أبو إسحاق رحمه الله.
تنبيه: قال ابن حجر: قال ابن المنذر: يسحب إعلام البكر أن سكوتها إذن، لكن لو قالت بعد العقد: ما علمت أن صمتي إذن؛ لم يبطل العقد بذلك عند الجمهور؛ وأبطله بعض المالكية وقال ابن شعبان منهم: يقال لها ذلك ثلاثا: إن رضيت فاسكتي وإن كرهت فانطقي.
وقال بعضهم: يطال المُقام عندها لئلا تخجل فيمنعها ذلك من المسارعة.
واختلفوا فيما إذا لم تتكلم بل ظهرت منها قرينة السخط والرضا الخ.
والحاصل كما قال ابن حجر: أن الثيب البالغ لا يزوجها لا أب ولا غيره إلا برضاها اتفاقا إلا من شذ، والبكر الصغيرة يزوجها أبوها إلا من شذ؛ قال: والثيب غير البالغ اختلف فيها:
فقال مالك وأبو حنيفة: يزوجها أبوها كما يزوج البكر.
وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد: لا يزوجها إذا زالت البكارة بالوطء لا بغيره، والعلة عندهم أن إزالة البكارة تزيل الحياء الذي في البكر الخ.
أقول: والظاهر أنه يزوجها لصغرها، ويوقف رضاها إلى البلوغ كما تقتضيه القواعد عندنا ولا عبرة برضاها وإنكارها في الصغر؛ والله أعلم.
وأما البكر البالغ فيزوجها أبوها وغيره من الأولياء بإذنها أو رضاها ولو بعد ذلك عندنا.
وأما عند غيرنا ففيه خلاف: قال ابن حجر: والصحيح الذي عليه الجمهور استعمال الحديث في جميع الأبكار بالنسبة لجميع الأولياء.
واختلفوا في الأب يزوج البكر البالغ بغير إذنها: فقال الأوزاعي والثوري والحنفية ووافقهم أبو ثور بشرط استئذانها، فلو عقد عليها بغير استئذان لم يصح.
وقال آخرون: يجوز للأب أن يزوج ولو كانت بالغا بغير استئذان، وهو قول أبي ليلى ومالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق الخ. (3/55)
صفحة 863
وقال أيضا في محل آخر: واختلف في استئمارها: والحديث دال على أنها لا إجبار للأب عليها إذا امتنعت، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، ثم قال: وقد ألحق الشافعي الجد بالأب.
وقال أبو حنيفة والأوزاعي في الثيب الصغيرة: يزوجها كل ولي، فإذا بلغت ثبت لها الخيار؛ إلى أن قال: وعن مالك يلحق بالأب في ذلك وصي الأب دون بقية الأولياء فيه لأنه أقامه مقامه، الخ.
وأما البكر الصغيرة بالنظر إلى غير الأب من الأولياء ففيه خلاف عندنا، والمصدَّر به في كتاب النكاح لأبي زكريا رحمه الله أنه جائز؛ وذكر قولين آخرين: أحدهما: أنه لا يزوج الأطفال إلا الأبوان؛ والثاني: أنهم لا يزوجهم أب ولا غيره؛ وذكر أبو إسحاق رحمه الله أنه مذهب جابر بن زيد رحمه الله والله أعلم.
قوله: «خنساء بنت خدام»، قال ابن حجر: بمعجمة ثم نون ثم مهملة وزن حمراء، وأبوها بكسر المعجمة وتخفيف المهملة قيل اسم أبيه وديعة، والصحيح أن اسم أبيه خالد، ووديعة اسم جده فيما أحسب الخ.
قوله: «زوجها أبوها وهي ثيب فكرهت ذلك»، في بعض الروايات: "قالت: أنكحني أبي وأنا كارهة وأنا بكر"، قال ابن حجر: والأول أرجح، إلى أن قال: عن أبي بكر بن محمد: "أن أحد الأنصار تزوج خنساء بنت خدام فقتل عنها يوم أحد فأنكحها أبوها رجلا، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبي أنكحني وإن عم ولدي أحب إلي، فهذا يدل على أنها كانت ولدت من زوجها الأول، إلى أن قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم" لا تكرهوهن"، فنكحت بعد ذلك أبا لبابة وكانت ثيبا، إلى أن قال: (3/56)
صفحة 864
عن يحيى بن سعيد عن القاسم أن امرأة من ولد جعفر تخوَّفت أن يزوجها وليها وهي كارهة فأرسلت إلى شيخين من الأنصار عبد الرحمن ومجمع بن جارية قالا: فلا تخشين فإن خنساء بنت خدام أنكحها أبوها وهي كارهة فرد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، إلى أن قال: والمرأة التي من ولد جعفر هي أم جعفر بنت القاسم بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ووليها هو عم أبيها معاوية بن عبد الله بن جعفر، الخ.
قوله: «إذا خطب إليكم كفء فلا تردوه» الخ، وفي كتاب النكاح لأبي زكريا رحمه الله، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه"، وقيل أيضا: "دينه وأمانته فأنكحوه وإلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير".
وقيل: إنه أصاب الناسُ مولودا في زمان القيروان في بعض جبَّاناتها ومعه صرة فيها مائة دينار، ومعه رقعة فيها مكتوب: "هذا ابن غني وابن غنية، من كان في الدنيا فلا يأمن بلية، من خطبت إليه ابنته بُكرة فليزوجها عشية".
وقيل: إن العجلة من الشيطان إلا في خمسة أشياء: تزويج البكر إذا أدركت، وتجهيز الميت إذا مات، وإقراء الضيف إذا نزل، وقضاء الدين إذا حل وقته، والصلاة إذا دخل وقتها؛ انتهى.
قوله: «الأحرار من أهل التوحيد كلهم أكفاء إلا أربعة المولى»، الخ، أعلم أن المولى له إطلاقات متعددة، والمراد منها هنا المعتِق.
و"الحجام" هو الذي يخرج الدم بمحاجمه، و"البقال" هو بائع البقول؛ و"النساج" معروف.
قال ابن وصاف: المسألة من الجامع، وقال: لا يجوز تزويج العربية بالمولى ولا الحجام ولا النساج ولا البقال ولا العبد إلا أن يكون مثله، وذلك مردود ولو جاز الزوج بها إذا كان هو الذي يعمل بيده أو كان هو يعمله من قبل، وأما إذا كان (3/57)
صفحة 865
يعمله والده ولا يعمله هو وجاز بها فلا ينقض النكاح وقال من قال: ينقض ذلك، إلى آخر ما أطال.
قوله: «نهى عن الشغار»، أي: عن نكاح الشغار، فهو على حذف مضاف كما صرح به في بعض الروايات، وهو بمعجمتين مكسور الأول.
قوله: «وهو أن يزوج الرجل ابنته لرجل على أن يزوج له الأخر ابنته وليس بينهما صداق وكذلك الأخت بالأخت».
ذكر ابن حجر: أنه اختَلفت الروايات عن مالك فيمن يُنسب إليه تفسير الشغار؛ فالأكثر لم ينسبوه لأحد، ولهذا قال الشافعي فيما حكاه البيهقي في المعرفة: لا أدري التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن ابن عمر أو عن نافع أو عن مالك؛ إلى أن قال: قال الخطيب: تفسير الشغار ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ وإنما هو قول مالك أُوصل بالمتن المرفوع، وقد بين ذلك ابن مهدي الخ، فذكر رواية آخرى عن مالك قال: سمعت أن الشغار أن يزوج الرجل الخ، وهذا دال على أن التفسير من منقول مالك لا من منقوله الخ.
فذكر رواية أخرى لفظها: الشغار أن ينكح هذه بهذه بغير صداق، بضع هذه صداق هذه وبضع هذه صداق هذه الخ.
وقال الشيخ أبو زكريا رحمه الله في كتاب النكاح: ونكاح الشغار لا يجوز، وهو مِن شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه ليبول؛ وهو أن يزوج الرجل ابنته لرجل ويزوجه الآخر ابنته؛ ويجعلون صداق هذه بصداق هذه فلا يجوز ذلك، فإن فعلا كان النكاح لازما ولكل واحد منهما صداق أنسابها إذا مسها الخ.
ولعل مراده رحمه الله بقوله: فإن فعلا كان النكاح لازما ولكل واحدة، الخ أنه إذا وقع المسيس في نكاح الشغار ترتب عليه صداق المثل، وليس المراد أنه إذا مس جاز له المُقام عليها إلا أنه يلزمه صداق المثل؛ لما صرح به في الديوان من أنه إذا مس الزوج في نكاح الشغار فإن كل واحد منهما يعطى للمرأة صداق مثلها، وقد حرمتا عليهما ولا يتوارثان ونسبهما ثابت الخ، فليراجع. (3/58)
صفحة 866
ويحتمل أن يكون ماشيا على القول بصحته بعد المسيس كما هو مذهب مالك والأوزاعي.
قال ابن حجر قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز ولكن اختلفوا في صحته؛ فالجمهور على البطلان، وفي رواية مالك: يفسخ قبل الدخول لا بعده وحكاه ابن المنذر عن ا لأوزاعي؛ وذهب الحنفية إلى صحته ووجوب مهر المثل وهو قول الزهري ومكحول والثوري والليث ورواية عن أحمد وإسحاق وأبي ثور الخ.
تنبيه: ذِكر البنت والأخت في تفسير الشغار إنما هو مثال والمثال لا يخصِّص؛ قال ابن حجر: قال النووي: أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات وبنات الأخ وغيرهن كالبنات في ذلك، انتهى.
وقال ابن وصاف رحمه الله: ومن كتاب الضياء: ونكاح الشغار الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم فهو أن الرجل كان في الجاهلية يتزوج امرأة وهو وليها من الرجل على غير صداق على أن يزوجه الآخر امرأة هو وليها بغير صداق، ويجعلون صداق هذه هذه الأخرى، يقول أحدهما أشغرني أختك على أن اشغرك أختي أو ابنتي، وهو مبادلة امرأة بامرأة على غير صداق، الخ فتراه عمم في النساء جميعا".
وظاهر قوله في تفسير الشغار وليس بينهما صداق أنه إذا سمُيِّ لكل واحدة منهما صداق لا يكون شغارا، ولو تساوى الصداقان ولم يدفع أحدهما للآخر شيئا؛ لأن الصداق حق الزوجة، ولها مطالبة زوجها بما سمُي لها من الصداق في كل وقت، ولا عبرة بترك أبيها أو أخيها مهرها لزوجها من غير مشورتها في ذلك ورضاها والله أعلم.
قوله: «جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له وهبت لك نفسي» الخ؛ وذلك من خصوصياته صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {خَالِصَةً لَكَ مِن دُونِ الْمُومِنِينَ} [الأحزاب: 50]. (3/59)
صفحة 867
لكن ذكر ابن وصاف أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي خطبها أولا، حيث قال في قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُّومِنَةً إِنْ وَّهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيءِ} [الأحزاب: 50] الآية، ما نصه: "فإنها امرأة كانت من بني عامر بن لؤي، يقال لها أم شريك بنت جابر، كان عهِد النبي صلى الله عليه وسلم بها وهي بمكة ذات جمال وشباب، وكانت عند رجل من بني الأسد، يقال له أبو شريك فأصيب زوجها فهاجرت إلى المدينة فأسلمت، وكانت امرأة سيدة تغشى ويتحدث عندها، فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبها، وهو يرى أنها كما عهدها بمكة، فقالت: نعم أنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغير صداق؛ فلما أتاها رسول الله رآها قد دخلت في السن؛ وكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من دون المؤمنين؛ لأنه لا تحل امرأة من غير صداق إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم".
قال الكلبي: كانت حديث أم شريك حين أسلمت وهي بمكة، وكانت إحدى نساء قريش من بني عامر بن لؤي، وكانت تحت أبي شريك السدوسي، فلما أسلمت جعلت تدخل على نساء قريش سرا وتدعوهن إلى الإسلام وترغبهن فيه حتى ظهر أمرها بمكة، فأخذها أهل مكة فقالوا لها: يا أم شريك لولا قومك لقتلناك وفعلنا بك، ولكنا نسيرِّك إلى محمد وأصحابه؛ قالت: فحملوني على بعير ليس تحتي شيء ولا وطاء ولا غيره، ثم تركوني ثلاثا لا يطعمونني ولا يسقونني قالت: فما أتت على ثلاث ما بقي في الأرض شيء أبصره، فنزلوا منزلا ذات يوم وكانوا إذا نزلوا وثقوني في الشمس، وكانوا هم في الظل وحبسوا علي الطعام والشراب؛ فلا يزال ذلك حالي حتى يرتحلوا، قالت: فبينما هم قد نزلوا منزلا وأوثقوني في الشمس فإذا أنا بأبرد شيء على ظهري فتناولته فإذا هو دلو من ماء، فشربت منه شيئا قليلا ثم رفع، فصنع بي ذلك مرارا؛ ثم تركت حتى شربت، ثم صب سائره على جسدي وثيابي، فلما أيقظوني فإذا هم بثري الماء ورأوني حسنة الحال، فقالوا: حللت سقاءنا فشربتِ؛ فقلت: ما فعلت ولكن الأمر كذا وكذا؛ فحدثتهم به فقالوا: والله لئن كنتِ صادقة لَدينك خير من ديننا؛ فلما نظروا إلى أسقيتهم وجدوها كما تركوها، فأسلموا عند ذلك، قالت: فأقبلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبت له نفسي بغير مهر؛ فرآني كبيرة فخلى سبيلي انتهى. (3/60)
صفحة 868
قوله: «فسكت طويلا»، في بعض الروايات: "فلم يجبها بشيء"، وفي بعضها: "فنظر إليها فصعد النظر إليها وصوبه"، والمراد أنه نظر أعلاها وأسفلها.
قوله: «فقال رجل: زوجينها»، ذكر ابن حجر أنه من الأنصار ولكن لا يعرف اسمه.
قوله: «هل عندك شيء من القرآن؟»، أي: تحفظه عن ظهر قلبك؛ «قال: نعم معي سورة كذا وسورة كذا، السور سماها»؛ في بعض الروايات: "ما تحفظ من القرآن؟ قال: سورة البقرة والتي تليها"، وفي بعض الروايات: "سورة البقرة وسورة من المفصل"؛ وفي بعضها: "زوج النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أصحابه امرأة على سورة من المفصل، جعلها مهرها وأدخلها عليه"؛ وفي بعضها: "فعلمها عشرين آية وهي امرأتك"؛ فذكر ابن حجر روايات أخرى ثم قال: وبجمع بين هذه الألفاظ بأن: بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعض، أو أن القصص متعددة.
وذكر ابن حجر: أن هذا الحديث يدل أنه لا حد لأقل المهر، قال: قال ابن المنذر: فيه رد على من زعم أن أقل المهر عشرة دراهم، وكذا من قال: ربع دينار، قال لأن خاتما من حديد لا يساوي ذلك؛ وقال المازري: تعلق به من أجاز النكاح بأقل من ربع دينار، لأنه خرج مخرج التقليل، ولكنَّ مالكا قاسه على القطع في السرقة.
قال عياض: تفرد بهذا مالك عن الحجازيين، ولكنَّ مستنده الالتفات إلى قوله تعالى: {أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم} [النساء: 24]، وبقوله: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} [النساء: 25]، فإنه يدل على أن المراد ما لَه قيمة من المال، وأقل ما استبيح به قطع العضو المحترم قال: وأجازه الكافة بما تراضى عليه الزوجان، إلى أن قال: وقال أبو حنيفة: أقله عشرة، وابن شبرمة: أقله خمسة، ومالك: أقله ثلاثة أو ربع دينار بناء على اختلافهم في مقدار ما يجب فيه القطع.
وقال الداودي لمالك لما سمعه يقول هذه المسألة: تعرَّقت يا أبا عبد الله، أي: سبيل أهل العراق في قياسهم مقدار الصداق على مقدار نصاب السرقة. (3/61)
صفحة 869
وقال القرطبي: استدل من قاسه بنصاب السرقة بأنه عضو آدمي محترم فلا يستباح بأقل من كذا قياسا على يد السارق؛ وتعقبه الجمهور بأنه قياس في مقابل النص فلا يصح، وبأن اليد تقطع وتبين، ولا كذلك الفرج وبأن القدر المسروق يجب على السارق رده مع القطع، وكذلك الصداق إلى آخر ما أطال فيه ثم قال: نعم قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً}، يدل على أن صداق الحرة لا بد وأن يكون ما ينطلق عليه اسم مال له قدر، ليحصل الفرق بين بينه وبين مهر الأمة، وأما قوله: {أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم}، فإنه يدل على اشتراط ما يسمى مالا في الجملة قل أو كثر الخ.
وأقل الصداق عندنا لم يتعرض له الشيخ أبو زكريا رحمه الله في كتاب النكاح عند ذكر الاختلاف حيث قال: والذي يجوز من الصداق فيه خلاف بين الفقهاء؛ فمنهم من يجيز ما تراضى الناس عليه من الصداق قل أو كثر ولو بسواك؛ ومنهم من يقول أدنى الصداق أربعة دراهم فما فوقها، مثل الذي يُقطع به يد السارق؛ ومنهم من يقول خمسة دراهم فما فوقها؛ ومنهم من يقول للبكر عُشر ديتها، وللثيب نصف عُشر الدية الخ.
لكن جزم صاحب الإيضاح رحمه الله في كتاب الوصايا: أن أقله أربعة دراهم، حيث قال: وأدنى ما يوصي به لأقاربه أربعة دراهم، وهي ربع دينار فصاعدا، وهي أدنى صداق النساء، وذلك أن أدنى صدقات النساء عندهم أربعة دراهم، وهو ربع دينار قياسا على ما يقطع به يد السارق، وذلك لأن هذا عضو لا يتلف بأقل من ربع دينار الذي يتلف به يد السارق الخ.
وضعَّف بعضهم هذا القياس، بأن اليد إنما قطعت في ربع دينار نكالا للمعصية، والنكاح مستباح بوجه جائز. (3/62)
صفحة 870
فذكر ابن حجر: أن من فوائد هذا الحديث:
ـ جواز انعقاد نكاحه صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة دون غيره من الأمَّة، على أحد الوجهين للشافعية، والآخر لا بد من لفظ النكاح أو التزويج، إلى أن قال:
ـ وفيه أن الإمام يزوج من ليس لها ولي خاص، لمن يراه كفئا لها، ولكن لابد من رضاها بذلك الخ، فذكر رواية: "النبي صلى الله عليه وسلم قال للمرأة: إني أريد أن أزوجك هذا إن رضيت؟ فقالت: ما رضيت لي فقد رضيت به".
ـ وفيه جواز تأمل محاسن المرأة لإرادة تزويجها، وإن لم تتقدم الرغبة في تزويجها ولا وقعت خطبتها، لأنه صلى الله عليه وسلم صعَّد فيها النظر وصوبه الخ.
ـ ثم قال واستدل على جواز جعل المنفعة صداقا، ولو كان تعليم القرآن، قال المازري: هذا ينبني على أن الباء للتعويض؛ كقولك: بعتك ثوبي بدينار وهذا هو الظاهر، وإلا لو كانت بمعنى اللام، على معنى تكريمه لكونه حاملا للقرآن، لصارت المرأة بمعنى الموهوبة، والموهوبة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم انتهى.
وذكر عن بعضهم أن هذا من خواص هذا الرجل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجوز له نكاح الواهبة، فكذلك يجوز له أن يُنكحها لمن شاء بغير صداق، إلى أن قال: وهذا ضعيف؛ لأنها هي أولا فوضت أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم الخ.
ثم قال واستدل الطحاوي للقول الثاني، يعني وهو أن الباء بمعنى اللام لا للتعويض، من طريق النظر بأن النكاح إذا وقع على مجهول كأن لم يسم فيحتاج إلى الرجوع إلى المعلوم؛ قال: والأصل المجمع عليه لو أن رجلا استأجر رجلا على أن يعلمه سورة من القرآن بدرهم لم يصح لأن الإجارة لا تصح إلا على عمل معين كغسيل الثوب، أو وقت معين، والتعليم قد لا يعرف مقدار وقته، فقد يتعلم في زمان يسير وقد يحتاج إلى زمان طويل، ولهذا لو باعه داره على أن يعلمه سورة من القرآن لم يصح، قال فإذا كان التعليم لا تمُلك به الأعيان فكذلك لا يجوز أن يكون صداقا؛ إذ أنه من المنافع.
والجواب عمَّا ذكره: أن المشروط تعليمه معين كما تقدم في بعض طرقه، وأما الاحتجاج بالجهل بمدة التعليم فيحتمل أن يقال: اغتفر ذلك في باب الزوجين، لأن (3/63)
صفحة 871
الأصل استمرار عشرتهما، ولأن مقدار تعليم عشرين آية لا يختلف فيه أفهام النساء غالبا خصوصا مع كونها عريبة من أهل لسان الذي تزوجها كما تقدم.
وفصَّل بعضهم بأنه زوَّجها إياه لأجل ما معه من القرآن الذي حفظه، وسكت عن المهر، فيكون ثابتا لها في ذمته إذا أيسر كنكاح التعويض الخ.
واستدل في الإيضاح بهذا الحديث على جواز الأجرة على تعليم القرآن، قال بعد سياق الحديث: فدل هذا على أن لتعليمه إياها لتلك السورة عوضا يستحقه وذلك العوض يكون صداقا لها عليه انتهى.
قال ابن حجر: وقد نقل عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة، إلا الحنفية إلى آخر ما أطال فيه والله أعلم. (3/64)
صفحة 872
الباب الخامس والعشرون في ما يجوز من النكاح وما لا يجوز
516) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يَخْطُبَنَّ (1) أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلاَ يُسَاوِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ».
517) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلاَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا».
518) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرٍ ... الْحَدِيثُ (2).
519) ... أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلاَ يُنْكِحُ، وَلاَ يَخْطُبُ».
520) ... قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ ضَمَّامُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ بِخَالَتِهِ مَيْمُونَةَ (3) بِنْتِ الْحَارِثِ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
521) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بِكَ»؟
__________
(1) / خ: يخطب.
(2) / قوله: الحديث، إشارة إلى تقدّمه في باب آداب الطعام والشراب قبيل باب كتاب الحجّ.
(3) / قوله: بخالته إي خالة ابن عبّاس أخت امّه ابابة بنت الحارث. (3/65)
صفحة 873
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: «كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا»؟ قَالَ: نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».
522) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَابْتَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، وَمَا تَزَوَّجَ فِي نِسَائِهِ بِكْرًا إِلاَّ هِيَ، وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَعَاشَتْ بَعْدَهُ ثَمَانِيَ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَمَاتَتْ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانِيَ وَخَمْسِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ.
قوله: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه»، أي: بكسر الخاء، قال في الصحاح: وخطبت على المنبر خُطبة بالضم، وخطبت المرأة خِطبة بالكسر، وأخطبت أيضا فيهما، الخ.
وقوله: «يخطب» يجوز فيه الجزم على أن تكون لا ناهية، ويجوز فيه الرفع على أن تكون نافية فيكون النهي بصيغة الخبر وهو أبلغ.
زاد في البخاري: "حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب"؛ وفي رواية أخرى: "حتى ينكح أو يترك"، أي: حتى يتزوج الأول فيحصل اليأس المحض، أو يترك الخاطب الأول التزويج فيجوز حينئذ للثاني الخطبة؛ والغايتان مختلفتان: الأولى ترجع إلى اليأس، والثانية ترجع إلى الرجاء.
ونظير الأولى قوله تعالى: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40]، قاله ابن حجر؛ وهذا النهي للتحريم كما هو مذهب الجمهور، وقيل للتأديب.
قال ابن حجر: ولا ملازمة بين كونه للتحريم وبين البطلان عند الجمهور بل هو عندهم للتحريم ولا يبطل العقد، بل حكى النووي أن النهي فيه للتحريم بالإجماع الخ. (3/66)
صفحة 874
وذكر أن محل التحريم عند الشافعي إذا صرحت المخطوبة أو وليها الذي أذنت له بالإجابة أو وقع التعريض بها كقولها: "لا رغبة عنك"، على أحد القولين؛ وذكر أن الأصح وهو قول المالكية والحنفية أنها لا تحرم.
وذكر عن الشافعي أن معنى حديث الباب: إذا خطب الرجل امرأة فرضيت به وركنت إليه فليس لأحد أن يخطب على خطبته، فإذا لم يعلم رضاها ولا ركونها فلا بأس أن يخطبها، والحجة فيه قصة فاطمة بنت قيس، فإنها لم تخبره برضاها بواحد منهما ولو أخبرته بذلك لم يشر عليها بغير من اختارت الخ.
وذلك أن فاطمة بنت قيس خطبها معاوية وأبو جهم، فأشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسامة؛ وذكر عن بعض المالكية أنها لا تمتنع الخطبة إلا على خطبة من وقع بينهما التراضي على الصداق.
أقول: وهذا كله خروج عن ظاهر الحديث لغير دليل؛ وأما قصة فاطمة بنت قيس فقال ابن حجر: أشار النووي وغيره إلى أنه لا حجة فيه لاحتمال أن يكون خطبا معا أولم يعلم الثاني بخطبة الأول، والنبي صلى الله عليه وسلم أشار بأسامة ولم يخطب، وعلى تقدير أن تكون خطبة، فكأنه لما ذكر لها ما في معاوية وأبي جهم ظهر منها الرغبة عنهما فخطبها لأسامة، إلى أن قال: وإذا وجدت شروط التحريم ووقع العقد الثاني فقال الجمهور يصح مع ارتكاب التحريم؛ وقال داود: يفسخ النكاح قبل الدخول وبعده؛ وعند المالكية خلاف كالقولين؛ وقال بعض يفسخ قبله لا بعده.
وحجة الجمهور أن النهي عن الخطبة، والخطبة ليست شرطا في صحة النكاح فلا يفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة، إلى أن قال: واستدل به على أن الخاطب الأول إذا أذن للخاطب الثاني في التزويج ارتفع التحريم، ولكن هل يختص ذلك بالمأذون له أو يتعدى لغيره؟
إلى أن قال: قال (3/67)
صفحة 875
الظاهر الثاني فيكون الجواز للمأذون له بالتنصيص ولغير المأذون له بالإلحاق الخ.
فذكر عن بعضهم أن محل التحريم إذا كانت الخطبة من الأول جائزة، وإن كانت ممنوعة كخطبة المعتدة لم يضر الثاني بعد انقضاء العدة إن خطبها وهو واضح، إلى أن قال: واستدل بقوله: «على خطبة أخيه» فإن محل التحريم إذا كان الخاطب مسلما فلو خطب الذمي ذمية فأراد المسلم أن يخطبها جاز له ذلك مطلقا، إلى أن قال: وذهب الجمهور إلى إلحاق الذمي بالمسلم في ذلك، وأن التعبير بأخيه خرج على الغالب فلا مفهوم له فهو كقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ} [الإسراء: 31]، وكقوله: {وَرَبَآئِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم} [النساء: 23] ونحو ذلك.
وبناه بعضهم على أن هذا المنهي عنه: هل هو من حقوق العقد واحترامه؟ أو من حقوق المتعاقدين؟ فعلى الأول: فالراجح ما قاله الخطابي، وعلى الثاني: فالراجح ما قال غيره.
وقريب من هذا البناء اختلافهم في ثبوت الشفعة للكافر، فمن جعلها من حقوق الملك أثبتها له، ومن جعلها من حقوق المالك منع، وقريب من هذا البحث ما نقل عن ابن القاسم صاحب مالك أن الخاطب الأول إذا كان فاسقا جاز للعفيف أن يخطب على خطبته، ورجحه ابن العربي منهم، وهو متجه إذا كانت المخطوبة عفيفة فيكون الفاسق غير كفء لها، فتكون خطبته كلا خطبة، ولم يعتبر الجمهور ذلك إذا صدرت منها علامة القبول.
إلى أن قال: واستدل به على تحريم خطبة المرأة على خطبة امرأة أخرى، إلحاقا لحكم النساء بحكم الرجال؛ وصورته: أن ترغب امرأة في رجل وتدعوه إلى تزويجها فيجيبها، كما تقدم فتجيء امرأة أخرى فتدعوه وترغِّبه في نفسها وتزهده في التي قبلها.
وقد صرحوا باستحباب خطبة أهل الفضل من الرجال، ولا يخفى أن محل هذا إذا كان المخطوب عزم أن لا يتزوج إلا واحدة، فأما إذا جمع بينهما فلا تحريم الخ. (3/68)
صفحة 876
قوله: «ولا يساوم على سوم أخيه»، الرواية في البخاري: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع الرجل على بيع بعض".
وذكر صاحب الإيضاح رحمه الله: أن معنى نهيه صلى الله عليه وسلم أن يبيع الرجل على بيع أخيه، ومعنى أن يساوم أحدكم على سوم أخيه واحد قال: لأن البيع في كلام العرب من حروف الأضداد إذ يقع على البيع والشراء، إلى أن قال: ومن حمله على العموم فليس ببعيد فيما يوجبه النظر، انتهى.
واعلم أن المساومة على سوم أخيه تُتصور بأن يزيد على المشتري في الثمن، وبأن يأتي للمشتري بسلعة أخرى عند البائع مثلا؛ فإن الصورة الأولى الضرر فيها على المشتري، والصورة الثانية الضرر فيها على البائع، وكل منهما لا يجوز.
قال في الإيضاح: فالبيع في هذا عند أصحابنا جائز والمرتكب عاص، وذلك لأن هذا فيما يوجبه النظر، إنما هو خارج عن البيع، وإنما تضمن ضرر الغير ولذلك نهى عنه.
وهذا النهي إنما هو في أهل التوحيد كلهم، إلى أن قال: وجوز بعضهم أن يساوم الرجل على سوم غيره، إلا إن كان متوليا، فعند هؤلاء إن لم يكن لك متوليا فليس بأخ لك الخ.
أقول: فذِكره رحمه الله للخلاف فيمن يحرم عليه السوم يدل على الخلاف فيمن تحرم الخطبة عليه كما تقدم عند الغير في الفرق بين الفاسق وغيره، والله أعلم.
وحمل بعضهم النهي على غير محل المناداة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من يزيد"، كما ذكره في الإيضاح.
قوله: «لا يجتمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها»، أي: لا فرق في ذلك بين النسب والرضاع.
قال النووي: احتج الجمهور بهذا الحديث وخصصوا به عموم القرآن في قوله تعالى: {وَأَحَلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَالِكُمُ,} [النساء: 24]؛ وقد ذهب الجمهور إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الآحاد.
وانفصل صاحب الهداية من الحنفية عن ذلك بأنَّ هذا من الأحاديث المشهورة التي تجوز الزيادة على الكتاب بمثلها والله أعلم؛ انتهى. (3/69)
صفحة 877
وحفظ قديما أن القاعدة في منع الجمع بين النساء وجوازه: أنه لو فرض أن إحداهما ذكر ولم يَجز أن يتزوج بها امتنع الجمع، وإذا جاز أن يتزوج بها جاز الجمع والله أعلم؛ ثم رأيت في أبي مسألة الإشارة إلى ذلك فليراجع نسخة صحيحة.
واعلم أن: خالة أبيها وعمته بمنزلة خالتها وعمتها فلا تجمع معهما؛ لأنهما في التحريم بمنزلة الخالة والعمة، كما نص عليه أبو زكريا رحمه الله فيما يحرم من النساء حيث قال: وعمات أبيه وخالاته مثل عماته هو وخالاته، وكذلك عمات أمه وخالاتها مثل عماته هو وخالاته الخ.
وقال البخاري: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها والمرأة وخالتها، فنُرى خالة أبيها بتلك المنزلة" الخ؛ قال ابن حجر: فنُرى بضم النون، أي: نظن وبفتحها أي نعتقد، وقوله:"خالة أبيها بتلك المنزلة"، أي في التحريم، انتهى.
وقال قبل ذلك في قوله: "لا يجمع" الخ: فمن جمع بينهما بعقد بطلا، أو مرتبا بطل الثاني، انتهى.
وبين أصحابنا في ذلك خلاف: إذا كان العقد مرتبا: ولو دخل بهما هل تحرمان جميعا؟ أو تحرم الثانية فقط؟ كما ذكره ابن وصاف في قوله رحمه الله في شرح الدعائم:
ولا يجمع العمات معه شارخ ولا يجمع الخالات شيخ صحيح
عن ابن جعفر فليراجع.
لكن ذكر ابن جعفر رحمه الله في محل آخر، أنها لا تحرم الثانية حيث قال في أثناء باب الأشربة وغيرها من المسائل ما نصه: وعن رجل تزوج امرأة ثم طلقها، ثم تزوج أختها أو عمتها أو خالتها أو بنت أختها وهي بعد في العدة منه، وظن أن ذلك لا بأس به واعتمد على ذلك، هل كان جاز هذا أو لم يجز؟ فعلى ما وضعت بأن تزوج أختها في عدة أختها متعمدا فقد قال: حرمتا جميعا.
وقال من قال: تحرم عليه الآخرة ويكره له أن يجمع ماءه في فرج أختين؛ وكان الشيخ أبو المؤثر يذهب إلى التحريم.
وأما الخالة والعمة فإنه يفرِّق بينهما ولا تحرم عليه امرأته الأولى؛ (3/70)
صفحة 878
ولست أعلم في هذا اختلافا؛ وإنما تحرم الخالة والعمة إذا تزوجها على ابنة أختها، ولا تحرم الأولى انتهى، وهذا موافق لما ذكره ابن حجر؛ وتعرض للمسألة أيضا في كتاب أبي مسألة فليراجع.
قوله: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن متعة النساء يوم خيبر»، الحديث تمامه: "وعن أكل لحوم الحمر الإنسية"، وتقدم الكلام عليه في باب أدب الطعام والشراب.
قوله: «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب»، وقوله: «تزوج بابنة خالته ميمونة بنت الحارث وهو محرم»، هذان الحديثان متعارضان بحسب الظاهر.
وكذلك حكى في الإيضاح في ذلك قولين من غير ترجيح، قال: واختلفوا في نكاح المحرم قال بعضهم لا ينكح المحرم ولا يُنكح، إلى أن قال: وقال: بعضهم لا بأس بنكاح المحرم ولا يدخل عليها حتى يحل الخ؛ واستدل لكل قول بحديث من هذين.
والذي يدل عليه كلام ابن حجر ترجيح حديث عثمان حيث قال: قال الأثرم: قلت لأحمد إن أبا ثور يقول: بأي شيء يدفع حديث ابن عباس أي مع صحته؟ قال: فقال: الله المستعان! ابن المسيب يقول: وَهِم ابن عباس؛ وميمونة تقول تزوَّجَني وهوحلال انتهى.
إلى أن قال: وجمع بينه وبين حديث ابن عباس، بحمل حديث ابن عباس على أنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عبد البر: اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية أنه تزوجها وهو حلال من طرق شتى.
وحديث ابن عباس صحيح الإسناد لكن الوهم إلى الواحد أقرب إلى الوهم من الجماعة، إلى أن قال: وحديث عثمان صحيح في منع المحرم فهو المعتمد؛ انتهى، إلى أن قال: ويترجح حديث عثمان بأنه يفيد قاعدة، وحديث ابن عباس واقعة عين، تحتمل أنواعا من الاحتمالات. (3/71)
صفحة 879
فمنها أن ابن عباس كان يرى أن من قلَّد الهدي يصير محرما كما تقدم تقرير ذلك عنه في كتاب الحج، والنبي صلى الله عليه وسلم كان قلَّد الهدي في عمرته تلك التي تزوج فيها ميمونة فيكون إطلاقه بأنه صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو محرم أي عقد عليها بعد أن قلَّد الهدي وإن لم يكن تلبس بالإحرام، وذلك أنه أرسل إليها أبا رافعة يخطبها، فجعلت أمرها إلى العباس، فزوجها من النبي صلى الله عليه وسلم؛ إلى أن قال: عن سليمان بن يسار عن أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال، وبنى عليها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما.
ومنها أن قول ابن عباس تزوج ميمونة وهو محرم أي داخل الحرم أو في الشهر الحرام.
قال الأعشى:
قتلوا كسرى بليل محرما
أي في الشهر الحرام؛ وقال آخر:
فتكوا ابن عفان الخليفة محرما
أي في البلد الحرام؛ وإلى هذا التأويل جنح ابن حبان فجزم به في صحيحه، إلى أن قال: قال الطبري: الصواب من القول عندنا أن نكاح المحرم فاسد لصحة حديث عثمان، وأما قصة ميمونة فتعارضت الأخبار فيها، إلى أن قال: وقد ثبت أن عمر وعليا وغيرهما من الصحابة فرَّقوا بين محرم نكح وبين امرأته، ولا يكون هذا إلا عن ثبت الخ.
قوله: «وبه أثر صفرة»، في بعض الروايات: "وعليه وضر صفرة"، والوضر ـ بفتح الواو والضاد المعجمة وآخره راء ـ هو في الأصل الأثر والمراد بالصفرة صفرة الخلوق، والخلوق طيب يصنع من زعفران وغيره.
وفي بعض روايات هذا الحديث طول لفظه في البخاري: "سمعت أنسا قال: لما قدموا المدينة نزل المهاجرون على الأنصار فنزل عبدالرحمن بن عمران على سعيد بن الربيع، فقال: أقاسمك مالي وأنزل لك عن إحدى امرأتيَّ؛ قال: بارك الله لك في أهلك ومالك وخرج إلى السوق فباع واشترى فأصاب شيئا من إقط وسمن، فتزوج فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أو لم ولو بشاة"؛ وفيه رواية أخرى كرواية المصنف. (3/72)
صفحة 880
قوله: «ما بك؟» في بعض الروايات: "مالك؟ " وفي بعضها: "مهيم"، ومعناه: ما شأنك؟ أو ما هذا؟ وهي كلمة استفهام مبنية على السكون، وهل هي بسيطة أو مركبة؟ قولان لأهل اللغة؛ وقال ابن مالك: هي اسم فعل بمعنى أخبر وفي رواية مما هذا؟
قوله: «تزوجت امرأة من الأنصار»، قال ابن حجر: وذكر ابن القداح في نسب الأوس أنها أم إياس بنت أبي الحيسر ـ بفتح المهملتين بينهما تحتانية وآخره راء ـ واسمه أنس بن رافع الأوسي الخ، وذكر في محل آخر أنه رافع ابن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل.
قوله: «كم سقت لها»، في بعض الروايات: "كم أصدقتها".
قوله: «نواة من ذهب»، في بعض الروايات: "وزن نواة من ذهب"، ويجوز فيهما النصب على تقدير فعل، أي: سقت إليها أو أصدقتها، ويجوز فيهما الرفع على تقدير الخبرية لمبتدأ محذوف، أي: الذي سقت إليها والذي أصدقتها.
قال ابن حجر واختلف في المراد بقوله: «نواة»؛ فقيل: المراد واحدة نوى التمر، كما يوزن بنوى الخروب، وأن القيمة عنها يومئذ كانت خمسة دراهم؛ وقيل: كان قدرها يومئذ ربع دينار؛ وورد بأن نوى التمر يختلف في الوزن فكيف يجعل معيارا لما يوزن به؟
وقيل لفظ: "النواة من ذهب"، عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورق وجزم به الخطابي، واختاره الأزهري ونقله عياض عن أكثر العلماء.
إلى أن قال: وقيل: وزنها من الذهب خمسة دراهم؛ حكاه ابن قتيبة وجزم به ابن فارس؛ وجعله البيضاوي الظاهر، واستبعد لأنه يستلزم أن يكون ثلاثة مثاقيل ونصفا، إلى أن قال: وعن بعض المالكية النواة عند أهل المدينة ربع دينار؛ إلى أن قال: وقد قال الشافعي النواة ربع النش، والنش نصف أوقية والأوقية أربعون درهما، فيكون خمسة دراهم، وكذا قال أبو عبيدة أن عبد الرحمن بن عوف دفع (3/73)
صفحة 881
خمسة دراهم، وهي تسمى نواة، كما تسمى الأربعون أوقية، وبه جزم أبو عوانة وآخرون؛ انتهى.
ومثله كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله في آخر الكلام على الفرائض في الألغاز حيث قال ومعنى قولنا:
نواة وأستار وفذ جميعها ... من النش نيم فاحسبنه تجد عدلا
فالنواة خمس، والأستار أربعة، والفذ واحد، ومجموع هذا العدد من النش الذي هو عشرون من العدد نيم وهو النصف الخ.
قوله: «أولم ولو بشاة»، قال ابن حجر: ليست "لو" هذه الامتناعية وإنما هي للتقليل؛ وزاد في رواية حماد بن زيد فقال: "بارك الله لك"، قبل قوله: "أولم"، إلى أن قال: قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني ولو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب ذهبا أو فضة، وكأنه قال ذلك إشارة إلى إجابة الدعوة النبوية بأن يبارك الله له، إلى أن قال: قال أنس: فلقد رأيته قُسم لكل امرأة من نسائه بعد موته مائة ألف.
قال ابن حجر: قلت: مات عن أربع نسوة فيكون جميع تركته ثلاثة آلاف ألف ومائتي ألف، وهذا بالنسبة لتركة الزبير التي تقدم شرحها في فرض الخمس قليل جدا، فيحتمل أن تكون هذه دنانير وتلك دراهم لأن كثرة مال عبد الرحمن مشهورة جدا الخ.
والذي تقدم شرحه في مال الزبير أن له أربع زوجات، وأن لكل زوجة ألف ألف ومائتي ألف، قال فنصيب الأربع أربعة آلاف وثمانمائة ألف، وهذا هو الثمن، ويرتفع في ضربه في ثمانية وثلاثين ألف ألف وأربعمائة ألف، وهذا القدر هو الثلثان، فإذا ضم إليه الثلث الموصى به وهو قدر نصف الثلثين وجملته تسعة عشر ألف ألف ومائتا ألف كان جملة ماله على هذا سبعة وخمسين ألف ألف وستمائة ألف الخ؛ فنسأل الله البر الرحيم أن يعافينا من ذلك ويختم لنا بالخير.
قال ابن حجر: واستدل به على تأكيد أمر الوليمة وقد تقدم البحث فيها؛ (3/74)
صفحة 882
وعلى أنها تكون بعد الدخول، ولا دلالة فيه وإنما فيه أنها تستدرك إذا فاتت بعد الدخول؛ وعلى أن الشاة أقل ما يجزئ عن الموسر الخ.
لكن هذا مبني على أن خطاب الواحد يستلزم العموم قال: ويستفاد من السياق طلب تكثير الوليمة لمن يقدر؛ قال عياض: وأجمعوا أن لا حد لأكثرها، وأما أقلها فكذلك ومهما تيسر أجزأ، والمستحب أنها على قدر الزوج.
إلى أن قال: وفيه استحباب المؤاخاة وحسن الإيثار من الغني للفقير، حتى بإحدى زوجتيه، واستحباب مثل رد ذلك على من آثر به، إلى أن قال: وفيه أن من ترك ذلك بقصد صحيح عوضه الله خيرا منه؛ وفيه استحباب التكسب وأن لا نقص على من يتعاطى من ذلك بما يليق بمروءة مثله، وكراهة قبول ما يتوقع الذل منه وغيره؛ وأن العيش من عمل المرء بتجارة أو حرفة أولى بنزاهة الأخلاق من العيش بالهبة ونحوها.
وفيه استحباب الدعاء للمتزوج؛ وسؤال الإمام والكبير أصحابه وأتباعه عن أحوالهم، ولا سيما إذا رأى منها ما لم يعهد؛ وجواز خروج العروس وعليه أثر العرس من خلوق وغيره؛ واستدل به على جواز التزعفر للعروس وخص به عموم النهي عن التزعفر للرجال.
إلى أن قال: وتُعقب باحتمال أن تكون الصفرة كانت في ثيابه دون جسده، وهذا الجواب للمالكية على طريقتهم، في جوازه في الثوب دون البدن الخ.
إلى أن قال: ومنع ذلك أبو حنيفة والشافعي ومن تبعهما في الثوب أيضا، وتمسكوا بالأحاديث الواردة في ذلك وهي صحيحة.
إلى أن قال: (3/75)
صفحة 883
وعلى هذا فأجيب عن قصة عبد الرحمن بأجوبة:
ـ أحدها: أن ذلك كان قبل النهي.
إلى أن قال:
ـ ثانيها: أن أثر الصفرة التي كانت على عبد الرحمن تعلقت به من جهة زوجته فكان ذلك غير مقصود له، ورجحه النووي وعزاه للمحققين.
إلى أن قال:
ـ ثالثها: كان قد احتاج إلى التطيب للدخول على أهله، فلم يجد من طيب الرجال حينئذ شيئا فتطيب من طيب المرأة وصادف أنه كانت فيه صفرة فاستباح القليل منه عند عدم غيره.
إلى أن قال:
ـ رابعها: كان يسيرا ولم يبق إلا أثره، فلذلك لم ينكر.
إلى أن قال:
ـ خامسها: أن العروس يستثنى من ذلك ولا سيما إذا كان شابا، ذكر ذلك أبو عبيدة، قال: كانوا يرخصون للشباب في ذلك أيام عرسه الخ.
ثم قال: واستدُل به على أن النكاح لا بد فيه من صداق، لاستفهامه عن الكمية ولم يقل: هل أصدقتها أو لا؟
إلى أن قال: واستدُل به على استحباب تقليل الصداق، لأن عبد الرحمن بن عوف كان من مياسير الصحابة، وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم على إصداقه وزن نواة من ذهب.
وتُعقب بأن ذلك كان في أول الأمر حين قدم إلى المدينة، وإنما حصل له اليسار بعد ذلك من ملازمة التجارة، حتى ظهرت منه من الإعانة في بعض الغزوات ما اشتهر؛ وذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم الخ.
قوله: «كانت عائشة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بنت ست سنين» الخ، قال في المواهب: تزوجها بمكة في شوال سنة عشر من النبوة، وقبل الهجرة بثلاث ولها ست سنين، وذكر قبل ذلك أنه صلى الله عليه وسلم أصدقها فيما قال ابن اسحاق أربعمائة درهم الخ.
وفي هذا الحديث دليل على أن الأب يزوج الصغيرة مطلقا، أي: سواء كان يوطأ مثلُها أم لا، ومثله قوله تعالى: {وَاللآَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق:04]، أي عدتهن ثلاثة أشهر، فدل على أن نكاحهن قبل البلوغ جائز. (3/76)
صفحة 884
قال ابن حجر: وهو استنباط حسن؛ لكن ليس في الآية تخصيص بالوالد ولا بالبكر، ويمكن أن يقال: الأصل في الإبضاع التحريم إلا ما دل عليه الدليل؛ وقد ورد حديث عائشة في تزويج أبي بكر وهي دون البلوغ فبقي ما عداه على الأصل الخ.
ولعل من أجاز ذلك للولي مطلقا، وهو المصدَّر به في كتاب النكاح لأبي زكريا رحمه الله كما تقدم؛ واستدُل بظاهر الآية وبالقياس على الأب والله أعلم.
والعجب لجابر بن زيد رحمه الله: كيف يقول لا يزوج الأطفال أب ولا غيره على ما ذكره الشيخ أبو إسحاق رحمه الله مع روايته لهذا الحديث؛ اللهم إلا أن يقال إنه يرى أن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم؟
كما ذهب إليه ابن شبرمة فيما حكاه عنه ابن حزم، قال: وزعم أن تزوُّج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وهي بنت ست سنين كان من خصائصه.
قال ابن حجر: ومقابله تجويز الحسن والنخعي للأب إخبارَ ابنته كبيرة كانت أو صغيرة، بكرا كانت أو ثيبا؛ انتهى.
أقول: والحق ما تقدم من الجواز في الصغيرة والمنع في الكبيرة إلا بإذنها؛ كما تشهد به الأحاديث والله أعلم.
قوله: «وابتنى بها وهي بنت تسع سنين»، أي: دخل عليها بالمدينة؛ قال في المواهب: وأعرس بها بالمدينة في شوال سنة اثنتين من الهجرة، على رأس ثمانية عشر شهرا ولها تسع سنين، وقيل بعد سبعة أشهر من مَقدمه عليه السلام.
وأخرج الشيخان عن عائشة أنها قالت: "تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فوُعكت فتمزق شعري، فأتتني أمي أم رومان، وإني لفي أرجوجة مع صواحب لي، فصرخت بي فأتيتها ما أدري ما تريد مني، فأخذت بيدي حتى وقفتني على باب الدار وأنا أنهج حتى سكن بعض نَفَسي، ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار؛ فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني؛ فلم يرعني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى، فأسلمنني إليه.
إلى أن قال: (3/77)
صفحة 885
قال أبو عمر: وكان نكاحه صلى الله عليه وسلم لعائشة في شوال، وابتنى بها في شوال، وكانت تحب أن تُدخل النساء من أهلها وأحبَّتِها في شوال على أزواجهن، وكانت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وكانت إذا هويت شيئا تابعها، وفقدها صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فقال: "واعروساه"، أخرجه أحمد.
وقال لها صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: "رأيتك في المنام ثلاث ليال، يأتي بك الملك في سرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك؛ فأكشف عن وجهك، فأقول: إن يك من عند الله يمضه. والسرقة شقة الحرير أو البيضاء.
وفي الترمذي أن جبريل عليه السلام جاءه بصورتها في خرقة حرير خضراء، وقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة؛ وفي رواية عنده: قال جبريل: إن الله قد زوجك بابنة أبي بكر ومعه – أي مع جبريل – صورتها.
إلى أن قال: ولم يتزوج بكرا غيرها، وكانت فقيهة عالمة فصيحة كثيرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عارفة بأيام العرب وأشعارها، وروى عنها جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين.
وكان صلى الله عليه وسلم يقسم لها ليلتين، ليلتها وليلة سودة بنت زمعة؛ لأنها وهبت ليلتها لما كبرت لها كما تقدم، ولنسائه ليلة ليلة، وكان يدور على نسائه ويختم بعائشة الخ.
قوله: «وذلك في رمضان»، قال في المواهب: وقال الواقدي: ليلةَ الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة ثمان وخمسين، وهي ابنة ست وستين سنة، وأوصت أن تدفن بالبقيع ليلا، وصلى عليها أبو هريرة، وكان يومئذ خليفة مروان على المدينة في أيام معاوية الخ. (3/78)
صفحة 886
الباب السادس والعشرون في الرضاع
523) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ، وَهُوَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ، وَذَلكَ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «اِئْذَنِي لَهُ فَإِنَّ الرَّضَاعَ مِثْلُ النَّسَبِ».
524) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: قَالَتْ: كُنْتُ قَاعِدَةً أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ سَمِعْتُ صَوْتَ إِنْسَانٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ، فَقَالَ: «أَرَاهُ فُلاَنًا» لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ كَانَ عَمِّي فَلاَنٌ حَيًّا دَخَلَ عَلَيَّ - لِعَمٍّ لَهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ - قَالَ: «نَعَمْ، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».
525) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي جُدَامَةُ بِنْتُ وَهْبٍ الأَسَدِيَّةُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ وَلاَ يَضُرُّ بِأَوْلاَدِهِمْ شَيْئًا».
قَالَ الرَّبِيعُ: الْغِيلَةُ حَمْلُ الْمَرْأَةِ وَهِيَ تُرْضِعُ.
أي: بفتح الراء، قال في الصحاح: رضع الصبي أمه يرضعها رضاعا، مثل سمع يسمع سماعا، وأهل نجد يقولون رضع يرضع رضعا مثل ضرب يضرب ضربا الخ.
قوله: «إن أفلح أخا أبي القعيس» الخ، هذا الحديث فيه زيادة في بعض روايات البخاري ولفظه: (3/79)
صفحة 887
عن عروة بن الزبير أن عائشة قالت: استأذن عليَّ أفلح أخو أبي القعيس بعد ما أنزل الحجاب، فقلت: لا آذن له حتى أستأذن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فدخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يارسول الله إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن فأبيت أن آذن له حتى أستاذنك؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما منعك أن تأذني لعمك؟ فقلت: يا رسول الله إن الرجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس؛ فقال: ايذني له فإنه عمك تربت يمينك؛ قال عروة: فلذلك كانت عائشة تقول: حرِّموا من الرضاعة ما تحرمون من النسب؛ انتهى.
قوله: «أبي القعيس»، قال ابن حجر: بقاف وعين وسين مهملتين مصغر.
إلى أن قال: وأما اسم أبي القعيس فلم أقف عليه إلا في كلام الدارقطني فقال: هو وائل بن أفلح الأشعري، وحكى هذا ابن عبد البر، ثم حكى أيضا أن اسمه الجعد، فعلى هذا يكون أخوه وافق اسمه اسم أبيه الخ.
قوله: «فأبيت أن آذن له»، في بعض روايات البخاري فقال: "أتحتجبين مني وأنا عمك؟ وفي بعض الروايات: "وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة".
قوله: «فإن الرضاع مثل النسب»، يعني: فينشر الحرمة، هذا لمذهب الجمهور؛ وذهب داود وأتباعه وإبراهيم بن علية وابن بنت الشافعي وجماعة إلى أنه لا ينشر الحرمة، واحتجوا بقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23]، قالوا ولم يذكر العمة ولا البنت كما ذكرهما في النسب.
قال ابن حجر: وأُجيبوا بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم فيما عداه، ولا سيما وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك؛ واحتج بعضهم من حيث النظر: بأن اللبن لا ينفصل من الرجل وإنما ينفصل من المرأة فكيف ينشر الحرمة إلى الرجل؟
والجواب: أنه قياس في مقابلة النص فلا يلتفت إليه، وأيضا فإن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة جميعا، فوجب أن يكون (3/80)
صفحة 888
الرضاع منهما، كالجد لما كان سبب الولد أوجب تحريم ولد الولد به لتعلقه بولده.
إلى أن قال: وأيضا فإن الوطء يدر اللبن فللفحل فيه نصيب؛ وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصاركالأوزاعي في أهل الشام، والثوري وأبي حنيفة وصاحبيه في أهل الكوفة، وابن جريج في أهل مكة، ومالك في أهل المدينة، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأتباعهم إلى أن لبن الفحل يحُرِّم، وحجتهم هذا الحديث الصحيح.
وألزم الشافعي المالكية في هذه المسألة برد أصلهم بتقديم عمل أهل المدينة ولو خالف الحديث الصحيح إذا كان من الآحاد، لما رواه عن عبد العزيز محمد بن ربيعة من أن لبن الفحل لا يحرِّم؛ قال عبد العزيز وهذا رأي فقهائناء إلا الزهري؛ فقال الشافعي لا نعلم شيئا من علم الخاصة أولى بأن يكون علما ظاهرا من هذا، وقد تركوه للخبر الوارد، فيلزمهم على هذا: إما أن يردوا هذا الخبر وهم لم يردوه؛ أو يردوا ما يخالف الخبر على كل حال وهو المطلوب.
قال القاضي عبد الوهاب: يتصور تجريد لبن الفحل برجل له امرأتان ترضع إحداهما صبيا والأخرى صبية؛ فالجمهور قالوا: يحرم على الصبي تزوج الصبية؛ وقال من خالفهم: يجوز.
واستدُل به على أن من ادعى الرضاع وصدقه الرضيع ثبت حكم الرضاع بينهما، ولا يحتاج إلى بينة؛ لأن أفلح ادعاه وصدقته عائشة، وأذن الشارع لمجرد ذلك.
إلى أن قال: وفيه أن من شك في حكم يتوقف عن العمل حتى يسأل العلماء عنه.
وأن من اشتبه عليه الشيء طالب المدعي ببيانه ليرجع إليه أحدهما.
وأن العالم إذا سئل عن مسألة يصدق من قال الصواب.
وفيه وجوب احتجاب المرأة من الرجال الأجانب.
ومشروعية استئذان المحرم على محرمه.
وأن المرأة لا تأذن في بيت الرجل إلا بإذنه. (3/81)
صفحة 889
وفيه جواز التسمية بأفلح.
ويؤخذ منه أن المستفتي إذا بادر بالتعليل قبل سماع الفتوى أنكر عليه، لقوله لها "تربت يمينك"؛ فإن فيه إشارة إلى أنه كان من حقها أن تسأل عن الحكم فقط ولا تعلل.
وألزم به بعضهم من أطلق من الحنفية القائلين أن الصحابي إذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا وصح عنه ثم صح عنه العمل بخلافه فإن العمل بما روى لا بما عمل؛ لأن عائشة صح عنها أن لا اعتبار بلبن الفحل، ذكره مالك في الموطأ وسعيد بن منصور في السنن، وأبو عبيدة في كتاب النكاح بإسناد صحيح؛ وأخذ الجمهور ومنهم الحنفية بخلاف ذلك وعملوا بروايتها في قصة أبي القعيس وحرموا بلبن الفحل، وكان يلزمهم على قاعدتهم أن يتبعوا عمل عائشة ويعرضوا عن روايتها.
ولوكان روى هذا الحكم غير عائشة لكان لهم معذرة؛ لكنه لم يروه غيرها وهو إلزام قوي؛ انتهى.
أقول: ونظير هذا ما ذكره صاحب الضياء رحمه الله عن أبي حنيفة فيما روي من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا قطع السارق فلا ضمان عليه"؛ وأفتى أبو هريرة فيما روي عنه أنه أوجب على السارق الضمان إذا قطع؛ فقال أبوحنيفة: أقبل خبره عن النبي صلى الله عليه وسلم بزوال الضمان، وأرد فتيا أبي هريرة بوجوب الضمان؛ ثم ذكر أيضا عن أبي حنيفة عكس هذا، حيث قال: وروى أيضا أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فليغسل سبع مرات أولاهن بالتراب"؛ وأفتى أبو هريرة بغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات.
قال أبو حنيفة: أقبل فتياه، وأجعله دليلا على حفظه نسخ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يكون أن يفتي بغير ما حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ما هو سنة عنه صلى الله عليه وسلم. (3/82)
صفحة 890
قال الشافعي: أقبل خبره في غسل الإناء، ولا أقبل فتياه؛ لما يجوز أن يكون قد نسي الخبر، لأنا قد تُعبدنا بتصديق الراوي إذا كان عدلا ولم نُتعبد أن تنسخ السنن المروية بقول من يجوز عليه الغلط ويتعمد عليه الكذب.
فانظروا رحمكم الله إلى هاتين الأعجوبتين من قول الإمامين، وتفكروا في ذلك تعلموا فضل الله عليكم، انتهى.
وإنما ذكرتُ هذا لمناسبة ما ذكره ابن حجر من أن مذهب أبي حنيفة عند تعارض الفتيا والخبر، العمل بالفتيا ورد الخبر، وأنه في بعض المواضع يخالف أصله؛ وأن مذهب الشافعي العمل بالخبر دون الفتيا؛ لأنه يقول: هُمْ رجال ونحن رجال، والله أعلم.
قوله: «صوت إنسان يستأذن في بيت حفصة»، أي: بنت عمر أم المؤمنين، قال ابن حجر: ولم أقف على اسم هذا الرجل.
قوله: «أُراه»، أي: أظنه قاله، ابن حجر، فعلى هذا يكون هذا بضم الهمزة من الإِراءة، والظاهر أنه يجوز فتح الهمزة فيكون من الرؤية القلبية أي أعتقده، إلا أن تكون الرواية بالضم فيتعين ما قال، والله أعلم.
قوله: «فلانا لعم حفصة»، قال ابن حجر: اللام بمعنى "عن"، أي: قال ذلك عن عم حفصة، ولم أقف على اسمه أيضا.
قوله: «لوكان عمي فلان حيا»، قال ابن حجر: لم أقف على اسمه أيضا، ووهم من فسره بأفلحَ أخي أبي القعيس، لأن أبا القعيس والد عائشة من الرضاعة، وأما أفلح فهو أخوه وهو عمها من الرضاعة، كما سيأتي أنه عاش حتى جاء يستأذن على عائشة، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأذن له بعد أن امتنعت.
وقولها: "لوكان حيا" يدل على أنه كان مات، فيحتمل أن يكون أخا لهما آخر، ويحتمل أن يكون ظنت أنه مات لما بعد عهدها به، ثم قدم بعد ذلك فاستأذن.
وقال ابن التين: سئل الشيخ أبو الحسن عن قول عائشة: "لو كان فلان حيا"، أين هو من الحديث الآخر الذي فيه: "فأبيت أن آذن له"؟ فالأول ذكرت أنه ميت، والثاني ذكرت أنه حي؛ (3/83)
صفحة 891
فقال: هما عمان من الرضاعة، أحدهما رضع مع أبي بكر الصديق وهو الذي قالت فيه "لو كان حيا"، والآخر أخو أبيها من الرضاعة.
قلت: الثاني ظاهر من الحديث، والأول حسن محتمل، وقد ارتضاه عياض؛ إلا أنه يحتاج إلى نقل لكونه جزم به، إلى أن قال ناقلا عن القرطبي ما نصه:
"قال: هما سؤالان وقعا مرتين في زمنين عن رجلين، وتكرر منها ذلك: إما لأنها نسيت القصة الأولى، وإما لأنها جوزت تغير الحكم، فأعادت السؤال"،انتهى.
وتمامه أن يقال: السؤال الأول قبل الوقوع، والثاني بعد الوقوع، فلاستبعاد ما ذكر من النسيان أو تجويز النسخ.
إلى أن قال: وقال ابن المرابط: حديث حفصة قبل حديث عم عائشة، وهما متعارضان في الظاهر لا في المعنى، لأن عم حفصة أرضعته المرأة مع عمر، فالرضاعة فيهما من قبل المرأة، وعم عائشة إنما هو من قبل الفحل، وكانت امرأة أبي القعيس أرضعتها، فجاء أخوه يستأذن عليها، فأخبرها الشارع أن لبن الفحل يحرِّم كما يحرِّم من قبل المرأة"، انتهى.
فكأنه جوز أن يكون عم عائشة الذي سألت عنه في قصة عم حفصة كان نظير عم حفصة في ذلك؛ لذلك سألت ثانية في قصة أبي القعيس؛ وهذا إن كان وجده منقولا فلا محيد عنه، وإلا فهو حمل حسن، والله أعلم؛ انتهى.
قوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، أي: ويباح منه ما يباح من النسب؛ قال ابن حجر: وهو بالإجماع فيما يتعلق بتحريم النكاح وتوابعه، وانتشار الحرمة بين الرضيع وأولاد المرضعة، وتنزيلهم منزلة الأقارب في جواز النظر من الخلوة والمسافرة، ولكن لا يترتب عليه باقي أحكام الأمومة من التوارث ووجوب الإنفاق والتعلق بالملك والشهادة والعقل وإسقاط القصاص.
إلى أن قال: ولا يتعدي التحريم إلى أحد من قرابة الرضيع، فليست أخته من الرضاعة أختا لأخيه ولا بنتا لأبيه إذ لا رضاع بينهم.
والحكمة في ذلك: أن سبب التحريم ما ينفصل من أجزاء المرأة وزوجها وهو اللبن، فإذا اغتذى به الرضيع صار جزءا من أجزائها فانتشر التحريم بينهم؛ بخلاف قرابة الرضيع لأنه ليس بينهم وبين المرضعة ولا زوجها نسب ولا سبب؛ والله أعلم. (3/84)
صفحة 892
قوله: «جدامة بنت وهب» قال العلقمي: قال شيخنا بالجيم، واختلف في الدال هل هي معجمة أو مهملة والصحيح عند الجمهور أنها مهملة؛ وقيل اسم أمها جندب، وقيل: جندل؛ قال ابن عبد البر: كل الرواة رووه هكذا، إلا أبا عامر في العقيدة فإنه جعله عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر جدامة انتهى.
قوله: «عن الغيلة»، قال العلقمي: هي بكسر الغين المعجمة أن يجامع الرجل امرأته، وهي ترضع، هكذا قال مالك وتابعه عليه الأصمعي وغيره من أهل اللغة؛ وقال ابن السكيت: هي أن ترضع المرأة وهي حامل.
قال العلماء: وسبب همه صلى الله عليه وسلم بالنهي أنه يخاف منه ضرر الولد الرضيع لأن الأطباء يقولون إن ذلك اللبن داء والعرب تكرهه وتنفيه.
وقال في النهاية: الغيلة بالكسر الاسم من الغَيل بالفتح، وهي: أن يجامع الرجل زوجته وهي مرضع، وكذلك إذا حملت وهي مرضع؛ وقيل: يقال: الغيلة والغيلة بمعنى؛ وقيل: الكسر للاسم والفتح للمرأة؛ وقيل: لا يصلح الفتح إلا مع حذف الهاء.
إلى أن قال: واللبن الذي يشربه الولد يقال له الغيل أيضا انتهى؛ وقال في الصحاح بعد أن ذكر أن الغيلة بالكسر، وقد غالت المرأة ولدها فهي مغيل، وأغيلت أيضا إذا سقت ولدها الغيل فهي مغيل الخ.
وجزم في السؤالات بأن الغيلة بفتح الغين، وذكر لها معنى واحدا حيث قال: والغيلة أن ترضع المرأة ولدها وهي حامل بفتح الغين الخ، فذكر الحديث.
قوله: «حتى ذكرت الروم وفارس»، هكذا في النسخة التي وقعت لي، وهي غير ظاهرة؛ والذي في السؤالات: "حتى ذكرت أن فارسا والروم"، الحديث؛ وفي الجامع الصغير: "حتى ذكر أن الروم وفارس"، الخ؛ ولعل فارس ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة؛ والله أعلم. (3/85)
صفحة 893
الباب السابع والعشرون في السبايا والعزلة
526) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى (1) عَنْ وَطْءِ السَّبَايَا مِنَ الإِمَاءِ، فَقَالَ: «لاَ تَطَؤُوا الْحَوَامِلَ حَتَّى يَضَعْنَ، وَلاَ الْحَوَائِلَ حَتَّى يَحِضْنَ».
قَالَ الرَّبِيعُ: الْحَائِلُ التِي يَأْتِيهَا الْحَيْضُ حَالاً بَعْدَ حَالٍ.
527) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبَايَا (2) فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ، وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ، فَقُلْنَا: نَعْزِلُ وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: «مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لاَ تَفْعَلُوا، فَمَا نَسَمَةٌ كَائِنَةٌ إِلاَّ وَهِيَ كَائِنَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
528) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ خَافَ مِنْ شِدَّةِ الْمَيْعَةِ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ».
قَالَ الرَّبِيعُ: يَعْنِي خِصَاءٌ، مِثْلَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ، وَالأَمْلَحَانِ الأَبْلَقَانِ.
قوله: «الحوامل حتى يضعن ولا الحوائل حتى يحضن»، المراد بهذا التنبيه على وجوب الاستبراء، فيحرم الوطء قبل الاستبراء، وكذلك سائر مقدماته.
__________
(1) / خ:
(2) / خ: سبيا. (3/86)
صفحة 894
قال عمنا الشيخ أبو القاسم البرادي رحمه الله في رسالته التي أجاب بها بعض إخوانه في الله رحمه الله، حين أرسل له يسأله عن رجل عنده جارية الخ، ما نصه: "قال بعض أصحابنا: لا يجوز له أن يقع على أمَة يطؤها بملك اليمين، على حال من الأحوال ولا أن يستمتع منها بلمس أو تقبيل أو نظر أو تجريد من ثيابها إلا بعد الاستبراء لعموم قوله صلى الله عليه وسلم???لا تطئوا الحوامل حتى يضعن"، وجعلوا حكم مقدمات الوطء حكم الوطء في جميع ذلك، وحرموا جميع ذلك، وجعلوها قبل الاستبراء كالأجنبية في جميع أحكامها فهذا هو المشهور المعتمد عليه عند أصحابنا، سواء كانت مسباة أو مشتراة أو موهوبة أو موروثة ومرباة، أوطال مكثها عند بيته أكثر من مدة الاستبراء.
وقال بعض أصحابنا: إن اشتراها من طفل لا يطأ مثله، ومن امرأة أو من ذي محرم منها بالرضاعة فلا استبراء عليه، ويقع عليها متى شاء.
وزاد بعضهم إن اشتراها من إمام المسلمين أو من الأمين، لا استبراء عليه لأن الإمام والأمين لا يبيعانها حتى يستبرئاها.
وأقل ذلك حيضة عند البائع، وحيضة عند المشتري؛ وقال أبو عبيدة مسلم: حتى يكون الأمين مثل مجبر، رحم الله مجبرا الخ؛ فذكر قولا بأربعين يوما وقولا بعشرين والأصح ما تقدم والله أعلم.
قال أبو إسحاق رحمه الله: والاستبراء حيضتان، إلا في خصلة واحدة وهو أن يشتريها وقد استبرأها البائع بحيضته فليس عليه إلا حيضة واحدة.
قوله: «ولا الحوا ئل حتى يحضن» يعني وأما اللاتي لا يحضن لصغر أو كبر فيستبرآن بخمسة وأربعين يوما.
وذكر أبو إسحاق رحمه الله أن التي مات عنها سيدها لا تستبرأ إلا بالأيام: شهران وخمسة أيام، ما لم يخلف منها ولدا منه فتستبرأ بأربعة أشهر وعشرة أيام في قول أبي عبيدة رحمه الله، يعني والله أعلم لأنها صارت حرة فتعد عدة الزوجة.
فإن وطىء الرجل أمتة من غير استبراء فقد حرمت أبدا. (3/87)
صفحة 895
فإن أتت بولد لم يثبت نسبه، وقيل يثبت، وقيل يعتقه ويعطيه شيئا من ماله يعيش به؛ والله أعلم.
وإذا أراد الرجل أن يتسرى أمته بعد الاستبراء، فإنه يحضر الشهود ويرخي الستر بينه وبينهم، ويشهد في حال الجماع، وإن أشهد بعد ذلك فلا بأس.
قال الشيخ أبو زكريا رحمه الله: "وليس المراد في الإشهاد إلا لئلا يُستعبد أولاده، لا لأنه لا يجوز التسري إلا بالإشهاد عليه مثل النكاح" الخ؛ ولا يجوز له الإشهاد قبل التسري لما يترتب عليه كما بينه رحمه الله.
وذكر في آخر الكلام على التسري أنه روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كره وطء إحدى عشرة مملوكة: أمتك مشركة، وأمتك مشتركة، وأممتك زانية، وأمتك حامل من غيرك، وأمتك لها زوج، وأمتك وطئها أبوك، وأمتك وطئها ابنك، وأمتك هي عمتك من الرضاعة، وأمتك هي خالتك من الرضاعة، وأمتك وأمها، وأمتك وأختها، والله أعلم انتهى.
والمراد بالكراهة هنا الكراهة الشديدة التي هي التحريم كما هو ظاهر؛ وبقي عليه وأمتك وابنتها، ولعله ترك ذلك للعلم به من قوله "وأمتك وأمها"، أو لأنه معلوم من الدين بالضرورة، ولم يتعرض لأمتك وعمتها وأمتك وخالتها وأمتك وابنة أخيها وأمتك وابنة أختها؛ والظاهر أنه لا يجوز الجمع بين من ذكر في التسري كما لا يجوز في النكاح.
وقد سوى الشيخ أبو زكريا رحمه الله في باب ما يحرم من النكاح بين التسري والنكاح في الجمع بين الأختين فليكن الحكم كذلك في الجمع بين ما ذكره، والله أعلم.
وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها" لما تقدم؛ والله أعلم.
قوله: «في غزوة بني المصطلق»، وهي غزوة المريسيع، وكان فيها حديث الإفك وقصته طويلة وقد ساقها البخاري في كتاب التفسير في سورة النور وفي هذه الغزوة، فليراجع. (3/88)
صفحة 896
قوله: «فأصبنا سبايا»، زاد في البخاري: "من سبي العرب"، وفي بعض الروايات: "فسبينا كرائم العرب وطالت علينا الغربة ورغبنا في الفداء فأردنا أن نستمتع ونعزل فقلنا" الخ.
قوله: «فاشتهينا النساء»، الخ لعلهن دخلن في الإسلام، فلذلك جاز وطؤهن لأن مذهب أصحابنا رحمهم الله أن التسري كالنكاح لا يكون في المشركات، خلافا لمن تمسك بظاهر قوله تعالى: {إِلاَّ مَا مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24]، فليراجع.
قوله: «فأردنا أن نعزل»، المراد بالعزل النزع بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج، قاله ابن حجر.
قوله: «ما عليكم أن لا تفعلوا»، في بعض الروايات: "لا عليكم أن لا تفعلوا"، قال ابن حجر نقلا عن غيره: أي: لا حرج عليكم أن لا تفعلوا ففيه نفي الحرج عن عدم الفعل فافهم ثبوته في فعل العزل، ولو كان المراد نفيه عن الفعل لقال: لا عليكم أن تفعلوا؛ إلا إن اُدعي أن "لا" زائدة، فيقال الأصل عدم ذلك.
إلى أن قال: وإنما أشار إلى أن الأولى ترك ذلك؛ لأن العزل إن كان خشية حصول الولد فلا فائدة في ذلك لأن الله إن كان قدر خلق الولد لم يمنع العزل ذلك؛ فقد يسبق الماء ولا يشعر العازل فيحصل العلوق ويلحقه الولد، ولا راد لما قضى الله؛ والفرار من حصول الولد يكون لأسباب منها:
ـ خشية علوق الزوجة الأمة لئلا يصير الولد رقيقا.
ـ وخشية دخول الضرر على الولد المرضع إن كانت الموطأة ترضعه.
ـ وفرارا من كثرة العيال إذا كان الرجل مقلا فيرغب في قلة الولد؛ لئلا يتضرر بتحصيل الكسب؛ وكل ذلك لا يغني شيئا.
إلى أن قال: إن رجلا سأل عن العزل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أن ماء الولد الذي يكون أهرقته على صخرة لأخرج الله منها ولدا".
إلى أن قال: وفي العزل أيضا إدخال ضرر على المرأة لما فيه من تفويت لذتها، وقد اختلف السلف في حكم العزل:
قال ابن عبد السلام: لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها؛ لأن الجماع من حقها، ولها المطالبة به؛ وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل ووافقه في نقل هذا الإجماع ابن هبيرة. (3/89)
صفحة 897
وتُعقب بأن المعروف عند الشافعي أن المرأة لا حق لها في الجماع أصلا؛ ثم في خصوص هذه المسألة عند الشافعية خلاف مشهور في جواز العزل عن الحرة بغير إذنها؛ قال الغزالي وغيره: يجوز وهو الصحيح عند المتأخرين، إلى آخر ما أطال فيه.
ثم قال: واتفقت المذاهب الثلاثة أن الحرة لا يعزل عنها إلا بإذنها وأن الأمة يعزل عنها بغير إذنها؛ واختلفوا في المزوجة.
إلى أن قال: وقد استنكر ابن العربي القول بمنع العزل على من يقول بأن المرأة لا حق لها في الوطء؛ ونقل عن مالك أن لها حق المطالبة به إذا قصد بتركه ضرارها.
وعن الشافعي وأبي حنيفة لا حق لها فيه إلا في وطأة واحدة يستقر بها المهر.
قال: فإذا كان الأمر كذلك فكيف يكون لها حق في العزل؟ فإن خصوه بالوطأة الأولى فيمكن؛ وإلا فلا يسوغ فيما بعد ذلك إلا على مذهب مالك بالشرط المذكور؛ انتهى.
وما نقله عن الشافعي غريب والمعروف عند أصحابه أنه لا حق لها أصلا؛ نعم جزم ابن حزم بوجوب الوطء وتحريم العزل، واستند إلى حديث جدامة بنت وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العزل فقال: "ذلك الوأد الخفي" الخ، وعارضه بما يطول ذكره.
وأما عندنا فالمصرح في كتاب النكاح لأبي زكريا رحمه الله النهي عنه حيث قال في حقوق الزوجين: "ولا يعزل عنها إلا بإذنها، ولا تعزل عنه إلا بإذنه؛ وأما السرية فله أن يعزل عنها بغير إذنها، ولا يعزل عن امرأة إذا كانت أمة إلا بإذنها وأذن سيدها"؛ انتهى.
والمصرح به في شرح الدعائم لابن وصاف رحمه الله، أولا الإباحة حيث قال: "والعزل عن الحرة جائز عند فقهاء الأمة إلا ما روي عن أبي بكر وعمر أنهما كرها ذلك؛ وأما الرواية عن ابن عباس أنه نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها وأجاز العزل عن الجارية الأمة بغير إذنها"؛ انتهى. (3/90)
صفحة 898
وظاهره أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كرها ذلك ولو مع الإذن؛ فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: الجواز مطلقا، والكراهة مطلقا، والتفصيل في الزوجة بين الإذن وعدمه والله أعلم.
قال ابن حجر: واختلفوا في علة النهي عن العزل، فقيل: لتفويت حق المرأة، وقيل: لمعاندة القدر، وهذا الثاني هو الذي يقتضيه معظم الأخبار الواردة في ذلك.
والأول مبني على صحة الخبر المفرق بين الحرة والأمة الخ؛ فذكر أن هذا الحديث استدل به لمن أجاز استرقاق العرب ولمن أجاز وطء المشركات بملك اليمين، وتعلل من منع ذلك باحتمال أن تكون المسبيات أسلمن قبل الوطء، وأن المراد بالفداء في قوله في بعض الأحاديث "وأحببنا الفداء"، أنهن يفدين أنفسهن فيعتقن من الرق، أو يكون المراد بالفداء الثمن.
قال: ويؤيد هذا الحمل قوله في الرواية الأخرى فقال: "يا رسول الله إنا أصبنا سبيا، ونحب الأثمان فكيف ترى في العزل؟ " وهذا أقوى من جميع ما تقدم والله أعلم؛ انتهى.
أقول: وهذا الحمل مناسب لما عليه أصحابنا كما تقدم؛ والله أعلم.
قوله: «فما من نسمة كائنة إلا وهي كائنة إلى يوم القيامة»، قال العلقمي: معناه: ما عليكم ضرر في ترك العزل لأن كل نفس قدَّر الله تعالى خلقها لابد أن يخلقها، سواء عزلتم أم لا، فلا فائدة في عزلكم؛ فإن الله إذا قدر خلْقها سبقكم الماء فلا ينفعكم حرصكم في منع الخلق.
وفي هذا الحديث دلالة لمذهب جماهير العلماء أن العرب يجري عليهم الرق كما يجري على العجم.
إلى أن قال: قال أبو حنيفة والشافعي في القديم لا يجري عليهم الرق لشرفهم؛ انتهى.
المختار عندنا أن يستثنى منهم قريش خاصة لحرمة النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم. (3/91)
صفحة 899
قوله: «من خاف من شدة الميعة فليصم فإن الصوم له وجاء»، الرواية في كتاب النكاح وفي البخاري: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"؛ وفي بعض الروايات قوله: "فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع" الخ.
والظاهر أن المراد "بالميعة" هنا أول الشباب؛ قال في الصحاح: والميعة (بعين وبفتح الميم) النشاط، وأول جري الفرس وأول الشباب وأول النهار الخ، وذلك لأن أول الشباب له شدة عظيمة فإذا لم يتزوج لم يكسرها إلا الصوم؛ لأنه به تضعف القوى التي هي وسائل الشيطان في قود الإنسان إلى الشر؛ والله أعلم.
والباءة فيها لغات، قال ابن حجر: "الباءة (بالهمز وتاء التأنيث ممدود)، وفيها لغة أخرى بغيرهم ولا مد، وقد تهمز وتمد بلا هاء"؛ ويقال لها أيضا: الباهة كالأول لكن بهاء بدل الهمزة؛ وقيل: بالمد القدرة على مؤن النكاح، وبالقصر الوطء؛ وقال الخطابي: المراد بالباءة النكاح، أصله الموضع الذي يتبوؤه ويأوي إليه.
وقال المازري: اشتق اللفظ على المرة من أصل أبأت، لأن من شأن من يتزوج المرأة أن يتبوأها منزلا؛ وقال النووي: اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما أن المراد معناها اللغوي وهو الجماع وتقديره: "من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤونته، وهي مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤونته فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء"؛ وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنة شهوة النساء ولا ينفكون عنها غالبا.
والقول الثاني: أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح، سميت باسم ما يلازمها وتقديره: "من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطع فليصم ليدفع شهوته" الخ. (3/92)
صفحة 900
قوله: «له وجاء قال الربيع يعني خصاء»؛ قال ابن حجر: له وجاء (بكسر الواو والمد)، أصله الغمز ومنه وجأه في عنقه إذا غمزه، ووجأه بالسيف إذا طعنه به، ووجأ أنثييه غمزهما حتى رضَّهما.
إلى أن قال: وتفسير الوجاء بالإخصاء فيه نظر فإن الوجاء رضُّ الأنثيين، والإخصاء سلهما؛ وإطلاق الوجاء على الصيام من مجاز المشابهة الخ.
وفرَّق أيضا في الصحاح بين الوجاء والإخصاء حيث قال: "والوجاء (بالكسر والمد) رضُّ عروق البيضتين حتى تنفضخ فيكون شبيها بالخصاء" الخ؛ وقال في الخصاء: وخصيت الفحل خصاء ممدودا إذا سللت خصييه الخ.
قال ابن حجر: واستُدل بهذا الحديث على أن من لم يستطع الجماع فالمطلوب منه ترك التزويج؛ لأنه أرشده إلى ما ينافيه ويضعف دواعيه؛ وأطلق بعضهم أنه يكره في حقه؛ قال وقد قسم العلماء الرجل في التزوج إلى أقسام".
إلى آخر ما أطال فيه ثم قال: واستدل به الخطابي على جواز المعالجة لقطع شهوة النكاح بالأدوية؛ وحكى البغوي في شرح السنة: وينبغي أن يحُمل على دواء يسكن الشهوة دون ما يقطعها أصالة؛ لأنه ربما يقدر بعد فيندم لفوات ذلك في حقه.
وقد صرح الشافعية بأنه لا يكسرها بالكافور ونحوه، والحجة فيه أنهم اتفقوا على منع الجب والخصاء، فيلحق ما في معناه من التداوي بالقطع أصلا.
إلى أن قال: وفيه الحث على غض البصر وتحصين الفرج بكل ممكن وعدم التكلف بغير المستطاع.
ويؤخذ منه أن حظوظ النفوس والشهوات لا تتقدم على أحكام الشرع بل هي دائرة معها.
واستنبط القرافي من قوله: "فإنه له وجاء" أن التشريك في العبادة لا يقدح فيها، بخلاف الرياء فإنه أمر بالصوم الذي هو قربة، وهو بهذا القصد صحيح (3/93)
صفحة 901
مثاب عليه ومع ذلك أرشد إليه لتحصيل غض البصر وكف الفرج عن الوقوع في المحرَّم؛ انتهى.
فإن أراد تشريك عبادة بعبادة أخرى فهو كذلك وليس محل النزاع؛ وإن أراد تشريك العبادة بأمر مباح فليس في الحديث ما يساعده.
واستدل به بعض المالكية على تحريم الاستمناء لأنه أرشد عند العجز عن التزويج إلى الصوم الذي يقطع الشهوة، فلو كان الاستمناء مباحا لكان الإرشاد إليه أسهل؛ وتعقب دعوى كونه أسهل لأن الترك أسهل من الفعل.
وقد أباح الاستمناء طائفة من العلماء وهو عند الحنابلة وبعض الحنفية لأجل تسكين الشهوة.
وفي قول عثمان لابن مسعود: "ألا نزوجك شابة؟ "، واستحباب نكاح الشابة لا سيما إن كانت بكرا الخ.
قوله: «موجئين»، هكذا فيما رأيته من النسخ، وصوابه: "مَوجوءَيْن"، على وزن مفعولين كمضروبين (بميم مفتوحة وواو ساكنة وجيم مضمومة وواو هي واو مفعول وهمزة مفتوحة)، من وجأت الكبش فهو موجوء على وزن مفعول كما هو ظاهر.
قوله: «الأملحان الأبلقان»، يعني أن بياض صوفهما يخالطه سواد؛ قال في الصحاح: والمُلحة (يعني بالضم) من الألوان بياض يخالطه سواد، يقال كبش أملح وتيس أملح إذا كان شعره خليسا الخ؛ وقال في موضع آخر وأخلس النبات إذا اختلط رطبه ويابسه، وأخلس رأسه إذا خالط سواده البياض.
إلى أن قال: والخليس الأشمط الخ، وقيل: الأملح ما كان لونه كلون الملح بسواد ممازج، أو ما خالط بياضه حمرة أو سواد تعلوه حمرة، أو بياضه أكثر من سواده، أو خلال بياضه طبقات سوداء أو النقي البياض، أقوال.
وعن عائشة رضي الله عنها: أنه الذي ينظر في سواد ويمشي في سواد ويبرك في سواد، والله أعلم. (3/94)
صفحة 902
كتاب الطلاق (3/95)
صفحة 903
[صفحة بيضاء] (3/96)
صفحة 904
الباب الثامن والعشرون في الطلاق والخلع والنفقة
529) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَمَّا فَعَلَ، فَقَالَ: «مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَيُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ، فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فتِلْكَ الْعِدَّةُ التِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».
530) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ طَلاَقَ إِلاَّ بَعْدَ نِكَاحٍ ... » الْحَدِيثُ (1)
531) ... أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَسْأَلِ امْرَأَةٌ طَلاَقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا (2) فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا».
532) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَلَّقَ أَبُو عَمْرٍو بْنُ حَفْصٍ زَوْجَتَهُ وَهُوَ غَائِبٌ طَلاَقًا بَاتًّا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا شَيْءٌ، فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةٍ»، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: «تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اِعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ (3) فآذِنِينِي»، فَلَمَّا حَلَّتْ ذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ بْنَ هِشَامٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ،
__________
(1) / قوله: الحديث إشارة إلى تقدّمه في أوّل كتاب النكاح وهو هنالك مطوّل.
(2) / قوله: لتستفرغ صحفتها، كناية عن التفرد بِهِ وهو مأخوذ من استفراغ نيّة اختها في آنيّتها، أهـ.
(3) / خ: احللت. (3/97)
صفحة 905
وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَالَ لَهُ، وَلَكِنْ اِنْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» قَالَتْ: فَكَرِهْتُهُ (1)، ثُمَّ قَالَ لَهَا: «اِنْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» قَالَتْ: فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا (2) فَاغْتَبَطْتُ بِهِ.
533) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا عُمْرَةٌ، فَطَلَّقَهَا وَلَمْ يَبْتَنِ بِهَا، وَذَلكَ أَنَّ أَبَاهَا قَالَ لَهُ: إِنَّهَا لَمْ تَمْرَضْ قَطُّ، فَقَالَ: «مَا لِهَذِهِ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَيْرٍ» فَطَلَّقَهَا.
534) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَشَزَتْ أُمُّ جُمَيْلَةَ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ عَنْ زَوْجِهَا ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ (3)، فَأَتَتْ أَبَاهَا مَرَّتَيْنِ تَشْكُو زَوْجَهَا وَيَرُدُّهَا وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّةُ، اِرْجِعِي إِلَى زَوْجِكِ وَاصْبِرِي، فَلَمَّا رَأَتْ أَبَاهَا لاَ يُشَكِّيهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشْكُو إِلَيْهِ، وَذَكَرَتْ أَنَّهَا كَارِهَةٌ لَهُ، فَأَرْسَلَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى زَوْجِهَا فَقَالَ: «يَا ثَابِتُ، مَا لَكَ وَلأَهْلِكَ»؟ فَقَالَ: وَالذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهَا غَيْرُكَ، وَإِنِّي إِلَيْهَا لَمُحْسِنٌ جَهْدِي، فَقَالَ: «مَا تَقُولِينَ فِيمَا يَقُولُ ثَابِتٌ»، فَكَرِهَتْ أَنْ تَكْذِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَأَلَهَا وَقَالَتْ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنْ تَخَوَّفْتُ أَنْ يُدْخِلَنِي النَّارَ، تَعْنِي أَنَّهَا مُبْغِضَةٌ لَهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ مَا أَخَذْتِ مِنْهُ وَيُخَلِّيَ سَبِيلَكِ»؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: «يَا ثَابِتُ، أَتَرْضَى أَنْ تَرُدَّ عَلَيْكَ مَا أَخَذَتْ وَتُخَلِّيَ سَبِيلَهَا»؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَخَذَتْ مِنِّي حَائِطًا تَرُدُّهُ عَلَيَّ وَأُخَلِّي سَبِيلَهَا، فَرَدَّتْهُ عَلَيْهِ فَخَلَّى سَبِيلَهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا أَوَّلُ خُلْعٍ فِي الإِسْلاَمِ.
__________
(1) / خ: قال فكرهته.
(2) / في نسخة القطب: خيرا كثيرا.
(3) / خ: شماس. (3/98)
صفحة 906
535) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَتْ فِي بَريرَةَ ثَلاَثُ سُنَنٍ، أَمَّا الأُولَى فَإِنَّهَا عُتِقَتْ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنْ تُقِيمَ مَعَ زَوْجِهَا أَوْ تُفَارِقُهُ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَيَّ فَقَالَتْ: إِنَّ أَهْلِي كَاتَبُونِي فَأَعِينُينِي بِشَيْءٍ، فَقُلْتُ لَهَا: أَعُدُّ لَهُمْ مَا كَاتَبُوكِ بِهِ فَيَكُونُ وَلاَؤُكِ لِي، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقَالَ: «الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». وَالثَّالِثَةُ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَإِدَامٌ، فَقَالَ: «ألَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ تَفُورُ بِاللَّحْمِ»؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لاَ تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ إِلَيْنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ».
قال ابن حجر: الطلاق في اللغة حل الوثاق، مشتق من الإطلاق وهو الإرسال والترك، وفلان طلق بالخير أي كثير البذل.
وفي الشرع: حل عقدة التزويج فقط، وهو موافق لبعض مدلول أفراده اللغوي؛ قال إمام الحرمين هو لفظ جاهلي ورد الشرع بتقريره؛ وطَلُقت المرأة (بفتح الطاء وضم اللام وبفتحها أيضا) وهو أفصح؛ وطُلِّقت أيضا (بضم أوله وكسر اللام الثقيلة)، فإن خففت فهو خاص بالولادة، والمضارع فيهما بضم اللام، والمصدر في الولادة طلْقا (ساكنة اللام) فهي طالق فيهما.
ثم الطلاق قد يكون حراما أو مكروها أو واجبا أومندوبا أو جائزا.
أما الأول: ففيما إذا كان بدعيا وله صور.
وأما الثاني: ففيما إذا وقع بغير سبب مع استقامة الحال.
وأما الثالث: ففي صور منها الشقاق إذا رأى ذلك الحكمان.
وأما الرابع: ففيما إذا كانت غير عفيفة. (3/99)
صفحة 907
وأما الخامس: فنفاه النووي، وصوَّره غيره بما إذا كان لا يريدها ولا تطيب نفسه أن يتحمل مؤونتها من غير حصول غرض الاستمتاع، فقد صرح الإمام أن الطلاق في هذه الصورة لا يكره؛ انتهى.
قوله: «طلق امرأته» آمِنة (بالمد وكسر الميم ثم نون) بنت غِفَار (بكسر المعجمة وتخفيف الفاء)، وقيل بنت عَمَّار (بمهملة مفتوحة ثم ميم ثقيلة)؛ قال ابن حجر: والأول أولى، ثم ذكر رواية أخرى أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله إن عبد الله طلق امرأته النوار الخ، فذكر أنه يمكن الجمع بأن يكون اسمها آمنة ولقبها النوار.
قوله: «وهي حائض» يعني تطليقة واحدة كما في بعض الروايات، فلذلك جاز له مراجعتها خلافا لمن زعم أنه طلقها ثلاثا وهي حائض فأمر أن يراجعها؛ والله أعلم.
قوله: «فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عما فعل»، قال ابن حجر بعد أن ذكر عن سالم أن ابن عمر أخبره فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نصه: وفيه إشعار بأن الطلاق في الحيض كان تقدم النهي عنه وإلا لم يقع التغيظ على أمر لم يسبق النهي عنه؛ ولا يعكر على ذلك مبادرة عمر بالسؤال عن ذلك، لاحتمال أن يكون عرف حكم الطلاق في الحيض وأنه منهي عنه ولم يعرف ماذا يصنع من وقع له ذلك.
قال ابن العربي: سؤال عمر محتمل لأن يكون أنهم لم يروا قبلها مثلها فسأل ليعلم؛ ويحتمل أن يكون لما رأى في القرآن قوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 01]، وقوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، أراد أن يعلم أن هذا قرء أم لا؛ ويحتمل أن يكون سمع من النبي صلى الله عليه وسلم النهي فجاء يسأل عن الحكم بعد ذلك.
وقال ابن دقيق العيد: وتغيظ النبي صلى الله عليه وسلم: إما لأن المعنى الذي يقتضي المنع كان ظاهرا فكان مقتضى الحال التثبيت في ذلك، ولأنه كان مقتضى الحال مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك إذا عزم عليه؛ انتهى.
قوله: «أمره أن يراجعها»، قال ابن حجر: قال ابن دقيق العيد: يتعلق به (3/100)
صفحة 908
مسألة أصولية، وهي أن الأمر بالأمر بالشيء هل هو أمر بذلك أو لا؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر: مره، فأمره أن يأمر.
قلت: هذه المسألة ذكرها ابن الحاجب فقال: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا بذلك الشيء الخ، فذكر دليله.
إلى أن قال: قلت فالحاصل أن النفي إنما هو من حيث تجرد الأمر، وأما إذا وجدت قرينة تدل على أن الأمر الأول أمر للمأمور الأول أن يبلِّغ المأمور؛ والثاني فلا ينبغي أن ينزَّل كلام الفريقين على هذا التفصيل فيرتفع الخلاف.
ومنهم من فرق بين الأمرين فقال: إن كان الأمر الأول بحيث يسوغ له الحكم على المأمور الثاني فهو آمر له وإلا فلا، وهذا أقوى، وهو مستفاد من الدليل الذي استدل به ابن الحاجب على النفي؛ لأنه لا يكون متعديا إلا إذا أمر من لا حكم له عليه، لئلا يكون متصرفا في ملك غيره بغير إذنه.
والشارع حاكم على الآمر والمأمور فوجد فيه سلطان التكليف على الفريقين؛ ومنه قوله تعالى: {وَامُرَ اَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ} [طه: 131]، فإن كل أحد يفهم منه أمر الله لأهل نبيه بالصلاة.
ومنه حديث الباب فإن عمر إنما استفتى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ليتمثل ما يأمره به ويُلزم ابنه به؛ فمن مثل بهذا الحديث لهذه المسألة فهو غالط فإن القرينة واضحة في أن عمر في هذه الكائنة كان مأمورا بالتبليغ؛ إلى آخر ما أطال فيه.
فذكر روايات متعددة تدل على أن ابن عمركان مأمور الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان بواسطة أبيه رحمه الله.
ثم قال: والحاصل أن الخطاب إذا توجه لمكلف أن يأمر مكلَّفا آخر يفعل شيئا كان المكلف الأول مبلغا محضا والثاني مأمور من قبل الشارع.
وهذا كقوله لمالك بن الحويرث وأصحابه "ومروهم بصلاة كذا في حين كذا"، وقوله لرسول ابنته صلى الله عليه وسلم: "مرها فلتصبر ولتحتسب"، ونظائره كثيرة. (3/101)
صفحة 909
فإذا أمر الأول الثاني بذلك فلم يمتثل كان عاصيا، وإن توجه الخطاب من الشارع إلى المكلَّف أن يأمر غير مكلف كقوله: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع"؛ أو توجه الخطاب من غير الشارع بأمر من له عليه الأمر أن يأمر من لا أمر للأول عليه لم يكن الأمر بالأمر بالشيء أمرا بالشيء.
فالصورة الأولى هى التي نشأ عنها الاختلاف، وهي أمر أولياء الصبيان أن يأمروا الصبيان.
والصورة الثانية هي التي يُتصور فيها أن يكون الأمر متعديا بأمره الأول، أن يأمر الثاني فهذا فصل الخطاب في هذه المسألة والله المستعان.
قال: واختلفوا في وجوب المراجعة: فذهب إليه مالك وأحمد في رواية؛ والمشهور عنه وهو قول الجمهور أنها مستحبة؛ واحتجوا بأن ابتداء النكاح لا يجب، فاستدامته كذلك؛ صحح صاحب الهداية من الحنفية أنها واجبة، والحجة لمن قال بالوجوب ورود الأمر بها، ولأن الطلاق لما كان محرما في الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة، فلو تمادى الذي طلق في الحيض حتى طهرت، قال مالك وأكثر أصحابه يجبَر على الرجعة، وقال أشهب منهم، إذا طهرت؛ انتهى.
واتفقوا على أنه إذا انقضت عدتها أن لا رجعة؛ وأنه لو طلق في طهر قد مسها فيه لا يؤمر بمراجعتها كما نقله ابن بطال وغيره ولكن الخلاف ثابت الخ.
والمصرح به عندنا في كتاب النكاح أنه يؤمر بمراجعتها كما ورد في الحديث، حيث قال: "وإذا طلق الرجل امرأته في حيضها فقد قيل إنه عصى ربه، فإن تاب فليراجعها، فإذا أراد أن يطلقها طلقها إذا اغتسلت من حيضها" الخ؛ فذكر الحديث، ولم يتعرض للأمر هل هو محمول على الوجوب أو الندب، لكن الأصل فيه أن يكون الوجوب حتى يدل الدليل على غيره، والله أعلم.
قوله: «ويمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر»، ظاهره بل صريحه أنه لا يطلقها في الطهر الذي يعقب الحيضة التي طلقها وراجعها فيها بل لا بد من (3/102)
صفحة 910
حيضة أخرى ثم يطلق إن شاء في الطهر الذي يعقبها، وهي رواية البخاري، وهو المروي عن نافع من طرق متعددة ذكرها ابن حجر.
وظاهر كلام الشيخ أبو زكريا رحمه الله أنه يطلقها إن شاء عقب الحيضة التي طلق وراجع فيها، فإنه قال بعد كلام: "فإن تاب فليراجعها، فإذا أراد أن يطلقها طلقها إذا اغتسلت من حيضها وهو الذي روي عن عبد الله بن عمر"، إلى أن قال: "فأمره أن يراجعها ثم يطلقها إن شاء بعد ذلك إذا اغتسلت من حيضتها"؛ انتهى؛ وهذه الرواية هي التي يختارها الشافعي؛ قال ابن حجر: قال الشافعي غير نافع إنما روي: "حتى تطهر من الحيضة التي طلقها فيها ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق" رواه يونس.
إلى أن قال: قلت وهو كما قال لأن روايات الزهري عن سالم موافقة لرواية نافع، وقد نبه على ذلك أبو داود، والزيادة من الثقة مقبولة ولا سيما إذا كان حافظا.
وقد اختلف في الحكمة في ذلك: فقال الشافعي يحتمل أن يكون أراد بذلك - أي بما في رواية نافع - أن يستبرئها بعد الحيضة التي طلقها فيها بطهر تام ثم حيض تام ليكون تطليقها وهي تعلم عدتها إما بحمل أو بحيض؛ أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل – وهو غير جاهل بما يصنع – أنه يرغب فيمسك للحمل.
إلى أن قال: وقيل الحكمة فيه أن لا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فإذا أمسكها زمانا يحل له فيها طلاقها ظهرت فائدة الرجعة لأنه قد يطول مقامه معها فقد يجامعها فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها فيمسكها.
وقيل إن الطهر الذي يلي الحيض الذي طلقها فيه كقرء واحد فلو طلقها فيه لكان كمن طلق في الحيض، وهو ممتنع من الطلاق في الحيض فلزم أن يتأخر إلى الطهر الثاني.
واختلف في جواز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق والرجعة: (3/103)
صفحة 911
وفيه للشافعية وجهان أصحهما المنع، وبه قطع المتولي، وهو الذي يقتضيه ظاهر الزيادة التي في الحديث.
إلى أن قال: وكلام المالكية يقتضي أن التأخير مستحب الخ؛ فذكر عن أبي حنيفة وأحمد الجواز، ثم قال: ووجه الجواز أن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت زال موجب التحريم فجاز طلاقها في هذا الطهر كما يجوز في الطهر الذي بعده.
ثم ذكر حجة المانعين: أنه لو طلقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلقها وهذا عكس مقصود الرجعة، فإنها شرعت لإيواء المرأة، ولهذا سماها إمساكا، فأمره أن يمسكها في ذلك الطهر وأن لا يطلق فيه حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر لتكون الرجعة للإمساك لا للطلاق.
ويؤكد ذلك أن الشارع أكد هذا المعنى حيث أمر أن يمسكها في الطهر الذي يلي الحيض الذي طلقها فيه لقوله في رواية عبد الحميد بن جعفر: "مره أن يراجعها فإذا طهرت مسها حتى إذا طهرت أخرى فإن شاء طلقها وإن شاء أمسكها".
فإذا كان أمره بأن يمسها في ذلك الطهر فكيف يسمح له أن يطلقها فيه، وقد ثبت النهي عن الطلاق في طهر جامعها فيه؛ انتهى.
قوله: «فإن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس»، قال الخطابي: فيه دليل على أن من قال لزوجته وهي حائض إذا طهرت فأنت طالق لا يكون مطلِّقا للسنة لأن المطلِّق للسنة هو الذي يكون مخيرا عند وقوع طلاقه بين إيقاع الطلاق وتركه.
قال ابن حجر: واستُدل بقوله: "قبل أن يمس" على أن الطلاق في طهر جامعها فيه حرام، وبه صرح الجمهور إلى آخره؛ فذكر الخلاف: هل يجبر على الرجعة حينئذ كما يجبر عليها إذا طلقها وهي حائض أو لا؟ إلى آخر ما أطال فيه.
ثم ذكر الخلاف أيضا في المراد بالطهر الذي يجوز فيه الطلاق: هل هو انقطاع الدم أو التطهر بالغسل؟ (3/104)
صفحة 912
وذكر أن الراجح الثاني، واستدل له برواية فيها: "فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى" الخ، هذا هو المذهب عندنا كما يشعر به كلام أبي زكريا المتقدم رحمه الله والله أعلم.
قوله: «فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء» قال ابن حجر: أي أذِنَ؛ وهذا بيان المراد بالآية وهي قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 01].
وصرح معمر في روايته عن أيوب عن نافع بأن هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم في رواية أبي الزبير عند مسلم؛ قال ابن عمر وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ}، واستدل به لمن ذهب إلى أن الأقراء الأطهار، للأمر بطلاقها في الطهر، وقوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}، أي: وقت ابتداء عدتهن؛ وقد جعل للمطلقة التربص ثلاثة قروء فلما نهى عن الطلاق في الحيض وقال إن الطلاق في الطهر هو الطلاق والمأذون فيه علم أن الأقراء الأطهار؛ قاله ابن عبد البر الخ.
قوله: «لا طلاق إلا بعد نكاح» الخ، تقدم الكلام عليه في أول كتاب النكاح فليراجع.
قوله: «لا تسأل المرأة طلاق أختها»، يحتمل أن يكون المراد المرأة التي نهيت عن سؤال طلاق أختها هي التي خطبت على الضرة، وهو الظاهر كما جرت به العادة؛ ويحتمل أن يكون المراد هي التي صارت ضرة بالفعل وتطلب ذلك من زوجها؛ ويحتمل أن يكون المراد كلا منهما وهو الأحسن والله أعلم.
والظاهر أنه سمَّى الضرة أختا للجنسية والإسلام وللتحنن والاستعطاف كما سمى الله ولي الدم أخا في قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنَ اَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178] الآية؛ قال البيضاوي: "وذكره بلفظ الأخوة والثابتة بينهما من الجنسية والإسلام ليرق له ويعطف عليه"، انتهى. (3/105)
صفحة 913
قوله: «لتستفرغ صحفتها»، قال في الصحاح: الصحفة كالقصعة والجمع صحاف؛ قال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة تليها تشبع العشرة، ثم الصحفة تشبع الخمسة، ثم المكيلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة (بالتصغير) تشبع الرجل الخ.
ولكن يُتأمل ما المراد باستفراغ الصحفة، فإن الاستفراغ معناه البذل، على ما في الصحاح حيث قال: "واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلته" الخ، ولم تظهر مناسبته هنا والله أعلم فليحرر؛ ثم رأيت الحديث في البخاري ولفظه بعد ذكر الإسناد: "لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح فإن لها ما قدر لها" انتهى؛ وكتب عليه شارحه كثيرا وذكر فيه روايات، منها: "لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها" الخ؛ ومنها: "لا يصلح لامرأة أن تشرط طلاق أختها لتكفئ إناءها"؛ ومنها: "لاينبغي بذل لا يصلح"؛ ومنها: "لتستفرغ إناء صاحبتها"؛ إلى غيرها من الروايات المتقاربة المعنى، ثم قال: قوله: "لا يحل" ظاهره تحريم ذلك وهو محمول على ما إذا لم يكن هناك سبب يجوِّز ذلك، كريبة في المرأة لا ينبغي معها أن تستمر في عصمة الزوج، ويكون ذلك على النصيحة المحضة، أو لضرر يحصل لها مع الزوج أو للزوج منها.
إلى أن قال: "وقال ابن حبيب: حمل العلماء هذا النهي على الندب فلو فعل ذلك لم ينفسخ النكاح؛ وتعقبه ابن بطال بأن نفي الحل صريح في التحريم ولكن لا يلزم منه فسخ النكاح، وإنما فيه التغليظ على المرأة أن تسأل طلاق الأخرى، ولْترض بما قسم الله لها"، انتهى. (3/106)
صفحة 914
قوله: «أختها» قال ابن حجر: قال النووي معنى هذا الحديث: نهي المرأة الأجنبية أن تسأل رجلا طلاق زوجة وأن يتزوجها هي، فيصير لها من نفقته ومعروفه ومعاشرته ما كان للمطلقة فعبر عن ذلك بقوله فتكفئ ما في صحفتها؛ قال: والمراد بأختها غيرها سواء كانت أختها من النسب أو الرضاع أو الدين؛ ويلحق بذلك الكافرة في الحكم، وإن لم تكن أختا في الدين؛ إما لأن المراد الغالب أو أنها أختها في الجنس الآدمي.
وحمل ابن عبد البر الأخت هنا على الضرة، فقال: فيه من الفقه أنه لا ينبغي أن تسأل المرأة زوجها أن يطلق ضرتها لتفرد به وهذا التعميم في الأخت يمكن في الرواية التي وقعت بلفظ: "لا تسأل المرأة طلاق أختها"؛ وأما الرواية التي فيها لفظ الشرط فظاهرها أنها في الأجنبية، ويؤيد قوله فيها: "لتنكح" أي ولتتزوج الزوج المذكور من غير أن تشترط أن يطلق التي قبلها؛ وعلى هذا فالمراد هنا الأخت في الدين ويؤيده زيادة ابن حيان؛ إلى أن قال: لتستفرغ صحفتها فإن المسلمة أخت المسلمة الخ.
فذكر أن بعضهم خص ذلك بالمسلمة ثم قال: ويجيء ذلك على رأي ابن قاسم أن يستثني ما إذا كان المسؤول طلاقها فاسقة، وعند الجمهور لا فرق.
قوله: «لتستفرغ صحفتها» قال ابن حجر: يفسر المراد بقوله: "لتكفئ" وهو بالهمز افتعال من كفأت الإناء إذا قلبته وأفرغت ما فيه، إلى أن قال: والمراد بالصحفة ما يحصل من الزوج، إلى أن قال: وقال صاحب النهاية: الصحفة إناء كالقصعة المبسوطة؛ قال: وهذا مثل من تريد الاستئثار عليها بحظها، فيكون ذلك كمن قلب إناء غيره في إنائه.
وقال الطيبي: هذه استعارة مستملحة تمثيلية؛ شبه النصيب والبخت بالصحفة، وحظوظها ومتعها بما يوضع في الصحفة من الأطعمة اللذيذة، وشبه الافتراق المسبب عن الطلاق باستفراغ الصحفة من تلك الأطعمة ثم أدخل المشبه به في جنس المشبه واستعمل في المشبه ما كان مستعملا في المشبه به؛ انتهى.
ثم تكلم على قوله في البخاري: "ولتنكح"، إلى أن قال: ثم يحتمل أن المراد ولتنكح ذلك الرجل من غير أن تتعرض لإخراج الضرة من عصمته، بل تكل الأمر في (3/107)
صفحة 915
ذلك إلى ما يقدره الله؛ ولهذا ختم بقوله: "فإنما لها ما قدر لها"؛ إشارة إلى أنها وإن سألت ذلك وألحت فيه واشترطته، فإنه لا يقع من ذلك إلا ما قدره الله؛ فينبغي أن لا تتعرض هي لهذا المحذور الذي لا يقع منه شيء بمجرد إرادتها.
وهذا مما يؤيد أن الأخت من النسب أو الرضاع لا تدخل في هذا.
ويحتمل أن يكون المراد: ولتنكح غيره وتعرض عن هذا الرجل؛ أو المراد أن يشمل الأمرين والمعنى: ولتنكح من تيسر لها فإن كانت التي قبلها أجنبية فلتنكح الرجل المذكور، وإن كانت أختها فلتنكح غيره؛ والله أعلم انتهى.
وقال في محل آخر: قال ابن العربي في هذا الحديث: من أصول السلوك في مجاري القدر؛ وذلك لا يناقض العمل في الطاعات، ولا يمنع التحرف في الاكتساب، والنظر لقوت غد، وإن كان لا يتحقق أنه يبلغه.
وقال ابن عبد البر: هذا الحديث من أحسن أحاديث القدر، وعند أهل العلم لما دل عليه من أن الزوج لو كان أجابها وطلق من ظن أنها تزاحمها، فإنه لا يحصل لها من ذلك إلا ما كتب الله لها سواء أجابها أو لم يجبها، وهو كقول الله تعالى في الآية الأخرى: {قُل لَّنْ يُّصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51]، انتهى؛ وإنما قال في الآية الأخرى لأن الحديث أورده في قوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب: 38] والله أعلم.
قوله: «أبو عمر بن حفص» زاد ابن حجر ويقال: أبو حفص ابن عمرو ابن المغيرة المخزومي، وهو ابن عم خالد بن الوليد بن المغيرة، فخرج مع علي لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فبعث إليها بطلقة ثالثة بقيت لها وأمر ابني عمه الحارث بن هشام وعياش ابن أبي ربيعة أن يدفعوا لها تمرا وشعيرا فاستقلت ذلك وشكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: "ليس لك سكنى ولا نفقة"؛ هكذا أخرج مسلم قصتها من طرق متعددة عنها، ولم أرها في البخاري الخ.
قوله: «زوجته»، قال ابن حجر: هي فاطمة بنت قيس بن خالد من بني محارب بن فهر بن مالك، وهي أخت الضحاك بن قيس الذي ولي العراق ليزيد بن معاوية، (3/108)
صفحة 916
إلى أن قال: وكانت من المهاجرات الأوَّل، وكان لها عقل وجمال وتزوجها أبو عمرو ابن حفص الخ.
قوله: _ «فأرسل إليها وكيله» الخ، تقدم في رواية مسلم أنه أمر ابني عمه الحارث ابن هشام وعياش ابن أبي ربيعة، الخ.
قوله: «فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك» الخ، لعلها هي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم؛ وذكر في المواهب خلافا في نسبها وهل دخل بها أو لا حيث قال بعد ذكر أمهات المؤمنين رضي الله عنهن ما نصه: وقد ذُكر أنه صلى الله عليه وسلم تزوج نسوة غير من ذُكِر، وجملتهن اثنتا عشرة امرأة: الأولى الواهبة نفسها له صلى الله عليه وسلم؛ واختلف من هي: فقيل: أم شريك القرشية العامرية غُزية (بضم الغين المعجمة وفتح الزاي وتشديد المثناة التحتية) بنت جابر بن عوف من بني عامر بن لؤي؛ وقيل: بنت داود بن عوف طلقها النبي صلى الله عليه وسلم واختلف في دخوله بها؛ قيل: هي أم شريك غزية الأنصارية من بني النجار، وفي الصفوة هي أم شريك غزية بنت جابر الدوسية، قال: والأكثرون على أنها التي وهبت نفسها له صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت الخ.
وذكر البخاري أن ابن سعيد بن العاص طلق بنت عبد الرحمن بن الحكم، فأنقلها عبد الرحمن فأرسلت عائشة أم المؤمنين إلى مروان بن الحكم وهو أمير المدينة: "اتق الله وارددها إلى بيتها" الخ، تعني لقوله تعالى {وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنم بُيُوتِهِنَّ} [الطلاق: 01]، الآية.
ثم ذكر البخاري أنه احتج على عائشة رضي الله عنها بقصة فاطمة بنت قيس، وأجابت أن فاطمة كانت في مكان موحش مخيف على ناحيتها فلذلك أرخص لها النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: «ذكرت له أن معاوية ابن أبي سفيان وأبا جهم ابن هشام خطباني»، استُدل بهذا الحديث على أن المرأة إذا خطبت فلم ترد ولم تقبل جازت خطبتها لغير الأول، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر ذلك عليهما بل خطبها لأسامة. (3/109)
صفحة 917
قال ابن حجر: وأشار النووي وغيره إلى أنه لا حجة له فيه لاحتمال أن يكونا خطبا معا، أولم يعلم الثاني بخطبة الأول والنبي صلى الله عليه وسلم أشار بأسامة، ولم يخطبب وعلى تقدير أن تكون خطبة فكأنه لما ذكر لها ما في معاوية وأبي جهم ظهر منها الرغبة عنهما، فخطبها لأسامة؛ انتهى؛ وقد تقدم الكلام على هذا.
قوله «فاغتبطت به» وهو مبني للفاعل من الغبطة، وهي كما في الصحاح: "أن تتمنى مثل حال المغبوط من غير أن تريد زوالها عنه"؛ وليس بحسد تقول غبطته بما نال أغبطه غبطا وغبطته فاغتبط، هو كقولك منعته فامتنع وحبسته فاحتبس الخ يعني فهو مطاوع غبط.
قوله: «امرأة يقال لها عمرة»، ذكر في المواهب الخلاف في نفسها وهل هي الجونية التي تعوذت من النبي صلى الله عليه وسلم، أوغيرها حيث قال: الثالثة عمرة بنت يزيد بن الجون (بفتح الجيم) الكلابية؛ وقيل: عمرة بنت يزيد بن أوس بن كلاب الكلابية.
قال: أبو عمرو وهذا أصح، تزوجها النبيء صلى الله عليه وسلم فتعوذت منه حين أدخلت عليه فقال لها: "لقد عذت بمعاذ"، فطلقها وأمر أسامة بن زيد فمتعها بثلاثة أثواب؛ قال أبو عمر: هكذا روي عن عائشة؛ قال قتادة: كان ذلك في امرأة من بني سليم؛ وقال أبو عبيدة إنما ذلك لأسماء بنت النعمان بن الجون؛ وهكذا ذكره ابن قتيبة وسيأتي؛ وقال في عمرة هذه إن أباها وصفها للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: وأزيدك أنها لم تمرض قط؛ قال صلى الله عليه وسلم: "ما لهذه عند الله من خير" فطلقها انتهى، وهذا هو المناسب لرواية المصنف رحمه الله.
قوله: «نشزت»، أي: (بفتح الشين)؛ قال في الصحاح: ونشزت المرأة تنشز وتنشز نشوزا، إذا استعصت على بعلها وأبغضته، ونشز بعلها عليها إذا ضربها وجفاها؛ ومنه قوله تعالى {وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنم بَعْلِهَا نُشُوزًا} [النساء: 127]،انتهى.
قوله: «أم جميلة»، في البخاري: "جميلة" بإسقاط: "أم"، وكذلك في البيضاوي، وضبطها بالتصغير؛ (3/110)
صفحة 918
وقيل اسمها زينب وأجيب بأنه لا تنافي بين الروايتين لاحتمال أن يكون لها اسمان أو أحدهما لقب.
قوله: «بنت عبد الله_» يعني: ابن أبي بن سلول رأس المنافقين، ويؤيد هذه الرواية ما رواه النسائي والطبراني على ما ذكره ابن حجر: "أن ثابت ابن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي فأتى أخوها يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم"؛ الحديث.
وبذلك جزم ابن سعد في الطبقات فقال: جميلة بنت عبد الله بن أبي أسلمت وبايعت، وكانت تحت حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة، فقتل عنها بأحد وهي حامل فولدت له عبد الله بن حنظلة فخلف عليها ثابت بن قيس فولدت له ابنه محمدا ثم اختلعت فتزوجها مالك بن الدخشم ثم خبيب بن أساف الخ.
والذي في البخاري أنها أخت عبد الله بن أبي ووهمه بعضهم؛ وحاصل ما ذكره ابن حجر أنه لا وهم؛ وأنها أخت عبد الله بلا شك فإن أخاها هو عبد الله بن عبد الله بن أبي إلا أنه نسب عبد الله بن عبد الله لجده أبي؛ فظهر أنه لا منافاة بين من قال بنت عبد الله وبين من قال أخت عبد الله لما هو ظاهر لأن كلا من أبيها وأخيها اسمه عبد الله.
قوله: «ابن الشماس» (بمعجمة ثم مهملة) خطيب الأنصار.
قوله: «تشكو زوجها» من شكوت فلانا أشكوه شكوا وشكاية وشكية وشكاة إذا أخبرت عنه بسوء فعله كما ذكره في الصحاح.
قوله: «لا يُشكيها» (بضم حرف المضارعة) من أشكى؛ قال في الصحاح: واشتكيت فلانا إذا فعلت به فعلا حوجه إلى أن يشكوك، وأشكيته أيضا إذا أعتبته شكواه، ونزعت عن شكايته وأزلته عما يشكوه وهو من الأضداد الخ.
والمراد هنا المعنى الثاني؛ لأن أباها لم يزلها عما تشكوه؛ والله أعلم.
قوله: «أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم»، في بعض الروايات عند قومنا أن الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكي هو أخوها والله أعلم. (3/111)
صفحة 919
قوله: «تشكو إليه وذكرت أنها كارهة له»، في بعض روايات البخاري "أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام»، الخ أي: لا أريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان دينه؛ وفي بعض الروايات: «ولكني لا أطيقه بغضا».
قوله: «تعني أنها مبغضة له»، قيل: سبب ذلك أنه كان ذميم الخلقة.
قال ابن حجر: وأخرج عبد الرزاق عن معمر قال: بلغني أنها قالت: "يا رسول الله بي من الجمال ما ترى وثابت رجل ذميم".
وفي رواية لمعمر، إلى أن قال: "عن أبي عباس: أول خلع كان في الإسلام، امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله لا يجتمع رأسي ورأس ثابت، فإن ثابتا بدا عندما رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها؛ فقال: أتردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم وإن شاء زدته ففرق بينهما"؛ انتهى.
وذكر قبل ذلك أيضا: أنه كانت عنده حبيبة بنت سهل وكان رجلا ذميما فقالت: والله لولا مخافة الله، إذا دخل علي لبصقت في وجهه الخ.
قوله: «أخذت مني حائطا»، أي: بستان نخل كان تزوجها عليه.
قوله: «قال ابن عباس: هذا أول خلع وقع في الإسلام»، قال ابن حجر: الخلع (بضم المعجمة وسكون اللام)، هو في اللغة فراق الزوجة على مال، مأخوذ من خلع الثوب لأن المرأة لباس الرجل معنى، وضم مصدره تفرقة بين الحسي والمعنوي.
وذكر أبو بكر بن دريد في أماليه أن أول خلع كان في الدنيا أن عامر بن الظَّرِب (بفتح المعجمة وكسر الراء ثم موحدة) زوَّج ابنته من ابن أخيه عامر بن الحارث بن الظرب، فلما دخلت عليه نفرت منه، فشكا إلى أبيها فقال: لا أجمع عليك فراق أهلك ومالك، وقد خلعتها منك بما أعطيتها، قال: فزعم العلماء أن هذا كان أول خلع في العرب انتهى.
وأما أول خلع في الاسلام فسيأتي، إلى أن قال: ويسمى أيضا فدية وافتداء، وأجمع العلماء على مشروعيته إلا بكر بن عبد الله بن المزني التابعي المشهور، فإنه قال لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئا لقوله تعالى: (3/112)
صفحة 920
{فَلاَ تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20]، فأوردوا عليه {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا اَفْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]، فادَّعى نسخها بآية النساء إلى آخر ما أطال في الرد عليه.
ثم قال: وانعقد الإجماع بعده على اعتباره، فإن آية النساء مخصوصة بآية البقرة، إلى أن قال: وضابطه شرعا فراق الرجل زوجته، ببدل قابل للعوض يحصل لجهة الزوج.
وهو مكروه إلا في حال مخافة ألا يقيما أو واحد منهما ما أمر به.
وقد ينشأ ذلك عن العشرة أو لسوء خلق أو خلق، ولذا ترتفع الكراهة إذا احتاجا إليه خشية حنث يئول إلى البينونة الكبرى، انتهى.
ولا يجوز الفداء عندنا إلا بالنشوز، ولذلك قال في الديوان وقد قيل: إنه لا يقع الفداء بين الزوج والمرأة إلا وقد كفر أحدهما.
قال عمنا يحى رحمه الله: ولا يجوز الفداء إلا بالنشوز ولا يجوز بغير نشوز، ومنهم من يجيزه بنشوز وبغير نشوز الخ.
قال في مختصر ابن محبوب رحمه الله: "ونشوز المرأة كراهية جماع الرجل وبغضه وبغض مسكنه، ونشوز الرجل إرادة استبدال بها غيرها وإرادة المفارقة لها، من غير أن يدفع لها شيئا من صداقها"، انتهى.
ولا يجوز للزوج عندنا أن يأخذ من المرأة في الفداء أكثر من صداقها، والخلع طلاق بائن فلا يتوارثان في العدة، فإن أراد الرجعة فليتزوجها بنكاح جديد؛ وتجوز الرجعة أيضا بشروط؛ وفروع الباب كثيرة فلتطلب في محلها، والله أعلم.
قوله: «وكانت في بريرة»، قال ابن حجر: (هي بفتح الموحدة بوزن فعيلة) مشتقة من البرير، وهي ثمر الأراك، وقيل إنها فعيلة من البر، بمعنى: مفعولة كمبرورة، أو بمعنى فاعلة كرحيمة هكذا وجهه القرطبي والأول أولى لأنه صلى الله عليه وسلم غير اسم بريدة، وكان اسمها برة، وقال: "لا تزكوا أنفسكم"؛ فلو كانت بريرة من البر لشاركتها في ذلك. (3/113)
صفحة 921
وكانت بريرة لناس من الأنصار كما وقع عند أبي نعيم؛ وقيل لناس من بني هلال قاله ابن عبد البر؛ ويمكن الجمع.
وكانت تخدم عائشة رضي الله عنها قبل أن تعتق، كما سيأتي في حديث الإفك، وعاشت إلى خلافة معاوية، وتفرست في عبد الملك بن مروان أنه يلي الخلافة فبشرته بذلك، وروى ذلك هو عنها.
قوله: «ثلاث سنن» في بعض الروايات عند قومنا: "ثلاث قضيات"؛ وفي بعضها:"وقضى فيها النبي صلى الله عليه وسلم أربع قضيات"، فزاد "وأمرها أن تعتد عدة الحرة"؛ قال ابن حجر: وهذه الزيادة لم تقع في حديث عائشة فلذلك اقتصرت على الثلاث الخ.
أقول: وهذه الزيادة حق؛ لأنها صارت حرة فإذا اختارت نفسها، خرجت من العصمة فتعتد عدة الحرة، لأن الأمة إذا لحقها العتق ولو في العدة فإنها تنتقل إلى عدة الحرة؛ فكيف بالتي عتقت قبل ذلك؟ لأن مذهب أصحابنا رحمهم الله أن الطلاق للنساء والعدة عليهن كما هو معلوم.
وذكر ابن حجر أن العلماء صنفوا في قصة بريرة تصانيف، وأن بعضهم أوصلها إلى أربعمائة فائدة؛ ولا يخالف ذلك قول عائشة: "ثلاث سنن"؛ لأن مراد عائشة ما وقع من الأحكام فيها مقصودا خاصة؛ لكن لما كان كل حكم منها يشتمل على تقعيد قاعدة يستنبط العالم الفطن منها فوائد جمة وقع التكثير من هذه الحيثية.
إلى أن قال: أو اقتصر على الثلاث أو الأربع، لكونها أظهر ما فيها وما عداها إنما يؤخذ بطريق الاستنباط، أو لأنها أهم والحاجة إليها أمس.
قال القاضي عياض: معنى ثلاث أو أربع؛ أنها شرعت في قصتها وما يظهر فيها ما سوى ذلك فكان قد أعلم من غير قصتها الخ.
قوله: «عتقت» يعني: (بفتح العين والتاء)؛ قال في الصحاح: عتق العبد يعتق، (بالكسر) عتقا وعتاقا وعتاقة فهو عتيق، وعاتق وأعتقته أنا الخ. (3/114)
صفحة 922
قوله: «فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم» الخ، يعني: فاختارت نفسها كما في بعض الروايات؛ وفي بعضها زيادة: "وقالت لو أعطيت كذا وكذا ما كنت معه"؛ وفي بعض روايات البخاري عن ابن عباس: "أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها ويبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعباس: يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو راجعته؟ فقالت يا رسول الله: تأمرني؟ قال: لا إنما أنا أشفع؛ قالت لا حاجة لي فيه؛ انتهى.
والمراد بالمراجعة الرجوع إلى عصمته بالعقد والله أعلم.
واختلف في زوجها: هل كان حرا أو عبدا؟ ولكن الخيار ثابت لها على كل حال ما لم يمسها، وهذا الخيار ليس بطلاق بل هو فسخ، فلا يصح فيه المراجعة، فإن تزوجها بعد ذلك فقد كانت عنده على ثلاث تطليقات كما في الطفلة إذا بلغت فأنكرت النكاح واختارت المفارقة.
وفي الحديث دليل للجمهور على أن بيع الأمة لا يكون طلاقا؛ لأن بريرة عتقت فخيرت في زوجها؛ فلو كان طلاقها يقع بمجرد البيع لم يكن للتخيير معنى؛ ولأن النكاح عقد على منفعة فلا يبطله بيع الرقبة كما في العين المؤجرة.
وفيه أيضا أن عتقها لا يكون طلاقا ولا فسخا لثبوت التخيير والله أعلم.
قوله: «وقالت إن أهلي كاتبوني فأعينيني بشيء؛ فقلت: لها عدي لهم ما كاتبوك به فيكون ولاؤك لي» إلخ؛ ظاهر هذا الحديث يدل على أنه يجوز بيع المكاتب للعتق، وليس بظاهر على قواعد المذهب من أن المكاتب حر؛ نعم يناسب مذهب الغير من أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
قال ابن حجر عند ذكر فوائد هذا الحديث: ومن ذلك من أدى أكثر نجومه لا يعتق تغليبا للأكثر، وأن من أدى من النجوم بقدر قيمته لا يعتق، وأن من أدى بعض نجومه لا يعتق منه بقدر ما أدى لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في شراء بريرة من غير استفصال. (3/115)
صفحة 923
وفيه جواز بيع المكاتب والرقيق بشرط العتق الخ، اللهم إلا أن يقال إنه يغتفر فسخ عقد الكتابة بتعجيل النقد ليستريح المكاتب من نجوم الكتابة، وذُلِّ السؤال، أو يحُمل قولها "كاتبوني"، وقول عائشة "ما كاتبوك به" على استعمال الفعل في الإرادة على حدِّ {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ} [النحل: 98]، {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ اَهْلَكْنَاهَا} [الأعراف:04]، {إِذَا قُمْتُمُ, إِلَى الصَّلاَةِ} [المائدة: 06]، إلى غير ذلك وهذا هو الظاهر إذا لم يثبت أنهم كاتبوها بالفعل؛ والله أعلم فليحرر.
قوله: «فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الولاء لمن أعتق»، في بعض طرق البخاري أن: "عائشة أرادت أن تشتري بريرة فأبى مواليها إلا أن يشترطوا الولاء، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق» الخ؛ وفي بعض الروايات أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت: "جاءت بريرة فقالت: كاتبت على تسع أواق، في كل عام أوقية فأعينيني؛ فقالت عائشة رضي الله عنها: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة وأعتقك فعلتُ، ويكون ولاؤك لي فذهبت إلى أهلها فأبوا ذلك عليها، فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم؛ فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألني فأخبرته فقال: خذيها فأعتقيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق؛ قالت عائشة رضي الله عنها: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فما بال رجال منكم يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، ما بال رجال منكم يقول أحدهم: أعتق يا فلان ولي الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق»، انتهى.
وذكر ابن حجر من فوائد حديث بريرة: جواز سؤال المكاتب من يعينه على بعض نجومه، وإن لم تحل وأن ذلك لايقتضي تعجيزه.
وجواز سؤال ما لا يضطر السائل إليه في الحال.
وجواز الاستعانة بالمرأة المزوجة.
وجواز تصرفها في مالها بغير إذن زوجها وبذل المال في طلب الأجر حتى في الشراء في الزيادة على ثمن المثل بقصد التقرب بالعتق. (3/116)
صفحة 924
ويؤخذ منه جواز شراء من يكون مطلق التصرف في السلعة بأكثر من ثمنها؛ لأن عائشة بدلت نقدا جعلوه نسيئة في تسع سنين لحصول الرغبة في النقد أكثر من النسيئة.
وجواز السؤال في الجملة لمن يتوقع الاحتياج إليه فتحصل الأخبار الواردة في الزجر عن السؤال على الأولية.
إلى أن قال: وفيه بطلان الشروط الفاسدة في المعاملات وصحة الشروط المشروعة لمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل".
إلى أن قال: ويؤخذ منه: أن من استثنى خدمة المرقوق عند بيعه لم يصلح شرطه، وأن من شرط شرطا فاسدا لم يستحق العقوبة إلا إن علم بتحريمه وأصر عليه.
إلى أن قال: وفيه جواز إبطال الكتابة وفسخ عقدها إذا تراضى العبد والسيد وإن كان فيه إبطال التحرير لتقرير بريرة على السعي بين عائشة ومواليها في فسخ كتابتها لتشتريها عائشة الخ.
وهذا يؤيد الجواب الأول فيما ذكرته سابقا؛ إلا أنه يقال على قاعدة المذهب: إذا تراضى السيد والمكاتب، والله أعلم.
قال ابن حجر: وفيه ثبوت الولاء للمعتق والرد على من خالفه.
إلى أن قال: وفيه مشروعية الخُطبة في الأمر المهم، والقيام فيها وتقدمة الحمد والثناء على الله سبحانه، وقول "أما بعد" عند ابتداء الكلام في الحاجة.
وأن من وقع منه ما ينكر استحب عدم تعيينه.
وأن استعمال السجع في الكلام لا يكره إلا إذا قُصد إليه ووقع مكلفا.
إلى أن قال: وفيه ثبوت الولاء للمرأة المعتقة؛ فيستثنى من عموم: "الولاء لحمة كلحمة النسب" فإن الولاء لا ينتقل إلى المرأة بالإرث بخلاف النسب.
إلى أن قال: وأن الولاء لا يوهب ولايباع.
إلى أن قال: ويؤخذ منه أن معنى قوله في الرواية الأخرى: "الولاء لمن أعطيى الورق"، أن المراد المعطي المالك، لا مَن باشر الإعطاء مطلقا، فلا يدخل الوكيل.
إلى أن قال: وفيه ثبوت الخيار للأمة إذا عتقت.
إلى أن قال: وفيه أن الخيار فسخ لا يملك الزوج فيه رجعة.
إلى أن قال: (3/117)
صفحة 925
وفيه أن المرء إذا خُير بين أمرين مباحين فآثر ما ينفعه لم يُلم ولو أضر ذلك برفيقه.
وفيه اعتبار الكفاءة في الحرية.
وفيه سقوط الكفاءة برضى المرأة التي لا ولي لها.
إلى أن قال: وفيه جواز مخالفة المشير فيما يشير به في غير الواجب.
واستحباب شفاعة الحاكم والرفق بالخصم، حيث لا ضرر ولا إلزام ولا لوم على من خالف، ولا غضب ولو عظم قدر الشافع.
إلى أن قال: ويؤخذ منه أن التصميم في الشفاعة لا يسوغ فيما تشق الإجابة فيه على المسؤول بل يكون على وجه العرض والترغيب.
وفيه جواز الشفاعة قبل أن يسألها المشفوع له، لأنه لم ينقل أن مغيثا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع له كذا قيل.
إلى أن قال: وفيه حسن أدب بريرة لأنها لم تفصح برد الشفاعة، وإنما قالت لا حاجة لي فيه.
وفيه أن فرط الحب يذهب الحياء؛ لما ذكر من حال مغيث وغلبة الوجد عليه، حيث لم يستطع كتمان حبها، وفي ترك النكير عليه بيان جواز قبول عذر من كان في مثل حاله ممن يقع منه ما لا يليق بمنصبه، أو وقع بغير اختياره.
إلى أن قال: وفيه أن المرأة لا إجبار عليها ولو كانت معتوقة.
وجواز خطبة الكبير والشريف لمن هو دونه.
وفيه حسن الأدب في المخاطبة حتى من الأعلى مع الأدنى وحسن التلطف في الشفاعة.
وفيه أن للعبد أن يخطب مطلقته بغير إذن سيده.
وأن خطبة المعتدة لا تحرم على الأجنبي إذا خطبها لمطلقها.
وأن فسخ النكاح لا رجعة فيه إلا بنكاح جديد.
وأن الحب والبغض بين الزوجين لا لوم فيه على واحد منهما لأنه بغير اختيار.
وجواز بكاء المحب على فراق حبيبه وعلى ما يفوته من الأمور الدنيوية، ومن الدينية بالطريق الأولى. (3/118)
صفحة 926
وأنه لا عار على الرجل في إظهار حبه لزوجته.
وأن المرأة إذا بغضت الزوج لم يكن لوليها إكراهها على عشرته، وإذا أحبته لم يكن لوليها التفريق بينهما.
وجواز ميل الرجل إلى امرأة يطمع في تزويجها أو رجعتها.
وجواز كلام الرجل لمطلقته في الطرق واستعطافه لها واتباعها أين سلكت كذلك، ولا يخفى أن محل الجواز عند أمن الفتنة.
إلى أن قال: وفيه أن كلام الحاكم بين الخصوم في مشورة وشفاعة ونحوهما ليس حكما.
وفيه أنه يجوز لمن سئل قضاء حاجة أن يشترط على الطالب ما يعود عليه نفعه، لأن عائشة شرطت أن يكون لها الولاء إذا أدت الثمن دفعة واحدة.
وفيه جواز أداء الدين عن المدين وأنه يبرأ بأداء غيره عنه.
وإفتاء الرجل زوجته فيما لها فيه حظ وغرض إذا كان حقا.
وجواز حكم الحاكم لزوجته بالحق.
وجواز قول مشتري الرقيق: أشتريه لأعتقه ترغيبا للبائع في تسهيل البيع.
وجواز المعاملة بالدراهم والدنانير عددا، إذا كان قدرها معلوما لقولها: "عدها" ولقولها: "تسع أواق".
ويستنبط منه جواز بيع المعاطاة.
وفيه جواز عقد البيع بالكناية لقولها له "خذيها"، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في حديث الهجرة: "قدم أخذتها بالثمن".
وفيه أن حق الله مقدم على حق الآدمي لقوله: "شرط الله أحق وأوثق"، ومثله الحديث الآخر الذي: "دين الله أحق أن يقضى".
إلى أن قال: وفيه أن الأيدي ظاهرة في الملك، وأن مشتري السلعة لا يسأل عن أصلها إذا لم تكن ريبة.
وفيه استحباب إظهار أحكام العقد للعالم بها إذا كان العاقد يجهلها.
وفيه أن حكم الحاكم لايغير الحكم الشرعي فلا يحل حراما ولا عكسه. (3/119)
صفحة 927
وفيه قبول خبر الواحد الثقة وخبر العبد والأمة وروايتهما.
وفيه أن البيان بالفعل أقوى من القول.
وجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة والمبادرة إليه عند وقت الحاجة.
وفيه أن الحاجة إذا اقتضت بيان حكم عام وجب إعلانه أو ندب إليه بحسب الحال.
وفيه جواز الرواية بالمعنى والاختصار من الحديث، والاقتصار على بعضه بحسب الحاجة فإن الواقعة واحدة، وقد رويت بألفاظ مختلفة، وزاد بعض الرواة ما لم يذكر الآخر، ولم يقدح ذلك في صحته عند أحد من العلماء.
وفيه أن العدة بالنساء، لما تقدم من حديث ابن عباس: أنها أمرت أن تعتد عدة الحرة، ولو كانت بالرجال لأمرت أن تعتد عدة الإماء.
وفيه أن عدة الأمة إذا عتقت تحت عبد فاختارت نفسها ثلاث قروء.
إلى أن قال: وفيه تسمية الأحكام سننا، وإن كان بعضها واجبا، وأن تسمية ما دون الواجب سنة اصطلاح حادث.
وفيه جواز جبر السيد أمته على تزويج من لا تختاره إما لسوء خلقه أو خلقه، وهي بالضد من ذلك، فقد قيل إن بريرة كانت جميلة غير سوداء، بخلاف زوجها وقد زوجت منه، وظهر عدم اختيارها لذلك بعد عتقها.
وفيه أن أحد الزوجين قد يبغض الآخر ولا يظهر له ذلك، ويحتمل أن تكون بريرة مع بغضها مغيثا كانت تصبر على حكم الله عليها، ولا تعامله بمايقتضيه البغض إلى أن فرج الله عنها.
وفيه تنبيه صاحب الحق على ما وجب له إذا جهله.
إلى أن قال: وإطلاق الأهل على السادة، وإطلاق العبيد على الأرقاء.
وجواز تسمية العبد مغيثا.
وأن مال الكتابة لا حد لأكثره.
قوله: «والثالثة دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم والبرمة تفور»، الخ ذكر ابن حجر من فوائده: أن للمعتق أن يقبل الهدية من معتقه ولا يقدح ذلك في ثواب المعتق. (3/120)
صفحة 928
وجواز الهدية لأهل الرجل بغير استئذانه، وقبول المرأة ذلك حيث لا ريبة.
وفيه سؤال الرجل عما لم يعهده في بيته، قال ولا يرد على هذا ما تقدم في قصة أم زرع حيث وقع في سياق المدح؛ ولا يسأل عما عهد لأن معناه كما تقدم.
ولا يسأل عن شيء عهده وفات، فلا يقول لأهله: أين ذهب؟، وهنا سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء رآه وعاينه ثم أحضر له غيره، فسأل عن سبب ذلك لأنه يعلم أنهم لا يتركون إحضاره شحا عليه بل لتوهم تحريمه، فأراد أن يبين لهم الجواز. وقال ابن دقيق العيد فيه دلالة على تبسط الإنسان في السؤال عن أحوال منزله وما عهده فيه، قيل: والأول أظهر، وقال: وعندي أنه مبني على خلاف ما انبنى عليه الأول؛ لأن الأول بني على أنه علم حقيقة الأمر في اللحم، وأنه تصدق به على بريرة. والثاني بني على أنه لم يتحقق من أين هو، فجائز أن يكون مما أهدي لأهل بيته من بعض ألزامها كأقاربها مثلا، فلا يتعين الأول.
وفيه أنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إليه إذا لم يظهر تحريمه أو تظهر فيه شبهة؛ إذ لم يسأل صلى الله عليه وسلم عمن تصدق على بريرة ولا عن حاله كذا قيل.
وقد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أرسل بريرة بالصدقة فلم يتم هذا؛ انتهى. (3/121)
صفحة 929
الباب السابع والعشرون
في الحداد والعدة
536) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَتْ حَفْصَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».
537) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُوهَا سُفْيَانُ بْنُ حَرْبٍ دَعَتْ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةُ خَلُوقٍ، فَدَهَنَتْ بِهِ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَحَتْ (1) عَارِضَيْهَا فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، إِلاَّ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».
قَالَ الرَّبِيعُ: عَارِضَيْهَا مَا بَيْنَ مُقَدَّمَيْ أُذُنَيْهَا إِلَى خَدَّيْهَا مِنَ اللَّحْيِ الأَسْفَلِ.
538) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَتَكْحَلُهَا؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ» ثَلاَثًا، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (2) وَكَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ».قَالَ الرَّبِيعُ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا وَلاَ تَمَسُّ طِيبًا، وَتَلْبِسُ شَرَّ ثِيَابِهَا، حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِحِمَارٍ
__________
(1) / خ: بِهِ.
(2) / قوله: لأربعة أشهر وعشرا بالنصب فيهما على معنى الحكاية للاية. (3/122)
صفحة 930
أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ فَتَقْتَضُّ (1) بِهِ، فَقَلَّمَا تَقْتَضُّ (2) بِشَيْءٍ إِلاَّ مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ وَغَيْرِهِ. وَمَعْنَى تَقْتَضُّ (3) بِهِ أَيْ تَمْسَحُ بِهِ. وَالْحِفْشُ طَرَفُ الْخُصِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
539) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَتْ أُخْتِي الْفُرَيْعَةُ بِنْتُ مَالِكٍ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدْرَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ عَبِيدٍ لَهُ أَبَقُوا، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِطَرَفِ الْقَدُومِ لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ، وَلاَ تَرَكَ لِي نَفَقَةً، فَأَذِنَ لَهَا بِالْخُرُوجِ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِالْحُجْرَةِ دَعَاهَا فَدُعِيَتْ لَهُ فَقَالَ لَهَا: «كَيْفَ قُلْتِ» فَرَدَّتْ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ لَهَا: «اُمْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ». قَالَ: فَاعْتَدَّتْ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
540) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اخْتَلَفْتُ أَنَا وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الْمَرْأَةِ الْحَامِل إِذَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، قَالَ: فَقُلْتُ: عِدَّتُهَا آخِرُ الأَجَلَيْنِ، فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: إِذَا وَضَعَتْ حَلَّتْ، فَجَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَسُئِلَ فَقَالَ: أَنَا مَعَ أَبِي سَلَمَةَ، فَبَعَثْنَا كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَذَكَرْتُ (4) ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «قَدْ حَلَّتْ».
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَهَذِهِ رُخْصَةٌ مِنَ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلأَسْلَمِيَّةِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَعَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ.
__________
(1) / خ: فتفتض.
(2) / خ: تفتض.
(3) / خ: تفتض.
(4) / قوله: فذكرت بتاء التأنيث والفاعل ضمير سبيعة؛ وقوله: قَدْ حلت بتاء التأنيث أيضا وهو انتقال من الأخبار عن سبيعة إلى الأخبار عن قوله (ص) (3/123)
صفحة 931
الحداد (بكسر الحاء وتخفيف الدال) مصدر حدت المرأة، وفيه لغة أخرى وهي أحدت إحدادا؛ قال في الصحاح: وأحدت المرأة امتنعت عن الزينة والخضاب بعد وفاة زوجها، وكذلك حدت تحد وتحد يعني (بضم الحاء وكسرها) حدادا، وهي حاد، ولم يعرف الأصمعي إلا أحدت فهي محد الخ.
قال ابن حجر: قال ابن بطال: الإحداد بالمهملة امتناع المرأة المتوفى عنها زوجها من الزينة كلها، من لباس وطيب وغيرهما، وكل ما كان من دواعي الجماع الخ.
وقال في محل آخر: قال أهل اللغة: أصل الإحداد المنع، ومنه سمي البواب حدادا لمنعه الداخل، وسميت القعوبة حدا لأنها تردع عن المعصية.
وقال ابن درستويه: معنى الإحداد منع المعتدة نفسها الزينة وبدنها الطيب، ومنع الخُطاب خطبتها والطمع فيها، كما منع الحد المعصية.
وقال الفراء: سمي الحديد حديدا للامتناع به، أو لامتناعه على محاوله، ومنه تحديد النظر لمعنى تقلبه في الجهات.
وروي بالجيم، إلى أن قال: مأخوذة من جددت الشيء إذا قطعته، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة الخ.
قوله: «لا تحل» قال ابن حجر: استدل به على تحريم الإحداد على غير الزوج، وهو واضح على وجوب الإحداد المدة المذكورة على الزواج.
واستشكل بأن الاستثناء وقع بعد النفي فيدل على الحل فوق الثلاث على الزوج لا على الوجوب.
وأجيب بأن الوجوب استفيد من دليل آخر كالإجماع الخ.
قوله: «لامرأة» قال ابن حجر: تمسك بمفهومه الحنفية فقالوا: لا يجب الإحداد على الصغيرة؛ وذهب الجمهور إلى وجوب الإحداد عليها كما تجب العدة.
وأجابوا عن التقييد بالمرأة أنه خرج مخرج الغالب، وعن كونها غير مكلفة بأن الولي هو المخاطب بمنعها ما تمنع منه المعتدة. (3/124)
صفحة 932
ودخل في عموم قوله: "امرأة" المدخول بها وغير المدخول بها، حرة كانت أو أمة، ولو كانت مبغضة أو مكاتبة أو أم ولد، إذا مات عنها زوجها لا سيدها؛ لتقييده بالزوج في الخبر خلافا للحنفية؛ انتهى؛ أقول وما ذهب إليه الحنفية هو قول أبي عبيدة رحمه الله.
قوله: «تؤمن بالله واليوم الآخر» قال ابن حجر: استدل به الحنفية بأن الإحداد واجب على الذمية للتقييد بالإيمان، وبه قال بعض المالكية وأبو ثور وترجم عليه النسائي بذلك.
وأجاب الجمهور بأنه ذكر تأكيدا للمبالغة في الزجر، فلا مفهوم له كما يقال: "هذا طريق المسلمين"، وقد يسلكه غيرهم.
وأيضا فالإحداد من حق الزوج وهو ملتحق بالعدة في حفظ النسب، فتدخل الكافرة في ذلك بالمعنى، كما دخل الكافر في النهي عن السوم على سوم أخيه.
إلى أن قال: ونقل السبكي في فتاويه عن بعضهم أن الذمية داخلة في قوله: "تؤمن بالله واليوم الآخر"، ورَدَّ على قائله وبين فساد شبهته فأجاد الخ.
أقول: والدليل على فساد ما ذهب إليه قوله تعالى: {قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ} [التوبة: 29] الآية، فنفى عن أهل الكتاب الإيمان بالله واليوم الآخر.
قال ابن حجر: وقال النووي: قيد بوصف الإيمان لأن المتصف به هو الذي ينقاد للشرع؛ قال ابن دقيق العيد: والأول أولى.
وفي رواية عند المالكية أن الذمية المتوفى عنها زوجها، تعتد بالأقراء؛ قال ابن العربي: وهو قول من قال لا إحداد عليها، انتهى.
قوله: «أن تحد»، (يجوز بضم أوله وكسر ثانيه) من أحد، و (فتح أوله وضم ثانيه أو كسره) من حد وهو المناسب لقوله في الترجمة الحداد، وإن أنكره الأصمعي؛ قال الفراء: كان القدماء يؤثرون أحدت، والأخرى أكثر ما في كلام العرب. (3/125)
صفحة 933
قوله: «على ميت»، قال ابن حجر: استدل به لمن قال لا إحداد على امرأة المفقود، لأنه لم يتحقق وفاته، خلافا للمالكية انتهى.
قوله: «فوق ثلاث ليال» اعلم إنه قد أباح الشارع للمرأة أن تحد على غير الزوج ثلاثة أيام، لما يغلب من لوعة الحزن ويهجم من ألم الوجد، وليس ذلك واجبا لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحال والله أعلم.
قوله: «إلا على زوج»، قال ابن حجر: أخذ من هذا الحصر أن لا يزاد على الثلاث في غير الزوج أبا كان أو غيره؛ وأما ما أخرجه أبو داود في المراسيل من رواية عمر بن شعيب أن: "النبي صلى الله عليه وسلم رخص للمرأة أن تحد على أبيها سبعة أيام وعلى من سواه ثلاثة أيام" فلو صح لكان خصوص الأب يخرج من هذا العموم لكنه مرسل أو معضل.
إلى أن قال: واستدل به الأصح عند الشافعية في أن الإحداد على المطلقة، فأما الرجعية فلا إحداد عليها إجماعا وإنما الاختلاف في البائن؛ فقال الجمهور لا إحداد؛ وقالت الحنفية وأبو عبيدة وأبو ثوار عليها الإحداد قياسا على المتوفى عنها، وبه وقال بعض الشافعية والمالكية.
واحتج الأولون بأن الإحداد شرع لأن تركه من التطيب والتلبس والتزين يدعو إلى الجماع؛ فمنعت المرأة منه زجرا لها عن ذلك، فكان ذلك ظاهرا في حق الميت، لأنه يمنعه الموت عن منع المعتدة منه عن التزويج ولا تراعيه ولا تخاف منه، بخلاف المطلِق الحي في كل ذلك.
ومن ثم وجبت العدة على كل متوفى عنها زوجها وإن لم تكن مدخولا بها، بخلاف المطلقة قبل الدخول فلا إحداد عليها اتفاقا.
وبأن المطلقة البائن يمكن لها العود إلى الزوج بعينه بعقد جديد.
إلى أن قال: واستدل به على جواز الإحداد على غير الزوج من قريب ونحوه ثلاث ليال، فما دونها وتحريمه فيما زاد عليها. (3/126)
صفحة 934
وكان هذا القدر أبيح لأجل حظ النفس ومراعاتها، وغلبة الطباع البشرية، ولهذا تناولت أم حبيبة وزينب بن جحش رضي الله عنهما الطيب لتخرجا عن عهدة الإحداد، وصرحت كل واحدة منهما بأنها لم تطيبا لحاجة، إشارة إلى أن آثار الحزن باقية عندها لكنها لم يسعها إلا امتثال الأمر؛ انتهى.
قوله: «أربعة أشهر وعشرا»، قال ابن حجر: قيل الحكمة فيه أن الولد يتكامل تخليقه، وينفخ فيه الروح بعد مضي مائة وعشرين يوما، وهي زائدة على أربعة أشهر بنقص الأهلة فجبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط.
وذكر العشر مؤنثا لإرادة الليالي، والمراد مع أيامها عند الجمهور فلا تحل حتى تدخل الليلة الحادية عشرة؛ وعن الأوزاعي وبعض السلف تنقضي بمضي الليالي العشر بعد الأشهر وتحل في أول اليوم العاشر إلخ؛ ومذهب أصحابنا رحمهم الله هو مذهب الجمهور.
قوله: «صفرة خلوق»، الخلوق (بفتح الخاء) طيب يصنع من زعفران وغيره فيكون في صفرة، كما تقدم في باب ما يجوز من النكاح وما لا يجوز.
قوله: «ثم مسحت به عارضيها» أي عارضي نفسها.
قوله: «فقالت والله ما لي بالطيب من حاجة»، تقدم أن فيه إشارة إلى أن آثار الحزن باقية عندها لكنها لم يسعها إلا امتثال الأمر.
قوله: «وعارضيها ما بين مقدمي أذنيها إلخ»، قال في الصحاح: وعارضة الإنسان صفحتا خديه، وقولهم فلان خفيف العارضين، يراد به خفة شعر عارضيه، وامرأة نقية العارض، أي: نقية عرض الفم، إلى أن قال: يعني به الإسنان ما بعد الثنايا، والثنايا ليست من العارض؛ وقال ابن السكيت: العارض الناب والضرس الذي يليه، وقال بعضهم: ما بين الثنية إلى الضرس، الخ.
والمراد من الحديث المعنى الأول لأنه هو الذي يسمح بالطيب. (3/127)
صفحة 935
ومن غير هذا الكتاب من كتاب الضياء في الحديث: "أن امرأة توفي عنها زوجها فاشتكت عينها، فأرادوا أن يداووها فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: قد كانت إحداكن تقعد في شر حلاسها في بيتها، إلى الحول فإذا كان الحول فمر كلب رمته ببعرة ثم خرجت أفلا تصبر أربعة أشهر وعشرا".
قوله عليه السلام: "فمر كلب" يعني: أنها كانت في الجاهلية تعتد سنة على زوجها، لا تخرج من بيتها ثم تفعل ذلك في رأس الحول، لتري الناس أن إقامتها حولا بعد زوجها أهون عليها من بعرة ترمي بها كلبا؛ وقد ذكروا ذلك في أشعارهم قال لبيد بن ربيعة يمدح قومه شعرا:
وهم ربيع للمجاور فيهم ... والمرملات إذا تطاول عامها
وبذلك نزل القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةٌ ِّلأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا اِلىَ الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة: 240]، ثم نسخ ذلك بقوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، فقال عليه السلام: "كيف لا تصبر إحداكن قدر هذا وقد كانت تصبر حولا"، روجع.
ومعنى تفتض به، أي: تمسح به؛ والخفش: طرف الخص والله أعلم.
قوله: «بلغني عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم»، الراوي لهذا الحديث عن أم سلمة رضي الله عنها هي ابنتها، زينب ابنة أبي سلمة ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وفيها: "ولو لم تكن ربيبتي ما حلت لي إنها ابنة أخي في الرضاعة".
قوله: «جاءت امرأة»، زاد في بعض الروايات: "من قريش"؛ وفي بعضها أن اسمها: "عاتكة بنت نعيم ابن عبد الله"؛ وفي بعض الروايات زيادة: "وكانت تحت المغيرة المخزومي وهي تحد وتشتكي عينها"، الخ.
قوله: «وقد اشتكت عينها»، قال ابن حجر: قال ابن دقيق العيد: يجوز فيه وجهان ضم النون على الفاعلية، على أن تكون العين هي المشتكية، وبفتحها على أن يكون في اشتكت ضمير الفاعل وهي المرأة، ورجح هذا؛ (3/128)
صفحة 936
ووقع في بعض الروايات: "عيناها" يعني: وهي ترجح الضم، وهذه الرواية في مسلم، وعلى الضم اقتصر النووي وهو الأرجح والذي رجح الأول هو المنذري، انتهى.
قوله: «أفتكحلها»، الرواية في البخاري "أفنكحلها" بالنون، قال ابن حجر: بضم الحاء.
قوله: «لا، ثلاثا»، الرواية في البخاري: "لا، مرتين أو ثلاثا"، قال ابن حجر: قال النووي: فيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادة سواء احتاجت إليه أم لا.
وجاء في حديث أم سلمة في الموطأ وغيره: "اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار"، ووجه الجمع أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل، وإذا احتاجت لم يجز بالنهار ويجوز بالليل؛ مع أن الأولى تركه فإن فعلت مسحته بالنهار الخ، فذكر روايات أنه لا يجوز ولو خشيت على بصرها.
ثم قال: ولهذه قال مالك في رواية عنه: "تمنعه مطلقا"، وعنه: "يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيها"، وبه قال الشافعية مقيدا بالليل.
إلى أن قال: وقالت طائفة من العلماء: يجوز ذلك ولو كان فيه طيب، وحملوا النهي على التنزيه جمعا بين الأدلة.
قوله: «إنما هي أربعة أشهر وعشر»، قال ابن حجر: قال ابن دقيق العيد: فيه إشارة إلى تقليل المدة بالنسبة إلى ما كان قبل ذلك، وتهوين الصبر عليها، ولهذا قال بعده: "وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول"، وفي التقييد بالجاهلية إشارة إلى أن الحكم في الإسلام صار بخلافه، وهو كذلك بالنسبة لما وصف من الصنيع؛ لكن التقدير بالحول استمر في الإسلام بنص قوله تعالى: {وَصِيَّةٌ ِّلأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا اِلىَ الْحَوْلِ} [البقرة: 240]، ثم نسخه بالآية التي قبل وهي: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}،الخ.
قوله: «قال الربيع كانت المرأة في الجاهلية الخ»، لعل المراد قال ذلك رواية عن غيره ممن روى عن زينب رواية الحديث، كما يدل عليه كلام البخاري حيث قال بعد قوله رأس الحول ما نصه: "قال حميد: فقلت وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت ترمي المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها"؛ إلى قوله:"من (3/129)
صفحة 937
طيب أو من غيره" حرفا بحرف، وتكلم شارحه على جميع ألفاظه كما ستراه والله أعلم.
قوله: «كانت المرأة إذا مات عنها زوجها دخلت حفشا»، الخ، قال ابن حجر: هكذا في هذه الرواية لم تسنده زينب؛ ووقع في رواية شعبة في الباب الذي يليه مرفوعا كله؛ لكنه باختصار ولفظه: "لا تكتحل قد كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها أو شر ثيابها فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة فلا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر" الخ.
قوله: «ثم تؤتى بحمار أو شاة أو طير»، الرواية في البخاري: "بدابة حمار أو شاة أو طائر"، قال شارحه: "أو شاة أو طائر" للتنويع لا للشك الخ.
قوله: «فتفتض به»، قال ابن حجر: (بفاء ثم مثناة ثم ضاد معجمة ثقيلة) الخ.
قوله: «ثم تخرج فتعطى بعرة»، قال ابن حجر: (بفتح الموحدة وسكون المهملة ويجوز فتحها).
قوله: «فترمي بها»، ذكر ابن حجر: أن في رواية مالك: "ترمي ببعرة من بعر الغنم أو الإبل فترمي بها أمامها فيكون ذلك إحلالا لها"؛ وفي رواية ابن وهب: "ترمي ببعرة من بعر الغنم من وراء ظهرها"، إلى أن قال ناقلا عن بعضهم: "ترمي بها من عرض: من كلب أو غيره، تري من حضرها أن مقامها حولا أهون عليها من بعرة ترمي بها كلبا أو غيره".
إلى أن قال: واختلف في المراد برمي البعرة فقيل: هو إشارة إلى أنها رمت العدة في رمي البعرة، وقيل هو إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربص والصبر على البلاء الذي كانت فيه لما انقضى كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها استحقارا له وتعظيما لحق زوجها.
وقيل: بل ترميها على سبيل التفاؤل لعدم عودها إلى مثل ذلك؛ انتهى.
قوله: «ومعنى تفتض به أي تمسح به»، قال ابن حجر: بعد ما ضبطه كما تقدم فسره مالك في آخر الحديث، فقال تمسح به جلدها؛ وأصل الفض الكسر، أي: تكسر ما كانت فيه وتخرج منه بما تفعله بالدابة. (3/130)
صفحة 938
ووقع في رواية للنسائي: "تقبض" بقاف ثم موحدة خفيفة، وهي رواية الشافعي، والقبض الأخذ بأطراف الأنامل؛ قال الأصبهاني وابن الأثير: هو كناية عن الإسراع، أي: تذهب تعدو مسرعة إلى منزل أبويها لكثرة خبائها لقبح منظرها، أو لشدة شوقها إلى التزويج لبعد عهدها به، والباء في قوله به سببية والضبط الأول أشهر.
قال ابن قتيبة: سألت الحجازيين عن الافتضاض، فذكروا أن المعتدة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفرا، ولا ترسل شعرا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتض أي: تكسر ما فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها، وتنبذه فلا يكاد يعيش به ما تفتض به.
قلت: وهذا لا يخالف تفسير مالك لكنه أخص؛ لأنه أطلق الجلد، وتبين أن المراد به جلد القبل.
وقال ابن وهب: معناه أنها تمسح بيدها على الدابة وعلى ظهرها، وقيل: المراد تمسح به ثم تفتض، أي: تغتسل والافتضاض الاغتسال بالماء العذب لإزالة الوسخ وإرادة النقاء حتى تصير بيضاء نقية كالفضة.
ومن ثم قال الأخفش: معناه تنظف، فتنتقي من الوسخ فتشبه الفضة في نقائها وبياضها.
والغرض بذلك الإشارة إلى هلاك ما هي فيه، ومن الرمي الانفصال منه بالكلية الخ.
قوله: «والحفش طرف الخص»، قال ابن حجر: والحِفْش (بكسر المهملة وسكون الفاء بعدها معجمة)، إلى أن قال: البيت الصغير.
وعند النسائي من طريق ابن القاسم عن مالك: الحفش الخُص، (بضم ا لمعجمة بعدها مهملة) وهو أخص من الذي قبلها؛ وقال الشافعي البيت الذليل الشعث البناء؛ وقيل: هو شيء من خوص يشبه القفة، تجمع فيه المعتدة متاعها من غزل أو نحوه، وظاهر سياق القصة يأبى هذا، إلى أن قال: (3/131)
صفحة 939
ولعل أصل الحفش ما ذكر، ثم استعمل في البيت الصغير الحقير على طريق الاستعارة الخ.
قوله: «في بني خدرة»، قال في الصحاح: وخدرة (بالضم يعني وسكون الدال) حي من الأنصار منهم أبو سعيد الخدري.
قوله: «بطرف القدوم»، قال في الصحاح: والقدوم أيضا يعني: (بفتح القاف وتخفيف الدال) اسم موضع.
قوله: «فقال لها امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»، يعني: حتى ينتهي ما كتب من العدة؛ وظاهر هذا الحديث يقتضي أن المتوفى عنها زوجها لها السكنى على الورثة، وأنها يحرم عليها الخروج من بيت زوجها حتى تتم العدة.
ولم أر من تعرض للسكنى في عدة المميتة، فيما رأيته من كتب أصحابنا، فليراجع الديوان ونحوه؛ والذي اطلعت عليه: أنه لا نفقة لها على الورثة ولا كسوة، وأما السكنى ففي الحديث كفاية على وجوبها والله أعلم.
ولم يتعرض في البخاري لهذا الحديث فيما رأيته، بل الذي فيه أن السكنى منسوخة حيث قال بعد كلام عن مجاهد في قوله تعالى: {وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةٌ ِّلأَزْوَاجِهِم} [البقرة: 240] الآية، من أن عدة الحول غير منسوخة ما نصه: "وقال عطاء: قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت"؛ وقول الله تعالى: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ}، وقال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت لقول الله {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُم فِيمَا فَعَلْنَ فيِ أَنفُسِهِنَّ} [البقرة: 240]، قال عطاء فجاء الميراث فنسخ السكنى، فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها الخ. (3/132)
صفحة 940
وقال شارحه ابن حجر نقلا عن ابن بطال بعد ذكر مذهب مجاهد ما نصه: "وهو قول لم يقله أحد من المفسرين غيره، ولا تابعه عليها من الفقهاء أحد، بل أتفقوا على أن آية الحول منسوخة وأن السكنى تبع للعدة، فلما نسخ الحول في العدة بالأربعة أشهر وعشر نسخت السكنى أيضا".
وقال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء أن العدة لحول نسخت إلى أربعة أشهر وعشر، وإنما اختلفوا في قوله: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ}، فالجمهور على أنه نسخ أيضا الخ.
فعلى ما رواه المصنف رحمه الله يكون مذهب أصحابنا مخالفا لجمهورهم، لأجل هذا الحديث والله أعلم.
قوله: «فقلت عدتها آخر الأجلين»، أي: تربص أربعة أشهر وعشرا، ولو وضعت قبل ذلك، فإن مضت ولم تضع تتربص إلى أن تضع.
قال ابن حجر: وقد قال بقول ابن عباس هذا محمد بن عبد الرحمن ابن أبي يعلى، ونقل عن سحنون أيضا، ووقع عند الإسماعيلي، قيل لابن عباس في امرأة وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلة أيصلح أن تتزوج؟ قال: لا إلى آخر الأجلين.
قال أبو سلمة: فقلت قال الله تعالى: {وَأُوْلاَتُ الاَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَّضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 04]، قال: إنما ذلك في الطلاق الخ.
وذكر البيضاوي عن علي وابن عباس: أنها تعتد بأقصى الأجلين احتياطا؛ انتهى.
واختلف النقل عن ابن مسعود: قال ابن حجر: وقال ابن عبد البر لولا حديث سبيعة لكان القول ما قال علي وابن عباس لأنهما عدتان مجتمعتان بصفتين وقد اجتمعتا في الحامل المتوفى عنها زوجها، فلا تخرج من عدتها إلا ليقين واليقين آخر الأجلين الخ.
قلت: ولأن القاعدة الأصولية تقتضي ترجيح مذهبهما؛ لأن الدليلين إذا كان كل واحد منهما عاما من وجه وخاصا من وجه فإنه يخص عموم كل واحد منهما (3/133)
صفحة 941
بخصوص الآخر، عملا بالدليلين معا، وهاهنا كذلك، فإن قوله: {وَأُوْلاَتُ الاَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَّضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} ظاهرها العموم في كل حامل فيخص بقوله: {وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، وهذه الآية ظاهرها العموم في كل متوفى عنها زوجها، حاملا كانت أو غير حامل، فيخص عمومها بقوله: {وَأُوْلاَتُ الاَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَّضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}، فلا بد من وضع الحمل، وإن زادت على الأربعة أشهر وعشر فقد عمل بالدليلين معا، بخلافه على مذهب غيرهما فإنه عُمل فيه بعموم آية الطلاق فقط والله أعلم.
قوله: «فقال أنا مع أبي سلمة»، أي، وافقه فيما قال؛ وأبو سلمة هو ابن أخيه على ما ذكره البخاري.
قوله: «سبيعة الأسلمية»، في بعض الروايات: "أن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة" (وهي بمهملة وموحدة ثم مهملة) تصغير سبع؛ قال ابن حجر: ووقع في المغازي سبيعة بنت الحارث، وذكرها ابن سعد في المهاجرات الخ.
قوله: «بعد وفاة زوجها»، توفي في حجة الوداع على الراجح، واسمه سعد بن خولة من بني عامر بن لؤي، وقيل من حلفائهم كما يؤخذ من ابن حجر.
قوله: «بليال»، أبهم المدة كما في كثير من الروايات؛ وفي بعضها: "بعشرين ليلة"، وفي بعضها: "بثلاثة وعشرين يوما أو خمسة وعشرين يوما"؛ وفي بعضها: "بخمسة عشر، نصف شهر" وفي بعضها: "بأربعين ليلة"، وفي بعضها: "فلم أمكث إلا شهرين".
قال ابن حجر: والجمع بين هذه الروايات متعذر لاتحاد القصة، ولعل هذا هو السر في إبهام من أبهم المدة؛ إذ محل الخلاف أن تضع لدون أربعة أشهر وعشر وهو هنا كذلك الخ.
قوله: «فذكرتْ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم» الخ؛ إنما ذكرتْ له ذلك لأنها بعدما وضعت خطبها رجل من الصحابة اسمه أبو السنابل، كما في بعض روايات البخاري ولفظه: (3/134)
صفحة 942
"أن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة كانت تحت زوجها، توفي عنها زوجها وهي حبلى، فخطبها أبو السنابل ابن بعكك فأبت أن تنكحه، فقال: والله ما يصلح أن تنكحي حتى تعتدي آخر الأجلين، فمكثت قريبا من عشر ليال ثم جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقال انكحي"؛ انتهى؛ وفي بعض الروايات استأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت.
قال ابن حجر: وفي قصة سبيعة من الفوائد:
أن الصحابة كانوا يفتون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
وأن المفتي إذا كان له ميل إلى الشيء لا ينبغي له أن يفتي فيه لئلا يحمله الميل إليه على ترجيح ما هو مرجوح، كما وقع لأبي السنابل حيث أفتى سبيعة أنها لا تحل بالوضع لكونه خطبها فمنعته، ورجا أنها قبلت ذلك منه وانتظرت مضي العدة ثم حضر أهلها فرغبوها في زواجه دون غيره.
وفيه ما كان في سبيعة من الشهامة والفطنة حيث ترددت فيما أفتاها به حتى حملها ذلك على استيضاح الحكم من الشارع؛ وهكذا ينبغي لمن ارتاب في فتوى المفتي أو حكم الحاكم في مواضع الاجتهاد أن يبحث عن النص في تلك المسألة.
إلى أن قال: وفيه الرجوع في الوقائع إلى الأعلم.
ومباشرة المرأة السؤال عما نزل بها، ولو كان مما يستحي النساء من قوله، لكن خروجها من منزلها ليلا يكون أستر لها كما فعلت سبيعة.
إلى أن قال: وفيه جواز تجمل المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها لأن في رواية الزهري التي في المغازي فقال: ما لي أراك تجملت للخطاب؟
وفي رواية ابن إسحاق: فتهيأت للنكاح واختضبت.
إلى أن قال: وفيه أن الثيب لا تتزوج إلا برضاها من ترضاه ولا إجبار لأحد عليها الخ. (3/135)
صفحة 943
الباب الثلاثون في الحيض
541) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَأَكْثَرُهُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ».
542) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الرَّجُلُ أَحَقُّ بِامْرَأَتِهِ مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ».
543) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَطْهُرُ الْمَرْأَةُ مِنْ حَيْضِهَا حَتَّى تَرَى الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ». وَالْقَصَّةُ: الْجَصُّ، شَبَّهَ الطُّهْرَ بِبَيَاضِ الْجَصِّ.
544) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلاَ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ».
قَالَ الرَّبِيعُ: مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي الإِمَاءِ، أَيْ لاَ يَطَؤُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ سَادَاتِهِنَّ حَتَّى يُسْتَبْرَيْنَ، وَأَمَّا الزَّوْجُ فَحَلاَلٌ لَهُ الْوَطْءُ لاِمْرَأَتِهِ الْحَامِلِ وَالْحَائِلِ، إِلاَّ الْحَائِضَ فَإِنَّهَا لاَ تُوطَأُ حَتَّى تَطْهُرَ، فَإِنْ وُطِئَتْ قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ فَإِنَّ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ: لاَ أُحَلِّلُهَا وَلاَ أُحَرِّمُهَا، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُفَارِقَهَا.
545) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: قَالَتْ كُنْتُ أَنَامُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا حَائِضٌ.
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَدَنَ الْحَائِضِ لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَكَذَلِكَ بَدَنُ الْجُنُبِ عَلَى هَذَا الْحَالِ. قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: فَذَكَرَتْ لِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَتْ حَيْضَتُكِ فِي يَدِكِ (1)».
__________
(1) / خ: بيدك. (3/136)
صفحة 944
546) ... وَمِنْ طَرِيقِهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ (1) رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا حَائِضٌ.
547) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَدْبَرَتِ الْحَيْضَةُ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ».
548) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنِي بِغَسْلِ دَمِ الْحَيْضَةِ مِنَ الثَّوْبِ.
اعلم أن الحيض في الأصل بمعنى الانفجار، وقيل السيلان يقال حاض الوادي إذا سال؛ ويقال: إنه مأخوذ من حاضت السمرة وهي شجرة يسيل منها شيء أحمر كالدم؛ وقيل: بمعنى الاجتماع لاجتماع الدم، ومنه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه، ورُد بأن الحوض واوي، وهذا يائي.
واختلفوا في سببه وفي أول من ابتلي به؛ وله خمسة عشر اسما نظمها بعضهم في بيتين؛ وقد تقدم بيان ذلك فيما كتبنا على القواعد، وبيان الفرق بين ما لحقته التاء وما لم تلحقه من نحو حائض وطاهر وما يحيض من الحيوانات نقلا من حاشية شيخنا عبد الله رحمه الله على الإيضاح.
وفي العرف: هو جريان دم المرأة من موضع مخصوص، في أوقات معلومة، قاله ابن حجر.
وعرفه في القواعد أولا بأنه: هو الخارج على جهة الصحة، متميز عن غيره معروف كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "دم الحيض أسود ثخين له رائحة ولون يعرف به، منتن آسن، لا يكاد يخرج من الثوب معروف
__________
(1) / قوله: ارجل أي أمشط. (3/137)
صفحة 945
بلونه عند النساء من سائر الدماء، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فاغتسلي وصلي" الخ.
ثم قال بعد ذلك أيضا: وهو على ما حده بعض العلماء: أنه الدم الخارج من المرأة اليافعة، ومَن فوقَها في السن إلى نهايةٍ تقصر عن سن الآيسة، في مدة خمسة عشر يوما فما دونها، إلى ساعة من غير ولادة ولا مرض الخ.
فذكر محترزات القيود ومسائل الحيض وفروعه كثيرة فلتراجع في محلها.
قوله: «أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام»؛ هذا هو الذي عليه جمهور أصحابنا: قال في القواعد: فما دون الثلاثة عندهم ليس بحيض ولا حكم له في ترك صلاة ولا صوم ولا عدة وإنما هو غيض الأرحام، كذلك ما فوق العشرة الأيام عندهم ليس بحيض الخ.
لكن بقي الكلام في قوله: "ولا حكم له في ترك صلاة ولا صوم"؛ فإن ظاهره يقتضي أن المرأة إذا رأت الدم لا تترك صلاة ولا صوما ما لم تمم ثلاثة أيام، وهذا مُنابذ لقوله صلى الله عليه وسلم بعد ما ذكر علامات الحيض: "فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة"، ولم يقل لها مثلا: "فإذا كذلك وتم لك ثلاثة أيام فأمسكي عن الصلاة"، ولظاهر قوله عليه السلام: "فإذا أقبلت الحيضة فاتركي لها الصلاة"، ولقول مشايخنا رحمهم الله إذا أشكل على المرأة فلتناظر بما كان أحمر شديد الحمرة كالدم الأول من الذبيحة ودم الحلمة وغير ذلك كما ذكرناه أولا؛ ولقول صاحب الإيضاح رحمه الله بعد ما ذكر ما تناظر به إذا أشكل عليها ما نصه: "فإذا رأت المرأة مثل هذه الدماء فإنها تترك الصلاة والصوم وتعطي للحيض الخ).
وعلى هذا فالظاهر أن معناه تعيد الصلاة والصوم إذا انقطع قبل الثلاثة؛ لأنه انكشف الأمر على أن بذلك ليس بحيض، وأما ابتداؤه فيجب عليها ترك الصلاة والصوم إذا ظهر علامته لأن الأصل في كل ثابت دوامه، ومن أين لها أن لا يدوم بها ثلاثة أيام أو أكثر؛ لأن عادة النساء غالبا دوامه ذلك القدر، وغالب الأمور (3/138)
صفحة 946
تجري على العوائد، وهذا هو الظاهر لما تقدم من الأحاديث وكلام الأصحاب والله أعلم فليحرر.
قوله: «الرجل أحق بامرأته»، يعني: وليس لغيره فيها خطبة ما لم تخرج من العدة؛ وإنما يكون له فيها حق إذا طلقها طلاقا رجعيا أو بائنا بغير الثلاث كما هو معلوم.
قوله: «ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة»، بأن تتفرغ منها كما هو مذهب الجمهور؛ وقيل: إذا شرعت في الاغتسال فغسلت رأسها فقد فاتت الزوج؛ قال أبو زكرياء رحمه الله في كتاب النكاح نقلا عن أبي صالح ياسين الدركلي رحمه الله أنه قال: "اختلفت أنا وأهل الجبل في ثلاث مسائل فذكرها.
إلى أن قال: ومنها المطلقة إذا حاضت ثلاث حيض فرأت الطهر من الحيضة الثالثة أن تفوت زوجَها مراجعتُها إذا فاضت الماء على رأسها".
وقال غيره بأن لا تفوته حتى تجيز يديها تحت قدمها الخ، وهذا إذا لم تضيع الاغتسال.
قال أبو زكرياء رحمه الله: وأما إذا ضيعت الاغتسال حتى خرج وقت الصلاة حلت للأزواج وفاتت الزوج الأول مراجعتها. (3/139)
صفحة 947
وكذلك لو أن امرأة رأت الطهر من حيضها فلا يجامعها زوجها حتى تغتسل، فإن ضيعت الغسل حتى فاتها وقت الصلاة جاز لزوجها جماعها، وجاز له أن يطلقها إذا فاتها وقت الصلاة؛ انتهى.
وقوله: «حتى ترى القصة البيضاء»، يعني: ما لم تكن عادتها الجفوف كما يفهم من كلام الأصحاب رحمهم الله في باب الحيض؛ قال صاحب القواعد رحمه الله: وأما الطهر فنوعان:
جفوف وهو أن تدخل المرأة الخرقة فتخرجها جافة.
والثاني القصة البيضاء وهو ماء رقيق أبيض يأتي في آخر الحيض، كماء القصة وهو الجير، هذا هو الأقعد في الطهر عند أصحابنا؛ سواء كان ذلك عادة للمرأة أو ليس بعادة؛ واحتج لهم بهذا الحديث ـ إلى أن قال ـ والتي عادتها الجفوف هو طهرها الخ.
والقصة الجص يعني (بفتح القاف وكسر الجيم وفتحها)، كما يؤخذ من الصحاح فيهما؛ وقال في الإيضاح والقصة قطعة من الجص؛ وذهب بعض أصحابنا إلى أنه قطعة من الورق الخ؛ وقال في الصحاح: والقصة الجص لغة حجازية، وقد قصص داره جصصها؛ وفي حديث: "الحائض تغتسل حتى ترى القصة البيضاء" أي: تخرج القطنة أو الخرقة التي تحتشي بها كأنها قصة لا يخالطها صفرة ولا ترية الخ.
قوله: «لا توطأ الحامل حتى تضع» الحديث، تقدم الكلام عليه في باب السبايا.
قوله: «فإن جابر بن زيد قال لا أحلها ولا أحرمها» إلخ، هذه المسألة وقع فيها الخلاف بين العلماء؛ قال في القواعد في ممنوعات الحيض: "الخامس الوطء في الفرج مع استمرار الدم وهو محرم بإجماع من الأمة؛ (3/140)
صفحة 948
فإن وطئ متعمدا ففيه اختلاف؛ فقيل: بتحريم الأبد وهو مذهب العمانيين؛ وقيل فيها بالوقوف روي ذلك عن الربيع وغيره؛ وبعض مخالفينا أوجب في ذلك الكفارة؛ وبعض لم يوجب في ذلك إلا التوبة والاستغفارالخ، والظاهر أن المراد بالكفارة غير ما ذكره في الإيضاح عن أبي نوح وغيره من التصدق بدينارين أو بدينار، فإنه نسب بعد ذلك القول بوجوب الكفارة لقوم من أهل الخلاف؛ حيث قال: وفي الأثر: وإذا واقع الرجل امرأته في دم الحيض أو صفرته، فقول أبي عبيدة لا أحلها ولا أحرمها عليه، فإنه متعد وأحب إلي فراقها ثم لا يعود إليها أبدا، وإن نكحت زوجا غيره ثم يطلقها أو مات عنها لما أصاب منها؛ والنفساء مثلها في السنة؛ وقال أبو نوح: عصى ربه ولا تحرم عليه امرأته، فإن طاوعته أُمر أن يتصدق كل واحد منهما بدينار.
إلى أن قال: واختلف الناس فيمن وطئ امرأته في الحيض فحرمها بعض ووقف بعض ولم يحرمها آخرون، وأوجبوا عليه الكفارة وهم قوم من أهل الخلاف، والجمهور من أصحابنا على التحريم.
إلى أن قال: وقال بعض أصحابنا إن وطئ في الحيض تاب واستغفر، وإن عاد تاب، وإن عاد تاب، وإن عاد تاب في الرابعة وحرمت عليه، لأن هذا معاند فأحرى أن تحرم عليه.
وسبب الخلاف عندي: هل النهي يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ الخ.
قال في القواعد: وكذلك الحكم فيها إذا وطئ بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال عند أبي عبيدة مسلم رضي الله عنه؛ وقال غيره: لا تستوي من تطهرها ركوة ماء، ومن لا تطهرها دجلة الخ؛ وهذا القول هو الذي يميل إليه صاحب الإيضاح رحمه الله فإنه قد أطال في الاستدلال عليه فليراجع.
وهذا كله إذا وطئ في الفرج كما هو معلوم والله أعلم. (3/141)
صفحة 949
قوله: «قالت كنت أنام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض» ظاهره أنها تنام معه من غير حائل أصلا؛ وقيده في البخاري بما إذا اتزرت حيث قال عن عائشة: "قالت: كانت إحدانا إذا حاضت فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباشرها أمرها أن تأتزر في ثوب حيضتها ثم يباشرها، قالت: وأيكم يملك أربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك أربه".
قوله: «وكذلك بدن الجنب»، يعني قياسا على الحائض؛ قال ابن حجر: وألحق عروة الجنابة بالحيض قياسا، وهو جلي لأن الاستقذار بالحيض أكثر من الجنب الخ.
ثم ظهر أنه لا حاجة إلى القياس بل الدليل على ذلك حديث حذيفة، حين امتنع من مصافحة النبي صلى الله عليه وسلم لأجل جنابة أصابته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمن ليس بنجس حيا ولا ميتا" كما ذكره في الإيضاح.
قوله: «قال لها ليست حيضتك في يدك»، قال لها ذلك حين قال لها ناوليني الخمرة، فقالت: "أنا حائض" كما ذكره صاحب الإيضاح رحمه الله؛ والخُمرة (بالضم)، سجادة صغيرة تعمل من سعف النخيل وترمل بالخيوط كما ذكره في الصحاح ويجوز الكسر أيضا.
قوله: «يأمرني بغسل دم الحيضة من الثوب» يعني: لتصلي به؛ ولفظ الحديث في البخاري: "سألت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيض كيف تصنع؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتفركه ثم لتنضحه بماء ثم تصلي به"، انتهى.
وذكر ابن حجر من فوائده: جواز سؤال المرأة عما يُستحى من ذكره؛ والإفصاح بما يستقذر للضرورة.
وأن دم الحيض كغيره من الدماء في وجوب غسله.
وفيه استحباب فرك النجاسة اليابسة ليهون غسلها انتهى. (3/142)
صفحة 950
قوله: «كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم» إلخ، يعني: وهو معتكف على ما ذكره البخاري؛ ولفظه في بعض الطرق: "أخبرتني عائشة أنها كانت ترجل شعر رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ مجاور في المسجد يدلي لها رأسه وهي في حجرتها فترجله وهي حائض".
قال شارحه مجاور أي معتكف، وحجرة عائشة كانت ملاصقة للمسجد الخ.
وترجيل الرأس تسريح شعره.
قال ابن حجر: وفي الحديث دلالة على طهارة بدن الحائض وعرقها.
وأن المباشرة الممنوعة للمعتكف هي الجماع ومقدماته.
وأن الحائض لا تدخل المسجد الخ. (3/143)
صفحة 951
الباب الواحد والثلاثون
في المستحاضة
549) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَمُ الاِسْتِحَاضَةِ نَجِسٌ، لأَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ، يَنْقُضُ الْوُضُوءَ».
550) ... وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا (1) عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ لِلأَنْصَارِيَّةِ حِينَ سَأَلَتْهُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَثُجُّ ثَجًّا، فَقَالَ: «اِغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي وَصلِّي». أَيْ اِحْتَشِي بِالْقُطْنِ.
551) ... وَمِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا (2) عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: «إِذَا أَدْبَرَتِ الْحَيْضَةُ وَجَبَ الْغُسْلُ».
552) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لاَ أَطْهُرُ، أَفَأَدْفَعُ الصَّلاَةَ؟ فَقَالَ لَهَا: «إِنَّمَا ذَلِكَ دَمُ عِرْقٍ نَجِسٌ لَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي لَهَا الصَّلاَةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ وَذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي الدَّمَ عَنْكِ وَصَلِّي».
553) ... وَمِنْ طَرِيقِها (3) أَيْضًا قَالَتْ: أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا حَائِضٌ.
554) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ امْرَأَة تُسَمَّى أَسْمَاءُ الْحَارِثِيَّةُ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً، فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1) / قوله: ومن طريق ابن عبّاس أيضا في نسخة القطب ذكر السند وهو أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ ابن عبّاس عن النبيء (ص) ثُمَّ ذكره.
(2) / قوله: ومن طريقه أيضا أي من طريق ابن عبّاس بالسند المتقدّم وَقَدْ ذكره هاهنا أيضا في نسخة القطب.
(3) / قوله: ومن طريقها في نسخة القطب ذكر السند القديم. (3/144)
صفحة 952
فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَمْرِهَا فَقَالَ لَهَا: «اقْعُدِي أَيَّامَكِ التِي تَحِيضِينَ، فِيهَا فَإِذَا دَامَ بِكِ الدَّمُ فَاسْتَظْهِرِي بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».
555) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (1): «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاَةٍ».
قَالَ جَابِرٌ (2): إِنَّمَا عَائِشَةُ ذَكَرَتْ مَسْأَلَةَ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ وَلَمْ تَذْكُرْ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَ عَلَيْهَا الْوُضُوءَ (3) عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ.
قوله: «دم الاستحاضة» إلى آخره، ذكر ابن حجر: أن الاستحاضة هي جريان الدم من فرج المرأة، في غير أوانه وأنه يخرج من عرق يقال له: "العاذل" بعين مهملة وذال معجمة انتهى.
وعرفه في القواعد بأنه هو الخارج من الرحم على جهة المرض، وهو دم أحمر رقيق لا رائحة له متميز لونه عن لون دم الحيض؛ لقول النبي عليه الصلاة السلام: "إنما ذلك دم عرق وليس بحيض"؛ انتهى.
قوله: «قال للأنصارية»، في البخاري عن عائشة: "أن امرأة من الأنصار قالت: للنبي صلى الله عليه وسلم: كيف أغتسل"، إلى آخر الحديث، لكن لفظه مخالف للفظ حديث المصنف رحمه الله.
وذكر ابن حجر أن: اسمها أسماء بنت شَكَل (بالشين المعجمة والكاف المفتوحين ثم اللام) الخ؛ وذكر قولا آخر أنها: أسماء بنت يزيد بن السكن (بالمهملة والنون) الأنصارية التي يقال لها خطيبة النساء الخ.
قوله: «أثج ثجا»، الثج التسيل والمفعول محذوف للعلم به، أي: أثج الدم ثجا.
__________
(1) / خ: في.
(2) / قوله: قال جابر ... الخ هذا الكلام طعن في الحديث بوضوء المستحاضة لكلّ صلاة فكأنّ جابرا لم يثق بناقله الذِي نقله إليه فعارضه بحديث عائشة في أمر فاطمة بنت أبي حبيش واللَّه أعلم.
(3) / خ: ان تتوضّأ. (3/145)
صفحة 953
قال في الصحاح: ثججت الماء والدم أثجه، إذا سلته، وأتانا الوادي بثجيجه أي: بسيله، ومطر ثجاج، إذا انصبَّ جدا، والثج سيلان دماء الهدي، وفي الحديث: "أفضل الحج العج والثج"، انتهى.
قوله: «اغتسلي»، اختلف أصحابنا في المستحاضة: قال بعضهم: تغتسل لكل صلاة؛ وقال بعضهم: لكل صلاتين وتجمع بينهما إلا صلاة الفجر فإنها تفردها بالغسل؛ وقال بعضهم: لا يجب عليها الغسل إلا عند الحكم لها بالخروج من الحيض، وهو الذي اقتصر عليه الشيخ إسماعيل رحمه الله حيث قال: "ثم المستحاضة حكمها حكم الظاهر في جميع معانيها، لأن الاستحاضة كسلس البول لا تمنع من الصلاة، لكن يستحب لها أن تغتسل لكل صلاة، فإن لم تفعل فتوضأت لكل صلاة، فلا بأس عليها بعد أن تغتسل عند الحكم لها بالاستحاضة؛ ويؤمر زوجها أن لا يطأها إذا اغتسلت للصلاة، وإن وطئ في غير ذلك فلا بأس عليه إن شاء الله" انتهى.
وقال في الإيضاح بعد أن ذكر هذا القول ما نصه: "ويدل على هذا القول ما روي عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المستحاضة: "إنها تتوضأ لكل صلاة"؛ قال جابر: وقد ذكرت عائشة مسألة فاطمة بنت حبيش، ولم تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب عليها إلا أن تتوضأ لكل صلاة" والله أعلم الخ.
وهذا هو المناسب، لا تقاس الشريعة لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، ولقوله عليه الصلاة السلام: "بعثت بالسمحة السهلة".
قوله: «احتشي بالقطن» أي الطاهر، إن هذا التفسير مرادف ولكنه قريب من المعنى اللغوي أيضا، قال في الصحاح: واستثفر الرجل بثوبه أدار طرفه بين رجليه إلى حجزته، واستثفر الكلب بذليه أي جعله بين فخذيه الخ؛ (3/146)
صفحة 954
وقال في محل آخر: وحجزة الإزار معقده، وحجزة السراويل التي فيها التكة؛ والظاهر أن المراد: احتشي بالقطن واستثفري عليه ليمسكه الاستثفار؛ والله أعلم.
قوله: «قالت فاطمة بنت حبيش»، الذي في البخاري: "بنت أبي حبيش"، وكذلك في الإيضاح في مسألة الانتساب.
قوله: «وذهب قدرها»، في غالب النسخ قذَرها (بفتح الذال المعجمة)، وهو المناسب لمن قال في المستحاضة المعتادة إنها تنظر إلى التمييز؛ لأن الحيض فيه قذر لا يوجد في الاستحاضة، والله أعلم.
قال في القواعد: قال لأن العادة تختلف، والتمييز لا يختلف ولأن النظر إلى اللون اجتهاد والنظر إلى العادة تقليد والاجتهاد أولى من التقليد، انتهى.
إلا أنه لا يناسب استدلاله بحديث فاطمة، حيث قال: أولا أمرها وكانت مستحاضة أن تدع الصلاة مقدار أقرائها التي كانت تحيض فيها، قبل أن يصيبها ما أصابها الخ، فإنه يدل على أن الرواية: "قدرها" (بالدال المهملة الساكنة).
وكذلك رواية الإيضاح صريحة فيها، حيث استدل به لمن قال: إن المستحاضة تترك الصلاة عشرة أيام وتغتسل وتصلي عشرة أيام.
قال رحمه الله بعد ذكر الحديث: والمتجاوزة لأكثر أيام قد ذهب قدر حيضتها ضرورة، انتهى.
واستُدل به بعد ذلك لمن قال في المستحاضة إنما يلزمها غسل واحد كما تقدم هنا.
قال بعد ذكر الحديث: ولم يأمرها بالغسل وإنما أمرها بغسل الدم فقط، والله أعلم.
والمراد أنه عليه الصلاة والسلام أمرها بغسل الدم فقط، بعد الاغتسال الذي لا بد منه فتتوضأ كما هو معلوم والله أعلم.
قوله: «كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم» الحديث، تقدم الكلام عليه في باب الحيض قريبا؛ ولا مناسبة لذكره في باب الاستحاضة؛ لأن عائشة رضي الله عنها حائض وليست بمستحاضة. (3/147)
صفحة 955
قوله: «فاتستظهري بثلاثة أيام» الاستظهار بالشيء الاستعانة به؛ قال في الصحاح: واستظهر به أي استعان واستظهر الشيء أي حفظه الخ.
واستدل به في الإيضاح لمن قال الانتظار ثلاثة أيام.
قوله: «تتوضأ لكل صلاة»، هذا الحديث يدل على ما اقتصر عليه الشيخ إسماعيل رحمه الله من أن المستحاضة إنما يجب عليها غسل واحد عند الحكم لها بالخروج من الحيض كما تقدم.
قال جابر: إنما ذكرت عائشة مسألة فاطمة بنت حبيش ولم تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب عليها الوضوء عند كل صلاة.
قوله: «قال جابر أن تتوضأ لكل صلاة»، الظاهر أن المراد به النتكيت على عائشة حيث لم تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة مع أنه لا بد منه.
والجواب: أن عائشة رضي الله عنها روت الحديث كما هو، وهو لم يذكر فيه الوضوء. وإنما لم يذكره صلى الله عليه وسلم لفاطمة للعلم به فكان ذكره تطويلا؛ والله أعلم.
وفي نُسخ الإيضاح: ولم تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب عليها إلا أن تتوضأ لكل صلاة كما تقدم؛ والظاهر أن زيادة الإيضاح لأن الحديث ليس فيه ذكر الوضوء، فلو ذكرته لكان زيادة في الحديث والله أعلم. (3/148)
صفحة 956
كتاب البيوع (3/149)
صفحة 957
[صفحة بيضاء] (3/150)
صفحة 958
الباب الثاني والثلاثون
ما ينهى عنه من البيوع
556) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ تَتَلَقَّوُا السَّوَالِعَ». يَعْنِي: لاَ تَتَلَقَّوْا أَجْلاَبَهَا فَتَشْتَرُوا مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبُلُغُوا الأَسْوَاقَ.
557) ... وَمِنْ طَرِيقِهِ (1) عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَعَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَعَنِ الْمَلاَقِيحِ وَالْمَضَامِينِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: الْمُلاَمَسَةُ أَنْ يَلْمَسَ الرَّجُلُ طَرَفَ الثَّوْبِ وَلاَ يَنْشُرُهُ وَلاَ يَعْلَمُ مَا فِيهِ فَيَلْزَمُهُ الْبَيْعُ، وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَرْمِيَ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ لِلآخَرِ وَيَرْمِي لَهُ الآخَرُ ثَوْبَهُ وَلَمْ يَنْظُرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْا إِلَى ثَوْبِ صَاحِبِهِ. وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ مَا فِي بَطْنِ النَّاقَةِ. وَالْمَلاَقِيحُ: مَا فِي ظُهُورِ الْفُحُولِ. وَالْمَضَامِينُ مَا فِي بُطُونَ الإِنَاثِ.
558) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: نَهَى النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَزْهُوَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا تَزْهُو؟ قَالَ: «تَحْمَرُّ» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ».
559) أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يُسَاوِمْ أَحَدُكُمْ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ».
__________
(1) / خ: في. (3/151)
صفحة 959
560) ... وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَيْضًا (1) قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ (2) حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا. وَالنَّهْيُ وَاقِعٌ عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي.
561) ... وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ النَّجْشِ. قَالَ الرَّبِيعُ: النَّاجِشُ الذِي يَزِيدُ فِي السِّلْعَةِ وَهُوَ لاَ يَشْتَرِيهَا (3).
562) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَتَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ، وَلاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ».
قَالَ الرَّبِيعُ: أَيْ تَحُولُوا بَيْنَ الشَّاةِ وَوَلَدِهَا وَلاَ تَتْرُكُوا اللَّبَنَ فِي ضَرْعِهَا حَتَّى يَعْظُمَ فَيَظُنَّ الْمُشْتَرِي كَذَلِكَ هِيَ.
563) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الاِحْتِكَارِ، وَعَنْ سَلَفٍ (4) جَرَّ مَنْفَعَةً، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ.
564) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ. وَهُوَ أَنْ يَسْتَلِفَ مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ.
565) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ.
566) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ.
__________
(1) / قوله: عن أبي سعيد هذا الحديث والذي بعده معطوفان على الحديث الأوّل وسند الثلاثة واحد.
(2) / خ: الثمرة.
(3) / قوله: لايشتريها أي لا يريد شراءها.
(4) / قوله: وعن سلف المراد بِهِ هنا القرض وكذلك في الحديث الآتي. (3/152)
صفحة 960
فَالْمُزَابَنَةُ: بَيْعُ التَّمْرِ (1) بِالتَّمْرِ (2) عَلَى رُؤُوسِ النَّخْلِ، وَالْمُحَاقَلَةُ: كِرَاءُ الأَرْضِ.
567) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَعَنْ تَضْيِيعِ الْمَالِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ قِيلَ وَقَالَ: هُوَ الْمُزَاحُ وَالْخَنَا مِنَ الْقَوْلِ، وَتَضْيِيعُ الْمَالِ هُوَ أَنْ لاَ يَقِفَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ (3) فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَلاَ يَحُوطَ مَالَهُ مِنَ الضَّيَاعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
البيوع جمع بيع، وجمع باختلاف أنواعه؛ وهو لغة: مقابلة شيء بشيء ويطلق شرعا لمعنيين:
أحدهما: مقابلة معنى الشراء، وهو بهذا المعنى عرفه أبو عبد الله محمد بن بركة رحمه الله، بأنه إخراج الشيء من الملك على بدل له قيمة يتعوض عليه وهو عين ملك.
والثاني: العقد؛ وقال ابن حجر: البيع نقل ملك إلى الغير بثمن، والشراء قبوله، ويطلق كل منهما على الآخر.
وأجمع المسلمون على جواز البيع.
والحكمة تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه غالبا، وصاحبه قد لا يبذله، ففي تشريع البيع وسيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرج الخ.
والأصل في جواز البيع قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، وللعلماء فيها أقوال أصحها: أنه عام مخصوص، فإن اللفظ لفظ عموم يتناول كل بيع، فيقتضي إباحة الجميع؛ لكن قد منع الشارع بيوعا أخرى وحرَّمها كما هو معلوم.
__________
(1) / خ: التمر.
(2) / خ: بالتمر.
(3) / قوله: أن لا يقف الرجل عل نفسه أي لا يكون متطلما على أحواله في بيعه وشرائه يقال أوقفته على ذنبه إِذَا أطلعته عليه. (3/153)
صفحة 961
قوله: «لا تتلقوا السوالع»، لفظ الحديث في البخاري: "لا يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق"، انتهى؛ والمراد من هذا الحديث النهي عن تلقي الركبان.
قال ابن حجر: ثم إن مطلق النهي عن التلقي يتناول طول المسافة وقصرها وهو ظاهر إطلاق الشافعية.
وقيد المالكية محل النهي بحد مخصوص، ثم اختلفوا فيه، فقيل: ميل، وقيل: فرسخان، وقيل: يومان، وقيل: مسافة القصر، وهو قول الثوري الخ.
أقول: وهذا القول الأخير هو قول أصحابنا رحمهم الله؛ قال في الإيضاح: وهذا كله إذا كان التلقي قريبا، وأما إذا كان بعيدا فلا بأس به؛ وحد القرب والبعد في ذلك ستة أميال، وهو حد السفر عند أصحابنا.
والسفر لطلب التجارة مباح لقوله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الاَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل: 20]، انتهى.
واختلفوا في علة النهي عن التلقي:
فقيل: المنفعة لأهل البلد لئلا ينفرد المتلقي برخص السلعة دون أهل البلد، فيضرَّ بِهِم.
وقيل: المنفعة للجالب لئلا يغبنه.
وقيل: هما معا.
وهذا كله إذا أريد به التجارة قاله في الإيضاح.
وأما غير التجارة مثل ما ينتفعون به من الكسوة وما يستخدمون فلا بأس بجميع ذلك إلا ما يطلبون فيه الربح الخ.
ومحل النهي أيضا إذا قصد ذلك.
قال في الإيضاح: وأما من لقي المسافرين في الطريق ولم يخرج إليهم أو وردوا عليه في بعض المنازل في طريق المنزل فلا بأس أن يشتري منهم للتجارة وغيرها ولو فيما دون ستة أميال.
وفي نفسي من هذا شيء إذا علم بحاجة أهل البلد إلى ذلك والله أعلم، انتهى. (3/154)
صفحة 962
والحاصل: أن من اعتبر مفهوم القيد في نهيه عليه الصلاة والسلام عن التلقي أجاز ذلك، ومن اعتبر العلة في النهي لم يجز ذلك وهو الظاهر.
وإنما خص النهي عن التلقي لأنه الغالب، والقيد إذا جرى مجرى الغالب لا مفهوم له، والله أعلم.
قال ابن حجر: ويفهم منه اشتراط قصد ذلك بالتلقي، فلو تلقى الركبان أحد للسلام أو الفرجة أو خرج لحاجة له فوجدهم فبايعهم هل يتناوله النهي؟ فيه احتمال.
فمن نظر إلى المعنى لم يفترق عنده الحكم بذلك وهو الأصح عند الشافعية الخ.
وذكر في الإيضاح: أنه لا يجوز له التلقي، ولو أذن له أصحاب المنزل في ذلك لأجل النهي، قال: ويحجر على من يفعل ذلك، وإن خرج وكسر الحَجْر فإنه يخرج منه الحق، الخ.
ولم يتعرض المصنف رحمه الله لهذا البيع هل هو فاسد؟ أو صحيح لازم والفاعل عاص؟ أو ثبت فيه الخيار؟ أقوال، وجزم البخاري بأنه مردود بناء على أن النهي يدل على فساد المنهي عنه.
واعترضه الشارح بأن محل ذلك عند المحققين فيما يرجع إلى ذات المنهي عنه، لا ما إذا كان يرجع إلى أمر خارج عنه فيصح البيع ويثبت الخيار بشرطه الآتي، إلخ يعني وهو الغبن.
وجزم في الإيضاح بإثم الفاعل وثبوت البيع عند أصحابنا؛ وذكر عن ابن بركة أن الشافعي يرى أن البائع بالخيار واستحسنه حيث قال: فهذا قول يسوغ تأويله في النفس؛ ويعجبني أن يكون كل غرر يذهب به مال هذا طريقه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وخديعة المسلم محرمة؛ انتهى.
قوله: «قال الربيع: الملامسة أن يلمس الرجل» إلخ، ظاهره أن التفسير من الربيع رحمه الله؛ وظاهر كلام البخاري أن التفسير من الحديث حيث قال بعد ذكر الإسناد: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المنابذة وهي طرح الرجل ثوبه في (3/155)
صفحة 963
البيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه".
قال ابن حجر: وظاهر الطرق كلها أن التفسير من الحديث المرفوع، لكن وقع في رواية النسائي ما يشعر بأنه من كلام مَن دون النبيء صلى الله عليه وسلم؛ ولفظه: "وزعم أن الملامسة أن يقول"، الخ؛ فالأقرب أن يكون ذلك من كلام الصحابي، لبعد أن يعبر الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ "زعم" الخ.
وقال قبل ذلك واختلف العلماء في تفسير الملامسة على ثلاث صور هي أوجه للشافعية.
أصحها: أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة فيلمسه المستلم، فيقول له صاحب ا لثوب بعتكه بكذا، بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك ولا خيار لك إذا رأيته، وهذا هو موافق للتفسيرين اللذين في الحديثين.
الثاني: أن يجعلا نفس المس بيعا بغير صيغة زائدة.
الثالث: أن يجعلا اللمس شرطا في قطع خيار المجلس وغيره.
والبيع على التأويلات كلها باطل.
ومأخذ الأول عدم شرط رؤية المبيع واشتراط نفي الخيار.
ومأخذ الثاني اشتراط نفي الصيغة في عقد البيع، فيؤخذ منه بطلان بيع المعاطاة مطلقا، لكن من أجاز المعاطاة قيدها بالمحتقرات، أو بما جرت فيه العادة بالمعاطاة، وأما الملامسة والمنابذة عن من يستعملها فلا يخصهما بذلك.
إلى أن قال: ومأخذ الثالث: شرط نفي خيار المجلس.
وهذه الأقوال هي التي اقتصر عليها الفقهاء، ويخرج فيما ذكرناه من طرق الحديث زيادة على ذلك.
وأما المنابذة فاختلفوا فيها أيضا على ثلاثة أقوال وهي أوجه للشافعية. (3/156)
صفحة 964
أصحها: أن يجعلا نفس النبذ بيعا كما تقدم في الملامسة، وهو الموافق للتفسير في الحديث المذكور.
والثاني: أن يجعلا النبذ بيعا بغير صيغة.
والثالث: أن يجعلا النبذ قاطعا للخيار.
واختلفوا في تفسير النبذ: فقيل: هو طرح الثوب كما وقع تفسيره في الحديث المذكور.
وقيل: هو نبذ الحصاة، والصحيح أنه غير ذلك، إلى أن قال: وقوله في الحديث لمن مس الثوب: "لا ينظر إليه" استدل به على بطلان بيع الغائب وهو قول الشافعي في الجديد؛ وعن أبي حنيفة يصح مطلقا ويثبت الخيار إذا رآه.
إلى أن قال: واستدل به على بطلان بيع الأعمى مطلقا، وهو قول معظم الشافعية الخ.
وعندنا في المسألتين تفصيل واختيار فليراجع الإيضاح والله أعلم.
قوله: «وحبل الحبلة هو حبل ما في بطن الناقة»، أي: هو بيع الجنين الذي تلده الناقة؛ وليس المراد بيع ما في بطنها، لأنه بيع المضامين كما ذكره بعد، وهو أحد التأويلات في الحديث كما ذكره وسيأتي بيانه.
قال ابن حجر: وبيع حبل الحبلة (بفتح المهملة والموحدة)، وقيل في الأول بسكون الموحدة، وغلطه عياض، وهو مصدر حبلت تحبل حبلا يعني: (بالكسر في الماضي والفتح في المضارع)؛ والحبلة جمع حابل، مثل ظلمة وظالم وكتبة وكاتب، والهاء فيه للمبالغة وقيل للإشعار بالأنوثة، وقد ندر فيه "امرأة حابلة"، فالهاء للتأنيث؛ وقيل حبلة مصدر سمي به المحمول.
قال أبو عبيد: ولا يقال لشيء من الحيوان حبلت إلا الآدميات إلا ما ورد في هذا الحديث؛ وأثبته صاحب المحكم قولا فقال: اختلف: أهي للإناث عامة أو للآدميات خاصة؟
إلى أن قال: بعد ذكر الخلاف في معنى بيع حبل الحبلة ما نصه: (3/157)
صفحة 965
وقال ابن التين: محصل الخلاف: هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين؟ وعلى الأول: هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها؟ وعلى الثاني هل المراد بيع الجنين الأول أو بيع الجنين؟ فصارت أربعة أقوال انتهى.
وحكى صاحب المحكم قولا آخر: أنه بيع ما في بطون الأنعام وهو أيضا من بيوع الغرر؛ لكن هذا إنما فسر به سعيد بن المسيب ـ كما رواه مالك في الموطأ ـ بيع المضامين، وفسر به غيره بيع الملاقيح.
واتفقت هذه الأقوال على اختلافها على أن المراد بالحبلة جمع حابل أو حابلة من الحيوان، إلا ما حكاه صاحب المحكم وغيره عن ابن كيسان أن المراد بالحبلة الكرمة، وأن النهي عن بيع حبلها أي حملها قبل أن يبلغ، كما نهى عن بيع ثمرة النخلة قبل أن تزهو، وعلى هذا فالحبلة بإسكان الموحدة وهو خلاف ما يثبت الروايات لكن حكي في الكرمة فتح الباء.
وادَّعى البيهقي تفرد ابن كيسان به وليس كذلك الخ؛ والمراد بالكرمة شجر العنب.
قوله: «والمضامين ما في بطون الإناث»، أي بيع ما في بطون الإناث على ما تقدم تأويله؛ لكن كلام الإيضاح صريح في ترادفهما على القول الثاني؛ حيث قال: وأما بيع حبل الحبلة ففيها تأويلان:
أحدهما: أنها بيوع كانوا يؤجلونها إلى أن يحمل ما تنتج هذه الناقة، والغرر في هذا من جهة الأجل.
وقيل: إنما هو بيع جنين الناقة، وهذا من بيع الملاقيح والمضامين؛ فالملاقيح بيع ما في بطون الإناث من الإبل؛ وهذه كلها بيوع جاهلية متفق على تحريمها محرمة من تلك الوجوه التي ذكرناها انتهى. (3/158)
صفحة 966
لكن في كونها من بيع الملاقيح والمضامين تأمل: لأنه إن كان الجنين موجودا في البطن فهو من المضامين فقط، وإن كان غير موجود فهو من الملاقيح فقط والله أعلم.
اللهم إلا أن يقال إن ذلك مبني على تفسيرين مختلفين: فمن قال بيع حبل الحبلة هو بيع الجنين الذي في بطن الأم، قال هو من المضامين؛ ومن قال هو بيع جنين الجنين، قال هو من الملاقيح؛ لأن الجنين إنما يتكون بعد ذلك من ماء الجمل.
إلا أن صاحب الإيضاح رحمه الله لم يتعرض لهذا القول، وقد ذكره ابن وصاف رحمه الله، والله أعلم.
قوله: «حتى تزهو»، هو من: زها يزهوا زهوا، وهذه هي اللغة المشهورة؛ وفيه لغة أخرى: أزهى يزهي إزهاء؛ قال في الصحاح: الزهو البسر الملون، يقال إذا ظهرت الحمرة والصفرة في النخيل فقد ظهر فيه الزهو؛ وأهل الحجاز يقولون الزهو بالضم وقد زها النخل زهوا؛ وأزهى أيضا لغة حكاها أبو زيد ولم يعرفها الأصمعي؛ والزهو المنظر الحسن الخ.
وذكروا للنخل سبعة أطوار يجمعها قولك: "طأب زبرت":
فالطاء طلع، والهمزة إغريض، وهو الحب الذي في الأكمام، والباء البلح، والزاي زهو، والباء بسر، والراء رطب، والتاء تمر، وذلك لشبهها بابن آدم فإنه له سبعة أطوار مبينة في قوله تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} [المومنون: 12]، الآية؛ وإنما أشبهته لأنها خقلت من بقية طينة آدم عليه السلام، ولذلك قال عليه السلام: "أكرموا عماتكم النخيل"؛ والله أعلم. (3/159)
صفحة 967
وذكر في الإيضاح لبيع الثمار صورا متعددة، منها ما هو جائز بالاتفاق، ومنها ما هو ممتنع بالاتفاق، ومنها ما هو مختلَف فيه، كما يُعلم بالوقوف عليه.
ويؤخذ منه أن النهي عن بيعها قبل الزهو محمول على ما إذا لم يكن بشرط القطع والله أعلم.
قوله: «أرأيتم لو منع الله التمرة فيما يأخذ أحدكم مال أخيه»؛ في بعض الروايات البخاري: "لو أن رجلا ابتاع تمرا قبل أن يبدو صلاحه، ثم أصابته عاهة كان ما أصابه على ربه"؛ وفي رواية لمسلم: "لو بعت من أخيك تمرا فأصابته عاهة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا ثم تأخذ مال أخيك بغير حق".
قال ابن حجر: واستدل بهذا على وضع الجوائح في التمر يشترى بعد بدو صلاحه ثم تصيبه جائحة؛ فقال مالك: يضع عنه الثلث؛ وقال أحمد وأبو عبيد: يضع الجميع؛ وقال الشافعي والليث والكوفيون: لا يرجع على البائع بشيء؛ وقالوا: إنما ورد وضع الجائحة فيما إذا بيعت التمرة قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع.
إلى أن قال: في قوله: "بم يستحل أحدكم مال أخيه"، أي: لو تلف التمر لا يبقى في مقابلة العوض فكيف يأكله بغير عوض؛ وفيه إجراء الحكم على الغالب لأن تطرق التلف إلى ما بدا صلاحه ممكن، وعدم تطرقه إلى ما لم يبد ممكن فاستنبط الحكم بالغالب في الحالين؛ انتهى.
وذكر في الإيضاح في بيعها بعد الزهو أقوالا كثيرة؛ ثم قال: والصحيح أن بيعها جائز، إذا أدركت وأمن من فسادها؛ الخ.
فظاهر كلامه رحمه الله أن العاهة بعد صلاحها من ضمان البائع، وهو المتبادر من قوله عليه السلام: "فبم يأخذ أحدكم مال أخيه"؛ والله أعلم.
قوله: «لا يساوم أحدكم على سوم أخيه»، تقدم الكلام عليه في باب ما يجوز من النكاح وما لا يجوز، وهذا الحديث يوجد في بعض النسخ دون بعض. (3/160)
صفحة 968
قوله: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها»، المناسب تقديم هذا الحديث على الذي قبله؛ ليكون الكلام على الثمار متصلا بعضه ببعض، وإن كان ما تقدم خاصا بثمر النخل وهذا عاما في جميع الثمار، والله أعلم.
ولفظ الحديث في بعض روايات البخاري بعد ذكر الإسناد قال: "كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون الثمار، فإذا جذ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب التمر الدمان، أصابه مراض، أصابه قشام، عاهات يحتجون بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كثرت عنده الخصومة: "فإما لا فلا تبايعوا حتى يبدو صلاح التمر"، كالمشورة يشير بها لكثرة خصوماتهم، انتهى.
والدمان: (بضم الدال المهملة وفتحها) قيل فساد الطلع وتعفنه وسواده، وقيل: فساد النخيل قبل إدراكه.
والمراض: (بكسر الميم وقيل بضمها)، اسم لجميع الأمراض، يورث الصداع والسعال، وهو داء يقع في التمرة فتهلك، يقال "أمرض" إذا وقع في ماله عاهة.
والقشام: (بضم القاف) شيء يصيبه حتى لا يرطب؛ وقال الأصمعي: هو أن ينقص تمر النخل قبل أن يصير بلحا؛ وقيل: هو أكال يقع في التمر.
والعاهة: العيب والآفة؛ انتهى ملخصا من ابن حجر.
وقوله: «فإما لا»، إن شرطية وما زائدة مثل قوله: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ} [مريم: 26]، فاكتفي بلفظه عن الفعل، وهو نظير قولهم: من أكرمني أكرمته ومن لا، أي: من لم يكرمني لم أكرمه؛ والمعنى إن لم تفعل كذا فافعل كذا؛ وقد نطقت العرب بإمالة "لا" إمالة خفيفة والعامة تشبع إمالتها وهو خطأ.
وقوله: «كالمشورة» فيه لغتان (ضم الشين وسكون الواو وسكونها وفتح الواو) فهي فعولة أو مفعلة؛ مختصر من ابن حجر. (3/161)
صفحة 969
قوله: «والنهي واقع على البائع والمشتري»، قال ابن حجر: أما البائع فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل، وأما المشتري فلئلا يضيع ماله ويساعد البائع على الباطل؛ وفيه أيضا قطع النزاع والتخاصم؛ ومقتضاه جواز بيعها بعد بدو الصلاح مطلقا؛ سواء أشرط الإبقاء أو لم يشرط؛ لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، وقد جعل النهي ممتدا إلى غاية بدو الصلاح.
والمعنى فيه: أن تؤمن فيها العاهة، وتغلب السلامة، فيثق المشتري بحصولها؛ بخلاف ما قبل بدو الصلاح فإنه بصدد الغرر.
إلى أن قال: فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته؛ وإلى الفرق بين ما قبل ظهور الصلاح وبعده ذهب الجمهور.
إلى أن قال: واختلف السلف في قوله: "حين يبدو صلاحها"؛ هل المراد به جنس الثمار حتى لو بدا الصلاح في بستان من البلد مثلا، جاز بيع ثمر جميع البساتين وإن لم يبد الصلاح فيها؟ أو لا بد من بدو الصلاح في كل بستان على حدة أو في كل شجرة على حدة على أقوال؟
والأول قول الليث: وهو عند المالكية بشرط أن يكون الصلاح مثلا حقا.
والثاني: قول أحمد وعنه رواية كالرابع.
والثالث: قول الشافعية، ويمكن أن يؤخذ ذلك من التعبير ببدو الصلاح، لأنه دال على الاكتفاء بمسمى الإزهاء من غير اشتراط تكامله، فيؤخذ منه الاكتفاء بزهو بعض الثمرة وبزهو بعض الشجرة مع حصول المعنى، وهو الأمن من العاهة، ولولا حصول المعنى لكان تسميتها بإزهاء بعضها قد لا يكتفى به لكونه على خلاف الحقيقة.
وأيضا فلو قيل ما زهاء الجميع لأدى إلى فساد الحائط أو أكثره، وقد من الله بجعل الثمار لا تطيب دفعة واحدة ليطيل زمن التفكه بها؛ انتهى.
وقد ذكر صاحب الإيضاح رحمه الله هذه الأقوال وذكر ما هو الصحيح كما تقدم.
قوله: «نهى عن النَّجْش» هو (بفتح النون وسكون الجيم)، وهو في اللغة تنفير الصيد، وإثارته من مكانه ليصاد، يقال نجشت الصيد أنجشه (بالضم) نجشا. (3/162)
صفحة 970
وفي الشرع: الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها.
سمي بذلك لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة فحصلت المناسبة؛ ويقع ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع فيختص بذلك الناجش؛ وقد يختص به البائع، كمن يخبر بأنه اشترى سلعته بأكثر مما اشتراها به ليغر غيره بذلك.
وقال ابن قتيبة: النجش الختل والخديعة، ومنه قيل للصياد ناجش؛ لأنه يختل الصيد ويحتال له؛ قاله ابن حجر.
قوله: «الناجش الزائد في السلعة وهو لا يشتريها»، مفهومه أنه لو دفع ابتداء في السلعة أكثر من قيمتها أو مثلها، لينفع صاحبها وليس مريدا للشراء فإنه لا بأس به، مع أن الظاهر أنه حرام؛ ولعل المراد بالزيادة مطلق الدفع على غير نية الشراء والله أعلم.
قال في الإيضاح: سواء كان الشيء المباع لنفسه أو لغيره فلا يحل له ذلك؛ وإن فعل ذلك وزاد فيه وبيع الشيء على هذا الحال كان ذلك عليه تباعة، وعليه أن يدرك المشتري ويخبره بذلك، فإن كان صاحب الشيء هو الناجش فالمشتري بالخيار؛ وإن كان غيره فلا يكون عليه حجة وعليه التوبة من ذلك والانتصال.
وفي الأثر قال أصحابنا: البيع ثابت والناجش عاص؛ وأحب أن يكون للمشتري الخيار الخ، ففصل بين العلم وعدمه، وبين المواطأة وعدمها فليراجع.
قال ابن حجر: وقيد ابن عبد البر وابن العربي وابن حزم التحريم بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل؛ قال ابن العربي: فلو أن رجلا رأى سلعة رجل تباع بدون قيمتها فزاد فيها لتنتهي إلى قيمتها، لم يكن ناجشا عاصيا بل يؤجر على ذلك بنيته؛ وقد وافقه على ذلك بعض المتأخرين من الشافعية.
وفيه نظر: إذا لم تتعين النصيحة في أن يوهم أنه يريد الشراء، وليس من غرضه بل غرضه أن يزيد من يريد الشراء أكثر مما يريد أن يشتري به، فللذي يريد النصيحة مندوحة عن ذلك بأن يعلم البائع بأن قيمة سلعتك أكثر من ذلك، ثم هو باختياره بعد ذلك. (3/163)
صفحة 971
ويحتمل أن لا يتعين عليه إعلامه بذلك حتى يسأله للحديث الآتي: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه"، والله أعلم انتهى.
قوله: «لا تناجشوا» تقدم الكلام على النجش.
قوله: «ولا تتلقوا الركبان»، تقدم الكلام عليه عند قوله: "لا تتلقوا السوالع"، وقوله: "الركبان"، قال ابن حجر: خرج مخرج الغالب في أن من يجلب الطعام يكون عددا ركبانا ولا مفهوم له، بل لو كان ا لجالب عددا مشاة أو واحدا راكبا أو ماشيا لم يختلف الحكم.
وقوله: «للبيع»، يتناول البيع لهم والبيع منهم الخ.
قوله: «لا يبيع حاضر لباد»، في بعض الأحاديث: "نهى أن يعان بدوي على حضري"، وهذا أعم من الأول لشموله البيع والشراء، خلافا لمن خص النهي بالبيع عملا بظاهر الحديث.
ومن عمم قال: استعمل لفظ البيع في البيع والشراء، واستدل لذلك بما روي عن ابن سيرين أنه قال: لقيت أنس بن مالك فقلت: لا يبيع حاضر لباد، أنهيتم أن تبيعوا أو تبتاعوا لهم؟ قال: نعم؛ قال محمد: وصدق إنها كلمة جامعة أي لا يبيع له شيئا ولا يبتاع له شيئا، والله أعلم.
وظاهر النهي في الحديثين الإطلاق أي سواء كان بأجر أم لا؛ وفي البخاري أنه: "إنما يحرم إذا كان بأجر وأما إذا كان بغير أجر فلا؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة"، والظاهر الإطلاق لأن هذا الحديث عام، وحديث الباب خاص، والخاص يقضي على العام، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "ذروا الناس ينتفع بعضهم من بعض".
قال في الإيضاح: لأن الحضري يتحكم على الناس بمال غيره ويتربص به، والبداة يبيعون بما يرزقون من السعر، فالمقصود بهذا النهي على التأويل هو إرفاق بأهل الحضر؛ وأما أن يعان بدوي على بدوي أو حضري على حضري فلا بأس الخ.
أقول: بقي قسم آخر وهو أن يعان حضري على بدوي والظاهر الجواز. (3/164)
صفحة 972
وانظر الغريب من أهل القرار، إذا قدم لسلعة إلى بلد يريد البيع والشراء فيها: هل هو مثل البدوي فتحرم إعانته أو حضري نظرا إلى كونه من أهل القرار فلا تحرم إعانته؟ وهو المتبادر من قول صاحب الإيضاح.
أو حضري على حضري فلا بأس وهو مذهب مالك والحنفية وهو الظاهر والله أعلم.
واختلفوا هل تجوز الإشارة إلى البدوي بالبيع أو عدمه؟ فمن جعل الإشارة بمنزلة البيع منعها، ومن تمسك بظاهر لفظ البيع أجازها.
والظاهر المنع لأن المقصود من النهي الرفق بأهل الحضر كما تقدم؛ والله أعلم.
قوله: «ولا تصروا الإبل والغنم»، قال ابن حجر: (بضم أوله وفتح ثانيه بوزن تزكوا)، يقال صرَّى يصرِّي تصرية، كزكى يزكي تزكية، والإبل بالنصب على المفعولية، وقيده بعضهم (بفتح أوله وضم ثانيه) والأول أصح؛ لأنه من صريت اللبن في الضرع إذا جمعته، وليس من صررت الشيء إذا ربطته، إذ لو كان منه لقيل مصرورا أو مصررة، ولم يقل مصراة، على أنه قد سمع الأمران في كلام العرب.
إلى أن قال: وضبطه (بضم أوله وفتح ثانيه)، لكن بغير واو على البناء للمجهول والمشهور الأول، ثم قال: وظاهر النهي تحريم التصرية سواء قصد التدليس أم لا.
إلى أن قال: وبهذا جزم بعض الشافعية، وعلله بما فيه من إيذاء الحيوان؛ لكن أخرج النسائي حديث الباب من طريق سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج بلفظ: "لا تصروا الإبل والغنم للبيع).
إلى أن قال: وهذا هو الراجح وعليه يدل تعليل الأكثر بالتدليس.
ويجاب عن التعليل بالإيذاء بأنه ضرر يسير، لا يستمر فيغتفر لتحصيل المنفعة؛ انتهى.
وهذا القول هو الذي يدل عليه قول المصنف رحمه الله: "حتى يعظم فيظن المشتري كذلك هي".
ولفظ الحديث في الإيضاح في رواية أخرى: "لا تبيعوا الإبل والغنم مصراة فإنه من اشتراها مصراة وكرهها ردها ورد على صاحبها صاعا من تمر". (3/165)
صفحة 973
ولفظه في البخاري في رواية أخرى: "لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظر ين من بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاع تمر" الخ.
وفي بعض الروايات: "فهو فيها بالخيار والنظر إلى ثلاثة أيام"؛ فظاهر الرواية الأولى أن الرد على الفور كسائر العيوب؛ قال ابن حجر: لكن الرواية التي فيها أن الخيار ثلاثة أيام مقدمة على هذا الإطلاق.
قوله: «أي لا تحولوا بين الشاة وولدها»، المناسب أن يزيد: ولا بين الناقة وولدها الخ، وهذا تفسير مراد، وإلا فالتصرية معناها الحبس.
قال في البخاري: والمصرات التي صري لبنها وحقن فيه وجمع فلم تحلب أياما؛ وأصل التصرية حبس الماء يقال منه صريت الماء، انتهى.
قال الشارح هذا التفسير قول أبي عبيد وأكثر أهل اللغة؛ وقال الشافعي: هو ربط أخلاف الناقة أو الشاة وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر فيظن المشتري بأن ذلك عادتها فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها، انتهى.
قوله: «نهى عن الاحتكار»، قال في الإيضاح: وهو أشد هذه المناهي لقوله صلى الله عليه وسلم: "المحتكر ينتظر اللعنة" الخ.
