صفحة 1
الكتاب: شرح الجامع الصحيح - الجزء 1 و 2
المؤلف: الإمام نور الدين/ عبد الله بن حميد السالمي
وكان تمام تسويده عشية الاثنين لسبع مضين مِن ربيع الأول سنة خمس وعشرين بعد ثلاثمائة وألف مِن الهجرة الإسلامية على مهاجرها أفضل صلاة وتحية.
مصدر الكتاب: كوكب المعرفة بموقع الشبكة الإباضية (شبكة أهل الحق والاستقامة) بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء الأول من ترتيب مسند الربيع بن حبيب
رتّبه الشيخ الأوحد الرئيس الأمجد أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن مياد الإباضي رضي الله عنه
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله وعبده وعلى آله وصحبه وحزبه وجنده وكل من وفّى بعهده من بعده 00000أما بعد
فإن الجامع الصحيح مسند الإمام الكامل والهمام الفاضل الشهير بين الأواخر والأوائل( الربيع بن حبيب) رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مستقره ومثواه من أصح كتب الحديث سنداً ، وأعلاها مستنداً ، فما أحق متنه أن يوصف بالعزيز ، وما أجدر سنده أن يدعى بسلاسل الإبريز ، لشهرة رجاله بالفقه الواسع ، والعلم النافع ، والورع الكامل ، والفضل الشامل ، والعدل والأمانة ، والضبط والصيانة ، لكن لطول العهد ، وسوء الجد ، وقع فيه من التحريف من النسّاخ من غير قصد ، فأجمعت على تصحيحه عزمي ، على قدر مبلغ علمي وفهمي ، فجمعت من نسخه ما أمكن ، واخترت من مجموعها ما هو أليق وأحسن ، فخرجت من الجميع نسخة أرى أنها أصح من غيرها ، ولا ادّعي سلامتها على الإطلاق ، غير أني لم أجد فوقها من مطاق ، وبعد أن تم تصحيح الكتاب شرعت في تعليق تقريرات عليه تبين معناه اللطيف ، وتحل مبناه المنيف ، ينتفع بها العالم والضعيف ،على وتيرة مختصرة ، وطريقة معتبرة ، اقتصرت فيها على أقل ما يمكن الاقتصار عليه ، من بيان المتن المشار إليه ، ثم عنّ لي في أثناء التأليف أن أجعل الشرح متوسطاً لا طويلاً مملاً ، ولا قصيراً مخلاً ، فمن ثم تجد الاختصار في أول الكتاب أشد منه في ما بعد ذلك ، والله حسبي ونعم الوكيل ،( وأقدم )أمام المقصود مقدمة أذكر فيها التعريف ببعض أحوال المرتب والمصنف وأبي عبيدة وجابر بن زيد وابن عباس على سبيل الاختصار الملائم لشرح الكتاب .
أما المرتب (1/1)
صفحة 2
فهو الشيخ الفاضل أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي الوارجلاني ، من أهل وارجلان – وادٍ بأرض المغرب فيه عمارة ينزلها أصحابنا ، خرّبها يحيى بن إسحاق الميروقي عام ستة وعشرين وستمائة وذلك بعد موت المرتب بست وخمسين سنة ، وكان قد أخبرهم بخرابها على يد المذكور فكان ذلك من سعة علمه بالنجوم رحمة الله عليه ، وكان في شبابه ارتحل إلى الأندلس وسكن قرطبة وفيها حصّل علوم اللسان والحديث والتنجيم وغيرها ، وفسّر القرآن تفسيراً كبيراً فائقاً جمع فيه من العلوم ما لم يذكره غيره ، وصنّف في أصول الفقه ( العدل والإنصاف ) في ثلاثة أجزاء ، وفي أصول الدين كتاب ( الدليل والبرهان ) في ثلاثة أجزاء ، ورتّب مسند الربيع عن أبي عبيدة عن جابر وكان مشوّشاً ، وضم إليه بعض روايات الربيع عن ضمام عن جابر وروايات أبي سفيان عن الربيع وروايات الإمام أفلح عن أبي غانم وغيره من مراسيل جابر بن زيد، وهذا المذكور كله مجموع في هذا الكتاب ، وشرح أسماء رجال المسند في كراسة ، وألّف ( مرج البحرين ) في علم الفلسفة والمنطق والهندسة والحساب .
قال البدر الشماخي : ولا أحصي ما رأيته له من الأجوبة لكثرتها . قال : وسمعت بعض الطلبة يذكر أنه رأى له تأليفاً في الفقه . قال : وله قصائد منها الحجازية في ثلاث مائة وستين بيتاً تدل على غزارة علمه لما أودعها من فنون العلم . وتوفي عام سبعين وخمس مائة رحمة الله عليه .
وأما الربيع بن حبيب
ابن عمرو الأزدي الفراهيدي البصري الفقيه المشهور ، كان طود المذهب الأشمّ ، وبحر العلم الخضم ، صحب أبا عبيدة فنال وأفلح ، وتصدر بعده على الأفاضل فأنجح ، نزل البصرة فتعلم وعلّم ، ثم انتقل إلى عمان وسكن غضفان من أرض الباطنة . (1/2)
صفحة 3
وقال أبو عبدالله : الربيع من فراهيد من غضفان من عمان ، وهذا يدل على أن أصله كان من غضفان وكونه من البصرة مشهور فكأنه انتقل إليها لأخذ العلم ثم رجع بعد ذلك إلى بلاده بعدما ذهب أكثر عمره هنالك طالباً ومطلوباً .
وقال أبو عبدالله : أدرك الربيع جابر بن زيد والربيع شاب .
وقيل : ما أقل ما حمل عنه وأكثر ما حمل من العلم عن ضمام عن جابر ، وكان الربيع يقول : أخذت الفقه من ثلاثة أبي عبيدة وأبي نوح وضمام .
وقال أناس من أهل البصرة : انظروا لنا رجلاً ورعاً قريب الإسناد حتى نكتب عنه ونترك ما سواه ، فنظروا فلم يجدوا غير الربيع بن حبيب فطلبوا منه ذلك وكان يروي لهم عن ضمام عن جابر بن زيد عن ابن عباس رحمهم الله ، فلما خاف أن يشيع أمره غلق بابه على نفسه دونهم إلا من أتاه من إخوانه المسلمين .
وقد اعتنى بتدوين رواياته عن ضمام الشيخ أبو صفرة عبد الملك بن صفرة رحمه الله .
وحمل عن الربيع من أهل عمان العلم من البصرة ونقلوه إلى عمان :
أبو المنذر بشير بن المنذر النزواني من عقر نزوى وكان يسمى الشيخ الكبير وهو المراد بالشيخ عند الإطلاق في الأثر المشرقي ، وكان من بني نافع من بني سامة بن لؤي بن غالب وهو جد بني زياد .
ومنير بن النير الجعلاني ، وهو رجل من بني ريام .
وموسى بن أبي جابر الأزكوي ، وهو رجل من بين ضبة من بين سامة بن لؤي بن غالب وهو الذي عقد الإمامة للوارث بن كعب وهو جد موسى بن علي لأمه .
ومحمد بن المعلى الفشحي وهو من كندة .
و محبوب بن الرحيل القرشي البصري ، وقيل أن محبوباً انتقل إلى عمان في آخر زمانه مع الربيع . هؤلاء الذين حملوا العلم عن الربيع إلى عمان .
وحمل عنه حضرموت أبو أيوب وائل بن أيوب وكان قد انتقل إلى البصرة وسكن فيها ، وكان أبو عبيدة الصغير عبدالله بن القاسم إذا سئل عن شيء قال : عليكم بوائل فإنه أقرب عهداً بالربيع .
وحمل عنه من أهل خراسان هاشم بن عبدالله الخراساني ، والله أعلم . (1/3)
صفحة 4
وحمل عنه من أهل العراق الجم الغفير ذكرهم البدر الشماخي في السير في أهل طبقة الربيع ، ثم قال بعد ذلك : وسأذكر أشياخاً يروي عنهم الربيع ويروون عن جابر أي في غير السند . قال : لكنهم مجاهيل أي لم يطلع على تراجمهم وأنسابهم كما يدل عليه قوله : ما رأيت من عرّف بهم . منهم يحيى بن أبي قرة ، عباس بن الحارث ، قتادة ، سعيد ، عبدالله بن الحارث ، الوليد بن يحيى ، سرى بن سالم ، كعب بن سوار ، يحيى بن نافع ، حبيب بن أبي حبيب ، عمرو بن هرم ، محارب بن يزيد ، أبان بن يزيد بن جريح ، ضمام بن يحيى ، عمرو بن أبي قرة ، سلام بن مسكين ، عمار بن حبيب ، أبو خليل ، أبو عوانة بن جعفر ، إلياس ، خداش بن عبد الحميد ، حماد بن سلمة ، القاسم بن الفضل ، حسان العامري .
قال : وأما جابر بن عمارة فمن شيوخ أهل الدعوة بصري وإن عدّه أبو يعقوب في المجاهيل ، قال : وكذا أبو المهاجر الكوفي ، وإسماعيل بن القديد ، وأبو محمد عبد الرحمن بن سلمة المدنيان ، وعبد السلام بن عبد القدوس رحمهم الله . قال : وأما رجال حديث مسند الربيع فقد ذكرهم أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم فلا أتعرض لذكرهم . (1/4)
صفحة 5
وخالف الربيع رحمه الله تعالى في زمانه في بعض المسائل سهل بن صالح وأبو المعروف شعيب بن معروف وعبدالله بن عبد العزيز وأبو المؤرج وحمزة الكوفي وعطية وغيلان ، وهؤلاء الثلاثة أخذوا بقول أهل القدر وكان خلافهم في أيام أبي عبيدة وكذلك خلاف من قبلهم كان في أيامه أيضاً لكنهم أظهروا التوبة فردهم المسلمون إلى المجالس ، ثم أظهروا الخلاف في أيام الربيع وتمادوا فيه فنفاهم المسلمون من أماكنهم وطردوهم عن مجالسهم ولم يخالفوا في العقيدة ولا في شيء من أمور الدين وإنما خالفوا في مسائل مخصوصة خالفوا فيها قول المسلمين ، ولهم في الفقه أقوال وأسانيد يأخذ بها أصحابنا . وسئل الإمام أفلح رضي الله عنه عن أبي المؤرج وابن عبد العزيز ؟ فقال : وقعت منهم مسائل معروفة فلم يؤخذ بقولهم في تلك المسائل ، وأما غيرها فما فيه اختلاف من رأي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم واختلاف فقهائنا فلا يدفع إسنادهم وهم بمنزلة من سواهم من المسلمين . قال : وأما البراءة فلم يكن ابن عبد العزيز عند المسلمين محموداً وهو إلى البراءة أقرب ، وأما ابن عباد المصري ففي الولاية وابن عباد المتكلم كذلك ، وذكر رحمه الله تعالى من جملة المحدثين الحارث وصالح بن كثير . قال : وكان من المتكلمين إلا انه أحدث أشياء قلاه المسلمون عليها ، وكذلك عبدالله بن يزيد وتلميذه عيسى بن عمير .
وأما أبو عبيدة مسلم
ابن أبي كريمة التميمي نسبة إلى تميم قبيلة عظيمة من نزار . قال البدر الشماخي : كان مولى فيهم ، توفي في ولاية أبي جعفر بعد وفاة حاجب رضي الله عنهما ، تعلّم العلوم وعلّمها ، ورتّب الروايات وأحكمها ، وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه .
قال أبو عبدالله : كان أبو عبيدة أفقه من ضمام وأبي نوح ، وكان المقدم عليهما وعلى جعفر بن السماك ، ولكن جعفر كان أوضع للأدنى من أبي عبيدة ، وكان هو الحجة في اليد ، وكانوا كلهم أهل شرف وفضل . (1/5)
صفحة 6
وقيل : أن أبا عبيدة أدرك من أدركه جابر بن زيد رحمهما الله ، فروايته عن جابر رواية تابعي عن تابعي ، وقد روى عن جابر بن عبدالله وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين ، وروايته عنهم بعضها موجود في هذا المسند الصحيح . أخذ العلم عمن لقيه من الصحابة وعن جابر بن زيد وصحار العبدي وجعفر بن السماك .
قال أبو سفيان : أكثر ما حمل أبو عبيدة عن جعفر بن السماك وعن صحار ، وكان من أئمة المسلمين وقادتهم ، ولقد تفجرت ينابيع الحكمة من قلب أبي عبيدة وطلعت من لسانه شموس العلم ، وحمل عنه خلق كثير لا يحصى عدهم منهم الربيع بن حبيب ، وحملة العلم إلى المغرب وهم : (1/6)
صفحة 7
الإمام الشهيد( أبو الخطاب المعافري )، والإمام العادل (عبد الرحمن بن رستم )، وعاصم السدراتي ، وإسماعيل بن درار الغامسي ، وأبو داؤد القبلي النفزاوي ، وكان الإمام أبو الخطاب قد جاء من اليمن فوافق الأربعة من أهل المغرب فخرج معهم إلى بلادهم فنصّبوه إماماً عليهم عن أمر شيخهم أبي عبيدة ، وعن أمره أيضاً نصّب الإمام طالب الحق عبدالله بن يحيى الكندي في أرض اليمن وجمعت إمارته اليمن والحجاز ، وأقام حملة العلم عنده خمس سنين فلما أرادوا الرجوع سأله إسماعيل بن درار عن ثلاث مائة مسألة من مسائل الأحكام ، قال أبو عبيدة : أتريد أن تكون قاضياً يا بن درار ؟ قال : أرأيت إن ابتليت بذلك . وقال أبو عبيدة : لأبي داود القبلي لا تفت بما سمعت مني وما لم تسمع ، وقال للإمام عبد الرحمن : أفت بما سمعت وما لم تسمع ، وقال لأبي الخطاب : أفت بما سمعت مني ، هذه من فراسته في تلاميذه ، وكان أبو داؤد بعد ذلك بمنزلة جليلة ، كان الإمام عبد الوهاب مع كثرة علمه إذا جلس بين يديه كالصبي أمام المعلم . وقال حملة العلم يوماً لأبي عبيدة يا شيخنا نريد منك أن تعلمنا بعض الكرامة تطمئن بها قلوبنا علة هذا المذهب . فتوضأ الشيخ وصلى ركعتين واجتهد في الدعاء حتى انفتح سقف الغار الذي كان يعلمهم فيه استخفاءً من الجبابرة وانفتحت السماء الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ثم الربعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة فبان لهم العرش بقدرة الله تعالى ، وهذه والله الكرامة التي تخلد لصاحبها جميل الذكر على صفحات الأيام وتدل على أنه من الله تعالى في شأن عظيم ، فضائل أبي عبيدة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها .
وأما جابر بن زيد الأزدي
أبو الشعثاء فهو بحر العلم وسراج الدين أصل المذهب وأسه الذي قامت عليه آظامه ، صاحب ابن عباس رضي الله عنه وكان أشهر من صحبه وقرأ عليه . (1/7)
صفحة 8
وفي الطبقات : ذكر أبو طالب المكي في كتاب قوت القلوب أن ابن عباس قال : اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه . وقال إياس بن معاوية : رأيت البصرة وما فيها مُفتٍ غير جابر بن زيد . قال الربيع : قال أبو عبيدة قال حيان بن عمارة سمعت عبدالله بن عباس رضي الله عنه يقول في المسجد الحرام : جابر بن زيد أعلم الناس بالطلاق . قال الحصين : لما مات جابر بن زيد بلغ موته أنس بن مالك فقال : مات أعلم من على ظهر الأرض ، أو مات خير أهل الأرض . قال أبو عبيدة : وكان أنس عند ذلك مريضاً فمات هو وجابر بن زيد في جمعة واحدة وكان ذلك سنة ثلاث وتسعين من هجرة التاريخ . وقال غيره : لما مات جابر بن زيد ودفن قال قتادة : ادنوني من قبره وكان ضريراً فأدنوه فقال : اليوم مات عالم العرب . وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : جابر بن زيد أعلم الناس . وعنه قال : عجباً لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه . وقال أبو عبدالله : جابر أعلم من الحسن البصري ولكن كان جابر لقوم وكان الحسن للعامة ، يعني أنه يعظهم ، وأما الفتوى فكانت لجابر خاصة .
وفي الخلاصة : جابر بن زيد الأزدي أبو الشعثاء الجوفي بفتح الجيم البصري الفقيه أحد الأئمة عن ابن عباس فأكثر ومعاوية وابن عمر وعنه قتادة وعمرو بن دينار وأيوب وخلق . قال ابن عباس : هو من العلماء . قال أحمد : مات سنة ثلاث وتسعين ، وقال ابن سعد : سنة ثلاث ومائة . (1/8)
صفحة 9
وقوله الجوفي نسبة إلى ناحية بعمان فإن أصله من فرق وهي بلدة من أعمال نزوى بالقرب منها ، وكان من اليحمد من ولد عمرو بن اليحمد ، رحل في طلب العلم وسكن البصرة فنسب إليها ، وقوله عن ابن عباس 00الخ يعني أنه روى عن ابن عباس فمن بعده ، وإذا تأملت روايات المسند رأيته يروي عن خلق كثير من الصحابة وناهيك أنه قال : أدركت سبعين رجلاً من أهل بدر فحويت ما بين أظهرهم إلا البحر يعني ابن عباس ، وقال : أدركت جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم فسألتهم هل يمسح رسول الله صلى الله عليه وسلّم على خفيه ؟ فقالوا : لا .
وقال في صلاة الخوف : حدثني جملة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم . وقال في باب العلم : أدركت أناساً من الصحابة أكثر فتياهم حديث النبي صلى الله عليه وسلّم ، وسيأتي ذكر دخوله هو وأبو بلال على عائشة وسؤاله إياها عن مسائل بالغ في البحث عنها لإظهار الدين . وإذا كان عدد من لقيهم من أهل بدر مع قلة من شهدها سبعين رجلاً فما ظنك بمن لقيه من غيرهم من الصحابة . (1/9)
صفحة 10
وقوله ( وعن قتادة 00الخ ) يعني أن قتادة ومن بعده رووا عن جابر بن زيد والمذكورون هم الراوون عن جابر عند قومنا ، وأما عندنا فالناقلون عنه كثير منهم أبو عبيدة راوي المسند وهو من أشهر أصحابه ومنهم ضمام بن السائب وأبو نوح وحيّان الأعرج وكلهم فقهاء مجتهدون ، وإذا عرفت ما ذكرناه علمت أن سند المسند في الذروة العليا من مراتب الإسناد وأن عنعنته مقطوع باتصالها لأن الربيع أخذ عن أبي عبيدة وأبو عبيدة عن جابر وجابر عن الصحابة وقد أدرك الجم الغفير منهم ، وأما ما نقل أبو عبيدة عن الصحابة فهو متصل أيضاً لأنه أدركهم ومن الصحابة من مات بعد جابر على أنه قيل أن أبا عبيدة أدرك من أدركه جابر بن زيد كما مر ذكره وليس من شأنهم التدليس فالعنعنة في حديثهم اتصال ألا ترى أنهم إذا نقلوا عن غير مشافهة بيّنوا ذلك بقولهم بلغني أو بلغنا أو سمعت عن فلان أو نحو ذلك فهم رحمهم الله تعالى أجلّ وأتقى أن يوهموا الناس السماع وليسوا بسامعين ، والله أعلم .
وأما عبدالله بن عباس
ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، يكنى أبا العباس ، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وأمه لبابة الكبرى بنت الحارث بن حزم الهلالية ، وهو ابن خالة خالد بن الوليد ، وكان يسمى البحر لسعة علمه ويسمى حبر الأمة ، ولد والنبي صلى الله عليه وسلّم وأهل بيته بالشعب من مكة فأتي به النبي صلى الله عليه وسلّم فحنكه بريقه وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين وقيل غير ذلك ، ورأى جبريل عند النبي صلى الله عليه وسلّم مرتين ، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلّم مرتين ، وكان له لما توفي النبي صلى الله عليه وسلّم ثلاث عشرة سنة وقيل خمس عشرة سنة ، وتوفي سنة ثمان وستين بالطائف وهو ابن سبعين سنة ، وقيل إحدى وسبعين سنة ، وقيل مات سنة سبعين ، وقيل سنة ثلاث وسبعين قال ابن الأثير وهذا قول غريب .
الباب الأول
في النية (1/10)
صفحة 11
1- قال أبو عمرو البصري : حدثني أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي عن جابر بن زيد الأزدي عن عبدالله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : نية المؤمن خير من عمله .
قوله ( النية ) وهي القصد بدأ بها تنبيهاً للطالب على مزيد الاهتمام في تحسين القصد فإن الأعمال دونه هباء ، وذكر في الباب حديثين كلاهما من طريق واحد ، وكان من المناسب أن يقدم الحديث الثاني على الأول لأنه أوفق بالغرض وأشهر في الصحة .
قوله ( البصري ) نسبة إلى البصرة ، قرية عظيمة بعراق العرب ، كان فيها علماء المسلمين ، مصّرها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وهي مثلثة الباء إلا في النسبة فيمتنع الضم .
قوله ( حدثني ) هو أخص من قولهم حدثنا لأن فيه إشعاراً بأن الشيخ قصده بالتحديث ، وذلك يدل على شدة الاعتناء به والاهتمام بشأنه .
قوله ( نية المؤمن خير من عمله ) يعني أن قصده خير من فعله ، وذلك أنه يعمل الصالحات والذي يقصده من عمل الخير والنصح للإسلام وأهله أكثر من فعله الظاهر ، فهو إخبار عن حال المؤمن بأنه طيب باطناً وظاهراً ، وأن سريرته خير من علانيته ، عكس المنافق ، هذا هو معنى الحديث فيما يظهر لي ، ولا حاجة إلى الاحتمالات التي ذكرها المحشي رحمة الله عليه إذ ليس الغرض بيان التفاضل بين النية والعمل حتى نبحث عن وجه الأفضلية ، ويؤيد ما ذكرته حديث سهل بن سعد الساعدي مرفوعاً ( نية المؤمن خير من عمله ، وعمل المنافق خير من نيته ، وكل يعمل على نيته ، فإذا عمل المؤمن عملاً أنار في قلبه نوراً ) قال السّخاوي : أخرجه الطّبراني . قال : وكذلك هو عنه وعند العسكري من حديث النواس بن سمعان . قال : وأخرجه الديّلمي من حديث أبي موسى موسى الأشعري .
2- وبهذا السند في رواية أخرى عنه عليه السلام قال : الأعمال بالنيات
---------------------------------------- (1/11)
صفحة 12
قوله ( بهذا السند ) وهو قوله قال الربيع حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس .
وقوله ( في رواية أخرى ) يعني في باب النية .
وقوله ( عنه عليه السلام ) يعني النبي صلى الله عليه سلّم ، اكتفى بذكر السلام عن الصلاة تمسكاً بقوله تعالى ( وسلام وعلى المرسلين ) وهذا شأنه في كثير من المواضع . وحديث ( الأعمال بالنيات ) لم يثبت عن ابن عباس إلا عند الربيع في هذا الطريق وكفى به حجة ، وقد رواه أئمة الحديث من قومنا من طريق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقط حتى قال أبو بكر البزّار : لا نعلم روي هذا الكلام إلا عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلّم بهذا الإسناد .
وقال الخطابي : لا أعلم خلافاً بين أهل الحديث في أنه لم يصح مسنداً عن النبي صلى الله عليه وسلّم إلا من رواية عمر ، لكن قال الحسيني وقد روي هذا الحديث أيضاً من غير طريق عمر بن الخطاب فرواه أبو سعيد الخدري وأبو هريرة وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب ثم ذكر من خرّجه ومن رواه عنهم وأشار إلى بعضهم بالوهم وبعضهم بالغرابة وبعضهم بالتضعيف ، وعلى كل حال فالحديث مجمع على صحته مستفيض بين الأمة .
قوله ( الأعمال بالنيات ) في كثير من روايات قومنا زيادة ( إنما ) وهي أداة حصر ، ولا بد في الحديث من حذف مضاف ، واختلف الفقهاء في تقديره ، فالذين اشترطوا النية قدّروه صحة الأعمال بالنيات أو نحو ذلك ، والذين لم يشترطوها قدّروه كمال الأعمال بالنيات أو نحو ذلك ، ورجّح الأول بأن الصحة أكثر لزوماً للحقيقة من الكمال ، فالحمل عليها أولى ، ونظير ذلك قولهم ( إنما الملك بالرجال ) أي قوامه ووجوده ( وإنما الرجال بالمال ) ( وإنما المال بالرعية ) ، ( وإنما الرعية بالعدل ) كل ذلك يراد به أن قوام هذه الأشياء بهذه الأمور .
ولكل امرئ ما نوى
---------------------------------------- (1/12)
صفحة 13
قوله ( ولكل امرئ ما نوى ) يقتضي أن من نوى شيئاً يحصل له ، وكل ما لم ينوه لم يحصل له ، فيدخل تحت ذلك ما لا ينحصر من المسائل ، ومن هنا عظّموا هذا الحديث فقالوا أنه قاعدة من قواعد الإسلام ، حتى قيل فيه أنه ثلث العلم وقيل ربعه وقيل خمسه ، والله أعلم
الباب الثاني
في ابتداء الوحي
------------------------------
ابتداء كل شيء أوله . ولم يذكر في الباب إلا كيفية إتيان الوحي لا صفة ابتدائه ، وكأنه رحمه الله تعالى أشار إلى أن ابتداء الوحي كان على هذه الكيفية المذكورة في الحديث . وإنما قدّم هذا الباب لأن أول الإيحاء هو أول الإطلاع على العلوم الشرعية فلا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي .
وللوحي ثمانية أوجه :
منها : الإرسال : كقوله تعالى ( إنّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح 00) الآية ، والمراد إرسال جبريل إليه .
ومنها : الإلهام : كقوله تعالى ( وأوحى ربك إلى النحل ) ، ( وأوحينا إلى أم موسى ) والمعنى ألهمها ذلك .
ومنها الأمر : كقوله تعالى ( وإذ أوحيت إلى الحواريين ) أي أمرتهم ، وهو في الحقيقة وحي بواسطة نبيهم .
ومنها البيان : كقوله تعالى ( من قبل أن يقضى إليك وحيه ) أي بيانه .
ومنها الوسوسة : كقوله تعالى ( يوحي بعضهم إلى بعض ) أي يوسوس .
ومنها الإيماء والإشارة : كقوله تعالى ( فأوحى إليهم أن سبّحوا بكرة وعشيا) أي أوحى وأشار .
ومنها الإقرار : كقوله تعالى ( بأن ربك أوحى لها ) أي أقرها بعد زلزالها ، وقيل أوحى إليها أن تقر ، وقيل أوحى لها أن تحدث أخبارها أي أمرها بذلك .
وفي الحديث تشهد على كل عبد أو أمة بكل ما عمل على ظهرها ، وهذا هو الظاهر .
ومنها : أن يطلق على القرآن كقوله تعالى ( قل إنما أنذركم بالوحي ) والمراد القرآن ، لأنه موحى .
فهذه ثمانية أوجه .
3- قال الربيع بن حبيب : حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها
-------------------------------------------- (1/13)
صفحة 14
وأصل الوحي بمعنى الإلقاء إلى الغير خيراً كان أو شراً ، وقيل أصله الكلام الخفي ثم صار في العرف العام مختصاً بالحال الذي يلقى إلى الأنبياء من جهة الرب عزّ وجلّ .
قوله ( عن عائشة أم المؤمنين ) زوج النبي صلى الله عليه وسلّم بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهما ، وأمها أم رومان رضي الله عنهما ، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلّم قبل الهجرة بسنتين وقيل بثلاث سنين ، وهي بكر وعمرها يومئذ ست وقيل سبع سنين ، وبنى بها وهي بنت تسع سنين بالمدينة ، وكنّاها رسول الله صلى الله عليه وسلّم أم عبدالله بابن أختها عبدالله بن الزبير ، وإنما سميت أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم أمهات المؤمنين لقوله تعالى ( وأزواجه أمهاتهم ) أي في الاحترام وتحريم نكاحهن لا غير ذلك ، وإنما قيل للواحد منهن أم المؤمنين للتغليب وإلا فلا مانع من أن يقال أم المؤمنات على الراجح . وتوفي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهي بنت ثماني عشرة سنة ، وتوفيت عائشة رضي الله عنها سنة سبع وخمسين وقيل ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان ، وأمرت أن تدفن بالبقيع ليلاً ، فدفنت وصّلى عليها أو هريرة ، ونزل في قبرها خمسة : عبدالله وعروة ابنا الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر ، وعبدالله بن محمد بن أبي بكر ، وعبدالله بن عبد الرحمن بن أبي بكر ، فالأولان أبناء أختها أسماء والباقون أبناء أخويها محمد وعبد الرحمن .
قال أبو سفيان محبوب بن الرحيل : دخل جابر وأبو بلال على عائشة فعاتباها على ما كان منها يوم الجمل فاستغفرت وتابت . (1/14)
صفحة 15
قال : ودخل جابر عليها فأقبل يسألها عن مسائل لم يسألها أحد عنها حتى سألها عن جماع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، كيف كان يفعل ، وإن جبينها ليتصبب عرقاً ، وهي تقول سل يا بني . ثم قالت له : ممن أنت ؟ قال : من أهل المشرق من عمان ، فذكرت له شيئاً لم أحفظه إلا أني أظنها قالت أن النبي صلى الله عليه وسلّم ذكره أو نحو هذا .
قالت : سأل الحارث بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلّم كيف يأتيك الوحي يا رسول الله ؟ قال : أحياناً يأتيني مثل صلصة الجرس وهو أشده عليّ فيفصم عني وقد وعيت ما قال .
--------------------------------------------
قوله ( سأل الحارث ) الظاهر أن عائشة رضي الله عنها سمعت هذا السؤال ، وجوّز بعضهم أن يكون الحارث أخبر عائشة بذلك . والحارث بن هشام هو المخزومي أخو أبي جهل شقيقه ، أسلم يوم الفتح وكان من فضلاء الصحابة ، واستشهد في فتوح الشام رضي الله عنه .
قوله ( كيف يأتيك الوحي ) سؤال عن الحالة التي يراها رسول الله صلى الله عليه وسلّم عند الإيحاء ، ولهذا أجاب بصفة ذلك الحال .
قوله ( أحياناً ) جمع حين يطلق على كثير الوقت وقليله ، والمراد به هنا مجرد الوقت .
قوله ( مثل صلصة الجرس ) الصلصة بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة في الأصل صوت وقع الحديد بعضه على بعض ثم أطلق على كل صوت له طنين ، والجرس بفتحتين الجلجل الذي يعلق في رأس الدواب وله صوت قوي متدارك ولذا كان أشد على النبي صلى الله عليه وسلّم .
قوله ( وهو أشده عليّ ) يفهم منه أن الوحي كله شديد ولكن هذه الصفة أشدها وذلك أن الفهم من كلام مثل الصلصة أصعب من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود .
قوله ( فيفصم عني ) وفي نسخة ويفصم بالواو ، وهو بفتح أوله وكسر المهملة ، أي يقلع ويتجلى ما يغشاني ، ويروى بضم أوله من الرباعي ، وفي رواية بضم أوله وفتح الصاد على البناء للمجهول . (1/15)
صفحة 16
قوله ( وقد وعيت ما قال ) وعند البخاري وقد وعيت منه ما قال ، والمراد أنه فهم القول الذي جاء به الملك فهو على حد قوله تعالى ( إنه لقول رسول كريم ) .
وأحياناً يتمثل لي الْمَلَك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول .
قالت عائشة رضي الله عنها : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ويفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً .
قال الربيع : فيفصم عنه أي فينجلي .
--------------------------------------------
وقوله ( يتمثل لي الْمَلَك ) أي يتصور ، والْمَلَك جبريل . قال المتكلون : الملائكة أجسام علوية لطيفة تتشكل أي شكل أرادوا .
قوله ( رجلاً ) منصوب بالمصدرية أي مثل رجل أو بالتمييز أو بالحال ، والتقدير هيئة رجل ، وهذا أظهر .
قوله ( فأعي ما يقول ) وقع التغاير في العبارة عن الحالتين فعبّر عن الحالة الأولى بقوله وقد وعيت بصيغة الماضي ، وعن الثانية بصيغة المضارع إشارة إلى فهم القول وحفظه في الحالة الأولى أسرع لكونها على خلاف المعتاد من أحوال الخطاب فالالتفات إليها أشدّ والاعتناء به أهمّ فيحصل الفهم والحفظ في أسرع حال .
قوله ( قالت عائشة ) هو بالإسناد الذي قبله وإن كان بغير العاطف كما يستعمله المحدّثون .
قوله ( ليتفصد ) بالفاء وتشديد المهملة أي يسيل عرقاً مأخوذ من الفصد وهو قطع العرق لإسالة الدم .
وفي قولها ( في اليوم الشديد البرد ) دلالة على كثرة معاناة التعب والكرب عند نزول الوحي لما فيه من مخالفة العادة .
قوله ( فينجلي ) بمعنى ينكشف ويذهب عنه . وأصل الفصم القطع ومنه قوله تعالى ( لا انفصام لها ) ، وقيل الفصم بالفاء القطع بلا إبانة وبالقاف القطع بإبانة ، وعبّر في الحديث بالفصم إشارة إلى أن الْمَلَك فارقه ليعود إليه .
الباب الثالث
في ذكر القرآن
ما جاء في تعليم الأولاد القرآن (1/16)
صفحة 17
4- قال الربيع بن حبيب : حدّثني أبو عبيد عن جابر بن زيد قال : بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : علّموا أولادكم القرآن
----------------------------------------
قوله ( القرآن ) وهو الكلام الإلهي المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم المتحدي بأقصر سورة منه ، قال تعالى ( فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين ) وإنما ذكر هذا الباب بعد باب الوحي لأنه كالجزء منه ، وذلك أن الوحي شيئان متلو وغير متلو والأول هو القرآن وهو الركن الأعظم من ركني الوحي وهو المعجزة الباقية على مر الأيام والليالي ما طمع في معارضته أحد إلا افتضح .
قوله ( بلغني ) هذه العبارة إشارة إلى أن هذا الخبر انتهى إليه رضي الله عنه من طريق أو من طرق يثق بها ويعوّل عليها لكنه نسي من أخبره بذلك لكثرتهم أو لكثرة من لقي من الصحابة فلم يمكنه التعيين ، وبلاغه رضي الله عنه في حكم الاتصال وكذا مراسيله المذكورة في آخر الكتاب .
قوله ( علّموا أولادكم القرآن ) أي علّموهم تلاوته ومعانيه وأحكامه وأوامره ومناهيه ، فإنا قد تعبدنا بتلاوته وإحكامه ، وفيه الحث على تعليم الصغار . وقد جاء العلم في الصغر كالنقش في الحجر . وجاء أيضاً طلب الحديث في الصغر كالنقش في الحجر ، وجاء مثل الذي يتعلم في صغره كالنقش في الحجر ومثل الذي يتعلم في كبره كالذي يكتب على الماء . وجاء من تعلم القرآن في شبيبته اختلط القرآن بلحمه ودمه ، ومن تعلمه في كبره فهو ينسلت منه ولا يتركه فله أجره مرتين . وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس : من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو من أوتي الحكم صبيا . موقوف وبعض رفعه .
فإنه أول ما ينبغي أن يتعلم من علم الله هو .
----------------------------------------
وأنشد بعضهم في هذا المعنى :
أراني أنسى ما تعلمت في الكبر ولست بناس ما تعلمت في الصغر
وما العلم إلا بالتعلم في الصبا والحلم إلا بالتحلم في الكبر (1/17)
صفحة 18
ولو فلق قلب المعلم في الصبا لألفي فيه العلم كالنقش في الحجر
وما العلم بعد الشيب إلا تعسف إذا كلّ قلب المرء والسمع والبصر
وما المرء إلا اثنان عقل ومنطق فمن فاته هذا وهذا فقد دمر
وقال غيره :
إن الحداثة لا تقصر بالفتى المرزوق ذهنا لكن تذكي عقله فيفوق أكبر منه سنا
وهذا محمول عل الغالب .
قوله ( فإنه أول ) تعليل للأمر بتعليمه .
وقوله ( ينبغي ) أي يستحب أو يلزم .
وقوله ( من علم الله ) يعني العلم المضاف إلى الله تشريفاً ، والمراد أن القرآن أحق بالتقديم في التعليم من سائر العلوم الإلهية وهي العلوم التي جاءت بها الأنبياء، فأما غيرها فلا يضاف إلى الله وإن كان قد أحاط بكل شئ علما ، كما لا تضاف إليه سائر البيوت ، فلا يقال لغير المسجد هذا بيت الله ، وكذلك لا يقال ناقة الله لغير ناقة صالح ، وإن كان الجميع ملكه .
قوله ( هو ) عائد إلى القرآن ، وهو نائب الفاعل لقوله يتعلم .
ما جاء في المحافظة على القرآن
5- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقّلة إن عاهد عليها
------------------------------- قوله ( أبو عبيدة ) معطوف على فاعل حدثني الذي قبله حذف الفعل والعاطف للإستغناء عنهما ، والتقدير وحدثني أبو عبيدة ، وكذا القول في نظائرها في جميع الكتاب .
وقوله ( عن أبي سعيد الخدري ) بضم المعجمة نبسة إلى بني خدرة بطن من الخزرج ، واسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيدة بن ثعلبة بن الأبجر وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج ، وهو من مشاهير الصحابة وفضلائهم ، وكان من المكثرين من الرواية عنه ، وأول مشاهده الخندق ، غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم اثني عشرة غزوة ، وتوفي سنة أربع وسبعين يوم الجمعة ، ودفن بالبقيع ، وهو ممن له عقب . (1/18)
صفحة 19
قوله ( مثل ) بفتح الميم والثاء المثلثة بمعنى صفة ، مأخوذ من التمثيل وهو التصوير لأن الصورة تماثل المصور .
قوله ( كمثل ) بفتحتين أيضاً فهو نظير قوله تعالى ( مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ) .
قوله ( المعقّلة ) بضم الميم وفتح القاف مشددة مفعول من عقله بالتشديد إذا ربطه بالعقال وهو حبل يشد به ساق البعير إلى عضده يمنعه من الذهاب إلى حيث يشاء .
قوله ( إن عاهد عليها ) كذا فيما رأيناه من النسخ ، ونقل في التاج عن اللسان أن المعاهدة والاعتهاد والتعاهد والتعهد واحد وهو إحداث العهد بما عهدته ، وقال : والتعهد أفصح من التعاهد ، قال : وفي التهذيب ولا يقال تعاهدته ، قال : وأجازهما الفرّاء ، وفي فصيح ثعلب يقال يتعهد ضيعته ولا يقال يتعاهد ، قال : ابن درستويه : أي يجدد بها عهده ويتفقد مصلحتها ، وقال الترمذي : هو تفعل من العهد أي يكثر التردد عليها ، وأصله من العهد الذي هو المطر بعد المطر ، انتهى المراد منه .
أمسكها ، وإن أطلقها ذهبت .
----------------------------------------
وإنما عدّاه في الحديث بـ( على ) لتضمنه معنى تردد ، والمعنى إن تردد عليها ليتفقد أمرها بقيت عنده ، وإن أهملها ذهبت عنه لأن العقال قد ينحلّ فتنفلت الإبل ، وهذا هو وجه التشبيه لأن صاحب القرآن إن تعهده بالتلاوة والتحفظ بقي عنده وإلا انفلت عنه بالنسيان .
قوله ( أمسكها ) أي بقيت في وثاقه وتصرفه .
قوله ( وإن أطلقها ) أي أهملها بترك التعهد والتفقد .
ما جاء في من تعلم القرآن ثم نسيه
6- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : من تعلم القرآن ثم نسيه حشر
---------------------------------------- (1/19)
صفحة 20
قوله ( من تعلم القرآن ثم نسيه 00الخ ) في هذا الحديث الوعيد الشديد على نسيان القرآن بعد تعلمه ، وظاهره حجة لقول من قال : من حفظ القرآن ونسيه فهو كافر كفر نفاق يحشر يوم القيامة أعمى ، أخذوا ذلك من قوله تعالى ( كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ) ولا حجة لهم في الآية لأنها خطاب للمعرضين عن ذكر الله تعالى وهم الكفار لقوله عزّ من قائل في أول الخطاب ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ) ، وقيل لا يكفر مادام يفرزه من الشعر ، قال القطب : والأولى أن يقال مادام يفرزه من غيره . وقيل لا يكفر بنسيانه بل بترك العمل به . وقيل إذا نسيه بالمرض فليس عليه شيء . وظاهر حديث الباب إنما يتجه في ناسي تلاوته لذكره النسيان بعد التعلم ، فيخرج صاحب العذر ، ويهلك تاركه من غير عذر حتى نسيه ويؤيده حديث أبي سعيد المتقدم في الحث على تعاهد القرآن .
قوله ( حُشر ) بالبناء للمفعول ، أي أخرج من قبره إلى القيامة وفيه إسناد الحشر إلى الواحد كما في قوله تعالى ( قال رب لم حشرتني أعمى ) فلا معنى لما قاله الراغب الأصفهاني في غريب القرآن أنه لا يقال الحشر إلا في الجماعة ، قال الله تعالى ( وابعث في المدائن حاشرين ) وقال تعالى ( والطير محشورة ) ثم ذكر آيات فيها وصف الجماعة بالحشر ، وذلك كله لا يدل على الحصر بل يوصف به الجمع والمفرد كما في الآية وحديث الباب ، وفي رواية قومنا ( لقي الله يوم القيامة وهو أجذم ) .
يوم القيامة أجذم . قال الربيع : الأجذم المقطوع اليد .
---------------------------------------- (1/20)
صفحة 21
قوله ( يوم القيامة ) وهو يوم الحساب واليوم الآخر ويوم البعث ويوم الحشر ويوم النشور وسمي بذلك لما فيه من الأحوال الجامعة لهذه الصفات ، وسمي بيوم القيامة لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين فيريهم أعمالهم ، أو لأن الناس يقومون فيه من مرقدهم ، وسمي الوقت يوماً مع أنه ليس باليوم المقابل لليلة لأن اليوم يطلق على غير ذلك كقولهم يوم بعاث ويوم الفجار ويوم بدر ويوم أحد ويوم الجمل ويوم صفين لحروب مخصوصة معهودة ، وإنما سمي اليوم الآخر لتقدم الدنيا عليه في الوجود فالدنيا هو اليوم الأول .
قوله ( الأجذم المقطوع اليد ) وفي نسخة ( مقطوع اليد ) مأخوذ من الجذم وهو القطع ، ومنه حديث علي ( من نكث بيعته لقي الله وهو أجذم ليست له يد ) وذلك أن البيعة تباشر باليد من بين الأعضاء وهو أن يجعل المبايع يده في يد الإمام عند العقد فناسب أن تجعل عقوبة النكث قطعها جزاءً وفاقا ، وهذه المناسبة لم تظهر في ناسي القرآن فمن هاهنا اختلفوا في معنى حشره أجذم ، فقال الربيع : مقطوع اليد ، وقال القتيبي : الأجذم هاهنا الذي ذهبت أعضاؤه كلها وليست اليد أولى بالعقوبة من باقي الأعضاء يقال للرجل أجذم ومجذوم إذا تهافتت أطرافه من الجذام وهو الداء المعروف . قال الجوهري : لا يقال للمجذوم أجذم ، وقال ابن الأنباري رداً على ابن قتيبة : لو كان العقاب لا يقع إلا بالجارحة التي باشرت المعصية لما عوقب الزاني بالجلد والرجم في الدنيا وبالنار في الآخرة ، وقال ابن الأنباري : معنى الحديث أنه لقي الله وهو أجذم الحجة لا لسان له يتكلم ولا حجة في يده ، وقول علي ( ليست له يد ) أي لا حجة له ، وقيل معناه لقيه منقطع السبب يدل عليه قول القرآن سبب بيد الله وسبب بأيديكم فمن نسيه فقد قطع سببه . (1/21)
صفحة 22
وقال الخطابي : معنى الحديث ما ذهب إليه ابن الأعرابي وهو أن من نسي القرآن لقي الله خالي اليد من الخير صفرها من الثواب فكنى باليد عما تحويه وتشتمل عليه من الخير كذا في النهاية .
ما جاء فيمن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم
7- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال : ما جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم
----------------------------------------
قوله ( عن أنس بن مالك ) ابن النظر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار واسمه تيم الله بن ثعلبة بن عمر بن الخزرج بن حارثة ، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلّم وكان يفتخر بذلك ، وكان يكنى أبا حمزة ، كنّاه رسول الله صلى الله عليه وسلّم ببقلة كان يجتنيها ، وأمه أم سليم بنت ملحان ، وكان عمره لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلّم الدينة مهاجراً عشر سنين وقيل تسع سنين وقيل ثمان سنين ، وروى الزهري عن أنس قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلّم الدينة وأنا ابن عشر سنين وتوفي وأنا ابن عشرين سنة ، وقيل خدمه ثماني وقيل سبع سنين ، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلّم بكثرة المال والولد ، فولد له من صلبه ثمانون ذكراً وابنتان إحداهما حفصة والأخرى أم عمرو ، مات وله من ولده وولد ولده مائة وعشرون ولدا ، واختلفوا في وقت وفاته فقيل توفي سنة إحدى وتسعين ، وقيل سنة اثنتين وتسعين و، قيل سنة ثلاث وتسعين وهو الصحيح وقيل سنة ست وتسعين ، قيل كان عمره مائة سنة وثلاث سنين ، وقيل مائة وعشر سنين ، وقيل مائة وسبع سنين ،وقيل بضع وتسعين سنة وقيل تسعة وتسعين سنة ، وهو من المكثرين في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، روى عنه خلق كثير منهم جابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم والحسن البصري وابن سيرين وحميد الطويل وثابت البناني وقتادة والزهري . (1/22)
صفحة 23
قوله ( ما جمع ) الجمع ضم الشيء بتقريب بعضه من بعض ، يقال جمعته فاجتمع ، والمراد به في هذا الحديث جمع القرآن في الحافظة .
قوله ( على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ) أي زمانه الذي كان يراعي فيه الأوامر والنواهي ويحمل فيه أمته على مصالحهم .
إلا ستة نفر كلهم من الأنصار أبيّ ومعاذ وزيد وأبو زيد وأبو أيوب وعثمان والباقي من الصحابة قد يحفظ
--------------------------------------------
قوله ( إلا ستة نفر ) فيه دليل على أن حفظ القرآن على ظهر الغيب لا يلزم ، وإنما هو الفضل والدرجة العليا .
قوله ( كلهم من الأنصار ) الأوس والخزرج ، أربعة من الخزرج واثنان من الأوس. روى قتادة عن أنس قال : افتخر الحيان الأوس والخزرج فقالت الأوس منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر ومنا الذي حمته الدبر عاصم بن ثابت ومنا الذي اهتز لموته العرش سعد بن معاذ ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت . فقالت الخزرج : منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم أبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد كذا وقع في الرواية والواضح أن يقولوا أبو أيوب مكان أبي زيد فإن أبا أيوب خالد بن كليب بن ثعلبة أحد بني النجار وهم من الخزرج .
وأما أبو زيد الجامع للقرآن فهو سعد بن عبيد بن النعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن أمية بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس فهو من الأوس لا من الخزرج . قال الواقدي : سعد بن عبيد بن النعمان هو أبو زيد الذي يقال له سعد القارئ ، يكنى أبا عمير بابنه عمير بن سعد ، وابنه هذا هو الذي كان والياً لعمر على بعض الشام . قال : وقتل أبو زيد سعد بن عمير يوم القادسية مع سعد بن أبي وقّاص وهو ابن أربع وستين سنة . (1/23)
صفحة 24
وقيل إن الجامع للقرآن أبو زيد هو ثابت بن زيد الأنصاري نقل ذلك عن يحيى بن معين . قال أبو عمر : لا أعلم غيره . وعلى هذا القول فيكون ما رواه قتادة عن أنس موافقاً لهذا القول لأن ثابت ين زيد من الخزرج ، لكن الأول عندي أصح ، ويحتمل أن يكون كلاهما جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم . وقيل من الجامعين أيضاً قيس بن السكن . وقالت طائفة : منهم محمد بن نمير .
السور المعدودات من القرآن ومنهم من يحفظ السورة والسورتين .
--------------------------------------------
وقال محمد بن كعب جمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلّم خمسة من الأنصار معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبيّ بن كعب وأبو أيوب وأبو الدرداء ، وكان عبادة يعلّم أهل الصفة القرآن .
وأما عثمان فهو من الأوس ، وهو عثمان بن حنيف الأنصاري الأوسي ، يكنى أبا عمر ، وقيل أبا عبدالله ، شهد أحداً والمشاهد بعدها ، واستعمله عمر بن الخطاب رضي الله عنه على مساحة سواد العراق ، واستعمله علي على البصرة فبقي فيها إلى أن قدمها طلحة والزبير مع عائشة في نوبة وقعة الجمل فأخرجوه منها ، ثم قدم علي إليها فكانت وقعة الجمل فلما ظفر بهم علي استعمل على البصرة عبدالله بن عباس ، وسكن عثمان بن حنيف بالكوفة وبقي بها إلى زمان معاوية .
قوله ( السور المعدودات ) أشار بذلك إلى القلة على حد قوله تعالى ( دراهم معدودة ) والمعنى أنها لقلتها تحصر بالعد ، كانت العرب تستعمل ذلك لقلة توغلهم في الأعداد ، ولأن الكثير عندهم موزون والقليل معدود .
قوله ( السور والسورتين ) لعل المراد بذلك ما فوق الفتحة لأن الصلاة بدونها خداج كما سيأتي ، وقد أمرنا بقراءة ما تيسر من القرآن وذلك فوق الفاتحة في الصلوات المخصوصة ، والله أعلم .
ما جاء في فضل قل هو الله أحد (1/24)
صفحة 25
8- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ويرددها ، فلما أصبح
--------------------------------------------
قوله ( أن رجلاً سمع رجلاً 00الخ ) اسم القارئ قتادة بن النعمان ، قال ابن حجر رواه ابن وهب عن أبي لهيعة عن الحارث بن يزيد عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال : وأما السامع فلم يسم . وقال : في موضع لعله أبو سعيد راوي الحديث لأنه أخوه لأمه وكانا متجاورين ، وبذلك جزم ابن عبد البر فكأنه أبهم نفسه وأخاه .
قوله ( أحد ) أي فرد في ذاته وصفاته لا يتجزأ .
قوله ( الصمد ) أي المصمود إليه في الحوائج بمعنى أنه لا يقصد في قضائها إلا هو . وقيل الصمد هو الذي لا جوف له .
قوله ( لم يلد ولم يولد ) قال ابن عباس : لم يلد كما ولدت مريم ، ولم يولد كما ولد عيسى وعزير ، وهو رد على النصارى وعلى من قال عزير بن الله . وقال غيره : نفى عنه الولد لأن الولد من جنس أبيه ، والله تعالى لا يجانسه أحد لأنه واجب الوجود وغيره ممكن الوجود ، ولأن الولد يطلب إما لإعانة والده أو لتخلفه بعده والله تعالى لا يفنى وهو غير محتاج إلى شيء من ذلك .
قوله ( ولم يكن له كفواً أحد ) أي ليس له مكاف ومماثل بل هو الواحد الأحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . وقد تضمنت السور إثبات الوحدانية لله تعالى والرد على اليهود القائلين عزيز بن الله وعلى النصارى القائلين المسيح بن الله والقائلين بالتثليث منهم وعلى المشركين القائلين في الملائكة أنهم بنات الله وعلى الجاعلين لله أنداداً ، فلهذه المزايا كانت تعدل ثلث القرآن .
قوله ( ويرددها ) يعني يردد قراءتها مرة بعد مرة .
غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم فذكر ذلك له فكأن الرجل يتعلمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : والذي نفسي بيده لأنها تعدل ثلث القرآن . (1/25)
صفحة 26
--------------------------------------------
قوله ( غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم ) وفي نسخة إلى رسول الله والأولى أصح لأن غدا تعدى بـ(على) كقوله تعالى ( أن اغدوا على حرثكم ) والمراد أنه سار إليه في أول النهار .
قوله ( فكان الرجل يتعلمها ) هذا بيان لسبب الترديد ، وفي رواية البخاري وكان الرجل يتقالّها بتشديد اللام ، وأصله يتقاللها أي يعتقد أنها قليلة ، وفي رواية كأنه يقللها ، وفي رواية فكأنه استقلها والمراد استقلال العمل لا التنقيص ، وعلى هذه الروايات فالمراد بالرجل السامع بخلافه على رواية المصنف فإن المراد فيها القارئ المردد ، وعلى رواية البخاري يكون استقلالها سبباً لقوله صلى الله عليه وسلّم والذي نفسي بيده 00الخ ويكون سبب الترديد عند قيامه الليل . وقد أخرج الدارقطني من طريق إسحاق بن الطباع عن مالك في هذا الحديث بلفظ ( إن لي جاراً يقوم بالليل فما يقرأ إلا بقل هو الله أحد ).
قوله ( والذي نفسي بيده ) أي في قدرته وقبضته ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ).
قوله ( لأنها لتعدل ) بفتح اللامين الأولى لجواب القسم والثانية للتأكيد ، ومعنى تعدل تساوي ثلث القرآن لما فيها من إخلاص التوحيد والرد على من خالفه .
وكثير من القرآن قد جاء في ذلك لو جمع لبلغ ثلثه ، فكان جميع ما في ذلك الثلث قد جمع في هذه السورة فكان فضلها مثل فضل ثلث القرآن ، وعانيها في الاختصار والإيجاز مثل معاني ثلث القرآن في البسط .
9- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال :
---------------------------------------- (1/26)
صفحة 27
قوله ( أبو هريرة ) الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأكثرهم حديثاً عنه ، وهو من دوس بن عدنان بن عبدالله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن مالك بن نصر بن الأزد ، وقد اختلف في اسمه اختلافاً كثيراً لم يختلف في اسم آخر مثله ولا ما يقاربه فقيل وهو المختار عند بعض اسمه عبد الرحمن بن صخر ، وقيل عبدالله بن عامر ، قال الهيثم بن عديّ : كان اسمه في الجاهلية عبد شمس وفي الإسلام عبدالله ، وقال
ابن إسحاق : قال لي بعض أصحابنا عن أبي هريرة كان اسمي في الجاهلية عبد شمس فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلّم عبد الرحمن ، وقد تركت أكثر الأقوال في اسمه ، وإنما كني أبا هريرة لهريرة كانت معه ، قال عبدالله بن رافع : قلت لأبي هريرة لما اكتنيت بأبي هريرة ؟ ؟ قال : أما تفرق مني ؟ قلت : بلى والله إني لأهابك . قال : كنت أرعى غنم أهلي وكانت لي هريرة صغيرة فكنت أضعها في الليل في شجرة فإذا كان النهار ذهبت بها معي فلعبت بها فكنوني أبا هريرة . وقيل رآه النبي صلى الله عليه وسلّم وفي كمه هرة فقال : يا أبا هريرة . (1/27)
صفحة 28
وكان من أصحاب الصفة ، أسلم عام خيبر وشهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثم لزمه وواظب عليه رغبة في العلم فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، قال أبو هريرة : قلت يا رسول الله أسمع منك أشياء فلا أحفظها . قال : ابسط ردائك . فبسطته فحدّث حديثاً كثيراً فما نسيت شيئاً حدثني به . وعن الزهري عن الأعرج قال : سمعت أبا هريرة قال إنكم تقولون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم والله الموعد كنت رجلاً مسكيناً أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلّم على ملء بطني ، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئاً سمعه مني ، فبسطت ثوبي حتى قضى حديثه ثم ضممته إليّ فما نسيت شيئاً سمعته بعد . قال البخاري : روى عن أبي هريرة أكثر من ثمانمائة رجل من صاحب وتابع فمن الصحابة ابن عباس وابن عمر وجابر وأنس وواثلة بن الأسقع واستعمله عمر على البحرين ثم عزله ثم أراده على العمل فامتنع وسكن المدينة وبها كانت وفاته .
أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم فسمع رجلاً يقرأ قل هو الله أحد إلى آخرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : وجبت . فقلت ماذا يا رسول الله ؟فقال: الجنة .قال أبو هريرة : فأردت أن أذهب إلى الرجل فابشره ثم خفت أن يفوتني الغداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم فآثرت الغداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، ثم ذهبت إلى الرجل فوجدته قد ذهب .
----------------------------------------
قال خليفة : توفي أبو هريرة سنة سبع وخمسين . وقال الهيثم بن عدي : توفي سنة ثمان وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة . قيل مات بالعقيق وحمل إلى المدينة وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان أميراً على المدينة لعمه معاوية بن أبي سفيان . (1/28)
صفحة 29
قوله ( أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ) هذا كلام يشعر بإجابة الدعوة ويدل على ذلك قوله في أثناء الحديث فآثرت الغداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وهذا المعنى يصحح ما في بعض النسخ ( فآثرت القرى ) بكسر القاف مقصوراً وهو الضيافة .
قوله ( فسمع رجلاً ) السامع هو رسول الله صلى الله عليه وسلّم والمسموع لم يسم وكأنه مجهول عند أبي هريرة أيضاً .
قوله ( وجبت ) أي ثبتت له الجنة عند الله تعالى بهذا العمل .
قوله ( فأبشره ) أي أخبره بما قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، والتبشير الإخبار بما يسر في العاقبة عكس الإنذار ، أما قوله تعالى ( فبشرهم بعذاب أليم ) فهو من المجاز الذي يراد به ضد معناه على سبيل التهكم وكذا القول في نظائرها .
قوله ( الغداء ) هو ما يؤكل وقت الغداء إلى نصف النهار ويقابله العشاء وهو ما يؤكل يالعشي .
قوله ( فآثرت ) أي قدمت الغداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم لما في ذلك من فضل الصحبة وأخذ العلم وحصول المعاش مع ظنه يدرك الرجل فيبشره فيحوز الحالين كما يدل عليه قوله ( ثم ذهبت إلى الرجل فوجدته قد ذهب ) .
ما جاء في سبب نزول سورة الفتح
10- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم
---------------------------------------- (1/29)
صفحة 30
قوله ( أن عمر بن الخطاب ) بن نفيل بن عبد العزّى بن رباح بن عبدالله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي ، وكنيته أبو حفص، وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، وقيل حنتمة بنت هشام بن المغيرة ، فعلى هذا فهي أخت أبي جهل وعلى الأول فهي ابنة عمه ، وفي ذلك الخلاف عندهم هل هي أخت أبي جهل أو ابنة عمه وهو أصح ، ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة ، وروي عن عمر أنه قال : ولدت بعد الفجار الأعظم بأربع سنين ، وكان من أشرف قريش ، وإليه كانت السفارة في الجاهلية وذلك أن قريشاً كانوا إذا وقع بينهم حرب أو بينهم وبين غيرهم بعثوه سفيرا ، وإن نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر رضوا به فبعثوه منافراً ومفاخراً . قيل أسلم بعد أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة ، وقيل بعد تسعة وثلاثين رجلاً وثلاث وعشرين امرأة فكمل الرجال به أربعين رجلاً . قال القاسم بن عبد الرحمن : قال عبدالله بن مسعود : كان إسلام عمر فتحاً ، وكانت هجرته نصراً ، وكانت إمارته رحمة ، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا . وقال حذيفة : لما أسلم عمر كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا قرباً فلما
قتل عمر كان الإسلام كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعداً . شهد رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم بدراً وأحداً والخندق وبيعة الرضوان وخيبر والفتح وحنيناً وغيرها من المشاهد وسيرته معروفة وفضائله كثيرة ، ومات رضي الله عنه شهيداً وهو ابن ثلاث وستين سنة ، طعنه أبو لؤلؤة . قال قتادة : طعن عمر يوم الأربعاء ومات يوم الخميس ، والخبر في مقتله مشهور . (1/30)
صفحة 31
في بعض أسفاره فسأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن شيء فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثم سأله ثلاثاً فلم يجبه ، فقال عمر عند ذلك : ثكلتك أمك يا عمر نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثلاثاً وكل ذلك لا يجيبك ، قال عمر : فحركت بعيري حتى تقدمت أمام الناس فخشيت
----------------------------------------
قوله ( في بعض أسفاره ) وهو يوم الحديبية حين صدّه المشركون عن البيت . وعن مجمع بن جارية الأنصاري قال : شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغنيم إذا الناس يوجفون الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض ما للناس ؟ قالوا : أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فخرجنا مع الناس نوجف فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلّم على راحلته على كراع الغنيم فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم ( إنّا فتحنا لك فتحاً مبينا ) فقال رجل يا رسول أو فتح هو ؟ قال : والذي نفسي بيده إنه لفتح . فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية فقسّمها رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثمانية عشر سهما ، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة ، منهم ثلاث مائة فارس ، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهماً .
قوله ( ثكلتك أمك ) بكسر الكاف أي فقدتك ، والثكل فقد الولد ، وامرأة ثاكل وثكلى، ورجل ثاكل وثكلان ، كأنه دعا عليه بالموت ، وأراد إذا كنت هكذا فالموت خير لك لئلا تزداد سوءاً ، ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها الدعاء كقولهم تربت يداك ، وقاتلك الله .
قوله ( نزرت برسول الله صلى الله عليه وسلّم ) بتخفيف الزاء ويجوز تشديدها أي ألححت عليه .
قوله ( فحركت بعيري ) أي سقته .
قوله ( أمام الناس ) بفتح الهمزة أي قدامهم .
قوله ( خشيت ) أي خفت . (1/31)
صفحة 32
أن ينزل فيّ قرآن فما مشيت إذ سمعت صارخاً يصرخ فهرولت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلّم فسلّمت عليه فقال : لقد أنزلت عليّ سورة هي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس ، ثم قرأ إنّا فتحنا لك فتحاً مبينا .
----------------------------------------
قوله ( قرآن ) أي في ذمّي وذلك الخوف بسبب مراجعته لرسول الله صلى الله عليه وسلّم في صلح الحديبية أو بسبب ذلك الإلحاح الذي ألحّ على رسول الله صلى الله عليه وسلّم في سؤاله .
قوله ( فهرولت ) الهرولة بين المشي والعدو .
قوله ( مما طلعت عليه الشمس ) يعني الدنيا وما فيها ، ولا شك أن القرآن أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم من ذلك وإنما ذكره مبالغة على قاعدتهم عند المبالغة في الخطاب .
قوله ( إنّا فتحنا لك فتحاً مبينا ) فتح البلد عبارة عن الظفر به عنوة أو صلحاً بخراج أو دونه مأخوذ من فتح باب الدار ، فالبلد مادام لم يظفر به فهو مغلق ، وقد اختلف العلماء في هذا الفتح فقيل صلح الحديبية وهو المناسب لما مر .
قال موسى بن عقبة : قال رجل عند منصرفهم من الحديبية ما هذا بفتح لقد صدونا عن البيت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : بل هو أعظم الفتوح قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح ويسألونكم القضية ويرغبون إليكم في الأمان وقد رأوا منكم ما كرهوا .
قال الشعبي في قوله ( إنّا فتحنا لك فتحاً مبينا ) هو فتح الحديبية ، لقد أصاب فيها ما لم يصب في غزوة غيرها غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وبويع بيعة الرضوان ، وأطعموا نخل خيبر ، وبلغ الهدي محله ، وظهرت الروم على فارس ففرحت المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس . (1/32)
صفحة 33
وقال الزهري : لقد كان فتح الحديبية أعظم الفتوح وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلّم جاء إليها في ألف وأربعمائة فلما وقع الصلح مشى الناس بعضهم على بعض وعلموا وسمعوا عن الله فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه فما مضت تلك السنتان إلاوالمسلمون قد جاءوا إلى مكة في عشرة آلاف .
وقال مجاهد والعوفي : هو فتح خيبر .
والأول قول الأكثر .
وقيل المراد فنح مكة وغيرها من البلدان وعلى هذا فيكون المراد بفتحنا قضينا في الأزل أن مكة ستفتتح بعد الحديبية فهو إخبار عن القضاء الأزلي .
ومنهم من قال أنه بمعنى المضارع مجازاً وعليه فهو وعد بالفتح وهذا من الضعف بمكان .
ما جاء في منع الجنب والحائض من قراءة القرآن
11- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الجنب والحائض والذين لم يكونوا على طهارة لا يقرءون القرآن ولا يطئون مصحفاً حتى يكونوا متوضئين .
----------------------------------------
قوله ( عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم ) جابر لم يدرك رسول الله صلى الله عليه وسلّم فالحديث مرسل لسقوط الصحابي منه ، وقد قدّمت لك أن مراسيل جابر في حكم الاتصال لتثبته في النقل مع كثرة من لقي من الصحابة . (1/33)
صفحة 34
قوله ( والذين لم يكونوا على طهارة ) الظاهر أن المراد بهؤلاء أهل الأحداث الخفيفة ، وقد وقع الخلاف بين العلماء في منعهم من ذلك على أقوال بسطتها في الجزء الثاني من المعارج . وحكم النفساء حكم الحائض وظاهر الحديث يقتضي المنع ومصداقه من الكتاب العزيز ( لا يمسه إلا المطهرون ) والسر في المنع إظهار عظمة القرآن والفرز بينه وبين غيره من سائر الكلام ، وهذا واضح في الجنب والحائض وأما أهل الأحداث الخفيفة فيجب أن يحمل النهي في حقهم على الكراهة لحديث علي قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقضي حاجته ثم يخرج فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم ولا يحجبه ، وربما قال لا يحجزه من القرآن ليس الجنابة ) رواه الخمسة ، لكن لفظ الترمذي مختصر ( كان يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبا ) وقال حديث حسن صحيح . وفعله صلى الله عليه وسلّم هذا لبيان الجواز . وعن ابن عمر مرفوعاً ( لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن ) رواه أبو داؤد والترمذي وابن ماجه .
قوله ( ولا يطئون مصحفاً بأيديهم ) أصل الوطء إنما يكون بالرجل ، ثم استعير لمعان كثيرة ، وهو في هذا الحديث بمعنى المس ، والقرينة قوله ( بأيديهم ) .
والمصحف بضم الميم ويجوز كسرها هو مجموع صحائف القرآن ، وأصله الضم لأنه مأخوذ من أصحف أي جمعت فيه الصحف . قال الفّراء : استثقلت العرب الضمة في حروف فكسروا ميمها وأصلها الضم من ذلك مصحف ومخدع ومطرف ومغزل ومجسد .
قوله ( حتى يكونوا متوضئين ) أي متطهرين ، الطهور المشروع للعبادة والغاية عائدة إلى جميع الأصناف الثلاثة ، والوضوء من الجنب والحائض لا يتم إلا بعد الطهر فكأنه قال في حقهما حتى يطّهروا ويتوضئوا .
ما جاء في النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو
12- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو لئلا يذهبوا به فينالوه . (1/34)
صفحة 35
قال الربيع : يعني بالقرآن هنا المصحف .
----------------------------------------
قوله ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ) انظر ما معنى هذا النهي ؟ وهل هو للكراهة أو للتحريم ؟ والظاهر التفصيل فيمنع في بعض الأحوال دون بعض لأنه صلى الله عليه وسلّم كتب إلى بعض الملوك من النصارى شيئاً من آيات الكتاب وإذا جاز حمل بعضه فكذلك حمل جميعه إذ لا فرق بين آية وآية ، ثم عن ظاهر التعليل قوله لئلا يذهبوا به يقتضي أن النهي إنما كان للحذر والحزم عن إضاعة القرآن والاستهانة به فحيث خيف ذلك تعيّن المنع وإلا جاز .
قوله ( فينالوه ) أي فيصيبوه بسوء ويحطوا من قدره .
قوله ( يعني بالقرآن هنا المصحف ) على سبيل التجوز من إطلاق اسم الحال عن المحل .
ما جاء في ذهاب القرآن آخر الزمان
13- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه كان قاعداً ذات يوم مع أصحابه إذ ذكرت حديثاً فقال : ذلك أوان ينسخ القرآن . فقال رجل كالإعرابي : يا رسول الله ما النسخ ؟ وكيف ينسخ ؟ . قال : يذهب بأهله ويبقى رجال كأنهم البغاث .
قال الربيع : البغاث : أرذلة الطير .
---------------------------------------- (1/35)
صفحة 36
قوله ( إذ ذكرت حديثاً ) بضم التاء على أن الذاكر ابن عباس رضي الله عنهما ، والحديث الذي ذكره لم أجده مبيناً وكأنه من أشراط الساعة لقوله صلى الله عليه وسلّم : ذلك أوان أن ينسخ القرآن ، ثم بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كيفية نسخه بقوله : يذهب بأهله وتبقى رجال كأنهم البغاث . وقد صح أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال : من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل . وأخبر أنه يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساءً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا .وقال الشعبي : لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلاً والجهل علماً . وعن عبدالله بن عمرو أن من أشراط الساعة أن يوضع الأخيار وترفع الأشرار. وهذا كله من انقلاب الحقائق وانعكاس الأمور في آخر الزمان .
وقوله ( فقال رجل كالإعرابي ) أي يشبهه في الصورة والهيئة ، وكأن ابن عباس لم يعرف الرجل حين وصفه بذلك .
قوله ( قال الربيع : البغاث أرذلة الطير ) وفي نسخة أذلة الطير . وقال ابن السكيت : البغاث طائر أبغث إلى الغبرة دوين الرخمة بطئ الطيران . وفي المثل إن البغاث بأرضنا يستنسر أي يصير نسراً ، ومعناه أن من جاورنا صار بنا عزيزاً . وقال الفرّاء : بغاث الطير شرارها وما لا يصيد منها ، وهو قريب من قول الربيع رحمه الله تعالى ، وضبط بتثليث الوحدة بعدها مثلثة في النقط .
ما جاء في القراءات السبع
14- أبو عبيدة قال : بلغني أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير قراءته هو وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم أقرأنيها
---------------------------------------- (1/36)
صفحة 37
قوله ( هشام بن حكيم ) بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي السدي وخديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلّم عمة أبيه ، أسلم يوم الفتح ، ومات قبل أبيه حكيم وكان من الأمّارين بالمعروف الناهين عن المنكر ، وكان عمر بن الخطاب يقول إذا بلغه أمر ينكره أمّا ما بقيت أنا وهشام فلا يكون ذلك ، والحديث عند قومنا من رواية الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القارئ أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول مررت بهشام بن حكيم بن حزام وهو يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإذا هو يقرأ على حروف لم يقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلّم فكدت أساوره في الصلاة فنظرت حتى سلّم فلببته بردائي فقلت من أقرأك هذه
السورة ؟ قال : أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقلت له كذبت والله عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لهو أقرأني هذه السورة التي تقرأها ، فانطلقت أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقلت إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرأنيها فقال النبي صلى الله عليه وسلّم أرسله يا عمر ، اقرأ يا هشام فقرأ القراءة التي سمعت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم هكذا أنزلت ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلّم اقرأ يا عمر فقرأت القراءة التي أقرأني النبي صلى الله عليه وسلّم فقال النبي صلى الله عليه وسلّم هكذا أنزلت ثم قال النبي صلى الله عليه وسلّم إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه .
قوله ( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم أقرأنيها ) هذا من كلام عمر ففيه الانتقال من الإخبار عنه إلى حكاية . (1/37)
صفحة 38
فلببته بردائي فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقلت يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم للرجل : اقرأ . فقرأ . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : هكذا أنزلت . قال عمر : فقال لي اقرأ . فقرأت . فقال : هكذا أنزلت ، إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ فاقرءوا ما تيسر منه .
----------------------------------------
قوله ( فلببته بردائي ) بالتشديد يقال لببت الرجل إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحره في الخصومة ثم جررته .
قوله ( سبعة أحرف ) أي قراءات وكانت القراءة في عرفهم تسمى حرفا ، وجاء أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال أقرأني جبريل على حرف فلم أزل أستزيده حتى أقرأني على سبعة أحرف والمراد بها لغات العرب فإنها بلغت إلى سبع اختلفت في قليل من الألفاظ واتفقت في غالبها .
قوله ( كلها شاف كاف ) يعني أن الأحرف السبعة كل واحد منها يشفي ويكفي فليس لأحدها مزية على الآخر لأن الجميع منزل من عند الله تعالى ، والسر في ذكر شاف كاف أن القرآن شفاء ورحمة فمن قرأ بواحد من تلك الأحرف حصل له الخصلتان الشفاء والرحمة، فمعنى قوله كاف أي يكفي لتحصيل الرحمة بتلاوته في الصلاة وغيرها .
قوله ( فاقرأوا ما تيسر منه ) أي على أي الأحرف كان فإنه خطاب لعمر وهشام وغيرهما وقد اختلفا في القراءة فهذا إباحة لهما ولغيرهما في التوسع .
قال الربيع : قال أبو عبيدة اختلف الناس في معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلّم ( نزل القرآن على سبعة أحرف ) قال بعضهم على سبع لغات وقال بعضهم على سبعة أوجه وعد ووعيد وحلال وحرام ومواعظ وأمثال واحتجاج ، وقال بعضهم حلال وحرام ونهي وخبر ما كان وخبر ما هو كائن وأمثال ، وقد قيل لا يوجد حرف واحد من القرآن يقرأ على سبعة أوجه ، والله أعلم بحقيقة التفسير .
---------------------------------------- (1/38)
صفحة 39
قوله ( اختلف الناس 00الخ ) كثر اختلاف الناس في معنى الحديث حتى اختار بعضهم أنه من المشكل الذي لا يدرى معناه كمتشابه القرآن والحديث ، والمتعاطون لبيانه اختلفوا في ذلك على نحو أربعين قولاً ذكر أبو عبيدة منها ثلاثة أقوال أصحها الأول وهو قوله على سبع لغات وبه قال أبو عبيد وثعلب والأزهري وآخرون ، واستقرب بعضهم بعد قول من قال أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة نحو أقبل وتعال وأعجل وأسرع وبه قال سفيان بن عيينة وابن وهب وخلائق ونسب إلى الأكثر ، وأما القولان الآخران في كلام أبي عبيدة فلا مدخل لهما في معنى الحديث والعجب ممن قال بهما كيف نسي اختلاف عمر وهشام وحضورهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقوله لكل واحد منهما اقرأ وبعد ذلك قال إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف.
أما قوله ( لا يوجد حرف واحد من القرآن يقرأ على سبعة أوجه ) فليس بشيء لأن اللغات السبع قد اتفقت في أكثر المواضع واختلفت في اليسير ولا يلزم أن يكون الخلاف في كلمة واحدة بل تخالف هذه في كلمة وهذه في أخرى وهلم جرا . وقيل ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بل المراد التيسير والتسهيل ولفظ السبعة أطلق على إرادة الكثرة في الآحاد كما تطلق السبعون في العشرات والسبع المائة في المئين ويرد حديث جبريل المتقدم فإنه أنهى الازدياد إلى سبعة أحرف .
ما جاء في جمع القرآن
15- أبو عبيدة قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان إذا نزلت عليه آية قال اجعلوها في سورة كذا وكذا وفي موضع كذا وكذا ، وما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلا والقرآن مجموع متلّو .
----------------------------------------
قوله ( قال بلغني ) الحديث مرسل لسقوط الصحابي منه ، وأبو عبيدة أدرك بعض الصحابة وروى عنهم وإن كان أكثر ما روى عن جابر بن زيد وفي الحديث البلاغ ، وأبو عبيدة في غاية من التثبت فالخبر في قوة المتصل . (1/39)
صفحة 40
قوله ( قال اجعلوها في سورة كذا وكذا 00الخ ) هذا تصريح بأن ترتيب القرآن واقتران آياته بعضها ببعض كان أمراً سماوياً وكذلك جمعه على هذا الحال كما يدل عليه قوله وما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلا والقرآن مجموع متلو وكذلك يدل عليه ما مر في حديث الستة الجامعين للقرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلّم .
قال عكرمة : لو اجتمعت الأنس والجن على أن يؤلفوه هذا التأليف ما استطاعوا .
وقد كان القرآن كتب كله في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم لكنه غير مجموع في موضع واحد .
قال الخطابي : إنما لم يجمع صلى الله عليه وسلّم القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاءً بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة فكان ابتداء ذلك على يد الصّديق بمشورة عمر .
وقال الحاكم : جمع القرآن ثلاث مرات إحداها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلّم ، قال زيد بن ثابت : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم نؤلف القرآن من الرقاع ، (1/40)
صفحة 41
الثانية بحضرة أبي بكر قال زيد بن ثابت أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال إن القتل اسّتحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن وإني أخشى أن يسّتحرّ القتل بالقرّاء في المواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن . فقلت لعمر : كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟ قال عمر : هو والله خير . فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر قال زيد : قال أبو بكر : إنك شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلّم فتتبع القرآن واجمعه . فوالله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن 00إلى آخر الحديث ، وهذا جمع غير الجمع فإنه كان مجموعاً في أذهان الرجال على هذه الصفة ثم صار بعد ذلك مجموعاً في المصاحف أيضاً على هذه الصفة المخصوصة والجمع الذي ذكره زيد بن ثابت في حضرة النبي صلى الله عليه وسلّم .
قال البيهقي : يشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المفرقة وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلّم . وهذا عين ما رواه أبو عبيدة .
ما جاء في إنزال القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا
16- قال الربيع بن حبيب عن عبد الأعلى بن داؤد عن عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال :
---------------------------------------- (1/41)
صفحة 42
قوله ( عن عبد الأعلى بن داؤد ) الموجود في كتب الرجال عبدالله بن داؤد بن عامر الهمداني الشعبي أبو عبد الرحمن الخريبي بضم المعجمة وفتح الراء وإسكان التحتانية بعدها موحدة نسبة إلى خريبة محلة سكنها ، وتسمىالبصيرة الصغرى ، وهي محلة بالبصرة ، وهو أحد الأعلام يروي عن هشام بن عروة والأعمش وسلمة بن نبيط وابن جريح ويروي عنه بشر بن الحارث ومسدد وبندار وعمرو بن علي ونصر بن علي وزيد بن أخرم وخلق . وثّقه ابن معين وأبو حاتم . وقال ابن سعد : كان ثقة عابداً ناسكاً . وقال الكديمي : سمعته يقول ما كذبت إلا مرة واحدة قال لي أبي قرأت على المعلم ؟ قلت : نعم . وقال الذهلي : سألته عن التوكل ؟ فقال : حسن الظن بالله . قال ابن سعد : مات سنة ثلاث عشرة ومائتين عن سبع وثمانين سنة .
قوله ( عن عكرمة ) بكسر العين المهملة وسكون الكاف وكسر الراء وفتح الميم بعدها هاء ساكنة ، هو في الأصل اسم الحمامة الأنثى فسمي به الإنسان ثم إن الظاهر أن عكرمة هذا هو عكرمة بن عبدالله البربري مولى عبدالله بن عباس رضي الله عنهما . أصله من البربر من أهل المغرب . كان لحصين بن خير العنبري فوهبه لابن عباس حين ولي البصرة لعلي بن أبي طالب ، واجتهد ابن عباس في تعليمه القرآن والسنن وسمّاه بأسماء العرب . حدّث عن عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر وعبدالله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري والحسن بن علي وعائشة وأبي قتادة ومعاوية .
روى عنه الشعبي وإبراهيم النخعي وأبو الشعثاء من أقرانه وعمرو بن دينار وقتادة وأيوب وغيرهم . قال الشعبي : ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة رموه بغير نوع من البدعة . قال العجلي : ثقة بريء مما يرميه الناس به ووثّقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي ومن القدماء أيوب السختياني . لكن في السير المغربية أنه خرج إلى ارض المغرب يدعو إلى مذهب الصفرية ، ومع ذلك فهو مقبول الرواية . وتوفي سنة سبع ومائة وقيل (1/42)
صفحة 43
أنزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا
----------------------------------------
سنة ست ومائة وقيل سنة خمس ومائة وقيل سنة خمس عشرة ومائة والله أعلم .
وعمره ثمانون وقيل أربع وثمانون ، مات بالمدينة وقيل بالقيروان من أرض المغرب والله أعلم .
قوله ( أنزل القرآن كله جملة واحدة ) هذا الحديث نص في كيفية إنزال القرآن من اللوح إلى سماء الدنيا ومنها إلى الأرض ولعلماء الأمة في ذلك ثلاثة أقوال :
الأول : وهو الأصح الأشهر ما في هذا الحديث وهو أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك منجماً في عشرين سنة أو ثلاثة وعشرين أو خمسة وعشرين على حسب الخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلّم بمكة بعد البعثة .
القول الثاني : أنه نزل إلى السماء الدنيا في عشرين ليلة قدر أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين في كل ليلة ما يقدر الله إنزاله في كل السنة ثم نزل بعد ذلك منجماً في جميع السنة نقله القرطبي عن مقاتل بن حيّان وحكى الإجماع على أنه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا .
القول الثالث : أنه ابتدأ إنزاله في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجماً في أوقات مختلفة من سائر الأوقات وبه قال الشعبي .
والقول الأول هو الصحيح وله حجج صحيحة لا نطيل بذكرها .
وسئل ابن عباس عن قوله تعالى ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) وقوله ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) وقوله ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) وقد نزل في سائر الشهور قال تعالى ( وقرآناً فرقناه ) فقال : أنزل الله القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة في ليلة القدر من شهر رمضان إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم نزل به
جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلّم نجوماً في عشرين سنة فذلك قوله تعالى ( بمواقع النجوم ) . (1/43)
صفحة 44
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : أنزلت صحف إبراهيم في ثلاث ليال مضين من رمضان ، وروي في أول ليلة من رمضان ، وأنزلت توراة موسى في ست ليال مضين من رمضان ، وأنزل إنجيل عيسى في ثلاث عشرة مضين من رمضان ، وأنزل زبور داؤد
إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئاً أنزل منه حتى جمعه . قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقضي بالقضية فينزل القرآن بخلاف قضائه فلا يرد قضاءه ويستقبل حكم القرآن .
----------------------------------------
في ثمان عشرة مضت من رمضان ، وأنزل الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلّم وعليهم أجمعين في الرابعة والعشرين لست بقين بعدها .
قوله ( إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئاً ) كابتداء حكم أو تغييره بالنسخ بعد ثبوته أو إظهار معجزة لنبيه كإخبار عن الغيب أو عن بعض من مضى من الأمم أو جواب لأهل الكتاب أو لمشركي العرب واقرأ إن شئت ( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ) فكان المشركون إذا أحدثوا شيئاً أحدث الله لهم جواباً .
قوله ( فلا يرد قضاؤه ) لأن الكل وحي يوحى لقوله تعال ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) فالنازل من القرآن بخلاف قضائه صلى الله عليه وسلّم ناسخ لتلك القضية ومن أمثلة ذلك أخذه صلى الله عليه وسلّم الفدية من أسارى بدر فنزل القرآن بالإثخان في الأرض ثم قال ( لولا كتاب من الله سبق لمسكم في ما أخذتم عذاب عظيم ) فهذه الآية تدل على سبق إباحة ذلك لهم وأن العتاب إنما أنزل على اختيار عرض الفداء على القتل مع إباحة الكل والله أعلم .
ما جاء في بيان المدني والمكي من السور
17- قال الربيع عن يحيى بن كثير عن شعيب عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال : البقرة وآل عمران والنساء
---------------------------------------- (1/44)
صفحة 45
قوله ( عن يحيى بن كثير ) بن درهم العنبري البصري وكنيته أبو غسان . قال النسائي : ليس به بأس . وقال أبو حاتم : صالح الحديث . وقال عباس العنبري : كأنه ثقة . قال ابن أبي عاصم : مات سنة ست ومائتين كذا في الخلاصة .
قوله ( عن شعيب ) يشبه أن يكون هو شعيب بن إسحاق الأموي وكان مولى في بني أمية وكان بصرياً ثم نزل دمشق وثّقه غير واحد . وقال أحمد : ما أصح جديثه . قال ابن صيفي : مات سنة تسع وثمانين ومائة وعمره إحدى وسبعون سنة .
قوله ( عن قتادة ) يشبه ان يكون هو قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري الأكمه أحد الأعلام . قال ابن المسيب : ما أتانا عراقي أحفظ من قتادة . وقال ابن سيرين : قتادة أحفظ الناس . وقال ابن مهدي : أحفظ من خمسين مثل حميد . قال حماد بن زيد : توفي سنة سبع عشرة ومائة . وقد احتج به أرباب الصحاح .
قوله ( البقرة ) يؤخذ منه أن تسميتها بذلك غير مكروهة خلافاً لمن قال بذلك واعتلّ بأن فيه نوع تنقيص ، وأسماء السور توقيفية وكذا ترتيبها كما مر وهي مائتان وست أو سبع وثمانون آية .
قوله ( وآل عمران ) وهي مائتان آية أو إلا آية . سميت بذلك لقوله تعالى ( وآل عمران على العالمين ) واختلف في عمران هذا هل أبو موسى عليه السلام أو أبو مريم ، والثاني بعد الأول بألف سنة وقيل بألف وثمانمائة سنة .
قوله ( والنساء ) وهي مائة وخمس أو ست أو سبع وسبعون آية ، وإنما سميت بذلك لذكر النساء فيها كثيراً قوله تعالى ( وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء ) وقوله ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) إلى غير ذلك من ذكر الأمهات وما نكح الآباء .
والمائدة والتوبة مدنيات والرعد مدنية إلا آية واحدة وهي ( ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض ) والنحل ما فوق الأربعين من أولها إلى آخرها مدني
---------------------------------------- (1/45)
صفحة 46
قوله ( والمائدة ) وهي مائة وعشرون أو اثنتان أو وثلاث وعشرون آية ، سميت بذلك لقوله تعالى حكاية عن الحواريين ( هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ) الآية . ، نزلت منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلّم من الحديبية ومنها ما نزل في حجة الوداع وهو قوله تعالى ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ومنها ما نزل عام الفتح وهو فوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ) .
قوله ( والتوبة ) وهي مائة وثلاثون أو إلا آية ، كلها مدنية كما في المتن وقيل إلا الآيتين في آخرها وذلك قوله تعالى ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) إلى آخرها ، سميت بذلك لقوله تعالى فيها ( لقد تاب الله على النبي ) الآية ، ولم تكتب فيها البسملة لأنه صلى الله عليه وسلّم لم يأمر بذلك ، وذلك لأن البسملة أمان وهي نزلت لرفع الأمان .
قوله ( والرعد مدنية 00الخ ) اختلف فيها فقيل مدنية كما في المتن ويستثنى الآية المذكورة وقيل المستثنى آيتان ( ولو أن قرآناً ) والتي بعدها ، ولعل الخلاف في جعلها آية وآيتين لفظي ، وقيل الرعد مكية إلا ( ولا يزال الذين كفروا ) الآية ( ويقول الذين كفروا لست مرسلا ) الآية وقال بعضهم : المدني منها قوله تعالى ( وهو الذي يريكم البرق ) إلى قوله ( له دعوة الحق ) ، وعدد آياتها ثلاث أو أربع أو خمس أو ست وأربعون آية .
قوله ( والنحل ما فوق الأربعين ) يعني أن ما بعد أربعين آية من أولها كله مدني ، وقيل إنها مكية إلا قوله تعالى ( وإن عاقبتم ) الخ ، فإنها نزلت بالمدينة في قتل حمزة ، وروي هذا أيضاً عن ابن عباس وفي رواية أخرى عنه أنها مكية غير ثلاث آيات نزلت بالمدينةوهي قوله تعالى ( ولا تشتروا بآيات الله ثمناً قليلا ) إلى قوله ( تعلمون ) .
والحج مدنية إلا أربع آيات وهي ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ) إلى قوله (00 عذاب يوم عقيم ) مكية ، والنور كلها مدنية والأحزاب كلها مدنية
---------------------------------------- (1/46)
صفحة 47
قال قتادة : هي مكية إلا خمس آيات وهي قوله تعالى ( والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا ) وقوله ( ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ) وقوله ( وإن عاقبتم ) إلى آخر السورة . وزاد مقاتل قوله ( من كفر بالله من بعد إيمانه ) الآية و ( ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة ) الآية . وحكى الأصم عن بعضهم أنها كلها مدنية .
قوله ( والحج مدنية إلا أربع آيات 000الخ ) حكي هذا القول نفسه وروي عن ابن عباس أيضاً أنها مدنية ولم يستثن شيئاً وبه قال الضحاك ، وقيل إنها مكية إلا ( ومن الناس من يعبد الله ) الآيتين . أو إلا ( هذان خصمان ) الست الآيات فمدنيات ونسب القول بأنها مكية لابن عباس أيضاً ومجاهد وعدّ النقاش ما نزل منها بالمدينة عشر آيات ، وقال الجمهور : السورة مختلطة منها مكي ومنها مدني وصححه بعضهم لاقتضاء الآيات ذلك لأن ( يا أيها الناس ) مكي و( يا أيها الذين آمنوا ) مدني قال بعضهم وهي من أعاجيب السور نزلت ليلاً ونهاراً وسفراً وحضراً ومكياً ومدنياً وسلمياً وحربياً ناسخاً ومنسوخاً محكماً ومتشابهاً .
قوله ( والنور كلها مدنية ) وهي اثنتان أو أربع وستون آية ، وإنما سميت بذلك لقوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) وفيها ذكر أحكام العقاب والستر وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الكوفة ( علّموا نساءكم سورة النور ) وقالت عائشة : لا تنزلوا النساء في الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن سورة النور والغزل .
قوله ( والأحزاب كلها مدنية ) وهو قول الكل نزلت في المنافقين وإيذائهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم وطعنهم في مناكحته وغيرها ، وهي ثلاث وسبعون آية ، سميت بذلك لقوله تعالى ( يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ) والأحزاب هم القبائل المتجمعون
والقتال والفتح والحجرات مدنيات ، ومن الحديد عشر سور متواليات إلى ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) فهذا كله مدني ،
---------------------------------------- (1/47)
صفحة 48
لحرب النبي صلى الله عليه وسلّم يوم الخندق ، وقيل وكانت هذه السورة تعدل سورة البقرة وكانت فيها آية الرجم ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم ) كذا يروى عن أبيّ بن كعب وأهل العلم يحملونه على نسخ التلاوة دون الحكم وأن المنسوخ من هذه السورة أكثر مما في أيدينا منها وبذلك تعدل سورة البقرة .
قوله ( والقتال ) وتسمى سورة محمد وسورة الذين كفروا ، قيل إنها مدنية ، وقيل إلا قوله ( وكأين من قرية ) الآية ونسب إلى ابن عباس أيضاً . وردّ بأن الآية نزلت بعد الهجرة والمشهور أن النازل بعد الهجرة مدني ولو نزل في مكة وقيل غير ذلك . وقيل أن السورة مكية ، وردّ بأن فيها ذكر القتال والنفاق ، والقتال لم يشرع إلا بعد الهجرة ، والنفاق لم يكن إلا في المدينة .
قوله ( والفتح ) تقدم سبب نزولها وأنه عند منصرفه صلى الله عليه وسلّم من الحديبية فهي مدنية ، وآياتها تسع وعشرون .
قوله ( والحجرات ) مدنية بالإجماع وهي ثماني عشرة آية .
قوله ( ومن الحديد عشر سور متواليات ) آخرها سورة التحريم ، فأما الحديد فهي مدنية في قول ابن عباس والجمهور ، وقيل مكية . وقيل مدنية إلا الآيات من أولها إلى قوله ( إن كنتم مؤمنين ) .
وأما ( المجادلة ) فمدنية في قول الجميع إلا رواية عن عطاء أن العشر الأول منها مدني وباقيها مكي . وقال الكلبي : نزل جميعها بالمدينة غير قوله تعالى ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) نزلت بمكة .
وأما ( الصف ) فمدنية في قول الجمهور . وقال عكرمة والحسن وقتادة : مكية . وجزم به الزمخشري .
ولم يكن الذين كفروا مدنية ، وإذا جاء نصر الله والفتح مدنية ، والمعوذتان مدنيتان فهذه سبع وعشرون سورة مدنيات وسائر السور مكي .
---------------------------------------- (1/48)
صفحة 49
وأما( التغابن ) فمدنية في قول الأكثر ، وهو قول عكرمة . وقيل مكية إلا قوله ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم ) إلى آخر السورة فإنها نزلت بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي .
فهذه أربع سور قيل فيها ما قيل وباقي العشر مدني في قول الجميع .
قوله ( ولم يكن الذين كفروا مدنية ) هذا قول الجمهور وقيل مكية ونسب إلى ابن عباس أيضاً .
قوله ( وإذا جاء نصر الله والفتح ) مدنية بالإجماع وتسمى سورة النصر وسورة التوديع ، وهي آخر سورة نزلت جميعاً قاله ابن عباس . وإنما سميت التوديع لما فيها من الدلالة على توديع الدنيا .
قوله ( والمعوذتان مدنيتان ) على الصحيح وهو قول ابن عباس ، ونسب أيضاً القول بأن الفلق مدنية إلى قتادة وجماعة ، وقيل مكيتان . ويؤيد الأول سبب النزول فإنه كان بالمدينة ، نزلتا حين سحر لبيد اليهودي النبي صلى الله عليه وسلًم . وعن السديّ انها نزلت في الأخنس بن شريق . وعن مجاهد : نزلت في جميل بن قلال . وقيل غير ذلك .
قوله ( وسائر القرآن مكي ) على خلاف في بعض الآيات ، وكان ينبغي أن يعد في المدني سورة الأنفال فإنها مدنية كلها نزلت حين اختلف المسلمون في غنائم بدر ، فقال الشبان : هي لنا لأنا باشرنا القتال . وقال الشيوخ : كنا ردءاً لكم تحت الرايات ولو انكشفتم لفئتم إلينا فلا تستأثروا بها . وقيل مدنية إلا قوله تعالى ( وإذ يمكر بك ) الآيات السبع فإنها مكية . وصحح الأول . وإن كانت الآيات السبع المذكورة في شأن الواقعة التي وقعت بمكة إذ لا يلزم من كون الواقعة في مكة أن تكون الآيات التي في شأنها كذلك فالآيات المذكورة نزلت بالمدينة تذكيراً له بما وقع في مكة.
الباب الرابع
في العلم وطلبه وفضله
ما جاء في طلب العلم ولو بالصين
18- قال الربيع بن حبيب حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : اطلبوا العلم ولو بالصين . (1/49)
صفحة 50
----------------------------------------
قوله ( في العلم وطلبه وفضله ) أما الآخران وهما الطلب والفضل فظاهر أن من أحاديث الباب وأما نفس العلم فتؤخذ من حديث ابن عباس الآتي آخر الباب أنه صلى الله عليه وسلّم خرج ذات يوم إلى المسجد فوجد أصحابه عزين يذكرون فنون العلم ، فإن فيه أن العلم ثلاثة : القرآن المنزل ، ومعرقة ما حرم وما أحل ، ومعرفة توحيد الله تعالى وكذا الحديث الذي يلي هذا الحديث فإنه يدل أن العلم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم وكذا الحديث الذي بعده أيضاً يدل أن العلم ما كان في كتاب الله وسنة رسوله أو ما استنبطه أولوا الأمر منهما .
قوله ( اطلبوا العلم ولو بالصين ) ثبوت هذا الحديث من هذا الطريق يقضي بصحته وعلو سنده ، ولم يثبت عند قومنا إلا من طريق ضعيف رواه ابن عبد البر وحده من حديث عبيد بن محمد عن ابن عيينة عن الزهري عن أنس مرفوعاً ، والبيهقي في الشعب والخطيب في الرحلة وغيرها وابن عبد البر في جامع العلم والديلمي كلهم من حديث أبي عاتكة طريف بن سلمان وهو من الوجهين ضعيف عندهم ، وأفرط ابن الجوزي حيث ذكره في الموضوعات وكذا ابن حبّان في قوله أنه باطل لا أصل له .
قوله ( ولو بالصين ) هي جزائر في بحر الهند ذكرها مبالغة في البعد ولعلها أقصى بلاد كانت العرب تسمع بها . والغرض من الحديث الحث على طلب العلم لا لزوم ذلك فلا معنى لاضطراب الافهام في كشف معناه ، على أنا لو حملناه على العلم اللازم فاتت المبالغة على الحث على تحصيل حقيقة العلم وهو إنما يطلب لشرفه عند الله تعالى مع قطع النظر عن لازمه ونفله .
ما جاء في فضل طالب العلم
19- ومن طريقه عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً لما يطلب .
قال الربيع : الأجنحة بدل الأيدي في باب الدعاء .
---------------------------------------- (1/50)
صفحة 51
قوله ( ومن طريقه ) يعني أنس بن مالك ، وقد جاء في حديث قومنا من طريق صفوان بن عسال المرادي أنه كان يقول أتيت النبي صلى الله عليه وسلّم وهو في المسجد متئكاً على برد له أحمر فقلت يا رسول الله إني جئت أطلب العلم ؟ فقال : مرحباً بطالب العلم ، عن طالب العلم لتحفه الملائكة بأجنحتها ثم يركب بعضهم بعضاً حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب .
قوله ( لتضع أجنحتها 00الخ ) قال الربيع : الأجنحة بدل الأيدي في باب الدعاء
يريد والله أعلم أن معنى الحديث أن الملائكة تدعو له .
وقيل: أنها تبسط له أجنحتها حقيقة رضاء لما يطلب .
وقيل : المراد التواضع للطالب تعظيماً لحقه .
وقيل : المراد أنها تنزل عند مجالس العلم وتترك الطيران لقوله صلى الله عليه وسلّم ( ما من قوم يذكرون الله إلا حفت بهم الملائكة ) .
وقيل : معناه المعونة وتيسير السعي في طلبه .
وقيل : المراد تظلهم بأجنحتها .
وقال بعضهم : لا مانع من إرادة الجميع . والله أعلم .
20- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : من تعلم العلم لله عزّ وجل وعمل به حشره الله يوم القيامة آمناً ويرزق الورود على الحوض ، هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلّم .
----------------------------------------
قوله ( وعمل به ) إشارة إلى أن العمل ركن من الإيمان فلا ينفع علم بدون عمل فهو على حد قوله تعالى ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) يعني استقاموا على ما أمروا به من العمل ( فاستقم كما أمرت ) . (1/51)
صفحة 52
قوله ( آمناً ) أي لا يحزنه الفزع الأكبر فهو من الذين سبقت لهم من الله الحسنى تتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ، واختلف في الفزع الأكبر ماهو ؟ فقيل هو بيان لنجاتهم وأنه لا حزن عليهم يومئذ لأنه لم بحزنهم الفزع الأكبر فلا يحزنهم ما عداه بالضرورة وكيف يحزن رجل تتلقاه الملائكة عند خروجه من قبره تقول له ( هذا يومكم الذي كنتم توعدون ) وتقول له أيضاً ( ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) . وقد وصف الله تعالى حالهم بالنضارة والانتظار للفرج والرحمة في قوله ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) وأي نضارة لوجه خائف حزين وأي انتظار له ، أما ما ورد من الأخبار في وصف الموقف بالأهوال العامة فهي والعياذ بالله لأهل الشقاء وقد يدخل المؤمن منها مع علمه بالنجاة فزع طبيعي وهيبة من مشاهدة الخوارق وعظم الأمر ولكنه لا يحزن لعلمه بالنجاة .
قوله ( ويرزق الورود على الحوض ) هو حوض النبي صلى الله عليه وسلّم يرده المؤمنون قبل دخول الجنة ، وفي ما يظهر من الأحاديث أنه قبل الحساب ، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا .
وجاء في حديث أبي هريرة في باب الأمة قوله وليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال فأناديهم ألا هلم ألا هلم فيقال إنهم بدّلوا بعدك فأقول فسحقاً فسحقاً .
وفي الحديث ذكر عملين وثوابين فأما الأولان فالعلم والعمل وأما الأخيران فالأمن وورود الحوض ، وما أنسب الأمن بالعلم حيث كان الكل قلبياً ، وما أنسب الورود بالعمل حيث كان الكل بدنياً ، على أنه لا سبيل لمعرفة ما في القلب إلا باللسان فكان الجزاء موافقاً للعمل .
21- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم تعلموا العلم فإن تعلمه قربة وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وإن العلم لينزل بصاحبه في موضع الشرف والرفعة ، والعلم زين لأهله في الدنيا والآخرة .
---------------------------------------- (1/52)
صفحة 53
قوله ( قربة ) بضم القاف وسكون الراء اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى وبمعناه القربان ، ومنه في الحديث في صفة هذه الأمة في التوراة قربانهم دماؤهم أي يتقربون إلى الله تعالى بإراقة دمائهم في الجهاد ، وكان قربان الأمم السابقة ذبح البقر والغنم والإبل .
قوله ( صدقة ) أي كالصدقة في الثواب ، وجاء في حديث آخر أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علماً ثم يعلمه أخاه ، ووجه التشبيه أن كل واحد من التعليم والتصدق إعانة ، فالتصدق إعانة على الدنيا بدفع المال ، والتعليم إعانة على الدين بنشر العلم فمن ثم كان أفضل الصدقة ، وإنما شبّه بها في حديث الربيع تقريباً للفهم فهو نظير قوله تعالى ( وجنة عرضها السموات والأرض ) .
قوله ( لينزل بأهله ) أي يحلهم في محل الشرف فينزل المملوك منزلة الملوك ، وكيف لا والعلماء ورثة الأنبياء وهو هداة الأمة وقادتهم إلى رضاء ربهم ، ويقال الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك . وكان صلى الله عليه وسلّم يقول : العلماء ورثة الأنبياء إذ الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر .
قوله ( زين لأهله ) أي جمال لهم ، أما في الدنيا فلأنه يكسبهم الأخلاق الحميدة والآداب المستحسنة وينزلهم في موضع الشرف والرفعة ، وأما في الآخرة فلأن من تعلمه لله وعمل به حشر آمناً ويرزق الورود على الحوض فهو ممن آتاه الله أجره مرتين .
ما جاء في أن تعليم الصغار يطفئ غضب الرب
22-أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : تعليم الصغار يطفئ غضب الرب .
---------------------------------------- (1/53)
صفحة 54
قوله ( تعليم الصغار يطفئ غضب الرب ) المراد بالصغار الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم ، ومعنى إطفائه لغضب الرب أنه يكون من الحسنات المكفرة للسيئات إذ المراد بغضبه تعالى عقوبته وهي لا تكون إلا عن جناية من العبد وإن الله قد جعل لكل شيء سببا وجعل الحسنات تذهب السيئات .
فإن قيل إن موجب الغضب لا يكون إلا من كبائر الذنوب ، والمذهب أن كبائر الذنوب لا تكفر إلا بالتوبة وإن المكفر بالحسنات هي السيئات وهي الصغائر من الذنوب فما وجه الحديث ؟
الجواب : من وجهين أحدهما أن معنى التوبة التي نشترط وجودها مكفرة عدم الإصرار ، فإن المصر هو الذي نقطع بهلاكه والعياذ بالله ، وغير المصر يجوز أن يغفر له ويحتمل أن يدخل تحت قوله تعالى ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) والفاسق بالتأويل داخل تحت المصر لأنه مقيم على فسقه .
والوجه الثاني أن التوبة قد يتوقف تمامها على أشياء كما توقفت توبة القاتل خطأ على الكفارة ، وقد يكون فعل الخير الغير اللازم سبباً لقبولها كما جاء في الصدقة أنها تطفئ غضب الرب، ويحتمل وجهاً ثالثاً وهو أن المغضوب عليه – والعياذ بالله – قد يفعل المعروف من الصدقة وتعليم الصغار فيهون ذلك بعض ما كان عليه من العقوبة أو يؤخر إلى أجل وهو معنى إطفاء الغضب حيث لم يكن المراد زواله بالكليّة والله أعلم .
ما جاء في ذهاب العلماء
23- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم تعلموا العلم قبل أن يرفع ورفعه ذهاب أهله .
----------------------------------------
قوله ( تعلموا العلم 00الخ ) فيه حث على المسارعة إلى تحصيله قبل أن يفشو الجهل ويتخذ الناس رؤساء جهالاً فيضلوا ويضلوا .
وفي الحديث بيان لحال الناس آخر الزمان أن العلم منهم يذهب بذهاب أهله ، وقد تقدم نظيره في رفع القرآن . (1/54)
صفحة 55
وجاء عند قومنا من حديث أبي هريرة : تعلموا الفرائض وعلموها فإنها نصف العلم وهو ينسى وهو أول شيء ينتزع من أمتي .
وجاء عن ابن مسعود يرفعه : تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض ويظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما .
ما جاء من قوله صلى الله عليه وسلّم من أراد الله به خيراً فقهه في الدين
24- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : من أراد الله به خيراً فقهه في الدين .
25- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني أن معاوية بن أبي سفيان قال وهو على المنبر : أيها الناس إنه لا مانع لما أعطاه الله ولا معط لما منع الله
----------------------------------------
قوله ( من أراد الله به خيراً فقهه في الدين ) وفي حديث معاوية الآتي من يرد الله يفقهه في الدين بصيغة المضارع والمعنى واحد . والتفقيه في الدين تفهيم الأحكام الشرعية إما بتصورها وبالحكم عليها حتى يعلم ما يأتي وما يذر ، وإما باستنباطها من أدلتها ، كل ميس لما خلق له . وإنما كان التفقه في الدين سبباً لحصول الخير عند الله تعالى لأن الدين هو السبيل إلى رضى الله وهو باب رحمته وهذا صراط ربك مستقيماً فاتبعوه .
قوله ( عن معاوية بن أبي سفيان ) واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي ، وأم معاوية هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، يجتمع أبوه وأمه في عبد شمس ، وكنيته أبو عبد الرحمن ، أسلم هو وأبوه وأخوه يزيد وأمه هند في الفتح ، وكان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم . (1/55)
صفحة 56
ولما سيّر أبو بكر رضي الله عنه الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان فلما مات يزيد استخلفه على عمله بالشام وهو دمشق وأقره عمر رضي الله عنه ، ولم يزل والياً على ذلك خلافة عمر ، فلما استخلف عثمان جمع له الشام جميعه ، ولم يزل كذلك إلى أن قتل عثمان فانفرد بالشام ولم يبايع علياً وأظهر الطلب بدم عثمان فكانت وقعة صفين بينه وبين علي وهي مشهورة .
قوله ( لا مانع ) بالفتح دون تنوين مع أنه شبيه بالمضاف والقياس تنوينه وبناؤه مذهب لبعض العرب ، والمعنى لا رادّ لقضاء الله فلا مانع لإعطائه ولا معطي لشيء منعه الله بل
الإعطاء والمنع أثر إرادته وقدرته ( هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض ) .
ولا ينفع ذا الجد منه الجد من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ثم قال : سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلّم هذه الكلمات على هذه الأعواد يعني المنبر .
----------------------------------------
قوله ( ولا ينفع ذا الجد منه الجد ) بفتح الجيم في الموضعين والحظ والسعادة والغنى ، والمعنى لا ينفع صاحب الغنى من الله غناه أو لا ينفع صاحب الحظ الدنيوي أو السعادة الدنيوية من الله ذلك .
قوله ( يعني المنبر ) بكسر الميم وفتح الموحدة مأخوذ من النبر وهو الارتفاع وكل مرتفع منبر ، وفي البخاري عن أبي حازم قال : أتى رجال إلى سهل بن سعد يسألونه على المنبر فقال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى فلانة امرأة قد سمّها سهل أن مري غلامك النجار يصنع لي أعواداً أجلس عليهن إذا كلمت الناس ، فأمرته يعملها من طرفاء الغابة ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بها فأمر بها فوضعت فجلس عليه ، قيل وكان ذلك في السنة الثامنة من الهجرة أو السنة التاسعة ، وإنما ذكر معاوية سماعه على الأعواد ليبين للناس أنه في غاية من ضبط ذلك وحفظه .
ما جاء في كتابة العلم (1/56)
صفحة 57
26- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : رسم المداد في ثوب أحدكم إذا كان يكتب علماً كالدم في سبيل الله ولا يزال ينال به الأجر ما دام ذلك المداد في ثوبه .
----------------------------------------
قوله ( رسم المداد ) يعني أثره .
وقوله ( يكتب به علماً ) يعني نافعاً من العلوم الشرعية ، وإنما قيّدنا بذلك لأن غير النافع من العلوم إما حرام وإما مكروه أو مباح فأدنى درجته الإباحة فمن أين تحصل له هذه الفضيلة والسلامة رأس ماله ، ومرادنا بالنافع ما نفع القلوب ودلّ على علاّم الغيوب فلذلك أرسلت الرسل ولأجله أنزلت الكتب فدعني من منطق وهندسة وأوفاق ملتبسة وعلوم عاطلة مندرسة .
قوله ( كالدم في سبيل الله ) وذكر السخاوي عن المنجنيقي في رواية الكبار عن الصغار عن الحسن البصري قوله : مداد العلماء أفضل من دم الشهداء .
وعند ابن عبد البر في فضل العلم من حديث سماك ابن حرب عن أبي الدرداء مرفوعاً : يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء .
وللخطيب في تاريخه من حديث نافع عن ابن عمر رفعه : وزن حبر العلماء بدم الشهداء فرجح عليهم . وفي سنده محمد بن جعفر اتهم بالوضع ولكن هو عند الديلمي من حديث عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع بلفظ : يوزن حبر العلماء ودم الشهداء فيرجح ثواب حبر العلماء على ثواب دم الشهداء .
وفي الحديث حث على كتابة العلم ، وقد كره بعض السلف كتابته لئلا يتكل الناس على الكتابة ، وقد ظهرت بالكتابة مصلحة عظيمة في ضبط العلم ونقله وإليه أشار تعالى في قوله عز من قائل ( الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم ) .
قوله ( ينال به الأجر ) أي يكتب له أجره ما دام في ثوبه ، والظاهر أنه يجدد له أجر كتابته . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
ما جاء في صنوف العلم (1/57)
صفحة 58
27- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذات يوم إلى المسجد فوجد أصحابه عزين يتذاكرون فنون العلم ، فأول حلقة وقف عليها وجدهم يقرأون القرآن فجلس إليهم فقال : بهذا أرسلني ربي ، ثم قام إلى الثانية فوجدهم يتكلمون في الحلال والحرام فجلس إليهم ولم يقل شيئاً ، ثم قام إلى الثالثة فوجدهم يذكرون توحيد الله عزّ وجل ونفي الأشباه والأمثال عنه
----------------------------------------
قوله ( عزين ) بكسر العين والزاء أي فرقاً شتى ، جمع عزة وهي الفرقة من الناس .
قوله ( فأول حلقة ) بسكون اللام على الراجح مع فتح الحاء ، والجمع حلق بفتحتين على غير قياس ، وقيل بكسر الحاء في الجمع كبدرة وبدر وقصعة وقصع ، والحديث يدل على أن علم الشريعة ثلاثة أصناف بعضها من بعض وأولها القرآن العظيم ، وقال رسول الله لأهل هذا الصنف : بهذا أرسلني ربي . يعني أن الكتاب المتلو هو الذي أرسله له ربه ، نظيره في الكتاب العزيز ( وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) ثم معرفة الحلال والحرام وهو الفقه في الدين ، وإنما لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأهل هذا الصنف شيئاً إما لتفضيل الآخرين عليه كما هو ظاهر كلام جابر ، وإما لكونه معلوماً عندهم بما تقدم من قوله ( من ير الله به خيراً يفقهه في الدين ) .
قوله ( توحيد الله ) أي إثبات الوحدانية لله تعالى ( وإلهكم إله واحد ) ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) .
قوله ( ونفي الأشباه والأمثال ) الأشباه جمع شبه بفتحتين وهو من يشابهك ولو من جهة واحدة ، والأمثال جمع مثل بكسر فسكون وهو من يماثلك من كل جهة ، فهم ينفون عن الله تعالى المشابهة والمماثلة من كل جهة ، فلا يتم التوحيد إلا بالطرفين إثبات الوحدانية ونفي الأشباه والأمثال .
فجلس إليهم كثيراً ثم قال : بهذا أمرني ربي . (1/58)
صفحة 59
قال جابر : لأن التوحيد معرفة الله عزّ وجل ، ومن لا يعرف توحيد الله فليس بمؤمن .
----------------------------------------
قوله ( فجلس إليهم كثيرا ) إنما أطال الجلوس معهم استحساناً لما هم فيه من الحال لأن الزمان يقتضي ذلك لآن العدو مشرك فمناقضته نوع من الرباط ، وأيضاً ففي ذلك إثبات الحق في قلوب السامعين وتوضيح الهدى للمستمعين والحال يقتضي ذلك ولكل مقام مقال .
قوله ( بهذا أمرني ربي ) إنما خص التوحيد بذلك مع أنه مأمور أيضاً بغيره لأن التوحيد معرفة الله عزّ وجل ومن لا يعرف التوحيد فليس بمؤمن كما قال جابر رحمة الله عليه ، وإنما قال في القرآن بهذا أرسلني ربي وقال في التوحيد بهذا أمرني ربي لأن القرآن بنفسه هو الرسالة من الله إلى العباد كالكتاب الذي يبعثه الله الملك عند الرسول ولله المثل الأعلى ، والتوحيد من جملة المأمور به ( وأمرت أن أكون من المسلمين ) .
28_ أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : أدركت ناساً من الصحابة أكثر فتياهم حديث النبي صلى الله عليه وسلّم يقولون قال : النبي صلى الله عليه وسلّم لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه أو يتوضأ .
----------------------------------------
قوله ( أكثر فتياهم ) بضم الفاء هي بيان الحكم في المسألة ، وإنما كان أكثر فتياهم حديث النبي صلى الله عليه وسلّم لكثرة أخذهم عنه ومعرفتهم بأحكامه ، وفيه إشارة إلى أنهم في بعض الأحوال يحتاجون إلى القياس ويفتون به إذ لا بد للأكثر من أقل .
قوله ( في الماء الدائم ) أي الراكد وهو الذي لا يجري ، نهينا عن البول فيه ثم الاغتسال منه أو الوضوء ، إما لكونه ينجس بذلك كما قال به بعضهم ، وإما لخوف الوسواس كما في بعض الآثار أنه يورث الوسواس ، وإما لخوف أن يقّذره على غيره فإن عادة العرب تقصد الماء للورود فإذا بال فيه فقد غشّهم أو قذّره عليهم وبذلك يفوت المقصود من الماء ويذهب الانتفاع . (1/59)
صفحة 60
ما جاء في الاعتصام بالكتاب والسنة
29 - أبو عبيدة قال : بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم : لن تضلّوا بعدي أبداً ما عملتم بكتاب الله عزّ وجل فما لم تجدوه في كتاب الله ففي سنتي فما لم تجدوه في سنتي فإلى أولي الأمر منكم .
----------------------------------------
قوله ( ما عملتم بكتاب الله 000الخ ) فيه حث على الاعتصام بالكتاب والسنة واتباع هداة الأمة ، وأن الهدى والرشد في ذلك . وقدّم الكتاب على السنة لأنه هو الذي جاء نصّاً من عند الله تعالى ، والسنة كالتفسير له ، ونظيره ما جاء في حديث معاذ حين أرسله إلى اليمن .
قوله ( فإلى أولي الأمر منكم ) المراد بأولي الأمر منا علماء الشرع فهو على حد قوله تعالى ( ولو ردوه إلى الرسول لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) والاسنتباط استخراج الأحكام من معاني الكتاب والسنة ففي الآية والحديث إشارة إلى أن كثيراً من الأحكام تحتاج إلى البحث والتنقير وإعمال الفكر وإجالة النظر ، وهما أيضاً دليل لقول من فسّر أولي الأمر بالعلماء في قوله تعالى ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) وقيل المراد الأمراء ، والأول أظهر في المعنى ، والثاني أظهر من حيث اللفظ ، وبوجوب طاعة العلماء ينتظم الأمر ويلتئم الشعث وتقوم قناة الإسلام ويتم النظام .
ما جاء في فضل حلقة الذكر
30- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه بينما هو جالس في المسجد إذ أقبل ثلاثة نفر فقصد اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وذهب واحد في حاجته فلما وقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم سلّما فقصد أحدهما إلى فرجة في الحلقة فقعد فيها وجلس الآخر خلف الحلقة فقال رسول الله صلى الله : ألا أخبركم بأمر النفر الثلاثة ؟ فقالوا بلى يا رسول الله . قال : أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله إليه
---------------------------------------- (1/60)
صفحة 61
قوله ( بينما ) هي بين الظرفية زيدت بعدها ما فكفّتها عن الإضافة .
قوله ( ثلاثة نفر ) لم أقف على أسمائهم .
قوله ( سلّما ) يؤخذ منه سنيّة السلام على من في المسجد ومجلس الذكر ، وقيل أحق بالسلام من كان في المجلس أو في ذكر الله ، وقيل لا يسلم على من كان في الذكر لئلا يشغله .
قوله ( فرجة ) بضم الفاء وفتحها وهي الخلاء بين الشيئين .
و ( الحلقة ) كل شيء مستدير خالي الوسط ، وفيه استحباب التحليق في مجلس الذكر والعلم ، وفيه أن من سبق إلى موضع منها كان أحق به .
قوله ( وجلس الآخر ) بفتح الخاء المعجمة ، وفيه رد على أنه مختص بالأخير لإطلاقه هنا على الثاني .
قوله ( فآوى إلى الله000الخ ) قيل بقصر الأول ومد الثاني وفي القرآن العزيز ( إذ أوى الفتية إلى الكهف ) بالقصر ( وآويناهما إلى ربوة ) بالمد ، وحكي في اللغة القصر والمد في الموضعين ، ومعنى فآواه الله أي جازاه بنظير فعله بأن ضمه إلى رحمته ورضوانه .
وأما الثاني فاستحيى من الله فاستحيى الله منه ، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه .
----------------------------------------
قوله ( فاستحيى من الله ) أي ترك المزاحمة حياءً من رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأصحابه .
قوله ( فأعرض ) أي ترك حضور المجلس أنفة واستكباراً فهو على حد قوله تعالى ( وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ) . (1/61)
صفحة 62
قوله ( فأعرض الله عنه ) أي سخط عليه وصد رحمته عنه جزاءاً وفاقا ، هذا وجه الحديث ولا حاجة إلى تكلف التأويل الذي نقله المحشي فإن استعمال الأعراض إنما يكون غالباً في التكبر والأنفة ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين ) ( وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ) ( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة ) في كثير من الآيات ، والإعراض ونحوه في حق الله تعالى على سبيل القابلة والمشاكلة فيحمل كل لفظ منها على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى ، وفائدة إطلاق ذلك بيان الشيء بطريق واضح .
الباب الخامس
في طلب العلم لغير الله وعلماء السوء
ما جاء في من لم يعلم بما علم
31- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : ويل لمن لم يعلم مرة وويل لمن يعلم ولم يعمل مرتين .
----------------------------------------
وهم الذين لم يعملوا بعلمهم ، ذكر في الترجمة شيئين أحدهما يخص طالب الطالب والثاني يخص الواصل وكلاهما ظاهر من أحاديث الباب .
قوله ( ويل لمن لا يعلم مرة 000الخ ) المراد بمن لا يعلم الجاهل المستغني بجهله عن سؤال أهل الذكر ، والمراد بمن يعلم ولم يعمل المرتكب للحرام على علم ، وإنما كان له الويل مرتين لأنه ضل على علم فله ويل بالضلال وآخر بمخالفة مقتضى العلم ، ولم يكن للجاهل إلا ويل واحد لأنه لم يرتكب إلا أحد الشيئين وهو الضلال . وويل كلمة عذاب ، يقال ويله ويلك وويلا ، وفي الندبة ويلاه ، وهو بمعنى الهلكة والخيبة وقيل بمعنى التحسر والتهلك ، وقال عطاء بن يسار : الويل واد في جهنم لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره ، ومعنى هذا القول أن في النار موضعاً يتبوأ فيه من جعل لهم الويل ، والأول أظهر لأن العرب كانت تقوله في جاهليتها وهم مع ذلك يقولون أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون .
ما جاء في طلب العلم للمباهاة (1/62)
صفحة 63
32- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء لقي الله يوم القيامة وهو خائب من الحسنات .
----------------------------------------
قوله ( ليباهي به العلماء ) المباهاة المفاخرة ، يقال تباهوا إذا تفاخروا .
قوله ( أو ليماري به السفهاء ) المماراة المجادلة ،والسفهاء الذين لا أحلام لهم ولا دين .
قوله ( وهو خائب من الحسنات ) لا شيء له منها ، وذلك أن قصد المباهاة أو المماراة بالعلم من كبائر الذنوب فهي تحبط العمل على حد قوله تعالى ( لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) ففي كل واحد من الآية والحديث دليل على أن الكبيرة تحبط العمل وإنما كان جزاؤه ذهاب حسناته لأنه اختار عنها في حياته المباهاة أو المجادلة وهما من لذائذ النفوس الرديئة فكان ذلك حظه من طلبه وإياه قصد فهو نظير من عجّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا .
ما جاء في من طلب العلم للعظمة والرفعة
33- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : من تعلم العلم للعظمة والرفعة أوقفه الله تعالى موقف الذل والصغار يوم القيامة وجعله الله عليه حسرة وندامة حتى يكون العلم لأهله زينا .
----------------------------------------
قوله ( للعظمة ) بفتحتين الكبرياء .
قوله ( والرفعة ) بكسر فسكون للعلو في المنزلة .
قوله ( الذل ) بضم الذال ضد العز .
قوله ( الصغار ) بفتح المهملة الحقارة ، والمعنى أن الله تعالى يعاقبه بنقيض قصده ، فهو إنما قصد العظمة فعوقب الذل وقصد الرفعة فعوقب بالصغار جزاءً وفاقا ( ذلك بما قدّمت أيديكم إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) .
قوله ( حسرة وندامة ) أسفاً على ما فرّط في جنب الله وتندماً على ما ضيّع في حق العلم وذهاب الحسنات . (1/63)
صفحة 64
قوله ( حتى يكون العلم لأهله زينا ) بفتح الزاء نقيض الشين ، يعني أن الله تعالى يفعل به ذلك ليظهر زين العلم لأهله العاملين به ، فحتى بمعنى كي على حد قولهم أسلم حتى تدخل الجنة . وفي نسخة ( حين يكون العلم ) وعليها فالمعنى أن الله يفعل به ذلك حين يظهر زين العلم لأهله بالأمن وورود الحوض ورضى الرب فيكون أشد حسرة وندامة والعياذ بالله .
ما جاء في من أفتى بغير علم
34- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : من أفتى مسألة أو فسّر رؤيا بغير علم كان كمن وقع من السماء إلى الأرض فصادف بئراً لا قعر لها ولو أنه أصاب الحق .
----------------------------------------
قوله ( من أفتى مسألة ) يعني من مسائل الشرع وغيره كالطب ونحوه ، فأما الأول ففيه ضرر الدين وأما الثاني ففيه ضرر الدنيا والكل تقول بلا علم .
قوله ( أو فسّر رؤيا ) يعني رؤيا منام وفي منع تفسيرها بغير علم دليل على منع جميع التقولات في الشرع وغيره . وعلم الرؤيا أحوال اعتبارية تتعلق بالنظر في حال الرائي والمرئي مع اعتبارات أخر يلهمها الله من يشاء ، وتحصل بممارسة قواعد المعبرين وتفسيرها بغير علم القول فيها بغير الاعتبار المخصوص .
قوله ( كمن وقع من السماء 000الخ ) هذا مثل لهلاكه بقوله على الله ما لا يعلم ، والمعنى أنه يبعد عن السلامة كبعد من سقط من السماء فصادف بئراً لا قعر لها فهو لا يستقر في وقوعه في مكان دائم الأبد ، وهذه الصفة نظير ما ذكر الله تعالى من صفة المشرك في قوله عز من قائل ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ) ، وقد قرن تعالى القول على الله بغير علم بالفواحش في قوله ( قل إنما حرم ربي الفواحش ) إلى قوله ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) ، وقوله ( إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) . (1/64)
صفحة 65
قوله ( ولو أنه أصاب الحق ) في فتواه وتفسيره لأن الممنوع القول بغير علم فقائل ذلك مخطئ في تقدمه وإن صادف الحق فإن مصادفة الحق لا ترفع عنه إثم التقدم والله تعالى يقول ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) وهذا يدل على منع التقدم في القول والفعل بغير علم والحديث وسائر الآيات إنما تدل على منع القول بغير علم وهي ساكتة عن الفعل ، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فقيل يهلك في القول والفعل وقيل يهلك في القول ويعصي في الفعل، وقيل يعصي في القول ولا ينبغي له التقدم في الفعل ، وقيل لا ينبغي له القول بما لا يعلم وأما الفعل فلا بأس ، وقيا إن الممنوع أن يقول علمت أن الله أحل لي هذا وهو لم يعلم أنه حلال فيعصي بذلك . وأما إن قال أنه حلال لي ولم يدّع العلم فلا بأس إن أصاب ، وهذا الخلاف كله حيث أصاب الحق أما إذا لم يصبه فهالك من جانبين القول بما لا يعلم ، وموافقة الباطل ، وأصح الأقوال ما دل عليه ظاهر الحديث وهو الهلاك في الفتوى ، وأما الفعل فدون ذلك إذ لا يتعدى ضرره إلى غيره بخلاف القول ، وأيضاً فإنما يلزمه الامتناع عن فعل المحرمات دون المباحات فإن وافق مباحاً فلا معنى لهلاكه .
ما جاء في علماء السوء
35- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول : يخرج فيكم قوم
---------------------------------------- (1/65)
صفحة 66
قوله ( يخرج فيكم 00الخ ) انظر ما الوجه في ذكر هذا الحديث والذي بعده في هذا الباب ، ولعله أشار بذكر هؤلاء إلى أنهم من جملة علماء السوء وإن اختصوا بالعبادة ، وذكر في البخاري سبب هذا الحديث أن أبا سعيد الخدري قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو يقسم قسماً إذ أتاه ذو الخويصرة – وهو رجل من بني تميم – فقال : يا رسول الله اعدل . فقال : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت عن لم أكن أعدل . فقال عمر : يا رسول الله إئذن لي فيه فأضرب عنقه. فقال : دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم 00وساق الحديث مع زيادة في آخره ،واختلاف في بعض الألفاظ، وذكر في آخره أن آيتهم رجل اسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة ومثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس . قال أبو سعيد : فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلّم الذي نعته . وهذه الزيادة لم يروها جابر بن زيد وهو قد سمع الحديث من أبي سعيد أيضاً ، أتراه يأخذ عن أبي سعيد ويسمع منه ذلك ثم يتولى من كان هذا وصفه ؟ كلاّ ، بل هو أورع من ذلك ، وقد أدرك عصر الصحابة وسمع من كثير منهم ، وإني لأنزه البخاري عن الكذب لكنه يأخذ عن أهل الأهواء كالشيعة والمرجئة ثقة بهم وإن لهم أهواء لا يؤمنون معها على نقل يخالف ما هم فيه ، وكيف يصح ذلك وهذا الحسن بن علي تلقّى أباه حين دخل الكوفة فقال : يا أبت أقتلت القوم ؟ قال : نعم . قال : لا يرى قاتلهم الجنة . قال : ليت أني أدخلها ولو حبواً . ولما فقد علي تلك الأصوات بالليل كأنها دوي النحل قال : أين اسود النهار ورهبان الليل ؟ قالوا له : قتلناهم يوم النهر . (1/66)
صفحة 67
وفي السير من كتاب النهروان : حدثني مسعود بن الحكم الهمداني أن ابن عباس قال للحسن : إنكم لأحق بيت في العرب أن تتيهوا كما تاهت بنو إسرائيل ، قمتم بكتاب الله وبسنة نبيه عليه السلام فجاهدتم بها ثم جعلتم حكماً على كتاب ربكم ثم قتلتم خيار المسلمين وفقهائهم وقد أفنوا المخ واللحم وأجهدوا الجلد والعظم من العبادة وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله .
وفي السير أيضاً : عن الحصين بن نوفل عن ابن عباس قال : أصاب أهل النهر السبيل أصاب أبو بلال السبيل .
وفي السير أيضاً من كتاب النهروان : وحدثني مسعود بن عبدالله بن شدّاد أنه قدم المدينة فأرسلت إليه عائشة فقالت : يا عبدالله لم قتل علي أصحابه ؟ فحدّثها بالقصة كلها ،فقالت : ظلمهم . قالت : هل تسمي احداً ممن قتل ؟ قال : نعم حرقوص بن زهير السّعدي فاسترجعت وقالت : اشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان في منزلي قال : يا عائشة أول رجل يدخل من هذا الباب من أهل الجنة ، فدخل حرقوص ولحيته تقطر ماءاً ، وقال ذلك في اليوم الثاني فدخل ، وكذلك في اليوم الثالث . قال : ومن ؟ قلت : زيد بن حصن الطائي ، فبكت وقالت : والله لو اجتمعت الأمة على الرمح الذي طعن به زيد لكان حقاً على الله أن يكبّهم جميعاً في النار.
ولما التحم القتال في النهروان من الغداة إلى الأصيل وعلي واقف ومعه أبو العقيصة فسمعه يقول والله إن كنتم لأصحاب الدار يوم الدار وأصحاب الجمل يوم الجمل وأصحاب صفين يوم صفين وأصحاب القرآن إذا تلي القرآن ، فقال له : ففيم نحن إذاً فضرب فرسه فلحق بهم وقتل فيها . (1/67)
صفحة 68
وعن ابن عباس قال : حدّثني قنبر مولى علي قال : تحولت أنا وعلي إلى النهر بعد القتال فانكب طويلاً يبكي فقلت : ما يبكيك ؟ قال : ويحك صرعنا هاهنا خيار هذه الأمة وقرّاءها . فقلت : أي والله فأبك وبكى طويلا ، ثم قال : جدعت أنفي وشفيت نفسي . فأظهر الندامة على قتله إياهم . وقال له رجل : هؤلاء الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا . قال : ويحك أولئك أهل التوراة والإنجيل . وقال آخر : والله ما بين الطريقين طريق ن إن كان أمر الحكمين هدى فقد ضللت بنقضك عهدك وبراءتك منهما ، وإن كان ضلالة لقد ضللت بقتلك أهل النهر إذ نهوك عن الضلالة .
وفي السير أيضاً من كتاب النهروان: عن جابر بن زيد أن علياً لما أظهر الندامة للناس قيل له : قتلت قوماً وأظهرت الندامة وطفقت تمدحهم وتزين أمرهم لتخلعنّ أو لتقتلنّ ، فلما أصبح قال : ابتغوا في القتلى رجلاً فوجدوا نافعاً مولى ترملة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وكان صالحاً مجتهداً قطع الفحل يده فقال ك هذا هو ز فقال له الحسن : هذا نافع مولى ترملة . قال له : اسكت فإن الحرب خدعة ، وهذا الرجل هو الذي التبس به على القوم أمر دينهم وظنوا أنه علامة للباطل . فهذه بعض الآثار الموجودة في أهل النهر رضوان الله عليهم ، والكلام في استقصائها طويل ، وللقوم أهوية حملت بعضهم على وضع أحاديث في القضية وبعضهم على تأويل الصحيح على غير وجهه ، فالله المستعان . (1/68)
صفحة 69
قال القطب : وترى المخالفين يروون أحاديث لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وقد يصح الحديث ويزيدون فيه ، وقد يصح الحديث ويؤولونه فينا وليس فينا ، ثم ذكر تأول علي بن أبي طالب للحديث في أهل النهر ، وكذا تأول أبي أمامة حديثاً رواه أيضاً وتأوله فيمن أنكر التحكيم ، وهذا تأويل لم يقم عليه دليل ، وكيف لا يحمل الحديث في عبّاد قومنا مع ما ترى من اجتهادهم فإن أصحابهم يؤثرون عنهم أشياء من التلاوة والعبادة نحقر صلاتنا مع صلاتهم وصيامنا مع صيامهم فلعل الحديث فيهم فيكون لكل تأويله ، وهذا إلزام للخصم بنظير قوله .
وأما الحديث فهو عندنا في علماء السوء وكل من خالف عمله كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم لحديث عبادة بن الصامت الآتي في باب الإمارة وفيه ( ستكون عليكم أمراء يقرؤون كما تقرؤون ويعملون ما تنكرون ) ويمكن أن يحمل على غلاة
الخوارج من الأزارقة والصفرية القائلين بشرك أهل الكبائر فإنهم يجتهدون في التحرز والعبادة لئلا يقعوا في الشرك ، ويؤيده ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول ( وهوى بيده إلى العراق يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية ) ، وحمله على كل من خالف الحق في عبادته كما يدل عليه ظاهر قوله عليه السلام ( يخرج فيكم قوم 000الخ ) فإن لفظ في تدل على أن الخروج بمعنى الوجود بعد العدم ، والمعنى يوجد فيكم قوم هذا وصفهم .
تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ، وصيامكم مع صيامهم ، وأعمالكم مع أعمالهم ، يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين
---------------------------------------- (1/69)
صفحة 70
واعلم أن اسم الخوارج كان في الزمان الأول مدحاً لأنه جمع خارجة وهي الطائفة التي نخرج للغزو في سبيل الله تعالى قال عز وجل ( ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ) ثم صار ذماً كثرة تأويل المخالفين أحاديث الذم في من اتصف بذلك في آخر الزمان ثم زاد استقباحه حين استبد به الأزارقة والصفرية فهو من الأسماء التي اختفى سببها وقبحت لغيرها ، فمن ثم ترى أصحابنا لا يتسمون بذلك وإنما يتسمون بأهل الاستقامة لاستقامتهم في الديانة ، وعكس هذا الاسم تسمية أهل السنة فإنه كان في الزمن الأول قبيحاً لكون المراد بالسنة السنة التي سنّها معاوية في سب علي وشتمه على المنابر فصار ذلك سنة ينشأ على الصغير ويموت عليها الكبير حتى غيّرها عمر بن عبد العزيز في خلافته فأهل ذلك الحال هم أهل السنة في ذلك الزمان ثم اندرس هذا السبب واختفى وطنوا أن السنة سنة النبي صلى الله عليه وسلّم فتمدحوا بذلك وجمعوا بين المتضادين في الولاية وهم يعلمون أن الحق مع فريق منهم وخالفوا سنتهم الأولى حين صارت الدولة لبني العباس من بني هاشم .
قوله ( تحقرون ) بكسر القاف أي تستصغرون .
قوله ( حناجرهم ) جمع حنجرة بالفتح وهي الحلقوم وهي مدخل الطعام والشراب
كنّى بذلك عن عدم القبول أي لا يرفع لهم عمل أو عن عدم الانتفاع فلا تجاوز قراءتهم حناجرهم أي لا تعدو اللسان فلا تصل إلى القلب وهذا المعنى أنسب بالترجمة فإنه وصف علماء السوء والعياذ بالله .
قوله ( يمرقون ) بضم الراء يخرجون من الدين ، يقال مرق السهم من الرمية إذا خرج من الجانب الآخر ، ومنه سميت الأزارقة الفرقة المارقة .
كما يمرق السهم من الرمية ، تنظر في النصل فلا ترى شيئا وتنظر في القدح فلا ترى شيئاً ، وتنظر في الريش فلا ترى ، وتتمارى في الفوق .
قال الربيع : النصل حديدة السهم ، والقدح السهم الذي فيه الحديدة ، وريش السهم الذي في يوضع فيه الوتر .
---------------------------------------- (1/70)
صفحة 71
قوله ( كما يمرق السهم ) بفتح السين وسكون الهاء شيء يرمى به في الزمان الأول له نصل حاد وخشبة وهي المسماة القدح بكسر فسكون تجعل فيه لتحمله عند الإرسال .
و ( الرمية ) بفتح الراء وكسر الميم وتشديد الياء بمعنى المرمى وهي الصيد الذي يرمى ، يقال بئس الرمية الأرنب .
و ( النصل ) حديدة السهم
و ( القدح ) خشبة .
و ( الريش ) هو ريش الطائر يلزق بالسهم ليكون أقوى في السير .
و ( الفوق ) بضم الفاء وسكون الواو رأس السهم حيث يجعل في الوتر .
قوله ( تتمارى ) أي تشكك وهذه الأوصاف كلها بيان لخلوهم من الديانة فإن السهم المارق ينظر صاحبه في نصله فلا يرى شيئاً من الدم ولا شيئاً من علامة الإصابة ثم ينظر في خشبته فلا يرى شيئاً من العلامات ثم ينظر في الريش الذي ألزقه بالسهم فلا يرى شيئاً ثم يشكك في الفرق الذي هو رأس السهم هل أحكم وضعه في الوتر الذي هو حبل القوس ، فكذلك هؤلاء المارقون من الخوارج وغيرهم تنظر في جميع أحوالهم فلا تجد شيئاً موافقاً للكتاب والسنة ، والتمثيل من المجاز المركب لفظاً ووصفاً .
ويروى أيضاً : وتنظر إلى القديدة فلا ترى شيئاً . والقديدة رأس السهم .
----------------------------------------
وقول الربيع رحمه الله تعالى : رأس السهم الذي يوضع فيه الوتر تفسير للفوق ، ولعل لفظة الفوق سقطت من يد الناسخ إذ الظاهر ذكرها كغيرها من الألفاظ المفسرة ، والوتر بفتحتين حبل القوس .
قوله ( ويروى أيضاً وتنظر إلى القديدة ) بعني مكان الفوق ، والقديدة بفتح القاف ومهملتين بينهما مثنّاة ومن تحت وهي رأس السهم أيضاً سميت بذلك لحصول الشق فيها لأن القد في اللغة الشق طولاً فهي بمعنى الفوق أيضاً ، والاختلاف في الرواية إنما هو في نفس العبارة .
ما جاء في وصف البيان بالسحر
36- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عبدالله بن عمر قال : قدم رجلان من المشرق فخطبا فأعجب الناس بيانهما
---------------------------------------- (1/71)
صفحة 72
قوله ( عن عبدالله بن عمر ) بن الخطاب القرشي العدوي ، تقدم نسبه في ذكر أبيه ، وهو شقيق حفصة وأمهما زينب بنت مظعون بن حبيب الجمحية ، أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم ، وقد قيل أن إسلامه قبل إسلام أبيه ولا يصح ، وإنما كانت هجرته قبل هجرة أبيه فظن بعض الناس أن إسلامه قبل إسلام أبيه ، وأجمعوا على أنه لم يشهد بدراً ، واختلفوا في شهوده أحداً فقيل شهدها وردّه صلى الله عليه وسلّم مع غيره ممن لم يبلغ الحلم وهو أثبت القولين ، قال مالك : أقام ابن عمر بعد النبي صلى الله عليه وسلّم ستين سنة يفتي الناس في الموسم . وقال الشعبي : كان ابن عمر جيد الحديث ولم يكن جيد الفقه ، وكان ابن عمر شديد الاحتياط والتوقي لدينه في الفتوى وغيرها حتى أفضى به الحال إلى الشك في قتال الفئة الباغية فلم يشهد مع علي شيء من حروبه حين أشكلت عليه ، ثم يقال أنه ندم بعد ذلك فيروى أنه قال حين حضره الموت ما أجد في نفسي من الدنيا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية ، وتوفي سنة ثلاث وسبعين وعمره أربع وثمانون سنة .
قوله ( قدم رجلان من المشرق 000 الخ ) هكذا رواه أهل الثبت في زهر الآداب لأبي إسحاق القيرواني المعروف بالحصري عن ابن عباس رضوان الله عليهما قال : وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم فقال الزبرقان : يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيهم والمجاب منهم آخذ لهم بحقهم وأمنعهم من الظلم وهذا يعلم – يعني عمراً – فقال عمرو : أجل يا رسول الله إنه مانع لحوزته مطاع في عشيرته شديد العارضة فيهم . فقال الزبرقان : أما إنه والله علم أكثر مما قال ولكنه
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : إن من البيان لسحرا .
قال الربيع : إنما يعني بالبيان المنطق فلا يزال الناس حتى يأخذ قلوبهم وأسماعهم .
---------------------------------------- (1/72)
صفحة 73
حسدني في شرفي . فقال عمرو : أما إن قال ما قال فوالله ما علمته إلا ضيق العطن زمن المروءة أحمق الأب لئيم الحال حديث الغنى . فرأى الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلّم لما اختلف قوله ، فقال : يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت ، وغضبت فقلت أقبح ما علمت وما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الثانية . فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلّم : إن من البيان لسحرا ، وإن من الشعر لحكمة . ويروى لحكما ،والأول أصح .وبنو الأهتم بيت بلاغة في الجاهلية والإسلام .
قوله ( إن من البيان لسحرا ) أي إن بعض البيان سحر لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه فيستميل القلوب كما تستمال بالسحر .
وقال بعضهم : لما كان في البيان من إبداع التركيب وغرابة التأليف ما يجذب السامع ويخرجه إلى حد يشغله عن غيره شبه بالسحر الحقيقي فقيل هو السحر الحلال .
وقيل معناه : أن من البيان ما يكتسب به من الإثم ما يكتسبه الساحر بسحره فيكون في معرض الذم ، والأول أظهر وبه فسّر الربيع رحمه الله تعالى .
ومن وقف على السبب المتقدم في ذكر هذا الحديث عرف أن الغرض منه المدح لا الذم ، والله أعلم .
الباب السادس
في الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلّم
ما جاء في بيان الأفضل من هذه الأمة
37- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : خير أمتي قوم يؤمنون بي
----------------------------------------
قوله ( باب في الأمة ) أي في بيان أحوالها ، والأمة بالضم أتباع النبي والجمع أمم ومثل غرفة وغرف ، وتطلق الأمة على علم الدهر والمنفرد بعلمه . (1/73)
صفحة 74
قوله ( خير أمتي قوم يؤمنون بي 000 الخ ) ونظيره الحديث الآتي عن أبي هريرة وددت أني رأيت إخواني قالوا يا رسول الله ألسنا بإخوانك ؟ قال : بل أنتم أصحابي وإنما إخواني الذين يأتون من بعدي وأنا فرطهم على الحوض . ومثله أيضاً ما روى أبو أمامة أنه صلى الله عليه وسلّم قال : طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى سبع مرات لمن لم يرني وآمن بي . وعن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال : كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلّم قال : أتدرون أي الخلق أفضل إيمانا ؟ قلنا : الملائكة . قال : وحق لهم ، بل غيرهم . قلنا : الأنبياء . قال : وحق لهم ، بل غيرهم ، ثم قال صلى الله عليه وسلّم : أفضل الخلق إيماناً قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني فهم أفضل الخلق إيماناً .
وجاءت أحاديث كثيرة تدل على أن خير أمته صلى الله عليه وسلّم القرن الذي بعث فيه ثم الذين يلونهم ثم يخلف قوم يحبون السمانة يشهدون قبل أن يستشهدوا . ولا منافاة بينها وبين أحاديث الباب لأن فيها تفضيل القرون بعضها على بعض . ولا شك أن قرن الصحابة أفضل مما يليه من حيث الجملة وكذا الذين يلونهم وأحاديث الباب فيها تفضيل قوم مخصوصين على مطلق الأمة . قال ابن عبد البر : قد يكون في من يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة ، وإن قوله عليه السلام خير الناس قرني ليس على عمومه بدليل ما يجمع بين الفاضل والمفضول وقد جمع قرنه عليه السلام جماعة من المنافقين وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود .
وذهب الجمهور إلى تفضيل أول هذه الأمة لأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلّم وتمسكوا بظواهر الأحاديث التي أشرنا إليها . (1/74)
صفحة 75
والجواب ما مر من أنها مفضلة للقرن الأول من حيث الجملة على أنه صلى الله عليه وسلّم قد صرّح بتفضيل إيمان من آمن به ولم يره . ولما نزل قوله تعالى ( فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه ) الآية قال صلى الله عليه وسلّم : من رهطك يا سلمان . وقال : لو تعلق الدين بالثريا لنالته رجال من فارس أو كما قال كذا ذكره أصحابنا رحمهم الله تعالى ، وأصل الحديث في الصحيحين وغيرهما وقد رواه البخاري من طريقين عن أبي هريرة قال : كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلّم فأنزلت عليه سورة الجمعة ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) قال : قلت من هم يا رسول الله ؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثاً وفينا سلمان الفارسي وضع رسول الله صلى الله عليه وسلّم يده على سلمان ثم قال : ( لو الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء ). وفي الرواية الثانية ( لناله رجال من هؤلاء ) ، والشك في الرواية الأولى من سليمان بن بلال المذكور في السند . قال ابن حجر : وقد أطنب أبو نعيم في أول تاريخ أصبهان في تخريج طرق هذا الحديث أعني حديث ( لو كان الدين عند الثريا )، ووقع في بعض طرقه عند أحمد بلفظ ( لو كان العلم عند الثريا ، وفي بعض طرقه عند أبي نعيم عن أبي هريرة أن ذلك كان عند نزول قوله تعالى ( وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ) ويحتمل أن يكون ذلك صدر عند نزول كل من الآيتين . وقد أخرج مسلم الحديث مجرداً عن السبب من رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رفعه ( لو كان الدين عند الثريا لذهب رجال من أبناء فارس حتى يتناولوه ) . وأخرجه أبو نعيم من طريق سليمان التيمي حدثني شيخ من أهل الشام عن أبي هريرة نحوه وزاد في آخره ( برقة قلوبهم ) . وأخرجه أيضاً من وجه آخر عن التيمي عن أبي عثمان عن سلمان الفارسي بالزيادة ، ومن طريق أخرى من هذا الوجه فزاد فيه (يتبعون سنتي ويكثرون الصلاة عليّ ) ،ثم ظهر هذا الوصف في بني رستم بن بهرام بن سام بن كسرى الملك الفارسي ، وبنو (1/75)
صفحة 76
رستم هم أئمة المسلمين في أرض المغرب ، ظهرت لهم في أيام بني العباس قوة ظاهرة ودولة وافرة وصولة باهرة وسيرة زاهرة وأخبارهم شاهرة رضوان الله عليهم
ويعملون بأمري ولم يروني فأولئك لهم الدرجات العلى إلا من تعمق في الفتنة .
----------------------------------------
قوله ( ويعملون بأمري ) فيه دليل على أن الإيمان لا يجزي دون العمل فهو نظير قوله تعالى ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) .
قوله ( فأولئك لهم الدرجات العلى ) يعني في الجنة ، وإنما كان ذلك جزاءهم لأنهم آمنوا به وعملوا بأمره ولم يروه وإنما رأوا سواداً في بياض فصدقوا وأذعنوا ، فهم بمنزلة من آمن بالغيب مرتين إحداهما : الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلّم ولم يروه ، والثانية : الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلّم من الإخبار بالغيب وأحوال الآخرة وقد أثنى الله على الذين يؤمنون بالغيب فهؤلاء استحقوا الثناء من جهتين فكان أجرهم أعظم .
قوله ( إلا من تعمق في الفتنة ) التعمق في الفتنة الغوص فيها ، والفتنة الميل عن الحق وأصلها المحنة والابتلاء والجمع فتن وهي مأخوذة من قولك فتنت الذهب والفضة إذا أحرقته بالنار ليبين الجيد من الرديء . وقد وقع التحذير عن الوقوع في الفتنة أحاديث يأتي بعضها في أحاديث المسند إن شاء الله تعالى .
ما جاء في عصمة الأمة
38- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : ما كان الله ليجمع أمتي على ضلال .
---------------------------------------- (1/76)
صفحة 77
قوله ( ما كان الله ليجمع أمتي على ضلال ) وهو الانحراف عن الحق ، وهذا شرف هذه الأمة وخصوصيتها من بين سائر الأمم لشرف نبيها صلى الله عليه وسلّم ، فالضلال مستحيل على هذه الأمة كلها ، بل لا بد من قائم بالحق وداعٍ إلى هدى ( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ) ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) فأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نكون مع الصادقين فدلّ على بقاء الصادقين إلى آخر الزمان إذ لا يأمرنا الله تعالى بالكون مع المعدوم . فإذا أجمعت الأمة على شيء من الأحكام الشرعية علمنا أنه حق لهذا الحديث وأمثاله من السنة ولقوله تعالى ( ويتبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) فالآية والحديث حجة على أن الإجماع حجة ، ولذلك أدلة أخر بسطناها في طلعة الشمس .
ما جاء في اختلاف الأمة
39- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : إنكم ستختلفون بعدي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني
----------------------------------------
قوله ( إنكم ستختلفون بعدي ) وفي نسخة من بعدي ، وهذا من أعلام النبوة فإنه إخبار بغيب وقع يقيناً مشاهداً . (1/77)
صفحة 78
قوله ( فاعرضوه على كتاب الله 000 الخ ) إثبات هذا الحديث من هذا الطريق قاضٍ بصحته وعلو سنده ، ولولم يثبت عند قومنا ، بل رووا معناه من طرق ضعيفة ، روى الدارقطني في الإفراد ، والعقيلي في الضعفاء ، وأبو جعفر بن البختري في الجزء الثالث عشر من فوائده من حديث محمد بن عون الزيادي حدثنا أشعث بن نزار عن قتادة عن عبدالله بن شقيق عن أبي هريرة مرفوعاً : ( إذا حدثتم عني بحديث يوافق الحق فصدقوه وخذوا به حدثت به أو لم أحدث به ). قال العقيلي : ليس للحديث إسناد يصح . وأخرج الطبراني في الكبير من حديث الوضين عن سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه مرفوعاً ( سئلت اليهود عن موسى فأكثروا فيه وزادوا ونقصوا حتى كفروا وإنه ستفشو عني أحاديث فما أتاكم من حديثي فاقرءوا كتاب الله واعتبروا فما وافق كتاب الله فأنا قلته وما لم يوافق كتاب الله فلم أقله ) . قال السخاوي : وقد سئل شيخنا عن هذا الحديث فقال إنه جاء من طرق لا تخلو من مقال . قال : وقد جمع طرقه البيهقي في كتاب المدخل .
قوله ( فما وافقه فعني ) وهذا في ما وقع فيه الاختلاف بين الأمة بدليل قوله ( إنكم ستختلفون بعدي ) فأما المتفق عليه أنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فلا يحتاج إلى عرض بل يجب العمل به وإن خالف ظاهر الكتاب لأنه إما ناسخ أو مخصص فالأول كقوله صلى الله عليه وسلّم ( لا وصية لوارث ) فإنه ناسخ لقوله تعالى ( الوصية للوالدين والأقربين ) ، وقيل بل نسخت بآية الميراث وقيل بهما معاً ، والثاني كقوله صلى الله عليه وسلّم في حق هذه الأمة ( لها ما سعت وما سعي لها ) أو كما قال فإنه
وما خالفه فليس عني .
----------------------------------------
مخصص لقوله تعالى ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) حيث كان عاماً لغير هذه الأمة وإنما وجب الأخذ به مع مخالفة ظاهر الكتاب لقوله تعالى ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) . (1/78)
صفحة 79
قوله ( وما خالفه فليس عني ) وكيف يخالف كتاب الله وبه هداه ربه ؟ وهذا قانون يعرف به مقبول الأخبار من مردودها فمن تمسك بظاهر كتاب الله عند اختلاف الأمة في حكم أو خبر فقد تمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها وأخذ بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلّم في هذا الحديث . وقد تقدم أن الحديث في ما اختلفت فيه الأمة وأن ما اتفقت عليه لا يحتاج إلى العرض ، فالمعروض ما جاءنا عنه من الأخبار المختلف في ثبوتها وأن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد حكم بأن ما خالف كتاب الله فليس عنه وذلك لأنه توفي عليه الصلاة والسلام والدين كامل والنعمة بالإسلام تامة وقد علم الناسخ والمنسوخ والعام والخاص واستقرت الشريعة واستبان الحق ، فما جاءنا بعد ذلك عرضناه على المعلوم المستقر في زمانه من كتاب الله وسنته فإن وافق قبلناه كما جاء في رواية أخرى ( فاعرضوه على كتاب الله وسنتي ) ، ولا منافاة بين الحديثين لأن المعروض على سنته المستقرة في زمانه معروض على كتاب الله لأن الكتاب هو الذي أثبت تلك السنة بقوله ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) .
40- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن إلى النار ما خلا واحدة ناجية .
---------------------------------------- (1/79)
صفحة 80
قوله ( ستفترق أمتي 000 الخ ) هذا من أعلام النبوة أيضاً فإنه أخبر عن شيء من الغيب ووقع مشاهداً فإن افتراق الأمة قد كان على ما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلّم عللا ثلاث وسبعين فرقة فعشرون منها المرجئة ، وأربع وعشرون في الشيعة ، وثنتا عشرة في المعتزلة ، وسبع عشرة في المحكمة ، وقيل في تفصيلهم غير ذلك . وحديث تفرق الأمة أخرجه أبو داؤد والترمذي وقال حسن صحيح ، وابن ماجه عن أبي هريرة رفعه ( افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة والنصارى كذلك وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة . قالوا : من هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي .
وهو عند ابن حبان والحاكم في صحيحيهما بنحوه ، وقال الحاكم : إنه حديث كبير في الأصول وقد روي عن سعد بن أبي وقاص وابن عمرو وعوف بن مالك . قال السخاوي : وعن أنس وجابر وأبي أمامة وابن مسعود وعلي وعمر وابن عوف وعويمر أبي الدرداء ومعاوية وواثلة .
قوله ( كلهن إلى النار ) أي يصيرون إليها والعياذ بالله ، وذلك لخلاف الحق الذي أوجب الله عليهم اتباعه ، ومن ترك الواجب القطعي هلك لأن الله تعالى قد توعد على خلاف الحق وأوجب على ذلك النار والعياذ بالله . وهذه الفرق الضالة قد خالفت الحق من أبواب شتى ، وقد يوافق بعضها في شيء ويخالف في غيره ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) . (1/80)
صفحة 81
قوله ( ما خلا واحدة ناجية ) وهي التي ثبتت على كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام وسنة الخلفاء المهديين عملاً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلّم فعن أبي نجيح العرباض بن سارية قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا . قال : أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة وإن تأمّر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضّوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة . رواه أبو داؤد والترمذي وقال حديث حسن صحيح . (1/81)
صفحة 82
ولا يخفى أن السيرة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأبو بكر وعمر اختلفت في آخر خلافة عثمان وإن المنكرين عليه إنما طالبوه بتلك السيرة فما زال يماطلهم والأحكام مضيعة ثم طلبوا منه أن يعدل أو يعتزل فأبى عليهم وكلهم يد واحدة عليه إلا ما كان من خاصته وخدمه فحاصروه طويلاً ثم قتلوه ولا منكر ، ثم قدّموا علي بن أبي طالب إماماً على السيرة الغراء فخرج معاوية عن طاعته خوفاً على ولايته أن تسلب ووازره عمرو على ذلك بعد أن اشترط عليه ما اشترط ، ولبّسوا على الناس أنهم يطلبون بدم عثمان ، ثم نكث طلحة والزبير بيعة علي فكانت وقعة الجمل ، ثم سار إلى معاوية والمسلمون له مؤازرون ومناصرون فكانت وقعة صفين ، ثم خدعوه بطلب التحكيم وأعطى على ذلك العهود والمواثيق وإمامته واضحة نيرة فطلبوا منه الثبات على تلك السيرة الواضحة والتمسك بقوله تعالى ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) فأبى عليهم وخاصموه في المسألة فخصموه فلم يرجع فتركوه وقدّموا عبدالله بن وهب الراسبي . وكان من أمر الحكمين ما كان من اتفاقهما على عزله واختلافهما في معاوبة ، فلم يرض بحكومتهما . فأين ما أعطى من العهد والميثاق إن كان التحكيم حقاً ؟ وإن كان باطلاً فعلام يلام ويقاتل من لم يرض به ؟ فإن قيل : إنما قاتلهم لأجل الخروج عنه لا لإنكار الحكومة . قلنا : إنما خرجوا بعد أن خلع الإمامة من عنقه وجعلها إلى الحكمين يحكمان فيها كيف شاءا مع أنه لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل ، فعن أنس أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك ولا يأخذون بأمرك فما تأمر في أمرهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل الحديث في مسند أحمد وفي جامع الترمذي . وفي مسند أحمد أيضاً عن حذيفة رضي الله عنه قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلّم جلوساً فقال : إني لا أدري ما قدر بقائي (1/82)
صفحة 83
فيكم فاقتدوا بالذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر رضي الله
وكلهم يدّعي تلك الواحدة .
----------------------------------------
عنهما ، وتمسكوا بعهد عمار ، وما حدثكم به ابن مسعود فصدقوه . وفي رواية فتمسكوا بعهد أم عبد واهتدوا بهدي عمار . فنص رسول الله صلى الله عليه وسلّم في آخر عمره
على من يقتدى به من بعده ، وعلى من يهتدى بهديه ، وعلى من يسمع قوله . فالأصحاب رحمهم الله تعالى اقتدوا بأبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار ، وسمعوا قول ابن مسعود فهم على وصية نبيهم عليه الصلاة والسلام ، فهذا دليل على أن الصواب ما عليه الأصحاب ، ولإن صحت تلك الأحاديث فلا يضرنا ورحمة الله واسعة ، والأصحاب رحمهم الله تعالى قد حكموا في ذلك بحكم الله تعالى ولا تناقض بين سعادتهم وحكم الله فيهم في هذه الدنيا فكم من محدود على الزنا والخمر وهو في علم الله تعالى يموت تائباً ظهرت توبته للناس أو انسترت . ويؤيد ذلك ما في البخاري في فضل عائشة عن الحكم سمعت أبا وائل قال : لما بعث على عماراً والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم خطب عمار فقال : إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها . وذلك يوم الجمل .
قوله ( وكلهم يدّعي تلك الواحدة ) أي كل واحدة من تلك الفرق تقول إنها المصيبة في ما ذهبت إليه وأنها هي المصرح بنجاتها في نص الحديث ، وهذا شأن كل أمة اختلفت بعد نبيها ولولا هذه الدعاوى ما دام الخلاف إلى يوم القيامة ، لأن الباطل البحت لا ثبات له ، وإنما يثبته تزيينهم إياه ، وإخراجه في صورة الحق ، وتأييده بالشبه في صورة البرهان فيخفى على كثير من الناس إلا من هدى الله من المؤمنين ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
41- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : لعن الله من أحدث في الإسلام حدثاً أو آوى محدثاً .
---------------------------------------- (1/83)
صفحة 84
قوله ( لعن الله من أحدث في الإسلام حدثاً 000 الخ ) الحدث في الإسلام تبديل شيء من أحكامه الثابتة بالكتاب والسنة فمن بدل منها شيئاً فقد استحق اللعن لأنه ناقض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلّم ، وذلك أن الرسول جاء لتأييد الدين وتشييد الإسلام ، فمن جاء بخلاف ذلك فهو مناقض لما جاء به صلى الله عليه وسلّم ، فلا يحل لأحد من المسلمين أن يواليه أو يآويه غضباً لله تعالى ، ونصرة للدين ، فمن آواه صار حكمه حكمه واستحق اللعنة مثله إذ بالمآواة يكون شاداً لعضده ومشاركاً له في حدثه .
ما جاء في فضل أهل الوفاء من بعده صلى الله عليه وسلّم وعقوبة الناكثين لعهده
42- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلّم خرج إلى المقبرة فقال : السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين ، إنّا إن شاء الله بكم لاحقون ، وددت أني رأيت إخواني . قالوا يا رسول الله ألسنا بإخوانك ؟
----------------------------------------
قوله ( خرج إلى المقبرة ) ولعلها البقيع لأنها المعهودة عندهم . والمقبرة بضم الباء وفتحها موضع القبور . وفيه مسنونيّة زيارة القبور وبيان ما يقال عند زيارتها من التحية ( ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا ) ، وفيه أيضاً أن التسليم على الميت حول قبره ليس كالتسليم عليه من بعيد وذلك لأمر يعلمه الله ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) فعلنا القبول والتسليم لما جاء به محمد عليه الصلاة والتسليم ، فإن خص أحد من الناس بالكشف عما هنالك فهي المنحة الإلهية والتحفة الربانية والله يؤتي فضله من يشاء ، وإن حجب عن الكشف وهي حال أكثر الخلق فالواجب الوقوف حيث العلم والإيمان بالغيب ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ) .
قوله ( دار قوم مؤمنين ) منصوب على التخصيص لا على النداء كما قيل ، ولا يجوز جره على البدلية من الضمير خلافاً للمحشّي في الموضعين . (1/84)
صفحة 85
قوله ( إنا إن شاء الله بكم لاحقون ) أي نموت كما متم ، فلا أنتم أحق بالموت منا ولا نحن أحق بالحياة منكم ( إنك ميت وإنهم ميتون ) . وإنما ذكر المشيئة تبركاً وعملاً بقوله تعالى ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ) .
قوله ( وددت أني رأيت إخواني ) يعني إخوانه في الدين وهو الذين وصفهم في هذا الحديث ، وهذا تشوق منه إليهم لعظم منزلتهم وعلو درجتهم كما تقدم بيان ذلك في أول حديث في الباب .
قال : بل أنتم أصحابي ، وإنما إخواني الذين يأتون من بعدي وأنا فرطهم على الحوض . قالوا : يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك ؟ قال : أرأيتم لو كان لرجل خيل غر محجّلة ، في خيل دهم بهم
----------------------------------------
قوله ( بل أنتم أصحابي ) أي مختصون بصحبتي دون الأخوة المشار إليها ، وفيه أن درجة الأخوة أعلى من درجة الصحبة .
فإن قيل : الكل إخوانه في الدين فما معنى هذا التفصيل ؟
فالجواب : أن هذا تفصيل خاص في هذا الموضع خاصة لاحظ فيه معنى التسمية في اللغة والشرع معاً ، فإن الأخوة فيها أخص من الصحبة ، وأما الشرع فإنه جعل الموافقة في الدين أخوة اصطلاحاً شرعياً قال تعالى ( وإخوانكم في الدين ) وقال في الكفار ( وإخوانهم يمدونهم في الغي ) ففي هذا الحديث مراعاة لموضوع اللغة مع العرف الشرعي حيث نفى الأخوة عن بعض وأثبتها لبعض .
وقد يراد بالأخوة معنى خاص كمؤاخاته صلى الله عليه وسلّم بين المهاجرين والأنصار ، وكقوله صلى الله عليه وسلّم في أبي بكر : ولكن أخي وصاحبي .
قوله ( وأنا فرطهم على الحوض ) الفرط بالتحريك الذي يتقدم الواردة فيهيء لهم الحبال والدلاء ، ويمدر الأحواض ويستقي لهم ، ثم أطلق في هذا الحديث على المتقدم فإن حوضه صلى الله عليه وسلّم لا يحتاج إلى حبال ودلاء ، وكذلك الحديث الآخر في الدعاء للطفل الميت : اللهم اجعله لنا فرطا . أي أجرا يتقدمنا .
قوله ( أرايتم ) أي أخبروني . (1/85)
صفحة 86
قوله ( محجّلة ) التحجيل بياض في قوائم الفرس أو في ثلاث منها أو في الرجلين قل أو كثر ، ولا يجاوز الركبتين صاعداً ولا العرقوبين سافلاً وموضع حسنه موضع الخلاخل والقيود هي الأرساغ .
قوله ( دهم ) جمع أدهم وهو الأسود ، والدهمة السواد .
قوله ( بهم ) بالضم جمع بهيم ، وهو الذي لا يخالط لونه شيء يخالفه .
ألا يعرف خيله ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجّلين من أثر الوضوء ، وأنا فرطهم على الحوض ،
----------------------------------------
قوله ( غراً محجلين ) الغر بضم فسكون جمع أغر ، والغرة بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم ، استعيرت للنور الذي يكون في وجه المؤمن يوم القيامة من أثر الوضوء ،والتحجيل تقدم ذكره ،واستعير هنا للنور الذي يكون في أرجل المؤمنين وأيديهم يوم القيامة ، وهذه خصوصية لهذه الأمة فإن سائر الأمم وإن شاركونا في الوضوء لا يشاركونا أيضاً في الغرة والتحجيل . وقيل : إن الوضوء على هذه الكيفية من خصوص هذه الأمة والمعنى أن وضوئهم غير وضوئنا ، وقيل : أن الوضوء من خصائص هذه الأمة أيضاً فإنه لم يكن إلا للأنبياء دون أممهم ، وردّ بما ثبت في قصة سارة عليها السلام مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة لما همّ الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي ، وفي قصة جريح الراهب أيضاً أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلّم الغلام . وهل يختص وصف الغرة والتحجيل بأهل السعادة من هذه الأمة دون غيرهم من الأشقياء وإن توضؤا ؟ الظاهر نعم لأنه علامة تستلزم الورود على الحوض ولأن وضوء الأشقياء لا أثر له ، وكيف يكون الغرة والتحجيل لمن اسودت وجوههم والناس يومئذٍ صنفان تبيض وجوه قوم وتسود وجوه آخرين ولا يوجد صنف ثالث ( فريق في الجنة وفريق في السعير ) ،
فإن قيل : قد جاء في الحديث أنه ينادي رجالاً منهم يطردون عن الحوض فبأي شيء عرفهم ؟ (1/86)
صفحة 87
فالجواب : أن المنادين رجال كان يعرفهم في حياته بألوانهم وصفاتهم كما يدل عليه قوله ( إنهم قد بدلوا بعدك ) وقد جاء في رواية عند قومنا ذكرها البخاري في مواضع من صحيحه ( ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصيحابي – وفي نسخة أصحابي – فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح ( وكنت شهيداً عليهم مادمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ) فيقال إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم .
وليذادنّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال فأناديهم ألا هلمّ . فيقال : إنهم قد بدّلوا بعدك . فأقول : فسحقاً فسحقاً .
----------------------------------------
قوله ( وليذادن ) بالبناء للمفعول أي يطردن ويمنعن ، يقال ذاد الراعي إبله عن الماء يذودها إذا منعها .
قوله ( البعير الضال ) أي الذاهب على أهله فإنه كلما ورد على قوم طردوه ومنعوه من الماء لتشرب إبلهم قبله .
قوله ( فأناديهم ) أي فأدعوهم وأقول : ألا هلمّ ، ألا هلمّ أي تعالوا ، وفي نسخة ألا هلموا ألا هلموا ، وهذه وردت على لغة نجد فإنهم يصرفونه فيقولون للإثنين هلما، وللجمع هلموا ، وللمرأة هلمي ، وللنساء هلممن ، والنسخة الأولى على لغة أهل الحجاز فإنهم يقولون هلم بفتح الميم يقولون ذلك للمذكر والمؤنث والواحد والجمع قال تعالى ( هلم شهداءكم ) وقال ( والقائلين لإخوانهم هلمّ إلينا ) وهذه أفصح وبها نزل القرآن ، وهذا النداء دليل على أنه صلى الله عليه وسلّم كان يعرف تلك الرجال المذادين عن حوضه في حياته بألوانهم وأسمائهم لا بالغرة والتحجيل إذ لا نور للأشقياء وأعمالهم هباء .
قوله ( قد بدّلوا بعدك ) أي بعد موتك فعملوا بخلاف ما أوصيتهم به من الإقتداء بسنتك وسنة الخلفاء الراشدين والعض عليها بالنواجذ . (1/87)
صفحة 88
قوله ( فسحقاً فسحقاً ) قال المحشي في بعض النسخ سحقاً بغير فاء ، والسحق بالضم البعد ، يقال سحقاً له أي أبعده الله ، وقوله تعالى ( فسحقاً لإصحاب السعير ) أي أبعدهم الله من رحمته ، وهو من المصادر التي نابت عن فعلها كقولهم جدعاً له وكيا ، وأصله من سحق الشيء فهو سحيق إذا بعد ، وفي قوله صلى الله عليه وسلّم دليل على أنه لا يرق لهم ولا يشفع لهم ( فما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) .
الباب السابع
في الولاية والإمارة
---------------------------------------- (1/88)
صفحة 89
قوله ( باب الولاية والإمارة ) بكسر الأول فيهما وهما بمعنى واحد لأن المقصود التسلط والتمكن ، وقد تكون الإمارة عامة وخاصة لقوم دون قوم وكذا الولاية وتخص العامة بالإمامة والخلافة . ويقال لمتوليها إمام المسلمين أو أمير المؤمنين والخليفة يعنون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وقيل لا يقال أمير المؤمنين حتى يستولي على جميع نواحيهم والأول أصح والثاني أشهر في الاستعمال . وأول من لقب بخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وأول من لقب بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه . والإمامة فرض بالكتاب والسنة والإجماع والاستدلال ، فالكتاب قوله تعالى ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) على قول من تأولهم بالأئمة وقيل المراد العلماء ، وقوله تعالى ( ويدرأ عنها العذاب أن تشهد ) الآية ، وفاعل ذلك هو الإمام ، ومن ذلك قوله تعالى في ثلاث آيات ( ومن لم يحكم بما أنزل الله ) والمخاطب بذلك ولاة الأمر .وأما السنة فإنه صلى الله عليه وسلّم كان إذا افتتح بلداً أمّر عليها أميراً مرضياً وكذلك كان يفعل بالمدينة إذا خرج حاجاً أو غازياً ، وكانت أمراؤه في البلاد مشهورين بتأميره إياهم وعقد الولاية لهم ، فإذا كان هذا مع وجوده عليه السلام فمع عدمه أحرى أن يثبت ، وقد قال عليه السلام :( أطيعوا ولاة أموركم ). وقال لمعاذ : ولا تعص إماماً عادلاً . وقال : السمع والطاعة ولو كان عبداً حبشياً مجذّعاً . وفي رواية أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد . وأما الإجماع ففعل المهاجرين والأنصار إياها وقولهم بثبوتها وإن اختلفوا في من يقوم بها ، فإنهم لم يختلفوا أنها واجبة أو غير واجبة ولذلك قاتلوا من خرج عن طاعة الإمام . وأما الاستدلال فإن الأمة مجمعة على أن لله فروضاً أمر بها وحدوداً أوجبها لا يقيمها من (1/89)
صفحة 90
باشرها منهم على نفسه وأنه ليس لعامة المسلمين أن يقيموها عليه فتوقف أمر إقامتها على قائم بأمور المسلمين ، وما نوقف عليه الواجب كان واجباً لأن ترك الواجب حرام .
في ولاية قريش
43- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : لا يزال هذا الأمر – يعني الولاية – في قريش
----------------------------------------
قوله ( لا يزال هذا الأمر – يعني الولاية – في قريش 000الخ ) وفي رواية عند قومنا : الناس تبع لقريش ، وفي أخرى : الأئمة من قريش ، وهذا إخبار عن الواقع بعده صلى الله عليه وسلّم ليس تخصيصاً لقريش بالخلافة ، وعلى هذا أهل الإستقامة ووافقه النظّام وغيره من الناس ، وخالفت الأشاعرة فاشترطوا كون الإمام قرشياً وزعموا أن الأحاديث تقتضي تخصيص الخلافة بقريش وادّعوا على ذلك إجماع الصحابة. قال القاضي عياض : وقد احتج به أبو بكر وعمر رضي الله عنهما على الأنصار يوم السقيفة فلم ينكره أحد ، والجواب : أما الأحاديث فبينت معناها أحاديث أخر ففي صحيح البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ، وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال : إن خليلي صلى الله عليه وسلّم أوصاني أن أسمع وأطيع ولو كان عبداً حبشياً مجذع الأطراف ، وفي حديث العرباض بن سارية عند أبي داؤد والترمذي وقال حسن صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال:( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمّر عليكم عبد )، والأحاديث في هذا كثيرة . وأما الإجماع فلم ينعقد على أن الخلافة لا تجوز إلا في قريش وأن من عقد على صحة إمامة أشخاص منهم لثبوت العقدة الصحيحة لا لأنهم قرشيون فقط ، وفي صحيح البخاري من حديث عروة بن الزبير عن عائشة أن الأنصار اجتمعت إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا منا أمير ومنكم أمير فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح (1/90)
صفحة 91
فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر وكان عمر يقول والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيئت كلاماً قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس فقال في كلامه نحن الأمراء وأنتم الوزراء ، فقال حباب بن المنذر : لا والله لانفعل منا أمير ومنكم أمير . فقال أبو بكر : لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء هم أوسط العرب داراً وأعربهم أحساباً فبايعوا عمر أو أبا عبيدة . فقال عمر : بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس . فهذه مخاطبة المهاجرين والأنصار في الإمامة ، ولو كانت مختصة بقريش ما طلبها الأنصار ، ولو كانت الخصوصية ثابتة شرعاً لأحتج بها أبو بكر ، ولما لم يحتج بذلك بل ذكر أنهم أوسط العرب داراً وأعربهم أحساباً علمنا أن قوله نحن الأمراء وأنتم الوزراء من باب السياسة في انقياد الناس وتألفهم وطاعتهم لمن يعلمون له سابقة الشرف أكثر من طاعتهم لمن لا يعترفون له بذلك ، وهذا معروف في أطباع البشر لا سيما وقد سبقت فيهم النبوة فازدادوا بذلك شرفاً على شرفهم ، وانقادت الناس لهم في عصر النبوة ، فإذا قدّموا إماماً من غيرهم وقعت النفرة في النفوس لما طبعت عليه من العتو ، وخيّل إليها أنها دولة أخرى ، فمن هذا المعنى كانوا أحق بالأمر في ذلك العصر . أما انقياد الناس لهم أيام دولتهم عند عدلهم وجورهم فذلك شأن الدول في كل زمان فلا يدل على تخصيصهم بالخلافة ، وقد أنكرت الصحابة ومن بعدهم على من انحرف عن الحق منهم فحاصروا عثمان يوم الدار حتى قتلوه ، وقاتلوا طلحة والزبير يوم الجمل ومعاوية يوم صفين وفارقوا علياً يوم حكّم الرجال في حكم أمضاه الله ولم يجعل لغيره فيه مدخلا وهو قتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله والعدول عن هذا الحكم إلى ما يحكم به الحكمان عدول عن حكم الله إلى حكم الرجال ، ثم عقدوا الإمامة على عبدالله بن وهب الراسبي رحمة (1/91)
صفحة 92
الله عليه ولم ينكر عليهم أحد عقد الإمامة لغير قرشي وإنما أنكروا خروجهم عن علي حين ظنوا بقاء إمامته ، على أن الخارجين عندهم حجة الله يومئذ في أرضه رهبا الليل اسود النهار ما أنكروا إلا منكراً وما طلبوا إلا هدى ، ولولا ضيق المقام لبسطت الكلام في بيان طريقتهم النيرة بما لا يرتاب عاقل في أن الهدى معهم ( فبهداهم اقتده ) . ولم يبق عند علي بعد خروجهم عنه إلا طلبة البيضاء والصفراء فمن ثم كانت اموره في نزول ودولته في خمول
ستحصد هذا الزرع إما تقصدت عراقك لا يلوي عليك ضمير
تنازعها سل السيوف فتلتوي وتخطب فينا والقلوب صخور
قتلت نفير الله والريح فيهم فأصبحت فذّاً والنفير نفور
مادام فيهم رجلان – وأشار بأصبعيه -والويل لمن افتتن بالملك .
----------------------------------------
وليس من الحكمة الإلهية أن تخص الإمامة بطائفة جاروا أو عدلوا أصلحوا أو أفسدوا لأن ذلك منافٍ للمعنى الذي لأجله شرعت الإمامة في الناس .
قوله ( ما دام فيهم رجلان ) وفي رواية عند قومنا ( ما بقي في الناس اثنان ) وانظر وجه الجمع بينهما فإن قوله (مادام فيهم ) يؤذن بأن وجود الأمر فيهم معلق بوجود رجلين مخصوصين ، ولهذا أشار بأصبعيه وكأن المشار إليهما رجلان معروفان عند ابن عباس راوي الحديث لكنه لم يذكرهما في هذا الموضع ، ورواية قومنا تدل على بقاء الأمر فيهم ما بقي في الناس اثنان فيقتضي ذلك تأبيد الأمر فيهم والمشاهد خلافه والكذب محال فعلمنا أنهم رووا الحديث بالمعنى وغلطوا في فهمه وأقرب منها رواية البخاري ( ما بقي اثنان ) فإنها تقرب من رواية الربيع وإن لم تصرح تصريحه .
فإن قيل : إن تأويل الرجلين بشخصين معينين ينافيه المشاهد من الحال فإن الملك قد بقي في قريش بعد الصحابة زمناً طويلا ، (1/92)
صفحة 93
فالجواب : أن المراد بالأمر في الحديث الأمر المعهود في زمانه صلى الله عليه وسلّم وهي الولاية العادلة والإمارة المستقيمة المخصوصة باسم الخلافة ، ولا شك أن هذا الحال قد زال عن قريش في حياة أكثر الصحابة فصارت الخلافة ملكاً ، ولعل الرجلين المشار إليهما العباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما إذ بموت العباس انتقض الشر بالمسلمين وظهرت الأحداث من عثمان وبموت عبد الرحمن قامت الفتن من معاوية وعمرو وغيره من الطلبة بدم عثمان فكان من أمر الفتنة ما كان ، ويحتمل أن المشار إليهما غير هذين الرجلين ، ويحتمل أن يجرى الحديث مجرى المثل الذي لا تراد حقيقته وهذا التوجيه حسن في رواية المخالفين ولا يتجه في رواية الربيع للتصريح فيه بالإشارة ، والله أعلم .
قوله ( لمن افتتن بالملك ) إشارة إلى من مال به الملك عن الحق وترك السيرة وفارق الجماعة ، وأول من افتتن بالملك عثمان بن عفان ثم الطالبون بدمه في زعمهم ليستجلبوا طغام الناس وغوغائهم .
44- قال الربيع بلغني عن ابن مسعود الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لقريش : لا يزال هذا الأمر فيكم وأنتم ولاة ما لم تحدثوا فإذا فعلتم
----------------------------------------
قوله ( عن ابن مسعود الأنصاري ) ابن عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة – ويقال يسيرة –بن عسيرة بن عطية بن خدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج ، وهو مشهور بكنيته ، ولم يشهد بدراً وإنما سكن بدر فنسب إليها ، وشهد العقبة الثانية وكان أحدث من شهدها سناً، وشهد أحداً وما بعدها من المشاهد وقيل شهد بدراً ولم يصح ، وسكن الكوفة ، وكان من أصحاب علي واستخلفه على الكوفة لما سار إلى صفّين ، واختلف في وقت وفاته فقيل توفي سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ، ومنهم من يقول مات بعد سنة ستين . (1/93)
صفحة 94
قوله ( وأنتم ولاة ما تحدثوا 000الخ ) هذا مصرح بما ذكرنا أولاً أن المراد بذلك الإخبار عن الذي وقع بعده صلى الله عليه وسلّم ، والمراد بالحدث في هذا تبديل أحكام الكتاب والسنة فإنه إحداث أمر لم يكن في كتاب الله تعالى ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلّم ، وقد جاء في رواية عند قومنا عن أنس ( الأمراء من قريش ما عملوا فيكم بثلاث ما رحموا إذا استرحموا وقسطوا إذا قسموا وعدلوا إذا حكموا ) ، وفي رواية عند أصحابنا ( ما حكمت فعدلت وقسمت فقسطت وما أقامت فيكم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلّم فإذا لم يفعلوا فضعوا سيوفكم على عواتقكم وأبيدوا خضراءهم ) ، وفي رواية عند قومنا ( استقيموا لقريش ما استقاموا لكم فإن لم يستقيموا لكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم ثم أبيدوا خضراءهم ) ذكره في الجامع الصغير عن ثوبان عن أحمد ، وعن النعمان بن بشير عند الطبراني ، قال الشارح وللحديث تتمة وهي ( فإن لم تفعلوا فكونوا حرّاثين أشقياء تأكلون من كد أيديكم ) .
قوله ( فإذا فعلتم ) أي أحدثتم .
سلّط الله عليكم أشرار خلقه فيلحونكم كما يلحى هذا القضيب ، لقضيب كان في يده .
----------------------------------------
قوله ( أشرار خلقه ) هم الذين لا خلاق لهم في الدين والدنيا ، والإشارة إلى ما وقع من التتار فإنهم هم الذين أزالوا قريشاً عن ملكهم ولحوهم من الأمر كما يلحى القضيب ، وإن بقيت من بني أمية بقية ملوكاً على الأندلس بعد ذلك فالله أعلم بمن لحاهم من أشرار خلقه ، وهذه عقوبة الحدث المنصوص عليه في الحديث ،
فإن قيل : إن الحديث قد كان في القرن الأول وهذه العقوبة إنما ظهرت بعد قرون عديدة . (1/94)
صفحة 95
فالجواب : لا يلزم اقتران العقوبة بالذنب بل اللائق بحلم الله وسعة عفوه الإمهال لعباده لعلهم يتذكرون فتنفعهم الذكرى ، وهذا شأن العقوبات السماوية في جميع المحدثين من مشرك ومنافق ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) ولو استقامت قريش استقام لهم الناس ، ولو لم يحدثوا ما خرج هذا الأمر من أيديهم .
قوله ( فيلحونكم ) بفتح الياء وسكون اللام وضم المهملة المخففة أي يقشرونكم يقال لحوت العصا ولحيتها إذا قشرتها .
قوله ( لقضيب ) أي قال ذلك لقضيب كان في يده .
ما جاء في أئمة الجور
45- قال الربيع : بلغني أن عبادة بن الصامت أقبل حاجاً من الشام فقدم المدينة وأتى عثمان بن عفان
----------------------------------------
قوله ( أن عبادة بن الصامت ) بضم العين وفتح الباء المخففة بعدها دال مهملة ثم هاء ، هذا ضبطه ، وأما نسبه فهو عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن قوقل – واسمه غنم – بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي ، وكنيته أبو الوليد ، وأمه قرة العين بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان ، شهد العقبة الأولى والثانية ، وكان نقيباً على القواقل بني عمرو بن عوف بن الخزرج ، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلّم على أن لايخاف في الله لومة لائم ، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بينه وبين أبي مرثد الغنوي ، وشهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها ، وتوفي سنة أربع وثلاثين بالرملة وقيل بالبيت المقدس وهو ابن اثنتين وسبعين سنة ،وقيل توفي سنة خمس وأربعين في أيام معاوية ، والأول أصح . (1/95)
صفحة 96
قوله ( عثمان بن عفان ) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي ، يجتمع هو ورسول الله صلى الله عليه وسلّم في عبد مناف ، يكنى أبا عبدالله وقيل أبا عمرو وقيل كان يكنى أولاً بابنه عبدالله ثم كني بابنه عمرو ، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ، أسلم في أول الإسلام دعاه أبو بكر لذلك فأجاب وكان يقول أني لرابع أربعة في الإسلام ، وكان له قدم في الإسلام ، وزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلّم بابنتيه واحدة بعد واحدة ، وولي أمر المسلمين بعد عمر بن الخطاب اثنتي عشرة سنة عدل في الست الأولى وبدّل في الست الأخر فعاتبه المسلمون ووعدهم فلم يف ، وترددوا عليه مراراً فما كان منه إلا الإقامة على الأحداث التي أنكروها ، ثم أحاطوا به في داره بالمدينة قيل شهرين وعشرين يوماً وقيل سبعين يوماً وقيل دون ذلك وأقل ما قيل شهراً ، وقتل يوم الجمعة لثماني عشرة أو سبع عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة قاله نافع،وقال أبو عثمان الهندي : قتل في وسط أيام التشريق . وقال ابن إسحاق : قتل عثمان على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر
فقال : ألا أخبرك بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟ قال : بلى ، قال : سمعته يقول سيكون من بعدي أمراء يقرءون القرآن كما تقرءون ويعملون ما تنكرون فليس لأولئك عليكم طاعة .
----------------------------------------
شهراً واثنين وعشرين يوماً من مقتل عمر بن الخطاب ، وعلى رأس خمس وعشرين من متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وقال الواقدي : قتل يوم الجمعة لثمان ليال خلت من ذي الحجة يوم التروية سنة خمس وثلاثين ، وقد قيل قتل يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة .
قوله ( ألا أخبرك 000الخ ) هذا وفاء بما بايع به رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإنه بايعه على أن لا يخاف في الله لومة لائم . (1/96)
صفحة 97
قوله ( ستكون من بعدي أمراء 000الخ ) كثرت الأحاديث بالتنبيه على هؤلاء الأمراء وهي عند قومنا أكثر ،
وفي قوله ( يقرءون كما تقرءون ويعملون ما تنكرون ) دليل على أن هؤلاء القوم هم الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم في حديث أبي سعيد المتقدم أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، وفي ذكر عبادة ذلك لعثمان تعريض له بأنه منهم .
قوله ( فليس لأولئك عليكم طاعة ) وعند قومنا عن عمر قال : ( الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله ، فإذا رفع الإمام رفعوا ) ، وفي مسند أحمد عن أنس أن معاذ بن جبل قال : يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك ولا يأخذون بأمرك فما تأمر في أمرهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل ، وفي البن ماجه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة بالبدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها . فقلت : يا رسول الله وإن أدركتهم كيف أفعل ؟ قال : لا طاعة لمن عصى الله ، وقد تقدم قريباً قوله صلى الله عليه وسلّم :( استقيموا لقريش ما استقاموا لكم فإن لم يستقيموا لكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم ثم أبيدوا خضراءهم )، فقوله ما استقاموا لكم أي أطيعوهم مدة استقامتهم على الأحكام الشرعية ، وقوله أبيدوا أي أهلكوا ، وخضراءهم سوادهم ودهماؤهم ، والمعنى اقتلوا جماهيرهم وفرقوا جمعهم ، وفي هذا دليل على جواز الخروج على أئمة الجور ، وقد فعلته الصحابة وأجمعوا عليه وإن اختلفت مقاصدهم ودعاويهم فإن جميع وقائعهم إنما كانت بادعاء الجور على من خرجوا عليه صدقت الدعوى أو كذبت ، فأجمعوا أولاً على قتال عثمان لما أحدث في الإسلام خلاف ما عهدوا من السنة عملاً بوصيته صلى الله عليه وسلّم في قوله عضوا عليها بالنواجذ ، ثم خرج طلحة والزبير على علي لادعائهم الطلب بدم عثمان في زعمهم ، ثم خرج معاوية وعمرو (1/97)
صفحة 98
على علي أيضاً يوم صفّين متسترين بتلك الدعوى أيضاً ، وما فيهم من يدّعي شرك من خرجوا عليه ولكن تعللات لو صحت ما زادت على كفر النعمة فعلمنا بذلك صحة الخروج على أئمة الجور بالإجماع المذكور وأكّد ذلك صحة معنى الأحاديث المتقدمة .
فإن قيل : قد جاءت أحاديث تعارض ما ذكرتم منها حديث ابن مسعود ( سيليكم أمراء يفسدون وما يصلح الله بهم أكثر فمن عمل منهم بطاعة الله فلهم الأجر وعليكم الشكر ومن عمل منهم بعصية الله فعليه الوزر وعليكم الصبر ) ومنها حديث عرفجة ( ستكون من بعدي هناة وهناة وهناة فمن أراد أن يفرق أمر المسلمين وهم جميع فاضربوه بالسف كائناً ما كان )
فالجواب : لا معارضة بين الأحاديث أما حديث ابن مسعود فإنه يدل على أن أولئك الأمراء يتغلبون على البلاد ويقهرون العباد فلا يقدرون عليهم بشيء فأمرهم عند ذلك بالصبر لتعذر الحيلة وسلاّهم بقوله ( وما يصلح الله بهم أكثر ) وذلك أن الجبار الغشوم خير من فتنة تدوم ، وأما حديث عرفجة ففيه الأمر بضرب من أراد يفرق أمر المسلمين كائناً من كان فهو مؤيد لقوله ( فإن لم يستقيموا لكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم ثم أبيدوا خضراءهم ) ولا شك أن العامل بخلاف ما أنزل الله وبخلاف سنة رسول الله مفرق لأمر المسلمين دون من أنكر عليه ذلك .
46- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : من أطاع أمري فقد أطاعني ومن عصى أمري فقد عصاني ، ألا وإن الفتنة هاهنا وأشار بيده ثلاثاً نحو المشرق .
----------------------------------------
قوله ( من أطاع أمري فقد أطاعني ) هذا بيان لقوله تعالى ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) فطاعة الله امتثال أمره ، وكذا طاعة رسوله صلى الله عليه وسلّم ، ومن عصى أمره فقد عصاه وإن ادّعى طاعته ومحبته فلا تكفي الطاعة باللسان حتى يصدقها العمل . (1/98)
صفحة 99
قوله ( نحو المشرق ) وتلك الإشارة إلى العراق كما جاء في حديث علي أنه هوى بيده نحو المشرق ، وهنالك يطلع قرن الشيطان ، وقد ظهرت فيها فتن كثيرة منها خروج طلحة والزبير يوم الجمل ، وخروج الأزارقة والصفرية والنجدية وغيرهم من الفرق الضالة وقد وقعت الفتنة في غيرها أيضاً لكن فيها أعظم فمن ثم أشار إليها رسو الله صلى الله عليه وسلّم ثلاثاً ، وفي البخاري عن أسامة قال : أشرف النبي صلى الله عليه وسلّم على أطم من الآطام فقال : هل ترون ما أرى ؟ إني أرى الفتن تقع خلال بيوتكم مواقع القطر . فهذا الحديث مصرح بأن الفتن تقع خلال بيوتهم وذلك في المدينة ، والمناسب لذكر هذا الحديث في هذا الباب شيئان أحدهما أن قوله ( من أطاع أمري ، ومن عصى أمري ) يشمل الأئمة وغيرهم ، والثاني الإشارة إلى الفتنة أنها غالباً تكون من الأمراء .
ما جاء في الإمام العادل
47- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، إمام عادل
----------------------------------------
قوله ( سبعة يظلهم الله ) الغرض من سياق هذا الحديث ذكر الإمام العادل وأن له من الفضل هذه المزية العظمى ، وظاهر اختصاص المذكورين بالثواب المذكور لكن وقع في صحيح مسلم من حديث أبي اليسر مرفوعاً ( من أنظر معسراً أو وضع له أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) ، وروى ابن حبان من حديث عمر إظلال الغازي ، وروى أحمد والحاكم من حديث سهل بن حنيف إظلال من أعان مجاهداً أو أرفد غارماً أو أعان مكاتباً ، وروى البغوي في شرح السنة من حديث سلمان وأبو القاسم التيمي من حديث أنس إظلال التاجر الصدوق ، فلا مفهوم للعدد في حديث المسند ولكن ذلك الذي سمعه أنس بن مالك عند الربيع وأبو هريرة عند البخاري . (1/99)
صفحة 100
قوله ( في ظله ) الإضافة للتشريف ، كما يقال الكعبة بيت الله مع أن جميع المساجد بيوت الله ، فهو ظل خاص بالمذكورين دون غيرهم وذلك هو ظل العرش ويدل عليه حديث سلمان سبعة يظلهم الله في ظل عرشه فذكر الحديث ، وقيل المراد بظله كرامته وحمايته كما يقال فلان في ظل الملك ، وقيل المراد ظل طوبى ، وقيل ظل الجنة . وردّ القولان بأن ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة ، والمذكور من إظلال السبعة يوم لا ظل إلا ظله وذلك يوم القيامة كما وقع مصرحاً به في رواية أخرى عند البخاري وغيره ، ثم إن ظل طوبى أو الجنة مشترك لجميع من يدخلها والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة ، فيرجح أن المراد ظل العرش .
قوله ( يوم لا ظل إلا ظله ) وذلك يوم القيامة ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار ) .
قوله ( إمام عادل ) إسم فاعل من العدل ، والمراد به صاحب الولاية العظمى ، ويلتحق به كل من ولي شيئاً من أمور المسلمين فعدل فيه . وأحسن ما فسر به العادل أنه الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط .
وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل ، ورجل متعلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا وتفرقا على ذلك ، ورجل ذكر الله خالياً
----------------------------------------
قوله ( وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل ) خص الشاب بذلك لكون مظنة غلبة الشهوة لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشدّ وأدل على غلبة التقوى .
قوله ( متعلق قلبه بالمسجد ) أي من حبه إياه كما ورد مصرحاً به في رواية عند قومنا عن سلمان ، ويدل عليه قوله ( إذا خرج منه حتى يعود إليه )، وقيل إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسده خارجاً عنه ، ويدل عليه ما في بعض الروايات عند قومنا ( كأنما قلبه معلق في المسجد )شبهه بالشيء المعلق في المسجد كالقنديل مثلاً . (1/100)
صفحة 101
قوله ( تحابّا ) بتشديد الباء ، وأصله تحاببا أي اشتركا في جنس المحبة .
قوله ( اجتمعا وتفرقا على ذلك ) أي لم تغيرهم عن ذلك الحب الأطماع والأغراض بل لازماه حال اجتماعهما وافتراقهما ، فهو كناية عن دوامهما على ذلك ، وسيأتي للمنصف رحمه الله تعالى في باب الحب حديث أبي هريرة ( يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة أين المتحابون لأجلي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي ) .
قوله ( ذكر الله ) بقلبه من التذكر ، أو بلسانه من الذكر كذا قيل ، والظاهر أن المراد اجتماعهما أو ذكر القلب فقط أما ذكر اللسان وحده فلا تفيض منه العين ولا يستوجب هذه المزيّة .
قوله ( خالياً ) أي ليس معه أحد من الخلق لأنه يكون حينئذ أبعد من الرياء .
وقوله ( ففاضت عيناه من الدموع ) أي فاضت الدموع من عينيه ، وأسند الفيض إلى العين مبالغة كأنها هي التي فاضت فهو على حد القائل : وسألت بأعناق المطي الأباطح . وفيض العين بحسب حال الذاكر وبحسب ما يكشف له .
من خشية الله ، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين ، ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه .
----------------------------------------
قوله ( من خشية الله ) أي من خوفه تعالى ، وقد مدح الله أهل خشيته في غير موضع من كتابه منها قوله عز من قائل ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) ( يخافون ربهم من فوقهم ) ( واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخفية ) ( ويدعوننا رغباً ورهباً ) ( وإياي فارهبون ) .
قوله ( دعنه امرأة ذات حسن وجمال ) وعند البخاري ( طلبته امرأة ذات منصب وجمال ) وزاد ابن المبارك ( إلى نفسها ) وجاء ( فعرضت عليه نفسها ) والظاهر أنها دعته إلى الفاحشة .
قوله ( فقال إني أخاف الله ) أي فلا أعصيه . (1/101)
صفحة 102
قوله ( رب العالمين ) إشارة إلى أنه مالكها أيضاً فيجب عليها أن تخافه كما خافه هو ، فهو على قول صاحب يس لقومه ( ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ) والظاهر أنه يقول ذلك بلسانه إما ليزجرها عن الفاحشة أو ليعتذر إليها ، والأول أظهر ، قيل ويحتمل أن يقوله بقلبه وهو خلاف الظاهر .
قوله ( تصدق بصدقة ) نكّرها ليشمل كل ما يتصدق به من قليل وكثير ، وظاهره أيضاً يشمل المندوبة والمفروضة لكن نقل النوويّ عن العلماء أن إظهار المفروضة أولى من إخفائها .
قوله ( فأخفاها حتى لا تعلم شماله 000الخ ) مبالغة في شدة الإخفاء فهو على حد قوله تعالى ( وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) قال بعضهم خص ضرب المثل باليمين والشمال لقرب ما بينهما ولاشتراكهما في العمل ، وفي قوله ( ما أنفقت يمينه ) إشارة إلى أن السنة الإنفاق باليمين وبها المناولة والتناول .
ما جاء في رد الأحداث والبدع من الأئمة وغيرهم
48- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد .
----------------------------------------
قوله ( ليس عليه أمرنا 000الخ ) هذا الحديث معدود من أصول الإسلام ، وقاعدة من قواعد الدين . (1/102)
صفحة 103
وقال بعضهم هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع لأن الدليل يتركب من مقدمتين ، والمطلوب بالدليل إما إثبات حكم أو نفيه ، وهذا الحديث كبرى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه لأن منطوقه مقدمة كلية في كل دليل نافٍ لحكم ، مثل أن يقال في الوضوء بماء نجس ليس هذا من أمر الشرع ، وكل ما كان كذلك فهو مردود فهذا العمل مردود ، فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث ، وإنما يقع النزاع في الأولى ، ومفهومه أن من عمل عملاً ليس عليه أمر الشرع فهو صحيح ، مثل أن يقال في الوضوء بالنية هذا عليه أمر الشرع ، وكل ما كان عليه أمر الشرع فهو صحيح ، فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث والأولى فيها النزاع ، فلو اتفق أن يوجد حديث يكون مقدمة أولى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه لاستقل الحديثان بجميع أدلة الشرع ، لكن هذا الثاني لا يوجد فإذاً هذا الحديث نصف أدلة الشرع .
وقال النوويّ: هذا الحديث مما ينبغي تحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به لذلك .
وإنما ذكره المرتب في هذا الباب إشارة إلى رد الأحداث ممن كانت حتى على الأئمة والأمراء .
قوله ( ليس عليه أمرنا ) أي غير موافق لأمر الشرع ، وهذا يشمل جميع البدع المحرمة كأخذ المكوس ، والمكروهة كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف ، دون الجائزة الراجعة إلى أصل شرعي كالاشتغال بعلم العربية المتوقف عليه فهم الكتاب والسنة فإن هذا قد يصير واجباً في حق بعض الناس ، وكذلك الأحوال المندوبة كاتخاذ الرباطات والمراصد للعدو، وكذلك ما يرجع إلى عادات الناس من أمور المطاعم والمشارب والملابس فإنه
فهو رد
----------------------------------------
يختلف باختلاف الأحوال والأمكنة ولكل قوم عاداتهم ما لم تفض إلى التشبه بأحوال المشركين فإنا قد نهينا عن التشبه بهم ومن تشبه بقوم فهو منهم . (1/103)
صفحة 104
قوله ( فهو رد ) بفتح الراء أي مردود ، وهو الذي لا يقضي الشرع بصحته ، فالرد هنا بمعنى البطلان والفساد ، والله أعلم .
الباب الثامن
في الرؤيا
49- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان إذا انصرف من صلاة الغداة قال : هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا ؟ ويقول : إنه ليس يبقى من بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة .
----------------------------------------
قوله ( باب في الرؤيا ) على وزن فعلى بضم أوله غير منون ، يقال رآى في منامه رؤيا بلا تنوين لمنع صرفه بألف التأنيث ، والرؤيا أمثال يضربها الملك الموكل بالرؤيا ليستدل الرائي بذلك على نظيره ويعبر منه إلى شبهه ، ولهذا سمي تأويلها تعبيراً . وقد ضرب الله سبحانه الأمثال وصرّفها قدراً وشرعاً ويقظةً ومناماً ، ودلّ عباده على الاعتبار بذلك فهذا أصل الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة ونوع من أنواع الوحي ، ألا ترى أن الثياب في التأويل تدل على الدين كما أوّل النبي صلى الله عليه وسلّم القميص بالدين والعلم ، والقدر المشترك بينهما أن كل منهما يستر صاحبه ويجمله بين الناس .
قوله ( إذا انصرف ) أي انصرف عن هيئة صلاته إلى الحاضرين بوجهه ، وفي حديث ابن عمر قومنا كان إذا صلى بالناس الغداة أقبل بوجهه ، وفيه دليل على استقبال الجماعة بعد فراغه من الصلاة .
قوله ( من صلاة الغداة ) هي صلاة الفجر ، وإنما يقول ذلك بعدها لأنها تكون بعد يقظة الناس من منامهم ، وقد تشاركها في هذا المعنى الظهر وقت الصيف لأن قبلها نوم الظهيرة ، لكن الليل سكن وهو مظنة الرؤيا ، وكثير من الناس لا يقيلون فلهذا خص صلاة الغادة بذلك .
قوله ( هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا ؟ ) زاد في حديث ابن عمر عند قومنا يقصها علينا ، وإنما كان يسألهم عن ذلك رجاء أن يوافق رؤيا صالحة كما يدل عليه قوله ( ليس يبقى من بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة ) . (1/104)
صفحة 105
50- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءً من النبوة .
----------------------------------------
قوله ( من النبوة ) ، وقوله في الحديث الآتي ( جزء من ستة وأربعين جزءً من النبوة )
، وقوله في الحديث الثالث ( الرؤيا من الله ) هذا كله يدل على أن الرؤيا حق ووجه ذلك وصفها أنها نوع من النبوة وأنها جزء من الوحي وأنها من الله ، والسر في ذلك أن المسلم الصادق الصالح يناسب حاله حال الأنبياء وهو الاطلاع على بعض الغيب إما يقظة بالكشف وإما مناماً بالرؤيا بخلاف المشرك والمنافق والمخلط الذي لا ثبات له على حال ، ومعنى كونها جزء من النبوة مجاز وهو أنها تجيء على موافقة لأن الجميع حق لا أنها جزء من النبوة باق لأن النبوة انقطعت بموته صلى الله عليه وسلّم ، وقيل : المعنى أنها جزء من علمها لأنها وإن انقطعت فعلمها باق ، وقيل : المراد أنها تشابهها في صدق الإخبار عن الغيب فهو مبالغة في وصفها .
وأما تخصيص عدد الأجزاء وتفصيلها فمما لا اطلاع لنا عليه ولا يعلم حقيقته إلا نبي أو ملك ، وقيل إن مدة الوحي ثلاث وعشرون سنة منها ستة أشهر منام وذلك جزء من ستة وأربعين جزءً من النبوة وهو مردود باختلاف الروايات الصحيحة في تعيين هذا العدد ففي بعضها من خمسة وأربعين وفي بعضها من سبعين وروي من ستة وسبعين وروي من ستة وعشرين وروي من خمسين وروي من أربعين وروي من تسعة وأربعين وروي من أربعة وأربعين فحصلت من اختلاف الرايات عشرة أوجه أقلها جزء من ستة وعشرين وأكثرها من ستة وسبعين ، وجمع بينها بأن ذلك يختلف بحسب مراتب الأشخاص ، واختار بعضهم أن يكون هذا من الأحاديث المتشابهة التي نؤمن بها ونكل معناها لقائله صلى الله عليه وسلّم ولا نخوض في تعيين هذا الجزء من العدد ولا في حكمه خصوصاً . (1/105)
صفحة 106
51- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : أدركت ناساً يروون عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : الرؤيا من الله والحلم من الشيطان ، فإذا رأى أحكم ما يكره فليتفل عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ وليتعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره إن شاء الله .
----------------------------------------
قوله ( أدركت ناساً ) فيه أنه أخذ الحديث عن عدد كثير.
قوله ( الرؤيا من الله ) الرؤيا بالضم اسم للصالحة المحبوبة .
قوله ( والحلم ) بضم الحاء وسكون اللام وضمها اسم للمكروهة ، وتخصيص الرؤيا بالصالحة والمكروهة بالحلم تصرف شرعي ، وهما في أصل اللغة اسم لما يراه النائم في نومه .
وقوله ( من الشيطان ) أضيف إليه ذلك لأنه يحضره ويرتضيه على أنه لا إيجاد له في شيء من الأشياء ، وأضيف الرؤيا إلى الله للتشريف والكل خلقه . وجاء الرؤيا ثلاثة منها تهاويل من الشيطان يحزن ابن آدم ، ومنها ما يهتم به الرجل في يقظته فيراه في منامه ، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءً من النبوة .
قوله ( فإذا رأى أحدكم ما يكره 000الخ ) إرشاد لما يصرف به كيد الشيطان ، وإنما خص بالتفل تحقيراً واستقذاراً ، وإنما خص اليسار لأنها محل الأقذار وجهتها مقعد الشيطان ، وتخصيص العدد بالثلاث لأنه أقل الجمع فهو أدنى الكثير .
قوله ( وليتعوذ ) قيل ورد أنه يقول اللهم إني أعوذ بك من عمل الشيطان وسيئات الأحلام . وعن إبراهيم النخعي قال : إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فليقل إذا استيقظ أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسله من شر رؤياي هذه أن يصيبني منها ما أكره في ديني ودنياي . وليست الاستعاذة محدودة بألفاظ مخصوصة ، والوارد من ألفاظها إن صحت فمستحب لا غير أو إرشاد إلى المعنى .
وقال : قال أحدهم : إني كنت لأرى الرؤيا هي أثقل عليّ من الجبل فلما سمعت هذا الحديث فما كنت أبالي بها . (1/106)
صفحة 107
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : من أفتى مسألة أو فسّر رؤيا 0000 الحديث
----------------------------------------
قوله ( قال أحدهم ) أي أحد الصحابة الذين أدركهم جابر وأخذ عنهم هذا الحديث ، وإنما أخبر بذلك ليعلم أن للحديث شأناً ، وأنهم من التصديق واليقين في أعلى الذرى . وفي البخاري من حديث يحيى بن سعيد أن قائل ذلك هو أبو سلمة والمراد أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني وهو تابعي فيمكن أن يكون جابر رضي الله عنه عناه بذلك أن أبا سلمة قد اتفق له ذلك كما اتفق لغيره .
قوله ( أثقل من الجبل ) فيه تشبيه المتوهم بالمحسوس ومعناه أن يهتم بها أكثر من اهتمامه بنقل الجبل .
قوله ( فما كنت أبالي بعدها ) أي لم يدخل في بالي اهتمام ، وكيف أهتم بشيء نعت المصطفى علاجه ( إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) .
قوله ( من أفتى مسألة ) تقدم شرحه في آخر باب من طلب العلم لغير الله .
وقوله ( الحديث ) إشارة إلى تقدمه هناك ، وهذا شأنه في غالب الأحاديث التي يذكرها في المواضع السابقة ثم يحتاج إلى ذكرها في باب متأخر فإنه يذكر أولها مشيراً إلى تقدمها بقوله ( الحديث ) كما هنا .
52- أبو عبيدة من طريق ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : أراني الليلة عند الكعبة فرأيت رجلاً آدم كأحسن ما أن يرى من آدم الرجال له لمة كأحسن ما أن يرى من اللمم قد رجّلها وهي تقطر ماءاً
---------------------------------------- (1/107)
صفحة 108
قوله ( أراني الليلة ) أي في منامي لرواية البخاري ( وأراني الليلة عند الكعبة في المنام ) ورؤيا الأنبياء حق لأن قلوبهم لا تنام وإنما تنام أعينهم ، ولهذا امتثل إبراهيم عليه السلام الأمر في ذبح ابنه وكان مناماً لقوله ( إني أرى في المنام أني أذبحك ) ، وقد رأى صلى الله عليه وسلّم الأنبياء مراراً وقيل مرتين فعن أبي هريرة يرفعه ( ليلة أسري بي وضعت قدمي حيث يضع الأنبياء أقدامهم من بيت المقدس فعرض عليّ عيسى بن مريم ) الحديث ، وهذا كان ليلة الإسراء وهو يقظة على الصحيح ، ورواية الربيع كانت في النوم وهي عند الكعبة . واستشكل رؤياه صلى الله عليه وسلّم إياهم في اليقظة ، وأجيب بأجوبة أحدها : أن الأنبياء أفضل من الشهداء والشهداء أحياء عند ربهم فكذلك الأنبياء فلا يبعد أن يكشف له عنهم فيراهم عياناً ، وثانيها : أنه صلى الله عليه وسلّم أري حالهم التي كانوا عليها في حياتهم فمثّلوا له كيف كانوا ، ولهذا جاء في رواية كأني أنظر إلى موسى وكأني أنظر إلى يونس ، وثالثها : يحتمل أنه أخبر عما أوحي إليه صلى الله عليه وسلّم من أمرهم .
قوله ( رجلاً آدم ) بفتح الهمزة والدال مع مد الهمزة وهو الأسمر ، والسمرة لون معروف.
قوله ( كأحسن ما يرى ) أي ما يمكن رؤيته من أهل هذه الصفة .
قوله ( من آدم الرجال ) يعني من الرجال الموصوفين بذلك .
قوله ( له لمة ) بكسر اللام الشعر يجاوز شحمة الأذن ن فإذا بلغت المنكبين فهي جمة .
قوله ( قد رجّلها ) أي سرحها بالمشط .
قوله ( وهي تقطر ماءً ) إما من أثر الترجيل لأن عادة الناس بلُ شعر الرأس عند تسريحه ليسهل ذلك عليهم ولكونه أبقى للشعر وأقل تألماً ، وإما من أثر الغسل لا من جنابة لأن عيسى عليه السلام لم يتأهل زهداً في الدنيا ورغبة عنها ، والأنبياء لا تحتلم لأن الحلم من (1/108)
صفحة 109
متكئأً على عواتق رجلين يطوف بالكعبة فسألت من هذا ؟ فقيل لي : المسيح ابن مريم عليهما السلام ، ثم إذا أنا برجل جعد قطط أعور العين اليمنى
----------------------------------------
الشيطان . وقيل : يحتمل أن المراد من قوله ( تقطر ماء ) الاستنارة وكنّى بذلك عن مزيد النظافة والنضارة .
قوله ( على عواتق رجلين ) في رواية البخاري ( واضعاً يديه على منكبي رجلين وهو يطوف بالبيت ) والعاتق هو موضع الرداء من المنكب ، وإنما جمع مع أنه إنما يتكيء من كل رجل على عاتق لأن الأفصح في المثنى المضاف إلى المثنى الجمع قال تعالى ( فقد صغت قلوبكما ) ويجوز الإفراد والتثنية .
قوله ( فسألت من هذا ) لم يبين المسئول من هو ، وكأنه لم يقصد بالسؤال معيناً لأن الغرض معرفة الشخص وهي تحصل بكل مخبر ، ويدل على ذلك قوله ( فقيل لي المسيح بن مريم ) فإنه لم يسم قائل ذلك . وسمي عيسى بالمسيح لأنه يمسح أهل العاهات فيعافيهم الله ، وقيل المسيح معرب وأصله بالشين المعجمة .
قوله ( ثم إذا أنا برجل ) في رواية البخاري ( ثم رأيت رجلاً وراءه ) ثم ساق الحديث وزاد فيه قوله ( كأشبه من رأيت بابن قطن واضعاً يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت 000الى آخر الحديث ) ، وابن قطن قال الزهري : رجل من خزاعة هلك في الجاهلية ، وينظر ما معنى طواف الدجال بالبيت مع أنه كافر بالله تعالى ويمكن أن يفعل ذلك لاستدراج عوام المسلمين يريهم أنه مستقيم ، ويمكن أن يفعل ذلك كما كانت الجاهلية تفعله يعتقدونه ديناً .
قوله ( جعد قطط ) بفتح القاف والطاء أي شديد الجعودة وهو الذي فيه التواء وتقبض كشعر الزنجي ، وقد تكسر الطاء الأولى ، والأول أشهر . (1/109)
صفحة 110
قوله ( أعور العين اليمنى ) إنما وصفه بذلك ليعرفه الناس فلا يفتتن به أحد إلا من أضله الله على علم . وفي البخاري عن نافع قال عبدالله بن عمر : ذكر النبي صلى الله عليه وسلّم يوماً بين ظهراني الناس المسيح الدجال فقال : إن الله ليس بأعور إلا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية ) ثم ذكر الحديث .
كأنها عنبة طافية فسألت من هذا ؟ فقيل لي : المسيح الدجال .
----------------------------------------
قوله ( كأنها عنبة طافية ) أي بارزة وهو من طفى الشيء يطفو بغير همز إذا علا على غيره ، وشبهه بالعنبة التي تقع في العنقود بارزة عن نظائرها . (1/110)
صفحة 111
قوله ( المسيح الدجال ) صاحب الفتنة العظمى ، قال ابن فارس : المسيح الذي مسح أحد شقي وجهه لا عين له ولا حاجب ، وسمي الدجال مسيحاً لأنه كذلك ، ومنه درهم مسيح أي أطلس لا نقش عليه ، وقد تقدم أيضاً أن المسيح أيضاً إسم لعيسى عليه السلام وقد جمع الشاعر بين السمين فقال : إن المسيح يقتل المسيحا . وقد أشكل على العامة اتفاق الاسمين وحاولوا الفرق فمنهم من قال في الدجال بالخاء المعجمة ، ومنهم من قال بالمهملة ولكن كسروا الميم وشدّدوا السين ، وليس ما زعموا بشيء وكلاهما مسيح بفتح الميم وتخفيف السين آخره مهملة ، فعيسى مسيح بمعنى ماسح فعيل بمعنى فاعل ، لأن كان إذا مسح ذا عاهة عوفي ، والدجال مسيح فعيل معنى مفعول لأنه ممسوح إحدى العينين ، وفي هذا الحديث من علامات النبوة ما لا يخفى لأن فيه وصف كل واحد من عيسى والدجال بصفته التي هو عليها ، وفي اقترانهما في هذه الرؤيا إشارة إلى ما يرويه قومنا أن عيسى عليه السلام ينزل آخر الزمان فيقتل الدجال ويحكم بالشريعة المحمدية ، ولم يثبت هذا عند أصحابنا غير أنهم لا يردونه ويقولون : أهل الروايات أولى بما رووا ونحن نشهد بصدق ما أخبر به الصادق الأمين عليه من ربه أفضل صلاة وتسليم ، ونعوذ بالله من جميع الفتن ما ظهر منها وما بطن ومن فتنة المسيح الدجال .
الباب التاسع
في الإيمان والإسلام والشرائع
ما جاء في شرائع الإسلام
53- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن طلحة بن عبيدالله
---------------------------------------- (1/111)
صفحة 112
قوله ( عن طلحة بن عبيدالله ) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي ، وكنيته أبو محمد ، وأمه الصعبة بنت عبدالله بن مالك الحزمية ، يعرف بطلحة الخير وطلحة الفياض ، وهو من السابقين إلى الإسلام ، دعاه أبو بكر الصديق إلى الإسلام فأسلم وآخى رسول الله بينه وبين الزبير قبل الهجرة ، ولما هاجر آخى بينه وبين أبي أيوب الأنصاري ، وكان من الشورى ، ولم يشهد بدراً وشهد أحداً وما بعدها من المشاهد ، وأبلى يوم أحد بلاء عظيماً ، ووقى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بنفسه ، واتقى عنه النبل بيده حتى شلت أصبعه وضرب ضربة على رأسه ، وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلّم على ظهره حتى صعد الصخرة ، وكان شديد الإنكار على عثمان ، وكان قد بايع علياً ثم نكث وخرج عليه يوم الجمل فقتل هنالك ، وسبب قتله أن مروان بن الحكم وهو ابن عم عثمان بن عفان رماه بسهم في ركبته فجعلوا إذا أمسكوا فم الجرح انتفخت رجله وإذا تركوه جرى فقال : دعوه فإنما هو سهم أرسله الله تعالى فمات منه ، وقيل إن السهم أصاب ثغرة نحره ، وقال مروان : لا أطلب بثأري بعد اليوم ، والتفت إلى أبان بن عثمان فقال : قد كفيتك بعض قتله أبيك ، ودفن إلى جانب الكلا ، وكانت وقعة الجمل لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وكان عمره ستين سنة وقيا اثنتان وستون سنة وقيل أربع وستون سنة . وقال علي - لما بلغه مسير طلحة والزبير وعائشة - : والله ما أنكروا عليّ شيئاً منكراً ، ولا استأثرت بمال ، ولا ملت بهوى ، وإنهم يطلبون حقاً تركوه ، ودماً سفكوه ، ولقد ولّوه دوني وإن كنت شريكهم في الإنكار لما أنكروه ، وما تبعة عثمان إلا عندهم، بايعوني ونكثوا بيعتي ، وما استبانوا فيّ حتى يعرفوا جوري من عدلي ، وإني لراض بحجة الله عليهم وعلمه فيهم ، وإني على هذا لداعيهم ومعذر إليهم ، فإن قبلوه فالتوبة مقبولة والحق أولى ما انصرف إليه ، (1/112)
صفحة 113
قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم من أهل نجد ثائر الرأس دوي صوته ولا يفقه قوله حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلّم : خمس صلوات في اليوم والليلة . قال : هل غيرها ؟
----------------------------------------
وإن أبوا أعطيتهم حد السيف وكفى به شافياً من باطل وناصراً . كذا ذكره ابن الأثير في أسد الغابة .
قوله ( رجل من أهل نجد ) قال ابن بطال وتبعه عياض وابن العربي والمنذري وابن باطيش وآخرون : هو ضمام بن ثعلبة . وقال النوويّ : فيه نظر . وقال القرطبي وتبعه السراج البلقيني : الظاهر أنه غيره لاختلاف السياقين . قال ابن حجر : وهو كما قال . قلت : وهو الصحيح الذي يشهد له الحال في حديث ضمام بن ثعلبة الآتي في مراسيل جابر آخر الكتاب . ونجد من بلاد العرب وهي كل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق .
قوله ( ثائر الرأس ) أي متفرق الشعر من ترك الرفاهية ، وفيه إشارة إلى قرب عهده بالوفادة ، وأوقع اسم الرأس على الشعر إما مبالغة أو لأن الشعر منه نبت .
قوله ( يسمع ) بضم الياء على البناء للمفعول أو بالنون المفتوحة للجمع وكذا في يفقه .
قوله ( دوي ) بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء ، وهو صوت مرتفع متكرر لا يفهم ، وإنما كان كذلك لأنه نادى من بعد .
قوله ( فإذا هو يسأل عن الإسلام ) أي عن شرائع الإسلام ويحتمل أنه سأل عن الشرائع الفعلية ، وإنما لم يذكر الحج إما لأنه لم يكن فرض بعد أو لأنه علم أنه غير مستطيع إليه سبيلا .
قوله ( خمس صلوات ) اثنتان بالليل وهما المغرب والعشاء وثلاث بالنهار وهي الفجر والظهر والعصر .
قوله ( هل غيرها ) في رواية البخاري هل عليّ غيرها ؟ . (1/113)
صفحة 114
قال : لا ، إلا أن تطوع . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلّم : وصيام شهر رمضان . قال : هل غيره ؟ قال : لا ، إلا أن تطوع . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : والزكاة . ثم قال : هل غيرها ؟ قال : لا ، إلا أن تطوع . قال : فأدبر الرجل وهو يقول لا أزيد على هذا ولا أنقص منه . قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : أفلح إن صدق .
----------------------------------------
قوله ( إلا أن تطوع ) بتشديد الطاء والواو ، وأصله من تتطوع بتائين فأدغمت إحداهما ، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما ، والاستثناء من غير الجنس أصلاً ، وقيل الاستثناء متصل والمعنى إلا أن تشرع في تطوع فيلزمك إتمامه ، والأول أظهر .
ويستفاد من الحديث أنه لا يجب شيء من الصلوات في كل يوم وليلة غير الخمس ، ولعل القائلين بوجوب الوتر ونحوه من السنن يدّعون تأخر الأدلة الوجبة لذلك .
قوله ( هل غيره ) يعني صوم رمضان . قال : لا إلا أن تطوع ، وذلك لأن الله تعالى نسخ بوجوب صيام شهر رمضان كل صوم .
وقوله في الزكاة ( إلا أن تطوع ) يدل على أن زكاة الفطر غير واجبة لأنها إما منسوخة الوجوب أو هي سنة ، والقائلون بوجوبها يستدلون بأحاديث أخر ، وقد بسطت حجج الجميع في المعارج .
قوله ( لا أزيد على هذا ) في رواية البخاري ( والله لا أزيد على هذا 00الخ ) ، وفي رواية إسماعيل بن جعفر ( والذي أكرمك ) وفيه جواز الحلف في الأمر المهم .
قوله ( أفلح إن صدق ) أي فاز إن صدق .
فإن قيل : كيف أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر مع أنه لم يذكر المنهيات ؟
فالجواب : أن الرجل قد علم المنهيات كما علم التوحيد وأنه لم يسأله عما يتركه وإنما سأل عما يفعل.
ما جاء في الإحسان
54- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : الإحسان أن تعمل لله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
---------------------------------------- (1/114)
صفحة 115
قوله ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه 000الخ ) يقال أحسنت الشيء إذا أتقنته وأكمل فعله على الوجه الذي ينبغي ، والمراد إتقان العبادات وإكمالها وإصلاحها على ما يليق بها ، ومراعاة حقوق الله فيها والاستمرار عليها . وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين منهم من يغلب عليه مشاهدة الحق حتى كأنه يراه لا سيما إذا استحضر قوله تعالى ( وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه ) وقوله تعالى ( الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين ) ، ومنهم من لا ينتهي إلى هذه الحالة لكنه يغلب عليه استحضار حقيقة العبودية وأنه مأمور بإيقاع هذه العبادات فيوقعها بالإخلاص وصدق نية وقوة عزم فاستحلاها وتلذذ بها فهذا يصدق عليه أنه محسن ، والأول محسن غاية الإحسان ، وإنما يقع التفاوت بينهما بقدر تفاوت المعرفة والخشية .
وقوله ( كأنك تراه ) أي حال كونك في عبادتك مثل حال كونك رائياً له فتكون في غاية الخشوع والتذلل ، فالحديث في صورة ضرب المثل لا تراد حقيقته ، وإنما المراد منه تقريب المعنى في ذهن السامع ، وليس الغرض استحضار صورة في النفس فإن فاعل هذا عابد صنم والعياذ بالله ، وتوضيحه أن العامل لإنسان يراه يبذل المجهود في تحسين العمل وإصلاحه بخلاف العامل لغائب فإن النفس قد جبلت على التساهل في العمل للغائب إلا من عصم الله .
وقوله ( فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) معناه أنه إن استحلت رؤيتك إياه وعلمت أنك لا تراه فاعلم أنه يراك فيجب أن تراقبه مراقبة من يعمل لمن يرى ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) .
ما جاء في أن أفضل العمل الإيمان بالله (1/115)
صفحة 116
55- قال الربيع : بلغني عن عبادة بن الصامت قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فقال : يا نبي الله أي العمل أفضل ؟ فقال : إيمان بالله وتصديق به وجهاد في سبيله . فقال : أريد أهون من ذلك . فقال : لا تتهم الله في شيء قضى لك به .
----------------------------------------
قوله ( أي العمل أفضل ) يعني أي أعمال الإسلام أفضل ، فأجابه بأن أفضل ذلك إيمان بالله وتصديق به وجهاد في سبيله ، وهذا يدل على أن أحوال القلب من العمل ، وعطف التصديق على الإيمان عطف تفسير لمزيد الاهتمام ، وذكر الجهاد في هذه الخصال دليل على تفضيله على سائر الأعمال، وكيف لا يفضلها وبه قام الدين وظهر الإسلام وعز الإيمان ، وهو أعظم خصلة بعثت بها الأنبياء ، وأهم حالة اشتاقت إليها الأولياء حتى جاء في فضل الشهداء ما جاء ، وقد جاءت أحاديث أخر بعضها يفضل العلم وبعضها أنواعاً من العبادة وتلك أحوال يقتضيها ذلك المقام ، فالجهاد عند الحاجة إليه أفضل .
قوله ( أريد أهون من ذلك ) أي أخف منه ، وكأنه استصعب الجهاد فطلب فضلاً دونه فقال رسول الله : لا تتهم الله في شيء قضى لك به . أي لا يدخل في ظنك أن الله قضى لك شيئاً : أي أمرك به لفضله ثم جعل الفضل في ما دونه .
ما جاء في وصف أهل اليمن بالإيمان
56- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي مسعود الأنصاري قال : أشار النبي صلى الله عليه وسلّم بيده نحو اليمن فقال : ألا أن الإيمان هاهنا
---------------------------------------- (1/116)
صفحة 117
قوله ( نحو اليمن ) وهي الجهة المخصوصة ، سميت بذلك لأنها عن يمين الكعبة ، وقد ظهر فيها من أئمة المسلمين أهل الاستقامة في الدين من تصاغر عنده لأهل الفضائل فضائلهم ، وقد شهر في البلاد عدلهم وفضلهم منهم طالب الحق عبدالله بن يحيى الكندي وأصحابه رضوان الله عليهم وقد ملكوا اليمن والحجاز معاً فأظهروا العدل وطمسوا الجور وذلك في آخر أيام بني أمية على رأس مائة وثلاثين ، ثم ظهر من بعدهم أئمة سلكوا مسلكهم منهم سليمان بن عبد العزيز وأحمد بن سليمان وإبراهيم بن قيس بن سليمان وغيرهم رضوان الله عليهم . (1/117)
صفحة 118
قال أبو سفيان : قال وائل : أدركت بحضرموت رجالاً إن كان الرجل منهم لو ولّي على الدنيا لاحتمل ذلك في عقله وحلمه وعلمه وورعه . فإلى أمثال هؤلاء أشار هذا الحديث بالثناء ، وقد تقدم في باب الأمة الإشارة إلى أئمتنا بالمغرب ، وسيأتي في روايات أبي سفيان عن الربيع حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : يكثر ورّاد حوضي من أهل عمان . والمذهب إنما انتشر في هذه النواحي الثلاث وفيها كانت قوته ، ونحن نعرف الحق بموافقة الكتاب والسنة ولكن نزداد بهذه الإشارات إيماناً على إيماننا واطمئنانة في قلوبنا ، وذلك مثل من اجتنب المعاصي وعمل بالطاعات ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلّم : أنت على الحق . أما يزيده هذا اطمئنانة وسروراً ؟. ولما ساء اعتقاد القوم في أهل الاستقامة مع جزمهم بصحة الحديث تكلفوا في تأويله أقاويل أحدها : أنه أراد مكة فإنه يقال أن مكة من تهامة وتهامة من أرض اليمن . والثاني : أن المراد مكة والمدينة فإنه يروى في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال هذا الكلام وهو بتبوك ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة . والثالث : وهو قول أكثرهم أن المراد بذلك الأنصار لأنهم يمانون في الأصل . وردّ عليهم أبو عمرو بن الصلاح بما حاصله أنهم لو جمعوا طرق الحديث بألفاظه كما
وأن الفتنة وغلظ القلوب في الفدّادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر .
----------------------------------------
جمعها مسلم وغيره وتأملوها لصاروا إلى غير ما ذكروا ولما تركوا الظاهر ، ولقضوا بأن المراد اليمن وأهل اليمن على ما هو مفهوم من إطلاق ذلك ، إذ من ألفاظه ( أتاكم أهل اليمن ) والأنصار من جملة المخاطبين بذلك فهم إذن غيرهم 00الخ ما ذكر ، والحق ما قدّمت لك .
قوله ( وغلظ القلوب ) أي قساوتها وهو بكسر المعجمة وفتح اللام . (1/118)
صفحة 119
و ( الفدادين ) بالتشديد هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم ، والمراد به في الحديث أصحاب الماشية كما يدل عليه قوله ( عند أصول أذناب الإبل ) وهو كناية عن التوحش الفاحش ووجه ذلك أن الرعاة تتبع الإبل فهم في غالب أحوالهم يقابلون أصول أذنابها وهي المواضع التي نبت فيها الذنب .
قوله ( قرنا الشيطان ربيعة ومضر ) هما قبيلتان عظيمتان في العرب سميتا باسم أبويهما وهما أخوان ولدا نزار بن معد بن عدنان ، سمّهما صلى الله عليه وسلّم قرني الشيطان لأنهما صارتا جندين للشيطان ومالتا مع الباطل في الفتنة فأكثرهم قد افتتن بالفتنة الطامة والعياذ بالله تعالى وقلّ الناجي . وقرنا الشيطان قيل جانبا رأسه ، وقيل هما جمعاه اللذان يغريهما بإضلال الناس ، وقيل شيعتاه من الكفار ، وهذا أظهر في معنى هذه الرواية . وفي بعض نسخ المسند ( حيث يطلع قرن الشيطان بين ربيعة ومضر ) ، وفي بعضها ( حيث يطلع قرنا الشيطان بين ربيعة ومضر ) ، وفي صحيح مسلم ( حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر ) ورواية الأصل أظهر في المراد ، وهي مفسرة لقرني الشيطان أنهما ربيعة ومضر .
الباب العاشر
في ذكر الشرك والكفر
ما جاء في إحباط العمل بالشرك
57- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : من أشرك ساعة حبط عمله
----------------------------------------
ذكر هذا الباب عقب باب الإيمان والإسلام إشارة إلى تناقضهما ، فالشرك مناقض للإيمان الذي هو بمعنى التصديق ، والكفر مناقض للإسلام ، وذلك أن الكفر في اصطلاحنا يتناول الشرك وسائر الكبائر ، ويخص ما عدا الشرك من الكبائر بكفر النعمة . (1/119)
صفحة 120
قوله ( من أشرك ساعة حبط عمله ) أي ذهب ثوابه ولم ينتفع به أبداً ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا ) ، والساعة في الحديث عبارة عن أقل زمان يمكن فيه ذلك . وأصل الحبط أن تأكل الإبل شيئاً يضرها فتعظم بطنها فتهلك ، وفي الحديث وإن مما ينبت الربيع ليقتل حبطاً أو يلم ) فسمي بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء بسبب ورود المفسد عليه ، والحديث مطابق لقوله تعالى ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) ولقوله تعالى ( ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ) حيث أن الجميع مصرح بالإحباط . وقد أنكر قوم أهل الضلال ثبوت الإحباط بالمعنى الذي أشرنا إليه وزعموا أن المراد من الإحباط الوارد في كتاب الله هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط ، فإن الآتي بالردة كان يمكن أن يأتي بدلها بعمل يستحق به ثواباً فإذا لم يأت بذلك العمل الجيد وأتى بدله بهذا العمل الرديء الذي لا يستفيد منه نفعاً بل ضراً يقال أنه أحبط عمله أي أتى بعمل باطل ليس فيه فائدة بل فيه مضرة . وهذا كله باطل أما أولاً : فإنه تكلف بلا داع ولا برهان ، وأما ثانياً : فإن قوله تعالى ( فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ) يدل على المحبط غير الارتداد كما أن المسبب غير السبب وكما أن العلة غير المعلول ، وكذا قوله تعالى ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) وكذا حديث الباب
فإن تاب جدّد له العمل .
---------------------------------------- (1/120)
صفحة 121
وسائر الأحاديث أيضاً ، وكذا قوله تعالى ( لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) فإنها دالة على أن العمل المحبط شيء غير الرفع والجهر ، وكذا قوله تعالى ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) وفي الآيتين دليل على إحباط العمل بالكبيرة من الذنوب لأن رفع الصوت والجهر به ليس بشرك إجماعاً ، وكذا المن والأذى وكذلك قوله صلى الله عليه وسلّم في الحديث الآتي ( الرياء يحبط العمل كما يحبطه الشرك ) . (1/121)
صفحة 122
قوله ( فإن تاب جدّد له العمل ) أي أعطي ثواب عمله وغفر له ما سلف فإنه اسلف على ما أسلف من خير ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) والحديث موافق لمفهوم قوله تعالى ( فيمت وهو كافر ) فإنه يدل على أن الإحباط مشروط بالموت على الكفر ، ومفهومه أنه إن تاب فلا إحباط بل يعطى ثوابه ، وكذا قول عائشة رضي الله عنها ( أبلغي زيداً أنه قد أبطل غزوه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأبطل حجه وصلاته وصيامه إن لم يتب ) ، وفي المسألة ثلاثة أقوال أحدها : الأخذ بظاهر هذه الأدلة وهو أن الإحباط مشروط بالموت على الكفر. وثانيها : أن عمله قد بطل ولا ثواب له وإن رجع ، ولا يطالب بإعادة شيء منه إلا في الحج . وثالثها : يبطل عمله وثوابه ويطالب بالإعادة . والذي يظهر لي والعلم عند الله تعالى التمسك بظواهر الأدلة وهو أنه إن تاب جدد له العمل أي أعطي ثوابه ، غير أني أقول عليه إعادة الحج دون سائر الأعمال لأن الحج يجب بالإسلام مرة واحدة وهذا قد أسلم إسلاماً جديداً فيجب عليه في إسلامه هذا أن يحج حجاً مستأنفاً لا لبطلان الحج الأول لكن لتجدد السبب ، فإن الإسلام بني على خمس منها الحج فلا يكون في إسلامه هذا آتياً بأركان الإسلام حتى يحج كما أنه لا يكون آتياً بها حتى يصلي ويصوم ويزكي فهذا من شرط إسلامه الجديد ، ويعطى بمحض الفضل ثواب علمه الأول ، وهذا معنى لم أر من نبّه عليه ولله الحمد على لطيف مواهبه فاشدد به يدا .
58- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله تبارك وتعالى من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا أغنى الشركاء عن الشرك .
---------------------------------------- (1/122)
صفحة 123
قوله ( أشرك فيه غيري ) وذلك كما إذا عمله رياءً أو طلب به غرضاً من أغراض الدنيا مع زعمه أنه يعمله لله فهو يريد به ثواب الله وثاب غيره ، قال جندب بن زهير : يا رسول الله إني لأعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرّني . فقال : إن الله لا يقبل ما شورك فيه ، فنزل قوله تعالى ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) .
قوله ( فهو له كله ) كناية عن رده إليه وأنه لا يثاب عليه بل يقال له خذ أجرك ممن عملت له .
قوله ( وأنا أغنى الشركاء عن الشرك ) هذا الكلام ونحوه جرى مجرى عادة الناس في التخاطب فإنه تعالى غني على الإطلاق لا يشاركه أحد في هذه الصفة ولا في شيء من صفاته عز وجل ، لكن لما جرت عادة الكرماء من الناس أن أغنى الشركاء يعف لأشدهم حاجة خاطبهم النبي صلى الله عليه وسلّم عن ربه تعالى بهذا الخطاب ، وهم يعرفون أن الغرض منه المبالغة في إنكار العمل .
وفي إطلاق الشركاء والشرك في الحديث إشارة إلى أن الرياء يوصف بالشرك كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : اتقوا الشرك الأصغر . قالوا وما الشرك الأصغر ؟ قال : الرياء .
ما جاء في الأسباب التي يكفر بها الإنسان
60- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلّم قالت : من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية .
---------------------------------------- (1/123)
صفحة 124
قوله ( من زعم 000الخ ) هذا قطعة من حديث ذكره في الجزء الثالث من غير هذا الطريق حيث قال أخبرنا بشر عن إسماعيل بن علية عن داؤد بن هند عن الشعبي عن مسروق قال : كنت عند عائشة رضي الله عنها فقالت : ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية ، من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية . قال : وكنت متكئاً فجلست وقلت : يا أم المؤمنين انظري ولا تعجلي ، ألم يقل الله عز وجل ( ولقد رآه نزلة أخرى ) ( ولقد رآه بالأفق المبين ) فقالت : أنا أول هذه الأمة سألت النبي عليه السلام عن ذلك فقال : ذلك جبريل عليه السلام لم أره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين فرأيته وقد هبط من السماء فسدّ جسمه ما بين السماء إلى الأرض ألم تسمع لقوله تعالى ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) قال مسروق : تفسير هذه الآية دليل على ما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول ( ما كذب الفؤاد ما رأى لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) ثم ساق الحديث . وإنكار عائشة كذلك وقع في صحيح مسلك أيضاً ، ومثله عن أبي هريرة وجماعة وهو المشهور عن ابن مسعود وإليه ذهب جماعة من المحدّثين والمتكلمين وهو الحق ، واختار المخالفون غيره فزعموا أنه صلى الله عليه وسلّم رأى ربه ليلة الإسراء ، ورووا عن ابن عباس أنه رآه بعينه ، ومثله رووا عن أي ذر وكعب ، قالوا وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، قالوا وعائشة لم تنف الرؤية بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولو كان معها فيه حديث لذكرته وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات . (1/124)
صفحة 125
والجواب : أما ما رووه عن ابن عباس ومن بعده فلم يثبت عند أهل الحق ولا نقبل ما رواه أهل الحشو في صفات الله ، فقوله ( رآه بعينه أو بعيني رأسه ) معناه أنه علمه بالاستدلال عليه بالأدلة الظاهرة المنظورة بالعين وأراد بالعين البصيرة لا الباصرة وهي عند الحكماء في الدماغ فذلك وجه قوله ( بعيني رأسه ) وهو وإن كان بعيداً لا بد منه عند صحة النقل حسن ظن بقائله . وأما قوله : أن عائشة لم تنف الرؤية بحديث وإنما اعتمدت على الاستنباط فجوابه أن نفيها كان معلوماً عندهم ومن ثم بالغت في الإنكار بقولها ( قد أعظم على الله الفرية ) وذلك غاية التكذيب ، ثم إن ما رووه عن ابن عباس وغيره لم يرفعوه أيضاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فما بالهم قالوا فيه وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقد أثبتوا رؤيته بنفس الظن والاحتمال ولم يقولوا مثل ذلك في كلام عائشة مع أنه مطابق للكتاب العزيز وفيه الحكم على قائل ذلك بالفرية العظيمة مع أن هذا أيضاً يحتاج إلى إثباته من السماع ، ثم إن عائشة رضي الله عنها قد صرّحت أنها أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن معنى الآية التي قالوا في تفسيرها ما قالوا فهي تنقل في معنى الآية تفسيراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فما بالهم عدلوا عن ذلك وفسّروها بالمنقول عن فلان وفلان تفسيراً لم يرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، هذا هروب من الواضح إلى المشكل ومن الصريح إلى الاحتمال فاعتبروا يا أولي الأبصار.
60- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه صلى صلاة الصبح بأصحابه بالحديبية في إثر سماء كان من الليل فلما انصرف من صلاته أقبل على الناس فقال : هل تدرون ما قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم .قال : قال :أصبح من عبادي مؤمن وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب (1/125)
صفحة 126
----------------------------------------
قوله ( بالحديبية ) بالمهملة والتصغير وتخفيف يائها وتثقّل بئر بقرب مكة على طريق جدة دون مرحلة ، ثم أطلق على الموضع ، ويقال بعضه في الحل وبعضه في الحرم ، وهو أبعد أطراف الحرم على البيت ، وقيل سميت بشجرة جدباء هنالك .
قوله ( في إثر ) بكسر الهمزة وسكون المثلثة على المشهور ، وفتحها لغة وهو ما يعقب الشيء .
قوله ( سماء ) أي مطر ، قال الشاعر :
إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا
وإنما سمي بذلك لأنه ينزل من السماء أي الجهة الفوقية .
قوله ( أقبل على الناس ) فيه دليل على أن إقبال الإمام على الناس بعد الصلاة من السنة .
قوله ( هل تدرون ) لفظ استفهام معناه التنبيه ، وهذا من الأحاديث الإلهية فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلّم أخذها عن الله بواسطة الملك أو بدونه وذلك كما يأخذ الملك عن الله تعالى .
قوله ( مؤمن وكافر ) قيل المراد بالكافر المشرك ،وقيل كافر النعمة لرواية أبي هريرة عند مسلم ( قال الله : ما أنعمت على عبيدي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين ) وله في حديث ابن عباس ( أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر) والأول هو الظاهر وعليه كثير من أهل العلم . وكانوا في الجاهلية يظنون أن نزول الغيث بواسطة النوء إما بصنعه على زعمهم وإما بعلامته ، فأبطل الشرع قولهم وجعله كفراً . فإن اعتقد قائل ذلك أن
وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب .
----------------------------------------
للنوء صنعاً في ذلك فكفره كفر شرك ، وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة والعادة وأن المطر كان بفضل الله ورحمته فليس بشرك اتفاقاً ، واختلفوا في كراهته والأظهر كراهته لكنها كراهة تنزيه لا إثم فيها ، وسبب الكراهة أنها كلمة تردد بين الكفر وغيره فيخشى أن يساء الظن بصاحبها ولأنها شعار الجاهلية ومن كان على طريقتهم . (1/126)
صفحة 127
قوله ( بنوء كذا ) النوء بفتح النون وسكون الواو بعده همزة سقوط نجم من المنزل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته في كل ثلاثة عشر يوماً ، وهكذا كل نجم منها إلى انقضاء السنة ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوماً . وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها ، وقال الأصمعي إلى الطالع منها في سلطانه . قال ابن قتيبة : كل النجوم المذكورة لها نوء غير أن بعضها أحمد وأغزر . وفي مغازي الواقدي أن الذي قال في ذلك الوقت مطرنا بنوء الشعراء هو عبدالله بن أبي بن سلول ، والغرض من الحديث رد ما كانت العرب تعتقده أن المطر يحصل بسقوطه أو طلوعه المسمى عندهم نوءاً .
وفي قوله ( مؤمن بالكواكب ) غاية الإنكار على قائل ذلك فهو على حد قوله تعالى ( يؤمنون بالجبت والطاغوت ) .
ما جاء في خبر زيد بن عمرو بن نفيل
61- قال الربيع : قال أبو عبيدة : بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : إن كان زيد بن عمرو
---------------------------------------- (1/127)
صفحة 128
قوله ( إن كان زيد بن عمرو ) بكسر الهمزة وهي المخففة من إن ، واللام في قوله لأول لام التأكيد ، وزيد بن عمرو بن نفيل القرشي العدوي ابن عم عمر بن الخطاب ، فنفيل جدهما ، وابنه سعيد بن زيد من أهل الفضل في الإسلام . ويقال أدركت النبوة من العرب أربعة على الإسلام زيد بن عمرو وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل وعامر بن الظرب العدوي . وفي صحيح البخاري من حديث عبدالله بن عمر ( أن زيد بن عمرو وكان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض ثم يذبحونها على غير اسم الله ) إنكاراّ وإعظاماً له . قال موسى حدثني سالم بن عبدالله ولا أعلمه إلا تحديث به عن ابن عمر أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه فلقي عالماً من اليهود فسأله عن دينهم فقال : إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني . فقال : لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله . قال زيد : ما أفر إلا من غضب الله ، ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً وأنى أستطيعه . فهل تدلني على غيره ؟ قال : ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً . قال زيد : وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله . فخرج زيد فلقي عالماً من النصارى فذكر مثله فقال : لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله . قال : ما أفر إلا من لعنة الله ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئاً أبداً وأنى أستطيعه فهل تدلني على غيره ؟ قال : ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً . قال : وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله . فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام خرج فلما برز رفع يديه فقال : اللهم أني أشهد أني على دين إبراهيم . وقال الليث : كتب إليّ هشام عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائماً مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول : يا معاشر قريش (1/128)
صفحة 129
والله ما منكم على دين إبراهيم غيري . وكان يحي الموؤدة يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته لا تقتلها وأنا
لأول من عاب عليّ عبادة الأصنام والذبح عليها ، وذلك أني أقبلت من الطائف ومعي زيد بن حارثة ومعنا خبز ولحم ،
----------------------------------------
أكفيك مؤنتها ، فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها : إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤنتها .
قوله ( عاب عليّ ) بتشديد الياء أي ذكر عيبها عنده ظاناً أنه من جملة عبّادها لأن قومه كانوا يعبدونها وهو صلى الله عليه وسلّم كان محفوظاً بعناية الله تعالى مسدداً موفقاً . أخرج أبو نعيم في الدلائل وابن عساكر عن علي قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلّم هل عبدت وثناً قط ؟ قال : لا . قالوا : هل شربت خمراً قط ؟ قال : لا ، ما زلت أعرف الذي هم عليه كفر ، وما كنت أدري ما الكتاب والإيمان . وبذلك نزل القرآن ( وما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) . (1/129)
صفحة 130
قوله ( من الطائف ) هي بلاد ثقيف . وزيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عبد ودّ بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد بن اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة . قال ابن الأثير : هكذا نسبه ابن الكلبي وغيره وربما اختلفوا في الأسماء وتقديم بعضها على بعض وزيادة شيء ونقص شيء . قال الكلبي : وأمه سعدى بنت ثعلبة بن عبد عامر بن أفلت من بني معن من طيء ، وكنيته أبو أسامة وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلّم أشهر مواليه وهو حب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، أصابه سبأ في الجاهلية لأن أمه خرجت به تزور قومها بني معن فأغارت عليهم خيل بني القين بن جسر ، فأخذوا زيداً فقدموا به سوق عكاظ ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد فوهبته خديجة للنبي صلى الله عليه وسلّم بمكة قبل النبوة وهو ابن ثمان سنين ، وقيل بل رآه رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالبطحاء بمكة ينادى عليه ليباع ، فأتى خديجة فذكره لها ، فاشتراه من مالها ، فوهبته له عليه الصلاة والسلام فأعتقه وتبناه ، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بينه وبين حمزة بن عبد المطلب ،
وكانت قريش آذت زيد بن عمرو حتى خرج من بين أظهرنا ، فمررت به وأعرضت عليه السفرة فقال : يا ابن أخي أنتم تذبحون على أصنامكم هذه ؟
----------------------------------------
وكان أول الناس إسلاماً ، وفضائله مشهورة ، واستشهد رضي الله عنه بمؤتة من أرض الشام في جمادى من سنة ثمان من الهجرة وقصته مشهورة .
قوله ( وكانت قريش آذت زيد بن عمرو ) أي نالته بالأذى لما خالفهم في طريقتهم وعاب عبادة الأصنام .
قوله ( من بين أظهرنا ) كناية عن الاعتزال عنهم ، فإن الرجل إذا كان بين قوم يصير كأنه بين أظهرهم لإحاطتهم به معنى وإن لم يحيطوا به حساً . (1/130)
صفحة 131
قوله ( فمررت به ) فيه أن خروجه كان للإعتزال عن الأذى ، وكان ذلك بعد رجوعه من الخروج في طلب الدين .
قوله ( وأعرضت عليه السفرة ) بضم السين وعاء من جلد يوعى فيه الطعام ، وأصل السفرة الطعام الذي يصنع للمسافر ثم أطلق على الوعاء مجازاً .
قوله ( يا ابن أخي ) كلمة تستعملها العرب في التخاطب للتلطف .
قوله ( أنتم تذبحون ) بحذف همزة الاستفهام كذا وقع في بعض النسخ ، وذكر بعضهم فيه روايتين أخريين إحداهما ( إنما تذبحون ) بلفظ الحصر أي ليست لكم ذبيحة محللة حيث كانت ذبائحكم كلها للأصنام ، والثانية ( أمما ) على الاستفهام والاستخبار استفهم عنها وكأنه توهم أن ثم ذبائح أخر تذبح لله عز وجل قيل وهذه تكتب ( مم ) بإسقاط الألف لتحقيق الاستفهام فرقاً بينه وبين الخبر ، واعترضه المحشي بأن الصواب إثبات الألف لتكون ما موصولة ، والاستفهام مستفاد من الهمزة .
قوله ( فقلت : نعم ) يحتمل أنه أجاب بذلك ليعرف ما عنده في الذبح على الأصنام ، وهذا الاحتمال ظاهر على نسخة الأصل وهي قوله ( أنتم تذبحون ) لأن السؤال عن فعل الجملة خفيّ على سائر النسخ فإنه يجب أن يكون الجواب مطابقاً للسؤال فيلزم أن يكون ما في السفرة من جملة المذبوح على الأصنام وحينئذ يحتاج الكلام إلى توجيه ليطابق ما
فقلت : نعم . فقال : لا آكلها ، ثم عاب الأصنام والأوثان ومن يطعمها ومن يدنو منها . قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : والله ما دنوت من الأصنام شيئاً
----------------------------------------
تقدم من الرواية عن عليّ ، ويمكن أن يقال أن ذابحها غيره وأن أكلها من الأحكام السمعية وأن حجة السماع لم تبلغه صلى الله عليه وسلّم يومئذ فهي في حقه عفو للبراءة الأصلية ولهذا تجنبها حين سمع من زيد ما سمع . فإن قيل : ما بال زيد بن عمرو تجنبها وعاب من يطعمها وسول الله صلى الله عليه وسلّم قد تزودها . (1/131)
صفحة 132
فالجواب : لم تكن يومئذ رسالة ولا نبوة وإنما هو محض توفيق وتسديد ، وأن زيداً من جملة الموفقين فاهتدى لطول جهاده في الله ما لم يهتد إليه سواه ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) .
قوله ( ومن يطعمها ) الضمير يعود إلى الذبائح التي ذبحت على الأصنام ، وقد أنزل الله تبارك وتعالى تحريمها في قوله ( وما أهلّ لغير الله به ) ( أو فسقاً أهلّ لغير الله به ) .
قوله ( ومن يدنو منها ) أي يقرب منها والضمير يعود للأصنام كناية عن ترك عبادتها وتعظيمها ( تلك حدود الله فلا تقربوها ) .
قوله ( والله ما دنوت من الأصنام شيئاً ) أي دنوّاً والتنكير للتقليل ونيابة شيء عن المصدر من جنس إطلاق العام على الخاص على حد قوله تعالى ( لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا ) وليس في هذا دلالة على أنه كان قبل ذلك يدنو من الأصنام ، بل قال شارح العدل رحمه الله يحتمل الأمرين ، وأقول يصح أن يحمل النفي على التعميم
ليطابق ما تقدم من المنقول عن عليّ ، ويمكن أن يحمل على الحال الذي كان بعد كلام زيد بن عمرو وأن كان قبل ذلك لا يدنو منها توفيقاً وعناية من غير أن يتعمد التجنب والنفرة ، فلما سمع قول زيد بن عمرو انتبه لذلك واعتمد الجفاء والنفرة فيحمل القسم على هذا المعنى ليوافق ظاهر السياق .
حتى أكرمني الله بالنبوة .
قال : وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو ابن أربعين سنة ، وقرن معه إسرافيل ثلاث سنين ولم يكن ينزل عليه شيء ، ثم عنه إسرافيل وقرن معه جبريل عليه السلام فنزل عليه بالقرآن
----------------------------------------
قوله ( حتى أكرمني الله بالنبوة ) فيه دليل على أن النبوة كرامة من الله تعالى وأنها لا تحصل بالكسب وهذا إجماع من أهل الإسلام وإن خالف فيه بعض الملحدين ، قال بعضهم :
ولم تكن نبوة مكتسبة ولو رقى في الخير أعلى عقبة (1/132)
صفحة 133
قوله ( قال وبعث ) أي أرسل فالبعثة هي الإرسال ، والظاهر أن هذا القائل هو ابو عبيدة أخذاً عمن لقيه من الصحابة أو من الثقات عن الصحابة .
قوله ( وهو ابن أربعين سنة ) وقيل وأربعين يوماً ، وقيل وعشرة أيام ، وقيل وعشرين ، وذلك يوم الأثنين لسبع عشرة خلت من رمضان ، وقيل لسبع ، وقيل لأربع وعشرين ليلة ، وقال ابن عبد البر : يوم الأثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الفيل ، وقيل في أول ربيع . والسر في ذلك أن في هذا السن يكمل العقل وتتناهى القوى فهو غاية الاعتدال ، وأن الوحي أمر عظيم خارج عن المعتاد وتحمل الرسالة أمر ثقيل وسياسة العالم على وفق المصالح الدينية والدنيوية شيء كبير لا سيما مع نفرتهم وشدة عتوهم فلهذا اختار الله هذا الوقت للبعثة .
قوله ( وقرن معه إسرافيل ) أي يحفظه ويسدده ، وثبت عند قومنا في الطرق الصحاح عن عامر الشعبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم وكّل به إسرافيل فكان يترآءى له ثلاث سنين يأتيه بالكلمة من الوحي والشيء ، ثم وكّل به جبريل فجاء بالقرآن .
قوله ( ولم يكن ينزل عليه شيء ) يعني من القرآن بدليل قوله بعد ( فنزل عليه القرآن عشر سنين بمكة ) فلا ينافي ما تقدم في حديث عامر الشعبي أن إسرافيل يأتيه بالكلمة من الوحي والشيء .
عشر سنين بمكة وعشر سنين بالمدينة ، فمات رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو ابن ثلاث وستين سنة .
---------------------------------------- (1/133)
صفحة 134
قوله ( عشر سنين بمكة ) لأن مدة إقامته صلى الله عليه وسلّم بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة سقط منها الثلاث التي قرن معه فيها إسرافيل عليه السلام ، وهذا يخالف ما ذكره السيوطي في الإتقان في نزول القرآن منجّماً في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين على حسب الخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلّم بمكة بعد البعثة ، ويمكن الجمع بأن أول ما نزل عليه جبريل نزل ببعض القرآن وهو ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم ) وأنه انقطع عنه بعد ذلك وقرن معه إسرافيل حتى مضت الثلاث فلم يعتبروا المدة التي فتر فيها الوحي .
ما جاء في أن رأس الكفر نحو المشرق
62- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى اله عليه وسلّم : رأس الكفر نحو المشرق ، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل ، والجهل في الفدّادين أهل الوبر ،
----------------------------------------
قوله ( رأس الكفر نحو المشرق ) المراد برأس الكفر معظمه وشدته ، وقيل في ذلك إشارة إلى شدة كفر المجوس لأن مملكة فارس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة وكانوا في غاية القوة والتكبر والتجبر حتى مزّق ملكهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلّم واستمرت الفتن من قبل المشرق . وقيل : يحتمل أن يريد فارساً وأن يريد نجداً ، و( قوله نحو المشرق ) بنصب نحو لأنه ظرف وهو خبر المبتدأ نحو زيد خلفك .
قوله ( والفخر ) هو ادعاء العظمة والكبر والشرف ، ومنه ينشأ الإعجاب بالنفس .
قوله ( والخيلاء ) بضم المعجمة وفتح التحتية والمد ، وقيل بضم المعجمة وكسرها أيضاً هو الكبر والإعجاب بالنفس معاً ، وإنما كان الفخر والخيلاء في هؤلاء لأنهما أعز شيء عند العرب فمن ثم قال المتنبي :
أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب (1/134)
صفحة 135
قوله ( والجهل في الفدّادين ) بتشديد الدال جمع فدّاد ، وهو من يعلو صوته في إبله وخيله وحرثه ونحو ذلك ، والمراد به في الحديث رعاة الإبل لقوله أهل الوبر ، وإنما كان الجهل في هؤلاء لأن همتهم رعي ماشيتهم فهم لا يدرون ما الكتاب ولا الإيمان ، والفخر والخيلاء في من قبلهم لأنهم أصحاب الخيل والإبل وهم أهل التصرف فيها والمختصون بركوبها .
قوله ( أهل الوبر ) بفتحتين عبارة عن البدو لأنهم المختصون بذلك دون غيرهم ، ويعبر عن الحضر بأهل المدر لأنهم مختصون به بناءً وحرثاً ، وأصل الوبر شعر الإبل ، والمدر الطين
والسكينة في أهل الغنم .
----------------------------------------
قوله ( والسكينة ) هي الطمأنينة والسكون والوقار والواضع ، وإنما خص أهل الغنم بذلك لأنهم غالباً دون أهل الإبل في التوسع والكثرة وهما سبب الفخر والخيلاء كذا قيل ، ويحتمل أنها خصوصية في الغنم لأنها بركة وخير ، وقيل أراد بأهل الغنم أهل اليمن لأنها غالب مواشيهم ، وعلى هذا فيحتمل أن يريد بأهل الخيل والإبل ربيعة ومضر فيكون هذا الحديث مطابقاً للحديث في الباب المتقدم في باب الإيمان ، والله أعلم .
ما جاء في من قال لأخيه يا كافر
63- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : من قال لأخيه : يا كافر . فقال له : أنت الكافر .
----------------------------------------
قوله ( من قال لأخيه ) يعنس المسلم لقوله تعالى ( وإخوانكم في الدين ) ، والناس يومئذ صنفان مسلم وكافر وثالث أظهر الإسلام وأخفى الشرك وهو المنافق تستر بالإسلام فهو في حكم المسلمين في الحياة الدنيا ولله السرائر . فمن قال لأخيه الذي على دينه يا كافر فقد رماه بكبيرة تقتضي الخروج عن الاستقامة إما إلى الشرك وإما إلى الفسق وكلاهما لا يصح أن ينسب لمسلم . (1/135)
صفحة 136
والكفر كفران أحدهما كفر شرك والآخر كفر نعمة ، فإن حملنا الحديث على كفر النعمة كان وجهه ظاهرا لأن رمي المسلم بالكفر كبيرة وهي كفر النعمة وسباب المؤمن فسوق ، ولهذا قال الربيع رحمه الله تعالى : استحق اسم الكفر لقوله يا كافر . وإن حملناه على معنى الشرك كان مشكلاً جداً .
ولمّا كان الكفر في اصطلاح القوم خاصاً بالشرك أشكل عليهم معنى الحديث فعدّه بعضهم من المشكلات من حيث أن ظاهره عندهم غير مراد ، وذلك لأن المسلم لا يكفر عندهم بنحو القتل والزنا ، وكذا قوله لأخيه كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام . وتأوله آخرون فحمله بعضهم على المستحل لذلك .
وبعضهم قال معناه : رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصيته بتكفيره .
وحمله بعضهم على الخوارج المكفرين للمؤمنين وهم الأزارقة والصفرية وهذا الوجه نقله القاضي عياض عن مالك بن أنس وضعّفه النووي في شرح مسلم بأن المذهب الصحيح أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع .
وقال بعضهم : معنى الحديث أن ذلك يئول به إلى الكفر وذلك أن المعاصي بريد الكفر ويخاف على المكثر منها سوء العاقبة .
وقال بعضهم : معناه فقد رجع عليه تكفيره فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير لكونه جعل أخاه المؤمن كافراً وهما شركاء في الإيمان فكأنه كفّر نفسه .
فقد باء أحدهما بالكفر والبادي أظلم .
قال الربيع : استحق اسم الكفر دون صاحبه لقوله يا كافر .
----------------------------------------
هذه أقوالهم في تأويل الحديث وكلها ناشئة من مخالفة الحديث لمذهبهم واصطلاحهم في تخصيص الكفر بالشرك ولو حملوه على كفر النعمة كما حملناه عليه لهان الخطب واتضح المعنى وانتفى التكلف ، وقد احتاجوا إلى إثبات كفر النعمة في مواضع من تفسير الأحاديث فلو جعلوا هذا الموضع منها ما غاروا وأنجدوا . (1/136)
صفحة 137
قوله ( فقد باء ) أي رجع ، والمعنى أن المسلمين إذا تسابا بالكفر أو بما يقتضيه فلا بد من كفر أحدهما لأنه إما أن يكون الأول صادقاً أو كاذباً ، فإن كان صادقاً فردها إليه كفر ، وإن كان كاذباً فصدورها منه كفر ، ولابد من كفر أحدهما ، وقد يكفران معاً بما إذا تجاوز الراد الإنصاف فرد عليه بما لا يحل شرعاً أو تسابا بالزنا أو بالشرك .
قوله ( والبادي أظلم ) أي أشد ظلماً ، وهذا إنما يظهر في ما إذا كفرا معاً بذلك ووجه كونه أظلم لأنه السبب لضلالهما ، ويمكن أن يحمل على ما إذا اختفى حال الصادق منهما فإن اللوم يرجع على البادي منهما فهو أظلم حكماً شرعياً لأنه كان يمكنه أن لا يسب أخاه ، وهذا معنى كلام الربيع رحمه الله تعالى في قوله : استحق اسم الكفر دون صاحبه لقوله يا كافر.
ما جاء في إحباط العمل بالرياء
64- أبو عبيدة قال : بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : الرياء يحبط العمل كما يحبطه الشرك .
----------------------------------------
قوله ( الرياء ) هو العمل لغير الله تعالى ، وقد كثر الوعيد عليه في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام ، قال تعالى ( الذين هم يراءون ويمنعون الماعون ) .
قوله ( يحبط العمل ) أي يبطل ثوابه لأنه كبيرة من كبائر الذنوب ، وقد تقدم أن الكبائر محبطة للعمل كما يحبطه الشرك ، ومصداق ذلك في قوله تعالى ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ) الآية . وقوله تعالى ( لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) . وإنما خص الرياء بالذكر لخفائه في الإنسان ، أو لأن العمل معه يحتاج إلى الإعادة لاختلال شرط صحته وهو النية لقوله تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له لدين ) ، والمرائي غير مخلص ، ومن عمل عملاً أشرك فيه غير الله فهو له . (1/137)
صفحة 138
قوله ( كما يحبطه الشرك ) هذا تنظير للمحبط بالمحبط ، والمعنى أن الرياء محبط كالشرك الأكبر فقد شابهه في هذه الصفة كما شابهه في كونه عملاً لغير الله . قال عليه السلام ( اتقوا الشرك الأصغر . قالوا وما الشرك الأصغر ؟ قال : الرياء ) سمّاه شركاً أصغر لهذا المعنى وهو أنه أريد به غير الله تعالى .
الباب الحادي عشر
في الحب
----------------------------------------
قوله ( في الحب ) بضم الحاء بمعنى المحبة ، وهي ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه بحيث يحملها على ما يقربها إليه . والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله عز وجل ، وأن كل ما يراه كمالاً من نفسه أو من غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبه إلا لله وفي الله ، وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه ، ولذلك فسّرت المحبة بإرادة الطاعة وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلّم والحرص على طاعته ، هذا وجه محبة العبد لربه ، ولا يصح أن تفسر بحب نفس الذات لأن الذات العلية لا يمكن تصورها . وتعلق المحبة بالذات فرع التصور .
وأما محبة الله لعبده : فهي إرادة الخير له وهدايته وإنعامه عليه ورحمته ، وقيل محبته ثوابه ورضاؤه وإيصال الخير إليه ، فعلى الأول تكون المحبة من صفات الذات لأنها داخلة تحت الإرادة ، وتكون على التفسير الثاني صفة فعل .
هذا أقصى ما يمكن الخوض فيه من معنى المحبة في هذا الموضع على قدر فهم العباد . ونحن نؤمن بما وراء ذلك ، ونعترف له تعالى بالعجز عن إدراك صفاته .
وأما البغض : فنقيض المحبة . فبغضه تعالى للعبد إرادته عقابه وشقوته ونحو ذلك ، وعلى هذا فهو صفة ذات ، وأما على القول الثاني فبغضه عقوبته وإيصال المكروه . (1/138)
صفحة 139
وأما حب جبريل والملائكة عليهم السلام : فيحتمل وجهين أحدهما الاستغفار له ودعاؤهم والثناء عليه ، والوجه الثاني على ظاهره وهو المعنى المعروف من الخلق وهو ميل القلب إليه واشتياقهم إلى لقائه ، وبغضهم على ضد ذلك في الوجهين معا.
وأما موضع القبول له في الأرض : فهو الحب في قلوب الناس ورضاؤهم عنه وثناؤهم عليه .
ما جاء في حب الله لعباده
65- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : إذا أحب الله عبداً قال : يا جبريل إني قد أحببت عبدي فلاناً فأحببه فيحبه جبريل عليه السلام ، ثم ينادي في أهل السماء إلا إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض ، وإذا أبغض الله عبداً فمثل ذلك .
--------------------------------------------
قوله ( إذا أحب الله عبداً 000الخ ) نص الحديث عند قومنا : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : إذا أحب الله عبداً نادى جبريل أني قد أحببت فلاناً فأحبه فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قول الله ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) ، وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل أني قد أبغضت فلاناً فينادي في أهل السماء ثم ينول له البغضاء في أهل الأرض . (1/139)
صفحة 140
وعن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : إن العبد ليلتمس مرضاة الله فلا يزال كذلك فيقول الله لجبريل إن عبدي فلاناً يلتمس أن يرضيني فرضائي عليه فيقول جبريل رحمة الله على فلان فيقوله حملة العرش ويقوله الذين يلونهم حتى يقوله أهل السموات السبع ثم يهبط إلى الأرض ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : وهي الآية التي أنزل الله في كتابه ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) ، وإن العبد ليلتمس سخط الله فيقول الله يا جبريل إن فلاناً يسخطني ألا وإن غضبي عليه فيقول جبريل غضب الله على فلان ويقوله حملة العرش ويقوله من دونهم حتى يقوله أهل السموات السبع ثم يهبط إلى الأرض نعوذ بالله من غضبه . وفي قوله فرضائي عليه وغضبي عليه دليل على أنهما من صفات الفعل ، وفي قول جبريل والملائكة رحمة الله عليه وقولهم غضب الله عليه دليل على أن حب الملائكة الدعاء بالخير وبغضهم الدعاء بالشر ، ولا يبعد أن يكون حبهم وبغضهم مسلتزماً للأمرين الحال القلبي والدعاء كما كان في إخوانهم المؤمنين ، وفي تقديم جبريل في هذا الحديث دليل على كمال شرفه وقربه من الله تعالى وفضله على حملة العرش وغيرهم .
ما جاء في المتحابين في الله
66- ومن طريق أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة أين المتحابون لأجلي اليوم أظلهم في طلي يوم لا ظل إلا ظلي .
----------------------------------------
قوله ( أين المتحابون لأجلي اليوم أظلهم في طلي يوم لا ظل إلا ظلي ) وقوله في حديث معاذ ( الآتي ) ( وجبت محبتي للمتحابين فيّ 00الخ ) في هذين الحديثين الإلهيين فضل المحبة في الله تعالى وهي المعروفة عندنا بالولاية أخذاً من قوله تعالى ( المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) .
قال البراء بن عازب قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : ( أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ). (1/140)
صفحة 141
وقال ابن عباس : حب في الله ، وأبغض في الله وعاد في الله ووال في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك ثم قرأ ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ) الآية .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : أوحى لنبي من الأنبياء أن قل لعبدي فلان أما زهدك في الدنيا فتعجلت راحة نفسك ، وأما انقطاعك إليّ فقد تعززّت بي ، فماذا فعلت في مالي عليك ؟ قال : يا رب ومالك عليّ ؟ قال : هل واليت لي ولياً أو عاديت لي عدوا ؟ .
وفي حديث وائلة بن الأسقع عند الحكيم الترمذي ( يقول الله تبارك وتعالى وعزتي لاينال رحمتي من لم يوال أوليائي ويعاد أعدائي ) .
وهذه العداوة هي المعروفة عندنا بالبراءة أخذاً من قوله تعالى ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ) ، وقوله تعالى ( فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) فالولاية والبراءة ثابتتان بنص الكتاب والسنة . وقد أطال أئمة المذهب في تفصيلهما لكثرة الأحداث الواقعة واختلاف القضايا وتشعب الدعاوى وتقلب الأحوال . وفرض المكلف من هذا كله حصول المحبة لأهل طاعة الله تعالى والبغض لأهل معصيته إجمالاً وتفصيلاً في المشاهدين بأعيانهم ولا يلزمه البحث عما سلف ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ) فإذا انتهى إليه العلم عن طريق الشهرة الصادقة بطاعة شخص بعينه ممن سلف وجبت عليه محبته بعينه وإلا فالجملة كافية ، وكذا القول في البراءة ، ولا يلزم تكرار ذلك بل يكفي فيه استحضار محبته عند ذكره إن كان مطيعاً واستحضار بغضه عند ذكره إن كان عاصيا . (1/141)
صفحة 142
وغاية الأمر أن الواجب من الولاية والبراءة شيء مركوز في ذهن كل مؤمن فهو ملازم للإيمان يدور معه حيث دار يقوى بقوته ويضعف بضعفه ، فكما أن حب الطاعة للمؤمن ضروري فكذلك حب المطيع ضروري أيضاً ، وكذا القول في العصية والعاصي ، وما فوق ذلك من البحث عن الأحوال وأحكامها والأحداث وأيامها فلا يلزم أحداً أبدا كما أطال فيه الشيخ أبو سعيد رحمة الله عليه .
67- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : يقول الله تبارك وتعالى وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ والمتزاورين فيّ والمتدالّين فيّ .
----------------------------------------
قوله ( عن معاذ بن جبل ) بن عمرو بن أوس بن عائذ الأنصاري الخزرجي ثم الجشمي ، وقد نسبه بعضهم في بني سلمة . قال الكلبي : هو من بني أدى ، قال : ولم يبق من بني أدى أحد ، وعدادهم في بني سلمة وآخر من بقي منهم عبد الرحمن بن معاذ مات في طاعون عمواس بالشام ، وقيل مات قبل أبيه معاذ ، فعلى هذا يكون معاذ آخرهم وهو الصحيح . وكان معاذ يكنى أبا عبد الرحمن ، وهو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار ، وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بينه وبين عبدالله بن مسعود ، وكان عمره لما أسلم ثمان عشرة سنة ، وأرسله صلى الله عليه وسلّم إلى اليمن فلم يزل بها حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وتوفي رضي الله عنه في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة ، وقيل سبع عشرة والأول أصح ، وكان عمره ثمانياً وثلاثين سنة ، وقيل ثلاث وقيل أربع وثلاثون . قوله ( للمتحابين فيّ ) أي لأجلي وهو الذين لا يطلبون بمحبتهم حظاً عاجلاً ولا عرضاً قريباً ، وإنما يحب بعضهم بعضاً لرضاء ربهم حيث كانوا جميعاً على طاعته ، وكذا القول في المتجالسين فيّ والمتزاورين فيّ 00الخ ، فإن ( فيّ ) هذه للتعليل . (1/142)
صفحة 143
( والمتجالسين ) هم الذين يجلس بعضهم عند بعض للتذكير والتخويف وبيان الحق وللمودة في الله فإن الأرواح أجناد مجندة ، والتزاور التواصل .
( والمتدالّين ) هم الذين يستدل بعضهم على بعض فيما جرت العادة بالإدلال في مثله بين الأخوة في الدين ، وفيه أن الإدلال من السنة وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلّم عند أبي الهيثم وأم هانئ وجاء به الكتاب العزيز في قوله ( أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً ) وعليه سلف السلف الصالح رضوان الله عليه . وفي نسخة ( المتأدبين فيّ ) مكان ( المتدالّين فيّ ) ، وفي نسخة أخرى بالجمع بينهما .
( والمتأدبين ) هم الذين يفعلون مع بعضهم بعض ما تقتضيه أوامر الشرع من محاسن الأخلاق ويتركون سفاسف الأمور .
وقد اشتمل الحديث على محاسن الدين والدنيا ، وعلى الأحوال الظاهرة والباطنة ، ومحاسن الحركات والسكنات ، والأحوال البدنية والمالية كما يلوح ذلك لعين من يبصر الحقائق .
ما جاء في حب العبد لقاء ربه
68- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : قال الله عز وجل : إذا أحب العبد لقائي أحببت لقائه ، وإذا كره العبد لقائي كرهت لقاءه .
---------------------------------------- (1/143)
صفحة 144
قوله ( إذا أحب العبد لقائي أحببت لقاءه ) المراد بلقاء الله الرجوع إليه المذكور في قوله تعالى ( وإليه ترجعون ) ، وقوله حكاية عن المؤمنين ( قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) . والرجوع إليه هو النقل من دار الفناء إلى دار البقاء وباب ذلك الموت . قال ابن المبارك عن عبدالله بن عبيدالله قال : قال رجل : يا رسول الله مالي لا أحب الموت ؟ قال : هل لك مال فقدّم مالك بين يديك فإن المرء مع ماله إن قدّمه أحب أن يلحقه وإن خلّفه أحب أن يتخلف معه . وروى الأصبهاني في الترغيب عن أنس : إن حفظت وصيتي فلا يكوننّ شيء أحب إليك من الموت . وروى الديلمي عن السيد الحسين : الموت ريحانة المؤمن .
وفي حديث جابر : الموت تحفة المؤمن ، والدراهم والدنانير ربيع المنافق وهما زاداه إلى النار .
قوله ( إذا كره عبدي لقائي كرهت لقاءه ) ولا يكره لقاء الله إلا من ساء عمله . ومن كره لقاء الله كره الموت لنه أول اللقاء ، ومن كره الموت فقد شابه اليهود في حرصهم على الحياة وذلك بسوء أعمالهم قال تعالى ( ولا يتمنونه أبداً بما قدّمت أيديهم ) أي بما فعلوه من التكذيب والإصرار على العناد .
قال قتادة : إن سوء العمل يكره الموت شديداً . ووجه ذلك أنه لم يقدّ لما بعده وإنما عمل لدنياه فهو يحب البقاء فيها ، وليس من ذلك ما يجده المؤمن من الوحشة والفزع عند حضور الأجل فإن هذا أمر طبيعي جبلت عليه النفوس فهو نظير كراهة الدواء والكي لمن علم أن في ذلك شفاء علته والله أعلم .
ثم رأيت للحديث تفسيراً غير هذا ، وهو أن الشيخين زادا في حديث عبادة فقالت عائشة : إنا لنكره الموت . قال صلى الله عليه وسلّم : ليس ذاك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه ، وإن الكافر إذا حضر بشّر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه . (1/144)
صفحة 145
وهذا التفسير أولى مما قبله لأنه عن صاحب الشرع وهو اعلم بمعنى كلام ربه تعالى والله أعلم .
الباب الثاني عشر
في القدر والحذر والتطير
قوله ( في القدر 00الخ ) أما الحذر بفتحتين مصدر حذر بالكسر كفرح فرحاً ، والاسم الحذر بكسر فسكون قال تعالى ( وخذوا حذركم ) والمراد أخذ الأهبة والتيقظ لمكائد العدو ، وذكره في الترجمة مع أنه لم يصرح به في شيء من أحاديث الباب إشارة إلى أنه لا ينافي القدر ن وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا مر بهدف مائل أسرع المشي فقيل يا رسول الله أتفر من قضاء الله ؟ قال : أفر من قضاء الله إلى قدره .
وأما ( التطير ) فهو التشاؤم ، يقال تطيرت من الشيء وبالشيء ، والاسم الطيرة كعنبة وهو ما يتشاءم منه من الفال الرديء ولم يصرح بها في شيء من أحاديث الباب ، ولعل المرتب أشار إلى ما ثبت عند قومنا في رواية الحديث الذي أرسله أبو عبيدة وهو قوله ( لا هامة ولا عدوى ولا صفر ) فإنه عند قومنا ( لا هامة ولا طيرة ) ويمكن أنه أشار إلى ثبوت النهي عن ذلك وصحته وإن لم يخرجه الربيع رضوان الله عليه ، أو أنه أشار إلى دخول النهي عنها في قوله صلى الله عليه وسلّم ( كل شيء بقضاء وقدر ) وقوله ( تعلم أن ما أخطاك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطاك ) . قال الشاعر :
طيرة الناس لا ترد قضاء فاعذر الدهر لا تعبه بلوم
أي يوم تخصه بسعود والمنايا تنزل في كل يوم
ليس يوم إلا وفيه سعود ونحوس تجري لقوم وقوم (1/145)
صفحة 146
وكانت الفرس أكثر الناس طيرة ، وكانت العرب إذا أرادت سفراً نفرت أول طائر تلقاه فإن طار يمنة سارت وتيمنت ، وإن طار يسرة رجعت وتشاءمت فنهى النبي صلى الله عليه وسلّم عن ذلك وقال ( أقروا الطير في وكناتها ) ، وحكى عكرمة عن ابن عباس أنه مر به طائر يصيح فقال له رجل جالس عنده : خير . قال ابن عباس : لا خير و لا شر .والطيرة من ذرائع الحرمان فيجب اطّراحها وصرف النفس عنها وإن عارضته فليقل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم ( اللهم لا يأت بخير إلا أنت ، ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وجاء عنه عليه الصلاة والسلام ( كفارة الطيرة التوكل على الله ) . ويقال الخيرة في ترك الطيرة .
ما جاء في أن الأشياء بقضاء وقدر
69- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس .
----------------------------------------
قوله ( كل شيء بقضاء وقدر ) القضاء إيجاد جميع الكائنات إجمالاً في اللوح المحفوظ وفي علم الله تعالى ، والقدر إيجادها تفصيلاً في المواد الخارجية واحداً بعد آخر ، قال تعالى ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) .
وقيل : القضاء هو الحكم من الله تعالى والأمر أولاً ، والقدر هو التقدير والتفصيل بالإظهار والإيجاد .
وقيل : القضاء عبارة عن وجود جميع المخلوقات في الكتاب المبين واللوح المحفوظ مجتمعة مجملة على سبيل الإبداع ، والقدر عبارة عن وجودها مفصلة منزلة في الأعيان بعد حصول الشرائط .
ومؤدى العبارات واحد .
قوله ( حتى العجز والكيس ) قال القاضي : رويناه برفع العجز والكيس عطفاً على كل وبجرهما عطفاً على شيء .
قال : ويحتمل أن العجز هنا على ظاهره وهو عدم القدرة ، وقيل هو ترك ما يجب فعله والتسويف به وتأخيره عن وقته .
قال : ويحتمل العجز عن الطاعات ، ويحتمل العموم في أمور الدنيا والآخرة . (1/146)
صفحة 147
والكيس ضد العجز وهو النشاط والحذق بالأمور ومعناه أن العاجز قد قدر عجزه والكيس قدر كيسه .
ولما رجع علي بن أبي طالب من صفّين سأله شيخ فقال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء وقدر ؟ قال : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطئنا موطئاً ولا هبطنا وادياً ، ولا علونا تلعة إلا بقضاء وقدر . قال الشيخ : احتسب عنائي ، والله ما أرى لي من الأجر شيئا . فقال له علي : بل يا أيها الشيخ فقد عظّم الله أجركم في مسيركم وأنتم سائرون ، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ، ولا إليها مضطرين . فقال الشيخ : كيف لم نكن مضطرين والقضاء والقدر ساقنا ، وعنهما كان مسيرنا وانصرافنا ؟ فقال علي : ويلك أيها الشيخ لعلك ظننت قضاء لازماً وقدرأً حاتماً ؟ لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ، والوعد والوعيد والأمر والنهي ، ولم تكن لائمة لمذنب ، ولا محمدة لمحسن ، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء ، ولا المسيء أولى بالذم من المحسن ، تلك مقالة عبدة الأوثان ، وجند الشيطان وخصماء الرحمن ، وشهود الزور ، وأهل العمى عن الصواب ، وهم قدرية هذه الأمة ومجوسها ، إن الله أمر تخييراً ، ونهى تحذيراً ، وكلّف يسيراً ، ولم يعص مغلوباً ، ولم يطع مكرهاً ، ولم يرسل الرسل عبثاً ، ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً ، ذلك ظن الذين كفروا فويل للكافرين من النار ، فنهض الشيخ مسروراً وهو يقول شعراً :
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته يوم النشور من الرحمن رضوانا
أوضحت من ديننا ما كان ملتبساً جزاك ربك عنّا فيه إحسانا
ما جاء في الإيمان بالقدر
70- قال الربيع : بلغني عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : إنك لن تجد ولن تؤمن وتبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله .
---------------------------------------- (1/147)
صفحة 148
قوله ( لن تجد ) أي لن تظفر بمطلوبك من الإيمان ، أو لن تتمكن من الإيمان حتى تعلم خير القدر وشره . والوجود على وجوه منها : وجود العقل أو بواسطة العقل كمعرفة الله تعالى أو معرفة النبوة ، ومن هذا الوجه هذا الحديث فإنه فسّره بالعلم بخير القدر وشره . والوجه الثاني : أنه يعبر به عن التمكن من الشيء نحو ( حيث وجدتموهم ) . والوجه الثالث : وجود بإحدى الحواس الخمس نحو وجدت زيداً ووجدت طعمه ووجدت صوته ووجدت خشونته . والوجه الرابع : وجود بقوة الشهوة نحو وجدت الشبع . والوجه الخامس : وجود بقوة الغضب كوجد الحزن والسخط .
قوله ( لن تؤمن وتبلغ حقيقة الإيمان ) أي لن تصل إلى حقيقته الواجبة شرعاً إلا بذلك ، لأن الإيمان بالقدر جزء من الإيمان الكلي ، وإذا انتفى جزء من الحقيقة انتفت الحقيقة كلها . وعند أحمد من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطأه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه .
قوله ( حتى تؤمن بالقدر خيره وشره ) أي حتى تصدّق أن ذلك كله من الله تعالى ، وأنه ليس للعبد فيه إلا الكسب ، فالبكسب يثاب وعليه يعاقب ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) .
وقال رجل لجعفر بن محمد : العباد مجبورون ؟ فقال : إن الله تعالى هو أعدل من أن يجبر خلقه على المعاصي ثم يعاقبهم عليها . قال : فمفوض إليهم ؟ قال : هو أعز من أن يكون لأحد في ملكه سلطان . قال : وكيف هو ؟ قال : أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض .
قال : قلت يا رسول الله كيف لي أن أعلم خير القدر وشره ؟
---------------------------------------- (1/148)
صفحة 149
وسئل ابن عباس عن القدر ؟ فقال : الناس فيه على ثلاث منازل : من جعل للعبد في الأمر مشيئة فقد ضاد الله في أمره ، ومن أضاف إلى الله الأشياء مم ينزه عنه فقد افترى على الله عظيما ، ورجل قال إن رحمت فبفضل الله فذلك الذي يسلم له دينه ودنياه ولم يظلم الله في خلقه ولم يجهله في حكمه .
وذكر أن وفد نجران قالوا للنبي صلى الله عليه وسلّم : يكتب الله علينا الذنب ثم يعذبنا . فقال صلى الله عليه وسلّم : أنتم خصماء الله . وعنه صلى الله عليه وسلّم أنه قال : سيكون لهذه الأمة قوم يعملون بالمعاصي ثم يقولون هي من الله قضاء وقدر فإذا لقيتموهم فأعلموهم أني برئ منهم .
فإن قيل : أليس يعذب الله على القدر ؟
فالجواب : إنما يعذب على المقدور ، الفرق بينهما أن القدر فعل الله والمقدور هو فعل العبد ، وقال الله تعالى ( وكان أمر الله قدراً مقدورا ) وهي مسألة أبي عبيدة مع واصل بن عطاء ، وكذا القول في القضاء فإنه تعالى لا يعذب على القضاء وإنما يعذبهم على المقضيّ ، فالأول فعل الله وهو امضاؤه الشيء وحكمه به حكماً جازماً ، والثاني فعل العبد أي كسبه لما قضاه الله في الأول .
قوله ( كيف لي أن أعلم ) كأنه استبعد الإيمان بالقدر الذي هو من غيب الله تعالى وذلك الإيمان فرع العلم ، إذ لا يتصور الإيمان بالشيء إلا بعد إدراكه جملة وتفصيلا ، فمن ثم قال له رسول الله : تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطأك 00الخ .
فإن قيل : مدح الله تعالى الذين يؤمنون بالغيب ، وقد أوجب الإيمان به وهذا ينافي ما ذكرتم .
فالجواب : إن الواجب من الإيمان إنما هو تصديق الرسل في ما أخبروا به عن الله عز وجل من صفاته وأحكامه في الدنيا والآخرة ، وفي ما أخبروا به من الوقائع الماضية والمستقبلة وهذا عين العلم بالشيء حيث أخذوه من لسان الصادق المصدوق ، ومن ذلك جوابه صلى الله عليه وسلّم لعبادة في هذا الحديث والمنافي للإيمان الجهل بنفس الشيء فإن (1/149)
صفحة 150
قال : تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطأك ، فإن مت على غير ذلك دخلت النار .
----------------------------------------
عبادة لم يعلم كيف يؤمن بنسبة الخير والشر إلى الله تعالى فسأل مسترشداً ولوّح في السؤال بالاستبعاد حتى يبين له في الجواب بما يدفع المستراب .
قوله ( تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك 00الخ ) هذا مطابق لقوله تعالى ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) . وعند الترمذي من حديث عبدالله بن عباس من الكلمات التي علّمها إياها رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال ( واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف )قال الترمذي : حسن صحيح . وعند غير الترمذي ( واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطأك ) .
قال مسلم بن يسار : الكلام في القدر واديان عريضان يهلك الناس فيهما لا يدرك عرضهما فاعمل عمل رجل يعلم أنه لا ينجيه إلا عمله ، وتوكل توكل رجل يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله .
وقال مطرف : ليس لأحد أن يصعد فوق بيت فيلقي نفسه ثم يقول قدّر لي ولكن نتقي ونحذر فإن أصابنا شيء علمنا أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا .
قوله ( دخلت النار ) لأن الميت على غير ذلك ميت على غير الإسلام والعياذ بالله تعالى وذلك لأنه لم يبلغ حقيقة الإيمان ومن لم يبلغ حقيقة الإيمان فليس بمؤمن .
ما جاء في الهامة والعدوى والصفر
71_ أبو عبيدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : لا هامة ولا عدوى ولا صفر . (1/150)
صفحة 151
قال الربيع : لا عدوى أي يتحول شيء من المرض إلى غيره فيعدو .ولا هامة كان أهل الجاهلية يقولون إذا مات الإنسان خرجت من رأسه هامة وهي التي تقتله ز ولا صفر كانوا في الجاهلية يحرمون شهر صفر عاماً ويحرمون شهر محرم عاماً فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلًم عن ذلك كله . وقال آخرون : إذا مات أحد في الجاهلية به صفر وهي التي تقتله فنهى النبي صلى الله عليه وسلّم عن ذلك .
----------------------------------------
قوله ( لا هامة ) بتخفيف الميم .
وقوله ( لا عدوى ) بفتح العين المهملة اسم من الإعداء كالرعوى والبقوى من الإرعاء والإبقاء .
قوله ( ولا صفر ) بفتح الصاد والفاء .
اعلم أن للعرب في جاهليتها أموراً تزعمها لا حقيقة لها جاء الشرع بنفيها في مواضع منها : الهامة زعموا أنها طائر يخرج من رأس المقتول فيصيح اسقوني فإني عطشان إلى أن يؤخذ بثأره .
وقيل : كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة تقول اسقوني ، فإذا أدرك بثأره طارت .
وقيل : كانوا أن عظام الميت وقيل روحه تصير هامة فتطير ويسمونه الصدى .
وقال الربيع : كان أهل الجاهلية يقولون إذا مات الإنسان خرجت من رأسه هامة وهي التي تقتله .
وقيل : اسم طائر يتشاءمون بها وهي من طير الليل .
وقيل : هي البومة .
وهذا الاختلاف يدل على أنهم كانوا طرائق قددا على مذاهب مختلفة في أصل الهامة مع اتفاقهم على إثباتها ، والكل خيال باطل ووهم فاسد . (1/151)
صفحة 152
وأما ( العدوى ) فقال الربيع في معنى نفيها : لا يتحول شيء من المرض إلى غيره فيعدو أي يتجاوز محله الذي كان فيه . ويقال أعداه الداء يعديه إعداءً إذا أصابه مثل ما بصاحب الداء ، وذلك أن يكون ببعير جرب مثلاً فتتقي مخالطته بإبل أخرى حذار أن يتعدى ما به من الجرب إليها فيصيبها ما أصابه . وقد أبطله الإسلام لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى ، فأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلّم أنه ليس الأمر كذلك وإنما الله هو الذي يمرض وينزل الداء . ولهذا قال في بعض الأحاديث : ( فمن أعدى البعير الأول ؟ ) أي من أين صار فيه الجرب .
ومنها ( الصفر ) قال الربيع : كانوا في الجاهلية يحرمون شهر صفر عاماً ويحرمون شهر محرم عاماً فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك كله . وذلك هو النسيء المذكور في قوله تعالى ( إنما النسيء زيادة في الكفر ) .
وقال ابن هشام : زعموا أنه حية في جوف الإنسان تعض عند الجوع شراسيفه وهي أطراف الأضلاع التي تشرف على البطن ، وتلك الحية تسمى صفر . زاد ابن الأثير أنها تعدي وهو قريب من معنى قول الربيع رحمه الله : وقال آخرون إذا مات أحد في الجاهلية به صفر وهي التي تقتله . فقوله ( به صفر ) هو مقول القول وما بينهما اعتراض ، والمراد بقوله ( آخرون ) طائفة من الجاهلية فأبطل الإسلام ذلك .
ما جاء في نهي أن يرد هائم على مصح
72- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : لا يرد هائم على مصح .
قال الربيع : الهائم الذي جربت ماشيته أو مرضت ، والمصح الذي ليس في ماشيته ما يكره ، يعني لا ينزل بماشيته عليه فيضر به والضرر لا يحل .
----------------------------------------
قوله ( لا يرد هائم على مصح ) الهائم صاحب الإبل التي فيها الهيام ، وهو داء يأخذ الإبل من العطش .
وقال الضحاك : داء يأخذ الإبل فإذا أخذها لم ترو .
والمصح صاحب الإبل الصحيحة . (1/152)
صفحة 153
والمعنى لا يرد صاحب الإبل المريضة بإبله الماء حال ورود صاحب الإبل الصحيحة لئلا تختلط الإبلان فيضر المريض الصحيح . وجاء ( لا يورد ذو عاهة على مصح ) . وجاء في حديث آخر ( فر من المجذوم فرارك من الأسد ) . وجاء في المجذوم ( إذا نزل وادياً فانزل غيره ) .
ووجه ذلك أنه تعالى أجرى العادة في الغالب أنه يخلق هذه العلل عند مباشرة أصحابها ، وقد لا يخلق ولله خرق العوائد وليس للعباد أن يختبروا ربهم . وهذا غير النهي عنه في حديث ( لا هامة وعدوى ) لأن المنهي عنه اعتقاد الجاهلية في ذلك وهو تحول المرض من هذا إلى هذا من غير أن يكون لله في ذلك فعل ، نظير ما تقوله أهل الطبائع في تأثير الطبيعة ، وذلك كفر بيّن ، والله أعلم .
الباب الثالث عشر
في الفتنة
----------------------------------------
قوله ( في الفتنة ) بكسر الفاء وسكون التاء ، وهي في الأصل الاختبار ، يقال فتنت الذهب بالنار إذا اختبرته أجيد أم رديء ، ثم استعملت في ما أخرجته المحنة والاختبار والمكروه ، ثم أطلقت على كل مكروه من أوائل الكفر والإثم والتحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك . قالت امرأة يوم الجمل :
شهدت الحروب وشيبتني فلم أر يوماً كيوم الجمل
أضر على مسلم فتنة وأقتله لشجاع بطل
فليت الظعينة في رحلها وليتك عسكر لم ترتحل
الظعينة : المرأة في الهودج ، والمراد بها عائشة . وعسكر : قيل اسم الجمل الذي عليه عائشة ، وعلى هذا فترتحل في البيت بضم المثنّاة الفوقية ، ويمكن أن يراد به الجيش كما هو الظاهر، وعليه فترتحل بفتح أوله وكسر الحاء مبنياً للفاعل . (1/153)
صفحة 154
وقد بوّب أهل الحديث كالمرتب رحمه الله للفتنة أبواباً ويعنون الفتنة التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز بقوله عز من قائل ( واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة ) قال البيضاوي : أي اتقوا ذنباً يعمكم أثره كإقرار المنكر بين أظهركم والمداهنة في الأمر بالمعروف وافتراق الكلمة وظهور البدع والتكاسل في الجهاد . قال ابن عباس : أمر الله عز وجل المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب فيصيب الظالم وغير الظالم . وقال ابن زيد :أراد بالفتنة افتراق الكلمة ومخالفة بعضهم بعضا . روى الشيخان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : ( تكون فتن القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي خير من الساعي ، من تشرف لها تستشرفه ، ومن وجد ملجأ أو معاذاً فليعذ به ) . (1/154)
صفحة 155
وفي الدر المنثور قال : أخرج أحمد والبزار وابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر عن مطرف قال : قلنا للزبير يا أبا عبدالله ضيعتم الخليفة حتى قتل ثم جئتم تطالبون بدمه ! فقال الزبير : إنا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأبي بكر وعمر وعثمان ( واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة ) ولم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت فينا . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ونعيم بن حماد في الفتن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن الزبير قال : لقد قرأنا زماناً وما نرى أنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها ( واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة ) . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ( واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة ) قال : البلاء والأمر الذي هو كائن . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله ( واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة ) قال : نزلن في علي وعثمان وطلحة والزبير . وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الآية قال : أما والله لقد علم أقوام حين نزلت أنه سيخص بها قوم . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال : علم والله ذوو الألباب من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم حين نزلت هذه الآية أنه سيكون فتن . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدّي في الآية قال : هذه نزلت في أهل بدر خاصة فاقتتلوا فكان المقتولين طلحة والزبير وهما من أهل بدر . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدّي في قوله ( واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة ) قال : خبّرت انهم أصحاب الجمل . هذا كله من الدر المنثور للسيوطي . (1/155)
صفحة 156
وسيأتي في المسند من روايات أبي سفيان قال : حدّثني أبو عبد الملك قال : سمعت حماد بن إسحاق الخوارزمي أنه لما نزلت هذه الآية ( واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة ) وعند النبي صلى الله عليه وسلّم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وعلي وعثمان . فقال أبو بكر : أين أنا يومئذ يا رسول الله ؟ فقال : تحت التراب . ثم قال عمر : أين أنا يومئذ يا رسول الله ؟ قال: تحت التراب . ثم قام عثمان فقال : أين أنا يومئذ يا رسول الله ؟ فقال : بك تفتح وبك تنشب . فقام علي وقال : أين أنا يومئذ يا رسول الله ؟ فقال : أنت إمامها وزمامها وقائدها تمشي فيها مشي البعير في قيده .
73- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : ألا إن الفتنة هاهنا وأشار بيده نحو المشرق . قال جابر بن زيد :قال ابن عباس : والناس ينتظرونها بعد رسول الله حتى تشعبت من نحو المشرق فالناجي منها من نجا والهالك منها من هلك فيها .
----------------------------------------
قوله ( ألا إن الفتنة هاهنا ) قد تقدم في باب الولاية والإمارة من حديث أنس بن مالك قوله ( ألا إن الفتنة هاهنا وأشار بيده ثلاثاً نحو المشرق ) ، وفي باب الإيمان من حديث أبي مسعود الأنصاري قوله ( وإن الفتنة وغلظ القلوب في الفدّادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر ) ، وقد تقدم قريباً قول السدي في تفسير قوله تعالى ( واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة ) قال : أخبرت أنهم أصحاب الجمل ، وتقدم قول الزبير أيضاً أنهم المعنيون بذلك ، فهذه الأحاديث والآثار يفسر بعضها بعضا ، فالإشارة نحو المشرق إنما هي إلى الجهة التي كانت فيها وقعة الجمل وهي ناحية البصرة ، وإنما اعتنى الشارع بالتنبيه عليها لأنها كانت أول خروج ببغي على الإمام العادل . (1/156)
صفحة 157
قوله ( فالناجي من نجا منها ) وهو الذي لم يخرج معهم ولا صوّب خروجهم ولا أحبه ولا رضي به ، بل كرهه وبرئ إلى الله منه .
قوله ( والهالك من هلك فيها ) أي دخلها وأحبها أو رضي بها أو صوّبها فذلك ونحوه هو المشار إليه في حديث الحوض بقوله ( وليذادنّ رجال عن حوضي 00الخ ) ، وفيه التصريح بأن الداخل في الفتنة هالك ، على خلاف ما يزعم قومنا أن اختلافهم اجتهاد وأن المخطئ معذور بل له عندهم أجر الاجتهاد ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) .
74- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتّبع بها شعف الجبال ومواضع المطر يفر بدينه من الفتنة .
قال الربيع : شعف الجبال : رؤوسها .
----------------------------------------
قوله ( يوشك ) بكسر الشين المعجمة أي يسرع ، ويجوز فتح الشين . وقال الجوهري : هي لغة رديئة .
قوله ( غنماً ) خبر يكون . قال ابن حجر : والأشهر في الرواية غنم بالرفع فهو اسم يكون وخبرها خير .
قوله ( شعف الجبال ) بفتح الشين المعجمة والعين المهملة بعدها فاء جمع شعفة كأكم جمع أكمة ، رؤوس الجبال ، والمرعى فيها والماء أيسر من غيرها لا سيما في بلاد الحجاز .
قوله ( ومواضع المطر ) يعني الأمكنة التي يقع فيها المطر من البادية ، ويمكن أن يريد المواضع التي تجمع الماء من المطر كالغدران ، وأكثر ما يوجد هذا في الشعاب وهي الفجاج بين الجبال والأودية ، ولا مانع من إرادة الكل ولا ينافيه ( من بدا جفا ) لأن الفرار بالدين إنما يكون بعد التفقه فيه ، ويمكن التعميم فيكون المعنى أن ذلك الجفاء على ما فيه خير من ارتكاب المخوف من الوقوع في الفتنة ، والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه . (1/157)
صفحة 158
وقد اختلف السلف في اصل العزلة ، فقال الجمهور : الاختلاط أفضل لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية والدنيوية . وقال قوم : العزلة أولى لتحقق السلامة بشرط معرفة ما يتعين عليه فعله . وقد بسطت أدلة القولين في صلاة الجماعة من المعارج . واختار النووي تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصية ، فإن أشكل الأمر فالعزلة أولى . وقال غيره : يختلف ذلك باختلاف الأشخاص فمنهم من يلزمه أحد الأمرين ، ومنهم من يترجح له ذلك ، وإن تساويا فيختلف باختلاف الأحوال ، وإن تعارضا اختلفا باختلاف الأوقات . والله أعلم .
الباب الرابع عشر
في الطهارة والاستجمار
ما جاء في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط
75- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن جابر بن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط . قال جابر : فسألت عن ذلك ابن عباس قال : إذا كان ذلك في الصحاري والقفار ، أما في البيوت فلا بأس لأنه قد حال بين الناس وبين القبلة حيال وهو الجدار .
76- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن عبدالله بن عمر قال : دخلت على حفصة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم جالساً لحاجته بين لبنتين مستدبر الكعبة مستقبلاً بيت المقدس . قال أبو عبيدة : قال جابر : فمن أجل هذا أباح ابن عباس استقبال القبلة في البيوت .
---------------------------------------- (1/158)
صفحة 159
قوله ( في الطهارة والاستجمار ) أما الطهارة فهي النقاء من الدنس والنجس ، وهو طاهر العرض أي بريء من العيب ، ومنه قيل للحالة المناقضة للحيض طهر والجمع أطهار ، واستعملها الشرع في مواضع منها لإزالة الأذى ومنها إزالة الحدث وهي الطهارة الصغرى ، ومنها الغسل من الجنابة والحيض وهي الطهارة الكبرى ، وأراد بها المرتب – رحمة الله عليه – الأحوال التي تحصل لمستعمل الأدب في قضاء الحاجة ، فإن الآخذ بالآداب المذكورة في الباب لا يتلوث بالنجاسة الحسية وهي الخبث ولا النجاسة المعنوية وهي الإثم . وأما الاستجمار فهو قلع النجاسة بالجمرات ، والجمار هي الحجارة الصغيرة ، يقال استجمر الإنسان إذا فعل ذلك . وفي بعض النسخ باب في الطهارة بالاستجمار وعليه فيكون قد ترجم لبعض أحاديث الباب وسكت عن بعض .
قوله ( عن جابر بن عبد الله ) بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي ، وقيل في نسبته غير هذا وهذا أشهر ، وأمه نسيبة بنت عقبة بنت عدي بن سنان بن نابي بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم ، تجتمع هي وأبوه في حرام ،وكنيته أبو عبدالله وقيل أبو عبد الرحمن والأول أصح ، شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صبي ، وقال بعضهم شهد بدراً وقيل لم يشهدها ، وكذلك غزوة أحد ، وعن أبي الزبير أنه سمع جابراً يقول : غزوت مع رسول الله سبع عشرة غزوة ، قال جابر : لم أشهد بدراً ولا أحداً منعني أبي ، فلما قتل أبي يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم في غزوة قط . وقيل شهد مع النبي صلى الله عليه وسلّم ثمان عشرة غزوة ، وشهد صفين مع علي بن أبي طالب ، وعمي في آخر عمره ، وتوفي سنة أربع وسبعين ، وقيل سنة سبع وسبعين ، وصلى عليه أبان بن عثمان وكان أمير المدينة ، وكان عمر جابر أربعاً وتسعين سنة . (1/159)
صفحة 160
قوله ( لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ) وقول ابن عمر ( فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم جالساً لحاجته بين لبنتين مستدبر الكعبة مستقبلاً بيت المقدس ، قال أبو عبيدة قال جابر : فمن أجل هذا أباح ابن عباس استقبال القبلة في البيوت ) وذلك أنه رضي الله عنه جعل الفعل مخصصاً للقول ،واعتبر العلة في إباحة ذلك في البيوت وهو حصول الحائل بين القبلة وبين الناس وهو الجدار وحمل النهي على الصحاري والقفار . وأما قول أبي أيوب ( والله لا أدري كيف أصنع بهذه الكرائس يعني الكنف ) فليس بمذهب وإنما هو إخبار عن عدم الدراية في ما يصنع ، وقدر ابن عباس فقال ما قال جمعاً بين الأدلة . ويمكن أن يقال أن أبا أيوب رضي الله عنه لم ير التخصيص بالفعل لأنه يمكن أن يكون من جملة خصوصياته صلى الله عليه وسلّم ، ويمكن أن الفعل لم يبلغه . وعلى الأول وهو قول ابن عباس أصحابنا وجمهور مخالفينا . وقال قوم بالتحريم مطلقاً وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد ورجّحه من المالكية ابن العربي ، وقال قوم بالجواز مطلقاً ونسب إلى عائشة وعروة وداؤد ، واعتلوا بالرجوع عند التعارض إلى الأصل الذي هو الإباحة . وقال قوم بالنهي عن استقبالها فقط وقد حكي ذلك عن أبي حنيفة وأحمد وهو تمسك بظاهر حديث جابر بن عبدالله لكن يردّه حديث أبي أيوب فإن فيه التصريح بالنهي عن الاستقبال والاستدبار ، فهذه أربعة أقوال ذكرها المحشي وزاد عليها أربعة أخر فهي ثمانية كاملة ، ولكن المذهب الأول . قال : والمستحب ترك الاستقبال والاستدبار ولو مع الساتر . (1/160)
صفحة 161
قوله ( دخلت على حفصة ) هي شقيقته لأبويه وهي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلّم . وجلوسه صلى الله عليه وسلّم في ذلك الموضع لحاجته دليل على جواز قضاء الحاجة في البيوت حيث لا ضرر ، ويستنبط منه جواز اتخاذ الكنف إذ المعنى واحد وإن كانت عادة العرب الخروج إلى الصحاري فقد أدركت الصحابة الكنف عند اتساع البلاد وفي سائر الأمصار فلم ينكروها ، فيؤخذ من ذلك الإجماع على الجواز . وكان ابن عمر رآه صلى الله عليه وسلّم من جهة ظهره وهو مستتر فمن ثم ساغ له تأمل الكيفية المذكورة من غير محذور ، وكل ذلك من شدة حرص الصحابي على تتبع سيرة النبي صلى الله عليه وسلّم ليتبعها .
وكانت حفصة – رضي الله عنها – قبل رسول الله صلى الله عليه وسلّم تحت خنيس بن حذافة السّهمي وكان ممن شهد بدراص وتوفي بالمدينة فلما تأيمت حفصة ذكرها عمر لأبي بكر وعرضها لم يرد عليه أبو بكر كلمة فغضب عمر من ذلك فعرضها على عثمان حين ماتت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال عثمان : ما أريد أن أتزوج اليوم . فانطلق عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فشكا إليه عثمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : يتزوج حفصة من هو خير من عثمان ، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة . ثم خطبها إلى عمر فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فلقي أبو بكر عمر رضي الله عنه فقال لا تجد عليّ في نفسك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذكر جفصة فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فلو تركها لتزوجتها . وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلّم سنة ثلاث عند أكثر العلماء ، وقيا سنة اثنتين ، وطلّقها تطليقة ثم ارتجعها ، أمره جبريل بذلك وقال : إنها صوّامة قوّامة وإنها زوجتك في الجنة ، وتوفيت رضي الله عنها في جمادى الأولى سنة وإحدى وأربعين ، وقيل توفيت سنة خمس وأربعين ، وقيل سنة سبع عشرين والله أعلم . (1/161)
صفحة 162
قوله ( بين لبنتين ) بفتح اللام وكسر الموحدة ، وفتح النون تثنية لبنة ، وهي ما يصنع من الطين أو غير للبناء قبل أن يحرق .
77- أبو عبيدة عن أبي أيوب الأنصاري صاحب النبي صلى الله عليه وسلّم قال وهو بمصر : والله لا أدري كيف أصنع بهذه الكرائس ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : إذا ذهب أحدكم لبول أو غائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بفرجه . قال الربيع : قال أبو عبيدة : وقد أتينا على هذا الأمر في حديث جابر بن زيد ، وقد بينّا ما قيل فيه وما روي ، والله أعلم .
----------------------------------------
قوله ( الكرائس ) جمع كرياس بكسر الكاف وسكون الراء وبالياء المثناة التحتية وهو المرحاض الذي يكون على السطح وأما الذي يكون على الأرض فإنه يسمى كنيفاً . قال أبو عبيد : يقال لموضع الغائط المرحاض والخلاء بالمد والمذهب والمرفق .
قوله ( وقد أتينا على هذا الأمر في حديث جابر 000الخ ) الإشارة إلى ما تقدم من جواب ابن عباس بجابر بأن ذلك في الصحاري والقفار دون البيوت .
ما جاء في الاستجمار بالأحجار والنهي عن الروث والعظام
78- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : أنا لكم مثل الوالد أعلمكم أمر دينكم ، وأمر أن يستنجى بثلاثة أحجار ، ونهى عن الروث والرمة وهي العظام البالية .
---------------------------------------- (1/162)
صفحة 163
قوله ( إنما أنا لكم مثل الوالد ) يعني في الشفقة عليهم ، ولا ترى أحداً أشفق على الولد من والده كما يظهر ذلك حتى في البهائم . وشفقة النبي صلى الله عليه وسلّم للأمة كشفقة الوالد للولد ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) ( فلا تذهب نفسك حسرات عليهم ) ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) وفي ذكر هذا الكلام مقدمة لهذه الأحكام تمهيداً لقبول الحق وأنه لا ينافي الحياء ، والله لا يستحيي من الحق ، وكما أن الوالد يعلم ولده ما دق من أمره حتى في قضاء الحاجة فكذلك النبي صلى الله عليه وسلّم .
وقوله ( أعلمكم أمر دينكم ) إشارة إلى المأمور به في هذا الموضع والمنهي عنه من أمر الدين الذي لا بد منه ، ولعل هذا كان قبل نسخ وجوب الاستجمار فإنه بقي بعد ذلك سنة مندوبة ، أو أنه أدخل المندوب في جملة الدين باعتبار أنه مما يدان لله به أي يتقرب إليه به ، وأن اختصاص الدين بما لا يسع جهله من الشرع اصطلاح حادث خاص بأئمة المذاهب فلا يستشكل به الوارد من الحديث لأنه كان قبل وجود الاصطلاح ، وأيضاً فلكل قوم اصطلاحهم ، ولا تحمل معاني العربية على الاصطلاحات الجديدة ، وهذه النكتة مهمة جداً زلّت بها أفهام كثير من الأجلاّء .
79- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن ابن مسعود قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى إذا أراد القيام إلى حاجة الإنسان قال : آتني بالأحجار . قال : فأتيته بحجرين وروثة فاستنجى بالحجرين وألقى الروثة وقال : إنها ركس . قال جابر : وسمعت ناساً من الصحابة يقولون إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلّم عن الاستنجاء بالعظم والروث لأن العظم زاد إخوانكم من الجن ، والروث زاد دوابهم . قال جابر بن زيد : الذي أدركت عليه ابن عباس يقول الاستنجاء بثلاثة أحجار .
---------------------------------------- (1/163)
صفحة 164
قوله ( وأمر أن يستنجى بثلاثة أحجار ونهى عن الروث والرمة وعي العظام البالية ) وقوله ( آتني بالأحجار )
وقوله ( فاستنجى بالحجرين وألقى الروثة )
وقوله ( ومن استجمر فليوتر )
الكلام في هذه الأحاديث على وجوه :
أحدها : الإستطابة بالأحجار مأمور به قولاً وفعلاً ، أما القول فقوله ( وأمر أن يستنجى بثلاثة أحجار ) وقوله ( ومن استجمر فليوتر ) ، وأما الفعل فقوله ( آتني بالأحجار ) وقوله ( فاسنتجى بالحجرين ) فينبغي لكل مطيع أن يتأسى به صلى الله عليه وسلّم في ذلك اقتداءً به وامتثالاً لأمره . وفي معنى الحجارة كل جامد مطهر الخزف والخشب دون الحديد والزجاج ونحوه فإن هذا لا يطهر لملاسته ، والغرض التطهير فلا يكون إلا بمنشف .
الوجه الثاني : الإيتار في ذلك مأمور به لقوله ( فليوتر ) ، واختلف في أقل ما يجزي من ذلك ، قال جابر بن زيد ( والذي أدركت عليه ابن عباس يقول الاستنجاء بثلاثة أحجار ) . قلت : وفي معناها الحجر الذي له ثلاثة أحرف كما قيل بذلك ، وقيل يتعين العدد ويدل عليه آتني بالأحجار فإنها جمع وأقله ثلاثة ، وقيل يجزي دون ذلك لأن الغرض التنقية فإذا حصلت حصل الامتثال ، واستدل بعضهم عليه بقوله عند غير الربيع ( فأخذ الحجرين وألقى الروثة ) قال لأنه لو كان مشترطاً لطلب ثالثاً . ورواية الربيع أظهر في الاستدلال فإنه قال ( فاستنجى بالحجرين وألقى الروثة ) فيفيد الاقتصار عليهما في الاستجمار بخلاف رواية المستدل . ولعل من عيّن الثلاثة يجعل هذا مختصاً بالنبي صلى الله عليه وسلّم أو يقول أن الأمر بها عند الإمكان أو أن الغرض معه صلى الله عليه وسلّم حصل بالحجرين . وهذا لموضع الغائط لأن اسم الاستجمار مخصوص به عرفاً . (1/164)
صفحة 165
وأما موضع البول فالمشروع فيه الاستبراء وهو إزالة النجس بما أمكن من المنشفات الجائزة في الاستجمار ، ولم يثبت لذلك حد بعدٍّ كما ثبت في الاستجمار ، والحكمة تقتضي عدم تحديده لحصول المادة من باطن القضيب بخلافها في الوضع الآخر فإن المزال على ظاهر الجسد .
ومشروعية الاستبراء من البول جاء بها حديث عذاب القبر أخرجه الربيع وغيره .
والله أعلم .
الوجه الثالث : دلت هذه الأحاديث على ترك الاستجمار بالروث والعظام قولاً وفعلاً ، أما القول ففي حديث أبي هريرة ( ونهى عن الروث والرمة ) وأما الفعل فهو إلقاؤه صلى الله عليه وسلّم الروثة في حديث ابن مسعود .
واختلفوا في علة النهي فمذهب أصحابنا – رحمهم الله تعالى – ما سمعه جابر بن زيد من الصحابة يقولون إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلّم عن الاستنجاء بالعظم والروث لأن العظم زاد إخوانكم من الجن والروث زاد دوابهم . وحملوا على هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلّم في الروثة ( إنها ركس ) فإن النسائي قال : الركس طعام الجن .
وقال بعض قومنا : العلة في نجاسة الروث واحتجوا بقوله ( إنها ركس ) قالوا والركس النجس ، قالوا وقد دل عليه رواية ابن ماجة وابن خزيمة في هذا الحديث فإنها عندهم بالجيم .
والجواب : أن الرواية بالكاف أثبت ورجالها أتقن ، ولعل الرواية بالجيم تحريف في المعنى ظن الراوي أن المراد بالركس ما فهمه من معنى النجاسة فرواه بالمعنى وكثير ما وقع من تحريف السنة بسوء الفهم . وقيل : الركس الرجيع لأنه رد من حالة الطعام إلى حالة الروث ، ويل معنى الركس الرد قال تعالى ( أركسوا فيها ) أي ردوا . قال ابن مسعود : هذا رد عليك .
وردّ : بأنه لو أريد بذلك لكان بفتح الراء والرواية إنما هي بكسر فسكون ، وفيه أنه يمكن أن المكسور بمعنى المفعول كالذبح بمعنى المذبوح والفتح في المصدر خاصة . (1/165)
صفحة 166
والرمة بالكسر العظام البالية والجمع رمم ورمام ، وليس الوصف بالبالية معتبراً في النهي فلا يتقيد النهي به بل يتناول كل عظم لعموم العلة .
وإنما خص الرمة بالذكر لأن العظم البالي في صورة الخزف بخلاف الجديد فإن النفس تنفر عنه لتلوثه باللحم ، ويمكن أن يراد المبالغة في التحرز عن العظام ووجه ذلك أن يقال نهى عن الرمة لحقارتها وعدم الانتفاع بها فما ظنك بما فوقها .
( وابن مسعود )هو عبدالله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة الهذلي حليف بني زهرة ، كان أبوه مسعود قد حالف في الجاهلية عبد بن الحارث بن زهرة .
وكنيته أبو عبد الرحمن .
وأمه أم عبد بنت عبد ود بن سوى من هذيل أيضاً .
كان إسلامه أول الإسلام ، وكان أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، قال عبدالله : لقد رأيتني سادس ستة ما على ظهر الأرض مسلم غيرنا . وهاجر الهجرتين جميعاً إلى الحبشة وإلى المدينة ، وصلى القبلتين ، وشهد بدراً وأحداً والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وشهد اليرموك بعد النبي صلى الله عليه وسلّم ، وهو الذي أجهز على أبي جهل ،وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالجنة ، وتوفي رضي الله عنه بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين ، وأوصى إلى الزبير ، ودفن بالبقيع ، وكان عمره بضعاً وستين سنة ، وقيل بل توفي سنة ثلاث وثلاثين والأول أكثر .
80- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : من توضأ فليستنثر ومن استجمر فليوتر .
---------------------------------------- (1/166)
صفحة 167
قوله ( من توضأ فليستنثر ) أي يستنشق ، وأصل الاستنشاق غسل باطن الأنف ، وصفته أن يجذب الماء بخياشيمه ويجعل إبهامه وسبابته في أنفه كذا قيل ، والاستنثار استفعال من النثر بالنون والمثلثة هو طرد الماء الذي يستنشقه المتوضيء أي يجذبه بريح أنفه لتنظيف ما في داخله فيخرجه بريح أنفه سواء كان بإعانه يده أم لا ، وحكي عن مالك كراهية فعله بغير اليد لكونه يشبه فعل الدابة ، والمشهور عدم الكراهة . وإذا استنثر بيده فالمستحب أن يكون باليسرى كذا نقل المحشي ز وفي إطلاق الاستنثار على الاستنشاق تجوز بعلاقة الملازمة بينهما .
قوله ( ومن استجمر فليوتر ) أي فليجعله وتراً لا زوجاً . والمراد بالاستجمار استعمال الأحجار في الاستطابة كما تقدم ،وقد حمل بعض قومنا الاستجمار على استعمال البخور للتطيب فإنه يقال فيه تجمر واستجمر فيكون الأمر للندب على هذا ، والظاهر بل الحق الأول والحمل على غيره تكلف .
ما جاء في النهي عن البول في والغائط في الأجحرة
81- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلّم نهى عن البول والغائط في الأجحرة .
قال ابن عباس : إنما نهى عن ذلك عليه السلام لأنها مساكن إخوانكم الجن .
----------------------------------------
قوله ( في الأجحرة ) جمع جحر بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وهو كل شيء يحتفره الهوام والسباع لأنفسها . وجعل فقهاء اللغة كأبي منصور الثعالبي الجحر للضب خاصة واستعماله لغيره كالتجوز ، وجمعه في الكثرة جحرة بكسر ففتح كعنبة ، وفي القلة أجحار كأصحاب وأجحرة كأسلحة .
واختلفوا في علة النهي قال ابن عباس : إنما نهى عن ذلك عليه السلام لأنها مساكن إخوانكم الجن ، وعلى هذا فالعلة خوف الضرر بهم كمنع قضائها في بيوت الإنس ، وهذا نظير ما تقدم في النهي عن الاستجمار بالروث والعظم . (1/167)
صفحة 168
ويحكى أن سعد بن عبادة كان بالشام فقام ليلة فبال في جحر فمات ، فبينما غلمان بالمدينة في بئر سكن نصف النهار في حر شديد إذ سمعوا في البئر قائلاً يقول :
نحن قتلنا سيد الخز رج سعد بن عباده
ورميناه بسهميـ ـن فلم نخطئ فؤاده
فذعر الغلمان وحفظ ذلك اليوم فوجد اليوم الذي مات فيه سعد بالشام .
وقيل إنما نهي عن ذلك للإشفاق فإنه قد تكون فيه دابة مؤذية .
ما جاء في الاستتار وترك الكلام عند قضاء الحاجة
82- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه من أدبه لا يكشف إزاره إن أراد حاجة الإنسان حتى يقرب من الأرض . قال : وقد مر برسول الله صلى الله عليه وسلّم رجل وهو يريد البول فسلّم عليه فلم يرد عليه السلام .
----------------------------------------
قوله ( أنه من أدبه لا يكشف إزاره 00الخ ) وعند غير الربيع رضي الله عنه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان إذا دخل الخلاء قال : اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث . وعن أب قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : لا يمس أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ، ولا يمسح من الخلاء بيمينه ، ولا يتنفس في الإناء . وعن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحو أداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء . فحصل لنا من مجموع هذه الأحاديث جملة آداب :
- منها عدم الكشف للإزار حتى يقرب من الأرض ، وهذا مبالغة في الاستتار ، وهو مندوب حيث لا عين ولا أثر ، واجب حيث يخشى أن يراه أحد فإن ستر العورة فرض .
- ومنها ترك الكلام عند إرادة قضاء الحاجة لأنه صلى الله عليه وسلّم لم يرد على الرجل السلام ،وإذا ترك السلام فغيره أولى بالترك فلا يشمت عاطساً ولا يحمد إن عطس ، ولا يحكي أذاناً ولا ينصت لكلام أحد ولا يشتغل بشيء غير حاجته إلا بمهم كتنجية نفس أو مال . (1/168)
صفحة 169
- ومنها الاستعاذة عند دخول الخلاء من الخبيث المخبث ، والسر في ذلك أن مواضع الأقذار مظنة لوجود الشيطان ، ويمكن أن الخلاء لقذارته ذكره بالشيطان فمن هاهنا وصفه بصفات الخبث ، والأول أظهر لقوله صلى الله عليه وسلّم : عن هذه الحشوش محتضرة . أي للجان والشيطان .
- ومنها النهي عن مس الذكر باليمين حالة البول ، وجاءت رواية أخرى في النهي عن مسه باليمين مطلقاً ، وظاهر النهي التحريم وعليه حمله الظاهرية حتى قيل من استنجى بيمينه فقد كفر نعمة اليمين ، وحمله جمهور الفقهاء على الكراهة .
- ومنها أن لا يتمسح من الخلاء بيمينه وهو متناول للقبل والدبر ، وهذا غير المس ، وإذا كان الحجر صغيراً ولم يمكنه مسح القبل إلا بمساعدة اليمين فقيل يمسك الحجر باليمين والذكر باليسرى وتكون الحركة لليسرى واليمين ثابتة لا تتحرك ، وقيل يأخذ الذكر باليمين والحجر باليسرى ويحرك اليسرى واليمين ماسكة ثابتة ، وفي هذا القول وقوع في النهي عن مسه باليمين .
ومنها الاستعانة بالرجال واصطحابهم لحمل ماء الاستنجاء كما يدل عليه حديث أنس في أول الشرح ويدل عليه أيضاً حديث ابن مسعود رضي الله عنه عند الربيع رحمه الله وقد تقدم قريباً فإنه أمره أن يأتيه بالأحجار ، وهذا يخالف ما ذكروه أن من الآداب عدم الاصطحاب إلا من ضرورة ، وقد يؤخذ الاصطحاب أيضاً من قول ابن عباس أنه من أدبه لا يكشف إزاره 00الخ . (1/169)
صفحة 170
وقوله ( وقد مر برسول الله صلى الله عليه وسلّم رجل 00الخ ) فإن الظاهر أنه أخبر عن شيء شاهده ، ويمكن أن يقال أن هذا مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلّم فإنهم يصحبونه شفقة عليه وخوفاً عليه من أعدائه أن يغتالوه وللإطلاع على أحواله وأفعاله وأقواله وهذه المزايا لا توجد في غيره من الناس . والجواب : أما الخوف عليه فمعارض بظاهر قوله تعالى ( والله يعصمك من الناس ) ثم إنه إن كانت العلة ما ذكرتم ينتقض التخصيص لأنه يشاركه في ذلك كل مخوف عليه كالخليفة ونحوه ، وأما الاطلاع على أحواله فهو دليل على الجواز مطلقاً لا على الخصوصية لأن الغرض من ذلك التأسي به ولو امتنع الاقتداء في هذا الموضع لبينه عليه الصلاة والسلام على أن الصحابة إنما ذكروا للناس ذلك ليبينوا لهم ما يأتون وما يذرون ، وبالجملة فالممنوع الاستصحاب معها للتحدث والمداعبة فإن ذلك مما يمقت الله عليه ، والله أعلم .
ما جاء في السواك عند كل وضوء
83- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وكل وضوء .
----------------------------------------
قوله ( لولا أن أشق على أمتي ) أي لولا أني أخشى دخول المشقة عليهم لأمرتهم بالسواك أمراً جازماً ليس لهم فيه خيرة ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) وفي الآية والحديث تعلق لمن يرى أن للنبي صلى الله عليه وسلّم أن يحكم بالاجتهاد ويعضده قوله تعالى ( إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) ، وكشف المقام أن الأحكام صنفان : صنف أمضاه الله ولم يجعل فيه لأحد خيرة وهي الأحكام المنصوصة على لسان الوحي ، وصنف فوضّ إلى النبي يراعي فيه المصلحة فإذا أمر فيه بأمر جازم وجب امتثاله كالسواك ، فإنه لو أمر به جزماً لوجب لقوله تعالى ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) . (1/170)
صفحة 171
قوله ( عند كل صلاة وعند كل وضوء ) المراد بالصلاة المفروضة وغير المفروضة ، والمراد بالوضوء مطلق الوضوء كان لصلاة أو لنفس الطهارة ، فالسواك مستحب عند هذا كله والسر في ذلك أنا مأمورون في كل حالة من أحوال التقرب إلى الله عز وجل أن نكون في حالة كمال ونظافة إظهاراً لشرف العبادة ، وقيل إن ذلك لأمر يتعلق بالملك وهو أنه يضع فاه على في القارئ ويتأذى بالرائحة الكريهة فسن السواك لأجل ذلك ، والله أعلم .
وإنما ذكر السواك في هذا الباب ليجمع خصال الطهارة الباطنة مع الظاهرة فإن تطهير الفم من الطهارات الباطنة ، أو أنه أراد أن يجمع بين الطهارة من الخبث المحسوس والريح المؤذية ، والعلم عند الله .
الباب الخامس عشر
في آداب الوضوء وفرضه
ما جاء في غسل اليد ثلاثاً بعد النوم
84- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً ، فإنه لا يدري
----------------------------------------
قوله ( إذا استيقظ ) أي جاءته اليقظة فهو بمعنى تيقظ .
قوله ( من نومه ) النوم غلبة على العقل يسقط به الإحساس ، وقيل غشية ثقيلة تهجم على القلب فتقطعه عن المعرفة بالأشياء ولهذا قيل هو آفة وأنه أخو الموت . وقيل إن النوم مزيل للقوة والعقل . والسنة في الرأس والنعاس في العين ، وقيل السنة هي النعاس ، وقيل السنة ريح النوم تبدو في الوجه ثم تنبعث إلى القلب .
قوله ( فلا يغمس يده ) هذا النهي محمول عند الجمهور على الكراهة ، ومقتضى مذهب أحمد أنه للتحريم في نوم الليل دون النهار . واتفقوا أنه لو غمس يده لم يضر الماء .
قوله ( في الإناء ) أي الإناء الذي عدّ للوضوء فخرج بذلك البرك والحياض التي لا تفسد بغسل اليد فيها على تقدير نجاستها فلا يتناولها النهي . (1/171)
صفحة 172
قوله ( حتى يغسلها ثلاثاً ) ظاهره أن الكراهة لا تزول إلا بغسلها ثلاثاً ، والسر في ذلك أن الشارع إذا غيا حكماً بغاية فإنما يخرج من عهدته باستيعابها فسقط ما قيل ينبغي زوال الكراهة بواحدة لمتيقن الطهر بها كما لا كراهة إذا تيقن طهرها ابتداءً .
قوله ( لأنه لا يدري ) فيه أن علة النهي احتمال هل لاقت يده ما يؤثر في الماء أو لا ، ومقتضاه إلحاق من شك في ذلك ولو كان مستيقظاً ، ومفهومه أن من درى أين باتت يده كمن لف عليها خرقة فاستيقظ وهي على حالها أن لا كراهة ، وإن كان الغسل مستحباً له على كل حال .
أين باتت يده .
----------------------------------------
قوله ( أين باتت يده ) أي ولعلها باتت في محل النجس ، قيل كانوا يستجمرون وبلادهم حارة فربما عرق أحدهم إذا نام ، ويحتمل أن تطرق يده على المحل أو على بثرة أو دم حيوان أو قذر أو غير ذلك . وأخذ بمفهوم المبيت أحمد فخص الغسل بنوم الليل لأن حقيقة المبيت تكون في الليل ، وخالفه غير واحد فألحقوا نوم النهار بنوم الليل لاتحاد قالوا وإنما خص المبيت بالذكر للغلبة . وقال بعضهم : يمكن أن تكون للكراهة في الغمس لمن نام ليلاً أشد منها لمن نام نهاراً .
ما جاء في التسمية على الوضوء
85- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه .
قال الربيع : قال أبو عبيدة : ذلك ترغيب من النبي صلى الله عليه وسلّم في نيل الثواب الجزيل في ذكر الله .
---------------------------------------- (1/172)
صفحة 173
قوله ( لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ) اختلف العلماء في معناه فحمله أبو عبيدة على الترغيب في نيل الثواب الجزيل ، وصححه الشيخ عامر في الإيضاح وجعله نظير قوله عليه السلام ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) قال لأنهم أجمعوا على أن من صلى في بيته فقد أدى الفرض الذي عليه . قال : فكذلك التسمية يقول باسم الله . قال هكذا في آثارهم رحمهم الله تعالى . وظاهر كلامه أن هذا القول هو المذهب وعليه فالمراد بنفي الوضوء نفي فضيلته الحاصلة مع التسمية .
وأخذ آخرون بظاهر الحديث فقالوا إن التسمية من فروض الوضوء لأن فيه متوجه إلى نفي حقيقته وذلك يقتضي نفي الصحة إذ لا صلاة إلا بطهور .
وتأوله آخرون فقالوا المراد بالتسمية النية رأوا أن التلفظ باسم الله غير واجب عند الوضوء وقد تكلفوا فيه هذا التأويل ، ويرده قوله في الحديث ( لمن لم يذكر اسم الله عليه ) فإن المذكور اسم الله وهو غير النية .
ما جاء في الوضوء مرة مرة واثنتين اثنتين وثلاثاً ثلاثاً
86- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه توضأ مرة مرة فقال : هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به ، ثم توضأ اثنتين اثنتين فقال من ضاعف ضاعف الله له ، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً
----------------------------------------
قوله ( وضوء لا تقبل الصلاة إلا به ) وفي نسخة لا يقبل الله الصلاة إلا به ، وذلك لأنه أقل ما يجزي في الوضوء ، وصحة الصلاة مشروطة بحصول الوضوء كما في قوله عليه الصلاة والسلام ( ولا صلاة لمن لا وضوء له ) .
قوله ( من ضاعف ضاعف الله له ) يعني من زاد على الفريضة فضيلة زاده الله ثواباً فوق ثواب الفرض ( جزاءً بما كنتم تعملون ) ، فالمضاعفة في العمل تستوجب المضاعفة في الأجر ( ولكل درجات مما عملوا ) . (1/173)
صفحة 174
قوله ( ثلاثاً ثلاثاً ) أي لكل عضو ، وظاهره يقتضي التسوية بين المغسول والممسوح ، وأن المسنون التثليث في الكل ، وهو مذهب أصحابنا المشارقة رضي الله عنهم وبه قال الشافعي، ونقل عن أنس وعطاء وإبراهيم التيمي وغيرهم .
وقال أصحابنا الغاربة وكثير من قومنا إن المسح لا يكرر بل يقتصر فيه عن المرة الواحدة لأنه مبني على التخفيف فلا يساوي الغسل لأن المراد منه المبالغة في الإسباغ ، وأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل إذا حقيقة الغسل جريان الماء والعرك ليس بمشترط على الصحيح عند أكثر العلماء ، قالوا ووضوءه صلى الله عليه وسلّم ثلاثاً ثلاثاً مجمل بينته روايات أخر صحيحة تدل على أن المسح لم يتكرر فيحمل التثليث على الغالب من الأعضاء وهو المغسول ، قال أبو داؤد في السنن : أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة ، وكذا قال ابن المنذر أن الثابت عنه صلى الله عليه وسلّم في المسح مرة واحدة .
واعترض : بأن أبا داؤد قد روى أيضاً من وجهين صحيحين أحدهما عن خزيمة وغيره في حديث عثمان تثليث مسح الرأس والزيادة من الثقة مقبولة .
فقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي .
----------------------------------------
قوله ( هذا وضوئي ) أي الذي استعمله ولا أعدل إلى ما دونه لأنه صلى الله عليه وسلّم لا يختار من الأمر إلا أعلاها ، وهل يليق بالكامل إلا الكمال ، أما الجواز بما دون ذلك فقد بينه بقوله ( هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به ) و( من ضاعف ضاعف الله له ) ولا يدل قوله ( هذا وضوئي ) على وجوب التثليث عليه .
قوله ( ووضوء الأنبياء من قبلي ) إنما ذكر ذلك ترغيباً في التثليث وأنه صلى الله عليه وسلّم لم ينفرد به من بينهم بل شاركوه في ذلك وهو بهم مقتدي . ويؤخذ منه أن الوضوء ثابت لغير هذه الأمة أيضاً فعلى هذا يكون الذي اختصت به هذه الأمة إنما هو الغرة والتحجيل ، وقد تقد بيان ذلك . (1/174)
صفحة 175
ما جاء في التخليل بين الأصابع
87- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : خلّلوا بين أصابعكم في الوضوء قبل أن تخلل بمسامير من نار .
