صفحة 1
الكتاب: دروس من مسند الربيع ومدونة أبي غانم
المؤلف: خالد بن مبارك الوهيبي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] دروس من مسند الربيع ومدونة أبي غانم
في فقه الصلاة (1)
تعتبر الصلاة عمود الدين ورأسه بعد أركان الإيمان قال الله تعالى في وصف المؤمنين: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) وقال تعالى: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).
وهي من الميثاق الذي طالب الله تعالى بها الأمم السابقة قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ).
وكان تضييعها من أسباب الخسران المبين في الدنيا والآخرة قال تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً) وقال: (ما سلككم في سقر* قالوا لم نك من المصلين)
لذا كانت الصلاة الركن الذين يأتي مجاوراً لمفهوم الجملة وما يتعلق بتفسيرها الاعتقادي، لذا حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم الصلاة للناس ولم يتركهم إلا وهي كاملة مستقرة (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً).
هكذا صلى الله النبي صلى الله عليه وسلم: (1/1)
صفحة 2
كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي خمس صلوات في اليوم والليلة، ويرى كل أحد نبي الأمة صلى الله عليه وسلم يصلي فيتعلمون منهم الصلاة (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهي عبادة تمارس كل يوم فرضاً ونفلاً؛ لذا كان المستبعد جداً بل من الممتنع أن تكون هنالك أمور أو صلوات معينة خص بها أناس دون آخرين.
فعلى هذا تكون الصلاة وهيئتها مما نقل بالتواتر العملي، أي نقلها عبر العمل المتواصل جيلاً بعد جيل، لأنها ليست من الأمور التي تخفى على أحد.
وقد مرت الصلاة بمراحل متعددة حتى استقرت بالكيفية التي نعرفها؛ شأنها شأن كثير من التشريعات التي أخذت حيزها الزمني حتى ترسخ في حياة الناس، جاء في المدونة ج1 ص47-48 :(سألت الربيع فقلت: أوَ أرد السلام على الرجل إذا سلّم عليّ وأنا في الصلاة؟.
قال: لا؛ وكذلك قال أبو المؤرج، وروى لي عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلّم عليه أحد وهو في الصلاة رد عليه السلام، فسلم عليه رجل وهو يصلي فلم يرد عليه شيئاً، فظن الرجل أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما منعه من رد السلام عليه سخطه له، فجلس الرجل حتى انصرف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أعوذ بالله ونبيه من سخطهما، سلمت عليك يا نبي الله فلم ترد عليّ شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن في الصلاة لشغلاً"، قال أبو المؤرج: ومن أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام ناسخ ومنسوخ، والقرآن قد نسخ بعضه بعضاً، وقد فعل النبي عليه الصلاة والسلام أشياء مثل هذا ورجع عنها)، ومن تلك الأمور:
1. أن الصلاة كانت ركعتين فزيدت في الحضر وبقيت في السفر، كما دل على ذلك حديث السيدة عائشة رضي الله عنها. (1/2)
صفحة 3
2. أن بعض صور الكلام لم تمنع ابتداء في الصلاة كرد السلام والحديث البسيط كما دلت على ذلك كثير من الأحاديث منها الحديث المعروف بحديث ذي اليدين في مسند الإمام الربيع، وكذا الحديث المشهور عنه صلى الله عليه وسلم: (إن صلاتنا هذه لا يصح فيها شيء من كلام الآدميين).
ثم منعت كل هذه الأمور وصارت الصلاة إلى وضع الاستقرار وهي التي تناقلها الناس عملياً (قد أفلح المؤمنون*الذين هم في صلاتهم خاشعون).
وكذا الحال بالنسبة للصلوات، فالصلوات الخمس علمت للجميع ومورست عملياً، وكذا السنن المؤكدة، علمت للناس وواظب النبي صلى الله عليه وسلم عليهن ورغب الناس في إتيانهن كالوتر وركعتي الفجر وصلاة العيد، وكذا الحال بالنسبة للصلوات المندوبة؛ التي رغب الناس فيهن وكانت درجة الترغيب والممارسة أقل من السنن المؤكدة، ووصل علم ذلك للجميع، فليست هناك صلوات يخص بها أناس دون آخرين، إنما هي مما يعلم للجميع.
لذا فثبوت هيئات الصلاة وكذا الصلوات يجب أن يكون في أعلى درجات الثبوت العلمي، خاصة بعد دخول المسلمين في نفق الصراع السياسي الذي صبغ كثيراً من الأمور بطابعه المميز.
دروس في الصلاة:
من أوائل المدارس الإسلامية التي نشأت في القرن الأول الهجري المدرسة الجابرية، التي أرسى دعائمها عدد من فقهاء التابعين على رأسهم الإمام الكبير جابر بن زيد رضي الله عنه، وهذه المدرسة كان لها منهجها الخاص في التعامل مع النص باختلاف القضايا المطروحة، ومن الكتب التي دونت آراء منظري تلك المدرسة:
- مسند الإمام الربيع بن حبيب
- مدونة أبي غانم الخراساني، وهو تلميذ الربيع وابن عبدالعزيز وأبي المؤرج.
- أصول الدينونة الصافية لعمروس بن فتح وهو تلميذ أبي غانم.
وقضية هيئة الصلاة كانت من ضمن القضايا التي ناقشوها ووضعوا لها ضوابط واضحة ومحددة سواء في الثبوت أو الدلالة، ومن دراسة العديد من النصوص التي أثرت عنهم تبين لنا الآتي: (1/3)
صفحة 4
1. هيئات الصلاة الأساسية والمتعلقة بهيكلها ودعامتها الأساسية يجب أن تثبت بالتواتر العملي كعدد الركعات وهيئة الركعة من قيام وركوع وسجود، وهذا القدر مما اتفقت الأمة عليه ومارسته عملياً.
2. ما يتعلق بتفصيلات هذه الدعائم يجب أن يثبت بالسنن المجتمع عليها (=هي التي وصل علمها للجميع وإن كانت بطريق الآحاد) التي يدعمها عمل الأمة المتواصل.
ومن خلال دراسة هيئة الصلاة المنقولة عنهم لم توجد بحسب البحث أي جزئية انفردوا بها عن غيرهم، بل وجد عند غيرهم الانفراد بكثير من القضايا التي تعد زيادة على الهيئة المعروفة للصلاة.
ومن خلال الاستقراء للنصوص التي تؤيد هذا التحليل:
1. خلو المسند والمدونة وهما معتمدهم في الحديث من روايات الحركة والكلام في الصلاة، بحيث رفضوا الروايات التي خالفت الأصل العملي في وجوب الخشوع في الصلاة، وهي الهيئة التي استقرت عليها الصلاة تحقيقاً لقول الله تبارك وتعالى: (قد أفلح المؤمنون*الذين هم في صلاتهم خاشعون).
يقول في ذلك شيخنا القنوبي حفظه الله في برنامج سؤال أهل الذكر: (وهذه المسائل التي جاءت في السؤال لا يمكن أن يقال بأنها من المسائل التي تخفى على بعض العلماء أو بأنه رووها من قبل ولكنه قد عزبت عنهم فيما بعد؛ لأن هذه من المسائل التي تتكرر في سبعة عشر ركعة في اليوم الواحد، وذلك في الفرائض فضلاً عن السنن والنوافل فلا يمكن أن يدعي مدع بأنها قد عزبت عن حفظهم أو أنهم لم يشاهدوا الصحابة بأنهم كانوا يفعلون ذلك، مع أن بعضهم كالإمام جابر بن زيد رحمه الله ورضي عنه وأرضاه قد صلى مئات بل آلاف الصلوات مع صحابة رسول لله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعاش معهم فترة طويلة جداً لا يمكن أن يقال بأنه لم يشاهد ذلك).