قال ابن حجر: وقد ورد في ذم الاحتكار أحاديث ذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحتكر إلا خاطئ"؛ ومنها قوله: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس"؛ ومنها قوله: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون"؛ ومنها قوله: "من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه"؛ ومنها قوله: "من احتكر حكرة يريد أن يغالي بها على المسلمين فهو خاطئ".
قال في الإيضاح: ومعنى الاحتكار: أن يشتري الرجل الطعام للتجارة في وقت رخصه، فيرفعه إلى وقت غلائه في البلدة التي اشتراها فيها؛ (3/166)
صفحة 974
والنهي واقع على المقيمين دون المسافرين؛ لأن المسافر إنما ذلك منه تجارة ونفع برفعه من بلدة إلى بلدة الخ.
يعني: فلو اشترى المسافر منتظرا للبيع وقت الغلاء في تلك البلدة فإنه محتكر، فمفهوم قوله: "أن يشتري"، أنه لو كان من ضيعته لم يحرم ادخاره وانتظار الغلاء به وهو كذلك.
ومفهوم قوله: "الطعام" أنه لا الاحتكار في غير الطعام من جميع السلع وهو كذلك.
ثم اختلفوا في الطعام الذي يجري فيه الاحتكار؛ فقيل: هو الحبوب الستة التي تخرج منها الزكاة دون غيرها من الأدهان والقطاني وغيرها؛ وقيل: هو البر والشعير الخ.
قال في الإيضاح: وهؤلاء ذهبوا إلى ما فيه جل قوت الناس.
قال: وذكر عن بعضهم أن الناس إذا أخذوا حاجتهم من الطعام وبقي بعد حاجتهم فلا بأس على من يشتريه ويرفعه إلى الغلاء ولا يكون محتكرا، وهؤلاء جوزوا شراء الغلة في أوانها للربح وليس فيه احتكار عندهم.
قوله: «والذي يشبه هذا القول» الخ، يعني والله أعلم: والأشبه والمختار هذا القول، فعلى هذا القول والذي قبله يجوز شراء الزبيب في أوانه ببلدنا، وإن كان منتظرا به الغلاء في البلد نفسه والله أعلم.
ومفهوم قوله: «للتجارة»، أنه لا بأس بشرائه للكسب، وهو كذلك فإن فضل شيء عن حاجته بعد ذلك جاز له بيعه.
ومفهوم قوله: «فيرفعه إلى وقت غلائه»، أنه يجوز له شراؤه إذا لم يرد به الادخار بل أراد بيعه في ذلك الوقت ولم ينتظر به الغلاء والله أعلم.
ومفهوم قوله: «في البلد الذي اشتراه فيه» أنه يجوز له أن يشتريه ليسافر به هو كذلك. (3/167)
صفحة 975
قال في الإيضاح: ومن اشترى طعاما للاحتكار فإنه يؤخذ ويجبر على بيعه كما اشتراه، إلا إن كان السعر أرخص مما اشتراه فإنه لا يجبر، وكذلك إن تغير عن حاله أو خرج من ملكه بوجه من وجوه الإملاك أو رده إلى نفقته الخ.
لكن قوله: "يجبر على بيعه كما اشتراه" يتأمل فيه: هل معناه أنه يجبر على بيعه بمثل ما اشتراه به ولا يزيد على سعره ولو كان السعر عند غيره أزيد من ذلك؟ أو معناه أنه يجبر على تعاطي البيع كما أنه تعاطى الشراء ويبيع بالسعر الحاضر إذا لم يكن أرخص؟
وهذا هو الظاهر ويدل عليه أنه لم يذكر أن المحتكر يرد الزائد كما ذكر ذلك في الناجش.
ولأنه لو أراد المعنى الأول لقال: "بمثل ما اشتراه"، ولأن الاستثناء على المعنى الثاني أظهر والله أعلم.
قوله: «وعن سلف جر منفعة»، كأكل وخدمة وقضاء حاجة ونحو ذلك لأجل السلف، فلو جرى ذلك بينهما قبله ولم يكن لأجله جاز والله أعلم.
قوله: «وعن بيع ما ليس عندك»، وفي بعض الأحاديث: "نهى عن بيع ما لم يقبض، وربح ما لم تضمن"، وهذان الحديثان أعم من قوله صلى الله عليه وسلم: "من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يقبضه".
قال في الإيضاح: والعلماء مختلفون: منهم من منع بيع ما لم يقبض في جميع الأشياء، يعني عملا بعموم الحديثين وهو الظاهر؛ ومنهم: من منعه في الطعام دون غيره، يعني عملا بالخاص، وحملا للعام عليه؛ أو في المكيل والموزون على قول بعض.
وفي الأثر: وأجمعوا أنه لا يباع شيء مما يكال أو يوزن إذا اشتري حتى يقبض.
إلى أن قال: وكل من باع من قبل القبض فهو داخل في النهي، وإن باعه بأكثر من الثمن الذي اشتري به فهو ربح ما لم تضمن.
إلى أن قال: (3/168)
صفحة 976
وكذلك عندي كل ما كان في ذمة الغير من دين وسلم وقرض وإجارة وصداق، وجميع ما كان مضمونا في ذمة الغير فلا يجوز بيعه حتى يقبضه؛ لأنه من بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن الخ.
فذكر عن بعضهم للنهي تفسيرا آخر حيث قال: وفي الأثر ونهى عن بيع ما لم تقبض وربح ما لم تضمن، وذلك أن يتفق رجل مع رجل على شراء شيء ثم يأتي آخر فيبيعه له قبل أن يقبضه من الأول فذلك غير جائز.
وأما إن اشتراه من الأول فباعه قبل أن يقبضه فذلك جائز.
لكن قوله: "قبل أن يقبضه من الأول" المناسب لقوله بعده: "وأما إن اشتراه من الأول" أن يقول: "قبل أن يشتريه من الأول"، والله أعلم.
لكن يلزم على كلام صاحب هذا القول أن يكون المراد بالقبض في الحديث للشراء تسمية للسبب باسم المسبب؛ لكن يتأمل في القرينة على ذلك فالعمل بالظاهر أولى، والله أعلم.
قال ابن حجر: قال ابن المنذر: وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين: أحدهما: أن يقول: أبيعك عبدا أو دارا معينة وهي غائبة فيشبه بيع الغرر لاحتمال أن تتلف أو لا يرضاها.
ثانيهما: أن يقول: هذه الدار بكذا على أن أشتريها لك من صاحبها أو على أن يسلمها لك صاحبها، انتهى؛ وقصة حكيم موافقة للثاني انتهى.
قوله: «نهى عن بيع وسلف وهو أن يتسلف من رجل على أن يشتري منه»، قال في الإيضاح: وأما بيع وسلف فهو أن يقول الرجل لصاحبه أبيع هذه السلعة بكذا وكذا درهما على أن تسلفني كذا وكذا؛ لأنه لا يؤمن أن يكون باعه السلعة بأقل من ثمنها لأجل القرض. وكذلك إن قال له: أسلفك كذا وكذا على أن تشتري مني به هذه السلعة؛ فكلها سواء لا يجوز؛ لأنه لا يؤمن في هذا الوجه أن يكون باعه السلعة بأكثر من ثمنها لأجل القرض، والله أعلم انتهى.
لكن قوله: "على أن تشتري مني به"، التقييد بقوله: "به" غير ظاهر، فإن عدم الأمن موجود، ولو لم يكن "به"؛ اللهم إلا أن يكون الضمير راجعا إلى السلف المفهوم من أسلف والباء للسببية أي على أن تشتري مني بسبب السلف. (3/169)
صفحة 977
ثم قوله: "مني" ظاهر أنه لو قال له: "على أن تشتري من صاحبي مثلا" لا ضرر فيه؛ وفيه تأمل: لأنه يصدق عليه أنه بيع وسلف جر منفعة، وإن كانت للغير وربما ترجع إليه من جهة صاحبه، والله أعلم.
قوله: «نهى عن كراء الأرض»، استُدل بهذا الحديث على منع كراء الأرض مطلقا؛ قال في الإيضاح: وأما كراء الأرض والمياه فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال:
قال بعض: لا تجوز المزارعة إلا بجزء مما يخرج منها.
وقال آخرون: لا تجوز إلا بأجر من ذهب أو فضة.
وقال آخرون: لا تجوز الخ.
فذكر حجة القولين، إلى أن قال: وحجة من لم ير المزارعة بحال، ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه"؛ فلهذا قالوا لا تجوز بأجر، ولا يجزئ؛ وما روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة وهي الزارعة؛ وما روي عن عمر أنه قال: "كنا نخابر ولم نر به بأسا حتى بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها فتركناها"؛ وما روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض؛ والله أعلم.
وإن حرث رجل أرض رجل بغير إذنه فجائز له أخذ نقصانها لأن ذلك لم يرد فيه النهي الخ.
قوله: «عن المزابنة» قال ابن حجر: بالزاي والموحدة والنون مفاعلة من الزبن (بفتح الزاي وسكون الموحدة)، وهو الدفع الشديد، ومنه سميت الحروب الزبون لشدة الدفع فيها. (3/170)
صفحة 978
وقيل للبيع المخصوص المزابنة لأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه، أو لأن أحدهما إذ وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع بفسخه وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع؛ انتهى.
قوله: «بيع التمر بالتمر على رؤوس النخل»، قال ابن حجر: في قوله: "بيع التمر" (بالمثناة والسكون) بالثمر (بالمثلثة وفتح الميم) والمراد به الرطبة خاصة الخ.
أقوال: ويدل له قول المصنف رحمه الله "بالثمر على رؤوس النخيل"، فما كان في النسخ بالتاء في الثاني تصحيف؛ زاد في بعض روايات البخاري في تفسير المزابنة حيث قال: "وهي بيع التمر بالتمر وبيع الزبيب بالكرم وبيع العرايا" انتهى.
والمراد بالكرم العنب، وجاءت الرخصة بعد ذلك في بيع العرايا كما هو معلوم.
قوله: «المحاقلة كراء الأرض»، هذا الإطلاق هو المناسب لمنع كراء الأرض مطلقا والله أعلم.
وفسرها في الإيضاح في كتاب الإجارات بالمزارعة يعني: بجزء مما يخرج منها وفيها تفاسير وهذا هو المشهور منها.
قال ابن حجر: قال أبو عبيد: هو بيع الطعام في سنبله بالبر، مأخوذ منها من الحقل؛ قال الليث: الحقل الزرع إذا تشعب من قبل أن يغلظ سوقه، والمنهي عنه بيع الزرع قبل إدراكه، وقيل: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقيل: بيع ما في رؤوس النخل بالتمر.
وعن مالك: هي كراء الأرض بالحنطة أو بكيل طعام أو إدام.
والمشهور أن المحاقلة كراء الأرض ببعض ما تنبت، وفسرها في الصحاح ببيع الزرع وهو في سنبله بالبر.
وكذلك فسرها صاحب الإيضاح قبل ذلك حيث قال: أن يبيع الرجل سنبل زرعه بحب معلوم كيله إلى أجل، لكن في التقييد بقوله: "إلى أجل" تأمل. (3/171)
صفحة 979
قوله: «نهى عن قيل وقال وعن تضييع المال»، زاد في الإيضاح: "وعن كثرة السؤال"؛ ولفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد: "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال".
قوله: «قيل وقال هو المزاح والخنا من القول» الخنا بالقصر الفحش.
وقال في الإيضاح: قيل وقال كثرة الكلام فيما لا يعني.
قوله: «أن لا يقف الرجل على نفسه في البيع والشراء» الخ، قال في الإيضاح: وينبغي للرجل أن يقوم على نفسه في البيع والشراء لئلا يغبن؛ إلا إن ابتغى في ذلك الفضل لما جاء فيه من الأثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "المؤمن سمح إذا باع سمح إذا اشترى"، فتكون المسامحة بين المتابيعين بمنزلة الهبة والصدقة.
وقيل معنى الرواية في هذا: أن يسامحه بعد البيع ويتصدق عليه ببعض الثمن.
وكل ما يتغابن فيه الناس فإنه جائز للمشتري وعلى البائع، سواء كان الشيء له أو لم يكن إذا كان في يده للبيع؛ انتهى.
والظاهر أنه إذا كان لغيره وحابى فإنه يضمن ما حابى به ولو كان قدر ما يتغابن فيه الناس؛ والله أعلم فليحرر.
قال في الإيضاح: وأما ما لا يتغابن فيه الناس فإنهم اختلفوا في ذلك:
قال بعضهم: لا يجوز بيع الغبن في ماله ولا في مال غيره.
وقال بعضهم: جائز على نفسه في بيعه وشرائه، في ماله وفي مال غيره إذا لم يحاب.
ومنهم من يقول جائز ولو حابى ويضمن ما غبن لصاحبه إلى آخر ما أطال فيه.
وصريح كلامه رحمه الله في باب القسمة أن الغبن لا يؤثر في البيع، ويؤثر في قسمة القرعة، وقسمة التخاير عند بعضهم.
والذي عليه العمل عند مشايخنا بالجزيرة أن الغبن بالثلث فما فوقه يؤثر في البيع، عملا بقضية أبي عبيدة مع سابق العطار رحمهما الله.
ولا يؤثر الغبن عندهم في قسمة التخاير لأن خيرته تنفي ضرره. (3/172)
صفحة 980
ويشترط للقيام بالغبن أن لا يحصل في المبيع تغير بخدمة أن نحوها.
وعند بعض قومنا يشترطون للقيام بالغبن ثلاثة شروط أشار إليها في النظم بعضهم بقوله:
ومن بغبن في مبيع قاما ... فشرطه أن لا يجوز العاما
وأن يكون جاهلا بما صنع والغبن بالثلث فما فوق وقع
وهو كلام متجه، والله أعلم.
قوله: «وقال غيره تضييعه أن يضعه في غير أهله»، وقال في الإيضاح: قال بعضهم أن يضيعه ولا يحوطه ولا يحفظه.
وقال ابن حجر: وقد قال الجمهور إن المراد به السرف في إنفاقه؛ وعند سعيد بن جبير إنفاقه في الحرام؛ انتهى. (3/173)
صفحة 981
الباب الثالث والثلاثون
في بيع الخيار وبيع الشرط
568) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا».
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الاِفْتِرَاقُ بِالصَّفَقَةِ، أَيْ يَبِيعُ هَذَا وَيَشْتَرِي هَذَا وَلَيْسَ كَمَا قَالَ مَنْ خَالَفَنَا: افْتِرَاقُ الأَبْدَانِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً أَوْ أَكْثَرَ، فَلاَ يَسْتَقِيمُ عَلَى هَذَا الْحَالِ بَيْعٌ لأَحَدٍ.
569) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الْغُلاَمَ لِرَجُلٍ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ الآخَرُ غُلاَمًا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ (1) أَوْ بِثَمَنٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ.
570) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اِشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَابِرِ بْن عَبْدِ اللَّهِ بَعِيرًا وَاشْتَرَطَ جَابِرٌ ظَهْرَهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَجَازَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَإِنَّمَا أَجَازَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يَكُنْ فِي عُقْدَةِ الْبَيْعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ تَمِيمُ الدَّارِي بَاعَ دَارًا وَاشْتَرَطَ سُكْنَاهَا، فَأَبْطَلَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ لأَنَّ الشَّرْطَ كَانَ فِي عُقْدَةِ الْبَيْعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَبْطَلَ ذَلِكَ لِجَهْلِ مُدَّةِ السُّكْنَى.
571) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِلاَّ مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ». وَعَنْهُ أَيْضًا عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنَّهُ ابْتَاعَ بَعِيرًا بِبَعِيرَيْنِ وَأَجَازَ عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ، إِلاَّ أَنَّ هَذَا يَدًا بِيَدٍ.
__________
(1) / قوله: بثمن معلوم أي عند الكلّ وقوله: أو بثمن يتّفقان عليه أي فيما بينهما خاصة. (3/174)
صفحة 982
572) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ».
573) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلاَثُ سُنَنٍ ... الْحَدِيثُ (1)
قال ابن حجر: الخيار (بكسر الخاء) اسم من الاختيار أو التخيير وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه.
وهو خياران: خيار المجلس وخيار الشرط، وزاد بعضهم خيار النقيضة وهو مندرج في الشرط فلا يزاد الخ.
وقيل: هو بيع وقف بتُّه أولا على إمضاء يتوقع.
والمراد من الخيار هنا خيار التروي؛ وهو الذي يكون وقت العقد بالرضا منهما، ويثبت لكل منهما، وخيار النقيضة وهو الذي يكون بعد العقد بظهور العيب وهو خاص بالمشتري كما هو معلوم؛ ويشملهما خيار الشرط على ما تقدم عن ابن حجر.
وأما خيار المجلس فليس بصحيح عندنا كما سيأتي والله أعلم.
وذكر في الإيضاح في بيع الخيار ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه جائز واستدل له بهذا الحديث وبحديث المصراة.
والثاني: أنه لا يجوز لأنه بيع وشرط.
والثالث: أن البيع جائز والشرط باطل.
وذكر أن أصل اختلافهم هو أصل اختلافهم في البيع والشرط، وأن الذين أجازوا بيع الخيار اختلفوا في مدته:
فقال بعضهم: ثلاثة أيام لا تجوز أكثر منها ولا أقل.
وقال بعضهم: أقله ثلاثة أيام وأكثره إلى فساد ذلك الشيء.
__________
(1) / قوله: الحديث إشارة إلى تقدّمه آخر الطلاق. (3/175)
صفحة 983
وقال بعضهم: جائز على ما اتفقا عليه من المدة، طالت أو قصرت إلا أن تكون أكثر مما يعيش فيه البائع والمشتري، أو لا يدركها الشيء المبيع إلا فسد؛ إلى آخر ما أطال فيه.
لكن الاستدلال بحديث الباب وحديث المصراة على خيار الشرط غير ظاهر والله أعلم، فليحرر.
قوله: «البائعان بالخيار ما لم يفترقا»، لفظه في بعض روايات البخاري: "البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فإن صدقا وبينا بورك في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما».
قال ابن حجر: البيِّعان (بتشديد التحتانية)، والبيع بمعنى البائع كضيق وضائق وصين وصائن، إلى أن قال: واستعمال البيع في المشتري؛ إما على سبيل التغليب، أو لأن كلا منهما بائع؛ انتهى.
قوله: «الافتراق»، افتراق بالصفة، أن يبيع هذا ويشتري هذا؛ وليس كما قال من خالفنا بافتراق الأبدان، يعني: وأثبتوا خيار المجلس وهو غير معمول به عندنا، ووافقنا على ذلك جماعة منهم: إبراهيم النخعي ومالك وأبو حنيفة؛ قال ابن حجر بعد كلام على خيار المجلس: وخالف إبراهيم النخعي، فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه قال: "البيع جائز وإن لم يتفرقا"؛ ورواه سعيد بن منصور عنه بلفظ: "إذا وجبت الصفقة فلا خيار"، وبذلك قال المالكية إلا ابن حبيب والحنفية كلهم، إلى أن قال: وذهبوا في الجواب عن حديثي الباب فرقا: فمنهم من رده لكونه معارضا لما هو أقوى منه.
ومنهم من صححه ولكن أوله على غير ظاهره.
فقالت طائفة منهم: هو منسوخ لحديث: "المسلمون على شروطهم"، والخيار بعد لزوم القعد يفسد الشرط؛ وبحديث التحالف عند اختلاف المتبايعين؛ لأنه يقتضي الحاجة إلى اليمين وذلك يستلزم لزوم العقد، ولو ثبت الخيار لكان كافيا في رفع العقد، وبقوله تعالى: {أَشْهِدُواْ إِذا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282]. (3/176)
صفحة 984
والإشهاد إن وقع بعد التفرق لم يطابق الأمر، وإن وقع قبل التفرق لم يصادف محلا، الخ؛ فعارض بعض الأدلة، إلى أن قال: وقالت طائفة: هو مخالف للقياس الجلي في إلحاق ما قبل التفرق بما بعده؛ إلى أن قال: وقال آخرون: التفرق بالأبدان محمول على الاستحباب تحسينا للمعاملة مع المسلم لا على الوجوب.
وقال آخرون: هو محمول على الاحتياط للخروج من الخلاف، إلى أن قال: وقالت طائفة: المراد بالتفرق في الحديث التفرق بالكلام كما في عقد النكاح والإجارات والعتق؛ إلى أن قال: وقيل: المراد بالمتبايعين المتساومان، ورده أنه مجاز والحمل على الحقيقة وما يقرب منها أولى.
واحتج الطحاوي بآيات وأحاديث استُعمل فيها المجاز وقال: من أنكر استعمال لفظ البائع في السائم فقد غفل عن استعمال اللغة، إلى أن قال: وقالوا أيضا: وقت التفرق في الحديث: هو ما بين قول: "البائع بعتك هذا" وبين قول المشتري: "اشتريت"، قالوا فالمشتري بالخيار في قوله: "اشتريت أو تركت"، والبائع بالخيار إلى أن يوجب المشتري، إلى أن قال: وتعقب بأن تسميتهما متبايعين قبل تمام العقد مجاز أيضا؛ وأجيب بأن تسميتهما متبايعين بعد تمام العقد مجاز أيضا؛ لأن اسم الفاعل في الحال حقيقة، وفيما عداه مجاز، فلو كان الخيار بعد انعقاد البيع، لكان لغير البيعين، والحديث يرده فتعين حمل التفرق على الكلام؛ إلى آخر ما أطال فيه من النزاع.
ورواية المصنف رحمه الله تدل على أن الافتراق بالكلام؛ لنقل ثعلب عن المفصل: افترقا بالكلام، وتفرقا بالأبدان وفي البخاري روايتان.
وذكر ابن حجر النزاع في ذلك ثم قال: والحق حمل كلام المفصل على الاستعمال بالحقيقة، وإنما استعمل أحدهما في موضع الآخر اتساعا؛ انتهى. (3/177)
صفحة 985
ورواية المصنف سالمة من أحد المجازين اللذين ذكرهما البيضاوي حيث قال: ومن نفى خيار المجلس ارتكب مجازين لحمله التفرق على الأقوال، وحمله المتبايعين على المتساومين؛ قال: وأيضا فكلام الشارع مصان عن الحمل عليه لأنه يصير تقديره أن المتساومين إن شاءا عقدا البيع وإن شاءا لم يعقداه وهو تحصيل الحاصل لأن كل أحد يعرف ذلك الخ.
قوله: «عن شرطين في بيع، وهو أن يبيع الرجل الغلام لرجل بثمن معلوم على أن يبيع له الآخر غلاما» الخ، المراد أن يبيع الرجل الغلام مثلا لأنه من المعلوم أن لا خصوصية، لكون ذلك في غلامين، فلو عمم في المبيع لكان أظهر كما نقله في الإيضاح عن الأثر؛ حيث قال: وفي الأثر: وقيل إن معنى شرطين في بيع أن يبيع الرجل شيئا من ماله للآخر على أن يبيع له الآخر مثل ذلك وذلك لا يجوز؛ ومنهم من يقول: ذلك جائز على المتاممة؛ ومنهم من يجوزه ويبطل الشرط انتهى.
ومعنى قوله: "على المتاممة": أنه إن وفى له صاحبه ما شرط عليه تم البيع بينهما وإلا فسد.
وفي كون هذا بيعا فيه شرطان تأمل، اللهم إلا أن يقال لما كان كل واحد منهما طالبا لسلعة الآخر جعل شارطا؛ والله أعلم.
ومثل في الإيضاح قبل ذلك للبيع الذي فيه شرطان بغير هذا حيث قال: وفي الأثر قال أبو الحسن: ومن باع سلعة وقال: بكذا وكذا نقدا؛ أو كذا وكذا نسيئة، وأخذ السلعة ومر ولم يقطعا لذلك ثمنا، وأشهدا عليه بأحد البيعين وأحد الأجلين، فإن ذلك عندنا لا يثبت، لأنهما لم يقطعا بيعا معلوما وفيه شرطان، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرطين في بيع أو بيعتين في بيعة، وهذا بيع فيه شرطان؛ (3/178)
صفحة 986
وقد روي عن أصحابنا إجازة ذلك واختلفوا في الشهادة فيه الخ؛ وهذا آخر كلام الأثر؛ وزاد فيه: "وثبتوه" كما يعلم ذلك بالوقوف عليه في ابن وصاف؛ والله أعلم.
قوله: «وأشهد عليه» الضمير المجرور عائد على قوله: "ذلك"؛ وفي غالب النسخ: "وأشهد عليه"؛ بالإفراد فيكون الضمير حينئذ راجعا إلى المشتري لأنه معلوم من المقام بأحد البيعين أو أحد الثمنين.
وقوله: «وأحد الأجلين» فيه أن المذكور أولا التردد بين النقد والأجل الواحد؛ اللهم إلا أن يقال غلب أولا الأجل على النقد بإرادة مطلق التأخير؛ حيث لم يدفع الثمن، وإنما لم يجعل الإشهاد بأحد الثمنين وأحد الوقتين تعيينا للمراد؛ لأنه لم يحصل الاتفاق على ذلك حال العقد؛ والإشهاد على البيع غير البيع ولكن الظاهر أنهما يؤخذان بذلك في ظاهر الحكم، والله أعلم.
وقوله: «وهذا بيع فيه شرطان» المراد بهما على ما بينه في الإيضاح بعد ذلك الزيادة في الثمن والأجل.
والظاهر أن هذا من بيعتين في بيعة كما صدَّر به أولا؛ حيث قال: وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة، فهو أن يبيع الرجل سلعته هذه بدينار نقدا أو إلى شهرين بدينار ونصف أو إلى أشهر بدراهم معلومة فتراضيا، ولا يقطعان ثمنا معلوما ولا يتفقان على أجل معلوم، ولا نقدا ولا نسيئة، فهذا لا يجوز من جهة الجهل بالثمن والأجل؛ انتهى.
وأما الزيادة في الثمن على القيمة إذا اشترطها إلى أجل معلوم فلا بأس به إجماعا، ويقال إنه بيع وشرطان كما هو معلوم؛ وقوله: "وروي عن أصحابنا إجازة ذلك"، لعل المراد به بعضهم بدليل قوله: "أولا"، فإن ذلك عندنا لا يثبت؛ والله أعلم.
وذكر في الإيضاح على القول بالجواز أقوالا؛ وذكر عن أبي عبيدة أنه يقول: في هذا أدنى الأجلين وأعلى الثمنين والله أعلم. (3/179)
صفحة 987
قوله: «بثمن معلوم أو بثمن يتفقان عليه» يعني بعد ذلك؛ فلا يقال المتفق عليه معلوم.
قوله: «اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من جابر بن عبد الله بعيرا» الخ، هذا البعير وهبه النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بعد ما دفعه له بالمدينة ونقده ثمنه، كما ذكره في البخاري؛ حيث قال بعد ذكر الإسناد: "حدثني جابر رضي الله عنه أنه كان يسير على جمل له قد أعيى فمر النبي صلى الله عليه وسلم فضربه، فدعا له فسار سيرا ليس يسير مثله، ثم قال: بعنيه بأوقية، قلت: لا، ثم قال: بعنيه بأوقية: فبعته، فاستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدني ثمنه ثم انصرفت، فأرسل على إثري، فقال: ما كنت لآخذ جملك فخذ جملك ذلك فهو مالك "الخ؛ وفي بعض الروايات بلفظ: "أتراني إنما ماكستك لآخذ جملك خذ جملك ودراهمك هما لك؟ "؛ وفي بعض الروايات زيادة: "فمررت برجل من اليهود فأخبرته، فجعل يعجب ويقول: اشترى منك البعير ودفع إليك الثمن ثم وهبه لك! قلت: نعم"؛ قال ابن حجر: قال ابن الجوزي: "هذا من أحسن التكرم لأن من باع شيئا فهو في الغالب محتاج لثمنه فإذا تعوض الثمن وبقي في قلبه من المبيع أسف على فراقه؛ كما قيل:
وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... نفائس من رب بهن ضنين
فإذا رد عليه المبيع مع ثمنه ذهب الهم وثبت فرحه وقضيت حاجته فكيف مع ما انضم إلى ذلك من الزيادة في الثمن"، انتهى.
وذلك لأنه ورد في بعض الروايات: "فلما قدمت المدينة قال لبلال أعطه أوقية من الذهب وزده، قال: فأعطاني أوقية، وزادني قيراطا، فقلت: لا تفارقني زيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم" الخ.
وفي بعض الروايات فقال: "يا بلال أعطه ثمنه فلما أدبرت دعاني، فخفت أن يرده علي فقال: هو لك"؛ وفي هذا الحديث طرق كثيرة وكلها متقاربة. (3/180)
صفحة 988
قوله: «فاشترط جابر ظهره من مكة إلى المدينة»، هذا الكلام صريح في أن جابرا اشترط ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي جزم به البخاري في الترجمة؛ حيث قال: "باب: إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى جاز".
قال الشارح: هكذا جزم بهذا الحكم لصحة دليله عنده، وهو مما اختلف فيه وفيما يشبهه كاشتراط سكنى الدار أو خدمة العبد.
فذهب الجمهور إلى بطلان البيع لأن الشرط المذكور ينافي مقتضى العقد.
وقال الأوزاعي وابن شبرمة وأحمد وإسحاق وأبو ثور وطائفة: يصح البيع وننزِّل الشرط منزلة الاستثناء؛ لأن المشروط إذا كان قدره معلوما صار كما لو باعه بألف إلا خمسين مثلا؛ ووافقهم مالك في الزمن اليسير دون الكثير؛ وقيل: حده عندهم ثلاثة أيام، وحجتهم حديث الباب؛ وقد رجح البخاري فيه الاشتراط، إلى أن قال: وقد عارضه حديث عائشة في قصة بريرة، ففيه بطلان الشرط المخالف لمقتضى العقد.
وأجيب: بأن الذي ينافي مقصود البيع ما إذا اشترط مثلا في بيع الجارية أن لا يطأها، وفي الدار ألا يسكنها وفي العبد أن لا يستخدمه، وفي الدابة أن لا يركبها، أما إذا اشترط شيئا معلوما لوقت معلوم فلا بأس به.
وأما حديث النهي عن الثنيا ففي نفس الحديث: "إلا أن يعلما" فعلم أن المراد أن النهي إنما وقع عما كان مجهولا.
وأما حديث النهي عن بيع وشرط ففي إسناده مقال، وهو قابل للتأويل الخ، وذلك بأن يقال ليس المراد النهي عن الشرط مطلقا، وهذا التفصيل هو الذي يدل عليه اختيار صاحب الإيضاح؛ فإن محصله: أن الشرط إذا كان فيه منفعة للبائع ويحل تملكه وتعلق بالعين المبيعة وكان معلوما جاز.
قوله: «فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم البيع والشرط» الخ، أما على مذهب ابن عباس وهو مذهب الجمهور على ما قاله ابن حجر: فلأن الشرط المفسد للبيع (3/181)
صفحة 989
عندهم هو الواقع في عقد البيع وهذا ليس كذلك على ما ذكره المصنف رحمه الله عن ابن عباس.
واستدلوا على ذلك بروايات تدل على أن ركوب الجمل بعد بيعه إباحة من النبي صلى الله عليه وسلم بعد شرائه على طريق العارية؛ منها: "أفقرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهره إلى المدينة"، أي: حملني على فقاره، والفقار عظام الظهر ومنها: "ولك ظهره إلى المدينة"؛ ومنها: "ولك ظهره حتى تبلغ"؛ ومنها: "أفقرناك ظهره إلى المدينة"؛ ومنها: "تبلغ عليه إلى أهلك".
قال في البخاري بعد ذكر هذه الرواية: الاشتراط أكثر وأصح عندي.
قال ابن حجر: وليست رواية من لم يذكر الاشتراط منافية لرواية من ذكره؛ لأن قوله: "لك ظهره ـ وأفقرناك ظهره ـ وتبلغ عليه" لا يمنع وقوع الاشتراط قبل ذلك الخ.
وأما على مذهب غيرهم القائلين بأن ركوب الجمل إنما كان بالشرط في نفس العقد؛ فلأن الشرط ليس مفسدا للبيع مطلقا كما تقدم بيانه، والله أعلم.
قوله: «ويحتمل أن يكون إنما أبطل ذلك لجهل مدة السكنى فيه»، إشارة إلى أن الصحابي يجب قبول روايته دون اجتهاد.
والحاصل أن ابن عباس رضي الله عنه يرى أن الشرط إذا وقع في عقدة البيع كان البيع فاسدا، كما يؤخذ من تعليله وفي قوله.
ويحتمل أن يكون فيه إشارة إلى ما يختاره صاحب الإيضاح رحمه الله من التفصيل في الشرط وهو المناسب لقوله صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا".
قال في الإيضاح: وقال آخرون: كانت السكنى مدة سنة، وإنما نقض البيع منع المشتري من التصرف في ملكه.
وهذا التعليل غير ظاهر لأنه لا يمنعه من التصرف مطلقا، وإنما منعه من الانتفاع بالسكنى سنة فقط، لأن فرض المسألة عنده أن مدة السكنى معلومة عنده، فهو كمنع (3/182)
صفحة 990
الانتفاع بالركوب إلى المدينة في حديث جابر، بل ربما يقال إن هذه المدة أضبط من مدة الركوب لاختلافها باختلاف الطرق وبالإسراع والبطء مثلا.
فالمناسب للتعليل على مذهب من يجيز البيع والشرط في بعض الصور ما ذكره المصنف من الجهل بمدة السكنى.
وعلى مذهب ابن عباس ومن وافقه ما ذكره من كون الشرط واقعا في عقدة البيع والله أعلم.
قوله: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم»، قال في الإيضاح: فكل ما اتفق مما كان من جنس واحد فلا يجوز بيع بعضه ببعض نسيئة، يعني مع التفاضل، ويجوز بالنقد وكل ما اختلف فهو جائز نقدا ونيسئة، يعني: متفاضلا أو غير متفاضل.
وقال غيره: إن العلماء اختلفوا من المتفق والمختلف في ذلك.
وقال بعضهم: كل ما يقتات ويدخر لا تجوز فيه النسيئة لأنه عندهم جنس الخ.
قوله: «إلا ما نهيتكم عنه»، وذلك كالذهب بالورق.
قوله: «ابتاع بعيرا ببعيرين، وأجاز بيع عبد بعبدين إلا أن هذا يدا بيد»، استدل به في الإيضاح لما ذهب إليه أصحابنا من أنه لا ربا إلا في نسيئة، بعد الاستدلال بقوله تعالى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
قال بعد ذكر الحديث: فعلى مذهبهم رحمهم الله أن الربا إنما يكون إذا اجتمعت ثلاثة شروط: الزيادة والأجل والجنس الخ.
وأراد بالأجل مطلق التأخير كما يدل عليه الحديث: "إنما الربا في النسيئة"؛ والله أعلم.
قوله: «من باع نخلا قد أبرت»، قال ابن حجر: والنخل اسم جنس ويذكر ويؤنث والجمع نخيل؛ وقوله: "أُبرت" (بضم الهمزة وكسر الموحدة مخففا على المشهور، ومشددا والراء مفتوحة) يقال أبرت النخل آبره أبرا بوزن أكلت الشيء آكله أكلا؛ (3/183)
صفحة 991
ويقال أبرت بالتشديد أو أؤبره بوزن علمته أعلمه تعليما؛ والتأبير التشقيق والتلقيح، ومعناه شق طلع النخلة الأنثى ليذر فيه شيئا من طلع النخلة الذكر.
والحكم مستمر بمجرد التشقيق ولولم يضع فيه شيئا إلى أن قال: وقد استُدل بمنطوقه على أن من باع نخلا وعليها ثمرة مؤبرة لم تدخل الثمرة في المبيع بل تستمر على ملك البائع.
وبمفهومه على أنها إذا كانت غير مؤبرة أنها تدخل في المبيع وتكون للمشتري، وبذلك قال جمهور العلماء؛ وخالفهم الأوزاعي وأبو حنيفة فقالا: تكون للبائع قبل التأبير وبعده؛ وعكس ابن أبي ليلى فقال: تكون للمشتري مطلقا؛ وهذا كله عند إطلاق البيع للنخل من غير تعرض للثمرة.
فإن شرطها المشتري، بأن قال: "اشتريت النخل بثمرها"، كانت للمشتري، وإن شرطها البائع لنفسه قبل التأبير كانت له.
وخالف مالك فقال لا يجوز شرطها للبائع، إلى أن قال: تنبيه: لا يشترط في التأبير أن يؤبره أحد، بل لو تأبر بنفسه لم يختلف الحكم عند جميع القائلين به؛ انتهى.
واستدل في الإيضاح بهذا الحديث لمن قال: إذا أبرت الثمرة جاز بيعها وإن لم يبد صلاحها؛ قالوا: لما جاز أن يشترطها المبتاع جاز بيعها مفردة الخ.
ولقائل أن يقول: لا يلزم من جواز الشيء تبعا جوازه استقلالا؛ والله أعلم.
وذكر رحمه الله في محل آخر الخلاف بين الربيع وابن عبد العزيز في ثمرة الشجرة حيث قال: وفي الأثر: وإذا اشترى الرجل أرضا فيها نخل وفيها ثمر ولم يشترط شيئا، فإن ابن عبد العزيز كان يقول الثمرة للبائع إلا أن يشترط ذلك المشتري، وكذلك بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم. (3/184)
صفحة 992
وكان الربيع رحمه الله يقول: الثمرة للمشتري لأن ثمرة النخل من النخل فقد اتفقا على جواز البيع جميعا؛ انتهى.
وذكر في محل آخر أعني في باب ما يتبع الشيء المبيع في ثمرة الشجر أقوالا حيث قال: وكذلك أيضا غلة الأشجار على هذا المعنى.
منهم من يقول: الغلة للمشتري مالم تذكر لقوله صلى الله عليه وسلم: "من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المشتري".
ومنهم من يقول: مالم تطب فهي للمشتري.
وقال بعض: هي له ولو طابت لأن ثمرة الشجرة من الشجرة، فهي عند هؤلاء بمنزلة الجنين في بطن أمه مالم تقطع والله أعلم انتهى.
وهذا القول الأخير هو مذهب الربيع على ما ذكره أولا، والذي نسبه في اختلاف الفتيا للربيع غير ما ذكر.
وروي الحديث بغير هذا اللفظ وعبارته: "من باع نخلا مثمرا فثمرتها للبائع إلا أن يستثنيها المشتري"، وبه نأخذ وهو قول ابن عبد العزيز والربيع، وقال ابن عباد: الثمر للمشتري، انتهى.
وهذا النقل عن ابن عبد العزيز والربيع هو الذي يشهد به الحديث الذي رواه المصنف رحمه الله.
وسمعت عن بعض مشايخنا: أن الذي يحكمون به في الجزيرة فيما أدركناه إنما هو قول الأوسط، وهو أن الثمرة للمشتري مالم تطب.
وانظر ما حجتهم في ذلك فإنه منابذ لظاهر الحديث والله أعلم.
والذي يظهر لي والله أعلم: الحكم بقول ابن عبد العزيز في النخل لأجل الحديث، وبقول الربيع في غيرها لأجل التعليل؛ والله أعلم.
قوله: «إلا أن يشترطها المبتاع» الرواية في البخاري: "إلا أن يشترط المبتاع" بحذف المفعول.
قال ابن حجر وقد استدل بهذا الإطلاق على أنه يصح اشتراط بعض الثمرة؛ كما يصح اشتراط جميعها؛ وكأنه قال: إلا أن يشترط المبتاع شيئا من ذلك وهذه هي النكتة في حذف المفعول. (3/185)
صفحة 993
وانفرد ابن القاسم وقال: لا يجوز شرط بعضها، واستدل به على أن المؤبر يخالف في الحكم غير المؤبر.
وقال الشافعية: لو باع نخلة بعضها مؤبر وبعضها غير مؤبر فالجميع للبائع.
فإن باع نخلتين فكذلك بشرط اتحاد الصفقة؛ فان انفرد فلكل حكمه؛ ويشترط كونهما في بستان واحد فإن تعدد فلكل حكمه.
ونصَّ أحمد على أن الذي يؤبر للبائع والذي والذي لايؤبر للمشتري؛ وجعل المالكية الحكم للأغلب؛ وفي الحديث جواز التأبير؛ وأن الحكم المذكور مختص بإناث النخل دون ذكوره، وأما ذكوره فللبائع نظرا إلى المعنى؛ ومن الشافعية من أخذ بظاهر التأبير فلم يفرق بين أنثى وذكر.
واختلفوا فيما لو باع نخلة وبقيت ثمرتها له ثم خرج طلع آخر من تلك النخلة؛ فقال ابن أبي هريرة هو للمشتري لأنه ليس للبائع إلا ما وجد دون مالم يوجد؛ وقال الجمهور هو للبائع لكونه من ثمرة المؤبرة دون غيرها الخ؛ ولم أر لأصحابنا نصا في شيء مما ذكر.
والظاهر أنه يجوز للإنسان أن يتحرى قولا من هذه الأقوال فيحكم به؛ والظاهر في المسألة الأولى القول بأن الحكم للأغلب لأن أصحابنا كثيرا ما يجعلون الحكم للأغلب؛ والله أعلم.
قال ابن حجر: ويستفاد من الحديث أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد لا يفسد البيع فلا يدخل في النهي عن بيع وشرط.
واستدل الطحاوي بحديث الباب على جواز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها الخ، وتقدم نظيره في الإيضاح. (3/186)
صفحة 994
ورد عليه بمثل ما ظهر لي في الرد على صاحب هذا القول كما كتبته على الإيضاح؛ قال بعد كلام: والجمع بين حديث التأبير وحديث النهي عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح سهل؛ بأن الثمرة في بيع النخل تابعة للنخل وفي حديث النهي مستقلة، وهذا واضح جدا والله أعلم بالصواب، انتهى.
قوله: «كانت في بريرة ثلاث سنن» الحديث تقدم الكلام عليه مستوفى في كتاب الطلاق والخلع. (3/187)
صفحة 995
الباب الثالث في الربا والانفساخ والغش
574) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ يَدٌ (1) بِيَدٍ».
575) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَلاَ الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ وَلاَ الْبُرَّ بِالْبُرِّ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلاَ تَبِيعُوا بَعْضَهَا بِبَعْضٍ عَلَى التَّأْخِيرِ (2)».
576) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ الْتَمَسَ مِنْ رَجُلٍ صَرْفًا، فَأَخَذَ طَلْحَةُ الذَّهَبَ بِيَدِهِ يُقَلِّبُهُ، فَقَالَ: حَتَّى يَجِيءَ خَازِنِي مِنَ الْغَابَةِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَاضِرٌ يَسْمَعُ كَلاَمَهُمَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لاَ أُفَارِقُكُمَا حَتَّى يَتِمَّ الأَمْرُ بَيْنَكُمَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ».
577) ... الرَّبِيعُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجْنَا فِي غَزْوَةٍ وَعَلَيْنَا مُعَاوِيَةٌ، فَأَصَبْنَا ذَهَبًا وَفِضَّةً، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلاً يَبِيعُهَا لِلنَّاسِ فِي أُعْطَيَاتِهِمْ، فَسَارَعَ النَّاسُ فِيهَا، فَقَامَ عُبَادَةُ فَنَهَاهُمْ، فَرَدُّوهَا، فَأَتَى الرَّجُلُ مُعَاوِيَةَ فَشَكَى إِلَيْهِ، فَقَامَ مُعَاوِيَةُ خَطِيبًا فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ يَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ؟ فَقَامَ عُبَادَةُ فَقَالَ:
__________
(1) / خ: يدا.
(2) / خ: على بعض في التأخير. (3/188)
صفحة 996
وَاللَّهِ لأُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَلاَ الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ وَلاَ الْبُرَّ بِالْبُرِّ وَلاَ الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ وَلاَ الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ».
578) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ابْتَاعَ بَعِيرًا بِبَعِيرَيْنِ، وَأَجَازَ بَيْعَ عَبْدٍ بِعَبْدَيْنِ (1) إِلاَّ أَنَّ هَذَا يَدًا بِيَدٍ.
579) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ عَلَى خَيْبَرٍ رَجُلاً، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرٍ هَكَذَا»؟ فَقَالَ: لاَ وَاللَّهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِصَاعَيْنِ، وَالصَّاعَ بِثَلاَثَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «لاَ تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، وَابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا».
580) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِصَاحِبِ الْعَرَايَا أَنْ يَبِيعَها بِخَرْصِهَا تَمْرًا. قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ جَابِرٌ: بَلَغَنَا ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ الرَّبِيعُ: الْعَرَايَا نَخْلٌ يُعْطِي الرَّجُلُ تَمْرَهَا لِلآخَرِينَ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: لاَ طَرِيق لَكَ عَلَيَّ، فَرَخَّصَ لَهُ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا.
581) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكْرًا، فَجَاءَتْهُ إِبِلُ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ،
__________
(1) / خ: وأجاز عبدا بعبدين. (3/189)
صفحة 997
فَقُلْتُ: لَمْ أَجِدْ فِي الإِبِلِ إِلاَّ جَمَلاً رُبَاعِيًّا خِيَارًا، فَقَالَ: «اِقْضِهِ إِيَّاهُ فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً».
582) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلاَ وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا فَلَيْسَ مِنَّا». يَعْنِي: لَيْسَ بِوَلِيٍّ لَنَا.
583) ... وَمِنْ طَرِيقِهِ (1) عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: «إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ ... » الْحَدِيثُ (2).
584) ... وَقَالَ الرَّبِيعُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ».
585) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَامَ سَنَةٍ - وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَامَ سَنَةٍ لِشِدَّةِ غَلاَئِهَا - أَنْ يُسَعِّرَ عَلَيْهِمْ الأَسْوَاقَ، فَامْتَنَعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْقَابِضُ الْبَاسِطُ هُوَ الْمُسَعِّرُ، وَلَكِنْ سَلُوا اللَّهَ».
586) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَأَدْرَكَ الرَّجُلُ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ».
587) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ شُفْعَةَ إِلاَّ لِشَرِيكٍ، وَلاَ رَهْنَ إِلاَّ بِقَبْضٍ، وَلاَ قِرَاضَ إِلاَّ بِعَيْنٍ».
قال ابن حجر والربا مقصور وحكي مده وهو شاذ وهو من ربا يربو فيكتب بالألف، ولكن وقع في خط المصحف بالواو.
__________
(1) / قوله: ومن طريقه أي ابن عبّاس بالسند المتقدّم وذكره في نسخة القطب.
(2) / قوله الحديث إشارة إلى تقدّمه في باب بيع الخيار والشرط. (3/190)
صفحة 998
وأصل الربا الزيادة إما في نفس الشيء كقوله تعالى (اهتزت وربت) وإما في مقابله كدرهم بدرهمين.
فقيل: هو حقيقة فيهما.
وقيل: حقيقة في الأول مجاز في الثاني.
زاد ابن سريح أنه في الثاني حقيقة شرعية.
ويطلق الربا على كل بيع محرم انتهى.
والانفساخ صفة تحدث في الشيء الذي يحل بيعه عند بيعه توجب عدم الإعداد بالعقد بسبب الإخلال ببعض شروطه كما يؤخذ من الإيضاح حيث قال: وبائع الانفساخ ومشتريه قد استحق اسم بائع في اللغة ومشتر وإن كان ذلك في الأصل لا يجوز.
وإنما استجاز اسم بيع الانفساخ فيما يحل بيعه إلا أنهم زادوا فيه أو نقصوا منه ما ينفسخ به البيع مثل الجهل في الثمن أو النوع أو الأجل أو ما أشبه ذلك.
وأما بيع ما كان محرما فلا يستحق فيه اسم بائع ومشتر والله أعلم الخ.
فذكر أن الحكم فيه الترادد وذكر قبل ذلك أنه مرادف لبيع الغرر حيث قال: وأما بيع الغرر وهو بيع الانفساخ فإنه قد ذكر عن بعضهم أنه لا يجزيهم الحل ولا التبرئة ولا التقاضي الخ.
والغش بالكسر ضد النصح وهو عند البيع إظهار حسن السلعة وإخفاء قبحها.
وقال في المصباح غشه غشا من باب قتل والاسم غش بالكسر لم ينصحه وزين له غير المصلحة.
وعرفه في الإيضاح أولا بأنه تغيير الصورة عن حالها، ومثل ذلك في الحيوانات إذا أراد أن يبيعها فيعطشها ثم يسقيها الماء أو يمشط الكساء، ليرى أنها جديدة ويرش ثياب الكتان بالجير والملح الخ. (3/191)
صفحة 999
وعرفه آخر حيث قال: والجملة أن الغش هو ما يظهره بائع السلعة من أحسن ما فيها ويكتم قبيح ما فيها ولا يظهره في وقت البيع وربما يظهر بعد ذلك فهذا شؤم وغش لا يجوز الخ.
وهذا التعريف أحسن من الأول والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس قال الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح يدا بيد).
قوله: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلى آخر الأحاديث الآتية) في مثل هذا الصريح في منع التفاضل في الجنس الواحد ولو كان حاضرا بحاضر كما ذكره صاحب الإيضاح رحمه الله حيث قال بعد رواية حديث عبادة بن الصامت رحمه الله، وحديث آخر فيه زيادة لم يذكره المصنف ولفظه (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح سواء بسواء فمن زاد أو استزاد فقد أربى) انتهى نصه فقيده عليه السلام بالتساوي واليد باليد.
فهذه الأحاديث تتضمن منع التفاضل في الصنف الواحد سواء كان يدا بيد أو نسيئة.
قال رحمه الله: والذي عليه علماؤنا رحمهم الله إباحة التفاضل في الصنف الواحد إذا كان يدا بيد وحجتهم في ذلك حديث ابن عباس رحمه الله (إنما الربا في النسيئة).
وروي أن أسامة بن زيد وزيد بن أرقم كانا يأتيان وادي القرى فعاب عليهما ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى أسامة بن زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يدا بيد؟ فقال: نعم ولم ير به عليه السلام بأسا.
وروي عن ابن عباس وأبي بكر الصديق وأسامة بن زيد رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا ربا إلا في نسيئة) وفي الأثر (لا ربا إلا في نسيئة) بهذا يقول علماؤنا رحمهم الله.
والكتاب يؤيد قولهم قال تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، إلى أن قال: (3/192)
صفحة 1000
ويؤيد ذلك ما روي أنه ابتاع بعيرا ببعيرين، وأجاز أيضا بيع عبد بعبدين وذلك أنه يدا بيد.
فعلى مذهبهم رحمهم الله أن الربا إنما يكون إذا اجتمعت ثلاثة شروط الزيادة والأجل والجنس لأن الزيادة والجنس بلا أجل جائز لما قدمنا من الأحاديث المتقدمة.
والأجل التأخير والجنس بيع بغير زيادة سلف، والزيادة والأجل من غير جنس بيع لقوله عليه السلام (إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم) الخ.
فذكر الاختلاف بين العلماء فيما كان جنسا مما ليس بجنس فأطال في ذلك وبين الأقوال ونسبها، إلى أن قال:
وقال بعضهم في جميع ما ذكرنا مما تبين خلافه أنه يجوز بيعه نسيئة وهذا القول الأخير عليه العمل.
وهو عندي أصح لقوله عليه السلام (البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح) لأن ذكره عليه السلام هذه الأصناف دليل على أن كل واحد منها غير الآخر وأنها مختلفة فيكون ذكره لهذه الأصناف تنبيها على غيرها من الأصناف أنه لا يجوز كل صنف بصنف نسيئة وهو أقرب هذه الأقيسة إلى الأفهام، لقول القائل تعلم أب ت ث ليس المقصود أن يتعلم أ ب ت ث فقط إنما المقصود أن يتعلم سائر الحروف ولكنه لما طال ذكره للحروف جميعا اجتزئ ببعضها وكذلك ذكره عليه السلام لهذه الأصناف اجتزأ منه عن غيرها من الزبيب بالزبيب والتين بالتين والفول بالفول والحمص بالحمص والذرة بالذرة والزيت بالزيت واللبن باللبن والودك بالودك والزعفران بالزعفران والفوة بالفوة وما أشبه ذلك من سائر الأشياء الخ.
ووافق أصحابنا على ما ذكر من أصحاب مالك السيوري وتلميذه عبد الحميد الصايغ قال ابن عبد السلام: وهو الصحيح لخبر (البر بالبر ربا) الحديث.
قوله (الذهب بالذهب) يجوز في الذهب الجر والرفع أي بيع الذهب بالذهب فحذف المضاف للعلم به، أو المعنى الذهب يباع بالذهب، ويجوز النصب أي بيعوا الذهب.
ويدخل في الذهب جميع أصنافه من مضروب ومنقوش وجيد ورديء، وصحيح ومكسر وحلي وتبر وخالص ومغشوش. (3/193)
صفحة 1001
ونقل النووي تبعا لغيره في ذلك الإجماع، قاله ابن حجر وذكر: أن الذهب يذكر ويؤنث فيقال ذهب وذهبة.
قوله (البر بالبر) قال ابن حجر: بضم الموحدة ثم راء من أسماء الحنطة.
والشعير بفتح أوله معروف، وحكي جواز كسره.
واستدل به على أن البر والشعير صنفان، وهو قول الجمهور وخالف في ذلك مالك والليث والأوزاعي فقالوا هما صنف واحد الخ.
أبو عبيدة عن جابر عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تبيعوا الذهب بالذهب والفضة بالفضة ولا البر بالبر إلا مثلا بمثل، ولاتبيعوا بعضهما على بعض في التأخير).
قوله (مثلا بمثل) في موضع نصب على الحال أي متماثلين.
قوله (ولا تبيعوا بعضها على بعض في التأخير) في رواية البخاري (ولا تبيعوا منها غائبا بناجز).
قال ابن حجر: قال ابن بطال فيه حجة للشافعي في قوله: من كان له على رجل دراهم والآخر عليه دنانير لم يجز أن يقاص أحدهما الآخر بماله لأنه يدخل في معنى بيع الذهب بالورق دينا لأنه إذا لم يجز غائب بناجز فأحرى أن لا يجوز غائب بغائب الخ. وهو الذي جزم به أولا في الإيضاح في باب تقاضي الديون.
ثم قال: ومنهم من يرخص في الدنانير والدراهم إذا كانت مثلها في الصرف على أن يكون ذلك تقاضيا الخ.
(أبو عبيدة عن جابر قال بلغني عن طلحة بن عبد الله أنه التمس من رجل صرفا فأخذ طلحة الذهب بيده يقلبه ويقول حتى يجيء خازني من الغابة وعمر بن الخطاب حاضر يسمع كلامهما فقال: والله لا أفارقكما حتى يتم الأمر بينكما فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء والبر ربا إلا هاء وهاء والتمر ربا إلا هاء وهاء والشعير ربا إلا هاء وهاء).
قوله: (التمس من رجل صرفا) اسم الرجل مالك بن أوس على ما رواه البخاري حيث قال بعد ذكر الإسناد عن ابن شهاب عن مالك عن ابن أوس أخبره أنه التمس صرفا بمائة دينار فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني فأخذ الذهب يقلبها في يده ثم قال حتى يأتي خازني من الغابة وعمر يسمع ذلك فقال: والله لا نفارقه حتى تأخذ منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الذهب بالورق الحديث) فظاهر رواية المصنف رحمه الله أن الملتمس للصرف هو طلحة.
وظاهر رواية البخاري أن الملتمس للصرف هو الرجل أعني مالك بن أوس وهو الذي يدل عليه سياق الحديث.
وصرح ابن حجر حيث قال: التمس صرفا بفتح الصاد المهملة أي من الدراهم بذهب كان معه. (3/194)
صفحة 1002
وبين ذلك الليث في روايته عن ابن شهاب ولفظه عن مالك بن أوس بن الحدثان قال (أقبلت أقول من يصطرف الدراهم انتهى).
فعلى هذا فقول المصنف رحمه الله في طلحة إنه التمس من رجل صرفا أن المراد فيه من التماس طلحة هو دعاؤه الرجل بعد أن قال من يصطرف الدراهم، بدليل قوله (فأخذ طلحة الذهب بيده يقلبه الخ) يعني وأما الدراهم فمتى يأتي الخازن والله أعلم.
وقوله في رواية البخاري (فتراوضنا) قال ابن حجر: بضاد معجمة أي تجاوبنا الكلام في قدر العوض بالزيادة والنقص كأن كلا منهماكان يروض صاحبه ويسهل خلقه.
وقيل المراوضة هنا المواصفة بالسلعة وهو أن يصف كل واحد منهما سلعته لرفيقه انتهى.
قوله (حتى يجيء خازني) في بعض الروايات (فقال طلحة إذا جاء خادمنا نعطيك ورقك).
قال ابن حجر ولم أقف على تسمية الخازن الذي أشار إليه طلحة.
قوله (إلا هاء وهاء) قال ابن حجر: بالمد فيهما وفتح الهمزة.
وقيل: بالكسر، وقيل: بالسكون، وحكي القصر بغير همز وحكاها الخطابي ورد عليه النووي وقال: هي صحيحة لكن قليلة.
والمعنى خذ وهات.
وحكي: هاك بزيادة كاف مكسورة، ويقال هاء بسكر الهمزة لمعنى هات وبفتحها بمعنى خذ.
وقال ابن الأثير: (هاء وهاء) هو أن يقول كل واحد من البيعين هاء فيعطيه ما في يده كالحديث الآتي إلا يدا بيد يعني مقابضة في المجلس.
وقيل: معناه خذ وأعط، إلى أن قال:
وقال ابن مالك: ها اسم فعل بمعنى خذ فحقه أن لا يقع بعدها (خذ) وإن وقعت بعد إلا فيجب تقدير قول قبله يكون به محكيا فكأنه قيل (ولا الذهب بالذهب إلا مقولا عنده من المتابيعين ها وها). (3/195)
صفحة 1003
وقال الخليل: (ها) كلمة تستعمل عند المناولة والمقصود من قوله (ها وها) أن يقول كل من المتعاقدين لصاحبه ها فيتقابضان في المجلس، قال ابن مالك حقها أن لا يقع بعدها خذ قال فالتقدير (لا تبيعوا الذهب بالورق إلا مقولا بين المتعاقدين ها وها).
واستدل به على اشتراط التقابض في المجلس، إلى أن قال:
والورق الفضة وهو بفتح الواو وكسر الراء وبإسكانها على المشهور، ويحوز فتحهما.
وقيل: بكسر الواو المضروبة وبفتحها المال.
والمراد هنا جميع أنواع الفضة مضروبة أو غير مضروبة، إلى أن قال:
قال ابن عبد البر: في هذا الحديث، أن الكبير يلي البيع والشراء لنفسه وإن كان له وكلاء وأعوان يكفونه.
وفيه المماكسة والمراوضة وتقليب السلعة وفائدته الأمن من الغبن.
وأن من العلم ما يخفى على الرجل الكبير القدر حتى يذكره غيره.
وأن الإمام إذا سمع أو رأى شيئا لا يجوز ينهى عنه ويرشد إلى الحق.
وأن من أفتى بحكم حسن أن يذكر دليله. وأن يتفقد أحوال رعيته ويهتم بمصالحهم.
وفيه اليمين لتأكيد الخبر.
وفيه الحجة بخبر الواحد.
وأن الحجة على من خالف في حكم من أحكام كتاب الله أو حديث رسوله.
وفيه أن النسيئة لا تجوز في بيع الذهب بالورق وإذا لم يجز فيهما مع تفاضلهما بالنسيئة فأحرى أن لا يجوز في الذهب بالذهب وهو جنس واحد وكذا الورق بالورق الخ.
قوله (ابتاع بعيرا ببعيرين) تقدم الكلام على ما يتعلق به هناك. (3/196)
صفحة 1004
قوله: (استعمل على خيبر رجلا) في بعض الروايات (بعث أخا بني عدي من الأنصار إلى خيبر فأمره عليها)
وذكر بعضهم أن اسمه سواد بن غزية بفتح السين المهملة وتخفيف الواو وفي آخره دال مهملة وغزية بغين معجمة وزاي وتحتانية ثقيلة بوزن عطية من ابن حجر.
قوله: (بتمر جنيب) قال ابن حجر بجيم ونون وموحدة بوزن عظيم.
قال مالك: هو الكبيس.
وقال الطحاوي: هو الطيب وقيل: الصلب.
وقيل الذي أخرج منه حشفة ورديه.
وقال غيرهم: هو الذي لا يخلط بغيره بخلاف الجمع انتهى.
قوله (بالصاعين) في بعض الروايات (من الجمع) وهو بفتح الجيم وسكون الميم التمر المختلط.
قوله: (بالثلاثة) في بعض الروايات (بالثلاث) قال ابن حجر: وكلاهما جائز لأن الصاع يذكر ويؤنث.
قوله: (لا تفعل بع الجمع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيبا) قال ابن حجر بعد كلام: وفي الحديث قيام عذر من لا يعلم التحريم حتى يعلمه.
أقول: ولعل هذا خاص بزمان نزول الوحي لما ذكره أصحابنا من أنه يسع جهل التحريم ما لم تحصل المقارفة فإذا قارف لم يعذر والله أعلم.
قال: وفيه جواز الرفق بالنفس وترك الحمل على النفس لاختيار أكل الطيب على الرديء، خلافا لمن منع ذلك من المتنزهين.
واستدل به على جواز (بيع العينة) وهو أن يبيع السلعة من رجل بنقد ثم يشتريها منه بأقل من الثمن لأنه لم يخص بقوله: (ثم اشتر بالدراهم جنيبا) غير الذي باع له الجمع، إلى أن قال:
وفي الحديث جواز اختيار طيب الطعام وجواز الوكالة في البيع وغيره.
وفيه أن البيوع الفاسدة ترد. (3/197)
صفحة 1005
وفيه حجة على من قال إن بيع الربا جائز بأصله من حيث أنه بيع ممنوع بوصفه من حيث أنه ربا فعلى هذا يسقط الربا ويصح البيع قاله القرطبي.
ووجه الرد أنه لو كان كذلك لما رد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصفقة ولا أمره برد الزيادة على الصاع انتهى.
أبو عبيدة عن جابر عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لصاحب العرايا أن يبيعها بخرصها تمرا، قال الربيع: قال جابر: وبلغنا ذلك أيضا عن زيد بن ثابت رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الربيع: العرايا نخل يعطى الرجل ثمرتها للآخر ثم يقول له بعد ذلك لا طريق لك علي فرخص له صلى الله عليه وسلم ما يكرى مجازفة أن يبيعها بخرصها تمرا.
قوله: (رخص لصاحب العرايا) قال ابن حجر: هي جمع عرية وهي عطية ثمر النخل دون الرقبة.
كان العرب في الجدب يتطوع أهل النخل بذلك على من لا ثمر له كما يتطوع صاحب الشاء أو الإبل بالمنيحة وهي عطية اللبن دون الرقبة، إلى أن قال:
والعرية فعيلة بمعنى مفعولة أو فاعلة يقال عري النخيل بفتح العين والراء بالتعدية يعروها إذا أفردها عن غيرها بأن أعطاها الآخر على سبيل المنحة ليأكل ثمرها وتبقى رقبتها لمعطيها الخ.
وذكر في البخاري في تفسير العرايا أقوالا حيث قال:
وقال مالك: العرية أن يعري الرجل النخلة ثم يتأذى بدخوله عليه فرخص له أن يشتريها منه بتمر.
وقال ابن إدريس يعني الشافعي: على الراحج العرية لا تكون إلا بالكيل من التمر يدا بيد لا تكون بالجزاف، ومما يقويه قول سهل ابن أبي حثمة بالأوسق الموسقة.
وقال ابن إسحاق في حديثه عن نافع عن عمر رضي الله عنهما: كانت العرايا أن يعري الرجل في ماله النخلة والنخلتين.
وقال زيد بن صفيان بن حسين: العرايا نخل كانت توهب للمساكين فلا يستطيعون أن ينتظروا بها رخص لهم أن يبيعوها بما شاءوا من التمر، إلى أن قال:
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في العرايا أن تباع يخرصها كيلا.
قال موسى بن عقبة: والعرايا نخلات معلومات تأتيها فتشترتي بها انتهى.
قال الشارح في قول مالك العرية أن يعري الرجل النخلة أي يهبها له أو يهب له ثمرها ثم يتأذى بدخوله عليه فرخص له أي للواهب أن يشتريها، أي يشتري رطبها منه أي من الموهوبة له بتمر يابس، إلى أن قال: (3/198)
صفحة 1006
وكانت العادة أنهم يخرجون بأهلهم في وقت الثمار إلى البساتين فيكره صاحب النخل الكثيرة دخول الآخر عليه فيقول أنا أعطيك بخرص نخلتك تمرا فرخص له في ذلك.
ومن شرط العرية عند مالك أنها لا تكون بهذه المعاملة إلا مع المعري خاصة لما يدخل على المالك من الضرر بدخول حائطه أو لدفع الضرر عن الآخر بقيام صاحب النخل بالسقي والكلف.
ومن شرطها أن يكون البيع بعد بدو الصلاح وأن يكون بتمر مؤجل.
وخالفه الشافعي في الشرط الأخير فقال بشرط التقابض انتهى.
ثم ذكر نص الشافعي في الأم: أن العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة وأكثر بخرصه من التمر بأن يخرص الرطب ثم يقدركم ينقص إذا يبس ثم يشتري بخرصه تمرا فإن تفرقا قبل أن يتقاضيا فسد البيع انتهى، إلى أن قال:
في قول سهل بن أبي حثمة ولفظه: لا يباع التمر في رءوس النخل بالأوساق الموسقة إلا وسقا ثلاثة أو أربعة أو خمسة يأكلها الناس، إلى أن قال:
وضابط العرية عندهم يعني عند الشافعية أنها بيع رطب نخل يكون خرصه إذا صار تمرا أقل من خمسة أوسق بنظيره في الكيل من التمر مع التقابض في المجلس، إلى أن قال:
ثم صور العرية كثيرة.
منها: أن يقول رجل لصاحب حائط بعني ثمر نخلات بأعيانها تخرصها من التمر فيخرصها ويبيعها ويقبض منه التمر ويسلم له النخلات فينتفع برطبها.
ومنها: أن يهب صاحب الحائط لرجل نخلات أو تمر نخلات معلومة من حائطه ثم يتضرر بدخوله عليه فيخرصها ويشتري منه رطبها بقدر خرصه بتمر يعجله له.
ومنها: أن يهبه إياها فيتضرر الموهوب له بانتظار صيرورة الرطب تمرا ولا يحب أكلها رطبا لاحتياجه إلى التمر فيبيع ذلك الرطب بخرصه من الواهب ومن غيره بتمر يأخذه معجلا.
ومنها: أن يبيع الرجل تمر حائطه بعد بدو صلاحه ويستثني منه نخلات معلومة يبقيها لنفسه أو لعياله وهي التي عفي له عن خرصها في الصدقة. (3/199)
صفحة 1007
وسميت عرايا لأنها أعريت من أن تخرص في الصدقة فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم وعندهم فضول في تمر قوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها.
ومما يطلق عليه اسم عرية أن يعري رجل تمر نخلات يبيح له أكلها والتصرف فيها وهذه هبة محضة.
ومنها أن يعري عامل الصدقة لصاحب الحائط من حائطه نخلات معلومة لا يخرصها في الصدقة.
وهاتان الصورتان من العرايا لا بيع فيهما.
وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعي والجمهور.
وقصر مالك العرية في البيع على الصورة الثانية.
وقصرها أبو عبيدة على الصورة الأخيرة من صور البيع.
وزاد أنه رخص لهم أن يأكلوا الرطب ولا يشتروه للتجارة ولا ادخاره.
ومنع أبو حنيفة صور البيع كلها وقصر العرية على الهبة وعلى أن يعري الرجل الرجل تمر نخلة من نخله ولا يسلم ذلك له ثم يبدو له في ارتجاع تلك الهبة فرخص له أن يحبس ذلك ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب بخرصه تمرا.
وحمله على ذلك أخذه بعموم النهي عن بيع التمر بالتمر.
وتعقب بالتصريح باستثناء العرايا في حديث ابن عمر، كما تقدم، وفي حديث غيره الخ فرد عليه، إلى أن قال:
قال ابن المنذر: الذي رخص في العرية هو الذي نهى عن بيع التمر بالتمر في لفظ واحد من رواية جماعة من الصحابة.
قال: ونظير ذلك الإذن في السلم مع قوله صلى الله عليه وسلم (لا تبع ما ليس عندك) قال فمن أجاز السلم مع كونه مستثنى من بيع ما ليس عندك ومنع العرية مع كونها مستثنى من بيع التمر بالتمر فقد تناقض إلى آخر ما أطال في الرد عليه والله أعلم.
قوله: (قال الربيع العرايا نخل يعطي الرجل ثمرتها للآخر ثم يقول له بعد ذلك لا طريق لك علي الخ). (3/200)
صفحة 1008
هذا التفسير يقتضي تخصيص العرية بصورة واحدة كما ذهب إليه مالك.
فعلى هذا يكون معنى قوله (فرخص له الخ) أي لصاحب العرية وهو الموهوب له أن يبيعها أي للمعري وهو الواهب لما حصل له من الضرر بالدخول عليه يخرصها تمرا أي يابسا مؤجلا على ما ذهب إليه مالك.
والأحسن التقابض في المجلس كما ذهب إليه الشافعي، وهل يشترط أن يكون ذلك التمر بالكيل لا بالجزاف كما ذهب إليه أيضا وهو المتبادر من دفع التمر في نظير ما يخرص من الرطب والله أعلم.
أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: استسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرا فجاءته إبل الصدقة فأمرني أن أقضي الرجل بكره فقلت له: لم أجد في الإبل إلا جملا رباعيا خيارا. فقال: أقضه إياه فإن خير الناس أحسنهم قضاء.
قوله (استسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ) هذه رواية مسلم.
رواية البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغلظ له فهم به أصحابه فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا واشتروا له بعيرا فأعطوه إياه. وقالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه. فقال: اشتروه فأعطوه إياه فإن خيركم أحسنكم قضاء) انتهى.
قال ابن حجر بعد رواية مسلم التي هي رواية المصنف: ويجمع بينه وبين رواية الباب حيث قال فيها (اشتروا له) فإنه أمر بالشراء أولا ثم قدمت إبل الصدقة فأعطاه منها، أو أنه أمر بالشراء من إبل الصدقة ممن يستحق منها شيئا.
ويؤيده رواية ابن خزيمة المذكورة (إذا جاءت إبل الصدقة قضيناك) انتهى.
قوله (بكرا) قال ابن حجر والبكر بفتح الموحدة وسكون الكاف الصغيرة من الإبل.
قوله (إلا جملا رباعيا خيارا) قال ابن حجر: والخيار الجيد يطلق على الواحدة والجمع الخ.
والرباعي بفتح الراء وتخفيف الباء في الصحاح ويقال للذي يلقي رباعيته رباع مثل ثمان فإن نصبت أتممت قلت ركبت برذونا رباعيا، إلى أن قال: تقول منه للغنم في السنة الرابعة وللبقر والحافر في السنة الخامسة وللخف في السنة السابعةة الخ. (3/201)
صفحة 1009
قوله: (فإن خير الناس أحسنهم قضاء) قال ابن حجر: والمراد أنه خيرهم في المعاملة أو تكون (من) مقدرة، إلى أن قال:
وفي الحديث جواز المطالبة بالدين إذا حل أجله.
وفيه حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وعظم حلمه وتواضعه وإنصافه.
وأن من عليه دين لا ينبغي له مجافاة صاحب الحق.
وأن من أساء الأدب على الإمام كان عليه التعزيز بما يقتضيه الحال إلا أن يعفو صاحب الحق.
وفيه جواز ما ترجم له وهو استقراض الإبل ويلحق بها جميع الحيوانات وهو قول أكثر أهل العلم.
ومنع من ذلك الثوري والحنفية، إلى أن قال:
واعتل من منع بأن الحيوان يختلف اختلافا متباينا حتى لا يوقف على حقيقة المثلية فيه.
وأجيب بأنه لا مانع من الاحتياطة به بالوصف بما يدفع التغاير، إلى أن قال:
وفيه جواز وفاء ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد فتحرم حينئذ اتفاقا وبه قال الجمهور.
وعن المالكية تفصيل في الزيادة إن كانت بالعدد منعت وإن كانت بالوصف جازت.
وفيه أن الاقتراض في البر والطاعة وكذا الأمور المباحة لا يعاب.
وأن للإمام أن يقترض على بيت المال لحاجة بعض المحتاجين ليوفي ذلك من مال الصدقات.
واستدل به الشافعي على جوازتعجيل الزكاة هكذا حكاه ابن عبد البر ولم يظهر لي توجيهه إلا أن يكون المراد ما قيل في سبب اقتراضه عليه السلام وأنه كان اقتراضه لبعض المحتاجين من أهل الصدقة فلما جاءت الصدقة أوفى صاحبها منها. (3/202)
صفحة 1010
ولا ينكر عليه أنه أوفاه أزيد من حقه من مال الصدقة لاحتمال أن يكون المستقرض منه كان أيضا من أهل الصدقة إما من جهة الفقر أو التأليف أو غير ذلك فأعطاه بجهتين جهة الوفاء في الأصل وجهة الاستحقاق في الزيادة.
وقيل كان اقترضه في ذمته فلما حل الأجل ولم يجد الوفاء صار غارما فجاز له الوفاء من الصدقة.
وقيل: كان اقترضه لنفسه فلما حل الأجل اشترى من إبل الصدقة بعيرا استحقه أو اقترضه من آخر أو من مال الصدقة ليوفيه بعد ذلك.
والاحتمال الأول أقوى ويؤيده سياق حديث أبي رافع والله أعلم انتهى.
واستدل بهذا الحديث في الإيضاح في باب (ما يجوز به البيع من الثمن) لمن قال يجوز الببع بجميع ما يتبين بالصفة حيث قال:
ويجوز البيع أيضا عند بعض بكذا وكذا ثورا أو جملا أو شاة بصفة معلومة وأسنان معلومة، وكذلك جميع ما يتبين بالصفة من غيره حيوانا كان أو غير حيوان لأن هذا كله يصح في الذمة كما يصح في القرض لحديث أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (استسلف الحديث).
واستدل به في باب بيع السلم لمن أجاز السلم في الحيوان حيث قال: والدليل على أن الحيوان تثبت في الذمة حديث أبي رافع المشهور الخ.
لكن المختارعنده أنه لا يجوز السلم في الحيوان كما يعلم بالوقوف عليه.
أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا ومن غشنا فليس منا، ومن لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس منا) يعني ليس بولي لنا، ومن طريقه عليه السلام قال: (إذا اختلف الجنسان الحديث) قال الربيع عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم).
قوله: (ألا ومن غشنا فليس منا) تقدم الكلام على معنى الغش في أول الباب وهو عيب يوجب الخيار للمشتري والله أعلم.
قوله: (ومن لم يرحم صغيرنا الخ) قال العلقمي: يعني الصغير من المسلمين بالشفقة عليه والإحسان إليه ومداعبته.
قوله (ولم يوقر كبيرنا) في بعض الروايات في الجامع (من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا) قال العلقمي: بما يستحقه من التعظيم والتبجيل ويوضحه رواية أحمد (ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا).
وللترمذي وابن حيان في صحيحه (ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر) انتهى. (3/203)
صفحة 1011
قوله: (إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم) تقدم الكلام عليه في الإيضاح عند الحديث الأول.
(أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عام سنة، وإنما سمي عام سنة لشدة غلائها أن يسعر لهم الأسواق فامتنع فقال صلى الله عليه وسلم (القابض الباسط هو المسعر ولكن اسألوا الله).
قوله: (القابض الباسط هو المسعر) قال في كتاب الأحكام لأبي زكريا رحمه الله: وليس للحاكم أن يسعر على الناس أموالهم للخبر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عام سنة الحديث.
ثم قال وأما السوق القائم المعروف فما قاربه من المنازل فلأهلها أن يردوا أسعار منازلهم إلى سعره الخ.
(أبو عبيدة عن جابر عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أيما رجل أفلس فأدرك الرجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره).
قوله: (أيما رجل أفلس الخ) قال ابن حجر: المفلس شرعا: من تزيد ديونه على موجوده.
سمي مفلسا لأنه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير إشارة إلى أنه صار لا يملك إلا أدنى الأموال وهي الفلوس.
أو سمي بذلك لأنه يمنع التصرف إلا في الشيء التافه كالفلوس لأنهم ما كانوا يتعاملون إلا في الأشياء الخطيرة.
أو لأنه صار إلى حالة لا يملك فيها فلسا فعلى هذا فالهمزة في أفلس للسلب.
قوله: (فأدرك الرجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره) لم يذكر في هذا الحديث الوجه الذي خرج به ماله من يده.
وقد بين في بعض طرق الحديث عند قومنا أنه البيع ولفظه (أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاع متاعه ولم يقبض البائع من ثمنه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به).
وقال الحسن: إذا أفلس وتبين لم يجز عتقه ولا بيعه ولا شراؤه الخ.
فروى الحديث الذي رواه المنصف رحمه الله.
قال شارحه: وقوله (في البيع) إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه نصا.
وقوله (والقرض) هو بالقياس عليه أو لدخوله في عموم الخبر وهو قول الشافعي في آخرين. (3/204)
صفحة 1012
والمشهور عند المالكية التفرقة بين القرض والبيع.
وقوله: (والوديعة) هو بالإجماع.
وقال ابن المنير: أدخل هذه الثلاثة إما لأن الحديث مطلق، وإما أنه وارد في البيع والآخران أولى لأن ملك الوديعة لم ينتقل، والمحافظة على وفاء من اصطنع بالقرض معروفا مطلوب انتهى.
أقول وظاهر الإطلاق في الرواية يدل على أن الحكم كذلك عندنا والله أعلم.
وذكر ابن حجر: أنه استدل بقوله (فأدركه بعينه) أن شرط استحقاق صاحب المال دون غيره أن يجد ماله بعينه لم يتغير ولم يتبدل وإلا فإن تغيرت العين في ذاتها بالنقص مثلا أو في صفة من صفاتها فهو أسوة الغرماء الخ.
فذكر الحديث المتقدم الذي فيه (ولم يقبض البائع من ثمنه شيئا) ثم قال: فمفهومه أنه إذا قبض من ثمنه شيئا كان أسوة الغرماء، وبه صرح ابن شهاب، إلى أن قال:
قضي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أحق به من الغرماء إلا أن يكون اقتضى من ماله شيئا فهو أسوة الغرماء، إلى أن قال:
وبذلك قال جمهور من أخذ بعموم حديث الباب.
إلا أن للشافعي قولا هو الراجح من مذهبه أن لا فرق بين تغييره السلعة أو بقائها ولا بين قبض بعض ثمنها أو عدم قبض شيء منه، إلى أن قال: في قوله (فهو أحق به من غيره) ما نصه وبهذا قال جمهور العلماء.
وخالف الحنفية وتأولوه لكونه خبر واحد خالف الأصول لأن السلعة صارت بالبيع ملكا للمشتري ومن ضمانه واستحقاق البائع أخذها منه نقض لملكه، وحملوا الحديث على صورة وهي ما إذا كان المتاع وديعة أو عارية أو لقطة.
وتعقب لأنه لو كان كذلك لم يقيد بالفلس، ولا جعل أحق بها لما تقتضيه صيغة أفعل من الاشتراك، إلى أن قال:
وأيضا فقد ورد التنصيص في حديث الباب على أنه في صورة البيع وذلك مما رواه سفيان الثوري في جامعه بلفظ (إذا ابتاع الرجل سلعة ثم أفلس وهي عنده بعينها فهو أحق بها من الغرماء)، إلى أن قال: (3/205)
صفحة 1013
عن أبي هريرة بلفظ (إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته) إلى آخر ما أطال فيه.
ثم قال: فظهر أن الحديث وارد في صورة البيع ويلتحق به القرض وسائر ما ذكر من باب الأولى، إلى أن قال:
واختلف القائلون به في صورة وهي ما إذا مات ووجدت السلعة.
فقال الشافعي: الحكم كذلك وصاحب السلعة أحق بها من غيره.
وقال مالك وأحمد: هو أسوة الغرماء واحتجا بما في مرسل مالك (وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المبتاع فيه أسوة الغرماء) وفرقوا بين المفلس والموت بأنه بالموت خربت ذمته فليس للغرماء محل يرجعون إليه فاستووا في ذلك بخلاف المفلس الخ فذكر حجة الشافعي وأطال في ذلك، إلى أن قال:
ومن فروع المسألة: ما إذا أراد الغرماء أو الورثة إعطاء صاحب السلعة الثمن.
فقال مالك: يلزمه القبول.
وقال الشافعي وأحمد: لا يلزمه ذلك، إلى أن قال:
ويلتحق بالمبيع المؤجر فيرجع مكترى الدابة أو الدار إلى عين دابته وداره ونحو ذلك وهذا هو الصحيح عند الشافعية والمالكية، إلى أن قال:
واستدل به على حلول الدين المؤجل بالفلس من حيث أن صاحب الدين أدرك متاعه بعينه فيكون أحق به الخ فذكر الخلاف في ذلك ثم قال:
واستدل به على أن لصاحب المتاع أن يأخذه وهو الأصح من قولي العلماء.
والقول الآخر يتوقف على حكم الحاكم كما توقف ثبوت الفلس.
واستدل به على فسخ البيع إذا امتنع المشتري من أداء الثمن مع قدرته بمطل أو هرب قياسا على الفلس بجامع تعذر الوصول إليه حالا.
والأصح من قولي العلماء أن لا ينفسخ.
واستدل به على أن الرجوع إنما يقع في عين المتاع دون زوائده المنفصلة لأنها حدثت على ملك المشتري وليس بمتاع البائع والله أعلم انتهى.
وكثير من هذه المسائل لم نعلم الحكم فيها عند أصحابنا والله أعلم. (3/206)
صفحة 1014
وظاهر الأحاديث المتقدمة والكلام السابق أن بيع المتاع سابق على الحكم بالفلس وهو كذلك عند قومنا.
وكلام الدعائم وشرحها في أن البائع لا يكون أحق بمتاعه إلا إذا باعه بعد الحكم عليه بالفلس وكان جاهلا بذلك حيث قال:
ومن تدين من قوم وبايعهم ... مالا فأصبح صفرا كفه شغبا
فالمال يقبضه الديان بينهم ... قسماولو ضج رب المال وانتحبا
وبعد إفلاسه إن كان بايعه ... جهلا حوى ماله منه كما كذبا
قال الشارح رحمه الله: المسألة من الجامع في هذه الأبيات.
ومن أخذ من قوم مالا ثم أفلس فهو بين الغرماء وإن أخذ بعد أن أفلس ولم يعلموا فتلك خيانة وصاحب المال أحق به إذا أدركه بعينه.
وقال أبو الحسن رحمه الله: ومن أخذ مال قوم ثم أفلس فهو بين الغرماء ودين رب المال بالحصة عليه، وإن أخذه بعد أن أفلس فعلى قول تلك خيانة والمال لربه أحق به إذا أدركه بعينه انتهى.
فعلى هذا يكون الحديث محمولا على ما إذا كان البيع بعد الإفلاس وإن كان بعيدا عن ظاهره والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا شفعة إلا لشريك ولا رهن إلا بقبض ولا قراض إلا بعين).
قوله: (لا شفعة إلا لشريك) محمول عندنا على الشريك في الرقاب أو المنافع كما بين في محله.
قوله: (ولا رهن إلا بقبض) فإن جالت يد الراهن في الرهن وانتفع لنفسه برضا الراهن بطل الرهن كما بين في محله. (3/207)
صفحة 1015
قوله: (ولا إقراض إلا بعين) لعله إنما ذكر هذا الحديث في باب الربا للإشارة إلى أن من دفع في القراض سلعة فقد خالف أمر الشرع وتذرع سلعته إلى كسب المال من غير حله، ودفعه إلى غيره من غير حله إذا أتما ذلك بينهما فأشبه الربا والله أعلم.
ولكن الحكم في القراض إذا كان بغير الدنانير والدراهم على الصحيح أن السلعة على ذمة صاحبها والمقارض أمين فيها، وما تحصل فيهما فهو لصاحبها، وللمقارض فيها أجر عنائه كما بين في محله، والله أعلم فليراجع. (3/208)
صفحة 1016
الباب الخامس والثلاثون
كتاب الأحكام
588) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ».
قَالَ الرَّبِيعُ: أَلْحَنُ أَقْطَعُ وَأَبْلَغُ وَأَحَقُّ.
589) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَأْتِي الْقَاضِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولَ الْيَدَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَفُكَّ عَنْهُ عَدْلُهُ، أَوْ يَهْوِي بِهِ جُورُهُ فِي النَّارِ».
590) ... أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ نَاسًا مِنَ الصَّحَابَةِ يَقُولُونَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَكَأَنَّمَا ذَبَحَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ سِكِّينٍ».
591) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لُزُومُ الْفَقِيرِ (1) حَرَامٌ، وَالْمُدَّعِي مَا لَيْسَ لَهُ وَالْمُنْكِرُ لِمَا (2) عَلَيْهِ كَافِرَانِ».
592) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
__________
(1) / قوله: لزوم الفقير أي التضييق عليه في طلب الدين فَإِنَّ من لزمه في ذلك مع أنّه لا يجد الوفاء فَقَدْ أذاه وضيّق عليه وأذلّه وفعل ذلك في المعسر حرام.
(2) / خ: مَا. (3/209)
صفحة 1017
593) ... وَمِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ قَالَ: «بَيْنَ كُلِّ (1) حَالِفَيْنِ يَمِينٌ»
594) ... وَمِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ»؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُ عَنْهَا».
595) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً يُسَمَّى بَشِيرًا أَتَى بِابْنِهِ النُّعْمَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلاَمًا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكُلُّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا»؟ فَقَالَ: لاَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تُشْهِدْنَا إِلاَّ عَلَى الْحَقِّ».
596) ... أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الصُّلْحُ خَيْرُ الأَحْكَامِ»، أَوْ قَالَ: «سَيِّدُ الأَحْكَامِ». وَهُوَ جَائِزٌ بَيْنَ النَّاسِ، إِلاَّ صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً، وَهُوَ أَحْرَزُ لِلْحَاكِمِ مِنَ الإِثْمِ وَالْجُورِ.
597) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اخْتَصَمَ رَجُلاَنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اِقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الآخَرُ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، اِقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَائْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ، فَقَالَ: «تَكَلَّمْ»، فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا لِهَذَا (2) الرَّجُلِ، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُهُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ، ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي مِائَةُ جَلْدَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى الْمَرْأَةِ (3)، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ». وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَغَرَّبَهُ
__________
(1) / قوله: بين كلّ حليفين يمين، قال المحشي: يتأمّل مَا معناه قال: ولعلّه بين كلّ حليفين يمينا قرعة أو على حذف مضاف أي قرعة يمين أو نحو ذلك فيكون المراد أنّ اليمين إِذَا توجذهت إلى حالفين فتنازعا فيمن يبدأ باليمين فإنّه يقرع بينهما. اهـ.
(2) / قوله: عسيفا كأجير وزنا ومعنى.
(3) / خ: امرأته. (3/210)
صفحة 1018
عَامًا، وَأَمَرَ أُنَيْسًا الأَسْلَمِيَّ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الآخَرِ، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا.
598) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ».
599) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَذِنَ لِهِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ وَقَدْ شَكَتْ إِلَيْهِ زَوْجَهَا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَنَّهُ قَطَعَ عَنْهَا وَعَنْ أَوْلاَدِهَا النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
600) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ ... » الْحَدِيثُ (2)، حَتَّى قَالَ: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ».
601) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ حَازَ أَرْضًا وَعَمَرَهَا عَشْرَ سِنِينَ وَالْخَصْمُ حَاضِرٌ لاَ يُغَيِّرُ وَلاَ يُنْكِرُ فَهِيَ لِلَّذِي حَازَهَا وَعَمَرَهَا، وَلاَ حُجَّةَ لِلْخَصْمِ فِيهَا».
602) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ جَابِرِ بْن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ عُمِّرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَهِيَ لِلَّذي يُعْطَاهَا أَبَدًا».
قال ابن حجر: في مثل هذه الترجمة الأحكام جمع حكم والمراد بيان آداب شروطه وأحكامه وكذا الحاكم، وتناول لفظ الحاكم الخليفة والقاضي فذكر ما يتعلق بكل منهما.
__________
(1) / خ: عليه.
(2) / قوله الحديث إشارة إلى تقدّمه في أوّل كتب الزكاة. (3/211)
صفحة 1019
والحكم الشرعي عند الأصوليين خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء والتخيير، ومادة الحكم من الإحكام وهو الإتقان للشيء ومنعه من العيب اهـ.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إلي فأحكم بينكم ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من نار) قال: الربيع ألحن أقطع وأبلغ وأحق.
قوله (إنما أنا بشر مثلكم) بوب له في البخاري فقال باب (من قضي له بحق أخيه فلا يأخذه) فإن قضاء الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، فروى الحديث، إلى أن قال في آخره: فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار فليأخذها أو ليتركها.
قال ابن حجر في قول (إنما أنا بشر) البشر الخلق يطلق على الجماعة والواحد بمعنى إنه منهم، والمراد أنه مشارك للبشر في أصل الخلقة ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختص بها في ذاته وصفاته، والحصر هنا مجازي لأنه يختص بالعلم الباطن ويسمى (قصرا) قلت لأنه أتى به ردا على من زعم أن من كان رسولا فإنه يعلم كل غيب حتى لا يخفى عليه المظلوم.
وذكر في حديث آخر أن معنى (أنا بشر مثلكم) أي كواحد من البشر في عدم علم الغيب قال: و (لعل) هنا يعني (عسى).
وقوله (ألحن) قال: تقدم في المظالم بلفظ (أبلغ) وهو بمعناه لأنه من لحن أي فطن وزنه ومعناه، والمراد أنه إذا أفطن كان قادرا على أن يكون أبلغ في حجته من الآخر.
قوله (فأقضي له على نحو ما أسمع منه) في بعض الروايات (إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه).
قوله (إنما أقطع له قطعة من نار) تمثيل يفهم منه شدة التعذيب على ما يتعاطاه، فهو من مجاز التشبيه كقوله تعالى (إنما ياكلون في بطونهم نارا) ملخصا من ابن حجر ثم قال:
وفي الحديث فوائد: أن من خاصم في باطل حتى استحق في الظاهر شيئا في الباطن حرام عليه. (3/212)
صفحة 1020
وفيه من أخذ مالا ولم يكن له بينة فحلف المدعي عليه وحكم الحاكم ببراءة الحالف فإنه لا يبرأ في الباطن وأن المدعي لو أقام بينة بعد ذلك تنافي دعواه سمعت وبطل الحكم، أقول وفي المسألة خلاف بين أصحابنا رحمهم الله.
وفيه: من احتال لأمر باطل بوجه من وجوه الحيل حتى يصير حقا في الظاهر ويحكم له به فإنه لا يحل له تناوله في الباطن ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم.
وفيه: أن المجتهد قد يخطئ فيرد به على من يزعم أن كل مجتهد مصيب.
وفيه: أن المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم بل يؤجر كما سيأتي.
وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالاجتهاد في مالم ينزل عليه فيه شيء وخالف في ذلك قوم وهذ الحديث من أصرح ما يحتج به عليهم.
وفيه: أنه ربما أداه اجتهاده إلى أمر فيحكم به ويكون في الباطن بخلاف ذلك لكن مثل ذلك لو وقع لم يقر عليه صلى الله عليه وسلم لثبوت عصمته.
والحديث حجة لمن أثبت أنه يحكم بالشيء في الظاهر ويكون الأمر في الباطن بخلافه ولا مانع من ذلك إذ لا يلزم منه محال عقلا ولا نقلا وأجاب من منع بأن الحديث يتعلق بالحكومات الواقعة في فصل الخصومات المبنية على الإقرار أو البينة ولا مانع من وقوع ذلك فيها ومع ذلك فلا يقر عليها الخطأ وإنما المانع أن يقع فيه الخطأ أن يخبر عن أمر بأن الحكم الشرعي فيه كذا ويكون ذلك ناشئا عن اجتهاده فإنه لا يكون إلا حقا لقوله تعالى (وما ينطق عن الهوى) الآية، وأجيب بأن ذلك يستلزم الحكم الشرعي فيعود الإشكال ومن حجة من أجاز ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم) فيحكم بإسلام من تلفظ بالشهادتين ولو كان في نفس الأمر يعتقد خلاف ذلك.
والحكمة في ذلك مع أنه كان من اطلاعه بالوحي على كل حكومة فإنه لما كان مشرعا كان يحكم بما شرع للمكلفين ويعتمد الحاكم بعده ومن ثم قال: (إنما أنا بشر مثلكم) أي في بمثل ما كلفوا به، إلىن قال: ولعل السر في قوله: (3/213)
صفحة 1021
(إنما أنا بشر مثلكم) امتثال لقوله (قل إنما أنا بشر مثلكم) في إجراء الأحكام على الظاهر الذي يستوي فيه جميع المكلفين فأمر أن يحكم بمثل ما أمروا أن يحكموا به ليتم الاقتداء به وتطيب نفوس العباد بالانقياد إلى الأحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن.
والحاصل أن هنا مضافين أحدهما طريق الحكم وهو الذي كلف المجتهد بالتبصر فيه ويتعلق بالخطأ والصواب وفيه البحث.
والآخر ما يبطنه الخصم ولا يطلع عليه إلا الله وما يقع التكليف به إلى آخر ما أطال فيه النزاع بينهم وبين الحنفية فإن الحنفية رفعوا عنه الخطأ في الحكم إن كان نظر إلى الظاهر، و (من) في قوله (فمن قضيت له) شرطية وهي لا تستلزم الوقوف فيكون من فرض مالم يكن فيما يتعلق به غرض وهو هاهنا محتمل لأن يكون التبديد وآخر هو الإقدام على أخذ أموال الناس والإبلاغ في الخصومة، إلى أن قال:
إلا أن يعرف صلى الله عليه وسلم الخطأ لأنه لا يكون فيما قضى به قطعة من النار إلا إذا استمر الخطأ والغموض حتى يطلع عليه فإنه يجب أن يبطل ذلك الحكم ويرد الحق لمستحقه وظاهر الحديث يخالف ذلك، إلى أن قال في الجواب عما أوردوا عليهم:
والجواب عن الثالث أن الخطأ الذي لا يقر عليه وهو الحكم الذي صدر عن اجتهاده فيما لم يوح إليه فيه وليس النزاع في الحكم الصادر منه صلى الله عليه وسلم على شهادة زور أو يمين فاجرة فلا يسمى خطأ للاتفاق على وجوب العمل بالشهادتين والأيمان وإلا لكان الكثير من الأحكام يسمى خطأ وليس كذلك كما تقدمت الإشارة إليه في حديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) وحديث (إني لم آمر بالتنقيب عن قلوب الناس) وعلى هذا فالحجة من الحديث ظاهرة في شمول الخبر الأموال والعقود والفسوخ والله أعلم إلى آخر ما أطال ثم قال:
فرع: لو كان المحكوم له يعتقد خلاف ما حكم له الحاكم هل يحل له أخذ ما حكم له به أو لا كمن مات ابن ابنه وترك أخا شقيقا فرفعه لقاض يرى رأي (3/214)
صفحة 1022
أبي بكر الصديق فحكم له بجميع الإرث دون الأخ الشقيق وكان الجد المذكور يرى رأي الجمهور.
نقل ابن المنذر عن الأكثر أنه يجب على الجد أن يشارك الأخ الشقيق عملا بما يعتقده والخلاف في المسألة مشهور.
واستدل بالحديث لمن قال إن الحاكم لا يحكم بعلمه بدليل الحصر في قوله يعني في بعض الروايات (إنما أقضي له بما أسمع) وقد تقدم البحث فيه قبل.
أقول والصحيح عندنا كغيرنا أنه لا يحكم ولكن يكون شاهدا قال:
وفيه أن التعميق في البلاغة بحيث يحصل اقتدار صاحبها على تزيين الباطل في صورة الحق وعكسه مذموم فإن المراد بقوله (أبلغ) أكثر بلاغة ولو كان في التوصل إلى الحق لم يذم وإنما يذم من ذلك ما يتوصل به إلى الباطل في صورة الحق فالبلاغة إذن لا تذم لذاتها وإنما تذم بحسب المتعلق الذي قد يمدح بسببه، وهي في حد ذاتها ممدوحة، وهذا كما يذم صاحبها إذا اضطر بسببها إلى الإعجاب وتحقير غيره ممن لم يصل إلى درجته ولا سيما إن كان الغير من أهل الصلاح فإن البلاغة إنما تذم من هذه الحيثية بحسب ما نشأ عنها من الأمور الخارجة عنها.
ولا فرق في ذلك بين البلاغة وغيرها بل كل فطنة توصل إلى المطلوب محمودة في حد ذاتها وقد تذم وتمدح بحسب معلقها.
واختلف في تعريف البلاغة فقيل: أن يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه، وقيل: إيصال المعنى إلى الغير بأحسن لفظ، وقيل: الإيجاز مع الإفهام والتصرف من غير إضمار، وقيل: قليل لا يبهم وكثير لا يسأم، وقيل: إجمال اللفظ واتساع المعنى، وقيل: تقليل اللفظ وتكثير المعنى، وقيل: حسن الإيجازمع إصابة المعنى، وقيل: سهولة اللفظ مع البديهة، وقيل: لمحة دالة وكلمة تكشف عن البغية، وقيل: الإيجاز من غير عجز والإطناب من غير خطأ، وقيل: النطق في موضعه والسكوت في موضعه، وقيل: معرفة الفصل والوصل، وقيل: الكلام الدال أوله على آخره وعكسه وهذا كله عن المتقدمين.
وعرف أهل المعاني والبيان أنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع الفصاحة، إلى أن قال: (3/215)
صفحة 1023
وفيه الرد على من حكم بما يقع في خاطره من غير استناد إلى أمر خارجي من بينة ونحوها واحتج بأن الشاهد المتصل به أقوى من المنفصل عنه فوجه الرد عليه كونه صلى الله عليه وسلم أعلى في ذلك من غيره مطلقا ومع ذلك دل حديثه هذا على أنه إنما يحكم بالظاهر في الأمور العامة فلو كان المدعى صحيحا لكان الرسول أحق بذلك فإنه أعلم أن يجري الأحكام على ظاهرها ولو كان يمكن أن الله يطلعه على غيب كل قضية.
وسبب ذلك أن تشريع الأحكام واقع على يده فكأنه أراد تعليم غيره من الحكام أن يعتقدوا ذلك.
نعم لو شهدت البينة مثلا بخلاف ما يعلمه علما حسيا بمشاهدة أو سماع يقينيا أو ظنيا راجحالم يجز له أن يحكم بما قامت به البينة، ونقل بعضهم الاتفاق وإن وقع الاختلاف في القضاء بالعلم، إلى أن قال:
وفي الحديث أيضا موعظة الإمام الخصوم ليعتقدوا على الحق والعمل بالظن الراجح وبناء الحكم عليه، وهو أمر إجماعي، للحاكم والمفتي والله سبحانه وتعالى أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي القاضي يوم القيامة مغلول اليدين إما أن يفك عنه عدله أو يهوي به جوره إلى النار).
قوله (يأتي القاضي يوم القيامة مغلول اليدين إما أن يفك عنه عدله أو يهوي به جوره إلى النار) ومثل هذا الحديث ما ذكره صاحب القناطر رحمه الله في موعظة الأوزاعي لأبي جعفر المنصور وهي طويلة من جملتها حدثني يزيد بن جابر عن عبد الرحمن بن عمر الأنصاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل رجلا من الأنصار على الصدقة فرآه بعد أيام مقيما فقال له: ما منعك من الخروج إلى عملك أما علمت أن لك مثل أجر المجاهدين في سبيل الله؟ قال: لا، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من وال يلي شيئا من أمور المسلمين إلا أوتي به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه فيوقف على جسر من نار فينقض به ذلك الجسر انقضاضة يزيل كل عضو منه عن موضعه ثم يعاد فيحاسب فإن كان محسنا نجى بإحسانه وإن كان مسيئا انخرق به ذلك الجسر فيهوي به في النار سبعين خريفا) قال عمر: (3/216)
صفحة 1024
ممن سمعت هذا؟ قال: من أبي ذر وسلمان فأرسل إليهما عمر فسألهما فقالا: نعم.
وفي لفظ آخر (أي والله ومع سبعين خريفا واد يلتهب في النار التهابا) سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: واعمراه إنا لله وإنا إليه راجعون من يتولاها بما فيها؟ فقال أبو ذر: من سلب الله أنفه وألصق بالأرض خده. قال يعني الأوزاعي: فأخذ يعني أبا جعفر المنصور المنديل فوضعه على وجهه ثم بكى وانتحب حتى أبكاني إلى آخره.
(أبو عبيدة قال سمعت أناسا من الصحابة يقولون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حكم بين اثنين فكأنما ذبح نفسه بغير سكين).
قوله (من حكم بين اثنين فكأنما ذبح نفسه بغير سكين) لفظ الحديث في الجامع الصغير (من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين) قال العلقمي: قال شيخنا: قال الخطابي وابن الأثير: معناه التحذير من طلب القضاء والحرص عليه بقول من تصدى للقضاء وتولاه فقد تعرض للذبح فليحذره وليتوقه، والذبح هنا مجاز عن الإهلاك فإنه من أسرع أسبابه.
وقوله (بغير سكين) محتمل وجهين:
أحدهما: أن الذبح في العرف إنما يكون بالسكين فقد عدل عنه ليعلم أن الذي أراده صلى الله عليه وسلم بهذا القول إنما هو يخاف عليه من هلاك دينه دون بدنه.
والثاني: أن الذبح الذي يقع به إزهاق النفس وإراحة الذبيحة وخلاصها من طول الألم وشدة العذاب إنما يكون بالسكين لأنه يمر في حلق المذبوح ويمضي في مذابحه فيجهز عليه وإذا ذبح بغير سكين كان ذبحه خنقا وتعذيبا فضرب به المثل ليكون أبلغ من الوقوع فيه، وأشد في التوقي منه. اهـ.
ثم قال في محل آخر: حمله الجمهور على الذم والترغيب عنه لما فيه من الخطر، وحمله ابن العاص على الترغيب فيه لما فيه من المجاهدة. اهـ.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن مسعود يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم (لزوم الفقير حرام والمدعي ما ليس له والمنكر لما عليه كافران)
قوله (لزوم الفقير حرام) زاد في الإيضاح بعده (ومسألته) وكأنه أراد أن طلبه حرام أيضا، وهذا بعد العلم بأنه معسر لقوله (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة). (3/217)
صفحة 1025
قال في الإيضاح: وقيل: من أقرض معسرا أو أحسنه بطلبه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
وقيل لو علم صاحب الدين ما له من الأجر فلا يأخذ، ولو علم من كان عليه الدين ما عليه إذا كان موسرا ألا يمسكه، إلى أن قال: وكذلك من لزم الفقير فقد عصى ربه إلى آخره.
قوله (والمدعي لما ليس له والمنكر لما عليه كافر) إن الرواية في الجامع الصغير من ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده في النار.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال: النبي صلى الله عليه وسلم (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر).
قوله (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر) فيه روايات منها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين على المدعي، ومنها: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، ومنها: ولكن البينة على الطالب واليمين على المطلوب، ومنها: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
وسمعت قديما أن هذا الحديث متواتر معنى لا لفظا لاختلاف الروايات فيه والمؤدى واحد والله أعلم.
قال ابن حجر قد بين صلى الله عليه وسلم الحكمة في كون البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه بقوله صلى الله عليه وسلم (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم) وسيأتي في تفسير آل عمران.
وقالت العلماء: الحكمة في ذلك لأن جانب المدعي ضعيف لأنه يقول خلاف الظاهر فكلف الحجة القوية وهي البينة لأنها لا تجلب لنفسها نفعا ولا تدفع عنها ضررا فيقوى بها ضعف المدعي، وجانب المدعى عليه قولي لأن الأصل فراغ ذمته فاكتفى منه باليمين وهي حجة ضعيفة لأن الحالف يجلب لنفسه النفع، ويدفع عنها الضرر، وكان ذلك في غاية الحكمة، واختلاف الفقهاء في تعريف المدعي والمدعى عليه بخلافه.
والثاني من إذا سكت ترك وسكوته، والمدعي عليه من لا يخلي إذا سكت، والأول أشهر والثاني أسلم. (3/218)
صفحة 1026
وقد أورد على الأول بأن المدعي إذا ادعى الرد أو التلف فإن دعواه تخالف الظاهر ومع ذلك فالقول قوله، وقيل في تعريفها غير ذلك.
واستدل بقوله (واليمين على المدعى عليه) للجمهور فحمله على عمومه في حق كل أحد سواء بين المدعي والمدعى عليه اختلاف أم لا.
وعن مالك: لا تتوجه اليمين إلا على من بينه وبين المدعي اختلاط لئلا يبتذل العمل الفصل بتحليفهم مرارا، وقريب من مذهب مالك قول الأصطخري من الشافعية: إن قرائن الحال إذا شهدت بكذب المدعي لم يلتفت إلى دعواه إلى آخره فذكر حديثا آخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم (شاهداك أو يمينه) قال: وقد روى هذه القصة وائل بن حجر وزاد (فيها ليس لك إلا ذلك) أخرجه مسلم وأصحاب السنن، واستدل بهذا الحصر على رد القضاء باليمين والشاهد إلى آخره فأجاب بجواب بعيد من ظاهر اللفظ فإنه ذكر أن المراد بشاهداك بينتك فيشمل رجلا ويمين الطالب.
ومن طريقه أيضا عنه عليه السلام قال (بين كل حالفين يمين).
قوله (بين كل حالفين يمين) يتأمل ما معنى هذا الحديث ولعله بين كل حالفين يمينا قرعة، أو على حذف مضاف أي قرعة يمين، أو نحو ذلك، فيكون المراد أن اليمين إذا توجهت إلى حالفين فتنازعا فيمن يبدأ باليمين فإنه يقرع بينهما كما أشار إلى ذلك في البخاري حيث قال: باب إذا تنازع قوم في اليمين أي حيث تجب عليهم جميعا بأيهم يبدأ.
وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض على قوم فأسرعوا فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف أي قبل الآخر، وقرره الشارح، إلى أن قال: وقيل: صورة الاشتراك في اليمين أن يتنازع اثنان عينا ليست في يد واحد منهما ولا بينة لواحد منهما فيقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف واستحقها ويؤيد ذلك ما روى أبو داود والنسائي وغيرهما من طريق أبي رافع عن أبي هريرة أن رجلين اختصما في متاع ليس لواحد منهما بينة وقال النبي صلى الله عليه وسلم (استهما على اليمين ما كان أحب ذلك أو كرها إلى آخره).
أقول: والحكم عندنا في مثل هذه المسألة إذا عدمت بينة كل واحد منهما أو تكافأت البينات أن يحلف كل واحد منهما على ذلك كله فيقسم بينهما فمن نكل (3/219)
صفحة 1027
منهما عن اليمين فليس له شيء كما بينه في محله والله أعلم ما المراد بحديث الباب.
(
ومن طريق عائشة عنه عليه السلام (ألا أخبركم بخير الشهداء) قالوا: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الذي يأتي بشهادة قبل أن يسأل عنها).
قوله (ألا أخبركم بخير الشهداء إلى آخره) قال العلقمي: قال النووي: في المراد بهذا الحديث تأويلان أصحهما وأشهرهما تأويل مالك وأصحاب الشافعي أنه محمول على من عنده شهادة الإنسان بحق ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له.
والثاني: أنه محمول على شهادة الحسبة كالطلاق والعتق والوقف والوصايا العامة والحدود ونحو ذلك فمن علم شيئا من هذا النوع وجب عليه رفعه إلى القاضي وإعلامه به والشهادة قال الله تعالى (وأقيموا الشهادة لله) وكذا في النوع الأول يلزم من عنده شهادة الإنسان لا يعلمها أن يعلمه إياها لأنها أمانة له عنده.
وحكي تأويل ثالث محمول على المجاز والمبالغة في أداء الشهادة بعد طلبها لا قبله كما يقال (الجواد يعطي قبل السؤال) أي يعطي سريعا عقب السؤال من غير توقف.
قال العلماء: وليس في هذا الحديث مناقضة للحديث الآخر في ذم من يأتي بالشهادة قبل أن يستشهد في قوله صلى الله عليه وسلم (يشهدون فلا يستشهدون) وقد تأول العلماء لهذا تأويلات أصحها تأويل أصحابنا أنه محمول على شاهد الزور فيستشهد، والثالث: أنه محمول على من ينتصب شاهدا وليس هو من أهل الشهادة، والرابع: أنه محمول على من يشهد لقوم بالجنة أو بالنار من غير توقف وهذا ضعيف والله أعلم انتهى.
وصدر في كتاب الأحكام من الديوان بالتأويل الأول في حديث الباب حيث قال: ومن سمع رجلا باع لآخر شيئا أو وهب له أو أقر أن لفلان ابن فلان كذا وكذا ولم يستشهده فإن ذكر ذلك بعد ذلك فإن من كانت فيه الشهادة يخبر صاحب الحق بما عنده ولو لم يستشهد أولا على ذلك، ويشهد له بما سمع من ذلك. (3/220)
صفحة 1028
قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (خير الشهادة من يأتي بشهادته قبل أن يسأل عنها) وقال بعضهم: السمع ليس بشهادة إلا إن استشهد على ذلك انتهى، ولم يذكر له دليلا ولعله ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم (شر الشهود من شهد قبل أن يستشهد) والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني أن رجلا يسمى بشيرا أتى بابنة النعمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أكل ولدك نحلته مثل هذا) فقال: لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تشهدنا إلا على الحق). ...
قوله (بلغني أن رجلا يسمى بشيرا أتى بابنة النعمان إلى آخره) ذكره في البخاري عن النعمان بن بشير حديثين: أحدهما: الاستدلال به على أن الهبة لبعض الأولاد دون بعض لا تجوزحتى يعدل، ولفظه بعد ذكر الإسناد عن النعمان بن بشير (أن أباه أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما فقال: أكل ولدك نحلته مثله قال: لا قال: فأرجعه) اهـ.
والثاني: الاستدلال على الشهادة في الهدية ولفظه بعد ذكر الإسناد سمعت النعمان بن بشير رضي الله عنهما وهو على المنبر يقول أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله فقال: أعطيت جميع ولدك مثل هذا؟ قال: لا. قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم قال: فرجع فرد عطيته انتهى.
قال ابن حجر وبشير والد النعمان هو ابن سعد بن ثعلبه بن الجلاس بضم الجيم وتخفيف اللام الخزرجي صحابي شهير من أهل بدر، وشهد غيرها، ومات في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة، ويقال: إنه أول من بايع أبا بكر من الأنصار، وقيل: عاش إلى خلافة عمر، وقد روى هذا الحديث عن النعمان عدد كثير من التابعين، إلى أن قال:
عن الشعبي أن النعمان خطب بالكوفة فقال: إن والدي بشير بن سعد أتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن عمرة بنت رواحة نفست بغلام وإني سميته النعمان وإنها أبت أن تربيه حتى جعلت له حديقة من أفضل مال هو لي وإنها قالت: أشهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم (لا أشهد على جور) وجمع ابن حبان بين الروايتين بالحمل على واقعتين: إحداهما: عند ولادة النعمان وكانت العطية حديقة، والأخرى: بعد أن كبر النعمان وكانت العطية عبدا وهو جمع لا بأس به إلا أنه (3/221)
صفحة 1029
يعكر عليه أنه بعيد أن ينسى بشير بن سعد مع جلالة قدره الحكم في المسألة حتى يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيستشهده على العطية الثانية بعد أن قال له في الأولى (لا أشهد على جور).
وجزم ابن حبان أن يكون بشير ظن نسخ الحكم.
وقال غيره: يحتمل أن يكون حمل الأمر الأول على كراهة التنزيه، أو ظن أنه لا يلزم من الامتناع في الحديقة امتناع في العبد لأن ثمن الحديقة في الأغلب أكثر من ثمن العبد.
ثم ظهر لي في جمع آخر من الجمع يسلم من هذا الخدش ولا يحتاج إلى جوابه، وهو: أن عمرة لما امتنعت من تربيته إلا أن يهب له شيئا أي يخصه به وهبه الحديقة المذكورة تطيبا لخاطرها ثم بدا له فارتجعها لأنه لم يقبضها منه أحد غيره فعاودته عمرة في ذلك فقبضها سنة أو سنتين - يعني كما في بعض الروايات - ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلاما ورضيت عمرة بذلك إلا أنها خشيت أن يرتجعها أيضا فقالت له: أشهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، تريد بذلك تثبيت العطية وإن رجع فيها ويكون مجيئه للنبي صلى الله عليه وسلم للإشهاد مرة واحدة وهي الأخيرة.
وغاية ما فيه أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظه بعض، أو كان النعمان يقص بعض القصة تارة ويقص بعضها أخرى فسمع كل ما رواه فاقتصر عليه والله أعلم.
وعمرة المذكورة يعني بنت رواحة بن ثعلبة الخزرجي أخت عبد الله بن رواحة الصحابي المشهور، إلى أن قال: وقالوا: كانت ممن بايع النبي صلى الله عليه وسلم من النساء إلى آخره.
قوله (إني نحلت) قال ابن حجر: بفتح النون والمهملة والنحلة بكسر النون وسكون المهملة العطية بغير عوض.
قوله (أكل ولدك نحلت) قال ابن حجر زاد في رواية ابن حبان: فقال: ألك ولد سواه؟ قال: نعم إلى آخره.
قوله (لا تشهدنا إلا على الحق) فيها روايات متعددة عند قومنا منها: لا تشهدني على جور، ومنها: فإني لا أشهد على جور ليشهد على هذا غيري، (3/222)
صفحة 1030
ومنها: فليس يصح هذا لأني لا أشهد إلا على حق، ومنها: لا أشهد إلا على الحق لا أشهد بهذه، ومنها: فكره أن يشهد له، ومنها اعدلوا بين أولادكم في النحل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر، ومنها: إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم فلا تشهدني على جور، أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذن، ومنها: إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك، ومنها: سو بينهم، ومنها: فأرجعه، ومنها: فاتركاه، ومنها: فرجع فرد عطيته، ومنها: فرد تلك الصدقة.
قال ابن حجر: اختلاف الألفاظ في هذه القصة الواحدة ترجع إلى معنى واحد وقد تمسك به من أوجب التسوية في عطية الأولاد، وبه صرح البخاري، وهو قول طاوس والثوري وأحمد وإسحاق، وقال به بعض المالكية، ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة.
وعن أحمد: تصح ويجب أن يرجع، وعنه: يجوز التفضيل إن كان له سبب كان يحتاح الولد لزمانته أو دينه أو نحو ذلك دون الباقين.
وقال أبو يوسف: يجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار.
وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة فإن فضل صح وكره، واستحبت المبادرة إلى التسوية أو الرجوع فحملوا الأمر على الندب، والنهي على التنزيه.
ومن حجة من أوجبه أنه مقدمة الواجب لأن قطع الرحم والعقوق محرمان فما يؤدي إليهما يكون محرما، والتفضيل مما يؤدي إليهما.
ثم اختلفوا في صفة التسوية: قال محمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وبعض الشافعية والمالكية: العدل أن يعطي الذكر حظين كالميراث، واحتجوا بأنه حظه من ذلك المال لو أبقاه الواهب في يده حتى مات، وقال غيرهم: لا فرق بين الذكر والأنثى.
وظاهر الأمر بالتسوية يشهد له من استأنسوا بحديث ابن عباس رفعه (سووا بين أولادكم في العطية فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء)، إلى أن قال:
وأجاب من حمل الأمر بالتسوية على الندب من حديث النعمان بأجوبة، إلى أن قال: خامسه أن قوله (أشهد على هذا غيري) إذن بالإشهاد على ذلك وإنما (3/223)
صفحة 1031
امتنع من ذلك لكونه الإمام وكأنه قال (لا أشهد لأن الإمام ليس من شأنه أن يشهد وإنما من شأنه أن يحكم) حكاه الطحاوي أيضا وارتضاه ابن القصار وتعقب، إلى أن قال: تاسعها: عمل الخليفتين أبي بكر وعمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم على عدم التسوية قرينة ظاهرة في أن الأمر للندب: فأما أبو بكر فرواه الموطأ بإسناد صحيح عن عائشة أن أبا بكر قال لها في مرض موته (إني كنت نحلتك نخلا فلو كنت أجدت لك وإنما هو اليوم للوراث)، وأما عمر فذكره الطحاوي وغيره أنه نحل ابنه عاصما دون سائر ولده وقد أجاب عروة عن قصة عمر.
عاشر الأجوبة: أن الإجماع انعقد على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله جاز له أن يخرج في ذلك لبعضهم، ذكره ابن عبد البر، ولا يخفى ضعفه لأنه قياس مع وجود النص، إلى أن قال: وحكى ابن التين عن الداودي: أن بعض المالكية احتج بالإجماع على خلاف ظاهر حديث النعمان ثم رده عليه، واستدل به أيضا على أن للأب أن يرجع فيما وهب لابنه، وكذلك الأم أن ترجع إن كان الأب حيا دون ما إذا مات، وقيدوا رجوع الأب بما إذا كان الابن الموهوب له لم يستحدث دينا أو ينكح، وبذلك قال إسحاق.
وقال الشافعي: للأم الرجوع مطلقا، وقال أحمد: لا يحل للواهب أن يرجع في هبته مطلقا، وقال الكوفيون: إن كان الموهوب له صغيرا لم يكن للأم الرجوع، وكذا إن كان كبيرا وقبض، إلى أن قال:
وحجة الجمهور في استثناء الأم (أن الولد وماله لأبيه) فليس في الحقيقة رجوع، وعلى تقديركونه رجوعا فربما اقتضته مصلحة التأديب ونحو ذلك، إلى أن قال:
وفي الحديث أيضا الندب: إلى التأليف بين الإخوة، وترك ما يوقع بينهم الشحناء أو يورث العقوق للأب، وأن عطية الأب لابنه الصغير في حجره لا تحتاج إلى قبض، وأن الإشهاد فيها يغني عن القبض، إلى أن قال: (3/224)
صفحة 1032
وفيه: كراهة تحمل الشهادة فيما ليس بمباح، وأن الإشهاد في الهبة مشروع وليس بواجب.
وفيه: جواز الميل إلى بعض الأولاد والزوجات دون بعض وإن وجبت التسوية بينهم في غير ذلك.
وفيه: أن على الامام الأعظم أن يتحمل الشهادة، وتظهر فائدتها إما أن يحكم في ذلك بعلمه عند من يجيزه أو يؤديها عند بعض نوابه، إلى أن قال:
وفيه: جواز تسمية الهبة صدقة، وأن للإمام كلاما في مصلحة الولد، والمبادرة إلى قبول قول الحق، وأمر الحاكم المفتي بتقوى الله في كل حال.
وفيه إشارة إلى سوء عاقبة الحرص والتنطع لأن عمرة لو رضيت بما وهب زوجها لولده لمارجع فيه فلما اشتد حرصها في تثبيت ذلك أفضي إلى بطلانه.
وقال المهلب: فيه: أن للإمام أن يرد الهبة والوصية ممن يعرف منه لا هروبا عن بعض الورثة والله أعلم انتهى.
وكذلك عند أصحابنا في هبة الوالد لبعض أولاده دون بعض خلاف، والمختار عند صاحب الإيضاح أنها جائزة ويعصي، وذكر في الحديث روايات حيث قال: وأما الهبة المختلف فيها فمثل هبة الرجل أولاده دون بعض، وقد روي أن رجلا يسمى بشيرا وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستشهده في نحل ينحله ابنه النعمان بن بشير فقال له: أكل أولادك نحلت؟ فقال: لا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فاردده.
وروي أنه قال: أشهدوا غيري، وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم: أليس يسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال بعضهم: الحكم جائز وهو عاص والدليل له قوله صلى الله عليه وسلم (أشهدوا غيري).
ومنهم من يقول: لا تجوز لقوله صلى الله عليه وسلم (اردده) ولأن النهي يوجب رد الحكم ومعنى قوله عندهم (أشهدوا غيري) على معنى الهبة، والذي يوجبه النص أن الفعل ثابت والوالد عاص، ذلك لأن النهي إنما ورد تأديبا من النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يعرض في قلب ولده الممنوع ما يمنعه من بره، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام (أليس يسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟) (3/225)
صفحة 1033
فإذا كان يسره أن يكونوا له في البر سواءكان الواجب عليه العدالة بينهم ذكورا كانوا أو إناثا، إلى أن قال: على قدر ميراثهم منه.
ولا يحجب ببعض أولاده دون بعض، وليعدل بينهم ما استطاع لما ذكرناه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخره فذكر الخلاف في أولاد أولاده: هل تجب عليه العدالة بينهم أو لا؟ فليراجع.
وكذلك عندنا: يجوز للأب الرجوع في هبته لولده مالم ينكح انتهى.
قال في الإيضاح: وروي عن عبد الله بن عباس أنه قال: لا يحل لأحد أن يهب هبة فيعود فيها إلا الوالد لولده، وقال في محل آخر: وإن أعطى لواحد من أولاده وليس له مال غير ذلك الذي أعطاه فإنه ينزع له، ويقضي للآخرين الذين لم يعط لهم.
وقال في محل آخر: وأما إذا قال الأب ما أعطيت لابني إلا عطية النكاح فاعلم أن عطية النكاح حلال لمن أعطيت له، وحرام على من أعطاها أن يرجع فيها والله أعلم.
ورخص في عدم العدالة في أشياء حيث قال: وفي الأثر: وما أعطاه الوالد لواحد من أولاده مثل أداة العمل أو معونة عبد يعمل له أو مثل ذلك من المعروف الذي يكون بين الناس فليس عليه من ذلك شيء، وكذلك إذا كثر العيال على واحد من أولاده فأدركته فيهم الرأفة وجعل يعطي لعيال ابنه شيئا فلا بأس عليه في ذلك والله أعلم.
(
أبو عبيدة قال بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (الصلح خير الأحكام) وقال (سيد الأحكام وهوجائز بين الناس إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا وهو أحرز للحاكم من الإثم والجور).
قوله (الصلح خير الأحكام الخ) لفظ الحديث في الجامع الصغير (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا).
قال العلقمي: الصلح لغة: قطع المنازعة، وشرعا عقد يحصل به ذلك. وهل هو رخصة أو أصل بنفسه؟ قال الشيخ أبو إسحاق وابن أبي هريرة والشيخ أبو حامد وآخرون: إنه رخصة مستثنى من المحظورات.
وقال ابن أبي سلمة والقاضي أبو حامد: أصل بنفسه مندوب إليه.
فمن قال بالأول قال: الحديث مجمل، ومن قال بالثاني قال: إنه عام، وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا ترددت في نوع من الصلح: فإن جعلناه مجملا لم يصح (3/226)
صفحة 1034
الاستدلال بالخبر على جوازه، وعلى الثاني يجوز إلا أن يقوم دليل على تخصيصه اهـ ملخصا من الدميري.
وقوله (على إنكار أو إقرار) فيه فروع محددة في كتب الفقه اهـ.
ذكر الشيخ أبو زكريا: رحمه الله في الصلح عشر خصال وهي: موافقة كتاب الله، وموافقة السنة، وتحبه الملائكة، ويصلح ويرضي الفريقين، وفيه نجاة الحاكم من الجور، والعالم من الميل في الفتيا، والشاهدين من الزور، والمزكين من إثم التزكية، مع ما فيه من الفضل الكثير للصلحاء بكل كلمة حسنة.
قال: والصلح الجائز على وجهين: أحدهما: رجل وقع على رجل ظلما وعدوانا فاعتدى على ماله فإن الصلحاء يقولون في ذلك للمظلوم ائذن لنا في أن ندفع عنك ظلم هذا الظالم بما وجدنا دفعه عنك من مالك، ثم يقولون للظالم ما نحن بمحبيك هذا الشيء، وهذا عند عجزهم عن دفع ظلمه عنه.
والوجه الثاني: رجلان تخاصما في شيء فلم يدر المحق منهما من المبطل فللصلحاء أن يصلحوا بينهما بجهد رأيهم بعد أن يهبا لهما ذلك الشيء ويستبرئون كل واحد من الخصمين إلى صاحبه كل ما يدعيه إليه من الدعاوي، إلى أن قال: ويجوز الصلح للخليفة في مال اليتيم والغائب والمجنون ولا ما استخلف عليه من الوصايا، ولا يجوز للناس الصلح فيما كان في أيديهم من أموال الناس من الودائع والأمانات والعارية، ولا يجوز الصلح فيما ذكرنا ولا يحضر له والله أعلم اهـ.
قوله (إلا صلحا أحل حراما) قال العلقمي: كأن يصالح امرأته على أن لا يطأ جاريته.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله فقال الآخر: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم فقال: تكلم. قال: إن ابني كان عسيفا لهذا الرجل فزنا بامرأته فأخبرت أن على ابني الرجم فافتديته منه بمائة شاة وبجارية ثم أني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني مائة جلدة وتغريب عام وإنما الرجم على المرأة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لأقضين بينكم بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فرد عليك) وجلد ابنه مائة جلدة وغربه عاما وأمر أنيس الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها.
قوله (اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ) لفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد قال: أخبرني عبيد الله أنه سمع أبا هريرة وزيد بن خالد قالا: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل فقال أشهدك إلا قضيت بيننا بكتاب الله وائذن لي. قال: قل، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا الرجل فزنا بامرأته (3/227)
صفحة 1035
فافتديت منه بمائة شاة وخادم ثم سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وعلى امرأته الرجم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لأقضين بكتاب الله عز وجل: المائة شاة والخادم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فغدا عليها فاعترفت فرجمها انتهى.
قوله (اقض بيننا بكتاب الله) قال ابن حجر: والمراد بكتاب الله ما حكم به وكتب على عباده، وقيل: المراد القرآن وهو المتبادر، وقال ابن دقيق العيد الأول أولى لأن الرجم والتغريب ليسا مذكورين في القرآن إلا بواسطة أمر الله باتباع رسوله.
وفي ما قال نظر لاحتمال أن يكون المراد ما تضمنه قوله (أو يجعل الله لهن سبيلا) فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن السبيل جلد البكر ونفيه ورجم الثيب، قال ابن حجر: قلت من هذا أيضا التبين.
ويحتمل أن يراد بكتاب الله الآية التي نسخت تلاوتها وهي (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما) وسيأتي بيانه في الحديث الذي يليه، وبهذا أجاب البيضاوي وبقي عليه التغريب.
وقيل: المراد بكتاب الله ما فيه من النهي عن أكل المال بالباطل لأن خصمه كان أخذ منه الغنم والوليدة بغير حق فلذلك قال الغنم والوليدة رد عليك.
والذي يترجح: أن المراد بكتاب الله ما يتعلق بجميع أفراد القصة مما وقع به الجواب الآتي ذكره والعلم عند الله تعالى.
قوله (إن ابني كان عسيفا) قال ابن حجر: (العسيف) بمهملتين الأجير وزنا ومعنا والجمع عسفاء كأجراء، ويطلق أيضا على الخادم والعبد وعلى السائل، وقيل: يطلق على المستعار به، إلى أن قال:
وسمي الأجير عسيفا لأن المستأجر يعسفه في العمل، والعسف الجور وهو بمعنى الفاعل لكونه يعسف الأرض بالتردد فيها، يقال عسف الليل عسفا إذا أكثر السير فيه، ويطلق العسيف أيضا على الكافي، والأجير يكفي المستأجر الأمر الذي أقامه فيه انتهى. (3/228)
صفحة 1036
قوله (لهذا الرجل) الرواية في البخاري على هذا قال ابن حجر: ضمن (على) معنى (عند) بدليل رواية عمرو بن شعيب، وفي رواية محمد ابن يوسف (عسيفا في أهل هذا) وكان الرجل استخدمه فيما تحتاج إليه امرأته من الأمور فكان ذلك سببا لما وقع له معها.
قوله (فأخبرت) بضم الهمزة على البناء للمجهول، وفي بعض الروايات: فسألت من لا يعلم فأخبروني الخ.
قوله (ثم إني سألت أهل العلم) الرواية في البخاري (سألت رجالا من أهل العلم إلى آخره) قال ابن حجر: لم أقف على أسمائهم ولا على عددهم ولا على اسم الخصمين ولا الابن ولا المرأة الخ.
قوله (بكتاب الله) قال ابن حجر: في رواية شعيب (بالحق) وهي ترجح أول الاحتمالات الماضي ذكرها.
قوله (فرد عليك) أي مردودة من إطلاق المصدر على اسم المفعول كقولهم ثوب نسيج أي منسوج قاله ابن حجر.
قوله (وجلد ابنه مائة جلدة وغربه عاما) هذه رواية مالك وصالح ابن كيسان على ما ذكره ابن حجر، قال: وهذا ظاهر في أن الذي صدر حينئذ كان حكما لا فتوى بخلاف رواية سفيان ومن وافقه اهـ.
وكتب على رواية البخاري (وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام) ما نصه، قال النووي: هو محمول على أنه أضمر اعترافه والتقدير وعلى ابنك إن اعترف، والأول أليق فإنه كان في مقام الحكم، فلو كان في مقام الإفتاء لم يكن إشكال لأن التقدير إن كان زنا وهو بكر وقرينة اعترافه حضوره مع ابنه وسكته على ما نسب إليه.
وأما العلم بكونه بكرا فوقع صريحا من كلام ابنه في رواية عمرو بن شعيب ولفظه (كان ابني أجريرا لامرأة هذا وابني هذالم يحتصن) انتهى.
قوله (وأمر أنيسا) بنون فمهملة مصغر هو ابن الضحاك الأسلمي، وقيل ابن مرثد. (3/229)
صفحة 1037
قال ابن حجر: وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم الرجوع إلى كتاب الله نصا أو استنباطا، وجواز القسم على الأمر لتأكيده، والحلف فيه بغير استحلاف وحسن حلف النبي صلى الله عليه وسلم.
وحلمه عمن يخاطبه بما الأولى خلافه وأن من تأسى به من الحكماء في ذلك يحمد كمن لا ينزعج لقول الخصم (احكم بيننا بالحق).
وقال البيضاوي: إنما تواردا على سؤال الحكم لكتاب الله مع أنهما يعلمان أنه لا يحكم إلا بحكم الله ليفصل بينهما بالحق الصرف لا بالمصالحة والأخذ بالأرفق لأن للحاكم أن يفعل ذلك برضا الخصمين، إلى أن قال:
واستحباب استناد المدعي والمستفتي الحاكم والعالم في الكلام، ويتأكد ذلك إذا ظن أن له عذرا.
وفيه أن من أقر بالحد وجب على الإمام إقامته عليه ولولم يعترف من شاركه في ذلك، وأن من قذف غيره لا يقع عليه الحق إلا إن طلبه المقذوف خلافا لابن أبي ليلي فإنه قال: يجب ولو لم يطلب المقذوف.
قال ابن حجر: قلت: في الاستدلال به نظر لأن محل الخلاف إذا كان كان المقذوف حاضرا، وأما إذا كان غائبا كهذه القصة فالظاهر أن التأخير لاستكشاف الحال فإن ثبت في حق المقذوف فلا حد على القاذف كما في هذه القصة.
وقد قال النووي تبعا لغيره: إن سبب بعث النبي صلى الله عليه وسلم أنيسا إلى المرأة ليعلمها بالقذف المذكور لتطالب بحد قذفها إن أنكرت، قال: هكذا أوله العلماء من أصحابنا وغيرهم ولا بد منه لأن ظاهره أنه بعث لطلب إقامة حد الزنا وهو غير مراد، لأن حد الزنا لا يحتاط له بالتجسس والتفتيش عنه بل يستحب تلقين المقر به ليرجع كما تقدم في قصة ماعز وكان قوله (فإن اعترفت) مقابل (وإن أنكرته) فأعلمها أن لها طلب حد القذف فحذف لوجود الاحتمال فلو أنكرت وطلبت لأجبيت، إلى أن قال:
عن ابن عباس أن رجلا أقر بأنه زنا بامرأة فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة ثم سأل المرأة فقالت: كذب فجلده حد الفرية ثمانين، إلى أن قال:
وفيه: أن المخدرة التي لا تعتاد البروز لا تكلف الحضور لمجلس الحكم بل يجوز أن يرسل إليها من يحكم لها وعليها، وقد ترجم النسائي لذلك. (3/230)
صفحة 1038
وفيه: أن السائل يذكر كلما وقع في القصة لاحتمال أن يقيم المفتي والحاكم من ذلك ما يستدل به على خصوص الحكم في المسألة لقول السائل إن ابني كان عسيفا على هذا وهو إنما جاء يسأل عن حكم الزنا، والسر في ذلك أنه أراد أن يقيم لابنه معذرة وأنه لم يكن مشهورا بالعهر ولم يهجم على المرأة مثلا ولا استكرهها لأنما وقع له ذلك لطول الملازمة المقتضية لمزيد التأنيس والإدلال فيستفاد منه الحث على إبعاد الأجنبي من الأجنبية فهي أمكن لأن العشرة قد تفضي إلى الفساد ويتسول بها الشيطان إلى الإفساد.
وفيه: جواز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل والرد على من منع التابعي أن يفتي مع وجود الصحابي مثلا، إلى أن قال:
وفيه: أن الصحابة كانوا يفتون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي بلده، إلى أن قال: إن منهم أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وعبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت.
وفيه: أن الحكم المبني على الظن ينقضي بمايفيد القطع.
وفيه: أن الحد لا يقبل الفداء وهو مجمع عليه في الزنا والسرقة والحرابة وشرب المسكر.
واختلفوا في القذف، والصحيح أنه كغيره لأنما يجزي الفداء في البدن كالقصاص في النفس والأطراف، وأن الصلح المبني على غير الشرع يرد ويعاد المال المأخوذ فيه.
قال ابن دقيق: وبذلك تبين ضعف عقل من اعتذر من الفقهاء عن بعض العقود الفاسدة بأن المتعاوضين تراضيا وأذن كل منهما للآخر في التصرف.
والحق أن الإذن في التصرف مقيد بالعقود الصحيحة.
وفيه: جواز الاستنابة في إقامة الحد، واستدل به على وجوب الإعذار والاكتفاء فيه بواحد، إلى أن قال:
واستدل به على جواز الحكم بإقرار الجاني من غير ضبطه بشهادة عليه، إلى أن قال: والذي يظهر أن أنيسا لما اعترفت أعلم النبي صلى الله عليه وسلم مبالغة في الاسثبات مع كونه كان علق له رجمها على اعترافها. (3/231)
صفحة 1039
واستدل به على أن حضور الإمام الرجم ليس شرطا، وفيه نظر لاحتمال أن أنيسا كان حاكما وقد حضر بل باشر الرجم لقوله فرجمتها، إلى أن قال:
وفيه: الاكتفاء في الاعتراف بالمرة الواحدة لأنه لم ينقل أن المرأة تكرر اعترافها، إلى أن قال:
وفيه: جواز استئجار الحر وجواز استئجار الأب ولده الصغير لمن يستخدمه إذا احتاج لذلك.
واستدل به على صحة دعوى الأب لمحجوره ولو كان بالغا لكون الولد كان حاضرا ولم يتكلم إلا أبوه، وتعقب باحتمال أن يكون وكيله أو لأن الداعي لم يقع إلا بسبب المال الذي وقع به الفداء فكان والد العسيف أدعى على زوج المرأة بما أخذ منه إما لنفسه وإما لامرأته بسبب ذلك حين أعلمه أهل العلم أن ذلك الصلح فاسد، إلى أن قال:
وأما ما وقع في القصة من الحد فباعتراف العسيف ثم المرأة.
وفيه: أن حال الزانين إذا اختلف أقيم على كل واحد حده لأن العسيف جلد والمرأة رجمت، وكذا لو كان أحدهما حرا والآخر عبدا، وكذا لو زنا بالغ بصبية أو عاقل بمجنونة حد البالغ والعاقل دونهما وكذا عكسه.
وفيه أن من قذف ولده لا يحد له لأن الرجل قال إن ابني زنا فلم يثبت عليه حد القذف اهـ.
(أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مطل الغني ظلم).
قوله (مطل الغني ظلم) زاد في البخاري بعده (فإذا اتبع أحدكم على مال فليتبع)، قال ابن حجر: وأصل المطل المد، قال ابن فارس مطلت الحديد أمطلها مطلا إذا مددتها لتطوى، وقال الأزهري: المطل المدافعة والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر، والغني مختلف في تفريقه ولكن المراد هنا من قدر على الأداء فأخره ولوكان فقيرا كما سيأتي البحث فيه.
وهل يتصف بالمطل من ليس العذر الذي استحق عليه حاضرا عنده لكنه قادر على تحصيله بالتكسب مثلا؟ أطلق أكثر الشافعية عدم الوجوب، وصرح بعضهم بالوجوب مطلقا، وفصل الآخرون بين أن يكون أصل الدين وجب بسبب يعصى به فيجب وإلا فلا. (3/232)
صفحة 1040
وقوله (مطل الغني) هو من إضافة المصدر للفاعل عند الجمهور، والمعنى أنه يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه بخلاف العاجز، وقيل: من إضافة المصدر للمفعول والمعنى أنه يجب وفاء الدين ولو كان مستحقه غنيا ولو كان غناه سببا لتأخير حقه عنه، وإذا كان كذلك في حق الغني فهو في حق الفقير أولى، ولا يخفى بعد هذا التأويل، إلى أن قال:
ومعنى قوله (اتبع فليتبع) أي أحيل فليحل الخ، قال في الإيضاح: وقيل في لزوم الدين الأول لزوم الثاني مطول والثالث فجور من لزم إلى دين كان عليه فماطل من غير عذر فقد أثم، وسواء في ذلك لزم صاحب الدين أو وكيله الخ.
(أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أذن لهند بنت عتبة وقد شكت إليه زوجها أبا سفيان بن حرب أنه قطع عنها وعن أولادها النفقة والكسوة أن تأخذ من ماله بغير إذن).
قوله (أذن لهند بنت عتبة الخ) لفظه في بعض روايات البخاري بعد ذكر الإسناد: أن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت هند بنت عتبة فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل مسيك فهل علي حرج أن أطعم من الذي له عيالنا؟ قال: لا، إلا بالمعروف.
وفي رواية أخرى قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف).
وفي رواية أخرى: أن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت هند بنت عتبة بن ربيعة قالت: يا رسول الله، ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلى من أن يذلوا من أهل خبائك وما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلى أن يغزوا من أهل خبائك ثم قالت: إن أبا سفيان رجل مسيك فهل علي من حرج أن أطعم من الذي له عيالنا؟ قال لها: لا حرج عليك أن تطعميهم من معروف.
وفي رواية أخرى: إن أبا سفيان شحيح فليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) انتهى.
قوله (بنت عتبة) أي ابن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف وهي أم معاوية قال ابن حجر: وكانت هند لما قتل أبوها عتبة وعمها شيبة وأخوها الوليد يوم بدر شق عليها فلما كان يوم أحد وقتل حمزة فرحت بذلك وعمدت إلى بطنه فشقتها وأخذت كبده فلاكتها ثم لفظتها انتهى فلما كان يوم الفتح دخل أبو سفيان مكة مسلما بعد أن أسرته خيل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة وأجاره العباس غضبت هند لأجل إسلامه وأخذت بلحيته ثم إنها بعد استقرار (3/233)
صفحة 1041
النبي صلى الله عليه وسلم بمكة جاءت فأسلمت وبايعت إلى آخره فذكر الخلاف في موتها هل كان في خلافة عمر أو خلافة عثمان أو غير ذلك؟ قال: وشخص أبو سفيان إلى معاوية يعني بالشام في خلافة عثمان ومعه ابناه عتبة وعنبسة، فكتبت هند قد قدم عليك أبوك وأخواك فاحمل أباك على فرس وأعطه أربعة الآف درهم، واحمل عتبة على بغل وأعطه ألفي درهم، واحمل عنبسة على حمار وأعطه ألف درهم، ففعل ذلك فقال أبوسفيان: أشهد بالله أن هذا عن رأي هند.
قال ابن حجر: قلت: كان عتبة منها وعنبسة من غيرها أم عاتكه بنت أبي أزيهر الأزدي.
قوله (أبا سفيان بن حرب) قال ابن حجر: هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس زوجها وكان قد رأس في قريش بعد وقعة بدر، وسار بليل في أحد، وساق الأحزاب يوم الخندق ثم أسلم ليلة الفتح كما تقدم مبسوطا في المغازي اهـ.
قوله (أن تأخذ من ماله بغير إذن) يعني ما يكفيها وولدها بالمعروف كما تقدم التصريح بذلك في بعض الروايات، قال ابن حجر نقلا عن القرطبي: والمراد بالمعروف القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية، قال: وهذه الإباحة وإن كانت مطلقة لفظا لكنها مقيدة معنى كأنه قال: إن صح ما ذكرت فقال غيره: يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم علم صدقها فيما ذكرت فاستغنى عن التقييد.
واستدل بهذا الحديث على جواز ذكر الإنسان بما لا يعجب إذا كان على وجه الاستفتاء أو الاشتكاء أو نحو ذلك وهو واحد المواضع التي تباح فيه الغيبة.
وفيه من الفوائد: جواز ذكر الإنسان بالتعظيم كاللقب والكنية كذا قيل، وفيه نظر لأن أبا سفيان كان مشهورا بكنيته دون اسمه فلا يدل قولها إن أبا سفيان على إرادة التعظيم.
وفيه: جواز استماع كلام أحد الخصمين في غيبة الآخر، إلى أن قال:
وفيه: جواز استماع كلام الأجنبية عند الحكم والإفتاء عند من يقول إن صوتها عورة، ويقول: جاز هنا للضرورة. (3/234)
صفحة 1042
وفيه: أن القول قول الزوجة في قبض النفقة لأنه لوكان القول قول الزوج أنه منصف لكلفت هذه البينة على إثبات عدم الكفاية، إلى أن قال:
وفيه: وجوب النفقة وأنها مقدرة بالكفاية وقول أكثر العلماء، إلى أن قال: والمشهور عن الشافعي أنه قدرها بالأمداد: فعلى الموسر كل يوم مدان، والمتوسط مد ونصف، والمعسر مد، وتقديرها بالأمداد رواية عن مالك أيضا.
قال النووي في شرح مسلم: وهذا الحديث حجة على أصحابنا، قلت: وليس صريحا في الرد عليهم لكن التقدير بالأمداد يحتاج إلى دليل فإن ثبت حملت الكفاية في حديث الباب على القدر المقدر بالأمداد فكأنه يعطيها وهو موسر ما يعطي المتوسط فأذن لها في أخذ التكملة الخ.
أقول: وظاهر كلام أصحابنا رحمهم الله يدل أيضا على الخلاف في ذلك فإن كلام أبي زكريا رحمه الله يدل على أن لها الكفاية حيث قال: وينفقها من جل طعام ذلك البلد على قدر نظر ذوي عدل من المسلمين الخ.
وكلام الشيخ أبي عيسى البيساني العماني رحمه الله يدل على أنها تقدر بالكيل حيث قال: ونفقة المرأة على زوجها الوسط من ذلك نفقة شار من الحب ربع صاع لكل يوم ومن تمر وفي وقت البر بر وفي وقت الذرة ذرة، وإن كانت ممن يأكل البر أبدا فلها البر والإدام لها لكل شهر من درهمين إلى ثلاثة لإدامها ودهنها ما يرى الحاكم الخ.
ومما وجد بخط عمنا أحمد بن أبي ستة رحمه الله وأسنده إلى من قبل من العلماء: أن الفقير يفرض عليه في النفقة الكاملة يعني بكيل جربة صاعان بين الشعير والقمح، الثمن من ذلك قمح أو ذرة والباقي شعير في كل شهر، مع نصف صاع زيتا مع ثلثي درهم لحما أو سمكا، وفي الرضاعة درهمان، فإذا خرج الرضيع من حد الرضاعة يفرض له ثلث النفقة فإذا تمت عليه أربع سنين يفرض له نصف النفقة فإذا بلغ خمسا أو ست سنين يفرض له النفقة كاملة والله أعلم اهـ.
لكن كلام الشيخ أبي الحسن في نفقة الصغير يخالفه حيث قال: ونفقة الصغير في حال الطفولية إذا كانت مطلقة أمه أو زوجة أيضا ثلث نفقة إذا فطم وفصاله من الرضاع حتى يبلغ خمسة أشبار، ثم يكون له نصف النفقة حتى يصير إلى (3/235)
صفحة 1043
ستة أشبار، ثم يكون له ثلثا نفقة حتى يبلغ، وفي ذلك قبول نظر العدول فيه عند ذلك لأن الأحوال بينهم تختلف اهـ.
قال ابن حجر: وفيه: وجوب نفقة الأولاد بشرط الحاجة، والأصح عند الشافعية اعتبار الصغر أو الزمانة، أقول: وهو المذهب عندنا، قال أبو الحسن رحمه الله: ونفقة الأولاد على أبيهم وكسوتهم ومؤنتهم ما كان الغلمان في حال الصغر فإذا بلغوا لم يلزم الأب شيئا إلا الجارية فعلى الأب النفقة ما لم تتزوج إلى آخره.
قال ابن حجر: وفيه: وجوب نفقة خادم المرأة على الزوج، إلى أن قال: واستدل به على أن من له عند غيره حق هو عاجز عن استيفائه جاز له أن ياخذ من ماله قدرحقه بغير إذنه، إلى أن قال: قال الخطابي: يؤخذ من حديث هند جواز أخذ الجنس وغير الجنس، وقال الشيخ: لا يجمع كل ما يحتاج إليه من النفقة والكسوة وسائر الموافق للأمة، وقد أطلق لها الإذن في أخذ الكفاية من ماله، إلى أن قال:
والذي يظهر من سياق القصة أيضا ومنزله كأنه فيه كلما يحتاج إليه إلا أنها كان لا يمكنها إلا من القدر الذي أشار إليه فاستأذنت أن تأخذ زيادة على ذلك بغير علمه، إلى أن قال:
واستدل به على أن للمرأة مدخلا في القيام على أولادها أوكفالتهم والإنفاق عليهم.
وفيه: عتماد الفرق في الأمور التي لا تحديد فيها من قبل الشارع.
وقال القرطبي: فيه: اعتبارالعرف في الشرعيات خلافا لمن أنكر ذلك لفظا وعمل به معنى كالشافعية وكذا قال، والشافعية إنما أنكروا العمل بالعرف إذا عارضه النهي الشرعي أو لم يرشد النهي الشرعي إلى العرفي.
واستدل به الخطابي على جواز القضاء على الغائب الخ، أقول: وعندنا فيه خلاف، والصحيح عدم الجواز كما ذهب إليه الحنفية، قال النووي ولا يصح الاستدلال لأن هذه القضية كانت بمكة وكان أبو سفيان حاضرا بها، وشرط القضاء على الغائب إنما يكون غائبا عن البلد أو مستترا لا يقدر عليه أو متعذرا ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجودا فلا يكون قضاء على الغائب بل هو إفتاء وقد وقع في كلام الرافعي في عدة مواضع أنه كان أفتى اهـ الخ. (3/236)
صفحة 1044
واستدل في الإيضاح بهذا الحديث على أنه يجوز لصاحب الدين أن يقضي بقدر دينه من ما قد سبق في الذمة حيث قال: ففي هذا دليل أنه حين يجوز له أن يأخذ مقدار حقه بلا إذن الذي عليه الحق من ماله المعين جاز له أن يقضي بقدر دينه مما قد سبق في الذمة لأنه ماله وهذ إذا اختلفت الديون كما ذكرنا الخ.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (جرح العجما جبار الحديث حتى قال ففي الركاز الخمس).
قوله (جرح العجما جبار الحديث) تقدم الكلام عليه في أول كتاب الزكاة.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من حاز أرضا وعمرها عشر سنين والخصم حاضر لا يغير ولا ينكر فهي للذي حازها وعمرها ولاحجة للخصم فيها).
قوله (من حاز أرضا وعمرها عشر سنين إلى آخره) هذا قول أهل الحجاز والحديث يشهد لهم، وعليه العمل بالجزيرة في زماننا على ما أدركنا عليه مشيايخنارحمهم الله.
والمصرح به في كتاب الأحكام للشيخ أبي زكريا رحمه الله غير هذا حيث قال: الحيازة في قول أهل الحجاز عشر سنين، وفي قول أهل المدينة خمس عشرة سنة، وفي قول أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة رضي الله عنه عشرون سنة وهو المأخوذ به عندنا، وقال بعضهم خمس وعشرون سنة، وقال بعضهم ثلاثون سنة، وقال بعضهم خمس وثلاثون سنة، وقال بعضهم أربعون سنة، وقال بعضهم خمس وأربعون سنة، وقال بعضهم خمسون سنة إلى آخره، والعجب لأبي عبيدة رحمه الله كيف عدل عن الحديث الذي رواه مع أنه لم يذكر له معارضا فالمناسب العمل بما ورد به الحديث والله أعلم.
قوله (والخصم حاضر لا يغير ولا ينكر) إنما قيد به لأنه لا حيازة على غائب، قال عمنا أبوزكريا رحمه الله: ولا تجوز الحيازة على غائب ولا مجنون ولا طفل، ولا تجوز الحيازة بين الشركاء ولا الولد تحت والده والله أعلم انتهى.
أقول وكذا لا حيازة بين الزوجين، ثم إنهم اختلفوا في الحيازة هل هي فيما علم أصله أو فيما جهل؟ والمصدر به عند الشيخ أبي زكريا رحمه الله هو الأول حيث قال: في المشهور، والحيازة في الأصل، وأراد بالمشهور ما يثبت به المعقود مانصه:
وإذا عرف الفدان في يد رجل ثم عرف فيه بعد ذلك رجل آخر ثلاث سنين متواليات ثم يحرث ويحصد ويعطي ويمنع وصاحبه الأول حاضرلم يغير من ذلك (3/237)
صفحة 1045
شيئا ثم بعد ذلك عارضه فيه فذكر فيه عن الشيخ أبي محمد وأرسفلان وعن أبي يحيى الفرسطاي رحمة الله عليه أنه قال: يشهدون له إذا عرفوا الأصل لغيره، وكذلك اختلافهم في الحيازة إلى آخره.
والفرق بين الحيازة والعقود أن الحائز لا يخرج الشيء من يده بالبينة ولا يدرك عليه إذا عدمت والله أعلم.
قوله (وعمرها) بتخفيف الميم قال الله تعالى (وعمروها أكثر مما عمروها).
قوله (ولاحجة للخصم فيها) يعني فلا تقبل له بينة ولايدرك على الحائز والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أيما رجل عمر عمرى له ولعقبه فهي للذي يعطاها أبدا).
قوله (أيما رجل عمر عمرى له ولعقبه) لفظ الحديث في البخاري (من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها من غيره) وحذف متعلق أحق للعلم به.
ووقع في رواية أبي ذر (من أعمر) بضم الهمزة أي أعمره غيره وكان المراد بالغير الإمام إلى آخره، وذكر في البخاري أيضا عن عمر رضي الله عنه أنه قال: من أحيا أرضا ميتة فهي له الخ.
وذكر الشارح في بعض الطرق قال: كان الناس يتحجرون يعني الأرض على عهد عمر فقال: (من أحيا أرضا فهي له) قال يحيى: كأنه لم يجعلها له بمجرد التحجر حتى يحييها اهـ.
وذكر أيضا بعد ذلك أنه كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من أحيا مواتا من الأرض فهو أحق به الخ، فذكر رواية أخرى أن عمر قال: (من عطل أرضا ثلاث سنين لم يعمرها فجاء غيره فعمرها فهي له) وكأن مراده بالتعطيل أن يحجرها ولا يحويها ببناء ولا غيره الخ.
والمراد بهذا كله إحياء الموات، قال ابن حجر: بفتح الميم والواو الخفيفة، قال القزاز، الموات الأرض التي لم تعمر شبهت العمارة بالحياة وتعطيلها بفقد الحياة، وأحيا الموات أن يعمر الشخص لأرض لا يعلم تقدم ملك عليها لأحد فيحييه بالسقي أو الزرع أو الغرس أو البناء فتصير بذلك ملكه، سواء كانت فيما (3/238)
صفحة 1046
قرب من العمران أم بعد، سواء أذن الإمام له في ذلك أو لم يأذن وهذا قول الجمهور وعن أبي حنيفة لا بد من إذن الإمام مطلقا، وعن مالك فيما قد قرب.
وضابط الفرق ما بأهل العمران إليه حاجة من رعي أو نحوه، واحتج الطحاوي للجمهور مع حديث الباب بالقياس على ماء البحر والنهر وما يصاد من طير وحيوان فإنهم اتفقوا على أن من أخذه وصاده يملكه سواء قرب أو بعد، سواء أذن الإمام أو لم يأذن اهـ.
وذكر في الإيضاح في باب القسمة فيما يتعلق بالمشاع ما هو قريب من إحياء الموات حيث قال: وفي الأثر ما يدل على هذا، وأما إن اندرست البلاد وخربت حتى لا يقف لها أحد على ماله منها فإنها تصير مشاعا بين القبيل يترايعون فيها الرجال الذكور دون الإناث فإذا أذن لمن يعمر ويغرس ويحرث ويبني وينزل ويسكن فما حدث فيها فهو للذي أحدثه وما كان قائم العين فهو داخل أن يتملكه أعني المنافع ويبيع ويشتري خيلا والأصل لا يغله، وله أن ياخذ الأثمان ويعمرها المشتري على سنة البيع فالمنافع له والأصل انتهى.
والظاهر أن هذا ليس من إحياء الموات لأن إحياء الموات من شرطه أن لا يعرف لها أصل، وأن لا يجري عليها عمارة في الإسلام وهذه ليست كذلك على ما فهم من كلامه رحمه الله فإنها جرت عليها عمارة الإسلام، ولها أهل ولذلك قال: والأصل لأهله اللهم إلا أن يقال غير معروفين فلذلك جاز الإذن لكن لا يسمى إحياء لاختلاف شرطه وهو عدم جريان العمارة والله أعلم فليحرر.
ثم ظهر أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم (أيما رجل عمر عمرا إلى آخره) أعم من إحياء الموات لصدقه بما إذا أذن له الإمام في تعمير الموات، وبما إذا عمره صاحبها، قال في الصحاح: وأعمرته دارا أو أرضا أو إبلا إذا أعطيته إياها وقلت هي لك عمرى أو عمرك إذا مت رجعت إلي قال لبيد:
وما البر إلا مضمرات من التقى ... وما المال إلا معمرات ودائع
والأسمر العمري ... الخ يعني بضم العين وسكون الميم والله أعلم. (3/239)
صفحة 1047
وظاهر كلام الإيضاح أن الحديث خاص بالقسم الثاني وهو الذي يسمى عمرى، وذكر الخلاف فيها هل تكون له خاصة أو له ولورثته من بعده؟ والحاصل أنه إذا قاله مثلا (أعمرتك هذه الدار حياتك) فهي عمرى وتكون له ولورثته من بعده، وعند أبي عبيدة وجابر بن زيد وابن عباس رضي الله عنهم على ما رواه عنهما أبو عبيدة رحمه الله.
وذهب ابن عبد العزيز إلى أنها لا تكون لورثته من بعده إلا أن يقول (هي لك ولعقبك) وإذا لم يقل ذلك فهي راجعة إذا مات الذي أعمرها، وذكر أن ذلك قول غير أبي عبيدة من الفقهاء وأنها عارية.
واستدل على ذلك بأن صاحب الشيء أن يقول: إنما أعطيتها للرجل حياته ولم أجعلها لعقبه من بعده فكيف يكون لهم ما لم أجعل لهم إليه سبيلا بعطاء وإنما أعطيته على جهة العارية.
والدليل على قولي أنها عارية استثناء أي أنها لك حياتك ولم أجعلها له بعد مماته الخ وأورد عليه قوله صلى الله عليه وسلم (من عمر شيئا فهو له حياته وبعد مماته) فقال للمبرد: يا عاجز لو اتفق الناس على هذا الحديث لم يجاوزه أحد من الفقهاء بالقياس فيه ولا الرغبة عنه لأن ما كان من رسول الله فلا ينبغي لأحد أن يخالف فيه الخ، ثم ذكر صاحب الإيضاح رحمه الله حديث الباب وهو يناسب ما ذكره ابن عبد العزيز حيث قال عمرتي له ولعقبه فيقيدها به وبعقبه والله أعلم. (3/240)
صفحة 1048
الباب السادس والثلاثون في الرجم والحدود
603) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَحْصَنَ مَنْ مَلَكَ أَوْ مُلِّكَ لَهُ».
604) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: الرَّجْمُ وَالاِخْتِتَانُ وَالاِسْتِنْجَاءُ وَالوِتْرُ سُنَنٌ وَاجِبَةٌ (1)، فَأَمَّا الْوِتْرُ فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لأَصْحَابِهِ: «زَادَكُمُ اللَّهُ صَلاَةً هِيَ الْوِتْرُ».
605) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلاً أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةٍ؟! (2) فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ».
606) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَالُ لَهُ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَكَرِهَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْأَلَةَ حَتَّى عَابَهَا، وَبَلَغَ ذَلِكَ بِالرَّجُلِ مَبْلَغًا عَظِيمًا، ثُمَّ أَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عُوَيْمِرُ الْعَجْلاَنِيُّ، فَسَأَلَ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أُنْزِلَتْ فِيكَ (3) وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا» فَأَتَى بِهَا، فَتَلاَعَنَا، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا.
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لاَ تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا وَإِنْ نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ فَمَاتَ عَنْهَا أَوْ طَلَّقَهَا.
__________
(1) / خ: واجبات.
(2) / خ: شهداء.
(3) / خ: نزلت. (3/241)
صفحة 1049
607) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلاً مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ: «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ»؟ فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمَا وَيُجْلَدَانِ، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ: «كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا لِلرَّجْمِ آيَةً، فَأْتُوْا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا»، قَالَ: فَأَتَوْا بِهَا وَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ سَلاَمٍ: اِرْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَتَلأْلأُ (1)، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يُجَافِى عَلَى (2) الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ.
608) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلاً لاَعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَانِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْتَفَى مِنَ الْوَلَدِ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ.
609) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ هُوَ ابْنِي فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَالَ: ابْنُ (3) أَخِي وَقَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ: أَخِي ابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وَقَدْ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَسَاوَقَاهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَكَلَّمَ سَعْدٌ بِحُجَّتِهِ وَتَكَلَّمَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ بِحُجَّتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَوْجَتِهِ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: «اِحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» لَمَّا رَأَى إِشْبَاهَهُ (4) عُتْبَةَ. قَالَتْ عَائِشَةُ فَمَا
__________
(1) / خ: نورا.
(2) / خ: عن.
(3) / خ: وابن.
(4) / خ: شبهه. (3/242)
صفحة 1050
رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ. قَالَ الرَّبِيعُ: الْعَاهِرُ الزَّانِي. وَمَعْنَى لَهُ الْحَجَرُ: الرَّجْمُ.
610) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اِخْتَصَمَ رَجُلاَنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحَدهُمَا: اِقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ ... الْحَدِيثُ (1).
611) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا».
612) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ.
قَالَ الرَّبِيعُ: الْمِجَنُّ التُّرْسُ.
613) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، فَقَالَ: «إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ». يَعْنِي بِحَبْلٍ.
باب في الرجم أي للمحصن كما هو معلوم بشروط لا بد منها ذكره الشيخ أبو إسحاق رحمه الله أنها تسع خصال.
إحداها: أن يشهد عليه أربعة رجال أحرار بالغين عاقلين من المسلمين.
الثانية: أن يقولوا رأينا فرجه في فرجها كالميل في المكحلة ونحو ذلك.
الثالثة: أن تكون شهادتهم جميعا متفقة في المكان والوقت.
الرابعة: أن يقيم على إقراره حتى يقام عليه أول الحد إن كان ذلك بإقرار منه.
الخامسة: أن يكون بالغا عاقلا موحدا.
__________
(1) / قوله الحديث إشارة إلى تقدّمه في باب الاحكام. (3/243)
صفحة 1051
السادسة: أن لايدعي الشهود عليه دعوى يكون عليه فيها شبهة.
السابعة: أن يكون المشهود عليه قد تزوج تزويجا صحيحا ودخل على الزوجة.
الثامنة: أن تكون زوجته التي تزوجها حرة موحدة.
التاسعة: أن يكون حرا موحدا وسواء كان معه زوجته ذلك أو مفارقا لها اهـ.
وذكر عمنا يحى رحمه الله في الذي ماتت زوجته أو طلقها طلاقا لا يملك فيه الرجعة خلافا هل هو محصن أو لا؟
(أبو عبيدة عن جابر قال بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (احصن من ملك أو ملك له).
قوله (أحصن من ملك أو ملك له) لم أظفر لهذا الحديث لغيره رحمه الله والظاهر أن المراد به من عقد النكاح لنفسه أو عقد له غيره ورضي بذلك فإنه يكون محصنا وإن لم يدخل، وهو الذي صدر به عمنا يحيى رحمه الله حيث قال: إذا تزوج الحر المرأة الحرة فقد أحصنها وأحصنته مسها أو لا.
ومنهم من يقول: لا يحصنها ولا تحصنه حتى يمسها وهو الذي جزم به الشيخ أبو إسحاق رحمه الله كما تقدم حيث قال: ودخل على الزوجة ونقل بعضهم الإجماع على ذلك.
قال ابن حجر بعد كلام الإحصان وعلى ما يطلق عليه: وأن المراد بالمحصن هنا من له زوجة عقد عليها أو دخل بها وأصابها ما نصه: قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه لا يكون الإحصان بالنكاح الفاسد يعطي أحكام الصحيح في تقرير المهر ووجوب العدة ولحوق الولد وتحريم الريبة وأجيب بعموم (ادرءوا الحدود بالشبهات).
وقال: أجمعوا على أنه لا يكون بمجرد العقد محصنا، واختلفوا إذا دخل بها وادعى أنه لم يصبها قال: حتى تقوم البينة ويوجد منه إقرار، ويعلم له منها وله الخ، أقول وهذا لا يتأتى على قواعد المذهب حيث حصلت الخلوة والله أعلم.
أبو عبيدة عن جابر قال الرجم والاختتان والاستنجاء والوتر سنن واجبة فأما الوتر فلقوله عليه السلام لأصحابه (زاد الله عليكم صلاة هي الوتر).
قوله (الرجم والاختتان والاستنجاء والوتر سنن واجبات).
(أبو عبيدة عن جابر قال سأل سعد بن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم).
قوله (سأل سعد بن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ) لفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد: قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلا مع امرأتي (3/244)
صفحة 1052
لضربته بالسيف غير مصفح فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني) ورواية مسلم هي رواية المصنف زاد فيها في رواية أخرى بعد قوله نعم (كلا والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك).
وفي بعض الأحاديث: لما نزلت هذه الآية (والذين يرمون المحصنات) الآية قال سعد بن عبادة أهكذا أنزلت فلو وجدت لكاع متفخذها رجل لم يكن لي أن أحركه ولا أهيجه حتى أتي بأربعة شهداء حواليه حتى يقضي حاجته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟) قالوا: يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور والله ما تزوج امرأة قط إلا عذراء، ولا طلق امرأة فاجترأ رجل أن يتزوجها من شدة غيرته فقال سعد: والله إني لأعلم يا رسول الله أنها الحق وأنها من عند الله ولكن عجبت، وسعد بن عبادة هو سيد الخزرج وأحد نقبائهم.
(
أبو عبيدة عن جابر قال أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له عاصم ابن عدي الأنصاري فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا يقتله فتقتلونه كيف؟ فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة حتى جاء بها وبلغ ذلك بالرجل مبلغا عظيما، ثم أتاه بعد ذلك رجل يقال له عويمر العجلاني فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المسألة بعينها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أنزلت فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها فأتى فتلاعنا ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، قال الربيع: قال أبو عبيدة: لا تحل له أبدا ولو نكحت زوجا غيره فمات عنها أو طلقها.
قوله (أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له عاصم بن عدي الأنصاري الخ) لفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد: أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: يا عاصم أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فيقتلونه أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم عن ذلك فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رجع عاصم إلى أهله جاء عويمر فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول صلى الله عليه وسلم فقال عاصم لعويمر: لم تأتني بخبر فذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألته عنها فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها فأقبل عويمر حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فيقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغا من تلاعنهما قال (3/245)
صفحة 1053
عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله، قال ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين انتهى.
قوله (عاصم بن عدي) قال ابن حجر: أي ابن الجد ابن العجلاني وهو ابن عم والد عويمر، إلى أن قال: وكان عاصم سيد بني عجلان، والجد بفتح الجيم وتشديد الدال والعجلان بفتح المهملة وسكون الجيم، إلى أن قال: وكان العجلان حالف بني عمر بن عوف بن مالك بن الأوس من الأنصار في الجاهلية وسكن المدينة فدخلوا في الأنصار.
وقد ذكر ابن الكلبي أن امرأة عويمر هي بنت عاصم المذكور وأن اسمها خولة، وقال ابن مندة في كتاب الصحابة: خولة بنت عاصم التي قذفها زوجها فلاعن النبي صلى الله عليه وسلم بينهما لما ذكر ولا تعرف لها رواية، إلى أن قال: وذكر ابن مردويه أنها بنت أخي عاصم، إلى أن قال: إن عاصم بن عدي لما نزلت (والذين يرمون المحصنات) قال: يا رسول الله، أين لأحدنا أربعة شهداء فأتني به في بيت أخي، إلى أن قال: عن مقاتل بن حباب قال لما سأل عاصم عن ذلك ابتلي به في أهل بيته فأتاه ابن عمه تحته ابنة عمه رماها بابنة عمة المرأة أو الزوج والحليل ثلاثتهن بنو عاصم إلى آخره.
قوله (أرأيت رجلا) قال ابن حجر: أخبرني عن حكم رجل.
قوله (وجد مع امرأته رجلا) قال ابن حجر: كذا اقتصر على قوله فاستعمل الكناية فإن مراده معية خاصة، ومراده أن يكون وجده عند الرؤية.
قوله (أيقتله فيقتلونه) أي قصاصا لتقدم علمه بحكم القصاص لعموم قوله (النفس بالنفس) لكن طرقه الاحتمال أن يخص من ذلك ما يقع بالسبب الذي لا يقدر على الصبر عليه غالبا من الغيرة التي في طبع البشر ولهذا قال: أم كيف يفعل؟، إلى أن قال: وقد اختلف العلماء فيمن وجد مع امرأته رجلا فقتله فتحقق الأمر بقتله، هل يقتل به؟ فمنع الجمهور الإقدام، وقال: يقتص منه إلا أن يأتي ببينة الزنا أو على المقتول بالاعتراف أو تعترف به ورثته فلا يقتل القاتل به بشرط أن يكون المقتول محصنا، وقيل: بل يقتل به لأنه ليس له أن يقيم الحد بغير إذن الإمام، وقال بعض السلف: (3/246)
صفحة 1054
بل لا يقتل أصلا ويعذر فيمر فعله إذا ظهر أمارة صدقه، وشرط أحمد وإسحاق ومن تبعهما أن يأتي بشاهدين أنه قتله بسبب ذلك، ووافقهم ابن القاسم وابن القاسم وابن حبيب من المالكية لكن زاد: أن يكون المقتول قد أحصن، قال القرطبي: ظاهر تقرير عويمر على ما قال يؤيد قولهم كذا قال والله أعلم.
قوله (أم كيف يفعل) يحتمل أن تكون (أم) متصلة والتقدير أم يصبر على ما به من المضرة، ويحتمل أن تكون منقطعة بمعنى الإضراب أي بل هناك حكم آخر لا نعرفه ونريد أن نطلع عليه فلذلك قال سل يا عاصم، وأن ما خص عاصم بذلك لما تقدم من أنه كان كبير قومه وشهر على ابنته أو ابنة أخيه ولعله كان اطلع على ما سأل عنه لكن لم يتحققه فلذلك لم يفصح به، أو اطلع حقيقة لكن خشي إذا صرح به من العقوبة التي تضمنها من رمي المحصنة بغير بينة، أشار إلى ذلك ابن العربي.
قال: ويحتمل أن يكون لم يقع له شرح من ذلك لكن اتفق أنه وقع في نفسه إرادة الاطلاع على الحكم فابتلي به كما يقال (البلاء موكل بالمنطق) ومن ثم قال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، ووقع في حديث ابن عمر عند مسلم في قصة العجلاني فقال: أرأيت إن وجد رجل مع امرأته رجلا فإن تكلم به تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك.
وفي حديث ابن مسعود عنده أيضا: إن تكلم جلدتموه، وإن قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على عظيم، وهذه الروايات في هذا المعنى اهـ.
وقوله (فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة حتى عابها وبلغ ذلك بالرجل مبلغا عظيما) أراد بالرجل عاصم بن عدي، قال ابن حجر وسببه أن الحامل لعاصم على السؤال غيره فاختص هو بالإنكار عليه فلهذا قال، لعويمر لما رجع فاستفهم على الجواب لم تأت بخبر، إلى أن قال: وسبب كراهة ذلك ما قال الشافعي: كانت المسائل فيما لم ينزل فيه حكم زمن نزول الوحي ممنوعة لئلا ينزل الوحي بالتحريم فيما لم يكن قبل ذلك محرما فيحرم ويشهد له الحديث المخرج في الصحيح (أعظم الناس حرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته). (3/247)
صفحة 1055
وقال النووي: المراد كراهية المسائل التي لا يحتاج إليها لا سيما ما كان فيه هتك ستر مسلم أو إيقاعة فاحشة لإشاعته عليه وليس المراد المسائل المحتاج إليهما إذا وقعت، فقد كان المسلمون يسألون عن النوادر فيجيبهم رسول الله بغير كراهة فلما كان في سؤال عاصم إشاعة ويترتب عليه تسليط اليهود والمنافقين على عرض المسلم كره المسألة، وربما كان في المسألة تضييق وكان صلى الله عليه وسلم يحب التيسير على أمته، وشواهد ذلك في الأحاديث كثيرة وفي حديث جابر ما نزلت آية اللعان إلا لكثرة السؤال الخ.
قوله (عويمر العجلاني) نقل ابن حجر أنه عويمر بن الحارث بن زيد الجد بن عجلاني، وتقدم أنه ابن عم عاصم، وأن زوجته بنت عاصم أو بنت عمه فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المسألة بعينها وذلك لما تقدم من أنه لما رجع عاصم إلى أهله يعني بعد سؤاله رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه عويمر، إلى أن قال: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها إلى آخره.
قوله: (قد أنزلت فيك وفي صاحبتك) رواية البخاري (قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك) قال ابن حجر: ظاهر هذا السياق أنه كان قد تقدم منه إشارة إلى خصوص ما وقع له مع امرأته فيترجح أحد الاحتمالات التي أشار إليها ابن العربي لكن ظهر لي من بقية الطرق أن في السياق اختصارا، ويوضح ذلك ما وقع في حديث ابن عمر في قصة العجلاني بعد قوله: إن تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به فدل على أنه لم يذكر امرأته إلا بعد أن انصرف ثم عاد.
وقع في حديث ابن مسعود أن الرجل لما قال (وإن سكت سكت على غيظ) قال النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم افتح) فجعل يدعو فنزلت آية اللعان، وهذا ظاهره أن الآية نزلت عقب السؤال لكن يحتمل أن يتخلل بين الدعاء والنزول زمن بحيث يذهب عاصم ويعود عويمر، وهذا كله ظاهر جدا أن القصة نزلت بسبب عويمر، ويعارضه ما تقدم في سورة النور من حديث ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم (البينة أو حد في ظهرك) فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرئ (3/248)
صفحة 1056
ظهري في الحد فنزل جبريل فأنزل عليه (والذين يرمون أزواجهم) الحديث، إلى أن قال:
في رواية أخرى: قال هلال وإني لأرجو أن يعجل الله لي فرجا فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك إذ نزل عليه الوحي، وفي حديث أنس عند مسلم أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحما، إلى أن قال: وكان أول رجل لاعن في الإسلام فهذا يدل على أن الآية نزلت بسبب هلال.
وقد تقدم اختلاف أهل العلم في الراجح من ذلك وبينت كيفية الجمع بينهما في تفسير سورة النور بأن يكون هلال سأل أولا ثم سأل عويمر فنزلت في شأنهما معا، وظهر لي الآن احتمال أن يكون عاصم سأل قبل النزول ثم جاء هلال بعده فنزلت عند سؤاله فجاء عويمر في المرة الثانية التي قال فيها: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به فوجه الآية نزلت في شأن هلال فأعلمه النبي صلى الله عليه وسلم بأنها نزلت يعني أنها نزلت في كل من وقع له ذلك لأن ذلك لا يختص بهلال، إلى أن قال: ويحتمل أنه لما شرع يدعو بعد توجه العجلاني جاء هلال فذكر قصته فنزلت فجاء عويمر فقال: قد نزلت فيك وفي صاحبتك انتهى.
قوله (فاذهب فأت بها) قال ابن حجر: يعني فذهب فأتى بها واستدل به على أن اللعان يكون عند الحاكم وبأمره فلو تراضيا فيمن يلاعن بينهما فلاعن لم يصح لأن في اللعان من التغليظ ما يقتضي أن يختص به الحاكم.
وفي حديث ابن عمر: فتلاهن عليه أي الآيات التي في سورة النور ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة قال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها فوعظها وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قالت والذي بعثك بالحق إنه لكذاب انتهى.
قوله (فتلاعنا) قال ابن حجر فيه حذف تقديره فذهب فأتى بها فسألها فأنكرت فأمرهما باللعان فتلاعنا إلى آخره، زاد في بعض الروايات بعده (في المسجد) وفي بعضها زيادة (بعد العصر) أيضا وفي بعضها (بعد العصر عند المنبر).
قال ابن حجر: واستدل بمجموع ذلك على أن اللعان يكون بحضرة الحكام وجمع من الناس وهو أحد أنواع التغليظ، ثانيها: الزمان، ثالثها: المكان وهذا (3/249)
صفحة 1057
التغليظ مستحب، وقيل: واجب، إلى أن قال في صفة الملاعنة: فيبدأ بالرجل فيشهد أربع شهادات، إلى أن قال في رواية أخرى: فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال اشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا فشهد بذلك أربعا ثم قال له في الخامسة ولعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين ففعل ثم دعاها فذكر نحوه فلما كان في الخامسة سكتت سكتة حتى ظننا أنها ستعترف ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت على القول الخ.
قوله (ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما) ظاهره بل صريحه أن الفرقة بين المتلاعنين تتوقف على تطليق الرجل وهوكذلك عندنا، وعند قومنا فيه خلاف فاستدل من قال بالتوقف بما ورد في آخر هذا الحديث فطلقها ثلاثا، قال ابن حجر: وأجيب بقوله في حديث ابن عمر (فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين)، إلى أن قال: وظاهر حديث ابن عمر أن الفرقة وقعت بتفريق النبي صلى الله عليه وسلم الخ.
(أبو عبيدة عن جابر عن ابن عمر قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا فقال لهم: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهما ويجلدان فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها للرجم آية فأتوا بالتوراة فاتلوها قالوا: فأتوا بها فوضع ونشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها: فقال له ابن سلام: ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم تتلالأ فقالوا صدق يا محمد، فيهما آية الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما قال ابن عمر: فرأيت الرجل يجافي عن المرأة يقيها الحجارة).
قوله: (إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا)، قال ابن حجر: ذكر السهيلي عن ابن العربي أن اسم المرأة بسرة بضم الموحدة وسكون المهملة ولم يسم الرجل، وذكر أبو داود السبب في ذلك، إلى أن قال:
عن أبي هريرة قال: زنا رجل من اليهود بامرأة فقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون البرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا أفتى نبي من أنبيائك قال: فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا؟
ونقل ابن العربي والثعلبي عن المفسرين قالوا: انطلق قوم من قريظة والنضير منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسد وسعيد بن عمر ومالك بن الطفيل وكنانة بن الحقيق وشماس بن قيس ويوسف بن عازورا فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم وكان رجل وامرأة من أشرف أهل خيبر زنيا واسم المرأة بسرة، وكانت خيبر حينئذ حربا فقالوا اسألوه فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا فذكر القصة مطولة الخ. (3/250)
صفحة 1058
قوله: (ما تجدون في التوراة في شأن الرجم) قال ابن حجر: قال الباجي: يحتمل أن يكون علم بالوحي أن حكم الرجم فيها ثابت على ما شرع لم يلحقه تبديل، ويحتمل أن يكون علم ذلك بإخبار عبد الله بن سلام وغيره ممن أسلم منهم على وجه حصل له به العلم بصحة نقلهم، ويحتمل أن يكون إنما سألهم عن ذلك ليعلم ما عندهم فيه ثم يعلم صحة ذلك من قبل الله تعالى اهـ.
قوله: (قالوا نفضحهما) قال ابن حجر: بفتح أوله وثالثه من الفضيحة، إلى أن قال: وقع بيان الفضيحة من رواية أيوب عن نافع الآتية في التوحيد بلفظ (قالوا نسخم وجهوهما ونحممهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما)، إلى أن قال:
وقال الباجي: ظاهر الأمر أنهم قصدوا في جوابهم تحريف حكم التوراة والكذب إما رجاء أن يحكم بينهم بغير ما أنزل الله وإما لأنهم قصدوا بتحكيمه التخفيف على الزانيين واعتقدوا أن ذلك يخرجهم عما وجب عليهم، أو قصدوا اختبار أمره لأنه من المقرر إن كان نبيا لا يقر على باطل فهو بتوفيق الله كذبهم وصدقه ولله الحمد اهـ.
قوله: (فأتوا بها ونشروها) قال ابن حجر رواية زيد بن أسلم: فأتي بها ونزع الوسادة من تحته فوضع التوراة عليها ثم قال: آمنت بك وبمن أنزلك.
في حديث البراء عند مسلم فدعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك بالله.
وفي حديث جابر عند أبي داود فقال: ائتوني بأعلم رجلين منكم فأتوا بابن صوريا، زاد الطبراني في حديث ابن عباس: ائتوني: برجلين من علماء بني إسرائيل فأتوه برجلين أحدهما شاب والآخر شيخ قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر.
ولابن أبي حاتم من طريق مجاهد: أن اليهود استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزانيين فأفتاهم بالرجم فأنكروه فأمرهم أن يأتوا بأحبارهم فناشدهم فكتموا إلا رجلا من أصاغرهم أعور فقال: كذبوك يا رسول الله إنه في التوراة اهـ، والمراد به ابن صوريا. (3/251)
صفحة 1059
قوله: (فوضع أحدهم يده على آية الرجم) قال ابن حجر: وفي رواية أيوب (فقال الرجل لمن يرضون بأعور اقرأ فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه) واسم هذا الرجل عبد الله بن صوريا كما تقدم، وقد وقع عند النقاش في تفسيره أنه ارتد بعد أن أسلم، إلى أن قال:
وفي رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ناشده قال: يا رسول الله إنهم ليعلمون أنك نبي مرسل ولكنهم يحسدونك، وقال في آخر الحديث: ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا ونزلت فيه (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) الآية اهـ.
قوله: (فقال عبد الله بن سلام الخ) قال ابن حجر: ووقع في حديث البراء (نجد الرجم لكنه كثير في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التسخيم والجلد مكان الرجم).
ووقع بيان ما في التوراة من آية الرجم في رواية أبي هريرة (المحصن والمحصنة إذا زنيا فقامت عليهم البينة رجما وإن كانت المرأة حبلى حتى تضع ما في بطنها) وفي حديث جابر عن أبي داود (نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما) زاد البزاز من هذا الوجه (فإن وجدوا الرجل مع المرأة في بيت أو في ثوبها أو على بطنها فهي زانية وفيها عقوبة، قال: فما منعكم أن ترجوهما؟ قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل).
وفي حديث أبي هريرة (فما أول ما ارتخصتم أمر الله قال زيادة: زنا صاحب الملك فأخر عنه الرجم، ثم زنا رجل شريف فأراد رجمه فحال قومه دونه، وقالوا: ابدأ بصاحبك، فاصطلحوا على هذه العقوبة الخ.
قوله: (فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما) قال ابن حجر: زاد في حديث أبي هريرة (فقال صلى الله عليه وسلم فإني أحكم بما في التوراة) في حديث البراء (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه) ووقع في حديث جابر (3/252)
صفحة 1060
من الزيادة أيضا (فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فجاء أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فأمر بهما فرجما) اهـ.
قوله (فرأيت الرجل يجافي على المرأة يقيها الحجارة) في بعض الروايات ما عند قومنا يحني بالحاء المهملة بعدها نون مكسورة ثم تحتانية ساكنة، وفي بعضها يجنأ بجيم ونون مفتوحة ثم همزة، وفي بعضها يجانئ بضم أوله وجيم مهموز قال ابن حجر: نقلا عن ابن عبد البر والصواب يحني أي يميل.
وجملة ما حضر لنا من الاختلاف في ضبط هذه اللفظة عشرة أوجه: الأولان والثالث بضم أوله والجيم وكسر النون وبالهمزة، الرابع: كالأول الإ أنه بالموحدة بدل النون، الخامس: كالثاني إلا أنه بواو بدل التحتانية، والسادس: كالأول إلا أنه بجيم، السابع: بضم أوله وفتح المهملة وتشديد النون، الثامن: يجاني بالنون، التاسع: مثله لكن بالحاء، العاشر مثله لكن بالفاء بدل النون وبالجيم أيضا الخ.
قوله: (يقيها) قال ابن حجر: بفتح أول ثم قاف تفسير لقوله يحني، وفي رواية عبد الله بن عمر فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه، ولابن ماجة من هذا الوجه يسترها، وفي حديث ابن عباس عند الطبراني كلما وجد مس الحجارة قام على صاحبته يحني عليها يقيها الحجارة حتى قتلا جميعا فكان ذلك مما صنع لرسوله في تحقيق الزنا منهما.
قال: وفي هذا الحديث من الفوائد وجوب الحد على الكافر إذا زنا وهو قول الجمهور، وفيه خلاف عند الشافعي، وقد ذهل ابن عبد الحق فنقل الإتفاق على أن شرط الإحصان الموجب للرجم الإسلام، ورد عليه فإن الشافعي وأحمد لا يشترطان ذلك، ويؤيد مذهبهما وقوع التصريح بأن اليهوديين اللذين رجما كانا قد أحصنا كما تقدم نقله.
وقال المالكية ومعظم الحنفية وربيعة شيخ مالك: شرط الإحصان الإسلام، وأجابوا عن حديث الباب بأنه صلى الله عليه وسلم إنما رجمهما بحكم التوراة وليس هو من حكم الإسلام في شيء وإنما من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم فإن في التوراة الرجم على المحصن وغير المحصن قالوا: وكان ذلك أول دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وكان مأمورا باتباع حكم التوراة والعمل (3/253)
صفحة 1061
حتى ينسخ ذلك في شرعه فرجم اليهوديين على ذلك الحكم ثم نسخ ذلك بقوله تعالى (واللاتي يأتين الفاحشة) إلى قوله (أو يجعل الله لهن سبيلا) ثم نسخ ذلك بالتفرقة بين من أحصن ومن لم يحصن الخ.
فأطال النزاع بين مالك وغيره في اشتراط الذمة وعدمها، والإحصان وغيره، والإسلام وعدمه أقول: والجواب المتقدم في رجمه صلى الله عليه وسلم اليهود بيّن متعين لقول أبي إسحاق في شروط الرجم بأن يكون بالغا عاقلا موحدا.
قال ابن حجر: وفيه قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، فزعم ابن العربي أن معنى قوله في حديث جابر (فدعا بالشهود) أي شهود الإسلام على اعترافهما وقوله (فرجمهما) بشهادة الشهود أي البينة على اعترافهما، ورد هذا التأويل بقوله في نفس الحديث بقوله إنهم رأوا ذكره في فرجها كالميل في المكحلة، وهو صريح في أن الشهادة بالمشاهدة لا بالاعتراف.
وقال القرطبي: الجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على مسلم ولا على كافر لا في حد ولا في غيره ولا فرق بين السفر والحضر في ذلك، وقبل شهادتهم جماعة وبعض التابعين وبعض الفقهاء إذا لم يوجد مسلم الخ، والمذهب عندنا جواز شهادتهم بعضهم على بعض إذا كانوا من أهل ملة واحدة كما نص عليه الشيخ أبو زكريا رحمه الله فليراجع.
قال ابن حجر: وفيه أن أنكحة الكفار صحيحة لأن ثبوت الإحصان فرع ثبوت صحة النكاح ففيه أن اليهود كانوا ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها ولو لم يكن مما أقدموا على تبديله، إلى أن قال:
وفيه اكتفاء الحاكم بترجمان واحد موثق به، إلى أن قال:
واستدل به على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ثبت ذلك لنا بدليل قرآني أو حديث صحيح ما لم يثبت نسخه، إلى أن قال: وعلى هذا فيجعل ما وقع في هذه القصة على أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن هذا الحكم لم ينسخ من التوراة أصلا اهـ. (3/254)
صفحة 1062
قوله: (إن رجلا لاعن امرأته في زمان النبي صلى الله عليه وسلم الخ) لفظه في البخاري (أن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بين رجل وامرأته فانتفى الخ).
قال ابن حجر: قال القرطبي: الفاء سببية أي الملاعنة سبب الانتفاء فإن أراد أن الملاعنة سبب ثبوت الانتفاء فجيد، وإن أراد أن الملاعنة سبب وجود الانتفاء فليس كذلك فإنه إن لم يتعرض لنفي الولد في الملاعنة لم ينتف، إلى أن قال:
واستدل بهذا الحديث على مشروعية اللعان لنفي الولد، وعن أحمد ينتفي الولد بمجرد اللعان ولولم يتعرض الرجل لذكره في اللعان، وفيه نظر لأنه لو استلحقه لحقه، وإنما يؤثر لعان الرجل دفع حد القذف عنه وثبوت زنا المرأة ثم يرتفع عنها الحد بالتعانها.
وقال الشافعي: إن نفي الولد في الملاعنة انتفى وإن لم يتعرض لنفيه أن يعيد اللعان لنفيه ولا إعادة على المرأة، وإن أمكنه الرفع إلى الحاكم فأخر لغير عذر حتى ولدت لم يكن له أن ينفيه كما في الشفعة.
واستدل به على أنه لا يشترط في نفي الحمل تصريح الرجل بأنها ولدت من زنا ولا أنه استبرأها بحيضة، وعن المالكية يشترط ذلك، إلى أن قال: واحتج الشافعية بأن الحامل قد تحيض فلا معنى لاشتراط الاستبراء الخ.
قوله: (ففرق بينهما وألحق الولد بالمرأة) قال ابن حجر: ومعنى قوله (ألحق الولد بأمه) أي صيره لها وحدها ونفاه عن الزوج فلا توارث بينهما، وأما أمه فترث منه ما فرض الله لها كما وقع صريحا في حديث، إلى أن قال: وكان ابنها يدعى لأمه ثم جرت السنة في ميراثها أنها ترثه ويرث منها ما فرض الله لها.
وقيل: معنى إلحاقه بأمه أنه صيرها له أبا وأما فترث جميع ماله إذا لم يكن له وارث آخر من ولد ونحوه، وهو قول ابن مسعود وواثلة وطائفة ورواية عن أحمد وروي عن ابن القاسم.
وعنه: معناه أن عصبة أمه تصير عصبة له وهو قول عدي وابن عمر والمشهور عن أحمد. (3/255)
صفحة 1063
وقيل: ترثه أمه وإخوته منها بالفرض والرد، وهو قول أبي عبيدة ومحمد بن الحسن ورواية عن أحمد قال: فإن لم يرثه ذو فرض بحال فعصبة أمه الخ، وعندنا ترث ما فرض الله لها والباقي لعصبة أمه.
قال الشيخ إسماعيل رحمه الله: وينقطع التوارث أيضا بين الزوج الملاعن وبين المولود الذي لاعن أمه عليه ويبقى التوارث بينه وبين أمه فترث منه الثلث أو السدس إن كان ما يحجبها ولأخيه السدس أو الثلث إن كانوا أخوين فصاعدا وما بقي فلعصبة أمه وهو قول أبي عبيدة الخ.
وظاهر هذا الحديث أن الرجل إذا لاعن زوجته وانتفى عن الولد أنه ينتفي عنه ويلحق بأمه مطلقا، وهو ظاهر كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله، وظاهر كلام ابن جعفر أيضا فإنه ذكر أن الولد ولدها بعد اللعان.
وأما كلام الشيخ أبي زكريا وكلام الشيخ أبي إسحاق رحمهما الله فإنهما صريحان في أنه لا يلحق بها مطلقا، فأما أبو زكريا فقال: وإذا لاعن الرجل امرأته وهي حامل ألزم الولد له إذا أتت به من بعد ستة أشهر وإن أتت به من قبل انسلاخ ستة أشهر فلا يلزمه اهـ.
والظاهر أن المراد من وقت العقد على مذهب ابن عباد وأبي حنيفة وهو الذي مشى عليه أبو حنيفة مرارا، أو من وقت الدخول على مذهب الجمهور فظاهره أنه إذا ولد بعد الدخول لا ينتفي عنه مطلقا عملا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم (الولد للفراش وللعاهر الحجر) وأما إذا ولد قبل الدخول في السابع فقد كشف الغيب أنه كان في بطن أمه قبل العقد عليها وقبل الدخول بها.
ولكن لقائل أن يقول: في هذا الكلام تأمل وجهين: أحدهما: أن انتفاء الولد في هذه الصورة لا يتوقف على اللعان حيث ولد قبل دخول الشهر السابع كما هو ظاهر، والثاني: أنه منابذ لهذا الحديث المصرح بانتفاء الولد عن الزوج إذا لاعن أمه عليه، وهذا إنما يأتي في الولد الذي يمكن أن يكون منه، وإنما يكون كذلك إذا أتت به قبل انسلاخ ستة أشهر والله أعلم.
والمناسب أن تكون النسخة هكذا: ألزم الولد إذا أتت به قبل انسلاخ ستة أشهر يعني من وقت الملاعنة، وإن أتت به من بعد انسلاخ ستة أشهر يعني من (3/256)
صفحة 1064
وقت الملاعنة فلا يلزمه فلا ينافي حينئذ الحديث بل لا يكون تقييدا له حيث أطلق في انتفاء الولد عن الزوج بعد الملاعنة مع أنه يقيد بما إذا أتت به بعد ستة أشهر من وقت الملاعنة، وتظهر للعان فائدة بالنظر إلى نفي الولد والله أعلم فلتراجع نسخة صحيحة.
وأما أبو إسحاق رحمه الله فقال: وكل من ولد على فراشه فهو لا حق به إلا في خمس مسائل:
أحدها: أن يولد لأقل من ستة أشهر من يوم عقد النكاح، إلى أن قال:
الرابع: أن يظهر بها حمل وقد دخل بها فيجحد الزوج الحمل أو تقر المرأة أنه من زنا أو استكراه فإنها تحد في الزنا وينفى الولد عنه، وقد قيل: لاينفى عنه إذا دخل بها.
الخامس: أن تكون غير مدخول بها فيظهر بها حمل فيجحد الزوج فإنه يلاعنها وينفي عنه الولد فإن كذب نفسه أو مات قبل تمام الملاعنة لحق به الولد ووجب عليه الصداق والميراث اهـ. فظاهر كلام أبي إسحاق أن الدخول بها لا ينفي الولد عن والده إذا أنكره إلا إذا أقرت المرأة بالزنا أو الاستكراه، وظاهره أيضا أن لا تقع الملاعنة عليه حيث كان لأن ماله يعني فإنما هي للتفرقة التي لا اجتماع معها.
والمراد بالولد اللازم بعد الدخول إذا لم تقر المرأة بالزنا والاستكراه ما كان بعد انسلاخ سته أشهر كما بينه الشيخ أبو زكريا رحمه الله كما تقدم فترى كلام كل منهما رحمهما الله منابذا لظاهر حديث الباب حيث جعلا الولد لازما بعد الدخول يعني وبعد مضي ستة أشهر والله أعلم فلينظر كيف يجمع بينهما وبين الحديث فإنه في غاية الخفاء.
وأما الجمع بين هذا الحديث وبين قوله صلى الله عليه وسلم (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فبأن يحمل الحديث الثاني على ما إذا لم يلاعن أمه عليه والله أعلم.
أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان عتبة ابن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد ابن أبي وقاص فقال: إن ابن وليدة زمعة هو ابني فاقبضه إليك فلما كان عام الفتح أخذه سعد ابن أبي وقاص وقال ابن أخي وقد كان عهد إليه فيه فقام إليه عبد الله بن زمعة فقال أخي ابن وليدة أبي وقد كان ولد على فراشه فتساوقاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم سعد بحجته فتكلم عبد بن زمعة بحجته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجته سودة بنت زمعة (احتجبي منه يا سودة لما رأى أشباهه عتبة، قالت عائشة: فما رآها حتى لقي الله، قال الربيع العاهر الزاني ومعنى له الحجر الرجم).
قوله: (كان عتبة ابن أبي وقاص الخ) في بعض الروايات أوصاني أخي إذا قدمت مكة أن أقبض إليك ابن أمه زمعة فإنه ابني.
قوله: (إن ابن وليدة زمعة) قال ابن حجر: الوليدة في الأصل المولودة وتطلق على الأمة، وهذه الوليدة لم أقف على اسمها، إلى أن قال: إنها كانت أمة (3/257)
صفحة 1065
يمانية، والوليدة فعيلة من الولادة بمعنى مفعولة، قال الجوهري: هي الصبية والأمة والجمع ولائد، وقيل: إنها اسم لغير أم الولد، وزمعة بفتح الزاي وسكون الميم وقد تحرك قال النووي التسكين أشهر، وقال أبو الوليد: الوقشي التحريك هو الصواب، قلت: والجاري على ألسنة المحدثين التسكين في الاسم والتحريك في النسب وهو ابن قيس بن عبد شمس القرشي العامري والد سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم الخ.
قوله: (فلما كان عام الفتح أخذ سعد فقال ابن أخي) في رواية (فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح) وفي رواية (فلما كان يوم الفتح رأى سعد، الغلام فعرفه بالشبهة فاحتضنه إليه وقال ابن أخي ورب الكعبة)، وفي رواية (وقال سعد يا رسول الله هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه) ملخص من ابن حجر.
قوله: (فقام إليه عبد الله بن زمعة) في رواية البخاري عبد الله بن زمعة بغير إضافة، قال ابن حجر: ووقع في مختصر ابن الحاجب عبد الله، وهو غلط، نعم عبد الله بن زمعة أخي، وفي بعض الطرق من رواية عائشة عند الطحاوي في هذا الحديث عبد الله بن زمعة، ونبه على أنه غلط وأن عبد الله بن زمعة هو ابن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، إلى أن قال:
والابن المذكور اسمه عبد الرحمن، ذكره ابن عبد البر في الصحابة وغيره وقد أعقب بالمدينة.
وعتبة ابن أبي وقاص أخو سعد مختلف في صحبته: فذكره في الصحابة العسكري، إلى أن قال: واستنكر أبو نعيم ذلك وذكر أنه شج وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد قال وما علمت له إسلاما، إلى أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد قال وما علمت له إسلاما، إلى أن قال صلى الله عليه وسلم دعا بأنه (لا يحول على عتبة الحول حتى يموت كافرا) فمات كافرا، إلى أن قال:
عن أنس أنه سمع حاطب ابن أبي بلتعة يقول: إن عتبة لما فعل بالنبي صلى الله عليه وسلم ما فعل تبعه فقتله كذا قال، وجزم ابن التين والدمياطي بأنه مات كافرا، قال ابن حجر وأم عتبة هند بنت وهب بن الحارث بن زهرة وأم أخيه سعد حملة بنت سفيان بن أمية انتهى. (3/258)
صفحة 1066
قوله: (قال أخي وابن وليدة أبي وقد كان ولد على فراشه) فيه رواية (قال بل هو أخي ولد على فراش أبي من جاريته)، وفي رواية (هذا أخي ابن زمعة) وفي بعض الروايات زيادة (انظر إلى شبهه يا رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وفي رواية فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو أشبه الناس بعتبة ابن أبي وقاص وفي رواية: فرأى شبها بينا.
قال ابن حجر: قال الخطابي وتبعه جماعة والقرطبي وغيرهما: كان أهل الجاهلية يقتنون الولائد ويقررون عليهن الضرائب فيكتسبن بالفجور وكانوا يلحقون النسب بالزناة إذا دعوا الولد كما في النكاح، وكانت لزمعة أمة وكان يلم بها فظهر بها حمل زعم عتبة ابن أبي وقاص أنه منه، وعهد إلى أخيه سعد أن يستلحقه فخاصم عبد بن زمعة فقال سعد هو ابن أخي على ما كان عليه الأمر في الجاهلية، وقال عبد هو أخي على ما استقر عليه الحكم في الإسلام فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم حكم الجاهلية وألحقه بزمعة، إلى أن قال:
فإن قلت: وقد مضى في النكاح من حديث عائشة ما يؤيد أنهم كانوا يعتبرون استلحاق الأم في صورة واستلحاق الغائب في صورة ولفظها: أن النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء الحديث.
وفيه يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت بعد ليال أرسلت إليهم فاجتمعوا عندها فقالت قد ولدت فهذا ابنك يا فلان فيلحق به ولدها ولا يستطيع أن يمتنع، إلى أن قال: ونكاح البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت جمعوا لها القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي رأى القائف ولا يمتنع من ذلك اهـ.
قال ابن حجر: واللائق بقصة زمعة الأخير فلعل جمع القافة لهذا الولد تعذر بوجه من الوجوه أو أنها لم تكن بصفة البغايا بل أصابها عتبة سرا من زنا وهما كافران فحملت ولدا يشبهه فغلب على ظنه أنه منه فبغته الموت قبل استلحاقه فأوصى أخاه أن يستلحقه فعمل سعد بذلك تمسكا بالبراءة الأصيلة.
قال القرطبي وكان عبد بن زمعة سمع أن الشرع ورد بأن الولد للفراش وللعاهر الحجر، إلى أن قال: في حديث آخر: فقام رجل فقال: يا رسول الله إن فلانا ابني، عاهرت (3/259)
صفحة 1067
أمه في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا دعوة في الإسلالم ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش وللعاهر الحجر، إلى أن قال.
واستدل بهذه القصة على أن الاستلحاق لا يختص بالأباء بل للأخ أن يستلحق، وهو قول الشافعية وجماعه بشرط أن يكون الأخ جائزا ويوافقه باقي الورثة، وإمكان كونه من الذكور، وأن يكون يوافق على ذلك إن كان بالغا عاقلا وأن لا يكون معروف الأب، إلى أن قال:
وخص مالك وطائفة الاستلحاق بالأب، إلى أن قال:
واستدل به على أن الوصي يجوز له أن يستلحق ولد موصيه إذا أوصى إليه أن يستلحقه ويكون كالوكيل عنه في ذلك، إلى أن قال:
وعلى الأمة تصير فراشا بالوطء فإذا اعترف السيد بوطء أمته أو ثبت ذلك بأي طريق كان ثم أتت بولد بمدة الإمكان بعد الوطء لحق من غير استلحاق كما في الزوجة لكن الزوجة تصير فراشا بمجرد العقد فلا يشترط في استلحاق إلا الإمكان لأنها تراد للوطء فجعل العقد عليها كالوطء بخلاف الأمة فإنها تراد لمنافع أخرى فاشترط في حقها الوطء ومن ثم يجوز الجمع بين الأختين بالملك دون الوطء وهذا قول الجمهور.
وعن الحنفية لا تصير الأمة فراشا إلا إذا ولدت من السيد ولدا ولحق به فمهما ولدت بعد ذلك لحقه إلا أن ينفيه.
وعن الحنابلة من اعترف بالولد فأتت به لمدة الإمكان لحقه وإن ولدت منه أولا فاستلحقه لم يلحق ما بعده إلا بإقرار مستأنف على الراجح عندهم، وترجيح المذهب الأول ظاهر لأنه لم ينقل إن كان لزمعة من هذه الأمة ولد آخر، والكل متفقون على أنها لا تصير فراشا إلا بالوطء، إلى أن قال: في هذا الحديث ثم وقع الاتفاق على تعميمه في الزوجات لكن شرط الشافعية والجمهور الإمكان زمانا ومكانا، وعن الحنفية يكتفي بمجرد العقد فتصير فراشا ويلحق الزوج الولد وحجتهم عموم قوله (الولد للفراش إلى آخره).
أقول: وهذا مذهب ابن عباد من أصحابنا رحمهم الله واعتمده الشيخ أبو زكريا رحمه الله في كتاب النكاح كثيرا كما يعلم بالوقوف عليه. (3/260)
صفحة 1068
ويؤخذ أيضا من كلامه أن مذهب أصحابنا في لحوق الولد في التسري مذهب الجمهور والله أعلم.
قال ابن حجر: واستدل به على أن القائف إنما يعتمد في الشبه إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه لأن الشارع لم يلتفت هنا إلى الشبه، إلى أن قال: وكذا لم يحكم بالشبه في قصة الملاعنة لأنه عارضه حكم أقوى منه وهو مشروعية اللعان.
وفيه تخصيص عموم الولد للفراش، وقد تمسك بالعموم الشعبي وبعض المالكية وهو شاذ.
ونقل عن الشافعي أنه قال: لقوله (الولد للفراش) معنيان أحدهما: هو ما لم ينفه فإذا نفاه بما شرع له كاللعان انتفى عنه، والثاني: إذا تنازع رب الفراش والعاهر فالولد لرب الفراش الخ.
قوله: (فتساوقاه) الرواية في البخاري (فتساوقا) قال ابن حجر: أي تلازما في الذهاب بحيث أن كلا منهما كان كالذي يسوق الآخر.
قوله: (هو لك يا عبد بن زمعة) اعلم أنه يجوز في عبد الضم على البناء، والفتح على الإتباع، وأما ابن فهو منصوب على كل حال كما هو معلوم، وفي رواية (هو لك هو أخوك يا عبد)، وفي بعضها (هو أخوك يا عبد)
قال ابن حجر: قال ابن عبد البر: تثبت الأمة فراشا عند أهل الحجاز إن أقر سيدها أنه كان يلم بها، وعند أهل العراق إن أقر سيدها بالولد.
وقال المازني يتعلق بهذا الحديث استلحاق الأخ لأخيه وهو صحيح عند الشافعي إذا لم يكن له وارث سواه وقد تعلق أصحابنا بهذا الحديث لأنه لم يرد أن زمعة أعاده ولا اعترف بوطء أمه وكان القول في هذه القصة على استلحاق عبد بن زمعة.
وعندنا لا يصح استلحاق الأخ، ولا حجة في هذا الحديث لأنه لم يمكن أن يكون ثبت عند النبي صلى الله عليه وسلم أن زمعة كان يطأ أمته فألحق الولد به لأن من ثبت وطؤه لا يحتاج إلى اعترافه بالوطء وإنما يصعب هذا على العراقيين ويعسر عليهم الانفصال عما قال الشافعي لما قررناه أنه لم يكن لزمعة ولد من الأمة المذكورة سابقا، ومجرد الوطء لا عبرة به عندهم فيلزمهم تسليم ما قاله الشافعي الخ. (3/261)
صفحة 1069
أقول: وما قاله الشافعي في الأمة هو المذهب عندنا بل تثبت فراشا بأعم من ذلك فلتراجع رسالة عمنا أبي القاسم الباردي رحمه الله في الأمة متى تكون فراشا.
قوله: (احتجبي منه يا سودة إلى قوله فما رآها حتى لقي الله) وفي رواية قالت عائشة (فو الله ما رآها حتى ماتت)، وفي رواية (فلم تره سودة، في المدة التي بين هذا القول وبين موت أحدهما)، وفي رواية (فلم تره سودة بعد).
وذكر ابن حجر أنه استفيد من هذه الروايات أنها امتثلت الأمر وبالغت في الاحتجاب منه حتى أنه لم يره فضلا عن أن يراها لأنه ليس في الأمر المذكور دلالة على منعها من رؤيته.
وقد استدل به الحنفية على أنه لم يلحقه بزمعة لأنه لو ألحق به لكان أخا سودة والأخ لا يؤمر بالاحتجاب منه، وأجاب الجمهور بأن الأمر بذلك كان للاحتياط لأنه وإن حكم بأنه أخوها لقوله في الطرق الصحيحة (هو أخوك يا عبد) وإذا ثبت أنه أخو عبد لأبيه فهو أخو سودة لأبيها لكن لما رأى الشبه بينهما بعتبة أمرها بالاحتجاب احتياطا، وأشار الخطابي إلى أن في ذلك مزية لأمهات المؤمنين لأن لهن في ذلك ما ليس لغيرهن، إلى أن قال:
وقال القرطبي بعد أن قرر أن أمر سودة بالاحتجاب للاحتياط وتوقي الشبهات، ويحتمل أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حق أمهات المؤمنين، إلى أن قال:
وقد تقدم في تفسير الحجاب قول من قال: إنه كان يحرم عليهن إبراز أشخاصهن ولو كن مستترات إلا لضرورة بخلاف غيرهن فلا يشترط، وأيضا فلأن للزوج أن يمنع زوجته من الاجتماع بمحارمها فلعل المراد بالأمر بالاحتجاب عدم الاجتماع به في الخلوة.
وقال ابن حزم: لا يجب على المرأة أن يراها أخوها بل الواجب عليه صلة رحمه، إلى أن قال:
واستدل به بعض المالكية على مشروعية الحكم بين حكمين فروعي الفراش في (3/262)
صفحة 1070
النسب والشبه البين في الاحتجاب وإلحاقه بهما ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما من كل وجه، إلى أن قال:
واستدل به على أن حكم الحاكم لا يحل الأمر في الباطن كما لو حكم بشهادة فظهر أنها زور لأنه حكم أنه أخو عبد، وأمر سودة بالاحتجاب بسبب الشبه بعتبة فلو كان الحكم يحل الأمر في الباطن لما أمرها بالاحتجاب.
واستدل به على أن لوطء الزنا حكم وطء الحلال في حرمة المصاهرة وهو قول الجمهور، ووجه الدلالة أمر سودة بالاحتجاب بعد الحكم فإنه أخوها، لأجل الشبه بالزاني.
قال مالك في المشهور عنه والشافعي: لا أثر لوطء الزنا بل للزاني أن يتزوج أم التي زنا بها وبنتها، وزاد الشافعي ووافقه ابن الماجشون والبنت التي تلدها المزنى بها ولو عرفت أنها منه الخ. والحق ما ذهب إليه الجمهور وهو مذهب أصحابنا.
قال ابن حجر: واستدل به على صحة ملك الكافر الوثني الأمة الكافرة وإن حكمها بعد أن تلد من سيدها حكم القن لأن عبدا وسعدا أطلقا عليها أمة ووليدة ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أن قال: وأجيب بأن عتق أم الولد بموت السيد ثبت بأدلة أخرى الخ.
قوله: (ومعنى له الحجر أي الرجم) ضعف بعضهم هذا التأويل، قال ابن حجر في قوله (وللعاهر الحجر): أي للزاني الخيبة والحرمان، والعهر بفتحتين الزنا، وقيل يختص بالليل، ومعنى الخيبة هنا حرمان الولد الذي يدعيه، وجرت عادة العرب أن تقول لمن خاب (له الحجر وبغيه الحجر والتراب ونحو ذلك).
قيل: المراد بالحجر هنا أنه يرجم، قال النووي: وهو ضعيف لأن الرجم مختص بالمحصن، ولأنه لا يلزم من رجمه نفي الولد والخبر إنما سبق لنفي الولد الخ.
قال ابن حجر: فائدة التأويل الأول أولى بروايتين: أحدهما: الولد للفراش وفي فم العاهر الحجر، والأخرى: الولد للفراش وبغي العاهر الأثلب و قيل التراب وذكر أنه الحجر، وقيل دقاقه. (3/263)
صفحة 1071
وفي بعض الروايات قام رجل فقال لما فتحت مكة: إن فلانا ابني فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الأثلب).
قال ابن حجر: قال أين تكملة حديث الولد للفراش، قال ابن عبد البر: هو من أصح مايروى عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء عن بضعة وعشرين نفسا من الصحابة فذكرهم، إلى أن قال: وفي حديث معاوية قصة أخرى مع نظر ابن حجاج وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد فقال له انظر: فإن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من قضاء معاوية الخ.
(أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس قال: اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما اقض بيننا بكتاب الله الحديث).
قوله: (اختصم رجلان الخ) تقدم الكلام عليه في الباب الذي قبله وذكره هناك لأجل الحكم بكتاب الله بين الخصمين، وذكره هنا لأجل وقوع الرجم فيه للمرأة التي أقرت بالزنا والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (القطع في ربع دينار فصاعدا)، قوله: (القطع في ربع دينار فصاعدا) وفي بعض الروايات (نقطع يد السارق)، وفي بعضها (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار)، قال ابن حجر: والسرقة بفتح السين وكسر الراء ويجوز إسكانها، وبجوز كسر أوله، وسكون ثانيه الأخذ خفية وعرفت في الشرع بأخذ شيء ليس للآخذ أخذه، ومن اشترط الحرز وهم الجمهور زاد (من حرز مثله)، وقال ابن بطال: الحرز مستفاد من معنى السرقة يعني في اللغة.
ويقال لسارق الإبل الخارب بخاء معجمة، والسارق في الكيل مطفف، والسارق في الميزان مخسر، في أشياء ذكرها ابن خالوية في كتابه، قال المازني ومن تبعه: صان إليه الأموال بإيجاب قطع سارقها، وخص السرقة لقلة ما عداها بالنسبة إليها من الانتهاب والغصب ولسهولة إقامة البينة على ما عدا السرقة بخلافها، وشدد العقوبة فيها ليكون أبلغ في الزجر، ولم يجعل آية الجناية على العضو المقطوع منها بقدر ما يقطع فيه حماية، ثم لما خانت هانت وفي ذلك إشارة إلى الشبهة التي نسبت إلى أبى العلاء المعري في قوله:
يد بخمس مائين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار
فأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله:
عز الأمانة أغلاها وأرخسها ... ذل الخيانة فافهم حكمة الباري (3/264)
صفحة 1072
قال ابن حجر: وشرح ذلك: أن الدية لو كانت ربع دينار لكثرت الجنايات على الأيدي، ولو كان نصاب القطع خمس مائة لكثرت الجنايات على الأموال فظهرت الحكمة في الجنايتين وكان ذلك صيانة من الطرفين الخ.
واعلم أن اليد المأمور بقطعها إنما تقطع من الكوع فإن زاد الإمام من الكوع ضمن اتفاقا.
قال ابن حجر: وذكر الشافعي في كتابه اختلافا على مقدار المقطوع وقال ابن مسعود: إن عليا كان يقطع من يد السارق الخنصر والبنصر والوسطى خاصة ويقول: أستحي من الله أن أتركه بلا عمل الخ.
وذلك أنه روي عن علي: أن اليد تطلق من أصول الأصابع، ورد بأنه لا يسمى مقطوع اليد لغة ولا عرفا بل مقطوع الأصابع، والجمهور على أن اليد أولها من الكوع.
قال ابن حجر: ونقل بعضهم فيه الإجماع، وذكر أن منه آية التيمم قال يعني القرآن (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) وبينت السنة كما تقدم في بابه أنه عليه الصلاة والسلام مسح على كفه فقط الخ، وذكر الخلاف في اليد كما في الإيضاح وغيره فقال: وقد اختلف في حقيقة اليد فقيل: أولها من المنكب، وقيل: من المرفق، وقيل: من الكوع، وقيل: من أصول الأصابع، حجة الأول أن العرب تطلق اليد على ذلك، ومن الثاني الوضوء ففيها (وأيديكم إلى المرافق)، ومن الثالث آية التيمم ففي القرآن الخ.
واعلم أن الواجب في القطع أولا اليمين فإن قطعت الشمال ففيه خلاف وتفصيل عند قومنا، قال في البخاري: وقال قتادة في امرأة سرقت وقطع شمالها ليس إلا ذلك.
قال ابن حجر: وصله أحمد في تاريخه، إلى أن قال: عن الشعبي أنه سئل عن سارق قدم ليقطع فقطع شماله فقطعت فقال لا يزاد على ذلك، وأشار المصنف يعني البخاري بذلك إلى أن الأصل في أول شيء يقطع من السارق اليد اليمين وهو قول الجمهور، وقد قرأ ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما)، إلى أن قال:
ونقل فيه عياض الإجماع، وتعقب نعم قد شذ من قال إذا قطع الشمال أجزأت مطلقا كما هو ظاهر النقل عن قتادة. (3/265)
صفحة 1073
بوقال مالك: إن كان عمدا أوجب القصاص على القاطع ووجب اليمين وإن كان خطأ وجبت الدية وتجزئ عن السارق، وكذا قال أبو حنيفة.
وعن الشافعي وأحمد قولان في السارق، واختلف فيمن سرق فقطع ثم سرق ثانيا فقال الجمهور: تقطع رجله اليسرى ثم إن سرق فاليد الشمال، ثم إن سرق فالرجل اليمين، واحتج لهم بآية المحاربة وبفعل الصحابة وبأنهم فهموا من الآية أنها في المرة الواحدة فإذا عاد السارق وجب عليه القطع ثانيا إلى أن لا يبقى له ما يقطع ثم إن سرق عزر وسجن. وقيل: يقتل في الخامسة، قاله أبو مصعب الزهري اللدني صاحب مالك فذكر حجته، إلى أن قال:
وفيه قول ثالث: تقطع اليد بعد اليد ثم الرجل بعد الرجل، نقل عن أبي بكر وعمر ولا يصح، إلى أن قال:
وفيه قول رابع: تقطع الرجل اليسرى بعد اليمين ثم لا قطع أخرجه عبد الرزاق، إلى أن قال: وبسند صحيح عن إبراهيم النخعي كان يقولون: لا يترك ابن آدم مثل البهيمة ليس له يد يأكل بها ويستنجي، وبسند صحيح عن عبد الرحمن بن عابد: أن عمر أراد أن يقطع في الثالثة فقال له علي: اضربه واحبسه ففعل، وهذا قول النخعي والشعبي والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة.
وفيه قول خامس: قال عطاء: لا يقطع شيء من الرجلين أصلا على ظاهر الآية وهو قول الظاهرية، قال ابن عبد البر حديث القتل الخامسة منكر وقد ثبت لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، وثبت أن السرقة فاحشة وفيهما عقوبة، وثبت عن الصحابة قطع الرجل بعد اليد وهم يقرءون (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) كما اتفقوا على الجزاء في الصيد وإن قتل خطأ وهم يقرءون (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) ويمسحون على الخفين وهم يقرءون غسل الرجلين، وإنما قالوا جميع ذلك بالسنة اهـ.
وجميع ما ذكر ظاهر إلا هذا الأخير كما هو معلوم وليراجع ما هو المذهب عندنا من هذه الأقوال ولعله قول الجمهور والله أعلم. (3/266)
صفحة 1074
قوله: (فصاعدا) قال ابن حجر: قال صاحب الحكم يختص هذا، بالفاء ويجوز ثم بدلها وتجوز الواو، وقال ابن جني هو منصوب على الحال المؤكدة أي ومن المعلوم أنه إذا زاد لم يكن إلا صاعدا الخ.
(أبو عبيدة عن جابر عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع يد السارق في مجن قيمته أربعة دراهم، قال الربيع المجن الترس).
قوله: (قطع يد السارق في مجن قيمته أربعة دراهم) قال ابن حجر معناه أمر لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يباشر القطع بنفسه، وقد تقدم في الباب قبله أن بلالا هو الذي باشر قطع يد المخزومية فيحتمل أن يكون هو الذي كان موكلا بذلك، ويحتمل غيره.
وقوله (قيمته) قيمة الشيء ماتنتهي إليه الرغبة فيه وأصلها قومة فأبدلت الواو ياء لوقوعها بعد كسرة، والثمن ما يقابل به المبيع عند البيع الخ وذلك أنه في بعض روايات البخاري (أن يد السارق لم تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمن مجن حجفة أو ترس).
قال شارحه: المجن بكسر الميم وفتح الجيم مفعل من الاجتنان وهو الاستتار بما لا يحاذره المستتر وكسرت ميمه لأنه آلة في ذلك.
والحجفة بفتح المهملة والجيم ثم فاء هي الدرقة وقد تكون من خشب وعظم وتغلق بالجلد أو غيره، والترس مثله لكن يطابق فيه بين جلدين، وقيل هما بمعنى واحد.
وعلى الأول أو في الخبر للشك وهو المعتمد، إلى أن قال بعد ذكر الخلاف في القدر الذي تقطع فيه اليد ما نصه:
وحينئذ فالمعتبر ما ورد به النص صريحا مرفوعا في اعتبار ربع دينار، إلى أن قال:
وإذا اختلفت الروايات في النصاب أخذ بأصح ما ورد في الأقل فلم يصح أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم فكان اعتبار ربع دينار أقوى من وجهين: أحدهما: أنه صريح في الحصر حيثما ورد بلفظ إليه إلا في ربع دينار فصاعدا، إلى أن قال:
وحاصل المذهب في القدر الذي يقطع السارق بقرب من عشرين مذهبا.
الأول: يقطع في القليل والكثير فذكرها إلى آخره. (3/267)
صفحة 1075
بقي الكلام بين رواية المصنف في قيمة المجن أنها أربعة دراهم ورواية غيره أن ثمن المجن ثلاثة دراهم، فعلى كلام المصنف رحمه تعالى يكون صرف الدينار ستة عشر درهما، وعلى كلام غيره يكون اثنى عشر درهما فلم أر من ذكر أن صرف الدينار ستة عشر درهما بل المذكور أن صرفه عشرة دراهم كما في الزكاة، أو اثني عشر درهما كما في الجزية والدية، فرواية ثلاثة دراهم في المجن أوفق بربع الدينار.
قال ابن حجر: وأقل ما ورد في ثمن المجن ثلاثة دراهم وهي موافقة النص الصريح في القطع في ربع دينار الخ، والقول بأن القطع في أربعة دراهم نقله عياض عن بعض الصحابة ونقله ابن المنذري عن أبى هريرة وأبي سعيد.
قال ابن حجر: ثم قال: واستدل به على وجوب قطع السارق ولو لم يسرق من حرز، وهو قول الظاهرية وأبي عبد الله البصري من المعتزلة وخالفهم الجمهور، إلى أن قال:
نعم زعم ابن بطال أن شرط الحرز مأخوذ من معنى السرقة فإن صح ما قال سقطت حجة البصري أصلا، واستدل به على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لأن آية السرقة نزلت في سارق رداء صفوان أو سارق المجن وعمل بها الصحابة في غيرهما من السارقين.
واستدل بإطلاق ربع دينار على أن القطع يجب بما صدق عليه ذلك من الذهب سواء كان مضروبا أو غير مضروب جيدا أو رديئا، إلى أن قال:
واستدل بالقطع في المجن على مشروعية القطع في كل ما يأول قياسا، واستثنى الحنفية ما يسرع إليه الفساد وما أصله الإباحة كالحجارة واللبن والخشب والملح والتراب والكلا والطير، وفيه رواية عند الحنابلة، والراجح عندهم في مثل السرجين القطع تفريعا على جواز بيعه الخ.
قوله: (المجن الترس) يعني الدرقة كما تقدم.
(أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال (إذا زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير) يعني بحبل).
قوله: (سئل عن الأمة) في بعض الروايات (أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم قال جاريتي زنت فبيّن زناها قال اجلدها)، قال ابن حجر: ولم أقف على اسم هذا الرجل. (3/268)
صفحة 1076
قوله: (إذا زنت ولم تحصن) هذه هي رواية مالك والمراد بالإحصان التزويج، قال ابن حجر: قال ابن بطال: زعم من قال لا جلد عليها قبل التزويج بأنه لم يقل في هذا الحديث ولم تحصن غير مالك، وليس كما زعموا فقد روي عن يحى بن سعيد الأنصاري عن ابن شهاب كما قال مالك وكذا رواه طائفة عن ابن عيينة عنه الخ.
واستدل من قال لا حد على الأمة إذا لم تزوج لمفهوم قوله تعالى (فإذا أحصن) قال ابن حجر: في قوله تعالى (ومن لم يستطع منكم طولا أن يكنح المحصنات المؤمنات) الآية بعد كلام الواحدي ما نصه: وقال غيره: اختلف في إحصان الأمة فقال الأكثر إحصانها التزويج، وقيل العتق، وعن ابن عباس وطائفة إحصانها التزويج، ونصره أبو عبيدة وإسماعيل القاضي، واحتج له لأنه تقدم في الآية (من فتياتكم المؤمنات) فيبعد أن يقول بعده فإذا أسلمن.
قال: فإذا كان المراد التزويج كان مفهومه أنها قبل أن تتزوج لا يجب عليها الحد إذا زنت وقد أخذ به ابن عباس فقال: لا حد على الأمة إذا زنت قبل أن تتزوج، وبه قال جماعة من التابعين وهو قول أبي عبيدة القاسم بن سلام، وهو وجه للشافعي، واحتج بما أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس (ليس على الأمة حد حتى تحصن) وسنده حسن لكن اختلف في رفعه ووقفه والأصح وقفه، وبذلك جزم ابن خزيمة وغيره.
وادعى ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ أنه منسوخ بحديث الباب، وتعقب بأن النسخ يحتاج إلى التاريخ وهو لم يعلم وقد عارضه حد على أقيموا الحد على أرقائكم من أحصن منهم ومن لم يحصن، إلى أن قال:
وإذا حمل الإحصان في الحديث على التزويج وفي الآية على الإسلام حصل الجمع، وقد بينت السنة أنها إذا زنت قبل الإحصان تجلد.
وقال غيره: التقييد بالإحصان يفيد أن الحكم في حقهما الجلد، لا الرجم فأخذ حكم زناها بعد الإحصان من الكتاب وحكم زناها قبل الإحصان من السنة، والحكمة فيه أن الرجم لا ينتصف فليس ثم إلا حكم الجلد في حقها. (3/269)
صفحة 1077
قال البيهقي: ويحتمل أن يكون نهى عن الجلد في أكمل حالها ليستدل به على سقوط الرجم عنها إلا على إرادة إسقاط الجلد عنها إذا لم تتزوج، وقد بينت السنة أن عليها الجلد وإن لم تحصن اهـ.
قوله: (إن زنت فاجلدوها) قال ابن حجر: أعاد الزنا في الجواب غير مقيد بالإحصان للتنبيه على أن لا أثر له، وأن موجب الحد في الأمة مطلق الزنا، ومعنى (اجلدوها) الحد اللائق بها المبين في الآية وهو نصف ما على الحرة، إلى أن قال:
والخطاب في (فاجلدوها) لمن يملك الأمة فاستدل به على أن للسيد أن يقيم الحد على من يملكه من جارية أو عبد، أما الجارية فبالنص، وأما العبد فبالإلحاق.
وقد اختلف السلف فيمن يقيم الحدود على الأرقاء فقالت طائفة لا يقيم إلا الإمام ومن يأذن له، وهو قول الحنفية.