----------------------------------------
قوله ( خللوا بين أصابعكم ) المراد بالتخليل إيصال الماء بين الأصابع بإمرار أصابع اليد الأخرى ، أو يكفي نفس وصول الماء ولو لم يمر أصبعه على الخلاف الوارد في اشتراط إمرار اليد ، ووصول الماء إلى ذلك الموضع واجب بلا خلاف لأنه بعض اليد التي وجب علينا غسلها فهو نظير الأعقاب في الأرجل ، وعليه يحمل الحديث لأن الوعيد لا يتعلق إلا على ترك واجب أو فعل محجور ، وحمله على إدخال الأصابع بين الأصابع صرف له عن ظاهره بغير مقتض ، ولا يدل على ذلك أن التخليل بهذه الصفة نقل صاحب الإيضاح الإجماع على عدم وجوبه فكيف يحمل حديث لوعيد عليه ، وفي نقل الإجماع نظر لثبوت معنى الخلاف له في وجوب إمرار اليد عند الغسل ، ولهذا قال صاحب القواعد : إنه من السنن . وقيل واجب . ونسب المحشي القول بالوجوب إلى مالك .
قوله ( قبل أن تخلل بمسامير من نار ) يعني قبل أن تستحق العقوبة على ذلك ، وإنما ذكر المسامير لأنها المناسبة لتعذيب ما بين الأصابع ، والجزاء على وفق العمل .
ما جاء في اشتراط الوضوء لصحة الصلاة
88 - أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : لا إيمان لمن لا صلاة له ، ولا صلاة لمن لا وضوء له
---------------------------------------- (1/175)
صفحة 176
قوله ( لا إيمان لمن لا صلاة له ) يعني والله أعلم أن تارك الصلاة ليس له حظ من الإيمان فلا يوصف به لأنه كفر نعمة ، ولا يكون كافراً مؤمنا ، فالإيمان المنفي هو الركب من القول والعمل والنية معاً ، وإذا اختل بعض المركب انهدمت قواعده وذهبت حقيقته واتصف بضده وهو هنا الكفر ، وليس المراد بالمنفي الإيمان الذي هو التصديق بالقلب فقط لأنه لو انتفى هذا لاتصف بضده الذي هو الشرك ، والمعروف من قواعد الشرع غير ذلك وعليه انعقد الإجماع . وفي الحديث حجة لأصحابنا في جعلهم الإيمان مركباً من قول وعمل ونية .
قوله ( ولا صلاة لمن لا وضوء له ) يعني أن الوضوء شرط في صحة الصلاة ، والمشروط ينعدم بانعدام شرطه . وفي هذا التدريج وهو نفي الإيمان عمن لا صلاة له ثم نفي الصلاة عمن لا وضوء له مبالغة شديدة في اشتراط الوضوء لصحة الصلاة فيجب أن يجعل مفسراً لحديث أبي هريرة عند غير الربيع ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث ولم يتوضأ ) فلا معنى لما ادّعاه بعض المتأخرين من قومنا من الفرق بين نفي القبول ونفي الصحة وأمه لا يلزم من نفيه نفيها .
والجواب : أن المراد بنفي القبول ردها إليه وفسادها عليه لحديث ابن عباس عند الربيع . وقد جاء نفي القبول في هذا المعنى من قوله صلى الله عليه وسلّم ( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ) أي من بلغت سن المحيض فلا تصح صلاتها مكشوفة الرأس .
واشتراط الوضوء إنما هو للقادر الواجد للماء دون من لم يجده فإنه ينتقل إلى التيمم لقوله تعالى ( فإن لم تجدوا ماءً فتيمموا ) ودون العاجز عن استعماله فإنه يتيمم أيضاً لقوله تعالى ( ولا تقتلوا أنفسكم ) ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) ولما سيأتي من حديث المجدور وغيره في باب التيمم .
ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله .
---------------------------------------- (1/176)
صفحة 177
قوله ( ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله ) أي لا يصح الصوم إلا بترك ما حرم الله فعله على الصائم ففيه دليل على ما قاله أصحابنا رحمهم الله تعالى أن المعاصي تنقض الصوم .
ما جاء في تعهد الأعقاب بالغسل
89- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: ويل للعراقيب من النار وويل لبطون الأقدام من النار .
قال الربيع : أراد بذلك النبي صلى الله عليه وسلّم أن تعرك بالماء ويبالغ في غسلها .
----------------------------------------
قوله ( ويل للعراقيب من النار ) وفي كتب قومنا ويل للأعقاب من النار وهما بمعنى واحد في هذا الموضع لأن المراد بالكل مؤخر الأرجل .
والمراد ببطون الأقدام وسطها من أسفل . وإنما خص الموضعين بالوعيد لأن الماء لا يصلهما غالباً إلا عند التفقد وذلك عند قلة الماء ومع العجلة ، وهو معنى قول الربيع رحمه الله : أراد بذلك أن تعرك بالماء ويبالغ في غسلها . ويكشف معناه معرفة السبب ففي البخاري عن عبدالله بن عمرو قال : تخلف النبي صلى الله عليه وسلّم عنا في سفرة فأدركنا وقد أرهقتنا العصر فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته : ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثاً .
وفي الحديث تعليم الجاهل ، ورفع الصوت بالإنكار ، وتكرير المسألة لتفهم .
ما جاء في الاستنشاق
90- عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال للقيط بن صبرة : إذا استنشقت فبالغ إلا أن تكون صائما. وفي رواية أخرى عن ابن عباس بهذا السند أنه قال للقيط بن صبرة أو لغيره : إذا توضأت فضع في أنفك ماءً ثم استنثر .
---------------------------------------- (1/177)
صفحة 178
قوله ( للقيط بن صبرة ) بضم الصاد المهملة وسكون الموحدة ، كنيته أبو عاصم عداده في أهل الحجاز ، وهو وافد بني المنتفق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم . وذكر الحديث في الوضوء رواه عند قومنا الثوري وقرة بن خالد ويحيى بن سليم وابن جريح عن اسماعيل بن كثير ، وقال الفضل بن دكين حدثنا سفيان عن أبي هاشم عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلّم فقال : أسبغ الوضوء وخلل الأصابع ، وإذا استنشقت فبالغ إلا أن تكون صائماً .
والمراد بالمبالغة في الاستنشاق الإستقصاء في غسل باطن الأنف ، وإنما أمر به لغير الصائم لأن الصائم يحرم عليه إدخال الماء في حلقه ، والمبالغة في الاستنشاق يخشى منها غالباً .
وفي الحديث إشارة إلى أن حكم الداخل إلى الحلق من الأنف في الصوم حكم الداخل من الفم .
قوله ( إذا توضأت ) أي إذا أردت الوضوء على حد قوله تعالى ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) الآية . أي إذا أردتم القيام إليها فافعلوا ذلك ، أو المراد بالوضوء غسل اليدين المأمور به قبل إدخالهما في الإناء ويسمى غسلهما وضوءً كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا رسول الله تصيبني الجنابة من الليل ماذا أصنع ؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلّم : توضأ واغسل رأس ذكرك . أراد غسل يديه ثم ذكره .
قوله ( ثم استنثر ) أي ادفعه بنفسك ، وإنما أمر بذلك لأن في دفعه بالنفس تنقية للأنف فإنه يخرج بقوة بخلاف غير المدفوع .
ما جاء في المضمضة والاستنشاق
91- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه تمضمض واستنشق من غرفة واحدة .
---------------------------------------- (1/178)
صفحة 179
قوله ( من غرفة واحدة ) يعني غرفها بيده فاكتفى بها للمضمضة والاستنشاق . وفيه تعليم للناس الاقتصاد ي استعمال الماء عند الوضوء لأن كثرته من الشيطان كما سيأتي . ومثله الإكثار عند الاغتسال ، والزيادة على المشروع مردودة في وجه زائدها فإنه لو كان مرضياً عند الله لأدخله في المأمور ، والتقرب إليه تعالى بغير ما أمر لا يزيد إلا بعداً كطالب وصول إلى البلد من غير طريقها قال تعالى ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون )
ما جاء في مسح أثر الوضوء
92- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان متخذاً منديلاً يمسح به بعد الوضوء ، وكان بعض أزواجه يناوله إياه فيجفف به .
قال الربيع : قال أبو عبيدة : المعمول به عندنا أن لا يمسح أعضاءه بعد الوضوء وهو استحباب من أهل العلم وترغيب منهم في نيل الثواب ما دام الماء على أعضائه .
----------------------------------------
قوله ( كان متخذاُ منديلاً يمسح به بعد الوضوء 00الخ ) وجاء عن معاذ رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلّم مسح وجهه بطرف ثوبه . وعن عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام كانت له منشفة . وأخذ بظاهره بعض المالكية فاستحبه ، وقال في تعليله أن المسح يؤدي إلى النظافة فإن الماء إذا بقي في شعره قطر من اللحية على الثوب فعلق به الغبار فينطمس لونه . قال : وكذلك تعلق ماء رجليه بذيول ثوبه . وما أنسب هذا التعليل بأهل الأتراف من أهل الدنيا ، وما أشد خلافه لطريقة السلف الذين كانت مناديلهم أخماص أرجلهم . (1/179)
صفحة 180
قال أبو عبيدة : المعمول به عند أصحابنا أن لا يمسح أعضاءه بعد الوضوء وهو استحباب من أهل العلم . ومثله قال سعيد بن المسيب والزهري فكرهوا التنشف ، وقالوا الوضوء نور وكأنهم علموا النسخ بحديث ابن عباس عند البخاري قال ( حدثتنا ميمونة قالت : صببت للنبي صلى الله عليه وسلّم غسلاً ثم ساق الحديث إلى قولها : ثم أتي بمنديل فلم ينقض بها . قال أبو عبدالله : يعني لم يمسح بها ، وأبو عبدالله هذا هو البخاري . وذكر الحديث في محل آخر أنها قالت : فناولته خرقته فقال بيده هكذا ولم يردها ) .
قال ابن حجر : قوله ولم يردها بضم أوله وإسكان الدال من الإرادة ، والأصل يريدها لكن جزم بلم ، قال : ومن قرأها بفتح أوله وتشديد الدال فقد صحّف وأفسد المعنى ، قال : وقد رواه أحمد عن عفان عن أبي عوانة بهذا الإسناد وقال في آخره : فقال هكذا وأشار بيده أن لا أريدها ، قال وسيأتي في رواية أبي حمزة عن الأعمش فناولته ثوباً فلم يأخذه انتهى .
ويمكن أنه صلى الله عليه وسلّم إنما اتخذ المنديل لبيان الجواز فقط كما ذكره المحشي لكن الحال يقتضي أن ذلك اتخذه عادة ولهذا جاءته به ميمونة رضي الله عنها ، فالقول بالنسخ أظهر .
ما جاء في مسح الرأس والأذنين
93- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم : أنه مسح ببعض رأسه في الوضوء .
94- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : الأذنان من الرأس . قال : وبلغني عنه عليه السلام أنه غرف غرفة واحدة فمسح بها رأسه وأذنيه .
----------------------------------------
قوله ( مسح ببعض رأسه في الوضوء ) الباء للإلصاق أو للإستعانة ، ومسح يتعدى بنفسه وبالباء ، والأصل مسح بعض رأسه وفيه بيان لقوله تعالى ( وامسحوا برؤوسكم ) فإن معناه أشكل على الناس :
فمنهم من أوجب الاستيعاب وجعلوا الباء للإلصاق فأوجبوا مسح الكل . (1/180)
صفحة 181
ومنهم من جعلها للتبعيض وأوجب مسح البعض فقط ، ثم اختلفوا في ذلك البعض
فمنهم من لم يقدره بقدر وهم الشافعية .
ومنهم من قدره بربع الرأس وهم الحنفية .
والمستحب عندنا مسح الجميع خروجاً من الخلاف ويجزي البعض لهذا الحديث فإنه صلى الله عليه وسلًم إنما فعله بياناً للجواز . وأقل ما قيل أنه يجزي من ذلك مسح ثلاث شعرات بثلاثة أصابع . وقد بسطت القول في ذلك في الجزء الأول من المعارج .
قوله ( الأذنان من الرأس ) وقوله ( غرف غرفة فمسح بها رأسه وأذنيه ) هذا كله يدل على أن حكم الأذنين في الوضوء حكم الرأس فهما بعضه بهذا المعنى إلا أنهما يخصان بالمسح أيضاً ، أما دلالة الحديث الأول فلفظية وأما الثاني ففعلية مبينة لمعنى الحديث الأول إذ لا شك أنهما في أصل الخلقة من الرأس ، لكن الشرع قسّم الرأس في الأحكام إلى أقسام يظهر ذلك في الوضوء والأروش فجعل حكم الوجه غير حكم الرأس فاحتجنا إلى بيان الأذنين هل هما في الوضوء من الرأس أم لا فأرشدنا إلى ذلك قولاً وفعلاً صلوات الله وسلامه عليه فيمسحان مع الرأس بغرفة واحدة .
وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يستحب تجديد الماء للأذنين ، وهذا إن صح عن ابن مسعود يدل على أن فعله صلى الله عليه وسلّم لبيان الجواز عند ابن مسعود ، والظاهر ما تقدم .
وقال الربيع : يستحب مسح باطن الأذنين مع الوجه وظاهرهما مع الرأس ، وهذا منه رحمه الله تعالى تأويل للنص بالقياس فإنه جعل باطنهما كالوجه لأنهما يواجهان الجليس ، وجعل ظاهرهما من الرأس لأنهما إلى جهته .
وما أحسن التمسك بالظاهر وما أبعده عن التكلف حيث أمكن الأخذ به ولم يقم على التأويل دليل أقوى من الظاهر . وقيل مسحهما فرض وقيل سنة ، والله أعلم .
الباب السادس عشر
في فضائل الوضوء
ما جاء في إسباغ الوضوء على المكاره (1/181)
صفحة 182
95- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ، ويرفع به الدرجات : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلك الرباط . قالها ثلاثاً .
----------------------------------------
قوله ( في فضائل الوضوء ) جمع فضيلة وهي ما يترتب عليه من الثواب .
قوله ( ألا أخبركم ) استفهام يراد به استحضار أذهانهم وجمع هممهم لفهم ما يلقيه عليهم .
قوله ( بما يمحو ) محو الخطايا كناية عن غفرانها والعفو عنها ، ويمكن أن يراد محوها من كتاب الحفظة ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) والدرجات المنازل في الجنة وقيل أعلى المنازل في الجنة ، ويحتمل أن يريد رفع الدرجات في الدنيا والآخرة ، أما الأولى فبالذكر الجميل وأما الثانية فبالثواب الجزيل فيكون ممن أوتي الأجر مرتين ، وقد اثنى الله على تعالى على ناس يقولون ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) وقال في إبراهيم عليه السلام ( وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) .
و( إسباغ الوضوء ) إتمامه وإكماله واستيعاب أعضاءه بالماء .
والمكاره المشاق التي تحصل للإنسان من شدة برد أو كسل عند النوم وعجلة عند مهم ونحو ذلك .
والخطا جمع خطوة ، والمراد بكثرتها كثرة المشي إليها إما لبعد المسافة كما وقع لبني سلمة من الأنصار ، أو لكثرة التردد كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله وقد تقدم .
وانتظار الصلاة بعد الصلاة : هو أن يقعد في المسجد محافظاً على طهره الذي صلى به الأولى حتى يصلي به الثانية أو الثالثة أو ما أمكنه من ذلك مشتغلاً بذكر الله أو بما يقربه إليه تعالى من التعلم والتعليم ، أما المشتغل بحديث الدنيا فخروجه أسلم ، فإن حديث الدنيا في المساجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وكما تأكل الدابة الحشيش . (1/182)
صفحة 183
وقوله ( فذالكم الرباط ) الإشارة إلى انتظار الصلاة بعد الصلاة . والرباط في الأصل الإقامة على جهاد العدو في الحرب وارتباط الخيل وإعدادها ، فشبّه به ما ذكر من الأفعال الصالحة والعبادة لأنها حرب للشيطان وحبس للنفس عن هواها قيل ، ويحتمل أنه أراد تفضيل هذا الرباط على غيره من الرباط في الثغور ولذا قال ( فذالكم الرباط ) أي انه أفضل أنواعه كما يقال جهاد النفس هو الجهاد أي أنه أفضله ، ويحتمل أن يريد أنه الرباط للمكن المتيسر ، وقال ابن العربي يعني به تفسير قوله تعالى ( اصبروا وصابروا ورابطوا ) ، وهذا بعيد مخالف للظاهر .
وحكمة تكراره ثلاثاً قيل للاهتمام به وتعظيم شأنه ، وقيل كرره على عادته في تكرير الكلام ليفهم عنه ، والأول أظهر .
ما جاء في تكفير الوضوء للسيئات
96- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلّم : إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه
---------------------------------------- (1/183)
صفحة 184
قوله ( إذا توضأ العبد المسلم ) وهو غير المشرك وفيه إشارة إلى اشتراط الإسلام في صحة الوضوء لأن الوضوء طهارة إسلامية فلا تصح مع المشرك ، وأيضاً فالمشركون نجس ومن شرط صحة الوضوء إزالة النجس قبله ، ويمكن أن يراد بالمسلم الموفّي بأركان الإسلام وتكون هذه الفضيلة مختصة به دون الفاسق لأن فسقه يحبط عمله فكيف ينال هذه الفضيلة ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) والحاصل في الحديث أن المسلم يحتمل معنيين أحدهما الموفي بأركان الإسلام والمعنى فيه واضح ، والثاني المقر بالإسلام والداخل فيه من غير وفاء بخصاله وعليه فيشكل المراد من الحديث لأن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة . والجواب : أن المراد بالتوبة عدم الإصرار فإذا لم يصر جاز أن يغفر له ذلك بفعل الطاعات من الوضوء وغيره ، وفيه أن المصر داخل تحت المسلم المقر بالإسلام فالإشكال على حاله ، ويمكن أن يقال الحديث جار مجرى الترغيب وحالة الترغيب تقضي التعميم وإن أريد الخصوص كما جاء ذلك في غالب آيات الوعد ، وفي السنة منه كثير . فهذه الفضائل حاصلة لمن فعل الوضوء مع ملاحظة الأحوال المشتركة في حصول الثواب ومن تلك الأحوال التحرز عن محبطات الأعمال .
قوله ( فغسل وجهه ) تفريع على قوله توضأ . ولم يذكر المضمضة والاستنشاق وقد ذكرهما في حديث عمرو بن عنبسة ( قال : قلت يا رسول الله حدّثني عن الوضوء . فقال : ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيمضمض ويستنشق إلا خرجت خطاياه من فيه وخياشيمه مع الماء ، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله خرجت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء ، ثم إذا مسح رأسه خرجت خطايا من أطراف شعره مع الماء ، ثم إذا غسل رجليه إلى الكعبين خرجت خطايا قدميه من أنامله مع الماء ن فإذا قام وصلى وحمد الله وأثنى عليه ومجّده انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه . (1/184)
صفحة 185
خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه آخر قطر الماء ، فإذا غسل يديه خرجت منها كل خطيئة بطشها بهما ، ثم كذلك حتى يخرج نقياً من الذنوب .
----------------------------------------
قوله ( خرج من وجهه ) المراد بخروجها غفرانها فهو مجاز مركب واستعارة تمثيلية لأنها ليست بأجسام فتخرج حقيقة ، وقيل بل حقيقة إذ المعاني قد تتشكل .وردّ : بأن الأعمال أعراض والأعراض لا تتجسم لأن ذلك يؤدي إلى قلب الحقائق وهو محال .
قوله ( كل خطيئة ) المراد بالخطيئة الصغيرة من الذنوب لأن ذلك هو المعروف من غالب استعمال الشرع في لفظ الخطيئة وليوافق معنى قوله تعالى ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) إذ المراد بالسيئات في الآية الخطايا المذكورة في الحديث وهي الصغائر بدليل قوله تعالى ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) .
قوله ( نظر إليها بعينه ) لفظ حديث عمرو بن عنبسة خرجت خطايا وجهه من أطراف لحيته ، وهو أعم من حديث الأصل لأن خطايا الوجه قد تكون بالنظر وبالشم وبالفم ولعله اقتصر على نظر العين لأنها أكثر فلتات وأسرع وقوعاً فإن النظر سهم غرب بخلاف الشم والطعم وألفاظ اللسان فإنها تكون غالباً مع قصد واعتماد .
قوله ( آخر قطر الماء ) أي عند تمام العمل ، وفيه إشارة إلى أن استحقاق الأجر إنما يكون بعد إتمام العمل لا عند الشروع فيه لتوقف الاستحقاق على الصحة وتوقف الصحة على الإتمام .
قوله ( فإذا غسل يديه ) فيه إشارة إلى مراعاة الترتيب بين أعضاء الوضوء وخلاف ذلك خلاف السنة .
وقوله ( بطشها بهما ) أي اكتسبها بيديه ، وما أحسن هذه المناسبة حكمة بالغة صدرت من معدنها . (1/185)
صفحة 186
قوله ( ثم كذلك ) الإشارة إلى باقي الأعضاء ، والمعنى كذا القول في مسح الرأس وغسل الرجلين كما صرّح بهما في رواية عمرو بن عنبسة ، والأذنان من الرأس فلا يشكل عليك السكوت عنهما . قوله ( حتى يخرج ) أي إلى أن يخرج . وقوله ( نقياً من الذنوب ) أي خالصاً منهما فيستحق الغرة والتحجيل المشار إليهما في الحديث الآتي .
ما جاء في الغرة والتحجيل من أثر الوضوء
97- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلّم خرج إلى المقبرة 00 الحديث مذكور في باب الأمة .
----------------------------------------
قوله ( الحديث مذكور في باب الأمة ) وفيه قوله صلى الله عليه وسلّم ( فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء ) وتقدم شرحه .
وعند قومنا عن نعيم المجمر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال ( إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل ) .
وفي لفظ لمسلم ( رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول : إن أمتي يأتون يوم القيامة يدعون غراً محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل ) .
وفي لفظ مسلم ( سمعت خليلي صلى الله عليه وسلّم يقول تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ) . (1/186)
صفحة 187
وقوله ( فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل ) يحتمل أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلّم ، ويحتمل أنه من كلام أبي هريرة تأول عليه معنى الحديث كما تأوله في فعله حيث غسل يديه حتى كاد يبلغ المنكبين وهذا هو الاحتمال الظاهر من حال أبي هريرة حيث فهم من معنى الحديث ما لم يقل به أحد فغسل إلى قريب المنكبين ولم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلّم ولا استعمله الصحابة ولا التابعون ولا قالت به الفقهاء بل المستحب عند الفقهاء غسل جزء من الرأس مع الوجه ، وغسل بعض العضدين مع اليدين ، وغسل بعض الساقين مع الرجلين .
وذكر بعض الناس أن حد ذلك نصف العضد ونصف الساق ، وليس في الحديث تحديد ولا تقييد ، وربما تكره الغرة إذا زادت عن موضعها . والمقصود من الحديث الثناء عليهم بالغرة والتحجيل. فإن صح أن قوله ( فمن استطاع منكم 00الخ ) من كلام النبي صلى الله عليه وسلّم فمعناه ما جاء في حديث أنس أول الباب في ذكر الخصال التي يمحو الله بها الخطايا ويرفع بها الدرجات وذكر منها إسباغ الوضوء على المكاره . فالإسباغ في حديث أنس هو معنى إطالة الغرة في حديث أبي هريرة .
وأما قوله ( تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء ) فلا يدل على فعل أبي هريرة بل غاية ما فيه الإخبار عم محل الحلية في المؤمن ، وأن محلها هو محل الوضوء لا غير فهي تبلغ حيث يبلغ الوضوء المأمور به ، وقد علمنا مبلغه من قوله تعالى ( وأيديكم إلى المرافق ) والله أعلم .
ما جاء في غفران ما يستقبل بالوضوء والصلاة
98- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن عثمان بن عفّان جلس على المقاعد فجاء المؤذن فأذن لصلاة العصر فدعا بماء فتوضأ ثم قال : والله لأحدثنكم حديثاً لولا أنه في كتاب الله ما حدثتكموه . ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول ما من امرئ يتوضأ فيحسن الوضوء لصلاته ثم يصليها إلا غفر الله له ما بينها وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها . (1/187)
صفحة 188
قال الربيع : يريد بقوله ( لولا أنه في كتاب الله ) قول الله عز وجل ( أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) .
----------------------------------------
قوله ( على المقاعد ) هي مواضع قعود الناس في الأسواق وغيرها .
قوله ( لولا أنه في كتاب الله ) هكذا جاء في نسخ المسند بالنون ثم هاء الضمير . وفي رواية البخاري ( لولا آية ما حدثتكموه ) قال ابن حجر : قوله ( لولا آية ) زاد مسلم ( في كتاب الله ) قال : ولأجل هذه الزيادة صحفّ بعض رواته أيضاً فجعلها بالنون وبهاء الشأن : قال عروة الآية ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ) ، وعلى هذا فمراد عثمان أن هذه الآية تحرض على التبليغ ، وهي وإن نزلت في أهل الكتاب لكن العبرة لعموم اللفظ . وإنما كان عثمان يرى ترك تبليغهم ذلك لولا الآية المذكورة خشية عليهم من الاغترار . وقال الربيع : يريد بذلك ( أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ) ، ومثله قال مالك بعد أن روى الحديث عن هشام بن عروة وعبارته : أراه يريد ( أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ) . وعلى هذا فمراد عثمان بقوله ( لولا أنه في كتاب الله ما حدثتكموه ) أي مخافة أن تشكّوا في روايتي حيث الفضل عظيماً خارجاً عم مبلغ أفهامكم ، وقد نهينا أن نحدث الناس بما لا تبلغه أفهامهم ، أو أنه أراد بذكره خوف الاغترار منهم بهذا الفضل العظيم ، لكن لمّا كان موجوداً في كتاب الله فلا يخشى ضرر بذكره لهم مفسراً لأن الله تعالى أعلم بمصالح عباده .
قوله ( إلا غفر الله له ما بينها وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها ) أي لا يكتب عليه ذنب في ما بين الصلاتين بمعنى أنه يحفظ من اقتراف الذنب ، أو أنه يغفر له ما يقترف من الصغائر بفضل الله تعالى كما يغفر له ما اقترف منها . (1/188)
صفحة 189
ويعني بقوله ( حتى يصليها ) أي يصلي الثانية فإذا صلاّها تحول الفضل إلى الثانية ، وما يزال يتقلب في فضل الله ما لم يخرج من الدين بفسق أو إشراك ، فإذا خرج منه حبط عمله وإن تاب جدّد له العمل ، والله يؤتي فضله من يشاء ، والله أعلم .
الباب السابع عشر
في ما يجب منه الوضوء
ما جاء في الوضوء من المذي
99- أبو عبيد عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : الوضوء من المذي ، والغسل من المني .
----------------------------------------
قوله ( ما يجب منه الوضوء ) والمراد به الأسباب التي يترتب على وجودها وجوب الوضوء وهو المسمى عند الفقهاء بنواقض الوضوء . وهي نوعان حسية كالمذي والقيء ، ومعنوية كالغيبة .
قوله ( الوضوء من المذي ) وقوله في حديث المقداد ( إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح ذكره بالماء ثم يتوضأ وضوء الصلاة ) كلا الحديثين في معنى واحد ، والثاني منهما مفسّر لمعنى الأول فإن الوضوء في الحديث الأول مجمل فبيّنه حديث المقداد كل البيان .
والمذي : بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وتخفيف الياء ، ويجوز كسر الذال وتشديد الياء هو الخارج قبل الانتشار وبعده رقيق يسيل كاللعاب ، وغالباً يخرج عند الملاعبة والتقبيل . والحديث يدل على أنه موجب للوضوء دون الغسل وهو مشهور المذهب ، وقيل يجب منه الاغتسال وينتقض به الصوم وهذا القيل مخالف للدليل فإن التفرقة بين حكم المذي والمني ناطقة بأن للمذي الوضوء فقط ، ثم صرّح به حديث المقداد .
قوله ( والغسل من المني ) الغسل بالضم فعل الغاسل ، وبالفتح الماء المغتسل به كالوضوء ، وقيل بضم الغين وفتحها المصدر وبضمها فقط اسم للماء وبالكسر اسم لما يغسل به الرأس كالخطمي والطفل ، وقيل إن أضيف إلى المغسول كان الفتح كغسل الميت وإن أضيف إلى السبب كان الضم كغسل الجنابة ، وقيل بالفتح المصدر وبالضم الاسم وبالكسر ما يغسل به الرأس . (1/189)
صفحة 190
والمني : بفتح الميم وكسر النون وتشديد الياء هو الماء الدافق له رائحة كرائحة الطلع وهو ثخين أبيض وقد يصفرّ من علة إلا أن الرائحة لا تنقطع منه ، وبه توجد اللذة 100- أبو عبيد عن جابر بن زيد قال : بلغني عن علي بن أبي طالب
----------------------------------------
وتنقطع الشهوة ويضطرب القضيب . وإنما سمي منياً لأنه يمنى أي يصب قال تعالى ( من مني يمنى ) ،ولذا سميت ( منى ) لأجل ما يصب فيها من الدماء .
قوله ( عن علي بن أبي طالب ) بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الهاشمي ، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، واسم أبي طالب عبد مناف وقيل اسمه كنيته ، واسم هاشم عمرو . وأم علي فاطمة بنت أسد بن هاشم . وكنيته أبو الحسن ، وكان علي أصغر من جعفر وعقيل وطالب ، أسلم وهو صبي وعن مجاهد أنه ابن عشر سنين ، وهاجر إلى المدينة وشهد بدراً وأحداً والخندق وبيعة الرضوان وجميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلا تبوك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلّم خلفه على أهله ، وتزوج فاطمة رضي الله عنها ، وماتت عنده ، وهو أبو الحسنين ، وله قدم في الإسلام ، وفضائله كثيرة ، ولي الخلافة بعد عثمان ، وسار فيها بالقسط ، ونازعه طلحة والزبير فأوقع بهم يوم الجمل ، ونازعه معاوية وعمرو فكانت وقعة صفّين فلما خشيا الغلبة احتالوا عليه برفع المصاحف على رؤوس الرماح يزعمون أنهم يدعون إلى حكم الله الذي أنزله في الكتاب
مكيدة عمرو حيث رثت حباله وكادت بحور القاسطين تغور
أبا حسن ذرها حكومة فاسق جراحات بدر في حشاه تفور (1/190)
صفحة 191
فانخدع لمكيدتهم وأجابهم لدعوتهم بواسطة قرناء السوء فحكّم الرجال في حكم أمضاه الله تعالى في كتابه ولم يجعل فيه للرجال رأياً وذلك قوله عز من قائل ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) فقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله كقطع يد السارق ومثل حكم المحارب الساعي في الأرض فساداً ليس لأحدٍ أن يقول فيه برأي ولا يحكّم فيه الرجال . فأعطى علي من المواثيق على تحكيم الرجلين ما أعطى ، فقام إليه أفاضل قومه وأهل الحرص منهم على الآخرة والرغبة عن الدنيا فعاتبوه فلم يعتبهم
أنه أمر المقداد بن الأسود أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلّم
----------------------------------------
وخاصموه فخصموه وفارقوه وقدّموا غيره فكانت وقعة النهروان ، فلم تنشب أموره حتى انحلّت ، وجموعه حتى تفرقت ، وقتله عبد الرحمن بن ملجم ببعض من قتل يوم النهر ، فمكث علي يوم الجمعة ويوم السبت وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة بقيت من شهر رمضان من سنة أربعين . وكان عبد الرحمن بن ملجم في السجن فلما مات علي ودفن بعث الحسن بن علي إلى ابن ملجم فأخرجه من السجن ليقتله فاجتمع الناس وجاءوا بالنفط والبواري والنار وقالوا نحرقه فقال عبدالله بن جعفر وحسين بن علي ومحمد بن الحنفية دعونا حتى نشفي أنفسنا منه فقطع عبدالله بن جعفر يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم ، فكحل عينيه بمسمار محمي فلم يجزع ، وجعل يقول إنك لتكحل عيني عمك بملمول ممظ وجعل يقرأ ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) حتى أتى على آخر السورة وإن عينيه لتسيلان ، ثم أمر به فعولج عن لسانه ليقطعه فجزع فقيل له قطعنا يديك ورجليك وسملنا عينيك يا عدو الله فلم تجزع فلما صرنا إلى لسانك جزعت ! قال : ما ذاك من جزع إلا أني أكره أن أكون في الدنيا فواقاً لا أذكر الله فقطعوا لسانه ثم جعلوه في قوصرة وأحرقوه بالنار . (1/191)
صفحة 192
قوله ( أمر المقداد بن الأسود ) زاد في بعض النسخ الكندي . وليس الأسود بأبيه ولا كندة قومه بل الأسود هو الأسود بن عبد يغوث الزهري ، وإنما نسب إليه لأن المقداد حالفه فتبناه فنسب إليه ، وأصاب دماً في بهراء فهرب منهم إلى كندة فحالفهم ثم أًصاب فيهم دماً فهرب إلى مكة فحالف الأسود بن عبد يغوث . وقال أحمد بن صالح المصري : هو حضرمي وحالف أبوه كندة فنسب إليها ، وحالف هو الأسود بن عبد يغوث فنسب إليه والصحيح أنه بهراوي من قضاعة ، وأن أباه عمرو فهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمامة بن مطرود بن عمرو بن سعيد بن زهير بن لؤي بن ثعلبة بن مالك ابن الشريد بن أبي أهون بن قاس بن دريم بن القين بن أهون بن بهرا بن عمرو بن لحاف ابن قضاعة ،كنيته أبو معبد وقيل أبو الأسود ،وهو قديم الإسلام من السابقين ،وهاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة فلم يقدر على الهجرة إلى المدينة لما هاجر إليها رسول الله صلى الله عن رجل دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه ؟ قال علي : فأنا أستحي من رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن أسأله من أجل ابنته عندي . فجاء المقداد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فسأله عن ذلك فقال : إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح ذكره بالماء .
----------------------------------------
عليه وسلّم فبقي إلى أن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم عبيدة بن الحارث في سرية فلقوا جمعاً من المشركين عليهم عكرمة بن أبي جهل وكان المقداد وعتبة بن غزوان قد خرجا مع المشركين إلى المسلمين فتواقفت الفئتان ولم يكن قتال فانحاز المقداد وعتبة إلى المسلمين ، وكان المقداد من أول من أظهر الإسلام بمكة ، وشهداً بدراً وله فيها مقام مشهود ، وشهد أحداً أيضاً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وتوفي بالمدينة في خلافة عثمان ، ومات بأرض له بالجرف وحمل إلى المدينة ، وأوصى إلى الزبير بن العوام ، وكان عمره سبعين سنة . (1/192)
صفحة 193
قوله ( عن رجل دنا من أهله ) أي قرب من زوجته . وروي عن علي أيضاً أنه قال : كنت رجلاً مذّاءً فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشقق ظهري . فكأن هذا هو السبب الذي حمله على السؤال مع شدة الحياء من رسول الله صلى الله عليه وسلّم .
قوله ( من أجل ابنته عندي ) قال المحشي : في بعض روايات قومنا من أجل فاطمة عليها السلام .
قوله ( فلينضح ذكره بالماء ) أخذ بظاهره قوم منهم صاحب القواعد ،وبعض المالكية والحنابلة فأوجبوا استيعابه بالغسل عملاً بالحقيقة . وهو ظاهر كلام الإيضاح أيضاً . وفيه أن النضح غير الغسل كما يظهر ذلك في نضح بول الصبي ، وكلام القواعد يقتضي الاقتصار عليه هاهنا أيضاً . وأوجب الجمهور غسل موضع النجس فقط نظراً إلى المعنى فإن الموجب لغسله إنما هو خروج الخارج فلا تجب المجاوزة إلى غير محله . ويؤيده ما في رواية أخرى ( فقال : توضأ واغسله ) فأعاد الضمير على المذي ، ونظير هذا قوله ( من مس ذكره فليتوضأ ) فإن النقض لا يتوقف على مس جميعه . واختلف القائلون بوجوب
ثم يتوضأ وضوء الصلاة .
----------------------------------------
غسل جميعه هل هو معقول المعنى أو للتعبد ؟ فعلى الثاني تجب النية فيه .
(واستدل به أيضاً)
على نجاسة المذي وهو ظاهر ، وعلى قبول الخبر الواحد ، وعلى جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع ، وفيه نظر لأن السؤال كان بحضرة علي ولو صح أن السؤال كان في غيبته لم يكن دليلاً على المدعى لاحتمال وجود القرائن التي تجف الخبر فترقيه عن الظن إلى القطع.
ويستفاد منه جواز الاستنابة في الاستفتاء . وقد يؤخذ منه جواز معنى دعوى الوكيل بحضرة موكله .
وفيه بيان ما كان الصحابة عليه من حفظ حرمة النبي صلى الله عليه وسلّم وتوقيره .
وفيه استعمال الأدب في ترك المواجهة لما يستحى منه ، وحسن المعاشرة مع الأصهار ، وترك ما يتعلق بجماع المرأة ونحوها . (1/193)
صفحة 194
وفيه جمع بين المصلحتين استعمال الحياء وعدم التفريط في معرفة الحكم .
قوله ( ثم يتوضأ وضوء الصلاة ) يعني إذا أراد القيام إليها . فالمذي في هذا المعنى كالبول تجب إزالته ويعاد الوضوء بسببه . وحكى الطحاوي عن قوم قالوا بوجوب الوضوء بمجرد خروجه يعني كما يجب الغسل بمجرد خروج المني وأنه تعبد من الشارع بذلك . وردّ : بقوله صلى الله عليه وسلّم ( الوضوء من المذي والغسل من المني ) . وفي رواية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي قال : ( سئل النبي صلى الله عليه وسلّم عن المذي فقال : فيه الوضوء وفي المني الغسل ) فعرف بهذا أن حكم المذي حكم البول وغيره من نواقض الوضوء ، لا انه يوجب الوضوء بمجرده . وفيه مناقشة فإن الرد عليهم عين ما استدلوا به فلا يقطع النزاع . والجواب : الواضح أن يقال قد علم من قواعد الشرع أنه ليس شيء من الأحداث يوجب وضوء الصلاة لذاته وإنما يوجبه لغيره من العبادات يدل على ذلك قوله تعالى ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ) الآية . والمذي كغيره من الأحداث وترتيب الوضوء عليه مجمل فسّرته الآية . والله أعلم .
ما جاء أنه لا وضوء من طعام أحل الله أكله
101- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : قال بلال حدّثني أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول
---------------------------------------- (1/194)
صفحة 195
قوله ( قال بلال ) بن رباح ، يكنى أبا عبد الكريم وقيل أبا عبدالله وقيل أبا عمرو ، وأمه حمامة من مولدي مكة لبني جمح ، وقيل من مولدي السراة ، وهو مولى أبو بكر الصّديق اشتراه بخمس أواقي وقيل بسبع أواق ، وأعتقه لله عز وجل ، وكان مؤذناً لرسول الله صلى الله عليه وسلّم وخازناً ، شهد بدراً والمشاهد كلها ، وكان من السابقين إلى الإسلام وممن يعذب في الله عز وجل فيصبر على العذاب ، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بينه وبين أبي عبيدة بن الجرّاح ، وتوفي رضي الله عنه بدمشق ودفن بباب الصغير سنة عشرين وهو ابن بضع وستين سنة ، وقيل مات سنة سبع أو ثمان عشرة ، وقيل مات بحلب ودفن على باب الأربعين .
قوله ( حدّثني أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه ) واسمه عبدالله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القريشي التيمي ، وأبو بكر كنيته ،والصدّيق لقبه ، وكنية أبيه أبو قحافة ،وأمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ، وهي ابنة عم أبي قحافة وقيل اسمها ليلى . وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الغار وفي الهجرة، والخليفة بعده ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلّم ، وروى عنه عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وحذيفة وزيد بن ثابت وبلال وغيرهم . ، ويقال له عتيق أيضاً لحسن وجهه قال الليث بن سعد وجماعة معه ، وقال الزبير بن بكار وجماعة معه : إنما قيل له عتيق لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به ، وفيل سمي بذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال له أنت عتيق الله من النار ، وكان رضي الله عنه أول الناس إسلاماً وأسلم على يديه خلق كثير وفضائله كثيرة لا تحصى ، وولي الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقام فيها مقام نبي مرسل ، وتوفي رضي الله عنه يوم الجمعة لسبع ليال بقين من
لا يتوضأ من طعام أحل الله أكله . (1/195)
صفحة 196
----------------------------------------
جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة ، وصلى عليه عمر بن الخطاب ، وقيل توفي عشي يوم :
الأثنين وقيل ليلة الثلاثاء وقيل عشاء يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة ، وقيل ولد بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أياما ، ومات بعد النبي صلى الله عليه وسلّم بسنتين وأشهر بالمدينة وهو ابن ثلاث وستين سنة والله أعلم .
قوله ( لا يتوضأ من طعام أحل الله أكله ) ، وقوله في حديث عائشة الآتي ( قدّمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلّم حيساً ملتّتاً بسمن فأكل منه ولم يتوضّ ) وقوله في حديث ابن عباس ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أوتي بكتف مؤربة فأكل ثم صلى ولم يتوضّ ) هذه الأحاديث كلها تدل على انه لا وضوء مما مست النار قولاً وفعلاً ، أما القول فحديث أبي بكر ، وأما الفعل فحديث عائشة وابن عباس ، وقد وردت أحاديث أخر عند قومنا توجب الوضوء مما مست النار ففي بعض الروايات عنه صلى الله عليه وسلّم ( الوضوء مما مست النار ) وفي رواية ( توضأ مما مست النار ) وقد اختلف صدر هذه الأمة فأخذ بعضهم بظاهر هذه الروايات الأخيرة فأوجب الوضوء بأكل ما مسته النار أخذاً بما صح عنه صلى الله عليه وسلّم في ذلك ، وأجابوا عن حديث الوضوء مما مست النار بجوابين أحدهما : أنه منسوخ بحديث جابر رضي الله عنه ( كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلّم ترك الوضوء مما مست النار ) وهو حديث صحيح رواه أبو داؤد والنسائي وغيرهما من أهل السنن بأسانيدهم الصحيحة .
والجواب الثاني : أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين ، قال النوويّ : ثم إن هذا الخلاف كان في الصدر الأول ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسّته النار .
ما جاء في الوضوء من الغيبة
102- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : الغيبة تفطّر الصائم وتنقض الوضوء . (1/196)
صفحة 197
----------------------------------------
قوله ( الغيبة ) بكسر الغين اسم لما يذكر من مثالب الإنسان في غيبته ، إن كانت تلك المثالب فيه فهي الغيبة ، وإن لم تكن فيه فهو البهتان ، وإن قالها في حضرته فهو الشتم ، والكل حرام وبعضها أشد من بعض . ولا بأس بغيبة الفاسق وشتمه لقوله صلى الله عليه وسلّم ( اذكروا الفاسق بما فيه يعرفه الناس ) . قال ضمام : قيل لجابر بن زيد : أرأيت الرجل يكون وقّاعاً في الناس فأقع فيه أله غيبة ؟ قال : لا . قيل له : وما الذي تحرم غيبته ؟ قال : رجل خفيف الظهر من دماء المسلمين خفيف البطن من أموالهم أخرس اللسان عن أعراضهم فهذا الذي تحرم غيبته ، ومن سواه فلا حرمه له ولا غيبة فيه .
قال ضمام : قلت يا أبا الشعثاء ما تقول في الرجل يعرف بالكذب أله غيبة ؟ قال : لا . قلت : والغاش لأمة محمد صلى الله عليه وسلّم ؟ قال : لا غيبة له ولا حرمة وهو مهتوك الستر ألا لا غيبة لكل مهتوك ولا حرمة له عند رب العالمين فكيف عند الخلق ! قلت : فإنه يكذب أحياناً ويغش أحياناً ويتوب أحياناً فأي صنف هذا من الناس ؟ قال : هذا رجل مستخف بالله مستهزئ بالأمة .
قوله ( تفطّر الصائم ) أي تهدم صومه وتتركه هباءً . وفيه دليل على أن كبائر الذنوب تنقض الصوم .
قوله ( وتنقض الوضوء ) يعني إذا فعلها المتوضئ هدمت وضوءه ولزمه أن يتوضأ لصلاته وهو أصل القائلين أن المعاصي تنقض الوضوء ، ولعل المرخصين يقصرون النقض على مورده لأن المعنى الذي صار به النقض بالغيبة غير معقول عندهم فإنه يحتمل أن يكون معنى زائد على العصيان . والجواب : معنى العصيان مفهوم ، واحتمال غيره مخالف لهذا المفهوم .
ما جاء في الوضوء من الريح
103- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : إذا شك أحدكم في صلاته فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يشم ريحاً .
---------------------------------------- (1/197)
صفحة 198
قوله ( إذا شك أحدكم في صلاته 00الخ ) سبب الحديث ما ذكره البخاري ( أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة . فقال : لا ينفلت . أو لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يشم ريحا .) والمعنى أن الشك في نقض الوضوء لا يؤثر في صحته لا سيما إن كان في الصلاة ومثله أيضاً الشك في غيرها لأن من تيقن الطهارة وشك في انتقاضها يكون على يقينه منها ولا يرفع الشك ما ثبت باليقين ، ثم إن هذه القاعدة مطّردة في كل شيء لأن المعنى إذا كان أوسع من اللفظ كان الحكم للمعنى ، هو معنى قولهم ( لا يزيل اليقين إلا يقين مثله ) . قال النوويّ : هذا الحديث أصل في بقاء الأشياء على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك ، ولا يضر الشك الطارئ عليها . وأخذ بهذا الحديث جمهور العلماء ، وخالف مالك فروي عنه النقض بالشك مطلقاً ، وروي عنه النقض خارج الصلاة دون داخلها ، وروي هذا التفصيل عن الحسن البصري وكلاهما مخالف لظاهر النص ، ولعل الحديث لم يبلغهما أو أنه بلغ الحسن فقصر العفو على مورد النص وهو وجه الرواية الثانية عن مالك . وقال الخطابي : استدل به لمن أوجب الحد على من وجد منه ريح خمر لأنه اعتبر وجدان الريح ، ورتّب عليه الحكم .
واعترض : بأن الفرق ممكن ، بأن الحدود تدرأ بالشبهات ، والشبهة هنا قائمة بخلاف الأول فإنه متحقق .
ما جاء في الوضوء من مس الفرج
104- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم : إذا مست المرأة فرجها فلتتوضَّ .
---------------------------------------- (1/198)
صفحة 199
قوله ( إذا مست المرأة فرجها فلتتوضَّ ) وقوله ( في حديث ضمام عن ابن عباس ( ليس على من مس عجم الذنب وضوء ، ولا على من مس موضع الاستحداد وضوء ) وقوله في حديث ابن عباس ( إذا مس أحدكم ذكره فليتوضَّ ) وقوله في حديث بسرة بنت صفوان ( إذا مس أحدكم ذكره فليتوضَّ ) فهذه الروايات كلها دالة على نقض الوضوء بمس الفرج من الذكر والأنثى .
وكان أبو عبيدة رضي الله عنه يشدّد في ذلك حتى قيل أنه كان يتخذ جوارب ليصلي فيها يتقي بذلك أن يصيب مذاكيره مواضع الوضوء من رجليه ، فبلغ ذلك حيّان الأعرج فقال : لقد أشقانا الله في ديننا إن كان الأمر كما يقول أبو عبيدة . وكان أبو نوح يقول : لا ينقض الوضوء إلا بمس الثقبة التي يخرج منها البول .
وقال أبو عبيدة : القضيب كله ينقض . قال أبو سفيان : وأما الدبر والأنثيان وموضع الشعر فلا ينقض مسهن عندهم . قال بعض قومنا : وقد روي الوضوء من مس الذكر عن بضعة عشر نفساً من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم . وذهب العلماء إلى أن الأمر بذلك لمراعاة وجود اللذة ، ولذلك اعتبر بعض العلماء المس بباطن الكف ويدل له قوله صلى الله عليه وسلّم ( أيما رجل أفضى بيده إلى ذكره انتقض وضوءه ، وأيما امرأة أفضت بيدها إلى فرجها انتقض وضوءها ) ولا يتحقق الإفضاء إلا بالمباشرة . قال الدميري – وهو شافعي - : مذهبنا انتقاض الوضوء بمس فرج الآدمي بباطن الكف ، قال : ولا ينتقض بغيره ، ثم عزاه إلى كثير من الصحابة والتابعين . وقال الأوزاعي : ينقض المس بالكف والساعد ، وهو رواية عن أحمد ، وعنه رواية أخرى أنه ينقض ظهر الكف وبطنها ، وأخرى أن الوضوء مستحب ، وأخرى بشرط المس بشهوة ، وهي رواية مالك . وقال طائفة : لا ينقض مطلقاً ، وحكي هذا القول عن جماعة من الصحابة والتابعين ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وابن القاسم وسحنون واختاره ابن المنذر . وقيل ينقض بمسه ذكره دون غيره . (1/199)
صفحة 200
ما جاء في أنه لا يتوضأ رجل من قبلة امرأته ولا من مسها
105- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن عروة بين الزبير يقول عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : يقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثم يصلي ولا يتوضأ .
----------------------------------------
قوله ( عن عروة بن الزبير ) بن العوام الأسدي القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة وأحد علماء التابعين ، وكنيته أبو عبدالله ، وأمه أسماء بنت أبي بكر ، يروي عن أبيه وأمه وخالته عائشة وعلي ومحمد بن سلمة وأبي هريرة ، وقيل عروة عن أبيه مرسل ، وروى عنه أولاده عثمان وعبدالله وهشام ويحيى ومحمد وسليمان بن يسار وابن أبي مليكة وخلائق . قال العجلي : عروة لم يدخل نفسه في شيء من الفتن . وقال الزهري : كان يتألف الناس على حديثه ، ولد سنة تسع وعشرين ، ومات سنة اثنتين وتسعين ، وقيل سنة ثلاث وتسعين ، وقيل سنة أربع وتسعين ، وقيل سنة خمس وتسعين . (1/200)
صفحة 201
قوله ( يقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثم يصلي ولا يتوضأ ) وقولها في الحديث الآتي ( فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذات ليلة فوجدته يصلي فطلبته فوقعت يدي على أخمص رجليه وهما منصوبتان وهو يقول أعوذ بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك ) قال جابر : هذا الحديث يدل على إزالة الوضوء من مس الرجل امرأته . واستدل به غيره على عدم النقض بذلك ، ويدل عليه الحديث الأول فإن التقبيل وإن كان لثماً على الوجه المخصوص فإنه يستلزم المس ، والمذهب عدم النقض من مس الرجل امرأته في غير الفرج . ولعل جابراً كان يرى ذلك ولكن أراد أن ينبه على دلالة الحديث فقط ، فإن ما ذهبنا إليه هو مذهب ابن عباس وعلي بن أبي طالب وغيرهم وهو مذهب الحنفية ،وقلّ ما يخالف جابر شيخه ابن عباس رضي الله عنهما ، ووجه الدلالة التي فهمها جابر من الحديث قوله صلى الله عليه وسلّم ( أعوذ بعفوك من عقابك 00 الخ ) فإن فيه الانتقال من الصلاة إلى الدعاء . والجواب : أن ذلك لا يدل على النقض بل غاية ما فيه أنها سمعته يقول ذلك في سجوده فيستفاد منه جواز الدعاء بمثله في السجود . والقول بالنقض يروى عن ابن مسعود وابن عمر وزيد بن أسلم والزهري والشافعي وأصحابه . وصرّح ابن عمر بأن من قبّل امرأته أو جسّها بيده فعليه الوضوء . قلنا : لا حجة في قول الصحابي نفسه بل الحجة في قول الله ورسوله صلى الله عليه وسلّم ، فقول الصحابي لا يعارض السنة ، وتعلق المخالف بقوله تعالى ( أو لامستم النساء ) لا يدل على المطلوب فإن الملامسة في الآية كناية عن الجماع لا نفس المس باليد .
ما جاء في الوضوء من القيء والقلس
106- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : من قاء أو قلس فليتوضَّ . (1/201)
صفحة 202
107- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت : فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذات ليلة فوجدته يصلي فطلبته فوقعت يدي على أخمص رجليه وهما منصوبتان وهو يقول : أعوذ بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك . قال جابر : هذا الحديث يدل على إزالة الوضوء من مس الرجل امرأته .
----------------------------------------
قوله ( من قاء أو قلس فليتوضَّ ) أي من خرج منه القيء أو القلس فليتوض ، واستحب أبو عبيدة رحمه الله تعالى أن يتوضأ من القلس إذا وجد طعمه ولم يبلغ حد الفم .
والقول بظاهر الحديث وهو الوضوء من القيء والقلس مذهبنا ومذهب كثير من الناس وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ، لكن قيّدوه بقيود لا دليل عليها . وذهب الشافعي وأصحابه ووافقهم بعض الناس من غيرهم إلى أنه غير ناقض وأجابوا عن الحديث بأن المراد بالوضوء غسل اليدين ، وردّ : بأن الوضوء من الحقائق الشرعية وهو غسل أعضاء الوضوء واستعماله لغسل بعضها مجاز شرعي لا يصار إليه إلا بدليل وعلاقة ، قالوا : الدليل أنه استقاء بيده كما ثبت في بعض الألفاظ ، قالوا : والعلاقة ظاهرة . قلنا : العموم في قوله ( من قاء أو قلس ) ناطق بوجوب إثبات الوضوء على صاحب هذا الحال ولا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ ، والله أعلم .
قوله ( فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذات ليلة ) الظاهر يقضي أنها فقدته في ليلة من لياليها لأنها لا تكترث بليلة غيرها . وفيه جواز القيام إلى الصلاة في ليلة المرأة إذا كانت نائمة ، ويستحب استئذانها إن كانت منتبهة كما استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلّم عائشة في رواية أخرى .
قوله ( فطلبته ) أي فطلبت المكان الذي كان يصلي فيه ، وهذا من قولها يدل على أن قولها ( فوجدته يصلي ) حكم بمجرد الحس والسماع ، ومثل هذا كثير في التوسع .
قوله ( فوقعت يدي ) أي صادفت يدي أخمص رجليه . والأخمص ما دخل من باطن القدم فلم يصب الأرض . (1/202)
صفحة 203
قوله ( وهو يقول ) أي والحال أنه يقول ذلك .
قوله ( أعوذ بعفوك ) أي ألتجئ وأعتصم ، والعفو تأخير العذاب والعقاب المؤاخذة بالذنب والمعنى التجأ إلى عفوك فاراً من عقابك ( لا ملجأ من الله إلا إليه ) ( إلى ربك يومئذ المستقر ) .
قوله ( وبرضاك من سخطك ) أي والتجأ برضاك فاراً من سخطك ، وفيه ترقي من رتبة العفو إلى رتبة الرضا . وفيه أن العفو والرضا والعقاب والسخط من صفات الأفعال ، وهو مذهب أهل الجبل من أصحابنا ، وهو الظاهر من كلام المشارقة أيضاً . وعند المغاربة أن الرضا والسخط والولاية والبراءة ليست من الأفعال وإنما هي من الصفات ، ورتّب عليه بعضهم منع قول القائل أعوذ برضاك من سخطك ، وهو منع لا يسمع لأنه مخالف للنص الصريح ، ورسول الله صلى الله عليه وسلّم أعرف بالله من كل أحد . وقال أبو عمّار : يجوز أعوذ برضاك من سخطك لا على معنى أن الرضا والسخط أفعال ، بل على اتساع اللغة لأنهم يقيمون الصفة مقام الموصوف ، وقال تعالى ( إن أصبح ماؤكم غوراً ) أي غائراً . قال : والمعنى أعوذ بالراضي الساخط . واعترضه المحشي : بأن قوله هذا بعيد من مدلول العبارة جداً . قال : وظاهر قوله تعالى ( فظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ) يدل على أنه يصح أن يقال ألجأ من الله إلى الله ، قال : وهو معنى أعوذ بك منك لأن الاستعاذة والالتجاء واحد .
قوله ( يدل على إزالة الوضوء ) هكذا في ما رأيناه من النسخ ، وكأن جابراً رضي الله عنه فهم من الحديث أنه صلى الله عليه وسلّم ترك الصلاة وانتقل إلى الدعاء بمس عائشة أخمص رجليه . ولا دليل فيه على هذا بل استدل به غيره على عدم النقض وقد تقدم القول في ذلك آنفاً .
108- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : قالت عائشة رضي الله عنها : قدّمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلّم حيساً ملتّتاً بسمن فأكل منه ولم يتوضَّ . قال الربيع : الحيس السويق الملتّت بالسمن .
---------------------------------------- (1/203)
صفحة 204
قوله ( قدّمنا ) بالتشديد أي وضعناه قدّامه .
قوله ( حيساً ) وهو الطعام المتخذ من التمر والسمن والأقط . وقد يجعل عوض الأقط الدقيق . وفي المصباح : الحيس تمر ينزع نواه ، ويدق مع أقط ويعجنان بالسمن ثم يدلك باليد حتى يبقى كالثريد وربما جعل منه سويق .
قال الربيع : الحيس السويق الملتّت بالسمن . وكأنه يريد الذي في هذا الحديث خاصة ،والراوي أعرف بما روى .
قوله ( ملتّتاً بسمن ) أي مبلولاً به ، يقال لت الرجل السويق لتاً من باب قتل بله بشيء من الماء .
قوله ( ولم يتوضَّ ) تقدم شرحه قريباً في حديث أبي بكر .
قوله ( السويق ) هو دقيق الشعير أو السلت المقلي . وفي هدي الساري : هو القمح أو الشعير المقلو ثم يطحن .
109- أبو عبيدة عن ضمام بن السائب قال : بلغني عن ابن عباس يروي عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : ليس على مس عجم الذنب وضوء ، ولا على مس موضع الاستحداد وضوء .
----------------------------------------
قوله ( عن ضمام بن السائب ) من أهل العلم والتحقيق والكاشف أمر المعضلات ، أخذ عن جابر وغيره ، وكان ما أخذ عن جابر أكثر مما أخذ عنه أبو عبيدة . قال أبو سفيان : قال أبو الحر لأبي عبيدة : أقم للناس خمسة أيام بعد الموسم . فأبى . فقيل له عليك بضمام . فقال : أو عنده من العلم ما يكتفي به الناس ؟ قالوا : وفوق ذلك . فأتاه فأقام للناس وكثر عليه السؤال وكان جوابه : ( سألت جابراً ، أو سئل جابر ، وسمعت جابراً ، وقال جابر ) . وكان رواية جابر ، وله آثار رواها عن جابر ورواها عنه الربيع ورواها عن الربيع أبو صفرة عبد الملك بن صفرة ، وهي غير رواية الربيع عن أبي عبيدة عن جابر . وقال أبو عبدالله : كان ضمام بن السائب رحمه الله من الندب، وأصله من عمان ومولده بالبصرة ، وكان ضمام يكنى أبا عبدالله .
قوله ( عجم الذنب ) العجم بفتح المهملة وسكون الجيم اصل الذنب من الدابة ، والذنب بفتحتين هو الذيل . (1/204)
صفحة 205
قوله ( موضع الاستحداد ) هو موضع الحلق من العانة ، والاستحداد استعمال الحديد في حلق العانة . والمقصود من الحديث أن الوضوء لا ينقض بمس المواضع التي حول الفرجين ، ومفهومه النقض بمس الفرجين فقط وقد تقدم ذلك .
ما جاء في أن القيء والرعاف ينقضان الوضوء دون الصلاة
110- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : القيء والرعاف لا ينقضان الصلاة فإذا انفلت المصلي بهما توضأ وبنى على صلاته .
----------------------------------------
قوله ( القيء ) هو الخراج من المعدة إلى الحلق الفائض عن الفم ، فإن لم يفض فهو القلس .
والرعاف : خروج الدم من الأنف ، ويقال الرعاف الدم نفسه ، سمي بذلك لأنه يسبق علم الراعف ويتقدمه ، يقال فرس راعف إذا كان سابقاً .
قوله ( لا ينقضان الصلاة ) لكونهما ضروريين لا يستطاع دفعهما فناسب ترتيب العفو عنهما في الصلاة دون الوضوء فهي رخصة خاصة بهذين الحدثين فلا تجاوزهما إلى غيرهما وإن شاركهما في المعنى .
زاد الشيخ عامر في الإيضاح في رواية هذا الحديث الخدش وهو الجرح في ظاهر الجلد وسواء دمي الجلد أو لا عبارته : من طريق ابن عباس أن النبي عليه السلام قال : القيء والرعاف والخدش لا تنقض الصلاة فإذا انقلب المصلي توضأ وبنى على صلاته .
قوله ( فإذا انفلت بهما ) أي خرج من الصف ومن موضع صلاته ، والباء في قوله ( بهما ) للسببية .
قوله ( توضأ ) أي أعاد الوضوء لأنه ينتقض بذلك ، ولا يتكلم في انصرافه ولا في رجوعه لأنه في حكم المصلي وإن كان إماماً انتظروه حيث وقف حتى يعود إليهم فيتم بهم .
قوله ( وبنى على صلاته ) أي صلى ما بقي منها وجعله متصلاً بالأول ، فما صلاّه أولاً في حكم الأساس لهذا الباقي فلذا سمي الضم إليه بناء . قال الشيخ عامر : وأما غير هذه الوجوه من الأنجاس فلا يبنى بها في الصلاة ولا يستخلف . (1/205)
صفحة 206
وعند قومنا عن إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبني على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم . رواه ابن ماجه والدارقطني ، وقال الحفاظ من أصحاب ابن جريج يروونه عن ابن جريج عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلّم مرسلاً .
ففي هذا الحديث زيادة المذي ، أما القلس فهو داخل في حكم القيء وإن لم تصرح به رواية الربيع رحمة الله عليه فإنهما بمعنى واحد كما تقدم ذكرهما معاً في نقض الوضوء بهما .
وإن وصل ثوبه أو جسده شيء من هذه الوجوه التي يبنى بها في الصلاة فقيل يستخلف ويغسل جسده وثوبه إن لم يجد ثوباً غيره ويبني على صلاته ، وقيل لا يبني ولا يستخلف .
وإن مسه شيء منها من قبل غيره فلا يبني به ولا يستخلف .
وإن شك في حصول ذلك منه فإنه يمضي على صلاته حتى يتمها ولا ينصرف بنفس الشك لما تقدم في حديث الريح .
وإن وجد بعد الفراغ شيئاً ورأى أنه حدث في الصلاة فليستأنف صلاته ، والله أعلم .
111- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أوتي بكتف مؤربة فأكل ثم صلى ولم يتوضَّ .
قال الربيع : المؤربة : الموفرة .
112- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عروة بن الزبير قال : دخلت على مروان الحكم قال : فتذاكرنا ما كان من نقض الوضوء . قال مروان : من مس ذكره فليتوضَّ . قال فقلت له : ما أعلم ذلك ! فقال مروان : أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول : إذا مس أحدكم ذكره فليتوضًّ .
----------------------------------------
قوله ( أوتي بكتف ) رواية البخاري أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضَّ ، والله أعلم . (1/206)
صفحة 207
قوله ( مؤربة ) بميم مضمومة وهمزة مفتوحة وراء مشدّدة مفتوحة وباء موحدة ، قال الربيع : المؤربة الموفرة فهي مأخوذة من أربت الشي إذا وفّرته ويقال أعطاه عضواً مؤرباً أي تاماً .
قوله ( دخلت على مروان الحكم ) ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي ، وهو ابن عم عثمان بن عفان ، وأبوه الحكم هو الطريد ، ويكنى أبا عبد الملك ، ولد يوم أحد وقيل يوم الخندق وقيل ولد بمكة وقيل بالطائف ، ولم ير النبي صلى الله عليه وسلّم لأنه خرج إلى الطائف طفلاً لا يعقل لما نفى النبي صلى الله عليه وسلّم أباه الحكم ، وكان مع أبيه بالطائف حتى استخلف عثمان فردهما عثمان ، واستكتب مروان وضمه إليه ونظر إليه علي يوماً فقال : ويلك وويل أمة محمد منك ومن بنيك ، وكان يقال لمروان ( خيط باطل ) ، وضرب يوم الدار على قفاه فقطع أحد علباويه فعاش بعد ذلك أوقص ( والأوقص الذي قصرت عنقه ) ، واستعمله معاوية على المدينة ومكة والطائف ثم عزله عن المدينة سنة ثمان وأربعين ، واستعمل عليها سعيد بن أبي العاص وبقي عليها أميراً إلى سنة أربع وخمسين ثم عزله واستعمل الوليد بن عتبة بن أبي سفيان فلم يزل عليها إلى أن مات معاوية ، ولما مات معاوية بن يزيد بن معاوية ولم يعهد إلى أحد بايع بعض الناس بالشام مروان بن الحكم بالخلافة ، وبايع الضحاك بن قيس الفهري بالشام أيضاً إلى عبدالله بن الزبير فالتقيا واقتتلا بمرج راهط عند دمشق فقتل الضحاك واستقام الأمر بالشام ومصر لمروان . وقال أخوه عبد الرحمن بن الحكم – وكان ماجناً حسن الشعر لا يرى رأى مروان - :
فوالله ما أدري وإني لسائل حليلة مضروب القفا كيف تصنع
لحا الله قوماً أمّروا خيط باطل على الناس يعطي ما يشاء ويمنع (1/207)
صفحة 208
وقيل إنما قال عبد الرحمن هذا حين استعمل معاوية مروان على المدينة ، وتزوج مروان أم خالد بن يزيد ، وقال يوماً لخالد : يابن الرطبة الأست . فقال له خالد : أنت مؤتمن خائن . وشكا خالد ذلك إلى أمه فقالت : لا تعلمه أنك ذكرته لي . فلما دخل عليها مروان قامت إليه مع جواريها فضمته حتى مات ، وكانت مدة ولا يته تسعة أشهر ، وقيل عشرة أشهر ، ومات وهو معدود فيمن قتله النساء ، روى عنه علي بن الحسين وعروة بن الزبير .
قوله ( سمعت بسرة بنت صفوان ) بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى بن قصي بن كلاب القرشية الأسدية ، وقيل في نسبها غير هذا وهذا أصح ، فهي ابنة أخي روقة بن نوفل ، وأمها سالمة بنت أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية ، وكانت بسرة عند المغيرة بن أبي العاص فولدت معاوية وعائشة ، فكانت عائشة أم عبد الملك ابن مروان بن الحكم فبسرة أم امرأة مروان ، روت عنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وروى عنها مروان بن الحكم وسعيد بن المسيب وغيرهم .قال ابن الأثير : أخبرنا غير واحد بإسنادهم عن محمد بن عيسى حدثنا إسحاق بن منصور أخبرنا يحيى بن سعيد القطان عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ . قال : ورواه غير واحد عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة . قال : ورواه عن عروة عن بسرة أخرجه الثلاثة .ا.هـ. كلام ابن الأثير .
والحديث عند الربيع رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم عن بسرة بنت صفوان فهي أعلى الطرق وأقواها تناقله فقيه عن فقيه وسنده متصل فلا يعل بشيء إلا بذكر مروان فيه وهو مع ما كان منه قبلوا روايته ، ولعله لأجل ما عرفوا حاله في نقل الخبر وكانوا لا يكذبون بل كان الكذب عندهم مخلاً بالمروءة فهم يتجنبونه في الجاهلية والإسلام . (1/208)
صفحة 209
والنقض بمس الذكر تقدم الكلام فيه آنفاً ، ولعل ذلك لأجل إثارة الشهوة ، والظاهر أنه غير معقول المعنى فهو من جملة التعبد الذي لا نعرف علته ، والله أعلم .
الباب الثامن عشر
ما جاء في النوم الذي ينقض الوضوء
113- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : سجد رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى غط فنفخ فقام فصلى . فقلت : يا رسول الله قد نمت . فقال صلى الله عليه وسلّم : إنما الوضوء على من نام مضطجعا .
114- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : العينان وكاء الدبر . قال الربيع : الوكاء : الخيط الذي يشد به فم القربة .
115- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ينامون جلوساً حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون ، والنبي صلى الله عليه وسلّم يشاهدهم على تلك الحالة ولا يأمرهم بإعادة الوضوء .
116- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : وقد بلغني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ينام قاعداً ثم يصلي ولا يتوضأ .
----------------------------------------
قوله ( في النوم الذي ينقض الوضوء ) والنوم غشية ثقيلة تهجم على القلب فتقطعه عن المعرفة بالأشياء ، ولهذا قيل هو آفة لأن النوم أخو الموت ، وقيل السنة هي النعاس ، وقيل النوم مزيل للقوة والعقل أما السنة ففي الرأس والنعاس في العين . وقيل السنة ريح النوم تبدو في الوجه ثم تنبعث إلى القلب فينعس الإنسان فينام . (1/209)
صفحة 210
قوله ( سجد رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى غط فنفخ فقام فصلى . فقلت : يا رسول الله قد نمت . فقال صلى الله عليه وسلّم : إنما الوضوء على من نام مضطجعا ) وقوله ( العينان وكاء الدبر ) ، وقوله (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ينامون جلوساً حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون ، والنبي صلى الله عليه وسلّم يشاهدهم على تلك الحالة ولا يأمرهم بإعادة الوضوء ) ، وقوله (بلغني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ينام قاعداً ثم يصلي ولا يتوضأ ) غطيط النائم نخيره ، والاضطجاع وضع الجنب على الأرض ، والوكاء الخيط الذي يشد به فم القربة استعارة للعينين بالنسبة إلى الدبر ، فإنهما إذا كانتا مستيقظتين كان المرء قادراً على إمساك دبره فقلما ينفلت منه شيء وإن انفلت أحسه ، وإن نامت عيناه ذهبت حاسته وانطلق الدبر فلا يحس الخراج منه . وخفقان الرؤوس ميلانها ، فمجموع هذه الأحاديث يدل على أن الناقض النوم حالة الاضطجاع دون من نام ساجداً أو قاعداً ، وألحق بعضهم بالمضطجع المتكئ على جدار أو نحوه فإنه في معنى المضطجع لاستناده عليه ، لكن قوله ( العينان وكاء الدبر ) يدل على أن غلبة النوم المذهب للحاسة ناقض مطلقاً لأن خوف خروج الحدث حاصل عند ذهاب الحاسة وبه تعلق من قال ينقض النوم مطلقا . والقول الثاني : لا ينقض إلا نوم الاضطجاع وهو ما قدّمنا ذكره .
والقول الثالث : أن من نام ساجداً أو متكئاً على شيء انتقض وضوءه لأنه في معنى الاضطجاع ، ويرده الحديث الأول من الباب فإنه وارد في النوم ساجداً ، إلا أن يفرق هذا القائل بين النبي صلى الله عليه وسلّم وغيره وحينئذ فيطالب بدليل الخصوصية ، على أن ظاهر الحديث يقتضي التعميم . والقول الرابع : الجمع بين الأحاديث وذلك أن تحمل الأحاديث الموجبة للنقض على النوم الثقيل ، والأحاديث التي لم توجب النقض على النوم الخفيف . (1/210)
صفحة 211
وقسّم في القواعد النوم على أربعة أقسام : أحدها أن يكون طويلاً ثقيلاً في حالة الاضطجاع فهذا متيقن على انه ينقض الوضوء . والثاني : أن يكون قصيراً خفيفاً غير مزيل للعقل فهذا لا ينقض الوضوء على أي حال كان عليها المتوضئ من قيام أو قعود أو اضطجاع . والثالث : أن يكون خفيفاً طويلاً بمعنى أن النعاس لم يغلب عليه ولكن يطاوله ويغلبه ، وهذا فيه اختلاف إذا كان مضطجعاً والأصل فيه الانتقاض . والرابع : أن يكون ثقيلاً قصيراً وهذا أيضاً مختلف فيه . وهذا التقسيم مستنبط بقوة الفهم وفرط الذكاء من الأدلة النبوية ، وقصره الخلاف على القسمين الأخيرين يشبه أن يكون بالنظر إلى المذهب خاصة فإن الخلاف بين الأمة لا ينحصر في القسمين خاصة وقد بسطنا القول فيه ونقلنا أقوال الأمة في الأول من المعارج ، والله أعلم .
الباب التاسع عشر
في المسح على الخفين
117- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم مسح على خفه قط .
118- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم مسح على خفه قط ، وإني وددت أن يقطع الرجل رجليه من الكعبين أو يقطع الخفين من أن يمسح عليهما .
119- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : أدركت جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم فسألتهم هل يمسح رسول الله صلى الله عليه وسلّم على خفيه ؟ قالوا : لا .
قال جابر : كيف يمسح الرجل على خفيه والله تعالى يخاطبنا في كتابه بنفس الوضوء ، والله أعلم بما يرويه مخالفونا في أحاديثهم .
120- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت : لأن أحمل السكين على قدمي أحب إليّ من أمسح على الخفين .
---------------------------------------- (1/211)
صفحة 212
قوله ( في المسح على الخفين ) وغيرهما فإنه ذكر المسح على الجبائر ومسح الرأس والأذنين ومسح الوضوء بالمنديل ، وقد تقدم ذلك كله إلا المسح على الجبائر في آداب الوضوء وفرضه فلا نعيد شرحه ، وإنما كرّره المرتب لمناسبته المسح . فإنه لما ترجم للمسح على الخفين ساق معه المواضع الممسوحة حتى إذا راجعه الناظر وجد بغيته مجتمعة . وفيه إشارة إلى أن المسح بالنظر إلى حكم الشرع صنفان : منفي وثابت . فالمنفي منهما عندنا مسح الخفين ، والثابت ما عداه إلا مسح أثر الوضوء فقد تقدم الكلام فيه أنه منسوخ . فأما مسح الخفين فذكر في نفيه أحاديث:
أحدها : قوله عن ابن عباس قال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم مسح على خفه قط .
وثانيها : قوله عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم مسح على خفه قط ، وإني وددت أن يقطع الرجل رجليه من الكعبين أو يقطع الخفين من أن يمسح عليهما .
وثالثها : قوله : أدركت جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم فسألتهم هل يمسح رسول الله صلى الله عليه وسلّم على خفيه ؟ قالوا : لا .
ورابعها : قوله عن عائشة رضي الله عنها قالت : لأن أحمل السكين على قدمي أحب إليّ من أمسح على الخفين .
قال جابر : كيف يمسح الرجل على خفيه والله تعالى يخاطبنا في كتابه بنفس الوضوء ، والله أعلم بما يرويه مخالفونا في أحاديثهم . وهذا الكلام من جابر بعد قوله ( أدركت جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم فسألتهم هل يمسح رسول الله صلى الله عليه وسلّم على خفيه ؟ قالوا : لا . يدل على أن جابراً رحمه الله تعالى كان قد اعتنى بالبحث عن هذا الحكم كل الاعتناء بعد سماعه الأحاديث التي يرويها مخالفونا فلم يجد لها مع الصحابة أصلاً ، وإنما وجد عندهم إنكار ذلك .
وقد روي الإنكار أيضاً عن أبي هريرة مع كثرة حفظه وروايته لما لم يروه غيره . (1/212)
صفحة 213
وأنكر مالك بن أنس جواز المسح على الخفين . ولا نزاع بين القوم أنه كان في علم الحديث كالشمس الطالعة فلولا أنه عرف أن الخبر بذلك ضعيف لما أنكره . وجابر عند الكل أعلم بالكتاب والسنة ممن بعده ، وأعلم من كثير ممن كان في عصره ، وقد أدرك الصحابة وسألهم وطلب ذلك الحكم فلم يجده عند أحد منهم ، ثم استدل على استبعاده بوجوب الوضوء في آية المائدة ، فإن السمح على الخفين غير غسل الرجلين وغير مسحهما أيضاً ، فليس المسح على الخفين مسحاً على الرجلين مع أنا نوجب غسلهما للبيان الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم في صفة الوضوء .
ووافقنا على إنكاره كثير من الناس منهم العترة جميعاً في ما قيل ، والإمامية من الشيعة والخوارج وأبو بكر الظاهري ، واستدلوا بآية المائدة التي استدل بها جابر ، وبقوله صلى الله عليه وسلّم لمن علّمه الوضوء : ( واغسل رجليك ). ولم يذكر المسح . وقوله بعد غسلهما : ( لا يقبل الله الصلاة من دونه ). وقوله : ( ويل للأعقاب من النار ) .
قال أبو سعيد : مسح الخفين إما بدعة أو منسوخ . قلت : لكن كلام جابر ونقله عن الصحابة يشعر بأنه لم يكن شيئاً . وقال كثير من الناس : إن الأخبار بذلك منسوخة بآية المائدة .
وفي بعض كتب قومنا أن الأمير الحسين ساق قصة الشفاء فيها المراجعة الطويلة بين علي وعمر واستشهد علي اثنين وعشرين رجلاُ فشهدوا بأن المسح كان قبل المائدة . لكن قال بعضهم : لم أر هذه القصة في شيء من كتب الحديث . (1/213)
صفحة 214
وقد قال بجواز المسح على الخفين كثير من قومنا ، وأجمع الكل على أنه غير واجب فتركه أحوط على تقدير القول بجوازه ، لأن الوضوء ثابت بنص الكتاب ، وهو واجب بإجماع الأمة فالآخذ به آخذ بالكتاب والسنة والإجماع ، والتارك لبعضه مخالف لظاهر الكتاب مخالف لأهل الحق من أهل الاستقامة واقع في خطر النزاع ، فلا عبرة بقول ابن المنذر : أن المسح أفضل لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض . قال : وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه . ا.هـ.
وقد عرفت أن السنة لم تثبت في ذلك وأن المنكر له الصحابة والتابعون فليجعلهم ابن المنذر حيث شاء .
ما جاء في المسح عل الجبائر
121- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن علي بن أبي طالب أنه انكسر إحدى زنديه فسأل النبي صلى الله عليه وسلّم أن يمسح على الجبائر ، قال : نعم .
122- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان متخذاً منديلاً يمسح به عند الوضوء ، وكان بعض نسائه يناوله إياه ويجفف به . والحديث مذكور في باب آداب الوضوء .
123- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه مسح ببعض رأسه في الوضوء .
124- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : الأذنان من الرأس . قال : وبلغني عنه عليه السلام أنه غرف غرفة فمسح بها رأسه وأذنيه.
---------------------------------------- (1/214)
صفحة 215
قوله ( إحدى زنديه ) الزند بفتح الزاء وسكون النون هو موصل طرفي الذراع في الكف وهما زندان الكوع والكرسوع . والجبائر جمع جبيرة أو جبارة وهي العيدان التي يجبر بها العظام ، وفي معناها اللفافة والخرقة لبتي توضع على الجرح في موضع الوضوء . وقد رخّص رسول الله صلى الله عليه وسلّم لعلي أن يمسح على الجبائر فيجب أن يحمل ما كان في معناها عليها لأن المعنى الذي لأجله جاءت الرخصة مفهوم وهو خوف الضرر بنزع الجبائر واستعمال الوضوء ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ويستفاد منه أن القادر على بعض الواجب يفعله وليس له ترك الكل للعجز عن بعض كما يصرح بذلك قوله صلى الله عليه وسلّم في حديث أبي هريرة ( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ) .
الباب العشرون
جامع الوضوء
ما جاء في شيطان الماء
125- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلّم : إن لبدء الوضوء شيطاناً يقال له الولهان فاحذروه.
قال الربيع : إنما سمي الولهان لأنه يلهي النفوس .
----------------------------------------
قوله ( جامع الوضوء ) أي يجمع أحاديث لا تختص بباب دون باب . وذكر فيه ثلاثة أحاديث أحدهما أبيّ بن كعب في شيطان الماء ، والثاني حديث أبي هريرة في عقد الشيطان على قافية أحدكم ، والثالث حديث أنس بن مالك في نبع الماء من تحت أصابع النبي صلى الله عليه وسلّم فتوضئوا إلى آخرهم . (1/215)
صفحة 216
قوله ( إن لبدء الوضوء شيطاناً ) هكذا وقع في هذه الرواية بزيادة ( بدء ) ولم تثبت في غيرها في ما علمت ، والزيادة من العدل مقبولة . ومعناها أن لأول الوضوء شيطاناً ، فهي تفيد أن الشيطان يقعد للمتوضئ عند أول وضوءه فإذا شرع في الوضوء المسنون ولم يلتفت إلى وسوسته أدبر عنه وإلا لازمه ولبّس عليه أمره . وجاء في بعض الروايات أن للوضوء شيطاناً يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء . وجاء عن الحسن أن شيطاناً يضحك بالناس في الوضوء يقال له الولهان .
قوله ( يقال له الولهان ) على وزن غضبان . قال الربيع : وإنما قيل له ولهان لأنه يلهي النفوس أي يشغلها عن ذكر الله تعالى ويولعها بكثرة استعمال الماء .
ووجه التسمية محتاج إلى النقل فإنها وقائع لابد من ضبطها ، ولا يطلع عليها غالباً بالقياس . والظن بمثل الربيع أن يكون معه في ذلك نقل لكنه اختصر البيان ، ويمكن أن يكون اجتهد في استخراج الوجه بالمعنى المناسب فإن كان نقلاً فلا كلام إلا التسليم والقبول وإن كان استنباطاً احتاج إلى النظر في طريقه والمادة لا تساعده لأن مادة ألهى غير مادة وله ، ويمكن أنه
فسّره بلازمه فإن من وله وتحير اشتغل عن ذكر الله تعالى والنهي بما لا طائل تحته ، والله أعلم .
ما جاء في حل عقد الشيطان
126- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : يعقد الشيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقدات يضرب مكان كل عقدة
---------------------------------------- (1/216)
صفحة 217
قوله ( يعقد 00الخ ) قيل هو مثل واستعارة من عقد بني آدم ، وقيل بل على ظاهره وأن الشيطان يفعل من ذلك نحو ما يفعله السواحر من عقدها ونفثها . والمراد بالشيطان الفاعل لذلك القرين أو غيره . ويحتمل أن يراد به رأس الشياطين وهو إبليس ، وتجوز نسبة ذلك إليه لكونه الآمر به الداعي إليه . والمراد بالقافية مؤخر الرأس ، وقافية كل شيء مؤخره ، ومنه قافية القصيدة . وقيل القافية الرأس ، وقيل وسطه . وظاهر قول ( أحدكم ) التعميم للمخاطبين ، ويمكن أن يخص منه من صلى العشاء في جماعة عند بعضهم ومن ورد في حقه أنه يحفظ من الشيطان كالأنبياء ومن تناوله قوله تعالى ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) ، وكمن قرأ آية الكرسي عند نومه فقد ثبت أنه يحفظ من الشيطان حتى يصبح .
قوله ( ثلاث عقدات ) تقدم الخلاف في معنى عقد الشيطان وهل هو مجاز أو حقيقة ، وعلى القول بأنه حقيقة فالمعقود شيء عند قافية الرأس ، لا قافية الرأس نفسها . وهل العقد في شعر الرأس أو في غيره ؟ استقرب بعضهم الثاني إذ ليس لكل أحد شعر .
وجاء في رواية عند قومنا ( على قافية رأس أحدكم حبلاً فيه ثلاث عقد ) كانت الساحرة تأخذ الخيط فتعقد منه عقدة وتتكلم عليه بالسحر فيتأثر المسحور عند ذلك ومنه قوله تعالى ( ومن شر النفاثات في العقد ) فالشيطان يفعل مثلها على هذا القول وهو أظهر والحمل عليه أولى .
قوله ( يضرب مكان كل عقدة ) أي بيده تأكيداً وإحكاماً لها ويقول له ( عليك ليل 0الخ ) . وقيل معنى يضرب يحبس الحس عن النائم حتى لا يستيقظ ومنه قوله تعالى ( فضربنا على آذانهم ) أي حجب الحس أن يلج في آذانهم فينتبهوا .
عليك ليل طويل فارقد .، فإذا استيقظ وذكر الله انحلّت عقدة ، فإذا توضأ انحلّت عقدة ، فإذا صلى انحلّت عقدة فيصبح نشيطاً طيب النفس ، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان .
---------------------------------------- (1/217)
صفحة 218
قوله ( عليك ليل طويل ) وفي نسخة ليلاً طويلاً . وذكر ابن حجر فيه روايتين الرفع والنصب .
وقال عياض : رواية الأكثر عن مسلم النصب على الإغراء ، ومن رفع فعلى الابتداء أي باقٍ عليك ، أو بإضمار فعل أي بقي عليك .
وقال القرطبي : الرفع أولى من جهة المعنى لأنه الأمكن في الغرور من حيث أنه يخبر عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد بقوله ( ارقد ). قال : وإذا نصب على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمر بملازمة طول الرقاد وحينئذ يكون قوله ( فارقد ) ضائعاً ، ومقصود الشيطان بذلك تسويفه للقيام والإلباس عليه .
قوله ( انحلّت عقدة ) هو ظاهر على قول من جعلها حقائق ، وأما على قول القائلين بالمجاز فمعنى انحلالها عندهم عبارة عن ضعف كيده بذكر الله تعالى أول مرة ثم يزداد ضعفاً بالوضوء ثم الصلاة حتى يصبح نشيطاً طيب النفس ، ففي صلاة الليل سر في حل عقد الشيطان وإضعاف كيده وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى ( إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلا ) . واستنبط منه أن من فعل ذلك مرة ثم عاد إلى النوم لا يعود إليه الشيطان بالعقد ، واستثنى بعضهم من ذلك من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فإن الشيطان لا زال مستولياً عليه . وفصّل بعض قومنا بين من يفعل ذلك مع الندم والتوبة والعزم والإقلاع وبين المصر .
قوله ( وإلا أصبح خبيث النفس كسلان ) لتركه ما اعتاده من فعل الخير .
وقوله ( كسلان ) غير مصرف للوصف وزيادة الألف والنون . ومقتضى قوله ( وإلا أصبح ) أن من لم يجمع الأمور الثلاثة يدخل تحت من يصبح خبيث النفس كسلان وإن أتى ببعضها . ويستفاد من قوله ( فإذا استيقظ وذكر الله انحلّت عقدة 00الخ ) أن من ذكر الله ولم يتوضَّ مثلاً كان في ذلك أخف ممن لم يذكر الله أصلاً . (1/218)
صفحة 219
وقال ابن عبد البر : هذا يختص بمن لم يقم إلى صلاته وضيعها ، أما من كانت عادته القيام إلى الصلاة المكتوبة أو إلى النافلة بالليل فغلبته عينه فقد ثبت أن الله يكتب له أجر صلاته ، ونومه عليه صدقة . قال : وشدّد بعض التابعين فأوجب قيام الليل ولو قدر حلب شاة . والذي عليه جماعة العلماء أنه مندوب إليه . وكأن المشددين أخذوا ذلك من قوله ( وإلا أصبح خبيث النفس كسلان ) فإن خبث النفس والكسل من صفات مضيع الواجب . ولهذا حمل بعضهم الحديث على المكتوبة .
وإن حملناه على صلاة الليل فالمراد بخبث النفس والكسل حالة خاصة مترتبة على تضييع المندوب ، وكأن المراد بتلك الحالة نشاط الأخلاق الرديئة وقوتها على الجميلة ، فإن الجميلة تضعف مع بقاء عقد الشيطان وتنشط أضدادها فلا يتيسر له غالباً المسارعة إلى الخيرات وكفى به حرمانا . ولا يشكل عليك هذا فإن الخير يتبع بعضه بعضا .
ما جاء في طلب الماء للوضوء
127- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال : حان وقت الصلاة فالتمس الناس وضوءً فلم يجدوه ، فأوتي رسول الله صلى الله عليه وسلّم بوضوء فوضع بين يده في الإناء فأمر الناس أن يتوضئوا . قال أنس : فرأيت الماء ينبع من تحت أصابع النبي صلى الله عليه وسلّم فتوضئوا إلى آخرهم . قال الربيع : الوضوء بفتح الواو وهو الماء الذي يتوضأ منه ، والوضوء بضم الواو وهو الفعل .
---------------------------------------- (1/219)
صفحة 220
قوله ( حان وقت الصلاة ) أي حضر وقتها وهي صلاة العصر كما صرّحت به رواية الصحيحين ، وفي غزوة تبوك كما في رواية ابن شاهين عن أنس أيضاً قال ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم في غزوة تبوك فقال المسلمون : يا رسول الله عطشت دوابنا وإبلنا . فقال : هل من فضلة ماء ؟ فجاء رجل في شن بشيء . فقال : هاتوا الصحفة ، فصب الماء ثم وضع راحته في الماء فرأينا تخلل عيون الماء بين أصابعه . قال : فسقينا إبلنا ودوابنا وتزودنا ،فقال :اكتفيتم ؟ فقالوا : نعم اكتفينا يا نبي الله ، فرفع يده فارتفع الماء . ثم ذكر مواضع متعددة وقع فيها نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلّم ) . وفي الصحيحين عن أنس أيضاً قال ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وجاءت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه ، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلّم بوضوء فوضع يده في ذلك الإناء فأمر الناس أن يتوضئوا منه فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم ) وفي لفظ البخاري (كانوا ثمانين رجلاً )، وفي لفظ ( فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم . قال : فقلنا لأنس : كم أنتم ؟ قال : كنا ثلاث مائة رجل ). وفي البخاري عن جابر رضي الله عنه ( قال : عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه وسلّم بين يديه ركوة فتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم مالكم ؟ قالوا يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك . قال : فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلّم يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون . قال : فشربنا وتوضأنا .فقلت لجابر : كم كنتم يومئذ ؟ قال : لو كنا مائة ألف لكفانا ، كنا خمس مائة ). (1/220)
صفحة 221
قال القرطبي : قصة نبع الماء من بين أصابعه قد تكررت منه صلى الله عليه وسلّم في عدة مواطن في مشاهد عظيمة ووردت من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي . قال : فلم يسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا صلى الله عليه وسلّم . قال : وقد نقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال : نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلّم أبلغ في المعجزات من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت منه المياه لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من اللحم والدم . وقد روى حديث نبع الماء جماعة من الصحابة منهم أنس وجابر وابن مسعود ، فأما حديث أنس فهو عند المصنف والبخاري ومسلم وابن شاهين كما قدمن ذكره .
وغرض المرتب من إيراده هاهنا الحث على التماس الماء للوضوء والمبالغة في البحث عن ذلك حسب الطاقة كما عليه الأصحاب رحمهم الله ، فإن الصحابة لمّا لم يجدوا الماء لم يعدلوا إلى التيمم من أول مرة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلّم قد تسبب لوجود الماء وطلب فضلته ليكون أصلاً للبركة التي اختصه الله بها فجموع ذلك الحال مفسر لقوله تعالى ( فإن لم تجدوا ماءً فتيمموا ) فبذل المجهود في الطلب واجب ، فإن عدم دخل تحت من لم يجد الماء وصدق عليه أنه غير واجد له ، ويستثنى من ذلك الماء الذي تحتاج إليه الأنفس لشربها وطعامها فإنه قد تعلق به حق النفس فهو في حكم الماء المعدوم ، لأن حق النفوس أقدم والمحافظة على بقائها ألزم ، ومن ثم جاء التخفيف في العبادات لدفع المشقة ، والله أعلم .
الباب الحادي والعشرون
في ما يكون منه غسل الجنابة
ما جاء في الغسل من المني
128- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : الوضوء من المذي ، والغسل من المني .
---------------------------------------- (1/221)
صفحة 222
قوله ( في ما يكون منه غسل الجنابة ) يعني في الأسباب التي يترتب عليها وجوب الغسل من الجنابة . وحقيقة الغسل إفاضة الماء على الأعضاء ، وزاد قوم منا وآخرون من مخالفينا اشتراط الدلك لحديث ( بلّوا الشعر وأنقوا البشر ) فإنه مشعر بوجوب الدلك لأن الإنقاء لا يحصل بمجرد الإفاضة . وفيه أنه قد يحصل ذلك بدون دلك لأن الغرض إيصال الماء إلى الجسد حتى لا يبقى شيء .
فإن قيل : إذا لم يجب الدلك لم يبق فرق بين الغسل والمسح .
أجيب : بأن الغرض من المسح إمرار اليد على الشيء يصيب ما أصاب ويخطأ ما أخطأ فلا يجب فيه الاستيعاب بخلاف الغسل فإنه يجب فيه الاستيعاب ، وأيضاً يشترط في الغسل سيلان الماء على الجسد وإن قل ، ولا كذلك المسح والفرق بهذا المعنى كاف .
قوله ( والغسل من المني ) وهو الماء الدافق . والمعنى الغسل واجب بخروجه سواء خرج بجماع أو احتلام أو تشهي أو بلا تسبب .
ما جاء في التقاء الختانين
129- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : سألت عائشة هل كان يغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلّم من جماع ولم ينزل ؟ قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يصنع بنا ذلك ويغتسل ويأمرنا بالغسل ، ويقول الغسل واجب إذا التقى الختانان .
----------------------------------------قوله (سألت عائشة) هذا السؤال من جملة الأسئلة التي أخجلت أم المؤمنين رضي الله عنها
قوله ( ولم ينزل) بضم الياء وكسر الزاء أي ولم يخرج الماء الدافق . والجملة في موضع الحال .
وقولها ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يصنع بنا ذلك 00الخ ) إخبار عن أمر مشاهد . ورواية المباشر مقدمة على رواية غيره فلذا ذكرت ما ذكرت ، ثم إن قولها ( ويغتسل ويأمرنا بالغسل ويقول الغسل واجب إذا التقى الختانان ) جامع لثلاث حالات : الفعل وهو اغتساله صلى الله عليه وسلّم ، والقول وهو أمره إياهن بذلك ، والتصريح بالحكم وهو قوله ( الغسل واجب ) . (1/222)
صفحة 223
والختانان : هو موضع القطع من الرجل والمرأة . والتقاء الختانين اسم لا يصح إلا بعد غيبوبة الحشفة . وهذا الحديث مفسّر للحديث الذي يليه وهو قوله ( إذا قعد الرجل من المرأة بين شعبها الأربع وجب الغسل ) فإنه كناية عما صرّح به في الحديث الأول وهو التقاء الختانين . ولفظ الحديث عند أحمد ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : إذا قعد بين شعبها الأربع ثم مس الختان الختان وجب الغسل . فهذه الرواية مصرّحة بما أجملته رواية المصنف .
قال جابر : قالت عائشة رضي الله عنها يقول النبي صلى الله عليه وسلّم إذا قعد الرجل من المرأة بين شعبها الأربع وجب الغسل .
----------------------------------------
قوله ( بين شعبها ) الشعب جمع شعبة وهو القطعة من الشيء ، قيل والمراد هنا يداها ورجلاها ، وقيل رجلاها وفخذاها ، وقيل ساقاها وفخذاها ، وقيل فخذاها واستكاها ، وقيل فخذاها وشفراها ، وقيل نواحي فرجها الأربع . وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال ( إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل ) . زاد مسلم وأحمد ( وإن لم ينزل ) .
130- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن أبيّ بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم الماء من الماء ، لا يكون الغسل على الرجل حتى ينزل ولو التقى الختانان .
قالت عائشة وأم سلمة زوجا النبي صلى الله عليه وسلّم كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يفعل ذلك ويغتسل ويأمر نساءه بالغسل ، ويقول إذا التقى الختانان فالغسل واجب أنزل الرجل أو لم ينزل .
قال جابر : والله أعلم بما يروى عن أبيّ بن كعب وهو من علماء الصحابة وفضلائها .
----------------------------------------
قوله ( عن أبيّ بن كعب قال : رسول الله صلى الله عليه وسلّم الماء من الماء ، لا يكون الغسل على الرجل حتى ينزل ولو التقى الختانان . (1/223)
صفحة 224
قالت عائشة وأم سلمة زوجا النبي صلى الله عليه وسلّم كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يفعل ذلك ويغتسل ويأمر نساءه بالغسل ، ويقول إذا التقى الختانان فالغسل واجب أنزل الرجل أو لم ينزل .) وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن الرجل يجامع أهله ثم يكسر ؟ وعائشة جالسة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل .
قال جابر : والله أعلم بما يروى عن أبيّ بن كعب وهو من علماء الصحابة وفضلائها .
قلت : روى أحمد وأبو داؤد عن أبيّ بن كعب قال : إن الفتيا التي كانوا يقولون الماء من الماء رخصة كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم رخصّ بها في أول الإسلام ثم أمرنا بالاغتسال بعدها . وفي لفظ ( إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نهى عنها ) رواه الترمذي وصححه . وروى أحمد عن رافع بن خديج قال : ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأنا على بطن امرأتي فقمت ولم أنزل فاغتسلت وخرجت فأخبرته فقال : لا عيك الماء من الماء . قال رافع : ثم أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعد ذلك بالغسل . فهذا يدل على أن الرخصة في ذلك منسوخة . وعن زرارة بن أبي جعفر قال : جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم فقال : ما تقولون في رجل يأتي بامرأة فيخالطها ولا ينزل ؟ فقالت الأنصار : الماء من الماء . وقال المهاجرون : إذا التقى الختانان وجب الغسل . وقال عمر لعلي : ما تقول يا أبا الحسن ؟ فقال : أتوجبون عليه الرجم والجلد ولا توجبون عليه صاعاً من الماء إذا التقى الختانان وجب عليه الغسل . فقال عمر : القول ما قاله المهاجرون ، ودعوا ما قالت الأنصار . (1/224)
صفحة 225
وكان أبو موسى الأشعري يقول : اختلف رهط من المهاجرين والأنصار في ما يوجب الغسل . فقال الأنصار : لا يجب الغسل إلا من الماء الدافق أو من الماء . وقال المهاجرون : بل إذا خالط فقد وجب الغسل . قال أبو موسى : فأنا أشفيكم من ذلك ، فقام فاستأذن على عائشة رضي الله عنها فقال : يا أماه إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحييك . فقالت : لا تستحي أن تسألني عمت كنت سائلاً عنه أمك التي ولدتك فإنما أنا أمك . قلت : فما يوجب الغسل ؟ قالت : على الخبير سقطت ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان وجب الغسل . وفي رواية وإن لم ينزل . قال النووي : وقد أجمع على وجوب الغسل متى غابت الحشفة في الفرج ،وإنما كان الخلاف فيه لبعض الصحابة ومن بعدهم انعقد الإجماع على ما ذكرنا . وهكذا قال ابن العربي وصرّح أنه لم يخالف في ذلك إلا داؤد .
فائدة : يتعلق بالتقاء الختانين عشرة أحكام : نقض الطهارة ، ووجوب الغسل ، ووجوب الحد ، ووجوب الكفارة عند الصيام ، ونقض الصيام ، وإباحتها للزوج الأول ، والتحريم على الآباء والأبناء ، وخروجها من حكم الإيلاء ، وإفساد الحج ، والفرقة بها في الحيض في مشهور المذهب وعليه الفتوى والعمل . (1/225)
صفحة 226
و( أم سلمة ) بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية ، وزج النبي صلى الله عليه وسلّم ، واسمها هند ، وكان أبوها يعرف بزاد الراكب ، وكانت قبل النبي صلى الله عليه وسلّم عند أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي فولدت له سلمة وعمر ودرة وزينب ، وتوفي فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعده ، وكانت من المهاجرات إلى الحبشة وإلى المدينة . وعن ثابت البناني قال : حدّثني ابن عمر بن أبي سلمة عم أبيه عن أم سلمة قالت لما انقضت عدتها بعث إليها أبو بكر يخطبها عليه فلم تزوجه ، فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلّم عمر بن الخطاب يخطبها عليه فقالت : أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلّم أني امرأة غيراء ، وأني امرأة مصبية ،وليس أحد من أوليائي شاهداً . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فذكر ذلك له . فقال : ارجع إليها فقل لها : أما قولك إني امرأة غيراء فسأدع الله فيذهب غيرتك ، وأما قولك إني امرأة مصبية فستكفين صبيانك ، وأما قولك ليس أحد من أوليائي شاهداً فليس أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك . فقالت لبنها عمر : قم فزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلّم فزوجه . وعن عطاء بن يسار عن أم سلمة قالت : في بيتي نزلت ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) قالت فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين فقال : هؤلاء أهل بيتي . قالت فقلت : يا رسول الله أنا من أهل البيت ؟ قال : بلى إن شاء الله .
ما جاء في غسل المرأة من الاحتلام
131-أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم قالت :برح الخفاء يا رسول الله المرأة ترى في النوم ما يرى الرجل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : عليها الغسل إذا أنزلت
---------------------------------------- (1/226)
صفحة 227
قوله ( جاءت امرأة ) يحتمل أن هذه المرأة هي أم سليم امرأة أبي طلحة الأنصاري المصرح بها في حديث زيد بن ثابت الآتي قريباً عند المصنف ، ويحتمل أنها خولة بنت حكيم كما وقع عند أحمد والنسائي ، ويحتمل أنها سهلة بنت سهل كما وقع عند الطبراني ، وبسرة بنت صفوان عند أبي شيبة ، والأول أظهر .
قوله ( برح الخفاء ) أي وضح الأمر ، والمعنى ذهب السر وزال فلا يمكن إخفاء شيء عن الحق ، وإن اقتضى الحياء إخفاءه . قالت عائشة رضي الله عنها : رحم الله نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء عن التفقه في الدين .
قوله ( المرأة ترى في النوم ما يرى الرجل ) كناية عما يراه النائم من أمر الجماع ، ويعبر عنه بالاحتلام كما وقع في الرواية الثانية ( إذا هي احتلمت ) .
قوله ( عليها الغسل إذا أنزلت ) وفي الرواية الثانية ( هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت ؟ قال : نعم إذا رأت الماء ) قال جابر : وقد جاء في ذلك عن كثير من الصحابة إزالة الغسل عنها إلا الوضوء ، وعلى هذا يكون المني منها كالمذي من الرجل فلا يوجب غسلاً ، وبه جزم أصحابنا منهم الربيع وأبو عبيدة الصغير وهو عبدالله بن القاسم وأبو جابر في جامعه وجزم بمقتضى الروايتين وهو وجوب الغسل أكثر متأخري الأصحاب في ما يظهر من فتاويهم ومنهم أبو معاوية وأبو محمد بن بركة. فقول ابن رسلان من الشافعية : ( أجمع المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المني ) دعوى لم يقم عليها دليل.كيف وقد روى جابر إزالة الغسل عنها عن كثير من الصحابة وبه قال إبراهيم النخعي . فلا سبيل إلى دفع الخلاف مع أنهم أعلم بالحال غير أنا نقول أن الراجح الأخذ بصريح الروايتين . والرواية بخلافهما ولو كانت عن كثير من الصحابة لم يكن عليها عمل من غالب الناس فيشبه أن تكون عندهم منسوخة أو مرجوحة ، والعلم عند الله تعالى . (1/227)
صفحة 228
132- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن زيد بن ثابت قال : بلغني أن أم سليم امرأة أبي طلحة الأنصاري جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقالت : يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت ؟ قال : نعم إذا رأت الماء . قال جابر : وقد جاء في ذلك عن كثير من الصحابة إزالة الغسل عنها إلا الوضوء .
----------------------------------------
قوله ( إذا رأت الماء ) أي بعد اليقظة فإنها لو رأته في المنام فلما استيقظت لم تر شيئاً لم يجب عليها الغسل لأنها رؤيا منام ، فلو رأى ذلك الرجل لم يلزمه الغسل اتفاقاً فالمرأة مثله والله أعلم .
وأم سليم : بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حزام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي ابن النجار الأنصارية الخزرجية النجارية ، أم أنس بن مالك ، اختلف في اسمها فقيل سهلة وقيل رميلة وقيل رميثة وقيل مليكة والغميصاء والرميصاء ، كانت تحت مالك بن النظر والد أنس بن مالك في الجاهلية فغضب عليها وخرج إلى الشام ومات هناك فخطبها أبو طلحة الأنصاري وهو يومئذ مشرك فقالت : أما إني فيك لراغبة وما مثلك يرد ولكنك كافر وأنا امرأة مسلمة فإن تسلم فذلك مهري فلا أسألك غيره ، فأسلم وتزوجها وحسن إسلامه فولدت له غلاماً مات صغيراً ، ثم ولدت له عبدالله بن طلحة وهو والد إسحاق. قال ابن الأثير : فبارك الله في إسحاق وإخوته وكانوا عشرة كلهم حمل عنه العلم .
وفي حديث حماد بن سلمة عن ثابت وإسماعيل بن عبدالله بن أبي طلحة عن أنس أن أبا طلحة خطب أم سليم فقالت : يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد نبت من الأرض ينجرها حبشي بني فلان ؟ قال : بلى . قالت : أفلا تستحي تعبد خشبة . إن أنت أسلمت فإني لا أريد منك الصداق غيره . قال : حتى أنظر في أمري . فذهب ثم جاءها فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . فقالت : يا أنس زوّج أبا طلحة (1/228)
صفحة 229
فتزوجها ، وكانت تغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وروت عنه أحاديث ،
وروى عنها ابنها أنس ، وكانت من عقلاء النساء ، والله أعلم .
الباب الثاني والعشرون
في كيفية الغسل من الجنابة
ما جاء في صفة الغسل
133- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلّم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا أراد الغسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة
----------------------------------------
قوله ( في كيفية الغسل من الجنابة ) والمراد بكيفيته صفة فعله . (1/229)
صفحة 230
قوله ( بدأ فغسل يديه ) قال المحشي يعني بعد إراقة البول والاستبراء والاستنجاء . ولعله فهم هذا من قول الرواي آخر الحديث ( وهذا بعد الاستنجاء ) . قال المحشي : فإن اغتسل من إراقة البول فإنه إن خرج منه شيء بعد ذلك يعيد الغسل دون الصلاة إن كان قد صلى . ولا بد من تقديم النية كما يدل عليه قول عائشة ( إذا أراد الغسل ) فإنه مشعر بتقدم الإرادة وهي نفس النية والقصد ، ثم يتمضمض ويستنشق لوجوب ذلك عليه في الغسل لأنا قد أمرنا بإنقاء البشر كما في الحديث الآتي عن ابن عباس رضي الله عنه . والغرض من إنقائها المبالغة في غسلها حتى لا يفوت منها شيء ، ومن المعلوم أن داخل الفم والأنف من البشرة لسهولة مباشرتهما للأشياء فلا يقال أنهما من البواطن إذا لو كانا كذلك ما أمرنا بالمضمضة والاستنشاق في الوضوء كما لم نؤمر بإيصال الماء إلى ما وراء الحلقوم فلما افترق الحكم علمنا أن ما دون الحلقوم من أحكام البشرة والأنف مثله . ثم إن قولها رضي الله عنها ( ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ) يدخل تحته المضمضة والاستنشاق أيضاً فيدخلان تحت كيفية الغسل الواجب ويبقى سائر أفعال الوضوء فضلاً مستحباً إن لم يكن للصلاة . وإنما كان لنفس الغسل فاختصاص أعضاء الوضوء بذلك سنة مستقلة كما يظهر من هذا الحديث وإن لم يكن وقت الصلاة كما يدل عليه قولها ( كما يتوضأ للصلاة ) فإنه لو كان ذلك مختصاً بوقت الصلاة لقالت ثم يتوضأ للصلاة ، والحال أنها لم تقل ذلك فعلمنا أنه وضوء مستقل . وقال بعض الشافعية : إن
ثم يدخل أصابعه في الماء ويخلل بها أصول الشعر ثم يصب على رأسه ثلاث مرات بيده
---------------------------------------- (1/230)
صفحة 231
هذا الوضوء من نفس الغسل فيكتفى به عن إعادة الماء عند غسل باقي الجسد . وإنما قدّم غسل أعضاء الوضوء تشريفاً لها ، وليحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى وهو غير بعيد على قواعد المذهب ، بل يشير إليه كلام بعض علمائنا رحمهم الله تعالى . وإن كان وقت صلاة فاغتسل كما أمر من وضوء وغيره فله أن يصلي بذلك الغسل المشتمل على هيئة الوضوء بلا خلاف نعلمه ، وهو معنى الإجماع الذي نقله ابن بطّال أن الوضوء لا يجب مع الغسل . وإن اغتسل ولم يتوضَّ وضوء الغسل الذي هو كوضوء الصلاة فهاهنا ينبغي أن يحمل قول من قال الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث ، وبهذا التوجيه يرتفع النزاع في المسألة لأن محل المنع غير محل التجويز ، والله أعلم .
قوله ( ثم يدخل ) إنما ذكره بلفظ المضارع وما قبله مذكور بلفظ الماضي لإرادة استحضار صورة الحال للسامعين .
قوله ( ويخلل بها 00الخ ) أي يدخل أصابعه بين شعر رأسه حتى يبلغ أصول الشعر وذلك لقوله صلى الله عليه وسلّم تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشر ) وهذا التخليل واجب قيل إجماعاً ، وقيل على الأشهر ، وقيل غير واجب إلا إن كان الشعر ملبّداً بشي يحول بين الماء وبين أصول الشعر .
قوله ( ثم يصب على رأسه ) أي بعد التخليل يصب على رأسه ثلاث مرات بيده ، وهذا الصب كافٍ إن شاء الله تعالى عن التخليل إن لم يكن له شعر ، ولا بد من التخليل لصاحب الشعر حتى يكون أبلغ في وصول الماء ، ولرسول الله صلى الله عليه وسلّم جمة .
قوله ( ثلاث مرات ) وفي بعض النسخ ثلاث غرفات جمع غرفة وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف قال تعالى ( إلا من اغترف غرفة بيده ) وفي استحباب التثليث في الغسل قال النووي : ولا نعلم في ذلك خلافاً إلا ما انفرد به الماوردي فإنه قال لا يستحب التكرار في الغسل . قال ابن حجر وكذا قال القرطبي قال : وحمل التثليث في هذه الرواية (1/231)
صفحة 232
على رواية القاسم عن عائشة فإن مقتضاها أن كل غرفة كانت في جهة من جهات الرأس
ثم يفيض الماء على جسده كله وهذا بعد الاستنجاء .
----------------------------------------
قلت : وهذا المعنى لا ينافي التثليث فإن غاية ما فيه وضع كل غرفة في جهة فهو يتحرى بذلك التقصي في إيصال الماء كي لا يفوت شيء من الرأس ، ففي رواية القاسم تبيين لمواقع الغرفات دون الاقتصار على ما دون الثلاث .
قوله ( ثم يفيض الماء على جسده كله ) وذلك بعد الصب على الرأس يجعل الماء فائضاً على جميع الجسد ، وهذا التأكيد يدل على أنه عمّم جميع جسده بالغسل بعد ما تقدم وهو يؤيد أن الوضوء سنة مستقلة قبل الغسل .
ما جاء في إنقاء البشر وبل الشعر
134- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشر .
----------------------------------------
قوله ( تحت كل شعرة جنابة ) رواه أيضاً أبو داؤد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعاً ، وعند المصنف من حديث ابن عباس وهو أصح طرقه .
ومعناه أن الجنابة تخرج من جميع أجزاء الجسد حتى من تحت الشعر كما صرّح به الحكماء . قالوا : ولهذا يتكون من النطفة العظم واللحم والعصب والجلد والشعر ، وفي هذا الحديث إشارة إلى أن هذا المعنى هو الحكمة في مشروعية الغسل من الجنابة ، ولهذا رتّب عليه الحكم في قوله ( فبلوا الشعر وأنقوا البشر )
وبلوا بضم الباء من بله يبله إذا ناله بالماء ، وفيه إشارة إلى عدم وجوب العرك إلا أن يقال أن العرك مستفاد من قوله ( وأنقوا البشر ) وهو بقطع الهمزة أمر من أنقى الشيء إذا نظّفه والنقي النظيف .
والبشر والبشرة بفتحتين فيهما ظاهر جلد الإنسان ، ويقال أن كل موضع لم يعم غسله من جسده يبعث الله إليه يوم القيامة حيات تلدغه من ذلك الموضع . وعن النبي عليه السلام أنه قال : كل شعرة لم يعم غسلها تشتعل يوم القيامة ناراً . (1/232)
صفحة 233
ما جاء في تعاهد المواضع الكامنة بالغسل
135- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : أمرني حبيبي جبريل عليه السلام أن أغسل فنيكتي وعنفقتي وعنقفتي عند الجنابة .
قال الربيع : قال أبو عبيدة : وعليه مع ذلك غسل رفغيه ومأبضيه ومسربته وسرته وكل ما بطن من جسده .
قال الربيع : الفنيكة هي المسربة التي في وسط الشارب ، والعنفقة هي المسربة التي في الرقبة من خلف قفاء الرأس ، والعنقفة هي الشعيرات المنحازة من اللحية تحت الشفة السفلى ، والرفغان ما بين الذكر والفخذين ، والمأبضان ما تحت الركبتين ، والمسربة هي التي فصلت الصدر إلى السرة .
----------------------------------------
قوله ( فنيكتي وعنفقتي وعنقفتي ) هذا الحديث مؤكد لما قبله وهو ( بلوا الشعر وأنقوا البشر ) قال الربيع : الفنيكة هي المسربة التي في وسط الشارب ، والعنفقة هي المسربة التي في الرقبة من خلف قفاء الرأس ، والعنقفة هي الشعيرات المنحازة من اللحية تحت الشفة السفلى ، وفي المختار : الفنيك طرف اللحيين عند العنقفة ، قال : وفي الحديث ( إذا توضأت فلا تنس الفنيكين ) يعني جانبي العنفقة عن يمين وشمال وهما المغفلة .
قال الربيع : قال أبو عبيدة : وعليه مع ذلك غسل رفغيه ومأبضيه ومسربته وسرته وكل ما بطن من جسده .قال الربيع : الرفغان ما بين الذكر والفخذين ، والمأبضان ما تحت الركبتين ، والمسربة هي التي فصلت الصدر إلى السرة . (1/233)
صفحة 234
وفي المصباح : المسربة بضم الراء شعر الصدر يأخذ إلى العانة ، قال : والفتح لغة حكاها في المجرد ، والرفغ بضم الراء في لغة العالية والحجاز ، والجمع أرفاغ مثل قفل وأقفال ، وتفتح الراء في لغة تميم ، والجمع رفوغ وأرفغ مثل فلس وفلوس وأفلس ، قال ابن السكيت : هو أصل الفخذ ، وقال ابن فارس : أصل الفخذ وسائر المغابن وكل موضع اجتمع فيه الوسخ فهو رفغ ، والرفغ ما حول الفرج وقد يطلق على الفرج ، كذا في المصباح .
والمأبضان : مثنى مأبض بفتح الميم وسكون الهمزة وكسر الباء الوحدة وبالضاد المعجمة وهو باطن الركبة من كل شيء .
وإنما قال أبو عبيدة رحمه الله تعالى بوجوب غسل هذه المواضع إما لشيء سمعه فيهن خاصة ، أو قياساً على الفنيكة والعنقفة لاتحاد المعنى في الكل فهو قياس جلي ، ويسمى أيضاً قياس بالمعنى لقطعنا باتحاد المعنى ، ونفي الفارق بين الأصل والفرع .
ما جاء أن المرأة لا تنقض شعرها في الغسل من الجنابة
136- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن أسامة بن زيد قال :
---------------------------------------- (1/234)
صفحة 235
قوله ( عن أسامة بن زيد ) بن حارثة بن شراحيل ، وقد تقدم نسبه عند ذكر أبيه زيد بن حارثة، وأمه أم أيمن حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم فهو وأيمن أخوان لأم ، يكنى أبا محمد وقيل أبو زيد وقيل أبو يزيد وقيل أبو خارجة ، وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلّم من أبويه ، وكان يسمى حب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلّم وهو ابن ثماني عشرة سنة ، وشك في الأمر بعد عثمان فلم يبايع علياً ولا شهد معه شيئاً من حروبه وقال لعلي : لو أدخلت فمك في فم تنين لأدخلت يدي معها ، ولكنك قد سمعت ما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين قتلت ذلك الرجل الذي شهد أن لا إله إلا الله . وذلك ما حدّث به محمد بن أسامة بن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه عن جده أسامة بن زيد قال : أدركته يعني كافراً كان قتل في المسلمين غزاة لهم ، قال : أدركته أنا ورجل من الأنصار فلما شهرنا عليه السلاح قال : اشهد أن لا إله إلا الله فلم نبرح حتى قتلناه ، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم أخبرناه خبره ، فقال : يا أسامة من لك بلا إله إلا الله ؟ فقلت : يا رسول الله إنما قالها تعوذاً من القتل . فقال : من لك يا أسامة بلا إله إلا الله ؟ ، فوالذي بعثه بالحق ما زال يرددها عليّ حتى وددت أن ما مضى من إسلامي لم يكن وأني أسلمت يومئذ ، فقلت أعطي الله عهداً أن لا أقتل رجلاً يقول لا إله إلا الله . والفرق بين المسألتين ظاهر فإن المقتول الأول إنما يقاتل ليقول لا إله إلا الله فإذا قالها عصم دمه وماله إلا بحقها ، وإن المقاتل الثاني إنما يقاتل ليرجع إلى حق لا إله إلا الله وهو القيام بواجبات الشرع من طاعة الإمام العادل والقيام بحقوقه وترك التمرد والبغي عليه . ، وتوفي في آخر أيام معاوية سنة ثمان أو تسع وخمسين ، وقيل توفي سنة أربع وخمسين ، وصححه بعضهم ، وقيل توفي بعد قتل عثمان بالجرف وحمل إلى المدينة ، روى عنه (1/235)
صفحة 236
أبو عثمان النهدي وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة وغيرهما .
جاءت أم سلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلّم تستفتيه لامرأة جاءتها فقالت : امرأة تشد شعر رأسها ثم تنقضه لغسل الجنابة . قال : يكفيها أن تحثي عليه ثلاث حفنات من ماء ، واغمزي قرونك عند كل حثية ثم تفيضين الماء عليك الماء
----------------------------------------
قوله ( تستفتيه لامرأة ) الظاهر أن هذه المرأة أم سلمة نفسها كما وقع ذلك عند الجماعة إلا البخاري . ولفظ الحديث عندهم ( عن أم سلمة قالت : قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ظفر رأسي أفأنقضه بغسل الجنابة ؟ قال : لا ، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفضين عليك الماء فتطهرين ) ويدل على أنها غنما سألت لنفسها التفاته صلى الله عليه وسلّم إليها بالخطاب في قوله ( اغمزي قرونك 00الخ ) ، وإنما قال أسامة تستفتيه لامرأة جاءتها لقولها في السؤال ( امرأة تشد رأسها 00الخ ) فإن أسامة لما سمع هذا السؤال من أم سلمة نقله على وفق الكيفية التي سمعها ، وهي إنما عرّضت بذلك عن نفسها .
قوله ( أن تحثي ) يقال حثيت وحثوت لغتان مشهورتان مأخوذ من قولهم حثى الرجل التراب إذا هاله بيده ، وبعضهم يقول إذا قبضه بيده ثم رماه ، ومنه ( فأحثوا التراب على وجهه ) .
وقوله ( ثلاث حفنات ) جمع حفنة وهي ملئ الكف من كل شيء ، وهي الحثية بمعنى ، والمراد هاهنا ثلاث غرفات على معنى التشبيه بحثى التراب .
قوله ( تشد رأس شعرها ) أي تظفره وتفتله .
وقوله ( اغمزي قرونك ) أي بيدك حتى يبلغ الماء أصول الشعر ، ولا يلزم العلم بوصوله بل يكفي الظن ، والغمز باليد الجس مع حركة مخصوصة مأخوذ من قولهم غمزت الكبش بيدي إذا جسسته لتعرف سمنه ، والقرون جمع قرن وهو الخصلة من الشعر ، ويقال للرجل قرنان أي ظفيرتان . (1/236)
صفحة 237
قوله ( ثم تفيضين عليك الماء ) أي ترسلين على سائر جسدك شيئاً من الماء ، واستدل به بعضهم على وجوب الترتيب في مواضع الغسل ، وعلى أن الموالاة غير واجبة لدلالة ثم
وتطهرين .
----------------------------------------
للتراخي . وفيه أن المقصود بيان كيفية الغسل مع قطع النظر عن ترتيب وتوالٍ ، وما ليس مقصوداً للشارع فلا يصح أن يضاف إليه ، سلّمنا : أن ما ذكرتم قد يستفاد من اللفظ غير أنا نقول إذا علم المراد وجب الحمل عليه ، ومن هاهنا وجب تخصيص العم وتقييد المطلق وتبيين المجمل والعدول عن الحقيقة إلى المجاز ، سلّمنا : فغاية ما فيه أن يستحب الترتيب فقط فأنى لكم بوجوبه .
قوله ( وتطهرين ) أي بذلك من غير نقض لقرونك ، وهذا في الغسل من الجنابة وأما الحيض فإنها تنقض الظفائر عند الغسل منه وهو مذهبنا وبه قال الحسن وطاؤوس وأحمد ، والحجة لنا حديث أنس ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها نقضاً وغسلته بخطمي وأشنان ، فإذا اغتسلت من الجنابة صبّت على رأسها الماء وعصرت ) وقال عبيد بن عمير : بلغ عائشة أن عبدالله بن عمر يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن ، فقالت : يا عجباً لابن عمر وهو يأمر النساء إذا اغتسلن بنقض رؤوسهن أو ما يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن ؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلّم من إناء واحد وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات ) . وقال بعض قومنا : لا ينقض إلا أن يكون ملبداً ملتفاً لا يصل الماء إلى أصوله إلا بنقضه فيجب حينئذ من غير فرق بين حيض وجنابة . وقال النخعي : تنقضه في الجنابة والحيض . وكأني به يتمسك بالمنقول عن ابن عمر ، وهو الذي أنكرته عليه عائشة ، ويمكن أن يتمسك بالعموم المقتضي لوجوب استقصاء الغسل من بل الشعر وإنقاء البشر . والجواب : أن ذلك مخصص بحديث أم سلمة وعائشة وأنس .
ما جاء في اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد (1/237)
صفحة 238
137- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أنها قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلّم من إناء واحد .
138- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلّم يغسل من إناء وهو الفرق من الجنابة .
قال الربيع : الفرق مكيال أهل الحجاز وهو ستة عشر رطلاً .
----------------------------------------
قوله ( من إناء واحد ) وقوله (كان النبي صلى الله عليه وسلّم يغسل من إناء وهو الفرق من الجنابة )الحديثان عند قومنا حديث واحد ولفظه ( عن عائشة قالت كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلّم ) من إناء واحد من قدح يقال له الفرق ) رواه أحمد والبخاري ومسلم . وفي اقترانهما عند المصنف إشارة إلى أن الإناء الذي هو الفرق هو الذي اغتسلا منه معاً لكنه لم يثبت عند المصنف التصريح بذلك فرواه على هذا الحال بسندين ، ولعله ثبت عند الجماعة فرووه مصرحاً في حديث واحد كما ترى . والفرق : بسكون الراء وروي بفتحها وجوّز بعضهم الأمرين . قال النووي : الفتح أفصح وأشهر ،وحكى الأزهري عن ثعلب وغيره الفرق بالفتح ، والمحدثون يسكنونه وكلام العرب بالفتح ا. هـ.
وقد حكى الإسكان أبو زيد وابن دريد وغيرهما ، وهما لغتان وحكى ابن الأثير أن الفرق بالفتح ستة عشر رطلاً ، والإسكان مائة وعشرون رطلاً . وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عيينة هو ثلاثة أصوع قال النووي : وكذا قال الجماهير .
وقيل: الفرق صاعان ، وردّ : بأن نقل الاتفاق على أن الفرق ثلاثة آصع ، وعلى أن الفرق ستة عشر رطلاً ولعله يريد اتفاق أهل اللغة . (1/238)
صفحة 239
واغتساله صلى الله عليه وسلّم من الفرق كان في بعض الأحيان أو في غالبها كما يشعر به قول عائشة ( كان يغتسل ) فإن في هذه العبارة ما يشعر باستمرار ذلك فيحمل ما سواها على خلاف الغالب ، ( وقد جاء عن سفينة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يغتسل بالصاع ويتطهر بالمد ) . ( وعن أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلّم يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ويتوضأ بالمد ) رواه أحمد والبخاري ومسلم ، وفيه دلالة على أن الصاع ليس بحد للغسل لا يجتزئ بما دونه ، وأن المد ليس بحد في الوضوء لا يجتزئ بما دونه كما قيل بذلك بل القدر المجزي من الغسل ما يحصل به تعميم البدن على الوجه المعتبر سواء كان صاعاً أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمى مستعمله مغتسلاً ، و في الزيادة إلى مقدار يدخل فاعله في حد الإسراف ، وهكذا الوضوء فإن القدر المجزي منه ما يحص بع غسل أعضاء الوضوء سواء كان مداً أو أقل أو أكثر ملا لم يبلغ في الزيادة إلى حد السرف أو النقصان إلى حد لا يحصل به الواجب . وجاء أنه صلى الله عليه وسلّم توضأ بنحو ثلثي مد . وجاء أيضاً أنه توضأ بنصف مد . وجاء أيضاً عن عائشة أنها قالت : اغتسلت أنا والنبي صلى الله عليه وسلّم بصاع ونصف يقول أبقي لي وأقول أبق لي . فإنه يقع لكل واحد من المغتسلين دون الصاع فيبطل التقدير .
والأحاديث تدل على كراهة الإسراف في الماء للغسل والوضوء واستحباب الاقتصار ، وقد أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو كان على شاطئ النهر ، واختلفوا في صفة هذه الكراهة فقيل كراهية تحريم وقيل تنزيه .
ما جاء في نهي الجنب أن يغتسل في الماء الدائم والنهي عن الوضوء بفضل المرأة
139- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الجنب أن يغتسل في الماء الدائم ، ونهى عن الوضوء بفضل المرأة وكذلك في الرجل .
---------------------------------------- (1/239)
صفحة 240
قوله ( أن يغتسل في الماء الدائم ) وهو الراكد الذي لا يجري . وعند مسلم وابن ماجه من حديث أبي هريرة ( أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب . فقالوا : يا أبا هريرة كيف يفعل ؟ قال : ينتاوله تناولاً ).
وقد اختلفوا في حكمة النهي فظاهر كلام الإيضاح بل صريحه خوف التنجيس ، وحمل النهي على ما دون القلتين . وكلام غيره يدل على الحكمة في ذلك خوف تقذيره فقط ، فإنه إن اغتسل فيه صار مستقذراً في الطباع وإن كان طاهراً ، وكذا القول في التوضئ فيه ، واستدل به على أن الماء المستعمل يخرج عن كونه أهلاً للتطهير لأن النهي هاهنا عن مجرد الغسل فدل على وقوع المفسدة بمجرده ، وحكم الوضوء حكم الغسل في هذا المعنى لأن المقصود التنزه عن التقرب إلى الله تعالى بالمستقذرات ، والوضوء قد يقذّر الماء كما يقذّره الغسل .
قوله ( ونهى عن الوضوء بفضل المرأة وكذلك الرجل ) وعند أبي داؤد والنسائي من حديث رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلّم ( قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعاً ) وقد أخذ بظاهر النهي جماعة منه سعيد بن المسيب والحسن البصري فقالوا بالمنع . وهو أيضاً قول أحمد وإسحاق لكن قيداه بما إذا خلت به . وروي عن ابن عمر والشعبي والأوزاعي المنع لكن مقيداً بما إذا كانت المرأة حائضاً . والمذهب الجواز فيحمل النهي على التنزه .
وقد جاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم توضأ بفضل غسلها من الجنابة . وعن ابن عباس أيضاً قال : اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم في جفنة فجاء النبي صلى الله عليه وسلّم ليتوضأ منها أو يغتسل فقالت له : يا رسول الله إني كنت جنباً . فقال : عن الماء لا يجنب . (1/240)
صفحة 241
فهذه الأحاديث دالة على جواز الوضوء من فضل المرأة والاغتسال مثله فيحمل النهي على الكراهة ، وفعله صلى الله عليه وسلّم على بيان الجواز . وهذا أولى مما قيل في الجمع بحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مستعملاً ، والجواز على ما بقي من الماء . ويمكن أن يحمل النهي على فضل الوضوء من الأجنبية والأجنبي دون الزوجين ، وحكمة النهي حينئذٍ خوف إثارة الشهوة الطبيعية ، وهذا معنى لم أظفر به عن أحد وأرجو أن يكون صحيحاً عن شاء الله .
ما جاء
( في نوم الجنب ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا رسول الله تصيبني الجنابة من الليل ماذا أصنع فقال ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) توضأ واغسل ذكرك ثم نم ( قال الربيع ) قال أبو عبيدة معنى توضأ ليس بوضوء الصلاة وهو غسل اليدين
( قوله توضأ واغسل ذكرك ) قال الربيع ( قال أبو عبيدة ) معنى توضأ ليس بوضوء الصلاة وهو غسل اليدين ولعل أبو عبيدة رحمه الله تعالى فهم ذلك من قوله عليه الصلاة والسلام واغسل ذكرك بعد قوله توضأ فان المقدم على غسل الذكر غسل اليدين لا غسل المعهود شرعا فانه ينتقض بمس الذكر وأيضا فإماطة الأذى مقدمة على فعله فظهر أن المراد الوضوء لغة فهو نفس النظافة (واحتج) بعضهم لذلك بأن ابن عمر راوي الحديث وهو صاحب القضية كان يتوضأ وهو جنب ولا يغسل رجليه ووافقنا أبو يوسف وتمسك بما رواه أبو إسحاق عن الأسود عن عائشة انه صلى الله عليه وسلم كان يجنب ثم ينام ولا يمس ماءً رواه أبو داود (وذهب جمهور مخالفينا) إلى أن المراد الوضوء الشرعي وانه مستحب وذهب أهل الظاهر من غيرهم إلى انه واجب وهذا الوضوء عندهم لا ينقصه إلا الجماع خصوصية له خاصة حتى ألغز فيه بعضهم فقال :
(إذا سئلت وضوء ليس ينقصه…إلا الجماع وضوء النوم للجنب) (1/241)
صفحة 242
يعنى فقل وضوء الجنب للنوم ففي العبارة قلب ثم اختلفوا في حكمة مشروعيته فقيل تخفيف الحدث فانه يرتفع عن تلك الأعضاء وقيل لأنه إحدى الطهارتين فإذا لم يفعل الكبرى فلا أقل من الصغرى وقيل لأنه ينشط على العود أو على الغسل وقيل لان الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة بخلاف الشياطين فإنها تقرب من ذلك وجميع ما قالوه من الحكم يصح أن يحصل بمطلق النظافة ولا دليل على ارتباطه بالوضوء الشرعي فقط والله أعلم
( جامع النجاسات )
( ما جاء ) في أبوال الإبل والبهائم أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أباح للعرنيين ( قوم من العرب أن يشربوا من أبوال الإبل والبهائم وألبانها ... مع الضرورة). (1/242)
صفحة 243
(قوله للعرنيين) نسبة إلى عرينة بالعين والراء المهملتين مصغراً حي من قضاعة وحي من بجيلة والمراد هنا الثاني ورواه البخاري في الجهاد عن وهيب عن أبو أيوب أن رهطا من عكل وفي الزكاة من طريق شعبة عن ع قتادة أن ناسا من عرينة وفي المغازي عن قتادة من عكل وعرينة بالواو العاطفة وروى أبو عوانة والطبراني من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس قال كان أربعة من عرينة وثلاثة من عكل وهما قبيلتان متغايرتان فعكل بضم العين وسكون الكاف قبيلة من عدنان وعرينة من قحطان (والذي في البخاري في كتاب المغازي ) عن أنس أن ناسا من عكل وعرينة قدموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام فقالوا يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة فأمرلهم (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم وروى مسلم عن أنس انه قال إنما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاة ( وقوله من أبوال الإبل والبهائم ) كذا وقع في ما رأيناه من نسخ المسند بزيادة البهائم ولا توجد هذه الزيادة عند قومنا والمأمورون بشربه إنما هو لبن الإبل وأبوالها خاصة كما تقدم في بيان السبب وعليه فالمراد بالبهائم نفس الإبل وعطفه علية عطف عام على خاص فهما متغايران لفظا متحدان معنى ويمكن أن أنساً جزم باتحاد المعنى ونفي الفارق بين الابل وغيرهما من بهيمة الأنعام فذكر ذلك إشارة إلى اتحاد المعني فتكون الزيادة عند أنس كالتفسير لمعني الإباحة والله أعلم ( قوله مع الضرورة ) هذا الكلام من أنس يدل على أن الترخيص في شرب أبوالها إنما كان لأجل (1/243)
صفحة 244
ضرورة فقط لا لطارة أبوالها بل هي نجسة عندنا وعند الشافعية والحنفية ونسبه في الفتح إلى الجمهور ورواه ابن حزم في المحلي عن جماعة من السلف وقال قوم بطهارة بول ما يؤكل لحمه لهذا الحديث وهو قول الاوزاعي والزهري ومالك وأحمد ومحمد وزفر نسب إلى طائفة من السلف وبعض الشافعية قالوا أما في الابل فبالنص وأما في غيرها مما يؤكل لحمه فبالقياس (وأجيب ) بأنها حالة ضرورة وما أبيح للضرورة لا يسمى حراما فلا يدل على إباحته في غيرها لقوله تعالى ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ) وقد بسطنا القول في المسئلة في الجزء الثاني من المعارج
ما جاء
في نجاسة دم الحيض وتطهير الثوب منه أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال () بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن امرأة وقع في ثوبها دم الحيض
كيف تصنع قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب ثوب إحداكن دم الحيضة فلتعركه ثم لتنضحه بماء ثم تصلي (1/244)
صفحة 245
(قوله عن جابر بن زيد قال) وقع في سند هذا الحديث سقط وزيادة أدخلها بعض النساخ في تفسير عرينة المذكور في الحديث قبله وذهب بذلك رونق السند وسقط اسم الراوي والحديث رواه أحمد والبخاري ومسلم من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما (قوله جاءت امرأة إلى قولها فسألته عن امرأة ) يحتمل أن الجائية إلى (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) هي أسماء نفسها كما صرحت به رواية للشافعي وضعفها النووي (ورد) بأنها صحيحة الإسناد وأنه لا بعد في أن يبهم الراوي اسم نفسه ويحتمل أنها أم قيس بنت محصن كما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان (قوله من دم الحيضة) بفتح الحاء أي الحيض (قوله كيف تصنع ) أي إذا أردت غسله (قوله ثوب إحداكن) إنما عمم إشارة إلى أن الحكم لا يختص بالسائل فحكمه صلى الله عليه وسلم على الواحد حكمه على الجميع وفيه إيماء إلى أن عموم اللفظ لا يخص بسببه (قوله فلتعركه) أي تدلكه قال المحشي والظاهر أن المراد به غسل بالماء أولا حتى يزول أثر الدم ثم تنضحه بالماء أي ترشه به والى ما قاله رحمه الله تعالى يشير كلام الإيضاح قال صاحب الإيضاح وكذالك كل نجس يصعب غسله وهو رطب مثل النطفة والقي والغائط فانه لا يغتسل من الثوب حتى ييبس ويقشر لان ذلك أسهل لإزالة عينه غير أن الدم غسله وهو رطب أسهل منه وهو يابس قال وهذا في الثياب وأما في الأبدان فلا وجاء عند قومنا في لفظ الحديث فقال تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه وتحته بفتح الفوقانية وضم المهملة وتشديد المثناة الفوقانية أي تحكه وتقرصه بفتح أوله وإسكان القاف وضم الراء والصاد المهملتين أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها ليتحلل بذلك ويخرج ما يشربه الثوب منه وورد في رواية عندهم ذكر الغسل مكان القرص روى محمد بن إسحاق بن يسار عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء قالت سمعت (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وسألته امرأة عن دم الحيض يصيب ثوبها (1/245)
صفحة 246
فقال اغسليه (قوله ثم تصلي ) أي فيه كما صرح بذلك في الرواية عند قومنا
ما جاء
في نجاسة المني والمذي والودي ودم الحيض والنفاس والاستحاضة وغسل الثوب من ذلك أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المني والمذي والودي ودم الحيض ودم النفاس نجس ولا يصلي بثوب وقع فيه شيء من ذلك حتى يغسل ويزول أثره أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال دم الاستحاضة نجس لأنه دم عرق ينقض الوضوء (1/246)
صفحة 247
(قولة المني والمذى والودي ودم الحيضة ودم النفاس نجس وقوله دم الاستحاضة نجس لأنه دم عرق ينقض الوضوء وقوله في حديث عائشة كنت اغسل ثوب (رسول الله صلى الله عليه وسلم )من المني ثم يخرج إلى الصلاة والماء يقطر منه) في هذه الأحاديث التصريح بنجاسة هذه الأشياء وهي ستة (ثلاثة )في الرجال وهي المني والمذي والودي (وثلاثة) في النساء وهي دم الحيض ودم النفاس ودم الاستحاضة وجاء عن عمار مرفوعا إنما تغسل الثوب من الغائط والبول والمذي والمني والدم والقي أخرجه البزار وأبو يعلي الموصلي في مسنديهما وابن عدي في الكامل والدار قطني والبيهقي والغقيلي في الضعفاء وأبو نعيم في المعرفة ( وقد اختلف الناس ) بعد هذا في نجاسة المني فذهب أصحابنا والعترة وأبو حنيفة ومالك إلى نجاسة إلا إن أبا حنيفة قال يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابسا وهو رواية عن أحمد وقلنا نحن والعترة ومالك لا بد من غسله رطبا ويابسا وقال الليث هو نجس ولا تعاد منه الصلاة وهذا مخالف للمعهود من أمر النجاسة وأعجب منه قول الحسن بن صالح لا تعاد الصلاة من المني في الثوب وان كان كثيرا وتعاد منه إن كان في الجسد وان قل وأي فرق بين كونه في الثوب أو الجسد (وقال الشافعي ) وداود وهو أصح الراويتين عن أحمد بطهارته وهذا كما ترى مصادم للنص الذي رواه ابن عباس عند المنصف رحمة الله تعالي فان فيه تصريح بالنجاسة ثم النهي عن الصلاة بثوب وقع فيه شيء من ذلك حتى يغسل ويزول أثره وهذه لعمري من أشد المبالغة في تنجيسه وقد رووا أحاديث عن عائشة فيها فرك المني فقط واستدلوا بها على طهارته ولم يثبت شيء منها عند الأصحاب فالله أعلم بصحتها وأحاديث الربيع تخالفها وهي أصح شيء بعد كتاب الله تعالى ولسنا نطيل بذكر ما رووه والودي ماء أبيض ثخين يخرج بعد البول يخفف ويثقل( قال الأزهري ) قال الأموي الودي والمني والمذي مشددات وغيره يخفف (وقال أبو عبيدة ) المني مشدد الآخران مخففان وهذا أشهر (1/247)
صفحة 248
يقال ودي الرجل يدي ( وأودى ) بالألف لغة قليلة إذا خرج ودية ومنع ابن قتيبة الرباعي ودم الحيض دم طبيعي يخرج من موضع الولد والجماع يرفع وجوده وجوب الصلاة ويوجب الفطر ويمنع الجماع (ودم النفاس ) هو الدم الخارج مع الولد ودم الاستحاضة دم غالب ليس بطبيعي وإنما هو آفة كما أشار إلية (صلى الله عليه وسلم) بقوله لأنه دم عرق فهي عروق تنفجر من نواحي الفرج فحكمه حكم سائر الدماء فلا يرتفع معه وجوب الصلاة ولا يجوز الفطر ولا يحرم الجماع (قوله حتى يغسل) هذا أيضا تصريح برد ما رواه المخالفون إن المني يفرك إن كان يابسا أو يماط بشيء إن كان رطبا قال ابن حزم وروينا غسله عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وأنس وسعيد بن المسيب (قلت ) وسيأتي عند المنصف عن عائشة أم المؤمنين إنها قالت كنت أغسل ثوب (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) من المني ثم يخرج إلى الصلاة والماء يقطر منه (قوله ويزول أثره ) وفى نسخة ويزول عنه أثره والمراد بالأثر بقية النجس لا لون الموضع لثبوت العفو عما لا تمكن إزالته من ذالك ففي حديث خولة بنت يسار قالت يا رسول الله إن يخرج أثره قال يكفيك الماء ولا يضرك أثره وعن معاذة قالت سألت عائشة عن الحائض يصيب ثوبها الدم فقالت تغسله فان لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرة ومثل ذالك تغييره بما يخالف لونه والحكمة في ذالك رفع الظنون عنه فانه ربما يساء به الضن فينسب إلى التقصير في غسله ولوجوب المبالغة في إزالته حسب الامكان أوجب بعض قومنا استعمال الحاد المعتاد واستدلوا بحديث أم قيس بنت محصن مرفوعاً بلفظ حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر قال ابن القطان إسناده في غاية الصحة (واعترض) بأنه لا يفيد المطلوب لان الحك إنما هو الفرك بالأصابع والنزاع في غيرة (ورد) بأن آخر الحديث وهو قوله واغسليه بماء وسدر يدل على وجوب استعمال الحاد وكذالك قوله في حديث عائشة المذكور فلتغيرة بشيء من صفرة (وأجيب) بأن التغير ليس بإزالة (ورد) بأن (1/248)
صفحة 249
مجرد استعمال الصفرة يفيد المطلوب كاستعمال السدر ولعل التغير عند هؤلاء لخصوصية وهي إن جنس الصفرة يأكل جنس النجاسة لغلبته عليه كأكل التراب للحديد فان صح هذا المعني فالتغير نوع من المبالغة في التطهير لا لدفع إساءة الظن فقط وقيل يكون استعمال الحواد مندوبا جمعا بين الادلة والمذهب وجوب الإزالة والاحتيال في النقاء حسب الأماكن والعفو عن الأثر الذي تعسر إزالته وهو المعروف عندهم بالزوك والله أعلم (قوله لأنه دم عرق) قضيته إن كل دم عرق نجس وان كل نجس ناقض للوضوء لقوله ينقض الوضوء ومعنى كونه ناقضا للوضوء أي يجب على المستحاضة أن تعيد وضوءها منه به ويستدل به على إنها تتوضأ عند كل صلاة ولو جمعت بين الصلاتين وحكي القول بوضوئها لكل صلاة عن عروة بن الزبير وسفيان الثوري وأحمد والشافعي وأبي ثور (وقال قوم) طهارتها مقدرة بالوقت فلها تجمع بين فريضتين وما شاءت من النوافل بوضوء واحد وهو المناسب لمذهب الأصحاب وحكي هذا عن العترة وأبي حنيفة (ووجهة) أن تجعل الصلاتين أو الصلوات في مقام واحد منزلة صلاة واحدة وقد قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش ثم صلي وان قطر الدم على الحصير وهذا العفو الوارد في الصلاة الواحدة يجب أن يكون ثابتا في الصلاتين أو الصلوات في المقام الواحد لان العفو إنما كان لدفع المشقة وهي حاصلة في تكرر الوضوء في المقام الواحد فيحمل حديث الباب وهو قوله ينقض الوضوء على حدوثه بعد الفراغ من الصلاة أو يقال انه ناقض لا محالة لكن ثبت العفو للضرورة وأبيح لها الصلاة مع ذالك فلا تنافي بين الادلة هذا الوجه أولى من الأول والله أعلم
ما جاء
في تطهير ذيل المرأة أبو عبيدة عن جابر بن زيد أن امرأة سألت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يطهره ما بعده (1/249)
صفحة 250
(قوله إني امرأة )هذه المرأة أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف كما صرح بها في رواية أبي داود (قوله أطيل ذيلي) المراد بالذيل ساتر من الثياب عرضه من شبر إلى ذراع تخيطه المرأة على طرف ثوبها من خلقها من أسفل تجره وراءها وتستر به قدميها أو خفيها كذا سمع المحشي ثم قال ويحتمل إن المراد بالذيل طرف ثوبها الذي لبسته ترخيه وتجره وراءها ليسترها قال وهو المتبادر قال ثم رأيت أن الذيل ما أسبل من طرف ثوب أو غيرة ويفعلن ذالك لستر أقدامهن (قوله في المكان) القذر أي الموضع الذي تستقذره النفوس لظهور آثار النجاسة علية ولم ترد النجاسة التي تتمكن من الثوب وإنما أرادت ما يتعلق بالذيل من ندوة الأرض أو ما يبس من الارواث أما النجس المحقق فإنهم قد علموا حكمة فهم يتحرزون عنه كل التحرز ويتجنبونه كل التجنب فكيف تمر علية بأذيالها (208) لكن المرأة لعلمها بأحكام النجاسة سألت عما لا يمكنها التحرز عنه (قوله يطهره ما بعده) يعني ما يمر عليه الذيل من الطاهر بعد القذر وذالك لما أمرت المرأة بإطالة الذيل جعل الشارع ما بعده مطهراً لئلا يشق عليها التطهير بالماء ولا يمكنها التحرز عنه مع امتثال الأمر في إطالة الذيل للستر فناسب أن يخفف عنها فجعل تطهيره ما بعده من الطاهر حكمة بالغة والدين يسر وهذا يقتضي خصوصية الذيل بهذا الحكم فلا يتم الاستدلال بالحديث على صحة تطهير الثوب من النجاسة بغير الماء أما أولا فلما ذكرنا من معنى الخصوصية وأما ثانيا فلان النجاسة في الذيل لم تتحقق بل مشكوك فيها وأصل الثوب طاهر فلا يساويه في المعني ما تحققت نجاسته (فان قيل) يؤخذ من قوله( صلى الله عليه وسلم ) يطهره ما بعدة أن ما بعدة مطهر لما تنجس منه لو تحققنا النجاسة مثلا وإلا فلا معني للتطهير (1/250)
صفحة 251
(فالجواب) أن تطهير كل شيء بحسبه فهذا تطهير خاص بهذا الحال الذي لم تتحقق فيه النجاسة فلا يصح أن يجعل لغيرة الذي لا يسويه في المعني ولا في الحكمة ومن المعلوم أن التخفيف عند الشك في التنجس لا يصح أن يكون عند تيقن النجاسة لاختلاف المعنيين والله أعلم .
ما جاء
في الصلاة بالثوب الرطب أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت كنت أغسل ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المني ثم يخرج إلى الصلاة والماء يقطر منه
(قوله كنت أغسل) تقدم شرحه وأنه دليل على نجاسة المني (قوله والماء يقطر منه) أي لقرب العهد بالغسل وفيه دلالة على جواز الصلاة بالثوب الرطب إن كان المغسول جميع الثوب فالاستدلال ظاهر وإن كان موضع المني فقط كما يتبادر من الحال وإن كان اللفظ يدل على الأول فحكم الكل حكم البعض وإنما كره بعضهم الصلاة في الثوب الرطب لئلا يلتصق الثوب بالجسد فتبدو صورة العورة وهذا إنما يتفق غالبا حيث باشر الرطب الجسد فإن فصل بينهما ازار زال المحذور والله أعلم .
ما جاء
في تطهير ثوب بول الصبي أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال إن أم قيس بنت محصن أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه نضحا ولم يغسله (1/251)
صفحة 252
(قوله أن أم قيس بنت محصن) بن حرثان الأسدية أخت عكاشة بن محصن أسلمت بمكة قديماً وبايعت( النبي صلى الله عليه وسلم ) وهاجرت إلى المدينة روى عنها من الصحابة وابصة بن معبد وروى عنها عبيد الله بن عبد الله ورافع مولى حمنة بنت شجاع وعن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أم قيس بنت محصن أنها قالت دخلت بابن لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأكل الطعام فبال علية فدعا بماء فرشه عليه (قوله أتت بابن لها صغير) أي ليحنكه كما في حديث عائشة قالت أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي يحنكه فبال عليه فأتبعه الماء رواه البخاري ولمسلم كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم فأوتي بصبي فبال عليه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله (قوله لم يأكل الطعام ) المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرضعه والتمر الذي يحنك به والعسل الذي يلعقه للمداواة وغير ذالك وقيل المراد بالطعام ما عدا اللبن فقط وقيل معني لم يأكل أي لم يستقل بجعل الطعام في فيه (قوله في حجره ) بفتح المهملة وقد تكسر حضنه وهو ما دون إبطه إلى الكشح ويستعمل بمعنى الكنف والحماية يقال ربي في حجره أي كنفه وحمايته (قوله فبال على ثوبه ) يعني ثوب النبي صلى الله عليه وسلم وأغرب ابن شعبان من المالكية فقال المراد به ثوب الصبي (قوله فنضحه) وفي رواية صحيحة عند قومنا فرشه وجمع بين الروايتين بان المراد أن الابتداء كان بالرش وهو تنفيض الماء فانتهى إلى النضح وهو صب الماء وقيل معني النضح والرش واحد وعلى هذا فلا يحتاج إلى الجمع إذ لا تخالف بين اللفظتين (قوله نضحا ) مصدر إما مؤكد لفعله وفائدة دفع توهم الغسل كما يدل عيه قوله ولم يغسله وإما مبين لنوعه وعليه فلا بد من تقدير وصف يدل عليه المقام وذالك أن تقول نضحاً خفيفاً لما جاء في الرواية الأخرى من التعبير عنه بالرش (قوله ولم يغسله ) هذا تصريح بالفرق بين الغسل والنضح فيستفاد منه اشتراط العرك في الغسل دون (1/252)
صفحة 253
النضح وهو ظاهر في غسل الأنجاس وأما غسل التعبد كغسل الجسد من الجنابة فقيل لا يشترط فيه العرك وقيل يشترط وقد تقدم بيانه ثم اختلف الفقهاء في النضح فقيل مقصور على بول الطفل الذي لم يأكل الطعام فلا يتعدى عندهم محل النص وقيل النضح يجزي في طهارة جميع الأبوال وما كان في معناها مثل الماء المتنجس واشترطوا ما دامت رطبة وفرق قوم بين بول الغلام والجارية فقالوا ينضح بول الغلام ويغسل بول الجارية وقيل الغسل طهارة ما تيقنت نجاسته والنضح طهارة ما كان مشكوكا في نجاسته وفي الفرق بين بول الغلام والجارية جاءت أحاديث منها عن علي بن أبي طالب أن (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال بول الغلام الرضيع ينضح وبول الجارية يغسل (قال قتادة ) وهذا ما لم يطعما فإذا طعما غسلا جميعا رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن وعن أبي السمح خادم (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال قال (النبي صلى الله عليه وسلم ) يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام رواه أبو داود
والنسائي وابن ماجدة وفي الباب أيضا عن أم كرز الخزاعية وأم الفضل لبابة بنت الحارث وإذا ثبتت التفرقة بين الغلام والجارية بما ذكرنا فسد قياس سائر الأبوال على بول الغلام لان الجارية أقرب شبها بالغلام .
ما جاء
في غسل الإناء من ولوغ الكلب أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ولغ الكلب في ناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبع مرات أولاهن وأخراهن بالتراب قال الربيع قال ضمام بن السائب يكفي من ذالك ثلاث مرات أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبع مرات قال جابر وفي الثلاث كفاية إن شاء الله أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات (1/253)
صفحة 254
(قوله إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم ) ذكر المصنف رحمه الله تعالي تطهير الإناء من ولوغ الكلب من ثلاث طرق الأولى بلاغا عن أبي هريرة وفي الثانية إرسال والطريق الثالث متصل عن جابر عن أبي هريرة عن (النبي صلى الله عليه وسلم ) والمتصل منها لم يذكر فيه الأراقه ولا الترتيب وذكر في المرسل الأراقه دون الترتيب وذكرهما معا في الطريق الأول ومعنى قوله ولغ أي شرب بطرف لسانه فحركه ( قال ثعلب) هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحركه زاد ابن درستويه شرب أو لم يشرب ( قال مكي) فإن كان غير مائع يقال لعقه ( قوله في إناء أحدكم) ظاهره العموم في الآنية فيدخل آنية الخزف والنحاس ونحوها من كل منشف وغير منشف إن قلنا أنّ الغسل تعبد ويخرج غير المنشف من النحاس بالقياس إن قلنا أن التطهير للتنجس هو الذي يقتضيه كلام جابر وضمام رحمهما الله تعالى وعلى هذا فلا فرق بين الإناء وغيره فإن العلة النجاسة فإذا ولغ في شيء نجّسه كان في إناء أو غيره وهو المذهب وقال العراقي ذكر الإناء خرج مخرج الأغلب لا للتقييد( قوله فليهرقه) وعند مسلم والنسائي فيرقه وهما بمعنى واحد لكن قال النسائي لم يذكر فليرقه غير علي بن مسهر وقال ابن مندة تفرد بذكر الأراقة فيه علي بن مسهر ولا يعرف( عن النبي صلى الله عليه وسلم ) بوجه من الوجوه وقال ابن حجر ورد الأمر بالأراقة عند مسلم من طريق الأعمش عن أبي صالح وأبي رزين عن أبي هريرة وقد حسن الدار قطني حديث الأراقة أخرجه ابن حبّان في صحيحة ورواه مسلم بزيادة أولاهن بالتراب ( قوله وليغسله سبع مرات) ظاهر الأمر يقتضي وجوب الغسل سبع مرات وقد اختلف الناس في ذلك فقال قوم بظاهر الحديث وأليه ذهب ابن عباس وعروة بن الزبير ومحمد بن سيرين وطاووس وعمرو بن دينار والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيدة وداود وذهب آخرون منهك جابر بن زيد وضمام بن السائب والعترة والحنفية إلى إن السبع غير (1/254)
صفحة 255
واجبة بل قال جابر وضمام في الثلاث كفاية وإشارتهم تدل أن الأمر بالسبع للندب وأنه لا فرق بين ولوغ الكلب وسائر النجاسات بل العذرة أشد نجاسة من سؤر الكلب ولم يتقيد بالسبع فيكون الولوغ كذلك من باب الأولى( ورد)
بأنه لا يلزم من كونها أشد في الاستقذار أن لا يكون الولوغ أشد منها في تغليظ الحكم وبأنه قياس في مقابلة النص الصريح وهو فاسد الاعتبار( وفيه أن) القياس مبين للمراد من النص لا معارض حتى يفسد اعتباره وأيضا فقد جاء من رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة راوي الحديث أنه أفتى بغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات ( ورد) بأنه يثبت عنه أيضا أنه أفتى بالغسل سبعا وهذا رجح من حيث الإسناد من ومن حيث النظر أما من حيث الإسناد فلأنها وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه قالوا وهذا من أصح الأسانيد وسند الأول دون هذا السند في القوة بكثير وأما من حيث النظر فظاهر وأيضا قد روى التسبيع غير أبي هريرة فلا يكون مخالفة فتاه قادحة في مروي غيره (والجواب ) أن صحة الفتا الموافقة لا تمنع وقوع الفتوى المخالفة لاحتمال صدور الكل وأنه قد أفتى مرة بالسبع تمسكا بظاهر الحديث ومرة بالثلاث أخذا بما فهمه من معني الحديث فلم يقع تعارض بين الافتائين حتى يلتمس الترجيح بل الغرض من ذكر إفتائه بالثلاث بيان المراد من الحديث وان السبع ليست بواجبة بل مندوبة فقط وهذه مناظرة صورت بين أبي حنيفة والشافعي في معارضة فتيا أبى هريرة لروايته قال أبو حنيفة أقبل فتياه وأجعله دليلا على حفظ نسخ الخبر عن (النبي صلى الله عليه وسلم ) لأنه لا يكون يفتي بغير ما حفظ عن (النبي صلى الله عليه وسلم ) وقال الشافعي أقبل خبره في غسل الإناء ولا أقبل فتياه لما يجوز أن يكون قد نسي الخبر لأنا قد تعبدنا بتصديق الراوي إذا كان عدلا ولم نتعبد أن ننسخ السنن المروية بقول من يجوز عليه الغلط وتعمد الكذب وهي مناظرة صحيحة فلا معني (1/255)
صفحة 256
لتعجب صاحب الضياء منها والحمد لله على الهدي والعلم عند الله تعالى (قوله أولاهن وأخراهن بالتراب ) وفي لفظ الترمذي والبزار أولاهن وأخراهن بزيادة الألف قبل الواو وكذالك أيضا في رواية صحيحة للشافعي وعند القاسم بن سلام أولاهن أو إحداهن وعند احمد ومسلم أولاهن بالتراب ولابن داود السابعة بالتراب وفي حديث عبد الله بن مغفل عند الجماعة إلا الترمذي والبخاري وافروا الثامنة بالتراب فهذه الروايات عند قومنا مضطربة في بيان المتربة من الغسلات ورواية الربيع مصرحة محكمة فيها زيارة بيان وهي قاضية بأن المترب غسلتان الأولى والسابعة وفي هذا التغليظ ما يشعر بتخصيص الولوغ بهذه الطهارة دون غيره من الأنجاس وإذا حدث الشارع حداً لسيء فلا ينبغي الاقتصار دونه وإن فهموا المراد من المعني لأنه (صلى الله عليه وسلم ) قد أوتي شيئاً فوق الفهم لكن اختلف الناس في التتريب فأوجبه كل من أوجب التسبيع إلا المالكية فإنهم أوجبوا التسبيع دون التتريب ولم تقل العترة والحنفية بوجوب التتريب ولا التسبيع وعدم القول بوجوب التتريب بوجوب التتريب لازم مذهب جابر وضمام رحمهما الله تعالى قالت المالكية لم يقع التتريب في رواية مالك ورد عليهم القرافي رجل منهم بأن الأحاديث فيه قد صحت فالعجب منهم كيف لم يقولوا والله أعلم
في أحكام المياه
ما جاء
في أحكام المياه ما جاء في حكم الماء المطلق أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الماء طهور إلا ما غير لونه وطعمه ورائحته (1/256)
صفحة 257
(قوله في أحكام المياه ) يعني في بيان الطاهر منها والمتنجس (ما جاء في حكم الماء المطلق ) (قوله الماء طهور ) بقتح الطاء فعول من التطهير وهو ما كان مطهراً لغيره ولا يكون مطهراً لغيره حتى يكون طاهرا في نفسه قال المحشي ولفظ الحديث في السؤالات خلق الله الماء طهورا الخ وفي هذه الزيادة إشارة إلى أن حكم الأشياء على أصلها الذي خلقها الله عليه فلا تنتقل عنه إلا بدليل وسبب الحديث عند أحمد وأبي داود والترمذي وحسنه عن أبي سعيد الخدري قال قيل يا رسول الله اتتوضأ من بير بضاعة وهي بير يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الماء طهور لا ينجسه شيء قال أحمد بن حنبل حديث بير بضاعة صحيح (قوله لا ينجسه ) أي لا يزيل طاهريته شيء من الأنجاس لأنه طهور يزيل النجس فكيف ينجسه شيء (قوله إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته ) والمراد بتغير لونه غلبة لون النجس عليه وكذا القول في الطعم والريح لأن حصول التغير بشيء منها دليل على ظهور النجس الماء فلا تقوى طهورية الماء على مقاومة النجس فيستحيل إلى حكمه وزيادة هذا الاستثناء عند الربيع رحمة الله تعالى من حديث ابن عباس رضي الله عنهما صحيحة كما ترى ورواها الدار قطني من حديث ثوبان ولفظه الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه وفي إسناده رشدين بن سعد وهو متروك وعن أبي إمامة مثله عند ابن ماجة والطبراني وفيه أيضا رشدين ورواه البيهقي بلفظ أن الماء طهور إلا أن تغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة تحدث فيه من طريق عطية ابن بقية عن أبية عن ثور عن راشد بن سعد عن أبي إمامة وبالجملة فقد وقع الإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة خرج عن الطهورية فهو إجماع على معنى الحديث يقضي بصحته وإن ضعف بعض رواته كيف وهو قد ثبت عند الربيع بالسند العالي فالطعن في بعض رواته عند قومنا لا يقدح في طريقه الصحيح عندنا والله أعلم
ما جاء (1/257)
صفحة 258
في تقدير الكثير بالقلتين أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان الماء قدر قلتين لم يحتمل خبثا وفي رواية أخرى قدر قلتين ماءً لا ينجسه شيء
(قوله قدر قلتين ) أي مقدارهما وقد اختلف الناس في تعين هذا القدر اختلافا كثيرا استقصينا ذكره في الأول من المعارج وقيل القلة قربتان ونصف وقيل خمس مائة رطل قال المحشي الذي عليه أكثر أصحابنا أن القلة هي الجرة التي يحملها الخادم في العادة الجارية في استخدام العبيد والله أعلم (قوله لم يحتمل خبثاً وفي نسخه نجساً ) والمعني واحد قال المصنف رحمه الله تعالي وفي رواية أخرى قدر قلتين ماء لا ينجسه شيء وأراد بقوله وفي رواية أخرى أي عند أبي عبيدة فبهذا السند والعلم عند الله تعالى ويفهم من الروايتين إن ما دون القلتين مخالف لما فوقهما في هذا الحكم فيحتمل الخبث ويتنجس بملاقاة النجس فيكون هذا المفهوم مخصصاً لعموم الحديث الأول فينجس القليل من الماء بملاقاة النجاسة وإن لم يتغير شيء من أوصافة وهو قول جمهور أصحابنا ونسب إلى ابن عمر ومجاهد والشافعية والحنفية وأحمد بن حنبل وإسحاق وبعض أهل البيت وقيل لا ينجس الماء بما لاقاه ولو كان قليلا إلا إذا تغير وقد ذهب إلى ذلك ابن عباس وأبو هريرة وجابر بن زيد والحسن البصري وأبو عبيدة ميلم بن أبي كريمة وهاشم بن عبد الله الخراساني ونسب إلى سعيد بن المسيب وعكرمة وابن أبي ليلي والثوري وداود الظاهري والنخعي ومالك والغزالي ومنشأ الخلاف تعارض العموم والمفهوم فحديث لا ينجسه شيء يدل بعمومه على عدم خروجه عن الطهارة بمجرد ملاقاة النجاسة وحديث القلتين يدل بمفهومة على خروجه عن الطهورية بملاقاتها فمن أجاز التخصيص بمثل هذا المفهوم قال به في هذا الموضع ومن منع منه منعه هاهنا أيضا ويؤيد الأخذ بالمفهوم في هذا الموضع قوله تعالي ( والرجز فاهجر ) وخبر الاستيقاظ وخبر الولوغ وحديث لا يبولن أحدكم في الماء الدائم وقد (1/258)
صفحة 259
بسطنا أدلة القولين في معارج الآمال فراجعه ثم إن نفس التقدير بالقلتين لا تقبل النجاسة بل يدفعها عن نفسه ولو كان المعني انه يضعف عن حملها لم يكن للتقييد بالقلتين معنى فان مادونهما أولى بذالك والحديث يدل على أن قدر القلتين لا ينجس بملاقاة النجاسة وكذا ما هو أكثر من ذالك بالأول ولكنه مخصص أو مقيد بحديث إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه فكل واحد من الحديثين مخصص للآخر من جهة والله أعلم
ما جاء
في سؤر السباع أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السباع ترد الحياض وتشرب منها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ما ولغت في بطونها ولكم ما غبر قال الربيع أي ما بقي
(قوله عن السباع ) جمع سبع بضم الباء وإسكانها لغة حكمها الأخفش وغيره وهو يقع على كل ماله ناب يعدو به فيفترس كالذيب والفهد والنمر وأما الثعلب فليس بسبع وإن كان له ناب لأنه لا يعدو به ولا يفترس وكذالك الضبع قاله الأزهري وهو موافق لقوله من استثني الثعلب والضبع من حكم السباع وهو قول لبعض أصحابنا (قوله ترد الحيض ) جمع حوض وأصل حياض الواو لكن قلبت ياء للكسرة قبلها ويجمع أيضا على أحواض مثل ثوب وأثواب وثياب وهو موضع يجمع فيه الماء حول المورد لتشرب منه الإبل ونحوها فإذا سار عنها الناس وردتها السباع وشربت منها فسألوا عن حكمها (قوله لها ما ولغت في بطونها ) أي لها ما شربته وصار في بطونها ولكم ما غبر بمعجمة ثم موحدة أي ما بقي في الحياض يعني أنه لا بأس به فاشربوا واستعملوا وهذا الحكم مطلق في ماء (1/259)
صفحة 260
الفلاة لان ورد السباع غير متحقق بل مظنون فقط وحكم الماء الطهارة فلا ينجس بالشك وأن تغير بعض أوصافة بالنجس تنجس لحديث ابن عباس المتقدم أول الباب يدل على ما ذكرت ما أخرجه الدار قطني وغيره عن ابن عمر قال خرج (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) في بعض أسفاره فسار ليلا فمروا على رجل جالس عند مقراة له وهي الحوض الذي يجتمع فيه الماء فقال عمر أولغت السباع عليك الليلة في مقراتك فقال له (النبي صلى الله عليه وسلم ) يا صاحب المقراة لا تخبره هذا متكلف لها ما حملت في بطونها ولكم ما بقي شراب وطهور ففي هذا الحديث إشارة إلى إن العفو عنها إنما لعدم العلم بنجاستها دفعا للمشقة وبذالك سقط استدلال بعضهم بحديث الباب على طهارة سؤة السباع وقيده بعضهم بما فوق القلتين لحديث عبد الله بن عمر بن الخطاب قال سمعت (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وهو يسئل عن الماء يكون بالفلاة من الأرض وما ينوبه السباع والدواب فقال إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث قال المحشي ويرشد إلى هذا القيد أيضا لفظ الحياض ومعناه إنها تجمع من الماء فوق القلتين والله أعلم (قلت ) الحديث قد تكلم في معناه وقدر القلتين غير منضبط ولفظ الحياض غير معتبر في معني الجواب والله أعلم .