ومن أمثلة الروايات التي رفضت لم يقبلوها لمخالفتها هذا الأصل العملي: (1/4)
صفحة 5
o ما روي عن عائشة أنها قالت ثم استفتحت الباب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تطوعاً والباب في القبلة، فمشى النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه أو عن يساره حتى فتح الباب ثم رجع إلى الصلاة.
o عن حذيفة قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ.
o روايات القنوت في الصلاة (=لعن الخصم السياسي أثناء الصلاة) لمخالفتها هذا الأصل العملي، ولكونها من كلام الآدميين الذي لا يصح في الصلاة، إنما هو الذكر والتسبيح وقراءة القرآن، وقد رووا ذلك عن فقهاء الصحابة كما في مسند الربيع (300) (301).
o أيضاً ما روي من أدعية كثيرة في مواضع من الصلاة من مثل ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي)، وسبب عدم قيام بنيان فقههم على تلك الروايات هو تعويلهم على الأصول العملية في الصلاة وفراغهم منها مبكراً، لذا تجد ما عندهم في الصلاة هي بعينها السنن المجتمع عليها، دون الحاجة للتفتيش عن روايات تحت ثلوج (سيبيريا) وبلاد (الاسكيمو).
- وقد تحمل مثل هذه الروايات على تقدير صحتها على ما كان عليه الأمر قبل استقرار هيئة الصلاة، جاء في المدونة ج1 ص43: (سألت حاتم بن منصور: من أين أصلي سجدتي الوهم؟ فسره لي.
قال: حدثني غير واحد ممن أثق به من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه يوماً فنسي بعض صلاته، فلما انصرف قال له بعضهم: يا نبي الله؛ لقد صليت بنا كذا وكذا أفحدث في الصلاة شيء أم أمرت فيها بشيء؟.
قال: "أوَ قد فعلت؟" قالوا: نعم. قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: "أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، وإذا نسيت فذكروني". (1/5)
صفحة 6
واستقبل القبلة بعد كلامهم إياه وكلامه إياهم، فصلى بهم ما كان نسي وبنى على ما كان صلى، ثم سجد سجدتي الوهم وهو قاعد، ولم يقرأ فيها ولم يركع، ولكنه حين فرغ منها تشهد وسلّم.
وهما تسميان المرغمتين، وهم بإذن الله يصلحان ما كان قبلهما من السهو والنسيان.
قال أبو المؤرج: هذا حديث منسوخ لا يؤخذ به، وقد وجب على من تكلم في صلاته أن يعيد الصلاة).
2.تعويلهم في إثبات هيئات الصلاة على السنن المجتمع عليها والتي يدعمها عمل الأمة المتواصل، ولو فتش الباحث في الأصول المنقولة عنهم وما توارثته الأجيال من أعمالهم لوجد أنهم لم يجاوزا هذه القاعدة على الإطلاق، وهذا الأمر جلب عليهم نقمة من جاءوا من بعد من إخوانهم المسلمين ممن دونوا الأحاديث حيث درجوا على دمغهم (بإنكار السنة)، في حين أنهم كانوا أحرص الناس على (تنقية السنة) والذب عن حياضها.
o جاء في المدونة ج1 ص26-27: (قال أبو المؤرج: أما الركوع فيقول: "سبحان ربي العظيم" وأما في السجود فيقول: "سبحان ربي الأعلى" فإذا سجدت فضع كفيك للسجود، وقل حين تطأطئ رأسك للسجود: "الله أكبر" وإذا رفعت رأسك فقل: "الله أكبر" وإذا كنت في أول ركعة تريد القيام فانهض قائماً حين ترفع رأسك من السجدة الأخيرة قبل أن تستوي جالساً، وإذا كانت الركعة الثانية فاجلس، وتشهد في كل ركعتين تجلس فيها من الصلاة المكتوبة أو التطوع)، وفي ج1 ص27:(مما سألتهم عنه وأخبرني من سألهم عنه: سألتهما: عن التكبير والقراءة والركوع والسجود. قال الربيع: حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة كبر حين يقوم فيها، وإذا ركع كبر، وإذا طأطأ رأسه في السجود كبر، وإذا رفع رأسه من السجود كبر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا كله. قلت: أيقرأ في الأولى والعصر بشيء غير الفاتحة؟. قالوا جميعاً: لا؛ إلا بفاتحة الكتاب سراً فيما بينك وبين نفسك). (1/6)
صفحة 7
o وجاء في أصول الدينونة الصافية ص91: (وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنن الصلاة بقيامها وركوعها وسجودها وتشهدها. أول ما نفتتح بالتكبير ويقرأ في القيام بفاتحة الكتاب وحدها سراً في الأولى والعصر، وفي الثالثة من المغرب، والركعتين الأخيرتين من العشاء، ويقرأ في الركعتين الأولتين من المغرب سورة من القصار مع فاتحة الكتاب، وفي الأولتين من العشاء بسورة مع فاتحة الكتاب، ويستحب من ذلك ما يبلغ عشر آيات، وكذلك في الصبح).
o وترون من هذه النصوص النقل للهيئة العملية للركوع والسجود والقراءة من واقع السنن المجتمع عليها مما (دعم بالعمل المتواصل من الأمة).
o في المقابل تجد الروايات التي لم (يؤيدها العمل) وليست (من السنن المجتمع عليها) تقدم شكلاً مغايراً لهذا النقل العملي، من ذلك:
1. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني.
2. عن ابن عمر قال: قلت لبلال: كيف رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا وبسط كفه.
3. وعن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً (=أي يقعد بعد السجدة الثانية في الركعة الأولى والثالثة، وهي ما عرفت بجلسة الاستراحة!).
3. ما كان معبراً عن الهيئات المكملة لبنية الصلاة وهيكلها العام عولوا فيه على طرقهم الخاصة التي يثقون بها عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم:
- جاء في مدونة أبي غانم ج1 ص91-92: (سألت أبا المؤرج وأبا سعيد عن صلاة الفطر والأضحى؟.
قالوا جميعاً: يستفتح بتكبيرة الافتتاح، ثم يكبر أربع تكبيرات يوالي بينهن، ثم يقرأ ويكبر ويركع ويسجد، فإذا فرغ من قراءته الثانية كبر ثلاث تكبيرات، ثم يكبر التي يركع بها، ويركع ويسجد. (1/7)
صفحة 8
قال أبو المؤرج: وهذا أحسن ما سمعت من أبي عبيدة، والذي كان عليه رأيه، وقد كان يجيز التكبير بتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، إنما يجعل الشفع أولا والوتر آخراً.
قال: وإن كبرت بتسع فكبر في الأولى أربعاً وفي الآخرة خمساً، وإن كبرت إحدى عشرة فكبر أولاً ستاً ثم تستفتح القراءة، ثم تقرأ وتسجد، فإذا نهضت قائماً فاقرأ، فإذا فرغت من قراءتك فكبر خمساً.
وإن كبرت ثلاث عشرة فكبر أولاً خمساً ثم تركع وتسجد، فإذا نهضت قائماً فاقرأ، فإذا فرغت من قراءتك فكبر خمساً، ثم تركع فإذا رفعت رأسك من الركوع فكبر ثلاثاً، ولا يكبر بعد الركوع إلا الذي يكبر بثلاث عشرة تكبيرة.
قال أبو المؤرج: قال أبوعبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس: كل ما وصفت لك من هذا التكبير في صلاة الفطر والأضحى كله جائز على حال ما وصفت لك).
o وكذا صلاة العيد من السنن المجتمع عليها، وأيضاً هيكلها العام من ركعتين تؤديان بتكابير معينة.
o لكن اختلف الرواة في عدد التكبيرات، فلم يثبت لدى فقهاء المدونة الذين تلقوا السنة عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم عدد معين يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مع مواظبته صلى الله عليه وسلم عليها وحرص الناس على أدائها معه.
o لذا عولوا على الروايات التي جاءت من طرقهم الموثوقة عن الصحابة رضي الله عنهم في عدد التكبيرات. (1/8)
صفحة 9
- جاء في مسند الإمام الربيع (194) أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف ركعتين بركوع واحد في كل ركعة، وكذا جاء في مدونة أبي غانم ج1 ص 105-106: (قال حاتم بن منصور: حدثني من أثق به أن ابن النبي صلى الله عليه وسلم توفي يوم انكسفت الشمس قال أناس من الناس: إنما انكسفت الشمس لموت ابن النبي عليه الصلاة والسلام وتحدثوا في ذلك، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: "أيها الناس؛ إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت بشر، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فاذكروا الله وادعوه" ثم هبط وصلى بالناس ركعتين رفع فيهما صوته بالقراءة).
o من المعلوم أن صلاة الكسوف من السنن المجتمع عليها، وصلاها النبي صلى الله عليه وسلم بهيئة واحدة، لكن اضطربت فيها الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن قائل صلى بركوعين في كل ركعة، ومن قائل بثلاث ركوعات في كل ركعة، ومن قائل ومن قائل بأربعة في كل ركعة، ومن قائل بخمسة (=راجع نيل الأوطار ص 708-715 ط دار ابن حزم)، وفقهاء المدونة عولوا على طرقهم التي يثقون بها ورووا أنه صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين كما هو شأن الصلاة المعهودة، يقول الشيخ السالمي في معارج الآمال ج12 ص53: (وإنما اختار أصحابنا الوجه الأول لما روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه، فقام قياماً طويلاً، فقرأ نحواً من سورة البقرة، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم سجد، ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف وقد انجلت الشمس).