وعن الأوزاعي والثوري: لا يقيم السيد إلا حد الزنا.
واحتج الطحاوي بما ورد من طريق مسلم بن يسار قال: كان أبو عبد الله رجلا من الصحابة يقول: الزكاة والحدود والفتيا والجمعة إلى السلطان، قال الطحاوي: لا نعلم له مخالفا من الصحابة، وتعقب ابن حزم فقال: بل خالفه اثنا عشر نفسا من الصحابة.
وقال آخرون: يقيمه السيد ولو لم يأذن الإمام، وهو قول الشافعي، إلى أن قال: عن ابن عمر في الأمة إذا زنت ولا زوج لها يحدها السيد، فإن كانت ذات زوج فأمرها إلى الإمام، وبه قال مالك إلا إن كان زوجها عبدا لسيدها فأمرها إلى السيد، واستثنى مالك القطع في السرقة وهو وجه الشافعي، وفي آخر يسثتنى حد الشرب، إلى أن قال:
وحجة الجمهور حديث علي المشار إليه قبل، يعني قوله صلى الله عليه وسلم (أقيموا الحدود على أرقائكم من أحصن منهم ومن لم يحصن الخ).
قوله: (ثم بيعوها ولو بضفير) قال ابن حجر: بفتح الضاد المعجمة غير المشالة ثم فاء أي المضفور فعيل بمعنى مفعول، إلى أن قال: والضفير الحبل ثم قال: ووقع في رواية المقري (ولو بحبل من شعر) (3/270)
صفحة 1078
وأصل الضفير نسج الشعر وإدخال بعضه في بعض ومنه ضفار شعر الرأس للمرأة والرجل، وقيل: لا يكون مضفورا إلا إن كان من ثلاث، وقيل: شرطه أن يكون عريضا وفيه نظر اهـ.
قال: وفي الحديث: أن الزنا يرد به الرقيق للأمر بالحط من قيمة المرقوق إذا وجد منه الزنا، إلى أن قال:
وفيه أن من زنا فأقيم عليه الحد ثم عاد أعيد عليه بخلاف من زنى مرارا فإنه يكتفى بإقامة الحد عليه مرة واحدة على الراجح، أقول وهو المذهب عندنا.
وفيه الزجر عن مخالطة الفساق ومعاشرتهم ولو كانوا من الإلزام إذا تكرر زجرهم ولم يرتدعوا، ويقع الزجر بإقامة الحد فيما شرع فيه الحد، وبالتعزير فيما لا حد فيه.
وفيه جواز عطف الأمر المفضي للندب على الأمر المفضي للوجوب لأن الأمر بالجلد واجب والأمر بالبيع مندوب عند الجمهور خلافا لأبي ثور وأهل الظاهر الخ.
أقول: وقد ذهب صاحب الإيضاح في قوله صلى الله عليه وسلم (إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أفضلكما) أنه لا يحمل بعض الحديث على الوجوب وبعضه على الندب.
قال: وفيه أنه يجب على البائع أن يعلم المشتري بعيب السلعة لأن قيمتها إنما تنقص مع العلم بالعيب، إلى أن قال:
واستشكل الأمر ببيع الرقيق إذا زنا مع أن كل مؤمن مأمور أن يرى لأخيه ما يرى لنفسه، وأجيب بأن السبب الذي باعه لأجله ليس محقق الوقوع عند المشتري لجواز أن يرتدع الرقيق إذا علم أنه متى عاد أخرج فإن الإخراج من الوطن المألوف شاق، ويجوز أن يقع الإعفاف عند المشتري لنفسه أو بغيره.
وقال ابن العربي: يرجى عند تبديل المحل تبديل المحال، ومن المعلوم أن للمجاورة تأثيرا في الطاعة والمعصية.
قال النووي: وفيه أن الزاني إذا حد ثم زنا لزمه حد آخر ثم كذلك أبدا فإذا زنى مرات فلم يحد فلا يلزمه إلا حد واحد، أقول وهو كذلك عندنا. (3/271)
صفحة 1079
قال: وفيه إشارة إلى أن العقوبة في التقريرات إذا لم ينفذ مقصودها من الزجر لا تفعل لأن إقامة الحد واجبة فلم تكرر ذلك ولم يفد عدول إلى ترك شرط إقامته على السيد وهو الملك ولذلك قال بيعوها ولم يقل اجلدوها كما زنت، إلى أن قال نقلا عن إمام الحرمين:
إذا علم المعزر أن التأديب لا يحصل إلا بالضرب المبرح فليتركه لأن المبرح يهلك وليس له الإهلاك وغير المبرح لا يفيد، قال الرافعي: وهو مبني على أن الإمام لا يجب عليه تعزير من استحق التعزير فإن قلنا يجب التحق بالحد فليعزره بغير المبرح وإن لم ينزجر.
وفيه أن السيد يقيم الحد وإن لم يستأذن السلطان الخ. (3/272)
صفحة 1080
الباب السابع والثلاثون في الضالة واللقطة
614) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عن ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يُؤْوِي الضَّالَّةَ إِلاَّ ضَالٌّ». وَقَالَ: «ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَرْقُ النَّارِ».
615) ... وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ (1) عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ، فَقَالَ: «خُذْهَا فَهِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ». ثُمَّ قِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي ضَالَّةِ الإِبِلِ؟ فَاحْمَرَّ وَجْهُهُ وَغَضِبَ وَقَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا».
قَالَ الرَّبِيعُ: حِذَاؤُهَا أَخْفَافُهَا وَسِقَاؤُهَا يَعْنِي أَنَّهَا تَصْبِرُ عَنِ الْمَاءِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ كُرُوشَهَا تُمْسِكُهُ زَمَانًا.
616) ... وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ (2) أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ أَعْرَابِيٌّ عَنْ لُقَطَةٍ اِلْتَقَطَهَا، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ مُدَّعِيهَا بِوَصْفِ عِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا فَهِيَ لَهُ، وَإِلاَّ فَانْتَفِعْ بِهَا».
قَالَ الرَّبِيعُ: الْعِفَاصُ الْوِعَاءُ، وَالْوِكَاءُ الْخَيْطُ الذِي تُشَدُّ بِهِ.
617) ... وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ اِلْتَقَطَ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، فَمَنْ جَاءَكَ بِالْعَلاَمَةِ فَادْفَعْهَا لَهُ»، فَجَاءَهُ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ فَقَالَ لَهُ: عَرَّفْتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ سَنَةً، فَقَالَ لَهُ: «عَرِّفْهَا سَنَةً أُخْرَى»،
__________
(1) / قوله: ومن طريق ابن عبّاس، في نسخة القطب ذكر السند وهو أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ ابن عبّاس قال: سئل النبيء (ص) الحديث.
(2) / قوله: ومن طريق ابن عبّاس في نسخة القطب ذكر السند وهو أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبّاس عن النبيء (ص) أنّه سأله أعرابي. الحديث (3/273)
صفحة 1081
فَجَاءَهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ عَرَّفَهَا سَنَة أُخْرَى، فَقَالَ: «هُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». وَفِي مَكَّةَ لاَ تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ. فِي كِتَابِ الْحَجِّ (1).
قال ابن حجر: واللقطة الشيء الذي يلتقط وهو بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين، وقال عياض: لا يجوز غيره.
وقال الزمخشري: اللقطة بفتح القاف والعامة تسكنها كذا قال، وقد جزم الخليل بأنها بالسكون قال: وأما بالفتح فهو اللازم، وقال الأزهري: هذا الذي قاله هو القياس ولكن الذي سمع من العرب وأجمع عليه هذه اللغة والحديث الفتح، إلى أن قال: وفيها لغتان أيضا (لقاطة) بضم اللام (ولقطة) بفتحها، إلى أن قال: ووجه بعض المتأخرين فتح القاف في المأخوذ أنه للمبالغة وذلك لمعنى فيها اختصت به وهو أن كل من يراها يميل لأخذها فسميت باسم الفاعل لذلك اهـ.
وقال: في ضالة الإبل والضال الضائع والضال في الحيوان كاللقطة في غيره.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يأوي الضالة إلا ضال)، وقال (ضالة المؤمن حرق النار).
قوله: (لا يأوي الضالة إلا ضال) لعله لا يؤوي من أوي، والظاهر أن المراد بالضالة التي لا يجوز إيواؤها هي ضالة الإبل كما يدل عليه ما بعده، من الأحاديث وهو مذهب الجمهور.
قال ابن حجر: في قول البخاري (باب ضالة الإبل) أي هل تلتقط أم لا؟ إلى أن قال: والجمهور على القول بظاهر الحديث في أنها تلتقط، وحمل بعضهم النهي على من التقطها ليتملكها لا ليحفظها فيجوز له، وهو قول الشافعية، إلى أن قال: والخلاف عند المالكية أيضا.
قال العلماء: حكمة النهي عن التقاط الإبل أن فقدها حيث ضلت أقرب إلى وجود مالكها من أن تطلبها له في رحال الناس، وقالوا في معنى (الإبل) كل ما امتنع بقوته من صغار السباع.
__________
(1) / قوله في كتاب الحجّ أي تقدّم ذلك في كتاب الحجّ في آخر خطبته (ص) عام الفتح على باب الكعبة. (3/274)
صفحة 1082
قوله: (ضالة المؤمن حرق النار) قال العلقمي: وسببه عن الجارود قال أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن على إبل عجاف فقلنا إنا نمر بموضع قد سماه فنجد إبلا فنركبها قال (ضالة المسلم فذكره) اهـ.
ثم قال: قال شيخنا: قال في النهاية: الضالة الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره، يقال ضل الشيء إذا ضاع وهي في الأصل فاعلة ثم اتسع فيها فصار من الصفات الغالبة، وتقع على الذكر والأنثى والاثنين والجمع، والمراد بها في الحديث الضالة من الإبل والبقر مما يحمي نفسه ويقدر على الإبعاد في طلب المرعى والماء بخلاف الغنم.
قوله: (حرق النار) قال العلقمي: قال في النهاية: حرق النار بالتحريك لها وقد يسكن والمعنى ضالة المسلم إذا أخذها إنسان ليتملكها أدته إلى النار اهـ.
(ومن طريق ابن عباس عنه عليه السلام أنه سئل عن ضالة الغنم فقال (خذها فهي لك أو لأخيك أو للذئب) ثم قيل له: ما تقول في ضالة الإبل؟ فاحمر وجهه وغضب فقال مالك ولها، معها حذاها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها)، قال الربيع حذاؤها أخفافها، وسقاؤها يعني أنها تصبر عن الماء من أجل أن كروشها تمسكه زمانا).
قوله: (عن ضالة الغنم) الخ لفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة فقال: اعرف عقاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها) قال (فضالة الغنم) الخ قال ابن حجر: أي ما حكمها؟ فحذف ذلك للعلم به.
قال العلماء: الضالة لا تقع إلا على الحيوان، وما سواه يقال له اللقطة، ويقال للضوال أيضا الهوامي والهوافي بالميم والفاء والهوامل اهـ.
قوله: (خذها فهي لك أو لأخيك أو للذئب) قال ابن حجر: كأنه قال: هي ضعيفة لعدم الاستقلال، معرضة للهلاك، مترددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك والمراد به ما هو أعم من صاحبها أو من ملتقط آخر، والمراد بالذئب جنس ما يأكل الشاة من السباع.
وفيه: حث له على أخذها لأنه إذا علم أنه إذا لم يأخذها بقيت للذئب كان ذلك أدعى له إلى أخذها الخ.
أقول: بل في رواية المصنف رحمه الله الأمر بأخذها، قال ابن حجر: في هذه الرواية ما هو صريح في الأمر بالأخذ ففيه دليل على رد إحدى الروايتين عن أحمد في قوله يترك التقاط الشاة، وتمسك به مالك في أنه يملكها بالأخذ ولا تلزمه غرامة ولو جاء صاحبها، واحتج له بالتسوية بين الذئب والملتقط، والذئب (3/275)
صفحة 1083
لا غرامة عليه فكذلك الملتقط وأجيب بأن اللام ليست للتمليك لأن الذئب لا يملك وإنما يأكلها الملتقط على شرط ضمانها.
وقد أجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط لأخذها فدل على أنها باقية على ملك صاحبها، ولا فرق بين قوله في الشاة (هي لك أو لأخيك أو للذئب) وبين قوله في اللقطة (شأنك بها) أو خذها بل هذا أشبه بالتمليك لأنه لم يشرك معه ذئب ولا غيره، ومع ذلك فقالوا في اللقطة (يغرمها إذا تصرف فيها ثم جاء صاحبها).
وقال الجمهور: يجب تعريفها فإذا انقضت مدة التعريف أكلها إن شاء وغرم لصاحبها إلا أن الشافعي قال: لا يجب تعريفها إذا وجدت في الفلاة وأما في القرية فيجب في الأصح.
قوله: (فاحمر وجهه وغضب) في بعض الروايات (حتى احمرت وجنتاه) وفي بعضها (فتمعر) بالعين المهملة الثقيلة أي تغير.
قوله: (قال الربيع: حذاؤها أخفافها الخ) قال ابن حجر: الحذاء بكسر المهملة بعدها معجمة مع المد أي خفها، وسقاؤها إلى جوفها وقيل عتقها، وأشار بذلك إلى استغنائها عن الحفظ بما ركب في طباعها من الجلادة عن العطش وتناول المأكول بغير تعب لطول عنقها فلا تحتاج إلى ملتقط اهـ.
قال في محل آخر: وقد انفرد مالك بتجويز أخذ الشاة وعدم تعريفها متمسكا بقوله (هي لك) وأجيب بأن اللام ليست للتمليك كما أنه قال (أو للذئب) والذئب لا يملك باتفاق الخ.
(ومن طريق ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم سأله أعرابي عن لقطة التقطها فقال عرفها سنة فإن جاء مدعيها بوصف عفاصها ووكائها فهي له وإلا فانتفع بها) قال الربيع (العفاص الوعاء والوكاء الخيط الذي يشد به).
قوله: (سأل أعرابي عن اللقطة) قال ابن حجر بعد كلام على تسمية هذا الأعرابي مانصه: ثم ظفرت بتسمية هذا السائل، إلى أن قال: عن عقبة بن سويد الجهني عن أبيه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة الخ، يعني فتبين بهذه الروايات أن اسمه سويد الجهني.
وفي بعض الروايات قلت يا رسول الله اللقطة نجدها قال (انشدها ولا تكتم ولا تغيب الحديث). (3/276)
صفحة 1084
قوله: (عرف بها سنة) في بعض الروايات (عرفها سنة ثم اعرف عفاصها ووكاءها) وفي بعضها زيادة (وعددها) وفي بعضها (اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة) قال ابن حجر: وهو يقتضي أن التعريف بعد معرفة ما ذكرت من العلامات، ورواية طريق الباب تقتضي أن التعريف يسبق المعرفة.
قال النووي: يجمع بينهما بأن يكون مأمورا بالمعرفة في حالتين فيعرف العلامات أول ما يلتقط حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها كما تقدم ثم بعد تعريفها سنة إن أراد أن يتملكها فيعرفها مرة أخرى تعريفا وافيا مخففا، ليعلم قدرها وصفتها فيردها إلى صاحبها.
قال ابن حجر: قلت: ويحتمل أن تكون ثم في الروايتين بمعنى الواو فلا تقتضي ترتيبا ولا تقتضي تخالفا يحتاج إلى الجمع، ويقويه كون المخرج واحدا والقضية واحدة، إلى أن قال: وليس الغرض إلا أن يقع التصرف والتعريف مع قطع النظر عن أيهما يسبق.
واختلف في هذه المعرفة على قولين للعلماء أظهرهما الوجوب لظاهر الأمر يعني في رواية اعرف، وقيل: يستحب، وقال بعضهم: تجب عند الالتقاط ويستحب بعده الخ.
وقوله: (عرفها) بالتشديد وكسر الراء أي اذكرها للناس. قال كل العلماء: محل ذلك المحافل كأبواب المساجد والأسواق ونحو ذلك يقول (من ضاعت له نفقة) ونحو ذلك من العبارات، ولا يذكر شيئا من الصفات.
وقوله: (سنة) أي متوالية فلو عرفها سنة متفرقة لم يكف كأن يعرفها في كل سنة شهرا فيصدق أنه عرفها سنة في اثنتي عشرة سنة، وقال العلماء: يعرفها في كل يوم مرتين ثم مرة في كل أسبوع ثم في كل شهر، ولا يشترط أن يعرفها بنفسه بل يجوز توكيله ويعرفها في مكان سقوطها وغيره اهـ من ابن حجر.
قوله (العفاص الوعاء) قال ابن حجر: والعفاص بكسر المهملة وتخفيف الفاء وبعدها الألف مهملة الوعاء الذي تكون فيه النفقة جلدا كان أوغيره، إلى أن قال: والعفاص أيضا الجلد الذي يكون على رأس القارورة، وأما الذي يدخل في فم القارورة من جلد أو غيره فهو الصمام بكسر الصاد المهملة. (3/277)
صفحة 1085
قال ابن حجر: قلت حيث ذكر العفاص مع الوعاء فالمراد الثاني، وحيث يذكر العفاص مع الوكاء فالمراد به الأول والغرض معرفة الآلات التي تحفظ النفقة.
ويلتحق بما ذكر حفظ الجنس والصفة والقدر والكيل فيما يكال، والوزن في فيما يوزن والذرع فيما يذرع.
وقال جماعة من الشافعية: يستحب تقييدها بالكتابة خوف النسيان.
واختلفوا فيما إذا عرف بعض الصفات دون بعض بناء على القول بوجوب الرفع لمن عرف الصفة: قال ابن القاسم: لا بد من ذكر جميعها كذا قال أصبغ لكن قال: لا يشترط معرفة العدد، وقول ابن القاسم أقوى لثبوت ذكر العدد في الرواية الأخرى وزيادة الحافظ حجة الخ.
ومن طريق ابن عباس أن زيد بن ثابت التقط صرة فيها مائة دينار فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له (عرفها سنة فإن جاءك بالعلامة فادفعها له) فجاءه عند تمام السنة فقال له عرفتها يا رسول الله سنة فقال له (عرفها سنة أخرى) فجاء عند انقضاء السنة الثانية فأخبره أنه عرفها سنة أخرى فقال له (هو مال الله يؤتيه من يشاء وفي مكة لا تحل لقطتها إلا لمنشد في كتال الحج).
قوله (إن زيد بن ثابت التقط صرة فيها مائة دينار الخ) في البخاري الذي التقط ذلك أبي بن كعب فلفظه بعد ذكر الإسناد (لقيت أبي بن كعب رضي الله عنه فقال أخذت صرة مائة دينار فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال (عرفها حولا) فعرفتها حولا فلم أجد من يعرفها ثم أتيته فقال (عرفها حولا) فعرفتها فلم أجد ثم أتيته ثلاثا فقال: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها فإن جاءه صاحبها فاستمتع بها الخ.
أقول: فهذا الحديث يدل على أن اللقطة تعرف ثلاث سنين، والحديث الذي قبله يدل على أنها تعرف سنة.
قال ابن حجر: وجمع بعضهم بين حديث أبي هذا وحديث زيد بن خالد الآتي في الباب الذي يليه فإنه لم يختلف عليه في الاقتصار على سنة واحدة فقال: يحمل حديث أبي بن كعب على مزيد الورع عن التصرف في اللقطة والمبالغة في التعقيب عنها، وحديث زيد على ما لا بد منه أو احتياج الأعرابي واستغناء أبي.
ثم قال المنذري: لم يقل أحد من أئمة الفتوى أن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام إلا شيء جاء عن عمر اهـ وقد حكاه الماوردي عن شواذ من الفقهاء.
وحكى ابن المنذري عن عمر أربعة أقوال: يعرفها ثلاثة أحوال عاما واحدا ثلاثة أشهر ثلاثة أيام ويحمل ذلك على عظم اللقطة وحقارتها، إلى أن قال: (3/278)
صفحة 1086
وقال ابن الجوزي: يحتمل أن يكون في عرف أن تعريفها لم يقع على الوجه الذي ينبغي فأمر أبيا بإعادة التعريف، إلى أن قال: ولا يخفى بعد هذا على مثل أبي مع كونه من فقهاء الصحابة وفضلائهم.
وقد حكى صاحب الهداية من الحنفية رواية عندهم: أن الأمر في التعريف مفوض لأمر الملتقط فعليه أن يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك والله أعلم.
واستدل بهذا الحديث أن اللقطة يأخذها من يحفظها ولايدعها تضيع.
وفيه: رد على من كره اللقطة، قال ابن حجر: ومن حجتهم حديث الجارود مرفوعا (ضالة المسلم حرق النار) أخرجه النسائي بإسناد صحيح.
وحمل الجمهور ذلك على من لا يعرفها، وحجتهم في حديث زيد بن خالد عند مسلم (من أوى الضالة فهو ضال ما لم يعرفها الخ) ووجه الاستدلال بهذا الحديث على جواز أخذ اللقطة لمن يعرفها أنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أبي أخذ الصرة فدل على أنه جائز شرعا.
ويستلزم اشتماله على المصلحة وإلا كان تصرفا في ملك الغير، وتلك المصلحة تحصل بحفظها وصيانتها عن الخونة وتعريفها لتصل إلى صاحبها، ومن ثم كان الأرجح من مذاهب العلماء أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال فمتى رجح أحدها وجب أو استحب، ومتى رجح تركها حرم أو كره وإلا فهو جائز اهـ ملخصا من ابن حجر.
وقال في محل آخر قوله (مائة دينار واستدل به لأبي حنيفة في تفرقته بين قليل اللقطة وكثيرها فيعرف الكثير سنة والقليل أياما، وحد القليل عنده ما لا يوجب القطع وهو ما دون العشرة الخ.
وقال في محل آخر: والأصح عند الشافعية أنه لا فرق في اللقطة بين القليل والكثير في التعريف وغيره، وفي وجه لا يجب التعريف أصلا، وقيل: يعرف مرة، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: زمانا يظن أن فاقده أعرض عنه، وهذا كله في قليل له قيمة، أما ما لا قيمة له كالحبة الواحدة فله الاستبداد به على الأصح. (3/279)
صفحة 1087
وفي الباب الذي يليه في حديث التمرة حجة لذلك، ويعني بحديث التمرة ما روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بتمرة في الطريق فقال لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها الخ.
قال: وعند الحنفية أن كل شيء يعلم أن صاحبه لا يطلبه كالنواة أجاز أخذه والانتفاع به من غير تعريف إلا أنه يبقى على ملك صاحبه.
وعند المالكية كذلك إلا أنه يزول ملك صاحبه، فإن كان له قدر ومنفعة وجب تعريفه.
واختلفوا في مدى التعريف فإن كان مما يتسارع إليه إفساد جاز أكله ولا يضمن على الأصح اهـ.
قوله (هو مال الله يؤتيه من يشاء) هذا الحديث والذي قبله يدلان على أن اللقطة بعد انقضاء مدة التعريف تكون لملتقطها، غنيا كان أو فقيرا.
قال ابن حجر في قوله صلى الله عليه وسلم في اللقطة (عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها) ما نصه: واستدل به على أن اللاقط يملكها بعد مدة التعريف، إلى أن قال:
المشهور عند الشافعية اشتراط التلفظ بالتمليك، وقيل تكفي النية وهو الراجح، وقيل: تدخل في ملكه بمجرد الالتقاط، إلى أن قال:
واختلف العلماء فيما إذا تصرف في اللقطة بعد تعريفها سنة ثم جاء صاحبها هل يضمنها له أم لا؟ فالجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة أو البدل إن كانت استهلكت، وخالف في ذلك الكرابسي، إلى أن قال: وداود بن علي إمام الظاهرية لكن وافق داود الجمهور إذا كانت العين قائمة الخ، فذكر حجج الجمهور، إلى أن قال:
وأصرح من ذلك رواية أبي داود من هذا الوجه بلفظ (فإن جاء باغيها فأدها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده) وهي أقوى حجة للجمهور، إلى أن قال:
قال النووي: إن جاء صاحبها قبل أن يتملكها الملتقط أخذها بزوائدها المتصلة والمنفصلة، وأما بعد التملك فإن لم يجئ صاحبها فهي لمن وجدها ولا مطالبة عليه في الآخرة، وإن جاء (3/280)
صفحة 1088
صاحبها فإن كانت موجودة بعينها استحقها بزوائدها المتصلة مهما تلف منها لزم الملتقط غرامته للمالك، وهو قول الجمهور، وقال بعض السلف: لا يلزمه وهو ظاهر اختيار البخاري والله أعلم الخ.
وكلام أبي إسحاق رحمه الله مخالف لظاهر الحديث فإنه ذم جواز أكل اللقطة للفقير حيث قال: واللقطة على قسمين:
أحدهما: ما يجب أخذها فإن تركها فقال بعض أصحابنا إنه يضمنها، وذلك جميع المال سوى الإبل وينقسم على ضربين: أحدهما: مايعرفه سنة وهو ما لا يخاف عليه فساد، الثاني منهما: ما يخاف عليه الفساد فيعرفه يوما أو يومين وإلا تصدق به أو أكله إن كان محتاجا.
وقد قيل: لابأس بتمليك اليسير من اللقطة كالنعل والعصا والخشبة ما لا يرجع صاحبه إليه وما أشبه ذلك، فإن رجع صاحبه إليه ولو مسواكا فهو أحق به.
القسم الثاني: ما لا يجوز أخذها فإن أخذها كان ضامنا وذلك ضالة الإبل خاصة الخ، أقول: ولم يذكر في شيء من الأحاديث التي رواها المصنف رحمه الله التصرف باللقطة بل أمره بالانتفاع بها وقال لزيد (هو مال الله يؤتيه من يشاء) وهو مائة دينار فكيف يترك العمل بالحديث الصحيح ويصار إلى غيره مع أنهم يقولون لا حظ للنظر مع وجود الأثر، نعم ذكروا أن الأثر في قوله (فاستمتع) بها للإباحة لا للوجوب ولا للندب والله أعلم.
قوله (وفي مكة لا تحل لقطتها إلا لمنشد) قال ابن حجر: أي معرف وأما الغالب فيقال له الناشد تقول نشدت الضالة إذا طلبتها وأنشدتها إذا عرفتها، والأصل الإنشاد والنشد رفع الصوت والمعنى لا تحل لقطتها إلا لمن يريد أن يعرفها فقط وأما من أراد أن يعرفها ثم يتملكها فلا الخ وقد تقدم الكلام على هذا بطوله في كتاب الحج والله أعلم.
قال ابن حجر: واستدل به على جواز تعريف الضالة في المسجد الحرام بخلاف غيره من المساجد الخ، وذكر أبو إسحاق رحمه الله في أن اللقطة في الحرم يستحب تركها إلى أن يعرفها مالكها وذلك لأن الملتقط لا يقدر أن يعم الخلق في ذلك الموقف بتعريفها والله أعلم أن يعود إليها صاحبهامن ساعته فلا يجدها اهـ. (3/281)
صفحة 1089
[صفحة بيضاء] (3/282)
صفحة 1090
كتاب الذبائح (3/283)
صفحة 1091
[صفحة بيضاء] (3/284)
صفحة 1092
البَابُ التاسع والثلاثون في الذَّبَائِحِ (1)
618) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أُحِلَّتْ لَكُمْ مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَالْمَيْتَتَانِ: الْجَرَادُ وَالسَّمَكُ، وَالدَّمَانِ: الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ».
619) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَتْ جَارِيَةٌ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ تَرْعَى غَنَمًا لَهُ، فَأُصِيبَتْ مِنْهَا شَاةٌ فَذَبَحَتْهَا بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «لاَ بَأْسَ بِهَا فَكُلُوهَا» (2).
620) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَاسًا مِنَ الصَّحَابَةِ يَرْوُونَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ نَهَى فِي الذَّبْحِ عَنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْخَزْلِ وَالْوَخْزِ وَالنَّخْعِ وَالتَّرْدَادِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: الْخَزْلُ: إِدْخَالُ الْحَدِيدَةِ تَحْتَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ وَيَذْبَحُ قُبَالَتَهُ. وَالْوَخْرُ: الطَّعْنُ بِرَأْسِ الْحَدِيدَةِ فِي رَقَبَةِ الشَّاةِ بَعْدَ الذَّبْحِ. وَالنَّخْعُ: كَسْرُ الرَّقَبَةِ. وَالتَّرْدَادُ: الذَّبْحُ بِالْحَدِيدَةِ الْكَلِيلَةِ التِي تَتَرَدَّدُ فِي اللَّحْمِ.
621) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَفَّ نَاسٌ (3) مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَضْرَةَ الأَضْحَى (4) فِي زَمَانِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُوا وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ». قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِضَحَايَاهُمْ
__________
(1) / قوله: باب الذبائح، في نسخة القطب كتاب الذبائح.
(2) / خ: فكلها.
(3) / خ: قوله: دف ناس أي ساروا سيرا ليّنا.
(4) / قوله: حضرة الأضحى أي وقت الأضحى. (3/285)
صفحة 1093
وَيَجْعَلُونَ جَمَّ الوَدَكِ (1)، وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الأَسْقِيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا ذَلِكَ»؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَهَيْتَ عَنْ إِمْسَاكِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ: «إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ التِي دَفَّتْ عَلَيْكُمْ، فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا».
قَالَ الرَّبِيعُ: الدَّافَّةُ الْقَادِمُونَ.
622) ... وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: «مَنْ خَافَ مِنْ شِدَّةِ الْمَيْعَةِ ... » الْحَدِيثُ (2)، حَتَّى قَالَ: «ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ» وَالأَمْلَحَانِ الأَبْلَقَانِ.
623) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْعَقِيقَةِ (3) فَقَالَ: «لاَ أُحِبُّ العُقُوقَ»، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ وَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ».
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَعَلَى الذَّكَرِ شَاتَانِ وَعَلَى الأُنْثَى شَاةٌ.
الذبائح جمع ذبيحة وهي فعلية بمعنى مفعولة مشتقة من الذبح وهو الذكاة، وعرفها صاحب الايضاح رحمه الله قال: وأما صفة الذكاة فالذكاة في اللغة هي الشق وفي الشرع: قطع الحلقوم والمريء والودجين وتسمي وتدعها حتى تبرد كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز أكل الحيوانات إلا بالتذكية الشرعية، إلى أن قال:
وقيل: الحلقوم موضع النفس، والمريء الذي يدخل منه الطعام من كل حي من بشر أو بهيمة فإذا بانا فلا حياة بعد إبانتها، والودجان عرقان ممدودان في صحفتي الحلقوم الخ.
__________
(1) / قوله: ويجعلون جمّ الودك، أي يصنعون الودك الكثير.
(2) / قوله: الحديث، إشارة إلى تقدّمه آخر باب السبايا والعزلة في كتاب النكاح.
(3) / قوله: عن العقيقة، هي الشاة التِي تذبح اليوم السابع من ولادة المولود وكأنّه (ص) نهى عن تسميتها بذلك لما فيه من معنى العقوق فأمر أن تسمّى نسيكة لما في معنى النسك من التعبد. (3/286)
صفحة 1094
قوله (أحلت لكم ميتتان الخ)، لفظ الحديث في الجامع الصغير أحلت لكم ميتتان، قال العلقمي: الميتة ما زالت حياته لا بذكاة شرعية، وقال النووي: قال أهل اللغة والفقهاء: الميتة ما فارقه الروح بغير ذكاة انتهى.
قال في المصباح: والمراد بالميتة في عرف الشرع ما مات حتف أنفه أو قتل على هيئة غير مشروعة، إما في الفاعل أو المفعول، فما ذبح للصنم أو في الإحرام أولم يقطع منه الحلقوم ميتة وكذا ذبح مالا يؤكل لا يفيد الحل ولا الطهارة أيضا لأنها ذكاة لا تفيد الحل فلا تفيد الطهارة كذكاة الكلب ويستثنى من ذلك للحل ما فيه نص انتهى.
أقول ولعل المراد بقوله أو في الإحرام إذا كان من الصيد قال: قلت والموت عدم الحياة عما من شأنه الحياة قاله في المطول، وقال السيد: عدم الحياة عمن اتصف بها وهو الظاهر اهـ.
قوله السمك أي بجميع أنواعه ولا يضر الاشتراك اللفظي كخنزير الماء وكلب الماء وإنسان الماء إلا إن منعه ما يحتاج إلى الذكاة وهو ما يعيش البر والبحر قال في الإيضاح في قوله صلى الله عليه وسلم (هو الطهور ماؤه والحل ميتة) ما كان في البحر مما لا يعيش في البر فحلال ميتته لهذا الحديث وقوله تعالى (أحل صيد البحر وطعامه) أيضا يدل على ذلك وطعامه هو الطافي عند بعضهم الخ.
قوله (والجراد) قال العلقمي بفتح الجيم اسم جنس واحدة جرادة يطلق على الذكر والأنثى، وجردت الأرض فهي مجرودة أي أكل الجراد ثمرتها قال دريد في الجمهور: سمي جرادا لأنه يجرد الأرض فيأكل ما عليها اهـ.
قوله (الكبد) قال العلقمي الكبد مؤنثة وهي بفتح الكاف وكسر الباء ويجوز إسكان الباء مع فتح الكاف وكسرها كما في نظائرها، قال: أبو حاتم هي اللحمة السوداء التي هي من الحشى في الجانب الأيمن، والجمع أكباد وأكبد وكبود.
قوله (الطحال) قال العلقمي بكسر الطاء من الأمعاء معروف، ويقال هو لكل ذي كرش إلا الفرس فلا طحال له، والجمع طحالات وأطحلة مثل السلاح وأسلحة، (3/287)
صفحة 1095
وطحل مثل كتاب وكتب، وطحل الإنسان طحلا فهو طحل من باب تعب عظم طحاله.
(أبو عبيدة عن أبي سعيد قال كانت جارية لكعب بن مالك ترعى غنما له فأصيبت منها شاة فذبحتها بحجر فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال (لا بأس بها فكلوها).
قوله (كانت جارية لكعب بن مالك الخ) في بعض رواياته: أن جارية لكعب بن مالك ترعى غنما له بالجبل الذي بالسوق وهو سلع فاصطادت شاة فكسرت حجرا فذبحتها به فذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بأكلها اهـ.
وفي بعض الروايات فذبحتها فقال لأهله: لا تأكلوا حتى آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله أو حتى أرسل إليه من يسأله فأتى النبى صلى الله عليه وسلم أو بعث إليه فأمرالنبي صلى الله عليه وسلم بأكلها اهـ.
وسلع بفتح السين المهملة وسكون اللام وحكي فتحها وآخره مهملة جبل سروف بالمدينة، قاله ابن حجر.
قوله (فذكتها بحجر) الرواية في الإيضاح فذبحتها بمرو الخ، والمرو حجر أبيض وقيل هو الذي يقدح منه النار، قاله ابن حجر.
وظاهر رواية المصنف رحمه الله: أنه لا فرق بين الأحجار في جواز الذبح، وهو أحد القولين في الإيضاح حيث قال بعد رواية هذا الحديث وحديث آخر لفظه (إن الله يحب الرفق فمن ذبح فليذبح بشفرة حادة) فهذا دليل على جواز الذبح بالحديد والحجارة مما له حد منها.
وقد ذكر في الأثر: قال أبو عبد الله: إنما يذبح بالحجارة المرو وهي البيضاء والحمراء ولا يذبح بما سواهما من الحجارة، وفي الأثر أيضا: قال أبو محمد: والحديد كله جائز به الذبح إذا كان له حد مثل المنحرف والمدية العوجاء والسيف والموسى والمقراض وأشباه ذلك، وبين أصاحبنا الاختلاف في هذا، ونحن نرى جواز ذلك.
وفي الأثر أيضا: لا يذبح بالرخام ولا بالزجاج ولا الذهب ولا الفضة ولا الطرس ولا الضفر ولا العاج ولا الخزف ولا المحار ويجوز بالمغر من الحجارة، وغير الغر أيضا جائز وفيه أن الحجر غير المغر لا يجوز، والإجازة أحب إلي والله أعلم.
وفي الأثر أيضا: وينهى الربيع عن الذبح بالحجر والفضة والخشب.
والمغر هو الصلب من الحجارة كما في القاموس، وقال في الإيضاح أيضا بعد رواية هذا الحديث في فصل معرفة من تجوز ذكاته: (3/288)
صفحة 1096
وفي هذا الخبر أيضا أربع فوائد: أحدها: أنها امرأة، والثانية: أنها مملوكة، والثالثة: احتسابها لمولاها، والرابعة: ذبحها بالمرو.
قال ابن حجر: وفي الحديث تصديق الأجير الأمين كالمودع بغير إذن المالك بالمصلحة، إلى أن قال:
وقال أبو القاسم: إذا ذبح الراعي شاة بغير إذن المالك وقال خشيت عليها الموت لم يضمنه على ظاهر هذا الحديث، وتعقب بأن الجارية كانت أمة لصاحب الغنم فلا يتصور تضمينها، وعلى تقدير أن تكون غير ملكه فلم ينقل في الحديث أنه أراد تضمينها، وكذا لو أنزى على الإناث فحلا بغير إذن فهلكت قال ابن حجر: لا يضمن لأنه من صلاح الحال، إلى أن قال:
وفيه: جواز ما ذبح بغير إذن مالكه ولو ضمن الذابح، وخالف في ذلك طاووس وعكرمة الخ، أقول: وعند أصحابنا في ذلك خلاف.
قال في الإيضاح: واختلفوا أيضا في ذكاة الغاصب والسارق الخ، لكن الذي يميل إليه كلامه رحمه الله عدم جواز أكلها حيث قال بعد كلام: وفي الأثر: وإذا كانت غنم موقوفة تذبح لعرس أو مأتم أو عيد فذبح رجل ولم يؤمر فجائز، والعادة في مثل هذا أنه يعني في هذا مثل إذا لم يؤمر أحد بعينه بالذبح، وإذا أمره غيره لم يجز ذلك.
وإذا اشترى جماعة شاة فطلبت إليهم امرأة أن يسلموها منها والشاة واقفة بينهم فقام إليها واحد منهم فذبحها؛ فإن كان متعديا لم يجز أكلها وإن ذبح لهم جاز، وقال أصحابنا: إذا لم يأمروه جميعا لم تؤكل فهذه الأشياء تكون لها دلائل ولا يخفى المتعدي من غيره، والتحريم لا يقع إلا بالتعدي، وكذلك من غاب منهم واحد.
وإن اختلفوا فقال بعضهم: تذبح اليوم وقال آخرون: تذبح غدا لم يجز لأحد أن يذبح إذا امتنع أحدهم وعلى هذه الصفة لا يجوز أكلها، والاستحسان عندي غير هذا والله أعلم اهـ.
قال ابن حجر: وفيه: جواز أكل ما تذبحه المرأة سواء كانت حرة أو أمة، كبيرة أو صغيرة، مسلمة أو كتابية، طاهر أو غير طاهر لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بأكل ما ذبحته ولم يستفصل، نص على ذلك الشافعي وهو قول الجمهور الخ. (3/289)
صفحة 1097
قوله (نهى في الذبح عن أربعة أوجه الخ) ذكر هذا الحديث في الإيضاح وذكر تفسير الربيع على غير ترتيب المصنف ثم قال: فالوجهان الأولان لم يجزموا بهما وعنى بهما الخزل والترداد إذ قال: الوجهان الآخران حرموا بهما لأن في ذلك تشريكا في الذكاة ومتى كان في الذكاة تشريك لم يجز على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى الخ.
قوله: (والوخز الطعن برأس الحديدة الخ) يعني بالنظر إلى المراد هنا وإلا فقد قال في الإيضاح: الوخز الطعن بالرمح ونحوه ولا يكون نافذا، يقال وخزه بالخنجر الخ.
قوله: (النخع) كسر الرقبة لعل هذا أيضا بالنظر إلى المراد وإلا فقد قال في الصحاح بعد كلام: أو ناس من أهل الحجاز يقولون هو مقطوع النخاع بالضم وهو الخيط الأبيض الذي في جوف الفقار، والنخع مفصل الفهقة بين العنق والرأس من باطن يقال ذبحه فنخعه نخعا أي جاوز منتهى الذبح إلى النخاع، يقال دابة منخوعة الخ فعلى هذا يكون النخع معناه مجاوزة الحد في الذبح بالوصول إلى النخاع فيكون الشيء على هذا مطابقا لما في اللغة، ولعل ما ذكره الربيع معنى آخر في اللغة لم يذكره صاحب الصحاح والله أعلم.
قوله: (والترداد) يعني بكسر التاء الذبح بالحديدة الخ هذا بالنظر إلى المراد هنا، وإلا فالظاهر من كلام الصحاح أن الترداد أعم من ذلك حيث قال ورده ترديدا أوتردادا الخ.
أبو عبيدة عن عائشة رضي الله عنها قالت: دف ناس من أهل المدينة حضرة الأضحى في زمان النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلوا وتصدقوا بما بقي بعد ثلاثة أيام) قالت: فلما كان بعد ذلك قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن الناس ينتفعون بضحاياهم ويجعلون جم الودك ويتخذون منها الأسقية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وما ذلك؟) قالوا يا رسول الله نهيت عن إمساك الضحايا بعد ثلاثة أيام فقال: (إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم فكلوا وتصدقوا وادخروا) والدافة القادمون.
قوله: (دف ناس من أهل المدينة الخ) في بعض روايات البخاري بعد ذكر الإسناد سمع أبا سعيد يحدث: أنه كان غائبا فقدم إليه لحم فقالوا هذا من لحم ضحايانا فقال ادخروه لا أذوقه قال ثم قمت فخرجت حتى آتى أخي قتادة، وكان أخاه لأمه، وكان بدريا فذكرت ذلك له فقال: إنه قد حدث بعد أمر الخ فذكر حديثا آخر لفظه بعد ذكر الإسناد أيضا قال النبي صلى الله عليه وسلم (من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثلاثة وفي بيته منه شيء) فلما كان العام المقبل (3/290)
صفحة 1098
قالوا: يا رسوا الله نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: كلوا وأطعموا وادخروا فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها انتهى.
وفي رواية آخرى عن ابن عباس قال: قلت لعائشة نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تؤكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث قالت: ما فعله إلا في عام واحد جاع الناس فيه فأراد أن يطعم الغني الفقير وإن كنا لنرفع الكراع فنأكله بعد خمس عشرة، قيل: ما اضطركم إليه؟ فضحكت، قال: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز بر ما دون ثلاثة أيام حتى لحق الله اهـ.
(دف الناس من أهل المدينة الخ) قال في الصحاح: الدفيف الدبيب وهو السير اللين، يقال دفت علينا من بني فلان دافة، والدافة الجيش يدفون نحو العدو أي يدفعون الخ، والمراد هنا أنه قدم عليهم ناس محتاجون في زمان الأضحى.
وقوله: (من أهل المدينة) لعله من أهل البادية كما يدل عليه كلام ابن حجر بعد.
قوله: (وتصدقوا بما بقي بعد ثلاثة أيام) قال ابن حجر: قال القرطبي: اختلف في أول الثلاث التي كان الادخار فيها جائز فقيل: أول النحر، إلى أن قال: وقيل: أولها يوم يضحي فلو ضحى آخر أيام النحر جاز له أن يمسك ثلاثا بعدها، قال ابن حجر: قلت ويؤيده في حديث جابر: كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى، فإن ثلاث منى تتناول يوما بعد يوم النحر لأهل النفر الثاني الخ.
قوله: (ويجعلون جم الودك) لعل المراد أنهم يجمعون كثيرا من الودك.
قوله: (ويتخذون منها الأسقية) لعل المراد إذا كانت الضحية من المعز مثلا والله أعلم.
وانظر ما المراد بقوله (إن الناس ينتفعون بضحاياهم إلى آخر الجملتين) فإن الانتفاع بالضحية بعد ثلاثة أيام كيف ينتفعون فيما قبل العلم بنسخ وجوب التصدق بما بقي، اللهم إلا أن يقال: المراد إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس ينتفعون من الضحية بالودك والأسقية ولا يأكلون اللحم لأنهم فهموا من الأمر بالتصدق بما بقي خصوص اللحم فيناسب حينئذ سياق بقية الحديث والله أعلم، وليس في متن البخاري شيء من هذه الزيادة ولكن من حفظ حجة على من لم يحفظ. (3/291)
صفحة 1099
ثم رأيت في شرح البخاري لابن حجر ما يدل على أن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن الانتفاع بالضحية قبل النهي حيث قال: وأول الحديث عند مسلم (دف ناس من أهل البادية حضرة الأضحى في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ادخروا الثلاث وتصدقوا بها، فلما كان بعد ذلك قيل يا رسول الله: لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم فقال: إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت فكلوا وتصدقوا وادخروا).
قال ابن حجر: عن الشافعي ما نصه: فإذا دفت الدافة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، وإن لم تدف دافة فالرخصة ثابتة بالأكل والتزود والادخار والصدقة.
قال الشافعي: ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث منسوخا في كل حال.
قال ابن حجر: قلت: وبهذا الثاني أخذ المتأخرون من الشافعية، فقال الرافعي: الظاهر أنه لا يحرم اليوم بحال وتبعه النووي فقال: في شرع المهذب الصواب المعروف أنه لا يحرم الادخار اليوم بحال.
وحكي في شرح مسلم عن جمهور العلماء أنه من نسخ السنة بالسنة قال: والصحيح نسخ النهي مطلقا وأنه لم يبق تحريم ولا كراهة فيباح اليوم الادخار فوق ثلاث والأكل إلى متى شاء، إلى أن قال:
ونقل ابن عبد البر ما نقله النووي فقال: لا خلاف بين فقهاء المسلمين في إجازة أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وأن النهي عن ذلك منسوخ، كذا إذا أطلق وليس بجيد، فقد قال القرطبي: حديث سلمة وعائشة نص على أن المنع كان لعلة فلما ارتفعت ارتفع موجبه فتعين الأخذ به ويعود الحكم بعود العلة فلو قدم على أهل بلد ناس محتاجون في زمان الأضحى ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فأقتهم إلا الأضاحي لتعين عليهم أن لا يدخروها فوق ثلاث.
قال ابن حجر: قلت: والتقييد بالثلاث واقعة حال وإلا فلولم تستر الخلة إلا بتفرقة الجميع للزم على هذا التقرير عدم الإمساك ولو ليلة واحدة.
وقد حكى الرافعي عن بعض الشافعية: أن التحريم كان لعلة فلما زالت زال الحكم كما أن لا يلزم عود الحكم عند عود العلة. (3/292)
صفحة 1100
قال ابن حجر: قلت: واستبعدوه وليس ببعيد لأن صاحبه قد نظر إلى أن الخلة لم تنسد يومئذ إلا بما ذكر، فأما الآن فإن الخلة تنسد بغير لحم الأضحية فلا يعود الحكم إلا لو فرض أن الخلة لا تنسد إلا بلحم الأضحية وهذا في غاية الندور، إلى أن قال:
واستدل بهذه الأحاديث على أن النهي عن الأكل فوق ثلاث خاص بصاحب الأضحية فأما من أهدي له أو تصدق عليه فلا لمفهوم قوله من أضحيته، إلى قوله:
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم نسخ الأثقل بالأخف لأن النهي عن ادخار لحم الأضحية بعد ثلاث مما يثقل على المضحين والإذن في الادخار أخص منه.
وفيه: رد على من يقول إن النسخ لا يثبت إلا بالأثقل للأخف وعكسه ابن العربي زاعما أن الإذن في الادخار نسخ بالنهي، وتعقب بأن الادخار كان مباحا بالبراءة الأصلية فالنهي عنه ليس نسخا، وعلى تقدير أن يكون نسخا ففيه نسخ الكتاب بالسنة لأن في الكتاب الإذن بأكلها من غير تقييد لقوله تعالى (فكلوا منها وأطعموا) ويمكن أن يقال إنه تنصيص لا نسخ وهو الأظهر انتهى.
قوله: (فكلوا وتصدقوا وادخروا) قال في الايضاح في قوله تعالى (فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير): وهذا خطاب على جميع الضحايا، وقيل: أن يطعم الفقراء منها الثلث وأرحامه الثلث.
ذكر في بعض كتب عن عبد الله بن مسعود: بعث علقمة فأمره أن يأكل هو وأصحابه ثلثا، وأن يبعث إلى علقمة بن مسعود ثلثا، وأن يطعم المساكين ثلثا.
ذكروا عن سعيد بن المسيب أنه قال: ليس لصاحب البدنة منها إلا ربعها لعله ذهب إلى أن للقانع ربعا، وللمعتر ربعا، وللبائس الفقير ربعا، ولصاحبها ربعا.
وفي التفسير ذكروا عن الحسن قال: هذه مقدمة ومؤخرة فكلوا منها وأطعموا أي وأطعموا منها وكلوا لا بأس أن يطعم منها قبل أن يأكل منها والله أعلم. (3/293)
صفحة 1101
وقال قوم من المسلمين: هذا خطاب إنما هو واقع على أهل المتعة ومن لزمه الذبح بمنى عن متعة، وأما غيرهم فليس ذلك عليهم.
وقال قوم: إن هذا الأمر بالإطعام ليس بفرض إنما هو ندب للفضل لأن الأمر قد جاء بالأكل وبالإطعام ولو لم يأكل لم يكن تاركا للفرض، كذا لو لم يطعم.
وفي الأثر: والقربة في الضحية إراقة الدماء يوم النحر ولو كان عليه شيء مؤقت لبينه الله تعالى في كتابه أو سنة نبيه لأن الحكيم لا يتعبد عباده بأمر ولم يجعل فيه توقيتا.
وقالوا: لما قالوا إن من ذبح ضحيته ثم سرقت فقد أجزأت عنه دلنا ذلك على أن القربة إراقة الدم، والدليل على ذلك ما روي أنه قال عليه السلام (ملة أبيكم إبراهيم) فقالوا ما لنا منها؟ فقال (بكل شعرة من الصوف حسنة الخ).
قال ابن حجر: ويستحب للمضحي أن يأكل من الأضحية شيئا ويطعم الباقي صدقة وهدية.
وعن الشافعي: يستحب قسمتها أثلاثا، إلى أن قال: قال ابن عبد البر: وكان غيره يقول: يستحب أن يأكل النصف ويطعم النصف، إلى أن قال:
قال النووي: مذهب الجمهور أنه لا يجب الأكل من الأضحية وإنما الأمر فيه للإذن، وذهب بعض السلف إلى الأخذ بظاهر الأمر، إلى أن قال:
وأما الصدقة منها فالصحيح أنه يجب التصدق من الأضحية بما يقع عليه الاسم والأكل أن يتصدق بعظمها اهـ.
قوله: (وادخروا) قال ابن حجر: بالمهملة وأصله من ذخر بالمعجمة دخلت عليها تاء الافتعال ثم أدغمت ومنه قوله تعالى (وادكر بعد أمة) ويؤخذ من الإذن في الادخار الجواز خلافا لمن كره.
وقد ورد في الادخار كان يدخر لأهله قوت سنة، وفي تركه كان لا يدخر لغد والأول في الصحيحين والثاني في مسلم، والجمع بينهما أنه كان لا يدخر (3/294)
صفحة 1102
لنفسه ويدخر لعياله أو أنه كان ذلك باختلاف الحال فيتركه عند حاجة الناس إليه ويفعله عند عدم الحاجة إليه.
(ومن طريق ابن عباس عنه عليه السلام قال (من خاف من شدة الميعة الحديث) حتى قال ضحى بكبشين أملحين موجئين والأملحان أبلقان).
قوله: (من خاف من شدة المعية الخ) تقدم الكلام عليه في باب السبايا والعزلة من كتاب النكاح.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال (لا أحب العقوق) ثم قال من ولد له ولد وأحب أن ينسك عن ولده فليفعل) قال الربيع قال أبو عبيدة من أراد ذلك فعلى الذكر وعلى الأنثى.
قوله: (سئل عن العقيقة الخ) قال ابن حجر: العقيقة بفتح العين المهملة اسم لما ذبح عن المولود.
واختلفوا في اشتقاقها:
فقال أبو عبيدة والأصمعي الشعر الذي يخرج على رأس المولود وتبعه الزمخشري وغيره، وسميت الشاة التي تذبح عنه في تلك الحالة عقيقة لأنه يذبح أي يزال عنه ذلك الشعر عند الذبح.
وعن أحمد أنها مأخوذة من العق وهو الشق والقطع ورجحه ابن عبد العزيز وطائفة.
قال الخطابي: العقيقة اسم للشاة المذبوحة عن الولد سميت بذلك لأنها تعق مذابحها أي تشق وتقطع.
قال: قيل: هي الشعر الذي يحلق.
وقال ابن فارس: الشاة التي تذبح والشعر كل منهما يسمى عقيقة، يقال عق يعق إذا حلق عن ابنه عقيقة وذبح للمساكين شاة.
وقال القزاز: أصل العق الشق فكأنها قيل لها عقيقة بمعنى معقوقة وسمي شعر المولود عقيقة باسم ما يعق عنه، وقيل باسم المكان الذي يعق عنه فيه، وكل مولود من البهائم فشعره عقيقة فإذا سقط وبر البعير ذهب عقه، ويقال أعقت الحامل نبتت عقيقة ولدها في بطنها.
قال ابن حجر: قلت: ومما ورد في تسمية الشاة عقيقة ما أخرجه البزار من طريق عطاء عن ابن عباس رفعه: للغلام عقيقتان وللجارية عقيقة، وقال: لا نعلم بهذا اللفظ إلا هذا الإسناد اهـ.
وفي عدة أحاديث: عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة اهـ.
وقال في الإيضاح بعد رواية الحديث: تفسير الربيع هذا يدل على أن العقيقة مندوب إليها، وحكم لحمها حكم لحم الضحايا في الأكل والصدقة لأنها نسك، وكذلك أيضا يجري فيها ما يجري في الضحايا من الأزواج الثمانية والله أعلم اهـ. (3/295)
صفحة 1103
وفي بعض الروايات عند قومنا: عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة.
قال ابن حجر رواية عن غيره: وسألته عن قوله متكافئتان فقال متشابهتان يذبحان جميعا أي لا يؤخر ذبح إحداهما عن الأخرى.
وحكى أبو داود عن أحمد المتكافئتان المتقاربتان فقال الخطابي: أي في الحسن: وقال الزمخشري: معناه متعادلتان لما يجري في الزكاة وفي الأضحية، وأولى من ذلك كله ما وقع في رواية سفيان بن منصور، إلى أن قال: بلفظ شاتان مثلان، ووقع عند الطبراني في حديث آخر قال: ما المتكافئتان قال: المثلان الخ.
وفي بعض الروايات: أن اليهود تعق عن الغلام كبشا ولا تعق عن الجارية فعقوا عن الغلام كبشين وعن الجارية كبشا، وفي رواية (العقيقة حتى عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية).
قال ابن حجر: وهذه الأحاديث حجة للجمهور في التفرقة بين الغلام والجارية، وعن مالك: هما سواء فيعق عن كل واحد منهما شاة الخ، وذكر حجته فردها ثم قال: وذكرالحليمي: أن الحكمة في كون الأنثى على النصف من الذكر أن المقصود استيفاء النفس فاشبهت الفدية، وقواه ابن القاسم بأن الحديث الوارد في أن من أعتق ذكرا أعتق الله كل عضو منه، ومن أعتق جاريتين كذلك إلى غير ذلك مما ورد، إلى أن قال:
واستدل بإطلاق الشاة والشاتين على أنه لا يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية، وفيه وجهان للشافعية أصحهما يشترط وهو بالقياس بالخبر وبذكر الشاة، والكثير على أنه يتعين الغنم للعقيقة، إلى أن قال: والجمهور على إجزاء البقر والإبل أيضا، إلى أن قال: عن أنس رفعه يعق عنه من الإبل والبقر الخ.
وفي رواية البخاري (مع الغلام عقيقة فهو يعق عنه دما وأميطوا عنه الأذى) وقد تقدم الكلام عن إراقة الدم، وأما إماطة الأذى وهي إزالته فذكر ابن حجر عن ابن سيرين قال: إن لم يكن الأذى حلق الرأس وإلا فلا أدري ما هو، إلى أن قال: عن محمد بن سيرين قال: لم أجد من يخبرني عن تفسير الأذى اهـ. (3/296)
صفحة 1104
وقد جزم الأصمعي بأنه حلق الرأس، وأخرجه أبو داود بسند صحيح عن الحسن كذلك، ووقع في حديث عائشة عند الحاكم وأمر أن يماط عن رءوسهما الأذى الخ.
وبوب البخاري لتسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه وتحنيكه فروى في ذلك أحاديث منها: ما روي عن أبي موسى قال: ولد لي غلام فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة ودعا له بالبركة ودفعه إلي الخ.
وذكر ابن حجر روايات واختلافا في وقت تسمية المولود، وحاصل المختار أن من أراد أن يعق يؤخر التسمية إلى السابع ومن لم يرد ذلك يسميه غداة يولد كما تشعر بذلك ترجمه البخاري.
قال ابن حجر: والتحنيك مضغ الشيء ووضعه في فم الصبي وذلك حنكه به، يصنع ذلك بالصبي ليتمرن على الأكل ويقوى عليه، وينبغي عند تحنيكه أن يفتح فاه حتى ينزل جوفه، وأولاه التمر فإن لم يتيسر تمر فرطب وإلا فشيء وحلو، وعسل النحل أولى من غيره ثم ما لم تمسه نار كما في نظيره مما يفطر الصائم عليه.
ويستفاد من قوله (وإن لم يعق عنه) الإشارة إلى أن العقيقة لا تجب، قال الشافعي: أفرط فيها رجلان قال أحدهما: هي بدعة، والآخر قال: هي واجبة إلى آخر ما أطال فيه.
ثم قال عن ابن عباس قال (سبعة من السنة في الصبي يوم السابع يسمى ويختن ويماط عنه الأذى وتثقب أذنه ويعق عنه ويحلق رأسه ويلطخ من عقيقته ويتصدق بوزن شعر رأسه ذهبا أو فضة) أخرجه الطبراني في الأوسط وفي سنده ضعف.
وفيه أيضا عن أبي عمر رفعه: إذا كان يوم السابع للمولود أهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى وسموه، وسنده حسن اهـ.
وذكر في موضع آخر عن قتادة قال: يسمى على العقيقة كما يسمى على الأضحية بسم الله عقيقة فلان.
ومن طريق سعيد بن قتادة نحوه وزاد (اللهم منك ولك عقيقة فلان) وذكر أحاديث تدل على أن تلطخ رأس الصبي بدم العقيقة منسوخ منها: قوله عليه السلام (اجعلوا مكان الدم خلوقا) ومنها: (ونهى أن يمس رأس المولود بدم) ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم) إلى غير ذلك من الأحاديث، وهذا هو المتعين المناسب لشريعة الإسلام. (3/297)
صفحة 1105
[صفحة بيضاء] (3/298)
صفحة 1106
كتاب الأشربة
من الخمر والنبيذ (3/299)
صفحة 1107
[صفحة بيضاء] (3/300)
صفحة 1108
البَابٌ الأربعون فِي الأَشْرِبَةِ مِنَ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ
624) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَهْدَى رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيَتَيْ خَمْرٍ فَقَالَ لَهُ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا»؟ فَقَالَ: لاَ، فَسَارَّ إِنْسَانًا، فَقَالَ لَهُ: «بِمَ سَارَرْتَهُ»؟ فَقَالَ لَهُ: أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا»، فَفَتَحَ الْمَزَادَتَيْنِ وَهُمَا الرَّاوِيَتَانِ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا.
625) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَعَنَ اللَّهُ (1) الْخَمْرَ وَبَائِعَهَا وَمُشْتَرِيَهَا وَعَاصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ (2) وَشَارِبَهَا».
626) ... الرَّبِيعُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيَسْتَحِلَّنَّ آخِرُ أُمَّتِي الْخَمْرَ بِأَسْمَاءٍ يُسَمُّونَهَا بِهَا».
627) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ».
628) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا دُجَانَةَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ شَرَابًا مِنْ فَضِيخِ التَّمْرِ، فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أَنَسُ، قُمْ إِلَى هَذِهِ الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا، قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ لَنَا فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى انْكَسَرَتْ.
__________
(1) / خ: لعنت.
(2) / خ: له. (3/301)
صفحة 1109
629) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَرَابِ الْبِتْعِ فَقَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ». وَالْبِتْعُ الْمُقَرَّصُ.
630) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُشْرَبَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ كُلُّ خَلِيطَيْنِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذَلِكَ إِذَا اخْتَمَرَا وَفَسَدَا، وَأَمَّا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهِ فَلاَ بَأْسَ.
631) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ وَالْحَنْتَمِ».
قَالَ الرَّبِيعُ: الدُّبَّاءُ: القَرَعُ، وَالْمُزَفَّتُ: الذِي يُطْلَى بِالزِّفْتِ، وَالنَّقِيرُ: حَجَرٌ، وَالْحَنْتَمُ: الْقِلاَلُ (1) الْخُضْرُ.
632) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: الذِي يُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَيْلَةَ الْجِنِّ فِي إِجَازَةِ النَّبِيءِ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِالنَّبِيذِ، تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ.
اعلم أن الخمر إنما سميت خمرا لأنها تركت فاختمرت، واختمارها تغير ريحها قاله ابن الأعرابي.
ويقال: سميت بذلك لمخامرتها العقل، قاله في الصحاح، وذكر لها ابن وصاف رحمه الله أربعة وثلاثين اسما وذكر اشتقاقاتها فمن أراد معرفتها فليراجعه.
وقد نزل تحريمها ثلاث مرات كما ذكره صاحب المواهب وغيره، قال البيضاوي: روي أنه نزل بمكة قوله (من ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا) فأخذ المسلمون يشربونها، ثم إن عمر ومعاذا في نفر من الصحابة قالوا أفتنا يا رسول الله في الخمر فإنها مذهبة للعقل فنزلت هذه الآية يعني
__________
(1) / قوله: القلال بكسر القاف الجرار. (3/302)
صفحة 1110
(يسألونك عن الخمر والميسر) فشربها قوم وتركها آخرون، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم فشربوا فسكروا وأقام أحدهم فقرأ (أعبد ما تعبدون) فنزلت (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) فقل من يشربها ثم دعا عتيان بن مالك سعد ابن أبي وقاص في نفر فلما سكروا افتخروا وتناشدوا فأنشد سعد شعرا فيه هجاء الأنصار فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر (اللهم بين لنا بيانا في الخمر شافيا) فنزلت (إنما الخمر والميسر) إلى قوله (فهل أنتم منتهون) فقال عمر: انتهينا يا رب.
والخمرفي الأصل مصدر خمره إذا ستره سمي بهما عصير العنب والتمر إذا اشتد وغلى كأنه يخمر العقل كما سمي مسكرا لأنه يسكره أي يحجره وهو حرام مطلقا، وكذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء.
وقال أبو حنيفة: نقيع الزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما دون المسكر اهـ.
أقول: وهذا النوع يسمى الطلاء بالكسر والمد، قال ابن وصاف رحمه الله: قال الشيخ أبو محمد رحمه الله: أجمع أصحابنا وكثير من مخالفيهم على إجازة شرب الطلاء إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه.
وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلي ابن أبي طالب ومعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وأبي عبيدة بن الجراح: أنهم كانوا يجيزون شرب الطلاء على الوصف الذي ذكرناه من الطبيخ.
وقيل بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمران بن الحصين الخزاعي إلى الكوفة أن يطبخ لهم عصير العنب يعلمهم حتى يذهب الثلثان ويبقى الثلث اهـ
وأطلق رحمه الله في جواز شرب ما ذهب ثلثاه ولعله محمول على ما إذا لم يكن مسكرا خلافا لأبي حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم (كل شراب أسكر فهو حرام) والله أعلم. (3/303)
صفحة 1111
وأما النبيذ فقال ابن وصاف في معنى المنبوذ، والمنبوذ هو في معنى الملقى في لغة العرب قال الله (فنبذناه بالعراء) ألقيناه، وقوله تعالى (فنبذوه وراء ظهورهم) أي ألقوه والله أعلم، انتهى ومن أراد بيان كيفية عمله على الوجه الشرعي فعليه بالديوان وشرح ابن وصاف وكتاب الطهارات لأبي زكريا رحمه الله.
واختلفوا في الخمر: هل هي خاصة بعصير العنب أو لا؟ والصحيح أنها غير خاصة لحديث عمر رضي الله عنه وقد اضطرب في ذلك كلام السؤالات حيث قال: وكان الخمر خمرا لمعناه وهو الشدة المضطربة في الخمر وكان خمر العنب الأبيض الذي يقال له الملاحي لمعنى مشترك وهو الشدة المضطربة.
وفي حديث عمر رضي الله عنه: أنه خطب في الناس فقال: الخمر نزل تحريمها وهي من خمسة أشياء من البر والشعير والتمر والزبيب والعسل والخمر ما خامر العقل.
وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن البتع فقال (كل شراب أسكر فهو حرام والبتع من العسل، والخمر من عصير العنب، والسكر نقيع التمر الذي لم تمسه النار) وفي حديث عبد الله بن مسعود الهذلي رحمه الله أنه قال (السكر خمر والجعة من الشعير، والمزر من الذرة وكذلك السكركة من الذرة والفضيح ما افتضح من البسر من غير أن تمسه النار) وفيه يروى عن ابن عمر: ليس بالفضيح ولكنه المفضوح انتهى.
والظاهر أنه أراد بالزبيب ما يشمل العنب، وبذلك رواه ابن وصاف حيث قال: وفي حديث أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صعد منبر رسول الله فصلى عليه ثم قال: أما بعد فإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهي من خمسة أشياء من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والخمر ما خامر العقل، والظاهر أيضا أنه أراد بالتمر ما يشمل البسر بدليل قوله والفضيح ما افتضح من البسر والله أعلم.
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس: أهدى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم راويتي خمر فقال له: أما علمت أن الله حرمها؟ قال فسارّ إنسانا فقال له صلى الله عليه وسلم بم ساررته فقال له: أمرته أن يبيعها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الذي حرم شربها حرم بيعها ففتح المزادتين وهما الروايتان) حتى ذهب ما فيهما.
قوله (بفتح المزادتين) ضبط في الصحاح المزادة بفتح الميم حيث قال والمزادة الراوية: قال أبو عبيد: لا تكون إلا من جلدين تقام بجلد (3/304)
صفحة 1112
ثالث بينهما لتتسع، وكذلك السطيحة والشعيف والجمع المزاد والمزايد اهـ، ولم أظفر بهذا الحديث في البخاري.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال عن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن الله الخمر وبائعها ومشتريها وعاصرها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها) الربيع عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليستحلن آخر أمتي الخمر بأسماء يسمونها بها).
قوله (لعنت الخمر وبائعها ومشتريها الخ) لفظ الحديث في السؤالات (لعنت الخمر وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وشاربها وآكل ثمنها)، وقال الحضرمي: والداعي إليها والدال عليها، ومعنى لعنت أي حرمت الخ، وقال العلقمي: وأصل اللعن الطرد والإبعاد من الله تعالى، ومن الخلق السب والدعاء، قال في النهاية انتهى.
أقول: فيلزم على كلام السؤالات في اللعن الجمع بين الحقيقة والمجاز حيث كان لعن الخمر بمعنى التحريم والله أعلم.
قوله (ليستحلن آخر أمتي الخمر الخ) لفظ الحديث في البخاري بعد الإسناد (والله ما كذبني سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحرّ والحرير والخمر والمعازف ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم يعني الفقير لحاجة فيقولون ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله، ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازيز إلى يوم القيامة) انتهى.
وفي ترجمته زيادة على ما في الحديث الذي استدل به حيث قال (باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه) فذكر الحديث، واعرض عليه بأنه ليس فيه تسميتها بغير اسمها، وأجاب عنه ابن حجر بأنه أشار إلى ما ورد في حديث آخر، إلى أن قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم (ليشربن ناس الخمر يسمونها بغير اسمها الخ) فذكر أحاديث تدل على ذلك.
منها (لا تذهب الأيام والليالي حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها).
ومنها (عن عائشة رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إن أول ما يكفأ الإسلام كما يكفأ الإناء لفي الخمر قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: يسمونها بغير اسمها فيستحلونها). (3/305)
صفحة 1113
ومنها عن أبي سلمة الخولاني حج فدخل على عائشة فجعلت تسأل عن الشام وعن بردها فقال: يا أم المؤمنين إنهم يشربون شرابا لهم يقال الطلاء فقالت: صدق الله وبلغ رسوله حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أناسا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها) ثم قال:
قال البيهقي: جاءت في الخمر آثار كثيرة بأسماء مختلفة فذكر منها السكر وهو نقيع التمر إذا غلا بغير طبخ، والجعة بكسر الجيم وتخفيف العين لنبيذ الشعير، والسكركة خمر الحبشة من الذرة، إلى أن قال: وهذه الأشربة المسماة كلها عندي كنايه عن الخمر وهي داخلة في قوله صلى الله عليه وسلم (يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها) ويؤيد ذلك قول عمر (الخمر ما خامر العقل) انتهى.
وقوله: الحر بمهملتين هو الفرج والمعنى يستحلون الزنا، وفي رواية الخز بمعجمتين وهو ضرب من الإبريسم، وذكر ابن حجر أن معظم الروايات على الأول.
وقوله (يروح) قال ابن حجر: كذا فيه بحذف الفاعل وهو الراعي بقرينة المقام إذ السارحة لا بد لها من حافظ.
وقوله (بسارحة) بمهملتين الماشية التي تسرح بالغداة إلى رعيها وتروح أي ترجع بالعشي إلى مألفها.
وقوله (يأتيهم لحاجة) كذا بحذف الفاعل أيضا، قال الكرماني: التقرير الآتي أو الراعي أو المحتاج قلت: وقع عند الإسماعيلي يأتيهم طالب حاجة فتعين بعض المقررات.
وقوله (فيبيتهم الله) أي يهلكهم ليلا والبيات هجوم العدو ليلا.
وقوله (ويضع العلم) أي يوقعه عليهم، وقال ابن بطال: إن كان العلم جبلا فيدكه وإن كان بناء فيهدمه ونحو ذلك، وأغرب ابن العربي فشرحه على أنه بكسر العين فقال وضع العلم إما بذهاب أهله كما سيأتي في حديث عبد الله بن عمر وإما بإهانة أهله بتسليط الفجرة عليهم. (3/306)
صفحة 1114
وقوله (ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة) يريد من لم يهلك في البيات المذكور أو من قوم آخرين غير هؤلاء الذين بيتوا إلى آخره من ابن حجر.
ثم قال: وفي الحديث وعيد على من يتحايل في تحليل ما يحرم بتغيير اسمه وأن الحكم يدور مع العلة، والعلة في تحريم الخمر الإسكار فما وجد الإسكار وجد التحريم ولو لم يستمر الاسم، قال ابن العربي: هو أصل في أن الأحكام إنما تتعلق بمعاني الأسماء لا بإلغائها ردا على من حمله على اللفظ انتهى.
أبو عبيدة عن جابر عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة).
قوله (من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة) قال ابن حجر: حرمها بضم المهملة وكسر الخفيفة من الحرمان إلى آخره، وفي بعض الروايات لم يسقها، وفي بعضهالم يشربها.
قال ابن حجر: وقوله (ثم لم يتب منها) أي من شربها فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
قال الخطابي والبغوي في شرح السنن: معنى الحديث لا يدخل الجنة لأن الخمر شراب أهل الجنة فإذا حرم شربها دل على أنه لا يدخل الجنة.
وقال ابن عبد البر: هذا وعيد شديد ويدل على حرمان دخول الجنة لأن الله تعالى أخبر أن في الجنة أنهارا من الخمر لذة للشاربين، ولا يصدعون عنها ولا ينزفون، فلو دخلها وقد علم أن فيها خمرا وأنه حرمها عقوبة له لزم وقوع الهم والحزن له في الجنة ولا هم فيها ولا حزن، وإن لم يعلم بوجودها في الجنة ولا أنه حرمها عقوبة له لم يكن عليه في فقدها ألم فلهذا قال بعض من تقدم: إنه لا يدخل الجنة أصلا فأخذ يتكلف أجوبة باطلة كما هو عادتهم في مثل هذا من أنه تحت المشيئة أو أنه إن استحل ذلك أو أنه يحبس عن الجنة مدة إذا أراد الله عقوبته إلى غير ذلك من التكلفات التي لا أصل لها إلا أنها أخرجتهم من الشرك حيث لم يصادموا الحق الواجب إبقاؤه على ظاهره كما هو مذهب المسلمين في كل من بات على غير توبة، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (ليس في الجنة جاهل -إلى قوله -ولا مدمن على خمر الحديث) ومثله كثير من الأحاديث (من مات على كذا لم يرح رائحة الجنة) وهذا أمر مفروغ منه. (3/307)
صفحة 1115
قال ابن حجر: وفي الحديث أن التوبة تكفر الكبائر، وهو في التوبة من الكفر قطعي، وفي غيره من الذنوب خلاف بين أهل اللغة هل هو قطعي أو ظني، وقال النووي الأقوى أنه ظني.
وقال القرطبي: من استقرأ الشريعة علم أن الله يقبل توبة الصادقين، وللتوبة الصادقة شروط سيأتي البحث فيها في كتاب الرقاق.
ويمكن أن يستدل بحديث الباب على صحة التوبة من بعض الذنوب دون بعض الخ، أقول: وفي ذلك عندنا خلاف بشرط أن تختلف الأنواع كما ذكره في السؤالات حيث قال: ومن سرق أو شرب خمرا أو مثل ذلك من الذنوب الموبقة فتاب من بعض دون بعض نحو أن يتوب من السرقة دون الخمر هل تجزئه توبته؟ وقال بعض لا تجزئه، وأما النوع من جنس واحد من الذنوب فليس فيه اختلاف الخ.
وكذلك المسألة الأولى فيها خلاف عندنا كما ذكره صاحب السؤالات حيث قال: ومن فعل ذنبا أو ذنوبا كبيرا أو صغيرا فتاب من ذلك كله كما أمره هل يسعنا الشك في هذا أنه مسلم عند الله إذا مات على ذلك ولم يحدث بعد التوية ذنبا؟ قال: لا.
وسئل أبو زكريا يحيى بن أبي بكر رضي الله عنه هل يجوز في حكمة الله تعالى أن ينهى عبدا عن الذنوب يشترط عليه أن من فعل كبيرة بعد النهي أنه يؤاخذه ويعذبه ولا يفرض عليه التوبة؟ قال: ذلك جائز مثل ما قال الله تعالى (ومن يولهم يومئذ دبره)، إلى أن قال: وإما أن ينهاهم عن الذنوب ويفرض عليهم التوبة فيتوبوا كما أمرهم من المعاصي التي ارتكبوها ولا بقبل منه فذلك لا يجوز عنده.
وأما أبو يحيى زكريا ابن أبي بكر رضي الله عنه أبطل الأولى وأجاز الآخرة قال: لأن قبول التوبة فضل من الله، وقال في الأولى: لأن حظر التوبة عن المذنب بعد الذنب إباحة للذنب اهـ. (3/308)
صفحة 1116
قال ابن حجر: وفيه أن التوحيد يتناول من شرب الخمر وإن لم يحصل له السكر لأنه ترتب الوعيد في الحديث على مجرد الشرب من غير قيد وهو مجمع عليه في الخمر المتخذ من عصير العنب، وكذا فيما يسكر من غيره، وأما مالا يسكر من غيره فالأمر فيه كذلك عند الجمهور كما سيأتي بيانه.
ويؤخذ من قوله (ثم لم يتب منها) أن التوبة مشروعة في جميع العمر ما لم يصل إلى الغرغرة كما تدل عليه ثم التي للترجي وليست المبادرة إلى التوبة شرطا في قبولها والله أعلم اهـ.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: كنت أسقي أبا دجانة وأبا طلحة وأبي بن كعب شرابا من فضيح التمر فجاءهم آت فقال إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: يا أنس قم إلى هذه الجرار فكسرها فقال أنس: فقمت إلى مهراس له فضربتها بأسفله حتى انكسرت).
قوله (كنت أسقي أبا دجانة وأبا طلحة وأبي بن كعب) في بعض الروايات (أبا عبيدة) بدل (أبا دجانة) وفي بعضها (أبا طلحة وأبا دجانة وسهيل بن بيضا) أو فيها روايات أخر وفي بعضها (عن أنس أن القوم كانوا أحد عشر رجلا).
قال ابن حجر: وأبو دجانة بضم الدال وتخفيف الجيم بعد الألف نون اسمه سماك بن خرشة بمعجمتين بينهما راء مفتوحة، قال وأبو طلحة هو زيد بن سهيل زوج أم سهيل زوج أم سليم أم أنس، إلى أن قال: فأما أبو طلحة فلكون القصة كانت في منزله، إلى أن قال: وأما أبي بن كعب فكان كبير الأنصار وعالمهم الخ.
قوله (من فضيح التمر) في رواية البخاري من فضيح زهو التمر، قال ابن حجر: أما الفضيح فهو بفاء وضاد معجمتين وزن عظيم اسم البسر إذا شرخ ونبذ، وأما الزهو فهو بفتح الزاء وسكون الهاء بعدها واو وهو البسر الذي يحمر أو يصفر قبل أن يسترطب، وقد يطلق الفضيح على خليط البسر والرطب كما يطلق على خليط البسر والتمر، وكما يطلق على البسر وحده وعلى التمر وحده الخ.
أقول: ورواية المصنف رحمه الله من هذا الأخير فجاءهم آت، قال ابن حجر: لم أقف على اسمه إلى آخره.
وفي بعض الروايات (فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي) وفي بعضها زيادة (فقال أبو طلحة اخرج فانظر ما هذا الصوت) وفي بعضها (3/309)
صفحة 1117
(إذ جاء رجل فقال: هل بلغكم الخبر قالوا: وما ذلك؟ قال: قد حرمت الخمر) وفي بعضهما (أتانا فلان عند نبينا فقال قد حرمت الخمر قلنا ما تقول؟ فقال: سمعته من النبي الساعة ومن عنده أتيتكم).
قوله (قم إلى هذه الجرار فاكسرها إلى آخر الحديث) هذه الرواية هي رواية مالك، وفي رواية البخاري فقال أبو طلحة (قم يا أنس فأهرقها) وفي بعضها (فقالوا أكفئها) قال ابن حجر: في رواية مالك التي هي رواية المصنف وهذا لا ينافي الروايات الأخرى بل يجمع بأنه أراقها وكسر أوانيها أو أراق بعضا وكسر بعضا، إلى أن قال:
والمهراس بكسر الميم وسكون الهاء وآخره مهملة إناء يتخذ وينقر، وقد يكون كبيرا كالحوض، وقد يكون صغيرا بحيث ينافي الكسر به وكأنه لم يحضره ما يكسر به غيره أو كسر بآلة المهراس التي يدق فيها كالهاون فأطلق اسمه عليها مجازا الخ.
وفي بعض الروايات زيادة: فجرت في سكك المدينة أي طرقها، قال ابن حجر: وفيه إشارة إلى توارد من كانت عنده من المسلمين على إراقتها حتى جرت في الأزقة من كثرتها.
قال القرطبي: تمسك بهذه بعض من قال إن الخمر المتخذة من عصير العنب ليست نجسة لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن التخلي في الطرق فلو كانت نجسة ما أمرهم على إراقتها في الطرقات حتى تجري، والجواب أن القصد بالإراقة كانت لإشاعة تحريمها فإذا اشتهر ذلك كان أبلغ فتحمل أخف المفسدتين لحصول المصلحة العظيمة الحاصلة من الاشتهار، ويحتمل أنها إنما أريقت في الطرق المتخذة بحيث ينصب إلى الأسربة والحشوش أو الأودية فيستهلك فيها الخ فقوي هذا الاحتمال ثم قال والتمسك بعموم الأمر باجتنابها كاف في القول بنجاستها اهـ.
(أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها قالت سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شراب البتع فقال (كل شراب أسكر فهو حرام) والبتع القرص.
قوله (سئل صلى الله عليه وسلم عن شراب البتع) زاد في بعض الروايات وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربون قال ابن حجر: لم أقف على السائل في حديث عائشة صريحا لكني أظنه أبا موسى الأشعري فقد تقدم في المغازي، إلى أن قال: (3/310)
صفحة 1118
عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فسأل عن أشربة تصنع بها فقال ما هي؟ قال البتع والمزر فقال (كل مسكر حرام) قلت لأبي بردة ما البتع قال نبيذ العسل، إلى أن قال في رواية أخرى:
فقلت: يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن البتع من العسل حتى يشتد، والمزر من الشعير والذرة حتى يشتد قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطي جوامع الكلم وخواتمه فقال (أنهى عن كل مسكر).
وفي رواية أبي داود التصريح بأن تفسير البتع مرفوع ولفظه: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب من العسل فقال ذلك البتع، ومن الشعير والذرة قال ذلك المزر ثم قال (أخبر قومك أن كل مسكر حرام).
قوله (كل شراب أسكر فهو حرام) وفي بعض الروايات (كل مسكر حرام) قال ابن حجر: وهذه الروايات تفسر المراد بقوله في حديث الباب (كل شراب أسكر) وإن لم يرد تنصيص التحريم بحالة الإسكار بل المراد أنه إذا كانت فيه صلاحية الإسكار حرم تناوله ولو لم يسكر المتناول بالصدر الذي تناوله منه.
ويؤخذ من السؤال أنه وقع عن حكم جنس البتع لا عن القدر المسكر منه لأنه لو أراد السائل ذلك لقال أخبرني عن القدر قالوا كم يؤخذ منه.
وفي الحديث: أن المعنى يجيب السائل بزيادة عما سأل عنه إذا كان ذلك مما يحتاج إليه السائل.
وفيه تحريم كل مسكر سواء كان متخذا من عصير العنب أو غيره، قال المازري: أجمعوا أن عصير العنب قبل أن يشتد حلال، وعلى أنه إذا اشتد وغلا وقذف بالزبد حرام قليله وكثيره، ثم لو لم يحصل له تخلل بنفسه حل بالإجماع أيضا إلى اخرما أطال فيه ثم قال:
واستدل بمطلق قوله (كل مسكر حرام) على تحريم ما يسكر ولو لم يكن شرابا فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها، وقد جزم النووي وغيره بأنها مسكر، وجزم آخرون بأنها مخدرة وهو مكابرة لأنها تحدث بالمشاهدة ما يحدثه الخمر من الطرب والنشوة والمداومة عليها والانهماك فيها، وعلى تقدير تسليم أنها ليست بمسكرة فقد ثبت في أبي داود النهي عن كل مسكر ومفتر وهو بالفاء والله أعلم. (3/311)
صفحة 1119
وذكر في المواهب وغيره من كتب قومنا الإجماع على تحريم الحشيشة وأن مستحلها كافر عند بعضهم، والكافر عندهم هو المشرك وكذلك الأفيون والشيكران وجوز الطيب، وزاد غيره البنج والزعفران والعنبر وذكروا أن هذه الأشياء كلها تسكر لكن تختلف فمنها ما يكون قليله وكثيره مسكرا، ومنها ما يسكر كثيره ولا يسكر قليله، واتفقوا على طهارة هذه الأشياء واختلفوا في استعمال القدر الغير المسكر: فقال بعضهم بجوازه وطهارته بخلاف الخمر فإنه نجس لعينه، وقال بعضهم: لا يجوز لأن ما أسكر كثيره فقليله حرام اهـ، ملخصا من كتبهم.
وأما عندنا فانظر هل الحكم كذلك فإني لم أقف على نص في شيء، من ذلك إلا الزعفران فإن الشيخ عامر رحمه الله صرح في باب أحكام المياه بأنه طاهر، ولعلهم لا يسلمون كونه مسكرا ولا مخدرا فيكون طاهرا حلالا والله أعلم لأن عبارة صاحب الإيضاح وصاحب القواعد رحمهما الله في أنواع النجاسات تدل على أن علة النجاسة المحرمة حيث عللوا نجاسة الخمر بكونها محرمة العين يعني فكل ما كان حراما لعينه فهو نجس وما ليس حراما لعينه فهو طاهر فيكون إفراد الشيخ إسماعيل رحمه الله بقوله (وكذلك كل مسكر أيضا عند الجمهور من علماء الأمة) كل مسكر إسكارا خاصا وهو ما معه شدة وطرب ونشوة وعربدة من بتع وسكر وجعة ومزر وسكركة وفضيح كما تقدم التنبيه عليه.
والذي يدل على أن مراده ذلك قوله (عند الجمهور من علماء الأمة) فإنه لا شك أنه شامل للعلماء المخالفين أيضا وهم قد اتفقوا على طهارة تلك الأشياء كما تقدم، فلو أخذنا بعموم قوله (وكذلك مسكر) ولم نحمله على ما تقدم للزم أن يسند إليهم القول بنجاستها وهو خلاف الواقع لاتفاقهم على طهارتها.
وإذا قلنا أنها طاهرة كالزعفران مع أنه مفرح يجوز استعمال القدر الغير المسكر كما قال بعضهم. أو لا يجوز كما قال البعض الآخر لأنه لا يلزم من الطهارة الإباحة، والظاهر أن هذا إنما هو بالنسبة إلى الأكل فقط والله أعلم وسبب الحيرة عدم الوقوف على النص في ذلك والله المستعان.
قوله (والبتع المقرص) هكذا فيما رأيته من النسخ ولعل المراد به المحض والمعنى أنه يترك شراب العسل حتى تدخله الحموضة فيصير كاللبن (3/312)
صفحة 1120
القارص أي الحامض وهو بكسر الموحدة وسكون المثناة وقد تفتح وهي لغة يمانية قاله ابن حجر وقد تقدم أنه نبيذ العسل.
أبو عبيدة عن جابر عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (نهى أن يشرب التمر والزبيب جميعا) وكذلك كل خليطين، قال الربيع قال أبو عبيدة ذلك إذا اختمر أو أفسد وأما على غير ذلك الوجه فلا بأس به.
قوله (نهى أن يشرب التمر والزبيب جميعا وكذلك كل خليطين) قال الربيع قال أبو عبيدة ذلك إذا اختمر أو فسد إلى آخره.
أقول وبمثل هذا قيد البخاري ترجمته حيث قال (باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر إذا كان مسكرا، إلى أن قال: نهى صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين التمر والزهو والتمر والزبيب ولينبذ كل واحد منهما على حدة اهـ، واعترضوا عليه التقييد في الترجمة بالسكر بأنه لا يناسب الحديث، قال ابن حجر.
قال ابن بطال: إذا كان مسكرا خطأ لأن النهي عن الخليطين عام وإن لم يسكر كثيرا، لسرعة سريان الإسكار إليهما من حيث لا يشعر صاحبه به فليس النهي عن الخليطين لأنهما يسكران حالا بل لأنهما يسكران مآلا فإنهما إذا كانا مسكرين في الحال لا خلاف في النهي عنهما.
قال الكرماني: فعلى هذا فليس هو خطأ بل يكون أطلق ذلك على سبيل المجاز وهو استعمال مشهور، وأجاب ابن المنير بأن ذلك لا يرد على البخاري إما لأنه يرى جواز الخليطين قبل الإسكار وإما لأنه ترجم على ما يطابق الحديث الأول وهو حديث أنس فإنه لا شك أن الذي كان يسقيه للقوم حينئذ كان مسكرا الخ والمراد به الحديث المتقدم عن أنس فإن البخاري ذكره في هذه الترجمة أيضا.
قال ابن حجر: وفيه أنه سقاهم خليط بسر وتمر فدل على أن المراد، بالنهي عن الخليطين ما كانوا يصنعونه قبل ذلك من خليط البسر بالتمر ونحو ذلك لأن ذلك عادة تقتضي إسراع الإسكاربخلاف المنفردين، إلى أن قال:
قال النووي: وذهب أصحابنا وغيرهم من العلماء إلى أن سبب النهي عن الخليط أن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يشتد فيظن الشارب أنه لم يبلغ حد الإسكار ويكون قد بلغه قال:
ومذهب الجمهور أن النهي في ذلك للتنزيه وإنما يمتنع إذا صار مسكرا ولا تخفى علامته. (3/313)
صفحة 1121
وقال بعض المالكية: هو للتحريم، واختلف في خلط نبيذ البسر الذي لم يشتد مع نبيذ التمر الذي لم يشتد عند الشرب فقيل يمتنع أو يختص النهي عن الخلط عند الانتباذ فقال الجمهور: لا فرق، وقال الليث: لا بأس بذلك عند الشرب.
ونقل ابن التين عن الداودي: أن سبب النهي أن النبيذ يكون حلوا فإذا أضيف إليه الآخر أسرعت إليه الشدة، وهذه صورة أخرى كأنه يخص النهي بما إذا نبذ أحدهما ثم أضيف إليه الأخير لا إذا ما نبذا معا.
واختلف في الخليطين من الأشربة غير النبيذ فحكى ابن التين عن بعض الفقهاء: أنه كره أن يخلط للمريض شرابين، ورده بأنه لا يسرع إليهما الإسكار اجتماعا وانفرادا، وتعقب باحتمال يكون قائل ذلك يرى أن العلة الإسراف كما تقدم، لكن يفيد كلام هذا في مسألة المريض بما إذا كان المفرد كافيا في دواء ذلك المرض وإلا فلا مانع حينئذ من التركيب، إلى أن قال نقلا عن الشافعي: ثبت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الخليطين فلا يجوز بحال، وعن مالك قال: على ذلك أدركت أهل العلم ببلدنا.
وقال الخطابي: ذهب إلى تحريم الخليطين وإن لم يكن الشراب منهما مسكرا جماعة عملا بظاهر الحديث، وهو قول مالك وأحمد لإسحاق وظاهر مذهب الشافعي، وقالوا: من شرب الخليطين أثم من جهة واحدة فإن كان بعد الشدة أثم من جهتين، إلى أن قال:
وقال القرطبي: النهي عن الخليطين ظاهر في التحريم، وهو قول جمهور فقهاء الأمصار، وعن مالك يكره فقط، وشذ من قال: لا بأس به لأن كلا منهما يحل منفردا الخ.
والحاصل أنه يجاب عن تقييد أبي عبيدة رحمه الله بالإسكار بما تقدم والجواب الأول من كلام ابن المنير هو المتبادر من كلامه رحمه الله والله أعلم. (3/314)
صفحة 1122
قوله (نهى أن ينتبذ في الدبا والمزفت والنقير والحنتم) لفظ الحديث في البخاري قال (لا تنبذوا في الدبا ولا في المزفت) وكان أبو هريرة يلحق بهما (الحنتم والنقير) وفي بعض رواياته في بقية حديث (ونهاهم عن أربع عن الحنتم والدبا والنقير والمزفت).
قال ابن حجر: والحنتم بفتح المهملة وسكون النون وفتح المثناة من فوق هي الجرة، كذا فسرها ابن عمر في صحيح مسلم، وله عن أبي هريرة الحنتم الجرار الخضر، وروي الجزلي في الغريب عن عطاء أنها جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم، والدبا بضم المهملة وتشديد الموحدة هو القرع، قال النووي: المراد اليابس منه، وحكى القزاز فيه القصر.
والنقير بفتح النون وكسر القاف أصل النخلة تنقر فيتخذ منه وعاء.
والمزفت بالزاء والفاء ما طلي بالزفت، إلى أن قال:
وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي بكرة قال أما الدبا فان أهل الطائف كانوا يأخذون القرع فيحفظون فيه العنب ثم يدفنونه حتى يهدر ثم يموت، وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم ينبذون فيه الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت، وأما الحنتم فجرار كانت يحمل إلينا فيها الخمر، وأما المزفت فهذه الأوعية التي فيها الزفت، وإسناده حسن، وتفسير الصحابة أولى أن يعتمد عليه من من غيره لأنهم أعلم بالمراد، ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها لأنه يسرع إليها الإسكار فربما شرب منها من لا يشعر بذلك ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن شرب كل مسكر الخ.
وذلك أنه ذكر في البخاري ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم في الأوعية والظروف بعد النهي، وروي في ذلك أحاديث منها (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الظروف فقالت الأنصار: إنها لا بد منها قال: فلا إذا) ومنها (لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الأوعية قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ليس كل الناس يجد سقاء فرخص لهم في الجر غير المزفت، إلى آخر ما أطال فيه.
ولم يذكر المصنف ولا صاحب الدعاء ولا شارحه رحمهم الله الترخيص في الانتباذ في الجر ابتداء بل قال الشارح: وعند أصحابنا نبيذ الجر حرام، (3/315)
صفحة 1123
والظاهر أنه أراد إذا نبذ فيهما ابتداء بدليل قوله في شرح المتن: فإن حولته بعد السكون وكان وسط سقاء في الجر فاشربه فما في شربه بأس أراه عليك في المسألة.
ومن جامع الشيخ أبي الحسن رحمه الله: فأما من عمل نبيذا في السقاية حتى يدرك ثم حوله في الجر لنبيذ أو خل فلا بأس به.
وأما من كان حوله نبيذا وهو لم تحدث فيه شدة وشرب ولم يغل في الجرة وهو حلو فعسى أن يجوز لقوله (اشربوا ولا تشربوا مسكرا) وأما إن صار نبيذا مسكرا فلا خير فيه، وإن تحرك في الجرة غالبا فهو حرام على الأحاديث التي جاءت في تحريم نبيذ الجر عند أصحابنا الخ.
وعند قومنا فيه خلاف قال ابن حجر في شرح الأحاديث التي رواها البخاري ما نصه: وظاهر صنيعه يرى أن عموم الرخصة مخصوص بما ذكر في الأحاديث الأخرى وهي مسألة خلاف مذهب مالك إلى ما دل عليه صنيع البخاري.
وقال الشافعي والثوري وابن حبيب من المالكية: يكره ذلك ولا يحرم.
وقال سائر الكوفيين يباح، وعن أحمد روايتان، وقد أسند الطبري عن عمر ما يؤيد قول مالك.
وقوله (لأن أشرب من قمقم محمي فيحرق ما يحرق ويبقى ما يبقى أحب إلى من أن أشرب نبيذ الجر) وعن ابن عباس (لا يشرب نبيذ الجر ولو كان أحلى من العسل) وأسند النهي عن جماعة من الصحابة.
وقال ابن بطال: النهي عن الأوعية إنما كان قطعا للذريعة فلما قالوا لا نجد بدا من الانتباذ في الأوعية قال (انبذوا وكل مسكر حرام) وهكذا الحكم في كل شيء ينهى عنه يعني النظر إلى غيره فإنه يسقط للضرورة كالنهي عن الجلوس في الطرقات فلما قالوا: لا بد لنا منها قال: فأعطوا الطريق حقها.
وقال الخطابي: ذهب الجمهور إلى أن النهي إنما كان أولا ثم نسخ، وذهب جماعة إلى أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية باق، منهم مسلم بن عمرو بن عباس وبه قال مالك وأحمد وإسحاق الخ، أقول: وهو مذهب أصحابنا كما تقدم والله أعلم. (3/316)
صفحة 1124
قال ابن وصاف: المسألة اتفق أصحابنا على تحريم شراب نبيذ الجر إذا عمل للنبيذ ولو لم يسكر ولم يجيزوه في الحنتم ولا في النقير ولا في الدبا ولا في المزفت للخبر.
وعن عمر رضي الله عنه: الأسنة تختلف في بطني أحب إلي من أن أشرب نبيذ الجر.
وفي حديث بسند، إلى أن قال: سألت ابن عباس عن الجر الأخضر والجر الأبيض والأحمر قال: أول من سأل النبي صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس قال (لا تشربوا في الدبا ولا في الحنتم ولا في المزفت ولا في النقير واشربوا من الأسقية) قالوا فإن اشتد في الأسقية فصبوا عليه الماء، وقالوا ذلك إلى ثلاث مرات ثم قال لهم في الثالثة والرابعة: فأهرقوه قال: إن الله تعالى حرم علي الخمر والميسر والخمر المسكرة فكل مسكرحرام اهـ.
وشرح المزفت بما هو مبين مما تقدم حيث قال: المزفت كل وعاء من خوص أو قصب أو خشب طلي بالزفت وهو القار والقير أيضا ثم فسر بقية الأوعية بمثل ما تقدم.
قوله (والنقير حجر) هذا لا يناسب ما ذكره غيره كما تقدم، قال ابن وصاف كغيره، والنقير أوعية تعمل من أصول النخل، إلى أن قال: وعن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب نبيذا يصنع بالنهار فيشربه بالليل، وإذا اتخذ له بالليل شربه بالنهار ويصب ما فضل له منه بعد شرابه أو يسقيه غيره، هكذا روي عن عائشة رضي الله عنها اهـ.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال الذي يروى عن عبد الله بن مسعود ليلة الجن في إجازة النهي أن يتوضا بالنبيذ.
قوله (الذي يروى عن عبد الله بن مسعود ليلة الجن في إجازة النهي له أن يتوضا بالنبيذ) الحديث تقدم تمامه والكلام عليه في باب أحكام المياه فليراجع. (3/317)
صفحة 1125
الباب الواحد والاربعون في المحرمات
633) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: مَهْرُ الْبَغِيِّ: مَا تَأْخُذُهُ الْمَرْأَةُ عَلَى أَنْ يُزْنَى بِهَا، وَالْحُلْوَانُ: الأُجْرَةُ، وَالْكَاهِنُ: الذِي يَنْظُرُ فِي الْكَتِفِ.
634) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ ابْنِ عبَّاس أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: ذَكَرَ الْعَسْبَ وَأَرَادَ مَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ مِنَ الأُجْرَةِ، وَالْعَسْبُ ضِرَابُ الْفَحْلِ.
635) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالرِّجْلاَنِ تَزْنِيَانِ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ الْفَرْجُ».
636) ... وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ (1) عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: «صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: صَوْتُ مِزْمَارٍ عِنْدَ نَغْمَةٍ (2)، وَصَوْتُ مُرِنَّةٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ» وَزِيدَ فِيهَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «لُعِنَتِ النَّائِحَةُ وَالْجَالِسَةُ إِلَيْهَا وَالْمُسْتَمِعَةُ».
قَالَ الرَّبِيعُ: الْمُرِنَّةُ: النَّائِحَةُ، وَصَوْتُ مِزْمَارٍ: صَوْتُ مُغَنِّيَةٍ.
637) ... وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ (3) عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ النَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ وَالْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ (4) وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ».
قَالَ الرَّبِيعُ: النَّامِصَةُ: التِي
__________
(1) / قوله ومن ابن عبّاس في نسخة القطب ذكر السند وهو أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ ابن عبّاس عن النبيء (ص) ثُمَّ ذكره.
(2) / خ: ويروى نعمة.
(3) / قوله: ومن طريق ابن عبّاس في نسخة القطب ذكر السند المتقدّم.
(4) / خ: المتوشّمة. (3/318)
صفحة 1126
تَأْخُذُ مِنْ شَعْرِ حَاجِبَيْهَا لِيَكُونَ رَقِيقًا مُعْتَدِلاً، وَالْمُتَنَمِّصَةُ: التِي يُفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ، وَالْوَاصِلَةُ: التِي تُوصِلُ شَعْرَ رَأْسِهَا لِيُقَالَ: إِنَّهُ طَوِيلٌ، وَالْمُسْتَوْصِلَةُ: التِي يُفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ، وَالْوَاشِمَةُ: التِي تَجْعَلُ الْوَشْمَ فِي وَجْهِهَا أَوْ فِي ذِرَاعِهَا، وَالْمُسْتَوْشِمَةُ: التِي يُفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ، وَالْمُتَفَلِّجَاتُ: اللاَّتِي يُفَلِّجْنَ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِنَّ (1) لِلْجَمَالِ.
638) ... وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ (2) عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: «مَلْعُونٌ مَنْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِ أَخِيهِ»، أَوْ قَالَ: «إِلَى عَوْرَةِ أَخِيهِ، وَمَلْعُونٌ مَنْ أَبْدَى عَوْرَتَهُ لِلنَّاسِ».
639) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ عَامَ حَجٍّ، فَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ فِي يَدِ حَرَسِيٍّ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَتْ مِثْلَ هَذِهِ (3) نِسَاؤُهُمْ».
قوله (نهى عن ثمن الكلب) في بعض روايات الجامع الصغير: ست خصال من السحت رشوة الإمام وهي أخبث ذلك كله، وثمن الكلب، وعسب الفحل، ومهر البغي، وكسب الحجام، وحلوان الكاهن، وفي بعضها نهى عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد.
وفي بعضها نهى عن ثمن الكلب وثمن الخنزير وثمن الخمر وعن مهر البغي وعن عسب الفحل، وفي بعضها نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن.
__________
(1) / قوله: مَا بين أسنانهنّ، في نسخة بين أسنانهنّ وفي أخرى أسنانهنّ بإسقاط مَا بين.
(2) / قوله: ومن طريق ابن ابن عبّاس في نسخة القطب ذكر السند المتقدّم
(3) / خ: هذا. (3/319)
صفحة 1127
قال ابن حجر: في ثمن الكلب، وظاهر النهي تحريم بيعه وهوعام في كل كلب معلما كان أو غيره مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز، ومن لازم ذلك أن لا قيمة على متلفه، وبذلك قال الجمهور.
وقال مالك: لا يجوز بيعه وتجب القيمة على متلفه، وعنه كالجمهور، وعنه كقول أبي حنيفة يجوز وتجب القيمة، وقال عطاء والنخعي: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره.
وروى أبو داود من حديث ابن عباس مرفوعا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب وقال إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا، وإسناده صحيح.
وروي أيضا بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعا: لا يحل ثمن الكلب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي، والعلة في تحريم بيعه عند الشافعي نجاسته مطلقا وهي قائمة في المعلم وغيره، وعلة المنع عند من لا يرى نجاسته النهي عن اتخاذه والأمر بقتله، ولذلك خص منه ما أذن في اتخاذه ويدل عليه حديث جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب إلا كلب صيد، إلى أن قال:
وقال القرطبي: مشهور مذهب مالك جواز اتخاذ الكلب وكراهية بيعه ولا يفسخ إن وقع وكأنه لما لم يكن عنده نجسا وأذن في اتخاذه لمنافعه الجائزة كان حكمه حكم المبيعات لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيها لأنه ليس من كريم الأخلاق.
قال: وأما التسوية بينه وبين مهر البغي وحلوان الكاهن فمحمول على الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه الخ.
والذي عليه أصحابنا المشارقة أن من قتل الكلب المعلم لزمته قيمته، قال الشيخ أبو على البسياني رحمه الله: من قتل كلب صيد لزمته قيمته يوم قتله بتقويم أهل الاصطياد بالكلب وأثمانها، ودية كلب الصيد أربعون درهما، ودية كلب الراعي ثمانية دراهم، ودية السنور أربعة دراهم، وقال بعض: دية السنور ثمانية وعشرون درهما والسنور لا يجوز قتله ولا أخذه من ربه بتعد منه اهـ.
قال ابن حجر في مهر البغي: وهو ما تأخذه الزانية على الزنا، سماه مهرا أقول لكونه على صورته كما ذكره غيره، قال: والبغي بفتح الموحدة وكسر المعجمة (3/320)
صفحة 1128
وتشديد التحتانية وهو فعيل بمعنى فاعلة وجمع البغي بغايا والبغاء بكسر أوله الزنا والفجور، وأصل البغي الطلب غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد الخ.
وذكر في الإيضاح: أن الفاجرة لا توبة لها حتى ترد ما أخذته حيث قال في كتاب الإجارات: وقد ذكر أيضا في الأثر: والذي أحفظ في الفاجرة والنائحة والمعلم المشترط أنه لا توبة لهم حتى يردوا أجر ما أخذوه الخ.
قال ابن حجر في حلوان الكاهن: وهو حرام بإجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل، وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى، وغير ذلك مما يتعاطاه العرافون من استطلاع الغيب.
والحلوان صدر حلوته حلوانا إذا أعطيته، وأصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو من حيث أنه يأخذه سهلا بلا كلفة ولا مشقة، يقال حلوته إذا أطعمته الحلو، والحلوان أيضا أخذ الرجل مهر بنته لنفسه الخ.
قال العلقمي في حلوان الكاهن: وهو ما يأخذه على التكهن.
والكاهن هو الذي يدعي مطالعة علم الغيب، ويخبر الناس عن الكوائن، والفرق بينه وبين العراف أن الكاهن يتعاطى الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعى معرفة الأسرار، والعراف هو الذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما اهـ.
وقال ابن حجر: والكاهنة والكهانة بفتح الكاف ويجوز كسرها ادعاء علم الغيب كالإخبار بما سيقع في الأرض والاستناد إلى سبب، والأصل فيه استراق الجن السمع من كلام الملائكة فيلقيه في أذن الكاهن.
والكاهن لفظ يطلق على العراف والذي يضرب الحصى والنجم، ويطلق على من يقوم بأمر آخر ويسعى في قضاء حوائجه، وقال في الحكم: الكاهن القاضي بالغيب اهـ، وقال في الجامع: العرب تسمي كل من أذن بشيء قبل وقوعه كاهنا، وقال الخطابي: الكهنة قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطباع نارية فألفتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه الأمور ومساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم إليه. (3/321)
صفحة 1129
وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية خصوصا في العرب لانقطاع النبوة فيهم، وهي على أصناف:
منها: ما يتلقونه من الجن فإن الجن كانوا يصعدون إلى جهة السماء فيركب بعضهم بعضا إلى أن يدنوا لأعلى بحيث يسمع الكلام فيلقيه إلى الذي عليه إلى أن يتلقاه من يلقيه في أذن الكاهن فيزيد فيه فلما جاء الإسلام ونزل القرآن حرست السماء من الشياطين وأرسلت إليهم الشهب فبقي من استرقاهم ما يختطفه الأعلى فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب وإلى ذلك الإشارة بقوله (إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب) وكانت إصابة الكاهن قبل الإسلام كثيرة جدا كما جاء في أخبار شق وسطيح ونحوهما، وأما في الإسلام فندر ذلك حتى كاد يضمحل ولله الحمد.
ثانيها: ما يخبر الجني به من يوليه بما غاب عن غيره مما لا يطلع عليه الإنسان غالبا، أو يطلع عليه من قرب منه لا من بعد.
ثالثها: ما يستند إلى ظن وتخمين وحدس، وهذا قد يجعل الله لبعض الناس قوة مع كثرة الكذب فيه.
رابعها: ما يستند إلى التجربة والعادة، يستدل على الحادث بما وقع قبل ذلك، ومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السحر، وقد يعتضد بعضهم في ذلك بالزجر والطرف والنجوم وكل ذلك مذموم شرعا.
وورد في ذم الكهانة ما أخرجه أصحاب السنن صححه الحاكم من حديث أبي هريرة رفعه (من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)، إلى أن قال في حديث آخر: (من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد برئ مما أنزل على محمد، ومن أتاه غير مصدق له لم تقبل صلاته أربعين يوما)، إلى أن قال: والعراف بفتح المهملة وتشديد الراء من يستخرج الوقوف على المغيبات بضرب من فعل أو قول.
قوله: (ذكر العسب وأراد ما يؤخذ عليه من الأجرة والعسب ضراب الفحل) يعني ففي الحديث مجاز الحذف أو مجاز مرسل، والذي جزم به من أن العسب اسم لضراب الفحل هو أحد المعاني الثلاثة التي ذكرها صاحب الصحاح (3/322)
صفحة 1130
حيث قال: والعسب الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل ونهي عن عسب الفحل تقول عسب فحله أي كراه، وعسب الفحل أيضا ضرابه، ويقال ماؤه إلى آخره، فعلى ما صدر به لا مجاز في الحديث، ولكن ما ذكره الربيع رحمه الله هو الأشهر فيه.
قال العلقمي: وعسب الفحل هو بفتح العين وسكون السين المهملتين وبالباء الموحدة وأشهر التفاسير فيه أنه ضراب الفحل، والضراب النزوان ولا يتعلق به النهي والتقدير أجرة عسبه.
والأصح أن هذا النهي للتحريم، نعم يجوز أن يعطى صاحب الفحل شيئا على سبيل الهدية انتهى، والمراد أنه إنما يحرم إذا وقع الاتفاق عليه، قال في الإيضاح: وكذلك أيضا إن أخذ رجل فحلا بغير إذن مولاه فضرب به فجائز له أخذ نقصانه.
كذلك لو أن امرأة غلبت على نفسها فجائز لها أخذ مهرها، وكذلك الأمة إذا أعطيت بإذنها وبغير إذنها فجائز لربها أخذ مهرها والله أعلم انتهى.
والمراد بقوله (مهرها) دية الفرج المعبر عنها بالعقر لأن المهر الحقيقي هو الذي يكون بالنكاح، وقد بين عقر الحرة والأمة في موضعه فليراجع والله أعلم.
(ومن طريق عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدق ذلك ويكذبه الفرج).
قوله: (والعينان تزنيان إلى قوله ويصدق ذلك ويكذبه الفرج) تكلم ابن حجر والعلقمي على معنى هذا الحديث في حديث آخر لفظه البخاري عن ابن عباس: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزناء، أدركه ذلك لا محالة، فزنا العين النظر وزنا اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه قال:
قوله (إن الله كتب على ابن آدم) أي قدر ذلك وأمر الملك بكتابته، إلى أن قال:
قوله (أدرك ذلك لا محالة) بفتح الميم أي لا بد له من عمل ما قدر عليه أنه يعمله، إلى أن قال:
قال ابن بطال: كل ما كتبه الله على الآدمي فقد سبق في علم الله أنه لا بد أن يدركه المكتوب عليه، وأن الإنسان لا يستطيع دفع ذلك عن نفسه إلا أنه يلام إذا وقع ما نهي عنه لحجب ذلك عنه، وتمكينه من التمسك بالطاعة فبذلك يدفع (3/323)
صفحة 1131
قول القدرية والمجبرة وأيده قوله (والنفس تتمنى وتشتهي) لأن المشتهي بخلاف الملتجئ.
قوله (حظه من الزناء) إطلاق الزناء على اللمس وغيرهما بطريق المجاز لأن ذلك من مقدماته.
قوله (فزنا العين النظر) أي إلى ما يحل للناظر، إلى أن قال: (والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) كأنه يشير إلى أن التصديق هو الحكم بمطابقته الخبر للواقع والتكذيب عكسه فكأن الفرج هو الموقع أو الواقع فيكون تشبيها، ويحتمل أن يريد أن الإيقاع يستلزم الحكم بها عادة فيكون كناية.
قال الخطابي: المراد باللمم ما ذكره الله في قوله: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) وهو المعفو عنه، وقال في الآية الأخرى (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) فيؤخذ من الآيتين أن اللمم من الصغائر، وأنه يكفر باجتناب الكبائر وقد تقدم بيان ذلك في الكلام على حديث (من أهم بحسنة ومن أهم بسيئة) في وسط كتاب الرقاق.
وقال ابن بطال: تفضل الله على عباده بغفران اللمم إذا لم يكن للفرج بها تصديق فإذا صدقها الفرج كان ذلك كبيرة.
ونقل الفراء: أن بعضهم زعم أن (إلا) في قوله (إلا اللمم) بمعنى الواو وأنكره وقال: إلا صغائر الذنوب فإنها تكفر باجتناب كبائرها، وإنما أطلق عليها زنى لأنها من دواعيه فهو من إطلاق اسم المسبب على السبب مجازا.
وفي قوله: (والنفس تشتهي والفرج يصدق أو يكذب) ما يستدل به على أن العبد لا يخلق فعل نفسه لأنه قد يريد الزناء مثلا ويشتهيه فلا يطاوعه العضو الذي يريد أن يزني به، وتعجزه الحيلة فيه ولا يدري بذلك سببا، ولو كان خالقا لفعله ما عجز عن فعل ما يريده مع وجود الطواعية واستحكام الشهوة فدل على أن ذلك فعل مقدر، يقدرها إذا شاء ويعطلها إذا شاء انتهى. (3/324)
صفحة 1132
قال العلقمي: وقال شيخنا: ومعنى الحديث أن ابن آدم قدر عليه نصيب من الزنا فمنهم من يكون زناه مجازا بالنظر الحرام، ونحوه المذكورات، فكلها أنواع من الزناء المجازي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه أي ما يحقق الزنا بالفرج ولا يحققه بأن لا يولج وإن فارق ذلك، وجعل ابن عباس هذه الأمور وهي الصغائر تفسير اللمم في قوله (الذين لا يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) فيغفر باجتناب الكبائر انتهى.
وقوله: (الفرج يصدق ذلك) أي بأن يفعله (ويكذبه) أي بأن يمتنع منه، واستشكل ذلك بأن التصديق والتكذيب من صفات الأخبار وهنا بخلافه، وأجيب بأن إطلاقهما هنا على سبيل التشبيه فهو مجاز اهـ.
(
ومن طريق ابن عباس عنه عليه السلام (صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة صوت مزمار عند نغمة وصوت مرنة عند مصيبة) وزيد فيها في رواية (لعنت النائحة والجالسة إليها والمستمعة)، قال الربيع: المرنة النائحة وصوت مزمار مغنية.
قوله: (صوتان ملعونان الخ) الظاهر أن المراد بلعن الصوت تحريمه على ما تقدم عن السؤالات لكن لا معنى لتحريمه في الآخرة، وقد تقدم عن العلقمي: أن أصل اللعن الطرد والإبعاد من الله تعالى الخ، والظاهر أن لعن الصوت كناية عن لعن صاحبه يعني مالم يتب.
قوله: (لعنت النائحة الخ) في بعض الروايات أيضا في الجامع الصغير (اثنتان في تبعاتهم كفر الطعن في الأنساب والنياحة على الميت).
قال العلقمي: الطعن في الأنساب هو الوقوع في أعراض الناس بالذم والغيبة ونحوهما، والنياحة هي رفع الصوت بالندب أن تذكر النائحة الميت بأحسن أوصافه اهـ.
أقول: والظاهر أن المراد بالنائحة التي ترفع صوتها بالبكاء على الميت مطلقا والله أعلم.
قوله: (المرنة) قال النائحة، قال العلقمي رن الشيء يرن من باب ضرب رنينا صوت، ورنة أي صيحة وأن الألف مثله اهـ.
وقال في النهاية الرنين الصوت وقد رن يرن رنينا اهـ.
قوله: (وصوت مزمار مغنية) يعني فالمراد بالمزمار المغنية لا الآلة المتخذة للزمر، وعلى ذلك حمله كثير من شراح الحديث قال العلقمي قوله (مزمار) قال في (3/325)
صفحة 1133
النهاية: المزمور بفتح الميم وضمها والمزمار سواء وهو الآلة التي يزمر بها اهـ، قال النووي: والمزمار أصله صوت تصفير، والزمير الصوت الحسن ويطلق أيضا على الغناء اهـ.
قلت: والمراد هنا الغناء لا القصبة التي يزمر بها كما دل عليه كلام كثير من الشراح اهـ. أقول: والغناء بالمد والكسر كما يؤخذ من الصحاح.
ومن طريق ابن عباس عنه عليه السلام قال (لعن الله النامصة والمنتمصة والواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والمتفلجات للحسن)، قال الربيع النامصة التي تأخذ من شعرها ليكون رقيقا معتدلا والمتنمصة التي تفعل بها ذلك. والواصلة التي توصل شعر رأسها ليقال إنه طويل، والمستوصلة التي فعل بها، والواشمة التي تجعل الوشم في وجهها وفي ذراعها، والمستوشمة التي تفعل بها ذلك المتفلجات التي يفلجن أسنانهن للحسن والجمال.
قوله: (لعن الله النامصة والمتنمصة الخ) في بعض الروايات عند قومنا (لعن الله الربا وآكله وموكله وكاتبه وشاهده وهم يعلمون والواصلة والمتوصلة والواشمة والنامصه والمتنمصة) وفي بعضها (لعن الله الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله).
قوله: (قال الربيع النامصة التي تأخذ من شعر حاجبيها ليكون رقيقا) ظاهر كلامه رحمه الله أن النماص مختص بإزاله شعر الحاجبين، وهو قول أيضا لبعض قومنا لكن في قوله رحمه الله (النامصة التي تأخذ من شعر حاجبيها، والمتنمصة التي تفعل بها ذلك) تأمل من وجهين:
أحدهما: أن ظاهره يستلزم المساواة بين النامصة والمتنمصة حيث كانت النامصة هي التي تأخذ من شعر حاجبيها والمتنمصه التي تفعل بها ذلك لأن فعل ذلك بها هو أخذ شعر حاجبيها اللهم إلا أن يقال: المراد بقوله تأخذ تأمر بالأخذ.
وكذا يقال في قوله الواصلة التي تصل شعر رأسها والواشمة التي تجعل الوشم أي التي تأمر بالوصل والتي تأمر بالجعل وإن لم تفعلا ذلك بأنفسهما والله أعلم.
ثانيهما: أنه مخالف لتفسير غيره مع أن تفسير غيره هو الظاهر خصوصا ما فيه التاء والسين الداخلتان على الطلب كالمستوصلة والمستوشمة.
قال ابن حجر: والمتنمصة التي تطلب النماص، والنامصة التي تفعله، والنماص إزالة شعر الوجه بالمنقاش ويسمى المنقاش منماصا لذلك، ويقال إن النماص يختص بازالة شعر الحاجبين لترقيقهما أو تسويتهما.
قال أبو داود في السنن: النامصة التي تنقش الحاجب حتى ترققه، إلى أن قال: (3/326)
صفحة 1134
قال القرطبي: لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص لأجل التماس الحسن لا للزوج ولا لغيره كمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما توهم الفلج وعكسه، ومن تكون لها سن زائدة فتقلعها أو طويلة فتقطع منها أو لحية أو شاربا أوعنفقة فتزيلها بالنتف، ومن يكون شعرها قصيرا أو خفيفا فتطوله أو تغزره بشعر غيرها فكل ذلك داخل في النهي وهو من تغيير خلق الله تعالى.
قال ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضرورة والأذية كمن يكون لها سن زائدة أو طويلة تعوقها في الأكل، وإصبع زائدة تؤذيها أو تؤلمها فيجوز ذلك، والرجل في هذا الأخير كالمرأة.
وقال النووي: يستثنى من النماص ما إذا نبت للمرأة لحية أو شارب أو عنفقة فلا يحرم عليها إزالتها بل يستحب.
قال ابن حجر: قلت وإطلاقه مقيدا بإذن الزوج وعلمه وإلا فمتى خلا عن ذلك منع للتدليس، إلى أن قال نقلا عن الحنابلة: قالوا ويجوز الحف والتحمية والنقش والتطريب إذا كان بإذن الزوج لأنه من الزينة، وقد أخرج الطبري من طريق أبي إسحاق عن امرأته أنها دخلت على عائشة وكانت شابة يعجبها الجمال فقالت: المرأة تحف جبينها لزوجها؟ فقالت أميطي عنك الأذى ما استطعت.
وقال النووي: يجوز التزين بما ذكر إلا الحف فإنه من جملة النماص اهـ.
أقول: وعلى ظاهر تفسير المصنف المتقدم يجوز حف الجبين لكن نص أبو عباس أحمد بن بكر أنه لا يجوز والله أعلم.
قوله: (والواصلة التي تصل شعر رأسها ليقال إنه طويل والمستوصلة التي تصل لها هذا) التفسير مخالف لتفسير غيره في المتوصلة كما تقدم، وقاصر عن تفسير غيره في الواصلة، قال ابن حجر: الواصلة التي تصل الشعر سواء كان لنفسها أم لغيرها، والمتوصلة التي تطلب فعل ذلك ويفعل بها.
قوله: (والواشمة التي تجعل الوشم في وجهها أوفي ذراعيها والمتوشمة التي تفعل بها ذلك)، هذا التفسير مخالف لتفسير غيرها في المستوشمة على الراجح، وقاصر عن تفسير غيره في الواشمة. (3/327)
صفحة 1135
قال ابن حجر: في قول البخاري (لعن الله الواشمات) جمع واشمة بالشين المعجمة وهي التي تشم، والمستوشمات جمع مستوشمة وهي التي تطلب الوشم، ونقل ابن التين عن الداودي أنه قال: الواشمة التي يفعل بها الوشم، والمستوشمة التي تفعله، ورد عليه ذلك الخ.
لكن رواية المصنف رحمه الله إنما هي (الواشمة والمتوشمة) كما في بعض روايات البخاري بلفظ المتوشمات، قال ابن حجر: وهي بكسر الشين التي تفعل ذلك وبفتحها التي تطلب ذلك الخ، فعلى هذا يقرأ بكسر الشين فلا مخالفة والله أعلم.
قال ابن حجر: قال أهل اللغة: الوشم بفتح ثم سكون أن يغرز في العضو إبرة أو نحوها حتى يسيل الدم ثم يحشى بنورة أو غيرها فيخضر.
وقال أبو داود في السنن: الواشمة التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد، والمستوشمة المعمول بها وذكر الوجه للغالب، وأكثر ما يكون في الشفة، إلى أن قال: فذكر الوجه ليس قيدا، أو قد يكون في اليد وغيرها من الجسد، وقد يجعل ذلك نقشا وقد يجعل دوائر، وقد يكتب اسم المحبوب، وتعاطيه حرام بدلالة اللعن كما في حديث الباب.
ويصير الموضع الموشوم نجسا لأن الدم نجس فتجب إزالته إن أمكن ولو بالجرح إلا إن خاف منه تلفا أو شيئا أو فوات منفعة عضو فيجوز إبقاؤه وتكفي التوبة في سقوط الإثم، ويستوي في ذلك الرجل والمرأة اهـ.
قوله: والمتفلجات اللآتي يفلجن ما بين أسنانهن للجمال) قال ابن حجر: والمتفلجات جمع متفلجة وهي التي تطلب الفلج أو تصنعه، والفلج بالفاء واللام والجيم انفراج ما بين السنين، والتفلج أن يفرق بين المتلاصقين بالمبرد ونحوه وهو مختص عادة بالثنايا والرباعيات ويستحسن من المرأة، فربما تفعله المرأة التي تكون أسنانها متلاصقة لتصير متفلجة، وقد تفعله الكبيرة توهم أنها صغيرة لأن الصغيرة غالبا تكون مفلجة جديدة السن ويذهب ذلك في الكبر وتحديد الأسنان الوشر بالراء وقد ثبت النهي عنه أيضا في بعض طرق حديث ابن مسعود، إلى أن قال: لما فيه من تغيير الخلقة الأصلية. (3/328)
صفحة 1136
وقال في قوله صلى الله عليه وسلم (لعن الله) ما نصه: وهذا صريح في حكاية ذلك عن الله تعالى كأنه قيد: إلى أن قال: ويحتمل أن يكون ذلك دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم على من فعلت ذلك.
(ومن طريق ابن عباس عنه عليه السلام قال (ملعون من نظر إلى فرج أخيه أو قال إلى عورة أخيه وملعون من أبدى عورته للناس).
قوله (ملعون من نظر إلى فرج أخيه الخ) استدل به في الإيضاح على انتقاض وضوء من نظر على العمد إلى فرج بني آدم البالغين منهم إلا الأزواج فيما بينهما فإن النظر بينهما مباح لا ينقض كنظره إلى نفسه.
ثم قال واختلفوا في حد العورة التي تنقض الوضوء من السرة إلى الركبة، واختلفوا في السرة والركبة هل هما من العورة أم لا؟ وقال بعضهم: النظر المحرم ما كان من حد منابت الشعر إلى مستغلظ الفخذين الخ.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن معاوية بن أبي سفيان وهو على المنبر عام حج فتناول قصة من شعر في يد حرسي فقال يا أهل المدينة أين علماؤكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذت مثل هذه نساؤهم).
قوله (قال وهو على المنبر إلى آخره) لفظه في بعض روايات البخاري (قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة آخر قدمة قدمها فخطبنا فأخرج كبة من شعره فقال: ما كنت أرى أحدا يفعل هذا غير اليهود فإن النبي صلى الله عليه وسلم سماه الزور يعني الوصال في الشعر انتهى) وفي رواية كرواية المصنف رحمه الله.
قوله (عام حج) في بعض الروايات وكان ذلك في سنة إحدى وخمسين وهي آخر حجة حجها في خلافته.
قوله (فتناول قصة من شعر في يد حرسي) الراوية في البخاري (كانت في يد حرسي) القصة قال ابن حجر: بضم القاف وتشديد المهملة يعني شعر الناصية وقال في محل: آخر الخصلة من الشعر، وفي رواية سعيد بن مسيب كبة ولمسلم، إلى أن قال: إن معاوية قال:
إنكم أحدثتم زي سوء، وجاء رجل بعصا على رأسها خرقة، والحرسي بفتح الحاء والراء والسين المهملات نسبة إلى الحرس وهم خدم الأمير الذين يحرسونه، ويقال للواحد حرسي لأنه اسم جنس، وعن الطبراني من طريق عروة عن معاوية من الزيادة قال (وجدت عند أهلي وزعموا (3/329)
صفحة 1137
أن النساء يزدنه في شعورهن) وهذا يدل على أنه لم يكن يعرف ذلك في النساء قبل ذلك الخ.
قوله (أين علماؤكم) قال ابن حجر: فيه إشارة إلى أن العلماء إذ ذاك فيهم كانوا قد قلوا، وهو كذلك لأن غالب الصحابة كانوا يومئذ قد ماتوا ولأنه قد رأى جهال عوامهم منعوا ذلك فأراد أن يذكر العلماء ويوبخهم بما تركوه من إنكار ذلك، ويمكن أن يكون ترك من بقي من الصحابة ومن أكابر الصحابة إذ ذاك الإنكار، أما الاعتقاد بعدم التحريم ممن بلغه الخبر فحمله على كراهة التنزيه.
أو كان يخشى من سطوة الأمراء في ذلك الزمان على من يستبتد بالإنكار لئلا ينسب إلى الاعتراض على أولي الأمر، أو كانوا ممن لم يلحقهم الخبر أصلا، أو بلغ بعضهم لكن لم يتذكروه حين ذكرهم به معاوية، فكل هذه آراء ممكنة لمن كان موجودا إذ ذاك من العلماء.
وأما من حضر خطبة معاوية وخاطبهم بقوله أين علماؤكم فلعل ذلك كان في خطبة غير الجمعة، ولم يتعين أن يحضره إلا من ليس من أهل العلم فقال أين علماؤكم لأن الخطاب بالإنكار لا يتوجه إلا على من علم الحكم وأقره انتهى.
وقال في محل آخر: فيه إشارة إلى قلة العلماء يومئذ بالمدينة، ويحتمل أنه أراد بذلك إحضارهم ليستعين بهم على ما أراد من إنكار ذلك، أو لينكر عليهم سكوتهم عن إنكارهم هذا الفعل قبل ذلك انتهى.
قوله (إنما هلكت بنو إسرائيل) في رواية (إنما عذب بنو إسرائيل) وفي رواية (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه فسماه الزور).
قال ابن حجر: قال قتادة: يعني ما يكثر به النساء شعورهن من الخرق، وهذا الحديث حجة للجمهور في منع وصل الشعر بشيء آخر، سواء إن كان شعرا أم لا، ويؤيده حديث جابر (زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة شعرها بشيء) أخرجه مسلم.
وذهب الليث ونقله أبو عبيد عن كثير من الفقهاء أن الممتنع من ذلك وصل الشعر بالشعر وأما إذا وصلت شعرها بغير الشعر من خرقة أو غيرها فلا تدخل في النهي. (3/330)
صفحة 1138
وأخرج أبو داود بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: لا بأس بالقرامل وبه قال أحمد، والقرامل جمع قرمل بفتح القاف وسكون الراء نبات طويل الفروع لين، والمراد به هنا خيوط من حرير أو صوف تعمل ضفائر تصل به المرأة شعرها وفصل بعضهم بين ما إذا كان ما وصل به الشعر من غير الشعر مستورا بعد عقده مع الشعر بحيث يظن أنه من الشعر وبين ما إذا كان ظاهرا فمنع الأول لما فيه من التدليس وهو قوي، ومنهم من أجاز الوصل مطلقا سواء كان بشعر آخر أو بغير شعر إذا كان بعلم الزوج وإذنه، وأحاديث الباب حجة عليه، إلى أن قال:
كما يحرم على المرأة الزيادة في شعر رأسها يحرم عليها حلق شعر رأسها بغير ضرورة، وقد احتج الطبري من طريق بنت سفيان عن ابن عباس قال (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها) وهو عند أبي داود من هذا الوجه بلفظ (ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير) والله أعلم. (3/331)
صفحة 1139
الباب الثاني والأربعون في الطاعون
640) ... أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ لأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الطَّاعُونِ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ (1) فَلاَ تَدْخُلُوهَا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ فِي أَرْضٍ وَأَنْتُمْ فِيهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ».
641) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغٍ - وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالشَّامِ - لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ أَصْحَابِهِ، وَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ وَقَعَ فِي أَرْضِ الشَّامِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَرَجْتَ لأَمْرٍ وَلاَ نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ؛ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَقَالَ عُمَرُ: اِرْتَفِعُوا عَنِّي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: اُدْعُ لِيَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَرَجْتَ لأَمْرٍ وَلاَ نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ؛ فَقَالَ: اِرْتَفِعُوا عَنِّي، فَارْتَفَعُوا، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِيَ الأَنْصَارَ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلاَفِهِمْ. َقَالَ: اِرْتَفِعُوا عَنِّي، فَارْتَفَعُوا، ثُمَّ قَالَ: اُدْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ وَمِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلاَنِ، فَقَالُوا:
__________
(1) / خ: في أرض. (3/332)
صفحة 1140
نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلاَ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ! نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدُمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ». قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ.
642) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ ... » الْحَدِيثُ (1).
قال ابن حجر: والطاعون بوزن فاعول من الطعن عدلوا به عن أصله ووضعوه دالا على الموت العام كالوباء، ويقال طعن فهو مطعون وطعين إذا أصابه الطاعون وإذا أصابه الطعن بالذبح، هذا كلام الجوهري.
وقال الخليل: الطاعون الوباء، وقال صاحب النهاية: الطاعون المرض العام الذي يفسد له الهواء وتفسد به الأمزجة والأبدان.
وقال أبو بكر بن العربي: الطاعون الوجع الغالب الذي يزهق الروح كالذبحة سمي بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله.
وقال أبو منذر الباجي: هو مرض يعم الكثير من الناس في جهة من الجهات بخلاف المعتاد من أمراض الناس، ويكون مرضهم واحدا بخلاف بقية الأوقات فتكون أحوال كل مريض مختلفة إلى آخر ما أطال فيه.
فقال العلقمي حقيقة الطاعون على ما حرره بعض الحذاق: بثرة من مادة سمية مع لهب واسوداد ما حولها من وكز الجن يحدث معها ورم قتال في الغالب وقيء وخفقان للقلب، تحدث غالبا في المواضع الرخوة أو المغابن كتحت الإبط وخلف الأذن.
__________
(1) / قوله: الحديث إشارة إلى تقدّمه في عدّة الشهداء من كتاب الجهاد. (3/333)
صفحة 1141
قال ابن الأثير: والوخز طعن بلا نفاذ، وقال شيخنا: هو ورم ينشأ عن هيجان الدم وسببه طعن الجن كما ورد به الحديث، وأما الوباء فهو فساد جوهر الهواء.
وقال شيخنا شيخ الإسلام زكريا: هو بثر مؤلم جدا يخرج غالبا في الآباط مع لهب واسوداد ما حواليه وخفقان القلب والقيء.
وقال الجوهري: هو الموت من الوباء، وصاحب القاموس هو الوباء، وقال ابن سينا: هو مادة سمية تحدث ورما قتالا تحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط أو خلف الأذن أو عند الأرنبة.
والوباء فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده، وظاهره أن بين الطاعون والوباء تغايرا أو أن الطاعون أخص.
وظاهر كلام القاموس أن بينهما ترادفا ويوافقه ظاهر قول ابن سينا (كل واحد منهما يطلق على الآخر) والحق ما أفاده شيخنا أن الطاعون أخص من الوباء لأنه طعن الجن، والوباء بالمد والقصر المرض العام لخبر الصحيحين عن أبي هريرة (على أبواب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال) مع خبرهما عن عائشة (قدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله الحديث) وفيه قول بلال (اللهم أهلك شيبة بن ربيعة وعقبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى الأرض الوباء) فلو كان الطاعون هو الوباء لتعارض الخبران، وهذا لا ينافي إطلاق أحدهما على الآخر اهـ كلام شيخنا زكريا.
قال شيخنا يعني السيوطي: قال الأطباء: الطاعون مادة سمية تحدث ورما قتالا وأن سببه فساد جوهر الهواء، وهذا باطل بالأحاديث الصحيحة الواردة أنه من وخز الجن الخ.
قال ابن حجر: ومما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجن وقوعه غالبا في أعدل الفصول، وفي أصح البلاد هواء وأطيبها ماء ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى وهذا يذهب أحيانا على غير قياس ولا تجربة فربما جاء سنة على سنة وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعم الناس والحيوان والوجود، والمشاهد أنه يصيب الكثير (3/334)
صفحة 1142
ولا يصيب من هم بجانبهم ممن هو في مثل مزاجهم ولو كان كذلك لعم جميع البدن، وهذا يختص بموضع من الجسد ولا يتجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب يقتل بلا مرض، فدل على أنه من طعن الجن كما ثبت في الأحاديث الواردة في ذلك.
منها حديث أبي موسى الأشعري رفعه (فناء أمتي بالطعن والطاعون قيل يا رسول الله هذا الطعن عرفناه فما الطاعون؟ قال: وخز أعدائكم من الجن وفي كل شهادة)، إلى أن قال أيضا: (اللهم اجعل فناء أمتي قتلا في سبيلك بالطعن والطاعون).
قال العلماء مراده صلى الله عليه وسلم أن يجعل لأمته رابع أنواع الشهادة وهو القتل في سبيل الله بأيدي أعدائهم إما من الإنس وإما من الجن، إلى أن قال:
وقوله (وخز بفتح أوله وسكون المعجمة بعدها زاي قال أهل اللغة هو الطعن إذا كان غير نافذ، ووصف طعن الجن بأنه وخز لأنه يقع من الباطن إلى الظاهر فيؤثر في الباطن أولا ثم يؤثر في الظاهر وقد لا ينفذ، وهذا بخلاف طعن الإنس فإنه يقع من الظاهر إلى الباطن فيؤثر في الظاهر أولا ثم يؤثر في الباطن وقد لا ينفذ الخ.
وزاد العلقمي في الوجوه التي يرد بها قول الأطباء نقلا عن ابن القيم ما نصه: ومنها أن كل داء بسبب من الأسباب الطبيعية له دواء من الأدوية الطبيعية وهذا الطاعون أعي الأطباء دواؤه حتى سلم حذاقهم أنه لا دواء له ولا دافع له إلا الذي خلقه وقدره.
وقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: والذي أوجب للأطباء أن يقولوا ما قالوه أن معرفة كونه من وخز الجن أنه مما يدرك بالتوفيق وليس للعقل فيه مجال، ولما لم يكن عندهم في ذلك توفيق رأوا أنه أقرب ما يقال فيه أنه من فساد جوهر الهواء فلما ورد في الشرع وجاء نهر الله بطل نهر عقيل اهـ. (3/335)
صفحة 1143
قوله (الطاعون رجز أرسل على طائفة الخ) ذكر له في الجامع روايات متعددة.
منها: (الطاعون بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل فإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها فرارا منه وإذا وقع في أرض ولستم فيها فلا تهبطوا عليها).
ومنها: (الطاعون شهادة لكل مسلم).
ومنها: (الطاعون كان عذابا يبعثه الله على من يشاء وإن الله جعله رحمة للمؤمنين فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد).
ومنها: (الطاعون وخز أعدائكم من الجن وهو لكم شهادة.
ومنها: (الطاعون شهادة لأمتي).
ومنها: (الطاعون غدة كغدة البعير المقيم له كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف).
ومنها: (الطاعون شهادة لأمتي ووخز أعدائكم من الجن غدة كغدة الإبل تخرج في الأباط والمرافق من مات به مات شهيدا ومن أقام فيه كان كالمرابط في سبيل الله ومن فر منه كان كالفار من الزحف).
ومنها: (الطاعون والغرق والبطن والحرق والنفساء شهادة لأمتي).
قوله (رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل) الرجز العذاب، قال ابن حجر: وقع الرجس بالسين المهملة موضع الرجز بالزاي والذي بالزاي هو المعروف وهو العذاب، والمشهور في الذي بالسين أنه الخبيث أو النجس أو القذر وجزم الفارابي والجوهري أنه يطلق على العذاب أيضا ومنه قوله تعالى (ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون) وحكاه الراغب أيضا.
والتنصيص على بني إسرائيل أخص فإنه كان ذلك المراد فكأنه أشار بذلك إلى ما جاء في قصة بلعام، إلى أن قال: (3/336)
صفحة 1144
عن يسار أن رجلا كان يقال له بلعام مجاب الدعوة، وأن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام فأتاه قومه فقالوا ادع الله عليهم فقال حين أوامر ربي فلم يرجع إليه بشيء فقالوا لو كره لنهاك فدعا عليهم فصار يجري على لسانه ما يدعو به على بني إسرائيل فينقلب على قومه فلاموه على ذلك فقال: سأدلكم على ما فيه هلاكهم، أرسلوا النساء في معسكرهم ومروهن لا يمتنعن من أحد فعسى أن يزنوا فيهلكوا فكان فيمن خرج بنت الملك فأرادها رأس بعض الأسباط وأخبرها بمكانه فمكنته من نفسها فوقع في بنى إسرائيل الطاعون فمات منهم سبعون ألفا في يوم وجاء رجل من بني هارون ومعه الرمح فطعنهما جميعا.
هذا مرسل جيد ويسار شامي موثوق، إلى أن قال: وأشار إليها عياض فقالا قوله أمر نزل على بني إسرائيل، قيل مات منهم في ساعة واحدة عشرون ألفا، وقيل سبعون ألفا.
وذكر ابن إسحاق قال: إن الله أوحى إلى داود أن بني إسرائيل كثر عصيانهم فخيرهم في ثلاث: أن يبتليهم بالقحط أو العدو شهرين أو الطاعون ثلاثة أيام فأخبرهم فقالوا اختر لنا فاختار الطاعون فمات منهم إلى أن زالت الشمس سبعون ألفا وقيل مائة ألف فتضرع داود إلى الله تعالى فرفعه الخ.
قوله: (أو على من كان قبلكم) يعني بأو التي للشك، وفي بعض الروايات عند قومنا بالجزم أي لكن لفظه (رجز أصيب به من كان قبلكم).
قال ابن حجر: وورد وقوع الطاعون في غير إسرائيل فيحتمل أن يكون هو المراد بقوله ما كان قبلكم: فمن ذلك ما أخرجه الطبراني وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير قال: أمر موسى بني إسرائيل أن يذبح كل رجل منكم شاة ثم يخضب كفه في دمه ثم يضربه على بابه ففعلوا فسألهم القبط عن ذلك فقالوا: إن الله سيبعث عليكم عذابا وإنا ننجو منه بهذه العلامة فأصبحوا وقد مات من قوم فرعون سبعون ألفا فقال فرعون عند ذلك لموسى (ادع ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز) الآية فدعا فكشف عنهم وهذا مرسل جيد الإسناد. (3/337)
صفحة 1145
وأخرج عبد الرزاق في تفسيره والطبري من طريق الحسن في قوله تعالى (الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) قال فروا من الطاعون (فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) ليكملوا بقية آجالهم الخ.
قوله: (فإذا سمعتم بأرض فلا تدخلوا عليه الخ) قال العلقمي: قال ابن العربي في شرح الترمذي: حكمة النهي من القدوم أن الله أمر أن لا يتعرض للحتف والبلاء وإن كان لا نجاة من قدر الله إلا أنه من باب الحذر الذي شرعه الله، ولئلا يقول لو لم أدخل لم أمرض ولو لم يدخل فلان لم يمت.
وقال ابن دقيق العيد: الذي يترجح عندي في الجمع بين النهي عن الفرار والنهي عن القدوم أن الإقدام عليه تعرض للبلاء، ولعله لا يصبر عليه، وربما كان فيه ضرب من الدعوى لمقام الصبر والتوكل فمنع ذلك لاغترار النفس ودعواها مالا تثبت عليه عند التحقيق.
وأمر الفرار قد يكون داخلا في باب التوغل في الأسباب، متصورا بصورة من يحاول النجاة مما قدر عليه فيقع التكلف في القدوم كما يقع التكلف في الفرار فأمر بترك التكلف فيهما.
ونظير ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموه فاصبروا) فأمرهم بترك التمني لما فيه من التعرض للبلاء وخوف الاغترار بالنفس إذ لا يؤمن غدرها عند الوقوع، ثم أمرهم بالصبر عند الوقوع تسليما لأمر الله تعالى، إلى أن قال:
قال القاضي تاج الدين السبكي: مذهبنا وهو الذي عليه الأكثر: أن النهي عن الفرار منه للتحريم، وقال بعض العلماء هو للتنزيه، قال والاتفاق على جواز الخروج لشغل غرض غير الفرار الخ.
وذكر ابن حجر: أن عمرو بن العاص قال في الطاعون: إن هذا رجز مثل السيل من تنكبه أخطأه، ومثل النار من أقام أحرقته فقال شرحبيل بن حسنة: إن هذا رحمة ربكم ودعوة نبيكم وقبض الصالحين قبلكم، إلى أن قال: (3/338)
صفحة 1146
ونقل عياض وغيره جواز الخروج عن الأرض التي يقع بها الطاعون عن جماعة منهم أبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين منهم الأسود بن هلال ومسروق، ومنهم من قال النهي فيه للتنزيه ولا يحرم وخالفه جماعة فقالوا: يحرم الخروج منها لظاهر النهي الثابت في الأحاديث الماضية، وهذا هو الراجح عند الشافعية وغيرهم، ويؤيده ثبوت الوعيد على ذلك فأخرج أحمد وابن خزيمة من حديث عائشة مرفوعا في أثناء حديث بسند صحيح حسن: قلت يا رسول الله فما الطاعون؟ قال: غدة كغدة الإبل المقيم فيها كالشهيد، والفار منه كالفار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف، إلى أن قال:
وقال الطحاوي: استدل من أجاز الخروج بالنهي الوارد عن الدخول إلى الأرض التي يقع بها، قالوا: وإنما ينهى عن ذلك خشية أن يعدي من دخل عليه، قال وهو مردود لأنه لو كان النهي لهذا لجاز لأهل الموضع الذي وقع فيه الخروج وقد ثبت النهي أيضا عن ذلك فعرف أن المعنى الذي لأجله منعوا من القدوم عليه غير معنى العدوى.
والذي يظهر والله أعلم أن حكمة النهي عن القدوم عليه لئلا يصيب من قدم عليه بتقدير الله فيقول: لولا أني قدمت هذه الأرض لما أصابني، ولعله لو أقام في الموضع الذي فيه لأصابه فأمر أن يقدم عليه حسما للمادة، ونهي من وقع وهو بها لا يخرج من الأرض التي نزل بها لئلا يسلم فيقول مثلا: لو أقمت في تلك الأرض لأصابني ما أصاب أهلها ولعله لو أقام بها ما أصابه من ذلك شيء ويؤيده ما أخرجه الهيثم، إلى أن قال:
عن أبي موسى أنه قال: إن هذا الطاعون قد وقع فمن أراد أن ينصرف عنه فليفعل واحذروا اثنتين: أن يقول خرج خارج فسلم وحبس حابس فأصيب فلو كنت خرجت لسلمت كما سلم فلان أو كنت جلست أصبت كما أصيب فلان، لكن أبو موسى حمل النهي على من قصد الفرار محضا، بهذا يتناوله النهي لا محالة.
ومن خرج لحاجة متمحضة لا لقصد الفرار أصلا ويتصور ذلك فيمن قصد الرحيل إلى بلد كان بها إلى بلد إقامته مثلا لم يكن الطاعون وقع فيها فاتفق وقوعه في أثناء تجهزه فهذا لم يقصد الفرار أصلا فلا يدخل في النهي. (3/339)
صفحة 1147
والثالث: من عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها وانضم إلى ذلك أنه قصد الراحة منه بالبلدة التي وقع بها الطاعون، فهذا محل النزاع، إلى أن قال:
فمن منع نظر إلى صورة الفرار في الجملة، ومن أجاز نظر إلى أنه مستثنى من عموم الخروج فرارا الخ.
فذكر قصة أبي عبيدة حين كتب له عمر بن الخطاب: أن لي حاجة فلا تضع كتابي من يدك حتى تصل إلي فكتب إليه إني قد عرفت حاجتك وإني في جند من المسلمين، إلى أن قال: فهذا يدل على أن عمر رأى أن النهي عن الخروج إنما هو لمن قصد الفرار متمحضا، ولعله كانت له حاجة بأبي عبيدة في نفس الأمر فلذلك استدعاه وظن أبو عبيدة أنه إنما طلبه ليسلم من وقوع الطاعون به فاعتذر عن إجابته بذلك، إلى أن قال:
واحتجوا أيضا بالقياس على الفرار من المجذوم وقد ورد الأمر به كما تقدم، والجواب أن الخروج من البلد الذي وقع به الطاعون قد ثبت النهي عنه، والمجذوم وقد ورد الأمر بالفرار منه فكيف يصح القياس الخ.
قال العلقمي: قال شيخنا: وقد صرح ابن خزيمة في صحيحه بأن الفرار من الطاعون من الكبائر وأن الله يعاقب عليه من لم يعف عنه.
قال شيخنا: وقد اختلف في حكمة ذلك: فقيل: تعبد ولا يعقل معناه لأن الفرار من المهالك مأمور به، وقد نهى عن هذا فهو لسر فيه لا نعلم حقيقته، وقيل: هو معلل بأن الطاعون إذا وقع في البلد عم جميع من فيه بمداخلة سببه فلا يفيد الفرار منه، بل إذا كان أجله حضر فهو ميت سواء أقام أم رحل، وكذا العكس، ومن ثم كان الأصح في مذهبنا أن تصرفات الصحيح في البلد الذي وقع فيه الطاعون كتصرفات المريض مرض الموت فلما كانت المفسدة قد تعينت ولا انفكاك عنها تعينت الإقامة لما في الخروج من العبث الذي لا يليق بالعقلاء، وبهذا أجاب إمام الحرمين في النهاية، وأيضا لو توارد الناس على الخروج لبقي من وقع به عاجزا عن الخروج فضاعت مصالح المرضى لفقد من يتعهدهم والموتى لفقد من يجهزهم، ولما في خروج الأقوياء على السفر من كسر قلب من لا قوة له على ذلك، وقال ابن عبد البر: النهي عن الخروج للإيمان بالقدر، والنهي عن القدوم لدفع سلامة النفس. (3/340)
صفحة 1148
وقال ابن قتيبة: نهى عن الخروج لئلا يظنوا أن الفرار ينجيهم من قدر الله، وعن القدوم ليكون أسكن لأنفسهم وأطيب لعيشهم.
وفي الحديث: جواز رجوع من أراد دخول بلد فعلم أن بها الطاعون وأن ذلك ليس من الطيرة وإنما هو من منع الإلقاء إلى التهلكة أو سد الذريعة لئلا يعتقد من يدخل إلى الأرض التي وقع بها أنه لو دخلها لطعن بالعدوى المنهي عنها اهـ.
وقاس ابن حجر الفرار من الطاعون على الفرار من المزحف حيث قال: فلو شرع الخروج فخرج الأقوياء لكان في ذلك كسر قلوب الضفاء وقد قالوا إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف لما فيه من كسر قلب من لم يفر وإدخال الرعب عليهم الخ.
قوله: (إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام) قال ابن حجر: ذكر سيف بن عمر في الفتوح أن ذلك كان في ربيع الأول سنة ثماني عشرة، وأن الطاعون كان وقع أولا في المحرم وفي صفر ثم ارتفع فكتبوا إلى عمر فخرج حتى إذا كان قريبا من الشام بلغه أنه أشد ما كان فذكر القصة، وذكر خليفة بن خباب أن خروج عمر إلى سرغ كان في سنة سبع عشرة فالله أعلم.
وهذا الطاعون الذي وقع بالشام هو الذي يسمى طاعون عمواس بفتح المهملة والميم، وحكي تسكينها، قيل سمي بذلك لأنه عم وأساء.
(حتى إذا كان بسرغ) قال ابن حجر: بفتح المهملة وسكون الراء بعدها معجمة، وحكى علي بن وضاح تحريك الراء وخطأه بعضهم مدينة افتتحها أبو عبيدة وهي واليرموك والجابية متصلات، وبينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة.
وقال ابن عبد البر: قيل إنه واد بتبوك، وقيل: بقرب تبوك، وقال الحازمي: هي أول الحجاز وهي من منازل خارج الشام، وقيل: بينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة اهـ.
قوله: (لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح مع أصحابه) قال ابن حجر: هم خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص، وكان أبو بكر قد قسم البلاد بينهم وجعل أمر القتال إلى خالد ثم رده إلى أبي عبيدة. (3/341)
صفحة 1149
وكان عمر قسم الشام أجنادا: الأردن جند، وحمص جند، وفلسطين جند، وقنسرين جند، وجعل على كل جند أميرا، ومنهم من قال إن قنسرين مع حمص فكانت أربعة ثم أفردت قنسرين في أيام يزيد بن معاوية اهـ.
قوله: (وأخبره أن الوباء وقع بأرض الشام) في بعض الروايات: أن عمر لما خرج إلى الشام سمع بالطاعون، قال ابن حجر: ولا مخالفة بينهما فإن كل طاعون وباء من غير عكس.
قوله: (بقية الناس) قال ابن حجر: أي الصحابة أطلق عليهم ذلك تعظيما لهم أي ليس الناس إلا هم، وعلى هذا عطفهم على الصحابة عطف تفسير، ويحتمل أن يكون المراد ببقية الناس أي الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم عموما، والمراد بالصحابة الذين لازموه وقاتلوا معه اهـ.
أقول: وعلى رواية المصنف فيقال: وعلى هذا عطف الصحابة عليهم عطف تفسيري، ويحتمل أن يكون من عطف الخاص على العام.
قوله: (ارتفعوا عني) في بعض الروايات فأمرهم فخرجوا عنهم.
قوله: (ادع لي المهاجرين) في رواية اجمع لي.
قوله: (من مشيخة قريش) قال ابن حجر: ضبط مشيخة بفتح الميم والتحتانية بينهما معجمة ساكنة، وبفتح الميم وكسر المعجمة وسكون التحتانية جمع شيخ، ويجمع أيضا على شيوخ بالضم وبالكسر وأشياخ، وشيخه بكسر ثم فتح وشيخان بكسر ثم سكون ومشايخ ومشيخا بفتح ثم سكون ثم ضم ومد وقد تشبع الضمة حتى تصير واوا فتتم عشرة اهـ.
قوله: (ومن مهاجرة الفتح) الرواية في البخاري (من مهاجرة) بغير واو، قال ابن حجر: أي الذين هاجروا إلى المدينة عام الفتح أو المراد مسلمة الفتح، أو أطلق على من تحول إلى المدينة بعد فتح مكة مهاجرا صورة وإن كانت الهجرة بعد الفتح حكما قد ارتفعت، وأطلق عليهم ذلك احترازا عن غيرهم من مشيخة قريش ممن قام بمكة ولم يهاجر أصلا.
وهذا يشعر بأن لمن هاجر فضلا في الجملة على من لم يهاجر وإن كانت الهجرة الفاصلة في الأصل إنما هي لمن هاجر قبل الفتح لقوله صلى الله عليه وسلم (3/342)
صفحة 1150
(لا هجرة بعد فتح مكة) وإنما كانت كذلك لأن مكة بعد الفتح صارت دار إسلام فالذي يهاجر منها إلى المدينة إنما يهاجر لطلب العلم أو الجهاد لا للفرار بدينه بخلاف ما قبل الفتح وقد تقدم بيان ذلك اهـ.
قوله: (فنادى عمر في الناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه) قال ابن حجر: زاد يونس في روايته (فإني ماض لما أرى فانظروا ما آمركم به فامضوا له) قال فأصبح على ظهر.
قوله: (فقال أبو عبيدة) قال ابن حجر: وهو إذ ذاك أمير الشام.
(أفرارا من قدر الله) أي أترجع فرارا من قدر الله، وفي رواية هشام ابن سعد (فقالت طائفة منهم أبو عبيدة: أمن الموت تفر إنما نحن بقدر لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا).
قوله: (فقال عمر لو غيرك قالها يا أبا عبيدة) قال ابن حجر: أي لعاقبته أو لكان أولى منك بذلك، أو لم أتعجب منه ولكني تعجبت منك مع علمك وفضلك كيف تقول هذا، ويحتمل أن يكون المحذوف لأدبته وهي للتمني فلا تحتاج إلى جواب، والمعنى أن غيرك ممن لا فهم له إذا كان لعذر، وقد بين سبب ذلك بقوله (وكان عمر يكره خلافه أي مخالفته) اهـ.
قوله: (نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله) قال ابن حجر: في رواية هشام بن سعد: إن تقدمنا فبقدر الله وإن تأخرنا فبقدر الله، أطلق عليه فرار الشبهة في الصورة وإن كان ليس فرارا شرعيا.
والمراد أن هجوم المرء على ما يهلكه منهي عنه ولو فعل لكان من قدر الله ويجتنب ما يؤذيه فهو مشروع، وقد يقدر الله وقوعه فيما فر منه فلو فعله أو تركه لكان من قدر الله فهما مقامان مقام التوكل ومقام التمسك بالأسباب كما سيأتي تقريره.
ومحصل قول عمر (نفر من قدر الله إلى قدر الله) أراد أنه لم يفر من قدر الله حقيقة وذلك أن الذي فر منه أمر خاف على نفسه منه فلا يهجم عليه، والذي فر إليه أمر لا يخاف على نفسه منه إلا الأمر الذي لابد من وقوعه به سواء كان ظاعنا أو مقيما اهـ. (3/343)
صفحة 1151
قوله: (وكان متغيبا في بعض حاجته) أي لم يحضر معهم المشاورة المذكورة لغيبته.
قوله: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه الخ) قال ابن حجر: وهو موافق للمتن الذي قبله عن أسامة بن زيد وسعد وغيرهما فلعلهم لم يكونوا مع عمر في تلك السفرة.
قوله: (فلا تخرجوا فرارا منه) في بعض الروايات: فلا تفروا منه، وقد تقدم الكلام على الفرار منه وما يتعلق به.
قوله: (فحمد الله عمر وأثنى عليه) يعني حيث وافق الحديث المرفوع رواية الذي رواه، ووافق عليه مشيخة قريش.
قوله: (ثم انصرف) وذلك أنه لما سمع الخبر استمر على عزمه الأول والله أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الشهداء خمسة المطعون الحديث).
قوله: (الشهداء خمسة) تقدم الكلام عليه في باب عدة الشهداء. (3/344)
صفحة 1152
الباب الثالث والأربعون في الحماء والوعك
643) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ».
644) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ (1) أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ إِذَا أُتِيَتْ بِامْرَأَةٍ قَدْ حُمَّتْ تَدْعُوا لَهَا وَتَأْخُذُ الْمَاءَ وَتَصُبُّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا، وَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُبَرِّدَهَا بِالْمَاءِ.
645) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وُعِكَ (2) أَبُو بَكْرٍ وَبِلاَلٌ، فدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، كَيْفَ تَجِدُكَ وَيَا بِلاَلُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى قَالَ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وَكَانَ بِلاَلٌ إِذَا أَقْلَعَتِ الْحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ وَيَقُولُ:
أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ ... ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ، وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا وَاجْعَلْهَا فِي الْجُحْفَةِ».
قَالَ الرَّبِيعُ: الْجَلِيلُ: نَبْتٌ، وَالْعَقِيرَةُ: الصَّوْتُ، وَشَامَةٌ
__________
(1) / وفي نسخة من طريق ابن الزبير مع اسقاط جابر والمراد عروة بن الزبير بن العوّام.
(2) / قوله: وعك أي وعثته الحمى. (3/345)
صفحة 1153
وَطَفِيلُ: جَبَلاَنِ مُشْرِفَانِ عَلَى مَجَنَّةٍ، وَمَجَنَّةُ: سُوقٌ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ عَلَى بَرِيدٍ مِنْهَا.
646) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: بَايَعَ أَعْرَابِيٌّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصَابَ الأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ ... الْحَدِيثُ (1).
647) ... الرَّبِيعُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَقَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يُوعَكُ ... الْحَدِيثُ (2).
648) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوَّذَتَيْنِ، وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ بِهِمَا وَأَنْفُثُ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا.
قَالَ الرَّبِيعُ: يَنْفُثُ: أَيْ يَبْصُقُ مِنْ غَيْرِ بُصَاقٍ.
649) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَتَى النَّبِيءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الْوَجَعِ (3)، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اِمْسَحْ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَقُلْ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَبِقُدْرَتِهِ (4) مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ». قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنِّي مَا كَانَ بِي فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهَا أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ.
650) ... وَمِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مُصِيبَةٌ إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ خَطَايَاهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ».
__________
(1) / قوله: الحديث إشارة إلى تقدّمه في باب البيعة من كتاب الجهاد.
(2) / قوله: الحديث إشارة إلى تقدّهه في كتاب الأذكار.
(3) / خ: من شدّة مَا بِهِ من وجع.
(4) / خ: وقدرته. (3/346)
صفحة 1154
651) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ».
652) ... أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: مَا نِمْتُ اللَّيْلَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَيِّ شَيْءٍ»؟ قَالَ: لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الْعَامَّاتِ مَنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّكَ شَيْءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ».
653) ... قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: رَغَّبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زِيَارَةِ الْقَرَابَةِ وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى، وَقَالَ: «لَوْ عَلِمْتُمْ مَا فِيهِمَا مِنَ الأَجْرِ مَا تَخَلَّفْتُمْ عَنْهُمَا، وَاللَّهُ يَكْتُبُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ مِنْ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ».
باب في الحماء والوعك، الحما بضم الحاء وتشديد الميم والقصر حرارة غريبة تشتعل في القلب وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العروق إلى جميع البدن، وهي قسمان: عرضية: وهي الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس أو القيظ الشديد ونحو ذلك، ومرضية: وهي ثلاثة أنواع وتكون من مادة ثم منها يسخن جميع البدن: فإن كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حمى يوم لأنها تقلع غالبا في يوم ونهايتها إلى ثلاث، وإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية فهي حمى دق وهي أخصرها، وإن كان تعلقها بالأخلاط سميت وهي تعدد الأخلاط الأربعة، وتحت هذه الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الإفراد والتركيب الخ.
والوعك بفتح الواو وسكون العين تقدم الكلام عليه في باب الدعاء من كتاب الأذكار، ومن جملة ما قيل فيه: أنه الحمى فيكون من عطف المرادف والله أعلم.
قوله: (من فيح جهنم) قال ابن حجر: بفتح الفاء وسكون التحتانية بعدها مهملة، وذكر أن في بعض الروايات (من فوح) بالواو وفي بعضها (فور) بالراء بدل الحاء، قال: وكلها بمعناه، والمراد سطوع حرها ووهجه ثم قال: (3/347)
صفحة 1155
واختلف في نسبتها إلى جهنم: فقيل: حقيقة واللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من جهنم، وقدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها لتعتبر العباد بذلك كما أن أنواع الفرج واللذة من نعيم الجنة أظهرها في هذه الدار عبرة ودلالة، إلى أن قال مستدلا لما ذكره بحديث يروونه (الحمى حظ المؤمن من النار) وهذا كما تقدم في حديث الأمر بالإبراد (إن شدة الحر من فيح جهنم وإن الله أذن لها بنفسين).
وقيل: بل الخبر ورد مورد التشبيه والمعنى: أن حرارة الحمى شبيهة بفيحها وهو ما يصيب من قرب منها من حرها كما قيل بذلك بحديث الإبراد، والأول أولى والله أعلم الخ.
قوله: (فأطفئوها) قال ابن حجر: بهمزة قطع ثم طاء مهملة وتاء مكسورة ثم همزة أمر بالإطفاء.
وذكر رواية أخرى (فأبردوها) قال المشهور في ضبطها بهمزة وصل والراء مضمومة وقد حكي كسرها، يقال بردت الحمى أبردها بردا بوزن قتلتها أقتلها قتلا أي أسكنت حرارتها، إلى أن قال:
وحكى عياض رواية بهمزة قطع مفتوحة وكسر الراء من أبرد الشيء إذا عالجه فصيره باردا مثل أسخنه إذا صيره سخنا وقد أشار إليها الخطابي، وقال الجوهري إنها لغة رديئة اهـ.
قوله: (بالماء) في بعض الروايات (بالماء البارد) وفي بعضها (بماء زمزم) قال ابن حجر: وقد تعقب على تقدير أن لا شك في ذكر ماء زمزم فيه أن الخطاب لأهل مكة خاصة ليتيسر ماء زمزم عندهم كما خص الخطاب بأصل الأمر بأهل البلاد الحارة وخفي ذلك على بعض الناس.
قال الخطابي ومن تبعه: اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث بأن قال: إن اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك لأنه يجمع المسام ويحقن البخار ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم فيكون ذلك سببا للتلف، قال الخطابي: غلط بعض من ينتسب إلى العلم فانغمس في الماء لما أصابته الحمى فاختفت (3/348)
صفحة 1156
الحرارة في باطن بدنه فأصابته علة صعبة كادت تهلكه فلما خرج من علته قال قولا لا يحسن ذكره وإنما أوقعه في ذلك جهله بمعنى الحديث.
والجواب أن هذا الإشكال صدر عن صدر مرتاب في صدق الخبر فقال: له أولا: من أين حملت الأمر على الاغتسال وليس في الحديث الصحيح بيان الكيفية فضلا عن اختصاصها بالغسل، وإنما في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء فإن أظهر الوجوه أو اقتضت صناعة الطب أن انغماس كل محموم في الماء أوصبه إياه على جميع بدنه يضره فليس هو المراد وإنما قصده استعمال الماء على وجه ينفع فيبحث عن ذلك الوجه ليحصل الانتفاع به وهو كما وقع في أمره العاين بالاغتسال.
أو أطلق، وقد ظهر في هذا الحديث الآخر أنه لم يرد مطلق الاغتسال على كيفية مخصوصة، وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى ما صنعته أسماء بنت أبي بكر الصديق فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئا من الماء بين بدنه وثوبه فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها ولا سيما مثل أسماء التي هي ممن كان يلازم بيت النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالمراد من غيرها، ولعل هذا هو السر في إيراد البخاري لحديثها عقب حديث ابن عمر المذكور وهذا من بديع ترتيبه.
أقول: كما فعل المصنف رحمه الله في ترتيبه حيث أورد حديثها عقب حديث أبي سعيد الخدري.
قال ابن حجر: وقال المازري: لا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياطا إلى التفصيل حتى أن المريض يكون الشيء دواءه في ساعة واحدة ثم يصير داء له في الساعة التي تليها لعارض يعرض له من غضب يحمي مزاجه مثلا فيتغير عاجلا ومثل ذلك كثير، فإذا فرض وجود الشفاء بدله ولغيره في سائر الأحوال، والأطباء مجمعون على أن (3/349)
صفحة 1157
المرض الواحد يختلف عاجلا باختلاف السن والزمان والعادة والغذاء المتقدم والتأثير المألوف وقوة الطباع ثم ذكر نحو ما تقدم، إلى أن قال:
ويحتمل أن يكون في وقت مخصوص فيكون من الخواص التي أطلع صلى الله عليه وسلم عليها بالوحي ويضمحل عند ذلك جميع كلام أهل الطب.
وقد أخرج الترمذي من حديث ثوبان مرفوعا (إذا أصاب أحدكم الحمى وهي قطعة من النار فليطفها عنه الماء يستنقع في نهر جار ويستقبل جريه ويقول بسم الله اشف عبدك، وصدقه سؤلك بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس وينغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام، فإذا لم يبرد فخمس وإلا فسبع وإلا فتسع فإنها لا تكاد تجاوز تسعا بإذن الله) قال الترمذي غريب، إلى أن قال:
ويحتمل ذلك لبعض الحميات دون بعض، وهذا وجه فإن خطابه صلى الله عليه وسلم قد يكون عاما وهو الأكثر، وقد يكون خاصا كما قال (لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولكن شرقوا أو غربوا) ليس عاما لجميع أهل الأرض بل هو خاص لمن كان بالمدينة النبوية وعلى سعتها كما تقدم تقريره في كتاب الطهارة فكذلك هذا يحتمل أن يكون مخصوصا بأهل الحجاز وما والاهم إذا كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من الغرضيات الحديثة من شدة الحرارة وهذه ينفعها الماء البارد شربا واغتسالا لأن الحمى حرارة غريبة إلى آخر ما تقدم في تعريفها وتقسيمها ثم قال:
وإذا تقرر هذا فيجوز أن يكون المراد النوع الأول بأنها تسكن بالانغماس في الماء البارد وشرب الماء المبرد بالثلج وغيره ولا يحتاج صاحبها إلى كلام آخر، إلى أن قال: وقال عبد الرحمن بن المرقع رفعه (الحمى دائر الموت وسجن الله في الأرض فبردوا لها الماء في الشنان وصبوه عليكم فيما بين الأذانين المغرب والعشاء) قال ففعلوا فذهبت عنهم أخرجه الطبراني.
وهذه الأحاديث كلها ترد التأويل الذي نقله الخطابي عن ابن الأنباري أنه قال: المراد بقوله (فأبردوها) الصدقة به، قال ابن القيم أظن الذي حمل قائل هذا أنه أشكل عليه استعمال الماء في الحمى فعدل إلى هذا وله وجه حسن (3/350)
صفحة 1158
لأن الجزاء من جنس العمل وكأنه لما أخمد لهيب العطشان بالماء أخمد الله لهيب الحمى عنه ولكن هذا ليس من فقه الحديث وإشارته، وأما المراد به الأصل فهو استعماله في البدن حقيقة كما تقدم والله أعلم اهـ.
(
أبو عبيدة من طريق ابن الزبير أن أسماء بنت أبي بكر إذا أوتيت بامرأة قد حمت تدعو لها وتأخذ الماء وتصبه بينها وبين جيبها وقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرها أن تبردها بالماء).
قوله: (بينها وبين جيبها) قال ابن حجر: بفتح الجيم وسكون التحتانية بعدها موحدة هو ما يكون مفرجا من الثوب كالكم والطوق الخ.
قوله: (أن تبردها بالماء) قال ابن حجر: بفتح أوله وضم الراء الخفيفة، وفي روايات لأبي ذر بضم أوله وفتح الموحدة وتشديد الراء من التبريد وهو بمعنى رواية أبرد بهمزة مقطوعة، زاد عبدة في روايته وقال (إنها من فيح جهنم) اهـ.
(أبو عبيدة عن عائشة رضي الله عنها قالت لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال فدخلت عليهما فقلت يا أبتي كيف تجدك وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول شعرا:
كل امرئ يصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال يقول إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخز وجليل
وهل أردن يوما مياه محلة ... ... وهل يبدون لي شامة فطفيل
قالت عائشة فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال (اللهم حبب إلينا المدينه كحبنا مكة وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها وانقل حماها واجعلها في الجحفة) قال الربيع الجليل قبة، والعقيرة والصوت، وشامة وطفيل جبلان مشرفان على مكة، ومحلة سوق بأسفل مكة قال قريبة منها).
قوله: (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة) في بعض الروايات قدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله وفي رواية أخرى زيادة (وكان وباؤها معروفا في الجاهلية وكان الإنسان إذا دخلها وأراد أن يسلم من وبائها قيل له أنهق فينهق كما ينهق الحمار الخ).
وقال في محل آخر: وهذا مما يؤيد أن الوباء أعم من الطاعون فإن وباء المدينة ما كان إلا بالحمى كما هو مبين في حديث الباب فدعى النبي صلى الله عليه وسلم أن ينقل حماها إلى الجحفة الخ.
قوله: (وعك) قال ابن حجر: بضم أوله وكسر ثانيه أي أصابه الوعك وهو الحمى.
قوله: (كيف تجدك) قال ابن حجر: أي تجد نفسك أو جسدك.
وقوله: (مصبح) بمهملة ثم موحدة وزن مجمل أي مصاب بالموت صباحا، وقيل: المراد أنه يقال له صبحك الله بالخير، ومن يفجؤه الموت في بقية النهار وهو مقيم بأهله اهـ.
قوله: (شراك نعله) قال ابن حجر: بكسر المعجمة وتخفيف الراء السير الذي يكون في وجه النعل، والمعنى أن الموت أقرب إلى الشخص من شراك نعله لرجله.
قوله: (أقلعت) بفتح الهمزة المقطوعة من الإقلاع وهو الكف عن الأمر. (3/351)
صفحة 1159
قوله: (يرفع عقيرته) قال ابن حجر: أي صوته ببكاء أي بغناء، قال الأصمعي أجمله أن رجلا انعقرت رجله فرفعها على الأخرى وجعل يصيح فصار كل من رفع صوته يقال رفع عقيرته وإن لم يرفع رجله، قال ثعلب وهذا من الأسماء التي استعملت على غير أصلها.
قوله: (بوادي) أي بوادي مكة.
قوله: (وجليل) بالجيم نبت ضعيف يقال له التمام يغشى به البوت وغيرها.
قوله: (مياه حجفة) بالجيم موضع على أميال من مكة، وقال الخطابي: كنت أحسب أنهما جبلان حتى ثبت عندي أنهما عينان.
وقوله: (أردن ويبدون) بنون التأكيد الخفيفة، وشامة بالمعجمة والميم مخففا، وزعم بعضهم أن الصواب بالموحدة بدل الميم والمعروف بالميم.
قال ابن حجر: وفي بعض روايات البخاري زيادة (ثم يقول بلال اللهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا إلى أرض الوباء) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم حبب المدينة الحديث) وقوله (كما أخرجونا) قال ابن حجر: أي أخرجهم من رحمتك كما أخرجونا من وطننا الخ.
قوله (كحبنا مكة الخ) الرواية في البخاري (كحبنا مكة أو أشد اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة) قال وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله الخ.
وفيه حديث آخر (اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة) قال ابن حجر: أي من بركة الدنيا، إلى أن قال:
ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك لكن يستثنى من ذلك ما خرج بدليل كتضعيف الصلاة بمكة على المدينة. (3/352)
صفحة 1160
واستدل به على تفضيل المدينة على مكة وهو ظاهر من هذه الجهة لكن لا يلزم من حصول أفضلية المفضول في شيء من الأشياء أن تفوت الأفضلية على الإطلاق، إلى أن قال:
وقال ابن حزم لا حجة في حديث الباب لهم لأن تكثير البركة لا يستلزم الفضل في أمور الآخرة، إلى أن قال:
وقال النووي الظاهر أن البركة حصلت في نفس المكيل بحيث يكفي المد فيها من لا يكفيه في غيرها وهذا أمر محسوس عند من سكنها.
وقال القرطبي: إذا وجدت البركة فيها في وقت حصلت إجابة الدعوة ولا يستلزم دوامها في كل حين ولكل شخص والله أعلم انتهى.
قوله: (وانقل حماها واجعلها في الجحفة) قال ابن حجر وقد استشكل بعض الناس الدعاء برفع الوباء لأنه يتضمن الدعاء برفع الموت والموت حتم مقضي فيكون ذلك عبثا، وأجيب بأن ذلك لا ينافي التعبد بالدعاء لأنه قد يكون من جملة الأسباب في طول العمر ورفع المرض، وقد تواترت الأحاديث بالاستعاذة من الجنون والجذام وسيء الأسقام ومنكرات الأخلاق والأهواء والأدواء فمن ينكر التداوي بالدعاء يلزمه أن ينكر التداوي بالعقاقير ولم يقل بذلك إلا شذوذا، والأحاديث الصحيحة ترد عليهم.
وفي الالتجاء إلى الدعاء مزيد فائدة ليست في التداوي بغيره لما فيه من الخضوع والتذلل للرب سبحانه بل منع الدعاء من جنس ترك الأعمال الصالحة اتكالا على ما قدر فيلزم ترك العمل جملة، ورد البلاء بالدعاء كرد السهم بالترس، وليس من شروط الإيمان بالقدر أن لا يتترس من رد السهم والله تعالى أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال سمعت جابر بن عبد الله يقول: بايع أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصاب الأعرابي وعك الحديث).
قوله (بايع أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ)، تقدم الكلام عليه في باب الدعاء من كتاب الأذكار.
(
الربيع عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رقاه جبريل وهو يوعك الحديث).
(أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات أي يبصق من غير البصاق).
قوله (إذا اشتكى) أي مرض.
قوله (يقرأ على نفسه بالمعوذات) أي يقرؤها ماسحا لجسده عند قراءتها.
قوله: (وينفث) أي يتفل بغير ريق أو مع ريق خفيف على الخلاف في ذلك، وفي بعض الروايات بعد هذا الحديث قلت للزهري كيف ينفث؟ قال: ينفث (3/353)
صفحة 1161
على يديه ثم يمسح بهما وجهه، وعن الزهري أيضا أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك إذا أخذ مضجعه.
وفي بعض الروايات: إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ثم نفث فيهما ثم يقرأ قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس وقد كنت جوزت في باب (الوقايات النبوية) من كتاب المغازي أن الجمع فيه بناء على أن أقل الجمع اثنان ثم ظهر من حديث الباب أنه على الظاهر وأن المراد بأنه كان يقرأ بالمعوذات أي السور الثلاث وذكر سورة الإخلاص معهما تغليبا لما اشتملتا عليه من صفة الرب ولذا لم يصرح فيها بلفظ التعويذ.
وقد أخرج أصحاب السنن الثلاث، إلى أن قال:
قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس تعوذ بهن فإنه لم يتعوذ بمثلهن) وفي لفظ (اقرءوا المعوذات دبر كل صلاة) فذكرهن اهـ.
وذكر في محل آخر أن النفث بفتح النون وسكون الفاء بعدها مثلثة وأن فيه الرد على من كره النفث مطلقا كالأسود بن يزيد أحد التابعين تمسكا بقوله تعالى (من شر النفاثات في العقد) وعلى من كره النفث عند قراءة القرآن خاصة كإبراهيم النخعي، أخرج ذلك ابن أبي شيبة.
فأما الأسود فلا حجة له في ذلك لأن المذموم ما كان من نفث السحرة وأهل الباطل ولا يلزم منه ذم النفث مطلقا ولا سيما بعد ثبوته في الأحاديث الصحيحة.
وأما النخعي فالحجة عليه ما ثبت في حديث أبي سعيد الخدري الخ فذكره وذكر هذا الحديث.
قوله (وأمسح بيده رجاء بركته) وفي بعض الروايات (ومسح بيده نفسه لبركتها) وفي بعضها (فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه ومسح بيده نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدي) وفي رواية (فوقفت أعوذه فرفع رأسه إلى السماء) وقال (في الرفيق الأعلى) وفي بعضها (فأفاق وهي تمسح صدرها وتدعو بالشفاء) فقال (لا ولكن أسأل الرفيق الأعلى).
مختصرا من ابن حجر وتقدم الكلام على الرفيق الأعلى. (3/354)
صفحة 1162
قوله (ينفث) أي يبصق من غير البصاق، المناسب أن يقول أي يتفل كما تقدم عن غيره، وهذا هو أحد الأقوال في النفث، قال ابن حجر: وقد تقدم بيان النفث مرارا، ومن قال إنه لا ريق فيه والتصويب أن فيه ريقا خفيفا، وكلام الربيع رحمه الله أولى بالقبول والله أعلم.
قال ابن حجر: قال عياض: فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة والهواء الذي ماسه الذكر كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر، وقد يكون على سبيل التفاؤل بزوال ذلك الألم عن المريض كانفصال ذلك عن الراقي.
(أبو عبيدة عن جابر قال بلغني عن رجل من الصحابة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكى إليه من شدة الوجع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (امسح بيمينك سبع مرات وقل أعوذ بعزة الله وبقدرته من شر ما أجد) قال ففعلت ذلك ففرج الله عني ما كان بي فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم).
قوله (بلغني عن رجل من الصحابة الخ) هو عثمان ابن أبي العاص، قال في المواهب: وفي صحيح مسلم عن عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده منذ أسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ضع يدك على الذي يؤلم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) وإنما كرر ليكون أنجع وأبلغ كتكرير الدواء لإخراج المادة الخ، أقول: وهذا يدل على جواز الرقى بغير القرآن.
قال ابن حجر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذات فأخذ بها وترك ماسواها، وهذا لا يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين بل يدل على الأولوية ولا سيما مع ثبوت التعوذ بغيرهما، وإنما اجتزأ بهما لما اشتملتا عليه من جوامع الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا.
وقد أجمع العلماء على جواز الرقي عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى، إلى أن قال:
ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى الله والالتجاء إليه في كل ما وقع وما يتوقع.
وقال ابن التين: الرقي بالمعوذات وغيرها من أسماء الله هو الطب الروحاني إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله تعالى، فلما عز هذا النوع فزع الناس إلى الطب الجثماني. (3/355)
صفحة 1163
وتلك الرقى المنهي عنها التي يستعملها المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن إليه فيأتي بأمور مشبهة من حق وباطل يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بهم والتعوذ بمردتهم.
ويقال إن الحية بعداوتها الإنسان بالطبع تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت من مكانها.
وكذا اللديغ إذا رقي بتلك الأسماء سالت سمومها من بدن الإنسان فلذلك كره من الرقى مالم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة باللسان العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئا من ثبوت الشرك، وعلى كراهة الرقي بغير كتاب الله علماء الأمة.
وقال القرطبي الرقى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان يرقى به في الجاهلية مما لا يعقل معناه فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدي إلى الشرك.
والثاني: ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز فإن كان مأثورا فيستحب.
والثالث: بأسماء غير الله من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات كالعرش قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه ولا من المشرع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله والتبرك بأسمائه فيكون تركه أولى إلا أن يتضمن تعظيم مرقى به فينبغي أن يجتنب كالحلف بغير الله، إلى أن قال:
وروى ابن وهب عن مالك كراهة الرقية بالحديد والملح وعقد الخيط والذي يكتب خاتم سليمان وقال: لم يكن ذلك من أمد الناس القديم الخ.
ومن طريق عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تصيب المؤمن مصيبة إلا كفر الله بها خطاياه حتى الشوكة).
قوله (لا يصيب المؤمن مصيبة الخ) في بعض روايات البخاري (ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها) وفي بعضها (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطيئاته).
قال ابن حجر: أصل المصيبة الرمي بالسهم ثم استعملت في كل نازلة، وقال الراغب: أصاب يستعمل في الخير والشر قال الله تعالى: (إن تصبك حسنة تسؤ هم وإن تصبك مصيبة) الآية، وقيل: (3/356)
صفحة 1164
الإصابة في الخير مأخوذة من الصوب وهو المطر الذي ينزل بقدر الحاجة من غير ضرر، وفي الشر مأخوذة من السهم، وقال الكرماني: المصيبة في اللغة ما ينزل بالإنسان مطلقا، وفي العرف: ما نزل به من مكروه خاصة وهو المراد هنا الخ.
قوله: (إلا كفر الله عنه) في بعض الروايات (إلا كان كفارة لذنبه) أي يكون ذلك سببا لمغفرة ذنبه، وفي رواية أخرى (إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة) ومثله مسلم.
قال ابن حجر: وهذا يقتضي حصول الأمرين معا حصول الثواب ورفع العقاب، وشاهده ما أخرجه الطبراني في الأوسط من وجه آخر عن عائشة بلفظ (ما ضرب على مؤمن عرق قط إلا حط الله عنه خطيئة وكتب له حسنة ورفع له درجة) وسنده جيد، إلى أن قال:
تنبيه وقع لهذا الحديث سبب، إلى أن قال: إن عائشته أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وجع فجعل يتقلب على فراشه ويشكي فقالت له عائشة لو صنع بهذا بعضنا لوجدت عليه فقال (إن الصالحين يشتد عليهم وأنه لا يصيب المؤمن نكبة شوكة ... ) وفي هذا الحديث تعقيب على الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال: ظن بعض أن المصاب مأجور وهو خطأ صريح فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب والمصائب ليست منها بل الأجر على الصبر والرضى، ووجه التعقيب أن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة، وأما الصبر والرضى فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة.
قال القرافي: المصائب كفارات جزما سواء اقترن بها الرضى أو لا واقترن بها الرضا عظم التكفير وإلا قل كذا قال:
والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها وبالرضى يؤجر على ذلك فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض على ذلك من الثواب بما يوازيه.
وزعم العراقي: أنه لا يجوز لأحد أن يقول للمصاب جعل الله هذه المصيبة كفارة لذنبك لأن الشارع قد جعلها كفارة فسؤال التكفير طلب لتحصيل الحاصل وهو إساءة أدب على الشارع كذا قال. (3/357)
صفحة 1165
وتعقب بما ورد من جواز الدعاء بما هو واقع كالصلاة على النبي وسؤال الوسيلة، وأجيب عنه بأن الكلام في ما لم يرد فيه شيء، وأما ما ورد فهو مشروع ليثاب من امتثل الأمر فيه على ذلك الخ.
قوله (حتى الشوكة) يجوز فيه الرفع بالعطف على لفظ مصيبة والجر بمعنى الغاية أي حتى ينتهي إلى الشوكة.
(أبو عبيدة عن جابر عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من يرد الله به خيرا يصب منه).
قوله: (من يرد الله به خيرا يصب منه) قال ابن حجر: كذا للأكثر بكسر الصاد والفاعل الله، قال أبو عبيدة الهروي: معناه يبتليه بالمصائب ليثيبه عليها، وقال غيره: معناه يوجه إليه البلاء فيصيبه، وقال ابن الجوزي: أكثر المحدثين يرويه بكسر الصاد وسمعت ابن الخشاب بفتح الصاد وهو أحسن وأليق، كذا قال ولو عكس لكان أولى والله أعلم.
ووجه الطبري الفتح بأنه أليق بالأدب لقوله تعالى (وإذا مرضت فهو يشفيني) قال ابن حجر: قلت ويشهد للكسر ما أخرجه أحمد من حديث محمود بن لبيد رفعه (إذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن صبر فله الصبر ومن جزع فله الجزع) وقال: إنه من الثقاة، إلى أن قال:
وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لكل مؤمن لأن الآدمي غالبا لا ينفك غالبا من ألم بسبب مرض أو هم أو نحو ذلك مما ذكر، وأن الأمراض والأوجاع والآلام بدنية كانت أو قلبية تكفر ذنوب من تقع له.
وسيأتي في الباب الذي بعده من حديث ابن مسعود (ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات الله عنه خطاياه) وظاهره تعميم جميع الذنوب لكن في الجمهور خصوا ذلك بالصغائر للحديث الذي تقدم التنبيه عليه في أوائل (الصلوات الخمس والجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) فجعلوا المعلقات الواردة في التكفير على هذا المقيد، إلى أن قال:
ثم المراد بتكفير الذنب ستره ومحو أثره المرتب عليه من استحقاق العقوبة.
وقد استدل به على أن مجرد حصول المرض أو غيره كما ذكرت يترتب عليه التكفير سواء انضم إلى ذلك صبر المصاب أم لا. (3/358)
صفحة 1166
وأبى ذلك قوم كالقرطبي في الفهم قال: محل ذلك إذا صبر المصاب واحتسب وقال ما أمر الله به في قوله تعالى (الذين إذا أصابتهم مصيبة) الآية فحينئذ يصل إلى ما وعد الله ورسوله به من ذلك، وتعقب بأنه لم يأت على دعواه بدليل، وأن في تعبيره بقوله (ما أمر الله) نظر إذ لم يقع هنا صيغة أمر، وأجيب عن هذا بأنه وإن لم يقع التصريح بالأمر فسياقه يقتضي الحث عليه والطلب له ففيه معنى الأمر، وعن الأول بأنه حمل الأحاديث الواردة بالتقييد بالصبر على المطلقة وهو حمل صحيح الخ.
أقول: الظاهر أن المناسب أن يقول: حمل الأحاديث المطلقة على الأحاديث الواردة بالتقييد بالصبر فيكون فيه حمل المطلق على المقيد وهو المراد والله أعلم.
قال ابن حجر: بقية كلامه على ما يتعلق بالصبر عند المصيبة ما نصه بعد ذكر الإسناد (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل ابتلاه الله في جسده أو داره أو ماله ثم صبر على ذلك حتى بلغ تلك المنزلة)، إلى أن قال في آخر لفظه: (من أعطي فشكر ومن ابتلى فصبر وظلم فاستغفر أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)، إلى أن قال في حديث آخر بلفظ (عجبت من قضاء الله للمؤمنين إن أصابه خير حمد الله وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر، فالمؤمن يؤجر في كل أمر)، إلى أن قال:
وممن جاء عنه التصريح بأن الأجر لا يحصل بمجرد حصول المصيبة وإنما يحصل بها التكفير فقط من السلف الأول أبو عبيدة بن الجراح الخ، فذكر دليله ثم قال فكأن أبا عبيدة لم يسمع الحديث الذي صرح فيه بالأجر لمن أصابته المصيبة، أو سمعه وحمله على التقييد بالصبر والذي نفاه مطلق حصول الأجر العاري عن الصبر.
وذكر ابن بطال: أن بعضهم استدل على حصول الأجر بالمرض بحديث أبي موسى الماضي في الجهاد بلفظ (إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحا مقيما) قال: فقد زاد على التكفير، وأجاب بما حاصله أن الزيادة لهذه (3/359)
صفحة 1167
إنما هي باعتبار نيته أنه لو كان صحيحا لدام على ذلك العمل الصالح فتفضل الله عليه لهذه النية بأن يكتب له ذلك العمل، أو لا يلزم ذلك أن يعاقب من لم يعمل في صحته شيئا.
وممن جاء عنه أن المريض يكتب له الأجر بمرضه أبو هريرة فعند البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح عنه أنه قال (ما من مرض يصيبني أحب إلي من الحمى لأنها تدخل في عضو مني وأن الله يعطي كل عضو قسطه من الأجر) ومثل هذا لا يقوله أبو هريرة برأيه، إلى أن ذكر عن أبي بن كعب أنه قال (يارسول الله ما جزاء الحمى) قال (تجري الحسنات على صاحبها ما اختلج عليه قرم أو ضرب عليه عرق الحديث).
والأولى حمل الإثبات والنفي على حالين: فمن كانت له ذنوب أفاد المرض تمحيصها، ومن لم يكن له ذنوب كتب له بمقدار ذلك من الأجر، ولما كان الأغلب من بني آدم وجود الخطايا منهم أطلق من أطلق أن المرض كفارة فقط، وعلى ذلك تحمل الأحاديث المطلقة، ومن أثبت الأجر فهو محمول على تحصيل ثواب معادل الخطأ، فإذالم يكن خطيئة توفر لصاحب المرض الثواب والله أعلم بالصواب.
وقد استبعد ابن عبد السلام في القواعد حصول الأجر بسببها في الصبر، وتعقب بما رواه أحمد، إلى أن قال: قلت: والذي يتصور أن المصيبة إذا قارنها الصبر حصل التكفير ورفع الدرجات على ما تقدم تفصيله، وإن لم يحصل الصبر نظر إن لم يحصل من الجزع ما يذم من قول أو فعل فالفضل واسع ولكن المنزلة منحطة عن منزلة الصابر السابقة، وإن حصل فيكون ذلك سببا لنقص الأجر الموعود به أو التكفير الخ.
وقال الشيخ إسماعيل رحمه الله فيما يتعلق بمثل هذا: فإن قيل فبماذا تنال درجة الصبر في المصائب وليس الأمر فيها إلى خيار الإنسان فاعلم أنه إنما يخرج من مقام الصابرين بالجزع وشق الجيوب وضرب الخدود والمبالغة في الشكوى لإظهار الكآبة وتغيير العادة في الملبس وغيره فهذه الأمور داخلة تحت اختياره فينبغي أن يجتنب جميعها، ويظهر الرضا بقضاء الله تعالى، ويبقى مستمرا على عادته، ويعتقد أن ذلك كان وديعة فاسترجعت. (3/360)
صفحة 1168
ويقال الصبر الجميل هو أن لا يعرف صاحب المصيبة والله أعلم، وأما توجع القلب وفيضان الدمع على الميت فإن ذلك مقتضى البشرية ولذلك لما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضت عيناه فقيل له أما نهيتنا عن هذه؟ فقال إنما بكيت رحمة له وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، وإنما نهيت عن صوتين أحمقين خدش الخدود وشق الجيوب والله أعلم اهـ.
(أبو عبيدة عن جابر عن أبي هريرة أن رجلا من أسلم قال ما نمت الليلة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أي شيء؟ قال لدغتني عقرب فقال عليه السلام (أما أنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات العامات من شر ما خلق لم يضرك شيء إن شاء الله).
قوله: (بكلمات الله التامات) قال العلقمي كلمات الله القرآن ومعنى تمامها أن لا يدخلها نقص ولا عيب كما يدخل كلام الناس.
وقيل هي النافعات الكافيات الشافيات من كل ما يتعوذ منه، قال البيهقي سماها الله تامة لأنه لا يجوز أن يكون في كلامه عيب أو نقص كما يكون في كلام الآدميين اهـ.
قوله: (من شر ما خلق) قال العلقمي: أي من شر خلقه، وشرهم ما يفعله المكلفون من المعاصي والآثام ومضارة بعضهم بعضا من ظلم وبغي وقتل وضرب وشتم وغير ذلك، وما يفعله غير المكلفين من الأكل والنهش واللدغ والعض كالسباع والحشرات، قال: هذا قول الصادق الذي علمنا صدقه دليلا وتجربة فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه فلم يضرني شيء إلى أن تركته فلدغتني عقرب بالمهدية ليلا فتفكرت في نفسي فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات.
قوله: (لم يضرك شيء إن شاء الله) في بعض رواية الجامع (لم تضرك) وفي بعضها (ما ضره لدغ عقرب حتى يصبح) قال في المواهب: ومن أنفع الأدويه الدعاء وهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويدفعه ويخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن، ويكون مع الدعاء حضور القلب والجمعية بالكلية على المطلوب وصادف وقتا من أوقات الإجابة كثلث الليل الأخير مع الخضوع والانكسار والذل والتضرع واستقبال القبلة والطهارة ورفع اليدين والبداءة بالحمد والثناء على الله تعالى والصلاة والتسليم على سيدنا محمد والتوبة والاستغفار والصدقة وألح في المسألة.
وأكثر المألوف الدعاء والتوسل إليه بأسمائه وصفاته، وتوجه إليه بنبيه صلى الله عليه وسلم فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا لا سيما إن دعاه بالأدعية التي أخبر صلى الله عليه وسلم أنها مظنة الإجابة أو مظنة الاسم الأعظم. (3/361)
صفحة 1169
ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى الله والالتجاء إليه في كل ما ينوب الإنسان.
وأما الرقي فاعلم أن الرقي بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى هو الطلب الروحاني، وإذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله تعالى، لكن لما عز هذا النوع فزع الناس إلى الطب الجسماني الخ، وتقدم التنبيه على هذا في كلام سابق.
قال الربيع قال رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة القرابة وعيادة المرضى وقال (ولو علمتم ما فيهما من الأجر ما تخلفتم عنهما والله يكتب بكل خطوة من ذلك عشر حسنات).
قوله: (رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة القرابة وعيادة المرضى) ظاهر كلامه أن زيارة القرابة وعيادة المرضى ليستا بواجبتين مع أن كلام أصحابنا رحمهم الله فيما يتعلق بالحقوق يدل على وجوبهما.
قال الشيخ إسماعيل رحمه الله تعالى في حقوق القرابات: قال الله تعالى (وآت ذي القربى حقه) الآية ففرض الله حق القرابة والأرحام فقال (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) وأنفذ الوعيد الشديد في قاطعهما فقال (فهل عسيتم إن توليتم) إلى قوله (وأعمى أبصارهم) وقال (يقطعون ما أمرالله به أن يوصل) إلى قوله (ولهم سوء الدار) والآثار في هذا كثيرة تركتها مخافة التطويل، وأجمع الناس على وجوب حق القرابة، إلى أن قال: وإن منعه الخوف عن زيارتهم فليواصلهم ولو بالسلام في الكتاب ولا يقطعهم لم وإن قطعوه الخ.
وذكر الخلاف في حد القرابة فليراجع، لكن قال صاحب الإيضاح رحمه الله: وما ذكر في الأثر في صلة الرحم: لا يضيق ذلك عليكم إلا فيمن ترثه ويرثك الخ.
وقال صاحب القواعد أيضا في حق الأخوة بين المسلمين: قال الله تعالى (إنما المؤمنون إخوة) الآية فأوجب الله تعالى بمقتضى الأخوة حقوقا في النفس والمال والقلب واللسان يجب عليهم القيام بها وحقوق الأخوة في الإسلام كثيرة فذكر جملة منها، إلى أن قال: ومنها أن يعود مرضى المسلمين لقوله (من عاد مريضا قعد في مخارف (3/362)
صفحة 1170
الجنة حتى إذا قام وكل به سبعون ألف ملك يستغفرون إلى الليل الخ) والمخارف لعله جمع مخرف وهي البستان أو الطريق كما في الصحاح.
ولفظ الحديث في الجامع الصغير (من عاد مريضا كان في خرفة الجنة حتى يرجع) قال قال ابن حجر: وخرفة بضم المعجمة وسكون الراء بعدها فاء ثم هاء هي الثمرة إذا نضجت، شبه ما يحوزه عائد المريض من الثواب بما يجوزه الذي يجتني الثمرة.
وقيل: المراد بها هنا الطريق، والمعنى أن العائد يمشى في طريق الجنة الذي يؤديه إلى الجنة. والتفسير الأول أولى فقد أخرج البخاري، إلى أن قال: وفيه قلت لأبي قلابة ما خرفة الجنة قال جناها، إلى أن قال: قال في حديث آخر (من عاد مريضا خاض الرحمة حتى إذا قعد استقر فيها) الخ.
وعند قومنا في وجوب عيادة المريض خلاف، والذي جزم به البخاري الوجوب لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم (أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني) يعني الأسير، وبقوله في حديث آخر (وأمرنا أن نطعم الجائع ونعود المريض ونفشي السلام).
قال ابن حجر: ويحتمل أن يكون الأمرعلى الوجوب بمعنى لكفاية كإطعام الجائع وفك العاني.
ويحتمل أن يكون للندب للحث على التواصل والألفة، وجزم الداودي بالأول فقال: فرض يحمله بعض الناس عن بعض، وقال الجمهور: هي في الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون البعض، وعن الطبري: تتأكد في حق من ترجى بركته وتسن فيمن يراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك، وفي الكافر خلاف، إلى أن قال:
ونقل النووي الإجماع على عدم ذلك الوجوب يعني على الأعيان الخ، فلعل الترغيب في كلام الربيع رحمه الله بالنظر إلى كل أحد فلا ينافي كونه فرض كفاية، أو (3/363)
صفحة 1171
الترغيب بالنظر إلى التكثير من ذلك كما يشهد له قوله (ما تخلفتم عنهما) فلا ينافي أصل الوجوب والله أعلم.
قال ابن حجر: واستدل بعموم قوله (عودوا المريض) على مشروعية العيادة في كل مرض لكن استثنى بعضهم الأرمد الخ فنظر في زيارته، ورد حديثا مرفوعا عند البيهقي والطبري (ثلاثة ليس لهم عيادة العين والدمل والضرس)، إلى أن قال: ويؤخذ من إطلاقه أيضا عدم التقييد بزمان يمرض من ابتداء مرضه لم وهو قول الجمهور، وجزم الغزالي في الإحياء بأنه لا يعاد إلا بعد ثلاثة، واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجة عن أنس (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعود مريضا إلا بعد ثلاث الخ) فذكر أنه ضعيف بل باطل عند بعضم، ثم قواه بشاهد، إلى أن قال: ويلتحق بعيادة المريض تعهده وتفقد أحواله والتلطف به وربما كان ذلك في العادة سببا لنشاطه وانتعاش قوته.
وفي إطلاق الحديث أن العيادة لا تتقيد بوقت دون وقت لكن جرت العادة بها طرفي النهار، إلى أن قال: ونقل الأشرم عن أحمد أنه قيل له بعد ارتفاع النهار في الصيف تعود فلانا؟ قال: ليس هذا وقت عيادة المريض الخ، ولم أر التعرض لوقت عيادة المريض فيما رأيته من كتب أصحابنا.
وأما آدابها فذكر منها في القواعد جملة حيث قال: وآداب العائد خفة الجلسة وقلة السؤال وإظهاره الرقة والدعاء له بالعافية وغض البصر عن عورات الموضع، وقال عليه السلام (تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده ويسأله كيف قام وتمام تحيتكم المصافحة) والله أعلم.
وأما المسافة التي يسيرها الإنسان لعيادة المريض ففيها خلاف، قال في الايضاح: فأما زيارة المريض ففيها ثلاثة أقوال: قال: بعضهم مسيرة يوم، وقال بعض: إلى القائلة، وقال بعض: إلى ضحوة النهار الخ.
كمل الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع بحول الله (3/364)
صفحة 1172
لقد غفل المحشي رحمه الله عن الأحاديث: 500 - 501 - 504 - 577 فلم يعلق عليها بشيء، واتماما للفائدة نورد هنا ما كتبه الشيخ السالمي في شرحه عنها كما وعدنا بذلك. (3/365)
صفحة 1173
[صفحة بيضاء] (3/366)
صفحة 1174
500 - ما جاء في الحث على الدعاء في الرخاء والتضرع لله والتواضع له
أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَضَرَّعُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَادْعُوهُ فِي الرَّخَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ دَعَانِي فِي الرَّخَاءِ أَجَبْتُهُ فِي الشِّدَّةِ.
***
قوله قال بلغني} الحديث لم أجده في شيء من كتب الحديث ولعلَّه مِمَّا تفرد به المصنِّف رحمة الله عليه
قوله {تضرعوا} أي تذللوا واخضعوا
وقوله {فادعوه} أي أطلبوا منه دفع الضُّر وجلب النفع والرخاء سعة الرزق وصحة البدن والشدَّة عكسة.
وقوله {من دعاني في الرخاء أجبته في الشدة} أي من واطب على دعائي حال الصِّحَّة والسعة أجبت دعاءه إذا دعاني حال الشدَّة وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة عن {صلَّى الله عليه وسلم} من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء وأخرج ابن أبي حاتم وغيره من رواية أبي يزيد الرقاشي عن أنس يرفعه أن يونس عليه الصلاة والسلام لما دعي في بطن الحوت قالت الملائكة يا رب هذا صوت معروف من بلاد غريبة فقال الله عزَّ وجلَّ أمَّا تعرفون ذلك قالوا ومن هو قال عبدي يونس قالوا عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة قال نعم يا رب أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء قال بلى فأمر الله الحوت فطرحه بالعراء وقال الضحاك بن قيس اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدَّة أنَّ يونس عليه الصلاة والسلام كان يذكر الله تعالى فلمَّا وقع في بطن الحون قال الله تعالى {فلولا أنَّه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم (3/367)
صفحة 1175
يبعثون} وأن فرعون كان طاغيا ناسيا لذكر الله فلمَّا أدركه الغرق قال آمنت فقال الله تعالى {آلان وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} وقال سلمان الفارسي إذا كان الرجل دعاء في السَّرَّاء فنزلت به ضراء فدعا الله تعالى قالت الملائكة صوت معروف فشفعوا له وإذا كان ليس بدعاء في السَّرَّاء به ضراء فدعا الله قالت الملائكة صوت ليس بمعروف فلا يشفعون له وقال رجل لأبي الدرداء أوصني فقال اذكر الله في السَّرَّاء يذكرك الله عزَّ وجلَّ في الضَّرَّاء وعنه أنَّه قال ادع الله في يوم سرائك لعلَّه أنَّ يستجيب لك في يوم ضرائك {قوله من سألني أعطيته} أي من طلب منِّي شيئًا أعطيته إياه وهذا من باب ذكر العام بعد الخاص فإن الله تعالى وعد بإجابة الداعي إذا دعاه كان قد تقدَّم له دعاء في الرخاء أو لم يكن لكن الإجابة لمن تقدَّم له دعاء في الرخاء أشدّ رجاء والملائكة عليهم السلام تشفع له بخلاف من لم يسبق له دعاء في الرخاء (وأيضا) فإن الداعي على الإطلاق قد يستجاب له في حاجته وقد يؤخر له فيعطي في الآخرة ثواب دعائه وجاء عنه {صلَّى الله عليه وسلم} ما من مسلم يدعو بالدعاء لا أستجيب له فإما أن يعجل له في الدُّنيا وأما أن يدَّخر له في الآخرة وأما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم وقال الحسن البصري أنَّ الله تعالى يجيب كلّ الدعاء فإما أنَّ تظهر الإجابة في الدُّنيا وأمَّا أن يكفر عنه وأمَّا أنَّ يدَّخر له أجر في الآخرة وقال جابر بن عبد الله عن {النبيء صلَّى الله عليه وسلم} قال يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتَّى يوقف بين يديه فيقول عبدي أني أمرتك أن تدعوني ووعدتك أنَّ أستجيب لك فهل كنت تدعوني فيقول نعم يا رب فقال أمَّا أنَّك لم تدعني ألا أستجيب لك ألست دعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أنَّ أفرج عنك ففرجت عنك فيقول نعم يا رب فيقول أنِّي عجلتها لك في الدُّنيا ودعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجا قال نعم يا رب فيقول أنِّي ادخرت لك بها في الجنَّة كذا وكذا ودعوتني في حاجة أقضيتها لك في يوم كذا وكذا فقضيتها فيقول نعم يا رب فيقول فإني عجلتها لك في الدُّنيا ودعوتني في يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك فلم ترها قضيت فيقول نعم يا رب فيقول أنى ادخرت لك في الجنَّة كذا وكذا قال {رسول الله صلَّى الله عليه وسلم} فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده (3/368)
صفحة 1176
المؤمن إِلاَّ بين له أمَّا أن يكون عجل له في الدُّنيا وأمَّا أن يكون ادخر له في الآخرة قال فيقول المؤمن في ذلك المقام ياليته لم يكن عجل لي شيء من دعائي {قوله ومن تواضع لي رفعته} أي من تواضع لعظمتي رفعت قدره في الدُّنيا والآخرة {قوله ومن تضرع إليَّ رحمته} أي من تذلل لعزتي وجلالي أوصلت إليه أثر رحمتي {وقوله ومن استغفرني} أي طلبني غفران ذنوبه {وقوله غفرت له} أي غفرت له ذنوبه أي سترتها عن الناس فلا يفضح بها الدُّنيا ولا في الآخرة ولا يعاقب على شيء منها وهذا وعد منه تبارك وتعالى بقبول توبة التائب فهو على حدَّ قوله تعالى {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثمَّ اهتدي} وقوله تعالى {غافر الذنب وقابل التوب} وفي هذا الحديث من جوامع الكلم وقواعد الدّين ما يبهر فكرة الناظر والعلم عند الله تعالى.
501 - ما جاء في الحث على الدعاء في الثلث الآخر من الليل
أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخر: (1) مَنْ يَدْعُنِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ».
***
قوله بلغني {عن أبى هريرة} الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري في مواضع من صحيحه وأوله عندهم عن أبي هريرة أن {رسول الله صلَّى الله عليه وسلم} قال ينزل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدُّنيا حين يبقى ثلث الآخر فيقول من يدعوني فاستجب له الحديث ولم تثبت هذه القطعة عند المصنِّف فلهذا يذكرها وهي من الأحاديث المتشابهة المحتاجة إلى التأويل ومعناه ينزل أمره أو رحمته في ذلك الوقت وحكى ابن فورك أن بعض المشائخ ضبطه بضمِّ أوَّله على حذف المفعول أي ينزل ملكا قال ابن حجر ويقويه ما رواه
__________
(1) / خ: الأخير. (3/369)
صفحة 1177
النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة عن أبي سعد أنَّ الله يمهل حتَّى يمضي شطر الليل ثمَّ يأمر مناديا يقول من داع فيستجاب له الحديث وحديث عثمان بن أبي العاصي عند أحمد ينادي هل من داع يستجاب له الحديث قال القرطبي وبهذا يندفع الأشكال {قوله يقول ربنا تبارك وتعالى} أي على لسان ذلك الملك الذي يبعثه مناديا في ذلك الوقت {قوله حين يبقى ثلث الليل الآخر} بكسر الخاء يعني الأخير وهو مرفوع صفة لثلث وخصَّ ذلك الوقت لأنَّه وقت التهجد وغفلة الناس عن التعرض لنفحات رحمة الله تعالى وعند ذلك تكون النية خالصة والرغبة إلى الله وافرة وذلك مظنَّة القبول والإجابة {قوله من يدعني} بحذف واو العلَّة في رواية المصنِّف وذلك يقتضي أن من شرطيَّة وهي مثبتة في رواية مالك وذلك يقتضي أن من للإستفهام {قوله فأستجيب له} أي أجيب له دعاه فليست السين للطلب {قوله ومن يسألني فأعطيته} أي أعطه ما سأل {قوله ومن يستغفرني فأغفر له} باثبات الواو قبل من في رواية المصنِّف وليس في رواية مالك واو والمعنى من يطلب منِّي غفران ذنبه فأغفر له والفرق بين الثلاثة أن المطلوب أمَّا رفع المضار أو جلب المسارّ وذلك أمَّا دنيوي أو ديني فالإستغفار إشارة إلى الأوَّل والدعاء إشارة إلى الثاني والسؤال إشارة إلى الثالث وقيل يحتمل أنَّ الدعاء مالا طلب فيه والسؤال الطلب
ويحتمل أنَّ المقصود واحد وأنّ اختلف اللفظ وفي الحديث تفضيل آخر الليل على أوَّله وأنَّه أفضل للدعاء والإستغفار ويشهد له قوله تعالى {والمستغفرون بالاسحار} وأن الدعاء ذلك الوقت مجاب ولا يعترض بتخلفه عن بعض الداعين لأنَّ سببه وقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء كالإحتزار في المطعم والمشرب والملبس واستعجال الداعي أو يكون الدعاء بإثم أو قطيعة رحم أو تحصل الإجابة فيتأخر وجود المطلوب لمصلحة العبد أو لأمر يريده الله تعالى والله أعلم. (3/370)
صفحة 1178
577 - قوله: «عن عبادة بن الصامت»: الحديث رواه أيضًا مسلم والنسائي من طرق متعدِّدة بألفاظ مختلفة مؤدَّاها واحدٌ. قال مسلم في سنده عن أَيُّوب عن أبي قلابة قال: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث قال قالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث، فجلس، فقلت له: حدِّثْ أخانا حديث عبادة بن الصامت، قال: نعم، غزونا غزاةً وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فِضَّة، فأمر معاوية أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال: إِنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب، وذكر الحديث، ثمَّ قال: فردَّ الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية، فقام خطيبا فقال: ألا ما بال رجال يَتَحَدَّثُون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث قد كنَّا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه؟ فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصَّة ثمَّ قال: لنحدِّثنَّ بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية، أو قال: وإن رغم ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلةً سوداء.
قوله: «في غزوة»: لم أقف على اسمها، وَكَأَنَّهَا من غزوات معاوية في أَيَّام إمارته على الشام في آخر أَيَّام عثمان، لأنَّ الحال يشهد بذلك، إذ لم يكن قبله تقيَّة لمعاوية، وقد مات عبادة في سنة أربع وثلاثين على الصحيح، فلم يدرك دولة معاوية، وَقِيلَ: إِنَّهُ مات في سنة خمس وأربعين أَيَّام معاوية، فإن صحَّ هذا القول فتكون هذه الغزوة من غزوات معاوية في أَيَّام دولته، وهي بالشام لما في رواية ذكرها ابن الأثير من طريق قتادة عن مسلم بن يسار عن أبي الأشعث الصنعاني عن عبادة بن الصامت أَنَّهُ قام في الشام خطيبا.
قوله: «وعلينا معاوية»: يعني أَنَّهُ أمير عليهم.
قوله: «فأصبنا ذهبا وَفِضَّةً»: فسَّر ذلك رواية مسلم: «فكان فيما غنمنا آنية من فِضَّة» ولم يذكر الذهب، ولعلَّ الفِضَّة كانت آنية وكان الذهب حَلْيًا، وبهذا الاحتمال يُجمع بين الروايتين.
قوله: «رجلاً»: لم أقف على اسمه. (3/371)
صفحة 1179
[صفحة لم ترقن] (3/372)
صفحة 1180
قوله: «في أعطياتهم»: أي بأعطياتهم، والمراد بها ما يجعله الإمام أو السلطان للرعايا من النصيب المقدَّر في بيت المال يأخذونه على كُلِّ سنة أو شهر، كلٌّ على قدر منزلته، وَأَوَّل من جعل ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قوله: «فسارع الناس فيها»: أي في شرائها، ورواية مسلم: «فتسارع الناس في ذَلِكَ»، وَإِنَّمَا تسارعوا إِلىَ ذَلِكَ لأَنَّهُم يأخذونه في الحال، والنفس مجبولة عَلَى حبِّ العاجل.
قوله: «فنهاهم»: أي وذكر لهم الحديث كما في رواية مسلم.
قوله: «فأتى الرجل»: هو المأمور ببيع الذهب وَالفِضَّة.
قوله: «فشكا إِلَيْهِ»: أي ما كان من عبادة، فَإِنَّ الناس قبلوا من عبادة، وردُّوا ما أخذوا، كما في رواية مسلم.
قوله: «ما بال رجال ... » إلخ: أي ما شأنهم، وأيُّ شَيْء حملهم عَلَى ذَلِكَ. وفي رواية مسلم: «ألاَ ما بال رجال يَتَحَدَّثُون عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أحاديث قد كُنَّا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه».
قوله: «لم نسمعها منه»: قال بعض الحَنَفِيَّة في حاشيته عَلَى النسائي: هَذَا استدلال بالنفي عَلَى ردِّ الحديث الصحيح بعد ثبوته، مع اتِّفَاق العقلاء عَلَى بطلان الاستدلال بالنفي، وظهور بطلانه بأدنى نظر، بل بديهة، قال: فَهَذَا جرأة عظيمة، ثُمَّ استغفر له.
قوله: «والله لأحدِّثنَّ ... » إلخ: إِنَّمَا حمله عَلَى ذَلِكَ ما رواه النسائيُّ من طريق قتادة عن مسلم بن يسار عن أبي الأشعث الصنعانيِّ عن عبادة بن الصامت، وكان بدريًّا، وكان بايع النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم أن لا يخاف في الله لومة لائم، فظاهره أَنَّ الحامل له عَلَى الإنكار هَذِهِ البيعةُ. قال محشِّي النسائي: وَإِلاَّ لَمَا قام خوفا من معاوية.
قوله: «ولو كره معاوية»: وفي رواية مسلم: «وإن كره معاوية، أو قال: وإن رغم، ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء». قال النوويُّ: يقال: رغِم بكسر الغين وفتحها، ومعناه ذَلَّ وصار كاللاصق بالرغام، وهو التراب. وفي هَذَا الاهتمامُ بتبليغ السنن ونشر العلم وإن كرهه من كرهه لمعنى، وفيه القول بِالْحَقِّ وإن كان المقول له كبيرا. (3/373)
صفحة 1181
وقوله: «إِلاَّ مثلا بمثل، يدا بيد، سواء بسواء، عينا بعين»: لم يذكر في رواية مسلم قوله: «مثلا بمثل، يدا بيد»، بل اقتصر عَلَى الأخيرين. وذكر في رواية النسائيِّ قوله: «إِلاَّ سواء بسواء، مثلا بمثل». قيل: وَإِنَّمَا أعاد ذكر هَذِهِ الألفاظ للتأكيد، وَقِيلَ: معنى «مثلا بمثل» المماثلة في الصفة، كالجودة والرداءة، فإن تخالفا لم يجز، ولو استويا في الكَمِّيَّة. وَمَعْنَى «سواء بسواء»: المساواة في الكَمِّيَّة. وَمَعْنَى «عينا بعين»: حاضرا تراه العين بحاضر تراه العين، وهو معنى قوله: «يدا بيد». زاد مسلم والنسائيُّ في روايةٍ قولَه: «فمن زاد أو ازداد فقد أربى»، وهو يَدُلُّ عَلَى تحريم ربا الفضل يدا بيد عند اتِّحاد الجنس. (3/374)
صفحة 1182
[صفحات لم ترقن] (3/375)
صفحة 1183
[صفحات لم ترقن] (3/376)
صفحة 1184
[صفحات لم ترقن] (3/377)
صفحة 1185
[صفحات لم ترقن] (3/378)
صفحة 1186
[صفحات لم ترقن] (3/379)
صفحة 1187
[صفحات لم ترقن] (3/380)
صفحة 1188
[صفحات لم ترقن] (3/381)
صفحة 1189
[صفحات لم ترقن] (3/382)
صفحة 1190
[صفحات لم ترقن] (3/383)
صفحة 1191
[صفحات لم ترقن] (3/384)
صفحة 1192
[صفحات لم ترقن] (3/385)
صفحة 1193
[صفحات لم ترقن] (3/386)
صفحة 1194
[صفحات لم ترقن] (3/387)
صفحة 1195
[صفحات لم ترقن] (3/388)
صفحة 1196
[صفحات لم ترقن] (3/389)
صفحة 1197
[صفحات لم ترقن] (3/390)
صفحة 1198
[صفحات لم ترقن] (3/391)
صفحة 1199
[صفحات لم ترقن] (3/392)
صفحة 1200
[صفحات لم ترقن] (3/393)
صفحة 1201
[صفحات لم ترقن] (3/394)
صفحة 1202
[صفحات لم ترقن] (3/395)
صفحة 1203
[صفحات لم ترقن] (3/396)
صفحة 1204
[صفحات لم ترقن] (3/397)
صفحة 1205
[صفحات لم ترقن] (3/398)
صفحة 1206
[صفحات لم ترقن] (3/399)
صفحة 1207
[صفحات لم ترقن] (3/400)
صفحة 1208
[صفحات لم ترقن] (3/401)
صفحة 1209
[صفحات لم ترقن] (3/402)
صفحة 1210
[صفحات لم ترقن] (3/403)
صفحة 1211
[صفحات لم ترقن] (3/404)
صفحة 1212
[صفحات لم ترقن] (3/405)
صفحة 1213
[صفحات لم ترقن] (3/406)
صفحة 1214
[صفحات لم ترقن] (3/407)
صفحة 1215
[صفحات لم ترقن] (3/408)
صفحة 1216
[صفحات لم ترقن] (3/409)
صفحة 1217
[صفحات لم ترقن] (3/410)
صفحة 1218
[صفحات لم ترقن] (3/411)
صفحة 1219
[صفحات لم ترقن] (3/412)
صفحة 1220
[صفحات لم ترقن] (3/413)
صفحة 1221
[صفحات لم ترقن] (3/414)
صفحة 1222
طبع بمطابع دار البعث قسنطينة – الجزائر
85 - 65 - 69 (3/415)
صفحة 1223
حاشية الترتيب على الجامع الصحيح
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
الجزء الرابع
للشيخ العلامة أبو ستة السدويكشي أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبي ستة
إخراج وتحقيق:
إبراهيم محمد طلاي
مطابع دار البعث، قسنطينة، الجزائر
1994 (4/1)
صفحة 1224
جميع الحقوق محفوظة
طبع بمطابع "دار البعث" قسنطينة-الجزائر (4/2)
صفحة 1225
بسم الله الرحمن الرحيم (4/3)
صفحة 1226
[صفحة بيضاء] (4/4)
صفحة 1227
كتاب الأيمان والنذور (4/5)
صفحة 1228
[صفحة بيضاء] (4/6)
صفحة 1229
الباب الرابع والأربعون في الأيمان والنذور (4/7)
صفحة 1230
قال ابن حجر: "الأيمان بفتح الهمزة جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة اليد، وأطلقت على الحلف؛ لأنَّهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كلٌّ بيمين صاحبه، وقيل: لأنَّ اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء، فسمِّي الحلف بذلك لحفظ المحلوف عليه يمينا لتلبُّسه بها، ويجمع اليمين أيضا على أيمُن كرغيف وأرغُف.
وعرِّفت شرعا بأنها توكيد الشيء بذكر اسم الله أو صفته، وهذا أخصُّ التعاريف وأقربها.
والنذور جمع نذر، وأصله الإنذار بمعنى التخويف، وعرَّفه الراغب بأنَّه: "إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر". اهـ.
قوله: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت»، قال ابن حجر: "قال العلماء: السرُّ في النهي عن الحلف بغير الله أنَّ الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنَّما هي لله وحده، وظاهر الحديث تخصيص الحلف بالله خاصَّة، لكن قد اتفق الفقهاء على أنَّ اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية"، إلى أن قال: "وكان المراد بقوله بالله الذات لا خصوص لفظ الله، وأمَّا اليمين بغير ذلك فقد ثبت المنع فيها، وهل المنع للتحريم؟ قولان عند المالكية"، إلى أن قال: (4/8)
صفحة 1231
والمشهور عندهم الكراهة، والخلاف أيضا عند الحنابلة، لكنَّ المشهور عندهم التحريم، وبه جزم الظاهرية.
وقال ابن عبد البر: "لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع، ومراده بنفي الجواز للكراهة أعمُّ من التحريم والتنزيه؛ فإنَّه قال في موضع آخر: أجمع العلماء على أنَّ اليمين بغير الله مكروهة، منهيٌّ عنها، لا يجوز لأحد الحلف بها، والخلاف موجود عند الشافعية"، إلى أن قال: "وقال إمام الحرمين: المذهب القطع بالكراهة"، إلى أن قال: "وقال الماوردي: لا يجوز لأحد أن يحلف بغير الله لا بطلاق، ولا عتاق، ولا نذر، وإذا حلَّف الحاكم أحدا بشيء من ذلك وجب عزله لجهله". اهـ.
وأمَّا عندنا فقد جزم صاحب الوضع رحمه الله بالكراهة حيث قال: "والقسم الرابع أن يحلف بالكعبة، أو المسجد، أو اللوح، أو القلم، أو الشمس، أو القمر، أو النجوم، أو السحاب، أو المطر، أو السماء، أو الأرض، أو الملائكة، أو النبيئين، أو المرسلين"، إلى أن قال: "فإنَّ هذا كلَّه وما أشبهه لا حنث فيه ولا كفَّارة، ولكن الحلف بهذه الأيمان مكروه". الخ. واستدلَّ له بحديث عمر وغيره.
وأمَّا صاحب الإيضاح رحمه الله فقد جزم بعدم الجواز حيث قال: "وأمَّا غير المباحة فهو أن يحلف الرجل بغير الله، مثل أن يقول: وحقِّ المسجد، وحقِّ الكعبة، وما أشبه ذلك ... الخ" فاستدلَّ بهذا الحديث وغيره ثم قال: "ففي هذا دليل على أنَّ الحلف بغير الله لا يجوز" اهـ. فعلى هذا يكون صاحب الوضع ماشيا على القول بالكراهة، وصاحب الإيضاح ماشيا على القول بالتحريم، ويمكن الجمع بينهما بأن يؤوَّل في كلام أحدهما إمَّا بأن تحمل الكراهة على الشديدة فترجع إلى التحريم، وإمَّا بأن يحمل الجواز على الذي لا كراهة فيه وهو للنفي فرجع إلى الكراهة. والمعنى: لا يجوز جوازا من غير كراهة. وهو الأرفق بحال الناس. والله أعلم، فليحرر.
قوله:» في ركب «: في بعض الروايات عن عمر:» بينما أنا في ركب أسير في غزاة مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم «. (4/9)
صفحة 1232
قوله:» وهو يحلف بأبيه «في بعض الروايات» أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سمع عمر وهو يحلف بأبيه، وهو يقول: وأبي وأمِّي، وفي بعضها زيادة. وكانت قريش تحلف بآبائها «.
قوله:» فقال: إنَّ الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم «في بعض الروايات قال عمر:» فحدَّثت قوما حديثا فقلت: لا وأبي. فقال رجل من خلفي: لا تحلفوا بآبائكم. فالتفتُّ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لو أنَّ أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خير من آبائكم «وفي رواية عن ابن عمر:» أنَّه سمع رجلا يقول: لا والكعبة، فقال: لا تحلف بغير الله؛ فإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من حلف بغير الله فقد هلك، أو كفر أو أشرك «فقال الترمذي: حسن. وصحَّحه الحاكم.
قال ابن حجر: "والتعبير بقوله هلك أو كفر أو أشرك للمبالغة في الزجر والتغليظ في ذلك، وقد تمسَّك به من قال بتحريم ذلك” اهـ.
ثم قال: "وفي الحديث من الفوائد الزجر عن الحلف بغير الله، وإنما خصَّ في حديث عمر بالآباء لوروده على سببه المذكور، أو خصَّ لكونه كان غالبا، فالرواية الأخرى وكانت قريش تحلف بآبائها ويدلُّ على التعميم".
قوله: «من كان حالفا فلا يحلف إلاَّ بالله» وأمَّا ما ورد في القرآن من القسم بغير الله ففيه جوابان:
أحدهما: أنَّ فيه حذفا، والتقدير وربِّ الشمس ونحوه.
والثاني: أنَّ ذلك يختصُّ بالله، فإذا أراد تعظيم شيء من مخلوقاته أقسم به وليس لغيره ذلك، إلى أن قال:
"وفيه أنَّ من حلف بغير الله مطلقا لم تنعقد يمينه، سواء كان المحلوف به يستحقُّ التعظيم لمعنى غير العبادة كالأنبياء والملائكة والعلماء والصلحاء والملوك والآباء والكعبة، أو كان لا يستحقُّ التعظيم كالآحاد، أو يستحقُّ التحقير والإذلال كالشياطين والأصنام وسائر من عبد من دون الله"، إلى أن قال:
"وقال المهلب وكانت العرب تحلف بآبائها وآلهتها، فأراد الله نسخ ذلك من قلوبهم لينسيهم ذكر كلِّ شيء سواه. ويبقى ذكره لأنَّه الحقُّ المعبود، فلا تكن اليمين إلاَّ به. والحلف بالمخلوقات في حكم الحلف بالآباء". (4/10)
صفحة 1233
وقال الطبري: "إنَّ اليمين لا تنعقد إلاَّ بالله، وإنَّ من حلف بالكعبة أو آدم أو جبريل ونحو ذلك لم تنعقد يمينه، ولزمه الاستغفار لإقدامه على ما نهي عنه ولا كفَّارة في ذلك"، إلى أن قال: "قال ولأن أقسم بالله وأحنث أحبُّ إليَّ من أن أقسم بغير الله فأبَرَّ". وجاء مثله عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر، إلى أن قال: "وقد أجمع العلماء على أنَّ من وجبت له يمين على آخر في حقٍّ عليه أنَّه لا يحلفه إلاَّ بالله"، إلى أن قال: "وفي العتبية أنَّ من حلف بالمصحف لا تنعقد، واستنكرها بعضهم، ثم أوَّلها على أنَّ المراد إذا أراد جسم المصحف الخ"، فذكر حديثا لفظه: «سمع النبيء صلى الله عليه وسلم رجلا يحلف بأبيه فقال: لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدُق، ومن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله «وسنده حسن.