ما جاء
(في سؤر الهرة )أبو عبيدة قال بلغني عن كبيشة بنت كعب بن مالك )وكانت تحت أبي قتادة الأنصاري أنها سكبت لأبي قتادة وضوءً فجاءت هرة تشرب منه فأصغى أبو قتادة لها الإناء حتى شربت قالت كبيشة فرآني أنظر إليه فقال أتعجبين مما رأيت قالت قلت نعم قال لي أن (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال أنها ليست (بنجسه إنما هي من الطوافين والطوافات عليكم ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كنت أتوضأ أنا ورسول الله( صلى الله عليه وسلم من إناء قد أصابت منه الهرة قبل ذلك) (1/260)
صفحة 261
(قوله عن كبيشة بن كعب بن مالك )كذا وقع عند المنصف بصيغة التصغير وعند غيره كبشة غير مصغر قال في أسد الغابة كبشة بنت كعب بن مالك الأنصارية السلمية امرأة أبي قتادة الأنصاري قال جعفر لها صحبة ولم يورد لها شيئاً وقال غيره تروي عن أبي قتادة في سؤر الهر وأبوها كعب بن مالك بن أبي كعب واسم أبي كعب عمرو بن القين بن سواد ابن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي الأنصاري الخرزجي السلمي شهد العقبة في قول الجميع واختلف في شهوده بدراً والصحيح أنه لم يشهدها ولم يتخلف عن (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) إلا في غزوة بدر وتبوك أما بدر فلم يعاتب (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فيها أحداً تخلف وأما تبوك فتخلف عنها لشدة الحر وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وهم كعب بن مالك ومرارة بن ربيعة وهلال بن أمية فأنزل الله عز وجل فيهم (وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ) الآيات فتاب الله عليهم والقصة مشهورة (قوله وكانت تحت أبي قتادة الأنصاري ) اسمه الحارث بن ربعي بن بلدمة بن خناس بن عبيد ابن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد الخزرجي السلمي فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل اسمه النعمان قاله الكلبي وابن إسحاق وأمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة اختلف في شهوده بدراً فقال بعضهم كان بدريا وشهد أحداً وما بعدها من المشاهد كلها وتوفي سنة أربع وخمسين بالمدينة في قول وقيل توفي بالكوفة في خلافة علي وصلى عليه علي فكبر سبعا وروى الشعبي أن عليا كبر عليه ستاً وقيل توفي سنة أربعين( قوله سكبت ) أي صبت يكون متعديا ولازما (قوله وضوءاً ) بفتح الواو وهو الماء الذي يتوضأ به والحديث يدل على أن خدمة النساء لأزواجهن كانت في قديم الزمان وهو معروف من أحوال الصحابة وهو عندي من حق الزوج عليها (قوله فجاءت هرة ) بكسر الهاء وسكون الراء وهي الأنثى من (1/261)
صفحة 262
السنانير وجمعها هرر كسدرة وسدر وتصغيرها هريرة وبها كنى أبو هريرة ( قوله تشرب منه ) أي تريد ذالك والجملة في موضع الحال (قوله فأصغي ) أي أمال لها الإناء حتى شربت أي بقي مصغياً له حتى فرغت من شربها (قوله فرآني أنظر إليه ) أي متعجبة من صنيعه ولهذا قال لها أتعجبين مما رأيت وفيه دليل على اعتبار الإشارة وإن خفيت كالنظر وشواهد المقال وتعجبها إنما كان لجهلها بالحكم في القضية فلذا ذكر لها الحديث (قوله ليست بنجسة ) وفي رواية قومنا ليست بنجس بلا هاء (قوله إنما هي ) وفي بعض النسخ إنها من الطوافين وهي عندي أصح (قوله من الطوافين ) جمع طائف والطواف جمع طائفة والمراد بالكل الخدم من الذكور والإناث وصفوا بذلك لكثرة مخالطتهم للخدمة وشبهت الهرة بهم لكثرة مخالطتها لأهل البيت وفي ذكر هذا الوصف إيماء بأن سبب الحكم بطهارتها كثرة مخالطتها حتى لا يمكن التحرز منها غالبا والحديث صريح في طهارة سؤرها وبه قال بعض أصحابنا وكان ينبغي أن يتفقوا عليه لاعترافهم بصحة روايات الربيع وبه قال الشافعي أيضا وقال البعض بنجاسة سؤرها لأنها سبع تفترس الفار (قلنا ) قياس مع نص فهو فاسد الاعتبار وقال أبو حنيفة بل نجس كالسبع لكن خفف فيه فكره سؤره وأستدل بما ورد عنه (صلى الله عليه وسلم )من أن الهرة سبع في حديث أخرجه أحمد والدار قطني والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة بلفظ السنور سبع وبما تقدم من (قوله صلى الله عليه وسلم ) عند سؤاله عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء (وأجيب بأن ) حديث الباب مصرح بأنها ليست بنجس فيخصص به عموم حديث السباع بعد تسليم ورود ما يقضي بنجاسة السباع وأما مجرد الحكم عليها بالسبعية فلا يستلزم أنها نجس إذ لا ملازمة بين النجاسة والسبعية والله أعلم (قوله كنت أتوضأ ) الخ في الحديث دلالتان أحداهما اشتراك الرجل و المرآة في الوضوء الواحد إذا كانا زوجين وأنه لابأس بذلك (1/262)
صفحة 263
وربما أستفيد منه جواز الوضوء بفضل المرأة والدلالة الثانية وهي التي سيق لها الحديث طهارة سؤر الهرة ومعنى قولها قد أصابت منه الهرة قبل ذلك أي شربت منه قبل وضوئهما وعند الدار قطني عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصغي إلى الهرة الإناء حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها
ما جاء
(في ماء البحر) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر فقال يا رسول الله إنا لنركب البحر على أرماث لنا وتحضرنا الصلاة وليس معنا ماء إلا لشفاهنا افنتوضأ بماء البحر فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم هو الطهور ماؤه والحل ميتته قال الربيع الأرماث الخشب) (1/263)
صفحة 264
(قوله إن رجلا سأل ) وقع في بعض طرق الحديث عند قومنا عن يحي بن سعيد الأنصاري عن عبد الله بن المغيرة عن أبيه عن رجل من بني مد لج اسمه عبد الله وعلى هذا فيكون السائل عبد الله المدلجي وقال ابن منيع أن اسمه عبد وقيل اسمه عبيد بالتصغير وقال أبو موسى الحافظ الإصبهاني عبد أبو زمعة البلوي الذي سأل النبي( صلى الله عليه وسلم )عن ماء البحر (قوله على ارماث لنا ) جمع رمث بفتحتين ثم بمثلثة خشب يشد بعضها إلى بعض فيركب عليها وقيل الرمث فعل بمعنى مفعول من رمثت الشيء إذا أصلحته ولممته (قوله إلا لشفاهنا ) قيل معناه لمعاشنا فهو يتناول الشرب والطعام والشفاه جمع شفة عبر بها هاهنا عما يدخل الجوف من الشراب والطعام على سبيل المجاز ويحتمل أن يراد ما يبل به شفاه عند الوضوء فإن كثيرا من الناس ينفرون من وضع ماء البحر في شفاههم لملوحته ومرارته (قوله هو الطهور ماؤه ) بفتح الطاء مبالغة في التطهير وهذا موافق لما تقدم من حديث ابن عباس في مطلق الماء أنه طهور والمعنى أن ماء البحر وغيره سواء في الطهورية فقول ابن عمر ماء البحر لا يجزي من جنابة ولا يتوضأ منه لأن تحت البحر ناراً وتحت النار بحرا حتى عد سبعة أبحر وسبع نيران (قال الجوزقاني ) باطل تفرد به محمد بن المهاجر وكان يضع الحديث وزعم بعضهم أنه لا يتوضأ بماء البحر إلا عند الضرورة وغلا بعضهم حتى قال التيمم أحب إليّ منه والصواب ما تقدم وبه جاءت السنة فلا اختيار لأحد بعد حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنه إذا قضى الله رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) (قوله والحل ميتته ) فيه دليل على حل جميع حيوانات البحر حتى كلبه وخنزيره وثعبانه وفيه خلاف ذكرناه في الجزء الثاني من المعارج ومن فوائد الحديث مشروعية الزيادة في الجواب على سؤال السائل لقصد الفائدة وعدم لزوم الاقتصار على مقتضى السؤال وقد عقد البخاري لذلك بابا ساق فيه حديث ابن عمر في ما (1/264)
صفحة 265
يلبس المحرم قال الخطابي وفي حديث الباب دليل على أن المفتي إذا سئل شيء وعلم أن للسائل حاجة إلى ذكر ما يتصل بمسئلته استحب تعليمه إياه ولم يكن ذلك تكلفا لما لا يعنيه لأنه ذكر الطعام وهم سائلوه عن الماء لعلمه أنهم قد يعوزهم الزاد في البحر اهو قول الأصوليين تجنب مطابقة الجواب للسؤال معناه يجب أن يكون الجواب مفيداً لمعنى السؤال وليس المراد أنه لا يجوز الزيادة على تلك الفائدة وللحديث فوائد أخر قال الشافعي هذا الحديث نصف علم الطهارة
ما جاء
(في البول والاغتسال في الماء الدائم ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال أدركت من الصحابة ناسا أكثر فتياهم حديث (النبي صلى الله عليه وسلم ) يقولون قال النبي (صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه أو يتوضأ ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن بعض نساء (النبي صلى الله عليه وسلم ) اغتسلت من الجنابة فجاء (النبي صلى الله عليه وسلم ) فتوضأ من فضلها أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال نهى (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الجنب أن يغتسل (في الماء الدائم ونهى عن الوضوء بفضل المرأة وكذلك الرجل) (1/265)
صفحة 266
(قوله لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه أو يتوضأ وقوله في حديث ابن عباس نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنب أن يغتسل في الماء الدائم ) كلا الحديثين قد تقدم تفسيره والماء الدائم هو الساكن وجاء في حديث أبي هريرة لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه وفي رواية لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب وقد اختلف في حكم النهى فمنهم من حمله على الكراهية وهو مناسب لقول من لا يرى نجاسة الماء إذا قل وإن لاقته النجاسة حتى يتغير بعض أوصافه ومنهم من حمله على التحريم ثم اختلفوا فمنهم من قال يحرم في قليل الدائم وكثيره واستدلوا به على نجاسة الراكد بملاقاة النجاسة وإن زاد على القلتين مالم يكن مستبحراً ومنهم من حمله على ما دون القلتين لأنه هو الذي ينجس بملاقاة النجاسة دون ما زاد عليهما وخصصوا الحديث القلتين المتقدم وإياه اعتمد صاحب الإيضاح وفرق أحمد بن حنبل بين بول الآدمي وما في معناه من العذرة المائعة وغير ذلك وبين سائر النجاسات فقال بنجاسة الماء ببول الآدمي وما في معناه وإن زاد على القلتين وأما غيره من النجاسات فتعتبر فيه القلتان قال بعض من انتصر لمذهبه وكأنه رآى أن الخبث المذكور في حديث القلتين عام بالنسبة إلى الأنجاس وهذا الحديث خاص بالنسبة إلى بول الآدمي فيقدم الخاص على العام بالنسبة إلى النجاسات الواقعة في الماء الكثير ويخرج بول الآدمي وما في معناه من جملة النجاسات الواقعة في القلتين بخصوصه فينجس الماء دون غيره ويلحق بالبول المنصوص عليه ما يعلم أنه في معناه (فائدتان إحداهما ) استدل بعضهم بمفهوم هذا الحديث فأجاز البول في الماء الجاري لأن النهي إنما وقع عن الماء الدائم الذي لا يجري ولم يجره آخرون أما لأنهم لم يعتبروا مفهوم الصفة هاهنا أو أنهم جعلوا الوصف جاريا مجرى الغالب لا قيدا للحكم وأما أنهم رأوا أن الحكمة في ذلك خوف الاستقذار ونفرة الطباع وأن هذا (1/266)
صفحة 267
المعني يحصل في الجاري أيضا لأنه يستقذره من مر عليه ومنهم من فرق بين صغير الأنهار وكبيرها فرخص في الكبير دون الصغير لأن الكبير يستهلك النجاسة حالا فلا تجاوز موضعها إذا كانت بولا( الفائدة الثانية ) ذهبت الظاهرية أن النهي مخصوص بالبول في الماء حتى لو بال في كوز وصبه في الماء لم يضر عندهم ولو بال خارج الماء فجرى البول إلى الماء لم يضر عندهم أيضا والعلم القطعي حاصل ببطلان قولهم لاستواء الأمرين في الحصول في الماء فإن المقصود اجتناب ما وقعت فيه النجاسة من الماء وليس هذا من مجال الظنون بل مقطوع به والله أعلم (قوله أن بعض نساء النبي ) هي ميمونة رضي الله عنها كما صرح بها عند أحمد وابن ماجدة ومعنى الحديث قد تقدم في آخر كيفية الغسل وميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير ابن الهزم بن دويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية زوج( النبي صلى الله عليه وسلم ) وكان اسمها برة فسماها (رسول صلى الله عليه وسلم ) ميمونة وهي خالة ابن العباس وخالة خالد بن الوليد وكانت قبل (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) عند أبي رهم بن عبد الزى بن عبد ودَّ بن مالك بن حلّ بن عامر بن لؤي وقيل عند سخبرة بن أبي رهم وقيل كانت عند حويطب بن عبد العزى وقيل عند فروة بن عبد العزى الأسدي أسد بن خزيمة قاله قتادة تزوجها (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بعد زوجها سنة سبع في عمرة القضا في ذي القعدة فأرسل (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) جعفر ابن أبي طالب إليها فخطبها فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب فزوجها من (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وقيل بل العباس قال (لرسول الله صلى الله عليه وسلم ) أن ميمونة بنت الحارث قد تأيمت من أبي رهم بن عبد العزى هل لك أن تزوجها فتزوجها (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) واختلفت الروايات في حال تزوجه (صلى الله عليه وسلم ) بها فروي أنه تزوجها وهو حلال وروي أنه تزوجها وهو محرم ومن إخلاف الروايات (1/267)
صفحة 268
نشأ الاختلاف بين الفقهاء في تزوج المحرم (والمذهب ) عندنا المنع وجمع بعضهم بين الروايات فقال تزوجها وهو حلال وظهر أمر تزويجها ثم بنى بها وهو حلال بسرف في طريق مكة وماتت بسرف أيضا حيث بنى بها (رسول الله صلى الله عليه وسلم )ودفنت هناك فهو من الاتفاقات الغريبة وكانت وفاتها رضي الله عنها سنة إحدى وخمسين وقيل سنة ثلاث وستين عام الحرة وصلى عليها ابن العباس ودخل قبرها هو ويزيد بن الأصم وعبد الله ابن شداد بن الهاد وهم أولاد أختها ونزل معهم عبيد الله الخولاني وكان يتيما في حجرها قوله نهى الجنب الحديث بتمامه قد تقدم تفسيره
ما جاء
(في الوضوء بالنبيذ ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال الذي يروى عن عبد الله بن مسعود (ليلة الجن في إجازة (النبي صلى الله عليه وسلم ) أن يتوضأ بالنبيذ ) قد سمعت جملة من الصحابة يقولون ما حضر ابن مسعود تلك الليلة والذي رفع عنه كذب والله أعلم بالغيب (1/268)
صفحة 269
(قوله في إجازة ) أي إباحة من أجاز كذا إذا قال بجوازه (قوله أن يتوضأ بالنبيذ ) هو تمر أو نحوه ينبذ في الماء ثم يجعل في إناء حتى تمتزج بعضهما ببعض ثم يشرب وقد يداخله الاسكار فيحرم وحديث التوضيء بنبيذ التمر أخرجه الأربعة إلا النسائي عن ابن مسعود من طريق أبي فزازة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عنه أن (النبي صلى الله عليه وسلم ) قال له ليلة الجن عندك طهور قال لا إلا شيء من نبيذ في أدواة قال تمرة طيبة وماء طهور وزاد الترمذي فتوضأ من وقال أبو زيد رجل مجهول ورواه أحمد وزاد أيضاً وتوضأ منه وصلى وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة ليس بصحيح وأبو زيد مجهول وكذا حكى ابن عدي عن البخاري وقال هو خلاف القرآن وأبو فزارة وهو راشد بن كيسان وهو ثقة ويقال غيره قال أحمد هو رجل مجهول وأخرجه ابن عدي من طريق عبد الله الشقري عن شريك القاضي عن أبي زائدة عن ابن مسعود قال قال لي (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) معك ماء قلت لا إلا نبيذ في ادواة قال تمرة طيبة وماء طهور فتوضأ وقال شوشة أبو عبد الله الشقري عن شريك والمحفوظ عن أبي فزارة عن أبي زيد عن ابن مسعود والحديث بأبي زيد ضعيف وروى أحمد والقحطاوي من طريق سليمان التميمي حدثني أبو تميمة عن عمرو البكالي عن عبد الله بن مسعود قال استتبعني (النبي صلى الله عليه وسلم ) فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا فخط لي خطاً وقال كن بين ظهري هذا لا تخرج منها فانك إن خرجت هلكت الحديث بطوله قال الطحاوي البكالي من أهل الشام ولم يروه عنه إلا أبو تميمة وليس هو بالهجيمي وإنما هو سليمي بصري ليس بالمعروف وله طريق أخرى أخرجها الدار قطني من طريق أبي وائل سمعت لبن مسعود يقول كنت مع( النبي صلى الله عليه وسلم ) ليلة الجن فأتاهم فقرأ عليهم فقال لي معك ماء يابن مسعود قلت ما والله يا رسول الله إلا اداوة فيها نبيذ فقال تمرة طيبة وماء طهور فتوضئوا به وفيه الحسن بن عبد الله العجلي وهو كذاب وله (1/269)
صفحة 270
طريق أخرى أو هي مما ذكر ومدار الكل أما على مجهول أو ضعيف أو كذاب قال بعض المطلعين حديث ابن مسعود هذا ضعيف بإجماع المحدثين (قوله والذي رفع عنه كذب) لأنه لو كان صادقا ما خفي حضور ابن مسعود تلك الليلة على هذه الجملة من الصحابة وأسند البيهقي إلى ابن مسعود قال لم أكن مع( النبي صلى الله عليه وسلم ) ليلة الجن ووددت أني كنت معه وكذا أخرجه الطحاوي وأخرج مسلم من طريق الشعبي عن علقمة سألت ابن مسعود هل شهد منكم أحد مع (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ليلة الجن قال لا وفي لفظ لم أكن مع (النبي صلى الله عليه وسلم ) ليلة الجن ووددت أني كنت معه ولأبي داود من هذا الوجه لم يكن معه منا أحد وأخرج البيهقي من طريق عمر بن مرة سألت أبا عبيدة بن عبيد الله أكان عبد الله مع( النبيصلى الله عليه وسلم ) ليلة الجن قال لا قال وسألت إبراهيم فقال ليت صاحبنا كان ذلك وأخرج الطحاوي قول أبي عبيدة وقال أن أبا عبيدة مع تقدمه للعلم لا يخفى عليه مثل هذا من حال أبيه وكذلك إبراهيم النخعي مع شدة ممارسته لحديث ابن مسعود وتنقيبه عنه ثم أنبرأ يجمع بين الأحاديث المتقدمة قال فمنها ما أخرجه مسلم من طريق الشعبي عن علقمة سألت ابن مسعود هل شهد منكم أحد مع (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ليلة الجن قال لا ولكنا كنا مع (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقلنا أستطير أو اغتيل قال فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حرا الحديث قال البيهقي هذا يخالف ما جاء عن ابن مسعود أتانا (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فقال إني أمرت أن اقرأ على إخوانكم من الجن ليقم معي رجل منكم ولا يقم رجل في قلبه مثقال حبة خردل من كبر قال فقمت معه حتى إذا برز فخط حولي خطاً ثم قال لا تخرج منها فانك إن خرجت منها لم ترني ولم أراك إلى يوم القيامة الحديث قال البيهقي ويمكن الجمع بأن المراد بمن فقده غير (1/270)
صفحة 271
الذي علم بخروجه قال ابن حجر ويمكن الجمع أيضا بتعدد القصة قلت تعدد القصة مع إنكار جملة من الصحابة نفس حضوره وتكذيبهم لخبره بعيد جدا وكذلك يبعد أيضا جمع البيهقي باحتمال أن يكون الذي فقده غير الذي علم بخروجه فإنهم لو خرجوا معه لكان لليلة شهرة مستفيضة وأخبار متواترة من ألسن الحاضرين والحال أنهم لم ينقلوها عن غير الشارع وناهيك أن ابن مسعود يقول لم يكن معه منا أحد ولو حضروها على الوجه الذي سوغه البيهقي لكان لابن مسعود بينهم مزية بتلك الخطة فيشار إليه من أجلها بالأصابع فيبعد أن يجهل مكانه والله أعلم بذلك .
الباب الخامس والعشرون
فرض التيمم والعذر الذي يوجبه
(قوله فرض التيمم والعذر الذي يوجبه ) وفي نسخة أوجبه والأولى أنسب لأن الأعذار تجدد وفي الثانية تعبير بالماضي عن المضارع أو أنه أراد العذر الذي أوجبه في زمن (النبي صلى الله عليه وسلم ) فإنها وقعت أعذار مخصوصة شرع لأجلها التيمم فصارت عذرا موجبا إلى آخر الزمان (والتيمم ) في اللغة القصد يقال تيممت فلانا أي قصدته ومنه قوله تعالي ( فتيمموا صعيدا طيبا ) أي فاقصدوه لمسح الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة ونحوها ثم صار في عرف الشرع اسمها لهذا القصد المخصوص مع الفعل المخصوص وعرفه بعض قومنا بأنه طهارة ترابية ضرورية تشتمل على الوجه واليدين تستعمل عند فقد الماء أو عند عدم القدرة على استعماله وقيل عبادة تستباح بها الصلاة وهي القصد إلى الصعيد الطاهر يمسح به وجهه ويديه وهو واجب بالكتاب والسنة والإجماع فمن جحده أوشك فيه فهو مشرك وهي خصيصة خص الله تعالى بها هذه الأمة واختلف هل هو عزيمة أو رخصة وفصل بعضهم فقال هو لعدم الماء عزيمة وللعذر رخصة ومع كونه رخصة فهو واجب أيضا إذ لا قائل بجواز تركه ومن الرخص ما هو واجب كالقصر في السفر وأكل الميتة عند الضرر لمن خاف الهلاك فيعود الخلاف لفظيا
ما جاء (1/271)
صفحة 272
في نزول آية التيمم أبو عبيدة عن جابر ابن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت سفرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء انقطع عقد لي فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه فأقام الناس معه وليسوا علي ماء وليس معهم ماء فأتوا إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقالوا ألا ترى ما صنعت ابنتك بالناس أقامتهم على غير ماء فجاء أبو بكر إلى (رسول الله صلى الله عليه وسلم )فوجده واضعا رأسه على فخذي وقد نام فقال حسبت (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) والناس ليسوا على ماء ولا ماء معهم قالت عائشة فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول فجعل يطعن بيده في حاضرتي فمنعت نفسي من الحركة لما كان رأس (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) على فخذي فنام (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم قالت فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا القلادة تحته (1/272)
صفحة 273
(قوله في بعض أسفاره ) قيل كان في غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع وفيها وقعت قصة الإفك لعائشة رضي الله عنها وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها أيضا فان كان ما قيل ثابتا حمل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين لاختلاف القضيتين كما هو بين في سياقها (قوله بالبيداء ) قيل موضع بين المدينة وخيبر وقيل أنها ذو الحليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة وقيل هي الشرف الذي قدام ذي الحليفة في طريق مكة (قوله عقد لي) بكسر المهملة كل ما يعقل ويعلق في العنق ويسمى قلادة بكسر القاف أيضا (قوله على التماسه ) أي لأجل طلبه (قوله وليسوا على ماء ) أي والحال أنهم في مكان لا ماء فيه قوله وليس معهم ماء أي قد تزودوه من قبل واستدل بذلك على جواز الإقامة في المكان الذي لا ماء فيه واعترض بأن المدينة كانت قريبة منهم وهم على قصد دخولها ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم لم يعلم بعدم الماء مع الركب وإن كان قد علم إن المكان لا ماء فيه يحتمل أن يكون قوله ليس معهم ماء أي للوضوء وأما ما يحتاجون إليه للشرب فيحتمل أن يكون معهم وفي الحديث اعتناء الإمام بحفظ حقوق المسلمين فقد روي أن ثمن العقد المذكور كان اثني عشر درهما ويلتحق به الإقامة للحاق المنقطع ودفن الميت ونحو ذلك من مصالح الرعية وفيه إشارة إلى ترك إضاعة المال فيستدل به على جواز التيمم لمن خاف اللصوص على متاعه إذا طلب الماء ويؤخذ منه أيضاً مسئلة تيمم الشباك وجاني الشوع والجراد إذا كان ذلك كسبه (قوله فأتوا إلى أبي بكر الصديق ) فيه شكوى المرأة إلى أبيها وإن كان لها زوج وكأنهم إنما شكوا إلى أبيها لكون (النبي صلى الله عليه وسلم ) كان نائماً وكانوا لا يوقظونه وفيه نسبة الفعل إلى من كان سبباً فيه لقولهم صنعت وأقامت وفيه جواز دخول الرجل على ابنته وإن كان زوجها عندها إذا علم رضاه بذلك ولم تكن حالة مباشرة كذا قيل وعندي أن الحكم خاص بالصحاري دون البيوت فإن للبيت حرمة وجب لأجلها (1/273)
صفحة 274
الاستئذان (قوله فعاتبني أبو بكر) أي لامني وإنما صرحت باسمه لأن قضية الأبوة الحنو وما وقع من العتاب بالقول والتأديب بالفعل مغائر لذلك في الظاهر فلذلك أنزلته في الخطاب منزلة الأجنبي (قوله ما شاء الله أن يقول ) يروى أنه قال لها حسبت الناس في قلادة أي بسببها ويروى أيضاً أنه قال لها في كل مرة تكونين عناء (قوله يطعن ) بضم العين وكذلك كل طعن حسي وأما المعنوي فيقال يطعن بالفتح تقول يطعنه بالرمح ويطعن في نسبه هذا هو المشهور وحكي الفتح فيها وحكى الضم أيضا وفي الحديث تأديب الرجل ابنته وإن كانت متزوجة كبيرة خارجة عن بيته ويلحق بذلك تأديب من له تأديبه ولو لم يأذن له الإمام (قوله في خاصرتي ) الخاصرة والخصر بمعنى واحد وهو من الإنسان وسطه المستدق فوق الوركين (قوله فمنعت نفسي من الحركة ) أي امتنعت عن الحركة لكون رأس (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) على فخذي وفيه استحباب الصبر لمن ناله ما يوجب الحركة ويحصل به التشويش لنائم وكذا لمصل أو قارئ أو مشتغل بعلم أو ذكر (قوله حتى أصبح على غير ماء ) ظاهر الرواية أنه نام إلى الصبح وقيل ليس المراد بيان غاية النوم إلى الصبح بل بيان غاية فقد الماء إلى الصبح لأنه قيد قوله حتى أصبح بقوله على غير ماء أي آل أمره إلى أن أصبح على غير ماء والظاهر الأول وبه استدل على الرخصة في ترك التهجد في السفر إن ثبت أن التهجد كان واجبا عليه وعلى أن طلب الماء لا يجب إلا بعد دخول الوقت كما صرح به في رواية عمر بن الحارث عند البخاري في التفسير بعد قوله وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يجدوه وعلى أن الوضوء كان واجبا عليهم قبل نزول آية الوضوء لهم ولهذا استعظم نزولهم على غير ماء ووقع من أبي بكر في حق عائشة ما وقع قال ابن عبد البر معلوم عند جميع أهل المغازي أنه (صلى الله عليه وسلم )لم يصل منذ اقترضت عليه الصلاة إلا بوضوء ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند (قوله فأنزل الله آية التيمم ) وهي (1/274)
صفحة 275
آية المائدة التي أولها ذكر الوضوء وآخرها فلم تجدوا ماءً فتيمموا الآية وفي إضافة الآية إلى التيمم لا مع أنها مصدرة بالوضوء إشارة إلى أن الذي طرأ إليهم من العلم حينئذ حكم التيمم لا حكم الوضوء قال ابن عبد البر والحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العلم به ليكون فرضه متلواً بالتنزيل (وقال غيره ) ويحتمل أن يكون أول آية الوضوء تنزل قديما فعملوا بها ثم نزل بقيتها وهو ذكر التيمم (ورد ) بأن رواية عمرو ابن الحارث التي أخرجها البخاري في التفسير تدل على أن الآية نزلت جميعها في هذه القصة وفي ذكر التيمم بعد الوضوء إشارة إلى أن التيمم بدل من الماء في الطهارتين الصغرى والكبرى ولما نزلت قال أسيد بن حضير ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر (قوله فبعثنا البعير ) أي أثرناه من مناخه لأجل السير (قوله فوجدنا القلادة ) بكسر القاف هي العقد الساقط وفي اختلاف التعبير تفنن وكأنهم أيسوا منه فلذا أهموا بالرحيل قبل وجوده وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم جواز السفر بالنساء واتخاذهن الحلي تجملا لأزواجهن ووضع الزوج رأسه في فخذها ولو كان حيث يرى
ما جاء
(في حكمة التيمم ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن الني( صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن التيمم قال جعلت )لي الأرض مسجدا وترابا طهورا (قال جابر) وهذه الرواية تمنع من التيمم بغير تراب قال الربيع والمسجد ما استقرت عليه مساجد المصلي وهي سبعة أعضاء القدمان والركبتان واليدان والجبهة (1/275)
صفحة 276
(قوله سئل عن التيمم ) أي حكته ولأي شيء كان التراب يقوم مقام الماء ولهذا أجاب بقوله جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً أي كما أن الماء طهور كذلك جعل لي الله تعالى التراب طهورا والله يختص من يشاء بما شاء (قوله جعلت لي الأرض مسجدا ) قال الربيع المسجد ما استقرت عليه مساجد المصلي وهي سبعة أعضاء القدمان والركبتان واليدان والجبهة والمعنى أنها جعلت كلها موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون غيره ويمكن أن يكون مجازا عن المكان المبني للصلاة وهو من مجاز التشبيه لأنه كما جازت الصلاة في جميعها كانت في ذلك كالمسجد قال الداوي وابن التين المراد أن الأرض جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجدا وطهورا وجعلت لغيره مسجدا ولم تجعل له طهورا لأن عيسى كان يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة وقيل أن ما أبيح لهم موضع يتيقنون طهارته بخلاف هذه الأمة فإنه أبيح لهم الطهر والصلاة إلا في ما تيقنوا نجاسته وقال الخطابي واستظهر بعضهم أن من قبله انم أبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع وأيده ابن حجر برواية عمر بن شعيب بلفظ وكان من قبلي إنما يصلون في كنائسهم قال وهذا نص في موضع النزاع فثبتت الخصوصية وأيده غيره بما أخرجه البزار من حديث ابن عباس وفيه ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه وفي الحديث من الفوائد مشروعية تعديد النعم على قصد الشكر وبيان فضل الله على الناس وأن الأصل في الأرض الطهارة وأن صحة الصلاة لا تختص بالمسجد المبني لذلك (قوله وترابها طهورا ) بفتح الطاء أي مطهرا فيدل على أن التراب يرفع الحدث كالماء لإشتراكهما في الطهورية قال جابر رضي الله عنه وهذه الرواية تمنع من التيمم بغير تراب وكذلك رواية مسلم عن حذيفة مرفوعا وجعلت تربتها لنا طهورا وكذلك قوله تعالى( فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) فأنه أمرنا تبارك وتعالى أن نقصد الصعيد الطيب دون غيره فنمسح منه وجوهنا (1/276)
صفحة 277
وأيدينا فالمسح ببعض الصعيد الطيب وهو ما علق منه بالكفين عند الضرب وغير الطيب لا يكون مطهرا هذا هو المذهب وبه قالت العترة والشافعي وأحمد وداود فإن عدم التراب عدل عندنا إلى أشبه شيء به من أجزاء الأرض كالرملة والسبخة والآجر ونحوه معذرة إلى الله تعالى وحوطة لدينه وذهب أبو حنيفة ومالك وعطاء والأوزاعي والثوري إلى أن التيمم يجزي بالأرض وما عليها واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت وعن أبي أمامة أن (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال جعلت لي الأرض كلها لي ولأمتي مسجدا وطهورا فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره ورواهما أحمد وأصل الأول في الصحيحين وكلاهما يدل على أن الأرض التي يصلى عليها هي التي جعلت طهورا والصلاة تكون على التراب وغيره وكذلك الطهور (قلنا ) عموم الحديثين بحديث الباب وبم مر من حديث حذيفة عند مسلم قالوا تعليق الحكم بالتربة مفهوم لقب ومفهوم اللقب ضعيف عند الأصوليين فلا ينتهض في تخصيص المنطوق (قلنا ) ساعده السياق فأن الحديث سيق لإظهار التشريف فلو كان التيمم جائزا بغير التراب لما أقتصر عليه وأيضا فالتفريق في اللفظ بين ما جعل مسجدا وبين ما جعل طهورا يدل على الافتراق في الحكم والله أعلم.
ما جاء
(في حكم التيمم) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبن عباس قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم لأبي ذر) (الصعيد الطيب يكفي ولو إلى سنيين فإذا وجدت الماء فأمسس به جلدك) (1/277)
صفحة 278
(قوله لأبي ذر ) الغفاري بكسر المجمة وقد اختلف في اسمه اختلافا كثيرا فقيل جندب أبن جنادة وهو أكثر وأصح والمشهور في نسبه جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار بن مليد بن ظمرة بن بكر بن عبد مناه بن كنانة بن خزيمة بن مدركة الغفاري وأمه رملة بنت الوقيعة من بني غفار أيضا وكان أبو ذر من كبار الصحابة وفضلائهم قديم الإسلام يقال أسلم بعد أربعة وكان خمسا ثم انصرف إلى بلاد قومه وأقام بها حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهو أول من حيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحية الإسلام وأتى المدينة بعدما ذهبت بدر وأحد والخندق وصحب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن مات وكان يعبد الله تعالى قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين وبايع النبي على أن لا تأخذه في الله لومة لائم وعلى أن يقول الحق وأن كان مرا وعن أبي الأسود الديلمي اعن عبد الله بن عمر وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما أظلمت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو ذر يمشي على الأرض في زهد عيسى أبن مريم وروى عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر وابن عباس وغيرهم من الصحابة ثم هاجر إلى الشام بعد وفاة أبي بكر رضي الله عنه فلم يزل بها حتى ولي عثمان فاستقدمه لشكوى معاوية منه فاسكنه الربذة حتى مات بها وعن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه عن زوجه أبي ذر أن أبا ذر حضره الموت وهو بالربذة فبكت امرأته وقال ما يبكيك فقالت أبكي أن لا بد لي من تكفينك وليس عندي ثوب يسع لك كفنا فقال لا تبكي فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأنا عنده في نفر يقول ليموتنا رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين فكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية ولم يبقى غيري وقد أصبحت بفلاة أموت فراقبي الطريق فأنك سوف ترين ما أقول لك وأني والله ما كذبت ولا كذبت قالت (1/278)
صفحة 279
وأني ذلك وقد أنقطع الحجاج قال راقبي الطريق فبينما هي كذلك إذا هي بقوم تخبوا بهم رواحلهم كأنهم الرخم فأقبلوا القوم حتى وقفوا عليها فقالوا مالك فقالت أمرؤ من المسلمين تكفنونه وتؤجرون فيه قالوا ومن هو قالت أبو ذر قالوا ففدوه بأبنائهم وأمهاتهم وثم وضعوا أسياطهم في نحورها يتبادرونه فقال أبشروا فأنتم النفر الذين قال فيكم (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ثم قال أصبحت اليوم حين ترون ولو أن لي ثوبا من ثيابي يسعني لم أكفن إلا فيه فأنشدكم بالله لا يكفنني رجل كان أميرا أو عريفا أو بريدا فكل القوم كان نال من ذلك شيئا إلا فتى من الأنصار كان معهم قال أنا صاحبه الثوبان في عيبتي من غزل أفي واحد ثوبي هذين اللذين علي قال أنت صاحبي فكفني وتوفى رضي الله عنه سنة اثنتين وثلاثين بالربذة وصلى عليه عبد الله بن مسعود فأنه كان مع أولئك النفر الذين شهدوا موته وحملوا عياله إلى عثمان بن عفان بالمدينة قضم ابنه إلى عياله وقال يرحم الله أبا ذر (قوله الصعيد الطيب ) هذا مثل قوله تعالى ( فتيمموا صعيدا طيبا ) قال الواحدي إنه تعالى أوجب في هذه الآية كون الصعيد طيبا قال والأرض الطيبة هي التي تنبت بديل قوله (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ) (1/279)
صفحة 280
فوجب أن تكون التي لا تنبت غير طيبة فيستفاد منه قصر التيمم على التراب فقط قوله يكفي ولو إلى سنين إي يكفي كل مسلم عدم الماء ولو إلى سنين كثيرة وكذلك المريض لما سيأتي وعند أحمد والترمذي وصححه عن أبي ذر أن (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال أن الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليلمسه بشرته فإن ذلك خير (قوله فإذا وجدت الماء ) إي بعد عدمه وكذلك من قدر على استعماله بعد عجزه فيه التفات مت الغيبة إلى الخطاب (قوله فمسس به جلدك ) وعند أحمد والترمذي فإذا وجد الماء فليمسه بشرته والمعنى واحد لأن البشرة ما طهر من الجلد وفي التعبير بالإمساس إشارة إلى أن العرك في الغسل غير مشترط وفي الحديث دليل على بطلان التيمم بوجوب الماء في الصلاة وغيرها لكن إذا وجده بعد أن صلى فلا إعادة علية في صلاته لحديث عطاء بن يسار عن أبي سعد الخدري قال خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيداً طيباً فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما والوضوء والصلاة ولم يعد الأخر ثم أتيا (رسول الله صلى الله عليه وسلم )
فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد أصبت السنة وأجزتك صلاتك وقال للذي توضأ وأعاد لك الأجر مرتين رواه النسائي وأبو داود وهذا لفظه
ما جاء
في تيمم الجنب إذا تعرض للجنابة أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر التيمم يكفيك إن لم تجد الماء عشر سنين (1/280)
صفحة 281
(قوله قال لأبي ذر الخ ) سبب الحديث مذكور عند قومنا في ما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجدة والأثرم وهذا لفظه عن أبي ذر قال اجتويت المدينة فأمر لي (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بابل فكنت فيها فأتيت ( النبي صلى الله عليه وسلم ) فقلت هلك أبو ذر قال ما حالك قال كنت أتعرض للجنابة وليس قربي ماء فقال إن الصعيد طهور لمن لم يجد الماء عشر سنين وفي الإيضاح من طريق أبي هريرة قال سئل (النبي صلى الله عليه وسلم ) عن الجنب أيتيمم فقال التيمم طهور المسلم ولو عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسسه بشرته وعن أبي ذر أن رجلا من ربيعة (قال يا رسول الله ) إنا لا نصيب الماء ومعنا الأهلون فقال (صلى الله عليه وسلم ) التيمم كافيك ولو إلى عشر حجج (قوله عشر سنين ) أراد بذلك عليه الصلاة والسلام المبالغة لأن الغالب عدم فقدان الماء وكثرة وجدانه لشدة الحاجة إليه فعدم وجدانه إنما يكون يوماً أو بعض يوم أو ما يقرب من ذلك فلا يتقيد الاكتفاء بالتيمم بمقدر محدود من الزمان بل يكفي وإن تطاول الزمان وزاد على عشر سنين مثلا ولا يكاد يقع والحديث يدل على جواز التيمم للجنب وعلى أن الصعيد طهور يجوز لمن تطهر به أن يفعل ما يفعله المتطهر بالماء من صلاة وقراءة ودخول مسجد ومس مصحف وجماع وغير ذلك والله أعلم .
ما جاء
في صفة التيمم أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن عمار بن ياسر قال اجتنبت فتمعكت في التراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما يكفيك هكذا فمسح وجهه ويديه إلى الرسغين أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عمار بن ياسر رضي الله عنه قال تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربنا ضربة للوجه وضربة لليدين (1/281)
صفحة 282
(قوله عن عمار بن ياسر ) بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن حصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عنس بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب المذحجي ثم العنسي أبو اليقظان وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام وهو حليف بني مخزوم وأمه سمية وهي أول من استشهد في سبيل الله عز وجل وهو وأبوه وأمه من السابقين وقال الواقدي وغيره من أهل العلم بالنسب والخبر أن ياسراً والد عمار عربي قحطاني مذحجي من عنس إلا أن ابنه عمارا مولى لبني مخزوم لأن أباه ياسراً تزوج أمه لبعض بني مخزوم فولدت له عمارا وكان سبب قدوم ياسر مكة أنه قدم هو وأخوان له يقال لهما الحارث ومالك في طلب أخ لهم رابع فرجع الحارث ومالك إلى اليمن وأقام ياسر بمكة فخالف أبا حذيفة ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وتزوج أمه له يقال لها سمية فولدت له عمارا وأعتقه أبو حذيفة فمن هاهنا صار عمار مولى لبني مخزوم وأبوه عربي وكان إسلام عمار بعد بضعة وثلاثين وهو ممكن عذب في الله واختلف في هجرته إلى الحبشة وهاجر إلى المدينة وشهد بدراً وأحداً والخندق وبيعة الرضوان مع (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وعن حذيفة بن اليماني قال قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم )اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد وعن علي قال جاء عمار يستأذن على (النبي صلى الله عليه وسلم ) فقال أذنوا له مرحبا بالطيب المطيب وعن عائشة قالت قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما وعن أبي هريرة قال قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أبشر عمار تقتلك الفئة الباغية وقد روى نحو هذا عن أم سلمة وعبد الله بن عمرو بن العاصى وحذيفة (وشهد ) عمار قتال مسيلمة واستعمله عمر على الكوفة وصحب عليا وشهد معه الجمل وصفين فأبلي فيهما قال أبو عبد الرحمن السلمي شهدنا صفين مع علي فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في (1/282)
صفحة 283
ناحية ولا واد من أودية صفين إلا رأيت أصحاب( النبي صلى الله عليه وسلم ) يتبعونه كأنه علم لهم قال وسمعته يومئذ يقول لهاشم بن عتبة بن أبي وقاص يا هاشم تقر من الجنة تحت البارقة اليوم ألقى الأحبة محمداً وحزبه والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا شعاب هجر لعلمت أنا على حق وأنهم على باطل (وقال أبو البحتري ) قال عمار بن ياسر يوم صفين أتوني بشربة فأوتي بشربة لبن فقال أن (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن فشربها ثم قاتل حتى قتل رضوان الله عليه وكان عمره يومئذ أربعا وتسعين وقيل ثلاث وتسعون وقيل إحدى وتسعون (وروى ) عمارة بن خزيمة بن ثابت قال شهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسل سيفا وشهد صفين ولم يقاتل وقال لا أقاتل حتى يقتل عمار فانظر من يقتله فإني سمعت (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يقول تقتله الفئة الباغية فلما قتل عمار قال خزيمة ظهرت لي الضلالة ثم تقدم فقاتل حتى قتل ولما قتل عمار قال ادفنوني في ثيابي فإني مخاصم وقد اختلف في قاتله فقيل قتله أبو العادية المزني وقيل الجهني طعنه فسقط فلما وقع أكب عليه آخر فاحتز رأسه فأقبلا يختصمان كل منهما يقول أنا قتلته فقال عمرو بن العاص والله إن يختصمان إلا في النار والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة وقيل حمل عليه عقبة بن عامر الجهني وعمرو بن حارث الخولاني وشريك بن سلمة المرادي فقتلوه وكان في ربيع الأول أو الآخر من سنة سبع وثلاثين ودفنه علي في ثيابه ولم يغسله وروى أهل الكوفة أنه صلي عليه (قوله اجتنبت ) أي أصابتني الجنابة (قوله فتمعكت في التراب ) أي تمرغت يقال تمعكت الدابة إذا تمرغت قوله أما يكفيك هكذا أي أليس يكفيك هذا الحال الشروع المعلوم حكمه من قوله تعالى (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) (1/283)
صفحة 284
والهمزة للإنكار وكأنه أنكر عليه عدم اكتفائه بذلك وكأن عمارا رضي الله عنه ظن أن ذلك مختص بالتيمم من الحديث الأصغر دون الجنابة لثبوت الفرق بين طهارتيهما بالماء ولم يستحضر معنى قوله تعالى (أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء ) الآية أو أنه استحضر ذلك لكنه ظن أن بيان الكيفية المذكورة خاص بالوضوء فقط (قوله فمسح وجهه ويديه إلى الرسغين ) وقوله في الحديث الآتي فضرب ضربة لوجهه وضربة لليدين وفي نسخة فضربنا ضربة للوجه وضربة لليدين كل واحدة من الروايتين مبينة للأخرى من جهة أما الأولى فقد بينت منتهى المسح في اليدين أنه إلى الرسغين وأجملت كمية الضرب وأما الثانية فأنها بينت كمية الضرب أنهما ضربتان احدهما للوجه وأخرى لليدين لكن أجملت منتهى المسح من اليدين فحصل بيان كل واحدة منهما للأخرى فالجواب عندنا في التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين وهو قول الفقهاء من قومنا وقال عطاء ومكحول والاوزاغي وأحمد بن حنبل وإسحاق والأمامية أن الواجب ضربة واحدة للوجه واليدين وقال ابن عبد البر أكثر الآثار المرفوعة عن عمار ضربة واحدة قال وما روى عنه من ضربتين فكلها مضطربة قال وقد جمع البيهقي طرق حديث عمار فأبلغ قال وقد روى الطبراني في الأوسط والكبير أنه (صلى الله عليه وسلم ) قال لعمار بن ياسر يكفيك ضربة للوجه وضربة للكفين قال وفي إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيي وهو ضعيف وإن كان حجة عند الشافعي (قلت ) لكن ثبت حديث الضربتين عند الربيع لسنده الرفيع فلا معنى للعدول عنه وإن اضطرب نقله عندهم (وقال ابن المسيب ) وابن سيرين الواجب ثلاث ضربات ضربه للوجه وضربه للكفين وضربه للذراعين واحتج المنتصرون لهؤلاء بوجوبه (منها ) حديث ابن عمر مرفوعا بلفظ ضربه للوجه وضربه لليدين إلى المرفقين (وأوجب ) بأنه لا ينتهض حجة لما في طرقه من مقال (ومنها ) قياس التيمم على الوضوء وأجيب بأنه قياس فاسد الاعتبار لخلافه النص المتقدم (ومنها ) ما ورد (1/284)
صفحة 285
في بعض روايات حديث عمار عند أبي داود بلفظ إلى الآباط وأجيب بأنه منسوخ كما قال الشافعي وأيضا لو كان ثابتا لكان يلزمكم أن تقولوا بالمسح إلى الآباط وأنتم إنما قلتم بمسح الذراعين فقط فلا يتم به احتجاجكم (وقوله إلى الرسغين ) تثنية رسغ بكسر فسكون وهو مفصل ما بين الكف والساعد (قوله تيمما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فيه أنهم قد باشروا فعل التيمم معه علية الصلاة والسلام
وأنهم قد فعلوا كفعله ورواية المباشر مقدمة على رواية غيره وعمار صاحب القصة في الحديث الأول ورواية صاحب القصة مقدمة أيضا لأنه أعلم بالحال والله أعلم .
الباب السادس والعشرون
الزجر عن غسل المريض
(قوله الزجر ) هو المنع عن الشيء يقال زجره عن الشيء من باب قتل إذا منعه عنه فانزجر أي امتنع وإنما عبر المرتب رحمة الله عليه بالزجر إشارة إلى (قوله صلى الله عليه وسلم ) قتلوه قتلهم الله فإن في هذه العبارة مبالغة في الزجر وأحاديث الباب كلها دالة على جواز العدول إلى التيمم بل على وجوبه لخوف الضرر وهو مذهبنا ومذهب العترة ومالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه وذهب أحمد بن حنبل والشافعي في أحد قوليه إلى عدم جواز التيمم لخوف الضرر قالوا لأنه واجد للماء وقوله تعالى (وإن كنتم مرضى ) وأحاديث الباب ترد عليهم مقالتهم والعلم عند الله تعالى .
ما جاء
في تيمم الجنب لخوف البرد أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال خرج عمرو بن العاص إلى غزوة ذات السلاسل وهو أمير على الجيش فأجنب فخاف من شدة برد الماء فتيمم فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم اخبره أصحابه بما فعل عمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمر لما فعلت ما فعلت ومن أين علمته فقال يا رسول الله وجدت الله يقول (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليه شيئاً (1/285)
صفحة 286
(قوله خرج عمرو بن العاص ) بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لؤي بن غالب القرشي السهمي يكنى أبا عبد الله وقيل أبو محمد وأمه النابغة بنت حرملة سبية من بني جلاب بن عتيك بن أسلم بن يذكر بن عترة وأخوه لأمه عمرو ابن أثاثة العدوي وعقبة بن نافع بن عبد قيس الفهري وسأل رجل عمرو بن العاص عن أمه فقال سلمى بنت حرملة تلقب النابغة من بني عترة أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ فاشتراها الفاكهة بن المغيرة ثم اشتراها منه عبد الله بن جدعان ثم صارت إلى العاص بن وائل فولدت له فأنجبت فإن كان جعل لك شيء فخذه وأسلم عام خيبر وقيل كان إسلامه في صفر سنة ثمان قيل الفتح بستة أشهر وقدم على( النبي صلى الله عليه وسلم ) هو وخالد ابن الوليد وعثمان بن طلحة العبدري ثم بعثه (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أميراً على سرية إلى ذات السلاسل إلى أخوال أبيه العاص بن وائل وكانت أمه من بلى بن عمرو ابن اللحاف بن قضاعة يدعوهم إلى (1/286)
صفحة 287
الإسلام ويستنفرهم إلى الجهاد فسار في ذلك الجيش وهم ثلاثمائة فلما دخل بلادهم استمد (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فأمده وعن ابن إسحاق قال حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي عن غزوة ذات السلاسل من أرض بلى وعذرة قال بعث (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) عمرو بن العاص يستنفر الأعراب وذلك أن أم العاص بن وائل امرأة من بلى فبعثه (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يستألفهم بذلك حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له السلاسل وبذلك سميت تلك الغزاة ذات السلاسل فلما كان عليه خاف فبعث (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يستمده فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر وقال لأبي عبيدة لا تختلفا فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه قال له عمرو إنما جئت مدداً لي فقال أبو عبيدة لا ولكني أنا على ما أنا عليه وأنت علي ما أنت عليه وكان أبو عبيدة رجلا سهلا لينا هينا عليه أمر الدنيا فقال له عمرو بل أنت مدد لي فقال أبو عبيدة يا عمرو إن (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال لي لا تختلفا وإنك إن عصيتني أطعتك فقال له عمرو فإني أمير عليك قال فدونك فصلى عمرو بالناس واستعمله (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) على عمان فلم يزل عليها إلى أن توفي (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ثم سيره أبو بكر أمير إلى الشام فشهد فتوحه وولي فلسطين لعمر بن الخطاب ثم سيره عمر في جيش إلى مصر فافتتحها ولم يزل واليا عليها إلى أن مات عمر فأمره عليها عثمان أربع سنين أو نحوها ثم عزله عنها واستعمل عبد الله بن سعد بن أبي سرح فاعتزل عمرو بفلسطين وكان يأتي المدينة أحيانا وكان يطعن على عثمان فلما قتل عثمان سار إلى معاوية وعاضده وشهد معه صفين ومقامه فيها مشهور وهو أحد الحكمين والقصة مشهورة ثم سيره معاوية إلى مصر فأخذها من يد محمد بن أبي بكر وهو عامل لعلي عليها واستعمله معاوية عليها إلى أن مات سنة ثلاث (1/287)
صفحة 288
وأربعين وقيل سنة سبع وأربعين وقيل سنة ثمان وأربعين وقيل سنة إحدى وخمسين والأول أصح (قوله ذات السلاسل ) تقدم أن ماءً يسمى بالسلاسل وأن الغزوة سميت بذلك وقيل موضع وراء وادي القرى وكانت هذه الغزوة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة (قوله فخاف من شدة برد الماء فتيمم ) وعند أحمد وأبي داود والدار قطني وابن حبان والحاكم وأخرجه البخاري تعليقا عن عمرو ابن العاص أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال احتملت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح فلما قدمنا على (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ذكروا ذلك فقال يا عمرو وصليت بأصحابك وأنت جنب فقلت ذكرت قول الله (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان رحيما) فتيممت ثم صليت فضحك (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ولم يق شيئا (قوله اخبره أصحابه ) كان الواجب أن يسأل عمرو عن قضيته فما معنى سكوته حتى أخبر( النبي صلى الله عليه وسلم ) بذلك أصحابه ولعلهم سبقوه إلى (النبي صلى الله عليه وسلم ) ولعلهم لم يسبقوه لكنه انتظر الفرصة للسؤال ويمكن أن يكون قد رسخ في قلبه الجواز رسوخا تاما من معنى الآية التي استنبط منها الحكم فاكتفى بذلك الرسوخ عن السؤال لأن (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قد أقرهم على استنباط المعاني من الكتاب وهذا الوجه أنسب بالقضية كما يعلم من قوله وجدت الله يقول ولا تقتلوا أنفسكم (قوله لم فعلت ما فعلت ) يعني من التيمم عن الجنابة مع وجود الماء وتقدم في رواية قومنا أنه قال له صليت بأصحابك وأنت جنب (قوله ومن أين علمته ) أي من أين علمت الجواز وهذه زيادة عند المنصف رحمة الله عليه لم يذكرها قومنا والزيادة من الثقة مقبولة وناهيك إن راويها ابن العباس رضي الله عنهما وفيها تطمين لعمرو حيث أشار إليه بوجود الجواز في كتاب الله وإنما سأله ليعلم مأخذه وطريق استنباطه (قوله وجدت الله يقول ) أي وجدت قول الله تعالى ولا تقتلوا (1/288)
صفحة 289
أنفسكم ففهمت منه النهي عن مطلق القتل كان بمباشرة أو تسبب (قوله فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ) أي من حسن استنباطه واستبشر بما أبداه من المعنى اللطيف فهو تقرير منه على جواز التيمم عند خوف الهلاك من شدة البرد ويلحق به غيره كالخوف من سبع أو عدو أو نحو ذلك كما ذكره في الإيضاح بل أوجب عليه ذلك بقوله وليس له أن يحمل نفسه على حالة مخوفة ولا يعرضها لخطة متلفة وفي الحديث أيضا جواز التمسك بالعموم ووجود الاجتهاد في زمان( النبي صلى الله عليه وسلم ) وصحة إقتداء المتوضئ بالتيمم فإن عمرو كان أمير الجيش وهو الذي كان يصلي بهم وقد صرحت رواية قومنا بهم في هذه الحالة أيضا واستدل به قوم على أن من تيمم لشدة البرد وصلى لا تجب عليه الإعادة لأن (النبي صلى الله عليه وسلم ) لم يأمره بالإعادة ولو كانت واجبه لأمره بها ولأنه أتى بما أمر به فقدر عليه فأشبه سائر من يصلي بالتيمم لسائر الأعذار والله أعلم (قوله ولم يرد عليه شيئاً ) أي لم يجبه بشيء إلا ما أبدى من التيمم والاستبشار وروي عند قومنا ولم يقل شيئا وروي فلم يعنف أي لم يلمه .
( ما جاء في تيمم الجريح)
( في تيمم الجريح) أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني أن رجلا أجنب في سفره (في يوم بارد فامتنع من الغسل) فأمر به فأغتسل فمات فقيل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قتلوه قتلهم الله (1/289)
صفحة 290
(قوله أجنب في سفره الخ ) لم أجد اسم هذا الرجل من هو ولا هذا السفر ما هو والحديث أخرجه أبو داود والدر قطني عن جابر بن زيد قال خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أخبر بذلك فقالوا قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتمم ويعصر أو يعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده وروى نحوه ابن ماجه من طريق ابن عباس وروى نحوه أيضا صاحب الإيضاح لكن استظهر المحشي أنه حديث آخر قال وحديث المنصف رحمه الله تعالى أرفق بصاحب العذر وأشد مناسبة بالباب وإنما استظهر رحمه الله تعالى تغائر الحديثين لأن حديث المنصف لم يذكر فيه الجراحة وإنما ذكر اليوم البارد فعذر الرجل في رواية المنصف شدة البرد فهي نظير مسئلة عمرو بن العاص وعذره في الحديث القوم نفس الجراحة ثم إن في حديث المنصف التصريح بامتناع عن الغسل وأنه قد أمر به فاغتسل وليس في رواية القوم شيء من ذلك ويمكن الجمع بين الروايتين بأن كل واحد من الجراحة واليوم البارد قد حصلا للرجل وأن كل واحد من الرواة اقتصر على أحد السببين فذكر جابر الجراحة وغيره اليوم البارد وهو الذي عند المنصف وذكر بعضهم امتناعه وأمره بالغسل وسكت عنه الآخر فيحتمل من مجموع الروايتين أن الرجل قد شج في رأسه وأنه احتلم في يوم بارد وأنه سأل الرخصة فلم يجدها عند أصحابة وأنه امتنع عن الغسل فأمر به فاغتسل ( قوله فأمر به) بالبناء للمفعول والضمير للغسل كما صرح به في رواية ابن ماجة ولفظه فأمر بالاغتسال فاغتسل فكز فمات ( قوله قتلوه) أي تسببوا القتلة حيث لم يرخصوا له في التيمم بل حملوه على الغسل ( قوله قتلهم الله ) دعاء عليهم بمثل صنيعهم وفي الحديث قاتل الله اليهود أي قتلهم الله وقيل لعنهم وقيل (1/290)
صفحة 291
عاداهم قال في النهاية وقد تكرر في الحديث ولا تخرج عن أحد هذه المعاني قال وقد ترد بمعنى التعجب من الشيء كقولهم تربت يداه وقد ترد ولا يراد بها وقوع الأمر ومنه حديث عمر قاتل الله سمرة
ما جاء
(في تيمم المجدور) قال أبو عبيدة قال جابر بن زيد وبلغني عن قوم مات بحضرتهم (مجدور فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالغسل كما ترى) فكر عليه الجدري فمات فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( قتلوه قتلهم الله ماذا عليهم لو أمروه بالتيمم ) (1/291)
صفحة 292
( قوله بلغني عن قوم الخ ) هذه القصة غير الأولى لأن هذا مجدور والأول أما مشجوج أو خاف البرد فقط ( قوله مجدود ) أي أصابه ألم الجدري بفتح الجيم وضمها وأما الدال فمفتوحة فقط وهو قروح تنفط عن الجلد ممتلئة ماءً ثم تنفتح ويقال أول من عذب به قوم فرعون (قوله فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم ) أي ذكر له سبب موته إنه أمر بالغسل وفيه دليل إن الماء يضر المجدور ( وقوله كما ترى ) أي كما تعلم أو كما تدين به من اغتسال الجنب أي عملوا فيه برائك الذي تراه وهو وجوب الغسل فإن كان قائل ذلك كافراً أو منافقا فلا يحتاج إلى التأول لأنه في طعن الدين فكأنه قال قتله رأيك الذي تراه وإن كان مؤمنا فإنه عبر بلفظ الرأي الدين أو العم كما أشرنا إليه أولاً ويكون المعنى أنه أمر فيه بمقتضي الدين ويكون قوله صلى الله عليه وسلم ( قتلوه قتلهم الله ) وفي نسخة قاتلهم الله تبرأ مما نسب إلى الدين من الضيق والمعنى ليس ذلك من ديني وإنما الدين أن توضع الأحكام في مواضعها وتبذل الرخص لأهلها فالدين في حق هذا أن يؤمر بالتيمم والله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه ولكل موضع ويكره التنطع في الأمور والغلو في الدين ( قوله فكر عليه الجدري ) أي صال عليه صولة مات منها مأخوذ من قولهم كرّ الفارس كراً من باب قتل إذا فرّ للجولان ثم عاد للقتال ويقال الجواد يصلح للكر والفر وأفناه كر الليل والنهار أي عودهما مرة بعد أخري وليس هذا هو الكز الوارد في الرواية المشجوج فإن ذلك بالزاء المعجمة مشددة مبنيا للمفعول أي أصيب بالكزازين وهو داء يتولد من البرد وقيل هو نفس البرد وفي الصحاح الكزاز بالضم داء يلأخذ من شدة البرد وكز الرجل فهو مكزوز إذا أنقبض من البرد وفي الحديثين تحريم الفتوى بغير علم وأن المخطئ في ذلك غير معذور وأن المتسبب للشيء كفاعلة في الإثم وأن الإفراط في التحرز في أمور الدين حرام كالتفريط فيه بل الجواب موافقة الشرع تشديدا وترخيصا (1/292)
صفحة 293
وذلك هو الصراط المستقيم ( قوله ماذا عليهم لو أمروه بالتيمم ) يعني أي شيء يضرهم لو أمروه بذلك ولم يشددوا عليه وفيه بحث وهو أنه (صلى الله عليه وسلم ) نهى عن الفتيا بغير علم وأن أصاب الحق ولم يكن عند القوم علم بالترخيص في التيمم و الحديث يوبخهم على تركهم أمره بذلك ( والجواب ) من وجهين الأول يحتمل أن للقوم علما وفهما لو رجعوا إلى النظر في الأدلة التي علموها من الشارع لظهر لهم الترخيص كما ظهر لعمرو بن العاص من قوله تعالى ( ولا تقتلوا أنفسكم ) فالتوبيخ إنما توجه إليهم من تقصير في النظر وعدم استعمالهم الفكر في معاني الكتاب مع تأهلهم لذلك والوجه الثاني أن التوبيخ وقع على ترك أمرهم إياه بالتيمم لا على ترك إفتائهم بما لم يعلموا كما يدل عليه ظاهر قوله لو أمروه بالتيمم وكذلك قول القائل له في أول الحديث أنه أمر بالغسل كما ترى وأمره بذلك فعل لا إفتاء إذا يمكنهم أن يقولوا لا نعلم الرخصة ولكن تيمم مكان قولهم الغسل (والحاصل ) أن التوبيخ على أمرهم إياه بالغسل دون التيمم فكأنه قال لو أمروه بالتيمم كان خيرا لهم من أن يأمروه بالغسل والله أعلم (كتاب الصلاة ووجوبها ) يعني حكمها الذي حتمه الشارع على العباد فلو تركوه كفروا ويدخل في الصلاة جميع أركانها ولوازمها المطلوبة شرعا فإنها لا تكون صلاة إلا بحصول تلك الحقيقة المجتمعة من تلك الأفعال والأحوال وأصل الكتاب مصدر كتب كتابا وكتابة ثم استعملوه في ما يجمع شيئا من الأبواب والفصول وهو يدل على معنى الجمع والضم ومنه الكتيبة ويطلق على مكتوب القلم حقيقة لانضام بعض الحروف والكلمات المكتوبة إلى بعض وعلى المعاني مجازا وأصل الصلاة في اللغة الدعاء وسميت هذه العبادة بذلك لاشتمالها عليه وقيل مأخوذة من معنى المصلي وهوإسم للسابق الثاني من خيا الحلبة سميت بذلك لأنها الثانية من أركان الإسلام الخمس فالتوحيد أول الأركان وثانيها الصلاة وقيل غير ذلك . (1/293)
صفحة 294
الباب السابع والعشرون
( في الأذان )
( قوله في الأذان ) وهو في اللغة الإعلام قال تعالى ( وأذان من الله ورسوله ) واشتقاقه من الأذان بفتحتين وهو الاستماع وفي الشرع الإعلان بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة قال القرطبي وغيره أشتمل الأذان مع قله ألفاظه على مسائل العقيدة لأنه بدأ بالأكبرية وهي تتضمن وجود الله وكماله ثم ثنى بالتوحيد ونفي الشريك ثم بإثبات الرسالة ( لمحمد صلى الله عليه وسلم ) ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة لأنها لا تعرف الأمن جهة الرسول ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم وفيه الإشارة إلى المعاد ثم أعادها توكيدا ويحصل من الأذات الإعلام بدخول الوقت والدعاء إلى الجماعة وإظهار شعار الإسلام واختلف في وقت ابتداء مشروعية الأذان فقيل نزل مع فرض الصلاة على ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وقيل شرع عند قدوم المسلمين المدينة وهو الأصح .
ما جاء
( في ما يقال عند سماع الأذان وكون الأذان مثنى مثنى ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن ) . ( والأذان مثنى مثنى والإقامة مثنى مثنى ) (1/294)
صفحة 295
( قوله إذا سمعتم النداء ) بكسر النون ممدودا الأذان قال تعالى ( وإذا ناديتم إلى الصلاة )وقال ( إذا نودي للصلاة ) وظاهر قوله إذا سمعتم اختصاص الإجابة بمن سمع فلو رأى المؤذن على المنارة مثلا في الوقت وعلم أنه يؤذن لكن لم يسمع أذانه لبعد أو صمم لا تشرع له المتابعة (قوله مثل ما يقول المؤذن) أدعى ابن وضاح من قومنا أن لفظ المؤذن مدرج في الحديث ( وتعقب ) بأن الإدراج لا يثبت بمجرد الدعوى وقد اتفقت الروايات في الصحيحين والموطا على إثباتها ولم يصب صاحب العمدة في حذفها وإنما قال(صلى الله عليه وسلم ) فقولوا مثل ما يقول المؤذن بصيغة المضارع ولم يقل مثل ما قال بصيغة الماضي إشارة إلى أنه يجيبه بعد كل كلمة بمثلها كما صرحت به بعض الروايات وهنا مباحث ( المبحث الأول ) مذهبنا ومذهب الجمهور من قومنا أن الأمر في(قوله صلى الله عليه وسلم ) فقولوا مثل ما يقول للندب وقالت الحنفية وأهل الظاهر وابن وهب أنه للوجوب وحكاه الطحاوي عن قوم من السلف وذلك لأن الأصل في الأمر للوجوب ( والجواب ) أن قرائن الأحوال دالة على أن القصد من هذا الأمر نفس الندب فإنه لو كان واجبا لشدد فيه مثل ما شدد في الواجبات ولكان يرفع إلى رسول الله من سكت عن الإجابة فلما لم يقع شيء من هذا في عصر الصحابة ولا عنف أحد على الترك علمنا أن المقصود الندب ثم أن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) سمع مؤذنا فلما كبر قال على الفطرة فلما تشهد قال خرج من النار أخرجه مسلم وغيره فهذا نص في موضع النزاع فإنه (صلى الله عليه وسلم )لم يقل مثل ما قال المؤذن بل قال غير ذلك والله أعلم ( المبحث الثاني) هل تشرع الإجابة لكل مؤذن ظاهر الأمر يفيد الإجابة لكل مؤذن دعا إلى الصلاة في وقتها قال القاضي عياض وفيه خلاف بين السلف قال فمن رأى الاقتصار على الإجابة للأول واحتج بأن الأمر لا يقتضي التكرار ويلزمه على ذلك أن يكتفي بإجابة مؤذن في العمر ومن المعلوم أن ذلك غير مقصود (1/295)
صفحة 296
للشارع ( المبحث الثالث) الظاهر من قوله في الحديث فقولوا أن المشروع في الإجابة القول فلا يكتفي بامرارها على القلب لأنه لا يسمى قولا ( المبحث الرابع ) هل تشترط المساواة في جميع ألفاظ الأذان الحيعلتين وغيرهما لقوله مثل ما يقول وهو أحد القولين في المذهب ( وقال جمهور قومنا ) وبه جزم الشيخ إسماعيل في القناطر يقول مثل ما يقول إلا في الحيعلتين فإنه يقول معهما لا حول ولا قوة إلا بالله وخصصوا حديث الباب بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند مسلم وأبي داود قال قال رسول الله } ?صلى الله عليه وسلم إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال أشهد أن محمد رسول الله قال أشهد أن محمد رسول الله ثم قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة ) وأخرج البخاري نحوه من حديث معاوية وقال ابن المنذر يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح فيقول تارة كذا وتارة كذا وحكى بعض المتأخرين عن بعض أهل الأصول إن الخاص والعام إذا أمكن الجمع بينهما وجب اعمالهما قال فلم لا يقال يستحب للسامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة وهو وجهه عند الحنابلة ( المبحث الخامس ) لا يعم الأمر جميع الأحوال لأدلة أخر فلا تشرع الإجابة للمصلي ولا للجامع ولا لصاحب الخلاء أما الأخيران فلتنزيه الله تعالى وتعظيم شعائره وأما المصلي فلتحريم الاشتغال في الصلاة بغير أفعالها وفي الحديث أن في الصلاة لشغلا وقد امتنع (صلى الله عليه وسلم ) فيها من رد السلام وهو أهم من إجابة المؤذن وقيل يؤخر المصلي الإجابة حتى يفرغ ( قلنا ) قد فات وقتها فلا معنى لفعلها بعد ذلك وقال بعض قومنا يجيب إلا في الحيعلتين وقال (1/296)
صفحة 297
بعضهم بالكراهة فقط وقال بعضهم الكراهة تحتاج إلى دليل ولا دليل والحق ما قدمت لك وهو المذهب لا غيره والله أعلم ( قوله والآذان مثنى مثنى ) أي مرتين مرتين فهو معدول على اثنين اثنين ممنوع عن الصرف للوصف والعدل فمثنى الثاني مؤكد لأن الأول يفيد تثنية كل لفظ وحكموا للتثنية في التكبير بحكم الكلمة والواحدة ولذلك يقول المؤذن كل تكبيرتين في نفس واحد فالتكبير مربع كما صرح به حديث عبد الله بن زيد الأنصاري الرائي لهيئة الآذان في نومه فكان ذلك سببا لمشروعيته ( وقد وافقنا ) على تربيع التكبير أبو حنيفة والشافعي وأحمد وجمهور العلماء واحتجوا بحديث عبد الله بن زيد المشار إليه وبعمل أهل مكة وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة ولا غيرهم ( وذهب مالك ) وأبو يوسف إلى تثنية التكبير فقط واحتجوا بما جاء في بعض الطرق من حديث عبد الله بن زيد فقد جاء في بعضها غير مربع وبحديث أبي محذورة في رواية مسلم عنه وفيه أن الآذان مثنى فقط وبأن التثنية عمل أهل المدينة قالوا وهم أعرف بالسنة وبحديث أمره (صلى الله عليه وسلم ) لبلال بتشفيع الآذان وابتار الإقامة والحق أن روايات التربيع أرجح لصحة مخرجها واشتمالها على الزيادة لا يكفي مرجحا لتخلف أحوالهم بعد انقراض صدرهم الأول رحمة الله عليهم وقد تحكمت عليهم الجبابرة وامتثلوا أوامرهم والتزموا طاعتهم ولكل دولة هوى ولكل أمه اختيار ثم أن المراد من كون الآذان مثنى مثنى ما عدا كلمة التوحيد في آخره لحديث عبد الله بن زيد المشار إليه وكذلك التكبير الذي في آخر الآذان فإنه عندنا غير مربع بل مثنى في ذلك لما في ذلك الحديث أيضا فإنه قال فيه بعد الحيعلتين الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ( قوله والإقامة مثنى مثنى ) فهي كالآذان لكن زيدت فيها قد قامت الصلاة وروى أن (صلى الله عليه وسلم ) أمر بلالا فأذن مثنى مثنى وأقام كذلك ووافقنا على ذلك أهل الكوفة والحنيفة (1/297)
صفحة 298
والهادوية والثوري وابن المبارك واستدلوا بما في رواية من حديث عبد الله بن زيد عند الترمذي وأبي داود بلفظ كان أذان ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) شفعا في الأذان والإقامة ( وقال أصحابنا) إن أول من أفرد الإقامة معاوية وكان يطول عليه القعود على المنبر واقتدى به في ذلك أكثر مخالفينا مهم الشافعي وأحمد قال الخطابي مذهب جمهور العلماء والذي جرى فيه العمل في الحرمين والحجاز والشام واليمن ومصر والمغرب إلى أقصى بلاد الإسلام إن الإقامة فرادي وهذا لعمري منه حكم بالغيب وليت شعري من أين انتهى إليه الخبر بهذا العمل من أقاصي بلاد الإسلام ثم ماذا صنع من خالفه من أهل الكوفة والحنيفة وغيرهم هل وافقوه في العمل وخالف فعلهم قولهم أم ماذا صنعوا أم عميت عليه أنباؤهم فبادر إلى الجزم بمقتضى وهمه وكأني به نشأ بين إتباع معاوية فظن أنه لا مخالف لهم ولا بد للأمة من قائم بحق وداع إلى هدى ولم يزل عمل المسلمين والحمد لله في الشرق والغرب مع كثرة مخالفيهم مستمرا على العمل بتثنية الإقامة كالأذان عملا بحديث الباب عند المصنف رحمة الله عليه والله أعلم .
ما جاء
( في أذان المنفرد وفضل الآذان ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن سعيد الخدري أنه قال ( لرجل إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت الصلاة ) فارفع صوتك فإنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة ( وهكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) (1/298)
صفحة 299
( قوله لرجل ) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني ( قوله تحب الغنم والبادية ) وهو شأن البدو أما الغنم فإنهم يحبونها لانتفاعهم بها أكلا وشربا ولباسا وأما البادية فيحبونها لأجل الغنم لأن فيها الرعي وطيب الهواء واتساع المرعى وذلك كله مما يصلح الماشية وقد يحبون البادية لموافقة اطباعهم وصحة أبدانهم ( قوله في غنمك وباديتك ) الظرفية في الغنم مجازية وفي البادية حقيقية فهو من عموم المجاز شبهه لملازمته إياها بالكائن وسطها ( قوله فارفع صوتك ) فيه الحث على الاجتهاد في رفع الصوت بالأذان ابتغاء وجه الله ورجاءً لما عنده ويدل أيضا على أن الأذان سنة للمنفرد أيضا ( قوله جن ولا إنس ولا شيء ) ظاهره يشمل الحيوانات والجمادات وهو من ذكر العام بعد الخاص وبينه حديث أبي هريرة مرفوعا المؤذن يغفر له مدّ صوته ويشهد له كل رطب ويابس فإن الرطب واليابس لا يخرج عن الاتصاف بأحدهما شيء من الموجودات وفي رواية لابن خزيمة لا يسمع صوته شجر ولا مدر ولا حجر ولا جن ولا انس وبهذا يظهر أن التخصيص بالملائكة كما قال القرطبي أو بالحيوان كما قال غيره غير ظاهر وغير ممتنع عقلا ولا شرعا أن يخلق الله في الجمادات القدرة على السماع والشهادة ومثله قوله تعالى ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) وفي صحيح مسلم إني لأعرف حجراً كان يسلم عليّ والسر في هذه الشهادة مع أنها تقع عند عالم الغيب والشهادة أن أحكام الآخرة جرت على نحو أحكام الخلق في الدنيا من توجه الدعوى والجواب والشهادة قوما كذلك يكرم بالشهادة آخرين وفي الحديث استحباب رفع الصوت بالأذان مسنونية الأذان للمنفرد وحب الغنم والبادية لاسيما عند خوف الفتنة كما تقدم في باب الفتنة .
ما جاء (1/299)
صفحة 300
( في قول المؤذن في الليلة الباردة والمطيرة ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري عن ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) كان يأمر المؤذن ( إذا كانت ليلة باردة ذات مطر وريح أن يقول ألا صلوا في الرحال )
( قوله كان يأمر المؤذن ) أي يأمر من قام للأذان أو من تكفل به تلك الليلة فأل للجنس وعلى الاحتمال الأول فالأذان إنما يكون بحضرته (صلى الله عليه وسلم ) فيناسب ظاهر قول البخاري إن ذلك في السفر والجمهور أنه لا يختص بالسفر بل يكون في الحضر أيضا وهو المناسب الاحتمال الثاني وهل التأذين لحضوره (صلى الله عليه وسلم ) مع من شاء الحضور أو للإعلام بدخول الوقت الظاهر أن كلا المعنيين مراد وأن قوله ألا صلوا في الرحال ترخيص لمن شاء أن يترخص وليس ذلك بعزيمة ويدل عليه أن ابن عباس قال لمؤذنه في يوم مطير إذا قلت أشهد أن ( محمداً رسول الله ) فلا تقل حي على الصلاة قل صلوا في بيوتكم قال فكان الناس استنكروا ذلك فقال أتعجبون من ذا فقد فعل ذا من هو خير مني يعني ( النبي صلى الله عليه وسلم ) إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدخض رواه أحمد والبخاري ومسلم ولمسلم أن ابن عباس أمر مؤذنه في يوم جمعة مطير بنحوه فهذا يدل على الإجابة فضل والتأخير رخصة وإن الحكم غير خاص بالسفر بل يكون في الحضر أيضا فإن الجمعة لا تقام إلا في الحضر فيحمل حديثا عبد الله بن عمر وجابر ابن عبد الله في الباب على موافقة الحال فإنهما صرحا أن ذلك كان في السفر ( قوله ليلة باردة) ظاهره اختصاص الليل بذلك قال ابن حجر لكن في السنن من طريق ابن إسحاق عن نافع في هذا الحديث في الليلة المطيرة والغداة القرة قال وفيها بإسناد صحيح من حديث أبي المليح عن أبيه أنهم مطروا يوما فرخص لهم قال ولم أر في شيء من الأحاديث الترخيص بعذر الريح بالنهار صريحا لكن القياس يقتضي الحاقة ( قوله ذات مطر ورعد ) أي صاحبة مطر ورعد وفي نسخة وريح مكان رعد (1/300)
صفحة 301
وفي رواية للبخاري في الليلة الباردة أو المطيرة وفي أخرى له إذا كانت ليلة ذات برد ومطر وفي صحيح أبي عوانة ليلة بارة أو ذات مطر أو ذات ريح وفيه أن كلا من الثلاثة عذر في التأخر عن الجماعة ونقل ابن بطال فيه الإجماع لكن المعروف عند الشافعية أن الريح عذر في الليل فقط قال ابن حجر ولم أر في شيء من الأحاديث الترخيص بعذر الريح في النهار صريحا لكن القياس يقتضي الحاقة قال وقد نقله ابن الرفعة وجها ( قوله ألا صلوا في الرحال ) جمع رحل وهو المنزل سواء كان من حجر أو مدر أو خشب أو وبر أو صوف أو شعر أو غير ذلك وهل النداء بذلك يكون بعد الفراغ من الأذان أو بدلا من الحيعلتين كما دل عليه حديث ابن عباس المتقدم قريبا ويدل على الاحتمال الأول ما جاء في رواية للبخاري ثم يقول على أثره يعني أثر الأذان ألا صلوا في الرحال وفي رواية لمسلم بلفظ في آخر ندائه ( قال القرطبي ) يحتمل أن يكون المراد في آخره قبل الفراغ منه جمعا بينه وبين حديث ابن عباس المتقدم وحمل ابن خزيمة حديث ابن عباس على ظاهره وقال أنه يقال ذلك بدلا من الحيعلة نظراً إلى المعنى لأن معنى حي على الصلاة هلموا إليها ومعنى الصلاة في الرحال تأخروا عن المجيء فلا يناسب إيراد اللفظين معا لأن أحدهما نقيض الآخر ( قال ابن حجر ) ويمكن الجمع بينهما ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى الصلاة في الرحال رخصة لمن أراد أن يترخص ومعنى هلموا إلى الصلاة ندب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة ولم يحمل المشقة قال ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم قال خرجنا مع ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فمطرنا فقال ليصل من شاء منكم في رحله وفي الحديث الاهتمام بشأن الأمة ودفع المشقة عنهم وبذل الرخصة في موضعها والزيادة على الأذان ما ليس من ألفاظ للمصلحة والله أعلم .
الباب الثامن والعشرون
( في أوقات الصلاة ) (1/301)
صفحة 302
( قوله أوقات ) جمع وقت وهو مقدار من الزمان مفروض لأمر ما وكل شيء قدرت له حيناً فقد وقته توقيتا وكذلك ما قدرت له غاية ووقت الله الصلاة توقيتا ووقتها يقتها من باب وعد حدد لها وقتا وفي حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد ومسلم والنسائي وأبي داود أن ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط ثور الشفق ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس وفي رواية لمسلم ووقت الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول وفيه ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس وسقط قرنها الأول وثور الشفق بالثاء المثلثة ثور انه وانتشاره ومعظمه وأول وقت الظهر الزوال لما في حديث جابر بن عبد الله أن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) جاءه جبريل - عليه السلام - فقال له قم فصله فصلى الظهر حين زالت الشمس ثم جاءه العصر فقال قم فصله فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله ثم جاءه المغرب فقال قم فصله فصلى المغرب حين وجبت الشمس ثم جاءه العشاء فقال قم فصله فصلى العشاء حين غاب الشفق ثم جاءه الفجر فقال قم فصله فصلى الفجر حين برق الفجر أو قال سطح الفجر ثم جاءه من الغد للظهر فقال قم فصله فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله ثم جاءه العصر فقال قم فصله فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه ثم جاءه المغرب وقتاً واحدا لم يزل عنه ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثلث الليل فصلى العشاء ثم جاء حين أسفر جدا فقال قم فصله فصلى الفجر ثم قال ما بين هذين الوقتين وقت قال البخاري هو أصح شيء في المواقيت .
ما جاء (1/302)
صفحة 303
( في صلاة الظهر ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال كنا نصلي ( الظهر مع ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فيخرج الإنسان إلى ) بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر ( أبو عبيدة ) عن جابر بن زيد عن أبي هريرة أن ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال إذا اشتد الحر فابردوا بالظهر فإن شدة الحر ( من فيح جهنم ) ( قال الربيع ) فيحها نفسها )
( قوله كنا نصلي الظهر ) وعند البخاري كنا نصلي العصر الخ فرواية البخاري تدل على تعجيل العصر ورواية المنصف تدل على تأخير الظهر ولكل واحدة منها شواهد لاختلاف الحوال وعند أحمد عن أنس قال كان ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يصلي الظهر في أيام الشتاء وما ندري أما ذهب من النهار أكثر أو ما بقي منه وعند النسائي عن أنس بن مالك أيضا قال كان النبي (صلى الله عليه وسلم ) إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد عجل وللبخاري نحوه ( قوله إلى بني عمرو بن عوف ) أي بقباء لأنها كانت منازلهم قال النوري قال العلماء كانت منازل بني عمرو بن عوف على ميلين من المدينة وكانوا يصلون العصر في وسط الوقت لأنهم كانوا يشتغلون بأعمالهم وحروثهم ( قوله إذا اشتد ) أي قوي ومفهومه إن الحر إذا لم يشتد لم يشرع الإبراد وكذا لا يشرع في البرد من باب أولى ( قوله فابردوا ) بقطع الهمزة وكسر الراء أي أخروا إلى أن يبرد الوقت يقال أبرد إذا دخل في البرد كأظهر إذا دخل في الظهيرة ومثله في المكان أنجد إذا دخل نجداً وأتهم إذا دخل تهامة والأمر بالإبراد أمر استحباب وقيل أمر إرشاد وقيل بل هو للجواب وخصه بعضهم بالجماعة فأما المنفرد فالتعجيل في حقه أفضل وقيل خاص بالبلد الحارّ وقيا أن الجماعة إذا كانوا يأتون مسجدهم في كنّ فالأفضل في حقهم التعجيل وقال بعضهم تعجيل الظهر مطلقا أفضل وتألوا قوله أبردوا بمعنى صلوا في أول الوقت أخدا من برد النهار وهو أوله وهو تأويل بعيد ويرده قوله فإن شدة الحر من فيح جهنم إذ (1/303)
صفحة 304
التعليل بذلك يدل على أن المطلوب التأخير وتمسكوا أيضا بالاحديث الدالة على فضيلة أول الوقت وبأن الصلاة حينئذ أكثر مشقة فتكون أفضل ( والجواب) أن التعجيل في موضعه أفضل والابراد في موضعه أفضل فيحمل كل واحد من الحديثين على وقت يخصه وقيل الابراد رخصة والتعجيل أفضل وهو قول من قال أنه أمر إرشاد وقيل أن أحاديث التعجيل عامة أو مطلقة والأمر خاص ( وأما) قولهم التعجيل أكثر مشقة فلا يفيد الأفضلية لأن الأفضلية لم تحصر في الأشق بل قد يكون الأخف أفضل إذا وافق السنة ( قوله فإن شدة الحر ) هذا تعليل للأمر بالإبراد وهل الحكمة فيه رفع المشقة لكونها قد تسلب الخشوع أو لكونها الحالة التي ينشر فيها العذاب ويؤيده حديث أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس فإنه ساعة تسجر فيها جهنم ( واستشكل ) بأن الصلاة سبب الرحمة ففعلها مظنة لطرد العذاب فكيف يتركها ( وأجيب ) بأن وقت ظهور أثر الغضب لا ينفع فيه الطلب إلا ممن أذن له فيه يدل على ذلك حديث الشفاعة حيث اعتذر الأنبياء كلهم للأمم بذلك سوى نبينا (صلى الله عليه وسلم ) لكونه أذن له في ذلك ( قوله من فيح جهنم ) قال الربيع فيحها نفسها بفتحتين أي تنفسها وهو غليانها وهو انتشار ريحها يقال مكان أفيح أي متسع الأرجاء وظاهره أن مثار وهيج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة كما صرح به بعضهم وقيل بل هو من مجاز التشبيه أي كأنه نار جهنم والأول أولى ولا مانع من حمله على حقيقته ويدل عليه حديث أن النار اشتكت إلى ربها فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف وهو في الصحيح وحديث أن جهنم نفسين وهو كذلك .
ما جاء
( في صلاة العصر ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة زوج ( النبي صلى الله عليه وسلم ) قالت كان ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر أي قبل أن تخرج (1/304)
صفحة 305
( قوله والشمس في حجرتها ) للرد بالشمس ضوءها والحجرة بضم المهملة وسكون الجيم البيت قال النووي كانت الحجرة صغيرة العرصة قصيرة الجدار بحيث كان طول جدارها أقل من مسافة العرصة فيفيد الحديث تعجيل صلاة العصر في أول وقتها قال ابن حجر وهذا الذي فهمته عائشة وكذا الراوي عنها عروة واحتج به على عمر بن عبد العزيز في تأخيره صلاة العصر ( قلت ) ويؤيده حديث أليس عن الجماعة إلا الترمذي قال كان ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعه ( وعن أنس ) عند مسلم قال صلى بنا ( رسول صلى الله عليه وسلم ) العصر فأتاه رجل من بني سلمة فقال يا رسول الله إنا نريد أن ننحر جزورا لنا وإنا نحب أن تحضرها قال نعم فانطلق وانطلقنا معه فوجدنا الجزور لم تنحر فنحرت ثم قطعت ثم طبخ منها ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس وعن رافع بن خديج قال كنا نصلي العصر مع ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ثم ننحر الجزور فنقسم عشر قسم ثم نطبخ فنأكل لحماً نضيجاً قبل مغيب الشمس رواه أحمد والبخاري ومسلم ( وقال الطحاوي) لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار فلم تكن الشمس تحجب عنها الأقرب غروبها فيدل على التأخير لا على التأجيل ( وتعقب ) بأن الاحتمال الذي ذكره إنما يتصور مع اتساع الحجرة وقد عرف بالاستفاضة والمشاهدة أن حجر أزواج ( النبي صلى الله عليه وسلم ) لم تكن متسعة ولا يكون ضوء الشمس باقيا في قعر الحجرة الصغيرة إلا والشمس قائمة مرتفعة ( قوله قبل أن تظهر ) أي قبل أن تخرج من حجرتها مأخوذ من قولهم الشيء يظهر ظهورا إذا برز بعد الخفاء .
ما جاء
( في وقت الفجر )أبو عبيدة عن جابر بن زيد بن عائشة زوج ( النبي صلى الله عليه وسلم )( كان يصلى الفجر والنساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن )( من الغلس والغبش ( قال الربيع ) المروط الأرز ، الغبش والغلس واحد وهو الظلمة ) (1/305)
صفحة 306
( قوله يصلي الفجر ) أي صلاة الفجر ففيه حذف المضاف إليه مقامة أو تقول نصب الفجر على الظرفية فلا يكون حذف وعليه فالمعنى كان يصلي وقت الفجر ( قوله ملتفعات ) بالعين المهملة بعد الفاء أي متجللات
ومتلففات ويقال تلفعت المرآة بمرطها مثل تلحفت به وزنا ومعنى اللفاع بالكسر ما تلفع من مرط وكساء ونحوه وقيل التلفع لا يكون إلا بتغطية الرأس والتلفف يكون مع تغطية الرأس وكشفه والمروط جمع مرط بكسر أوله كساء من خزأ وصوف أو غيره يؤتز ربه وتتلفع به المر أه وعن النظر بن شميل ما يقتضي أنه خاص بلبس النساء وقيل هو كساء معلم من خزأ وصوف أو غير ذلك وقيل لا يسمى مرطا إلا إذا كان أخضر لا يلبسه إلا النساء وهو مردود بقولهم مرط من شعر أسود ( قوله ما يعرفن من الغلس ) لفظ الحديث عند قومنا عن عائشة قالت كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي (صلى الله عليه وسلم ) صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حيث يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس رواه الجماعة وللبخاري ولا يعرف بعضهن بعضا قالوا ولا معارضة بين هذا وبين حديث أبي برزة أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرحل جليسه لأن هذا إخبار عن رؤية المتلفعة على بعد وذاك أخبار عن رؤية الجليس ( قوله من الغلس والغبش ) قال الربيع الغبش والغلس واحد وهو الظلمة وفي المصباح الغلس بفتحتين ظلام آخر الليل وغلس القوم تغليسا خرجوا بغلس وفي المختار الغبش بفتحتين البقية من الليل وقيل آخر الليل ومن في قوله من الغلس تعليليه لأن الغلس علة لإمتناع معرفتهن وفي الحديث استحباب المبادرة لصلاة الصبح في أول الوقت وجواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة في الليل ويؤخذ منه جوازه في النهار من باب أولى لأن الليل مظنة الريبة أكثر من النهار ومحل ذلك إذا لم يخشى عليهن أو بهن فتنة واستدل به بعضهم على جواز صلاة المرآة مختمرة الأنف والفم فإنه جعل التلفع صفة لشهود الصلاة وتعقبة عياض بأنها إنما (1/306)
صفحة 307
أخبرت عن هيئة الانصراف .
ما جاء
( في شهود العشاء والتشديد على من تخلف ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة بها ثم أمر
رجلا يؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم والذي ( نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مر ما تين حسنتين لشهد العشاء )
( قوله لقد هممت ) اللام جواب القسم والهم العزم وقيل دونه وزاد مسلم في اولة أنة صلى الله عليه وسلم فقد ناسا في بعض الصلوات فقال لقد هممت فأفاد سبب ذكر الحديث (قوله بحطب فيحطب) أي يكسر ليسهل اشتعال النار فيه ووصفه باسم الحطب قبل أن يتصف به حيث كان من أمهاته قبل أن يكسر مجازا حيث سماء باسم ما يؤل إليه (قوله ثم أمر بالصلاة ) أي بالدعاء إليها وإقامتها وفعلها على التمام (وقوله فيؤذن بها) أي يعلم بحضورها والفاء تفريعيه فإنما بعدها تفصيل لقوله أمر بالصلاة (قوله ثم أمر رجلا) فيه جواز الاستخلاف في الإمامة في الجماعة وجواز تخلف الإمام لمصلحة يراها (قوله ثم أخالف إلى رجال) أي أتيهم من خلفهم وقال الجوهري خالف إلى فلان أي أتاه إذا غاب عنه أو المعنى أخالف الفعل الذي أظهرت من أقام الصلاة فأتركه وأسير إليهم أو أخالف ظنهم في إني مشغول بالصلاة عن قصدي الهم أو معنى أخالف أتخلف كما هو في بعض النسخ والمعنى أتخلف عن الصلاة الذي قصد المذكورين والتقيد بالرجال يخرج النساء والصبيان (قوله فأحرق) بالتشديد والمراد به التكبير يقال حرقه إذا بالغ في تحريقه (قوله عليهم بيوتهم) وفي رواية مسلم من طريق أبي صالح فأحرق بيوتا على من فيها فالعقوبة ليست قاصرة على المال إذا ليس الغرض تنكيلهم بحرق البيوت فقط بل المراد تحريق المقصودين والبيوت تبع لهم ( قوله والذي نفسي بيده ) هو قسم كان ( النبي صلى الله عليه وسلم ) كثيرا ما يقسم به والمعنى أن أمر نفوس العباد بيد الله أي بتقديره وتدبيره وفيه (1/307)
صفحة 308
جواز القسم على الأمر الذي لاشك فيه تنبيها على عظم شأنه وفيه الرد على من كره الحلف بالله مطلقا ( قوله عظما سمينا ) يعني عظما عليه لحم سمين وفيه وصف العظم بذلك تجوز( قوله أو مر ما تين ) تثنية مرماة بكسر الميم وحكي الفتح وميمه زائدة وقيل المرماة بالكسر السهم الصغير الذي يتعلم به الرمي وهو أحقر السهام وأدناها والمعنى لو دعي إلى أن يعطي سهمين من هذه السهام لأسرع الإجابة وردة الزمخشري بأنه غير وجيه وقال الخليل المرماة ما بين ضلعي الشاة وقال أبو عبيدة هذا حرف لا أدري ما وجهه إلا أنه هكذا يفسر بما بين ضلعي الشاة يريد به حقارته وقال الأخفش المرماة لعبة كانوا يلعبون بها نصال محدودة يرمونها في كوم من تراب فأيهم أثبتها في الكوم غلب و لا يبعد أن يكون هذا مراد الحديث جمعا بين شهوتي الأكل واللهو وإنما وصف العظم بالسمن والمرماتين بالحسن ليكون ثم باعث نفساني على تخصيصهما وفيه الإشارة إلى ذم المتخلفين عن الصلاة ووصفهم بالحرص على الشيء الحقير من مطعوم أو ملعوب به مع التفريط فيما يحصل رفيع الدرجات ومنازل الكرامة ( وفي الحديث ) تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة لأن المفسدة إذا ارتفعت بالزجر والوعيد كفى ذلك عن العقوبة بالفعل لأن الغرض دفع المفسدة وقد حصل واستدل به قوم من المالكية وغيرهم على جواز العقوبة بالمال ( واعترض ) بأن الخبر ورد مورد الزجر وحقيقته غير مرادة وأيضا يحتمل أن التحريق من باب مالا يتم الواجب إلا به لأن الظاهر أنه لا يتوصل إلى عقوبتهم إلا بتحريق بيوتهم عليهم لاختفائهم فيها كذا قيل ( ويمكن ) أن يجاب بأن عقوبتهم ممكنة بإخراجهم من بيوتهم ولكن أراد الإغلاظ بالتحريق عليهم ويدل أيضا على جواز أخذ أهل الجرائم على غرة لأنه (صلى الله عليه وسلم ) هم بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه الاشتغال بالصلاة في الجماعة فرأى أن يبتغهم بالوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه ( واستدل ) به ابن العربي وغيره (1/308)
صفحة 309
على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونا بها (واستدل ) به ابن العربي أيضا على جواز إعدام محل المعصية كما هو مذهب مالك وتعقب بأنه منسوخ كما قيل في العقوبة بالمال ( قوله لشهد العشاء ) بكسر العين المهملة والمد اسم لصلاة العتمة وكره بعضهم تسميتها بالعتمة لحديث ابن عمر عند أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة قال سمعت ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يقول لا تغلبنكم الإعراب على اسم صلاتهم إلا أنها العشاء وهم يعتمون بالا بل وفي رواية لمسلم لا تغلبنكم الإعراب على اسم صلاتكم العشاء فإنها في كتاب الله العشاء وأنها تعتم بحلاب الإبل لكن في حديث أبي هريرة عند المصنف ومالك ولم يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولم حبوا فقيل لمالك أما تكره أن تقول العتمة قال هكذا قال الذي حدثني والعتمة محركة ثلث الليل الأول بعد غيوبة الشفق أو وقت صلاة العشاء الآخر .
ما جاء
( في وقت الاصفرار ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد رحمة الله قال بينما أنس ذات يوم قاعد إذ ذكر تعجيل الصلاة وتأخيرها قال سمعت ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يقول تلك صلاة المنافقين يجلس أحدهم يتحدث حتى إذا اصفرت الشمس وكانت قرني الشيطان ( ثم يقوم فينقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا ) (1/309)
صفحة 310
( قوله قاعد ) أي للتذكير بأمور الآخرة وتخويف الناس عن التهاون بالصلاة وتحذيرهم النفاق ( قوله تلك صلاة المنافقين ) الحديث رواة الجماعة إلا البخاري وابن ماجة ولفظه عندهم عن أنس قال سمعت ( رسول الله صلى الله عليه وسلم )يقول تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله إلا قليل وفي رواية أبي داود تكرار لقوله تلك صلاة المنافق ( قوله يتحدث ) أي في أمور الدنيا فإنها مبلغ همة وغاية قصده لعماه عن العواقب ( قوله اصفرت الشمس ) أي تغير لونها وقل ضوءها بإقبال ظلمة الليل حتى خالط ضوءها الاصفرار وفي الحديث إشارة إلى فوات العصر بالاصفرار وعن ابن مسعود عند أحمد ومسلم وابن ماجة قال حبس المشركون ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو أصفرت فقال ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا أو حشا الله أجوافهم وقبورهم نارا ( قوله بين قرني الشيطان ) قيل المراد ظاهره وأن الشيطان يحاذي الشمس بقرنيه عند غروبها وكذلك عند طلوعها لأن الكفار يسجدون لها حينئذ فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له وخيل له ولا عوانه أنهم إنما يسجدون له وقال الخطابي هو تمثيل ومعناه أن تأخيرها لتزيين الشيطان ومدافعته لهم عن تعجيلها كمدافعة ذوات القرون لما تدفعه ( قوله فينقر أربعا ) أي أربع نقرات يعدها ركعات والمراد بالنقر سرعة الحركات كنقر الطائر للحب ونحوه ( قوله لا يذكر الله فيها إلا قليلا ) هو على حد قوله تعالى ( وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ) والمراد بذكر الله في الصلاة الذكر المأمور به من القراءة والتسبيح والتكبير فالمنافقون لا يقولون ذلك كله بل بعضه لسرعته نقرهم أو المراد حضور القلب عند الذكر فقلوبهم مشتغلة في مهماتهم و ألسنتهم تتحرك بما (1/310)
صفحة 311
ليس في قلوبهم وفي الحديث دليل على كراهة تأخير الصلاة إلى وقت الاصفرار و التصريح بذم من أخرهم بلا عذر إلى ذلك الوقت والحكم على صلاته بأنها صلاة المنافقين وفي قوله فينقر أربعا إشارة إلى ذم السرعة في الصلاة بحيث لا يتم له الخشوع والله أعلم .
ما جاء
( في من نسي صلاة أو نام عنها ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال من نسي صلاة أو نام عنها فليصليها إذا ذكرها ( قال الربيع ) ( وذلك في حين تجب عليه فيه الصلاة ) (1/311)
صفحة 312
( قوله من نسي صلاة أو نام عنها الخ ) في رواية مسلم إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصليها إذا ذكرها فإن الله عز وجل يقول ( أقم الصلاة لذكري ) وعن أنس بن مالك أن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) قال من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك رواه أحمد والبخاري ومسلم وعن أبي هريرة عن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) قال من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى يقول ( أقم الصلاة لذكري ) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي ( قوله فليصلها إذا ذكرها ) إن كان ناسيا وإذا انتبه من نومه إن كان نائما زاد في الإيضاح ( فذلك وقتها ) قال المحشي وقد وجد هذا في بعض النسخ قال الربيع وذلك في حين تجب عليه فيه الصلاة احترازا من الأوقات التي نهينا عن الصلاة فيها أو هي الطلوع والغروب والاستواء فإنه إذا ذكرها في شيء من هذه الأوقات أخرها إلى الوقت الذي بعده وذكر صاحب الإيضاح في قوله فذلك وقتها قولين قيل وقت إعادتها وقيل وقت فرضها قال فمن ذهب إلى أن ذلك وقت وجوبها جعلها دينا يقضيها قال ومن ذهب إلى أنه وقت إعادتها جعله وقتا لها فإن تركها بعد ما ذكرها أو بعد ما انتبه من نومه مقدار ما يصليها فيه هلك و قال بعضهم وقتها مع وقت صلاة ذكرها فيه أو وقت انتبه فيه من منامه إذا كان ذلك في وقت الصلاة وإن كان في غير وقت الصلاة فعلى ما ذكرناه حتى يخرج وقت الصلاة المستقبلة قال فعلى هذا إن ذكرها وانتبه في وقت الصلاة الحاضرة صار وقت المنسية وقت الحاضرة فهما مشتركان فيه وعليه أن يصلي المنسية ثم الحاضرة قياسا على المؤداة المشتركات في الأوقات إذا أراد أن يجمع بينها في حال يجوز له الجمع ( وفي الحديث ) مشروعية القضاء للناسي والنائم واختلفوا في المتعمد فمنهم من قال أن القضاء يشرع في حقه أيضا من باب أولى لأنه إذا وجب القضاء على النائم والناسي مع رفع الحرج عنهما فالعامد أولى وأيضا فوجوب الصلاة قد تعلق بذمته في الوقت (1/312)
صفحة 313
قطعا ولا يرتفع الوجوب إلا بالأداء وبتضييع الوقت يكون هالكا والوجوب دين في ذمته وفي الحديث فدين الله أحق أن يقضي ومنهم من قال أن القضاء لم يشرع في حق المعتمد لأنه إنما وجب عليه الأداء في الوقت فإنه ضيعة هلك إجماعا وفعله بعد الوقت لا يحط عند الوجوب في الوقت وقد تمسكوا أيضا بدليل الخطاب من ظاهر الحديث لأن القضاء مشروط بالنسيان والنوم وانتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فيلزم منه أنه من لم ينس لا يصلي بعد الوقت والله أعلم
ما جاء
(في الصلاة الوسطى ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد أن أم المؤمنين أمرت أبا يونس مولاها أن يكتب لها مصحفا فقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) ( فلما بلغها آذنها فأملت عليه ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) ( صلاة العصر وقوموا لله قانتين) فقالت هكذا سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) (1/313)
صفحة 314
(قوله أم المؤمنين ) يعني عائشة رضي الله عنها ( قوله أبا يونس مولاها ) أي عتيقها وأبو يونس هذا وثقة ابن حبان وكان يروي عن مولاته عائشة رضي الله عنها وروى عنه زيد بن أسلم وأبو طوالة ويحتمل أن يكون جابر بن زيد رضي الله عنه أخذ الخبر من لسان عائشة رضي الله عنها أو أنه أخذه من أبي يونس أو ممن يثق به عنهما أو أنه شاهد الأمر كما يشعر به سياق الحديث وعادة جابر رضي الله عنه لا يسوق الخبر هذا المساق إلا عند المشاهدة ولا يرسل إلا مع العلم بالإرسال فليس هناك تدليس والحديث رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة عن أبي يونس وفي الباب عن حفصة أيضا عند مالك في الموطا قال عمرو ابن رافع أنه كان يكتب لها مصحفا فقالت له إذا انتهيت إلى ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) فآذني فآذنتها فقالت اكتب ( والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين ) والواو في قولها و صلاة العصر أما زائدة أو عاطفة صفة على صفة وتغاير اللفظين كاف في تغاير المتعاطفين وقد اختلف السلف ومن بعدهم في تعيين الصلاة الوسطى ما هي اختلافا كثيرا استقصينا ذكره بأدلته في الجزء الثالث من المعارج وهذا الحديث يدل على أنها العصر وكذلك المروي عن علي أن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) قال يوم الأحزاب ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غاب الشمس رواه أحمد والبخاري ومسلم ولمسلم وأحمد وأبي داود شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر وعن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الوسطى صلاة العصر رواه الترمذي وقال هذا الحديث حسن صحيح وفي الباب عن ابن مسعود أيضا عند أحمد ومسلم وابن ماجة وعن سمرة بن جندب عند أحمد والترمذي وصححه وعن علي أيضا عند عبد الله ابن أحمد في مسند أبيه ( قوله فآذني ) أي فأعلمني وكذا قوله فلما بلغها آذنها أي أعلمها بانتهاء الكتابة إليها وقوله تعالى ( حافظوا على الصلوات) أي راقبوها بأدائها في (1/314)
صفحة 315
أوقاتها كاملة الأركان والشروط ( قوله والصلاة الوسطى ) عطف خاص على عام لمزيد الاهتمام و الوسطى فعلى معناها التفضيل فأنها مؤنثة الأوسط وهي من الوسط الذي هو الخيار وليست من الوسط الذي هو التوسط بين شيئين لأن فعلى معناها التفضيل ولا يبني للتفضيل إلا ما يقبل الزيادة والنقص والوسط بمعنى الخيار يقبلها بخلاف التوسط بين الشيئين فإنه لا يقبلهما فلا يبنى منه أفعل للتفضيل (قوله صلاة العصر ) عطف بيان للصلاة الوسطى وإضافة الصلاة إلى العصر من إضافة الشيء إلى زمانه كقيام الليل وصيام النهار ( قوله قانتين ) قيل معناه مطيعين لقوله (صلى الله عليه وسلم ) كل قنوت في القرآن فهو طاعة رواه أحمد وغيره وقيل معناه ساكتين لحديث زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام رواه الشيخان ( قوله هكذا سمعتها ) أي على هذه الحالة التي أمليتها لكم سمعت ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يقرؤها فهي القراآت الشاذة التي لم يتواتر نقلها ولا تصح قراءتها في الصلاة لأنها لم تبلغ رتبة القرآن في النقل فلا تعطي حكم القرآنية في أداء العبادة وأحكام التلاوة وهل يحتج بها في أتبات الحكم أم لا قيل يحتج بها لأنها خبر آحاد فلا أقل من قبولها إذا صح الخبر فلا يمكن إلغاؤها رأسا وقيل لا يحتج بها لأن الراوي لم يروها على أنها خبر فقط وإنما رواها على أنها قرآن والقرآنية لا تثبت بالآحاد بل بالتواتر فقط وعلى الأول الحنفية وغيرهم وعلى الثاني الشافعية والخلاف مبسوط في الأصول (قلت) ويحتمل أن عائشة لم ترد نقل القرآنية وإنما أرادت نقل التفسير فقط وإنما أمرت بإثباته في مصحفها لئلا تنساه وليعلمه من بعدها وأن كان هذا الاحتمال يبعده ما كانوا عليه من شدة التحرز عن إثبات شيء في الصحف لم يكن قرآنا فإنه يقربه أنها أثبتته في مصحفها الخاص بها دون غيره فإذا رآه الناظر علم أنه تفسير حيث لم تثبت الزيادة في غيره والله أعلم . (1/315)
صفحة 316
الباب التاسع والعشرون
( في فرض الصلاة في الحضر والسفر )
(قوله في فرض الصلاة في الحضر والسفر ) أما الحضر بفتحتين فهو خلاف البدو والحاضرة ضد البادية وهو المدن والقرى والريف والبادية ضدها يقال فلان من أهل الحاضرة وفلان من أهل البادية والحضارة بالكسر الإقامة في الحضر كذا عن أبي زيد وقال الأصمعي هو بالفتح وأراد المرتب بالحضر ما قبل السفر وهو نفس الوطن كان في حاضرة أو بادية وإنما عبر بالحضر تغليبا أو مراعاة للأصل الذي نزلت فيه الصلاة فإنها نزلت على قوم هم أهل قرى ثم دخل أهل البادية في حكمهم لعموم الخطاب ولبناء الإسلام على خمس منها إقامة الصلاة وأما السفر بفتحتين فاسم لقطع المسافة المخصوصة يقال سفر الرجل سفرا من باب ضرب فهو سافر والجمع سفر مثل راكب وركب وصاحب وصحب يقال ذلك إذا خرج للارتحال أو لقصد موضوع فوق مسافة العدوى لأن العرب لا يسمون مسافة العدوى سفرا والعدوى بفتح العين مقصورا اسم من العدو وهو ضرب من المشي يقارب الهرولة وهو دون الجري والعرب لا تسمى المسافة التي يمكن قطعها في العادة بهذا النوع من المشي سفرا لأن العادة أن سرعة السير لا تتأتى إلا إلى المكان القريب والله أعلم .
ما جاء
( في أول ما فرضت الصلاة ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت السفر وزيد في صلاة الحضر (1/316)
صفحة 317
( قوله فرضت الصلاة ركعتين ) الحديث رواه أيضا البخاري وأحمد عن عائشة رضي الله عنها قال فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر ففرضت أربعا وتركت صلاة السفر على الأول زاد أحمد من طريق ابن كيسان إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا وروى ابن خزيمة وابن جبان والبيهقي عن عائشة قالت فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين فلما قدم ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) المدينة واطمأن زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب لأنها وتر النهار والحديث يدل على وجوب القصر وأنه عزيمة لا رخصة وقد أخذ بظاهرة أصحابنا والحنفية و الهادوية فالقصر عندنا واجب لا جائز فقط وهو المروي عن عمر وعلي ونسبه النووي إلى كثير من أهل العلم قال الخطابي كان مذاهب أكثر علماء السلف وفقهاء الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر وهو قول علي وعمر وابن عمر و ابن عباس وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن وقال حماد بن سليمان يعيد من يصلي في السفر أربعا وقال مالك يعيد ما دام في الوقت وخالفنا الشافعي و أحمد قيل ومالك أيضا ( واعترض ) بعضهم استدلالنا بحديث الباب بأنه من قول عائشة غير مرفوع وبأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة ( والجواب ) أما أولا فإن هذا مما لا مجال للرأي فيه فله حكم الرفع وأما ثانيا فعلى تقدير تسليم أنها لم تدرس القصة يكون مرسل صحابي وهو حجه لأنه أما أن يكون أخذه عن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) أو عن صحابي آخر أدرك ذلك و كلاهما حجة ( قالوا ) يعارضه حديث ابن عباس عند مسلم فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين (قلنا ) حديث ابن عباس مجمل لأنه لم يعترض لبيان السباق من الفرضين وحديث عائشة مبين فلا تعارض ( قالوا) ذكر ابن الأثير في شرح المسند أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة وقال غيره كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية وقيل بعد الهجرة بأربعين يوما (قلنا) ما ذكره ابن الأثير (1/317)
صفحة 318
مأخوذ مما ذكره غيره أن نزول آية الخوف في السنة الرابعة فالتاريخ إنما هو لصلاة الخوف دون صلاة السفر وكذا القول في القولين الآخرين فلا يخالف شيء منهما حديث الباب ( قالوا ) أن قوله تعالى ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) يدل على أن القصر رخصة لأن نفي الجناح يدل على رفع الإثم وذلك في موضع الترخيص ( قلنا ) أما أولا فإن الآية نزلت في صلاة الخوف وتمامها ( أن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) إلى آخر الآيات وأما ثانيا فإن الحرج لا يستلزم عدم الوجوب بل يكون لشيء في نفوس المخاطبين كما جاء مثل ذلك في السعي بين المروتين والله أعلم ( ويدل الحديث ) أيضا على أن الركعتين في السفر لا يسميان قصرا وهو أحد القولين في المذهب والقول الثاني أنهما يسميان قصرا وهو الذي مشي عليه صاحب القواعد والمشهور في زماننا واستدل عليه في الإيضاح بما روي ابن عمر رضي الله عنه سأله رجل فقال يا أمير المؤمنين لم كان قصر الصلاة في الأمن والله يقول إن خفتم فقال عمر رضي الله عنه لقد عجبت مما عجبت منه فسألت ( النبي صلى الله عليه وسلم ) فقال صدقة من الله تصدق بها عليكم فاقبلوا صدقته قال في الإيضاح فالمفهوم من الحديث أن القصر في السفر رخصة وتخفيف ( والجواب ) أن كونه رخصة وتخفيفا لا ينافي تسميته تماما فإنه رخصة وتخفيف بالنظر إلى الأربع المفروضة في الحضر وروي أنه عليه السلام سئل عن صلاة السفر أقصر هي قال ( لا) الركعتان في السفر ليستا قصرا إنما القصر واحدة عند الخوف وعن عمر رضي الله عنه أنه قال صلاة السفر ركعتان تماما غير قصر على لسان نبيكم والخلاف في هذا الموضع راجع إلى التسمية فقط فهو خلاف لفظي ليس تحته كبير معنى والله أعلم .
ما جاء (1/318)
صفحة 319
( في أصل صلاة السفر ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال سأل رجل عبد الله بن عمر فقال له يا أبا عبد الرحمن أنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر فقال له عبد الله بن عمر يا هذا أن الله قد بعث إلينا ( محمدا صلى الله عليه وسلم ) ولا نعلم ( شيئا فإنما نفعل كما رأيناه يفعل )
( قوله سأل رجل ) هو أمية بن عبد الله بن خالد كما صرح به النسائي وخالد هذا هو خالد ابن أسير بالفتح وكسر المهملة ابن أبي العيص بكسر المهملة الأولى المكي كان أمية هذا يروي عن ابن عمر وروي عنه الزهري وعطية بن قيس وثقة العجلي مات سنة أربع أو سبع وثمانين ( قوله أنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ) أما صلاة الخوف فإنه وجدها في قوله تعالى ( إذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا ) الآية وأما صلاة الحضر فإنها محل الأوامر المطلقة في نحو قوله تعالى ( أقيموا الصلاة ) وقوله( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) وأشباه ذلك ( قوله ولا نجد صلاة السفر ) أي مذكورة في القرآن باسمها الخاص وألا فهي داخلة تحت الإجمالات القرآنية ( والرسول صلى الله عليه وسلم ) مبين لذلك وقد قال عليه السلام صلوا كما رأيتموني أصلي وقال تعالى ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) ولهذا أجاب ابن عمر بقوله فإنما نفعل كما رأيناه يفعل ( قوله يا هذا ) إنما أيهمه في الخطاب مع أنه يعرف اسمه إنكارا لسؤاله وإظهارا لغباوته ( قوله قد بعث ) أي أرسل ( قوله ولا نعلم شيئا ) يعني من الأحكام الشرعية ولا غيرها من أخبار الأمم وأحوال الآخرة فإنهم كانوا أهل جاهلية لا يدرون ما الكتاب ولا الإيمان ( قوله فإنما نفعل كما رأيناه يفعل ) أي لا نفعل غير ذلك امتثالا لقوله تعالى ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) وقوله عز من قال ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) وقد قصر (صلى الله عليه وسلم ) بلا خوف فهو دليل يثبت به الحكم كما يثبت بالقرآن (1/319)
صفحة 320
وعن ابن عمر أيضا قال صحبت ( النبي صلى الله عليه وسلم ) وكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك رواه أحمد والبخاري ومسلم ولفظ الحديث في صحيح مسلم صحبت ( النبي صلى الله عليه وسلم ) فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل وظاهر الروايتين أن عثمان لم يصل في السفر تماما وفي رواية لمسلم عن ابن عمر أنه قال ومع عثمان صدرا من خلافته ثم أتم وفي رواية ثمان سنين أو ست سنين قال النووي و هذا هو المشهور أن عثمان أتم بعد ست سنين من خلافته وجمعوا بينهما بأن عثمان لم يزد على ركعتين حتى قبضه الله في غير منى والرواية المشهورة بإتمام عثمان بعد صدر من خلافته محمول على الإتمام بمنى خاصة وقد صرح في رواية بأن إتمام عثمان كان بمنى وفي البخاري ومسلم أن عبد الرحمن بن يزيد قال صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع ثم قال صليت مع ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بمنى ركعتين وصليت مع أبي بكر الصديق بمنى ركعتين وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعات متقبلتان ( وعن يعلي بن أمية ) قال قلت لعمر بن الخطاب فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فقد آمن الناس قال عجبت لما عجبت منه فسألت ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فقبلوا صدقته رواه الجماعة إلا البخاري وفي قوله فاقبلوا صدقته ما يقتضي وجوب القبول لأن الإعراض عنها لا يحل كالإعراض عن ضيافته تعالى في العيدين فإنه إنما حرم صومهما لهذا المعنى وفي استمرار العمل على القصر في السفر على عهد ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ثم على عهد الخلفاء الراشدين أعظم دليل على التزامه ولو لم يكن في تركه معصية لكفى به مصيبة حيث خالف السنة المستقرة (1/320)
صفحة 321
والعمل المستمر وفي الحديث إشارة إلى أنه (صلى الله عليه وسلم ) هو المبين لأحكام القرآن وأنه يجب قبول ما جاء به فهم معناه أو لم يفهم وأنه يجب التأسي به في فعله والله أعلم .
ما جاء
(في عدد ركعات الصلاة في الحضر والسفر ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن (النبي صلى الله عليه وسلم ) قال على المقيم سبع عشر ركعة ) ( وعلى المسافر إحدى عشر ركعة يعني بها الصلوات الخمس)
( قوله على المقيم ) أي صاحب الإقامة وهو من اتخذ الدار وطنا أما بالفعل والقصد معا كالساكن المطمئن إلى البلد الذي لا ينوي النقلة منها وأما بالفعل فقط كالذي اتخذ الدور والآهلين والأموال فإن صاحب هذا الحال موطن قطعا وأن نوى النقلة فإن حاله شاهدة بخلاف قصده فلو خرج مثلا لرجع بعد برهة ولا يمكنه الخروج في غالب الأحوال فمن كان هذا حاله لزمته الإقامة وليس له القصر متعللا بأن وطنه في كذا والحق واضح والشبهة مضمحلة ( قوله سبع عشر ركعة ) أربع في الظهر وأربع في العصر وثلاث في المغرب وأربع في العشاء وركعتان في الفجر ولم يذكر في هذا الحديث الوتر ولا شيئا من السنن ولعله كان قبل لزوم الوتر وبعض السنن فإن القائلين باللزوم لا بد لهم من هذا الاحتمال و إلا لكان الحديث دافعا لقولهم ( قوله وعلى السفر ) هو الذي جاوز الفرسخين من وطنه أو خرج قاصدا مجاوزتهما لأن ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) خرج ذات يوم ومعه أصحابه حتى إذا صار في ذي الحليف فصلى بهم ثم رجع فسئل عن ذلك فقال أردت أن أعلمكم صلاة السفر أو حد السفر والحديث ذكره أصحابنا في كتبهم الفقهية ولم أجد له ذكرا في شيء من كتب الحديث لكن الأصحاب اتفقوا على معناه ورووه كذلك منقطعا وأن منقطعهم لأثبت من متصل غيرهم لشدة احتياطهم وكثرة تحرزهم من الكذب على غير ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وفي غير أمور الدين فكيف بالكذب على ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وفي أمور الدين أيضا ويشهد له حديث (1/321)
صفحة 322
أنس قال صليت مع ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الظهر بالمدينة أربعا وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين رواه أحمد والبخاري ومسلم وذو الحليفة من المدينة على ستة أميال وهي فرسخان والله أعلم ( قوله احدى عشر ركعة ) ركعتان للظهر وركعتان للعصر وثلاث للمغرب وركعتان للعشاء وركعتان للفجر وهذا إذا لم يصل خلف المقيم فإن صلى خلف المقيم صلى كصلاته لأن السنة قد مضت بذلك فللمسافر الخيار بين ركعتين مع غير المقيم أو أربع في الرباعيات خلف المقيم وفي قوله وعلى المسافر إشارة إلى وجوب القصر بل هو صريح في وجوبه ثم إن ذكره مقابلا لفرض المقيم دليل على الوجوب أيضا وعند أحمد والنسائي وابن ماجة عن عمر أنه قال صلاة السفر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام من غير قصر على لسان ( محمد صلى الله عليه وسلم ) وعند النسائي عن ابن عمر قال أن ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أتانا ونحن ضلال فعلمنا فكان في ما علمنا أن الله عز وجل أمرنا أن نصلى ركعتين في السفر .
ما جاء
( في وقت افتراض الصلوات الخمس ) ( أبو عبيدة ) عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) فرضت عليه الصلوات الخمس قبل هجرته بسنتين وصلى عليه السلام إلى بيت المقدس بعد هجرته سبع عشر ( شهر أو كانت الأنصار وأهل المدينة يصلون إلى بيت المقدس ) نحو سنتين قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إليهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى الكعبة ( بمكة ثماني سنين إلى أن عرج به إلى بيت المقدس ) ثم تحول إلى قبلته ( الربيع قال) إلى الكعبة . (1/322)
صفحة 323
( قوله قبل هجرته بسنتين ) أي قبل خروجه إلى المدينة مهاجرا بسنتين وذلك على رأس إحدى عشر سنة من بعثته (صلى الله عليه وسلم ) في ليلة الإسراء فعن أنس بن مالك قال فرضت على ( النبي صلى الله عليه وسلم ) الصلوات ليلة اسري به خمسين ثم نقصت حتى جعلت خمسا ثم نودي يا محمد إنه لا يبدل القول لدي وإن لك بهذه الخمس خمسين رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وليلة الإسراء كانت ليلة سبع عشر وقيل سبع وعشرين خلت من شهر ربيع الأول وقيل ليلة تسع وعشرين خلت من رمضان وقيل سبع وعشرين خلت من ربيع الآخر وقيل من رجب واختاره بعضهم وعليه عمل الناس وقيل في شوال وقيل في ذي الحجة وذلك قبل الهجرة بسنتين كما عند الربيع رحمة الله عليه وقيل بسنة وبه جزم ابن حزم وادعى فيه الإجماع وقيل بثلاث سنين قيل كان الإسراء ليلة الجمعة وقيل ليلة السبت وقال ابن دحيه يكون يوم الاثنين إن شاء الله تعالى ليوافق المولد والمبعث والهجرة والوفاة وكانت الصلاة قبل ليلة الإسراء حين نسخ ما في سورة المزمل صلاتين فقط صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة بعد غروبها وقالت عائشة رضي الله عنها أن الله تعالى افترض أولا القيام المذكور أول سورة المزمل فقام صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه حولا حتى انتفخت إقدامهم ثم أنزل الله تعالى التخفيف المذكور آخر السورة بعد اثني عشر شهرا فصار قيام الليل تطوعا بعد فرضه ( قوله سبعة عشر شهرا ) وفي بعض الروايات ستة عشر شهرا كما في مسلم وفي بعضها ستة عشر أو سبعة عشر شهرا بالشك كما في البخاري قال ابن حجر والجمع سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرا وألغى الأيام الزائدة ومن جزم بسبعة عشر عدهما معا ومن شك تردد في ذلك قال وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح وبه جزم الجمهور ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس الخ (قوله نحو سنتين ) لأن فرض (1/323)
صفحة 324
الخمس كان قبل الهجرة بسنتين كما تقدم فهم يصلون إلى بيت المقدس قبل الهجرة نحوا من سنتين أي في مقدار سنتين وإنما قال نحوا من سنتين ولم يجزم به كجزمه في فرض الخمس لأن تبليغهم ذلك أنما كان بعد افتراضهم وكانت المدينة على أيام من مكة فاحترز لذلك وهذا يدل على أن الإسراء كان بعد العقبة التي بدأ فيها إسلام الأنصار ولكنهما كانا في سنة واحدة قريبا بعضهما من بعض (قوله صلى بمكة ) أي قبل فرض الخمس كما يدل عليه قوله إلى أن عرج به والمعنى أنه عليه الصلاة والسلام صلى قبل أن يعرج به بمكة ثمان سنين يستقبل فيها الكعبة وبعد أن عرج به صلى الخمس إلى بيت المقدس حتى هاجر بعد المعراج بسنتين فمدة الصلاة بمكة عشر سنين وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يؤمر في الثلاث السنين التي قرن معه فيها إسرافيل عليه السلام بشيء من الصلاة وهي الثلاث التي كانت أول الوحي (واختلف ) العلماء في الجهة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها للصلاة وهو بمكة وقال ابن عباس وغيره كان يصلي إلى بيت المقدس لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس وأطلق الآخرون أنه كان يصلي إلى بيت المقدس وقال آخرون كان يصلي إلى الكعبة فلما تحول إلى المدينة استقبل بيت المقدس وضعف هذا القول لأنه يلزم منه دعوى النسخ مرتين ( والجواب) أن تكرار النسخ لا يوجب ضعفا ولها في الشريعة نظير وهو متعة النساء فإنها أبيحت في صدر الإسلام ثم حرمت يوم خيبر ثم أبيحت في غزوة اوطاس ثم حرمت بع ذلك فاستقر الأمر على التحريم فكذلك مسئلة القبلة فإن النسخ طرأ عليها مرتين واستقر الأمر على استقبال الكعبة وحديث المصنف يدل على تكرار النسخ وهو من طريق ابن عباس فيجب أن يحمل المنقول عنه على الحال الذي كان بعد الإسراء دون ما قبله من الزمان ثم أن تكرر نسخها المستفاد من حديث المصنف يخالف التكرار الذي ذكره أرباب القول الثالث فإن الحديث يدل على أن (صلى الله (1/324)
صفحة 325
عليه وسلم ) كان يستقبل الكعبة إلى أن عرج به ثم استقبل بيت المقدس إلى أن نسخت بعد الهجرة بسبعة عشر شهرا فالمستفاد من الحديث قول رابع وبه أقول لصحة الحديث والعلم عند الله (قوله ثم تحول إلى قبلته ) أي التي كان عليها قبل المعراج وهي الكعبة وهذا التحول إنما كان بعد الهجرة بسبعة عشر شهرا كما يدل عليه صدر الحديث .
ما جاء
( في حكم الوتر ) فاختلف الناس في الوتر هل هو فريضة أم لا فقلت قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) خمس صلوات كتبهن الله على عباده في اليوم والليلة فمن جاء بهن (تامة لم يضيع من حقهن شيئا فله عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن نقص ) من حقهن شيئا فله عند الله عهد أن يدخله النار ولم يذكر الوتر وهو عندي غير واجب والله أعلم . (1/325)
صفحة 326
(قوله فاختلف الناس في الوتر هل هو فريضة أم لا ) هذا الكلام مفرع على قوله فرضت عليه الصلوات الخمس فإن وجوب الوتر يقضي بالزيادة على الخمس لأنها تكون فريضة مستقلة وقد ذهب أكثر أصحابنا وأبو حنيفة إلى وجوبه وروي عن أبي حنيفة أيضا أنه فرض وقال جابر بن زيد الوتر والرجم و الاختتان والاستنجاء سنن واجبات وقال جمهور قومنا وبعض أصحابنا منهم المصنف رحمة الله تعالى أنه غير واجب بل سنة وقال الربيع عن إبراهيم قال ما أحب أني تركت الوتر ولي حمر النعم واستدل جابر رضي الله عنه على الوجوب بقوله (صلى الله عليه وسلم ) لأصحابه أن الله زادكم صلاة سادسة خيرا لكم من حمر النعم وهي الوتر ويدل عليه أيضا رواية أحمد عن أبي هريرة قال قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) من لم يوتر فليس منا وعن أبي أيوب عند الخمسة إلا الترمذي قال قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الوتر حق فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل وفي لفظ لأبي داوود الوتر حق على كل مسلم (واستدل المصنف ) بقوله (صلى الله عليه وسلم ) خمس صلوات كتبهن الله على عباده في اليوم والليلة فمن جاء بهن تامة لم يضيع من حقهن شيئا فله عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن نقص من حقهن شيئا فله عند الله عهد أن يدخله النار (قال المصنف ) ولم يذكر الوتر وهو عندي غير واجب والله أعلم (وفيه ) أنه لا منافاة بين هذا وبين حديث وجوب الوتر لاحتمال أن يكون حديث الخمس قبل وجوب الوتر ثم وجب الوتر بعد ذلك لقوله (صلى الله عليه وسلم ) أن الله زادكم صلاة سادسة فإن الزيادة على الشيء إنما تكون بعد ثبوت المزيد عليه أو أصرح من استدلال المصنف حديث ابن عمر أن (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أوتر على بعيره رواه الجماعة فإن الصلاة على الراحة حال الاختيار من خصوصيات النوافل دون الفرائض (وأجيب بأن ) ذلك محمول على الحال الذي كان قبل لزوم الوتر (1/326)
صفحة 327
(قوله فقلت ) بضم التاء للمتكلم والقائل هو الربيع رحمة الله عليه وساق الحديث بغير سند على طريق الاحتجاج لصحته عنده وعند من احتج عليه وقد روى معناه مالك في الموطيء وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وأوله عندهم عن ابن محيريز أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلا بالشام يدعى أبا محمد يقول أن الوتر واجب قال المخدجي فرحت إلى عبادة بن الصامت فأخبرته فقال عبادة كذب أبو محمد سمعت ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يقول خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأتي بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له فاحتجاج المصنف بالحديث تابع لاحتجاج عبادة به (قوله كتبهن الله ) أي افترضهن (قوله لم يضيع من حقهن شيئا ) هذا تفسير لقوله تامة فإن من ضيع من حقهن شيئا لم يجيء بهن تامة بل ناقصة ومن حقوقهن المحافظة على الأوقات والوظائف وسائر الشروط (قوله فله عند الله عهد ) أي ذمة وموثوق فيكون ممن اتخذ عند الحمن عهدا وكل من أوفى بعهد الله فقد اتخذ عند الله عهدا قال تعالى ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) (قوله أن يدخل الجنة ) بيان لمتعلق العهد فإن الجنة هي التي وعد الله بها من أطاعه فالوعد هو العهد والموعود به هو الجنة ولنعم دار المتقين ( قوله ومن نقص ) بالتخفيف والتشديد لغة ضعيفة (قوله من حقهن شيئا ) أي كان ذلك شرطا أم ركنا فإن من نقص شرطا فسدت صلاته لأن المشروط متوقف على وجود شرطه وكذلك من نقص ركنا بل هذا أشد فإن للأركان دخلا في الحقيقة (قوله فله عند الله عهد ) أي موثوق أن يدخله النار لأن من جملة العصاة وقد قال تعالى ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ) وقال تعالى ( ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ومن أصدق من الله قيلا ) وفي الحديث دلالة على القطع بتعذيب الفاسق ولا ينافيه الرواية الأخرى (1/327)
صفحة 328
عند صاحب الوضع رحمة الله تعالى ونصها ومن لم يأتي بهن فليس له عند الله عهد إن شاء الله عذبه وإن شاء رحمه فإن رواية المصنف في من مات غير تائب ورواية الوضع في من مات تائبا والمعنى إن شاء الله قبل توبته ووقفه على التوبة النصوح وإن شاء لم يوقفه عليها فلا يقبل ما جاء به من لقلقه اللسان والعياذ بالله
ما جاء
( في القصر في السفر وإن طال ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عام الفتح خمسة عشر يوما يقصر الصلاة وهو لا ينوي الإقامة بها قال (الربيع هذه حجة لمن لم ير الإقامة) (للمسافر إذا كان ينوي الإقامة أربعة أيام في موضعه الذي نزل فيه )
(قوله أقام بمكة ) أي مكث فيها مكثا غير مطمئن ولهذا قال وهو لا ينوي الإقامة بها يعني الإقامة المطمئنة الموجبة لحكم الوطن (قوله عام الفتح ) أي فتح مكة وكان في رمضان سنة ثمان من الهجرة (قوله خمسة عشر يوما ) وعند أحمد والبخاري وابن ماجة من حديث ابن عباس تسع عشرة وعند أبي داود سبع عشرة وعن عمران بن حصين (1/328)
صفحة 329
قال غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين يقول يا أهل البلدة صلوا أربعا فأنا سفر أبو داود (قوله هذه حجة لمن لم ير الإقامة للمسافر إذا كان ينوي الإقامة أربعة أيام في موضعه ) معناه أن صلاته صلى الله عليه وسلم تلك المدة في مكة قصرا حجة لمن أجاز القصر لمن نوى إقامة أربعة أيام في موضعه فيكون حجة داحضة لقول من أوجب التمام على من نوى إقامة أربعة أيام في موضعه الذي نزل به والقائل بالتقييدهم المالكية والشافعية فإنهم قالوا من عزم على إقامة أربعة أيام لزمه التمام وقالت الأمامية من الشيعة من لم يعزم إقامة مدة معلومة كمنتظر الفتح يقصر إلى شهور ويتم بعده (وقال أصحابنا ) وأبو حنيفة وأصحابه وبعض الناس من غيرهم أنه يقصر أبدا لأن الأصل السفر ولقصره صلى الله عليه وسلم عام الفتح وفي تبوك وحنين وحديث الفتح عند المصنف وأما حديث تبوك فرواه أحمد وأبو داود عن جابر قال أقام ( النبي صلى الله عليه وسلم ) بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة وأما حديث حنين فأخرجه البيهقي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بحنين أربعين يوما يقصر الصلاة فهذا (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قصر في أسفاره مدة أقامته ولا دليل على التمام بعد ذلك لمن أقام فوق ذلك قال الحسن البصري مضت السنة أن يقصر المسافرون ولو أقاموا عشر سنين ما لم يتخذوها وطنا وقال ثمامة بن شرحبيل خرجت إلى ابن عمر فقلت ما صلاة المسافر ركعتين إلا صلاة المغرب ثلاثا قلت أرأيت إن كنا بذي المجاز قال وما ذي المجاز قلت مكان نجتمع فيه ونبيع فيه ونمكث عشرين ليلة أو خمس عشر ليلة فقال أيها الرجل كنت بادربيجان لا أدري قال أربعة أشهر أو شهرين فرأيتهم يصلون ركعتين ركعتين رواه أحمد في مسنده .
ما جاء (1/329)
صفحة 330
( في ركعات الوتر ) (الربيع ) عن أبي أيوب الأنصاري قال قال ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أوتر بخمس فإن لم تستطع فبثلاث فإن لم تستطع فبواحدة فإن لم تستطع فتومي إيماء (أبو عبيدة) عن جابر بن زيد قال الوتر والرجم و الاختتان ) والاستنجاء سنن واجبات فأما الوتر فلقول (النبي صلى الله عليه وسلم ) لأصحابه إن الله زادكم (صلاة سادسة خير لكم من حمر النعم وهي الوتر )
( قوله أوتر بخمس الخ ) هذا الحديث يدل على أن المستحب في الوتر خمس ركعات فإن لم يستطع فثلاث وإن لم يستطع فواحدة فإن لم يستطع فيومي إيماء أي يشير برأسه إلى الركوع والسجود ويكون السجود أخفض من الركوع وهذا التدريج يدل على تأكيد الوتر أو وجوبه حيث عومل في الأداء معاملة الفرض فقوله إن لم تستطع معناه فإن لم تفعل فهو على حد قوله تعالى (هل يستطيع ربك ) أي هل يفعل ذلك إن سألته لأن القوم كانوا مؤمنين لا يشكون في قدرة الله تعالى ففي الآية والحديث التعبير عن الشيء بلازمة وعن أبي هريرة عن (النبي صلى الله عليه وسلم ) قال لا توتروا بثلاث أوتروا بخمس أو سبع ولا تشبهوا بصلاة المغرب رواه الدار قطني بإسناده وقال كلهم ثقات وقد أخذ بظاهرة مقسم فقال أن الوتر لا يصلح إلا بخمس أو سبع وسأله الحكم بن عيينة عمن فقال عن الثقة عن الثقة عن عائشة وميمونة واختار أصحابنا الوتر بثلاث مسبوقة بركعتين يسمونها سنة العشاء فتلك خمس ركعات وهل يفصل الركعة الآخرة عما قبلها بتسليمة أم لا اختار بعضهم الفصل وآخرون عدمه (وحجة الأولين ) قوله ( صلى الله عليه وسلم ) في حديث ابن عمر صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة رواه الجماعة وكان ابن عمر يسلم بين الركعتين والركعة في الوتر حتى إنه كان يأمر ببعض حاجته رواه البخاري ( وحجة الآخرين ) حديث عائشة قالت كان ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يوتر بثلاث لا يفصل بينهن رواه أحمد والنسائي ولفظ كان لا يسلم في ركعتي (1/330)
صفحة 331
الوتر ويجمع بينهما بأنه كان يفعل هذا أحيانا وهذا أحيانا ويجوز الوتر بواحدة وقد أوتر جابر بن زيد رحمة الله تعالى بواحدة ليري أصحابه جواز ذلك ثم قال هذا وتر العجز ويدل على ذلك حديث ابن عمر وابن عباس أنهما سمعا ( النبي صلى الله عليه وسلم ) يقول الوتر ركعة من آخر الليل رواه أحمد ومسلم ( قوله الوتر ) هو في اللغة الفرد من كل شيء وفي الإصلاح المخصوصة سميت بذلك لأن ركعاتها فرد وهو بفتح الواو عند أهل العالية وبكسرها عند أهل الحجاز وبني تميم (قوله والرجم ) بسكون الجيم هو حد الزاني المحصن مأخوذ من رجمته إذا ضربته بالرجم بفتحتين وهو الحجاز وإنما سمي الرجم سنة نظرا إلى أصله الذي ثبت منه وهو السنة النبوية فإنه لم يكن قرآنا يتلى وكأنه لم يثبت عند جابر رحمة الله تعالى ما يروي من آية الرجم ونسخ تلاوتها أو أنه ثبت معه لكن لم يعتبر المنسوخ (قوله و الاختتان ) هو قطع جلدة مخصوصة من طرف الذكر يقال لها القفة تجمع النجاسات أن لم تقطع فلا يمكن التنظيف إلا بقطعها ومن هاهنا شبه الأقلف وهو غير المختتن بالمشرك بجامع استحالة التنظيف فيهما معا وأول من سن الإختتان أبونا إبراهيم عليه السلام فهو من خصاله العشر الآني ذكرها في آخر الكتاب (قوله الاستنجاء ) هو غسل موضع النجو وهو الغائط ويطلق أيضا على مسحه بحجر أو مدر وهو الاستجمار والأول مأخوذ من استنجيت الشجر إذا قطعته من أصله لأن الغسل يزيل الأثر والثاني من استنجيت النخلة إذا التقطت رطبها لأن المسح لا يقطع النجاسة بل يبقى أثرها ( قوله سنن واجبات ) إجماعا في الرجم والاختتان وأما الاستنجاء فهو واجب أيضا عند أصحابنا والحنفية وخالفنا كثير من قومنا فلم يوجبه بالماء وقالوا تكفي الحجارة وتمسكوا بما كان في صدر الإسلام وهو منسوخ بنزول قوله تعالى ( في رجال يحبون أن يطهروا ) (وأما الوتر ) فواجب على الراجح عند جابر وأكثر الأصحاب والحنفية وغير واجب عند المصنف وبعض (1/331)
صفحة 332
أصحابنا وجمهور قومنا وقد تقدم ذلك كله (قوله زادكم ) أي فوق الخمس التي كنتم تعدونها (قواه من حمر النعم ) بضم المهملة وسكون الميم جمع حمراء والنعم بفتحتين الإبل والمراد بحمر النعم كرائمها وهو مثل في كل نفيس ويقال أن جمع أحمر وأن أحمر من أسماء الحسن (قوله وهي الوتر ) فيه إشارة إلى أن الوتر كانت مسنونة ثم وجبت بعد ذلك لأنه ذكرها بلام العهد فكأنه قال أن الصلاة السادسة هي الوتر المعهود عندكم زادكم الله إياه على الخمس فيحمل ما ورد من صلاته (صلى الله عليه وسلم ) الوتر على الراحلة على الحال الذي كان قبل الوجوب والله أعلم .
الباب الثلاثون
(في صلاة الخوف )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال حدثني ) جملة من أصحاب (النبي صلى الله عليه وسلم ) أنهم صلوا معه صلاة الخوف يوم ذات الرقاع وفي غيرها فقالت طائفة منهم صفت طائفة خلف النبي صلى الله عليه وسلم وطائفة واجهت العدو وصلى بالذين وقفوا خلفه ركعة ثم ثبت قائما وأتموا الركعة الثانية لأنفسهم وانصرفوا وواجهوا العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة ثم ثبت جالسا وأتما الركعة الثانية لأنفسهم ثم سلم بهم أجمعين وقالت طائفة أخرى منهم صلى بالطائفة الأولى ركعة فانصرفت فواجهت العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة ثانية فسلم فسلموا جميعا من غير أن يثبت لكل طائفة حتى تتم مثل ما قال أصحاب القول الأول (قال الربيع ) قال أبو عبيدة على هذا القول الآخر العمل عندنا وهو قول ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة . (1/332)
صفحة 333
(قوله صلاة الخوف ) أي من العدو وهي المعروفة عندنا بصلاة الواقفة وهي أن يتوافق الجمان يطلب كل واحد منهما غرة الآخر فتحضر الصلاة فإن الإمام أو نائبة يقسم الجيش طائفتين طائفة منهما تقابل العدو بالسلاح والأخرى تصلي خلف الإمام ثم تنصرف التي صلت فتقابل العدو وتأتي الطائفة التي لم تصلي فتصلي خلف الإمام على الوصف المذكور في الحديث وهي الصلاة التي ذكرها سبحانه وتعالى في قوله (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) إلى آخر الآية (ومذهب العلماء ) كافة أن صلاة الخوف مشروعة اليوم كما كانت في زمان النبوءة وخالف أبو يوسف والمزني فقالا لا تشرع بعد (النبي صلى الله عليه وسلم ) و تبعهما الحسن بن زياد واللؤلؤي من أصحابه وإبراهيم بن علية وهؤلاء كلهم من قومنا (واستدلوا ) بمفهوم قوله تعالى ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) (والجواب ) لا مفهوم للشرط لأنه أنما ورد لبيان الحكم لا شرطا لوجوده والتقدير بين لهم بفعلك فإنه أوضح من القول وأيضا فالأصل تساوي الأمة في الأحكام المشروعة فلا يقبل التخصيص بقوم دون قوم إلا بدليل وأيضا فالصحابة أجمعوا على فعلها بعده (صلى الله عليه وسلم ) وأيضا فقد قال (صلى الله عليه وسلم ) صلوا كما رأيتموني أصلي وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم وخالف أيضا ابن الماجشون والهادوية فمنعوهما في الحضر وأجازها الباقون (1/333)
صفحة 334
(احتج المخالفون ) بقوله تعالى ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ) الآية وبأنه (صلى الله عليه وسلم ) لم يفعلها إلا في سفر وبأنه (صلى الله عليه وسلم ) لم يصلها يوم الخندق وفاتت عليه العصر وقضاها بعد الغروب قالوا لو كانت جائزة في الحضر لفعلها (والجواب ) أما الآية فإنها في صلاة السفر مع الخوف و الأمن أما مع الخوف فمن نص الآية وأما مع الأمن فمن السنة صدقة تصدق بها علينا وأما فعله (صلى الله عليه وسلم ) إياها في السفر خاصة فموافقة حال لا تقيد ولا تخصص وأم تركه فعلها يوم الخندق فلأنها لم تتسرع يومئذ وإنما شرعت بعد ذلك ومنذ شرعت لم يخافوا في المدينة لأن الكفار لم يغزوا بعد الخندق (قوله جملة ) بضم الجيم وسكون الميم أي عدد لا يحضرني تفصيلهم لكثرتهم أو يطول المقام بتفصيلهم (قوله ذات الرقاع ) بكسر المهملة وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبه من غطفان قبل نجد فنزل (صلى الله عليه وسلم ) نخلا وهو مكان من المدينة على يومين وهو بواد يقال له شرخ بشين معجمة بعدها مهملة ساكنة ثم خاء معجمة وبذلك الوادي طوائف من قيس من بني فزارة وأنمار وأشجع واختلف في هذه الغزوة متى كانت فجزم أصحاب المغازي أنها كانت قبل خيبر وقال البخاري كانت بعد خيبر لأن أبا موسى جاء بعد خيبر أي وقد حضرها ثم اختلف أصحاب المغازي في زمانها فعند ابن إسحاق أنها بعد بني النظير وقبل الخندق سنة أربع قال ابن إسحاق أقام ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بعد غزوة بني النظير شهر ربيع وبعض جمادي يعني من سنته وغزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان حتى نزل نخلا وهي غزوة ذات الرقاع وعند ابن مسعود وابن حبان أنها كانت في المحرم سنة خمس وجزم أبو معشر بأنها كانت بعد بني قريظة والخندق وهو موافق لصنيع البخاري (واختلف أيضا ) في سبب تسميتها بذلك فقيل لأنهم رقعوا راياتهم وقيل لشجرة في ذلك في ذلك الموضع يقال لها ذات (1/334)
صفحة 335
الرقاع وقيل لأن الأرض التي نزلوا بها فيها بقع سود وبقع بيض كأنها مرقعة برقاع مختلفة وقيل لأن خيلهم كان بها سواد وبياض وقيل سميت بجبل هناك فيه بقع وقيل لوقوع صلاة الخوف فيها فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها وقيل لأنهم كانوا يلفون على أرجلهم الخرق لما نقبت أقدامهم من شدة المشي وصححه السهيلي لأن البخاري رواه عن أبي موسى الأشعري وكان ممن شهد الغزوة ( قوله وفي غيرها ) يعني غير ذات الرقاع فقد ذكر أنه (صلى الله عليه وسلم ) صلاها في عشرة مواطن وقال الخطابي صلاة الخوف أنواع صلاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أيام مختلفة وأشكال متباينة يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى وسرد ابن المنذر في صفتها ثمانية أوجه وكذا ابن حبان وزاد تاسعا وقال ابن حزم صح فيها أربعة عشر وجها وقال النووي يبلغ مجموع أنواعها ستة عشر وجها كلها جائزة وقال ابن العربي جاء فيها روايات كثيرة أصحها ست عشرة رواية مختلفة وزاد العرقي وجها آخر فصارت سبعة عشر وجها وقيل أصولها ست صفات وأن القائلين بأكثر من ذلك إنما عدوا اختلاف الرواة وجها ولم يذكر جابر رحمة الله تعالى منها إلا وجهين أخذهما عن جملة من الصحابة وكلاهما جائز ( أما الوجه الأول ) فهو قوله فقالت طائفة منهم صفت طائفة خلف النبي صلى الله عليه وسلم وطائفة واجهت العدو الخ وفي هذا الوجه يكون لكل واحدة من الطائفتين ركعتان وللإمام أيضا ركعتان وهذه الصفة رواها الجماعة إلا ابن ماجة ونسب القول بها إلى علي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وزيد بن ثابت وأبي موسى وسهل بن أبي حثمة وغيرهم ( وأما الوجه الثاني ) فهو قوله وقالت طائفة أخرى منهم صلى بالطائفة الأولى ركعة فانصرفت فواجهت العدو الخ وعلى هذا الوجه يكون لكل طائفة ركعة واحدة وللإمام ركعتان (قال الربيع ) قال أبو عبيدة على هذا القول الآخر العمل عندنا و هو قول ابن عباس (1/335)
صفحة 336
وابن مسعود وغيرهما من الصحابة وروى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) صلى بذي قرد فصف الناس خلفه صفين صفا خلفه وصفا موازي للعدو فصلى بالذين خلفه ركعة ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا ركعة (وروى أبو داود ) والنسائي عن ثعلبة بن زهدم قال كنا مع سعيد بن العاصي بطبرستان فقال أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقال حذيفة أنا فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا (وروى ) النسائي بإسناده عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل صلاة حذيفة كذا قال ( وعن ابن عباس رضي الله عنهما ) قال فرض الله الصلاة على نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي (فائدة ) صلاة الخوف عندنا في الحضر والسفر سواء لأن العلة المجوزة لها وهي الخوف حاصلة في الحالين والسنة أطلقت ولم تقيد وهي في المغرب أيضا كغيرها من الصلوات وإن وقع الإجماع على أنها لم تقصر فهو محمول على القصر في حال الأمن فإن الآمن لا يقصرها وإن سافر وأما حال الخوف والضرورة فهي كغيرها من الصلوات كما يتناولها قوله تعالى ( فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ) والمريض الذي لا يستطيع الصلاة إلا بالإيماء أو على جنبه فإنه يصلي كما قدر المغرب وغيرها على سواء والخوف مثل ذلك والمحذور تمكن العدو وهو في المغرب وغيرها سواء ( وأخرج البيهقي ) عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا صلى المغرب صلاة الخوف ليلة الهرير .
الباب الحادي والثلاثون
( في صلاة الخسوف ) (1/336)
صفحة 337
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال خسفت الشمس على عهد (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فصلى بنا ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) (والناس معه فقام قياما طويلا فقرأ نحو من سورة البقرة ثم ركع) ركوعا طويلا ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم سجد ثم قام قياما طويلا دون القيام الأول ثم سجد ثم انصرف وقد انجلت الشمس ثم قال أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل لا يخسفان لموت بشر ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله ( أبو عبيدة ) عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ولده إبراهيم عليه السلام فصلى بالناس فقام وأطال القيام قال الربيع وقد ذكرنا صلاته في حديث ابن عباس قال جابر قالت عائشة فلما انصرف من الصلاة خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت بشر ولا لحياته وإذا رأيتم ذلك فدعوا الله وكبروه وتضرعوا وتصدقوا ثم قال يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً قالت عائشة وأمرهم ( أن يتعوذوا من عذاب القبر ( قال الربيع ) وكان جابر ممن يثبت عذاب القبر ) (1/337)
صفحة 338
( قوله في الكسوف ) هو في اللغة التغير إلى سواد ومنه كسف وجهه وكسفة الشمس اسودت وذهب شعاعها والمشهور في استعمال الفقهاء إن الكسوف للشمس والخسوف للقمر وأختاره ثعلب وذكر الجوهري إنه أفصح وقيل يتعين ذلك وقيل بالكاف في الابتداء وبالخاء في الانتهاء وقيل بالكاف في ذهاب جميع الضوء وبالخاء لبعضه وقيل بالخاء لذهاب كل اللون وبالكاف لتغيره وروي عن عروة أنه قال لا تقولوا كسفت الشمس ولكن قولوا خسفي ( ورد ) بأن الأحاديث الصحيحة تخالفه ( قوله عن ابن عباس الخ ) قع في هذا الحديث سقط في بيان الركوع والقيام الأخير من الركعة الثانية ولم نجده في شيء من نسخ المسند التي في أيدينا فبيضنا له كما ترى ولفظ الحديث عند قومنا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال خسفت الشمس فصلى ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فقام قياماً طويلاً نحواً من سورة البقرة ثم ركع ركوعا ً طويلاً ثم رفع فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول ثم سجد ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلاً وهو دون الركوع الأول ثم رفع فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول ثم سجد ثم انصرف وقد تجلت الشمس فقال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت احد ولا لحياته إذا رأيتم ذلك فاذكروا الله رواه أحمد والبخاري ومسلم ( قوله خسفت الشمس ) يا لبناء للفاعل أي انخسفت ( قوله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي في زمانه وذلك في يوم مات ولده إبراهيم عليه السلام ( قوله فصلى بناء ) فيه أن ابن عباس كان من جملة المصلين مع ( النبي صلى الله عليه وسلم ) ( قوله والناس معه ) أي وصلى الناس معه جماعه (قوله قياماً طويلاً) أي فوق ما كانوا يعهدون من قيام الصلاة المتكررة في اليوم والليلة (قوله نحواً من سورة البقرة )أي قدر ذلك يعني أنه قرأ من القرآن قدر سورة (1/338)
صفحة 339
البقرة وأستنبط منه بعضهم أن القراءة فيها سراذ لو كانت جهراً لم يحنج إلى التقدير (ويرده )حديث عائشة عند الشيخين وغيرهما أنه (صلى الله عليه وسلم ) جهر في صلاة الخسوف بقراءته و أما تقدير ابن عباس فيحتمل أن القراءة كانت آيات متفرقة من سور متعددة فلو أنهم استنبطوا من الحديث جواز القراءة بآيات متفرقة لكان أمثل (قوله ثم قام ) أي قبل أن يسجد (قوله قياماً طويلاً) أي فوق المعهود لكنه دون القيام الأول وهل القراءة في هذا القيام بفاتحة الكتاب وما تيسر معها أم يكفي ما يتيسر لم أجد فيه نصاً والظاهر أنه لابد من فاتحة الكتاب لأنه قيام في صلاة فيفعل فيه وظيفة القيام ويحتمل أن يقال أنه قيام مستند إلى قيام قبله فهو جزؤ قيام لاقيام مستقل فلا تشترط فيه الفاتحة وكذا يقال في القيام الثاني من الركعة الثانية ( قوله ثم سجد ) أي سجدتين ولعله أراد أنه سجد بعدما ركع كما صرح به في الرواية المتقدمة عند الشيخين وأحمد وعلى ذلك فتكون صلاة كسوف أربع ركوعات في ركعتين لأنه فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الركعة الأولى إلا أنها أقصر قراءة وأفعالاً ويمكن أن ما رواه المصنف هيئه أخرى وهي ركعتان في كل ركعة قيامان كما صرح بذلك المحشي لكن هذه الهيئة لم أجدها عن ابن عباس في شيء من كتب الحديث ووقع عند مسلم من حديث جابر بلفظ ثم رفع فأطال ثم سجد قال النووي في رواية شاذة ( وتعقب ) بما رواه النسائي وابن خزيمه وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر وفيه ثم ركع فأطال حتى قيل لا يرفع ثم رفع فأطال حتى قيل لا يسجد ثم سجد فأطال حتى قيل لا يرفع ثم رفع فجلس فأطال الجلوس حتى قيل لا يسجد ثم سجد وصح الحديث ابن حجر ثم قال لم أقف في شيء من الطرق على تطوير الجلوس بين السجدتين إلا في هذا قال وقد نقل الغزالي الاتفاق على ترك إطالته قال فإن أراد الاتفاق المذهبي فلا كلام و إلا فهو محجوج بهذه الرواية ( وذكر المحشي ) إن رواية الوضع عن ابن عباس (1/339)
صفحة 340
أنه قال إنكسفت الشمس في عهد ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) في يوم مات ولده إبراهيم فصلى بالناس فقام قياماً طويلاً فقرأ نحواً من سورة البقرة فركع ركوعاً طويلاً ثم سجد ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول ثم سجد سجوداً طويلاً وهو دون السجود الأول ثم انصرف وقد انجلت الشمس فهذه الرواية تدل على أن صلاة الخسوف كغيرها إلا أنها أطول فهي كالركعتين في صلاة الفجر وهو المختار عند المحشي وصححه صاحب الإيضاح وبه قال أبو حنيفة والثوري والنخعي وحكاه النووي عن الكوفيين (وقال الجمهور ومالك ) والشافعي وأحمد وهو المختار عندي أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان وهي الصفة التي وردت بها الأحاديث الصحيحة ويحتملها لفظ رواية المصنف بل الظاهر أنه المراد منها كما يدل عليه قوله بعد حديث عائشة وقد ذكرنا صلاته في حديث ابن عباس فإنه روى قطعة من صدر حديث عائشة ثم أشار إلى تمامه بما تقدم في حديث ابن عباس وهذا منه يدل على أن روايتيهما متفقتان لفظا ومعنى وحديث عائشة عند الشيخين وأحمد يدل على ما قلناه ولفظ البخاري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها جهر ( النبي صلى الله عليه وسلم ) في صلاة الخسوف بقراءته فإذا فرغ من قراءته كبر فركع وإذا رفع من الركعة قال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات وقال الأوزاعي وغيره سمعت الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن الشمس خسفت على عهد (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فبعث مناديا بالصلاة جامعة فتقدم فصلى أربع ركعات في ركعتين وأرع سجدات وأخبرني عبد الرحمن بن نمر سمع ابن شهاب مثله قال الزهري فقلت ما صنع أخوك ذلك عبد الله بن الزبير ما صلى إلا ركعتين مثل الصبح إذا صلى بالمدينة قال أجل أنه أخطأ السنة تابعه سفيان بن حسين وسليمان بن كثير عن الزهري في الجهر (قوله ثم انصرف) أي من (1/340)
صفحة 341
صلاته يعني فرغ منها وأقبل على الناس يخطبهم ( قوله وقد انجلت الشمس ) أي انكشفت ما بها من خسوف ورد إليها ضوءها يعني أن فراغه من الصلاة وافق انجلاءها (قوله ثم قال ) أي في خطبته بعد الصلاة وفيه استحباب الخطبة بعد صلاة الكسوف وقال صاحب الهداية من الحنيفة ليس في الكسوف خطبة لأنه لم ينقل (وتعقب ) بأن الأحاديث وردة بذلك وهي ذات كثرة والمشهور عند المالكية أنه لا خطبة في الكسوف مع أن مالكا روى الحديث وفيه ذكر الخطبة (وأجاب بعضهم ) بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقصد لها الخطبة بخصوصها وإنما أراد أن يبين لهم الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس (وتعقب ) بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بها وحكاية شرائطها من الحمد والثناء وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث فلم يقتصر على الإعلام بسب الكسوف والأصل مشروعية الإتباع والخصائص لا تثبت إلا بدليل (قوله أن الشمس والقمر آيتان ) أي علامتان على وجود الصانع المختار ونفوذ أرادته وكمال قدرته واستنبط بعضهم من عطف القمر على الشمس أن الصلاة عند خسوفه مشروعة كما شرعة عند كسوفها وأن الحكم في ذلك واحد وعن الحسن البصري قال خسف القمر وابن عباس أمير على البصرة فخرج فصلى بنا ركعتين في كل ركعة ركعتين ثم ركب وقال إنما صليت كما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي رواه الشافعي في مسنده (وتعقب بأن الشافعي ) رواه عن شيخه إبراهيم ابن محمد وهو ضعيف ولا يحتج بمثله وقول الحسن صلى بنا لا يصح لأن الحسن لم يكن بالبصرة لما كان ابن عباس بها وقيل أن هذا من تدليساته وأن المراد من قوله صلى بنا أي صلى بأهل البصرة (قوله لموت بشر) إنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك لأن ابنه إبراهيم مات فقال الناس إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم وفي هذا الحديث أبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب قال الخطابي كانوا في الجاهلية يعتقدون الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر فأعلم النبي (1/341)
صفحة 342
صلى الله عليه وسلم أنه اعتقاد باطل وان الشمس والقمر خلقان مسخران لله تعالى ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة لهما على الدفع عن أنفسهما (قوله ولا لحياته ) هذا مبالغة في إنكار التأثير الذي زعمته الجاهلية فإن فيه دفعا لتوهم من يقول لا يلزم أن نفي كونه سببا للفقد أن لا يكون سببا للإيجاد فعم الشارع النفي لدفع هذا التوهم (قوله فاذكروا الله ) فيه الندب إلى الدعاء والذكر والاستغفار عند الكسوف لأنه مما يدفع الله تعالى به البلاء وجاء في حديث عن عائشة مرفوعا فإذا رأيتم ذلك فدعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا ومنهم من حمل الذكر والدعاء على الصلاة لكونها من أجزائها (وفيه نظر) لأنه قد جمع بين الذكر والدعاء وبين الصلاة في حديث عائشة المذكور (قوله يوم مات ولده إبراهيم عليه السلام ) وذلك في السنة العاشرة من الهجرة قيل في ربيع الأول وقيل في رمضان وقيل مات سنة تسع وجزم النووي بأن وفاته كانت سنة الحديبية (قوله وأطال القيام ) فيه أنه يشرع تطويل القيام في صلاة الكسوف في جميع أحوالها كما صرحت بذلك الأحاديث الصحيحة قال ابن بطال لا خوف أن الركعة الأولى بقيامها وركوعها تكون أطول من الركعة الثانية بقيامها وركوعها (قوله فحمد الله وأثنى عليه ) أي بما هو له أهل والحمد والثناء عليه تعالى من أركان الخطبة (قوله فادعوا الله ) أي اطلبوا منه كشف ذلك واسألوه أن يرحمكم (قوله وكبروه ) أي قولوا الله أكبر بألسنتكم واعتقدوا عظمته في قلوبكم (قوله وتضرعوا )أي تذللوا لعظمته واخضعوا لجلالته (قوله وتصدقوا ) أي اخرجوا شيئا من أموالكم صدقة على الفقراء تقربا إلى الله تعالى فإن الصدقة تطفىء غضب الرب قال أبو سفيان رحمه الله تعالى أصحاب الناس على عهد جابر بن زيد ظلمة وريح ورعد ففزعوا إلى المساجد فخرج أبو الشعثاء إلى بعض المساجد فجلس يذكر الله والناس في تضرع وضجة فلما انجلت أخذ الناس ينصرفون إلى أسواقهم ومنازلهم فدعا من كان قريبا (1/342)
صفحة 343
منهم فقال ما كنتم تظنون هذا لأمر خفنا أن تكون القيامة قامت قال وإنما طي الدنيا والإفضاء للآخرة قالوا نعم قال خفتم أمرا عظيما فحق عليكم أن تخافوه ثم قال أين تذهبون الآن قالوا إلى منازلنا قال لقد خفتم أمراً عظيما ففزعتم إلى الدعاء ولم جاء ما خفتم لم يغن عنكم ما كنتم فيه شيئا فالآن إذا رد الله عليكم دنياكم فاعملوا حين قبول العمل فأما ما كنتم فيه فلو كان الأمر كما خفتموه لم يغني عنكم دعاؤكم من الله شيئا (قوله يا أمة محمد ) إنما ناداهم بذلك ليكون باعثا لهم على الامتثال حيث ذكر نسبهم إلى نفسه ( قوله لو تعلمون ما أعلم ) وفي رواية قومنا والله لو تعلمون ما أعلم يعني من غضب الله تعالى وغفرانه أو من أهوال يوم الآخرة وعجائب شأنه (قوله لضحكتم قليلا ) أي زمانا قليلا أو مفعول وقيل القلة هنا بمعنى العدم (قوله ولبكيتم كثيرا ) أي من شدة خوفكم من تلك الأهوال وشفقتكم على أنفسكم (قوله وأمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر ) أي يلتجئوا إلى الله تعالى ويسألوه أن ينجيهم من عذاب القبر قال الربيع وكان جابر ممن يثبت عذاب القبر أي لهذا الحديث وغيره من الأحاديث الدالة على ذلك صريحا كما سيأتي بعضها في كتاب الجنائز ولا ينبغي لأحد أن يخالف في ذلك بعد صحة وروده من غير طريق حتى قيل أنه متواتر فالعدول عما صح في ذلك إلى محض الرأي عدول عن الجادة النيرة واعتراض على الشرع بخالص الوهم ولم ينقل الخلاف في هذا عن أحد مسمى من أئمة المذهب بل كل من سمي منهم في هذه المسئلة ينسب إليه القول بإثباته ويذكر الخلاف في المذهب ولم يسم قائله منهم وقد مال إليه بعض المتأخرين و المثبوت أعلم بالكتاب والسنة وأكمل في أحوال الاستنباط ولعلهم إنما ذكروا الخلاف كي لا يبرءوا ممن لم يثبته إذ لم تبلغ الأخبار في ذلك درجة القطع لأنها عندهم دون التواتر والله أعلم ( تنبيه ) لم يبوب المرتب رحمه الله تعالى للاستسقاء كما صنع غيره من أهل الحديث بل ذكر (1/343)
صفحة 344
حديث الاستسقاء الذي رواه المصنف بسنده عن أنس في باب الدعاء من كتاب الأذكار وكأنه أشار بذلك إلى انه لم يثبت عنده للاستسقاء صلاة بل دعاء فقط وهو قول أبي حنيفة والقول بمشروعيتها ينسب إلى جمهور العلماء من السلف والخلف وهو المذهب عندنا ويدل على ذلك الأحاديث الكثيرة ذكرها أهل الحديث في كتبهم فروى أحمد وابن ماجة عن أبي هريرة قال خرج ( النبي صلى الله عليه وسلم ) يوما يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ودعا الله عز وجل وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن وروى أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن زيد قال رأيت ( النبي صلى الله عليه وسلم ) خرج يستسقي قال فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة وفي الباب أحاديث أخر يدل بعضها على أن الخطبة قبل الصلاة
وبعضها بعد الصلاة وكأنها وقائع متعددة في أحوال مختلفة فتقديمها وتأخيرها كلاهما جائز وينبغي مراعاة الأنسب بالمقام والله أعلم .