(ملاحظة هامة: النقول من مدونة أبي غانم موثقة من طبعة وزارة التراث، لكن في هذه الطبعة سقط وأخطاء، لذا اعتمدنا على مخطوطة دار الكتب المصرية في ضبط النصوص). (1/9)
صفحة 10
دروس من مسند الربيع ومدونة أبي غانم
في فقه الصلاة (2)
ذكرنا في الحلقات السابقة بعضاً من القواعد العامة في إثبات هيئات الصلاة، معتمدين في ذلك على المنهج الذي قمنا باستقرائه من صنيع فقهاء المدونة.
وفي هذه الحلقة سنقوم –إن شاء الله تعالى- بدراسة لبعض القضايا المطروحة على ضوء المنهج الذي تعامل به فقهاؤنا الأوائل رحمهم الله تعالى.
الاستقراء:
الاستقراء عبارة عن توليد المعرفة الكلية من المعرفة الجزئية، فالفقه المعتمد على منظومة القواعد والأحكام المستنبطة من خلال النظر في آيات الله في الوحي والكون ثم استبطانها في تفسير النصوص والتعامل مع القضايا المستجدة هو الذي يضبط الأحكام المأخوذة من النصوص المجتزئة.
فالمعرفة المتولدة من النظر في نصوص مفردة مجتزئة لا يؤدي في كثير من الأحيان سوى إلى بعثرة المعرفة وتضاربها، وفي تصوري أن ما يناقشه المتكلمون عبر التاريخ من إشكالات (تعارض العقل والنقل) و(تعارض المصلحة مع النص) هو نتاج تعارض:
1. النظرة المجتزئة للنص عن المنظومة الكلية للنصوص.
2. والنظرة الكلية المستنبطة من خلال النظر في آيات الله في الوحي والكون ثم استبطانها في تفسير النصوص والتعامل مع القضايا المستجدة.
بل حتى الذين وقعوا في تشبيه البارئ تبارك وتعالى واقعون في هذا الإشكال، فهم قد نظروا إلى نصوص مجتزئة عن سياقها العام (وأخر متشابهات) ولم يعملوا عقولهم في فهم (الكليات) الدالة على تنزيه الله تبارك وتعالى (منه آيات محكمات هن أم الكتاب)، فوقعوا فيما وقعوا فيه.
وتتحدد منهجية النظرة الكلية بالخطوات التالية:
1. تحديد النصوص المرتبطة بالموضوع من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
2. تحليل النصوص.
3. تعليل النصوص بالنظر إلى مناط الأحكام المرتبطة بالنصوص.
4. استقراء المعاني الكلية للنصوص وصياغتها وفق عدد من القواعد العامة.
5. عرض النصوص الآحادية على هذه القواعد المتحصلة. (1/10)
صفحة 11
6. اعتماد هذه القواعد المتحصلة لفهم الواقع المتجدد، وهو ما يعرف في أصول الفقه بتحقيق المناط.(راجع كتاب إعمال العقل، لؤي صافي).
تطبيقات:
- روى الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله في مسنده: باب (48) جامع الصلاة، الحديث (294) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بالآنك والشبه) قال الربيع: الآنك القصدير والشبه الصفر الأحمر.
والآنك الذي فسره الإمام الربيع بالقصدير هو الرصاص الخالص ويقال الرصاص الأسود، والشبه هو الصفر الأحمر وهو النحاس فيما يبدو.
قال الشيخ السالمي في شرح المسند ج1 ص 422: (وإنما نهى عن الصلاة في الآنك والشبه لأنهما من حلية أهل النار، وفي معناهما الحديد وجميع أنواع النحاس).
وهذا الرأي الذي رآه الشيخ السالمي رحمه الله في تعليل النهي الوارد عنه صلى الله عليه وسلم مستنده الحديث الذي رواه أصحاب السنن من طريق عبدالله بن بريدة عن أبيه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من شبه فقال: (ما لي أجد منك ريح الأصنام؟) فطرحه، ثم جاء وعليه خاتم من حديد، فقال: (ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟) فطرحه، فقال: يا رسول الله من أي شئ اتخذه؟ قال: (اتخذه من ورق).
واستناداً إلى هذا الحديث قال بعض الفقهاء بعدم جواز لبس الخاتم أو الساعة أو أي شئ معدني في الصلاة وهؤلاء دائرون ما بين الكراهة والتحريم، وذهب آخرون إلى عدم جواز لبس أي شئ معدني على الإطلاق.
اختبار العلة:
الحديث الذي روي في مسند الربيع لم يوضح الراوي فيه علة النهي، وإنما ذهب من ذهب من الفقهاء إلى أن علة النهي هي أن الشبه والحديد وبقية المعادن هي حلية أهل النار اعتماداً على الرواية التي أوردها أصحاب السنن.
لكن لنأتي لتطبيق المنهج المقترح:
- تحديد النصوص الواردة في الموضوع:
1. قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ). (1/11)
صفحة 12
2. قال تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ).
3. قال تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ).
4. قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ*أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).
5. قال تعالى: (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ).
6. قال تعالى: (إِذِ الأغلال فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ).
7. ورد عنه صلى الله عليه وسلم: (من شرب في آنية الذهب أو الفضة فكأنما يجرجر في جوفه نار جهنم).
8. ورد عنه صلى الله عليه وسلم: (أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحُرم على ذكورهم).
- نقوم بدراسة الحيثيات الواردة في كل هذه النصوص وفحص درجة الانسجام الداخلي فيما بينها.
1. الآية (1): جاءت في مقام الامتنان من الله تبارك وتعالى على عباده بإنزال الحديد، الذي جعل الله تعالى فيه المنافع الجمة للناس.
2. الآية (2): أيضاً جاءت في سياق الامتنان على العباد بأن جعل لهم سرابيل تقيهم الحر وسرابيل تقيهم بأس بعضهم وهذا بالطبع يشمل الدروع وما شابهها من آلات معدنية.
3. الآية (3): يذكر الله سبحانه عبده داود عليه السلام وما أنزل عليه من نعم، ومن تلكم النعم تعليمه الصناعات الحربية المعدنية، والآية استعملت لفظة (لبوس) للتعبير عما يلبس من الدروع المعدنية.
4. الآية (4): أيضاً في مقام ذكر النبي داود عليه السلام كان مما أمره به سبحانه أن يعمل بصناعة الدروع السابغات وهي دروع معدنية بالطبع.
5. الآية (5): فيها ذكر لبعض صنوف عذاب أهل النار ومنها ضربهم بمقامع الحديد. (1/12)
صفحة 13
6. الآية (6): فيها ذكر لحال أهل النار-والعياذ بالله- وما يتعرضون له من صنوف العذاب الذي لا يطاق، ومن ذلك السلاسل التي تشملهم ويسحبون بها أشبه ما تكون بالحلي التي تلبس.
7. الحديث (7): فيه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب في أواني الذهب والفضة وكما يظهر فإن النهي إنما هو لأجل مظهر الترف الفاحش في استعمال هذه الأشياء في الشرب ونحوه.
8. الحديث (8): فيه إباحة لبس الذهب والحرير للنساء وتحريمهما على الرجال، وكما يظهر فإن ذلك من أجل احتفاظ كل جنس بمقوماته وكيانه الخاص، الأنوثة بمعانيها الرقيقة اللينة اللطيفة، والرجولة بمعانيها من الصلابة والقوة.