قوله:» من حلف يمينا فرأى خيرا منها الخ «ذكر فيه في البخاري روايات متعدِّدة منها بعد ذكر الإسناد عن عائشة "أنَّ أبا بكر لم يحنث في يمين قطُّ حتى أنزل الله كفَّارة اليمين، قال: لا أحلف على يمين فرأيت غيرها خيرا منها إلاَّ أتيت الذي هو خير وكفَّرت عن يميني».
ومنها: «قال صلى الله عليه وسلم يا عبد الرحمن ابن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفِّر عن يمينك، وأت الذي هو خير «.
ومنها عن أبي بردة عن أبيه قال:» أتيت النبيء صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين أستحمله فقال: والله ما أحملكم، ولا عندي ما أحملكم عليه. قال: ثم لبثنا ما شاء الله أن تلبث، ثم أوتي بثلاث ذود غر الذرى فحملَنا عليها، فلمَّا انطلقنا قلنا، أو قال بعضنا: والله لا يبارَك لنا، أتينا النبيء صلى الله عليه وسلم نستحمله فحلف أن لا يحملنا، ثم حملنا، فارجعوا بنا إلى النبيء صلى الله عليه وسلم فنذكره فأتيناه فقال: ما أنا حملتكم بل الله حملكم، وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلاَّ كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خيرا، أو أوتيت الذي هو خير، وكفَّرت عن يميني». (4/11)
صفحة 1234
قال ابن حجر: "وفي الحديث أنَّ الحنث في اليمين أفضل من التمادي، إذا كان في الحنث مصلحة، ويختلف باختلاف حكم المحلوف عليه، فإن حلف على واجب أو تركِ حرام فيمينه طاعة، والتمادي واجب، والحنث معصية، وعكسه بالعكس. وإن حلف على فعل نفل فيمينه أيضا طاعة والتمادي مستحبٌّ، والحنث مكروه.
وإن حلف على ترك مندوب فبعكس الذي قبله، وإن حلف على فعل مباح"، إلى أن قال:
وقال ابن الصباغ - وصوَّبه المتأخِّرون - إنَّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال، وإن كان مستوي الطرفين، فالأرجح أنَّ التمادي أولى. والله أعلم الخ.
وظاهر رواية المصنِّف رحمه الله أنَّ الكفَّارة يجوز تقديمها على الحنث، وذكر في الإيضاح رواية أخرى وبنى على ذلك سبب الاختلاف في جواز تقديم الكفَّارة على الحنث، حيث قال:
واتَّفقوا أيضا أنَّ كفارة الأيمان بعد الحنث، واختلفوا في سقوطها إذا قدَّمها قبل الحنث. قال بعضهم: إذا قدَّمها قبل الحنث ثم حنث لم يكن عليه إعادتها، وقال بعضهم لا يجزيه قبل الحنث.
وسبب اختلافهم ما روي أنَّه قال عليه السلام:» من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفِّر عن يمينه، وليأت الذي هو خير «وفي بعض الروايات:» وليأت الذي هو خير، فليكفِّر يمينه «.
والسبب الثاني أيضا اختلافهم هل يجوز تقديم الحقِّ الواجب قبل وقت وجوبه، كالزكاة قبل الحول، وقياسا أيضا على كفَّارة الظهار فإنها قبل الحنث بالنصِّ. والله أعلم انتهى.
وقال ابن حجر: «قال ابن المنذر رأى ربيعة والأوزاعي ومالك والليث وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي أنَّ الكفَّارة تجزي قبل الحنث، إلاَّ أنَّ الشافعي استثنى الصيام، فقال: لا يجزي إلاَّ بعد الحنث، وقال أصحاب الرأي: لا تجزي الكفَّارة قبل الحنث الخ.
وأراد بأهل الرأي أبا حنيفة وأصحابه، وذكر من حجَّتهم أنَّ الكفَّارة بعد الحنث فرض، وإخراجها قبله تطوُّع، فلا يقوم التطوُّع مقام الفرض، وانفصل عنه من أجاز بأنَّه يشترط إرادة الحنث، وإلاَّ فلا يجوز كما في تقديم الزكاة. (4/12)
صفحة 1235
وقال عياض: اتَّفقوا على أنَّ الكفارة لا تجب إلاَّ بالحنث، وأنَّه يجوز تأخيرها بعد الحنث، واستحبَّ مالك والشافعي والأوزاعي والثوري تأخيرها بعد الحنث، إلى أن قال: فاحتج للجمهور بأنَّ عقد اليمين لما كان يحلُّه الاستثناء، وهو كلام فلان، تحلُّه الكفَّارة وهو فعل ماليٌّ أو بدنيٌّ أولى، ويرجَّح قولهم أيضا بالكثرة.
وذكر أبو الحسن بن القصَّار وتبعه عياض وجماعة أنَّ عدَّة من قال بجواز تقديم الكفَّارة أربعة عشر صحابيا، وتبعهم فقهاء الأمصار إلاَّ أبا حنيفة الخ، فأطال في الرد عليه ثم قال: واحتج الشافعي بأنَّ الصيام من حقوق الأبدان، ولا يجوز تقديمها قبل وقتها كالصلاة والصيام، بخلاف العتق والكسوة والإطعام فإنها من حقوق الأموال فيجوز تقديمها كالزكاة، إلى أن قال: قال المازري للكفارات ثلاث حالات: أحدها قبل الحلف فلا تجزي اتفاقا، ثانيها بعد الحلف والحنث فتجزي اتفاقا، ثالثها بعد الحلف وقبل الحنث ففيها الخلاف.
وقد اختلف لفظ الحديث فقدَّم الكفَّارة مرَّة وأخَّرها أخرى، لكن بحرف الواو الذي لا يوجب ترتيبا، ومن منع رأى أنَّها لم تجب فصارت كالتطوُّع، والتطوُّع لا يجزي عن الواجب.
وقال الباجي وابن التين وجماعة: الروايتان دالَّتان على الجواز؛ لأنَّ الواو لا تدلُّ على الترتيب، فلو كان تقديم الكفَّارة لا يجزي لأبانه ولقال:» فليأت، ثم ليكفِّر» لأنَّ تأخير البيان عن الحاجة لا يجوز، فلمَّا تركهم على مقتضى اللسان دلَّ على الجواز.
قال: وأمَّا الفاء في قوله: «فأت الذي هو خير، وكفِّر عن يمينك» فهي كالفاء الذي في قوله:» فكفِّر عن يمينك، وأت الذي هو خير «ولو لم تأت الثانية لما دلَّت الفاء على الترتيب؛ لأنَّها أبانت ما يفعله بعد الحلف، وهما شيئان: كفَّارة، وحنث. ولا ترتيب فيهما، وهما كمن قال: "إذا دخلت الدار فكل واشرب الخ"، فذكر أنَّ في بعض الروايات فكفِّر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير، بلفظ (ثم) التي تقتضي الترتيب، وأقول رواية الواو أولى لإفادتها جواز الأمرين من غير ترتيب. والله أعلم.
قوله:» من حلف يمينا على مال امرئ مسلم ليقطعه بها الخ «لفظه في بعض روايات البخاري» من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي (4/13)
صفحة 1236
الله وهو عليه غضبان «فأنزل الله تصديق ذلك {إِنَّ الذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً} [آل عمران: 77] الآية فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما يحدِّثكم أبو عبد الرحمن؟ قالوا: كذا وكذا، قال: فيَّ أنزلت، كانت لي بئر في أرض ابن عمٍّ لي فأتيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، فقال: بيِّنتك، أو يمينه. فقلت: إذا يحلف عليها يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان «انتهى.
قال ابن حجر: ويمين الصبر هي التي تلزم، ويجبَر عليها حالفها. يقال: أصبره اليمين أحلفه بها في مقاطع الحقِّ الخ.
قوله:» ليقطع بها «الرواية عند قومنا،» يقتطع بها أو ليقتطع بها «قال ابن حجر: ويقتطع تفعيل من انقطع كأنَّه قطعه عن صاحبه أو أخذ قطعة من ماله بالحلف المذكور.
قوله»:لقي الله وهو عليه غضبان «المراد بالغضب إيصال الشرِّ إليه، وفي رواية» وهو عنه معرض «وفي رواية» إلاَّ لقي الله وهو أجذم «وفي رواية» فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة «وفي رواية» فليتبوأ بوجهه مقعده من النار «.
قال ابن حجر: في رواية البخاري، وفي هذا الحديث جواز سماع الحاكم الدعوى فيما لم يره، إلى أن قال: وفيه أنَّ الحاكم يسأل المدَّعي هل له بينة، إلى أن قال: وإنَّ البينة على المدَّعي في الأموال كلِّها.
واستدلَّ به لمالك في قوله: إنَّ من رضي بيمين غريمه ثم أراد إقامة البيِّنة بعد حلفه أنها لا تسمع إلاَّ إن أتى بعذر يتوجَّه له في ترك إقامتها قبل استحلافه.
قال ابن دقيق العيد: "ووجهه أنَّ أو تقتضي أحد الشيئين فلو جاز إقامة البيِّنة بعد الاستحلاف لكان له الأمران معا، والحديث يقتضي أنَّه ليس له إلاَّ أحدهما"، إلى أن قال: "وقد استدلَّ الحنفية به في ترك العمل بالشاهد واليمين في الأموال"، إلى أن قال: "واستدل به على توجيه اليمين في الدعاوى كلِّها على من ليست له بيِّنة". (4/14)
صفحة 1237
فيه بناء الأحكام على الظاهر وإن كان المحكوم له في نفس الأمر مبطلا.
وفيه دليل للجمهور أنَّ حكم الحاكم لا يبيح للإنسان ما لم يكن له حلالا خلافا لأبي حنيفة، إلى أن قال: "وفيه التشديد على من حلف باطلا ليأخذ حقَّ مسلم وهو عند الجميع محمول على من مات من غير توبة صحيحة الخ، فأخذ في التأويل الباطل على قاعدة مذهبهم"، إلى أن قال: "وقال الماوردي: ذكر بعض أصحابنا أنَّ فيه دلالة على أنَّ صاحب اليد أولى بالمدَّعى فيه".
وفيه التنبيه على صورة الحكم في هذه الأشياء؛ لأنَّه بدأ بالطلب فقال: ليس لك إلاَّ يمين الآخر، ولم يحكم بها للمدَّعى عليه إذا حلف، بل إنَّما جعل اليمين تصرُّف دعوى المدَّعي لا غير، ولذلك ينبغي للحاكم إذا حلف المدَّعى عليه أن لا يحكم له بملك المدَّعى فيه ولا بحيازته بل يقرُّه على حكم يمينه.
واستدلَّ به على أنَّه لا يشترط في المتداعيين أن يكون بينهما اختلاط أو يكون ممن يتَّهم بذلك، ويليق به لأنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم أمر المدَّعى عليه هنا بالحلف بعد أن سمع الدعوى ولم يسأل عن حالهما، إلى أن قال: وفيه أنَّ من جاء بالبيِّنة قضي له بها بحقَّه من غير يمين لأنَّه محال أن يسأله عن البيِّنة دون ما يجب له الحكم به، ولو كانت اليمين من تمام الحكم له لقال له: بينتك ويمينك على صدقها. إلى أن قال:
وقال القاضي عياض: وفي هذا الحديث من الفوائد البداءة بالسماع من الطالب ثم من المطلوب هل يقرُّ أو ينكر، ثم طلب البينة من الطالب إن أنكر المطلوب ثم توجَّه اليمين على المطلوب إن لم يجد الطالب البيِّنة، وأنَّ الطالب إذا ادَّعى أنَّ المدعى به بيد المطلوب فاعترف استغنى عن إقامة البيِّنة بأنَّ يد المطلوب عليه، إلى أن قال:
وفيه إشارة إلى أنَّ لليمين مكانا يختصُّ به لقوله في بعض طرقه:» فانطلق ليحلف وقد عهد في عهده صلى الله عليه وسلم أنَّ الحلف عند منبره «وبذلك احتجَّ الخطابي فقال: كانت المحاكمة والنبيء صلى الله عليه وسلم في المسجد (4/15)
صفحة 1238
فانطلق المطلوب ليحلف فلم يكن انطلاقه إلاَّ إلى المنبر؛ لأنَّه كان في المسجد فلا بدَّ أن يكون انطلاقه إلى موضع أخص منه، إلى أن قال:
لكن ليس في الحديث المذكور دلالة على تحريم حقِّ الذميِّ، بل ثبت بدليل آخر.
والحاصل أنَّ المسلم والذميَّ لا يفترق الحكم في الأمر فيهما في اليمين الغموس والوعيد عليها، وفي أخذ حقِّهما باطلا، وإنما يفترق قدر العقوبة بالنسبة إليهما. قال: وفيه غلظ تحريم حقوق المسلمين وأنَّه لا فرق بين قليل الحقِّ وكثيره في ذلك، وكان مراده عدم الفرق في غلظ التحريم لا مراتب الغلظ، وقد صرَّح ابن عبد السلام في القواعد بالفرق بين القليل والكثير، وكذا بين ما يترتَّب عليه كثير المفسدة وحقيرها الخ.
قوله:» من نذر أن يطيع الله فليطعه الخ «قال ابن حجر: الطاعة أعمُّ من أن تكون في واجب أو مستحبٍّ، ويتصوَّر النذر في فعل الواجب بأن يوقته كمن ينذر أن يصلي الصلاة في أوَّل وقتها فيجب عليه ذلك بقدر ما أقَّته.
وأمَّا المستحبُّ من جميع العبادات المالية والبدنية فينقلب بالنذر واجبا، ويتقيد بما قيَّد به الناذر، والخبر صريح في الأمر بوفاء النذر إذا كان في طاعة، وفي النهي عن ترك الوفاء به إذا كان في معصية، وهل يجب في الثاني كفَّارة يمين أو لا؟ قولان للعلماء، إلى أن قال: وقد قسَّم بعض الشافعية الطاعة إلى قسمين؛ واجب علينا فلا ينعقد به النذر كصلاة الظهر وصفت فيه، فينعقد كإيقاعها أوَّل الوقت، وواجب على الكفاية كالجهاد فينعقد، ومندوب عبادة عينا كان أو كفاية فينعقد، أو مندوب لا يسمَّى عبادة كعيادة المريض وزيارة القادم ففي انعقاده وجهان، والأصحُّ انعقاده، وهو قول الجمهور، والحديث يتناوله فلا يخصُّ من عموم الخبر إلاَّ القسم الأوَّل لأنَّه تحصيل الحاصل انتهى.
وسكت في الحديث عن المباح، والذي صدر به في الإيضاح أنَّه لا شيء فيه، واستدلَّ به له بحديث. قال عقبة فعلى هذا الحديث من نذر ما ليس بطاعة فليس (4/16)
صفحة 1239
عليه الوفاء به الخ، وهو الراجح عند قومنا أيضا لقوله صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث» إنما النذر بما يبتغى به وجه الله «والله أعلم.
قوله:» استفتى سعد بن عبادة الخ «لفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد» أنَّ سعد بن عبادة الأنصاري استفتى النبيء صلى الله عليه وسلَّم في نذر كان على أمِّه فتوفيت قبل أن تقضيه، فأفتاه أن يقضيه عنها، فكانت سنَّة بعده «انتهى.
وفي رواية» أنَّ سعد بن عبادة توفيت أمُّه وهو غائب عنها، قال: يا رسول الله، إنَّ أمِّي توفيت وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدَّقت به عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أنَّ حائطي المخراف، صدقة عنها «انتهى.
وفي رواية» أنَّ رجلا قال للنبيء صلى الله عليه وسلم: إنَّ أمِّي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلَّمت تصدَّقت، أفأتصدَّق عنها؟ قال: نعم تصدق عنها «انتهى.
وفيه رواية بلفظ رواية المصنِّف قوله:» سعد بن عبادة «قال ابن حجر: هو الأنصاري الخزرجي سيد الخزرج.
قوله:» إنَّ أمِّي ماتت «يعني ماتت وهو غائب. قال ابن حجر: هي عمرة بنت مسعود، وقيل بنت سعد بن قيس بن عمر الأنصارية، خزرجية ذكر ابن سعد أنها أسلمت وبايعت وماتت سنة خمس، والنبيء صلى الله عليه وسلم في غزوة دومة الجندل، كان سعد بن عبادة معه، قال: فلمَّا رجعوا جاء النبيء صلى الله عليه وسلم فصلى على قبرها الخ.
قوله:» وعليها نذر الخ «ذكر ابن حجر أنَّ في بعض الروايات: أفيجزئ عنها أن أعتق عنها؟ قال: اِعتق عن أمك. قال فأفادت هذه الرواية بيان ما هو النذر المذكور، وهو أنها نذرت أن تعتق رقبة فماتت قبل أن تفعل.
ويحتمل أن تكون نذرت نذرا مطلقا غير معين، فيكون في الحديث حجَّة لمن أفتى في النذر المطلق بكفَّارة يمين، والعتق أعلى كفَّارة الأيمان، فلذلك أمره أن (4/17)
صفحة 1240
يعتق عنها. وحكى ابن عبد البر عن بعضهم أنَّ النذر الذي كان على والدة سعد صيام الخ، وردَّه، ثم قال:
وفي حديث الباب من الفوائد جواز الصدقة عن الميت، وأنَّ ذلك ينفعه بوصول ثواب الصدقة إليه، ولاسيما إن كان من الولد وهو مخصَّص لعموم قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلاِنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى} [النجم: 39]، ويلتحق بالصدقة العتق عنها عند الجمهور خلافا للمشهور عند المالكية.
واختلف في غير الصدقة من أعمال البرِّ، هل تصل إلى الميت كالحج والصوم، وقد تقدَّم شيء من ذلك في الصيام.
وفيه أنَّ ترك الوصية جائز؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يذمَّ أمَّ سعد على ترك الوصية، قاله ابن المنذر.
وتعقَّب بأنَّ الإنكار عليها قد تعذَّر لموتها، وسقط عنها التكليف، وأجيب بأنَّ فائدة إنكار ذلك ليتَّعظ غيرها ممن يسمعه فلما أقرَّ على ذلك دلَّ على الجواز.
وفيه ما كان الصحابة عليه من استشارة النبيء صلى الله عليه وسلم في أمور الدين.
وفيه العمل بالظنِّ الغالب.
وفيه الجهاد في حياة الأمِّ، وهو محمول على أنَّه استأذنها.
وفيه السؤال عن التحمُّل والمسارعة إلى عمل البر والمبادرة إلى برِّ الوالد، وأنَّ إظهار الصدقة يكون خيرا من إخفائها، وهذا عند اعتبار صدق النية فيه، وأنَّ للحاكم تحمُّل الشهادة في غير مجلس الحكم، نبه على أكثر ذلك أبو محمد بن أبي حمزة وفي بعضه نظر لا يخفى. انتهى.
وقال في محلٍّ آخر عند الكلام على هذا الحديث أيضا ما نصه: "وفي الحديث قضاء الحقوق الواجبة عن الميت، وقد ذهب الجمهور إلى أنَّ من مات وعليه نذر ماليٌّ أنَّه يجب قضاؤه من رأس ماله، وإن لم يوص، إلاَّ إن وقع النذر في مرض الموت فيكون من الثلث".
وشرط المالكية والحنفية أنَّ يوصي بذلك مطلقا، واستدل للجمهور بقصَّة أمِّ سعد هذه الخ. (4/18)
صفحة 1241
أقول: وعند أصحابنا أنَّ كلَّ واجب لم يتعين صاحبه لا يجب على الورثة إلاَّ بالوصية، واختلفوا إذا أوصى به هل يخرج من جملة المال أو من الثلث، وظاهر كلام صاحب الإيضاح رحمه الله يميل إلى الثاني. والله أعلم.
قال ابن حجر وفيه استفتاء الأعلم، وفيه فضل برِّ الوالدين بعد الموت، والتوصُّل إلى براءة ما في ذمَّتهم.
واختلف أهل الأصول في الأمر بعد الاستئذان هل يكون كالأمر بعد الحظر أو لا، فرجَّح صاحب المحصول أنَّه مثله، والراجح عند غيره أنَّه للاستحباب، كما رجَّح جماعة في الأمر بعد الحظر أي المنع أنَّه للاستحباب الخ.
قوله:» حرَّم الله عليه الجنَّة وأوجب له النار «تقدَّم أن ذلك محمول على من مات عن غير توبة، وتوبته إنما تصحُّ بدفع ذلك لصاحبه، أو لورثته من بعده، أو للفقراء والمساكين، إن لم يعلم له صاحبا ولا وارثا؛ لأنَّ كلَّ مال مجهول سبيله للفقراء والمساكين كما هو معلوم. وهذا هو قول غير المشدِّدين، وهو قول عمروس بن فتح رحمه الله، قال: لأنَّ من شأن المسلمين أن لا يوئسوا أحدا من رحمة الله، والمشدِّدون يقولون إنَّه قفل ضاع مفتاحه، كما يقول ابن عباس رحمه الله في قتل المؤمن عمدا. والله أعلم.
قوله:» وإن كان شيئا يسيرا الخ «ظاهر الحديث يردُّ ما تقدَّم من تصريح ابن عبد السلام في القواعد بالفرق بين القليل والكثير، اللهمَّ إلاَّ أن يقال مراده الفرق بينهما في أنواع العذاب لا في أصل تحقيق العقاب، وهو الظاهر. والله أعلم.
وفي هذا الحديث ردٌّ على قومنا في عدم القطع لصاحب الكبيرة بالنَّار، وفي جواز خروجه منها ودخول الجنة، مع أنَّ الحديث موجود عندهم كما تقدَّم، إلاَّ أنهم يعتلون بتقدير المشيئة كما هو دأبهم في ذلك، ولولا التأويل لأشركوا. والله أعلم. (4/19)
صفحة 1242
الباب الأول في الديات والعقل (4/20)
صفحة 1243
قال ابن حجر: الديات بتخفيف التحتانية جمع دية، مثل عدات وعدَّة، وأصلها وَدية (بفتح الواو وسكون الدال)، تقول ودي القتيل يديه إذا أعطى وليه ديته، وهي ما حصل في مقابلة النفس، وسمي دية تسمية بالمصدر، وفاؤها محذوفة والهاء عوض، وفي الأمر (د)، القتيل بدال مكسورة فحسب، فإن وقفت قلت (ده) الخ.
وعطف العقل على الديات من عطف المرادف، قال في الصحاح: "والعقل الدية قال الأصمعي: وإنما سميت بذلك لأنَّ الإبل كانت تعقل بفناء ولي المقتول، ثم كثر استعمالهم هذا حتى قالوا عقلت المقتول، إذا أعطيت ديته دراهم ودنانير ... " الخ.
قوله:» الدية مائة من الإبل «قال صاحب القواعد رحمه الله: "وفي أثر أصحابنا قيمة كلِّ ناقة أربعة دنانير، وجملة ذلك أربعمائة دينار ذهبا مسكَّكا" الخ، والذي ذكره رحمه الله قول لبعض أصحابنا.
قال في كتاب الأحكام للديوان، مؤخِّرا لهذا القول: "وقضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الدية على أهل الإبل بمائة ناقة، وعلى أهل البقر بمائتي بقرة، وعلى أهل الشاة بألف شاة، وعلى أهل الحلل بمائتي حلَّة يمانية إزار ورداء، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وقيل اثني عشر ألفا".
وفي الذهب اختلاف في الدية؛ قال بعض: ألف دينار فعلى هذا نقول: لكلِّ ناقة عشرة دنانير بالقيمة، ومن قال خمسمائة دينار قوِّمت النوق بخمسة دنانير لكلِّ ناقة، ومن قال الدية أربعمائة دينار جعل قيمة كلِّ ناقة أربعة ... الخ، فتراه صدر بألف وبذلك جزم ابن وصاف رحمه الله، وعليه قومنا. والله أعلم. (4/21)
صفحة 1244
قوله:» دية الخطأ في ثلاثة أعوام «يعني إذا كانت كاملة.
قال صاحب القواعد رحمه الله: "وتجب دية الخطأ على العاقلة"، يعني وليس على الجاني منها شيء، "ولكن عليه جمعها في قول بعضهم، وقيل غير ذلك، فليراجع الديوان، وهي في ثلاث سنين، والنصف يؤدَّى في عامين، والثلث في عام واحد" انتهى.
ودية الخطأ على خمسة أجزاء: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت لبون، وعشرون حِقَّة، وعشرون جذعة، وتسمَّى مخففة.
قوله»:دية العمد في عام واحد «وتسمَّى مغلَّظة، وتؤخذ أثلاثا: ثلاثون حقَّة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، في بطونها أولادها، وهذا إذا اختار ولي الدم أخذ الدية، فإنَّ قتل العمد يتخير فيه الولي بين القتل والعفو وأخذ الدية، والعفو أفضل.
ويجوز أن يعفو عن بعض الدية، وإذا عفا بعض الورثة دون بعض امتنع القصاص وبقيت الدية، ويجوز القَود في الظهور والكتمان، وكذلك أخذ الدية، ولا يلزم العاقلة منها شيء.
والتخيير بين الأمور الثلاثة من خصوصيات هذه الأمَّة؛ لأنَّ أهل التوراة كُتب عليهم القصاص البتَّة، وحرِّم العفو وأخذ الدية، وعلى أهل الإنجيل العفو، وحرِّم القصاص والدية، وخيرت هذه الأمَّة بين الثلاثة توسعة عليهم وتيسيرا. والله أعلم.
قوله:» المسلمون تتكافأ دماؤهم «، يعني بالهمز، قال في الصحاح: "والتكافؤ الاستواء"، ويقال: المسلمون تتكافأ دماؤهم الخ. والمراد بالمسلمين هنا الموحِّدون فيقتل أشرف من يكون من الموحِّدين في أدنى من يكون منهم، لكن بشرط التساوي من كلِّ الوجوه.
قال في القواعد: "لأنَّ الحرَّ لا يُقتل بالعبد، ولا المسلم بالمشرك حرًّا كان المسلم أو عبدا، لكن عليه الدية إذا كان حرًّا، وعلى المولى العبد القاتل قيمته إن كان المشرك المقتول معاهدا"، إلى أن قال:
"وقولنا: من كلِّ الوجوه؛ لأنَّ الرجل لا يُقتل بالمرأة في قول بعضهم، حتى يؤدِّي أولياؤها نصف الدية، وقال آخرون يقتل من غير أداء شيء، وأمَّا إن قتلها (4/22)
صفحة 1245
فتكا فإنَّه يُقتل بها من غير ردِّ شيء، كان القاتل لها واحدا أو أكثر، كما فعل عمر رحمه الله، قتل ثلاثة رجال بامرأة اشتركوا في قتلها"، إلى أن قال:
"في معنى الفتك أن يأتيه القاتل في مكانه وهو غافل لا يرى أنَّه يريد به بأسا، فيقتله مفاجأة إلى آخره، والظاهر أنَّه يقتل بها في الغدر أيضا ومعناه أن يعطيه الأمان فيقتله"، قال في القواعد: "وهو شرُّ هذه الوجوه".
قوله:» وأموالهم بينهم حرام «تقدَّم فيما كتبناه في كتاب الحج أنَّه صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال: «أيها الناس، أيُّ يومكم هذا، إلى أن قال: فإنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، إلى أن قال: لا ترجعوا بعدي كفَّارا، يضرب بعضكم رقاب بعض». والله أعلم.
قوله:» ولا يُقتل ذو عهد في عهده «الرواية في البخاري عن النبيء صلَّى الله عليه وسلم:» من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإنَّ ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما «وفي بعض الروايات:» من قتل نفسا معاهدة بغير حِلِّها حرَّم الله عليه الجنة «.
قال ابن حجر: قوله:» يَرَح «بفتح الياء والراء وأصله يراح أي وجد الريح، وحكى ابن التين ضمَّ أوله وكسر الراء، قال: والأول أجود وعليه الأكثر، وحكى ابن الجوزي ثالثة وهي فتح أوَّله وكسر ثانيه، من راح يريح. والله أعلم. انتهى.
وذكر في محلٍّ آخر في قوله:» من مسيرة أربعين عاما «روايات منها:» من مسيرة سبعين عاما «ومنها:» من مسيرة مائة عام «، ومنها:» خمسمائة عام «، ومنها:» من مسيرة ألف عام «. ثم قال: وهذا اختلاف شديدٌ وذكر للعلماء في ذلك توجيهات في كيفية الجمع ثم قال: قلت والذي يظهر لي في الجمع أن يقال إنَّ الأربعين أقلُّ زمن يدرك فيه ريح الجنة من في الموقف، والسبعين فوق ذلك، أو ذكرت للمبالغة، والخمسمائة والألف أكثر من ذلك، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأعمال، فمن أدركه من المسافة البعدى أفضل ممن أدركه من المسافة القربى وبين ذلك. (4/23)
صفحة 1246
وقد أشار إلى ذلك شيخنا في شرح الترمذي فقال: "والجمع بين هذه الروايات أنَّ ذلك يختلف باختلاف الأشخاص بتفاوت منازلهم ودرجاتهم، إلى أن قال: ونقل ابن بطَّال أنَّ المهلب احتجَّ بهذا الحديث على أنَّ المسلم إذا قتل الذميَّ أو المعاهد لا يُقتل به، للاقتصار في أمره على الوعيد الأخروي دون الدنيوي" الخ.
قوله:» ولا يقتل مسلم بكافر «هذا هو مذهب الجمهور، واستثنى منه مالك الذميَّ إذا قتل غيلة فإنَّه يقتل به.
وخالف الحنفية الجمهور فقالوا يقتل المسلم بالذميِّ إذا قتله بغير استحقاق، ولا يُقتل بالمستأمن.
وعن الشعبي والنخعي يُقتل باليهوديِّ والنصرانيِّ، دون المجوسيِّ.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ لأنَّ العبرة بعموم اللفظ، حتى يقوم دليل على التخصيص، ولأنَّ الحكم الذي يبنى في الشرع على الإسلام والكفر إنَّما هو لشرف الإسلام، أو لنقص الكفر، أو لهما جميعا، فإنَّ الإسلام ينبوع الكرامة، والكفر ينبوع الهوان" انتهى المراد ملخَّصا من ابن حجر.
قوله:» ولا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر «والمراد بالكافر هنا المشرك، وهو من ليس بموحِّد مطلقا، وبالمسلم الموحِّد، أمَّا المشرك فإنَّه لا يرث وليه المسلم اتفاقا إذا قسم المال قبل إسلامه، وأمَّا إذا أسلم قبل القسمة فالجمهور من قومنا على أنَّه لا يرثه أيضا. قالوا: لأنَّ عموم الحديث يتناوله، فمن قيَّد عدم التوارث بالقسمة احتاج إلى دليل، ولأنَّ الميراث يستحقُّ بالموت، فإذا انتقل عن ملك الميت بموته فقد استحقَّه الذي انتقل إليه ولو لم يقسَّم.
وذهب أحمد إلى أنَّه إذا أسلم قبل القسمة ورث ترغيبا له في الإسلام، أقول: وهو مذهب أصحابنا إلاَّ في الزوجين.
قال الشيخ إسماعيل رحمه الله: "مسألة، وأمَّا إن أسلم المشرك على مال فأدركه (4/24)
صفحة 1247
قبل أن يقسَّم، فإنَّ له ميراثه منه، قال أصحابنا ما خلا الزوجين فإنَّهما لا يدركان شيئا قسِّم أو لم يقسَّم" انتهى.
وأمَّا المسلم فإنَّه لا يرث وليَّه الكافر أيضا عند الجمهور لعموم الحديث، وذهب معاذ بن جبل رحمه الله ومعاوية من الصحابة وسعيد بن المسيب ومسروق والأوزاعي من التابعين إلى أنَّه يرثه واحتجُّوا بقوله صلى الله عليه وسلم:» الإسلام يعلو ولا يعلى عليه «وفي بعض الروايات:» الإسلام يزيد ولا ينقص «، وشبَّهوه أيضا بالنكاح، حيث لنا أن نتزوَّج من نسائهم ولا يحلُّ لهم المسلمات.
قال ابن حجر: "وحجَّة الجمهور أنَّه قياس في معارضة النصِّ، وهو صريح في المراد، ولا قياس مع وجوده، وأمَّا الحديث فليس نصًّا في المراد بل هو محمول على أنَّه يفضل غيره من الأديان ولا تعلُّق له بالإرث، وقد عارضه حديث آخر وهو أنَّ التوارث متعلِّق بالولاية ولا ولاية بين المسلم والكافر لقوله تعالى: {لاَ تَتَّخِذُواْ اليَهُودَ وَالنَّصَارى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمُ, أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} [المائدة: 51] " إلى أن قال:
"وفيه قول ثالث، وهو الاعتبار بقسمة الميراث، جاء ذلك عن عمر وعثمان جميعا وعن عكرمة والحسن وجابر بن زيد، وهو رواية عن أحمد" الخ.
تنبيه: قال الشيخ إسماعيل رحمه الله: "مسألة، وكذلك لا يجري التوارث بين أهل الملل إن تحاكموا إلينا أصلا، كاليهود والنصارى والمجوس" انتهى.
وعند غيرنا في ذلك خلاف، فذهب الشافعية والحنفية إلى أنَّ الكفر كلُّه ملَّة واحدة، فيقع التوارث بينهم، وذهب المالكية والحنابلة إلى أنَّ النصارى ملَّة، واليهود ملَّة، وما عداهما ملَّة.
واحتجَّ من ذهب إلى أنَّ الكفر ملل بقوله صلى الله عليه وسلم:» لا يَتوارث أهل ملتين «وأجاب من قال إنَّه ملَّة واحدة بأنَّ المراد بإحدى الملتين الإسلام، وبالأخرى الكفر. (4/25)
صفحة 1248
واختلفوا أيضا في الحربيِّ الذميِّ هل يجري بينهم أو لا، واختلفوا أيضا في مال المرتدِّ إذا قُتل هل هو لبيت مال المسلمين وهو قول أهل الحجاز، أو لقرابته المسلمين وهو قول أهل العراق، قال الشيخ إسماعيل رحمه الله: "لأنَّ لهم فيه سببين: القرابة، والإسلام" انتهى، وفروع المسألة كثيرة، ومحلُّها كتب الفرائض.
قوله:» وهم يدٌ على من سواهم «أي: هم أقوى وأفضل من غيرهم، فيه إشارة إلى أنَّ اليد هنا بمعنى القوى، لأنَّها من جملة معانيها، قال في الصحاح: "واليد القوَّة، وأيَّده الله أي قوَّاه، وما بفلان يدان أي طاقة"، قال تعالى: {وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47] الخ، وبالغ صلَّى الله عليه وسلم في قوَّتهم على غيرهم حتى صاروا كأنَّهم نفس القوة على حد {خُلِقَ الاِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37] وقولهم: زيد عدل، وقوله: فإنَّما هي إقبال وإدبار. وأمَّا التأويل أو التقدير المضاف فذكروا أنَّه معنى مغسول وكلام عاميٌّ مرذول لأنَّه يفوت المبالغة. والله أعلم.
قوله:» يسعى بذمَّتهم أدناهم «هكذا بوِّب له في البخاري حيث قال: "باب ذمَّة المسلمين وجوارهم واحدة يسعى بها أدناهم" ثم ساق الحديث، ولفظه بعد ذكر الإسناد:» خطبنا عليٌّ فقال: ما عندنا كتاب نقرؤه إلاَّ كتاب الله تعالى، وما في هذه الصحيفة. فقال: فيها الجراحات، وأسنان الإبل، والمدينة حرام ما بين عير إلى كذا، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى فيها محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن تولى غير مواليه فعليه مثل ذلك، وذمَّة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه مثل ذلك «انتهى.
والمراد بقوله:» ومن تولى غير مواليه «ولاء العتق فلا يجوز للعتيق أن ينتسب في عتقه إلى غير من أعتقه، لأنَّ الولاء لحمة كلحمة النسب، فمن فعل ذلك كان بمنزلة من ادَّعى إلى غير أبيه، وهو بمعنى قوله صلَّى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث:» أو ضنين في ولاء وقرابة «.
وقوله في البخاري:» فمن أخف «(بهمزة القطع والخاء المعجمة والفاء) أي: نقض العهد، يقال أخفرته، نقضت عهده وخفرت به بغير ألف أمَّنته. انتهى من ابن حجر. (4/26)
صفحة 1249
قوله:» إذا أعطى رجل من المسلمين العهد فليلزمهم الخ «قال ابن حجر في معنى ذلك: بعبارة أوضح وذمَّة المسلمين واحدة، أي أمانهم صحيح، فإذا أمَّن الكافر واحدٌ منهم حرُم على غيره التعرُّض له، وللأمان شروط معروفة.
وقال البيضاوي: الذمَّة العهد سمي بها لأنَّه يذمُّ متعاطيها على إضاعتها.
وقوله:» يسعى بها «أي يتولاَّها ويذهب ويجيء، والمعنى أنَّ ذمَّة المسلمين سواء صدرت من واحد أو أكثر شريف أو وضيع، فإذا أمَّن واحد من المسلمين كافرا وأعطاه ذمَّته لم يكن لأحد نقضُه، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة، والحرُّ والعبد؛ لأنَّ المسلمين كنفس واحدة. الخ.
وقال في محلٍّ آخر: ودخل في قوله:» أدناهم «أي أقلَّهم، كلُّ وضيع بالنصِّ وكلُّ شريف بالفحوى، فدخل في أدناهم المرأة والعبد والصبيُّ والمجنون، فأمَّا المرأة فتقدَّم في الباب قبله، ويعني به قوله صلى الله عليه وسلم:» أجرنا من أجرت يا أمَّ هاني «.
قال: وأمَّا العبد فأجاز الجمهور أمانَه قاتَل أم لم يقاتل، وقال أبو حنيفة: إن قاتل جاز أمانُه وإلاَّ فلا، وقال سحنون: إذا أذن له سيِّده في القتال صحَّ أمانه وإلاَّ فلا.
وأمَّا الصبيُّ فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أنَّ أمان الصبي غير جائز، قال: قلت وكلام غيره يُشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره، وكذلك المميز الذي يعقل، والخلاف عن المالكية والحنابلة.
وأمَّا المجنون فلا يصحُّ أمانه بلا خلاف كالكافر، لكن قال الأوزاعي: إن غزا الذميُّ مع المسلمين فأمَّن أحدا، فإن شاء الإمام أمضاه وإلاَّ فليردَّه إلى مأمنه.
وحكى ابن المنذر عن الثوري أنَّه استثنى من الرجال الأحرار الأسير في أرض الحرب، فقال لا ينفذ أمانه الخ.
قوله:» امرأتين من هذيل الخ «ومثله رواية البخاري من طريق أبي هريرة أيضا مع زيادة لفظها:» اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبيء صلى الله عليه وسلم، فقضى أنَّ دية جنينها غرَّة عبد أو أمَة، وقضى دية المرأة على عاقلتها «. (4/27)
صفحة 1250
وفيه رواية أخرى أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرَّة عبد أو أمَة ثم إنَّ المرأة التي قضى عليها بالغرَّة توفيت، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ ميراثها لبنيها وزوجها، وأنَّ العقل على عصبتها.
قال ابن حجر: ولحيانُ بطنٌ من هذيل، وهاتان المرأتان ضرَّتان عند حمل بن النابغة الهذلي، إلى أن قال رواية عن غيره: قال كان فينا رجل يقال له حمل بن مالك بن النابغة له امرأتان إحداهما هذلية، والأخرى عامرية، فضرت الهذلية بطن العامرية الخ.
قوله:» رمت إحداهما الأخرى «أي بحجر في بعض الروايات، وزاد بعضهم: فأصاب بطنها وهي حامل.
وفي بعضها ضربت امرأة ضرَّتها بعمود فسطاط وهي حبلى فقتلتها.
قوله:» فطرحت جنينا «، قال ابن حجر الجنين (بجيم ونونين) وزن عظيم، حمل المرأة ما دام في بطنها، سمي بذلك لاستتاره، فإن خرج حيا فهو ولد أو ميتا فهو سقط، وقد يُطلق عليه جنينا.
قال الباجي في شرح الموطأ: الجنين ما ألقته المرأة مما يعرف أنَّه ولد سواء كان ذكرا أم أنثى، ما لم يستهلَّ صارخا. انتهى.
قوله:» فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما بغرَّة الخ «في بعض الروايات:» فقال وليُّ المرأة: كيف أغرم يا رسول الله من لا أكل ولا شرب ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل؟ فقال النبيء صلى الله عليه وسلم إنما هذا من إخوان الكهَّان «، إلى أن قال:
ثم إنَّ المرأة التي قضى عليها بالغرَّة توفيت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنَّ ميراثها لبنيها وزوجها، وأنَّ العقل على عصبتها.
وفي رواية: فقال إنَّ لها وُلدًا هم سادة الحي، وهم أحقُّ أن يعقلوا عن أمِّهم فقال:» بل أنت أحق أن تعقل عن أختك من ولدها «، قال: ما لي شيء، فقال: يا حمل ـ وهو يومئذ على صدقات هذيل وهو زوج المرأة وأبو الجنين ـ اقبض من صدقات هذيل «، إلى أن قال في رواية أخرى: (4/28)
صفحة 1251
قالوا: ما له شيء إلاَّ أن تعينه من صدقة بني لحيان، فأعانه بها، فسعى حمل عليها حتى استوفاها، إلى أن قال في رواية أخرى: فقضى أنَّ الدية على عاقلة المرأة، وفي الجنين غرَّة عبد أو أمة أو عشر من الإبل أو مائة شاة، إلى أن قال:
والغرَّة في الأصل البياض يكون في جبهة الفرس، وقد استعمل للآدمي في الحديث المتقدِّم في الوضوء، إلى أن قال: وتطلق الغرَّة على الشيء النفيس آدميا كان أو غيره ذكرا كان أو أنثى، وقيل أطلق على الآدمي غرَّة لكونه أشرف الحيوان، فإنَّ محل الغرَّة الوجه، والوجه أشرف الأعضاء.
وقوله في الحديث:» غرَّة عبد أو أمة «، قال الإسماعيلي: قراءة العامة بالإضافة وغيرهم بالتنوين، وحكى القاضي عياض الاختلاف، وقال: التنوين أوجَه لأنَّه بيان للغرَّة ما هي، وتوجيه الآخر أنَّ الشيء قد يضاف إلى نفسه لكنَّه نادر.
وقال الباجي: يحتمل أن تكون (أو) شكٌّ من الراوي في تلك الواقعة المخصوصة، ويحتمل أن تكون للتنويع وهو الأظهر.
وقيل المرفوع من الحديث قوله بغرَّة، وأمَّا قوله: عبدا أو أمة فشكٌّ من الراوي في المراد بها، قال: قال مالك: الحمران أولى من السودان في هذا.
وعن أبي عمرو بن العلاء قال: الغرَّة عبد أبيض أو أمة بيضاء، فلا يجزي في دية الجنين سوداء، إذ لو لم يكن في الغرَّة معنى زائد لما ذكرها ولقال عبد أو أمة، ويقال إنَّه انفرد بذلك.
وسائر الفقهاء على الإجزاء فيما لو أخرج سوداء، وأجابوا بأنَّ المعنى الزائد كونه نفيسا فلذلك فسَّره بعبد أو أمة؛ لأنَّ الآدمي أشرف الحيوان، إلى أن قال:
وعلى قول الجمهور فأقلُّ ما يجزي من العبد والأمَة ما سلم من العيوب التي يثبت بها الردُّ في البيع، لأنَّ المعيب ليس من الخيار، واستنبط الشافعيُّ من ذلك أن يكون منتَفعا به، فشرط أن لا ينقص عن سبع سنين؛ لأنَّ من لم يبلغها لا يستقلُّ غالبا بنفسه فيحتاج إلى التعهُّد بالتربية، فلا يجبر المستحق على أخذه الخ، فذكر الخلاف في منتهى سنه، ثم قال:
والراجح - كما قال ابن دقيق العيد - أنَّه يجزي ولو بلغ الستين، أو أكثر منها ما لم يصل إلى عدم الاستقلال بالهرم، أي كما هو مذهب أبي حنيفة. والله أعلم. (4/29)
صفحة 1252
واستدلَّ به على عدم وجوب القصاص في القتل بالمثقل؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يأمر فيه بالقود، وإنما بالدية، وأجاب من قال به الخ، فذكر جوابه ونظر فيه ثم قال: فإنَّ الذي يظهر أنَّه إنما لم يوجب فيه القود؛ لأنَّها لم تقصد قتلها، وشرط القود العمد، وهذا إنما هو شبه العمد، فلا حجَّة فيه للقتل بالمثقل ولا عكسه. انتهى، يعني ولكونه شبَّه العمد قضى فيه بالدية وعلى هذا فتمثيل الشيخ إسماعيل رحمه الله لشبه العمد بما لو ضربه بريشة مثلا فمات شدَّة عظيمة فإنَّه يقتضي أنَّ مثل هذا يقتصُّ منه مع أنَّ الحديث صريح في الدية فقط. والله أعلم. (4/30)
صفحة 1253
الباب الثاني في المواريث (4/31)
صفحة 1254
والمواريث جمع ميراث بمعنى الإرث، وهو لغة الأصل والبقية، ومنه الحديث:» أثبتوا على مشاعركم، فإنكم على إرث أبيكم إبراهيم «، أي أصله، وبقية منه، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الدعاء:» واجعلها الوارث منا «أي الباقين معنا إلى الممات.
وشرعا: حقٌّ قابل للتجزئ، يثبت لمستحقٍّ بعد موت من له ذلك لقرابة بينهما. وله أسباب وموانع.
فأسبابه عندنا نكاح: وهو عقد الزوجية الصحيح، وإن لم يحصل وطء ولا خلوة، وقرابة: وهي الأبوة والبنوة والإدلاء بأحدهما.
وموانعه ثلاثة: أحدها: الرقُّ وهو عجز حكمي يقوم بالإنسان بسبب الكفر، وهو مانع من الجانبين، فلا يرث الرقيق ولا يورث، والثاني: القتل وسيأتي الكلام عليه، والثالث: اختلاف الدين بالكفر والإسلام، وقد تقدَّم الكلام عليه.
قوله:» الولاء لحمة كلحمة النسب «بقية الحديث عند قومنا:» لا يباع ولا يوهب «في الصحاح: ويقال بينهما ولاء (بالفتح) أي قرابة، والولاء ولاء العتق، وفي الحديث:» نهى عن بيع الولاء وعن هبته «. وفسَّره ابن حجر بما لا يناسب المذهب عندنا، حيث قال: والولاء (بالفتح والمد) حق ميراث المعتَق (بالفتح) الخ، واللحمة (بالضم) القرابة كذا في الصحاح.
والولاء لا يورث به عندنا، قال الشيخ إسماعيل رحمه الله: "والمعمول عند أصحابنا أنَّ ميراث المولى إذا لم يخلِّف عصبة، ولا ذا رحم، أنَّ ماله يقسَّم في جنسه من المسلمين"، إلى أن قال:
"ولا يرثه مواليه الذين أعتقوه؛ لأنَّه لا قرابة بينهم ولا رحم، إلاَّ إن كانوا من جنسه، فهم أولى بميراثه على ما ذكره ابن جعفر في كتابه"، إلى أن قال: "وعند مشايخ الجبل أنَّ المولى يورث ماله بالسبق، أعني من سبق إليه من الموالي، فهو أحقُّ به والله أعلم" انتهى.
أقول: وهذا ظاهر في غير الزوجين، وأمَّا هما فإنَّ من مات منهما ورث الآخر جميع ماله، بقاعدة أخرى، وهو أنَّ من له سهم أحقُّ ممن لا سهم له، وهذا ظاهر أيضا فيما إذا لم يوص بماله لأحد. (4/32)
صفحة 1255
قال أبو إسحاق رحمه الله: "ولا يرث الجنس عند من يقول بتوريثه إلاَّ بوجود ثلاث خصال: أحدها: أن لا يخلِّف رحما من المعروفين في النسب بينه وبينهم، الثانية: أن لا يخلِّف زوجا أو زوجة، الثالثة: أن لا يوصي بماله كلِّه لأحد ممن تجوز له الوصية" انتهى.
وذكر عمُّنا أحمد بن سعيد الشماخي رحمه الله في كتاب السّير، عن بعض المشايخ ولا أستحضره الآن أنّه قال في المولى: إذا كان يعقل عني وأعقل عنه، فإني أرثه. والله أعلم. فليراجع.
قوله في بقية الحديث:» لا يباع ولا يوهب «قال ابن حجر: "وقال ابن بطال: أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز تحويل النسب فإذا كان حكم الولاء حكم النسب فكما لا ينتقل النسب لا ينتقل الولاء، وكانوا في الجاهلية، ينقلون الولاء بالبيع وغيره، فنهى الشرع عن ذلك".
وقال ابن عبد البر: "اتفق الجماعة على العمل بهذا الحديث، إلاَّ ما روي عن ميمونة أنَّها وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس".
وروى عبد الرزاق عن ابن جرير عن عطاء: يجوز للسيد أن يأذن لعبده أن يوالي من شاء، إلى أن قال: ولعلهم لم يبلغهم الحديث، إلى أن قال:
قال ابن العربي معنى:» الولاء كلحمة النسب «أنَّ السيد أخرجه بالحرية إلى النسب حكما كما أنَّ الأب أخرجه بالنطفة إلى الوجود حسًّا؛ لأنَّ العبد كان كالمعدوم في حقِّ الأحكام، لا يقضي ولا يلي ولا يشهد، فأخرجه سيِّده بالحرية إلى وجود هذه الأحكام من عدمها، فلمَّا شابه حكم النسب أُنيط بالمعتق فلذلك جاء:» إنما الولاء لمن أعتق «وألحق برتبة النسب، فنهى عن بيعه وعن هبته ... الخ.
أقول: وتفسير الولاء بهذا لا يناسب المذهب؛ لأنَّه لا يقتضي الميراث. والله أعلم.
ثم قال: واختلف فيمن اشترى نفسه من سيِّده كالمكاتب، فالجمهور على أنَّ ولاءه لسيِّده، وقيل: لا ولاء عليه ... الخ، أقول: هذا هو مذهب أصحابنا. والله أعلم.
قوله:» لا وصية لوارث «، المناسب الاقتصار عليه في باب الوصية، ولفظه في كتب قومنا: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في (4/33)
صفحة 1256
خطبته في حجَّة الوداع:» إنَّ الله أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصية لوارث «، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في باب الوصية.
قوله:» لا يرث القاتل المقتولَ، عمدا كان القتل أو خطأ «اعلم أنَّ القتل مانع للقاتل فقط لا المقتول، فإنَّه قد يرث قاتلَه.
واختلفوا في القاتل: فعند الشافعي: لا يرث من له دخل في القتل، ولو كان بحقٍّ كمقتصٍّ وإمام وقاض وجلاَّد بأمرهما أو أحدهما، وشاهد ومزكٍّ، ولا مدخل للمفتي، وإن كان على معين لأنَّه غير ملزم بخلاف القاضي.
وعند الحنفية: كلُّ قتل أوجب الكفَّارة منع الإرث، وما لا فلا، إلاَّ القتل العمد العدوان فإنَّه لا يوجب الكفارة عندهم، ومع ذلك يمنع الإرث.
وعند الحنابلة: كلُّ قتل مضمون بقصاص أو بدية أو بكفَّارة يمنع الميراث، وإلاَّ فلا.
وعند المالكية: يرث قاتل الخطأ من المال دون الدية ولا يرث قاتل العدوان؛ لأنَّ من استعجل بالشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
والذي نسبه الشيخ إسماعيل رحمه الله في كتاب الفرائض للمالكية أنَّ القاتل يرث في الدية حيث قال: "المانع الثالث القتل، فلا يرث القاتل وليه إذا قتله عمدا أو خطأ، لا من الدية ولا من التركة، خلافا لأهل المدينة في توريثهم القاتل من دية المقتول إذا قتله خطأ ... " الخ، والمنصوص عليه فيما رأيناه من كتبهم ما تقدَّم من أنَّه يرث في المال دون الدية، ولعلَّ ما ذكره سبق قلمٍ أو قول لبعضهم. والله أعلم.
وعندنا: كلُّ قتل لا يحلُّ له ويوجب الدية أو القود يمنع الميراث والوصية، سواء وليه بنفسه أو اشترك مع غيره، أو كان بأمره لمن يوجب عليه الدية والقود، كعبيده وجميع من كان تحت أمره، أو ضيَّع تنجيته، فوجبت عليه الدية، بأن أشرف على الهلاك وكان ممن تجب عليه تنجيته. (4/34)
صفحة 1257
وأمَّا كلُّ قتل يحل للقاتل بوجه من الوجوه كقتل قاتل وليه، أو من بغى عليه، أو من طعن في دين المسلمين، أو المرتد، أو ما أشبه ذلك، فإنَّه لا يمنع الوصية والميراث، كما يؤخذ من كلام صاحب الإيضاح رحمه الله.
قوله:» عن عائشة رضي الله عنها قالت: حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ «روي هذا الحديث في البخاري بطرق متعدِّدة وألفاظ مختلفة، منها ما كان في خلافة أبي بكر، ومنها ما كان في خلافة عمر رضي الله عنهما.
فأمَّا ما كان في خلافة أبي بكر فمنها أنَّ عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أخبرته أنَّ فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسِّم لها ميراثها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما أفاء الله عليه، فقال أبو بكر: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:» لا نورت ما تركنا صدقة «، فغضبت فاطمة، فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر.
قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلاَّ عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ، فأمَّا صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس، وأمَّا خيبر وفدك فأمسكهما عمر، قال: هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه وأمرهما إلى من ولي الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم. انتهى.
وأمَّا ما كان في خلافة عمر فمنها قوله بعد كلام طويل: فقال يعني حاجبه: هل لك في علي وعباس؟ قال: نعم. فأذن لهما، فدخلا فسلَّما فجلسا، فقال عباس: يا أمير المؤمنين اِقض بيني وبين هذا، وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال بني النضير، فقال الرهط عثمان وأصحابه: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر. قال عمر: تيدكم (4/35)
صفحة 1258
أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:» لا نورث، ما تركنا صدقة «يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه؟، قال الرهط: قد قال ذلك. فأقبل عمر على عليٍّ وعباس فقال: أنشدكم الله، أتعلمان أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك. قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر أنَّ الله قد خصَّ رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، ثم قرأ {وَمَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} إلى {قَدِيرٌ} [الحشر: 6]، فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ووالله ما اختارها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، قد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل رسول الله بذلك حياته، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم قال لعلي وعباس: أنشدكما بالله هل تعلمان ذلك؟ قال عمر: ثم توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبضها أبو بكر فعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والله يعلم أنه فيها لصادق وبارٌّ راشد تابع للحقِّ، ثم توفى الله أبا بكر فكنت أنا ولي أبي بكر فقبضتها السنتين من أمارتي أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما عمل فيها أبو بكر، والله يعلم أني فيها لصادق وبارٌّ راشد تابع للحق، ثم جئتماني تكلِّماني، وكلمتكما واحدة، وأمركما واحد، جئتني أبا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا – يريد عليا – يريد نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:» لا نورث، ما تركنا صدقة «فلمَّا بدا لي أن أدفعه إليكما قلت إن شئتما دفعتها إليكما على أنَّ عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها رسول صلى الله عليه وسلم، وبما عمل فيها أبو بكر، وبما عملت فيها منذ وليتها. فقلتما: ادفعها إلينا، فبذلك دفعتها إليكما، فأنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم. ثم أقبل على علٍّي وعباس فقال: أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا: نعم. فتلتمسان مني قضاء غير (4/36)
صفحة 1259
ذلك، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليَّ فإني أكفيكماها. انتهى.
ولا بأس في جميع ما ذكر إلاَّ في قوله:» فغضبت فاطمة فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت «فإنَّ هذا لا يثبت في حقِّها رضي الله عنها، كما هو ظاهر.
وتكلَّم عليه الشارح، فذكر له تأويلات: منها أنَّ فاطمة حملت كلام أبي بكر على أنَّه لم يسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما سمعه من غيره ولذلك غضبت، وردُّه بأنَّ في بعض الروايات:» سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ «.
ومنها أنَّ هجرتها كانت انقباضا عن لقائه والاجتماع به، وليس ذلك من الهجران المحرَّم؛ لأنَّ شرطه أن يلتقيا فيعرض هذا وهذا، وكانت فاطمة عليها السلام لمَّا خرجت غضبى من عند أبي بكر عادت في اشتغالها بحزنها، وأمَّا سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسَّك به أبو بكر، فكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: «لا نورث» ورأت أنَّ منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن يورث عنه، وتمسَّك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل، فلمَّا صمَّم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك ... الخ.
وذكر من طريق الشعبي:» أن أبا بكر عاد فاطمة، فقال لها عليٌّ: هذا أبو بكر يستأذن عليك، قالت: أتحبُّ أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له، فدخل عليها، فرضَّاها حتى رضيت «ثم قال: فإن ثبت حديث الشعبي زال الإشكال، وأخلق بالأمر أن يكون كذلك، لما علم من وفور عقلها ودينها عليها السلام. الخ.
قوله:» ميراثهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم «أي مما تركه من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة كما تقدَّم في رواية البخاري.
أمَّا خيبر؛ فلأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما فتحها قسَّمها نصفين: نصفها لنوائبه وحوائجه، ونصفها قسمة بين المسلمين على ثمانية عشر سهما. (4/37)
صفحة 1260
وأمَّا فدك (بفتح الفاء والدال المهملة وبعدها كاف) وهي قرية لليهود بينها وبين المدينة ثلاث مراحل، فإنَّها لما فتحت خيبر أرسل أهلها يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الأمان على أن يتركوا البلد ويرحلوا، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصَّة.
وأمَّا صدقته بالمدينة، فإنَّه كانت نخل بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أعطاه الله إياه فقال: {وَمَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} الآية. فأعطى أكثرها للمهاجرين، وبقي منها صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي في أيدي بني فاطمة.
وقيل: كانت صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أموالا لمخيريق (بالخاء المعجمة والتصغير) كان يهوديا من بقايا بني قينقاع، نازلا ببني النضير، فشهد أُحدا، فقتل به، وأوصى بأمواله للنبيء صلى الله عليه وسلم قيل إنَّه قال: إن أصبتُ فأموالي لمحمَّد يضعها حيث أراد الله، فصدقته صلى الله عليه وسلَّم خاصَّة بما كان ببني النضير، وأمَّا سهمه من خيبر وفدك فكان حكمه إلى من يقوم بالأمر بعده، فكان أبو بكر يقدِّم نفقة نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها، كان يصرفه فيصرفه من مال خيبر وفدك وما فضُل من ذلك جعله في المصالح، وعمل عمر بعده بذلك، فلمَّا كان عثمان تصرَّف في فدك بحسب ما رأى.
وقيل: جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان فقال: إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان ينفق من فدك على بني هاشم، ويروح إليهم، وإنَّ فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى، فكانت كذلك في حياة النبيء صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، ثم أقطعها مروان يعني في أيام عثمان.
قال الخطابي: إنما أقطع عثمان فدك لمروان؛ لأنَّه تأوَّل أنَّ الذي يختص بالنبيء صلى الله عليه وسلم يكون للخليفة بعده، فاستغنى عثمان عنها بأمواله، فوصل بها بعض قرابته. الخ من ابن حجر. والظاهر أنَّ هذا من جملة أحداث عثمان والله أعلم.
قوله:» كانت في بريرة ثلاث سنن «تقدَّم الكلام عليه في باب الطلاق والخلع.
قوله:» ما يقسِّم ورثتي دينارا ولا درهما «قال ابن حجر: "أخبر أنَّه لا يخلف شيئا مما جرت العادة بقسمته: كالذهب والفضة، وأنَّ الذي يخلفه من غيرهما لا يقسَّم أيضا بطريق الإرث، بل تقسَّم منافعه لمن ذكر". انتهى. (4/38)
صفحة 1261
وقوله:» ورثتي «أي بالقوَّة، لو كنت ممن يورث.
قوله:» ما تركت بعد نفقة نسائي «تقدَّم الكلام على غالب ما يتعلَّق به في الحديث الذي مضى، ونعيد بعض الكلام عليه أيضا.
قال ابن حجر: "كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله فكانت له خاصَّة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدَّة في سبيل الله"، إلى أن قال:
"كان النبي صلى الله عليه وسلم يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم، أي من ثمر النخل"، إلى أن قال:
"كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفدك. فأمَّا بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه، وأمَّا فدك فكانت حبسا لأبناء السبيل، وأمَّا خيبر فجزَّأها بين المسلمين وبين نفقته، ثم قسَّم جزء النفقة بين أهله وما فضُل منه جعله في فقراء المهاجرين" الخ.
قوله:» ومئونة عاملي «قال ابن حجر: واختلف في المراد بقوله» عاملي «فقيل: الخليفة بعده، وهذا هو المعتمد، وهو الذي يوافق ما تقدَّم في حديث عمر.
وقيل: يريد بذلك العامل على النخل، وبه جزم الطبري وابن بطَّال، وأبعَدَ من قال المراد بعامله حافر قبره عليه السلام.
وقال ابن دحية: "المراد بعامله خادمه، وقيل العامل على الصدقة، وقيل العامل فيها كالأجير، واستدل به على أجرة القسَّام". الخ.
وقال في محل آخر: "ومما يسأل عنه تخصيص النساء بالنفقة والمئونة بالعامل، وهل بينهما مغايرة؟ وقد أجاب عنه السبكي الكبير بأنَّ المئونة في اللغة القيام بالكفاية والإنفاق بذل القوت، قال: وهذا يقتضي أنَّ النفقة دون المئونة، والسرُّ في التخصيص المذكور الإشارة إلى أنَّ أزواجه صلى الله عليه وسلم لما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة كان لا بدَّ لهنَّ من القوت، فاقتصر على ما يدلُّ عليه، والعامل لما كان في صورة الأجير فيحتاج إلى ما يكفيه اقتصر على ما يدل عليه". انتهى ملخَّصا. ويؤيِّده قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: إنَّ حرفتي كانت تكفي عائلتي، فاشتغلت عن ذلك بأمر المسلمين. فجعلوا له قدر كفايته. (4/39)
صفحة 1262
ثم قال السبكي: لا يعترض بأنَّ عمر كان فضَّل عائشة في العطاء لأنَّه علَّل ذلك بمزيد حبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، إلى أن قال معلِّلا: لكون الأنبياء عليهم السلام لا يورثون، ما نصُّه.
ووجه ذلك والله أعلم أنَّ الله بعثهم مبلِّغين رسالته، وأمرهم أن لا يأخذوا على ذلك أجرا كما قال: {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنَ اَجْرٍ} [الفرقان: 57] وقال نوح وهود وغيرهما نحو ذلك، وكانت الحكمة في أن لا يورثوا لئلاَّ يظن أنهم جمعوا لوارثهم، قالوا: وقوله تعالى {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 17] حمله أهل العلم بالتأويل على العلم والحكمة، وكذا قول زكريا: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا} [مريم: 5] الخ. فذكر أنَّ هذا قول الأكثرين. وأنَّ بعضهم ذهب إلى عدم الإرث من خصائصه صلى الله عليه وسلم وأيده بقول عمر رضي الله عنه في قوله:» لا نورث «يريد نفسه، ثم قال: وقيل الحكمة في قوله:» لا نورث «حسم المادَّة في تمني الوارث موت الموروث من أجل المال، وقيل لكون النبيء كالأب لأمته فيكون ميراثه للجميع، وهذا معنى الصدقة العامَّة.
وقال ابن المنير في الحاشية: "يستفاد من الحديث أنَّ من قال:» داري صدقة لا تورث «أنَّها تكون حبسا، ولا يحتاج إلى التصريح للوقف أو الحبس، وهو حَسَن. لكن، هل يكون ذلك صريحا أوكناية يحتاج إلى نية؟ الخ.
قوله:» لا يرث الكافر المسلم الحديث «تقدَّم الكلام عليه في باب الديات، وكان المناسب تأخير الكلام عليه إلى هنا. (4/40)
صفحة 1263
الباب الثالث في العتق (4/41)
صفحة 1264
قال ابن حجر: "والعتق (بكسر المهملة) إزالة الملك، يقال: عتق يعتق عتقا (بكسر أوله ويفتح) وعتاقا وعتاقة، قال الأزهري هو مشتقٌّ من قولهم عتق الفرس إذا سبق، وعتق الفرخ إذا طار؛ لأنَّ الرقيق يتخلَّص بالعتق، ويذهب حيث شاء". انتهى.
والمناسب للمصنف رحمه الله أن يذكر شيئا من الأحاديث الدالَّة على فضل العتق والترغيب فيه، من ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» أيما رجل أعتق امرأً مسلما استنقذ الله بكلِّ عضو منه عضوا منه من النار «قال سعيد بن مرجانة: فانطلقت إلى علي بن حسين، فعمد علي بن حسين إلى عبد له أعطاه عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم أو ألف دينار فأعتقه". انتهى.
قوله:» جاء رجل «وفي نسخة:» أتى رجل «وهو معاوية بن الحكم، والحديث مرسل عند المصنِّف، ورواه مالك عن هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن عمرو بن الحكم أنَّه قال:» أتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إنَّ لي جارية «فذكر الحديث، وجعل صاحب القصَّة عمرو بن الحكم.
قال ابن عبد البرِّ: "كذا قال مالك، وهو وهم عند جميع علماء الحديث، وليس في الصحابة عمرو بن الحكم، وإنَّما هو معاوية بن الحكم، كما قال كلُّ من روى هذا عن هلال أو غيره"
ومعاوية بن الحكم معروف في الصحابة، وحديثه هذا معروف، وأمَّا عمرو بن الحكم، فتابعيٌّ أنصاريٌّ مدنيٌّ معروف، يعني فلا يصحُّ أنًّه صاحب القضية.
قوله:» إنَّ جارية لي «أي مملوكة له، ولم يذكر اسمها.
قوله:» أفأعتقها؟ «بهمزة الاستفهام، والسؤال عن حكم عتقها هل يجزيه لأداء واجبه أو لا؟ وكأنَّه رغب في عتاقها حين صدر منه في جنابها ما لا يليق بمثله.
قوله:» من ربُّك؟ «في رواية قومنا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها:» أين الله؟ «فقالت: في السماء. فقال لها:» من أنا؟ «فقالت: أنت رسول (4/42)
صفحة 1265
: الله. وهي رواية مشكلة متشابهة احتاجت إلى تأويل، وضلَّ بها قوم من المشبِّهة، فتمسَّكوا بها في إثبات المكان للواحد الديان.
ولا أراها إلاَّ تحريفا من الرواة، وحيث كان جابر بن زيد رحمه الله في غاية من الضبط والإتقان، بإجماع الكلِّ، روى الحديث كما هو، فجاء واضحا ومفسَّرا.
والحديث يدلُّ على اشتراط الإيمان في العتق الواجب.
وأجاز بعض أصحابنا عتق المشركة في الظهار؛ لأنَّ الله تعالى أطلق الرقبة فيه، ولم يقيِّدها بصفة الإيمان. ومن أوجب المؤمنة في العتق الواجب مطلقا، حمل مطلق الرقبة في الظهار على مقيِّدها في القتل، وحديث الباب يؤيِّده. انتهى من السالمي.
قوله:» لا طلاق إلاَّ بعد نكاح «قد تقدَّم الكلام عليه في كتاب النكاح.
قوله:» ولا ظهار إلاَّ بعد نكاح «هذا هو الصحيح، كما دلَّ عليه صريح الحديث.
وذكر في الدعائم وشرحها قولين: "قال ابن وصاف رحمه الله: مسألة، وعن أبي عبد الله محمد بن محبوب في رجل قال: فلانة كظهر أمِّه ألف مرَّة إن تزوَّجها، قال: أمَّا على قول من قال إنَّ الكفَّارة لا تقع على من ظاهر مما لا يملك ولا يعتق ما لا يملك، أنَّه لا يقع ظهار، وأمَّا على قول من قال إنَّ الكفَّارة على من ظاهر مما لا يملك فإنَّه تلزمه كفَّارة ألف مرَّة، ولا وقت عليه.
قلت له: هل له أن يلامس؟ قال أكره له ذلك، وإن فعل لم أر بأسا في ذلك، قال أبو الحواري: إن كان هذا ظهارا" انتهى.
قوله:» ولا عتق إلاَّ بعد ملك «جزم بهذا في الدعائم وشرحها قال الماتن:
وإذا قال لعبد إنني ... ... يوم أبتاعك حرّ فانطلق
فاشتراه لم يكن حرا ولا ... ... جائز عتقك مالم تسترق
وقال الشارح: "المسألة، ومن قال يوم أشتري فلانا فهو حرُّ، ثم اشتراه فليس ذلك بعتق لأنَّه لا عتق فيما لا يملك؛ لأنَّ الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم لا عتق ولا طلاق فيما لا يملك الرجل" انتهى، وبقية الحديث تقدَّم الكلام عليه أيضا في كتاب النكاح. (4/43)
صفحة 1266
قوله:» من أعتق شقصا في عبد فهو حرٌّ بجميعه «الشقص (بكسر الشين وسكون القاف) هنا الطائفة من الشيء، قال في الصحاح: الشقص القطعة من الأرض، والطائفة من الشيء. والشقص: الشريك، يقال: هو شقيصي أي شريكي، في شقص من الأرض.
قوله:» فإن كان له شريك دفع إليه قيمة نصيبه «ظاهره أنَّه لا فرق بين أن يكون المعتق للشقص يملك قيمة حصة شريكه أم لا، وهو أيضا ظاهر غالب ما رأيته من كلام الأصحاب رحمهم الله.
قال الشيخ أبو زكريا رحمه الله في كتاب النكاح: "وإذا ظاهر الرجل من امرأته فأعتق عن ظهاره عبدا بينه وبين شريكه فقد أجزأ عنه عتقه، وعليه غرم نصفه لشريكه من قيمة العبد".
وقال صاحب الإيضاح رحمه الله: "وإن أوصى بعتق رقبة قد كان له فيها نصيب فلا يعتقها الورثة إلاَّ إن ملكوها كلَّها، وإن لم يجدوها فليشتروها؛ لأنَّ في ذلك فساد الأموال ودخول المضرَّة على الشركاء، ومن فعل ذلك متعمِّدا فقد عصى ربه وضمن لشركائه أنصباءهم قيمة، كما قال عليه السلام:» من أعتق شقصا له في عبد قوم عليه «والله أعلم" انتهى.
وقال ابن وصاف رحمه الله: "مسألة: ومن أعتق شقصا له في عبد ضمن لشريكه قيمة حصَّته التي أتلفها عليه بالعتق، فإن كان قصد بفعله وعتقه إدخال الضرر على شريكه كان عاصيا لربِّه وعليه الضمان، وإن لم يقصد إلى ذلك وأراد القربة إلى الله تعالى بفعله ذلك ضمن القيمة، وسلِم من الإثم إن شاء الله".
ووجدت في أثر أصحابنا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:» من أعتق نصيبا في مملوك السيد عتق من مال من أعتقه، أو قال: له شريك «ومن الجامع» ومن أعتق شقصا له في عبد عند موته فعليه في رأس ماله ما ضمن لشريكه «وأمَّا حصَّته من العبد فهي ثلث ماله، ويتبع ورثته العبد بما زاد على الثلث بما ضمنه لشريكه، والله أعلم". انتهى.
فتراهم كلَّهم رحمهم الله لم يفرِّقوا بين المالك لقيمة الحصَّة وغيره، ولم يتعرض لذلك فيما رأيته إلاَّ الشيخ أبو الحسن علي البسياني رحمه الله حيث قال: "ومن أعتق حصَّة له في عبد قوم عليه وعليه خلاصه". (4/44)
صفحة 1267
وقد قيل: "إن لم يكن لمن أعتق مال سعى العبد لبقية الشركاء في قيمة حصتهم فأعطاهم أو خدمهم بأجرة ذلك، حتى يوفيهم، ولم أر يلزم العبد شيء لأنَّه لم يخنه، ولا كان مِن فِعله" انتهى.
وأما صاحب الدعائم رحمه الله فذكر قولا آخر وهو أن العبد يسعى لمن أعتقه بقيمة حصة الشركاء حيث قال:
وإذا أعتق يوما حصة ... ... من غلام بين أحزاب فرق
عتق العبد وأدى قدر ما ... ... لموالي العبد تبرا أو ورق
وعلى العبد له قيمته ... ... بعد مقدار الذي منه عتق
قال شارحه رحمه الله: "وكلُّ عبد كان بين شركاء فأعتق أحدهم نصيبه قد عتق العبد كلُّه، وعلى الذي أدخل على شركائه أن يردَّ على كلِّ واحد قيمة حصَّته من العبد ويستسعي هو العبد بذلك، وإن أحبَّ الشركاء أن يستسعوا العبد فذلك لهم. ومن أعتق نصيبا له من مملوك عتق العبد كلَّه" انتهى.
وهذا القول مخالف لظاهر الحديث وظاهر كلام الأصحاب المتقدِّم، ويحتمل أن لا يكون قولا آخر، وإنَّما هو تقييد للحديث وكلام الأصحاب، وأنَّ معنى كون صاحب الشقص يدفع لشركائه قيمة حصَّتهم أنَّه يرجح على العبد ويستسعيه بما دفع لشركائه. والله أعلم. والظاهر أنَّ العبد لا يدفع شيئا كما قال الشيخ أبو علي رحمه الله.
وأمَّا عند غيرنا ففرَّقوا بين الموسر والمعسر، فقالوا: إن كان موسرا قوِّم عليه فعتق كلُّه، وإن كان معسرا تنجز العتق في حصته، وبقيت حصَّة شريكه إلى أن يستسعي العبد غير مشقوق عليه على نحو الكتابة، فإن عجز عن نفسه استمرَّت حصَّة الشريك موقوفة. وروي في ذلك أحاديث منها في البخاري قوله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شريكا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوِّم العبد قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه، وإلاِّ فقد عتق منه ما عتق" ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن أعتق نصيبا أو شقيصا في مملوك فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، وإلاَّ قوِّم عليه فاستسعى به غير مشقوق عليه" اهـ. (4/45)
صفحة 1268
وذكر الشارح في ذلك كلاما طويلا وخلافا في سعاية العبد هل هي لازمة أو لا؟ ثم قال: "والذي يظهر أنَّه في ذلك باختياره لقوله: «غير مشقوق عليه» فلو كان ذلك على سبيل اللزوم بأن يكلَّف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل ذلك، لحصل له بذلك غاية المشقَّة، وهو لا يلزم في الكتابة بذلك عند الجمهور؛ لأنَّها غير واجبة، فهذه مثلها" الخ.
وقال في محلٍّ آخر وقال ابن بطال: "وقيل الحكمة في التقويم على الموسر أن تكمُل حرية العبد لتتمَّ شهادته وحدوده"، قال: "والصواب أنَّها لاستكمال إنفاذ المعتق من النار"، قال ابن حجر: "قلت: وليس القول المذكور مردودا، بل هو محتمل أيضا، ولعلَّ ذلك هو الحكمة في مشروعية الاستسعاء" انتهى.
قوله:» الولاء لا يباع ولا يوهب وهو كالنسب «تقدَّم الكلام عليه في الباب الذي قبله. (4/46)
صفحة 1269
الباب الرابع في الوصية (4/47)
صفحة 1270
قال ابن حجر: "والوصايا جمع وصية كالهدايا، وتطلق على فعل الموصي وعلى ما يوصي به من مال أو غيره من عهد ونحوه، فتكون بمعنى المصدر وهو الإيصاء، وتكون بمعنى المفعول وهو الاسم".
وهي في الشرع: عهدٌ خاصٌّ، مضافٌ إلى ما بعد الموت، وقد يصحبه التبرُّع.
قال الأزهري: "الوصية من وصيت الشيء (بالتخفيف) أصيه إذا وصلته، وسميت وصية لأنَّ الميت يصل بها ما كان في حياته بما بعد مماته، ويقال وصية (بالتشديد) ووصاة (بالتخفيف، بغير همز). وتطلق شرعا أيضا على ما يقع به الزجر عن المنهيات والحث على المأمورات". انتهى.
قوله»:لا وصية لوارث «بوِّب له في البخاري ولم يروه بل روى حديثا لفظه: "كان المال للولد، وكانت الوصية للأبوين، فنسخ الله من ذلك ما أحبَّ، فجعل (4/48)
صفحة 1271
للذكر مثل حظِّ الانثيين، وجعل للوالدين لكلِّ واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع" انتهى.
وتكلم ابن حجر على قوله:» لا وصية لوارث «كلاما طويلا، ثم قال: بل جنح الشافعيُّ في الأمِّ إلى أنَّ هذا المتن متواتر. فقال: "وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم، لا يختلفون في أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح:» لا وصية لوارث «، ويؤثرونه عمَّن حفظوه عنه ممَّن لقوه من أهل العلم، وكان نقل كافَّة عن كافَّة، فهو أقوى من نقل واحد".
وقد نازع الفخرُ الرازي في كون هذا الحديث متواترا، وعلى تقدير تسليم ذلك فالمشهور من مذهب الشافعيِّ أنَّ القرآن لا يُنسخ بالسنَّة، لكنَّ الحجَّة في هذا إجماع على مقتضاه، كما صرَّح به الشافعي وغيره.
والمراد بعدم صحَّة وصية الوارث عدم اللزوم؛ لأنَّ الأكثر على أنَّها موقوفة على إجازة الورثة، إلى أن قال: عن ابن عباس مرفوعا: "لا تجوز وصية لوارث إلاَّ أن يشاء الورثة"، إلى أن قال: قال جمهور العلماء: كانت هذه الوصية في أوَّل الإسلام واجبة لوالدَي الميت وأقربائه، على ما يراه من المساواة والتفضيل، ثم نسخ ذلك بآية الفرائض.
وقيل: كانت للوالدين والأقربين دون الأولاد فإنَّهم كانوا يرثون ما بقي بعد الوصية.
وأغرَب ابن سريج فقال: كانوا مكلَّفين بالوصية للوالدين والأقربين بمقدار الفريضة التي علِم الله قبل أن ينزلها، واشتد إنكار إمام الحرمين عليه في ذلك.
وقيل: إنَّ الآية مخصوصة لأنَّ الأقربين أعمُّ من أن يكونوا ورَّاثا، وكانت الوصية واجبة لجميعهم فخصَّ منها من ليس بوارث بآية الفرائض، وبقوله صلى الله عليه وسلم:» لا وصية لوارث «وبقي كلُّ من لا يرث من الأقربين من الوصية على حاله، إلى أن قال:
واختلف في تعيين ناسخ الوصية للوالدين والأقربين، فقيل: آية الفرائض، وقيل الحديث المذكور، وقيل دلَّ الإجماع على ذلك وإن لم يتعين دليله. (4/49)
صفحة 1272
واستدلَّ بحديث» لا وصية لوارث «بأنَّه لا تصحُّ الوصية للوارث أصلا كما تقدَّم، وعلى تقدير نفاذها من الثلث لا تصح الوصية له ولا لغيره بما زاد على الثلث ولو أجازه الورثة، وبه قال المزني وداود وقوَّاه السبكي، واحتجَّ له بحديث عمران بن حصين، إلى أن قال:
واحتج من أجازه بالزيادة المتقدمة وهي قوله:» إلاَّ أن يشاء الورثة «فإن صحَّت هذه الزيادة فهي حجَّة واضحة، واحتجُّوا من جهة المعنى، بأنَّ المنع إنَّما كان في الأصل لحقِّ الورثة، فإذا أجازوه لم يمتنع.
واختلفوا بعد ذلك في وقت الإجازة، فالجمهور على أنَّهم إن أجازوا في حياة الموصي كان لهم الرجوع متى شاءوا، وإن أجازوا بعده نفذ، وفصَّل المالكية في الحياة بين مرض الموت وغيره، فألحقوا مرض الموت بما بعده، واستثنى بعضُهم ما إذا كان المجيز في عائلة الموصي وخشي من امتناعه انقطاع معروفه عنه لو عاش، فإنَّ لمثل هذا الرجوع. وقال الزهري وربيعة: ليس لهم الرجوع. الخ.
وذكر في الإيضاح قولين من غير ترجيح، لكنَّ دليل الجمهور يدل على الترجيح حيث قال: "فإن أجازوه قبل موت وارثهم فأرادوا ردَّه بعد موته، ففي ذلك اختلاف من الفقهاء: فبعضهم يقول ليس لهم أن يردُّوها إلى الثلث، وقد لزمهم إجازتها لوارثهم في حياته، وقال آخرون: إجازتهم له في حياته، فليس يملكون في حياته ما يجيزونه ولا ما ينكرونه ويردُّونه إلى الثلث بعد موته". الخ.
واتفقوا على أنَّ العبرة في كون الوصية للوارث بيوم الموت، فلو أوصى له غير وارث فصار يوم الموت وارثا لم تجز، ولو أوصى له وارثا فصار يوم الموت غير وارث جازت على أحد القولين، وقيل لا تجوز لأنَّها باطلة من أولها. والله أعلم.
قوله:» ولا يرث القاتل المقتول الخ «تقدَّم الكلام عليه في المواريث.
قوله:» لا يحلُّ لامرئ مسلم الخ «لفظه في البخاري: "ما حقُّ امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلاَّ ووصيته مكتوبة عنده" الخ.
وفي بعض الروايات: " حقٌّ على كلِّ مسلم أن لا يبيت ليلتين وله ما يوصي به” الحديث. وفي بعضها: "ما حقُّ امرئ يؤمن بالوصية" الحديث. أي يؤمن بأنها حق. (4/50)
صفحة 1273
وفي بعضها: "لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين" الحديث. وفي بعضها: "لا يحلُّ لامرئ مسلم له مال" وهذه الرواية كرواية المصنف رحمه الله، أصعبها، لأنَّها تقتضي أنَّ من بات المدَّة المذكورة بغير وصية يكون عاصيا؛ لأنَّه مرتكب لما لا يحلُّ، لكن ينظر ما بلغ به عصيانه، ولعلَّ المراد المبالغة في المبادرة إلى الوصية؛ لأنَّ ظاهر القرآن يدلُّ على أنَّ وجوب الوصية إنَّما هو عند حضور الموت وظهور أسبابه.
والذي يدلُّ على أنَّه لا يعصي إذا كان يدين بالوصية وفاجأه الموت من غير وصية كلام صاحب الإيضاح رحمه الله حيث قال: "وإن مات ولم يوص فليس على الورثة شيء إلاَّ ما علموا به من تباعات الناس، فعليهم أن يقضوها لأربابها، والباقي فليأكله الورثة هنيًّا مريًّا، فليس عليهم منه شيء، إلاَّ إن كان وارثهم ممن يدين بالوصية، وهو من أهل الصلاح، ثم فاجأه الموت قبل أن يوصي، فينبغي لهم أن ينفقوا عليه شيئا من ماله".
وفي الأثر عن بعض علمائنا رحمهم الله أنَّ امرأته ماتت ولم توص، فقسَّم لها وصية، فسئل، فقال: إنَها كانت ممن تدين بذلك قبل هذا.
وروي أيضا مثل هذا عن جابر بن زيد عن عائشة أنَّها قالت: "جاء رجل إلى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله، إنَّ أمِّي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلَّمت لتصدقت أفأتصدَّق عنها؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم تصدق عنها" فدلَّ هذا من قولهم أنَّ الذي يدين بالتوبة تائب، وينفعه ذلك، والله أعلم. انتهى.
قوله:» لامرئ مسلم «الظاهر أنَّ المراد بالمسلم مطلق الموحِّد؛ لأنَّ الكلام مع أهل ملَّة الإسلام، وعند غيرنا جعلوا الحكم عامًّا.
قال ابن حجر: "والوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، أو ذكر للتهييج لتقع المبادرة لامتثاله، لِما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك".
ووصية الكافر جائزة في الجملة، حكى ابن المنذر فيه الإجماع، وقد بحث فيه السبكي من جهة أنَّ الوصية شرعت زيادة في العمل الصالح، والكافر لا عمل له بعد الموت، وأجاب بأنَّهم نظروا إلى أنَّ الوصية كالإعتاق، وهو يصح من الذميِّ والحربيِّ. والله أعلم. انتهى. (4/51)
صفحة 1274
قوله:» له شيء يوصي به «ظاهره قليلا كان أو كثيرا، قال في الإيضاح: "فإن لم يكن له مال فلا تجب عليه الوصية للأقرب، إلاَّ من باب الاحتياط، عسى أن يكون له مال من حيث لا يعلم، والدليل على هذا قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ, إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة: 180] والخير ها هنا المال، وكذلك إن لم يعلم لنفسه قريبا، فليوصِ فلعلَّه يكون من حيث لا يعلم، وليس بمضيَّق عليه كما يضيَّق على من له قريب. الخ.
وذكر البيضاوي في قوله تعالى {خيرا} قولين، حيث قال: "إن ترك خيرا مالا، وقيل مالا كثيرا، لِما روي عن علي أنَّ مولى له أراد أن يوصي وله سبع مائة درهم فمنعه، وقال: قال الله تعالى: {إِن تَرَكَ خَيْرًا} والخير هو المال الكثير".
وعن عائشة رضي الله عنها "أنَّ رجلا أراد أن يوصي فسألته: كم مالك؟ فقال: ثلاثة آلاف، فقالت كم عيالك؟ قال: أربعة. قالت إنما قال الله {إِن تَرَكَ خَيْرًا} وإنَّ هذا الشيء يسير، فاتركه لعيالك".
والأوَّل أحوط، وهو الذي يدلُّ عليه ظاهر الحديث. والله أعلم.
وذكر في الإيضاح أنَّ أدنى ما يوصي به لأقاربه أربعة دراهم، فمرَّة قال: وهي ثلث دينار، ومرَّة قال: وهو ربع دينار، ولعله اعتبر مرَّة الصرف الشرعي، وهو اثنى عشر درهما، ومرَّة الصرف العرفي، وهو ستة عشر درهما. والله أعلم.
قوله:» يبيت «قال ابن حجر: "كأنَّ فيه حذفا تقديره» أن يبيت «وهو كقوله تعالى {يُرِيكُمُ الْبَرْقَ} الآية [الرعد: 12]، ويجوز أن يكون يبيت صفة مسلم، وبه جزم الطيبي، قال: هي صفة ثانية، وقوله: يوصي به صفة شيء، ومفعول يبيت محذوف تقديره آمنا أو ذاكرا، وقال ابن التين: تقديره موعوكا، والأوَّل أولى؛ لأنَّ استحباب الوصية لا يختص بالمريض. الخ.
قوله:» ومفعول يبيت «لعلَّه وخبر يبيت.
قوله:» ليلتين «هذا أكثر الروايات، وفي بعضها ليلة أو ليلتين، وفي بعضها ثلاث ليال. (4/52)
صفحة 1275
قال ابن حجر: "وكأنَّه ذكر الليلتين والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها، ففسح له هذا القدر ليتذكَّر ما يحتاج إليه، واختلاف الروايات فيه دالٌّ على أنَّه للتقريب لا للتحديد، والمعنى لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلا إلاَّ ووصيته مكتوبة".
وفيه إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير، وكان الثلاث غاية للتأخير، ولذلك قال ابن عمر في رواية سالم المذكورة "لم أبت ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلاَّ ووصيتي عندي.
قال الطيبي في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة، أي: لا ينبغي أن يبيت زمنا ما وقد سامحناه في الليلتين والثلاث، فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك" انتهى.
ثم قال: "استدلَّ بهذا الحديث مع ظاهر الآية على وجوب الوصية، وبه قال الزهري وعطاء وطلحة بن مصرف في آخرين، وحكاه البيهقي عن الشافعي في القديم، وبه قال إسحاق وداود واختاره أبو عوانه الإسفراييني وابن جريج وآخرون، ونسب ابن عبد البرِّ القول بعدم الوجوب إلى الإجماع، سوى من شذَّ، كذا قال".
واستدلَّ لعدم الوجوب من حيث المعنى بأنَّه لم يوص لقِسْم جميع ماله بين ورثته بالإجماع، فلو كانت الوصية واجبة لأُخرج من ماله سهمٌ ينوب عن الوصية".
أقول: وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأنَّه لا يلزم من كونه واجبا عليه أن يلزم الورثة إخراجه من مالهلا، ألا ترى إلى الحج وسائر حقوق الله تعالى فإنَّها واجبة عليه، ويجب عليه أن يوصي بها، ومع ذلك لا تلزم الورثة إذا لم يوص بها كما هو معلوم، وكذا يقال في وصية الأقرب مثلا. والله أعلم.
قال: وأجابوا عن الآية بأنَّها منسوخة، كما قال ابن عباس، إلى أن قال:
وأجاب من قال بالوجوب بأنَّ الذي نُسخ الوصيةُ للوالدين والأقارب الذين يرثون، وأمَّا من لا يرث فليس في الآية ولا في تفسير ابن عباس ما يقتضي النسخ في حقِّه الخ، فأخذ يجيب عن الحديث بتكلُّفات لا داعي إليها ثم قال:
واختلف القائلون بوجوب الوصية فأكثرهم ذهب إلى وجوبها في الجملة، وعن طاوس وقتادة والحسن وجابر بن زيد في آخرين تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصَّة، أخرجه ابن جريج وغيره عنهم، قالوا: فإن أوصى لغير قرابته لم ينفذ، ويرد (4/53)
صفحة 1276
الثلث كلَّه إلى قرابته، وهذا قول طاوس، وقال الحسن وجابر بن زيد ثلثا الثلث الخ، يعني إذا أوصى بالثلث.
أقول: وهو المذهب عندنا، ووجَّهه صاحب الإيضاح رحمه الله. فليراجع قال: وقال قتادة ثلث الثلث. الخ.
أقول: وقيل نصف الثلث إذا أوصى به، أو نصف ما دونه كما هو معلوم ذكر ذلك صاحب السؤالات، وذكر صاحب الإيضاح رحمه الله تفصيلا في الوصية التي يردُّها الأقرب إلى الثلث فليراجع.
قوله:» مكتوبة عند رأسه «الظاهر أنَّه لا خصوصية لرأسه بدليل قوله في بعض الروايات عند غيرنا: "مكتوبة عنده".
قال ابن حجر: واستدلَّ بقوله» مكتوبة عنده «على جواز الاعتماد على الكتابة والخط، ولو لم يقترن ذلك بشهادة، وخصَّ أحمد ومحمد بن نصر من الشافعية ذلك بالوصية لثبوت الخبر فيها دون غيرها من الأحكام، وأجاب الجمهور بأنَّ الكتابة ذُكرت لما فيها من ضبط المشهود به، قالوا: ومعنى قوله: "وصية مكتوبة عنده" أي بشروطها.
وقال المحبُّ الطبري: "إضمار الإشهاد فيه بُعد، وأجيب بأنَّهم استدلوا على اشتراط الإشهاد بأمر خارج كقوله تعالى: {شَهَادَةَ بَيْنِكُمُ, إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ} [المائدة: 106] فإنَّه يدلُّ على اعتبار الإشهاد في الوصية".
وقال القرطبي: "ذكر الكتابة مبالغة في زيادة التوثق، وإلاَّ فالوصية المشهود بها متفق عليها ولو لم تكن مكتوبة" والله أعلم.
واستدل بقوله:» وصيته مكتوبة عنده «بأنَّ الوصية تنفذ وإن كانت عند صاحبها ولم يجعلها عند غيره، وكذلك لو جعلت عند غيره وارتجعها، إلى أن قال:
"وفيه الندب إلى التأهُّب للموت والاحتراز قبل الفوت؛ لأنَّ الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت لأنَّه ما من سِنٍّ يفرض إلاَّ ومات فيه جمع جمٌّ، وكلُّ واحد بعينه جائز أن يموت في الحال، فينبغي أن يكون متأهِّبا لذلك، فيكتب وصيته، ويجمع (4/54)
صفحة 1277
فيها ما يحصل له به الأجر، ويحبط عنه الوزر، من حقوق الله وحقوق عباده" والله المستعان.
واستدل بقوله:» له شيء «أو» له مال «على صحَّة الوصية بالنافع، وهو قول الجمهور ومنعه ابن أبي ليلى وابن شبرمه وداود وأتباعه واختاره ابن عبد البر الخ.
أقول: ومذهب أصحابنا هو مذهب الجمهور.
قال: وفي الحديث الحثُّ على الوصية ومطلقها يتناول الصحيح، لكنَّ السلف خصُّوها بالمريض، وإنما لم يقيَّد به في الخبر لاطِّراد العادة به.
وفي قوله:» مكتوبة «أعمُّ من أن تكون بخطه أو بخط غيره.
ويستفاد منه أنَّ الأشياء المهمَّة ينبغي أن تضبط بالكتابة؛ لأنَّها أثبت من الضبط بالحفظ؛ لأنَّه يخون غالبا. انتهى.
وروى صاحب الإيضاح رحمه الله هذا الحديث فقال بعده: "فعلى الناس امتثال ما أصابوه مكتوبا عند رأسه، ولو لم يكن هذا نافعا لَما نوَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم به، ودل عليه وأوجبه" انتهى.
وظاهر ما فهمه المصنف رحمه الله من الحديث أنَّه يعمل بما وجد مكتوبا عند رأس الميت سواء كان مشهودا أو غير مشهود، وسواء كان بخطِّه أو بغير خطِّه، ويكون موافقا لمن خالف الجمهور على ما ذكره ابن حجر عملا بظاهر الحديث، فيكون في الحديث زيادة على ما في الآية. والله أعلم.
والحاصل أنَّ الوصيه يعمل بها إذا شهد بها عدلان، لأجل الآية، أو وجدت مكتوبة عند الميت على أيِّ وجه، لأجل الحديث؛ وأمَّا إذا كانت بعدل واحد ولو لم توجد عند الميت فالظاهر أنَّه لا يعمل بها، سواء كانت مكتوبة أو غير مكتوبة، فإنَّها لا يشملها الحديث ولا الآية.
ومما يحكى عن بعض المشايخ رحمهم الله بالجزيرة أنَّهم يجيزون الشاهد الواحد في الوصية، فلعلَّه محمول على ما إذا وجدت مكتوبة عند الميت، وأمَّا مطلقا فغير ظاهر. والله أعلم.
وقوله:» عند رأسه «لعلَّه قيد جرى مجرى الغالب، فلا مفهوم له؛ لأنَّ الظاهر أنَّه لا فرق بين ما وجد عند رأسه، وما وجد في بيته مطلقا. والله أعلم. (4/55)
صفحة 1278
قوله:» قالت جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ «، المراد به سعد بن عبادة كما بيَّنه في حديث ابن عباس عند قومنا، وقد تقدَّم تسمية أمِّ سعد في كتاب الأيمان والنذر.
قال ابن حجر: ولا تنافي بين قوله:» إنَّ أمِّي ماتت وعليها نذر «وبين قوله:» إنَّ أمِّي توفيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إن تصدقتُ به عنها «لاحتمال أن يكون سأل عن النذر وعن الصدقة عنها. الخ.
قوله:» افتلتت «قال ابن حجر (بضم المثناة بعد الفاء الساكنة وكسر اللام) أي أخِذت فلتة أي بغتة.
وقوله:» نفسُها «(بالضم على الأشهر وبالفتح أيضا) وهو موت الفجأة، والمراد بالنفس هنا الروح. انتهى.
قوله:» وأراها لو تكلًّمت لتصدَّقت «قال ابن حجر (بضم همزة وأُراها) الخ، فذكر رواية أخرى بلفظ "وأظنُّها".
وفي بعض الروايات: "خرج سعد بن عبادة مع النبي صلى الله عليه وسلم لبعض مغازيه، وحضرت أمَّه الوفاةُ بالمدينة، فقيل لها: أوْصي. فقالت: فيما أوصي؟ المال مال سعد. فتوفيت قبل أن يقدِم سعد" فذكر الحديث.
قوله:» أفأتصدَّق عنها «في بعض الروايات: "فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال نعم"، وفي بعضها: "أتصدَّق عليها وأصرف على مصلحتها"، وقد تقدَّم فوائد هذا الحديث في كتاب الأيمان والنذور.
قوله:» أيما رجل عمَّر عمرى له ولعقِبه الخ «ابن حجر والعُمرى (بضمِّ المهملة وسكون الميم مع القصر)، وحكي (ضم الميم مع ضم أوله)، وحكي (فتح أوله مع السكون) مأخوذ من العمر، والرقبى بوزنها مأخوذة من المراقبة؛ لأنَّهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، فيعطي الرجل الدار ويقول له: أعمرتك إياها. أي أبحتها لك مدَّة عمرك، فقيل لها عمرى، لذلك. وكذا قيل لها رقبى؛ لأنَّ كلاَّ منهما يرقب متى يموت الآخر لترجع إليه، وكذا ورثته فيقومون مقامه في ذلك، هذا أصلها لغة.
وأمَّا شرعا، فالجمهور على أنَّ العمرى إذا وقعت كانت ملكا للآخذ، ولا ترجع إلى الأوَّل، إلاَّ إن صرَّح باشتراط ذلك. (4/56)
صفحة 1279
وذهب الجمهور إلى صحَّة العمرى، إلاَّ ما حكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الناس، والماوردي عن داود وطائفة، لكن قال ابن حزم بصحتها وهو شيخ الظاهرية.
ثم اختلفوا إلى ما يتوجَّه التمليك، فالجمهور أنَّه يتوجَّه إلى الرقبة كسائر الهبات، حتى لو كان المعمر عبدا فأعتقه الموهوب له نفذ بخلاف الواهب، وقيل: يتوجَّه إلى المنفعة دون الرقبة، وهو قول مالك والشافعي في القديم.
وهل يسلك به مسلك العارية أو الوقف؟ روايتان عند المالكية، وعند الحنفية التمليك في العمرى يتوجه إلى الرقبة، وفي الرقبى إلى المنفعة، وعنهم أيضا أنَّها باطلة. الخ.
ولفظ الحديث في البخاري بعد ذكر الإسناد عن جابر رضي الله عنه قال: "قضى النبيء صلى الله عليه وسلم بالعمرى أنها لمن وهبت له"، إلى أن قال في حديث آخر عن النبيء صلى الله عليه وسلم: "العمرى جائزة".
وقال عطاء: "حدثني جابر عن النبيء صلى الله عليه وسلم نحوه". اهـ.
قال ابن حجر: "وفي رواية الزهري عن أبي سلمة عند مسلم: أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنَّها للذي أعطيها، لا ترجع للذي أعطاها؛ لأنَّه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث"، إلى أن قال:
"وله من طريق معمر عنه إنما العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: هي لك ولعقبك، فأمَّا إذا قال هي لك ما عشتَ فإنَّها ترجع إلى صاحبها"، إلى أن قال:
"وأخرجه مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر قال: جعل الأنصار يعمرون المهاجرين فقال النبيء صلى الله عليه وسلم: "أمسكوا عليكم أموالكم ولا تُفسدوها، فإنَّ من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيًّا وميتًّا ولعقبه"، فيجتمع من هذه الروايات ثلاثة أحوال:
أحدها- أن يقول: هي لك ولعقبك. فهذا صريح في أنَّها للموهوب له ولعقبه.
ثانيها- أن يقول: هي لك ما عشت فإذا مت رجعت إليَّ. فهذه عارية مؤقَّتة، وهي صحيحة، فإذا مات رجعت إلى الذي أعطاها، وقد بينت هذه والتي قبلها روايةُ (4/57)
صفحة 1280
الزهري وبه قال أكثر العلماء، ورجَّحه جماعة من الشافعية، والأصحُّ عند أكثرهم لا ترجع إلى الواهب، واحتجُّوا بأنه شرط فاسد يلغى، إلى أن قال:
ثالثها- أن يقول: أعمرتكها. ويطلِق، فرواية أبي الزبير هذه تدلُّ على أنَّ حكمها حكم الأوَّل، وأنَّها لا ترجع إلى الواهب، وهو قول الشافعية في الجديد والجمهور، وقال في القديم العقد باطل من أصله"، إلى أن قال:
"إنَّ قتادة حكى أنَّ سليمان بن هشام بن عبد الملك سأل الفقهاء عن هذه المسألة، أعني صورة الإطلاق، فذكر له قتادة عن الحسن وغيره أنَّها جائزة"، إلى أن قال: "فقال الزهري: إنَّما العمرى، أي جائزة، إذا أعمر له ولعقبه من بعده، فإذا لم يجعل عقبه من بعده كان للذي يجعل شرطه" الخ.
ثم قال: "قال بعض الحذَّاق: إجازة العمرى والرقبى بعيد عن قياس الأصول، ولكن الحديث مقدَّم"، إلى أن قال:
عن ابن عباس رفعه: "العمرى لمن أعمرها، والرقبى لمن أرقبها، والعائد في هبته كالعائد في قيئه" فشرط الرجوع في المقارن للعقد مثل الرجوع الطارئ بعده، فنهى عن ذلك، وأمر أن يبقيها مطلقا أو يخرجها مطلقا، فإذا أخرجها على خلاف ذلك بطُل الشرط، وصحَّ العقد، مراغمة له، وهو نحو إبطال شرط الولاء لمن باع عبدا كما تقدم في قصة بريرة.
وقول أبى عبيدة وغيره من أصحابنا موافق لِما عليه الجمهور، وخالفهم في ذلك ابن عبد العزيز ومن وافقه، قال في الإيضاح: "وفي الأثر قلت: فأخبرني عن العمرى والرقبى والسكنى، قال ابن عبد العزيز: إن كان معنى الرقبى على معنى العمرى أن يقول قد أعمرتك هذه الدار حياتك فهي لك عمرى أو لك رقبى أو لك سكنى على أنَّها لك حياتك، فقد قال أبو عبيدة: رفع ذلك إلى جابر وإلى ابن عباس أنَّ من عمر شيئا فهو له ولورثته من بعده، قال ابن عبد العزيز: وكان غيره من الفقهاء لا يجيز ذلك ولا يراه للورثة من بعده" الخ.
أقول: هذه مزية ما فيها مزية؛ لأنَّ الجمهور على الإجازة، كما تقدم عن ابن حجر عند قومنا.
قال: وكان إبراهيم النخعي وابن عبد العزيز ممن يقول: العمرى إذا مات الذي أعمرها فهي راجعة، إلاَّ أن يقول: هي لك ولعقبك، وقول إبراهيم أعدل عندي. (4/58)
صفحة 1281
قلت له: أرأيتك تأخذ بقوله في كثير وتختار قوله على قول من هو أكبر منهم وأفضل عندنا؟ قال: ومن هو؟ قلت: أبو عبيدة. قال: الإنصاف والحقُّ قبول الحقِّ ممن جاء به والأمر القوي الذي لا دخل فيه ولا خلل ليس كغيره مما يدخل فيه الوهن والضعف، قلت: وأيُّ قوة أقوى من قول أبي عبيدة وغيره من أصحابنا حيث قالوا: "إنَّ من عمر أرضا فهي له ولعقبه من بعده" قال: وأيُّ قول في هذا؟ قلت: لأنَّ سبيل العمرى سبيل المواريث قال: ليس لك في هذا من القوَّة شيء إلاَّ أن تقول: هكذا قالوا، فأمَّا القياس فلا تكلِّم فيه أهله فيسخروا منك ويتبين لهم ضعف مقالتك. قلت: وكيف يكون هذا ضعفا ووهنا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عمر شيئا فهو له حياته وبعد مماته"؟ قال لي: يا عاجز، لو اتفق الناس على هذا الحديث لم يجاوزه أحد من الفقهاء بالقياس فيه، ولا الرغبة عنه؛ لأنَّ كلَّ ما كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي لأحد أن يخالفه فيه، قلت: وأيُّ قول أعجبك من قولَي إبراهيم في هذه إلى آخره؟.
وأقول ليس من شرط العمل بالحديث أن يكون متَّفقا عليه، بل يجب العمل بما ورد من طريق العدول وإن كانوا آحادا؛ لأنَّ رواية الآحاد توجب العمل وإن كانت لا توجب العلم، فالواجب على ابن عبد العزيز قبول ما ورد عن أبي عبيدة وغيره من المسلمين؛ لأنَّ من حفظ حجَّة على من لم يحفظ، ولا يعارضهم بالقياس لأنَّه لا حظَّ للنظر مع وجود الأثر، وقد روى هذا الحديث الموافقون والمخالفون، فالواجب المصير إليه. والله أعلم.
قوله:» جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجَّة الوداع «يعني وأنا بمكَّة كما في رواية البخاري ولفظه:
"جاء النبيء صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكَّة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال: يرحم الله ابن عفراء. قلت: يا رسول الله، أوصي بمالي كلَّه؟ قال: لا، قلت فالشطر؟ قال: لا. قلت: الثلث؟ قال: فالثلث والثلث كثير، إنَّك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفَّفون الناس في أيديهم، وإنَّك مهما أنفقت من نفقة فإنَّها صدقة، حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك، وعسى الله أن يرفعك فينتفع بك ناس ويضرَّ بك آخرون، ولم يكن له يومئذ إلاَّ ابنة» انتهى. (4/59)
صفحة 1282
وفي رواية أخرى: "قال: مرضت فعادني النبيء صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، اُدع الله أن لا يردَّني على عقبي. قال: لعلَّ الله يرفعك وينفع بك ناسا. قلت: أريد أن أوصي، وإنَّ لي ابنة. قلت: أوصي بالنصف؟ قال: النصف كثير. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير أو كبير. فأوصى الناس بالثلث وجاز ذلك لهم ««انتهى.
قوله:» ولا يرثني إلاَّ بنية لي «قال ابن حجر: قال النووي وغيره: معناه لا يرثني من الولد أو من خواص الورثة أو من النساء، وإلاَّ فقد كان لسعد عصابة؛ لأنَّه من زهرة، وكانوا كثيرا.
وقيل: معناه لا يرثني من أصحاب الفروض، أو خصَّها بالذكر على تقدير لا يرثني ممن أخاف عليه الضياع والعجز إلاَّ هي، أو ظن أنَّها ترث جميع المال، أو استكثر لها نصف التركة، وهذه البنت زعم بعض من أدركناه أنَّ اسمها عائشة، إلى أن قال: وهي تابعية عمَّرت حتى أدركها مالك، وروى عنها، إلى أن قال:
"ولم يذكر أحد من النسابين لسعد بنتا تسمَّى عائشة غير هذه، وذكروا أنَّ كبرى بناته أمَّ الحكم الكبرى، وأمُّها بنت شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة، وذكروا له بنات أخر أمهاتهن متأخرَّات الإسلام بعد الوفاة النبوية، فالظاهر أنَّ البنت المشار إليها هي أمُّ الحكم المذكورة لتقدُّم تزويج سعد لأمَّها، ولم أر من حرَّر ذلك" الخ.
قوله:» أفأتصدق بثلثي مالي «في بعض الروايات "أوصي بمالي كلِّه" قال ابن حجر: "فأمَّا التعبير بقوله» أفأتصدق «فيتحمَّل التنجيز والتعليق بخلاف» أفأوصي «، لكن المخرج متَّحد، فيُحمل على التعليق للجمع بين الروايتين".
وقد تمسَّك بقوله» أفأتصدق «من جعل تبرُّعات المريض من الثلث، وحملوه على المنجزة فيه نظرا لما بيَّنته.
وأمَّا الاختلاف في السؤال فكأنَّه سأل أولا عن الكلِّ، ثم سأل عن الثلثين، ثم سأل عن النصف، ثم عن الثلث، وقد وقع مجموع ذلك في رواية جرير بن يزيد عند أحمد إلى آخره.
قوله:» والثلث كثير «قال ابن حجر: يُحتمل أن يكون مسوقا لبيان الجواز بالثلث، وأنَّ الأولى أن ينقص عنه ولا يزيد عليه، وهو ما يبتدره الفهم. (4/60)
صفحة 1283
ويحتمل أن يكون لبيان أنَّ التصدُّق بالثلث هو الأكمل، أي كثيرٌ أجره.
ويحتمل أن يكون معنى "كثير" غير قليل، كما قال الشافعي، وهذا أولى معانيه، يعني أنَّ الكثرة أمرٌ نسبيٌّ، وعلى الأوَّل عوَّل ابن عباس ... الخ.
واعلم أنَّ الإجماع على منع الوصية بأزيد من الثلث مقيَّد بما إذا كان له وارث، وأمَّا إن لم يكن له وارث ففيه خلاف، قال ابن حجر: منعه الجمهور، وجوَّزه الحنفية وإسحاق وشريك وأحمد في رواية، وهو قول عليٍّ وابن مسعود، واحتجُّوا بأنَّ الوصية مطلقة في الآية، فقيَّدتها السنَّة لمن له وارث، فبقي من لا وارث له على الإطلاق ... الخ، أقول وهو المذهب عندنا.
قال صاحب الإيضاح رحمه الله، بعد رواية هذا الحديث ما نصه: "وفي هذا الحديث أيضا دليل على جواز الوصية بأكثر من الثلث لمن لا وارث له، لقوله عليه الصلاة والسلام: "إنَّك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة" الحديث وأجاز أبو إسحاق رحمه الله لمن لا وارث له أن يوصي بجميع ماله كالموالي" فليراجع.
قال ابن حجر: "واختلفوا أيضا هل يعتبر ثلث المال حال الوصية أو حال الموت؟ على قولين، وهما وجهان للشافعية، أصحُّهما الثاني، فقال بالأوَّل مالك وأكثر العراقيين، وهو قول النخعي وعمر بن عبد العزيز، وقال بالثاني أبو حنيفة وأحمد والباقون، وهو قول علي ابن أبي طالب وجماعة من التابعين.
وتمسَّك الأوَّلون لأنَّ الوصية عقد، والعقود تعتبر بأوَّلها، وبأنَّه لو نذر أن يتصدَّق بثلث ماله اعتبر حالة النذر اتفاقا، وأجيب بأنَّ الوصية ليست عقدا من كلِّ جهة ولذلك لا يعتبر فيها الفورية ولا القبول، وبالفرق بين النذر والوصية بإنَّها يصحُّ الرجوع عنها، والنذر يلزم، وثمرة هذا الخلاف تظهر فيما لو حدث له مال بعد الوصية ... " الخ. وأظن أنَّ المذهب هو الثاني. والله أعلم. فليراجع.
قال ابن حجر: "واختلفوا أيضا هل يحسب الثلث من جميع المال، أو يتقيد بما علمه الموصي دون ما خفي عليه، أو تجدَّد له ولم يعلم به، وبالأوَّل قال الجمهور، وبالثاني قال مالك، وحجَّة الجمهور أنه لا يشترط أن يستحضر مقدار المال حال الوصية اتفاقا ولو كان عالما بجنسه، فلو كان العلم به شرطا لما أجاز ذلك فليحرَّر ما هو المذهب، والظاهر أنَّه قول الجمهور. والله أعلم. (4/61)
صفحة 1284
قوله:» إنَّك أن تذر «قال ابن حجر (بفتح أن) على التعليل و (بكسرها) على الشرطية، قال النووي: هما صحيحان، وقال القرطبي: لا معنى للشرط هنا؛ لأنَّه يصير لا جواب له، ويبقى خير لا رافع له، وقال ابن الجوزي: سمعناه من رواة الحديث (بالكسر)، وأنكره شيخنا عبد الله بن أحمد، يعني ابن الخشَّاب، وقال: لا يجوز؛ لأنَّه لا جواب له لخلو لفظ خير من الفاء وغيرها مما اشترط في الجواب، وتعقَّب بأنه لا مانع من تقديره.
وقال ابن مالك: جزاء الشرط قوله خير أي فهو خير، وحذف الفاء جائز وهو كقراءة طاوس "إن يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير".
قال: ومن خصَّ ذلك بالشعر بعُد عن التحقيق، وضيَّق حيث لا تضييق؛ لأنَّه كثير في الشعر قليل في غيره، وأشار بذلك إلى ما وقع في الشعر فيما أنشده سيبويه: "من يفعل الحسنات الله يشكرها" أي فالله يشكرها، وإلى الردِّ على من زعم أنَّ ذلك خاصٌّ بالشعر، قال: ونظيره قوله في حديث اللقطة: "فإن جاء صاحبها، وإلاَّ استمتع بها" بحذف الفاء، وقوله في حديث اللعان: "البينة وإلاَّ حدّ في ظهرك" اهـ.
قوله:» ورثتك «قال ابن حجر: قال الزين بن المنير: إنما عبَّر له صلى الله عليه وسلم بلفظ الورثة، ولم يقل: أن تدع بنتك، مع أنَّه لم يكن له يومئذ إلاَّ ابنة واحدة؛ لكون الوارث حينئذ لم يتحقَّق؛ لأن سعدا إنَّما قال ذلك بناء على موته في ذلك المرض، وبقائها بعده حتى ترثه، وكان من الجائز أن تموت هي قبله، فأجابه صلى الله عليه وسلم بكلام كليٍّ مطابق لكلِّ حالة، وهو قوله: ورثتك، ولم يخصَّ بنتا من غيرها، وقال الفاكهي شارح العمدة: إنَّما عبَّر بالورثة؛ لأنَّه اطَّلع على أنَّ سعدا سيعيش، ويأتيه أولاد غير البنت المذكورة، وكان ذلك، وولد له بعد ذلك أربعة بنين، ولا أعرف أسماءهم، ولعلَّ الله أن يفتح بذلك.
قال ابن حجر: قلت: وليس قوله» أن تدع بنتك «متعيِّنا؛ لأنَّ ميراثه لم يكن منحصرا فيها، فقد كان لأخيه عتبة بن أبي وقاص أولاد إذ ذاك، منهم: هاشم بن عتبة، الصحابي الذي قتل بصفِّين، وسأذكر بسط ذلك، فجاء التعبير بالورثة لتدخل البنت وغيرها ممن يرث لو وقع موته إذ ذلك، أو بعد ذلك". الخ.
فنسب القصور للفاكهي في عدم معرفة أسماء بني سعد، فذكر أسماءهم، وزاد ثلاثة أخر، ثم ذكر أنَّ ابن سعد ذكر أنَّ له من الذكور غير السبعة أكثر من عشرة، فعدَّهم، ثم قال: وذكر له من البنات اثنتي عشرة بنتا. الخ. (4/62)
صفحة 1285
قوله:» عالة «قال ابن حجر: أي فقراء، وهو جمع عائل وهو الفقير، والفعل منه عال يعيل إذا افتقر.
قوله:» يتكفَّفون الناس «أي يسألون الناس بأكفِّهم، يقال تكفَّف الناس واستكفَّ إذا بسط كفَّه للسؤال، أو سأل ما يكفُّ عنه الجوع، أو سأل كفافا من طعام. قاله ابن حجر.
قوله:» وإنَّك لن تنفق نفقة تريد بها وجه الله «الخ الرواية في البخاري، وأنَّك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة، قال ابن حجر: هو معطوف على قوله:» إنك أن تدع «وهو علَّة للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث، كأنَّه قيل: لا تفعل ذلك، إن متَّ تركت ورثتك أغنياء، وإن عشت تصدَّقت، وأنفقت، فالأجر حاصل لك في الحالين ... الخ، فذكر رواية المصنف، ونسبها إلى الزهري.
وذكر أنَّه يستفاد من التقييد بابتغاء وجه الله أنَّ الواجب يزداد بالنية؛ لأنَّ الإنفاق على الزوجة واجب، وفي فعله الأجر، فإذا نوى به ابتغاء وجه الله ازداد أجره بذلك. قاله ابن أبي حمزة، قال: ونبَّه بالنفقة على غيرها من وجوه البر والإحسان.
قوله:» حتى ما تجعله في في امرأتك «لعلَّه في في امرأتك كما في بعض الروايات عن قومنا، أي في فمها، ثم رأيته كذلك في بعض النسخ، فما من قوله» حتى ما «في محلِّ النصب عطف على قوله نفقة.
قال ابن حجر: ووجه تعلق قوله» وإنَّك لن تنفق «الخ. بقصَّة الوصية أنَّ سؤال سعد يشعر بأنَّه رغب في تكثير الأجر، فلمَّا منعه الشارع من الزيادة على الثلث، قال له على سبيل التسلية: إنَّ جميع ما تفعله في مالك من صدقة ناجزة من نفقة، ولو كانت واجبة تؤجر بها إذا ابتغيت بذلك وجه الله، ولعلَّه خصَّ المرأة بالذكر؛ لأنَّ نفقتها مستمرَّة، بخلاف غيرها.
قال ابن دقيق العيد: فيه أنَّ الثواب في الإنفاق مشروط بصحَّة النية وابتغاء وجه الله، وهذا عسير إذا عارضه مقتضى الشهوة، فإنَّ ذلك لا يحصل الغرض من الثواب، حتى يبتغى به وجه الله، وشقَّ تخليص هذا المقصود مما يشوبه.
قال: وقد يكون فيه دليل على أنَّ الواجبات إذا أدِّيت على قصد أداء الواجب ابتغاء وجه الله أثيب عليها، فإنَّ قوله حتى ما تجعله في في امرأتك لا تخصيص له بغير الواجب. (4/63)
صفحة 1286
ولفظه "حتى" تقتضي المبالغة في تحصيل هذا الأجر بالنسبة إلى المعنى، كما يقال: جاء الحجاج حتى المشاة. اهـ.
قوله:» فقلت: يا رسول، الله أخلفه بعد أصحابي «.
قوله:» على أعقابهم «لم يتكلَّم عليه الشارح بشيء فيما وقفت عليه.
قوله:» أأخلف «(بهمزة الاستفهام، وضم همزة الماضي، وفتح اللام المشدَّدة) مبني للمجهول، كما ضبطه في مواضع من نسخة صحيحة من البخاري.
وفي بعض الروايات:» فقلت يا رسول الله، اُدع الله أن لا يردَّني على عقبي «كما تقدَّم.
لكن قوله:» أأخلَّف بعد أصحابي «يعني أأتأخَّر عنهم في الموت، ربَّما يدل على أنَّه يريد الموت، مع أنَّه تقدم في رواية البخاري، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها.
قال الشارح: يحتمل أن تكون الجملة حالا من الفاعل ومن المفعول، وكلٌّ منهما محتمل؛ لأنَّ كلاَّ من النبيء صلى الله عليه وسلَّم ومن سعد كان يكره ذلك.
لكن إن كان حالا من المفعول وهو سعد ففيه التفات؛ لأنَّ السياق يقتضي أن يقول (وأنا أكره)، إلى أن قال:
في رواية لمسلم بلفظ: "فقال: يا رسول الله، خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد بن خولة، مات بالأرض التي هاجر منها"، إلى أن قال: وفي رواية أخرى، فقال سعد: "يا رسول الله، أموت بالأرض التي هاجرت منها؟ قال: لا، إن شاء الله".الخ.
ثم قال: فليس في شيء من طريق سعد بن أبي وقَّاص أنه كان راغبا في الموت، بل في بعضها عكس ذلك، وهو أنَّه بكى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما يبكيك؟ قال: خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد بن خولة". الخ.
اللهمَّ إلاَّ أن يقال إنَّه يكره الموت في الأرض التي هاجر منها ويحبُّه في غيرها، وقال ذلك حين علم أنَّه يبقى ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم حين رقاه؛ فإنَّه ورد عنه أنَّه قال: ثم وضع يده على جبهتي، ثم مسح وجهي وبطني، ثم قال: "اللهمَّ اشف سعدا، وأتمم له هجرته" قال فما زلت أجد بردها.
وفي بعض الروايات قلت: فادع الله أن يشفيني فقال "اللهمَّ اشف سعدا ثلاث مرَّات" ويقول له: "وإنَّك لن تنفق نفقة تريد بها وجه الله "الخ. والله أعلم. (4/64)
صفحة 1287
قوله:» ولعلَّك أن تخلِّف «في بعض الروايات» وعسى الله أن يرفعك «، قال ابن حجر: "أي يطيل عمرَك، وكذلك اتفق، فإنَّه عاش بعد ذلك أزيد من أربعين سنة، بل قريبا من خمسين؛ لأنَّه مات سنة خمسة وخمسين من الهجرة، وقيل سنة ثمان وخمسين، وهو المشهور، فيكون عاش بعد حجَّة الوداع خمسا وأربعين أو ثمانيا وأربعين" اهـ.
قوله:» اللهمَّ أمض لأصحابي هجرتهم «سياق الكلام، وسياقه يدلُّ على أنَّ المراد بالدعاء لهم بإمضاء هجرتهم أن لا يموتوا بالأرض التي هاجروا منها. والله أعلم، وذلك أنَّ الإقامة بمكَّة كانت حراما على من هاجر منها قبل الفتح، لكن أبيح لمن قصدها بحجٍّ أو عمرة أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام لا يزيد عليها.
قال ابن حجر: "ولهذا رثى النبيء صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة أن مات بمكَّة، ويستنبط من ذلك أنَّ إقامة ثلاثة أيام لا تخرج صاحبها عن حكم المسافر. الخ، وذلك أنَّه ورد في حديث رواه البخاري عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال "ثلاثة للمهاجر بعد الصَّدَر" وهو بفتح المهملتين أي بعد الرجوع من منى".
قال النووي: ومعنى هذا الحديث أنَّ الذين هاجروا يحرم عليهم استيطان مكة، قال ابن حجر: وحكى عياض "أنَّه قول الجمهور، قال وأجازه لهم جماعة يعني بعد الفتح فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة واجبة فيه "الخ.
قوله:» لكن البائس سعد بن خولة «من بأس الرجل يبأس بئوسا وبئسا. الخ. اشتدت حاجته فهو بائس.
قال في الصحاح: "وفي رواية البخاري: "يرحم الله ابن عفراء" غير محفوظ، وقال الدمياطي: هو وهم والمعروف ابن خولة، إلى أن قال: وقال التميمي يحتمل أن يكون لأمِّه اسمان خولة وعفراء."
قال ابن حجر: "ويحتمل أن يكون أحدهما اسما والآخر لقبا، أو أحدهما اسم أمِّه والآخر اسم أبيه، أو الآخر اسم جدِّه، والأقرب أنَّ عفراء اسم لأمِّه والآخر اسم أبيه لاختلافهم في أنَّ خولة أو خولي" الخ. (4/65)
صفحة 1288
قوله:» يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة «قيل إنَّه مدرج، وقيل إنَّه موصول وهو الصحيح لقوله في بعض الروايات: "لكن البائس سعد بن خولة" قال سعد: "رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم" إلى آخره.
قال ابن حجر: "والمرثية تعدُّد محاسن الميت، والمراد هنا التوجُّع له لكونه مات بالبلدة التي هاجر منها، وقد تقدَّم بيان الحكم في ذلك، إلى أن قال: في قوله:» أن مات بمكة «هو (بفتح الهمزة) للتعليل وأغرب الداودي فتردَّد فيه، فقال: إن كان (بالفتح) ففيه دلالة على أنَّه أقام بعد الصدَر من حجَّته ثم مات، وإن كان (بالكسر) ففيه دليل على أنَّه قيل له إنَّه يريد التخلُّف بعد الصدَر، فخشي عليه أن يدركه أجله بمكَّة".
قال ابن حجر: "قلت: والمضبوط المحفوظ (بالفتح) لكن ليس فيه دلالة على أنَّه قام بعد حجِّه:؛ لأنَّ السياق يدلُّ على أنَّه مات قبل الحج". والله أعلم اهـ.
أقول: "معنى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون" أنَّه لما أمَّر سعدا على العراق الخ، قال ابن حجر: "في معناه أي ينفع بك المسلمون بالغنائم مما سيفتح الله على يديك من بلاد الشرك، ويضر بك المشركون الذين يهلكون على يديك"، الخ. فذكر توجيها آخر في الضرر وردَّه.
ثم ذكر مثل توجيه المصنف رواية عن عامر بن سعد أنَّه سئل عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم هذا، فقال: لما أمِّر سعد على العراق، أتى بقوم ارتدُّوا فاستتابهم، فتاب بعضهم وامتنع بعضهم، فقتلهم، فانتفع به من تاب وحصل الضرر للآخرين.
قال بعض العلماء: "لعلَّ وإن كانت للترجي لكنها من الله للأمر الواقع، وكذلك إذا وردت على لسان رسوله غالبا" اهـ.
قوله:» سجعوا سجع مسيلمة «أي قصد وأقصده، قال في الصحاح: "قال: أبو زيد الساجع القاصد، ومسيلمة (بكسر اللام) هو الكذَّاب المشهور الذي ادَّعى النبوَّة بزمانه صلى الله عليه وسلم، فقتل في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، بعد أن قَتل من المسلمين ألفا ومائتا رجل، وقيل أربعمائة، منهم سبع مائة حملوا القرآن.
قوله» لما هاجر الناس من مكَّة إلى المدينة، فأبى أن يهاجر، ومات بمكَّة، وترك فرض الله في الهجرة فهو ضال فاسق «أقول: ليس في الحديث ما يدلُّ على هذا (4/66)
صفحة 1289
ولعلَّه أخذه من خارج، بل ربما يقال في الحديث ما يدلُّ على خلاف هذا وهو قوله:» يرثي له «.
قال في الصحاح: "ورثى له أي رقَّ له، وتقدَّم أنَّ المراد هنا التوجُّع له لكونه مات في البلدة التي هاجر منها، فلو مات ضالاًّ فاسقًا ما رقَّ له ولا توجَّع له".
وفي بعض الروايات عند قومنا "يرحم الله سعد بن خولة كما تقدم" ونصُّوا على أنَّه من البدريين، وأنَّه مات في حجَّة الوداع على الصحيح قبل الحج.
وكانت سبيعة الأسلمية زوجة له بالمدينة، ومات عنها وهي حامل كما تقدَّم في كتاب النكاح في باب الحداد والعدَّة، ولفظه في بعض طرق البخاري "أنَّ سبيعة بنت الحارث أخبرته أنَّها كانت تحت سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرا فتوفي عنها في حجَّة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته" الخ. فكيف يكون تاركا لزوجته بالمدينة حاملا وهو لم يهاجر مع الناس، نعم ذكر بعض قومنا أنَّه مات في مدَّة الهدنة مع قريش سنة سبع، لكنَّ الصحيح عندهم خلافه كما يدل عليه حديث سبيعة.
قال ابن حجر: "وجزم الليث بن سعد في تاريخه عن يزيد بن أبي حبيب بأنَّ سعد بن خولة مات في حجَّة الوداع، وهو الثابت في الصحيح، خلافا لمن قال إنَّه مات في مدَّة الهدنة مع قريش سنة سبع" الخ.
والحاصل أنَّه إنما رثى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي رقَّ له وتوجَّع لموته بالأرض التي هاجر منها، وإن كان قاصدا للحجِّ؛ لأنَّ الأفضل للمهاجرين الموت بغير مكَّة، وإن جاؤوها قاصدين للحجِّ مثلا، ولذلك قال سعد بن أبي وقَّاص في بعض الطرق: "خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد بن خولة" كما تقدَّم، وهذا لا يقتضي قصد الإقامة بها. والله أعلم. (4/67)
صفحة 1290
الباب الخامس في الضيافة والجوار وما ملكت اليمين واليتيم (4/68)
صفحة 1291
قال في الصحاح: "الضيف يكون واحدا وجمعا، وقد يجمع على الأضياف والضيوف والضيفان، إلى أن قال: وأضفت الرجل وضيَّفته إذا أنزلته بك ضيفا وقرَّبته، وضفت الرجل ضيافة إذا نزلت عليه ضيفا، وكذلك تضيفته الخ.
قوله:» من كان يؤمن بالله واليوم الآخر الخ «لفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد "سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائِزَتَه، قال: وما جائزتُه يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام وما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت". (4/69)
صفحة 1292
قال ابن حجر: في قوله:» من كان يؤمن بالله واليوم الآخر «المراد يؤمن بالله الذي خلقه وآمن بأنه سيجازيه بعمله فليعمل الخصال المذكورات. اهـ.
قوله:» فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة «في نسختنا يوم وليلة (بالرفع) فيكون خبرا لقوله:» جائزته يوم وليلة «كما تدل عليه رواية البخاري،» وما جائزته؟ «
قال ابن حجر في قوله:» جائزته يوم وليلة «قال: السهيلي روي جائزته (بالرفع) على الابتداء وهو واضح، و (بالنصب) علىبدل الاشتمال، أي يكرم جائزته يوما وليلة.
قوله:» والضيافة ثلاثة أيام، وما كان بعد ذلك فهو صدقة «قال ابن بطال: سئل عنه مالك، فقال: يكرمه، ويتحفه يوما وليلة وثلاثة أيام ضيافة.
قال ابن حجر: قلت: هل الثلاث غير الأول، أو يعد منها؟ قال أبو عبيدة: يُتكلف له في اليوم الأول بالبر والإلطاف، وفي الثاني والثالث يقدم له ما حضره، ولا يزيده على عادته، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة، وتسمى الجيزة، وهي قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل، ومنه الحديث الآخر: "أجيزوا الوفود بنحو ماكنت أجيزهم".
قال الخطابي: معناه أنه إذا نزل به الضيف أن يتحفه، ويزيده في البر على ما يحضره يوما وليلة، وفي اليومين الآخرين يقدم له مايحضره، فإذا مضى الثلاثة فقد قضى حقه، فما زاد عليها فما يقدمه له يكون صدقة، إلى أن قال: في رواية لمسلم بلفظ» الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة «قال: وهذا يدل على المغايرة ويؤيده ما قال أبو عبيدة. وأجاب الطيبي: بأنها جملة مستأنفة لبيان الجملة الأولى، إلى أن قال: ويحتمل أن يكون المراد بقوله» وجائزته «بيان لحالة أخرى، وهو: أن المسافر تارة يقيم عند من ينزل عليه فهذا لا يزاد على الثلاثة بتفاصيلها، وتارة لا يقيم، فهذا يعطىما يجوز به قدر كفايته يوما وليلة، ولعل هذا أعدل الأوجه، والله أعلم.
واستدل بجعل ما زاد على الثلاث صدقة على أن الذي قبلها واجب، فإن المراد بتسميته صدقة التنفير؛ لأن الكثير من الناس خصوصا الأغنياء يأنفون غالبا من أكل الصدقة، إلى أن قال: (4/70)
صفحة 1293
واستدل ابن بطال لعدم الوجوب بقوله:» جائزته «قال: والجائزة تفضل وإحسان وليست واجبة، وتعقب بأنه ليس المراد بالجائزة في حديث ابن شريح العطية، بالمعنى المصطلح، وهي: ما يعطاه الشاعر والوافد، فقد ذكر في الأوائل: أن أول من سماها جائزة بعض الأمراء من التابعين، وإنما المراد بالجائزة في الحديث أن يعطيه ما يغنيه عن غيره، كما تقدم تقريره قبل.
قال ابن حجر: قلت: وهو صحيح في المراد من الحديث، وأما تسمية العطية للشاعر ونحوه جائزة فليس بحادث، للحديث الصحيح "أجيزوا الوفود" كما تقدمت الإشارة إليه، الخ.
واستدل في القواعد بهذا الحديث على وجوب حق الضيف على من نزل به.
واعلم أن الضيافة لا تمضي بمضي زمنها، فإن بادروا إليها فذلك هو المطلوب، وإلا فحق الضيافة باق، وتجزئ فيه المحاللة، لأنَّه حق الضيف، بخلاف حق الجار، فإنَّه حق الله، كما يؤخذ من الإيضاح.
وبين في القواعد الضيف الذي تجب ضيافته حيث قال: ويقال: الأضياف ثلاثة: ضيف يسير في طلب العلم، وضيف يسير في زيارة من ينبغي أن يزوره، وضيف صاحب حاجة أدركه الليل قبل الوصول إليها. فهؤلاء وأشباههم تجب ضيافتهم على الناس كافة، إذا لم يكن معهم طعام، إلاَّ إن نزلوا على أحد ممن تجب عليه الضيافة، فقد سقط حقهم عن غيره من الناس.
ولا تجب الضيافة على المسافرين، ولا على الأطفال، والعبيد، وتجب لهم، ولغيرهم، من جميع الناس، إلاَّ من كان ماشيا في معصية الله، الخ.
لكن قوله» إذا لم يكن معهم طعام «مفهومه أنه إذا كان معهم طعام لا تجب ضيافتهم، وهو مخالف لما ذكره صاحب الإيضاح رحمه الله، حيث قال: ويجب حق الضيف على أهل المنزل ولو كان عنده الطعام، لعموم الخبر في ذلك، الخ.
وقسم صاحب الإيضاح الأضياف تقسيما آخر، حيث قال: وفي الأثر قيل: الأضياف ثلاثة: ضيف الله، وضيف السنة، وضيف الشيطان. فضيف الله: من يمشي في طلب العلم، والزيارة، وفي الحج، وما أشبه ذلك. وضيف السنة: من يمشي في طلب الحلال. وضيف الشيطان: من يمشي في معصية الله، الخ. يعني وتحرم ضيافته. (4/71)
صفحة 1294
ثم قال: ومن طلب التجارة إلى منزل يبيع فيه ويشتري فيه فلا تجب ضيافته على أهل ذلك المنزل، فهذا من قولهم: إن كل من أتى موضعا لحاجته فلا ضيافة له على أهل ذلك الموضع، والله أعلم.
وذكر في القواعد جملة من حقوق الضيف، وابن السبيل، ثم قال: وأما من يتردد في البلاد تردد البهائم في الصحاري والقفار، متفرجا من البطالة في البلاد المختلفة، وليست له حاجة هو قاصد إليها، فلا حق لهؤلاء في الضيافة، ولا في أموال المساجد، والأوقاف، اهـ.
قوله:» ولا يحل له أن يثوي عنده «قال ابن حجر: قال ابن التين: هو (بكسر الواو، وبفتحها في الماضي، وبكسرها في المضارع).
قوله:» حتى يحرجه «قال ابن حجر (بحاء مهملة ثم جيم) من الحرج وهو الضيق، والثَّواء (بالتخفيف والمد) الإقامة بمكان معين، قال النووي: في رواية لمسلم "حتى يؤثمه" أي يوقعه في الإثم لأنَّه قد يغتابه لطول مقامه، أو يعرُض له ما يؤذيه، أو يظن به ظنا سيئا. وهذا كله محمول على ما إذا لم تكن الإقامة باختيار صاحب المنزل بأن يطلب منه الزيادة في الإقامة، أو يغلب على ظنه أنه لا يكره ذلك. وهو مستفاد من قوله:» حتى يحرجه «، لأن مفهومه إذا ارتفع الحرج فإن ذلك يجوز، إلى أن قال: في رواية "قيل يا رسول الله وما يؤثمه؟ قال: يقيم عنده ولا يجد شيئا يقدمه"، إلى أن قال: قال ابن بطال: إنما كُره له المقام بعد الثلاثة لئلا يؤذيه، فتصير الصدقة منه على وجه المن والأذى.
قال ابن حجر: قلت: وفيه نظر، فإن في الحديث "فما زاد فهو صدقة"، فمفهومه أن الذي في الثلاث لا يسمى صدقة، فالأَولى أن يقول: لئلا يؤذيه، فتصير الصدقة على وجه المن والأذى، قال ابن حجر: قلت: فيوقعه في الإثم بعد أن كان مأجورا، اهـ.
قوله:» يا نساء المؤمنات «، قال ابن حجر: قال عياض: الأصح الأشهر نصب النساء، وجر المؤمنات على الإضافة، وهي رواية المشارقة من إضافة الشيء إلى صفته كمسجد الجامع، وهو عند الكوفيين على ظاهره، وعند البصريين (4/72)
صفحة 1295
يقدرون فيه محذوفا، وقال السهيلي وغيره: جاء برفع الهمزة على أنه منادى مفرد، ويجوز في المسلمات الرفع صفة على اللفظ، على معنى يا أيها النساء المسلمات، والنصب صفة على الموضع، وكسرة التاء علامة النصب، وروي بنصب الهمزة على أنه منادى مضاف، وكسرة التاء للخفض بالإضافة، كقولهم: مسجد الجامع، وهو مما أضيف فيه الموصوف إلى الصفة في اللفظ، فالبصريون يتأولونه على حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه، نحو: يا نساء الأنفس المسلمات، أو يا نساء الطوائف المؤمنات، أي لا الكافرات، وقيل: تقديره يا فضليات المسلمات، كما يقال هؤلاء رجال القوم أي أفاضلهم، والكوفيون يدَّعون أن لا حذف فيه، ويكتفون باختلاف الألفاظ في المغايرة، إلى أن قال: وأنكر ابن عبد البر رواية الإضافة: ورده ابن السيد بأنها قد صحت نقلا وساعدتها اللغة فلا معنى للإنكار.
وقال ابن بطال: يمكن تخريج يا نساء المسلمات، على تقديرٍ بعيدٍ، وهو أن يُجعل نعتا لشيء محذوف، كأنه قال: يا نساء الأنفس المسلمات، والمراد بالأنفس الرجال، ووجه بُعده أنه يصير مدحا للرجال، وهو صلى الله عليه وسلم إنما كان خاطب النساء، إلاَّ أن يراد بالأنفس الرجال والنساء معا، إلى الخ، فذكر رواية أخرى لفظها "يا نساء المؤمنين".
قوله» لا تحقرن إحداكن لجارتها «، الرواية في البخاري "جارة لجارتها"، قال ابن حجر: والمتعلق محذوف، تقديره هدية مهداة.
قوله» ولو كراع شاة محرق «الرواية في البخاري "ولو فِرْسِن شاة" قال ابن حجر: (بكسر الفاء والمهملة بينهما راء ساكنة وآخره نون) هو عظم قليل اللحم، وهو للبعير موضع الحافر من الفرس، ويطلق على الشاة مجازا، ونونه زائدة وقيل أصلية، وأشير بذلك إلى المبالغة في إهداء الشيء اليسير وقبوله، لا إلى حقيقة الفرسن، لأنَّه لم تجر العادة بإهدائه، أي لا تمنع جارة من الهدية لجارتها الموجود عندها لاستقلاله، بل ينبغي لها أن تجود لها بما تيسر، وإن كان قليلا، فهو خير من العدم، وذكر الفرسن على سبيل المبالغة.
ويحتمل أن يكون النهي إنما وقع للمهدي إليها، وأنها لا تحتقر ما يهدى إليها و لو كان قليلا، وحملُه على الأعم من ذلك أولى. (4/73)
صفحة 1296
وفي حديث عائشة المذكور "يا نساء المؤمنين تهادوا ولو فرسن شاة فإنَّه ينبت المودة ويذهب الضغائن".
وفي الحديث الحث على التهادي ولو باليسير، لأن الكثير قد لا يتيسر كل وقت، وإذا تواصل اليسير صار كثيرا، وفيه استجلاب المودة وإسقاط التكلف، اهـ.
وذكر في محل آخر أن الفِرْسِن حافر الشاة، ثم قال: وخص النهي بالنساء لأنهن مواد المودة والبغضاء، ولأنهن أسرع انفعالا في كل منهما، وقال الكرماني: يحتمل أن يكون النهي للمعطية و يحتمل أن يكون للمهدي إليها، قلت: ولا يتم حمله على المهدي إليها، إلاَّ بجعل اللام في قوله:"لجارتها" بمعنى (من)، ولا يمتنع حمله على المعنيين، اهـ.
قوله:» فليقل خيرا أو ليصمت «، قال ابن حجر) بضم الميم ويجوز كسرها)،هذا من جوامع الكلم، لأن القول كله إما خير وإما شر، وإما مائل إلى أحدهما، فدخل فيه ما يؤول إليه، وما عدا ذلك مما هو شر أو يؤول إلى الشر فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت.
وحاصله من كان كامل الإيمان فهو متصف بالشفقة على خلق الله قولا بالخير، أو سكوتا عن الشر، أو فعلا لما ينفع، أو تركا لما يضر.
وفي معنى الأمر بالصمت أحاديث ذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم:"المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه"، ومنها عن ابن مسعود، قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ فذكر فيها: "أن يسلم المسلمون من لسانك إلاَّ من خير"، ومنها: حديث البراء رفعه، في ذكر أنواع من البر، قال:"فإن لم تطق ذلك فَكُفَّ لسانك إلا من خير "، ومنها: "كثرة الكلام بغير ذكر القلب تقسي القلب" ومنها حديث سفيان الثقفي، قلت:" يا رسول الله ما أكثر ما يخاف عليه؟ قال: هذا وأشار إلى لسانه"، ومنها حديث معاذ "أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فذكر الوصية"، إلى أن قال في آخرها: "ألا أخبرك بمَلاك ذلك كله كُفَّ عليك هذا"، وأشار إلى لسانه، ومنها حديث عقبة بن عامر، قلت: "يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك".
قوله:» ولا يؤذ جاره أبدا «، في بعض الروايات: "فليكرم جاره". (4/74)
صفحة 1297
قال ابن حجر: وقد ورد تفسير الإكرام والإحسان للجار وترك أذاه في عدة أحاديث، ذكر منها حديث: معاذ بن جبل "قالوا: يا رسول الله، ماحق الجار على الجار؟ قال: إن استقرضك أقرضته، وإن استعانك أعنته، وإن مرض عدته، وإن احتاج أعطيته، وإن افتقر جُدت عليه، وإن أصابه خير هنّأته، وإذا أصابته مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء، فتحجب عنه الريح، إلاَّ بإذنه، ولا تؤذه بريح قِدْرِكَ، إلاَّ أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، وإن لم تفعل فأدخلها سرا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده"، اهـ.
وقد ذكر الحديث في القواعد، وزاد فيه: "أتدرون ما حق الجار؟ والذي نفسي بيده لا يبلغ حق الجار إلاَّ من رحمه الله" وذكر فيه شيئا كثيرا من حقوق الجار.
وكذلك صاحب الإيضاح رحمه الله، قال: في القواعد، قال عليه السلام: "الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، الجار المشرك" فأثبت له حق بمجرد الجوار، "وأما الذي له حقان فالجارغير المسلم ذي الرحم، وأما الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم ذو الرحم" يعني: حق الجوار، وحق الإسلام، وحق القرابة، وأراد بالمسلم مطلق الموحِدِّ، بدليل المقابلة بالمشرك، قال: ويروى أنه قيل له عليه الصلاة السلام:"إن فلانة تصوم النهار، وتقوم الليل، وتؤذي جيرانها، فقال: هي في النار" الخ، اهـ.
قوله:» أوصاني حبيبي جبريل عليه السلام برفق المملوك، حتى ظننت أن ابن آدم لا يُستخدم أبدا «، ومثله رواية الإيضاح، إلاَّ أنه لم يذكر قوله:» أبدا «، والرواية في القواعد: "مازال جبريل عليه السلام يوصيني برفق المملوك، حتى ظننت أنه سيضرب له أجلا يخرج فيه حرا"، ومثله رواية الجامع: "ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه يُوَرِّثُه، ومازال يوصيني بالمملوك، حتى ظننت أنه يضرب له أجلا، أو وقتا، إذا بلغه عُتِقَ" فتقييد المصنف رحمه الله الاستخدام بقوله:» أبدا «، ربما يرجع به إلى هذه الرواية، لأن الغالب في الكلام أنه إذا كان فيه قيد يكون هو محط النفي والإثبات، فيكون هو دوام استخدامه، فيصدق باستخدامه مدة معينة كما هو صريح الظن في هذه الرواية، فيحصل الجمع حينئذ بين الروايتين، والظاهر والله أعلم. (4/75)
صفحة 1298
وذكر في القواعد أحاديث تتعلق بحق المملوك، ثم قال: لكن جملة حق المملوك أن يشبع بطنه، ويدفئ ظهره، ولا يكلفه فوق طاقته، ولا يستخدمه بعد العشاء بعد أن استقصى خدمته بالنهار، ولا ينظر إليه بعين الكبر، والازدراء، وأن يعفو عن زلته، ويتفكر عند غضبه عليه بهفوته وجنايته في هفوته هو وجنايته على حق الله، وتقصيره في طاعته، مع أن قدرة الله عليه فوق قدرته، والله أعلم، اهـ.
قوله: "وأوصاني بالجار حتى ظننت أن لا يُبقي بعده شيئا " لم أر هذه الرواية فيما اطلعت عليه من كتبنا ولا من كتب غيرنا، ولفظ الحديث في الإيضاح: "مازال جبر يل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه يورثه كالولد من والديه"، وفي خبر آخر: "حتى خفت أن يُورِّثه"، وفي خبر آخر: "ما زال جبريل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه يُورِّث الجار من جاره"، الخ.
ولم يتعرض له في القواعد أصلا، ورواية الجامع قد تقدمت، ومثلها رواية البخاري، إلاَّ أنه اقتصر على ما يتعلق بالجار فقط، حيث قال: "مازال جبريل يوصيني بالجارحتى ظننت أنه سيورثه"، اهـ.
وانظر ما معنى قوله: "أن لا يُبقي بعده شيئا"،ولعل المعنى لا يبقى بعد موته شيئا موروثا، بأن يدفع لهم جميع ما عنده في حال حياته، أو يوصي له به، أو نحو ذلك، والله أعلم، فليحرر. ولكن لم يتحقق هذا الظن، ولله الحمد.
وقال ابن حجر في معنى قوله: "حتى ظننت أنه سيورثه" أي: يأمرني عن الله بتوريث الجار من جاره.
واختلف في المراد بهذا التوريث، فقيل: يجعل له مشاركة في المال بفرض سهم يُعطاه مع الأقارب، وقيل: المراد أن يُنَزَّل منزلة من يرث في البر والصلة، والأظهر الأول، فإن الثاني استمر، والخبر مشعر بأن التوريث لم يقع، إلى أن قال: قال ابن أبي حمزة: الميراث على قسمين: حِسِّي ومعنوي، فالحسي هو المراد هنا، والمعنوي ميراث العلم، ويمكن أن يلحظ هنا أيضا فإن من حق الجار أن يعلمه ما يحتاج إليه، والله أعلم.
واسم الجار يشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والبلدي، والنافع والضار، والقريب والأجنبي، والأقرب دارا والأبعد، وله مراتب بعضها أعلى من بعض، فأعلاهما: من اجتمعت فيه الصفات الأُوَّل كلها، ثم (4/76)
صفحة 1299
أكثرها وهلم إلى الواحد، وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك، فيعطي كلا حقه بحسب حاله، وقد تتعارض صفتان فأكثر فيرجح أو يساوى، الخ.
قوله:» عن أبي مسعود الأنصاري «هو من البدريين كما في مسلم.
قوله:» أعلم «هو (بهمزة وصل وفتح اللام).
قوله:» يا أبا مسعود «، قال العلقمي: في رواية أبي داود (أبا مسعود) بحذف حرف النداء، وفيه المبادرة بالنهي بارتفاع الصوت قبل أن يجلس إلى مجلس التخاطب، وكذلك المبادرة بالنهي من خلفه قبل أن يستقبله.
قوله» سقط السوط من يدي «، في رواية لهيبته، (إن الله أقدر عليك منك على الغلام)، قال العلقمي: أي أقدر عليك بالعقوبة من قدرتك على ضربه، ولكنه يحلم إذا غضب، وأنت لا تقدر على الحلم والعفو عنه إذا غضبت.
قوله:» إن العبد إذا نصح لسيده، وأحسن عبادة ربه، فله أجره مرتين «، في بعض روايات الجامع: "ثلاثة يُؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق سيده فله أجران، ورجل كانت له أَمَةٌ فغذَّاها فأحسن غذاءها ثم أدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران".
قال العلقمي: قال ابن عبد البر: معنى هذا الحديث عندي: أن العبد لما اجتمع عليه أمران واجبان طاعة ربه في العبادة، وطاعة سيده، في المعروف فقام بهما جميعا، كان له ضعف أجر الحر المطيع لطاعته، لأنَّه ساواه في طاعة الله، وفَضَلَ عليه بطاعة من أمره الله بطاعته. قال: ومن هنا أقول: إن من اجتمع عليه فرضان فأداهما أفضل ممن ليس عليه إلاَّ فرض واحد فأداه، كمن وجبت عليه صلاة وزكاة فقام بهما، فهو أفضل ممن وجبت عليه صلاة فقط، ومقتضاه أن من وجبت عليه فروض فلم يؤد منها شيئا، كان عصيانه أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلاَّ بعضها، اهـ ملخصا.
والذي يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف المذكورة، لِمَا يدخل عليه من مشقة الرق، وإلا فلو كان التضعيف بسبب اختلاف جهة العمل لم يختص العبد بذلك. (4/77)
صفحة 1300
وقال ابن التين: المراد أن كل عمل يعمله يضاعف له، قيل: وسبب التضعيف أنه زاد لسيده نصحا، وفي عبادة ربه إحسانا، فكان له أجر: الواجبين وأجر الزيادة عليهما، قال: والظاهر خلاف هذا وأنه بيَّن ذلك لئلا يظن ظان أنه غير مأجور على العبودية، اهـ.
وما ادعى أنه الظاهر لا ينافي ما نقل قبل ذلك، فإن قيل: يلزم أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السادات، أجاب الكرماني: بأن لا محذور في ذلك، أو يكون أجره مضاعفا من هذه الجهة، وقد يكون للسيد جهات أخرى يستحق بها أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيح العبد المؤدي للحقين على العبد المؤدي لأحدهِما، اهـ. ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر مختصا بالعمل الذي يتحد فيه طاعة الله وطاعة السيد فيعمل عملا واحدا، ويؤجر عليه أجرين بالاعتبارين، وأما العمل المختلف الجهة فلا اختصاص له بتضعيف الأجر فيه على غيره من الأحرار، والله أعلم.
واستدل به على أن العبد لا جهاد عليه ولا حج في حال عبوديته، وإن صح ذلك منه، اهـ، كلام العلقمي.
قوله:» نهى عن استعمال العبيد بعد صلاة العتمة «، يعني إن استقصى خدمتهم بالنهار، قال في الإيضاح: وجائز للرجل أن يستعمل عبده من صلاة الصبح إلى صلاة العشاء: ولا يستعمله بعد ذلك إلى الصبح: لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى عن استعمال العبيد بعد صلاة العتمة".
غير أنهم قالوا: إن لم يستقص خدمته بالنهار فله أن يستخدمه بالليل، ورخص أن يستخدمه بالليل، ولو استقصى خدمته بالنهار إذا أعطاه شيئا يرضيه به، والله أعلم، انتهى.
قوله:» من آوى يتيما لله وقام به احتسابا لله وقع أجره على الله والله لا يضيع أجر من أحسن عملا «، ذكر المصنف هذا الحديث لبيان فضل من كفل اليتيم، وأما بيان حقوقه وبيان من تلزمه تلك الحقوق فمحله كتب الفقه، وقد بين ذلك صاحب القواعد، وصاحب الإيضاح، بما لا مزيد عليه، وذكر أيضا أحاديث (4/78)
صفحة 1301
تدل على فضل القيام باليتيم، منها في القواعد، قوله عليه السلام "من ربى يتيما من أبوين مسلمين حتى يستغنِيَ فقد وجبت له الجنة البتة"، وقوله: "أنا وكفيل اليتيم كهاتين" وأشار بإصبعيه، وقوله: "من وضع يده على رأس اليتيم ترحما، كان له بكل شعرة تمر يده عليها حسنة"، قال: وأنفذ الوعيد الشديد في أكلة أموالهم، فقال: {اِنَّ الذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} الآية، [النساء:10]،ومنها في الإيضاح قوله عليه السلام:" من ربى يتيما له أو لغيره كنت أنا وهو كهاتين في الجنة" وأشار بإصبعيه، ثم ذكر حديث المصنف رحمه الله، ولفظ الحديث في البخاري: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وقال بإصبعيه السبابة والوسطى، وفي بعض الروايات وأشار بإصبعيه السَّبَّاحَةُ والوسطى.
قال ابن حجر: والسَّبَّاحَة هي: الإصبع التي تلي الإبهام، سميت بذلك لأنها يسَبَّحُ بها، إلى أن قال: وهي السبابة أيضا لأنها يُسَبُّ بها، إلى أن قال:
قال ابن بطال: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، ولا منزل في الجنة أفضل من ذلك، إلى أن قال:
وفيه إشارة إلى أن بين درجة النبي صلى الله عليه وسلم وكافل اليتيم قدر تفاوت ما بين السبابة والوسطى، وهذا نظير الحديث الآخر: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، الحديث، وزعم بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم لما قال ذلك استوت إصبعاه في تلك الساعة، ثم عادتا إلى حالتهما الأصلية، تأكيدا لأمر كفالة اليتيم.
قال ابن حجر: قلت: ومثل هذا لا يثبت بالاحتمال، ويكفي في إثبات قرب المنزلة من المنزلة أنه ليس بين الوسطى والسبابة إصبع أخرى، وقد وقع في رواية لأم سعيد المذكورة عند الطبراني معنى في الجنة كهاتين، يعني المسبحة والوسطى إذا اتقى، أقول: وهذا التقييد لا بد منه عندنا.
قال: ويحتمل أن يكون المراد قُرب المنزلة حالةَ دخول الجنة، لِما أخرجه أبو يعلي من حديث أبي هريرة: "أنا أول من يفتح باب الجنة، فإذا امرأة تبادرني، فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا امرأة قائمة على أيتام"، ورواته لا بأس بهم. (4/79)
صفحة 1302
قوله: "تبادرني" أي لِتَدْخُلَ معي، أو تدخل في أثري، ويحتمل أن يكون المراد مجموع الأمرين: سرعة الدخول، وعلو المنزلة، إلى أن قال:
قال شيخنا في شرح الترمذي: لعل الحكمة في كون كافل اليتيم شبه في دخول الجنة أو شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي، لكون النبي شأنه أن يُبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم، فيكون كافلا لهم ومعلما ومرشدا؛ وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل، ولا دنياه، فيرشده ويعلمه ويحسن أدبه، فظهرت مناسبة ذلك، اهـ.
وفي بعض الروايات "كافل اليتيم له أو لغيره"، قال ابن حجر: ومعنى قوله "له":أي بأن يكون جدا، أو عما، أو أخا، أو نحو ذلك من الأقارب، أو يكون أبو المولود قد مات فقامت أمه مقامه، أو ماتت أمه فقام في التربية مقامها، الخ.
قوله:» لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره «، الخ. الرواية في الإيضاح: "إذا استأذن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه فنكسوا، فقال: مالي أراكم قد أعرضتم! لألقينها بين أكتافكم"، وفي البخاري: بعد ذكر الإسناد، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره، ثم قال أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين! والله لأرمين بها بين أكتافكم "، اهـ. فجعل الزيادة التي في الإيضاح على رواية المصنف إنما هي من أبي هريرة لا من النبي صلى الله عليه وسلم، ولعله لذلك تركها المصنف، والله أعلم.
قوله:» لا يمنع «قال ابن حجر: بالجزم، على أنها ناهية، ولأبي ذر بالرفع على أنه خبر بمعنى النهي، ولأحمد "لا يمنعن" بزيادة نون التوكيد وهي تؤيد رواية الجزم، اهـ.
قوله:» فإن ذلك حق واجب عليه «، يعني إذا لم يحصل الضرر بذلك، بدليل قوله في الإيضاح: وأجمعوا على أن الغرز إذا كان مضرا لجاره لم يجب عليه ذلك، الخ. ومفهومه أنه إذا لم يحصل الضرر جاز الغرز وإن أبى.
قال ابن حجر: في قوله: "لا يمنع جار جاره"، الخ، استدل به على أن الجدار إذا كان لواحد وله جار وأراد أن يضع جذعة عليه جاز، سواء أذن المالك أم لا، فإن امتنع جُبِرَ، وبه قال أحمد وإسحاق، وغيرهما من أصحاب الحديث، وابن حبيب (4/80)
صفحة 1303
من المالكية، والشافعي في القديم، أقول: وهو صريح رواية المصنف رحمه الله، في قوله:» فإن ذلك حق واجب عليه «،وعنه في الجديد قولان، أشهرهما: اشتراط إذن المالك، فإن امتنع لم يجبر، وهو قول الحنفية، وحملوا الأمر في الحديث على الندب، والنهي على التنزيه، جمعا بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلاَّ برضاه، وفيه نظر سيأتي، إلى أن قال:
قال البيهقي: لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلاَّ عمومات لا يستنكر أن يخصها، وقد حمله الراوي على ظاهره وهو أعلم بالمراد بما حدث به، ويشير إلى قول أبي هريرة: مالي أراكم عنها معرضين، اهـ. قوله في الإيضاح: "فنكسوا" إلى آخره، في بعض الروايات عند قومنا: "فلما حدثهم أبو هريرة بذلك طأطأوا رؤوسهم".
قوله: "لأُلقِينَّها" قال ابن حجر: أي لأشيعن هذه المقالة فيكم و لأقرعنكم، بها كما يُضرب الإنسان بِالشيء بين كتفيه ليستيقظ من غفلته.
قوله: "بين أكتافكم" قال ابن حجر: قال ابن عبد البر: رُويناه في الموطأ بالمثناة وبالنون، والأكناف بالنون جمع كَنف بفتحها، وهو الجانب، قال الخطابي: فكأنه قال: إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلنّها أي الخشبة على رقابكم كارهين، قال: وأراد بذلك المبالغة، وبهذا التأويل جزم إمام الحرمين تبعا لغيره، وقال: إن ذلك وقع لأبي هريرة حين كان يلي إمرة المدينة، وقد وقع عند ابن عبد البر من وجه آخر "لأرمين بها بين أعينكم وإن كرهتم" وهذا يرجح التأويل المتقدم.
واستدل المهلب من المالكية بقول أبي هريرة "مالي أراكم عنها معرضين" بأن العمل كان في ذلك العصر على خلاف ما ذهب إليه أبو هريرة، قال: لأنَّه لو كان ذلك على الوجوب لما جهل الصحابة تأويله، ولا أعرضوا عن أبي هريرة حين حدثهم به، فلولا أن الحكم تقرر عندهم بخلافه، لما جاز عليهم جهل هذه الفريضة، فدل على أنهم حملوا الأمر في ذلك على الاستحباب، اهـ.
قال ابن حجر، وما أدري من أنبأه أن المعرضين كانوا صحابة، وأنهم كانوا عددا لا يجهل مثلهم الحكم، ولِمَ لا يجوز أن يكون الذين خاطبهم أبو هريرة (4/81)
صفحة 1304
بذلك غير فقهاء، بل ذلك هو المتعين، وإلا فلو كانوا صحابة أو فقهاء ما واجههم بذلك.
وقد قوى الشافعي في القديم القول بالوجوب، بأن عمر قضى به فلم لا يخالفه أحد من أهل عصره، وكان اتفاقا منهم على ذلك، قال: ودعوى الاتفاق هنا أولى من دعوى المهلب، لأن أكثر أهل عصر عمر كانوا صحابة، وغالب أحكامه منتشرة لطول ولايته، وأبو هريرة إنما كان يلي إمرة المدينة نيابة عن مروان في بعض الأحيان.
وأشار الشافعي إلى ما أخرجه مالك، ورواه هو عنه بسند صحيح أن الضحاك بن خليفة سأل محمد بن مسلمة أن يسوق خليجا له فيمر به في أرض محمد بن مسلمة فامتنع فكلمه عمر في ذلك فأبى، فقال: والله ليمرن به زيد ولو على بطنك، فحمل عمر الأمرَ على ظاهره وعدَّاه إلى كل ما يحتاجُ الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه.
وفي دعوى العمل على خلافه نظر، فقد روى ابن ماجه والبيهقي من طريق عكرمه بن سلمة أن أخوين من بني المغيرة أعتق أحدهما أن غرز أحد في داره خشبا، فأقبل مجمع بن حارثة ورجال كثيرون من الأنصار، فقالوا: نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الحديث، فقال الآخر: يا أخي قد علمت أنك مقضي لك علي، وقد حلفتُ، فاجعل اسطوانا دون جداري فاجعل عليه خشبك، إلى أن قال:
أراد رجل أن يضع خشبة على جدار صاحبه بغير إذنه فمنعه، فإذا من شهد من الأنصار يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهاه أن يمنعه فجبر على ذلك، إلى أن قال: ومحل الوجوب عند من قال به أن يحتاج إليه الجار، ولا يضع عليه ما يتضرر به المالك، ولا يقدم على حاجة المالك، أقول: وهذا هو المذهب، كما يؤخذ من كلام صاحب الإيضاح كما تقدم، والله أعلم.
قال: ولا فرق بين أن يحتاج في موضع الجذع إلى ثقب الجدار أو لا، لأن رأس الجذع تسد المنفتح وتقوي الجدار، والله أعلم، اهـ. (4/82)
صفحة 1305
قوله:» أن يغرز خشبا «يعني بالجمع، ورواية الإيضاح "خشبة" بالإفراد، وكذلك عند غيرنا اختلفت فيه الرواية لكن الأكثر على الجمع، قال ابن حجر نقلا عن غيره: والمعنى واحد، لأن المراد بالواحد الجنس، قال: وهذا الذي يتعين للجمع بين الروايتين، وإلا فالمعنى قد يختلف باعتبار أن أثر الخشبة الواحدة أخف في مساحة الجار بخلاف الخشب الكثير، الخ. (4/83)
صفحة 1306
الباب السادس في الوعيد في الأموال (4/84)
صفحة 1307
قوله:» القليل من أموال الناس يورث النار «في رواية شارح العقيدة رحمه الله زيادة، "قيل: وما القليل يا رسول الله؟ فوضع إصبعه في الأرض فالتصق به شيء من التراب فقال هذا هو القليل".
ومثله ما تقدم، في باب جامع الغزو في سبيل الله من طريق أبي هريرة في قصة مدعم حين جاءه سهم غرب فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا والذي نفسي بيده إن الشَّمْلَة التي أخذ من الغنائم يوم خبير لم تصبها مقاسمة لتشعل عليه نارا" فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شراك أو شراكان من نار" ومثله ما تقدم في كتاب الأيمان من قوله صلى الله عليه وسلم: "من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه، الجنة وأوجب له النار، فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولو كان قضيبا من أراك".
قوله:» الذنوب على وجهين ذنب بين العبد وربه وذنب بين العبد وصاحبه «، الخ. ورأيت في بعض الكتب سابقا ولم يحضرني "أن الله يقول: ذنب أغفره وذنب لا أغفره وذنب لا أترك منه شيئا؛ فأما الذي أغفره فما كان بيني وبين عبادي، لو بلغت ذنوبهم السماء فتابوا منها لغفرتها لهم، وأما الذنب الذي لا أغفره فالشرك بالله، وأما الذنب الذي لا أترك منه شيئا فما كان بين العباد" أو كما قال. (4/85)
صفحة 1308
ومثله في تقسيم الذنب إلى ثلاثة أقسام رواية الجامع، حيث قال: "ذنب لا يترك، وذنب يغفر، فأما الذي لا يغفر فالشرك بالله، وأما الذي يغفر فذنب العبد بينه وبين الله عز وجل، وأما الذى لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا" وفي رواية أخرى: "ذنب يغفر، وذنب لا يغفر، وذنب يجازى به، فأما الذي لا يغفر فالشرك بالله، وأما الذي يغفر فعملك بينك بين ربك، وأما الذي يجازى به فظلمك أخاك"، اهـ.
ولم يكتب عليه شارحه شيئا، والذي أحفظه أظن أنه من كُتب قومنا، والحق ما ذكره المصنف، وأن الشرك داخل في الذنب الذي بين العبد وبين ربه، لأن المراد المغفرة بالتوبة، كما صرح به المصنف رحمه الله في روايته، ولا شك أن الشرك يغفر بالتوبة، لقوله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ}، إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر:53]، فلا فرق بين الشرك وغيره من الكبائر التي بين العبد وربه في أنهما يكفران بالتوبة، وفي أنهما لا يكفران إلا بها خلافا لما يزعمه قومنا من جواز المغفرة للكبائر التي هي دون الشرك من غير توبة، مستدلين بظاهر قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَنْ يَّشَآءُ} [النساء:48] وليس كما زعموا، فإن المراد بقوله: {مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَنْ يَّشَآءُ} الصغائر، شاء الله أن يغفرها للمؤمنين الموفِّين بدينه لقوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء:31]، ولقوله: {الذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الاِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ} [النجم:32]، ولقوله: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114]،إلى غير ذلك.
وأما الكبائر فإنها لا تغفر إلا بالتوبة، لقوله تعالى: {وَمَنْ يَّفْعَلْ ذَالِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا اِلاَّ مَن تَابَ} [الفرقان:68/ 70] الآية، وقد تقدم الكلام على هذا، والله أعلم.
قوله:» فلا توبة له حتى يرد المظالم إلى أهلها «، يعني: إن عَلِمَهُم وعَلِمَ تلك المظالم، وأما إن جَهِلَهُم فإنه يدفعها للفقراء والمساكين، لأن كل مال مجهول سبيله (4/86)
صفحة 1309
سبيل الفقراء والمساكين على الراجح، كما تقدم أيضا، وأما إن جهلها فإنها تخرج من حسناته إن كانت، وإلا فالأداء على مولاه.
وقد بين جميع ذلك الشيخ إسماعيل رحمه الله، حيث قال: فصل في التنصل من هذه التباعات. إعلم أن مظالم العباد التي قدمناها من الحقوق، والأموال، والفروج، لا تجوز توبة من هي في يده أو في ذمّته إلا بالتنصل منها إلى أربابها والخروج منها بالأداء، أو بالمحاللة منهم له بطيبة نفس، ولا أعلم بين الأمة في هذا خلافا.
واختلفوا إذا لم يجد أربابها بعد ما تاب، فقيل: عن ابن عباس أنه قال: هو قفل ضاع مفتاحه، وقيل: يتصدق به على الفقراء، وأظنه قول ابن مسعود - رحمه الله -، وأحسب أنه قول جمهور العلماء، وأما إن تاب توبة نصوحا، وأدى ما عليه من التبعات، ونسي بعضها فلم يؤده، ولم يتذكر حتى مات، فإن التباعة تخرج من حسناته يوم القيامة إن كانت له، وإلا فالمؤاداة على مولاه، ويدخله الجنة بفضل رحمته، في رواية ضمام بن السايب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول أصحاب الحديث، وقد زعموا أنه إذا لم تكن له حسنات فإنه يتحمل مقدار تلك التباعات من سيئات صاحبها، ولم يصح عندنا هذا، والله أعلم وأحكم.
قوله:» لا يمشي فيه إلا ثلاثة «إلى آخره، ذكر عمنا أحمد بن سعيد الشماخي رحمه الله في كتاب الطبقات عند التعريف بأبي خزر -رحمه الله- حين سار إلى مصر مع أبي تميم هذا الحديث، وزاد فيه قيدا، حيث قال ما نصه: وحسده الوزراء، والأصحاب، وطعنوا فيه، وسار مرة وتعرض له زرع وشقه ومال عنه الشيخ. وقيل له: إنه عدل عن اتباعك، فقال له: لم أسلك طريقك للحديث "إذا غابت الثريا لا يدخل الزرع إلا ثلاثة: ساقيه، أو واقيه، أو ناقيه" ولستُ بواحد (4/87)
صفحة 1310
منهم، وأنت واقيه، فتعَجَّبَ من حسن بداهته، وقال لأصحابه: ألم أقل لكم لا تقدرون على يغلى، الخ.
قوله:» لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه «لفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد: "لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينقل طعامه، فإنها تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه"، اهـ.
قال ابن حجر: والماشية تقع على الإبل والبقر والغنم، ولكنه في الغنم تقع أكثر، قاله في النهاية. ثم ذكر أن المشربة بضم الراء وقد تفتح، أي: الخزانة. والمشرَبة مكان الشرب بفتح الراء خاصة، والمشرِبة بكسر الراء إناء الشرب. ثم ذكر أن الخزانة المكان أو الوعاء الذي يخزن فيه ما يراد حفظه، إلى أن قال: والضرع للبهائم كالثدي للمرأة، ثم ذكر أن أطعماتهم هو جمع أطعمة، والأطعمة جمع طعام، والمراد به هنا اللبن.
قال ابن عبد البر: النهي عن أن يأخذ المسلم من المسلم شيئا إلا بإذنه، وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس فيه، فنبه به على ما هو أولى منه، وبهذا أخذ الجمهور، لكن سواء بإذن خاص أو إذن عام، واستثنى كثير من السلف ما إذا علم بطيب نفس صاحبه، وإن لم يقع منه إذن خاص ولا عام إلى آخره.
أقول: وهذا من مشمولات قول بعضهم: أو دالة بكتاب الله ولها شروط مذكورة في كتب الفقه، قال: وذهب كثير منهم إلى الجواز مطلقا في الأكل والشرب، سواء علم طيب نفسه أولم يعلم، والحجة فيها لهم، إلى أن قال: عن سمرة مرفوعا "إذا أتى أحدكم على ماشية فإن لم يكن صاحبها فيها فليصوت ثلاثا فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحلب وليشرب ولا يحمل" وذكر له شاهدا آخر، ثم قال: وأجيب عنه بأن حديث النهي أصح، فهو أولى بأن يُعمل به، وبأنه معارض للقواعد القطعية في تحريم مال المسلم بغير إذنه، فلا يُلْتَفَتُ إليه.
ومنهم من جمع بين الحديثين بوجوه من الجمع.
منها: حمل الإذن على ما إذا علم طيب نفس صاحبه، والنهي على ما إذا لم يعلم. (4/88)
صفحة 1311
ومنها: تخصيص الإذن بابن السبيل دون غيره، أو بالمضطر، أو بحال المجاعة مطلقا، وهي متقاربة.
وحكى ابن بطال عن بعض شيوخه: "أن الإذن كان في زمنه صلى الله عليه وسلم"، وحديث النهي أشار به إلى ما سيكون بعده من التشاحح، وترك المواساة.
ومنهم من حمل النهي على ما إذا كان المالك أحوج من المار، لحديث أبي هريرة: "بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، إذ رأينا إبلا مصرورة فثبنا إليها، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه الإبل لأهل بيت من المسلمين، هو قوتهم أَيَسُرُّكم لو رجعتم إلى مزاودكم فوجدتم ما فيها قد ذهب؟ قلنا: لا، قال: فإن ذلك كذلك"، إلى أن قال:
واختار ابن العربي الحمل على العادة، قال: "وكانت عادة أهل الحجاز والشام وغيرهم المسامحة، وذلك خلاف بلدنا" إلى آخر ما أطال فيه من وجوه الجمع.
ثم قال: وجنح بعضهم إلى نسخ الإذن، وحملوه على أنه كان قبل إيجاب الزكاة، قالوا: وكانت الضيافة حينئذ واجبة، ثم نسخت، فنسخ ذلك الحكم، وأورد الأحاديث في ذلك، الخ.
ثم قال: وفي الحديث ضرب الأمثال للتقريب للإفهام، وتمثيل ما قد يخفى بما هو أوضح منه، واستعمال القياس في النظائر، وفيه ذكر الحكم بعلته، وإعادته بعد ذكر العلة، تأكيدا وتقريرا، وأن القياس لا يشترط في صحته مساواة الفرع للأصل بكل اعتبار، بل ربما كانت للأصل مزية لا يضر سقوطها في الفرع، إذا تشاركا في أصل الصفة، لأن الضرع لا يساوي الخزانة في الحرز، إلى أن قال:
ومع ذلك فقد ألحق الشارع الضرع المصرور في الحكم بالخزانة المقفلة، في تحريم كل منهما بغير إذن صاحبه، وأشار إلى ذلك ابن المنير.
وفيه إباحة خزن الطعام، واحتكاره إلى وقت الحاجة إليه، بخلاف الغلاة المتزهدة المانعين من الادخار مطلقا، قاله القرطبي.
وفيه أن اللبن يسمى طعاما، فيحنث من حلف لا يتناول طعاما، إلا أن يكون له نية في إخراج اللبن، قاله النووي، إلى أن قال: (4/89)
صفحة 1312
وفيه أن الشاة إذا كان لها لبن مقدور على حلبه، قابله قسط من الثمن، قاله الخطابي، وهو يؤيد خبر المُصَرَّات، ويثبت حكمها في تقويم اللبن.
وفيه أن من حلب من ضرع ناقة أو غيرها مصرورة محروزة من غير ضرورة ولا تأويل، ما يبلغ قيمة ما يجب فيه القطع، أن عليه القطع، إن لم يأذن له صاحبها تعيينا أو إجمالا؛ لأن الحديث قد أفصح بأن ما في ضروع الأنعام جزء من الطعام.
وحكى القرطبي عن بعضهم: وجوب القطع، ولو لم يكن الغنم في حرز إكتفاء بحرز الضرع للبن، وهو الذي يقتضيه ظاهر الحديث، اهـ.
قوله:» ردوا الخيط والمخيط، وإياكم و الغلول، فإنه عار على أهله يوم القيامة «، لفظه في الجامع الصغير: "ردوا المخيط والخِيَاطَ، من أغل مِخْيَطا أو خِيَاطا، كلف يوم القيامة أن يجيء به، وليس بجاء"، اهـ. ولم يكتب عليه شارحه العلقمي شيئا.
والمِخيط بكسر الميم الإبرة، وكذلك الخِياط بكسر الخاء وتخفيف الياء، ومنه قوله تعالى: {حَتَّىيَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ} [الأعراف:40]، ولم يذكر في البخاري هذا الحديث، وذكره غيره بلفظ: "قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، فقال: (لا أُلْفَيَنَّ وعلى أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، وعلى رقبته فرس له حمحمه، يقول يا رسول الله: أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، وعلى رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله: أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا، أو على رقبته صامة فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، أو على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول له: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك"، اهـ.
قال ابن حجر: الغُلُول (بضم المعجمة واللام)، الخيانة في المغنم، قال ابن قتيبة: "سمي بذلك لأن أخذه يغله في متاعه، أي: يخفيه فيه". ونقل النووي الإجماع على أنه من الكبائر، اهـ. (4/90)
صفحة 1313
ثم قال قوله: (لا أُلفين) بضم أوله وبالفاء أي لأجدن، هكذا الرواية للأكثر بلفظ النفي المؤكد والمراد به النهي، إلى أن قال:
في قوله:» على رقبته شاة «في رواية مسلم:"يجيء يوم القيامة وعلى رقبته" وهو حال من الضمير في يجيء، وشاة فاعل الظرف لاعتماده، أي: هي حالة شنيعة لا ينبغي لكم أن أراكم عليها يوم القيامة.
وفي حديث عبادة بن الصامت في السنن: "إياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة"، وهذه رواية المصنف رحمه الله، فتبين أن المراد بكون الغلول عارا على أهله يوم القيامة هي: هذه الحالة الشنيعة التي يُرى عليها الغال من جملة ما غل على رقبته، وكذلك مانع الزكاة بالنظر إلى ما منعه. نعوذ بالله من سابق الشقاوة.
قال ابن حجر: في قوله: "لا أملك لك شيئا من المغفرة"، لأن الشفاعة أمرها إلى الله، وقوله: "قد أبلغتك"، أي فليس لك عذر بعد الإبلاغ، الخ. فأخذ يعتذر ويجيب بما يوافق معتقده الفاسد، فقال: وكأنه صلى الله عليه وسلم أبرز هذا الوعيد في مقام الزجر و التغليظ، وإلاّ فهو في القيامة صاحب الشفاعة في مذنبي الأمة، انتهى. أقول: وهذا التأويل ربما يقال: له مصادم لنص الحديث والله أعلم.
والثغاء: بضم المثلثة وتخفيف المعجمة وبالمد، صوت الشاة، والصامت الذهب والفضة، وقيل ما لا روح فيه من أصناف المال، وقوله: "رقاع تخفق" أي: تَتَقَعْقَعُ وتضطرب إذا حركتها الرياح، وقيل: معناه تلمع، والمراد بها الثياب، اهـ ملخصا من ابن حجر. ثم قال:
قال المهلب: هذا الحديث وعيد لمن أنفذه الله عليه من أهل المعاصي، ويحتمل أن الحمل المذكور لا بد منعه عقوبة له بذلك ليفتضح على رؤوس الأشهاد، وأما بعد ذلك فإلى الله الأمر في تعذيبه أو العفو عنه.
وقال غيره: هذا الحديث يفسر قوله عز وجل: {يَاتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران:161] أي يأتي به حاملا له على رقبته، ولا يقال إن بعض ما يسرق من النقد أخف من البعير مثلا، والبعير أرخص ثمنا، فكيف يعاقب الأخف جناية بالأثقل، وعكسه، لأن (4/91)
صفحة 1314
الجواب: أن المراد بالعقوبة بذلك فضيحة الحامل على رؤوس الأشهاد في ذلك الموقف العظيم، لا بالثقل والخفة، قال ابن التين: أظن الأمراء فهموا تجريس السارق ونحوه من هذا الحديث، الخ.
قوله:» إن أبا ظبية حجم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ... «الخ، لفظه في البخاري: "حجم أبو ظبية النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر له بصاع أو صاعين من طعام، وكلم مواليه، فخُفف عن غلته أو ضريبته"، وذكر حديثا آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "إحتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره"، وذكر رواية أخرى فيها زيادة: "ولو علم كراهته لم يعطه"، وذكر حديثا آخر: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتجم، ولم يكن يظلم أحدا أجره"، اهـ. فظاهر هذه الروايات أن كسب الحجام لا بأس به.
وذكر في الإيضاح في ذلك خلافا، حيث قال بعد ما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الحجام ما نصه: وعند بعض أنه لا بأس بكراء الحجام، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجرته، وقيل إن مقاطعة الحجام من السحت، ولا تجوز مقاطعته، ولكن إذا فرغ من عمله كان له أجر مثله إن اختلفا، وإن لم يختلفا فما رضي به جاز بلا مقاطعة.
وعند بعض إن كراء الحجام خسيس ولا يحرم، وقد تجافى عنه أهل الورع، ويتركونه من غير تحريم. وقد روي أنه قال صلى الله عليه وسلم: "كراء الحجام خسيس"، وروي أنه قال: (كراء الحجام خبيث)، اهـ. وظاهر إشارة المصنف رحمه الله على حديث أبي ظبية يدل على اختيار الجواز من غير كراهية، والله أعلم.
وعند قومنا أيضا فيه خلاف، قال ابن حجر: واختلف العلماء بعد ذلك في هذه المسألة، فذهب الجمهور إلى أنه حلال، واحتجوا بهذا الحديث، يعني: "أنه صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره" ولو علم كراهته لم يعطه، وفي رواية: لو كان حراما لم يعطه. قال: وعرف به أن المراد بالكراهة هنا كراهة التحريم. إلى أن قال: في ما ذهب إليه الجمهور وقالوا: هو كسب فيه دناءة وليس بمحرم، فحملوا الزجر عنه على التنزيه، ومنهم من ادعى النسخ، وأنه كان حراما ثم أبيح. إلى أن قال: (4/92)
صفحة 1315
والنسخ لا يثبت بالاحتمال، فذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحر والعبد، فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة، ويحرم عليه الإنفاق على نفسه منها، ويجوز له الإنفاق على الرقيق والدواب منها، وأباحوها للعبد مطلقا. إلى أن قال: فذكر له الحجامة فقال اعلفه نواضحك. إلى أن قال: وذكر ابن الجوزي: أن أجر الحجام إنما كره لأنه من الأشياء التي تجب للمسلم على المسلم إعانة له عند الاحتياج له، فما كان ينبغي له أن يأخذ على ذلك أجرا. واسم أبي ظبية نافع، على الصحيح، وقيل: دينار، وقيل: ميسرة، وقيل: الصحيح أنه لا يعرف اسمه. وعاش مائة وثلاثا وأربعين سنة، اهـ. ملخصا من ابن حجر.
قوله:» فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر «هذه الرواية جزمت بالصاع من غير شك، وهي رواية مالك، وفي بعض الروايات: أن المأمور بذلك والمباشر للعطية هو علي، والله أعلم.
قوله:» وأمر أهله أن يخففوا من خراجه «، المراد بالخراج هنا: الضريبة، بفتح المعجمة، فعيلة بمعنى مفعولة، وهي: ما يقرره السيد على عبده في كل يوم، ويقال: له أيضا غلة، بالغين المعجمة، قال ابن حجر: وقد وقع جميع ذلك في الحديث.
ثم قال: ومواليهم هم بنو حارثة على الصحيح، ومولاه منهم محيصة بن مسعود كما تراه هنا، وإنما جمع المولى مجازا كما يقال: بنو فلان قتلوا رجلا، وكان القاتل منهم واحدا، الخ.
قال في الحديث: إباحة الحجامة، ويلحق بها ما يتداوى به من إخراج الدم وغيره، إلى أن قال:
وفيه الأجرة على المعالجة بالطب، والشفاعة إلى أصحاب الحقوق أن يخففوا منها.
وجواز مخارجة السيد لعبده، كأن يقول له: أذنت لك أن تكتسب، على أن تعطيني كل يوم كذا وما زاد فهو لك.
وفيه استعمال العبد بغير إذن سيده الخاص، إذا كان قد تضمن تمكينه من العمل إذنه العام، اهـ. (4/93)
صفحة 1316
الباب السابع
جامع الآداب (4/94)
صفحة 1317
قوله: «لا تباغضوا»: قال ابن حجر: أي لا تتعاطوا أسباب البغض، لأنَّ البغض لا يُكتسب ابتداء، وقيل: المراد النهي عن الأهواء المضلَّة المقتضية للتباغض. قلت: بل هو للأعمِّ من هؤلاء، لأنَّ تعاطي الأهواء ضرب من ذلك. وحقيقة التباغض أن يقع بين اثنين، وقد يطلق إذا كان من أحدهما، والمذموم منه ما كان في غير الله، فإنَّه واجب، ويثاب فاعله لتعظيم حقِّ الله، ولو كانا أو أحدهما عند الله من أهل السلامة، كمن يؤدِّيه اجتهاده إلى اعتقاد ينافي الآخر، فيبغضه على ذلك، وهو معذور عند الله. اهـ. أقول: وكالبراءة عندنا من شخص اطَّلعت له على كبيرة وهو عند الله من أهل الخير.
قوله: «ولا تحاسدوا»: قال ابن حجر: الحسد تمنِّي الشخص زوال النعمة عن مستحقٍّ لها أعمُّ من أن يسعى في ذلك أم لا، فإن سعى كان باغيا، وإن لم يسع في ذلك ولا أظهره ولا تسبَّب في تأكيد أسباب الكراهة التي نُهي المسلم عنها في حقِّ المسلم، فإن كان المانع له من ذلك التقوى فقد يعذر لأنَّه لا يستطيع دفع الخواطر النفسانيَّة، فقد يكفيه في مجاهدتها أنَّه لا يعمل بها ولا يعزم على العمل بها. وقد أخرج عبد الرزَّاق عن معمر عن إسماعيل بن أميَّة رفعه: ”ثلاث لا يسلم منها أحد: الطِّيَرة والظنُّ والحسد، قيل: فما المخرج يا رسول الله؟ قال: إذا تطيَّرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقِّق، وإذا حسدت فلا تبغ“. وعن الحسن (4/95)
صفحة 1318
البصريِّ قال: ما من آدميٍّ إلاَّ وفيه الحسد، فمن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم لم يتبعه منه شيء. اهـ.
وقال قبل ذلك: أشار ـ يعني البخاري ـ بِذِكْرِ هذه الآية، يعني قوله تعالى: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ اِذَا حَسَدَ} [الفلق: 5] إلى أنَّ النهي عن التحاسد ليس مقصورا على وقوعه بين اثنين فصاعدا، بل الحسد مذموم ومنهيٌّ عنه، ولو وقع من جانب واحد، لأنَّه إذا ذُمَّ وقوعه مع المكافأة فهو مذموم مع الانفراد بطريق الأولى. اهـ.
قوله: «ولا تدابروا» قال ابن حجر: قال الخطَّابيُّ: لا تتهاجروا، فيهجر أحدكم أخاه، مأخوذ من تولية الرجل الآخر دبره إذا أعرض عنه حين يراه.
وقال ابن عبد البرِّ: قيل للإعراض مدابرة، لأنَّ من أبغض أعرض، ومن أعرض ولَّى دبره، والمحبُّ بالعكس، وقيل: معناه لا يستأثر أحدكم على الآخر، وقيل للمستأثر: مستدبر، لأنَّه ولَّى دبره حين يستأثر بشيء دون الآخر.
وقال المازريُّ: معنى التدابر المعاداة، تقول: دابرته، أي عاديته، وحكى عياض أنَّ معناه: لا تجادلوا، ولكن تعاونوا، والأوَّل أولى.
وقد فسَّره مالك في الموطَّأ بأخصَّ منه فقال إذ ساق حديث الباب عن الزهريِّ بهذا المسند: ولا أحسب التدابر إلاَّ الإعراض عن السلام يدبر عنه بوجهه، إلى أن قال: لابن المبارك بسند صحيح عن أنس قال: ”التدابر التصارم“. اهـ.
قوله: «وكونوا عباد الله إخوانا» في بعض الروايات عند قومنا: ”كما أمركم الله“.
قال ابن حجر: وهذه الجملة تشبه التعليل لما تقدَّم، كأنَّه قال: إذا تركتم هذه المنهيَّات كنتم إخوانا، ومفهومه: إذا لم تتركوها تصيرون أعداء.
ومعنى «كونوا إخوانا» اكتسبوا ما تصيرون به إخوانا ممَّا سبق ذكره وغير ذلك من الأمور المقتضية لذلك إثباتا ونفيا.
وقوله: «عباد الله»: أي يا عباد الله، بحذف حرف النداء، وفيه إشارة إلى أنَّكم عبيد الله، فحقُّكم أن تتآخوا بذلك.
قال القرطبيُّ: المعنى كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبَّة والمواساة والمعاونة والنصيحة. (4/96)
صفحة 1319
ولعلَّ قوله في الرواية الزائدة: ”كما أمركم الله“ هذه الأوامر المتقدِّم ذكرها فإنَّها جامعة لمعاني الأخوَّة. ونسبتها إلى الله لأنَّ الرسول مبلِّغ عن الله، إلى أن قال: ويحتمل أن يكون أراد بقوله ”كما أمركم الله“ الإشارة إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] فإنَّها خبر عن الحالة التي شرعت للمؤمنين فهو بمعنى الأمر.
قال ابن عبد البرِّ: تضمَّن الحديث بغض المسلم والإعراض عنه وقطيعته بعد صحبته بغير ذنب شرعيٍّ والحسد له على ما أنعم الله به عليه، وأن يعامل معاملة الأخ للنسب، وأن لا ينقِّب عن معايبه. ولا فرق في ذلك بين الحاضر والغائب، وقد يشترك الميِّت مع الحيِّ في كثير من ذلك. إلى أن قال: في رواية أخرى: وزاد بعد قوله: ”إخوانا“: ”المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشرِّ أن يحقر أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، التقوى هاهنا“، وأشار إلى صدره ... الخ.
قوله: «ولا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» بوَّب له البخاريُّ فقال: باب الهجرة، وقول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ”لا يحلُّ للرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال ... “الخ. وبالليالي قيَّده المصنِّف رحمه الله في الحديث الذي بعده.
قال ابن حجر: الهجرة (بكسر الهاء وسكون الجيم) أي: ترك الشخص مكالمة الآخر إذا تلاقيا، وهي في الأصل الترك فعلا كان أو قولا، وليس المراد بها مفارقة الوطن، فإنَّ تلك تقدَّم حكمها، إلى أن قال: قال النوويُّ: قال العلماء: تحرم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال بالنصِّ، وتباح في الثلاث بالمفهوم. وإنَّما عفا عنه في ذلك لأنَّ الآدميَّ مجبول على الغضب فسومح بذلك القدر ليرجع ويزول ذلك العارض. (4/97)
صفحة 1320
وقال أبو العبَّاس القرطبيُّ: المعتبر ثلاث ليال حتَّى لو بدأ بالهجرة في أثناء النهار أُلغي البعض، ويعتبر ليلة ذلك اليوم، وينقضي العفو بانقضاء الليلة الثالثة.
قال ابن حجر: قلت وفي الجزم باعتبار الليالي دون الأيَّام جمود ... الخ، فذكر رواية بلفظ: ”ثلاثة أيَّام“.
قال: فالمعتبر أنَّ المرخص فيه ثلاثة أيَّام بلياليها فحيث أطلقت الليالي أريد بأيَّامها، وحيث أطلقت الأيَّام أريد بلياليها، ويكون الاعتبار مضيُّ ثلاثة أيَّام بلياليها ملفَّقة إذا ابتدئت مثلا من الظهر يوم السبت كان آخرها ظهر يوم الثلاثاء، ويحتمل أن يُلغي الكسر، ويكون أوَّل العدَّة من ابتداء اليوم أو الليلة، والأوَّل أحوط.
وقال في محلٍّ آخر: ظاهره إباحة ذلك في الثلاث، وهو من الرفق، لأنَّ الأدميَّ في طبعه الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك، والغالب أنَّه يزول أو يقلُّ في الثلاث.
قوله: «فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» زاد في بعض الروايات بعدَه: ”يسبق إلى الجنَّة“، وفي بعضها: ”فإن مرَّت عليه ثلاث فلقيه فسلَّم عليه فإن ردَّ عليه فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يردَّ عليه فقد باء بالإثم“. وفي رواية: ”فإنهما ناكبان عن الحقِّ ما داما في صرامهما، وأولهما فيئًا يكون سَبْقُه كفَّارةً“. وفي بعض الروايات زيادة: ”فإن ماتا على صرامتهما لم يدخلا الجنَّة جميعا“.
وقوله: «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» قال ابن حجر: قال أكثر العلماء: تزول الهجرة بمجرَّد السلام وردِّه. وقال أحمد: لا يبرأ من الهجرة إلاَّ بعَوْدِهِ إلى الحال التي كان عليها أوَّلا. وقال أيضا: إن كان ترك الكلام يؤذيه لم يقطع الهجرة بالسلام، وكذا قال ابن القاسم.
قال عياض: إذا اعتزل كلامه لم تقبل شهادته عليه عندنا ولو سلَّم عليه، وهذا يؤيِّد قول ابن القاسم. قال ابن حجر: قلت ويمكن الفرق بأنَّ باب الشهادة يُتوقَّى فيها، وترك المكالمة يشعر بأنَّ في باطنه عليه شيئا فلا تقبل شهادته عليه، وأمَّا زوال الهجرة بالسلام عليه بعد ترك ذلك في الثلاث فليس بممتنع. واستدلَّ للجمهور بما رواه الطبرانيُّ، (4/98)
صفحة 1321
إلى أن قال: وفيئه ورجوعه أن يأتي فيسلِّم عليه، واستدلَّ بقوله: ”أخاه“ على أنَّ الحكم يختصُّ بالمؤمنين. إلى أن قال: واستدلَّ بهذه الأحاديث على أنَّ من أعرض عن أخيه المسلم وامتنع من مكالمته والسلام عليه أثم بذلك، لأنَّ نفي الحلِّ يثبت التحريم، ومرتكب الحرام آثم.
ثمَّ قال ابن عبد البرِّ: أجمعوا على أنَّه لا يجوز الهجران فوق ثلاث إلاَّ إن خاف من مكالمته ما يفسد عليه دينه، أو يدخل منه على نفسه أو دنياه مضرَّة، فإن كان كذلك جاز، ورُبَّ هجرٍ جميل خير من مخاطبة مؤذية. وقد استشكل على هذا ما صدر عن عائشة في حقِّ ابن الزبير ... الخ وقصَّتها معه طويلة، ونذرت أن لا تكلمه ثمَّ بعد مدَّة دخل عليها برجلين من الصحابة فكلَّمته بعد الجهد الجهيد، وأعتقت لذلك أربعين رقبة فإذا تفكَّرت نذرها بعد ذلك تبكي حتَّى تبلَّ دموعها خمارها.
قال ابن حجر بعد إطالة الجواب عن ما صدر عن عائشة رضي الله عنها: وقد ذكر الخطَّابيُّ أنَّ هجران الوالد لولده، والزوج لزوجته لا يتضيَّق بالثلاث، واستدلَّ بأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم هجر نساءه شهرا، وكذلك ما صدر من كثير من السلف في استجازتهم ترك مكالمة بعضهم بعضا مع علمهم بالنهي عن المهاجرة.
ولا يخفى أنَّ هنا مقامين: أعلى وأدنى، فالأعلى اجتناب المهاجرة جملة، فيبذل السلام والكلام والموادَّة لكلِّ طريق، والأدنى الاقتصار على السلام دون غيره. والوعيد الشديد إنَّما وقع لمن يترك المقام الأدنى، وأمَّا الأعلى فمن تركه من الأجانب فلا يلحقه الملام، بخلاف الأقارب، فإنَّه يدخل فيه قطيعة الرحم، وإلى هذا أشار ابن الزبير في قوله: فإنَّها لا يحلُّ لها أن تنذر قطيعتي، وإن كانت هجرتني عقوبة على ذنبي فليكن لذلك أمدٌ، وإلاَّ فتأبيد ذلك يفضي إلى قطيعة الرحم. وقد كانت عائشة علمت بذلك لكنَّها تعارض عندها هذا والنذر الذي التزمته، فلِمَا وقع من اعتذار ابن الزبير واستشفاعه ما وقع رجح عندها ترك الإعراض عنه، واحتاجت إلى التكفير عن نذرها بالعتق الذي تقدَّم ذكره، ثمَّ بعد ذلك يعرض عندها شكٌّ في أنَّ التكفير المذكور لا يكفيها، فتظهر الأسف على ذلك إمَّا ندما على ما صدر منها من أصل النذر المذكور، وإمَّا خوفا من عاقبة ترك الوفاء به. اهـ. (4/99)
صفحة 1322
قوله: «إيَّاكم والظنَّ» قال ابن حجر: قال الخطَّابيُّ وغيره: ليس المراد ترك العمل بالظنِّ الذي تناط به الأحكام غالبا، بل المراد ترك تحقيق الظنِّ الذي يضرُّ بالمظنون به، وكذا ما يقع في القلب بغير دليل. وذلك أنَّ أوائل الظنون إنَّما هي خواطر لا يمكن دفعها، وما لا يقدر عليه لا يكلَّف به، ويؤيِّده حديث: ”تجاوز الله للأمة عمَّا حدَّثت به أنفسها“، وقد تقدَّم شرحه.
وقال القرطبيُّ: المراد بالظنِّ هنا التهمة التي لا سبب لها، كمن يتَّهم رجلا بفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها؛ ولذلك عطف عليه قوله: ”ولا تجسَّسوا“، وذلك أنَّ الشخص يقع له خاطر التُّهمة، فيريد أن يتحقَّق فيتجسَّس ويبحث ويتسمَّع فنهى عن ذلك.
وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} [الحجرات: 12] فدلَّ سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة لتقدُّم النهي عن الخوض فيه بالظنِّ. فإن قال الظانُّ: أبحث لأتحقَّق، قيل له: {وَلاَ تَجَسَّسُوا}، فإن قال أتحقَّقه من غير تجسُّس قيل له: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا}.
وقال عياض: استدلَّ بالحديث قوم على منع العمل في الأحكام بالاجتهاد والرأي. وحمله المحقِّقون على ظنٍّ مجرَّد عن الدليل ليس مبنيًّا على أصل ولا تحقيق نظر.
قال النوويُّ: ليس المراد في الحديث بالظنِّ ما يتعلَّق بالاجتهاد الذي يتعلَّق بالأحكام أصلا، بل الاستدلال به لذلك ضعيف أو باطل. وتُعُقِّب بأنَّ ضعفه ظاهر، وأمَّا بطلانه فلا، فإنَّ اللفظ صالح لذلك، إلى أن قال: وقد قربه القرطبي في المفهم، وقال: الظنُّ الشرعيُّ الذي هو تغليب أحد الجانبين، أو هو بمعنى اليقين ليس مرادا من الحديث ولا من الآية، فلا يلتفت لمن استدلَّ بذلك على إنكار الظنِّ الشرعيِّ. إلى أن قال: وأمَّا وصف الظنِّ بأنَّه أكذب الحديث مع أنَّ تعمُّد الكذب الذي لا يستند إلى ظنٍّ أصلا أشدُّ من الأمر الذي يستند إلى الظنِّ، فالإشارة إلى الظنِّ المنهيِّ عنه هو الذي (4/100)
صفحة 1323
لا يستند إلى شيء يجوز الاعتماد عليه، فيعتمد عليه ويجعل أصلا، ويجزم به فيكون الجازم به كاذبا.
وإنَّما صار أشدَّ من الكذب لأنَّ الكذب في أصله مستقبح مستغنى عن ذمِّه بخلاف هذا، فإنَّ صاحبه بزعمه مستند إلى شيء فوُصِف بكونه أشدَّ الكذب مبالغة في ذمِّه والتنفير عنه، وإشارة إلى أنَّ الاغترار بكونه أكثر من الكذب المحض لخفائه غالبا، ووضوح الكذب المحض. اهـ.
قوله: «فإنَّ الظنَّ أكذب الحديث» قال ابن حجر: قد استشكل تسمية الظنِّ كذبا، وأجيب بأنَّ المراد عدم مطابقة الواقع، سواء كان قولا أم لا. ويحتمل أن يكون المراد ما ينشأ عن الظنِّ فوُصِف الظنُّ به مجازا.
قوله: «ولا تجسَّسوا ولا تحسَّسوا» قال ابن حجر: إحدى الكلمتين بالجيم والأخرى بالحاء المهملة، وفي كلٍّ منهما حذف إحدى التاءين تخفيفا، وكذا في بقيَّة المناهي التي في حديث الباب، والأصل: ”تتجسَّسوا“. قال الخطَّابيُّ: معناه لا تبحثوا عن عيوب الناس ولا تتَّبعوها، قال تعالى حاكيا عن يعقوب عليه السلام {اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُّوسُفَ وَأَخِيهِ} [يوسف: 87]. وأصل الكلمة التي بالمهملة من الحواسِّ الخمس، وبالجيم من الجسِّ بمعنى اختبار الشيء باليد، وهي إحدى الحواسِّ الخمس، فتكون التي بالحاء أعمَّ. وقال إبراهيم الحربيُّ: هما بمعنى واحد. وقال ابن الأنباريِّ: ذكر الثاني للتأكيد كقولهم: ”بعدا وسحقا“. وقيل بالجيم: البحث عن عوراتهم، وبالحاء استماع حديث القوم، وهكذا رواه الأوزاعيُّ عن يحيى بن كثير أحد صغار التابعين. وقيل بالجيم: البحث عن بواطن الأمر، وأكثر ما يقال في الشرِّ، وبالحاء البحث عمَّا يدرك بحاسَّة السمع والأذن، ورجَّح هذا القرطبيُّ. وقيل بالجيم: تتبُّع الشخص لأجْلِ غيره، وبالحاء تتبُّعه لنفسه، وهذا اختيار ثعلب.
ويستثنى من النهي عن التجسُّس ما لو تعيَّن طريقا إلى إنقاذ نفس من الهلاك مثلا، كأنْ يخبِر ثقة بأنَّ فلانا خلا بشخص ليقتله ظلما، أو بامرأة ليزني، فيشرع في (4/101)
صفحة 1324
هذه الصورة التجسُّس والبحث عن ذلك حذرا من فوات استدراكه، نقله النوويُّ عن الأحكام السلطانيَّة للماروديِّ واستجازه. وأوَّل كلامه: ”ليس للمحتسب أن يبحث عمَّا لم يظهر من المحرَّمات ولو غلب على الظنِّ استمرار أهلها بها إلاَّ هذه الصورة“.اهـ.
وبقية الحديث تقدَّم الكلام عليه، إلاَّ قوله: «ولا تنافسوا» (بالفاء والسين المهملة) وهي رواية مالك. وأمَّا رواية البخاريِّ فهي: ”ولا تناجشوا“ (بالجيم والشين المعجمة)، قال ابن حجر: من النجش، وهو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، وقد تقدَّم بيانه وحكمه في كتاب البيوع ... الخ. ولم يكتب ابن حجر على رواية الفاء والسين شيئا، وكتب عليه شارح الجامع الصغير ما نصُّه: ”ولا تنافسوا (بالفاء والسين المهملة) من المنافسة، وهي الرغبة في الشيء والانفراد به“.اهـ. وهذا المعنى هو الذي يدلُّ عليه كلام الصحاح حيث قال: ”وشيء نفيس أي يُتنافس فيه ويُرغب ... “الخ. وأمَّا المعنى الذي ذكره له المصنِّف رحمه الله فلم نطَّلع عليه، ولكن من حفظ حجَّة على من لم يحفظ. والله أعلم.
قوله: «إيَّاكم والحسد والظنَّ والبغي ... » إلخ قد تقدَّم الكلام على الحسد والظنِّ بما فيه كفاية، لكن قد تكلَّم العلقميُّ شارح الجامع الصغير في الظنِّ كلاما لا بأس بذكره، لما فيه بين هذا الحديث والأحاديث التي تدلُّ على جواز الظنِّ حيث قال في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”احترسوا عن الناس بسوء الظنِّ“ مع قوله: ”الحزم سوء الظنِّ“، وقوله: ”من حسن ظنُّه بالناس كثرت ندامته“ ما نصُّه: ”وكلٌّ منهما فيه استعمال سوء الظنِّ، أي فيمن لم يُتحقَّق منه حسن السريرة والأمانة على المال والأهل والنفس، وأنَّ ذلك إذا كان على وجه طلب السلامة من الناس لم يأثم صاحبه، ولا معارضة حينئذ بينه وبين حديث ”إيَّاكم والظنَّ فإنَّ الظنَّ أكذب الحديث“، لأنَّ هذا فيمن تحقَّق منه حسن السريرة والأمانة، وحديث الباب فيمن استعمله على وجه السلامة من شرِّ الناس، وبذلك يلتقي ما ظاهِرُه التعارض. (4/102)
صفحة 1325
وقد يقال: حديث الباب فيمن ظهر منهم الخداع والمكر، وخلف الوعد، والخيانة، والأيمان الباطلة، وحديث ”إيَّاكم والظنَّ“ فيمن غلب عليهم الصدق والوفاء بالعهد. ويقال أيضا: إنَّ قرائن الأحوال تغلِّب أحد الجانبين، فإن ظهرت قرينة سوء وخبث ونكث العهد وما أشبه ذلك استعمل معه سوء الظنِّ، وإن ظهرت قرينة صدق وصلاح ووفاء لم يُظنَّ به ذلك. وقوله: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ} [الحجرات: 12] يشير إلى هذا الجمع ... “الخ.
أقول: ويشير إليه أيضا الأثر المرويُّ عن عمر رضي الله عنه الذي ذكره المصنِّف رحمه الله بعدُ: ”من علمنا فيه خيرا ... “الخ.
قال العلقميُّ: أو يقال: إيَّاكم والظنَّ، إنَّه التهمة التي لا سبب لها يوجبها، كمن يتَّهم شخصا بالفاحشة أو شرب الخمر أو السرقة، ولم يظهر عليه ما يوجبها، بخلاف الظنِّ الذي يسلم به من شرِّ الناس.“اهـ.
وأمَّا البغي فذكر ابن حجر نقلا عن الراغب أنَّه مجاوزة القصد، فمنه ما يحمد ومنه ما يذمُّ. فالمحمود: مجاوزة العدل الذي هو الإتيان بالمأمور بغير زيادة فيه ولا نقصان، إلى الإحسان، وهو الزيادة عليه، ومنه الزيادة على الفرض بالتطوُّع المأذون فيه. والمذموم مجاوزة العدل إلى الجور والحقِّ إلى الباطل، والمباح إلى الشبهة. ومع ذلك فأكثر ما يطلق البغي على المذموم، قال الله تعالى: {اِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الشورى: 42]، وقال تعالى: {فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 145]. وإذا أطلق البغي وأريد به المحمود تزاد فيه غالبا التاء، كما قال الله تعالى {فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ} [العنكبوت: 17] وقال: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا} [الإسراء: 28]. (4/103)
صفحة 1326
وقال غيره: ”البغي الاستعلاء بغير الحقِّ ومنه: بغى الجرح، إذا فسد“.اهـ.
أقول: وظاهر كلام الصحاح الجمع بين المعنيين حيث قال: البغي: التعدِّي، وبغى الرجل استطال، إلى أن قال: وبغى الجرح ورم وترامى إلى فساد، وبغى الوالي ظلم، وكلُّ مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حدُّ الشيء فهو بغي ... “الخ.
وقال البيضاويُّ: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالاِحْسَانِ} إلى قوله: {وَالْبَغْيِ} [النحل: 90]: الاستعلاء والاستيلاء على الناس والتجبُّر عليهم، فإنَّها الشيطنة التي هي مقتضى القوَّة الوهميَّة، ولا يوجد من الإنسان شرٌّ إلاَّ وهو مندرج في هذه الأقسام صادر بتوسُّط إحدى هذه القوى الثلاث، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: هي أجمع رواية في القرآن للخير والشرِّ، وصارت سببا لإسلام عثمان بن مظعون، ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنَّه تبيان كلِّ شيء وهدى ورحمة للعالمين ... “الخ.
قوله: «ولا حظَّ في الإسلام لمن فيه إحدى هذه الخصال» وذلك في الحَسَد إذا بَغَى، وفي الظنِّ إذا حقِّق، بدليل قوله بعدُ: «من حسد فلا يبغِ ... » الحديث. والله أعلم.
قوله: «من علمنا فيه خيرا ... » إلخ هذا الأثر استدلَّ به أصحابنا رحمهم الله على وجوب وَلاية الأشخاص وبراءة الأشخاص، وفيه زيادة على رواية المصنِّف رحمه الله هي نصٌّ في المقصود، قال في القواعد: وقال عمر رضي الله عنه: ”من رأينا فيه خيرا قلنا فيه خيرا وظننَّا فيه خيرا وتولَّيناه، ومن رأينا منه شرًّا قلنا فيه شرًّا وظننَّا فيه شرًّا وتبرَّأنا منه“.اهـ.
ففي هذا الأثر جواز ظنِّ السوء بالمنافق للاحتراس منه مثلا، ولكن لا يجوز القطع بذلك لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”إذا ظننتم فلا تحقِّقوا“، كما تقدَّم ويأتي. والله أعلم.
قوله: «من حسد فلا يبغ، ومن تطيَّر فلا يرجع، ومن ظنَّ فلا يحقِّق»: هذا الحديث يدلُّ على أنَّ الحسد المهلك هو الذي يكون معه البغي، والظنُّ المهلك هو الذي يكون معه التحقيق. (4/104)
صفحة 1327
وهذا الحديث قريب ممَّا تقدَّم فيما ذكره ابن حجر عن عبد الرزَّاق مرفوعا: ”ثلاثة لا يسلم منها أحدٌ: الطيرة، والظنُّ، والحسد، قيل: فما المخرج منهنَّ يا رسول الله؟ قال: إذا تطيَّرت ... “ الحديث. ومثله ما في الجامع الصغير من قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”إذا حسدتم فلا تبغوا، وإذا ظننتم فلا تحقِّقوا، وإذا تطيَّرتم فامضوا، وعلى الله فتوكَّلوا“. قال العلقميُّ بعد كلام في حقيقة الحسد وما يتعلَّق به ما نصُّه: ”وصاحبه مذموم إذا فعل بمقتضى ذلك من تصميم أو قول أو فعل، وينبغي لمن خطر له أن يكرهه كما يكره ما وضع في طبعه من حبِّ المنهيَّات. واستثنوا من ذلك ما إذا كانت النعمة لكافر أو فاسق يستعين بها على معاصي الله تعالى ... “الخ.
أقول: ويؤيِّد هذا الاستثناء قول صاحب الإيضاح فيما يتعلَّق بحقوق الجار: ”وفي الأثر: من كان له جار سوء يؤذيه، فإن كان منافقا جاز له أن يدعو عليه بالفقر والموت، ولا يجوز أن يدعو على المؤمن ... “الخ. فإنَّه من المعلوم أنَّه لا يدعو عليه بالفقر إلاَّ وهو يتمنَّى زوال النعمة التي عنده. على أنَّ بعض قومنا عرَّف النعمة بأنَّها: أمر ملائم تحمد عاقبته. قال: ومن ثمَّ لا نعمة لله على الكافر، فعلى هذا يخرج ما بيد الكافر إذا تمنَّى زواله من تعريف الحسد بأنَّه: تمنِّي زوال النعمة عن المنعَم عليه.
لكن في كلامه نظر، لقوله تعالى: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الاِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [الإسراء: 83]، وقوله: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ الاِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] إلى غير ذلك، والله أعلم، فالاستثناء أظهر. والحاصل أنَّه لا يتمنَّى زوالهما لعدم الرضى بقسم الله، وإنَّما يتمنَّى ذلك لما يحصل منه من التجبُّر بتلك النعمة والاستعلاء بها على المسلمين. والله أعلم.
وفسَّر العلقميُّ البغي بخلاف ما تقدَّم عن ابن حجر بحسب الظاهر حيث قال: ”بغى يبغي بُغاء (بالضمِّ) إذا طلب، قاله في النهاية“. (4/105)
صفحة 1328
وقال في المصباح: بغيته أبغيه بغيا طلبته وأبتغيه وبغيته مثله، والاسم: البُغاء، مثل غراب، وينبغي أن يكون كذلك معناه: يندب ندبا مؤكَّدا لا يحسن تركه، واستعمال ماضيه مهجور، وقد عدُّوا "ينبغي" من الأفعال التي لا تتصرَّف، فلا يقال: انبغى. وقيل في توجيهه: إنَّ "انبغى: مطاوع "بَغَى"، ولا يستعمل "انفعل" في المطاوعة إلا إذا كان فيه علاج وانفعال، مثل: كسرته فانكسر، وكما لا يقال: طلبته فانطلب، وقعدته فانقعد، لا يقال بغيته فانبغى، لأنَّه لا علاج فيه، وأجازه بعضهم. إلى أن قال: وما ينبغي أن يكون كذا، أي: ما يستقيم، أو ما يحسن“.اهـ.
قوله: «ومن تطيَّر فلا يرجع» قال العلقميُّ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”وإذا تطيَّرتم فامضوا، وعلى الله فتوكَّلوا“: الطيرة (بكسر الطاء وفتح الياء): التشاؤم (بالشين)، وهو مصدر تطيَّر طيرة، كتحير حيرة، ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما. والمعنى: إذا تطيَّرتم بسبب الطير فلا يلتفت خاطركم إلى ذلك، وامضوا لقصدكم، وعلى الله فتوكَّلوا“.اهـ.
قوله: «ومن ظنَّ فلا يحقِّق» قال العلقميُّ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”وإذا ظننتم فلا تحقِّقوا“ أراد: إذا عرض لك شكٌّ في أمر فلا تحقِّقه بأن تتَّبع موادَّه وما يرد منها“.اهـ.
قوله: «وهو فرق ما بين المسلم والمنافق»: يعني ما ذكر من عدم البغي في الحسد وعدم التحقيق في الظنِّ، وعدم الرجوع في الطيرة، هو الذي يميِّز المسلم من المنافق، فإنَّ المنافق إذا حسد بغى عند القدرة على ذلك، وإذا تطيَّر رجع، وإذا ظنَّ حقَّق، والمسلم لا يفعل شيئا من ذلك، وإن وجد ما يقتضيه، لأنَّه يكفُّ نفسه كما يكفُّها في سائر المنهيَّات. والله أعلم. (4/106)
صفحة 1329
الباب السابع في نسمة المؤمن ومثله (4/107)
صفحة 1330
قوله: «نسمة المؤمن طائر يَعْلَقُ في شجر الجَنَّة حَتَّى يرجعه الله في جسده يوم يبعثه»: لم أظفر بهذا الحديث في البخاري ولا في الجامع، وقد ذكره صاحب السؤالات رحمه الله بلفظ مغاير لهذا الحديث، حيث قال في قوله عَزَّ وَجَلَّ: {فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} [الواقعة: 88 - 89]: “الروح (بفتح الراء): الراحة، والريحان: الرحمة. (4/108)
صفحة 1331
وبعض القرَّاء يقرؤون بضمِّ الراء، أي: الحياة، والريحان: الرزق. وفي الحديث: "أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق في أنهار الجَنَّة وتأوي إلى قناديل من نور معلَّقة بالعرش تأكل وتأخذ". والروح تتصرَّف على سِتَّة أوجه: الروح التي للإنسان التي تقبض عند الموت ... إلخ”. وذكره في الصحاح ومختصرِه، واللفظ للمختصر حيث قال: “وفي الحديث: "أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلُق من ثمر الجَنَّة"، (بضمِّ اللام) أي: تتناول”.اهـ. وذكره البيضاويُّ عند قوله تعالى في الشهداء مع من يلحق بهم: {بَلَ اَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ... } [آل عمران: 169] الآية حيث قال: “والمعنى أَنَّهُم يستبشرون بما تَبَيَّنَ لهم من أمر الآخرة، وحالِ مَن تركوا خلفهم من المؤمنين، وهو أَنَّهُم إذا ماتوا أو قُتلوا كانوا أحياء حياة لا يكدِّرها خوف ووقوع محذور وحزن فوات محبوب. والآية الكريمة تَدُلُّ على أنَّ الإنسان غير الهيكل المحسوس، بل هو جوهر مدرك بذاته لا يفنى لفوات البدن، ولا يتوقَّف عليه إدراكه وتألُّمه والتذاذه، ويؤيِّد ذلك قوله تعالى في آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ... } [غافر: 46] الآية، وما روي عن ابن عبَّاس أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قال: “أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ترد أنهار الجَنَّة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلَّقة في ظلِّ العرش”.
ومن أنكرذلك ولم ير الروح إِلاَّ ريحا وعَرَضًا قال: هم أحياء يوم القيامة، وَإِنَّمَا وُصفوا به في الحال لتحقُّقه ودنوِّه. أو أحياء بالذكر أو الإيمانِ. وفيها حثٌّ على الجهاد، وترغيب في الشهادة، وبعثٌ على ازدياد الطاعة، وإحماد لمن يتمنَّى للإخوان مثل ما أنعم الله عليه، وبشرى للمؤمنين بالفلاح”اهـ. وكان المراد بالنسمة هنا الروح، ليوافق ما ذكر من الأحاديث، وَأَمَّا النسمة بالمعنى الحقيقيِّ فغير مناسبة هنا، قال في الصحاح: “ونَسَمُ الريح: أَوَّلها حين تقبل بِلينٍ قبل أن يشتدَّ”. إلى أن قال: “والنَّسَم أيضا جمع نسمة، وهي النَّفَس والرُّبْوُ، وفي الحديث: "تنكَّبوا الغبار فمنه تكون النسمة". والنسمة: الإنسان، وتنسَّم أي: تنفَّس، وفي الحديث: "لَمَّا تنسَّموا روح الحياة"، أي: وجدوا نسمها. النسمة بمعنى الروح، ولم يذكره، وظاهر رواية الْمُصَنِّف رحمه الله أنَّ نسمة المؤمن بمعنى روحه تصير طائرا. (4/109)
صفحة 1332
وظاهر رواية السؤالات وغيرها أَنَّهَا لا تصير طائرا، وَإِنَّمَا هي حوصلته مثلا، اللَّهُمَّ إِلاَّ أن يقال: بعد أن تصير طائرا تكون في حوصلته فلا منافاة، والله أعلم بحقيقة ذلك. ثُمَّ ظاهرها أيضا أنَّ هذه الفضيلة تحصل لِكُلِّ مؤمن، وظاهر رواية غيره أَنَّهَا خَاصَّة بالشهداء تشريفا لهم على غيرهم، وهو المتبادر من ظاهر القرآن، اللَّهُمَّ إِلاَّ أن يقال: المراد بالمؤمن في روايته: الشهيد، ليوافق رواية غيره، والله أعلم، فليحرّره.
قوله: «تَعْلُقُ»: (بضمِّ اللام) بمعنى: تتناول.
قوله: «في شجر الجنَّة»: الظاهر أنَّ "في" بمعنى مِنْ، على حدِّ {فِي تِسْعِ ءَايَاتٍ} [النمل: 12]، وتشهد له رواية: “تعلق من ثمر الجنَّة”، وقول السؤالات: “تعلق في أنهار الجنَّة” لَعَلَّهُ: "في أثمار الجنَّة" ليوافق الرواية الأخرى، فلتراجع نسخة صحيحة، والله أعلم.
قوله: «حتى يرجعه الله إلى جسده»: هذا مِمَّا يَدُلُّ على أنَّ المراد بالنسمة الروح حيث حكم لها بالرجوع إلى الجسد، وذكر الضمير الراجع إليها، والله أعلم.
قوله: «إنَّ من الشجر شجرة»: في بعض الروايات قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فقال: كُنَّا عند النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم فأوتي بجمَّار فقال: "إنَّ من الشجر". وفي رواية: كنت عند النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يأكل جمَّارا.
قوله: «لا يسقط ورقها وهي مثل المؤمن من المسلم»: ذكر ابن حجر في روايته ضبطين: بكسر الميم وسكون المثلَّثه وفتحهما، ثُمَّ قال: “قال الجوهريُّ: مِثْلُه ومَثَلُه كلمة تسوية، كما يقال شِبْهُه وشَبَهُه بمعنًى. قال: والمَثَل (بالتحريك أيضا): ما يضرب من الأمثال”.اهـ. قال ابن حجر: “ووجه الشبه بين النخلة والمسلم من جهة عدم سقوط الورق ما رواه الحارث بن أبي أسامه في هذا الحديث من وجه آخر عن ابن عمر، ولفظه: "قال: كُنَّا عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذات يوم فقال: إنَّ مثل المؤمن كمثل شجرة لا يسقط لها أنملة، تدرون ما هي؟ قالوا: لا، قال: هِيَ النخلة، هي لا يسقط لها أنملة، كما لا يسقط للمؤمن دعوة" ”. إلى أن قال: (4/110)
صفحة 1333
“عن ابن عمر: بينما نحن عند النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم إذ أوتي بجمَّار فقال: "إنَّ من الشجر ما بركته كبركة المسلم"، قال: وهذا أعمُّ من الذي قبله. وبركة النخلة موجودة في جميع أجزائها، مستمرَّة في جميع أحوالها، فمن حيث تطلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعا، ثُمَّ بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها، حَتَّى النوى في علف الدوابِّ، والليف في الحبال، إلى غير ذلك مِمَّا لا يخفى. وكذلك بركة المسلم عَامَّة في جميع الأحوال، ونفعه مستمرٌّ له ولغيره، إلى أن قال: وفي رواية أخرى عن ابن عمر قال: كُنَّا عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: "أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحاتُّ ورقها ولا ولا ولا"، كذا ذكر النفي ثلاث مَرَّات على طريق الاكتفاء، فقيل في تفسيره: ولا ينقطع ثمرها، ولا يعدم فَيْئُها، ولا يبطل نفعها ... ”إلخ.
قوله: «فوقع الناس في شجر البراري»: قال ابن حجر: أي ذهبت أفكارهم في أشجار البادية، فجعل كلٌّ منهم يفسِّرها بنوع من الأنواع، وذهلوا عن النخلة.
قوله: «فوقع في نفسي أَنَّهَا النخلة»: قال ابن حجر: بَيَّنَ أبو عوانة في صحيحه عن طريق مجاهد عن ابن عمر وجه ذلك، فقال: ظننت أَنَّهَا النخلة، من أجل الجمَّار الذي أوتي به. قال: وفيه إشارة إلى أنَّ الملْغَزَ له ينبغي أن يفطن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال، وأن الملْغِز يببغي له أن لا يبالغ في التعمية، بحيث يجعل للُّغر بابا يدخل منه بل كُلَّمَا قرَّبه كان أوقع في نفس سامعه. اهـ.
قوله: «فاستحييت»: فقال ابن حجر: “زاد في رواية مجاهد: "فأردت أن أقول: هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم"، وله في الأطعمة: "فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم". وفي رواية نافع: "ورأيت أبا بكر وعمر لا يَتَكَلَّمان، فكرهت أن أتكلَّم، فَلَمَّا قمنا قلت لعمر: ياأبتاه ... "الخ. فذكر رواية أخرى لفظها: "فحدَّثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأَنْ تكون قُلْتَها أحبُّ إِليَّ من أن يكون لي كذا وكذا". زاد ابن حبَّان في صحيحه: “أحسبه قال: حمر النعم”. قال ابن حجر: “وفي هذا الحديث من الفوائد غيرُ ما تَقَدَّمَ: امتحانُ العالم أذهان الطلبة بما يخفَى مع بيانه لهم إن لم يفهموه”. إلى أن قال: (4/111)
صفحة 1334
“وفيه التحريض على الفهم في العلم”. إلى أن قال: “وفيه استحباب الحياء ما لم يؤدِّ إلى تفويت مصلحة، ولهذا تمنَّى عمر أن يكون ابنه لم يسكت”. إلى أن قال: “وفيه دليل على بركة النخلة وما تثمره”. إلى أن قال: “وفيه دليل على أنَّ بيع الجمَّار جائز، لأَنَّ كُلَّ ما جاز أكله جاز بيعه”. إلى أن قال: “وفيه دليل على تجمير النخلة، وقد بوَّب عليه في الأطعمة لِئَلاَّ يُظَنُّ أنَّ ذلك من باب إضاعة المال. وأورده في تفسير قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً} [إبراهيم: 24]، إشارة منه إلى أنَّ المراد بالشجرة النخلة”. إلى أن قال: “عن ابن عمر أن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "من يخبرني عن شجرة مثلها مثل المؤمن، أصلها ثابت وفرعها في السماء ... " فذكر الحديث. إلى أن قال: “قال القرطبيُّ: موضع التشبيه بينهما أنَّ أصل دين المسلم ثابت، وأنَّ ما يصدر عنه من العلوم والخير قُوَّة للأرواح مستطاب، وَأَنَّهُ لا يزال مستورا بدينه، وَأَنَّهُ ينتفع بِكُلِّ ما صدر منه حَيًّا وميِّتا”.اهـ.
قال: “وقال غيره: والمراد بكون فرع المؤمن في السماء رفعُ عمله وقبولُه”. إلى أن قال: “وَأَمَّا من زعم أنَّ موقع التشبيه بين المسلم والنخلة من جهة كون النخلة إذا قطع رأسها ماتت، أو أَنَّهَا لا تحمل حَتَّى تلقح، أو لأَنَّهَا تموت إذا حرقت، أو لأَنَّ لطلعها رائحة منيِّ الآدميِّ، أو لأَنَّهَا تعشق، أو لكونها تشرب من أعلاها، فكلُّها أوجه ضعيفة، لأَنَّ جميع ذلك من المشابَهات مشترك في الآدميِّين، لا يَخْتَصُّ بالمسلم. وأضعف من ذلك من زعم أنَّ ذلك لكونها خلقت من فضلة طينة آدم، فإنَّ الحديث في ذلك لم يثبت. وفيه ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الإفهام، وتصوير المعاني لترسخ في الذهن، ولتجديد الفكر في النظر في حكم الحادثة. وفيه إشارة إلى أنَّ تشبيه الشَّيْء بالشَّيْء لا يلزم أن يكون نظيره من جميع وجوهه، فإنَّ المؤمن لا يماثله شيء من الجمادات ولا يعادله. (4/112)
صفحة 1335
وفيه توقير وتقديم الصغير أباه في القول، وَأَنَّهُ لا يبادره بما فهمه وإن ظنَّ أَنَّهُ الصواب. وفيه أنَّ العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه، لأنَّ العلم مواهب، والله يؤتي فضله من يشاء. وَاستَدَلَّ به مالك على أنَّ الخواطر التي تقع في القلب في محبة الثناء على أعمال الخير لا يقدح فيها إذا كان أصلها لله، وذلك مستفاد من تمنِّي عمر المذكور. ووجه تمنِّي عمر ما طُبِع الإنسان عليه من محبَّة الخير لنفسه ولولده، ولتظهر فضيلة الولد في الفهم من صغره، وليزداد من النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم حظوة. وَلَعلَّهُ كان يرجو أن يدعو له إذ ذاك بالزيادة في الفهم. وفيه إشارة إلى حقارة الدنيا في عين عمر، لأَنَّهُ قابل فهم ابنه لمسألة واحدة بحُمُر النعم مع عظم مقدارها وغلاء ثمنها”.اهـ.