الباب الثاني والثلاثون
( في سبحة الضحى و تبردة الصلاة )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت ما سبح ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) سبحة الضحى قط (وإني لأسبحها ) وإن كان ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ليدع العمل وهو يحب أن يعمل خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم ( أبو عبيدة ) عن جابر بن زيد قال بلغني عن أم هاني بنت أبي طالب (قالت صلى ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) في بيتي صلاة الضحى ) (ثمان ركعات ملتحفا في ثوب واحد ) (1/344)
صفحة 345
( قوله في سبحة الضحى و تبردة الصلاة ) أما السبحة بضم المهملة فهي التطوع من الذكر والصلاة يقال قضيت سبحتي أي تطوعي وسبحة الضحى الصلاة التي تصلي حين ترتفع الشمس قيد رمح إلى نصف النهار ( وأما تبردة) الصلاة فالله أعلم بمعناها وكأنه أراد بها ما يفعل من رواتب الصلاة في اليوم والليلة فإنه ذكرها في الباب بعد سبحة الضحى فهو على هذا مأخوذ من قولهم برد له عليه كذا أي وجب وثبت ويقال له عليه ألف بارد أي ثابت ويقال أيضا سموم بارد أي ثابت لا يزول ( واختلف الناس ) في مشروعية سبحة الضحى إلى ستة مذاهب (الأولى ) أنها سنة واستدلوا بالأحاديث الواردة في فضلها منها حديث أم هاني في الباب وحديث عائشة عن أحمد ومسلم وابن ماجة قالت كان (النبي صلى الله عليه وسلم ) يصلي الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء الله ومنها صلاته (صلى الله عليه وسلم ) في بيت عتبان بن مالك ومنها حديث أبي هريرة قال أوصاني خليلي (صلى الله عليه وسلم ) بثلاث بصيام ثلاثة أيام في كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام رواه البخاري ومسلم وأحمد وفي لفظ لأحمد ومسلم وركعتي الضحى كل يوم وعن زيد بن أرقم قال خرج ( النبي صلى الله عليه وسلم ) على أهل قباء وهم يصلون الضحى فقال صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى رواه أحمد ومسلم في أمثالها من الأحاديث (المذهب الثاني )لا تشرع إلا لسبب واحتجوا بأنه (صلى الله عليه وسلم ) لم يفعلها إلا لسبب فاتفق وقوعه وقت الضحى وتعددت الأسباب فحديث أم هاني في صلاته يوم الفتح كان لسبب الفتح وأن سنة الفتح أن يصلي عنده ثمان ركعات قيل وكان الأمراء يسمونها صلاة الفتح وصلاته عند القدوم من مغيبة كما في حديث عائشة كانت لسبب القدوم فإنه (صلى الله عليه وسلم ) كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين وصلاته في بيت عتبان بن مالك كانت لسبب وهو تعليم عتبان إلى أن يصلي في بيته (النبي صلى الله عليه وسلم ) لما سأل ذلك وأما (1/345)
صفحة 346
أحاديث الترغيب فيها والوصية بها فلا تدل على أنها سنة راتبة لكل أحد ولهذا خص بذلك أبا هريرة ونحوه ولم يوص بذلك أكابر الصحابة (المذهب الثالث ) لا تستحب أصلا (والمذهب الرابع ) يستحب فعلها تارة وتركها أخرى ( والمذهب الخامس ) تستحب صلاتها والمحافظة عليها في البيوت (والمذهب السادس ) أنها بدعه روي ذلك عن ابن عمر وإليه ذهب الهادي والقاسم وأبو طالب ورد بأن الأحاديث بأن الأحاديث في إثباتها قد بلغت مبلغا لا يقصر البعض منه عن اقتضاء الاستحباب وقد جمع الحاكم الأحاديث في إثباتها في جزء مفرد عن نحو عشرين نفسا من الصحابة (قوله ما سبح ) بالتشديد أي ما صلى سبحة الضحى ولفظ الحديث عند قومنا ما رأيت (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يصلي سبحة الضحى قط وإني لأسبحها رواه البخاري ومسلم وأحمد وروى أحمد وسلم وابن ماجة عن عائشة قالت كان ( النبي صلى الله عليه وسلم ) يصلي الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء الله وروى مسلم أن عائشة سئلت هل كان (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يصلي الضحى قالت لا إلا أن يجيء من مغيبه وجمع بين هذه الروايات بأن قولها كان يصلى الضحى أربعا لا يدل على المداومة بل على مجرد الوقوع ولا يستلزم هذا الإثبات أنها رأته يصلي لجواز أن تكون روت ذلك من طريق غيرها وقولها ألا أن يجيء من مغيبه يفيد تقييد ذلك المطلق بوقت المجيء من السفر وقولها ما رأيته يصلي سبحة الضحى نفي للرؤية ولا يستلزم أن لا يثبت لها ذلك بالرواية أو نفي لما عدا الفعل المقيد بوقت القدوم من السفر وهذا التوجيه أنسب برواية المصنف والذي قبله لا يتأتى بالنظر إلى رواية المصنف فإنها نفت الفعل رأسا لا الرؤية فقط وغاية الأمر أنها أخبرت عما بلغ إليها علمه وغيرها من أكابر الصاحبة أخبر بما يدل على المداومة وتأكد المشروعية ومن علم حجة على من يعلم لا سيما وذلك الوقت الذي تفعل فيه ليس من الأوقات التي تعتاد فيها الخلوة بالنساء على أن عائشة رضي (1/346)
صفحة 347
الله علنها قد علمت استحبابها ولهذا قالت إني لأسبحها وقد علمت أن ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) إنما تركها لا لكونها غير مشروعة لكن خشية أن تفرض على الناس ( قوله وإني لأسبحها ) أي لأصليها مأخوذة من قوله تعالى ( فسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وأدبار النجوم ) فهذا القول عن عائشة رضي الله عنها يدل على أنها قد علمت مشروعيتها واستحبابها ولذا كانت تسبحها وروي أيضا عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يصلونها منهم أبو سعيد الخدري روى ذلك عنه سعيد بن منصور وأحمد بن حنبل ومنهم أبو ذر روى ذلك عنه ابن أبي شيبة وعبد الله بن غالب وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن أن سأل هل كان أصحاب (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يصلونها فقال نعم كان منهم من يصلي ركعتين ومنهم من يصلي أربعا ومنهم من يمد إلى نصف النهار وأخرج سعيد بن منصور أيضا في سننه عن ابن عباس أنه قال طلبت صلاة الضحى في القرآن فوجدتها هاهنا (يسبحن بالعشي و الإشراق) وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي في الإيمان من وجه آخر عن ابن عباس أنه قال أن صلاة الضحى لفي القرآن وما يغوص عليها الأغواص في قوله تعالى ( في بيوت أذن الله فيها ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ) (قوله وإن كان ) أي وإنه كان فهي مخففة من الثقيلة وقوله ليدع أي يترك هو الخبر واللام فيه للفرق بين المخففة والنافية والمراد بالعمل ما كان من عمل الطاعات (قوله خشية أن يعمل به الناس ) أي يستمروا على العمل به والمواظبة عليه فيترتب على ذلك افتراضه فتركه (صلى الله عليه وسلم ) شفقة على أمته من عبأ التكاليف ومن ذلك تركه الجماعة في قيام رمضان وفي الحديث إشارة إلى أن الافتراض قد يترتب على الاستمرار في فعل الشيء وذلك في زمان النبوءة ولعل السر في ذلك أن الحق جل وعلا ينظر إليهم على حال مواظبتهم بنظر الرحمة فيحب ذلك منهم فيكلفهم فعله (والنبي صلى الله عليه وسلم ) يخشى أن لا يقوموا (1/347)
صفحة 348
بالواجب بعد افتراضه فيطلب لهم التخفيف والله أعلم (قوله عن أم هاني بنت أبي طالب ) واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب فهي ابنة عم (النبي صلى الله عليه وسلم ) وأخت علي بن أبي طالب أمها فاطمة بنت أسد واختلف في اسمها فقيل هند وقيل فاطمة وقيل فاختة كانت تحت هبيرة بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم المخزومي أسلمت عام فتح (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) مكة هرب هبيرة إلى نجران وكانت قد ولدت له عمرا وبه كان يكنى هبيرة وهانئا ويوسف وجعدة وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال ما أخبرني أحد أنه رأى (النبي صلى الله عليه وسلم ) يصلي الضحى إلا أم هاني فإنها حدثت أن ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل فسبح ثماني ركعات ما رأيته صلى صلاة أخف منها غير أنه كان يتم الركوع والسجود (قوله صلاة الضحى ) هذا تصريح بأن الذي فعله (صلى الله عليه وسلم ) هو صلاة الضحى لا صلاة الفتح كما زعمه من أنكر مشروعيتها (قوله ثماني ركعات ) زاد ابن خزيمة من طريق كريب عن أم هاني يسلم من كل ركعتين وزادهما أيضا أبو داود وفي ذلك رد على من قال أن صلاة الضحى موصولة سواء كانت ثمان ركعات أو أقل أو أكثر ( قوله متلحفا في ثوب واحد ) فيه دليل على جواز الصلاة في الثوب الواحد ويمكن أن يقال لا دليل فيه لأنها ذكرت الالتحاف فيمكن أن يكون قد اتزر بغيره واستدل به المحشي على أنه (صلى الله عليه وسلم ) دخل مكة محرما ولا دليل فيه أيضا على ذلك لأنه لا يلزم من الالتحاف بالثوب الواحد ثبوت الإحرام والراجح كما سيأتي أنه دخلها يومئذ غير محرم لأنها أحلت له ساعة من النهار .
ما جاء (1/348)
صفحة 349
(في التطوع قبل الفريضة وبعدها وفي قيام الليل )أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أنه قال كان (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين وبعد صلاة العشاء ركعتين وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى (ينصرف الناس ويصلي ركعتين ) لكن له حظ من الليل يصلي فيها ما شاء الله (أبو عبيدة ) عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت كان (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يصلي بالليل ثلاث عشر ركعة ثم (يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين ) (1/349)
صفحة 350
(قوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قبل الظهر ركعتين الخ ) والحديث عند قومنا عن ابن عمر قال حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الغداة كانت ساعة لا أدخل على ( النبي صلى الله عليه وسلم ) فيها فحدثتني حفصة أنه كان إذا طلع الفجر وأذن المؤذن صلى ركعتين رواه أحمد والبخاري ومسلم وعن عبد الله بن شقيق قال سألت عائشة عن صلاة (النبي صلى الله عليه وسلم ) فقالت كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين وبعد العشاء ركعتين وقبل الفجر اثنتين رواه الترمذي وصححه وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود معناه لكن ذكروا فيه قبل الظهر أربعا قال الداودي وقع في حديث ابن عمر أن قبل صلاة الظهر ركعتين وفي حديث عائشة أربع وهو محمول على أن كل واحد منهما وصف ما رآى قال ويحتمل أن ينسي ابن عمر ركعتين من الأربع وهذا الاحتمال بعيدا لأن ابن عمر لم ينفرد بذلك فقد رواه أيضا أبو سعيد كما في رواية المصنف وروته أيضا عائشة كما أخرجه الترمذي وصححه فالأولى أن يحمل على حالين فكان تارة يصلي اثنتين وتارة يصلي أربعا وقيل هو محمول على أنه كان يقتصر على ركعتين وفي بيته يصلي أربعا وبهذا الوجه يجمع أيضا بين هذه الروايات وبين رواية أبي أيوب الآتي ذكرها آخر الباب أنه كان يصلي قبل الظهر أربعا لأنه (صلى الله عليه وسلم ) نزل أول مقدمة في بيت أبي أيوب فهو أعرف بحاله هناك والله أعلم (قوله وبعد صلاة العشاء ركعتين ) يعني غير الوتر فإنه صلى الله عليه وسلم كان يؤخر الوتر حتى يصليه بعد قيام الليل وقد نهى عن وترين في ليلة (قوله حتى ينصرف الناس ) يعني من مواضع صفوفهم وفي هذا التأخير معنيان أحدهما الإشارة إلى تأكيد التطوع بعد الجمة فإنه لو كان مؤكدا لما أمهلهم حتى ينصرفوا والمعنى الثاني يقتضية ظاهر اللفظ فإنه يدل على أنه صلاهما في المسجد (1/350)
صفحة 351
وقد اختلف الناس في الأفضل من ذلك فقيل الأفضل صلاتها في البيت وقيل في المسجد كما يقتضيه ظاهر رواية المصنف وروى الجماعة عن ابن عمر أن (النبي صلى الله عليه وسلم ) كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته ولعله كان يفعل هذا مرة وهذا مرة (قوله ويصلي ركعتين ) استدل به على أن سنة الجمعة ركعتان وممن فعل ذلك عمر أن بن حصين وقد حكاه الترمذي عن الشافعي وأحمد وكان ابن مسعود والنخعي وأصحاب الرأي يرون أن يصلي بعدها أربع لحديث أبي هريرة أن (النبي صلى الله عليه وسلم ) قال إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات رواه الجماعة إلا البخاري وعن علي وأبي موسى وعطاء ومجاهد وحميد بن عبد الرحمن والثوري أنه يصلي ستا وقد اختلف في الأربع الركعات هل تكون متصلة لا يسلم إلا في أخرها أو يفصل بين كل ركعتين بتسليم ذهب إلى الأول أهل الرأي وإسحاق بن راهويه وهو ظاهر حديث أبي هريرة وذهب إلى الثاني الشافعي والجمهور من قومنا على ما قال العراقي قال المأزري وابن العربي أن أمره (صلى الله عليه وسلم ) لمن يصلي بعد الجمعة بأربع لئلا يخطر على بال جاهل أنه صلى ركعتين لتكملة الجمعة أو لئلا يتطرق أهل البدع إلى صلاتها ظهرا أربعا (قوله حظ ) أي نصيب وافر من الليل يصلي فيه ما شاء وقد أجمل أبو سعيد صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل في هذا الحديث لكن بينتها رواية عائشة بعد هذا الحديث أنها ثلاث عشر ركعة وركعتا الفجر وكذلك حديث ابن عباس الآتي في باب الإمامة في النوافل فإنه ذكر أنه (صلى الله عليه وسلم ) صلى اثنتي عشرة ركعة ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاء المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين وإنما اختار (صلى الله عليه وسلم ) قيام الليل أما لأنه واجب عليه في الجملة فيكون ثواب قيامه ثواب الواجبات و أما لأن الصلاة في ذلك الوقت أفضل على الإطلاق كما في حديث أبي هريرة قال سئل ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الصلاة أفضل بعد المكتوبة قال الصلاة في جوف (1/351)
صفحة 352
الليل (قوله ثلاث عشرة ركعة ) يعني بالوتر وجعلها في الإيضاح كلها وترا ويرده حديث ابن عباس الآتي في الباب الذي يليه فإن صرح به بأنه أوتر بركعة فالإثنتا عشرة قيام الليل والثالثة عشر وتر (قوله النداء )يعني الأذان وفيه إشارة إلى أن وقت سنة الفجر لا قبله خلاف للمرخصين في صلاتها قبل ذلك (قوله ركعتين ) وفي رواية عن قومنا عن عائشة قالت لم يكن (النبي صلى الله عليه وسلم ) على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر رواه أحمد و البخاري ومسلم ( قوله خفيفتين ) أي لا يطيل قيامها ولا سجودها بل يختصر في ذلك كله قال ابن عمر رمقت (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) شهرا فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر (قل يا أيها الكافرون . وقل هو الله أحد ) رواه الخمسة إلا النسائي .
ما جاء
( في التطوع على الراحلة ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبن عمر قال كان (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يصلي على راحلته في السفر حيث ما توجهت به راحلته (قال الربيع) وذلك في النوافل. (1/352)
صفحة 353
(قوله يصلي على راحلته في السفر) قال الربيع وذلك في النوافل زاد في رواية الإيضاح وإذا أراد أن يصلي الفريضة نزل وفي البخاري قال أبن عمرو كان(رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجهة ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة وإنما خصت النوافل لذلك لأنها ليست بواجبة في نفسها فلا يجب فيها مراعاة شرائط الفرض ولهذا جاز أن تصلي قعودا مع القدرة على القيام وأما الفرض فلا يجوز فيه ذلك إلا عند الضرورة من خوف أو مرض فأما الخوف فلقوله تعالى(فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) وأما المرض فلقوله تعالى ( فأتقوا الله ما استطعتم ) وصلاته (صلى الله عليه وسلم ) تطوعا على الراحلة كانت في سنة ثلاث من الهجرة في غزوة غطفان وكانت قبلته نحو المشرق وكانت هذه الغزوة في ربيع الأول لأثنتي عشرة ليلية مضت منه على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة (قوله حيث ما توجهت به) يعني توجهت إلى القبلة أو إلى غيرها ففي الحديث شيئان أحدهما عدم التزام القيام في النوافل والثاني عدم التزام الاستقبال وذكر في القواعد وغيره من كتب الأصحاب إنه يستقبل القبلة بوجهه عند الإحرام ثم لا يضره انحراف الدابة عن القبلة وهذا إن كان على جهة الاستحباب فالله أعلم به وإن كان على جهة الإلزام فظاهر الأحاديث يخالفه فإن لم ينقل إنه صلى الله عليه وسلم بوجهه ولو وقع لنقل لأنهم لا يتساهلون في نقل الشريعة.
ما جاء
(في تحية المسجد) أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس) (1/353)
صفحة 354
(قوله إذا دخل أحدكم المسجد) الحديث رواه الجماعة عن أبي قتادة قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ورواه أيضا الأثرم في سننه ولفظه أعطوا المساجد حقها قالوا وما حقها قال أن تصلوا ركعتين قبل أن تجلسوا (قوله فليركع ركعتين) هما تحية المسجد فهي سنة عندنا وعند الجمهور من قومنا وقال النووي أن أجماع المسلمين قال وحكي القاضي عياض عن داود وأصحابه وجوبها قال أبن حجر والذي صرح به ابن حزم عدمه قال واتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب وقال غيره من جملة أدلة الجمهور على عدم الوجوب ما أخرجه أبن أبي شيبة عن زيد ابن أسلم قال كان أصحاب (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون وقوله صلى الله عليه وسلم للذي جاء يسأل عن الإسلام خمس صلوات في اليوم والليلة قال هل غيرها قال لا إلا أن تطوع وقوله صلى الله عليه وسلم للذي رأه يتخطى رقاب الناس أجلس فقد آذيت ولم يأمره بصلاه ( قوله قبل أن يجلس) فيها أنها تفوت بالجلوس فلو جلس ثم صلى لم يعد ممتثلا وليس له ثواب التحية وإنما له ثواب تنفله فإن وافق المكتوبة أجزته عن التحية وإن منع عنها فقيل أستحب له أن يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أربع مرات فيقال أنها تعدل ركعتين في الفضل.
ما جاء
(في سنة الزوال) قال الربيع عن أبي أيوب الأنصاري أنه كان يصلي قبل الظهر أربعا فقيل له ما هذه الصلاة فقال رأيت (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يصليها فسألته فقال (أنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء فأحب أن يرفع لي فيها عمل صالح. (1/354)
صفحة 355
(قوله رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يصليها عني في بعض الأحوال لما تقدم من حديث أبي سعيد وغير أنه كان يصلي قبل الظهر ركعتين ويحتمل أن الأربع كان يصليهن في بيته والركعتين في المسجد وهذه الأربع هي التي تعرف عندنا بسنة الزوال قال أنس كان (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يصلي صلاة الزوال أربع ركعات حين تزول الشمس يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين وتارة كان يجعل التسليم في آخرها وكان يطيل فيهن القراءة فيقرأ سورتين من الطوال أو من المتين وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ فيهن بسورة ق ونحوها ( قوله أنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء ) أي لترفع فيها أعمال الصالحين وتنزل فيها الرحمة أو تفتح لما شاء من اتفاذ الأوام السماوية وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء فلا يغلق منها باب حتى يصلي الظهر وما من شيء إلا وهو يسبح في تلك الساعة غير الشياطين وأغبياء بني آدم ثم يقرأ ( أو لم يروا إلى ماخلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون )
الباب الثالث والثلاثون
(الإمامة في النوافل )
(قوله الإمامة في النوافل ) إنما ترجم له إشارة إلى الرد على من منع الجماعة فيها من قومنا وقد جاءت الأحاديث الصحاح بوقوع ذلك فلا وجه للمنع وقد أخرج المصنف منها ثلاثة أحاديث حديث أنس عند جدته ملكية وحديث ابن عباس عند خالته ميمونة وحديث عائشة في قيام رمضان وعن عتبان بن مالك أنه قال يا رسول الله أن السيول لتحول بيتي وبين قومي فأحب أن تأتيني فتصلي في مكان من بيتي أتخذه مسجدا فقال سنفعل فلما دخل قال أين تريد فأشرت له إلى ناحية من البيت فقام (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فصففنا خلفه فصلى بنا ركعتين رواه الشيخان وأحمد .
ما جاء (1/355)
صفحة 356
أن المرأة تصف وحدها خلف الجماعة (أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ؟أنس بن مالك قال كانت جدتي ملكية صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فأكل ثم قال قوموا أصلي بكم قال أنس فقمت إلى حصير لنا قد إسود من طول ما لبس فنظخته بماء فتقدم (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فصففت أنا والشيخ وراءه والعجوز (وراءنا فصلى بنا ركعتين ثم انصرف )
(قوله جدتي ملكية ) بصيغة التصغير قيل أنها أم سليم وقيل لأنها أم حرام قال إبن الأثير ولا يصح ذلك والإختلاف في أم سليم كثير (قلت ) لكن تقدم أن أم سليم هي أم أنس لا جدته قال ابن الأثير ولم تكن لأنس جده من أبيه ولا من أمه مسلمة حتى يحمل عليها (قلت ) لكن كلام أنس في الحديث يدل على أنه جدته وأنها كانت مسلمة ويمكن أن يريد بها امرأة أخرى من الأنصار سماها جدة مجازا لما كان بينهما من الخلطة والشفقة حتى كأنها جدته وهذا معروف عند العرب لكن الحقيقة أظهر (قوله صنعت ) أي عملت( قوله لرسول الله ) أي قصدته ودعته إليه ( قوله طعاما ) لم أجد بيان هذا الطعام ما هو ( قوله فأكل ) إنما قدم الأكل هاهنا لأن مجيئه (صلى الله عليه وسلم ) كان لذلك لا يصلي بهم كما في قصة عتبان بن مالك المتقدمة فإنه إنما دعاه ليصلي له في مكان يتخذه مصلى وهذا هو السر في ابتدائه في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام وهنا بالطعام قبل الصلاة فبدأ في كل منهما بأصل ما دعي لأجله (قوله ثم قوموا أصلي بكم ) استدل بها على ترك الوضوء مما مست النار لأنه صلى الله عليه وسلم صلى بعد الطعام ( واعترض ) بما رواه الدار القطني في غرائب مالك ولفظه صنعت مليكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فأكل منه وأنا معه ثم دعا بوضوء فتوضأ الحديث والصحيح لا يجب الوضوء مما مست النار لما تقدم وهذا الحديث أن صح فيحتمل أنه إنما توضأ لكونه على غير وضوء قبل ذلك أو المراد الوضوء اللغوي وهو النظافة فالمعنى أنه غسل يديه وفاه والله أعلم ( قوله قد (1/356)
صفحة 357
أسود ) أي تغير لونه إلى السواد (قوله من طول ما لبس ) أي استعمل وفيه أن الإفتراش الحرير لعموم النهي عن لبس الحرير (واعترض ) أن من حلف لا يلبس حريرا فإنه لا يحنث بالإفتراش (وأجيب) بأن مبنى الإيمان على العرف ومسألة افتراش الحرير فيها خلاف ولعل من أجار ذلك جعل اللبس في هذا الحديث مجازا عن الإفتراش لا حقيقة فيه وهو الظاهر (قوله فنضحته) يحتمل أن يكون النضح لتليين الحصير أو لتنظيفه أو لتطهيره وهذا الأخير هو الذي يقتضيه كلام الإيضاح فإن ظاهره أن النضح إنما هو لأجل الشك في نجاسته (واعترض ) بأن المتبادر غيره لأن الأصل الطهارة واستدل المحشي بالحديث على أن الصلاة في الحصير أفضل (قوله فصففت أنا والشيخ وراءه ) أي وقفنا وراءه صافين بعضنا مع بعض والشيخ هو ضميرة بن أبي ضميرة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم له ولأبيه ضميرة صحبة وهو جد حسين بن عبد الله بن أبي ضميرة واختلف في اسم أبي ضميرة فقيل روح وقيل غير ذلك وسماه شيخا نظرا إلى الحال الذي هو عليه عند الأخبار ووقع عند غير المصنف مكان الشيخ اليتيم وذلك بالنظر إلى الحال الذي كان عليه عند الصلاة قال ابن الأثير روى ابن أبي ذئب عن حسين بن عبد الله بن أبي ضميرة عن أبيه عن جده ضميرة أن (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) مر بأم ضميرة وهي تبكي فقال ما يبكيك أجائعة أنت أعارية أنت فقالت يا رسول الله فرق بيني وبين ولدي فقال (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) لا يفرق بين والدة وولدها ثم أرسل إلى الذي عنده ضميرة فدعاه وأتباعه منه ببكرة قال ابن أبي ذئب ثم أقرأني كتابا عندهم من النبي صلى الله عليه وسلم (بسم الله الرحمن الرحيم ) هذا كتاب لبني ضميرة (من محمد رسول الله ) لبني ضميرة وأهل بيته أن (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أعتقهم وأنهم أهل بيت من العرب أن أحبوا أقاموا عند (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وأن أحبوا رجعوا إلى أهلهم لا تعرض لهم إلا بحق من لقيهم من (1/357)
صفحة 358
المسلمين فليستوص بهم خيرا وكتب أبي بن كعب (قوله والعجوز ) هي مليكة المذكورة أولا (قوله ثم انصرف ) أي إلى بيته من الصلاة وفي هذا الحديث من الفوائد إجابة الدعوة ولم تكن عرسا ولو كان الداعي امرأة لكن حيث تؤمن الفتنة والأكل من طعام الدعوة وصلاة النافلة جماعة وتنظيف مكان المصلي وقيام الصبي مع الرجل صفا وتأخير النساء عن صفوف الرجال وقيام المرأة صفا وحدها إذا لم يكن معها امرأة غيرها واستدل به على جواز صلاة المنفرد خلف صف وحده ولا حجة في ذلك لأنها امرأة مأمورة بالعزلة والرجل مأمور بالاصطفاف مع الرجل وفيه والاقتصار في نافلة النهار على ركعتين خلافا لمن اشترط أربعا وفيه صحة صلاة الصبي المميز ووضوءه وصلاة النافلة في الجماعة وإنما محل الفضل الوارد في صلاة النافلة منفردا حيث لا يكون هناك مصلحة كالتعليم بل يمكن أن يقال وإذ ذاك أفضل ولا سيما في حقه (صلى الله عليه وسلم ) واستدل في الإيضاح بهذا الحديث على ثلاثة أشياء أحدهما الاجتزاء بالنضح على اليد بعد الاستنجاء والثاني زوال النجاسة بالنضح في بعض المواطن كزوالها بالغسيل والثالث في بيان مقام المأموم خلف الامام وان المرأة تقف خلف الامام وانه لا صف على النساء ذكر ذلك في أبواب متفرقة .
ما جاء (1/358)
صفحة 359
( في موقع المنفرد مع الامام وفي قيام رمضان ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال اخبرني انه بات عند ميمونة زوج(رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وهي خالته قال ابن عباس فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وأهله في طولها فنام (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل فاستيقظ وجعل يمسح النوم بيده عن وجهه ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران ثم قام إلى شن معلق فتوضأ منه فأحسن وضوءه ثم قام يصلي فقمت وصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه فوضع (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني يفتلها ثم صلى اثنتى عشر ركعة ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاء المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح ثم قال لي ابن عباس كذلك فافعل يا جابر وثن في رمضان ( قال الربيع ) الشن القربة البالية ( أبو عبيدة ) عن جابر ( ابن زيد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ) ( قالت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فصلى بصلاته ناس كثير ) ثم صلى الليلة الثانية فكثر الناس ثم تجمع في الليلة الثالثة والرابعة فلم يخرج إليهم ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فلما أصبح قال قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن يفرض عليكم وذلك في رمضان ( أبو عبيدة ) عن جابر بن زيد قال سألت عائشة كم يصلى (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) في رمضان قالت ما كان (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يزيد في رمضان على ثلاثة عشرة ركعة ثم قالت قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتنام قبل أن توتر فقال يا عائشة أن عيني ينامان ولا ينام قلبي . (1/359)
صفحة 360
(قوله قال أخبرني ) أي قال جابر أخبرني ابن عباس وقد تقدم ذكر ميمونة وأنها خالة ابن عباس وخالة خالد بن الوليد أيضا ( قوله فاضطجعت ) أي نمت مضطجعا وعرض الوسادة بفتح العين المهملة وسكون الراء خلاف الطول والوسادة بالكسر المخدة والوساد بغير هاء كل ما يتوسد به من قماش وتراب وغير ذلك (قوله يمسح النوم) أي أثره (قوله فقرأ ) فيه جواز القراءة لغير المتوضيء (قوله العشر الآيات ) وأولهن قوله تعالى ( أن في خلق السموات والأرض ) كما جاء مصرحا به في رواية عند قومنا (قوله شن ) بفتح المعجمة وتشديد النون قال الربيع هو القربة البالية (قوله معلق ) بصيغة التذكير لأنها بمعنى الوعاء قال ابن حجر ورد أيضا بلفظ المعلقة (قوله فأحسن الوضوء ) أي جاء به على وفق ما أمر ( قوله وصنعت مثل ما صنع ) يعني من مسح النوم وتلاوة الآيات والوضوء من الشن على وفق الأمر (قوله إلى جنبه ) أي من الجهة اليسرى ورواية البخاري ثم جئت فقمت عن يساره وربما قال سفيان عن شمالي فحولني فجعلني عن يمينه ثم صلى ما شاء الله ( قوله يفتلها ) بفتح أوله وكسر التاء من باب ضرب أي يلويها والمعنى أنه حوله من يساره إلى يمينه فصار ذلك سنة في مقام المنفرد عند الإمام فلو قام عن يساره حتى صلى صلاته قيل أعاد صلاته وكذلك قيل لو قام خلفه يعيد صلاته لأنه ارتكب النهي في الموضعين واستدل البخاري بالحديث على أنه إذا قام الرجل عن يسار الإمام وحوله الإمام خلفه إلى يمينه تمت صلاته وفي موضع آخر لم تفسد صلاتها قال ابن حجر وجه الدليل أنه (صلى الله عليه وسلم ) لم يبطل صلاة ابن عباس مع كونه وقف عن يساره أولا قال وعن أحمد تبطل لأنه (صلى الله عليه وسلم ) لم يقره على ذلك قال والأول قول الجمهور بل قال سعيد بن المسيب أن موقف المأموم الواحد يكون عن يسار الإمام ولم يتابع على ذلك (قلت ) والسنة تخالفه وأنت خبير أن هذا التحويل إنما وقع في صلاة الليل وهي نافلة فلا يصح أن يقاس (1/360)
صفحة 361
عليها الفرض لأن التوسع في النافلة مشروع كالصلاة على الراحلة حال الأمن وكالصلاة قاعدا حال القدرة وهذا لا يصح في الفرض فإن أراد البخاري ثبوت الحكم في الفرض فمردود لثبوت الفرق وأن أراد ثبوته في النفل فلم يزد على نص الحديث ( قوله إثنتي عشرة ركعة ) أي يسلم بعد كل ركعتين (قوله ثم أوتر ) يعني بواحدة قال المحشي وفيه دليل على ما ذهب إليه أصحابنا من أن الوتر واحدة بشرط أن يتقدمها شفع والله أعلم (قلت ) هو قول لبعض أصحابنا لا لجميعهم والله أعلم (قوله ثم اضطجع ) أي جعل جنبه على الأرض ليستريح من نصب القيام حتى يقوم إلى الفرض بنشاط وفي رواية البخاري ثم اضطجع فنام حتى نفخ (قوله ركعتين خفيفتين ) هما سنة الفجر وفي قوله ثم خرج دليل على أنه صلاهما في البيت وإنما خففتا لكونهما بعد صلاة الليل التي يسن تطويلها فاقتضت الحكمة الاستراحة بالإضطجاع والتخفيف حتى ترجع القوة عند أداء الفرض ( قوله فصلى الصبح ) أي صلاة الصبح وهي صلاة الفجر (قوله كذلك ففعل يا جابر ) أي مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من القيام والصلاة إلى آخر ما فعل ( قوله وثن )بفتح المثلثة وكسر النون المشددة أمر من ثنى إذا فعل اثنين متماثلين ومنه الأذان مثنى ثنى والمعنى إذا كان رمضان فزد فوق الركعتين ركعتين حتى يحصل من الجميع أربع وعشرون ركعة من غير الوتر وهذا من ابن عباس رضي الله عنهما أما نقل أو استحسان والظاهر الثاني لأنه لو كان نقلا لصرح به كما صرح بما قبله على أنه لم يرد في قيام رمضان حد محدود وإنما ورد الترغيب في قيام جملة ولم يرد فيها عدد الركعات ففعل كل قوم ما أمكنهم من ذلك ولمالك في الموطا عن يزيد بن رومان قال كان الناس في زمن عمر يقومون في رمضان بثلاث وعشرون ركعة وفي الموطا أيضا عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنها إحدى عشرة وروى محمد بن نصر عن محمد بن يوسف أنها إحدى وعشرون ركعة وروى محمد بن نصر من طريق عطاء قال (1/361)
صفحة 362
أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة وثلاث ركعات الوتر قال ابن حجر والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها فحيث تطول القراءة تقلل الركعات وبالعكس وقد روى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس قال أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز يعني بالمدينة يقومون ستا وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث وقال مالك الأمر عندنا بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين وليس في شيء من ذلك ضيق قال الترمذي أكثر ما قيل أنه يصلي إحدى وأربعين ركعة بركعة الوتر ومن الترغيب الوارد في حديث أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب بقيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة فيقول من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه رواه الجماعة ( قوله صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الخ ) يعني بذلك قيام رمضان وفي قوله في المسجد دليل على أن الأفضل صلاتها في المسجد عند الجماعة وهو مذهبنا ومذهب الشافعي وجمهور أصحابه وأبي حنيفة وأحمد وبعض المالكية وغيرهم وهو الذي فعله (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) حتى خاف أن يفرض فتركه وفعله عمر رضي الله عنه في خلافته حين أمن الافتراض فعن عبد الرحمن بن عبد القاري قال خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر أني أرى لو جمعت هؤلاء على قاريء واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليله أخرى الناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يعني آخر الليل وكان الناس يقومون أوله رواه البخاري ثم استمر عمل المسلمين على ذلك فصار من الشعائر الظاهرة فأشبه صلاة العيد وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم الأفضل صلاتها فرادى لقوله (صلى الله عليه وسلم ) أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة (1/362)
صفحة 363
رواه أحمد والبخاري ومسلم وقيل التجميع فيها بدعة والصواب الأول والله أعلم (قوله فصلى بصلاته ناس كثير ) أخذ منه بعض قومنا جواز الاقتداء بمن لم ينو أمامته قال وهذا صحيح قال ولكن أن نوى الإمام إمامتهم بعد اقتدائهم حصلت فضيلة الجماعة له ولهم وأن لم ينوها حصلت لهم فضيلة الجماعة ولا تحصل للأمام على الأصح لأنه لم ينوها والأعمال بالنيات وأما المأمومون فقد نووها وهذا أن أراد به الإطلاق فغير مسلم لأن الواقعة في النفل فلا يحمل عليها الفرض كما تقدم في نظيره ثم أنه يمكن أن يكون لإمام المسجد خصوصية لم تكن لغيره (قوله في الليلة الثالثة والرابعة ) وفي رواية قومنا أو الرابعة وفي البخاري فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فصلى بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال (أما بعد ) فإنه لم يخف علي مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها (قوله إلا إني خشيت أن يفرض عليكم ) فيه دليل على استحباب الجماعة في هذه الصلاة فإنه ( صلى الله عليه وسلم ) لم يمنعه من الخروج إليهم إلا خشية أن يفرض عليهم وفيه إذا تعارضت مصلحة وخوف مفسده أو مصلحتان اعتبر أهمهما لأن (النبي صلى الله عليه وسلم ) كان رآى الصلاة في المسجد مصلحة فلما عارضه خوف الافتراض عليهم تركه لعظم المفسدة التي يخافها من عجزهم وتركهم للفرض وفيه أن الإمام وكبير القوم إذا فعل شيئا خلاف ما يتوقعه اتباعه وكان له فيه عذر يذكره لهم تطييبا لقلوبهم واصلاحا لذات البين لئلا يظنوا خلاف هذا وربما ظنوا ظن السوء ( قوله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان على ثلاث عشرة ركعة ) وعند البخاري من حديث أبي سلمة عن عائشة ما كان (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يزيد في رمضان ولا في غيره على احدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم (1/363)
صفحة 364
يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا وعنده أيضا عن مسروق قال سألت عائشة عن صلاة (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بالليل فقالت سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر وعن القاسم عنها قالت كان (النبي صلى الله عليه وسلم ) يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال كانت صلاة ( النبي صلى الله عليه وسلم ) ثلاث عشرة ركعة وجمع بين هذه الأحاديث بأن ما أجابت عائشة مسروقا فمرادها أن ذلك وقع منه في أوقات مختلفه فتارة كان يصلي سبعا وتارة تسعا وتارة إحدى عشرة وأما حديث القاسم عنها فمحمول على أن ذلك كان غالب حاله وهو معنى حديث أبي سلمه عنها لكن ظاهر قولها لجابر عند المصنف ما رواة عنها أبو سلمه فإن رواية المصنف تدل على أن أكثر صلاته ثلاث عشرة ركعه كما قال ابن عباس وإنها غير ركعتي الفجر كما صرح به حديث ابن عباس حين بات عند خالته والله اعلم وفي الحديث دلالة على أن صلاته كانت متساوية في جميع السنة ( قوله أتنام قبل أن توتر ) في هذا الاستفهام دليل كراهة النوم قبل الوتر كأنة تقرر عندها منع ذلك فأجابها بأنه (صلى الله عليه وسلم ) ليس في ذلك كغيره ( قوله أن عيني ينامان ولا ينام قلبي ) يعني أن قلبه لا يتغير عن حال يقظته قال الخطابي وإنما منع قلبه النوم ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه وفي البخاري قلنا لعمر أن ناسا يقولون ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) تنام عينه ولا ينام قلبه قال عمر سمعت عبيد بن عمير يقول رؤيا الأنبياء وحي ثم قرأ ( إني أرى في المنام أني أذبحك) ووجه الاستدلال بما تلاه أن الرؤيا لو لم تكن وحيا لما جاز لإبراهيم عليه السلام الإقدام على ذبح ولده .
الباب الرابع والثلاثون
( استقبال الكعبة وبيت المقدس ) (1/364)
صفحة 365
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) فرضت عليه الصلوات الخمس قبل هجرته بنحو سنتين وصلى (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) إلى بيت المقدس بعد هجرته سبعة عشر شهرا وكانت الأنصار وأهل المدينة يصلون إلى بيت المقدس نحو سنتين قبل قدوم (النبي صلى الله عليه وسلم ) إليهم وكان (النبي صلى الله عليه وسلم )صلى إلى الكعبة بمكة ثمان سنين إلى أن عرج به إلى بيت المقدس ثم يحوله إلى قبلته ( أبو عبيدة ) عن جابر بن زيد عن عبد الله بن عمر قال بينما الناس بقباء في صلاة الفجر إذ جاءهم آت فقال أن (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قد أنزل عليه ( الليلة قرآن وأمر أن يستقبل الكعبة ) ( فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة وهم يصلون ) (1/365)
صفحة 366
(قوله في استقبال الكعبة وبيت المقدس ) وهما بيتان بنيا لتعظيم الله تعالى أمر الله بتعظيمهما فعظمتهما أهل الشرائع وجعلهما الله تعالى قبلة للمصلين وصلى (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ومن معه من المسلمين إلى القبلتين معا كلما أمر بقبلة استقبلها فاستقبل أولا الكعبة ثم بيت المقدس ثم أمر باستقبال الكعبة ونسخ استقبال بيت المقدس واستقر الأمر على ذلك كما يدل عليه حديث الباب فحرم الاستقبال إلى بيت المقدس في الصلاة ووجب استقبال الكعبة بإجماع المسلمين إلا في حالة العجز أو في الخوف عند التحام القتال أو في صلاة التطوع وقد دل على ذلك الكتاب العزيز والسنة المتواترة وقد ذكر المصنف منها حديثين أحدهما حديث ابن عباس وقد تقدم شرحه في باب فرض الصلاة والثاني حديث ابن عمر في أهل قباء ( وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ) كان يصلي بمكة إلى الكعبة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي فلما عرج به إلى السماء أمر بالصلوات الخمس فصارت ركعتين في الأوقات غير المغرب للمسافر والمقيم وبعد ما هاجر إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأمر أن يصلي نحو بيت المقدس لئلا تكذبه اليهود لأن نعته بالتوراه أنه صاحب قبلتين وكانت الكعبة أحب القبلتين إليه فأمره الله تعالى أن يصلي إلى الكعبة قال الله تعالى ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ) كذا عن ابن عباس ( وروي عنه أيضا ) كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه وعن محمد بن شهاب الزهري قال لم يبعث الله عز وجل منذ هبط آدم إلى الدنيا نبيئا إلا جعل قبلته صخرة بيت المقدس ولقد صلى إليها نبيئنا عليه السلام ستة عشر شهرا ( قوله بقباء ) بالمد والصرف ويجوز فيه القصر وعدم الصرف يذكر ويؤنث موضع معروف ظاهر المدينة وأهله بنو عمرو بن عوف من الأنصار (قوله في صلاة الفجر ) وقع في حديث البراء عند البخاري أنهم كانوا في صلاة العصر وجمع بين (1/366)
صفحة 367
الخبرين بأن خبر البراء في بني حارثه وهم داخل المدينة فوصلهم الخبر وقت العصر والآتي إليهم بذلك عباد بن بشر أو ابن نهيك وأن خبر ابن عمر الذي عند المصنف وغيره كان في أهل قباء وهم بنو عمرو بن عوف وكانوا خارج المدينة فوصلهم الخبر في صلاة الصبح قال ابن حجر ولم يسم الآتي بذلك إليهم قال وإن كان ابن طاهر وغيره نقلوا أنه عباد بن بشر ففيه نظر لأن ذلك إنما ورد في حق ابن حارثه في صلاة العصر فإن كان ما نقلوا محفوظا فيحتمل أن يكون عباد أتى بني حارثة أولا في وقت العصر ثم توجه إلى أهل قباء فأعلمهم بذلك في وقت الصبح ( وقوله الليلة ) فيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي والليلة التي تليه مجازا والتنكير في قوله قرآن لا رادة البعضية والمراد قوله تعالى ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) الآيات ( قوله وأمر) بالبناء لما لم يسم فاعله أي أمره الله بذلك وقد وقع الخلاف في أول صلاة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحول فيها إلى الكعبة ففي الترمذي من حديث البراء بلفظ فصلى رجل معه العصر وساق الحديث وهو مصرح بذلك في رواية البخاري من حديث البراء وليس عند مسلم تعيين الصلاة من حديث البراء عمار بن أوس أن التي صلاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الكعبة إحدى صلاتي العشاء وهكذا في حديث عمارة بن رويبة وحديث تويلة وفي حديث أبي سعيد بن المعلى أنها الظهر وجمع بين هذه الروايات بأن من قال إحدى صلاتي العشاء شك هل هي الظهر أو العصر وأن من جزم اختلفوا فقال بعضهم الظهر وبعضهم العصر فاحتجنا إلى الترجيح فرجحت رواية العصر لثقة رجالها وإخراج البخاري لها في صحيحه وأما رواية الظهر ففي إسنادها مروان بن عثمان وهو مختلف فيه فظهر أنها العصر على الأرجح وأما موضع التحول فقال بعضهم أن ذلك كان بمسجد المدينة ويقال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين ثم أمر أن يوجه إلى المسجد الحرام فاستدار إليه وكان (1/367)
صفحة 368
معه المسلمون وعلى هذا فيكون المعنى برواية البخاري أنها العصر أي أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة كاملة صلاة العصر وعلى هذا فليس لأهل قباء خصوصية في الاستدارة ومشهور الرواية تقتضي اختصاصهم بذلك لكن وقع في حديث أنس عند أحمد ومسلم وأبي داود ما يقتضي تعدد الواقعة فإنه ذكر أن رجلا من بني سلمة مر عليهم وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة فنادى إلا أن القبلة قد حولت فمالوا كما هم نحو القبلة وبنو سلمة غير أهل قباء ( قوله فاستقبلوها ) بفتح الموحدة للأكثر أي فتحولوا إلى جهة الكعبة وفاعل استقبلوا المخاطبون بذلك وهم أهل قباء ويحتمل أن يكون فاعل استقبلوها النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه وفي رواية في البخاري بكسر الموحدة بصيغة الأمر ويؤيد الكسر ما عند البخاري في التفسير بلفظ إلا فاستقبلوها ( قوله وكانت وجوههم ) هو تفسير من الراوي للتحول المذكور والضمير في وجوههم فيه الاحتمالان المتقدمان والظاهر أنهم أهل قباء بل لا يخطر في القلب سواه ( قوله فاستداروا إلى الكعبة ) قالت تويلة بنت أسلم فتحول مكان الرجال والرجال مكان النساء وصوره ابن حجر بأن الإمام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس وهو لو دار في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف ولما تحول الإمام تحولت الرجال حتى صاروا خلفه وتحول النساء حتى صرن خلف الرجال وهذا يستدعي عملا كثيرا في الصلاة فيحتمل أن ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير كما كان قبل تحريم الكلام ويحتمل أن يكون اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة وفي الحديث فوائد ( منها ) أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه لأن أهل قباء لم يؤمروا بالإعادة فمن كان على بينه من ربه فهو على السلامة ما لم يبلغه ما أحدث الله من الأمر بعد ذلك ( ومنها ) جواز الاجتهاد في زمن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) فإن أهل قباء اجتهدوا في أمر القبلة وتحولوا (1/368)
صفحة 369
إليها بنفس الاجتهاد وأقروا على ذلك ( ومنها ) جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها ومنها أن العمل بخبر الواحد جائز بل واجب لأنهم عملوا به ( والنبي صلى الله عليه وسلم ) لم ينكر عليهم بل أثنى عليهم روى الطبراني في آخر حديث تويلة أن (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال فيهم أولئك رجال أمنوا بالغيب ( ومنها ) ما قيل أن فيه جواز نسخ الثابت من طريق العلم بخبر واحد وتقريره أن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) لم ينكر على أهل قباء عملهم بخبر الواحد ( وأجاب المانعون عن ذلك ) بأجوبة كثيرة لا طائل تحتها والجواب الذي لا شبهة معهم ولا مرية فيه أن النسخ إنما كان بالقرآن الذي أنزل وإن الآتي إنما بلغهم حكم ذلك الناسخ فوجب عليهم قبوله لأنه حجة في إخباره حيث أخبر عن نفس الحق وهو ثقة مأموم وخبر واحد حجة في ما لا يسع جهله إجماعا وفي ما يسع جهله على الأرجح وأمر القبلة من أمور الدين الذي لا يسع جهله فهو حجة عليهم في ذلك وليس بناسخ ولو كان كل من أخبر عن تغير حكم يعد ناسخا لكثرت النواسخ في الحكم الواحد لكثرة الناقلين فيكون الناسخ في حق بني فلان خبر فلان الذي أخبرهم بذلك وفي حق بني فلان غيره وهكذا على عدد المخبرين وهذا باطل بل الناسخ واحد والنقلة كثير فلا معنى لجميع ما تمسك به القائلون بجواز نسخ القاطع بالآحاد المبسوط في كتب الأصول وهذا جواب لم أجده لأحد قبلي فالحمد لله على لطيف مواهبه .
الباب الخامس والثلاوثون
( في الإمامة والخلافة في الصلاة ) (1/369)
صفحة 370
( قوله في الإمامة والخلافة في الصلاة ) احترز بهذا القيد عن الإمامة العظمى فإنها قد تقدمت في باب الولاية والإمارة والإمامة في هذا الباب إنما هي جعل رجل منهم إماما يأتون به في صلاتهم وأحق بها من كانت فيه الصفات التي جاء بها الحديث وهو الثاني من أحاديث الباب ( وأما الخلافة ) فالمراد بها جعل الإمام خليفة ينوب عنه في الإمامة ولم يذكر المصنف رحمه الله تعالى في الخلافة إلا حديثا واحدا وهو حديث عائشة في استخلاف أبي بكر أن يصلي بالناس وكفى به حجة وكأنه لم يصح عنده في بابه سواه .
ما جاء
( في الصلاة خلف كل بار وفاجر ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) قال الصلاة خلف كل بار وفاجر ما لم يدخل فيها ما يفسدها . (1/370)
صفحة 371
( قوله الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر ) البار هو من أصلح ما بينه وبين ربه والفاجر بخلافه وهو من فعل الفجور والحديث مصرح بجواز الصلاة خلف الفاجر وله شواهد كثيرة ومنها ما رواه المصنف آخر الباب عن عبادة بن الصامت في الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها قال رجل ( يا رسول الله ) أن أدركتهم أصلي معهم قال نعم إن شئت ومنها عن مكحول عن أبي هريرة قال قال ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا و الصلاة واجبه عليكم خلف كل مسلم برا كان أو فاجرا وان عمل الكبائر رواه أبو داود والدار قطني بمعناه وقال مكحول لم يلق أبا هريرة وعن عبد الكريم البكاء قال أدركت عشرة من أصحاب ( النبي صلى الله عليه وسلم ) كلهم يصلي خلف أئمة الجور رواه البخاري في تاريخه فهذا كله مصرح بالجواز فيحمل قوله (صلى الله عليه وسلم ) يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله ونحوه على بيان الكمال في الفضل والمعنى أن أمكن ذلك فليؤمهم أقرأهم الخ وإن لم يمكن وتولى الأمر غيرهم من أهل الفجور الصلاة خلفه جائزة وقد اختلفت الأمة في الصلاة خلف الفاجر والخلاف في المذهب أيضا موجود ومرجعه إلى ثلاثة أقوال فأجازها قوم على الإطلاق عملا بحديث الباب وردها قوم على الإطلاق لحديث جابر عن (النبي صلى الله عليه وسلم )قال لا تؤمن امرأة رجلا ولا أعرابي مهاجرا ولا يؤمن فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه أو سوطه رواه ابن ماجه وفي إسناده عبد الله التميمي قال البخاري منكر الحديث وقال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به وقال ويع يضع الحديث وقد جاء عن علي مرفوعا لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه وفي هذا النقل ما فيه (والقول الثالث )التفرقة بين الفاسق المتأول وغيره فأجازوها خلف المتأول دون المنتهك ما لم يدخل فيها ما يفسدها قال المحشي و الظاهر أن المراد به الورع في دينه وأما الفاسق بالجارحة فلا أقل أن يكون كفاسق أهل الدعوة والله أعلم ( قوله (1/371)
صفحة 372
ما لم يدخل فيها ما يفسدها )الظاهر أن هذا مدرك في الحديث وليس منه والظاهر أنه تفسير من الراوي فسقط الفاصل بين الحديث وتفسيره من يد الناسخ فالله المستعان وهذا التفسير لابد منه لأنه إذا أدخل فيها ما يفسدها فلا صلاة له ومن لا صلاة له فلا إمامة له وقد يكون الإفساد بالانتهاك وبالتأويل فأما الأول فكالذي يعمل في الصلاة العمل الذي يعلم أنه مفسد وأما الثاني فكالذي يعتقد أشياء لا تجوز بها الصلاة عن المسلمين كالقنوت والتأمين ومنهم من يرخص في ذلك إذا دخل معه وهو لا يعلم أنه يقنت قال أبو سفيان خرج أبو عبيدة وحاجب من البصرة يريدان مكة فأصبحنا بالا بطح فإذا جماعة تصلي الصبح فدخلا معها الصلاة فقنت الإمام في الركعة الثانية فلما انصرفا إلى خبائهما فقد أبو عبيدة حاجبا فسأل عنه فقالوا خرج فقال لعل اللحياني يريد أن يعيد (وكان حاجب كبير اللحية ) وليس علينا إعادة لانا لم نتعمدهم وهم يريدون أن يقنتوا قال أبو سفيان ولا ينبغي لمن علم أن الإمام يقنت أن يصلي معه .
ما جاء
( في من يكون أولى بالإمامة ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال قال ( رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله ) فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن ( كانوا في الهجرة سواء ) فأكبرهم سنا (1/372)
صفحة 373
( قوله يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله ) الخ الحديث رواه أيضا أحمد ومسلم عن أبي مسعود عقبة بن عمرو وزاد في آخره ولا يؤمن الرجل الرجل في أهله ولا سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه وفي لفظ لا يؤمن الرجل الرجل في لأهله ولا سلطانه ورواه سعيد بن منصور لكن قال فيه لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه ولا يقعد على تكرمته في بيته إلا بإذنه ومعنى قوله يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله أي يتقدمه في الصلاة أحسنهم قراءة وإن كان أقلهم حفظا وقيل المراد أكثرهم حفظا للقرآن واستدل على ذلك بما رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجل الصحيح عن عمرو بن سلمة أنه قال انطلقت مع أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام قومه فكان في ما أوصاني ليؤمكم أكثركم قرآنا فكنت أكثرهم قرآنا فقدموني وأخرجه أيضا البخاري وأبو داود والنسائي وفي تقديم الأقرا على الأعلم بالسنة دليل على أن الأقرأ مقدم على الأفقه وبه قال الأحنف بن قيس وابن سيرين والثوري وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وقال مالك والشافعي وأصحابهما الأفقة مقدم على الأقرا والخلاف أيضاً في الذهب قال الشافعي المخاطب بذلك الذين كانوا في عصره كلن أقرأهم أفقهم كانوا يسلمون كباراً ويتفقهون قبل أن يقرءوا فلا يوجد قارئ منهم إلا وهو فقيه وقد يوجد الفقيه وهو ليس بقارئ و تعقب بأن قوله في الحديث فأن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة يدل على تقديم الأقرا مطلقاً (قوله فأن كانوا في القراءة سواء ) أي فأن استووا في القدر المعتبر منها أما في حسنها أو في كثرتها وقلتها على القولين (قوله فأعلمهم بالسنة ) أنما خص السنة بالذكر لأنها المبينة لأحكام الكتاب ومنها أخذ غالب الأحكام لا سيما أحكام الصلاة وفيه أن مزية العلم مقدمة على غيرها من المزايا الدينية (قوله فأقدمهم هجرة )أي فأسبقهم خروجاً من دار الكفر إلى دار الإسلام فأن السابق في ذلك أفضل من غيره كما قال تعالى ( والسابقون السابقون (1/373)
صفحة 374
أولئك المقربون ) وشأن الهجرة قد انقطع بالفتح فلا هجرة بعد الفتح فالخطاب خاص بمن كان في القرن الأول ويمكن أن يحمل على معناه من خرج من دار الكفر إلى دار الإسلام بعد ذلك طلباً لسلامة الدين وفراراً من الفتنة فإنه وإن نسخت الهجرة فالفرار بالدين واجب أن خيف فساده ويمكن أيضاً أن يحمل عليه المهاجر في زماننا تبرعاً وهو الذي يخرج من دار الكفر ودار المخالفين إلى دار أهل الاستقامة لتحصيل العلم ومجالسة أهل الفضل (قوله فأكبرهم سناً)أي أن استووا في ذلك فليتقدم من كان أكبر سناً في الإسلام لأن ذلك فضيلة يرجح بها على غيره وفي لفظ سلماً بدل سناً.
ما جاء
( في أمر الإمام بالتخفيف في الصلاة ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن ( فيهم السقيم والضعيف والكبير وذا الحاجة فإذا صلى لنفسه فليطل ما شاء ) (1/374)
صفحة 375
( قوله إذا صلى أحدكم الخ ) الحديث رواه أيضا الجماعة إلا ابن ماجة لكنه له من حديث عثمان بن أبي العاص (قوله بالناس ) في رواية قومنا للناس أي إماما لهم والمعنى متقارب وسبب الحديث ما ذكره البخاري أن رجلا قال والله (يا رسول الله ) إني لا تأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا فما رأيت ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) في موعظة أشد غضبا منه يومئذ ثم قال أن منكم منفردين فأيكم صلى بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة ( قوله فليخفف ) أي فليتجوز في صلاته تجوزا يعد عندهم تخفيفا فإن التخفيف والتطويل من الأمور الإضافية فقد يكون الشيء خفيفا بالنسبة إلى عادة قوم طويلا بالنسبة على عادة آخرين ( قوله فإن فيهم السقيم ) تعليل للأمر بالتخفيف ومقتضاه أنه متى لم يكن فيهم من يتصف بإحدى الصفات المذكورة لم يضر التطويل ( واعترض ) بأنه يمكن أن يجيء من يتصف بأحدها بعد الدخول في الصلاة ثم إن الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالصورة النادرة فينبغي للأئمة التخفيف مطلقا ونظيره مشروعية القصر في صلاة المسافر فإن القصر فيها مشروع ولو لم تكن هنالك مشقة عملا بالغالب من أحوال السفر لأنه لا يدري ما يطرأ عليه والمراد بالسقيم من به مرض والمراد بالضعيف ضعيف الخلقة وهو الذي لا يقوى طبعه على ما يقوى عليه طبع الأقوياء والمراد بالكبير الشيخ الهرم والمراد بذي الحاجة ما يعم حوائج الدين والدنيا كالكسب على العيال وطلب الرزق وخوف فوت الرفقة أو ضياع المال أو نحو ذلك ( قوله فليطل ما شاء ) يعني أن الأمر بالتخفيف مختص بالأئمة فأما المنفرد فلا حرج عليه في الإطالة والتخفيف ما لم يخش فوت الوقت خلافا لبعض الشافعية أخذا بظاهر الحديث ( ورد ) بحديث أبي قتادة عند مسلم إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى وفي الحديث إشارة إلى جواز صلاة الفرض منفردا فالجماعة فرض كافيا لا فرض عين كما قيل بذلك .
ما جاء (1/375)
صفحة 376
( في الاستخلاف في الإمامة ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم )مروا أبا بكر يصلي (بالناس قالت فقلت (يا رسول الله )أنا أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس )من البكاء فأمر عمر فليصل بالناس قالت فقال مروا أبا بكر ليصل بالناس قالت عائشة فقلت لحفصة قولي (لرسول الله صلى الله عليه وسلم )مثل ما قلت له ففعلت حفصة فقال (رسول الله صلى الله عليه وسلم )أنكن لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر ليصلي بالناس قالت ( فقالت حفصة ما كنت لأصيب منك خيرا ) (1/376)
صفحة 377
( قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الخ إنما قال (صلى الله عليه وسلم ) ذلك في مرضه الذي مات فيه وفي البخاري قالت لم مرض (النبي صلى الله عليه وسلم ) مرضه الذي مات فيه حضرت الصلاة فأذن لها فقال مروا أبا بكر الخ وذكر ابن حجر أن الصلاة التي حضرت في العشاء (قوله مروا أبا بكر ) أي بلغوا أبا بكر أني أمرته أن يصلي بالناس واستدل به على أن الأمر بالشيء يكون أمرا به وهي مسئلة معروفة وقع فيها النزاع بين أهل الأصول وتحرير المقام أن النافي إن أراد انه ليس أمرا حقيقة فمسلم لأنه ليس فيه صيغة أمر للثاني وأن أراد أنه لا يستلزم الأمر فمردود والله أعلم ( قوله يصلي بالناس ) هذا موضع الاستدلال بالحديث ولا جعله ساقه المرتب في هذا الباب فإن فيه استخلاف أبي بكر على الصلاة بالناس وفي هذا الاستخلاف إشارة إلى استخلافه في الإمامة العظمى كما تنبه له بعضهم عند تنازعهم في الإمارة فقالوا رضيه ( رسول الله ) لدينا أفلا نرضاه لدنيانا ( قوله فقلت أن أبا بكر الخ ) إنما قالت عائشة ذلك لتصرف الإمامة عن أبيها لئلا يتشاءم الناس به وقد صرحت هي بذلك فقالت لقد راجعته وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا قال ابن حجر ووقع في مرسل الحسن عند أبي خيثعة أن أبا بكر أمر عائشة أن تكلم ( النبي صلى الله عليه وسلم ) أن يصرف ذلك عنه فأرادت التوصل إلى ذلك بكل طريق فلم يتم ( قوله من البكاء ) أي لرقة قلبه وشدة محبته وفيه إشارة إلى أن الصلاة لا تفسد بالبكاء الضروري لأنها عللت ذلك بعدم إسماعه الناس لا ببكائه ( قوله فمر عمر الخ ) فيه جواز المراجعة ( للنبي صلى الله عليه وسلم ) ما لم يأت منع في قضية بعينها وفي معناه مراجعة الأئمة الراشدين لأنهم خلفاؤه عليه الصلاة السلام ( قوله لأنتن صواحب يوسف ) جمع صاحبة والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن قال ابن الحجر ثم إن (1/377)
صفحة 378
هذا الخطاب وإن كان بلفظ الجمع فالمراد به واحد وهو عائشة فقط كما أن صواحب صيغة جمع والمراد زليخاه فقط قال ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخاه استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة ومرادها زيادة على ذلك وهو أن ينظر إلى حسن يوسف ويعذرنها في محبته وإن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها لكونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه ومرادها زيادة على ذلك وهو أن لا يتشاءم الناس به كذا قال والظاهر أنه لم يرد بقوله أنكن لأنتن واحدة بعينها وإنما أراد به نفس النساء وليس في الكلام تشبيه حتى يطلب له الوجه بل فيه التوبيخ والتعيير والمعنى أنكن معشر النساء لأنتن صواحب يوسف اللواتي عملن في شأنه الحيل والمكر ( قوله ما كنت لأصيب منك خيرا) قيل وإنما قالت حفصه ذلك لأن كلامها صادف المرة الثالثة من المعاودة وكان صلى الله عليه وسلم لا يراجع بعد ثلاث فلما أشار إلى الإنكار عليها بما ذكر من كونهن صواحب يوسف وجدة حفصه في نفسها من ذلك لكون عائشة هي التي أمرتعا بذلك ولعلها تذكرت ما وقع معها أيضا في قصة المغافير وذلك حين أسر ( النبي ) إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به أظهره الله عليه فالبعض المسر إليه حفصه فأخبرت به عائشة فنزلت الآية في ذلك .
ما جاء
( في النافلة خلف الجائر الذي يصلي الفرض ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أنكم ستدركون من بعدي أئمة يؤخرون الصلاة عن وقتها فإذا أدركتم ذلك فجعلوا صلاتكم معهم سبحه أي نافلة ) (1/378)
صفحة 379
( قوله أنكم ستدركون الخ ) فيه الإخبار بما سيكون بعده وقد وقع فهو من أعلام النبوءة والحديث عند أحمد ومسلم والنسائي عن أبي ذر قال قال لي رسول الله?صلى الله عليه وسلم ?كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يميتون أو يؤخرون الصلاة عن وقتها قلت فما تأمرني قال صل الصلاة لوقتها فإن أدركتك يعني الصلاة معهم فصل ولا تقل أني قد صليت فلا أصلي ( قوله أئمة ) يعني ملوك يتأمرون على الناس بالسيف والسوط والمشار إليهم ملوك بني أمية ( قوله عن وقتها ) أي عن وقتها المعروف في زمانه وهو أفضل وقت الجواز وليس المراد أنهم يفوتون وقت الجواز فإن المنقول عن الأئمة المشار إليهم إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها فوجب حمل هذا الخبر ونحوه على ما هو الواقع وقد شاركت الحنفية هؤلاء الأمراء في تأخيرهم صلاة الفجر عن وقتها المختار فهم لا يصلونها دائما إلا آخر الوقت عند الفوت يعتقدون ذلك رأيا فخالفوا برأيهم السنة ثم العجب منهم أن إمامهم أبا حنيفة يرى أن أخر الوقت أفضل في كل صلاة لأنه وقت تعين الوجوب في زعمهم فقلدوه في صلاة الفجر دون غيرها من الصلوات فإن كان ما قاله صوابا عندهم فقد تركوا بعض الصواب وإن كان خطأ فقد ركبوا بعض الخطأ وعلى كل فرأي أبي حنيفة مخالف للسنة والأخذ به مشارك لهؤلاء الأئمة المشار إليهم في الحديث ( قوله فإذا أدركتم ذلك ) يعني المذكور من كون الأئمة المؤخرين للصلاة أي إذا أدركتموهم فصلوا الصلاة في وقتها فإن أدركتموها معهم فصلوا فإنها لكم نافلة ( قوله فاجعلوا صلاتكم معهم سبحة ) بضم المهملة أي نافلة والحديث يدل على مشروعية الصلاة لوقتها وترك الإقتداء بالأمراء إذا أخروها عن أول وقتها وأن المؤتم يصليها منفردا ثم يصليها مع الإمام فيجمع بين فضيلة أول الوقت والصلاة مع الجماعة وقد استدل به قوم على منع إمامة الفاجر ولا دليل فيه لأنه إنما كانت صلاته معهم نافلة لتأخيرهم الصلاة عن (1/379)
صفحة 380
وقتها لا لفجورهم وفيه التصريح بأن صلاته عندهم نافلة ففرضه هو الأول ( وهو الذهب ) وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وبعض الناس من غيرهم وقال الأوزاعي وبعض أصحاب الشافعي أن الفريضة الثانية إن كانت في جماعة والأولى في غير جماعة وعن بعض أصحاب الشافعي أن الفرض أكملهما وعن بعض أصحاب الشافعي أيضا أن الفرض أحدهما على الإبهام فيحتسب أن ينوي أيهما شاء الله وعن الشعبي وبعض أصحاب الشافعي أيضا كلاهما فريضة والحديث يرد هذه الأقوال كلها فالحق ما قدمت لك ولكل طائفة تمسك لا نطيل بذكره مخافة التطويل .
ما جاء
( في منع الإقتداء بمن يرفع يديه في الصلاة ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ( كأني بقوم يأتون بعدي يرفعون أيديهم في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس ) (1/380)
صفحة 381
( قوله كأني بقوم يأتون من بعدي الخ ) المشار إليهم في هذا الحديث هم قومنا فإنهم هم الذين اختصوا برفع أيديهم في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس حتى نقل غير واحد منهم الإجماع على رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام ولم يتركه إلا النادر منهم فقد نقل عن مالك أنه لا يستحق وحكاه الباجي عن كثير من متقدميهم ونقل عن الزيدية أنه لا يجوز رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام ولا عند غيرها وقيل لم يقل بتركه منهم إلا الهادي يحيى بن الحسين وجده القاسم بن إبراهيم والحق المنع لحديث الباب ( وروى مسلم ) وأبو داود عن جابر بن سمرة قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس أسكنوا في الصلاة وروى الحاكم في المدخل من حديث أنس من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له وقد روى قومنا أحاديث الرفع عن العدد الكثير من الصحابة فإن صح ذلك ولا أراه يصح فمنسوخ بما ذكرنا ويمكن أنه (صلى الله عليه وسلم ) رفع العذر مرة واحدة كما قيل أنه أراد أن يفضح المنافقين الذين علقوا الأصنام تحت آباطهم فإذا رفعوا أيديهم سقطت أو انكشفت فيفتضحون بذلك فلا يفعلونه مرة أخرى وإن لم يرفعوا افتضحوا بالمخالفة وعلى الحالين فهو زجر لهم فرواه قومنا سنة مسلوكة رغبوا فيها بل أوجبها بعضهم وقد كشف لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سيفعلونه من بعده فأخبرنا به تحذيرا بقوله كأني بقوم يأتون بعدي يرفعون أيديهم في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس والأذناب جمع ذنب وهو الذيل والشمس بضمتين جمع شموس كرسول الخيل المستعصي على راكبه .
ما جاء
( أن الإمام إذا تعود تأخير الصلاة لا يجب انتظاره ) الربيع عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( سيكون من بعدي أمراء تشغلهم أشياء عن الصلاة حتى يؤخرها عن وقتها فصلوها لوقتها قال رجل يا رسول الله إن أدركتهم أصلي معهم قال نعم إن شئت ) (1/381)
صفحة 382
( قوله عن عبادة بن الصامت ) الحديث رواه أيضا أبي داود بسند رجاله ثقات عندهم ورواه أحمد بنحوه ( قوله تشغلهم أشياء ) يعني من أمور دنياهم كتدبير مملكتهم والتحدث مع جلسائهم والاشتغال بنسائهم وجواريهم
والاسترسال في شهواتهم ( قوله حتى يؤخرها ) أي إلى أن يؤخرها ( قوله عن وقتها ) أي عن أول وقتها الذي فيه رضا الله تعالى ( قوله فصلوها لوقتها ) أي لا تنتظروهم بها لأن صلاتها في أول الوقت أفضل من صلاتها معهم في آخره من جهتين أما الأولى فإن في أول الوقت رضوان الله وفي آخره عفو الله وأما الثانية فلأنهم ظلمه فجره فغاية ما في الصلاة خلفهم جوازها حتى قيل أن الصلاة خلف الفاسق كالصلاة منفردا أي لا تزيد عليه في الفضل وفيه دليل على عدم انتظار الإمام إذا تعود تأخير الصلاة عن أول الوقت ( قوله قال رجل ) يحتمل أن يكون هذا الرجل هو أبا ذر لما تقدم من روايته عند أحمد ومسلم والنسائي ويحتمل أن يكون غيره لاختلاف اللفظ في الروايتين فإن الخطاب في رواية أبي ذر متوجه إليه خاصة والخطاب هنا مطلق ويمكن الجمع بأن يقال أن عبادة رواه بالمعنى ويمكن تعدد الواقعة ( قوله إن أدركتهم ) أي إذا امتد عمري حتى ادر كتهم أصلي معهم ( قوله نعم إن شئت ) أي صل معهم إن شئت ذلك وفيه دليل أن صلاتهم كانت في الوقت فلو شاء الرجل أن يصلي معهم جاز والأمر بالصلاة في أول الوقت للفضل لا للحتم وقيل المعنى صل معهم إن شئت واجعلها نافلة وقد جاء في رواية واجعلوا صلاتكم معهم تطوعا وهذا المعنى هو الذي جزم به المحشي وفي الحديث أن من صلى ثم أدرك جماعة فإن يصليها معهم نافلة وكذلك حديث ابن عباس المتقدم يدل على ذلك أيضا وعن محجن بن الأدرع قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فحضرت الصلاة فصلى يعني ولم أصل فقال لي ألا صليت قلت يا رسول الله إني قد صليت في الرحل ثم أتيتك قال فإذا جئت فصل معهم واجعلها نافلة رواه أحمد وسيأتي للمصنف نحوه والله (1/382)
صفحة 383
أعلم .
الباب السادس والثلاثون
( في صلاة الجماعة والقضاء فيها )
( قوله في صلاة الجماعة والقضاء فيها ) يعني في بيان فضل الجماعة والحث عليها والمراد بالقضاء فيها قضاء ما سبقه به الإمام وهو المعروف عندنا بالرقعة اصطلاحا عرفيا وذكر في هذا المعنى حديث أنس بن مالك وهو الثالث من أحاديث الباب وذكر في فضل الجماعة حديثين هما الأول والثاني وقد تقدم له حديث في أوقات الصلاة يدل على تأكيد الجماعة بل على وجوبها وهو حديث أبي هريرة في قوله لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب الخ وهو حديث رواه أيضا الشيخان وأحمد وكان وضعه في هذا الباب أنسب وقد استدل به القائلون بوجوب صلاة الجماعة لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه ( واعترض ) بأن التهديد بالتحريق المذكور يقع في حق تاركي فرض الكفاية لمشروعية قتال تاركيه فرض الكفاية ( وأجيب ) بأن التحريق الذي يفضي إلى القتل أخص من المقاتلة وبأن المقاتلة إنما يشرع فيها إذا تمالأ الجميع على الترك وقد اختلف العلماء في الجماعة فمنهم من قال فرض عين وقيل فرض كفاية وقيل سنة مؤكدة ولكل تمسك لا نطيل بذكره وأحاديث الباب تدل على أنها سنة مرغب فيها لأن فيها بيان لفضيلة الجماعة على الفذ والتفضيل يقتضي حصول الفضل في الكل لكن أحدهما يفضل صاحبه .
ما جاء
( في فضل الجماعة ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الصلاة في الجماعة خير من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ( أبو عبيدة ) عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) أنه قال صلاة الجماعة ( تفضل على صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة ) (1/383)
صفحة 384
(قوله صلاة الجماعة ) أي الصلاة في الجماعة والحديث عند قومنا عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة رواه الشيخان وأحمد والفذ المنفرد كما فسره في الرواية الثانية بقوله تفضل على صلاة أحدكم وحده والمراد أنه يحصل له من صلاة الجماعة مثل أجر صلاة المنفرد سبعا وعشرين مرة وفي الرواية الثانية بخمس وعشرين درجة وقد جمع بين الروايتين بوجوه ( منها ) أن ذكر القليل لا ينافي ذكر الكثير وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد ( ومنها ) أنه يمكن أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بالخمس في أول الأمر ثم زادنا الله من فضله على ذلك فأخبره بالسبع ولا يلزم من هذا القول بنسخ الفضائل لأن الزيادة على الشيء لا تستلزم نسخه ( وتعقب ) بأنه يحتاج إلى التاريخ لأنه يتعين عليه تقدم الخمس على السبع لأن الفضل من الله يقبل الزيادة لا النقص ( ومنها ) الفرق بقرب المسجد وبعده ( ومنها ) الفرق بحال المصلي كأن يكون أعلم أو أخشع ( ومنها ) الفرق بإيقاعها في المسجد أو في غيره ( ومنها ) الفرق بالمنتظر للصلاة وغيره (ومنها ) الفرق بادرا كها كلها أو بعضها (ومنها ) الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم ( ومنها ) السبع مختصة بالفجر والعشاء وقيل بالفجر والعصر والخمس بما عدا ذلك (ومنها ) السبع مختصة بالجهريه والخمس بالسرية وهو عند ابن حجر أوجه من غيره قال والحكمة في هذا العدد الخاص غير محققه المعنى حتى قيل أن ذلك لا يدرك بالرأي ومرجعه إلى علم النبوة .
ما جاء
( في الرقعة في الصلاة ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمل إلى الصلاة (1/384)
صفحة 385
( قوله لا ثوب ) بالتشديد مبنيا للمجهول والمعنى إذا ثوب المؤذن للصلاة أي دعا إليها وحث الناس عليها فإن التثويب للصلاة بعد الأذان ويختص بصلاة الفجر وهو عند قومنا أن يقول المؤذن في أذانه الصلاة خيرا من النوم وعندنا حث بعد الأذان وقد بسطنا القول في بيانه في الثالث من المعارج والحديث متفق على معناه وإن اختلف بعض ألفاظه وتعددت رواته ووقع ذكر التثويب أيضا في رواية لمسلم ونصها إذا ثوب بالصلاة فلا يسعى إليها أحدكم ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار فصل ما أدركت واقضي ما سبقك وفي حديث أبي هريرة عن الجماعة إلا الترمذي إذا سمعتم الإقامة فمشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا وذكر التثويب وسماع الإقامة ليس قيدا للحكم المأمور به وإنما جرى مجرى الأغلب فإن الأغلب من أحوال الناس لا يسرعون إلا إذا سمعوا التثويب أو الإقامة فيسرعون خوف الفوت فبين الشارع حكم ما فات وما يدركون ولهذا أطلق في حديث أبي قتادة عند الشيخين وأحمد وفيه إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ( قوله تسعون ) السعي هنا الإسراع في المشي وفي حديث أبي هريرة المتقدم ولا تسرعوا ( قوله السكينة والوقار ) بفتح الواو قيل هما بمعنى واحد وهو المهابة والرزانة وإنما ذكرا معا على سبيل التأكيد اللفظي وقيل السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث والوقار في الهيئة بغض البصر و خفض الصوت ( قوله وما أدركتم ) أي مع الإمام ورواية قومنا بالفاء ( قوله وما فاتكم فاقضوا ) أي فأدوه كما أمرتم وهو معنى الإتمام في رواية أبي قتادة فإن أكثرهم رواه بلفظ فأتموا وروي أيضا فاقضوا كما في رواية المصنف والمعنى واحد والأداء يسمى قضاء ومنه قضاء الدين وإنما وقع الفرق بينهما في اصطلاح الأصوليين فقط وهو اصطلاح جديد لا يصح أن يحمل عليه معنى الحديث فليس فيه حجة لمن قال إنما أدرك هو آخر صلاته ولا لمن (1/385)
صفحة 386
قال هو أولها لكن يستفاد من قوله وما فاتكم إن أول الصلاة قد فاته مع الإمام فلم يدرك إلا بعد ذلك فهو يصلي ما أدرك ويقضي ما فاته والذي أدركه آخر صلاة الإمام فيلزم أن يكون هو آخر صلاته لأنه به أمر فهذا هو موضع الاستدلال لا في قوله فأقضوا أو أتموا كما وقعت عليه الإفهام حتى لا تجد مستدلا بغيره وما ذكرته من وجه الاستدلال كالنص على أن ما فاته أول صلاته وما أدركه آخرها والله أعلم وبه التوفيق والتسديد ( قوله فإن أحدكم الخ ) فيه بيان الحكمة لما أمروا به من السكينة والوقار والمعنى أن أحدكم إذا قصد الصلاة يكون في حكم المصلي فينبغي له أن يلاحظ الهيئة المطلوبة في الصلاة ومعنى قوله يعمد أي يقصد .
ما جاء
( في من أدرك من الصبح والعصر ركعة ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك من العصر قبل أن تغيب الشمس فقد درك العصر (1/386)
صفحة 387
( قوله من أدرك الخ ) الإدراك الوصول إلى الشيء وكان ينبغي أن يذكر هذا الحديث في باب الأوقات لأنه به أنسب وقد استدل به صاحب الإيضاح لمن قال آخر وقت العصر غيوب قرن من الشمس ولا معنى لذكره في هذا الباب إلا أن يكون قد استدل به المرتب على أن الجماعة لا تجب لأن هذا الحال يعرض غالبا على المنفرد ( وفيه نظر ) لأن الحديث محمول على أهل الضرورات بالاتفاق وذلك كالنائم إذا انتبه والناسي إذا ذكر والمغمي عليه إذا أفاق والحائض إذا طهرت فإنه إذا أدرك ركعة في الوقت صلاها ثم يتمم الباقي قيل من غير انتظار وقيل يمسك حتى يخرج وقت المنع ثم يتمها وله النظر إلى الشمس في تلك الحالة لأجل الضرورة وقيل تفسد صلاته بدخول وقت المنع وظاهر الحديث يؤيد القول الأول وأن كان شاذا في المذهب مستدلين بأحاديث النهى عن الصلاة عند الطلوع والغروب وهي عامة وهذا الحديث خاص والخاص مقدم على العام وقد يغتفر في البناء مالا يغتفر في الابتداء فالنهي عن الصلاة في ذلك الوقت نهي عن ابتدائها لا عن استدامتها فإن إذا حصل له عذر في التأخير وأمكنه فعل الركعة وجب عليه الدخول فيها لأنه قد أدرك الصلاة فالإمساك عن تمامها بعد الدخول فيها محتاج إلى دليل يخصه ولا يكفي عموم النهي ثم إن النظر إلى الشمس عمل في الصلاة يحتاج في جوازه إلى دليل ولا يكفي التعليل بالضرورة فإنه لا ضرورة هناك أذله أن ببني ويمضي واختلف في ما صلاة بعد الوقت فقيل يكون أداء تبعا للركعة التي في الوقت وهو الذي يقتضيه ظاهر الحديث في قوله فقد أدرك وقيل أن ما أدرك في الوقت أداء وبعده قضاء وقيل يكون كذلك لكن يلحق بالأداء حكما ( قوله فقد أدرك الصبح ) أي الوقت الذي تؤدي فيه الصلاة وكذا قوله فقد أدرك العصر فالمراد بالصبح والعصر وقتا الصلاة لا نفس الصلاة وقد حمله الجمهور على أنه أدرك الوقت وفي رواية من حديث أبي هريرة من صلى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس وصلى ما بقي بعد غروب الشمس (1/387)
صفحة 388
لم يفته العصر وقال مثل ذلك في الصبح وفي رواية البخاري من حديث أبي هريرة أيضا فليتم صلاته وللنسائي فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته قال النووي اجمع المسلمون على أن هذا ليس على ظاهره وأنه لا يكون بالركعة مدركا لكل الصلاة وتكفيه وتحصل الصلاة بهذه الركعة بل هو متأول أو فيه إضمار تقديره فقد أدرك حكم الصلاة أو وجوبها أو فضلها والله أعلم .
ما جاء
( في من صلى الفرض ثم وجد جماعة يصلون ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم وفي مجلسه رجل يسمى محجنا فأقيمت الصلاة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فصلى فلما فرغ من صلاته نظر إلى محجن وهو في مجلس فقال له (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ما منعك أن تصلي مع الناس ألست برجل مسلم قال بلى يا رسول الله ولكن قد صليت في أهلي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جئت والناس
يصلون فصلي معهم وإن كنت قد صليت في أهلك قال الربيع قال أبو عبيدة معنى ذلك أن يجعلها سبحة (1/388)
صفحة 389
( قوله محجنا ) بكسر الميم وسكون المهملة هو محجن بن الأدرع الأسلمي من ولد أسلم ابن أفصى بن حارثه بن عامر كان قديم الإسلام وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إرموا وأنا مع ابن الأدرع سكن البصرة واختط مسجدها وعمر طويلا روى عنه حنظلة ابن علي ورجا بن أبي رجا ( قوله وهو في مجلسه ) أي لم يتحول عنه فاستدل بذلك على أنه لم يصل معهم فلهذا سأله ( قوله ألست برجل مسلم ) فيه انكار شديد على ترك الصلاة معهم لأن الإنفراد عن الجماعة حال الصلاة من شعار الكفر فلذا قال له ألست برجل مسلم ( قوله فصل معهم ) قال الربيع قال أبو عبيدة معنى ذلك أن يجعلها سبحة وقد تقدم نظيرة في باب الإمامة في الصلاة خلف الأئمة الذين يؤخرونها عن وقتها وفيه أن من صلى منفردا ثم أدرك الناس يصلون تلك الصلاة بالجماعة أن يصلي معهم ويجعلها نافلة وبغض كره ذلك فعن سليمان مولى ميمونه قال أتيت على ابن عمر وهو بالبلاط والقوم يصلون بالمسجد فقلت ما يمنعك أن تصلي مع الناس قال إني سمعت ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يقول لا تصلوا صلاة في يوم مرتين رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبلاط موضع مفروش بين المسجد والسوق بالمدينة ( والجواب ) إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم لا تصلوا صلاة في يوم مرتين ليس في مثل هذا الموضع وإنما ذلك أن يصلي الرجل صلاة مكتوبه عليه ثم يقوم بعد الفراغ منها فيعيدها على جهة الفرض أيضا وأما من صلى الثانية نافلة إمتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس بمعيد لها ولا هو بمنزلة من صلاها مرتين لأن الثانية غير الأولى والله أعلم .
الباب السابع والثلاثون
( في ابتداء الصلاة ) (1/389)
صفحة 390
( قوله في ابتداء الصلاة ) يعني في أول شيء يبدأ به من فعلها بعد الأذان والإقامة فذكر شيئين أحدهما التكبير والثاني السواك ولا يخفى أن السواك مقدم على الإحرام بل قال الشيخ اسماعيل رحمه الله يستحب أن يبتدأ بالسواك قبل الوضوء وإنما ذكره المرتب في هذا الباب لقوله لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة و كل وضوء فالحديث دال على أن المطلوب السواك عند الوضوء وعند الصلاة فهما شيآن ذكر الشيخ اسماعيل أحدهما وأشار المرتب إلى الثاني ولم يذكر التوجيه وهو المعروف عند قومنا بدعاء الإفتتاح وذلك لأنه لم يثبت عند المصنف رحمه الله عليه شيء من ذلك وقد ثبت عند غيره فعن عائشة قالت كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة قال ( سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ) روى أبو داود والترمذي وابن ماجة والدار قطني والحاكم وللدار قطني مثله من رواية أنس وللخمسة مثله من حديث أبي سعيد وأخرج مسلم في صحيحه أن عمر كان
يجهر بهؤلاء الكلمات يقول ( سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ) وروى سعيد ابن منصور في سننه عن أبي بكر الصديق أنه كان يستفتح بذلك وكذلك رواه الدار قطني عن عثمان بن عفان وابن النذر عن عبد الله بن مسعود وقال الأسود كان عمر إذا افتتح الصلاة قال سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك يسمعنا ذلك ويعلمنا رواه الدار قطني وضم إليه أصحابنا استحبابا توجيه إبراهيم عليه السلام وهو قوله ( وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) ومنهم من قال حنيفا مسلما وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب في دعاء طويل رواه الجماعة إلا البخاري .
ما جاء
( في تكبيرة الإحرام ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن علي بن أبي طالب (قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم ) (1/390)
صفحة 391
(قوله تحريم الصلاة الخ ) أي الحالة التي يحرم معها ما يحل في غيرها من حالة المصلي هي التكبير الذي يكون أول الصلاة لقصد الدخول فيها ولهذا سمي تكبيرة الإحرام والحديث رواه أيضاً الخمسة الا النسائي عن علي بن إبي طالب وزادوا في أوله مفتاح الصلاة الطهور وقال الترمذي هذا أصح شيء في هذا الباب وأحسن وأخرجه الحاكم وصححه ومعنى قوله مفتاح الصلاة الطهور أي هو أول شيء يفتح من أعمال الصلاة (وفي قوله) تحريم الصلاة التكبير دليل على أن إفتتاح الصلاة لا يكون الا بالتكبير دون غيره من الأذكار (وهو المذهب) وبه قال الجمهور وقال أبو حنيفه تنعقد الصلاة بكل لفظ قصد به التعظيم والحديث يرد عليه وفي الباب أحاديث كثيره عند غير المصنف تدل على تعين لفظ التكبير من قوله صلى الله عليه وسلم وفعله فهو واجب لايمكن الدخول في الصلاه الابه ثم إختلفو فقيل ركن وقيل شرط وعلى الأول الجمهور وعلى الثاني الحنيفه (قوله وتحليلها التسليم ) يعني أنه يحل بالتسليم ماكان حراما ومن الأعمال وفي مقابلة التسليم للتكبير دليل على أن التسليم واجب كالتكبير فهو ركن مثله هذا للدخول وهذا للخروج وقد ذهب جمهور العلماء من الصحابه والتابعين فمن بعدهم إلى وجوب التسليم واحتجوا بحديث الباب وذهب أبو حنيفة إلى عدم وجوبه وروى ذلك الترمذي عن أحمد واسحاق بن راهويه ( وهو قول في المذهب ) لكن قيده بحالة الاضطرار وقال أبو سعيد إذا ثبت في الاضطرار ثبت في الاختيار ويؤخذ من الحديث أن التسليم مرة كما أن التكبير مرة فالمشروع تسليمة واحدة عندنا وبه قال ابن عمر وأنس وسلمة بن الأكوع وعائشة من الصحابة والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز من التابعين ومالك والأوزاعي والإمامية وهو أحد قولي الشافعي وغيرهم وبه كان العمل عند أهل المدينة في الزمان الأول وفي ذلك أحاديث منها عن عائشة عند أحمد والنسائي ومنها عن ابن عمر عند أحمد وقيل المشروع تسليمتان وعليه أكثر قومنا وعليه (1/391)
صفحة 392
كان ضمام بن السائب رحمة الله عليه وروي عن كثير من الصحابة والتابعين قال ابن المنذر أجمع العلماء على أن صلاة من اقنصر على تسليمة واحدة جائزة وقال النووي في شرح مسلم أجمع العلماء الذين يعتد بهم على أنه لا يجب إلا تسليمة واحدة فالثانية عندهما استحباب ولم يثبت ذلك عند أكثر أصحابنا فلم يزيدوا على الواحدة والله أعلم .
ما جاء
( في السواك عند كل صلاة ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وعند كل وضوء
( قوله لو لا أن أشق ) الحديث تقدم في باب الطهارة وقد ذكره المرتب هاهنا اشارة إلى استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة فمحط نظره من الحديث قوله عند كل صلاة وعند كل وضوء فإنه ذكر للسواك موضعين أحدهما عند الوضوء والآخر عند الصلاة يعني عند القيام إليها ( قال ابن دقيق العيد ) الحكمة في استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة كونها حال تقرب إلى الله فاقتضى أن يكون حال كمال ونظافة اظهارا لشرف العبادة وقد ورد من حديث علي عند البزار مرفوعا ما يدل على أنه لأمر يتعلق بالملك الذي يستمع القرآن من المصلي فلا يزال يدنو منه حتى يضع فاه على فيه وقيل كان أصحاب ( النبي عليه السلام ) يروحون والسواك على آذانهم والله أعلم .
الباب الثامن والثلاوثون
( في القراءة في الصلاة ) (1/392)
صفحة 393
( قوله في القراءة ) يعني قراءة الحمد وغيرها ولم يذكر التعوذ وهو مأخوذ من قوله تعالى ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) وقد روى الاستعاذة عنه (صلى الله عليه وسلم ) في الصلاة أبو سعيد الخدري عند أحمد والترمذي وأبي داود والنسائي وقال ابن المنذر جاء عن ( النبيصلى الله عليه وسلم ) أنه كان يقول قبل القراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وقال الأسود رأيت عمر حين يفتتح الصلاة يقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يتعوذ رواه الدار قطني والأحاديث الواردة في التعوذ ليس فيها إلا أنه فعل ذلك في الركعة الأولى وقد ذهب الحسن وعطاء وإبراهيم إلى استحبابه في كل ركعة واستدلوا بعموم قوله تعالى( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ) ورد بأن النهي عن الكلام في الصلاة يدل على المنع منه حال الصلاة من غير فرق بين الإستعاذة وغيرها مما لم يرد به دليل يخصه فالواجب الإقتصار على ما وردة به السنة وهو الإستعاذة قبل قراءة الركعة الأولى فقد قال (صلى الله عليه وسلم ) صلوا كما رأيتموني أصلي
ما جاء (1/393)
صفحة 394
(في قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة وأن البسملة آية منها ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج (قال الربيع) الخداج الناقص وهي غير النمام (أبو عبيدة) عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال فاتحة الكتاب هي أم القرآن فقرأها وقرأ فيها ( بسم الله الرحمن الرحيم )(قال أنها آية من كتاب الله قال الربيع قال )أبو عبيدة وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس مثل هذا (أبو عبيدة) عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يقول الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل وقال (رسول الله صلى الله عليه وسلم )( إذا قال العبد(الحمد لله رب العالمين) فيقول الله )حمدني عبدي فإذا قال العبد (الرحمن الرحيم )فيقول الله أثني علي عبدي وإذا قال العبد (ملك يوم الدين ) فيقول الله مجدني عبدي فيقول العبد ( إياك نعبد وإياك نستعين )فيقول الله هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فيقول العبد (إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين )فيقول الله هذا لعبدي ولعبدي ما سأل . (1/394)
صفحة 395
(قوله من صلى صلاة ) الحديث رواه أيضاً أحمد وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يقول فذكره وعند الجماعة الا البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج وعند البيهقي عن علي مرفوعاً بلفظ كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج وعن عباده بن الصامت أن (النبي صلى الله عليه وسلم ) قال لا صلاة لمن لم يقرأبفاتحة الكتاب رواه الجماعة وفي لفظ لا تجزي صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب رواه الدار قطني وقال اسناده صحيح (قال الربيع ) الخداج الناقصة وهي غير النمام يعني أن الخداج بكسر المفحمة بمعنى الناقصة وهي في الأصل اسم لا لقاء الناقة ولدها لغير النمام الحمل (قال السرقسطي ) أخدج الرجل صلاته إخداجاًإذا نقصها ومعناه أتي بها غير كاملة وعن الأصمعي الخداج النقصان وأصل ذلك من خداج الناقة (والحديث ) يدل على تعيين فاتحة الكتاب في الصلاة وأنه لايجزي غيرها وإليه ذهب أصحابنا ومالك والشافعي وجمهور العلماء ومن الصحابة والتابعين فمن بعدهم وذهبت الحنيفة وطائفة قليلة من قومنا الى أنها لاتجب بل الواجب آية من القرآن هكذا قال النووي وهذا القول خداج لانه خلاف السنة المطهرة بلا برهان ولاحجة ( قوله فاتحة الكتاب ) يعني الحمد وانما سميت بذلك لانها في أول الكتاب وأول كل شيء فاتحته وانما (1/395)
صفحة 396
سميت أم القرآن لانها أصل القرآن وقيل لانها مقدمة عليه فكأنها يؤمه (قوله وقرأ فيها بسم الله الرحمن الرحيم ) اشارة الى انها منها وعن قتادة قال سئل انس كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم رواه البخاري وهو يدل على مشروعية قراءة البسمله وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمد قراءته في البسمله وغيرها وعلى أنه كان يجهر بها في الصلاة لأن كون قراءته كانت على الصفه التي وصفها أنس تستلزم سماع انس لها منه صلى الله عليه وسلم وما سمع مجهور به (وروا إبن)جريج عن عبد الله بن أبي مليكه عن أم سلمه إنها سألت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت كان يقطع قراءته آيه آيه (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ) رواه أحمد وأبو داود (قوله إنها آيه من كتاب الله)وروى أبو داود والحاكم وصححه على شرط الشيخين عن إبن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السوره حتى ينزل عليه (بسم الله الرحمن الرحيم)ورواه أيضاً البزار بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح فهذا يدل على أنها آية من كل سورة الا سورة التوبة لأنها نزلت بالسيف والبسملة أمان فيجب أن تعطي حكم القرآن في حالة الجهر والإخفاء والجهر بها في الصلاة مروي عن جماعة من السلف وروي عن عمر وابن عمر وابن عباس وعلي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وابن الزبير وذكر الخطيب الجهر بها عن أبي بكر الصديق وعثمان وأبي بن كعب وأبي قتادة وأبي سعيد وأنس وعبد الله بن أبي أوفي وشداد بن أوس وعبد الله بن جعفر والحسين بن علي ومعاوية قال الخطيب وأما التابعون ومن بعدهم ممن قال بالجهر بها فهم أكثر من أن يذكروا وأوسع من أن يحصروا وفي الإيضاح والقواعد لم يزل صلى الله عليه وسلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حتى مات ثم أبو بكر ثم عمر رحمهما الله حتى (1/396)
صفحة 397
ماتا زاد في القواعد وقال ابن عمر أنها آية من كتاب الله اختلسها منهم الشيطان وروى الشافعي باسناده عن أنس بن مالك قال صلى معاوية بالناس بالمدينة صلاة جهر فيها بالقراءة فلم يقرأ فيها بسم الله الرحمن الرحيم ولم يكبر في الخفض والرفع فلما فرغ ناداه المهاجرون والأنصار يا معاوية نقضت الصلاة أين بسم الله الرحمن الرحيم وأين التكبير إذا خفضت ودفعت فكان إذا صلى بهم بعد ذلك قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وكبر وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم ( قوله سعيد بن جبير ) بن هشام الأسدي بالولاء مولى بني والبة بن الحارث بطن من بني أسد بن خزيمة كوفي أحد أعلام التابعين وكان أسود أخذ العلم عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وكان مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعب ابن قيس لما خرج على عبد الملك بن مروان فلما قتل عبد الرحمن وانهزم أصحابه من دير الجماجم هرب فلحق بمكة وكان واليها يومئذ خالد بن عبدالله القسري فأخذه وبعث به إلى الحجاج بن يوسف الثقفي مع اسماعيل بن واسط البجلي باسمي منك قال شقيت أمك وشقيت أنت قال الغيب يعلمه غيرك طقال لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى قال لو عامت أن ذلك بيدك لأتخذتك الها قال فما قولك في محمد قال نبيء الرحمة وإمام الهدى قال فما قولك في على وهو في الجنة أو هو في النار قال لودخلتها وعرفت مافيها عرفت أهلها قال فما قولك في الخلفاء قال لست عليهم بوكيل قال فأيهم أعجب إليك قال أرضاهم لخالقي قال فأيهم أرضى للخالق قال علم ذلك عند الذى يعلم سرهم ونجواهم قال أحب أن تصدقني قال إن لم أحبك أ ن أكذبك قال فما بالك لم تضحك وقال وكيف يضحك مخلوق خلق من طين والطين تأكله النار قال فما بالنا نضحك قال لم تستو القلوب ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد والياقوت فجمعه بين يديه فقال سعيد إن كنت جمعت هذا لتتقي به فزع يوم القيامة فصالح إلى ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت ولاخير في شيء جمع للدنيا (1/397)
صفحة 398
إلا ما طالب وزكى ثم دعى الحجاج بالعود والنأي فلما ضرب بالعود ونفخ في النأي بكي سعيد فقال مايبكيك هواللعب قال سعيد هو الحزن أما النفخ فذكرني يوماً عضيماً النفخ في الصور أما العود فشجرة قطعت في غير حق وأما الأوتار فمن الشاء تبعث معها يوم القيامة قال الحجاج ويلك يا سعيد قال لاويل لم زحزح عن النار وأدخل الجنة قال الحجاج أختر ياسعيد أي قتلة أقتلك قال أختر لنفسك ياحجاج فو الله لا تقتلني قتلته إلاقتلك الله مثلها في الآخرة قال أفتريد أن أعفو عنك قال ان كان ا لعفو فمن الله واما أنت فلا براءة لك ولا عذر قال الحجاج إذهبو به فقتلوه فلما خرج ضحك فأخبر الحجاج بذلك فرده فقال ما أضحكك قال عجبت من جراءتك على الله وحلم الله عليك فأمر بنطع فبسط قال وقال أقتلوه فقال سعيد وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين قال وجهوا به لغير القبلة قال سعيد أينما تولوا فثم وجه الله فقال كبوه لوجهه قال سعيد منها خلقنا وفي نعيدكم ومنها نخرجكم تارة آخرى قال الحجاج إذبحوه قال سعيد أما أني (أشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمداً عبده ورسوله ) خذها مني حتى تلقاني بها يوم القيامة ثم دعا سعيد فقال ( اللهم لاتسلطه على أحد يقتله بعدي ) وكان قتله في شعبان سنة خمس وتسعون للهجرة بواسط ومات الحجاج بعده في شهر رمضان من السنة المذكورة ولم يسلطه الله عز وجل بعده على قتل أحد إلى أن مات ذكر ذلك ابن خلكان في وفيات الاعيان والله أعلم ( قوله يقول الله عز وجل ) هذا من الأحاديث الربانية التي أوحيت إليه (صلى الله عليه وسلم ) لاقصد التلاوة والتحدي بخلاف وحي القرآن فانه أنزل لذلك والحديث رواه أيضاً الجماعة الاالبخاري وابن ماجة ( قوله قسمت ) بالبناء لما لم يسم فاعله لما جاء في بعض الروايات الصلاة مقسومة والقاسم هو الله عزوجل وإنما لم يذكر نفسه لانه معلوم بالضرورة ( قوله الصلاة ) قال النووي قال العلماء (1/398)
صفحة 399
المراد بالصلاة الفاتحة سميت بذلك لانها لاتصح الانها لاتصح الا بها والمراد بقسمتها قسمتها من جهة المعنى لان نصفها الأول تحميد لله وتمجيد وثناء عليه وتفويض إليه والنصف الثاني سؤىل وطلب وتضرع وافتقار ( قوله نصفها لي ) أي تحميد وثناء وتمجيد ( قوله ونصفها لعبدي ) أي مابعد ذلك وقوله ولعبدي ما سأل وعد بالإجابة نظير قوله تعالى ( أدعوني أستجب لكم ) وقوله ( أجيب دعوة الداعي إذا دعاني ) والمسئول ها هنا الهداية إلى الصراط المستقيم ( قوله حمدني ) وقوله أثني وقوله مجدني كلهاصفات لله عز وجل فالحمد الثناء بجميل الفعال والتمجيد الثناء بصفات الجلال والثناء مشتمل على الأمرين ولهذا جاء جوا باللرحمن الرحيم لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية ( قوله هذه بيني وبين عبدي إلخ ) قول القرطبي إنما قال الله تعالى هذا لأن في ذلك يذلل العبد لله وطلبه الأستعانة منه وذلك يتضمن تعظيمه وقدرته على ما طلب منه (قوله فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم) إلى آخر السورة هذا كله للعبد فإنه سؤال يعود نفعه إليه وهو ثلاث آيات وقيل آيتان ( واستدل ) بالحديث القائلون بأن البسملة ليست من الفاتحة لانها لم تذكر في الحديث ( وأجيب ) عنه بأجوبة أقواها أن ظاهر النص ليس مراداً لأن الصلاة ليست مقسومة بالأجماع بل قراءتها والقراءة أيضاً ليست مقسومة بالأجماع بدليل السورة التي مع الفاتحة بل بعض القراءة فيكون التقدير قسمت بعض قراءة الصلاة وبعض قراءة الصلاة لايستلزم الفاتحة فالمقسوم عندنا بعض الفاتحة ونحن نقول به .
ما جاء (1/399)
صفحة 400
( في ترك القراءة خلف الإمام إلا بفاتحة الكتاب ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي ( هريرة قال انصرف ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) من الصلاة جهر فيها بالقراءة فقال هل قرأ معي أحد منكم آنفاً قالوا بلى ( يارسول الله ) ( فقال ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) لافي ما جهر به من الصلاة ) ( قال الربيع ) قال أبو عبيدة الا بفاتحة الكتاب فأنها تقرأمن كا إمام وغيره قال الربيع عن عبادة بن الصامت قال صلى بنا ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) صلاة الغداة فثقلت عليه القراءة فلما ( انصرف قال لعلكم تقرءون خلف إمامكم قال قلنا أجل قال لاتفعلوا الأبام القرآن ) فإنه لاصلاة إلا بها . (1/400)
صفحة 401
( قوله انصرف ) ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الحديث رواه أيضا أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن ولفظه عندهم عن أبي هريرة أن ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) انصرف من الصلاة جهر فيها بالقراءة فقال هل قرأ معي أحد منكم آنفاً قال رجل نعم ( يا رسول الله ) قال إني أقول مالي أنازع القرآن قال فانتهى الناس عن القراءة في ما جهر فيه ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك وأخرجه أيضاً مالك في الموطا والشافعي وأحمد وابن ماجه وابن حيان وقوله فانتهى الناس عن القراءة مدرج من الخبر كما بينه غير واحد قال النووي وهذا مما لاخلاف فيه بينهم ( قوله من صلاة جهر فيها بالقراءة ) وعند ابن ماجه قال سمعت أبا هريرة يقول صلى ( النبي صلى الله عليه وسلم ) بأصحابه صلاة نظن أنها الصبح فقال هل قرأ منكم من أحد قال رجل أنا قال إني اقول مالي أنازع القرآن ( قوله آنفاً) أي الآن كذا في النهاية وقيل أنها موضوعة لما سبق في الزمان القريب والمراد بها تلك الصلاة التي انصرف منها (صلى الله عليه وسلم ) ( قوله قالوا بلى ) أي نعم كما صرح بها في رواية قومنا وقد وقع في كتب الحديث جواب الإستفهام المجرد ببلى ففي صحيح البخاري في كتاب الإيمان أنه عليه الصلاة والسلام قال لإصحابه أترضون أن تكونوا ربع اهل الجنة قالوا بلى وفي صحيح مسلم في كتاب الهبة أيسرك أن تكونوا في البر سواء قالوا بلى قال فلان إذن وفيه أيضاً أنه قال أنت الذي لقيتني بمكة فقال له المجيب بلى ( وأجيب ) بأن هذا من تغير الرواة اللاحنين كما نبه عليه أبو حيان ( ورد ) بأن الرواة من العرب وهم أعرف الناس بلغتهم وان كان قوله اللاحنين مشعراً بان المراد غير من كان منهم من العرب إذ ليس ظن ذلك بقادح وإلا ذهب الوثوق بالكل فتعطلت الشريعة ( قوله فيما جهر به ) هذا قطعة من الكلام المدرج في الحديث وقد سقط أوله مع آخر الحديث من يد النساخ والله (1/401)
صفحة 402
المستعان (وصورة الساقط ) كما صرحت به رواية إبي داود والنسائي والترمذي وغيرهم قال فأني أقول مالي انازع القرآن قال فانتهى الناس عن القراءة مع ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) في ما جهر فيه وعند الترمذي في ما يجهر فيه ( قوله إني أقول ) أي أظن ذلك في نفسي حال الصلاة ( وقوله مالي أنازع القرآن ) استفهام معناه الانكار وهو كلام مستأنف وأنازع بالبناء للمفعول أي أجاذب . كأنهم جهروا بالقراءة خلفه فشغلوه فالتبست عليه القراءة وأصل النزع الجذب ومنه نزع الميت بروحه ( قوله قال أبو عبيدة الا بفاتحة الكتاب فإنها تقرأ مع كل إمام غيره ) ثم استدل الربيع رحمه الله تعالى على ذلك بحديث عبادة بن الصامت وفي آخر لاتفعلوا إلا بأم القرآن لا صلاة إلا بها ( وهومذهبها ) وبه قال الشافعي وأصحابه فتجب قراءة الفاتحة في كل صلاة منفرداً أو عند إمام جهراً وسراً وقالت الحنيفة لايقرأ خلف الإمام لافي صلاة السر ولافي الجهر وقال مالك وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم لايقرأ خلف الإمام في الجهرية فقط وتمسك الكل بعمومات لانطيل بذكرها وحديث عبادة خاص والخاص مقدم على العام ( قوله عن عبادة بن الصامت ) الحديث رواه أيضاً أبو داود والترمذي ولفظه عن عبادة قال صلى ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الصبح فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال إني أراكم تقرءون وراء إمامكم قال قلنا يا رسول الله أي والله قال لاتفعلوا إلابأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها وفي لفظ فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت به الا بأم القرآن رواه أبو داود والنسائي والدارقطني وقال كلهم ثقات يعني رجال إسناده (قوله صلاة الغداة ) أي صلاة الصبح وفيه رد على من زعم كراهيه تسميتها (قوله فثقلت عليه القرآءة ) أي شق عليه التلفظ والجهر بالقراءة ويحتمل أن يراد به أنه التبست عليه القراءة بدليل ما عند أبي داود من حديث عبادة في رواية بلفظ فالتبست عليه القراءة (قوله لعلكم تقرءون (1/402)
صفحة 403
) هذا إشارة الى أن سبب الثقل الحاصل له قراءتهم خلفه وأنما كان ذلك سبباً للثقل لإنهم نازعوه القرآن أي جادبوه إياه فصعب عليه التلاوة (قوله لا تفعلوا )هذا النهي يقتضي المنع ولم ينقل أمرهم بالأعادة ولا إعادة عليهم لأنهم إنما فعلوا ذلك قبل النهي فهم على أمر جائز إستصحاباً للأصل وعلى فاعله اليوم الأعادة لأنه أنما فعله بعد النهي والله أعلم (قوله فأنه لا صلاة الا بها ) تقدم معناه في أول الباب فأم الكتاب لا يحملها الإمام بخلاف سائر القراءة والأصل أنه لا يحمل عنه شيئاً قوله عليه السلام في حديث أبو هريرة عند الخمسة الا الترمذي أنما جعل الأمام ليؤتم به فاذا كبر فكبروا ثم خرج من هذا العموم القراءة لقوله تعالى (واذا قرأ القران فأستمعوا له وأنصتوا ) ولحديث عبادة عن المصنف وغيره وفيه لا تفعلوا الا بأمر القرآن وروي في حديث أبو هريرة المتقدم آنفاًُ وإذا قرأ فأنصتوا وقال مسلم هو صحيح وقال أبو داود هذه الزيادة ليست بمحفوظة قال والوهم عندنا من أبي خالد قال المنذري وفي ما قاله نظر فأن أبا خالد هذا هو سليمان بن حيان الأحمر وهو من الثقات الذين أحتج البخاري ومسلم بحديثهم في صحيحيهما (قلت ) ذلك لا ينافي وقوع الوهم منه لأن أبا داود لم يدع كذبه وأنما أدعى وهمه وهو غير الكذب بل هو في معنى الغلط وقيل أن الأمام يحمل عن المأموم التعظيم في الركوع والتسبيح في السجود وقد أختلف الأمام عبد الوهاب ووزيره مزور بن عمران في التحيات هل يحملها الأمام أولا فقال الأمام يحملها و قال الوزير لا يحملها وهو الراجح لما تقدم والله أعلم .
ما جاء
( في النهي أن يجهر بعضنا على بعض في الصلاة ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال خرج ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ذات يوم فوجد الناس يصلون وقد ( علت أصواتهم بالقراءة فقال أن المصلي ) يناجي ربه فلينظر ما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن فليشغلهم عن صلاتهم . (1/403)
صفحة 404
( قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري ورواه مالك في الموطا عن البياضي وهو فروة بن عمرو بن ودقة الأنصاري ورواه أحمد أيضا وللنسائي نحوه ( قوله ذات يوم ) قال في شرح الموطأ وفي رواية حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد أن ذلك كان في رمضان والنبي صلى الله عليه وسلم معتكف في قبة على بابها حصير والناس يصلون عصبا عصبا أخرجه ابن عبد البروفي رواية أبي سعيد عن أبي داود قال اعتكف صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر فقال إلا أن كلكم يناجي ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة ( قوله يناجي ربه ) قيل مناجاة المصلي ربه عبارة عن احضار القلب والخشوع في الصلاة وقيل هي اخلاص القلب وتفريغ السر بذكره وتحميده وتلاوة كتابه في الصلاة وقيل هي مايقع منه من الأفعال والأقوال المطلوبة في الصلاة وترك الأفعال والأقوال المنهي عنها ومناجاة الرب لعبده إقباله عليه بالرحمه والرضوان وما يفتحه عليه من العلوم والإسرار وفيه تنبيه على معنى الصلاة والمقصود بها ليكثر الاحتراز من الأمور المكروهة المدخلة للنقص فيها والاقبال على أمور الطاعة المتممة لها ( قوله فلينظر ما يناجيه به ) أي فليتأمل في المعنى ما يناجيه به من القول على سبيل التعظيم ومواطأة القلب اللسان والاقبال إلى الله وذلك إنما يحصل إذا لم ينازعه صاحبه بالقراءة ومن ثم عقبة بقوله ولا يجهر بعضكم على بعض الخ ( قوله ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن ) وإذا امتنع الجهر بالقرآن لعله الاشتغال فالمنع من الجهر بالحديث وكلام الناس أولى والنهي يتناول من هو داخل الصلاة وخارجها قيل وعدي بعلى لارادة معنى الغلبة أي لا يغلب ولا يوشوش بعضكم على بعض جاهراً بالقراءة والبعض أعم من مصل أو نائم أو قارئ (قواه فيشغلهم عن صلاتهم ) هذا علة النهي عن جهر بعضهم على بعض لاوعند أبي داود فلا يؤذين بعضكم بعضا قال (1/404)
صفحة 405
ابن عبد البر وقد روي بسند ضعيف عن علي قال نهى ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أن يرفع صوته بالقرآن قبل العشاء وبعدها يغلط أصحابه وهم يصلون قال السيوطي وكثير ما يسئل عما أشهر على الألسنه ما أنصف القارئ المصلي ولا أصل له ولكن هذه أصوله .
ما جاء
( في القراءة في العتمة ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن البراء بن عازب قال صليت مع ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) العتمة وقرأ فيها و التين والزيتون )
( قوله عن البراء ) هو بالفتح والمد وعازب بالمهملة والزاء المعجمة هو ابن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثه بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي يكنى أبا عمرو وقيل أبا عماره وهو أصح رده ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) عن بدر لما إستصغره وأول مشاهدة أحد وقيل الخندق وغزا مع ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أربع عشرة غزوة وهو الذي افتتح الري سنة أربع وعشرين صلحا أو عنوه في قول أبي عمرو الشيباني وقيل افتتحها حذيفة سنة إثنتين وعشرين وقيل افتتح بعضها أبو موسى وبعضها قرضة بن كعب وشهد غزوة تستر مع أبي موسى ذكر ذلك ابن الأثير قال وشهد البراء مع علي بن أبي طالب الجمل وصفين والنهراون هو وأخوه عبيد بن عازب ونزل الكوفة وابتنى بها دارا ومات أيام مصعب بن الزبير ( قوله صليت مع (رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ ) الحديث رواه أحمد والبخاري ومسلم ولفظه عندهم قال سمعت ( النبي صلى الله عليه وسلم ) يقرأ في العشاء والتين والزيتون وما سمعت أحدا أحسن صوتا منه وفي اقتصاره (صلى الله عليه وسلم ) على هذه السورة عمل بالتخفيف الذي أمر به بقوله في حديث أبي هريرة المتقدم في باب الإمامة إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف .
ماجاء (1/405)
صفحة 406
( ماجاء في القراءة في المغرب ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس سمعتني أم الفضل بنت الحارث هي والدة عبدالله بن العباس أقرأ والمرسلات عرفاً وقالت يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ماسمعت من ( رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) يقرأ بها في المغرب )
( قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه أيضاً الجماعة إلا ابن ماجة ( قوله أم الفضل ) هي والدة ابن عباس الراوي عنها وبذلك صرح الترمذي فقال عن أمه أم الفضل واسمها لبابة بن الحارث الهلالية وهي أخت ميمونة بنت الحارث زوج ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وقد تقدم نسبها في باب الغسل من الجنابة ويقال أن أم الفضل أول إمرة أسلمت بعد خديجة وصحح ابن حجر أن أول من أسلم بعد خديجة أخت عمر بن الخطاب زوج سعيد ابن زيد والفضل بن عباس هو أخو عبدالله وكان أسن منه بمدة ( قوله لقد ذكرتني ) أي شيئا نسيته الخ قال ابن حجر وصرح عقيل في روايته عن ابن شهاب أنها آخر صلوات ( النبي صلى الله عليه وسلم ) ولفظه ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله وذكر عن عائشة أن الصلاة التى صلاها ( النبي صلى الله عليه وسلم ) بأصحابه في مرض موته كانت الظهر قال وأشرنا إلى الجمع بينه وبين حديث أم الفضل هذا بأن الصلاة التي حكتها عائشة كانت في المسجد والتي حكتها أم الفضل كانت في بيته ( واستشكل ) ذلك بما أخرجه ?رضي الله عنهالترمذي عن أم الفضل خرج إلينا ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وهو عاصب رأسه في مرضه فصلى المغرب ( وأجيب ) بأنه يمكن حمل قولها خرج إلينا من مكانه الذي كان فيه راقدا إلى من في البيت ( وفيه اشكال ) وهو أن المنفرد لا يجهر بالقراءة والظاهر من كلامها أنه سمعته حال كونه إماما ( والجواب ) الذي لا إشكال معه أنه لا يلزم من كونه آخر ما سمعته أم الفضل أن يكون آخر صلاة صلاها ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وأن جاء في رواية ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله فإنها إنما أخبرت (1/406)
صفحة 407
عن عدم صلاة صلاها وهي معهم ( قوله يقرأ بها) وهو في موضع الحال أي سمعته في حال قراءته ( قوله في المغرب ) أي في صلاة المغرب قيل وهذا الحديث يرد على من قال التطويل في صلاة المغرب منسوخ والله أعلم .
الباب التاسع والثلاثون
( في الركوع والسجود وما يفعل فيهما )
( قوله في الركوع والسجود ) إنما أشركهما في ترجمة واحدة لأن أحاديث الباب متناولة لهما معا والركوع في اللغة الانحناء ثم استعمل في الشرع في هيئة مخصوصة والسجود في اللغة التطامن من الانخفاض يقال سجد البعير إذا خفض رأسه عند ركوبه وسجد الرجل إذا وضع جبهته في الأرض وهو في الشرع عبارة عن هيئة مخصوصة ولم يذكر المصنف رضوان الله عليه التكبير عند كل خفض ورفع وهو ثابت عند أصحابنا رحمهم الله تعالى وجاءت به الأحاديث عند الجماعة من طرق شتى فعن ابن مسعود قال رأيت ( النبي صلى الله عليه وسلم ) يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وأخرجه البخاري ومسلم من حديث عمران بن حصين وأخرجا نحوه أيضا من حديث أبي هريرة وأخرج نحوه البخاري من حديثه وجاء من طرق أخرى لا نطيل بذكرها .
ما جاء
( في ما يقال في الركوع والسجود ) أبوعبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) قال فلما نزل ( فسبح باسم ربك العظيم قال اجعلوها في ركوعكم ) ( فلما نزل ( سبح اسم ربك الأعلى ) قال اجعلوها في سجودكم ) (1/407)
صفحة 408
( قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه أيضا أحمد وأبو داود وابن ماجة عن عقبة بن عامر وأخرجه أيضا الحاكم في مستدركه وابن حبان في صحيحه ( قوله فلما نزل ) في رواية قومنا لما نزلت يعني الآية والتذكير في رواية المصنف باعتبار معنى القول ( قوله اجعلوها ) أي اجعلوا مضمونها ومحصولها في ركوعكم يعني قولوا سبحان ربي العظيم كما جاء في حديث حذيفة قال صليت مع ( النبي صلى الله عليه وسلم ) فكان يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى رواه الخمسة وصححه الترمذي قيل ومعنى العظيم الكامل في ذاته وصفاته ومعنى الجليل الكامل في صفاته ومعنى الكبير الكامل في ذاته ( قوله اجعلوها في سجودكم ) وجه التخصيص أن الأعلى أبلغ من العظيم فجعل للإبلغ في التواضع وهو السجود الأفضل من الذكر وصح * أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وربما يتوهم قرب مسافة فندب فيه التسبيح وفي الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى وأن العبد في انخفاضه غاية الإنخفاض يكون أقرب ما يكون إلى الله تعالى ولم يبين في الحديث عدد ما يقال من التسبيح لكن ورد عند الترمذي وأبي داود وابن ماجة عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) قال إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه وإذا سجد فقال في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه قال أبو داود والحديث مرسل لأن عونا لم يدرك عبد الله وقال غيره عون هذا ثقة سمع جماعة من الصحابة وأخرج لم مسلم وفي قوله وذلك أدناه في الموضعين إشارة إلى أنه لا يكون المصلي عاملا بالنسبة إذا اقتصر على ما دون الثلاث وهو المعمول به عند أصحابنا رحمهم الله تعالى قال الربيع رحمة الله تعالى المجزي من ذلك ثلاث مرات وإن زاد فحسن إلا أن يكون إماما فليقتصر على الثلاث لئلا يطيل عليهم وقال الماوردي من قومنا أن الكمال إحدى عشرة أو تسع و أوسطه (1/408)
صفحة 409
خمس ولو سبح مرة حصل التسبيح وروى الترمذي عن ابن المبارك واسحاق بن راهوية أنه يستحب خمس تسبيحات للإمام وبه قال الثوري ولا دليل على تقييد الكمال بعدد معلوم قال في القواعد وليس عند أهل العلم نقض صلاة في الزائد والناقص في التسبيح والتعظيم قال ومن سبح ثلاثا فهو المعمول به ومن سبح واحدة فلا نقض عليه .
ما جاء
( في النهي عن القراءة في الركوع والسجود ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن علي بن أبي طالب قال نهاني ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) عن لبس ( القسي وعن لبس المعصفر وعن خاتم الذهب وعن قراءة القرآن في الركوع والسجود ) (1/409)
صفحة 410
( قوله بلغني عن علي بن أبي طالب ) الحديث رواه أيضا النسائي متصلا باسنادين كلاهما عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب ورواه الترمذي ولم يذكر فيه السجود وقال حديث حسن صحيح (قوله نهاني ) زاد في رواية عند النسائي لا أقول نهى الناس وفي أخرى ولا أقول نهاكم ( قوله لبس ) بضم اللام مصدر لبس الثوب بكسر الباء ( قوله القسي ) بفتح القاف وكسر السين المشددة نسبة إلى موضع ينسب إليه الثياب القسية وهي ثياب مضلعة بالحرير تعمل بالقس من بلاد مصر مما يلي الغرماء والمعصفر المصبوغ بالعصفر وهو نبت معروف يسميه أهل عمان الشوران وفي القاموس الشوران العصفر والنهي متناول للتحريم لأن فيه التشبه بالنساء لأن المعصفر مما اختصت به وكما أن النهي عن لبس القسي وخاتم الذهب للتحريم فكذلك المعصفر فإن قيل إن قول علي في رواية النسائي لاأقول نهى الناس وفي أخرى ولا أقول نهاكم يدل على أن هذا النهي خاص به دون غيره من الناس (فالجواب ) أن قوله ذلك يدل على أنه (صلى الله عليه وسلم ) قد وجه الخطاب إليه على الخصوص مع أن الحكم شامل له ولغيره لأن حكمه على الواحد حكمه على الجماعة ومن المعلوم قطعا أن التختم بالذهب لا يحل لجميع الرجال رجال هذه الأمة فكذلك حكم ما قبله في الشمول فقول علي لا أقول نهى الناس أولا أقول نهاكم بيان لما سيق له الخطاب فقط ولهذا لم يقل نهاني ولم ينهكم والله أعلم ( قوله وعن خاتم الذهب ) وفي نسخة تختم الذهب وقد روى النسائي هذا وهذا في روايتين (قوله وعن قراءة القرآن في الركوع والسجود ) وذلك لأن لكل واحد من الركوع والسجود ذكرا يخصه وإنما خص القيام بالقراءة لأن القرآن عظيم وقد أمرنا بتعظيمه والقيام مناسب لذلك دون الركوع والسجود فإن فيهما تذللا وتواضعا للرب تعالى والله أعلم .
ما جاء (1/410)
صفحة 411
(في مايقال عند القيام من الركوع )أبو عبيده عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) قال إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده قال من خلفه ربنا ولك ( الحمد فإنه من وافق قوله الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه قال أبو هريرة ) هكذا سمعت ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يقول في هذا ( أبو عبيدة ) عن جابر بن زيد قال سمعت أن ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) صلى ذات يوم بأصحابه فلما فرغ من صلاته قال لأصحابه من المتكلم آنفا وهو يقول ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه قال رجل ( منهم أنا ( يا رسول الله ) قال لقد رأيت بضعا وثلاثين ملكا ) يبتدرونها أيهم يكتبها أولا . (1/411)
صفحة 412
( قوله إذا قال الإمام ) الحديث رواه أيضا الجماعة إلا النسائي ( قوله سمع الله لمن حمده ) معناه تقبل الله منه حمده وأجابه تقول اسمع دعائي أي أجب ( قوله ربنا ولك الحمد ) كذا ثبت بزيادة الواو في طرق كثيرة كما عند المصنف رحمه الله تعالى وفي بعض الطرق بحذفها قال النووي المختار أن لا ترجيح لأحدهما على الآخر وقال ابن دقيق العيد كأن اثبات الواو دال على معنى زائد لأنه يكون التقدير مثلا ربنا استجب ولك الحمد فيشتمل على معنى الدعاء ومعنى الخبر وهذا بناء منه على أن الواو وعاطفة وقد قيل أنها للحال وقيل زائدة ( قوله فإنه ) الضمير للشان أي فإن الشان كذا والفاء للتعليل والموافقة لقول الملائكة المراد بها موافقة في القول والزمان وقيل المراد الموافقة في الإخلاص والخشوع وقيل في القبول والأول أظهر وفيه اشعار بأن الملائكة تقول ما يقول المأمومون والحكمة في اثبات الموافقة أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها لأن الملائكة لا غفلة عندهم فمن وافقهم كان متيقظا ثم ظاهره أن المراد بالملائكة جميعهم واختاره بعض وقيل الحفظة منهم وقيل الذين يتعاقبون منهم واستظهر ابن حجر أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في الأرض أو في السماء ( قوله غفر له ما تقدم من ذنبه ) قال ابن حجر ظاهره غفران الذنوب الماضية قال وهو محمول عند العلماء على الصغائر قال المحشي ويشترط عندنا أن يكون مجتنبا للكبائر يعني لقوله تعالى ( أن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم ) فإنه تعالى شرط تفكير السيئآت باجتناب الكبائر ( واستدل ) بالحديث قوم على أن الإمام لا يقول ربنا لك الحمد وعلى أن المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده لكون ذلك لم يذكر في هذه الرواية وهو قول مالك وأبي حنيفة ( وتعقب ) بأنه ليس فيه ما يدل على النفي بل فيه أن قول امأموم ربنا لك الحمد يكون عقب قول الإمام سمع الله لمن حمده والواقع في التصوير ذلك وقد (1/412)
صفحة 413
جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان يجمع التسميع والتحميد ( قوله سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ ) الحديث رواه أيضا البخاري عن رفاعة بن رافع قال كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده فقال رجل وراءه ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه فلما انصرف قال من المتكلم آنفا قال أنا قال رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول قال ابن حجر وروى الطبراني أن رجلا عطس عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه حتى يرضى ربنا وبعد الرضا والحمد لله على كل حال فلما صلى ( النبي صلى الله عليه وسلم ) قال من صاحب الكلمات قال الرجل أنا ( يا رسول الله ) قال لقد رأيت إثني عشر ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها ( قوله آنفا ) أي في الزمان القريب ( قوله ولك الحمد حمدا كثيرا ) فسر بعضهم الكثرة هنا بكثرة الكائنات وما شاء الله بعدها وذلك أنه تعالى هو الذي أوجد الكائنات فله الحمد على كل فرد منها ( قوله طيبا ) أي خالصا منزها عن النقصان ( قوله مباركا فيه ) أي شاملا لجميع النعم وقال ابن حجر زاد رفاعة بن يحيى مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى ( قوله رجل ) هو رفاعة بن رافع كما صرح به في بعض الروايات ثم اختلفوا فقيل هو رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلاني الزرقي الخزرجي وقيل رفاعة بن رافع بن عفرا بن أخي معاذ بن عفرا ورجح الأول ( قوله بعضا ) بالكسر وبعض العرب يفتح يستعمل من الثلاثة إلى التسعة وعن ثعلب من الأربعة إلى التسعة يستوي فيه الذكر والمؤنث فيقال بضع رجال وبضع نسوة ويستعمل أيضا من ثلاثة عشر إلى تسعة عشر لكن تثبت الهاء في بضع مع المذكر وتحذف مع المؤنث كالنيف قيل ولا يستعمل في ما زاد على العشرين وأجازه بعض المشائخ فيقول بضعة وعشرون رجلا وبضع وعشرون إمرأة وهكذا قاله أبو زيد والحديث يؤيده وهو أفصح من نطق بالضاد ورواية المصنف ليس (1/413)
صفحة 414
فيها هاء وقد ثبتت في رواية البخاري واختلاف الروايتين يدل على جواز الأمرين والله أعلم ثم أن في هذا العدد من الملائكة سرا خفيا واستظهر بعضهم أن لكل حرف ملكا فإن حروف الكلمات أربع وثلاثون ( قوله يبتدرونها ) أي يسارعون في كتابتها لعظم قدرها ( قوله أولا ) أي سابقا على صاحبه وجاء في بعض الروايات أول بلا تنوين وهو إما منصوب على الحال أو الظرف وروي بالضم على البناء ولكل وجه والله أعلم .
ما جاء
( في سجدة ص~ ) أبو عبيدة قال بلغني عن أبي سعيد الخدري قال رأيت كأني تحت شجرة أقرأ ص~ والقرآن فلما بلغت السجدة سجدت الشجرة قالت ربي أعطني بها أجرا وضع عني بها وزرا وارزقني بها شكرا وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته قال أبو سعيد فأخبرت بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال نحن أحق بالسجود من الشجرة ثم قرأ ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ص~ وسجدو قال هذا القول ) (1/414)
صفحة 415
(قوله بلغني ) الحديث رواه الترمذي عن ابن عباس ولم يسم الرائي ولاذكر ص~ ورواه ابن ماجة أيضا ولم يذكر قوله وتقبلها مني كما تقبلها من عبدك داود عليه السلام (قوله رأيت )يعني في النوم وهذه الرؤيا حق لأن (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أخذ بمقتضاها وفي سؤال الشجرة حكمه باهرة لايطلع على كنهها الا الذي خلقها والأمر عظيم والقدرة قاهرة (وإن من شيء الا يسبح بحمده) وليس للشجرة وزر ولا لها في الآخرة أجر لإرتفاع التكليف فما معنى السؤال ( والجواب )أن على كل مخلوق القيام بحق الربوبية الثابت على العبودية وهو شيء غير التكليف تنطق به أحوال الكائنات وهو أفصح من نطق اللسان فالتقصير عن القيام بذلك الحق هو الذي سألت الشجرة غفرانه وسمته ذنبا والقيام بواجبه هو الذي طلبته وسمته آجرا وشكرا ويمكن غير ذلك (وما أوتيتم من العلم الاقليلا ) (قوله وارزقني بها شكرا) وفي رواية الترمذي وابن ماجة اللهم احطط عني بها وزرا واكتب لي بها أجرا واجعلها لي عندك ذخرا قال ابن عباس فرأيت (النبي صلى الله عليه وسلم ) قرأ السجدة فسجد فسمعته يقول في سجوده مثل الذي أخبره الرجل
عن قول الشجرة وفي الحديث التصريح بمشروعيه السجود فيهاوعن مجاهد قال سألت ابن عباس من أين سجدت في ص~ فقال (ومن ذريته داود وسليمان ) إلى قوله فبهداهم اقتده ففي هذا أنه استنبط مشروعية السجود فيها من الآية وفي الأول أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا تعارض بينهما لإحتمال أن يكون استفاده من الطريقين والله أعلم .
الباب الاربعون
(في القعود في الصلاه والتحيات)
(قوله في القعود في الصلاه والتحيات )وهي التشهد الذي يقال في القعود من الصلاه والمراد بالقعود في الباب مايتناول قعود التحيات وغيره من قعود المتطرع والمضطر في صلاته بدل القيام فإن الباب جامع للكل .
ماجاء (1/415)
صفحة 416
أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم (أبو عبيدة ) عن جابر بن زيد قال قال (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ( صلاة أحدكم قاعدا نصف صلاته قائما )
( قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ عن عبد الله ابن عمرو بن العاص ورواه الترمذي عن عمران بن حصين وللنسائي نحوه من حديث عبد الله بن عمر قال الترمذي وفي الباب عن عبد الله بن عمر وأنس والسائب قال وحديث عمران بن حصين حديث حسن صحيح ( قوله صلاة أحدكم ) في هذه الإضافة اشارة إلى ما ذكره بعض قومنا أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن صلاته قاعدا لا ينقص أجرها عن صلاته قائما لحديث عبد الله بن عمر قال بلغني أن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) قال صلاة الرجل قاعدا على نصف الصلاة فأتيته فوجدته يصلي جالسا فوضعت يدي على رأسي فقال مالك يا عبد الله فأخبرته فقال أجل ولكني لست كأحد منكم أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ( قوله نصف صلاته قائما ) يعني في الأجر وهو محمول عند الأكثر على النافلة وصرحت به رواية مالك بن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال لما قدمنا المدينة نالنا وباء من وكعها شديد فخرج ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) على الناس وهم يصلون في سبحتهم قعودا فقال (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) صلاة القاعد مثل نصف صلاة القائم وحمله الخطابي على مريض مفترض يمكنه القيام بمشقة فجعل أجر القاعد على النصف ترغيبا له في القيام مع جواز قعوده قال ابن حجر وهو حمل متجه قال فلو تحامل هذا المعذور وتكلف القيام ولو شق عليه كان أفضل لمزيد أجر تكلف القيام فلا يمتنع أن يكون أجره على ذلك على تحمل المشقة نظير أجره على أصل الصلاة فيصح أن أجر القاعد على النصف من أجر القائم ومن صلى النفل قاعدا مع القدرة على القيام أجزاه وكان أجره على النصف من أجر القائم بغير اشكال وهذا كلام يقتضي أن الحديث محمول على المعنيين معا وبه قال بعض شراح الحديث قال (1/416)
صفحة 417
ويشهد له ما رواه أحمد من طريق ابن جريج عن ابن الشهاب عن أنس قال قدم ( النبي صلى الله عليه وسلم ) المدينة وهي محمة فحم الناس فدخل صلى الله عليه وسلم المسجد والناس يصلون من قعود فقال (صلى الله عليه وسلم ) صلاة القاعد نصف صلاة القائم قال ورجاله ثقات قال وله متابع في النسائي من وجه آخر وهو وارد في المعذور .
ما جاء
( في صلاة النفل قاعدا ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي جالسا صلاة الليل قط ( أبو عبيدة ) عن جابر بن زيد قال بلغني عن حفصة زوج ( النبي صلى الله عليه وسلم ) قالت ما رأيت ( النبي صلى الله عليه وسلم ) يصلي قاعدا في سبحته قط حتى إذا كان قبل وفاته بعام ( فرأيته يصلي قاعدا ويقرأ بالسورة ويرتلها حتى تكون أطول من أطول منها ) (1/417)
صفحة 418
( قوله ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي جالسا صلاة الليل قط ) الحديث رواه أيضا الجماعة وزادوا حتى أسن وكان يقرأ قاعدا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلاثين أو أربعين آية ثم ركع وزادوا أيضا إلا ابن ماجة ثم يفعل في الركعة الثانية كذلك وهذه الزيادة تجمع بين حديثي عائشة وحفصة الآتي التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم إنما صلى قاعدا قبل وفاته بعام وذلك حين أسن وقول عائشة حتى أسن أي دخل في السن وفي رواية البخاري حتى كبرو بينت حفصة أن ذلك قبل موته بعام وغنما قيدت بصلاة الليل لتخرج الفريضة وبحتى أسن ليعلم أنه إنما فعل ذلك إيقاء على نفسه ليستديم الصلاة وإن كان لا يجلس عما يطيقه من ذلك وفي الحديث بيان لشدة حرصه (صلى الله عليه وسلم ) على أكمل الخصال مع ما تقدم من خصوصيته بعدم نقصان أجره قاعدا ( قوله عن حفصة ) الحديث رواه أيضا أحمد ومسلم والنسائي والترمذي وصححه ( قوله في سبحته ) بضم السين المهملة وسكون الباء الموحدة أي نافلته ( قوله قرأيته يصلي قاعدا ) وذلك ابقاء على نفسه ليستديم العمل والحديث يدل على جواز النافلة قاعدا وهو مجمع عليه ( قوله ويرتلها ) أي يقرأها بتمهل وترسل ليحصل مع ذلك التدبر كما أمره تعالى بقوله ( ورتل القرآن ترتيلا ) ولذا كانت قراءته (صلى الله عليه وسلم ) حرفا حرفا كما قالت أم سلمة وغيرها ( قوله حتى تكون أطول من أطول منها ) يعني أن السورة التي يقرأها ( النبي صلى الله عليه وسلم ) تصير أطول من سورة أطول منها بسبب ترتيلها وقيل المراد أن مدة قراءته لها أطول من قراءة سورة أخرى أطول منها إذا قرأت غير مرتلة وإلا فلا يمكن أن تكون السورة نفسها اطول من أطول منها من غير تقيد بالترتيل والإسراع ومن المعلوم أن المقصود واحد لكن الأول نظر إلى نفس التلاوة مع ترتيلها فإنها تقع في بادئ الرأي كأنها سورة طويلة مع قطع النظر عن زمان التلاوة والقائل الثاني نظر إلى نفس الزمان (1/418)
صفحة 419
الذي وقعت فيه التلاوة فإنه إنما طال بالترتيل .
ما جاء
( في القعود المنهى عنه في الصلاة ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) أنه نهى المصلي أن يقع في صلاته إقعاء الكلب وأن ينقر فيها نقر الديك أو يلتفت فيها التفات الثعلب أو يقعد فيها قعود القرد ( قال الربيع ) إقعاء الكلب ( أن يفرش ذراعيه ولا ينصبهما وقعود القرد أن يقعد على عقبيه وينصب قدميه ومن فعل شيئا من هذه الوجوه الأربعة فعليه اعادة الصلاة ) (1/419)
صفحة 420
( قوله أنه نهى الخ ) الحديث رواه أيضا أحمد عن أبي هريرة قال نهاني ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) عن ثلاث عن نقرة كنقرة الديك وإقعاء كإقعاء الكلب والتفات كالتفات الثعلب ولم يذكر الرابعة وهي قعود القرد قال بعض شراح الحديث أخرجه البيهقي أيضا وأشار إليه الترمذي وهو من رواية ليث بن أبي سليم قال وأخرجه أيضا أبو يعلى والطبراني في الأوسط قال في مجمع الزوائد واسناد أحمد حسن والنهي عن نقرة كنقرة الغراب أخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن شبل والنهي عن الإقعاء أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة من حديث علي مرفوعا بلفظ لا تقع بين السجدتين وفي اسناده الحارث الأعور ( قوله إقعاء الكلب ) قال الربيع إقعاء الكلب أن يفرش ذراعيه ولا ينصبهما وفي المختار أقعى الكلب جلس على أسته مفترشا رجليه وناصبا يديه قال وقد جاء النهي عن الإقعاء في الصلاة وهو أن يضع اليتيه على عقبيه بين السجدتين هذا تفسير الفقهاء قال وأما أهل اللغة فالإقعاء عندهم أن يلصق الرجل اليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويتساند إلى ظهره وقال النووي الإقعاء نوعان أحدهما أن يلصق اليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب هكذا فسره أبو عبيدة معمر بن المثني وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلام وآخرون من أهل اللغة قال وهذا النوع هو المكروه الذي رود النهي عنه والنوع الثاني أن يجعل اليتيه على العقبين بين السجدتين ( قلت ) وهذا أيضا داخل تحت النهي فالحاصل أن جميع هيئات الإقعاء داخلة تحت النهي وقد روى بعض قومنا عن ابن عباس أنه قال في الإقعاء على القدمين بين السجدتين أنه السنة فقال له طاوس إنا لنراه جفاء بالرجل فقال ابن عباس هي سنة نبيئكم أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود وقد روى معناه عن ابن عمر أيضا وهو لم يثبت عندنا وأجاب عنه الخطابي والماوردي بأن الإقعاء منسوخ ولعل ابن عباس لم يبلغه النهي وهذا بعيد لأن ابن عباس هو راوي (1/420)
صفحة 421
النهي عن المصنف واحتال بعضهم في الجمع بينهما فحمل النهي على بعض هيئات الإقعاء دون بعض ولو صح ذ لك عن ابن عباس لكان هذا الوجه أولى ولو كان بعض الإقعاء عند ابن عباس سنة لنقله عنه جابر مع كثره مخالطته له وأخذه عنه فالله أعلم بما يرويه قومنا من ذلك ( قوله نقر الديك ) يقال نقر الطائر الحب نقرا من باب قتل إذا التقطه بمنقاره والمراد به ترك الطمأنينه وتخفيف السجود وأن لا يمكث فيه الاقدر وضع الديك منقاره في مايريد التقاطه ( قوله التفات الثعلب ) هو أن يصرف وجهه يمينا وشمالا والثعلب حيوان معروف وفيه كراهية الإلتفات في الصلاه وقد وردت بالمنع منه أحاديث وثبت أن الإلتفات اختلاس من الشيطان ( قوله قعود القرد ) بكسر القاف وسكون الراء حيوان معروف ( قال الربيع ) قعود القرد أن يقعد على عقبيه وينصب قدميه قال المحشي والظاهر أن قعود القرد كالإقعاء قال وقد جاء النهي عن هيئات من القعود غير ما ذكر كتربع الملوك وقعود القرفصاء وهو ان يقعد الرجل قعده المحنتبي ثم يحتبي بيديه ويضعها على ساقيه وعقب الشيطان وقعود الحبشة وهو أن يضع الرجل اليتيه على عقبيه ويجلس على صدور قدميه ثم استظهر أن عقب الشيطان وقعود الحبشه وقعود القرد بمعنى واحد لأنهم فسروا كل واحد منها بما فسروا به الآخر والله اعلم (قوله فعليه اعاده الصلاه ) لأنه فعل في صلاته مانهاه عنه الشارع فهو متقرب الى الله بصلاة على هيئه منهي عنها ولا يصح أن يكون المنهي عنه قربة بل يكون إما حرا أو مكروها وكلاهما خلاف المأمور به والله أعلم .
ما جاء
( في التحيات ) ( أبو عبيدة ) عن جابر بن زيد عن ابن عباس التحيات كلمات كان يعلمهن (النبي صلى الله عليه وسلم ) أصحابه ومعنى التحيات الملك لله (1/421)
صفحة 422
( قوله التحيات كلمات الخ ) لفظ الحديث عند قومنا عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن كان يقول ( التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ) رواه مسلم وأبو داود بهذا اللفظ ورواه الترمذي وصححه كذلك لكنه ذكر السلام منكرا ورواه ابن ماجة كمسلم لكنه قال وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ورواه الشافعي وأحمد بتنكير السلام وقالا فيه وأن محمدا ولم يذكرا أشهد والباقي كمسلم ورواه أحمد من طريق آخر كذلك لكن بتعريف السلام ورواه النسائي كمسلم لكن نكر السلام وقال وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وعن ابن مسعود قال علمني رسول اللهصلى الله عليه وسلم التشهد كفي بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن ( التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ) رواه الجماعة ولأحمد من حديث أبي عبيدة عن عبد الله قال علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وأمره أن يعلمه الناس ( التحيات لله ) وذكره قال الترمذي حديث ابن مسعود أصح حديث في التشهد والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين وقال مسلم إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضا وغيره قد اختلف أصحابه وقال الذهلي أنه أصح حديث روي في التشهد ومن مرجحاته أنه متفق عليه دون غيره وأن رواته لم يختلفوا في حرف منه بل نقلوه مرفوعا على صفة واحدة وقد أخرج عبد الرزاق عن عطاء أن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) أمر رجلا أن يقول عبده ورسوله وقد روى التشهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة غير ابن عباس وابن مسعود قال في القواعد والتشهد المأثور عن (1/422)
صفحة 423
الصحابة رحمهم الله على ثلاثة أنواع ثم ذكرها متوالية ثم قال فبأي هذه الألفاظ أخذ الإنسان فلا بأس عليه إن شاء الله وذكر بعض قومنا الإجماع على جواز كل تشهد من التشهدات الصحيحه ثم قال ولولا هذا الإجماع لكان اللازم الأخذ بالزائد فالزائد من ألفاظها والله أعلم ( قوله كان يعلمهن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) أصحابه ) استدل بهذا على وجوب التحيات وكذلك استدل على وجوبها بقوله (صلى الله عليه وسلم ) في بعض روايات حديث ابن مسعود إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله ثم ذكره وروى الدار قطني وقال اسناده صحيح عن ابن مسعود قال كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد السلام على الله السلام على جبريل وميكائيل فقال ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) لا تقولوا هكذا ولكن قولوا التحيات لله وذكره ( قوله ومعنى التحيات الملك لله ) هذا قول ابن عمر وأبي عبيدة وأكثر الفقهاء وقيل معناها العظمة ونسب إلى ابن عباس وقيل المجد ونسب إلى بشير بن محمد بن محبوب رضي الله عنهم وقيل معناها البقاء وقيل السلامة من الآفات والنقص وقيل معناها السلام قال الطبري يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركا بين هذه المعاني وقال الخطابي والبغوي المراد بالتحيات أنواع التعظيم ومعنى الحديث أن التحيات وما بعدها مستحقة لله تعالى ولا يصح حقيقتها لغيره ( وأما المباركات ) فقيل أسماء الله الحسنى لأنها بركة لمن ذكرهن أو ذكرن عليه ( وأما الصلوات) فقيل هي الصلوات الخمس المفروضة وقيل مطلق الصلوات وقيل العبادات كلها وقيل الرحمة وقيل التحيات العبادات القولية والصلوات العبادات الفعلية والطيبات العبادات المالية (وأما الطيبات ) فقيل هي ما طاب من الكلام وقيل ذكر الله وهو أخص وقيل الأعمال وهو أعم ( وأما السلام ) فقيل التحية وقيل هو اسم من أسما الله ومعناه التعوذ بالله والتحصن به وقيل معناه السلامة من كل عيب وآفة ونقص وفساد .
ما جاء (1/423)
صفحة 424
( في إمامة القاعد بالقائم ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك أن ( النبي صلى الله عليه وسلم ) ركب فرسا فصرع عنه فجحش شقه الأيمن ) فصلى وهو جالس فصلينا وراءه قائما فصلوا قياما وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد قال جابر ( وإنما يجوز مثل هذا خلف أئمة العدل وأما غيرهم فلا )
( قوله عن أنس بن مالك ) الحديث رواه أيضا البخاري ومسلم وأحمد من طريق أنس أيضا ( قوله ركب فرسا ) يطلق على الذكر والأنثى وللبخاري عن أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم ) صرع عن فرسه الخ ففي هذه الإضافة دليل على أن الفرس كانت له ملكا وفي رواية أبي داود وابن ماجة عن جابر قال ركب ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فرسا بالمدينة فصرعه على جذع نخلة فانفكت قدمه فأتيناه نعوده فوجدناه في مشربة لعائشة يسبح جالسا قال فقمنا خلفه فسكت عنا ثم أتيناه مرة أخرى نعوده فصلى المكتوبة جالسا فقمنا خلفه فأشار إلينا فقعدنا فلما قضى الصلاة قال إذا صلى الإمام جالسا فصلوا جلوسا وإذا صلى الإمام قائما فصلوا قياما ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس لعظمائها ولأحمد (1/424)
صفحة 425
في مسنده حدثنا يزيد بن هارون عن حميد عن أنس أن ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) انفكت قدمه فقعد في مشربة له درجتها من جذوع فأتى أصحابه يعودونه فصلى بهم قاعدا وهم قيام فلما حضرت الصلاة الأخرى قال لهم ائتموا بإمامكم فإذا صلى قائما فصلوا قياما وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا ( قوله فصرع ) أي سقط عنه ( قوله فجحش ) بالبناء للمفعول بمعنى خدش والخدش قشر الجلد ( قوله شقة الأيمن ) وفي حديث جابر فانفكت قدمه وفي رواية يزيد عن حميد عن أنس ساقه أو كتفه وجمع بينها ابن حجر باحتمال وقوع الأمرين ثم قال قال سفيان حفظت من الزهري شقه الأيمن فلما خرجنا قال ابن جريج ساقه الأيمن الخ فذكر أن هذه الرواية مفسرة لمحل الخدش من الشق الأيمن لأن الخدش لم يستوعبه قال وأفاد ابن حبان أن هذه القصة كانت في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة ( قلت ) وذكر في تاريخ الخميس أنها في ربيع الأول أو في ذي الحجة من هذه السنة وفيه أيضا أنه أقام في البيت خمسا يصلي قاعدا ( قوله وهو جالس ) أي للعذر الذي به وهو الخدش أو انفكاك القدم ( قوله فصلينا وراءه قعودا ) وهي الصلاة الثانية التي صرح بها جابر في حديثه المتقدم وسماها المكتوبة فإنه أخبر أنهم صلوا وراءه وهو قاعد في مرضه ذلك مرتين الأولى منهما سبحة وأنهم صلوا وراءه قياما والثانية فرض فصلوها قعودا لما أمرهم بذلك قال ابن حجر ولم أقف على تعيينها إلا أن في حديث أنس فصلى بنا يومئذ وكأنها نهارية الظهر أو العصر (قوله انما جعل الإمام إماما ) في روايه قومنا إنما جعل الإمام ليؤتم به دون قوله إماما وقد ثبتت هذه الزيادة أيضاً عند بعضهم ( قوله ليؤتم به ) أي ليتبع في أفعاله وأقواله إلا ما أستثني من ترك القراءة خلفه وقد روى الخمسة إلا الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً إنما جعل الإمام ليؤيم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأفانصتوا ( قوله فإذا صلى قائماً ) تفسير لقوله ليؤتم به ( قوله فصلوا قعوداً ) وذلك من تمام (1/425)
صفحة 426
الإتباع ولأ قيام الناس على القاعد من فعل الأعاجم بعظمائها وهي هيئة يبعضها الله تعالى فلا يصح أن تجعل في عماد الدين الذي هوالصلاة وفي الحديث صحة إمامة القاعد وأن المامومين يصلون وراءه قعوداً أتباعاً له وفي المسئلتين خلاف قال جابر وإنما يجوز مثل هذا خلف أئمة العدل وأما غيرهم فلا ( وحكي ابن حيان ) عن جابر بن زيد جواز ذلك على الإطلاق وهو أقرب إلى معنى الحديث والربيع أعلم بأحوال جابر فإنه أدركه وأخذ عنه وأخذ عن أصحابه الخاصين به ضمام وأبي عبيدة وأبي نوح رحمهم الله وروى ابن حزم القول بذلك عن جمهور السلف ورواه عن بعض الصحابه وهم جابر وأبو هريرة وأسيد بن حضير قال ولا مخالف لهم يعرف في الصحابه ( وقيل ) أن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره فلا يصح لأحد أن يؤم جالسا بعده صلى الله عليه وسلم قيل وهو مشهور قول مالك وجماعة أصحابه واستدل لذلك بأنه صلى الله عليه وسلم لا يصح التقدم بين يديه في الصلاة ولا في غيرها ولا لعذر ولا لغيره ( ورد ) بصلاته صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف وخلف أبي بكر وأن الأصل عدم التخصيص وقيل أن ذلك منسوخ بصلاته صلى الله عليه وسلم في مرض موته بالناس قاعدا وهم قائمون خلفه ولم يأمرهم بالقعود وهو قول الشافعي والحميدي وغير واحد وأنكر أحمد نسخ الأمر بذلك وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين إحداهما إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعدا لمرض يرجى برؤه فحينئذ يصلون خلفه قعودا والثانية اذ ا ابتدأ الامام قائما لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قياما سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدا أم لا كما في الأحاديث التي في مرض موته صلى الله عليه وسلم فإن تقريره لهم على القيام دال على أنهم لايلزمهم الجلوس في تلك الحاله لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة قائما وصلوا معه قياما بخلاف الحالة الأولى فإنه صلى الله عليه وسلم إبتدأ الصلاة جالسا فلما صلوا خلفه قياما أنكر عليهم وقواه بعض (1/426)
صفحة 427
شراح الحديث بأن الأصل عدم النسخ لاسيما وهو في هذه الحالة يستلزم النسخ مرتين لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لايصلي قاعدا وقد نسخ إلى القعود في حق من صلى إمامه قاعدا فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النسخ مرتين وهو بعيد والله اعلم .
الباب الحادي والأربعون
الجواز بين يدي المصلي
ما جاء في وعيد المار بين يدي المصلي
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو يعلم المار بين المصلي لوقف إلى يوم الحشر .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لوقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه .
قال جابر : قال بعض الناس يعني أربعين خريفاً وقال آخرون أربعين شهراً وقال آخرون أربعين يوما .
------------------------------------
قوله ( الجواز بين يدي المصلي ) يعني قدامه والمراد بالجواز المرور وهو منهي عنه لأحاديث الباب والسر في ذلك لئلا يشوش على المصلي فيشغله عن مناجاة ربه ، ولاحترام الصلاة حتى جعل للمصلي هذه المنزلة وهي أن لا يمر أحد بين يديه وذلك شأن العظماء عند أهل الدنيا فجعل للمصلين لأنهم أعظم رتبة وأعلى قدراً عن الرب تعالى . (1/427)
صفحة 428
قوله (عن ابن عباس ..الحديث الخ ) لم أجده في شيء من كتب الحديث بهذا اللفظ على هذا الحال وكأن المصنف رحمه الله قد تفرد به وهو الحجة فيما تفرد به ، وغيره له في المعنى شواهد من غير طريق ابن عباس منها الحديث الآتي بعده ، ومنها حديث أبي هريرة عند ابن ماجة بإسناد صحيح وعند ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو يعلم أحدكم ماله في أن يمر بين يدي أخيه معترضاً في الصلاة كان لأن يقيم مائة عام خير له من الخطوة التي خطاها . وعن كعب الأحبار قال : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يخسف به خيراً له من أن يمر بين يديه . وفي رواية أهون عليه . رواه مالك والكل مبالغة .
قوله ( لو يعلم المار ) أي قاصد المرور .
قوله ( بين يدي المصلي ) أي أمامه بالقرب منه . وعبر باليدين لكون أكثر الشغل يقع بهما . واختلف في تحديد ذلك فقيل إذا مر بينه وبين سجوده ، وقيل بينه وبين ثلاثة أذرع ، وقيل بينه وبين قدر رمية حجر .
قوله ( ماذا عليه ) معناه أي شيء عليه من الاثم بسبب مروره بين يديه ، ولعل حكمة إبهامه الدلالة على عظم ذلك الاثم ، وأنه واصل على ما لا يقدر قدره كقوله تعالى ( فغشيهم من اليم ما غشيهم ) .
قوله ( لوقف إلى الحشر ) وهو يوم القيامة مبالغة في تعظيم الاثم . والمعنى أنه لو علم ماذا عليه لاختار الوقوف عن المرور ولو استمر وقوفه إلى الحشر لأن ذلك أهون عليه من إثم المرور .
قوله ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الحديث مرسل عن المصنف وقد رواه الجماعة عن أبي جهيم عبدالله بن الحارث بن الصمة الأنصاري وإسناده عندهم عن أبي النظر مولى عمرو بن عبيدالله عن بسر بن سعيد عن أبي جهيم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه . قال أبو النظر : لا أدري قال أربعين يوماً أو شهراً أو سنة . (1/428)
صفحة 429
قوله ( ماذا عليه ) في رواية للبخاري ( من الاثم ) تفرد بها الكشمهيني قال ابن حجر : ولم أرها في شيء من الروايات مطلقاً . قال : فيحتمل أن تكون ذكرت في أصل البخاري حاشية فظنها الكشمهيني أصلاً وقد أنكر ابن الصلاح في مشكل الوسيط على من أثبتها .
قوله ( لوقف أربعين ) تقدم في رواية القوم أنه قال : لكان أن يقف أربعين خيراً له . قيل وفي تخصيص العدد بالأربعين حكمتان إحداهما كون الأربعة أصل جميع الأعداد فلما أريد التكثير ضربت في عشرة ، والثانية كون كمال أطوار الإنسان بأربعين كالنطفة والمضغة والعلقة وكذا بلوغ الأشد ، والظاهر أن المراد المبالغة فقط كما تقدم نظيره من حديث ابن عباس عند المصنف وأبي هريرة عن ابن ماجة . قيل وأبهم المعدود تفخيماً للأمر وتعظيما . ورد : بأن ظاهر السياق أنه عين المعود لكن شك الراوي فيه وقد وقع معيناً في مسند البزار بقوله : لكان أن يقف أربعين خريفا .
قوله ( خيراً له ) بالنصب خبر لكان المحذوفة والتقدير ولو وقف لكان خيراً له ، وفي نسخة بالرفع وهو رواية عند قومنا ، وهو هنا خبر لمبتدأ محذوف تقديره وذلك خير له . (1/429)
صفحة 430
قوله ( قال بعض الناس .. الخ ) بيان للخلاف الواقع في تعيين المعدود وأن بعضهم قال أربعين خريفاً أي سنة وبعضهم قال أربعين شهراً وبعضهم قال أربعين يوما . قال الطحاوي : المراد أربعون سنة لا يوماً ولا شهراً . وقد تقدم في مسند البزار أربعين خريفا . وكذلك وقع أيضاً في بعض نسخ المسند ، وحكاية الخلاف من جابر رضي الله عنه تدل على أنه كان اختلافاً في نفس الرواية يعني أن بعضاً رواه كذا وبعضاً رواه كذا . قال أبو النظر مولى عمرو بن عبيدالله : لا أدري قال أربعين يوماً أو شهراً أو سنة . وهذا شاك في الرواية مع علمه أنه قال واحد من الثلاثة . وكونه أربعين خريفاً أقرب لمعنى المبالغة المقصودة من الحديث كما يدل عليه حديث ابن عباس لوقف إلى الحشر وحديث أبي هريرة كان أن يقيم مائة عام خير له من الخطوة التي خطا .
ما جاء في دفع المار بين يدي المصلي
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أحدكم إذا كان في الصلاة فلا يدع أحداً يمر بين يديه وليدرأ ما استطاع فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان .
---------------------------------
قوله ( عن أبي سعيد الخدري ) الحديث رواه أيضاً الجماعة إلا الترمذي وابن ماجة ولفظه عندهم عن أبي سعيد قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس وأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان .
قوله ( فلا يدع ) أي فلا يترك أحداً من الناس يمر بين يديه .
…قوله ( وليدرأه ) أي يدفعه ما استطاع دفعه . قال القرطبي : أي بالإشارة ولطيف المنع . (1/430)
صفحة 431
قوله ( فإن أبى ) أي امتنع . وقوله ( فليقاتله ) أي يزيد في دفعه الثاني أشد من الأول . قال القاضي عياض والقرطبي : وأجمعوا على أنه لا يلزم أن يقاتله بالسلاح لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة والاشتغال بها . وأطلق جماعة من الشافعية أن له أن يقاتله حقيقة , واستبعد ذلك ابن العربي وقال : المراد بالمقاتلة المدافعة . وقد روى الإسماعيلي بلفظ ( فإن أبى فليجعل يده في صدره وليدفعه ) وهو صريح في الدفع باليد . وكذلك فعل أبو سعيد بالغلام الذي أراد أن يجتاز بين يديه . قال القاضي عياض : فإن دفعه بما يجوز فهلك فلا قود عليه باتفاق العلماء . قال : وهل تجب دية أم يكون هدراً ؟ مذهبان للعلماء وهما قولان في مذهب مالك . وحكى القاضي عياض وابن بطال الاجماع على أنه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه ولا العمل الكثير في مدافعته لأن ذلك أشد في الصلاة من المرور .
قوله ( فإنما هو شيطان ) أي من شياطين الإنس ، فهو على حد قوله تعالى
( شياطين الإنس والجن ) وسبب إطلاقه عليه أنه فعل الشيطان ، وقيل معناه إنما حمله على مروره وامتناعه من الرجوع الشيطان ، وقيل المراد بالشيطان القرين المقرون بالإنسان لا يفارقه وهو المعني بقوله تعالى ( قال قرينه ربنا ما أطغيته ) واستنبط بعضهم من قوله ( فإنما هو شيطان ) أن المراد بالمقاتلة المدافعة اللطيفة لا حقيقة القتال لأن مقاتلة الشيطان إنما هي بالاستعاذة والتستر عنه بالتسمية ونحوها . والحكمة في المقاتلة دفع الخلل المخوف وقوعه في صلاة المصلي وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته ، وروى أبو نعيم عن عمر لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس .
ما جاء أن صلاة النافلة لا يقطعها النائم بين يدي المصلي (1/431)
صفحة 432
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أنها قالت : كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فإذا قام بسطتهما والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح .
---------------------------------
قوله ( عن عائشة ) الحديث رواه الجماعة إلا الترمذي ولفظه عندهم ( عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاته من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة اعتراض الجنازة فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت ) وهذه الزيادة لم يروها المصنف رضوان الله عليه ، وكذا قوله ( من الليل ) ، وقوله ( اعتراض الجنازة ) ليست في رواية المصنف وعنده رحمة الله ثلاث زيادات ليست في حديثهم إحداها قوله ( ورجلاي في قبلته ) ، والثانية قوله ( فإذا سجد غمزني فإذا قام بسطتهما ) ، والثالثة قوله ( والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح ) وباقي ألفاظ الحديث متقاربة في المعنى . والحديث يدل على جواز صلاة التطوع إلى النائم من غير كراهة وقد كرهه مجاهد وطاووس ومالك خشية أن يبدو من النائم مما يلهي المصلي عن صلاته . واستدلوا بحديث ابن عباس عند أبي داود وابن ماجة بلفظ ( لا تصلوا خلف النائم والمتحدث ) وقد قال أبو داود طرقه كلها واهية . وقال النووي : هو ضعيف باتفاق الحفاظ .
قوله ( ورجلاي في قبلته ) وذلك في صلاة الليل كما تقدم ، وقد يجوز في التطوع ما يجوز في الفرض .
قوله ( فإذا سجد غمزني ) أي بيده لتكف رجليها عن موضع سجوده وهذا يدل على أنها كانت بينه وبين سجوده .
قوله ( مصابيح ) جمع مصباح وهو السراج تعني أن سبب ذلك الظلمة الحاصلة في البيوت بعدم المصابيح ، وأنه صلى الله عليه وسلم دخل في الصلاة وهو لا يرى أنها بين يديه ولو كان مصباح لاختار الأكمل .
ما جاء في النهي أن يستقبل حيواناً في صلاته
قال جابر : وقد ورد النهي في رواية أخرى لا يستقبل الرجل في صلاته حيواناً .
--------------------------------- (1/432)
صفحة 433
قوله ( وقد ورد النهي في رواية أخرى ) أي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الرواية مرسلة لأنه رضي الله عنه لم يذكر راويها من الصحابة ولم أجد لها ذكراً في شيء من كتب الحديث فالظاهر أن المصنف قد تفرد بها ، وإنما ساقها بعد حديث عائشة إشارة إلى التعارض الواقع بينهما فيحتاج إلى الجمع أو الترجيح والجمع ممكن بأن يحمل حديث عائشة على النفل وهذا على الفرض ، أو يحمل الأول على عدم القصد والثاني على القصد والتعمد وقد يغتفر مع عدم العمد مالا يغتفر عند العمد والله أعلم .
ما جاء في المرور قدام بعض الصف
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أقبلت ذات يوم وأنا راكب على حمار وأنا يومئذ بمنى فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت فأرسلت الحمار يرتع فدخلت في الصف فلم ينكر عليّ أحد .
---------------------------------
قوله ( عن ابن عباس ) الحديث رواه أيضاً الجماعة ولفظه عندهم ( عن ابن عباس قال أقبلت راكباً على أتان وأنا يومئذ ناهزت الاحتلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع فدخلت في الصف فلم ينكر ذلك عليّ أحد ) والأتان بهمزة مفتوحة وتاء مثناة من فوق الأنثى من الحمير ولا يقال أتانة والحمار يطلق على الذكر والأنثى كالفرس .
قوله ( ذات يوم ) وذلك في حجة الوداع وهي في السنة العاشرة من الهجرة .
قوله ( على حمار ) أي أنثى كما صرحت به رواية الجماعة بلفظ الأتان .
قوله ( بمنى ) فيه لغتان الصرف والمنع ولهذا يكتب بالألف والياء والأجود صرفها وكتابتها بالألف . وسميت بها لما يمنى بها من الدماء أي يراق ويصب .
قوله ( فمررت ) أي راكباً .
قوله ( بين يدي بعض الصف ) يعني الصف الأول كما في البخاري .…
…
قوله ( فنزلت ) أي عن حماري .
قوله ( فأرسلت ) أي أطلقت وفي رواية الجماعة بالواو مكان الفاء . (1/433)
صفحة 434
قوله ( يرتع ) بمثناة تحتية فراء مهملة فمثناة فوقية فعين مهملة أي يأكل الحشيش ويتوسع في المرعى ، وإنما ذكره باعتبار لفظه وفي رواية الجماعة ترتع بالمثناة الفوقية لأن الواقع في حديثهم الأتان مكان الحمار ، وفي بعض نسخ المسند يربع بموحدة بعد الراء ومعناه كالأول يقال ربعت الأبل إذا رتعت في المرعى .
قوله ( فدخلت في الصف ) يعني فصليت معهم .
قوله ( فلم ينكر عليّ أحد ) من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا في الصلاة ولا بعدها والغرض منه أن مرور الحمار بين يديه لا يقطع . قال ابن دقيق العيد : استدل ابن عباس بترك الانكار على الجواز ولم يستدل بترك إعادتهم الصلاة لأن ترك الإنكار أكثر فائدة واستدل بالحديث على أن الصلاة لا يقطعها شيء وقالوا أنه ناسخ للأحاديث المقتضية للقطع لكون هذه القصة في حجة الوداع ، وقد ورد ما يؤيده من حديث الفضل ابن عباس عند أحمد والنسائي ، وقيل إن أحاديث القطع خاصة بالإمام والمنفرد فأما المأموم فلا يضره من يمر بين يديه لحديث ابن عباس هذا ، لكن اختلفوا هل سترة المأمومين سترة إمامهم أو سترتهم الإمام بنفسه وهو المذهب عندنا ، وعلى هذا فلا يتم استدلالهم بالحديث على عدم القطع والخلاف موجود في المذهب والله أعلم .
الباب الثاني والأربعون
في السهو في الصلاة
ما جاء في من التبس عليه أمر صلاته
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبّس عليه صلاته حتى لا يدري كم صلى فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس .
قال الربيع : قال أبو عبيدة ذلك إذا كان الرجل خلف إمامه وأما إذا كان وحده فليعد صلاته .