وعليه فيمكن تقسيم هذه الدلالات إلى ثلاث مجموعات:
1. إباحة الانتفاع بالمعادن في شتى المجالات: النصوص (1)، (2)، (3)، (4).
2. تعذيب أهل النار ببعض المعادن: النصوص (5)، (6).
3. تحريم استعمال بعض المعادن في بعض الأغراض: النصوص (7)، (8).
والسؤال الآن: ما هي درجة الانسجام الداخلي بين هذه المجموعات فيما يختص باختبار العلة في الرواية التي نحن بصددها؟.
في (1): إباحة الانتفاع بالمعادن في شتى المجالات.
في (2): تعذيب أهل النار ببعض المعادن.
- الدلالتان ورادتان في كتاب الله عز وجل، وتعذيب أهل النار بالحديد أو بأي معدن آخر كما جاء في كتاب الله عز وجل لم يؤد إلى تحريم لبس الحديد ولا غيره، بل جاء فيه (وأنزلنا الحديد فيه بأ س شديد ومنافع للناس)، ومن المعلوم أن قانون الآخرة غير قانون الدنيا، ففي الآخرة يعذب الناس بالحديد وفي الدنيا ينتفعون به.
- فعلى هذا تكون العلة الواردة في الرواية المشار إليها غير معتبرة في كتاب الله تعالى. (1/13)
صفحة 14
- أضف إلى ذلك أن الآيات القرآنية الكريمة تصرح بلبس الحديد وأنه من جملة نعم الله على الإنسان منها قوله تعالى: (أن اعمل سابغات) وقوله تعالى: (صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم)، والدروع تلبس وتلامس الصدر والظهر والساعدين والرأس كما هو شأن لبس الدروع من قديم الزمان.
- ونستأنس لهذا الكلام بأن هذه الرواية فيها كلام في إسنادها وضعفها بعضهم (انظر فتح البارئ ج10 ص 323، ط دار المعرفة بيروت).
كيف نفهم الحديث؟
رأينا أن العلة التي جاءت في الرواية عند أصحاب السنن غير معتبرة في كتاب الله، والسؤال الآن كيف نفهم الحديث الذي جاء في مسند الربيع عن ابن عباس قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بالآنك والشبه)؟.
- المنهج المقترح هو تفعيل النظرة الكلية المستنبطة من خلال النظر في آيات الله في الوحي والكون ثم استبطانها في تفسير النصوص والتعامل مع القضايا المستجدة.
وهذا الحديث يدخل ضمن منهيات الصلاة التي لا تتعلق بهيئتها الأصلية، بل بأمور خارجة عنها، وأهم النصوص الواردة فيها:
1. ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة في المقبرة ولا في المنحرة ولا في معاطن الإبل ولا في قارعة الطريق).
2. ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (لا يتحرى أحدكم أن يصلي عند طلوع الشمس أو عند غروبها).
3. ما جاء عنه عليه السلام أنه نهى أن يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين.
4. ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (لا يصلي أحدكم وهو عاقص شعره خلف قفاه).
5. ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من قوله لعائشة: (أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي).
ومن دراسة وتحليل هذه النصوص يتبين أن:
1. الحديث (1): دال على النهي عن الصلاة في بعض الأماكن لقذارتها أو لكونها مؤدية إلى التعلق والاستعانة بغير الله تعالى. (1/14)
صفحة 15
2. الحديث (2): دال على النهي عن الصلاة في بعض الأوقات، وقد جاء في بعض الروايات الأخرى أن النهي لأجل التشبه بأهل الأوثان في عبادتهم.
3. الحديث (3): دال على النهي عن صلاة الرجل وهو يدافع الأخبثين، لئلا يشتغل قلبه عن الصلاة والخشوع فيها.
4. الحديث (4): دال على النهي عن الصلاة في هيئة عقص الشعر، لئلا تتبعثر خصلات الشعر يمنة ويسرة وتشغل المصلي عن صلاته.
5. الحديث (5): فيه تعليل صريح من النبي صلى الله عليه وسلم لإزالة القرام التي فيها تصاوير لأنها شغلته عن الصلاة.
- بعدها يمكننا تقسيم هذه الدلالات إلى ثلاث مجموعات:
1. عدم الاشتغال بشيء عن الصلاة.
2. عدم الصلاة في الأماكن القذرة.
3. عدم الصلاة في الأماكن التي يمكن أن تؤدي الصلاة فيها إلى الاستعانة والتعلق بغيره سبحانه.
وعليه فإن حديث النهي عن الصلاة بالآنك والشبه:
1. لا يمكن حمله على كون أن الآنك والشبه من حلية أهل النار لما تقدم بيانه.
2. ولا يمكن حمله على كون أن الآنك والشبه هما من جملة القذارات والنجاسات لأنهما طاهران، وهذا يدركه كل عاقل.
3. ولا يمكن القول كذلك بأن لبسهما في الصلاة أو غيرها يؤدي بالإنسان إلى التعلق أو الاستعانة بغيره سبحانه، إذ لا رابط بينهما.
4. ولا يمكن القول كذلك بأن المنع هنا أمر تعبدي محض (=غير معقول المعنى)، لأن هذه القضايا في جملتها معقولة المعنى، والأمور التعبدية المحضة نجدها عند الاستقراء لا تخرج عن نطاق النصوص الثابتة بالتواتر أو النقل المجتمع عليه وهي قضايا محددة معروفة، كالتيمم والغسل من الجنابة وعدد ركعات الصلاة وما شابهها، في حين أن هذه القضايا الثابتة بالنقل الآحادي لا يمكن أن ترتقي لهذه المنزلة، فتحتاج منا إلى بحث في عللها من خلال الاستقراء الكلي.
- إذن الوجه اللائق بأصول الشريعة الغراء ومقاصدها أن يحمل النهي في الحديث على الاشتغال عن الصلاة. (1/15)
صفحة 16
- وهذا الحكم في مثل هذه الأمور كلبس الساعة مثلاً لا يلزم حالة واحدة في كل الأشخاص، فمنهم من لا تؤثر عليه هذه الأشياء ولا يحس بها أبداً، ومنهم من يحس بها بشكل طفيف، ومنهم من تسبب له إزعاجاً وقلقاً شديداً، فيختلف الحكم باختلاف هذه الحالات من الإباحة مروراً بالكراهة وانتهاء بالمنع، وكل أدرى بحال نفسه.
دروس من مسند الربيع ومدونة أبي غانم
في فقه الطهارة
كثير من الأبواب الفقهية تحتاج لضم فروعها وجزيئاتها مع بعضها والخروج بقواعد عامة تجمع شتاتها وتكون صالحة للتطبيق مع أي مستجد في بابها، وهذه هي الطريقة الناجحة في تعليم الناس الفقه بدلاً من حشو أذهانهم بفروع مبعثرة مفككة، وهي طريق لنقل الثقافة من النظرة\ التجزيئية إلى الرؤية التكاملية.
طرق الاستقراء
وهذه القواعد تستخلص من خلال إجراء عمليات الاستقراء على النصوص، والاستقراء هو عبارة عن توليد المعرفة الكلية من المعرفة الجزئية، وقد أسهم علماء المسلمين في تطوير عدد من طرائق الاستقراء، ومن أهم طرق الاستقراء المعروفة:
1. الطرد: وتهدف إلى تحديد الحيثيات المصاحبة للظاهرة المدروسة وملاحظة حضورها.
2. العكس: وتهدف إلى تعيين الحيثيات التي يتساوق غيابها مع غياب الظاهرة المعينة.
3. الدوران: وتهدف إلى الجمع بين الإجراءين المتبعين في الطرد والعكس.
4. السبر والتقسيم: وهي طريقة طورها علماء المسلمين عن القياس الشرطي المنفصل، واعتمدها الفقهاء في بحوثهم الفقهية بكثرة لتحديد مناط الحكم، وتعتمد هذه الطريقة على حصر الأسباب الممكنة ثم استبعادها واحدة تلو الأخرى.
5. التغيرات المتزامنة: وتهتم هذه الطريقة بالتغير الكمي للحيثيات بدلاً من الاهتمام بتساوق حضورها أو غيابها، ولنجاح هذه الطريقة لا بد من:
- التعرف على جميع الحيثيات المصاحبة للظاهرة.