قوله: «هي النخلة تؤتي أكلها كُلَّ حين بإذن رَبِّها»: يعني في كُلِّ سِتَّة أشهر: هذا هو تفسير سعيد بن جبير وقتادة والحسن في الآية. قال البغويُّ في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً ... } [إبراهيم: 24] الآية ما نصُّه: “ألم تعلم، والمَثَل قول سائر لتشبيه كلمة طَيِّبَة هي قوله: "لا إله إِلاَّ الله" بشجرة طَيِّبَة، وهي النخلة، يريد: كشجرة طَيِّبَة الثمر. وقال أبو ضيبان عن ابن عبَّاس: هي شجرة في الجنَّة أصلها ثابت في الأرض وفروعها أعلاها في السماء، كذلك أصل هذه الكلمة راسخ في قلب المؤمن بالمعرفة والتصديق، فإذا تَكَلَّمَ بها عرجت فلا تحجب حَتَّى تنتهي إلى الله تعالى، قال الله تعالى: {اِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، {تُوتِي أُكْلَهَا} [إبراهيم: 25]: تعطي ثمرها {كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}: والحين في اللغة هو الوقت. واختلفوا في معناه هاهنا، فقال مجاهد وعكرمة: الحين هاهنا سنة كاملة؛ لأَنَّ النخلة تثمر في كُلِّ سنة مَرَّة. وقال سعيد بن جبير وقتادة والحسن: سِتَّة أشهر من حين ظهورها إلى إدراكها. (4/113)
صفحة 1336
وقال سعيد بن المسيب: شهران من حين تؤكل إلى الصرام. وقال الربيع عن أنس {كُلَّ حِينٍ}: أي كُلَّ غدوة وعشيَّة، لأَنَّ ثمر النخل يؤكل أبدا ليلا ونهارا، صيفا وشتاء، إِمَّا تمرا أو رطبا أو بسرا، كذا عمل المؤمن يصعد أَوَّل النهار وآخره، وبركة إيمانه لا تنقطع أبدا، بل تصل إليه في كُلِّ وقت. والحكمة في تمثيل الإيمان بالشجرة هي أنَّ الشجرة لا تكون شجرة إِلاَّ بثلاثة أشياء: عرق راسخ، وأصل قائم، وفرع عال، كذلك الإيمان لا يتِمُّ إِلاَّ بثلاثة أشياء: تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان.
أخبرنا أبو عبد الله، فساق حديث ابن عمر، إلى أن قال: “قال عبد الله: فذكرت ذلك لعمر، فقال: لأنْ تكون قلت: هي النخلة، أحبُّ إِليَّ من كذا وكذا. وَقِيلَ: الحكمة في تشبيهه بالنخلة لأَنَّ النخلة أشبه الأشجار بالناس من حيث إِنَّهَا إذا قطع رأسها يبست ... ”إلخ، فذكر بعض الوجوه التي ضعَّفها ابن حجر، والله أعلم بالصواب.
قوله: «من اتَّقَى الله كفاه الله مؤنة الناس ... » إلخ: لفظ الحديث في الجامع الصغير: "من اتَّقَى الله أهاب الله منه كُلَّ شيء، ومن لم يتَّق الله أهابه الله من كُلِّ شَيْء". وفي رواية: "من اتَّقَى الله وقاه الله كُلَّ شيء". وفي رواية: "من اتَّقَى الله عاش قَوِيًّا، وسار في بلاده آمنا". وفي رواية: "من لم يتَّق الله كَلَّ لسانه، ولم يشف غيظه"، ولم يَتَكَلَّم شارحه على هذه الأحاديث بشيء، وَلَعلَّهُ لظهور معانيها، ولم أظفر بهذا الحديث في البخاري.
قوله: «من عظَّم نفسه للناس وضعه الله، ومن تواضع لله رفعه الله»: اقتصر في الجامع الصغير على قوله: "من تواضع لله رفعه الله"، ولم يَتَكَلَّم عليه شارحه بشيء. (4/114)
صفحة 1337
قوله: «من حفظ نفسه من اثنتين أحرز دينه، قيل: وما هما يا رسول الله؟ قال: من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه ... » إلخ: المناسب بالسؤال أن يقتصر في الجواب عَلَى قوله: “ما بين لحييه وما بين رجليه”، لأَنَّ ذلك هو المجهول المسؤول عنه. واقتصر في الجامع على الجواب فقط، حيث قال: “من حفظ ما بين فُقميه ورجليه دخل الجنَّة”. قال الشارح: “قال في النهاية: الفقم (بالضمِّ والفتح) اللحى، يريد: من حفظ لسانه وفرجه. وفي رواية: “من وقاه الله شرَّ ما بين لحييه وشرَّ ما بين رجليه دخل الجنَّة”. (4/115)
صفحة 1338
قوله: «احذروا من ثلاث وأنا زعيم لكم بالجنَّة ... » إلخ: لفظ الحديث في الجامع الصغير من حديث أنس في شعبة الإيمان: “من وُقيَ شرَّ لقلقه وبقبقه وذبذبه فقد وجبت له الجنَّة”. قال الشارح: “لقلقه: أي لسانه”. أقول: قال في الصحاح: “واللقلق اللسان”، فرَوَى الحديث، ثُمَّ قال: “واللقلاق الصوت”. إلى أن قال في الطائر اسمه اللقلاق: “واللقلق وصوته اللقلقة وكذلك كُلُّ صوت فيه حركة واضطراب ... ”الخ. أقول: وَلَعلَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ اللسان بذلك لأَنَّهُ مأخوذ من اللقلقة، أو من اللقلاق وهو الصوت، والله أعلم. قال الشارح: “"قبقبه" القبقب البطن، من القبقبة، وهو صوت يسمع من البطن، فَكَأَنَّها حاكية هذا الصوت. "وذبذبه": الذبذب الذكر، سُمِّيَ بذلك لتذبذبه أي حركته.
قوله: «لا يموت لأحد ثلاث من الولد فتمسَّه النار، قالت امرأة: واثنان يا رسول الله؟ قال: واثنان»: لفظ الحديث في البخاريِّ: “ما من الناس من مسلم يُتوفَّى له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلاَّ أدخله الله الجنَّة بفضل رحمته إِيَّاهُم”. وفي رواية أخرى عن أبي سعيد أنَّ النساء قلن للنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم: اجعل لنا يوما، فوعظهنَّ، فقال: أيُّما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا لها حجابا من النار، قالت امرأة: واثنان؟ قال: واثنان”. والمراد بأحد في رواية الْمُصَنِّف رحمه الله المسلم، وقد وجد التقييد بذلك في بعض النسخ، ولفظه: “لا يموت لأحد من المسلمين”. قال ابن حجر: “قوله: "ما من الناس من مسلم" قيَّده به ليخرج الكافر، ومِنْ الأولى بيانيَّة، والثانية زائدة”. إلى أن قال: (4/116)
صفحة 1339
“والحديث ظاهر في اختصاص ذلك بالمسلم، لكن هل يحصل ذلك لمن مات له أولاد في الكفر ثُمَّ أسلم؟ فيه نظر. وَيَدُلُّ على عدم ذلك حديث أبي ثعلبة الأشجعي، قال: قلت: يا رسول الله مات لي ولدان، قال: "من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنَّة"، أخرجه أحمد والطبرانيُّ. وعن عمر بن عنبسة مرفوعا: "من مات له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله الله الجنَّة ... ”إلخ.
قوله: «لا يموت لأحد»: ظاهر قوله: “لأحد” يتناول الرجل والمرأة، وَيَدُلُّ له رواية: “ما من مسلمَيْن يتوفَّى لهما ... ” الحديث. وذكر بعضهم أنَّ الظاهر من قوله في بعض الروايات: “يتوفَّى له ثلاثة من ولده” اختصاص ذلك بالرجل، وكذا رواية: “ثلاثة من صلبه”. قال ابن حجر: “وهل يدخل في الأولاد أولاد الأولاد؟ محلُّ بحث. والذي يظهر أنَّ أولاد أولاد الصلب يدخلون، ولا سيما عند فقد الوسائط بينهم وبين الأب. وفي التقييد بكونهم من صلبه ما يَدُلُّ على إخراج أولاد البنات”. اهـ.
قوله: «ثلاث»: كذا بحذف التاء في بعض الروايات، وهو جائز، لكون المميَّز محذوفا على حدِّ: “من صام رمضان ثُمَّ أتبعه بستٍّ من شوال”. وقيدهم في رواية غير الْمُصَنِّف بكونهم لم يبلغوا الحنث، والمراد أَنَّهُم لم يبلغوا الحلم، فتكتب عليهم الآثام. قال الخليل: “بلغ الغلام الحنث أي: جرى عليه القلم، والحنث: الذنب، قال الله تعالى: {وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 46]. وَقِيلَ: المراد بلغ إلى زمان يؤاخذ بيمينه إذا حنث”. وقال الراغب: “عَبَّرَ بالحنث عن البلوغ لَمَّا كان الإنسان يؤاخذ بما يرتكبه فيه بخلاف ما قبله. وخصَّ الإثم بالذكر لأَنَّهُ الذي يحصل بالبلوغ، لأن الصبيَّ قد يثاب. (4/117)
صفحة 1340
وخصَّ الصغير بذلك لأَنَّ الشفقة عليه أعظم، والحبَّ له أَشَدُّ، والرحمة له أوفر، وعلى هذا فمن بلغ الحنث لا يحصل لمن فقد ما ذكر من هذا الثواب، وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة، وبهذا صَرَّحَ كثير من العلماء. وفرَّقوا بين البالغ وغيره بِأَنَّهُ يتَصَوَّرُ منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة، بخلاف الصغير فَإِنَّهُ لا يتَصَوَّرُ منه ذلك، إذ ليس بمخاطب. وقال الزين بن المنير: بل يدخل الكبير في ذلك من طريق الفحوى، لأَنَّهُ إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو كلٌّ على أبويه فكيف لا يثبت في الكبير بلغ معه السعي ووصل له منه النفع، وتوجَّه إليه الخطاب بالحقوق، قال: وَلَعَلَّ هذا هو السرُّ في إلغاء البخاريِّ التقييدَ بذلك في الترجمة”. اهـ. أقول: وعدم التقييد بالبلوغ هو ظاهر رواية الْمُصَنِّف والله أعلم. قال ابن حجر: “ويقوِّي الأَوَّل قوله في بَقِيَّة الحديث: "بفضل رحمته إِيَّاهُم"، لأَنَّ الرحمة للصغار أكثر، لعدم حصول الإثم منهم.
وهل يلحق بالصغار من بلغ مجنونا مثلا وَاسْتَمَرَّ على ذلك فمات؟ فيه نظر، لأَنَّ كونهم لا إثم عليهم يقتضي الإلحاق، وكون الامتحان بهم يخفُّ بموتهم يقتضي عدمه، ولم يقع التقييد في طرق الحديث بشدَّة الحبِّ ولا عدمه، وكان القياس يقتضي ذلك لِمَا يوجد من كراهة بعض الناس لولده وتبرُّئه منه ولا سيما من كان ضيِّق الحال، لكن لَمَّا كان الولد بمظنَّة المحبَّة والشفقة يناط به الحكم وإن تخَّلف في بعض الأفراد”اهـ. وكتب على قوله: "بفضل رحمته إِيَّاهُم" أي: بفضل رحمة الله للأولاد. قال ابن التين: قيل: إنَّ الضمير في "رحمته" للأب، لكونه كان يرحمهم في الدنيا، فيجازى بالرحمة في الآخرة. قال ابن حجر: وَالأَوَّل أولى، ويؤيِّده أنَّ رواية ابن ماجه من هذا الوجه: "بفضل رحمة الله إِيَّاهُم ... "إلخ، فذكر روايات منها: "إلاَّ غفر الله لهما بفضل رحمته". ومنها: "ما من مسلمين يموت لهما أربعة أولاد إِلاَّ أدخلهما الله الجنَّة بفضل رحمته". ومنها: "إِلاَّ أدخله الله برحمته هو وإيَّاهم الجنَّة". إلى أن قال: “فوضح بذلك أنَّ الضمير في قوله: "إِيَّاهُم" للأولاد لا للآباء. والله أعلم”.اهـ. (4/118)
صفحة 1341
وظاهر قوله: “ثلاث من الولد” أَنَّهُ شامل للذكور والإناث، لأَنَّ الولد يطلق على كلٍّ منهما، قال الله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} [النساء: 11]، إِلاَّ أنَّ الرواية الثانية تقتضي تخصيص ذلك بالذكور، حيث قال: “ثلاثة من البنين”، ثُمَّ رأيت في بعض النسخ: “ثلاثة أولاد”، فعليها يكون شاملا، والله أعلم.
قوله: «فتمَسَّه النار»: الرواية عند قومنا في الحديث الأَوَّل: “إِلاَّ أدخله الجَنَّة”، وهما متلازمان. وفي رواية: “إِلاَّ تلقَّوه من أبواب الجنَّة الثمانية من أيِّها شاء دخل”. قال ابن حجر: “وهذا زائد على مطلق دخول الجنَّة، ويشهد له ما رواه النسائيُّ”. إلى أن قال: “مرفوعا”، في أثناء حديث: “ما يسرُّك أن لا تأتي بابا من أبو اب الجنَّة إِلاَّ وجدته عنده يسعى ليَفْتَحَ لك”.اهـ.
قوله: «قالت امرأة»: قال ابن حجر: “هي أمُّ سليم الأنصاريَّة والدة أنس بن مالك”. إلى أن قال: “بإسناد جَيِّد عنها قالت: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذات يوم وأنا عنده: "ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة لم يبلغوا الحلم إِلاَّ أدخله الله الجنَّة بفضل رحمته إِيَّاهُم"، فقلت: واثنان؟ قال: واثنان ... ” إلخ. فذكر أَنَّهُ وقع السؤال عن ذلك أيضا لأمِّ مبشِّر الأنصاريَّة ولأمِّ أيمن ولعائشة ولأمِّ هانئ، ثُمَّ قال: “يحتمل أن يكون كلٌّ مِنهُنَّ سأل عن ذلك في ذلك المجلس، وَأَمَّا تعدُّد القِصَّة ففيه بُعدٌ، لأَنَّهُ صلَّى الله عليه وسلَّم لَمَّا سئل عن الاثنين بعد ذكر الثلاثة وأجاب بِأَنَّ الاثنين كذلك، فالظاهر أَنَّهُ أوحي إليه ذلك في الحال، وبذلك جزم ابن بطَّال وغيره، وإذا كان كذلك كان الاقتصار على الثلاثة بعد ذلك مستبعدا جِدًّا، لأَنَّ مفهومه يخرج الاثنين اللذين ثبت لهما ذلك الحكم بالوحي، بناء على القول بمفهوم العدد، وهو معتبر هنا كما سيأتي البحث فيه ... ” إلخ. فذكر أنَّ جابر بن عبد الله مِمَّن سأل عن ذلك، وكذلك عمر قال: “ولفظه: "ما من امرئ ولا امرأة يموت لهما ثلاثة أولاد إِلاَّ أدخله الله الجنَّة"، فقال عمر: يا رسول الله، واثنان؟ ” إلى أن قال: “وهذا لا بُعْدَ في تعدُّده، لأَنَّ خطاب النساء بذلك لا يستلزم علم الرجال به”. اهـ. (4/119)
صفحة 1342
أقول: لكن يرد عليه ما ذكره من استبعاد الاقتصار على الثلاثة بعدما علم حكم الاثنين، والله أعلم.
قوله: «واثنان»: قال ابن حجر: “قال ابن التين تبعا لعياض: هذا يَدُلُّ على أنَّ مفهوم العدد ليس بحجَّة، لأنَّ الصحابيَّة من أهل اللسان ولم تعتبره، إذ لو اعتبرته لانتفى الحكم عندها عَمَّا عدا الثلاثة لكونها جاوزت ذلك فسألته، كذا قال، والظاهر أَنَّهَا اعتبرت مفهوم العدد، إذ لو لم تعتبره لم تسأل، والتحقيق أنَّ دلالة مفهوم العدد ليست يقينيَّة، وَإِنَّمَا هي محتملة، ومن ثَمَّ وقع السؤال عن ذلك، قال القرطبي: وَإِنَّمَا خصَّت الثلاثة بالذكر لأَنَّهَا أَوَّل مراتب الكثرة، فبعظم المصيبة يكثر الأجر، فَأَمَّا إذا زاد عليها فقد يخفُّ أمر المصيبة، لأَنَّهَا تصير كالعادة ... ”إلخ ثُمَّ بالغ في الردِّ عليه إلى أن قال: “والحقُّ أنَّ تناول الخبر الأربعة فما فوقها من باب أولى وأحرى، ويؤيِّد ذلك أَنَّهُم لم يسألوا عن الأربعة ولا ما فوقها، لأَنَّهُ كالمعلوم عندهم أنَّ المصيبة إذا كثرت كان الأجر أعظم، والله أعلم”. إلى أن قال: “تنبيه: قوله: "واثنان" أي: وإذا مات اثنان ما الحكم؟ فقال: "واثنان" أي: إذا مات اثنان فالحكم كذلك”. إلى أن قال: “وَتَقَدَّمَ الحكم عن ابن بطَّال أَنَّهُ محمول على أَنَّهُ أوحي إليه بذلك في الحال، ولا بُعد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عين. يحتمل أن يكون كان العلم عنده حاصلا بذلك لَكِنَّهُ أشفق عليهم أن يتَّكلوا، لأَنَّ موت الاثنين غالبا أكثر من موت الثلاثة ... ”إلخ.
قوله: «إِلاَّ تحلَّة القسم»: (بفتح المثنَّاة وكسر المهملة وتشديد اللام) أي: ما ينحلُّ به القسم، وهو اليمين، وهو مصدر حلَّل اليمين أي: كفَّرها، يقال: تحليلا وتحلَّة وتحلُّلا، بغير هاء، والثالث شاذٌّ. قال أهل اللغة: يقال: فعلته تحلَّة القسم أي: قدر ما حللت به يميني ولم أبالغ. وقال الخطَّابيُّ: “حلَّلت القسم تحلَّة أي: أبرزتها”. (4/120)
صفحة 1343
وقال القرطبيُّ: “اختلف في المراد بهذا القسم، فقيل: هو يمين، وَقِيلَ: غير يمين، فالجمهور على الأَوَّل. وقيل لم يَعْنِ به قسمًا بعينه، وَإِنَّمَا معناه التقليل لأمر ورودها، وهذا التلويح يستعمل في هذا، تقول: "لا ينام فلان إِلاَّ لتحليل الالية"، وتقول: "ما ضربته إِلاَّ تحليلاً" إذا لم تبالغ في الضرب، أي قدرا يصيب منه مكروها. وَقِيلَ: الاستثناء بمعنى الواو، أي لا تَمَسُّه النار قليلا ولا كثيرا، ولا تحلَّة القسم. وقد جوَّز الفرَّاء والأخفش مجيء إِلاَّ بمعنى الواو، وجعلوا منه قوله تعالى: {لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلاَّ مَن ظَلَمَ} [النمل: 10 - 11]، وَالأَوَّل قول الجمهور، وبه جزم أبو عبيد وغيره، وقالوا: المراد به قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمُ, إِلاَّ وَارِدُهَا} [مريم: 71]، قال الخطَّابيُّ: معناه لا يدخل النار ليعاقب بها وَلَكِنَّهُ يدخلها مجتازا، ولا يكون ذلك الجواز إِلاَّ قدر ما يحلِّل به الرجل يمينه ... ”إلخ. وَاستَدَلَّ لذلك، إلى أن قال مرفوعا: “من حرس وراء المسلمين في سبيل الله متطوِّعا لم ير النار بعينه إِلاَّ تحلَّة القسم، فإنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ قال: {وَإِن مِّنكُمُ, إِلاَّ وَارِدُهَا} ” ... إلخ. أقول: وهذا الحديث يَدُلُّ على أنَّ الورود ورود النظر لا ورود الدخول، كما هو مذهب أصحابنا، لقوله تعالى: {إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى ...
} [الأنبياء: 101]، قال: واختلف في موضع القسم من الآية، فقيل: هو مقدار، أي: واللهِ إنَّ منكم. وَقِيلَ: معطوف على القسم الماضي في قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} [مريم: 68]، أي: وربِّك إِنَّ منكم. وَقِيلَ: مستفاد من قوله تعالى: {حَتْمًا مَّقْضِيًّا} [مريم: 71]، أي: قسما واجبا”. إلى أن قال: “وقال الطَّيِّبي: يحتمل أن يكون المراد بالقسم ما دَلَّ على القطع والبتِّ من السياق، فإنَّ قوله: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ} [مريم: 71]، تذييل وتقرير لقوله: {وَإِن مِّنكُمُ} فهو بمنزلة القسم، بل أبلغ، لمجيء الاستثناء بالنفي والإثبات. واختلف السلف في المراد بالورود في الآية. (4/121)
صفحة 1344
فقيل: هو الدخول، وَقِيلَ: المراد بالورود الممر عَلَيْهَا، رواه الطبريُّ وغيره من طريق بشر. “روى عبد الرزَّاق ... ” إلى أن قال مرفوعا: “الورود الدخول، لا يبقى برٌّ ولا فاجر إِلاَّ دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما”. إلى أن قال: “ومن طريق كعب الأحبار، وزاد: "يستوون كلُّهم على متنها، ثُمَّ ينادي مناد: أمسكي أصحابك، ودَعِي أصحابي، فيخرج المؤمنون نَدِيَّةً أبدانهم". وهذان القولان أصحُّ ما ورد في ذَلِكَ، ولا تنافِيَ بينهما، لأَنَّ من عَبَّرَ بالدخول تجوَّز به عن المرور. ووجهه: أنَّ المارَّ عليها فوق الصراط في معنى من دخلها، لكن تختلف أحوال المارَّة باختلاف أحوالهم، فأعلاهم درجة من يَمُرُّ كلمع البرق، كما سيأتي تفصيل ذلك ... ”. إلى أن قال: “ويؤيِّد صِحَّة هذا التأويل ما رواه مسلم من حديث أمِّ مبشِّر: أَنَّ حفصة قالت للنَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم لَمَّا قال: "لا يدخل أحد شهد الحديبيَّة النار"، أليس الله يقول: {وَإِن مِّنكُمُ, إِلاَّ وَارِدُهَا} فقال لها: أليس الله يقول: {ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَوْاْ ... } [مريم: 72]، الآية؟ ”.
وفي هذا بيان ضعف من قال: الورود مختصٌّ بالكفَّار، ومن قال: معنى الورود الدنوُّ منها، ومن قال: معناه الإشراف عليها، ومن قال: معنى ورودها ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمَّى على أَنَّ هذا الأخير ليس ببعيد، ولا ينافيه بَقِيَّة الأحاديث. والله أعلم”. اهـ.
وأقول: الورود عندنا يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون بمعنى الدخول، فيكون خَاصًّا بالكفَّار، ويكون في الآية الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، أي: وإن منكم أَيُّهَا الكُفَّار إِلاَّ واردها. والثاني أن يكون بمعنى الرؤية والنظر بالعين، فيكون عامًّا، ولا يقتضي الدخول. قال الشيخ أبو نصر رحمه الله:
وَأَمَّا ورود الناس النار أَنَّهُ***ورود يقين العلم واللمح بالعين.
والحامل لهم على ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ... } [الأنبياء: 101] الآية، فإنَّ القرآن يصدِّق بعضه بعضا، إِلاَّ أَنَّ ظاهر الحديث مشكل، فتأويله بِأَنَّ المسلمين يَمُرُّون عليها، وتكون عليهم بردا وسلاما، الظاهر (4/122)
صفحة 1345
أَنَّهُ لا بأس به، فيكون معنى أَنَّهُم مبعدون عنها أَنَّهُم لا يعذَّبون بها، والله أعلم بحقيقة التفسير.
قال ابن حجر: “وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تَقَدَّمَ أنَّ أولاد المسلمين في الجنَّة، لأَنَّهُ يبعد أَنَّ الله يغفر للآباء بفضل رحمته للأبناء، ولا يرحم الأبناء، قاله الجمهور، ووقفت طائفة قليلة”. إلى أن قال: “وفيه من حلف أن يفعل كذا، ثُمَّ فعل منه شيئا ولو قلَّ برت يمينه، خلافا لمالك، قاله عياض وغيره”.
قوله: «ليس الشديد بالصرعة»: قال العلقميُّ: (بضم الصاد المهملة وفتح الراء): الذي يصرع الناس كثيرا بِقُوَّته، والهاء للمبالغة في الصفة، والصرْعة (بسكون الراء) بالعكس، وهو من يصرعه غيره كثيرا، وَكُلُّ ما جاء بهذا الوزن (بالضمِّ وبالسكون) فهو كهُمَزَة ولُمَزَة وحفظة وخدعة، ووقع بيان ذلك في حديث ابن مسعود عند مسلم وأَوَّله: “ما تعدُّون الصرعة فيكم؟ قالوا: الذي لا يصرعه الرجال”. قال ابن التين: حفظناه بفتح الراء وقرأه بعضهم بسكونها، وليس بشيء، لأَنَّهُ عكس المطلوب، قال: وضُبط أيضا في بعض الكتب بفتح الصاد وليس بشيء.
قوله: «إِنَّمَا الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»: [أي لا يفعل موجبات الغضب. وإنَّما حصر الشدَّة فيه لأنَّه إذا ملك نفسه عن الغضب كان هو الشديد الكامل؛ لأنَّه قهر أكبر أعدائه؛ لأنَّ أذى ما عدا النفس دونها، لأَنَّهَا موجبة لعقوبة الله، وأقلُّها أشدُّ من عقوبات الدُّنيا. وجاء في خبرٍ: “أعدى عدوٍّ لك نفسك التي بين جنبيك”. والحديث من الألفاظ التي نُقلت عن موضوعها اللغوي بضرب من المجاز والتوسُّع، وَهُوَ من فصيح الكلام وبليغه؛ لأنَّه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ وقد ثارت عليه شدَّة من الغضب فقهرها بحلمه وصرعها بثباته وعدم عمله بمقتضى الغضب كان من الصرعة الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه. والله أعلم].
قال العلقميُّ: “في رواية أحمد من حديث رجلٍ لم يسمِّه: شهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: "الصرعة كلُّ الصرعة ـ كرَّرها ثلاثا ـ الذي يغضب فيشتدُّ غضبه ويحمرُّ وجهه فيصرع غضبه”. من الفتح. اهـ. (4/123)
صفحة 1346
الباب الثامن في الترويع والكلاب وإفشاء السر والشيطان
قوله: «من روَّع مسلما روَّعه الله يوم القيامة ... » إلخ: لفظ الحديث في الجامع الصغير: "مَن روَّع مؤمِّنا لم يؤمِّن الله روعته يوم القيامة، ومن سعى بمؤمن أقامه الله مقام الذلِّ والخزي يوم القيامة"، قال الشارح: أي أفزعه وخوَّفه. (4/124)
صفحة 1347
قوله: "ومن سعى بمؤمن ... " إلخ، قال الشارح: الساعي الذي يسعى بصاحبه إلى السلطان ليؤذيه. في حديث كعب: الساعي مثلث يريد أن يهلك بسعايته ثلاثة أنفس: السلطان، والمسعى به، ونفسه. اهـ.
قوله: «من اقتنى كلبا لا لزرع ولا لضرع» إلخ، لفظ الحديث في الجامع "من اقتنى كلبا إِلاَّ كلب ماشية أو ضاريا، نقص من عمله كلَّ يوم قيراطان"، وفي البخاري: "من أمسك كلبا فَإِنَّهُ ينقص كلَّ يوم من عمله قيراطا، إِلاَّ كلب حرث أو ماشية"، وفي رواية: "إِلاَّ كلب غنم أو حرث أو صيد"، وفي رواية: "من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا، نقص كلَّ يوم من عمله قيراطا". قلت: أنت الذي سمعت هذا من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟ قال: أي وربّ هذا المسجد. وذكر الشارح أيضا فيه روايات متعدَّدة، منها: "من اتَّخذ كلب صيد أو زرع أو ماشية". ومنها: "من اقتنى كلبا ليس كلب صيد ولا ماشية ولا أرض، فَإِنَّهُ ينقص من أجره كلَّ يوم قيراطان"، وفي رواية: أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أمر بقتل الكلاب، إِلاَّ كلب صيد أو كلب غنم؛ فقيل لابن عمر إنَّ أبا هريرة يقول: أو كلب زرع، فقال ابن عمر: إن لأبي هريرة زرعا، ويقال: إن ابن عمر أراد بذلك الإشارة إلى تثبيت رواية أبي هريرة، وإنَّ سبب حفظه لهذه الزيادة دونه، أَنَّهُ صاحب زرع دونه، ومن كان مشتغلا بشيء احتاج إلى تعرُّف أحكامه. وفي رواية: "أمر بقتل الكلاب ورخّص في كلب الغنم والصيد والزرع".
قوله: «من اقتنى» قال ابن حجر: الاقتناء (بالقاف) افتعال من القِنية (بالكسر) وهي الاتِّخاذ إلى أن قال ابن عبد البر في هذا الحديث: إباحة اتخاذ الكلاب للصيد والماشية وكذلك الزرع، لأَنَّهَا زيادة حافظ، وكراهة اتخاذها لغير ذلك؛ إِلاَّ أَنَّهُ يدخل في معنى الصيد وغيره، مِمَّا ذكر اتخاذها لجلب المنافع، ودفع المضارِّ قياسا؛ فتمحّض كراهة اتحاذها لغير حاجة لِمَا فيه من ترويع الناس، وامتناع دخول الملائكة للبيت الذي هو فيه. (4/125)
صفحة 1348
وفي قوله: «نقص من عمله» أي من أجر عمله ما يشير إلى أن اتخاذها ليس بمحرَّم، لأَنَّهُ لو كان اتخاذه محرَّما امتنع لاتخاذه على كلِّ حال سواء نقص الأجر أولم ينقص؛ فدلَّ ذلك على أن اتخاذها مكروه لا حرام.
قال: ووجه الحديث عندي أنَّ المعاني المتعبَّد بها في الكلاب من غسل الإناء سبعا، لا يكاد يقوم بها المكلَّف ولا يتحفَّظ منها، فربَّما دخل عليه باتخاذها ما ينقص أجره من ذلك. ويروى أن المنصور سأل عمرو بن عبيد عن سبب هذا الحديث، فلم يعرفه فقال لأَنَّهُ ينبح الضيف ويروع السائل. اهـ.
قال ابن حجر: وما ادَّعاه من عدم التحريم استدلَّ له بما ذكر ليس بلازم، بل يحتمل أن تكون العقوبة تقع بعدم التوفيق للعمل بمقدار قيراط، مِمَّا كان يعمله من الخير لو لم يتَّخذ الكلب. ويحتمل أن يكون حراما، والمراد بالنقص أنَّ الإثم الحاصل باتخاذه يوازن قدر قيراط أو قيراطين من أجر؛ فينقص من ثواب عمل المتَّخذ قدر ما يترتَّب عليه من الإثم باتخاذه وهو قيراط أو قيراطان. وقيل: سبب النقصان امتناع الملائكة من دخول بيته، أو ما يلحق المارَّ من الأذى، أو لأن بعضها شياطين، أو عقوبة لمخالفة النهي، أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها؛ فربما ينجس الطاهر منها، فإذا استعمل في العبادة لم يقع موقع الطاهر. وقال ابن التين: المراد أَنَّهُ لو لم يتَّخذه لكان عمله كاملا فإذا اقتناه نقص من ذلك العمل، ولا يجوز أن ينقص من عمل مَضى؛ وَإِنَّمَا أراد أَنَّهُ ليس عمله في الكمال، عمل من لم يتخذ. اهـ. وما ادَّعاه من عدم الجواز منازع فيه؛ فقد حكى الرؤياني في البحر اختلافا في الأجر هل ينقص من العمل الماضي أو المسقبل؟ وفي مُحصّل نقصان القيراطين؛ فقيل من عمل النهار قيراط، ومن عمل الليل آخر. وقيل: من الفرض قيراط، ومن النفل آخر، إلى أن قال: (4/126)
صفحة 1349
واختلفوا في اختلاف الروايتين في القيراطين والقيراط؛ فقيل الحكم للزائد، لكونه حفظ ما لم يحفظ الآخر، أو أَنَّهُ صلَّى الله عليه وسلَّم أخبر أوَّلا بنقص قيراط واحد، فسمعه الراوي الأَوَّل؛ ثُمَّ أخبرنا ثانيا بنقص قيراطين زيادة في التأكيد في التنفير من ذلك، فسمعه الراوي الثاني. وقيل: ينزل على حالين، فنُقْص القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتخاذها، ونقص القيراط باعتبار قلَّته. وقيل: يختصُّ نقص القيراطين مِمَّن اتَّخذها بالمدينة الشريفة، والقيراط بما عداها. وقيل: يلحق بالمدينة في ذلك سائر المدن والقرى، ويختص القيراط بأهل البوادي، وهو يلتفت إلى معنى كثرة التأذِّي وقلَّته.
وكذا من قال: يُحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب، في ما لابسه الآدمي قيراطان، وفي ما دونه قيراط، إلى أن قال: واختلف في القيراطين المذكورين هنا، هل هما اللذان في الجنازة من باب الفضل؟ أو اللذان هما من باب العقوبة؟ وباب الفضل أوسع من غيره؛ والأصح عند الشافعية إباحة اتخاذ الكلاب لحفظ الدرب، إلحاقا بالمنصوص بما في معناه كما أشار إليه ابن عبد البر. واتَّفَقوا على أن المأذون في اتخاذه جائز ما لم يحصل الاتِّفَاق على قتله، وهو الكلب العقور؛ فقد اختلف هل يجوز قتله مطلقا أم لا؟ واستدلَّ به على جواز تربية الجرو الصغير للمنفعة التي يؤول أمره إليها إذا كبر، ويكون القصد لذلك قائما مقام وجود المنفعة به، كما يجوز بيع ما لا ينتفع به في الحال لكونه ينتفع به في المآل، إلى أن قال: وفي الحديث الحثُّ على تكثير الأعمال الصالحة، والتحذير من العمل بما ينقصها، والتنبيه على أسباب الزيادة فيها والنقص منها، ليجتنب أو يرتكب. وبيان نفع الله بخلقه في إباحة ما لهم به من نفع وتبليغ نبيهم صلَّى الله عليه وسلَّم لهم أمر معاشهم ومعادهم. (4/127)
صفحة 1350
وفيه ترجيح المصلحة الراجحة على المفسدة لوقوع استثناء ما ينتفع به مِمَّا حُرِّم اتخاذه. اهـ.
قوله: «اغلقوا الباب ... » إلخ في بعض روايات الجامع: "أجيفوا أبوابكم، واكفئوا آنيتكم، وأوكئوا أسقيتكم، وأطفئوا أسراجكم؛ فإنهم لن يؤذن لهم بالتسوُّر عليكم". وفي بعضها: "إذا نمتم فأطفئوا المصباح، فإنَّ الفأرة تأخذ الفتيلة، فتحرق أهل البيت، واغلقوا الأبواب، وأوكئوا الأسقية، وخَمِّروا الطعام والشراب ولو بعود تعرضه عليه".
قال العلقمي: "أجيفوا: (بفتح الهمزة وكسرة الجيم وسكون المثناة التحتية، وضم الفاء) أي اغلقوها مع ذكر الله، أمر مِن الإغلاق لا من الغلق، ولهذا يقال: الباب مُجاف أي مغلق ... إلخ.
قوله: «وأوكِئُوا السقاء» قال العلقمي: بكسر الكاف بعدها همزة، أي: اربطوا فعلم أن الوكاء ما يربط به من خيط أو نحوه، اهـ.
قوله: «وأكفئوا الإناء» قال العلقمي بقطع الألف المفتوحة. قال القاضي عياض: رويناه بقطع الألف وكسر الفاء رباعي، وبوصلها ثلاثي، وهما صحيحان، ومعناه: اقلبوا الإناء ولا تتركوه لِلَعق الشيطان، ولَحس الهوام، وذوات الأقذار. اهـ.
قوله: «وأطفئوا المصباح» (بهمزة قطع أمر) من الإطفاء. وَإِنَّمَا أمر بذلك لخبر البخاري أنَّ الفويسقة جرّت الفتيلة فأحرقت أهل البيت. والمعنى أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يعط الشيطان قوَّة على فتح الباب المغلق إذا ذكر اسم الله عليه، وإن كان قد أعطاه ما هو أكثر من ذلك. وقد ورد في أبي داود: "واذكر اسم الله فإنَّ الشيطان لا يفتح بابا مغلقا". اهـ. أي لا يقدر على ذلك، لأنّ اسم الله تعالى هو المغلِق الحقيقي. (4/128)
صفحة 1351
والأمر في المذكورات للإرشاد إلى المصلحة الدنيوية، كما في قوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ إِذا تَبَايَعْتُمْ} [سورة البقرة:282]، قاله النووي، وقال غيره للندب ... إلخ.
قوله «فإنَّ الشيطان لا يفتح غلْقا ... » إلخ. تعليل لِمَا تقدَّم على سبيل اللَّف والنَّشر المرتَّب. قال العلقمي: "والمعنى: أنّكم إذا غلَّقتم الأبواب، وأكفأتم الآنية، و أوكأتم الأسقية، وأطفأتم السرج مع ذكر الله تعالى في الجميع، لا يستطيعون أن يتسوّروا عليكم". وإذا قلنا إنّ ذكر الله يحول بينه وبين فعل هذه الأشياء، فمقتضاه أَنَّهُ يتمكَّن من كلِّ ذلك إذا لم يذكر اسم الله تعالى، إلى أن قال مرفوعا: "إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم". قال ابن دقيق العيد: "يحتمل أن يؤخذ قوله: فإنَّ الشيطان لا يدخل بابا مغلقا على عمومه، ويحتمل أن يخصَّ بما ذكر اسم الله عليه، ويحتمل أن يكون المنع لأمر يَتَعَلَّق بجسمه، ويحتمل أن يكون لمانع من الله بأمر خارج عن جسمه". قال: والحديث يَدُلُّ على منع الشيطان الخارج، فَأَمَّا الشيطان الذي كان داخلا فلا يَدُلُّ الخبر على خروجه. قال: فيكون ذلك لتخفيف المفسدة لا رفعها. ويحتمل أن يكون التّسمية عند الإغلاق تقتضي طرد من في البيت من الشياطين، وعلى هذا فينبغي أن تكون التسمية من ابتداء الغلق إلى تمامه. واستنبط منه بعضهم مشروعية غلق الفم عند التثاؤب لدخوله في عموم الأبواب مجازا" اهـ كلام العلقمي. وقال في محلٍّ آخر: وسبب الحديث ما في أبي داود، وصحَّحه ابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: "جاءت فأرة فجرَّت الفتيلة فألقتها بين يدي النبي صلَّى الله عليه وسلَّم على الخِمْرَة التي كان قاعدا عليها، فاحترق منها مثل الدرهم"، فقال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: "إذا نمتم فأطفئوا سرجكم فإن الشيطان يَدُلُّ (4/129)
صفحة 1352
مثل هذه على هذا فيحرقكم" ففيه بيان السبب، وبيان الحامل للفويسقة وهي الفأرة على جرِّ الفتيلة وهو الشيطان، فيستعين وهو عدو الإنسان عليه بعدو آخر وهي النّار.
أعاذنا الله بكرمه من كيد الأعداء إِنَّهُ رءوف رحيم. قال القرطبي: الأمر والنهي في هذا الحديث للإرشاد. قال: وقد يكون للندب. وجزم النووي بِأَنَّهُ للإرشاد لكونه مصلحة دنيوية. وتُعُقِّب بِأَنَّهُ قد يقضي إلى مصلحة دينية وهي حفظ النفس المحرَّم قتلها، والمال المحرَّم تبذيره. وقال الطبري في هذه الأحاديث: إنّ الواحد إذا بات ببيت ليس فيه غيره وفيه نار، فعليه أن يطفئها قبل نومه، أو يفعل معها ما يؤمِّن معه الإحراق؛ وكذا إن كان في البيت جماعة فَإِنَّهُ يتعين على بعضهم وأخصّهم بذلك آخرهم نوما؛ فمتى فرّط في ذلك كان للسنَّة مخالفا ولآدابها تاركا. وقال ابن دقيق العيد: إذا كانت العلّة في إطفاء السّراج الحذر من جرِّ الفويسقة الفتيلة؛ فمقتضاه أن السراج إذا كان على هيئة لا تصل إليها الفأرة لا تمنع العادة، كما لو كان على منارة من نحاس أملس لا يمكن للفأرة الصّعود إليه، أو يكون مكانه بعيدا من موضع تَثِب منه إلى السراج. قال وَأَمَّا ورود الأمر بإطفاء النّار مطلقا كما في حديثي ابن عمر وأبي موسى وهو أعم من نار السراج، فقد يتطرّق منه مفسدة أخرى غير جرّ الفتيلة، كسقوط شيء من السراج على بعض متاع البيت، وكسقوط المنارة فينتشر السراج إلى شيء من المتاع فيحرقه، فيحتاج إلى الاستيثاق من ذلك؛ فإذا استوثق بحيث يؤمن معه الإحراق فيزول الحكم بزوال علّته. قلت: وقد صرّح النووي بذلك في القنديل مثلا، لأَنَّهُ يُؤْمَن معه الضّرر الذي لا يؤمن مثله في السراج. وقال ابن دقيق العيد: أيضا هذه الأوامر تتنوع بحسب مقاصدها. فمنها: ما يحمل على الندب، وهو التسمية على كلّ حال، ومنها ما يحمل على الندب والإرشاد معا كإغلاق الأبواب من أجل التعليل، فإنّ الشيطان لا يفتح باب مغلقا لأن الاحتراز من مخالطة الشياطين مندوب إليه (4/130)
صفحة 1353
وإن كان تحته مصالح دنيوية كالحراسة، وكذلك إيكاء السّقاء وتخمير الإناء، اهـ ملخصا من الفتح.
قلت: ومنها ما يحمل على الوجوب كأن كانت الفويسقة في محلّ يكثر فسادها، ولا يمكن الصّون عنها، والمال المحجور عليه، وخيف عليه التلف منها فَإِنَّهُ يجب على الوليّ حفظه منها ومن غيرها بغلق الباب، وإيكاء السقاء، وتخمير الإناء، وطفي النار. والله أعلم. قال شيخ شيوخنا: قال ابن العربي: ظنّ قوم أنَّ الأمر بغلق الأبواب عام في الأوقات كلِّها، وليس كذلك، وَإِنَّمَا هو مُقَيّد بالليل، وكان اختصاص الليل بذلك لأنّ النهار غالبا محل اليقظة بخلاف الليل، والأصل في جميع ذلك يرجع إلى الشيطان فَإِنَّهُ هو الذي يسوق الفأرة إلى حرق الدار. اهـ. وتقدَّم الكلام عليه. (4/131)
صفحة 1354
الباب التاسع في أدب المؤمن في نفسه والسنن (4/132)
صفحة 1355
قوله: «بمداراة الرجال»: المداراة هي الملاينة، وسمعت أَنَّهَا: بذل المال لأجل الدين أو العِرْض مثلا، بخلاف المداهنة فَإِنَّهَا بذل التديُّن لأجل الدنيا، فهي حرام. وقال في الصحاح: “ومداراة الناس، وهي المداجاة والملاينة (يهمز ولا يهمز) ”. وقال في محلٍّ آخر: «والمداجاة المداراة، يقال: داجيته إذا داريته، كَأَنَّكَ ساتر للعداوة”. وقال:
كلٌّ يداجي على البغضاء صاحبَه***ولن أعالنهم إِلاَّ بما أعلنوا.
قوله: «كان أحبُّ الأعمال إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الذي يدوم عليه صاحبه»: الرواية في الجامع: “كان أحبَّ الأعمال إليه ما دُووِم عليه وإن قلَّ”. وفي رواية أخرى: “أحبُّ الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قلَّ”. وكتب عليه العلقميُّ ما نصُّه: “قال شيخ شيوخنا: قال القاضي أبو بكر بن العربي: معنى المحبَّة من الله تعالى الإرادة بالقول، أي: أكثر الأعمال ثوابا أدومها. وقال النوويُّ: بدوام القليل تستمرُّ الطاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص والإقبال على الله عَزَّ وَجَلَّ، بخلاف الكثير الشاقِّ، حَتَّى ينمو القليل الدائم، بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة. وقال ابن الجوزي: إِنَّمَا أَحَبَّ الدائم لمعنيين: أحدهما: أنَّ التارك للعمل بعد دخول فيه كالمعرض بعد وصل، فهو متعرِّض للذمِّ، ولهذا ورد الوعيد في حقِّ من حفظ آية ثُمَّ نسيها، وإن كان قبل الحفظ لا يَتَعَيَّنُ عليه. ثانيهما: أَنَّ مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كُلِّ يوم وقتا ما، كمن لازم يوما كاملا ثُمَّ انقطع”.
قوله: «لا يمشينَّ أحدكم في نعل واحد، ولينتعلهما جميعها، أوليخلعهما، وإذا انتعل ... » إلخ: ولفظه في الجامع: “إذا انقطع شراك نعل أحدكم فلا يمشِ في الأخرى حَتَّى يصلحها”. وفي رواية أخرى: “إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع فليبدأ باليسرى، لتكن اليمنى أَوَّلهما تنعل وآخرهما تنزع”. قال العلقميُّ: قال العلماء: يكره المشي في نعل واحد أوخفٍّ واحد أو مداس واحد إِلاَّ لعذر. (4/133)
صفحة 1356
قال العلماء: وسببه أنَّ ذلك تشويه ومثلة ومخالف للوقار، وهذا أدب مجمع على استحبابه وليس بواجب”.اهـ. وعلَّل غيرُه بِأَنَّهَا مشية الشيطان. وَقِيلَ: لأَنَّهَا خارجة عن الاعتدال. وَقِيلَ: لِمَا فيها من الشهرة فتمتدُّ الأبصار لمن ترى ذلك منه. وهذه من المسائل التي كانت عائشة تنكرها، ورجَّح الناس خلاف قولها، وَأَنَّهَا لم يبلغها النهي. قال شيخنا: قال الخطَّابي في قوله: "لا يمشي أحدكم في النعل الواحدة"، لأَنَّ فيه شهرة، وَكُلُّ أمر كذلك فهو مكروه”. قال: ومثل ذلك لبس أحد الخفَّين، وإخراج أحد اليدين من أحد الكمَّين وترك الأخرى داخل الكمِّ، وإرسال الرداء عن أحد المنكبين وإعراء الجانب الآخر منه، فَكُلُّ ذلك مكروه”. اهـ.
قوله: «وإذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين ... » إلخ: قال العلقميُّ: في الحديث استحباب البداءة باليمين في كُلِّ ما كان من باب التكريم والزينة والنظافة ونحو ذلك، كلبس النعل والخفِّ والمداس والسراويل والكمِّ، وحلق الرأس وترجيله، وقصِّ الشارب، ونتف الإبط، والسواك والاكتحال، وتقليم الأظفار، والوضوء والغسل والتيمُّم، ودخول المسجد، والخروج من الخلاء، ودفع الصدقة، وغيرها من أنواع الدفع في الحسنات، وتناول الأشياء الحسنة. وتستحبُّ البداءة في اليسار في ضدِّ ما ذكر، من ذلك خلع النعل والخفِّ والمداس والسراويل والكمِّ، والخروج من المسجد، ودخول الخلاء، والاستنجاء، وتناول أحجار الاستنجاء، ومسِّ الذكر، والامتخاط والاستنثار، وتعاطي المستقذرات وأشباهها. وَكُلُّ هذه الأمور مجمع عليها. قال الحليمي: “لَمَّا كان اللبس كرامة للبدن لأَنَّهُ وقاية من الآفات، واليمنى أكرم من اليسرى، بدأ بها في اللبس وأخِّرت في الخلع ليكون الإكرام لها أدوم، وحظُّها منه أكثر”. اهـ المراد. (4/134)
صفحة 1357
قوله: «أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى»: في بعض روايات الجامع: “احفوا الشارب واعفوا اللحى”. وفي بعضها: “احفوا الشوارب واعفوا اللحى، وانتفوا الشعر الذي في الآناف”. وفي بعضها: “احفوا الشوارب واعفوا اللحاء، ولا تتشبَّهوا باليهود”. قال الشارح: “احفوا (بفتح الهمزة وضمِّ الفاء وهو بقطع الهمزة ووصلها): مِنْ أحفى شاربه وحفاه إذا استأصل وأخذ شعره، والمراد: احفوا ما طال عن الشفتين”. قال النوويُّ: “والمختار أن يقصَّ حَتَّى يبدو طرف الشفة، ولا يحفَّه من أصله. "وأعفوا اللحى" بالقطع والوصل بالضبط السابق، من أعفيت الشعر عفوته، والمراد: توفير اللحية خلاف عادة الفرس من قصِّها ... ”إلخ. وروى صاحب القناطر رحمه الله في قصِّ الشارب حديثا آخر يقتضي غير هذا، حيث قال فيما يحذف من أجزاء البدن: “الثاني: شعر الشارب، وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: "حفُّوا الشارب"، أي: اجعلوها حفاف الشفة، أي: حولها، وحفاف الشيء حوله، ومنه قوله تعالى: {وَتَرَى الْمَلآَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} [الزمر: 75]. وفي لفظ آخر: "أحفوا"، وهذا يشعر بالاستئصال. وقوله: "حفُّوا" يَدُلُّ على ما دون ذلك، قال الله تعالى: {إِنْ يَّسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا} [محمَّد: 37]، أي: يستقصي عليكم”. قال: “وَأَمَّا حلق الشارب فلم يبلغنا فيه خبر. والإحفاء قريب من الحلق، وقد نُقل عن بعض التابعين أَنَّهُ نظر إلى رجل أحفَّ شاربه فقال: ذكَّرتني أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وحكي عن المغيرة بن شعبة أَنَّهُ نظر إِليَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقد طال شاربي، فقال: تعالَ، فقَصَّه لي على سواك. ورخَّص علماء السلف في ترك السبالين وهما طرفا الشارب، قال: لأَنَّ ذلك لا يستر الفم ولا يبقي فيه غمر الطعام إذ لا يصل إليه، وزعم أنَّ عمر فعل ذلك وفعله غيره. (4/135)
صفحة 1358
وقوله: عليه الصلاة والسلام: “اعفوا اللحى”، أي: كثِّروها، نظيره: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا} [الأعراف: 95]، أي: كثروا، وفي الخبر: “إِنَّ اليهود يحفون شواربهم ويقصُّون لحاهم فخالفوهم”. وكره بعض العلماء الحلق ورآه بدعة”. اهـ.
قوله: «قال الربيع يريد القطع لِمَا طال منها»: أقول: أخذ هذا من ظاهر الحديث بعيد، لأَنَّ الإعفاء معناه التكثير، كما ذكره صاحب القناطر وغيره، قال: “وعفا الشعر والنبت وغيرهما كَثُرَ، ومنه قوله: تعالى: {حَتَّى عَفَوْا}، أي: كثروا، وعفوته أنا وأعفيته أيضا لغتان إذا فعلت ذلك به. وفي الحديث أمر أن تُحْفَى الشواربُ وتُعفَى اللحى. والحاصل أنَّ الحديث لا يَدُلُّ على الأخذ من اللحية، وَأَمَّا أخذ ما طال منها ففيه خلاف”. قال في القناطر: “وقد اختلفوا فيما طال منها؛ فقيل: إن قبض الرجل على لحيته وأخذ ما تحت القبضة فلا بأس، وقد روي عن ابن عمر أَنَّهُ فعل ذلك وجماعة من التابعين، ورخَّص في الأخذ منها أبو عبيدة مسلم فيما وجدت. واستحسنه الشعبيُّ وابن سيرين فيما وجدت عنهما. وقد زعم الغزاليُّ في كتابه أنَّ الحسن وقتادة كرها ذلك وقالا: تركها عافية أحبُّ إلينا، لقوله عليه السلام: “اعفوا اللحى”، والأمر في هذا قريب إذا لم ينته إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب، فإنَّ الطول المفرط يشوِّه الخلقة، ويُطْلِقُ أَلْسِنَةَ المغتابين بالسُّبَّة إليه فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه النية ... ”إلخ. ثُمَّ ظهر أنَّ المراد بقوله: “يريد القطع لِمَا طال” أي: بالنهي الذي تضمَّنه الأمر بالنهي عن القطع لِمَا طال منها. ويحتمل أنَّ الضمير في “منها” للشوارب إن ثبتت النسخة بالجمع، والله أعلم. (4/136)
صفحة 1359
قوله: «سنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عشر سنن في الإنسان ... » إلخ: وَتُسَمَّى سنن إبراهيم عليه السلام أيضا. قيل: وهي المراد بقوله تعالى: {وَإِذ اِبْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] في بعض الأقوال. والله أعلم.
قوله: «فاللواتي في الرأس فرق الشعر»: وهو واجب إذا زاد على قدر القبضة، قال في الإيضاح: “وَأَمَّا فرق الشعر فَإِنَّمَا يحذر في ذلك اختلاط شعر الناحيتين، وإن جازت ثلاث شعرات من ناحية إلى ناحية أعاد صلاته، وذلك إذا كان الشعر مقدار أربعة أصابع إلى ما فوق ذلك، وهو عندي أقلُّ ما يمكن أن يفرق ... ”إلخ. وقال في القناطر في حلق الرأس: “ولكن لا بأس بتركه لمن يدهنه ويمشطه، إِلاَّ إذا تركه فرعا، أي: قطعا مفرقة في الرأس فإنَّ ذلك منهيٌّ عنه، وهو أدب أهل الشطارة، وكذلك إرسال الذوائب على هيئة أهل الشرف حيث صار ذلك شعارا لهم فَإِنَّهُ إذا لم يكن شريفا صار ذلك تلبيسا”.انتهى.
قوله: «وقص الشارب»: تَقَدَّمَ الكلام عليه.
قوله: «والسواك»: قال في القناطر في كَيفِيَّة الوضوء: “ويستحبُّ للإنسان أن يبتدئ بالسواك قبل الوضوء، وقد روي عن النبيء عليه السلام أَنَّهُ قال: “أفواهكم طرق القرآن فطيِّبوها بالسواك”، فينبغي أن ينوي بالسواك تطهير فمه لقراءة الفاتحة وذكر الله عَزَّ وَجَلَّ في الصلاة. وقد قيل عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَنَّهُ قال: “صلاة على إثر سواك أفضل من خمس وعشرين صلاة بغير سواك”. وعنه عليه السلام: “لولا أن أشقَّ على أُمَّتِي لأمرتهم بالسواك عند كُلِّ صلاة وَكُلِّ وضوء” ... إلى آخر ما أطال في بيان فضله. (4/137)
صفحة 1360
ثُمَّ قال: “وَكَيفِيَّته أن يستاك بخشب الأراك أو غيره من قضبان الأشجار مِمَّا يحسن ويزيل القلح، أعني صفرة الأسنان، ويستاك عرضا وطولا، وإن اقتصر فعرضا. ويستحبُّ السواك عند كُلِّ صلاة وعند كُلِّ وضوء وإن لم يصل عقيبه وعند تغيُّر رائحة الفم بالثوم أو طول نوم، أو أكل ما تكره رائحته، ثُمَّ عند الفراغ من السواك ... ”إلخ.
قوله: «المضمضة والاستنشاق»: قال في القناطر: “ثُمَّ يأخذ غرفة من الماء لفيه فيتمضمض ثلاثا، ويغرغر فاه بأن يردَّ الماء إلى الغلصمة، إِلاَّ أن يكون صائما فيرفق، لِئَلاَّ يبلع الماء، ويقول عند ذلك: "اللَّهُمَّ أعنِّي على تلاوة كتابك، وكثرة الذكر لك، وأطعمني من ثمار جنَّتك". ثُمَّ يأخذ غرفة أخرى لأنفه، ويستنشق ثلاثا، بأن يصعد الماء بالنفس إلى خياشمه، ويستنثر ما فيه، ويقول في الاستنشاق: "اللَّهُمَّ أشممني من رائحة الجنَّة وأنت عَنِّي راض". وفي الاستنثار: "اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من روائح النار، ومن سوء الدار"، لأَنَّ الاستنشاق إيصال الماء، والاستنثار إزالته. وإن أراد أن يجمع الفم والأنف جميعا بالمضمضة والاستنشاق فَإِنَّهُ يجزيه ذلك، ويجعل أصبعه في الفم والأنف عند ذلك إن لم يكن له عذر يمنعه من خروج الدم من الفم أو جرح في أنفه ثُمَّ يغرف ... ”إلخ.
قوله: «نتف الإبطين»: قال في القناطر: ويستحبُّ نتفه في كُلِّ أربعين يوما مَرَّة، وذلك سهل على من تعوَّد نتفه في الابتداء، ولا بأس بحلقه على من تعوَّد ذلك، إذ في النتف تعذيب وإيلام، والمقصود النظافة، وأن لا يجتمع الوسخ في خللها، ويحصل ذلك بالحلق. وقد حدَّ بعضهم نتف الإبط إذا ألصق الإنسان عضده إلى جنبه وخرج الشعر من الجانبين، والله أعلم”. انتهى.
قوله: «وتقليم الأظفار»: قال في الإيضاح: “وَأَمَّا الأظفار إذا جاوزت رؤوس الأصابع لم تجز بها الصلاة”. انتهى. وخالفه في القناطر حيث قال: “وهو مندوب إليها لشناعة صورتها إذا طالت، وَلِمَا يجتمع فيها من الوسخ. وروي أنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "يا أبا هريرة قلِّم أظافرك، فإنَّ الشيطان يقعد على ما طال منها". (4/138)
صفحة 1361
ولو كان تحت الظفر وسخ فلا يمنع ذلك صِحَّة الصلاة، لأَنَّهُ عليه السلام كان يأمر العرب بقلم الأظفار وينكر ما تحت أظفارهم من الأوساخ، ولم يأمرهم بإعادة الصلاة، إِمَّا لأَنَّهُ لا يمنع وصول الماء، أو لأَنَّهُ يساهل فيه للحاجة، لا سيما في أظفار الرجل، ولو أمر بذلك لكان فيه فائدة، وهو التغليظ والزجر عن ذلك. قال الغزاليُّ: ولم أر في الكتب خبرا مرويًّا في ترتيب الأظفار، ولكن سمعت أَنَّهُ صلَّى الله عليه وسلَّم بدأ بمسبِّحته اليمنى، وختم بإبهام اليمنى، وابتدأ في اليسرى بالخنصر إلى الإبهام، وفي اليمنى من المسبِّحة إلى الخنصر، وختم بإبهام اليمنى. قال الغزالي في كتابه: وَأَمَّا أصابع الرجل فالأَوْلى عندي إن لم يثبت فيه نقل أن يبدأ بخنصر اليمنى ويختتم بخنصر اليسرى كما في التخليل. والله أعلم.
قال الغزالي في كتابه: واعلم أنَّ العالم لا يكون وارثا للنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم إِلاَّ إذا اطَّلَعَ على جميع معاني الشريعة، حَتَّى لا يكون بينه وبين النبيء إِلاَّ درجة واحدة وهي درجة النبوءة الفارقة بين الوارث والموروث، إذ الموروث هو الذي حصل له المال باشتغاله به واقتداره على تحصيله، والوارث هو الذي لم يشتغل بالتحصيل ولم يقدر عليه، ولكن انتقل إليه وتلقَّاه منه بعدما حصل له، والله أعلم.”انتهى.
قوله: «والاستحداد»: المراد به إزالة شعر العانة. قال في القناطر: “ويستحبُّ إزالة ذلك للرجال بالحلق، وللنساء بالنتف، وبالنَّوْرة للجميع، ولا ينبغي أن يتأخَّر عن أربعين يوما. وقد حدَّ بعضهم ذلك إذا كان الشعر يدور بالإصبع. وقد روي عن أبي عبيدة مسلم رحمه الله أَنَّهُ قال: "لا أعلم في قصِّ الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة حدًّا محدودا، إِلاَّ إذا طال فأزِخْ ذلك عن نفسك. وقد قيل: إنَّ دفن الشعر والأظفار بدعة. والله أعلم”. انتهى. وذكر صاحب الإيضاح رحمه الله أَنَّهُ مستحبٌّ.
قوله: «والختان»: قال في القناطر: “وَأَمَّا التطهير بالختان فعادة اليهود ليوم السابع من الولادة، فينبغي أن يخالَفُوا بالتأخير إلى أن يثغر الولد، وذلك أحبُّ وأبعد من الخطر. (4/139)
صفحة 1362
وقد روي عن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم أَنَّهُ قال: "الختان للرجال سنَّة، وللنساء مكرمة". وينبغي أن لا يبالغ في خفض المرأة، إذ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأمِّ عطيَّة وكانت تخفض: "يا أمَّ عطيَّة أَشِمِّي ولا تنهكي، فَإِنَّهُ أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج"، أي: أكثر لماء الوجه ودمه وأحسن في جماعها. انظر إلى جزالة لفظه عليه الصلاة والسلام في الكناية وإلى إشراق نور النبوَّة حَتَّى انكشف له وهو أُمِّيٌّ من هذا الأمر النازل قدره ما لو وقعت الغفلة خيف ضرره، فسبحان من أرسله رحمة للعالمين، ليجتمع لهم بيمن بعثته مصالح الدنيا والدين صلَّى الله عليه وسلَّم”. انتهى.
قوله: «الاستنجاء»: قال صاحب القناطر رحمه الله في بيان كَيفِيَّته: “فإذا انقطعت الرطوبة بالاستجمار انتقل إلى الاستنجاء بالماء، ولا بُدَّ من الجمع بين الأحجار والماء، فالأحجار لتجفيف العين عن الموضع، والماء للإنقاء وإزالة الأثر. والمستحبُّ في صفة استعمال الماء أن يصبَّ الماء على اليد قبل مباشرتها النجاسة، فيغسلها ثلاثا، ثُمَّ يجلس على المستحمِّ متمكِّنا على غير موضع صلب أو مكان نجس لِئَلاَّ يتطاير عليه من الغسالة شيء، ثُمَّ يذكر الله تعالى مبتدئا بغسل محل البول أَوَّلاً، ثُمَّ ينتقل إلى محلِّ الغائط، فيرسل الماء ويوالي الصبَّ على يده اليسرى غاسلا بها المحلَّ فيسترخى قليلا ليتمكَّن من الإنقاء، ويجيد العرك حَتَّى ينقى وتزول اللزوجة، وتطمئنَّ النفس وتطيب، ويزول الشكُّ عنها من غير تحديد عدد، لأَنَّ ذلك يختلف بالقلَّة والكثرة والغلظة والرقَّة، ثُمَّ ينفصل عن المستحمِّ بذكر الله والدعاء إليه، يقول: "اللَّهُمَّ حصِّن فرجي بالإسلام، وطهِّر قلبي من النفاق، وجسدي من النجاسات، وزوِّجني من الحور العين برحمتك يا أرحم الراحمين". وليحذر أن يتعرَّض للباطن بإدخال الأصبع فيه، فإنَّ ذلك منبع الوسواس. وليعلم أنَّ كلَّ ما لا يصل إليه فهو باطن، وما يحسُّ به من بلل فليقدِّر أَنَّهُ بَقِيَّة الماء، وإن كان يؤذيه فليرشَّ الماء عليه حَتَّى يقوِّي في نفسه ذلك، ولا يتسلَّط عليه الشيطان بالوسواس. وفي الخبر أنَّ النبيء عليه الصلاة والسلام فعل ذلك ـ أعني رشَّ الماء ـ ذكر ذلك ابن جعفر العماني وغيره، والله أعلم”. انتهى. (4/140)
صفحة 1363
الباب العاشر في الأداب
[صفحة بيضاء] (4/141)
صفحة 1364
[صفحة بيضاء] (4/142)
صفحة 1365
[صفحة بيضاء] (4/143)
صفحة 1366
قال ابن حجر: والأدب استعمال ما يحمد قولا وفعلا، وعبَّر عنه بعضهم بأنَّه الأخذ بمكارم الأخلاق.
وقيل: الوقوف مع المستحبات.
وقيل: هو تعظيم مَن فوقك، والرفق بمن دونك.
ويقال: إنَّه مأخوذ من المأدبة وهي الدعوة إلى الطعام، سمي بذلك لأنَّه يدعى إليه. الخ.
قوله: «لا يتناجى اثنان عن واحد» هذا من جملة حقوق الصحبة، قال في القواعد: ولا يتناجى أحد دونه، قال في الإيضاح: لأنَّ ذلك مما يحزنه.
قوله: «لا تقوم الساعة حتى يمرَّ الرجل بقبر رجل». الخ، قال العلقمي: ذكر الرجل جرى على الغالب، وإلاَّ فغيره كذلك، ويتمنى ذلك لما يصيبه من البلاء والشدَّة، حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء فيتمنَّى أهون المصيبتين في اعتقاده. انتهى.
وقد تقدَّم الحديث عنه في كتاب الجنائز.
قوله: «كلُّ ابن آدم تأكله الأرض إلاَّ عجم الذنب» الخ، في بعض الروايات: "ما بين النفختين أربعون، ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت (4/144)
صفحة 1367
البقل، وليس من الإنسان شيء إلاَّ يُبلى إلاَّ عظم واحد وهو عجم الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة» وفي رواية: "إنَّ في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدا، فيه يركَّب يوم القيامة، قالوا: أيُّ عظم هو يا رسول الله؟ قال: عجب الذنب «.
وفي رواية: "قيل: يا رسول الله، ما عجب الذنب؟ قال: مثل حبَّة خردل".
قال العلقمي: والعجب (بفتح المهملة وسكون الجيم بعدها موحدة) ويقال له عجم بالميم أيضا، عوض الباء، عظم لطيف في أصل الصلب، وهو رأس العصعص، وهو مكان رأس الذنب من ذوات الأربع.
وفي حديث أبي سعيد إلى أن قال مرفوعا: "إنَّه مثل حبَّة الخردل".
قال ابن الجوزي: قال ابن عقيل: لله في هذا سرٌّ لا نعلمه؛ لأنَّ من يظهر الوجود من العدم لا يحتاج إلى شيء يبني عليه. الخ.
أقول: ومثل هذا ما ذهب إليه صاحب السؤالات رحمه الله حيث قال: وعلينا أن نعلم أنَّ الله خلق الأشياء، وأمَّا أن نعلم أنه خلقهم لا من شيء فلا نشكُّ.
وقيل: علينا ذلك، أعني المعرفة، وكذلك فناؤهم لا إلى شيء زيادة لا نشكُّ، وعلينا ذلك، وكذلك علينا معرفة أنَّ إعادتهم لا من شيء لا نشكُّ.
وقال أحمد بن الحسين الطرابلسي: "بل يبقى فهم عجم الذنب في بني آدم" أخطأ في ذلك، بل يفنون ويصيرون لا شيء موجود كما خلقهم لا من شيء، فاعلم ذلك.
والردُّ عليه أنَّا مجتمعون على أنَّه خلقهم وبدأهم لا من شيء، والإعادة مثلها، وقال عز وجل: {وَهُوَ الذِي يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ, وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 26]. وقال: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29]، وقال: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ،} [الأنبياء: 104]، وهو قول ابن عباس عبد الله رحمة الله عليه، وأهل العدل والصواب رحمة الله عليهم". انتهى.
وأقول: حيث ثبت الحديث لا بدَّ من تأويله، وقد أشار العلقمي إلى ذلك حيث قال بعد ذكر ما نقله ابن الجوزي عن ابن عقيل ما نصُّه: ويحتمل أن يكون ذلك جعل علامة للملائكة على إحياء كلِّ إنسان بجوهره، ولا يحصل العلم للملائكة بذلك (4/145)
صفحة 1368
إلاَّ بإبقاء عظم كلِّ شخص لتعلم أنَّه إنما أراد بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جزء منها، ولولا إبقاء شيء منه لجوَّزت الملائكة أنَّ الإعادة إلى أمثال الأجساد لا إلى نفس الأجساد". انتهى.
وكتبت على قوله: "يبلى المساوي"، لقوله في رواية المصنف: "تأكله الأرض" ما نصه: "يحتمل أن يراد به يفنى، أي تعدم أجزاؤه بالكلية، ويحتمل أن يريد به يستحيل فتزول صورته المعهودة ويصير على صفة جسم التراب، ثم يعاد إذا ركِّب إلى ما عُهد".
وزعم بعض الشراح بأنَّه لا يبلى، أي يطول بقاؤه، لا أنَّه لا يفنى أصلا.
أقول: وهذا هو المناسب لِما ذكره صاحب السؤالات رحمه الله، قال: "والحكمة فيه أنَّه قاعدة بدء الإنسان، وأسُّه الذي يبنى عليه، فهو أصلب من الجميع كقاعدة الجدار، وإذا كان أصلب كان أدوم بقاء".
قال: "وهذا مردود؛ لأنَّه خالف الظاهر بغير دليل".
أقول: بل دليله ظاهر، وهو قياس الإعادة على البدء، كما أنَّه تعالى خلقهم من لا شيء، كذلك يعيدهم لا من شيء، فيكون أدلَّ على كمال القدرة. والله أعلم.
قال: وقال العلماء: هذا عام يخصُّ منه الأنبياء، لأنَّ الأرض لا تأكل أجسادهم.
وألحق بهم ابنُ عبد البر الشهداءَ. والقرطبي المؤذن المحتسب.
قال عياض: فتأويل الخبر وهو كلُّ ابن آدم يأكله التراب، وأن كلَّ ابن آدم مما يأكله التراب، كأنَّ التراب لا يأكل أجسادا كثيرة كالأنبياء. انتهى.
قوله:» إلاَّ عجمَ الذنب «يعني بفتح النون.
قال العلقمي: أخذ بظاهره الجمهور وقالوا: لا يبلى عجب الذنب، ولا يأكله التراب.
وخالف المزني فقال: إلاَّ هنا بمعنى الواو، أي وعجب الذنب أيضا يبلى.
وقد أثبت هذا المعنى الهراء والأخفش، فقالوا: ترِد إلاَّ بمعنى الواو.
أقول: وهذا أيضا يناسب ما ذُكر في السؤالات، ويرد ما انفرد به المزني التصريح بأنَّ الأرض لا تأكله أبدا، كما تقدم في حديثهما. الخ. (4/146)
صفحة 1369
قوله:» فإنَّه منه خلق «قال العلقمي: تقتضي أنَّه أوَّل شيء خلق من الآدمي، ولا يعارضه حديث سلمان: "أوَّل ما خلق من آدم رأسه" لأنَّه يجمع بينهما بأنَّ هذا في حقِّ آدم، وذاك في حقِّ بنيه، والمراد يقول سلمان: نفخ الروح في آدم لا خلق جسده. انتهى.
قوله:» إنَّ الملائكة لا تدخل بيتا فيه تماثيل أو صور «، لفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تصاوير".
وفي رواية أخرى قال: "وعد النبيء صلى الله عليه وسلم جبريل فراث عليه حتى اشتدَّ على النبيء صلى الله عليه وسلم، فخرج فلقيه فشكى إليه ما وجد، فقال له: "إنَّا لا ندخل بيتا فيه صور ولا كلب".
وفي رواية: "إنَّ البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة".
قال ابن حجر: "في قوله» لا تدخل الملائكة «ظاهره العموم، وقيل يستثنى من ذلك الحفظة، فإنهم لا يفارقون الشخص في كلِّ حالة، وبذلك جزم ابن وضَّاح والخطابي وآخرون".
لكن قال القرطبي: كذا قال بعض علمائنا.
والظاهر العموم، والمخصَّص يعني الدال على كون الحفظة لا يمتنعون من الدخول ليس نصًّا.
قال ابن حجر: "قلت ويؤيده أنَّه من الجائز أن يطلعهم الله على عمل العبد، ويسمعهم قوله، وهم بباب الدار التي هو فيها".
ويقابل القول بالتعميم القولُ بتخصيص الملائكة بملائكة الوحي، وهو قول من ادَّعى أنَّ ذلك كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم كما سأذكره وهو شاذ. انتهى.
قوله:» بيتا «قال ابن حجر: "المراد بالبيت الذي يستقرُّ فيه الشخص سواء كان بناء أو خيمة، أم غير ذلك الخ، فتكلَّم على الكلب لثبوته في بعض، روايات البخاري".
والظاهر العموم في كلِّ كلب؛ لأنَّه نكرة في سياق النفي.
وذهب الخطابي وطائفة إلى استثناء الكلاب التي أذن في اتخاذها، وهي كلاب الصيد والماشية والزرع. (4/147)
صفحة 1370
وجنح القرطبي إلى ترجيح العموم، وكذا قال النووي.
قوله:» فيه تماثيل أو صور «الظاهر أنَّ (أو) للشكِّ من الراوي، فإنَّ الظاهر أنَّ أحدهما يغني عن الآخر، وليس في شيء من طرق البخاري الجمع بينهما.
قال ابن حجر: "قال الخطابي: والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت التي هي فيه ما يحرم اقتناؤه، وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح ما لم يُقطع رأسه، ولم يمتهن" إلى أن قال: "وأغرب ابن حبان فادَّعى أنَّ هذا الحكم خاصٌّ بالنبيء صلى الله عليه وسلم، وهو نظير الحديث الآخر: "لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس الخ" فذكر أنَّه خصَّه برفقة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستبعده جدا".
ثم قال: "وقد استشكل كون الملائكة لا تدخل المكان الذي فيه التصاوير، مع قوله سبحانه وتعالى عند ذكر سليمان عليه السلام: {يَعْمَلُونَ لَهُ, مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} [سبأ: 13] وقد قال مجاهد: كانت صورا من نحاس. أخرجه الطبري.
وقال قتادة: كانت من خشب ومن زجاج أخرجه عبد الرزاق.
والجواب: أنَّ ذلك جائز في تلك الشريعة، وكانوا يعملون أشكال الأنبياء والصالحين منهم على هيئتهم في العبادة ليتعبدوا كعبادتهم.
وقد قال أبو العالية: لم يكن ذلك في شريعتهم حراما، ثم جاء شرعنا بالنهي عنه.
ويحتمل أن يقال: إنَّ التماثيل كانت على صورة النقوش الغير ذات الأرواح، وإذا كان اللفظ محتملا لم يعيَّن الحمل على المعنى المشكل.
وقد ثبت في الصحيحين حديث عائشة في قصَّة الكنيسة التي كانت بأرض الحبشة وما فيها من التصاوير، وأنَّه صلى الله عليه وسلم قال: "كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوَّروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند الله" فإنَّ ذلك يشعر بأنَّه لو كان جائزا في ذلك الشرع ما أطلق صلى الله عليه وسلم أنَّ الذي فعله شر الخلق، فدلَّ على أنَّ فعل صور الحيوان فعل محدث، أحدثه عباد الصور. والله أعلم. انتهى.
قوله:» إنَّ الرجل ليتكلَّم بالكلمة «. الخ. ففي بعض الروايات:» إنَّ العبد ليتكلم بكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإنَّ العبد يتكلَّم الكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم «. (4/148)
صفحة 1371
قال العلقمي: قوله» بالكلمة «أي الكلام المشتمل على ما يفهم الخير والشر، سواء طال أم قصر، كما يقال: كلمة الشهادة، وكما يقال: القصيدة كلمة فلان.
وكتب على قوله:» لا يلقي لها بالا «أي لا يتأملها بخاطره، ولا يتفكر في عاقبتها، ويظنُّ أنَّها لا تؤثر شيئا، وهو من نحو قوله تعالى: {وَتَحْسِبُونَهُ, هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ} [النور: 15]، إلى أن قال: قال ابن عبد البر: "الكلمة التي يهوي صاحبها بسببها إلى النار هي التي يقولها عند السلطان الجائر".
وزاد ابن بطال: "بالبغي أو بالسعي على المسلم، فتكون سببا لهلاكه، وإن لم يرد القائل ذلك لكنها ربما أدَّت إلى ذلك فيكتب على القائل إثمها".
والكلمة التي ترفع بها الدرجات ويكتب بها الرضوان هي التي يدفع بها عن المسلم مظلمة، أو يفرِّج بها عنه كربه، أو ينصر بها مظلوما.
وقال غيره: في الأولى هي الكلمة عند ذي السلطان يرضيه بها فيما يسخط الله.
قال ابن التين: هذا هو الغالب وربما كانت عند غير السلطان ممن يأتي منه ذلك.
ونقل عن ابن وهب أنَّ المراد بها التلفُّظ بالسوء والفحش ما لم يرد بذلك لأمر الله في الدين.
وقال القاضي عياض: يحتمل أن تكون تلك الكلمة من الخنا والرفث، وأن تكون في التعريض بالمسلم بكبيرة، أو استخفاف بحقِّ النبوة والشريعة، وإن لم يعتقد ذلك.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: هي الكلمة التي لا يعرف قائلها حسنها من قبحها.
قال: "فيحرم على الإنسان أن يتكلم بما لا يعرف حسنه من قبحه، إلى أن قال: وقال النووي: في هذا الحديث حثٌّ على حفظ اللسان، فينبغي لمن أراد أن ينطق أن يتدبَّر ما يقول قبل أن ينطق، فإن ظهرت فيه مصلحة تكلَّم وإلاَّ أمسك. انتهى.
قوله:» من أدرك أبويه ولم يدخل بهما الجنة فلا أدركهما «لم يُظفر بهذا الحديث في البخاري، ولا في الجامع، (4/149)
صفحة 1372
والمعنى والله أعلم، أنَّه إذا أطاعهما دخل الجنة، وإذا عصاهما دخل النار، ففيه التنبيه على وجوب طاعتهما فيما ليس فيه معصية الله، كما هو معلوم، وقد جعل لبرِّهما باب مستقل.
وقد ذكر في البخاري حديثا آخر يدلُّ على أنَّ الأمَّ أحقُّ بالبر من الأب، ولفظه بعد ذكر الإسناد عن أبي هريرة قال: "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحقُّ الناس بحسن صحبتي؟ فقال: أمُّك قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أبوك" قال ابن حجر: "وقال القرطبي: المراد أنَّ الأم تستحق على الولد الحظَّ الوافر من البرِّ، وقد تقدَّم في ذلك على حقِّ الأب عند المزاحمة".
وقال عياض: ذهب الجمهور إلى أنَّ الأمَّ تفضَّل في البر على الأب. وقيل يكون برُّهما سواء، ونقله بعضهم عن مالك، والصواب الأول.
قال ابن حجر: قلت إلى الثاني ذهب بعض الشافعية، لكن نقل الحارث المحاسبي الإجماع على تفضيل الأمِّ في البر، وفيه نظر، وأطال فيه إلى أن قال: ويؤيد تقدُّم الأم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنّ امرأة قالت: يا رسول الله، إنَّ ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإنَّ أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني، فقال: أنت أحقُّ به مما لم تنكحي". الخ.
وأشار صاحب القواعد رحمه الله أيضا إلى ترجيح الوالدة حيث قال: وحقوقهما كثيرة لاسيما الوالدة؛ لأنها حملته في بطنها، وغذَّته بلبنها، وأولته الخير والشفقة حين لا يطيق لنفسه دفعا ولا حيلة ولا نفعا، فكان حجرها له حواء، وثديها له سقاء. الخ.
قوله:» شرُّ الناس ذو الوجهين «الخ، ذكره في الجامع بلفظ آخر حيث قال: "من كان له وجهان، كان له يوم القيامة لسانان من نار".
قال شارحه: معناه أنَّه لما كان يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه على وجه الإفساد، جُعل له لسانان من نار، كما كان في الدنيا له لسان عند كلِّ طائفة.
وتقدَّم فيه مزيد في: "تجدون الناس" انتهى. (4/150)
صفحة 1373
ولفظه: "تجدون الناس معادن فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدُّهم له كراهية قبل أن يقع فيه، وتجدون شرَّ الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه" انتهى.
وتكلَّم الشارح عليه بما يطول ذكره وذكر أنَّ المراد بهذا الشأن الولاية والإمرة، إلى أن قال في قوله: "وتجدون شر الناس" الخ. ما نصه: "قال شيخ شيوخنا: قال القرطبي: إنما كان ذو الوجهين شرَّ الناس لأنَّ حاله حال المنافق، وهو يتملق بالباطل وبالكذب، يدخل الفساد بين الناس".
وقال النووي: "هو الذي يأتي كلَّ طائفة بما يرضيها فيظهر لها أنَّه منها، ومخالف لضدِّها، وصنيعه نفاق محض وكذب وخداع وتحيل على الاطلاع على الأسرار، وهي مباهتة محرَّمة، فأمَّا من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فمحمود".
قال غيره: الفرق بينهما أنَّ المذموم من يزيِّن لكلِّ طائفة عملها، ويقبِّحه عند الأخرى، ويذمُّ كلَّ طائفة عند الأخرى، والمحمود من يأتي كلَّ طائفة بما فيه إصلاح الأخرى، ويعتذر لكلِّ واحدة عند الأخرى، وينقل إليها ما أمكنه من الجميل، ويستر القبيح. انتهى.
قوله:» بينما رجل يمشي في الطريق «الخ. في بعض الروايات "يمشي بفلاة «، وفي بعضها: "بطريق مكة".
قوله: "فاشتدَّ عليه"، قال ابن حجر: "وقعت الفاء هنا موضع (إذا) في قوله تعالى: {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36]، وسقطت هذه الفاء من رواية مسلم". الخ.
قوله:» يلهث «، قال ابن حجر: بفتح الهاء اللهث، هو ارتفاع النفس من الإعياء.
وقال ابن التين: لهث الكلب أخرج لسانه من العطش، وكذا الطائر، ولهث الرجل إذا أعيا، ويقال إذا بحث بيديه ورجليه.
قوله:» يأكل الثرى «قال ابن حجر: "أي يكدم بفمه الأرض الندية، وهي إمَّا صفة وإمَّا حال".
قوله:» بلغ هذا الكلب من العطش مثل «قال ابن حجر: "بالفتح أي بلغ مبلغا مثل الذي فيَّ، وضبطه الدمياطي بخطِّه مثل ولا يخفى توجيهه. الخ. يعني أنَّه بالرفع على أنَّه فاعل، وهذا الكلب هو المفعول. (4/151)
صفحة 1374
قوله:» ملأ خفه «في بعض الروايات: "فنزع أحد خفيه".
قوله:» وأمسكه بفيه «قال ابن حجر: "وإنما احتاج إلى ذلك لأنَّه كان يعالج بيديه ليصعد من البئر، وهو مشعر بأنَّ الصعود كان عسِرا".
قوله:» فسقى الكلب «زاد في بعض الروايات: "حتى أرواه" أي جعله ريانا.
قوله:» فشكر الله له «قال ابن حجر: أي أثنى عليه، أو قبل عمله، أو جزاه بفعله، وعلى الأخير فالفاء في قوله: "فغفر الله له" تفسيرية، أو من عطف الخاصِّ على العام.
وقال القرطبي: معنى قوله:» فشكر الله له «أي أظهر ما جازاه به عند ملائكته. الخ. فذكر أنَّ في بعض الروايات بدل فغفر له: "فأدخله الجنة".
قوله:» فقالوا يا رسول الله «قال ابن حجر: سمي من هؤلاء السائلين سراقة بن مالك بن جشعم.
قوله:» إنَّ لنا في البهائم لأجرا «أي في سقي البهائم أو الإحسان إلى البهائم أجرا.
قوله:» في كلِّ كبد رطبة أجر «قال ابن حجر: "أي كل كبد حية والمراد رطوبة الحياة، أو لأنَّ الرطوبة لازمة للحياة فهو كناية".
ومعنى الظرفية هنا أن يقدَّر محذوف، أي: الأجر ثابت في إرواء كلِّ كبد حية، والكبد يذكَّر ويؤنَّث.
ويجوز أن تكون (في) سببية كقولك: "في النفس الدية".
قال الداودي: المعنى في كلِّ كبد حيٍّ أجر، وهو عامٌّ في جميع الحيوان.
وقال أبو عبد الملك: هذا الحديث كان في بني إسرائيل، وأما الإسلام فقد أمر بقتل الكلاب، وأمَّا قوله:» في كلِّ كبد «فمخصوص ببعض البهائم مما لا ضرر فيه، لأنَّ المأمور بقتله كالخنزير لا يجوز أن يقوى ليزداد ضرره.
وكذا قال النووي: إنَّ عمومه مخصوص بالحيوان المحترم، وهو ما لم يؤمر بقتله، فيحصل الثواب بسقيه، ويلتحق بهذا إطعامه وغير ذلك من وجوه الإحسان.
وقال ابن التميمي: لا يمتنع إجراؤه على عمومه، يعني فيسقى ثم يقتل، لأنَّا أمرنا أن نحسن القتلة ونهينا عن المثلة. (4/152)
صفحة 1375
واستدلَّ به على طهارة سؤر الكلب، وقد تقدَّم البحث في ذلك في كتاب الطهارة.
ومما قيل في الردِّ على من استدل به أنَّه فعل بعض الناس ولا يدري هل هو ممن كان يقتدى به أم لا؟ والجواب: أنَّا لم نحتج بمجرد الفعل لمذكور بل إذا فرعنا على "أن شرع من قبلنا شرع لنا" فإنَّا لا نأخذ بكلِّ ما ورد عنهم، بل إذا ساقه أمام شرعنا مساق المدح إن علم ولم يقيده بقيد صحَّ الاستدلال به. الخ.
أقول: لا يستدل به على ما ذكر؛ لأنَّ الراجح أنَّ "شرع من قبلنا ليس بشرع لنا"، إلاَّ في التوحيد وما لا ينسخ كمحاسن الأخلاق.
قال ابن حجر: وفي الحديث جواز السفر منفردا بغير زاد، ومحل ذلك في شرعنا ما لم يخف على نفسه الهلاك.
وفيه الحثُّ على الإحسان إلى الناس؛ لأنَّه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي الكلب، فسقي المسلم أعظم أجرا.
واستدلَّ به على جواز صدقة التطوع للمشركين، وينبغي أن يكون محلُّه إذا لم يوجد هناك مسلم فالمسلم أحقُّ.
وكذا إذا رأى الأمرَ بين البهيمة والآدمي المحترم واستويا في الحاجة، فالآدميُّ أحقُّ. والله أعلم. انتهى.
قوله:» عن أبي بشير «الخ. لفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد: "أنَّ أبا بشير الأنصاري رضي الله عنه أخبره أنَّه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره". "قال عبد الله: حسبت أنَّه قال والناس في مبيتهم، فأرسل رسول الله رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة، من وتر أو قلادة إلاَّ قطعت" اهـ.
قوله: "عن أبي بشير"، قال ابن حجر: وهو بفتح الموحدة ثم المعجمة إلى أن قال: وقد ذكره الحاكم أبو أحمد فيمن لا يُعرف اسمه.
وقيل اسمه قيس بن عبد الحرير (بمهملات) مصغرا بن عبد عمر، وذكر ذلك ابن سعد، وساق نسبه إلى ماون الأنصاري وفيه نظر الخ. (4/153)
صفحة 1376
قوله:» في بعض أسفاره «قال ابن حزم: لم أقف على تعينها.
قوله: «فأرسل رسولا «في رواية عن مالك: "أرسل مولاه زيدا" قال ابن عبد البر: وهو زيد بن حارثة فيما يظهر لي.
قوله: «في رقبة بعير قلادة من وبر «الرواية في البخاري من وتر.
قال ابن حجر: قوله: «وتر «(بالمثناة) في جميع الروايات.
قال ابن الجوزي: ربما صحف من لا علم له بالحديث، فقال وبر (بالباء الموحدة) قلت: حكى ابن التين أنَّ الداودي جزم بذلك وقال: هو ما ينزع عن الجمال، يشبه الصوف. قال ابن التين فصحف.
قال ابن الجوزي: وفي المراد بالأوثار ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم كانوا يقلِّدون الإبل أوتار القسي لئلا تصيبها العين بزعمهم، فأُمروا بقطعها إعلاما بأنَّ الأوتار لا تردُّ من أمر الله شيئا. وهذا قول مالك. إلى أن قال: قال مالك: أرى أنَّ ذلك من أجل العين، ويؤيده حديث عقبة بن عامر رفعه: "من علَّق تميمة فلا أتم الله له" إلى أن قال: والتميمة ما علِّق من القلائد خشية العين ونحو ذلك.
قال ابن عبد البر: إذا اعتقد الذي قلَّدها أنها تردُّ العين فقد ظنَّ أنها تردُّ القدر، لا يجوز اعتقاده.
ثانيها: النهي عن ذلك لئلا تختنق الدابَّة بها عند شدَّة الركض، ويحكى ذلك عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة.
وكلام أبي عبيدة يرجِّحه فإنَّه قال: نهى عن ذلك؛ لأنَّ الدواب تتأذى بذلك، ويضيق عليها نفسها ورعيها، وربما تعلَّقت بشجرة فاختنقت، أو تعوقت عن السير.
ثالثها: أنهم كانوا يعلِّقون فيها الأجراس، حكاه الخطابي، وعليه يدل تبويب البخاري، يعني حيثما قال: "باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل" ثم ذكر ابن حجر حديثا مرفوعا: "لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس" إلى أن قال:
في بعض الروايات بلفظ: "لا يبقين قلادة وتر ولا جرس في عنق بعير إلاَّ قطع". (4/154)
صفحة 1377
قال: قلت: ولا فرق بين الإبل وغيرها في ذلك، إلاَّ على القول الثالث، فلم تجر العادة بتعليق الأجراس في رقاب الخيل إلى أن قال:
والدليل على أنَّ المراد بالأوتار جمع الوتَر (بالتحريك) لا الوتْر (بالإسكان) ما رواه أبو داود أيضا إلى أن قال:
من عقد لحيته أو تقلَّد وتَرا فإنَّ محمدا منه بريء. فإنَّه عند الرواة جمع (بفتح المثناة) والجرس (بفتح الجيم والراء ثم مهملة) معروف، وحكى عياض إسكان الراء.
والتحقيق أنَّ الذي بالفتح اسم الآلة، وبالإسكان اسم الصوت إلى أن قال:
قال النووي وغيره: الجمهور على أنَّ النهي للكراهة، وأنها كراهة تنزيه، وقيل يمنع منه قبل الحاجة، ويجوز إذا وقعت الحاجة.
وعن مالك: تختص الكراهة من القلائد بالوتر، ويجوز بغيرها إذا لم يقصد دفع العين.
هذا كلُّه في تعليق البهائم وغيرها لما ليس فيه قرآن ونحوه، فأما ما فيه ذكر الله فلا نهي عنه، فإنَّه إنما يجعل للتبرُّك به والتعوذ بأسمائه وذكره.
وكذلك لا نهي عما يعلَّق لأجل الزينة، ما لم يبلغ الخيلاء أو السرف، واختلفوا في تعليق الجرس أيضا.
ثالثها: يجوز بقدر الحاجة، ومنهم من أجاز الصغير منها دون الكبير.
وأغرَب ابن حبان فزعم أنَّ الملائكة لا تصحب الرفقة التي يكون فيها الجرس إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، انتهى.
قوله: «وذلك من العين أن لا يصيب دوابهم ما يكرهون «يعني فنهى النبيء صلى الله عليه وسلم عن ذلك كما تقدَّم، وهذا يؤيِّد القول الأوَّل في المراد بالأوتار. والله أعلم.
قوله: «لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر «في بعض روايات الجامع: "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلاَّ مع ذي محرم"، وفي بعضها: "لا تسافر امرأة بريدا إلاَّ ومعها محرم يحرُم عليها" وفي بعضها: "لا تسافر المرأة إلاَّ مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلاَّ ومعها محرم". (4/155)
صفحة 1378
قوله: «تؤمن بالله واليوم الآخر «قال الشارح: خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له.
ثم قال: والمراد من الأحاديث الثلاثة أنَّ المرأة لا تسافر إلاَّ مع ذي محرم، أي أو نحوه كزوج، وإن اختلفت ألفاظها.
واختلاف العدد فيها وقع مع اختلاف جواب السائلين بحسب ما سأله كلُّ واحد، فلا تنافي بينها، كما لا تنافي بأنَّ لها مسيرة ما دون يوم بدون محرم، لأنَّ مفهوم العدد لا اعتبار به على ما قاله الكرماني وغيره.
قال ابن رسلان: قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ في الليلة وفي اليوم والليلة والثلاث لاختلاف السائلين واختلاف المواطن.
قال البيهقي: كأنَّه صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة تسافر ثلاثا بغير محرم، فقال: لا. وسئل عن سفرها يومين بغير محرم، فقال: لا، وسئل عن سفرها يوما، فقال: لا، وكذلك البريد فأدَّى كلٌّ منهم ما سمعه وما جاء منها مختلفا عن راو واحد فسمعه في مواطن، فروى تارة هذا وتارة هذا، وكلُّها صحيح.
وليس في هذا كلِّه تحديد لأقلِّ ما يقع عليه اسم السفر، ولم يُرِد صلى الله عليه وسلم تحديدا بل ما يسمَّى سفرا.
والحاصل أنَّ كلَّ ما يسمَّى سفرا تُنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام، أو يومين، أو يوما، أو بريدا، أو غير ذلك. لرواية ابن عباس المطلقة، وهي آخر روايات مسلم: "لا تسافر امرأة إلاَّ مع ذي محرم" وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرا انتهى.
وكتب على قوله: «بريدا «ما نصه البريد أربعة فراسخ، قال: الفرسخ فارسي معرَّب، وهو ثلاثة أميال، والميل من الأرض منتهى مدِّ البصر، لأنَّ البصر يميل عنه على وجه الأرض، حتى يفنى إدراكه، وبذلك جزم الجوهري.
وقيل حدُّه أن ينظر إلى الشخص في أرض مسطَّحة فلا يدري هو رجل أو امرأة، أو ذاهب أو آت، قال النووي: الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون أصبعا، معترضة معتدلة، والأصبع ست شعيرات معترضة معتدلة، وهذا الذي قاله الأشهر. (4/156)
صفحة 1379
ومنهم من عبر عن ذلك باثني عشر ألف قدم بقدم الإنسان، وقيل هو أربعة آلاف ذراع.
أقول: وهذا هو المذهب عندنا.
وقيل: بل ثلاثة آلاف ذراع، نقله صاحب البيان.
وقيل: خمسمائة وصحَّحه ابن عبد البر.
وقيل: هو ألفا ذراع.
ومنهم من عبَّر عن ذلك بألف خطوة للجمل.
ثم إنَّ الذراع الذي ذكر النووي تحريره قد حرَّره غيره بذراع الحديد المستعمل الآن في مصر والحجاز في هذه الأعصار، فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن، فعلى هذا فالميل بذراع الحديد على القول المشهور خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعا، وهذه فائدة نفيسة قلَّ من نبه عليها انتهى، من الفتح.
وقال ابن رسلان: البَريد (بفتح الباء) ثلاثة أميال بالهاشمي، والميل اثنا عشر ألف قدم، والقدم نصف ذراع.
وقال النووي: البريد نصف يوم، وليس في البريد تصريح بتحريم ما فوقه من يوم وليلة أو ثلاث؛ لأنَّ مفهوم الظرف ليس بحجَّة عند بعضهم. انتهى.
وعلى هذا يشكل ما ذكره في الإيضاح من وجوب الحجِّ على المرأة وخروجها مع المسلمين، وإن لم يكن لها زوج ولا ذو محرم، حيث قال:
وقد ذكر عن أبي حنيفة أنَّه قال: من شروط وجوب الحجِّ على المرأة أن يكون معها زوج، أو ذو محرم منها فيطاوعها على الخروج معها إلى السفر إلى الحجِّ.
واحتج في ذلك بما روي عن أبي هريرة أنَّه قال عليه السلام: "لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسير مسيرة يوم وليلة إلاَّ مع ذي محرم منها".
وفي أثر أصحابنا ذكر في هذه المسألة عن أبي عبيدة عن جابر أنَّه قال: "إذا كانت المرأة صرورة، والصرورة التي لم تحج، فالحج عليها واجب، فإن كانت أصابت ذا محرم فلتحج معه، وإن لم تصب ذا محرم فلتحج مع ثقات من المسلمين، وعليهم (4/157)
صفحة 1380
أن يمنعوها مما يمنعون منه أنفسهم، وإن كانت ممن قد حجَّ فلا تحج إلاَّ مع ذي محرم" انتهى.
وذكر عمُّنا أحمد بن سعيد الشماخي رحمه الله في كتاب السير: "أنَّ آمنة زوجة جابر بن زيد رحمه الله خرجت إلى الحجِّ ولم يخرج تلك السنة، فلمَّا رجعت سألها عن كريها، فذكرت سوء الصحبة، وأثنت ثناء قبيحا، فخرج إليه وأدخله داره" الخ.
فذكر أنَّه أحسن إليه غاية الإحسان إلى أن قال، فقالت: "أخبرتك بسوء الصحبة ففعلت ما أرى، فقال: أفنكافئه بمثل فعله فنكون مثله، بل نكافئه بالإساءة إحسانا، وبالسوء خيرا، فعلى هذا يكون الحديث مخصوصا بغير فريضة الحج" والله أعلم.
قوله: «من عارضه شوك في الطريق يؤذي «لفظه في الجامع: "من أماط أذى من طريق المسلمين كتبت له حسنة، ومن تقبلت منه حسنة دخل الجنة".
وفي رواية: "مرَّ رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحينَّ هذا عن المسلمين، لا يؤذيهم، فأدخل الجنَّة" وفي رواية: "لقد رأيت رجلا يتقلَّب في الجنة في شجرة قطعها عن ظهر الطريق كانت تؤذي الناس".
قال الشارح: فيه فضل إزالة الأذى من الطريق، سواء كان الأذى شجرة تؤذي، أو ما يلحق بها من غصن شوك أو حجر يعتريه، أو قذر أو جيفة أو غير ذلك. وإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان.
وفيه التنبيه على فضيلة كلِّ من نفع المسلمين، أو أزال عنهم ضررا. انتهى.
وكتب على قوله: «يتقلب في الجنة «أي يتنعَّم بملاذها، بسبب قطعه الشجرة.
قوله: «السفر قطعة من العذاب «أي جزء منه، والمراد بالعذاب الألم الناشئ من المشقَّة، لِما يحصل في الركوب والمشي من ترك المألوف.
قوله: «يمنع أحدكم طعامه «كأنَّه قصاه عما قبله بيانا لذلك بطريق الاستئناف، كالجواب لمن قال: لِم كان كذلك، فقال: يمنع أحدكم ... الخ، وجه التشبيه الاشتمال على المشقَّة.
وقد ورد التعليل في رواية سعيد المقبري ولفظه: "السفر قطعة من العذاب؛ لأنَّ الرجل يشتغل فيه عن صلاته وصيامه" الحديث. والمراد بالمنع في الأشياء المذكورة منع كمالها لا أصلها. (4/158)
صفحة 1381
ووقع عند الطبراني بلفظ: "لا يهنأ أحدكم نومه ولا طعامه ولا شرابه".
وفي حديث ابن عمر عند ابن عدي: "وأنه ليس له دواء إلاَّ السير".
قوله: «نَهْمته «(بفتح النون وسكون الهاء) أي حاجته.
قوله: «من وجه «الرواية في الجامع "من وجهه".
قال الشارح: أي من مقصده وبيانه في حديث ابن عباس عند ابن عدي بلفظ: "فإذا قضى أحدكم وطره من سفره" وفي رواية داود بن الجراح: "فإذا فرغ أحدكم من حاجته".
قوله: «فليعجِّل إلى أهله «الرواية في الجامع: "فليعجل الرجوع إلى أهله".
قال الشارح: وفي رواية أبي مصعب: "فليعجِّل الكرة إلى أهله".
وفي رواية عائشة: "فليعجل الرحلة إلى أهله، فإنَّه أعظم لأجره" قال ابن عبد البر: زاد فيه بعض الضعفاء عن مالك: "وليتخذ لأهله هدية وإن لم يجد إلاَّ حجرا" يعني حجر الزناد، قال: وهي زيادة منكرة.
وفي الحديث كراهة التغرُّب عن الأهل بغير حاجة، واستحباب استعجال الرجوع ولاسيما من يخشى عليهم الضيعة بالغيبة، ولِما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا، ولما في الإقامة من تحصيل الجماعات والقوة على العبادات.
قال ابن بطال: ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث ابن عمر مرفوعا: "سافروا تصحوا" فإنَّه لا يلزم من الصحَّة بالسفر لِما فيه من الرياضة أن لا يكون قطعة من العذاب، لِما فيه من المشقَّة، فصار كالدواء المرِّ المعقِّب للصحة، وإن كان في تناوله الكراهة.
واستنبط منه الخطابي تغريب الزاني؛ لأنَّه قد أُمر بتعذيبه والسفر من جملة العذاب.
لطيفة: سئل إمام الحرمين من حين جلس موضع أبيه: لم كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب على الفور: لأنَّ فيه فراق الأحباب. انتهى. شرح الحديث كلّه من الفتح انتهى كلام العلقمي. (4/159)
صفحة 1382
قوله: «الشؤم في الدار والمرأة والفرس «في البخاري رواية أخرى لفظها: "إن كان الشؤم في شيء: ففي الدار والمرأة والفرس".
قال ابن حجر: الشوم (بضم المعجمة بعدها واو ساكنة، وقد تهمز) وهو ضدُّ اليُمن، يقال تشاءمت بكذا، وتيمَّنت بكذا. انتهى.
ثم تكلَّم على سوق البخاري قوله تعالى: {إِنَّ مِنَ اَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ} [التغابن: 14] قال: وكأنَّه يشير إلى اختصاص الشؤم ببعض النساء دون بعض، لِما دلَّت عليه الآية من التبعيض إلى أن قال:
وقد جاء في بعض الأحاديث ما لعلَّه يفسِّر ذلك، وهو ما أخرجه أحمد وصحَّحه ابن حبان والحاكم من حديث سعد مرفوعا: "من سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح؛ وإن من شقاوة ابن آدم ثلاثة: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء".
وفي رواية لابن حبان: "المركب الهني والمسكن الواسع" وفي رواية للحاكم: "وثلاثة من الشقاء: المرأة تراها فتسوءك، وتحمل لسانها عليك، والدابة تكون قطوفا، فإن ضربتها أتعبتك وإن تركتها لم تلحق أصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق".
وللطبراني من حديث أسماء: "إنَّ من شقاء المرء في الدنيا سوء الدار والمرأة والدابة" وفيه: "سوء الدار ضيق ساحتها، وخبث جيرانها؛ وسوء الدابة منعها ظهرها، وسوء ضلعها؛ وسوء المرأة عقم رحمها، وسوء خلقها". انتهى.
وكتب عليه أيضا في محلٍّ آخر في رواية لفظها: "إنما الشؤم في ثلاث" الخ. قال ابن حجر: "في ثلاث" يتعلق بمحذوف تقديره كائن، قاله ابن العربي، قال: والحصر فيها بالنسبة إلى العادة، لا بالنسبة إلى الخلقة. انتهى.
وقال غيره: خصَّت بالذكر لطول ملازمتها ... الخ. فذكر رواية أخرى لفظها: "لا عدوى ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاثة" وفي رواية: "وإن تكن الطيرة في شيء" الحديث.
وقال: والطيرة والشؤم بمعنى واحد، إلى أن قال: (4/160)
صفحة 1383
وظاهر الحديث أنَّ الشؤم الطيرة في هذه الثلاثة.
وقال ابن قتيبة: وجهه أنَّ أهل الجاهلية كانوا يتطيرون، فنهاهم النبيء صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم أن لا طيرة، فلمَّا أبوا أن ينتهوا بقيت الطيرة في هذه الأشياء الثلاثة.
قال ابن حجر: قلت: فمشى ابن قتيبة على ظاهره، ويلزم على قوله أنَّ من تشاءم بشيء منها نزل به ما يكره.
قال القرطبي: ولا يظنّ به أنَّه يحمله على ما كانت الجاهلية تعتقده بناء على أنَّ ذلك يضرُّ وينفع بذاته؛ فإنَّ ذلك خطأ، وإنما عنى أنَّ هذه الأشياء هي أكثر ما يتطير به الناس، فمن وقع في نفسه منها شيء أبيح له أن يتركه، ويستبدل به غيره ... الخ. فذكر الروايات التي وردت بأنَّ الدالة على الشك كقوله: "إن كان الشؤم في شيء" الحديث. ثم قال: وهو يقتضي عدم الجزم بذلك بخلاف رواية الزهري.
قال ابن العربي: معناه إن كان خلق الله الشؤم في شيء مما جرى من بعض العادة، فإنما يخلقه في هذه الأشياء.
قال المازري: مجمل هذه الرواية أن يكون الشؤم حقًّا، فهذه الثلاث أحقُّ به، بمعنى أنَّ النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها.
وجاء عن عائشة أنَّها أنكرت هذا الحديث، فروى أبو داود إلى أن قال: "قيل لعائشة إنَّ أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشؤم في ثلاثة" فقالت: لم يحفظ أنَّه دخل وهو يقول: "قاتل الله اليهود يقولون الشؤم في ثلاثة" فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوَّله إلى أن قال: إنَّ رجلين من بني عامر دخلا على عائشة فقالا: إنَّ أبا هريرة قال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الطيرة في الفرس والمرأة والدار" فغضبت غضبا شديدا فقالت: ما قاله، وإنما قال: "إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك" انتهى.
قال ابن حجر ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة، مع موافقة من ذكرنا من الصحابة له في ذلك. (4/161)
صفحة 1384
وقد تأوَّله غيرها على أنَّ ذلك سبق لبيان اعتقاد الناس في ذلك، لا أنَّه إخبار من النبيء صلى الله عليه وسلم بثبوت ذلك.
وسياق الأحاديث الصحيحة المتقدِّم ذكرها يبعد هذا التأويل، قال ابن العربي: هذا جواب ساقط، لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يبعث ليخبر الناس عن معتقداتهم الماضية أو الحاصلة، وإنما بعث ليعلِّمهم ما يلزمهم أن يعتقدوه. انتهى. إلى أن قال:
وقال عبد الرزاق في مصنفه عن معمر: "سمعت من يفسر هذا الحديث، يقول: شؤم المرأة إذا كانت غير ولود، وشؤم الفرس إذا لم يُغز عليه، وشؤم الدار جار السوء".
وروى أبو داود في الطبِّ عن ابن القاسم عن مالك أنَّه سئل عنه فقال: "كم من دار سكنها ناس فهلكوا".
قال المازري: فيحمله مالك على ظاهره، والمعنى أنَّ قدر الله بما اتفق ما لكره منه عند سكنى الدار، فيصير ذلك كالسبب، فيسامح في إضافة الشيء إليه اتساعا.
وقال ابن العربي: لم يرد مالك إضافة الشؤم إلى الدار، وإنما هو عبارة عن جري العادة فيها، فأشار إلى أنَّه ينبغي للمرء الخروج عنها صيانة لاعتقاده عن التعلُّق بالباطل.
وقيل: معنى الحديث أنَّ هذه الأشياء يطول تعذيب القلب بها، مع كراهة أمرها لملازمتها بالسكنى والصحبة، ولو لم يعتقد الإنسان الشؤم فيها، فأشار الحديث إلى الأمر بفراقها، ليزول التعذيب.
قال ابن حجر: قلت: وما أشار إليه ابن العربي في تأويل كلام مالك أولى، وهو نظير الأمر بالفرار من المجذوم، مع صحَّة نهي العدوى، والمراد بذلك حسم المادة، وسدُّ الذريعة؛ لئلا يوافق شيء من ذلك القدر، فيعتقد من وقع له أنَّ ذلك من العدوى أو من الطيرة، فيقع في اعتقاد ما نهي عن اعتقاده، فأشير إلى اجتناب مثل ذلك.
والطريق فيمن وقع له ذلك في الدار مثلا أن يبادر إلى التحوُّل منها؛ لأنَّه متى استمرَّ فيها ربَّما حمله ذلك على اعتقاد صحَّة الطيرة والتشاؤم، إلى أن قال: (4/162)
صفحة 1385
وقال الخطابي: هو استثناء من غير الجنس، ومعناه إبطال مذهب الجاهلية في التطير، فكأنَّه قال: إن كانت لأحدكم دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس يكره سيره فليفارقه.
قال: وقيل إنَّ شؤم الدار ضيقها، وسوء جارها؛ وشؤم المرأة أن لا تلد؛ وشؤم الفرس أن لا يغزى عليه.
وقيل المعنى ما جاء بإسناد ضعيف رواه الدمياطي في الخيل، إذا كان الفرس ضروبا فهو مشؤوم، وإذا حنت المرأة إلى بعلها الأوَّل فهي مشؤومة.
وقيل: كان قوله ذلك في أوَّل الأمر، ثم نسخ بقوله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ} [الحديد: 22] الآية، حكاه ابن عبد البر، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، لاسيما مع إمكان الجمع، ولاسيما وقد ورد في نفس هذا الخبر نفي التطير، ثم إثباته في الأشياء المذكورة.
وقيل: يحمل الشؤم على معنى قلَّة الموافقة، وسوء الطباع، وهو كحديث سعد بن أبي وقاص رفعه: "من سعادة المرء المرأة الصالحة، والسكن الصالح، والمركب الهنيُّ، ومن شقاوة المرء: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء"، إلى أن قال: وهذا كلُّه بقدر الله.
وقال المهلب: ما حاصله أنَّ المخاطب بقوله: "الشؤم ثلاثة" من التزم التطير ولم يستطع صرفه عن نفسه، فقال لهم: إنما يقع ذلك في هذه الأشياء التي تلازم في غالب الأحوال، فإذا كان كذلك فاتركوها عنكم، ولا تعذِّبوا أنفسكم بها، ويدل على ذلك تصديره إلى الحديث بنفي الطيرة.
واستدل لذلك بما أخرجه ابن حبان عن أنس رفعه: "لا طيرة، والطيرة على من تطيَّر، وإن يكن في شيء ففي المرأة" الحديث، إلى أن قال: تكميل: اتفقت الطرق كلُّها على الاقتصار على الثلاثة المذكورة، ووقع عند ابن إسحاق، إلى أن قال: قالت أمُّ سلمة "والسيف"، إلى أن قال أيضا عن أمِّ سلمة: حدثت بهذه الثلاثة وزادت فيهنَّ: والسيف. الخ. (4/163)
صفحة 1386
قوله:» إذا سلَّم عليكم أحد من اليهود «الخ. الرواية في الجامع: "إذا سلَّم عليكم أحد من أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم".
وفي البخاري بعد ذكر الإسناد عن عروة بن الزبير أنَّ عائشة زوج النبيء صلى الله عليه وسلم قالت: "دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: ففهمتها، فقلت: بل عليكم السام واللعنة، قالت: فقال النبيء صلى الله عليه وسلم: مهلا يا عائشة، إنَّ الله يحب الرفق في الأمر كلِّه. فقلت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد قلتُ: عليكم" انتهى.
وفي رواية أخرى عنها أنَّ يهودًا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: "السام عليكم. فقالت عائشة: عليكم، ولعنكم الله، وغضب عليكم. قال: مهلا يا عائشة، عليكِ بالرفق، وإياكِ والعنف والفحش. قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: أولم تسمعي ما قلتُ. رددت عليهم فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيَّ" انتهى.
قال العلقمي: قال النووي: اتفق العلماء على الردِّ لأهل الكتاب إذا سلَّموا، لكن لا يقال لهم: وعليكم السلام. بل يقال: عليكم. فقط، أو: وعليكم. بإثبات الواو وحذفها وأكثر الروايات بإثباتها.
وفي معناه وجهان: أحدهما: أنَّه على ظاهره، قالوا: عليكم الموت. فقال: وعليكم أيضا، أي نحن وأنتم فيه سواء كلُّنا نموت.
والثاني: أنَّ الواو هنا للاستئناف لا للعطف والتشريك وتقديره: "وعليكم ما تستحقُّونه من الذنب" وأما من حذف الواو فتقديره: "بل عليكم السام".
قال القاضي: اختار بعض العلماء منهم ابن حبيب المالكي حذف الواو، لأنَّها تقتضي التشريك.
وقال غيره بإثباتها، كما هو أكثر الروايات.
قال: وقال بعضهم نقول: وعليكم السِّلام. بكسر السين، أي الحجارة، وهذا ضعيف. (4/164)
صفحة 1387
وقال الخطابي: عامَّة المحدِّثين يروون هذا الحرف وعليكم بالواو، وكان ابن عييبة يرويه بغير واو.
وقال الخطابي: وهذا هو الأصوب؛ لأنَّه إذا حذف الواو صار كلامهم بعينه مردودا عليهم خاصَّة، وإذا أثبتت الواو اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه. هذا كلام الخطابي.
والصواب أنَّ حذف الواو وإثباتها جائزان، كما صحَّت بهما الرواية، وإنَّ الواو أجود كما في أكثر الروايات، ولا مفسدة فيه، لأنَّ السام الموت، وهو علينا وعليهم، ولا ضرر في قوله بالواو. انتهى.
قال شيخ شيوخنا: وكأنَّه نقله من معالم السنن للخطابي، فإنَّ فيه كذلك.
وقد رجع الخطابيُّ عن ذلك، فقال في الأعلام من شرح البخاري، لما تكلم على حديث عائشة من كتاب الأدب ما ملخصه: أنَّ الداعي إذا دعا بشيء ظلما فإنَّ الله لا يستجيب له، ولا يجد دعاؤه محلاًّ في المدعو عليه. انتهى ... الخ.
قوله:» من وصل رحمه فقد وصلني، ومن قطع رحمه فقد قطعني «.
ذكر في البخاري ثلاث روايات: أحدها: "أنَّ الله خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلكِ وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا ربِّ. قال: فهو لكِ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاقرءوا إن شئتم: {فَهَلْ عَسَيْتُمُ, إِن تَوَلَّيْتُمُ, أَن تُفْسِدُوا فِي الاَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22].
الثانية: الرحم شجنة من الرحمن، فقال الله: "من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته".
الثالثة: الرحم شجنة من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته.
قال ابن حجر: يحتمل أن يكون المراد بالخلق جميع المخلوقات، ويحتمل أن يكون المراد به المكلَّفين إلى أن. قال: (4/165)
صفحة 1388
ويحتمل أن يكون بعد انتهاء خلق بني آدم عند قوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] لَمَّا أخرجهم من صلب آدم عليه السلام، مثل الذرِّ، وكتب على قوله: "قامت الرحم فقالت".
قال ابن حمزة: يحتمل أن يكون بلسان الحال، ويحتمل أن يكون بلسان المقال. قولان مشهوران، والثاني أرجح. وعلى الثاني فهل تتكلَّم كما هي أو يخلق الله لها عند كلامها حياة وعقلا، قولان مشهوران، والأول أرجح، لصلاحية القدرة العامَّة لذلك. إلى أن قال:
في قوله: "أصل من وصلك، وأقطع من قطعك" قال ابن حمزة: الوصل من الله كناية عن عظيم إحسانه، وإنما خاطب الناس بما يفهمونه، ولما كان أعظم ما يعطيه المحبوب لمحبِّه الوصال، وهو القرب، وإسعافه بما يريد، ومساعدته على ما يرضيه، وكانت حقيقة ذلك مستحيلة في حقِّ الله تعالى، عُرف أنَّ ذلك كناية عن عظيم إحسانه لعبده.
قال: وكذا القول في القطع، وهو كناية عن حرمان الإحسان.
وقال القرطبي: وسواء قلنا إنَّه يعني القول المنسوب إلى الرحم على سبيل المجاز أو الحقيقة، أو أنَّه على جهة التقدير والتمثيل، كأن يكون المعنى لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت كذا، ومثله: {لَوَ اَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا} الآية وفي آخرها: {وَتِلْكَ الاَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] فمقصود هذا الكلام الإخبار بتأكيد أمر صلة الرحم، وأنَّه تعالى نزلها منزلة من استجار به فأجاره فأدخله في حمايته، وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من صلَّى الصبح فهو في ذمَّة الله، وإنَّ من يطلبه الله بشيء في ذمَّته يدركه، ثم يكبُّه على وجهه في النار"، إلى أن قال:
في قوله: "الرحم شِجنة" (بكسر المعجمة، وسكون الجيم، بعدها نون) وجاء (ضم أوله وفتحه) رواية ولغة، وأصل الشجنة عروق الشجر المشبكة، (4/166)
صفحة 1389
والشجَن (بالتحريك) واحد الشجون، وهي طرق الأودية، ومنه قولهم: "الحديث ذو شجون" أي يدخل بعضه في بعض.
وقوله:» من الرحمن «أي أخِذ اسمها من هذا الاسم، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف في السنن مرفوعا: "أنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي" والمعنى أنها أثر من آثار الرحمة مشتبكة بها، فالقاطع لها منقطع من رحمة الله.
وقال الإسماعيلي: معنى الحديث أنَّ الرحم اشتُق اسمها من اسم الرحمن، إلى أن قال: وليس معناه أنها من ذات الله، تعالى عن ذلك.
قال القرطبي: الرحم التي توصَل عامَّة وخاصَّة: فالعامَّة رحم الدين، ويجب مواصلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبَّة، وأمَّا الرحم الخاصَّة فيريد النفقة على القريب، وتفقُّد أحوالهم، والتغافل عن زلاَّتهم. وتتفاوت مراتب استحقاقهم في ذلك كما في الحديث الأوَّل من كتاب الأدب: الأقرب فالأقرب.
وقال ابن أبي حمزة: تكون صلة الرحم بالمال، وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر، وبطلاقة الوجه، وبالدعاء. والمعنى الجامع: إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشرِّ، بحسب الطاقة.
وهذا إنما يستمرُّ إذا كان أهل الرحم أهل استقامة، فإن كانوا كفَّارا أو فجَّارا فمقاطعتهم في الله هي صلتهم، بشرط بذل الجهد في وعظهم، ثم إعلامهم إذا أصروا أن ذلك يسبب تخلفهم عن الحقِّ. إلى أن قال: وفي الأحاديث الثلاثة تعظيم أمر الرحم، وأنَّ صلته مندوب مرغوب فيها، وإنَّ قطعها من الكبائر، لورود الوعيد الشديد فيه. الخ.
قوله:» لن يدخل الجنة أحد بعمله «الخ. الرواية في البخاري: "لن ينجي أحدا منكم عملُه، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلاَّ أن يتغمدني الله برحمته، سدِّدوا، وقاربوا، واغدوا، وروحوا، وشيئا من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا". (4/167)
صفحة 1390
وفي رواية أخرى: "سددوا وقاربوا واعلموا أنَّه لن يدخل أحدَكم عملُه الجنةَ، وأن أحبَّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ".
وفي رواية: "سدِّدوا وقاربوا وأبشروا، فإنَّه لا يدخل أحدا الجنة عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلاَّ أن يتغمدني الله عز وجل بمغفرة ورحمة" الخ. وفيه روايات أخرى.
قال ابن حجر: في قوله: «لن ينجي «أي يخلِّص، والنجاة من الشيء التخلُّص منه.
قال ابن بطال: في الجمع بين هذا الحديث وقوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ التِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف: 72]، ما ملخَّصه أن تحمل الآية على أنَّ الجنة تُنال المنازل فيها بالأعمال، فإنَّ درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن يحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها، ثم أورد على هذا الحديث قوله تعالى: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32]. فصرَّح أنَّ دخول الجنة أيضا بالأعمال، وأجاب بأنَّه لفظ مجمل بينه الحديث، والتقدير: ادخلوا منازل الجنَّة وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد بذلك أصل الدخول.
ثم قال: ويجوز أن يكون الحديث مفسِّرا للآية، والتقدير: أدخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم، وتفضُّله عليكم؛ لأنَّ اقتسام منازل الجنة برحمته، وكذا أصل دخول الجنة هو برحمته، حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله، وقد تفضَّل عليهم ابتداء بإيجادهم، ثم برزقهم، ثم بتعليمهم.
وقال عياض: طريق الجمع أنَّ الحديث فسَّر ما أجمِل في الآية، فذكر نحوا من كلام ابن بطال الأخير، وأنَّ رحمة الله توفيقه للعمل وهدايته للطاعة، وكلُّ ذلك لم يستحقه العامل بعمله، وإنما هو بفضل الله ورحمته.
وقال ابن الجوزي: يتحصَّل عن ذلك أربعة أجوبة: (4/168)
صفحة 1391
الأول: أنَّ التوفيق للعمل من رحمة الله، ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الإيمان ولا الطاعة التي تحصل بها النجاة.
الثاني: أنَّ منافع العبد لسيِّده فعمله مستحقٌّ لمولاه، فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله.
الثالث: جاء في بعض الأحاديث أن يفسر دخول الجنة برحمة الله، وانقسام الدرجات بالأعمال.
الرابع: أنَّ أعمال الطاعات كانت في زمن يسير، والثواب لا ينفد، والإنعام الذي لا ينفد في جزاء، بل ما ينفد بالفضل لا بمقابلة الأعمال.
وقال الكرماني: الباء في قوله: "بما كنتم تعملون" ليست للسببية بل للإلصاق أو المصاحبة، أي أورثتموها ملابسة أو مصاحبة، أو للمقابلة، نحو: أعطيت الشاة بدرهم، وبهذا الأخير جزم الشيخ جمال الدين بن هشام في المغني، فسبق إليه، فقال: الباء ترد للمقابلة وهي الداخلة على الأعواض كاشتريته بألف، ومنه {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32]، وإنما لم يقدّر هنا باء السببية كما قالت المعتزلة، وكما قال الجميع في: "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" لأنَّ المعطي بعوض قد يعطي مجَّانا، بخلاف المسبب فلا يوجد بدون السبب.
قال: وعلى ذلك ينتفي التعارض بين الآية والحديث.
قال ابن حجر: قلتُ: سبقه إلى ذلك ابن القيم فقال في كتاب مفتاح دار السعادة: الباء المقتضية للدخول غير الباء المانعة، فالأولى باء السببية الدالة على أنَّ الأعمال سبب الدخول المقتضية له كما اقتضاه سائر الأسباب لمسبباتها، والثانية باء المعاوضة نحو اشتريت منه بكذا، فأخبر أنَّ دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد، وأنَّه لولا رحمة الله بعبده لما أدخله الجنة؛ لأنَّ العمل بمجرِّده ولو تناهى لا يوجب بمجرِّده دخول الجنة، ولا أن يكون عوضا لها، لأنَّه لو وقع على الوجه الذي يحبه الله لا يقاوم نعمة الله، بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة، فتبقى سائر نعمه مقتضية لشكرها، وهو لم يعطها حقَّ شكرها، فلو عذَّبه في هذه الحالة لعذَّبه وهو غير ظالم، وإذا رحمه في هذه الحالة كانت رحمته خيرا من عمله، كما في حديث (4/169)
صفحة 1392
أبي بن كعب الذي أخرجه أبو داود وابن ماجة في ذكر القدر ففيه: "لو أنَّ الله عذب أهل سماواته وأرضه لعذَّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم" الحديث الخ.
أقول: ومثل هذا ما ذكره صاحب القناطر رحمه الله فيما يتعلَّق بالخوف من باب قنطرة الخوف والرجاء، حيث قال حاكيا عنه صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: "لو واخذني الله أنا وأخي عيسى بما فعلت هاتان الاصبعان لعذَّبنا بالنار" وفي حديث آخر: "لعذبنا عذابا لم يعذِّب به أحدا من العالمين" الخ.
قال ابن حجر: قال يعني ابن القيم: وهو فصل الخطاب مع الجبرية الذين أنكروا أن تكون الأعمال سببا في دخول الجنة، من كلِّ وجه، والقدرية الذين زعموا أنَّ الجنة عوض العمل، وأنَّ دخولها لمحض الأعمال، والحديث يبطل دعوى الطائفتين. والله أعلم، إلى أن قال:
ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث جوابٌ آخر، وهو أن يحمل الحديث على أنَّ العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنَّة، ما لم يكن مقبولا، وإن كان كذلك فأمر القبول إلى الله تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وعلى هذا فمعنى قوله: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي تعملونه من العمل المقبول، ولا يضرُّ بعد هذا أن تكون الباء للمصاحبة أو الإلصاق أو المقابلة، ولا يلزم من ذلك أن تكون سببية، ثم رأيت النووي جزم بأنَّ ظاهر الآيات أنَّ دخول الجنَّة بسبب الأعمال. والجمع بينها، وبين الحديث أنَّ التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها، وقبولها إنما برحمة الله وفضله، فيتضح أنَّه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الحديث، ويصح أنَّه دخل بسبب العمل وهو من رحمة الله تعالى، وردَّ الكرماني الأخيرَ بأنه خلاف صريح. الحديث. اهـ.
وأقول: لكن لا يخالفه بالنظر إلى التأويل؛ لأنَّ المنفي في الحديث إنما هو السببية المجرَّدة عن رحمة الله تعالى.
والحاصل أنَّ الأعمال المجردة عنها لا تكون سببا لدخولها، وهو مراد الحديث.
وعند الاقتران برحمته تكون سببا لدخولها، وهو مراد الآية. والله أعلم. (4/170)
صفحة 1393
بل سيأتي في آخر الكتاب عند الكلام على الشفاعة ما هو صريح في أنَّه لا يدخل الجنَّة أحد إلاَّ بثلاثة أشياء وهي: العمل الصالح، ورحمة الله تعالى، وشفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
قوله:» قيل: ولا أنت يا رسول الله «ذكر ابن حجر نقلا عن الرافعي أنَّه قال: لمَّا كان أجرُ النبيء صلى الله عليه وسلم في الطاعة أعظم، وعمله في العبادة أقوم، قيل له: ولا أنت. أي لا ينجيك عملك مع عظم قدره، فقال: لا إلاَّ برحمة الله. الخ.
قوله:» إلا أن يتغمَّدني الله برحمته «في رواية» إلاَّ أن يتداركني «قال ابن حجر: قال أبو عبيد المراد بالتغمُّد الستر، وما أظنُّه إلاَّ مأخوذا من غِمد السيف؛ لأنَّك إذا غمدت السيف فقد ألبسته الغمد، وسترته به.
قال الرافعي: في الحديث أنَّ العامل لا ينبغي أن يتَّكل على عمله في طلب النجاة، ونيل الدرجات؛ لأنَّه إنما عمل بتوفيق الله، وإنما ترك المعصية بعصمة الله، فكلُّ ذلك بفضل الله ورحمته.
ثم كتب على قوله: «سدِّدوا «: إنَّ بعض الروايات: "ولكن سددوا" قال: ومعناه اقصُدوا السداد والصواب.
ومعنى هذا الاستدراك أنَّه قد يُفهم من النفي المذكور نفي فائدة العمل، فكأنه قيل: بل له فائدة وهو أنَّ العمل علامة على وجود الرحمة التي تدخِل العامل الجنة، فاعملوا واقصدوا بعملكم الصواب، أي اتباع السنة من الإخلاص وغيره، ليقبل عملكم، فتنزل عليكم الرحمة.
» وقاربوا «أي لا تفرِطوا فتجهدوا أنفسكم في العبادة؛ لئلا يقضي بكم ذلك إلى الملال، فتتركوا العمل، فتفرِّطوا. إلى أن ذكر حديثا لفظه: "إنَّ هذا الدين متين، فاعملوا فيه برفق، ولا تبغِّضوا إلى أنفسكم عبادةَ الله، فإنَّ المنبتَّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى" والمنبتُّ (بنون ثم موحَّدة ثم مثنَّاة ثقيلة) الذي عطب مركوبه من شدَّة السير، مأخوذ من البتِّ، وهو القطع، أي صار منقطعا، لم يصل إلى مقصوده، وفقد الدخول في الشيء. انتهى.
وكتب على قوله: «واغدوا وروحوا، وشيئا من الدلجة «ما نصه: وأراد بالغدوِّ السيرُ أول النهار، وبالرواح السير من أوَّل النصف الثاني من النهار. (4/171)
صفحة 1394
والدلجة (بضم المهملة، وسكون اللام) ويجوز (فتحها، وبعد اللام جيم) سيرُ الليل، يقال سار دُلجة من الليل أي ساعة، فلذلك قال: "شيئا من الدلجة" لعسر سير جميع الليل، فكأنَّ فيه إشارة إلى صيام جميع النهار، وقيام بعض الليل، وإلى أعمّ من ذلك من سائر أوجه العبادة.
وفيه إشارة إلى الحثِّ على الرفق في العبادة، وهو الموافق للترجمة.
وعبَّر بما يدلُّ على السير؛ لأنَّ العابد كالسائر إلى محلِّ إقامته وهو الجنة.
و» شيئا «(منصوبٌ بفعل محذوف) أي افعلوا إلى أن قال:
في قوله:» القصد القصد «بالنصب على الإغراء أي الزموا الطريق الوسط المعتدل، ومنه قوله في حديث جابر بن سمرة عند مسلم: "كانت خطبتُه قصدا، أي لا طويلة ولا قصيرة، واللفظ الثاني للتأكيد. الخ.
وقال العلقمي: في قوله: «سددوا «من السداد بالمهملة، وهو القصد من القول والعمل، واختيار الصواب منهما.
وكتب على قوله:» وقاربوا «أي لا تبلغوا النهاية في العمل بل تقرَّبوا منها لئلا تملُّوا. انتهى.
قوله:» من قال أنا من أهل الجنة، فهو من أهل النار «يعني لأنَّه آمن من مكر الله، والآمن من مكر الله هالك، لقوله تعالى: {فَلاَ يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99]. بل الظاهر أنَّه مشرك لمصادمته النصَّ وخروجه من الخوف والرجاء بالكلية. والله أعلم. (4/172)
صفحة 1395
الباب الحادي عشر في إثم من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (4/173)
صفحة 1396
قوله: «من كذب على متعمِّدا «الخ. في بعض روايات البخاري: “لا تكذبوا عليَّ، فإنَّه من كذب عليَّ فليلج النار" وفي بعضها قال أنس: "ليمنعني أن أحدِّثكم حديثا كثيرا، أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال: “من تعمَّد عليّ كذبا فليتبوأ مقعده النار" الخ.
وذكر عن الزبير أيضا أنَّه كان يتوقَّى كثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل قوله “من كذَّب على متعمدا الحديث”.
قال ابن حجر: "وفي تمسك الزبير بهذا الحديث على ما ذهب إليه من اختيار قلَّة التحديث دليل للأصحِّ في أنَّ الكذب هو: الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه، سواء كان عمدا أم خطأً، والمخطئ وإن كان غير مأثوم بالإجماع، لكنَّ الزبير خشي من الإكثار أن يقع في الخطأ، وهو لا يشعر؛ لأنَّه وإن لم يأثم بالخطأ، لكن قد يأثم بالإكثار، إذ الإكثار مظنة الخطأ، والثقة إذا حدَّث بالخطأ فحمل عنه وهو لا يشعر أنَّه خطأ يعمل به على الدوام للوثوق بنقله، فيكون سببا للعمل بما لم يقله الشارع؛ فمن خشي من الإكثار الوقوع في الخطأ لا يؤمَن عليه الإثم إذا تعمَّد الإكثار، فمن ثمَّ توقف الزبير وغيرُه من الصحابة عن الإكثار من التحديث. وأمَّا من أكثر منهم فمحمول على أنَّهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبيت، أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم، فسُئلوا فلم يمكنهم الكتمان. رضي الله عنهم". انتهى.
قوله: «فليتبوأ «أي فليتَّخذ لنفسه منزلا يقال: تبوَّأ الرجل المكان إذا اتخذه سكنا، وهو أمر بمعنى الخبر أيضا، أو بمعنى التهديد، أو بمعنى التهكم أو دعاء على فاعل ذلك، أي بوَّأه الله. (4/174)
صفحة 1397
وقال الكرماني: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى من كذب فليأمر نفسه بالتبوأ، ويلزم عليه كذا، قال وأولاها أولاها.
قال الطيبي: فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي كما أنَّه قصد في الكذب التعمُّد، فليقصد في جزائه التبوأ" انتهى.
ثم قال: "فإن قيل الكذب معصية إلاَّ ما استثني للإصلاح وغيره، والمعاصي قد توعِّد عليها بالنار، فما الذي امتاز به الكذب على سول الله صلى الله عليه وسلم من الوعيد على من كذب على غيره؟ فالجواب عنه من وجهين. أحدهما: إنَّ الكذب عليه يكفُر متعمِّده عند بعض أهل العلم وهو الشيخ أبو امحمد الجويني، ولكن ضعَّفه ابنه إمام الحرمين ومَن بعده، ومال ابن المنير إلى اختياره. ووجهه بأنَّ الكاذب عليه في تحليل حرام مثلا لا ينفكُّ عن استحلال ذلك الحرام أو الحمل على استحلاله، واستحلال الحرام كفرٌ، والحمل على الكفر كفرٌ، وفيما قاله نظر لا يخفى. والجمهور على أنَّه لا يكفُر إلاَّ إن اعتقد حِلَّ ذلك.
الجواب الثاني: أنَّ الكذب عليه كبيرة، والكذب على غيره صغيرة، فافترقا، ولا يلزم من استواء الوعيد في حقِّ من كذب عليه وكذب على غيره أن يكون مقرُّهما واحدا أو طول إقامتهما سواء، فقد دلَّ قوله صلى الله عليه وسلم “فليبوأ” على طول الإقامة، بل ظاهره أنَّه لا يخرج منها؛ لأنَّه لم يجعل له منزلا غيره.
أقول: هذا هو الحقُّ، وما ذكره من خروج العصاة باطل. ثم قال: وقد فرَّق النبيء صلى الله عليه وسلم بين الكذب عليه وبين الكذب على غيره، كما سيأتي في الجنائز، في حديث المغيرة، حيث قال: “إنَّ كذبا عليَّ ليس ككذب على أحد” وسنذكر مباحثه هناك إن شاء الله تعالى، ونذكر فيه الاختلاف في توبة من تعمَّد الكذب عليه، هل تُقبل أم لا؟. الخ.
قال العلقمي: وقد عدَّه شيخنا من الأحاديث المتواترة، وكتب على قوله “إنَّ كذبا عليَّ ليس ككذب على أحد” قال: أي غيري. ومعناه: أنَّ الكذب على الغير (4/175)
صفحة 1398
قد أُلِف واستسهل خطبه، وليس الكذب عليَّ بالغا مبلغ ذلك في السهولة، وإذا كان دونه في السهولة فهو أشدُّ منه في الإثم. وبهذا التقرير يندفع اعتراض من أورد أن الذي يدخل عليه الكاف أعلى. والله أعلم. وكذا لا يلزم من إثبات الوعيد المذكور على الكذب عليه أن يكون الكذب على غيره مباحا، بل يستدل على تحريم الكذب على غيره بدليل آخر، والفرق بينهما أنَّ الكذب عليه توعِّد فاعله بجعل النار له مسكنا، بخلاف الكذب على غيره. انتهى. (4/176)
صفحة 1399
الباب السابع والخمسون في حلية رسول الله صلى الله عليه وسلَّم (4/177)
صفحة 1400
قوله:» حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم «أي صفته، والمراد بها الشمائل الشريفة، أي الأخلاق الحميدة الجميلة، التي يوصف بها صلى الله عليه وسلم.
قال ابن حجر: "الأحاديث التي فيها صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلة في قسم المرفوع بالاتفاق، مع أنها ليست قولا له صلى الله عليه وسلم، ولا فعلا ولا تقريرا". انتهى.
قال العلقمي: وإلى هذا أشار العلاَّمة شمس الدين الكرماني حيث قال: "اعلم أنَّ علم الحديث موضوعه هو ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم، من حيث إنَّه رسول الله. وعرَّفه بقوله: «علمٌ يعرف به أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله، وغايته هو الفوز بسعادة الدارين” انتهى.
قوله: «ليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتطامن «لفظ الحديث ”في الجامع“ كان ربعة من القوم، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمه، ق ولا بالآدم، ولا بالجعد، القطط ولا بالسبِط”.
قال العلقمي: “ليس بالطويل البائن ولا بالقصير” في حديث ربيعة عن أنس: “كان ربعة”، وفي حديث عائشة: “لم يكن أحد يماشيه من الناس ينسب إلى الطول إلاَّ طاله رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم، ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما، فإذا فارقاه نسبا إلى الطول، ونسب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الربعة" انتهى.
قوله:» البائن «الطويل في نحافة، اسم فاعل من بان أي ظهر على غيره، أو فاق من سواه، وفي النهاية أي المفرط طولا الذي بعد عن قدر الرجال الطوال.
قوله: «ولا بالقصير المتطامن «،لم أظفر بزيادة هذه اللفظة في شيء من طرق الحديث عند قومنا فيما رأيته، بل اقتصروا على قوله: “ولا بالقصير”. (4/179)
صفحة 1401
ثم إنَّ نُسخ المسند قد اختلفت في ضبطها ففي بعضها “المتطامن” (بالطاء المهملة)، وفي بعضها “المتظامن” (بالظاء المشالة)، والظاهر من صيغ الصحاح أنَّ هذه لا وجود لها لأنَّه لم يتعرَّض لها في باب النون في فصل الظاء، كما تعرِّض لغيرها من الكلمات الموجودة، وأمَّا التي بالطاء فتعرِّض لمادتها دون لفظها، ويؤخذ منه أنَّ هذه المادة تدلُّ على السكون، حيث قال: اطمأنَّ الرجل اطمئنانا، وطمأنينة أي سكن، وهو مطمئن إلى كذا، واطمأن مثله على الإبدال. إلى أن قال: وطمأن ظهره وطامن وطامنت منه سكنت. انتهى. ولم يذكر لفظ المتطامن، ولعلَّه مأخوذ من هذه المادَّة؛ لأنَّ أقصر ما يكون لقربه من الأرض، كأنَّه سكن إليها. والله أعلم. فليحرَّر.
قوله: «ليس بالأمهق ولا بالآدم «قال العلقمي: المراد أنَّه ليس بالأبيض الشديد البياض، ولا بالآدم الشديد الأدمة، وإنما يخالط بياضه الحمرة، والعرب تطلقه على من كان أسمر، ولهذا جاء في حديث أنس، إلى أن قال: إنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم: كان أسمر، إلى أن قال في رواية أخرى: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض بياضه إلى السمرة. وفي حديث ابن عباس: “رجل بين رجلين، جسمه ولحمه أحمر. وفي لفظ: “أسمر إلى البياض”. ثم قال وتبين من مجموع الروايات أنَّ المراد بالسمرة الحمرة التي تخالط البياض، وأنَّ المراد بالبياض المثبت ما تخالطه الحمرة، والمنفي ما لا تخالطه، وهو الذي تكره العرب لونه، وتسمِّية أمهق. الخ.
قوله: «ليس بالجعد القطط ولا بالبسط «قال العلقمي: القَطَط (بفتحتين) الشديد الجعودة، الشبيه بشعر السودان، والسَّبط (بفتح المهملة، وكسر الموحَّدة، وسكونها) وهو المنبسط المسترسل الذي لا تكسُّر فيه، أي لم يكن شديد الجعودة ولا شديد السبوطة بل بينهما. انتهى.
وفي بعض روايات الجامع “كان أبيض، كأنما صيغ من فضَّة، رجِل الشعر" قال الشارح: رجل (بفتح الراء، وكسر الجيم، وفتحها وسكونها) ثلاث لغات، ذكره في المبهم، أي لم يكن شديد الجعودة ولا شديد السبوطة بل بينهما. (4/180)
صفحة 1402
قال القرطبي: وكان شعره بأصل الخِلقة مسرَّحا.
قوله: «بعثه الله على رأس أربعين سنة «كان هذا هو الراجح؛ فلذلك اقتصر عليه.
قال في المواهب: ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة، وقيل: وأربعين يوما، وقيل: عشرة أيام، وقيل: شهرين، يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان، وقيل: لسبع، وقيل: لأربع وعشرين ليلة، وقال ابن عبد البر: يوم الاثنين لثمان من ربيع الأوَّل، سنة إحدى وأربعين من الفيل، وقيل في أوَّل ربيع بعثه الله رحمة للعالمين ورسولا إلى كافة الثقلين أجمعين.
ويشهد لبعثته يوم الاثنين ما رواه مسلم عن أبي قتادة أنَّه صلى الله عليه وسلم سئل عن يوم الاثنين فقال: "فيه ولدتُ، وفيه أنزل عليَّ"، إلى أن قال:
واحتجَّ القائلون بأنَّه كان في رمضان بقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءَانُ} [البقرة: 185] قالوا: أوَّل ما أكرمه الله بنبوَّته أنزل عليه القرآن.
وقال آخرون: إنما أنزل جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزَّة، ثم نزل عليه نجوما بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة. وقيل: كان النداء المبعث في رجب ... الخ. وقال عمنا أحمد بن سعيد الشماخي رحمه الله في الطبقات: "ونزل عليه الوحي وهو ابن أربعين، يوم الاثنين، فأسرَّ أمره ثلاث سنين أو نحوها، ثم أمره الله بإظهار دينه والدعاء إليه".
وقيل: وكل به إسرافيل ثلاث سنين، ثم وكل به جبريل. انتهى. وأظنُّ أنَّه جزم في القناطر بهذا، ولا أستحضره الآن وهو: أنَّه لمَّا بلغ صلى الله عليه وسلم أربعين سنة قرن الله به إسرافيل ثلاث سنين، ولم يوح إليه، فلمَّا بلغ ثلاثا وأربعين سنة قرن به جبريل، فصار ينزل بالوحي عليه عشرين سنة، فليراجَع. فإني لا أستحضره الآن، فعلى هذا يكون توفَّاه الله وهو ابن ثلاث وستين سنة، وهو المشهور عند قومنا.
ذكر في البخاري عن عائشة رضي الله عنها "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، واستشكل هذا مع قولها: “لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشر". (4/181)
صفحة 1403
وأجيب "بأنَّ مرادها بعد فترة الوحي ثلاث سنين حتى نزل: {يَآ أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1]، وقيل غير ذلك.
وذكر عمنا أحمد بن سعيد الخلاف في ذلك، وصدر بما هو المشهور عند قومنا حيث قال: "ثم قبضه الله إليه وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل ابن ستين، وقيل ابن خمس وستين" الخ.
قوله: «وليس في لحيته ورأسه عشرون شعرة بيضاء «قال في المواهب: وفي مسلم عن أنس كان في لحيته شعرات بيض، إلى أن قال وفي رواية أخرى: “ما شانه الله ببيضاء”، إلى أن قال:
وفي حديث أنس عند البيهقي: "ما شانه الله بالشيب، ما كان في رأسه ولحيته إلاَّ سبع عشرة أو ثماني عشرة بيضاء". قال حكاية عن غيره: إنَّما كان كذلك لأنَّ النساء يكرهن الشيب غالبا، ومن كره من النبيء صلى الله عليه وسلم شيئا كفر.
قال في النهاية: قد تكرَّر في الحديث جعل الشيب هنا عيبا، وليس بعيب، فإنَّه جاء في الحديث: “أنَّه وقار وأنَّه نور” والشيب ممدوح وذلك عجيب منه لاسيما في حقِّ النبيء صلى الله عليه وسلم. ويمكن أن يجمع بينهما، ووجه الجمع أنَّه عليه السلام لَمَّا رأى أبا قحافة ورأسه كالثغامة أمرهم بتغييره، وكرهه، وكذلك قال: “غيِّروا الشيب” فلمَّا علم أنس ذلك من عادته قال: “ما شانه الله ببيضاء” بناء على هذا القول، وحملاً له على هذا الرأي، ولم يسمع الحديث الآخر، ولعلَّ أحدهما ناسخ للآخر. انتهى.
أقول: وسمعت أنَّه سئلت عائشة رضي الله عنها: هل شاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: "ما كان الله ليشينه". ولعلَّ المراد أنَّه لم يكثر ذلك فيه، وليس المراد نفيه من أصله. وفي بعض الروايات لم يكن في رأسه صلى الله عليه وسلم إلاَّ شعرات في مفرق رأسه، إذا دهن واراهن الدهن. وفي رواية البيهقي: “أسود اللحية حسن الثغر". (4/182)
صفحة 1404
وفي رواية عن ابن عباس قال أبو بكر: "يا رسول الله، قد شبت قال: شيبتي هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كوِّرت”.
قال في المواهب: "وأمَّا اختلاف الرواية في قدر الشيب، فالجمع بينها أنَّه كان شيبا يسيرا، فمن أثبت شيبه أخبر عن ذلك اليسير، ومن نفاه أراد لم يكثُر فيه، كما قال في الرواية الأخرى: "لم ير من الشيب إلاَّ قليلا" انتهى.
قوله: «وما تزوج في نسائه بكرا إلاَّ هي «قال عمنا أحمد بن سعيد رحمه الله في كتاب السير: قال المسعودي تزوَّج من النساء خمس عشرة امرأة، دخل بإحدى عشرة، ومات عن تسع: خديجة، وسودة، وعائشة بنت أبي بكر - ولم يتزوج بكرا غيرها - وأم سلمة بنت أبي أمية واسمها هند، وكانت من أجمل النساء وجها، وحفصة بنت عمر، وأمِّ حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة، زوَّجها النجاشي من النبيء صلى الله عليه وسلم، وأصدقها عنه أربع مائة دينار، وزينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث، وجورية بنت الحارث بن ضرار، وصفية بنت حيي بن أخطب، وزينب بنت خزيمة، وماتت قبل النبيء صلى الله عليه وسلم، وعمرة بنت يزيد الكلابية، وأسماء بنت النعمان الكندية" انتهى.
قوله: «تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بنت ست سنين «الخ. تقدَّم الكلام عليه في كتاب النكاح.
قال الربيع: بلغنا أنَّ عدَّة ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث، منها تسعمائة في الأصول، والباقي آداب وأخبار، وأمَّا عدة ما روى عنه من الروات تسعمائة رجل وامرأة، وهي عائشة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها، والذي ذكرناه من عدة الأحاديث في هذين الجزئين خلا ما روى الربيع عن أبي أيوب وعن عبادة بن الصامت وعن ابن مسعود رواه هو بنفسه. والله أعلم. (4/183)
صفحة 1405
قوله: «سمعت عبد الله بن عباس يقول بالمسجد الحرام «الخ. بوَّب رحمه الله لخصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يأت منها إلاَّ شيئا يسيرا، وقد صنَّف قومنا في ذلك كتبا مستقلَّة، وأدرج رحمه الله بعض مناقب جابر بن زيد، وبعض مناقب ابن عباس رضي الله عنهما في حليته عليه السلام، لمناسبة بينهما، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لاشتغالهما بحديثه، وكذلك ذكر عدد الحديث المروي عنه عليه السلام. والله أعلم. (4/184)
صفحة 1406
[صفحة بيضاء] (4/185)
صفحة 1407
كتاب الحجة على من قال إنَّ أهل الكبائر ليسوا بكافرين
[صفحة بيضاء] (4/186)
صفحة 1408
[صفحة بيضاء] (4/187)
صفحة 1409
[صفحة بيضاء] (4/188)
صفحة 1410
قوله:» لا يدخل الجنة مخنَّث « ... الخ. وجه الدليل منه أنَّ من لم يدخل الجنة كان من أهل النار، ومن كان من أهل النار فهو كافر، لقوله تعالى: {النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الذِينَ كَفَرُواْ} [الحج: 72] ”. فعلم منه أنَّه لا يدخل النار إلاَّ كافر. ولذلك قال الشيخ أبو نصر رحمه الله:
ثلاثة أسماء معان تجاورت
كبير وكفر والعقاب بمقرن
وروي في الجامع الصغير من كتب قومنا في هذا عدَّة أحاديث منها: “لا يدخل الجنَّة إلاَّ رحيم”، ومنها: “لا يدخل الجنة قاطع رحم”، منها: “لا يدخل الجنة خبٌّ، ولا بخيل، ولا منَّان” والخَبُّ (بالفتح) الخدَّاع الذي يسعى بين الناس بالفساد.
ومنها: “لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه”، ومنها: “لا يدخل الجنة صاحب مكس”، ومنها: “لا يدخل الجنة سيء المملكة” ... وتأوَّلها الشارح على قاعدة مذهبهم الفاسد، من أنَّه محمول على المستحلِّ، ليكون مشركا، لأنَّ الكفر عندهم هو الشرك، (4/189)
صفحة 1411
أو لا يدخل الجنة مع السابقين إليها، أو لا يدخلها حتى يعاقَب، إلاَّ أن يغفر الله له. ولولا التأويل لأشركوا. والله أعلم.
قوله:» مخنث ولا ديوث «. المخنث هو الذي يشبِه النساء في حركاته وكلامه وتعطُّفه.
قال في الصحاح: وخنثت الشيء أي عطفته فتعطَّف، ومنه سمي المخنَّث، وتخنث في كلامه.
والخنِث (بكسر النون) المسترخي المنثنى، وفي المثل: “أخنث من دلال” الخ.
وروى فيه في الجامع حديثا لفظه: “لعن الله المخنثين من الرجال، والمترجِّلات من النساء”.
قال العلقمي: وتمامه كما في البخاري، وقال: “أخرجوهم من بيوتكم“. قال: فأخرج النبيء صلى الله عليه وسلم فلانا، وأخرج عمر فلانا.
قال: قوله “والمخنثين “ (بكسر النون وبفتحها) مَن أشبه خلقة النساء في حركاته وكلامه، وغير ذلك، فإن كان من أصل الخلقة لم يكن عليه لوم، وعليه أن يتكلَّف إزالة ذلك، وإن كان بقصد منه وتكلُّف له فهو المذموم، ويطلق عليه اسم المخنَّث سواء فعل الفاحشة أولم يفعل.
قال ابن حبيب: المخنث هو المؤنَّث من الرجال، وإن لم تعرَف منه الفاحشة، مأخوذ من التكسُّر في المشي وغيره.
» والديوث «قال في الصحاح: هو القندع، وهو الذي لا غيرة له. وأحفظ أنَّه ورد في الحديث: “لعن الله من لا يغار”، فعلى هذا لا يخصُّ الديوث بالذي يعرف العيب في أهله فيسكت والله أعلم.
قوله:» ولا فحلة النساء «الظاهر أنَّ المراد بها المتشبِّهة بالرجال. وروي فيها في الجامع حديثا لفظه: “لعن الله الرجُلة من النساء”، فضبطها الشارح (بضم الجيم) ثم قال: قال في النهاية: المتشبهة بالرجال، وقال في الحديث المتقدم قوله: “والمترجلات من النساء”، زاد أبو داود إلى أن قال:
فقلت له: "ما المترجلات من النساء؟ قال المتشبهات بالرجال".
قال وفي البخاري: "لعن النبيء صلى الله عليه وسلم المتشبهين". (4/190)
صفحة 1412
قال في الفتح: قال الطبري: المعنى أنَّه لا يجوز للرجال التشبُّه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء، ولا العكس.
قلت: وكذا في الكلام والمشي، فأمَّا هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كلِّ بلد، فربَّ قوم لا يختلف زيُّ رجالهم من نسائهم في اللبس، لكن تمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار.
وأمَّا ذم التشبيه بالكلام والمشي فمختص بمن تعمَّد ذلك، وأمَّا من كان أصل خلقته فإنَّه يؤمر بتكلُّف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذمُّ، ولاسيما إن بدا منه ما يدلُّ على الرضى به. وأخذُ هذا واضح من لفظ المتشبهين.
وأمَّا إطلاق من أطلق كالنووي أنَّ المخنث الخلقي لا يتجه عليه اللوم فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التثنى والتكسر في المشي والكلام، بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك، وإلاَّ متى كان ترك ذلك ممكنا ولو بالتدريج فتركه لغير عذر لحقه اللوم. إلى أن قال:
وقال ابن التين: إنَّ المراد باللعن في هذا الحديث من تشبَّه من الرجال بالنساء في الزي، ومن تشبَّه من النساء بالرجال كذلك. فأما من انتهى في التشبيه بالنساء من الرجال إلى أن يؤتى في دبره، وبالرجال من النساء إلى أن تتعاطى السحق بغيرها من النساء، فإنَّ لهذين الصنفين من الذم والعقوبة أشدُّ ممن لم يصل إلى ذلك. وإنما أمر بإخراج من تعاطى ذلك من البيوت لئلاَّ يفضي الأمر بالمتشبه إلى تعاطي ذلك الأمر المنكر.
وقال ابن أبي جمرة ما ملخَّصه: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبيه في كلِّ شيء، لكن عُرف من الأدلة الأخرى أنَّ المراد التشبيه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوهما، لا التشبيه في أمور الخير. إلى أن قال:
والحكمة في لعن من تشبَّه، إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء. وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله المغيِّرات خلق الله.
قوله:» وما الركاضة يا رسول الله؟ قال: التي لا تغار «كأنَّ المراد لا تغار على نفسها فلا تبالي من نظر الرجال إليها، وتمكِّنهم منها أو على زوجها، فلا تبالي من نظره إلى النساء واجتماعه بهنَّ مثلا. والله أعلم. (4/191)
صفحة 1413
ولم يذكر في الصحاح هذا المعنى في مادة ركض، لكن من حفظ حجَّة على من لم يحفظ. والله أعلم.
قوله:» اقتلوا الحيات، صغارها وكبارها « ... الخ لفظه في الجامع الصغير: “اقتلوا الحيات كلَّهن، فمن خاف ثأرهنَّ فليس مني“. وفي رواية أخرى: “اقتلوا الحيات، اقتلوا ذا الطفيتين، والأبتر، فإنهما يطمسان البصير، ويستسقطان الحبل“.
وفي البخاري رواية أخرى، قال عبد الله هو ابن عمر: فبينما أنا أطارد حية لأقتلها فناداني أبو لبابة: لا تقتلها. فقلت: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل الحيات، قال: إنَّه نهى بعد ذلك عن ذوات، البيوت وهنَّ العوامر" ... الخ.
وروي في البخاري عن ابن عباس أنَّه قال: "الثعبان الحية الذكر منها".
يقال: الحيات أجناس الجان، والأفاعي، والأساود.
قال العلقمي: الجان هو الرقيق من الحيات، وقيل: هي الحية الصغيرة. أقول ذكروا في قوله عز وجل في عصا موسى: {كَأَنَّهَا جَآنٌّ} [النمل: 100]. {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} [طه: 20]. {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} [الشعراء: 32]. فهي جان أي حيَّة صغيرة في أوَّل الحال، ثم عظمت فصارت حية، ثم عظمت فصارت ثعبانا مبينا.
قال ابن حجر: قيل: اختلف وصفها باختلاف أحوالها، فكانت كالحية في سعيها، وكالجان في حركتها، وكالثعبان في ابتلاعها.
والأفاعي جمع أفعى، وهي الأنثى من الحيات، والذكر منها أُفعوان (بضم الهمزة والعين) وكنية الأفعوان أبو حيان، وأبو يحيى لأنَّه يعيش ألف سنة، وهو الشجاع الأسود الذي يواثب الإنسان.
ومن صفة الأفعى إذا فُقئت عينها عادت، ولا تغمض حدقتها البتة. والأساود جمع أسود قال أبو عبيد: هي حية فيها سواد، وهي أخبث الحيات، ويقال له: أسود سالخ، لأنَّه يسلخ جلده كلَّ عام.
وفي سنن أبي داود والنسائي عن ابن عمر مرفوعا: “أعوذ بالله من أسد وأسود” وقيل هي حية رقشاء، رصفة العنق، عريضة الرأس، وربما كانت ذوات قرنين، (4/192)
صفحة 1414
والهاء في الحية للوحدة كدجاجة، وقد عدَّ لها ابن خالويه في كتاب “ليس “ نحو سبعين اسما.
وقوله:» اقتلوا ذا الطفيتين «قال ابن حجر: تثنية طفية (بضمِّ الطاء المهملة وسكون الفاء) وهي خوصة المقل، والطفي خوص المقل، شبِّه به الخط الذي على ظهر الحية.
وقال ابن عبد البر: يقال: إنَّ ذا الطفيتين جنس من الحيات، يكون على ظهره خطَّان أبيضان.
قال: و الأبتر هو مقطوع الذنب، زاد النضر بن شميل أنَّه أزرق اللون، لا تنظر إليه حامل إلاَّ ألقت.
وقيل: الأبتر الحية القصيرة الذنب.
قال الداودي: هي الأفعى التي تكون قدر شبر، أو أكثر قليلا الخ.
قال في قوله:» فإنهما يطمسان البصر «أي يمحوان نوره.
وقال في قوله:» ويسقطان الحبل «(هو بفتح الموحَّدة) الجنين، إلى أن قال في قوله:» طارد «أي أتبع وأطلب.
قال في قوله: فناداني أبو لبابة (بضم اللام، وبموحدتين) صحابي مشهور، اسمه بشير، إلى أن قال في قوله:» إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت «أي اللاتي يوجدن في البيوت.
وظاهره التعميم في جميع البيوت. وعن مالك تخصيصه لبيوت أهل المدينة.
وقيل: تختصُّ ببيوت المدن دون غيرها.
وعلى كلِّ قول فتقتَل في البراري والصحاري من غير إنذار.
وروي الترمذي عن ابن المبارك: أنها الحية التي تكون كأنَّها فضة، ولا تلتوي في مشيها.
وقال في قوله:» وهي العوامر «وكلام الزهري أدرج في الخبر. إلى أن قال:
قال أهل اللغة: “عمّار البيوت “ سكانها من الجن، وتسميتهن عوامر لطول (4/193)
صفحة 1415
اللبث في البيوت، مأخوذ من العمر وهو طول البقاء. وإنما نهى عن قتلها لأنَّ الجنَّ تتمثل بها، ومن ثم أمر بقتل ذي الطفيتين والأبتر؛ لأنَّ الجن لا تتمثل بهما ... الخ.
قال ابن حجر: وعند مسلم من حديث أبي سعيد مرفوعا: “إنَّ لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئا فحرِّجوا عليه ثلاثا، فإن ذهب وإلاَّ فاقتلوه“.
واختلف في المراد بالثلاث فقيل ثلاث مرات وقيل ثلاثة أيام. ومعنى قوله: "حرجوا عليهنَّ“ أن يقال: أنتن في ضيق وحرج، إن لبثتن عندنا، أو ظهرتن لنا، أو عدتن إلينا.
قال العلقمي: في المراد بالثلاث، والجمهور على الثاني، ويدل له خبر مسلم عن أبي سعيد "أنَّ فتى دخل بيته فإذا بحية عظيمة مطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج به فوكزه في الدار، فاضطربت، وخرَّ الفتى ميتا، فما ندري كان أيهما أسرع موتا: الحية أم الفتى. فجئنا إلى النبيء صلى الله عليه وسلم وأخبرناه بذلك فقال: “استغفروا لصاحبكم”. ثم قال: “إنَّ بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان“.
قال قوله:» خرجوا عليهن «معناه أن يقال لهن: “أنت في ضيق وحرج، إن لبثت عندنا، أو ظهرت لنا، أو عدت إلينا، إنَّا نسألك بعهد نوح، وبعهد سليمان بن داود، أن لا تبدو لنا ولا تبدونا" الخ.
فذكر الخلاف هل هذا عام في كلِّ بلد أو خاص ببيوت المدينة، ثم قال: وعند الحنفية ينبغي أن لا تقتل الحية البيضاء لأنها من الجن. وقال الطحاوي: لا بأس بقتل الجميع بعد الإنذار. الخ. فذكر أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّ الله يحبُّ البصير الناقد عند مجيء الشبهات، والعقل الكامل عند نزول الشهوات، ويحب السماحة ولو على تمرات، ويحب الشجاعة ولو على قتل حية" ... الخ “.
فذكر الخلاف في الأمر بقتل الحيات هل هو للاستحباب وللإرشاد، ثم قال: نعم، ما كان منها محقَّق الضرر وجب دفعه، وفيه نظر، وسيأتي تحقيقه في "خمس من الفواسق". (4/194)
صفحة 1416
أقول: وظاهر رواية المصنف رحمه الله أنَّ الأمر للوجوب إذا تركهن خوف الثأر.
وظاهره أيضا العموم في كلِّ حية في أيِّ موضع كانت من غير إنذار. فإن صحَّت رواية البخاري وغيره قيِّد بما بعد الإنذار في البيوت وهو الأحوط. والله أعلم.
قوله:» فإنا ما سالمناهنَّ منذ حاربناهن“ السلم (بفتح السين وكسرها الصلح)، والحرب العداوة، ما صالحناهن منذ عاديناهن. والظاهر أنَّ المراد بالمحاربة التي بيننا وبين الحيات العداوة التي بينها وبين آدم وحواء عليهما السلام؛ لأنَّها هي التي أدخلت إبليس إلى الجنة، حتى صدر منه ما صدر، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ،} [البقرة: 36]؛ لأنَّ الخطاب لآدم وحواء وإبليس والحية. قوله: “فمن تركهن خشية الثأر فقد كفر" الرواية في الجامع: “فمن خاف ثأرهن فليس منا”. قال العلقمي: ثأرهنَّ (بالمثلثة وسكون الهمزة) أي من خاف إذا قتلهن أن يطلب بثأرهن ويقتل بقتلهن. ويحتمل أن يقال: من خاف إذا هاش على الحيات وأراد قتلها أن تطلبه وترتفع عليه لتلدغه بسمُّها فيموت من لدغها.
ثم قال في قوله: “فليس منا” أي ليس عاملا بسنتنا، ولا مقتديا بنا.
قوله:» فرجع تطيرا من أجله «قال ابن حجر: الطيرة (بكسر المهملة، وفتح التحتانية، وقد تسكن) وهي التشاؤم بالشيء إلى آخر ما تقدَّم عن العلقمي في قوله: “ومن تطير فلا يرجع“. قال ابن حجر: وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم فإن رأى الطير طار عن يمينه تيمن به واستمر، وإن طار يسرة تشاءم به ورجع. وربما كان أحدهم يهيِّج الطير لتطير، فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك.
وكانوا يسمونه: السانح (بمهملة ثم نون ثم حاء) والبارح (بموحدة، وآخره مهملة) فالسانح ما والاك ميامنة بأن يمر عن يسارك إلى يمينك، والبارح بالعكس، وكانوا يتيمنون بالسانح ويتشاءمون بالبارح؛ لأنَّه لا يمكن رميه إلاَّ أن ينحرف إليه. (4/195)
صفحة 1417
وليس في شيء من سنوح الطير وبروحه ما يقتضى ما اعتقدوه، وإنما هو تكلُّف بتعاطي ما لا أصل له، إذ لا نطق للطير ولا تمييز، فيستدل بفعله على مضمون معنى فيه، وطلب العلم من غير مظانه جهل من فاعله.
وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير، ويتمدَّح بتركه ... الخ، فذكر الشعراء في ذلك أبياتا منها:
الزجر والطير والكهان كلهم
مضللون ودون الغيب أفعال
ومنها:
وما عاجلات الطير تدني من الفتى
نجاحا ولا عن غيبهن قصور
ومنها:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى
ولا زاجرات الطير ما الله صانع
إلى أن قال: وكان أكثرهم يتطيرون ويعتمدون على ذلك، ويصح معهم غالبا لتزيين الشيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين.
وقد أخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أنس رفعه: “لا طيرة، والطيرة على من تطيَّر”، إلى أن قال عن النبيء صلى الله عليه وسلم: “ثلاثة لا يسلم منهنَّ أحد: الطيرة، والظن، والحسد” فذكر المخرج منها كما تقدَّم. ثم قال عن أبي هريرة رفعه: “إذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا”، ثم قال عن أبي الدرداء رفعه: “لن ينال الدرجات العلى من تكهَّن، أو استقسم، أو رجع من سفر تطيرا” إلى أن قال عن ابن مسعود رفعه: “الطيرة شرك، وما منا إلاَّ ... ولكن الله يذهبه بالتوكُّل“. وقوله: “وما منا إلاَّ” من كلام ابن مسعود أدرجه في الخبر، إلى أن قال: وإنما جعل ذلك شركا لاعتقادهم أنَّ ذلك يجلب نفعا أو يدفع ضررا، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى.
وقوله “ولكنَّ الله يذهبه بالتوكل“ إشارة إلى أنَّ من وقع له ذلك فسلم لله ولم يعبأ بالطيرة فإنَّه لا يؤاخذ بما عرض له من ذلك. وأخرج البيهقي في الشعب من حديث عبد الله بن عمر موقوفا: “من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل: اللهم لا طير إلاَّ طيرك، ولا خير إلاَّ خيرك، ولا إله غيرك“. (4/196)
صفحة 1418
وقال صلى الله عليه وسلم: “إذا قال رجل لرجل أنت عدوِّي فقد كفر أحدهما”. لفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما”.
وفي رواية أخرى عن أبي ذر أنَّه: سمع النبيء صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يرمي رجل رجلا بالفسق ولا يرميه بالكفر إلاَّ ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك“.
قال ابن حجر: وهذا يقتضي أنَّ من قال لآخر: أنت فاسق أو قال له: أنت كافر، فإن كان ليس كما قال كان هو المستحق للوصف المذكور، وأنَّه إذا كان كما قال لم يرجع عليه شيء لكونه صدق فيما قال، ولكن لا يلزم من كونه لا يصير بذلك فاسقا ولا كافرا أن لا يكون آثما في صورة قوله: “أنت فاسق “، بل في هذه الصورة تفصيل:
إن قصد نصحه أو نصح غيره ببيان حاله جاز، وإن قصد تعييره وشهرته بذلك ومحض أذاه لم يجز؛ لأنَّه مأمور بالستر عليه وتعليمه وموعظته بالحسنى، فمهما أمكنه ذلك بالرفق لا يجوز له أن يفعله بالعنف؛ لأنَّه قد يكون سببا لإغرائه وإصراره على ذلك الفعل، كما في طبع كثير من الناس من الأنفة، لاسيما إن كان الأمر دون المأمور في المنزلة" ... الخ.
ثم لما كان الكفر عندهم خاصا بالشرك اختار في تأويل هذه الأحاديث المصرِّحة بكفر الموحِّد، فقال: قال النووي: اختلف في تأويل هذا الرجوع:
فقيل: رجع عليه الكفر إن كان مستحلاًّ، وهذا بعيد من سياق الخبر. وقيل محمول على الخوارج لأنهم يكفِّرون المؤمنين.
هكذا نقله عياض عن مالك وهو ضعيف؛ لأنَّ الصحيح عند الأكثرين أنَّ الخوارج لا يكفَّرون ببدعتهم، إلى أن قال: والتحقيق أنَّ الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وذلك قبل وجود فرقة الخوارج وغيرهم.
وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره، وهذا لا بأس به، وقيل: يخشى عليه أن يئول به ذلك إلى الكفر إلى أن قال: (4/197)
صفحة 1419
وقال القرطبي: حيث جاء الكفر في لسان الشرع فهو: "جحد المعلوم من دين الإسلام بالضرورة الشرعية". وقد ورد الكفر في الشرع بمعنى "جحد النعم وترك شكر المنعم، والقيام بحقه" كما تقدم تقريره في كتاب الإيمان في باب “كفر دون كفر” في حديث أبي سعيد “يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير”.
قال: قوله “باء بها أحدهما” أي رجع بإثمها ولازم ذلك.
وأصل البوء اللزوم ومنه: “أبوء بنعمتك“ أي ألزمها نفسي، وأقرّ بها، قال: والهاء في قوله بها راجع إلى التكفيرة الواحدة، التى هي أقلُّ ما يدلُّ عليها لفظ كافر، ويحتمل أن يعود إلى الكلمة.
والحاصل أنَّ المقول له إن كان كافرا كفرا شرعيا فقد صدق القائل، وذهب بها المقول، وإن لم يكن رجعت للقائل معرَّة ذلك القول وإثمه.
هكذا اقتصر على هذا التأويل في “رجع” وهو من أعدل الأجوبة. وقد أخرج أبو داود عن أبي الدرداء بسند جيد رفعه: “إنَّ العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتأخذ يمنة ويسرة، فإن لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعَن، فإن كان أهلا وإلاَّ رجعت إلى قائلها" ... الخ”.
قوله:» أنا بريء ممن تطير وتكهن أو تُكِّهن له «قد تقدَّم الكلام على التطير والكهانة بما فيه كفاية.
قوله:» تسحر أو تسُحِّر له «هكذا فيما رأيته من النسخ (بالتاء) وليس بمناسب هنا، لأنَّه إنما يكون للصائم، ومنه الحديث: “تسحَّروا فإن في السحور البركة” والمناسب إنما هو: سحَر أو سُحر له. يعني –والله أعلم- أنَّه بريء ممن فعل السحر، وممن فُعل لأجله؛ بأن يكون طالبا له. والله أعلم.
ولم أر هذا الحديث في البخاري، وإنما ذكره غيره، وهو حديث كيفية سحره صلى الله عليه وسلم، ولفظه عن عائشة قالت: "سحر النبيء صلى الله عليه وسلم، حتى كان يخيَّل إليه أنَّه يفعل الشيء وما يفعله، حتى كان ذات يوم دعى ودعى، ثم قال: أشعرت أنَّ الله أفتاني فيما فيه شفائي، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما للآخر: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب (أي (4/198)
صفحة 1420
مسحور). قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن أعصم، قال: فيما ذا؟ قال: في مشط ومشاقة وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بير ذروان، فخرج إليها النبيء صلى الله عليه وسلم ثم رجع. فقال لعائشة حين رجع: نخلها كأنه رءوس الشياطين. فقالت: استخرجته؟. فقال: لا، أمَّا أنا فقد شفاني الله، وخشيت أن يثير ذلك على الناس شرا، ثم دفنت البئر".
وكتب عليه الشارح ما يطول ذكره، وسأذكر منه شيئا.
وأمَّا حديث المصنف فرواه في الجامع الصغير ولفظه: “ليس منا من تطير، أو تُطير له، أو تكهَّن أو تكهِّن له، أو سحَر أو سحِر له” ولم يكتب عليه شارحه شيئا.
قال ابن حجر: في شرح حديث البخاري قال الراغب وغيره: السحر يطلق على معان:
أحدها: ما لطُف ودقَّ، ومنه سحرت الصبي خدعته واستملته، فكلُّ من استمال شيئا فقد سحره، ومنه إطلاق السحر على سحر العيون لاستمالتها النفوس، ومنه قول الأطباء: “الطبيعة ساحرة”. ومنه قوله تعالى: {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} [الحجر: 15] أي مصرفون عن المعرفة. ومنه حديث: “إن من البيان لسحرا”، وسيأتي قريبا في باب مفرد.
الثاني: ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عمَّا يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمُ,} [طه: 66]. وقوله تعالى: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} [الأعراف: 115]. ومن هناك سموا موسى ساحرا، وقد يستعين في ذلك بما يكون فيه خاصية، كالحجر الذي يجلب الحديد المسمى المغناطيس.
الثالث: ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من التقرب إليهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ} [البقرة: 102]. (4/199)
صفحة 1421
الرابع: ما يحصل بمخاطبة الكواكب واستنزال روحانيتها بزعمهم. قال ابن حزم: ومنه ما يوجد من الطلسمات، كالطابع المنقوش فيه صورة عقرب، في وقت كون القمر في العقرب، فينفع إمساكه من لدغة العقرب، وكالمشاهد ببعض بلاد المغرب، وهي سَرقسطه بأنَّه لا يدخلها ثعبان قطُّ إلاَّ إن كان بغير إرادته. وقد يجمع بعضهم بين الأمرين بزعمهم. إلى أن قال:
ثم السحر يطلق ويراد به الآلة التي يسحر بها، ويطلق ويراد به فعل الساحر، والآلة تارة تكون معنى من المعاني فقط كالرقيا والنفث في العُقد، وتارة تكون بالمحسوسات كتصوير صورة على صورة المسحور، وتارة يجمع بين الأمرين بالحس والمعنى، وهو أبلغ.
واختلف في السحر فقيل: هو تخييل، ولا حقيقة له، وهذا اختيار أبى جعفر الأسترباذي من الشافعية، وأبي بكر الرازي من الحنفية، وابن حزم الظاهري وطائفة.
قال النووي: والصحيح أنَّه حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدلُّ عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة.
لكنَّ محلَّ النزاع هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟ فمن قال إنَّه تخييل منع ذلك فقط ومن قال له حقيقة اختلفوا هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج، فيكون نوعا من الأمراض أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانا مثلا وعكسه؟
فالذي عليه الجمهور هو الأوَّل، وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني.
فإن كان بالقدرة الإلهية فمسلم، وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف، فإنَّ كثيرا ممن يدعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه.
ونقل الخطابي أنَّ قوما أنكروا السحر مطلقا؛ وكأنه عنى القائلين بأنَّه تخييل فقط، وإلاَّ فهي مكابرة.
قال المازرى: جمهور العلماء على إثبات السحر، وأنَّ له حقيقة. ونفى بعضهم حقيقته، وأضاف أنَّ ما يقع منه ما هو إلاَّ خيالات باطلة، وهو مردود لورود النقل بإثبات السحر؛ ولأنَّ العقل لا ينكر أنَّ الله قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفَّق، وتركيب أجسام، أو مزج بين قوي على ترتيب مخصوص. (4/200)
صفحة 1422
ونظير ذلك ما يقع من حذَّاق الأطبَّاء من مزج بعض العقاقير ببعض، حتى ينقلب الضارُّ منها بمفرده فيصير بالتركيب نافعا.
وقيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذكره الله تعالى في قوله تعالى: {يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ،} [البقرة: 102] لكون المقام مقام تهويل، فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره.
قال: والآية ليست نصًّا في منع الزيادة، ولو قلنا إنها ظاهرة في ذلك.
ثم قال: والفرق بين السحر والمعجزة والكرامة، أنَّ السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال، حتى يتم للساحر ما يريد. والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، بل إنما تقع غالبا اتفاقا. وأمَّا المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدِّي.
ونقل إمام الحرمين الإجماعَ على أنَّ السحر لا يظهر إلاَّ من فاسق، وأنَّ الكرامة لا تظهر على فاسق، إلى أن قال: وينبغي أن يعتبر بحال من يقع الخارق منه، فإن كان متمسكا بالشريعة مجتنبا للموبيقات فالذي يظهر على يده من الخوارق كرامة، وإلاَّ فهو سحر؛ لأنَّه ينشأ عن أحد أنواعه كإعانة الشياطين.
وقال القرطبي: السحر حيل صناعية، يتوصَّل إليها بالاكتساب، غير أنَّها لدقتها لا يتوصل إليها إلاَّ آحاد الناس. ومادته الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها، وأقواه وأكثره تخيلات بغير حقيقة، وإبهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون: {وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 116]. مع أنَّ حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالا وعصيا. ثم قال:
والحقُّ أنَّ لبعض أصناف السحر تأثيرا في القلوب، كالحبِّ والبغض، وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكر أنَّ الجماد ينقلب حيوانا وعكسه بسحر الساحر ونحو ذلك ... الخ. فتكلَّم على قوله تعالى: {وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ} [البقرة: 102] الآية بما يطول ذكره. إلى أن قال: (4/201)
صفحة 1423
وقد استدِلَّ بهذه الآية على أنَّ السحر كفر، أي شرك، ومتعلِّمه كافر، وهو واضح في بعض أنواعه التي قدمتها، وهو التعبد للشياطين أو الكواكب.
وأمَّا النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة، فلا يكفر من تعلَّمها أصلا.
قال النووي: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع. وقد عدَّه النبيء صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفرا، ومنه ما لا يكون كفرا، بل معصية كبيرة. فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر، وإلاَّ فلا.
وأمَّا تعلمه وتعليمه فحرام، فإن كان فيه ما يقتضي الكفر كفر واستتيب منه، ولا يقتل، فإن تاب قُبلت توبته. وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزِّر.
وعن مالك: الساحر كافر، يُقتل بالسحر، ولا يستتاب، بل يتحتم قتله كالزنديق. قال عياض: ويقول مالك: قال أحمد وجماعة من الصحابة والتابعين.
إلى أن قال: وقد أجاز بعض العلماء تعلُّم السحر لأحد أمرين: إمَّا لتمييز ما فيه كفر من غيره، وإمَّا لإزالته عمَّن وقع فيه:
أمَّا الأول: فلا محذور فيه، إلاَّ من جهة الاعتقاد، فإذا سلم الاعتقاد، فمعرفة الشيء بمجرَّده لا يستلزم منعا، كمن يعرف عبادة أهل الأوثان - إلى أن قال - بخلاف تعاطيه والعمل به.
وأمَّا الثاني: فإن كان لا يتمُّ كما زعم بعضهم إلاَّ بنوع من أنواع الكفر أو الفسق، فلا يحلُّ أصلا، و إلاَّ جاز للمعنى المذكور. إلى أن قال:
وفي إيراد المصنف، يعني البخاري، هذه الآية إشارة إلى اختيار الحكم بكفر الساحر، لقوله فيها: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ، يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة: 102]. فإنَّ ظاهرها أنَّهم كفروا بذلك، ولا يُكفر بتعليم الشيء إلاَّ وذلك الشيء كفر.
وكذا قوله في الآية على لسان الملكين: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} “ [البقرة: 102]، فإنَّ فيه إشارة إلى أنَّ تعلم السحر كفر، فيكون العمل به كفرا. وهذا كلُّه واضح على ما قررته من العمل ببعض أنواعه. (4/202)
صفحة 1424
وقد زعم بعضهم أنَّ السحر لا يصحُّ إلاَّ بذلك، وعلى هذا فتسمية ما عدا ذلك سحرا مجاز، كإطلاق السحر على القول البليغ، إلى أن قال في قوله تعالى: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمُ, أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66]، هذه الآية عمدة من زعم أنَّ السحر إنما هو تخييل، ولا حجَّة له منها؛ لأنَّ هذه وردت في قصَّة سَحرة فرعون، وكان سحرهم كذلك، ولا يلزم منه أنَّ جميع أنواع السحر تخييل.
قال أبوبكر الرازي في الأحكام: أخبر الله تعالى أنَّ الذي ظنه موسى من أنَّها تسعى لم يكن سعيا وإنَّما كان تخييلا، وذلك أنَّ عِصيَّهم كانت مجوَّفة قد ملئت زئبقا، وكذلك الحبال كانت من أدم محشوة زئبقا، وقد حفروا قبل ذلك أسرابا، وجعلوا لها إزاجا، وملئوها نارا، فلمَّا طُرحت على ذلك الموضع، وحمى الزئبق حرَّكها؛ لأنَّ من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، فلمَّا أثقلته كثافة الحبال والعصي صار يتحرَّك بحركته، فظنَّ من ورائها أنها تسعى.
ثم قال بعد ذلك بكلام طويل يتعلق بشرح حديث سحر النبيء صلى الله عليه وسلم ما نصه: تكميل: قال ابن القيم: مِن أنفع الأدوية وأقوى ما يؤخذ من النشرة مقاومة السحر الذي هو من تأثير الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية، من الذكر والدعاء والقراءة. فالقلب إذا كان ممتلئا من الله معمورا بذكره وله ورد من الذكر والتوجُّه لا يخل به، كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له. قال: وسلطان تأثير السحر هو في القلوب الضعيفة، وهذا غالبا ما يؤثِّر في النساء والصبيان والجهَّال؛ لأنَّ الأرواح الخبيثة إنَّما تتسلط على أرواح تلقَاها مستعدَّة لما يناسبها. انتهى ملخَّصا.
ويعكِّر عليه حديث الباب، وجواز السحر على النبيء صلى الله عليه وسلم، مع عظم مقامه، وصدق توجهه، وملازمة ورده، ولكن يمكن الانفصال عن ذلك بأنَّ الذي ذكره محمول على الغالب، وأنَّ ما وقع به صلى الله عليه وسلم لبيان تجويز ذلك. والله أعلم.
قوله:» من أتى رجلا شهوة من دون النساء، أو أتى النساء في أعجازهن فقد كفر «لم أظفر بلفظ هذا الحديث في البخاري، ولا في الجامع، وإنما روى حديثا (4/203)
صفحة 1425
آخر لفظه: “من أتى كاهنا فصدَّقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضا، أو أتى امرأة في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد".
قال العلقمي: والمراد بالمنزَّل الكتاب والسنة، أي من ارتكب الكهانة فقد برئ من دين محمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل عليه. إلى أن قال: وقال في النهاية: "من أتى حائضا فقد كفر" أي كفر النعمة.
أقول: وكذلك المراد بالكفر في جميع ما رواه المصنف من الأحاديث رحمه الله، وليس المراد به كفر الشرك، ما لم يكن الفاعل مستحلاًّ كما هو معلوم.
قوله: «من ادَّعى غير أبيه أو تولى غير مواليه ... "الخ. لفظه في الجامع: “من ادعي إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة" وفي لفظ آخر: “من ادعي إلى غير أبيه وهو يعلم، فالجنة عليه حرام”.
وفي البخاري من حديث فيه طول: “ومن والى قوما بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل، وذمَّة المسلمين واحدة ... " الخ.
وفي حديث آخر عن سعد قال: "سمعت النبيء صلى الله عليه وسلم يقول: “من ادعي إلى غير أبيه وهو يعلم أنَّه غير أبيه، فالجنة عليه حرام” فذكرته لأبى بكرة، فقال: وأنا سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفيه حديث آخر عن أبى ذر رضي الله عليه أنَّه سمع النبيء صلى الله عليه وسلم يقول: “ليس من رجل ادعي لغير أبيه وهو يعلمه إلاَّ كفر بالله، ومن ادَّعى قوما ليس له فيهم نسب، فليتبوأ مقعده من النار”.
وفيه حديث آخر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ من أعظم الفرى أن يدَّعي الرجل غير أبيه، أو يري عينه ما لم تر، ويقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل”.
وفي حديث: “لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر”، وفي رواية: “فقد كفر”، وفي رواية: “فقد كفر بربكم”.
قال العلقمي: قوله “ادعى” أي انتسب، ثم قال النووي: هذا صريح في غِلظ تحريم انتساب الإنسان إلى غير أبيه، وانتماء العتيق إلى ولاء غير مواليه، لما فيه من (4/204)
صفحة 1426
كفر النعمة، وتضييع حقوق الإرث والولاء والعقل، وغير ذلك .. مع ما فيه من قطيعة الرحم والعقوق.
قال ابن حجر: وفي الحديث تحريم الانتفاء من النسب المعروف والادعاء إلى غيره، وقد قيد في الحديث بالعلم ولا بدَّ منه في الحالتين إثباتا ونفيا؛ لأنَّ الإثم إنما يترتب على العلم بالشيء المتعمَّد له.
وفيه جواز إطلاق الكفر على المعاصي، لقصد الزجر كما قرَّرناه. ويؤخذ من رواية مسلم تحريم الدعوى بشيء ليس هو للمدعي، فيدخل فيه الدعاوى الباطلة كلُّها: مالا، وعلما، وتعلما، ونسبا، وحالا، وصلاحا، ونعمة، وولاء ... وغير ذلك، ويزاد التحريم بزيادة المفسدة المترتبة على ذلك.
قوله: “يعني فريضة ولا نافلة” ذكر فيه في السؤالات خمسة أوجه حيث قال: في قوله “لا يقبل منه صرفا ولا عدلا” فيه خمس تأويلات.
الصرف: العمل، والعدل: الفدية {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ} [الأنعام: 70] قاله الحسن البصري.
والثاني: أنَّ الصرف الدية، والعدل رجل مكانه، قاله الكلبى محمد بن السائب.
والثالث: أنَّ الصرف التطوع، والعدل الفريضة، قاله الأصمعي عبد الملك بن قريب.
والرابع: أنَّ الصرف الفريضة، والعدل النافلة، قاله ابن عمر والربيع بن حبيب رحمه الله.
والخامس: أنَّ الصرف الحيلة، والعدل الفدية، قاله أبو عبيدة مَعمر بن المثني. ويجوز أن يكون العدل هو الدفع.
وذكر ابن حجر فيه ثلاثة عشر قولا حيث قال: واختلف في تفسيرهما.
فعند الجمهور الصرف الفريضة والعدل النافلة، ورواه ابن خزيمة بإسناد صحيح عن الثوري وعن الحسن البصري بالعكس.
وعن الأصمعي الصرف التوبة والعدل الفدية.
وعن يونس مثله، لكن قال: الصرف الاكتساب.
وعن أبى عبيدة (4/205)
صفحة 1427
مثله، لكن قال: العدل الحيلة، وقيل المثل.
وقيل الصرف الدية، والعدل الزيادة عليها، وقيل بالعكس.
وحكى صاحب المحكم: الصرف الوزن، والعدل الكيل.
وقيل: الصرف القيمة، والعدل الاستقامة.
وقيل: الصرف الدية، والعدل البديل.
وقيل: الصرف الشفاعة والعدل الفدية؛ لأنَّها تعادل الدية، وبهذا الأخير جزم البيضاوى.
وقيل: الصرف الرشوة والعدل الكفيل ... الخ.
قوله:» ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة « ... الخ ذكر في الجامع من هذا أحاديث متعدِّدة.
قال العلقمي: ومعنى لا ينظر إليهم، يعرض عنهم، ومعنى نظره لعباده رحمته لهم ولطفه بهم.
أقول: فعلى هذا يكون معنى: “لا ينظر إليهم” لا يرحمهم ولا يلطف بهم.
قال: ومعنى “لايزكيهم“ لا يطِّهرهم من الذنوب، وقيل: لا يثني عليهم.
قوله:» أشمط زان «الخ ... في بعض روايات الجامع: “شيخ زان، وملك كذَّاب، وعائل مستكبر”.
قال العلقمي: قال شيخنا: قال القاضي عياض: خصَّ المذكورون بالوعيد؛ لأنَّ كلاًّ منهم التزم المعصية مع عدم ضرورته إليها، وضعف داعيها عنده، فأشبه إقدامهم عليها المعاندة والاستخفاف بحقِّ الله، وقصد معصيته، لا لحاجة غيرها.
فإنَّ الشيخ ضعفت شهوته عن الوطء الحلال، فكيف بالحرام، كمل عقله ومعرفته لطول ما مرَّ عليه من الزمان، وإنما يدعو إلى الزنا غلبة الحرارة، وقلَّة المعرفة، وضعف العقل، الحاصل كلّ ذلك في زمن الشباب.
والإمام لا يخشى من أحد، وإنما يحتاج إلى الكذب من يريد مصانعة من يخدعه.
والعائل قد عدم المال الذي هو سبب الفخر والخيلاء، فلماذا يستكبر ويحقر غيره.
قوله:» ومفلس مرح مختال «في بعض روايات الجامع: "وعائل ومستكبر” وفي بعضها: “وفقير مختال مزهوّ”، والمعنى كله واحد أو متقارب.
ومفلس اسم فاعل من أفلس، وقال في الصحاح: وقد أفلس الرجل صار مفلسا، كأنما صارت دراهمه فلوسا وزيوفا، كما يقال أخبثَ الرجل إذا صار أصحابه خبثاء، وأقطف صارت دابته قطوفا. (4/206)
صفحة 1428
ويجوز أن يراد به أنَّه صار إلى حال يقال فيها ليس معه فلس، يقال قهِر الرجل صار إلى حال يقهر عليها، وأُذلَّ الرجل صار إلى حال يذل فيها. وقد فلَّسه القاضي تفليسا نادى عليه أنَّه أفلس.
و» مرِح «: (بكسر الراء) اسم فاعل من مرِح (بكسر الراء) مصدره المرَح بفتح الراء.
قال في الصحاح: المرح شدَّة الفرح والنشاط، وقد مرِح بالكسر فهو مرح الخ.
» ومختال «، قال العلقمي في قول الجامع: “وفقير مختال مزهو” قال في الدر: الختل الخداع والمراوغة، وفي النهاية: يقال ختله إذا خدعه وراوغه.
والزهاء، بالمد والزهو الكبر والفخر، ومنه العائل المزهو، يقال زهى بالبناء للمفعول فهو مزهو، قاله في الدر وزاد في النهاية.
هكذا يتكلم به على سبيل المفعول كما يقولون: عنى بالأمر، ونتجت الناقة، وإن كان بمعنى الفاعل والمراد بالحديث هنا الكبر والفخر.
قوله:» ورجل اتخذ الله بضاعة لا يشتري، ولا يبيع إلاَّ بيمينه «هذه الرواية لم يكتب عليها العلقمي شارح الجامع شيئا، وإنما كتب على رواية أخرى لفظها: “ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلا سلعة بعد العصر فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا، فصدَّقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلاَّ للدنيا، فإن أعطاه منها وفى وإن لم يعطه منها لم يوف” وهذه رواية البخاري، ورواية صاحب الوضع رحمه الله، إلاَّ أنَّ روايتهما تخالف رواية الجامع في تأخير قوله: “ورجل بايع رجلا سلعة" الخ. عن قوله: “ورجل بايع إماما" الخ. وفي قوله: “لأخذها”، فإنَّ روايتهما: "لقد أعطي فيها كذا وكذا".
وكتب عليه ابن حجر ما يطول ذكره، وذكر فيه روايات وأحاديث متعدِّدة، إلى أن قال: ويجتمع من مجموع هذه الأحاديث تسع خصالٍ، ويحتمل أن تبلغ عشرا؛ لأنَّ المنفق سلعته بالحلف الكاذب مغاير للذي حلف لقد أعطي بها كذا؛ لأنَّ هذا خاص بمن يكذب في أخبار الشراء، والذي قبله أعمُّ منه فيكون خصلة أخرى الخ.
أقول: والذي يتحصَّل مما ذكره في الجامع فيمن لا يكلِّمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم نحو تسعة عشر صنفا، وهم: المسبل إزاره خيلاء، والمنان الذي (4/207)
صفحة 1429
لا يعطي شيئا إلاَّ منَّه، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقطع بها مال امرئ مسلم، ورجل بايع رجلا سلعة بعد العصر فحلف له بالله لقد أعطي له فيها كذا وكذا الخ، ورجل حلف على سلعته لقد أعطي فيها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل منع فضل مائه، ورجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلاَّ للدنيا ... الخ وشيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر، والعاق لوالديه، والمرأة المترجِّلة المتشبهة بالرجال، والديوث، ومدمن الخمر، وحرٌّ باع حرا، وحرٌّ باع نفسه، ورجل أبطل كراء أجير حين جفَّ رشحه.
وأمَّا قوله:» ورجل جعل الله بضاعته «الخ. فيغني عنه قوله: “والمنفق سلعته بالحلف الكاذب”.
وكتب ابن حجر على الحديث الذي فيه تقييد الحلف بما بعد العصر، كحديث صاحب الوضع ما نصه: وخصَّ بعد العصر بالحلف لشرفه، بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار، وغير ذلك، إلى أن قال: قال الخطابي: خصَّ وقت العصر بتعظيم الإثم فيه وإن كانت اليمين الفاجرة محرَّمة في كل وقت؛ لأنَّ الله عظَّم شأن هذا الوقت، بأن جعل الملائكة تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فغلظت العقوبة، لئلا يقدم عليها تجرؤا، فإنَّ من تجرَّأ عليها فيه اعتادها في غيره، وكان السلف يحلفون بعد العصر، وجاء ذلك في الحديث أيضا.
وفي الحديث وعيد شديد في نكث البيعة والخروج على الإمام ... الخ.
قوله:» ورجل اتخذ الله بضاعة «الخ. المراد بهذا المنفق سلعته فهو متَّحد في الماصدق مع قوله في بعض الروايات: “والمنفق سلعته بالحلف الكاذب”.
قوله: “نبت من سحت”، السحت (بضم السين وسكون الحاء وضمها) الحرام كما في الصحاح.
قوله:» من انتهب فليس منا «في بعض روايات الجامع أنَّ النهبة لا تحل. (4/208)
صفحة 1430
قال العلقمي: سببه كما في ابن ماجة عن ثعلبه بن الحكم قال: أصبنا غنما للعدوِّ فانتهبناها، فنصبنا قدورنا، فأمر النبيء صلى الله عليه وسلم بالقدور فأكفئت. ثم قال “إن النهبة ... " فذكره.
قال في المصباح: نهبته نهبا من باب نفع، وانتهبته انتهابا، والنهبة وزان غرفه، والنهبا بالألف اسم للمنهوب، ويتعدَّى بالهمزة إلى ثاني، فيقال: انتهبت زيدا المال، ويقال أيضا أنهبت المال إنهابا إذا جعلته نهبا يغار عليه. وهذا زمان النهب أي الانتهاب، وهو الغلبة على المال والقهر.
وقال الدميري: قال الخطابي: النهبى (بضم النون وسكون الهاء) اسم مبني على فعلى من النهب، كالرغبى من الرغبة.
وإنما نهى عن النهب؛ لأنَّ الناهب إنما يأخذ ما يأخذ على قدر قوته لا على قدر استحقاقه، فيؤدِّي ذلك إلى أن يأخذ بعضهم فوق حظه، ويبخس بعضهم حقَّه، وإنما لهم سهام معلومة: للفرس سهمان، وللرجل منهم سهم. فإذا انتهبوا الغنيمة بطلت القسمة وعدمت التسوية.
ويستثنى من ذلك انتهاب النثار في العرس، لما روى البيهقي عن جابر أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم حضر في إملاك، فأوتى بأطباق عليها جوز ولوز وتمر فنثرت، فقبضنا أيدينا. فقال: مالكم لا تأكلون؟ قالوا: إنك نهيت عن النهب. فقال “إنما نهيتكم عن نهبي العساكر، خذوا على اسم الله” قال فجاذَبنا، وجاذَبناه.
قوله:» المنفق سلعته «قال العلقمي: قال شيخنا (بالتشديد أي للفاء) من النَّفاق وهو ضد الكساد، يقال: نفقت السلعة فهي نافقة، وأنفقتها إذا جعلتها نافقة.
قوله:» بالحلف «(بكسر اللام وإسكانها).» الفاجر «أي الكاذب.
قوله:» والمسبل إزاره يجره خيلاء «قال العلقمي: في قوله “المسبل إزاره” المرخي له، الجارُّ طرفيه خيلاء، فهو مخصوص بالحديث الآخر: ”لا ينظر الله إلى من جرَّ ثوبه خيلاء”.
وقد رخَّص صلى الله عليه وسلم في ذلك لأبى بكر، حيث كان جرُّه لغير خيلاء.
قال ابن جرير: وخصَّ ذكر الإزار، لأنَّه عامَّة لباسهم، وحكم غيره من القميص ونحوه حكمه. (4/209)
صفحة 1431
وقال أيضا: هو الذي يطيل ثوبه ويرسله إلى الأرض إذا مشى، وإنما يفعل ذلك كبرا واختيالا.
قوله:» والمنان «الرواية في الجامع والمنان الذي لا يعطي شيئا إلاَّ منة. قال العلقمي: أي واعتد به على من أعطاه. قال شيخنا:
قال الخطابي: وفيه وجه آخر أن يراد بالمن النقص من الحقِّ، والخيانة في الوزن والكيل ونحوهما. ومنه {وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ} [القلم: 3] أي غير منقوص.
قوله» من غشنا فليس منا «تقدَّم الكلام عليه في كتاب البيوع في باب الربا والانفساخ والغش.
قوله:» ومن لم يؤثرنا فليس منا «من الإيثار وهو الاختيار، ومنه قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف: {اثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} [يوسف: 91].
قال البيضاوي: اختارك علينا بحسن الصورة، وكمال السيرة.
قال في الصحاح: وأثرت فلانا على نفسي من الإيثار.
قوله:» ومن أحدث في الإسلام حدثا، أو آوى محدثا فليس منا «لم أظفر بلفظ هذا الحديث في الجامع ولا في البخاري، وإنما فيهما ما هو بمعناه، وهو قوله: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ”.
وروى أيضا مثله صاحب السؤالات رحمه الله ولفظه: “من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ”، ورواه في الجامع أيضا.
قال العلقمي في شرح الحديث الأوَّل: قال شيخ شيوخنا: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده فإنَّ معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصلٌ من أصوله فلا يلتفت إليه.
قال النووي: هذا الحديث مما ينبغي تحفيظه واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به لذلك.
وقال الطوفي: هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلَّة الشرع؛ لأنَّ الدليل يتركَّب من مقدمتين، والمطلوب بالدليل إمَّا إثبات حكم أو نفيه، وهذا الحديث (4/210)
صفحة 1432
مقدِّمة كبرى في إثبات كلِّ حكم شرعي ونفيه؛ لأنَّ منطوقه مقدِّمة كلية في كل دليل ناف لحكم مثلا أن يقال في الوضوء بماء نجس: “ليس هذا من أمر الشرع، وكلُّ ما كان كذلك فهو مردود، فهذا العمل مردود” فالمقدِّمة الثانية ثابتة بهذا الحديث. وإنما يقع النزاع في الأولى، ومفهومه أنَّ من عمل عملا عليه أمر الشرع فهو صحيح، مثل أن يقال في الوضوء بالنية: "هذا عليه أمر الشرع، وكلُّ ما عليه أمر الشرع فهو صحيح" فالمقدِّمة الثانية ثابتة بهذا الحديث، والأولى فيها النزاع، فلو اتفق أن يوجد حديث يكون مقدِّمة أولى في إثبات كلِّ حكم شرعي ونفيه لاستقلَّ الحديثان بجميع أدلة الشرع، لكن هذا الثاني لا يوجد، فإذًا حديث الباب نصف أدلة الشرع.
وقوله:» رد «معناه مردود، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، مثل خلق ومخلوق ونسج ومنسوج، فكأنه قال: فهو باطل غير معتدٍّ به. واللفظ الثاني وهو قوله: “من عمل أعم من اللفظ الأوَّل وهو قوله: “من أحدث “ فيحتج به في إبطال جميع العقود المنهية، وعدم وجود ثمراتها المترتبة عليها. وفيه ردُّ المحدثات، إلى أن قال: لأنَّ المنهيات كلّها ليست من أمر الدين فيجب ردها.
ويستفاد منه أنَّ حكم الحاكم لا يغيِّر ما في باطن الأمر، لقوله: “ليس عليه أمرنا” والمراد به أمر الدين. وفيه أنَّ الصلح الفاسد منتقض، والمأخوذ عليه مستحقُّ الرد. والله أعلم.
وفي بعض روايات البخاري في فضل المدينة من حديث فيه طول: “المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل" ... الحديث.
قال ابن حجر: في محدث (بضم أوله، وسكون الحاء المهملة، وبعد الدال مثلثة) أي أحدث المعصية. إلى أن قال:
قال ابن بطال: دلَّ الحديث على أنَّ من أحدث حدثا أو آوى محدثا في غير المدينة أنَّه غير متوعد بمثل ما توعد به من فعل ذلك بالمدينة. وإن كان قد علم أنَّ من آوى أهل المعاصي أنَّه يشاركهم الإثم، فإنَّ من رضي فعل قوم وعملهم التحق بهم، ولكن خُصت المدينة بالذكر لشرفها، لكونها مهبط الوحي، وموطن الرسول عليه (4/211)
صفحة 1433
الصلاة والسلام ومنها انتشر الدين في أقطار الأرض، فكان لها بذلك مزيد فضل على غيرها.
وقال غيره: السرّ في تخصيص المدينة بالذكر أنَّها كانت إذ ذاك موطن النبيء صلى الله عليه وسلم، ثم صارت موطن الخلفاء الراشدين.
قوله:» ومن لم يوقر كبيرنا، ولم يرحم صغيرنا فليس منا «تقدَّم الكلام عليه في باب الربا والانفساخ والغش.
قوله:» الجنة حرام على من قتل ذميا « ... الخ” لفظ الحديث في موضع من الجامع: “من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما” وفي رواية أخرى: “من قتل معاهدا في غير كنهه حرَّم الله عليه الجنة”.
وقوله:» في غير كنهه «أي في غير وقته الذي يجوز فيه قتله، والمراد أنه قتله بلا جناية توجب قتله.
وفي رواية أخرى: “من قتل ذميا، فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة” وفي رواية: “من آذى ذميا فأنا خصمه" ... الحديث.
وكتب الشارح على الحديث الأول ما نصه: المراد بالمعاهد من له عهد من المسلمين، سواء إن كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان، أو أمان مسلَّم.
والمعاهَد (بفتح الهاء) اسم مفعول، وهو الذي عوهد بعهد، أي صولح، ويجوز وكسر الهاء على الفاعل؛ لأنَّ من عاهدته فقد عاهدك، لكنَّ الفتح أكثر.
وكتب على قوله: “لم يَرَح” قال (بفتح الياء والراء) وأصله يراح، أي وجد الريح، أي يشم.
وحكى ابن التين (ضمَّ أوله وكسر الراء) قال: والأول أجود وعليه الأكثر.
وحكى ابن الجوزى ثالثة: وهو (فتح أوله وكسر ثانيه) من راح يريح.
وكتب على قوله:» وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة أربعين يوما – لعلَّه عاما- «ما نصه: قال شيخنا الإسماعيلى وغيره: أربعين عاما، وللطبراني: مائة عام، وفي الموطأ: خمسمائة عام، وفي الفردوس: ألف عام، وجمع بأنَّ ذلك بحسب اختلاف الأشخاص والأعمال، وتفاوت الدرجات، فيدركه من شاء الله من مسيرة ألف عام، ومن شاء الله من مسيرة أربعين، وما بين ذلك. قاله ابن العربي وغيره.
وقال بعضهم يجاب باحتمال أن لا يكون العدد مقصودا، بل المقصود المبالغة في التكثير. (4/212)
صفحة 1434
قوله» وأنا حجيج الذمي «الخ. المراد أنَّه يخاصم عنه، فالإضافة لأدنى ملابسة. ولم يذكر في الصحاح محجاج من حاجَّه، حيث قال: والحجة البرهان، وتقول حاجَّه فحجه، أي غلبه بالحجة، وفي المثل: "لج فحج" فهو رجل محجاج: أي جدل، والتحاج التخاصم، وحججته حجا فهو حجيج، إذا سبرت أي اختبرت شجته بالميل لتعالجه" ... الخ. فتراه استعمل حجيجا فعيلا بمعنى مفعول، لا بمعنى فاعل. والله أعلم.
والمناسب لقوله في الصحاح: حاجه فحجه، أي غلبه أن يقول: فأنا أحجه؛ لأنَّ الذي بمعنى غلب بالحجة فهو حج لا حاج. والله أعلم. والمعنى ظاهر.
قوله:» من أعان على قتل امرئ مسلم « ... . الخ. ومثله رواية الجامع: "من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة، لقي الله مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة الله”. قال العلقمي: وجملة الأمر أنَّ قتل الآدمي عمدا بغير حقٍّ أعظم الكبائر بعد الكفر بالله تعالى، وموجب لاستحقاق العقوبة في الدنيا والآخرة ... الخ.
قوله:» لا ترجعوا بعدي كفَّارا يضرب بعضكم رقاب بعض «قال العلقمي: جملة ما فيه من الأقوال ثمانية:
أحدها: قول الخوارج أنَّه على ظاهره، أقول يعني أنَّه مشرك عندهم. وذلك أنَّهم يرون أنَّ مرتكب الكبيرة مشرك، واختلفوا في مرتكب الصغيرة.
قال: ثانيها: هو في المستحلين.
ثالثها: المعنى كفَّارا بحرمة الدماء وحرمة المسلمين وحقوق الدين.
رابعها: يفعلون فعل الكفَّار في قتل بعضهم بعضا.
خامسها: لابسين السلاح، يقال كفر درعه إذا لبس فوقها ثوبا.
سادسها: كفارا بنعمة الله.
أقول: هذا هو المذهب، وكفر النعمة عندنا هو المسمَّى بكفر النفاق.
سابعها: المراد الزجر عن الفعل، وليس ظاهره مرادا.
ثامنها: لا يكفر بعضكم بعضا، كأن يقول أحد الفريقين للآخر: يا كافر، فيكفر أحدهما ... الخ.
أقول: وكلُّها خروج عن الظاهر لغير دليل يجب التسليم له، ما خلا كفر النعمة، فإنَّه يطلق عليه الكفر ككفر الشرك إذا وجد سببه. (4/213)
صفحة 1435
قال العلقمي: استشكل بعض الشرَّاح غالب هذه الأجوبة؛ لأنَّ راوي الخبر وهو أبو بكرة فهم خلاف ذلك. . الخ ثم قال:
تكملة: قال شيخنا قال أبو البقاء: هذا الحديث يرويه المحدِّثون غير محقَّق، وفيه كلام يحتاج إلى بسط، وذلك أنَّ قوله “يضرب” إذا رفَعَتْه كان، وموضع الجملة نصبا صفة لـ”كفارا”، فيكون النهي عن كفرهم وضرب بعضهم رقاب بعض، فأيهما فعلوه فقد وجد المنهي عنه، إلاَّ أنهما إذا اجتمعا كان النهي أشد.
وقال بعض العلماء: النهي يكون عن الصفة الثانية. ونظيره قول الرجل لزوجته: إن كلمتِ رجلا طويلا فأنت طالق. فكلمت رجلا قصيرا، لم تطلَّق. فكذلك إذا رجعوا كفَّارا، ولم يضرب بعضهم رقاب بعض.
وهذا القول فيه بُعد، وذلك أنَّ الكفر قد علم النهي عنه بدون أن يضرب بعضهم رقاب بعض.
ويجوز أن يروي يضربْ (بالجزم على تقدير شرط مضمر) أي إن ترجعوا كفارا يضربْ بعضكم رقاب بعض، ونظير هذا الحديث قوله تعالى: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَّرِثُنِي} [مريم: 5 - 6] (بالرفع والجزم) إلاَّ أنَّ أكثر المحقِّقين من النحويين لا يجيزون الجزم في مثل الحديث؛ لأنَّه يصير المعنى أن ترجعوا كفارا يضرب، وهذا ضد المعنى. بل لو قال: “لا ترجعوا بعدي كفارا، تسالموا توادوا” كان الجزم مستقيما؛ لأنَّ التقدير أن لا ترجعوا كفَّارا تسلموا، ونظير ذلك: “لا تدن من الأسد تنجو”، أي: “إن لا تدن” فجعل التباعد من الأسد سببا في السلامة وهو صحيح، ولو قلت: لا تدن من الأسد يأكلك، كان فاسدا؛ لأنَّ التباعد منه ليس سببا في الأكل.
فإن قلت: فلم لا يقدَّر إن تدن بغير لا؟ قيل: ينبغي أن يكون المقدر من جنس الملفوظ به.
وقد ذهب قوم إلى جواز الجزم هنا على هذا التقدير، وعليه يجوز الجزم في هذا الحديث.
وقيل: ليس المراد من الحديث النهي عن الكفر، بل النهي عن الاختلاف المؤدِّي إلى القتل، فعلى هذا يكون يضرب مرفوعا ويكون تفسير الكفر المراد بالحديث النهي عنه. (4/214)
صفحة 1436
وقال الكرماني: يضربُ (مرفوع) على أنَّه جملة مستأنفة مبينة لقوله: “لا ترجعوا”، ووصف كاشف. إذ الغالب من الكفار ذلك.
وكونه مجزوما؛ لأنَّه جواب النهي ظاهر على مذهب من يجوِّز: لا تكفر تدخل النار.
ورجع هنا مستعمل استعمال "صار" معنى وعملا، أي لا تصيروا بعدي كفارا.
وقال ابن مالك في توضيحه: مما خفي على أكثر النحويين استعمال رجع كصار معنى وعملا، منه الحديث: "لا ترجعوا بعدي كفَّارا أي لا تصيروا". وقول الشاعر:
قد يرجع المرء بعد المقت ذا مقت
بالحلم فادرأ به بغضاء ذي إحن
ويجوز في يضرب الرفع والجزم.
وقال مغلطا من جزم أوله على الكفر ومن رفع لا يجعله متعلقا بما قبله، بل حالا أو مستأنفا.
وقال القاضي عياض: الرواية يضرب بالرفع. كذا رواه المتقدِّمون والمتأِّخرون وهو الصواب، وبه يصح المقصود هنا. إلى أن قال:
وقال الشيخ أكمل الدين في شرح المشارق: يضرب بالرفع وفيه وجوه:
أحدها: أن تكون الجملة صفة لـ”كفَّارا” أي لا ترجعوا بعدي كفارا متصفين بهذه الصفة، يعني يضرب بعضكم رقاب آخرين.
الثاني: أن تكون حالا من ضمير لا ترجعوا، أي لا ترجعوا بعدي كفَّارا حال ضرب بعضكم رقاب بعض.
الثالث: أن تكون جملة استثنائية، كأنَّه قيل كيف يكون الرجوع كفارا فقال: يضرب بعضكم رقاب بعض.
فعلى الوجه الأوَّل يجوز أن يكون معنى لا ترجعوا عن الدين بعدي فتصيروا مرتدين متقاتلين يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حقٍّ، على وجه التحقيق، وأن يكون لا ترجعوا كالكفار المقاتل بعضهم بعضا، على وجه التشبيه بحذف أداته.
وعلى الثاني يجوز أن يكون معناه لا تكفُروا حال ضرب بعضكم رقاب بعض، لأمر يعرض بينكم باستحلال القتل بغير حق، وأن يكون لا ترجعوا حال المقاتلة (4/215)
صفحة 1437
لذلك كالكفَّار في الانهماك في تهييج الشرِّ وإثارة الفتن بغير إشفاق منكم بعضكم على بعض في ضرب الرقاب.
وعلى الثالث: يجوز أن يكون معناه لا يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حقٍّ فإنه فعل الكفَّار، وأن يكون لا يضرب بعضكم رقاب بعض كفعل الكفار.
وروي بجزم الباء على أنَّه بدل من لا ترجعوا وأن يكون جزاء لشرط، مقدَّر على مذهب الكسائي، أي فإن رجعتم يضرب بعضكم رقاب بعض.
وقد ذكر له في الشروح وجوه أعرضت عنها لبعد المناسبة. انتهىكلام العلقمي.
والحاصل أنَّ الحديث يدلُّ على أنَّ قتل المسلم كفر، كما يدل عليه حديث آخر رواه البخاري لفظه: “سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" ولكن إن استحل كان كفره كفر شرك، وإلاَّ كان كفر نفاق، ويسمَّى كفر نعمة أيضا. والله أعلم.
قوله:» لأكبهم الله جميعا على مناخرهم في النار" هكذا فيما رأيته من النسخ (بالهمز) في أكب.
والرواية في الجامع: "لكبهم الله" (بغير همز) وهو الصواب.
قال في الصحاح: كبه الله لوجهه أي صرعه، فأكب هو على وجهه.
هذا من النوادر أن يقال: أفعلت أنا، وفعلت غيري. يقال كبَّ الله عدو المسلمين، ولا يقال أكب الخ.
يعني أنَّ ما كان بالهمز قاصرا وما كان بغير الهمز متعديا، وهذا خلاف القياس، ولم يكتب شارح الجامع على هذا الحديث شيئا؛ لأنَّ معناه ظاهر. والله أعلم.
ثم رأيت في نسخة صحيحة: لكبَّهم وهي الصواب.
قوله:» من آذى مؤمنا أو روعه « ... الخ الرواية في الجامع: "من آذى مسلما فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله” ولم يكتب عليه الشارح أيضا شيئا، إلاَّ قوله: بجانبه علامة الحسن انتهى. وآذى بهمزة ممدودة من الإيذاء.
قوله:» الرشوة في الحكم كفر «يعني إذا كانت في الباطل، وأما إذا كانت لإظهار الحق فلا بأس بها على الدافع.
قال في الضياء ما نصُّه: قال “لعن الله الراشي والمرتشي” وهذا لمن يبطل حقًّا ويحق باطلا، فأمَّا الدافع عن نفسه فهو على الآخذ. (4/216)
صفحة 1438
قال أبو الشعثاء رحمه الله: ما نفعنا في أيام بنى زياد إلاَّ الرشوة.
الربيع عن ضمام رحمهما الله أن زنجية لامرأة يقال لها فكيهية سرقت، فقلنا لأبي الشعثاء: أنكلم فيها؟ فقال: انطلقوا فارشوا عليها. الخ.
قوله:» وكان يسمي الرياء الشرك الأصغر «قال في القواعد لقوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ} [مريم: 110] “فمن كان يرجو لقاء ربه” الآية. ولقول النبيء عليه السلام يدعى المرائي يوم القيامة بأربعة أسماء: يا مرائي، يا فاجر، يا غادر، يا خاسر. وتقدَّم الكلام على ما يتعلَّق بالرياء في أوَّل الكتاب، في باب ذكر الشرك والكفر.
قوله:» من قتل بعد العفو، أو أخذ الدية، فهو خالد مخلَّد في النار «، وذلك لأنَّ ولي الدم مخير في قتل العمد بين القتل وأخذ الدية والعفو، وهو الأفضل، فإن اختار العفو أو الدية فقتل بعد ذلك فقد قتل النفس التي حرَّم الله، لانقطاع حقَّه في القتل، باختيار غيره {وَمَنْ يَّقْتُلْ مُومِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [البقرة: 93].
وانظر هل التوبة والمخرج من ذلك عند غير ابن عباس رضى الله كغيره من القاتلين، أو هذا يشدَّد عليه لتعديه بعد المسامحة، وهو المتبادر من ظاهر الحديث. والله أعلم. فليحرَّر.
قوله: «من مات وعليه دين لم يدخل الجنة «الخ. وذلك لأنَّه محبوس بحقِّ الغير، ولكنَّه إذا تداين بغير إسراف وكان من أهل الصلاح يكون على الأعراف بين الجنة والنار، فحقُّ الغير يمنعه من دخول الجنة، والصلاح يمنعه من دخول النار.
ولكن ذكروا أنَّ أصحاب الأعراف قالهم إلى الجنة لقوله تعالى: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} [الأعراف: 46]؛ ولأنَّ الله تعالى لم يجعل في الآخرة إلاَّ دارين وجعل الناس فريقين، فقال: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 07]. فمن لم يدخل الجنة كان من أهل النار. (4/217)
صفحة 1439
فالظاهر أنَّ المراد بالديْن الذي يمنع من دخول الجنة، الدين الذي يكون بإسراف، ولم يتخلَّص منه صاحبه. وأمَّا إذا كان من غير إسراف، ولم يقدر على التنصل منه لعجز أو نسيان، فالظاهر أن المؤدات على مولاه تعالى بعد فراغ حسناته، ويدخله الجنة بفضل رحمته. كما تقدم التنبيه على ذلك من كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله فيمن تاب وجهل أرباب التباعات، أونسي بعض التباعات عند الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم: “الذنوب على وجهين ... إلى قوله فلا توبة له حتى يرد المظالم إلى أهلها”. في باب الوعيد في الأموال. فإنَّ الظاهر أنَّ العجز إن كان الديْن من غير إسراف بمنزلة النسيان، فإنَّ كثيرا من الأمور تجب مع الذكر والقدرة وتسقط مع العجز والنسيان، غايته أنَّه يوصى بها، لعلَّه يجد من يدفعها عنه. والله أعلم.
وهذا الوعيد إذا ترتَّب على مال خرج من عند أهله بطيبة نفوسهم في أول الأمر، فكيف بمال يكون خروجه من عند أهله ظلما وعدوانا، ولكن {وَسَيَعْلَمُ الذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227].
قوله:» وأوتي النبيء صلى الله عليه وسلم بميت ليصلي عليه الخ «لفظه في بعض الروايات، في البخاري بعد ذكر الإسناد: “أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم أوتي بجنازة ليصلي عليها فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: لا، فصلَّى عليه. ثم أوتي بجنازة أخرى فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: نعم، قال صلُّوا على صاحبكم” قال: أبو قتادة: "عليَّ دينه يا رسول الله فصلَّى عليه".
وفي رواية أخرى: “كنا جلوسا عند النبيء صلى الله عليه وسلم إذ أوتي بجنازة، فقالوا: صلِّ عليها. فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا. قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا: لا. فصلى عليه. ثم أوتي بجنازة أخرى فقالوا: يا رسول الله، صلِّ عليها؟ فقال: هل عليه دين؟ قالوا: نعم. قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا: ثلاثة دنانير، فصلَّى عليها. ثم أوتي بالثالثة فقالوا: صلِّ عليها. قال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا. قال: فهل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلُّوا على صاحبكم" قال قتادة: صلِّ عليه، وعليَّ دينه. فصلى عليه".
وفي رواية أخرى عن أبى هريرة "أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيَسأل: هل ترك لدينه فضلا؟ فإن حدث أنَّه ترك لدينه (4/218)
صفحة 1440
وفاء صلى عليه، وإلاَّ قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم، فلمَّا فتح الله عليه الفتوح، قال أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينا، فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته".
قوله:» فقال هل عليه دين؟ «فقال ابن حجر: في سبب هذا السؤال، وتركه الصلاة على من عليه دين ما نصُّه: قال العلماء: كان الذي فعله صلَّى الله عليه وسلم من ترك الصلاة على من عليه دين ليحرِّض الناس على قضاء الديون في حياتهم، والتوصل إلى البراءة منها، لئلا تفوتهم صلاة النبيء صلى الله عليه وسلم.
وهل كانت صلاته على من عليه دين محرَّمة عليه أو جائزة؟ وجهان:
قال النووي: الصواب الجزم بجوازها، مع وجود الضامن، كما في حديث مسلم.
وحكى القرطبي: أنَّه كان ربما كان يمتنع من الصلاة على من أدان دينا غير جائز، وأمَّا من استدان لأمر فهو جائز، فما كان يمتنع. وفيه نظر؛ لأنَّ في حديث الباب ما يدلُّ على التعميم، حيث قال: “من توفي وعليه دين”، ولو كان الحال مختلفا لبينه.
نعم، جاء من حديث ابن عباس أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم لما امتنع من الصلاة على من عليه دين، جاءه جبريل فقال: "إنما الظالم في الديون التي حملت في البغي والإسراف، فأمَّا المتعفف ذو العيال فأنا ضامن له، أؤدي عنه، فصلَّى عليه النبيء صلى الله عليه وسلم". قال بعد ذلك: “من ترك ضياعا ... " الحديث. إلى أن قال:
وفي صلاته صلى الله عليه وسلم على من عليه دين بعد أن فتح الله عليه الفتوح إشعار بأنَّه كان يقضيه من مال المصالح. وقيل: بل كان يقضيه من خالص نفسه.
وهل كان القضاء واجب عليه أم لا؟ وجهان:
وقال ابن بطال: قوله: “من ترك دينا فعليَّ” ناسخ لتركه الصلاة على من مات وعليه دين.
وقوله: “فعليَّ قضاؤه” أي مما يفيء الله عليه من الغنائم والصدقات. (4/219)
صفحة 1441
قال: وهذا يلزم المتولِّي لأمر المسلمين أن يفعله بمن مات وعليه دين، فإن لم يفعل فالإثم عليه إن كان حقّ الميت في بيت مال المسلمين يفي بقدر ما عليه من الدين، وإلاَّ فيسقطه.
وكنت سمعت قديما أنَّ سبب تركه عليه السلام الصلاةَ على من عليه دين أنَّ المصلِّي على الميت شافع له، والنبيء صلى الله عليه وسلم لا تردُّ شفاعته، والميت الذي عليه الدين روحه محبوسة لأجل الدين. والله أعلم.
قال ابن حجر: وفي الحديث وجوب الصلاة على الجنازة.
قوله: «مثقال من حبة خردل من كبر «، الكبر (بكسر الكاف وسكون الباء) هو تسفيه الحقِّ، وغمط الخلق. والغمط (بالطاء المهملة) الاحتقار والازدراء.
قال الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد رحمه الله: وبها أي بهذه الصفة استوجب إبليس البعدَ عن رحمة الله. قال الله تعالى: {إِنَّ الذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60]. {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 68] فمكان المتكبر أسفل وإن استعلى، والمتواضع العلو وإن تسفل.
وقال ابن حجر: قال الراغب: الكبر والتكبر والاستكبار متقاربة.
فالكبر الحالة التي يختصُّ به الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك الذي يرى نفسه أكبر من غيره.
وأعظم ذلك أن يتكبر على ربه بأن يمتنع من قبول الحقِّ والإذعان له بالتوحيد والطاعة. والتكبر يأتي على وجهين:
أحدهما: أن تكون الأفعال الحسنة زائدة على محاسن الغير. ومن ثم وُصف سبحانه وتعالى بالمتكبر.
والثاني: أن يكون متكلِّفا لذلك متسمى بما ليس فيه.
قول متسمَّى: قال في مختصر الصحاح: يقال تسمى الرجل جعل لنفسه سيما يعرف بها بما ليس فيه، وهو وصف عامة الناس، نحو قوله تعالى: {كَذَالِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 35] والمستكبر مثله. (4/220)
صفحة 1442
وقال الغزالي: الكبر على قسمين: فإن ظهر على الجوارح يقال: تكبر، وإلاَّ قيل: في نفسه كبر.
والأصل هو الذي في النفس، والكبر يستدعي متكبَّرا عليه، يرى نفسه فوقه ومتكبرا به. وبه ينفصل الكبر عن العجب فيمن لم يخلق إلاَّ وحده يتصوَّر أن يكون معجبا متكبرا.
قوله:» ولم يرح ريحها «تقدَّم أنَّ هذا الفعل يجوز فيه ثلاث لغات، وأنَّ أفصحها (فتح الأول والثاني).
قوله:» ومن لبس لأخيه ثوبا من غصب «الظاهر أنَّ المراد أنَّه اغتصب ثوبا من أخيه المسلم أي الموحِّد فلبسه. والله أعلم.
قوله:» من سمّع بأخيه ... «الرواية في الجامع: “من سمَّع سمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به “.
قال العلقمي: قال النووي: معناه من راءى بعلمه وسمعه الناس ليكرموه ويعظِّموه ويعتدُّوا خيره سمّع الله به يوم القيامة الناس وفضحه.
وقيل: معناه: من سمَّع بعيوب الناس وأذاعها، أي فشاها أظهر الله له عيوبه.
وقيل: أسمعه المكروه. وقيل أراه الله ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه ليكون حسرة عليه.
وقيل: من راءى بعمله الناس أسمعه الله الناس، وكان ذلك حظه منها. أقول: والمعنى الثاني هو المناسب لرواية المصنف رحمه الله، حيث ذكر المسمَّع به وهو أخوه المسلم، فيكون المعنى من سمع بعيوب أخيه المسلم في الدنيا أظهر الله عيوبه يوم القيامة للخلق وفضحه على رؤوس الأشهاد؛ لأنَّ الواجب عليه الستر على أخيه المسلم، واستتابته كما هو معلوم.
وورد في الحديث: “من ستر على مؤمن عورته فكأنما أحيا ميتا” في حديث آخر: “من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة”.
قوله:» إذا زنى الزاني «سلب الإسلامَ، فإذا تاب ألبسه «الرواية في الجامع: "من زنى خرج منه الإيمان، فإن تاب تاب الله عليه “، وفي رواية أخرى (4/221)
صفحة 1443
: "من زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الإيمان، كما يخلع الإنسان القميص من رأسه“. وفي رواية أخرى: "إذا زنى العبد خرج منه الإيمان، كان على رأسه كالظُّلَّة، فإن أقلع رجع إليه".