--------------------------------- (1/434)
صفحة 435
قوله ( في السهو في الصلاة ) المراد بيان سببه وحكمه ، وهو هنا ضد العمد فيشمل الخطأ والنسيان وهو لغة الغفلة عن الشيء وذهاب القلب إلى غيره ، وقضيته أن السهو والنسيان مترادفان . والسهو في الصلاة غير السهو عنها ، فإن السهو عنها التغافل عن أدائها وصاحبه منافق لقوله تعالى ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ) . والسهو في الصلاة هو الخطأ في شيء من أركانها أو نسيانه حال الأداء وهذا يقع لمؤمنين بل لخواصهم بل للأنبياء كما وقع ذلك لسيد الأولين والآخرين عليه صلوات الله وسلامه . ومن رحمة الله علينا أن شرع لنا عند ذلك سجدتين نسجدهما بعد تمام الصلاة . قال المحشي : وأجمع أصحابنا على أنهما من تمام الصلاة ، واختلفوا هل هما بدل من سهوه أو استغفار منه ؟ قال : وينبني على الخلاف في ذلك الخلاف في ما قال فيهما وفي السلام بعدهما وفي تكررهما بتكرر السهو في الصلاة ، فمن قال أنهما بدل من سهوه في الصلاة يقول فيهما سبحان ربي الأعلى ثلاثاً في كل مرة كما يسبح في الصلاة ويسلم منهما كما يسلم من الصلاة ويكررهما بتكرر السهو في الصلاة لقوله عليه السلام ( لكل سهو سجدتان بعد التسليم ) . ومن قال أنهما استغفار قال يقول استغفرك اللهم مما كان مني ثلاثاً في كل سجدة فإذا فرغ منهما قال صلى الله على نبينا محمد وآله وسلّم ولا يكررهما بتكرر السهو . قال في الإيضاح : كما كان يستغفر لأفعال كثيرة بمرة واحدة . قلت : والمختار عندي أنهما جبر للخلل الواقع وأنهما لا يتكرران بتكرر السهو فهو قول ثالث ولا يلزمنا من القول بأنهما جبر القول بتكررهما لأن الشيء الواحد قد يكون جبراً لأشياء متعددة بفضل الله ورحمته ، ثم إن قوله صلى الله عليه وسلم : ( فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين ) يدل على أن السجود لا يتكرر بتكرر السهو لأنه لو لم تكن السجدتان كافيتين لذلك مع تكرار السهو لبينه عليه الصلاة والسلام والحال أنه عالم بأن تكرر السهو ممكن (1/435)
صفحة 436
وواقع والله أعلم .
قوله ( قال بلغني ) الحديث رواه الجماعة من حديث أبي هريرة .
قوله ( إذا قام ) أي شرع . وقال ابن حجر : ذكر القيام للغالب .
قوله ( جاءه الشيطان ) أل فيه يحتمل أنها للجنس ، ويحتمل أنها للعهد الذهني وهو إبليس أو الشيطان المسلط على المصلين من مردته وأعوانه .
قوله ( فلبّس ) بفتح الباء مخففاً ويشدد أي خلّط عليه وشوّش خاطره يقال لبّست الأمر بالفتح إذا خلطت بعضه ببعض ومنه قوله تعالى ( وللبسنا عليهم ما يلبسون ) .
قوله ( حتى لا يدري ) أي لا ينفك عنه ولا يفارقه حتى يتركه لا يدري كم صلى ركعة أو ركعتين أو أكثر .
قوله ( فليسجد ) أي وجوباً عندنا وعند جمهور قومنا ، وندباً عند الشافعي .
قوله ( سجدتين ) أي ينويهما عن السهو الواقع . وفيه دلالة على أنه لا زيادة عليهما وإن سها بأمور متعددة .
قوله ( وهو جالس ) قيل بعد السلام وهو مشهور المذهب وعليه الحنفية ، وقيل قبله هو ذهب الشافعي ، وقيل إن سها فنقص سجد قبل التسليم وإن سها بزيادة سجد بعده وكأنه مذهب مالك والأقوال في المذهب أيضا . (1/436)
صفحة 437
قوله ( ذلك إذا كان الرجل خلف إمامه ) هذا تخصيص للحديث ، والمخصص شيئان أحدهما ظاهر الحال فإنه صلى الله عليه وسلم قد وجّه الخطاب إليهم والحال أنهم يصلون وراءه جماعة فشاهد الحال يدل على أن الساهي خلف إمامه ، والثاني أن المصلي خلف إمامه يلزمه الاقتداء به فهو يأتم به قائماً أو قاعداً فعدم درايته كم صلى لا يضره لأنه مقلد لإمامه وينجبر سهوه بالسجود ، أما المنفرد أو الإمام فإن جهلهم بعدد ما صلوا قادح في فعلهم لأن افرض عليهم ركعات معدودة وهم لم يدروا كم صلوا فلم يخرجوا من عهدة الأمر ولهذا قال أبو عبيدة رحمة الله عليه : إذا كان وحده فليعد صلاته . وقال في القواعد : يتم صلاته ويعيد وقيل يبني على اليقين لأن الله عزوجل لا يعبد بالشك ومعناه أنه يطرح ما شك فيه ويعول على ما تيقن فلو شك في الثالثة زاد اثنتين بناء على الركعتين اللتين تيقنهما وهذا في الرباعيات ومثله في باقي الصلوات ، وقيل لا يشتغل بالشك إذا كان عنده أنه قد صلى واستدل هذا القائل بحديث ذي اليدين فقال : ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن متيقناً لأنه لو انصرف عن يقين لم يصدقهم وهذا القول إنما يتصور عند حصول الظن الراجح والنزاع عند عدمه حيث لم يدر المصلي كم صلى والله أعلم .
ما جاء أن الشيطان يخطر بين المرء ونفسه
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له صوت حتى لا يسمع التأذين فإذا مضى النداء أقبل حتى إذا ثوّب أدبر حتى إذا مضى أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه فيقول اذكر كذا اذكر كذا حتى يصلي الرجل ولا يدري كم صلى .
---------------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً البخاري ومسلم . وروى مسلم عن جابر قال : سمعت النبي يقول : إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء . قال الراوي : والروحاء من المدينة ستة وثلاثين ميلا . (1/437)
صفحة 438
قوله ( إذا نودي للصلاة ) أي بالتأذين .
قوله ( أدبر الشيطان ) أي هرب عن موضع الأذان .
قوله ( له صوت ) وفي رواية الشيخين له ضراط ، وهذا لثقل الأذان عليه كما يحدث للحمار إذا أثقله الحمل . قال الطيبي : شبه شغل الشيطان نفسه وإغفاله عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره ثم سماه ضراطاً تقبيحاً له . وقيل وهو الظاهر أنه محمول على الحقيقة لأن الشياطين يأكلون ويشربون كما ورد في الأخبار فلا يمتنع وجود ذلك منهم خوفاً من ذكر الله .
قوله ( حتى لا يسمع التأذين ) تعليل لإدباره أي يدبر لئلا يسمعه ويحتمل الغاية والتقدير يدبر إلى حيث لا يسمع التأذين .
قوله ( فإذا مضى النداء ) أي تم الأذان وفي رواية الشيخين فإذا قضى النداء أي فرغ المؤذن منه .
قوله ( ثوّب ) بضم المثلثة وتشديد الواو المكسورة وهو الإعلام للغير والمراد به هنا الإقامة وهو قول الجمهور . قال ابن حجر : وبه جزم أبو عوانة في صحيحه والخطابي والبيهقي وغيرهم . قال القرطبي : ثوّب بالصلاة أي أقيمت . وأصله رجع إلى ما يشبه الأذان وكل من رد صوتاً فهو مثوب ويدل عليه رواية مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة فإذا سمع الإقامة ذهب وزعم بعض الكوفيين أن المراد بالتثويب قول المؤذن بين الأذان والإقامة حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة . وحكى ذلك ابن المنذر عن أبي يوسف وزعم أنه تفرد به . (1/438)
صفحة 439
قوله ( حتى يخطر ) بفتح الياء وكسر الطاء وتضم . وحتى تعليلية والمراد بنفسه قلبه والمعنى أنه يحول ويحجز بين المرء وقلبه بوسوسته فلا يتمكن من الحضور في الصلاة . قال في الأساس : خطر الرجل برمحه إذا مشى بين الصفين وهو يخطر في مشيته يهتز . قال الأبهري : يخطر بضم الطاء وكسرها . قال النووي : معنى الكسر يوسوس من خطر البعير بذنبه إذا حركه فضرب به فخذه ، وبالضم يدنو منه . وقال عياض : والكسر هو الوجه ولا ينافي إسناد الحيلولة إليه بإسنادها إليه تعالى في قوله عزوجل ( واعلموا أن يحول بين المرء وقلبه ) لأن هذا الاسناد حقيقة و الأول مجاز لأنه أطلق عليه باعتبار أن الله تعالى مكنه منها حتى يتم ابتلاء العبد به ، وأيضاً الأول أضيف إلى الشيطان فإنه مقام شر ولذا عبّر عن قلبه بنفسه ، والثاني مقام الاطلاق كما يقال الله خالق كل شيء وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم الخير بيديك والشر ليس إليك . مع اعتقاد أن الأمر كله لله وكل من عند الله يعني فهو نظير قوله تعالى ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) هذا معنى كلامه .
قوله ( فيقول له .. الخ ) تفسير لمعنى الخطور .
قوله ( اذكر كذا اذكر كذا ) كناية عن أشياء غير متعلقة بالصلاة من ذكر مال وحساب وبيع وشراء .
قوله ( حتى يصلي الرجل ولا يدري كم صلى ) يعني حتى يوقعه في الشك في صلاته . ورواية الشيخين ( حتى يظل لا يدري كم صلى ) أي حتى يصير من الوسوسة بحيث لا يدري كم صلى .
ما جاء في التسليم من ركعتين سهواً
أبو عبيدة عن جابر بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلّم من اثنتين فقيل يا رسول الله أقصرت الصلاة ؟ فقام فأتم ما بقي من الصلاة وسلّم فسجد سجدتين بعد السلام .
--------------------------------- (1/439)
صفحة 440
قوله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الحديث مرسل عند المصنف وقد رواه الجماعة من حديث ابن سيرين عن أبي هريرة في قصة طويلة قال أبو هريرة : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشاء . قال ابن سيرين : قد سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا . قال : وصلى بنا ركعتين ثم سلّم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد اتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبّك بين أصابعه ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى وخرجت سرعان القوم من أبواب المسجد وقالوا قصرت الصلاة وفي القوم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فهاباه أن يكلماه وفي القوم رجل في يديه طول يقال ذو اليدين قال : يا رسول الله : أنسيت أم قصرت الصلاة ؟ فقال : لم أنس ولم تقصر . فقال : أكما يقول ذو اليدين ؟ فقالوا : نعم . فتقدم وصلى ما ترك ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر . فربما سألوه ثم سلّم ؟ فيقول : نبئت أن عمران بن حصين قال ثم سلّم . ا.هـ. ولفظه للبخاري . وليس في رواية مسلم وضع اليد على اليد ولا التشبيك وقوله ( فربما سألوه ) أي سألوا ابن سيرين بقولهم ثم سلّم فيجيبهم نبئت إلى آخره . والمراد بقوله إحدى صلاتي العشاء إما الظهر أو العصر وقد جزم به سلمة في رواية بالظهر وفي أخرى بالعصر وفي رواية أخرى صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر أو العصر . وطرق حديث ذي اليدين كثيرة جداً حتى قال ابن عبد البر ليس في أخبار الآحاد أكثر منه طرقاً إلا قليلا .
وقال غيره : فهو من قسم المستفيض المسمى بالمشهور .
قوله ( سلّم من اثنتين ) أي بعد ركعتين ساهياً يظن أنها قد تمت . (1/440)
صفحة 441
قوله ( فقيل يا رسول الله ) قائل ذلك هو ذو اليدين قيل اسمه خرباق السلمي الحجازي .وقال الطيبي : خرباق لقب له واسمه عمير ويكنى أبا محمد . وقال ابن الأثير في جامع الأوصل : ذو اليدين رجل من بني سليم يقال له الخرباق صحابي حجازي شهد النبي صلى الله عليه وسلم وقد سها في صلاته وقيل له أيضاً ذو الشمالي في ما رواه مالك بن أنس عن الزهري . قال ابن عبد البر : ذو اليدين غير ذو الشمالين وأن ذا اليدين هو الذي جاء ذكره في سجود السهو وأنه الخرباق وأما ذو الشمالين فإنه عمير بن عبد عمر . وقال ابن إسحاق : هو خزاعي قدم مكة أبوه شهد بدراً وقتل بها . قال : وذو اليدين عاش حتى روى عنه المتأخرون من التابعين . وحديث سجود السهو قد شهده أبو هريرة ورواه وأبو هريرة أسلم عام خيبر بعد بدر بأعوام فبهذا تبين لك أن ذا اليدين غير ذي الشمالين وكان الزهري مع علمه بالمغازي يقول أن ذا اليدين هو ذو الشمالين المقتول ببدر وأن قصة السهو كانت قبل بدر ثم أحكمت الأمور . قال : وذلك وهم منه . وقال النووي : قد اضطرب الزهري في حديث ذي اليدين اضطراباً يوجب رد الحديث من روايته خاصة وأهل الحديث تركوه لاضطرابه وأنه لم يتم له إسناداً ولا متناً . قال : وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله ( أقصرت الصلاة ) بضم القاف وكسر الصاد على البناء للمفعول والمعنى أقصرها الله ، ويجوز فتح القاف والصاد وسكون الراء وفتح التاء للخطاب وهو يتعدى بنفسه كما ورد به القرآن العزيز ، ويجوز فتح القاف وضم الصاد أي أصارت قصيرة . قال النووي : وهذا أرجح وأكثر .
قوله ( فقام ) أي بعد التخاطب الكائن بينهم في أمر السهو المتقدم ذكره في حديث الجماعة . (1/441)
صفحة 442
قوله ( فأتم ما بقي ) يعني أنه بنى على صلاته ولم ينقضها بالواقع لأنه كان سهواً ، وذكر في الإيضاح في نواقض الصلاة أن بعضهم استدل بهذا الحديث على أن الكلام في الصلاة بالسهو والنسيان لا يفسدها . قال المحشي : يعني أنهم إنما تكلموا لظنهم أن الصلاة قد قصرت والنبي صلى الله عليه وسلم إنما تكلم ظاناً أنها قد تمت ، وقيل أنها تنتقض بذلك وصححه في الإيضاح قال : وهو قول أصحابنا لأن الكلام في الصلاة منسوخ وحاصله أن الحديث عندهم محمول على الحال الذي كان قبل نسخ الكلام كما صرح به غير واحد منهم وهو الذي يقتضيه كلام الزهري وكون أبي هريرة قد شهد القصة لا ينافيه وإن كان إسلامه عام خيبر لاحتمال أن يكون نسخ الكلام بعد ذلك والله أعلم .
قوله ( بعد السلام ) هذا هو الحجة لمشهور المذهب أن سجود السهو بعد التسليم.
ما جاء في ما إذا حضر العشاء والعشاء
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعشاء قبل العشاء لئلا تدعو أحدكم نفسه إلى الطعام فيشتغل عن الصلاة فيقصر منها .
---------------------------------
قوله ( إذا أقيمت الصلاة ) معنى الحديث رواه الشيخان وأحمد من حديث أنس وابن عمر وعائشة وهو عند المصنف رحمة الله عليه من حديث ابن عباس . وللبخاري وأبي داود ( وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وإنه يسمع قراءة الإمام ) .
قوله ( وحضر العشاء ) بالمد هو طعام العشي وخصه بالذكر لأنه هو الذي يكون في وقت الصلاة غالباً ، والعلة تقتضي حمل سائر الطعام على العشاء إذا حضر عند إقامة الصلاة . (1/442)
صفحة 443
قوله ( فابدءوا بالعشاء ) أي أكله . قال ابن حجر : حمل الجمهور هذا الأمر على الندب ثم اختلفوا فمنهم من قيّده بمن كان محتاجاً إلى الأكل وهو المشهور عند الشافعية وزاد الغزالي ما إذا خشي فساد المأكول ، ومنهم من لم يقيده وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق وعليه يدل فعل ابن عمر ، وأفرط ابن حزم فقال تبطل الصلاة . ومنهم من اختار البدء بالصلاة إلا إن كان الطعام خفيفاً نقله ابن المنذر عن مالك وعند أصحابه تفصيل قالوا يبدأ بالصلاة إن لم يكن متعلق النفس بالأكل أو كان متعلقاً به لكن لا يعجله عن صلاته فإن كان يعجله بدأ بالطعام واستحب له الإعادة .
وقال النووي : في هذه الأحاديث كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله لما فيه من ذهاب كمال الخشوع ويلحق به ما في معناه مما يشغل القلب . واستدل به القرطبي على أن شهود صلاة الجماعة ليس بواجب لأن ظاهره أنه يشتغل بالأكل وإن فاتته الصلاة في الجماعة . وردّ : بأن بعض من ذهب إلى الوجوب جعل حضور الطعام عذراً في ترك الجماعة فلا دليل فيه حينئذ على إسقاط الوجوب مطلقاً . وفيه دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت .
وقال ابن الجوزي : ظن قوم أن هذا من باب تقديم حق العبد على حق الله وليس كذلك وإنما هو صيانة لحق الله ليدخل الخلق في عبادته بقلوب مقبلة ، ثم إن طعام القوم كان شيئاً يسيراً لا يقطع عن إلحاق الجماعة غالباً .
قوله ( لئلا تدعو ) تعليل للحكم المذكور في تقديم العشاء ، والمعنى ابدءوا بالعشاء لئلا تعجلوا في أداء الصلاة .
وقوله ( فيقصر منها ) أي ينقص من خشوعها وآدابها فيؤديها مستعجلاً وهذا التعليل يقضي بأن الحكم خاص بمن يخشى ذلك إن أخر العشاء كالصائم يحضره الفطور والصلاة معاً وبه جزم أبو إسحاق في خصاله رحمة الله عليه .
ما جاء في تقديم الرقاد على الصلاة عند النعاس (1/443)
صفحة 444
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر الله فيسب نفسه .
---------------------------------
قوله ( عن عائشة ) الحديث رواه أيضاً الجماعة إلا النسائي ورواه مالك في الموطأ
قوله ( نعس ) كمنع أي غشيه النعاس وهو أول النوم .
قوله ( في الصلاة ) قال المحشي : لعل المراد بها النفل . وقال المناوي : فرضاً ونفلا
قوله ( فليرقد ) وجوباً إن كان لا يعقل ما يقول ، وندباً إن عقل لكن يشغله النعاس عن الكلام ومصداقه في القرآن العزيز قوله تعالى ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) .
قوله ( حتى يذهب عنه النوم ) أي إلى أن يزول عنه ثم يقوم يصلي فإن خاف أن لا ينتبه وكّل به من يوقظه كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة التي ناموا عنها في رجوعهم من غزوة تبوك فإنه وكّل بلالاً أن يوقظهم فنام حتى انتبهوا بعد الطلوع فإن أخذ هذا النائم النوم والحال أنه لم يقصر صلى حين انتبه ، وليس هذا هو المراد من كلام الإيضاح في قوله : من نام متعمداً في أول وقت الصلاة ولم ينتبه إلا بعد خروج الوقت فإنه هالك في قول بعضهم ومنزلته منزلة العامد لأنه مضيع ، وإنما المراد بهذا المضيع الذي نام متعمداً من غير سبب كما سماه مضيعاً .
قوله ( فإن أحدكم ) تعليل للحكم وجعل ابن أبي جمرة علة النهي خشية أن يوافق ساعة إجابة .
وقوله ( يذهب ) أي يقصد .
وقوله ( يستغفر ) أي يقصد أن يقول ربي اغفر لي . (1/444)
صفحة 445
قوله ( فيسب نفسه ) أي فيدعو عليها وذلك كأن يقول رب اعفر لي بعين مهملة مكان قوله اغفر لي ، والعفر بالمهملة التراب فالمراد بالسب قلب الدعاء لا الشتم . وقد استدل المحشي بهذا على أن المراد النافلة لن الاستغفار إنما يكون في النافلة أو قبل التسليم من الفريضة . قلت : يمكن أن يراد بالاستغفار مطلق الذكر على سبيل المجاز فإن مطلق الذكر موجب للغفران فهو من إطلاق السبب على مسببه ونظيره قوله نوح عليه السلام لقومه ( استغفروا ربكم ) وكان القوم مشركين فالمراد بالاستغفار في حقهم الدخول في الاسلام الموجب للغفران والله أعلم .
الباب الثالث والأربعون
في القرآن في الصلاة
ما جاء في الجمع الصوري
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء الاخرة جميعاً في غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر .
--------------------------------- (1/445)
صفحة 446
والقران بكسر القاف مصدر قرن بين الشيئين إذا جمع بينهما يقال قرن بين الحج والعمرة قراناً إذا جمع بينهما في إهلال واحد وكذلك الصلاة وهو مصدر على غير قياس ، والقران في الصلاة بمعنى الجمع يكون بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء . وقد اتفق الناس على جواز الجمع بعرفة والمزدلفة واختلفوا في غيرهما فأجازه الجمهور من الناس ومنعه أبو حنيفة ونسب إلى الحسن والنخعي وقال الليث يختص بمن يجد في السير وهو القول المشهور عند مالك وقيل يختص بالسائر دون النازل وهو قول ابن حبيب من المالكية وقيل يختص بمن له عذر حكي ذلك عن الأوزاعي وقيل يجوز جمع التأخير دون التقديم وهو مروي عن مالك وأحمد . والمذهب عندنا جواز الجمع مطلقاً عند وجود سببه تقديماً وتأخيراً سائراً ونازلاً إلا أنه يختلف الحال في الأفضل من الجمع والإفراد قال في الإيضاح : فمن جمع الصلاة ويريد بذلك إحياء السنة فله فضله ومن جمع لعجز وراحة فالإفراد أفضل . قال المحشي : وانظر هل يجوز للمسافر إذا كان مقيماً في البلد أن يجمع بين الصلاتين ظاهر إطلاقهم الجمع للمسافر يقتضي الجواز وظاهر التعليل يقتضي المنع والسبب الذي يجوز معه الجمع أحد أشياء منها السفر والمرض المدنف واختفاء الوقت بالسحاب والوقوف بعرفة والمبيت بجمع بعد الإفاضة والاستحاضة واسترسال البطن وخوف الفوت في النفس أو المال ونحو ذلك والله أعلم . (1/446)
صفحة 447
قوله ( عن ابن عباس ) الحديث رواه أحمد والبخاري ومسلم ولفظه عندهم ( عن ابن عباس رض الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر والعصر والمغرب والعشاء ) وفي لفظ للجماعة إلا البخاري والبن ماجة ( جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر قيل لابن عباس ما أراد بذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته ) وزاد الشيخان من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار قلت يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء . قال : وأنا أظنه ) .
قوله ( صلى الظهر والعصر جميعاً ) أي في وقت واحد وكذلك المغرب والعشاء صلاهما جميعاً في وقت واحد من غير عذر . وقد اختلف الناس في معنى هذا الجمع فذهب قوم إلى الأخذ بظاهر الحديث فجوزوا الجمع في الحضر للحاجة لكن بشرط أن لا يتخذ عادة وهو قول ابن سيرين وربيعة وابن المنذر والقفال الكبير . وللنسائي من طريق عمرو بن هرم عن جابر بن زيد أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء فعل ذلك من شغل . واستدل الايضاح بهذا الحديث لمن قال من أصحابنا بالاشتراك بين الظهر والعصر في الوقت وكذلك بين المغرب والعشاء وهو قول أبي الربيع سليمان بن يخلف رحمه الله تعالى . وقال آخرون : إن الجمع المذكور صوري يعني جمعاً في الصورة دون الحكم وذلك أن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها وعجّل العصر في أول وقتها وهذا القول استحسنه القرطبي ورجّحه قبله إمام الحرمين وجزم به من قدماء القوم ابن الماجشون والطحاوي وقواه ابن سيد الناس بأن أبا الشعثاء وهو راوي الحديث قد قال به ، ثم ذكر رواية الشيخين من طريق ابن عيينة قال وراوي الحديث أدرى بالمراد من غيره . (1/447)
صفحة 448
قوله ( في غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر ) وقد جاء عند غير المصنف بلفظ ( من غير خوف ولا سفر ) وبلفظ ( من غير خوف ولا مطر ) قال ابن حجر : واعلم أنه لم يقع مجموعاً بالثلاثة في شيء من كتب الحديث بل المشهور من غير خوف ولا سفر . قلت : لكن وقع عند الربيع بذكر أربعة وهي الخوف والسفر والسحاب والمطر وحديثه أصح الأحاديث وأعلاها سنداً وفي ذكر الأربعة إشارة إلى أن كل واحد منها عذر يباح معه الجمع والله أعلم .
ما جاء في الجمع للمسافر المقيم ببلد
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن معاذ بن جبل قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء . قال معاذ : فأخر الصلاة يوماً ثم خرج يصلي الظهر والعصر جميعاً ثم دخل فخرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً .
---------------------------------
قوله ( عن معاذ بن جبل ) رواه أيضاً النسائي ولأحمد وأبي داود والترمذي معناه وكذلك عند ابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي .
قوله ( عام تبوك ) وهي الغزوة العسرة وتعرف بالفضّاحة لافتضاح المنافقين فيها وكانت يوم الخميس في رجب سنة تسع من الهجرة بلا خلاف وكان حراً شديداً وجدباً كثيراً ، وتبوك مكان معروف وهو نصف طريق المدينة إلى دمشق .
قوله ( فكان يجمع ... الخ ) يفيد أنه صلى الله عليه وسلم قد استمر على الجمع في هذه الغزوة دون غيرها وذلك إما لبيان الجواز أو للمشقة الحاصلة فيها ما لم تكن في غيرها ولهذا سميت غزوة العسرة وساعة العسرة . (1/448)
صفحة 449
وقوله ( فأخر الصلاة يوماً ثم خرج .. الخ ) يدل على أنه كان يجمع في وقت الأولى وهو ظاهر في رواية أحمد وأبي داود والترمذي عن معاذ أنه صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعاً وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب .
ما جاء في الجمع بمزدلفة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا .
---------------------------------
قوله ( في حجة الوداع ) وتسمى حجة الإسلام وحجة التمام وحجة البلاغ وكره ابن عباس أن يقال حجة الوداع كذا قيل ، وكانت في السنة العاشرة من الهجرة .
قوله ( بالمزدلفة ) مكان بين مكة وعرفة داخل الحرم قريب من عرفة سميت بمزدلفة لاقترابها من عرفة لأن الزلفة القربة ، وقيل لاجتماع الناس بها من أزلفت الشيء إذا جمعته والجمع بين المغرب والعشاء للحاج فيها سنة إجماعاً وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان القول في من ترك الجمع فيها في كتاب الحج والله أعلم .
الباب الرابع والأربعون
في المساجد وفضل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما جاء في فضل المسجدين
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صلاة أحدكم في مسجدي هذا - يعني مسجد المدينة - خير من الصلاة في ما سواه من المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام .
--------------------------------- (1/449)
صفحة 450
قوله ( في المساجد وفضل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) المساجد جمع مسجد بكسر الجيم وفتحها وهو بيت الصلاة . ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي بناه في السنة الأولى من الهجرة وهو مشهور وحوله قبره الشريف .
قوله ( صلاة أحدكم ) الحديث رواه أيضاً البخاري ومسلم والنسائي لكنه عندهم من حديث أبي هريرة وليس في روايتهم لفظة ( أحدكم ) بل رووه ( صلاة في مسجدي هذا ) والمشار إليه مسجد المدينة لا مسجد قباء .
قوله ( خير من الصلاة ... الخ ) يعني يتضاعف أجرها على صلاة في غيره بألف ضعف إلا المسجد الحرام الذي بمكة شرفها الله تعالى فإن الصلاة فيه أفضل من صلاة في مسجد المدينة كذا قيل ، وقال الطيبي : قيل الاستثناء يحتمل أن الصلاة في مسجده لا تفضل الصلاة في المسجد الحرام بألف بل دونها ويحتمل أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل ويحتمل المساواة أيضاً . وردّ : بأن الأحاديث الواردة من غير هذا الطريق مبطلة للاحتمالين الأول والثالث فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال : صلاة في مسجدي بخمسين ألف صلاة وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة . رواه ابن ماجة . وعن عبدالله بن الزبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة ألف صلاة . قال ابن عبد البر : هذا حديث ثابت لا مطعن فيه لأحد إلا المتعسف . فإن أراد المبالغة في زيادة الأجر فعبر عنها مرة بالألف ومرة بخمسين ألفاً فظاهر ، وإن أراد الحقيقة كما فهمه الجمهور من العلماء فيجمع بينهما بالاحتمالات التي اقدم ذكرها في فضل الجماعة وأظهرها في هذا الموضع احتمال أنه أعطي أولاً الفضيلة الأولى وهي الصلاة في مسجده بألف فأخبر عنها ثم زيد بعد ذلك فضلاً عظيماً فأخبر عنه ولا زال صلى الله عليه وسلم يترقى في الكمال ويزداد من الله قربى . (1/450)
صفحة 451
فائدة : قال النووي : ينبغي أن يتحرى الصلاة في ما كان مسجداً في حياته عليه السلام لا في ما زيد بعده فإن المضاعفة تختص بالأول ووافقه السبكي وغيره . واعترض بأنه سلّم في مسجد مكة أن المضاعفة لا تختص بما كان موجوداً في زمنه صلى الله عليه وسلم وبأنه عليه السلام أخبر بما يكون بعده وزويت له الأرض فعلم ما يحدث بعده وبأن الخلفاء الراشدين قد استجازوا الزيادة فيه بحضرة الصحابة ولم ينكر ذلك عليهم وبأن في تاريخ المدينة عن عمر رضي الله عنه أنه لما فرغ من الزيادة قال : لو انتهى إلى الجبانة وفي رواية إلى ذي الحليفة لكان الكل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبأنه روي عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لو زيد في هذا المسجد ما زيد كان الكل مسجدي . وفي رواية لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي .
ما جاء أن الأرض كلها مسجد
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التيمم فقال : جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهورا .
الحديث وقد تقدم في باب التيمم .
--------------------------------- (1/451)
صفحة 452
قوله ( عن ابن عباس ) الحديث قد تقدم شرحه في باب فرض التيمم وإنما ساقه هاهنا لأجل قوله ( جعلت لي الأرض مسجداً ) يعني موضعاً يجوز فيه السجود . وسيأتي عن ابن عباس عند المصنف عن النبي صلى الله عليه وسلم لا صلاة في المقبرة ولا في المنحرة ولا في معاطن الإبل ولا في قارعة الطريق . وعن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام . رواه أبو داود والترمذي والدارمي . وعن ابن عمر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله . رواه الترمذي وابن ماجة . فهذه الأحاديث تخصص عموم قوله ( جعلت لي الأرض مسجدا ) فإن هذه المواضع خارجة عن كونها مسجداً ثم إن المراد بالمسجد في هذا الحديث الموضع الذي يجوز فيه السجود لا البيت المعروف .والباب إنما عقد في المساجد التي هي بيوت الصلاة فما وجه ذكر الحديث فيه ؟ قلت : يحتمل وجهين أحدهما أنه نظر إلى نفس التسمية ، والثاني أن يكون لاحظ فضل الصلاة لهذه الأمة في مطلق الأرض فإنها لهم مسجد فالصلاة فيها بالنظر إلى من قبلهم من الأمم كالصلاة في المسجد والله أعلم .
ما جاء أنه لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد .
قال الربيع : يعني بذلك والله أعلم الفضل ما بين صلاته في المسجد وصلاته في بيته ، ومن صلى في بيته فقد جازت صلاته باتفاق الأمة .
------------------------------------ (1/452)
صفحة 453
قوله ( لا صلاة لجار المسجد ) الحديث رواه أيضاً ابن حبان عن عائشة مرفوعاً وله طرق أخرى عن جابر وأبي هريرة وعلى وقد رواه الدارقطني في سننه عن جابر ، ورواه عبد الرزاق في المصنف من قول علي فهذه طرق صالحة للاستشهاد وقد ثبت من هذا الطريق العالي عند المصنف رحمة الله عليه فلا يضره الاختلاف الوارد في تضعيف رجاله عند قومنا فلو رآه السخاوي بهذا السند لما قال في المقاصد أسانيده ضعيفة وليس له إسناد يثبت . قال : وقد صح من قول علي . ولو رآه الفيروزبادي لما حكم في مختصره بضعفه . ولو رآه الصاغاني لافتضح من حكمه عليه بالوضع . ومعنى الحديث لا صلاة كاملة الأجر إلا في المسجد وهو معنى قول الربيع رحمة الله عليه في تفسير الحديث .
قوله ( إلا في المسجد ) يحتمل معنيين أحدهما الصلاة في الجماعة ، وإنما ذكر المسجد لأنه محل الجماعة غالباً ، والثاني المراد بالمسجد نفسه ولو لم يكن فيه جماعة . قال المحشي : وهو المتبادر من ظاهر اللفظ لأن الأصل عدم التأويل . قال : وهو المناسب لما ورد من الفضل في الصلاة في المسجد ويقال الصلاة في المسجد بأربع وعشرين صلاة ، وفي المصلى باثنتي عشر . قال : وعلى هذا يكون من جماعة في المسجد له سبع وعشرون أو خمس وعشرون من جهة الجماعة وأربع وعشرون من جهة المسجد . قلت : وروى ابن ماجة من حديث أنس مرفوعاً ( صلاة الرجل في بيته بصلاة ، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة ، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة ، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة ، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة ، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ) فهذا يدل على أن المسجد نفسه معتبر في تحصيل الفضل . (1/453)
صفحة 454
تنبيه : استظهر المحشي أن هذا كله بالنظر إلى الفرض وتوابعه إلا ركعتي الفجر فإن المستحب ركوعهما في البيت ، وكذلك الركوع للإمام يوم الجمعة . قال : وأما النفل المطلق فالأفضل صلاته في البيت لأن من مستحباته الإخفاء عن أعين الناس . قال : ولعله إن أمكن ذلك في المسجد أفضل لما ذكروه أن من تطهر في بيته وذهب إلى المسجد ليصلي فيه الفريضة كم حج الفريضة ومن ذهب ليصلي فيه نافلة كمن حج نافلة والله أعلم .
قوله ( فقد جازت صلاته باتفاق الأمة ) يعني أنه من صلى في بيته مع القدرة على الصلاة في المسجد فقد صحت صلاته باتفاق الأمة لكن فاته تضعيف الأجر الحاصل في المسجد وصحة صلاته ظاهر على القول بأن الجماعة سنة أو فرض على الكفاية ، مشكل على القول بأنها فرض عين ويندفع الإشكال بأن تقول لا يلزم من كونها فرض عين أن تفسد صلاته منفرداً بل غايته أنه ارتكب معصية في ترك الجماعة .
ما جاء في فضل المساجد
… أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله . الحديث قد تقدم في باب الولاية .
-----------------------------------
قوله ( سبعة يظلهم الله في ظله ) الحديث قد تقدم شرحه في باب الولاية والإمارة ، وإنما ساقه هاهنا لقوله صلى الله عليه وسلم ( ورجل متعلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ) ففي هذا ما يدل على ثبوت فضل المساجد فإن من تعلق قلبه بالمسجد كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله . والمراد بظله ظل عرشه .
ما جاء في تحية المسجد
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس .
------------------------------------
قوله ( إذا دخل أحدكم المسجد ) الحديث تقدم شرحه في باب سبحة الضحى ، وإنما ساقه هاهنا إشارة إلى أن الركعتين من حقوق المسجد . (1/454)
صفحة 455
قوله ( فليركع ) أي فليصل ففيه إطلاق الجزء على الكل .
قوله ( ركعتين ) قيل لا مفهوم لهذا العدد من باب الكثرة باتفاق ، واختلف في أقله والصحيح اعتباره فلا تؤدى هذه السنة بأقل من ركعتين .
قوله ( قبل أن يجلس ) قال ابن حجر : صرّح جماعة بأنه إذا خالف وجلس لا يشرع له التدراك . قال : وفيه نظر لما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر أنه دخل المسجد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أركعت ركعتين ؟ قال : لا . قال : قم فاركعهما . قال : ترجم عليه ابن حبان أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس إلى أن قال : وقال المحب الطبري : ويحتمل أن يقال وقتهما قبل الجلوس وقت فضيلة وبعده وقت جواز ويقال وقتهما قبله أداء وبعده قضاء ويحتمل مشروعيتهما بعد الجلوس إذا لم يطل الفصل ا.هـ.
ما جاء في خروج النساء إلى المسجد
أبو عبيدة عن عائشة قالت : لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل .
قال الربيع : ذلك من أجل ما يعملن من العطر والريح الطيب فيدخلن به المسجد ويشغلن به الناس عن الصلاة .
------------------------------------
قوله ( عن عائشة ) الحديث رواه أيضاً الشيخان وأحمد وهو عندهم من رواية يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت : لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى من النساء ما رأينا لمنعهن من المسجد كما منعت بنو إسرائيل . قلت لعمرة : ومنعت بنو إسرائيل نساءها ؟ قالت : نعم .
قوله ( لو أدرك ) أي لو طال عمره صلى الله عليه وسلم حتى رأى هذه الأحداث من النساء .
قوله ( ما أحدث النساء ) يعني من حسن الملابس والطيب والزينة والتبرج ، وإنما كان النساء يخرجن في المروط والأكسية والشملات الغلاظ . (1/455)
صفحة 456
قوله ( لمنعهن المسجد ) إنما قالت ذلك أخذاً مما فهمته من حال النبي صلى الله عليه وسلم في معنى الرخصة لهن في الحضور وأنه لم يرخص لهن على هذا الحال ، وعن أبي هريرة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات ) رواه أحمد وأبو داود . وعن أبي هريرة أيضاً قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهدن معنا العشاء الآخرة ) رواه مسلم وأبو داود والنسائي فمن هذا المعنى أخذت عائشة المنع فقولها في حكم النص . وقد تمسك بعضهم في منع النساء من المساجد مطلقاً بقول عائشة هذا وفيه نظر إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم لكن يقال إن وجدت العلة من واحدة منهن أو جماعة منعت وإن ارتفعت العلة فالجواز هو الأصل .
قوله ( كما منعت نساء بني إسرائيل ) هذا وإن كان موقوفاً فحكمه الرفع لأنه لا يقال بالرأي وقد روى نحوه عبد الرزاق عن ابن مسعود بإسناد صحيح وقد ثبت ذلك من حديث عروة عن عائشة موقوفاً أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح ولفظه ( قالت كن نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلاً من خشب يتشرفن للرجال في المساجد فحرم الله تعالى عليهن المساجد وسلطت عليهن الحيضة ) . (1/456)
صفحة 457
قوله ( ذلك من أجل ما يعملن من العطر والريح الطيبة ..الخ ) وإنما كان هذا مانعاً لأجل ما فيه من تحريك داعية الشهوة ويلحق به ما كان في معناه كحسن الملبس والحلي الذي يظهر أثره والزينة الفاخرة والتثني في الحركات ولين القول ونحو ذلك ، وعلى كل حال فصلاتها في بيتها أفضل ، وقد روى حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر ( لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن ) ومثله حديث أم حميد الساعدية أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني أحب الصلاة معك . فقال : قد علمت وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة . وفي الإيضاح نحوه . والنساء في هذا بعكس الرجال والله أعلم .
ما جاء في النهي عن إنشاد الضالة في المساجد وعن اتخاذها طريقاً أو سوقاً
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : طهرت المساجد من ثلاثة من أن ينشد فيها بالضوال أو يتخذ فيها طريق أو يكون فيها سوق .
قال ابن عباس : ولا بأس بإنشاد الضالة في أبواب المساجد .
------------------------------------
قوله ( عن ابن عباس ) الحديث رواه قومنا متفرق المعاني من طرق متعددة ليس فيها شيء من طريق ابن عباس ، وأجمعها حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشراء والبيع في المسجد ، وأن تنشد فيه الأشعار ، وأن تنشد فيه الضالة وعن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة . رواه الخمسة وليس للنسائي فيه إنشاد الضالة
قوله ( طهرت ) بالبناء للمفعول أي نزهت وهو إخبار في معنى الأمر على حد قوله تعالى ( كتب عليكم الصيام ) ( كتب عليكم القتال ) . (1/457)
صفحة 458
قوله ( من ثلاثة ) أي ثلاثة أشياء كلها من أمور الدنيا فلا تحل في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال .
قوله ( من أن ينشد فيها بالضوال ) يقال نشدت الضالة بمعنى طلبتها وأنشدتها عرفتها والضالة تطلق على الذكر والأنثى والجمع ضوال كابة ودواب وهي مختصة بالحيوان ويقال لغير الحيوان ضائع ولقيط ، وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمع رجلاً ينشد في المسجد ضالة فليقل لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا . وعن بريدة أن رجلاً نشد في المسجد فقال من دعا إلى الجمل الأحمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا وجدت ، إنما بنيت المساجد لما بنيت له . رواهما أحمد ومسلم وابن ماجة وفي هذا الدعاء مناقضة للناشد بنقيض غرضه عقوبة له وهو من أبلغ الإنكار عليه .
قال ابن عباس : ولا بأس بإنشاد الضالة في أبواب المساجد . يعني قدام المسجد وذلك لأنه مجمع الناس وحكم خارج المسجد وإن كان مع الباب مخالف لحكم داخله .
قوله ( أو يتخذ فيها طريق ) يعني والله أعلم أن المساجد تنزه أن تجعل فيها الطرق إلى البيوت لأنها مبنية للعبادة لا للمرور وأيضاً فالمار قد يكون جنباً أو حائضاً ولا يحل دخول المسجد لكل منهما قالت عائشة رضي الله عنها ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد قال : وجهوا هذه البيوت عن المسجد ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصنع شيئاً رجاء أن ينزل لهم رخصة فخرج إليهم بعد ذلك فقال : وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب . واستنبط صاحب الإيضاح من معنى النهي المنع أن يدخل الرجل من أحد أبواب المسجد ويخرج من الآخر إذا كان ماراً . قال : ومن أراد ذلك فليركع ما رأى فيه أو يدع الله ثم يخرج وذلك لئلا يكون قصده المرور فقط . (1/458)
صفحة 459
قوله ( أو يكون فيها سوق ) أي يباع ويشترى فيه . وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا ربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد فيها ضالة فقولوا لا رد الله عليك . وكان عطاء ابن يسار إذا مر عليه من يبيع في المسجد قال : عليك بسوق الدنيا فإن هذا سوق الآخرة . ومن البدع الشنيعة بيع ثياب الكعبة خلف المقام وبيع الكتب وغيرها في المسجد الحرام . قال بعض قومنا : وأشنع منه وضع المحفات والقرب والدبش فيه سيما في أيام الموسم ووقت ازدحام الناس والله ولي أمر دينه ولا حول ولا قوة إلا به . وجوّز علماء الحنفية للمعتكف الشراء بغير إحضار المبيع وهو مخالف لظاهر الحديث والنهي لم يخصص بائعاً دون بائع والله أعلم .
ما جاء في كراهة البصاق في المسجد
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بصاقاً في جدار القبلة فحكه ثم أقبل على الناس فقال : إذا كان أحدكم يصلي فلا يبزق فإن الله قبل وجهه إذا صلى .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزاقاً في جدار القبلة . الحديث .
------------------------------------
قوله ( رأى بصاقاً ) الحديث رواه المصنف رحمة الله عليه من طريقين أحدهما عن أبي سعيد والآخر عن عائشة وهو عند البخاري من طريق أنس . والبصاق والبزاق وبالشين أيضاً كلها بمعنى واحد وفي رواية البخاري نخامة مكان قوله بصاقاً . قال الطيبي : النخامة البزاق التي تخرج من أقصى الحلق وقيل ما يخرج من الخيشوم عند التنحنح . (1/459)
صفحة 460
قوله ( في جدار القبلة ) أي جدار المسجد الذي يلي القبلة قيل وليس المراد بها المحراب الذي يسميه الناس قبلة لأن المحاريب محدثات بعده صلى الله عليه وسلم قيل ومن ثم كره جمع من السلف اتخاذها والصلاة فيها . قال القضاعي : وأول من أحدث ذلك عمر بن عبد العزيز وهو يومئذ عامل للوليد بن عبد الملك على المدينة لما أسس مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وهدمه وزاد فيه . ويسمى موقف الإمام من المسجد محراباً لأنه أشرف مجالس المسجد ، ومنه قيل للقصر محراب لأنه أشرف المنازل ، وقيل المحراب مجلس الملك سمي به لانفراده فيه وكذلك محراب المسجد لانفراد الإمام فيه ، وقيل سمي بذلك لأن المصلي يحارب فيه الشيطان .
قوله ( فحكه ) زاد في رواية البخاري ( بيده ) وزاد أيضاً قبل ذلك ( فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه فقام فحكه بيده ) قيل وفي ذلك إشارة إلى أن سيد القوم خادمهم وفيه تواضع لربه جل جلاله ومحبة لبيته .
قوله ( ثم أقبل على الناس ) أي بوجهه الكريم في هيئة المنكر لما رأى .
قوله ( إذا كان أحدكم يصلي ) يعني في المسجد أو غيره بدليل قوله ( فإن الله قبل وجهه ) فالحديث إنما هو في النهي عن البزاق في قبلة المصلي مطلقاً ، وأما النهي عنه في المسجد خاصة فمن حديث أنس عند الشيخين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها . وعند مسلم وابن حبان من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن . (1/460)
صفحة 461
قوله ( فلا يبزق ) نهي وقيل نفي معناه النهي وهو للتحريم . قال ابن حجر : ولا يجري فيه الخلاف في أن كراهية البزاق في المسجد هل للتنزيه أو للتحريم ؟ قال : وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان من حديث حذيفة مرفوعاً من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه . قال : وفي رواية ابن خزيمة من حديث ابن عمر يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه . قال المحشي : ومثل القبلة اليمين كما في القناطر . قال : وفي بعض طرق الحديث فلا يبصق أمامه فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً .
قوله ( فإن الله قبل وجهه ) أي مقابلاً للجهة التي وجه إليها ، وقيل بكسر بعده فتح أي مقابلة وفي رواية عند البخاري وإن ربه بينه بين القبلة . قال الخطابي : معناه أن توجهه إلى القبلة يفهم بالقصد منه إلى ربه فصار في التقدير كأن مقصوده بينه وبين قبلته . قال ابن حجر : وهذا التعليل يدل على أن البزاق في القبلة حرام سواء كان في المسجد أو لا ولا سيما من المصلي .
قوله ( الحديث ) إشارة إلى حديث أبي سعيد المتقدم آنفاً ، وإنما اقتصر على الإشارة لاتحاد الحديثين وتلك عادته للاختصار ، وإنما أعاد السند ليبين أنه جاء بهذا السند العالي من طريق عائشة أيضا .
ما جاء في تطهير المسجد من البول
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : كانوا يقولون أن أعرابياً بال في المسجد فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصب عليه ذنوب من الماء .
------------------------------------ (1/461)
صفحة 462
قوله ( كانوا يقولون ) يعني الصحابة الذين أدركهم جابر . والحديث رواه الشيخان وأحمد من رواية أنس بن مالك وقد رواه الجماعة إلا مسلماً من حديث أبي هريرة وأخرجه ابن ماجة أيضاً من حديث وائلة بن الأسقع ، وأخرجه أبو موسى المديني من رواية سليمان بن يسار . والأعرابي المذكور قيل هو ذو الخويصرة اليماني ، وقيل هو الأقرع بن حابس التميمي ، وقيل هو عيينة بن حصن . والأعرابي بفتح الهمزة هو الذي يسكن البادية . قال ابن حجر : زاد ابن عيينة عند الترمذي وغيره في أوله ( أنه صلى ثم قال اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحدا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لقد تحجرت واسعاً ، فلم يلبث أن بال في المسجد ) وقد أخرج هذه الزيادة البخاري في الأدب .
قوله ( في المسجد ) يعني مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . زاد في رواية أبي هريرة فقام إليه الناس ليقعوا به فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعوه وأريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين . والسجل بفتح المهملة وسكون الجيم قيل هو الدلو الواسعة ، وقيل الضخمة ، وقيل هي الدلو ملآى ، ولا يقال لها ذلك وهي فارغة . والذنوب وزان رسول هي الدلو العظيمة قالوا ولا تسمى ذنوباً حتى تكون مملوءة ، وقال ابن السكيت : هي التي فيها ماء قريب من الملء ، وقال الخليل : هي الدلو ملآى .
وفي الحديث من الفوائد : أن الاحتراز من النجاسة كان مقرراً في نفوس الصحابة ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته صلى الله عليه وسلم قبل استئذانه ولما تقرر عندهم أيضاً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . واستدل به على التمسك بالعموم إلى أن يظهر الخصوص .
وفيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال الموانع لأمرهم عند فراغه بصب الماء عليه
وفيه أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة . (1/462)
صفحة 463
وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف إذا لم يكن ذلك منه عناداً ولا سيما إن كان ممن يحتاج إلى تأليفه .
وفيه رأفة النبي صلى الله عليه وسلم وحسن خلقه . وفيه تعظيم المسجد وتنزيهه عن الأقذار .
وفيه أن الأرض تطهر بصب الماء عليها ولا يشترط حفرها خلافاً للحنفية حيث قالوا لا تطهر إلا بحفرها كذا قيل عنهم ، وقيل أنهم فصلوا بينما إذا كانت رخوة بحيث يتخللها الماء حتى يغمرها وهذه لا تحتاج عندهم إلى حفر وعليها يحمل الحديث عندهم وبينما إذا كانت صلبة فلا بد من حفرها وإلقاء التراب لأن الماء لا يغمرها أعلاها وأسفلها . والجواب : أن المقصود من تخلل الماء بلوغه مبلغ النجس فإذا كانت الأرض صلبة لا يتخللها الماء فكذلك لا تتخللها النجاسة فالماء على كل حال يبلغ مبلغ النجاسة وزيادة والله أعلم . واستدل به في الإيضاح لمن قال أن القليل من الماء لا ينجسه القليل من النجاسة ولمن فرق بين ورود الماء على النجاسة وورود النجاسة على الماء قالوا إن ورد الماء على النجس صار طاهراً كما في حديث الباب وإن ورد النجس على الماء صار نجساً كما في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ، واستدل به أيضاً لمن قال إن صب الماء على الفخار يطهره إذا سبق النجس إليه والله أعلم .
ما جاء في الاستلقاء في المسجد
أبو عبيدة عن جعفر بن السماك عن عباد بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى .
------------------------------------
قوله ( عن جعفر بن السماك ) بكسر المهملة وتخفيف الميم هو العبدي . (1/463)
صفحة 464
قال البدر في السير : شيخ الصيانة والنزاهة ، المشهور في الورع والعلم والنباهة ، له الكعب العالي بين الفضلاء ، والنصيب الأوفى بين الأتقياء . قال أبو سفيان : كان معلم أبي عبيدة وما حفظه عنه أكثر مما حفظه عن جابر . وقال مرة : أكثر ما حمل أبو عبيدة عن جعفر بن السماك وعن صحار . وكان جعفر رضي الله عنه من الوفد الذين وفدوا على عمر بن عبد العزيز وفيهم الحباب بن كليب وسالم الهلالي في جماعة فدخلوا عليه فكلموه فوافقهم ابنه عبد الملك بن عمر وتولوا أمره بعد موته بإذن أبيه وتوقف عمر في أمر عثمان ثم وافقهم وطلبوا منه أن يظهر عذر المسلمين وبراءتهم مما رموا به من الشتم وكانوا يشتمون على المنابر فقال إن فعلت ذلك عوجلت ولكن عليّ لكم أن أميت كل يوم بدعة وأحيي كل يوم سنة . فقالوا : إن الإمام العدل لا تسعه التقية . فلم يجبهم . فقالوا : نخرج عنك على أن لا تنولاك . فبلغ الخبر أبا عبيدة فقال : ليت القوم قبلوا منه . وأقول أيضاً : ليت القوم قبلوا منه .
قوله ( عن عباد بن تميم ) بن غزية الأنصاري المازني المدني . قال في التقريب : ثقة من الثالثة . وقال في الخلاصة : وثّقه النسائي واسم عمه عبدالله بن زيد بن عاصم وهو أخو أبيه لأمه .
قوله ( أنه رأى ) الحديث رواه الشيخان وأحمد .
قوله ( مستلقياً ) أي نائماً على ظهره . (1/464)
صفحة 465
قوله ( واضعاً إحدى رجليه على الأخرى ) وكان نهى غيره عن ذلك . قال الخطابي : فيه أن النهي الوارد عن ذلك منسوخ أو يحمل النهي حيث يخشى أن تبدو عورته والجواز حيث يأمن ذلك . قال ابن حجر : الثاني أولى من ادعاء النسخ لأنه لا يثبت بالاحتمال . وممن جزم به البيهقي والبغوي وغيرهما من المحدثين ، وجزم ابن بطال ومن تبعه بأنه منسوخ ، وقيل يمكن أن فعله مقصور عليه فلا يؤخذ من ذلك الجواز لغيره . ونوقش بأنه صح أن عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك فدل على أنه ليس خاصاً به صلى الله عليه وسلم بل هو جائز مطلقاً وأيضاً فإن الخصائص لا تثبت بالاحتمال واستظهر بعضهم أن فعله كان لبيان الجواز فالحديث يدل على جواز الاستلقاء في المسجد على تلك الهيئة وعلى غيرها لعدم الفارق إلا إذا أفضى إلى كشف العورة فيمنع حينئذ لما فيه من كشف العورة لا لأجل المسجد والله أعلم . قال الخطابي : وفيه جواز الاتكاء في المسجد والاضطجاع وأنواع الاستراحة . وقال الداودي : فيه أن الأجر الوارد للابث في المسجد لا يختص بالجالس بل يحصل للمستلقي أيضاً والله أعلم .
ما جاء في الاعتكاف في المسجد
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إليّ رأسه فأرجّله ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان .
------------------------------------
قوله ( عن عائشة ) الحديث رواه أيضاً الشيخان وأحمد ولفظه عندهم ( عن عائشة أنها كانت ترجّل النبي صلى الله عليه وسلم وهي حائض وهو معتكف في المسجد وهي في حجرتها ينولها رأسه وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفاً ) .
قوله ( يدني إليّ رأسه ) أي يقربه إليّ ويناولني إياه وأنا في الحجرة . (1/465)
صفحة 466
قوله ( فأرجله ) الترجيل بالجيم المشط والدهن ، واستدل به في الإيضاح وغيره على أن يجوز للمعتكف الغسل والدهن والكحل والتنظيف والطيب والحلق والتزيين إلحاقاً بالترجيل . وليس في الإيضاح إلا الثلاث الأول ، والجمهور على أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد ، وقيل يكره الصنائع والحرف حتى طلب العلم وهو مروي عن مالك . واستدل به أيضاً على أن من أخرج بعض بدنه من المسجد لم يكن ذلك قادحاً في صحة الاعتكاف وهو صحيح على رواية قومنا وليس في رواية المصنف هذا التصريح بأنها كانت في حجرتها ولا أنها كانت حائضاً فلا يؤخذ منه ما ذكروا . (1/466)
صفحة 467
قوله ( لحاجة الإنسان ) فسرها الزهري بالبول والغائط وقد وقع الإجماع على استثنائهما واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب وعيادة المريض وشهور الجنازة وصلاة الجمعة فعن علي والنخعي والحسن البصري إن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضاً أو خرج للجمعة بطل اعتكافه وبه قال الكوفيون وابن المنذر في الجمعة . وقال الثوري والشافعي وإسحاق : إن شرط شيئاً من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله وهو رواية عن أحمد ويلحق بالبول والغائط في معنى الإجماع على استثنائهما القيء والفصد والحجامة لما اضطر إلى ذلك . وقد استثنى أبو إسحاق رضوان الله عليه خصالاً أجاز له الخروج معها وهي : أن يخرج لبول أن غائط أو غسل جنابة أو وضوء لفريضة أو عشاء أو سحور أو صلاة الجمعة إذا كان اعتكافه في غير مسجدها أو امرأة نفست فإنها تخرج وإذا طهرت رجعت أو طلقت أو مات عنها زوجها وهي في غير مسجد بيتها فإنها تخرج فتعتد في بيتها فإذا انقضت عدتها رجعت وإن كانت في مسجد بيتها اعتدت هنالك أو مريض لم يمكنه المقام في المسجد على مرضه فإنه يخرج فإذا صح رجع أو خاف على نفسه أو ماله في معتكفه فإنه يخرج فإذا أمن رجع أو أخرجه الإمام أو الوالي في أداء حق أو إقامة حد أو وجب عليه الخروج في الجهاد فإنه يخرج لذلك أو خرج لعيادة مريض تجوز عيادته من غير أن يقعد معه أو كان عنده منزول وهو الذي نزل به أمر الله فإنه يخرج عنده فإذا مات أو أفاق رجع ( قال هذه قياساً ) أو كان ولياً لجنازة فإنه يخرج لها فإذا صلى رجع أو كان أوجب على نفسه مسجداً بعينه ثم انهدم فإنه يخرج فإذا بني رجع أو جبره أهل البغي على الخروج فإذا خلي رجع فهذه ست عشرة خصلة ذكرها أبو إسحاق رحمة الله عليه وبعضها مختلف فيه كما أشرنا إليه آنفاً والله أعلم . (1/467)
صفحة 468
خاتمة في فضل المشي على المساجد وقد تقدم في فضائل الوضوء حديث أنس بن مالك أن مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة . وأخرج مسلم عن أبي بن كعب قال : كان رجل ما أعلم أحداً من أهل المدينة ممن يصلي إلى القبلة أبعد منزلاً منه من المسجد وكان لا تخطأه الصلوات مع الرسول عليه السلام فقيل له لو اشتريت حماراً لتركبه في الرمضاء والظلماء . فقال : والله ما أحب أن منزلي يلزق المسجد . فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فسأله فقال : يا رسول الله كيما يكتب أثري وخطاي ورجوعي إلى أهلي وإقبالي وإدباري . فقال عليه الصلاة والسلام : لك ما احتسبت أجمع . وأخرج مسلم أيضاً عن جابر قال : خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا إلى قرب المسجد . فقالوا : نعم أردنا ذلك . قال : يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم . وروى غيره عن أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت في حقهم ( إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ) والله أعلم .
الباب الخامس والأربعون
في الثياب والصلاة فيها وما يستحب من ذلك
ما جاء في الصلاة في الثوب الواحد
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثوب واحد . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو كلكم يجد ثوبين .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة واضعاً طرفيه على عاتقيه في ما بلغني والله أعلم .
------------------------------------ (1/468)
صفحة 469
قوله ( في الثياب والصلاة فيها وما يستحب لذلك ) الثياب جمع ثوب ويجمع أيضاً على أثواب وهي ما يلبس الناس من قطن وكتان وصوف وحرير وخز وقز ونحو ذلك ، وأما الستور ونحوها فليست بثياب بل أمتعة البيت .
ومعنى قوله ( والصلاة فيها ) أي حكم الصلاة فيها وبيان ما يجوز من ذلك وما لا يجوز فإن الستر شرط لصحة الصلاة وهو واجب ما أمكن .
ومعنى قوله ( وما يستحب من ذلك ) أي بيان ما ينبغي فعله من ذلك فوق الواجب فإن فعل الاستحباب بعد أداء الواجب وذلك كالزيادة على الثوب .
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه الجماعة إلا الترمذي .
قوله ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قيل إن السائل ثوبان .
قوله ( أو كلكم يجد ثوبين ) في رواية قومنا ( أو لكلكم ثوبان ) وزاد البخاري في رواية ( ثم سأل رجل عمر فقال : إذا وسّع الله فأوسعوا ..الخ ) وسائل عمر يحتمل أن يكون ابن مسعود لأنه اختلف هو وأبي بن كعب فقال أبي : الصلاة في الثوب الواحد غير مكروهة . وقال ابن مسعود : إنما كان ذلك والثياب قلة . فقام عمر على المنبر فقال : القول ما قال أبي ولم يأل ابن مسعود أي لم يقصر ) أخرجه عبد الرزاق . قال الخطابي : لفظ الحديث استخبار ومعناه الإخبار عما هم عليه من قلة الثياب ووقع في ضمنه الفتوى من طريق الفحوى كأنه يقول إذا علمتم أن ستر العورة فرض والصلاة لازمة وليس لكل أحد منكم ثوبا فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة أي مع مراعاة ستر العورة . وقال الطحاوي : معناه لو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد لكرهت لمن لا يجد إلا ثوباً واحداً . قال ابن حجر : وهذه الملازمة في مقام المنع للفرق بين القادر وغيره ، والسؤال إنما كان عن الجواز وعدمه لا عن الكراهة . (1/469)
صفحة 470
قوله ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الحديث مرسل عند المصنف ، وقد رواه الجماعة عن عمر بن أبي سلمة قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد متوشحاً به في بيت أم سلمة قد ألقى طرفيه على عاتقيه . وفي البخاري والترمذي مشتملاً بدل متوشحاً ، وفي بعض روايات مسلم ملتحفاً به وقد جعلها النووي بمعنى واحد وسبقه إلى ذلك الزهري ، وفرق الأخفش بين الاشتمال والتوشح .
قوله ( واضعاًُ طرفيه ) يعني طرفي الثوب .
قوله ( على عاتقيه ) بالتثنية والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم والعاتق ما بين العنق والمنكب ووضع طرفي الثوب على العاتقين هو الاشتمال والتوشح المصرح به في روايات قومنا وفائدته أن لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع ولئلا يسقط الثوب عند الركوع والسجود قال ابن بطال ، والحديث يدل على أن الصلاة في الثوب الواحد صحيحة إذا توشح به والله أعلم .
ما جاء في الصلاة في الثوب الضيق
قال الربيع عن عبادة بن الصامت قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وعليه جبة من صوف شامية ضيقة الكمين فصلى بها وليس عليه غيرها .
------------------------------------
قوله ( عن عبادة بن الصامت ) الحديث لم أجده عند غيره .
قوله ( وعليه جبة ) بضم الجيم وسكون الموحدة لباس معروف كان في الزمان الأول ، والصوف شعر الضأن .
قوله ( شامية ) نعت للجبة نسبة على الشام ناحية من الأرض فيها البيت المقدس كانت عند بدء الإسلام في ملك الروم وكانت الخميصة من عملهم ، واستدل به على جواز الصلاة في ثياب الكفار ما لم يتحقق نجاستها ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم لبسها ولم تغسل وهو قول في المذهب ، وأكثر القول كراهية الصلاة فيها إلا بعد الغسل وهو المروي عن أبي حنيفة , وقال مالك إن فعل يعيد في الوقت. وهو مخالف لأصله في الحكم بطهارة كل حي . (1/470)
صفحة 471
قوله ( ضيقة الكمين ) تثنية كم بضم فسكون وهو موضع اليد من القميص والجبة وفيه جواز الصلاة في الثوب الواحد وإن كان ضيقاً .
وأخرج ابن ماجة عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس قميصاً قصير اليدين والطول .
وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن أسماء بنت يزيد قالت : يد كم قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ . وهو ما بين الكف والساعد . واستدل بالحديثين على أن السنة في الأكمام أن لا تجاوز الرسغ .
قال بعض قومنا : وأما الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج ولم يلبسها هو ولا أحد من أصحابه البتة فهي مخالفة للسنة وفي جوازها نظر فإنها من جنس الخيلاء .
قال غيره : وقد صار أشهر الناس بمخالفة هذه السنة في زماننا هذا العلماء فيرى أحدهم وقد جعل لقميصه كمين يصلح كل واحد منهما أن يكون جبة أو قميصاً لصغير من أولاده أو يتيم وليس في ذلك شيء من الفائدة الدنيوية إلا العبث وتثقيل المؤنة على النفس ومنع الانتفاع باليد في كثير من المنافع وتعريضه لسرعة التمزق وتشويه الهيئة ، ولا الدينية إلا مخالفة السنة والإسبال والخيلاء .
قلت : هذا الحال مما اختص به قومنا وأما أصحابنا فلم يكن فيهم شيء من ذلك والحمد لله .
ما جاء في كراهة لبس ما يشغل المصلي
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة شامية فشهد فيها الصلاة فلما انصرف قال : ردي هذه الخميصة لأبي جهم فإني نظرت إلى علمها في الصلاة فكاد أن يفتنني .
قال الربيع : الخميصة شملة غليظة من صوف أو قطن فيها علم من حرير .
------------------------------------
قوله ( عن عائشة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحهما . (1/471)
صفحة 472
قوله ( أهدى أبو جهم ..الخ ) هذا يدل على أن الخميصة كانت من عند أبي جهم أهداها على رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافاً لما قيل أنها كانت من عند غيره .
قوله ( فشهد فيها الصلاة ) يعني صلاة العيد كما تدل عليه بعض الروايات عند قومنا ومنعنى فشهد فيها الصلاة أي صلى فيها .
قوله ( ردي ) خطاب لعائشة رضي الله عنها ، وفي رواية الصحيحين ( اذهبوا بخميصتي هذه ) وفي رواية ( اذهبوا بها إلى أبي جهم ) والكل بصيغة الجمع ، ورواية مالك في الموطأ موافقة لرواية المصنف ووجه شارحه الخطاب لعائشة ولعل ذلك كان قبل الحجاب . والخميصة بفتح المعجمة وكسر الميم ثوب من صوف أو خز معلمة سوداء وقيل لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة . (1/472)
صفحة 473
وأبو جهم ابن حذيفة بن غانم ابن عامر بن عبدالله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب القرشي العدوي قيل اسمه عامر وقيل عبيد بن حذيفة ، وأمه يسيرة بنت عبدالله بن أداة بن رياح بن عبدالله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب ، أسلم عام الفتح وصحب النبي صلى الله عليه وسلم وكان معظماً في قريش مقدماً فيهم ،وكان فيه وفي بنيه شدة وعزامة ، قال ابن الأثير : كان أبو جهم بن حذيفة من مشيخة قريش مقدماً عالماً بالنسب وكان من المعمرين شهد بنيان الكعبة مرتين مرة في الجاهلية حين بنتها قريش ومرة حين بناها ابن الزبير ، وقيل توفي أيام معاوية وهو أحد الذين دفنوا عثمان والثاني حكيم بن حزام والثالث جبير بن مطعم الرابع نيار بن مكرم كذا قيل ، وقد اختلفوا في هذه الخميصة فمنهم من قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بخميصتين سوداوين فلبس إحداهما وبعث بالأخرى إلى أبي جهم فلما ألهته في الصلاة بعثها إلى أبي جهم وطلب التي كانت عند أبي جهم بعد أن لبسها لبسات روى ذلك سعيد بن عبدالكبير بن عبدالحميد بن زيد بن الخطاب عن أبيه عن جده . وقال مالك : ما أخبرنا به أبو الحرم مكي بن ريان بإسناده عن يحيى بن يحيى عن مالك عن علقمة بن أبي علقمة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : أهدى أبو جهم بن حذيفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة شامية لها علم فشهد فيها الصلاة فلما انصرف قال ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم . أخرجه الثلاثة وهذا المعنى الأخير هو الموافق لرواية المصنف ، وفي قوله ردي إشارة إلى أنها كانت من عنده .
قوله ( فإني نظرت ) تعليل للرد وفي ذكره تطييب لخاطر أبي جهم حين يعلم علة الرد ، والعلم بفتحتين ما يكون في الثوب من طراز وغيره وفيه إشارة إلى كراهة الأعلام التي يتعاطاها الناس على لباسهم . (1/473)
صفحة 474
قوله ( فكاد أن يفتنني ) بفتح أوله من الثلاثي أي يشغلني عن خشوع الصلاة وفيه أن الفتنة لم تقع فإن كاد تقتضي القرب وتمنع الوقوع ولذا قال بعض العلماء لا يخطف البرق بصر أحد لقوله تعالى ( يكاد البرق يخطف أبصارهم ) ولذا أول قوله في رواية الصحيحين فإنها لهتني عن الصلاة بأن المعنى قاربت أن تلهيني فإطلاق ألهى مبالغة في القرب لا لتحقق وقوع الإلهاء .وفي الحديث من الفقه قبول الهدايا وكان صلى الله عليه وسلم يقبلها ويأكلها والهدية مستحبة ما لم يسلك بها طريق الرشوة لدفع حق أو تحقيق باطل أو أخذ على حق يجب القيام به وأن الواهب إذا ردت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها فله قبولها بلا كراهة وأن كل ما يشغل المرء في صلاته ولم يمنعه من إقامة فرائضها وأركانها لا يفسدها ولا يوجب عليه إعادتها ومبادرته صلى الله عليه وسلم إلى مصالح الصلاة ونفي ما لعله يحدث فيها وأما بعثه بالخميصة إلى أبي جهم فلا يلزم منه أن يلبسها في الصلاة ومثله قوله في حلة عطارد حيث بعث بها إلى عمر ( إني لم أبعث بها إليك لتلبسها ) ويحتمل أن يكون من جنس قوله ( كل فإني أناجي من لا تناجي ) . وقال الطيبي : فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيراً في القلوب الطاهرة والنفوس الزكية يعني فضلاً عمن دونها وقال ابن قتيبة إنما ردها صلى الله عليه وسلم لأنه كرهها ولم يكن يبعث إلى غيره ما كرهه لنفسه وقد قال لعائشة لا تتصدقي بما لا تأكلين وكان أقوى الخلق على دفع الوسوسة لكن لما أعلم أبا جهم بما نابه فيها دل على أنه لا يلبسها في الصلاة لأنه أحرى أن يخشى على نفسه الشغل بها عن الخشوع ويحتمل أنه أعلمه بما نابه لتطيب نفسه ويذهب عنه ما يجد من رد هديته قيل أو ليقتدي به في ترك لبسها من غير تحريم . واستنبط بعضهم منه كراهة النظر إلى كل ما يشغل عن الصلاة من صبغ وعلم ونقش ونحو ذلك واستنبط منه آخر صحة المعاطاة لعدم ذكر الصيغة . (1/474)
صفحة 475
قوله ( شملة ) كسجدة وزناً كساء صغير يؤتزر به والجمع شملات كسجدة وسجدات وشمال ككلبة وكلاب وفي المختار الشملة كساء يشتمل به والله أعلم .
ما جاء في النهي عن اشتمال الصماء وعن الاحتباء في الثوب الواحد
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن جابر بن عبدالله قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل الرجل بشماله أو يمشي في نعل واحدة أو يشتمل الصماء أو يحتبي في ثوب واحد .
قال الربيع : الصماء أن يرمي بطرفي إزاره على عاتقه الأيمن والآخر على عاتقه الأيسر فتبقى عورته مكشوفة إلى السماء .
------------------------------------
قوله ( عن ابن عباس عن جابر بن عبدالله ) الحديث فيه رواية صحابي عن صحابي وهو مشتمل على أربعة أشياء من المناهي ، وقد تفرد به المصنف رضوان الله عليه ، فأما الأكل بالشمال والنهي عنه فرواه الشيخان وأحمد من حديث ابن عمر ، وكذلك الشرب بالشمال ، وأما اشتمال الصماء والاحتباء في ثوب واحد فرواه الشيخان وأحمد في حديث أبي هريرة ، وقد رواه الجماعة إلا الترمذي من حديث أبي سعيد ، وأما النهي عن المشي في النعل الواحدة فقد رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ورواه البخاري وأبو داود عن القعبني ومسلم عن يحيى كلهم عن مالك بالسند المذكور ورواه أحمد في مسنده عن أبي سعيد .
قوله ( نهى ) حقيقة النهي للتحريم وهو ظاهر في اشتمال الصماء وفي الاحتباء بثوب واحد لأنهما يفضيان إلى كشف العورة ، وأما في الأكل بالشمال والمشي في النعل الواحدة فالظاهر أنه للتكريه فحمل النهي على المعنيين من باب عموم المجاز ، وقيل أن النهي عن الأكل بالشمال للتحريم أيضاً وكذلك الشرب بالشمال . قال النووي : وهذا إذا لم يكن عذر فإن كان عذر يمنع الأكل والشرب باليمين من مرض أو جراحة أو غير ذلك فلا كراهة في الشمال . (1/475)
صفحة 476
قوله ( أن يأكل الرجل بشماله ) وكذلك المرأة لأنهما في حكم واحد ما تخص بدليل ، وإنما ذكر الرجل لكونه القائم عليها والخطاب يتوجه إلى الأشرف ثم يتبعه الأدنى ، وقد صرّح بعلة النهي في حديث ابن عمر أنه عليه السلام قال : لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله . وهذا التعليل يشترك فيه الرجال والنساء ، وفي ذكره إشارة إلى أنه ينبغي اجتناب الافعال التي تشبه أفعال الشيطان .
قوله ( أو يمشي في نعل ) وذلك أن يكون في إحدى رجليه نعل دون الأخرى ومثله المشي في الخف الواحد قيل ومثل ذلك إخراج أحد اليدين من أحد الكمين وترك الأخرى داخل الكم وإرسال الرداء على أحد المنكبين وإعراء الآخر منه فكل ذلك مكروه إلا لعذر واختلفوا في علة النهي عن المشي في النعل الواحدة فقيل لأنه تشويه ومثلة ومخالفة للوقار ، وقيل لأنها مشية الشيطان ، وقيل لأنها خارجة عن الاعتدال ، وقيل لما فيها من الشهرة فتمتد الأبصار لمن ترى ذلك منه . (1/476)
صفحة 477
قوله ( أو يشتمل الصماء ) بالصاد المهملة المفتوحة والميم المشددة ممدوداً هيئة من اللباس . قال الربيع : الصماء أن يرمي بطرفي إزاره على عاتقه الأيمن والآخر على عاتقه الأيسر فتبقى عورته مكشوفة إلى السماء . وهذا يقتضي أن النهي عنها إنما كان لانكشاف العورة فهي حرام في الصلاة وغيرها لوجوب ستر العورة وفي معناه ما نقل عن الفقهاء في تفسير الصماء قالوا هي أن يلتحف بالثوب ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيصير فرجه بادياً .وقال أهل اللغة : هي أن يجلل جدسه بالثوب لا يرفع منه جانباً ولا يبقى ما تخرج منه يده . قال ابن قتيبة : سميت صماء لأنه يسد المنافذ كلها فيصير كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرف . قال النووي : فعلى تفسير أهل اللغة يكون مكروهاً لئلا تعرض له حاجة فيتعسر عليه إخراج يده فيلحقه الضرر . قلت : لكنه في الصلاة حرام لأنه يمنعه من أدائها على التمام فلا يتمكن من ركوع ولا سجود وقد جاء في رواية لأحمد تقييد النهي عنها في الصلاة ونصه ( نهي عن لبستين أن يحتبي أحدكم في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء وأن يشتمل في إزاره إذا ما صلى إلا أن يخالف بطرفيه على عاتقيه ) فعلى تفسير أهل اللغة يكون قوله ( إذا ما صلى ) قيداً للنهي ولا يصلح للتقييد على تفسير الفقهاء لأن المحذور على تفسيرهم انكشاف العورة وهو حرام في الصلاة وغيرها . (1/477)
صفحة 478
قوله ( أو يحتبي في ثوب واحد ) الاحتباء أن يقعد على إليتيه وينصب ساقيه ويلف عليه ثوباً ، ويقال له الحبوة وكانت من شأن العرب ، وإنما نهي عنه لأنه إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد فربما تحرك أو زال الثوب عنه فتبدو عورته ، وزاد في رواية أبي هريرة عند الشيخين وأحمد ( ليس على فرجه منه شيء ) يعني أنه نهي عن الاحتباء في الثوب الواحد إذا لم يكن على الفرج منه شيء ، وفيه إيماء إلى أن علة النهي خوف انكشاف العورة وهاتان اللبستان منهي عنهما في الصلاة وغيرها كما يدل عليه المعنى ، والله أعلم .
ما جاء في تحريم لبس الحرير
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى حلة سيراء عند باب المسجد فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة والوفود إذا قدموا عليك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة . ثم بعد ذلك جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم منها حلل فأعطى عمر بن الخطاب رضي الله عنه منها حلة سيراء فقال له عمر : ألبستنيها وقد قلت فيها ما قلت ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطيتكها لتلبسها فكساها عمر بن الخطاب أخاً له بمكة مشركاً .
------------------------------------ (1/478)
صفحة 479
قوله ( عن أبي سعيد الخدري ) الحديث أخرجه البخاري وأبو داود عن عبدالله بن عمر بنو ما ذكر المصنف ، وأخرجه النسائي من طريق ابن شاب عن سالم عن أبيه قال : وجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حلة من استبرق بالسوق فأخذها فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أبتع هذه فتجمل بها للعيد والوفد . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما هذه لباس من لا خلاق له أو إنما يلبس هذه من لا خلاق له . فلبث عمر ما شاء الله ثم أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبة من ديباج فأقبل بها حتى جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله قلت إنما هذه لباس من لا خلاق له ، ثم أرسلت إليّ هذه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بعها ولتصب منها حاجتك .
قوله ( حلة سيراء ) الحلة بضم المهملة إزار ورداء ولا تكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة . وقوله ( سيراء ) بكسر السين المهملة بعدها مثناة تحتية مفتوحة ثم راء مهملة ثم ألف ممدودة نوع من البرود فيه خطوط صفراء أو يخالطه حرير ، وقيل هي برود مضلعة بالقز قيل سميت بذلك لشبه خطوطها بالسيور ، وقيل هي مختلفة الألوان ، وقيل هي وشي من حرير ، وقيل هي من حرير محض وهو ظاهر التعليل في قوله إنما يلبس هذه من لا خلاق له ، وقد صرّح بذلك في رواية النسائي فإن فيها حلة من استبرق بدل قوله سيراء والاستبرق هو الحرير الغليظ ، وقد روي تنوين الحلة وإضافتها ، والمحققون على الإضافة . قال القرطبي : كذا قيل عمن يوثق بعلمه فهو على هذا من باب إضافة الشيء إلى صفته على أن سيبويه قال : لم يأت فعلاء صفة .
قوله ( عند باب المسجد ) زاد أبو داود تباع وفيه جواز البيع على باب المسجد . (1/479)
صفحة 480
قوله ( يوم الجمعة والوفود ) في رواية النسائي فتجمل بها للعيد والوفود وقد ترجم للحديث بقوله باب الزينة للعيدين والجمعة عيد من أعياد المسلمين فلا منافاة بين الحديثين لكن رواية المصنف أخص وفيها زيادة علم وفيه أن التجمل للعيدين والجمعة والوفود مشروع .
قوله ( إنما يلبس هذه ) إشارة إلى الحلة السيراء .
وقوله ( لا خلاق له في الآخرة ) أي لا نصيب له فيها ، وهذا يدل على أن الحلة كانت من حرير لأن هذا الحكم قد جاء مرتباً على لبس الحرير في رواية الصحيحين وغيرهما عن عمر مرفوعاً ( إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة ) . واختلف في علة التحريم على قولين مشهورين أحدهما أنه حرم للفخر والخيلاء ، والثاني لأنه ثوب رفاهية وزينة فيليق بلين النساء دون شهامة الرجال ، وخرّج بعضهم علة ثالثة وهي التشبه بالمشركين ورده ابن دقيق العيد إلى الأول لأن الفخر والخيلاء من شيمة المشركين . وقد بالغ قوم فحرموا الحرير حتى على النساء ولعلهم تمسكوا بظاهر الحديث ونسب القول بذلك إلى علي وابن عمر وحذيفة وأبي موسى وابن الزبير ونقل عن الحسن وابن سيرين ولم يثبت ذلك عند أصحابنا وعموم الحديث مخصص بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى قال : أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وأبو داود والحاكم وصححه أيضاً .
قوله ( جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم منها حلل ) يعني أهديت له ولعل المهدي لذلك أكيدر دومة كما يدل عليه رواية أبي نعيم عن ابن عمر قال : أهدى أكيدر دومة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة سيراء فبعث بها إلى عمر وهذه غير الحلة التي بعث بها إلى علي فلبسها قال فعرفت الغضب في وجهه فقال : إني لم أبعث بها إليك لتلبسها وإنما بعثت بها إليك لتشققها خمراً بين النساء . وهي أيضاً سيراء لكن أهداها له صلى الله عليه وسلم ملك إيلية . (1/480)
صفحة 481
قوله ( ألبستنيها ) أي أعطيتنيها لألبسها ، وفي رواية ابن عمر عند أبي داود كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت وهذا يدل أن الحلة التي كانت تباع على باب المسجد هي لعطارد والاستفهام لكشف الحال عن الحكم فإنه يحتمل النسخ وغيره فسأله عمر تبيناً للحكم ورفعاً للاحتمال ويمكن أنه خاف أن يكون من الذين لا خلاق لهم فبادر السؤال شفقة على نفسه كما سأل حذيفة عن نفسه حين لم يخرج في جنازة المنافق فسأله عمر أأنا منهم ؟ قال : لا ، ولا أبرئ بعدك أحدا .
قوله ( لتلبسها ) بضم التاء الفوقانية أي لتكسوها غيرك ممن يجوز له لبسها أو من الذين لا خلاق لهم ، ويحتمل فتح التاء على تقدير ستفهام إنكاري والمعنى أأعطيتكها لتلبسها أي ما أعطيتكها لذلك ، وفي رواية النسائي ( بعها ولتصب بها حاجتك ) ويجمع بينهما باحتمال أن يكون قد قال كلا المقالتين على سبيل التخيير فاختار أن يكسوها أخاه الكافر وآثر ذلك لأنه أنسب برتبته وأشد تنزهاً ، وفي رواية البخاري ( إنما بعثت بها إليك لتبيعها أو تكسوها ) ، وفي رواية ( لتصيب بها ) وفي رواية ( تبيعها وتصيب بها حاجتك ) ، وفي رواية ( لتصيب بها مالاً ) . (1/481)
صفحة 482
قوله ( أخاً له بمكة ) قال ابن حجر : زاد في رواية عبدالله بن عمر العمري عند النسائي أخاً له من أمه . قال : وقد تقدم في البيوع من طريق عبدالله ابن دينار عن ابن عمر فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم . قال : ولم أقف على تسمية هذا الأخ إلا في ما ذكره ابن بشكوال في المهمات نقلاً عن ابن الحذا في رجال الموطأ فقال اسمع عثمان بن حكيم . قال الدمياطي : هو السلمي أخو خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص . قال : وهو أخو زيد بن الخطاب لأمه فمن أطلق عليه أنه أخو عمر لأمه لم يصب . قال ابن حجر : بل له وجه بطريق المجاز . قال : ويحتمل أن يكون عمر ارتضع من أم أخيه زيد فيكون عثمان أخا عمر لمه من الرضاع وأخا زيد لأمه من النسب . قال : وأما كون عمر كساها أخاه فلا يشكل على ذلك عند من يرى أن الكافر مخاطب بالفروع ويكون إهداء عمر الحلة لأخيه ليبيعها أو يكسوها امرأة ، ويمكن من يرى أن الكافر غير مخاطب بفروع الشريعة أن ينفصل عن هذا الاشكال بالتمسك بدخول النساء في عموم قوله أو يكسوها أي إما للمرأة أو للكافر بقرينة قوله ( إنما يلبس هذه من لا خلاق له ) أي من الرجال . قلت : لكن ظاهر قوله ( فكساها الخ ) يدل على أنه إنما أعطاه إياها لتكون كسوة له فيدل على جواز إعطاء المشرك ما يستحل ولو كان حراماً في الاسلام وهل يدل على أن المشركين غير مخاطبين بفروع الشريعة فيه تأمل ، وإذا نظرت في محل النزاع علمت عدم دلالته على ذلك فإن نزاعهم يرجع إلى تعذيبهم بترك العمليات وفعل المحرمات فوق التعذيب على الشرك والحديث لا يدل على شيء من ذلك بل غاية ما فيه أنه يجوز أن يلبس المسلم المشرك ما لا يجوز للمسلمين لبسه ، ويحتمل جواز ذلك معاني غير رفع الخطاب عن المشركين والله أعلم .
ما جاء في أن إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه وأن البطر حرام (1/482)
صفحة 483
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه في ما بينه وبين الكعبين وما أسفل من ذلك ففي النار قال ذلك ثلاث مرات ولا ينظر الله إلى من يجر إزاره بطراً .
------------------------------------
قوله ( عن أبي سعيد ) الحديث رواه أيضاً مالك وأحمد وأبو داود وابن ماجة كلهم عن أبي سعيد لكن ليس فيه عند أكثرهم قوله ( قال ذلك ثلاث مرات ) ، وأخرجه أيضاً أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث أبي هريرة .
قوله ( إزرة المؤمن ) بكسرة الهمزة وسكون الزاء هيئة الائتزار .
قوله ( إلى أنصاف ساقيه ) وفي رواية قومنا إلى نصف الساق إلا مالكاً فإنه رواه إلى أنصاف ساقيه كما عند المصنف ، وجمع أنصاف كراهة توالي تثيتين كقوله مثل رؤوس الكبشين والمعنى أن الكمال في الإزرة الحسنة في نظر الشرع أن تكون إلى أنصاف الساقين وهي علامة التواضع وهو شعار المؤمن ، وفيه الاقتداء بالمصطفى ففي الترمذي عن سلمة كان عثمان يأتزر إلى أنصاف ساقيه وقال : كانت إزرة صاحبي يعني النبي صلى الله عليه وسلم . وفي النسائي والترمذي عن عبيد المحاربي أنه صلى الله عليه وسلم قال له : ارفع أمالك فيّ أسوة . قال : فنظرت فإذا إزاره إلى أنصاف ساقيه .
قوله ( ولا جناح عليه ) أي لا حرج عليه والكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الرجل نسميهما الجوزتين ، والمعنى لا حرج عليه في الإزرة التي بين نصف الساق وبين الجوزتين أي يجوز له ذلك ولكن الفضل إلى نصف الساق .
قوله ( وما أسفل من ذلك ) ما موصولة وبعض الصلة محذوف ، وأسفل خبره فهو منصوب ويجوز الرفع أي ما هو أسفل ، وأسفل أفعل تفضيل ويحتمل أنه فعل ماض ، ويجوز أن ما نكرة موصوفة بأسفل .
قوله ( من ذلك ) إشارة إلى الحد الأسفل وهو الكعبان . (1/483)
صفحة 484
قوله ( ففي النار ) قال ذلك ثلاث مرات تأكيداً وإغلاظاً على فاعله . قال الخطابي : يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار فكنى بالثوب عن بدن لابسه ومعناه أن الذي دون الكعبين من القدم يعذب في النار عقوبة له وحاصله أنه من تسمية الشيء باسم ما جاوره أو حل فيه وتكون من بيانية ، ويحتمل أن تكون سببية والمراد الشخص نفسه أو المعنى ما أسفل من الكعبين الذي يسامت الإزار في النار أو التقدير لابس ما أسفل الخ ، أو التقدير أن فعل ذلك محسوب في أفعال أهل النار أو فيه تقديم وتأخير أي ما أسفل من الإزار من الكعبين في النار . وكل هذا استبعاد ممن قاله لوقوع الإزار حقيقة في النار وأصله ما رواه عبد الرزاق أن نافعاً سئل عن ذلك فقال : وما ذنب الثياب بل هو من القدمين . وتعقب بأنه لا مانع من حمل الحديث على ظاهره فيكون من باب ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) ويدل عليه ما في الطبراني عن ابن عمر قال : رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم أسبلت إزاري فقال : يا ابن عمر كل شيء لمس الأرض من الثياب في النار . وعنده أيضاً بسند حسن عن ابن مسعود أنه رآى أعرابياً يصلي قد أسبل فقال : السبل في الصلاة ليس من الله في حل ولا حرام . ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي .
قوله ( ولا ينظر الله ) أي لا يرحمه لكبره وعجبه . (1/484)
صفحة 485
قوله ( بطراً ) بفتح الطاء مصدر وكسرها حال من فاعل يجر ، والبطر والخيلاء بمعنى واحد . وفي حديث أنس الآتي في الباب ( لا ينظر الله إلى رجل يجر ثوبه خيلاء ) ، وقد روى مالك في الموطأ عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الذي يجر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة . قال أبو عمر : مفهوم قوله خيلاء أن الجار لغيرها لا يلحقه الوعيد إلا أن جر القميص أو غيره من الثياب مذموم على كل حال . وهو كلام حسن ويشهد له ما جاء في حديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة . فقال أبو بكر : إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه . فقال : إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء . رواه الجماعة إلا أن مسلماً وابن ماجة والترمذي لم يذكروا قصة أبي بكر رضي الله عنه . وروى أبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر شيئاً خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة .
ما جاء في إرخاء المرأة ثوبها
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر الإزار قالت أم سلمة : والمرأة يا رسول الله ؟ قال : نرخي شبراً . قالت : إذن ينكشف عنها . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذراعاً لا تزيد عليه .
------------------------------------
قوله ( عن أبي سعيد ) الحديث رواه مالك في الموطأ من طريق صفية بنت أبي عبيد وهي ثقفية وكانت زوج ابن عمر ، وفي النسائي والترمذي وصححه من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء . فقالت أم سلمة : إلى آخر الحديث . وفيه اختلاف بعض الألفاظ .
قوله ( لما ذكر الإزار ) أي التحذير من جره . (1/485)
صفحة 486
قوله ( والمرأة يا رسول الله ) وفي رواية مالك ( فالمرأة ) أي كيف تصنع ، وفي رواية أيوب المذكورة ( فكيف تصنع النساء بذيولهن ) .
قوله ( ترخي شبراً ) بكسر المعجمة هو ما بين طرفي الخنصر والإبهام بالتفريج المعتاد والجمع اشبار مثل حمل وأحمال .
و( الذراع ) بالكسر هي من المرفق إلى أطراف الأصابع فعموم الوعيد في جر الإزار مخصوص بغير النساء ، وحاصله أن للمرأة حالتين حالة استحباب وهو إرخاء قدر شبر وحالة جواز وهي بقدر ذارع . قال العراقي : هل ابتداء الذراع من الحد الممنوع منه الرجال وهو ما أسفل من الكعبين أو من الحد المستحب للرجال وهو أنصاف الساقين أو حده من أول ما يمس الأرض الظاهر أن المراد الثالث بدليل رواية أبي داود وابن ماجة والنسائي واللفظ له عن أم سلمة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم كم تجر المرأة من ذيلها قال : شبراً . قالت : إذن ينكشف عنها . قال : فذراعاً لا تزيد عليه . قال فظاهره أن لها أن تجر على الأرض منه ذراعاً أي لأن الجر السحب وإنما يكون على الأرض . قال : والظاهر أن المراد بالذراع ذراع اليد وهو شبران لما في ابن ماجة عن ابن عمر قال : رخص صلى الله عليه وسلم لأمهات المؤمنين شبراً ثم استزدنه فزادهن شبراً فدل على أنه الذراع المأذون فيه شبران . انتهى . وإنما جاز لها ذلك لأن المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها وهذا التعليل مستفاد من قولها إذن ينكشف عنها فإن فيه إيماء إلى أن العلة في ذلك الستر والله أعلم .
ما جاء في المنع من استعمال التصاوير مطلقاً (1/486)
صفحة 487
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري اشترت عائشة رضي الله عنها نمرقة فيها تصاوير فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بالباب ولم يدخل فلما رأت في وجهه الكراهية قالت : يارسول الله صلى الله عليك وسلّم أتوب إلى الله ورسوله مما أذنبت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بال هذه النمرقة ؟ فقالت : اشتريتها لتقعد عليها وتتوسدها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون بها في النار ويقال لهم أحيوا ما خلقتم . ثم قال : إن البيت الذي فيه تصاوير لا تدخله الملائكة عليهم السلام .
------------------------------------
قوله ( عن أبي سعيد الخدري ) الحديث رواه الجماعة من طرق متعددة وهو عند المصنف من حديث أبي سعيد الخدري ، ورواه مالك من طريق القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها .
قوله ( نمرقة ) بضم النون والراء وبكسرهما روايتان بينهما ميم ساكنة وقاف مفتوحة ، وحكي تثليث النون وسادة صغيرة .
قوله ( فيها تصاوير ) أي تماثيل حيوان .
قوله ( الكراهية ) بكسر الهاء وتخفيف الياء ، وفي رواية بفتح الهاء وإسقاط الياء .
قوله ( أتوب إلى الله ورسوله مما أذنبت ) فيه التوبة من جميع الذنوب إجمالاً ولو لم يستحضر التائب خصوص الذنب الذي حصلت به مؤاخذته . قال الطيبي : فيه حسن أدب من الصديقة حيث قدمت التوبة على إطلاعها على الذنب ومن ثم قالت : ما أذنبت . أي ما اطلعت على الذنب فما هو .
قوله ( ما بال هذه النمرقة ) أي ما شأنها فيها تماثيل .
قوله ( إن أصحاب هذه الصور ) أي الحيوانية ، والمراد بأصحابها الذين يصنعونها يضاهون بها خلق الله . (1/487)
صفحة 488
قوله ( أحيوا ما خلقتم ) بهمزة قطع مفتوحة وضم الياء ، والأمر للتعجيز لأنهم لا يقدرون على نفخ الروح في الصورة التي صوروها فيدوم تعذيبهم ، وفي الصحيحين عن ابن عباس ( من صور صورة في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ ) والمعنى أنه يعذب حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ أبداً فهو معذب دائماً لأنه جعل غاية عذابه إلى أن ينفخ فيها الروح وأخبر أنه ليس بنافخ وهذا يقتضي تخليده في النار ثم إن أمره بالإحياء وقوله في رواية الصحيحين ( كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح ) لا ينافي أن الآخرة ليست بدار تكليف لأن المنفي تكليف عمل يترتب عليه ثواب أو عقاب فأما مثل هذا التكليف فلا يمتنع لأنه نفسه عذاب .
قوله ( لا تدخله الملائكة ) قيل المراد ظاهره فلا تدخله لا الحفظة ولا غيرهم ، أو المراد ملائكة الوحي كجبريل وإسرافيل . وتعقب بأنه يلزم منه قصر النفي على زمنه صلى الله عليه وسلم لانقطاع الوحي بعده وبانقطاعه ينقطع نزولهم . وقيل المراد الذين ينزلون بالرحمة والمستغفرون للمؤمنين فيعاقب متخذها بحرمان دخولهم بيته واستغفارهم له وأما الحفظة فلا يفارقون المكلف في كل حال إلا عند الجماع والخلاء كما رواه ابن عدي وضعفه .وأجاب الأول بأنه يجوز أن لا يدخلوا بل يكونون على باب البيت فيطلعهم الله على عمل العبد ويسمعهم قوله . (1/488)
صفحة 489
وفي الحديث شيئان : أحدهما يختص بالمصور وهو تحريم التصوير والوعيد الشديد عليه . والثاني يختص بالمستعمل لذي الصورة وهو كون الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تصاوير . قال النووي من الشافعية : قال أصحابنا وغيرهم من العلماء تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بالوعيد الشديد المذكور في الأحاديث سواء صنعه لما يمتهن أو لغيره فصنعته حرام بكل حال لأنه فيه مضاهاة لخلق الله تعالى وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار وفلس وإناء وحائط وغيرها ، وأما تصوير صورة الشجر وجبال والأرض وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام قال هذا نفس حكم التصوير . وأما اتخاذ ما فيه صورة حيوان فإن كان معلقاً على حائط أو ثوب أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهناً فهو حرام وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام . قال : ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت قلت نعم لأن سبب حديث الباب النمرقة التي اشترتها عائشة والحديث يدل على منع اتخاذها لكراهة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وذكره وعيد المصورين وعدم دخول الملائكة البيت الذي فيه تصاوير . قال : ولا فرق في ذلك كله بين ماله ظل وما لا ظل له . قال : هذا تلخيص مذهبنا في المسئلة وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم وقال قوم من القدماء : إنما ينهى عما كان له ظل ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل . وفيه أن الستر الذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة عند الشيخين وأحمد لا يشك أحد أنه مذموم وليس لصوره ظل وكذلك النمرقة في حديث الباب وكذلك باقي الأحاديث المطلقة . وقال الزهري : النهي في الصورة على العموم وكذلك استعمال ما هي فيه ودخول البيت الذي هي فيه سواء كانت رقماً في ثوب أو غير رقم وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن عملاً بظاهر (1/489)
صفحة 490
الأحاديث لا سيما حديث النمرقة وهذا مذهب قوي . وقال آخرون : يجوز منها ما كان رقماً في ثوب سواء امتهن أم لا وسواء علق في حائط أم لا وهو مذهب القاسم بن محمد ولعله يستدل بحديث أبي طلحة الأنصاري الآتي في الباب وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره . قال القاضي عياض : إلا ما ورد في اللعب بالبنات الصغار للبنات والرخصة في ذلك ولكن كره مالك شراء الرجل ذلك لبنته وادّعى بعضهم أن إباحة اللعب بالبنات منسوخ بهذه الأحاديث .
ما جاء في من يجر ثوبه خيلاء
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينظر الله يوم القيامة على رجل يجر ثوبه خيلاء .
------------------------------------
قوله ( لا ينظر الله ) أي نظر رحمة وللحديث عند أرباب السنن طرق متعددة .
قوله ( يجر ثوبه ) أي كان إزاراً أو غيره كما جاء في حديث ابن عمر عند أبي داود والنسائي وابن ماجة مرفوعاً ( الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر شيئاً خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ) قيل ومثل ذلك الطيلسان والرداء والشملة . قال ابن بطال : وإسبال العمامة المراد به إرسال العذبة زائداً على ما جرت به العادة قيل وتطويل أكمام القميص تطويلاً زائداً على المعتاد من الإسبال وقد نقل القاضي عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد عن المعتاد في اللباس في الطول والسعة .
ما جاء من الترخيص في استعمال ذي الصورة إذا كانت رقماً في ثوب
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني أنه اشتكى أبو طلحة الأنصاري فدخل عليه أناس يعودونه فأمر رجلاً أن ينزع قميصاً تحته فقيل له : لم نزعته يا أبا طلحة ؟ فقال : لأن فيه تصاوير وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد علمتم . فقال رجل منهم : ألم يقل إلا ما كان رقماً في ثوب ؟ فقال : بلى ، ولكنه أطيب لنفسي وأحوط من الإثم .
------------------------------------ (1/490)
صفحة 491
قوله ( بلغني ) الحديث رواه مالك عن أبي النظر عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده قال فوجد عنده سهل بن حنيف فدعا أبو طلحة إنساناً فنزع نمطاً من تحته فقال له سهل بن حنيف : لم تنزعه ؟ قال : كان فيه تصاوير وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما قد علمت . قال سهل : ألم يقل إلا ما كان رقماً في ثوب ؟ قال : بلى ولكنه أطيب لنفسي .
قوله ( اشتكى أبو طلحة ) أي مرض ، وأبو طلحة هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الخزرجي من بني مالك بن النجار . قال ابن الأثير : وهو عقبي بدري . قال : ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون على المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح ، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان من الرماة المذكورين من الصحابة وهو من الشجعان المذكورين وله يوم أحد مقام مشهود كان يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ويرمي بين يديه ويتطاول بصدره ليقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول نحري دون نحرك ونفسي دون نفسك ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : صوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة رجل ، وقتل يوم حنين عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم ، وعن أنس أن أبا طلحة قرأ سورة براءة فأتى على هذه الآية ( انفروا خفافاً وثقالاً ) قال : أرى ربي يستنفرني شاباً وشيخاً جهزوني . فقال له بنوه : قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض ومع أبي بكر ومع عمر فنحن نغزو عنك . فقال : جهزوني . فجهزوه فركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فلم يتغير ، وكان زوج أم سليم أم أنس بن مالك ، وقيل إنه توفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين ، وقيل سنة أربع وثلاثين وهو ابن سبعين سنة ، وصلى عليه عثمان بن عفان ، وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن أبا طلحة سرد الصوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم (1/491)
صفحة 492
أربعين سنة .وقال المدائني : مات أبو طلحة سنة إحدى وخمسين ، وهذا يشهد لقول أنس أنه صام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة ، والله أعلم .
قوله ( أناس ) منهم عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء راوي الحديث عند مالك .
قوله ( فأمر رجلاً ) يعني أن أبا طلحة أمر بذلك ، وفي رواية مالك فدعا أبو طلحة إنساناً فنزع نمطاً من تحته والنمط بفتح النون والميم وطاء مهملة ضرب من البسط له خمل رقيق . وانظر الجمع بين العبارتين فإن القميص من الثياب الملبوسة والنمط من البسط المفروشة ، والظاهر أن المفروش كان قميصاً فأطلق عليه اسم النمط مجازاً حين صار مفروشاً كالبساط أو أن بعض الرواة تيقن أنه قميص قد فرش ولم يتيقن الآخر حقيقة المفروش فعبر عنه باسم الفراش المعهود عندهم وعلى كل حال ففي رواية المصنف زيادة بيان .
قوله ( فقيل له ) قائل ذلك هو سهل بن حنيف فإنه كان عنده .
قوله ( ما قد علمتم ) يعني من قوله ( إن البيت الذي فيه تصاوير لا تدخله الملائكة ) وفي رواية مالك ( أما قد علمت ) على طريق الاستفهام لسهل بن حنيف .
قوله ( فقال رجل منهم ) أي من القوم وهو سهل بن حنيف .
قوله ( رقماً ) بفتح الراء وسكون القاف أي نقشاً ووشياً .
قوله ( أطيب لنفسي ) أي للبعد عن الصور .
وقوله ( وأحوط من الإثم ) زيادة عند المصنف لم يروها مالك . والحديث يدل على جواز استعمال ما كان رقماً في ثوب وقد تقدم الخلاف في ذلك . وحاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حرم إجماعاً ، وإن كانت رقماً فأربعة أقوال الجواز مطلقاً لظاهر هذا الحديث ، والمنع مطلقاً حتى الرقم والتفصيل فإن كانت صورة ثابتة الهيئة قائمة الشكل حرم ، وإن قطعت الرأس وتفرقت الأجزاء جاز ، والرابع إن كان مما يمتهن جاز وإن كان معلقاً فلا .
ما جاء في الأمر بالتجمل في اللباس (1/492)
صفحة 493
أبو عبيدة عن جابر بن عبدالله قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذي أنمار فقال جابر بن عبدالله : فبينما أنا نازل تحت الشجرة إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل إلينا قال قلت : هلم يا رسول الله إلى الظل . فمال فنزل . قال جابر بن عبدالله : فقمت إلى غرارة لنا فالتمستها فوجدت فيها جرو قثاء فكسرته وقربته على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ومن أين لكم ؟ فقلت : خرجنا به من المدينة . قال جابر : وعندنا صاحب لنا نجهزه ليذهب فيرعى ظهرنا فجهزته فذهب إلى الظهر وعليه بردان خلقان فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألا له ثوبان غير هذين ؟! قال فقلت : يا رسول الله : له ثوبان في العيبة كسوته إياهما . قال : فادعه فأمره يلبسهما . قال فدعوته فلبسهما ثم ولى وذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ماله ضرب الله عنقه أليس هذا خيراً له ؟ فسمعه الرجل فقال : يا رسول الله في سبيل الله . فقال : نعم في سبيل الله . قال جابر : فقتل الرجل في سبيل الله .
قال الربيع : قال أبو عبيدة وهذا ترغيب وتحريض من النبي صلى الله عليه وسلم في التزين للمسلمين باللباس الحسن .
------------------------------------ (1/493)
صفحة 494
قوله ( ذي أنمار ) وفي السيرة الحلبية في ذكر غزوة ذات الرقاع وتسمى غزوة الأعاجيب وغزوة محارب وغزوة بني ثعلبة وغزوة بني أنمار ، وهذه الغزوة كانت بعد غزوة بني النظير وقد تقدم ذكرها في صلاة الخوف ، وسمى الحاكم غزوة ذي أمرّ بغزوة أنمار ويقال لها غزوة غطفان ، وهذه الغزوة كانت على رأس خمسة وعشرين شهراً من الهجرة لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول فهما غزوتان مختلفتان في التاريخ متقاربتان في الوقائع وكأنه اشتبه على بعض الرواة إحدى الغزوتين بالأخرى فحكوا الواقع في هذه عند ذكر الأخرى وكذلك العكس ، ولا أدري أيهما أراد الراوي لهذا الحديث . وسبب غزوة غطفان أنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن جمعاً من بني ثعلبة وبني محارب وبني أنمار تجمعوا في ذي أمرّ بفتح الهمزة وتشديد الراء وهو موضع من ديار غطفان يريدون أن يصيبوا من أطراف المدينة فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربع مائة وخمسين رجلاً فسمعوا بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم فهربوا في رؤوس الجبال ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق حرباً ، وكانت مدة غيبته إحدى عشر ليلة ، ,أنمار هو ابن نزار بن معد بن عدنان ، ويقال له أنمار الشاة . وفي قوله ذي أنمار إشكال لأنه إذا كان الوصف للغزوة وجب أن يقال ذات أنمار لأنها مؤنثة ، ثم إن في إضافة ذي إلى أنمار إشكال آخر لأن القوم بنو أنمار لا ذو أنمار ، ويندفع الإشكال الأول بما إذا جعلت الغزوة بمعنى السفر فيكون نعتاً له من حيث المعنى ، ,إذا صح هذا التأويل اندفع أيضاً الإشكال الثاني لأن المعنى يكون في سفر ذي أنمار أي في السفر الذي هم سببه ، والأوضح عبارة أهل السير في قولهم غزوة ذي أمرّ وهو اسم للموضع المتقدم ذكره .
قوله ( نازل تحت الشجرة ..الخ ) هذا يدل على ما صرحوا في أمر هذه الغزوة أنهم تفرقوا تحت الشجر فنزل كل رفقة حيث طاب لهم المنزل .
قوله ( هلم ) أي تعال . (1/494)
صفحة 495
قوله ( إلى الظل ) أي لتستريح فيه من حر الشمس ، وإنما دعاه إلى الظل ولم يذكر له ما عنده من الأكل لكون الظل أهم شيء يطلبه من كان في الشمس ولأن الإعراض عن ذكر المأكول من مكارم الأخلاق وشيم النفوس الطاهرة لا سيما إذا كان الشيء حقيراً .
قوله ( فمال ) أي عدل عن قصده الأول .
قوله ( فنزل ) أي عن ظهر دابته ، وهذا يدل على أنهم كانوا قد نزلوا قبله ولعله كان قد أمرهم بالتقدم وعين لهم المنزل وفي تقدمهم سياسة عظيمة وهي طوالع الجيوش .
قوله ( غرارة ) بكسر المعجمة بعدها مهملتان بينهما ألف هي شبه العدل والجمع غرائر .
قوله ( جرو قثاء ) بكسر الجيم هو الصغير منها ، والقثاء بكسر القاف وتضم وهمزته أصلية هو اسم لما يسميه الناس الخيار ، وبعض الناس يطلق القثاء على نوع يشبه الخيار وهو مطابق لقول الفقهاء ولو حلف لا يأخذ الفاكهة حنث بالقثاء والخيار .
قوله ( ومن أين لكم ) استبعاد لوجوده في ذلك المكان البعيد عن البلدان ، وفيه جواز أن يسأل الرجل صاحب المنزل عما قدم له إذا كان النازل كبير الجاه عظيم المنزلة لأن فيه إدخال السرور على صاحب المنزل بانبساطه معه وانشراحه له .
قوله ( نجهزه ) أي نهيئ له جهاز خروجه إلى المرعى .
قوله ( ظهرنا ) أي ركابنا سميت بذلك لأن المقصود منها الركوب وهو إنما يكون على الظهر وفي المثل إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى أي المنقطع عن أصحابه يهلك مركوبه ولا يقطع قبلهم أرضاً .
قوله ( بردان ) تثنية برد بالضم ثوب مخطط وخص بعضهم به الوشي قاله ابن سيده .
قوله ( خلقان ) تثنية خلق بفتحتين وهو البالي من الثياب . (1/495)
صفحة 496
قوله ( فنظر إليه ) أي نظر منكر لحاله بدليل قوله ( ألا له ثوبان غير هذين ) والمعنى هل اضطر إلى لبسهما حيث لم يجد غيرهما أم اختار الدون من اللباس مع القدرة على التجمل واختيار الدون مذموم شرعاً لهذا الحديث وغيره وإن لم يبلغ به إلى استحقاق العقاب ولهذا قال بعض السلف كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب العالي والمنخفض . وفي السنن عن ابن عمر يرفعه من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة . وذكر أبو إسحاق الأصفهاني عن جابر بن أيوب قال : دخل الصلت بن راشد على محمد بن سيرين وعليه جبة صوف وإزار صوف وعمامة صوف فاشمأز عنه محمد وقال : أظن أن أقواماً يلبسون الصوف ويقولون قد لبسه عيسى بن مريم وقد حدثني من لا أتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لبس الكتان والصوف والقطن وسنة نبينا أحق أن تتبع . ومقصود ابن سيرين من هذا أن قوماً يرون أن لبس الصوف دائماً أفضل من غيره فيتحرونه ويمنعون أنفسهم من غيره وكذلك يتحرون زياً واحداً من الملابس فيتحرون رسوماً وأوضاعاً وهيئات يرون الخارج عنها منكراً وليس المنكر إلا التقيد بها والمحافظة عليها وترك الخروج عنها . والحاصل أن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى .
قوله ( في العيبة ) بفتح العين المهملة ما يجعل فيه الثياب وهي في لغتنا الخرج .
قوله ( كسوته إياهما ) أي أعطيته ليكتسيهما ، وفيه دليل على جواز أن يذكر الرجل ما أعطى إذا سلم القصد وخلصت النية .
قوله ( فأمره ) أي قل له يلبسهما وهو أمر بأمر .
قوله ( ماله ) أي أي شيء منعه من لبسهما أولاً . (1/496)
صفحة 497
قوله ( ضرب الله عنقه ) لفظ يراد به غير ظاهره فهو من الألفاظ الجارية على ألسنة العرب من غير قصد لمعناها كقولهم قاتله الله وتربت يداه وأرغم الله أنفه ونحو ذلك ، ولكن الرجل خاف أن يكون صلى الله عليه وسلم أراد حقيقة اللفظ فلهذا قال في سبيل الله فقال صلى الله عليه وسلم : نعم في سبيل الله . فإنه لما سأله الرجل ذلك دعا له دعاءً مستأنفاً بهذه العبارة وحاصله أنه سأل أن يعطى الرجل حقيقة اللفظ الجاري على لسانه صلى الله عليه وسلم بعد أن لم يرد حقيقته وأن يكون ذلك في سبيل الله فكان ما سأل . ويحتمل أن الرجل اغتنم الفرصة لما سمع ذلك اللفظ فمن حرصه على الشهادة صرف اللفظ عن مجراه المعتاد مع علمه بالمراد وفيه دليل على تمني الشهادة والرغبة فيها . (1/497)
صفحة 498
قوله ( أليس هذا خيراً له ) يعني من لبس الخلقين . قال أبو عبيدة : وهذا ترغيب وتحريض من النبي صلى الله عليه وسلم في التزين للمسلمين باللباس الحسن . وقد ورد في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم : إن الله جميل يحب الجمال . وفي السنن عن أبي الأحوص الحبشي عن أبيه قال : رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليّ أطمار - وفي رواية النسائي وعليّ ثوب دون ثوب – فقال : هل من مال ؟ قلت : نعم . قال : من أي المال ؟ قلت : من كل ما آتى الله من الإبل والشاء . قال : فكثر نعمته وكرامته عليك . وفي رواية النسائي قال : فإذا آتاك مالاً فليرى أثر نعمة الله عليك وكرامته . وفي حديث جابر أنه عليه السلام رأى رجلاً شعثاً قد تفرق شعره فقال : ما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه ، ورأى رجلاً عليه ثياب وسخة فقال : ما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه . رواه أحمد . وفي السنن أن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده . ولأجل محبته تعالى للجمال أنزل على عباده لباساً يواري سوآتهم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير . وقسم بعضهم الجمال على ثلاثة منه ما يحمد ومنه ما يذم ومنه مالا يتعلق به مدح ولا ذم ، فالمحمود منه ما كان لله وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره كما كان صلى الله عليه وسلم يتجمل للوفود وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال والمذموم منه ما كان للدنيا والرياسة والفخر والخيلاء وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه فإن كثيراً من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك ، وأما الذي لا يحمد ولا يذم فهو ما خلا من هذين القصدين وتجرد عن الوصفين والله أعلم .
الباب السادس والأربعون
في صلاة الجمعة وفضل يومها
ما جاء في اختيار يوم الجمعة على سائر الأيام (1/498)
صفحة 499
أبو عبيدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم هذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله إليه والناس فيه لنا تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد .
------------------------------------
وإنما ذكر هذا الباب بعد حديث التجمل بالثياب إشارة إلى أن التجمل بها من سنن الجمعة . والجمعة بضم الجيم والميم وهي اللغة الفصحاء ، وقد تسكن الميم وتفتح . قيل سميت بذلك لأن خلق آدم جمع فيها ، وقيل لاجتماعه بحواء في الأرض يومها ، وقيل لما جمع فيه من الخير وكانت تسمى في الجاهلية بالعروبة .
قوله ( أبو عبيدة ) الحديث مرسل عند المصنف رضي الله عنه ، وقد رواه الشيخان عن أبي هريرة .
قوله ( نحن ) أي أنا وأمتي .
قوله ( الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة ) المراد بالآخرون زماناً ووجوداً في الدنيا ، والأولون منزلة وجاهاً عند الله تعالى ، والسابقون يوم القيامة فإنهم أول من يحشر وأول من يحاسب وأول من يقضى بينهم وأول من يدخل الجنة . وفي حديث حذيفة عند مسلم ( نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق ) والاعتبار بالوجود المعنوي دون الوجود الحسي ، على أن في تقدم المتأخر وجوداً في الفضل ما لا يخفى ولأجل اعتبار التقدم المعنوي أذن عمر رضي الله عنه لبلال قبل العباس وأبي سفيان وذلك في أيام خلافته اجتمع جماعة من الصحابة على بابه وأرادوا الاجتماع بجنابه منهم العباس وأبو سفيان وبلال وغيرهم وأعلمه خادمه بحضورهم فإذن لبلال أن يدخل فدخل في قلب أبي سفيان بعض الحمية فقال للعباس : ألا ترى أنه يقدم مولى علينا معاشر أكابر العرب . فقال العباس : الذنب لنا فإنا تأخرنا في دخول الإسلام وتقدم بلال . (1/499)
صفحة 500
قوله ( بيد ) بموحدة مفتوحة فتحتانية ساكنة كغير وزناً ومعنى وبه جزم الخليل والكسائي ورجّحه ابن سيده ، وقيل معنى بيد من أجل واستبعده عياض ، قال ابن حجر : ولا بعد فيه بل معناه أنا استبقنا بالفضل إذ هدينا للجمعة مع تأخرنا في الزمان بسبب أنهم ضلوا عنها مع تقدمهم . وقال الداودي : هي بمعنى على أو مع . قال القرطبي : إن كانت بمعنى غير فتنصب على الاستثناء وإن كانت بمعنى مع فنصب على الظرف . قال الطيبي : هي للاستثناء وهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم والمعنى ونحن السابقون للفضل غير أنهم أتوا الكتاب من قبلنا ووجه التأكيد فيه ما أدمج فيه من معنى النسخ لأن الناسخ هو السابق في الفضل وإن كان متأخراً في الوجود وبهذا التقرير يظهر موقع قوله نحن الآخرون مع كونه أمراً واضحاً .
قوله ( إنهم ) يعني اليهود والنصارى وغيرهم من المتدينين بأديان الأنبياء السابقين .
قوله ( أتوا ) أي أعطوا والمراد بالكتاب الجنس الشامل للتوارة والأنجيل والقرآن والضمير في أوتيناه للقرآن .
قوله ( هذا يومهم ) الإشارة على يوم الجمعة ، وإنما أضافه إليهم لأنهم اختلفوا فيه والإضافة تصح بأدنى ملابسة . (1/500)
صفحة 501
قوله ( الذي اختلفوا فيه ) أي في تعيينه للطاعة وقبوله للعبادة وضلوا عنه . وفي رواية الشيخين ( ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم ) يعني يوم الجمعة فاختلفوا فيه فهدانا الله له . قال ابن حجر : والمراد بفرضه فرض تعظيمه . وقال غيره : فرض عليهم استخراجه بأفكارهم وتعيينه باجتهادهم . وقال ابن بطال : ليس المراد أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله عليه وهو مؤمن ، وإنما يدل والله أعلم أنه فرض عليهم يوم من الجمعة وكّل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم فاختلفوا عل يلزم تعيينه أو يسوغ إبداله بيوم آخر فاجتهدوا في ذلك فأخطئوا . وعن مجاهد في قوله تعالى ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ) قال : أرادوا الجمعة فأخطئوا وأخذوا السبت مكانه . وعن السدي : إن الله تعالى فرض على اليهود الجمعة فأبوا وقالوا يا موسى إن الله لم يخلق في السبت شيئاً فاجعله لنا فجعل عليهم . قال بعض : وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم كما وقع لهم في قوله ( ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة ) وغير ذلك وكيف وهم القائلون سمعنا وعصينا . (2/1)
صفحة 502
قوله ( فهدانا الله إليه ) أي لهذا اليوم وقبوله والقيام بحقوقه وفيه إيماء إلى قوله تعالى ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ) وهذه الهداية يحتمل أن تكون بسبب اجتهاد منهم وتوفيق من الله تعالى وأن تكون ببيان من الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم . قال بعض قومنا : فرض الله على عباده أن يجتمعوا يوماً ويعظموا فيه خالقهم بالطاعة لكن لم يبين لهم بل أمرهم أن يستخرجوه بأفكارهم ويعينوه باجتهادهم وأوجب على كل قبيل أن يتبع ما أدى إليه اجتهاده صواباً كان أو خطأ كما في المسائل الخلافية فقالت اليهود : يوم السبت لأنه يوم فراغ وقطع عمل لأن الله تعالى فرغ من خلق السموات والأرض فينبغي أن ينقطع الناس عن أعمالهم ويتفرغوا لعبادة مولاهم . وزعمت النصارى أن المراد يوم الأحد لأنه يوم بدء الخلق الموجب للشكر والعبادة فهدى الله المسلمين ووفقهم للإصابة حتى عينوا الجمعة وقالوا إن الله تعالى خلق الإنسان للعبادة كما قال تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) وكان خلق الإنسان يوم الجمعة وكانت العبادة فيه لفضله أولى لأنه تعالى في سائر الأيام أوجد ما يعود نفعه إلى الإنسان وفي الجمعة أوجد نفس الإنسان والشكر على نعمة الوجود أهم وأحرى . وقال بعضهم : يحتمل أنه تعالى نص لنا عليه وأنه وفقنا للإصابة لما صح عن ابن سيرين قال : جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة فقالت الأنصار : إن لليهود يوماً يجتمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى مثل ذلك فلنجعل يوماً نذكر الله تعالى ونصلي ونشكر فيه فجعلوه يوم العروبة واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكّرهم فسموه يوم الجمعة وأنزل الله تعالى بعد ذلك ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ) .
قوله ( والناس ) أي أهل الكتابين كنّى عنهم بذلك لكثرتهم . (2/2)
صفحة 503
قوله ( لنا فيه تبع ) لنا متعلق بتبع قدم لإفادة الحصر ووجه كونهم تبعاً لنا أن الأيام الثلاثة متولية ولا شك في تقدم يوم الجمعة ، والمعنى نحن اخترنا يوم الجمعة واليهود اختاروا ما بعدها والنصارى بعد يوم اليهود ، وفيه إيماء إلى أن السبق المعنوي لنا فإنهم مع التقدم في الوجود اختاروا التأخر عنا وتركوا لنا التقدم عليهم ( لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) .
قوله ( اليهود غداً والنصارى بعد غد ) تفسير لقوله ( تبع ) . قال القرطبي : غداً هنا منصوب على الظرف ، وهو متعلق بمحذوف تقديره اليهود يعظمون غداً ، وكذا قوله ( بعد غد ) ولا بد من هذا التقدير لأن ظرف الزمان لا يكون خبراً عن الجثة .
ما جاء في فضل يوم الجمعة وساعة الإجابة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال : خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه فحدثني عن التوراة وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في ما حدّثته أن قلت له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم عليه السلام ، وفيه تاب الله عليه ، وفيه أهبط من السماء إلى الأرض ، وفيه مات ، وفيه تقوم الساعة ، وما من دابة إلا وهي مسيخة ليلة الجمعة حتى تطلع الشمس إشفاقاً إلا الجن والإنس ، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه . قال كعب : ذلك في كل سنة يوم ؟ فقلت : بل في كل جمعة يوم فقرأ كعب التوراة فقال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال جابر : هي آخر ساعة يوم الجمعة ، وكذلك بلغني عن عبدالله بن سلام .
------------------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي . (2/3)
صفحة 504
قوله ( إلى الطور ) قيل هو في اللغة كل جبل إلا أنه في عرف الشرع جبل مخصوص وهو الذي كلّم فيه موسى ويسمى طور سيناء . وظاهر خروج أبي هريرة إلى الطور أنه إنما أراد التبرك . وزاد مالك في آخر الحديث قال أبو هريرة : فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال : من أين أقبلت ؟ فقلت : من الطور . فقال : لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام ومسجدي هذا وإلى مسجد إيليا أو بيت المقدس يشك . قال ابن عبدالبر : وإن كان أبو بصرة رآه عامّاً فلم يره أبو هريرة إلا في الواجب من النذور ، وأما في التبرك كالمواضع التي يتبرك بشهودها والمباح فكزيارة الأخ في الله فليس بداخل في النهي ويجوز أن خروج أبي هريرة إلى الطور لحاجة عنت له . وقال السبكي : ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى يسافر إليها لذلك الفضل غير هذه الثلاثة ، وأما غيرها فلا يسافر إليها لذاته بل لمعنى فيها من علم أو جهاد أو نحو ذلك فلم تقع المسافرة إلى المكان بل إلى من في ذلك المكان .
قوله ( كعب الأحبار ) ابن ماتع يكنى أبا إسحق وهو من حمير ، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره وأسلم في زمن عمر بن الخطاب ، روى عن عمر وصهيب وعائشة ، ومات بحمص سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان ز والأحبار جمع حبر بكسر الحاء وفتحها ، وأضيف كعب إلى الأحبار لأنه ملجأ العلماء علماء ملته الأولى ، ويضاف إلى الحبر لكثرة كتابته به والإضافة في الموضعين للتخصيص على حد قولهم زيد الخيل .
قوله ( فجلست ) يعني للمذاكرة .
وقوله ( فحدثني عن التوراة ) أي ذكر لي بعض ما فيها .
وقوله ( وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي ذكرت له بعض ما سمعت منه . (2/4)
صفحة 505
قوله ( خير يوم ) أي نهار . قال القرطبي : خير وشر يستعملان للمفاضلة ولغيرها فإذا كانتا للمفاضلة فأصلهما أخير وأشرر على وزن أفعل وهي هنا للمفاضلة غير أنها مضافة على اليوم الموصوف بقوله ( طلعت عليه الشمس ) .
قوله ( يوم الجمعة ) هذا يقتضي أن يوم الجمعة أفضل من يوم عرفة ، والأصح عندهم أن يوم عرفة أفضل ، وجمع بأنه أفضل أيام السنة ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع
قوله ( فيه خلق آدم ) إلى آخر الخصال المعدودة تعليل للتفضيل ، وكان خلق آدم عليه السلام في آخر ساعة من يوم الجمعة . وقال القاضي عياض : الظاهر أن هذه الفضائل المعدودة ليست بذكر فضيلته لأن الإخراج من الجنة وقيام الساعة لا يعد فضيلة وإنما هو بيان لما وقع فيه من الأمور العظام وما سيقع ليتأهب العبد فيه بالأعمال الصالحة لنيل رحمة الله تعالى ودفع نقمته . وردّ : بأن الجميع من الفضائل وخروج آدم من الجنة سبب لوجود الذرية وهذا النسل العظيم ووجود المرسلين والأنبياء والأولياء والصالحين ولم يخرج منها طرداً بل لقضاء أوطاره ثم يعود إليها ، وأما قيام الساعة فسبب لتعجيل جزاء النبيين والصديقين والأولياء والصالحين وإظهار كرامتهم وشرفهم .
قوله ( وفيه تاب الله عليه ) أي وفقه للتوبة وقبلها منه وهي أعظم المنة عليه قال تعالى ( ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) . (2/5)
صفحة 506
قوله ( وفيه أهبط ) بالبناء للمفعول ، وذكر الإهباط مقدم في رواية القوم على التوبة وهو مؤخر عند المصنف رضي الله عنه ، وفي حديث عند مسلم عن أبي هريرة : خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، ولا تقوم السعة إلا في يوم الجمعة . فذكر فيه خصلتين ليستا في هذا الحديث هما إدخاله الجنة وإخراجه منها فيكون قد أخرج من الجنة على السماء ثم أهبط من السماء إلى الأرض . قال ابن كثير : فإن كان يوم خلقه يوم إخراجه وقلنا الأيام الستة كهذه الأيام فقد أقام في الجنة بعض يوم من أيام الدنيا . وفيه نظر فإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خلق فيه وقلنا إن كل يوم بألف سنة كما قال ابن عباس ومجاهد والضحاك واختاره ابن جرير فقد لبث هناك مدة طويلة . انتهى . وإنما عد الإهباط من فضائل يوم الجمعة لكونه سبباً لوجود هذا العالم وعمارته على هذا الحال وهو أيضاً منة على آدم عليه السلام فإنه تعالى أراد أن يتداركه بعد النزول بالطاعة والعبادة فيرتقي إلى أعلى درجات الجنة وليعلم قدر النعمة لأن المنحة تتبين عند المحنة .
قوله ( وفيه مات ) بعد أن عمر ألف سنة كما في حديث أبي هريرة وابن عباس مرفوعاً وقيل إلا سبعين وقيل إلا ستين وقيل إلا أربعين ، قيل بمكة ودفن بغار أبي قبيس ، وقيل عند مسجد الخيف ، وقيل بالهند وصححه ابن كثير ، وقيل بالقدس عند الصخرة ورجلاه عند مسجد الخليل . وإنما ذكر موته عليه السلام من فضائل الجمعة لأن الموت تحفة المؤمن كما ورد عن ابن عمر مرفوعا . قال القاضي : لا شك أن خلق آدم فيه يوجب له شرفاً وكذا وفاته فإنه سبب لوصوله إلى الجناب الأقدس والخلاص عن النكبات
قوله ( وفيه تقوم الساعة ) وهي النفخة الأولى التي ينقضي بها عمر الدنيا ، وفي ذلك نعمتان عظيمتان للمؤمنين تعجيل ثوابهم وتعذيب أعدائهم . (2/6)
صفحة 507
قوله ( مسيخة ) بضم الميم وكسر السين المهملة ثم مثناة تحتية ثم خاء معجمة مفتوحة أي مستمعة مصغية ، وروي بالصاد مكان السين وهما بمعنى . قال ابن الأثير : والأصل الصاد .
قوله ( ليلة الجمعة ) وفي رواية قومنا يوم الجمعة من حيت تصبح حتى تطلع الشمس ، وفيها زيادة بيان فإن الإصغاء في روايتهم يكون ما بين الفجر وطلوع الشمس ، وفي رواية المصنف أن الإصغاء في الليل كله ، ويمكن الجمع بأن يقال أنها تصغي في الليل كله ويشتد خوفها وإصغاؤها من حين تصبح إلى أن تطلع الشمس ، وفيه أن قيامها بين الفجر وطلوع الشمس كذا قيل ، والظاهر أنه إنما يشتد خوفها في ذلك الوقت لأن وقت الطلوع فتخشى أن تطلع من مغربها فإذا طلعت من موضعها المعتاد وهو المشرق أمنت الدواب . وقيامها يوم الجمعة لا ينافي قوله تعالى ( قل إنما علمها عند ربي ) لأن يوم الجمعة متكرر مع أيام الدنيا .
قوله ( إشفاقاً ) أي خوفاً ، وفي رواية قومنا ( شفقاً من الساعة ) أي من قيامها كأنها علمت أنها تقوم يوم الجمعة فتخاف من قيامها كل جمعة ، وإذا كانت الدواب خائفات في تلك السعة فينبغي للإنسان الكامل أن يكون أشد خوفاً إذ خوف الدواب من تصيير التراب وخوف أولي الألباب من سد الباب وعظيم العقاب . (2/7)
صفحة 508
قوله ( إلا الجن والإنس ) استثناء متصل لأن اسم الدابة يقع على كل ما دب ودرج . قيل وجه عدم إشفاقهم أنهم علموا أن بين يدي الساعة شروطاً ينتظرونها ، واستبعد بأنا نجد منهم من لا يصيخ ولا علم له بالشروط ، وقد كان الناس قبل أن يعلموا بالشروط لا يصيخون . قال ابن عبدالبر : وفيه أن الجن والإنس لا يعلمون من أمر الساعة ما يعرفه غيرهم من الدواب وهذا أمر يقصر عنه الفهم . قال القرطبي : وجه إصاغة كل دابة وهي لا تعقل أن الله يلهمها ذلك ولا عجب عند قدرة الله سبحانه . قيل وحكمة الإخفاء عن الثقلين أنهم لو كوشفوا بذلك اختلت قاعدة الابتلاء والتكليف وحق القول عليهم ، وقيل أنه تعالى يظهر يوم الجمعة من عظائم الأمور وجلائل الشئون ما تكاد الأرض تميد بها فتبقى كل دابة ذاهلة دهشة كأنها مصيخة للرعب الذي داخلها إشفاقاً لقيام الساعة .
قوله ( وفيه ساعة ) إنما نكّرها للتقليل كما يدل عليه تصغيرها في الحديث الآتي . وقوله ( فيه ) فأشار إلى تقليلها بيده .
قوله ( لا يصادفها ) أي يوافقها قصداً أو موافقة من غير قصد .
قوله ( وهو قائم يصلي ) وفي رواية قومنا ( وهو يصلي ) بإسقاط قائم ، والمراد بالصلاة الدعاء بدليل قوله يسال الله شيئاً فإنه تفسير لقوله يصلي ، أو معناه انتظار الصلاة بدليل ما روى مالك في آخر الحديث قال أبو هريرة : وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يصادفها عبد مسلم وهو يصلي فيها . فقال عبدالله بن سلام : ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : من جلس مجلساً ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي . قال أبو هريرة : فقلت بلى . قال : فهو ذلك .
قوله ( يسأل الله شيئاً ) يليق بالمسلم على كمال آداب الدعاء .
قوله ( إلا أعطاه إياه ) ولابن ماجة من حديث أبي أمامة ( ما لم يسأل حراماً ) . (2/8)
صفحة 509
قوله ( في كل سنة يوم ) أي ساعة الإجابة تكون يوم الجمعة في كل عام مرة . قال أبو عمر : فيه أن العالم يخطأ وربما على أكثر ظنه فيخطئه ظنه ، وإن العالم إذا رد عليه طلب التثبت فيه . وإنما أخذ ذلك من قوله ( فقرأ كعب التوراة ..الخ ) فإنه التمس الحق من موضعه ثم رجع إليه بعد أن استبان له ولم يتوقف شكاً في إخبار النبي وإنما توقف خوف الخطأ في النقل على أن أبا هريرة لم يصرح له أن ذلك نص وإنما قال بل في كل جمعة يوم فخاف كعب أن يكون ذلك استنباطاً من أبي هريرة تمسكاً بالعموم فراجع التوراة فرأى النص مطابقاً للواقع وأخبار الله لا تختلف . ويبحث بأن الجمعة من خواص هذه الأمة فكيف وجدها كعب في التوراة . والجواب : أن في التوراة أخباراً عن المغيبات فلا يبعد أن يكون فيها ذكر الجمعة وذكر فضلها على أن فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون ذكرت الجمعة مع نعته .
قوله ( صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ) هذا يدل على أن كعباً لما وجد ذلك في التوراة صدّق أبا هريرة في نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل لأبي هريرة صدقت لأن موافقة ما في التوراة إنما كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تكن لأبي هريرة . زاد مالك وأبو داود والنسائي وأحمد قال أبو هريرة : لقيت عبدالله بن سلام فحدثته في مجلسي مع كعب الأحبار وما حدثته به في يوم الجمعة فقلت له قال كعب ذلك في كل سنة يوم قال عبدالله بن سلام صدق كعب .
قوله ( قال جابر ) يعني ابن زيد رضي الله عنه . (2/9)
صفحة 510
قوله ( هي آخر ساعة يوم الجمعة ) بتنوين ساعة وفتح يوم على الظرفية ، وهذا القول الذي اختاره جابر رضي الله عنه أحد أقوال في ساعة الجمعة ، وقد كثر الخلاف في ذلك وتعددت فيه الأقوال حتى أنهاها بعضهم إلى ثلاثة وأربعين قولاً ذكرت طرفاً منها في المعارج . والذي ذكره جابر قد رجحه جمع من العلماء ، وحكى الترمذي عن أحمد أنه قال : أكثر الأحاديث عليه . وقال ابن عبد البر : إنه أثبت شيء في هذا الباب ، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أناساً من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة .
قوله ( وكذلك بلغني عن عبدالله بن سلام ) بتخفيف اللام الإسرائيلي يكنى أبا يوسف ، كان ولد يوسف بن يعقوب عليهما السلام ، وكان حليفاً للبني عوف بن الخزرج ، وهو أحد الأحبار ، مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين .
وزاد مالك وأبو داود والترمذي والنسائي في آخر حديث أبي هريرة المذكور : ثم قال عبدالله بن سلام : قد علمت أية ساعة في يوم لجمعة . قال أبو هريرة : أخبرني بها ولا تضن عليّ . قال عبدالله بن سلام : هي آخر ساعة في يوم الجمعة . قال أبو هريرة : وكيف يكون آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي وتلك ساعة لا يصلى فيها . فقال عبدالله بن سلام : ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : من جلس مجلساً ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي ؟ قال أبو هريرة : فقلت بلى . قال : فهو ذلك . (2/10)
صفحة 511
وروى ابن ماجة من طريق أبي النظر عن أبي سلمة عن عبدالله بن سلام قال : قلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس : إنا لنجد في كتاب الله يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله فيها شيئاً إلا قضى له حاجته . قال عبدالله : فأشار إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعض ساعة . فقلت : صدقت أو بعض ساعة . قلت : أي ساعة هي ؟ قال : هي آخر ساعات النهار . قلت : إنها ليست بساعة الصلاة . قال : بلى ، إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يحبسه إلا الصلاة فهو في الصلاة . فإن قيل : ظاهر الحديث حصول الإجابة لكل داع بشرطه مع أن الزمان يختلف باختلاف البلاد والمصلي فيتقدم بعض على بعض وساعات الإجابة متعلقة بالوقت فكيف تتفق مع الاختلاف . وأجيب : باحتمال أن ساعة الإجابة متعلق بفعل كل مصل كما قيل ولعل هذا فائدة جعل الوقت الممتد مظنة لها وإن كانت خفيفة والله أعلم .
ما جاء في تقليل ساعة الإجابة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال : ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال : فيه سويعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تقليلها بيده .
------------------------------------
قوله ( ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ) الحديث رواه أيضاً الجماعة عن أبي هريرة مع مغايرة لبعض الألفاظ إلا أن الترمذي وأبا داود لم يذكرا القيام ولا يقللها .
قوله ( سويعة ) بصيغة التصغير للتقليل فإنها قطعة من الزمان صغيرة . وفي رواية الجماعة ساعة غير مصغر ، وقد أبهمها كليلة القدر والاسم الأعظم حتى تتوفر الدواعي على مراقبة ذلك . وقد ورد أن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها . ويوم الجمعة من تلك الأيام فينبغي أن يكون العبد في جميع نهاره متعرضاً لها بإحضار القلب وملازمة الذكر والدعاء والنزوع من وساوس الدنيا فعساه يحظى بشي من تلك النفحات . (2/11)
صفحة 512
قوله ( لا يوافقها ) أي لا يصادفها وهو أعم من أن يقصدها أو يتفق وقوع الدعاء فيها .
قوله ( شيئاً ) أي ما يليق أن يدعو به المسلم . وفي روايتين عند البخاري ومسلم ( يسأل الله خيراً ) .
قوله ( إلا أعطاه إياه ) ولا حمد من حديث سعد بن عبادة ما لم يسأل إثماً أو قطيعة رحم .
قوله ( إلى تقليلها بيده ) وفي رواية الجماعة وقال بيده قلنا يقللها يزهدها ولم يذكر الترمذي وأبو داود يقللها ، وفي رواية مالك أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده يقللها . وإنما قللها ترغيباً فيها وحضاً عليها ليسارة وقتها وغزارة فضلها والله أعلم .
ما جاء في الغسل يوم الجمعة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم .
------------------------------------
قوله ( الغسل يوم الجمعة ) الحديث رواه المصنف من طريقين من طريق عائشة وأبي سعيد الخدري ، وقد رواه مالك ومسلم والبخاري عن أبي سعيد أيضا ، وله عند أهل لسنن طرق . ولفظه في الصحيحين موافق للفظ المصنف ، ورواية مالك ( غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ) بإضافة غسل إلى اليوم . واستدل بعضهم بهذه الإضافة على أن الغسل من حقوق يوم الجمعة لا من حقوق الصلاة وهو قول جماعة من الناس ومقتضاه مسنونية الغسل في يوم الجمعة لكل بالغ ولو لم يحضر الجمعة . وذهب آخرون إلى أنه من حقوق الصلاة لا من حقوق اليوم ومقتضاه مسنونية الغسل لمن أراد الحضور خاصة وهو قول الأكثر . (2/12)
صفحة 513
قوله ( واجب على كل محتلم ) أي بالغ . وإنما ذكر الاحتلام لكونه الغالب ، واستدل به على دخول النساء في ذلك . وقوله واجب يحتمل معنيين : أحدهما : الوجوب الشرعي المعاقب تاركه وبه قال أهل الظاهر وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمار بن ياسر ونقله ابن المنذر والخطابي عن مالك . وردّ بأن ذلك ليس بمعروف في مذهبه . والوجه الثاني أنه واجب في الاختيار وكرم الأخلاق والنظافة كما يقال إكرامك عليّ واجب فيفيد تأكيد المسنونية دون الفرضية وهو قول الأكثر وعلية المذهب . وقد نقل الخطابي وغيره الإجماع على أن صلاة الجمعة بدون الغسل مجزية ولكن حكى الطبري عن قوم أنهم قالوا بوجوبه ولم يقولوا أنه شرط بل هو واجب مستقل تصح الصلاة بدونه . وردّ بأنه يلزم من ذلك تأثيم عثمان حين ترك الغسل يوم الجمعة في خلافة عمر والحال أنه لم يقل بتأثيمه أحد من الصحابة وكان يوماً مشهوداً . وسئل مالك عن غسل يوم الجمعة أواجب هو ؟ قال : هو سنة ومعروف . قيل : إنه في الحديث واجب . قال : ليس كل ما جاء في الحديث يكون كذلك . (2/13)
صفحة 514
قال ابن عبد البر : ليس المراد أنه فرض بل هو مؤول أي واجب في السنة أو في المروءة أو في الأخلاق الجميلة كقول العرب وجب حقك . والحجة لنا على صرفه عن ظاهره قوله صلى الله عليه وسلم : من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل . ووجه الدلالة منه قوله ( فالغسل أفضل ) فإنه يقتضي اشتراك الوضوء والغسل في أصل الفضل فيستلزم جواز الاقتصار على الوضوء . وكذلك حديث أبي هريرة مرفوعاً : من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له . أخرجه مسلم . فذكر الوضوء وما معه مرتباً عليه الثواب المقتضي للصحة يدل على أن الوضوء كاف . وسئل ابن عباس عن الغسل يوم الجمعة أواجب هو ؟ فقال : لا ولكنه أطهر لمن اغتسل ومن لم يغتسل فليس بواجب عليه وسأخبركم عن بدء الغسل كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون وكان مسجدهم ضيقاً فلما آذى بعضهم بعضا قال صلى الله عليه وسلم : أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا . قال ابن عباس : ثم جاء الله بالخير ولبسوا غير الصوف وكفوا العمل ووسع المسجد أخرجه أبو داود .
ما جاء في كيفية الغسل يوم الجمعة وفضل الرواح إليها
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من اغتسل يوم الجمعة كغسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر .
قال الربيع : ليس يريد عدد الساعات وإنما يريد الفضل ما بين أول الوقت وآخره .
------------------------------------
قوله ( عن أبي هريرة وعن أبي سعيد الخدري ) الحديث رواه المصنف عنهما معاً ، وهو عند مالك والبخاري ومسلم عن أبي هريرة فقط . (2/14)
صفحة 515
قوله ( من اغتسل ) عموم يدخل فيه كل من يصح التقرب منه ذكر أو أنثى حر أو عبد .
قوله ( كغسل الجنابة ) وفي رواية مالك غسل الجنابة . ورواية المصنف أظهر في المراد لأن التشبيه للكيفية لا للحكم . وعند عبد الرزاق من رواية ابن جريح عن سمي فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة . وقيل في رواية مالك إشارة على الجماع يوم الجمعة ليغتسل فيه من الجنابة ، والحكمة فيه أن تسكن نفسه في الرواح إلى الصلاة ولا تمتد عينه إلى شيء يراه . وفيه أيضاً حمل المرأة على الاغتسال ذلك اليوم وعليه حمل قائلي ذلك حديث من غسل واغتسل المخرج في السنن . قال النووي : وهو ضعيف أو باطل .
قوله ( ثم راح ) بالتشديد أي تصدق بها متقرباً على الله تعالى والبدنة بفتحتين البعير ذكراً كان أو أنثى والهاء فيه للوحدة لا للتأنيث وكذا في بقرة وما بعدها ، وقد تطلق البدنة على البقرة أيضاً لكنها غير مراد في الحديث بل يتعين حمله على الواحدة من الإبل لذكر البقرة في الساعة الثانية . وقيل المراد أن للمبادر في أول ساعة نظير ما لصاحب البدنة من الثواب ممن شرع له القربان لأن القربان لم يشرع لهذه الأمة على الكيفية التي كانت للأمم السالفة ، وقيل ليس المراد بالحديث إلا بيان تفاوت المبادرين إلى الجمعة وأن نسبة الثاني من الأول نسبة البقرة إلى البدنة في القيمة مثلا، وهو المتبادر عند ذوي الأفهام ويدل عليه أن في مرسل طاووس عند عبد الرزاق كفضل صاحب الجزور على صاحب البقرة .
…قوله ( فكأنما قرب بقرة ) بفتحتين يطلق على الذكر والأنثى والتاء للوحدة .
وقوله ( أقرن ) أي ذا قرنين ، وصفه بذلك لأنه أكمل خلقة وأحسن صورة قيل ولأنه ينتفع بقرنه . (2/15)
صفحة 516
…وقوله ( دجاجة ) بتثليث الدال والفتح أفصح والبيضة بفتح الموحدة وسكون المثناة للطائر بمنزلة الولد للدواب وهي أدنى مراتب الرائحين إلى الجمعة لأنها تكون للرائح في الساعة الخامسة . قال الربيع رحمة الله عليه : لا يريد عدد الساعات وإنما يريد الفضل ما بين أول الوقت وآخره يعني أنه أراد بذكر الساعات بيان مراتب الرائحين إلى الجمعة وأن الرائح أول الوقت افضل ممن جاء بعده . وقال غيره : حملها على ساعات النهار الزمانية المنقسمة إلى اثني عشر جزءً تبعد إحالة الشرع لاحتياجه إلى حساب ومراجعة آلات تدل عليه ولأنه صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان يوم الجمعة قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول فالمتهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة الحديث .
وقال مالك وأصحابه إلا القليل منهم وإمام الحرمين والقاضي حسين : إن الساعات لحظات لطيفة أولها زوال الشمس وآخرها قعود الإمام على المنبر لأن السعة تطلق على جزء من الزمان غير محدود تقول جئت ساعة كذا . قالوا : وقوله في الحديث ثم راح يدل على ذلك لأن حقيقة الرواح من الزوال إلى آخر النهار والغدو من أوله إلى الزوال قال تعالى ( غدوها شهر ورواحها شهر ) . (2/16)
صفحة 517
وقال الجمهور من قومنا : إن المراد ساعات النهار من أوله فاستحبوا المسير إليها من طلوع الشمس . وفيه نظر لأنه لو كان المراد بالساعات الفلكية للزم منه أن تكون الصلاة في الخامسة وهي قبل الزوال بساعة والجمعة لا تصح إلا بعد الزوال . قال المازري : تمسك مالك بحقيقة الرواح وتجوز في الساعة وعكس غيره . قلت : ليس في إطلاق الساعة على اليسير من الزمان تجوز لأنها في اللغة تطلق حقيقة على الجزء اليسير وتحديدها بالحد المخصوص عرف طارئ . وقال بعض المالكية : لم يعرف أن أحداً من الصحابة كان يأتي المسجد لصلاة الجمعة من طلوع الشمس ولا يمكن حمل حالهم على ترك هذه الفضيلة العظيمة . قال : وعلى ذلك عمل الناس جيلاً بعد جيل . كذا قال ، والله أعلم بصحة ذلك .
…قوله ( فإذا خرج الإمام ) أي من منزله إلى الجامع واستنبط بعضهم منه أن الإمام لا يستحب له المبادرة بل يستحب له التأخر إلى وقت الخطبة . قال الباجي : لا دليل فيه على ذلك . ولعله يحمل خروج الإمام على خروجه من جملة الناس إلى المنبر . (2/17)
صفحة 518
…قوله ( حضرت ) بفتح الضاد أفصح من كسرها والذكر الذي يستمعونه ما في الخطبة من المواعظ وغيرها وهو الذي أمر الله تعالى بالسعي إليه في قوله ( فاسعوا إلى ذكر الله ) ويمكن أن يكون المراد بالذكر في الآية الصلاة . والملائكة المستمعون قيل غير الحفظة وظيفتهم كتابة حاضري صلاة الجمعة . وفي رواية الشيخين من طريق الزهري عن أبي عبدالله الأغر عن أبي هريرة مرفوعاً : إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول فذكر الحديث إلى أن قال : فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر . ونحوه في رواية ابن عجلان عن سمي عند النسائي : فكان ابتداء طي الصحف عند ابتداء خروج الإمام وانتهاؤه بجلوسه على المنبر وهو أول استماعهم للذكر . وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر مرفوعاً : إذا كان يوم الجمعة بعث الله ملائكة بصحف من نور وأقلام من نور الحديث . فبين صفة الصحف ودل على أنهم غير الحفظة . (2/18)
صفحة 519
والمراد بطي الصحف طي صحف الفضائل المتعلقة بالمبادر إلى الجمعة دون غيرها من سماع الخطبة وإدراك الصلاة والذكر والدعاء والخشوع ونحو ذلك فإنه يكتبه الحافظان قطعاً . وفي حديث الزهري عند ابن ماجة فمن جاء بعد ذلك فإنما يجيء لحق الصلاة . وفي رواية ابن جريح عن سمي زيادة في آخره هي : ثم إذا استمع وأنصت غفر له ما بين الجمعتين وزيادة ثلاثة أيام . وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند ابن خزيمة فيقول بعض الملائكة لبعض ما حبس فلاناً فتقول اللهم إن كان ضالاً فاهده وإن كان فقيراً فأغنه وإن كان مريضاً فعافه . وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم الحض على الغسل يوم الجمعة وفضله وفضل السبق إليها ، وأن مراتب الناس في الفضل بحسب أعمالهم ، وأن القليل من الصدقة غير محتقر في الشرع ، وأن التقرب بالإبل أفضل من التقرب بالبقر وهو متفق عليه في الهدي وكذلك في الضحايا عند الأكثر ، وقال مالك : الأفضل في الضحايا الغنم . وعلّل ذلك بعض أصحابه بأنه صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين وأكثر ما ضحى به الكباش ، وقيل فرّق مالك بين التقربين باختلاف المقصودين لأن اصل مشروعية الأضحية التذكير بقضية الذبيح وهو قد فدي بالغنم والمقصود بالهدي التوسعة على المساكين فناسب البدن .
ما جاء في القراءة في صلاة الجمعة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : أدركت ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ يوم الجمعة على إثر سورة الجمعة هل أتاك حديث الغاشية ، وسمعت أيضاً أنه يقرأ سبح اسم ربك الأعلى .
------------------------------------ (2/19)
صفحة 520
قوله ( أدركت ناساً ) هذا يدل على أنه أخذ الحديث عن جماعة من الصحابة ، وقد رواه مالك عن ضمرة بن سعيد المازني عن عبيدالله بن عبدالله بن مسعود أن الضحاك ابن قيس سأل النعمان بن بشير ماذا كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة قال : كان يقرأ هل أتاك حديث الغاشية .
قوله ( يوم الجمعة ) يعني في صلاتها .
قوله ( على أثر سورة الجمعة ) يعني في الركعة الثانية ، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الأولى سورة الجمعة دائماً ، ويقرأ في الثانية ( هل أتاك حديث الغاشية ) ومرة ( سبح اسم ربك الأعلى ) . وروى أحمد والنسائي وأبو داود عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الجمعة ( سبح اسم ربك الأعلى ) و ( هل أتاك حديث الغاشية ). وفي حديث ابن عباس عند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح ألم تنزيل و ( هل أتى على الإنسان )، وفي صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين . وقد استدل بأحاديث الباب على أن السنة أن يقرأ الإمام في صلاة الجمعة في الركعة الأولى بالجمعة وفي الثانية بالمنافقين أو في الأولى ( بسبح اسم ربك الأعلى ) وفي الثانية ( بهل أتاك حديث الغاشية ) ، أو في الأولى بالجمعة وفي الثانية ( بهل أتاك حديث الغاشية ) .
فهذه ثلاثة أوجه مستفادة من أحاديث الباب لكن حديث المصنف يشعر بأن أكثر قراءته صلى الله عليه وسلم فيها بسورة الجمعة و ( هل أتاك حديث الغاشية ) . ولهذا ذهب مالك وأجاز في الثانية ( سبح اسم ربك الأعلى ) . وجملة قوله أنه لا يترك الجمعة في الأولى ويقرأ في الثانية بما شاء ، وقال أنه أدرك الناس يقرءون في الأولى بالجمعة والثانية بسبح . وقال أبو حنيفة وأصحابه ورواه ابن أبي شيبة في المصنف عن الحسن البصري أنه يقرأ الإمام بما شاء . (2/20)
صفحة 521
وقال ابن عيينة : يكره أن يعتمد القراءة في الجمعة بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يجعل ذلك من سننها وهو ليس منها ، وحكي هذا القول عن أبي إسحاق المروزي .
…وخالفهم جمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم كيف يكره أن تعتمد قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أمرنا بالتأسي به ولا شك أن الأفضل اتباعه ولو في غير اللازم والمؤكد واختلاف العلماء في هذا المعنى إنما كان في طلب الأفضل وأما الجواز فلا شك أن القراءة بجميع سور القرآن جائزة ومجزية وقد قرأ فيها أبو بكر بالبقرة . وقال بعضهم : الاختلاف في هذا من الاختلاف المباح الذي ورد ورود التخيير والله أعلم .
الباب السابع والأربعون
في فضل الصلاة وخشوعها
ما جاء في أن عمود الدين الصلاة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لكل شيء عمود ، وعمود الدين الصلاة ، وعمود الصلاة الخشوع ، وخيركم عند الله أتقاكم .
----------------------------------------
قوله ( في فضل الصلاة وخشوعها ) والمراد بفضلها الثواب المترتب على فعلها . والخشوع معنى يقوم بالنفس يظهر منه سكون في الأطراف يلائم مقصود العبادة . وقال عمرو بن دينار : ليس الخشوع بالركوع ولا بالسجود ولكنه السكون وحسن الهيئة في الصلاة . وقال ابن سيرين : هو أن لا ترفع بصرك عن موضع سجودك . وقيل هو جمع الهمة لها والإعراض عما سواها . وقيل الخشوع تارة يكون من فعل القلب وتارة من فعل البدن كالسكون . وقيل لا بد من اعتبارهما . وقال بعضهم يحتاج المصلي إلى أربع خصال حتى يكون خاشعاً إعظام المقام وإخلاص المقال واليقين التام وجمع الهمة . (2/21)
صفحة 522
قوله ( لكل شيء عمود ) أي قوام يعتمد عليه . وأصل العمود الخشبة التي يقوم عليها البيت عند العرب فلا يقوم البيت إلا بعمود ، وكذلك سائر الأشياء المحسوسة والمعقولة لا تقوم بنفسها حتى تعتمد على غيرها وقوام المحسوسات ظاهر ، وأما المعقولات فإما أن تكون شرعية فقوامها ما جعله الشارع معتبراً في صحتها وترتب الثواب عليها ، وإن كانت عادية فقوامها ما كان معدوداً عند أهل العادة أنها لا تتم دونه وهذا العموم معتبر في جميع المخلوقات إذ ليس فيها ما هو قائم بنفسه لأن ذلك من صفات القديم تعالى فهو الذي لا يحتاج على غيره وغيره لا محالة محتاج إليه ( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ) .
قوله ( وعمود الدين الصلاة ) وإنما كانت الصلاة عمود الدين لأن العمود هو الذي يقيم البيت ويرفعه ويهيئه للانتفاع به ، والصلاة هي التي تقيم الدين وترفعه فإنها تهيئ فاعلها لتحليه بمعالي القرب واستغراقه في أنوار الشهود . وكونها عموداً للدين رواه الترمذي في جامعه عن معاذ بن جبل في حديث طويل قال أنه حسن صحيح لكن عبّر فيه بالأمر عن الدين . ورواه أيضاً البيهقي في شعب الإيمان من حديث عمر رضي الله عنه ، والديلمي في الفردوس من حديث علي لكن عبّر فيه بالإيمان بدل الدين ومن هنا فهمت الصحابة رضي الله عنهم الإشارة على استخلاف أبي بكر رضي الله عنه على الإمامة العظمى من استخلافه إياه عليه الصلاة والسلام على الصلاة في مرض موته . قال في الموجز : فلما أن ولاه عليه السلام الأمر الذي هو العمود عرف المسلمون أن ما سوى العمود محمول على العمود فلذلك أجمعوا على بيعة أبي بكر رضي الله عنه . (2/22)
صفحة 523
قوله ( وعمود الصلاة الخشوع ) هذا يدل على وجوب الخشوع في الصلاة وأنه أعظم أركانها وأنه لابد منه في أدائها حتى لو خلت منه تهدمت كالبيت الذي لا عمود له . والخشوع الواجب أن يقبل الإنسان على صلاته بقلبه ونيته ويريد بذلك وجه الله ويكون ساكن الجوارح من أول الصلاة إلى آخرها ولا بأس عليه بما خطر على قلبه من الغفلة والوساوس إذا لم يتعرض لجلبه فإن تنبه له دفعه وعلى هذا يكون حاله فإذا امتثل ذلك كان خاشعاً مؤدياً للواجب ولا طاقة له بما فوق ذلك ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها وهذا الذي أشرنا إليه لا ينبغي أن يختلف في وجوبه فما حكاه النووي من الإجماع على أن الخشوع غير واجب محمول عندي إن صح على وجوب حضور القلب دائماً حتى لا تطرقه غفلة ولا تخطر عليه وسوسة ومن المعلوم أن هذا أمر لا يطاق ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها وهو موضع الإجماع على عدم وجوبه . وقيل يشترط منه ما ينطلق عليه الاسم ولو في لحظة واحدة وأن أولى اللحظات بذلك تكبيرة الإحرام لأن حضور القلب روح الصلاة وأن اقل ما يبقى به رمق الروح الحضور عند تكبيرة الإحرام والنقصان منه هلاك فبقدر الزيادة ينبسط الروح في أجزاء الصلاة وكم من حي لا حراك به قريب من ميت فصلاة الغافل في جميعها إلا عند التكبير كحي لا حركة به . قلت : وهذا القول يقضي بفساد الصلاة لمن لم يحضر قلبه عند الإحرام دون الغافل في سائرها ، وحاصله التشديد في الحضور عند الإحرام بتعين الخشوع عنده في ذلك الموضع دون سائر المواضع فهو يوافق في وجوب الخشوع ويزيد في تعيين موضعه فلا تظنن أنه يرخص في التساهل في باقي الصلاة فإنه لا يرخص في ذلك وإنما يعذر الغافل من غير تساهل في سائر الصلاة كما نعذره نحن ويزيد على ذلك القول بفساد صلاته إن حصلت الغفلة عند الدخول في الصلاة وهو ظاهر الصواب ولا محيد عنه فإن الدخول فيها لا يمكن إلا بالقصد ولا قصد لغافل عنها والله أعلم . (2/23)
صفحة 524
قوله ( وخيركم عند الله أتقاكم ) هذا نظير قوله تعالى ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) وذلك لأن التقوى بها تكمل النفوس وتتفاضل الأشخاص فمن أراد شرفاً فليلبس من لباسها ولباس التقوى ذلك خير . وقال عليه السلام : من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله . وقال : يا أيها الناس إنما الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله .
ما جاء في الحث على الخشوع
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل ترون قبلتي هاهنا فوالله لا يخفى عليّ خشوعكم ولا ركوعكم وإني لأراكم من وراء ظهري .
------------------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً البخاري ومسلم . (2/24)
صفحة 525
قوله ( هل ترون قبلتي هاهنا ) هو استفهام إنكار لما يلزم منه ، أي أتظنون أني لا أرى فعلكم لكون قبلتي لهذه الجهة لأن من استقبل شيئاً استدبر ما وراءه لكن بيّن صلى الله عليه وسلم أن رؤيته لا تختص بجهة واحدة وقد اختلف في معنى ذلك فقيل المراد بها العلم إما أن يوحى إليه كيفية فعلهم ، وإما أن يلهم ذلك . وقيل المراد أنه يرى من عن يمينه ومن عن يساره ممن تدركه عينه مع التفات يسير غي النادر من غير قصد ويوصف من هناك بأنه وراء ظهره ، وحمله آخرون على ظاهره لما في رواية عند مسلم ( إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي ) وقالوا إن الإبصار إدراك حقيقي خاص به صلى الله عليه وسلم خرقت له فيه العادة . ثم اختلفوا فمنهم من قال يجوز أن يكون ذلك الإدراك برؤية عينه فكان يرى بها من غير مقابلة وهذا خلاف ما يقتضيه العقل . وقيل كانت له عين خلف ظهره يرى بها من ورائه دائماً ، وقيل كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط يبصر بهما لا يحجبهما ثوب ولا غيره ، وقيل بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنطبع في المرآة فيرى أمثلتهم فيها فيشاهد أفعالهم . وهذه الأقوال كلها محتاجة إلى نقل صحيح وليس لهم على ذلك نقل فهو محض تكلف على أنه لو ثبت ما ذكروه من زيادة العين أو العينين في خلقته صلى الله عليه وسلم لكان ذلك من أعظم معجزاته عليه الصلاة والسلام ولذكروه في جملة خصائصه كما ذكروا خاتم النبوة بين كتفيه وجعلوا ذلك من علامات نبوته . وإذا ظهر لك ضعف هذه الأقوال ظهر لك ترجيح قول من قال إن المراد بالرؤية هاهنا العلم إما بكشف أو بوحي ويدل عليه قوله ( فوالله لا يخفى عليّ خشوعكم ولا ركوعكم ) فإن ضد الخفاء الظهور فكأنه قال ما يخفى عليّ ذلك بل يظهر لي بالعلم الإلهي ولا يشكل عليك قوله ( وإني لأراكم من وراء ظهري ) فإن الرؤية تطلق على العلم كما تطلق على الإبصار ومنه قوله تعالى ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) أي ألم تعلم ذلك (2/25)
صفحة 526
. أما رواية مسلم ( إني لأبصر من ورائي كما أبصر بين يدي ) ففيه نوع من المشاكلة فإنه أطلق الإبصار على العلم لأجل المشاكلة وهذا النوع موجود في لسان العرب ومع ظهور الحمل عليه لا يصح أن يحمل الكلام على خرق العادة بل على مخالفة العقل بل على خلاف الخلقة البشرية فلو اعترف أرباب تلك الأقوال بالجهل لمعنى الحديث ووقفوا عن تأويله وجعلوه من المشكل عليهم كان أسلم وأقوم والله أعلم .
قوله ( خشوعكم ) يعني في جميع الأركان قيل ويحتمل أن يريد بالخشوع السجود لأن فيه غاية الخشوع وقد صرّح به في السجود في رواية لمسلم .
قوله ( ولا ركوعكم ) أفرده بالذكر وإن كان داخلاً في الصلاة اهتماماً به إما لكون التقصير فيه كان أكثر أو لأنه أعظم الأركان .
قوله ( وإني لأراكم من وراء ظهري ) تقدم تفسيره آنفاً .
ما جاء في من له صلاة بالليل ثم نام عنها
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من امرئ تكون له صلاة في الليل فيغلبه عليها النوم إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه ذلك عليه صدقة .
----------------------------------------
قوله ( عن عائشة ) الحديث رواه أيضاً أبو داود والنسائي .
قوله ( ما من امرئ ) بمعنى إنسان زيدت من للتنصيص حتى يتناول كل فرد من أفراد المصلين .
قوله ( يكون له صلاة في الليل ) يعني صارت له عادة أن يصلي كل ليلة عادة مستمرة .
قوله ( فيغلبه عليها نوم ) أي تأخذه غلبة النوم مع عزمه على القيام .
قوله ( إلا كتب الله له أجر صلاته ) قيل على ظاهره بدليل قوله وكان نومه ذلك عليه صدقة ) ، وقيل يكون له أجر نيته أو أجر من تمنى أن يصلي تلك الصلاة أو أجر تأسفه على ما فات منها . والأول أظهر ولا حاجة على التأويل مع إمكان إرادة الظاهر على أنه أنسب بمحض الفضل وأقرب من معنى الرحمة التي وسعت كل شيء .
قوله ( صدقة ) أي من الله عليه حين أعطاه إياه مع أجر صلاته . (2/26)
صفحة 527
ما جاء في فضل من يجلس في مصلاه
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الملائكة ليصلون على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث وتقول
اللهم اغفر له اللهم ارحمه .
----------------------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً بعض قومنا وذكره في الجامع من رواية الطيالسي ونصها ( أفضل الرباط الصلاة بعد الصلاة ولزوم مجالس الذكر وما من عبد يصلي ثم يقعد في مصلاه إلا لم تزل الملائكة تصلي عليه حتى يحدث أو يقوم ) .
قوله ( ليصلون على أحدكم ) أي يدعون له بالخير . وفد فسّر ذلك بقوله : وتقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه . قيل عبّر بيصلون ليناسب الجزاء العمل ، والمراد بالملائكة الحفظة السيارة أو أعم من ذلك .
قوله ( ما دام في مصلاه ) مفهومه أنه إذا انصرف عنه انقطع ذلك ، وقد صرّح به في رواية الطيالسي فإن فيها ما لم يحدث أو يقوم .
قوله ( الذي صلى فيه ) مفهومه أنه إذا جلس في المسجد في غير موضع صلاته انقطع ذلك عنه ويدل عليه قوله في رواية الطيالسي حتى يحدث أو يقوم ، وهذا الذي ينقطع عنه بالحدث أو القيام شيء غير فضيلة الجالس في المسجد المنتظر للصلاة فإن له فضل المنتظر سواء ثبت في مجلسه ذلك من المسجد أم تحول إلى غيره ، قيل يمكن أن يحمل قوله في مصلاه على المكان المعد للصلاة لا الموضع الخاص بالسجود فلا يكون بين الحديثين تخالف . ويؤخذ من قوله ( الذي صلى فيه ) أن ذلك مقيد بمن صلى ثم انتظر صلاة أخرى يعني دون من انتظر من غير صلاة سابقة وإن كان له أجر من جهة أخرى . (2/27)
صفحة 528
قوله ( ما لم يحدث ) أي ما لم ينتقض طهره بأي ناقض كان وهو مراد أبي هريرة في جوابه حين قيل له في حديث آخر عند قومنا ( وما الحدث يا أبا هريرة ؟ قال فساء أو ضراط ). وقيل المراد الريح فقط لتفسير أبي هريرة المذكور ، وقيل المراد أعم من ذلك أي ما لم يحدث أي حدث كان لرواية مسلم ( ما لم يحدث فيه ما لم يؤذ فيه )، وفي رواية ابن جرير ( ما لم يحدث أو يؤذ ) فالحدث ما كان ناقضاً للطهر فقط من نحو الريح والأذى ما تعدى أذاه إلى غيره من النميمة والغيبة والشتم وغيرها ، ويؤخذ منه أن الحدث يبطل ذلك ولو استمر جالساً وفيه دليل على أن الحدث في المسجد أشد من النخامة لما ثبت من أن لها كفارة ولم يذكر لهذا كفارة من عمل صاحبه ، كذا قيل وفيه نظر لأنه لا يلزم من انقطاع صلاة الملائكة عليه وجود الخطيئة لأن صلاتهم مزية على طاعة مخصوصة وعبادة معينة ولا يلزم من ترك ذلك الوقوع في المعصية ، على أنا نقول أن الحدث اختياراً في المسجد حرام ، وإنما نقدح في نفس هذا الاستنباط .