- توفر المزيج الناسب من الحيثيات. (1/16)
صفحة 17
وقد وظفت هذه الطريقة في البحث في الطبيعيات، وقد أحدثت قفزة هائلة في العلوم الطبيعية، فما يقرؤه طلاب المدارس في كتب الفيزياء والكيمياء من مصطلحات التناسب العكسي (inversely proportional) والتناسب الطردي (directly proportional) ما هو وصف لهذه التغيرات الكمية للحيثيات كما في ثلاثية: الضغط والحجم ودرجة الحرارة.(انظر كتاب إعمال العقل، لؤي صافي).
وسنحاول إن شاء الله تعالى استخدام بعض هذه الطرائق في الأحاديث الواردة في آداب قضاء الحاجة للخروج بقواعد عامة كلية تحكم الموضوع بحركته وتفاعلته المستمر مع الحياة.
كتاب الطهارة في مسند الربيع
لم يوجد في مدونة أبي غانم التي وصلت إلينا باب للحديث عن آداب قضاء الحاجة، وفي مسند الربيع رويت 9 أحاديث في كتاب الطهارة: باب الاستجمار.
- والظاهرة التي سنحاول دراستها في هذا الباب هي (القواعد العامة الكلية) لآداب قضاء الحاجة، محاولين تحديد الحيثيات في الأحاديث (77-86) من المسند.
1. الحديث (77) (85) "لا تستقبلوا القبلة ببول أو غائط"، وحديث ابن عمر (78) "دخلت على حفصة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً بين لبنتين مستدبر الكعبة مستقبلاً بيت المقدس".
- الحيثية: تنزيه المقدسات عن الاستقبال والاستدبار.
2. الأحديث (80) (81) (83): أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بثلاثة أحجار، ونهى عن عن الروث والرمة" وقال عن الروثة: إنها ركس.
- الحيثية: الاستنجاء بالطاهر المنظف لا بالنجس وغير المنظف، وكذا ضرورة إزالة النجاسة والتطهر منها.
3. الحديث (83): نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن البول والغائط في الأجحرة.
الحيثية: النهي عن البول في الأجحرة إما لأجل: الضرر الذي يلحق بالإنسان من دواب الأرض وهوامها الموجودة فيها كما هو رأي الكثير من الفقهاء، أو لأجل أنها مساكن الجن! كما هو رأي البعض منهم وهو المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما. (1/17)
صفحة 18
4. الحديث (84): كان من أدب النبي صلى الله عليه وسلم في قضاء الحاجة أن لا يكشف إزاره حتى يقرب من الأرض، ومر به رجل وهو يريد البول فسلم عليه فلم يرد عليه السلام.
الحيثية: الستر والصيانة وعدم الاشتغال بشيء أثناء قضاء الحاجة.
وبجمع الحيثيات التي حصلنا عليها في دراسة الظاهرة، تظهر لنا القواعد العامة الكلية في قضاء الحاجة وهي:
- الستر والصيانة ومراعاة الأخلاق.
- التطهر من النجاسة وإزالتها.
- تنزيه المقدسات عن الاستقبال والاستدبار.
- الاستنجاء بالطاهر والمنظف لا بالنجس وغير المنظف.
- اجتناب الضرر في قضاء الحاجة.
- عدم الاشتغال بشيء أثناء قضاء الحاجة.
قراءة في القواعد العامة الكلية:
هذه القواعد التي استخلصناها من باب الاستجمار في مسند الربيع بن حبيب تمثل الخطوط العريضة لآدب قضاء الحاجة، وهذه الأحاديث في هذا الباب على قلتها شكلت بمجموعها هذه الخطوط العريضة، وهي المعول عليها في الحكم على مستجدات الحياة في هذا الباب.
توجد أحاديث أخرى في هذا الباب رويت في غير مسند الربيع ومدونة أبي غانم، لكنها عند النظر لا تخرج عن نطاق هذه القواعد؛ سواء كان باندراجها تحت بند العمليات المشهورة التي مارستها الأمة عبر أجيالها المتعاقبة أو كونها تمثل جزئيات مكتنزة للنصوص القرآنية، من ذلك:
1. ما روي عن أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج لحاجته أجئ وأنا غلام معنا إدواة من ماء). (1/18)
صفحة 19
ينبغي أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى جعل الطهارة من سمات المؤمنين وخصالهم التي يحبها سبحانه فيهم (والله يحب المطهرين)، وجعل سبحانه وتعالى الماء طهرة للبشر أجمعين مما يلاقونه من قذر ونجس (وأنزلنا من السماء ماء طهوراً) (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ)، لذا فمما عملت به الأمة واستقر عليه فقهها الاستنجاء بالماء اقتداء برسولها صلى الله عليه وسلم، والفقه الإباضي بجناحيه المشرقي والمغربي منذ وقت مبكر يرى وجوب استخدام الماء في الطهارة من هذه القذارات تحقيقاً لمدلولات الكتاب العزيز وجرياً على ما استقر عليه عمل الأمة في ذلك.
2. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا اللاعنين، الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم).
هذه الأمور التي جاءت في هذه الأحاديث لا تخرج عن دلالات الكتاب العزيز قال تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) فالآية تنهى عن إيقاع الفساد(=التلوث) بالبيئة، ولا شك أن إلقاء الإنسان لهذه النجاسات في هذه الأماكن يلحق ضرراً بالبيئة المحيطة به، كذا من استقراء نصوص الشريعة نعلم أن الضرر ممنوع، فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام، بل الأحاديث الواردة في النهي عن البول في الأجحرة هي في حقيقتها نهي عن إيقاع الضرر بالنفس، فلم تخرج هذه الأحاديث عن القواعد العامة الكلية في الكتاب والسنة.
3. عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه). (1/19)
صفحة 20
هذا الحديث يدخل ضمن نطاق الأخلاق الإسلامية التي تأمر بالتيامن في الطيبات والمباحات، وتنزيهها عن النجاسات والقذارات، إذ إن اليمين يأكل بها الإنسان ويتناول بها حاجاته، وتعريضها لمثل هذه الأمور بُعد عن مقتضيات الفطرة السليمة والخلق الإسلامي الرفيع، وهي من البدهيات الإسلامية التي تمارس وفق حركة الحياة المعتادة، فالله تبارك وتعالى يقول: (والله يحب المطهرين)، ومن تمام الطهارة وكمالها عدم تعريض اليمين للنجاسة والقذارة.
الفقه أولاً
هذه القواعد العامة الكلية تمثل الفقه السليم للنصوص المتناثرة هنا وهناك في هذه المسألة، لذا فمجرد النظر في الأسانيد وكتب الرجال غير كاف لاستخلاص الأحكام في هذه القضية وغيرها، فالفقه المعتمد على منظومة القواعد والأحكام المستنبطة من خلال النظر في آيات الله في الوحي والكون ثم استبطانها في تفسير النصوص هو الذي يضبط الأحكام المأخوذة من النصوص المجتزئة، وكذا القضايا المستجدة.
ولتوضيح ذلك دعوني أضرب لكم بعض الأمثلة:
1. يذكر الكثير من الفقهاء النهي عن استقبال الريح، لكن قد يوجد بعض المتحمسين ممن يقول إن ذلك مما لم يثبت بالسنة شأنه شأن استقبال الشمس والقمر؛ ثم يأخذون في سرد من ضعفه!.
لكن القضية ليست في صحة الإسناد أو ضعفه –مع أهمية هذا الجانب بالطبع-، بقدر ما هو الفقه لهذه المسائل، فمن المعلوم أن استقبال الريح يؤدي إلى تطاير شرر البول إلى الثياب، وهو ما يؤدي إلى التأثير على الوضوء والصلاة معاً، فلا صلاة بغير طهور، وقاعدتنا الأساسية في ذلك هي (التطهر من النجاسة وإزالتها). (1/20)
صفحة 21
2. جاء في بعض الروايات عنه صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الملاعن الثلاثة، البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل) وأخرج آخرون عنه صلى الله عليه وسلم النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة وضفة النهر الجاري من حديث ابن عمر، والروايتان ضعفهما المشتغلون بعلوم الحديث (انظر بلوغ المرام ص 33 ط دار ابن حزم).