قال العلقمي: قال شيخنا: قال عكرمة: قلت لابن عباس: كيف ينزع منه الإيمان؟ قال: هكذا. وشبك بين أصابعه ثم زحزحها، فإن تاب عاد إليه هكذا، وشبك بين أصابعه. رواه البخاري.
قال الطيبى في شرح المشكاة: يمكن أن يقال المراد بالإيمان هنا وفي حديث: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن”، الحياء كما ورد أنَّ الحياء شعبة من الإيمان، أي لا يزني الزاني حين يزني وهو يستحي من الله تعالى؛ لأنَّه لو يستحي من الله واعتقد أنَّه حاضر مشاهد لحاله لم يرتكب هذا الفعل الشنيع" وهذا الحديث تمثيل الخ ... فأخذ يتكلَّف تكلُّفات لا حاجة إليها، إلاَّ اعتقاده أنَّ الكفر خاص بالشرك. إلى أن قال:
وقال التربشني: هذا من باب الزجر والتشديد في الوعيد، زجرا للسامعين ولطفا بهم، تنبيها على أنَّ الزنى من شيم أهل الكفر وأعمالهم، فالجمع بينه وبين الإيمان كالمتنافيين.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: “كان عليه مثل الظلة” وهي السحابة التي تظل، إشارة إلى أنَّه وإن خالف حكم الإيمان فإنَّه تحت ظلِّه لا يزول عنه حكمه ولا يرتفع عنه اسمه. وفي بعض كلامه نظر.
وروي البخاري حديثا صريحا في نفي الإيمان على الزاني، وبعض أهل المعاصي، ويقاس غيرهم عليهم ولفظه: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن”
قال ابن حجر: قيَّد نفي الإيمان بحالة ارتكابه لها، ومقتضاه أنَّه لا يستمرُّ بعد فراغه. وهذا هو الظاهر.
ويحتمل أن يكون المعنى أنَّ زوال ذلك إنما هو إذا أقلع الإقلاع الكليَّ. أمَّا لو فرغ وهو مصرٌّ على تلك المعصية فهو كالمرتكب، فيتجه نفي الإيمان عنه ليستمرَّ. (4/222)
صفحة 1444
ويؤيِّده ما وقع في بعض طرقه كما سيأتي في المحاربين من قول ابن عباس، فإن تاب عاد إليه الخ. أقول: وهذا هو الحقُّ ولا يقطع الكبيرة إلاَّ التوبة، كما صرَّح به القرآن والحديث، ثم أخذ في تأويله بما يناسب اعتقاده إلى أن قال: والصحيح الذي قاله المحقِّقون أنَّ معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء والمراد نفي كماله. كما يقال “لا علم إلاَّ ما نفع، ولا مال إلاَّ ما فعل، ولا عيش إلاَّ عيش الآخرة" ... الخ. وهذا التأويل يئول إلى ما ذهب إليه المسلمون؛ لأنَّ مرادهم به ثبوت أصل الإيمان الذي هو التوحيد، لينتفي عنه الشرك وهو مذهب المسلمين، إلاَّ أنهم يطلقون عليه كفر النفاق.
ثم قال: وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: معناه ينزع عنه اسم المدح الذي سمى الله به أولياءه، فلا يقال في حقه: مؤمن، ويستحق اسم الذم. فيقال: سارق، وزان، وفاجر، وفاسق.
وعن ابن عباس: "ينزع منه نور الإيمان"، وفي حديث مرفوع عن المهلب “ينزع منه بصيرته في طاعة الله”.
وعن الزهري: "أنَّه من المشكل الذي نؤمن به كما جاء، ولا يتعرَّض لتأويله" إلى آخر ما أطال فيه مما لا يجري عن قواعد المذهب. والله أعلم. (4/223)
صفحة 1445
الباب الثاني (4/224)
صفحة 1446
الحُجَّة على من قال (إن الإيمان قول بلا عمل)
يعني وهم المرجئة ومن قال بقولهم بآخرة الأمر.
قال أبو سهل رحمه الله ثم نجمت فرقة قاربت المرجئة في مذهبهم، واستأنست إلى زخرف قولهم وتزيين باطلهم إلا أنها خالفتهم في بعض القول في بدء الأمر في الإيمان إنه قول وعمل. ثم خالفوا في وجه آخر، وقالوا: من أتى بالقول وضيّع العمل فهو مسلم مذنب وأثبتوا له اسم الإيمان اتفقت هي والمرجئة في المعنى واختلفوا في اللفظ ... الخ
قال الربيع بن حبيب بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لعن الله المرجئة اللسان سبعين نبيا قيل وما المرجئة يا رسول الله؟ قال الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل).
قوله: «لعن الله المرجئة على لسان سبعين نبيا قبلي».
لفظ الحديث في الجامع: "لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا" وفي توحيد أبي سهل رحمه الله روايتان.
إحداهما: في القدرية والمرجئة جميعا، والثانية: في المرجئة فقط كرواية المصنف حيث قال: أوَّلا في القدرية "فنازعوا الله في خلقه " وتعالى الله عما يشركون فحسبهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القدرية مجوس هذه الأمة لادعائهم إلهين اثنين، المرجئة يهود هذه الأمة لادعائهم الخروج من النار ". (4/225)
صفحة 1447
قال الله عز وجل حكاية عن اليهود: {وَقَالُواْ: لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلآَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} [سورة النساء:80] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طائفتان من أمتي لا تنالهما شفاعتي وهما ملعونتان على لسان سبعين نبيا القدرية والمرجئة".
واتفقت الأمة على أن الله صادق في وعده ووعيده، وأنه لا يبدل القول لديه، وأنه لا يخلف الميعاد فنقض ذلك المرجئةُ والمالكيةُ ومن قال بقولهم فأجازوا الخلف في وعيد الله ... إلى آخر ما أطال فيه وفي الرد عليهم، ثم قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لعنت المرجئة على لسان سبعين نبيا ... "الخ قوله: «قيل وما المرجئة يا رسول الله؟ قال الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل» قال أبوسهل –رحمه الله-بعده: فأكذبهم القرآن وسنة الرسول عليه السلام قال الله عزّ وجل: {إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمُ, ءَاياتُهُ زَادَتْهُمُ, إِيمَانًا وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [سورة الأنفال:02] و إنما من حروف الحصر شرط مقرونة بالإيمان مخصوصة بعمل الآية.
وقال: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُومِنُونَ حَقًّا} وغيرهم المؤمنون كذبا وباطلا. ثم ذكر لتسميتهم "مرجئة" سببا آخر حيث قال: وسموا مرجئة لإرجائهم أهل الكبائر فمِن قائل منهم: لا يدخلون النار البتة، ومن قائل يقول: يدخلونها فيعذبون فيها على قدرأعمالهم ثم يخرجون فيخلدون في الجنة فردوا على الله في حكم التنزيل، وضلوا عن سواء السبيل بسوء التأويل، إلى آخر ما أطال في الرد عليهم.
ثم قال: وزعموا أن من قال لا إله إلا الله فهو من أهل الجنة وأنه مأموربه وما سواه ليس بإيمان.
وزعموا أن جميع ما أمر الله به من طاعته أنه ليس بإيمان وأن جميع ما توعد به عليه ليس بكفر فحلّوا عرى الإسلام، وأبطلوا فائدة الحلال والحرام، وأرضوا الله عز وجل بقول: "لا إله إلا الله" ولو طمسوه بالآثام وأوهنوا دعوة الأنبياء عليهم السلام. (4/226)
صفحة 1448
فائدة: قول الله عز وجل ,: {ألَمّ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُّتْرَكُوا أَنْ يَّقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} ثم قال: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [سورة العنكبوت:1 - 4] ألا فمن لم يصدق فعله قوله فهو كاذب. وللمرجئة في الإيمان ثلاثة مذاهب ... الخ.
ثم قال: وقال أهل العدل: الإيمان معرفة بالجنان وإقرار باللسان والعمل بالأركان إلى آخر ما استدل به.
وقيل: سميت المرجئة لإرجائهم عليَّا ولم يعدُّوه رابعا من الخلفاء، وسبب هذه التسمية يقتضي عدم دخول القوم فيهم، فالأولى في سبب التسمية ما ورد به الحديث فهو شامل له بآخرة الأمر.
وأما على القول بأنهم سموا مرجئة لإرجائهم أهل الكبائر فلم يقطعوا فيهم قطعا فهو شامل لهم ابتداء. والله أعلم.
قوله: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه إذ أتاه آتٍ ... » الخ لفظه في القواعد «أن جبريل عليه السلام أتى النبيء صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي وهو لا يعرفه فقال: يا محمد ما الإيمان؟. .. » الخ فزاد على رواية المصنف بعد تمام الكلام على الإسلام ما نصه: " فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم قال: صدقت. قال: فما الإحسان؟ قال عليه السلام أن تعمل لله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال: صدقت. . . الحديث. فلما انصرف من عند النبيء صلى الله عليه وسلم قال: عليّ بالرجل، فقام أصحابه في كل وجه ثم ناداهم أن هلموا فإنه جبريل عليه السلام جاءكم ليعلمكم أمر دينكم" ولفظه في البخاري: " كان النبيء صلى الله عليه وسلم بارزا للناس فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ فقال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالبعث قال: ما الإسلام؟ قال أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا؟ وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال: متى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل وسأخبرك بأشراطها: إذا ولدت الأمة ربَّتها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا النبيء (4/227)
صفحة 1449
صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [سورة لقمان:34] ثم أدبر فقال: ردوه، فلم يروا شيئا فقال: إن هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم".
ولفظه في الأربعين النووية عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:" بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس للنبيء صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه قال: فأخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال: فأخبرني عن الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال: أخبرني عن أمارتها قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاء يتطاولون في البنيان ثم انطلق فلبث مليا ثم قال يا عمر: أتدري من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم قال: فإنه جبر يل أتاكم، يعلمكم دينكم" رواه مسلم.
قال الفاكهاني: في شرح الأربعين هذا متفق على عِظم موقعه وجلالته يكاد أن يكون مدار الإسلام عليه.
وقال القاضي عياض: وهذا الحديث قد اشتمل على وظائف جميع العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفة الأعمال حتى أن علوم الشريعة كلّها راجعة إليه ومتشعبة منه.
قال القرطبي: فيصلح في هذا الحديث أن يقال فيه: إنه أمّ السّنَّة، كما سميت الفاتحة أمّ القرآن. . الخ.
واعلم أن كلام أصحابنا ـ رحمهم الله ـ يدل على أنهم اختلفوا في الدين والإسلام والإيمان. هل هي بالنظر إلى الشرع ألفاظ مختلفة المفهوم متحدة المقاصد، وهو (4/228)
صفحة 1450
الذي جزم به عمُّنا أحمد بن سعيد ـ رحمه الله ـ في شرح العقيدة، كما يعلم بالوقوف عليه وهو الذي يدل عليه جواب النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام في هذا الحديث، أو هي ألفاظ مترادفة لشيء واحد، وهي العبادة المعتبرة وهو الذي صرح به في السؤالات حيث قال: الإيمان والإسلام والدين معناها واحد واستدل لذلك بآيات فليراجع.
وهو الذي صرَّح به صاحب الوضع أيضا حيث قال: والدين لله تعالى هو الإسلام، وقال: أيضا والدين والإيمان والإسلام أسماء مختلفة لشيء واحد وهو طاعة الله. . الخ. وفي بعض كتب قومنا ما هو صريح في الاختلاف في ذلك عندهم أيضا، حيث قال: اختلفوا في الإسلام هل هو الإيمان أو غيره؟ وإن كان غيره فهل هو منفصل بوجه دونه أو يلازمه؟ فقيل: إنهما اسمان مترادفان على معنى واحد، وقيل: إنهما متباينان لا متلازمان، وقيل: إنهما شيئان ولكنهما مرتبطان. . الخ.
وذكر ابن حجر: أن المصنف، يعني البخاري، يرى أن الإسلام ـ لعله الإيمان ـ عبارة على معنى واحد، فلمَّا كان ظاهر سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام وجوابه يقتضي تغايرهما وأن الإيمان تصديق بأمور مخصوصة والإسلام إظهار أمور مخصوصة أراد أن يردّ ذلك بالتأويل إلى طريقته، إلى أن قال: مع ما دلَّت عليه الآية أن الإسلام هو الدين فاقتضى ذلك أن الإسلام والإيمان أمر واحد.
هذا محصّل كلامه. وذُكر عن المازني الجزمُ بترادفهما، وعن أحمد الجزمُ بتغايرهما، قال: ولكل من القولين أدلة متعارضة ... إلى آخر ما أطال فيه.
ثم قال: والذي يظهر من مجموع الأدلة أن لكل منهما حقيقة شرعية، كما أن لكل منهما حقيقة لغوية لكن كل منهما مستلزم للآخر. . الخ.
قوله: «فقال أدنو منك يا رسول الله إلى قوله: ما الإسلام؟» قال ابن حجر: فإن قيل كيف بدأ بالسؤال قبل السلام؟
--------------
أجيب بِأَنَّهُ يحتمل أن يكون مبالغة بالتعمية لأمره أو ليبين أن ذلك غير واجب أو سلم فلم ينقله الراوي. قال: قلت: وهذا الثالث المعتمد. فقد ثبت في رواية أبي فروة ففيها بعد قوله:"كأنّ ثيابه لم يمسها دنس حَتَّى سلم من طرف (4/229)
صفحة 1451
البساط فقال السلام عليك يا محَمَّد فرد عليه السلام فقال: أدنو يا محَمَّد؟ قال: أدن، فما زال يقول أدنو مرارا ويقول له: أدن " ونحوه في رواية عطاء .. الخ.
قوله «أن تؤمن بالله .. الخ» في بعض الروايات الإيمان أن تؤمن بالله. قال ابن حجر: يَدُلُّ الجواب على أَنَّهُ علم أَنَّهُ سأله عن مُتَعَلّقاته لا معنى لفظه، وإلا لكان الجواب: الإيمان التصديق .. الخ. أقول بل دل الجواب على أَنَّهُ علم أَنَّهُ سأله عن الإيمان الشرعي لا اللغوي. والله أعلم.
قال: وقال الكرماني: ليس هو تعريفا للشيء نفسه بل المراد من – المحدود الإيمان الشرعي ومن الحد الإيمان اللغوي. قال: قلت: والذي يظهرأنَّه إِنَّمَا أعاد لفظ الإيمان للاعتناء بشأنه تفخيما لأمره ومنه قوله تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [سورة يس:79] في جواب: {مَنْ يُّحْيِ الْعِظَامَ}.
قوله: «وملائكته» قال ابن حجر: والإيمان بالملائكة هو التصديق بوجودهم وأنَّهم كما وصفهم الله تعالى: {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} وقدم الملائكة على الكتب والرسل نظرا للترتيب الواقع لأَنَّهُ سبحانه وتعالى أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول وليس فيه متمسك لمن فضل الملك على الرسول.
قوله: «وكتبه» قال ابن حجر: والإيمان بكتب الله التصديق بِأَنَّهَا كلام الله؛ وأن ما تضمنته حق.
قوله: «ورسله» وفي حديث أنس وابن عباس: والملائكةِ والكتابِ والنبيين. وكل من السياقين في القرآن في البقرة، والتعبير بالنبيين يشمل الرسل من غير عكس، والإيمان بالرسل التصديق بِأَنَّهُم صادقون فيما أخبروا به عن الله. ودلّ الإجمال في الملائكة والكتب والرسل على الاكتفاء بذلك في الإيمان بهم من غير تفصيل إِلاَّ من ثبت تسميته فيجب الإيمان به على التعيين.
أقول: والذي يجب تعيينه عندنا آدم ومحمد عليهما السلام وجبريل والقرآن والباقي حَتَّى تقوم الحجة بتعيين الشَّيْء منه كما هو معلوم. (4/230)
صفحة 1452
قوله: «واليوم الآخر» قال ابن حجر: قيل له ذلك لأَنَّهُ آخر أيام الدنيا وآخر الأزمنة المحدودة. والمراد بالإيمان به التصديق بما يقع فيه من الحساب والميزان والجنة والنار و قد وقع التصريح بذكر الأربعة بعد ذكر البعث في رواية سليمان التَّيْمي في حديث ابن عباس أيضا .. الخ.
قوله: «والقدر خيره وشره أَنَّهُ من الله» قال ابن حجر: بعد كلام على قوله:"وتؤمن" على رواية من رواه "وتؤمن بالبعث وتؤمن بالقدر" ما نصه: وهكذا الحكمة في إعادة لفظ وتؤمن عند ذكر القدر كأنها إشارة إلى ما يقع فيه من الاختلاف فحصل الاهتمام بشأنه بإعادة "تؤمن" ثُمَّ قدره بالإبدال بقوله: "خيرُه وشرُه وحلوُه ومرُّه " ثُمَّ زاد تأكيدا بقوله في الرواية الأخيرة: "من الله ".
والقدر مصدر تقول: قدَرت الشَّيْء – بتخفيف الدال وفتحها – أقدره بالكسر والفتح قدرا وقدرا؛ إذا أحطت بمقداره، والمراد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء و أزمانها قبل إيجادها ثُمَّ أوجد ما سبق في علمه أَنَّهُ يوجد، فكل محدَث صادر عن علمه وقدرته وإرادته. هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة.
وقد روي مسلم القصة في ذلك – إلى أن قال – قال: أوّل من قال بالقدر بالبصرة معبد الجهنى قال: فانطلقت أنا وحميد الحميري فذكر اجتماعهما بعبد الله بن عمر وأنَّه سأله عن ذلك فاخبره بِأَنَّهُ بريء ممن يقول ذلك، وأن الله لا يقبل ممَّن لم يؤمن بالقدر عملا.
وقد حكى المصنفون في المقالات عن طوائف من القدر إنكار كون الباري عالما بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم وَإِنَّمَا يعلمها بعد كونها. قال القرطبي وغيره: قد انقرض هذا المذهب ولا نعرف أحدا ينسب إليه من المتأخرين. قال: والقدرية اليوم مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها؛ وإن ما خالفوا السلف في زعمهم أن أفعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال. (4/231)
صفحة 1453
وهو مع كونه مذهبا باطلا أخف من المذهب الأَوَّل.
وَأَمَّا المتأخرون منهم فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد فرارا من تعلق القديم بالمحدث وهم مخصوصون بما قال الشافعي: إن سلم القدري العلم خصم، يعني يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم؟ فإن منع وافق قول أهل السنة؛ وإن أجاز لزمه نسبة الجهل تعالى الله عن ذلك.
قال:"تنبيه" ظاهر السياق يقتضي أن الإيمان لا يطلق إلا على من صدق بجميع ما ذكره.
وقد اكتفى الفقهاء بإطلاق الإيمان على من آمن بالله ورسله ولا اختلاف أن الإيمان برسول الله المراد به الإيمان بوجوده وبما جاء به عن ربه، فيدخل جميع ما ذكر تحت ذلك والله أعلم.
أقول: بل لابد من الإيمان بجميع ذلك عند الجمهور من أصحابنا رجمهم الله، ولابد من التصريح بأن ما جاء به حق من عند الله.
قوله: «ما الإسلام يا رسول الله؟ قال: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ... » الخ هذه الرواية غير موافقة لشيء من الروايات المذكورة في القواعد وغيرها فَإِنَّهَا لم يذكر فيها التوحيد من الإسلام مع أَنَّهُ لابد منه لقوله عليه الصلاة و السلام في حديث آخر:"بني الإسلام على خمس على أن يوحد الله تعالى و إقام الصلاة .. الحديث " فبدأ بالتوحيد كما بدأ به في جميع روايات هذا الحديث، ولفظه في القواعد "فما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إِلاَّ الله وحده وأن محمدا عبده ورسوله وتقيم الصلاة .. " الخ. و انظر ما الحكمة في ترك المصنف ذلك مع ثبوته في جميع الروايات، ولعلّه لم يثبت عنده رحمه الله. ويؤخذ منه أن الإسلام غير الإيمان؛ فإن الإسلام على هذا مُتَعَلِّق بأعمال الجوارح والإيمان مُتَعَلِّق بالتصديق القلبي. والله أعلم.
ثُمَّ رأيت في شرح ابن حجر: ما يَدُلُّ على هذا حيث قال في جواب قوله: "ما الإسلام؟ قال: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا" ما نصه. (4/232)
صفحة 1454
قال النووي: يحتمل أن يكون المراد بالعبادة معرفة الله فيكون عطف الصلاة وغيرها عليهما لإدخالها في الإسلام. ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقا فيدخل فيه جميع الوظائف، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها من عطف الخاص على العام. قال ابن حجر: قلت: أَمَّا الاحتمال الأَوَّل فبعيد لأن المعرفة من تعلقات الإيمان، وَأَمَّا الإسلام فهو أعمال قولية وبدنية وقد عبر في حديث عمر هنا بقوله: "أن تشهد أن لا إله إِلاَّ الله وأن محمدا رسول الله " فدل على أن المراد بالعبادة في حديث الباب النطق بالشهادتين. وبهذا يتبين دفع الاحتمال الثاني ... الخ، يعني فيكون حينئذ من عطف المغاير لا من عطف الخاص على العام، فعلى كلامه يكون النطق بالشهادتين من الإسلام لا من الإيمان لتعلقه بما في القلب. والله أعلم. قال: وليس المراد بمخاطبته بالإفراد اختصاصه بذلك؛ بل المراد تعليم السامعين الحكم في حقهم وحق من أشبههم من المكلفين، وقد تبين ذلك بقوله في آخره:"يعلّم الناس دينهم .. الخ ". وتكلم على بقية الحديث التي لم يوردها المصنف بما يطول ذكره ولعله تركها – رحمه الله – لعدم تعلقها بالترجمة والله أعلم.
قوله: «سأل رجل أبا ذر ما الإيمان؟ فتلا عليه .. الخ» الجواب بهذه الآية يدل على ترادف البر والإيمان، والمعنى: ليس الإيمان أن تصلوا فقط ولا تفعلوا خيرا غير الصلاة كما ذكره في القواعد.
قوله: «الصبر والسماحة» هذا الحديث يَدُلُّ على أن الصبر نصف الإيمان كما ورد في حديث آخر " الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله ". وفي حديث آخر " الصبر والاحتساب أفضل من عتق الرقاب ويدخل الله صاحبهنّ الجَنَّةَ بغير حساب" ذكر ذلك في الجامع. قال شارحه: قال شيخنا في الدرّ: أراد به الورع إذ العبادة قسمان نسك و ورع، فالنسك ما أمرت به الشريعة، والورع ما نهت عنه، وَإِنَّمَا ينتهي عنه بالصبر، فكان نصف الإيمان. (4/233)
صفحة 1455
أقول: فعلى هذا يكون المراد بالسماحة أداء المأمور به، والصبر ترك ما نهى عنه. والله أعلم.
قوله: «فقال أحسنهم خلقا» لفظه في حديث آخر: " ألا أخبركم بأحبّكم إليّ وأقربكم مني منازل يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، الموطّؤون أكنافا الذين يألَفون ويُؤلَفُون" ذكره في كتب النحو في أفعل التفضيل إذا أضيف إلى معرفة فَإِنَّهُ يجوز فيه الوجهان: المطابقة وعدمها، والشاهد فيه حيث – أفرد في "أحبكم" و "أقربكم" وطابق في "أحاسنكم".
قوله: «الإيمان مائة جزء ... » الخ، الرواية في الجامع " الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إِلاَّ الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق، والحياء شعبة من الإيمان". وفي شرح العقيدة: "الإسلام نيف وستون جزءا ... " الخ. ولعله لا منافاة، لأن مفهوم العدد لا يفيد الحصر، أو يقال: إن ذلك بحسب الاعتبار، فإنَّه يختلف. والله أعلم. قال العلقمي في قوله: "بضع وسبعون شعبة" مانصه في البخاري: "بضع وستون" وعند أصحاب السنن:"بضع وسبعون من غير شك " وعن أبي عوانة:" بضع وستون أو بضع وسبعون " ورجح قوم رواية "وستون " لأَنَّهَا المتيقن وما عداه مشكوك فيه، ورجح آخرون الأخرى لأَنَّهَا زيادة ثقة. وتُعقِّب بأن الذي زادها لم يستمر على الجزم بها لا سيما مع اتحاد المخرج. وعند الترمذي:"أربع وستون" من طريق معلولة إلى أن قال: البِضع – بكسر الباء وفتحها – هو عدد مبهم يفيد بما بين الثلاث إلى التسع، هذا هو الأشهر إلى أن قال. قال القاضي عياض: وقد تكلف جماعة عدها بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة. قال ابن حجر: ولم يَتَّفِقُ من عد الشُّعَب على نمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان فَإِنَّهُ عدَّ كل طاعة عدَّها الله في كتابه أو النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في سنته من الإيمان. (4/234)
صفحة 1456
قال ابن حجر: وقد رأيتها تتفرع عن أعمال القلب وأعمال اللسان وأعمال البدن.
فأعمال القلب فيها المعتقدات والنيات وتشتمل على أربعة وعشرين خصلة: الإيمان بالله: يدخل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده وبأن ليس كمثله شيء، واعتقاد حدوث ما دونه والإيمان بملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره والإيمان بالله واليوم الآخر: ويدخل فيه المساءلة في القبر والبعث والنشور والحساب والميزان والصراط والجنة والنار ومحبة الله والحب والبغض فيه ومحبة النبي صلّى الله عليه وسلّم، واعتقاد تعظيمه: ويدخل فيه الصلاة عليه، واتباع سنته، والإخلاصُ: ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق والتوبة والخوف والرجاء والشكر والوفاء والصبر والرضى بالقضاء والتوكل والرحمة والتواضع: ويدخل فيه توقير الكبير ورحمة الصغير وترك الكبر والعجب وترك الحسد وترك الحقد وترك الغضب.
وأعمال اللسان تشتمل على سبع خصال: التلفظ بالتوحيد وتلاوة القرآن وتعلم العلم وتعليمه والدعاء: ويدخل فيه الاستغفار، واجتناب اللغو.
وأعمال البدن تشتمل على ثمان وثلاثين خصلة: منها ما يختص بالأعيان وهي خمس عشرة: التطهر حسًّا وحكما، ويدخل فيه: اجتناب النجاسات وستر العورة والصلاة فرضا ونفلا، والزكاة كذلك وفكّ الرقاب، والجود: ويدخل فيه إطعام الطعام وإكرام الضيف، والصيام فرضا ونفلا، والحج والعمرة كذلك والطواف والاعتكاف والتماس ليلة القدر، والفرار بالدين: ويدخل فيه الهجرة من دار الكفر، والوفاء بالنذر والتحري في الأيمان وأداء الكفارات.
ومنها ما يَتَعَلَّق بالاتباع وهي ست خصال: التعفف بالنكاح والقيام بحقوق العيال و برّ الوالدين: ومنه اجتناب العقوق وتربية الأولاد وصلة الرحم وطاعة السادة والرفق بالعبيد.
ومنها ما يَتَعَلَّق بالعامة وهي سبع عشرة: القيام بالإمرة مع العدل ومتابعة الجماعة وطاعة أولي الأمر و الإصلاح بين الناس. ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة والمعاونة على البر: ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة (4/235)
صفحة 1457
الحدود و الجهاد ومنه المرابطة وأداء الأمانة. ومنه أداء الخمس و القرض مع وفائه وإكرام الجار وحسن المعاملة. ومنه جمع المال من حله وإنفاق المال في حقه: وفيه ترك التبذير والإسراف ورد السلام وتشميت العاطس وكف الضرر عن الناس واجتناب الهوى وإماطة الأذى عن الطريق. فهذه تسع وستون خصلة ويمكن عدها تسع وسبعون خصلة باعتبار ما ضمّ بعضه إلى بعض.
وكتب على قوله:" الحياء" مانصه: (بالمد) وهو في اللغة تغير وانكسار يعترى الإنسان من خوف ما يعاب به. وفي الشرع خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. وَإِنَّمَا أفرده بالذكر لأنَّه كالداعي إلى بقية الشعب، إذ المستحي. يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فيأتمر و ينزجر.
قوله: «وأدناها» قال العلقمي: قال شيخنا قال القرطببي: أي أقربها منزلة وأدناها مقدارا، من الدنو بمعنى القرب، يقال: فلان داني القدر وقريب المنزلة بمعنى الرفيع العالي، ولذلك استعمله في مقابلة الأعلى.
قوله: «إماطة الأذى عن الطريق» قال العلقمي: يقال أماط الشَّيْء عن الشَّيْء إذا أزاله عنه وأذهبه عنه. والأذى هنا اسم لما يؤذي الناس نحو الشوك والحجر. قال الراغب: هذا حديثٌ من تأمله وعرف حقيقته علم أن الإيمان بالواجب هو اثنان وسبعون درجة لا يصحّ أكثر منها ولا أقل ولا يوجد من الإيمان ما هو خارج عنها بوجه. إلى أن قال. وقال شيخنا: قال البيضاوي: وفي شرح المصابيح يحتمل أن المراد بقوله: بضع وسبعون التكثيرُ دون التعديد، كما في قوله: {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} [سورة التوبة:80] واستعمال لفظ السبعة وسبعين للتكثير كثير. ويحتمل أن يكون المراد تعداد الخصال وحصرها فيقال: إن شعب الإيمان؛ وإن كانت متعددة إِلاَّ أن حاصلها يرجع إلى أصل واحد وهو تكميل النفس على (4/236)
صفحة 1458
وجه يصلح معاشه ويحسن معاده، وذلك أن يعتقد ويستقيم في العمل، وإليه أشار صلّى الله عليه وسلّم حين قال لسفيان حين سأله عن الإسلام قولا جامعا: "قل آمنت بالله واستقم ".
قوله: «ضرب بيده على صدره وقال: الإيمان ها هنا» ليس في هذا الحديث ولا في الذي بعده ما يدل على أن العمل من الإيمان، بل المراد ا منه أن من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه فهو كافر لأن الإيمان لابد فيه من الإقرار باللسان والمعرفة بالقلب، وأما جعل عمل الجوارح من الإيمان فمن غير هذين الحديثين كما هو ظاهر.
قوله: «تَدُلُّ على الإيمان أَنَّهُ قول وعمل» المناسب أن يزيد "واعتقاد". كما دلّ عليه هذان الحديثان ولعله تركه لوضوحه. والله أعلم. (4/237)
صفحة 1459
الحجة على من لا يرى الصلاة على موتى أهل القبلة ولا يرى الصلاة خلف كل بارّ و فاجر (4/238)
صفحة 1460
[صفحة بيضاء] (4/239)
صفحة 1461
الحجة على من لا يرى الصلاة على موتى أهل القبلة ولا يرى الصلاة خلف كل بارّ و فاجر من كتاب الترتيب.
أقول: لعل المراد هنا بموتى أهل القبلة الذين لا يصلَّى عليهم؛ المنافقون أهل الكبائر، بدليل ما ذكره صاحب القواعد ـ رحمه الله ـ حيث قال بعد ما ذكر أن الصلاة واجبة على الموتى المقرين بالله ورسوله ما نصه: من العلماء من لم يجز الصلاة على أهل النفاق وأهل الكبائر وأهل البغي والبدع. واختلفوا فيمن قتل في حد أو قتل نفسه وولد الزنى. واختلفوا في الصلاة على الشهداء المقتولين في المعركة. واحتج من منع الصلاة على أهل النفاق بقوله تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا} [سورة التوبة:84] وَأَمَّا أهل البدع فلاختلافهم في تكفيرهم .. الخ، ويحتمل أن يكون المراد: لا يرى الصلاة واجبة على موتى أهل القبلة مطلقا، بل يراها نافلة. وَيَدُلُّ له كلام صاحب الإيضاح رحمه الله حيث قال بعد أن ذكر أنَّها واجبة وأنَّهم إن تركوها من غير عذر هلكوا ما نصه: ومن العلماء من رخص أن لا يهلكوا بترك الصلاة على الميت وجعلها نافلة. والصحيح هو القول الأَوَّل إِلاَّ ما خصت السنة من الأموات. (4/240)
صفحة 1462
وقد جاء الأثر عن المسلمين ... الخ، فذكر الأقلفَ البالغَ، ومن قتل نفسه عمدا أومن ألقى نفسه في الحريق، والمرجوم بلا توبة والطاعن في دين المسلمين وقطّاع الطرق ثُمَّ قال: وفي أثر أصحابنا النفوسيين خمسة أجناس من الناس لا يسلّم عليهم ولا يطعمون ولا يسقون ولا يصلى عليهم إذا ماتوا: قاتل النفس التي حرم الله، ومانع حق المسلمين، ومن قعد على فراش حرام، وعبد أبق لمولاه، والمرأة العاصية لزوجها، إلى أن قال: والأصل في هذا قوله تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [سورة التوبة:84] نزلت في المنافقين، ونهى النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يصلّى عليهم لأَنَّهُم كفروا بالله وبرسوله وماتوا وهم فاسقون.
قوله: «الصلاة جائزة خلف كل بارّ وفاجر ... » الحديث لفظه في الجامع: "صلّوا خلف كلّ بارٍّ وفاجرٍ وصلّوا على كلّ بارٍّ وفاجر، وجاهدوا مع كلّ بارٍّ وفاجر" واعلم أن الناس اختلفوا في الصلاة خلف الفاسق. والذي اختاره صاحب الإيضاح رحمه الله التفرقة بين الفاسق بالاعتقاد والفاسق بالجارحة، فأجازها خلف الأَوَّل دون الثاني، حيث قال: وَأَمَّا المخالف فتجوز الصلاة خلفه ما لم يُدخل فيها ما يفسدها، وذلك عندي إذا كان تجوز عنده أشياء لا تجوز الصلاة بها عند المسلمين .. الخ. واستدل رحمه الله على ذلك بقوله صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ: " أطع كل أمير وصلّ خلف كل إمام " وبصلاة بعض الصحابة خلف مروان بن الحكم قال. وكان ابن عباس وجابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم والربيع بن حبيب يصلون معهم الجمعة وغيرها ماصلوها لوقتها يرون ذلك عليهم حقا واجبا وفرضا لازما لما جاء فى ذلك من الأحاديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. والله أعلم. أقول: لعل المراد بالمخالف الذي تجوز الصلاة خلفه الذي يكون ورعا في دينه بدليل أن الفاسق من أهل الدعوة لا يصلّى خلفه، فالمخالف الفاسق من باب أولى. قال رحمه الله: وَأَمَّا المنافق من أهل الدعوة فلا تجوز الصلاة خلفه كما لا تجوز (4/241)
صفحة 1463
شهادته لأَنَّهُ متهم أن يصلِّي بما لا يجوز أو ينقض شيئا من شروطها كما أَنَّهُ متهم في الشهادة أن يشهد كما لا يجوز، فكانت شهادته غير مقبولة وكذلك صلاته على هذا الحال. والعبد إذا كان لا يقلد في دنياه إِلاَّ أهل العدالة فأولى به أن لا يقلد في صلاته إِلاَّ الثقات. إلى أن قال:" وقال بعضهم بجواز الصلاة خلف المنافق إذا قدمه غيرك. إلى أن قال:" ومع ذلك إن أخطأ في صلاته أو بدّل فيها فأخاف لمن قال له: "تقدم يافلان" أن يحمل أوزارَ الناس فمن أدرك زمانا هكذا حال أهله فينبغي للمسلم أن يسعه الصمت؛ فإن صلى الناس صلاة حسنة فقد صلى معهم، وإن لم يصلوا صلاة حسنة أعاد صلاته.
والله أعلم. وقد أجاز بعض المرخصين، وهو عندي قول ضعيف، أن يقدم فق من أهل الدعوة في الصلاة ... الخ. أقول: رأيت في الضياء ما هو صريح في هذا حيث قال: مسألة، أقول ويؤخذ من قوله: "أعاد صلاته" جواز الإقدام على صلاة غير مجزية في اعتقاده مع نيّته إعادتها كالصلاة خلف مخالفينا في هذا الزمان، فإنَّهم يحدثون فيها ما يفسدها عند المسلمين فيصلّي معهم ويعيد. قال العلقمي في شرح قوله صلّى الله عليه وسلّم: "صلوا خلف كل بارّ وفاجر" ما نصه: إن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج وكفى به فاسقا. وقال الماوردي من أصحابنا: يمنع الفاسق من الإمامة إِلاَّ أن تخشى الفتنة ولا يجوز للإمام ونحوه توليته، وإِنَّمَا صححنا القدوة به لصحة صلاته في نفسه. وقال القفال: تكره القدوة بالروافض والمبتدعة والخوارج. وقال مالك: الفاسق بغير تأويل لا تجوز الصلاة خلفه، ولذلك انقطع عن شهود الجمعة والجماعات، وكان يقول: للناس أعذار، فسئل عن ذلك فقال: "ما كلّ ما يعلم يقال". وذكر الشيخ إسماعيل رحمه الله في الفاسق ثلاثة أقوال ولم يذكر ما هو المذهب صريحا ولم ينسب كل قول لصاحبه كما هو عادته حيث قال: (4/242)
صفحة 1464
واختلفوا في إمامة الفاسق فردها قوم بإطلاق، وأجازها آخرون بإطلاق، وفرّق قوم بين الفاسق المتأوّل وغيره. وسبب الخلاف أَنَّهَا مسألة مسكوت عنها في الشرع، والقياس لَها معارض. فمن حمل عموم قوله عليه السلام: "صلوا خلف كل بارّ و فاجر" وقوله: "يؤمّ القوم أقرؤهم" أجاز الصلاة خلفه بإطلاق، ومن قاس الصلاة على الشهادة فاتهمه في فساد الصلاة كمَا اتهم في الشهادة ردّها بإطلاق ... الخ، ولم يذكر حجة من فرق بين الفاسق المتأول وغيره. والذي مشى عليه صاحب الإيضاح رحمه الله هو هذا القول حيث قال: وَأَمَّا المخالف فَإِنَّهُ تجوز الصلاة خلفه ما لم يدخل فيها ما يفسدها .. الخ.
وَيَدُلُّ لهذا القيد أيضا قول صاحب القواعد رحمه الله: وقال أصحابنا لا تجوز الصلاة خلف من علِمته يقنت في الصلاة. قالوا: ومن صلى خلفه وهو غير عالم به فلا بأس بصلاته. وقال أصحابنا: الصلاة خلف من لا ولاية له صلاة واحدة. وقال أيضا في محل آخر: ولم يجز أصحابنا الصلاة خلف من يقنت فيها أو يقول: "ولا الضالين آمين" لأنَّها من كلام الآدميين. والله أعلم. فكلاهما رحمهما الله صريح في جواز الصلاة خلف الفاسق المتأول الذي لم يحدث فيها، أَمَّا الفاسق بالجارحة فكلام صاحب القواعد صريح في جوازها خلفه أيضا إِلاَّ أَنَّهُ لا فضل فيها. والمختار عند صاحب الإيضاح أَنَّهَا لا تجوز- كما تقدم - حيث قاسها على الشهادة، وَلَكِنَّهُ مخالف لظاهر حديث الباب ولِنَصّ أصحابنا حيث قالوا: الصلاة خلف من لا ولاية له صلاة واحدة والله أعلم.
قوله: «صلوا على كل بارٍّ وفاجر» يعني من أهل القبلة، وترك التقييد للعلم به وغيَّر الأسلوب للإشارة إِلاَّ أن الأُولى جائزة والثانية واجبة. ولكن خَصَّ أصحابنا من ذلك أجناسا كما تقدم عن الإيضاح. (4/243)
صفحة 1465
وذكر الشيخ إسماعيل رحمه الله بعضها و استشكله حيث قال: وخصّ أصحابنا بالمنع من الصلاة على مانع الحق والآبق والمرأة العاصية والباغي والقاعد على الفراش الحرام، فلا أدري بأي حجة احتجوا، ولا بأيّ دليل استدلوا!. ومن العلماء من لم يجز الصلاة على أهل النفاق ... إلى آخر ما تقدم. ثُمَّ قال: والذي عندي أن النبي عليه السلام أمر بالصلاة على أهل القبلة ولم يستثن منهم أحدا برا كان أو فاجرا. و ذكر في بعض كتب قومنا أن الحسن البصري صلّى على الحجاج فقيل: له أتصلّي على الحجاج؟ فقال استحييت من الله عزّ وجل أن أستعظم ذنوب الحجاج في جنب عفو الله تعالى. والله أعلم.
قوله: «فمن تركها فقد كفر» يعني والله أعلم إِلاَّ لدليل يجب التسليم له، كما استدلّ أصحابنا على ترك الصلاة على من ذكر بقوله تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} على ما ذكره صاحب الإيضاح رحمه الله كما تقدم. والله أعلم.
قوله: «رحم الله من سكت فسلم أو قال فغنم» وذكر في الجامع رواياتٍ منها: "رحم الله امرأ تكلم فغنم أو سكت فسلم " ومنها: "رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت عن سوء فسلِم " ولم يكتب عليه شارحه شيئا.
قوله: «لا تكن طعَّانا ولا لعانا» الحديث لم أظفر به في الجامع ولا في البخاري، وَإِنَّمَا ذكر حديثا آخر لفظه: "لم يكن النبي سبّابا ولا فحّاشا ولا لعّانا، كان يقول لأحدنا عند المعتِبة: ماله ترب جبينه؟ " أقول: المراد النهي عن التكثير من ذلك كما تَدُلُّ عليه صيغة فَعَّال، ولَكِنَّهُ صلّى الله عليه وسلّم لعن كثيرا من العصاة، ولأن البراءة هي إيجاب الشتم واللعن للكافرين لكن " ليس الشتم بعبادة " والله أعلم. (4/244)
صفحة 1466
قال ابن حجر: في المَعتَبة (بفتح الميم وسكون المهملة وكسرالمثناة، بجوزفتحها بعدها موحدة) وهي مصدر: عتب عليه يعتب عتبا وعتابا و معتبة و معاتبة. قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجودة. وقال في قوله: "ترب جبينه " قال الخطابي يحتمل أن يكون المعنى خرّ لِوجهه فأصاب التراب جبينه، ويحتمل أن يكون دعا له بالعبادة كأن يصلي فيترب جبينه. والأوَّل أشبه لأن الجبين لا يصلَّى عليه. قال ثعلب: الجبينان مكتنفان الجبهة، ومنه قوله تعالى: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [سورة الصافات:103] أي ألقاه على جبينه. قال ابن حجر: قلت: وأيضا فالثاني بعيد جدا لأن هذه الكلمة استعملها العرب قبل أن يعرفوا وضع الجبهة بالأرض في الصلاة. وقال الداودي: قوله: "ترب جبينه" كلمة تقولها العرب جرت على ألسنتهم من التراب أي يسقط جبينه للأرض وهو كقولهم: "رغم أنفه" ولكن لا يراد معنى قوله:"ترب جبينه" بل هو نظير ما تقدم في قوله: "تربت يمينك" أَنَّهَا كلمة تجري على اللسان ولا يراد حقيقتها.
قوله: «ستكون بعدي أئمّة لا يستنّون بسنتي ولا يهتدون بهداي ... » الخ. لم أظفر أيضا بهذا الحديث في الجامع ولا في البخاري، ولكن ذكر في الجامع من هذا القبيل أحاديث متعددة منها: "ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره برئ، ومن أنكر سَلِم، ولكن من رضي وتابع " ومنها: "ستكون أمراء تشغلهم الأشياء يؤخرون الصلاة عن وقتها فاجعلوا صلاتكم معهم تطوعا". ومنها: "ستكون بعدي أَئِمَّة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها صلوها لوقتها فإذا حضرتم معهم الصلاة فصلوا". ومنها: " ستكون عليكم أمراء من بعدي يأمرونكم بما لا تعرفون ويعملون بما تنكرون فليس أولئك بأئمة". (4/245)
صفحة 1467
ومنها: "ستكون أَئِمَّة من بعدي يقولون فلا يردّ عليهم قولهم، و يتقاحمون في النار كما تقاحم القردة". أي يقعون في النار. ومنها: "ستكون عليكم أَئِمَّة يملكون أرزاقكم يحدثونكم فيكذبونكم ويعملون فيسيئون العمل لا يرضون منكم حَتَّى تحسِّنوا قبيحهم وتصدقوا كذبهم فأعطوهم الحق ما رضوا به، فإذا تجاوزوا فمن قتل على ذلك فهو شهيد". وكتب العلقمي على الحديث الأَوَّل ما نصه: وتمامه "قالوا أفلا نقاتلهم يا رسوا الله؟ قال: لا، ما صلّوا ". قال النووي: هذا الحديث فيه معجزة ظاهرة بالإخبار بالمستقبل وقد وقع ذلك كما أخبر صلّى الله عليه وسلّم. وَأَمَّا قوله صلّى الله عليه وسلّم: "فمن كره برئ" ومعناه: من كره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولا بلسانه فليكرهه بقلبه ولبرأ إلى أن قال.
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ولكن من رضي وتابع» معناه ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع. وفيه دليل أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرّد السكوت، بل إنما يأثم بالرضى به أو بأن لا يكرهه بقلبه أو بالمتابعة.
وأما قوله: «أفلا نقاتلهم قال: لا ما صلوا» ففيه أَنَّهُ لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرّد الظلم والفسق ما لم يغيروا شيئا من قواعد الإسلام. وقال ابن رسلان: قوله: "لا" ما صلوا الصلوات الخمس، أي: ما أقاموا فيهم الصلاة المعهودة بحدودها وأحكامها وأظهروا فعلها .. الخ. أقول: هذا التفسير المذكور عن النووي وابن رسلان هو الذي يشير إليه ظاهر رواية المصنف رحمه الله في بيان كيفية المخرج والله أعلم. وكلام صاحب القواعد رحمه الله يَدُلُّ على أَنَّهُ يجوز الخروج عليهم لمن له قدرة على ذلك كالشراة رحمة الله عليهم، وإن المكث تحتهم إِنَّمَا هو على الرخصة حيثما قال: "ومنهم من ضعف عن الجهاد فعاش تحت الظَّلَمة متمسِّكا بالتقيّة". (4/246)
صفحة 1468
والأصل في هذا ما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "قدّموا قريشا ولا تتقدموها وتعلموا منها ولا تعلموها وأطيعوهم ما أقاموا فيكم كتاب الله وسنتي، فإذا عصوهما فلا طاعة لهم عليكم ثُمَّ خذوا أسيافكم واجعلوها على عواتقكم واضربوهم بها حَتَّى يبدوا خضراءهم ـ أي سوادهم ومعظمهم ـ وإلا فعيشوا تحتهم حرّاثين فدّادين حَتَّى تلقوني بسوء الحال ... "الخ.
قوله: «لا يستنُّون بسنتي ولا يهتدون بهداي» السنة في اللغة الطريقة، وذكر في الصحاح أَنَّهَا السيرة وذكر أن الهدي: الرشاد والدلالة، والمعنى ظاهر إِلاَّ أنَّ يستنُّون مضارع استسنَّ، ولم يذكر في الصحاح هذه الصيغة ولا ما تصرف منها، فليراجَع غيره. والله أعلم.
قوله: «وقد أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بطاعة الأمير؛ وإن كان فاجرا» قال في الإيضاح في قوله صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ بن جبل: يا معاذ "أطع كل أمير وصلِّ خلف كل إمام" يعني والله أعلم: كلّ أمير في طاعة الله. يعني لَمَّا ورد من أَنَّهُ لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق فالمناسب لصاحب الإيضاح أن يقول في التقييد: أطع كلّ أمير فيما ليس فيه معصية الله فيشمل طاعته المباح إذا أمر به مثلا. والله أعلم.
قوله: «أيما أمير ظالم فهو خليع ... » الخ يعني إذا غير شيئا من قواعد الإسلام كما تقدم جمعا بين الأحاديث فلا إمامة له. والله أعلم.
قوله: «ليؤمَّكم خيارُكم فإنَّهم وفدكم إلى ربكم» لفظ الحديث في الإيضاح: " أئمتكم وفدكم إلى ربكم فانظروا من تَفِدون إلى ربكم " قال رحمه الله: وأعجب لأهل هذا الزمان كيف عملوا بخلاف هذا الحديث إِلاَّ من شاء الله ... الخ ما أطال فيه، فليراجع. والوفد جمع وافد وهو الرسول، قال في الصحاح: وفد فلان على الأمير إذا ورد رسولا، فهو وافد والجمع وفد مثل صاحب وصحب، وجمع الوفد أوفاد ووفود، والاسم الوفادة، وأوفدته أنا إلى الأمير أرسلته الخ. (4/247)
صفحة 1469
والمراد أنّ الأَئِمَّة رسل المأمومين إلى ربهم والوسائط بينهم وبين ربهم في قضاء حوائجهم، فينظرون من يرجون أن يقضي الله حوائجهم على يده، فلذلك يجب أو ينبغي أن يكون من أهل الولاية. والله أعلم.
قوله: «لا صلاة لإمام أمّ بقوم وهم له كارهون» لفظ الحديث في الإيضاح مغاير لهذا اللفظ وفيه زيادة كما ستراه حيث قال: وَإِنَّمَا ينبغي أن يقدِّم الإمامَ في الصلاة المؤذنُ أو الذي أقام الصلاة؛ وإن قدمه غيرُ هؤلاء فلا بأس. ولا ينبغي له أن يقدم هو نفسَه إِلاَّ إن كان ممن يستحق ذلك إن لم يكن معه من يقدمه أومن كان إمام المنزل الذي اتَّفَقُوا عليه لما روي أن سلمان الفارسي رحمه الله أقام الصلاة بقوم معه ثُمَّ قال: ليتقدم أحدكم فقالوا: سبحان الله يا أبا عبد الله ما كنا لنتقدم بك فقال: أكلكم راضٍ؟ قالوا: نعم، فَلَمَّا صلى أقبل عليهم بوجهه ثُمَّ قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "ثلاثة يقومون إلى الصلاة ولا تقبل صلاتهم: امرأة قامت وزوجها عليها غضبان والعبد الآبق ورجل صلى بقوم وهم له كارهون ... "الخ. ومثله في الجامع بروايتين إحداهما: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حَتَّى يرجع وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وإمام قوم وهُم له كارهون". والأخرى: "ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا: رجل أمَّ قوما وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان". قال شارحه في قوله: "لا تجاوز صلاتهم آذانهم" أي لا ترفع إلى السماء كما جاء في حديث ابن عباس عند ابن ماجة: "لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا " وهو كناية عن عدم القبول كما جاء في حديث ابن عباس عند الطبراني: "لا يقبل الله لهم صلاة". وقال في قوله: " رجل أمّ قوما وهم له كارهون" قال الدميري قال الشافعي والأصحاب: يكره أن يؤم الرجل قوما وأكثرهم له كارهون ولا يكره إذا كرهه الأقلّ، وكذا إذا كرهه نصفهم لا يكره، صرح به صاحب الإبانة. وإليه أشار البغوي وآخرون وهو مقتضى كلام الباقين، فإنَّهم خصوا الكراهة بالأكثرين.
قال أصحابنا: إِنَّمَا تكره إمامته إذا كرهوه لمعنى مذموم شرعا كوَالٍ ظالم، وكمتغلب على إمامة الصلاة ولا يستحقها أولا يحترز من النجاسات، أو لمحو هيئات (4/248)
صفحة 1470
الصلاة أو يتعاطى معيشة مذمومة أو يعاشر أهل الفسوق ونحوهم أو أشبه ذلك؛ فإن لم يكن شيء من ذلك فلا كراهة، و العتب على من كرهه. هكذا صرح به الخطابي والقاضي حسين والبغوي وغيرهم (وسواء نصبه السلطان أم لا، هذا هو الصحيح المشهور). وحيث قلنا بالكراهة فهي مختصة بالإمام، أَمَّا المأمومون الذين لا يكرهونه فلا تكره صلاتهم وراءه. كذا جزم به الشيخ أبو حامد إلى أن قال. وَأَمَّا المأموم إذا كره حضوره أهل المسجد فلا يكره له الحضور، نصّ عليه الشافعي والأصحاب لأَنَّهُم لا يرتبطون به. ويكره للإمام الأعظم أن يولّي على جيش أو قوم رجلا يكرهه أكثرهم، ولا يكره إن كرهه أقلُّهم. نصَّ عليه الشافعي إلى أن قال. ولو كرهه الأكثر لأمر غير مذموم شرعا فلا تكره له الإمامة كما تقدّم إلى أن قال: نعم، إن كانت الكراهة لمعنى يفسق به كالزنا وشرب الخمر كره له الإمامة وكره لغيره الاقتداء به. ولا معنى للفرق بين الأكثر وغيره إِلاَّ أن يخشى من الترك فتنة أو ضررا فلا يكره له الاقتداء، وعليه يحمل اقتداء السلف بالحجاج وأمثاله كما نبه عليه الأوزاعي. انتهى. وكتب على قوله: "وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط " ما نصه، قال الدميري: يجب على الزوجة طاعة زوجها فيما لا معصية فيه. قال: قلت وهذا يقتضي وجوب الطاعة في المباح وفيه نظر. قال: شيخنا قال: الظهري: هذا إذا كان السخط لسوء خلقها ونشوزها. قال: قلت: والأولى أن يقال إذا كان السخط لتفويتها حقا من حقوقه المطلوبة منها. أقول: وهذا هو المناسب لما ذكروه في حقوق الزوج على المرأة من أَنَّهَا لا تلزم بطحن وعجن ولا خبز ولا غزل ونحو ذلك إِلاَّ بإرادتها فحينئذ لا يضرها سخطه عليها بسبب ذلك. والله أعلم. (4/249)
صفحة 1471
وكتب على قوله: "وأخوان متصارمان" أي متهاجران. قال شيخنا قال الطيببي: أعم من أن يكونا من جهة النسب أو الدين. انتهى.
قوله: «ليلي الصف الأَوَّل أولو النهي منكم ... » الخ لفظ الحديث في الإيضاح: "ليليني في الصف الأَوَّل أولو النهى منكم "الحديث وهو الظاهركما هو ظاهر. ولفظه في الجامع: " ليلينى منكم أولو الأحلام والنهى، ثُمَّ الذين يلونهم ثُمَّ الذين يلونهم، ولاتختلفوا فتختلف قلوبكم وإياكم وهيشات الأسواق". قال شارحه العلقمي: قوله: "ليليني (بكسراللامين وتخفيف النون من غير ياء قبل النون، ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التأكيد ومن حق هذا اللفظ أن تحذف منه الياء أو تثبت مفتوحة لأَنَّهُ من صيغة الأمر وقد وجد بإثبات الياء وسكونها في سائر كتب الحديث، والظاهر أنَّه غلط). أقول: إذا ثبتت الرواية كذلك يكون على حد قوله تعالى: {إِنَّهُ, مَنْ يَّتَّقِ وَيَصْبِرْ} [سورة يوسف:90] على أحد الاحتمالين. و قوله: " ألم يأتيك والأنباء تنمي". قال: قال شيخنا: قال ابن سيد الناس: الأحلام والنهى بمعنى واحد وهي العقول. وقال بعضهم: المراد بأولى الأحلام البالغون وبأولى النهى العقلاء فعلى الأَوَّل يكون العطف فيه من باب قوله: "وألفى قولها كذبا ومينا" وهو أن تغاير اللفظ قائم مقام تغاير المعنى وهو كثير في الكلام، وعلى الثاني يكون لِكُلِّ لفظ معنى مستقلّ. وقال في النهاية: أي ذوو الألباب واحدها حِلم بالكسركأنه من الحِلم بمعنى الأناءة والتثبيت في الأمور، وذلك من شعار العقلاء. والنهى هي العقول واحدها نُهية بالضم، سميت بذلك لأَنَّهَا تنهى صاحبها عن القبح. إلى أن قال في قوله: "يلونهم " أي يقربون منهم في هذا الوصف، قال البيضاوي: كالمراهقين ثُمَّ الصبيان المميزين.
وقال في قوله: "وهيشات الأسواق" (بفتح الهاء وسكون التحتية و إعجام الشين) أي اختلاطها والمنازعة والخصومات واللغط فيها والفتن التي تقع فيها وارتفاع الأصوات. (4/250)
صفحة 1472
وقال الخطابي: وهي ما يكون فيها من الجلبة وارتفاع الأصوات وما يحدث فيها من الفتن، وأصله من الهوش وهو الاختلاط. وقال في قوله "ولا تختلفوا فتختلفَ قلوبكم " بالنصب قال في النهاية: أي إذا تقدم بعضهم على بعض في الصفوف ثارت قلوبهم ونشأ بينهم الخلف. إلى أن قال. وقال أصحابنا: فإن كثر المصلون بأن كان من كل جنس جماعة فالرجال مقدَّمون لفضلهم ثُمَّ الصبيان لأَنَّهُم من جنس الرجال ثُمَّ الخناثى لاحتمال ذكورتهم ثُمَّ النساء إلى آخره.
قوله: «تخيَّروا لإمامتكم وتخيَّروا لنطفكم» لم يذكر في الجامع إِلاَّ الشطر الثاني وزاد عليه، وذكر فيه روايات منها: "تخيروا لنطفكم فأنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم". ومنها: "تخيروا لنطفكم؛ فإن النساء يلدن أشباه إخوانهن وأخواتهن ". ومنها:"تخيروا لنطفكم واجتنبوا هذا السواد فإنَّه لون مشوّه. لم قال الشارح: أي اُطلبوا لها ما هو خير المناكح وأزكاها وأبعد من الخبث والفجور. وكتب على قوله: "مشوّه" أي قبيح وهو من الأضداد يقال للمرأة الحسنة الرائعة شوهاء أيضا.
قوله: «لعن الله المسلّط على أمتي بالجبروت ... » الخ. لم أظفر أيضا بهذا الحديث في الجامع ولا في البخاري. وقد ذكر في الجامع نيفا وثلاثين حديثا في من لعنهم النبي صلّى الله عليه وسلّم. قال شارحه: وأصل اللعن الطرد والإبعاد من الله ومن الخلق للسب و الدعاء. قاله في النهاية.
قوله: " المتسلط "من السلاطة وهي القهر، قال في الصحاح: السلاطة القهر وقد سلطه الله سبحانه فتسلط عليهم، الاسم سُلطة بالضم، والسلطان الوالي .. الخ. (4/251)
صفحة 1473
قوله:" بالجبروت" (بغير همز) على وزن فعَلوت بمعنى الكبر. قال في الصحاح: وتجبّر الرجل أي تكبر-والجبير مثل فسيق: الشديد التجبر، وقال قبل ذلك: والجبار الذي يقتل على الغضب.
قوله: "واستأثر بفيئها" الاستئثار (بالثاء المثلثة) الاستبداد بالشَّيْء والاستقلال به. قال في الصحاح: واستأثر فلان بالشَّيْء استبدّ به، والاسم الأثَرَة بالتحريك ... الخ. والفيء (بفاء مفتوحة فياء ساكنة بعدها همزة) قال في الصحاح: الخراج والغنيمة، تقول: منه أفاء الله على المسلمين مال الكفار، يفيء إفاءة، واستفأت هذا المال أخذته فيئًا إلى آخره.
قوله: «ويصلّيان في بيوتهما الجمعة» المراد بالجمعة الظهر كما هو ظاهر. والله أعلم. (4/252)
صفحة 1474
ما جاء في إنكار المنكر
قوله: «يعني بذلك الشرك بالقلب» الخ. المناسب أن يزيد ـ رحمة الله عليه ـ أو بغير اللسان من الجوارح وَأَمَّا باللسان ... الخ. وذلك لأن التقية في أفعال الجوارح غير جائزة كأن يكره على السجود لصنم مثلا كما هو معلوم قال الشيخ أبو نصر رحمه الله:
وقالوا تقات الموت في القول جائز ... وفي الفعل محظور وليس بممكن وذلك لأن المكره عندنا مكلف فيما يَتَعَلَّق بالأفعال دون الأقوال كما بينه في "العدل" وشرحه حيث قسم الأفعال إلى ثلاثة أقسام، ولنورد عبارتهما لما فيهما من الفوائد إِلاَّ أن في بعضها تدافعا بحسب الظاهر كما ستراه. والله أعلم. قال الماتن رحمه الله: وتنقسم أفعاله كلها ثلاثة أقسام: قسم اختياري، وقسم ضروري، وقسم كراهة. فأمّا الاختياري فما اختاره واكتسبه عن إرادته. وَأَمَّا الكراهة فما فعله مضطرا إليه بالضرب والقتل والإيذاء فهذا اختياري ضروري فلا يعذر في شيء من هذه إِلاَّ ما يَتَعَلَّق باللسان إذا ظهرت الضرورة من ضرب أو قتل. (4/253)
صفحة 1475
أقول: زاد ابن جعفر رحمه الله في صفة الإكراه شيئا ثالثا وهو التخليد في السجن عندنا. قال: وَأَمَّا غير ذلك من منع الفضل وظلم المال والأهل من وضع أو رفع أو أكل أو شرب وجميع المنافع وصرف جميع المضار فلا يسع. وأجاز بعض المعتزلة الضرورة في هذا قياسا على اللسان في جميع المعاصي إِلاَّ ما كانت فيه مظلمة للغير، وهو أيضا قول ابن الحسين. وَأَمَّا الضرورة فمعذور فيها لا إثم ولا غرم مثل أن يسحب أو يرمى من فوق فيهلك أحد على يده. وقال بعضهم إن المضطر بالسيف يسوغ له كل شيء من شرب الخمر والزنا والقتل وهو خطأ محض. وبعضهم يقول: لا يسوغ له الشرك إِلاَّ بالتورية، واستدلوا بقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد كتب إلى ناس قبل موته بشهر: "أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ولا تشرك بالله شيئا ولو عذبت أو حرّقت بالنار". أقول: وليس في هذا الحديث دليل على ما قالوه بل ظاهره تحريم الإشراك مطلقا وَلَكِنَّهُ مؤول بما تقدم لأجل الآية. قال الشارح رحمه الله بعد كلام طويل على أوصاف الأفعال ما نصه: والعبد هو الفاعل الكاسب المريد المختار فلا يصحّ عندنا تكليف ولا يتحقق إِلاَّ ممن تجمعت فيه هذه الأوصاف. فإن كان فاعلا بقدرة حادثة فيه مع حدوث المقدور باختيار وقصد وعلم وإرادة موجودة مع المراد فهذا عين الكسب عندنا وإلى هذا بعينه قصد بالقسم الاختياري. والضروري نقيضه وهو ما عدم فيه القصد والكسب والإرادة والاختيار، ولا يوصف فاعله بالقدرة عليه ولا حكم له في الغرم ولا في الإثم.
وقد فسر الضرورة ومثَّل لها تمثيلا كافيا. (4/254)
صفحة 1476
وأما القسم الثالث وهو الكراهة ـ إلى أن قال ـ يقال: أكره الرجل على كذا وكذا إذا فعله مجبورا مضطرا إليه من غير إرادة ولا اختيار ولا حبّ ولا رضى، فإذا أراد واختار وأحَبّ ورضي فهو غير معذور. والإكراه إنما ينفي الإرادة والمحبة والرضى و الكراهة من وادي البغض والعداوة.
وهذا القسم هو نقطة الدائرة وعليه مدار الفصل فإن الاختياري المختار مكلف وفاقا، ونقيضه وهو الاضطراري غير مكلف وفاقا، والتنازع في الثالث هل يتعلق به التكليف أم لا؟ فالمذهب فيه إنما يتعلق باللسان من الشرك والكفر وبراءة المسلمين وولاية الكافرين وتسفيه الحق، وتصويب الباطل والطلاق والعتاق والبيع والشراء والنكاح و الإنكاح وجميع ما يتعلق باللسان فهو واسع وإن كان هذا كله يتعلق به التكليف فهو معذور فيه محطوط عنه فيه الإثم، والتكليف مرفوع فيه. وأما ما يتعلق بالجوارح أو فيه فساد الأنفس فلا يسع وهو مكلف فيه مأمور منهي متعبّد في ذلك.
قال رحمه الله: ونضع هاهنا قاعدة يتمهد منها دخول أفعال المكره بجوارحه تحت التكليف، ونحقق أن المكره يفعل باختيار وقصد وإرادة واكتساب وأنه في عمل الجوارح ممن يتعلق به خطاب الشارع فنقول: اِعلم أن المكره هو الذي يضطر إلى أن يعمل بجوارحه فعلا بقصد واختيار وإرادة فإن مَن به رعشة ورعدة وحركة ضرورية فلا يُتصور فيه إكراه إلا على تحريك جارحة من جوارحه بإكراه، ولا يتصور إكراه إلا على فعل يقع من المكتسب بقصد إليه واكتساب واختيار. فمهما تمهدت لك هذه القاعدة فاعلم أن المكره الذي تواضعت عليه الفقهاء وتخاطبوا فيه هو الذي يخوَّف ويُضطر إلى أن يحرك يده أو جارحة من جوارحه على اختيار واقتدار بقصد وتعمد. فإذا أحطت علما بهذا المثال قطعت بأن أفعال المكره مقدورة له مكتسبة مقصودة له بإرادة منه لها مختارة له من غيرها، فحينئذ تقطع بتكليفه وإلزامه في جميع ما يدخل تحت وسعه واقتداره. (4/255)
صفحة 1477
ثم إنه قد أجمع العلماء قاطبة على توجه النهي عن القتل على المكره على قتل إنسان وأنه يقاد به ويقتل فيه إلا على مذهب بعض المعتزلة وأبي حنيفة. وقد زعمت المعتزلة أنه لا يصح تكليف المكره مع موافقتهم على اقتداره إلى أن قال.
قوله: "فلا يعذر في شيء من هذا إلا فيما يتعلق باللسان إذا ظهرت الضرورة من ضرب أو قتل " هذا يشير به إلى الحد والمقدار الذي تقوم به الحجة للمكره عند الله سبحانه ويتصف فيه أنه مكره مجبور مضطر ملجأ وفيه خلاف وتفصيل في فن الفقه فلنعتمد عليه. ومن أراد من المتمذهبين بمذهب الحق الصراط السوي والطريقة الوسطى فليعتمد على ما في الجامع المضاف إلى أبي جابر محمد بن جعفر الأزكوي فإن فيه غنية. ولا يبيح له التقية على أصولنا إلا ضرب يقع عليه في ذاته أو قتل خاصة. وقيل إذا خاف وظهرت القرائن الدالة على ذلك مثل التهديد وإحضار السوط وإشهار السيف و إشراع الرمح. وقيل إذا علم منه في الماضي إيقاعه وبطشه إلى آخر ما أطال فيه. ثم قال: وذكر الشيخ الأذى في قوله بالقتل أو بالضرب أو بالأذى، والمعروف فيه أنه الضرر الخفيف باللسان مثل الشتم و التعييب قال الله سبحانه: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا} [سورة آل عمران:186] إلى أن قال: و الإذاية باللسان لا توجب تقية، ولا تقية باللسان إلا في القتل وما دونه من الضرب. والله أعلم. الخ. أقول: وقوله: "إلا في القتل " أي إلا في خوف القتل. وأما الضرب فانظر هل يكفي فيه مجرد الخوف أو لابدَّ من الشروع فيه بالفعل وهو المتبادر من المقابلة في قوله. وقيل: إذا خاف وظهرت القرائن. الخ. (4/256)
صفحة 1478
لا لكن كلام ابن مسعود رحمه الله يدل على أنه يكفي في التقية مجرد الخوف، وأنه لا فرق في جميع ما يتعلق باللسان. قال في السؤالات وإن أجبروه على الفتي والفتوى جميعا بغير الحق فلا يجوز له ذلك. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " لو علمت كلمة أقي بها عن نفسي ضربة سوطين لقلتها" ولم يخصّ كلمة دون أخرى. والله أعلم، فليحرر.
وتكلم الشارح رحمه الله على معنى التورية عند من يشترطها قال: ومعناها أن تذكر شيئا وترى سامعك أنك تريد معناه وأنت تريد غيره، المعاريض إلى أن قال: وحقيقته إيهام السامع بمعنى وفي نفسك خلافه، الخ. وظاهر كلامه رحمه الله بل صريحه أن المكره على فعل الجوارح مكلف مختار، وأن المكره على ما يتعلق باللسان غير مكلف ولا مختار وإنما هو مجبور مضطر ملجأ، مع أنك إذا تأملت وجدت لا فرق بين تحريك يده مثلا ولسانه في أن كلا منهما داخل تحت قدرته.
فمدار الفرق - والله أعلم - أن ما يتعلق باللسان يشترط فيه موافقة القلب وهي مفقودة فلم يتمّ في الحقيقة ما أكره عليه، فلذلك لم يؤاخذ وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {إِلاَّ مَنُ اُكْرِهَ وَقَلْبُهُ, مُطْمَئِنُّم بِالاِيمَانِ} [سورة النحل:106].
فلو وافق القلب عند الإكراه ما نطق به اللسان لأخذ بذلك وإليه الإشارة بقوله: {وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ} وأما ما يتعلق بالجوارح غير اللسان فإنه لا يتوقف على شيء، فإذا فعله فقد تم ما أكره عليه، وهو لا يجوز له لأنه قصده ورجحه على نزول العقوبة به فلذلك أوخذ به. والله أعلم. (4/257)
صفحة 1479
ما جاء في النهي عن قتل الذراري والنساء
قوله: «إلا من قاتل منهن فإنها تقتل»: وكذا المرتدة تقتل.
قال في السؤالات: والمرأة إذا ارتدت تقتل عندنا، ولا تقتل عند النكار. وقيل له عليه السلام لما نهى عن قتل الذرية: من يُقتل من المشركات يارسول الله؟ قال: "المرتدات ومن أعان منهن على القتال". (4/258)
صفحة 1480
ما جاء في الدعوة إلى الإسلام والنهي عن القتال قبلها
قوله: بعث عليا في سرية، فقال: «يا علي لا تقاتل القوم ... الخ» بحثت عن هذا الحديث في الجامع, وفي البخاري, والمواهب, في السرايا التي خرج فيها علي, فلم أظفر به. ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
وتعرض له في السؤالات أيضا حيث قال: فإن قال ما الدليل على أن المشرك لا يقتل حتى يُدعى إلى الجملة. فقد روي عن النبيء صلى الله عليه وسلم بعث سرية, فقال: "يا علي لا تقاتل القوم" - إلى قوله – " {وَمَنم بَلَغَ} إلى آخر الآية" [الأنعام: 19].
قوله: {لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَنم بَلَغَ} ذكر فيه البيضاوي احتمالين, حيث قال: {لأُنذِرَكُم بِهِ} أي: بالقرآن, واكتفى بذكر الإنذار على ذكر البِشارة، {وَمَنم بَلَغَ} عطفٌ (4/259)
صفحة 1481
على ضمير المخاطبين, أي لأنذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه من الأسود والأحمر أو من الثقلين، أو لأنذركم أيها الموجودون, ومن بلغه إلى يوم القيامة.
وهذا دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله ومن بعده, وأنه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه.
أقول: وهو كذلك فيمن كان على دين نبيء من الأنبياء, بخلاف غيره كما هو معلوم.
قوله: «قد تمت في حياته وانقطعت بعد موته»: هذا يشبه قول النُّكّار أن الحجة فيما لا يسمع السماع, وأن الناس كلهم قد سمعوا.
والرد عليهم مذكور في المطولات كالموجز و غيره.
قوله: «فلا دعوة اليوم»: يعني أن الكفار يقاتَلون بعد موته صلى الله عليه وسلم من غير دعاء إلى الإسلام, والحق ما ذكره المصنف رحمه الله. (4/260)
صفحة 1482
ما جاء في التقية
قوله: «رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان ... الخ»: قال العلقمي: قال في المصباح: والخطأ مهموز بفتحتين، ضد الصواب, يقصر ويمد, ثم قال في النسيان: قال أيضا: ونسيت الشيء أنساه نسيانا, مشترك بين معنيين, أحدهما: ترك الشيء على ذهول وغفلة, وذلك خلاف الذكر له , والثاني: الترك على تعمد, وعليه: {وَلاَ تَنسَوُاْ الفَضْلَ بَيْنَكُمُ} [البقرة:237] أي: لا تقصدوا الترك والإهمال.
ويتعدى إلى ثان بالهمزة والتضعيف، ونسيت ركعة أهملتها ذهولًا، ورجل نَسيان وِزان سكران.
والمراد بقوله: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»: رفع إثمهما لأن الواقع لا يُرفع.
ثم إنه إذا تعلق الخطأ والنسيان بما هو من خطاب الوضع تعلق الضّمان بالفاعل مطلقا, أي: سواء كان طفلا أو بالغا, عاقلا كان أو مجنونا, فلذلك تسمعهم يقولون: الخطأ لا يزيل الضّمان وذلك في الأنفس والأموال, والله أعلم. (4/261)
صفحة 1483
قوله: «وما أكرهوا عليه»: قال العلقمي: قال في المصباح: الكره بالفتح المشقة, وبالضم القهر, وقيل: بالفتح الإكراه, وبالضم المشقة الخ.
أقول: وبهذا جزم في السؤالات, واستدل للفتح بقوله تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَرْهًا وَوَضَعَتْهُ كَرْهًا} [الأحقاف: 15] وللضم بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} [البقرة:216]. عدنا, قال وأكرهته على الأمر إكراها حملته عليه قهرا, يقال فعلته كرها أي إكراها.
قال: و حَدُّ الإكراه: أن يهدد المكرهَ قادرٌعلى الإكراه بعاجل من أنواع العقوبات يؤثر العاقل لأجله الإقدام على ما أُكره عليه وغلب على ظنه أنه يفعل به ما هدده به إن امتنع مما أكرهه عليه وعجز عن الهرب والمقاومة والاستغاثة بغيره ونحوها من أنواع الدفع. ويختلف الإكراه باختلاف الأشخاص والأسباب المكره عليها في فروع محلها كتب الفقه.
وتقدم أن الإكراه إنما يعفى عنه فيما يتعلق بالأقوال على تفصيل فيها دون الأفعال والله أعلم.
وأما قوله «وما لم يستطيعوا». فلم يذكره في حديث الجامع لأنه من المعلوم عقلا وشرعا أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها, والله أعلم.
قوله: «وقال ابن مسعود ما من كلمة ... الخ». واستدل به في الإيضاح على أن الإكراه فيما يتعلق بالقول لا ينقض الوضوء، حيث قال: وأما الإكراه فسائغ في الشرك إذا ظهر الخوف على نفسه أو ماله الذي يؤدي تلفه إلى تلف نفسه, بشرط طمأنينة القلب بالإيمان لقوله عز وجل: {إِلاَّ مَنُ اُكْرِهَ وَقَلْبُهُ, مُطْمَئِنُّم بِالاِيمَان} [النحل:106].
وما سوى الشرك من جميع ما يقوله بلسانه جائز، قياسا على الشرك، وهو من قياس المعنى، إذ الشرك أشد منه.
وروى عن ابن مسعود رضي الله عنه ... الخ, قوله: «إذا ضُرب أو عُذِّب أو حُبس أو قُيِّد». (4/262)
صفحة 1484
لفظ الحديث في الإيضاح فيه زيادة وتقديم وتأخير وتغيير, فإنه قال: "إذا عُذبت أو ضُربت أو قُيدت أو وُعدت أو جُوّعت أو خُوّفت وبايع الناس "، قال: ولعله أراد إذا اتقى فبايع من لا يستحق البيعة الخ.
وقوله: من جميع ما يقوله بلسانه جائز, يعني إلا فيما يؤدي إلى ظلم الغير كشهادة الزور والدلالة على مال الغير ونحو ذلك.
وقوله: "إذا عُذبت أو ضُربت الخ " لعل التاء فيه للتأنيث, فيكون الضمير راجعا إلى نفسه, ليوافق رواية المصنف في إرجاع الضمير إلى الرجل, والله أعلم. (4/263)
صفحة 1485
ما جاء في الحجة على القدرية (4/264)
صفحة 1486
[صفحة بيضاء] (4/265)
صفحة 1487
[صفحة بيضاء] (4/266)
صفحة 1488
قوله: «من غير أن يخلق الله فعله». هذا السؤال موافق لما ذهب إليه المعتزلة، فإنهم هم القائلون بأن الإنسان يخلق أفعاله فأكذبهم القرآن، وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، كما بُيّن في المطولات، وسيأتي بعض الكلام على ذلك إن شاء الله.
قوله: «سأل سراقة بن جشعم» لفظه في ابن حجر: حكاية عن مسلم أنه سراقة بن مالك بن جشعم.
قال: ولفظه" جاء سراقة فقال يا رسول الله أنعمل اليوم فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، أو فيما يستقبل؟ قال: بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له ". وأخرج الطبراني وابن مردويه نحوه، وزادوا:"قرأ {فَأَمَّا مَنَ اَعْطَى} إلى قوله: {لِلْعُسْرَى} [الليل:5 - 10] ... الخ " فذكر فيه روايات منها: "أرأيت ما نعمل فيه مبتدع، أو أمر قد فرغ منه؟ قال: فيما قد فُرغ منه ... الخ ".
قال: وقال في محل آخر: ولمسلم من طريق أبي الأسود عن عمران أنه قال له: " أرأيت ما يعمل الناس اليوم؟ أشيء قضى عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيّهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا بل شيء قُضِيَ عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله عزّ وجلّ: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} " [الشمس:7 - 8].
قال ابن حجر: وفيه قصة لأبي الأسود الدّؤلي مع عمران، وفيه قوله له:"أيكون ذلك ظلما؟ قال: لا، كلُّ شيء خَلْقُ اللهِ ومُلكُه، فلا يُسأل عما يفعلُ، إلى أن قال: (4/267)
صفحة 1489
وقوله: "كل شيء خلقُ الله وملكُه" يشير إلى أن المالك الأعلى الخالق الآمر لا يُعترض عليه إذا تصرف في ملكه بما شاء، وإنما يَعترِض على المخلوق المأمور، انتهى.
قوله: «ففيم العمل إذا يارسول الله؟» في بعض الروايات عند قومنا:"فَلِمَ يَعمَلُ العاملون؟ " قال ابن حجر: والمعنى إذا سبق القلم بذلك فلا يحتاج العامل إلى العمل لأنه سيصير إلى ما قدّر له.
قوله: «اعملوا فكلّكم ميسّر لما خلق له» في بعض الروايات: "كل يعمل لما خلق له" أو " يسّر له" أو "لما يتيسّر له"وفي بعضها "كل امرئ مهيّأ لما خلق ".
وذكر ابن حجر في رواية المصنف رحمه الله: أنه رواها جماعة من الصحابة يزيدون على العشرة، فبيَّنهم، وقال: في مثل هذا الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "قال رجل يا رسول الله: أيُعرَف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: كل يعمل لما خلق له أو لما يُسِّر له " ما نصه.
وفي الحديث إشارة إلى أن المآل محجوب على المكلّف، فعليه أن يجتهد في عمل ما أمر به، فإن عمله أمارة إلى ما يؤول إليه أمره غالبا. وإن كان بعضهم قد يُختم له بغير ذلك، لما في حديث ابن مسعود وغيره، لكن لا اطلاع له على ذلك، فعليه أن يبذل جهده ويجاهد نفسه في عمل الطاعة ولا يتركُ وُكولا إلى ما يؤول إليه أمره، فيلام على ترك المأمور، ويستحق العقوبة، انتهى.
وقد ترجم ابن حبّان بحديث الباب: "ما يجب على المرء من التَّشمُّر في الطاعات وإن جرى قبلها ما يكره الله من المحظورات ... الخ
قوله «ما كان كفرٌ إلا كان مفتاحُه تكذيبا بالقدر»، قال ابن حجر: والقدر بفتح القاف والمهملة، قال الله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49].
قال الراغب: القدر بوصفه دلّ على القدرة وعلى المقدور الكائن بالعلم، ويتضمن الإرادة عقلا، والقول نقلا. (4/268)
صفحة 1490
الكتاب: حاشية الترتيب على الجامع الصحيح
المؤلف: أبو ستة السدويكشي أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبي ستة
تحقيق: إبراهيم محمد طلاي
الناشر: مطابع دار البعث
مكان النشر: قسنطينة، الجزائر
تاريخ النشر: 1994
عدد الأجزاء: خمسة أجزاء
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) أقول والله أعلم: يعني قوله تعال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ اِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ, كُن فَيَكُونُ} [النحل:40]. وفيه أن المراد بقوله: {كُنْ} سرعة التكوين، لا أنه يخاطبه بذلك، لأن مخاطبة المعدوم محال، والله أعلم.
قال: وحاصله وجود شيء في وقت وعلى حال يوافق العلم والإرادة والقول، وقدَّر الله الشيء بالتشديد قضاه ويجوز بالتخفيف. وقال ابن القطاع: قدر الله الشيء، جعله بقدر، والرزق منعه، وعلى الشيء ملكه إلى أن قال: وقال الكرماني: المراد بالقدر حكم الله، وقالوا أي العلماء: القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله.
وقال المظفر بن السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة، دون محض القياس والعقل، فمن عدل عن التوقيف فيه ضلّ، وتاه في بحر الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس ولا ما يطمئن به القلب، لأن القدر سر من أسرار الله تعالى، اختص العليم الخبير به، وضرب دونه الأستار وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم، لما علمه من الحكمة، فلم يعلمه نبيء مرسل ولا ملك مقرّب. وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف قبل دخولها، اهـ.
وقد أخرج الطبراني بسند صحيح من حديث ابن مسعود رفعه: "إذا ذُكِر القدر فأمسكوا". وأخرج مسلم من طريق طاوس: أدركنا ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: "كل شيء بقدر" وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شيء بقدر حتى العجزَ والكيسَ) قال: قلت: والكيس بفتح الكاف، ضد العجز، ومعناه الحذق في الأمور، ويتناول أمور الدنيا والآخرة.
ومعناه أن كل شيء لا يقع في الوجود إلا وقد سبق به علم الله ومشيئتُه، وإنما جعلهما في الحديث غاية لذلك للإشارة إلى أن أفعالنا وإن كانت معلومة لنا، ومرادة منا، فلا تقع مع ذلك منا إلا بمشيئة الله. (4/269)
صفحة 1491
وهذا الذي ذكره طاوس مرفوعا وموقوفا مطابق لقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49] فإن هذه الآية نص في أن الله تعالى خالق كل شيء و مقدّره، و هو أخص من قوله تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام:102]، وقوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات:96].
واشتهر على ألسنة السلف والخلف أن هذه الآية نزلت في القدرية، وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة: "جاء مشركو قريش يخاصمون النبيء صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت الخ" فذكر أن الإيمان بالقدر من أركان الإيمان.
أقول: وهو كذلك كما يدل عليه سؤال جبريل المتقدم، وتقدم بيان مقالة القدرية وكيفية الرد عليهم، وذلك أنهم يُسْألون عن العلم، فإن أقروا به أقروا بالقدر، لكن كفى في الرد عليهم نصوص القرآن.
قال ابن حجر: ومذهب السلف قاطبة، أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى، قال تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ اِلاَّ عِندَنَا خَزَآئِنُهُ, وَمَا نُنَزِّلُهُ, إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر:21]. وقال في محل آخر في معنى قوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب: 38]. أي: حكما مقطوعا به, والمراد بالأمر واحد الأمور المقدرة. يحتمل أن يكون واحد الأوامر، لأن الكل موجود بكن. وفي كونه موجودا بكن تأمل، لأن المراد به سرعة التكوين من غير مخاطبة بقوله: {كن} , لأن مخاطبة المعدوم محال، ومخاطبة الموجود بقوله {كن} يستلزم تحصيل الحاصل وهو محال أيضا, والله أعلم.
قوله: «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تصلّوا عليهم» لفظه في الجامع: " وإن ماتوا فلا تشهدوهم " ولعل المراد التغليظ، وإلا فالصلاة واجبة على الموتى المقرِّين بالله ورسوله، والدليل على أنهم ليسوا بمشركين،
إضافتهم إلى هذه الأمة. (4/270)
صفحة 1492
قال العلقمي: وقال الخطابي: إنما جعلهم مجوسا لمضاهات مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين، وهما النور والظلمة، يزعمون أن الخير من أفعال النور والشر من أفعال الظلمة فصاروا ثَنَوِيَّةً.
وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله والشر إلى غيره، والله تعالى خالق الأمرين معا. انتهى. وزاد في النهاية: لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته، فهما مضافان إليه خلقا وإلى الفاعلين لهما عملا واكتسابا.
أقول: وقوله: وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله والشر إلى غيره. هذا مذهب لبعض القدرية لا كلهم، وهم الذين نصب ابن النظر رحمه الله معهم الجدال. وبعضهم يضيفون أفعال العباد كلها إليه، ويقولون: إن الإنسان يخلق أفعاله مطلقا، خيرا كان أو شرا، وهم المشهورون عند أهل المغرب، ولم ينصِبوا الجدال إلا معهم، فيما اطّلعت عليه. ويلزمهم أيضا القول بإلهين اثنين لأن الإنسان يصير إله فعله، حيث كان خالقا له, والله أعلم.
وقد تقدم الكلام على القدر مرارا في أول الكتاب وغيره. والذي عليه المسلمون ومن وافقهم: أن الفعل المختار للعبد له جهتان: جهة خلق تضاف إلى الله، وجهة كسب تضاف إلى العبد, وعليها جرى الثواب والعقاب والمدح والذم والإحسان والإساءة والطاعة والمعصية إلى غير ذلك كما هو معلوم.
وقد تقدم معنى الكسب في كلام الشيخ أبي القاسم البرادي رحمه الله فليراجع، وقريب منه كلام القوم حيث قالوا: إنه عبارة عن مقارنة القدرة الحادثة للفعل, والله أعلم.
قوله: «خرج النبيء صلى الله عليه وسلم يوما وبيده صحيفة ... الخ»، لفظ الحديث في شرح العقيدة لعمنا داوود رحمه الله، مخالف للفظ هذا الحديث في كثير من ألفاظه, كما هو معلوم. ونبه عليه ابن حجر في الحديث الآتي: في النطفة إذا وقعت في الرحم؛ حيث قال بعد كلام يتعلق بما سبق من السعادة والشقاوة ما نصه: ولأحمد والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن عمر:"خرج علينا (4/271)
صفحة 1493
رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان ... الحديث"، وفيه: "هذا الكتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وأسماء قبائلهم ... الخ" وأما رواية المصنف رحمه الله، فلم أطلع عليها لغيره؛ والحافظ حجة، والله أعلم.
قوله: «أول ما خلق الله القلم»، لفظ الحديث في شرح العقيدة أيضا: "أول ما خلق الله العرش والماء والقلم "، فإن ثبت يكون هذا مبينا للمتقدم منها.
ومثل رواية المصنف رواية صاحب القناطر رحمه الله، حيث قال: وفي الحديث " أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: يا رب وما أكتب؟ فقال: اكتب علمي في خلقي، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة"، وزاد حديث آخر من الأحاديث القدسية، لفظه: "قال الله: أنا الله الذي لا إله إلا أنا، خلقت الخير والشر وقدرتهما على يَدَي من يكون، فطوبى لمن خلقته للخير وقدرته على يديه، وويل لمن خلقته للشر وقدرته على يديه "، إلى آخر ما أطال فيه من الأحاديث والآثار.
قوله: «وما أكتب؟ قال: اكتب القدر»، الرواية في القناطر: "اكتب علمي في خلقي"، كما تقدم؛ ولعل المراد به ما علم أنه يصدر منهم.
وتقدم عن ابن حجر أنه قال في قوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب:38]. أي: حكما مقطوعا به.
وقال ابن وصاف في الآية أي: فعلا مفعولا. وتقدم في الفرق بين القضاء والقدر أن العلماء قالوا: القضاء هو: الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر: جزيئات ذلك الحكم وتفاصيله.
وقال الشيخ زكريا الأنصاري في شرح الطوالع في الفرق بينهما، القضاء: إيجاد جميع الكائنات إجمالا في اللوح المحفوظ أو في علمه تعالى، والقدر: إيجادها تفصيلا في المواد الخارجية واحدا بعد آخر، قال تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ اِلاَّ عِندَنَا خَزَآئِنُهُ, وَمَا نُنَزِّلُهُ, إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر:21].
وقال في التلويح: القضاء هو: الحكم من الله تعالى والأمر أولا، والقدر: هو التقدير بالإظهار والإيجاد. وفي كلام الحكماء: القضاء عبارة عن وجود المخلوقات في الكتاب المبين واللوح المحفوظ مجتمعة مجملة على سبيل الإبداع، والقدر: عبارة عن وجودها مفصلة منزلة في الأعيان بعد حصول الشرائط، كما قال عز وجل: {وَإِن مِّن شَيْءٍ اِلاَّ عِندَنَا خَزَآئِنُهُ, (4/272)
صفحة 1494
وَمَا نُنَزِّلُهُ, إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} , وقريب منه ما يقال: القضاء ما في العلم، والقدر ما في الإرادة؛ ويقال: إن الله تعالى إذا أراد شيئا قال له كن، فهناك شيئان: الإرادة والقول: فالإرادة قضاء والقول قدر.
وفي حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه في بيان كيفية الإيمان بالقدر ما يدل على أن القدر هو: ما يصيب الإنسان مثلا من خير وشر أو يخطئه، وأن الإيمان به هو: العلم المتعلق بذلك، حيث قال: "أن تعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك"، وذُكر عنه في القناطر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "القدر على هذا فمن مات على غيره دخل النار", والله أعلم.
قوله: «فجري بما هو كائن إلى يوم القيامة» هذا ما يدل على أن القدر: اسم لما يوجد في الخارج من العالم وما جرى عليه, لأن هذا الذي جري به القلم إلى يوم القيامة؛ والله أعلم.
وقال في السؤالات: والقدر معناه: انتهاء الأمور إلى أوقاتها و ارتجاعها إلى مقدورها. والقدر يتصرف على ثمانية أوجه: يخرج على الخلق قال الله عز وجل: {وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى:03]. أي خلق ... الخ.
قوله: «إذا وقعت النطفة في رحم ... الخ». لفظه في البخاري مغاير لهذا؛ وذكر فيه روايتين: إحداهما: لفظها في بعض الروايات: حدثنا رسول صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدق، قال: " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكا فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله شقي أو سعيد فوالله إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها وإن أحدكم يعمل عمل هل الجنة حتى يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها".
والثانية: لفظها عن أنس بن مالك عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: " وكَّل الله بالرحم ملكا، فيقول: أي رب نطفة, أي علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن (4/273)
صفحة 1495
يقضي خلقها قال: يا رب ذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيُكتب كذلك في بطن أمه ".
وكتب الشارح على الحديث الأول شيئا كثيرا: منه ما كتبه الفاكهاني في شرح الأربعين النووية على قوله: "يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما"، حيث قال: قال الشيخ أبو العباس القرطبي في مفهمه والله أعلم: إن المني يقع في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة متفرقا، فيجمعه الله تعالى في محل الولادة من الرحم في هذه المدة، وقد جاء في بعض الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه تفسير "يجمع في بطن أمه " أن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله تعالى أن يخلق منها بشرا طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعر ثم مكثت فيه أربعين ليلة، ثم تصير دما في الرحم، فذلك جمعها، وذلك وقت كونها علقة، والعلقة: الدَّم.
قال ابن حجر في "يُجمع" أي: يضم ويحفظ خلقه، أي مادة خلقه، وهو: الماء الذي يخلق منه ... الخ. يعني أنه على حذف مضاف.
قال الفاكهاني: والمضغة قدر ما يمضغه الماضغ من لحم أو غيره.
وقوله: «ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح» , يعني الملك الموكل بالرحم ,كما قال في حديث أنس رضي الله عنه: "إن الله عز وجل قد وكل بالرحم ملكا". وظاهر هذا السياق أن الملك عند مجيئه ينفخ الروح في المضغة, وليس الأمر كذلك, بل إنما ينفخ فيها بعد أن تشكل تلك المضغة بشكل ابن آدم , وتصور بصورته كما قال تعالى: {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} [المؤمنون:14]، قال تعالى في الآية الأخرى: {مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} [الحج:5] فالمخلقة: المصورة وغير مخلقة:
السقط, قاله: أبو العالية وغيره.
وهذا التخليق والتصوير يكون في مدة أربعين يوما وحينئذ تنفخ فيه الروح, وهو المعني بقوله: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا -اخَرَ} [المومنون:14] , في قول الكلبي والحسن من المفسرين.
قال القاضي عياض ولم يُختلف في أن نفخ الروح فيه إنما يكون بعد مائة وعشرين يوما، وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس، وهذا موجود (4/274)
صفحة 1496
بالمشاهدة. وعليه يعوَّل فيما يُحتاج إليه من الأحكام والاستلحاق عند التنازع ووجوب النفقات على حمل المطلقات، وذلك لتيقنه بحركة الجنين في الجوف. وقد قيل الحكمة في عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وهو الدخول في الخامس، تحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا لم يظهر حمل. ونفخ المَلك في الصورة سبب يخلق الله عنده فيها الروح والحياة لأن النفخ المتعارف إنما هو الخارج ريح من النافخ يتصل بالمنفوخ فيه، ولا يلزم منه عقلا ولا عادة في حقنا تأثير في المنفوخ، وإن قُدِّر حدوث شيء عند ذلك النفخ فذلك بإحداث الله تعالى لا بالنفخ، وغاية النفخ أن يكون معديا عاديا لا موجبا عقليا.
وكذلك القول في الأسباب المعتادة، فتأمل هذا الأصل وتمسك به ففيه النجاة من مذاهب الضلال وغيرهم.
قوله: «أمر الله مَلَك الأرحام أن اكتب» الخ. ظاهر هذه الرواية أن الكتابة تصدر من المَلك عليه السلام عقب وقوع النطفة في الرحم من غير تراخٍ، والمُصرح به في كتب القوم على المشهور: أن الكتابة إنما يُؤمر بها المَلك وتقع بعد كونه مضغة, كما وقع به التصريح في الحديثين المتقدمين وهو المناسب لكتابة السعادة والشقاء والأجل والرزق وغير ذلك, اللهم إلا أن يقال على تقدير ثبوت ما ذكروه: المراد أنه يؤمر إذا وقعت النطفة في الرحم بالكتابة إذا صارت مضغة مخلَّقة. أو يقال: المعنى إذا وقعت النطفة وصارت مضغة أمر الله الخ. أو يقال: المراد بالنطفة المضغة، وسميت بذلك باعتبار ما كان على حد {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} [النساء: 06]، والقرينة على ذلك أن الكتابة إنما هي للمضغة المخلقة، والله أعلم.
وظاهره أيضا أنه يَكتب ذلك من غير سؤال عنه مرة ثانية. وذكروا انه ليس كذلك.
قال الفاكهاني: وقوله "ويؤمر بأربع كلمات ,يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد" ظاهر هذا اللفظ أن الملك يُؤمر بكتابة هذه الأربعة ابتداء ,وليس كذلك بل إنما يؤمر بذلك بعد أن يسأل عن ذلك, فيقول يا رب ما الرزق؟ , ما الأجل؟، ما العمل؟، وهل شقي أو سعيد؟، كما تضمنته الأحاديث المذكورة مع هذا الحديث في الصحيح، إلى أن قال: (4/275)
صفحة 1497
في لفظ حديث منها: " أن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه فقال: أي رب أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما الأجل؟ ما الأثر؟ بأي أرض تموت؟ فيقال له انطلق إلى أم الكتاب فإنك تجد قصة هذه النطفة فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب تُخْلَقُ فتأكل أرزاقها وتطأ أثرها، فإذا جاء أجلها قبضت ودفنت في المكان الذي قُدِّر لها.
وزاد في بعض رواية حديث ابن مسعود رضي الله عنه: "أن الملك يقول: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما، وإن قيل مخلقة قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ وذكر ما تقدم.
فقوله: " أن النطفة إذا استقرت" يعني بهذا الاستقرار صيرورة النطفة علقة ومضغة، لأن النطفة قبل ذلك غير مجتمعة - كما تقدم - فإذا اجتمعت وصارت ماء واحدا علقة أو مضغة أمكن حينئذ أن تؤخذ بالكف وسماها نطفة في حال كونها علقة أو مضغة باسم مبدئها، والله أعلم الخ.
قال بعد كلام طويل: و حاصله أن بعث المَلَك المذكور في هذا الحديث إنما هو بعد الأربعين الثالثة التي هي مدة التصوير، كما دل على ذلك ما قدمناه قبل هذا، وسمى المضغة نطفة بمبدئها، ألا ترى إلى قوله: يعني وجلدها وعظامها فعطف بالفاء المرتبة، وهذا لا يكون حتى تصل النطفة إلى حال نهاية المضغة كما دل عليه ما تقدم. وبهذا تتفق الروايات ويزول الاضطراب المتوهم فيها، والله اعلم.
ونسبة الخلق والتصوير إلى الملك نسبة مجازية لا حقيقية، وإنما صدر عنه فعل ما كان في المضغة عند التصوير والتشكيل بقدرة الله تعالى وخلقه واختراعه. ألا ترى أن الله تعالى قد أضاف إليه الخلقة الحقيقية وقطع سبب جميع الخلق، فقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف:11]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فيِ قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا} [المؤمنون: 12 - 14]، ا لآية. (4/276)
صفحة 1498
وقال: {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فيِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} [الحج: 05]، الآية. وقال تعالى: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [التغابن:03]، وغير ذلك من الآيات.
هذا مع ما دلَّت عليه قاطعات البراهين من أنه لا خالق لشيء من المخلوقات إلا رب العالمين الخ.
ثم قال: قال القاضي عياض وغيره: والمراد بإرسال الملك في هذه الأشياء أمره بها والتصرف فيها بهذه الأفعال، وإلا فقد صرح في الحديث بأنه موكل بالرحم، وأنه يقول: يا رب نطفة؟ يارب علقة؟ إلى أن قال: ثم المراد بجميع ما ذكر من الرزق والأجل والشقاء والسعادة والعمل والذكورة والأنوثة أنه: يُظهر ذلك للملك ويأمره بإنفاذه وكتابته وإلا فقضاء الله سابق على ذلك، وعلمه وإرادته فكل ذلك موجود في الأزل.
وذكروا أيضا أحاديث تدل على أن الكتابة تقع عقب الأربعين الأولى، وتنوعوا في الجواب عن ذلك مما يطول ذكره.
قال ابن حجر بعد كلام طويل: وجمع بعضهم بأن الكتابة تقع مرتين: فالكتابة الأولى في السماء والثانية في بطن المرأة. ويحتمل أن يكون أحدهما في صحيفة والأخرى على جبين المولود. وقيل: يختلف باختلاف الأجنة فبعضها كذا وبعضها كذا والأول أولى.
قوله: «اكتب سعيدا أو شقيًّا بِعَمَلِهِ، وَاكْتُبْ أَثَرَهُ وَعَمَلَهُ وَأَجَلَهُ وَرِزْقَهُ»: قال ابن حجر: “وَالمُرَاد أَنَّهُ يكتب لِكُلِّ واحد إِمَّا السعادة و إمَّا الشقاوة، ولا يكتبهما لواحد معًا ... “. إِلىَ أن قال: ”والمراد بكتابة الرزق: تقديره قليلا أو كثيرا، وصفته حلالا أو حراما، وبالأجل هو طويل أو قصير، وبالعمل هو صالح أو فاسد“. إِلىَ أن قال: في رواية: "ثُمَّ يُكتب شقيٌّ أو سعيد": "إنَّ الملَك يكتب إحدى الكلمتين، كَأَن يكتب مثلا أجل هَذَا الجنين كذا، ورزقه كذا، وعمله كذا، وهو شقيٌّ باعتبار ما يختم له، كما دَلَّ عَلَيْهِ بَقِيَّة الخبر". (4/277)
صفحة 1499
إلى أن قال: “في رواية أخرى: "فرغ الله إِلىَ كُلِّ عبد من خمس، من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه"، أي: مصرعه. وَأَمَّا صفة الكِتَابة فظاهر الحديث أَنَّها الكِتَابة المعهودة في صحيفة. ووقع ذَلِكَ صريحا في رواية مسلم”. إِلىَ أن قال: ”ثُمَّ تطوى الصحيفة، فلا يزاد فيها ولا ينقص“.
وكتب الفاكهاني: ”قوله: "إِنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجَنَّة، حَتَّى لا يكون بينها وبينه إِلاَّ ذراع، فيسبق عَلَيْهِ الكِتَاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها"، وَالكِتَاب هنا يحتمل أن يكون مصدرا، يحتمل أن يكون بمعنى المكتوب، وكلاهما صحيح في المعنى“. قال القاضي عياض: ”والمراد بهذا الحديث أَنَّ هَذَا قد يقع في نادر من الناس، لا أَنَّهُ غالب فيهم. ثُمَّ إِنَّ مِن لطف الله تَعَالىَ وسعة رحمته أَنَّ انقلاب الناس من الشرِّ إِلىَ الخير كثير، وَأَمَّا الانقلاب من الخير إِلىَ الشرِّ ففي غاية الندور، ونهاية القِلَّة، وهو نحو قَوله تَعَالىَ: "إنَّ رحمتي سبقت غضبي، وغلبت غضبي". وسيأتي التعليق عَلَى هَذَا القول، ويدخل في هَذَا من انقلب إِلىَ عمل أهل النار بكفر أو معصية“.
قوله: «لما خلق الله آدم أخرج من ظهره ذريته كالذر فأخذ مواثيقهم .. الخ» ظاهره أن إخراج الذرية من ظهره وأخذ الميثاق عليهم ابتداء حين كان في الجنة وسيأتي في كلام البغوي الخلاف في موضع أخذ الميثاق مع الاتفاق على أنه بعدما أخرج من الجنة. وهذا الحديث يشير إلى قوله تعالى: {وَإِذَ اَخَذَ رَبُّكَ مِنم بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمُ} [الأعراف:172]، قال البغوي في هذه الآية بعد ذكر الإسناد: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سُئِل عن هذه الآية: {وَإِذَ اَخَذَ رَبُّكَ مِنم بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذريَّاتِهِمْ} الآية، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فأخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فأخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال رسول (4/278)
صفحة 1500
الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار ... " إلى أن قال مقاتل من أهل التفسير: إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر يتحركون ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كالذر فقال: يا آدم هؤلاء ذريتك ثم قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. فقال للبيض: هؤلاء إلى الجنة برحمتي وهم أصحاب اليمين، وقال للسود: هؤلاء إلى النار ولا أبالي وهم أصحاب الشمال، ثم أعادهم في صلبه فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء.
قال الله فيمن نقض العهد الأول {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَّجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: 102].
وقال أهل التفسير: إن أهل السعادة أقرّوا طوعا, وأهل الشقاوة قالوه تقية وكرها, وذلك معنى قوله: {وَلَهُ, أَسْلَمَ مَن فيِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83] , واختلفوا في موضع الميثاق، وقال ابن عباس ببطن نعمان، وأراد إلى جنب عرفة.
وروي عنه أيضا أنه بدهناء من أرض الهند, وهو الموضع الذي هبط آدم عليه. وقال الكلبي: بين مكة والطائف. وقال السُّدِّي: أخرج الله آدم من الجنة ولم يهبطه من السماء ثم مسح ظهره فا وَلَهُ, أَسْلَمَ مَن فيِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا فأخرج ذريته.
وروي أن الله أخرجهم جميعا وصوَّرهم وجعل لهم عقولا يعلمون بها, وألسنة ينطقون بها ,- إلى أن قال – وقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} قال الزجاج: يحتمل أن يكون الله تعالى، جعل لأمثال الذر فهيما كما قال: {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَآ أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} [النمل:18]. وروي أن الله قال لهم جميعا: "اعلموا أنه لا إله غيري وأنا ربكم لا رب لكم غيري فلا تشركوا بي شيئا فإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن بي، وإني مرسل (4/279)
صفحة 1501
إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي، ومنزّل عليكم كتابا، تكلّموا جميعا فقالوا: شهدنا أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك, فأخذ بذلك ميثاقهم, ثم كتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم, فنظر إليهم آدم فرأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك, فقال: رب فلِمَ لا سوَّيت بينهم؟ فقال: إني أحب أن أُشكر, فلما أقرّهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض أعادهم إلى صلبه, فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ ميثاقه فذلك قوله: {وَإِذَ اَخَذَ رَبُّكَ مِنم بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ... } [الأعراف:172] أي من ظهور بني آدم ذريتهم .. الخ. فذكر القرءات، ثم قال: فإن قيل ما معنى قوله: {وَإِذَ اَخَذَ رَبُّكَ مِنم بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ} وإنما أخرجهم من ظهر آدم.
قيل إن الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتولد الأبناء من الآباء في الترتيب، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لماّ علم أنهم كلهم بنوه وأُخرِجوا من ظهره، قوله عز وجل: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمُ, أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} أي شهد بعضهم على بعض قوله: شهدنا أن تقولوا. قرأ أبو عمران: يقولوا بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما، لواختلفوا في قوله: (شهدنا) قال السدي: هوخبر من الله عز وجل عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم.
وقال بعضهم: هو خبر عن قول بني آدم حين أشهد الله بعضهم على بعض، فقالوا: بلى شهدنا
وقال الكلبي ذلك من قول الملائكة وفيه حذف تقديره لمّا قالت الذرية: بلى، قال الله للملائكة: اشهدوا، قالوا: شهدنا، فقوله: {أن يقولوا} يعني:”وأشهدهم على أنفسهم أن يقولوا“ أي: ”لئلا يقولوا“ ومن قرأ بالتاء فتقدير الكلام: ”أخاطبكم ألست بربكم لئلا تقولوا يوم القيامة {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف:172] عن هذا الميثاق والإقرار“ فإن قيل فكيف تلزم الحجة واحدا لا يذكر ذلك الميثاق؟ قيل: قد أوضح الله الدليل على وحدانيته وصدق رسوله فيما أخبر، فمن أنكر معاندا ناقضا للعهود لزمته الحجة، ونسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق صاحب المعجزة. (4/280)
صفحة 1502
قوله: «{أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنم بَعْدِهِمُ}» [الأعراف:173] أي كنا تبعا لهم فاقتدينا بهم فتجعلوا هذا عذرا لأنفسكم وتقولوا: {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف:173] أفتعذبنا بجناية آبائنا المبطلين؟ فلا يمكنكم أن تحتجوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق، الخ.
وإنما سقت هذا الكلام مع طوله لتعلقه بأخذ الميثاق على بني آدم وانقطاع عذرهم بالنظر إليه، والله يفعل في ملكه ما يشاء، {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23] ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وذكر صاحب الوضع رحمه الله في مناسك الحج، أن إقرار بني آدم عند أخذ الميثاق أودع عند الحجر الأسود، فإنه قال بعد كلام يتعلق بتقبيله، فقال عمر: يا أبا الحسن، وما تاويله من كتاب الله؟ فقال: قول الله تعالى: {وَإِذَ اَخَذَ رَبُّكَ مِنم بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ ... } الآية، فلما أقروا بالعبودية كتب إقرارهم في رقّ فألقمه هذا الحجر، فهو أمين الله في هذا المكان يشهد لمن وفاه يوم القيامة.
قوله: «فأبت طائفة وأجابت طائفة الخ»، ظاهره أنهم فعلوا ذلك ابتداء، وأنهم انقسموا قسمين فقط، والذي أحفظه أنهم انقسموا أولا إلى أربعة أقسام، ورجعوا بآخرة الأمر إلى قسمين.
وذلك أنهم حين أمروا بالسجود، سجدت طائفة فاستمرت على السجود وهم المؤمنون من أول الأمر إلى آخره، وأبت طائفة فاستمرت على الإباء وهم الكافرون من أول الأمر الخ، ثم نظرت طائفة من الذين سجدوا إلى الذين لم يسجدوا فقالوا: ما بال هؤلاء لم يسجدوا ونحن سجدنا؟ فرجعوا عن السجود ففعلوا مثلهم، وهم الذين آمنوا أولا ثم كفروا وماتوا على كفرهم، ثم نظرت طائفة من الذين لم يسجدوا إلى الذين سجدوا فقالوا: ما بال هؤلاء سجدوا ونحن لم نسجد؟ فسجدوا واستمروا على السجود وهم الذين كفروا أولا، ثم تابوا وماتوا على الإيمان.
جعلنا الله ممن ختم لهم بالسعادة أمين (4/281)
صفحة 1503
قوله: «فهذه الروايات تدل على أن الله خلق فعل العبد وأن العبد لم يفعله دون الله إذ قدره وعلمه الخ» فيه إشارة إلى أن فعل العبد له جهتان: جهة خلق تضاف إلى الله, وجهة كسب بحركة وسكون تضاف إلى العبد.
قال في القناطر في الرد على القدرية: ويروى أن رجلا سأل علي بن أبي طالب عن القدر, فقال: تسألني عن شيء تملكه مع الله أومن دون الله؟ إياك أن تتكلم فأضرب عنقك, قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ فقال: نعم إن كنت تملكه مع الله, فقد جعلت نفسك شريكا مع الله، وإن كنت تملكه من دون الله, فقد جعلت نفسك معبودا من دون الله. قال له: فما المخرج يا أمير المؤمنين؟ قال: أنت المالك لما ملّكك، والقادر على ما عليه أَقدَرَك، ولا حول لك عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة لك على طاعة الله إلا بتوفيقه. أما سمعت الناس يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. إلى أن قال: فلا يجري في العالم من حركة وسكون, ونفع وضر, وطاعة ومعصية, وإيمان وكفر, إلا بما جري به القلم وسبق به القضاء والقدر، وكذلك لا يطير طائر بجناحيه ولا يدب حيوان على بطنه أو رجليه, ولا تسقط ورقة, ولا تطرب بعوضة إلا بقضاء وقدر, وإرادة من الله تعالى ومشيئته، لا يجري بشيء من ذلك إلا وقد سبق به علمه, قال الله سبحانه: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ, إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} [الحديد:22] يعني من قبل أن نخلقها, يعني النفس. وقيل: قبل أن تخلق المصيبة، وقال لنبيه عليه السلام: { ... قُل لَّنْ يُّصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة:51] وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:" قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة, فالواجب على الإنسان امتثال ما أمر به, واجتناب ما نهى عنه, ولا يتكلف الخوض في القضاء والقدر, فإن ذلك من مخزون علم الله الذي استأثر به عن الخلق { ... لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23] ثم قال في محل آخر: اعلم أن زمام الأمور التوفيق, ولم ينزل من السماء إلى الأرض أقل من التوفيق وهو مقرون بالاجتهاد.
قال الله تعالى: {وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69]، (4/282)
صفحة 1504
وروي أن رجلا قال لعلي ابن أبي طالب، أرأيت إن جنبني الهدى أو سلك بي طريق الرداء أأحسن إليَّ أم أساء؟ قال علي: إن كنت استوجبت عليه شيئا فقد أساء، وإلا فهو يفعل في ملكه ما يشاء. وسأله رجل عن القدر فأعرض عنه، فأبي إلا الجواب، فقال علي: أخبِرني أخلقك الله كيف شئت أو كيف شاء؟ فأمسك الرجل فقال علي، للحاضرين أترونه يقول كيف شاء إذًا؟ وإلا ضُرب عنقه، فقال الرجل: كما يشاء، قال علي أيميتك كيف يشاء أم كيف تشاء؟ قال كما يشاء، قال فيدخلك حيث يشاء أو حيث تشاء؟ قال حيث يشاء، قال فليس لك من الأمر شيء. إلى أن قال: واعلم أن الهارب مما هو مقضي عليه كالمتقلب في يد الطالب، كما قيل:
وإذا خشيت من الأمور مقدرا ********* وفررتَ منه، نحوه تتوجه
وذُكر في كتاب سراج الملوك أن رجلا أخلَّ من خدمة السلطان بمدينة أسكندرية فظفر به عرفاؤه فبينما هو يقتادونه إذ مروا على بئر فترامى الرجل فيها، قال: ولهذه البئر أسراب يسير الرجل فيها قائما من أولها إلى آخرها فما زال الرجل يمشي تحت الأرض حتى وجد بئرا صاعدة فتعلق بها، فإذا هو في دار السلطان فقبضه وأدَّبه ففر بزعمه من السلطان فمشى إليه طائعا.
ويقال وقع الطاعون بالكوفة فمر ابن أبي ليلى على حمار له يطلب النجاة فسمع منشدا يقول:
لن يسبق الله على حمار ****** ولا على ذي ميعة طيّاري
أو يأتي الحتف على مقدار***** فيصبح الله أمام الساري
فكَرَّ راجعا إلى الكوفة، فقال إذا كان الله أمام الساري فلا مهرب الخ.
قوله: «سئل ابن عباس عن من زعم أن العباد لا يقدرون على الأخذ بما أمروا به ولا على الكف عما نهوا عنه ... » الخ، فلما فرغ رحمه الله من الرد على القدرية وهم المعتزلة الزاعمة بأن الإنسان يخلق أفعاله فكذبهم القرآن وأحاديث (4/283)
صفحة 1505
الرسول عليه السلام، كما تقدم، شرع هنا في الرد على المجبرة القائلة بأن العباد مجبرون على أفعالهم ومضطرون إليها، لا كسب لهم فيها ولا اختيار، كالميت في يد الغاسل، وزعموا أن الله تعالى أجبرهم على أفعالهم التي زجرهم عنها، ثم عذبهم عليها. والحجة عليهم: قوله تعالى: {جَزَآءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة:17]، وقوله: {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [التوبة: 82]، وقوله: {بِمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182]،وقوله: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [الزخرف: 76]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه لم يؤاخذهم بغير ما اكتسبوا ولم يعذبهم بغير ما اجترموا.
ومن الأحاديث الدالة على بطلان ما ذهب إليه المجبرة ما رواه صاحب السؤالات رحمه الله، حيث قال في الرد عليهم: وروي عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال "خمسة لا تطفأ نيرانهم: رجل أشرك بالله، ورجل عق والديه، ورجل سعى بأخيه إلى سلطان جائر، ورجل قتل نفسا محرمة، ورجل حمل على الله ذنبه " مثل من قال: هو مجبر ليس له فعل.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خصلتان لا تنفع معهما صلاة ولا صوم: الشرك بالله، وأن يزعم العبد أنه أجبره على معصية".
وروي أن رجلا من خثعم جاء إلى النبيء صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله متى يرحم الله عباده؟ قال:" ما لم يعملوا بالمعاصي، ثم يقولوا إنها من عند الله جبار ولو شاء ربنا ما أشركنا"
زاد في المسند: "ولا عصينا"، وقال قبل ذلك وروي عن علي ابن أبي طالب أنه لما رجع من صفين قام إليه شيخ فقال له: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء وقدر؟ فقال له علي: و الذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطئنا موطئا ولا هبطنا واديا إلا كان بقضاء وقدر، فقال له الشيخ أحتسب عنائي، والله ما أدري أن لي من الأجر شيئا، فقال له: بل لقد عظم الله أجركم في مسيركم، وأنتم سائرون وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم (4/284)
صفحة 1506
مكرهين، ولا إليها مضطرين، فقال له الشيخ: كيف لم نكن مضطرين، والقضاء والقدر علينا مسير؟ فقال له علي: ويلك أيها الشيخ، لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حاتما، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، والأمر من الله والنهي، والوعد والوعيد، ولم تكن تأتي لائمة لمذنب، ولا محمدة لمحسن، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء، ولا المسيء أولى بالذم من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان، وجند الشيطان، و خصماء الله وشهود الزور وأهل العمى عن الصواب، وهم قدرية هذه الأمة و مجوسها، إن الله أمر تخييرًا، ونهى تحذيرًا، وكلّف يسيرا, ولم يُطع مكرها، ولم يُعص مغلوبا، ولم يُرسل الرسل عبثا، ولم يَخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا، {ذَالِكَ ظَنُّ الذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص:27]. وأحفظ أنه قال له بعد ذلك:
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته***** يوم النشور من الرحمن رضوانا
أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا***** جزاك ربك عنا فيه إحسانا
وذكر في السؤالات أيضا في محل آخر ما نصه: قال الشيخ رحمه الله، ستة أشياء مبطلة للجبر، مثبتة للاختيار والاكتساب: الأمر والنهي والحمد والذم والثواب والعقاب.
قوله: «يوحيها إليهم إخوانهم من الشياطين ... الخ» قال البيضاوي في قوله تعالى: {يُوحِي بَعْضُهُمُ, إِلَى بَعْضٍ ... } [الأنعام:112] يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس الخ. وقال في قوله تعالى: {لِيُرْدُوهُمْ} [الأنعام:137]، ليهلكوهم بالإغواء, {وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} [الأنعام:137]، وليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل، أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به الخ.
أقول والثاني هو المناسب هنا والله أعلم.
قوله: «إن الله أمرني أن أعلمكم ما علمني .. الخ» لفظه في الجامع: "إن الله تعالى أمرني أن أعلمكم مما علمني, وأن أؤدبكم: إذا قمتم على أبواب (4/285)
صفحة 1507
حجركم فاذكروا الله يرجع الخبيث عن منازلكم, وإذا وضع بين يدي أحدكم طعام فليسمِّ, حتى لا يشارككم الخبيث في أرزاقكم، ومن اغتسل بالليل فليحاذر عن عورته فإن لم يفعل فأصابه اللََّمَمُ فلا يلومنَّ إلا نفسه، ومن بال في مُغْتَسَلِِهِ فأصابه الوسواس فلا يلومنّ إلا نفسه، وإذا رفعتم المائدة فاكنسوا ما تحتها, فإن الشياطين يلتقطون ما تحتها, فلا تجعلوا لهم نصيبا في طعامكم".
ولم يكتب عليه الشارح شيئًا, "واللمم" المراد هنا طرف من الجنون، قال في الصحاح بعد كلام على اللمم: واللمم أيضا طرف من الجنون، ورجل ملموم أي به لمم، ويقال أيضا أصابت فلانا من الجن لَمَّة وهو المس، والشيء القليل.
قوله: «خلقت عبادي ليعبدوني» , هذا الحديث مماثل لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] قال في السؤالات عند الكلام على أن الله لم يجبر أحدا على طاعة وهذه الآية من مشكل القرآن, وهي مخصوصة ليست عامة في جميعهم. وقالت الروافض عامَّةٌ, مَيْنًا منهم وغيظا من قلوبهم.
ورأيت في بعض الكتب ما نصه قوله عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} , لا ينافي في ذلك عدم عبادة الكافرين, لأن الغاية لا يلزم وجودها, كما في قولك: بَرَيْتُ القلم لأكتب به, أو لأن ذلك عام أريد به الخصوص, بدليل قوله: {وَلَقَدْ ذَرأنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا} [الأعراف:179]، ومن خلق لجهنم لا يكون للعبادة. والظاهر أن هذا مراد صاحب السؤالات رحمه الله.
وذكر في المواهب عند الكلام على تعليل بعض الأفعال بالحِكم والمصالح, أن معنى الآية: خلقتهم وفرضت عليهم العبادة, فالتعليل لفظي لا حقيقي, لأن الله مستغن عن المنافع الخ, فليراجع. وهذا التأويل هو المناسب لسياق الحديث والله أعلم.
ويحتمل أن يكون المعنى لأمرهم بالعبادة, وتكون عامة أيضا, ولا إشكال, كما يؤخذ من قوله في السؤالات: وهل يجوز خلق الله الكافرين للطاعة؟ يتجه أيضا إن كنت تريد ليأمرهم بالعبادة, فنعم الخ. (4/286)
صفحة 1508
قوله: «فأتتهم الشياطين فاغتالتهم ... » الخ أي اغتالت الكفار منهم، كما هو معلوم، والاغتيال هو: الأخذ من حيث لم يدر، قال في الصحاح: غاله الشيءُ واغتاله إذا أخذه من حيث لم يدر، الخ.
قوله: «أراد الله أن يسقيني فمنعتني»، يُتأمل ما معنى هذه العبارة، فإن الله تعالى إذا أراد شيئا كان فلا يتخلف المراد عن الإرادة كما هو معلوم، ولعله أطلق ذلك بحسب ما ظهر له عند الاستسقاء والإتيان باللبن، وإلا فمن المعلوم أنّ عبد الله بن عمر لا يجهل ذلك، والله أعلم. فليحرّر.
قوله: «فقال أُبَيّ إنه ليس كذلك ولكنهم شقوا وسعدوا بأعمالهم» الخ. أقول: ليس في كلام عمر رضي الله عنه ما ينافي ما قاله أُبَيّ رحمه الله. لأن معنى قوله سبق الشقاء للشقي، وشقي في بطن أمه أي: بعمله الذي سبق في علم الله أنه يكتسبه ويُذم عليه ويؤاخذ به، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ أولا، وفي صحيفته، أو على جبينه، أو في كل منهما، حين كان في بطن أمه كما تقدم. فكلام عمر رضي الله عنه موافق لقوله صلى الله عليه وسلم: "السعيد من بطن أمه والشقي من بطن أمه". أو كما قال. فأطلق كما أطلق صلى الله عليه وسلم لظهور المراد، ولا يظن به جَهلُ مثلِ هذا، ويدل على ذلك قوله «صَدَقْتَ» لأن التصديق إنما يصدر عن العالم بالحكم، والله أعلم.
قوله: «سبقت رحمة الله غضبَه»، لفظ الحديث في الجامع: قال الله تعالى: "رحمتي سبقت غضبي"، وفي رواية "إن الله تعالى لما خلق الخلق كتب بيده على نفسه إن رحمتي غلبت غضبي".
وفي البخاري: إن الله لما قضى الخلق، كتب عنده فوق عرشه "إن رحمتي سبقت غضبي".
قال العلقمي: قال في الفتح قوله: "لما قضىلله الخلق " أي خلق الخلق وهو كقوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [فصلت:12]، والمراد أوجد جنسه، وقضى: يُطلَق بمعنى حَكَمَ وأتقن وفرغ وأمضى. (4/287)
صفحة 1509
قوله: «كَتب» في رواية "كتب في كتابه"، أي: أمر القلم أن يكتب في اللوح المحفوظ، إلى أن قال: وقال الخطابي: المراد بالكتاب أحد شيئين: إما القضاء الذي قضاه الله، كقوله: {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة:21]، أي قضى ذلك. ويكون معنى قوله: "فوق العرش" أي: عنده علم ذلك، فهو لا ينساه ولا يبدله، كقوله: {فِي كِتَابٍ لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} [طه:52]. وأما اللوح المحفوظ الذي فيه أصناف الخلق، وبيان أمورهم وآجالهم وأرزاقهم وأحوالهم، ويكون معنى قوله: "فهو عنده فوق العرش "، و ذكره وعلمه، وكل ذلك جائز في التخريج الخ. إلى آخر ما أطال فيه من تنزيه الله تعالى عن المكان والحلول، وغير ذلك من صفات الأجسام.
ثم قال: قال ابن أبي جمرة: يؤخذ من كون الكتاب المذكور فوق العرش، أن الحكمة اقتضت أن يكون العرش حاملا لما شاء من أثر حكمة الله، وقدرته وغامض غيبه، ليستأثر هو بذلك من طريق العلم والإحاطة، فيكون من أكبر الأدلة على انفراده بعلم الغيب. وقد يكون ذلك تفسيرا لقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:05]، أي: ما شاء من أمر قدرته، و هو كتابه الذي وضعه فوق العرش.
وأما قوله: "عنده"، فقال ابن بطال: عند في اللغة: للمكان، والله منزه عن الحلول في المواضع، لأن الحلول عرض يفنى، وهو حادث، والحوادث لا تليق بالله. فعلى هذا قيل معناه: أنه سبَق علمه بإثابة من يعمل بطاعته، وعقوبة من يعمل بمعصيته.
ويؤيده قوله في الحديث الآخر: "أنا عند ظَنِّ عبدي بي"، ولا مكان هناك قطعا.
وقال الراغب: "عند" لفظ موضوع للقرب، ويستعمل في المكان وهو الأصل، و يستعمل في الاعتقاد، - إلى أن قال - ويستعمل في المرتبة، ومنه {اَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ} [آل عمران:169]، وأما قوله: {إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} [الأنفال:32]، فمعناه في حكمك. (4/288)
صفحة 1510
وقال ابن التين: معنى العِنْدِية في الحديث، العلم بأنه موضوع على العرش، وأما معنى كتبه فليس للاستعانة لئلا ينساه، فإنه منزه عن ذلك، لا يخفى عنه شيء، وإنما كتب من أجل الملائكة الموكلين بالمكلفين.
وقيل: معناه دون العرش، وهو كقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَّضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة:26]، والحامل على هذا التأويل استبعاد أن يكون شيء من المخلوقات فوق العرش.
ولا محذور في إجراء ذلك على ظاهره، لأن العرش خلق من خلق الله تعالى.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله "فهو عنده" أي ذَكَرَه، أو عَلِمَه، فلا تكون العندية مكانية، بل هي إشارة إلى كمال كونه مخفيا عن الخلق، مرفوعا عن حيِّز إدراكه.
إلى أن قال في قوله: "سبقت غضبي"،المراد بالغضب لازمه، وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب، والسبق والغلبة باعتبار التعلق، أي تعلق الرحمة غالب سابق على تعلق الغضب، لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة، وأما الغضب فإنه يتوقف على سابقة عمل من العبد الحادث. وبهذا التقرير يندفع إشكال من أورد وقوع العذاب قبل الرحمة في بعض المواطن الخ، فمثله بما يناسب مذهبه.
قال: وقيل معنى الغلبة الكثرة والشمول، تقول غلب على فلان الكرم أي: أكثر أفعاله، وهذا كله بناء على أن الرحمة والغضب، من صفات الذات.
وقال بعض العلماء: الرحمة والغضب، من صفات الفعل لا من صفات الذات، ولا مانع من تقدم بعض الأفعال على بعض، فتكون الإشارة بالرحمة إلى إسكان آدم الجنة أول ما خُلِقَ مثلا، ومقابله ما وقع من إخراجه منها. وعلى ذلك استمرت أحوال الأمم بتقديم الرحمة في خلقهم بالتوسيع عليهم من الرزق وغيره، ثم يقع بهم العذاب على كفرهم، إلى أن قال: وقال الطيبي: في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، الخ. (4/289)
صفحة 1511
أقول: ويدل لهذا القول قوله تعالى: {وَلَوْ يُوَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ} [النحل:61]، قلنا: وإنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق، فالرحمة تشمل الشخص جنينا ورضيعا وفطيما وناشئا، قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك.
قال: لأن الرحمة في اللغة: رقة القلب، والغضب: انحسار النفس وغليان الدم. وكله محال على الله، فوصفه تعالى بهما مجاز لابد من تأويله.
و اختلف العلماء في ذلك فقالوا: الرحمة والغضب والرضى في حقه تعالى، إما يرجعان إلى صفة معنى، هي صفة الذات وهي: الإرادة، فإرادته الإثابة للمطيع، ومنفعته للعبد تسمى: رضى ورحمة، وإرادته عقاب العاصي وخذلانه، يسمى: غضبا، فهو مجاز. وإرادته سبحانه وتعالى صفة له قديمة، فهي واحدة، أو يرجعان إلى نفس التنعيم والعقاب، فهما من صفات الأفعال، وهذان قولان للمحققين. وزاد بعضهم: رجوعهما إلى صفة الكلام، بمعنى الثناء أو الذم.
أقول: ويمكن الجمع بمثل هذا بين أصحابنا من أهل المغرب، وبين أصحابنا من أهل الجبل، و المشارقة، فإن أهل المغرب يقولون: إن السخط والرضى صفتا ذات، ترجعان إلى الولاية والعداوة، وأهل الجبل و المشارقة يقولون: إنهما من أفعاله، مرادا بهما الثواب والعقاب كما بين في محله، والله أعلم، فليراجع.
فيؤول الأمر إلى أن الخلاف بينهم رحمهم الله في الحقيقة لفظي، والله أعلم.
قوله: «صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي»، ذكر في الجامع فيهما روايات.
منها: "صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب، المرجئة والقدرية"، ومنها: "صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي يوم القيامة، المرجئة والقدرية"، ومنها: "صنفان من أمتي لا يَرِدان على الحوض، ولا يدخلان الجنة، القدرية والمرجئة"، وقد تقدم الكلام عليهما بما فيه كفاية، لكن ذكر العلقمي فيهما كلاما لا بأس بإيراده. (4/290)
صفحة 1512
قوله: «قيل: فمن المرجئة؟ قال: الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل، والقدرية الذين يعملون بالمعاصي، ويقولون هي من الله إجبار، الخ " انظر لما وقع السؤال عن المرجئة دون القدرية؟ ولعله لوضوح معنى القدرية دون المرجئة، والله أعلم.
ثم ظاهر الحديث يدل على أن لفظ المرجئة يطلق على فرقتين متباينتين، بدليل إعادته اسما ظاهرا، فلو كان اسما لفرقة واحدة لقال: وهم الذين يعملون بالمعاصي، الخ.
وذكر العلقمي فيهم المعنيين، وغلط من قال بأنهم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، حيث قال:
وهذا الحديث يدخل في علامات النبوة لإعلام النبيء صلى الله عليه وسلم بأن هذين الصنفين سيوجدان في أمته، إلى أن قال:
ثم قال شيخنا: قال التوربشتى في شرح المصابيح: الصنف: النوع، قيل: المرجئة هم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فيؤخرون العمل عن القول وهذا غلط، لأنا وجدنا أكثر أصحاب الملل والنحل ذكروا أن المرجئة هم الجبرية، الذين يقولون بإضافة الفعل إلى العبد كإضافته إلى الجمادات، والجبرية خلاف القدرية.
أقول: الحق أنه لا يغلط من قال: إن المرجئة هم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، لثبوت ذلك في الحديث.
ولكن بقي الكلام، هل المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، هم المرجئة الذين يضيفون أفعال العبد إلى الله، و يجعلون الإنسان كالميت في يد الغاسل، أو غيرهم؟ فليحرر.
عدنا، قال: وسميت الجبرية مرجئة، لأنهم يرجئون أمر الله ويرتكبون الكبائر، يذهبون في ذلك إلى الافراط، كما ذهبت القدرية إلى التفريط، وكلا الفريقين على شفا جرف هار. والقدرية إنما نُسبوا إلى القدر، وهو ما يقدره الله تعالى، لأنهم يدّعون أن كل عبد خالق فعله، من الكفر والمعصية، ونفوا أن ذلك بتقدير الله.
قال: وقوله "ليس لهما في الإسلام نصيب "، ربما تمسك به من يكفر الفريقين. (4/291)
صفحة 1513
والصواب أن لا يسارع إلى تكفير أهل الأهواء المتأولين، لأنهم أي القدرية لا يقصدون بذلك اختيار الكفر، وقد بذلوا وسعهم في إصابة الحق، فلم يحصل لهم غير ما زعموا، فهم إذًا بمنزلة الجاهل أو المجتهد المخطىء، وهذا القول هوالذي ذهب إليه المحققون من علماء الأمة نظرا واحتياطا، فجرى قوله "ليس لهما نصيب "، مجرى الاتساع في بيان سوء خطئهم، وقلة نصيبهم من الاسلام، نحو قولك للبخيل: ليس له من ماله نصيب.
وقال في النهاية: المرجئة: فرقة من فرق الاسلام، يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. سموا مرجئة لاعتقادهم أن الله تعالى أرجأ تعذيبهم على المعاصي، أي أخره عنهم، الخ.
أقول: هذا مما يدل على أن المرجئة هم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فلا معنى للتغليط المتقدم. والمصنف رحمه الله، إنما ساق الحديث للاستدلال على المرجئة فدل على أن الجبرية يسمون مرجئة، لكن الظاهر كما تقدم أن المرجئة فرقتان، والله أعلم.
ثم رأيت في غالب النسخ، والقدرية الذين يعملون بالمعاصي، الخ. فعلى هذا يكون للقدرية إطلاقان، أحدهما: الذين ينفون عن أفعالهم قدر الله، ويضيفونها لأنفسهم، ويقولون إن الانسان يخلق أفعاله، وهم المعتزلة، وهم المشهورون بالقدرية. ولم ينصب أهل المغرب الجدال في القدر إلا معهم، وكذلك في كتب قومنا.
قال في الصحاح: والجبر خلاف القدر، قال أبوعبيدة: هو كلام مُوَلد، والجبرية (بالتحريك) خلاف القدرية، الخ.
وذكر ثعلب أن الجبرية (بإسكان الباء)، وتقدم الكلام معهم، وسبب تسميتهم بذلك. والثاني: الذين يضيفون أفعالهم إلى قدر الله، ولا يثبتون لأنفسهم كسبا ولا اختيارا، وحملوا ذنوبهم على اللهن وهم الجبرية، فيلزم أن يكون الله ظالما لهم، حيث عذبهم على ما ليس لهم فيه كسب، تعالى عما يقولون علوا كبيرا.
وقد تقدم الرد عليهم، وكلتا الفرقتين على شفا جرف هار، والله أعلم. (4/292)
صفحة 1514
عدنا، قال: والمرجئة (تُهمَز ولا تُهمَز) و كلاها بمعنى التأخير، يقال: أرجأت الأمر وأرجيته إذا أخرته، فتقول من الهمز: رجل مرجأ، وهم المرجئة، النسب مُرجِىء، مثل: مُرجِع ومُرجِعة ومُرجِعي، وإذا لم تهمز قلت: رجل مُرج و مُرجية ومُرجِي مثل: مُعطِ ومُعطِية ومُعطِي، انتهى كلامه رواية عن غيره.
قوله: (هي من الله جبار منا)، هكذا فيما رأيناه من النسخ، والمناسب لاعتقادهم أن يقولوا: مُجبِر لنا، ولعله (بضم الجيم، وتخفيف الباء) بمعنى: هدر.
قال في الصحاح: يقال: ذهب دمه جبارا، وفي الحديث "المعدن جبار" أي: إذا انهار على من يعمل فيه لم يؤخذ به مستأجِره، الخ.
ولعل مُرادهم أنهم لم يصدر منهم ما يؤاخذون به، حيث كان ذلك بغير اختيارهم ـ قبحهم الله ـ مع أن الله يقول: {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأنعام:129]، {بِمَا يَعْمَلُونَ} [البقرة:96]، إلى غير ذلك.
وأما انتصابه، فلعله حال من الضمير المستتر في الجبر، أي: هي كائنة من الله حال كونها جبارا منا أي: هدرا، والله أعلم.
قوله: «فإن كان صوابا فمن الله»، يعني: فضلا وامتنانا، لأن كل نعمة منه فضل لقوله عز وجل: {مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء:79].
قوله: «وإن يكن خطأ فمني»، أي: كسبا، وأنا السبب فيه، لقوله تعالى: {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}، أي: فأنت السبب فيها، لقوله تعالى {وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةِم بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى:30] , وقالت عائشة رضي الله عنها: "ما من مسلم يصيبه وَصَبٌ ولا نَصَبٌ حتى الشوكة يُشاكُها و حتى انقطاع شَسْعِ نعله إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر".
قوله: «ومن الشيطان» أي: وسوسة، ولا قدرة له على أكثر من ذلك، وأما الخلق فمن الله، لقوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ} [النساء: 78]، أي: إيجادا وإيصالا، غير أن الحسنة إحسان وامتنان، والسيئة مجازاة وانتقام، فلا منافاة بينه وبين قوله: {مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء:79]، ففي (4/293)
صفحة 1515
كلام أبي بكر رضي الله عنه رد على الجبرية، حيث حملوا ذنوبهم على الله، وزعموا أن العباد مجبرون ومضطرون ومطبوعون على أفعالهم كما تقدم.
قوله: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه، ويعدل، الخ»، إنما يفعل هذا النبيء صلى الله عليه وسلم على جهة الاستحباب، لأن من خصوصياته صلى الله عليه وسلم أنه لا تجب عليه العدالة بين نسائه، لقوله عز وجل {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ} [الأحزاب:51] أي: تؤخر وتترك مضاجعتها، {وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} [الأحزاب:51]، أي: وتضم إليك وتضاجعها، وأما المسلمون فتجب عليهم العدالة بين نسائهم بحسب الطاقة.
قال أبوزكريا رحمه الله في كتاب النكاح: وإذا كان لرجل امرأتان أو أكثر من ذلك فعليه أن يعدل بينهن في النفقة، والكسوة والجماع.
وقيل: إن الشدة في العدالة في الجماع.
وظاهر كلامه رحمه الله: أنه يُترخص في ترك العدالة في النفقة والكسوة، ولا يُتَرخص في الجماع، و المصرح به في كتب الغير أن التسوية في الجماع مستحبة لا واجبة.
قال العلقمي في شرح هذا الحديث: قال النووي: مذهبنا أنه لا يلزم الزوج أن يقسم لنسائه، بل له اجتنابهن كلهن، لكن يكره له تعضيلهن، مخافة من الفتنة عليهن والإضرار بهن، فإن أراد القسم لم يجز له أن يبتدىء بواحدة منهن إلا بقرعة، ويجوز أن يقسم ليلة ليلة، وليلتين وليلتين، وثلاثا وثلاثا، ولا يجوز أقل من ليلة، ولا تجوز الزيادة على الثلاث إلا برضاهن، هذا هو الصحيح من مذهبنا.
واتفقوا على أنه: يجوز أن يطوف عليهن كلهن، ويطأهن في الساعة الواحدة برضاهن، ولا يجوز ذلك بغير رضاهن.
وإذا قسم كان لها اليوم الذي بعد ليلتها، ويقسم للمريضة والحائض و النفساء، لأنها يحصل لها الأنس به، ولأنه يستمتع بها بغير الوطء من قبلة ولمس ونظر وغير ذلك. قال أصحابنا وإذا قسم، لا يلزمه الوطء ولا التسوية فيه، بل له أن يبيت عندهن، ولا يطأ واحدة منهن، وله أن يطأ بعضهن في نوبتها دون بعض، لكن يستحب أن لا يعضلهن ويسوي بينهن في ذلك. (4/294)
صفحة 1516
ثم رأيت في منهاج الطالبين للشيخ خميس بن سعيد ـ رحمه الله ـ ما يشعر بذلك، حيث قال بعد كلام: وأما الجماع فلا نعلم أن عليه لهما في ذلك شيئا محدودا، لأن ذلك مما لا يملك، إلى أن قال:
ومن تزوج امرأة على امرأة، فعدل في الأيام والشهور، ولم يعدل في الجماع، ولم يترك ذلك ميلا عنها، ولا أثرة للأخرى، وإنما ذلك لهواه فيها، لأن القلب هو الغالب فلا بأس عليه، الخ.
قوله: «هذا فعلي فيما أملك» فيه ردٌّ على الجبريَّة، حيث أضاف الفعل إلى نفسه.
قوله: «فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»: الرواية في الجامع: «فيما تملك ولا أملك»، وهي الظاهر. والمراد ـ والله أعلم ـ ما يتعلَّق بالقلب من الميل إلى إحداهنَّ دون الأخرى؛ لأنَّ أمر القلب بيد الله كما ورد في الحديث على طريق التمثيل: "القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبه كيف يشاء"، ففي الحديث إشارة إلى قوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129]. قال: البيضاوي: لأنَّ العدل أن لا يقع ميل البتَّة، وهو متعذِّر؛ ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: «هذه قسمتي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك»، إلى أن قال في قوله: {فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} [النساء: 129] بترك المستطاع والجور على المرغوب عنها؛ لأنَّ مالا يدرك كله لا يترك كله.
قوله: «لَعَنَ اللَّهُ الزَّائِدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ»: لفظ الحديث في الجامع: «سبعة لعَنْتُهم وكلُّ نبيء مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذِّب بقدر الله، والمستحلُّ حرمة الله، والمستحلُّ من عترتي ما حرَّم الله، والتارك لسنَّتي، والمستأثر بالفيء، والمتجبِّر بسلطانه ليعزَّ من أذلَّ الله، ويذلَّ من أعزَّ الله». قال شارحه في قوله: «الزَّائِد فِي كِتَابِ اللَّهِ» قال شيخنا: قال الطيبي يجوز أن يراد به من يدخل في كتاب الله ما ليس منه، أو أن يتأوَّله بما ينبو عنه اللفظ، كما فعلته اليهود بالتوراة من التبديل والتحريف. والزيادةُ في كتاب الله كفرٌ، و تأويله بما يخالف الكتاب والسنَّة بدعة. (4/295)
صفحة 1517
قوله: «وَمَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ فَقَدْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ أَجْمَعَ» المراد من الكفر هنا كفر الشرك لأنه مكذِّب لله، والمكذِّب لله مشرك، قال الشيخ أبو نصر رحمه الله:
ومن صادم المنصوص بالردِّ مشرك ***** ومن أخطأ التأويل نافق بالمين
ومن ردَّ حرفا أو رسولا فإنَّه***** بردِّ جميع المرسلين كفرعون
قال الشارح رحمه الله بعد كلام طويل ما نصُّه: مسألة: قال أصحابنا: من أنكر نبيًّا من الأنبياء، أو ملكا من الملائكة، أو حرفا من كتاب الله، أو فريضة من المنصوصات فهو مشرك، كمن أنكر الله وملائكته وكتبه ورسله؛ لأنَّ الله تعالى يقول: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 123] في أمثالها من القرآن، فأخبر أنهم كذَّبوا جميع رسله بتكذيبهم هودا عليه السلام؛ وكذَّبوا الله بذلك لأنَّ ذلك من صفات الله عزَّ وجلَّ يوصف بأنه باعث المرسلين، ومنزل الكتب على النبيئين والمرسلين.
قوله: «إِنَّ هَاتَيْنِ أَفْضَلُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ ... » الخ: يُتأمَّل هذا مع ما ورد في بعض الأحاديث عند قومنا، منها: "والجامع أفضل القرآن: {اِلْحَمْدُ للهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ} "، ومنها فيه: "أفضل القرآن سورة البقرة، وأعظم آية فيه آية الكرسي، وإنَّ الشيطان ليخرج من البيت إن سمع تُقرأ فيه سورة". وفي حديث آخر: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تعدل ثلث القرآن، و {قُلْ يَآ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} تعدل ربع القرآن، مع ما ورد في سورة الكهف ويس والدخان و {إِذَا وَقَعَت} وتبارك الملك، و {إِذَا زُلْزِلَت}، وغير ذلك من السور كما هو معلوم.
والظاهر ـ والله أعلم ـ أنه يجاب عن التفضيل في السور بما يجاب به عن التفضيل في الأعمال في نحو: "أفضل الأعمال الصلاة لوقتها"، "أفضل الأعمال برُّ الوالدين والجهاد في سبيل الله"، "أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سرورا، أو تقضي عنه دينا، أو تطعمه خبزا"، إلى غير ذلك من الأحاديث.
وقد ذكر في الجامع من ذلك شيئا كثيرا، قال الشارح العلقمي: قال العلماء: اختلاف الأجوبة في ذلك باختلاف الأحوال واحتياج المخاطبين، وَذَكَرَ ما لا يعلمه السائل والسامعون، وَتَرَكَ ما علموه. (4/296)
صفحة 1518
ويمكن أن يقال: إنَّ لفظة "من" مرادة، كما يقال: "فلان أعقل الناس"، والمراد: مِنْ أعقلهم، ومنه حديث: "خيركم خيركم لأهله"، ومن المعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس ... الخ. وأظن أنه تقدم الكلام على هذا.
وممَّا يدلُّ على فضل المعوِّذتين ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بمعوِّذات وينفث، فلمَّا اشتدَّ وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها".
وروى عنها أيضا أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كلَّ ليلة جمع كفَّيه ثمَّ نفث فيهما، فقرأ فيهما {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {قُلَ اَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلَ اَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، ثمَّ يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرَّات. وقد تقَّدم الكلام على هذا أيضا. وتكلَّم الشارح العلقميُّ على قوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل القرآن {اِلْحَمْدُ للهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ} " بكلام طويل لكن أورده لكثرة فوائده:
قال: قال شيخنا: اختلف الناس هل في القرآن شيء أفضل من شيء؟ فذهب الإمام أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاَّني وابن حبَّان إلى المنع؛ لأنَّ الجميع كلام الله، ولئلاَّ يوهم التفضيلُ نقصَ المفضَّل عليه، وروي هذا القول عن مالك. قال: يحيى بن يحيى: تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ.
وذهب آخرون إلى التفضيل لظواهر الأحاديث، منهم: إسحاق بن راهوية وأبو بكر بن العربي والغزالي. وقال القرطبيُّ: إنَّه الحقُّ، ونقله عن جماعة من العلماء والمتكلِّمين.
وقال ابن الحطَّاب: العجب ممَّن يذكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة بالتفضيل!.
وقال الشيخ عزُّ الدين بن عبد السلام: كلام الله في الله أفضل من كلامه في غيره، فـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أفضل من {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ}. واختلف القائلون بالتفضيل، فقال بعضهم: الفضل راجع إلى عِظَم الأجر ومضاعفة الثواب بحسب انتقالات النفس وخشيتها وتدبُّرها وتفكُّرها عند ورود أوصاف العَليِّ. (4/297)
صفحة 1519
وقيل: بل يرجع إلى اللفظ وما تضمَّنه، فقوله تعالى: {وَإِلَهُكُمُ, إِلَهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: 163]، وآية الكرسي وآخر سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيَّته وصفاته ليس موجودا مثلا في {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ}، وما كان مثلها فالتفضيل إنَّما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها. وقال الحليمي ونقله عن البيهقيِّ: يعني التفضيل يرجع إلى أشياء:
أحدها: أن يكون العمل بها أولى من العمل بالأخرى وأَعْوَد على الناس، وعلى هذا يقال: آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد خير من آيات القصص؛ لأنها إنما أريد بها تأكيد الأمر والنهى والإنذار والتبشير، ولا غنى بالناس عن هذه الأمور، وقد يستغنون عن القصص، فكان ما هو أعود عليهم وأنفع لهم مما يجرى مجرى الأصول خيرا لهم مما يجعل تبعا لما لا بدَّ منه.
الثاني: أن يقال: الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء الله وبيان صفاته والدلالة على عظمته أفضل بمعنى أنَّ مخبراتها أسنى وأجلُّ قدرا.
الثالث: أن يقال: سورة خير من سورة، وآية خير من آية، بمعنى أن القارئ يتعجَّل بقراءتها فائدة سوى الثواب الآجِل، وتتأدَّى منه بتلاوتها عبادة كقراءة آية الكرسي والإخلاص والمعوِّذتين، فإنَّ قارئها يتعجَّل الاحتراز ممَّا يخشى والاعتصام بالله، وتتأدَّى بتلاوتها عبادة الله فيها، من ذكره سبحانه بالصفات العلى على سبيل الاعتقاد لها وسكون النفس إلى فضل ذلك الذكر وبركته.
أقول: والظاهر ـ والله أعلم ـ أنَّ هذا الثالث هو المناسب لرواية المصنِّف رحمه الله، فإنَّ قارئ المعوِّذتين يتعجَّل بقراءتهما سوى الثواب الآجل من التعوُّذ والاحتراز ممَّا يخشى والاعتصام بالله ما لا يحصل بغيرهما؛ ولذلك كان يقرؤهما صلى الله عليه وسلم كلَّ ليلة عند إرادة النوم كما تقدَّم، فكانتا من هذا الوجه أفضل سورة في القرآن وغيره من الكتب، والله أعلم.
عدنا، وقد يقال: إنَّ سورة أفضل من سورة لأنَّ الله جعل قراءتها كقراءة أضعافها ممَّا سواها، وأوجب بها من الثواب ما لم يوجب بغيرها، وإن كان المعنى الذي لأجله بلغ بها هذا المقدار لا يظهر لنا، كما يقال: إنَّ يوما أفضل من يوم، وشهرا أفضل من شهر، بمعنى أنَّ العبادة فيه تَفْضُلُ على العبادة في غيره، (4/298)
صفحة 1520
والذنب فيه أعظم منه في غيره، وكما يقال: إنَّ الحَرَمَ أفضل من الحلِّ لأنه يتأدَّى فيه من المناسك ما لا يتأدَّى في غيره، والصلاة فيه تكون كصلاة مضاعفة ممَّا تقام في غيره.
قال الحسن البصري: "إنَّ الله أودع علوم الكتب السالفة في القرآن، ثمَّ أودع علوم القرآن في الفاتحة، فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع الكتب المنزلة"، أخرجه البيهقي.
وبيان اشتمالها على علوم القرآن قرَّره الزمخشريُّ باشتمالها على الثناء على الله تعالى بما هو أهله، وعلى التعبُّد بالأمر والنهي وعلى الوعد والوعيد، وآيات القرآن لا تخلو عن هذه الأمور.
وقال الإمام فخر الدين: المقصود من القرآن كلِّه تقرير أربعة أمور: الإلهيات والمعاد والنبوَّات وإثبات القضاء والقدر. فقوله تعالى: {اِلْحَمْدُ للهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ} ما يدلُّ على الإلهيَّات، وقوله {مَلِكِ يَومِ اِلدِّينِ} يدلُّ على المعاد، وقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يدلُّ على نفي الجبر وعلى إثبات أنَّ الكلَّ بقضاء الله وقدره، وقوله: {اهْدِنَا اَلصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} إلى آخر السورة يدلُّ على إثبات قضاء الله وعلى النبوَّات، فلمَّا كان المقصد الأعظم من القرآن هذه المطالب الأربعة وهذه السورة مشتملة عليها سمِّيت أمَّ القرآن.
قال شيخنا: قلت: ولا تنافي أيضا بين كون الفاتحة أعظم السور وبين الحديث الآخر: "البقرة أعظم السور"؛ لأنَّ المراد به ما عدا الفاتحة من السور التي فصِّلت فيها الأحكام، وضربت الأمثال، وأقيمت الحجج، إذ لم تشتمل سورة على ما اشتملت عليه؛ ولذلك سميت: "فسطاط القرآن". قال ابن العربي في أحكامه: سمعت بعض أشياخي يقول: فيها ألف أمر، وألف نهي، وألف حكم، وألف خبر. ولعظيم فقهها أقام ابن عمر ثمان سنين على تعلُّمها، أخرجه مالك في الموطَّأ. قال ابن العربي أيضا: وإنَّما صارت آية الكرسيِّ أعظم الآيات لعظم مقتضاها، فإنَّ الشيء إنَّما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه ومتعلَّقاته، وهي في آي القرآن كسورة الإخلاص في سوره، إلاَّ أنَّ سورة الإخلاص تفضلها بوجهين: (4/299)
صفحة 1521
أحدهما: أنها سورة وهذه آية، والسورة أعظم؛ لأنه وقع التحدِّي بها، فهي أفضل من الآية التي لم يتحدَّ بها.
والثاني: أنَّ سورة الإخلاص اقتضت التوحيد في خمسة عشر حرفا، وآية الكرسي اقتضت التوحيد في خمسين حرفا، فظهرت القدرة في الإعجاز بوضع معنى معبَّر عنه بخمسين حرفا ثمَّ يعبَّر عنه بخمسة عشر حرفا، وذلك بيان لعظيم القدرة والانفراد بالوحدانيَّة.
قال الغزالي: إنَّما قال صلى الله عليه وسلم: في الفاتحة أفضل وفي آية الكرسي سيِّدة لِسِرٍّ، وهو أنَّ الجامع بين فنون الفضل وأنواعها الكثيرة يسمَّى أفضل، فإنَّ الفضل هو الزيادة، والأفضل الأزيد، وأمَّا السؤدد فهو رسوخ معنى الشرف الذي يقتضي الاستتباع ويأبى التبعيَّة، والفاتحة تتضمَّن التنبيه على معان كثير، ومعارف مختلفة فكانت أفضل، وآية الكرسي تشتمل على المعرفة العظمى التي هي المقصودة المتبوعة التي تتبعها سائر المعارف، فكان اسم السيِّد بها أليق.
قال الشيخ عزُّ الدين بن عبد السلام: القرآن على قسمين: فاضل وهو كلام الله في الله، ومفضول وهو كلام غيره عن غيره، كقوله تعالى حكاية عن فرعون: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنِ اِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]، وكحكايته عن الكفَّار ونحو ذلك.
قال شيخنا: بل هو ثلاثة أقسام: أفضل وفاضل ومفضول؛ لأنَّ كلامه تعالى فيه ومنه أفضل من بعض كتفضيل الفاتحة والإخلاص، انتهى.
تنبيه: قال شيخنا: ذكر كثيرون في أثر: أن الله جمع علوم الأوَّلين والآخرين في الكتب الأربعة، وعلومها في القرآن، وعلومه في الفاتحة، فزادوا: وعلوم الفاتحة في البسملة، وعلوم البسملة في بائها. ووُجِّه بأنَّ المقصود من كلِّ العلوم وصول العبد إلى الربِّ، وهذه الباء باء الإلصاق، فهي تلصق العبد بجانب الربِّ، وذلك كمال المقصود، ذكره الإمام الرازي وابن النقيب في تفسيريهما، وقالا في حديث: "أفضل القرآن سورة البقرة، وأعظم آية فيه آية الكرسي" ما نصه: قال شيخنا: قال البيضاوي: إنَّما كان أعظم آية لأنها مشتملة على أمَّهات المسائل الإلهيَّة فإنَّها دالَّة على أنَّه تعالى واحد في الإلهية، (4/300)
صفحة 1522
متَّصف بالحياة، قائم بنفسه، مُقوِّم لغيره، منزَّه عن التحيُّز والحلول، مبرَّأ عن التغيُّر والفتور، لا يناسب الأشباح، ولا يعتريه ما يعتري الأرواح، مالك الملك والملكوت، مبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد، الذي لا يشفع عنده إلاَّ من أذن له، العالم وحده بالأشياء كلِّها، جليِّها وخفيِّها، كلِّيِّها وجزئيِّها، واسع الملك والقدرة، لا يئوده شاقٌّ، ولا يشغله شأنٌ، متعال عن أن يدركه وَهْمٌ، عظيم لا يحيط به فهم.
قوله: «وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنَ القُرْآنِ، فَقَدْ كَذَبُوا وَأَثِمُوا»: انظرْ لم لَمْ يحكم عليهم بالشرك، مع أنه ذكر أوَّلا أنَّ «وَمَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ فَقَدْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ أَجْمَعَ»، يعني لأنه مكذِّب بالله رادٌّ لما كان، ولعلَّه محمول على ما إذا كان الردُّ مصادمة من غير تأويل، بخلاف المعوِّذتين فإنَّ من لم يجعلهما من القرآن متأوِّل مع أنه مقرٌّ بأنهما من كلام الله؟!. وقد نُسب في بعض كتب قومنا القولُ بهذا لابن مسعود رضي الله عنه، وأظنُّ أنه يتحاشى عن ذلك.
قال صاحب هذا الكتاب، أي شارح الجامع: رُوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّه قال: جميع سور القرآن مائة واثنتا عشرة سورة. قال الفقيه: إنما قال: مائةً واثنتي عشرة سورة لأنه كان لا يعدُّ المعوِّذتين، وكان لا يكتب هاتين السورتين في المصحف، وكان مقرًّا بأنهما منزلتان من السماء، وهما من كلام ربِّ العالمين، لكنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم كان يرقى بهما ويعوذ بهما، فاشتبه عليه أنهما من القرآن أو ليستا من القرآن فلم يكتبهما في المصحف. وقال مجاهد: جميع سور القرآن مائة وثلاث عشرة سورة، وإنما قال ذلك لأنه كان يعدُّ سورة الأنفال والتوبة سورة واحدة. وقال أبيُّ بن كعب رضي الله عنه: جميع سور القران مائة وستَّ عشرة سورة، وإنَّما قال ذلك لأنه كان يعدُّ القنوت سورتين إلى أن قال: وقال زيد بن ثابت رضي الله عنه: جميع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، وهذا قول عامَّة أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهكذا في مصحف الإمام وفي مصاحف أهل الأمصار، وعامَّة العلماء على هذا. (4/301)
صفحة 1523
قوله: «وَلَوْ أَنَّ أَحَدًا زَادَ فِيهِ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ كَانَ عِنْدَ الأُمَّةِ كَافِرًا»: لم يفرِّق رحمه الله بين من يزيد فيه أو ينقص، منه وهو الذي يدلُّ عليه ظاهر قوله تعالى: {فَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ, أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [الزمر: 32]. وقوله: {وَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا اَوْ كَذَّبَ بِئَايَاتِهِ ... } الآية [الأنعام: 21]، إلى غير ذلك من الآيات.
ولكنَّ أصحابنا رحمهم الله تعالى فرَّقوا بينهما، فقالوا: الكاذب على الله منافق، والمكذِّب لله مشرك، فالكاذب على الله زاد ما لم يكن، والمكذِّب لله ردَّ ما كان. قال الشيخ إسماعيل رحمه الله في شرح النونيَّة: وقال أصحابنا وشيوخ أهل المغرب فيما وجدت عنهم: إنَّ من دان بدين من المخطئين في التأويل فكان به على الله شاهدا وفي شهادته عليه كاذبا أنه يبرأ منه ويشهد على فعله بالضلال والكفر، لقول الله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ... } الآية [الزمر: 60]، وقوله: {وَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا اَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءهُ ... } الآية [العنكبوت: 68]، أقول: التلاوة {فَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ ... } الآية [الزمر:32].
عدنا: فأجمل بالوعيدِ والتكفيرِ الكاذبَ عليه في التأويل والمكذِّبَ له في التنزيل، وأمَّا أسماؤهم وأحكامهم فمختلفة، فالمكذِّب لله مشرك غير متأوِّل؛ لأنه رادٌّ على الله مواجهةً، مثل من قال في شيء أنزله الله: لم ينزله. إلى أن قال: وأمَّا الكاذب على الله فهو منافق متأوِّل، مثل من زعم أنَّ الله يُرى يوم القيامة، وتأوَّل قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ اِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 24]، ومثل من زعم أنَّ أفعال العباد غير مخلوقة، وأنَّ القرآن غير مخلوق، وأنَّ أسماء الله مخلوقة، وأنَّ الله جبر العباد على أفعالهم، في أمثال هذا مما يطول ذكره، فإنَّ هؤلاء وأمثالهم من أهل التأويل كفَّار غير مشركين ... الخ. (4/302)
صفحة 1524
لكنَّ ظاهرَ كلامه رحمه الله أنَّ الكاذب على الله الذي يحكم عليه بكفر النفاق دون الشرك إنما هو المتأوِّل المخطئ في تأويله كسائر الفرق، وأمَّا من زعم أنَّ الله أرسل رسولا وهو يعلم أنه لم يرسله، وأنزل كتابا وهو يعلم أنه لم ينزله، أو زاد في القرآن شيئا من غير تأويل، مع علمه بأنه كاذب في ذلك، فالظاهر أنه مشرك أيضا؛ ولذلك سوَّى ابن عبَّاس رضي الله عنه بينهما في الكفر، وجزم العلقميُّ بذلك فيما تقدَّم، والله أعلم.
وربما يدلُّ على ذلك قول الشيخ إسماعيل رحمه الله: وأمَّا المخطئ في صفة النبيء أو الملَك فهو عند أصحابنا مشرك على كلِّ حال؛ لأنه أثبت النبوءة لغير نبيء، وأزالها عن النبيء، وجعل غير الملَك ملَكا بقوله ذلك؛ فعلى هذا يكون معنى قول صاحب العقيدة: فالكاذب على الله من قال: إنَّ الله أنزل كتابا وهو لم ينزله، أو أرسل رسولا وهو لم يرسله، أنَّه قال ذلك بالتأويل من غير قصد إلى الكذب، كمن يقول بنبوءة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فإنَّ الظاهر من قال ذلك ـ قبَّحه الله ـ يعتقد أنَّهما أنبياء في زمانه صلى الله عليه وسلم لا بعده، وإلاَّ كان مشركا بردِّه النصَّ في قوله: {وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ} [الأحزاب: 40]. ولعلَّه استند في القول بنبوءتهما إلى ما صدر منهما بطريق الفيض الإلهيِّ، واعتقد أنَّ ذلك رسالة وأخطأ في ذلك فصار منافقا، والله أعلم. ثمَّ رأيت بعد ذلك في شرح النونيَّة التصريح بالمسألة، والخلاف فيها بين أصحابنا حيث قال: مسالة: قال أبو الربيع سليمان بن يخلف في كتابه: من أثبت النبوءة لغير نبيء، أو الرسالة لغير رسول فقد أشرك بالله. وقول مشايخنا فيما وجدت في الأثر عنهم: إنَّ من أثبت النبوءة لغير نبيء أو الرسالة لغير رسول أنه كاذب على الله منافق بقوله ذلك؛ لأنه لم يدفع شيئا من كتاب الله ولا رسولا، إلى أن قال: وكذلك من زعم أنَّ أبا بكر وعمر رحمة الله عليهما رسولان على هذا القياس ... الخ. أقول: ويمكن الجمع بين ما ذكره أبو الربيع وبين ما وُجِد في الأثر عن مشايخنا بأن يحمل ما ذكره أبو الربيع على من أثبت ذلك من غير تأويل، وما وُجد في الأثر على من أثبت ذلك بالتأويل، كما تقدَّم التنبيه عليه فلا منافاة، والله أعلم. (4/303)
صفحة 1525
قوله: «لَمْ يُزَدْ فِيهِ وَلَمْ يُنْقَصْ مِنْهُ»: يتأمل هذا مع ما تقدَّم، ولعلَّه لم يعتبر القول بذلك، وهو الحقُّ.
قوله: «وَإنَّ اللَّهَ أَحَاطَهُ مِنْ ذَلِكَ» أي: حفظه، قال في الصحاح: وقد حاطه يحوطه، حوطا وحيطة وحياطة، كلأه ورعاه ... إلى آخره. أقول: الدليل على ذلك قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 09]. قال البيضاوي: أي من التحريف والزيادة والنقص، بأن جعلناه معجزا مباينًا لكلام البشر، بحيث لا يخفى تغيير نَظْمِه، أي حفظه على أهل الدين، أو نفي تطرُّق الخلل إليه في الدوام بضمان الحفظ له ... إلخ.
قوله: «{وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ}» [فصِّلت: 41]: قال البيضاوي: كثير النفع عديم النظير.
قوله: «{لاَّ يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنم بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}» [فصِّلت: 42]: قال البيضاوي: لا يتطرَّق إليه الباطل من جهة من الجهات، أو ممَّا فيه من الأخبار الماضية والأمور الآتية. وقال البغويُّ في قوله: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ}: قال الكلبي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: كريم على الله. قال قتادة: أعزَّه الله؛ لا يجدُ الباطلُ إليه سبيلاً، وهو قوله تعالى: {لاَّ يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنم بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}. قال قتادة والسدِّيُّ: الباطل هو الشيطان، لا يستطيع أن يغيِّره أو يزيد فيه أو ينقص منه.
وقال الزجَّاج: معناه أنه محفوظ من أن يُزَاد فيه أو يُنقَص منه فيأتيه الباطل من خلفه، وعلى هذا الباطل: الزيادة والنقصان ... الخ. أقول: والظاهر أنَّ في كلامه سَقْطا، ولفظه: من أن يزاد فيه فيأتيه الباطل من بين يديه، أو أن ينقص ... الخ، فليراجع. قال: وقال مقاتل: لا يأتيه التكذيب من الكتاب الذي قبله ولا يجيء من بعده كتاب فيبطله. (4/304)
صفحة 1526
باب في عذاب القبر والشهداء وولاية قريش والطاعة للأمير (4/305)
صفحة 1527
غالب هذا قد تقدم الكلام عليه.
قوله: «إنَّ لِلْقَبْرِ مَلَكَيْنِ يُقَالُ لَهُمَا: مُنْكَرٌ وَنكِيرٌ ... » الخ: في البخاري ما هو قريب منه بلفظ آخر، وهو أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ العبد إذا وضع في قبره وتولَّى عنه أصحابه، حتَّى إنَّه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمَّدٍ؟ فأمَّا المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا.
قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره ثمَّ رجع إلى حديث أنس قال: وأمَّا المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول لا أدري، كنت أقول كما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت فيضرب بمطراق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين.
وذكر مثله في كتاب ذكر الموت بلفظ أصرح من هذا أو أزيد حيث قال: وقيل: إذا دخل المؤمن في قبره أدخل الله عليه ملكا يقال له رومان فيقول له: إنه يأتيك الآن ملكان يسألانك مَن ربُّك؟ ومَن نبيُّك؟ وما دينك؟ فأجبهما بما كنت عليه (4/306)
صفحة 1528
في الدنيا، ثمَّ يخرج فيدخلان عليه وهما منكر ونكير، أسودان أزرقان، فظَّان غليظان عينهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، معهما مرزبة، وقيل: مطراق، وقيل: لو اجتمع أهل أمَّتي عليها ما أطاقوها، فيقعدانه فيقولان له: من أنت؟ ومن ربُّك؟ ومن نبيُّك؟ وما دينك؟ فإذا كان مؤمنا يقول: الله ربِّي والإسلام ديني، فيقولان له: على هذا عشت، وعليه متَّ، وعليه تبعث إن شاء الله، فيقولان له: انظر عن شمالك، فيفتح له باب في قبره إلى النار فيقال له: هذا منزلك لو عصيت الله، فأما إذْ أطعته فانظر الآن عن يمينك، فيفتح له باب إلى الجنَّة، فيدخل عليه برد منزله وطيب ريحه، فيريد أن ينهض فيقال له: لم يأت إبَّان ذلك، نم سعيدا، نم نومة العروس، فما شيء أحبَّ إليه من قيام الساعة حتَّى يصير إلى أهل ومال وجنَّة ونعيم، وأمَّا إذا كان كافرا فإذا أقعداه فيقولان له: من ربُّك؟ فيقول: ها ها لا أدري! فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل المبعوث فيكم؟ يعنيان محمَّدًا صلى الله عليه وسلم، فيقول: كنت أقول كما يقول الناس، فيقولان له: لا دريت ولا اهتديت، فيضربانه بالمطراق ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها كلُّ شيء إلاَّ الثقلين، فما يسمعه شيء إلاَّ لعنه وذلك قوله: {وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ} [البقرة: 159]، ثمَّ يقولان له: على هذا عشت، وعليه متَّ، وعليه تبعث، فانظر عن يمينك، فيفتح له باب إلى الجنَّة فيقال له: هذا منزلك لو أطعت الله، فأما إذْ عصيته فانظر عن شمالك، فيفتح له باب إلى منزله من النار، فيجد غمَّه وأذاه.
ثمَّ ذكر في رواية أخرى لفظها: كيف بك يا عمر إذا دخلت قبرك ودخل عليك فتَّانَا القبر منكر ونكير؟ فقال عمر: وما منكر ونكير يا رسول الله؟ قال: ملكان أسودان أزرقان فظَّان غليظان، ينحتان الأرض بأنيابهما، ويطآن في شعورهما، فقال عمر: كيف أنا يومئذ يا رسول الله؟ قال: كهيئتك اليوم. وستأتي رواية المصنِّف لغالب الحديث الأوَّل قبل الختم بنحو ورقتين وبقيَّة الكلام عليه.
وقوله: «منكر ونكير»: ضُبِط في الصحاح منكَر بضمِّ الميم وفتح الكاف.
وقوله في الحديث المرويِّ في كتاب ذكر الموت: «أعينهما كالبرق الخاطف ... » الخ ذكر ابن حجر في رواية عن أبي هريرة: «أعينهما مثل قدور النحاس (4/307)
صفحة 1529
وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد ... إلى أن قال: في رواية وزاد: يحفران الأرض بأنيابهما ويطآن في شعورهما ... إلى أن قال: وأورد ابن الجوزي في الموضوعات حديثا فيه أنَّ فيهم رومان وهو كبيرهم، فذكر بعض الفقهاء أنَّ اسم اللذين يسألان المذنِب مُنْكَر ونكِير، وأنَّ اسم اللذين يسألان المطيع مبشِّر وبشير.
وقوله: في ذلك الحديث «فيُقْعِدانه» قال ابن حجر: زاد في حديث البراء: "فتُعاد روحه في جسده"، إلى أن قال: في رواية عن أبي هريرة: "فإذا كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن شماله، وفعل المعروف من قبل رجليه، فيقال له: اجلس فيجلس، وقد مثلت له الشمس عند الغروب".
زاد ابن ماجه من حديث جابر: "فيجلس فيمسح عينيه ويقول: دعوني أصلِّي"، إلى أن قال: في رواية أخرى: "فإن كان مؤمنا قال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّدا عبده ورسوله، فيقال له: صدقت". زاد أبو داود: فلا يسأل عن شيء غيرها ... إلى أن قال: في رواية أخرى: "فأمَّا المؤمن أو الموقن فيقول محمَّد رسول الله، جاءنا بالبيِّنات والهدى، فأجبنا وآمنَّا واتَّبعناه، ويقال له: نم صالحا ... " إلى أن قال: في رواية أخرى: "فيقال له: نم نومة عروس، فيكون في أحلى نومة نامها أحد حتَّى يبعث .. " إلى أن قال: ويقال له ـ في رواية ـ: نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلاَّ أحبُّ أهله حتَّى يبعثه الله من مضجعه ذلك ... "، إلى أن قال: في رواية: "ويقال له: على اليقين كنت، وعليه متَّ، وعليه تبعث إن شاء الله ... " إلى أن قال: في رواية البخاري: "وذكر لنا أنه يفسح له في قبره"، زاد مسلم من طريق شيبان عن قتادة: "سبعون ذراعا، ويُمْلأُ عليه خضراً إلى يوم يبعثون ... "، إلى أن قال: وفي رواية أخرى: "سبعون ذراعا في سبعين ذراعا"، وفي رواية أخرى: "ويُرحَّب له في قبره سبعون ذراعا، وينوَّر له قبره كالقمر ليلة البدر". وفي حديث البراء الطويل: "فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنَّة، وافتحوا (4/308)
صفحة 1530
له بابا في الجنَّة، وألبسوه من الجنَّة، قال: "فيأتيه من رَوْحها وطيبها، ويفسح له فيها مدَّ بصره ... "، إلى أن قال: في رواية: "فيزداد غبطة وسرورا، فيعاد الجلد إلى ما بدا له وتُجعَل روحه في نَسَم طائر يتعلَّق في شجر الجنَّة".
ثمَّ قال فيما يتعلَّق بسؤال الكافر: وهل يسأل الكافر أو لا يصحُّ أن يسأل؟ ... إلى أن قال فيه: "فأمَّا إذْ كفرت فإنَّ الله أبدلك هذا، ويفتح له باب إلى النار"، زاد في حديث أبي هريرة: "فيزداد حسرة وثبورا، ويضيق عليه قبره حتَّى تختلف أضلاعه".
وفي حديث البراء: فينادي مناد من السماء افرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرِّها وسمومها".
وقوله في ذلك الحديث: "فيصيح صيحة يسمعه كلُّ شيء إلاَّ الثقلين"، قال ابن حجر: قال المهلَّب الحكمة في أنَّ الله يُسمع الجنَّ قولَ الميِّت: قدِّموني، ولا يُسمِع صوتَه إذا عذِّب أنَّ كلامه قبل الدفن متعلِّق بأحكام الدنيا، وصوتَهُ إذا عذِّب في القبر متعلِّق بأحكام الآخرة، وقد أخفى الله أحوال الآخرة إلاَّ من شاء الله إبقاءً عليهم ... الخ. فرَوَى عذابَ القبر عن جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، فعدَّهم، إلى أن قال: وفي حديث الباب من الفوائد: إثبات عذاب القبر، وأنه واقع على الكفَّار ومن شاء الله من الموحِّدين.
والمسألة: وهل هي واقعة على كلِّ أحد؟ تقدَّم تقرير ذلك، وهل تختصُّ بهذه الأمَّة أو وقعت على الأمم قبلها؟ ظاهر الأحاديث الأوَّل، وبه جزم الحكيم الترمذيُّ، وقال: كانت الأمم قبل هذه الأمَّة تأتيهم الرسل، فإن أطاعوا فذاك، وإن أبوا اعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب، فلمَّا أرسل الله محمَّدا رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب وقَبِلَ الإسلامَ ممَّن أظهره، سواء أسرَّ الكفر أم لا، فلمَّا ماتوا قيَّض لهم فتَّانَا القبرِ ليستخرج سرَّهم بالسؤال، وليميز الله الخبيث من الطيِّب، ويثبِّت الذين آمنوا، ويضلَّ الظالمين. قال: ويؤيِّده حديث زيد بن ثابت مرفوعا: "إنَّ هذه الأمَّة تبتلى في قبورها ... ". إلى أن قال: (4/309)
صفحة 1531
ويؤيِّده أيضا قول الملكين: "ما تقول في هذا الرجل محمَّد"؟ وحديث عائشة: "وأمَّا فتنة القبر فبي تفتنون وعنِّي تسألون". وجنح ابن القيم إلى الثاني، إلى أن قال: قال: والذي يظهر أنَّ كلَّ نبيء مع أمَّته كذلك، فتعذَّب كفَّارهم في قبورهم بعد سؤالهم وإقامة الحجَّة عليهم كما يعذَّبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجَّة. وحكَى في مساءلة الأطفال احتمالا، والظاهر أنَّ ذلك لا يمتنع في حقِّ المميِّز دون غيره.
وفيه ذمُّ التقليد في الاعتقادات لمعاقبة من قال: "كنت أسمع الناس يقولون شيئا فقلته".
وفيه أنَّ الميِّت يحيى في قبره للمساءلة خلافا لمن ردَّه، واحتجَّ بقوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ... } [غافر: 11] الآية، قالوا: فلو كان يحيى في قبره للزم أن يحيى ثلاث مرَّات، وهو خلاف النصِّ، والجواب: أنَّ المراد بالحياة في القبر للمساءلة ليست الحياة المستقرَّة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبيره وتصرُّفه، ويحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، بل هي مجرَّد إعادة لفائدة الامتحان الذي وردت به الأحاديث الصحيحة، فهي إعادة عارضة كما يحيى خلق كثير على يد الأنبياء لمساءلتهم لهم عن أشياء، ثمَّ عادوا موتى ... الخ.
قوله: ««لَوْ نَجَا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَحَدٌ لَنَجَا مِنْهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ... » الخ: ذكر في الجامع روايتين:
إحداهما: «إنَّ للقبر ضغطة، لو كان أحد ناجيا منها نجا منها سعد بن معاذ».
والثانية: «لو نجا أحد من ضمَّة القبر لنجا سعد بن معاذ، ولقد ضُمَّ ضمَّة ثمَّ روخي عنه».
فهاتان الروايتان تدلاَّن على أنَّ المراد بعذاب القبر الذي لا ينجو منه أحد الضمَّة التي تحصل للإنسان في القبر عند نزوله فيه، وليس المراد دوام ذلك ولا غيره من أنواع العذاب للمسلم - أجارنا الله من ذلك - وإلاَّ لم يكن للاستعاذة (4/310)
صفحة 1532
من عذاب القبر معنى، ولا صدق قوله صلى الله عليه وسلم: "القبر روضة من رياض الجنَّة"، يعني في حقِّ المسلم.
قال العلقميُّ في قوله: «إنَّ للقبر ضغطة ... » الخ قال في النهاية: ضغطه يضغطه ضغطا إذا عصره وضيَّق عليه وقهره.
وفي الحديث عند النسائيِّ والبيهقيِّ عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هذا الذي تحرَّك له العرش، وفتِّحت له أبواب السماء، وشهد له سبعون ألفا من الملائكة، لقد ضمَّ ضمَّة ثمَّ فرج عنه"، يعني سعد بن معاذ. وقال الحسن: تحرَّك له العرش فرحا بقدومه.
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "كان يقصِّر في بعض الطهور من البول"، وفي رواية: "كان لا يستبرئ من البول"، وفي رواية: "لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد، ولقد ضمَّ ضمَّة اختلفت منها أضلاعه من أثر البول"، وفي رواية: أنه "ضمَّ في القبر ضمَّة حتَّى صار مثل الشعرة، فدعوت الله أن يرفِّه عنه، وذلك بأنه كان لا يستبرئ".
أقول: وفي ثبوت هذا ـ يعني عدم الاستبراء أو التقصير فيه في حقِّ سعد رضي الله عنه ـ تأمُّلٌ، مع جلالة قدره وفضله، ولعلَّه لم يثبت ذلك في حقِّه ولذلك لم يتعرَّض له المصنِّف رحمه الله في روايته.
عُدنا، قال شيخنا: قال أبو القاسم السعدي في كتاب "الروح" له: لا ينجو من ضغطة القبر لا صالح ولا طالح، غير أنَّ الفرق بين المسلم والكافر فيها دوام الضغطة للكافر، وحصول هذه الحالة للمؤمن في أوَّل نزوله في قبره ثمَّ يعود إلى الإفساح له فيه. قال: المراد بضغطة القبر التقاء جانبيه على جسد الميِّت. قال الحكيم الترمذي: سبب هذه الضغطة أنه ما من أحد إلاَّ وقد ألَمَّ بخطيئة ما وإن كان صالحا، فجعلت هذه جَزَاءً، ثمَّ تدركه الرحمة، ولذلك ضُغِطَ سعد بن معاذ في التقصير من البول. قال: وأمَّا الأنبياء فلا نعلم أنَّ لهم في القبور ضمَّة ولا سؤالا وذلك لعصمتهم. (4/311)
صفحة 1533
وقال النسفي: وفي بحر الكلام: المؤمن المطيع لا يكون له عذاب القبر ولكن له ضغطة القبر، فيجد هول ذلك وخوفه لِمَا أنه تنعَّم بنعمة الله ولم يشكر النعمة.
أقول: في هذا التوجيه نظر، لأنَّ الفرض أنه مؤمن مطيع فكيف لا يكون شاكرا للنعمة، إلاَّ أن يقال: قبل التوبة فيمن كان عاصيا، أو يقال: لم يشكرها حقَّ الشكر، والكلُّ مقصِّرون، فنسأل الله العفو.
عدنا، قال: وأخرج ابن أبي الدنيا عن محمَّد التميمي قال: كان يقال: إنَّ ضمَّة القبر إنَّما أصلها أنَّها أمُّهم ومنها خلقوا فغابوا عنها الغيبة الطويلة، فلما ردَّ إليها أولادها ضمَّتهم ضمَّة الوالدة التي غاب عنها ولدها، ثمَّ قدم عليها، فمن كان مطيعا ضمَّته ضمَّة برأفة ورفق، ومن كان عاصيا ضمَّته بعنف وسخط منها عليه لربِّها.
وذكر أبو الحسن شارح الرسالة أنَّ ضمَّة القبر لا بدَّ منها لكلِّ واحد كبيرا كان أو صغيرا، مؤمنا كان أو كافرا، لكنَّ ضمَّة المؤمن ضمَّة شفقة، كضمَّة الوالدة الشفوقة لولدها، وتقول: مرحبا بمن كنت أحبُّه وهو على ظهري، فكيف الآن وهو في بطني. وضمَّة الكافر ضمَّة عذاب حتَّى تختلف أضلاعه، وتقول: لا مرحبا بمن كنت أبغضه وهو على ظهري، فكيف الآن وهو في بطني.
قوله: «الشَّهِيدُ يُغْفَرُ لَهُ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ ... » الخ: لفظه في الجامع: «الشهيد يُغْفَرُ لَهُ في أوَّل دفعة من دمه، ويزوَّج بِحَوْرَاوَيْن، ويشفع في سبعين من أهل بيته، والمرابط إذا مات في رباطه كتب له أجر عمله إلى يوم القيامة، وغدي عليه، وَرِيحَ برزقه، ويزوَّج سبعين حوراء، وقيل له: قف فاشفع، إلى أن يفرغ من الحساب". ولم يتكلَّم عليه شارحه العلقميُّ بشيء، ولعلَّه لظهور معناه، وتقدَّم الكلام على سبب تسمية الشهيد شهيدا في باب عدَّة الشهداء.
قوله: «مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أُجِيرَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»: يعني إذا كان موفِّيا بدين الله كما هو معلوم؛ لأنَّ الكافر لا كرامة له، وهل يدخل عليه منكر ونكير للسؤال أوْ لاَ؟ والظاهر الثاني؛ لأنه إذا كان ينجو من عذاب القبر لقوله صلى الله عليه وسلم: "لو نجا أحد من عذاب القبر ... " الحديث فكيف لا ينجو من السؤال الذي هو أهون من ذلك؟. وقد جزم في بعض كتب قومنا بذلك، وعبارة بعضهم: "ثمانية لا يُسألون في قبورهم: شهيد المعركة، والمرابط، والمطعون، والصدِّيق رضي الله عنه، والأطفال، والميت (4/312)
صفحة 1534
يوم الجمعة أو ليلتها، وقارئ سورة الملك كلَّ ليلة، والأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين"، ونظمهم بعضهم فقال:
شهيد ومطعون كذاك مرابط ... ... وطفل كذا الصدِّيق مع قارئ الملك
وميت بيوم الجمعة الفرد ضف له ... بليلتها الغرَّاء سلمت من الشرك
كذا الأنبيا لا يسألون حقيقة ... ... ثمانية من غير خلف ولا شكِّ
قوله: ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْقَتِيلُ شَهِيدٌ ... » وذكر الحديث، تقدَّم بيانه في باب عدَّة الشهداء، وذكر فيه أحد عشر نوعا.
وتقدَّم عن ابن حجر أنه قال: وقد اجتمع لنا من الطرق الجيِّدة أكثر من عشرين خصلة، فذكرها، وقد تقدَّم بيان ذلك، وما زاده العلقمي فليراجع.
قوله: «اللَّهُمَّ كَمَا أَذَقْتَ أَوَّلَ قُرَيْشٍ نَكَالاً، فَأَذِقْ آخِرَهُمْ نَوَالاً»: لفظه في الجامع: «اللهمَّ اهد قريشا، فإنَّ عالِمها يملأ طباق الأرض علما، اللهمَّ كما أذقتهم عذابا فأذقهم نوالا»، ولم يتكلَّم الشارح إلاَّ على قوله: «عالمها»، وأنَّ المراد به الشافعي، وأطال في ذلك.
ولعل المراد بالعذاب الذي ذاق أوَّل قريش القتل، كحمزة وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما وغيرهما من قريش.
والنوال: العطاء، ولعلَّ المراد به ما حصل لهم بعد ذلك من الغنائم، وكون الإمارة فيهم، وهم المتصرِّفون في ذلك، والله أعلم.
قوله: «لَنْ يَزَالَ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ ... » الخ ذَكَرَ فيما تقدَّم في باب الولاية والإمارة حديثين، أحدهما: «لا يزال هذا الأمر - يعني الولاية - في قريش ما دام فيهم رجلان، فأشار بإصبعيه، ولكن الويل لمن افتتن بالملك»، والثاني: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش: «لن يزال الأمر فيكم وأنتم ولاته ما لم تحدثوا، فإذا فعلتم سلَّط الله عليكم أشرار خلقه يلحونكم كما يلحى هذا القضيب، لقضيب كان في يده»، وتقدَّم الكلام عليه بما فيه الكفاية فليراجع. (4/313)
صفحة 1535
قوله: «إن أمِّر عليكم عبد حبشيٌّ مجدوع الأنف، فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله»: لفظ الحديث في البخاري: “اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشيٌّ كأنَّ رأسه زبيبة”. وفي الجامع رواية أخرى لفظها: “الأئمَّة من قريش، أبرارها أمراء أبرارها، وفجَّارها أمراء فجَّارها، وإن أمَّرت عليكم قريش عبدا حبشيًّا مجدعا فاسمعوا له وأطيعوا ما لم يخيَّر أحدكم بين إسلامه وضرب عنقه، فإذا خيِّر بني إسلامه وضرب عنقه فليقدِّم عنقه”. ولم يكتب شارحه عليه شيئا، إلاَّ على قوله: “مجدع”، قال: بالجيم والدال والعين المهملتين: قطع الأنف أو الأذن أو الشفة، وهو بالأنف أخصُّ. وإذا أطلق غلب عليه. وكتب ابن حجر على الروواية الأولى ما لفظه: “قوله: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل» (بضمِّ المثنَّاة) على البناء للمجهول، أي: جعل عاملا بأن أمِّر إمارة عامَّة على البلد مثلا، أو ولِّي فيها ولاية خاصَّة، كالإمارة في الصلاة، أو جباية الخراج، أو مباشرة الحرب، فقد كان في زمن الخلفاء الراشدين من تجمع له الأمور الثلاثة ومن يختصُّ ببعضها. وكتب على قوله: “حبشيٌّ” قال: (بفتح المهملة والموحَّدة بعدها معجمة) منسوب إلى الحبش. قال العلقميُّ: قال الدميري قال القاضي عياض وغيره: أجمع العلماء على وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وعلى تحريمها في المعصية لقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59].
قال العلماء المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف المفسرين والفقهاء وغيرهم.
وقيل: هم العلماء وقيل: الأمراء والعلماء، وأما من قال الصحابة خاصة فقد أخطأ، وفي الحديث الحث على السمع والطاعة إذ بذلك تجتمع كلمة المسلمين فإن الخلاف سبب فساد أحوالهم في دينهم ودنياهم.
وقال العلماء تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس مما ليس بمعصية فإن كان معصية فلا سمع ولا طاعة كما هو مصرَّح به في الأحاديث فتحمل. (4/314)
صفحة 1536
الأحاديث المطلقة على وجوب طاعتهم على موافقة تلك الأحاديث مصرِّحة بأن لا سمع ولا طاعة في المعصية.
أقول: وقد تقدم الكلام على هذا أيضا قال ابن حجرفي قوله: “كأن رأسه زبيبة”: واحدة الزبيب المعروف الماكول الكائن من العنب إذا جف. وإنما شبه رأس الحبشي بالزبيبة لتجمعها ولكون شعره أسود وهو تمثيل في الحقارة وبشاعة الصورة وعدم الاعتداد بها. ونقل ابن بطال عن المهلَّب قال: قوله: “اسمعوا وأطيعوا” لا يوجب أن يكون المستعمل للعبد إِلاَّ إماما قرشيًّا لما تَقَدَّمَ أنَّ الإمامة لا تكون إِلاَّ في قريش، وأجمعت الأُمَّة على أَنَّهَا لا تكون في العبد.
قال ابن حجر: “قلت: ويحتمل أن يُسَمَّى عبدا باعتبار ما كان قبل العتق، وهذا كُله إِنَّمَا يكون عند الاختيار، وأَمَّا لو تغلَّب عبد حقيقة بطريق الشوكة فإنَّ طاعته تجب، إخمادا للفتنة، ما لم يأمر بمعصية الله كما تَقَدَّمَ تقريره”. وقيل: المراد أنَّ الإمام الأعظم إذا استعمل العبد الحبشيَّ على إمارة بلد مثلا وجبت طاعته وليس فيه أنَّ العبد الحبشي يكون هو الإمام الأعظم. وقال الخطابي: “قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود”، يعني: وهذا من ذاك، أطلق العبد الحبشي من مبالغة في الأمر بالطاعة، وإن كان لا يُتصوَّر شرعا أن يليَ ذلك. قال العلقمي: “قلت: ومن شاهد بلاد الحجاز رأى غالب أمور قراها المتولي لأمرها عبد إما أسود وإما حبشي، وكذا غالب بلاد الوجه القبلي وكذا إقليم المنوفية وتصدر منهم أحكام خارجة عن الضبط والقياس”.
قوله: «يا فاطمة بنت مُحَمَّد ويا صفية عمة مُحَمَّد ... » الخ: ومثله ما ذكره الشيخ إسماعيل رحمه الله في شرح النّونية عند قوله:
ومن يتوكّل على الشفاعة آمنا *****بلا عمل أخسر به في ذوي الهُون (4/315)
صفحة 1537
حيث قال بعد كلام على الشفاعة وأنها خاصة بالمؤمنين ما نصه: “وأما من لقي الله فاجرا فليس له شفيع ”.
وفي الأثر: “وحدث عبد الله بن الآدمي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قعد على المنبر ثم قال: “الصلاة جامعة رحمكم الله” ثم قال: “يا عباس عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ويا فاطمة بنت مُحَمَّد ويا آل مُحَمَّد جميعا إِنِّي والذي نفسي بيده عند رَبِّي لمطاع مكين، فلا تغرَّنَّ امرأ نفسه يقول: أنا عمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تقول: بنت مُحَمَّد، أو من آل مُحَمَّد، اشتروا أنفسكم من الله، فَإِنَّكم إن لم تفعلوا هلكتم مع من عرفتم هلاكه، إِنِّي على الحوض يوم القيامة فارط فيرد عليَّ ناس من أصحابي ثم يأتيني رجل قد عرفته من أصحابي ليختلجنَّ بفروة رأسه عظم ثمَّ لآخذنَّ بحجزته فأقول: أرسلوه إنه من أصحابي فليؤخذ بيدي فَكاكًا: أرسل أرسل أرسل فإنه والله مامشى ِمن بعدك قدما ولكنه مشى القهقرى ليدخل جهنم فلا أستطيع له شيئا، الحذر الحذريا آل محمد”.
وذكرجابر بن زيد رضي الله عنه أنه لما نزلت {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ} [النحل: 214] جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفخذ فخاذ قريش فخذا فخذا حتى أتي على بني عبد المطلب فقال: “يا بني عبد المطلب إن الله أمرني أن أنذركم ألا وَإِنِّي لا أغني عنكم من الله شيئا ألا وإن أوليائي منكم المتقون، ألا لأَعرفن ما جاء الناس غدا بالدين وجئتم بالدنيا تحملونها على رقابكم، يا فاطمة بنت محمد ويا صفية عمة محمد اشتريا أنفسكما من الله فإني لا أغني عنكما من الله شيئا”. والله أعلم.
فكيف يطمع أهل الكبائر المصرون عليها مع هذا في شفاعة الرسول عليه السلام؟.
نسأل الله تعالى بجوده وكرمه أن يجعلنا من أهل شفاعة نبيه عليه السلام ولو علمنا أنها لأهل الكبائر، ما سألنا الله يجعلنا من أهلها لأَنَّا إذا سألناه من ذلك فقد سألناه أن يجعلنا من أهل الكبائرحتى يعطيها لنا. وبالله التوفيق. (4/316)
صفحة 1538
الباب الخامس
السنة في التعظيم لله عز وجل فيما روي عن النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم وعن أصحابه والتابعين لهم بإحسان (4/317)
صفحة 1539
[صفحة بيضاء] (4/318)
صفحة 1540
قوله: «جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد أخبرني ... » الخ، ذكر البغويُّ هذا الحديث بوجهين: أحدهما: ما ذكره الْمُصَنِّف، والآخر: غيره، حيث قال في قوله تعالى: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ} [الرعد: 13]: جمع صاعقة، وهي العذاب المهلك ينزل من البرق فيحرق من يصيبه {فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَّشَآءُ} كما أصاب أربد بن ربيعة. وقال مُحَمَّد بن على الباقر: الصاعقة تصيب المسلم وغير المسلم، ولا تصيب الذاكر {وَهُمْ يُجَادِلُونَ}: يخاصمون في الله، نزلت في شأن أربد بن ربيعة، حيث قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: ممَّ ربُّك؟ أَمِّن دُرٍّ، أمِّن ياقوت أمِّن ذهب؟ فنزلت صاعقة من السماء فأحرقته.
وسئل الحسن عن قوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ ... } الآية، قال: كان رجل من طواغيت العرب بعث إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم نفرا يدعونه إلى الله ورسوله، فقال لهم: أخبروني عن رَبِّ مُحَمَّد هذا الذي تدعوني إليه ممَّ هو من ذهب أو فِضَّة أو حديد أو نحاس؟ فاستعظم القوم مقالته فانصرفوا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ما رأينا رجلا أكفر قلبا ولا أعتى (4/319)
صفحة 1541
على الله منه فقال: ارجعوا إليه، فرجعوا إليه فجعل لا يزيدهم على مثل مقالته الأولى، وقال: أجيبُ محَمَّدًا إلى رَبٍّ لا أراه ولا أعرفه! فانصرفوا، وقالوا: يا رسول الله، ما زادنا على مقالته الأولى، وأخبث، فقال: ارجعوا إليه، فرجعوا فبينما هم عنده ينازعونه ويدعونه وهو يقول في هذه المقالة إذ ارتفعت سحابة وكانت فوق رؤوسهم، فرعدت وبرقت ورمت بصاعقة فأحرقت الكافر وهم جلوس، فجاءوا يسعون ليخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم قوم من الصحابة فقالوا لهم: أَحترق صاحبكم؟ فقالوا: من أين علمتم؟ فقالوا: أوحي إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَّشَآءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ... } الخ. وذكر البيضاويُّ في سبب نزول هذه الاية وجها آخرحيث قال في قوله: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ}: حيث يكذِّبون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يصفه به من كمال العلم والتفرُّد بالألوهيَّة وإعادة الناس ومجازاتهم. والجدالُ: التشديد في الخصومة، من الجدل وهو الفتل. والواو إِمَّا لعطف الجملة أو الحال.
فَإِنَّهُ روي أنَّ عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة ـ أخا لبيد ـ وفدَا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصدين لقتله، فأخذه عامر بالمجادلة، ودار أربد من خلفه ليضربه بالسيف، فتنبَّه له الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: اللَّهُمَّ اكفنيهما بما شئت، فأرسل الله تعالى على أربد صاعقة فقتلته، ورمى عامر بغدة فمات في بيت سلولية، وكان يقول: غدَّة كغدة البعير وموت في بيت سلوليَّة فنزلت.
قوله: «وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ»: يعني شديد العقاب، هذا قول أبي عبيد. وقال عليٌّ: شديد الأخذ. وقال ابن عباس: شديد الحول. وقال الحسن: شديد الحقد. وقال مجاهد: شديد القُوَّة. وقيل: شديد المكر. والمحال والمماحلة: المماكرة والمغالبة، قاله البغويُّ. وقال البيضاويُّ: المحال: المماحلة والمكايدة لأعدائه، من محل فلان بفلان إذا كاده وعرَّضه للهلاك، ومنه تمحَّل إذا تكلَّف استعمال الحيلة ولعلَّ أصله المحل بمعنى القحط، وَقِيلَ: فعال من المحل بمعنى القُوَّة ... الخ. (4/320)
صفحة 1542
قوله: «سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفة الله فسكت ... » الخ: ذكر البيضاوي أن سبب نزول سورة الإخلاص أنَّ قريشا قالوا يا مُحَمَّد صف لنا ربَّك الذي تدعونا إليه فنزلت. وذكر البغويُّ ما ذكره الْمُصَنِّف رحمه الله وما ذكره البيضاويُّ وزيادة، حيث قال: روي أبو العالية عن أبيِّ بن كعب أنَّ المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربَّك، فأنزل الله هذه السورة. وروى أبو ضبيان وأبو صالح عن ابن عبَّاس أنَّ عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم، فقال عامر: إلى من تدعونا يا مُحَمَّد؟ قال: إلى الله تعالى، قال: صفه لنا، أَمِنْ ذهب هو، أم من فِضَّة، أم حديد، أم خشب؟ فنزلت هذه السورة، فأهلك الله أربد بالصاعقة، وعامرا بالطاعون، وذكرناه في سورة الرعد. وقال الضحَّاك وقتادة ومقاتل: جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: صف لنا ربَّك لَعَلَّنا نؤمن بك، فإنَّ الله أنزل نعته في التوراة، فأخبِرْنا من أيِّ شيء هو؟ وهل يأكل ويشرب؟ وَمِمَّن ورث؟ ومن يورثها؟ فأنزل الله هذه السورة: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}، ولا فرق بين الواحد والأحد، يَدُلُّ عليه قراءة عبد الله بن مسعود: “قل هو الله الواحد”. إلى أن قال: عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “قال كذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فَأَمَّا تكذيبه إيَّاي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أَوَّل الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وَأَمَّا شتمه إيَّاي فقوله: ما اتَّخَذَ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد”.
قوله: «تفكَّروا في الخلق ولا تتفكَّروا في الخالق ... » الخ ذكر فيه في الجامع روايات، منها: “تفكَّروا في كُلِّ شيء ولا تفكَّروا في ذات الله، فإنَّ بين السماء السابعة إلى كرسيِّه سبعة آلاف نور، وهو فوق ذلك”. ومنها: “تفكَّروا في خلق الله ولا تفكَّروا في الله فتهلكوا”. ومنها: “تفكَّروا في الخلق ولا تفكَّروا في الخالق فإنَّكم لا تقدرون قدره”. (4/321)
صفحة 1543
ومنها: “تفكَّروا في آلاء الله ولا تفكَّروا في الله”. ومنها: “تفكَّروا في خلق الله ولا تفكَّروا في الله”. ولم يكتب الشارح على هذه الروايات شيئا، ولكن كتب الشيخ إسماعيل رحمه الله في شرح النونيَّة في هذا ما فيه الكفاية، حيث قال في شرح قوله:
فَكُلُّ الذي أضحى على البال سانحا ****فذلك غير الله فانف عن الذهن
بعد كلام طويل ما نصُّه: “فصل: فَكُلُّ ما تخيَّل في وهمك أو تكيَّف في عقلك أو تمثَّل في نفسك أوتلوَّن في فكرك فاعلم أنَّ الله سبحانه وصفاته بخلاف ذلك، فَإِنَّهُ لا يدرك ببصر ولا بصيرة، لأَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ لا يشبه المخلوقات في شيء من الصفات، ولا يوصف بالسكون ولا الحركات. فَكُلُّ حادثة في الوجود لا تخلو من ثلاث تقييدات: الجنس والزمان والمكان، فهذه التقييدات هي منتهى العقول لا تتعدَّاه، وهو العجز عن التكييف، ليس للعقول وراء ذلك مجال تجول فيه إِلاَّ غموض الوَحْدَانِيَّة وصفات الرُّبُوبِيَّة، لا يطَّلع على ذلك إِلاَّ الجَبَّار الأعظم، لا شريك له، ليس البصر والبصيرة له بلاحظات، ولا الأوهام له بلاحقات، ولا العقول له بمكيِّفات، ولا النفوس له بممثِّلات، ولا الأفكار له بالمخيِّلات، ولا الأذهان له بمدركات، ولا الألسن له بواصفات بجميع ما لا يليق به من الصفات، ولا الآذان له بسامعات، ولا الفوقيَّات له برافعات، ولا التحتيَّات بواضعات، ولا السماوات له بكانفات، ولا فوقيَّات العرش له بمجاورات، ولا تحتيَّات الثرى له بمقابلات، ولا جوانب الحوادث له بمحاذيات، ولا الأعراض له بمحرِّكات، ولا الجواهر له بمجانسات، بل هو الرفيع الدرجات عن جميع المحدثات، حيٌّ قيُّوم في الأرض والسماوات، {ذَالِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 64].
قوله: «من زعم أنَّ محَمَّدًا رأى رَبَّهُ فقد أعظم على الله الفرية»: أي الكذب، قد تَقَدَّمَ الكلام عليه في ذكر الشرك والكفر، وكيف يجمع بينهما وبين ابن عبَّاس رضي الله عنهما في الولاية مع قوله: “إنَّ محَمَّدًا رأى رَبَّهُ بعين رأسه”. وَتَقَدَّمَ أنَّ مراده بذلك أَنَّهُ علمه بتميُّز واستدلال من عقل، وأنَّ الأطبَّاء تزعم أنَّ العقل في الرأس. (4/322)
صفحة 1544
ومثل رواية الشعبيِّ عن عائشة رضي الله عنها ما ذكره البغويُّ عن مسروق عن عائشة حيث قال في قوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: 11]: واختلفوا في الذي رآه، فقال قوم: هو جبريل عليه السلام، وهو قول ابن مسعود وعائشة. أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ... ” إلى أن قال: “عن عبد الله {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} قال: رأى جبريل، له ستُّمائة جناح. وقال آخرون: هو الله عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اختلفوا في معنى الرؤية، فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده، فرآه بفؤاده، وهو قول ابن عبَّاس.
أقول: فعلى هذا القول من قال بعين رأسه زيادة على ما ذهب إليه ابن عبَّاس. والله أعلم.
عدنا إلى أن قال: “وذهب جماعة إلى أَنَّهُ رأى بعينه، وهو قول أنس وعكرمة والحسن، قالوا: رأى مُحَمَّد رَبَّهُ”. إلى أن قال: “فكانت عائشة تقول: لم ير رسول صلى الله عليه وسلم، وتحمل الآية على رؤية جبريل”. إلى أن قال: “عن مسروق قال: قلت لعائشة يا أمَّاه هل رأى مُحَمَّد رَبَّهُ؟ قالت: لقد قفَّ شعري مِمَّا قلت، أين أنت من ثلاث من حدَّثكهنَّ فقد كذب: من حدَّثك أنَّ محَمَّدًا رأى رَبَّهُ فقد كذب، ثُمَّ قرأت: {لاَّ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللَّهُ, إِلاَّ وَحْيًا اَوْ مِنْ وَّرَآءِ حِجَابٍ} [الشورى: 51]، ومن حدَّثك أَنَّهُ يعلم ما في غد فقد كذب، ثُمَّ قرأت: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا} [لقمان: 34]، ومن حدَّثك أَنَّهُ كتم فقد كذب، ثُمَّ قرأت: {يَآ أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ ... } [المائدة: 67] الآية، وَلَكِنَّهُ رأى جبريل في صورته مَرَّتَيْنِ”. إلى أن قال في قوله: {وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13]، يعني أَنَّهُ رأى جبريل في صورته التي خلق عليها نازلا من السماء نزلة أخرى، وذلك أَنَّهُ رآه في صورته مَرَّتَيْنِ: مَرَّة في الأرض، وَمَرَّة في السماء عند سدرة المنتهى ... ”الخ.
قوله: «ومن زعم أنَّ محَمَّدًا صلى الله عليه وسلم لم يبلِّغ ما أنزل إليه من رَبِّهِ ... » الخ لفظه في البخاريِّ عن الشعبيِّ عن مسروق عن عائشة قالت: “من حدَّثك (4/323)
صفحة 1545
أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فلا تصدِّقه، إنَّ الله تعالى قال: {يَآ أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالاَتِهِ} [المائدة: 67]. وذكر رواية أخرى في محلٍّ آخر لفظها: “عن الشعبيِّ عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: “من حدَّثك أنَّ محَمَّدًا رأى رَبَّهُ فقد كذب، وهو يقول: {لاَ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ}، ومن حدَّثك أَنَّهُ يعلم الغيب فقد كذب، وهو يقول: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ} [النمل: 65]. وفي رواية: “ومن حدَّثك أَنَّهُ يعلم ما في غد فقد كذب، ثُمَّ قرأت: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا} [لقمان: 34].
قال ابن حجر: “ونقل ابن التين عن الداوديِّ قال: قوله في هذا الطريق: "من حدَّثك أنَّ محَمَّدًا يعلم الغيب" ما أظنُّه محفوظا، وما أحد يَدَّعِي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم من الغيب إِلاَّ ما علم”. وذكر الرواية الأخرى بلفظ: قالت: “ثلاث من قال واحدة مِنهُنَّ فقد أعظم على الله الفرية: من زعم أَنَّهُ يعلم ما في غد ... ” الحديث، ثُمَّ ذكرها أيضا بلفظ آخر: “وهو أعظمُ الفريةِ على الله من قال إنَّ محَمَّدًا رأى رَبَّهُ، وإنَّ محَمَّدًا كتم شيئا من الوحي، وإنَّ محَمَّدًا يعلم ما في غد” ثُمَّ رَدَّ ما نقله ابن التين عن الداوديِّ من النفي حيث قال: “وما ادَّعاه من النفي متعقَّب، فإنَّ بعض من لم يرسخ في الإيمان يَظُنُّ ذلك حَتَّى كان يرى أنَّ صِحَّة النبوَّة تستلزم اطِّلاَع النبيء على جميع المغيَّبات، كما وقع في المغازي لابن إسحاق أنَّ ناقة النبيء صلى الله عليه وسلم ضلَّت، فقال زيد بن اللصيت (بصاد مهملة وآخره مثنَّاة وزن عظيم) يزعم مُحَمَّد أَنَّهُ نبيء ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال النبيء صلى الله عليه وسلم: إِنَّ رجلا يقول كذا وكذا، وَإِنِّي والله لا أعلم إِلاَّ ما علَّمني الله، وقد دَلَّني الله عليها، وهي في شعب كذا، قد حبستها شجرة، فذهبوا فجاءوه بها. فأعلمَ النبيءُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لا يعلم من الغيب إِلاَّ ما علَّمه الله، وهو مطابق لقوله تعالى: {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا اِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ... } [الجن: 26 - 27] الآية. (4/324)
صفحة 1546
وقد اختلف العلماء في المراد بالغيب فيها، فقيل: هو على عمومه، وَقِيلَ: ما يَتَعلَّقُ بالوحي خَاصَّةً، وَقِيلَ: ما يَتَعلَّقُ بعلم الساعة، وهو ضعيف، لِمَا تَقَدَّمَ في تفسير لقمان أنَّ علم الساعة مِمَّا استأثر الله بعلمه، إِلاَّ إن ذَهَبَ قائلُ ذلك إلى أنَّ الاستثناء منقطع، وقد تَقَدَّمَ ما يَتَعلَّقُ بالغيب هناك.
قال الزمخشريُّ: “في هذه الآية إبطال الكرامات، لأَنَّ الذين يضاف إليهم ـ وإن كانوا أولياء مرتضين ـ فليسوا برسل، وقد خصَّ الله الرسل من بين المرتضين بالاطِّلاع على الغيب”، وتعقِّب بما تَقَدَّمَ.
وقال الإمام فخر الدين: “قوله {عَلَى غَيْبِهِ} مفرد، وليس فيه صيغة عموم، فيصحُّ أن يقال: إنَّ الله لا يظهر على غيب واحد من غيوبه أحدا إِلاَّ الرسل، فيحمل على وقت وقوع القيامة، ويقوِّيه ذكرها عقب قوله: {أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ} [الجن: 25] ”. وتعقِّب بأنَّ الرسل لم يظهروا على ذلك. وقال أيضا: “يجوز أن يكون الاستثناء منقطعا، أي: لا يظهرعلى غيبه المخصوص أحدا، لكن من ارتضى من رسول فَإِنَّهُ يجعل له حفظة”.
وقال القاضي البيضاويُّ: “يخصَّص الرسول بالملَك في إطلاعه على الغيب، والأولياء يقع ذلك لهم بالإلهام”. وقال ابن المنير: دعوى الزمخشريِّ عَامَّة، ودليله خاصٌّ، فالدعوى امتناع الكرامات كُلِّهَا، والدليل يحتمل أن يقال: ليس فيه إِلاَّ نفي الاطِّلاَع على الغيب، بخلاف سائر الكرامات”. وتمامه أن يقال: المراد بالاطِّلاع على الغيب ما سيقع قبل أن يقع على تفصيله، فلا يدخل في هذا ما يكشف لهم من الأمور المغيبة عنهم، ولا ما يخرق من العادة، كالمشي على الماء، وقطع المسافة البعيدة في مُدَّة لطيفة، ونحو ذلك”. وقال الطَّيِّبي: “الأقرب تخصيص الاطِّلاَع بالظهور والخفاء”.
أقول: المناسب أن يقول: تخصيص الإظهار بالاطِّلاع التامِّ الجليِّ دون الخفيِّ، فإطلاع الله الأنبياءَ على الغيب أمكن، وَيَدُلُّ عليه حرف الاستعلاء في {عَلَى غَيْبِهِ}، فضمِّن {يُظْهِرُ} معنى يُطلع، فلا يظهرعلى غيبه إظهارا تَامًّا وكشفا جليًّا إِلاَّ لرسول (4/325)
صفحة 1547
يوحى إليه مع ملك وحفظته؛ ولذلك قال: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنم بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: 27]، وتعليله بقوله: {لِيَعْلَمَ أَن قَدَ اَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ} [الجن: 28].
وَأَمَّا الكرامات فهي من قبيل التلويح واللمحات، وليسوا في ذلك كالأنبياء. وقد جزم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني بِأَنَّ كرامات الأولياء لا تضاهى، بل هي معجزة للأنبياء. وقال أبو بكر بن فورك: “الأنبياء مأمورون بإظهارها، والوليُّ يجب عليه إخفاؤها، والنبيء يَدَّعِي ذلك بما يقطع به، بخلاف الوليِّ فَإِنَّهُ لا يأمن الاستدراج. وفي الاية ردٌّ على المنجِّمين، وعلى كُلِّ من يَدَّعِي أَنَّهُ يطَّلع على ما سيكون من حياة أو موت وغير ذلك؛ لأَنَّهُ مكذِّب للقرآن، وهم أبعد شيء من الارتضاء، مع سلب صفة الرساليَّة عنهم ... ”الخ. ثُمَّ قال في محلٍّ آخر فيما يَتَعلَّقُ بالتبليغ بعد كلام: “فقال النبيء صلى الله عليه وسلم في خطبته "إِنَّمَا أنا بشر رسول فأذكِّركم بالله إن كنتم تعلمون أَنِّي قصَّرت عن تبليغ شيء من رسالات رَبِّي" يعني فقولوا، فقالوا: نشهد أَنَّكَ بلَّغت رسالات رَبِّك، وقضيت الذي عليك ... ”الخ.
أقول: أَمَّا الرؤية فقد كذب فيها بعضهم كما هو معلوم، فتكذيبه ظاهر، وكذلك القول بِأَنَّهُ يعلم الغيب فَإِنَّهُ زعم ذلك من لم يكن راسخا في الإيمان، كما تَقَدَّمَ، فتكذيبه أيضا ظاهر. وَأَمَّا عدم التبليغ فَإِنَّهُ لا يمكن أن يقول أحد: إنَّ الرسول لم يفعل ما أمر به من تبليغ الرسالة، فلا يوجد أحد يحدثنا بذلك، فما معنى قولها رضي الله عنها في هذه الصورة “فقد أعظم على الله الفرية” اللَّهُمَّ إِلاَّ أن يقال على الفرض والتقدير، لأَنَّ القَضِيَّة الشرطيَّة لا تقتضي الوقوع على حدِّ قوله: {لَئِنَ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65].
والحاصل أنَّ التبليغ مجمع عليه، لقوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} [الذاريات: 54]، بعد قوله: {يَآ أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ ... } الآية، غايته أَنَّهُم اختلفوا (4/326)
صفحة 1548
في معنى التبليغ، فذهب النُّكَّار إلى أنَّ معناه الإسماع، فذهبوا إلى أنَّ الناس كُلَّهم قد سمعوا في زمانه، فكذبوا في ذلك؛ لأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لم يرسل إلى الجزائر الخالدات التي لا يؤتي منها ولا إليها، وإلى يأجوج ومأجوج مثلا، مع أَنَّهُ أرسل إلى الناس كَافَّة وقد بلَّغهم جمعيا؛ ولذلك جعل أصحابنا رحمهم الله تبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أوجه: الأَوَّل: هو ورسوله وكتابه وجهٌ. الوجه الثاني: عذره وتوسعته لمن كان على دين نبيء قبله حَتَّى يصله الخبر ببعثته صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماَم بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115]. والوجه الثالث: قطع عذر من لم يكن على الدين أينما كان، لقول الله عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164]. وَقِيلَ: هو وجهٌ، ورسوله وكتابه وجهٌ، وتوسعته لمن كان على الدين حَتَّى يسمع، وقطع عذر من لم يكن على الدين أينما كان وجهٌ”، انتهى مختصرا من السؤالات.
قوله: «ومن زعم أنَّ محَمَّدًا يعلم ما في غد»: قال ابن حجر: في رواية البخاري: “ولا يعلم ما في غد إِلاَّ الله” إشارة إلى أنواع الزمان وما فيها من الحوادث، وَعَبَّرَ بلفظ “غد” لكون حقيقته أقرب الأزمنة، وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه مع إمكان الأمارة والعلامة فما بَعُدَ عنه أولى. وفي قوله: “ولا يعلم متى الساعة إِلاَّ الله” إشارة إلى علوم الآخرة، فإنَّ يوم القيامة أَوَّلها، وإذا نفي علم الأقرب انتفى علم ما بعده”. إلى أن قال: “وقد تَبَيَّنَ بقوله تعالى في الآية الأخرى، وهي قوله: {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا اِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} أنَّ الاطِّلاَع على شيء من هذه الأمور لا يكون إِلاَّ بتوقيف”. وأراد بالأمورِ الخمسةَ المذكورةَ في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... } [لقمان: 34] الاية.
قوله: «لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله»: يجوز في الاستثناء أن يكون منقطعا، ورُفِع على لغة تميم، ويجوز أن يكون مُتَّصِلا. والمراد بمن في السماوات والأرض من تَعَلَّقَ علمه بها، أومن يذكر فيها. والله أعلم. (4/327)
صفحة 1549
قوله: «عن أبي عثمان» قال ابن حجر: هو عبد الرحمن بن مَلْ النهديُّ، والسند كُلُّهم بصريُّون.
قوله: «كُنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ... » الخ في بعض روايات البخاريِّ: “عن أبي عثمان النهديِّ عن أبي موسى، قال: كُنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فجعلنا لا نصعد شرفا ولا نعلو شرفا ولا نهبط في واد إِلاَّ رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا مِنَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أَيُّهَا الناس اِرْبَعُوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبا، إِنَّمَا تدعون سميعا بصيرا. ثُمَّ قال: يا عبد الله بن قيس ألا أعلِّمك كلمة هي من كنوز الجَنَّة؟ لا حول ولا قُوَّة إِلاَّ بالله”. وفي رواية أخرى: “عن أبي عثمان عن أبي موسى الأشعريِّ قال: أخذ النبيء صلى الله عليه وسلم في عَقَبَة، أو قال في ثنيَّة، قال: فَلَمَّا علا عليها، فإذا رجل نادى فرفع صوته: لا إله إِلاَّ الله، والله أكبر، ـ قال: ورسول الله على بغلته ـ قال: فَإِنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبا، ثُمَّ قال: يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس، ألا أدلُّك على كلمة من كنوز الجَنَّة؟ قلت: بلى، قال: لا حول ولا قُوَّة إِلاَّ بالله.
قوله: «في سفر»: بعض روايات البخاري: “في غزاة”. وذكر ابن حجر أَنَّهَا غزوة خيبر.
قوله: «كبَّر الناس ورفعوا أصواتهم» تَقَدَّمَ في رواية: “فإذا رجل نادى فرفع صوته ... ”الخ. قال ابن حجر: “ويجمع بِأَنَّ الكلَّ كبَّروا، وزاد هذا عليهم بالتهليل”. وَتَقَدَّمَ في رواية عبد الواحد ما يَدُلُّ على أنَّ المراد بالتكبير قول: "لا إله إِلاَّ الله والله أكبر". وقال في قوله: “اربَعوا” (بفتح الموحَّدة) أي: ارفقوا، ثُمَّ قال: “قال يعقوب بن السكيت: ربع الرجل يربع، إذا رفق وكفَّ”. إلى أن قال: “قال ابن بطَّال: كان عليه الصلاة والسلام محبًّا لأمَّته، فلا يراهم على حالة من الخيرات إِلاَّ أحبَّ لهم الزيادة، فأحبَّ للذين رفعوا أصواتهم بكلمة الإخلاص والتكبير أن يضيفوا إليها التبرِّي من الحول وَالقُوَّة، فيجمعوا بين التوحيد والإيمان والقدر، (4/328)
صفحة 1550
وقد جاء في الحديث: “إذا قال العبد: "لا حول ولا قُوَّة إِلاَّ بالله" قال: أسلم عبدي واستسلم”. قال: “قلت: أخرجه الحاكم في حديث أبي هريرة بسند قويٍّ. وفي رواية له: "قال لي: يا أبا هريرة، ألا أدلُّك على كنز من كنوز الجَنَّة؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: تقول: لا حول ولا قُوَّة إلا بالله، فيقول الله: أسلم عبدي واستسلم". وزاد في رواية له: "ولا ملجا ولا منجا من الله إِلاَّ إليه" ”.
قوله: «لا تدعون أصمَّ» قال ابن حجر: “أطلق على التكبير ونحوه دعاء من جهة أَنَّهُ بمعنى النداء لكون الذاكر يريد إسماع مَنْ ذَكَرَهُ الشهادةَ له”.
قوله: «على كنز من كنوز الجَنَّة» قال ابن حجر: سَمَّى هذه الكلمة كنزا لأَنَّهَا كالكنز في نفاسته وصيانته عن أعين الناس. وحاصله: أنَّ المراد أَنَّهَا من ذخائر الجَنَّة، أو من محصَّلات نفائس الجَنَّة”.
قال النوويُّ: “المعنى أنَّ قولها يحصل ثوابا نفيسا يُدَّخر لصاحبه في الجَنَّة”. إلى أن قال: “عن أبي أَيُّوب أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مَرَّ على إبراهيم عليه السلام قال: يا مُحَمَّد، مُرْ أمَّتك أن يكثروا من غراس الجَنَّة، قال: وما غراس الجَنَّة؟ قال: لا حول ولا قُوَّة إِلاَّ بالله”.
قوله: «لا حول ولا قُوَّة إلاَّ بالله»: قال ابن حجر: معنى "لا حول": لا تحويل للعبد عن معصية الله، ولا قُوَّة له على طاعة الله إِلاَّ بتوفيق الله. وَقِيلَ: معنى "لا حول": لا حيلة”.
وقال النوويُّ: “هي كلمة استسلام وتفويض، وأنَّ العبد لا يملك من أمره شيئا، وليس له حيلة في دفع شرٍّ، ولا قُوَّة في جلب خير إِلاَّ بإرادة الله تعالى ... ”الخ.
قوله: «إنَّ الذي تدعونه بينكم وبين أعناق ركابكم»: بَدَلُه في رواية البخاري: “إِنَّمَا تدعون سميعا بصيرا”. وزاد في بعض الروايات: “قريبا”؛ فهو بمنزلة قوله في رواية الْمُصَنِّف: “بينكم وبين أعناق ركابكم”، وليس المراد قرب المسافة، لأَنَّهُ منزَّه عن الحلول كما لا يخفى. (4/329)
صفحة 1551
قوله: «{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]» قال البيضاويُّ: “أي: ونحن أعلم بحاله مِمَّن هو أقرب إليه من حبل الوريد، تجوَّز بقرب الذات لِقُرْبِ العِلْمِ، لأَنَّهُ موجبه، وحبل الوريد مثلٌ في القرب، قال: "والموت أدنى لي من الوريد". والحبل: العرق، وإضافته للبيان. والوريدان: عرقان يكتنفان صفحتي العنق في مقدَّمها يَتَّصِلان بالوتين يردان من الرأس إليه. وَقِيلَ: سُمِّيَ وريدا لأَنَّ الروح ترده”. (4/330)
صفحة 1552
الباب السادس:
علِّمني من غرائب العلم
قوله: «بلا مثل ولا ند»: المثل والندُّ متقاربان أو متساويان، كما يشعر به كلام الصحاح حيث قال: “مثل كلمة تسوية، يقال: هذا مِثْلُه ومَثَلُه، كما يقال: شِبْهُهُ وَشَبَهُهُ بمعنًى ... ” الخ.
وقال: “الندُّ (بالكسر): المثل والنظير، وكذلك النديد والنديدة ... ”الخ.
قوله: «واحدا أحدا»: الواحد والأحد بمعنى واحد، كما تَقَدَّمَ عن البغويِّ. والواحد في حقِّ الله أربعة أوجه: واحد في الذات، بمعنى أنَّ ذاته ليست بذات جسم فتقبل القسم والانعداد. وواحد في الصفة، بمعنى أَنَّهُ لا يوصف الله بما يوصف به الخلق، ولا يوصف الخلق بما يوصف به الله. وواحد في الفعل، بمعنى: أَنَّهُ لا أحد يفعل كفعل الله من خلق السماوات والأرض، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وغير ذلك. (4/331)
صفحة 1553
وواحد في العبادة، بمعنى أَنَّهُ لا معبود على الحقيقة إِلاَّ هو.
وهذه الأوجه إذا علمها الإنسان لا يجوز له الرجوع عن علمها كما ذكره في السؤالات.
قوله: «ظاهرا باطنا أَوَّلاً آخرا»: يعني أَنَّهُ الظاهر لخلقه بالدلائل التي عرف بها في كبير الخلق وصغيره أَنَّهُ الصانع. والباطن الذي لا يدركه خلقه بما يدرِكُ به بعضُهم بعضا بشيء من حواسِّهم، قاله في شرح الجهالات. وقال أيضا: “والظاهر أي: أنَّ الدلائل عليه عَزَّ وَجَلَّ ظاهرة، فقيل: ظاهر لظهور الدلائل عليه كما ذكرصاحب الكتاب، والباطن أي: أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَطَنَ عن إدراك الحواسِّ ومشاهدة الخلق، فقيل: ظاهرعلى معنًى، وباطن على معنًى ... ” الخ.
وقال أيضا: “الأَوَّل هو الذي لم يكن معه شيء قديم، والآخر الذي ليس لآخريَّته آخِرٌ إليه ينتهى”. إلى أن قال: “وَالأَوَّل تأويله في صفة الله عَزَّ وَجَلَّ من تأويل: قديم، وكذلك الآخر في صفة الله عَزَّ وَجَلَّ من تأويل: باقٍ لا يفنى”. إلى أن قال: “ومعنى قوله: "أَنَّهُ ليس لآخريَّته آخر إليه ينتهى"، أي: أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ باق ليس لبقائه نهاية، ولا يجري عليه الفناء، لأَنَّهُ يستحيل الفناء في ما يستحيل عليه الحدوث.
ثُمَّ قال بعد ذكر معنى الأَوَّل والآخر والظاهر والباطن: “وهذا النوع من الوصف لله عَزَّ وَجَلَّ مِمَّا يوهم السامع مِمَّن لا علم له بِأَنَّهُ وصف متضادٌّ، وليس فيه من تضادٍّ ولا اختلاف، وليس شيء منه بمانِعٍ لغيره من الوصف. فقولك: أَوَّل لا ينفي أن يكون آخِرا، كما أنَّ قولك: آخِرًا، لا ينفي أن يكون أَوَّلاً؛ لأَنَّ معنى أَوَّل على حدة من معنى آخِر، كما فَسَّرنَا قبل، وكذلك قولك: ظاهر، لا يمنع القول بِأَنَّهُ باطن ولا ينفيه؛ لأن معنى ظاهر على حدة من معنًى باطن، وَلِكُلِّ وصف من هذه الأوصاف معنى لا يمنع صاحبه، فاعلموا ذلك. وَالأَوَّل هو القديم، والآخر هو الباقي، والظاهر هو الذي يُعلَم ولا يخفى، والباطن هوالذى يُعلَم ولا يُشاهَد ولا يجاهر، تعالى الله عن مماثلة البريَّة سبحانه ... ”الخ. (4/332)
صفحة 1554
وذكر أهل التفسير لهذه الأوصاف معاني مُتَعَدِّدَة، من جملتها أنَّ الظاهر بمعنى الغالب العالي على كُلِّ شيء، والباطن بمعنى العالم بِكُلِّ شيء. قال البغويُّ: هذا قول ابن عبَّاس.
قوله: «لا كفؤ له»: أي لا مثل، قال البيضاويُّ في الآية: “أي ولم يكن أحد يكافئه، أي يماثله من صاحبة أو غيرها ... ”الخ. وفيه ثلات لغات: "كُفْء" (بسكون الفاء والهمز)، و"كفو" (بضمِّ الفاء من غير همز)، و"كفؤ" (بضمِّ الفاء والهمز)، وقرئ بِهِنَّ جميعا، ومعناه المثل.