قوله ( اللهم اغفر له اللهم ارحمه ) تفسير لقوله يصلون على أحدكم وهو مطابق لقوله تعالى ( والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ) قيل السر فيه أنهم يطلعون على أفعال بني آدم وما فيها من المعصية والخلل في الطاعة فيقتصرون على الاستغفار لهم بذلك لأن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة ، ولو فرض أن فيهم من تحفظ من ذلك فإنه يعوض من المغفرة بما يقابلها من الثواب ، وما من أحد من بني آدم إلا وهو محتاج إلى المغفرة كل على قدر حاله ، والله أعلم .
ما جاء في تعاقب الملائكة واجتماعهم في صلاة الفجر
ومن طريقه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة الفجر فتعرج الملائكة الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي ؟ قالوا : تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون . (2/28)
صفحة 529
------------------------------------
قوله ( ومن طريقه ) يعني أبا هريرة رواه أيضاً الشيخان والنسائي وأحمد .
قوله ( تتعاقب ) بمثناتين فوقيتين وفي بعض النسخ يتعاقب بتحتية ففوقية ، وفي رواية قومنا يتعاقبون وحملوه على لغة أكلوني البراغيث ، أو أن الواو فاعل وملائكة بدل ، أو أن ملائكة مبتدأ والجملة قبله خبر له . ولا حاجة إلى هذه التقديرات على رواية المصنف فإنها جرت على اللغة الفصحاء . ومعنى التعاقب أن تأتي طائفة ثم تعود الأولى عقب الثانية ومنه تعقيب الجيوش أن يجهز الأمير بعثاً إلى مدة يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز غيرهم إلى مدة ثم يأذن لهم في الرجوع أيضاً بعد أن يجهز الأولين .
قوله ( فيكم ) يعني معشر المصلين أو مطلق المؤمنين .
قوله ( ملائكة ) قيل هم الحفظة ونقل عن الجمهور ، وتردد بعضهم ، وقال القرطبي : الأظهر عندي أنهم غيرهم ويقويه أنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد ولا أن حفظة الليل غير حفظة النهار وأنهم لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله ( كيف تركتم عبادي ) كذا قيل . ويؤيد قول الجمهور ظاهر قوله تعالى ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) فهذا يدل على أن المتعاقبين هم الحفظة .
قوله ( فيجتمعون في صلاة الفجر ) زاد البخاري في رواية له وصلاة العصر ، وقيل إن هذه الزيادة معه وهم لأنه ثبت في طرق كثيرة أن الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذكر صلاة العصر كما في الصحيحين من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة في أثناء حديث قال : وتجتمع ملائكة بالليل وملائكة بالنهار في صلاة الفجر . قال أبو هريرة اقرأوا إن شئتم ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) . قال ابن عبد البر : الأظهر أنهم يشهدون معهم الصلاة في الجماعة واللفظ محتمل للجماعة وغيرها . قال عياض : والحكمة في اجتماعهم في هاتين الصلاتين لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة . (2/29)
صفحة 530
قوله ( تعرج ) أي تصعد إلى السماء .
قوله ( الذين باتوا فيكم ) يدل على أن ملائكة الليل لا يزالون يحافظون العباد إلى الصبح وكذلك ملائكة النهار .
قوله ( فيسألهم ربهم ) قيل سؤالهم تعبد للملائكة كما تعبدوا بكتب الأعمال وهو أعلم بالجميع . وقيل سؤاله إياهم ليباهي بهم الملائكة القائلين ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) وقد اختلف في سبب الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين قالوا فقيل هو من الاكتفاء بذكر أحد المثلين كقوله تعالى ( فذكر إن نفعت الذكرى ) أي وإن لم تنفع والحكمة في الاقتصار على ذلك أن حكم طرفي النهار يعلم من حكم طرفي الليل والحكمة في ذكر المبيت دون المقيل أن الليل مظنة المعصية فلما لم يقع منهم عصيان مع إمكان دواعي الفعل من إمكان الإخفاء ونحوه واشتغلوا بالطاعة كان النهار أولى بذلك فكان السؤال عن الليل أبلغ من السؤال عن النهار لكون النهار محل الاشتهار . وقيل استعمل بات في معنى أقام مجازاً ويكون المعنى يسأل كل واحدة من الطائفتين اللتين أقامتا فينا يسألهم في الوقت الذي تصعد فيه ويؤيده رواية موسى بن عقبة عن أبي الزناد عند النسائي ولفظه ( ثم يعرج الذين كانوا فيكم ) .
وقد جاء عن أبي هريرة من طريق أخرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر فيجتمعون في صلاة الفجر فتصعد ملائكة الليل وتبيت ملائكة النهار ويجتمعون في صلاة العصر فتصعد ملائكة النهار وتبيت ملائكة الليل فيسألهم ربهم كيف تركتم عبادي الحديث . وهذه الرواية تزيل الإشكال وترفع أكثر الاحتمال .
قوله ( وهو أعلم بهم ) نفي لما يخشى أن يتوهمه جاهل من سؤال الملائكة فإنه تعالى لم يسألهم ليزداد علماً بل علمه قد أحاط بكل شيء وهو بكل شيء عليم . (2/30)
صفحة 531
قوله ( كيف تركتم عبادي ) تفسير لقوله فيسألهم ربهم والعباد المسئول عنهم هم المذكورون في قوله تعالى ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) وإنما وقع السؤال عن آخر الأعمال لأن الأمور بخواتيمها .
قوله ( تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون ) سئلوا عن الترك فأجابوا عن حالتي الترك والإتيان لأنهم علموا أنه سؤال يستدعي التعطف على بني آدم فزادوا في موجب ذلك . ووقع في صحيح ابن خزيمة من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث فاغفر لهم يوم الدين . وإنما ذكروا الترك قبل الإتيان لأنه الذي وقع السؤال عنه والإتيان زائد على الجواب .
ويستفاد منه أن الصلاة أعلى العبادات لأنه عنها وقع السؤال والجواب .
وفيه تشريف هذه الأمة على غيرها ويستلزم تشريف نبيها صلى الله عليه وسلم على غيره .
وفيه الإخبار بالغيوب ويترتب عليها زيادة الإيمان .
وفيه الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتى نتيقظ ونتحفظ في الأوامر والنواهي ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربنا وسؤال ربنا عنا .
وفيه إعلامنا بحب ملائكة الله لنا لنزداد فيهم حباً ونتقرب إلى الله بذلك .
وفيه كلام الله تعالى مع ملائكته وغير ذلك من الفوائد والله أعلم .
ما جاء في انتظار الصلاة بعد الصلاة
أبو عبيدة قال : بلغني عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يزال أحدكم في الصلاة مادامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة .
----------------------------------------
وقد تقدم في فضائل الوضوء حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلك الرباط قالها ثلاثاً .
قوله ( في الصلاة ) أي في ثوابها لا في حكمها لأنه يحل له الكلام وغيره مما منع في الصلاة .
قوله ( لا يمنعه أن ينقلب ) أي يرجع . (2/31)
صفحة 532
وقوله ( إلى أهله ) أي منزله سواء كان فيه له أهل أم لا ، ويحتمل أنه ذكر الأهل للغاب من أحوال الناس مع أنه يريد مطلق الانقلاب ولو إلى السوق أو الصحراء مثلاً وهو المفهوم من معنى الخطاب ولحن القول .
قوله ( إلا الصلاة ) أي ليس له مانع عن الانقلاب غيرها ومقتضاه أنه إذا صرف نيته عن ذلك صارف انقطع عنه الثواب المذكور وكذا إذا شارك نية الانتظار أمر آخر . قال ابن حجر : وهل يحصل ذلك لمن نيته إيقاع الصلاة في المسجد ولو لم يكن فيه ؟. قلت : لا لأن عدم الانقلاب إلى أهله شرط لتحصيل هذه الفضيلة وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط لكن لهذا الناوي ثواب نيته وله فضيلة من تعلق قلبه بالمسجد إذا خرج عنه يعود إليه وهو من السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله .
ما جاء في ترتب النجاح على الصلاة
أبو عبيدة قال بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صلوا تنجحوا وزكوا تفلحوا وصوموا تصحوا وسافروا تغنموا .
----------------------------------------
قوله ( صلوا تنجحوا ) بضم الفوقانية أي تقضى حوائجكم الدينية والدنيوية يقال أنجح الرجل إذا قضيت له الحاجة ، والاسم النجاح بالفتح وفيه أن خير الدنيا والآخرة تابع للصلاة فهي مفتاح كل خير ومصداق ذلك في قوله تعالى ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ) وقوله تعالى ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) .
قوله ( وزكوا تفلحوا ) بضم الفوقانية وكسر اللام أي تفوزوا ، والفلاح الفوز ومنه قول المؤذن حي على الفلاح أي هلموا إلى طريق النجاة والفوز .
والمعنى أخرجوا زكاة أموالكم تنالوا الفوز من الله تعالى والنجاة من الهلاك .
قوله ( وصوموا تصحوا ) أي تشفوا من الأمراض وذلك لأن قلة الطعام مذهبة للأسقام كما أن كثرة الأكل مجلبة للعلل . (2/32)
صفحة 533
قوله ( وسافروا تغنموا ) أي تحصل لكم الغنيمة من الكفار بسبب السفر في الجهاد والربح في التجارة بسبب الضرب في الأرض والفضائل الدينية والدنيوية بسبب السفر إلى الحج وطلب العلم وزيارة الإخوان والأرحام .
ما جاء في فضل الصف الأول والتهجير والعتمة والفجر
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو يعلم الناس ما في الصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يتساهموا عليه لتساهموا ،…ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً .
------------------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً البخاري ومسلم وأحمد .
قوله ( لو يعلم الناس ) أي لو علموا ذلك . ففيه التعبير بالمضارع عن الماضي لأن في المضارع إشارة إلى استمرار العلم وأنه مما ينبغي أن يكون على بال .
قوله ( ما في الصف الأول ) زاد في رواية الشيخين والإيضاح النداء ، وعبارتها ( ما في النداء والصف الأول ) والمراد بالنداء التأذين والإقامة ، والمراد بالصف الأول هو الذي غير مسبوق بصف آخر ، وقيل أول صف تام يلي الإمام مطلقاً ، وقيل أول صف تام يلي الإمام إلا ما تخلله شيء كأسطوانة . وقيل المراد به من سبق إلى الصلاة ولو صلى آخر الصفوف للاتفاق على أن من جاء أول الوقت ولم يدخل في الصف الأول فهو أفضل ممن جاء في آخره وزاحم إليه ، والأول هو الصحيح .
وفي الحض على الصف الأول المسارعة إلى خلاص الذمة في أداء الواجب ، والسبق لدخول المسجد ، والقرب من الإمام ، واستماع قراءته ، والتعلم منه ، والفتح عليه ، والتبليغ عنه ، والسلامة من اختراق المارة بين يديه ، وسلامة البال من رؤية من يكون قدامه ، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلين . وبعض هذه الفوائد مختص بأفراد من المصلين كالتبليغ فإنه يختص بمن عيّن لذلك . (2/33)
صفحة 534
قال الطيبي : أطلق مفعول يعلم ولم يبين الفضيلة ما هي ليفيد ضرباً من المبالغة وأنه مما لا يدخل تحت الوصف . وقال ابن حجر : زاد أبو الشيخ في رواية له من طريق الأعرج عن أبي هريرة ( من الخير والبركة ) فالإطلاق الذي ذكره الطيبي إنما هو في قدر الفضيلة وإلا فقد ميزت رواية أبي الشيخ الخير والبركة .
قوله ( ثم لم يجدوا ) أي لم يجدوا شيئاً من وجوه الأولوية يتقدمون بها كما لو وصلوا دفعة واحدة واستووا في الفضل وكانوا كلهم ذوي أحلام فإنهم حينئذ يستهمون لو علموا ما يفوت المتأخر من الفضل .
قوله ( إلا أن يتساهموا عليه لتساهموا ) أي لو علموا ما فيه من الفضل ولم يجدوا إلا التساهم لفعلوه كيلا يفوتهم الفضل . والضمير يعود على الصف الأول . وفي رواية الشيخين ( ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ) والاستهام والتساهم بمعنى واحد وهو الاقتراع قيل سمي بذلك لأنها سهام يكتب عليها الأسماء فمن وقع له منها سهم فاز بالحظ المقسوم .
وزعم بعضهم أن المراد بالاستهام هنا الترامي بالسهام وأنه أخرج مخرج المبالغة واستأنس بحديث لفظه ( لتجالدوا عليه بالسيوف ) لكن الأول أولى ويدل عليه رواية مسلم لكانت قرعة .
قوله ( ما في التهجير ) أي المسارعة إلى الطاعة .
وفي النهاية : التهجير التبكير إلى كل شيء والمبادرة إليه وهي لغة حجازية أراد المبادرة إلى وقت الصلاة ا.هـ.
وقد فسّره الأكثرون بالتبكير وهو المضي إلى الصلاة في وقتها فمنهم من قال إلى الجمعة ، ومنهم من قال إلى كل صلاة ، وأيد الأول بقوله عليه الصلاة والسلام ( مثل المهجر كالذي يهدي بدنة ) . وقال الخليل وغيره : المراد الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت لأن التهجير مشتق من الهاجرة وهي شدة الحر نصف النهار وهو أول وقت الظهر ولا يرد على ذلك مشروعية الإبراد لأنه أريد به الرفق ، وأما من ترك قائلته وقصد إلى المسجد
لينتظر الصلاة فلا يخفى ماله من الفضل . (2/34)
صفحة 535
قوله ( لاستبقوا إليه ) أي لبادروا إليه ، فالمراد بالاستباق الاستباق معنى لا حساً لأن المسابقة على الأقدام حساً يقتضي السرعة في المشي وهو الممنوع لقوله صلى الله عليه وسلم : فلا تأتوها وأنتم تسعون .
قال الطيبي : لما فرغ من الترغيب في الصف الأول عقّبه بالترغيب في إدراك ألو الوقت وبهذا وجب أن يفسر التهجير بالتبكير كما ذهب إليه الكثير .
قوله ( ما في العتمة والصبح ) أي ما في صلاتيهما من الفضل .
وقوله ( ولو حبواً ) أي ولو كان الإتيان حبواً أي زحفاً ، والحبو مشي الصبي على أربع أو دبيبه على أسته . وقيل تقديره ولو كانوا حابين . وإنما خص العتمة والصبح بالذكر لأنهما وقت النوم والغفلة والكسل عن العبادة وهما أثقل شيء على المنافقين لحديث أبي هريرة عند الشيخين وأحمد مرفوعاً ( ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء ) فحث عليهما لأنهما مظنة التفويت . وفي الحديث رد على من كره تسمية العشاء بالعتمة والله أعلم .
الباب الثامن والأربعون
جامع الصلاة
ما جاء في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا صلاة في المقبرة ولا في المنحرة ولا معاطن الإبل ولا في قاعة الطريق .
------------------------------------
قوله ( جامع الصلاة ) اسم فاعل من جمع الشيء إذا ضم بعضه إلى بعض ، والمراد به هاهنا جمع أحاديث متفرقة في أبواب شتى ووضعها في باب واحد وهذا دأبه في غالب الكتب يختمها بالباب الجامع لما تفرق منه .
قوله ( لا صلاة في المقبرة ..الخ ) ذكر في الحديث أربعة مواضع وزاد في حديث ابن عمر عند الترمذي وابن ماجة ثلاثة موضع قال ابن عمر : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمّام وفي مواطن الإبل وفوق ظهر بيت الله . (2/35)
صفحة 536
…فأما المقبرة بتثليث الباء موضع القبور . والمنحرة بنون بعدها مهملتان موضع النحر ، وفي حديث ابن عمر مكان المنحرة المجزرة بجيم فزاء مكسورة وتفتح والكل بمعنى واحد وهو الموضع الذي تنحر فيه الإبل وتذبح البقر والشاء . ومعاطن الإبل جمع معطن وهو مبرك الإبل حول الماء ، وقيل الموضع الذي تبرك فيه الإبل عند الرجوع عن الماء ، ويستعمل في الموضع الذي تكون فيه الإبل بالليل أيضا ، ويؤيده خبر مسلم ( نهى عن الصلاة في مبارك الإبل ) .
وقارعة الطريق أي وسطه والمراد بها الطريق الذي يقرعه الناس والدواب بأرجلهم ، وإنما نهى عن الصلاة فيها لاشتغال القلب بالخلق عن الحق ولذا حمله بعضهم على العمران دون البرية وألحق بعض أصحابنا بالطريق الوادي لهذه العلة . وقد اختلف في النهي عن الصلاة في المقبرة فقيل هو للتحريم وعليه المذهب وبه قال أحمد فلا تنعقد عنده الصلاة لأن النهي عنده في الأمكنة يفيد التحريم والبطلان كالأزمنة وهو موافق للمذهب وقد بالغ بعض أصحابنا في التنفير عن ذلك حتى قالوا بفساد الصلاة إلى القبر إذا كان دون سبعة عشر ذراعاً ، ومنهم من قال غير ذلك ، والتشديد مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم : لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . رواه جابر بن زيد مرسلاً وأخرجه الشيخان من حديث عائشة بلفظ ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) وإذا ثبت اللعن على ذلك ظهر التحريم وهذا في قبور الأنبياء فكيف بمن دونهم .وقيل إن ذلك يكره كراهة تنزيه لا تحريم فحملوا النهي على التنزيه ، وقيل إن كان المكان طاهراً فلا بأس لأن النهي عن الصلاة فيها لنجاسة البقعة فإن الغالب من حال المقبرة اختلاط تربتها بصديد الموتى ولحومها فالنهي لنجاسة المكان وكذلك قالوا في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق . (2/36)
صفحة 537
والمزبلة بفتح الباء وقيل بضمها الموضع الذي يكون فيه الزبل وهو السماد ، والمراد به الموضع الذي يلقى فيه كل شيء من القاذورات وغيرها .
وأما الحمام فهو موضع الاغتسال قيل إن الصلاة تكره فيه لأنه محل النجاسة ومأوى الشيطان ، وقيل لأن دخول الناس يشغله . وردّ بأنه غير مطرد فلا ينظر إليه .
وأما ظهر بيت الله وهو سطح الكعبة فنهي عن الصلاة فيه لأن المصلي لا قبلة له ، وقيل لأن الاستعلاء عليه مكروه لأنهه مناف للأدب . وقال الطيبي : اختلف في أن النهي الوارد عن الصلاة في المواطن السبعة للتحريم أو للتنزيه والقائلون بالتحريم اختلفوا في الصحة بناءً على أن النهي يدل على الفساد وفيه أربعة مذاهب يدل مطلقاً ، يدل في العبادات دون المعاملات ، يدل إذا كان متعلق النهي نفس الفعل أو ما يكون لازماً كصوم يوم العيد والصلاة في الأوقات المكروهة وبيع الربا ولا يدل كذلك كالصلاة في الدار المغصوبة والوادي وأعطان الإبل والبيع وقت النداء .
ما جاء في النهي عن الصلاة بالآنك والشبه
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بالآنك والشبه .
قال الربيع : الآنك القصدير ، والشبه الأحمر .……
--------------------------------------------------------
قوله ( نهى ) أي نهي تحريم عند بعض وكراهية عند آخرين والأول أظهر .
والآنك بضم النون وزان أفلس الرصاص الخالص K ويقال الرصاص الأسود ، وهو معنى تفسير المصنف له بالقصدير وفي الحديث ( من استمع على قينة صب في أذنيه الآنك ) .
والشبه بفتحتين من المعادن يشبه الذهب في لونه وهو أرفع الصفر . قيل وإنما نهي عن الصلاة في الآنك والشبه لأنهما من حليه أهل النار وفي معناهما الحديد وجميع أنواع النحاس .
ما جاء في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها (2/37)
صفحة 538
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يتحرى أحدكم أن يصلي عند طلوع الشمس أو عند غروبها .
------------------------------------
قوله ( لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ) وقوله ( لا يتحرى أحدكم أن يصلي عند طلوع الشمس أو عند غروبها ) حاصل الحديثين أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في أربعة أوقات اثنان منها النهي فيهما لغيرهما وهما المذكوران في الحديث الأول واثنان منها النهي عن الصلاة فيهما لنفس الوقت حيث لم يكن وقتاً لعبادة الله تعالى وإنما كان وقتاً تتخذه الكفار لعبادة الشمس وهو تعالى غني عن الشركة في جميع الأمور فنهى عباده عن الصلاة في الوقتين وقد روى مالك عن عبدالله بن دينار عن عبدالله بن عمر أن عمر بن الخطاب كان يقول : لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإن الشيطان يطلع قرناه مع طلوع الشمس ويغربان مع غروبها وكان يضرب الناس على تلك الصلاة هكذا رواه موقوفاً ، ومثله لا يقال رأياً فحكمه الرفع وقد رفعه ابنه عبدالله أخرج البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال : حدثني ابن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحروا فذكر الحديث ، وزاد في رواية عقبة بن عامر حين يقوم قائم الظهيرة وذلك وقت الاستواء في الحر الشديد . قال عقبة بن عامر : ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس إلى الغروب حتى تغرب . رواه الجماعة إلا البخاري . فجموع أوقات النهي المأخوذة من هذه الأحاديث خمسة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ، (2/38)
صفحة 539
وبعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ، وحين الطلوع حتى يتكامل طلوعها وترتفع قليلاً ، وحين قيامها في كبد السماء وذلك نصف النهار حتى تزول ، وحين غروبها حتى يتكامل الغروب . ثم اختلفوا في الصلاة التي لا تجوز في هذه الأوقات قال المحشي رضي الله عنه : والمختار أن الأوقات الثلاثة التي نهي عن الصلاة فيها بعينها وهي عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند توسطها في كبد السماء في غير يوم الجمعة لا تجوز الصلاة فيها مطلقاً ولو نام عنها أو نسيها . قال : وأما بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر فالمختار عندي أنه تقضى فيها الفوائت والمنسيات والتي نام عنها . قال : وكذلك الصلاة التي لها سبب من قبل الله كصلاة الميت والزلزلة والكسوف بخلاف ركعتي الطواف فإن سببهما الطواف وقد صدر باختيار الإنسان فيمتنعان كسائر النوافل والله أعلم .
قوله ( لا صلاة ) أي لا تصلوا فالنفي هاهنا بمعنى النهي ، أو المراد نفي الصحة أي لا تصح الصلاة في ذلك الوقت ويلزم من نفي الصحة النهي عن الفعل فإنه إنما يفعل ليصح فيتاب عليه وإذا لم تحصل الصحة بنفي الشارع إياها فلا معنى للفعل على أن مثل هذه الصيغة إنما تساق للمبالغة في النهي عن الشيء . (2/39)
صفحة 540
قوله ( بعد صلاة العصر ) وقوله ( بعد صلاة الصبح ) هذا لمن صلى الفريضة فلا يصلي بعدها حتى يكمل الغروب أو الطلوع أما من لم يحضر الجماعة فإنه يصلي ولو صلى الناس ما لم يغب قرن منها أو يطلع فيدخل في وقت النهي المطلق فينهى حينئذ ويحرم عليه الدخول في الصلاة لئلا يشابه عباد الشمس ويلزمه أن يؤخر الصلاة حتى يتم الغروب أو الطلوع قيل والحكمة في النهي عن الصلاة بعد صلاة العصر والصبح أن ما قارب الشيء أعطي حكمه ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، وأيضاً فعبّاد الشمس ربما تهيئوا لتعظيمها من أول ذينك الوقتين فيرصدونها مراقبين لها إلى أن تظهر فيخروا لها ساجدين فلو أبيح التنفل في ذينك الوقتين لكان فيه أيضاً تشبه بهم أو إيهامه أو التسبب إليه .
قوله ( لا يتحرى ) نفي معناه النهي أي لا يقصد أحدكم الصلاة في ذلك الوقت ، وفي بعض نسخ المسند ( لا يفجر ) ومعناه لا يصلي في ذلك الوقت فإنه فجور . (2/40)
صفحة 541
قوله ( عند طلوع الشمس ) وذلك حين ما تظهر الحمرة بالمغرب فإنها شعاع الشمس الظاهر بالمشرق فأول ما يظهر للناس حمرة في السماء من الجهة الغربية ثم ينزل إلى الأرض بعد أن يطلع بعضها ولا تكون تلك الحمرة إلا حين الطلوع لكنا لا نراها حين تطلع لبعد المسافة والتواري بالجبال والآكام . وقيل أول وقت المنع أن يطلع بعض الشمس للناظر وهؤلاء لا يعتدون بالحمرة الكائنة في السماء بل بنظر العين إلى نفس الطلوع . وعلى كل حال فحين بدا حاجب الشمس وهو شعاعها امتنعت الصلاة لما في رواية عند البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن عمر : إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز ، وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب . وحاجب الشمس طرفها أو قرصها الذي يبدو أولاً مستعار من حاجب الوجه ، وقيل الشعاع الذي يبدو إذا حان طلوعها وهو أظهر لأن يكون للشمس كالحاجب للعين وكذا القول في الغروب فإنه عكس الطلوع ، فجميع ما قيل في أول الطلوع قيل بمثله في أول الغروب والله أعلم .
ما جاء في النهي أن يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا يصلي أحدكم وهو زنّاء . الزنّاء بتشديد النون يعني الحاقن الذي يجمع البول في مثانته .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين .
------------------------------------
قوله ( لا يصلي أحدكم وهو زناء ) وقوله ( نهى أن يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين ) الزناء بتشديد النون والمد الذي يجمع البول في مثانته . قال ابن القوطية : زنأ البول زنوءاً من باب قعد احتقن ، وزناه صاحبه زنوءاً أيضاً حقنه حتى ضيّق عليه يستعمل لازماً ومتعدياً ، ولا تقبل صلاة زانيء أي حاقن ، وقد يعدى بالألف فيقال أزنأه ورجل زناء وزان سلام اسم منه . (2/41)
صفحة 542
والأخبثان البول والغائط . قال في الإيضاح : والبول أهون في ذلك من الغائط لأن البول لم ينتقل من موضعه بعد ذلك كالريح إذا قصده في صلاته فإنه يستعمل على رده ما لم يخرج . قال : وأما الغائط إذا قصده في صلاته فهو كمن صرّها في طرف كسائه والله أعلم .
والذي يدل عليه كلام القواعد وغيره أن النهي يكون مرة للتحريم فتفسد الصلاة بالمدافعة إذا شغلته حتى لا يفقه ما صلى وتارة يكون للكراهية وهو الذي لا يصل إلى هذا الحال . وقيل لا بأس بمدافعة البول ما لم يضع رجلاً ويرفع رجلاً بسبب ذلك ، ومنهم من يرخص في البول ما لم يخرج ، ومنهم من يرخص في الغائط أيضاً ما لم يخرج ، وقال بعضهم إذا أتى بصلاته كما أمر فلا فساد عليه والله أعلم . وقيل يكره إن لم يضق الوقت فإن ضاق وجبت الصلاة به ما لم يتضرر فإن تضرر بدأ بتفريغ نفسه وإن خرج الوقت .
وتحرير المقام أنه ينهى عن الدخول في الصلاة وهو يدافع الأخبثين أو أحدهما بل عليه أن يفرغ نفسه للصلاة فإن النهي متوجه إليه ، وإن حدث عليه ذلك بعد الدخول في الصلاة فعليه أن يتم صلاته ما لم يخرج أو يتضرر لأنه قد دخل في واجب لا يخرج عنه إلا بواجب يقطعه ، فالاستمرار على الصلاة واجب حتى تتم وهو لم ينه عن ذلك وإنما نهي أن يصلي وهو يدافع أي لا يدخل فيها وهو على ذلك الحال ، ولم يأت في الاستمرار عليها إذا حدثت المدافعة نهي ، وقد يكون الشيء مانعاً في الابتداء دون البناء والله أعلم .
ما جاء في النهي أن يصلي الرجل وهو عاقص شعره
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يصل أحدكم وهو عاقص شعره خلف قفاه . أي عاقد شعره منكساً .
------------------------------------ (2/42)
صفحة 543
قوله ( لا يصلي أحدكم وهو عاقص شعره خلف قفاه ) عقص الشعر ليه وإدخال أطرافه في أصوله وهو معنى قول المصنف رحمه الله تعالى أي عاقد شعره منكساً . والنهي في هذا للرجال خاصة ، وفي حديث ابن عباس عند مسلم ( ولا نكفت الثياب ولا الشعر ) وفي رواية ( أمرت أن أسجد ولا أكفت الشعر ولا الثياب ) قال النووي : اتفق العلماء على النهي عن الصلاة وثوبه مشمراً أو كمه أو نحوه أو رأسه معقوص أو مردود شعره تحت عمامته أو نحو ذلك فكل هذا منهي عنه باتفاق العلماء . قال : وهو كراهة تنزيه لو صلى كذلك فقد أساء وصحت صلاته . قال : واحتج في ذلك أبو جعفر محمد بن جرير الطبري بإجماع العلماء وحكى ابن المنذر الإعادة فيه عن الحسن البصري . قال : ثم مذهب الجمهور أن النهي مطلقاً لمن صلى كذلك سواء تعمده للصلاة أم كان قبلها كذلك لا لها بل لمعنى آخر . وقال الداودي : يختص النهي بمن فعل ذلك للصلاة . قال : والمختار الصحيح هو الأول وهو ظاهر المنقول عن الصحابة وغيرهم ويدل عليه فعل ابن عباس المذكور هنا . انتهى كلامه . وحديث ابن عباس الذي أشار إليه هو ما رواه مسلم أن عبدالله بن عباس رآى عبدالله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه فقام فجعل يحله فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس فقال : مالك ورأسي ؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف . ولهذا قيل أن الحكمة في النهي عنه أن الشعر يسجد معه فإذا كف شعره كان كما إذا كف جارحة السجود . وقال العلقمي : أراد أنه إذا كان شعره منشوراً سقط على الأرض عند السجود فيعطى صاحبه ثواب السجود به ، وإذا كان معقوصاً صار في معنى من لم يسجد ، وشبه بالمكتوف وهو مشدود اليدين لأنهما لا يقعان على الأرض في السجود . ا. هـ . والله أعلم .
ما جاء في النهي عن القنوت في الصلاة (2/43)
صفحة 544
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيناه قنت في صلاته قط .
أبو عبيدة قال : وقد سمعت عن ابن عمر لا يرى القنوت في الصلاة ولم يقنت في صلاته قط وكان يراه بدعة .
------------------------------------
قوله ( في النهي عن القنوت في الصلاة ) والقنوت يطلق على معان والمراد به هاهنا الدعاء في الصلاة على الوجه المخصوص كما يفعله الشافعية من قومنا في الركعة الثانية من صلاة الفجر .
قوله ( عن ابن عباس قال : كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيناه قنت في صلاته قط ) وقوله ( عن ابن عمر لا يرى القنوت في الصلاة ولم يقنت في صلاته قط وكان يراه بدعة ) الحديث الأول تفرد به المصنف رضوان الله عليه بسنده الصحيح وله شواهد يأتي ذكرها ، والأثر الثاني رواه مالك أيضاً عن نافع قال عبدالله بن عمر كان لا يقنت في شيء من الصلاة . قال شارحه بل روي عنه أنه بدعة . وعن أبي مالك الأشجعي قال : قلت لأبي يا أبي إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي هاهنا بالكوفة قريباً من خمس سنين أكانوا يقنتون ؟ قال : أي بني محدث . رواه أحمد والترمذي وصححه وابن ماجة . وفي رواية ( كانوا يقنتون في الفجر ) . ورواه النسائي ولفظه : قال : صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقنت وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت وصليت خلف عمر فلم يقنت وصليت خلف عثمان فلم يقنت وصليت خلف علي فلم يقنت ، ثم قال يا بني بدعة .
وفي الباب عن ابن عباس عند الدارقطني والبيهقي أنه قال : القنوت في صلاة الصبح بدعة .
وعن ابن عمر عند الطبراني قال : قيامهم عند فراغ القارئ من السورة يعني قيام القنوت إنها لبدعة ما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وعن ابن مسعود عند الطبراني في الأوسط والبيهقي والحاكم في كتاب القنوت بلفظ ما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من صلاته . (2/44)
صفحة 545
وعن أم سلمة عند ابن ماجة قالت : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القنوت في صلاة الفجر . ورواه الدارقطني .
فهذه الأحاديث دالة على أن القنوت غير مشروع وبه قال أصحابنا وإليه ذهب أكثر أهل العلم من قومنا كما حكاه الترمذي في كتابه وحكاه العراقي عن أبي بكر وعمر وعلي وابن عباس .
وقال أبو حنيفة : من قنت في الصلاة فقد أتبع نفسه هواها .
وقال بعض المتأخرين من قومنا : قد وقع الاتفاق على ترك القنوت في أربع صلوات من غير سبب وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء . قال : ولم يبق الخلاف إلا في صلاة الصبح من المكتوبات وفي صلاة الوتر من غيرها . قال : واحتج المثبتون للقنوت في صلاة الصبح بحجج منها حديث أنس قال : كان القنوت في المغرب والفجر رواه البخاري . وحديث البراء ابن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في صلاة المغرب والفجر . وراه أحمد ومسلم والترمذي وصححه . قال : ويجاب بأنه لا نزاع في وقوع القنوت منه صلى الله عليه وسلم وإنما النزاع في استمرار مشروعيته . قال : فإن قالوا لفظ كان يفعل يدل على استمرار المشروعية قلنا قد حكى النووي عن جمهور المحققين أنها لا تدل على ذلك . سلّمنا فغايته مجرد الاستمرار وهو لا ينافي الترك آخراً كما صرحت بذلك الأدلة على أن هذين الحديثين فيهما أنه كان يفعل ذلك في الفجر والمغرب فما هو جوابكم عن المغرب فهو جوابنا عن الفجر ، وأيضاً في حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم وأحمد أنه كان يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الظهر والعشاء الآخر وصلاة الصبح فما هو جوابكم عن مدلول لفظ كان هاهنا فهو جوابنا . قالوا : أخرج الدارقطني وعبدالرزاق وأبو نعيم وأحمد والبيهقي والحاكم وصححه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو على قاتلي أصحابه ببئر معونة ثم ترك فأما الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا وأول الحديث في الصحيحين . قلنا : لو صح هذا لكان قاطعاً للنزاع ولكنه من طريق أبي (2/45)
صفحة 546
جعفر الرازي قال فيه عبدالله بن أحمد ليس بالقوي وقال علي بن المديني إنه يخلط وقال أبو زرعة يهم كثيراً وقال عمرو بن علي القلاص صدوق سيء الحفظ وقال ابن معين ثقة ولكنه يخطأ وقال الداودي ثقة ولكنه يغلط ، وأيضاً فقد روى الخطيب من طريق قيس بن ربيع عن عاصم بن سليمان قلنا لأنس إن قوماً يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يقنت في صلاة الفجر فقال كذبوا إنما قنت شهراً واحداً يدعو على حي من أحياء المشركين .وقيس وإن كان ضعيفاً لكنه لم يتهم بكذب .
هذا حاصل ما ذكره مع بعض تصرف فيه وهو كاف في بيان الحق وأشد ما قتل به الإنسان سيفه والله أعلم .
ما جاء في تارك الصلاة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا إيمان
لمن لا صلاة له . الحديث .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بين العبد
والكفر إلا تركه الصلاة .
------------------------------------
قوله ( لا إيمان لمن لا صلاة له ) الحديث تقدم في باب الوضوء وفرضه بهذا السند المذكور وتمامه ( ولا صلاة لمن لا وضوء له ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله ) وإنما أشار إليه هاهنا لقوله ( لا إيمان لمن لا صلاة له ) وفيه أن الإيمان متوقف على أداء الصلاة فمن لم يؤدها فلا إيمان له ومن خرج عن الإيمان دخل في الكفر فهو نظير قوله في الحديث الآتي ( ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة ) والله أعلم .
قوله ( ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة ) الحديث رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي من حديث جابر ولفظه ( بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة ) ومعناه أن العبد إذا ترك الصلاة دخل في الكفر فالكلام مساق مساق الشرط والعرب تقول ما بيني وبينك إلا تمام المدة وانقضاء الوقت بمعنى إذا انقضى الوقت المضروب بيننا للأمان جئتك حارباً ، وهذا معروف من لغتهم وموجود على ألسنتهم فلا إشكال في الحديث ألبتة . (2/46)
صفحة 547
وقد أشكل معناه على كثير من الناس منهم المحشي رحمة الله عليه قال في حاشية الوضع : وسألت عن هذا الحديث جماعة من مشائخ قومنا بمصر فلم أجد عندهم جواباً شافياً إلا أنه قال لي بعضهم لعل معنى الحديث على جهة التغليظ والمبالغة أنه لا واسطة ووسيلة توصل العبد إلى الكفر إلا ترك الصلاة فمن أراد الوصول إليه فليترك الصلاة .
وصورة الإشكال أن ظاهر الحديث يقتضي أن الترك حاجز بين العبد والكفر مع أن الحاجز بينهما المحافظة على الصلاة لا تركها .
وأجابوا عنه بوجوه أحدها أن ترك الصلاة يعبر به عن فعل ضده لأن فعل الصلاة هو الحاجز بين الإيمان والكفر فإذا ارتفع رفع المانع قاله التوربشتي .
وثانيها قول البيضاوي يحتمل أن يؤول ترك الصلاة بالحد الواقع بينهما فمن تركها دخل الحد وحام حول الكفر ودنا منه .
وثالثها قول البيضاوي أيضاً يتعلق الظرف بمحذوف تقديره ترك الصلاة وصلة بين العبد والكفر والمعنى يوصله إليه .
قال الطيبي : وأقوى الوجوه الثاني ثم هو من باب التغليظ أي المؤمن لا يتركها ويمكن أن يقال الكلام مصبوب على غير مقتضى الظاهر لأن الظاهر أن يقال بين الإيمان والكفر ترك الصلاة أو بين المؤمن والكافر تركها فوضع موضع المؤمن العبد وموضع الكافر الكفر فجعله نفس الكفر مبالغة .
هذا كلامهم في الجواب عن ذلك الإشكال والحديث يدل صريحاً على أن تارك الصلاة كافر فإن تركها منكراً لوجوبها كفر كفر شرك إجماعاً ، وإن تركها مع الإقرار بفرضها فهو كافر كفر نعمة . ولمّا لم يفرق قومنا بين الكفرين وجعلوا اسم الكفر مرادفاً للشرك أشكل عليهم معنى الحديث فاختلفوا في تشريك تارك الصلاة مع الإقرار بوجوبها فمنهم من شركه أخذاً بالظاهر في زعمهم ، ومنهم من لم يشركه وتكلفوا للحديث تأويلاً خرجوا به عن ظاهر اللفظ ومقصود الشرع ولا حاجة لنا بذكر ما قالوه من ذلك والحق بيّن والله أعلم .
ما جاء في من فاته العصر (2/47)
صفحة 548
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله .
قال الربيع : أي سلب وقيل نقص .
------------------------------------
قوله ( عن أنس بن مالك ) الحديث رواه مالك والبخاري ومسلم من حديث عبدالله بن عمر .
قوله ( من فاته العصر ) في رواية ابن عمر عند قومنا ( الذي تفوته صلاة العصر ) . واختلفوا في معنى الفوات في هذا الحديث فقال ابن وهب : هو في من لم يصلها في وقتها المختار ، وقيل بغروب الشمس . وفي موطأ ابن وهب قال مالك : تفسيرها ذهاب الوقت وهو محتمل للمختار وغيره . وأخرج عبدالرزاق هذا الحديث عن ابن جريح عن نافع وزاد في آخره ( قلت لنافع حتى تغيب الشمس ؟ قال : نعم ) وتفسير الراوي إذا كان فقيها أولى من غيره . قيل وورد مرفوعاً أخرجه ابن أبي شيبة عن هشام عن حجاج عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً من ترك العصر حتى تغيب الشمس من غير عذر فكأنما وتر أهله وماله . وقال الأوزاعي : فوتها أن تدخل الشمس صفرة . أخرجه أبو داود . قال الحافظ : ولعله على مذهبه في خروج وقت العصر . وقال المهلب ومن تبعه : إنما أراد فواتها في الجماعة لما يفوته من شهود الملائكة الليلة والنهارية. ويؤيده رواية ابن مندة ( الموتور أهله وماله من وتر الصلاة الوسطى في جماعة وهي صلاة العصر ) . قال المهلب : وليس المراد فواتها باصفرار الشمس أو مغيبها إذ لو كان كذلك لبطل الاختصاص لأن ذهاب الوقت موجود في كل صلاة . ونوقض بعين ما ادعاه لأن فوات الجماعة موجود في كل صلاة . ويروى عن سالم أن هذا في من فاتته ناسياً ، ومشى عليه الترمذي فبوّب على الحديث ما جاء في السهو عن وقت العصر وعليه فالمراد أنه يلحقه من الأسف عند معاينة الثواب لمن صلى ما يلحق من ذهب أهله وماله ، ويؤخذ منه التنبيه على أن أسف العمد أشد لاجتماع فقد الثواب وحصول الإثم . وقال الداودي : إنما هو في العامد واستظهره (2/48)
صفحة 549
النووي وأيد بقوله في الرواية السابقة من غير عذر .
واختلف في أيضاً في تخصيص صلاة العصر بذلك فقيل خصت بذلك لزيادة فضلها وأنها الوسطى ولأنها تأتي في وقت تعب الناس في مقاساة أعمالهم وحرصهم على قضاء أشغالهم وتسويفهم بها إلى انقضاء وظائفهم ولاجتماع المتعاقبين من الملائكة فيها . وتعقب بأن الفجر أيضاً فيها اجتماع المتعاقبين فلا يختص العصر بذلك ، وقيل الحق عدم التعليل لأن لله يخص ما يشاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة ، وقيل يحتمل أن الحديث خرج جواباً لسائل عمن تفوته العصر وأنه لو سئل عن غيرها لأجاب بمثل ذلك فيكون حكم سائر الصلوات كذلك . وتعقب بأن الحديث ورد في العصر ولم تحقق العلة في هذا الحكم فلا يلحق بها غيرها بالشك ، وإنما يلحق غير المنصوص به إذا عرفت العلة واشتركا فيها . ورد بأن هذا لا يدفع الاحتمال وإنما يدفع القياس .
قوله ( وتر ) بضم الواو وكسر الفوقية . قال الربيع : أي سلب ونقص . وقيل معناه أخذ أهله وماله فصار وتراً أي فرداً . وقيل يقال وترت الرجل إذا قتلت له قتيلاً وأخذت ماله . وقيل الموتور من أخذ أهله وماله وهو ينظر وذلك أشد لغمه فوقع التشبيه بذلك لمن فاتته الصلاة لأنه يجتمع عليه غمان غم الإثم وغم فقد الثواب كما يجتمع على الموتور غمان غم السلب وغم الطلب بالثأر . وقال الجوهري : الموتور هو الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه تقول منه وتر وتقول أيضاً وتره حقه أي نقصه . وقال الخليل : الوتر الظلم في الدم فعلى هذا فاستعماله في المال مجاز . (2/49)
صفحة 550
قوله ( أهله وماله ) قال القرطبي : يروى بالنصب على أن وتر بمعنى سلب وهو يتعدى إلى مفعولين وبالرفع على أن وتر بمعنى أخذ فيكون أهله هو المفعول الذي لم يسم فاعله . قال النووي : والنصب هو الصحيح المشهور على أنه مفعول ثان ، ومن رفع فعلى ما لم يسم فاعله ومعناه انتزع منه أهله وماله . وقال ابن عبد البر : معناه عند أهل الفقه واللغة أنه كالذي يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وتراً والوتر الجناية التي يطلب ثأرها فيجتمع عليه غمان غم المصيبة وغم مقاساة طلب الثأر ولذا قال ولم يقل مات أهله . وقال الداودي : معناه الذي يتوجه عليه من الاسترجاع ما يتوجه على فقدهما فيتوجه عليه الندم والأسف لتفويته الصلاة . وقيل معناه فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف عليه كما يلحق من ذهب أهله وماله . وإنما خص الأهل والمال بالذكر لأن الاشتغال في وقت العصر إنما هو بالسعي على الأهل والشغل بالمال فذكر أن تفويت هذه الصلاة نازل منزلة فقدهما فلا معنى لتفويتها بالاشتغال بهما مع أن تفويتها كفواتهما أصلاً والله أعلم .
والحمد لله كثيراً والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه الطاهرين وعلى الأنبياء والمرسلين وعلى الملائكة المقربين وعلى صالح المؤمنين ، غفر الله لنا ولأئمتنا ومشائخنا وإخواننا ، وتقبل منا صالح أعمالنا . آمين
هذا آخر ما منّ الله به علينا من كتابة الجزء الأول من حاشية الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب الجامع للصحيح من أحاديث الحبيب وكان تمام تسويده عشية الاثنين لسبع مضين من ربيع الأول سنة خمس وعشرين بعد ثلاثمائة وألف من الهجرة الإسلامية على مهاجرها أفضل صلاة وتحية . ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني وأوله كتاب الصوم ، ويليه الجزء الثالث وبالله التوفيق .
فهرست الجزء الأول من شرح مسند الإمام الكامل الربيع بن حبيب رحمه الله
خطبة الكتاب (2/50)
صفحة 551
ترجمة المرتب أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم رحمه الله
ترجمة المصنف الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله
ترجمة شيخه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة رضي الله عنه
ترجمة شيخه أبي الشعثاء جابر بن زيد رضي الله عنه
ترجمة شيخه عبدالله بن عباس رضي الله عنه
الباب الأول في النية
الباب الثاني في ابتداء الوحي
الباب الثالث في ذكر القرآن
ما جاء في تعليم الأولاد القرآن
ما جاء في المحافظة على القرآن
ما جاء في من تعلم القرآن ثم نسيه
ما جاء في من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما جاء في فضل قل هو الله أحد
ما جاء في سبب نول سورة الفتح
ما جاء في منع الجنب والحائض من قراءة القرآن
ما جاء في النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو
ما جاء في ذهاب القرآن آخر الزمان
ما جاء في القراآت السبع
ما في جمع القرآن
ما جاء في إنزال القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا
ما جاء في بيان المدني والمكي من السور
الباب الرابع في العلم وطلبه وفضله
ما جاء في طلب العلم ولو بالصين
ما جاء في فضل طالب العلم
ما في أن تعليم الصغار يطفئ غضب الرب
ما جاء في ذهاب العلماء
ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم من أراد الله به خيراً فقهه في الدين
ما جاء في كتابة العلم
ما جاء في صنوف العلم
ما جاء في الاعتصام بالكتاب والسنة
ما جاء في فضل حلقة الذكر
الباب الخامس في طلب العلم لغير الله وعلماء السوء
ما جاء في من لم يعمل بما علم
ما جاء في طلب العلم للمباهاة
ما جاء في من طلب العلم للعظمة والرفعة
ما جاء في من أفتى بغير علم
ما جاء في علماء السوء
ما جاء في وصف البيان بالسحر
الباب السادس في الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم
ما جاء في بيان الأفضل من هذه الأمة
ما جاء في عصمة الأمة
ما جاء في اختلاف الأمة
ما جاء في فضل أهل الوفاء من بعده صلى الله عليه وسلم وعقوبة الناكثين لعهده
الباب السابع في الولاية والإمارة
ما جاء في ولاية قريش
ما جاء في لأئمة الجور (2/51)
صفحة 552
ما جاء في الإمام العادل
ما جاء في رد الأحداث والبدع من الأئمة وغيرهم
الباب الثامن في الرؤيا
الباب التاسع في الإيمان والإسلام والشرائع
ما جاء في شرائع الإسلام
ما جاء في الإحسان
ما جاء في أن أفضل العمل إيمان بالله
ما جاء في وصف أهل اليمن بالإيمان
الباب العاشر في ذكر الشرك والكفر
ما جاء في إحباط العمل بالشرك
ما جاء في الأسباب التي يكفر بها الإنسان
ما جاء في خبر زيد بن عمرو بن نفيل
ما جاء في أن رأس الكفر نحو المشرق
ما جاء في من قال لأخيه يا كافر
ما جاء إحباط العمل بالرياء
الباب الحادي عشر في الحب
ما جاء في حب الله لعباده
ما جاء في المتحابين في الله
ما جاء في حب العبد لقاء ربه
الباب الثاني عشر في القدر والحذر والتطير
ما جاء في أن الأشياء بقضاء وقدر
ما جاء في الإيمان بالقدر
ما جاء في الهامة والعدوى والصفر
ما جاء في نهي أن يرد هائم على مصح
الباب الثالث عشر في الفتنة
الباب الرابع عشر في الطهارة والاستجمار
ما جاء في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها لبول أو غائط
ما جاء في الاستجمار بالأحجار والنهي عن الروث والعظام
ما جاء في النهي عن البول والغائط في الأحجر
ما جاء في الاستتار وترك الكلام عند قضاء الحاجة
ما جاء في السواك عند كل وضوء
الباب الخامس عشر في آداب الوضوء وفرضه
ما جاء في غسل اليد ثلاثاًَ بعد النوم
ما جاء في التسمية على الوضوء
ما جاء في الوضوء مرة مرة واثنتين اثنتين وثلاثاً ثلاثا
ما جاء في التخليل بين الأصابع
ما جاء في اشتراط الوضوء لصحة الصلاة
ما جاء في تعهد الأعقاب بالغسل
ما جاء في الاستنشاق
ما جاء في المضمضة والاستنشاق
ما جاء في مسح أثر الوضوء
ما جاء في مسح الرأس والأذنين
الباب السادس عشر في فضائل الوضوء
ما جاء في إسباغ الوضوء على المكاره
ما جاء في تكفير الوضوء للسيئات
ما جاء في الغرة والتحجيل من أثر الوضوء
ما جاء في غفران ما يستقبل بالوضوء والصلاة (2/52)
صفحة 553
الباب السابع عشر ما يجب منه الوضوء
ما جاء في الوضوء من المذي
ما جاء أنه لا وضوء من طعام أحل الله أكله
ما جاء في الوضوء من الغيبة
ما جاء في الوضوء من الريح
ما جاء في الوضوء من مس الفرج
ما جاء في أنه لا يتوضأ من قبلة امرأته ولا من مسها
ما جاء في الوضوء من القيء والقلس
ما جاء أن القيء والرعاف ينقضان الوضوء دون الصلاة
الباب الثامن عشر في النوم الذي ينقض الوضوء
الباب التاسع عشر في المسح على الخفين
ما جاء في المسح على الجبائر
الباب العشرون جامع الوضوء
ما جاء في شيطان الماء
ما جاء في حل عقد الشيطان بالوضوء
ما جاء في طلب الماء للوضوء
الباب الحادي والعشرون في ما يكون منه غسل الجنابة
ما جاء في الغسل من المني
ما جاء في الغسل من التقاء الختانين
ما جاء في غسل المرأة من الاحتلام
الباب الثاني والعشرون في كيفية الغسل من الجنابة
ما جاء في صفة الغسل
ما جاء في إنقاء البشر وبل الشعر
ما جاء في تعهد المواضع الكامنة بالغسل
ما جاء أن المرأة لا تنقض شعرها في الغسل من الجنابة
ما جاء في اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد
ما جاء في نهي الجنب أن يغتسل في الماء الدائم والنهي عن الضوء بفضل المرأة
ما جاء في نوم الجنب
الباب الثالث والعشرون جامع النجاسات
ما جاء في أبوال الإبل والبهائم
ما جاء في نجاسة دم الحيض وتطهير الثوب منه
ما جاء في نجاسة المني والمذي والودي ودم الحيض والنفاس والاستحاضة وغسل الثوب من ذلك
ما جاء في تطهير ذيل المرأة
ما جاء في الصلاة بالثوب الرطب
ما جاء في تطهير بول الصبي
ما جاء في غسل الإناء من ولوغ الكلب
الباب الرابع والعشرون في أحكام المياه
ما جاء في حكم الماء المطلق
ما جاء في تقدير الكثير بالقلتين
ما جاء في سؤر السباع
ما جاء في سؤر الهرة
ما جاء في ماء البحر
ما جاء في البول والاغتسال في الماء الدائم
ما جاء في الوضوء بالنبيذ
الباب الخامس والعشرون فرض التيمم والعذر الذي يوجبه (2/53)
صفحة 554
ما جاء في نزول آية التيمم
ما جاء في حكمة التيمم
ما جاء في حكم التيمم
ما جاء في تيمم الجنب إذا تعرض للجنابة
ما جاء في صفة التيمم
الباب السادس والعشرون في الزجر عن غسل المريض
ماء في تيمم الجنب خوف البرد
ما جاء في تيمم الجريح
ما جاء في تيمم المجدور
كتاب الصلاة ووجوبها
الباب السابع في الأذان
ما جاء في ما يقال عند سماع الأذان وكون الأذان مثنى مثنى
ما جاء في أذان المنفرد وفضل المؤذن
ما جاء في قول المؤذن في الليلة الباردة والمطيرة
الباب الثامن والعشرون في أوقات الصلاة
ما جاء في وقت صلاة الظهر
ما جاء في وقت صلاة العصر
ما جاء في وقت صلاة الفجر
ما جاء في شهود العشاء والتشديد على من تخلف
ما جاء في وقت الاصفرار
ما جاء في من نسي صلاة أو نام عنها
ما جاء في الصلاة الوسطى
الباب التاسع والعشرون في فرض الصلاة في الحضر والسفر
ما جاء في أول ما فرضت الصلاة
ما جاء في أصل صلاة السفر
ما جاء في عدد ركعات الصلاة في الحضر والسفر
ما جاء في وقت افتراض الصلوات الخمس
ما جاء في حكم الوتر
ما جاء في القصر في السفر وإن طال
ما جاء في ركعات الوتر
الباب الثلاثون صلاة الخوف
الباب الحادي والثلاثون في صلاة الكسوف
الباب الثاني والثلاثون في سبحة الضحى وتبردة الصلاة
ما جاء في التطوع قبل الفريضة وبعدها وفي قيام الليل
ما جاء في التطوع على الراحلة
ما جاء في تحية المسجد
ما جاء في سنة الزوال
الباب الثالث والثلاثون الإمامة في النوافل
ما جاء أن المرأة تصف وحدها خلف الجماعة
ما جاء في موقف المنفرد مع الإمام وفي قيام رمضان
الباب الرابع والثلاثون استقبال الكعبة وبيت المقدس
ما جاء في الصلاة خلف كل بار وفاجر
ما جاء في من يكون أولى بالإمامة
ما جاء في أمر الإمام بالتخفيف في الصلاة
ما جاء في الاستخلاف في الإمامة
ما جاء في النافلة خلف الجائر الذي يصلي الفرض
ما جاء في منع الاقتداء بمن يرفع يديه في الصلاة (2/54)
صفحة 555
ما جاء أن الإمام إذا تعود تأخير الصلاة لا يجب انتظاره
الباب السادس والثلاثون في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة
ما جاء في فضل الجماعة
ما جاء في الرقعة في الصلاة
ما جاء في من أدرك من الصبح والعصر ركعة
ما جاء في من صلى الفرض ثم وجد جماعة يصلون
الباب السابع والثلاثون في ابتداء الصلاة
ما جاء في تكبيرة الإحرام
ما جاء في السواك عند كل صلاة
الباب الثامن والثلاثون في القراءة في الصلاة
ما جاء في فاتحة الكتاب في الصلاة وأن البسملة آية منها
ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إلا بفاتحة الكتاب
ما جاء في النهي أن يجهر بعضنا على بعض في الصلاة
ما جاء في القراءة في العتمة
ما جاء في القراءة في المغرب
الباب التاسع والثلاثون في الركوع والسجود وما يفعل فيهما
ما جاء في ما يقال في الركوع والسجود
ما جاء في النهي عن القراءة في الركوع والسجود
ما جاء في ما يقال عند القيام من الركوع
ما جاء في سجدة ص
الباب الأربعون في القعود الصلاة والتحيات
ما جاء أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم
ما جاء في صلاة النفل قاعداً
ما جاء في القعود المنهي عنه في الصلاة
ما جاء في التحيات
ما جاء في إمامة القاعد بالقائم
الباب الحادي والأربعون الجواز بين يدي المصلي
ما جاء في وعيد المار بين يدي المصلي
ما جاء في دفع المار بين يدي المصلي
ما جاء أن صلاة النافلة لا يقطعها النائم بين يدي المصلي
ما جاء في النهي أن يستقبل حيواناً في صلاته
ما جاء في المرور قدام بعض الصف
الباب الثاني والأربعون في السهو في الصلاة
ما جاء في من التبس عليه أمر صلاته
ما جاء أن الشيطان يخطر بين المرء ونفسه
ما جاء في التسليم من ركعتين سهواً
ما جاء في ما إذا حضر العشاء والعشاء
ما جاء في تقديم الرقاد على الصلاة عند النعاس
الباب الثالث والأربعون في القران في الصلاة
ما جاء في الجمع الصوري
ما جاء في الجمع للمسافر المقيم ببلد
ما جاء في الجمع بمزدلفة (2/55)
صفحة 556
الباب الرابع والأربعون في المساجد وفضل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما جاء في فضل المسجدين
ما جاء أن الأرض كلها مسجد
ما جاء أنه لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد
ما جاء في فضل المساجد
ما جاء في تحية المسجد
ما جاء في خروج النساء إلى المسجد
ما جاء في النهي عن إنشاد الضالة في المساجد وعن اتخاذها طريقاً أو سوقاً
ما جاء في كراهة البصاق في المسجد
ما جاء في تطهير المسجد من البول
ما جاء في الاستلقاء في المسجد
ما جاء في الاعتكاف في المسجد
الباب الخامس والأربعون في الثياب والصلاة فيها وما يستحب من ذلك
ما جاء في الصلاة في الثوب الواحد
ما جاء في الصلاة في الثوب الضيق
ما جاء في كراهة لبس ما يشغل المصلي
ما جاء في النهي عن اشتمال الصماء وعن الاحتباء في الثوب الواحد
ما جاء في تحريم لبس الحرير
ما جاء في أن إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه وأن البطر حرام
ما جاء في إرخاء المرأة ثوبها
ما جاء في المنع من استعمال التصاوير مطلقاً
ما جاء في من يجر ثوبه خيلاء
ما جاء من الترخيص في استعمال ذي الصورة إذا كانت رقماً في ثوب
ما جاء في الأمر بالتجمل في اللباس
الباب السادس والأربعون في صلاة الجمعة وفضل يومها
ما جاء في اختيار يوم الجمعة على سائر الأيام
ما جاء في فضل يوم الجمعة وساعة الإجابة
ما جاء في تقليل ساعة الإجابة
ما جاء في الغسل يوم الجمعة
ما جاء في كيفية الغسل يوم الجمعة وفضل الرواح إليها
ما جاء في القراءة في صلاة الجمعة
الباب السابع والأربعون في فضل الصلاة وخشوعها
ما جاء في أن عمود الدين الصلاة
ما جاء في الحث على الخشوع
ما جاء في من له صلاة بالليل ثم نام عنها
ما جاء في فضل من يجلس في مصلاه
ما جاء في تعاقب الملائكة واجتماعهم في صلاة الفجر
ما جاء في انتظار الصلاة بعد الصلاة
ما جاء في ترتب النجاح على الصلاة
ما جاء في فضل الصف الأول والتهجير والعتمة والفجر
الباب الثامن والأربعون جامع الصلاة (2/56)
صفحة 557
ما جاء في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة
ما جاء في النهي عن الصلاة بالآنك والشبه
ما جاء في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
ما جاء في النهي أن يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين
ما جاء في النهي أن يصلي الرجل وهو عاقص شعره
ما جاء في النهي عن القنوت في الصلاة
ما جاء في تارك الصلاة
ما جاء في من فاته العصر
تنبيه من المؤلف قال : كل ترجمة أولها ما جاء فعني وهي التراجم التي في أثناء الأبواب وضعتها زيادة على تراجم المرتب لبيان المعنى والدلالة على المراد وليس للمرتب إلا تراجم الكتب والأبواب . (2/57)
صفحة 558
بسم الله الرحمن الرحيم
? كتاب الصوم ?
وهو في اللغة الإمساك وفي الشرع إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص بشرائط مخصوصة ( وإنما ) قدمه على الزكاة لتقدم وجوبه عليها فإنه فرض في السنة الثانية من الهجرة لليلتين خلتا من شعبان وفي نصف شعبان حولت القبلة وفرضت الزكاة بعد ذلك كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى ( وهل ) كان قبله صوم ثم نسخ أولا قولان وعلى الأول فأي صوم وجب قبله في الإسلام فقيل عاشوراء ( وهو المذهب ) وقال القرطبي ثلاثة من كل شهر ويوم عاشوراء ( وهل ) نسخ ذلك برمضان أو بأيام معدودة ثم نسخت برمضان فيه خلاف وقال الفارابي أول ما فرض رمضان خير بينه وبين الإطعام ثم نسخ الجميع بقوله ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه )) وأوجب الصيام إلى الليل وأبيح الطعام والشراب والجماع إلى أن يصلي العشاء أو ينام فيحرم جميع ذلك واختان عمر رضي الله عنه زوجته فكذبها أنها نامت فوطئها فنزل قوله تعالى (( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم )) الآية
(في صيام رمضان في السفر) (3/1)
صفحة 559
(قوله في صيام رمضان في السفر ) قدمه على ذ كر الصيام في الحضر لكونه في الحضر معلوم الوجوب بالضرورة ووجوبه من قوله تعالى ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه )) فامتثل المسلمون ولم ينجح إلى البيان فوق بيان القرآن وأحكام السفر مخالفة في الصوم والصلاة لأحكام الحضر فمن ثم قدم المرتب ذكره (وإنما ) سمي هذا الشهر رمضان لأن وضعه وافق الرمض وهو شدة الحر وفي قوله صيام رمضان مطابقة لقول ابن عباس في الحديث الآتي عام الفتح في رمضان وكذلك قول الجملة من أصحابه صلى الله عليه وسلم في الحديث الثاني من الباب وذلك يدل على جواز استعمال رمضان من غير لفظ شهر بلا كراهة واليه ذهب البخاري وجماعة من المحققين (وكان ) مجاهد يقول لا تقولوا رمضان فانه اسم من أسماء الله تعالى ولاكن قولوا شهر رمضان هكذا ذكره صاحب القوت قال وقد رفعه اسما عيل بن أبي زياد فجاء به مسندا ( ورد ) بوجهين أحدهما أن البيهقي ضعف الحديث مع انه لم ينقل عن أحد من العلماء أن رمضان من أسماء الله تعالى فلا يعمل به ( والثاني ) ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مما يدل على الجواز مطلقا كقوله إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة الحديث (وقال ) السهيلي ما ذكر مضافا إلى الشهر فإن المراد به بعضه وما ذكر بترك لفظ الشهر فالمراد به كله فالقرآن ما نزل في جميع الشهر إنما هو في بعض لياليه وقيام رمضان المطلوب فيه إدامة العمل به في جميع الشهر .
ما جاء
(في الصوم والفطر في السفر)
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال ((خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكد يد فأفطر فأفطر الناس معه وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من النبي صلى الله عليه وسلم ))
(ما جاء في الصوم والفطر في السفر ) (3/2)
صفحة 560
(قوله ابن عباس ) الحديث رواه البخاري ومسلم وأحمد غير أنهم ذكروه مطولا ذكروا فيه تاريخ وقت الخروج وعدد الجيش الذي خرج فيه إلا مسلما فلم يذكر شيئا منهما ونص الحديث عندهم عن ابن عباس أن صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة ومعه عشرة آلاف وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمة المدينة فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة يصوم ويصومون حتى إذا بلغ الكديد وهو ماء بين عسفان وقديد أفطر وأفطروا وإنما يؤخذ من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآخر فالآخر ( قوله الكديد ) بفتح الكاف وكسر الدال مكان معروف وقع تفسيره في رواية قومنا في نفس الحديث بأنه بين عسفان وقديد على صيغة التصغير وبين الكديد ومكة مرحلتان وهو ماء عليه نخل كثير ( قال القاضي ) عياض اختلفت الرواية في الموضع الذي افطر فيه النبي صلى الله عليه وسلم والكل في قضية واحدة وكلها متقاربة والجميع من عمل عسفان ( قوله وكانوا يأخذون ) هذا الكلام من كلام ابن عباس وهو إخبار عن الذي عرفه منهم ( قوله بالأحدث فالأحدث ) وفي رواية قومنا وإنما يؤخذ من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآخر فالأخر والمعنى واحد وذلك لأن الزمان كان زمان تبيين الشرائع وتعريف الأحكام فالمتأخر يكون ناسخا للمتقدم أو مبينا لمعناه ( وفي الحديث ) رد على زعم أن من استهل عليه رمضان في الحضر ثم سافر بعد ذلك فليس له أن يفطر لقوله تعالى ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه)) وقول أصحابنا وعليه أكثر أهل العلم أنه لا فرق بينه وبين من أستهل عليه رمضان في السفر لحديث الباب وهو مبين لمعنى الآية وقال ابن عمر قوله تعالى ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه)) نسخها قوله فمن كان منكم مريضا أو على سفر الآية ( وفي الحديث ) (3/3)
صفحة 561
أيضا جواز الإفطار في السفر ولو تقدمه صوم فيه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام حتى بلغ الكديد فأفطر وأفطروا (وقيل ) كل صوم في السفر يعقبه إفطار في السفر فهو باطل لأنه يجب عليه التزام أي الحكمين شاء الصوم أو الإفطار فإن اختار الصوم ثم أفطر فسد صومه في سفره والحديث يرد هذا القول والتزام أحد الحكمين لم يقم عليه دليل بل المسافر مخير مطلقا إن شاء صام وإن شاء أفطر وكذا المريض (واستدل ) به في الإيضاح لمن قال لا بدل على المسافر فيما مضى من صومه ولو أفطر في وقت من اليوم الذي أصبح فيه صائما قال لأن ذلك له في السفر وإنما عليه بدل يومه ثم ذكر الحديث ثم قال فظاهر هذا يدل أنه أفطر بعد أن بيت الصيام قال وأما الناس فلا شك أنهم أفطروا بعد تبييتهم الصوم ( ثم صحح ) عفا الله عنه القول بالبدل لقوله تعالى (( ولا تبطلوا أعمالكم )) واعترضه المحشي بأنه صلى الله عليه وسلم أدرى بالمراد من الآية ( ومعناه ) يجب حمل الآية على غير الإفطار في السفر خصوصا مع قوله تعالى ((فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ))كيف يكون ذلك إبطالا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فعله وفعله الناس معه والله تعالى يقول (( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا )) الآية ( ثم وجه ) المحشي كلام الإيضاح بأن يقال أنه صلى الله عليه وسلم إنما فعله لسبب وهو التقوى على العد وكما يشعر به الحديث الآتي والله أعلم ( قلت ) ومع ذلك فلا يدل على زوال الحكم مع زوال السبب وناهيك أن الإفطار والقصر شرعا في السفر لدفع المشقة وعدمها ولو كان ذلك مقصورا على السبب المشار إليه لبينه صلى الله عليه وسلم وحيث لم يبينه علمنا أن الحكم مستمر على ذلك في كل سفر والمريض كالمسافر في هذا كله والله أعلم .
ما جاء
(في اختيار الصوم على الإفطار في السفر إلا الحاجة ) (3/4)
صفحة 562
( أبو عبيدة )عن جابر بن زيد قال (( سمعت جملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان فأمر الناس أن يفطروا قال تقوية على عدوكم فصام هو ولم يفطر قال ولقد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب الماء على رأسه من شدة الحر أو من العطش فقيل له يا رسول الله إن ناسا صاموا حين صمت قال فلما بلغ الكديد دعا بقدح من ماء فشرب فأفطر الناس معه ))
( ما جاء في اختيار الصوم على الإفطار في السفر )
(قوله سمعت ) جملة الحديث رواه مالك عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه أحمد ومسلم وأبو داوود من حديث أبي سعيد وقد سمعه جابر رضي الله عنه من جملة من الصحابة ولعل أحدهم أبو سعيد كما في روايتهم وألفاظ الحديث مختلفة والمعنى متقارب ولفظه عندهم عن أبي سعيد قال ((سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام قال فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلا آخر فقال أنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فافطروا فكانت عزمة فأفطرنا ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول صلى الله عليه وسلم في السفر )) (3/5)
صفحة 563
(قوله تقوية على عدوكم ) أي لأجل أن تتقووا على قتالهم فهو تعليل للحكم وأخذ منه بعضهم أن الفطر أولى لمن دنا من العدو لأنه ربما وصل إليهم العدو في موضعهم قال وأما إذا كان لقاء العدو متحققا فالافطار عزيمة لأن الصائم يضعف عن منازلة الأقران ولا سيما عند غليان مراجل الضرب والطعان قال ولا يخفى ما في ذلك من الإهانة لجنود المحقين وإدخال الوهن على عامة المجاهدين من المسلمين ( قوله فصام هو ولم يفطر ) لأنه يجد من نفسه قوة لا يجدونها لاعتدال مزاجه وقوة يقينه وفيه أن يصوم في السفر أفضل كما جاء في قوله تعالى (( وإن تصوموا خير لكم )) ( قوله قال ) المناسب قالوا لأن المخبرين جملة ولعله أفرده باعتبار كون الفاعل موصولا تقديره قال من حدثني وهو صادق على الجملة والإفراد وإنما يميز بينهما بالقرائن والقرينة هاهنا قوله ولقد رأيتنا ( قوله يصب الماء على رأسه ) وقع في رواية مالك تعيين الموضع الذي كان فيه الصب وهو العرج بفتح العين وسكون الراء المهملتين وبالجيم وهي قرية جامعة على نحو ثلاث مراحل من المدينة ( قوله من شدة الحر أو من العطش ) تحتمل أو الشك والتنويع فتحمل صلى الله عليه وسلم المشقة في نفسه لطلب الأفضل في حقه وكان لا يبالي بها في عبادة ربه ألا ترى إلى قيامه حتى تورمت قدماه ( قوله أن ناسا صاموا حين صمت ) وذلك لأنهم فهموا أن أمره بالفطر ليس على الوجوب بدليل صيامه هو واختصاصه بمن شق عليه الصوم جدا والذين صاموا لم يكونوا كذلك ( قوله الكديد ) بفتح الكاف موضع تقدم ذكره ( قوله بقدح ) بفتحتين كسبب وزنا آنية معروفة يشرب فيها ( قوله فشرب ) أي علانية ليراه الصائمون أنه أفطر فلما رأوا ذلك أفطر الناس تأسيابه ( وزاد ) مسلم والترمذي عن جابر فقيل له بعد ذلك أن بعض الناس صام قال أولئك العصاة أولئك العصاة مرتين ( ( قال ) عياض وصفهم بذلك لأنه أمرهم بالفطر لمصلحة التقوي على العدو فلم يفعلوا حتى عزم عليهم بعد ( قال (3/6)
صفحة 564
النووي ) أو يحمل على من تضرر بالصوم قال غيرهما أو عبر به في حثهم على الفطر رفقا بهم .
ما جاء
( أن الصوم والفطر في السفر مفوضان إلى اختيار المسافر ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال (( سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم من المفطر ولا المفطر من الصائم ))
( ما جاء أن الصوم والفطر في السفر مفوضان إلى اختيار المسافر )
( قوله عن أنس بن مالك ) الحديث رواه البخاري ومسلم واحمد ( قوله سافرنا ) ولفظ الرواية عند قومنا كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يفيد تكرار السفر مرارا ( قوله فلم يعب الصائم من المفطر ولا المفطر من الصائم ) أي فلم يعب رسول الله الصائم من بين المفطرين ولا المفطر من بين الصائمين فالصائم مفعول والفاعل ضمير مستتر يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله وللمفطر معطوف على الصائم ومن بين الموضعين لبيان الجنس وفي رواية قومنا فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم فالفاعل فيها الصائم والمفطر معطوف عليه والمعنى لم يعب بعضهم على بعض فالاستدلال على رواية المصنف من سكوته صلى الله عليه وسلم وعلى رواية القوم من سكوت بعضهم عن بعض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بل وفي سفره والحديث يدل على جواز الأمرين وكان ابن عباس يقول قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر فمن شاء صام ومن شاء افطر والله اعلم
(في صوم يوم عاشوراء ويوم عرفة ) (3/7)
صفحة 565
( قوله صوم يوم عاشوراء ويوم عرفة ) وثلاث من كل شهر وست من شوال وصيامه صلى الله عليه وسلم في شعبان وغيرة فهذه خمسة أشياء كان يجب أن يجعل لكل واحد منها باب بل وكان ينبغي أن يجعل باب في فضل صوم عاشوراء وهو الحديث ( الأول ) من الباب فيدخل تحت هذا الباب ستة أبواب لكن صنيع المرتب عفا الله عنه في جميع أبواب الكتاب على خلاف هذا الحال لقصده الاختصار فاقتصر في الترجمة على ذكر صوم عاشوراء وعرفة إشارة إلى أن الباب موضوع لصوم التطوع ولو ترجم عليه بصوم التطوع كان أمثل لأنه أدل على المقصود ( وعاشوراء ) بالمد على المشهور وحكى القصر وزعم ابن دريد انه اسم إسلامي وانه لا يعرف في الجاهلية ( ورد ) بأن الإعرابي حكي انه سمع من كلامهم حابوراء وبقول عائشة كانوا يصومونه قال المحشي والأخير لا دلالة فيه على رده يعني لاحتمال أن يكونوا يصومون اليوم ولا يسمونه بهذا الاسم ( واختلف ) أهل الشرع في تعيينه فقيل هو اليم العاشر من شهر الله المحرم وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية ( وقيل ) هو اليوم التاسع فعلى الأول فاليوم مضاف إلى الليلة الماضية وعلى الثاني هو مضاف إلى الليلة الآتية ( واحتج ) هؤلاء بما في حديث ابن عباس عند مسلم وأبي داوود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإذا كان عام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع قال فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( والجواب ) انه إنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك ليخالف اليهود والنصارى كما يدل عليه صدر الحديث قال ابن عباس قال لما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله انه يوم تعظمة اليهود والنصارى فقال فإذا كان عام المقبل ثم ذكره ثم أن ما هم به من صوم التاسع يحتمل معناه انه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر إما احتياطا له وأما مخالفة لليهود والنصارى وهو على الأرجح كما يشعر به صدر الحديث المتقدم ولأحمد من وجه (3/8)
صفحة 566
آخر عن ابن عباس مرفوعا صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود صوموا يوما قبله ويوما بعده وهذا كان في آخر الأمر وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان ولما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضا وصوم عاشوراء من ذلك فانه وافقهم أولا وقال نحن أحق بموسى منكم ثم أحب مخالفتهم فأمر أن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده خلافا لهم وعلى هذا فصوم عاشوراء على ثلاث مراتب أدناها أن يصام وحده وفوقه أن يصام التاسع معه وفوقه أن يصام معه التاسع والحادي عشر ( وقال بعضهم ) قوله صلى الله عليه وسلم لأصومن التاسع يحتمل أمرين أحدهما أنه أراد جعل العاشر إلى التاسع والثاني أراد أن يضيفه إليه في الصوم فلما توفي صلى الله عليه وسلم قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين ( وكان ) ابن عباس يوالي بين اليومين خشية أن يفوته ( وقيل ) أنه كان يقول صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود والله أعلم
ما جاء
( في فضل صوم يوم عاشوراء )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (( من صام يوم عاشوراء كان كفارة لستين شهرا وعتق عشر رقبات مؤمنات من ولد إسماعيل عليه السلام ))
( ما جاء في فضل صوم يوم عاشوراء ) (3/9)
صفحة 567
(قوله عن ابن عباس ) الحديث تفرد به المصنف رضي الله عنه والذي في النسائي من حديث ابن عباس قال ما علمت النبي صلى الله عليه وسلم صام يوما يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم يعني شهر رمضان ويوم عاشوراء وفي جامع الترمذي عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله قال وفي الباب عن علي ومحمد بن صيفي وسلمة بن الأكوع وهند بن أسماء وابن عباس والربيع بنت معوذ بن عفراء وعبدا لرحمن بن سلمة الخز اعي عن عمه وعبدالله بن الزبير ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم انه حث على صيام يوم عاشوراء قال أبو عيسى لا نعلم في شيء من الروايات أنه قال صيام يوم عاشوراء كفارة سنة إلا في حديث أبي قتادة وبحديث أبي قتادة يقول أحمد وإسحاق ( قوله كفارة لستين شهرا ) وهي خمس سنين ويجمع بينه وبين حديث أبي قتادة عند الترمذي بما مر في فضل صلاة الجماعة وأنه صلى الله عليه وسلم قد أعطي أولا الفضل الأقل وهو كفارة سنة ثم زيد بعد ذلك حتى صار كفارة ستين شهرا وعتق عشر رقبات مؤمنات من ولد إسماعيل والله يضاعف لمن يشاء ونظيره ما ذكر الله تعالى في مدد الملائكة يوم بدر فإنه وعدهم بألف من الملائكة ثم زادهم على ذلك فوعدهم بثلاثة آلاف ثم زادهم ألفين فأمدهم بخمسة آلاف والألف والثلاثة داخلة تحت الخمسة ومن صفات الكريم أن يفي بما وعد ويزيد وهذه قاعدة تعرف بها الجمع بين كثير من الأحاديث المختلفة في تقدير الفضائل وبيان الثواب ( ومعنى ) قوله كفارة لستين شهرا أي يكفر الذنب الصغير الواقع في الماضي إلى ستين شهرا كما يدل عليه حديث أبي قتادة أن يكفر السنة التي قبله ( وقيل ) المراد غفران ما استقبل كأن يتمكن في التحفظ من الكبير والأول أرجح وأظهر لحديث أبي قتادة ولأن التفكير إنما يعبر به عن شيء قد وقع دون ما لم يقع ( قوله وعتق عشر رقبات ) جمع رقبة والمراد ثواب ذلك فمن صام عاشوراء حصل (3/10)
صفحة 568
له شيئان غفران وثواب أما الغفران فإنه يكفر عنه ذنب ستين شهرا وأما الثواب فإنه يعطي ثواب من أعتق عشر رقبات مؤمنات من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وهم أولاد نزار بن معد بن عدنان وإنما خص المؤمنات لكونها أعظم أجرا وأكثر ثوابا وإنما خص ولد إسماعيل لقرب نسبهم من نسبه صلى الله عليه وسلم فإن نزارا يجمع نسبه صلى الله عليه وسلم مع أنسابهم وإسماعيل جد الكل فهم أقرب من غيرهم من عرب أو عجم أما العرب فلم يبق إلا اليمن وهم من ولد قحطان بن هود وليس إسماعيل جدا لهم وأما العجم فبعضهم من ولد يعقوب بن إبراهيم والباقي من غير ذلك وفي الحديث إشارة إلى احترام ولد إسماعيل وفيه أيضا إشارة إلى استرقاق العرب إذا أشركوا حتى ولد إسماعيل والله أعلم
ما جاء
( في صوم عاشوراء في الجاهلية والإسلام )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت (( كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك يوم عاشوراء ومن شاء صامه ومن شاء تركه ولكن في صيامه ثواب عظيم أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن معاوية بن أبي سفيان حين قدم من مكة ورقى المنبر فقال يا أهل المدينة أين علماؤكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهذا اليوم يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صومه وأنا صائمه فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر ولكن في صيامه ثواب عظيم وأجر كريم ))
( ما جاء في صوم عاشوراء في الجاهلية والإسلام ) (3/11)
صفحة 569
( قوله عن عائشة ) الحديث رواه البخاري ومسلم واحمد إلا قوله آخر الحديث ولكن في صيامه ثواب عظيم فإنها زيادة تفرد بها المصنف رحمه الله عليه ( قوله يوم تصومه قريش في الجاهلية ) ولعلهم تلقوا ذلك من الشرع السالف فانه كان عندهم بقيه من شرع إبراهيم عليه السلام لكن هدموا ذلك بشرك والتبديل ومن تلك البقية تعظيمهم الكعبة وقيام المناسك وطواف واحترام الحرم والغسل من الجنابة ( وقال عكرمة ) أذنبت قريش ذنبا في الجاهلية فعظم في صدورهم فقيل لهم صوموا عاشوراء يكفر ذلك ( قوله يصومه في الجاهلية ) أي قبل أن يوحى اليه وذلك قبل الإسلام وقبل المراد قبل أن يهاجر وهو خلاف الظاهر لأنه لا جاهلية بعد الوحي غير أن القائل أخذ ذلك من مفهوم الخطاب حيث قابل ما قبل الهجرة بما بعدها ( قوله وأمر الناس بصيامه ) مفهومه انه كان قبل ذلك يصومه ولا يأمر أحدا بصيامه وهذا يدل أن الأمر بذلك كان أول قدومه المدينة ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الأولى وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان فعلى هذا لم يقع الأمر بصوم عاشوراء إلا في سنة واحدة ثم فوض الأمر في صومه إلى اختيار المتطوع ( ونقل عياض ) أن بعض السلف كان يرى بقاء فريضة عاشوراء لكنه انقرض القائلون بذلك ( ونقل ابن عبد البر ) الإجماع انه ليس الآن بفرض والإجماع على انه مستحب ( وكان ) ابن عمر يكره قصده بصوم قيل ثم انعقد الإجماع على استحبابه ( قوله بلغني عن معاوية ) الحديث قيل رواه البخاري ومسلم واحمد وقوله في آخر الحديث ولكن في صيامه ثواب عظيم واجر كريم زيادة تفرد بها المصنف رحمه الله عليه وقد رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف انه سمع معاوية بن أبي سفيان يوم عاشوراء عام حج وهو على المنبر يا أهل المدينة أين علماؤكم الحديث ( قوله قدم من مكة ) أي إلى المدينة وذلك في حجه حجها في دولته وكان أول حجه حجها بعد ما تملك سنه (3/12)
صفحة 570
أربع وأربعين وآخر حجه حجها سنة سبع وخمسين قال ابن حجر ويظهر أن المراد في هذا الحديث الحجة الاخيرة وكأنه تأخر بمكة أو بالمدينة بعد الحج إلى يوم عاشوراء ( وقوله أين علماؤكم ) سال عن النبي تنبيها لهم على الحكم أو استعانة بما عندهم على ما عنده أو توبيخا لهم حيث انه رأى أو سمع من خالفه أو أنه لم ير لهم اهتماما بصيامه وقد خطب به في ذلك الجمع العظيم ولم ينكر عليه فدل على ثبوت الحكم عند الكل ( قوله يوم عاشوراء ) بدل مما قبله أو عطف بيان وقوله ولم يكتب الله عليكم صومه أي لم يفترضه عليكم وهذا الكلام إلى آخرة من المرفوع عنه صلى الله عليه وسلم وأحتج به من قال انه لم يفرض قط ولا نسخ برمضان ( وتعقب ) بأن معاوية من مسلمة الفتح فإن كان سمع هذا بعد إسلامه فإنما سمعه سنة تسع أو عشر وذلك بعد نسخه برمضان فمعنى قوله لم يكتب أي لم يفرض بعد إيجاب رمضان جمعا بينه وبين الأدلة الصريحة في وجوبه وإن كان سمعه قبل إسلامه فيجوز كونه قبل افتراضه ونسخ عاشوراء برمضان في حديث عائشة الذي قبله
ما جاء
( في صوم ثلاثة أيام من كل شهر )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( من صام في كل شهر ثلاثة أيام فكأنما صام الدهر كله ))
( ما جاء في صوم ثلاثة أيام من كل شهر ) (3/13)
صفحة 571
( قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي ذر ولأحمد ومسلم وأبي داود معناه من حديث أبي قتادة ( قوله ثلاثة أيام ) قيل هي أيام البيض لحديث أبي ذر عند أحمد والنسائي والترمذي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وهذا الحديث مؤيد لقول الجمهور في تعيين أيام البيض وأن أولها ثلاث عشرة وآخرها خمس عشرة ( وقيل ) هي الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر ولا دليل عليه ( وتفسير ) الثلاث المذكورة في الحديث بأيام البيض منقول عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبي ذر وغيرهم من الصحابة وجماعة من التابعين ( واستشكل ) بقول عائشة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم لا يبالي من أي الشهر صام ( وأجيب ) بأنه عليه الصلاة والسلام لعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعات ذلك أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز وكل ذلك في حقه أفضل والذي أمر به أمته ووصاهم به وعينه لهم صوم أيام البيض فيحمل مطاق الثلاث على الثلاث المذكورة ( واختار ) النخعي وآخرون أنها آخر الشهر لتكفر ما قبلها وهذا تعليل بمناسب ألغاه الشارع لأن المفهوم من لحن الخطاب أن صومها شرع لزيادة الأجر لا لتكفير السيئات فقط ( واختار ) الحسن البصري وجماعة أنها من أول الشهر ( واختارت ) عائشة وآخرون صيام السبت والأحد والاثنين من عدة شهر ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من الشهر الذي بعده لحديث روته عائشة في ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم رواه الترمذي وحسنة وقال البيهقي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يبالي من أي الشهر صام في حديث عائشة قال فكل من رآه فعل نوعا ذكره وعائشة رأت جميع ذلك فأطلقت كذا قال وأراد بذلك الجمع بين أحاديث الباب ( والجواب ) ما مر في الجواب عن الأشكال الأول وانه صلى الله عليه وسلم أمر أبا ذر بصوم الثلاث المخصوصة فهو السبيل في حقنا دونه لاحتمال فعله (3/14)
صفحة 572
التخصيص ونحوه ( وروى ) عن مالك أنه يكره تعيين الثلاث ( وقيل ) استحباب صيام أيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر ( وقال الروياني ) صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب فإن اتفقت أيام البيض كان أحب ( قوله فكأنما صام الدهر ) كله ووقع بيان ذلك في حديث أبي ذر عند الترمذي وابن ماجه قال فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها اليوم بعشرة ( ومعناه ) أن الحسنة بعشر أمثالها فيعدل صيام الثلاثة الأيام من كل شهر صيام الشهر كله فيكون كمن صام الدهر ولا يلزم من التشبيه المساواة من كل وجه لأن التشبيه إلحاق ناقص بتام وذلك يصدق فيما إذا اشترك الطرفان ولو في وصف واحد ووجه الاشتراك في الحديث أصل الأجر الأصلي دون التضعيف الحاصل من الفعل ( واستدل ) بهذا الحديث وبقوله في حديث أبي أيوب الآتي فكأنما صام الدهر كله على جواز صوم الدهر بل على أفضليته مما شبه به ( وتعقب ) بأن التشبيه للأمر المقدور لا يقتضي جوازه فضلا عن استحبابه وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاث مئة وستين يوما ومن المعلوم أن المكلف لا يجوز له صيام جميع السنة فلا يدل التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه ( وقد اختلف ) الناس في صيام الدهر ( فعن مالك ) إنه سمع أهل العلم يقولون لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها وهي أيام منى ويوم الأضحى والفطر فيما بلغنا قال وذلك أحب ما سمعت إلي في ذلك ( وعند جمهور ) الفقهاء أنه يستحب صوم الدهر لإطلاق الأدلة ( واختلف ) هؤلاء هل هو أفضل أو صوم يوم وإفطار يوم ( قال ) أهل الظاهر وإسحاق وأحمد في رواية بكراهة صوم الدهر وقال به ابن العربي من المالكية ( وشذ ) ابن حزم فقال من صام الدهر أثم لحديث الصحيحين لا صام من صام الأبد مرتين لأنه إن كان دعاء فيا ويح من أصابه دعاء المصطفى وإن كان خيرا فيا ويح من أخبر عنه أنه لم يصم ( (3/15)
صفحة 573
وأجيب ) بأنه محمول على من تضرر به أو فوت به حقا ( ويؤيده ) إن النهي كان خطابا لعبدا لله بن عمرو بن العاص وفي مسلم والبخاري عنه أنه عجز في آخر عمره وندم على كونه لم يقبل رخصة النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه لعلمه بأنه سيعجز وأقر حمزة بن عمرو لعلمه بقدرته بلا ضرر وبأن معناه الخبر عن كونه لم يجد من المشقة ما يجده غيره لأنه إذا اعتاد ذلك لم يجد في صومه مشقة ( وتعقب ) بأنه مخالف لسياق الحديث إلا تراه نهاه أولا عن صيام الدهر كله ثم حثه على صوم داود والأولى أنه خبر عن إنه لم يمتثل أمر الشرع ( وقيل ) النهي محمول على حقيقته بأن يصوم العيدين وأيام التشريق وبهذا أجابت عائشة واختاره ابن المنذر وطائفة ( وتعقب ) بأنه صلى الله عليه وسلم قال لمن سأله عن صوم الدهر لا صام ولا أفطر وهو يؤذن بأنه لا أجر ولا وزر ومن صام الأيام المحرمة لا يقال فيه ذلك لأنه عند من أجازه يجيزه في غيرها فمن صام الكل يكون قد فعل مستحبا وحراما ( وأيضا ) فإن الأيام المحرمة مستثناة شرعا غير قابلة للصوم فهي بمنزلة الليل وأيام الحيض فلم تدخل في السؤال عند من علم بتحريمها ولا يصلح الجواب بقوله لا صام ولا أفطر لمن لم يعلم تحريمها والله أعلم
ما جاء
( في صوم ستة أيام من شوال )
قال الربيع بن حبيب عن أبي أيوب الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من صام رمضان ثم اتبعه بستة أيام من شوال فكأنما صام الدهر كله ))
( ما جاء في صوم ستة أيام من شوال ) (3/16)
صفحة 574
( قوله عن أبي أيوب ) الحديث رواه أيضا الجماعة البخاري والنسائي ورواه أحمد من حديث جابر ولابن ماجة والنسائي معناه من حديث ثوبان ( قوله ثم اتبعه بستة أيام من شوال ) ظاهر التعبير بالإتباع يقتضي صومها أول شوال بعد الفطر حالا وهو الذي عليه العمل وبه قال بعض الناس وظاهر التعبير ثم يقتضي التراخي فيمكن إتيانها في الشهر كله قال المحشي وظاهره أيضا أنه لا فرق في ذلك بين أن تكون مجتمعة أو متفرقة والذي يدل عليه لحن الخطاب اجتماعها لأن تفريقها غير متبادر للأذهان حال الخطاب وإن احتمله اللفظ أهو الحديث يدل على استحباب صومها وهو قولنا وقول الشافعي وابن حنبل ( وكرهه ) مالك خوفا أن تلحق أهل الجهالة برمضان ما ليس منه ووافقه أبو يوسف على ذلك ( وروى ) مطرف عن مالك أنه كان يصومها في خاصة نفسه والقول بالكراهية خطأ لمصادمته النص والتعليل فاسد لأنه بمناسب ألغاه الشارع ( قوله فكأنما صام الدهر كله ) تقدم الكلام في نظيره وهو أن الحسنة بعشر أمثالها وقد جاء بيان ذلك مرفوعا في حديث ثوبان شهر رمضان بعشرة أشهر وستة أيام بشهرين وهما ستون يوما فذلك تمام سنة فمن لازم ذلك كان كمن صام الدهر كله ولا يشكل على هذا أنه يلزم من ذلك مساواة ثواب النفل للفرض لأنه إنما صار سنة بالتضعيف وهو مجرد فضل من الله تعالى والله أعلم .
ما جاء
( في الصوم النبي صلى الله عليه وسلم وفضل صوم شعبان ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وما رأيته استكمل صيام شهر قط إلا رمضان وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان ))
( ما جاء في الصوم النبي صلى الله عليه وسلم وفضل صوم شعبان ) (3/17)
صفحة 575
( قوله عن عائشة ) الحديث رواه أيضا مالك والبخاري ومسلم والنسائي والترمذي كلهم عن عائشة وأخرجه النسائي من وجهين آخرين عن أبي سلمة عن أم سلمة ( قوله يصوم حتى نقول لا يفطر ) أي يكثر الصوم حتى يقع في الظن أنه لا يتركه بل يلازمه دائما ( قوله ويفطر حتى نقول لا يصوم ) أي يترك صوم التطوع حتى يقع في الظن إنه لا يصوم إلا الفرض وذلك لأحوال يشاهدها وأمور يعرفها الله أعلم بها وقد كان أبو خليل رحمة الله عليه يقوم الليل كله وربما قضى ليلته في ركعة وربما قضاها في سجدة وربما صلى بعض الليل ثم يرجع إلى أهله يهرول فتسأله امرأته عن ذلك فيقول إن للنفس إقبالا وأدبارا ( قوله صيام شهر قط ) وذلك لئلا نظن وجوبه وفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم وأحمد عن عائشة أيضا قالت لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم أكثر من شعبان فإنه كان يصومه كله ( وجمع ) بين الروايتين بأن رواية الكل محمولة على المجاز ففيها إطلاق اسم الكل على الأكثر وقد نقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر إن يقال صام الشهر كله ويقال قام فلان ليلته أجمع ولعله قد تعشى واشتعل ببعض أمره ( واستبعده ) الطيبي قال لأن لفظ كل تأكيد لإرادة الشمول ورفع التجوز وتفسيره بالبعض مناف له قال فيحمل على إنه كان يصوم شعبان كله تارة ويصوم معظمه أخرى لئلا يتوهم إنه واجب كله كرمضان ( وقيل ) المراد بقولها كله إنه كان يصوم من أوله تارة ومن آخره أخرى ومن أثنائه طورا فلا يخلي شيئا منه من صيام ولا يخص بعضا منه بصيام دون بعض ( قوله وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان ) سمي شعبان بذلك لأن وضعه وافق تشعبهم في طلب المياه أو في الغارات بعد أن يخرج من شهر رجب الحرام ( والمعنى ) أن يصوم في شعبان وغيره وكان صيامه في شعبان تطوعا أكثر من صيامه في غيره ( واختلف ) في الحكمة في ذلك فقيل كان يشتغل عن صيام الثلاثة الأيام من كل شهر لسفر أو غيره فتجتمع (3/18)
صفحة 576
فيقضيها في شعبان ويؤيده ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فربما آخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان وفي إسناده ضعف ( وقيل ) كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان ويؤيده ما أخرجه الترمذي عن أنس قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم أي الصوم أفضل بعد رمضان فقال شعبان لتعظيم رمضان وإسناده ضعيف ( وقيل ) الحكمة في ذلك إن نساء كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان فكان يصوم معهن وقيل الحكمة في ذلك غفلة الناس عنهم لما أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة من حديث أسامة قال قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان قال ذاك شهر يغفل الناش عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلي وظاهر قوله أن شعبان شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان انه يستحب صوم رجب لأن الظاهر أن المراد انه يغفلون عن تعظيم شعبان بالصوم كما يعظمون رمضان ورجبا والله أعلم
ما جاء
(في صوم يوم عرفة )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري (( اختلف أناس عند أم الفضل بنت الحارث وهي والدة عبدالله بن العباس في يوم عرفة في صيام رسول صلى الله عليه وسلم فقال قائلون هو صائم وقال آخرون ليس بصائم قال أبو سعيد فأرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن وهو واقف علي بعيره فشربه ))
(ما جاء في صوم يوم عرفة ) (3/19)
صفحة 577
( قوله اختلف أناس ) الخ أي تنازع طائفة من المؤمنين في عرفة في حضرة أم الفضل في صيام رسول الله-صلى الله عليه وسلم فقال قائل هو صائم وقال آخرون ليس بصائم وهذا يشعر بان صوم يوم عرفة كان معروفا عندهم معتادا لهم في الحضر وكأن من جزم بصيامه استدل بما ألفه من العادة ومن جزم بأنه غير صائم استحضر معنى السفر وانه عذر يبيح الفطر في الفرض فالنفل أحق بذلك ( والحاصل ) أن صوم يوم عرفة مستحب لغير الواقف بعرفة لحديث أبي قتادة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي ( وأما الواقف ) بعرفة فلا يستحب له الصوم لئلا يضعف عن الوقوف ولذلك تركه صلى الله عليه وسلم بعرفة كي يتأسى به أهل الموسم ( وعن أبي هريرة ) قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفات رواه أحمد وابن ماجة فيكره صومه بعرفات لظاهر هذا الحديث بل أوجب فطره للحاج يحيى ابن سعيد الأنصاري من قومنا ولعله أخذ بظاهر النهي ( وقال عطاء ) من أفطره ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر صائم ( وقال قتادة ) لا بأس بصومه إذا لم يضعف عن الدعاء ( قوله وهو واقف ) على بعيره أي ناقته القصواء والبعير يطلق على الناقة والجمل كما أن الإنسان يطلق على المرأة والرجل زاد في بعض الروايات عند قومنا وهو يخطب الناس بعرفة ( وفيه ) مسنونية الوقوف على البعير للخلفية ونائبه ليأخذ الناس عنه مناسكهم فلو لم يكن على بعير ما رآه إلا القليل منهم ( وفيه ) جواز الجلوس على الراحلة وهي واقفة إن كان لمصلحة ومحل النهي عن ذلك حيث لم تكن مصلحة ( قوله فشربه ) زاد بعض الرواة عند قومنا والناس ينظرون واستدل به بعضهم على جواز الأكل والشرب في المحافل من غير كراهة ولا يدل على ذلك مطلقا وإنما يدل عليه حال الضرورة كما بعرفة فإنه لا يمكن فيها الاستتار ثم إن شربه صلى الله عليه وسلم (3/20)
صفحة 578
بيان للحكم فلا يحمل غيره عليه في مثل ذلك إلا إذا نزل منزلة التبيين للأحكام والله أعلم وبالله التوفيق
(ما يفطر الصائم ووقت الإفطار والسحور)
( قوله ما يفطر الصائم ووقت الإفطار والسحور ) يفطر بضم التحتيه وكسر الطاء المشددة من فطره بالتشديد إذا أدخل عليه الفطر وهو نقيض الصوم وهذا المفطر يكون مرة جائزا كالأكل والشرب في وقت الإفطار ومرة حراما كالغببة ومرة اختياريا وهو الإفطار المقصود على عمد كان جائزا أو ممتنعا وطورا ضروريا كمن أصبح جنبا على غير اختيار فإن ظاهر الحديث الآتي يوجب عليه النقض بذلك وقيل يعذر بالنسيان والخلاف في هذا نظير الخلاف فيمن أكل أو شرب ناسيا
ما جاء
( أن من أصبح جنبا أصبح مفطرا )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من أصبح جنبا أصبح مفطرا )) قال الربيع عن أبي عبيدة عن عروة بن الزبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وجملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون (( من أصبح جنبا أصبح مفطرا ))
( ما جاء أن من أصبح جنبا أصبح مفطرا ) (3/21)
صفحة 579
( قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضا الشيخان ومالك في الموطأ وزادوا فيه أن أبا هريرة لما سئل عن ذلك قال لا علم لي بذلك إنما أخبرني مخبر كذا في الموطأ وفي مسلم فقال أبو هريرة سمعت ذلك من الفضل بن عباس ولم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وفي البخاري فقال كذلك أخبرني الفضل بن عباس وهو أعلم وعلى كل حال فهو ثابت الإسناد مشهور الصحة وكون أبي هريرة لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بل من الفضل لا يضره لأن مرسل الصحابي مقبول أجماعا ( قوله من أصبح جنبا أصبح مفطرا ) أي يفسد صومه بذلك فعليه البدل بلا كفارة إن لم يكن متعمدا وعليه الكفارة في التعمد لأنه تعرض لفساد صومه فهو وفي حكم من أفطر متعمدا وقد ثبتت الكفارة على مثل ذلك كما في الحديث الآتي ( قال الترمذي ) وقد بقي على العمل بحديث أبي هريرة هذا بعض التابعين وقد رواه المصنف عن أبي عبيدة عن جملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عروة بن الزبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي من التابعين ورواه عبد الرزاق عن عروة بن الزبير أيضا وحكاه ابن المنذر عن طاوس قال ابن بطال وهو أحد قولي الشافعي ( وحكي ابن المنذر ) أيضا عن الحسن البصري وسالم بن عبدالله بن عمر أنه يتم صومه ثم يقضيه ( وروى ) عبد الرزاق عن عطاء مثل قولهما ( ونقل ) بعض المتأخرين من قومنا عن الحسن بن صالح إيجاب القضاء ( ونقل ) الطحاوي عنه استحبابه ونقل ابن عبد البر عنه وعن النخعي إيجاب القضاء في الفرض دون التطوع وقال الماوردي هذا الإختلاف كله إنما هو في حق الجنب ( قال ) وأما المحتلم فأجمعوا على أنه يجزئه ( وتعقب ) بما أخرجه النسائي بإسناد صحيح عن أبي هريرة أنه أفتى من أصبح جنبا من احتلام أن يفطر وفي رواية أخرى عنه عند النسائي أيضا من الليل أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم ( ومعنى ) قوله فلا يصم أي فلا صوم له وهذا في التطوع ظاهر و أما في الفرض فالمراد (3/22)
صفحة 580
المبالغة في الإنكار ( وقال ) جمهور قومنا من أصبح جنبنا فصومه صحيح ولا قضاء عليه مطلقا وبالغ ابن دقيق العيد حين قال أنه صار ذلك إجماعا أو كالإجماع وقد تقدم القول بضد ما ادعى قبل وجوده بمئتين من السنين واحتج هؤلاء بحديث متفق عليه عندهم عن عائشة وأم سلمة أن صلى الله عليه وسلم كان جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان (والجواب) إن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم لان قوله عام وفعله خاص لا يتعداه إلى غيره إلا بوجوب الإتباع وهو دليل خارج عن نقس الفعل فنحن نتبعه صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله إلا ما خصنا فيه بحكم وقوله من أصبح جنبا أصبح مفطرا حكم عام يشملنا وإياه وفعله مخصص لهذا العموم فيبقى من عداه من الناس تحت هذا الحكم القولي ولا يصح أن يقال أن فعله ناسخ لقوله لأن ذلك يمكن أن لو كان الفعل شاهرا ظاهرا كالصلاة والمناسك فأما المستتر كالغسل من الجنابة فلا يصح أن يكون ناسخا لأنه صلى الله عليه وسلم قد كلف التبليغ على سواء والفعل المستتر يخالف ذلك فلو كان القول منسوخا لبينه بقول مثله حتى يعلم الحكم فيه ولا يترك الناس على غير بيان في دينهم ولا يصح تأخير البيان عن وقت الحاجة إجماعا والله أعلم ( قوله ويدرءون عنه الكفارة ) أي يدفعونها عنه وذلك لأن الكفارة فيها نوع عقوبة تشبه لحد وفي الحديث ادرءوا الحدود بالشبهات فالشبهة هاهنا حاصلة من تعارض الأدلة ولهذا اختلفت فيه الأمة والله أعلم.
ما جاء
(في كفارة من أفطر في رمضان)
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة (( أفطر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا على قدر ما يستطيع من ذلك ))
( ما جاء في كفارة من أفطر في رمضان ) (3/23)
صفحة 581
(قوله عن أبي هريرة) الحديث رواه أيضا مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة يرفعه وأخرجه مسلم من طريق إسحاق بن عيسى وأبو داود عن القعنبي كلاهما عن مالك وروى الجماعة عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال هلكت يا رسول الله قال وما أهلكك قال وقعت على امرأتي في رمضان قال هل تجد ما تعتق رقبة قال لا قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا قال فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا قال لا قال ثم جلس فأتى صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر قال تصدق بهذا قال فهل على أفقر منا فما بين لابتيها أحوج إليه منا فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه فقال اذهب فأطعمه أهلك (وفي رواية ) أن رجلا أفطر في رمضان وفي رواية ملك جاء إعرابي إلى رسول الله وفي لفظ ابن ماجه قال اعتق رقبة قال لا أجدها قال صم شهرين متتابعين قال لا أطيق قال أطعم ستين مسكينا وذكره هذا الحديث أيضا موجود في القواعد والإيضاح وهما قضيتان اشتركتا في الإفطار واختلفتا في بيان المفطر فأطلقت رواية المصنف ومالك وعينت الرواية الأخرى أنه الوقاع ومن هاهنا نشأ الخلاف بين الناس في كفارة من أفطر بغير الوقاع فقال أصحابنا ومالك وأبو حنيفة وطائفة من غيرهم عليه الكفارة إذا تعمد أكلا أو شربا ونحوهما أخذا بظاهر رواية المصنف والموطأ والقياس يؤيد هذا الظاهر لأن الصوم شرعا الإمتناع من الطعام والجماع ونحوهما فإذا ثبت في وجه من ذلك شيء ثبت في نظيره والجامع إنتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدا ( وقال الشافعي ) وأحمد ومن وافقهما أن الكفارة خاصة بالجماع لأن الذمة برئة فلا يثبت شيء فيها إلا بيقين وحملوا مطلق الإفطار في رواية المصنف ومالك على الإفطار بالوقاع المصرح به في رواية الجماعة ( قلنا ) هما قضيتان مختلفتان وقصة الجماع واقعة حال لا تقيد مطلقا ولا تخصص عموما على أن قياس سائر الإفطار على الجماع جلي من باب قياس (3/24)
صفحة 582
المعنى الذي لا يمكن دفعه لعاقل كثبوت الحد على قاذف المحصن فإن الآية إنما صرحت بالحد في قاذف المحصنات ففهم المسلمون أن المعنى واحد لانتفاء الفارق قطعا فكذلك الحال هاهن ( ثم اختلفوا ) في أنواع الكفارة فقال أصحابنا ومالك وجماعة هي على التخير لظاهر حديث الباب الدال على أن الترتيب في الرواية الثانية عند الجماعة ليس بمراد ولأنه اقتصر على الإطعام في حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما( وقال أبو حنيفة) والشافعي وطائفة لا ينتقل عن العتق إلا عند العجز عنه ولا عن الصوم كذلك فهو عندهم على الترتيب أخذا بظاهر حديث المواقع ( وتعقب ) بأنه ليس في قوله هل تستطيع دلالة على الترتيب لا نصا ولا ظاهرا وإنما فيه البداءة بالأول وهو يصح على التخيير والترتيب وقد بينت الرواية الأخرى أن المراد التخيير ( قلت ) ويحتمل وجها آخر أن يلزم الترتيب في الجماع دون سائر المفطرات فإنه مخير معها وبهذا يتم الجمع يين الروايتين بلا تكلف والتشديد في الجماع معلوم مستقر في الشرع كفساد الحج به والله أعلم ( قوله أفطر رجل ) قيل هو سلمان ويقال فيه سلمة بن صخر البياضي( وتعقب ) بأن سلمة هو المظاهر في رمضان وإنما أتى أهله ليلا رأى خلخالها في القمر وقال ابن عبد البر أظن هذا وهما لأن المحفوظ أن سلمة أو سلمان إنما كان مظاهرا ( وقال غيره ) سبب الوهم أن المظاهر كان ظهاره من امرأته في شهر رمضان وجامع ليلا كما هو صريح حديثه( وأما الآخر ) فإعرابي جامع نهارا فتغاير أو اشتركا في قدر الكفارة وفي الإتيان بالتمر وفي الإعطاء وفي قول كل منهما أعلى أفقر منا ولكن لا يلزم من ذلك اتحادهما ( قوله بعتق رقبة ) أي مؤمنة أخذا من قوله تعالى (( فتحرير رقبة مؤمنة )) (وقالت ) الحنفية بجواز عتق الكافرة أخذا من ظاهر الحديث وآية الكفارة فإن الرقبة فيهما مطلقة والجمهور يحملون هذا المطلق على المقيد في كفارة القتل على أن الحكمة الشرعية تأبى عتق الكافرة لأنه شرع (3/25)
صفحة 583
رقها إهانة للكفر فالحث على تحريرها ينافي هذه الحكمة ( قوله متتابعين) أي بعضهما يتبع بعضا بلا فاصل وذلك لأن في الكفارة نوعا من العقوبة وفي الفصل راحة وفي التتابع تشديد فمن ثم شرط ولا يشكل عليك مشروعية العتق والإطعام في هذا الموضع فإنهما عقوبتان ماليتان وقد يتألم كثير من الناس بإخراج المال أكثر من تألمه بتوالي الصيام ويمكن أن يقال أن في العتق والإطعام مصلحة يتعدى نفعها إلى الغير فجعل ذلك التعدي مقوما لذلك التألم ( قوله على قدر ما يستطيع من ذلك ) أي على حسب ما يمكن من فعل ذلك فلو أمكنه الكل خير فيها فأيها شاء فعل وإن أمكن البعض تعين عليه فعله وإن تعذر عليه الكل جعله في وصيته لتعلق وجوبها عليه فلا تنحط عنه إلا بالأداء ويوسع له في التأخير حتى يستطيع فإن لم يستطع قضاه من بعده بوصيته إن وجد له شيء أو تبرع له متبرع وإن تعذر الإنفاذ عنه كان ذلك غاية ما عليه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ( فإن قيل ) لم لم تعذروه بالعجز وفي حديث الجماعة المتقدم ما يدل صريحا على العذر بالعجز ( قلنا ) قد عذرناه في التأخير ولا مشقة عليه في الوصية وقصة المجامع خاصة لا تتعداه لما جاء في بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اذهب فأطعمه أهلك ولا تجزي أحدا غيرك فهذا يدل على التخصيص والله أعلم.
ما جاء
( أن الغيبة تفطر الصائم)
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء ))
(ما جاء في أن الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء ) (3/26)
صفحة 584
( قوله عن ابن عباس ) الحديث تقدم شرحه في باب ما يجب منه الوضوء وقد تفرد به المنصف وللجماعة إلا مسلما والنسائي معناه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه وقد تقدم في باب آداب الوضوء وفرضه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله وهذا يتناول جميع المعاصي فهو يشمل الغيبة وغيرها ( قوله والغيبة تفطر الصائم ) أي تجعل الصائم مفطرا فلا صوم له وهو المراد بقوله في حديث أبي هريرة فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه فإنه كنياه عن عدم القبول كما يقول المغضب لمن رد عليه شيئا طلبه منه فلم يقم به لا حاجة لي في كذا (وقيل ) الصوم ثلاثة صوم العوام وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وصوم الخواص وهو منع الحواس كلها عن شهواتها ولذاتها المحرمة والمكروهات بل عن الانهماك في المباحات وعما ينافي كسر النفس وقمعها الذي هو المقصود من الصيام وصوم خواص الخواص وهو الإمساك عما دون الله وعدم الإلتفات إلى غيره والتعلق بما سواه ( وعند قومنا ) إن هذه الأفعال صغائر تكفر باجتناب الكبائر ( ومنهم ) من قال إنها تنقص ثواب الصوم ( وقال ) ابن العربي مقتضي هذا الحديث يعني حديث أبي هريرة أن لا يثاب على صيامه ومعناه إن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه وهذا كله مخالف لظاهر الأحاديث وليس الغيبة ولا قول الزور من الصغائر بل هما من الكبائر للأحاديث الدالة على ذلك والله أعلم
ما جاء
( في القبلة للصائم )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال (( سألت عائشة هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم قالت يصنع بنا ذلك وهو يضحك ))
( ما جاء في القبلة للصائم ) (3/27)
صفحة 585
( قوله سألت عائشة ) الحديث رواه أيضا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين وأخرجه البخاري عن عبدالله بن سلمة عن مالك بهذا السند وتابعه يحيى بن سعيد القطان عند البخاري وسفيان عند مسلم كلاهما عن هشام به وللجماعة إلا النسائي معناه ( قوله يقبل ) بضم المثناة التحتية وتشديد الموحدة المكسورة أي يلثم نسائه في حال الصوم والقبلة بالضم اللثمة وهذه المسألة من جملة المسائل التي أخجلت عائشة رضي الله عنها ( قوله يصنع بنا ذلك ) وفي حديث عروة عند مالك إن كانرسول الله صلى الله عليه وسلم ليقبل بعض أزواجه وهو صائم ثم ضحك وفي مسلم كان يقبلني وهو صائم ورواية المصنف تدل على أنه كان يقبلها وغيرها من نسائه عليه الصلاة والسلام وجاء إنه قبل أم سلمة كما في البخاري أو حفصة كما في مسلم أيضا والظاهر أن كل واحدة منهن أخبرت عن فعله معها وللبيهقي عن عائشة إنه صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها ( وفيه ) جواز الإخبار عن مثل هذا مما يجري بين الزوجين على الجملة للضرورة وإما في حال غير الضرورة منهي عنه ( قوله وهو يضحك ) أي مطايبة لها وتلطفا بها وإنبساطا معها وذلك من حسن السيرة وجميل العشرة وفي رواية عروة عن مالك ثم ضحكت فالضحك في رواية عروة صادر منها عند الإخبار وفي رواية المصنف صادر منه صلى الله عليه وسلم ويمكن الجمع بأن ذلك كله قد وقع وإنها إنما ضحكت عند عروة دون جابر لكونه منها محرما وهو ابن أختها أسماء ولعل ضحكها كان بسبب تذكر ضحكه صلى الله عليه وسلم معها ( وقيل ) ضحكت تنبيها على أنها صاحبة القصة ليكون أبلغ في الثقة بها وقد زاد ابن أبي شيبة عن شريك عن هشام عن أبيه فظننا أنها هي أو ضحكت تعجبا ممن خالفها في ذلك أو تعجبت من نفسها إذ حدثت بمثل هذا مما يستحي النساء من ذكر مثله للرجال لكن ألجأتها ضرورة تبليغ العلم إلى ذكر ذلك (والحديث ) يدل على جواز التقبيل للصائم وإنه لا يفسد به الصوم (3/28)
صفحة 586
وفي بعضهم الخلاف عنه ( وأفتى ) ابن شبرمه من قومنا بإفطار من قبل ونقله الطحاوي عن قوم لم يسمهم ( وروى ) ابن أبي شيبه عن ابن عمر إنه كان يكره القبلة والمباشرة يعني مس البشرة باليد ونحوها وبه قال قوم وهو المشهور عند المالكية ( ونقل ) ابن المنذر وعيره عن قوم تحريمهما ( وقيل ) بإباحة القبلة فقط وبالغ بعض الظاهرية فقال إنها مستحبة وفرق آخرون بين الشاب والشيخ فأباحوها للشيخ دون الشاب تمسكا بحديث أبي هريرة عند أبي داود أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له وأتاه آخر فنهاه عنها فإذا الذي رخص له شيخ وإذا الذي نهاه شاب وبه قال ابن عباس ( وفرق آخرون ) بين من يملك نفسه ومن لا يملك واستدلوا بحديث عائشة عند الجماعة إلا النسائي قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لا ربه وبه قال سفيان والشافعي ( وتعقب ) بأنه من قول عائشة فقط ولو تمسكوا بنهيه صلى الله عليه وسلم للشاب وإذنه للشيخ لكان أمثل لأنه يدل بالإشارة أنه لا يجوز التقبيل لمن خشي أن تغلبه الشهوة وظن أنه لا يملك نفسه عند التقبيل ومن نزل بهذه المنزلة فليس له أن يقبل لأنه يكون بذلك متعرضا لفساد صومه ولكل قائل تعلق واستدلال لا نطيل بذكره مخالفة التطويل والله أعلم
ما جاء
(في وقت السحور)
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبيصلى الله عليه وسلم قال (( إذا سمعتم بلالا فكلوا وإذا سمعتم ابن أم مكتوم فكفوا يعني في رمضان ))
(ما جاء في وقت السحور) (3/29)
صفحة 587
( قوله عن ابن عباس) الحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث ابن عمر ولفظه عندهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم قال وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت وفيه التصريح بالعلة التي لأجلها أبيح الأكل وهو أن بلالا ينادي بليل ( وقوله قي رواية المصنف إذا سمتم بلالا فكلوا ) يدل أن آذان بلال كان لأجل السحور فإن ذكر الوصف وهو سماع بلال مقرونا بالحكم وهو الأمر بالأكل يؤذن بأنه علة له وهذا يدل على أن تقديم الآذان على الفجر خاص برمضان لأجل أن يتسحر الناس ولهذا قال المصنف يعني في رمضان فلا معارضة بينه وبين النهي عن الآذان قبل الفجر على أنه قيل بضعف خبر النهي وقد وقع الخلاف في جواز تقديم الآذان في النصف الآخر من الليل وقد استوفيت بيان ذلك في الجزء الثالث من المعارج ( قوله وإذا سمعتم ابن أم مكتوم فكفوا ) أي فامتنعوا من الأكل لأنه لا يؤذن إلا حين يقال له أصبحت أصبحت وذلك بعد طلوع الفجر ( والحديث ) يدل على تأخير السحور وأنه لا يحرم الأكل والشرب حتى يطلع الفجر وهو معنى قوله تعالى (( وكلوا واشربوا حتى يتبن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر )) وهذا هو المذهب( وقيل ) طلوع الفجر نفسه هو المحرم للأكل والشرب حتى لو لم يتبين للناظر وفائدة الخلاف في من انكشف له أنه أكل بعد ما أصبح يظنه ليلا فقيل عليه قضاء يومه وقيل لا وهذا مبني على القول بأن التبين هو المحرم والأول على أن نفس طلوع الفجر هو المحرم لأن الله حده بالتبين وإذا طلع فقد تبين رآه الناظر أو لم يره ( وفيه ) أن التبين في الآية مضاف إلينا في قوله تعالى (( حتى يتبن لكم )) والتبين لنا هو ظهوره لنا دون ظهوره لنفسه والأمر بالكف عند أذان ابن أم مكتوم يدل على ذلك ( وقيل ) بوجوب الإمساك قبل طلوع الفجر للاحتياط والحديث يرده وقد اختلفت الرواية في (3/30)
صفحة 588
ذلك عن ابن عباس فروي أنه قال لسائل سأله عن الوقت المحرم فيه الأكل على الصائم فقال له كل حتى تشك وروي أنه قال لآخر كل حتى لا تشك ( ويجمع ) بين الروايتين باختلاف حال السائلين فكأن أحد السائلين كان جاهلا بالوقت فأمره بالإمساك عند الشك والآخر عالم بالوقت فأطلق له الأكل حتى لا يشك أنه فجر والله أعلم ( وابن أم مكتوم ) هو عبدالله ابن قيس وقيل عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن هرم بن رواحة بن حجر بن عبد ابن معيص بن عامر بن لؤي القرشي العامري
ما جاء
( في تعجيل الإفطار وتأخير السحور)
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور ))
(ما جاء في تعجيل الإفطار وتأخير السحور) (3/31)
صفحة 589
( قوله عن ابن عباس) الحديث رواه أحمد عن أبي ذر ولفظه عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر ( وعن سهل ابن سعد ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر رواه البخاري ومسلم وأحمد وعن أبي هريرة قال قال صلى الله عليه وسلم لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ( قوله بخير ) أي في عافية من أمر دينهم أي لا يزالون على السنة ما كانوا على هذا الحال لما تقدم في حديث أبي هريرة من قوله لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر وروى ابن حبان والحاكم من حديث سهل بن سعد لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم وعند الترمذي عن عائشة سألت عن رجلين من أصحاب صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة والآخر يؤخر الإفطار ويؤثر الصلاة فقالت أيهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة فقيل لها عبدلله بن مسعود قالت هكذا صنع صلى الله عليه وسلم والآخر أبو موسى ( قال ابن عبد البر ) أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة ( قوله ما عجلوا ) ما ظرفيه أي مدة فعلهم ذلك امتثالا للأمر ووقوفا عند حد الشرع ( والحكمة ) في ذلك أن لا يزاد في النهار من الليل وهو أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة ومخالفة لليهود فإنهم يفطرون عند ظهور النجوم وقد كان الشارع يأمر بمخالفتهم في أفعالهم وأقوالهم (واتفق العلماء ) على أن محل التعجيل إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عدلين أو عدل عند بعض وفي الحديث المتفق عليه عن ابن عمر قال سمعت صلى الله عليه وسلم يقول إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم وزاد البخاري في رواية من هاهنا وأشار بإصبعيه قبل المشرق والمراد وجود الظلمة وقد ذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور وهي وإن كانت متلازمة في الأصل لكنها قد تكون في الظاهر غير (3/32)
صفحة 590
متلازمة فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة بل لوجود أمر يغطي ضوء الشمس وكذلك أدبار النهار فمن ثم قيد بغروب الشمس ( وأما تأخير السحور ) فهو أن يكون قبيل الفجر بيسير لحديث ابن عباس المتقدم إذا سمعتم بلالا فكلوا وإذا سمعتم ابن مكتوم فكفوا وذلك يقتضي التأخير كثيرا وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ندبية السحور وقد روى الجماعة إلا أبا داود عن أنس إن صلى الله عليه وسلم قال تسحروا فإن السحور بركة ( والمراد ) بالبركة الأجر والثواب وكونه يقوي على الصوم وينشط له ويخفف المشقة فيه وفي السحور مخالفة لأهل الكتاب فإنهم لا يتسحرون وأقل ما يحصل به التسحر ما يتناوله المؤمن من مأكول أو مشروب ولو جرعة من ماء والله أعلم
الباب الثاني والخمسون
(في ليلة القدر)
ما جاء
( في ليلة القدر )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أريت هذه الليلة حتى تلاحا رجلان منكم فرفعت ملتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة )) قال الربيع أي مماريا (أبو عبيدة) عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأوسط من رمضان فاعتكف عاما حتى إذا كان إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه غدوتها قال من اعتكف معي فليعتكف في العشر الأواخر وقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها وقد رأيت أني أسجد في غدوتها في ماء وطين فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر ))
(في ليلة القدر) (3/33)
صفحة 591
(قوله في القدر) سميت بذلك لعظم قدرها أي ذات القدر العظيم لنزول القرآن فيها ولوصفها بأنها خير من ألف شهر ولتنزل الملائكة أو لنزول البركة والمغفرة والرحمة فيها أو لما يحصل لمن أحياها بالعبادة من القدر الجسيم ( وقيل ) القدر هنا التضييق كقوله تعالى ومن قدر عليه رزقه ومعنى التضييق إخفاؤها عن العمل بتعيينها أو لضيق الأرض فيها عن الملائكة ( وقيل ) القدر هنا بمعنى القدر يفتح الدال المؤاخي للقضاء أي يقدر فيا أحكام السنة كقوله تعالى ( فيها يفرق كل أمر حكيم ) ونسبه النووي للعلماء ورواه عبد الرازق وغيره عن مجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم من المفسرين ( قيل ) والحكمة في التعبير بالقدر بسكون الدال عن القدر بفتحها ليعلم إنه لم يرد به نفس القضاء وإنما أريد به تفصيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة ليحصل ما يلقى إليهم فيها مقدارا بمقدار (وقيل) بسكون الدال ويجوز فتحها مصدر قدر الله الشيء قدرا وقدرا كالنهر والنهر أي كلاهما بمعنى (قوله عن أنس بن مالك) الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ عن حميد الطويل عن أنس بن مالك وقال شارحه قال ابن عبد البر هذا الحديث لا خلاف عن مالك في سنده ومتنه وإنما هو لأنس عن عبادة بن الصامت وقال الحافظ خالف مالكا أكثر أصحاب حميد فرووه عنه عن أنس عن عبادة وصواب ابن عبد البر إثبات عبادة وإن الحديث من مسنده فإن صح ذلك فهو مرسل صحابي ورواه أحمد ومسلم عن أبي سعيد في حديث له طويل ( قوله أريت ) بضم الهمزة لأبناء لما لم يسم فاعله ويحتمل إنها من رأى العلمية أو البصرية أي رأى علاماتها الدالة عليه ( قوله هذه الليلة ) أي ليلة القدر وفي البخاري خرجت لأخبركم بليلة القدر وفي رواية مالك أريت هذه الليلة في رمضان (قوله حتى تلاحا ) أي استمر علمها عندي إلى أن تلاحا رجلان فاشتغلت بالصلح بينهما فأنسيتها (ومعنى) تلاحا أي تماريا كما قال المصنف رحمة الله عليه ومعنى تماريا تنازعا وتخاصما (3/34)
صفحة 592
وتشاتما (قوله رجلان منكم ) وفي البخاري رجلان من المسلمين وليس شيء منهما في رواية مالك قيل وكان رجلان من الأنصار وزعم ابن دحية أنهما عبدالله بن أبي حدرد وكعب بن مالك ( قوله فرفعت ) أي رفع بيانها أو علم تعبيرها من قلبي فنسيته للاشتغال بالمتخاصمين ( وقيل ) رفعت بركتها تلك السنة ( وقيل ) التاء في رفعت للملائكة لا لليلة والأول أظهر ( وفي الحديث ) أنه قد يذنب البعض فتتعدى عقوبته إلى غيره فيجزى به من لا سبب له في الدنيا أما الآخرة فلا تزر وازرة وزر أخرى ومصداقه في قوله تعالى (( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة )) وقد قيل المراء والملاحاة شؤم ومن شؤمها حرموا ليلة القدر تلك الليلة ولم يحرموها بقية الشهر كما يدل عليه آخر الحديث (قوله فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة ) أي فاطلبوها من واحدة من هذه الثلاث ثم اختلفوا في وجه العدد فقيل المراد بالتاسعة تاسعة تبقى فتكون ليلة إحدى وعشرين والسابعة سابعة تبقى فتكون ليلة ثلاث وعشرين والخامسة خامسة تبقى فتكون ليلة خمس وعشرين على الأغلب لأن الشهر ثلاثون ( وقيل ) المراد بتاسعة تمضي فتكون ليلة تسع وعشرين وسبع وعشرين وخمس وعشرين ورجح الأول لما في أي داود من حديث عبادة تاسعة تبقى سابعة تبقى خامسة تبقى ( وعند ) أحمد ومسلم عن أبي نضرة عن أبي سعيد في حديث له قال قلت يا أبا سعيد إنكم أعلم بالعدد منا فقال أجل نحن أحق بذاك منكم قال قلت ما التاسعة والخامسة والسابعة قال إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها اثنان وعشرون فهي التاسعة فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها سابعة فإذا مضت خمس وعشرون فالتي تليها خامسة ( والحكمة ) في إخفائها الحث على قيام الشهر كله لأن إخفائها يستدعي ذلك بخلاف ما لو بقيت معرفتها بعينها وللبخاري فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم وأخذ بعض قومنا من الحديث استحباب كتمها لمن رآها لأن الله تعالى قدر لنبيه إنه لم يخبر بها والخير كله فيما (3/35)
صفحة 593
قدره له ويستحب إتباعه في ذلك ( قال ) والحكمة فيه إنها كرامة والكرامة ينبغي كتمها ويستأنس له بقول يعقوب يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك الآية والله أعلم ( قوله عن أبي سعيد الخدري ) رواه أيضا مالك في الموطأ بنحو رواية المصنف ورواه البخاري ومسلم وأحمد بأبسط منها ( قوله العشر الأوسط ) هكذا في أكثر النسخ وهو أكثر روايات عند قومنا والمراد به العشر الليالي وكان القياس أن يوصف بلفظ تأنيث لأن مرجعها مؤنث لكن وصف بالمذكر على إرادة الوقت والتقدير الثلث كأنه قال الليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر ووقع في بعض النسخ وفي رواية الموطأ العشر الوسط بضم الواو والسين جمع وسطين ويروى بفتح السين مثل كبري وكبر ويروى بإسكانها جمع واسط كبازل وبزل ( قوله فاعتكف عاما ) أي سنة من السنين يعني انه اعتكف العشر الأوسط كعادته فكان من أمره ما ذكر في الحديث . (3/36)
صفحة 594
( قوله حتى إذا كان ) حتى هذه إبتدائة دخلت على الجملة الشرطية وهي حرف لا يعمل شيئا إلا أنه وضع دلالة على ابتداء الكلام وإستئنافة ( قوله إحدى وعشرين ) وفي رواية الموطأ ليلة أحدى وعشرين ( قوله يخرج فيها من اعتكافه غدوتها ) وفي رواية الموطأ يخرج فيها من صبحها من اعتكافه كذا في رواية يحيى وابن بكير والشافعي ورواة جماعه يخرج فيها من اعتكافه لم يقولوا من صبحها والأولى موافقة في المعنى لرواية المصنف وقوله فيها غي بعدها وغدوتها بمعنى صبحها بدل بعض من كل ويصح أن تجعل الظرفية الاصليه فيكون المراد بإحدى وعشرين ما يشمل الليلة مع يومها وهذا ظاهر في رواية المصنف والأول أظهر في رواية مالك والحديث يدل إنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج من اعتكافه صبحا فهو يبيت في معتكفه وقد روى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك من اعتكف أول الشهر أو وسطه خرج إذا غابت الشمس آخر يوم من اعتكافه ومن اعتكف من آخر الشهر فلا ينصرف إلى بيته حتى يشهد العيد وهو مخالف لظاهر الحديث فإنه وارد في اعتكاف العشر الأوسط ثم إن المطلوب الأعظم من الاعتكاف في رمضان موافقة ليلة القدر فالمناسب المبيت في المعتكف ما دام في الشهر وليله الفطر ليست من رمضان ( واستشكل ) بأن ظاهر هذه الرواية إنه خطب أول اليوم الحادي والعشرين فأول ليالي اعتكافه الأخير ليلة اثنتين وعشرين فيخالف قوله في رواية مالك فأبصرت عيناي صلى الله عليه وسلم انصرف وعلى جبهته وانفه أثر الماء والطين من صبح ليله إحدى وعشرين فإنه ظاهر إن الخطبة كانت في صبح اليوم العشرين ووقوع المطر ليله إحدى وعشرين وهو الموافق لبقية الطرق ( وأجيب ) بأن في هذه الرواية تجوزا أي من الصبح الذي قبلها نسبة الصبح إليها مجاز والعرب تجعل ليلة اليوم الآتية بعده ومنه عشية أو ضحاها فأضافه إلى العشي وهو قبلها ويؤيده إن في رواية للشيخين فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه (3/37)
صفحة 595
وهذا في غاية الإيضاح ( وقيل ) المعنى حتى إذا كان المستقبل من الليالي ليلة إحدى وعشرين ( قوله من اعتكف معي ) أي في العشر الأوسط وقوله فليعتكف في العشر الأواخر أي فليلازم الاعتكاف في العشر الأواخر وفي رواية الشيخين فخطبنا صبة عشرين وفي أخرى لهما فخطب الناس فأمرهم ما شاء الله ثم قال كنت أجاور هذا العشر ثم بدا لي أن أجاور هذا العشر الأواخر فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه وفي مسلم من وجه آخر عن أبي سعيد أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على سدتها حصير فأخذه فنجاه في ناحية القبة ثم كلم الناس فقال إني اعتكف العشر الأول التمس هذه الليلة ثم أعتكف العشر الأوسط ثم أتيت فقيل لي أنها في العشر الأواخر فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف فاعتكف الناس معه وعند البخاري إن جبريل أتاه في المرتين فقال له إن الذي تطلب أمامك أي قدامك ( قوله وقد رأيت هذه الليلة ) أي أبصرت علاماتها أو رأيتها في منامي ورؤيا الأنبياء حق وفي رواية في الموطأ أريت بهمزة مضمومة في أوله مبنيا للمفعول أي أعلمت هذه الليلة أي أخبرت أنها ليلة كذا ( قوله ثم أنسيتها ) بهمزة مضمومة مبنيا للمجهول والمعنى ذهب عني علمها وبقي عندي علامة واحدة وهي أني رأيت أني أسجد في غدوتها في ماء وطين ( قوله وقد رأيت أني ) في رواية مالك رأيتني بلا ألف قبل النون وهو بضم التاء وفيه عمل الفعل في ضمير الفاعل والمفعول وهو المتكلم وذلك من خصائص أفعال القلوب أي رأيت نفسي أسجد الخ ( قوله في غدوتها ) في رواية مالك من صبحتها والمعنى واحد ومن في رواية مالك بمعنى في ( قوله في ماء وطين ) وذلك علامة جعلت له وفي رواية عند البخاري أن أبا سعيد قال فرجعنا وما ترى في السماء قزعة أي قطعة من سحاب رقيقة فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد وهو من جريد النخل وأقيمت الصلاة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء (3/38)
صفحة 596
والطين حتى رأيت أثر الطين في جبينه ( قوله فالتمسوها ) أي فاطلبوها ( وقوله في العشر الأواخر ) أي من رمضان فإنها مظنة وجودها ( وقوله في كل وتر ) يعني من أوتار العشر الأواخر فهو تخصيص بعد تخصيص وأول أوتارها ليلة إحدى وعشرين وآخرها ليلة تسع وعشرين وهذا الالتماس يحتمل في ذلك العام خاصة ويحتمل أنه الأغلب من وجودها في كل عام زاد مالك قال أبو سعيد فأمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد قال أبو سعيد فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبح ليلة إحدى وعشرين ( وفي أحاديث ) الباب دليل على مشروعية الاعتكاف وهو متفق عليه قال مالك فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة إتباعهم للأثر فوقع في نفسي أنه كالوصال وأراهم تركوه ولم يبلغني عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبدالرحمن ( ورد ) بأنه حكي عن غير واحد من الصحابة أنه اعتكف وليس الاعتكاف كالوصال بل هذه سنة مؤكدة وعبادة مرغب فيها والوصال أمر منهي عنه وناهيك أنه صلى الله عليه وسلم قال من اعتكف معي فليعتكف في العشر الأواخر والله أعلم
( النهي عن صيام العيدين ويوم الشك) (3/39)
صفحة 597
( قوله النهي عن صيام العيدين ويوم الشك ) وعن الوصال وقتل الضفدع والصفرد والصرد والمراد بالعيدين عيد الفطر وعيد النحر والمراد بيوم الشك اليوم الذي يشك فيه هل هو من شعبان أم من رمضان أما النهي عن صوم العيدين فللتحريم إجماعا وأما صوم يوم الشك ففيه خلاف يأتي واستظهر المحشي حمله على التحريم قال ولم يعترض للنهي عن صيام أيام التشريق فإنه لم يبلغ درجة النهي عن صيام هذه الثلاثة ( قلت ) لا ولكنه لم يثبت عند المصنف رضي الله عنه في ذلك شيء وقد روي أحمد ومسلم عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق فناديا أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن وأيام منى أيام أكل وشرب وروى أحمد والبزار عن سعد بن أبي وقاص قال أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أنادي أيام من أنها أيام أكل وشراب لا صوم فيها يعني أيام التشريق وفي الباب عن أنس عند الدارقطي وعن عائشة عند البخاري وقد استدل بهذه الأحاديث على تحريم صوم أيام التشريق وفي ذلك خلاف بين الصحابة فمن بعدهم وقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبي طلحة من الصحابة الجواز مطلقا وعن علي وعبدالله بن عمرو بن العاص المنع مطلقا ( وهو المذهب ) وبه قال الشافعي وعن ابن عمر وعائشة وعبيد بن عمير في آخرين منعه إلا للمتمتع الذي لا يجد الهدي وهو قول مالك والشافعي في القديم وقال الأوزاعي وغيره بصومها القارن ولكل تمسك ولا نطيل بذكره وأحاديث الباب دالة على المنع والله أعلم
ما جاء
(في رؤية الهلال )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان (( لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غمي عليكم فاقدروا وفي رواية أخرى فأتموا لثلاثين ))
(ما جاء في رؤية الهلال ) (3/40)
صفحة 598
(قوله عن أبي سعيد الخدري ) الحديث رواه مالك والبخاري ومسلم من حديث عبدالله ابن عمر ولفظه عندهم عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا لم وفي رواية عند مسلم وأحمد أنه قال إنما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له زاد أحمد قال نافع وكان عبدالله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يوما يبعث من ينظر فإن رأى فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما ( قوله لا تصوموا ) أي لا تأخذوا في الصوم الواجب حتى تروا الهلال أو تكمل عدة شعبان وفي النهي عن ذلك نهي عن صوم يوم الشك وإياه قصد المرتب بإيراد الحديث في الباب وسيأتي الكلام عليه في الحديث الذي يليه قال الباجي مقتضاه منع صوم آخر شعبان وحمل بعضهم كلامه على معنى التلقي لرمضان أو الاحتياط قال وأما النفل فيجوز واستحب ابن عباس وجماعة الفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو يومين أو أيام كما استحبوا الفصل بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو مشي أو تقدم أو تأخر من المكان وصح مرفوعا إذا بقي نصف شعبان فلا تصوموا ولم يأخذ به أئمة الفتوى لأنه صلى الله عليه وسلم صام شعبان كله أو أكثره قالت عائشة ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما منه في شعبان كان يصومه إلا قليلا بل كان يصومه كله وقد تقدم ذلك ( قوله حتى تروا الهلال ) أي هلال رمضان ( وقوله ولا تفطروا حتى تروه ) أي لا تفطروا من صومكم حتى تروه ليلة شوال فرؤية الهلال سبب لوجوب الصيام والإفطار ومن البديهي وجوب تقدم السبب على المسبب فالصوم والإفطار إنما يكونان بعد الرؤية فإذا رأيناه ليلة رمضان أصبحنا صواما وكذا القوا في الفطر وإن رئي الهلال في النهار فقيل هو من الليلة المستقبلة في أي وقت رئي قبل الزوال أم بعده (3/41)
صفحة 599
وقيل إذا رثي قبل الزوال خلف الشمس فهو من الليلة الماضية فإن رئي بعد الزوال فهو من الليلة المقبلة لأن القمر لا يرى والشمس باقية إلا وهو بعيد عنها لأنه حينئذ يكون أكثر من قوس الرؤية ( وليس المراد ) من الحديث تعليق الصوم بالرؤية في حق كل أحد بل المراد بذلك الرؤية في الجملة فإذا رآه بعضهم وهو من يثبت به ذلك وجب إما واحد وهو على رأي الجمهور أو اثنان على رأي آخرين وعليه المالكية وفي القواعد يصام بأمين واحد وبأمينين وبأمين وامرأتين وبثلاثة نفر من أهل الجملة إذا لم يسترابوا وبالشهرة التي لا تدفع ( وذكر في الإيضاح ) من الريبة قولهم إذا قالوا رأوه وهم بين الناس في ليلة شديدة الغمام أو كانوا في موضع مستتر عن مواضع الأهلة أو كانوا في حبس وكذلك من جر إلى نفسه أو دفع عنها مضرة لم تجز شهادته أمينا كان أو غير أمين ( وقالت الحنيفة ) يصام برؤية الواحد إذا كان عليه شيء ثم غيم أو غيره كالغبار وإن كان صحوا لم يقبل إلا من جمع كثير يقع العلم بخبرهم (ومشهور ) المذهب عندنا معشر المشارقة الصوم برؤية العدل الواحد ولا يفطر إلا برؤية عدلين ووافقنا في الإفطار جميع من خالفنا في الصيام إلا أبا ثور وذلك لأن الأول شاهد على نفسه بتعلق الصوم عليه والثاني شاهد لها بجواز الإفطار فكأنهم أدخلوا عليه الريبة من هاهنا ( والدليل ) على الصوم بواحد حديث ابن عباس في السنن قال جاء إعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت الهلال فقال أتشهد أن لا إله إلا الله أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا ( وروى ابن داود وابن حبان عن ابن عمر قال تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه ) (قوله فإن غمي عليكم ) أكثر الروايات عند قومنا فإن غم بضم الغين وتشديد الميم وذكر ابن حجر في شرح البخاري روايات أخر بعضها من طريق الكشمهيني أغمي ومن رواية (3/42)
صفحة 600
السرخس غبي بفتح الغين وتخفيف الموحدة وأغمي وغم وغمي بتشديد الميم وتخفيفها فهو مغموم والكل بمعنى ( والمراد ) خفاء الهلال بستر الغيم إياه وأما غبي فمأخوذ من الغباوة وهي عدم الفطنة وهي استعارة لخفاء الهلال ونقل ابن العربي أنه روي عمي بالعين المهملة من العمي وهو بمعناه لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات أو ذهاب البصيرة عن المعقولات ( قوله فاقدروا ) بهمزة وصل وضم الدال والرواية عند قومنا فاقدروا له وليس عند المصنف له ولعلها سقطت من أيدي النساخ أو أنه سمعه كذلك والمعنى قدروا عدد الشهر فأكملوا شعبان ثلاثين كما صرحت به الرواية الأخرى وهي قوله فأتموا ثلاثين والحديث يفسر بعضه بعضا وبهذا التفسير قال جمهور السلف والخلف وخالف أحمد فقال معناه ذروه تحت السحاب أي قد روه موجودا هناك وقال جماعة منهم بن سريج ومطرف بين عبدالله وابن قتيبة أن معناه قدروه بحساب المنازل قال ابن عبد البر لا يصح هذا عن مطرف وأما ابن قتيبة فليس هو ممن يعرج عليه في مثل هذا ونقل ابن العربي عن ابن سريج إن قوله فاقدروا له خطاب لمن خصه الله تعالى بهذا العلم وقوله فأكملوا العدة خطاب للعامة ( فلزمه ) من ذلك اختلاف وجوب رمضان فيجب على قوم بحساب الشمس والقمر وعلى آخرين بحساب العدد وهذا كله خلاف الظاهر والحق ما عليه الجمهور والله أعلم ( قوله وفي رواية أخرى ) الظاهر أن هذه الرواية من رواية أبي سعيد الخدري أيضا وهي عند أبي داود من حديث ابن عباس وروى مالك من حديث ابن عباس يرفعه لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا المدة ثلاثين وهذا يتناول شعبان ورمضان فكل واحد منهما يكمل عدة ثلاثين يوما إن لم ير الهلال وهذا مفسر ومبين لقوله في الرواية قبله فاقدروا له وإنما أمر بإتمام ثلاثين لأن غالب الشهور إنما تكون كذلك ولأن الأصل براءة النفس من تعلق الوجوب فإذا تعلق بها وجب شرعي كان الأصل بقائه حتى يؤدي على وجهه ويخرج (3/43)
صفحة 601
وقته بموجب شرعي والله أعلم
ما جاء
( في النهي عن صوم يوم الشك والعيدين )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الشك وهو آخر يوم من شعبان ويوم الفطر ويوم الأضحى قال من صامهما فقد قارف إثما )) ( أبو عبيدة ) عن جابر بن زيد قال (( بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى بالناس يوم العيد ثم انصرف فخطب الناس ثم قال إن هذين يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم ويوم تأكلون فيه من نسككم ))
(ما جاء في النهي عن صوم يوم الشك والعيدين ) (3/44)
صفحة 602
(قوله نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الشك وهو آخر يوم من شعبان ويوم الفطر ويوم الأضحى ) وقوله ( في حديث عمر أن هذين يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما ) كلا الحديثين دل على النهي عن صوم يوم العيدين والأول دال أيضا على النهي عن صوم يوم الشك ولأرباب السنن معنى الحديثين من طرق متعددة والنهي في صوم العيدين محمول على التحريم أجماعا سواء صامهما عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك ولو نذر صومهما متعمدا لعينهما لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاؤه وقال أبو حنيفة ينعقد ويلزمة قضاؤهما قال فإن صامهما أجزاه وخالف الناس كلهم ( وأما النهي ) عن صوم يوم الشك ففيه خلاف حمله بعضهم على المنع ونسب القول بذلك إلى الجمهور من الصحابة والتابعين ومنهم عمر وعلي وحذيفة وابن مسعود وعمار وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا ( وعن عمار ) بن ياسر قال من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم محمداً صلى الله عليه وسلم رواه الخمسة إلا أحمد وصححه الترمذي وهو للبخاري تعليقا وقيل لا يجوز صومه عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك وسبب هذا القول إلى مالك وأبي حنيفة وهو الذي يوجبه نظر الشيخ عامر في إيضاحه قال لأن علة النهي عن صومه من أجل أن صيامه على الشك يغير انعقاد نيته على يوم معروف وسمع مالك أهل العلم ينهون أن يصام اليوم الذي يشك فيه من شعبان إذا نوى به صيام رمضان ويرون أن على من صامه على غير رؤية ثم جاء الثبت إنه من رمضان أن عليه قضاءه ولا يرون بصيامه تطوعا بائسا قال مالك وهذا الأمر عندنا والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا يعني المدينة ( وقيل ) بجواز صومه ونسب إلى جماعة من الصحابة والتابعين ( وقيل ) باستحباب صومه وليس هذا القول في الذهب والأقوال الثلاثة قبله كلها موجودة المذهب أيضا والنهي ينافي القول بالاستحباب بل القول بالجواز لأن أدنى درجة النهي الكراهة وهي غير الإباحة والله أعلم (قوله (3/45)
صفحة 603
ومن صامها ) يعني يوم الفطر ويوم النحر ( قوله قارف إثما ) أي فعل ذنبا وهذا صريح في تحريم صومها وقول أبي حنيفة إنه يجزي صومهما عن نذره أن نذر أن يصومهما مخالف لهذا النص مع الإجماع ( قوله صلى بالناس ) أي في أيام خلافته ( قوله فخطب الناس ) أي خطبة العيد وهو دليل على أن المعروف عندهم تأخر الخطبة في العيد عن الصلاة ومعنى قوله ثم انصرف أي عن القبلة وواجه الناس بوجهه كما هو شأن الخطيب ( قوله يوم فطركم ) برفع يوم إما أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هما أو بدل من قوله يومان قيل والفائدة في وصف اليومين الإشارة إلى العلة في وجوب فطرهما وهو الفصل من الصوم وإظهار تمام رمضان بفطر ما بعده والآخر لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح معنى وعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك لأنه يريد فائدة التنبيه على التعليل والنحر لا يستلزم ذلك ( والمراد ) بالنسك هنا الذبيحة المتقرب بها قطعا ( قيل ) ويستنبط من وجوب الفطر تعيين السلام للفصل من الصلاة والله أعلم
ما جاء
( في النهي عن الوصال )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال ((نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال أن يوصل الرجل صوم يوم وليلة ونهى عن قتل الصفرد والصرد من الطيور ))
(ما جاء في النهي عن الوصال ) (3/46)
صفحة 604
( قوله عن الوصال ) بكسر الواو وهو أن يوصل الرجل صوم يوم وليلة والظاهر أن هذا التفسير من ابن عباس الراوي للحديث عند المصنف ( وقيل ) الوصال أن يصل صوم النهار بإمساك الليل مع صوم الذي بعده من غير أن يطعم شيئا ( وقيل ) الوصال وصل صوم يوم بصوم يوم آخر ( وقيل ) هو الترك في ليالي الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد والمعنى واحد وإن اختلفت العبارات ( والنهي ) عن الوصال في حق الأمة متفق على ثبوته وقد واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إنك تفعله فقال إني لست كأحدكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني وهذا يدل على أنه مخصوص بذلك وفيه أن النهي كان للشفقة عليهم وفي حديث عائشة عند الشيخين وأحمد قالت نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم وفي حديث بشير بن الخصاصية عند أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال وقال إنما يفعل ذلك النصارى وهذا يدل أن حكمة النهي مخالفة النصارى والأول يدل أن الحكمة الشفقة بهم والرحمة لهم ولا يمتنع الجمع بأن يكون كل واحد مقصودا ( ثم اختلفوا ) في وجه النهي فحمله الجمهور على التحريم لأنه الأصل في النهي وحمله آخرون على الكراهة واستدلوا بقول عائشة نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم وثبت في البخاري وغيره أنه صلى الله عليه وسلم واصل بأصحابه لما أبوا أن ينتهوا عن الوصال فواصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال لم تأخر لزدتكم كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا ( وأجاب ) الجمهور بأن قوله رحمة لا يمنع التحريم فإن من رحمته لهم إن حرمه عليهم ( وأما ) مواصلته صلى الله عليه وسلم بهم بعد نهيه لهم فليس بتقرير بل تقريعا وتنكيلا واحتمل ذلك منهم لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم بأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي مكان ذلك ادعى إلى قبولهم لما يترتب عليه من الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك ( وقيل ) بجواز (3/47)
صفحة 605
الوصال عند عدم المشقة ونسب إلى عبدالله بن الزبير وأخت أبي سعيد من الصحابة وروى ابن أبي شيبة عن عبدالله بن الزبير أنه كان يواصل خمسة عشر يوما وبه قال بعض التابعين وهؤلاء حملوا النهي على حالة المشقة ولم يروا جوازه خالصا بالمصطفى عليه صلاة الله وسلامه وكأنهم فهموا ذلك من حديث ابن عمر عند الشيخين وأحمد وفيه أني لست كأحدكم وعندهم من حديث أبي هريرة فاكلفوا من العمل ما تطيقون أي تحملوا منه ما قدرتم ( وفيه ) أن النبي أعلم بمصالح أمته وهو أدرى بما يستطيعونه من العمل وقد نهاهم عن الوصال جميعا وفيهم القوي والضعيف ولم يرخص لأحد دون أحد فما يكون مبلغ فهم أخت أبي سعيد وابن الزبير وغيرهما والله أعلم ( قوله ونهى عن قتل الصفرد والصرد من الطيور ) وفي نسخة عن قتل الضفدع والصفرد وعليها فقوله من الطيور وصف للصفرد خاصة لأن الضفدع من الدواب لا من الطيور ( والصفرد ) بكسر أوله وسكون ثانيه كعربد طائر من خساس الطير وفي المثل أجبن من صفرد ( والضفدع )بكسر الضاد والدال وفتحها غير جيد ( والصرد ) بضم الصاد المهملة وفتح الراء طائر فوق العصفور ضخم الرأس والمنقار نصفه أبيض ونصفه أسود ( وروى البيهقي ) في سننه عن سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل خمسة النملة والنحلة والضفدع والصرد والهدهد وفي مسند أبي داود الطيالسي وسنن أبي داود والنسائي والحاكم عن عبدالرحمن بن عثمان التيمي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن طبيبا سأله عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه صلى الله عليه وسلم عن قتلها ( وقيل ) وإنما نهي عن قتل الصرد لأن العرب كانت تتشاءم به وبصوته وقيل أنه كان دليل إبراهيم عليه السلام حين خرج من الشام لبناء البيت ( وأما الصفرد ) فلأنه كان دليل آدم عليه السلام من الجنة إلى الأرض أربعين سنة ( وأما الضفدع ) فلأن الذي نسمع منها تسبيح وتقديس وإن إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار استأذنت دواب البر (3/48)
صفحة 606
والطير أن تطفيء النار عن إبراهيم فأذن الله للضفادع فأزكت عليها فذهب ثلثاها وبقي الثلث فأبدل الله لها بحرارة النار برد الماء ذكر ذلك في القواعد في حديث يرفعه في النهي عن قتل ستة ذكر منها النمل فإن سليمان ?عليه السلام خرج يستسقي إذا بنملة رافعة يديها تقول اللهم أنا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن فضلك فاسقنا مطرا تنبت لنا به ثمرا فقال سليمان ارجعوا فقد سقيتم ( ومنها النحل ) فإنها تضع لكم طيبا ( ومنها الهدهد ) فإنه أحب أن يعبد الله حيث لم يكن عبد ( ومنها الخطاف ) فإن دورانه الذي ترونه جزع على بيت المقدس حين أحرق قال وشدد أصحابنا في هذه الأجناس حتى جعلوا الدية على قاتلها درهمين لكل واحد منها وجعلوا في الضفدع نعجة بجزتها قال والله أعلم بهذا إن كان عن أثر أثروه أو عن نظر منهم رأوه ( قلت ) بل الظاهر أنه نظر منهم وسياسة فإن في دفع ذلك إلى الفقراء كفارة لارتكاب النهي وردعا عن التجاسر عليه والاسترسال فيه وهو مأخوذ من قوله تعالى (( إن الحسنات يذهبن السيئات )) ومن قوله صلى الله عليه وسلم ((اتبع السيئة الحسنة تمحها )) ومن قوله تعالى ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها )) والله أعلم ( وهذا ) التشديد من أصحابنا رحمهم الله تعالى يدل على أن النهي محمول عندهم على التحريم والله أعلم
الباب الرابع والخمسون
( في فضل رمضان )
(قوله فضل رمضان ) أي ثوابه الذي يعطى صائمه وقد جاءت في ذلك أحاديث كثيرة من طرق متعددة لم يخرج المصنف منها إلا أربعة وذلك لأنه لم يثبت عنده من هذا الطريق العالي غيرها والله أعلم
ما جاء
( في من صام رمضان إيمانا واحتسابا )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم (( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ولو علمتم ما في فضل رمضان لتمنيتم أن يكون سنة ))
(ما جاء في من صام رمضان إيمانا واحتسابا ) (3/49)
صفحة 607
( قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضا الشيخان بزيادة في آخره ولم يذكروا فيه قوله ولو علمتم ما في فضل رمضان لتمنيتم أن يكون سنة ( قوله من صام رمضان ) يعني أيامه وفيه أنه لا يكره أن يقال رمضان بدون شهر وكرهه بعض قومنا وقد تقدم ( قوله إيمانا ) نصب على أنه مفعول له أي للإيمان وهو التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم والاعتقاد بفرضية الصوم وقيل تصديقا لثوابه وقيل نصب على الحال أي مصدقا له أو على المصدرية أي صوم إيمان أو صوم مؤمن وكذا القول في نصب احتسابا (والاحتساب ) طلب الثواب منه تعالى أو إخلاص العمل بحيث يكون الباعث على الصوم الإيمان لا الخوف من الناس ولا الاستحياء منهم ولا قصد السمعة والرياء ( وقيل ) معناه اعتداده بالصبر المأمور به من الصوم وغيره والصبر عن المنهي عنه من الكذب والغيبة ونحوه طيبة به نفسه غير كارهة له ولا مستثقلة لصيامه ولا مستطيلة لأيامه ( قوله غفر له ما تقدم من ذنبه ) ما اسم جنس يتناول جميع الذنوب المتقدمة لكنه مخصوص عندنا وعند جمهور قومنا بقوله تعالى (( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم )) فالذنب في الحديث بمعنى السيئات وهي صغائر الذنوب فرمضان من الحسنات التي تذهب السيئات كالصلوات الخمس وصلاة الجمعة والوضوء والحج والعمرة والله أعلم ( قوله لو علمتم ) الخ هذه زيادة تفرد بها المصنف رضوان الله عليه والمراد منها المبالغة في فضل رمضان ( والمعنى ) لو كشف لكم ما يحصل لكم في رمضان من الخير العظيم لتمنيتم أن تطول أيامه حتى يكون شهره سنة كاملة وذلك يستلزم أن يتمنوا أن يكون الزمان كله رمضان وليس في هذا تمني دوام التكليف ولا طلب المشقة على النفس لأنه لم تقصد حقيقته وإنما أريد به المبالغة فقط على أن المتمني جانب الفضائل لا جانب المشقة والله أعلم
ما جاء
( في خلوف فم الصائم ) (3/50)
صفحة 608
ومن طريقه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فارق عبدي شهوته وطعامه من أجلي فالصيام لي وأنا أجازي به ))
( ما جاء في خلوف فم الصائم )
( قوله ومن طريقه ) يعني من طريق أبي هريرة بالسند المتقدم وإنما حذفه اختصارا والحديث رواه أيضا مالك في الموطأ ورواه البخاري عن القعنبي عن مالك لكنه وصله بحديث الصوم جنة الآتي آخر الباب لاتحاد اسنادهما عنده وقد فعل ذلك غير مرة وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ( قوله لخلوف ) في رواية قومنا والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم الخ ( وخلوف ) بضم الخاء المعجمة واللام وسكون الواو وبالفاء وكثير من الشيوخ شيوخ الحديث يروونه بفتح الخاء قال الخطابي وهو خطأ وحكى القابسي فيه الضم والفتح وقال أهل المشرق يقولونه بالوجهين والصواب الضم وهو تغير رائحة فم الصائم لخلو المعدة بترك الأكل وقيل تغير طعم الفم وريحه بتأخير الطعام وإنما سمي خلوفا لأنه يخلف طعم الفم ورائحته المعتادين عند الأكل ( قوله فم الصائم ) بإثبات الميم وفيه رد على من قال لا تثبت الميم في الفم إلا في ضرورة الشعر ( قوله أطيب ) أي أفضل وأرضى وأحب عند الله من ريح المسك عندكم فضل ما ينكره الناس من الصيام على أطيب ما يستلذون من جنسه قال المازري هو مجاز لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير ذلك لتقريب الصوم من الله فالمعنى أطيب أي أقرب إلى الله من ريح المسك عندكم أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم ( وقيل ) معناه أن الله يثيبه في الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك كما يأتي المكلوم وريح جرحه يفوح مسكا ( وقيل ) معناه أن صاحبه ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك لا سيما بالإضافة إلى الخلوف ( وقيل ) معناه أن الخلوف أكثر ثوابا من المسك المندوب في الجمع والأعياد ومجالس الذكر والخير ( وقيل ) أن للطاعات يوم القيامة ريحا يفوح فريح الصيام فيها بين (3/51)
صفحة 609
العبادات كالمسك ( وقيل ) المعنى أطيب عند ملائكة الله وإنهم يستطيبون الخلوف أكثر من المسك وإن كان عندنا بضد ذلك ( وبالجملة ) فقد اختلف في هذا الفضل الخاص هل يكون في الآخرة خاصة أم في الدارين معا فقيل هو في الآخرة خاصة عند الله لما جاء في رواية أبي صالح عن أبي هريرة عند مسلم والنسائي وفيها أطيب عند الله يوم القيامة ولأبي الشيخ بإسناد فيه ضعف عن أنس مرفوعا يخرج الصائمون من قبورهم يعرفون بريح أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك ( وروى الحسن ) ابن سفيان في مسنده عن جابر مرفوعا أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا قال وأما الثانية فإنهم يمسون وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك ( فإن قيل ) لم كان خلوفه أطيب ودم الشهيد ريحه ريح المسك مع ما فيه من المخاطرة بالنفس وبذل الروح ( أجيب ) بأن الصوم أحد أركان الإسلام فهو أعظم من الجهاد أو نظرا إلى أصل كل منهما فأصل الخلوف طاهر بخلاف الدم فكان ما أصله طاهر أطيب ريحا وبأن الجهاد فرض كفاية والصوم فرض عين وهو أفضل من الكفاية ومن هنا كانت النفقة على العيال أفضل من النفقة في الجهاد كما جاء ذلك مرفوعا في حديث عند أحمد ( واستدل ) بعضهم بالحديث على كراهة السواك للصائم آخر النهار لئلا يزول خلوفه وهذا الاستدلال مستقيم عند من جعل فضل الخلوف في الدارين ولا يستقيم عند من خصه بالآخرة ( قوله فارق عبدي ) أي ترك ذلك وفي رواية مالك إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ( والمراد ) بالشهوة الجماع لعطف الطعام عليه ولابن خزينة زوجته مكان شهوته ويحتمل أن تجعل الشهوة عامة وعطف ما بعدها عليها عطف خاص على عام ( قوله من أجلي ) أي من أجل امتثال شرعه الذي شرعته عليه وفيه التنبيه على الجهة التي يستحق بها الصائم ذلك وهو الإخلاص الخاص به حتى لو صام لغرض آخر كأخذ أجرة دنيوية أو لأجل أن تخلو معدته من أثر التخمة لا يحصل له ذلك الفضل ( قوله فالصيام لي ) الفاء سببية رتبت هذه (3/52)
صفحة 610
الجملة على الجملة قبلها أي فارق شهوته من أجلي فبسبب ذلك كان الصوم لي وفي بعض الروايات كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ( واستشكل ) تخصيص الصيام بذلك مع إن الأعمال كلها له وهو الذي يجزى بها ( وأجيب ) بأجوبة منها أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره ويؤيد هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم ليس في الصيام رياء وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تختفي عن الناس ( والمعنى ) أن الرياء لا يدخله من حيث فعله وإنما يدخله من حيث الإخبار عنه وأما سائر الأعمال فإنه يدخلها من حيث فعلها ( ومنها ) أن معنى قوله الصوم لي أنه أحب العبادات إلي وهو المقدم عندي وقد روي عليك بالصوم فإنه لا مثل له ( ومنها ) أن المراد تشريف الصوم فهو نظير الإضافة في بيت الله وناقة الله وذلك أن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب جل جلاله فلما تقرن الصائم إليه بما يناسب صفاته أضافه إليه ( ومنها ) أنه لم يعبد به غير الله فلم نعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودا لهم بالصيام بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ونحو ذلك وهذا أظهر الوجوه ( قوله وأنا أجازي به ) أي أعرض عنه الجزاء الذي ادخرته للصائمين وفي رواية قومنا وأنا أجزي به وزاد مالك وغيره كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به ( والمعنى ) إن جزاء الصيام ليس له غاية ينتهي إليها كسائر الأعمال بل جزاؤه بغير عدد ونظيره قوله تعالى ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) والصابرين الصائمون في أكثر الأقوال لأنهم يصبرون أنفسهم عن الشهوات ( ومعنى قوله ) أنا أجازي به أي إنفراد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته وغيره من العبادات قد يطلع عليها بعض الناس ( وقيل ) معناه أن الأعمال قد كشف مقادير ثوابها للناس وإنها تضاعف من عشر إلى سبعمائة إلى ما شاء الله إلا الصوم فإن الله يثيب عليه بغير (3/53)
صفحة 611
تقدير والله أعلم
ما جاء
(في بيان الصائم المستحق لفضيلة الصوم )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا إيمان لمن لا صلاة له ( الحديث إلى قوله ) إلا بالكف عن محارم الله ))
( ما جاء في بيان الصائم المستحق لفضيلة الصوم )
( قوله لا إيمان لمن لا صلاة له ) الحديث تقدم ذكره في آداب الوضوء وفرضه وتمامه ولا صلاة لمن لا وضوء له ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله والغرض منه في هذا الموضع قوله ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله فإنهم اتفقوا على أن المراد بالصائم المستحق للفضيلة المذكورة في الحديث قبله من سلم صيامه من المعاصي قولا وفعلا وخصه بعض الزهاد بصوم خواص الخواص فإنه قد قيل أن الصوم أربعة أنواع صيام العوام وهو الصوم عن المفطرات وصيام خواص العوام وهو الصوم عن المفطرات مع اجتناب المحرمات قولا وفعلا وصيام الخواص وهو الصوم عن غير ذكر الله وعبادته وصيام خواص الخواص وهو الصوم عن غير الله فلا فطر لهم إلى يوم لقائه وهذا مقام عال لكن لا يصح قصر الفضائل عليه والله أعلم
ما جاء
( أن الصوم جنة ونهي الصائم عن الرفث والمشاتمة )
ومن طريق أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم ))
( ما جاء أن الصوم جنة ونهي الصائم عن الرفث والمشاتمة ) (3/54)
صفحة 612
( قوله ومن طريق أبي هريرة ) الحديث رواه أيضا مالك والبخاري ومسلم وأبو داود ( قوله الصوم جنة ) وفي رواية مالك الصيام جنة والجنة بضم الجيم وتشديد النون الوقاية والستر ( واختلفوا ) في معناه فقيل إنه جنة من المعاصي لأنه يكسر الشهوة ويضعفها ولذا قيل أنه لجام المتقين وجنة المحاربين ورياضة الأبرار والمقربين ( وقيل ) إنه جنة من النار لأنه إمساك عن الشهوات والنار محفوفة بها وقد وقع في بعض الروايات عند الترمذي وغيره جنة من النار والتفسيران متلازمان لأنه إذا كف نفسه عن المعاصي في الدنيا كان ذلك سترا له من النار ( قوله فلا يرفث ) بالمثلثة وتثليث الفاء أي لا يفحش ولا يتكلم بالكلام القبيح ويطلق أيضا على الجماع ومقدماته وعلى ذكره من النساء أو مطلقا ويحتمل أن النهي لما هو أعم منها ( قوله ولا يجهل ) أي لا يفعل فعل الجهال كصياح وسفه وسخرية ونحو ذلك ووقع في بعض الروايات زيادة ولا يجادل وهذه الثلاث وهي الرفث والجهل والجدال ممنوعة مطلقا لكنها تتأكد بالصوم والجهل على معنيين أحدهما ضد العلم يتعدى بغير حرف جر والثاني ضد الحلم وهذا يتعدى بحرف الجر قال الشاعر :
ألا لا يجهلن أحد علينا ** فنجهل فوق جهل الجاهلينا (3/55)
صفحة 613
( قوله قاتله أو شاتمه ) معنى قاتله دافعه ونازعه ويكون بمعنى شاتمه ولاعنه وقد جاء القتل بمعنى اللعن وفي رواية أبي صالح فإن سابه أحد أو قاتله ( واستشكل ) ظاهره بأن المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين مع أن الصائم مأمور بأن يكف نفسه عن ذلك ( وأجيب ) بثلاثة أجوبة ( أحدها ) إن المفاعلة هنا للواحد كسافر قال في المصياح ولا تكاد تستعمل المفاعلة من واحد ولها فعل ثلاثي من لفظها إلا نادرا نحو صادمه الحمار بمعنى صدمه أو زاحمه بمعنى زحمه وشاتمه بمعنى شتمه قال ويدل على هذا الحديث الصحيح وإن امرؤ قاتله أو شاتمه قال فيجوز شتم وشوتم ولكن الأولى شتم بغير واو لأته من الباب الغالب ( وثانيها ) أن المعنى فإن أراد أن يشاتمه أو يقاتله قليقل ذلك ( وثالثها ) أن المعنى إن وجدت منهما جميعا فليذكر الصوم ولا يستدم ذلك ( قوله فليقل إني صائم ) وفي رواية مالك فليقل إني صائم كرره مرتين تأكيدا قوله ذلك يجوز أن يحمل على الكلام اللساني وهو الظاهر فيقول ذلك بلسانه ويدل عليه قول عيسى عليه السلام لأمه فقولي إني نذرت للرحمن صوما ويجوز حمله على الكلام النفساني والمعنى لا يجيبه بلسانه بل بقلبه ويجعل حاله حال من يقول كذلك ومثله قوله تعالى (( إنما نطعمكم لوجه الله )) الآية وهم لم يقولوا ذلك بلسانهم بل كان حالهم حال من يقوله وقد رجح هذا الاحتمال بعض الناس ورجح آخرون الأول واستحسن آخرون الجمع بينهما وقالوا إن ذكرها في حديث مالك مرتين إشارة إلى ذلك فيقولها بقلبه يكف نفسه وبلسانه ليكف خصمه ( وقيل ) إن كان في رمضان فبلسانه وإلا ففي نفسه وادعى بعضهم أن الخلاف في النفل أما الفرض فبلسانه قطعا ( قيل ) والحكمة في قوله ذلك تأكيد المنع من المشاتمة فكأنه يقول لخصمه إني صائم تحذيرا وتهديدا بالوعيد المتوجه على من انتهك حرمة الصائم وتذرع إلى تنقيص أجره بإيقاعه في المشاتمه أو يذكر نفسه تشديد المنع المعلل بالصوم ويكون من إطلاق القول (3/56)
صفحة 614
على الكلام النفسي قيل وظاهر كون الصوم جنة أنه يقي صاحبه من أن يؤذى والله أعلم.