ولا غبار على هذا الحكم من الناحية النظرية المتعلقة بقضايا الإسناد، لكن للفقه نظر آخر يتعلق بالقواعد العامة الكلية لآداب قضاء الحاجة، فما يمكن أن يؤدي إلى إلحاق الضرر بالبيئة أو الإنسان يمنع، ومرجع ذلك للبحث الكوني في هذه القضايا.
فمثلاً: البول على ضفاف الأنهار ومصادر المياه عموماً يؤدي إلى تلويثها والتأثير على أحد مكونات الحيات المهمة (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس).
وكذا مسألة قضاء الحاجة تحت الأشجار: المثمرة وغير المثمرة تحتاج لمزيد من البحث الكوني للتحقق ما إذا كان ذلك يلحق الضرر بالأشجار أو لا؟، مع ملاحظة أن قضاء الحاجة في أماكن تجمع الناس وممارستهم لحياتهم هو من ممارسة الفساد في الأرض.
3. عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء فقال: (إن الله يثني عليكم)، فقالوا: (إنا نتبع الحجارةَ الماءَ). وأهل الخبرة بالآثار يقولون إن هذه الرواية لم تصح، ويقولون إن الجمع بين الحجارة والماء لم يصح فيه حديث قط!.
والفقه في هذا لا يُعنى فقط بصحة الرواية إسناداً، لكن ينظر في القواعد العامة الكلية التي يأتي في مقدمتها إزالة النجاسة والتطهر منها قال الله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء طهوراً) (والله يحب المطهرين)، فما يمكن أن يؤدي إلى التطهر من هذه النجاسات قيل به دون الحاجة إلى رواية تصح أو لا تصح، لذا فالفقه الإباضي يقول بمشروعية الجمع بين الماء والمنظفات الجامدة: إما استحباباً كالمشارقة أو وجوباً كالمغاربة.
فقه معاصر (1/21)
صفحة 22
من خلال تتبعنا للأحاديث الواردة في قضاء الحاجة نجد أنها لا تخرج في تطبيقاتها عن إطارها الزمني وطبيعتها الجغرافية مع اشتمالها على القواعد العامة الكلية، فلا يماري عاقل أن استعمال الحجارة وقضاء الحاجة في الخلاء والنهي عن البول في الأجحرة هي مفردات فرضتها البيئة الجغرافية بوضعيتها الزمنية، لكن تستخلص منها القواعد العامة الكلية التي تمثل السقف المناسب للتطبيقات عبر الزمان والمكان.
وفي زماننا هذا انتقلت البشرية من قضاء الحاجة في الخلاء إلى دورات المياه، فلم تعد لتلك التطبيقات التي يذكرها الفقهاء في كتبهم حاجة إلا في أضيق النطاق.
والفلسفة المعاصرة في بناء هذه الدورات تقوم على أمور منها:
1. إهمال الجانب الأخلاقي.
2. السرعة.
فترى أن هذا النوع من دورات المياه يغشاها الرجال والنساء معاً!، وهي مفتوحة من عدة جوانب لا تكاد تستر من فيها، بحيث إن الموجود بالخارج يستطيع رؤية من بالداخل بانحناءة بسيطة!، وكذا الحال بالنسبة إلى المراحيض التي توضع في دورات المياه مكشوفة يبول فيها (رجل العصر السريع!) أمام الناس!.
فعلى هذا يجب أن تكون دورات المياه التي نتصورها بناء على القواعد العامة الكلية لآداب قضاء الحاجة:
1. الستر عن أعين الناس.
2. وجود المنظفات فيها، وأهمها الماء.
3. تجنب إيقاع الضرر بالبيئة بإيجاد مواصفات مناسبة لشبكات الصرف الصحي المتصلة بهذه الدورات.
وعلى مرتاد هذه الدورات بناء على القواعد العامة الكلية:
1. مراعاة الجانب الأخلاقي من الستر ونحوه.
2. إزالة النجاسة بالمنظفات كالماء.
3. عدم الاشتغال بشئ أثناء قضاء الحاجة لئلا تصل النجاسة إلى ثيابه.
ويشترط في المنظف المستعمل بناء على هذه القواعد:
1. الطهارة.
2. القدرة على إزالة النجاسة.
3. أن لا يكون مضراً.
الاجتهاد في (قضاء الحاجة):
هل بالإمكان الاجتهاد في قضايا (آداب قضاء الحاجة)؟، الناس في ذلك متباينون: (1/22)
صفحة 23
- البعض قد يضيع السنوات في هذه القضايا من خلال منهج تجزيئي يفوت عليه فرصة الرؤية التكاملية، وهذا مسلك غير محمود.
- وآخرون فرطوا في كل شيء ورفضوا الولوج فيما يسمونه (بفقه دورات المياه)!.
- والوسط هو الدراسة المنهجية القائمة على إيجاد القواعد العامة الكلية من مجموع النصوص في الكتاب والسنة في هذا الباب واستبطانها في دراسة القضايا المتجددة بفعل حركة الحياة.
دروس من مسند الربيع ومدونة أبي غانم
مع فقهاء المدرسة الجابرية
جاءتني بعض الملاحظات من بعض الإخوان الطيبين حفظهم الله تعالى عما نشرته حول المسند والمدونة تتلخص في التالي:
1. أنني لا اعتمد في الحديث سوى على المسند والمدونة.
2. وأنني قد أقترب أو أصل إلى حد الرفض لكل التراث الحديثي في الكتب الأخرى.
وأنا أشكر هؤلاء الإخوة على ملاحظاتهم القيمة، وقبل كل شيء أحب أن أنوه بأنني لست ممن يعول على كلامه، فأنا لا أصلح أن أكون طالب علم فضلاً عن أن يؤخذ مني شيء، وما أكتبه لا يعد سوى مشاركة من أحد أفراد الفئة البسيطة في المجتمع في تفاعل مع تراث الأمة، وهي من النصيحة لله ورسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.
لماذا العناية بالمسند والمدونة؟
بعض الإخوة لم يفهم من العناية الكبيرة بالمسند والمدونة سوى إنكار ماعداه!، ولا أدري لماذا؟، وهذا يعود في نظري إلى ثلاثة عوامل:
1. جانب سيكولوجي: يتمثل في العقلية الموسوسة التي لا ترى إلا بعين الشك والريبة.
2. سيادة المناهج المتأخرة، التي قد تفارق قليلاً أو كثيراً المناهج المتقدمة.
3. الخلط بين الضوابط القائمة على المنهج العلمي وبين الإنكار، وهذا سببه عدم الوعي بخصائص الحقل المعرفي للمناهج المختلفة.
وعنايتنا بمسند الربيع ومدونة أبي غانم مرده إلى:
1. أنهما يمثلان تراث المدرسة الإباضية الأولى في الحديث والفقه، والفقه الإباضي في بنيته الأساسية انبنى على القرآن الكريم وعلى هذين الكتابين. (1/23)
صفحة 24
2. كونهما من الكتب التي قدمت منهجاً أصولياً وحديثياً راقياً لعلماء التابعين وتابعي التابعين كجابر وأبي عبيدة وجعفر بن السماك والحتات بن كاتب وسالم بن ذكوان وضمام بن السائب وصالح الدهان والربيع بن حبيب وابن عبدالعزيز وأبي المؤرج وأبي المهاجر ومخلد بن العمرد ووائل بن أيوب ومحبوب بن الرحيل وغيرهم.
3. تمثل الأحاديث الواردة في الكتابين مجمل الأحاديث المتداولة داخل المدرسة الإباضية الأولى، والتي تمثل الركائز الأساسية للتشريع النبوي.
المدرسة الجابرية عند الشيخ أحمد بن سعود السيابي:
ونقل هذه الركائز كان نتاج جهود تنقية وتصفية قائمة على الفهم العميق لمنهج التشريع الإسلامي، وقد نبه الشيخ أحمد بن سعود السيابي على أن (المذهب نشأ على مسمع ومرأى من الصحابة، وكان للمذهب في ذلك الوقت علماء عديدون منهم صحار بن العباس العبدي وجابر بن زيد وجعفر بن السماك والحتات بن كاتب وعبدالله بن إباض وأبو نوح صالح الدهان).