قوله: «إنَّ الله لا يعرف بالأمثال ولا بالأشباه ... » إلى آخره، قال في السؤالات: “وعن عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ نجدة بن عمر الملقَّب بالحروريِّ أتاه فقال له: يا ابن عبَّاس: أخبرني عن معرفة رَبِّك، فإنَّ مَن قَبْلَنا قد اختلفوا علينا فقال: أَعرِفُه بما وصف به نفسه من غير رؤية، وأصفه بما وصف به نفسه، من غير شبه صورة، لا يدرك بالحواسِّ، ولا يقاس بالناس، معروف بغير تشبيه، متدان في بعده، ولا نظير له يتوهَّم ديمومته، ولا يمثَّل بخلقه، ولا يجور في أقضيته، فالخلق إلى ما عَلِمَ منهم منقادون، وعلى ما سطَّر في كتابه المكنون ماضون، لا يعملون بخلاف ما منهم علم، ولا إلى غيره يريدون، فهو قريب غير ملتزق، وبعيد غير منفصل، يحقَّق ولا يمثَّل، يوحَّد ولا يبعَّض، يعرف بالآيات، ويثبت بالعلامات، فذلك الله ربُّ العالمين"، فقام نجدة مفحوما مخصوما متعجِّبا بقول ابن عبَّاس رضي الله عنه”. وستأتي روايته في كلام الْمُصَنِّف رحمه الله، لكن كتبته قبل الاطِّلاَع عليه.
قوله: «النافية عنه آثار صنعته»: يعني أَنَّهُ لا يوصف بِشَيْءٍ من صفات خلقه، لأَنَّ صفات الخلق من حيثما دارت فهي نقص وصغر، وذلٌّ وحاجة وعجز، وَذَلِكَ كُلُّهُ عن الله منفيٌّ، وهو عن ذَلِكَ كُلِّهِ عظيم لا يليق به. (4/333)
صفحة 1555
الباب السابع
النهي عن الفكرة في الله عَزَّ وَجَلَّ (4/334)
صفحة 1556
تَقَدَّمَ الكلام فيها عن الشيخ إسماعيل رحمه الله بما فيه كفاية.
قوله: «إنَّ الله لا تناله الفكرة»: قال صاحب الإيضاح رحمه الله: “وندين بِأَنَّ معرفة الله لا تنال بالتفكير ولا بالاضطرار، وَإِنَّمَا تنال بالاكتساب والتعلُّم، وذلك إِنَّمَا يَصِحُّ بعد مخبِر ومنبِّه على ذلك”.
قوله: «ولكن بتصديقه»: أي بالإذعان له من غير تفكير في ذاته، ولذلك قالوا في حقِّه سبحانه: “العجز عن الإدراك إدراك. والله أعلم”. “وفي كلام بعض علماء بني إسرائيل: قسنا ودبَّرنا ونظرنا ووجدنا حواسَّنا وجوارحنا لا تدرك إلاَّ مخلوقا، لأنَّها مخلوقة، ولا نعرفه إِلاَّ بتحقيق الإيمان بالغيب. قال لهم العالم: الآن حين عرفتم ربَّكم حين لم تبلغه جوارحكم” انتهى من شرح النونية.
قوله: «وإنَّ التفكُّر في خلقه شاغل»: المراد ـ والله أعلم ـ أَنَّ التفكُّر في خلقه شاغل عن التفكُّر فيه، فيجب التفكُّر في خلقه، والله أعلم.
وفي بعض النسخ: “فإنَّ التفكُّر في الله شاغل”، وهذا هو المتبادر من السياق، والسياق والمعنى أنَّ التفكُّر في الله شاغل لكم عَمَّا تريدون ولا تحصلون به شيئا، فَإِنَّهُ لا يُنال بالتفكُّر. والله أعلم. (4/335)
صفحة 1557
الباب الثامن
الشرك أخفى من دبيب النمل (4/336)
صفحة 1558
قوله: «يأتي على الناس زمان الشرك فيه أخفى من ذَرَّة سوداء ... » الخ: كلام الشيخ إسماعيل رحمه الله تعالى صريح في أنَّ المراد بهذا الشرك هو الرياء حيث قال في آخرتقسيم الشرك إلى وجوه: “ومنها شرك الرياء، ومعناه أن يرائي العبد بعمله الناس، ويتزيَّن به إليهم رياء وسمعة، وهوالشرك الأصغر، ولذلك قال النبيء عليه السلام: "الشرك أخفى في أُمَّتِي من ذَرَّة سوداء على صخرة صمَّاء في ليلة ظلماء ... "الخ”.
زاد في شرح النونيَّة بعد هذا الحديث: “وفي بعض الكتب: قال أبو بكر الصدِّيق عند ذلك: {إِنَّا للهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 158]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أعلِّمك شيئا إذا قلته خلصت من الشرك بإذن الله؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: قل: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك مِمَّا لا أعلم".
قال جابر: “وكلام الْمُصَنِّف رحمه الله في آخر الحديث الثاني رُبَّمَا يَدُلُّ على أَنَّهُ غير شرك الرياء، وأنَّ الشرك المبوَّب له هو ما ذكر في آخر الحديث الثاني من (4/337)
صفحة 1559
حدِّ الله بالصفة، اللَّهُمَّ إِلاَّ أن يقال: هذا في الشرك الذي يوشك أن ينتقل من ربع إلى ربع ... الخ، وَالأَوَّل في شرك الرياء، وهذا هو الظاهر جمعًا بين الكلامين”.
وفي البخاري فيما يَتَعلَّقُ بالرياء: “من سمَّع سمَّع الله به، ومن يُرَاءِ الله يُرَاءِ الله به”. قال ابن حجر: “الرياء (بكسر الراء وتشديد التحتانيَّة والمدِّ) وهو مشتقٌّ من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها، فيحمدوا صاحبها. والسُّمعة (بضمِّ المهملة وسكون الميم) مشتقَّة من سمع، والمراد بها نحو ما في الرياء، لَكِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بحاسَّة السمع، والرياء بحاسَّة البصر.
وقال الغزالي: “المعنى طلب المنزلة في قلوب الناس، بأن يريهم الخصال المحمودة. والمرائى هو العامل”. وقال ابن عبد السلام: “الرياء أن يعمل لغير الله، والسمعة أن يخفي عمله لله ثُمَّ يحدِّث به الناس”. ثُمَّ قال: “وفي الحديث استحباب إخفاء العمل الصالح، لكن قد استحبَّ إظهاره لمن يقتدي به على إرادة الاقتداء به ويقدَّر ذلك بقدر الحاجة”. قال ابن عبد السلام: يستثنى من استحباب إخفاء العمل من يُظهره ليُقتدَى به، أو يُنتفع به، ككتابة العلم، ومنه حديث سهل الماضي في الجمعة’ "لتأتمُّوا بي ولتعلموا صلاتي"”. قال الطبريُّ: “كان عمر وابن مسعود وجماعة من السلف يتهجَّدون في مساجدهم ويتظاهرون بمحاسن أعمالهم ليقتدى بهم، قال: فمن كان إماما يستنُّ بعمله، عالما بما لله عليه، قاهرا لشيطانه، استوى ما ظهر من عمله وما خفي لِصِحَّةِ قصده، ومن كان بخلاف ذلك، فالإخفاء في حقِّه أفضل، وعلى ذلك جرى عمل السلف”.
فمن الأَوَّل حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: سمع النبيء صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ ويرفع صوته بالذكر، فقال: “إنَّه أوَّاب”، فإذا هو المقداد بن الأسود الكندي”، أخرجه الطبريُّ. (4/338)
صفحة 1560
ومن الثاني حديث الزهريِّ عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قام رجل يُصَلِّي فجهر بالقراءة فقال له النبيء صلى الله عليه وسلم: “لا تُسمعني وأسمع ربّك”. أخرجه أحمد وابن أبي خيثمة وسنده حسن.
قوله: «يحدُّون الله حدًّا بالصفة»: أي يصفونه بصفة المخلوقين كما بَيَّنَه بعدُ في قوله: “خلق الله آدم على صورته”.
قوله: «أيُّ الذنب أعظم؟ أن تجعل لله ندًّا ... » الخ: ومثله حديث البخاريِّ مع زيادة حيث قال بعد ذكر الإسناد: قال النبيء صلى الله عليه وسلم: “ألا أنبِّئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متَّكئا فجلس، فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يقولها حَتَّى قلت: لا يسكت”.
وفي رواية أخرى: “ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر، أو سئل عن الكبائر، فقال: الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، فقال: ألا أنبِّئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قول الزور، أو قال: شهادة الزور، قال شعبة: وأكثر ظنِّي أَنَّهُ قال: شهادة الزور.
وتكلَّم عليه ابن حجر بما يطول ذكره، وذكر الخلاف في الذنوب هل فيها الكبائر والصغائر، أو كُلُّهَا كبائر، وذكر أنَّ الجمهور على الأَوَّل. قال: “وشذَّت طائفة منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني فقالوا: ليس في الذنوب صغيرة بل كلُّ ما نهى الله عنه كبيرة، ونقل ذلك عن ابن عبَّاس، وحكاه القاضي عياض عن الْمُحَقِّقِينَ، واحتجُّوا بِأَنَّ كُلَّ مخالفة لله فهي بالنسبة إلى جلاله كبيرة. ونسبه ابن بطَّال إلى الأَشعَرِيَّة، فقال: “انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر قول عَامَّة الفقهاء”.
وخالفهم من الأَشعَرِيَّة أبو بكر بن الطَّيِّب وأصحابه ـ يعني الباقلاَّني ـ فقالوا: المعاصي كُلُّهَا كبائر، وَإِنَّمَا يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال القُبلة صغيرة بإضافتها إلى الزنا، وكلُّها كبائر”. إلى أن قال: “قال النوويُّ: قد تظاهرت الأَدِلَّة من الكتاب وَالسُّنَّة على القول الأَوَّل”. (4/339)
صفحة 1561
وقال الغزاليُّ في البسيط: “إنكار الفَرْق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه”. إلى أن قال: وقال القرطبيُّ: ما أظنُّه يَصِحُّ عن ابن عبَّاس أنَّ كلَّ ما نهى الله عنه كبيرة، لأَنَّهُ مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر في قوله: {الذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الاِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ} [النجم: 32]، وقوله: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31]، فجعل في المنهيَّات كبائر وصغائر، وفرَّق بينهما في الحكم، إذ جعل تكفير السَّيِّئَات في الآية مشروطا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفي ذلك على حبر القرآن؟! ”. ثُمَّ ذكر الخلاف في حدِّ الكبيرة وأطال فيه إلى أن قال: “في قوله: "أكبر الكبائر" ليس على ظاهره من الحصر، بل "من" فيه مُقَدَّرَة، فقد ثبت في أشياء أخر أَنَّهَا من أكبر الكبائر ... ”الخ. فذكر من ذلك قتل النفس، والزنا بحليلة الجار، واليمين الغموس، واستطالة المرء في عرض رجل مسلم، ومنع فضل الماء، ومنع الفضل، وسوء الظنِّ، ومن ذهب يخلق كخلق الله، إلى غير ذلك مِمَّا أطال فيه.
والظاهر أَنَّهُ لا حاجة إلى تقريرها في ما الكلام فيه؛ لأَنَّ الإشراك بالله أعظمها على الإطلاق.
وقال في رواية البخارى: الإشراك بالله المساوية على كلامه لرواية الْمُصَنِّف: “أن تجعل لله ندًّا” ما نصُّه: “قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يراد به مطلق الكفر، ويكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود، لا سيما في بلاد العرب، فذكر تنبيها على غيره من أصناف الكفر. ويحتمل أن يراد به خصوصه إِلاَّ أَنَّهُ يُرَدُّ على هذا الاحتمال أَنَّهُ قد يظهر أنَّ بعض الكفر أعظم من الشرك، وهو التعطيل، فيترجَّح الاحتمال الأَوَّل على هذا”.
وأراد بالكفر ما نسمِّيه شركا، لأَنَّهُم يخصُّونه به، فكفروا بذلك كفر نفاق كما هو معلوم. (4/340)
صفحة 1562
قوله: «قالوا: لا ندري حَتَّى نسأل نبيئنا»: انظر لِمَ توقَّفوا رحمهم الله في ذلك مع قول الله تعالى في سورة المدَّثِّر: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدَّثِّر: 30]، وهي مَكِّيَّة، والسؤال الظاهر أَنَّهُ وقع بالمدينة، لأَنَّ اليهود إِنَّمَا كانوا بها لا بِمَكَّةَ، والله أعلم. وَلَعَلَّ المسؤولين لم يَتَعَلَّمُوا السورة أو تعلَّموها ولكن لَمَّا وقع الإجمال بحذف التمييز توقَّفوا، لأَنَّ المفسِّرين اختلفوا في تقدير التمييز. فقيل: مَلَكًا، وَقِيلَ: صنفا من الملائكة. وذكروا لكونهم تسعة عشر حِكَمًا ومناسبات يطول ذكرها، فليراجع.
قوله: «أن يريهم الله جهرة»: قال البيضاويُّ: “عيانا”. وهي في الأصل مصدر لقولك: جهرت بالقراءة، استعيرت للمعاينة، ونصبها على المصدر، لأَنَّهَا نوع من الرؤية، أو حال من الفاعل أو المفعول.
قوله: «فلا تضربوا لله الأمثال»: قال البيضاويُّ: “فلا تجعلوا لله مثلا تشركون به أو تقيسونه عليه، فإنَّ ضرب المثل تشبيه حال بحال”. وقال الشيخ إسماعيل رحمه الله في شرح النونيَّة في هذه الآية: “فالمثل يضرب على وجهين:
أحدهما: تشبيه الشيء بالشيء على جهة المدح، كقول القائل: فلان كالأسد في شجاعته، وكالبحر في سخائه، وكالجبل في عظمه، وكالشمس في حسنه، فهذا تشبيه الشيء بالشيء، فلا تضرب لله الأمثال فيقال: كذا وكذا.
والوجه الثاني: تشبيه الشيء بالشيء على جهة الذمِّ، كقوله تعالى {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} [الأعراف: 176]، {إِنْ هُمُ, إلاَّ كَالاَنْعَامِ} [الفرقان: 44]، وقال: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ... } [الجمعة: 5] الآية، فهذان المعنيان عن الله عَزَّ وَجَلَّ منفيان.
قوله: «فإنَّه بِكُلِّ مكان»: يعني بالعلم والحفظ والقدرة. قال الشيخ عامر رحمه الله في عقيدته التي ألَّفها لعمِّنا حازم بن نوح المرساوني رحمه الله: “وندين بِأَنَّهُ في كُلِّ مكان بالحفظ والقدرة، وكونه في الأشياء ومع الأشياء بالإحاطة لها والزيادة والنقصان، لا على الحلول والتمكُّن والاجتنان”. (4/341)
صفحة 1563
وقال الشيخ إسماعيل رحمه الله في شرح النونيَّة: “ويقال: الله عَزَّ وَجَلَّ في كُلِّ مكان فإن قال: ما معنى قولك: "بكلِّ مكان"؟ قيل: ذلك على معنى الإحداث لها والزيادة فيها والنقصان منها، وهو مشاهد لذلك، لا يغيب عنه شيء من الأشياء، ولايغيب عن شيء من الأشياء، لأَنَّ الصانع لا يغيب عن صنعته”.
ويقال: الله في كُلِّ مكان، وفي كُلِّ الأشياء، وفي كُلِّ الخلق، وفي كُلِّ العالم، كُلُّهُ جائز. ويقال: هو في السماوات وفي الأرض، كما قال تعالى: {وَهُو اللهُ فِي السَّمَاواتِ وَفِي الاَرْضِ} [الأنعام: 3]، ولا يقال: هو في الدنيا، ولا هو في الليل، ولا في النهار، ولا في السنة، ولا في الشهر، ولا في اليوم، ولا في الوقت، ولا تمرُّ عليه الأوقات والأيَّام يتعالى عن ذلك. ولا يقال: هو في الأجسام والأعراض”.
قال: “مسألة: فإن قال قائل: أخبرني عن الله عَزَّ وَجَلَّ أليس هو عندك في كُلِّ مكان؟ قيل له: نعم، فإن قال: أو ليست الأماكن كُلُّهَا محدودة عندكم وهو غير محدود؟ قيل له: نعم، فإن قال: كيف يكون غير المحدود في المحدود؟ أو ليس كونه في المحدود مِمَّا يوجب أَنَّهُ محدود؟ قيل له: ليس كونه في الأشياء على ما توهَّمت من كون الشيء في الشيء على الوعاء والظرفيَّة، إِنَّمَا كونه في الأشياء على الإحاطة والتدبير والزيادة والنقصان ... ” إلى آخر ما أطال فيه، فليراجع. (4/342)
صفحة 1564
الباب التاسع
ما روي عن عليِّ بن أبي طالب في التعظيم لله عَزَّ وَجَلَّ ونفي التشبيه له سُبحَانَهُ عن الأشباه
قوله: «القائم بغير منصبة له»: لَعَلَّهُ: "منصب"، في الصحاح: “والمنصب الأصل ... ”الخ، ولم يذكر المنصبة. والله أعلم. (4/343)
صفحة 1565
[صفحة بيضاء] (4/344)
صفحة 1566
الفهارس (4/345)
صفحة 1567
[صفحة بيضاء] (4/346)
صفحة 1568
[صفحة لم ترقن] (4/347)
صفحة 1569
[صفحة لم ترقن] (4/348)
صفحة 1570
[صفحة لم ترقن] (4/349)
صفحة 1571
[صفحة لم ترقن] (4/350)
صفحة 1572
[صفحة لم ترقن] (4/351)
صفحة 1573
[صفحة لم ترقن] (4/352)
صفحة 1574
[صفحة لم ترقن] (4/353)
صفحة 1575
[صفحة لم ترقن] (4/354)
صفحة 1576
[صفحة لم ترقن] (4/355)
صفحة 1577
[صفحة لم ترقن] (4/356)
صفحة 1578
[صفحة لم ترقن] (4/357)
صفحة 1579
[صفحة لم ترقن] (4/358)
صفحة 1580
[صفحة لم ترقن] (4/359)
صفحة 1581
[صفحة لم ترقن] (4/360)
صفحة 1582
[صفحة لم ترقن] (4/361)
صفحة 1583
[صفحة لم ترقن] (4/362)
صفحة 1584
[صفحة لم ترقن] (4/363)
صفحة 1585
[صفحة بيضاء] (4/364)
صفحة 1586
[صفحة لم ترقن] (4/365)
صفحة 1587
[صفحة لم ترقن] (4/366)
صفحة 1588
[صفحة لم ترقن] (4/367)
صفحة 1589
[صفحة لم ترقن] (4/368)
صفحة 1590
[صفحة لم ترقن] (4/369)
صفحة 1591
[صفحة لم ترقن] (4/370)
صفحة 1592
[صفحة لم ترقن] (4/371)
صفحة 1593
[صفحة لم ترقن] (4/372)
صفحة 1594
[صفحة لم ترقن] (4/373)
صفحة 1595
[صفحة لم ترقن] (4/374)
صفحة 1596
[صفحة لم ترقن] (4/375)
صفحة 1597
[صفحة لم ترقن] (4/376)
صفحة 1598
[صفحة لم ترقن] (4/377)
صفحة 1599
[صفحة لم ترقن] (4/378)
صفحة 1600
[صفحة لم ترقن] (4/379)
صفحة 1601
[صفحة لم ترقن] (4/380)
صفحة 1602
[صفحة لم ترقن] (4/381)
صفحة 1603
[صفحة لم ترقن] (4/382)
صفحة 1604
[صفحة لم ترقن] (4/383)
صفحة 1605
[صفحة لم ترقن] (4/384)
صفحة 1606
[صفحة لم ترقن] (4/385)
صفحة 1607
[صفحة لم ترقن] (4/386)
صفحة 1608
[صفحة لم ترقن] (4/387)
صفحة 1609
[صفحة لم ترقن] (4/388)
صفحة 1610
[صفحة لم ترقن] (4/389)
صفحة 1611
[صفحة لم ترقن] (4/390)
صفحة 1612
[صفحة لم ترقن] (4/391)
صفحة 1613
[صفحة لم ترقن] (4/392)
صفحة 1614
[صفحة لم ترقن] (4/393)
صفحة 1615
[صفحة لم ترقن] (4/394)
صفحة 1616
[صفحة لم ترقن] (4/395)
صفحة 1617
[صفحة لم ترقن] (4/396)
صفحة 1618
[صفحة لم ترقن] (4/397)
صفحة 1619
[صفحة لم ترقن] (4/398)
صفحة 1620
طبع بمطابع "دار البعث" قسنطينة-الجزائر
هـ:85 65 69 (4/399)
صفحة 1621
حاشية الترتيب على الجامع الصحيح
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
الجزء الخامس
للشيخ العلامة أبو ستة السدويكشي أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبي ستة
إخراج وتحقيق:
إبراهيم محمد طلاي
مطابع دار البعث، قسنطينة، الجزائر
1994 (5/1)
صفحة 1622
جميع الحقوق محفوظة
مطابع دار البعث، قسنطينة، الجزائر
1415هـ/1995م (5/2)
صفحة 1623
بسم الله الرحمن الرحيم (5/3)
صفحة 1624
[صفحة لم ترقن] (5/4)
صفحة 1625
الباب العاشر
* خطبة علي* (5/5)
صفحة 1626
قولُه: «ولا سَمِيَّ له يُشبِهُه»؛ قال البيضاوي في قوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم:65]، يستحقُّ أن يسمَّى إلهًا أو أحدًا أو يسمَّى الله، فإنَّ المشركين وإن سمَّوا الصنم إلهًا لم يسمُّوه الله قطُّ، ذلك لظهور أحديَّته وتعالى ذاتُه عن المماثلة بحيث لا يقبل اللبس والمكابرة. وهو تقرير للأمر، أي إذا صحَّ أن لا أحد مثله فلا يستحقُّ العبادة غيرُه، لم يكن بدُّ من التسليم لأمره والاشتغال بعبادته والاصطبار على مشاقها.
قولُه: «ولا تبدو له الأمورُ»؛ يعني خلافًا للجهميَّة ومن قال بقولهم من الروافض في زعمهم أنَّ عِلمَ الله محدثٌ، وأنَّه لا يعلم الأشياء حتى تكون، وأنَّه تبدو له البدوات، تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا، وتعلَّقوا في وصهفم له بالبداءة بقوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثَبِّتُ} [الرعد:39]. وأطال أبو عمَّار صاحب الموجز رحمه الله في الردِّ عليهم، ثمَّ قال: والذي قال هؤلاء ضعفاء ترك لنصِّ القرآن مواجهة مع ما يلزمهم في قولهم أنَّ علم الله مُحدث، بأن يقال لهم: هل يخلو هذا العلم المُحدَث من أن يكون الله هو الذي استحدثه لنفسه؟ أو يكون غير الله أحدثه لله؟ فإن كان الله هو الذي استحدثه لنفسه هو من قبل أن يستحدثه كان جاهلاً والجاهل لا يستحدثُ علمًا ولا غير علمٍ، وإن كان استحدثه له غيره فالذي استحدثه له أولى بالعلم والربوبية منه، تعالى الله عن هذا علوًّا كبيرا. ولمَّا بطل أن يوصف الله جلَّ جلالُه باستحداث العلم بطل لذلك ما ذهبوا إليه من وصفهم إياه بالبدإ .. إلخ. فأجاب عمَّا احتجُّوا به على استحداث العلمِ، إلى أن قال: وهذه المقالة أوهن الأقاويل شوكةً وأدحضُها حُجَّة. انتهى من الموجز. (5/6)
صفحة 1627
الباب الحادي عشر
*قصَّة اليهودي مع عليِّ بن أبي طالب*
قولُه: «بِلا كينُونَةِ كائنٍ»؛ لعلَّه ”مكوِّن“. والرواية في شرح النونية: ”والله تعالى كائنٌ بلا كينونة، كان كائنٌ بلا كيف .. “ الخ، وهي غير ظاهرة أيضًا، فليُراجع. والمعنى الظاهر – والله أعلم- وفي رواية مخالفة لبعض ألفاظ رواية المصنِّف وزاد بعدها، وقال النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم: ”إنَّ الله لا يُعرف بالأمثال ولا بالأشباه، وإنَّه إنَّما عُرف بالدلائل والأعلام الشاهدة على ربوبيته النافية عنه آثار صنعتِه“. قال رحمه الله: والكينونة مصدر كان كونًا وكينونةً، والمكوِّن فاعل التكوين، والتكوين فعلُه. قال يجوز على الله كان قبل الأشياء بغير حالٍ، ويقال: كان الله ولا شيء معه ثمَّ كوَّن الأشياء، ويقال: كان قبل الأوقات وقبل الأحوال، والله عزَّ وجلَّ مكوِّن الكائنات، وكائنٌ قبل الكائنات. والكينونة فيها قولان.
قولُه: «ليس له قَبلٌ وهو قبلَ القَبلِ بلا غايةٍ» .. إلخ؛ قال في شرح النونية عند قوله: ”كما كان قبل الخلق قد كان بعده“ .. إلخ: اعلم أنَّ الله عزَّ وجلَّ قديمٌ أزليٌّ (5/7)
صفحة 1628
موجودٌ على الإطلاق ليس لِقدمه بدايةً أوجد منها نفسه، ولا لدوامه نهاية ينتهي إليها، وغير مقيَّد بزمان ولا مخصوص بجهة ولا مكان، قاهر فوق عباده، فوقية إجلالٍ وعظمةٍ وكمالٍ وعزَّةٍ واقتدار، ولا تحيط به الجهات والأقطار، منزَّه عن الأماكن والجهات، غنيٌّ عن جميع الكائنات متعالٍ عن الحلول على العرش والسماوات، ليس بمتَّصلٍ قتمسُّه صفحات الأجرام، ولا بمنفصلٍ فتدركه لمحات أبصار الأجسام، لا يوصف بالحركة ولا السكون، ولا تعتريه وساوس الظنون تعالى عن العيوب والآفات، وتنزَّه عن نقائص العاهات، ولا تبدو له البدوات، ولا يوصف بالجوارح والأدوات، ولا تحلُّه دعاوى الخطر، ولا يوصف بنومٍ ولا سُبات، عالمٌ بما كان وما يكون أن لو كان كيف يكون، علم ذلك بنفسه وبذاته، لا بعلم متجدِّدٍ حاصلٍ في ذاته بالحلول قادر بلا تكلُّف ولا جهد، حيٌّ حياتُه من غير نفسٍ متردِّد، سميعٌ بلا آذان ولا آلة سمعٍ، بصيرٌ بلا حدقة ولا إطباق جفن، لا تكيِّفه العقول، ولا تمثِّله النفوس، ولا تلحقه الأوهام، ولا تحيط به الأفكار، ولا تحويه الأقطار؛ {لاَّ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:103].
خلق الخلق على غير مثال، ودبَّر الأمور على غير تمثال، فبقدرته تصوَّرت الكائنات وبحكمته انتظمت الموجودات، وبإرادته تألَّفت المصنوعات، لا يشغله سمعٌ عن سمعٍ، ولا يعزب عنه مثقال ذرَّة في خفضٍ ولا رفعٍ، ولا يعجز عن كشف ضُرٍّ ولا إيجاد نفعٍ، ليس له شريك منازعٌ ولا كفءٌ ولا مدافع، ولا ندَّ يعادله، ولا شكل يشاكله، {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الاَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر:19]، ولا تغيب عنه مكنونات الأمور، خلق كلَّ شيءٍ فقدَّره، واخترع الانسان وصوَّره، يعلم ما توسوس به نفسُه وما يجلب إليه حسُّه، باقٍ بعد فناء الفانيات، متقدِّسٌ عن الأمد والنهايات محيطٌ بجميع المعلومات والأمور الخافيات، وجِلت القلوب لمهابته، وخضعت الرقاب لعزَّته، وذلَّت الملوك لجبروته، وتواضعت الأشياء لعظمته، فسبحان من ليس له شبيه ولا نظير، ولا يجري عليه حُكمٌ ولا تقدير، ولا زوال ولا تغيير، صانعٌ لجميع المصنوعات بلا معالجة ولا آلات، ولو كان صنعُه بمعالجة لتناهت له القدرة على المقدورات، ولو كان علمه باستدلال لخفيت عنه الأشياء الغامضات، ولو كان سمعه بحاسَّة لعجز عن درك جميع المسموعات، ولو كان في جهةٍ من الجهات لكان فمن جملة المتحيِّزات، ولو جاز (5/8)
صفحة 1629
السؤال عنه بكَيْفَ لاتَّصف بالمثال، ولو جاز بمتى لاتَّصف بالأزمنة والأحوال، ولو جاز بأين لاتَّصف بالمكان، فكيف يتَّصف بالمكان من هو حيث لا أين ولا مكان، ولا إنس ولا جان، تعالى عن أن تتناها له القدرة على مقدوراته، أو يُحصى العلم بمعلوماته، أو تشبهه مخلوقاته، فالخلق إلى ما علم منهم منقادون، وعلى ما أراد وشاء يعملون، {هُوَ الْحَيُّ لآ اله إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [غافر:65]. (5/9)
صفحة 1630
الباب الثاني عشر
*قصَّة القصَّاب مع عليِّ بن أبي طالب*
قولُه: «إنَّ الله لم يحتجب عن خلقِه ولكنَّه حَجَبَ خلقَه عنه»؛ قال ابن وصاف رحمه الله في شرح قول الدعائم: ”وهو السلام الذي في مُلكِه احتجب“، ومعنى وقوله: ”احتجب“ أي امتنع عن أن تراه العيون، وليس كما زعم أهل الجهل والإلحاد أنَّ الله احتجب عن خلقه بحُجبٍ ساترة له، ليس بينه وبين خلقِه حجاب، ولو كان محتجبًا بالحُجب لم يحتجب عن الحجُب لأنَّ الحُجب خلقٌ من خلقه، والله تعالى لم يحتجب بخلقِه عن خلقِه. ولو جاز أن يحتجب بخلقِه أو بشيءٍ غيره لكان لِما احتجب به مفتقرًا وإليه محتاجًا، ومن وصف الله بذلك لزمه الضعفُ والحاجة والعجز، وألزمه أيضًا أن يكون محدودًا، لأنَّ من كان محجوبًا كان محدودًا. فإن قال قائلٌ فما له لا يُرى إذا لم يكن محجوبًا؟ فقل له: لأنَّ نفسه نفسٌ لا تُرى لا لعلَّة من الأشياء، فلمَّا كان نفسه لا تُرى كان لا يُرى في آخرى ولا دنيا، لأنَّه عزَّ وجلَّ لا يتغيَّر أبدًا. انتهى. وقال في شرح النونية بعد رواية هذه القصَّة: والحجاب في لغة العرب المنع، ومنه الحجبُ في الميراث، ومنه قوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ} [إلى قوله] (5/10)
صفحة 1631
{وَمِنم بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} الآية [فصِّلت:5]، والحجبُ في لغة العرب قد يقع عن معروف السلطان وخيره، وقد يراه ويحجبه عن خيره، بل يأمر بضرب عنقه، وقد لا يراه ويناله خيرُه، لا معنى حجاب الرؤية لقوله تعالى {لاَّ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ} [الأنعام:103]. وذكر قبل ذلك في قوله تعالى: {إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطفِّفين:15]، فقد رُوي عن عليٍّ وابن عباس في ذلك أنَّه لم يزل يحجبهم عن رحمته وثوابه ولا ينظر إليهم برحمته، ورُوي عن مجاهد مثله. (5/11)
صفحة 1632
الباب الثالث عشر
*ما رُوي عن ابن عبَّاس في التعظيم لله عزَّ وجلَّ والتنزيه له سبحانه*
قولُه: «أعرِفُه بما عرَّف به نفسَه»؛ الرواية في السؤالات: ”أعرِفُه بما وصف به نفسَه“، وعلى هذه الرواية يقرأ عرَّف بالتشديد. وذلك أنَّ الله عزَّ وجلَّ عرَّف نفسه لعباده بالدلائل المشاهدة والعلامات الظاهرة كما هذو معلومٌ.
قولُه: «فالخلقُ إلى ما علِم منقادون» .. إلخ؛ يعني أنَّهم لا يختارون إلاَّ ما سبق لهم في علم الله، ولا يعلمون ما سبق لهم إلاَّ بعد الوقوع، فلا جبر ولا جبل، كما يدلُّ عليه قوله رحمه الله ولا إلى غيره يريدون، وقد تقدَّم الكلام على هذا بما فيه كفاية. (5/12)
صفحة 1633
الباب الرابع عشر
*قصَّة نافع بن الأزرق مع ابن عبَّاس* (5/13)
صفحة 1634
قولُه: «على ضميرٍ بلغَهُ»؛ أي وصل إليه فكيَّفه، يعني فالقلوب لا تشتمل على مثل هذا الضمير، والله أعلم.
قولُه: «وعلِّمهُ التأويلَ»؛ زاد بعده في السؤالات: واجعله من عبادك الصالحين.
قولُه: «ثكِلتك أمُّك»؛ أي فقدتكَ. قال الصحاح: الثكلُ فقدان المرأة ولدها، وكذلك الثكَلُ بالتحريك، وامرأة ثاكلٌ وثكلى، وثكِلتهُ أمُّه ثكلاً، وأثكلَه الله أمَّه، والثكول التي ثكلت ولدها، ويقال: رمحه للوالدات مَثكَلَة، كما يقال: الولدُ مبخلة ومجبنة إلى آخره. (5/14)
صفحة 1635
قولُه: «إنَّ الله لا كيف له غير الخلقِ»؛ قال في السؤالات: أي فعلٍ وهو الخالقُ لكيفيَّتهم. قال في شرح النونية عند قولِه: ”جلَّ عن التكييف“ ما نصُّه: والكيفُ يجري على وجهين على الألوان، يقول: كيف هو؟ فيُقال: أحمر أصفرٌ. والثاني يجري على الحدود والأحداث، بأن يقول: كيف هو؟ فيقال: طويل عريضٌ صحيح سقيم .. فهذان الوجهان لا يجريان على الله عزَّ وجلَّ. فإن قال قائلٌ: من أيِّ السبُل يُعرَف؟ قيل له: إنَّما يُعرف بالدلائل الدالَّة على ربوبيَّته ولا يُعرف من جهة ما يُعرف الخلقُ. لأنَّ الخلقَ إنَّما يَعرف كلَّ شيءٍ منهم من قبيل سبيله؛ فالخلقُ كلَّه خمسة أصنافٍ؛ صنفٌ منه الألوان وسبيلها الذي تُعرف هي الأبصار، وصنفٌ منه الأصوات وسبيلها الأسماع، وصنفٌ منه الطعوم وسبيلها الأذواق، وصنفٌ منه الأرياح وسبيلها الأشمام، وصنفٌ منه الملموسات وسبيلها الألماس - لعلَّه اللَّمس-. فهذه الأشياء تُعرف من هذه الأسباب، فإن أدركت الأشياء المختلفة من قِبَل هذه الأسباب فهذه دلائل على معرفة الرحمن الرحيم الذي ليس كمثله شيءٌ. أمَّا الأسباب التي تدرك بها الدلائل فلا يدرك الربُّ تعالى بها، وذلك لأنَّ البصر ليس له إليه سبيلٌ لأنَّه تعالى ليس بلونٍ، وإنَّما سبيل البصر إلى اللون خاصَّة، وسبيل السمع إلى الصوت خاصَّة وليس هو بصوتٍ، وسبيل الذوق إلى الطعم خاصَّة والله تعالى ليس بطعمٍ، وسبيل الشمِّ إلى الرائحة والله تعالى ليس كذلك، وسبيل اللمس إلى الليانة والخشونة والحرارة والبرودة، فليس هو بشيءٍ من هذه الأشياء، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وإنَّما يُعرف ربُّنا بالآيات ويثبت بالعلامات التي جعلها في كبير الخلق وصغيره الدالة على ربوبيته ووحدانيته.
فإن قال: فكيف يعتقد قلبي ما لا يدركه وينطوي على ما لا يكيِّفه؟ قيل له: أتقدر على تكييف روحك وعقلك وفعلك وصحَّتك وحياتك، وسائر المخلوقات المركَّبة فيك من الغضب والحزن والفرح وسائرها؟ أم تقدر على وصف شيءٍ من ذلك؟ فإن وصفت شيئًا من هذه الأشياء بكيفية تدلُّ عليها كابرت عقلك، وإن أقررت بالعجز عن تكييف المخلوق الذي له أمثال فكيف بمن ليس كمثله شيءٌ أن تشبهُه صنعتُه؟ والصنعةُ لا تشبه الصانع علمًا عقليًّا لا سبيل إلى دفعه. اهـ.
قولُه: «يصِفُون ربَّهم بالبشر»؛ أي بصفة البشر كما هو. الرواية في السؤالات وفي شرح النونية: بصفات البشر. (5/15)
صفحة 1636
قولُه: «وتَنقُصُ من أطرافِها»؛ ذكر البغوي في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوَا اَنَّا نَاتِي الاَرْضَ نَنقُصُهَا مِنَ اَطْرَافِهَا} [الرعد:41] تأويلين؛ أحدهما لا يناسب المراد هنا، والثاني يناسبُه، حيث قال: قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوَا} يعني أهل مكَّة الذين يسألون محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم، {اَنَّا نَاتِي الاَرْضَ نَنقُصُهَا مِنَ اَطْرَافِهَا} أكثر المفسِّرين على أن المراد منه فتح ديار الشرك، بأنَّ ما زاد في الإسلام فقد نقص من دار الشرك، يقول أولم يروا أنَّا نأتي الأرض نقصدها ننقصها من أطرافها، فنفتحها لمحمَّد أرضًا بعد أرضٍ حوالى أرضهم، أفلا يعتبرون؟ هذا قول ابن عبَّاس وقتادة وجماعة. وقال قومٌ: هو خراب الأرض معناه: أولم يروا أنَّا نأتي الأرض فنخربها ونهلك أهلها، أفلا يخافون أن نفعل بهم ذلك؟ قال مجاهد: هو خراب الأرض وقبض أهلِها. وعن عكرمة قال: قبض الناس. وقال الشعبي مثله. وقال عطاء وجماعة نقصانُها: موتُ العلماء وذهاب الفقهاء .. إلخ.
قولُه: «من يسُومهُم سوءَ العذاب»؛ قال البيضاوي في قوله تعالى: {يَسُومُونَكُمْ} [البقرة:49]: يبغونكم من سامه خسفًا إذا أولاه ظلمًا، والسَّومُ الذهاب في طلب الشيء. «سُوءَ العذاب» أفضعه، فإنَّه قبيح بالإضافة إلى سائره، والسوء مصدرٌ من ساء يسوء، ونصبه على المفعولية ليسومونكم. (5/16)
صفحة 1637
الباب الخامس عشر
*قوله: «خلق الله آدم على صورته» * (5/17)
صفحة 1638
قولُه: «قال بِشرٌ: ومعنى آخر: خلق الله آدم على صورته التي كان في علمِه أن يخلقَه عليها» .. إلخ؛ هذا المعنى الذي ذكره ابن عبَّاس رضي الله عنه، ولذلك لم يحكِه في شرح النونية رحمه الله، واقتصر على ما ذكره ابن عبَّاس.
قولُه: «ومعنى آخر: وذلك أنَّ الله كان ولا شيء غيرُه»؛ الرواية في شرح النونية: ”ومعنى آخر: وهو أنَّ الله“ .. إلخ. الفرق بين هذا المعنى والذي قبله أنَّ الضمير في صورته على هذا المعنى راجعٌ إلى الله، والإضافة للتشريف كبيت الله وروح الله. وإلاَّ فالصور كلُّها لله، والبيوت كلُّها لله، والأرواح كلُّها لله، كما هو معلوم.
قولُه: «وقيل روح الله للذي اصطفاه»؛ الرواية في شرح النونية أي اصطفاه، وزاد بعده في تأويل الحديث ما نصُّه: وزعم بعضهم أنَّ سبب هذا الحديث ما روي أنَّ رجلاً ضرب عبدًا له حسن الصورة، فنهاه صلَّى الله عليه وسلَّم عن لطمه، وقال: ”إنَّ الذي خلق آدم على صورته“، فعلى هذا فإنَّ الهاء راجعة إلى العبد المنهيِّ عن ضربه، والله أعلم وأحكم. ووجدت في الأثر: أنَّ رجلاً حدَّث جابر بن زيد رحمه الله عن الحسن أنَّه قال: ”إنَّ الله خلق آدم على صورته“، فسأل جابر الحسن عن ذلك، فحلف الحسن أنَّه لم يقُله قطُّ ولا كان ذلك من رأيه. فقال جابر: أظنُّ أنَّ الشيطان تخيَّل لهذا الرجل في صورة الحسن، كذلك الشيطان يُتخيَّل في صورة الفقهاء من الصحابة والتابعين يتحدَّث عنهم بالكذب لِيُضلَّ الناس، كما تخيَّل للمسلمين يوم بدرٍ في صورة سراقة بن جعشم، وقال: ”لا غالب لكم اليوم من الناس“، وغير هذه من مناكير الأحاديث تركت ذكرها لئلاَّ يطول الكتاب بلا فائدة يحصل معناها. (5/18)
صفحة 1639
قولُه: «علماؤُهم السفهاء»؛ جمعُ سفيهٍ، وهو ضدُّ الحليم. وفي الصحاح: السفه ضدُّ الحِلم، وأصله الخفَّة والحركة، يقال: تسفَّهت الريح الشجر أي مالت به .. إلخ. وقال البيضاوي في قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ النَّاسِ} [البقرة:142] الذين خفَّت أحلامُهم واستمهنوها بالتقليد والإعراض عن النظر.
قولُه: «وأمراؤُهم المتكبِّرون»؛ أي المتعظِّمون. قال في الصحاح: التكبُّر والاستكبار التعظيمُ. قال البغوي في قوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنَ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف:146]، قال ابن عبَّاس: يريد الذين يتجبَّرون على عبادي ويحاربون أوليائي .. إلخ.
قولُه: «وقرَّاؤُهم المتصنِّعون»؛ أي المتكلِّفون حسن السمت، أي الهيئة الحسنة. قال في الصحاح: والتصنُّع تكلُّف حسن السمت .. إلخ. وقال في محلٍّ آخر: والسمتُ هئية أهل الخير؛ يقال: ما أحسن سمته، أي هيئته ... إلخ.
قولُه: «فعند ذلك يضع الشيطان مصائده»؛ يعني والله أعلم يُلقيها ويترك الاصطياد بها، من قولهم وضعتُ الشيء من يدي وضعًا، وذلك لعدم من يصطاده لحصولهم في حزبه حين تفكَّروا في الخالق وشبَّهوه بخلقه. فوضع المصائد إنَّما هو بالنظر إليهم لا مطلقًا كما هو المشاهَد، والله أعلم. ويحتمل أن يكون يضعها مطلقا لأنَّ المسلمين لا قدرة له عليهم، والباقي قد صاروا من جُندِه، والله أعلم، فليُحرَّر. (5/19)
صفحة 1640
الباب السادس عشر
ما رُوي عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، وعن عبد الله بن مسعود رحمه الله في تنزيه الباري سبحانه (5/20)
صفحة 1641
قولُه: «الذي ما ظهر من الأشياء بأقرب إليه من ممَّا بطن»؛ وتقدَّم الكلام على الأول والآخر والظاهر والباطن بما فيه كفاية عن الموجز. (5/21)
صفحة 1642
وقد ذكر الشخ إسماعيل رحمه الله في شرح النونية ما يقضي منه العجب، وما أظنُّه ترك لأحدٍ قولاً حيث قال: والأوَّل الله تعالى كان قبل كلِّ شيءٍ بلا حدٍّ ولا إبداء، وهو من تأويل القديم. ووجدت في تفسير قول الله عزَّ وجلَّ: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد:3]؛ الأوَّل الذي كان قبل كلِّ شيءٍ ولا شيء معه موجود، والأخر بعد كلِّ شيءٍ بلا انتهاء، وهو من تأويل الباقي. والظاهر الغالب على كلِّ شيءٍ، وقيل: هو العالِم بكلِّ شيءٍ فلا أحد أعلم منه. وقيل: هو العالم بما يكون ممَّا بطن عِلمُه على الخلق. هذا معنى قول ابن عبَّاس كما تقول: فلان يُبطِن أمر فلان، أي يعلم دخيلة أمره. وفي أثر أصحابنا رحمهم الله تعالى: الأوَّل في آخريَّته والآخر في أوَّليته، الظاهر في إبطانه الباطن في إظهاره؛ فالظاهر لخلقه بالدلائل، والباطن عن الحواس. وقال ابن عمر: الأوَّل بالخلق، والآخر بالرزق، والظاهر بالإحياء، والباطن بالإماتة. وقال مجاهد: أوَّل الأول وآخر الآخر، وأظهر الظاهر وأبطن الباطن. وقال مقاتل: هو الأوَّل القديم والآخر الرحيم والظاهر الحكيم والباطن العليم. وقيل: الظاهر الغالب من قوله تعالى: {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف:14]، والباطن المستولي على السرائر. وقيل: الظاهر هو العالم القائم بما ظهر وما بطن، والباطن القاهر لما ظهر وما بطن. وقيل: الظاهر فوق كلِّ شيءٍ فوقيَّة إجلال، والباطن القريب من كلِّ شيءٍ. وقال محمَّد بن الفضل: الأوَّل ببرِّه، والآخر بعفوه، والظاهر بإحسانه، والباطن بستره. وقال أبو بكر الورَّاق: هو الأوَّل بالأزليَّة والاخر بالأبدية، والظاهر بالأحديَّة والباطن بالصمدية. (5/22)
صفحة 1643
وقال عبد العزيز بن يحيى: الواواتُ مُقحمةٌ؛ أي هو الأول الآخر الظاهر الباطن، لأنَّ من كان من الخلق أوَّلاً لا يكون آخرًا، ومن كان ظاهرًا لا يكون باطنًا. وقال الحسين بن الفضل: هو الأوَّل بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، والظاهر بلا اقتران، والباطن بلا احتجاب. وقيل: الأوَّل السابق إلى فعل الخير، والمتقدِّم على كلِّ محسن إلى فعل الإحسان، والآخر الباقي بعد فناء الخلق. والظاهر الغالب القاهر لكلِّ أحدٍ، ومن غلب على شيءٍ فقد ظهر عليه. والباطن الذي يعلم الظواهر ويطَّلع على السرائر. والظاهر أيضًا الذي ظهر للعقول بالإعلام وللأرواح لليقين وإن خفِيَ عن أعين الناظرين، والباطن الذي عرف المغيَّبات وأشرف على المستترات. والباطن أيضًا الذي خفِيَ على الظواهر فلم يُدرَك إلاَّ بالسرائر. قال السدَّي: هو الأوَّل بمجده أن عرَّفك بتوحيده، والآخر بجوده أن عرَّفك التوبة على ماجنيته، والظاهر بتوفيقه أن عرَّفك السجود له، والباطن بستره إذا عصيتَه يستُر عليك. وقال ابن عطاء: الأوَّل بكشف أحوال الدنيا حتى لا ترغبوا فيها، والآخر بكشف أحوال الآخرة حتَّى لا تشكُّوا فيها، والظاهر على قلوب أوليائه حتى عرفوه، والباطن على قلوب أعدائه حتى أنكروه. وقيل: الأوَّل قبل كلِّ معلوم، والآخر بعد كلِّ محتوم، والظاهر فوق كلِّ شيءِ موهوم، والباطن بإحاطته بكلِّ مكتوم. وقيل الأوَّل بإحاطة علمه بذنوبنا قبل وجود ذنوبنا، والآخر بستره علينا في عقابنا، والظاهر بحفظه إيَّانا في دنيانا، والباطن بتصفية أسرارنا وتيقُّظ إدراكنا. وقيل الأوَّل بالتكوين؛ بيانُه: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110]، والآخر بالتثبيت؛ بيانُه: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا} [إبراهيم:27]، والظاهر بالتبيين؛ بيانه: {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} [النساء:26]، والباطن بالتزيين؛ بيانه: {وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات:7].
وقال الترمذي: الأوَّل بالتأليف، والآخر بالتكليف، والظاهر بالتصريف، والباطن بالتعريف. (5/23)
صفحة 1644
وقال الجنيد: هو الأوَّل وعلمه بالباطن كعلمِه بالظاهر. وقيل: هو الأوَّل بالهيبة والسلطان، والآخر بالرحمة والإحسان، والظاهر بالحجَّو والبرهان، والباطن بالعصمة والامتنان. وقيل: هو الأوَّل بشرح القلوب، والآخر بغفران الذنوب، والظاهر بكشف الكروب، والباطن بعلم الغيوب. وسأل عمر رضي الله عنه كعبًا عن هذه الآية فقال: إنَّ علمَه بالأوَّل كعلمه بالآخر، والأوَّل بالعطاء، والآخر بالجزاء، والظاهر بالثناء، والباطن بالوفاء. وقيل: هو الأوَّل بالبِرِّ والكرم، والآخر بتحلية القسم، والظاهر بإسباغ النعم، والباطن بدفع النِّقم. وقيل: هو الأوَّل بالهداية، والآخر بالكناية، والظاهر بالولاية، والباطن بالرعاية. وقيل: هو الأوَّل بالإنعام، والآخر بالإتمام، والظاهر بالإكرام، والباطن بالإلهام. وقيل: هو الأوَّل بتسمية الأسماء، والآخر بتكملة النعماء، والظاهر بإظهار الحقائق، والباطن بعلم الدقائق. وقال سرى السقطي: لم يدع للخلق يقينًا بعد ما أخبر عن نفسه أنَّه الأوَّل والآخر والظاهر والباطن. وقال الشلبي في هذه الآية: الأشياء ساقطة، فإنَّه أوَّل آخر ظاهر باطن .. والله أعلم بتأويل كتابه ومعاني خطابه.
قولُه: «يعرِفُ مَربِطَهُ»؛ يجوز فيه فتح الباء وكسرها، من ربطتُ الشيءَ أربِطُه وأربُطُه، أي شددتُه، يعني بكسر الباء وضمِّها في المضارع.
قولُه: «آريَّهُ»؛ أي محبِسه، يعني بهمزةٍ ممدودة وراءٍ مكسورة وياءٍ مشدَّدة كما ضبطه في الصحاح بعد قوله أوَّلاً: آرى السحاب درته، والآري العسل .. إلخ. يعني على وزن فعل، ثمَّ قال: وممَّا يضعه الناس في غير موضعه قولُهم للمعلف آري، وإنَّما الآري محبسُ الدَّابة .. إلخ. (5/24)
صفحة 1645
الباب السابع عشر
*ما رُوي عن ابن عبَّاس رضي الله عنه*
*في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَّوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} * (5/25)
صفحة 1646
قولُه: «تنضُرُ وجوهُهُم يومَ القيامة»؛ وهو الإشراق، المناسب أن يقول: من النضرة أو النضارة وهي الإشراق. قال في الصحاح: والنضرة الحسنُ والرونق، وقد نضر وجهُه ينضُر نَضرةً أي حسُن، يعني بالفتح في الماضي والضمِّ في المضارع. وقال: ونضر الله وجهَه يتعدَّى ولا يتعدَّى، ويقال: نضُر بالضمِّ نضارَةً، وفيه لغة ثالثة نضِر بالكسر حكاها أبو عبيدة، يقال: نضَّر الله وجهه بالتشديد، وأنضر الله وجهه بمعنى. وإذا قلتَ نضَّر الله امرأً يعني نعَّمَه، وفي الحديث: ”نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها“ .. إلخ.
قولُه: «يتوقَّعون العذاب بعد العذاب»؛ قال البيضاوي في تفسير الآية: {تَظُنُّ} تتوقَّع أربابها {أَن يُّفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} [القيامة:25] داهيةٌ تكسر الفقار. وقال البغوي: تستيقن أن يُفعل بها عظيمٌ من العذاب، والفاقرة الداهية العظيمة والأمر الشديد يكسر الظهر. قال سعيد بن المسيِّب: قاصمة الظهر. قال ابن الأزهر: دخول النار .. إلخ. (5/26)
صفحة 1647
وزاد في شرح النونية بعد قوله: يتوقَّعون العذاب بعد العذاب، ما نصُّه: وحكى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه في جواب سؤال الرجل الشاكِّ الذي سأله في تفسير هذه الآية، قال معاذ: ذلك بعد ما يفرغ من الحساب وَرَدُوا عينًا تسمَّى الحيوان فيغسلون فيه ويشربون منه فتنظر وجوهُهم ويُذهب الله عنهم كلَّ قذى أو قذر أو دنسٍ، فإذا فعل ذلك بهم وقفوا ينتظرون؛ وهو معنى {ينظرون} متى يأذن لهم ربَّهم في دخول الجنَّة، وذلك معنى قوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، وليس يعني بنظرها أنَّها تراه، ولا أنَّ الأبصار تدركه، ولا أنَّ العلم يحيط به، كذلك قال: {لاَّ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ} [الأنعام:103]، أي أنَّه لا ينبغي للخالق أن يفوته خلقه، ولا يدركه تبارك ربُّنا وتقدَّس وليس يرى ربَّنا تبارك وتعالى أحدٌ من خلقه، فهذا ما وجدته عن معاذ بن جبل رحمه الله. ورُوي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب، ومثل ذلك ن محمد بن المنكدر، وقال محمَّد: ما رأيت أنَّ أحدًا له عقل .. إلخ.
قولُه: «وعَتَوا عُتُوًّا كبيرًا»؛ وروى في شرح النونية عن مالك بن أنس أنَّه تلا هذه الآية إلى آخرها فقال: أشرَكوا شركًا عظيمًا. (5/27)
صفحة 1648
الباب الثامن عشر
*عن ابن عباس رضي الله عنه في النظر أيضًا* (5/28)
صفحة 1649
قولُه: «قُولي: إنَّما أنظرُ إلى الله ثمَّ إليك»؛ ومن المعلوم أنَّ النظر إنَّما هو إلى الرحمة والإحسان مثلاً، ولكن لا يجوز الجمع بين الله وبين غيره في ذلك ولا في شيءٍ من الأشياء، وهذا نظير ما ذكروه في التوكُّل أيضًا من أنَّه يقال: ”توكَّلتُ على الله ثمَّ على فلان“.
قولُه: «وقال عليُّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عبَّاس» .. إلخ؛ هذا هو الحقُّ في الرواية عن ابن عبَّاس رضي الله عنه: وأنَّه لا فرق بينه وبين عائشة رضي الله عنها في القول بأنَّ الله لا يُرى، فالظاهر إنَّما يرويه المخالفون عن ابن عبَّاس. ومن أنَّه قال: ”إنَّ محمَّدًا رأى ربَّه بعين رأسه“ إنَّما هو مُفترى عليه، وإن ثبت فقد تقدَّم أنَّ مرادَه بذلك أنَّه علمه بتمييز واستدلال من عقل، وأنَّ الأطبَّاء تزعم أنَّ العقل في الرأس، وتقدَّم عن البغوي في تفسيره قوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم:11]، أنَّ مذهب ابن عبَّاس أنَّ الله عزَّ وجلَّ جعل بصر محمَّد في فؤادِه فرآه بفؤاده. أقول والرؤية بالفؤاد لا تكون إلاَّ علمًا. والحاصل أنَّ مذهب ابن عبَّاس أنَّ الله لا يُرى كما هو مذهب أهل الحقِّ.
قولُه: «وروى محمَّد بن الشيباني»؛ الرواية في شرح النونية: وقد روى محمد الشيباني أنَّ النبيء صلًّى الله عليه وسلَّم سُئل هل رآى ربَّه فقال: (5/30)
صفحة 1650
”سبحان الله! أراه وأنَّى أراه“ أي كيف أراه. وكانت عائشة وعكرمة ينكران ذلك إنكارًا شديدًا فيما بلغنا. وفي كتاب الجهالات: ”من قال إنَّ محمَّدًا رأى ربَّه فهو كافرٌ مشركٌ“ .. إلخ.
قولُه: «محاط به محدود»؛ الرواية في شرح النونية: محاطٌ به وكلُّ محاطٍ به محدود .. إلخ، ثمَّ رأيته كذلك في بعض النسخ.
قولُه: «على العرش استوى»؛ سيأتي بيانُه.
قولُه: «إليه يصعدُ الكلِمُ الطيِّب»؛ قال في شرح الجهالات: مسألة؛ أخبرني عن قوله عزَّ وجلَّ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10]، وقوله: {يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران:55]، وقوله: {تَعْرُجُ الْمَلآئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج:4]، فالجواب في ذلك أنَّ كلَّ الأمور تصير إليه حسنها وقبيحها يجازي بهما ويعفو عمَّن يشاء من ذلك، فالأمور كلُّها إليه تصير ومنه تجيءُ إلى خلقه وليس ذلك ما ظنَّ الجاهلون، والجاهلون هم المشبِّهة الذين يتوَّهمون أنَّ إلهَهُم في السماء دون الأرض، يتعلَّقون بهذه الآية التي تلاها صاحب الكتاب، وأمثالها من القرآن ومن الحديث، وذلك أنَّ عزَّ وجلَّ جعل السماء مسكنًا للملائكة، ومهبطًا لوحيه، وموضع تدبير أموره، فلذلك يقول عزَّ وجلَّ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}، ولعيسى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} ليس على أنَّه عزَّ وجلَّ في السماء دون الأرض، وقد قال: {وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الاَرْضِ} [الأنعام:3]، {وَهُوَ مَعَكُمُو أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد:4]، في أمثالها من الآي التي تلوناها في غير موضع، والأحاديث التي روينا في مثل ذلك عن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه والتابعين من بعدهم والعلماء المشهورين من المصدر الأوَّل. وقد قال عزَّ وجلَّ: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ} [النحل:26]، فيجب بهذا أن يكون في السفلى من العالم دون العلوِّ. وقد استقصينا هذا الباب بغاية الاستقصاء في كلِّ موضع. قال بعض أهل التفسير: إنَّ العمل الصالح هو الذي يرفع وهو الكلم الطيِّب، والكلِمُ الطيِّب عندهم هو التوحيد، ولا يُقبل إلاَّ بالعمل الصالح، فعلى هذا المعنى أنَّ رفعه لذلك هو القبول له، والله أعلم. (5/31)
صفحة 1651
وقد قال بعض العلماء: إنَّ الجنَّة في السماء ولذلك قال لعيسى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} أي إلى الجنَّة، والله أعلم. وكذلك قوله: {تَعْرُجُ الْمَلآئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} أي التدبير من الله عزَّ وجلَّ للأمور هو في السماء، ولذلك قال ”إليه“، وهو معنى قول صاحب الكتاب: إنَّ الأمور كلَّها إليه تصير ومنه تجيءُ إلى خلقه. انتهى. أقول: لكن لا بدَّ من تخصيص الصعود بالكلم الطيِّب .. إلخ، من نكتة وهي القبول أو نحوه. قال البيضاوي: وصعودُهما إليه مجازٌ عن قبوله إياهما، أو صعود الكتَبَة بصحيفتهما. قال: والضمير المستكن في ”يرفَعُه“ للكلِم الطيِّب، فإنَّ العمل لا يُقبل إلاَّ بالتوحيد. ويؤيِّده أنَّه نصب العمل أو للعمل فإنَّه يحقِّق الإيمان ويقوِّيه، أو لله وتخصيص العمل بهذا الشرف لما فيه من الكلفة. إلى أن قال: وقيل: الكلِم الطيِّب يتناول الذكر والدعاء وقراءة القرآن. وعنه عليه الصلاة والسلام: ”هو سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاَّ الله، والله أكبر؛ إذا قالها العبد عرج بها الملَك إلى السماء فيُحَيِّيَ بها وجه الرحمن، فإذا لم يكن عملٌ صالحٌ لم يُقبل“. انتهى، وفيه شيءٌ.
قولُه: «أَأَمِنتُم من في السماء»؛ يحتمل أنَّ المراد بـ ”من“ الملائكةُ، فلا دليل فيه ولا حاجة إلى التأويل. ويحتمل أنَّ المراد به الباري جلَّ وعلا، فيكون فيه الدليل ويحتاج إلى التأويل. قال البيضاوي في قوله: ”أأمنتم من في السماء“ يعني الملائكة الموكَّلين على تدبير العالَم، أو الله تعالى على تأويل من في السماء أمرُه وقضاؤُه، أو على زعم العرب أنَّهم زعموا أنَّ الله تعالى في السماء .. إلخ.
قولُه: «يدبِّر الأمر من في السماء إلى الأرض»؛ قال البيضاوي: يدبِّر أمر الدنيا بأسباب سماوية كالملائكة وغيرها نازلة آثارها إلى الأرض. وقال البغوي: يدبِّر الأمر يقضيه. وقال في الصحاح: والتدبير في الأمر أن تنظر ما تؤول إليه عاقبتُه، إلخ. ولكن الظاهر أنَّ هذا إنَّما هو بالنظر إلى الخلقِ، والله أعلم. (5/32)
صفحة 1652
الباب التاسع عشر
* فصل في النظر في اللغة * (5/33)
صفحة 1653
قولُه: «?مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَّاحِدَةً تَأخُذُهُمْ وَهُمْ يَخَصِّمُونَ? [يس: 49]»؛ قال البيضاوي: ما ينظرون إلاَّ صيحةً واحدةً هي النفخةُ الأولى تأخذُهم وهم يخصِّمُون يتخاصمُون في متاجرهم ومعاملاتهِم لا يخطر ببالهم أمرٌ ما، لقوله» فَأَخَذَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَّهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ «. أقول: التلاوة ?هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأتِيَهُمْ بَغْتَةً وَّهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ? [الزخرف: 66] وفي آيةٍ أخرى ?أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَّهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ? [يونس: 107]. قال في قوله ?يَخَصِّمُونَ? وأصلُه يَخْتَصِمُونَ فسُكِّنَت التاء وأدغِمَت ثم كُسِر الخاءُ لالتقاء الساكنين. وروى أبو بكر بكسر الياء للاتباع. وقرأ ابن كثير وورش وهشام بفتح الخاء على إلقاء حركة التاء إليها وأبو عمرو وقالوا به مع الاختلاس. وعن نافع الفتحُ فيه والاسكانُ وكأنَّه يجوزُ الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني مُدغَما. وقرأ حمزة يخصمون من خَصَمَهُ إذا جادَلُه. (5/34)
صفحة 1654
قولُه: «?مَا يَنْظُرُ هَؤُلاَءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَّاحِدَةً مَّا لَهَا مِنْ فَوَاق? [ص: 15]»؛ قال البيضاوي: ?وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاَءِ?، وما ينظر قومُكَ والأحزاب فإنَّهم كالحضور لاستحضارِهم بالذكر وحضورِهم في علم الله. ?إِلاَّ صَيْحَةً وَّاحِدَةً? النفخةُ، ?مَا لَهَا مِنْ فَوَاق? مِن توقّف مقدارُ فواقٍ وهو ما بين الحلبتين أو رجوعٍ وتردادٍ في ترجيع اللَّبن إلى الضرعِ، وقرأ حمزة والكسائي بالضمِّ وهُما لغتان.
قولُه: «?هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ? [الأنعام: 158]»؛ قال البيضاوي: أي ما ينظرونَ يعني أهلَ مكَّةَ، وهم ماكانوا منتظرين لذلك، ولكن لمَّا كان يلحقُهُم لُحُوقَ المنتظرِ شُبِّهُوا بالمنتظرين. ?إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ?، ملائكةُ الموتِ أو العذاب الخ.
قولُه: «ومصداقُ ذلك في اللُّغةِ قولُ القائِل» .. الخ، قال في شرح النونية: وأمَّا قولُه ?وُجُوهٌ يَّوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ? [القيامة: 22، 23] فقد تقدَّمَ تفسيرُها، وليس لهم فيه حُجَّة، إذ النظرُ يخرج على وجوهٍ، فكلُّ محتمَلٍ فهو ساقطٌ من يد المحتجِّ بِه: منها نظرٌ على وجه الانتظار، وهو كثيرٌ في القرآنِ كقولِهِ تعالى ?فَنَاظِرَةٌم بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ? [النمل: 35]، وقولِهِ ?انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُّورِكُمْ? [الحديد: 13]. ومنها نظرٌ على وجهِ الاتِّكَالِ، كقولِ القائل:» إِنَّمَا أنظُرُ إلى ما يرزقُني الله «أي فأنا أتَّكِلُ على ذلك. ومنها نظرٌ على وجه الاختيارِكقولِ القائل:» اللَّهُم انظُر إليَّ «. ومنها نظرٌ على وجه الحكم كقول القائل:» انظرْ بينَنَا «. ومنها نظرٌ على وجهِ التثبُّت كقول القائل:» انظُر مَا تَقُولُ «أي تثبَّت. ومنها نظرُ العلمِ كقوله تعالى ?انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَالَ? [الإسراء: 48] أي اِعْلَم. وكقولهم:» انظر ما يقولُ فلانٌ «. ومنها نظرُ جهرةٍ ورؤيةٍ وذلك عن اللهِ سبحانَه منفيٌّ، فإذا كان النظرُ يخرجُ على ما ذكرنا فلِمَ لم تَحمِل المشبِّهةُ النظرَ في هذه الآية إلى ما يليق في صفة الله تعالى. (5/35)
صفحة 1655
ونظرُ الله تعالى إلى خلقه على وجهين: أحدُهُمَا: مشاهدتُهُ إيَّاهُم لا يخفون عنه. والثاني: نظرُ صلةٍ وعائدةٍ كقوله تعالى: ?وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ? [آل عمران: 77] أي برحمتِه، ونظَرُ الخلْقِ إليه انتظارُ رزقهِ ورحمته، والله أعلم. قال: قال بعض من يُثبِتُ الرؤيةَ: إنَّ النظرَ ينقسمُ معناهُ في اللغة، ولكن يعتُورُه وسائط مختلفة على حسب اختلاف معانيه. فقال: إن أريدَ به الانتظارُ استُعمِل من غير صِلَةٍ، كما قال الله تعالى: ?انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُّورِكُمْ?.
قال: وإن أُريدَ به الفِكرُ استُعمِلَ بفِي، كقولِك:» نظرتُ في الأمر «. قال: وإن أُريدَ به الترحُّمُ وُصِل باللاَّمِ، فيقولُ:» نظرت لفلان «. وإذا أُريدَ به الإبصارُ والرؤيةُ وُصِلَ بإلى. قال: والنظرُ في هذه الآيةِ موصولٌ بإلى، خبرٌ عن الوجوهِ الناضرة. قيل له إنَّ الأمرَ كما ذكرتَ في النظر، ولكنَّ النظرَ الذي بمعنى الانتظار تارةً يُوصَل بإلى وتارةً يُستعمَلُ بغير صِلَةٍ، وهو في هذه الآية موصولٌ بإلى، الدليل على ذلك قولُ الشاعر:
وُجوهٌ ناظراتٌ يومَ بدرٍ ... إلى الرَّحْمَ?نِ تنتظِرُ الخَلاَصَا
وذلك موجودٌ في لُغةِ العرب؛ ألاَ ترى إلى قولِ القائلِ:» إنمَّا أنظُر إلى اللهِ ثمَّ إليكَ «، ولا يذهبُ وهمُ أحدٍ إلى قولِه:» إنَّما أنظرُ إليكَ «إنَّه أرادَ نظرَ رؤيةٍ وإنَّما معناهُ انظرُ إلى ما يأتي من قِبَلِكَ منَ الرزقِ والرحمةِ.
قولُه: «وأمَّا الرؤيةُ فقد تكونُ بغير البصر»؛ أي العلم، كما يدلُّ عليه آخر كلامه. قال في شرح النونية: والرؤيةُ تخرج على معنى العلامة ورؤية الدلالة، وقد يقول الرجلُ لصاحبِه أرنِي على ما قلتَ برهانًا، قال الله تعالى: ?اَلَمْ تَرَ إِلىَ? رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ? [الفرقان: 45] يريدُ ألَم تعلَم. قال الكميتُ بنُ زيدٍ شعرًا:
رَأَيْتُ اللهَ إِذْ سَمَّى نِزَارًا ... وَأَسْكَنَهُمْ بَمَكَّةَ قَاطِنِينَا
وكثيرًا ما يستعمِلُ النَّاسُ فيما بينَهم عبارةَ الرؤية على العِلمِ كقولهم: رأيتُ لفلانٍ فهمًا وعِلمًا وأدَبًا. فأمَّا الجهرةُ فلا تُذكرُ إلاَّ عند الملاقاةِ بالأبصارِ، فمَن زعم (5/36)
صفحة 1656
أنَّ الله يُرَى يومَ القيامة فهو كافرٌ، ومن قال يُرى في الدنيا في كُتُب شيوخ أهل المغرب، انتهى ولعلَّ تمامُه أنَّه مشركٌ كَمَا هُو المصرَّحُ بِه في» الموجَز «وغيرُه. قال رحمه الله: فإن قالَ قائلٌ من الحشويَّة إنَّ الأمرَ كما ذكرتُم إنَّ الله لا يُدرَكُ جهرةً وإنَّما يُرَى رؤيةً، لأنَّ الإدراكَ من شأنِه الاتِّصالُ والرؤيةُ ليسَ من شأنِها الاتصالُ بالمرئي، قُلنا صدقتُم وكذلك يُسمَعُ بالأذانِ ويُشَمُّ بالأنوفِ لأنَّ السمعَ والشمَّ ليس من شأنِهِمَا الاتِّصالُ، فعجبًا منكم معاشر الحشويَّة دونَ إخوانِكُم المشبِّهة زعمتُم في بدءِ أمرِكُمْ أَنَّ مَعبُودَكُم لا يُوصَفُ بصفاتِ الأجسامِ ولا يُسمَّى باسم الأجسام كاسماءِ إخوانِكُم من أهلِ التجسيمِ والتعطيلِ، فَنقضتُم أَصلَكُم بعد ذلك فزعمتُم أنَّ معبودَكُم تعالى استوى على العرش بذاتِه وأنَّه يُرى بالأبصار جهرةً، وَيحَكُم أوَلَيس الحلولُ من الأجسامِ ورؤيةُ البَصَرِ لا تقعُ إلاَّ على الألوانِ القائمةِ والأشباحِ الماثِلَة! فَلَعمرِى لو قُلتُم يُسمَعُ بالآذان ولا يُرَى بالأبصارِ لَكَان أقيَس على أصلِكُم الذي بنيتُم عليه مذهبَكُم. كما قُلتُم في القرآن مِن أنَّهُ كلامُ الله قديمٌ أزلِيٌّ وهو مع ما وصفتُمُوه به يُسمَعُ بالآذان لقوله تعالى: ?فَأَجِرْهُ حَتَّى? يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ? [التوبة: 6]. ولكن لمَّا ضُويِقتمُ بالدلائِل العقليَّة والاحتجَاجَاتِ الضروريَّة نصبتُم له هُيُولى خيالاً، وهو العبارةُ بما حُوجِجتُم به من صفاتِ الخلقِ الموجودةِ في القرآن مِنَ الاتِّصَال والانفصال والمتشابِه والمتماثِل وغيرها من صفاتِ الخَلْقِ.
قلتُم صدقتُم غير أنَّ ذلك يتوجَّه إلى العبارةِ فلو قُلتُم في معبودِكُم إنَّه يُسْمَعُ بالآذان إذ كان المسموعُ لا تقُعُ عليه الأبصارُ ولا يُوصَفُ بلونٍ من الألوان ولا شيءٍ من معانِي الأجسامِ لأنَّه عرضٌ من الأعراضِ لكانَ أشبَهَ بمذهبِكُم ولكنَّكُم عَكستُم، فقُلتُم يُرَى بالأبصارِ جهرةً وأنَّه على العرشِ دونَ ما سِواهُ من الأمكِنَةِ جُرأةً منكم وسوء الظنِّ لعاقِبةِ أمرِكُم فَلكُم الويلُ ممَّا تَصفُونَ وإلى ما إليه تُؤَوِّلُون. اعلَمُوا مَعشَر المسلمين أنَّ القومَ ليسُوا على شيءٍ وإنَّما بُنِيَت أصولُهم على التشبيهِ للذَّات والتعطيلِ للصِّفَاتِ، فلاَ يَغُرَّنَّكُم تأليفُهم في الكلامِ بالإكثارِ وكثرةِ ما صنَّفُوه من الأسفَارِ، فقد صَنَّفت الفلاسفةُ وسائرُ المُلحِدةِ أكثَرَ من ذلك وأطولَ واللهُ المستعانُ وبهِ الحولُ والتوفيقُ، الخ. (5/37)
صفحة 1657
فشرعَ في الرَّد عليهم في التفرقة بين الدنيا والآخرةِ في الرؤيةِ وسألَهم عن إخبارِ اللهِ بأنَّه لا تُدرِكُهُ الأبصارُ هل هو خبرٌ عن الذَّاتِ أو عن وقتٍ دونَ وقتٍ؟ إلى آخر ما أطالَ فيهِ. وسيأتي نقلُ كلامِه بعدُ إن شاء الله.
قولُه: «?أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ? [الفرقان:45]»؛ أبدى فيه البيضاوي ثلاث احتمالات: اثنان منها حملَ الرؤيةَ فيهما على النظرِ، الأول منهُمَا على تقديرِ مُضافٍ، والثاني على تغيير الأسلوبِ. وواحدٍ منها حَمَلَها فيه على العِلمِ، حيث قال: ?أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ? ألَم تنظُر إلى صُنعِه كيف مدَّ الظلَّ، كيفَ بَسَطَه، أَوَلَم تَنظُر إلى الظلِّ كيف مدَّهُ ربُّك؟ فغيَّر النظم إشعارًا بأنَّ المعقولَ من هذا الكلام لِوُضُوح برهانه، وهو دلالةُ حدوثه وتصرُّفِه على الوجه النافع بأسبابٍ مُمكِنةٍ على أنَّ ذلك فعلُ الصانع الحكيمِ كالمُشَاهَد المرئي، فكيف بالمحسوس منه؟ أو ألَم ينتهِ علمُك إلى ربِّكَ كيفَ مدَّ الظلَّ فيما بين طلوعِ الفجرِ والشمس وهو أطيب الأحوال، فإنَّ الظلمة الخالصة تُنفِّرُ الطبعَ وتَسُدُّ النظر، وشعاعُ الشمس يُسخِّنُ الجوَّ ويُبهِرُ البصَرَ، ولذلك وَصَفَ به الجنَّة فقال ?وَظِلٍّ مَمْدُودٍ? [الواقعة: 30].
قولُه: «?أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فيِ رَبِّهِ? [البقرة: 258]»؛ قال البيضاوي: تعجَبُ من مُحاجَّة نمرود وحماقته أن أتاه الله المُلكَ، أن أتاهُ أي أبطَرَهُ إيتاؤُه الملكَ وأَورَثَهُ الكبرَ والعتوَّ فحاجَّ لذلك، وحمله على المحاجَّة أو حاجَّ لأجلِه شكرًا له على طريقةِ العكسِ، كقولِك عاديتَني لأنِّي أحسنتُ إليكَ، أو وقتَ أن أتاهُ اللهُ الملكَ وهو حُجَّة على من منع إيتاءَ الله الملكَ الكافر من المعتزلة.
قولُه: «?أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ? [البقرة:243]»؛ قال البيضاوي: ألم ترَ، تعجيبٌ وتقريرٌ لمن سمع بقصَّتِهم من أهل الكتاب وأربابِ التواريخ، وقد يخاطَبُ به من لم يرَ ومن لم يسمع، فإنَّه صار مثلاً في التعجُّب. ?إِلَى الذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ? يُريدُ أهل داوردان: قريةٌ قبل واسط وقع فيهم طاعونٌ فخرجوا هاربين فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويتيقَّنُوا أن لا مفرَّ من قضاء الله وقدرِه، أو قومًا من (5/38)
صفحة 1658
بني إسرائيل دعاهُم ملكُهم إلى الجهادِ ففرُّوا حذَرَ الموتِ فأماتَهم الله ثمانية أيامٍ ثم أحياهُم. ?وَهُمُو أُلُوفٌ? أي ألوفٌ كثيرةٌ، قيل عشرة وقيل ثلاثون وقيل سبعون الخ.
قولُه: «?أَوَلَمْ يَرَ الاِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ? [يس:77]»؛ قال البيضاوي: تسليةٌ ثانية بتهوينِ ما يقولُونه بالنسبة إلى إنكارِهِم الحشرَ. وفيه تقبيحٌ بليغٌ لإنكاره حيثُ عجب منه وجعله إفراطاً في الخصومة بيِّنًا، ومنافاة لجحودِ القدرة على ما هو أهون ممَّا عمله في بداية خلقه، ومقابلة النعمة ـ التي لا مزيد عليها وهي خلقُهُ من أخسِّ شيءٍ وأمهَنِهِ شريفًا مُكرَّمًا ـ بالعقوق والتكذيب. وروي أنَّّ أُبَيَّ بن خَلَفٍ أتى النبيءَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعظْمٍ بالٍ يُفتِّتُهُ بيده وقال: أترى الله يُحيِ هذا بعد ما رَمَّ؟ فقال عليه السلام: «نَعَمْ وَيَبْعَثُكَ وَيُدْخِلُكَ النَّارَ» فنزلت. وقيل معنى ?فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌم مُّبِينٌ? فإذا هو بعد ما كان ماءً مَهِينًا مُمَيِّزٌ مِنْطِيقٌ قادرٌ على الخصومةِ مُعرِبٌ عمَّا في نفسه.
قولُه: «?وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ? [آل عمران:143]»؛ ظاهر البيضاوي أنَّه حمل الرؤيةَ هنا على رؤيةِ البصرِ خصوصًا إذا كان المرادُ بالموتِ الحربُ، حيث قال: ?وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ? أي الحربَ فإنَّها من أسبابِ الموتِ، أو الموتُ بالشهادةِ؛ والخطابُ للَّذين لم يشهدُوا بدرًا وتَمنَّوا أن يَشهدُوا مع رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم مشهدًا لينالوا ما نالَ شهداءَ بدرٍ من الكرامةِ فألَحُّوا يومَ أُحُدٍ على الخروج. ?مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ? من قبل أن تُشاهدُوه وتعرفُوا شدَّتَه. ?فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ? أي فقد رأيتمُوه مُعَايِنِين له حين قُتِل دونَكُم من قُتِل من إخوانِكُم. وهو توبيخٌ لهم على أنَّهُم تمنَّوا الحربَ وتسبَّبُوا لها، ثم جبنُوا وانهزموا عنها، أو على تمنِّي الشهادة فإنَّ في تمنِّيها تمنِّي غَلَبَةِ الكفَّار.
قولُه: «فَلَمْ يَزَلْ يَحْجُبُهُم عَن رَحمَتِهِ ونواله» .. الخ؛ يعني أنَّه على حدفِ مضافٍ، والقرينةُ عليه الاستحالةُ. (5/39)
صفحة 1659
قال البيضاوي: أولا بناءً على اعتقادِه الفاسد ?لَمَحْجُوبُونَ? فلا يرونَه بخلافِ المؤمنين، ثم قال ومن أنكر الرؤيةَ جعله تَمثيلاً لإهانتِهِم بإهانةِ من يَمنع عن الدخول على الملوك، أو قدَّرَ مُضافًا مثل رحمةِ ربِّهم أو قُربَ ربِّهم. (5/40)
صفحة 1660
الباب العشرون
* في قوله تعالى: ?لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ?* (5/41)
صفحة 1661
قولُه: «?لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ? [يونس: 26]»؛ قال الشيخ إسماعيل رحمه في شرح النونية: وأمَّا تأويلُ المشبِّهة في الزيادة المذكورَةِ في قوله تعالى ?لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ? وقوله ?وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ? [ق: 35] فإنَّمَا تَعسَّفُوا في تأويلِهَا تعسُّفًا شديدًا واستخراجًا قبيحًا ولم يعتبروا فيها معنى الزيادةِ المذكورةِ في غيرِها من القرآن، كقولِه تعالى: ?لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ? [النور: 38]، وقولِه: ?لِيُوَفِّيَهُمُو أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِّنْ فَضْلِهِ? [فاطر: 30] في مثله من الآيات غير أنَّ القومَ متى سمعوا بذكر شيءٍ قريبٍ أو بعيدٍ من الذي بنوا عليه اعتقادَهم ذهبت إليه أهواؤُهم قاتَلَهم اللهُ أنَّى يُوفَكُون. فأمَّا قولُه: «?لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى? قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالحَسَن» .. الخ؛ فذَكَر ما ذكرهُ المصنف رحمه الله، وقال: ومعنى هذه الأقاويلُ معنى واحدٌ لأنَّ ذلك كلُّه ثوابٌ.
قولُه: «?أَحْسَنُوا? أَيْ وَحَّدُوا اللهَ»؛ يعني مع الوفاء بدينِه كما هو معلومٌ. (5/42)
صفحة 1662
الباب الواحد والعشرون والثاني والعشرون
*في قوله عزَّ وجلَّ: ?وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدرِهِ?- والقبضة* (5/43)
صفحة 1663
قولُه: «عن قولِه عزَّ وجلَّ: ?وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ? [الزمر:67]»؛ أي في قدرته، ?وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌم بِيَمِينِهِ? أي في مُلكِهِ. قال في شرح النونية: وكذا قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ ?لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ? [الحاقة:45] وقوله ?وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌم بِيَمِينِهِ? محمولٌ على القوَّةِ والقدرةِ لا على ما تأوَّلتهُ المشبِّهةُ، ألاَ ترى إلى قوله عز وجل ?أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ? [النساء:3] ولو ساغ لنا أن نأخُذ بظاهرِ الآية لقُلنا هذا في من له أيمانٌ كثيرةٌ، ولساغ لنا أيضًا أن نجعلَهَا خاصَّةً فيمن له اليمينُ دون الأقطع من المنكب، فلما صحَّ ما ذكرنا كان معنى قول الله عز وجل ?وَالسَّمَوَاتُ مَطْويَّاتٌم بِيَمِينِهِ? على جهةِ الملكِ والاقتدار لا على هيئةِ قبضٍ وإمساكٍ للشَّيءِ بالجارحةِ. والقبضةُ هاهنا بمعنى المُلكِ: ألا ترى إلى قول القائل:» قد قبضتُ هذه الدَّارَ «، وربَّما يكونُ في المشرق والدارُ في المغرب، فيسوغُ له هذا القولُ لأنَّه لمَّا اشتراها وجرى عليها ملكُه كان بمنزلةِ من قبض عليها بكفِّه، فجاز ذلك في اللغة تشبيهًا وتمثيلاً .. الخ. فذكر رواية جابرٍ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وقال البيضاوي: في قوله عز وجلَّ: ?وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاقولُ لأنَّه لمَّا اشتراها وجرى عليها ملكُه كان بمنزلةِ من قبض عليها بكفِّه، فجاز ذلك في اللغة تشبيهًا وتمثيلاً .. الخ. فذكر رواية جابرٍ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وقال البيضاوي: في قوله عز وجلَّ: ?وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاِهم شابت لمة الليل. القبضةُ المرَّةُ من القبض، أُطلقت بمعنى القبضة بضمِّ (5/44)
صفحة 1664
القاف وهو المقدارُ المقبوضُ بالكفِّ تسميةً بالمصدر أو بتقديرِ ذاتِ قبضةٍ.
وقُرِئَ بالنصب على الظرف تشبيهًا للموقت بالمبهم. وتأكيدُ الأرض بالجميع لأنَّ المرادَ بها الأرضُون السبع، أو جميع أبعاضها البادية أو الغابرة. وقُرِئ مطويَّاتٌ على أنَّها حال، والسمواتُ معطوفةٌ على الأرض منظومةٌ في حُكمِها. وقال في شرح النونيَّة أيضًا في قوله: ?وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌم بِيَمِينِهِ? أي فانياتٌ ذاهباتٌ بقُدرتِه، لأنَّه تعالى أخبر عن شأنه يوم القيامةِ وعظمةِ أهوالِه، فأخبر أنَّه يوم يزولُ فيه سلطانُ كلُّ أحدٍ، ويزول عن أهل السموات والأرضِ ما كانوا خوّلُوه، فتُطوَى السمواتُ والأرضُ ويُحدثُ الله فيهما من جلائل قُدرتِه ما يعلم معه العبادُ أنَّه مالكَها، وأنَّ الأرض بذلك في قبضتِه والسمواتُ مطويَّاتٌ بيمينه على جهة المُلكِ والاقتدارِ لا على القبضِ والإمساك بالأصابع، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً. وقد شرك ابن عباسٍ رضي الله عنه من ذهب إلى أنَّ القبضةَ غير المُلك؛ ألا ترى إلى الله كيف نزَّه نفسَه عن مقالة اليهود لعنهم الله فقال: ?سُبْحَانَهُو وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ? [يونس:18] لأنَّ الصفةَ التي كانت منهم شركٌ، فقال ابن عباس رضيَ الله عنه:» من زعم أنَّ للهِ خِنصَرًا أو بِنصرًا فقد أشرك «. وكذا قولُ الله عزَّ وجلَّ: ?لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ? أي بالحقِّ ?ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينُ? [الحاقة:46] يعني نِياطَ القلب. انتهى. (5/45)
صفحة 1665
الباب الثالث والعشرون
*في اليد*
الباب الرابع والعشرون
*في قوله تعالى: ?لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ?* (5/46)
صفحة 1666
الباب الخامس والعشرون
*في اليد أيضًا*
قولُه: «يعنون بذلك مُلكه وقدرته» .. الخ؛ قال في شرح النونية: وأمَّا تفسيرُ اليد فإنَّها تخرُج في كلامِ العربِ على وجوهٍ كثيرةٍ؛ تكونُ اليدُ القوَّةُ، قال الله تعالى: ?وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بَأَيْدٍ? [الذاريات:47]. ويكون اليدُ النعمةُ، قال الله تعالى: ?بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ? [المائدة:64] أراد نِعمَتَاهُ. واليدُ القدرةُ، قال الله تعالى: ?مِمَّا عَمِلَتْ اَيْدِينَآ أَنْعَامًا? [يس:71] أراد ممَّا عَمِلنَا. واليدُ المُلكُ، قال الله تعالى: ?تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ? [الملك:01]، ومثال ذلك قولُ القائلِ» هذه الدارُ في يدي «أي في مُلكِي، وتقولُ» قعدتُ بين يدَي الدار «وليس للدار يدان. واليدُ في إطلاق كلامِ العرب هي اليدُ المركَّبة، فإذا قال القائل» هذه الدار في يدي «علِمنا أنَّه أراد المُلكُ، وإذا قال لفلانٍ» عندي يدٌ بيضاء «علمنا أنَّه أراد المنَّة، وإذا قال» فلانٌ كتب هذا الكتابَ بيدِه «علمنا أنَّها الجارحةُ، فبالقرائن والصِّلاتِ يتبيَّن المراد. (5/47)
صفحة 1667
فلمَّا نطق القرآنُ بما قدَّمنا من الآيِ وقارنتَ كلَّ آيةٍ منها قرينةً تُبيِّنُ معناها حملنَا اليدَ على ذلك المعنى. ألا ترى إلى قولِه تعالى: ?وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ? [المائدة:64] إنَّما أرادُوا رِزقهُ محبوسٌ، تعالى عن ذلك.
فلما قال: ?يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ? علِمنا أنَّ قولَه: ?يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ? أرادَ نعمَة الدِّينِ والدُّنيا، نظيرُها قول الله تعالى: ?وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً اِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ? [الإسراء: 29]، وكذلك قولُ الله: ?يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ? [الفتح:10]، أراد منَّةَ الله عليهم أن هداهُم فوق منَّتهم أن قبلوا الإيمان، لا يذهب وهمُ أحدٍ إلى حملِ اليد في هذه الآياتِ على الجارحة، ولمَّا وجدنا قول الله تعالى: ?لِمَا خَلَقْتُ بِيَدِي? [ص:75]، وقولُه ?مِمَّا عَمِلَت اَيْدِينَا? قارَنَتْهُ قرينةُ الخلقِ، والخلقُ لا يقع إلاَّ بقدرةٍ حَمَلنا اليدَ هاهُنا على التوكيدِ والقُدرةِ، والكلُّ سائغٌ، فلمَّا وجدنَا اليدَ التي هي الجارحةُ مركَّبةٌ في البدنِ مؤلَّفةٌ نَفَينا الجارحةَ عن اللهِ عزَّ وجلَّ، إذ العقلُ من وراء هذا. ذلك كلُّه ظاهرٌ إلى أن قال: والعربُ تذكُرُ اليدَ والذراعَ وغيرَ ذلك من الأعضاءِ وتريدُ بها غير الجوارح كما قال:
سِبْطُ اليَدَينِ بِمَا في رِحْلِ صَاحِبِهِ ... جَعَلَ اليدَيْنِ بِمَا فِي رِحْلِهِ قَطَطُ
يصفُه بالسخاء في مال غيره وبالشح في ماله، وقال آخر:
لهُ نارٌ تهبُّ بكُلِّ ريحٍ ... ... إذا الظلماءُ جلَّلتِ القِنَاعَا
فَمَا إِنْ كَانَ أَكثَرَهُم سَوامًا ... ... وَلَكِنْ كَانَ أَرْحَبَهُمْ ذِرَاعًا
يريدُ سَعة الاحتمالِ على قلَّة ماله. مَنَعنا عن الاستشهادِ بالشعر على كلِّ لفظةٍ حبُّ الاختصارِ.
قولُه: «?لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ? نياطَ القلبِ»؛ في الصحاح: والنياطُ علِّقَ به القلبُ من الوتين فإذا قُطِع مات صاحبُه، وهو النيطُ أيضًا .. إلخ، وقال في محلٍّ آخر: الوتينُ عرقٌ في القلبِ إذا انقطع مات صاحبُه. وذكر البيضاوي في اليمين تفسيرين: أحدُهما: إبقاؤُه على ظاهره من الجارحة والمرادُ بها يمينُ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم. والثاني: التأويلُ بالقوَّة، حيث قال: ?لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ? بيمينِه، ?ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ? أي نِياطَ قلبِه بضربِ عُنقِه، وهو تصويرٌ لإهلاكه بأفظع ما (5/48)
صفحة 1668
يفعلُه الملوكُ بمن يغضبُون عليه، وهو أن يأخُذَ القتال بيمينِه ويكفَحَهُ بالسيف ويضرِبَ جيدَه. وقيلَ اليمينُ بمعنى القوَّة.
قولُه: «قالت اليهود رزقه محبوسٌ» .. الخ؛ قال البيضاوي في قوله تعالى: ?وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ? أي هو مُمْسِكٌ مُقتِّر بالرزق، وغلُّ اليد وبسطُها مجازٌ عن البخل والجود ولا قصد فيه إلى إثبات يدٍ وغلٍّ وبسطٍ، ولذلك يُستَعمل حيث لا يُتصوَّر ذلك كقوله:
جَادَ الحِمَى بَسْطَ اليدَيْنِ بِوَابِلٍ ... ... شَكَرَتْ نَدَاهُ تِلاعُهُ وَوِهَادُهُ
التِّلاعُ مجاري أعلى الأرضِ إلى بُطون الأودية، واحِدُها تَلْعَةٌ، والوِهادُ جمعُ وَهْدَة وهي المكانُ المطمئن. اهـ من الصحاح. ونظيرُهُ من المجازات المركَّبة» شابت لمةُ الليل «. وقيل: معناهُ أنَّه ?وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتَ اَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ? دعاءٌ عليهِم بالبخل والنَّكدِ، أو بالفقر والمسكَنة، أو بِغَلِّ الأيدي حقيقةً إلى أن قال: ?بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ? ثنَّى اليدَ مبالغةً في الردِّ ونفيِ البخلِ وإثباتِه لغايةِ الجودِ فإنَّ غايَةَ ما يبذُلُه السخيُّ من ماله أن يُعطيه بيده، وتنبيهًا على منح الدنيا والآخرة، وعلى ما يُعطي للاستدراجِ وما يُعطي للإكرام ?يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ? تأكيدٌ لذلك، أي هو مُختارٌ في إنفاقِه يوسِّع تارةً ويضيِّقُ أخرى على حسب مشيئتِه ومقتضى حِكمتِه، لا على تعاقُب ضيقٍ وسَعَةٍ في ذاتِ يدٍ، إلى أن قال: والآيةُ نزلت في فنحاص بن عازوراء فإنَّه قال ذلك لمَّا كفَّ الله عن اليهود ما بسط عنهم من السَّعَة بشؤمِ تكذيبِهم محمَّدًا صلى الله عليه وسلم، وأشرك فيه الآخرون لأنَّهم رضوا بقوله.
قولُه: «?وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً اِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ?»؛ قال البيضاوي: تمثيلان لمنع الشحيحِ وإسراف المُبذِّر، نهى عنهما آمرًا بالاقتصادِ بينهُما الذي هو الكرمُ ?فَتَقْعُدَ مَلُومًا? عند اللهِ وعندَ الناسِ بالإسراف وسوءِ التبذير ?مَحْسُورًا? نادمًا ومُنقطِعًا بِك، لا شيءَ عندك من حسرةِ السفر إذا بلغ منه. (5/49)
صفحة 1669
وعن جابر: بينما رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالسٌ إذ أتاهُ صبيٌّ فقال: إنَّ أمِّي تَسْتَكْسِيكَ دِرْعًا أَي قَميصًا، فقال: مِن ساعةٍ إلى ساعة فعُد إلينا، فذهب إلى أمِّه فقالت: قل له إنَّ أمي تستكسيك الدِّرع الذي عليك، فدخل دارَه ونزع قميصَه وأعطَاه وقعَد عريانًا، وأذَّن بلال وانتظروا الصلاة فلم يخرُج، فأنزل الله تعالى ذلك ثم سلاَّه بقولِه عزَّ وجلَّ ?اِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَّشَآءُ وَيَقْدِرُ? [الإسراء:30]، أي يوسِّعُه ويضيِّقُه بمشيئتِه التابعة للحِكمة الخ. (5/50)
صفحة 1670
الباب السادس والعشرون
*في قوله: ?اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ?* (5/51)
صفحة 1671
قولُه: «اللهُ عَدْلُ السَّمَوَاتِ وَالأَرِضِ، وَهُوَ هَادِي مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ»؛ زاد في السؤالات معنى ثالثًا وهو أنَّ النورَ بمعنى المُنوِّر، حيث قال: وإن قال» الله جسم «فقد أشرك، كذلك جسمٌ لا كالأجسامِ، وكذلك إن قال» نور «أو قال» نورٌ لا كالأنوار «أو قال» يانورَ النُّورِ «فقد أشرك في هذا كلِّه. إن قال:» اللهُ نورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ «فذلكَ توحيدٌ. إلى أن قال وقوله عز وجلَّ: ?اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ? [النور:35] أي عدلُ السمواتِ والأرضِ، وقيل: هَادي مَن في السَّمَواتِ والأرضِ. وقيل: مُنوِّرُ السمواتِ والأرضِ، وأنَّه خلَق نورَهُما، ?مَثَلُ نُورِهِ ... ? أي مَثَلُ هُداهُ. وقال في شرح الجهالات في تفسير هذه الآية:» فقد قال أهلُ التفسير، ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه، أي أنَّه هادي مَن في السمواتِ ومَن في الأرض، وكذلك قال صاحب كتابنا هذا إذ يقول بالهداية لأهلِها والتبصرة له، فقال عزَّ وجلَّ: ?نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ? بمعنى أنَّه يهديهم ويَدُلُّهم، ألا ترى إلى قوله ?مَثَلُ نُورِهِ? يعني فجعل المَثَلَ للنورِ، واللهُ عزَّ وجلَّ ليس له مَثَلٌ، وقد قال عزَّ وجلَّ ?فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الاَمْثَالَ? [النحل:74]. وقال أهلُ التفسير أي هُدَاهُ في قلب المؤمِن ?كَمِشْكَاةٍ? وهي الكوَّةُ غيرُ النافذةِ ?فِيهَا مِصْبَاحٌ? مثَّلَ قلب المؤمِن ومَثَّلَ المصباحَ الذي هو نورٌ وضياءٌ بالهُدى والإيمانِ الذي في القلب .. الخ.
أقول: الظاهرُ أنَّ في قوله» ومثَلُ المصباح الذي هو نورٌ وضياءٌ «الخ قلبًا، لأنَّ المراد تشبيهُ الهدى والإيمان المُسمَّيينِ بالنور والضياءِ الحالَّين في قلب المؤمن المشبَّه بالكوَّةِ غير النافذة بالمصباح الذي فيها، لأنَّ المرادَ تشبيه المعقولِ بالمحسوسِ، فالمناسِبُ أن يقول مثلاً: ومثلُ الهدى والإيمان اللَّذين هما نورٌ وضياءٌ في القلب بالمصباح المضيءِ في الكوَّة غير النافذة، والله أعلم بحقيقة التفسير. عدنا، قال: وذكر الزجاجة زيادة في الإشراق، ثم ذكر الزيت الذي يستمدُّ منه المصباح، والزيتُ مثَلُهُ مثُل ما يمُدُّ الله به قلبَ المؤمن من البيانِ والدلائلِ والشواهدِ التي لا غاية لإمدادِ الله قلبَ المؤمنِ بها. هكذا ذكر أهلُ التفسير من أهل العلم. إلى أن قال: (5/52)
صفحة 1672
وليس يحتاجُ إلى الإكثار في هذا المعنى لبيانِه ووضوحِه، غير أنَّ القومَ متى سمِعوا كلامًا من كتاب الله عزَّ وجلَّ أو من سنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذهبوا به إلى ما في أنفسهم من تشبيههِم الله عزَّ وجل بخلقِه، وذلك لقصُور علمِهِم عن الفهم من معاني كتاب الله والسنَّة؛ ألا تسمعُ إلى قول صاحب هذا الكتاب وليس ذلك القومَ متى سمِعوا كلامًا من كتاب الله عزَّ وجلَّ أو من سنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذهبوا به إلى ما في أنفسهم من تشبيههِم الله عزَّ وجل بخلقِه، وذلك لقصُور علمِهِم عن الفهم من معاني كتاب الله والسنَّة؛ ألا تسمعُ إلى قول صاحب هذا الكتاب وليس ذلك ًا? [الفجر:22]، وقولِه: ?هَلْ يَنظُرُونَ إِلآَّ أَنْ يَّاتِيَهُمُ اللهُ فيِ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ? [البقرة:210]، في أمثالها من الآيات فحَمَلُوا المعنى على المجيءِ والانتقالِ، تعالى اللهُ عن ذلك. بل المعنى في قوله: ?وَجَآءَ رَبُّكَ? أي أمرُ ربِّكَ وقضاؤُه الفصلُ وحُكمُهُ العدلُ.
ومن شائع كلام العرب التعبيرُ عن الأمر بذي الأمرِ في إرادة التعظيم، يقولُ قائلُهم:» إذا جاء الأميرُ بطل من سِواهُ «وليس الغرضُ انتقالُه، بل المرادُ اتِّصالُ أوامرِهِ وزواجِرهِ، وهو قولُ الحسنِ ومجاهد وأبي صالح صا حب التفسير في قوله: ?وَجَآءَ رَبُّكَ?، وكذلك عن ابن عباسٍ في قوله: ?هَلْ يَنْظُرُونَ إِلآَّ أَن يَّاتِيَهُمُ اللهُ? أي أمرُه وقضاؤُه فيفصلُ بينهم. فلو ساغ تأويلُ المشبِّهة أنَّ المجيء هو الانتقالُ لساغ مثلُ ذلك للغير في قوله: ?وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ? [الأعراف:52]، وقولِه: ?فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ? [النحل:26]، تعالى عمَّا قالوا عُلوًّا كبيرًا، فهكذا هذا الفنُّ في جميع ما تعلَّقوا به إذ العقلُ من ورائه ظهير. وقال البيضاوي: في قوله: ?إِلآَّ أَن يَّاتِيَهُمُ اللهُ? أي يأتيَهُم أمرُه أو بأسُه، لقولِه تعالى: ?أَوْ يَاتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ? [النحل:33]، ?جَآءَهُمْ بَأسُنَا? أو يأتيَهُم اللهُ ببأسِه فحذف المُؤتى به للدلالة عليه بقوله: ?إنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ? الخ.
قولُه: «?فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ الْقَوَاعِدِ?»؛ قال البيضاوي: أي فأتاها أمرُهُ من جهة العَمَد التي بنوا عليها بأن ضُعضِعَت فخرَّ عليهم السقفُ من فوقهِم وصارَ (5/53)
صفحة 1673
سبَبَ هلاكِهِم. ?وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ? لا يحتسِبُون ولا يتوقَّعون، وهو على سبيل التمثيل. وقيل المرادُ به نمرود بن كنعان، بنى الصرحَ ببابل، سُمكُه خمسة آلاف دراع ليترصَّد به أمرَ السماءِ، فأهَبَّ اللهُ عزَّ وجلَّ الريحَ فخرَّ عليه وعلى قومه فهلكوا.
قولُه: «?فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا)» [الحشر:2]؛ قال البيضاوي في قوله: ?فَأَتَاهُمُ اللهُ? أي عذابُه، وهو الرعبُ والاضطرارُ إلى الجلاء. وقيل الضميرُ للمؤمنين، أي فأتاهم نصر الله، وقُرئ فأتاهم أي العذابُ أو النصرُ .. الخ. (5/54)
صفحة 1674
الباب السابع والعشرون
في قوله تعالى: ?ربِّ أَرِنِي أَنْظُرِ اِلَيْكَ? (5/55)
صفحة 1675
قولُه: «?رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرِ اِلَيْكَ? [الأعراف:143]»؛ قال في شرح النونيَّة فيما يتعلَّق بسؤال موسى ربه الرؤية ما نصُّه: فإن قال أليس إنَّما أشركت اليهودُ لجحودهم بنبيِّنا محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم وبسؤالِهم موسى عليه السلام أن يُريَهم ربَّهم جهرةً؟ قيل له: نعم. فإن قال: أوليس كلُّ من سألَ مثلَ ما سألت اليهود فقد أشرك؟ قلنا: نعم. فإن قال: وقد سألَ موسى أن يرى ربَّه؟ قلنا: إنَّ موسى عليه السلام لم يسأل أن يرى ربَّه عيانًا مثل ما سألت اليهود، وإنَّما قال: ?رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرِ اِلَيْكَ?، فقال هذا على وجهِ الاعتذارِ إلى قومِه ليُريَهُم آيةً من آياتِه فييأسُوا من رؤيتِهِ عزَّ وجلَّ. هكذا روى جابرُ بنُ زيدٍ عن عبد اللهِ بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهُما، وهو تُرجُمانُ القرآن والناسُ عليه، كما قال الله تعالى: ?لَنْ تَرَانِي?، ولا ينبغي لبشرٍ أن يراني. ?وَلَكِنْ انْظُرِ اِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكَانَهُو فَسَوْفَ تَرَانِي? فهذا على قَطعِ الرجاءِ، أي فكمَا أنَّ الجبلَ لاَ يستقِرُّ فكذلكَ لن تراني. ونظيرُه ?وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ? [الأعراف:40] أي ثُقبَةَ الإبرَةِ، واللهُ أعلم. قال تعالى: ?فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ? أي تجلَّى بِبعضِ آياتِه فلَم يتحمَّلْها الجبلُ فصار دكًّا ?فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ? عن ابنِ عبَّاس مِن مسأَلَتِي إِياكَ أنْ أنظُرَ إِليكَ ?وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ? المُصدِّقين بأنَّك لا يراك أحدٌ، وقال مجاهد مثل ذلك. فإن قال قائلٌ: فإن كان موسى عندكُم غيرَ مُخطئٍ فمِمَّ إذًا تابَ؟ ومن ماذا أخذته الصاعقة؟ قيل لهُ إنَّ أهل التفسير قالوا: إنَّ ذلك لتقدُّمِه بين يدَي الله تعالى بالمسألة قبل أن يُؤمَر بذلك.
فإن زعموا أنَّ الصاعقةَ وأنَّ التوبة إنَّما كانتا من أجل طلبِه الرؤية، قيل لهم: فإنَّ الصاعقةَ لا تصيب أحدًا إلاَّ على أمرٍ لا يجوز له ولا يحلُّ فكذلك التوبةُ لا تكونُ من صاحبِها إلاَّ على أمرٍ غيرِ جائزٍ له، فهذا داخلٌ عليكُم أجمع. اعلموا أنَّه ليس عند أهل الرؤية من المشبِّهة في كتابِ الله عزَّ وجلَّ آية هي أوثقُ في أنفسِهِم من هذه الآية المتقدِّمة التي يذكر فيها مسألة موسى ربَّه (5/56)
صفحة 1676
عزَّ وجلَّ، والآيةِ التي يُذكَرُ فيها النظرُ وأمَّا الآية التي يذكر فيها الزيادة فإنَّما تعسَّفُوا في تأويلها تعسُّفًا كما قدَّمنا قبل هذا. ونَعكِسُ عليهم المسألةَ فيُقال لهم: إن كان موسى عليه السلام إنَّما سأل الرؤيةَ عندكم على حقيقةِ الرؤيةِ فكيف حتَّى لم يُشرِك موسى عليه السلام - حاشاه من ذلك - كما أشرَكَت اليهودُ بسُؤالِها مثل الذي سألَ، فكيف أن يرخَّصَ لِمُوسى عليه السلام في أمرٍ شُدِّد فيه على غيرِه، وقد قال تعالى: ?فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ? [النساء:153]. قال أهلُ التفسير ?بِشِرْكِهِمْ? ففي هذا أوضَح الدلالةَ على أنَّ الذي سأل موسى عليه السلام ليس هو مِنَ المعنى الذي سألت اليهودُ في شيءٍ، فينبغي على قيَّاد قولِ المشبِّهة وأصحابِ الرؤية أن يكون موسى عليه السلام مُشرِكًا مُستَحِقًّا أن تأخُذَه الصاعقةُ بظلمه فحاشا لرسول الله وصفِيِّه وكليمِه من مقالةِ أهلِ الخطأ. وقال في محلٍّ آخر: ويُقال لهم أخبرونا لأيَّة علَّة معبُودُكُم يُرى في دارِ المَعاد ولا يُرى في الدنيا؟ أللذَّاتِ أم للخبر؟ فإن قلتُم للذَّاتِ فالذَّاتُ لا تتغيَّر، وإن قُلتُم للخبر فما ذلك الخبرُ.
فإن قُلتُم ?وُجُوهٌ يَّوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ? [القيامة:22،23] قُلنا هذا الخبر للرؤيةِ عندكُم في المَعَاد، فأين الخبرُ الذي لا يرى به في الدنيا؟ فلستُم تجدونه إلاَّ أن تقُولوا قولَه: ?لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ?، فإن قالوا ذلك قيل لهم: هذا الخبرُ خبرٌ عن الذات أو خبرٌ عن وقتٍ دون وقت؟ فإن قالوا: خبرٌ عن الذَّات قلنا قد قلتُم إنَّ الذاتَ لا تتغيَّر إذا كان في ذلك تغييرُ صفةُ القديمِ إلى صفة المُحدَث. فإن قلتُم عن وقتٍ دون وقتٍ فيلزمُكُم أن تقولوا بمثل ذلك في جميعِ ما أخبرَ اللهُ به عن نفسِه في القرآن، من قولِه: ?لاَ تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ? و?وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا? [البقرة:255] و?لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ? [سبأ:3]، فتكون هذه الأخبارُ من كتابِ الله وما شاكَلَها في صفةِ الله تعالى إنَّما هي لوقتٍ دون وقت. فإن قالوا: قد استثنى في قوله: ?لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ? بقوله: ?وُجُوهٌ يَّوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ?، قلنا: وكذلك على قولكم قد استثنى في قوله: ?لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ? [الأعراف:187] بقوله: (5/57)
صفحة 1677
?وَلاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ? و?لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ? في جميع ما أخبَر به عن نفسِه أنَّه يعلمُه بقوله: ?وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا َّلأَسْمَعَهُمْ? [الأنفال:23] بقوله: ?حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ? [محمَّد:31] في أمثالها فيكونُ على هذا الوجهِ لا يعلمُ شيئًا ممَّا يكونُ حتَّى يكون.
فإن قالوا: إنَّ في هذا وصفًا لله بالجهلِ واستحداثِ العلمِ، وذلك من صفات المُحدَثِ المخلوق، تعالى الله عن ذلك، قلنا وكذلك الوصفُ له بأنَّه يُرى بالأبصار ويُدرَكُ بالعَيَان وصفٌ له بأنَّه لونٌ من الألوانِ المركَّبة في الأجسام المُحدَثة في مكانٍ دون مكانٍ، وذلك من صفاتِ المُحدَث المخلوق، تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا. والظاهر أنَّ في أثناءِ كلامه سقطًا أو تحريفًا فليُراجع، والله أعلم. وأمَّا قولُهُم إنَّهُ يُرى بلا كيف فهو تستُّرٌ بالمُحال، وإخراجٌ للبصرِ عمَّا طبَعَهُ اللهُ عليه، فالإدراكُ الذي لا كيفَ معهُ لا يُسمَّى إدراكًا بالبصرِ، وإنَّما هو علمٌ في حقِّ الله تعالى بحقيقةِ المعرفةِ. وقال في شرحِ النونيَّة أيضًا: فإن قال قائلٌ ما تُنكِرُون أن يكونَ اللهُ عزَّ وجلَّ يزيد في أبصارِ أوليَائِه من القُوَّة ما يُدرِكوُنه بها في الأخرة؟ قلنا له: لا تخلُو هذه الزيادةُ من أن تكُونَ مُخرجةً للأبصارِ عن معانيها، فتعُودُ حينئذٍ غير أبصارٍ، فإذا خرجَت الأبصارُ عن معانيها بَطُل عنها أن تكُون تَرى وتُبصر. أو تكون القوة الزائدُة غير مُخرِجةٍ للأبصار عن معانيها، فإذا كانت كذلك فالأبصارُ لو قَوِيت بكلِّ قوَّة فهي مطبوعةٌ لا تُدرِك إلاَّ لونًا من الألوان، وشخصًا من الأشخاص؛ ألا ترى أنَّ الأسدَ إنَّما كان يَرى ويُبصر في الليل مالا يرى غيرُه من الحيوان لقوَّة بصرِه وشدَّة نظرِه، وكذلك النارُ لو زادت حرارتهُا لا تُخرِجها تلك الزيادةُ عن أن تكون مُحرِقةً، وكذلك الثلجُ لو زاد برودةً وجمودةً لا تُخرِجه تلك الزيادةُ عن معنى ما هو فيه، وكذلك كلُّ خلقٍ طبعَهُ اللهُ على ما هو فيه لو زاد في معناه ما عسى أن يزيده، لمَا أخرجَتْهُ تلك الزيادةُ عن صِفَتِه التي هو لها، ولا تنقُلُه عن طبعِه الذي طُبع عليه، والقول في سائر الحواسِّ غير البصر كالقول في البصر. (5/58)
صفحة 1678
وكذلك لو سأَلَ عن الحاسَّة السادسة قيل له لا تخلو من أن تكون في معنى البصرِ أو في غيرِ معنَاهُ على ما أَجبْنَا في مسألة البصرِ والزيادةُ فيه سواء. وقال بعده: فإن قال ما أنكرتُم أن يكون اللهُ عزَّ وجلَّ يُرى بالأبصارِ في دار المعاد؟ قيل لهُ أنكرنا ذلك لوجوهٍ، أحدها قوله: ?لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ? الآية، فهذه مَدحَةٌ امتَدَح اللهُ تعالى بها، فلا ينبغي أن تُنفَى عنه في وقتٍ من الأوقات، ولأنَّه تعالى عظَّم قولَ مَن سَأله ذلك فقال: ?فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَر مِنْ ذَالِكَ? [النساء:153] فعجل لهم العقوبة على ذلك. فلو كانت الرؤيةُ تجوزُ عليه جهرةً لمَا استعْظَم ذلك وعاقب عليه. فإن قال لتعجيلِهِم الرؤيَةَ في دار الدنيا، قِيلَ له: جاءَ الخبرُ بنفيِ الرؤيةِ على العمومِ في الدنيا والآخرة أيضًا، فإنَّ العقولَ تقتضي أن لا يُدرَك بالبصر في الدنيا والآخرة ولا بشيءٍ من الحواس لأنَّ كلَّ شيءٍ أُدرِكَ جهرةً لا يخلو أن يُدرَكَ كُلُّه أو بعضُه، ففي تناقُضِ الوصفِ له بالكُلِّ أو البعض ما يدُلُّ على أنَّه لا يُدرَكُ جهرةً. وأيضًا لو جاز أن يُدرَك جهرةً كان المُدرِكُ له لا يعدو منزلتين: إمَّا أن يُدرِكَه في كلِّ مكانٍ أو في مكانٍ دون مكانٍ، وإدراكُ الخلقِ له في كلِّ مكانٍ يستحيلُ، وذلك أنَّه ليس في خلقهم إدراكٌ للأشياء في جميعِ الأمكنةِ في حالةٍ واحدة، لأنَّ الخلق لا يُدركون إلاَّ ما لاقى أبصارَهم وحاذَى حواسَّهم، وذلك أنَّهم محجُوبُون بخلقتهم عن إدراكِ ما وراءهم. ولو كان الخلقُ يُدركونه في مكانٍ دون مكانٍ فالحاسَّة إنَّما وقعت على شيءٍ دون شيءٍ فلا وجهَ لتبعيضِ الشيءِ لإدراكه في بعض أماكنه التي هو فيها دون بعضٍ، فمن كان في هكذا فهو متُجزِّئٌ متبعِّضٌ، تعالى اللهُ عن جميعِ ما وَصفُوه به عُلُوًّا كبيرًا.
قولُه: ?جَعَلَهُ دَكًّا ... ? [الأعراف:143] أي مدكُوكًا مُفتَّتًا، والدَّكُّ والدقُّ أخوان، وقُرئ» دَكَاءً «أي أرضًا مُستويةً ومنهُ ناقةٌ دكَّاءُ التي لا سنامَ لها، وقُرئ» دُكًّا «أي قطعا جمع دكاء.
قولُه: «?وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا?»؛ أي مَغشيًّا عليهِ من هَولِ ما رآى.
قولُه: «?تُبْتُ إِلَيْكَ?»؛ مِن مسألتي أي من الجرأةِ والإقدامِ على السؤالِ بغير إذنٍ. (5/59)
صفحة 1679
الباب الثامن والعشرون
في قوله تعالى: ? الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى? (5/60)
صفحة 1680
قولُه: «قال جابر بن زيد سُئِل ابنُ عبَّاسٍ» .. الخ؛ ذكر الشيخ إسماعيل رحمه الله في شرح النونيَّة جميعَ ما رواهُ المصنِّفُ في تأويل الاِستِواءِ ... الخ باختصار، ثمَّ ذكر شُبهة المشبِّهة والحشويَّة، ثم كرَّ عليهم بالردِّ في جميع ما تعلَّقُوا به. وأنقُل غالِبَ كلامِه لما فيه من الفوائد مع طُولِه. قال رحِمَه الله بعد كلامٍ: المشبِّهةُ بأسرِها فيما وُجدت تزعم أنَّ معبودَها حالٌّ على العرش، تعالى الله عن جميع ما قالوه عُلوًّا كبيرًا. قال: فكان ممَّا احتجُّوا به فيما بلَغَنا من كتاب الله عزَّ وجلَّ أن قالوا: إنَّ الله عزَّ وجلَّ وَصفَ نفسه في كتابه فقال: ?خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ? [الأعراف:54] قالوا: والعرشُ معلومٌ أنَّه جسمٌ من الأجسام. قالوا: والاستواءُ في معقولِ الكلام هو الاستقرارُ لقولِه تعالى: ?وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُوْدِيِّ? [هود:44] و» على «في لغة العرب لِلاِستِعلاء، قالوا: وليست في لغة العرب للاستئناف، فدلَّ أنَّه استوى على العرشِ بعد ما خلقَ السمواتِ والأرض. ويدُلُّ على ما قلنا في العرش أنَّه جسمٌ من الأجسام، وأنَّه على ما يُعقل من العرش، وأنَّ العرشَ مُشتقٌّ منه ومشبَّهٌ به، وأنَّه كالسرير .. قولُه تعالى: ?وَكَانَ عَرْشُهُو عَلَى الْمَآءِ? [هود:7]، وقال: ?رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ? [المومنون:86]. وزعَم سعيدُ بنُ المسيِّبِ فيما وجدتُ عنه قال: ومن قال بما قال به الصادُّون عن الله تعالى أنَّ كونَ الله تعالى بذاتِه على السمَّواتِ والأرضِ وعلى العرشِ كونٌ واحدٌ، وأنَّ معنى استَوى استولَى فنَسَبَ إلى معبودِه أنَّه كانَ غير مستولٍ على العرش قبل ذلك، قال: وقد أخبر الله عزَّ وجلَّ (5/61)
صفحة 1681
باستِوائِهِ عليه بعد تكوينه إياه. قال: فبطلَ بذلك أن يكُون معنى استَوَى استَوْلَى.
قال: وقد كان العرشُ كائنًا قبل خلقِ السمواتِ والأرضِ، قال: فلو كان استِواؤُه على العرش كاستِوَائِه على ما سِواهُ قال لسقط معنى ثم، قال: ألا ترى لو أنَّ مُلاقيًا لاقى زيدًا في حالِ مُلاقاتِه عمرًا لم يَجُز أن يقول لاقى زيدًا ثمَّ عمرًا إذا كانت مُلاقاتُه لهما جميعًا معًا. قال فمن ادَّعَى خِلاف ما قُلنا كابَرَ العيان وجوَّزَ الردَّ على الله عزَّ وجلَّ، قال: لأنَّ الله تعالى إنَّما خاطَب رسولَه بِما تفهمُه العربُ واستدلَّ على صحَّة قولِه في» ثُمَّ «بقول الله عزَّ وجلَّ: ?وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى? [طه:82]، وقولِه: ?فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ? [البلد:11] إلى قولِه: ?ثُمُّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا .. ? [البلد:17]، قال إنَّما يعني به الذين دامُوا على إيمانِهِم، ودَوَامُهم على إيمانِهم إنَّما يكون بعد تقدُّم إيمان. قال: فذلك تحقيقُ ما ذكرنا في» ثُمَّ «. قال وكذلك معنى قولِه ?ثُمَّ اهْتَدَى?، والله أعلم. وأحكم الردَّ عليهم وبالله التوفيق، قال الله تعالى: ?ثمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ? اعلمُوا إنَّما احتجاجُ المشبِّهة في الاستواءِ يدور على هذه الأربع كلماتٍ ثم استوى وعلى العرش، فهم مُطالبون بتأويل هذه الكلمات. فصل: أمَّا قولُ المشبِّهة أنَّ» ثُمَّ «لا تكون أبدًا إلاَّ للاستئناف، واحتجُّوا بقول الله تعالى: ?إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا? [مريم:60]، وبقوله: ?فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ? إلى قوله: ?ثُمُّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا .. ?» ثُمَّ «بمعنى الاستدامة والجوابِ، فيما وجدتُ في لغة العرب أنَّ» ثُمَّ «تكون للتراخي والمُهلة، وتكون بمعنى الواو، واستدلَّ على التراخي بما هو ظاهرٌ، ثم قال وأمَّا كونُها بمعنى الواو فكقولِ الشاعر:
سَأَلْتُ رَبِيعَةَ مَنْ خَيْرُهَا؟ ... ... أَبًا ثُمَّ أُمًّا فَقَالت لِمَهْ؟
وقال آخر:
إنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ... ... ثُمَّ مِنْ قَبْلِ ذَاكَ قَدْ سَادَ جَدُّهُ
فثم هاهُنا بمعنى الواو، ونظيرُه من كتاب الله عزَّ وجلَّ قوله: ?ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ اَيُّهُمُو أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عُتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذِينَ هُمُو أَوْلَى بِهَا صُلِيًّا? [مريم:69،70]، فثمَّ هاهنا بمعنى الواو، وكان الله تعالى لم يزل عالمًا لم يزل عالِمًا بالذين هُم أولى (5/62)
صفحة 1682
بها صليًّا، وكذلك قولُه: ?الَرَ كِتَابٌ اُحْكِمَتَ آيَاتُهُو ثُمَّ فُصِّلَتْ .. ? [هود:1]. فالإحكامُ هاهنا جامعٌ للتفصيلِ وغيرِ التفصيلِ، لأنَّ الله تعالى لا يفصِّلُه بعدما أحكَمَه، فكانت» ثمَّ «هاهنا بمعنى الواو. وكذلك قولُه تعالى: ?وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُواْ .. ? [الأنعام:152]، إلى قوله:?ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ .. ? [الأنعام:153]؛ فإيتاءُ الكتابِ لِمُوسى عليه السلام قبل مبعَثِ نبيِّنا عليه السلام. وقال تعال: ?خَلَقَكُمْ مِّنْ نَفْسٍ وَّاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا .. ? [الزمر:06]؛ فثُمَّ بمعنى الواوِ. وكذلك قولُه في الآية التي احتجُّوا بها: ?فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ? إلى قوله: ?ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا .. ?، إنَّ ثُمَّ هاهنا بمعنى الواو، لأنَّه لم يرد أنَّه فَعل ما فعل ثُمَّ كان بعد ذلك من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكذلك قولُه: ?إلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا? إلاَّ مُهتديًا، فنعكسُ عليهم المسالَةَ فيُقال لهم: أخبرُونا عن قوله: ?ثُمَّ اهْتَدَى? هل تخلُو ثُمَّ هاهنا من إحدى منزلتين: إمَّا أن تكون مُوجبةً لعدَمِ الاهتداء قبل وجُودِها بحسب ما كانت» ثُمَّ «عند قوله: ?ثُمَّ اسْتَوَى? إنَّها دالَّة على عدم الاِستواءِ قبل وجودها.
إلى أن قال: كذَّبَتكُم الأمَّةُ بأسرِها مع الإجماعِ منها على فسادِ ما ذهبتم إليه، وذلك أنَّه يُقالُ لهم: كيف يُمكن أن يكون من تَابَ وآمنَ وعمِلَ صالِحًا غير مهتدٍ؟ فمن تاب وآمنَ وعمل صالِحًا فهُو من أهلِ الجنَّة عندنا أجمعين. فينبغي على قولكم أن يكون قولُه عزَّ وجلَّ ?ثُمَّ اهْتَدَى? أنَّ» ثُمَّ «في هاهنا دالةٌ على عدم الاهتداءِ قبل وجُودِها ممَّن تاب وآمن وعمِل صالِحًا. كما كان قوله: ?ثُمَّ اسْتَوَى? أنَّ» ثُمَّ «دالَّةٌ على عدم الاستواءِ قبل وُجودِها على حسب ما ذكرتُم من ذلك، وهذا ما لا سبيلَ إلى دفعِه. فإن زعمتم أنَّ قولَه ?ثُمَّ اهْتَدَى? أنَّ» ثُمَّ «هاهنا موجِبةٌ لمعنى الدوام على إيمانِه، قيل لكُم فهلاَّ زعمتُم أنَّ» ثُمَّ «في قوله ?ثُمَّ اسْتَوَى? إنَّما هي بمعنى الدَّوامِ، فبطل ما اعتَلُّوا به، واللهُ أعلم وأحكم. (5/63)
صفحة 1683
وأمَّا الاستواءُ في لغة العرب فهو على ضروبٍ مُختلفةٍ، فذَكَرها واستدلَّ عليها بالقرآن وكلامِ العرب شعرًا ونثرًا بِما يطُولُ ذكرُه. ومن جُملتها أنَّه يكونُ بمعنى القهرِ والغلبةِ إلى أن قال: وقد رُوي عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنه في قوله تعالى: ?الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى?، قال استولَى. وابنُ عبَّاس صاحبُ التأويلِ والناسُ عليه فيه عِيالٌ. إلى أن قال: فاستواؤُه عزَّ وجلَّ على عرشِه إنَّما هو استيلاؤُه عليه بالمُلك والسلطانِ لا شريك له. فإذا ثبَتَ بهذه الشواهدِ العقليَّة والاحتجَاجَاتِ الضرورية أنَّ الاستواءَ على ضروبٍ مُتفاوِتةٍ فلِمَ لم تعمد المشبِّهَةُ إلى أرفعِهَا منزلةً، وأعلاهًا درجةً، وأبعَدِها تنزيهًا فتصِف الله تعالى به إذ كان عزَّ وجلَّ بعيدًا من صفاتِ الخلق ومعاني النَّقصِ. ولو كان استواؤُه على المعقول لكانَ تصويره لِمَا في الأرحام على المفهوم، وإتيانُهُ بُنيانَهُم على المعقول، تعالى اللهُ عن ذلك عُلوًّا كبيرًا.
فلمَّا كان الأمرُ على ما ذكرنا ثبَتَ أنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يزَل مُستولِيًا على عرشِه قبل خلقِه إيَّاهُ واختراعِه لهُ بأن يوجِدَهُ في أيِّ وقتٍ شاء، ومستولِيًا عليه في ايجادِه بأن كان مُمْسِكًا له ومُبقيًا لهُ بأن يحدُث له البقاءُ الذي بقي به في كلِّ وقتٍ خلافًا لمن قال: إنَّ» ثُمَّ «هاهنا في معنى الاِستِئنَافِ والتقديرُ في قوله: ?خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ? أي هُو مع خَلْقِهِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ لم يزل مُستوليًا على العرشِ وغيرِه بالقهرِ والغلَبةِ. فأمَّا» على «فإنَّها تتصرَّف على وجوهٍ؛ فذكَرَها واستدلَّ عليها أيضًا بالقرآنِ وكلامِ العرب نظمًا ونثرًا بما يطولُ ذكرُه، إلى أن قال: ووجهٌ آخر كقولِه تعالى: ?وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمِرِهِ? [يوسف:21]، وقولِه: ?الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى?، وقولِه: ?وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ? [الأنعام:18] بالقهرِ والغلَبَةِ نَظيرُهُ ?وإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ? وقوله: ?يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّنْ فَوْقِهِمْ? [النحل:50] أي بالقهرِ والغلبَة (5/64)
صفحة 1684
لا بالمكان والجهةِ، تعالى اللهُ عن ذلك. فإذا كان يخرجُ على ما ذكرنا فلِمَ لا يكونُ قولُه على ?عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى? بالقهر والغلبةِ دونَ ما ذهبت إليه المشبِّهةُ من الالتزاق والفوقيَّة، تعالى الله عمَّا يقولون عُلوًّا كبيرًا، واللهُ عالٍ على العرشِ وجميع الخلقِ بالغلبة والسلطان، فالعرشُ وجميعُ الخلق في تدبيره عزَّ وجلَّ، وتقديرُه ألا ترى أنَّ الناسَ يقولُون فلانٌ على بني فلانٍ، إذا كان يلي أمُورَهم ومَصالِحهم، واللهُ أعلمُ وأحكم.
وأمَّا العرشُ فقد اختَلَفَ المتكلِّمون فيه؛ فقال بعضُهم فيما بَلَغَنا أنَّ ذِكرَ الله تعالى للعرشِ على المجاز والمَثَلِ المضروبِ، فليس عنده في السماءِ عرشٌ، إنَّما ذلك كقولِ العربِ» قد ثلَّ عرشُ فلانٌ «إذا انحطَّ من عزٍّ إلى ذُلٍّ، فاستشهد لذلك. إلى أن قال: وقالوا في الكرسيِّ مثل ذلك وزعموا عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه في قوله: ?وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ? [البقرة:255] أنَّه قال عِلمُه، واستدلُّوا بقولِ الشاعر:
كَرَاسِيُّ بالأَحدَاثِ بِيضٌ وُجُوهُهُمْ ... كَأنَّهُم فِي السَّاجِيَاتِ كَوَاكِبُ
أي عُلماءُ، واللهُ أعلم. وهؤلاء فرُّوا من شيءٍ لا ينقضُ عليهِم من كلامِهِم شيئًا، وليس في كون العرشِ جسمًا ما يُوجبُ الجلسَةَ عليه، كما يُقال بيتُ اللهِ لا على أنَّه يسكُنُه، ومساجِدُ اللهِ لا على أنَّه يُصلِّي فيها، وسماؤُه وأرضُه وبحارُه لا على أنَّه يسكُن شيئًا من ذلك، تعالى اللهُ عن ذلك. وكذا العرشُ وإن كان جِسمًا من الأجسامِ فليس في ذلك ما يُوجِب الجلسَة عليه كما قالت المشبَّهة. وزعموا أنَّه لا فرق بين قوله: ?وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ? [يوسف:100] وبين قوله: ?ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ? وقوله: ?أَهَكَذَا عَرْشُكِ? [النمل:42] وليس في ذكره عزَّ وجلَّ سماءً ولا أرضًا ولا بيتًا ولا مسجدًا ولا عرشًا ما يُوجِب التشبيهُ له بخلقِه، عزَّ وجلَّ عن ذلك. وقد قال عزَّ وجلَّ: ?حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ? [الزمر:75] وقال: ?الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ? [غافر:7] وقال: ?ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة? [الحاقة:17]، وقالَ: ?وَكَانَ عَرْشُهُو عَلَى الْمَاءِ? [هود:7]. وجاء في الحديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: «اهتَزَّ العرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ»، والاهتزازُ لا يكونُ إلاَّ للأجْسَامِ، وجاءَ في الحديث عنه عليه السلام قال: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ يَحْمِلُ زَاوِيَةً مِنْ زَوَايَا الْعَرْشِ عَلَى كَاهِلِهِ .. » الحديث. في حديثِ كثيرٍ مثلُه يدُلُّ على أنَّ العرشَ جسمٌ يُدارُ به وَيُطافُ حَولَه. (5/65)
صفحة 1685
وأمَّا تخصيصُه عزَّ وجلَّ العرشَ بالاستواءِ فإنَّه لمَّا كان أسفَلَ الأشياءِ الثرى وما تحتَ الثرى، وكان أعلى الأشياءِ السماءُ وما فوق السماءِ السابعة كالعرش والكرسي، وكان اللهُ عزَّ وجلَّ قد جعل للأعلى في القلوب من التعظيم والقدرةِ الشرفِ ما لم يجعله للأسفل، كما عظَّم بعضَ الشهور، وبعضَ الأيام، وبعض الليالي، وبعض الساعات، وبعض البقاع على بعضٍ. وقد جعل للعرشِ ما لم يجعل مثله للكرسيِّ، وجعل للكرسيِّ ما لم يجعل مثله للعرش، وجعل للعرشِ والكرسيِّ ما لم يجعل للسماءِ، فذكر العرشَ والكرسيَّ والسماءَ بما لم يذكُر به شيئًا من خلقِه، فذكر مرَّة العرش والكرسيَّ والسماء في جملةِ الخلق وأنَّه عالٍ على جميعِها بالقدرة والسلطانِ والقوة، حيث يقول الله على كل شي قدير ?وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ? [المائدة:120]، فأوجب بذلك أنَّ علوَّه على ذلك إنَّما هو بالقدرة والسلطان. وإنَّما خصَّه بالذكر إذ كان مخصوصًا عندنا بالشرف والتعظيمِ وأنَّه فوق جميعِ الخلق لأنَّ من قدر على أعالي الأشياءِ فهو قادرٌ على أسافِلِها، وليس من قدر على أسافِلِها أن يكون ذلك موجبًا له القدرةَ على أعاليها.
ثُمَّ فمتى ما ذَكر اللهُ تعالى أنَّه عالٍ على العرشِ ظاهرٌ عليه فهو دليلٌ على أنَّه عالٍ على كلِّ شيءٍ؛ فمرَّة يذكُر العرشَ ومرَّةً يذكر الكرسي دون العرش، ومرَّة يذكُر السماء دون الأرض ومرَّةً يذكُرُهما جميعًا، كقوله: ?وَهُو اللهُ فِي السَّمَاواتِ وَفِي الاَرْضِ? [الأنعام:3]، ?وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَآءِ إِلَهٌ وَفِي الاَرْضِ إِلَهٌ? [الزخرف:84]، ومرَّة يقولُ: ?أَأَمِنْتُمْ مَّنْ فِي السَّمَآءِ أَن يَّخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ? [الملك:16]، وترَكَ ذكر الأرضِ فلو كان في ذكرِه السمَّاءَ دونَ الأرضِ دليلٌ على أنَّه ليس في السماءِ دونَ الأرضِ لكان في ذكرِهِ العرشَ دليلٌ على أنَّه ليس في السماءِ وقد قال: ?أَأَمِنْتُمْ مَّنْ فِي السَّمَآءِ? ولكنَّ الله تعالى يذكر جملةَ الأشياءِ بالتدبيرِ فيها والقدرةِ عليها، ويذكرُ العرشَ والكرسيَّ تارةً بالتخصيصِ لهما والتفخيمِ، كما ذكر الأنبياءَ والملائكة عليهم السلام جملةً وخصَّ منهُما من يصلُح للتخصيص .. الخ.
فذكر جملة من عطف الخاصِّ على العامِّ لشرفِ الخاصِّ، إلى إن قال: وكذلك العرشُ والكرسيُّ أبانهما من جملة الخلقِ لشرفِهِما عندنا وعلُوِّ قدرِهما، فمرَّة يذكر معاظِم الأمور وجلائِل الخلقِ وكبارِ الأجسامِ وأعالي الأجرام، ومرَّة (5/66)
صفحة 1686
يذكُر الشخصُ حيث كان وأين كان، في قوله: ?وَهُوَ مَعَكُمُو أَيْنَمَا كُنْتُمْ? [الحديد:4]، إلى أن قال: فيُقالُ للمشبِّهة على ماذا تحمِلُون ما ذكرنَا من أخبَارِ الله تعالى وكونِه في هذه الأشياءِ على المعقولِ من كونِ الجسمِ بالمكان؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: وقد قال ?عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى? و?أَأَمِنْتُمْ مَّنْ فِي السَّمَاءِ? وهو في الأرض إلهٌ، وفي المشرقِ عند نجوى الثلاثة، وفي المغرب عند نجوى الخمسة، وفي القُطر الآخر عند أدنى وفي الآخر عند أكثر لأنَّه تعالى قال: ?إِلاَّ هُوَ مَعَهُمُو أَينَمَا كَانُوا? [المجادلة:7]، فإن حملُوه على أنَّه معنى بالإحاطة والعلم أو غيرَ ذلك من التأويل، قلنا: فقد رجعتُم إلى السائغِ المحمول وتركتُم الظاهر المعقول، فلم أنكرتُم علينَا حمل الاستواءِ على القهر والغلبة والحفظِ والإحاطةِ إذ كان ذلك سائغًا في اللغة وهو الأليَقُ بصفات المتفرِّد بالربوبيَّة. فإن قالوا فهلاَّ أجريتُم الآية على ظاهِرها من غير تعرُّضٍ لتأويلها مصيرًا إلى أنَّها من المتشابهاتِ التي لا يعلم تأويلُها إلاَّ الله؟ قلنا: إجراءُ الاستواءِ على المعقولِ يؤُولُ إلى التجسيمِ والتعطيلِ والتشككِ فيها يكون في حُكمِ التصميمِ على اعتقادِ التجسيم، والإعراضُ عن التأويلُ يجرُّ إلى اللَّبس والإيهامِ واستزلال وتطريقِ الشبُهاتِ إلى أصولِ الدين، وتعريضِ كتاب الله إلى رجمِ ظنون الزائغين. على أنَّ بعضَ العلماء فيما بَلَغَنَا ذكر في قوله تعالى: ?وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ .. ? [
آل عمران:7] أنَّها مراجعةُ منكري البعث لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في استعجالِ الساعةِ والسؤالِ عن منتهاها. وزعم أيضًا أنَّ المرادَ بقولِه سبحانه: ?وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلُهُو إِلاَّ اللهُ?، أي وما يعلم مَآلُه إلاَّ الله، واستَشهَد على ذلك بقوله تعالى: ?هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تأوِيلَهُ .. ? الآية، (5/67)
صفحة 1687
زعم أنَّ التأويلَ هاهنا محمولٌ على الساعة باتِّفاق الجماعةِ فيما زعم، واللهُ أعلمُ وأحكم. قال: ويُقالُ للمشبهةِ حدِّثُونا عن العرش هل له غايةٌ وتحديدٌ ونهايةٌ أم ليس بذي غايةٍ ولا نهاية؟ فإن زعموا أنَّه ليس بذي غايةٍ ولا نهايةٍ فقد سوَّوهُ بالقديم جلَّ وعلا، وكان ذلك هو الشِّركُ بالله صراحًا. فإن قالوا: إنَّه ذو غايةٍ ونهايةٍ قيل لهم فهو في السماءِ دون الأرضِ؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم فالعرشُ ذُو جهاتٍ ستٍّ أمامٌ وخلفٌ ويمينٌ وشِمالٌ وفوقٌ وتحتٌ؟ فإن قالوا: نعم، ولا بُدَّ من ذلك، قيل لهم فمعبودُكُم على هذا العرشِ بمعنى الحلولِ دون ما سواهُ من الأمكِنة؟ فإن قالوا نَعم، قيل لهم: فيجبُ من ذلك حتمًا أنَّ معبودَكُم ذو قَدرٍ من الأقدارِ، ولا يخلو أن يكونَ مثل العرشِ أو أصغرَ منه أو أكبر. فأيِمَّا قالُوه من هذه الثلاثة فلا بُدَّ من مُخصَّصٍ خصَّصَه، فكُلُّ مخصُوصٍ مُتنَاهٍ، وذلك عَلَمٌ على الحدوثِ، تعالى اللهُ عن ذلكَ عُلُوًا كبيًرا. فأينما ذهبُوا خُوصِمُوا والحمدُ للهِ ربِّ العالمين. قال: فأمَّا من ذهب منَ المشبِّهةِ في الاستواءِ إلى ما رُويَ عن مالكٍ أنَّه سُئِلَ عن الاستواءِ فقال للسائل: الاستواءُ غيرُ مجهولٍ والكيفُ غيرُ معقولٍ، كأنَّه أشار إلى الآية أنَّها من المتشابه، فقولُه:» غير مجهولٍ «يريد الاستواءُ الذي هو التنقُّلُ والصعودُ من سَفَلٍ إلى عُلُوٍّ. قولُه: الكيفُ غير معقولٍ يُريد كيفيَّة هذا الاستواءِ الملفوظِ هاهنا مجهولٌ، يريد نفيَ السؤالِ عن هذا.
هكذا وجدتُ واللهُ أعلم. فيقالُ لمن ذهبَ هذا المذهَبَ أخبِرُونا عن الاستواءِ المذكورِ ما معناهُ عندَكُم؟ أهُوَ على الحلُولِ المعقولِ والتمكُّنِ المفهوم من الأُمَراءِ على الإمارةِ؟ فإن ذهبوا إلى هذا كفينا مؤونَتَهُم، وكان النقضُ عليهِم كَهُو على إخوانِهِم. (5/68)
صفحة 1688
فإن قالوا إنَّ الاستواءَ على غيرِ الحلولِ والتمكُّنِ قُلنا فعلى ماذا إذًا؟ فإن قالوا لا نعدُوا ما قال اللهُ تَعالى من ذلك، ولا نقولُ على الحلُولِ المعقولِ ولا غيرِ ذلك من الاستيلاءِ والحفظِ، غير أنَّا نقول إنَّ اللهَ تعالى فعلَ في العرشِ فعلاً يُسمَّى به مستويًا، ولا نصِفُ ذلك ولا نَحُدُّه. قُلنا فنحنُ لا نجِدُ للاستواءِ في لُغةِ العرب معنىً إلاَّ ما ذَكرْنا من الاستيلاءِ والحفظ، أو على معنى ما يُعقَلُ من الحُلولِ والتمكُّنِ. فعلى أيِّ هذين الأمرين تعزِمُون من قولِكم؟ وعلى أيِّهِما تعتمِدون؟ فنحن لا ندعُكُم حتَّى تخرجُوا بنا إلى أحدِ الوجهين: إمَّا قولُ إخوانِكُم من أصحابِ المعقولِ والتمكُّن، فذلك أَرْوَحُ لكم وأفيَد لمقالتِكُم من الإقامةِ على اللُّبسَةِ والرضى بالشُّبهةِ، أو ترجعوا إلى قولِنا ضرورةً، وليس بين هذين الوجهَين وجهٌ تعتمدُون عليه. وكذلك يسألون عن النظَرِ المذكور في الآية التي استدلُّوا بها على صحَّة الرؤية بزعمِهم، وغير ذلك من النزُول الذي انتحلُوه عشيَّةَ عَرَفَة، والإتيانِ في ظُلَلٍ من الغمام الذي زعمُوهُ ونَحَلُوهُ ربَّهم.
فإن قالوا ليس علينا من البحث والتفتيشِ في هذا شيءٌ، قلنا: بل يجب لله عليكُم أن تصِفُوه بصفاتِه وتعزمُوا إليه بخلافِ صفاتِ خلقِه، وتَدَعُوا ما وراءَ ذلك من التشبيهِ والتعطيلِ، ووُقُوفُكم بين ما بيَّن الله في كتابه وأوضَحَهُ الرسولُ عليه السلامُ من سنَّتِه وتكلَّمت به أئمَّةُ المسلمين من الصحابة والتابعين، مع أنَّكُم قد بحثتُم وفتَّشتُم وقلتُم فأخطأتُم وتجاوزتُم السبيلَ الأزهر المقبول إلى المُشكِل المردودِ الأوعرِ المجهولِ حين زعمتُم أنَّ الله يُرى بالأبصار جهرةً، وأنَّه على العرش بذاتِه دون ما سواهُ من الأمكنةِ، وأنَّه ينزل عشيَّةَ عَرَفَة إلى السماءِ الدنيا فيباهِي الملائكةَ بأهل عَرَفة وأنَّه ينزل في النصف من شعبان، وأنَّ له عينًا ووجهًا ويدًا وقبضةً ويمينًا وجنبًا في جميع ما تجاسرتم عليه، تعالى الله عمَّا تقولون وعمَّا عليه تقولُون علُوًّا كبيرًا والحمدُ الله ربِّ العالمين. انتهى كلامُه رحمهُ الله. جميعُ ما ذكرهُ عن القومِ لعلَّه مذهبُ المتقدِّمين منهم. وأمَّا المتأخِّرُون منهم فمذهبُهم وجميعُ ما أدَّى من الاستواءِ والعينِ والوجهِ واليدِ وغيرِ ذلك ممَّا ذكر مذهبُ المسلمين إلاَّ في الرؤ يةِ - قبَّحهم الله – وأمَّا غير ذلك فقد خالفوا فيه قدماءَهُم فلذلك قالوا في كُتُبهم فيما يتعلَّق بالاستواء: طريقةُ (5/69)
صفحة 1689
السلفِ أسلمُ يعنون لما فيها من التوقُّفِ، وطريقةُ الخَلَفِ أعلَمُ يعنُونَ لِما فيها من العِلمِ حيث بيَّنوا المرادَ به، والله أعلم.
قولُه: «ارتفع ذكرُه وثناؤُه وجدُّه على خلقِه»؛ فيه إشارةٌ إلى تأويل» استوى «بمعنى ارتَفَع، وإلى تقدير مضافٍ في الضمير المستَتِر، وإلى أنَّه ليس المرادُ من العرشِ خصوصيَّته وإن خُصَّ بالذكر لأنَّه إنَّما خُصَّ بالذكر لشرفِه وعظَمَتِه، فإذا استولَى عليه وقهَرَه وغلَبه وارتفع ذكرُه وثنَاؤُه عليه فعلى غيرِه من الخلقِ من باب أولى. قال في الموجَز في قوله عزَّ وجلَّ: ?وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ? هو كقولِه: ?الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى? وكقوله: ?وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ? .. وهذه الكلماتُ الثلاثُ متساويةُ السبكِ متقاربةُ المعنى، فإذا تأمَّل ذلك مُتأمِّلٌ وجَدهُ على ما قلنا؛ وذلك أنَّ قوله: ?الرَّحْمَنُ? مثل قولِه: ?وَاللهُ? ومثل قولِه: ?وَهُوَ?. وكذلك قوله: ?عَلَى? مكانَ قولِه: ?فَوْقَ?. وكذلك قولُه: ?اسْتَوَى? مكان قولِه: ?غَالِبٌ? ومكان قولِه: ?الْقَاهِرُ?. وكذلك قولُه: ?العَرْشِ? مكان قوله: ?أَمْرِهِ? ومكان قولِه: ?عِبَادِهِ?. فهذه الكلِمُ الثلاثُ مُتشابهةٌ في العبارة والإشارة، فلا تَجوزُنَّ -أيَّدَك الله - بالذي فسَّرنا منها صَفحًا تُوفَّق إن شاءَ الله.
قولُه: «فَذَكَرَ قَوْلَهُ» أي قولَ الراوي عن أُناسٍ، والمناسبُ أن يقول: فذكر قولهم .. الخ. «فَارْتَعَدَ ابْنُ عُمَرَ فَرَقًا وَشَفَقًا» والفَرَقُ بالتحريكِ الخوفُ، وهو من فَرِقَ بالكسر ومنه قولُه تعالى: ?وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَّفْرَقُونَ? [التوبة:56]، والشَّفِقُ الحذِرُ وكثيرُ الإشفاقِ من أشفَقَ. وأمَّا شَفَقْتُ فاثبتهُ ابنُ دريد وأنكره أهلُ اللُّغة كما قاله في الصحاح، والمرادُ - والله أعلم - أنَّه يخافُ ويحذر أن ينزِل عليهِم من قِبَل اللهِ تعالى نوعٌ من العذابِ لِعَظِيمِ ما تكلَّمُوا به من الإفكِ والبُهتان في حقِّ الله، تعالى عمَّا يقولون عُلُوًّا كبيرًا.
قولُه: «يَقُولُ: ?الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى? أي: استوى أمرُه وقدرتُه» .. ؛ يعني أنَّ الفاعلَ في ?اسْتَوَى? على حذفِ مضافٍ، وأنَّ ?عَلَى? حينئذٍ على معناها من الفوقيَّة والاستعلاء، ولا ضرر في ذلك. وفي قوله» فَوْقَ (5/70)
صفحة 1690
بَرِيَّتِهِ «إشارةٌ إلى أنَّ استواءَ أمرِه وقدرتِه على عرشِه مع عظمتِه يستلزمُ الاستواءَ على سائرِ خلقِه من بابِ أولى، فلذلك ذكرَ البريَّة مكانَ العرش والله أعلم.
قولُه: «وقد وضع عبدٌ من عبادِه [إلى قوله] فجعله قبلةً للناس تكذيبًا لقولهم» .. ؛ يعني والله أعلمُ أنَّ الله عظَّم حجرًا، وهو مقامُ إبراهيمَ عليه السلام، حيث جعلَه قبلةً للناس، يعني أنَّه قبلةً لِمن صلَّى داخل الكعبة فإنَّه يستقبِل البابَ ومن استقبَله فقد استقبل المقامَ، وقد نصَّ الشيخُ هودُ بن مُحَكَّم رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ?وَاتَّخَذُواْ مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى? [البقرة:125] أنَّ المقامَ قبلة الكعبة. وقد عظَّمه الله تعالى حيث يقول: ?وَاتَّخَذُواْ مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى? فعلَ الله ذلك تعظيمًا له لأجلِ وقُوفِ خليلِه عليه السلام عليه، فلو فعلَ في الصخرة ما ذكره أهلُ الشَّامِ - قبَّحهُم الله - لكانت أَولَى بالتعظيمِ وأحقُّ من مقامِ إبراهيم بأن تُجعَل قبلةً، فلمَّا عكَسَ دلَّ ذلك على تكذيبِهم، والله أعلم.
قولُه: «?ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهُيَ دُخَانٌ? [فصِّلت:11]، أي استوى أمره وقدرته إلى السماء»؛ قال في الموجز: وأمَّا قولُه: ?ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهُيَ دُخَانٌ? فكيفَ يتهيَّأ الاستواءُ على الدخان إذا كان ذلك على ما تتوهَّمُه المشبِّهةُ من الحلول، وكذلك قولُه: ?عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى? لو كان ذلك على ما يتوهَّمونه من الاستواءِ بعد الاِعوِجاجِ لكان ينبغي أن يكون الله جلَّ جلالُه في أوَّل ما جلس على العرش لم يكن متمكِّنًا، فهو إذا يعجزُ عن حُسنِ الجلسةِ حتَّى يريد أن يتأتَّى له ويمكن لنفسه، وما يخلو المتوهِّم لهذا والقائلُ بهِ من أن يكونَ غبيًّا منقوصًا أو معاندًا عبِثًا، تعالى الله عن جميع ما قالوا عُلوًّا كبيرًا. وقال في شرح النونيَّة: ويكون الاستواءُ بمعنى القصد -بالتدبير- إلى الشيء، قال الله تعالى: ?ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ? أي قصَدَ إلى السماءِ بتدبيره وعجائبِ تقديره .. الخ. فعلى هذا لا يُحتاجُ إلى التأويلِ الذي ذكره المصنِّفُ رحمه الله لأنَّ قصده سبحانه وتعالى إلى الشيءِ بالتدبير صحيحٌ كما هو ظاهرٌ، والله أعلم. (5/71)
صفحة 1691
الباب التاسع والعشرون
*ما قيل في الوجه*
قولُه: «يعني كلُّ شيءٍ يفنى ويبقى الله وحده»؛ قال في شرح النونية: وأمَّا ما تعلَّقت به المشبِّهةُ في تأويلِ الوجهِ فحملُوه على الجارحةِ دون الوجود في قولِه عزَّ وجلَّ: ?وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ? [الرحمن:27]، وقولِه: ?كُلُّ شيءٍ هَالِكٌ إلاَّ وَجْهَهُ? [القصص:88] فينبغي على قياد قولهم أن يهلك معبودُهُم ويفنى دونَ وجهِه على أنَّ بعضَهم زعم هذا فيما وجد فتعالى الله عمَّا قالوا علُوًّا كبيرًا. والوجه في كلامِ العرب يخرُجُ على وجوه: وجهُ الشيءِ نفسُه، كقولِه تعالى: ? وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ? و?كُلُّ شيءٍ هَالِكٌ إلاَّ وَجْهَهُ?، أراد ويبقى ربُّك وكلُّ شيءٍ هالكٌ إلاَّ هو. وكذلك قولُه: ?إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ? [الإنسان:9] أي لله. وذهب بعضُهم في قولِه: ?كُلُّ شيءٍ هَالِكٌ إلاَّ وَجْهَهُ? قال: كلُّ الأعمالِ تضمحِلُّ إلاَّ ما التُمِسَ به وجهُ الله. وكذلك قال بعضُهم في قولِه: ?فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ? [البقرة:115] قال: يُرادُ به فثمَّ توجيهُ الله أي تلقاء الكعبة والتوجُّه إلى الله. وقال: الوجهُ صِلَةٌ أي فثمَّ وجهُ الله. والوجهُ أيضًا المنظورُ إليه من القوم، يُقال هذا من وجوهِ القومِ أي من عظمائِهم. والوجهُ الجاه أيضًا يُقال لفلان في الناس وجهٌ أي جاهٌ ومكانٌ، قال الله تعالى: ?وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا? [الأحزاب:69] أي ذا قدرٍ ومكانة. (5/72)
صفحة 1692
والوجهُ الحيلةُ والسبيلُ إلى الشيءِ؛ يُقال كيف وجهُ هذا الأمرِ؟ أي كيف الحيلةُ إلى فعلِه. والوجهُ الجارحةُ المركَّبةُ، فإذا كان الوجهُ يتصرَّف على ما ذكرنا فكيف يسوغُ تأويلُ المشبِّهةِ قاتلهُم اللهُ أنَّى يوفكون. (5/73)
صفحة 1693
الباب الثلاثون
*ما قيل في العين*
ذكر في شرح النونية للعين وجوهًا كثيرةً وأنقلها باختصار. قال: والعينُ من حروفِ الهجاءِ، وتخرجُ على وجوهٍ تكونُ عينُ الجارحةِ كعين الإنسان. والعينُ الحاضرُ من الأشياء قال: وعينُه كالكالِئِ الضمار. والعينُ الخيارُ من الأشياءِ، يُقال هذا عينُ إبِلِنا. والعينُ الخاصُّ من النَّاسِ، والعينُ الجاسُوسُ، والعينُ الثقلُ في الميزان، والعينُ الدينارُ، والعينُ ما عن يمينِ قِبلةِ العراقِ، ويُقال نَشَأت السماءُ من قِبَل العينِ. والعينُ مطرٌ يدومُ أيَّامًا لا ينقطع، وعينُ الشيءِ نفسُه، يُقال: لا أقبل إلاَّ دِرهَمِي بعينِه. (5/74)
صفحة 1694
ولا تجوز عبارةُ العينِ على الله تعالى. وأمَّا النفسُ فقد قال الله تعالى: ?ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ? [آل عمران:28] أي إيَّاهُ، وقيل عقُوبَتَه. والعينُ العقوبةُ، يُقال: أصابَتكَ عينٌ من عُيونِ اللهِ، والعينُ عينُ الشمسِ، والعينُ الحفظُ. إلى أن قال: وأمَّا قولُهُ تعالى ?وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ? [طه:39] قيل: عن ابنِ عبَّاس معناهُ لتُربَّى بكلاءتِي. وقال غيرُه بحفظِي وعلمي. وحكى عن المفضل قال: لتغذَّى وتُربَّى بمرأى منِّي لا أَكِلُكَ إلَى غيري. وكذلك قوله: ?تَجْرِي بَأَعْيُنِِنَا? [القمر:14] وقوله: ?وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا? [الطور:48]، كلُّ هذا يعني به الحفظ والمشاهدة، لأنَّ الأشياء كلَّها بنظر الله وحفظِه على الإحاطةِ بها لا على معنى الجارحة. فإذا كانت العينُ تحتملُ جميعَ ما ذكرنا فلِمَ حمَلَت المشبِّهةُ العينَ المذكورةَ في آى القرآن على الجارحةِ دون غيرِها قاتلهم الله أنَّى يؤفكون؟ أو لا يعلمون أنَّ عينَ الجارحةِ لابدَّ لها من وجهٍ ولابدَّ للوجه من رأسٍ، ولابدَّ للرأس من بدنٍ، والبدنُ محدودٌ مؤلَّفٌ يحتاج إلى مُحدِّد ومؤلِّف، تعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا. انتهى باختصار حذف غالب ا لشواهد.
وقال في محلٍّ آخر: ومن ذلك قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ?تَجْرِي بَأَعْيُنِنَا? أراد أنَّ سفينةَ نوح صلواتُ الله عليه تجري بحفظِنا، أي تجري وهي مِنَّا بالمكان المحفوظِ بالكلاءةِ والحفظِ والرعاية، يقال: إنَّ فلانًا بمرأى من الملك ومسمَعٍ إذا كان بحيث تحوطُه عنايتُه وتكتنفُه رعايتُه. وزعم بعضُهم أنَّ قولَه ?تَجْرِي بَأَعْيُنِنَا? أنَّ المراد بالأعيُن في هذه الآية الأعيُن التي انفجَرَت من الأرض وأضيفت إلى الله تعالى مُلكًا، وهذا بعيدٌ. والقولُ الأوِّل أسوغُ، ألا ترى إلى قولِه تعالى: ?وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا? أي بِحِفظِنَا خلافًا لقولهم هذا. وكذلك قولُه لموسى عليه السلام: ?وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي? أي ولتُرَبَّى بأمري، قاله ابن عباس. (5/75)
صفحة 1695
قال الحسن ومجاهد والضحَّاك ولتغذى بعلمِي، ولو كان تفسيرُ هذا على ما تأوَّلتهُ المشبِّهة لم يكن بين موسى وفرعون فرقٌ لأنَّه يراهما جميعًا. وكذلك تفسيرُ القبضة في الآية الأولى لو كان على ما قالته المشبِّهة من الطيِّ بالأصابع لكان تعالى لا يقدرعلى طيِّ الأرض في تلك الحالة إذا كان مُشتغلاً بطيِّ السموات. تعالى الله عمَّا يقولُون عُلُوًّا كبيرًا. وقال البيضاوي في قولِه: ?وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي? ولتُربَّى ويُحسَن إليكَ وأنَا راعيكَ وأرقُبُك والعطفُ على جملة مضمرةٍ مثل ليتعطَّف عليك، أو على الجملة السابقةِ بإضمار فعل معلَّل مثل فعلت ذلك. وقُرئ ولتُصنَع بكسر اللام وسكونِها، والجزمُ على الأمر ولْتَصْنَعْ بالنَّصب وفتح التاء، أي وليكون عملُك على عينٍ منِّي لئلاَّ تخالِف به عن أمري. (5/76)
صفحة 1696
الباب الواحد والثلاثون
*ما قيل في النفس*
قولُه: «ولا أعلمُ ما في غيبِكَ»؛ زاد بعده في شرح النونية: فوجدتُ في بعض الكتُب أيضًا ?تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلآَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ? [المائدة:116]، وهذا لَعَمرِي سائغٌ لأنَّ المدار على نفس الإنسان. وقال البيضاوي في معنى الآية: تعلمُ ما أُخفِيه في نفسي كما تعلمُ ما أُعلِنُه، ولا أعلم ما تُخفيه من معلوماتك، وقولُه ?فِي نَفْسِكَ? للمشاكلة، وقيل المرادُ بالنفس الذاتُ. والظاهرُ من تفسير ابن عباس رضي الله عنه هو الأوَّلُ، والله أعلم. (5/77)
صفحة 1697
الباب الثاني والثلاثون
*ما قيل في اليد*
قولُه: «?يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ? [الفتح:10]»؛ قال البيضاوي في قوله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ? [ص:74] لأنَّه المقصودُ ببيعتِه. يدُ اللهِ فوقَ أيديهم حالٌ أو استئنافٌ مؤكِّد له على سبيل التخييل.
قولُه: «كانت للقوم عند الله بَيعَةٌ حسنةٌ» .. الخ؛ قال البغوي: قال ابنُ عبَّاس يدُ اللهِ بالوفاء بما وعدَهُم من الخير فوقَ أيديِهم. ثم قال: وقال الكلبي: نعمةُ اللهِ عليهِم في الهدايةِ فوق ما صنعوا من البيعة، وهذا معنى قول الحسنِ يدُ اللهِ بالنعمةِ عليهِم أن هداهُم للإيمان، الخ. (5/78)
صفحة 1698
وبهذا جزم في شرح النونية حيث قال: وكذلك قولُ اللهِ ?يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ? أراد منَّة اللهِ عليهِم أن هداهم فوق مِنَّتِهم أن قبلوا الإيمان لأنَّه لا يذهب وهمُ أحدٍ إلى حملِ اليد في هذه الآيات على الجارحةِ .. الخ، وقد تقدَّم الكلامُ على اليد بما فيه كفاية.
قولُه: «أفضل من التي كانت لهم»؛ أي أفضل من البيعةِ التي كانت لهم.
قولُه: «?لِمَاخَلَقْتُ بِيَدِيَّ? [ص:75] أي بقُدرتي وصُنعي»؛ قال في شرح النونية: قال بعضُ المشبِّهة لا وجهَ لحمل اليدينِ هاهُنا على القُدرة إذ جملةُ المبتَدَعات مُختَرَعةٌ بالقدرة، ففي الحملِ على ذلك إبطالُ فائدةِ التخصيص لآدمَ عليه السلام. قيل له: إنَّ العقل يقضي بأنَّ الخلقَ لا يقعُ إلاَّ بالقدرة، فلا وجهَ لاعتقادِ كونِ آدمَ عليه السلام بغير القدرة. إنَّما لزم السجود اتِّبَاعًا لأمر الله تعالى، ثم لا يستحيلُ في العقلِ تكريمُ الله بعض العبادِ بالتخصيصِ بالذكرِ، ونظائرُ ذلك في كتابِ الله عزَّ وجلَّ كثيرةٌ، فإنَّه عزَّ اسمُه أضافَ الكعبة إلى نفسِه على الاختصاصِ لها بذلك، وأضافَ المؤمنينَ بصِفَةِ العبودية إلى نفسه، وأضافَ رُوحَ عيسى عليه السلام إلى نفسه، والإضافةُ تنقسمُ إلى إضافةِ صفةٍ وإضافةِ مُلكٍ وإضافةِ تشريف. وأمَّا تفسيرُ اليدِ فإنَّها تخرج في كلام العرب إلى وجوه .. الخ، وقد تقدم نقلُ ذلك. وقال البيضاوي في قوله: ?لِمَا خَلَقْتُ بِيَدِيَّ?: خلقتُه بنفسِي من غير توسُّطٍ كأبٍ وأُمٍّ، والتثنيةُ لِمَا في خلقِه من مزيدِ القدرةِ واختلافِ الفعلِ، وقُرِىءَ على التوحيد .. إلى أن قال: إذ للسيِّد أن يستخدِمَ بعض عبيدِه لبعضٍ سيما ولَهُ مزيد اختصاص ... الخ. (5/79)
صفحة 1699
الباب الثالث والثلاثون
*ما قيل في الصمد*
قولُه: «الصمدُ الذي ?لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا اَحَدٌ? [الإخلاص:3،4]»؛ فيه إشارةٌ إلى أنَّ هذهِ الجُملَ مبيِّنةٌ للأولى، فلذلك ترك العاطِفَ بينهُما، وإنَّما عُطفت الثانيةُ والثالثةُ على الأولى من هذه الثلاث للإشارةِ إلى أنَّها في حُكم جُملةٍ واحدةٍ مبيِّنة لما قبلها. قوله: ?لَمْ يَلِدْ? قال البيضاوي: لأنَّه لم يُجانِس ولم يفتقِر إلى ما يُعينه أو يخلف عنه لامتناعِ الحاجةِ والفناء عليه. ولعلَّ الاقتصارَ على لفظِ الماضي لورُودِه ردًّا على من قال: الملائكةُ بناتُ الله، والمسيحُ بنُ الله. أو ليُطابِق قوله: ?وَلَمْ يُولَدْ?، وذلك لأنَّه لا يفتقرُ إلى شيءٍ ولا يسبقه أحد. ?وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا اَحَدٌ? أي ولم يكن أحدٌ يكافئُه أي يُماثِلُه من صاحبةٍ أو غيرها. وكان أصلُه أن يُؤخر الظرف لأنَّه صِلة لـ ?كُفُؤًا? لمَّا كان المقصودُ نفيُ المكافأة عن ذاتهِ تعالى قدَّم تقديمًا للأهم، ويجوز أن يكون حالاً من المستكنِ في ?كُفُؤًا? أو خبرًا، ويكون ?كُفُؤًا? حالاً من ?اَحَدٌ? .. الخ. (5/80)
صفحة 1700
قولُه: «المصمودُ إليه في الحوائج»؛ أي المقصودُ إليه. قال البيضاوي: الصمدُ السيِّدُ المقصودُ إليه في الحوائج، مِن صَمَدَهُ إذا قَصَدَه، وهو الموصوفُ به على الإطلاق فإنَّه يَستغني عن غيره مُطلقًا، وكُلُّ ما عداه مُحتاجٌ إليه من جميع جهاتِه، وتعريفهُ لعلمِهِم بصَمَدِيَّتِه بِخلاف أحديَّتِه. وتكرير لفظِ الله للإشعار بأنَّ من لم يتَّصف به لم يستحق الألوهيَّة، وإخلاء الجملة عن العاطف لأنَّها كالمبيِّنة للأولى والدليل عليها. وقد تقدم الكلام على هذا. (5/81)
صفحة 1701
الباب الرابع والثلاثون
*في قوله تعالى ?يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ? [القلم:42] * (5/82)
صفحة 1702
قولُه: «فقال: ?اِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا? [الإسراء:40]»؛ يعني التشبيهَ الذي ذلك ذكرُوا في كتبهم حديثًا صريحًا في التشبيه لا يكاد يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم. وقد ذكره في البخاري من طرقٍ متعدِّدة. وكذلك البغوي عند تفسيره قوله تعالى: ?يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ? بعد أن ذكر ما هو التأويل الحقُّ، حيث قال: ?يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ? قيل عن أمرٍ فظيع شديد. قال ابن عباس هو أشدُّ ساعةٍ في يوم القيامة. وقال سعيد بن جبير ?يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ? عن شدَّةِ الأمر، وقال ابن قتيبة: تقولُ العربُ للرجل إذا وقع في أمرٍ عظيمٍ يحتاج فيه إلى الجدِّ ومقاساة الشدَّة (شَمَّرَ عن سَاقِه). ويُقال إذا اشتدَّ الأمرُ في الحرب (كشَفَت الحربُ عن ساقٍ). ثم شرع في حديث الرؤية والتشبيهِ بما يطول ذكرُه، ومن جملتِه فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلاَّ من كان يعبُدُ الله من بَرٍّ وفاجِرٍ أتاهُم ربُّ العالمين في أدنَى صُورةٍ من التي رأوه فيها، قال: فماذا تنظُرُون؟ تَتبَعُ كلُّ أُمَّة ما كانت تعبُد، قالوا يا ربَّنا فارَقْنَا الناسَ في الدنيا أفْقَر ما كنَّا إليهم ولم نُصاحِبهم فيقول: أنا ربُّكُم فيقولُون نعوذُ بالله منكَ لا نُشركُ بالله شيئًا مرَّتين أو ثلاثًا، حتى إنَّ بعضهُم ليكاد أن ينقلِب، فيقولُ هل بينكُم وبينه آية تعرفُونه بها؟ فيقولون نعم، فيكشِفُ عن ساقٍ فلا يبقى من كان يسجدُ لله من تلقاءِ نفسه إلاَّ أُذِن له بالسُّجود، ولا يبقى من كان يسجد اتِّقاءً ورياءً إلاَّ جعل اللهُ ظهرَه طبقةً واحدة، كلَّما أرادَ أن يسجُد خرَّ على قفاهُ، ثم يرفعُون رؤوسَهم، وقد تحوَّل في صورتِه التي رأوه فيها أوَّل مرَّة، وقال: أنا ربُّكم فيقولُون أنت ربُّنا، ثم يُضْرَبُ الجسرُ على جهنَّم وتحلُّ الشفاعةُ، ويقولون: اللَّهمَّ سلَّم سِلِّم .. الخ. ما أطال فيه أي البخاري في صحيحه.
قولُه: «وإنَّما يعني يُكشَفُ عن الأمر الشديد» .. الخ؛ قال في شرح النونية: ومن ذلك قولُ الله عزَّ وجل ?يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ? أراد عن الأمرِ الشديد، لأنَّ سياقَ الآيةِ في الإنباء عن الأهوال يومَ القيامةِ وصعوبَةِ أحوالِها، وما يصيرُ إلى المجرمين من أنكالِها، لأنَّ العربَ تقولُ إذا جَدَّ الأمرُ في الحربِ استَعَرَت الصدُورُ (5/83)
صفحة 1703
بالغيظ، وحدَجَت الأعيُنُ بالبغضاء، وشمَخَت الأنُوفُ، والتحمَت المصارِعُ، قيل (قامت الحربُ عن ساقٍ). وقال سعد بن مالك بن ضبيعة في قصيدته التي أولُّها:
يا بُؤسَ للحربِ الَّتي وضعَت ... ... أَرَاهِطَ فا سْتَرَاح
وكَشَفَت لكُم عن ساقِهَا ... ... وبَدَا من الشَرِّ البراح
وقال آخر:
أخو الحربِ إن غضبَتْ بِه الحربُ عضَّها ... ... وَإِن شَمَّرت عَن ساقِها الحربُ شَمَّرَا
ومثلُ هذا كثيرٌ في أشعارِهِم لا يُشكِلُ على من سمعها بأنَّ المرادَ بذلك الإخبارُ عن شدَّة الأمر والْتِحَامِ المكروه، فحملت المشبِّهَةُ السَّاق في هذه الآيةِ على الجارحةِ تجسيمًا، قبَّحَهُم الله. (5/84)
صفحة 1704
الباب الخامس والثلاثون
*في صخرة بيت المقدس* (5/85)
صفحة 1705
قولُه: «ما أظنُّه إلاَّ إبليسَ تمثَّل في صورتِه»؛ تقدَّم نظيرُ هذا في شرح النونية حكاية ًعن جابر بن زيد رحمه الله في قوله: إنَّ الله خلقَ آدم على صورتِه حيث قال بعد كلام: إنَّ الشيطانَ تمثَّل لهذا الرجل في صورةِ الحسَن كذلك الشيطانُ يُتخيَّل في صورة الفقهاء من الصحابة والتابعين يُحدِّث عنهم بالكذب ليُضلَّ الناس .. الخ.
قولُه: «يقولُ الزائل المنتقل» .. ؛ قال البيضاوي في قولِه ?لآَ أُحِبُّ الاَفِلِينَ? [الأنعام:76] فضلاً عن عِبادتِهم فإنَّ الانتقالَ والاحتجابَ بالأستارِ يقتضي الأماكِنَ والحدوثَ ويُنافي الألوهيَّة.
قولُه: «أي أتَتهُ دنياهُ على ما يُريد»؛ فسَّرهُ في شرح النونيَّة بقوله: أي ساعَدَته، قال: ومنه احذَر الدنيا عند استوائِها. (5/86)
صفحة 1706
تنبيه
[صفحة لم ترقن] (5/87)
صفحة 1707
[صفحة لم ترقن] (5/88)
صفحة 1708
[صفحة لم ترقن] (5/89)
صفحة 1709
قولُه: «فإن سأل المسترشدُ عن تفسير الآي المتشابهات»؛ قال: سأل سائلٌ عن أهل التنبيه والفائدةِ عن إيضاح الآيِ المتشابهاتِ والدلالة على معانيها من قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ?عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوََى? [طه:05]، وقولِه: ?وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا? [الفجر:22]، وقولِه: ?يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ? [المائدة:64]، وقولِه ?لِمَا خَلَقْتُ بِيَدِيَّ? [ص:75] وما أشبَهَ ذلك من كتابِ الله الذي فسَّرناهُ فيما مضى من كتابنا بالرواية عن رسول الله صلَّ الله عليه وسلَّم والصحابة والتابعين بإحسان. فقال السائل: ما الدليلُ على صدقِ تفسيرِكم، وما الشهادةُ عليه من الكُتُب واللغة المعقولة، فإنَّما الله خاطبنا بما نعقل وإلاَّ فليس للمخاطبةِ عندنا معنى الاستواء واليد والعين وما أشبه ذلك، لا يجوز أن يكون إلاَّ على ما نعقل. قيل للسائل: إنَّ جميع ما سألتَ عنه متشابهٌ.
وقولُه: «لا يُدرَك علمه بظاهره ولا بنصِّه لأنَّ النصَّ واحدٌ والمعاني متباينةٌ فلا بدَّ من كشف معانيها وإيضاح سُبُلها، وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:» مَا مِنْ كَلِمَةٍ إِلاَّ وَلَهَا وَجْهَانِ فَاحْمِلُوا الْكَلاَمَ عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِهِ «. وقيل: لا يتفقَّه الرجل حتى يرى للقرآن وجوهًا. وقال الحسن: تعلَّم العربية وحسن العبارة. وقال: ليس من كلمة إلاَّ ولها وجهٌ وقفا وظهرٌ وبطنٌ، وإنَّما معنى ذلك عندنا الكلامُ المتشابه»؛ قولُه: لا يُدرك علمُه بظاهره ولا بنصه، الظاهرُ ما احتَمَلَ أمرينِ أحدُهما أظهرُ من الآخر. كذا قيلَ ولكنَّ الظاهرَ في الحقيقةِ هو الاحتمالُ الراجح، مثاله الأسدُ في قولك (رأيتُ أسدًا)؛ فإنَّه يحتملُ الحيوانَ المفترسَ والرجُلَ الشجاع، لكنَّه ظاهرٌ في الحيوانِ المفترسِ لأنَّه المعنى الحقيقي ولا قرينة تصرِفُ عنه، فإن استُعمِل في المعنى المجازي بقرينةٍ كان مُؤوَّلاً ولا يُسمَّى ظاهرًا بالدليلِ وهو من قبيلِ المجازِ. والنص ما دلَّ على معنى قطعًا ولا يحتمل غيرَه كقولِه تعالى: ?فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فيِ الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ اِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ? [البقرة:196] فهذا لا يحتملُ ما زادَ على العشرةِ، فمعنى كلامِه رحمه الله أنَّ الآيات المتشابهات لا يُفهَمُ معناها بالظاهر ولا بالنص، وإنَّما يُفهَم بالتأويل أعني الدليل، وهو قرينةُ الاستحالةِ، ويُسمَّى ظاهرًا بالدليلِ كما في قوله تعالى: ?والسَّمَاءُ بَنَيْنَاهَا بَأَيْدٍ? [الذاريات:47]، فإنَّ ظاهرَه جمعُ يدٍ ويدُ (5/90)
صفحة 1710
الجارحةِ محالةٌ في حقِّ الله تعالى، فصُرِفَت إلى معنى القوَّة بالبرهانِ العقليِّ، ومثلُ هذا يقالُ في جميع ما تعلَّقت به المشبِّهة من الوجه والعين والاستواء وغير ذلك، فإنَّه يُصرف بالدليل العقلي إلى ما يليقُ به ممَّا وردت به اللغة كما تقدَّم، والله أعلم.
قولُه: «لن يتفقَّه الرجل حتى يرى للقرآن وجوهًا»؛ الروايةُ في القناطِر: لن يتفَقَّه أحدُكم كلَّ الفِقه حتَّى يرى للقرآنِ وجوهًا كثيرة. ورَدَّ به قولُ من زعم أنَّه لا يجوزُ التفسيرُ بالرأي مُطلقًا وأنَّه لا يجوز تأويلُ كلماتِ القرآنِ على خلافِ قولِ ابنِ عبَّاس وسائرِ المفسرين، وذهبوا إلى أنَّه كُفْرٌ. قال -رحمه الله - فاعلم أنَّ من زعم أنَّ لا معنى للقران إلاَّ ما ترجمهُ ظاهرُ التفسير فهو مُصيبٌ في الإخبارِ عن حَدِّ نفسِه، ولكنَّه مخطىءٌ في ردِّ كافَّة الخلقِ إلى درجتِه، بل الأخبارُ والآثارُ تدلُّ على أنَّ معانيَ القرآنِ متَّسِعةٌ لأربابِ الفهمِ. فذكر منها ما يطولُ ذِكرُه، ثم قال: فكلُّ هذا يدلُّ على أنَّ في فهم القرآن مجالاً متََّسعًا، وأنَّ المنقولَ من ظاهرِ التفسير ليس منتهى الإدراك. وأمَّا نهيُه عليه السلام عن تفسير القرآن بالرأي وقولُ أبي بكر رضي الله عنه» أيُّ أرضٍ تُقلُّني وأيُّ سماءٍ تُظلُّني إن أنا فسَّرت القرآن برأي «إلى غير ذلك ممَّا ورد في الآثار والأخبارِ في النهي عن تفسيرِ القرآن بالرأي فإنَّهُ لا يخلو أن يكونَ المراد به الاقتصارُ على النقلِ المسموعِ دون الاستنباط والتفهُّم، والمرادُ به أمرٌ آخر فمُحالٌ قطعًا أن يُراد به أن يتكلَّم أحدٌ في القرآن إلاَّ بما سمعه لوجوه: أحدها: يشترط أن يكون مسموعًا من النبي مُسندًا إليه. وذلك لا يُوجد إلاَّ في بعض القرآن. فأمَّا تفسيرُ ابنِ عبَّاسٍ وابن مسعود من قِبَل أنفسهم فلا ينبغي أن يُقبَل منهم، ويُقال هو تفسيرٌ بالرأي لأنَّهم لم يسمعُوه من النبي عليه السلام، وكذلك غيرُهم من الصحابة والمفسرين.
الثاني: أنَّ الفقهاء من الصحابة وغيِرهم من المفسرين قد قالوا في تفسير الآياتِ بأقاويلَ مختلفةٍ لا يمكن الجمع بينها فمُحالٌ أن تكون كلُّها من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ولو صحَّ في واحدٍ لبطل الباقي، فصحَّ أنَّ كلَّ مفسِّرٍ قال بما ظهر له. (5/91)
صفحة 1711
والثالث: أنَّه دعا لابن عباس فقال:» اللَّهُمَّ فقِّهْهُ في الدين وعلِّمْه التأويل «، فلو كان تفسيرُه مسموعًا كالتنزيل فما معنى تخصيصِه بذلك. الرابع: أنَّه تعالى قال ?لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ? [النساء:83] فاثبت الاستنباطَ للعلماءِ وهو وراء السماع، فثبت بِمَا ذكَرنا تناقُضَ هذه الشبهةِ التي أوردت، وبطل اشتراط السَّماع في التفسير، وجازَ لكُلِّ عالِمٍ أن يستنبِط من القرآن بقَدرِ فهمِه وعلمِه. وأمَّا النهيُّ فإنَّه يدلُّ على وجهين. أحدهما: أن يكونَ له في الشيء رأيٌ وميلٌ من هواه، فيتأوَّل القرآنَ على وفقِ هواه لتَصِحَّ له بدعته، وهذا تارة يكونُ مع العلم أنَّه ليس المراد بالآية ذلك الرأي ولكن يَلبِس على خصمِه، وتارة يكون مع الجهل إذا كانت الآية مُحتملةً، فيميل فهمه إلى هواه ورأيه .. إلى أن قال: الوجه الثاني: أن يتسارَع إلى التفسير بظاهر العربية من غير سماعٍ ولا نقلٍ فيما يتعلَّق بغريبِ القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة المبدَّلة، والاختصارِ والحذفِ والإضمارِ والتقديمِ والتأخير، فمن لم يحكِّم هذه المعاني وبادَرَ إلى استنباط ذلك بظاهر العربية كثُرَ غلطُه، ودخل في جملةِ من يُفسِّر القرآن بالرأي. ولابد من سماع التفسير أوَّلاً ليتَّقيَ به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتَّسِع الفهمُ. والغرائب التي لا تُفهَم إلاَّ بالسماع فنونٌ كثيرةٌ؛ قال الغزالي .. الخ، فمثَّل لجميع ذلك من القرآن بما يطولُ ذكرُه، فليراجَع والله أعلم.
قولُه: «الكلامُ المتشابه الذي يتَّفقُ لفظُه ويختلف معناه»؛ يعني كالكلام المشتمِل على الاستواءِِ مثلاً، فإنَّ لفظََه واحدٌ بالنظر إلى الاستواء ومعناه مختلفٌ، وكذلك المشتملُ على اليد والعين والقبضةِ ونحو ذلك فيحمل في كل موضع على ما يُناسِبُه بحسب القرائن كما تقدَّم.
قولُه: «ارتفع ذكرُه» .. الخ؛ فعلى هذا يكونُ في الكلام مجازان، أحدُهما في الكلمة حيثُ استُعمل الاستواءُ في الارتفاع إن لم يكن ذلك معناه لغةً، والثاني بالحذف أعني حذفَ المضاف إلى الضمير المستتر في» استوى «. والقرينةُ في كلٍّ منهما الاستحالةُ في الحملِ على الظاهر، والله أعلم. (5/92)
صفحة 1712
قولُه: «وجميع ما قالوا»؛ أي عبد الله بن عباس وابن عمر والحسن ومجاهد في تأويل الاستواءِ، الخ.
قولُه: «ويقال: استولى فلانٌ على سريره»؛ جعل هذا المثال في شرح النونيَّة من الاستواءِ بمعنى الاعتدالِ بعد الاعوِجاج، ومثَّل للاستواء بمعنى الاستقرارِ بقوله تعالى: ?وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ? [هود:44] أي استقرت.
قولُه: «ولو جاز لقائلٍ أن يقول» .. الخ؛ مرادُه رحِمه الله التسويةُ بين قولِه «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ»، وبين قوله: ?اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ? [الرعد:2] مجاراة للمشبِّهة في أنَّه إن أجازَ التأويلَ في قولِه «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ» بالحملِ على العِلمِ والإحاطةِ والقُدرة، وإن لم يكن نصًّا في ذلك لما في الحمل على الظاهر من الشرك اللازم من التحديد. جاز التأويلُ أيضًا في الاستواءِ بحملِه على العلمِ والقهرِ وغير ذلك ممَّا يليقُ بالباري جلَّ وعلا وإن لم يكن نصًّا في ذلك، لما في الحمل على الظاهر من التحديدِ المستلزِم للشرك. وإن حملوا الاستواء على ما يُعقَل ولم يحملِوه على العلم مثلاً لزِمَهُم القولُ بذلك في المعيَّةِ فلا فرق بين الآيتين في التأويل على ما هو الحقُّ الذي عليه المسلمون، وبين الحملِ على ما يُعقَل من الخلقِ وهو الباطلُ الذي عليه أهلُ التشبيهِ. هذا هو المرادُ واللهُ أعلم، وإن كان في العبارة غموض. (5/93)
صفحة 1713
الباب السادس والثلاثون
*في قوله تعالى: ?هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكُ أَن يُّنَزِّلَ عَلَينَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ?* [المائدة:112] (5/94)
صفحة 1714
أقول: لا بدَّ من التأويل في الاستطاعة، وإلاَّ لكفروا، لأنَّ من شكَّ في صفةٍ من صفات الله فقد كفر. وقد أشار البيضاوي إلى تأويلها حيث قال: قيل: هذه الاستطاعة على ما تقتضيه الحكمة والإرادة لا على ما تقتضيه القدرة. وقيل: المعنى ?هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ? هل يجيبُك، واستطاع بمعنى أطاع كاستجاب وأجاب، وقرأ الكسائي ?هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ? أي سؤوال ربِّك. والمعنى تسأله ذلك من غير صارف. والمائدة الخوان إذا كان عليه الطعام من مادَ الماء إذا تحرَّك أو من ماده إذا أعطاه كأنَّها تميد من تقديم. إلى قال: رُوي أنَّها نزلت صفرة حمراء بين غمامتين، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى عليه الصلاة والسلام، وقال: اللَّهُمَّ اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمةً ولا تجعلها مُثلَةً وعقوبة. ثمَّ قام فتوضَّأ وصلَّى وبكى ثُمَّ كشفَ المنديلَ وقال: بِسْمِ اللهِ خَيرِ الرَّازِقِينَ، فإذا سمكةٌ بلا فلوسٍ ولا شوكٍ تسيلُ دسمًا، وعند رأسها ملحٌ، وعند ذنبِها خلٌّ، وحولها من ألوانِ البقولِ ما خلا الكُراث، وإذا خمسةُ أرغفةٍ على واحدٍ منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قدِّيد. فقال شمعون: يا روح الله أمِن طعامِ الدنيا أم من طعامِ الآخرة؟ فقال: ليس منهُما ولكن اخترعه بقُدرَتِه، كلُوا ما سألتم واشكروا يُمدِدكم الله ويزدكُم من فضلِه. فقالوا: يا روحَ الله لو أريتَنا من هذه الآية آيةً أخرى، فقال: يا سمكةُ احْيِ بإذن الله، فاضطَربت. ثم قال لها: عُودي كما كُنتِ فعادت مشويَّة، ثم طارت المائدة ثم عَصَوا بعدها فمُسِخوا. وقيل: كانت تأتيهم أربعين يومًا غبا يجتمع إليها الفقراءُ والأغنياءُ والصغار والكبار يأكلون حتى إذا أفاءَ الفيءُ طارت وهم ينظرون في ظلِّها، ولم يأكل منها فقيرٌ إلاَّ غنِي مدَّة عُمرِه، ولا مريضٌ إلاَّ برىءَ ولم يمرض أبدًا.
ثم أوحى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام أن اجعَل مائدتي في الفقراء والمرضى دون الأغنياءِ والأصحاءِ، فاضطَرب الناسُ لذلك، فمُسِخ منهم ثلاثة وثمانون رجلاً. وقيل لمَّا وعد الله سبحانه إنزالها بهذه الشريطة استعفوا، وقالوا: لا نريد، فلم تنزل. (5/95)
صفحة 1715
وعن مجاهد أنَّ هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لمُقترحي المعجزات، الخ.
قولُه: «أين يُخرِج لهم ناقةً عُشَرَاءَ من صخرةٍ»؛» عُشراءَ «بضمِّ العين وفتح الشين والراء الممدوة واحد العشار. قال في الصحاح: والعِشَارُ بالكسر جمع عشراء وهي الناقة التي أتت عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر وزال عنها اسم المخاض ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع، وبعد ما تضع أيضًا .. الخ. وقصَّة هذه الناقة مع ثمود طويلة، وقد ذكر البغوى من طرقٍ وأوردها أو غالبها عبرة. وأمَّا قصة ثمود على ما ذكر محمد بن إسحاق ووهب وغيرهما أنَّ عادًا لما هلكت وانقضى أمرُها عمَّرت ثمود بعدها، واستُخلفوا في الأرض فرحلوا فيها وكثروا؛ معناه كثر رجالهم وعُمِّروا حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فينهدم والرجل حيٌّ، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتًا، وكانوا في سَعة من معاشِهم فعتَوا وأفسدوا فى الأرض وعبدوا غير الله تعالى، فبعث الله إليهم صالحًا، وكانوا قومًا عُربًا، وكان صالح من أوسطهم نسبًا، وأفضلهم حسبًا وموضعًا، فبعثه الله إليهم غلامًا شابًّا، فدعاهم إلى الله تعالى حتى شمط وكبر، لا يتبعُه منهم إلاَّ قليلٌ مستضعفون. فلمَّا ألح عليهم صالح الدعاءَ والتبليغَ وأكثرَ لهم التحذير والتخويف سألوه أن يُريهم آية مصداقًا لما يقول، فقال لهم: أي آية تريدون؟ قالوا: تخرُج معنا إلى عيدِنا - وكان لهم عيدٌ يخرُجون فيه بأصنامهم في يومٍ معلوم من السنة - فتدعو إلهكَ وندعو آلهتنا فإن استجيب لك اتبعناك، وإن استجيب لنا اتبَّعتنا. فقال لهم صالح: نعم. فخرجُوا بأوثانهم الى عيدهم وخرج صالح معهم، فدعوا أوثانهم وسالوها أن لا يُستجَاب لصالح في شيءٍ ممَّا يدعو به، ثم قال خيدع ابن عمرو بن جواس - وهو يومئذٍ سيد ثمود - يا صالح أخرِج لنا من هذه الصخرة - لصخرةٍ منفردة في ناحية الحجَر يقال لها الكائبة - ناقةً مخترعة جوفاءَ وبرَّاءَ عُشَرَاءَ - والمخترعةُ ما شاكل البُختَ من الإبل - فإن فعلت صدَّقناك وآمنا بك.
فأخذ عليهم صالحُ مواثيقَهم؛ لئن فعلتُ لتصدِّقُنَّني ولتؤمنن. قالوا: نعم. فصلَّى صالح ركعتين فدعَا ربَّه، فتمخَّضت الصخرةُ تمخُّض النتُوجِ بولدها، ثم تحرَّكت الهضبة فانصدعت عن ناقةٍ عُشَرَاءَ جوفاءَ وبرآء كما وصفوا لا يعلم مابين (5/96)
صفحة 1716
جنبيها إلاَّ اللهُ عِظَمًا وهم ينظرون. ثُمَّ نتجت سقبًا مثلها في العِظَمِ، فآمن به خيدعُ بن عمرو ورهطٌ من قومِه. وأراد أشرافُ ثمود أن يُؤمنوا به ويصدِّقوه، فنهاهُم جوابُ بنُ عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم، ورباب بن صمعر وكانَ كاهنَهُم، وكانوا من أشراف ثمود، فلمَّا خرجت الناقةُ قال لهم صالح: ?قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ? [الشعراء:155]، فمكثت الناقةُ ومعها سقبُها ... في أرض ثمود ترعى الشجر وتشرب الماء، فكانت ترِدُ الماء غبًّا، فإذا كان يومُها وضعت رأسها في بئرٍ في الحجر يُقالُ له بئرُ الناقة، فما ترفعُ رأسها حتى تشرب كل ما فيها فلا تدع قطرةً، ثم ترفع رأسها فتفسح حتى تفحج لهم فيحلبون ما شاءوا من لبنٍ فيشربون ويدَّخرون حتى يملأوا أوانيهم كلَّها، ثم تصدر من غير الفج الذي منه وردت، ولا تقدر على أن تصدر من حيث ترِدُ يضيق عنها، حتى إذا كان الغدُ كان يومُهُم فيشربون ما شاءوا من الماء ويدَّخرون ما شاءوا ليوم الناقة، فهم في ذلك في سَعَةٍ ورَغَد.
وكانت الناقة تصيف إذا كان الحرُّ بظهرِ الوادي، فتهرب منها المواشي: أغنامهم وبقرهم وإبلهم، فتهبط إلى بطنِ الوادي في حرِّهِ وجدبِه، وتشتى ببطن الوادي إذا كان الشتاءُ فتهربُ مواشيهم إلى ظهر الوادي في البردِ والجدبِ، فأضرَّ ذلك بمواشيهم للابتلاء والاختبار، فكبر ذلك عليهم فعتَوا عن أمرِ ربِّهم، وحملهم ذلك على عقرِ الناقة، فأجمعوا على عقرِها إلى أن قال: فانطلق قدَّاد بن سالم ومصدع بن مهرج فاستغوَيَا غُوات ثمودٍ، فاتَّبعهُم سبعةُ نفرٍ وكانوا تسعةَ رهطٍ، فانطلق قدَّاد ومصدع وأصحابُهما فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، كَمَنَ لها قداد في أصلِ صخرةٍ على طريقها، وكَمَنَ لها مصدع في أخرى، فمرَّت على مصدع فرمى سهمًا فانتظم به عضلة ساقها .. - إلى أن قال - فشدَّ على الناقة بالسيفِ فكشف عُرقوبها فخرت ورغت رغاءةً واحدة، تحذر سقبها ثم طعن في لبنِها فنحرها. وخرج أهل البلد واقتسموا لحمها وطبخوه، فلمَّا رأى سقبها ذلك انطلق حتى أتى جبلاً منيعًا يُقال له (صنوى) وقيل اسمه (قاره)، وأتى صالح وقال له: أدرِك الناقة فقد عُقِرت. فأقبل وخرجوا يتلقَّونه ويعتذرون إليه؛ يا نبي الله إنَّما عقرها فلانٌ ولا ذنب لنا، فقال صالح انظروا هل تدركون فصيلها فإن أدركتمُوه فعسى أن يُرفع عنكم العذاب، فخرجوا يطلبونه فلمَّا رأوه على الجبل ذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله إلى الجبل فتطاول في السماءِ حتى ما يناله (5/97)
صفحة 1717
الطيرُ. وجاء صالح فلمَّا رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعُه ثم رغى ثلاثًا وانفجرت الصخرةُ فدخلها، فقال صالح: لكلِّ رغوةٌ أجلُ يومٍ فتمتَّعوا ?فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَالِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ? [هود:65]. وقال ابن اسحاق اتَّبَع السقبُ أربعة نفرٍ من التسعة الذين عقروا الناقة، وفيهم مصدع بن مهرج وأخوه دبا بن مهرج، فرماه مصدع بسهمٍ فانتظم قلبه ثم جرَّ برجليه، فأنزله فالقوا لحمه مع لحم أمِّه.
وقال لهم صالح ?نتهكتُم حرمة الله فابشروا بعذاب الله ونقمتِه. قالوا وهم يهزءون به: ومتى ذلك يا صالح؟ وما آية ذلك؟ وكانوا يسمون الأيام فيهم الأحدُ أوَّل، والإثنين أهوز، والثلاثاء ديار، والأربعاء جبَّار، والخميس يونس، والجمعة العروبة، والسبت بشار، وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء، فقال لهم صالح حين قالوا ذلك تصبحون غداة يوم يونس ووُجُوهُكم مصفرَّة، ثم تُصبحون يوم العروبة ووُجوهُكم محمرَّة، ثم تصبحون يوم بشار ووُجوهُكم مسودَّة ثم يُصبِحُكم العذاب يوم أوَّل. فلمَّا قال لهم صالح ذلك قال التسعةُ الذين عقروا الناقة، هلُمَّ فلنقتل صالحا فإن كان صادقًا فاعجلناه قبلنا، وإن كان كاذبًا قد كنَّا ألحقناه بناقته. فأتوه ليلاً ليبيِّتوه في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارةِ، فلمَّا أبطؤُوا على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم قد رُضِخوا بالحجارة، فقالوا لصالح أنتَ قتلتهم. ثم همُّوا به، فقامت عشيرتُه دونه ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: والله لا تقتُلونه أبدًا فقد وعدكُم أنَّ العذاب نازلٌ بكم بعد ثلاثٍ، فإن كان صادقًا فلم تزيدُوا ربَّكم عليكم إلاَّ غضبا، وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون.
فانصرفوا عنهم ليلتهم فاصبحوا يوم الخميس ووجوهُهُم مصفرَّة كأنَّما طليت بالخلوق؛ صغيرُهم وكبيرُهم ذكورُهم وإناثُهم، فايقنوا بالعذاب وعرفوا أنَّ صالحاً قد صدقهم فطلبوه ليقتلوه، فخرج صالح هاربًا منهم حتى لجأ إلى بطن من ثمودٍ يقال لهم بنوا غنم، فنزل على سيِّدهم رجلٌ منهم يقال له نفيل ويكنَّى بأبي هذب وهو مشركٌ فغيَّبه ولم يقدروا عليه، فغدوا على أصحاب صالح يعذِّبونهم ليَدُلُّوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح يقال له مبدع بن هرم يا نبي الله إنَّهم لَيُعذبوننا لندُلَّهم عليك، أفندلُّهم؟ قال نعم: فدلَّهم عليه، فأتوا أبا هذب فكلَّموه في ذلك، فقال: نعم عندي صالح وليس لكم عليه سبيلٌ فأعرضوا وتركوه، وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه فجعل بعضُهم يخبر بعضًا بما يرون في وجوههم فلمَّا أمسَوا (5/98)
صفحة 1718
صاحوا بأجمعهم قد مضي يوم من الأجل فلمَّا أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوهُهم محمرَّة كأنَّما خُضِّبت بالدماء، فصاحوا وضجُّوا وبكَوا وعرفوا أنَّه العذاب. فلمَّا أمسَوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يومان من الأجلِ وحضركُم العذابُ. فلمَّا أصبحوا اليوم الثالث إذا وجوهُهُم مسودَّة كأنَّما طُليت بالقار، فصاحوا جميعًا ألا قد حضركُم العذابُ. فلمَّا كان ليلةَ الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن أسلَم معه إلى الشام فنزل رملة فلسطين.
فلمَّا أصبح تكفَّنوا وتحنَّطوا وألقوا أنفسهم بالأرض يقلِّبون أبصارهم إلى السماء مرَّة وإلى الأرض مرَّة لا يدرُون من أين يأتيهم العذاب، فلما اشتَّد الضحى من يوم الأحد أتتهم صيحةٌ من السماء فيها صوتُ كلِّ صاعقةٍ وصوتُ كلِّ شيءٍ له صوتٌ في الأرض، فقطَّعت قلوبهم في صدورهم، فلم يبق منهم صغيرٌ ولا كبيرٌ إلاَّ هلك كما قال الله تعالى ?فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ? [هود:67] إلاَّ جارية مُقعدة يُقال لها ذريعة بنتُ سلف، وكانت كافرةً شديدة العداوة لصالح فأطلق الله رجليها بعد ما عاينت العذابَ فخرجت كأسرع ما يُرى شيءٌ قطُّ، حتى أتت فرحًا وهو واد القرى فأخبرتهم بما عاينته من العذاب وما أصاب ثمودًا، ثم استسقت من الماء فسُقيت فلمَّا شربت ماتت. وذكر السدِّي في عقر الناقة وجهًا آخر. (5/99)
صفحة 1719
الباب السابع والثلاثون
* في قوله تعالى: {وَقَدِمْنَآ إِلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ} [الفرقان:23] *
قولُه: «{وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ}»؛ قال البيضاوي: أي عمدنا إلى ما عملوا في كُفرِهم من المكارمِ؛ كقِرى الضيفِ، وصِلةِ الرحم، وإغاثة الملهوف، فأحبطناه لفَقد ما هو شرط اعتباره. وهو تشبيهُ حالهم وأعمالهم بحالِ قومٍ استعصوا سلطانَهم فقدم إلى أسبابها فمزَّقها وأبطلها ولم يُبق لها أثرًا. والهباءُ غبار يُرى في شعاع الشمس يَطلع من الكوة ومن الهبوة، وهو الغبار و {مَنْثُورًا} صفتُه، شُبِّه به عملُهم المُحبَط في حقارته وعدم نفعه، ثم بالمنثور منه في انتشاره بحيث لا يمكن نظمُه أو تفرقه نحو أغراضهم التي كانوا يتوجهون به نحوها. أو مفعول ثالث من حيث إنَّه كالخبر كقوله {كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة:65].
قولُه: «{وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ الاَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر:06] إنَّما هو على الزوال والانتقال»؛ قوله: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ الاَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} قال البغوي: معنى الإنزال هاهنا الإحداثُ والإنشاءُ، كقوله {أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا} [الأعراف:26]. (5/100)
صفحة 1720
وقيل إنَّه أنزل الماءَ الذي هو سببُ نبات القطن الذي يكون منه اللباس، وسببُ النبات الذي تبقى به الأنعام. وقيل أنزل لكم من الأنعام، جعلها لكم نُزُلاً ورزقًا. وقال البيضاوي: وأنزل لكم من قضى أو قَسَم لكُم، فإنَّ قضاياهُ وقسمتَه تُوصَف بالنزول من السماء، حيث كُتب في اللوح وأُخِذت لكم بأسباب نازلة كأشعَّة الكواكب والأمطار. {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} أي أصنافٍ ذكرًا وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز. (5/101)
صفحة 1721
* الجز الرابع من كتاب الترتيب *
*رواية أبي سفيان محبوب بن الرحيل عن الربيع بن حبيب زيادة في الترتيب* (5/102)
صفحة 1722
قولُه: «أبو سفيان»؛ يُكنَّى بابنه سفيان، وله أيضًا محمد والمختار توفِّيا بعُمان وتوفي سفيان بمكَّة. ولما توفِّي الربيع بن حبيب رحمه الله انتقل محبوب إلى مكَّة وسكن بها حتى توفي رحمه الله، وكان بمكَّة في زمانه من أهل الدعوة خمسون ومائة بين الرجال والنساء على رأس مائة وأربعين سنة من التاريخ. وفي أربعين ومائة عقد الناس الإمامةَ لعبد الأعلى بن السمح بسوق طرابلس، وانقطعت على أيدي الشيعة بعد مائة وثلاثين سنة. ومحمد ومحبوب ممَّن أحيا هذا الدين ومن ولده بشيرٌ ومنير ابنا عبد الله بن محمد بن محبوب وكلُّهم وعوا العلم. انتهى ما وجدتُه بهامش بعض الكتب.
قولُه: «سيِّدُ الأيام يومُ الجمعة، وهو الشاهدُ والمشهودُ يوم عرفة»؛ لفظُه في الجامع «سيِّد الأيامِ عندَ اللهِ يومُ الجمعة، أعظمُ من يومِ النحر والفطرِ، وفيه خمسُ خصالٍ: فيه خَلَق الله آدم، وفيه أُهبِط من الجنة إلى الأرض، وفيه تُوُفِّي، وفيه ساعةٌ لا يسأل العبد فيها اللهَ شيئًا إلاَّ أعطاه إياه مالم يسأل إِثمًا أو قطيعة رحم، وفيه تقومُ الساعة، وما من مَلَك مقرَّب ولا سماء ولا أرض ولا ريح ولا جبل (5/106)
صفحة 1723
ولا حجر إلاَّ وهو مشفِقٌ من يوم الجمعة». وفي حديثٍ آخر عنده «الشاهدُ يومُ عَرَفَة ويومُ الجمعة، والمشهود هو الموعُود يوم القيامة». وذكر البغوي: في تفسير قوله تعالى: {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَّمَشْهُودٍ} [البروج:02،03] أقوالاً متعدِّدة حيث قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم: ”اليومُ الموعودُ يومُ القيامة، والمشهودُ يومُ عرفة، والشاهد يوم القيامة والمشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة؛ ما طلعت الشمسُ ولا غربت على يومٍ أفضل من يوم الجمعة فيه ساعةٌ لا يُوافِقُها عبدٌ مؤمنٌ يدعو الله فيها خيرًا إلاَّ استجاب له، واستعاذ من شيءٍ إلاَّ حاذره منه“. وهذا قولُ ابنِ عبَّاس، والأكثرين أنَّ الشاهدَ يومَ الجمعة والمشهودَ يوم عرفة. وروي عن ابن عمر الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر. وقال سعيد بن المسيِّب: الشاهدُ يوم التروية والمشهود يوم عرفة. وروى يوسفُ بن مهران عن ابن عباس قال: الشاهدُ محمَّد صلَّى الله عليه وسلم، والمشهودُ يومُ القيامة، ثم تلا: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍم بِشَهِيدٍ وَّجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلآءِ شَهِيدًا} [النساء:41]، وقال تعالى: {يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَالِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} [هود:103]. وقال عبد العزيز بن يحيى: الشاهدُ محمَّد والمشهودُ اللهُ، بيانُهُ قولُه تعالى: {وَّجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلآءِ شَهِيدًا}.
وروى ابنُ النجيم عن مجاهد قال: الشاهدُ آدم والمشهودُ يومُ القيامة. وقال عكرمة الشاهدُ الإنسانُ والمشهودُ يوم القيامة، وعنه أيضًا: الشاهدُ الملك يشهد على بني ادم، والمشهودُ يومُ القيامة وتلا: {وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَّشَهِيدٌ} [ق:21]، {وَذَالِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ}. وقيل الشاهدُ الحفَظَة والمشهودُ بنو آدم. وقال عطاء بن يسار: الشاهدُ آدم وذريَّتُه والمشهودُ يوم القيامة. (5/107)
صفحة 1724
وروى الوالي عن ابن عباس: الشاهدُ الله عزَّ وجل والمشهودُ يوم القيامة. وقال الحسن بن الفضل: الشاهد هذه الأمَّة والمشهودُ سائر الأمم؛ بيانُه: {وَكَذَالِكَ جَعَلْنَاكُمُو أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة:143]. قال سالم بن عبد الله: سألتُ سعيد بن جبير عن قوله تعالى: {وَشَاهِدٍ وَّمَشْهُودٍ}، فقال: الشاهدُ هو الله عزَّ وجلَّ والمشهودُ نحن، بيانُه {وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا} [النساء:79]. وقيل: الشاهدُ أعضاءُ بني آدم والمشهودُ ابنُ آدم {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمُو أَلْسِنَتُهُمْ} ... الآية [النور:24]. وقيل: الشاهدُ الأنبياءُ والمشهود محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم؛ بيانُه قولُه تعالى: {وَإِذَ اَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيئِينَ لَمَآ ءَاتَيْنَاكُمْ مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُومِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَآقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمُو إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران:81].
وذكر البيضاوي أيضًا غالب تلك الوجوه وبيَّن فيها غالب وجه ذلك حيث قال: واليومُ الموعودُ يوم القيامة، وشاهدٍ ومشهودٍ، من يشهد في ذلك اليوم من الخلائق وما أحضر فيه من العجائب، وتنكيرُهما للإبهام في الوصف؛ أي وشاهد ومشهودٍ لا يكتنِهُ وصفَهُما، والمبالغة في الكثرة كأنَّه قيل: ما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود. أو النبي وأمَّته وسائر الأمم، أو كلُّ نبيٍّ وأمَّته. أو الخالق والخلق أو عكسُه، فإنَّ الخالق مُطَّلع على خلقِه وهو شاهد على وجوده. أو الملك الحفيظُ والمكلف، أو يوم النحر، أو عرفة والحجيج، أو يوم الجمعة والمجمع فيه فإنه يشهد أو كل يوم وأهله.
قولُه: «إنَّ التواضُعَ للعبدِ» .. الخ؛ قال العلقمي: التواضُعُ بضمِّ الضادِ المعجمة مشتقٌّ من الضِّعَةِ بكسرِها وهو الهوانُ. والمرادُ بالتواضع إظهارُ التنزُّل عن المرتبة ممَّن يراد تعظيمه. وقيل: هو تعظيمُ من فوقه لفظلِه. وقيل: هو الاستسلامُ للحقِّ وتركُ الإعراض عن الحكم من الحاكم. (5/108)
صفحة 1725
وقيل: هو أن تخضع للحقِّ وتنقادَ له وتقبله ممَّن قاله صغيرًا أوكبيرًا شريفًا أو وضيعًا حرًّا أو عبدًا ذكرًا أو غيره، نظرًا للقول لا للقائلِ فهو إنَّما يتواضع للحقِّ وينقاد له. وقيل: هو أن لا يرى لنفسه مقامًا ولا حالاً يفضل بهما غيره، ولا يرى في الخلق من هو شرٌّ منه. قال تتِمَّة: مرَّ الحسنُ بن علي بصبيان معهم كسر خبزٍ واستضافوه أدبًا معه فنزل وأكل معهم، وإن كان ذا جاهٍ وحشومة تواضعًا. ولِخَبر من دُعِي فليُجِب ولو إلى كَرَاع. ثمَّ حملهم إلى منزله وأطعمَهم وكساهُم، وقال: اليدُ أي النعمةُ لهم حيث أحسنوا أوَّلاً، وبذلوا ما أمكنهم لأنَّهم لم يجدوا غير ما أطعموني ونحن نجد أكثر منه.
قولُه: «وأنَّ العفو لا يزيدُ العبدَ إلاَّ عزًّا» .. الخ؛ قال العلقمي: قال في النهاية: العفوُ هو التجاوُزُ عن الذنب وتركُ العقاب عليه وأصلُه المحو والطمس.
قولُه: «وإنَّ الصدقةَ لا تزيد المالَ إلاَّ كثرةً» .. الخ؛ يعني أنَّ الصدقة تكون سببًا لكثرة المال، بأن يتجر فيه مثلاً فينمو، ويُنزل الله فيه البركة من حيث لا يدري صاحبه، وإن كانت تنقصه حسا. وقال العلقمي: في حديث آخر لفظُه في الجامع «ثلاثٌ أُقسِمُ عليهِم: ما نقص مال قطُّ من صدقة فتصدَّقوا، ولا عفَا رجلٌ عن مظلَمَةٍ ظُلِمَها إلاَّ زاده الله تعالى بها عزًّا فاعفوا يزدكم الله عزًّا، ولا فتح رجلٌ على نفسه باب مسألةٍ يسأل الناس إلاَّ فتح الله عليه بابَ فقرٍ» قال ما نصُّه: قولُه مَا نقص مالُ عبدٍ من صدقة؛ قال شيخنا: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه معناه: أنَّ ابن آدم لا يضيعُ له شيءٌ، ومالم ينتفع به في دنياه انتفع به في آخرته، فالإنسانُ إذا كان له داران فحوَّل بعضَ مالِه من إحدى دارَيه إلى الأخرى لا يقال ذلك البعضُ المحوَّل نقص من ماله. وقد كان بعض السلف يقول إذا رآى السائلين: مرحبًا بمن جاء يحوِّل مالَنَا من دُنيانا لآخرتنا. (5/109)
صفحة 1726
فهذا معنى الحديث، وليس معناه أنَّ المال لا ينقُص في الحسِّ، ولا أنَّ الله يخلف عليه لأنَّ ذلك معنى مستأنَف، وسيأتي فيه مزيدٌ في حديث «ما نقَصَت صدقةٌ من مالٍ». ولفظُه في الجامع «ما نقصت صدقةٌ من مالٍ، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلاَّ عزًّا، وما تواضَع أحدٌ لله إلاَّ رفعه». قال فيه العلقمي: قولُه «ما نقصت صدقةٌ من مال» قيل هو عائدٌ إلى الدنيا بالبركة فيه، ودفع المفسدات عنه، وقيل: إلى الآخرة بالثواب والتضعيف.
قولُه: «ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلاَّ عزًّا»؛ قيل: في الدنيا وقيل في الآخرة.
قولُه: «وما تواضعَ أحدٌ إلاَّ رفعه الله»؛ فيه القولان أيضًا. قال النووي: وقد يكون المراد الوجهين معًا في الأمور الثلاثة. وقال القرطبي: قولُُه «ما نقصت صدقةٌ من مال» فيه وجهان: أحدُهما: أنَّه بقدر ما ينقص منه يزيده الله فيه وينمِّيه ويكثره. والثاني: أنَّه وإن نقص نفسه ففي الأجر والثواب ما يَجبر ذلك النقص بإضعافه.
وقولُه: «ما زادَ اللهُ عبدًا بعفوٍ إلاَّ عزًّا»؛ فيه أيضًا وجهان؛ أحدهما: أنَّه على ظاهره فإنَّ من عُرف بالصفح والعفو زاد وعظم في القلوب. والثاني: أن يكون أجرُه وثوابُه وجاهُه وعزُّه في الآخرة أكثر. وقولُه: «ماتواضع أحدٌ لله إلاَّ رفعه الله»؛ التواضُع الانكسارُ والتذلُّل ونقيضه الكبر والترفع. والتواضع يقتضي متواضَعا له فإنَّ المتواضَعَ له هو الله أو من أمر الله بالتواضُع له كالرسول والإمام والحاكم والعالم والوالد، فهو التواضُع الواجب المحمود الذي يرفع الله به صاحبه في الدنيا والآخرة. وأمَّا التواضُعُ لسائر الخلق فالأصلُ فيه أنَّه محمودٌ ومندوب إليه ومرغَّبٌ فيه إذا قُصِد به وجه الله، ومن كان كذلك رفع الله قدره في القلوب وطيَّب ذكرَه في الأفواه ورفع درجته في الآخرة. (5/110)
صفحة 1727
وأمَّا التواضُع لأهل الدنيا ولأهل الظلم فذلك هوالذلُّ الذي لا عزَّ معَهُ والخسَّة التي لا رِفعة معها بل يترتَّب عليها ذُلُّ الآخرة وكلُّ صفقةٍ خاسرة نعوذ بالله من ذلك، الخ.
قولُه: «عدلت شهادة الزور بالشرك» .. الخ؛ وفي البخاري: قال النبيءُ صلَّى الله عليه وسلَّم: ”ألا أنبئُكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول لله. قال: الإشراكُ بالله وعقوقُ الوالدين - وكان متَّكئًا فجلس - فقال: ألاَ وقولُ الزورِ وشهادةُ الزور ألاَ وقولُ الزور وشهادةُ الزور. فما زال يقولُها حتى قلتُ لا يسكُت“. وقد تقدَّم الكلام على بعضه في قوله: ”الشركُ الخفيُّ من دبيب النمل“. وذكر ابن حجر في بعض الروايات ”فما زال يكرِّرها حتى قلنا ليتَه سكت“ أي تمنَّينا أنه يسكت إشفاقًا عليه لما رأوا من انزعاجه في ذلك. وقال ابن دقيق العيد: اهتمامُه صلَّى الله عليه وسلم بشهادة الزور يحتمل أن يكون لأنَّها أسهل وقوعًا على الناس، والتهاوُن بها أكبر، ومفسدتها أيسر وقوعا لأنَّ الشرك يُنبِؤُ عنه المسلم، والعقوقَ يُنبِؤُ عنه الطبعُ، وأمَّا قولَ الزور فإنَّ الحوامل عليه كثيرةٌ يحسنُ الاهتمام بها وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها. قال: وأمَّا عطف الشهادة على القول فينبغي أي يكون تأكيدًا للشهادة، لأننا لو حملناه على الإطلاق لزم أن يكون الكذبة الواحدة مطلقًا كبيرة، وليس كذلك، وإن كان بعض الكذب منصوصًا على عظمه؛ كقوله: {وَمَن يَّكْسِبْ خَطِيئَةً اَوِ اِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتَانًا وَّإِثْمًام مُبِينًا} [النساء:112]، وفي الجملة فمراتبُ الكذبِ متفاوتةٌ بحسب تفاوُت مفاسِده. قال: وقد نصَّ الحديث الصحيح على أنَّ الغيبة والنميمة كبيرةٌ والغيبةُ تختلف حسب القول المغتاب؛ فالغيبة بالقذف كبيرةٌ ولا تُساويها الغيبةُ بفتح الخِلْقَة والهيئة مثلا، واللهُ أعلم. إلى أن قال: (5/111)
صفحة 1728
وقال القرطبي: شهادةُ الزور هي الشهادةُ بالكذبِ ليتوصَّل بها إلى الباطل من إتلاف نفسٍ أو أخذِ مالٍ أو تحليلِ حرامٍ أو تحريم حلالٍ، فلا شيء من الكبائر أعظم ضررًا منها ولا أكثر فسادًا بعد الشرك بالله.
وزعم بعضُهم أنَّ المراد بشاهدة بالزور في هذا الحديث الكفر، فإنَّ الكافر شاهدٌ بالزور، وهو ضعيف. وقيل: المرادُ من يستحلُّ شهادة الزور وهو بعيدٌ والله أعلم. وقال في الديوان بعد قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الاَوْثَانِ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ} [الحج:30] فذكروا - والله أعلم - أنَّ أعظم الكبائر الشركُ بالله وعقوقُ الوالدين وقولُ الزور. وقيل أيضًا: شاهدُ الزور قاتل ثلاثة؛ قتَلَ نفسَه وقتَل الذي شهَدَ له بالزور وقتَل الذي شهَدَ عليه الخ.
قولُه: «ثلاثةٌ لا يكلِّمُهُم اللهُ يومَ القيامةِ» .. الحديث؛ تقدَّم عليه الكلام في أوَّل الجزء الثالث إلاَّ قولُه «لا يكلِّمُهم الله» فإنَّ الرواية هناك «لا ينظر الله إليهم». قال العلقمي: قال شيخُ شيوخِنا قال النووي: قيل معنى لا يكلِّمهم تكليمَ رضى عنهم بإظهار الرضا بل بكلام يدلُّ على السخط. أقول: يعني كقولِه تعالى: {قَالَ اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المومنون:108]، وقيل المرادُ أنَّه يُعرِض عنهم، وقيل لا يكلِّمُهم كلامًا يسرُّهم، وقيل لا يُرسِل إليهم ملائكةً بالتحيَّة .. الخ.
قولُه: «خَصلَتَان من حفظهُمَا»؛ أي حفظ نفسه من الوقوع فيهما «حفَظَ الله صومَه: الغِيبة والكذب» الغيبة بكسر الغين، والمرادُ بها المحرمة وهي غيبةُ المسلم، وهو أن تذكره بما يُبغِضُه مطلقًا كان فيه أولم يكن، حاضرًا كان أو غائبا، كما يؤخذ من تبيين أفعال العباد ومثل الغيبة الكذب وسائر الكبائر. (5/112)
صفحة 1729
قال في القواعد: وذهب أصحابُنا إلى أنَّ الغيبة المحرَّمة والنميمة والكذب وأيمان الفجور والنظر إلى الفروج المحرَّمة إنَّ ذلك كلُّه يُفسِد الصوم وينقض الوضوء لثبوتِ ذلك عن النبيء صلَّى الله عليه وسلم في الغيبة والنميمة وسائر الكبائر قياسًا عليهما .. الخ. ورواية الإيضاح تدلُّ على أنَّ الحديث إنَّما ورد في النميمة والكذب وقاس سائر الكبائر عليهما. وكلام القناطر صريحٌ في أنَّ الحديث ورد في خمسةٍ، حيث بعد ما ذكر أمور يجب الإمساك عنها لما روي عن أنس عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: ”خمسٌ تُفطِّر الصائمَ الغيبةُ والنميمةُ والكذبُ والإيمانُ الكاذبةُ والنظرُ شهوَةً“. وفي حديث الربيع ابن حبيب بإسناده إلى ابن عباس عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: ”خمسٌ تفطِّر الصائمَ وتنقُض الوضوء“. وفي الأثر إنَّ الخصال الخمس المتقدِّمة في الحديث يفطِّران الصائم، ويَنقَضْنَ الوضوءَ ويهدَمْنَ الأعمال هدمًا الخ.
قولُه: «الغَمُّ والحَزَنُ مِن الشكِّ»؛ الغمُّ واحدُ الغموم، والحزن ضدُّ السرور، وفيه لُغتان: ضمُّ الحاء وسكونُ الزَّاءِ وفتحُهُما. قال في الصحاح: وحزِنَ الرجلُ بالكسر فهو حَزِنٌ وحزِينٌ وأحزَنَهُ غيرُه وحَزَنَه أيضًا مثل أسْلَكَه وسَلَكَه، ومَحْزُونٌ بُني عليه. وقال اليزيدي: حَزَنَهُ لغةُ قريش وأَحْزَنَه لغةُ تميمٍ، وقد قُرئ بهما الخ.
قولُه: «والرَّوْحُ والفَرَحُ من اليقينِ والرَّجاء»؛ والرَّوْحُ بفتح الراء وسكون الواو بمعنى الاستراحة، وبضمِّ الواو بمعنى الرحمة وقد قرئ بهما قوله تعالى: {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} [الواقعة:89]. وانظر هل المراد من الحديث ما يحصل في الدنيا من الغمِّ والحزن لمن لم يكن على يقينٍ في قضاء الله وقدَرِه واختلَجَتْهُ الشكوكُ في ذلك، ويضيف الأشياء إلى الأسباب مثلاً وما يحصلُ فيها أيضًا من الاستراحة والفرَحِ لمن تيَقَّن بالقضاء والقدرِ وسكن قلبُه إلى ما ضمن الله له، وعلم أنَّ الأمور كلَّها بيد الله؟ ويدلُّ له قولُه (5/113)
صفحة 1730
عزَّ وجلَّ في حقِّ الكافر: {وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه:124] أي ضيْقًا، على القول بأنَّ المراد في الدنيا، وقولُه في حقِّ المؤمِن: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُو حَيَاةً طَيِّبَةً} .. الآية [النحل:97]. قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}: وذلك لأنَّ مجامع أمرِه ومطامِحَ نظرِه يكونُ إلى أعراض الدنيا منهمِكًا على ازديادها خائفًا على انتقاصها، بخلافِ المؤمن الطالِبِ للآخرة مع أنَّه لعلَّ قد يضيق بشؤم الكفر، ويوسع ببركة الإيمان كما قال: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} [البقرة:61]، {وَلَوَ اَنَّهُمُو أَقَامُواْ التَّوْراةَ وَالاِنجِيلَ} [المائدة:66]، {وَلَوَ اَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا} [الأعراف:96] الآيات ... الخ. ويحتمل أن يكون المرادُ ما يحصل في الآخرة للكافر والمؤمن، ويحتمل أن يكون المراد ما يحصل في الدارين لأنَّ خير الدنيا والآخرة مع الإيمان، وشرَّ الدنيا والآخرة مع الكفر والله أعلم.
قولُه: «يا بُنَيَّتِي إعملي لنفسك» .. الخ؛ تقدَّم الكلام عليه في باب عذاب القبر، عند قوله: ”يا فاطمة بنت محمَّد ويا صفيَّة عمَّة محمَّد اشتريا أنفسُكُمَا من الله فإنِّي لا أغني عنكُمَا من الله شيئًا ... الخ.
قولُه: «إنِّي أقيمُ بالمدينة ثمانية أشهرٍ أو تسعة أشهرٍ كيف أصلِّي؟ قال صلِّ ركعتين»؛ هذا من أدلَّة ما ذهب إليه أصحابُنا من أنَّ المسافرَ يجب عليه قصرُ الصلاة ما دام على نيَّة السفر، ولو أقام في البلاد ما أقام، ولذلك يقولُون مضت السنَّة أن يقصر المسافرون ما لم يتَّخذوها وطنًا، ولو إلى عشر سنين.
قولُه: «إلاَّ أن تُصلِّي في جماعة المقيمين»؛ يعني إلاَّ أن تُصلِّي خلف إمامٍ مُقيم. وإنَّما قيَّد جماعة المقيمين نظرًا إلى الغالب، وإنَّما يصلي أربعًا لأنَّه من مساجين الإمام حيث دخل معه، ولا تجوز له مخالفتُه. (5/114)
صفحة 1731
ويقول عند نيَّة الصلاة خلفَه إذا أرادَ الظهر مثلاً: ”اللهم إنِّي نويتُ أداء هذه الصلاة الحاضرة وهي صلاة الظهر صلاة الإمام“، لا يقولُ حضريَّة لأنَّه مسافرٌ ولا يقول سفريَّة لئلا يخالف إمامَه كما بين في محلِّه.
قولُه: «من مَاتَ صحيحًا مُوسِرًا ولم يحج كان سِيمَا بين عينيه كافرًا»؛ يعني إذا فرَّط ولم يُوصِ لأنَّ أصحابَنا رحِمَهُم الله يرَونَ الوصيَّة بالحج تُجزِي عنه إذا فرَّط كما هو معلوم. قال صاحب الوضع رحمه الله: روي عن الربيع بن حبيب رضي الله عنه أنَّه قال: من وجب عليه الحجُّ ولم يحج فهو دين عليه ما دام حيًّا، فإن حضره الموتُ أوصى به أن يُحَجَّ عنه، فإن لم يُوصِ به ومات وهو مُضيِّعٌ غير تائبٍ مات كافرًا، كما قال الله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران:97]، وكُفرُه على وجهين .. الخ.
قولُه: «سِيْمَا بين عينيه»؛ أي علامة، ويجوز فيها القصرُ والمدُّ، وقد قُرئ بالوجهين قولُه تعالى {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} [الفتح:29]، والله أعلم.
قولُه: «نهى عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن»؛ الرواية في الايضاح بتاء الخطاب فيهما، ثم قال بعده: والعلماءُ مختلفون، منهم من منع ما يقبض في جميع الأشياء، ومنهم من منعه في الطعام دون غيره، أو في المَكِيلِ والموزون على قول بعضٍ. وفي الأثر: وأجمعوا على أنَّه لا يُباع شيءٌ ممَّا يُكالُ أو يُوزَن إذا اشتري حتى يُقبَض إلى أن قال: وكلُّ من باعَ قبل القبضِ فهو داخلٌ في النهي، وإن باعَه بأكثر من الثمن فهو ربحُ ما لم يُضمَن. وروي عن حكيم بن حزام أنَّه قال: اشتريت طعامًا من الصدقة وأربحت فيه قبل أن أقبضه فقال النبي عليه السلام ”لا تأخذ ربحَ ما لم تضمن“، قال: وكذلك عندى كلُّ ما كان في ذمَّة الغير فلا يجوز بيعُه حتى يُقبَض، لأنَّه من باب بيع ما لم تَقبِض وربحِ ما لم تضمَن. وفسَّر بعضُهُم في المعنى نهيُه عليه السلام عن ربح مالم تضمن. (5/115)
صفحة 1732
وفي الأثر: ونهي عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن؛ وذلك أن يتَّفق رجلٌ مع رجلٍ على شراء شيءٍ ثم يأتي آخر فيبيعُهُ له قبل أن يقبضَه من الأوَّل فذلك غير جائز، وأمَّا إن اشتراه من الأوَّل فباعه قبل أن يقبضه فذلك جائز، ومنهم من يقول غير جائز .. الخ. ولكن قولَه: ”فيبيعه له قبل أن يقبضه“ المناسب أن يقول قبل أن يشتريه كما يدلُّ عليه سياق كلامه. وبقي أيضًا الكلامُ في ربح ما لم تضمن هل يكون للبائعِ الأوَّل أو لا يثبت منه شيءٌ، وأنَّ البيع فاسدٌ لنهيه صلَّى الله عليه وسلَّم عن بيعِ ما لم تقبض، وأن معنى قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم للمشتري ”لا تأخُذ ربحَ ما لَم تَضمَن“ أنَّ البيع فاسدٌ فلا يحلُّ له ما يترتَّب عليه.
لكن كلام صاحب الإيضاح رحمه الله في باب الإجارات ربَّما يدلُّ على أنَّ ذلك الربح يكون للبائع الأوَّل، وأنَّ البيع صحيحٌ حيث قال فيمن اكترى دابة أو دارًا بشيءٍ معلومٍ وأكراها لغيره بأكثرِ من ذلك من غير أن يزيد من عنده شيئًا ما نصَّه: فلا تحلُّ له تلك الزيادة. وهذا بمنزلة ربح مالم تضمَن في البيوعِ. وقال أيضا فيمن استأجر ثوبًا ليخيطَه بأجرةٍ معلومَةٍ ثم أجَّرَه لغيره بأنقص من ذلك ما نصُّه: فليس له أن يحبس تلك الزيادة وهي لربِّ الثوبِ الخ. وهذا ظاهر إذا قلنا إنَّ البيع صحيحٌ وإنَّ النهي لا يدلُّ على فساد المنهي. وأمَّا إذا كان فاسدًا فحكمُه أن يرد كل واحد منهما ما في يده وما ترتَّب عليه إذا كانت السلعة قائمة. وأمَّا إذا فاتت فإنَّها يضمنها المشتري بالقيمة في المقوَّمات وبالمثل في المثليات ويرجع إليه ثمنُه كاملاً ولا تمضى بالثمن لئلاَّ يلزم الاعتداد بالفاسد كما هو مبيَّن في محلِّه، والله أعلم فليحرَّر.
قولُه: «وعن شرطين في بيع»؛ صوَّره في الإيضاح بما ذُكر في الأثر حيث قال: قال أبوالحسن: ومن باع سلعةً وقال بكذَا وكذَا نقدًا، أو كذا وكذا نسيئةً، وأخذ السلعةَ ومرَّ ولم يقطعَا لذلك ثمنًا وأشهدَا عليه بإحدى البيعتين وأحدَ الأجلين فإنَّ ذلك عندنَا لا يثبت لأنَّهما لم يقطعَا له بيعًا معلومًا وفيه شرطان وقد نَهى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن شرطين في بيعٍ، أو بيعتين في بيعةٍ، وهذا بيعٌ فيه شرطَان الخ. (5/116)
صفحة 1733
والمراد بالشرطين على ظاهر كلامه بعد الأجل والزيادة في الثمن والظاهر أنَّ هذا من بيعتين في بيعة كما صدر به أوَّلا لتصويرهما، وبطل البيع من جهة الجهل بالثمن والأجلِ. وأمَّا الزيادة في الثمن على القيمة إذا اشترطها إلى أجلٍ معلومٍ فلا بأس به إجماعًا. ولا يُقال إنَّه بيعٌ وشرطان، وهذا كلُّه من كلام الأثر، وليس من كلام المصنف كما يعلم بالوقوف عليه في ابن وصاف رحمه الله. ثم قال بعد ذلك: وفي الأثر: وقيل إنَّ معنى شرطين في بيعٍ أن يبيع الرجلُ شيئًا من مالِه لآخر على أن يبيع له الآخر مثل ذلك وذلك لا يجوز. ومنهم من يقول ذلك جائزٌ على المتامَمَة، ومنهم من يجوِّزُه ويبطل الشرط .. الخ. أقول: وفي كون هذا بيعًا فيه شرطان، تأمَّل اللهم إلاَّ أن يُقال: لما كان كلُّ واحدٍ منهما طالبا لسلعة الآخر جعل شارطا، والله أعلم. واعلم أنَّ البيع والشرط فيه خلافٌ بين أصحابنا، والمختارُ أنَّ الشرط إذا كان معلومًا وفيه منفعةٌ للبائع وكان ممَّا يحل تملُّكه جاز البيعُ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”المؤمنون على شروطهم“ .. الحديث.
قولُه: «وعن بيعٍ وسَلَف»؛ قال في الإيضاح هو أن يقولَ الرجلُ لصاحبِه أبيعُك هذه السلعةَ بكذا وكذا درهمًا على أن تُسلِّفَني كذا وكذا، لأنَّه لا يؤمنُ أن يكون باعهُ السلعةَ بأقلَّ من ثمنها لأجل القرض. وكذلك إن قال له: أسلِّفك كذا وكذا على أن تشتري منِّي به هذه السلعة، فكُلُّها سواءٌ لا يجوزُ لأنَّه لا يؤمن في هذا الوجه أن يكون باعهُ السلعة بأكثر من ثمنها لأجل القرض، والله أعلم. لكنَّ التقييد بقوله به في قوله: ”على أن تشتري منِّي به“ غير ظاهرٍ، لأنَّ عدم الأمن موجودٌ وإن لم يكن الشراءُ به، اللهم إلاَّ أن يُقال إنَّ الضميرَ في به راجعٌ إلى السلف المفهوم من أسلف، والباء للسببيَّة، والله أعلم.
ثم قولُه: «منِّي»؛ ظاهرُ التقييد به أيضًا يقتضي أنَّه إذا أسلفه على أن يشتري من صاحبه مثلا لا ضرر فيه. (5/117)
صفحة 1734
وفيه تأمُّلٌ فإنه يصدق عليه أنَّه سلفٌ جرَّ منفعة وإن كانت للغير، وربما رجعت إليه من جهة صاحبه، والله لا تخفى عليه خافيةٌ، والله أعلم.
قولُه: «عن إبراهيم قال ما أحِبُّ أنِّي تركت الوتر ولي حُمْرُ النعم»؛ يحتمل أن يكون قائل هذا هو إبراهيم المروي عنه، ويحتمل أن يكون هو النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو المناسب لما وُضِع له هذا الكتاب فإنَّه وضع لترتيب حديث الرسول عليه السلام. والأول أظهر من جهة المعنى فإنَّ الوتر واجبٌ عليه صلَّى الله عليه وسلَّم، فلا يتأتَّى إمكان تركِه في حقِّه بحُمرِ النَّعم ولا بغيرها، ولا بوجهٍ من الوجوه، وإنمَّا يمكن هذا في حقِّ من لم يَرَ الوترَ واجبًا عليه. والظاهرُ أنَّ المراد بإبراهيم هنا النخعيَّ لأنَّه هو الذي اشتهر أنَّه من المجتهدين، والله أعلم. وإنمَّا خصَّ حُمْرَ النَّعم بالذكر لأنَّها أشرف أموالِ العرب، فهو كقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: ”إنَّ الله زادَ لكم صلاةً سادسة هي خيرٌ لكم من حُمرِ النَّعم“ .. الحديث.
قولُه: «اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ» .. الخ؛ ورُوي هذا الحديث في الجامع الصغير ولم يتكلِّم عليه الشارحُ بشيءٍ ولعلَّه لظهور معناه.
قولُه: «لعلَّكُنَّ من أصحاب الحمَّامات»؛ الظاهرُ أنَّ مرادَها بهذا رضي الله عنها ذمُّهن، فإنَّ الحمَّام ورد في ذمِّه أحاديث. منها في الجامع قولُه صلَّى الله عليه وسلم: ”بئسَ البيتُ الحمَّامُ بيتٌ لا يَستُرُ وماءٌ لا يُطهِّرُ“. ومنها قوله: ”من كان يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ فلا يدخُل الحمَّام بغير إزارٍ، ومن كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فلا يدخل بحليلتِه الحمَّام“ .. الخ. وذكر في القناطر في مدحِه وذمِّه قولين باعتبارين مختلفين حيث قال: (5/118)
صفحة 1735
وقد رُوي أنَّ أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم دخلوا حمَّامات الشام، وقال بعضهم: ”نِعمَ البيتُ بيتُ الحمَّام يُطهِّرُ البدن ويُذَكِّر النار“. رُوي ذلك عن أبي الدرداء وأبي أيوب الأنصاري، فهذا تعرَّض لفائدته. وقال آخرون ”بئس البيتُ بيتُ الحمَّام يُبدي العورةَ ويُذهب الحياء“، فهذا تعرَّض لآفاته. لكن لا بأس بطلب فائدته عند الاحتراز من آفاته الخ. ثم ذكر لدخوله وظائِف من السنن والواجبات يطول ذكرُها ثم قال: والمشهورُ أنَّه حرامٌ على الرجلِ دخولَ الحمَّام إلاَّ بمئزرٍ، وحرامٌ على المرأة دخولَ الحمَّام إلاَّ نُفَسَاءََ أو مريضة. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنَّها دخلت حمَّاما من سقمٍ بها، فإن دخلت لضرورةٍ فلتدخُل بمئزرٍ سابغٍ، ويُكرَه للرجل أن يُعطيها أُجرَة الحمَّام فيكونُ معينًا لها على المكروه.
قولُه: «وألقت تحتَها وِسادَةً من الأَدَمِ»؛ ذُكر في الشمائل الشريفة أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم كانت وسادتُه التي ينامُ عليها بالليل من أدمٍ حَشوُها ليفٌ. قال العلقمي: وفي ذلك ما كان صلَّى الله عليه وسلَّم فيه من الزهادة في الدنيا والإعراض عن متاعها وملاذِّها وشهواتِها وفاخِرِ لباسِها ونحوِهِ، والاجتزاءُ بما يحصُل به أدنى التجزئة في ذلك كله. وفيه الندبُ للاقتداءِ به صلَّى الله عليه وسلَّم في هذا وغيره. وفيه جوازُ اتِّخاذ الفُرُش والوسائِد والنومِ عليها والانتفاعِ بها، وجوازُ اتخاذِ ذلك من أَدَمٍ وهي الجلُودُ، والوِسادةُ بكسرِ الواو ما يوضع عليه الرأس.
قولُه: «فيها خبزٌ قد ثَرِدَتْهُ»؛ لعلَّها ثردته بالماء، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”أَثْرِدُوا الخبز ولَو بالماء“ وأمَّا المُثرَد بمرَقِ اللَّحم وهو الثريدُ الحقيقيُّ فهو أشرفُ الطعام لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”إنَّ فضلَ عائشةَ على النِّساءِ كفضلِ الثَّريدِ على سائر الطعام“، أو كما قال، والله أعلم.
قولُه: «فتنفَّسَت عائشة الصُّعَداءُ»؛ في الصحاح والصعداءُ بالضَّم والمدِّ وفتح العين يعني تنفُسٌ عالٍ. (5/119)
صفحة 1736
قوله: «إنَّ نبي الله ماتَ ولم يشبع ممَّا ثرد»؛ ذُكر في الشمائل أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يبيتُ الليالي المتتابعة طاويًا وأهلُه لا يجدون عشاءً، وكان أكثرُ خبزِهم خبزُ الشعير، وكان لا يجدُ من الدقل ما يملأ بطنَه، والدقلُ رديءُ التَّمرِ ويابسُه، والمرادُ به التمرُ الحشفُ، وكان يشدُّ صُلبَه بالحجارة من الغَرْثِ أي الجوع. (5/120)
صفحة 1737
*زيادة عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب رضي الله عنه* (5/121)
صفحة 1738
[صفحة لم ترقن] (5/122)
صفحة 1739
[صفحة لم ترقن] (5/123)
صفحة 1740
[صفحة لم ترقن] (5/124)
صفحة 1741
قولُه: «أنَّ رجلاً من الأنصار وجدَ مع رجلٍ سيفًا يُباع لأخيه في السوق» ... إلى آخر الحديثين. ومثل هذين الحديثين ما رواه البخاري عن ابن عمر حيث قال بعد ذكر الإسناد عن ابن عمر، قال: ذهب فرسٌ له فأخذه العدوُّ فظهر عليهم المسلمون فرُدَّ عليه في زمن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأبِق عبدُ له فلحق بالروم فظهر عليهم المسلمون فردَّه عليه خالد بن الوليد بعد النبي صلَّى الله عليه وسلَّم .. الخ. (5/125)
صفحة 1742
فذكر روايةً أخرى في العبد وروايتين في الفرس وكلُّها تدلُّ على أنَّ مال المسلم إذا غنمَهُ العدوُّ لا يُباح لغيره من المسلمين إذا تبيَّن ذلك. كما أنَّ رواية المصنف كذلك. وذكر في السؤالات في ذلك قولين مع اختيار ما دلَّت عليه هذه الأحاديث، وأنَّه لا فرق بين أن يكون مقسومًا أو غير مقسومٍ حيث قال: وسُئِل عن بلدِ الموحِّدين إذا سباهم المشركون فساقُوا غنيمتَهم فالتقى معهم الموحِّدون فأخذوهم وكلَّ ما كان معهم من غنيمةِ المسلمين، فجاءَ الموحِّدون يريدون أن يأخذوا مالََهم فإن وجدوهم قد اقتسموا فلا يدركون شيئًا. ومن العلماء من قال: لا ثواء على مالِ امرئٍ مسلمٍ، وهو قول أبي بكر الصدِّيق رحمه الله ”يأخذُون أموالهم وأولادَهم ولا يجوز لهم ملك المشركين“، وهو قول أبي زياد الخوارزمي صاحب السِّيَر، والإمام أفلح رحمة الله عليهما، وهو المأخوذ به والمعتَمَد عليه.
وذكر المصنِّف رحمه الله في الدليل والبرهان عند الكلام على مسائل الأئمَّة العشرة رضي الله عنهم ما يدلُّ على أنَّ المشركين يملكون ذلك، حيث قال الإمام الرابع الربيع بن حبيب رضي الله عنه: علم أنَّ الربيع بن حبيب قد أثبت لجميعِ المشركين ما غنموه وحازوه من أموال المسلمين في الرقيق والمكاتب والمدبر وجميع الأموال، وأثبتَ الانسابَ بين المشركين ونساءِ الموحِّدين من حائِلٍ لا حامِل، ومن حامٍل واضعٍ، وقاس والمتدينة من جميع أمَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم من الصفرية وغيرهم على المشركين إذا حازُوه فاشتراه مشترٍ من أسواقِهِم أو وهبه له بعد ما اقتسموا إلى أن قال: وليس على أحدٍ بأسٌ أن يُعاملهم في ذلك الخ، فليراجَع. والخلافُ موجودٌ عند غيرنا أيضًا. قال ابن حجر في ترجمة البخاري باب ”إذا غنَمَ المشركونَ مالَ المسلم ثم وَجدَه المسلم“ ما نصُّه: أي هل يكونُ أحقُّ به أو يدخل الغنيمة؟ وهو ممَّا اختُلف فيه: قال الشافعي وجماعة لا يملك أهلُ الحرب بالغلبة شيئًا من مال المسلمين ولصاحبِه أخذُه قبل الغنيمة وبعدَها. وعن علي والزهري وعمرو بن دينار والحسن لا يُرَدُّ أصلاً ويختصُّ به أهل الغنائم. (5/126)
صفحة 1743
وقال عمر وسليمان بن ربيعة وعطاء والليث ومالك وأحمد وآخرون وهي رواية عن الحسن أيضًا ونقلها ابن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء السبعة: إنذ وجدَهُ صاحبُه قبل القسمة فهو أحق به، وإن وجده بعد القسمةِ فلا يأخُذُه إلاَّ بالغنيمةِ لعلة القيمة. واحتجوا بحديثٍ عن ابن عباس مرفوعٍ بهذا التفصيل أخرجه الدارقطنى بسندٍ ضعيفٍ جدًّا. وعن أبي حنيفة كقول مالك إلاَّ الآبق فقال هو والثوري: صاحبُه أحقُّ به مطلقًا.
قولُه: «الزاني المجلُود لا ينكح إلاَّ زانيةً مجلودَةً والزانيةُ المجلودةُ لا ينكحها إلاَّ زانٍ مجلود مثلها»؛ والمرادُ من النكاح على هذا التزويجُ، وبالزانيةِ مزنيَّة غيره. ولم يتعرَّض رحِمَه الله للمُشركة ولا للمُشرِك، ومثلُه كلامُ صاحب الدعائم رحمه الله حيث قال:
ولا ينكِحُ المحدُودُ إلاَّ مُفضَحًا ... ... من الناسِ محدُودًا وللحَدِّ أفضَحُ
قال الشارح رحمه الله بعد ذكر الآية: وقيل المحدودُ على الزنا لا ينكِحُ يعني لا يتزوَّج إلاَّ محدودةً على الزنا، والمحدودة لا يتزوَّجها إلاَّ محدودٌ. قال غيره: وإنَّما قيل أن يتزوَّج المحدود على الزنا محدودةً على الزنا غير التي زنا بها ولا يجوز له تزوُّج التي زنا بها ولو حُدَّا جميعًا. وكذلك لا يجوزُ له أن يتزوَّج من علِم زناهَا من النساءِ ولو لم تُحَد على الزنا، وإنَّما يجوز له أن يتزوَّج محدودةً على الزنا إذا لم يعلم هو زناها ولم يعايِن هو زناها لأنَّ ذلك حرامٌ على المؤمنين. وقد جاء الحديثُ عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: ”أيَّما رجلٍ زنا بامرأةٍ ثم تزوَّج بها فهما زانيان ما اجتمعا“. (5/127)
صفحة 1744
وذُكر عن البراء ابن عازب أنَّه قال: أيُّما رجلٍ زنا بامرأة ثم تزوَّج بها فهما زانيان ما اصطحبا. وروي عن عبد الله بن مسعود رحمه الله أنَّه قال: أيُّما رجلٍ زنا بامرأة ثم تزوَّج بها من بعد ما زنا بها فهُما زانيان أبدًا. والزانيةُ من أهل الكتاب لا ينكِحُها إلاَّ زانٍ من أهل الصلاة أو مشركٌ من أهل دينِها وحُرِّم ذلك على المؤمنين. هذا تفسيرُ هذه الآية مع ما جاء من الأحاديث عن أصحاب النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وعن عائشة زوجِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. وزعم بعضُ أهل الأهواءِ الضالَّة المضلَّة أنَّ الزاني له أن يتزوَّج المزنية التي زنى بها، وذلك منهم غلطٌ وفسقٌ أن أحلُّوا ما حرَّم الله، وأهلُ الفقه والعلم من أصحاب رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومن بعدهم من هو أعلم بالتأويل وأهدى إلى خير سبيل.
وذكر البغوي الخلافَ في سبب نزول هذه الآية وفي المراد بالنكاح هل هو العقدُ أو الوطءُ حيث قال: اختلف العلماء في معنى الآية وحكمِها، فقال قومٌ قدِم المهاجرون المدينةَ وهم فقراء لا مال لهم ولا عشاء وبالمدينة نساءٌ بغايا يكرين أنفسهُنَّ وهنَّ يومئذ أخصب أهل المدينة فرغب ناسٌ من فقراء المسلمين في نكاحِهِنَّ ليُنفقن عليهم فما استأذنوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فنزلت هذه الآية {وَحُرِّمَ ذَالِكَ عَلَى الْمُومِنِينَ} [النور:03]، أي أن يتزوَّجوا تلك البغايا لأنَّهن كنَّ مشركات. وهذا قولُ مجاهد وعطاء ابن أبي رباح وقتادة والزهري والشعبي ورواية العوفي عن ابن عبَّاس. وقال عكرمة: نزلت في نساءٍ بمكَّة والمدينة، منهُنَّ تسعٌ لهن راياتٌ كراياتِ البيطار يُعرفن بها، منهن: أمُّ مهزولٍ جارية للسائب بن أبي السائب المخزومي، وكان رجلٌ ينكح الزانية في الجاهلية اتَّخذها صاحبةً فأراد ناسٌ من المسلمين نكاحَهُنَّ على تلك الجهة فاستأذن رجلٌ من المسلمين النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في نكاح أمِّ مهزولٍ فاشترطت له أن تُنفِق عليه، فأنزل الله هذه الآية. (5/128)
صفحة 1745
روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: كان رجلٌ يقال له مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحملُ الأسارى من مكَّة حتى يأتي بهم المدينة وكانت بمكَّة بغيٌّ يقال لها عِناق وكانت صديقةً له في الجاهلية، فلمَّا أتى مكَّة دعته إلى نفسِها فقال مرثد: إنَّ الله حرَّم الزنا، فقالت: فانكَحني، فقال: حتى أسالَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، فنزلت: {وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ اَوْ مُشْرِكٌ}، فدعاني وقرأها عليَّ، وقال لي: لا تنكَحها. فعلى قول هؤلاء كان التحريمُ خاصًّا في حقِّ أولئك دون سائر الناس. زيادة: أقولُ هذا باطلٌ بل ذلك عامٌّ في جميع الناس لأنَّ العبرة بعمومِ اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو معلومٌ عندنا.
قال: وقال قومٌ المرادُ من النكاحِ هو الجماعُ، ومعناه: الزاني لا يزني إلاَّ بزانية أو مُشركة، والزانيةُ لا تزني إلاَّ بزانٍ أو مشرك، وهو قول سعيد بن جبير والضحَّاك بن مزاحم. ورواية الوالي عن ابن عبَّاس قال زيد بن هارون: إن جامَعَها وهو مستحِلٌّ فهو مُشرك وإن جامعَها وهو مُحرِمٌ فهو زانٍ. وكان ابن مسعود حرَّم نكاح الزانية ويقول: إذا تزوَّج الزاني الزانية فهُما زانيان أبدًا. وقال الحسنُ: الزاني المجلودُ لا ينكح إلاَّ زانيةً مجلودة، والزانية المجلودةُ لا ينكِحُها إلاَّ زانٍ مجلود. وقال سعيدُ بن المسيِّب وجماعة: إنَّ حكم الآية منسوخٌ وكان نكاح الزانية حرامًا بهذه الآية فنسخها قوله تعالى: {وَأَنكِحُواْ الاَيَامَى مِنكُمْ} [النور:32]، فدخلت الزانية في أيامى المسلمين الخ. لكنَّه كذب وافترى في التحليل بهذه الآية، لأنَّ العامَّ والخاص لا تنافي بينهما حتى يقع النسخ، فإنَّ المراد من الأيامى غير الزواني عملاً بالآيتين، وحاشا لله في حكمته أن يأمر بنكاح الزواني بعد قوله: {وَحُرِّمَ ذَالِكَ عَلَى الْمُومِنِينَ}، والله أعلم.
قولُه: «إلاَّ أنَّه نُسِخ منه المشركُ والمشرِكةُ»؛ (5/129)
صفحة 1746
أقول: إذا كان المرادُ بالنكاح التزويج وبالزاني والزانية الموحدين لابد من موافقة الحسن على ذلك لأنه من المعلوم أنَّ الموحِّد وإن كان زانيًا لا يحلُّ له تزويج المشركة، والموحِّدة وإن كانت زانيةً لا يتزوَّجها المشرك، والله أعلم.
قولُه: «إنَّ أعلَمَ الناسِ الذي يزدادُ من علمِ الناس» .. الخ؛ الرواية في الجامع «أعلمُ الناسِ من يجمعُ علمَ النَّاسِ إلى علمِه وكلِّ صاحبِ علمٍ غَرْثَانٌ». قال العلقمي: غرثان هو بالغين المعجمة المفتوحة والراء الساكنة ثم المثلثة المفتوحة، قال في النهاية أي جائعٌ، يقال غَرَثَ يغرِثُ غَرَثًا فهو غَرْثَانٌ وامرأةٌ غَرْثَى، والمرادُ أنَّه لشِدَّة حبِّه في العلم وحلاوتِه عنده وتلذُّذه بفهمِه لا يزال طالبًا لتحصيلِه، ومن كان ذلك دأبُه يصير من أعلَمِ الناس لشدَّة تحصيلِه للفوائد وضبط الشواهد.
قولُه: «رُبَّ حاملِ علمٍ ليس بعالم» .. الخ؛ الرواية في الجامع: «رُبَّ حاملِ فقهٍ غير فقيهٍ، ومن لم ينفعهُ عِلمُه ضرَّه جهلُه، إقرأ القرآنَ ما نَهاك فإنْ لم ينهَكَ فلستَ تقرؤُه» ولم يكتُب عليه شارحُه شيئًا.
قولُه: «رُبَّ حاملِ علمٍ إلى من هو أعلمُ منه»؛ جعله البخاري بمعناه ترجمةً، حيث قال: باب قولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ربَّ مبلِّغ أوعى من سامع، وروى حديثًا طويلاً، إلى أن قال في آخره: ”ليبلِّغ الشاهدُ الغائب فإنَّ الشاهد عسى أن يبلِّغ من هو أوعَى لَهُ منهُ“. قال ابن حجر في قولِه ”رُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع“: ورُبَّ للتقليل وقد تكون للتكثير، ومبلَّغ بفتح اللام وأوعى نعت له، والذي يتعلَّق به، رُبَّ محذوف وتقديره يُوجد أو يكون. ويجوزُ على مذهبِ الكوفيين في أنَّ رُب اسم أن يكون هي مبتدأ وأوعى الخبر والمراد ”رُبَّ مبلَّغٍ أوعى“ أي أفهم لما أقولُ من سامع منِّي. والذي نحفظُه في رُبَّ أنَّ مجرورَها لا يتعلَّق بشيءٍ إنَّما هو في محلِّ نصب في نحو رُبَّ رجلٍ لقيت، وفي محلِّ رفع أو نصب على الاشتغال في نحو: رُبَّ رجلٍ لقيته، فعلى هذا يكون مجرور رُبَّ في الحديث في محلِّ رفع على الابتداء. وقولُه ليس بعالم مثلاً خبرُه، والله أعلم. (5/130)
صفحة 1747
قال ابن حجر بعد الكلام على الحديث بطوله: وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم الحثُّ على تبليغ العلم، وجواز التحمل قبل كمال الأهلية، وأنَّ الفهم ليس شرطًا في الأداء، وأنَّه يأتي في الآخر من يكون أفهم ممن تقدَّمه لكن بقلَّة. واستنبط ابن المنير من تقليل كون المتأخر أرجح نظرًا من المتقدم أن تفسير الراوي أرجح من تفسير غيره. وفي جواز القعود على ظهور الدواب وهي واقفة إذا احتيج إلى ذلك، وحمل النهي الوارد في ذلك على ما إذا كان لغير ضرورة. وفيه الخطبة على موضعٍ عالٍ ليكونَ أبلغ في إسماعِه الناس ورؤيتِهِم إياه. والمرادُ بذلك خطبتُه على ناقتِه في أيام الحجِّ.
قولُه: «إنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم يقنُت في صلاته»؛ أقولُ: ولذلك كان القنوتُ عندنا مُفسِدًا للصلاة. قال في القواعد: ولم يُجز أصحابنا الصلاة خلف من يقنُتُ فيها، أو يقول ”ولا الضالين آمين“ لأنَّهما من كلام الآدميين. لكنَّ كلام صاحب الإيضاح رحمه الله صريحٌ في جواز الدعاء في الصلاة لكن بعد تمامِ التشهُّد، حيث قال بعد رواية التشهُّد إلى قوله وأنَّ محمَّدا عبدُه ورسولُه ”تمت التحيات“ ويدعو بما فتح الله. واختلفوا في الدعاء الذي يدعو به في الصلاة. قال أصحابُنا يدعو بما في القرآن وما يشبه ما في القرآن. قال أبو غانم بشر: سألت الربيع بن حبيب وأبا المؤرج وعبد الله بن عبد العزيز هل في الدعاء في الصلاة شيءٌ موقت لا يعدُوه الداعي إلى غيره؟ قالوا: ليس في ذلك شيءٌ موقَّت غير أن أفضل ذلك أن يدعو بما في القرآن فيما يجوز له أن يدعو به، كلُّ ذلك بعد التشهد. قال أبو المؤرِّج: ولو أتى بعد التشهد بالصلاة على نبيِّه والاستغفارِ للمؤمنين. (5/131)
صفحة 1748
وقال أبو المؤرج عن أبي عبيدة قال: يسأل في صلاته العافيةَ وإصراف الضرِّ وكفِّ البلاء، ويسأله الحجَّ والجهادَ في سبيل الله، ولا يستديمُ ذلك كفعل هؤلاء في القنوت الخ. فذكر أنَّه يستعيذ من الأربع التي وردت في الحديث، ثم قال: غير أنَّ أصحابنا من أهل الجبل يزيدون بعد التشهد أشهد أنَّ الجنة حقٌّ إلى قوله وأنَّ الله يبعثُ من في القبور الخ. أقول: والمناسب أن يكون الدعاءُ بعد الصلاةِ كما فعل الشيخُ إسماعيل رحمه الله لقولِه تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبِْ} [الشرح:07] يعني فرغتَ من الصلاةِ فانصَب أي فاتْعَبْ في الدعاء، ولقوله صلَّى الله عليه وسلم: ”إنَّ صلاتنا هذه لا يصلُح فيها شيءٌ من كلام الآدميين“، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”لكلِّ شيء ثمرةٌ وثمرةُ الصلاةِ الدعاء بعدها“، والله أعلم.
قولُه: «إنَّما كان يقنُتُ شهرًا بعد الركوعِ الآخِرِ يدعو على حيٍّ من أحياء العرب»؛ وذلك أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعث إلى بئر معونة موضع ببلاد هذيل بين مكَّة وعسفان سبعين رجلاً من القرَّاء، وقيل أربعين، وقيل ثلاثين، فساروا حتى نزلوا بئر معونة فبعثوا حزام بن ملحان بكتابٍ من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى عدوِّ الله عامر بن الطفيل العامري فقتَل حزامًا فاستصرخ عليهم قبائلَ من سليم عصيَّة ورعْلاً فأجابوه إلى ذلك ثم خرجوا حتى غشَوا القومَ فأحاطوا بهم في رحالِهم فلمَّا رأوهُم أخذوا سيوفَهُم وقاتلُوهم حتى قُتِلوا إلى آخرهم إلاَّ رجُلَين رحمة الله عليهم. قال في المواهب قال ابن سعد عن أنس بن مالك: ما رأيت رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وجد على أحدٍ ما وَجَد على أصحابِ بئر معونة ثلاثين صباحًا يدعُو على رعْلٍ ولحيان وعصيَّة عصت الله ورسوله، الخ. والمراد أنَّه يدعو عليهم في صلاة الصبح لكن لما زال السببُ زال المسبب كما زال الرمل في الطواف وغير ذلك ممَّا فُعِل لسببٍ، والله أعلم. (5/132)
صفحة 1749
قولُه: «فرويناه عنه»؛ زاد في الإيضاح بعده وكذلك روي عن ابن عباس قال: كنا نصلِّي مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وما رأيتُه قنتَ قطُّ في صلاته. قال رحمه الله: وإن نسي أن يقرأ ”قل هو الله أحد“ في صلاة الغداة فإنَّه يرجع ويقرؤه ما لم يعظِّم، فإذا عظَّم فليمض على صلاته، وهذا إذا كان يصلِّي وحده. وأمَّا إذا كان إمامًا وترك قراءة ”قل هو الله أحد“ في صلاة الغداة فلا يرجع إليه لئلاَّ يخلط على الناس صلاتَهم. وإن ترك قراءته عامدًا فلا بأس عليه، وكذلك إن ترك قراءة السورة لما بلغنا عن الإمام قال: بلغني عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه وجه جيشًا أو سرية فأمَّر عليها الخ.
قولُه: «كأنَّها أذنابُ خيلٍ شمسٍ»؛ أي مانعات ظهورها. قال في الصحاح وشَمَسَ الفرَس أيضًا شُمُوسًا وشَمَاسًا أي منع ظهره هو فرسٌ شمَوسٌ وبه شَمَاسٌ الخ، وكان الفرس عند منعه ظهره يرفع ذنبه، والله أعلم.
قولُه: «رافعين أيديهم في السماء يدعون» .. الخ؛ لعلَّ المراد النهي عن رفع الأيدي كثيرًا حتى يتعدَّى به وجهه وإلاَّ فأصلُ الرفع مأمورٌ به. قال صاحب القناطر رحمه الله في آداب الدعاء: الثالث: أن يدعوَ مستقبِل القبلة رافعًا يديه بحيث يُرى بياضُ إبطيه. وذلك مرويٌّ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. وقال سليمان عليه السلام: ”إنَّ ربَّكم يستحي من عبدِه إذا رفع يديه أن يرُدَّهُما صفرًا“. (5/133)
صفحة 1750
وقال أبو الدرداء: ارفعوا هذه الأيدي قبل أن تُغَلَّ بالأغلال“. ثم ينبغي أن يمسح بهما وجهَهُ في آخر الدعاء؛ روي ذلك عن عمر عن النبي عليه السلام. وقال ابنُ عبَّاس كان إذا دعا عليه السلام ضَمَّ كفَّيه وجعل بطونهما مما يلي وجهه، ولا يرفع بصره إلى السماء. قال عليه السلام: ”لينتهينَّ أقوامٌ عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء أو لتُخطَفَنَّ أبصارهم“. الرابع: خفضُ الصوتِ بين المخافتة والجهر .. الخ. وبوَّب في البخاري لرفع الأيدي في الدعاء إلاَّ أنه لم يحضرني الآن لفظُ المتن لخرم وقع في النسخة التي عندي، ولكن تكلَّم عليه الشارح بشيءٍ كثيرٍ، من ذلك ما روي عن أبي موسى الأشعري دعا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ثم رفع يديه ورأيت بياض إبطيه. وذكر الشارح من الأحاديث الدالَّة على رفع الأيدي في الدعاء شيئا كثيرًا. وذكر عن بعضهم أنَّه لا يرفع يديه في شيءٍ من دعائه إلاَّ في الاستسقاء.
قال: وهو صحيحٌ لكن جمع بينه وبين أحاديث الباب وما في معناها بأن المنفي صفة خاصَّة لا أصل الرفع إلى أن قال: وحاصله أنَّ الرفع في الاستسقاء يخالف غيره إمَّا بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلاً، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين إلى أن قال: وأمَّا أنَّ الكفَّين في الاستسقاء يليان الأرض وفي الدعاء يليان السماء. قال المنذري: وبتقدير تعذر الجمع فجانب الإثبات أولى. قال: قلت ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك فإنَّ فيه أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء، وسرد منها النووي في الأذكار، وفي شرح المهذَّب (5/134)
صفحة 1751
جملة، وعقد لها البخاري في الأدب المفرد بابا .. الخ، فسرد في ذلك نحو أربعة عشر حديثا ثم قال: والأحاديث في ذلك كثيرة. وأمَّا ما أخرجه مسلم من حديث عمارة - إلى أن قال - إنه رآى بشير بن مروان يرفع يديه فأنكر ذلك، وقال: لقد رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وما يزيد على هذا يشير بالسبابة. فقد حكى الطبري عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره، وقال: السنَّة أنَّ الداعي يشير بإصبع واحدة. وردَّه بأنَّه إنَّما ورد في الخطيب حال الخطبة وهو ظاهرٌ في سياق الحديث، فلا معنى للتمسُّك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار بمشروعيَّته. وقد أخرج أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث سليمان رفعه ”إنَّ ربَّكم حيٌّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يرُدَّهُما صِفرًا“، بكسر المهملة وسكونِ الفاء أي خاليةً وسنده جيِّد. قال الطبري وكره رفع اليدين في الدعاء ابن عمر وجبير بن نفير. ورأى شريح رجلاً يرفع يديه داعيا فقال: من تنالُ بهما لا أمَّ لك. وساق الطبري ذلك بأسانيده عنهم. وذكر ابن التين عن عبد الله بن حاتم أنَّه نقل ذلك عن مالك: أن رفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء. قال: وقال في المدوَّنة ويختض الرفع بالاستسقاء ويجعل بطونهما إلى الأرض.
وأمَّا ما نقله الطبري عن ابن عمر فإنَّما أنكر رفعَهُما إلى حذو المنكبين وقال ليجعلهما حذو صدرِه. كذلك أسنده الطبري عنه أيضًا. وعن ابن عباس أنَّ هذه صفة الدعاء. وأخرج أبو داود والحاكم من وجه آخر قال: المسألةُ أن ترفع يديك حذو منكبَيك، والاستغفارُ أن تشير بإصبع واحدة، والابتهالُ أن تمُدَّ يديك جميعا. وأخرج الطبري من وجه آخر عنه قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه. وقد صحَّ عن ابن عمر خلاف ما تقدَّم أخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق القاسم بن محمد: رأيت ابن عمر يدعو عند القاص يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه باطنهما مما يليه وظاهرهما مما يلي وجهه. (5/135)
صفحة 1752
قولُه: «أقام في بعض غزواتِه في قريةٍ يقصر الصلاة»؛ يعني من غير حدٍّ في ذلك، خلافًا لمن زعم أنَّ من نوى إقامة أيامٍ لزمه التمامُ، وقد تقدَّم الكلام على ما يتعلَّق بالقصر في حديث الربيع عن ابن عمر.
قولُه: «صَلَّى الظهر بالمدينة وصلَّى العصر بذي الحليفة ركعتين»؛ وبينهما في القياس والتقدير خمسةُ أميالٍ إلى ستَّة، جزم في الإيضاح بأنَّ الذي بينهما فرسَخان، والفرسخُ ثلاثةُ أميالٍ حيثُ قال: وحدُّ السفر الذي يجوزُ فيه القصرُ فرسخان، لما رُوي أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم إذا خرج حاجًّا أو غازيا صلَّى صلاة القصر بذي الحليفة وبينهما فرسخان، وما روي أنه صلَّى الله عليه وسلَّم خرج ذات يوم ومعه أصحابُه حتى إذا صار في ذي الحليفة فصلَّى بهم ثم رجع فسُئل عن ذلك فقال أردتُ أن أعلِّمَكم صلاةَ السفر أو قال حدَّ السفر. وعلى هذا اتَّفق علماؤُنا رحِمهم الله، ولم يأخذوا بقول من قال ثلاثة أيَّام. والفرسخُ عندهم اثنا عشَرَ ألفَ ذِراعٍ، وهو ثلاثةُ أميالٍ الخ. ولم يأخذوا أيضًا بقول من قال ثمانية وأربعون ميلاً وهم المالكية. والمناسِب لصاحب الإيضاح أن يقول: وحدُّ السفر الذي يجب القصر .. الخ، لأنَّ القصر عندنا في السفر واجبٌ، على أنَّ بعض أصحابنا يقول الركعتان في السفر ليستَا قصرًا إنَّما القصرُ واحدة عند الخوف، اللَّهم إلاَّ أن يقال أراد بالجائز ما ليس بممتنع فيصدق بالواجب، والله أعلم.
قولُه: «لا يجبُ الصومُ على من لم يُبيِّته بالليل»؛ لعلَّ هذا في النوافل، وأمَّا الحديث العامُّ الشاملُ للفرض والنفل ممَّا رواه صاحب الإيضاح وصاحب القواعد رحمهما الله من قولِه عليه السلام ”لا صومَ لِمَن لم يُبيِّت الصيام من الليل“ وفي بعض الروايات ”لا صيام لمن لم يُبيِّت الصيام من الليل“ قال في الصحاح: وذلك من العزم والقطعِ بالنِّيَّة. (5/136)
صفحة 1753
وقال في بيَّت: وبيَّت أمرًا أي: دبَّره ليلاً، ومنه قوله تعالى: {إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} الخ [النساء:108] ففي هذا دليلٌ لقول أصحابنا أنه لا يجوز صيام فرضٍ ولا نفلٍ إلاَّ بتبييت النيَّة من الليل قبل طلوع الفجر وبه قال مالك. وذهب الشافعي إلى إجازتها بعد الفجر لصوم النفل دون الفرض. وذهب أبو حنيفة إلى جوازها بعد الفجر في كل فرض متعيِّن وقته مثل رمضان أو نذر أيام معدودة.
قولُه: «أخوَفُ ما أخاف على أمَّتي الشهوة الخفية» .. ؛ الحديث استدلَّ به في القواعد لما ذهب إليه أصحابُنا من أنَّ من عزم عليه في النهار في صوم التطوُّع فأفطَر يقضي يومًا مكانه وهو مذهب ابن عباس وابن عمر، وبه قال مالك وأبوحنيفة. وكذلك كلُّ تطوع أفسده بعد ما دخل فيه من صلاةٍ أو حجٍّ فإنَّه يجب عليه قضاؤُه عند أصحابنا. وذهب بعضُهم إلى أنَّه لا قضاء عليه لأنَّ الله أعدلُ من أن يؤاخذ أحدًا بما لم يفترض عليه. قال في القواعد: وزعم ابن رشد من فقهاء قومنا أنَّ من دخل في الحجِّ والعمرة تطوُّعًا ثم أفسده أنَّ عليه القضاء. وأنَّهم أجمعوا على أنَّ من خرج من صلاة التطوُّع أنَّه ليس عليه قضاء. فتردَّد الصومُ بين الصلاة والحجِّ فمن شبَّهَهُ بالحجِّ قال عليه القضاء، ومن شبَّهَه بالصلاة قال لا قضاء عليه. والصحيحُ عندنا أنَّ كلَّ تطوُّع أفسده بعد الدخول فيه أنَّ عليه قضاء. وسبب الخلاف أيضًا اختلاف الأحاديث في ذلك. ووافق أصحابنا على ذلك أبو حنيفة لقوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33]. قال في القواعد: وذُكر عن سعيد بن جبير أنَّه دعي إلى طعامٍ فقيل له عزمتُ عليك إلاَّ أفطرتَ، فقال لإن تختلِفُ الخناجر في بطني أحبُّ إليَّ من أن أفطر. (5/137)
صفحة 1754
قالوا: وإن فعل ذلك وهو عالمٌ بما عليه كان عليه الإثمُ مع القضاء. وزعم أنَّ بعض قومنا يقولون: إذا أقسم عليك أخوك المسلمُ فبرَّ قسَمَه وأفطِر واقضِ يومًا مكانه. روي ذلك عن الحسن وغيره. وأمَّا إذا استثنى عند أصحابنا في صوم التطوُّع فإنَّه يُصيبُ استثناءَه ويُفطر ما لم ينتصِف النهار، وإذا انتصف فلا يفطر، والله أعلم وأحكم.
قولُه: «لا تقدِّموا بين يَدَي الله ورسوله»؛ قال البيضاوي أي لا تقدِّموا أمرًا فحُذف المفعول ليذهب الوهم إلى كلِّ ما يمكن، أو ترك لأنَّ المقصود نفي التقديم رأسًا. ولا تقدِّموا ومنه مقدمة الجيش لمتقدميهم، ويؤيِّده قراءة يعقوب «لا تَقَدَّموا»، وقُرئ «لا تَقدِمُوا» من القدُوم بين يدي الله ورسوله مستعارٌ ممَّا بين الجهتين المسامتتين ليَدَي الإنسانِ تهجينًا لما نُهوا عنه؛ والمعنى لا تقطعوا أمرًا قبل أن يحكما به. وقيل: المرادُ بين يَدَي رسول الله، وذُكر الله تعظيمًا له وإشعارًا بأنَّه من الله بمكانٍ يوجب إجلاله.
قولُه: «نزَلَتْ بقومٍ ذبحوا يومَ النَّحر قبل أن يُصلِّي النبيءُ صلَّى الله عليه وسلَّم»؛ هذا مذهب الحسن والشعبي. قال البغوي: وذلك أنَّ ناسًا ذبحوا قبل صلاة النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم فأمرهم أن يُعيدوا الذبح، إلى أن قال: عن الشعبي عن البراء قال: خطبَنَا النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم يوم النحر قال: إنَّ أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلِّي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنَّتَنَا ومن ذبح قبل أن يصلِّي فإنَّما هو لحمٌ عجَّلَه لأهله ليس من النُّسُك في شيءٍ. وروى مسروقٌ عن عائشة أنَّه في النهي عن صوم يومِ الشكِّ أي ”لا تصومُوا قبل أن يصُومَ نبيُكُم“، إلى أن قال: وقال قتادة: نزلَت الآيةُ في ناسٍ كانوا يقولون لو أُنزِل في كذا وصَنَع في كذا، فكره الله ذلك. (5/138)
صفحة 1755
وقال مجاهد: لا تعلنُوا على رسول الله عليه السلام بشيءٍ حتى يقضيَهُ الله على لسانه. وقال الضحَّاك: يعني في القتال وشرائع الدين لا تقضُوا أمرًا دون الله ورسوله.
قولُه: «من كذَب عليَّ متعمِّدا فليتبوَّأ مقعده من النار»؛ تقدَّم الكلامُ عليه في باب إثمِ من كذَب على النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم متعمدًا. (5/139)
صفحة 1756
*الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد رضي الله عنه
عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم*
*في الإيمان والنفاق* (5/140)
صفحة 1757
[صفحة لم ترقن] (5/141)
صفحة 1758
قولُه: «لا تقومُ الساعةُ حتَّى يسودَ كلَّ أمَّةٍ منافِقُوها»؛ رُوي في الجامع الصغير في مثل هذا أحاديثٌ وهي: قوله: ”لا تقومُ الساعةُ حتى يتباهى الناس في المساجد“، «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض اللهُ اللهُ“، ”لا تقوم الساعة إلاَّ على أشرار الناس“، ”لا تقوم الساعةُ حتى يكونَ أسعَدَ الناس بالدنيا لَكِعُ بنُ لَكِع“، ”لا تقوم الساعةُ حتَّى يمرُّ الرجلُ بقبر الرجل فيقولُ يا ليتني مكانَه“، ”لا تقومُ الساعةُ حتَّى لا يُحجَّ البيت“، ”لا تقومُ الساعةُ حتَّى يُرفع الركُنُ والقرآن“، ”لا تقومُ الساعةُ حتَّى يخرج سبعون كذَّابا“، ”لا تقومُ الساعةُ حتَّى يكونُ الزهدُ روايةً والورعُ تصنُّعًا“. ومعنى يسودُ يصيرُ سيِّدًا، وقال في الصحاح: سادَ قومَه يَسُودُهُم سيادَةً وسؤدَدًا وسيدُودَة فهو سيِّدُهم الخ. والمرادُ بالأمَّة الجماعةُ، قال في الصحاح: والأمَّة الجماعَةُ، قال الأخفش هو في اللفظ واحدٌ وفي المعنى جمعٌ وكلُّ جنسٍ من الحيوان أمَّة الخ.
قولُه: «لا يُستَخَفُّ بِحَقِّهِم»؛ أي: لا يُهينُهم، قال في الصحاح واستخَفَّه خلافَ استثْقَلَه واستخفَّ به أهانَه الخ. (5/142)
صفحة 1759
قولُه: «ذو الشيبة»؛ يعني في الإسلام.
قولُه: «خصلتان لا تجتمعان في منافق» .. الخ؛ قال العلقمي: قال شيخُنا قال الطيبي: ليس المرادُ أنَّ واحدة منهُما تحصُل في المنافق دون الأخرى بل هو تحريضٌ للمؤمن على اتِّصافه بهمَا معًا والاجتناب عن ضدِّهما، فإنَّ المنافق من يكون عاريًا منهُمَا، وهو من باب التغليظ. ونحوُهُ قولُه تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لاَ يُوتُونَ الزَّكَاةُ} [فصِّلت:06،07]، وليس مِن المشركين من يزكِّي لكنَّه حثٌّ للمؤمنين على الأداءِ وتخويفٌ عن المنع، حيث جعله من أوصافِ المشركين. إلى أن قال: وفي الفائق للزمخشري حُسنُ السمتِ أخذُ النهجِ ولزُومُ المَحَجَّة. قيل لِكلِّ طريقةٍ ينهجُها الإنسانُ في تحرِّي الخيرِ والتزيِّي بزيِّ أهلِ الخير سِمْتٌ. وفي النهاية وقيلَ هوَّ من السَّمْتِ بمعنى الطريق، يقال إلزَم هذا السمت، وفلانٌ حسنُ السَّمْت، أي حسَنُ القصد. وقال التوربشتي: حقيقةُ الفقه في الدين ما وقع في القلب ثم ظهر على اللسان، فأفاد العلم وأورث الخشية والتقوى. فأمَّا ما يتدارس المغرور به فإنَّه بمعزلٍ عن الرتبة العظمى لأنَّ الفقه تعلَّق بلسانِه دون قلبه.
قولُه: «وقيل لجابرِ بنِ زيدٍ: أتخافُ النفاقَ؟ فقال: وكيفَ لا أخافُه وقد خافَهُ عمرُ بن الخطاب»؛ قال في البخاري: باب ”خوفُ المؤمن أن يُحبَط عملُه وهو لا يشعر“: وقال إبراهيم التميمي: ما عرضتُ قولي على عملي إلاَّ خشيتُ أن أكون مكذِّبا. وقال ابن أبي مليكة: أدركتُ ثلاثين من أصحابِ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم كلُّهم يخافون النفاق على نفسه، ما منهم أحدٌ يقولُ إنَّه على إيمان جبريل وميكائيل“. ويُذكر عن الحسن ما خافه إلاَّ مؤمنٌ ولا أمِنَهُ إلاَّ مُنافِقٌ وما يحذر من الإصرار على المتثاقل والعصيان من غير توبة، لقوله: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:135]، إلى أن قال: (5/143)
صفحة 1760
إنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ”سبابُ المسلم فسوقٌ وقتالُه كفرٌ“ .. الخ. وكتب ابن حجر على قول ابن أبي مليكة: ”أنَّه أدرك ثلاثين من أصحاب النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم“ .. الخ ما نصُّه: وقد جزم بأنَّهم كانوا يخافون النفاق من الأعمال ولم ينقل عن غيرهم خلافُ ذلك فكأنَّه إجماعٌ، وذلك لأنَّ المؤمنَ قد يعرِضُ له في عمَلِه ما يشوبُه ممَّا يُخالف الإخلاص. ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعُهُ منهم، فإنَّ ذلك على سبيل المبالغة في الورع والتقوى رضي الله عنهم. وقال ابن بطال: إنَّما خافوا لأنَّهم طالت أعمارُهم حتى رأوا من التغيير ما لم يعهَدُوه ولم يقدِرُوا على إنكارِهم فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسكوت. قال قولُه: ”ما منهم أحدٌ يقول إنَّه على إيمانِ جبريل وميكائيل“ أي لا يجزم أحدٌ منهم بعدم عرُوضِ النفاق له كما يجزم بذلك في إيمان جبريل .. الخ.
قولُه: «قال أن تتكلَّم بالإسلامِ ولا تعمَلَ به»؛ هذا يدلُّ لما اختاره الشيخ إسماعيل رحمه الله حيث قال: فمن أثبتَ النفاق في الأفعال لمخالفتها الأقوال فهو أقربُ إلى الحجَّة والمحجَّة إن شاء الله لأنَّهم استدلُّوا بظاهر هذه الآية: قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} ... الآية [النساء:88] قال: واستدلَّ من شرَّكهم بقول الله تعالى: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ} ... الآية [التوبة:75]، إلى قوله: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمُو} ... الآية [التوبة:77]. إلى أن قال: والذين قَضَوا بأنَّ النفاق في الضمير تعسَّفُوا لأنَّهم لا يصلُون إلى الاعتقادات إلاَّ بنصوص الشارع، والذين قَضَوا بهذا قد أبعدوا عن أنفسهم أسباب الشرك، لكنَّهم هدمُوا قاعدة الخوفِ وسهَّلوا الطريق إلى الجنة. والذين قالوا إنَّه في الأفعال عظَّمُوا أسباب الخوف فهُم أحزَمُ، وهو الصحيحُ إن شاء الله. (5/144)
صفحة 1761
ولا يستحيل تصرُّفُه في الوجهين جميعًا، وقد استفاض الحديث بذكر النفاق في الأقوال والأفعال كقولِه عليه الصلاة والسلام: ”أربعٌ من كنَّ فيه فهو منافقٌ حقًّا وإن صام وصلَّى وزعم أنَّهُ مسلمٌ“، ”من إذا حدَّثَ كذب، وإذ أؤتُمِن خان، وإذا وَعَدَ أخلف، وإذا خاصَمَ فَجَر“، وهو حديث صحيح عند الفريقين. وقال عليه الصلاة والسلام: ”أكثرُ منافِقِي هذِّه الأمَّة قُرَّاؤُها“ إلى آخر ما أطال فيه رحمه الله.
قولُه: «أولئك كانَ ذنبُهُم يومئذٍ مغفورًا وحسناتُهُم مقبولة»؛ يُتأمل ما معنى هذا الكلام مع قولِ الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُو خَادِعُهُم} .. الآية [النساء:142]، وقولِه: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} .. الآية [النساء:145] اللَّهم إلاَّ أن يُقال المرادُ أنَّ أولئك منهُم التائبُون لقولِه تعالَى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للهِ} .. الآية [النساء:146]، بخلاف المنافقين الذين بعد زمانِه صلَّى الله عليه وسلَّم فإن غالبهم لا يتوبُون بل يعتقدُون ضلالَتَهُم دينًا كما هو معلومٌ، فصاروا أشدَّ من هذه الجهة. ولأنَّ أولئك إذا تابوا من نِفاقِهم غفَر الله ذنوبهم وتقبَّل منهم لأنَّ ذنبهم إنَّما كان بينَهُم وبين الله بخلافِ المنافقين بعد ذلك فإنَّ غالِبَهُم غارقٌ في تَبَاعات المسلمين ولا تنفع التوبةُ من غير ردِّ المظالم، والله أعلمُ بمرادِه رحمه الله.
قولُه: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه فهو منافقٌ حقًّا» .. إلخ؛ قال البخاري: بابُ علامةِ المنافق ... إلى أن قال: عن أبي هريرة عن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ”آيةُ المنافقِ ثلاثٌ إذا حدَّث كذب، وإذا وَعَد أخلف، وإذا أؤتُمِن خان“. إلى أن قال: عن عبد الله بن عمر أنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ”أربعٌ من كنَّ فيه كانَ منافقًا خالصًا، ومن كانت فيهِ خصلةٌ منهنَّ كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يَدَعَها إذا أؤتُمِنَ خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهَدَ غَدَر، وإذا خاصَم فَجَر“. (5/145)
صفحة 1762
وكَتب ابن حجر على الحديث الأوَّل ما نصُّه: قيل ظاهرُه الحصرُ في الثلاث، فكيف جاءَ الحديث الآخر بلفظ ”أربعٌ من كنَّ فيه“ ... الحديث؟. أجاب القرطبي: باحتمال أنَّه استجدَّ له صلَّى الله عليه وسلَّم من العلم بخصالِهم ما لم يكن عندَه إلى أن قال: على أنَّ في رواية مُسلم من طريق العلي بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ما يدلُّ على إرادة عدمِ الحصرِ، فإنَّ لفظه ”من علاماتِ النفاقِ ثلاثٌ“ إلى أن قال: وإذا حُمِل اللفظُ الأوَّل على هذا لم يرد السؤال، فيكون قد أخبر ببعضِ العلامات في وقتٍ وببعضها في وقت آخر. قال القرطبي أيضًا والنووي: مجموعُ الروايتين خمسُ خصالٍ لأنَّهما تواردتا على الكذبِ في الحديثِ، والخيانةِ في الأمانة، وزاد الأوَّل الخَلْفُ في الوعد، والثاني الغدرُ بعد المعاهدة، والفجورُ في الخصوم. إلى أن قال: ووجه الاقتصار على هذه العلامات الثلاثِ أنَّها منبِّهة على ما عداها، إذ أصلُ الديانة منحصرٌ في ثلاث: القولُ والفعلُ والنيَّة؛ فنبَّه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النيَّة بالخَلْفِ، لأنَّ خَلْفَ الوعد لا يقدح إلاَّ إذا كان العزمُ عليه مقارنا للوعد.
أمَّا لو كان عازمًا ثم عرض له مانعٌ أو بدا له رأيٌ فهذا لم يُوجد فيه صورةُ النفاق، قاله الغزالي في الإحياء، وفي الطبراني من حديث طويلٍ ما يشهدُ له. ففيه حديث سليمان إذا وعد وهو يحدِّث نفسه أن يخلف، وكذا قال في باقي الخصال، وإسناده لا بأس به، إلى أن قال: في حديثٍ آخر بلفظِ ”إذا وَعَدَ الرجل أخاه ومن نيَّتِه أن يفيَ له ولم يفِ فلا إثم عليه“.
قولُه: «وإذا وَعَدَ أخلَف»؛ قال ابن حجر: قال صاحب المحكم يُقال وعدتهُ خيرًا، ووعدتُه شرًّا، فإذا أسقطوا المفعول قالوا في الخير وعدتُه وفي الشرِّ أوعدتُه. وحكى ابن الأعرابي في نوادره: أوعدتُه خيرًا بالهمزة، فالمرادُ بالوعدِ في الحديث الوعدُ بالخير، وأمَّا الشرُّ فيستحب إخلافه وقد يجب ما لم يترتَّب على ترك إنفاذِه مفسدةٌ. (5/146)
صفحة 1763
وأمَّا الكذبُ في الحديث فحكى ابن التين عن مالك أنَّه سُئل عن من جرَّب عليه كذب، فقال: أيُّ نوعٍ من الكذب؟ لعلَّه حدَّث عن عبش له سلف فبالغ في وصفه، فهذا لا يضرُّ وإنَّما يضرُّ من حدَّث عن الأشياء بخلافِ ما هي عليه قاصدًا للكذب .. الخ. ومثلُه كلامُ الإيضاح حيث قال: وصفُه الكذب الذي ينقض الوضوء أن يُخبِر عن الشيء بخلاف ما هو به بإرادة منه لذلك من غير إكراهٍ، لكن بشرط أن يكون اعتقادُه موافقًا لظاهرِ قولِه، وذلك لأنَّ التقيَّة في ذوي الأرحام والجارِ والصاحِب جائزةٌ، ويظهر إليه الجميل والدعاء - إلى أن قال- والمعنى في ذلك لغيره .. الخ.
قولُه: «والمختلعة التي تفتدي بمالها» ... الخ؛ يعني من غير عذرٍ. قال العلقميُّ في شرح الجامع: ”إنَّ المختلعات والمنتزعات“ ... الخ يعني اللاتي يطلبن الخلعَ والطلاقَ من أزواجهنَّ من غير عذرٍ. يعني وأمَّا العذر فجائزٌ، وقد ورد به القرآن؛ قال الله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمُو أَن تَاخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} - إلى أن قال - {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا اَفْتَدَتْ بِهِ} ... الآية [البقرة:229]. وقد تقدَّم الكلامُ على أوَّل خلعٍ في الاسلام على يده صلَّى الله عليه وسلَّم، وبوَّبوا له في كتب الفقه بابًا واسعًا، وذكروا أنَّه لا يحلُّ للرجل أن يأخذ في الفداء على زوجته فيما بينه وبين الله أكثر ممَّا جعل لها. وله أن يحسب عليها جميع ما توقَّف عليه نكاحُها من هدية وصداقٍ عاجل وآجل كما هو مبيَّن في محلِّه. قال أبو زكريا رحمه الله: ولا يجوز الفداءُ إلاَّ بالنشوز، ومنهم من يُجيزه بنشوزٍ وبغير نشوز. أقول: والخلع الذي وقع في زمانه صلَّى الله عليه وسلَّم يدلُّ على أنَّه وقع من غير نشوزٍ، فإنَّ تلك الزوجة كانت عند زوجها من أحبِّ الناس إليه، ويُناسب القول الأوَّل قولُه في الديوان: وقد قيل إنَّه لا يقع الفداء بين الزوج والمرأة إلاَّ وقد كفر أحدُهما، والله أعلم. (5/147)
صفحة 1764
*في العلم والعمل الصالح* (5/148)
صفحة 1765
[صفحة لم ترقن] (5/149)
صفحة 1766
[صفحة لم ترقن] (5/150)
صفحة 1767
[صفحة لم ترقن] (5/151)
صفحة 1768
[صفحة لم ترقن] (5/152)
صفحة 1769
قولُه: «لئن كُنتَ أوجَزْتَ في المسألة فقد أَعظَمْتَ وطوَّلت»؛ يعني بالنظر إلى ما تطلُبُ لأنَّ الذي يُنجِّي من جهنَّم ويُدخل الجنة يتوقَّف على أمورٍ (5/153)
صفحة 1770
كثيرةٍ لابُدَّ من الإتيان بها، وقد بيَّن له صلَّى الله عليه وسلَّم معظَمَها، وهي الخصال التي بُنِي الإسلامُ عليها، كما ورد في الحديث فإنَّها تتضمَّن في الحقيقة جميع خصال الدين، لأنَّ الإنسانَ لا يُسمَّى مُقيم الصلاة إلاَّ وهو ممتثلٌ لجميع ما أمر به، وتاركٌ لجميع ما نُهي عنه، لذلك قال عمر رضي الله عنه: ”المصلُّون كثيرٌ والمقيمُون قليلٌ“. وهذا السائل زادَه النبيءُ صلَّى الله عليه وسلَّم ما يتضمَّن الولاية والبراءة لأنَّهما من أحبِّ الأعمال إلى الله. كما ورد أنَّ الله عزَّ وجلَّ قال لموسى عليه السلام: يا موسى هل واليتَ لي وليًّا أو عادَيتَ لي عدوًّا“، والله أعلم.
قولُه: «يقولُ لو لم يجتنبها لم يقُم عليها الدين»؛ يعني أنَّ هذا السائل يعلم أنَّ الدين لا يقومُ ولا يصِحُّ على عمل المحارم أي مع عملها، فلا معنى للسؤال عنها، والله أعلم.
قولُه: «تعلَّمُوا ما شئتم أن تتعلَّمُوا»؛ روى في الجامع في مثل هذا روايات منها: ”تعلَّموا العلمَ وتعلَّموا للعِلمِ الوَقار“، ”تعلَّموا العلمَ وتعلَّموا للعلمِ والسكينةِ والوقارِ وتواضعُوا لمن تتعلَّمون منه“، ”تعلَّمُوا ما شئتُم أن تتعلَّمُوا فلن ينفعكُم الله حتَّى تعملوا بما تتعلَّمون“، ”تعلَّموا من العلم ما شئتُم فوالله لا تُؤجَرُوا بجميعِ العلمِ حتَّى تعملُوا“ فلم يكتب شارحه عليها شيئًا إلاَّ على قوله السكينةُ والوقارُ. قال: قال شيخنا قال: صاحب الغريبين هي السكون والطمأنينة، وقيل الرحمة، وقيل الوقارُ وما يسكنُ به الإنسان. زاد في المشارق مخفَّفة الكاف هذا هو المعروف. وحكي الحربي عن بعض اللغويين فيها التشديد. وذكر عن الفراء والكسائي. قوله: ”والوقارُ، قال الجوهري: الوقارُ الحلم والرزانة وقد وقَرَ الرجل يَقِرُ ووَقَرَه إذا ثبت فهو وقُورٌ“. (5/154)
صفحة 1771
قولُه: «مِن سُحْتٍ»؛ قال البيضاوي السُّحتُ الحرامُ، كالرشوة من سَحَتَه إذا استأصَلَه لأنَّه مسحوتُ البركة ... الخ. وقال في الصحاح السُّحتُ والسَّحتُ الحرامُ، وقد أسحَتَ الرجلُ في تجارته إذا اكتَسبَ السُّحتَ وسَحَتَه وأسْحَتَه إذا استأصَلَه، وقُرئ: {فَيَسْحَتَكُمْ بِعَذَابٍ} [طه:61]، ومالٌ مسحوتٌ ومُسْحَتٌ أي مُذْهَبٌ ... الخ.
قولُه: «بِمِِشْرَبةٍ من لبنٍ»؛ يعني بكسر الميم. قال الجوهري: والمِشربةُ بالكسرِ إناءٌ يُشرب فيه، والمَشربةُ بالفتح الغَرْفَةُ، وكذلك المَشرُبة بضمِّ الراء ... الخ.
قولُه: «فيسأل عن مرعاها فإذا وجدَهُ حلالاً يشربُ» ... الخ؛ ونظير هذا ما ذكره الشيخ إسماعيل رحمه الله في القناطر فيما يتعلَّق بالشبهة والتورُّع عنها، حيث قال بعد كلامٍ ما نصُّه: وقد قال بعض العلماء ردُّ درهمٍ من الشبهة أحبُّ إليَّ من أن أتصدَّق بمائة ألفٍ ومائةِ ألفٍ حتَّى بلغ ستمائة ألف. ويقال اجتمعَ الفضيل وابن عُيَيْنة وابنُ المبارك عند وهيب بن الورد بمكَّة فذكروا الرُّطَب فقال وهيب: هو من أحبِّ الطعام إليَّ إلاَّ أنِّي لا آكله لاختلاطِ رُطَبِ مكَّة ببساتين زبيدة وغيرها، فقال ابن المبارك: إن نظرتَ في مثل هذا ضاق عليك الخبز، قال: وما سببُه؟ قال: إن أصول الضياع قد اختلطت بالصوافي فغشي على وهيبٍ، فقال سفيان: قتلتَ الرجل. فقال ابن المبارك: ما أردتُ إلاَّ أن أهوِّن عليه، فلمَّا أفاق قال: لله عليَّ أن لا آكل خبزًا أبدًا، فكان يشرب اللبن فأتته امرأةٌ بلبنٍ فسألها فقالت: هو من شاة بني فلان، فسأل عن ثمنِها وأنَّه من أين لهم فذكرت فلمَّا أدناه من فيه قال: بقى أنَّها من أين كانت ترعى فسكتت، فلم يشرَبهُ قال: لأنَّها كانت ترعى من موضعٍ للمسلمين فيه حقٌّ، فقالت له أمُّه: إشرب يغفر الله لكَ، فقال: ما أحبُّ أن يغفر لي وقد شربتُه فأنال مغفرتَه بمعصيته. والله أعلم. وسمعت أنَّ بعض العلماء بالجزيرة رحمه الله كان لا يشرب من لبن غنمِها معتذرًا بأنَّها ترعى في أموال المسلمين فتأكُل الحرام. ورأيتُ في بعض كُتُب أصحابنا المشارقة ولا أستحضره إلاَّ أنَّهم اختلفوا في لبن الماشية إذا رعت أموال الناس هل يجوز شربُه أو لا؟ (5/155)
صفحة 1772
والظاهر أنَّ من أجازه يرى أنَّه لا ضرر في ذلك لتعلُّق الضمان بصاحبها، واللَّبنُ على حاله من الإباحة، ومن تورَّع عن ذلك يرى أنَّ ما جرَّ الحرام حرامٌ، والله أعلم.
قولُه: «إذا ظهرت البدع في أمَّتي» ... الحديث؛ لفظُه في الجامع: ”إذا ظهرت البدعُ ولعَنَ آخرُ هذه الأمَّة أوَّلَها فمن كان عنده علمٌ فلينشُره، فإنَّ كاتم العلم يومئذٍ ككاتم ما أنزل الله على محمَّد“. وفيه حديثٌ آخر: ”أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعةٍ حتى يدع بدعته“. قال الشارح: قال شيخنا: البدعةُ ما لم يكن في زمانه صلَّى الله عليه وسلَّم. وقال في النهاية: البدعةُ بدعتان: بدعةُ هوى وبدعة ضلال، وكلُّ من كان فيه خلاف ما أمر الله به ورسوله فهو في حيَّز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه أو حضَّ عليه أو رسولُه فهو في حيِّز المدح، وما لم يكن له مثال كنوعٍ من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة. وقال شيخ شيوخنا: البدعة أصلُها على غير مثال وتطلق في الشرع على مقابلة السنَّة فتكون مذمومة، وإنَّها إن كانت ممَّا يندرج تحت مستقبح في الشرع فهذه مستقبحة، وإن كانت ممَّا يندرج تحت مُستحسن في الشرع فهي حسنةٌ، وإلاَّ فهي من أقسام المباح. قال: قلت وهي معنى كلام صاحب النهاية. وقال ولي الله النووي: البِدعةُ بكسر الباء في الشرع هي إحداثُ ما لم يكن في عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهي منقسمة إلى حسنةٍ وقبيحة. قال: وقال ابن عبد السلام في آخر القواعد: البدعةُ منقسمة إلى واجبة ومحرَّمة ومندوبة ومكروهة ومباحة. قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبةٌ، أو في قواعد التحريم فهي محرَّمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة. وللبدع الواجبة أمثلةٌ منها: الاشتغال بعلم النحو الذي يُفهم به كلام الله تعالى وكلام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وذلك واجبٌ لأنَّ حفظ الشريعة فرضُ كفاية فيما زاد على المتعين ولا يتأتى حفظها إلاَّ بذلك، وما لا يتمُّ الواجبُ إلاَّ به فهو واجب. (5/156)
صفحة 1773
الثاني: حفظ غريب الكتاب والسنَّة من اللغة. الثالث: تدوين أصول الفقه. الرابع: الكلام في الجرح والتعديل وتمييز الصحيح من السقيم. وقد دلَّت قواعد الشريعة على أنَّ حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعين ولا يتأتى ذلك إلا بما ذكرناه. وللبدع المحرمة أمثلة: منها مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسِّمة. والردُّ على هؤلاء من البدع الواجبة. وللبدعُ المندوبة أمثلةٌ منها إحداث الربط والمدارس وكل إحسانٍ لم يُعهد في العصر الأول. ومنها التراويح والكلام في دقائق التصوُّف وفي الجدل. ومنها جمع المحافل في الاستدلال على المسائل إن قصد بذلك وجه الله تعالى. وللبدع المكروهة أمثلةٌ كزخرفة المساجد وتزويقِ المصاحف. وللبدع المباحة أمثلةٌ منها المصافحةُ عقب الصبح والعصر. ومنها التوسُّع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن الطيالسة وتوسيع الأكمام. وقد يختلف في بعض ذلك فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة ويجعله آخرون من السنن المفعولة في عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فما بعده، وذلك كالاستعاذة في الصلاة والبسملة. هذا آخر كلامه، أعني كلام الشيخ بن عبد السلام. قال النوويُّ أيضًا: روى البيهقي في مناقب الشافعي عن الشافعي قال: المُحدَثَاتُ من الأمور ضربان؛ أحدهما: ما أُحدِث ممَّا يخالف كتابًا أو سنَّة أو آثارًا أو إجماعًا فهذه الضلالة. والثاني: ما أُحدِثَ من الخير لا خلاف فيه لواحدٍ من هذا، وهذه مُحدَثَة غير مذمومة. (5/157)
صفحة 1774
وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام رمضان ”نِعمَت البدعة هذه“، يعني أنَّها مُحدَثَة لم تكن، فإذا كانت فليس فيها ردٌّ لما مضى. هذا آخر كلام الشافعي. انتهى كلام النووي، إلى أن قال: والمرادُ حينئذ من الحديث البدعة المذمومة وهو محمولٌ على المداوم على بدعته حتى يتوبَ، أو من باب الزجر والتنفير عن هذا الفعل المذموم.
وهذا على ما كتبه على قوله: ”أبى الله أن يقبل عمَلَ صاحِبِ بدعة حتى يدع بدعته“.
قولُه: «على العالم أن يُظهِر عِلمَه»؛ نظيرُه في حديث الجامع: ”فمن كان عنده علمٌ فلينشُرهُ“، قال شارحه: أي إذا انتقص المتأخِّر أوَّل هذه الأمَّة وجبَ على من يعلم فضل الأوَّل ومالَه من المناقب الحسنة والآثار الحميدة أن ينشر ذلك بين العامَّة والخاصَّة، ليعرف الجاهل فضل المتقدِّم وينزجر عن قوله القبيح، ويبيِّن للناس ما أصَّلُوه من الدين وأحكامه، وما قال سيِّدُ الخلق صلَّى الله عليه وسلَّم من قوله: ”خيركُم قرني ثم الذين يلونهم إلى أن عدَّ ثلاثًا أو أربعًا“.
قولُه: «لا يُقبَل منه صرفٌ ولا عدلٌ»؛ تقدَّم الكلامُ عليه في أوَّل الجزء الثالث. والجمهورُ على أنَّ المراد بالصرف الفريضة وبالعدل النافلة.
قولُه: «المرجئة يهودُ أهل القبلة لأنَّهم بوَّأُوا أهل المعصية الجنَّة»؛ أي لادِّعائِهِم الخروج من النارِ، وكذلك من قال بقولهم وهُم الأشاعرة، فإنَّهم أشبهوا اليهود من أربعة أوجهٍ: فإنَّهم قالوا: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلآ أَيَّامًا مَّعْدُودَة} [البقرة:80]، وزعموا أنَّهم يرون ربَّهم عيانًا، وقالوا: {مَآ أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيءٍ} [الأنعام:91]، يعني حقيقةً لأنَّهم يزعمون أنَّ الذي نزل ليس بقرآنٍ حقيقةً، قالوا: لأنَّه اسم للمعنى القائم بالنفس، تعالى أن يقوم به شيءٌ فيكون محلاًّ للأشياء. قالوا: وتسمية الألفاظ قرآنًا مجازٌ من تسمية الدال باسم المدلول. والرابع أظنُّ أنَّه قولُهم: ”الإيمانُ قولٌ بلا عمل“، وهذا ألزم من قولهم في مرتكب الكبيرة كالزاني وشارب الخمر مثلاً إنَّه مسلمٌ، فبطل بذلك قولُهم في البدء ”الإيمانُ قولٌ وعمل“، فقد خالفوا المرجئة في اللفظ ووافقوهم في المعنى. وقد تقدَّم الكلام على هذا في الحجَّة على من قال ”الإيمانُ قولٌ بلا عمل“. (5/158)
صفحة 1775
قولُه: «فما أتاكم عنِّي من حديث» ... الخ؛ قال: في الموجز بعد أن ذكر أنَّ الأحاديث التي يُخالِف ظاهرها نصَّ القرآن إذا كانت صحيحةًً تُحمل على موافقة القرآن لا على مخالَفَته ما نصُّه: وقد جاء عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ورجلاه تخطان في الأرض أنَّه قال: ”أيُّها الناسُ لا تُمسِكوا عنِّي شيئًا فإنِّي لا أُحلُّ إلاَّ ما أحلَّ القرآنُ ولا أحرِّم إلاَّ ما حرَّم القرآن، وكيف أُخالِفُه وبه هداني الله“. وروي عن علي ابن أبي طالب أنَّه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”إذا جاءكم عنِّي حديثٌ فرأيتمُوه مُضيئًا ليس بذي تفاقُمٍ ولا تخاوُنٍ فهو منِّي، وإن رأيتمُوه ذا تفاقُمٍ وتخاوُنٍ فليس منِّي“. وقد جاء عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: ”يحمل هذا العلم من كل خلَفٍ عُدُولُه ينفُون عنه تحريفَ الغالين وانتحالَ المبطلين وتأويلَ الجاهلين“. وعن شريح أنَّه قال: ”إنَّ للحديث جهابذةٌ كجهابذةِ الوَرِق“. وقال في السؤالات: وعن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ”إنَّ للحديث جهابذةٌ كجهابذة الورِِقِ فما أتاكم عنِّي من حديثٍ فأعرضوه على كتاب الله فمَا وافق كتاب الله فعنيِّ وأنا قلتُه، وما خالف كتاب الله فليس عنِّي ولم أقُلهُ“. وذُكر في كتاب جاء من عُمان: أنَّ معنى هذا الحديث في غير المتواتر، الخ. والجهابذةُ جمع جهبِذ بكسر الباء وهو النَّقَّاد الخبير. والمرادُ بالمخالفة التنافي من غير إمكان، والله أعلم.
قولُه: «إنَّ أصلَ النفاق الذي يُبنَى عليه النفاقُ الكذبُ»؛ أقول: ظاهر كلام الجهالات وشرحها يخالف هذا، حيث قال: قلتُ: فما هو النفاق؟ فقال: الخلف بما وعدوا الله، فإن قال قائلٌ فمتى وَعَد المنافقون حتى أخلَفُوا؟ قيل: إنَّ الله عزَّ وجلَّ دعا عباده إلى الإقرار به بأنَّه الله، ودعا إليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والأئمَّة من بعده فدعوا إلى الإقرار بالله والشهادة على رسوله وعلى ما جاء به أنَّه الحقُّ فأجاب قومٌ ولم يُجب آخرون، فكلُّ من أجاب منهم فقد وعد في إجابته أن يوفِّي بكل ما أجاب إليه من ذلك، فأوفى قومٌ وهم المؤمنُون، وأخلف آخرون وهم المنافقون، فمن هاهنا سُمِّي النفاق خلفا للوعد. إلى أن قال: (5/159)
صفحة 1776
إن قلتُ: فما أصل النفاق؟ فقال: الكُفرُ، فقد صدق فإنَّ العام أصلٌ للخاص، ولا يكون الخاص أصلاً للعام، والكفر اسم عامٌّ، والنفاق اسمٌ خاصٌّ. إلى أن قال: قلت: فما عين النفاق؟ فقال: الكذبُ والخيانةُ. ويعني بالكذب أنَّ المنافقين أقرُّوا وقالوا إنَّهم يوفون لله بطاعته فلم يُوَفُّوا بما قالوا، من ذلك صار قولُهم في البدء كذبًا. وكذلك لمَّا لم يُتِمُّوا العمل الذي اشترطوا في القول صار ذلك منهم خيانةً. قلتُ: فهل النفاقُ واحدٌ؟ فقال: النفاقُ نفاقان: نفاقُ خيانةٍ ونفاق تحليلٍ وتحريمٍ .. الخ. فتراهُ كيف جعل أصل النفاق الكفر، والذي رواه المصنِّف أنَّ أصله الكذب. وظاهر القول يدلُّ على أنَّ أصله الخلف والكذب حيث قال {بِمَآ أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة:77]، وظاهر قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في صفة المنافق ”إذا حدَّث كذب“ ... الخ أنَّه يصحُّ جعلُ أصلِه الكذب والخلف والخيانة. ويصحُّ أيضًا جعلُ أصلِه الكفرُ لأنَّ كلَّ واحدة من هذه الخصال كفرٌ، والله أعلم، فليُحَرَّر.
قولُه: «العلمُ عِلمَان علمٌ باللسان» ... الخ؛ ومثله روايةُ الجامع: ”العلمُ علمانِ فعلمٌ في القلب فذلك العلمُ النافِعُ، وعلمٌ في اللسان فذلك حُجَّة الله على ابن آدم“، ولم يكتب الشارح شيئًا.
قولُه: «إنَّ لله مَلَكًا رأسه في السماء السابعة» ... الخ؛ قريبٌ منه رواية الجامع: ”إنَّ لله تعالى مَلَكا لو قيل له التَقِم السمواتِ والأرضين السبعَ بلُقْمَةٍ واحدةٍ لفعل، تسبيحُهُ سُبحانكَ حيثُ كُنتَ“، ولم يكتب عليه الشارح شيئًا أيضًا.
قولُه: «لو آخذني اللهُ أنَا وأخي عيسى» ... الخ؛ قال في القناطر بعد رواية هذا الحديث وفي حديث آخر: ”لعذَّبنا عذابًا لم يُعذِّب به أحدًا من الناس من ا لعالمين“. ذكر هذا الحديث في قنطرة الخوف بعد أن ذكر ما جرى لعدَّة من الأنبياء كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وداود ويونس صلواتُ الله على نبيِّنا وعليهم أجمعين. ثم قال: فانظر إلى هذه السياسات أيُّها المسكين، وكذلك هلُمَّ جرًّا إلى سيد (5/160)
صفحة 1777
المرسلين أكرم الخلق على الله يقول له: {فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوِا} ... الآية [هود:112]، حتَّى كان عليه السلام يقول: ”شيَّبتني سورة هود وأخواتُها؛ قيل يعني هذه الآية وأشكالها في القرآن. وقال تعالى: {واستغفر لذنبك} [غافر:55]، إلى أن منَّ الله عليه بالغفران .. الخ. فذكر الحديث المتقدِّم ثم قال: وكان يصلِّي الليل ويبكي ويقولُ: ”أعوذ بعفوك من عقابك وبرضاكَ من سخطك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك“ ثم الصحابة الذين هم خير قرن .. الخ.
قولُه: «ولا آراني اليوم في جنازة رجلٍ يُضرَب وجهُه ودبره»؛ ظاهر هذا الكلام من ابن عمر يقتضي أنَّ أهل هذه الحرفة يُبرأ منهم مطلقًا، لأنَّه لم يرجع إلاَّ لكونه صيرفيًّا، فعلى هذا يكون بمنزلة المكَّاس، وذلك - والله أعلم - لأنَّ هذه الحرفة يدخُلُها الربا كثيرًا فلا يخلو من استعماله أحدٌ منهم أو غالبهم، والله أعلم فليُحرُّر.
قولُه: «أشعرتَ أنَّ الناس قد كفروا بعدك» ... الخ؛ كأنَّ مجاهدًا كان غائبًا ثم قدم عليه، وهذا الكلام من ابن عمر يشهد لما ذهب إليه أصحابُنا رحمهم الله من أنَّ أصحاب الكبائر كفَّار خصوصًا القاتل. وقد ورد ذلك عن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم حيث قال: ”سِبابُ المسلم فسوقٌ وقتالُهُ كُفرٌ“، والمراد به كُفر النفاق. والذين خصُّوا الكفر بالشرك لمَّا ورد عليهم مثل هذا الحديث تحيَّروا فاختلفوا فيه: قال العلقمي: وقولُه: ”كُفرٌ“ لا بمعنى الخروج من الملَّة أو بمعناه، لكنه قاتل المسلم أو قتله مستحلاًّ لذلك، أو المراد الكفر اللغويُّ، أو هو الستر لأنَّه بقتاله له ستر ما له عليه من حقِّ الإعانة وكفِّ الأذى، أو عبَّر به مبالغةً في التحذير من ذلك لأنَّه أغلظ من السبِّ، وإن اشتركا في الفسق، ولهذا عبَّر فيه بالكفر وفي السباب بالفسوق الخ، والحقُّ ما عليه المسلمون. (5/161)
صفحة 1778
قولُه: «ويلٌ لمن يعلم ولم يعمل سبع مراتٍ» ... الخ؛ الرواية فيما تقدَّم في باب طلب العلم لغير الله: ”ويلٌ لمن يعلم ولم يعمل مرَّةً وويلٌ لمن يعلم ولم يعمل مرتين“. ومثل رواية المصنِّف هنا رواية الجامع حيث قال: ”ويلٌ لمن لا يعلم ولو شاء الله لعلَّمه واحد من الويل، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع من الويل“. ولم يكتب عليه الشارح شيئًا إلاَّ على قوله في حديث: ”ويلٌ للأعقاب من النار“، وتقدَّم الكلام عليه في الرواية السابقة، فليُراجَع.
قولُه: «من لم تنهَهُ صلاتُه عن الفحشاء والمنكر» ... الخ؛ رواه في الجامع ولم يكتب عليه الشارح شيئًا. والظاهر أنَّه إنَّما قال ذلك لقولِه تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45]، فبيَّن صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ ذلك في صلاة المؤمنين. قال البغوي في تفسير هذه الآية: الفحشاءُ ما قبح من الأعمال، والمنكر ما لا يُعرف في الشرع. قال ابن مسعود وابن عباس في الصلاة منتهى ومُزدَجَر عن معاصي الله، فمن لم تأمُرهُ صلاتُه بالمعروف ولم تنهَهُ عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلاَّ بُعدًا. وقال الحسن وقتادة: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاتُه وَبَالٌ عليه. وروي عن أنس قال: كان فتى من الأنصار يصلِّي الصلوات مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم لا يدعُ شيئًا من الفواحش إلاَّ ركبه، فوصف لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حاله فقال: ”إنَّ صلاتَه شاهدةٌ عليه ولعلَّ أن تنهاه يوما“ فلم يلبث أن تاب وحسُنَ حالُه. وقال ابن عون: معنى الآية أنَّ الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها. (5/162)
صفحة 1779
وقيل أراد بالصلاة القرآن كما قال {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ} [الإسراء:110] أي: بقراءتك، أو أراد أن يقرأ القرآن في الصلاة فالقرآن ينهاه عن الفحشاء والمنكر. إلى أن قال: عن جابر قال: قال رجلٌ للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّ رجلا يقرأ القرآن الليل كلَّه فإذا أصبح سرق، قال: ”ستنهاهُ قراءتُه“، أو في رواية قيل: يا رسول الله إنَّ فلانًا يصلِّي بالنهار ويسرق بالليل، فقال: ”إن صلاتَهُ لَتَرْدَعُه“.
قولُه: «أهلُ المعروف في الدنيا هم أهلُ المعروفِ في الآخرة» .. الخ؛ مثله من جهة المعنى رواية الجامع ”أهلُ شُغْلِ اللهِ في الدُّنيا هم أهلُ شُغْلِ الله في الآخرة، وأهل شُغْلِ أنفُسِهِم في الدنيا هم أهلُ شُغْلِ أنفُسِهِم في الآخرة“، ولم يكتب عليه الشارح شيئًا.
قولُه: «من قَتَل معاهدًا» ... الخ؛ تقدَّم الكلام على ما يتعلَّق بهذا الحديث أوَّل الجزء الثالث.
قولُه: «لأكبَّهُم الله جميعًا» تقدَّم الكلام عليه أيضًا في أوَّل الجزء الثالث، وأنَّ صوابه لَكبَّهُم.
قولُه: «والَّذي نفسي بيدِه لا يدخُلُ الجنَّة إلاَّ من يأمَنُ جارُهُ بوائِقَهُ». وفي البخاري: ”والله لا يؤمنُ، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال ”الذي لا يَأمَنُ جارُه بوائِقَه“. وذكر الشارح فيه روايات منها: ”ما هو بمؤمنٍ“، ومنها ”لا يدخل الجنَّة“، وفي بعض الروايات قالوا: وما بوائِقُه؟ قال: شَرَّهُ. قال العلقمي: قال ابن بطال في هذا الحديث تأكيدُ حقِّ الجار لقَسَمِه صلَّى الله عليه وسلَّم على ذلك وتكريرِه اليمينَ ثلاثَ مرَّات. وفيه نفيُ الإيمان عمَّن يؤذي جارَه بالقولِ أو الفعل، ومرادُه الإيمان الكامل ولا شكَّ أنَّ العاصي غير كامل الإيمان. (5/163)
صفحة 1780
وقال النووي عن نفي الإيمان في مثل هذا جوابان؛ أحدُهما: أنَّه في حقِّ المستحل. والثاني: أنَّ معناه ليس مؤمنًا كاملاً. قال: ويحتمل أن يكون المرادُ لا يجازي مجازاة المؤمن بدخول الجنَّة من أوَّل وهلةٍ مثلاً، وإن كان هذا خرج مخرج الزجر والتنفير. والبوائقُ بالموحَّدة جمعُ بائِقَةٍ وهي الداهيةُ، والشيءُ المهلِكُ، والأمرُ الشديد الذي يوافى بغتةً. أقول: والتأويلُ الذي ذكره في نفي الإيمان عنه وعدمِ دخولِه الجنَّة خروجٌ عن الظاهر لغير دليلٍ فإنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ والتارك للعمل كافرٌ كُفرَ نفاقٍ، ممنوعٌ من دخول الجنَّة جعلنا الله عزَّ وجلَّ من أهلها. ولقولِه عزَّ وجلَّ {وَمَن يَّعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ نُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} [النساء:14]، وقولِه: {والعصر إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ اِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [العصر:1،2]، إلى غير ذلك من الآيات، والله أعلم.
قولُه: «بِشطْرِِ كلمةٍ جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه آيسٌ من رحمته»؛ الروايةُ فيما تقدَّم في أوَّل الجزء الثالث: ”ولو بشطر كلمةٍ لَقِيَ اللهُ مكتوبًا بين عينيهِ آيسٌ من رحمته“. وفي الجامع: ”من أعانَ على قتلِ مؤمنٍ بشطر كلمةٍ لَقِيَ الله مكتوبٌ بين عينيهِ آيسٌ من رحمة الله“. قال الشارحُ بعد كلامٍ: جملةُ الأمر أنَّ قتل الآدميِّ عمدًا بغير حقٍّ أعظمُ الكبائر بعد الكفرِ بالله تعالى، ومُوجِبٌ لاستحقاقِ العقوبة في الدنيا والآخرة. وقال: ولا يتحتَّم خلودُ القاتل في النار ولا دخولُه، بل أمرُه إلى الله إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له ويقبلُ توبتَه. أقول: ”أمَّا قبولُ التوبة فمُسَلَّم لقوله تعالى: {وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ [إلى قولِه] يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا اِلاَّ (5/164)
صفحة 1781
مَن تَابَ} [الفرقان:68، 69، 70]. وتوبتُه من القتل لا تصحُّ إلاَّ بأن يقيِّد نفسه لأولياءِ المقتولِ فيخيرون فيه بين القتل والعفوِ والديَّة. وذهب ابنُ عبَّاس رضي الله عنه إلى أنَّه لا توبة له أخذًا بظاهر قولِه تعالى: {وَمَن يَّقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} الآية [النساء:93]، وأمَّا ما ذكره من عدم الخلودِ أو عدم الدخول أصلاً إذا لم يتُب فهو باطلٌ لما دلَّ عليه الكتابُ والسنَّة كهذا الحديث، والله أعلم.
قولُه: «فَإِنْ تُبتَ ردَّ اللهُ عليك يمينَك» ... الخ؛ لم يتعرَّض في الحديث للشيءِ المسروق هل يجبُ ردُّه أو لا، وقد تعرَّض لذلك في كتاب الضياء وذكر فيه تفصيلاً حيث قال: مسألة: وإذا قُطِعت يدُ السارق فلا غرم عليه إلاَّ على أن يوجَد الشيءُ الذي سرقه بعينِه فعليه ردُّه. فإن كان اشترى بالدراهم مالاً فلا يُؤخذ المالُ منه بعد القطع إلاَّ أن يوجد المالُ المسروقُ بعينِه، سواءٌ اشترى المال بعد القطعِ أو قبلَهُ، والله أعلم. وإن لم تُقطَع يدُه فعليه الغرم، فإن كان اشترى ذلك المالَ بهذه الدراهم بعينِها فأصحابُ الدراهم بالخيار إن أرادوا المال فلهُم ذلك وإن أرادوا دراهِمَهم فلهُم ذلك، وإن أراد التوبة وكان اشترى المال بدراهم القوم بعينِها فعليه أن يُخيّر أصحاب المال بين الدراهم أو المال .. الخ، وهذا كلُّه مرتِّبٌ على عدم القطع، فلا يُنافي ما ذكر أوَّلاَّ، والله أعلم.
قولُه: «عرضُهَا السَّمَوات والأرض»؛ قال البيضاوي: أي عرضها كعَرضِهِما، وذكر العرض للمبالغة في وصفها بالسَّعة على طريقةِ التمثيل لأنَّه دون الطول. وعن ابن عبَّاس كسبعِ سمواتٍ وسبعِ أرضين لو وُصِل بعضُها ببعضٍ. «أُعدَّت للمتقين» أي هُيِّئت لهم وفيهِ دليلٌ على أنَّ الجنَّة مخلوقةٌ وأنَّها خارجةٌ عن هذا العالم.
وقولُه: «تِهَامَة»؛ هي بكسر التَّاء، والمرادُ بها ما قابل نجدًا من أرض الحجاز. (5/165)
صفحة 1782
وقال في الصحاح: تِهامة بلدٌ، والنسبةُ إليه تِهامِيٌّ وتَهَامٌ إذا فتحت التاء لم تشدَّد، كما قالوا رجلٌ يَمَانٌ وشَآمٌ، إلاَّ أنَّ الألف في تَهَامٌ من لفظِها، والألف في يَمَان وشآم عوضٌ عن ياء النسبة .. الخ.
قولُه: «هباءً»؛ في الصحاح الهباءُ الشيءُ المنبثُّ الذي تراهُ في البيت من ضوءِ الشمسِ، والهباءُ أيضًا دقاق التراب، ويُقال له إذا ارتفع هباءًً، يهبُو هُبُوًّا وأهبَيْتُه، الهبْوَةُ الغبرة.
قولُه: «حُلَّهُم»؛ بضمِّ الحاء وفتح اللاَّم مشدَّدة، أمرٌ من حَلَلْتُ العقدةَ أَحُلُّهَا حَلاًّ فتحتُها فانْحَلَّت. يقالُ يا عقَّادُ اذكُر حلاًّ.
قولُه: «وَهْنًا من الليل». في الصحاح: الوهْنُ نحو من نصف الليل .. الخ.
قولُه: «وَثَبُوا عليه»؛ الذي نحفظُه أنَّه من الوثبة بمعنى القفزة، كما يوجد من كلام أصحابنا في باب الحيضِ في الدماء التي لا تأخذُها المرأة ابتداء وقت اللحيض. وكلامُ الصحاح مخالفٌ لهذا حيث قال: وثبَ وثبًا ووُثوبًا ووَثَبَانًا ظَفَرَ، والوثيبُ مثل الوثبِ، إلى أن قال: وواثبتُهُ أي ساورتُه، وتقولُ تثوَّب فلانٌ في ضَيعةٍ لي أي استولى عليها ظلمًا .. الخ.
قولُه: «إذ لم يكن لهم سرائرُ»؛ جمع سريرة، وهو ما يُكتمُ. قال في الصحاح السرُّ الذي يُكتَم، والجمع الأسرارُ والسريرةُ مثلُه، الجمعُ السرائر .. الخ. وقال البغوي في تفسير قولِه تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [الطارق:9]، وذلك يوم القيامة تُبلى السرائرُ تُظهَرُ الخفايا. وقال قتادة ومقاتل: تُختَبَر، وقال عطا بن أبي رباح: السرائرُ فرائضُ الأعمال كالصومِ والصلاةِ والوضوء والاغتسال من الجنابة، فإنَّها سرائرُ بين الله وبين العبد، ولو شاء العبدُ لقال صمتُ ولم يصُمْ، وصلَّيت ولم يصلِّ، واغتسلتُ ولم يفعل، فيُختَبر حتى يظهر من أدَّاها ممَّن ضيَّعها. قال ابن عمر: ”يُبدي الله يومَ القيامة كلَّ سِرٍّ فيكون زينًا في وجوهٍ وشينًا في وجوه“، يعني من أدَّاها يكون وجهُهُ مشرِقًا ومن ضيَّعها كان وجهه أغبر. (5/166)
صفحة 1783
وقال البيضاوي: يفرَّق ويُميَّز بين ما طاب من الضمائر وما خفي من الأعمال وما خبث منها. والظاهر أنَّ المراد هنا أنَّ هؤلاء الأقوام ليس في قلوبِهم معنى شريف وسرٌّ من الأسرار ظاهرٌ يزجرُهم عن اتِّباع الشهوات كالإخلاص والخوف من الله مثلاً، مع كونهم يصلُّون ويصومون الخ، وهو من معنى قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: ”لا ينظُر الله إلى أعمالِكُم ولكن ينظُرُ إلى قلوبِكُم“، والله أعلم.
قولُه: «من تعلَّم العلمَ» ... الخ؛ لفظُه فيما تقدَّم في باب طالب العلم لغير الله ”من تعلَّم العلمَ ليُمارِيَ به السفهاءَ أو ليُباهِيَ به العلماءَ لقِيَ الله وهو خائبٌ من الحسنات“، وتقدم الكلام على المراء والمباهاة. ومثل هذا الحديث روايةُ الجامع: ”من تعلَّم علمًا لغير الله فليتبوَّأ مقعدَه من النار“، قد تقدَّم الكلام على معنى التبوُّؤ.
قولُه: «ولَم يَرَعْ منه شيئًا»؛ لعلَّه من الرَّوع بفتح الراء معنى الفزع أو الخوف. وقال في الصحاح: الروعُ بالفتحِ الفزعُ والرَّوعة الفزعة. إلى أن قال، وقولُهم لا تَرَعَ أي لا تخف ولا يَلحقُكَ خوفٌ. والمعنى - والله أعلم - أنَّه لا يخاف شيئًا من العقوبات المذكورةِ فيه لا يزدجرُ بشيءٍ من زواجره، ومن كانت هذه صفتُه فهو حقيقٌ بما ذكر.
قولُه: «من صلَّى صلاة الصبح فهو في ذمة الله» .. الخ؛ ومثلُه رواية الجامع برواياتٍ متعدِّدة منها: ”من صلَّى الصبحَ فهو في ذِمَّة الله فلا يتبعنَّكم الله بشيءٍ من ذمَّته“. ومنها: ”من صلَّى صلاة الفجر فهو في ذمَّة الله وحسابُه على الله“. ومنها: ”من صلَّى صلاة الغداة كان في ذمة الله حتى يُمسي“. قال العلقمي: قولُه في ”ذمة الله“ قيل: ضمانه، وقيل أمانه، وفي رواية أخرجها مسلم: ”من صلَّى الصبح في جماعة“ ... الحديث، فهي مقيَّدة لبقية الروايات المطلقة. ولم يتكلَّم على بقيَّة الحديث. والمعنى - والله أعلم - أنَّه حيث كان في ضمان الله وأمانِه وجوارِه (5/167)
صفحة 1784
بسبب صلاة الصبح في جماعة لا يلحقُه ضررٌ من أحدٍ لأنَّ الله حافظُه وناصرُه ومُنزِّله منزلة من استجار به فأجاره وأدخله حمايتَه، وإذا كان كذلك فجارُ الله غيرُ مخذولٍ. وفي رواية لمسلم ”من صلَّى الصبح فهو في ذمَّة الله وأنَّ من يطلبه الله بشيءٍ في ذمته يدرِكُه ثم يكبُّه على وجهه في النار“؛ يعني أنَّ من تعدَّى وأذى من كان في جوار الله فهو مطلوبٌ بسبب شيءٍ من جواره فلا بدَّ أن يدركه الله ويكُبَّه على وجهه في النار لظُلمِه من كان في جواره. قال الشاعر:
فَظُلْمُ الْجَارِ إِذْلاَلُ الْمُجِيرِ
فهو سبحانه يُجير ولا يُجار عليه، وهذا الحديث فيه الحثُّ على المداومة على صلاة الصبح في الجماعة؛ والله أعلم.
قولُه: «الحياءُ من الإيمان» ... الخ؛ رُوي في الجامع في هذا رواياتٌ منها هذه، ومنها: ”الحياءُ والإيمانُ قُرِنا جميعًا فإذا رُفِع أحدهما رُفِع الآخر .. “، ومنها: ”الحياءُ لا يأتي إلاَّ بخير“، ومنها: ”الحياءُ والعيُّّ شعبتان من الإيمان، والبذاءُ والبيانُ شعبتان من ا لنفاق“. ومنها: ”الحياءُ والإيمانُ في قرنٍ، فإذا سُلِب أحدُهما تبعه الآخر“. ومنها: ”الحياءُ زينةُ، والتُّقى كرمٌ، وخير المركَبِ الصبرُ وانتظارُ الفَرَجِ“. قال الشارح: الحياءُ بالمَدِّ وهو في اللُّغة تغيرٌ وانكسار يعتري الإنسان من خوفِ ما يُعاب به، وفي الشرع خُلُقٌ يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حقِّ ذي الحقِّ. وقال البيضاوي: هو تغيُّر وانكسارٌ يعتري الإنسان من خوفِ ما يُضامُ به. وقيل: هو مأخوذٌ من الحياة فكأنَّ الحيِيَّ صار لِمَا يعتريه مُنكسِرَ القوى، ولذلك قيل: ”ماتَ حياءً وجمد في مكانِه خجلاً“. إلى أن قال: وقال عياض وغيرُه: إنَّما جُعِل الحياءُ من الإيمان وإن كان غريزة لأنَّه قد يكون تخلُّقًا واكتسابًا كسائر أعمال البِرِّ، وقد يكون غريزةً ولكنَّ استعماله على (5/168)
صفحة 1785
قانون الشرع يحتاج إلى اكتسابٍ ونيَّة وعلم، فهو من الإيمان بهذا لكونه باعثًا على أعمال البِرِّ ومانعًا من المعاصي. ثم قال: قال الراغب: الحياءُ انقباضُ النفس عن القبيح وهو من خواصِّ الإنسان ليرتَدِعَ عن ارتكاب كلِّ ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة. وهو مركَّبٌ من خيرٍ وعِفَّة، ولذلك لا يكونُ المستحي فاسقًا، وقلَّ ما يكونُ الشجاعُ مستحِيًا. وقد يكون لمطلق الانقياضِ كما في بعض الصبيان. اهـ. ثم قال: وقال الحليمي: حقيقةُ الحياءِ خوفُ الذمِّ بنسبة الشرِّ إليه. وقال غيره: فإن كان في مُحرَّمٍ فهو واجبٌ، وإن كان في مكروهٍ فهو مندُوبٌ، وإن كان في مُباحٍ فهو العُرفِيُّ، وهو المراد بقوله: ”الحياءُ لا يأتي إلاَّ بخير“.
ويجمع كلِّ ذلك على أنَّ المباح إنَّما هو يقع على وفق الشرع إثباتًا ونفيًا. وجاء عن بعض السَّلف: رأيتُ المعاصي ندالةً، فتركتُها مروءَةً، فصارت ديانَةً. وقد يتولَّد الحياءُ من الله تعالى من التقلُّب في نِعَمِه فيستحي العاقلُ أن يستعين بها على معصِيَتِه. وقد قال بعض السلف: خَفِ الله على قدر قُدرَتِه عليك، واستحي منه على قدر قُرْبِهِ منكَ. ثم قال بعد ذلك في قولِه: «الحياءُ من الإيمان» قال الدميري: إنَّما جعله بعض الإيمان لأنَّ الإيمانَ ينقسمُ إلى ائتمارٍ بما أمر اللهُ وانتهاءٍ عمَّا نهى الله عنه، فإذا حصلَ الانتهاءُ بالحياءِ كانَ بعض الإيمان. وقال الحليمي: الحياءُ من الله طريقٌ إلى كلِّ طاعة، وتركُ كلِّ معصيةٍ فيفوز صاحبه بكمال الإيمان، ويصحُّ بذلك قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: ”الحياء من الإيمان“. وروي أنَّه قال: ”قلَّةُ الحياءِ كُفرٌ“، أي ربَّما أدَّى إليه. ويدخل في جملة الحياءِ استحياءُ الناس بعضهم من بعضٍ، أمَّا في حقوق الله فكما في المحافظة على حضورِ الجماعاتِ فقد يكون الحاملُ عليه الحياءُ من الناس لخوفِ ذمِّ الجيران فيلازِمُ الجماعة ليذكر عندهم بالخير لا بالشرِّ وهذا رياءٌ، أمَّا إذا كان حياؤُه من الله بالحقيقة فهذا محمودٌ. وأمَّا الحياءُ في حقوقِ الناس فكَحيَاءِ (5/169)
صفحة 1786
الولَدِ من والِدِه، والمرأةِ من زوجِها، والصغيرِ من الكبيرِ وهو محمودٌ. ويدخُل في جملة الحياءِ من الله تعالى ومن الناس سترُ العورةِ فإنَّ الله أحقُّ أن يُستَحيَا منه. فإن قيل السترُ لا يَحجِب عن الله تعالى لأنَّه يرى المستور كما يرى المكشوفَ، فما معنى قولِه: ”اللهُ أَحَقُّ أَن يُّسْتَحيَى مِنْهُ“؟ قُلنا: نعم، يرى المكشوفَ تاركًا أدبه من الستر، والمستور متأدبا فكان الاستتارُ استحياءً من ترك أدبٍ نَدَبَ الله تعالى إليه.
قولُه: «والإيمانُ في الجنَّة»؛ قال الشارح: أي يُوصل إلى دخول الجنَّة.
قولُه: «البذاءُ»؛ قال الشارحُ هو بالذَّال المعجمة وبالمدِّ، الفَحشُ في القول بَذَا يبذُو وأَبْذَى فهو بَذِيءُ اللسان، وقد يقال بالهمزِ وليس بالكثير. وقال في الصحاح: بَذَا على قومِه يَبْذُو بَذَاءً بالفتح والمدِّ، سَفِهَ وأَفْحَشَ في منطِقِه، وإن كان كلامه صِدقًا فهو بَذِيءٌ على فعيلٍ، وامرأةٌ بَذيئَةٌ كذلك، وأَبْذَأَ بالألف وَبَذِيَ وَبَذُوَ من باب تَعِبَ وَقَرُبَ لغاتٌ فيه، وبذأ يبْذَأُ مهموزٌ بفتحهِما، بَذَاءً وَبَذَاءَةً بالمدِّ وفتح الأوَّل كذلك.
قولُه: «من الجفاءِ»؛ قال الشارح: قال في الصحاح: الجفاءُ ممدُودٌ خلافُ البرِّ، وقد جَفَوْتُ الرجلَ أَجفُوهُ جفاءً فهو مجفوٌّ، ولا تقُل جفيتُ. انتهى. قال في المصباح: وجفوتُ الرجل أجفوهُ أو أعرضتُ عنه أو طردتُه. وقال الدميري: والجفاءُ تركُ الصِّلة والبرِّ، ومنه الحديثُ: ”مَنْ بَدا جَفَا“، بَدَا بالدَّال المهملَةِ أي خرجَ إلى البادِيَة أو سَكَنَها غَلُظَ طبعُه لقلَّة مخالطَةِ الناس، والجفَا غلظ الطبع.
قولُه: «والجفاءُ في النار»؛ قال الشارح: ومعنى كونِه في النار ما بيَّنه النبيءُ صلَّى الله عليه وسلَّم في حديث مُعاذ وغيرِه بقوله: ”وهل يَكُبُّ الناسَ في النَّارِ إلاَّ حصائِدُ ألسِنَتِهِم“. (5/170)
صفحة 1787
*في الملعونين ومن تبرَّأ الله ورسولُه منهم* (5/171)
صفحة 1788
[صفحة لم ترقن] (5/172)
صفحة 1789
قولُه: «إنَّ الرجُلَ لَيَتَكلَّم بالكلمة مِن سَخَطِ الله» ... الخ؛ هذا شطرُ حديثٍ تقدَّم الكلامُ عليه في أوَّل باب في الأدب، ولفظُه: ”إنَّ الرجلَ لَيَتكلَّمُ بالكلمِةِ (5/173)
صفحة 1790
من رِضوَانِ الله ما كان يظنُّ أن تبلغ ما بَلغَت، فُيكتُبَ الله لهَ بها رضوانَه إلى يوم القيامة، وإنَّ الرجل لَيَتكلَّم بالكلمَةِ مِن سَخَطِ اللهِ مَا كان يظنُّ أن تبلُغَ ما بلغت فيَكتُبَ الله لَهُ بها سَخَطَهُ إلى يومِ القيامة“.
قولُه: «مَن غَشَّنا فَليسَ مِنَّا»؛ تقدَّم الكلامُ عليه أيضًا في كتاب البيوع.
قولُه: «وَمَن حمل علينا السلاحَ»؛ قال ابن حجر: المرادُ مَن حمل عليهم السلاح لقتالهم لما فيه من إدخالِ الرُّعب عليهم، لا مَن حملَه لحراستِهم مثلاً، فإنَّه يحمله لهم لا عليهم.
قولُه: «فليس مِنَّا»؛ قال العلقمي: أي على طريقتنا. وأطلق اللفظ مع احتمال إرادة أنَّه ليس على الملَّة للمبالغة في الزجر والتخويف. ومعناه عندنا أنَّه ليس بوليٍّ لنا وليس من أخلاقنا.
قولُه: «من انْتَهَب فليس مِنَّا»؛ تقدَّم الكلامُ عليه في أوائل الجزء الثالث.
قولُه: «وليس مِنَّا من لم يُوقِّر كَبيرَنَا ويرحَم صغيرنا»؛ تقدَّم الكلامُ عليه أيضًا في باب الربا والانفساخ والغشِّ.
قولُه: «وليس منَّا من ضَرَبَ الخدود»؛ قال العلقمي بعد كلامٍ على قوله: ”ليس منَّا“ من التخريج على خلاف الظاهر ليناسِب معتقده ما نصُّه: وكان السببُ في ذلك ما تضمَّنه ذلك من عدَمِ الرضا بالقضاء، فإن وقع التصريحُ بالاستحلال مع العلم بالتحريم أو السخط مثلاً ممَّا وقع فلا مانع من حمل النفيِ على الإخراج من الدين. قال في قولِه ”لطم الخدود“: خصَّ الخدَّ بذلك لكونه الغالب في ذلك، وإلاَّ فضرب بقيَّة البدن داخلٌ في ذلك، وجمعُها كالجيوب، وإن لم يكن للإنسان إلاَّ خدَّان وجيبٌ واحدٌ باعتبار إرادة الجمع للتغليظ.
قولُه: «وَشَقَّ الجيوب»؛ قال الشارح جمعُ جيبٍ من جَابَه أي قَطَعَه، قال تعالى: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي} [الفجر:9]، وهو ما يُفتَحُ من الثوب ليدخل فيه الرأس للبسه، والمرادُ بشقِّه كمالُ فتحِهِ .. الخ، وهو من علامات السخط. (5/174)
صفحة 1791
قولُه: «وَدَعَا بدعوى الجاهلية»؛ قال الشارحُ وهي زمانُ الفترة قبل الإسلام. وفي رواية مسلم: ”بدعوى أهل الجاهلية“، أي من النياحةِ ونحوِها، وكذا الندبة بأن قال في بكائه ما كان يُقال في الجاهلية ممَّا يُحرَّمُ شرعًا، نحو واجبلاه واعضُدَاه، وكذا الدعاءُ بالويل والثبور.
قولُه: «فصدَّقَهُ فيما يقول فهو» .. الخ؛ أمَّا العرافُ والكهَّانُ فقد تقدم الكلام عليهما في أوَّل باب المحرَّمات. وتقدَّم الفرق بينهما وهو أنَّ الكاهن من يتعاطى الأخبار عن الكائنات في مستقبَل الزمان ويدَّعي معرفة الأحداث، والعرَّاف هو الذي يدَّعي معرفة الشيءِ المسروقِ ومكانَ الضَّالَّةِ ونحوه. وأمَّا الساحرُ فقد تقدَّم الكلام عليه في أوائل الجزء الثالث. وفي بعض روايات الجامع: ”من أتى عرَّافًا فسأله عن شيءٍ لم تُقبَل صلاتُه أربعين ليلةً“. وكتب عليه الشارح كلامًا لا بأس بإيراده قال: قال النووي والقاضي عيَّاض: كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرُب: أحدُها أن يكون للإنسان وليٌّ من الجنِّ يُخبِرُه فيسترق السمع من السماء، وهذا القِسمُ بطل من بعث نبيئنا صلَّى الله عليه وسلَّم. والثاني: أن يُخبِر بما يطرأُ أو يكون في أقطارِ الأرض وما خِفيَ عنه ممَّا قرُبَ أو بَعُد، وهذا لا يبعد وجوده، ونفَت المعتزلة وبعضُ المتكلِّمين هذين الضربين وأحالوه، ولا استحالة في ذلك ولا بُعْدَ في وجوده لكنَّهم يصدقون ويكذبون، والنهيُ عن تصديقهم والسماعِ منهم عامٌّ. ومن هذا الفنِّ العرافةُ، وصاحبُها عرَّافٌ وهو الذي يستدلُّ على الأمور بأسباب ومقدِّمات يدَّعي معرفتها بها، وقد يعتضد هذا الضرب بالحصا الذي تفعله النساء. وقيل: هو الخطُّ بالرمل وبعض هذا الفن يكون بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة. وهذه الأضرب كلُّها تُسمى كهانةً وقد كذَّبَهُم الشرع ونهى عن تصديقِهم وإتيانِهم. وقال الخطابي وغيره: العرَّاف هو الذي يتعاطى معرفة المكان المسروق ومكان الضالَّة ونحوِها. (5/175)
صفحة 1792
وكتب بعضهم على ما يتعلَّق بالنجوم ما نصُّه: قال قتادة: خلق الله عزَّ وجلَّ النجوم لثلاثة جعلها زينة السماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن قال فيها غير ذلك فقد أخطأ خطأً وأضاع نصيبَه وتكلَّف ما لا يعنيه وما لا علم له به، وما عجز عن علمه الأنبياءُ والملائكة صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعين. وفي البخاري عن الربيع مثلُه وزاد: ”وما جعلَ الله في نَجم ٍحياة أحدٍ ولا رِزقَه ولا موته وإنَّما يفترون على الله الكذب ويُعلِّلُون بالنجوم“. وأمَّا ما بحث من تعليمها كالفرقدان وما يجري مجراها لمعرفة القبلة قال القرافي: وظاهرُ كلام أصحابنا فرضُ عينٍ على كلِّ أحدٍ. وقال ابن رشد: يتعلَّم من أحكام النجوم ما يستدِلُّ به على القبلة وأجزاء الليل وما مضى منه وما يهتدي به في ظلمات البرِّ والبحر وما يعرف به مواضعها من رأسك وأوقات طلوعها وغروبها، قال: وهو مُستَحبٌّ. وقال القرافي مقتضى القواعد أن يكون ما تعرف به أوقات الصلاة فرضًا على الكفاية لجواز التقليد في الأوقات. ولصاحب الطراز يجوز التقليدُ في الأوقات إلاَّ الزوال فإنَّه ضروريٌّ يستغنى به عن التقليد، فلذلك لم يكن فرضًا على الأعيان. ولابن رشد كراهة ما يفضي إلى نقصان الشهر ووقت رؤية الهلال لأنَّه لا يعتمد عليه في الشرع، وهو الاشتغال بما لا يعني وكذلك ما يعلم به الكسوف مكروه لا يغني شيئًا، ويُوهِم العامَّة أنَّه يعلم الغيب بالحساب فيزجر عن الإخبار بذلك ويؤدب عليه إلى آخر ما أطال فيه.
قولُه: «أُعيذُكَ بالله من أمراء» ... إلخ.
قولُه: «من حقَرَ مُسلِمًا فليس بِمسلِمٍ»؛ وذلك لأنَّ من حقِّ المسلم على المسلم تعظيمُه وتوقيرُه، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”ليس منَّا من لم يوقِّر كبيرَنا ويرحَم صغيرَنا“، كما تقدَّم. (5/176)
صفحة 1793
وقال أيضًا: ”المرءُ كبيرٌ بأخيه“، وقال أيضًا: ”من إجلال الله إجلالُ ذي الشيبَةِ في الإسلام“. وحقوقُ المسلمين بعضُهم على بعضٍ كثيرةٌ كما بُيِّن في محلِّه. وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى اَلاِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2].
قولُه: «أبرَأُ إلى الله من القدريَّة، أبرأُ إلى الله من المرجئةِ»؛ تقدَّم الكلامُ عليهما بما فيه الكفاية.
قولُه: «لعن الله الواشمةُ» .. الخ؛ تقدَّم الكلامُ عليهنَّ بما فيه كفاية في باب المحرَّمات.
قولُه: «لعن اللهُ من أحدثَ في الإسلامِ حَدَثًا» .. الخ؛ تقدَّم عليه الكلام على ما يتعلَّق به أيضًا في أوائل الجزء الثالث، وكذلك قولُه: «ومن ادَّعى إلى غير أبيه» .. الخ.
قولُه: «من حالت شفاعتُه دون حدٍّ من حدود الله» ... الخ؛ يعني بعد أن وصل إلى الإمام، وأمَّا قبله فيجوز كما صرَّح به البخاري في الترجمة حيث قال: ”باب كراهية الشفاعة في الحدِّ إذا رفع إلى السلطان“، فذكر حديثًا نصُّه بعد ذكر الإسناد عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ قريشًا أهمَّتهم المرأة المخزوميَّة التي سرقت، قالوا: من يُكلِّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومن يجترىءُ عليه إلاَّ أُسامة بن زيد حِبُّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فكلَّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: ”أتشفعُ في حدٍّ من حدود الله“ ثم قام فخطب قال: ”يا أيُّها الناسُ إنَّما ضلَّ من قَبْلَكُم أنَّهم (5/177)
صفحة 1794
كانوا إذا سرق الشريفُ تركوه وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه، وأيِمَّ الله لو أنَّ فاطمة بنت محمَّدٍ سرَقَت لقطع محمَّدٌ يدَها“. وكتب ابن حجر عليه شيئًا كثيرًا، من ذلك ما كتبه على الترجمة من أنَّ الشفاعة لا تجوز إذا بلغ الحدُّ إلى الإمام، وتجوز قبل ذلك. ففيه أنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم قال لأسامة لما شفع فيها: ”لا تشفع في حدٍّ فإنَّ الحدود إذا انتهت إلينا فليس لها متركٌ“ إلى أن قال في حديث آخر: ”تعافَوا الحدودَ فيما بينَكُم فما بلَغني من حدٍّ فقد وجب“. ترجم له أبوداود: ”العفوُ عن الحدِّ ما لم يبلغ السلطان“ أخرجه الحاكم، إلى أن قال: خرج عليُّ بن عمر فقال سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ”من حالت شفاعتُه دون حدٍّ من حدود الله فقد صادَّ الله في أمرِه“، وذكر روايةً أخرى: ”فقد صادَّ الله في مُلكِهِ“ وفي كل منهما كتبه بالصاد وفي رواية المصنف بالضَّاد. قال: وأخرج الطبراني عن عروة بن الزبير قال لقي الزبير سارقًا فشفع فيه، فقيل له: حتى يبلُغ الإمام.
فقال: إذا بلغ الإمامَ لعن الله الشافِعَ والمشفَّع، وأخرج الموطأ عن ربيعة عن الزبير نحوه إلى أن قال: وبسندٍ صحيحٍ عن عكرمة أنَّ ابن عباس وعمَّار والزبير أخذوا سارقًا فخلُّوا سبيله، فقلت لابن عباس: بئسَ ما صنعتُم حين خلَّيتُم سبيله، قال: لا أمَّ لك، أما لو كنت أنت لسرَّك أن تُخلِّي سبيلَه، إلى أن قال في حديث آخر بلفظ: ”اشفَعُوا ما لم يصِل إلى الوالي، فإذا وصلَ إلى الوالي فعفَا فلا عَفَا اللهُ عنهُ“، إلى أن قال في حديث صفوان بن أمية في قصة الذي سرق رداءَه ثم أراد أن لا يُقطع فقال له النبيءُ صلَّى الله عليه وسلَّم: ”هلاَّ قبل أن تأتِيَني به“. وحديثُ ابن مسعود في قصَّة الذي سرق فأمر النبيءُ صلَّى الله عليه وسلَّم بقطعه فرأوا منه أسَفًا عليه، فقالوا يا رسول الله كأنَّك كرهت قطعَه؟ فقال: ”وما يمنعني، لا تكونوا أعوانًا للشيطان على أخِيكُم إنَّه ينبغي للإمامِ إذا انتهى إليه الحدُّ أن يُقيمَه، والله عفوٌّ يحبُّ العفوَ“. (5/178)
صفحة 1795
وفي الحديث قصةٌ مرفوعة وأخرى موقوفة، أخرجه أحمد وصححه الحاكم. وحديث عائشة مرفوعا: ”أقيلُوا ذوي الهيئاتِ زَلاَّتِهم إلاَّ في الحدود“، أخرجه أبوداود. ويُستفاد منه جواز الشفاعة فيما يقتضي التعزير. وقد نقل ابن عبد البرِّ وغيره فيه الاتفاق، ويدخل فيه سائر الأحاديث الواردة في ندب الستر على المسلم وهي محمولةٌ على ما لم يبلغ الإمام.
ثم تكلَّم على المرأة المخزومية ممَّا يطول ذكرُه من بيان اسمْها ونَسبِها والخلافِ فيما سرقت وأنَّها قطعت يدها ثم تابت وحسنت توبتُها فتزوَّجت، وكانت تأتي إلى عائشة فترفع حاجتها إلى النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم فتكلَّم على الحديث بما يطول ذكره، ثم قال: وفي الحديث من الفوائد منع الشفاعة في الحدود، وقد تقدَّمت في الترجمة الدلالةُ على تقييد المنعِ بما إذا انتهى ذلك إلى أولي الأمر، واختلف العلماءُ في ذلك: فقال أبوعمرو بن عبد البرِّ لا أعلم خلافًا أنَّ الشفاعة في ذوي الذنوب حسنةٌ جميلةٌ ما لم تبلغ السلطان، وأنَّ على السلطان أن يُقيمها إذا بلَغَته. وذكر الخطابي وغيره عن مالك أنَّه فرَّق بين من عرف بأذى الناس ومن لم يُعرف؛ فقال: لا يُشفَع للأوَّل مطلقًا سواءٌ بلغ الإمامَ أم لا، وأمَّا من لم يُعرف بذلك فلا بأس أن يُشفَع له ما لم يبلغ الإمام. وتمسَّك بحديثِ الباب من أوجب إقامة الحدِّ على القاذف إذا بلغ الإمام ولو عفَّ المقذوفُ، وهو قولُ الحنفيَّة والثوري والأوزاعي. وقال مالك والشافعي وأبو يوسف: يجوزُ العفوُ مطلقًا ويدرأ بذلك الحد، لأنَّ الإمام لو حدَّهُ بعد عفو المقذوف لجاز أن يقيم البيِّنَة بصدق القاذف فكانت تلك شبهةٌ قويَّة. وفيه دخول النساء مع الرجال في حدِّ السرقة. وفيه قبولُ توبة السارق ومنقبة لأسامة. وفيه ما يدلُّ على أن فاطمة عليها السلام عند أبيها صلَّى الله عليه وسلَّم في أعظم المنازل فإنَّ في القصة إشارة إلى أنَّها الغاية في ذلك عنده، إلى أن قال: (5/179)
صفحة 1796
ولا يؤخذ منه أنَّها أفضل من عائشة، لأنَّ من جملة ما تقدَّم من المناسبة كون اسم صاحبة القصَّة وافق اسمَها، ولا ينفي المساواة. وفيه تركُ المحاباة في إقامة الحدِّ على من وجب عليه، ولو كان ولدًا أو قريبًا أو كبير القدر، والتشديد في ذلك والإنكار على من رخَّص فيه أو تعرَّض للشفاعة فيمن وجب عليه.
وفيه جوازُ ضرب المثل بالكبير القدر للمبالغة في الزجر عن الفعل ومراتبُ ذلك مختلفةٌ. وفيه جواز التوجُّع لمن أقيم عليه الحدُّ بعد إقامته عليه. وقد حكى ابن الكلبي في قصَّة أم عمرو بنت سفيان أن امرأة أسيد بن حضير آوتها بعد أن قُطِعت وصَنَعت لها طعامًا، وأن أُسيدا ذكر ذلك للنبيءِ صلَّى الله عليه وسلَّم كالمنكر على امرأته فقال: ”رحِمَتها رحِمَها الله تعالى“. وفيه الاعتبارُ بأحوال من مضى من الأمَم، لا سيما من خالف أمر الشرع وتمسَّك به من قال إنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا، لأنَّ فيه إشارة إلى تحذيرنا من فعل الشيءِ الذي جرَّ الهلاك إلى الذين من قبلِنا لئلاَّ نهلَك كما هلكوا، وفيه نظر، وإنما يتمُّ أن لولم يرد قطعُ السارق في شرعِنا، وأمَّا اللفظ العام فلا دلالة فيه على المدعي أصلاً.
قولُه: «لعن الله قومًا اتَّخذوا من دون الله قبورَ أنبيائِهِم مساجِد»، الروايةُ في البخاري بعد ذكر الإسناد عن عائشة عن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم قال في مرضه الذي مات فيه: ”لعن الله اليهودَ والنصارى اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد“، ولولا ذلك لأُبرِزَ قبرُه غير أنِّي أخشى أن يُتَّخذَ مسجدًا. وهي أظهر من رواية المصنِّف لأنَّ الذي يُتَّخذ من دون الله يكون إلهًا، وهم لم يتخذوهًا آلهة إنَّما اتخذوها موضعًا للصلاة تقرُّبًا إلى الله على زعمهم، اللهم إلاَّ أن يُقال إنَّهم لما اتخذوها مساجد فقد عظَّموها في العبادة، وذلك اتخاذ آلهة من دون الله لأنَّهم تقرَّبوا بعبادتها إلى الله كما تقرَّب المشركون بعبادة أصنامهم إلى الله، وذلك من الشرك، لأنَّ تعظيم الأنبياء عليهم السلام إنما بقبول ما ورد على لسانهم لا بالعبادة في قبورهم. (5/180)
صفحة 1797
ويحتمل أنَّ معنى ”من دون الله“ أي من غير إذنه، ولا شكَّ أنَّ من فعل شيئًا لم يأذن الله فيه فهو ملعونٌ. وفي بعض النسخ ساقطٌ وهو المناسب لرواية البخاري.
قولُه: «اتَّخذوا»؛ قال ابن حجر: قال ابن رشد: الاتخاذُ أعمُّ من البناء، فلذلك أفرده بالترجمة .. الخ، يعني فيشمل الخيمة والفسطاط ونحو ذلك، لأنَّ المقيم فيها مثلاً عند القبر لا يخلو من الصلاة فيها، فيستلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة .. الخ، (ملخَّصًا من ابن حجر). وقال في قوله: ”لأبرز قبرَه“ أي لكشف قبر النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يتخذ عليه الحائل أو المراد لدفنٍ خارج بيته، وهذا قالته عائشة قبل أن يوسَّع المسجد النبوي. ولهذا لما وُسِّع المسجد جعلت حجرتَها مثلَّثة الشكل محدَّدة لا يتأتى لأحد أن يصلِّي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة، إلى أن قال في قولها: ”غير أنِّي أخشى أن يُتَّخذ مسجدًا“ بعد ذكر روايات ما نصُّه: فرواية الباب تقتضي أنَّها هي التي منعت من إبراز قبره. إلى أن قال: بخلاف رواية الفتح فإنَّها تقتضي أنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم هو الذي أمرهم بذلك، الخ. وقال البيضاوي في سبب لعن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم لليهود والنصارى في هذا الحديث ما نصُّه: لمَّا كانت اليهودُ والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لشأنهم يجعلونها قبلةً يتوجَّهون في الصلاة نحوها ويتَّخذونها أوثانًا لعنهم، ومنع المسلمين عن مثل ذلك فأمَّا من اتخذ مسجدًا في جوار صالحٍ وقصد التبرُّك بالقرب منه لا التعظيم له ولا التوجُّه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد، وفيه كراهةُ الصلاة في المقابر سواء كان بجانب القبر أو عليه أو إليه، الخ. وفيه أنَّ في كلامه اضطرابًا بحسب الظاهر، ويمكن الجمع بأن يُحمَل كلامه أوَّلاً على نفي التحريم وثانيًا على الجواز مع الكراهة. (5/181)
صفحة 1798
قولُه: «ملعونٌ من آذى المسلمين في طريقهم»؛ وذلك لأنَّ إماطة الأذى من الطريق من الإيمان كما تقدَّم، فيكونُ الإيذاء من الكفر وفاعلُ الكفرِ ملعونٌ، وكذلك إتيان البهائم قال في القواعد: وإن كان الزنا بالبهيمة فعليه الحدُّ مع غرمِ قيمَتِها تُذبَح وتُدفَن فيما ذكر في أثر أصحابنا، الخ. لكنَّ قوله: ”مع غرم قيمتها“ ينظر هل المراد إذا لم تكن له، أو عليه ذلك مطلقًا ويدفع ذلك للفقراء والمساكين إذا كانت له تغليظًا عليه، والظاهر الأوَّل، والله أعلم. وأيضًا هل المرادُ بغرم القيمة والذبحِ والدفنِ إذا كانت من بهيمة الأنعام أو مطلقًا، والظاهر الأوَّل، والله أعلم. وإذا لم يفعل ذلك حتَّى مضت البهيمةُ لسبيلها وأراد التوبة فماذا يلزمه؟ والظاهرُ والله أعلم أنَّه يجزيه الندمُ والكفَّارة، فليحرَّر.
قولُه: «إذا وُضع الميت في قبره وسُوِّي عليه في قبره يسمعُ نعالَ القومِ» .. الخ؛ تقدَّم الكلام عليه بما يطول ذكره في باب عذاب القبر في رواية البخاري، فإنَّ هذه الرواية لم يذكرها المصنِّف هناك وقد ذكرها البخاري إلاَّ قليلا منها، وصاحب ذكر الموت، فذكرتها هناك لأنَّه لا علم لي بأنَّ المصنف ذكرها هنا فليُراجع. وذكر ابن حجر سبب هذا الحديث حيث قال: قولُه: ”إنَّ العبد إذا وُضع في قبره“، كذا وقع عنده مختصرا. وأوَّلُه عند أبي داود من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بهذا السند أنَّ نبي الله صلَّى الله عليه وسلَّم دخل نخلاً لبني النجَّار فسمع صوتًا ففزِع، فقال من أصحاب هذه القبور؟ قالوا يا رسول الله ناسٌ ماتوا في الجاهلية، فقال: ”تعوَّذُوا بالله من عذاب القبر ومن فتنة الدجال“. قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ”إن العبد .. “ فذكرالحديثَ. فأفاد بيانَ سبب الحديث.
قولُه: «مَلَكَان»؛ قال ابن حجر: زاد ابن حبَّان والترمذي من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة: أسودان أزرقان يُقال لأحدهما المنكر وللآخر النكير. (5/182)
صفحة 1799
وفي رواية ابن حبَّان: ”يقال لهما منكرٌ ونكيرٌ“. زاد الطبراني في الأوسط من طريق أخرى عن أبي هريرة: ”أعينهما مثل قدورِ النحاس، وأنيابُهما مثل صياصي البقر، وأصواتُهما مثل الرعد .. - ونحوه لعبد الرزاق-، إلى أن قال: يحفران بأنيابهما ويطآن في شعورهما، معهما مرزبةٌ لو اجتمع عليها أهل منىً لم يُقلُّوها“. إلى آخر ما تقدَّم، وهذا كلُّه أو غالبه مذكورٌ عندنا في تآليف ذكر الموتِ وقد تقدَّمت روايته.
قولُه: «فيُقعِدانه» تقدَّم الكلام عليه.
قولُه: «فيقولان له يا هذا من ربُّك» .. الخ؛ الروايةُ في البخاري: ”فيقولان ما كنتَ تقول في هذا الرجل محمَّد“. قال ابن حجر: زاد أبوداود في أوَّله ما كنت تعبُد؟ فإن هداه الله قال: كنتُ أعبدُ الله، فقال له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجل؟. ولأحمد من حديث عائشة: ما هذا الرجل الذي كان فيكُم؟ وله من حديث أبي سعيد: فإن كان مؤمنًا قال أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه .. إلى آخرما تقدَّم.
قولُه: «فيقال له يا هذا هذا منزلُك لو عصيتَ الله» .. الخ؛ الروايةُ في البخاري: ”فيقال له أنظر إلى مقعدِك من النار“. قال ابن حجر في رواية أبي داود: ”فيُقال له هذا بيتُك كان في النار ولكن الله عزَّ وجلَّ عصمك ورحمك فأبدلك الله به بيتًا في الجنَّة، فيقول دعوني حتى أذهب فأبشِّر أهلي، فيقال له اسكُت“. إلى أن قال: ولابن ماجة من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح: ”فيُقال له هل رأيت الله فيقول ما ينبغي لأحدٍ أن يرى الله، فيُفرَج له فُرْجَةً إلى النار فينظر إليها يحطِّمُ بعضُها بعضًا، فيقال له أنظر إلى ما وقاك الله .. “ إلى أن قال: عن أبي هريرة: ”لا يدخل أحدٌ الجنة إلاَّ رآى مقعدَه من النار، لو أساء ليزداد شكرًا“، وذكر عكسه.
قولُه: «فيُفتَح له بابٌ في قبره إلى الجنَّة» .. الخ؛ الروايةُ في البخاري قال قتادة: وذكر لنا أنَّه يُفسَح له في قبره. قال ابن حجر زاد مسلم من طريق شيبان عن قتادة: ”سبعون ذراعًا، ويملأ خضرا إلى يوم يبعثون“ .. إلى آخرما تقدم. (5/183)
صفحة 1800
قولُه: «بردُ منزِلِه ولذَّتُه»؛ الرواية في ذكر الموت: ”برد منزِلِه وطيبُ ريحه“.
قولُه: «أوان ذلك»؛ أي زمانُه.
قولُه: «نَم نومَة العروس»؛ في بعض الروايات عند قومِنا: ”نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلاَّ حب أهله إليه حتَّى يبعثه الله من مضجعه ذلك“، إلى آخر ما تقدَّم أيضًا.
قولُه: «وأمَّا إذا كان كافرًا»؛ هذا الكلام يدلُّ على أن سؤال القبر عامٌّ في المؤمن والمنافق والمشرك خلافًا لمن زعم أنَّ السؤال إنَّما يقع على من يدَّعي الإيمان محقًّا كان أو مبطلا. قال ابن حجر مستندهم في ذلك ما رواه عبد الرزاق من طريق عبيد بن عمير أحد كبراء التابعين قال: ”إنَّما يُفتن رجلان مؤمنٌ ومنافق وأمَّا الكافرُ فلا يُسأل عن محمَّد ولا يعرِفُه“. وهذا موقوف، والأحاديث الناصَّة على أنَّ الكافر يُسأل مرفوعةٌ مع كثرة طُرُقها الصحيحة، فهي أولى بالقبول. وجزم الترمذي الحكيم بأنَّ الكافر يُسأل. واختلف في الطفل غير المُميِّز: يجزم القرطبي في التذكرة بأنَّه يُسأل، وهو منقولٌ عن الحنفيَّة. وجزم غير واحدٍ من الشافعيَّة بأنَّه لا يُسأل، ومن ثمَّ قالوا لا يُستحبُّ أن يُلقَّن. واختلف أيضًا في النبيء هل يسأل؟ وأمَّا الملَك فلا أعرف أحداً ذكره. والذي يظهر أنَّه لا يسأل لأنَّ السؤال يختصُّ بمن شأنه أن يُقبَر. وقد مال ابن عبد البرِّ إلى الأوَّل؛ يعني وهو أنَّ المشرك لا يسأل. وقال: الآثار تدلُّ على أنَّ الفتنة لمن كان منسوبًا إلى أهل القبلة، وأمَّا الكافر الجاحدُ فلا يُسأل. وتعقَّبه ابن القيم في كتاب الروح وقال: في الكتاب والسنَّة دليلٌ على أنَّ السؤال للكافر والمسلم؛ قال الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ} [إبراهيم:27]، إلى أن قال: (5/184)
صفحة 1801
وأمَّا قولُ أبي عمرو: وأمَّا الكافر الجاحد فليس ممَّن يُسأل عن دينه، فجوابُه أنَّه نفيٌ بلا دليل، بل في الكتاب العزيز الدلالة على أنَّ الكافر يُسأل عن دينِه، قال الله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف:6]، وقال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمُو أَجْمَعِينَ} [الحجر:92].
لكن للنافي أن يقول إنَّ هذا السؤال يكون يوم القيامة.
قولُه: «فيقولُ ما أدري»؛ قال ابن حجر في رواية أبي داود المذكورة، ”إنَّ الكافر إذا وُضع في قبره أتاه ملَكٌ فينتهِرُه فيقولُ له: ما كنت تعبُد؟ “، وفي أكثر الأحاديث: ”فيقولان له ما دينُك؟ فيقولُ: هاه هاه لا أدري؟ فيقولان ما هذا الرجل الذي بُعِث فيكم؟ فيقولُ هاه هاه لا أدري، وهو أتمُّ الأحاديث سياقًا.
قولُه: «لا دريتَ ولا ابتليت»؛ الروايةُ في البخاري: ”لا دريتَ ولا تَلَيْتَ“. قال ابن حجر: كذا في أكثر الروايات بمثناة مفتوحة بعدها لام مفتوحة وتحتانية ساكنة. قال ثعلب: قوله ”تَلَيْتَ“ أصلُه تلوت أي لا فهمت ولا قرأت القرآن، أو المعنى لا دريتَ ولا اتَّبعت من يدري، وإنَّما قاله بالياء لمؤاخاة دريت. وقال ابن السكِّيت: قولُه ”تلَيْتَ“ اتباعٌ ولا معنى لها، قيل وصوابُه لا أتَلَيْتَ بزيادة همزةٍ قبل المثنَّاة، بوزن أفعلت، من قولهم: ”ما تلوتُ أي ما استطعت“، حكي ذلك عن الأصمعي وبه جزم الخطابي. وقال الفرَّاء أي قصرت كأنه قيل له: ”لا دريت ولا قصرت في طلب الدراية ثم أنت لا تدري“. قال الأزهري (الألو) يكون بمعنى الجهد وبمعنى التقصير وبمعنى الاستطاعة. وحكى عن ابن قتيبة عن يونس بن حبيب أن صواب الرواية: ”لا دريت ولا أَتْلَيت“ بزيادة ألف وتسكين المثنَّاة، كأنه يدعو عليه بأنَّه لا يكون له من يتبعه وهو من الإتلاء، يقال ما أَتْلَت إبله أي لم تَلِد أولادًا يتبعونها. وقال: قولُ الأصمعي أشبه بالمعنى أي لا دريت ولا استطعت أن تدري. ووقع عند أحمد من حديث أبي سعيد: ”لا دريت ولا اهتديت“. (5/185)
صفحة 1802
وفي مرسل عبيد بن عمرو وعبد الرزاق: ”لا دريت ولا أفلحت“. والرواية عندنا في كتاب ذكر الموت ”لا دريتَ ولا اهتديت“. وزاد بعده فيضربانه بالمطراق ضربةً بين أذنيه فيصيح صيحةً يسمعها كلُّ شيءٍ إلاَّ الثقلين، فما سمعه شيءٌ إلاَّ لعنه. وذلك قولُه تعالى: {وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ} [البقرة:159]، ثم يقولان له على هذا عشتَ وعليه متَّ وعليه تُبعَثُ، فيفتح له بابٌ إلى الجنَّة .. الخ. وتقدَّم الكلام على قولِه: ”يسمعه كلُّ شيءٍ إلاَّ الثقلين“ وعلى فوائد الحديث. (5/186)
صفحة 1803
* في الرياء ومحبطات الأعمال* (5/187)
صفحة 1804
[صفحة لم ترقن] (5/188)
صفحة 1805
[صفحة لم ترقن] (5/189)
صفحة 1806
قولُه: «لا يزني الزاني وهو مؤمنٌ» .. الخ؛ تقدَّم الكلامُ عليه في أوَّل الجزءِ الثالث عند قوله: ”إذا زنى الزاني سُلِبَ الإسلامَ فإذا تاب أُلْبِسَهُ“.
قولُه: «فإن تابَ تابَ اللهُ عليه»؛ ظاهره أنَّه لا يلزمه في هذه الأشياء إلاَّ التوبة وهي الندم على ما فعل بشرط نيَّة عدم العود، وأنَّه لا غرم عليه مع أنَّه تقدَّم أنَّ السارق إذا لم تُقطع يدُه يلزمه ردُّ المسروق مُطلقًا، وإذا قطعت لم يلزمه ردٌّ، إلاَّ إذا كان قائم العين. بل الظاهر والله أعلم أنَّه يلزمه الردُّ مطلقًا، وهو الظاهر من كلام السؤالات، حيث قال: التوبةُ اسمٌ جامعٌ لستَّة معانٍ: أوَّلُها: الندامة على ما مضى. والثاني: العزمُ على تركِ الرجوع إلى الذنب. والثالث: أداءُ كل فريضةٍ ضيَّعها فيما بينه وبين ربِّه. والرابعُ: ردُّ المظالم إلى المخلوقين. والخامسُ: إذابة كلِّ شحمٍ ولحمٍ نبت من سُحتٍ. والسادسُ: إذاقةُ ألم الطاعة كما ذاق حلاوة المعصية. ثم ذكر الخلاف بين أصحابنا في صفة التوبة النصوح إلى أن قال: ويرُدَّ التبائع على قدرِ ما كانت عليه .. الخ. وأمَّا الزاني فلا يخلو أن يكون ذكرًا أو أنثى، فإن كانت الزانية أنثى وقد أخذت شيئًا على الزنا فلا بُدَّ من ردِّه كما يدلُّ عليه كلام الإيضاح الآتي، وإن كان الزاني ذكرًا فلا يخلو أن يكون الزنا بالمطاوعة أو بالإكراه، فإن كان بالمطاوعةِ ممَّن اتَّصف بالبلوغ والحريَّة والعقل ولم يدفع له شيئًا فعليه التوبة دون غرم شيءٍ، وإن كان بالطفلة أو الأمَة أو المجنونَةِ فعليه العقرُ مطلقًا، إلاَّ في الأمَة بإذن سيِّدها. وإن كان بالمطاوعة ممَّن ذكر ودفع له شيئًا، لزمه إنفاقُ مثله على الراجح. قال في الإيضاح في كتاب الإجارات بعد كلام: وبالجملة كلُّ إجارة عن جميع ما حرَّمه الله لا تجوز، فمن أخذها على ذلك فقد ذكر في الأثر: ”فليرُدَّ ما أخذ وينفِقَ مثلَه“. (5/190)
صفحة 1807
وكذلك من أعطاها يُنفِق مثل ما أعطى وإن رجع إليه ما أعطى بنفسه فلينفقه أيضًا، والله أعلم. وقد ذكر أيضًا في الأثر: والذي أحفظُ في الفاجرة والنائحة والمعلم المشترط أنَّه لا توبة لهم حتى يردُّوا أجر ما أخذوا، ولم يذكر غير هذا. والذي يوجبُه النظر عندي أنَّه يجبُ على الآخذ أن يرُدَّ ذلك إن علم صاحبه، وإن لم يعلمه فليُنفِق ذلك على الفقراء. وبجب على المعطي أن يُنفِق ذلك إذا أخذه وإن لم يأخذه فليُنفق مثله على التوبة عوضًا ممَّا فعل في معصية الله. ولا تجوز المحالَلَةُ بينهُما على ذلك لأنَّ ذلك بينهما إباحةٌ لما حرَّم الله، والله أعلم. فإن كان بالإكراه للبالغة فعليه عقرُها بِكرًا كانت أم ثيِّبًا. والصبيُّ إذا وطِئَه في دبره فعليه مثل عقر الثيِّب كما بُيِّن في محلِّه. وأمَّا شاربُ الخمر فإنَّه ليس عليه غرمُ شيءٍ من جهة الشرب وإنَّما عليه التوبةُ فقط، وتجب الكفارة على الجميع كما هو معلومٌ، وكذلك الحدُّ إذا وصل إلى الإمام كما تقدم، والله أعلم.
قولُه: «يُدعَى الْمُرائِى يومَ القيامة» .. الخ؛ المُرائى هو الذي يعمل لأجل الناس، وتقدَّم الكلامُ على الرياء مرارًا، أعاذنا الله منه.
قولُه: «إنَّ رجلاً أتاه فقال يا رسول الله أتصدَّق بصدقةٍ» .. الخ؛ تقدَّم الكلام على ما يتعلَّق به في باب ذكر الشرك والكفر عند قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”قال الله عزَّ وجلَّ من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو لُه كلُّه وأنا أغنى عن الشرك“. (5/191)
صفحة 1808
قولُه: «من قبل الله منه حسنةً عصمه الله آخر الأبد»؛ الظاهر والله أعلم أن المراد بعصمته آخر الأبد أنَّه لا يموت إلاَّ على الوفاء بدينِه، وأنَّه يتقبَّل منه جميع حسناته، أو أنَّه يعصمه من العذاب ولا يؤاخذه بذنبٍ صدر منه. وليس المرادُ أنَّه لا يصدر منه أيَّ ذنبٍ، لأنَّ العصمة بهذا المعنى إنَّما هي للملائكة والأنبياء والرسل عليهم السلام، وأمَّا غيرُهم من أهل الجنة فتصدُر منهم، إلاَّ أنَّهم يموتون على التوبة منها. وقد ذكر أصحابُنا حكم المنصوص في الخير إذا فعل كبيرةً كما هو معلومٌ فأجازوا صدور الكبيرة من المنصوص عليه في الخير، مع أنَّه من المعلوم أنه تُقبل منه جميع حسناته التي قبل الذنب وبعده، لقوله تعالى: {وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّنْ شَيْءٍ} [الطور:21]، أي ما نقصناهم. والحاصلُ أنَّ من تقبَّل الله منه شيئًا لا يؤاخذه بشيءٍ في الآخرة. قال في السؤالات: ويجوز أن يستُر الله على عبده ذنبًا في الدنيا ويستُرَه في الآخرة، ويجوزُ أن يؤاخذه به في الدنيا ويؤاخذه في الآخرة، ويجوز أن يستُر عليه في الدنيا ويُظهِر عليه في الآخرة، ويجوز أن يؤاخذه في الدنيا ويستُر عليه فى الآخرة، ويجوز أن يستُرَه عليه في الدنيا والآخرة، وأمَّا أن يستُره عليه في الآخرة ويؤاخِذَه عليه في الآخرة فلا يجوز ذلك، وأمَّا أن يؤاخِذه بذنبٍ ويغفر له ذنبًا آخر فيها قولان؛ وذلك في الدنيا، وأمَّا في الآخرة فلا، وأمَّا القبول إن قبل الله منه شيئًا فقد زالت المؤاخذة، وإن كانت المؤاخذةُ فقد زال القبول. وقولُه: ”وأمَّا في الآخرة فلا“ يعني لقوله تعالى حكايةً عن المجرمين: {وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً اِلآَّ أَحْصَاهَا} الآية [الكهف:49].
قولُه: «كتب الله له حسنةً ومن كتب الله له حسنةً أدخلَه الجنَّة»؛ لعل المراد - والله أعلم - كتبها له مقبولةً وإلاَّ فالحفظة يكتبون جميع أفعال العباد، لقوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُم لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار:10،11،12]، وقولِه: (5/192)
صفحة 1809
{إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق:4]، وقولِه: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ اِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18]، وقولِه: {اِقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء:14]، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث. إلاَّ أنَّ المؤمن يتقبَّل اللهُ منه حسناته فيثيبُه عليها ويعفُوا عن سيئاتِه، والكافرُ يَرُدُّ عليه حسناته ويؤاخذه بسيئاته كما هومعلوم؛ فاسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. وقد تقدَّم الكلام على ما يتعلَّق بإماطة الأذى من الطريق في باب الآداب.
قولُه: «وكتب الله له حسنة»؛ لفظُه في الجامع: ”من أماطَ أذىً عن طريق المسلمين كَتَبْتُ له حسنةً ومن تَقَبَّلْتُ منه حسنةً دخلَ الجنة“، وهذا يؤيِّد ما ترجيته أوَّلا، والله أعلم.
قولُه: «{إنَّ الله لا يظلمُ مثقال ذرَّة} [النساء:40]»؛ قال البيضاوي لا يُنقِص في الأجر ولا يزيد في العقاب أصغر شيءٍ كالذرَّة وهي النملةُ الصغيرة، ويُقال لكلِّ جزءٍ من أجزاء الهباء، والمثقالُ مِفعالٌ من الثقل، وفي ذكره إيماءٌ إلى أنَّه وإن صغر قدرُه عظم جزاؤُه {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ} وإن تكن مثقال الذرَّة حسنة، وأنَّث الضمير لتأنيث الخبر ولإضافة المثقال إلى مؤنَّث وحذف النون من غير قياسٍ تشبيها بحرف العلَّة. وقرأ ابن كثير ونافع حسنةٌ بالرفع على كان التامَّة. {يُضاعِفْهَا} يضاعِف ثوابها. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب يُضعِفْهَا وكلاهما بمعنى. {وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهِ} أي ويُعطِ صاحِبَها من عنده على سبيل التفضيل زائدًا على ما وعد في مقابله العمل. {أَجْرًا عَظِيمًا} عطاءً جزيلاً؛ وإنمَّا سمَّاه أجرًا لأنَّه تابعٌ للأجر يزيد عليه.
قولُه: «اتَّقُوا النَّارَ ولو بِشِقِّ تَمْرة»؛ لفظُه في الجامع مع روايةٍ أخرى: «اتَّقُوا النار ولو بِشِقِّ تَمرةٍ فإن لم تجدوا فبكلِمَةٍ طيِّبَةٍ». (5/193)
صفحة 1810
قال العلقمي: أي اجعلوا بينَكُم وبينها وقاية من الصدقات وأعمال البر.
قولُه: «ولو بِشِقِّ تَمرةٍ»؛ قال بكسر الشين المعجمة أي جانِبَها أو نِصفَها، أي ولو كان الاتِّقاءُ المذكور فإنَّه بذلك يُفيدُ. زاد أبو يعلى: ”فإنَّها تقعُ من الجائع موقعها من الشبعان“، أي بحصول الاستلذاذ بحلاوتها. وقال في قوله: ”فإن لم تجدوا فبكلمةٍ طيَّبة“، قال النووي فيه: إنَّها سببُ للنجاة من النار، وهي الكلمة التي فيها تطييبُ قلب إنساٍن إذا كانت مُباحةً أو طاعة. أقول: وهذا نظيرُ ما تقدَّم في باب الآداب من قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”إنَّ الرجل ليتكلَّم بكلمةٍ من رضوان الله ما كان يظنُّ أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها رضوانَه إلى يوم القيامة“، الحديث.
قولُه: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ»؛ تقدَّم الكلام عليه، ومن جملة ذلك أنَّه قيل إنَّه يصير عليه كالظلمة، فإن تاب رجع إليه، وإلاَّ فلا.
قولُه: «قال رجلٌ يا أبا الشعثاء يزني وهو مؤمنٌ»؛ هذا ما اعتقد قومُنا ولمَّا ورد عليهم هذا الحديث ومثله أخذوا في التأويل بما ليس بظاهرِه كما تقدَّم.
قولُه: «لَجَلَدَكَ الحدُّ حين تقذِفُ ولِيَّ الله بالزنا»؛ فيه عندي تأمُّلٌ لأنَّ المناسب لقوله: ”يا أبا الشعثاء يزني وهو مؤمن“ أن يقول لجلَدَك أو لأدَّبك حين ردَدْتَ عليَّ الحديث. وأمَّا القذفُ فغير ظاهرٍ لأنَّ معنى كلامه أنَّه يجوز الزنا مع اتِّصافِ الشخص بالإيمان، فلا يخرج بالزنا من الإيمان، وهذا يرجع إلى سوء الإعداد والطعن في الحديث، وليس من القذفِ الذي يُوجِبُ الحدَّ، والله أعلم بمعنى قوله. ”حين تقذفُ ولِيَّ الله بالزنا“ فإن ظاهره يقتضي أنَّ من قال ”إنَّ المسلم يزني يكون قاذِفًا“ يجب عليه الحدُّ وإن لم يرمِ أحدًا بعينه، وفيه نظرٌ فليُراجع. (5/194)
صفحة 1811
على أنَّ الحدَّ على القذفِ لا يكون خاصًّا بمن قذف ولِيَّ الله كما هو معلومٌ بخلاف ما يُوهِمُهُ ظاهرُ العبارة، اللهم إلاَّ أن يقال اختصاصُ الولي بالذكر لا يقتضي اختصاصَ الحكم به، وإنَّما خَصَّه بالذكر لشرفه، والله أعلم. على أنَّ ولي الله يجوز صدور الزنا منه لأنَّه ليس بمعصومٍ إلاَّ أنَّه لا يتَّصف حينئذ بالإيمان، كما ورد في الحديث. وقد ذكر في السؤالات أنَّ فاعل الكبيرة يُقال إنَّه خرج من الإسلام ودخل في الكفر، ولو كان منصوصا عليه في الخبر حيث قال: ”ومن فعل كبيرة يُقال له خرج من الإسلام والبرِّ والتقوى والصلاحِ، ودخل في الكفر والضلالِ والفسقِ والعصيانِ سواءٌ في هذا المنصوصُ وغيرُه، وأمَّا مَن خرج مِن المؤمنين والبارين والمتقين والمحسنين لا يقال للمنصوص هذا ويقال لغيره. كذلك من دخل في الكافرين والضالين والفاسقين والعاصين المنصوصين لا يقال له ذلك ويقال لغيره. ويقال ”خرج من أسماء دينِ الله ودخل في أسماء دين الشيطان“، ويقال للمنصوص وغيرُه، وأمَّا ”خرج من أسماء دين الله ودخل في أسماء أهل دين الشيطان“ لا يقال هذا للمنصوص ويقال لغيره، وعن منصوصٍ فعل شركًا أو ضلالاً وكُفرًا هل يُقال أهل لذلك؟ قال: لا وإنَّما يقال له ليس بأهل لذلك، الخ.
والحاصل أنَّ وليَّ الله يجوزُ أن تصدُر منه الكبائرُ، لا فرق بين الزنا وغيره، بل يجوزُ صدورُ الشرك منه كسحَرَةِ فرعونَ وقوم يونُس قبل الإيمان رحمة الله عليهم، وكذلك غيرُهم من الأولياء كأبي بكر وعمر، وغيرُهم من المسلمين فإنَّهم في ولاية الله دائمًا وأبدًا ولو في حال فعلهم الشرك، لأنَّ ولاية الله وعدوانه لا تتغير بالأزمان ولا تتقلَّب بالأحوال، إلاَّ أنَّ وليَّ الله لا يموت إلاَّ على التوبة والوفاء بدين الله كما هو معلومٌ فلذلك لا يجوزُ لنا أن نبرأَ منه بعد الاطِّلاع على النصِّ، لكن نستبينه ونعلم أنَّه من أهل الجنَّة كعائشة رضي الله عنها. والدليلُ على جواز الشرك والزنا وغيرهما من ولي الله قولُه عزَّ وجلَّ: {وَالذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ [إلى قولِه] اِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (70} [الفرقان:68،69،70]. (5/195)
صفحة 1812
ومن المعلوم أنَّ التائب من الأفعال السابقة كما أمره الله لا يكون إلاَّ وليًّا من أوليائه. والحاصلُ أنَّ الرجل الذي عارض جابرًا رحمه الله بقولِه: ”يا أبا الشعثاء يزني وهو مؤمنٌ“ أخطأ، قبَّحهُ الله، في جواز الزنا مع الاتصاف بالإيمان في تلك الحالة. وأمَّا لو كان المعنى يجوزُ أن يزني وهو مؤمنٌ عند الله لأنَّه لا بد أن يتوب لم يرد عليه شيءٌ، والله أعلم.
قولُه: «{إنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:38]»؛ قال البيضاوي في قراءة من قرأ {يَدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}: غائلة المشركين. وقرأ نافع ابن عامر والكوفيُّون {يُدَافِعُ} أي يُبالِغ في الدفع مبالغةَ من يبالغ فيه. والظاهر - والله أعلم- أنَّ مراد جابر رحمه الله بسوقِ الآية الاستدلالُ بها على مشروعيَّة حدِّ القذف، والله أعلم.
قولُه: «مَن أَشَدُّ الناسِ بَلاءً؟ قال الأنبياء» ... الخ؛ ذكر فيه في الجامع روايات متعدِّدة منها: ”أشدُّ الناس بلاءً الأنبياءُ ثُمَّ الأمثل فالأمثل، يُبتَلَى الرجلُ على حَسَبِ دينِه فإن كان في دينِه صلبًا اشتدَّ بلاؤُه، وإن كان في دينِه رقَّة ابتُلِيَ على قَدَرِ دينه، فما يبرح البلاءُ بالعبدِ حتى يترُكَه يمشي على الأرض وما عليه خطيئةٌ“. ومنها: ”أشدُّ الناس بلاءً في الدنيا نبىءٌ أو صفِيٌّ“، ومنها: ”أشدُّ الناس بلاءً الأنبياءُ ثم الصالحون ثم الأمثلُ فالأمثل“، ومنها: ”أشدُّ الناس بلاءً الأنبياءُ ثمَّ الصالحون، لقد كان أحدُهم يُبتَلى بالفقر حتى ما يجدُ إلاَّ العباءةَ يجزئُها أي يقطعها فيلبسُها، ويبتلى بالقمَّل حتى يقتُلَه، ولأحدُهم كان أشدَّ فرحًا بالبلاء من أحدكُم بالعطاء“. قال الشارح بعد كلام على أنَّ الأمثل بمعنى الأفضل ما نصُّه: وصريحُ الحديث أنَّ أشدَّ الناس بلاءً الأنبياءُ ويلحق بهم الأولياء لقُربِهِم منهم، وإن كانت درجتُهم منحطَّة عنهم. (5/196)
صفحة 1813
قال شيخ شيوخنا: والسرُّ فيه أنَّ البلاء في مقابلة النِّعم فمن كانت نعمةُ الله عليه أكثر كان بلاؤُه أشدُّ، ومن ثََمَّ ضُوعِف حدُّ الحر على العبد، وقيل لأمهات المؤمنين: {مَن يَّاتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَة يُّضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب:30]، قال ابن اسحاق: وفي الحديث دلالةٌ أنَّ القوي يحمل ما حمل والضعيف يُرفق به إلاَّ أنَّه كلَّما قوِيت المعرفة بالمبتلِي هان البلاءُ. ومنهم من ينظر إلى أجرِ البلاء فيهونُ عليه البلاء، وأعلى من ذلك درجةً من يرى أنَّ هذا تصرُّف المالك في مُلكِه فيُسلِم ولا يعترض، وأرفع منه من شغلتهُ المحبَّة عن طلب رفع البلاء، وأنهى المراتب من يتلذَّذ به لأنَّه عن اختياره نشأ.
وقال الدميري: قد يجهل بعض الناس فيظن أنَّ شدَّة البلاء وكثرتَه إنَّما تنزل بالعبد لهوانِه، وهذا لا يقوله إلاَّ من أعمى الله قلبَه، بل العبدُ يُبتَلَى على حسب دينِه كما في حديث الباب. قال سفيان الثوري: ليس بفقيهٍ من لم يَعُد البلاء نعمةً والرخاءَ معصية، انتهى ما قال. قال الدميري أيضًا: وقد ابتُلي خلقٌ كثيرٌ من أولياء الله بأنواعٍ من الأذى فبعضُهم ضُرب وبعضُهم حُبِس وبعضُهم نُفي وبعضُهم قُتل مظلومًا شهيدًا فعُدَّ منهم على مُعتَقده عثمان وعليًّا وولده الحسين، وترك عمر رضي الله عنه مع أنَّه أولى منهم بهذا. قال: وكذلك عبد الله بن الزبير قُتل مظلومًا شهيدًا قتَلَه الحجَّاج وصلَبَه بمكَّة وكذلك قتل سعيد بن جبير وكان من سادات التابعين. قال: في جامعه أحصى من قتله الحجَّاجُ بن يوسف صبرًا فكانوا مائة ألف وعشرين ألفًا. وهذا سعيدُ بن المسيِّب وهو سيِّد التابعين جُلِد بالسياط في أيام عبد الملك بن مروان وطافوا به في تُبَّان شعرٍ وعزَّرُوه وحبسوه ومنعوا الناس عن مجالسته. والإمامُ أبو حنيفة عهد إليه بالقضاء فلم يقبل وضُرِب وحُبِس ومات في السجن. والإمام مالك بن أنس جرَّدُوه وضُرب بالسياط وجُبذت يدُه حتى تخلَّعت من كتفه، وسفيان أمر بصلبه واختفى مدَّة. وقال الأحمد بن عبد الله العجلي: أجر سفيان الثوري نفسه من جمَّال إلى مكَّة فأمره أن يعمل خبزة فلم يجيء جيِّدًا فضربه الجمَّال، فلمَّا دخلوا مكَّة دخل الجمَّال (5/197)
صفحة 1814
فإذا سفيان قد اجتمع حوله الناس فقالوا هذا سفيان الثوريُّ، فلما انفضَّ عنه الناس أتاه الجمَّال وقال: لم أعرفك يا أبا عبد الله، فقال سفيان: من يُفسِدُ طعام الناس يصيبُه أكثر من هذا.
والإمامُ أحمد امتُحِن بمحنته المشهورة على أنَّ يقول: ”القرآنُ مخلوقٌ“ فلم يقُل، بل قال: ”القرآنُ كلامُ الله منزَّل غير مخلوق“، فضُرب بالسياط حتى غشي عليه، ثم قُطع بعد ذلك من لحمه بالسكين وهو في جميع ذلك صابرٌ. وقد ضُرب في محنةِ القول بخلقِ القرآن جماعةٌ من العلماء والأخيار، وقُيِّدوا وحبُسوا فمنهم من مات في قيوده ودُفن بها، إلى آخر ما أطال فيه. لكن في قول ابن حنبل ”منزَّل غير مخلوق“ جمعٌ بين متنافيين فإنَّ التنزيل لا شكَّ أنَّه صفةٌ تقتضي الحدوث كما قال الدماميني في قوله تعالى: {إنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف:2] ردًّا لاعتراض من اعترض على من مثَّل للحال التي يقتضي عاملها تجدُّد صاحبها، لا شكَّ أن الإنزال صفة تقتضي الحدوث، فليُراجَع. وإنَّما قال الإمام ابن حنبل ذلك لأنَّه يرى أنَّ الألفاظ قديمة أيضًا جهلاً منه أو عنادًا كما قال التفتازاني، أقول ولعلَّه لذلك فُعِل به ما فُعِل لأنَّه لا يُعقل كون الشيء منزَّلاً غير مخلوق، والله أعلم. قال الشارح: والإمام أبو عبد الله البخاري تُعصِّب عليه ونُفي من بلده بُخارا، وكان يقول: ”اللهمَّ قد ضاقت عليَّ الأرضُ بما رحُبت فاقبضني إليك“، فما جاء عليه شهرٌ منذ قال هذا الكلام حتى مات. فائدة: ذكر ابن عطيَّة في تفسير سورة البقرة عند قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ الاَنبِئَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [البقرة:112]، عن ابن عبَّاس وغيره أنَّهم قالوا لم يقتل نبيءٌ قطُّ من الأنبياء إلاَّ من لم يومر، وكلُّ من أمِر بالقتال نُصِر. نقله الدميري. انتهى. وكتب على قوله: ”إن كان في دينه صلبًا“ ما نصُّه: قال في المصباح: وصلُبَ الشيءُ بالضمِّ صلابةً: اشتدَّ وقوي، فهو صلبٌ. ومكان صلبٌ غليظ شديد، وكتب على قوله: وإن كان في دينه رقَّة، أي: ضعفٌ ولينٌ.
قولُه: «لا يتمنَّى أحدُكُم الموتَ، ولا يدعُ بِه» .. إلخ؛ الرواية في الجامع: ”لا يتمنَّى أحدكم الموت إمَّا محسنًا فلعلَّةه يزداد، وإمَّا مسيئًا فلعلَّه يَستَعتِبُ“. (5/198)
صفحة 1815
قال الشارح: قولُه: لا يتمنَّى كذا: للأكثر بلفظ النفي والمراد النهيُ، وأشبعت الفتحة، وللكشميهني ”لا يتمنَّينَّ“ بزيادة نون التوكيد. وفي رواية همام: ”لا يتمنَّ أحدُكُم الموتَ ولا يَدعُ به من قبل أن يأتِيَه“، فجمع في النهي عن ذلك بين القصد والنطق. وفي قوله: ”من قبل أن يأتِيه“ إشارة إلى الزجر عن كراهية إذا حضر لئلاَّ يدخل في كره لقاء الله. وحكمة النهي في ذلك أنَّ في طلب الموت قبل حلوله نوعُ اعتراضٍ ومراغمة للقدر، وإن كانت الآجال لا تنقص ولا تزيد، فإنَّ تمنِّي الموت لا يؤثِّر في زيادتها ولا نقصها، ولكنَّه أمرٌ قد غُيِّب عنه. قال النووي: في الحديث التصريح بكراهة تمنِّي الموت لضرر نزل به من فاقةٍ أو محنةٍ بعدوٍّ ونحوه من مشاق الدنيا، فأمَّا إذا خاف ضررًا أو فتنةً في دينه فلا كراهة لمفهوم هذا الحديث، وقد فعلَته خلائق من السلف لذلك. وفيه من خالف ولم يصبر على الضرر وتمنَّى الموت لضررٍ نزل به فلقل الدعاء المذكور. قلتُ: ظاهر الحديث المنعُ مطلقًا والاقتصار على الدعاء مطلقًا، لكن الذي قال الشيخ لا بأس به لمن وقع فيه التمنِّي ليكون عونًا له على ترك التمنِّي. انتهى. ولم يتعرَّض لصفة الدعاء المذكور، ولعلَّ المراد قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”إذا أردت فتنةً في قومٍ فتوفَّني غير مفتون“، أو الدعاء المشهور ”اللهُمَّ احيني ما كانت الحياة خيرًا لي، أمتني إذا كانت الوفاةُ خيرًا لي“، والله أعلم. وكتب على قوله في رواية الجامع: ”إمَّا محسنًا فلعلَّه يزداد، وإمَّا مسيئًا فلعلَّه يَستعتِب“، أي: يسترتضي الله بالإقلاع، والاستعتاب طلب الإعتاب، والهمزة للإزالة، أي طلب إزالة العتاب، من عاتبه: لامه، وأعتبه: أزال عتابه.
قال الكرماني: وهو ممَّا جاء على غير قياس، إذ الاستفعال إنَّما يبنى من الثلاثي لا من المزيد فيه. انتهى. وظاهر الحديث انحصار المكلف في هاتين الحالتين، وبقي قسمٌ ثالثٌ وهو أن يكون مُخلِطًا، ويستمرُّ على ذلك أو يزيد إحسانًا، أو يزيد إساءةً ويكون محسنًا فينقلب مسيئًا، أو يكون مسيئًا فيزداد إساءةً، والجواب أنَّ ذلك خرج مخرج الغالب لأنَّ الغالب حال المؤمنين ذلك، ولا سينما والمخاطَب بذلك شفاهًا الصحابةُ. (5/199)
صفحة 1816
وقد خطر لي في معنى الحديث أنَّ فيه إشارةٌ إلى تبغيظ المحسن بإحسانه، وتحذير المسيء من إساءته، فكأنَّه يقول: من كان محسنًا فليترك تمنِّي الموت وليستمر على إحسانه، والازدياد منه، ومن كان مسيئًا فليترك تمنِّي الموت وليُقلع عن الإساءة لئلاَّ يموت على إساءته فيكون على خطر. وأمَّا من عدَّ ذلك ممَّن تضمَّنه التقسيم فيؤخذ الحكم من هاتين الحالتين، إذ لا انفكاك عن أحدهما، انتهى من الفتح.
قولُه: «مَثلُ قلبِِ المؤمن كمَثَل المرآة المتجلِّية» ... إلخ؛ ذكر في الجامع في مثل المؤمن أحاديث كثيرة منها ما هو قريبٌ من هذا الحديث، ولفظُه: ”مَثلُ المؤمن كمثل النخلة إن أكلتَ أكلتَ طيِّبًا وإن وضعتَ وضعتَ طيِّبًان وإن وقعتَ على عودٍ نخرٍ لم تكسره“؛ ويعني والله أعلم بالنخلة ثمرُ النخلة. ”ومَثَلُ المؤمن كمثل سبيكة الذهب إن نفخت عليها احمرَّت، وإن وزنت لم تنقص“، ولم يكتب الشارح عليها شيئًا.
قولُه: «لا يأتيه الشيطان من وجهٍ إلاَّ أبصره»؛ هذا الحديث نظيرُ قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقََوا إِذَا مَسَّهُمْ طَآئِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فِإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف:201]، طائفٌ أي لمَّة منه، وهو اسم فاعلٍ طاف يطوف فكأنَّها طافت بهم ودارت حولهم فلم تقدِر أن تؤثِّر فيه. أو من طاف به الخيال يطيف طيفًا. تذكَّروا ما أمر الله به ونهى عنه، فإذا هم مبصرون بسبب التذكُّر لمواقع الخطأ ومكائد الشيطان فيحترزون عنها ولا يتبعونها، فيها من البيضاوي.
قولُه: «الإيمانُ قيدُ الفَتْكِ، لا يَفْتِكُ مؤمِنٌ»؛ يعني أنَّ الفتك مقيَّدٌ بالإيمان، فلا يصدر الفتكُ من مؤمنٍ، فمن فتك فليس بمؤمنٍ، قال العلقمي: قال في النهاية: الفتكُ: أن يأتيَ الرجل صاحبَه وهو غرٌّ غافلٌ، فيشدَّ عليه فيقتله. والغِيلَةُ أن يخدعه ثمَّ يقتله في موضعٍ خفيٍّ. انتهى. قال في المصباح: والغِيلَة بالكسر: الاغتيالُ، يقال قتله غيلةً، وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضعٍ فإذا صار إليه قتَلَه اهـ. واستدلَّ في القناطر بهذا وبالحديث المتقدِّم، أعني قوله: ”الإيمان أثبت في قلوب أهلِه من الجبال الرواسي على قرارها“، وبقول النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم (5/200)
صفحة 1817
لعمَّار بن ياسر رضي الله عنه: ”الإيمانُ أحلى من العسل لا يدخل قلب مؤمنٍ ثم يخرج منه“، على أنَّ الإيمان لا بدَّ فيه من انطواءِ القلوب وضمير النفوس على اعتقاد التوحيد لغةً وشرعًا، فليُراجع.
قولُه: «عجبتُ من المؤمنِ ومنزلتِه عند ربِّه» .. الخ؛ مرَّ في الجامع في ”عجبتُ للمؤمن“ رواياتٌ متعدِّدة إلاَّ أنَّها بغير هذا اللفظ، وقريبٌ منه قولُه: ”عجبتُ للمؤمن إنَّ الله تعالى لم يقضِ له قضاءً إلاَّ كان خيرًا له“، وقولُه: ”عجبتُ للمسلم إذا أصابَته مصيبةٌ احتسبَ وصبَر وإذا أصابه خيرٌ حمد الله وشكر، إنَّ المسلمَ يؤجر في كلِّ شيءٍ حتَّى في لقمة يرفعها إلى فيه“ اهـ. والتعجُّب معناه استعظامُ أمرٍ خفيَ سببُه، ولذلك قالوا: إذا ظهر السببُ بطل التعجُّب.
قولُه: «ما من عبدٍ خرج من ذلِّ إبليس إلى عزِّ الله»؛ الظاهرُ أنَّ المراد بذُلِّ إبليس المعاصي وبعزِّ الله الطاعة. ويُحتمل أنَّ المراد بذُلِّ إبليس الطمع بما عند الناس، وبعزِّ الله الورعُ والقناعةُ والاستغناءُ عمَّا في أيديهم والإياس منه والثقة بما عند الله؛ لأنَّه قد ورد أنَّ ثبات الإيمانِ الورعُ وزوالَه الطمعُ، والله أعلم.
قولُه: «والعلم من غير تعلم»؛ يُتأمَّل هذا مع قولِهم: ”وليس منَّا من قال إنَّ علم الديانة يُدرك بغير تعلم“، اللهم إلاَّ أن يُقال: المراد به العلم الذي يحصل لأرباب المكاشفات نفعنا الله ببركاتِهم. وقد أطال الشيخ إسماعيل رحمه الله في كتاب القناطر في بيانه - إلى أن قال -: ولا سبيل إلى ذلك إلاَّ بالمجاهدة ورياضة النفس وبالعلم والتعلُّم تحقيقًا لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت:69]، وهذا العلم هو الغايةُ القصوى أعني علمَ الباطن وهو المراد بعلم المكاشفَةِ. وقد رُوي عن بعض العارفين أنَّه قال: من لم يكن له نصيبٌ من هذا العلم أخافُ عليه سوءَ خاتمةٍ، وأدنى النصيب منه التصديقُ به وتسليمُه لأهله، - إلى أن قال -: وأقلُّ عقوبة من ينكره أن لا يرزق منه، وهو علمُ الصدِّيقين والمقرَّبين (5/201)
صفحة 1818
كما قدَّمنا. (وهذه العلوم التي يقولون إنَّها لا تُسطَّر في الكتب ولا يَتَحدَّث بها من أنعم الله سبحانه عليه بشيءٍ منها إلاَّ مع أهله وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة وعلى طريق الأسرار .. الخ).
قولُه: «ما مِن عبدٍ زهد في الدنيا إلاَّ أثبت الله الحكمةَ في قلبه وأنطقَ بها لسانَه» .. الخ؛ لفظُه في الجامع: ”من زهد في الدنيا علَّمه الله بلا تعلُّم، وهداه بلا هداية، وجعله بصيرًا وكشف عنه الغمى“، ولم يكتب عليه الشارح شيئًا. ومثل هذا الحديث في حصول العلم لأرباب المكاشفات بلا تعلُّم ما رواه صاحب القناطر رحمه الله في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”من أخلص لله عزَّ وجلَّ أربعين يومًا ظهرت ينابيعُ الحكمة من قلبه“، وقوله: ”إذا رأيتم الرجل قد أُوتِي صَمتًا وزُهدًا فاقتربوا منه فإنَّه يلقي الحكمةَ“، قال رحمه الله: وهذا العلم ممَّا يُستفاد أكثرُه من العمل والمواظبة على المجاهدة، تصديقًا لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}. (5/202)
صفحة 1819
* بعض ما ورد في الشفاعة * (5/203)
صفحة 1820
قولُه: «ما منكُم من أحدٍ يدخل الجنَّة إلاَّ بعملٍ صالح وبرحمةِ الله وشفاعتي»؛ قال في شرح النونيَّة بعد كلام على الشفاعة وأنَّها حقٌّ لا تكذيب فيها، وأنَّها للمؤمنين المطيعين دون أهل الكبائر ما نصُّه: وإن قال قائلٌ إنَّ المؤمنين قد وعدهم الله في كتابه الجنَّة فما حاجتُهُم إلى الشفاعة؟ قيل له: إنَّ الشفاعةَ زيادةٌ في الثواب وتشريفٌ في المنازل. وأيضًا فإنَّ المؤمنين تكون عليهم الذنوبُ والتبعاتُ من قِبَل الأرحام والقرابات ومن حقوق الجيران والأولاد والزوجات وما أشبه ذلك، ألا ترى إلى قول الله تعالى حكايةً عن المؤمنين: {يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} [التحريم:8]، فأخبر أنَّهم يسألونه إتمام نورِهم وغفران ذنوبهم وهم يمشون على قناطر جهنَّم قبل دخول الجنَّة. ويدلُّ على ذلك ما رُوي عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: ”ما منكم مِن أحدٍ يدخل الجنَّة إلاَّ بعملٍ صالح ٍ وبرحمةٍ من الله وشفاعتي“، وبالله التوفيق .. الخ. وقد تقدَّم الكلامُ على هذا في باب أدب الدعاء، عند قوله صلَّى الله عليه وسلَّم ”لكلِّ نَبِيءٍ دعوةٌ .. “ الحديث.
قولُه: «سلطانًا غشومًا»؛ الروايةُ في شرح النونيَّة: ”سلطانٌ ظلومٌ غشومٌ“، لكن ذكر في الصحاح أنَّ الغُشْمَ هو الظلم، فعلى هذا لا حاجة إلى الجمع بينهما لأنَّه يكون من التطويل على حدِّ قولِه: ”فألفى قولها كَذِبًا ومَيْنًا“، وعبارة الصحاح الغشمُ الظلمُ، والحربُ غشومٌ لأنَّها تنال غير الجاني .. الخ.
قولُه: «الغالي في الدِّين ولا الجافي عنه»؛ قال في شرح النونيَّة يعني الزائد فيه والناقص منه .. الخ. أقول: الزائد فيه كالصفريَّة الزاعمين أنَّ طاعة الله كلَّها توحيدٌ ومعصيتُه كلها شركٌ على خلافٍ بينهم في الصغائر، والناقص منه كالمرجئة والحشويَّة ومن قال بقولهم الزاعمين أنَّ الإيمان قولٌ بلا عمل. (5/204)
صفحة 1821
قولُه: «ليست الشفاعةُ لأهل الكبائر من أمَّتي»؛ قال في شرح النونية: والدليلُ على أنَّ الشفاعةَ ليست لأهل الكبائر من القرآن والسنَّة، أمَّا من القرآن فقولُه تعالى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضَى} [الإنبياء:28]، وقولُه: {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنَ اَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا} [طه:109]، وقال: {لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَانِ عَهْدًا} [مريم:87]، وقال: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَّلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر:18]، وقال حكايةٍ عنهم: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء:100،101]، وقالت الملائكة عليهم السلام: {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} [غافر:7]، وقال: {وَاخْشَوا يَوْمًا لاَ يُجْزَى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ} [لقمان:33]، في أمثال هذا من القرآن، فأخبر أنَّه لا يجزي والدٌ أطاع الله عن وَلَدٍ ضيَّع أمر الله شيئًا ولا مولودٌ أطاع الله عن والِدٍ ضيَّع أمرالله شيئًا. ومن السنَّة ما رواه جابر بن زيد عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”لا تنال شفاعتي ظلومٌ غشومٌ ورجلٌ لا يراقب الله في اليتيم“، وقال عليه الصلاة والسلام: ”لا تنال شفاعتي الغالِيَ في الدين والجافيَ عنه“؛ يعني الزائد فيه والناقص منه، وقال: ”صنفانِ من أمَّتي لا تنالُهما شفاعتي: القدرية والمرجئة، وهما ملعونان على لسان سبعين نبيئا“ في مثال هذا من الأحاديث.
قولُه: «ثم يحلفُ جابر عند ذلك ما لأهل الكبائر شفاعةٌ» .. الخ؛ قال الشيخ إسماعيل رحمه وكان يقول: واللهِ ما شفاعةُ الملائكةِ والنبيِّين والمؤمنين إلاَّ للتائبين. وكان يقول: ما نالت دعوةُ مؤمنٍ منافقًا قطُّ. والشفاعة لمن استوجب العقاب فيصير بها إلى الثواب، ولكن الشفاعة للمؤمنين زيادةٌ لهم في الثواب وتشريفٌ في المنازل، وبالله التوفيق.
قولُه: «وقال إنَّكُم لتَعملون أعمالاً هي أدقُّ في أعيُنكُم من الشَّعْرِ» .. الخ؛ ذكر الشيخ إسماعيل رحمه الله في القناطر: من علامات علماء الآخرة أن يكون العالم شديد التوقِّي في مُحدثات الأمور، وإن اتَّفق عليها الجمهور فلا يغرُّه إطباق الخلق على ما أُحدِث بعد الصحابة، ولِيكُن حريصًا على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتِهِم وأعمالِهم .. إلى آخر ما أطال فيه ثم قال: وقد قال: حذيفة بن اليماني رحمه الله أعجَبُ من هذا أنَّ معروفَكُم اليوم مُنكَرٌ زمان قد مضى، وأنَّ مُنكَرَكُم اليومَ معروفُ زمان آت، وأنَّكم لا تزالون بخيرٍ ما عرفتم الحقَّ، وكان العالِمُ فيكم غير مستخِفٍّ. هذا في زمان حذيفة فما ظنُّك بزماننا هذا. (5/205)
صفحة 1822
وقال الغزالي في كتابه: أكثرُ معروفِ هذه الأعصار مُنكَراتٌ في عصر الصحابة، قال: إذ من غرر المعروفات في زماننا تزيينُ المساجِدِ وتنجيدُها وإنفاقُ الأموال العظيمةِ في دقائق عمارتِها، وفرشُ البسط الرفيعة فيها. قال: وقد كان يعدُّ فرش البواري في المسجد بِدعةً، وقد قيل إنَّه من مُحدَثات الحجَّاج اللعين، فقد كان الأوَّلون قلَّ ما يجعلون بينهم وبين التُّراب حاجزًا. وقال: وكذلك الاشتغالُ بدقائق الجدال والمناظرات من المنكرات. قال: ومن ذلك التلحينُ في الأذان والقرآن، من ذلك التعسُّف في النظافة، والوسوسةُ في الطهارة، وتقديرُ الأسباب البعيدة في نجاسة الثياب، مع التساهُل في حِلِّ الأطعمة وتحريمها إلى نظائر ذلك .. الخ. فقولُ أنس بن مالك أنَّ الشفاعة لأهل الكبائر محمولٌ على مثل هذا، والله أعلم. (5/206)
صفحة 1823
* ما ذكر من حديث الشفاعة * (5/207)
صفحة 1824
[صفحة لم ترقن] (5/208)
صفحة 1825
قولُه: «وذكر لنا في حديث الشفاعة أنَّ أهل الإيمانِ يُحبَسُون في الموقف، [إلى قوله] وثقُلَت موازينُهم فأراد الله أن يُدخِلَهم الجنَّة بالشفاعة» .. الخ؛ ظاهر هذا الحديث يدلُّ على أنَّ هذه الشفاعة التي يسألُ فيها خواصَّ الأنبياء حتَّى ينتهي السؤال إلى النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم خاصَّة بالمؤمنين وأنَّها بعد الحساب. وهو الذي صرَّح به الشيخ تبغورين بن عيسى كما تقدَّم، حيث قال: فإذا فرغوا من الحساب استأذن المسلمُون من يشفعُ لهم إلى منازلِهم في الجنَّة فطلبوا آدم صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يشفع لهم، فصرفهم إلى نوحٍ فدفعهم إلى إبراهيم صلَّى الله عليه وسلَّم فكلُّهم يدلُّهم على محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، فطلبوه فدعا ربَّه فأعطاه مفاتح الجنَّة هذا هو المقام المحمودُ هذا ما صحَّ في الشفاعة في الحديث المرويِّ عن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم، وتصديق ذلك من كتاب الله عزَّ وجلَّ إلى آخر ما أطال فيه من كونها للمؤمنين دون أهل الكبائر، فليراجع. لكنَّ كلامه أوَّلاً ربَّما يُشعر بوجود شفاعةٍ أخرى قبل الحساب، حيث قال: وأمَّا الشفاعة فإنَّا نقول فيها وبالله التوفيق: إنَّ شفاعة النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم ثابتَةٌ للمسلمين دون غيرِهم من الكافرين أهلِ الكبائر، لا لوجوبِ ما قد زال ولا لزوالِ ما قد وجب، وهي كرامةٌ من الله عزَّ وجلَّ لنبيئه عليه السلام دون غيره. وإفضالٌ من الله له إذ لا يُقبَل إيمانٌ من أحدٍ إلاَّ من آمن به وصدَّقه ويحمده على شفاعته لهم أهل الجمع كلهم من الأولين والآخرين، كما قال الله عزَّ وجلَّ {عَسَى أَنْ يَّبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودً} [الإسراء:79]، في مقامٍ يقوم فيه الناسُ يُحاسبُهم ربُّ العالمين، فإذا فرغوا من الحساب استأذن المسلمون .. الخ ما تقدَّم، فكأنَّ هذه شفاعةٌ أخرى، والله أعلم، فليُحرَّر.
وظاهركلام الشيخ إسماعيل رحمه الله في آخر القناطر أنَّها شفاعةٌ واحدةٌ للمؤمنين في الحساب والإراحة من الموقف وتشريف المنازل ورفع الدرجات، حيث (5/209)
صفحة 1826
قال في الشفاعة: وهي حقٌّ نطق به القرآن، وذلك قولُه لنبيئِه عليه الصلاة السلام: {عَسَى أَنْ يَّبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودً}، وقال تعالى: {مَن ذَا الذِي يَشْفَعُ عِندَهُ, إِلاَّ بِإِذْنِهِي} [البقرة:255]، في أمثال هذه الآي كثيرةٌ. والشفاعةُ عند أصحابنا إنَّما هي للمؤمنين دون أهل الكبائر، فاستدلَّ لذلك إلى أن قال: وعند قومنا ثلاثُ شفاعاتٍ فيما وجدتُ في كتُبِهم: إحداها شفاعةُ المحشر، والثانيةُ للسَّبق إلى الجنَّة، والثالثةُ لأهل الكبائر الموحِّدين يُخرَجُون من النار عندهم. وأحاديث الشفاعة مستفيضةٌ في الكتب وصِفَتُها مشهورةٌ، تركتُ جميع ذلك مخافة التطويل. وهي عند أصحابنا في الحساب بعد طول مقامٍ على أرجُلِهم، وبعد أن بشَّر أصحابَ الإيمان وأخذُوا كُتُبَهم بأيمانهم فشفع لهم، حتى أراحهم الله من الموقف، وهي تشريفُ منازلهم وترفيعٌ لدرجاتهم، لأنَّ من أوجب له القرآن الخلودَ في النار لا شفاعةَ له، والله أعلم. وقال أيضًا في قنطرة الإيمان فيما يجب على الإنسان أن يعتقده: التاسعة الشفاعةُ وهي حقٌّ، فمن كذَّب بها فقد كذَّب القرآن، وهو المقام المحمود؛ قال الله لنبيئه عليه الصلاة والسلام: {عَسَى أَنْ يَّبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودً}، أي يحمده فيه الأوَّلون والآخرون؛ يحمده الأوَّلون بما فتح لهم من الشفاعة وكانت مخزونة لا يصل إليها أحدٌ حتى يفتحها النبيء عليه الصلاة والسلام.
ويحمده الآخرون حيث نجَّاهم الله من هَول المقام، والشفاعةُ إنَّما هي للمسلمين الذين ماتوا على الإيمان، فاستدلَّ لذلك إلى أن قال: والشفاعةُ ليست لمن استوجب العقاب فيصيرُ بها إلى الثواب ولكنَّ الشفاعةَ للمؤمنين زيادةٌ لهم في الثواب وتشريفٌ في المنازل، وبالله التوفيق. وكلامُه أيضًا في شرح النونية صريحٌ في أنَّها في المحشر. والظاهرُ أنَّها قبل الحساب ويستمرُّ حُكمُها إلى الشفاعة في زيادة الثواب وتشريف المنازل، وأنَّ ذلك كلَّه في الموقف قبل دخول الجنَّة، فلا يدخل أحدٌ الجنَّة إلاَّ وقد علم منزله الذي صار له بالعمل الصالح، ورحمة الله، وشفاعة المصطفى، وغيره ممَّن تحصل منه الشفاعة. فإذا دخل أحدٌ منزله فلا ينتقل عنه بعد ذلك، فلا منافاة (5/210)
صفحة 1827
بين كونِها في المحشر للإراحة من الموقف، وكونِها لزيادة الثواب ورفع المنازل، فإنَّ الشفاعة عنده واحدةٌ لكنَّها تتضمَّن ذلك كلَّه، والله أعلم، وعبارتُه في الشرح المذكور بعد كلام طويل فيها تقدَّم بعضه. والشفاعة عندنا إنَّما هي في المحشر قبل دخول الكفَّار النار وهي مخزونةٌ لا يصل إليها نبيءٌ مُرسَل ولا مَلَك مقرَّبٌ حتى يفتحها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهي المقامُ المحمود الذي وعدَه الله عزَّ وجلَّ، يحمده فيه الأوَّلون والآخرون، حيث نجَّاهم من ذلك المقام. ويحمدونه بما فتح الله لهم من الشفاعة لأنَّها مخزونة حتى يفتحها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وأحاديث الشفاعة مذكورةٌ في كتاب الحديث وكتاب الضياء وغيرهما، فلا معنى لإعادتها ها هنا فبلَغَنا أنَّ الله يُشفِّع أقوياءَ المسلمين في ضُعَفائِهم، حتى قيل إنَّ الشهيد يشفع في سبعين من قرابته إذا كانوا مُتَّقين مؤمنين، وأمَّا من لقيَ الله فاجرًا فليس له شفيعٌ .. الخ.
والظاهرُ من كلامهم أوَّلا وآخرًا أنَّ المراد بالأوَّلين والآخرين الذين يحمدون النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم على الشفاعة؛ هم الملائكةُ والأنبياءُ والمسلمون، فالملائكةُ والأنبياءُ يحمدونه على ما فتح لهم من الشفاعة بعد أن كانت مخزونة، والمسلمون على تنجيتهم من ذلك المقام. وأمَّا الكفَّار فإنَّهم لا دخل لهم في حمده على الشفاعة، لأنَّ ما هُم صائرون إليه من النار أشدُّ ممَّا هم فيه من الهوان، والله أعلم. وكذلك طُلِبَت الشفاعةُ من المرسلين واحدًا بعد واحدٍ إلى أن يصلوا إلى النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد طلبها المسلمون ليستريحوا كما ذُكر في الحديث عندنا دون الكفَّار، خلافًا لما رواه قومُنا من أنَّ أهل الموقف جميعًا يفزعون إلى من ذُكر من المرسلين. قال في المواهب وعن أبي زرعة عن أبي هريرة قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”أنا سيِّد الناس يوم القيامة، هل تدرون مِمَّ ذلك؟ يجمع الله الأوَّلين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ فيُبصِرُهم الناظرُ ويسمعهم الداعي، وتدنو الشمسُ فيبلغ الناس من الغمِّ والكرب ما لا يُطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا تَرَون إلى ما أنتم فيه؟ ألاَ تَرَون إلى ما بلغكم؟ ألاَ تنظرون من يشفَعُ لكم إلى ربكم؟ فيقول بعضُ (5/211)
صفحة 1828
الناس لبعض: إئتوا أباكم آدم، فيأتونه فيقولون: يا آدمُ أنتَ أبو البشر خلَقَك الله بيده، ونفخ فيك من روحِه، وأمر الملائكة فسجدُوا لك، وأسكَنَكَ الجنَّة ألاَ تشفع لنا إلى ربِّك ألاَ ترى إلى ما نحن فيه وما بلغنا. فقال: إنَّ ربِّي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثلَه، ولا يغضب بعده مثله، وإنَّه نهاني عن الشجرة فعصيتُ، نفسي نفسي اذهبُوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوحٍ.
فيأتون نوحًا عليه السلام فيقولون: يا نوحُ أنت أوَّل الرسُل إلى أهل الأرض، وقد سمَّاك الله عبدًا شكورًا، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما بَلَغَنا، ألاَ تشفَعُ لنا إلى ربَّك؟ فيقول إنَّ ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبلَه مثلَه، ولا يغصب بعده مثلَه، وإنَّه قد كانت لي دعوةٌ دعوتُ بها على قومي، نفسي نفسي .. إلى أن قال في آخر الحديث: فيأتون محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم فيقولون: يا محمَّد أنت رسولُ الله وخاتَمُ الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ اشفَع لنا إلى ربِّك. فأنطَلِقُ فآتِيَ تحتَ العرش فأقَعُ ساجِدًا، ثم يفتحُ الله عليَّ من محامِدِه وحُسنِ الثناء شيئًا لم يفتَحه على أحدٍ قبلي، ثمَّ يُقال يا محمَّد ارفع رأسك واسأل تُعطَ واشفَع تُشَفَّع، فأرفع رأسي فأقول: أمَّتِي يا ربِّ، يا رب أمَّتي، فيقول: يا محمَّدُ أدخِل من أمَّتِك مَن لا حساب عليه من الباب الأوَّل من أبواب الجنَّة، وهم شُركاءُ الناس فيما سوى ذلك من الأبواب». الحديث رواه البخاري ومسلم. قال في فتح الباري وقد استشكل قولهم لنوحٍ أنت أوَّل الرسُل من أهل الأرض، فإنَّ آدم نبيءٌ مُرسَل وكذلك شيت وادريس وهم قبل نوح. مُحصَّل الأجوبة عن ذلك أنَّ الأولية مُقيَّدة بقوله أهلَ الأرض لأنَّ آدم ومن ذكر معه لم يُرسَلُوا إلى أهل الأرض .. الخ. أقول: هذا ظاهرٌ عندنا بالنسبة إلى آدم لأنَّه من أهل الكافَّة. قال: ومن الأجوبة أنَّ إرسال آدم كان إلى بنيه وهم موحِّدون ليعلِّمَهم شريعته، ونوح ٌرسالتُه كانت إلى قومٍ كفَّار يدعوهم إلى التوحيد. وذكر الغزالي في كشف علوم الآخرة أنَّ بين إتيان أهل الموقف آدم وإتيانهم نوحًا ألفَ سنةٍ، وكذا بين كلِّ نبيءٍ ونبيءٍ إلى نبيُّنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم. (5/212)
صفحة 1829
قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف لذلك على أصلٍ، قال: ولقد أكثر في هذا الكتاب من إيراد أحاديث لا أصلَ لها، فلا يُغتَرَّ بشيءٍ منها الخ. ثم قال: وفي حديث النظر بن أنس عن أبيه حدَّثني نبيء الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ”إنِّي لقائمٌ أنتظر أمَّتِي عند الصراط إذ جاء عيسى فقال: يا محمَّد هذه الأنبياء قد جاءتك يسألون لتدعو الله أن يُفرِّق جمع الأمم إلى حيث شاء لِعِظَم ما هُم فيه“، فأفادت هذه تعيين موقف النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم حينئذ، وأنَّ هذا الذي وُصِف من كلام أهل الموقف كلُّه يقع عند نصب الصراط بعد تساقُط الكفَّار في النار، وأنَّ عيسى هو الذي يخاطب نبيئنَا صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّ جميع الأنبياء يسألُونه في ذلك. وفي حديث سليمان عند ابن أبي شيبة يأتون محمَّداً فيقولون: يا نبيء الله أنت فتح الله بك وختم، وغفر لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، وجئتَ في هذا اليوم وترى ما نحن فيه، فقُم فاشفع لنا إلى ربِّنا، فيقول: أنا صاحبُكُم فيجوس الناس حتى ينتهي إلى باب الجنَّة. فإن قلتَ ما الحكمة في انتقاله صلَّى الله عليه وسلَّم من مكانه إلى الجنة؟ أُجيب بأنَّ أرض الموقف لمَّا كانت مقام عرضٍ وحسابٍ كانت مقام مخافةٍ وإشفاقٍ، ومقامُ الشافِعِ يناسب أن يكون في مكان إكرام. وفي حديث أُبيِّ بنِ كعب عند أبي يعلى رفعه: ”فأسجد له سجدة يرضى بها عني“. وفي حديث أبي بكر الصديق: ”فينطلق إليه جبريل فيخرُّ ساجدًا لله قدر جمعةٍ، فيقال: يا محمَّد ارفع رأسك“. وفي رواية النظر بن أنس: ”فأوحى الله إلى جبريل أن اذهب إلى محمَّد فقل له: ارفع رأسك“. وعلى هذا فالمعنى يقول لي على لسان جبريل. والظاهر أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يُلهَمُ التحميد قبل سجوده وبعده وفيه، فيكون في كلِّ مكانٍ ما يليق به. فإنَّه ورد في رواية: ”فأقومُ بين يديه فيُلهمني بمحامدٍ لا أقدر عليها ثم أخرُّ ساجدًا“.
وفي رواية للبخاري: ”فأرفع رأسي فأحمده بتحميدٍ يُعلِّمنيه“. وفي رواية أبي هريرة عند الشيخين: ”فإنِّي تحت العرش فأقع ساجدًا لربِّي، (5/213)
صفحة 1830
ثم يفتح عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه مالم يفتحه على أحدٍ قبلي“، ثم قال: ”يا محمَّد ارفع رأسك“ .. إلى آخر ما أطال فيه. ثم قال: فظهر أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أوَّل ما يشفع ليقضي بين الخلق وأن الشفاعة في من يخرج من النار مِمَّن سقط تقع بعد ذلك، وأنَّ العرض والميزان وتطاير الصحف يقع في هذا الموطن. ثمَّ ينادي لتتبع كل أمَّه ما كانت تعبُد، فتسقط الكفار في النار، ثم يميز بين المؤمنين والمنافقين بالامتحان بالسجود عند كشف الساق، ثم يؤذن في نصب الصراط والمرورِ عليه فيُطفأُ نور المنافقين فيسقطوا في النار أيضًا، ويمرُّ المؤمن عليه إلى الجنَّة، فمن العصاة من يسقط، ويوقفُ بعض من نجا عند القنطرة للمقاصصة بينهم ثم يدخلون الجنَّة. وقد قال النووي ومن قبله القاضي عيَّاض: الشفاعات خمس: الأولى في الإراحة من هولِ الموقف، والثانيةُ في إدخال قومٍ الجنة بغير حسابٍ، والثالثة في إدخالِ قومٍ حوسبوا واستحقُّوا العذاب أن لا يُعذَّبوا، الرابعة في إخراج من أُدخل النار من العُصاة، والخامسة في رفع ا لدرجات. فأمَّا الأولى وهي التي لإراحة الناس من هول الموقف فيدلُّ عليها حديث أبي هريرة وغيره المتقدِّم من حديثِ أنسٍ عند البخاري، ولفظه: ”يجمع الله الناس يوم القيامة فيقولُون لو استشفعنا إلى ربنا حتى يُريحنا من مكاننا فيأتون آدم .. “ إلى آخر ما أطال. فاستدلَّ لكلِّ شفاعة على زعمه إلى أن قال: وأمَّا الخامسةُ وهي رفعُ الدرجات، فقد قال النووي في الروضة: إنَّها من خصائصه صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم يذكرلذلك مستندًا، فالله أعلم.
قال: وذكر القاضي عيَّاض شفاعةً سادسةً؛ وهي شفاعته صلَّى الله عليه وسلَّم لعمِّه أبي طالب في تخفيف العذاب، لِما ثبت في الصحيح أنَّ العباس قال لرسول الله صلَّى الله عليه وسلم: إن أبا طالب كان يحوطُك وينصُرك ويغضب لك، فهل ينفعه ذلك؟ قال: ”نعم وجدتُه في غمراتٍ من النارِ فأخرجتُه إلى ضَحضاحٍ“. وفي الصحيح أيضًا من طريق أبي سعيدٍ أنًّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ”لعلَّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعَل في ضحضاحٍ من النارِ يبلغ كعبيه يغلي به دماغُه“ .. الخ. (5/214)
صفحة 1831
ثم قال: فإن قلتَ فأيُّ شفاعةٍ آدَّخرها صلَّى الله عليه وسلَّم لأمَّته؟ أمَّا الأولى فلا تختصُّ بهم بل هي لإراحة الجمع كلِّهم، وهي المقامُ المحمود كما تقدَّم، وكذلك باقي الشفاعات الظاهر أنَّه يُشاركهم فيها بقيَّة الأمم. فالجواب: أنَّه يحتمل أنَّ المراد الشفاعة العظمى التي للإراحة من هولِ الموقف، وهي وإن كانت غير مختصَّة بهذه الأمَّة لكنَّهم الأصلُ فيها وغيرُهم تبعٌ لهم. ولهذا كان اللفظ الأول المنقول عنه صلَّى الله عليه وسلَّم فيه أنَّه قال: ”يا ربِّ أمَّتي“، فدعا فبهم فأجيبَ، وكان غيرهم تبعًا لهم. ويُحتمل أن تكون الشفاعةُ الثانية وهي التي في إدخال قومٍ الجنَّة بغير حساب هي المختصَّة بهذه الأمَّة، فإنَّ الحديث الوارد فيها: ”يدخل من أمَّتي الجنَّة سبعون ألفا“ .. الحديث، ولم ينقل ذلك في بقيَّة الأمم. يُحتمل أن يكون المرادُ مُطلَق الشفاعة المشتركة بين الشفاعات الخمس، وكون غير هذه الأمَّة يشاركونهم فيها أو بعضهما لا ينافي في أن يكون عليه السلام آخر دعوته شفاعته لأمَّته فإنَّه لا يشفع لغيرهم من الأمم، تقدَّم مثله في الشفاعة العظمى، والله أعلم. إلى أن قال: وعن ابن عباس أن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ”نحنُ آخر الأمم وأوَّل من يُحاسَب، يُقال أين الأمَّة الأمينة ونبيئُها؟ فنحنُ الآخرون والأوَّلون“.
إلى أن قال: في حديث آخر: ”فإذا أراد الله أن يقضيَ بين خلقِه نادى منادٍ أين محمَّد وأمَّتُه؟ فأقوم وتتبعني أمَّتي غُرًّا محجَّلِين من أثر الطهورِ“. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”فنحن الآخرون والأوَّلون وأوَّل من يُحاسَب وتُفرِج لنا الأمم عن طريقنا وتقولُ الأمم كادت هذه الأمَّة أن تكون أنبياء كلَّها“. وقد صحَّ أن أوَّل ما يُقضى بين الناس في الدماء .. إلى آخر ما أطال فيه من ذكر الحساب وما يُسأل عنه العبدُ يوم القيامة.
قولُه: «ولو استشْفَعْنا إلى ربِّنا فيُريحنا من هذا المقام» .. إلى آخر هذا الكلام؛ كالصريح في حصول التعب للمؤمنين في هذا المقام، مع أنَّ الظاهر أنَّ المسلمين لا تعبٌ عليهم أصلاً في هذا المقام ولا في غيره، إنَّما المرادُ الانتقالُ إلى منازلهم في الجنَّة وما اشتاقوا إليه من نعيمِها. (5/215)
صفحة 1832
ولم يذكر الشيخ تبغورين بن عيسى في الشفاعة إلاَّ استراحة من هول الموقف، حيث قال: فإذا فرغوا من الحساب استأذن المسلمُون من يشفع لهم إلى الله أن يأذن لهم إلى منازلهم في الجنَّة فطلبوا آدم .. الخ. بل كلامُه قبل ذلك في الصراط يدلُّ على أنَّ المسلمين لا تعبٌ لهم يوم القيامة أصلاً، كما يدل عليه القرآن حيث قال في الردِّ على القوم في قولهم إنَّ الصراط كحدِّ السيف ما نصُّه: وقال أهلُ الحديث والحشوية إنَّ الصراط مضروبٌ على جسرِ جهنَّم كحدِّ السيف، فوصفوه كما يعقلونَ فيمُرُّ الناس عليه بعضُهُم كالريح القاصِف، والآخرُ كالبرق اللامع، والآخر كأسرع الدَّواب، والآخر يضبط على بطنِه، والآخر ساقطٌ في النار ..
وهذا من تزيين الشيطان لهم في أحاديثِهِم، وكيف يكونُ هذا في المسلمين بعد قول الله عزَّ وجلَّ: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمانِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [مريم:85،86]، وقال: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} [الأنبياء:102]، أم كيف يكون المؤمن مضبطًا على بطنه، وقد قال الله في كتابه {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:62]، وما وصفهم به من الغضارة والنضرة، وليس الأمرُ على ما وَصَفَته الحشوية والحمد لله، إلى أن قال: ولكنَّ الصراط المستقيم هي دينُ الله المقيم الذي افترضه الله على عباده، والعدل الذي أنزلَه وهو دقيقٌ لا يوافق الملك ولا الهوى ولا الشهوات ولذلك يشبِّهونه بحدِّ السيف المرهَف وضبتِهِ، والشفرة الرقيقة الدقيقة فلا يميِّزها إلاَّ ذووا الحجا والنُّهى والبصيرة النافذة مع عون الله وتوفيقه .. الخ.
أقول: وممَّا يدلُّ على أنَّ المسلمين ليس عليهم شيءٌ من أهوال الآخرة وإن كانوا يشاهِدُونَها، قولُه عزَّ وجلَّ: {لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاَكْبَرُ} [الأنبياء:103]، وقوله: {الأَخِلآءُ يَوْمَئِذٍم بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ اِلاَّ الْمُتَّقِينَ يَا عِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلآ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} [الزخرف:67،68]، وقوله: {إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا} [فصلت:30]، وقوله: {وُجُوهٌ يَّوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ} [عبس:38،39]، وقوله: {وُجُوهٌ يَّوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22،23] أي منتظرة متى يُؤذَن (5/216)
صفحة 1833
لها في دخول الجنَّة، إلى غير ذلك من الآيات الدَّالة على أنَّ المسلم لا حرجٌ عليه يوم القيامة في موطنٍ من المواطن، لأنَّ الله لا يجمع على شخصٍ واحدٍ أمنين أو خوفين، بل من أمن في الدنيا خاف في الآخرة، ومن خاف في الدنيا أمِنَ في الآخرة، وفي الحديث: ”لا راحة للمؤمن دون لقاء ربِّه“، إلى غير ذلك من الأحاديث، فالظاهر أنَّ معنى قول المسلمين عند طلب الشفاعة: ”فيُريحنا من هذا المقام“ أي لما فيه من النظر إلى الأهوال، وأن يصل إليهم منها شيءٌ لأنَّهم آمنون مطمئنُّون، جعلنا الله منهم، آمين.
قولُه في إبراهيم: «فيقولُ إنِّي أستحي من لقاء ربي»؛ لم يذكر في رواية المصنِّف رحمه الله ما اعتذر به إبراهيمُ عليه السلام، وفي كُتُب قومنا في ذلك روايات؛ منها في البخاري: ”ويذكر خطيئته“؛ قال ابن حجر: زاد مسلم ”التي أصاب فيستحى ربَّه منها“. وفى حديث أبي بكر: ”ليس ذلكم عندي“. وفي رواية همَّام: ”إني كذبت ثلاث كذبات“، زاد شيبان في رواية: ”إني سقيم“. وقوله: ”فعلَهُ كبيرُهم هذا“، وقوله لامرأته: ”أخبريه إنِّي أخوك“. وفي رواية أبي نضرة من أبي سعيد: ”فيقول إنِّي كذبت ثلاث كذبات“، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ما منها كذبةٌ إلاَّ ما حَلَّ بها عن دين الله. و”مَا حَلَّ“ بمهملة بمعنى حاول وزنه ومعناه، إلى أن قال: ”قال البيضاوي: والحقُّ أنَّ الكلمات الثلاث إنَّما كانت من معاريض الكلام، لكن لما كانت صورتها صورة الكذب أشفَقَ منها استصغارًا لنفسه عن الشفاعة مع وقوعها، لأنَّ من كان أعرف بالله وأقرب إليه منزلةً كان أعظم خوفًا.
قولُه: «فأمشي بين سماطين من المؤمنين»؛ قال في الصحاح والسِّمَاطَان من النخل والناس الجانبان، يُقال مشى بين السماطين .. الخ.
قولُه: «فأقرعُ باب الجنَّة فإذا فُتِح لي» .. الخ؛ تقدَّم عن ”المواهب“ الحكمةُ في انتقاله من مكانه إلى الجنَّة.
قولُه: «يعني أوجب عليه الخلود في النار»؛ وهم المشركون وأهل الكبائر عندنا، وأمَّا عند غيرنا فإنَّهم وسَّعوا الدائرة. (5/217)
صفحة 1834
قال في البخاري في آخر الحديث: ”فأرفع رأسي فأحمَدُ ربِّي بتحميدٍٍ يُعلِّمنِيه ثم أشفع فيحُدُّ لي حدًّا، ثم أُخرِجُهُم من النار فأُدخِلُهم الجنَّة، ثم أعود فأقع ساجدًا مثله في الثالثة أو الرابعة حتَّى ما يبقى في النار إلاَّ من حبَسَهُ القرآن“، فكان قتادة يقول عند هذا، أي وجب عليه الخلود. قال ابن حجر في قوله: ”ثُمَّ أُخرِجُهُم من النار“ قال الداودي: كان راوي هذا الحديث ركَّب شيئًا على غير أصله، وذلك أنَّ في أوَّل الحديث ذكرُ الشفاعة في الإراحةِ من كُرَب الموقف، وفي آخره ذكر الشفاعة في الإخراج من النَّار، وذلك إنَّما يكون بعد التحوُّل من الموقف، والمرور على الصراط، وسقوط من يسقط في تلك الحالة في النار، ثم تقع بعد ذلك الشفاعةُ في الإخراج، وهو إشكالٌ قويٌّ وقد أجاب عنه عيَّاض وتبعه النووي وغيره إلى آخر ما أطال فيه، ولا حاجة لنا به.
قولُه: «قال أهلُ العلم هو المقامُ المحمود» .. الخ؛ هذا هو الراجح. وذكر فيه في ”المواهب“ أربعة أقوال؛ قال: وقال ابن الجوزي الأكثرُ على أنَّ المرادَ بالمقام المحمودِ الشفاعةُ، وادَّعى الإمام فخر الدين الاتفاقَ عليه. القول الثاني قال حذيفة: يجمع الله الناس في صعيدٍ واحدٍ فلا تُكَلِّم نفسٌ، فأوَّل مدعوٍ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، فيقول: ”لبَّيكَ وسعدَيكَ، والخيرُ في يَدَيك والشرُّ ليس إليك، والمهتدِي من هَدَيتَ، وعبدُك بين يديك وبك وإليك، ولا ملجأ منك إلاَّ إليك تباركت وتعاليت سبحان ربِّ البيت“. قال هذا هو المراد من قوله تَعالى: {عَسَى أَنْ يَّبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}، رواه الطبراني. إلى أن قال الراوي: والقولُ الأوَّل أولى لأنَّ سعيه في الشفاعة يُفيد إقدام الناس على حمده فيصير محمودًا، وأمَّا ما ذكر من الدعاء فلا يُفيد إلاَّ الثواب، أمَّا الحمد فلا .. إلى آخر ما أطال فيه. قال ابن حجر بعد كلام طويل على هذا الحديث ما نصُّه: قال عيَّاض استدلَّ بهذا الحديث على من جوَّز الخطايا على الأنبياء لقول كل من ذكر فيه ما ذكر. وأجاب عن أصل المسألة بأنَّه لا خلاف في عصمتهم من الكفر بعد النبوءة وكذا قبلها على الصحيح. وكذا القول في الكبيرة على التفصيل المذكور يلتحق بها ما يزري بفاعله من الصغائر. (5/218)
صفحة 1835
وكذا القولُ في كلِّ ما يقدح في الإبلاغ من جهة القول. واختلف في الفعل فمنعَهُ بعضُهُم حتَّى في النسيان، وأجاز الجمهورُ السهو لكن لا يحصُلُ التمادي. واختلفوا فيما عدا ذلك كلِّه من الصغائر؛ فذهب جماعةٌ من أهل النظر إلى عصمتهم منها مطلقًا، وأوَّلوا الأحاديث والآيات الواردة في ذلك بضروبٍ من التأويل.
إلى أن قال: قال عيَّاض وجميع ما ذكر في حديث الباب لا يخرج عمَّا قلنا لأنَّ أكل آدم من الشجرة كان عن سهوٍ، وطلب نوحٍ نجاةَ ولدِه كان عن تأويلٍ، ومقالات إبراهيم كانت معاريضَ وأراد بها الخير، وقتيلُ موسى كان كافرًا .. كما تقدَّم بسطُ ذلك، والله أعلم. وفيه جواز إطلاق الغضب على الله، والمراد به ما يظهر من انتقامه ممَّن عصاه وما شاهده أهلُ الموقِف من الأهوال التي لم يكن مثلُها ولا يكون، كذا قرَّرَه النووي. وقال غيرُه: المراد بالغضب لازِمَهُ، وهو إرادةُ إيصالِ السوء للبعض، وقولُ آدم ومن بعده: ”نفسي نفسي“، أي نفسي هي التي تستحقُّ أن يُشفَع لها، لأنَّ المبتدأ والخبر إذا كانا متَّحدين فالمرادُ به بعض اللوازم، ويُحتمل أن يكون أحدُهما محذوفًا. وفيه تفضيلُ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم على جميع الخلق، لأنَّ الأنبياء والرسل والملائكة أفضلُ ممَّن سِِواهم، وقد ظهر فضلُه في هذا المقام عليهِم. قال القرطبي: ولولم يكن في ذلك إلاَّ الفرق بين من يقول: ”نفسي نفسي“ وبين من يقول: ”أمَّتي أمَّتي“ لكان كافيًا. وفيه تفضيلُُ الأنبياء المذكورين فيه على من لم يذكر فيه لتأهيلهم لذلك المقام العظيم دون من سواهم. وقد قيل إنَّما اختصَّ المذكورُون بذلك لمزايا أخرى لا تتعلَّق بالتفضيل. فآدم لكونه والدُ الجميع، ونوحٌ لكونه الأبَ الثاني، وإبراهيم للأمر باتِّباع ملَّتِه، وموسى لأنَّه أكثر الأنبياء تابعًا، وعيسى لأنَّه أولى الناس بنبيئنا صلَّى الله عليه وسلَّم، كما ثبت في الحديث الصحيح. ويحتمل أن يكون اختُصُّوا بذلك لأنَّهم أصحابَ شرائعٍ عُمِلَ بها مِن بين مَن ذكر أوَّلا ومن بعده. (5/219)
صفحة 1836
وفي الحديث من الفوائد غير ما ذُكِر، أنَّ من طَلَب من كبيرٍ أمرًا مهمَّا، ينبغي أن يُقدِّم بين سؤاله وصف المسؤول بأحسن صفاتِه وأشرف مزاياه ليكون ذلك أدعى لإجابة سؤالِه.
وفيه أنَّ المسؤول إذا لم يقدر على تحصيل ما سُئِل يتعذَّر بما يُقبَل منه، ويدلُّ على من يظنُّ أنَّه يَكمُل في المقام من ذلك، فالدالُّ على الخير كفاعِلِه، وأنَّه يُثنِي على المدلولِ عليه بأوصافِه المقتضية لأهليَّتِه، ويكون أدعى لقبول عُذرِه في الامتناع. إلى أن قال: وفيه العملُ بالعامِّ قبل البحث عن المخصَّص، أخذًا من قضية نوحٍ في طلب نجاة وَلَدِه وقد يتمسَّك به من يرى بعكسه. وفيه أنَّ الناس يوم القيامة يستصحبون حالَهم في الدنيا من التوسُّل إلى الله في حوائِجِهم بأنبيائهم، والباعثُ على ذلك الإلهام كما تقدَّم في صدر الحديث. وفيه أنَّه يستشير بعضهم بعضًا ويجتمعون على الشيء المطلوب وأنَّه يُغطَّى عليهم بعض ما علِمُوه في الدنيا، لأنَّ في السائلين من سمع هذا الحديث، ومع ذلك فلا يستحضر أحدٌ منهم أنَّ ذلك المقام يختصُّ به نبيئنُا صلَّى الله عليه وسلَّم، إذ لو استحضروا ذلك لسألوه من أوَّل وهلة ولما احتاجوا إلى التردُّد من نبيءٍ إلى نبيء. ولعلَّ الله تعالى أنساهم ذلك للحكمة التي ترتَّبت عليه من إظهار فضل نبيئنا صلَّى الله عليه وسلَّم، كما تقدَّم تقريره.
قولُه: «لمَّا نزلت هذه الآية: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ} [الشعراء:214]، جعل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم» .. إلخ؛ قال في القواعد واختلفوا في حدِّها يعني القرابة. فقال قومٌ: هي ما دون خمسة آباء، لما رُوِي أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا نزلت عليه {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ} دعا من دَعَاه من بطون قريش فأنذرهم. ويُقال إنَّه اتَّخذ طعامًا فدعاهم إلى أربع درجاتٍ، واختلفوا في الخامس .. الخ.
قولُه: «إلى أربع درجات»؛ به جزمٌ في الإيضاح في تفسير هذه الآية قال: وهو يقدر أن يدعو ممَّن يناسبه أكثر من ذلك. (5/220)
صفحة 1837
وذكر أنَّه هو قول ابن محبوب رحمه الله، وقال البيضاوي: روي أنَّه لمَّا نزلت صعد الصفا وناداهم فخذًا فخذًا حتى اجتمعوا إليه فقال: ”لو أخبرتُكم أنَّ بسفح هذا الجبل خيلاً لكنتم مُصَدِّقيَّ؟ قالوا: نعم. قال: فإنِّي نذيرٌ لكم بين يَدَي عذابٍ شديد“ .. الخ. وإنَّما خصَّ الأقربين بالذكر مع أنَّه نذيرٌ للناس كافَّة لأنَّ الاهتمام بشأنِهم أهمُّ، والله أعلم.
قولُه: «فإنِّي لا أُغنِي عَنكُما من الله شيئًا»؛ زاد بعده في شرح النونية كما تقدَّم، فكيف يطمع أهلُ الكبائر المصرُّون عليها مع هذا في شفاعةِ الرسول عليه السلام. نسألُ الله تعالى بجودِه وكرمِه أن يجعلنا من أهل شفاعة نبيئِه عليه ا لسلام.
قال: هذا ما تيسَّر جمعُه نفع الله به المسلمين، وجعله خالصًا لوجهه، ومُوجِبًا للفوز بما لديه إنَّه على ذلك قدير. وبالإجابة جدير ... آمين والحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العليِّ العظيم، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم. (5/221)
صفحة 1838
[صفحة بيضاء] (5/222)
صفحة 1839
الفهارس (5/223)
صفحة 1840
[صفحة بيضاء] (5/224)
صفحة 1841
[صفحة لم ترقن] (5/225)
صفحة 1842
[صفحة لم ترقن] (5/226)
صفحة 1843
[صفحة لم ترقن] (5/227)
صفحة 1844
[صفحة لم ترقن] (5/228)
صفحة 1845
[صفحة لم ترقن] (5/229)
صفحة 1846
[صفحة لم ترقن] (5/230)
صفحة 1847
[صفحة لم ترقن] (5/231)
صفحة 1848
[صفحة لم ترقن] (5/232)
صفحة 1849
[صفحة لم ترقن] (5/233)
صفحة 1850
[صفحة لم ترقن] (5/234)
صفحة 1851
[صفحة لم ترقن] (5/235)
صفحة 1852
[صفحة لم ترقن] (5/236)
صفحة 1853
[صفحة لم ترقن] (5/237)
صفحة 1854
[صفحة لم ترقن] (5/238)
صفحة 1855
[صفحة لم ترقن] (5/239)
صفحة 1856
[صفحة لم ترقن] (5/240)
صفحة 1857
[صفحة لم ترقن] (5/241)
صفحة 1858
[صفحة لم ترقن] (5/242)
صفحة 1859
[صفحة لم ترقن] (5/243)
صفحة 1860
[صفحة لم ترقن] (5/244)
صفحة 1861
[صفحة لم ترقن] (5/245)
صفحة 1862
[صفحة لم ترقن] (5/246)
صفحة 1863
[صفحة لم ترقن] (5/247)
صفحة 1864
[صفحة لم ترقن] (5/248)
صفحة 1865
[صفحة لم ترقن]
[صفحة لم ترقن] (5/249)
صفحة 1866
[صفحة لم ترقن] (5/250)
صفحة 1867
[صفحة لم ترقن] (5/251)
صفحة 1868
[صفحة لم ترقن] (5/253)
صفحة 1869
[صفحة لم ترقن] (5/254)
صفحة 1870
[صفحة لم ترقن] (5/255)
صفحة 1871
[صفحة لم ترقن] (5/256)
صفحة 1872
[صفحة لم ترقن] (5/257)
صفحة 1873
[صفحة لم ترقن] (5/258)
صفحة 1874
[صفحة لم ترقن] (5/259)
صفحة 1875
[صفحة لم ترقن] (5/260)
صفحة 1876
[صفحة لم ترقن] (5/261)
صفحة 1877
[صفحة لم ترقن] (5/262)
صفحة 1878
[صفحة لم ترقن] (5/263)
صفحة 1879
[صفحة لم ترقن] (5/264)
صفحة 1880
[صفحة لم ترقن] (5/265)
صفحة 1881
[صفحة لم ترقن] (5/266)
صفحة 1882
[صفحة لم ترقن] (5/267)
صفحة 1883
[صفحة لم ترقن] (5/268)
صفحة 1884
[صفحة لم ترقن] (5/269)
صفحة 1885
[صفحة لم ترقن] (5/270)
صفحة 1886
[صفحة لم ترقن] (5/271)
صفحة 1887
[صفحة لم ترقن] (5/272)
صفحة 1888
[صفحة لم ترقن] (5/273)
صفحة 1889
[صفحة لم ترقن] (5/274)
صفحة 1890
[صفحة لم ترقن] (5/276)
صفحة 1891
[صفحة لم ترقن] (5/277)
صفحة 1892
[صفحة لم ترقن] (5/278)
صفحة 1893
[صفحة لم ترقن] (5/279)
صفحة 1894
[صفحة لم ترقن] (5/280)
صفحة 1895
[صفحة لم ترقن] (5/281)
صفحة 1896
[صفحة لم ترقن] (5/282)
صفحة 1897
[صفحة لم ترقن] (5/283)
صفحة 1898
[صفحة لم ترقن] (5/284)
صفحة 1899
[صفحة لم ترقن] (5/285)
صفحة 1900
[صفحة لم ترقن] (5/286)
صفحة 1901
[صفحة لم ترقن] (5/287)
صفحة 1902
[صفحة لم ترقن] (5/288)
صفحة 1903
[صفحة لم ترقن] (5/289)
صفحة 1904
[صفحة لم ترقن] (5/290)
صفحة 1905
[صفحة لم ترقن] (5/291)
صفحة 1906
[صفحة لم ترقن] (5/292)
صفحة 1907
[صفحة لم ترقن] (5/293)
صفحة 1908
[صفحة لم ترقن] (5/294)
صفحة 1909
[صفحة لم ترقن] (5/295)
صفحة 1910
[صفحة لم ترقن] (5/296)
صفحة 1911
[صفحة لم ترقن] (5/297)
صفحة 1912
[صفحة لم ترقن] (5/298)
صفحة 1913
[صفحة لم ترقن] (5/299)
صفحة 1914
[صفحة لم ترقن] (5/300)
صفحة 1915
[صفحة لم ترقن] (5/301)
صفحة 1916
[صفحة لم ترقن] (5/302)
صفحة 1917
[صفحة لم ترقن] (5/303)
صفحة 1918
[صفحة لم ترقن] (5/304)
صفحة 1919
[صفحة لم ترقن] (5/305)
صفحة 1920
[صفحة لم ترقن] (5/306)
صفحة 1921
[صفحة لم ترقن] (5/307)
صفحة 1922
[صفحة لم ترقن] (5/308)
صفحة 1923
[صفحة لم ترقن] (5/309)
صفحة 1924
[صفحة لم ترقن] (5/310)
صفحة 1925
[صفحة لم ترقن] (5/311)
صفحة 1926
[صفحة لم ترقن] (5/312)
صفحة 1927
[صفحة لم ترقن] (5/313)
صفحة 1928
[صفحة لم ترقن] (5/314)
صفحة 1929
[صفحة لم ترقن] (5/315)
صفحة 1930
[صفحة لم ترقن] (5/316)
صفحة 1931
[صفحة لم ترقن] (5/317)
صفحة 1932
[صفحة لم ترقن] (5/318)
صفحة 1933
[صفحة لم ترقن] (5/319)
صفحة 1934
[صفحة لم ترقن] (5/320)
صفحة 1935
[صفحة لم ترقن] (5/321)
صفحة 1936
[صفحة لم ترقن] (5/322)
صفحة 1937
[صفحة لم ترقن] (5/323)
صفحة 1938
[صفحة لم ترقن] (5/324)
صفحة 1939
[صفحة لم ترقن] (5/325)
صفحة 1940
[صفحة لم ترقن] (5/326)
صفحة 1941
[صفحة لم ترقن] (5/327)
صفحة 1942
[صفحة لم ترقن] (5/328)
صفحة 1943
[صفحة لم ترقن] (5/329)
صفحة 1944
[صفحة لم ترقن] (5/330)
صفحة 1945
[صفحة لم ترقن] (5/331)
صفحة 1946
[صفحة لم ترقن] (5/332)
صفحة 1947
[صفحة لم ترقن] (5/333)
صفحة 1948
[صفحة لم ترقن] (5/334)
صفحة 1949
[صفحة لم ترقن] (5/335)
صفحة 1950
[صفحة لم ترقن] (5/336)
صفحة 1951
[صفحة لم ترقن] (5/337)
صفحة 1952
[صفحة لم ترقن] (5/338)
صفحة 1953
[صفحة لم ترقن] (5/339)
صفحة 1954
[صفحة لم ترقن] (5/340)
صفحة 1955
[صفحة لم ترقن] (5/341)
صفحة 1956
[صفحة لم ترقن] (5/342)
صفحة 1957
[صفحة لم ترقن] (5/343)
صفحة 1958
[صفحة لم ترقن] (5/344)
صفحة 1959
[صفحة لم ترقن] (5/345)
صفحة 1960
[صفحة لم ترقن] (5/346)
صفحة 1961
[صفحة لم ترقن] (5/347)
صفحة 1962
[صفحة لم ترقن] (5/348)
صفحة 1963
[صفحة لم ترقن] (5/349)
صفحة 1964
[صفحة لم ترقن] (5/350)
صفحة 1965
[صفحة لم ترقن] (5/351)
صفحة 1966
[صفحة لم ترقن]
نم بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه طبع هذا الكتاب
حاشية الترتيب
بأجزائه الخمسة بمطابع دار البعث بقسنطينة الجزائر
في شهر رمضان من عام خمسة عشر وأربعمائة وألف 1415 من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم الموافق لشهر فيفري 1995
والحمد لله رب العالمين (5/352)