وكان في طليعة هؤلاء (التابعي الكبير الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني الذي أجمعت الأمة على توثيقه ولم يطعن فيه طاعن، وقد أخذ العلم عن عدد كبير من الصحابة كأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وعبدالله بن عمر وأبي هريرة وعبدالله بن عباس رضي الله عنهم، وروى عن أمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثنى عليه الصحابة ثناء لم ينله أحد غيره). انظر رسالة الرفع والضم للشيخ أحمد بن سعود السيابي.
من هذا النقل يتبين لنا أن الشيخ السيابي حفظه الله يرى أن:
1. الركائز الأساسية للتشريع الإسلامي للمدرسة التي قام عليها المذهب الإباضي وهي التي يسميها بالمدرسة الجابرية تكونت وتبلورت منذ وقت مبكر (على مسمع ومرأى من الصحابة).
2. المدرسة الجابرية تتمثل في (جيل كامل) من العلماء الذين أخذوا عن الصحابة الكرام وليسوا مجرد (فرد)، تعاونوا جميعاً في نقل وترسيخ الركائز الأساسية للتشريع. (1/24)
صفحة 25
3. نقلة الأحاديث التي تمثل ركائز التشريع هم الفقهاء العارفون بالظروف والملابسات، لذا جنبوا رواياتهم في طابعها العام المثيولوجيا الإسرائيلية والحالات الظرفية والروايات السياسية.
فهذا هو بالضبط ما دعانا لإبراز هذا التراث العظيم وتقديمه للناس في دراسة مقارنة مع إنتاج بقية المدارس الإسلامية الأخرى.
مع فقهاء المدرسة الجابرية:
والمدرسة الجابرية خلفت للأجيال تراثاً حديثياً من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وهذا التراث تمثل في كتابين هما: مسند الإمام الربيع ومدونة أبي غانم الخراساني.
وتتميز الأحاديث الواردة في الكتابين في طابعها العام بـ:
1. تساوقها مع دلالات الكتاب العزيز والسنة المتواترة.
2. تعبيرها عن السنن المجتمع عليها، وهي القدر المتفق عليه والذي دعمه العمل المتواصل من الأمة.
وإليكم نماذج من ذلك:
1. في كتاب الصيام من مدونة أبي غانم (=المدونة الموجودة بدار الكتب المصرية، مرقونة) ص 7: (قال أبو سعيد عبدالله بن عبدالعزيز سألت أبا عبيدة عن رجل أكل أوشرب أو جامع ناسياً صومه في رمضان.
قال سألت أبا الشعثاء جابر بن زيد عن ذلك فقال: لا قضاء عليه.
ثم قال عبدالله بن عبدالعزيز: مضت السنة وأجمعت الأمة بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أطعمه الله وسقاه").
2. وفي نفس الكتاب ص 40 من كلام أبي المؤرج: (السنة المجتمع عليها في الصوم أن يدع الصائم الطعام والشراب والرفث كله لله نهاراً).
3. وفي نفس الكتاب ص 63 من كلام أبي المؤرج: (والسنة المجتمع عليها أن الله جعل وقتاً للفريضة، ولم يجعله وقتاً لصيام التطوع).
4. وفي نفس الكتاب ص 71 من كلام أبي المؤرج: (والسنة المجتمع عليها أن الشمس إذا غابت فقد ذهب النهار وجاء الليل، والسنة أن الصوم بالنهار وليس بالليل).
5. وفي نفس الكتاب ص 83 من كلام أبي المؤرج: (والسنة المجتمع عليها أن الحائض لا صوم لها وعليها عدة من أيام أخر). (1/25)
صفحة 26
السنة عند فقهاء المدونة:
ذكر أخونا الفاضل عبدالله بن صالح الخالدي في تعقيبه على سلسلة (كيف نتعامل مع السنة) الذي نشرته جريدة الوطن أن السنة هي (مجموعة المبادئ المحددة للرؤية القرآنية التي تجلت في ممارسات الرسول صلى الله عليه وسلم وأقواله)، وقال بأن التعريف المتداول جيد لكن فيه بعض القصور، وعندما أمعنت النظر في كلام فقهاء المدونة وجدت أن مصطلح السنة عندهم جاء بمعنى:
1. مجموعة المحددات والمبادئ الثاوية في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله المعبرة عن القيم القرآنية (=كليات متولدة من جزئيات مترابطة)، ففي كتاب الصيام من المدونة ص43: (والسنة عندنا أن الله أحل الميتة والدم ولحم الخنزير لمن اضطر إليها وخاف على نفسه)، ومن المعلوم أن حلية الميتة والدم والخنزير للمضطر جاءت منصوصة عليها في كتاب الله تعالى، لكنه عبر بالسنة هنا عن المحددات والمبادئ الثاوية في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله المعبرة عن الرؤية القرآنية.
وأيضاً قال أبو المؤرج في ص 42 من نفس الكتاب: (والأمر عندنا ما ذكرت لك لأن السنة عندنا أن من دخل في شيء يتقرب به إلى الله من الحج والصلاة فليس له أن يخرج منه)، ومن المعلوم أن هذا المعنى الذي عبر عنه هو عبارة عن محددات ومبادئ في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله والتي تعبر عن المبادئ القرآنية وهي ها هنا قوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم).
2. الفعل أو القول النبوي المنسجم مع مجموعة المحددات والمبادئ العامة (=جزئيات منسجمة مع كلياتها).
قال أبو المؤرج في ص 62 من نفس الكتاب: (والسنة في الرؤية عند غروب الشمس وليس كبره ولا صغره بشيء، ولو كان الكبر والصغر يدل على الهلال ما قال النبي صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته عند غروب الشمس، وليس لرؤيته بالنهار شيء). (1/26)
صفحة 27
وقال في ص 73: (والسنة أن من أفطر قبل أن تغيب الشمس وهو يرى أنها قد غابت فليصم حتى تغيب الشمس، وعليه قضاؤه، وقد جاء الحديث بذلك من غير وجه واحد).
من كل ذلك نستنتج أن:
1. الركائز الأساسية للتشريع قد استقرت أصولها لدى فقهاء المدرسة الإباضية الأولى (= المدرسة الجابرية) وأنها بذلك قد استغنت عن البحث في أصول غيرها مما تفردت به المدارس الإسلامية الأخرى، يقول عمرو النامي في دراسات عن الإباضية ص143: (وبإنقضاء ثلاثة عقود من القرن الثاني للهجرة كانت الآراء الإباضية بخصوص معظم المسائل الشرعية والدينية قد استقرت)، وقال في ص 131: (ولم يعتمد الفقه الإباضي في تاريخه الطويل إلا على مواد إباضية مروية من قبل علماء إباضيين).
2. بتعاملها المباشر مع الكتاب العزيز والسنة المتواترة والسنن المجتمع عليها التي دعمها العمل المتواصل للأمة جنبت الأجيال تسرب شتى المرويات المخالفة للثابت المستقر من النصوص، ووفر لها الغطاء الشرعي للحكم على شتى المرويات التي نزلت عن هذا المستوى.
وهذا بالضبط ما دعا بعض الباحثين مع المتقدمين والمتأخرين من غير المنتمين للمدرسة الجابرية إلى القول بأن هناك توجساً من فقهاء المدرسة الجابرية في قبول رواية الحديث عن المدارس الإسلامية الأخرى، يقول إبراهيم بدوي: (أجد القدامى منهم يعتمدون اعتماداً كلياً على مسند الربيع بن حبيب، دون ما سواه من المسانيد الصحيحة، أما المحدثون منهم، وخاصة في القرن العاشر فوجدتهم يتعرضون لجميع المسانيد) انظر أشعة من الفقه الإسلامي(3) التواجيني ص 97.
ولماذا هذا المنهج العلمي الصارم؟:
والحقيقة أنه ليس هناك توجس بمعناه النفسي، لكنه معبر عن جانب موضوعي علمي في قبول الرواية للأسباب التالية: (1/27)
صفحة 28
- عدم التورع عن الكذب والدس في الرواية، وهذا قد ظهر مبكراً في تاريخ الرواية، ففي مقدمة صحيح مسلم (1/13): ( جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع، فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف).
وفي هذا روى أبو غانم في المدونة ج1 ص67 ط وزارة التراث: (سألت أبا المؤرج: هل في الصلاة قنوت؟.قال: حدثني أبو عبيدة أنه سأل جابر بن زيد عن ذلك فقال: الصلاة كلها قنوت، قال الله تبارك وتعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجداً قائماً) فالصلاة كلها قنوت.
قلت: يا أبا الشعثاء؛ ليس عن هذا أسألك، ولكن إنما أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يدعون ويهللون وهم قيام.
قال: هذا أمر محدث لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة).
- تأثير الصراعات السياسية والعقائد المذهبية على رواية الأحاديث، فقد تحول الانقسام السياسي الأول إلى مجال خصب للدس والكذب في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وزاد الطين بلة أن ركب هذه الموجة أناس دخلوا الإسلام وهم يحملون أوزاراً من عقائدهم ومورثاتهم السابقة والتي جاء الإسلام لاجتثاثها من جذورها، فحصل خلط كبير، ودخلت على المسلمين على حين غفلة منهم كثير من الروايات الباطلة، فكان لا بد من الحذر والحيطة في أخذ الحديث وتلقيه. (1/28)
صفحة 29
فالرواد الأولون للمدرسة الجابرية لم يمارسوا هذه الصرامة في قبول الأحاديث لأجل (الخلاف السياسي)، بل لأجل ما جره هذا الخلاف السياسي من تبعات في القول والعمل، ويؤيد هذه الحيطة ما ورد في كتاب الله تعالى (يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا) فبين تعالى في هذه الآية أن التعلق بأماني الغفران مؤد بدوره إلى التكالب على الحطام الفاني وتضييع معاني الخوف من الله تعالى، وقال تعالى أيضاً: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون) ثم بين تعالى سبب هذا الإعراض عن حكمه ومنهجه (بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات)، فتضييع العمل أوالتهوين من شأنه لا شك أنه يلقي بظلاله الكئيبة على تلقي الرواية وأدائها، ولعل هذا يفسر تكالب آلاف الكذابين والدجالين لاختلاق الروايات ونسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وللأسف الشديد أن يكون بين هؤلاء الكثير ممن حملوا أمانة العلم.
التثاقف بين المدارس الإسلامية:
إذن كيف تعامل فقهاء المدرسة الجابرية مع روايات غيرهم من المدارس الإسلامية فيما تفردوا به؟.
أجاب عن هذا السؤال فقيه المدرسة الجابرية أبو المؤرج فيما رواه أبو غانم في مدونته ج1 ص38 ط وزارة التراث: (قال أبو المؤرج: قال أبو عبيدة: وكل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج. فقلت له حينئذ: يا أبا المؤرج إن هذا قول قومنا، قال: قومك يقولون حقاً كثيراً لم يخالفهم فيه المسلمون فيما أصابوا، ولكن إنما خالفوهم فيما أخطأوا فيه وكذبوا).
فأبو المؤرج يؤكد على أن عند الآخرين الكثير من الخير الذي لا ينبغي إهماله والإعراض عنه، لكنه يؤخذ بضوابط علمية منها:
- تساوق الروايات مع دلالات الكتاب العزيز والسنة المتواترة.
- موافقتها أو تساوقها مع السنة المجتمع عليها.
- موافقتها أو تساوقها مع القواعد الكلية للشريعة الإسلامية.
( (1/29)
صفحة 30
1) تساوق الروايات مع دلالات الكتاب العزيز والسنة المتواترة.
في مسند الربيع (123): قال جابر: (كيف يمسح الرجل على خفيه والله تعالى يخاطبنا في كتابه بنفس الوضوء؟!، والله أعلم بما يرويه مخالفونا في أحاديثهم).
(2) موافقتها أو تساوقها مع السنة المجتمع عليها.
في كتاب الصوم ص 40: (قلت (=أبو غانم): إن أناساً يقولون إنه إن أصبح ولم ينو الصيام من الليل فهو بالخيار ما لم ينتصف النهار، ويروون ذلك عن واحد من الفقهاء؟
قال (=أبو المؤرج): لسنا نأخذ بذلك ولا نعتمد عليه، لأن الصيام عندنا من الليل، فمن أصبح مفطراً لم يصم، ومن أصبح صائماً لم يفطر إلا من عذر، لأن السنة المجتمع عليها في الصوم أن يدع الصائم الطعام والشراب والرفث كله لله نهاراً، فإن ترك أول النهار ذلك كله وهو لا يريد الصوم فليس بصائم في تركه).
وفي نفس الكتاب ص 60: (إنما الصوم هو بالنهار وليس بالليل والنهار كله معناه واحد، فالصوم في أوله وآخره واجب، ولا يترك ما اجتمعوا عليه من سنة الصيام إلى رأي ولا لحديث لم يثبت).
(3) موافقتها أو تساوقها مع القواعد الكلية للشريعة الإسلامية.
في نفس الكتاب ص 47: (قلت (=أبو غانم): إن قومنا وبعضهم يقولون ويروون عن علي أنه قال: لا يقضي رمضان في العشرة (=من ذي الحجة).
قال (=أبو المؤرج): أساءوا الرواية، ولقد كان علي لعمري يقول ذلك على غير ما قالوا، إنما قال علي ذلك لئلا يؤخروا رمضان إلى العشرة، كذلك حدث عنه الحسن، فهم يروون الرواية ولا يعرفون وجهها ولا معانيها، والسنة أن رمضان فرض من الله والعشرة صيامها تطوعاً، فلا ينبغي لأحد أن يدع الفرض ويتطوع، وليس صوم العشرة حتماً).
(4) موافقتها أو تساوقها مع السنن الكونية. (1/30)
صفحة 31
- في جزء الملاحق من مسند الربيع (827) قال جابر بن زيد حدثنا رجل من أئمة أهل الكوفة يكنى أبا أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على قوم وهم يتذاكرون، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم سكتوا، فقال: ما كنتم تقولون. قالوا: نتذاكر في الشمس وفي مجراها. قال: كذلكم فافعلوا، تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق). وزاد فيه الحسن إن الله لا تناله الفكرة.
ونستدل على هذا البند أيضاً بتجنبهم فيما رووه لأطنان المرويات المخالفة للحقائق الكونية مما شاع وذاع مبكراً، وكان معبراً عن التسرب الإسرائيلي إلى عالم الرواية، وهذا دليل على أن التدوين عندهم كذلك كان منهجياً وليس جمعاً عشوائياً.
لكن وجدنا في كلامهم ما يدل على توجسهم وحذرهم من التسرب الإسرائيلي عموماً في الرواية:
- ففي الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد (944) التي ألحقت بمسند الربيع، قال جابر: المرجئة يهود أهل القبلة، لأنهم يعدون أهل المعصية الجنة، وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة كما قالت اليهود والنصارى.
- (913) من ملاحق المسند من رواية الإمام أفلح بن عبدالوهاب عن أبي غانم الخراساني عن حاتم بن منصور عن أبي يزيد الخوارزمي عن مجاهد أو عمن حدثه عن مجاهد شك في ذلك أبو غانم عن ابن عمر: (أنه رأى ناسا في المسجد مستقبلين القبلة بوجوههم رافعين أيديهم إلى السماء يدعون، فضاق ابن عمر ضيقاً شديداً وغضب عليهم، وقال لهم: لا تفعلوا مثل هذا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تفعلوا فعل أهل الكتاب في بيعهم وكنائسهم).
( (1/31)
صفحة 32
ملاحظة هامة: كتاب الصيام من مدونة أبي غانم والذي نقلنا منه ليس موجوداً في الجزء المطبوع حالياً، لكنه موجود في النسخة الموجودة بدار الكتب المصرية من ص 248، ونقلنا هنا عن النسخة المرقونة بالآلة الكاتبة وهي ذاتها النسخة المخطوطة في محتوياتها وتبويبها، وقد أحضرها إلى عمان الشيخ يحيى بن عبدالله النبهاني في هذا العصر، وقد ذكر الشيخ عمرو النامي في دراسات عن الإباضية أنه اكتشف نسختين منها في جزيرة جربة، ونسخة أخرى في دار الكتب المصرية). (1/32)