(كتاب الزكاة والصدقة )
أما الزكاة فهي في اللغة النماء يقال زكى الزرع إذا نمى وترد أيضا بمعنى التطهير وهي في الشرع اسم لمن يخرج من مال عن مال أو بدن على وجه مخصوص لطائفة مخصوصة بالنية وهي مأخوذة من زكى الزرع إذا نمى فإن إخراجها يستجلب بركة المال وللنفس فضيلة الكرم أو من الزكاة بمعنى الطهارة فإنها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل ( وأما الصدقة ) فالمراد بها هنا صدقة التطوع خاصة فعطفها على الزكاة عطف مغايرة وهي في الأصل تطلق على المفروضة والتطوع ( وقيل ) تطلق الزكاة أيضا على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والحق والعفو عنه ( والزكاة ) هي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها وكان نزول فرضها في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر ( وقيل ) في الرابعة ( وقيل ) قبل الهجرة وبينت بعدها والله أعلم
الباب الخامس والخمسون
( في النصاب ) (3/57)
صفحة 615
( قوله في النصاب ) بكسر النون هو القدر المعتبر لوجوب الزكاة قال الأزهري وابن فارس نصاب كل شيء أصله والجمع نصب وأنصبة مثل حمار وحمر وأحمرة ومنه نصاب الزكاة وقد ذكر في هذا الباب أربعة أحاديث بعضها في نصاب الفضة والذهب والإبل والغنم والثمار وهو الحديث الثاني وبعضها في نصاب الركاز وهو الحديث الرابع وأما الحديث الأول والثالث فلا تعلق لهما بالباب لأن الأول في مقدار ما يخرج من الثمار والثالث في مقدار ما يخرج من الأبدان في زكاة الفطر فكان ينبغي للمرتب عفا الله عنه أن يجعل لكل واحد من الحديثين بابا منفردا على أن الحديث الأول يوجب الزكاة في الثمار والثالث يوجبها في الأبدان فلهما من هذا الوجه أيضا بابان آخران ويعتذر له عن ذكر الحديث الأول بأنه إنما ساقه ليبين إن عمومه مخصص بالحديث الذي يليه فهو كالتمهيد لذكر النصاب من الثمار وأيضا فإن بعض الناس وهم الحنفية وعبدالله بن عبدالعزيز ( من المحبوبين بعض من الأباضية ) لم يشترطوا في وجوب الزكاة من الثمار النصاب بل أخذوا بعموم الحديث فيكون المرتب رحمه الله تعالى قد لاحظ في ذكره تعلقهم به وعليه فتنقسم أحاديث الباب إلى قسمين أحدهما في بيان ما يشترط فيه النصاب إجماعا في بعض المواطن وعند الجمهور في بعضها وهو الحديث الثاني والرابع والقسم الثاني ما لا يشترط فيه النصاب أما إجماعا كفطرة الأبدان المذكورة في الحديث الثالث أو عند بعض الناس كما في الثمار المذكورة في الحديث الأول ( وقد قال ) أن لفطرة الأبدان نصابا وهو الغنى المخصوص فإنها لا تجب على معدم إجماعا واختلافهم في قدر الغنى الموجب لذلك لا يضر فإن النصاب ثابت على كل قول قيل به في المسألة ( والجواب ) أن الغني سبب للوجوب لا نصاب له ( وفيه ) أن للغنى وجهين أحدهما سبب للوجوب وهو نفس الملك والثاني نصابه وهو الحد الذي يجب معه الإخراج وكلاهما سبب للوجوب ولعل المرتب رحمه الله لحظ ها المعنى فساق الحديث (3/58)
صفحة 616
هاهنا وإن نظره لطويل ( ويمكن ) أنه أراد أن يذكر في الباب الأسباب الموجبة للزكاة واقتصر على النصاب في الترجمة فيكون ذلك من باب الترجمة عن الشيء والزيادة عليه والله أعلم
ما جاء
( في زكاة الثمار )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( فيما سقت السماء والعيون العشر وما سقي بالدوالي والغرب نصف العشر ))
( ما جاء في زكاة الثمار )
( قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه أيضا الجماعة من طرق متعددة بألفاظ متقاربة في المعنى ولم يقع لهم من حديث ابن عباس كما وقع للمصنف وإنما ذكروه في حديث ابن عمر وعند بعضهم عن جابر وذكره مالك مرسلا من حديث سليمان بن يسار ويسر بن سعيد ولم يذكر ابن عمر ( قوله فيما سقت السماء والعيون ) المراد بالسماء المطر مجازا من باب ذكر المحل وإرادة الحال ومنه قول الشاعر : إذا نزل السماء بأرض قوم ( والعيون ) جمع عين وهي الأنهار الجارية على وجه الأرض التي لا يتكلف في رفع مائها الآلة ولا الحمل وبمعناه ما شرب بعروقه من الأرض ولم يحتج إلى سقي سماء ولا آلة ويسمى بعلا بموحدة مفتوحة وعين مهملة ساكنة وقد صرحت به رواية مالك وهو الذي عبر عنه في حديث ابن عمر عند الجماعة إلا مسلما بقوله أو كان عثريا بفتح العين المهملة وبالمثلثة الخفيفة وكسر لراء وشد التحتية فالعشر واجب في هذه الأصناف بعد بلوغ النصاب ( قوله بالدوالي والغرب ) الدوالي جمع دالية وهو الدلو الصغيرة والغرب بفتح المعجمة وسكون المهملة الدلو العظيمة يستقى بها على السانية وفي المصباح الدالية دلو ونحوها وخشب يصنع كهيئة الصليب ويشد برأس الدلو ثم يؤخذ حبل يربط طرفه بذلك وطرفه بجذع قائم على رأس البئر ويسقى بها فاعله بمعنى مفعولة والجمع الدوالي وشذ الفارابي وتبعه الجوهري ففسرها بالمجنون ( والمراد ) في الحديث ما يستخرج من الآبار والأنهار بآله وإنما وجب فيه نصف العشر لثقل المؤنة فناسب أن يخفف عنه في (3/59)
صفحة 617
قدر الواجب ووقع في حديث ابن عمر وفيما سقي بالنضح نصف العشر وفي حديث جابر بالسانية مكان النضح والسانية البعير الذي يسقى به الماء من البئر ويقال له الناضح وذكره في الحديث مثل يقاس عليه ما كان في معناه من البقر والحمير ونحوها ( وعموم ) الحديث ظاهر في عدم شرط النصاب في إيجاب زكاة كل ما يسقى بمؤنه وبغير مؤنه لكن خصه الجمهور بالمعنى الذي سيق لأجله وهو التعبير بين ما يجب فيه العشر أو نصفه بخلاف حديث ليس فيها دون خمسة أوسق صدقه فإنه مساق لبيان جنس المخرج منه وقدره فأخذ به الجمهور عملا بالدليلين وأخذ أبو حنيفة بعمومه ( ورد ) بأن الخاص يقضي على العام وان فيما سقت عام يشمل النصاب ودونه وليس فيما دون خمسة أوسق صدقه خاصا بقدر النصاب ومقتضى مذهب أبي حنيفة وجوب الزكاة في جميع ما أنبتت الأرض من الثمار والخضروات وعند الجمهور لا تجب إلا في أجناس مخصوصة من التمر والزيت وأنواع الحبوب وضابطه أنها لا تجب إلا فيما يكال مما يدخر للاقتيات في حال الاختيار وتمسكوا بما روي مرفوعا لا زكاه في الخضروات رواه الدار قطنى عن معاذ مرفوعا وقال الترمذي لا يصح فيه شيء إلا مرسل موسى بن طلحة عن صلى الله عليه وسلم وهو دال على أن الزكاة إنما هي فيها يكال مما يدخر للاقتيات في حال الاختيار كما قال الجمهور والله أعلم .
ما جاء
( في مقادير النصاب من كل صنف من أصناف الزكاة )
ومن طريقة عنه عليه السلام (( قال ليس فيما دون خمس أواق صدقة وإلا وقية أربعون درهما وليس فيما دون عشرين مثقالا صدقة و ليس فيما دون خمس ذود صدقة يعني خمس أبعرة وليس فيما دون أربعين شاة صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ))
( ما جاء في مقادير النصاب من كل صنف من أصناف الزكاة ) (3/60)
صفحة 618
( قوله ومن طريقه ) يعني ابن عباس بالسند المتقدم والحديث رواه أيضا أرباب السنين من طرق متعددة عن كثير من الصحابة ولم يقع عندهم من طريق ابن عباس كما وقع عند المصنف ولم يذكروا فيه نصاب الذهب والغنم ولا تفسير الأوقيه ( قوله عنه عليه السلام ) أي عن صلى الله عليه وسلم ( قوله ليس فيما دون خمس أواق صدقة ) أي زكاة واجبة وأواق كجوار مخففا وأصله التشديد جمع أوقية بضم الهمزة وبالتشديد وهي عند العرب أربعون درهما وكذلك وقعت مفسرة في هذا الحديث على طريق العليم بحيث يعلم السامع انه ليس من كلام المصطفى وهذا هو النصاب في الفضة الخالصة سواء كان مضروبا أو غير مضروب فلا زكاة فيما دون خمس أواق وهي مائتا درهم وحكى أبو عبيد في كتاب الأموال إن الدرهم لم يكن معلوم القدر حتى جاء عبد الملك بن مروان فجمع العلماء فجعلوا كل عشر دراهم سبعة مثاقيل (ورد ) بأنه يلزم منه أن يكون صلى الله عليه وسلم أحال نصاب الزكاة على أمر مجهول وهو مشكل قال عياض والصواب أن معنى ما نقل من ذلك إنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام وكانت مختلفة الوزن بالنسبة إلى العدد فعشرة مثاقيل وزن عشرة دراهم وعشرة وزن ثمانية فأتفق رأيهم على أن تنقش بالعربية ويسيروا بها وزنا واحدا ( وقال ) ابن زرقون إنما أوجب صلى الله عليه وسلم الزكاة في أواق معلومة ولم يوجبها في دراهم معلومة فلا يضر أن تكون الدراهم مختلفة إذ لا اعتبار بالأوقية المعلومة وهو يشير إلى اعتبار الوزن دون العدد وقال غيرهما لم يتغير المثقال في جاهلية ولا إسلام أما الدراهم فأجمعوا على إن كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم ولم يخالف أحد في أن نصاب الزكاة مائتا درهم يبلغ مائة وأربعين مثقالا من الفضة الخالصة إلا ابن حبيب من المالكية فإنه إنفرد بقوله إن أهل كل بلد يتعاملون بدراهمهم وإلا ما ذكر عن بعض المتأخرين من أصحابنا قالوا إن الدرهم ثلثا مثقال وعلى هذه فيكون مبلغ النصاب مائة وثلاثة وثلاثين (3/61)
صفحة 619
مثقالا وثلث مثقال وخرق بعض قومنا الإجماع فاعتبر النصاب بالعدد لا بالوزن ( قوله عشرين مثقالا ) أي من الذهب الخالص وهذه زيادة تفرد بها المصنف كما تفرد بالحديث من هذه الطريق قال مالك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا إن الزكاة تجب في عشرين دينارا عينا كما تجب في مائتي درهم ( قلت ) والدينار كالمثقال وزنا ولم يثبت عند قومنا مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم في نصاب الذهب شيء إلا ما روى الحسن بن عمارة عن علي إنه صلى الله عليه وسلم قال هاتوا زكاة الذهب من كل عشرين دينارا قالوا وابن عمارة متروك الحديث لسوء حظه وكثرة خطأه ورواه الحفاظ موقوفا على علي لكن عليه جمهور العلماء منهم ولم يختلف فيه أصحابنا وقالت طائفة لا زكاة في الذهب حتى يبلغ صرفها مائتي درهم فإذا بلغها زكيت كانت أكثر من عشرين دينارا أو أقل إلا أن تبلغ أربعين دينارا ففيها دينار ولا يراعى حينئذ الصرف ( وقال الحسن ) البصري وأكثر أصحاب داود ورواية عن الثوري لا زكاة في الذهب حتى يبلغ أربعين دينارا ففيها ربع عشرة ما زاد فبحسابه وهذان القولان لغيرنا والحق ما قدمت لك وهو الذي في حديث المصنف أنها تجب من عشرين مثقالا وليس فيما دون ذلك شيء وفي العشرين نصف دينار وما زاد على العشرين فليس فيه شيء حتى يبلغ الزائد أربعة مثاقيل ففيه عشر مثقال كما وجب في أربعين درهما زادت على المائتين درهم واحد وهكذا في كل زائد إلى ما لا نهاية له وجعل أبو حنيفة وجماعة من أهل العراق في العين أوقاصا كالماشية وهو قول في المذهب أيضا ونظيره عندهم الحبوب فإنها تجب في كل زائدة بعد استقرار النصاب والجمهور على الأول والله أعلم ( قول ذود ) بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة اسم يقع على الثلاثة من الإبل إلى العشرة لا واحد له من لفظه إنما يقال للواحد بعير قال النووي الرواية المشهورة بإضافة خمس إلى ذود وروي بتنوين خمس ويكون بدلا منه ( وسمي ) ذلك العدد من الإبل ذودا (3/62)
صفحة 620
لأن مالكه ذاد الفقر عن نفسه فهو مأخوذ من ذاد الشيء يذوده إذا دفعه ومن ها هنا كانت الخمس نصابا للزكاة في الإبل فلا زكاة فيما دونها ( قوله أربعين شاة ) أي من المعز والضأن والأربعون منها نصاب لوجوب الزكاة وليس فيما دونها شيء ولم يذكر المصنف رضي الله عنه كتاب الصدقة الذي ذكره أصحاب السنين عن أنس إن أبا بكر كتب لهم إن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين التي أمر الله بها ورسوله فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سأل فوق ذلك فلا يعطه فيما دون خمس وعشرين من الإبل والغنم في كل خمس ذود شاة فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل إلى ستين فإذا بلغت واحدة وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون إلى تسعين فإذا بلغت واحدة وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومائه فإذا زادت على عشرين ومائه ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة فإذا تباين أسنان الإبل في فرائض الصدقات فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده الجذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرنا له أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة الحقة ولست عنده إلا جذعة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده وعند ابنة لبون فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرنا له أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده إلا حقة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده ابنة لبون وعنده ابنة مخاض فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرنا له أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة ابنة مخاض وليس عنده إلا ابن لبون ذكر فإنه (3/63)
صفحة 621
يقبل منه وليس معه شيء ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها ( وفي صدقة الغنم ) في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة فإذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة فإذا زادت ففي كل مائة شاة ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدق ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها ( وفي الرقة ) ربع العشر فإذا لم يكن المال معين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها رواه أحمد والنسائي وأبو داود والبخاري بقطعه في عشرة مواضع ورواه الدار قطني كذلك وله فيه في رواية في صدقة الإبل فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة قال الدر قطني هذا إسناد صحيح وأخرجه أيضا الشافعي والبيهقي والحاكم ( قال ابن حزم ) هذا كتاب في نهاية الصحة عمل به الصديق بحضرة العلماء ولم يخالفه أحد وصححه أيضا ابن حيان وغيره وهذا الكتاب هو مستند غالب أبواب الزكاة وإليه المرجع في كثير من تفاصيلها وهو الأصل في بيان زكاة المواشي والرقة والله أعلم ( قوله خمسة أوسق ) جمع وسق بفتح فسكون وحكى بعضهم كسر الواو وجمعه حينئذ على أوساق مثل حمل وأحمال وقد جاءت الرواية بهذا وهذا وروى أحمد وابن ماجة عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الوسق ستون صاعا وقال الأزهري الوسق ستون صاعا على هذا الحساب مائة وستون منا والوسق ثلاثة أقفزة ( وأصل ) الوسق الجمع وفي التنزيل (( والليل وما وسق )) ويطلق أيضا على حمل البعير من التمر يقال عنده وسق من تمر وها الحديث مخصص عند الجمهور لحديث فيما سقت السماء كما تقدم والله أعلم
ما جاء
( في زكاة الفطر ) (3/64)
صفحة 622
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت (( سن رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الحر والعبد والكر والأنثى والصغير والكبير صاعا من تمر أو صاعا من زبيب أو بر أو شعير أو من أقط ))
( ما جاء في زكاة الفطر )
( قوله عن عائشة ) الحديث تفرد به المصنف من هذا الطريق وللجماعة معناه من طرق متعددة ويجتمع للشيخين معناه من حديثي ابن عمر وأبي سعيد ( قوله سن ) أي جعل ذلك سنة متبعة وطريقة مسلوكة وفي حديث ابن عمر عند الجماعة فرض بدل قوله سن ولاختلاف الروايتين ثبت الخلاف بين الفقهاء في حكمها فذهب المشارقة من أصحابنا والجمهور من قومنا إلى وجوبها وحكى ابن المنذر الإجماع على ذلك وكذا ابن عبد البر مضعفا قول من قال بالسنية يعني فلا يقدح في حكاية الإجماع على أنه يمكنهم الجمع بأن يقولوا إنها سنة واجبة فهي سنة باعتبار أنها طريقة مسلوكة وفرض باعتبار الإلزام والتكليف ( وقال المغاربة ) من أصحابنا وبعض قومنا أنها سنة الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة وتمسكوا بظاهر حديث عائشة عند المصنف ( وقال إبراهيم ) بن علية وأبو بكر بن كيسان الأصم وهما من قومنا أنها كانت فرضا فنسخ بزكاة الأموال وهو قول في المذهب أيضا ودليلهم على ذلك ما رواه النسائي وغيره عن قيس بن سعد بن عبادة قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله ( وتعقب ) بأن في إسناده راويا مجهولا وعلى تقدير الصحة فلا دليل على النسخ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر ( قوله زكاة الفطر ) وتسمى صدقة الفطر وزكاة الفطرة وفطرة الأبدان ومعنى زكاة الفطر أي الفطر من رمضان فإنها تجب بسببه وفي حديث ابن عمر زكاة الفطر من رمضان ومعنى زكاة الفطر أو فطرة الأبدان أنها زكاة النفوس مأخوذ من الفطرة التي هي أصل الخلقة ( قوله على الحر والعبد ) (3/65)
صفحة 623
الخ الغرض من ذكر هؤلاء التنصيص على ثبوتها عليهم وأنها مخالفة لسائر العبادات البدنية والمالية أما البدنية فإنها لا تجب على الصبيان ولا المجانين وأما المالية فإنها لا تجب على العبد وزكاة الفطر تجب على الكل أما الحر فإنها تجب عليه استقلالا بوجود ما يمكنه دفعه بعد أداء اللازم من مؤنة العيال وأما العبد فإن المخاطب بزكاته سيده وأما الصغير فوليه فإن كان للصغير مال دفعها من ماله وإلا فمن مال الولي الذي يجب عليه مؤنته وفي الزوجة خلاف قيل على زوجها أن يخرج عنها ذلك وقيل إنما يلزمها بنفسها وقيل إن كانت غنية أخرجت عن نفسها وإن كانت فقيرة أخرج عنها زوجها ( وقال داود ) الظاهري تجب على العبد نفسه وإنه يجب على السيد أن يمكنه من الاكتساب لها كما يجب عليه أن يمكنه من الصلاة وهذا منه تمسك بظاهر الحديث وخالفه أصحابه والناس لحديث أبي هريرة ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر ومقتضاه أنها على السيد بسبب العبد فالعبد لا تجب عليه لأنه فقير ( قوله صاعا من تمر ) انتصب صاعا على التمييز أو أنه مفعول ثاني وذكر التمر وما بعده لأنه أصناف القوت في ذلك الزمان وقد حدثت أنواع من المأكولات لاتساع الحال كالأرز ونحوه فينبغي للإنسان أن يخرجها من غالب قوت أهله كما ذكر ذلك الكتاب العزيز في خصال الكفارة فإنه قال (( من أوسط ما تطعمون أهليكم )) فنبهنا هذا القيد على اعتبار هذا المعنى في زكاة الفطر أيضا لأن المقصود من الكل دفع خصاصة الفقراء والمقصود من جانب الدفع في الكفارة محو الوقع من الحنث وفي الفطرة طهرة الصيام فالمعاني متقاربة ( والأقط ) بفتح الهمزة وكسر القاف وقد تسكن القاف للتخفيف مع فتح الهمزة وكسرها مثل تخفيف كبد وهو شيء يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل وقد اختلف في أجزائه فقيل يجزي وهو الراجح لحديث الباب ولحديث أبي سعيد عند الشيخين وهما حديثان صحيحان ولا معارض لهما ( وعليه المذهب ) وبه قال (3/66)
صفحة 624
مالك وأحمد وقيل لا يجزي لأنه غير مقتات وبه قال أبو حنيفة إلا أنه أجاز إخراجه بدلا عن القيمة على قاعدته وقيل يجزي مع عدم وجدان غيره وهو رواية عن أحمد وقيل يجزي عن أهل البادية دون أهل الحاضرة ( واللائق ) بسهولة الحنيفية أن يخرج كل واحد مما يجد من الأصناف فإن وجد الكل فقيل مخير وقيل يتعين عليه من غالب قوته في ذلك الفصل وقيل في رمضان وقيل غير ذلك والله أعلم
ما جاء
( في زكاة الركاز )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( جرح العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس ))
( ما جاء في زكاة الركاز ) (3/67)
صفحة 625
( قوله عن أبي سعيد الخدري ) الحديث رواه الجماعة من حديث أبي هريرة ( قوله جرح العجماء ) لفظه عند الجماعة العجماء جرحها جبار والجرح بفتح الجيم مصدر وبضمها الاسم قال بعضهم وهو هنا بالفتح لا غير والعجماء بفتح المهملة وسكون الجيم وبالمد تأنيث أعجم وهو البهيمة ويقال أيضا لمن لا يفصح والمراد هنا الأول وإنما سميت البهيمة عجماء لأنها لا تتكلم والمراد بجرحها ما يحصل بالواقع منها من الجراحة وليست الجراحة مخصوصة بذلك بل كل الإتلافات ملحقة بها قال عياض وإنما عبر بالجرح لأنه الأغلب أو مثال نبه به على ما عداه ( وقوله جبار ) بضم الجيم وتخفيف الموحدة هو الهدر الذي لا شيء فيه والمراد الدابة المرسلة في رعيها أو المنفلته من صاحبها وإن ضيع في حفظها لزمه الضمان ومن حفظها بما يوثق به مثلها فإذا فعل ذلك ثم انفلتت فلا ضمان عليه فيما أتلفت والله أعلم ( قوله والبئر جبار ) البئر بكسر الموحدة ثم ياء ساكنة مهموزة ويجوز تسهيلها وهي مؤنثه وقد تذكر على معنى القليب والطوي ( قال أبو عبيدة ) المراد بالبئر هنا العادية القديمة التي لا يعلم لها مالك تكون في البادية ويقع فيها إنسان أو دابة فلا شيء في ذلك على أحد ( وقيل ) يتأول بوجهين بأن يحفر الرجل بئرا بأرض فلاة فيسقط فيها إنسان فيهلك وبأن يستأجر الرجل من يحفر له البئر في ملكه فينهار عليه فإنه لا يلزم بشيء من ذلك ( قوله المعدن ) كمجلس الجوهر المستخرج من مكان خلقه الله تعالى فيه سمي بذلك من قولهم عدن بالمكان يعدن إذا أقام به ومعنى كونه حبارا أي هدرا وذلك بأن يستأجر رجلا ليعمل في معدن مثلا فيهلك فهو هدر لا شيء على من استأجره وفي معناه من استأجر جدارا ليقيمه فإنهدم عليه أو فلجأ يخدمه كذلك أو نخلة يطلعها فسقط منها أو عملا من الأعمال فإنه هدر كالمعدن لإتحاد المعنى ( ثم إن ) المعدن يكون من الذهب والفضة ومن اللؤلؤ واليواقيت ومن الحديد وأنواع النحاس فإن كان من الذهب أو (3/68)
صفحة 626
الفضة ففيه الزكاة ربع العشر مثل زكاتهما وهل يشترط فيه النصاب والحول أم لا فيه خلاف والأصل في زكاته قبل الإجماع قوله تعالى (( أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا الم من الأرض )) والمعادن من جملة ذلك وذكر الحاكم في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم أخذ من المعادن القبلية الصدقة ( وأيضا ) فهو داخل في حكم النقدين وزكاتهما ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع ( قوله وفي الركاز الخمس ) الركاز بكسر أوله مخففا على وزن كتاب هو مصدر بمعنى المفعول أي المركوز في الأرض وهو المدفون فيها والمراد به ما كان من دفن الجاهلية ولهذا وجب فيها الخمس كالغنيمة لأنه من أشياء المشركين وهذا فيما إذا وجده في مباح من الأرض ووجد عليه علامة المشركين كالصليب ونحوه فإن وجده في ملك الغير من دار أ وأرض فقيل هو للواجد وقيل لمالك الأرض أو الدار ولا يأخذه عندنا إلا من يأخذ الغنيمة فلا يأخذه من ذمي ولا عبد ولا امرأة ولا صبي ولا يجب فيه الخمس عندنا إلا إذا كان خمسة دوانق فصاعدا لأن ما دونها لا يخمس ولعل هذا هو الوجه في ذكر هذا الحديث في باب النصاب وكفى به حاذقا حيث أشار إلى شيء لم يذكر في الحديث وإن لم يوجد عليه علامة المشركين أو وجد عليه علامة المسلمين فإنه لقطة وفيه أحكامها وقد بسطنا القول في أحكام المعدن والركاز في السابع من المعارج ( فائدة ) ذكر العلقمي عن شيخه أنه وقع في زمن العز بن عبد السلام إن رجلا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال له اذهب إلى موضع كذا فأحفره فإن فيه ركازا فخذ ذلك ولا خمس عليه لصحة الرؤيا وأفتى الشيخ ابن عبد السلام بأن عليه الخمس قال وأكثر ما ينزل منامه منزلة حديث روي بإسناد صحيح وقد عارضه ما هو أصح منه وهو الحديث المخرج في الصحيحين في الركاز الخمس ( قلت ) والحق عند ابن عبد السلام إلا في قوله بتعارض المنام والحديث فإنه لا تعارض هنا لأن الأحكام لا تبني على المنام وقد تقررت الشريعة واستقرت (3/69)
صفحة 627
بانقضاء أجله عليه الصلاة والسلام فلا ناسخ بعده ولا مخصص لانقطع الوحي واستقرار الشرع والعجب من المحشي كيف استظهر القول برفع الخمس اعتبارا بالمنام وجعل ذلك كالتخصيص في زمانه صلى الله عليه وسلم والفرق واضح أرأيت لو رأى رجل أن (النبي ) قال له أن في الموضع الفلاني دن خمر وهو لك خاصة مباح أيحل لهذا أن يشربه كلا وربي وحاش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيح ما حرم الله وفي المنام عجائب وقد يظن الرائي أنه رأى ( النبي ) وليس هو ذلك لكن جهله به أوقعه في الوهم والله أعلم
الباب السادس والخمسون
ما لا يؤخذ في الزكاة
ما جاء فيما يمنع أخذه من الماشية
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن رسول الله r قال للسعاة لا تأخذوا من أرباب الماشية سخلة ولا ربا ، ولا أكولة ، ولا فحلاً ، ولا شارفة ، ولا ذات هزال ، ولا ذات عوار .
قال الربيع: السخلة التي تتبع أمها وهي ترضع عليها . والربا التي تربي ولدها . والأكولة شاة اللحم وهي السمينة .
أبو عبيدة قال : بلغني عن عمر الخطاب رضي الله عنه قال لسعاته : تأخذوا حزرات الناس ولا الحافل .
قال الربيع : الحزرات الخيار وذات الضرع العظيم
قوله ( ما لا يؤخذ في الزكاة ) يعني الأشياء التي لا يصح للساعي أخذها من الفريضة لرداءتها أو شرفها أو لضرر بالمالك أو بالبهيمة . (3/70)
صفحة 628
قوله ( بلغني عن رسول الله r ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ موقوفاً على عمر بن الخطاب وفيه زيادة نقص عما ذكر المصنف رضوان الله عليه ، وأخرجه الشافعي وابن حزم ، ورواه ابن أبي شيبة مرفوعاً ونص الحديث عند مالك ( عن أبي سفيان بن عبدالله أن عمر بن الخطاب بعثه مصدقاً فكان يعد على الناس بالسخل فقالوا أتعد علينا بالسخل ولا تأخذ منه شيئا ؟ فلما قدم على عمر بن الخطاب ذكر له ذلك فقال : نعم تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعي ولا تأخذها ولا تأخذ الأكولة ولا الربا ولا الماخض ولا فحل الغنم وتأخذ الجذعة والثنية وذلك عدل بين غثاء الغنم وخياره . وقال ابن أبي شيبة : حدثنا أبو أسامة عن الهاس بن فهم عن الحسن بن مسلم قال : بعث رسول الله r سفيان بن عبدالله على الصدقة . الحديث .
قوله ( للسعاة ) جمع ساع وهو العامل على الصدقة يقال سعى الرجل على الصدقة يسعى سعياً إذا عمل في أخذها من أربابها .
قوله ( من أرباب الماشية ) أي من أصحابها والماشية المال من الإبل والغنم قال ابن السكيت وجماعة ، وبعضهم يجعل البقر من الماشية .
قوله ( سخلة ) بفتح فسكون كتمرة . قال الربيع : السخلة التي تتبع أمها وهي ترضع عليها . وفي المصباح : تطلق على الذكر والأنثى من أولاد الضأن والمعز ساعة تولد والجمع سخال وتجمع أيضاً على سخل مثل تمرة وتمر . قال الأزهري : وتقول العرب لأولاد الغنم ساعة تضعها أمهاتها من الضأن والمعز ذكراً كان أو أنثى سخلة ثم هي بهمة للذكر والأنثى أيضاً فإذا بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها فما كان من أولاد المعز فالذكر جفر والأنثى جفرة فإذا رعى وقوي فهو عتود وهو في ذلك كله جدي والأنثى عناق ما لم يأت عليه حول فالأنثى عنز والذكر تيس ثم يجذع في السنة الثانية فالذكر جذع والأنثى جذعة ثم يثنى في السنة الثالثة فالذكر ثني والأنثى ثنية ثم يكون رباعياً في الرابعة وسداسياً في الخامسة وصالعاً في السادسة وليس بعد الصلوع سن . (3/71)
صفحة 629
ولا يؤخذ في زكاة الغنم إلا المسنة المثنية من الضأن فما فوقها والرباعية من المعز فما فوقها وإن أعطى الجذعة من الضأن فالثنية من العز فلا بأس وهو أقل ما يجزي من الضحايا ، وإن كانت الغنم كلها سخالاً هل تؤخذ منها سخلة قيل لا تؤخذ وعليه أن يحضر ما يجزي في الصدقة لحديث الباب ، وقيل بل تؤخذ منه سخلة لأن زكاة المال منه ولا يكلف أن يخرج من غير ما يملك وهو أقوى في القياس ويدل عليه قول أبي بكر رضي الله عنه ( والله لو منعوني عناقاً ) بفتح العين وهي الصغيرة من أنثى المعز فإنه لو لم تكن واجبة في بعض المواضع ما كان لتخصيصها بالذكر معنى ، وحديث الباب يحتمل التخصيص وهو محمول على ما إذا كان المال مختلطاً بالسخال وغيرها ، وكذا القول فيما إذا كانت الماشية كلها هرمة أو ذات هزال أو عوار لا يكلف أن يخرج من غيرها على المختار عندي ويكلف على القول الثاني ، والله أعلم .
قوله ( ولا ربا ) بضم الراء وتشديد الموحدة . قال الربيع : الربا التي تربي ولدها . وقيل هي التي تربى في البيت للبنها . وقيل هي الشاة التي وضعت حديثاً قيل يطلق عليها هذا الاسم إلى خمس عشرة يوماً من ولادتها وقيل إلى شهرين، وقيل تختص بالمعز ، وقيل بل تكون من المعز والضأن جميعاً وربما جاء في الإبل أيضاً .
وإنما نهي عن أخذها لأنها من كرائم الأموال ، وقيل بل لهزالها لقرب عهدها من الولادة ، وقيل لئلا يفرق بينها وبين ولدها .
قوله ( أكولة ) بفتح الهمزة وضم الكاف . قال الربيع : الأكولة شاة اللحم وهي السمينة . وقيل هي الشاة التي تعزل للأكل وتسمن . وقيل هي العاقر من الشياه والشاة تعزل للأكل . وأما الأكولة بضم الهمزة والكاف فهي قبيحة المأكول .
قوله ( ولا فحلا ) وهو ما أعد للضراب ويسمى في الغنم تيساً وقيل التيس مخصوص بالمعز دون الضأن . (3/72)
صفحة 630
وإنما نهي عن أخذه لأنه لا منفعة فيه لدر ولا نسل وإنما يؤخذ في الزكاة ما فيه منفعة للنسل . وقيل لأن المالك يحتاج إليه لينزو على الغنم .
قوله ( ولا شارفة ) ويقال لها شارفاً وهي المسنة من النوق وبمعناها الهرمة .
قوله ( ولا ذات هزال ) بكسر الهاء ضد السمن يقال هزلت الدابة على ما لم يسم فاعله هزالاً وهزلها صاحبها من باب ضرب فهي مهزولة .
قوله ( ولا ذات عوار ) بفتح المهملة وضمها لغة أي ذات العيب ، وقيل بالضم العور . واختلف في ضبطه فالأكثر على أنه ما ثبت به الرد في البيع ، وقيل ما يمنع الإجزاء في الضحية ويدخل في المعيب المريض ، والله أعلم .
قوله ( حزرات ) بهملة فزاي معجمة فراء مهملة جمع حزرة مثل سجدة وسجدات وهي خيار المال ، وقد يسكن ثانية في الجمع على توهم الصفة ، وتطلق الحزرة على الذكر والأنثى ، ويروى حرزة بتقديم الراء على الزاي قيل سميت بذلك لأن صاحبها يحرزها أي يصونها عن الابتذال .
قوله ( ولا الحافل ) بحاء مهملة فألف بعدها فاء مكسورة هي ذات الضرع العظيم وهو كناية عن كثرة لبنها يقال ضرع حافل أي ممتلئ لبناً وأصل الحافل الاجتماع يقال حفل اللبن وغيره حفولاً إذا اجتمع ، وسمي الضرع أو الشاة حافلاً لاجتماع اللبن فيه .
ما جاء في النهي أن يخرج الرديء الصدقة والحث على إخراج الخمس
أبو عبيدة قال : نهى النبي r أن يعمد إلى أشر ماله فيزكي
منه . قال : وخيركم عند الله من يخرج من ماله أحسنه .
--------------------------------- (3/73)
صفحة 631
قوله ( نهى النبي r ) الحديث مرسل عند المصنف وله قوة الاتصال لكثرة شواهده منها قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد ) . أخرج ابن جرير عن عبيدة السلماني قال : سألت علي بن أبي طالب عن قول الله ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم . الآية ) فقال : نزلت هذه الآية في الزكاة المفروضة كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه فيعزل الجيد ناحية فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الرديء فقال الله ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) يقول ولا يأخذ أحدكم هذا الرديء حتى يهضم له . وعن الزهري عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه قال : نهى رسول الله r عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذ في الصدقة . قال الزهري : تمرين من تمر المدينة . رواه أبو داود . وعن أبي أمامة بن سهل في الآية التي قال الله عز وجل ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) قال : هو الجعرور ولون الحبيق فنهى رسول الله r أن يؤخذ في الصدقة الرذالة . وذكر مالك في الموطأ عن زياد بن سعد عن ابن شهاب أنه قال : لا يؤخذ في الصدقة النخل الجعرور ولا مصران الفارة ولا عذق ابن حبيق . قال : وهو يعد على صاحب المال ولا يؤخذ منه في الصدقة . قال مالك : وإنما مثّل ذلك الغنم تعد على صاحبها سخالها والسخل لا يؤخذ منه في الصدقة وقد يكون في الأموال ثمار لا تؤخذ منه الصدقة وذلك البردي وما أشبهه ولا تؤخذ من أدناه كما لاتؤخذ من خياره وإنما تؤخذ الصدقة من أوساط المال . والجعرور بضم الجيم وإسكان المهملة زنة عصفور نوع رديء من التمر إذا جفف صار حشفاً . ومصران الفارة ضرب رديء من التمر سمي بذلك لأنه إنما على النوى قشرة رقيقة . وعذق ابن حبيق بفتح العين جنس من النخل والعذق بكسرها القنو وحبيق بمهملة فموحدة مصغر اسم للدقل من التمر (3/74)
صفحة 632
سمي به لرداءته . والبردي بضم الموحدة وإسكان الراء ودال مهملتين وياء من أجود التمر .
قوله ( أن يعمد ) أي يقصد يقال عمدت للشيء عمداً من باب ضرب وعمدت إليه قصدت وتعمدته أي قصدت إليه . وقال الصاغاني : أي فعلت ذلك عمداً على عين وعمد أي عين أي بجد ويقين وهي دقيقة منه عليها تفيد الاحتراز من نحو من يرى شبحاً فيظنه صيداً فيرميه فإنه لا يسعى عمد عين لأنه إنما تعمد صيداً على ظنه .
قوله ( أشر ماله ) أي أسوأه وأخبثه فالتفضيل على بابه بصيغة أفعل لكونها الأصل فيه وفي غيره في باب التفضيل وكثر حذف الهمزة في هذا الموضع فقالوا هذا شر من ذاك والأصل أشر واستعمال الأصل لغة لبني عامر وقرئ في الشاذ ( من الكذاب الأشر ) على هذه اللغة .
قوله ( وخيركم ) أي أكرمك فلفظ خير للتفضيل وفي لغة بني عامر إثبات الألف فيقولون هذا أخير من ذاك كما يقولون أشر منه وسائر العرب تسقط الألف منهما . (3/75)
صفحة 633
قوله ( يخرج من ماله أحسنه ) أي أطيبه وأجوده ، وإنما كان هذا خيراً عند الله لأنه فعل الواجب وزاد عليه فهو محسن بأداء الواجب محسن بالزيادة . وروى أحمد عن أبي بن كعب قال : بعثني رسول الله r مصدقاً فمررت برجل ولم أجد عليه في ماله إلا أبنت مخاض فأخبرته أنها صدقته . فقال : ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر وما كنت لأقرض الله ما لا لبن فيه ولا ظهر ولكن هذه ناقة سمينة فخذها . فقلت : ما أنا آخذ ما لم أومر به فهذا رسول الله r منك قريب . فخرج معي وخرج بالناقة حتى قدمنا على رسول الله r فأخبره الخبر . فقال رسول الله r : ذاك الذي عليك وإن تطوعت بخير قبلناه منك وآجرك الله فيه . قال : فخذها . فأمر رسول الله r بقبضها ودعا له بالبركة . وجاء رجل إلى الشيخ يبيب بن زلغين المغربي يطلب منه جملاً فأتاه بجمل . فقال الرجل : رزقك الله الجنة . فقال الشيخ : دعه ما هذا جمل الجنة . ثم عمد على جمل من خيار إبله فأتاه به . وهذا من الشيخ رحمه الله تعالى تطوع لا صدقة . والحديث يعم الفرض والنفل وإن مسوقاً في الفرض فإن النفل داخل تحت عمومه ( ولكل درجات مما عملوا ) ، والله أعلم .
الباب السابع والخمسون
ما عفي عن زكاته
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي r قال : ليس في الجارة ولا في الكسعة ولا في النخة ولا في الجبهة صدقة .
قال الربيع : الجارة التي تجر بالزمام وتذهب وترجع بقوت أهل البيت ، والكسعة الحمير ، والنخة الرقيق ، والجبهة الخيل .
قال الربيع : قال أبو عبيدة ليس في شيء من هذا صدقة ما لم تكن للتجارة .
------------------------------------ (3/76)
صفحة 634
قوله (ما عفي عن زكاته ) أي ما لا زكاة فيه يقال عفا عن الحق إذا أسقطه مأخوذ من عفته الريح إذا محته وعفا الله عنك إذا محا ذنوبك وإنما أثر التعبير بهذا إشارة إلى حديث علي عند أحمد وأبي داوود والترمذي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة ) الحديث .
قوله ( ليس في الجارة ) بجيم ثم راء مهملة مشّددة . قال الربيع : الجارة الإبل التي تجر بالزمام وتذهب وترجع بقوت أهل البيت . قال الشيخ عامر : سميت جارة بمعنى مجرورة كما يقال سر كاتم أي مكتوم وقوله تعالى ( من ماء دافق ) أي مدفوق . وإنما عفي عن زكاتها لأنها لم تتخذ للاقتناء والنماء وإنما اتخذت للعمل وفي معناها الإبل النواضح وبقر الحرث . وقد جاء في حديث علي عند الدارقطني ( ولا في العوامل صدقة ) وهي جمع عاملة وهذا الاسم يصدق على الإبل والبقر إذا اتخذت للعمل . وقد أخذ بظاهر الحديث بعض أصحابنا منهم أبو عبيدة وبعض قومنا فلم يوجبوا الزكاة في العوامل من الإبل والبقر وأوجبها آخرون منا وبه قال مكحول وقتادة ومالك ابن أنس . قال ابن جعفر وغيره : وهذا هو المأخوذ به عند أصحابنا . وكأني بهم إنما أخذوا به في جانب الدافع دون الساعي لأن في الدفع منها ضرباً من الاحتياط ومذهبهم رحمهم الله تعالى مبني على الاحتياط أما الساعي فلم أجد لهم نصاً أنه يأخذها من العوامل وكان اللائق أن ينصوا على المنع لظاهر الحديث . ومن قال بوجوب الزكاة فيها تمسك بالعموم الوارد في زكاة الأنعام وحديث الباب خاص والخاص قاض على العام فيجب المصير إليه .
قوله ( ولا في الكسعة ) بضم الكاف وسكون المهملة هي الحمير .
والنخة بفتح النون وتشديد المعجمة الرقيق أي العبيد وبه جزم المصنف رضي الله عنه . وقيل البقر العوامل قال ثعلب : وهو الصواب لأنه من النخ وهو السوق الشديد . وقال الكسائي : هو بالضم وهي البقر العوامل . (3/77)
صفحة 635
…والجبهة بفتح الجيم وسكون الموحدة الخيل سميت بذلك لأنها خيار البهائم كما يقال وجه السلعة لخيارها ووجه القوم وجبهتهم لسيدهم . وقال بعضهم هي خيار الخيل .وقيل الجبهة الخيل والبغال والعبيد . وتعقب بأن فيه بعداً وتكلفاً .
قوله ( ما لم تكن للتجارة ) وذلك أن يشتريها للربح في قيمتها لا للقنوة والانتفاع بذواتها فإنه إذا أخذها للتجارة وجبت فيها زكاة التجارة وهي ربع العشر كالذهب والفضة لأنهما أصلها ووجوب الزكاة في التجارة مأخوذ من قوله تعالى ( أنفقوا من طيبات ما كسبتم ) وقد أجمع الناس عليها وخالف داود بن علي وهو محجوج بالآية والإجماع ، ثم إن الأدلة المصرحة بوجوب الزكاة في النقدين دالة على وجوبها في التجارة بطريق الاستلزام لوجوب إعطاء الفرع حكم الأصل ، والله أعلم .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله r : ليس على الرجل في عبده ولا في فرسه صدقة .
---------------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً الجماعة ولفظه عندهم ( ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه ) ، ولأبي داود ( ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر ) ، ولأحمد ومسلم ( ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر ) . (3/78)
صفحة 636
قوله ( في عبده ولا فرسه ) العبد في المملوك من الجنس الإنساني ، والفرس الخيل يعني انه لا يلزم المسلم أن يزكي عن هذين الجنسين لأن رسول الله r قد عفا عن زكاتهما . وخالف أبو حنيفة فقال بوجوب الزكاة في الخيل إذا كانت ذكراناً وإناثا نظراً على النسل فإن انفردت ففيه عنه روايتان ثم إن عنده أن المالك يتخير بين أن يخرج عن كل فرس ديناراً أو تقوم ويخرج ربع العشر . وردّ عليه بحديث الباب . وأجيب بحمل النفي فيه على الرقبة لا على القيمة وهو تكلف بعيد عن معنى الحديث ولو صح لجاز أن يقال بمثله في العبد وهو باطل إجماعاً . واستدل بالحديث من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة في العبد والفرس مطلقاً ولو كانا للتجارة . والجواب : أن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله غير واحد من العلماء فيخصص به عموم هذا الحديث ، والله أعلم .
الباب الثامن والخمسون
الوعيد في منع الزكاة
---------------------------------
قوله ( منع الزكاة ) منعها عدم تسليمها إلى أهلها والوعيد التخويف بالشر والوعد ضده فإنه يختص بالخير وكلاهما خبر وأخبار الله تعالى لا يجوز خلفها لاستحالة الكذب عليه فهو تعالى لا يبدل القول لديه وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته هذا في حق الله تعالى وأما في حق البشر فإن العرب كانت تعد خلف الوعد كذباً وخلف الوعيد كرماً كما قال الشاعر :
وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي (3/79)
صفحة 637
…وقد قاس بعض الفرق في هذا الباب وعيد الرب تعالى بوعيد البشر فأجازوا عليه الخلف في وعيده وغفلوا عن قوله عز من قائل ( إن الله لا يخلف الميعاد ) والوعيد في أحاديث الباب متوجه على منع الزكاة وهل تأخيرها مع إمكان دفعها داخل في الوعيد كمنعها فيه خلاف منشؤه هل يدل الأمر المطلق على الفور أم لا والصحيح عندي أن مؤخرها بلا عذر عاص لأنه يفضي على ذهابها والتهاون بشأنها وهو قول لبعضهم فالعصيان للتمادي وخشية التضييع لا للقول بالفورية في أدائها وكذلك قوله r في حديث ابن عباس الآتي في الباب ( لا صلاة لمانع الزكاة ) . وقيل من فرّط فيها مع التمكن حتى يدخل حول في حول فهو هالك . وقيل لا يهلك مال لم يمت مضيعاً لها وهو اختيار الشيخ أبي سعيد رضي الله عنه وبه جزم في مواضع من استقامته وتبعه عليه أتباعه من بعده فهم يرجحون هذا القول على غيره .
وغرض الشيخ من ذلك التوسعة كي لا يتبرأ من متمسك برأي لأن مقصوده البحث في أسباب البراءة فلو سئل عن العمل لحث على الإخراج عند الإمكان . والقول بعصيان مؤخرها عن وقت الإمكان هو اختيار أبي محمد بن بركة وهو أقوى في النظر ولا يبرأ من أخذ برأي من آراء المسلمين إلا إذا حكم الإمام بخلافه فإنه يلزم الانقياد لحكم الإمام إجماعاً ، والله أعلم .
ما جاء في مانع الزكاة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي r قال : مانع الزكاة يقتل
------------------------------ (3/80)
صفحة 638
قوله ( عن ابن عباس ) الحديث تفرد به المصنف وللبخاري ومسلم معناه من حديث عبدالله بن عمر وأبي هريرة وهو للنسائي أيضاً ، ولمسلم والنسائي من حديث جابر بن عبدالله وحديث المصنف أصرح في المراد وفي الجامع الصغير عن أنس عند الطبراني في الصغير وفي نسخة في الأوسط ( مانع الزكاة يوم القيامة في النار ) قال المناوي : وفي حلية الأبرار للنووي أن الله تعالى ينزل في كل سنة اثنتين وسبعين لعنة على اليهود ولعنة على النصارى وسبعين لعنة على مانع الزكاة .
قوله ( مانع الزكاة يقتل ) قال أبو عبيدة : ذلك إذا منعها من كان يستحق أخذها وأما غيره فلا يقتل من منعه إياها لأنه ليس بأهل لأخذها ولا تلزم الناس طاعته وكيف يلزمهم دفع زكواتهم إليه على أنه تعالى قد أوجبها لأصناف مخصوصة وليس الجبار من تلك الأصناف ولا هو بالمأمون على وضعها فيهم وصاحب المال مخاطب بها ويلزمه دفعها إلى الإمام العادل إن وجد وإلا فعليه وضعها في محلها من الأصناف الثمانية حتى يكون من أدائها على يقين فلو منعها من الأصناف هلك بلا خلاف ، لكن ليس لأحد قتله على ذلك لأن الأصناف كثيرة وأفرادهم عديدة وليس بعضهم أولى بها من بعض فلا تتعين المطالبة لواحد منهم بعينه . ولما كان الإمام العادل قائماً في مطالبتها مقام الأصناف الثمانية لأنه المخاطب بأخذها وبقسمتها ووضعها في أهلها كان له قتل مانعها . وأيضاً فإن قتله حد من حدود الله تعالى وأمر الحدود إلى الإمام العادل ولا يجوز للجائر إقامته في هذا الموضع حتى على رأي من أجاز للجائر إقامة الحدود لأن الحد هاهنا فيه نوع شبهة لكثرة أصناف الزكاة فلا يتحقق المنع بخلافه في السرقة ونحوها والحدود تدرأ بالشبهات ، والله أعلم .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغنا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال : لو منعوني عقالاً لقاتلتهم عليه . (3/81)
صفحة 639
قال الربيع : قال أبو عبيدة : ذلك إذا منعها من إمام يستحق أخذها وأما غيره فلا يقتل من منعه إياها .
---------------------------------
قوله ( بلغنا أن أبا بكر ) الحديث رواه أيضاً الجماعة مطولاً عن أبي هريرة إلا ابن ماجة لكن في رواية بعضهم ( عناقاً ) مكان ( عقالاً ) ولفظه عندهم ( عن أبي هريرة لما توفي رسول الله r وكان أبو بكر كفر من كفر من العرب فقال عمر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله r أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا غله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله تعالى ؟ فقال : والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله r لقاتلتهم على منعها . قال عمر : فوالله ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق ) وفي لفظ مسلم والترمذي وأبي داود ( لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه ) .
والعناق بفتح العين بعدها نون ، الأنثى من ولد المعز لم تبلغ سنة .
والعقال بكسر العين الحبل الذي يشد به ساق البعير إلى عضده . (3/82)
صفحة 640
وقد اختلفوا في المراد به فذهب كثير من المحققين على أن المراد به المبالغة في الحقارة لأن الكلام خرج مخرج التهديد والتضييق فيقتضي التقليل والتحقير . وقيل المراد بالعقال زكاة عام قالوا وهو معروف في اللغة وهذا قول الكسائي والنضر بن شميل وأبي عبيد والمبرد وغيرهم من أهل اللغة وهو قول جماعة من الفقهاء وحملهم على ذلك أن العقال الذي هو الحبل لا يجب دفعه في الزكاة فلا يجوز حمل الحديث عليه . وتعقب بأن المراد المبالغة كما تقدم والحقيقة غير مرادة في الحديث . وقيل المراد العقال الذي يؤخذ مع الفريضة لأن على صاحبها تسليمها برباطها . قال الخطابي : أهل الردة كانوا صنفين صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعدلوا إلى الكفر وهم الذين عناهم أبو هريرة وهذه الفرقة طائفتان إحداهما أصحاب مسيلمة الكذاب من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوة وأصحاب الأسود العنسي ومن استجاب له من أهل اليمن وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنوبة نبينا محمد r مدعية النبوة لغيره فقاتلهم أبو بكر حتى قتل مسيلمة باليمامة والعنسي بصنعاء وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم ، والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدين فأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين وعادوا على ما كانوا عليه في الجاهلية فلم يكن يسجد لله في الأرض إلا في ثلاثة مساجد مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد عبد القيس . قال : والصنف الآخر هم الذين فرّقوا بين الصلاة وبين الزكاة فأنكروا وجوبها ووجوب أدائها إلى الإمام . قال : وهؤلاء على الحقيقة أهل البغي وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصاً لدخولهم في غمار أهل الردة وأضيف الاسم في الجملة إلى أهل الردة إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما وأرخ مبدأ قتال أهل البغي من زمن علي بن أبي طالب إذ كانوا منفردين في زمانه ولم يخلطوا بأهل الشرك وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بها ولم يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن (3/83)
صفحة 641
ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع فإنهم قد كانوا جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة
لعمر فراجع أبا بكر وناظره ( واحتج ) عليه بقول (النبي صلى الله عليه وسلم ) أمرت أن أقاتل الناس . الحديث ، وكان هذا من عمر تعلقا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل شرائطه فقال له أبو بكر إن الزكاة حق المال يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال متعلقة بأطراف شرائطها والحكم المتعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم ثم قايسه بالصلاة وردّ الزكاة إليها فكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعاً من الصحابة ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه , وقد اجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر بالعموم ومن أبي بكر بالقياس ودل ذلك على أن العموم يخص بالقياس وأن جميع ما تضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد من شرط واستثناء مراعى فيه ومعتبر صحته فلما استقر عند عمر صحة رأي أبي بكر وبان له صوابه تابعه على قتال القوم وهو معنى قوله ( فعرفت أنه الحق ) يشير إلى انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها والبرهان الذي أقامه نصاً ودلالة . انتهى المراد منه وهو كلامه حسن إلا قوله في منكري وجوب الزكاة أنهم في الحقيقة أهل بغي فإن الحق أن منكر وجوبها مشرك كافر وأهل الردة إنما أنكروا وجوب أدائها إلى غير النبي لا نفس الوجوب في الجملة فهم بذلك بغاة متأولون ، ومنهم من أنكر نفس الوجوب وهم بذلك مشركون ، والله أعلم .
ما جاء أن مانع الزكاة لا تقبل صلاته
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : قال رسول الله r : لا صلاة لمانع الزكاة قالها ثلاثاً والمتعدي فيها كمانعها .
قال الربيع : المتعدي فيها هو الذي يدفعها لغير أهلها .
----------------------------------- (3/84)
صفحة 642
قوله ( لا صلاة لمانع الزكاة ) أي من منع الزكاة لا يقبل الله له صلاة لأنه غير متق ولا يقبل الله العبادة إلا من المتقين ( إنما يتقبل الله من المتقين ) وأيضاً فإن الزكاة ركن من أركان الإسلام كالصلاة فإن الإسلام بني على خمس منها الصلاة والزكاة وإذا إنهدم بعض أركان الإسلام إنهدم جميعه ولا ينتفع بالبعض دون البعض كالبيت إذا انهدمت بعض قواعده التي بني عليها فإنه لا ينتفع به لزوال منفعته بتهدم أركانه فلو تاب هذا المانع وأدى الزكاة على وجهها لم يلزمه بدل الصلاة البيت إذا أصلح المنهدم منه فإنه يستقيم كما هو ولا يحتاج القائم من أركانه إلى البناء .
قوله ( قالها ثلاثاً ) أي كرر القول بذلك ثلاث مرات تغليظاً في الإنكار وتشديداً على المتهاون .
قوله ( والمتعدي فيها كمانعها ) قال الربيع : المتعدي فيها هو الذي يدفعها لغير أهلها ، وكذلك من يدفعها تقية عن نفسه أو ماله فإن الزكاة لا يدفع بها مغرم ، وكذلك من يدفعها ليأخذ عنها عوضاً دنيوياً لأن الزكاة لا يجلب بها مغنم ، وكذلك من أخرجها من أردء ماله وأخبثه فإنه لا يجزي عنه ذلك . وإنما كان هذا متعدياً لأنه قد تجاوز ما حد له من أمر الزكاة فلم يؤدها على وجهها . ومعنى التعدي مجاوز الحد ، وإنما كان المتعدي فيها كمانعها لأن كل واحد منهما ظالم في حقها فالمانع ظالم من حيث المنع والمتعدي ظالم من حيث الأداء ، لأن الأداء إذا كان خلاف المطلوب شرعاً فليس بأداء ، ولا يقبل الله عبادة على خلاف ما شرع يوم القيامة ، والله أعلم .
ما جاء في تعذيب مانع الزكاة
وعنه عليه السلام قال : من كثر ماله ولم يزكه جاءه يوم القيامة في صورة شجاع أقرع له زبيبتان موكل بعذابه . يعني حتى يقضي الله بين الخلائق .
قال الربيع : يعني ثعباناً أقرع يكون في فمه من كلا الجانبين رغوة السم بمنزلة الزبيبتين في التحماحهما ولم يرد بها العينين .
--------------------------------- (3/85)
صفحة 643
…قوله ( وعنه عليه السلام ) هذا معطوف على الحديث الذي قبله فهو من مسند ابن عباس عند المصنف ، ورواه البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله r : من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثّل له ماله يوم القيامة شجاعاًَ أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا ( ولا تحسبن الذين يبخلون ) الآية . وفي هذه الرواية بيان للعذاب المبهم في رواية المصنف وينقطع ذلك بالفراغ من الحساب كما في رواية المصنف لكن ينقلب إلى شر منه والعياذ بالله تعالى .
…قوله ( من كثر ماله ) المراد بالكثرة هاهنا بلوغه حد النصاب الذي تجب معه الزكاة فمن ملك النصاب فقد كثر ماله ، والمراد بالمال الذهب والفضة كما دلت عليه رواية البخاري في قوله ( أنا مالك أنا كنزك ) . قال ابن حجر : ووقع في رواية زيد بن أسلم ( ما من صاحب ذهب وفضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جبهته وظهره . قال : ولا تنافي بين الروايتين لاحتمال وقوع الأمرين معاً فرواية ابن دينار توافق الآية التي ذكرها وهي ( سيطوقون ) ورواية زيد بن أسلم توافق قوله تعالى ( يوم يحمى عليها في نار جهنم ) الآية . وأما عذاب مانعها من الماشية فقد جاء عند الشيخين من حديث أبي ذر أن النبي r قال : ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس .
… قوله ( ولم يزكه ) أي لم يخرج زكاته .
…وقوله ( جاءه ) أي يجيئه ماله يوم القيامة في صورة شجاع أقرع ، وفي رواية البخاري ( مثّل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع ) والمعنى أن الله تعالى يصير ماله شجاعاً أقرع يعذبه جزاء لمنعه حق الله منه ولا (3/86)
صفحة 644
بدع في خلق الله فإنه عز وجل يخلق الأشياء من غير شيء ويخلق بعضها من بعض وإن اختلفت أجناسها وقد خلق تعالى آدم عليه السلام من طين لازب وخلق الجان من مارج من نار فليس خلق الحية من الذهب بأشد من ذلك ونعلم أن الله على كل شيء قدير .
…والشجاع بضم الشين ويكسر هو الثعبان وهو الحية العظيمة ويقع على الذكر والأنثى والجمع ثعابين . وفي المختار : الثعبان ضرب من الحيات طوال . وقيل الشجاع الحية الذكر . وقيل الذي يقوم على ذنبه ويواثب الفارس . والأقرع الذي يقرع رأسه أي يتمعط لكثرة سمه. وقيل سمي أقرع أن شعر رأسه يتمعط لجمع السم فيه . وتعقب بأن الحية لا شعر في رأسها فلعله يذهب جلد رأسه . وقيل سمي أقرع لأنه يقرئ السم ويجمعه في رأسه حتى تتمعط فروة رأسه . وقيل الأقرع من الحيات الذي ابيّض رأسه من السم والأقرع من الناس الذي لا شعر برأسه .
…قوله ( زبيبتان ) تثنية زبيبة بفتح الزاء وموحدتين وهما الزبدتان اللتان في الشدقين يقال تكلم حتى زبّب شدقاه أي خرج الزبد منهما . وقيل هما النكتتان السوداوان فوق عينيه . وقيل حلقتان يكتنفان فاه . وقيل هما في حلقه بمنزلة زلمتي العنز . وقيل لحمتان على رأسه مثل القرنين . وقيل نابان يخرجان من فيه .
…قوله ( موكل بعذابه ) أي مفوض إليه عذابه بالتسلط عليه والتمكن منه فهو في عذابه بمنزلة الوكيل في المال .
…قوله ( حتى يقضي الله ) أي حتى يتم القضاء بين الناس فهو غاية لتوكيله بعذابه ثم يؤخذ للنار والعياذ بالله . وهل يعذب بالشجاع بعد فراغه من حسابه أم قبله ثم يحاسب بعد أن يقضي الله بين خلقه ؟ لم أجد فيه نصاً وكلا الوجهين محتمل .
…قوله ( رغوة السم ) الرغوة بفتح الراء وضمها وحكي الكسر الزبد يعلو الشيء عند غليانه . والسم بالفتح في الأكثر والضم لغة لأهل العالية والكسر لغة لبني تميم وهو القاتل من المطعومات . (3/87)
صفحة 645
…قوله ( بمنزلة الزبيبتين في التماحهما ) يعني أن إطلاق الزبيبتين على الرغوة مجاز استعاري لأنهما يلوحان للناظر عند التماحهما كأنهما زبيبتان وذلك من قوة سمه .
…قوله ( ولم يرد بهما العينين ) أي لم يرد بالزبيبتين في الحديث العينين وإن كانتا تشبهانهما في شكل خلقتهما وهيئة حدتهما وكذلك لم يرد النكتتين السوداوين فوق عينيه لأن سياق الحديث لتهويل الأمر وتعظيمه والمعنى الأول أنسب بذلك دون النكتتين وإن كان سيء الحال لكنه يخفى وصفه على كثير من الناس وأيضاً فالأول أسوأ حالاً ، والله أعلم .
الباب التاسع والخمسون
في الصدقة
ما جاء في لأن الصدقة تطفئ النار
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن النبي r قال : اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن الصدقة تطفئ النار .
----------------------------------
…قوله ( في الصدقة ) أي في فضلها والمراد بالصدقة التطوع .
…قوله ( عن النبي r ) الحديث رواه البخاري ومسلم والنسائي عن عدي بن حاتم لكن ليس عندهم قوله ( فإن الصدقة تطفئ النار ) ، وفي رواية عند الشيخين وأحمد ( اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة ) .
قوله ( اتقوا النار .. الخ) أي اجعلوا بينكم وبينها وقاية من الصدقات وأعمال البر ولو كان الاتقاء المذكور بشق تمرة فإنه يسد الرمق سيما للطفل فلا يحتقر المتصدق ذلك . والشق بكسر الشين المعجمة جانب الشيء أو نصفه . والمراد الحث على الصدقة كثيرها وقليلها ونظيره قوله تعالى ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ) فإن في شق التمرة مثاقيل من الذر . وقال مالك : بلغني أن مسكيناً استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يدها عنب فقالت لإنسان خذ حبة فأعطه إياها فجعل ينظر إليها ويتعجب فقالت عائشة : أتعجب كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة . (3/88)
صفحة 646
قوله ( فإن الصدقة تطفئ النار ) كناية عن سلامة المتصدق من النار وبمعناه ما ورد أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ المار النار ، وأن الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء ، والله أعلم .
ما جاء أن اليد العليا خير من اليد السفلى
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن رسول الله r قال : اليد العليا خير من اليد السفلى والعليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة .
---------------------------------
…قوله ( بلغني ) الحديث رواه البخاري عن عبدالله بن عمر أن رسول الله r قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف والمسألة اليد العليا خير من اليد السفلى فاليد العليا هي المنفقه والسفلى هي السائلة . وعن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب أن حكيم بن حزام قال : سألت رسول الله r فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال : يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع اليد العليا خير من اليد السفلى . فقال حكيم : فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا . فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيماً على العطاء فيأبى أن يقبله منه ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا .
فقال : إني أشهدكم معشر المسلمين على حكيم أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه . فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد رسول الله r حتى توفي .
…قوله ( اليد العليا ) المراد باليد هنا جارحة الأخذ والإعطاء كما يدل عليه تفسيرها في الحديث وعليه جمهور الأمة .وقال ابن نباتة : اليد هنا هي النعمة وكأن المعنى أن العطية الجزيلة خير من العطية القليلة . قال : وهذا حث على المكارم بأوجز لفظ . وهذا مخالف للنص في تفسير اليد فلا يقبل . (3/89)
صفحة 647
…قوله ( والعليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة ) المراد بالمنفقة المعطية والمراد بالسائلة الطالبة وهما كنايتان عن المعطي والسائل وتفسير العليا والسفلى بهذا المعنى من نفس الحديث وقد تظافرت عليه الروايات وهو قول الجمهور .
…(وقيل) اليد السفلى الآخذة سواء كان بسؤال أم بغير سؤال . (ورد) بأن
الصدقة تقع في يد الله قبل يدي المتصدق عليه فأن يدي الله هي المعطية ويد الله هي الآخذة وكلتاهما عليا وكلتاهما يمين (وفيه) نظرا لأن البحث في الآدميين وأن يد الله باعتبار كونه مالك كل شيء نسبت يده إلى الإعطاء وباعتبار قبوله للصدقة ورضاه بها نسبة يده للأخذ ويده العليا على كل حال .
وعن الحسن البصري : اليد العليا المعطية والسفلى المانعة ولم يوافق عليه .
وقال قوم من المتصوفة أن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقاً عكس ما جاء به النص وخلاف ما اتفقت عليه الأمة . قال ابن قتيبة : وما أرى هؤلاء إلا قوماً استطابوا السؤال فهم يحتجون بالدناءة ولو جاز هذا لكان المولى من فوق هو الذي كان رقيقاً فأعتق والمولى من أسفل هو السيد الذي أعتقه .
فائدة : بالآدمي أربع : يد المعطي وقد تظافرت الأخبار بأنها عليا .
ثانيها : يد السائل وقد تظافرت بأنها سفلى سواء أخذت أم لا وهذا موافق لكيفية الإعطاء والأخذ غالباً وللمقابلة بين العلو والسفل المشتق منها .
ثالثها : يد المتعفف عن الأخذ ولو بعد أن تمد إليه يد المعطي مثلا فهذه توصف بكونها عليا علوا معنوياً .
رابعها : يد الآخذ بغير سؤال وهذه قد اختلف فيها فذهب جمع إلى أنها سفلى وهذا بالنظر إلى الأمر المحسوس وأما المعنوي فلا يطّرد فقد تكون عليا في بعض الصور وعليه يحمل الكلام من أطلق كونها عليه ، والله أعلم .
ما جاء أن الصدقة تقي مصارع السوء
ومن طريق ابن عباس عنه عليه السلام قال : تصدقوا فإن الصدقة تقي مصارع السوء وتدفع ميتة السوء .
------------------------- (3/90)
صفحة 648
قوله ( ومن طريق ابن عباس ) أي بالسند المتقدم . وأخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث أنس أن النبي r قال : إن صدقة السر لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء .
قوله ( تقي ) أي تحفظ صاحبها من ذلك يقال وقاه الله السوء يقيه وقاية بالكسر إذا حفظه منه .
والمصارع جمع مصرع وهو الموضع الذي يقع فيه السوء .
والميتة بكسر الميم الحالة التي يموت عليها الإنسان .
والسوء بفتح السين كل ما يغم الإنسان من الأمور ويعبّر عن كل ما يقبح وذلك قوبل بالحسنى في قوله تعالى ( ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوء ) كما قال ( للذين أحسنوا الحسنى ) والمراد بميتة السوء سوء الخاتمة ،وقيل أراد ما لا تحمد عاقبته من الحالات الرديئة كالحرق والغرق ، والله أعلم .
ما جاء أن النفقة على الأهل صدقة
قال الربيع : بلغني عن أبي مسعود الأنصاري قال قال رسول الله r : نفقة الرجل على أهله صدقة .
----------------------------
قوله ( عن أبي مسعود الأنصاري ) الحديث رواه أيضاً البخاري والترمذي .
قوله ( نفقة الرجل ) النفقة وزان رقبة اسم من انفق الدراهم إذا أنفذها والمراد بها هنا ما ينفذه الرجل على خاصته من لازم ومستحب .
والمراد بأهله كل من يعولهم ويتأهل بهم من زوجة وخادم وولد .
ومعنى كونها صدقة أي يؤجر عليها كما يؤجر على الصدقة بشرط الاحتساب وهو أن يريد بها وجه الله ويطلب بها الثواب من عنده .
ما جاء في الحث على إعطاء السائل
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله r : ردوا السائل ولو بظلف محرق .
----------------------------
قوله ( عن أنس بن مالك ) الحديث ذكره في الجامع الصغير من رواية أحمد في مسنده والبخاري في تاريخه ومالك كلهم عن حواء بنت الساكن ، وروى الترمذي وأبو داود معناه .
قوله ( ردوا السائل ) أي أعطوه شيئاً يرد به ولو كان قليلاً ولا تردوه رد حرمان . (3/91)
صفحة 649
والظلف بكسر الظاء المعجمة وسكون اللام وهو للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس والحمير فيقال لما في رجل البعير خف ولما في رجل البقر والغنم ظلف ولما في رجل الفرس والحمار حافر .
والمحرق بضم الميم هو الذي أحرقته النار وذكره لمزيد المبالغة في الحقارة . قال أبو عمر : في ذكر القليل تنبيه على فضل الكثير لمن فهم معنى الخطاب .
وقد أحسن القائل :
افعل الخير ما استطعت وإن كا ن قليلاً فلن تطيق لكله
ومتى تفعل الكثير من الخيـ ـير إذا كنت تاركاً لأقله
ما جاء في فضل من أطعم مسلماً أو سقاه
أبو عبيدة قال : بلغني عن النبي r قال : من أطعم مسلماً تمرة أطعمه الله من ثمار الجنة ، ومن سقاه سقاه الله من الرحيق المختوم .
----------------------------
قوله ( بلغني ) الحديث عند أب داود والترمذي من رواية أبي سعيد بزيادة فيه ، ولفظه عندهم ( عن أبي سعيد قال قال رسول الله r : أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عري كساه الله من خضر الجنة ، وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة ، وأيما مسلم سقى مسلماً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم .
قوله ( تمرة ) هي واحدة التمر وهو من ثمار النخل كالزبيب من العنب وهو اليابس بإجماع أهل اللغة لأنه يترك على النخل بعد إرطابه حتى يجف أو يقارب ثم يقطع ويترك في الشمس حتى ييبس . قال أبو حاتم : وربما وجدت النخلة وهي باسرة بعدما أحلت ليخفف عنها أو لخوف السرقة فتترك حتى تكون تمراً .
قوله ( من ثمار الجنة ) هو ما تخرجه أشجارها من أنواع الأطعمة . وفيه إشارة إلى أن ثمارها أفضل أطعمتها .
قوله ( من الرحيق المختوم ) أي من خمر الجنة أو شرابها . والرحيق صفوة الخمر والشراب الخالص الذي لا غش فيه . (3/92)
صفحة 650
والمختوم هو المصون الذي لم يبتذل لأجل ختامه ولم يصل إليه غير أصحابه وهو عبارة عن نفاسته . وقيل الذي يختم بالمسك مكان الطين والشمع ونحوه . وقيل المراد أن آخر ما يجدون منه في الطعم رائحة المسك من قولهم ختمت الكتاب أي انتهيت إلى آخره وفيه إيماء إلى قوله تعالى ( يسقون من رحيق مختوم ) والله أعلم .
ما جاء في وصف المسكين
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي r قال : ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان . قالوا : فمن المسكين يا رسول الله ؟ قال : الذي لا يجد غناء يغنيه ولا يفطن به فيعطى ولا يقوم فيسأل الناس .
---------------------------------
…قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً الشيخان وأحمد.
…قوله ( ليس المسكين ) مفعيل من السكون فكأنه من قلة المال سكنت حركاته .
…قوله ( الطواف ) بفتح الطاء وتشديد الواو فعال من قولهم طاف بالشيء يطوف طوفاً وطوافاً إذا استدار ، والمراد بالطواف هنا من يدور على بيوت الناس يسألهم أن يطعموه .
قوله ( ترده اللقمة واللقمتان ) أي يقنع باليسير فيرجع عن أهل البيت .
قوله ( لا يجد غناء يغنيه .. الخ ) إنما قصر المسكين على الموصوف بهذه الصفات لأن الصبر معها أشد وأيضاً فإن للطواف حركة في طوافه لسؤال الناس ولا حركة لهذا الصابر القانع بما عنده . والغناء بالفتح والمد الكفاءة من الشيء . (3/93)
صفحة 651
قوله ( فيعطى ) وقوله ( فيسأل ) هما بالنصب في جواب النفي . وفي الحديث استحباب الحياء في كل الأحوال وحسن الإرشاد في وضع الصدقة وأن يتحرى وضعها فيمن صفته التعفف دون الإلحاح . وفيه دلالة لمن يقول أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين وأن المسكين الذي له شيء لكنه لا يكفيه فالفقير الذي لا شيء له ويؤيده قوله تعالى ( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ) فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة يعملون فيها . وقيل المسكين أسوأ حالاً من الفقير . وقيل هما سواء . وقيل الفقير الذي يسأل والمسكين الذي لا يسأل ولكل واحد تمسك واحتجاج ذكرت جميع ذلك في السابع من المعارج ، والله أعلم .
ما جاء في فضل النفقة في سبيل الله
أبو عبيدة قال : بلغني عن أبي هريرة قال قال رسول الله r : من أنفق زوجين نودي في الجنة يا عبدالله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصوم دعي من باب الريان . قال أبو بكر ك ما على من يدعى من هذه الأبواب كلها من ضرورة فهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها يا رسول الله ؟ قال : نعم وأرجو أن تكون منهم .
قال الربيع : زوجين يعني مثل خفين أو نعلين وما كان من زوجين مثلهما ، والله أعلم .
---------------------------------
قوله ( بلغني عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً البخاري ومسلم والنسائي . (3/94)
صفحة 652
قوله ( زوجين ) زاد في رواية الشيخين ( من شيء من الأشياء في سبيل الله ) أي في مرضاته من أب باب من أبواب الخير . وقيل مخصوص بالجهاد وعليه النسائي فإنه ذكر الحديث في كتاب الجهاد وعلى الأول صنيع المرتب رحمه الله تعالى حيث ذكر الحديث في فضل الصدقة . ومعنى الزوجين الشفع من جنس مثل خفين أو نعلين وما كان من زوجين فهو مثلهما فالمراد من الزوجين الاثنان من جنس واحد وهذا التفسير ذكره النسائي في رواية له عن أبي قتادة قال قال رسول الله r : ما من عبد مسلم ينفق من كل ماله زوجين في سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده . قلت وكيف ذلك ؟ قال : إن كانت إبلاً فبعيرين وإن كانت بقراً فبقرتين .
قوله ( نودي في الجنة ) وفي رواية الشيخين ( دعي من أبواب الجنة ) أي دعته الخزنة من جميع أبوابها ومعنى رواية المصنف أي ينادى في الجنة بقوله يا عبد الله هذا خير . يعني أنه يشهر بذلك إعلاماً بفعله الحسن ورفعاً لدرجته ثم يدعى إلى الجنة من الباب الذي هو من أهله .
قوله ( هذا خير ) أي فعل والمراد به ثواب ما أنفق من الزوجين . وقيل معناه هذا خير من الخيرات . والتنوين فيه للتعظم وبه تظهر الفائدة .
قوله ( فمن كان من أهل الصلاة ) أي ممن يكثر النفل ، وقيل المراد ممن يحسن الصلاة .
قوله ( دعي من باب الصلاة ) وهو أفضل الأبواب فيقال له يا عبد الله ادخل من هذا الباب .
قوله ( ومن كان من أهل الصدقة ) أي ممن يكثرها لوجه الله .
وقوله ( من باب الصدقة ) أي من الباب الذي يسمى بذلك ويختص به المعروفون بالتصدق .
قوله ( ومن كان من أهل الصوم ) أي ممن يكثر صوم النفل أو ممن يحسن الصوم . (3/95)
صفحة 653
قوله ( دعي من باب الريان ) بفتح الراء وتشديد التحتانية فعلان من الري اسم باب من أبواب الجنة يختص بالدخول منه الصائمون وهو مما وقعت المناسبة فيه بين اللفظ ومعناه لأنه مشتق من الري وهو مناسب لحال الصائم . واكتفى بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه أو لكونه أشق على الصائم من الجوع . وفي رواية لأحمد ( لكل أهل عمل باب يدعون منه بذلك العمل ) ، وفي رواية الشيخين ( وللجنة أبواب أي ثمانية كما في الأحاديث الصحيحة وكل باب منها يسمى بباب عبادة من أمهات الطاعة يدخل منها من غلب عليه تلك العبادة ومن استكثر منها كلها بوصف الزيادة دعي من جميع الأبواب الواردة تكريماً لأرباب الرفادة .
قوله ( ما على من يدعى .. الخ ) ما نافية ، ومن في قوله ( من ضرر ) زائدة وهي اسم ما أي ليس ضرورة واحتياج على من يدعى من جميع الأبواب لحصول المقصود وهو دخول الجنة وهذا تمهيد للسؤال في قوله ( فهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها ) فأجابه بقوله نعم أي يكون جماعة يدعون من جميع الأبواب تعظيماً وتكريماً لهم لكثرة صلاتهم وصدقتهم وصيامهم وغير ذلك من أبواب الخير .
قوله ( أن تكون منهم ) وإنما رجا له ذلك لأنه كان جامعاً لهذه الخيرات كلها ، والله أعلم .
ما جاء في فضل صدقة السر
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله r : سبعة يظلهم لله في ظله يوم لا ظل إلا ظله . وذكر الحدث حتى قال : ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفقه يمينه . (3/96)
صفحة 654
( قوله سبعة يظلهم لله ) الحديث . تقدم شرحه في باب الولاية والأمارة والغرض من ذكره هنا قوله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وفي الرواية المتقدمة ما أنفقته يمينه وهومبالغة في الإخفاء فمن أخفى صدقته ابتغاء وجه الله تعالى استحق هذه الفضيلة وهو أنه تعالى يظله يوم لا ظل إلا ظله . وروى أحمد عن مرثد بن عبدالله قال : حدثني بعض أصحاب رسول الله r أنه سمع رسول الله r يقول : إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته . وهذا إن أراد به صدقة السر فهو مطابق لحديث المصنف وعليه فالمعنى أن صدقته في الدنيا سبب ظله في القيامة ، وإن أراد مطلق الصدقة فالظل في حديث الباب ظل خاص وهو في حديث مرثد ظل صدقته التي أسداها إلى الناس بأن تتجسد صدقته فتظله أو يجعل ثوابها ظلها ، والله أعلم .
ما جاء في الصدقة من المال الحلال
ومن طريقه عنه عليه السلام قال : المال الحلال رائح بصاحبه إلى الجنة .
قال الربيع : معناه يروح بصاحبه وكذلك معناه في حديث أبي طلحة الذي قدمنا ذكره .
------------------------------------…
قوله ( ومن طريقه ) يعني أنس ابن مالك بالسند المتقدم . (3/97)
صفحة 655
قوله ( المال الحلال ) هو الذي أخذه بحقه من إرث أو هبة أو ضرب في الأرض أو غنيمة في جهاد وقد راعى في أخذه ووضعه أوامر الله تعالى والتزم شروطه وأدى حقوقه فذلك المال هو الذي يروح بصاحبه إلى الجنة أي يكون سبباً لدخوله فيها بأداء الحقوق والتطوع بالصدقات والإحسان إلى الأقارب والأجانب . وإنما ذكر الحديث في هذا الباب إشارة إلى أن فضل الصدقة المذكور في الأحاديث المتقدمة إنما يحصل لمن تصدق من المال الحلال كما صرّحت به رواية أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما قال قال رسول الله r : من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل . والحديث يدل على مدح الغنى إذا كان من حلال وأخرجت منه الحقوق . وفي حديث أبي ذر عند مسلم أن ناساً من أصحاب رسول الله r قالوا للنبي r : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم .. الحديث . فأقرهم رسول الله r على قولهم ذلك . والدثور بمثلثة الأموال الكثيرة والأجور الدرجات الزائدة في الثواب بسبب زيادتهم بالتصدق .
قوله ( رائح ) فاعل من راح بمعنى صار وفسّره الربيع بقوله : يروح أي يصير . إشارة إلى أن اسم الفاعل هنا للاستقبال وفيه الرد على من رواه بالباء الموحدة في حديث لأبي طلحة الآتي .
قوله ( في حديث أبي طلحة ) هو الحديث الذي سيأتي ذكره في أول الباب الآتي .
قوله ( الذي قدمنا ذكره ) يدل على أنه كان مقدماً في وضع الربيع وإنما أخره المرتب ولم يغير عبارة المصنف بل أبقاها على ما هي ليفهم منها أنه كان مقدماً ، والله أعلم .
الباب الستون
في أفضل ما يتصدق به والبركة في الطعام
ما جاء في من تصدق بأحب ماله إليه وأن أفضل الصدقة في الأقارب (3/98)
صفحة 656
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال : كان أبو طلحة أكثر الأنصار مالاً بالمدينة من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله r يدخلها ويشرب من مائها وهو طيب . قال أنس : فلما نزلت هذه الآية ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) قال أبو طلحة : إن أحب أموالي إليّ بيرحاء وإنها لصدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث شئت . فقال له : رسول الله r : بخ بخ ذلك مال رائح يروح بصاحبه إلى الجنة وقد سمعت ما قلت وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين . قال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله . فقسّمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه .
---------------------------------
قوله ( في أفضل ما يتصدق به والبركة في الطعام ) ذكر في المعنى الأول حديثين أحدهما حديث أنس في تصدق أبي طلحة بأحب أمواله وهو بيرحاء ، والثاني حديث أبي هريرة في المنيحة الصفي . وذكر في المعنى الثاني حديثاً واحداً وهو حديث انس في أقراص من شعير أشبعت سبعين رجلاً ببركته r .
قوله ( عن أنس بن مالك ) الحديث رواه أيضاً الشيخان ومالك وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وغيرهم .
قوله ( كان أبو طلحة ) هو زيد بن سهل الأنصاري وكان زوج أم أنس أم سليم وقد تقدم ذكره في الجزء الأول . (3/99)
صفحة 657
قوله ( بيرحاء ) بفتح الموحدة وسكون الياء وفتح الراء والحاء المهملة . وقال ابن الأثير : هي اسم مال وموضع بالمدينة قال : وهذه اللغة كثيراً ما تختلف ألفاظ المحدثين فيها فيقولون بيرحاء بفتح الباء وكسرها وبفتح الراء وتقديمها على التحتانية . قال : وفي سنن أبي داود باريحا مثله لكن بزيادة ألف . وقال الباجي : أفصحها بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء مقصور . وكذا جزم الصاغاني وقال : إنه فيعلى من البراح . قال : ومن ذكره بكسر الموجدة وظن أنها بئر من آبار المدينة فقد صحّف . وقال غيره : البراح المكان الذي لا سترة فيه من شجر أو غيره كأنها زالت . قال : وبيرحا فيعلى منه وهي بستان لأبي طلحة الأنصاري بالمدينة . وقيل حاء اسم رجل أضيف إليه البئر . وقيل الإضافة بمثل حرف الهجاء وعلى هذا فحركات الإعراب في الراء وأنكره بعضهم .
قوله ( مستقبلة المسجد ) أي مسجد رسول الله r . واستقبالها إياه من كمال شرفها وهو من أعظم دواعي الرغبة فيها .
قوله ( يدخلها ويشرب من مائها ) هاتان الخصلتان من كمالها أيضاً أما أولاً فلأنها مما يرغب فيها إذ لو لم تكن كذلك ما رغب فيها المصطفى عليه صلاة الله وسلامه ، وأما ثانياً فإن المسلمين يلتمسون البركة من آثاره صلى الله عليه وسلم
( قوله وهو طيب ) أي حلو الحلال لا شبهة فيه .
( قوله لن تنالوا البر ) أي لن تكونوا أبرارا حتى تنفقوا مما تحبون قاله الحسن وقيل البر التقوى وقيل الطاعة وقيل الخير وقيل الجنة وهذا القول يروى عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد .
( قوله برها وذخرها ) أي خيرها ونتيجتها المذخرة وفائدتها المنتظرة يعني لا أريد ثمرتها العاجلة الدنيوية الفانية بل أطلب مثوبتها الآجلة الأخروية الباقية عند الله .
قوله ( فضعها ) أي فاصرفها حيث شئت من وجوه البر وفي رواية الشيخين ( حيث أراك الله ) . (3/100)
صفحة 658
قوله ( بخ بخ ) بفتح الباء وسكون المعجمة وكسرها مع التنوين وبدونه وبضمها منوناً وبتشديدها مضموماً ومنوناً وقيل إن وصلت خفضت ونونت وكررها للمبالغة وهي كلمة يقولها المتعجب من الشيء وقال عند المدح والرضا بالشيء .
قوله ( مال رائح ) بالياء المهموزة من الرواح بمعنى الصيرورة وقد وقع تفسيره في الحديث عند المصنف بقوله يروح بصاحبه على الجنة وهي زيادة تفرد بها ويحتمل أنها للراوي فاندرجت في الحديث بسقوط الفاصل . وقيل معناه رائح عليها أجره . وقيل معناه أن مسافته قريبة وذلك أنفس الأموال . وقيل معناه يروح بالأجر ويغدو به واكتفى بالرواح عن الغدو وفي بعض الروايات عند قومنا ( ذلك مال رابح ) بالموحدة أي ذو ربح كلابن وتامر لمن كان ذا لبن وتمر . وقيل فاعل فيه بمعنى مفعول أي مربوح . وادّعى الإسماعيلي أن من رواها بالتحتانية فقد صحّف . وأشار المصنف إلى عكسه فيما تقدم .
قوله ( وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين ) يعني في أقارب أبي طلحة وفيهم الفقراء والمساكين . وإنما رأى ذلك r لأن فيه الجمع بين الصدقة والصلة . وفي حديث سلمان بن عامر عند أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة قال قال رسول الله r : الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة . وروى الشيخان عن ميمونة بنت الحارث أنها أعتقت وليدة في زمان رسول الله r فذكرت ذلك لرسول الله r فقال : لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك .
قوله ( أفعل يا رسول الله ) بصيغة المضارع أي أمتثل ما أشرت به إليّ .
قوله ( في أقاربه وبني عمه ) عموم يحتمل التخصيص . وقد وقع في رواية لمسلم وغيره أنه قسّمه بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب . والله أعلم .
ما جاء في المنيحة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله r : نعم الصدقة المنيحة الصفي تروح بغناء وتغدو بآخر .
قال الربيع : المنيحة الشاة ، والصفي الغزيرة اللبن .
--------------------------------- (3/101)
صفحة 659
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث روى الشيخان معناه ولفظه عندهما ( عن أبي هريرة قال قال رسول الله r : نعم الصدقة اللقحة الصفي منحة والشاة الصفي منحة تغدو بإناء وتروح بآخر ) . واللقحة بكسر اللام ويجوز فتحها الناقة ذات اللبن القريبة العهد بالنتاج .
قوله ( نعم الصدقة المنيحة ) فعيلة بمعنى مفعوله وهو اسم لما يمنح من شاة أو ناقة يعطيها صاحبها رجلاً يشرب لبنها ثم يردها إذا انقطعت ، وتسمى أيضاً المنحة بالكسر وهذا الاسم في الأصل كان مختصاً بها ثم كثر استعماله حتى أطلق على كل عطاء.
والصفي على وزن غني غزيرة اللبن من شاة أو ناقة جمعها صفايا قال سيبويه لا تجمع بالألف والتاء لن الهاء لم تدخل في حد الإفراد . ويقال أيضاً للنخلة الكثيرة الحمل صفي .
وإنما مدح التصدق بالمنيحة الصفي لما فيها من حصول المنفعة التامة لما يراد منها .
قوله ( تروح بإناء وتغدو بآخر ) أي يحلب من لبنها ملء إناء وقت الرواح وملء إناء آخر وقت الغدو . والجملة صفة مادحة المنحة أو استئناف جواب عمن سأل عن سبب كونها ممدوحة .
ولعل بعض أسخياء العرب كانوا يذمون هذه العطية لأنها مخالفة لطبع الكرام على طريق السجية فمدحها رداً عليهم بان ما لا يدرك كله لا يترك كله وأن القليل له أجر جزيل وثناء جميل . أو أنه ذكره إشارة إلى أن أفضل الصدقة ما كان أكثر منفعة وأن أفضل ذلك أدومه ، والله أعلم .
ما جاء في البركة في الطعام (3/102)
صفحة 660
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال أبو طلحة لأم سليم : قد سمعت صوت رسول الله r ضعيفاً أعرف فيه الجوع هل عندك من شيء ؟ قالت : نعم . فأخرجت أقراصاً من شعير ثم أخذت خماراً لها فلفت الخبز ببعضه ودسته تحت يدي وردتني ببعضه ثم أرسلتني إلى رسول الله r . قال أنس : فذهبت فوجدت رسول الله r جالساً في المسجد ومعه الناس فوقفت . فقال : أرسلك أبو طلحة ؟ قلت : نعم : فقال : أبطعام ؟ فقلت : نعم . فقال رسول الله r لمن معه قوموا . قال انس : فانطلقنا حتى جئنا أبو طلحة فأخبرته . قال أبو طلحة : يا أم سليم لقد جاء رسول الله r بالناس وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم . قال أنس : فدخل رسول الله r فقال : يا أم سليم ما عندك ؟ فأتيت بذلك الخبز فأمر به رسول الله r ففتت فعصرت عليه أم سليم عكة فأدمته ثم قال رسول الله r : على الطعام ما قال ، ثم قال : ائذن لعشرة فدخلوا فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم أذن لعشرة فدخلوا فأكلوا حتى شبعوا كذلك حتى أكل القوم أجمعون وكانوا سبعين رجلاً .
---------------------------------
قوله ( عن أنس بن مالك ) الحديث رواه أيضاً البخاري ومسلم .
قوله ( أبو طلحة ) هو الأنصاري زوج أم سليم أم أنس .
قوله ( لأم سليم ) بضم السين المهملة هي أم أنس وقد تقدم ذكرها وذكر زوجها أبي طلحة وابنها أنس فهو ربيب أبي طلحة .
قوله ( قد سمعت صوت رسول الله r .. الخ ) ظاهر كلام المواهب أن هذه القصة كانت في غزوة الخندق .
قوله ( ضعيفا ) أي واهياً والضعف خلاف القوة والصحة .
قوله ( هل عندك من شيء ) أي من المأكول ولو قليلا .
قوله ( أقراصا ) جمع قرص مقل قفل وإقفال وهو قطع صغار من الخبز يقال قرصت العجين بالتثقيل إذا قطعته فرصا قرصا .
( والخمار ) بكسر الخاء المعجمة ثوب تغطي به المرأة رأسها والجمع خمر مثل كتاب وكتب .
قوله ( فلفت الخبز ) أي جعلته في بعض الخمار وجمعت جوانبه عليه . (3/103)
صفحة 661
قوله ( ودسته ) أي أخبته وأخفته .
قوله ( وردتني ببعضه ) أي ببعض الخمار يعني أنها لفت الخبز في بعض الخمار وجعلت باقيه على أنس كالرداء وفي رواية عند قومنا ولا تثني ببعضه بالثاء المثلثة أي عممتني ببعضه .
قوله ( وقيل ) معناه لففتني به مأخوذ من اللوث وهو لف الشيء بالشيء وإدارته عليه وفيه دلالة على قلة الخبز حيث دس تحت يد أنس وهو صبي وكذلك يدل على قلته التعبير عنه بالأقراص وجعله في بعض الخمار مع اشتمال أنس بسائره . وفي إخفائه إشارة إلى ما كانت عليه مكارم أخلاقهم فإنهم كانوا يتحرجون من الاستبداد بالشيء الذي تقع عليه عين الغير ويلتزمون مواساته منه أو إيثاره به إذا رأته عينه والحال في الخبز قلة لا يسع المواساة وقد أوثر به رسول الله r فلا فضل فوقه حتى يؤثر به .
قوله ( في المسجد ) قيل المراد بالمسجد الموضع الذي أعده النبي r للصلاة فيه حين محاصرة الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق .
قوله ( أرسلك ) بهمزة مقدرة وقيل بهمزة ممدودة للاستفهام أي أبعثك إليّ أبو طلحة ؟ فقلت : نعم . أي بعثني إليك أبو طلحة . وهو لا ينافي إرسال أمه لأن مؤداهما واحد ومآلهما متحد ولعله r عدل عن ذكرها احتشاماً أو لأن أبا طلحة هو الباعث الأول .
قوله ( أبطعام ) أي أرسلك بطعام ومزيد البحث للإطلاع على الحقيقة لأن الرسول صبي فقد لا يحسن التبليغ . وفيه الحث على التثبت في الأمور والاستفسار عما أبهم ويدل على إجابة الداعي ولو كان على لسان صبي . وفي دخول الباء عليه إشارة إلى أنه r قد علم أن الطعام أرسل به انس وأنه حاضر معه لكنه أراد بقيامه والجماعة معه أن يظهر لأخل البيت البركة فلهذا قال لمن معه قوموا . (3/104)
صفحة 662
وقال ابن حجر : ظاهره أنه r فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله فلذا قال لمن حوله قوموا ، وأول الكلام يقتضي أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس فيجمع بأنهما أراد بإرسال الخبز مع أنس أن يأخذه النبي r فيأكله فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس استحى وظهر له أن يدعو النبي r ليقوم وحده إلى المنزل فيحصل مقصودهم من إطعامه ، ويحتمل أن يكون ذلك على رأي من أرسله عهد إليه إذا رأى كثرة الناس دعا النبي r خشية أن لا يكفيهم ذلك الشيء وقد عرفوا إيثار النبي r وأن لا يأكل وحده .
وردّ بأن هذا الكلام كله غير مستقيم على المنهج القويم لأنه r لما عرف بنور الوحي أن أبا طلحة أرسل أنساً بطعام وأخبره به كيف يفهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله ثم قوله وأول الكلام يقتضي .. الخ ليس في محله لأنه صريح في ذلك المرام ثم لا دلالة للاستحياء والاستدعاء المنسوبين لأنس لأنه ليس له تصرف في ذلك ولا على رأي من أرسله لأنه لو كان بأمر أبي طلحة لما حصل له فزع واضطراب لما أتى النبي r إليه . فالصواب أنه r أراد إظهار المعجزة وهو إشباع جمع كثير بخبز قليل مع أنس وأمه ليحصل لهم بركة عظيمة بحسن نيتهم وإخلاص طويتهم وآداب خدمتهم .
قوله ( فانطلقنا ) في رواية الشيخين ( قال أنس : فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته ) وفيها بيان لتقدم أنس بين أيديهم كهيئة الخادم والمضيف ولإيصال الخبر ويدل على هذا قوله ( فأخبرته ) وقول أبي طلحة ( يا أم سليم .. الخ ) .
قوله ( بالناس ) أي معهم . (3/105)
صفحة 663
قوله ( وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم ) أي غير ما أرسلناه إليه ومعه جمع من الناس فكيف نقدم لهم شيئاً قليلا . زاد في رواية الشيخين ( فقالت الله ورسوله اعلم فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله r فأقبل رسول الله r وأبو طلحة معه ) وفي قولها الله ورسوله أعلم منقبة عظيمة ودلالة على عظم دينها ورجحان عقلها وقوة يقينها تعني انه r علم قدر الطعام وهو أعلم بالمصلحة ولو لم يعلم المصلحة لما فعلها .
قوله ( ما عندك ) يعني أي شيء عندك، وفي رواية الشيخين ( هلمي يا أم سليم ما عندك ) أي عجلي في إحضاره .
قوله ( ففتت ) بصيغة المجهول أي جعل فتيتاً أي قطعاً صغاراً وعصرت عليه أم سليم عكة .
والعكة بضم فتشديد قربة صغيرة وقيل وعاء من جلد مستدير ويختص بالسمن والعسل وهو بالسمن أخص .
قوله ( فأدمته ) بفتح الهمزة أي جعلت ما خرج من العكة وهو السمن إداماً لذلك الفتيت .
قوله ( على الطعام ما قال ) وفي رواية الشيخين ثم قال رسول الله r فيه ما شاء الله أن يقول أي من الدعاء أو الأسماء . وفي رواية ثم قال بسم الله اللهم أعظم فيهما البركة . يعني الخبز والأدام . وفي رواية فقال : هل من سمن ؟ فقال أبو طلحة : قد كان في العكة شيء فجاء بها يعصرانها حتى يخرج ثم مسح رسول الله r القرص فانتفخ وقال بسم الله فلم يزل يصنع ذلك والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة يتسع . وفي رواية فجئت بها ففتح رباطها ثم قال بسم الله اللهم أعظم فيها البركة . (3/106)
صفحة 664
قوله ( ائذن لعشرة ) الظاهر أن المأمور بذلك أنس ويحتمل أنه أبو طلحة أو غيره . وإنما أذن لعشرة عشرة ليكون أرفق بهم فإن القصعة التي فيها الطعام لا يتحلق عليها أكثر من عشرة إلا بضرر يلحقهم لبعدها عنهم . وقيل إنما فرّقهم لأن الجمع الكثير إذا نظروا على طعام قليل يزداد حرصهم إلى الأكل ويظنون أن ذلك الطعام لا يشبعهم والحرص يمحق البركة . قيل ويحتمل أن يكون عليه الصلاة والسلام خاف أن يؤثر بعضهم بعضاً أو يستحيوا من الأكل الكثير لقلة الطعام وكثرة الناس . وقيل فرّقهم لضيق المنزل .
قوله ( ثم أذن ) بكسر المعجمة على صيغة الماضي أي أطلق وأباح الدخول لعشرة ( الفاعل النبي صلى الله عليه وسلم ) بواسطة رسوله وفي رواية الشيخين ثم قال ائذن لعشرة ثم لعشرة فأكل القوم كلهم وشبعوا ( قوله وكانوا سبعين رجلا ) وفي رواية عند الشيخين والقوم سيعون أو ثمانون رجلا وفي رواية لمسلم أنه قال ائذن لعشرة فدخلوا فقال كلوا وسموا الله فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً ثم أكل النبي r وأهل البيت وترك سؤراً ) وفي رواية للبخاري ( قال أدخل عليّ عشرة حتى عدّ أربعين ثم أكل النبي r فجعلت أنظر هل نقص منها شيء ) ، وفي رواية لمسلم ( ثم أخذ ما بقي فجمعه ثم دعا فيه بالبركة فعاد كما كان فقال : دونكم هذا ) وجمع بين الروايات بأن الناس الذين جاءوا مع النبي r كانوا أربعين ثم لحقهم ثلاثون ثم عشرة ثم زادوا قليلاً فأخبر كل راو عما شاهد أو سمع واللاحقون إما أن يكونوا مع الناس الذين جلسوا مع النبي r عند دعاء انس له فتخلفوا لبعض شأنهم ثم لحقوا وإما أن يكونوا غير حاضرين لكن استدعاهم r لذلك فحضروا ، والله أعلم .
الباب الحادي والستون
من تكره له الصدقة والمسألة
---------------------------------
قوله ( من تكره له الصدقة والمسألة ) أي سؤال الناس ، وقد ذكر في الباب ثلاثة أحاديث أحدهما فيمن تكره له الصدقة أي الزكاة والآخران في كراهية السؤال . (3/107)
صفحة 665
والمراد بالكراهة في الموضعين التحريم على حد قوله تعالى بعد ذكر جملة من الكبائر ( كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها ) وفي الصحيح أن الله عز وجل كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال . وكان السلف يستعملون الكراهة في معناها الذي استعمل فيه كلام الله ورسوله ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم وتركه أرجح من فعله ثم حمل من حمل منهم كلام السلف على الاصطلاح الحادث فغلط في ذلك وأقبح منه غلطاً من حمل لفظ الكراهة أو لفظ لا ينبغي في كلام الله تعالى ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث وقد اطرد في كلام الله ورسوله استعمال لا ينبغي في المحظور شرعاً وقدراً والمستحيل عقلاً كقوله تعالى ( وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ) وقوله ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له ) وقوله ( وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم ) وقوله على لسان نبيه ( كذبني ابن آدم وما ينبغي له وشتمني ابن آدم وما ينبغي له ) وقوله r ( إن الله لا ينام ولا ينبغي له ) ، وقوله r في لباس الحرير ( لا ينبغي هذا ) فالواجب التنبه لهذه النكتة فإنها مزلة الأقدام وقد انجر بنا الكلام بالاستطراد في ذكرها لعظم خطرها ، والله أعلم .
ما جاء في من لا تحل له الصدقة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله r : لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ولا لمتأثل مالاً .
قال الربيع : ذو المرة السوي القوي المحترف ، والمتأثل الجامع المال .
---------------------------------
قوله ( عن عائشة ) الحديث رواه أحمد والترمذي وأبو داود والدارقطني عن عبدالله بن عمر ورواه النسائي وابن ماجة وأحمد عن أبي هريرة إلا قوله ( ولا لمتأثل مالاً ) فإنها زيادة تفرد بها المصنف رضوان الله عليه . (3/108)
صفحة 666
قوله ( ولا تحل الصدقة ) أي الزكاة المفروضة فإنها حرام على الغني لقوله تعالى ( إنما الصدقات للفقراء ) . وقد اختلف العلماء في حد الغنى الذي لا تحل معه الصدقة واختار في القواعد ما ذهب غليه بعض أصحابنا من لم يكن له مال يكفيه هو وعياله لنفقتهم ومؤنتهم إلى الحول فهو فقير ويأخذ الصدقة . ثم اختلفوا فمنهم من اعتبر في ذلك قيمة الأصل ما لو باعه ما خلا بيتاً يسكنه وخادماً يخدمه ، ومنهم من قال لا ينظر في ذلك إلى القيمة وإنما ينظر إلى الغلة ولا بد من صرف ما لا يحتاج إليه . وقال بعضهم إذا كان من أهل القرار وله بيت يسكنه وخادم يخدمه وجنان يأكل منه الثمار أيام الغلة وكان له دابة يركبها وله قوت سنة وليس عليه دين فلا يأخذ الزكاة وإن كان من أهل البادية وكان له بيت يسكنه وحمولة يحمل عليها ثقله ودابة يركبها وخادم يخدمه وغنم يحلبها وعنده قوت سنة ولم يكن عليه دين فإذا اجتمعت عنده هذه المعاني فلا يأخذ الزكاة . ومنهم من حرر المقام فقسّم الغنى ثلاثة أقسام غنى يوجب الزكاة وهو ملك نصاب حولي تام ، وعنى يحرم الصدقة ويوجب صدقة الفطر والأضحية وهو ملك ما يبلغ فيه نصاب من الأموال الفاضلة عن حاجته الأصلية ، وعنى يحرم السؤال دون الصدقة وهو أن يكون له قوت يومه وما يستر عورته . (3/109)
صفحة 667
قوله ( ولا لذي مرة سوي ) المرة بكسر الميم وتشديد الراء القوة . والسوي صحيح البدن تام الخلقة . وقال الربيع : ذو المرة السوي القوي المحترف أي القادر على الاحتراف وهو السعي في كسب المعيشة . وقيل في معناه لا تحل الزكاة لمن أعضاؤه صحيحة وهو قوي يقدر على الاكتساب بقدر ما يكفيه وعياله . وقيل المعنى ولا لذي عقل وشدة وهو كناية عن القادر على الكسب . وقيل في الحديث نفي كمال الحل لا نفس الحل والمعنى إن تركها أولى وهو خلاف الظاهر. وقيل المعنى لا تحل له بالسؤال وهو مع بعده أقرب مما قبله . وقيل لا تحل له إذا كان متأثلاً بها مالاً أي جامعاً له وأما إذا احتاج إليها في طلب علم أو معيشة فلا بأس . وقيل يأخذها ليقضي ما عليه من دين أو تباعة أو كفارة . وقيل يأخذها أيضاً ليتزوج بها أو يتسرى إذا احتاج إلى ذلك وليس له مال يستغني به . ولا يأخذها ليبني بها مسجداً ولا لأكفان الموتى ولا لإصلاح الطرق ولا ليطعم بها الأضياف ولا ليحج بها نافلة ولا ليزوج بها أولاده ولا ليصل بها قرابته . والأصل في هذا أن الله إنما أباح الزكاة لمن احتاج إليها إما لمعيشة لا بد له منها وإما لقضاء دين يجب عليه قضاؤه . (3/110)
صفحة 668
قوله ( ولا لمتأثل مالا ) قال الربيع : المتأثل الجامع للمال . وفي المختار التأثل اتخاذ أصل مال قال : وفي الحديث في وصي اليتيم أنه يأكل من ماله غير متأثل مالا . والمعنى أن الصدقة لا تحل لمن يتخذ الأصول ويجمع الأموال لأن الله تعالى قد شرعها لأصناف مخصوصين لا تحل لغيرهم ولو حلت لمن يجمع الأموال ويتأصلها لأفضى ذلك إلى استبداد الأغنياء بها . وقد اختلف الناس في قدر ما يجوز للفقير أخذه منها فمنهم من بالغ في التضييق حتى أوجب الاقتصار على قوت يومه وليلته ، ومنهم من بالغ في التوسيع فأجاز أن يأخذ إلى حد الغنى وهو نصاب الزكاة وقالوا له أن يأخذ لنفسه ولكل واحد من عياله نصاب الزكاة ، ومنهم من قال له أن يأخذ مقدار ما يشتري به ضيعة فيستغني طول عمره أو يهيئ بضاعة ليتجر فيها ويستغني لأن هذا هو الغنى . وقال عليه الصلاة والسلام : خير الصدقة ما أبقت غنى . وقال عمر رضي الله عنه : إذا أعطيتم فأغنوا . وقال قوم : من افتقر فله أن يأخذ مقدار ما يعود به إلى مثل حالته ولو كان عشرة آلاف درهم إلا إذا خرج عن حد الاعتدال ، والأقرب إلى حد الاعتدال أن يأخذ ما يكفيه سنة وفيما وراءها نظر وفيما دونها تضييق . ويقال للورع استفت قلبك وإن أفتوك . وأقوال التوسيع لا ينافيها الحديث على تفسير الربيع المتأثل بالجامع لحصول الفرق بين المستغني بالمال وبين الجامع له فإن الجمع شيء فوق الغنى وينافيها على تفسير التأثل بالتأصل كما في المختار فيحتاج المجتهد في ترجيح الأقوال إلى التماس المرجح من خارج ، والله أعلم .
ما جاء في التنفير عن المسئلة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال : كان ناس من الأنصار سألوا رسول الله r فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم ثلاثاً حتى نفد ما عنده ثم قال : ما يكون عندي من خير لن أذخره عنكم ومن يستعفف يعففه الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن تصبر يصبره الله ، وما أعطي أحد عطاء هو خير له وأوسع من الصبر . (3/111)
صفحة 669
---------------------------------
قوله ( عن أبي سعيد الخدري ) الحديث رواه أيضاً البخاري ومسلم . وفي أسد الغابة : ( قال أبو سعيد : قتل أبي يوم أحد شهيداً وتركنا بغير مال فأتيت رسول الله r أسأله شيئاً فحين رآني قال : من استغنى أغناه الله ومن يستعفف أعفه الله . قلت ما يريد غيري فرجعت ) . وروى النسائي من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ما يدل على أن أبا سعيد راوي هذا الحديث خوطب بشيء من معانيه وخوطب أيضاً حكيم بن حزام ببعض ذلك .
قوله ( ناس من الأنصار ) أي جماعة منهم . قال ابن حجر : لم تعين أسماؤهم .
قوله ( حتى نفد ) بكسر الفاء والدال المهملة أي فني وفرغ .
قوله ( ما يكون عندي من خير ) أي مال ومن بيان لما وما خبرية متضمنة للشرط أي كل شيء من المال موجود عندي أعطيكم فلن أذخره عنكم . ومعنى أذخره أخبؤه وأحبسه وأمنعكم إياه منفرداً به عنكم .
وفيه إشعار بما كان عليه من السخاء .
وفيه إعطاء السائل مرتين .
وفيه اعتذار إلى السائل عند العدم .
وفيه الحض على التعفف وجواز السؤال للحاجة وإن كان الأولى تركه والصبر حتى يأتيه رزقه بغير مسألة .
وفيه أن سؤال السلطان ليس بعار .
وفيه جواز الرد بعد الثلاث .
قوله ( ومن يستعفف ) أي يطلب لنفسه العفة عن السؤال أو يطلب العفة من الله تعالى .
قوله ( يعففه الله ) وفي بعض النسخ يعفه بالإدغام وهي موافقة لرواية الشيخين ، والمعنى يجعله الله عفيفاً من الإعفاف وهو إعطاء العفة وهي الحفظ عن المناهي يعني من قنع بأدنى قوت وترك السؤال تسهل عليه القناعة وهي كنز لا يفنى .
قوله ( ومن يستغن ) أي يظهر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس والتعفف عن السؤال حتى يحسبه الجاهل غنياً من التعفف .
قوله ( يغنه الله ) أي يجعله غنياً يعني غني القلب ,في الحديث ( ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس ) . (3/112)
صفحة 670
قوله ( ومن تصبر ) وفي رواية الشيخين ( يتصبر ) أي يطلب التوفيق على الصبر من الله تعالى أو يحمل نفسه على الصبر ويتكلف مشاقه وهو تعميم بعد تخصيص لأن الصبر يشتمل على الصبر على الطاعة وعن المعصية وعلى البلايا وعن السؤال وعن التطلع إلى ما في أيدي الناس أن يتجرع مرارة ذلك ولا يشكو حاله لغير ربه .
قوله ( يصبره الله ) أي يسهل عليه الصبر .
قوله ( وما أعطي أحد عطاء هو خير له وأوسع من الصبر ) يعني أن الصبر نعمة لا يفوقها شيء مما يعطى العبد لأن مقام الصبر أعلى المقامات لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات ولذا قدم على الصلاة في قوله تعالى ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) ومعنى كونه أوسع أنه تتسع به المعارف والمشاهد والأعمال والمقاصد . فإن قيل الرضاء أفضل منه كما صرّحوا به . أجيب بأن الرضاء غاية الصبر التي لا يعتد به إلا معها فليس أجنبياً عنه كما يرشد إليه قوله تعالى ( إنا وجدنا صابراً ) إذ المراد به في حقه ونحوه ما يكون معه رضا وإلا فهو مقام ناقص جداً وفي هذا المعنى قال تعالى ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) ( واصبر وما صبرك إلا بالله ) ، والله أعلم .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله r : والذي نفسي بيده ليأخذ أحدكم حبلاً فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلاً آتاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه .
---------------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث روى البخاري ومسلم وأحمد معناه ولفظه عندهم ( عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله r يقول لئن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق منه وستغني عن الناس خير له من أن يسأل رجلاً أعطاه أو منعه ) . وأخرج البخاري عن الزبير بن العوام قال قال رسول الله r : لئن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكفي الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه . (3/113)
صفحة 671
قوله ( والذي نفسي بيده ) إنما أقسم r ليتأكد هذا المعنى في نفس السامع وفيه ثبوت الحلف على الشيء المقطوع بصدقه .
قوله ( ليأخذ أحدكم ) قال المحشي : هكذا فيما رأيناه من النسخ بلام داخلة على المضارع ولعله لئن يأخذ بلام داخلة على أن المصدرية كما في البخاري فتسبك مع ما بعدها بمصدر يكون مبتدأ خبره قوله خير من أن يأتي .. الخ والجملة الاسمية جواب القسم . قال : ويحتمل أن يكون قد حذفت منه أن الناصبة للمضارع على حد ( ومن آياته يريكم البرق ) وقولهم تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ، والله أعلم .
وقوله ( حبلاً فيحتطب على ظهره ) الحبل معروف والاحتطاب جمع الحطب ، وقوله ( على ظهره ) متعلق بمحذوف أي فيحمله على ظهره أو متعلق بيحتطب والمعنى فيجمع الحطب في الحبل على ظهره وفيه جواز الاحتطاب لكل أحد وإن عظم منصبه وأنه خير من سؤال الناس وإن شق على النفس .
قوله ( خير له ) عبّر بصيغة التفضيل بحسب اعتقاد السائل وتسمية الذي يعطاه خيراً وهو في الحقيقة شراً إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب .
قوله ( آتاه الله من فضله ) أي أعطاه مالاً والمراد الغنى أي الاحتطاب خير من سؤال الغني إن أعطاه الغني أو منعه لأن في كلا الجانبين شراً فإن أعطاه كان اشر في التذلل والأخذ وإن منعه كان الشر في تذلل السؤال وغم المنع وذله .
وفي الحديث الحث على التعفف والتنزه عن سؤال الناس ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكاب المشقة في ذلك ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال ومن ذل الرد إذا لم يعط ولما يدخل على المسئول من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل .
خاتمة في من تحل له المسألة : (3/114)
صفحة 672
أخرج مسلم عن قبيصة بن مخارق قال : تحملت حمالة فأتيت رسول الله r أسأله فيها فقال : أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ثم قال : يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذي الحجا من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا . وأخرج أحمد وأبو داود عن أنس عن النبي r أنه قال : المسألة لا تحل إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع .
والحمالة : ما يتحملها الإنسان من الغرامة في إصلاح ذات البين ودفع البلاء عن المسلمين . والجائحة : الآفة والحادثة المستأصلة وهي الآفة المهلكة للثمار والأموال . والقوام : ما تقوم به بنيته بدفع الضرورة عنه . والسداد : بالكسر وهو ما يسد به الفقر . والفاقة : الحاجة الشديدة يشتهر بها بين قومه . والحجا : بكسر الحاء وفتح الجيم العقل الكامل . والسحت : بضمتين وبسكون ثانيه هو الحرام الذي لا يحل كسبه . والفقر المدقع : بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر القاف هو الفقر الشديد الملصق صاحبه بالدقعاء وهي الأرض التي لا نبات بها . والمفظع : بضم الميم وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة وبالعين المهملة الشديد الشنيع الذي جاوز الحد . وذو الدم الموجع : هو الذي يتحمل دية عن قريبه أو حميمه أو نسيبه القاتل يدفعها إلى أولياء المقتول وإن لم يدفعها قتل قريبه أو حميمه الذي يتوجع لقتله وإراقة دمه ، والله أعلم .
الباب الثاني والستون
جامع الصدقة والطعام
ما جاء في مساهمة الجار
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن رسول الله r قال : يا نساء المؤمنات لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو كراع شاة محرّق . (3/115)
صفحة 673
---------------------------------
قوله ( جامع الصدقة والطعام ) أي جامع لأحاديث تتعلق بها أحكام الصدقة والطعام .
قوله ( بلغني ) الحديث روى البخاري ومسلم معناه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله r : يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة . والفرسن بكسر الفاء والسين لحم بين ظلفي الشاة أريد بذكره المبالغة في تحقيره .
قوله ( يا نساء المؤمنات ) قيل في إعرابه ثلاثة أوجه : الأول نصب النساء وجر المؤمنات على الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته ويقدر عند البصريين موصوف أي نساء الطوائف المؤمنات . والثاني ضم النساء على النداء ورفع المؤمنات إتباعاً له على لفظه . الثالث نصب المؤمنات مراعاة للمحل .
قوله ( لا تحقرن ) بفتح حرف المضارعة وكسر القاف وبالنون الثقيلة أي لا تستحقر إهداء شيء والتصدق به .
قوله ( لجارتها ) متعلق بمحذوف تقديره الإهداء أو التصدق والمعنى لا تستحقر ما تهديه لجارتها وإن كانت هي فقيرة والجارة غنية أو من الأكابر .
قوله ( ولو كراع شاة محرق ) أي ولو كان المتصدق به حقيراً بالغاً في الحقارة هذا المبلغ . والكراع بضم الكاف من الغنم والبقر بمنزلة الوظيف من الفرس وهو مستدق الساعد . والمحرق بضم الميم وفتح الراء مخففاً نعت مقطوع إلى الرفع لأن الكراع منصوب خبراً لكان المقدرة بعد لو ووقع في رواية الموطأ محرقاً بالنصب نعتاً لكراع تابعاً له في إعرابه . والكراع مؤنث فكان حق النعت أن يؤنث إلا أنه وقع هكذا في رواية المسند والموطأ وغيرهما ، وحكى ابن الأعرابي أن بعض العرب يذكره فلعل الرواية على تلك اللغة والمعنى لا تمتنع إحداكن من الهدية أو الصدقة لجارتها احتقاراً للموجود عندها . وقيل يجوز أن يكون الخطاب لمن أهدى إليهن فالمعنى لا تحقرن إحداكن هدية جارتها بل تقبلها وإن كانت قليلة . وفيه حث على الهدية واستجلاب القلوب بالعطية ، والله أعلم .
ما جاء في أن طعام الاثنين كافي الثلاثة (3/116)
صفحة 674
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله r : طعام الاثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة .
---------------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً الشيخان ومالك الترمذي والنسائي .
قوله ( طعام الاثنين ) أي الطعام المعد لشبع شخصين .
قوله ( كافي الثلاثة ) أي يكفيهم لتقويتهم به على وجه القناعة .
قوله ( وطعام الثلاثة ) أي المهيأ لشبعهم .
قوله ( كافي الأربعة ) أي يكفيهم لسد الجوع ودفع الضرورة . وفي مسلم عن عائشة مرفوعاً طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية . وفي ابن ماجة من حديث عمر : طعام الواحد يكفي الاثنين وأن طعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة وأن طعام الأربعة يكفي الخمسة والستة . قال المهلب : المراد بهذه الأحاديث الحض على المكارم والتقنع بالكفاية . ومعنى كلامه ليس المراد الحصر في مقدار الكفاية وإنما المراد المواساة وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث في طعامهما ورابع أيضاً بحسب من يحضر . وعند الطبراني ما يرشد إلى العلة في ذلك وأوله كلوا جميعاً ولا تفرقوا فإن طعام الواحد يكفي الاثنين الحديث . فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع وأن الجمع كلما كثر زادت البركة . وقيل معناه أن يضع من بركته فيه ما وضع لنبيه فيزيد حتى يكفيهم . قيل وهذا إذا صحت نيتهم وانطلقت ألسنتهم به فإن قالوا لا يكفينا قيل لهم البلاء موكل بالمنطق . واستشكل بأنه إن أريد الإخبار عن الواقع فطعام الاثنين لا يكفي إلا اثنين وإن كان له معنى آخر فما هو . والجواب من وجهين أحدهما أنه خبر بمعنى الأمر أي أطعموا طعام الاثنين الثلاثة . والثاني أنه للتنبيه على أن ذلك يقوت الثلاثة لئلا تجزع . وقيل إن شرط الكفاية الاجتماع على الأكل وأن معنى الحديث طعام الاثنين إذا كانا مفترقين كافي الثلاثة إذا أكلوا مجتمعين . وفي الحديث استحباب الاجتماع على (3/117)
صفحة 675
الطعام وأن لا يأكل المرء وحده . وفيه أيضاً إشارة إلى أن المواساة إذا حصلت حصل معها البركة وأنه لا ينبغي للمرء أن يستحقر ما عنده فيمتنع من تقديمه فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء بمعنى حصول قيام البنية لا حقيقة الشبع ، والله أعلم .
ما جاء في التصدق بأول الثمرة
ومن طريقه أيضاً عنه عليه السلام قال : كان الناس إذا رأوا أول الثمرة جاءوا به إلى رسول الله r فإذا أخذه دعا للمدينة بالبركة ثم يدعو أصغر ولد يراه فيعطيه تلك الثمرة .
---------------------------------
قوله ( ومن طريقه ) يعني أبا هريرة بالسند المتقدم والحديث رواه أيضاً مالك ومسلم مطولاً وهو عند المصنف مختصر .
قوله ( كان الناس ) يعني أهل المدينة .
والثمرة بفتح المثلثة والميم معروفة وأولها هو السابق في النضاج .
وقوله ( جاءوا به إلى رسول الله r ) وذلك إما هدية وجلالة ومحبة وإما تبركاً بدعائه لهم بالبركة وهو الذي يدل عليه سياق الحديث . وقيل يفعلون ذلك رغبة في دعائه ورجاء تمام ثمرتهم بذلك وإعلاماً ببدو صلاحها مما يتعلق بذلك من حقوق الشرع .
قوله ( فإذا أخذه ) قال شارح الموطأ : زاد فبي بعض طرق الحديث وضعه على وجهه .
قوله ( دعا للمدينة بالبركة ) أي بالنمو والزيادة وذكر مالك صفة الدعاء أنه r قال : اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه ا. هـ . وهذه هي الزيادة التي في رواية مالك . ومعنى قوله ( ومثله معه ) أي في أمر الرزق والسعة . قال شارح الموطأ : وقد أجب الله دعاءه ولا يعارض ذلك ما جاء أنه أصابهم في المدينة جهد وشدة إذ لا منافاة بين ثبوت البركة ووجود الشدة في بعض الأحيان . والمراد البركة في تحصيل القوت وأن المد بها يشبع ثلاثة فتكون الشدة في تحصيل والبركة في تضعيف القوت به . (3/118)
صفحة 676
قوله ( أصغر ولد يراه ) وفي رواية مالك أصغر وليد فعيل بمعنى مفعول أي مولود .
وقوله ( فيعطيه تلك الثمرة ) أي التي جاءوا بها قيل يحتمل أن يريد بذلك أعظم الأجر وإدخال المسرة على من لا ذنب له لصغره فإن سروره به عظم من سرور الكبير . قال عياض : تخصيصه أصغر وليد حضره لأنه ليس فيه ما يقسم على الولدان ومن كبر ملحق بأخلاق الرجال وتلويحاً إلى التفاؤل بنماء الثمار وزيادتها كما قيل في قلب الرداء . وفي الحديث من الآداب وجميل الأخلاق إعطاء الصغير وإتحافه بالطرفة لأنه أولى من الكبير لقلة صبره ولفرحه في ذلك وفي رسول الله أسوة حسنة ، والله أعلم .
ما جاء في إجابة الدعاء للوليمة
أبو عبيدة قال : بلغني عن ابن عمر يروي عن الرسول r قال : إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها .
---------------------------------
قوله ( بلغني عن ابن عمر ) الحديث رواه أيضاً مالك والبخاري ومسلم .
وقوله ( يروي ) بفتح الياء وكسر الواو مبنياً للفاعل وهو ضمير يعود إلى ابن عمر .
قوله ( إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها ) أي فليأت مكانها . (3/119)
صفحة 677
والوليمة طعام العرس يكون بعد البناء وتخصيصها بطعام العرس هو المنقول عن الخليل وثعلب وغيرهما وجزم به الجوهري وابن الأثير . وقيل الوليمة طعام العرس والإملاك وهو الذي يحضر بعد العقد . وقيل الوليمة كل طعام صنع لعرس وغيره . وقيل الوليمة كل طعام يتخذ لسرور حادث من عرس وإملاك وغيرهما لكن استعمالها مطلقة في العرس أشهر وتحتاج في غيره إلى القيد فيقال وليمة ختان أو غيره . قلت وهذا يدل على أنها مجاز في غير العرس . والأمر بإجابة الداعي إلى وليمة العرس للوجوب عند الأكثر بل نقل النووي الاتفاق على الوجوب . وفيه نظر لثبوت الخلاف في المسألة فإن بعضهم قال باستحباب الإجابة ثم اختلف القائلون بالوجوب فمنهم من قال أنه فرض عين ومنهم من قال أنه فرض كفاية . وقيل إن عمت الدعوة كانت الإجابة فرض كفاية وإن خص كل واحد بالدعوة فإن الإجابة تتعين على من دعي . وأما وليمة غير العرس فالأكثر أن الإجابة لا تجب لما روى مسلم من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر : إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب . ودعي عثمان بن العاص إلى ختان فلم يجب وقال : لم نكن ندعى له في عهد رسول الله r . رواه أحمد .وقيل تجب الإجابة له أيضاً لظاهر الحديث ولما في مسلم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً : إذا دعا أحدكم أخوه فليجب عرساً كان أو غيره . وفيه أيضاً من طريق الزبيدي عن نافع عن ابن عمر : من دعي إلى عرس أو غيره فليجب . وكره مالك لأهل الفضل الإجابة لكل طعام دعي إليه . وشرط وجوبها أن يكون الداعي مكلفاً حراً رشيداً غير ظالم ولا صاحب ريبة ولا فاسق ولا مبتدع أو شرير ولا متكلف فإنه لا تجب إجابة هؤلاء بل يستحب تركها فإن أجاب من يؤمر بإجابته فليتأدب بآداب المجلس ولا يقابل بيت الناس أو النساء ويغض بصره ولا يكثر الالتفات إلى مجيء الطعام فإنه دليل الشره ، وإن رأى في الدار منكراً فليغيره وإن لم يقدر فليخرج ، والله أعلم .
ما جاء في طعام الوليمة (3/120)
صفحة 678
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله r : شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء .
---------------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه مالك موقوفاً عن أبي هريرة وكذلك رواه أيضاً البخاري ومسلم كلاهما عن مالك موقوفاً . قال ابن عبد البر : جل رواة مالك لم يصرحوا برفعه . قال : ورواه روح بن القاسم عنه مصرحاً برفعه ، وكذا أخرجه الدارقطني في الغرائب من طريق إسماعيل بن سلمة بن قعنب عن مالك مصرحاً برفعه إلى النبي r . (3/121)
صفحة 679
قوله ( شر الطعام طعام الوليمة ) يعني أن طعام الوليمة من شر الأطعمة ، وليس المراد أنه شر الطعام على الإطلاق فإن من الطعام ما يكون شراً منه ، وإنما سماه شراً لقوله ( يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء ) يعني أن الغالب فيها ذلك فكأنه قال طعام الوليمة التي من شأنها هذا فاللفظ وإن أطلقه فالمراد به التقييد بما ذكر عقبه وكيف يريد به الإطلاق وقد أمر بالوليمة وأوجب إجابة الداعي . وقيل إن التعريف في الوليمة للعهد الخارجي وكان من عادتهم مراعاة الأغنياء فيها وتخصيصهم بالدعوة وإيثارهم . وقوله ( يدعى .. الخ ) استئناف بياني بين كونها شر الطعام . وقال النووي : بين الحديث وجه شر الطعام لأنه يدعى له الغني عن أكله ويترك المحتاج لأكله والأولى العكس وليس فيه ما يدل على حرمة الأكل إذ لم يقل أحد بحرمة الإجابة وإنما هو من باب ترك الأولى كخبر خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها ، ولم يقل أحد بحرمة الصلاة في الصف الأخير . والقصد من الحديث الحث على دعوة الفقير وأن لا يقتصر على الأغنياء . وقد كره العلماء تخصيص الأغنياء بالدعوة فإن فعل فقال ابن مسعود : إذا خص الأغنياء أمرنا أن لا نجيب . وقال ابن حبيب من المالكية : من فارق السنة في وليمته فلا دعوة له . وقال أبو هريرة : أنتم العاصون في الدعوة . ودعي ابن عمر في وليمة الأغنياء والفقراء فجاءت قريش ومعها المساكين فقال لهم هاهنا فاجلسوا لا تفسدوا عليهم ثيابهم فسنطعمكم مما يأكلون والله أعلم . زاد مالك ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله وفيه دليل على وجوب الإجابة لأن العصيان لا يطلق إلا على ترك الواجب ، والله أعلم .
ما جاء في النهي عن منع الماء ليمنه به الكلا
ومن طريقه عنه عليه السلام : لا يمنع أحدكم فضل الماء ليمنع له الكلا .
معنى ذلك رجل له بئر فيمنع ماءها ليمنع ما حوله من الرعي .
--------------------------------- (3/122)
صفحة 680
قوله ( ومن طريقه ) يعني أبا هريرة بالسند المتقدم . والحديث رواه أيضاً البخاري ومسلم ولفظه عندهما ( عن أبي هريرة قال قال رسول الله r : لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلاء ) ، وفي رواية لها أيضاً ( لا يباع فضل الماء ليباع الكلا ) . وروى أبو داود عن بهيسة عن أبيها أنها قالت : قال رسول الله r ما الشيء الذي لا يحل منعه ؟ قال : الماء . قال : يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه ؟ قال : الملح . قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه ؟ قال : أن تفعل الخير خير لك .
قوله ( لا يمنع أحدكم فضل الماء ليمنع به الكلا ) المراد بفضل الماء ما فضل عن حاجة الإنسان . والكلا بفتحتين مقصوراً العشب رطبه ويابسه . والمعنى كما قال المصنف رضي الله عنه رجل له بئر فيمنع ماءها ليمنع ما حوله من الرعي . وقال الخطابي : تأويله أن رجلاً إذا حفر بئراً في موات فيملكها بالإحياء فإذا قوم ينزلون في ذلك المكان للموات ويرعون نباتها وليس هناك ماء إلا تلك البئر فلا يجوز له أن يمنع ذلك القوم من شرب ذلك الماء لأنه لو منعهم منه لا يمكنهم رعي ذلك فكان منعه عنهم عناداً وإذاً لا يجوز ومن هاهنا وقع النهي عن بيع الفاضل من الماء فإنه يصير بذلك كالبائع للكلا لأن الوارد حول ما أعد للرعي إذا منعه عن الورود إلا بعوض اضطر لشرائه فيصير كمن اشترى الكلا لأجل الماء . وقيل معناه لا يبيع فضل الماء ليكون القصد في بيعه وعدم بذله لجميع الكلا الحاصل ثم قيل هذا النهي للتحريم وقيل للتنزيه وهو الأظهر عند بعض . ثم إن النهي عن بيع الماء إنما هو لمن أراد أن يشرب أو يسقي دابته فأما إن أراد أن يسقيه الزرع أو النخل جاز لصاحب الماء أن لا يعطيه إلا بعوض والله أعلم .
ما جاء في فضل العطية والقرض
ومن طريق ابن عباس عنه عليه السلام قال : مكتوب على باب الجنة العطية بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر .
--------------------------------- (3/123)
صفحة 681
قوله ( ومن طريق ابن عباس ) يعني بالسند المتقدم . والحديث رواه ابن ماجة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله r : رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوباً الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت يا جبرائيل : ما بال القرض أفضل من الصدقة ؟ قال : لأن السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة . وفي هذه الزيادة بيان لوجه أفضلية القرض على العطية وذلك لأن الرد واجب الأداء فلا يختاره أحد إلا لحاجة إليه . وفي ابن ماجة أيضاً عن ابن مسعود أن النبي r قال : ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقتها مرة . ولا يخفى ما بين الحديثين من التعارض فيحتاج إلى الجمع ولعل ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص فقد يكون في حق بعض الناس القرض أفصل من الصدقة كقرض القادر على الرد بلا تكلف وقد تكون العطية أفضل في حق من لا يستطيع الرد . وقيل تفضيل القرض منسوخ بمعنى أنه كان كذلك ثم فضلت عليه الصدقة .
قوله ( العطية بعشر أمثالها ) وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها فجزاء الحسنة حسنة والتسع محض فضل من الله تعالى لهذه الأمة والله يضاعف لمن يشاء . (3/124)
صفحة 682
قوله ( والقرض بثمانية عشر ) فهو يزيد على العطية بثمان . قال البلقيني : الحديث دال على أن درهم القرض بدرهمي صدقة لكن الصدقة لم يعدلها شيء والقرض عادله منه بدرهم فسقط مقابله وبقي ثمانية عشر . انتهى . والحديث دال على فضيلة القرض وفي ذلك أحاديث وعمومات الأدلة القرآنية والحديثية القاضية بفضل المعاونة وقضاء حاجة المسلم وتفريج كربته وسد فاقته شاملة له ولا خلاف بين المسلمين في مشروعيته ولا في جواز سؤاله عند الحاجة ولا نقص على طالبه ولو كان فيه شيء لما استسلف النبي r وهو جائز في جميع الممتلكات التي يجوز بيعها وتحصرها الصفة ويقدر على الوفاء بها إلا الجواري فإنه لا يجوز لأنه يؤدي إلى إعادة الفروج وذلك لأن من اقترض شيئاً فله أن يرد عين ذلك الشيء إن بقي على الصفة التي أخذه بها وله أن يرد المثل فإذا اقترض جارية فله وطؤها ثم له أن يردها بحكم القرض فلو جاز ذلك لأدى إلى ردهن بعد وطئهن وهو عين إعارة الفروج قيل إلا أن يكون القرض لامرأة أو لذي محرم أو كانت في سن من لا توطأ وبعض جوّز ذلك بشرط أن يرد المثل فقط واستظهره المحشي ، والله أعلم .
ما جاء في المرافقة بين الجيران
ومن طريق أبي هريرة قال قال رسول الله r : لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فإن ذلك حق واجب عليه .
---------------------------------
قوله ( ومن طريق أبي هريرة ) يعني بالسند المتقدم والحديث رواه أيضاً البخاري إلا قوله ( فإن ذلك حق واجب عليه ) ولفظ البخاري : ( عن أبي هريرة أن رسول الله r قال : لا يمنع جاراً جاره أن يغرز خشبة في جداره . ثم يقول أبي هريرة : مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمينها بين أكتافكم ) .
قوله ( لا يمنع ) بالجزم على أن لا ناهية وهو الأظهر ويجوز الرفع على أنه خبر بمعنى النهي ويؤيد الوجه الأول رواية أحمد ( لا يمنعن ) بزيادة نون التوكيد . (3/125)
صفحة 683
قوله ( أن يغرز خشبة في جداره ) وذلك كوتد أو جذع أو نحو ذلك مما يحتاج إليه الجار . والواقع في رواية المصنف إفراد الخشبة وكذلك في بعض نسخ البخاري وفي بعضها بصيغ الجمع . قال ابن عبد البر : روى اللفظان في الموطأ والمعنى واحد لأن المراد بالواحد الجنس . قال ابن حجر : وهذا الذي يتعين بالجمع بين الروايتين وإلا فالمعنى يختلف باعتبار أن أمر الخشبة الواحدة أخف في مسامحة الجار بخلاف الخشب الكثير .
قوله ( فإن ذلك حق له ) أي ولا يحل له منع الواجب وهذا يدل على أن الجدار إذا كان لواحد وله جار فأراد أن يضع جذعه عليه لزم صاحب الجدار أن يأذن له . وقال احمد وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث وابن حبيب من المالكية : يجوز له أن يضع جذعه في الجدار سواء أذن المالك أم لا فإن امتنع أجبر وبه قال الشافعي في القديم وعنه في الجديد قولان أشهرهما اشتراط إذن المالك فإن امتنع لم يجبر وهو قول الحنفية وحملوا النهي في الحديث على التنزيه جمعاً بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه . والمذهب وجوب الإذن إذا لم يحصل على المالك ضرر ولا يجبر عليه لما جاء في ألفاظ الحديث إذا استأذن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه فقد شرط في هذه الرواية الاستئذان فلا يحل التصرف في ملك الغير إلا بإذنه وإن وجب على المالك أن يأذن حيث لا ضرر لأن كثيراً من الحقوق الواجبة للجار وغيره خوطب الإنسان بأدائها ولا يحل للجار أو غيره أخذها إلا عن إذن المخاطب بها ويدل على ذلك قول أبي هريرة في الحديث عند البخاري ( مالي أراكم عنها معرضين ) ولو جاز وضع الخشبة عند الإذن وعند عدمه ما كان لذكر الإعراض معنى . أما الوجوب فيدل عليه ظاهر الحديث وروي أن عمر قضى به ولم يخالفه أحد من أهل عصره ومن الناس من حمل الضمير في جداره على صاحب الخشبة أي لا يمنعه أن يضع جذعه على جدار نفسه ولو تضرر به من جهة منع الضوء مثلا ولا يخفى بعده . ومحل (3/126)
صفحة 684
الوجوب عند من قال به أن يحتاج إليه الجار ولا يضع عليه ما يتضرر به المالك ولا يقدم على حاجة المالك ولا فرق بين أن يحتاج في وضع الجذع إلى ثقب الجدار أو لا لأن رأس الجذع يسد المنفتح من الجدار ، والله أعلم .
الباب الثالث والستون
في آداب الطعام والشراب
ما جاء أن المسلم يأكل في معي واحد والكافر في سبعة أمعاء
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي r قال : يأكل المسلم في معي واحد والكافر في سبعة أمعاء .
ومن طريقه عنه عليه السلام قال : طعام الاثنين كافي الثلاثة . الحديث .
أبو عبيدة عنه أيضاً قال : أضاف رسول الله r ضيفاً فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها حتى شرب حلاب سبع شياه ثم إنه أصبح فأسلم فأمر له النبي r بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أخرى فلم يكملها فقال رسول الله r : إن المؤمن ليأكل في معي واحد والكافر في سبعة أمعاء .
---------------------------------
قوله ( في آداب الطعام والشراب ) يعني فيما يؤمر به من ذلك وما ينهى عنه وما يجوز فعله وما يحرم فالأدب متناول لجميع ذلك وإن خص عرفاً بما دون اللازم فمراد المرتب المعنى الأول لذكره في الباب ما يجب اجتنابه كالشرب في آنية الذهب والفضة والنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ونحو ذلك ، والله أعلم . (3/127)
صفحة 685
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك والبخاري . وقد ذكر البخاري في رواية له أخرى أن رجلاً كان يأكل أكلاً كثيراً فأسلم وكان يأكل قليلاً فذكر ذلك للنبي r فقال : إن المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء . كذا رواه البخاري عن أبي هريرة . قال بعض شرّاح الحديث : وكذا أحمد والترمذي والنسائي عن ابن عمر وأحمد ومسلم عن جابر وأحمد والشيخان وابن ماجة عن أبي هريرة ومسلم وابن ماجة عن أبي موسى ، وروى مسلم عن أبي موسى وابن عمر المسند منه فقط وهو قوله ( إن المؤمن يأكل .. الحديث ) وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو الضيف الذي أمر له رسول الله r بحلاب الشاة الآتي ذكرها في الرواية الآتية ، ويحتمل أن يكون غيره .
قوله ( يأكل المسلم في معي واحد والكافر في سبعة أمعاء ) المعاء المصران وهو بكسر الميم منوناً ويكتب بالياء وقصره أشهر من المد وجمعه أمعاء مثل عنب وأعناب وجمع الممدود أمعية مثل حمار وأحمرة . والمراد بالمسلم الجنس وكذلك الكافر والمسلم والكافر سواء في أصل الخلقة فالأمعاء الموجودة في أحدهما موجودة في الآخر وعليه فلا بد للحديث من تأويل لأن الظاهر غير مراد قطعاً ومن هاهنا اضطربت الإفهام في بيان معناه فقيل أراد به أن المؤمن يقل حرصه وشرهه على الطعام ويبارك له في مأكله ومشربه فيشبع من قليل ، والكافر يكون كثير الحرص شديد الشره لا مطمح لبصره إلا إلى المطاعم والمشارب كالأنعام فمثل ما بينهما من التفاوت في الشره بما بين من يأكل في معي واحد وبين من يأكل في سبعة أمعاء وهذا باعتبار الأعم الأغلب وإلى هذا أشار المرتب رحمه الله تعالى بذكر حديث طعام الاثنين كافي الثلاثة بعد هذا الحديث فإنه ساقه بعده ليكون بياناً للمعنى فإن طعام الاثنين إنما يكفي الثلاثة مع زوال الحرص وذهاب الشره .
وقيل إن المؤمن يسمي الله تعالى عند طعامه فلا يشركه فيه شيطان والكافر لا يسميه فيشاركه الشيطان . (3/128)
صفحة 686
وقيل المؤمن يقتصد في أكله فيشبعه امتلاء بعض أمعائه ، والكافر لشرهه وحرصه لا يكفيه إلا ملء كل الأمعاء .
وقيل يحتمل أن المراد بالسبعة الأمعاء الصفات السبع الحرص والشره وطول الأمل والطمع وسوء الطبع والحسد والسمن .
وقيل يحتمل أن يراد بالمؤمن تام الإيمان المعرض عن الشهوات المقتصر على سد خلته .
وقيل إن بعض المؤمنين يأكل في معي واحد وأن أكثر الكفار يأكلون في سبعة أمعاء ولا يلزم أن كل واحد من السبعة مثل معي المؤمن .
وقيل يبارك له في طعامه بركة التسمية حتى تقع النسبة بينه وبين الكافر كنسبة من يأكل في سبعة أمعاء ويتحقق ذلك المعنى بما إذا قدرنا ذلك في شخص واحد أو في أشخاص متماثلين من حيث الوصف فتجد حال ذلك الواحد في الأكل وهو كافر خلاف حاله وهو مؤمن وكذلك في الأشخاص المتماثلين ويؤيده ما في نفس هذا الحديث على رواية البخاري فإنه وارد في شخص واحد اختلف أكله باختلاف حاليه كافراً ومؤمنا وكذا يؤيده أيضاً الحديث الآتي في ضيف رسول الله r .
وقيل معناه يأكل الكافر في سبعة أمثال أكل المؤمن أي تكون شهوته أمثال شهوة المؤمن فتكون الأمعاء كناية عن الشهوات أو المراد أن المؤمن لا يأكل إلا من جهة واحدة وهي مجرد الحلال والكافر يأكل من جهات مختلفة مشوبة وهي سبع الغارة والغصب والسرقة والبيع الفاسد والربا والخيانة والحلال .
وقيل هذه عبارة عن كثرة الأكل وقلته أي خلق المؤمن قلة الأكل وخلق الكافر كثرته فالمراد بالسبعة التكثير .
وقيل هذا مثل ضربه r لزهد المؤمن وحرص الكافر عليها فهذا يأكل بلغة وقوتاً فيشبعه القليل وذاك يأكل شهوة وحرصاً فلا يكفيه الكثير وبعض هذه الأقوال داخل في بعض وأكثرها خارج عن معنى الحديث والصحيح المختار ما أيده ظاهر الحديث كما أشرنا إليه فيما تقدم ، والله أعلم . (3/129)
صفحة 687
قوله ( طعام الاثنين كافي الثلاثة ) الحديث تقدم شرحه في جامع الصدقة والطعام والمقصود من ذكره هاهنا الإشارة إلى أن من أدب الطعام الاجتماع وتوسيع الخلق وترك الحرص ومجانبة الشح ، وفيه إشارة إلى ترجيح القول الأول من الأقوال الموجودة في بيان معنى الحديث الذي قبله وقد تقدم بيان ذلك والله أعلم .
قوله ( عنه أيضا ) يعني أبا هريرة والحديث رواه أيضاً مسلم وأحمد والترمذي .
قوله ( أضاف رسول الله r ضيفاً ) أي أنزله وأقرأه وفي رواية مسلم ( ضافه ضيف ) أي نزل به ضيف . قال ثعلب : ضفته إذا نزلت به وأنت ضيف عنده وأضفته بالألف إذا أنزلته عند ضيفاً . والضيف معروف ويطلق لفظ واحد على الواحد وغيره لأنه مصدر في الأصل من ضاف ضيفاً من باب باع إذا نزل عنده . والضيف المذكور في الحديث اسمه جهجاه بن سعيد الغفاري كان يكثر الأكل في حال كفره فلما أسلم قلّل الأكل فمدحه النبي r .
قوله ( حلابها ) بكسر المهملة أي لبنها .
قوله ( فلم يكملها ) أي فلم يقدر أن يشرب لبن الشاة الثانية على التمام ، وفي رواية مسلم ( فلم يستتمها ) والمعنى واحد .
قوله ( إن المؤمن.. الخ ) تقدم شرحه في الحديث الذي قبله . وفي رواية مسلم ( إن المؤمن يشرب في معي واحد والكافر في سبعة أمعاء ) ، والله أعلم .
ما جاء في الشرب من سؤر الحائض
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قالت عائشة رضي الله عنها : كنت أشرب أنا ورسول الله r بالقدح فيجعل فاه على موضع في فيشرب وأنا حائض .
--------------------------------- (3/130)
صفحة 688
قوله ( قالت عائشة رضي الله عنها ) الحديث رواه أيضاً الجماعة إلا البخاري والترمذي لكن بزيادة في آخره ولفظه عندهم ( عن عائشة قالت : كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي r فيضع فاه على موضع في فيشرب وأتعرق العرق وأنا حائض ثم أناوله النبي r فيضع فاه على موضع في ) . ومعنى أتعرق العرق أي آخذ اللحم من العرق بأسناني . والعرق بفتح العين وسكون الراء عظم أخذ منه معظم اللحم وبقيت عليه بقية .
قوله ( بالقدح ) بفتحتين أنية معروفة جمعه أقداح كسبب وأسباب .
قوله ( فيجعل فاه على موضع في فيشرب ) أي يجعل r فمه على موضع فمها من القدح وهذا من غاية مخالفته لليهود بغضاً ومن نهاية موافقته لها حباً . وفيه إشارة إلى كمال تواضعه وطيب نفسه r . والحديث يدل على جواز مؤاكلة الحائض وجالستها وعلى أن أعضاءها من الفم واليد وغيرهما ليست بنجسة وكذلك يدل على أن ريقها طاهر وكذلك سؤرها من طعام وشراب . وقال بعضهم : ولا أعلم فيه خلافاً . وقال غيره : وما نسب إلى أبي يوسف من أن بعضها نجس غير صحيح . قال المحشي : ومثل الحائض النفساء . قال : وأما ما تفعله نساء أهل زماننا من حكمهن بنجاسة سؤر النفساء ولو نظفن أيديهن بالغسل غاية النظافة ودفنهن نوى التمرة الذي أكلته النفساء في الأيام السبع الأوائل فمن الغلو في الدين المنهي عنه . قلت : ولعل هذا كان في نساء بدله خاصة فإنه لا يوجد والحمد لله في بلادنا ، والله أعلم .
ما جاء في الذباب يقع في الشراب
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : سمعت عن رسول الله r قال : إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء وإنه يقدم الداء ويؤخر الشفاء .
قال الربيع : امقلوه أي اغمسوه .
وقال أبو عبيدة عن جابر بن زيد : وهذا يدل على أن الذباب وما ليس فيه دم لا ينجس ما وقع فيه .
--------------------------------- (3/131)
صفحة 689
قوله ( سمعت عن رسول الله r ) الحديث رواه البخاري وابن ماجة من حديث أبي هريرة إلا قوله ( وإنه يقدم الداء ويؤخر الدواء ) قال ابن ماجة : معناه من حديث أبي سعيد .
قوله ( إذا وقع الذباب ) الذباب معروف واحده ذبابة وهو أصناف كثيرة متولدة من العفونة ولم يخلق لها أجفان لصغر أحداقها ومن شأن الأجفان أن تصقل مرآة الحدقة من الغبار فجعل الله لها يدين تصقل بهما مرآة حدقتهما فلهذا ترى الذباب يمسح عينيه بيديه . وللحيوانات ذباب وأصله دود صغار يخرج من أبدانهن فيصير ذباباً وزنابير وذباب الناس متولد من الزبل ، ويكثر إذا هاجت ريح الجنوب ، ويخلق في تلك الساعة وإذا هاجت ريح الشمال خف وتلاشى ، وهو من ذوات الخراطيم كالبعوض .
قوله ( في إناء أحدكم ) أي في وعاء شرابه أو أدامه ، وفي رواية للبخاري وابن ماجة ( في شراب أحدكم ) ورواية المصنف أعم لدخول الأدام فيها وهي رواية للبخاري أيضاً والمراد بالشراب جميع ما يشرب ماء كان أو غيره .
قوله ( فامقلوه ) بالقاف بعد الميم أي اغمسوه ، وقد وقع مصرحاً به في رواية البخاري وابن ماجة فإن فيها ( فليغمسه ) ويقال مقله في الماء إذا غمسه والأمر بذلك للإرشاد وقيل للندب زاد في روايتهما ( ثم لينزعه ) بكسر الزاي وفي رواية ( ثم ليطرحه ) .
قوله ( فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء .. الخ ) الجناح يذكر ويؤنث ، وقيل التأنيث باعتبار اليد ، وجزم بعضهم بأنه لا يؤنث وحقيقته للطائر ويقال لغيره على سبيل المجاز كما في قوله تعالى ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) والجملة تعليل لقوله ( فامقلوه ) . (3/132)
صفحة 690
قوله ( وإنه يقدم الداء ويؤخر الدواء ) وعند ابن ماجة من حديث أبي سعيد مرفوعاً ( في أحد جناحي الذباب سم وفي الآخر شفاء فإذا وقع في الطعام فامقلوه فيه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء ) ، ووقع في رواية أبي داود وصححه ابن حبّان ( وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء ) . ولم يقع في شيء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره لكن ذكره بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء ، والمناسبة في ذلك ظاهرة . وفي حديث أبي سعيد ( إنه يقدم السم ويؤخر الشفاء ) ويستفاد منه تفسير الداء الواقع في حديث الباب وأن المراد به السم . وذكر بعض حذاق الأطباء أن في الذباب قوة سمية يدل عليها الورم والحكة العارضة عند لسعته وهي له بمنزلة السلاح فإذا سقط فيما يؤذيه تلقاه بسلاحه فأمر الشارع أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله في الجناح الآخر من الشفاء بإذن الله تعالى ، والله أعلم .
قوله ( وقال أبو عبيدة عن جابر بن زيد : وهذا يدل أن الذباب وما ليس فيه دم لا ينجس ما وقع فيه ) وفي بعض النسخ إسقاط قوله عن جابر بن زيد وعليها فالمستنبط لهذا الحكم أبو عبيدة بخلافه على نسختنا فإن فيها أن المستنبط جابر ووجه الاستنباط أنه r لا يأمر بغمس ما ينجس الماء إذا مات فيه لأن ذلك إفساد , وتعقب بأنه لا يلزم من غمس الذباب موته فقد يغمسه برفق فلا يموت والحي لا ينجس ما يقع فيه . والجواب : أن الأمر بغمسه يتناول صوراً منها أن يغمسه محترزاً عن موته كما هو المدعى هنا وأن لا يتحرز بل يغمسه سواء مات أو لم يمت ويتناول ما لو كان الشراب حاراً فإن الغالب أن في هذه الصورة يموت بخلاف البارد فلما لم يقع التقييد حمل على العموم . (3/133)
صفحة 691
واستشكل بعضهم إلحاق غير الذباب به في الحكم المذكور بأنه إذا ورد النص في الذباب ففي تعديته إلى كل ما نفس له سائلة نظر لجواز أن تكون العلة في الذباب قاصرة وهي عموم البلوى به وهذه مستنبطة أو التعليل بأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء وهذه منصوصة . قال : وهذان المعنيان لا يوجدان في غيره فيبعد كون العلة مجرد كونه لا دم له سائل بل الذي يظهر أنه جزء علة لا علة كاملة .
والجواب أن طهارة ميتته مستفادة من الإشارة لا من صريح اللفظ ولم نجد لميتته معنى يخالف بها ميتة سائر الحيوانات إلا خلوه من الدم السائل فأعطينا هذا الحكم لكل ما شاركه في المعنى وهو علة مستقلة بهذا الحكم وهو طهارة ميتته وليست بجزء علة وإنما يكون جزء على للأمر بالغمس في الإناء وهو شيء غير ما نحن فيه .
وقد رجح جماعة من متأخري قومنا واستقواه ابن حجر أن ما يعم وقوعه في الماء كالذباب والبعوض لا ينجس الماء وما لا يعم كالعقارب ينجس وهذا منهم بناء على أن العلة عموم البلوى ونحن لا نسلّم ذلك بل نقول إن العلة خلوه من الدم السائل ، والله أعلم .
ما جاء في الشرب من الماء الذي شربت منه الهرة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قال رسول الله r في ماء مسته الهرة : فإنها من الطوافين والطوافات عليكم .
---------------------------------
قوله ( في ماء مسته الهرة ) أي أصابته بفمها لتشرب منه . والحديث تقدم شرحه في أحكام المياه ورواه جابر هنالك بلاغاً عن كبيشة بنت كعب وصبها الماء لأبي قتادة إلى آخر القصة والغرض من ذكره هنا جواز الشرب من الماء الذي تمسه الهرة لأنه ليس بنجس وإذا لم يكن نجساً فلا يحرم الشرب منه ، والله أعلم .
ما جاء في النهي عن التنفس في الإناء (3/134)
صفحة 692
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني أن أبا سعيد الخدري دخل على مروان بن الحكم فقال له مروان : هل سمعت رسول الله r ينهى عن التنفس في الشراب ؟ فقال أبو سعيد : نعم ، فقيل له يا رسول الله إني لا أروى عن نفس واحد . فقال له : فأبن القدح عن فيك ثم تنفس . فقال الرجل : فإني أرى القذى . قال : فأهرقه .
قال الربيع : قال أبو عبيدة : وكذلك في الطعام لا ينفخ فيه وإن كان حاراً فليبرده .
---------------------------------
قوله ( بلغني أن أبا سعيد ..الخ ) الحديث رواه عن أبي سعيد أيضاً أحمد والترمذي وصححه لكنه عندهما في النهي عن النفخ في الشراب وهو عند المصنف عن التنفس في الشراب والمعنى متقارب . وقد روى الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي عن ابن عباس أن النبي r نهى أن يتنفس في الإناء وينفخ فيه . وفي الباب عن أبي قتادة عند الشيخين وأحمد . والحكمة في النهي عن ذلك لأنه ربما يخرج من المتنفس ريق فيعلق بالماء فيستقذره من يشرب بعده وربما حصل للشراب تغير من النفس إما لكون المتنفس كان متغير الفم بمأكول مثلاً أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة أو لأن النفس يخرج ببخار المعدة والنفخ في هذه الأحوال كلها أشد من التنفس .
قوله ( في الشراب ) يتناول كل مشروب من ماء وغيره ومثله النفخ في الطعام كما سيأتي عن أبي عبيدة وكذلك لا يتجشأ فيه ولا يتعطس فإن عناه شيء من ذلك فلينح وجهه جانباً .
قوله ( فقيل له ) في رواية أحمد والترمذي ( فقال رجل ) ولم أقف على اسم هذا الرجل وفي روايتهما تقديم السؤال عن القذاة وتأخير السؤال عن عدم الري من نفس واحد وهو عند المصنف على عكس ذلك .
قوله ( لا أروى عن نفس واحد ) أي لا أكتفي من الماء إلا إذا تنفست في خلال ذلك . (3/135)
صفحة 693
قوله ( فأبن القدح ) أي نحه من قولهم أبنت الشيء عن الشيء إذا فصلته عنه وجعلته في ناحية منه . وظاهر هذا يقتضي جواز الشرب في النفس الواحد لمن قدر على ذلك وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس وكره ذلك جماعة منهم ابن عباس في رواية عكرمة وطاووس وقال هو شرب الشيطان .
قوله ( فقال الرجل ) هذا الرجل هو السائل الأول كما صرحت به رواية أحمد والترمذي فأل فيه للعهد الذكري على حد قوله تعالى ( وليس الذكر كالأنثى ) .
قوله ( فإني أرى القذى ) وفي رواية أحمد والترمذي ( القذاة ) ومعناه إني أبصر في الشراب ما استقذره فهل أنفخه ليزول ؟
قوله ( فأهرقه ) أي صبه من أهرقه لغة في أراق ، وإنما قالوا أنا أهريقه ولا يقولون أنا أريقه لاستثقال الهمزتين . قال سيبويه : أبدلوا من الهمزة الهاء ثم التزمت فصارت كأنها من نفس الحرف ثم أدخلت الألف بعد على الهاء وتركت الهاء عوضاً من حذفهم حركة العين لأن أصل أهرق أريق وفيه لغة ثالثة اهراق اهريق اهرياق فهو مهريق وفي هذا الجواب إرشاد إلى ما يفعله بالقذى إذا رآه فكأنه قال لا تزله بالنفخ ولكن بالصب .
قوله ( وكذلك في الطعام لا ينفخ فيه ) للعلة المتقدمة وهي خوف أن يخرج عند النفخ بزاق أو ريح كريهة فيستقذره الغير وهذا من أبي عبيدة رحمه الله قياس للطعام على الشراب لاتحاد العلة وهو عند غيره مستنبط من حديث ابن عباس عند الخمسة إلا النسائي أن النبي r نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه لأن الإناء يشمل إناء الطعام أو الشراب .
قوله ( وإن كان حاراً فليبرده ) أي بغير النفخ وذلك أن يتركه حتى يبرد أو يلهبه بالمروحة وأمر بتبريده للبركة فإنه لا بركة في حار مفرط الحرارة وليس المراد من التبريد زوال حرارته بالكلية فقد قالوا ما أنضجته الشمس يؤكل بارداً وما أنضجته النار يؤكل حاراً أي يوجد فيه بعض الحارة لأنه أهنأ للأكل وأنفع للجسد والله أعلم . (3/136)
صفحة 694
ما جاء أن الجالس على يمين الشارب أحق بالشرب بعده
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن رسول الله r أنه أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام صغير وعن يساره شيوخ من أصحابه فقال للغلام : أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ؟ فقال : لا والله لا أوثر بنفسي منك أحداً . قال : فتله رسول الله r في يديه .
---------------------------------
قوله ( بلغني ) الحديث رواه مالك والبخاري ومسلم وأحمد كلهم من حديث سهل بن سعد الأنصاري الساعدي .
قوله ( أتي ) بضم الهمزة وكسر الفوقية أي جيء إليه بذلك .
قوله ( بشراب ) أي لبن ، وفي رواية عند قومنا ( أتي بقدح من لبن ) .
قوله ( فشرب منه ) يعني النبي r وإنما لم يشربه كله لقصد المواساة أو الإيثار .
قوله ( غلام صغير ) وهو أصغر القوم كما في رواية للبخاري وغيره وهو عبدالله بن عباس ، وقيل الفضل بن العباس .
قوله ( وعن يساره شيوخ من أصحابه ) وفي رواية قومنا وعن يساره الأشياخ وليس فيها قوله ( من أصحابه ) وقد ذكر بعضهم خالد بن الوليد وبعضهم أبا بكر .
قوله ( أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ) الإشارة على الشيوخ الذين هم على اليسار وظاهره أنه لو أذن لأعطاهم مع أن الغلام أحق بذلك فيستفاد منه شيئان أحدهما جواز الإيثار بمثل ذلك لأنه من باب التقدم في الشرف واكتساب الرفعة والجاه ، وثانيهما أن مناولة حق الأيمن له فلا يصح صرف ذلك عنه إلا بإذنه .
قوله ( لا أوثر بنفسي منك أحدا ) وفي رواية قومنا ( قال والله يا رسول الله لا أثرت بنصيبي منك أحد ) فالنفس في رواية المصنف بمعنى النصيب المصرح به في رواية قومنا وقد تطلق النفس عند العرب على نحو ذلك ومنه إطلاقهم النفس على قدر دبغة أو دبغتين والدبغة بكسر الدال وفتحها ما يدبغ به الأديم من قرط وغيره يقال هب لي نفساً من دباغ قال الشاعر :
أتجعل النفس التي تديره في جلد شاة ثم لا تسير (3/137)
صفحة 695
ومعنى قوله ( لا أوثر ) أي لا أفضل غيري بنصيبي منك والمراد بنصيبه منه ما يناله من البركة بشرب سؤره أو بالشرب بعده حالاً حيث لم يفصل بينهما فاصل .
قوله ( فتله ) بفتح المثناة الفوقية وتشديد اللام أي وضعه . وقال الخطابي : وضعه بعنف وأصله من الرمي على التل وهو المكان العالي المرتفع ثم استعمل في كل شيء يرمى به وفي كل إلقاء ، وقيل هو من التلتل بلام ساكنة بين المثناتين المفتوحتين وآخره لام وهو العنف ومنه ( وتله للجبين ) أي صرعه وجعل جبينه إلى الأرض والتفسير الأول أليق بحديث الباب .
وفي الحديث أن سنة الشرب العامة تقديم اليمين في كل موطن وأن تقديم الذي على اليمين ليس لمعنى فيه بل لمعنى في جهة اليمين وهو فضلها على جهة اليسار فيؤخذ منه أن ذلك ليس ترجيحاً لمن هو على اليمين بل هو ترجيح لجهته .
وفيه أن من سبق إلى مجلس علم أو مجلس رفعة لا ينحى منه بمجيء من هو أولى منه بالجلوس في الموضع المذكور بل يجلس الآتي حيث انتهى به المجلس لكن إن آثره السابق جاز وأن من استحق شيئاً لم يدفع عنه إلا بإذنه كبيراً كان أو صغيراً إذا كان ممن يجوز إذنه .
وفيه أن الجلساء شركاء فيما يقرب إليهم على سبيل الفضل لا اللزوم للإجماع على أن المطالبة بذلك لا تجب قاله ابن عبد البر . وقال غيره محل ذلك إذا لم يكن فيهم الإمام أو من يقوم مقامه فإن كان فالتصرف في ذلك له ، والله أعلم .
ما جاء في النهي عن عب الماء
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن النبي r قال : لا تعبوا الماء عباً فإذن منذ لك يتولد البهر ولكن مصوه مصاً .
---------------------------------
قوله ( بلغني ) الحديث ذكر معناه في الجامع الصغير من حديث أنس عند البيهقي في شعب الإيمان ، ورمز له بأنه حديث أنس ، ولفظه ( مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً ) قال شارحه : زاد في رواية ( فإن الكباد من العب ) . (3/138)
صفحة 696
قوله ( لا تعبوا الماء عباً ) العب شرب الماء من غير مص يقال عب الرجل الماء عباً من باب قتل شربه من غير تنفس .
قوله ( البهر ) بضم الباء وسكون الهاء تتابع النفس .
قوله ( مصوه مصاً ) أمر من مصه مصاً من باب قتل ومن باب تعب لغة ومنهم من يقتصر عليها وامتصه بمعناه كذا في المصباح .
وفي الحديث النهي عن عب الماء للإشفاق على الأمة من الداء المعروف بضيق النفس والأمر بمصه للإرشاد إلى المصلحة الدينية في التأدب بآداب الشرع والدنيوية في دفع البلاء عن النفس وكان r يتنفس في الشراب ثلاثاً ويقول إنه أروى وأمرى وأبرى رواه مسلم . والحكمة في مص الماء تردده على المعدة الملتهبة دفعات فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه والثالثة ما عجزت عنه الثانية . وأيضاً فإنه أسلم لحرارة المعدة وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة فإنه أسلم عاقبة وآمن غائلة من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشدة برده وكثرة كميته أو يضعفها فيؤدي إلى فساد المعدة والكبد أو إلى أمراض ردية خصوصاً في سكان البلاد الحارة في الأزمنة الحارة فإن الشرب فيها وهلة واحدة مخوف عليهم جداً وهذا هو السر في النهي عن العب ، والله أعلم .
ما جاء في أكل الحيس
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة قالت : قدمنا لرسول الله r حيساً ... الحديث .
--------------------------------- (3/139)
صفحة 697
قوله ( قدمنا لرسول الله r حيساً ) الحديث تقدم ذكره في ما يجب منه الوضوء وتمامه ( .. حيساً ملتتاً بسمن فأكل منه ولم يتوضأ ) والغرض من ذكره هنا الإشارة إلى جواز أكل الحيس المبلول بالسمن . قال الربيع : الحيس السويق الملتت بالسمن . وقال غيره : الحيس تمر ينزع نواه ويدق مع أقط ويعجنان بالسمن ثم يدلك باليد حتى يبقى كالثريد وربما جعل معه سويق وهو مصدر في الأصل يقال حاس الرجل حيساً من باب باع إذا اتخذ ذلك . ويستفاد من الحديث جواز أكل الطيبات من الرزق لأن الحيس كان من أطيب الموجود عند العرب ، والله أعلم .
ما جاء في أكل السويق
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قال ابن النعمان خرجنا مع رسول الله r حتى إذا كنا بالصهباء وهي أدنى خيبر فصلى العصر فدعا بالأزواد ولم يؤت إلا بالسويق فأمر به فثري فأكل وأكلنا ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ثم صلى ولم يتوضأ .
---------------------------------
قوله ( قال ابن النعمان ) هو سويد بن النعمان بن مالك بن عامر بن مجدعة بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي شهد أحداً وما بعدها من المشاهد كلها مع رسول الله r يعد في أهل المدينة . والحديث أخرجه أيضاً عنه البخاري في موضعين من صحيحه .
قوله ( خرجنا مع رسول الله r ) يعني عام خيبر كما صرحت به رواية البخاري .
قوله ( بالصهباء ) بفتح المهملة والمد .
قوله ( وهي أدنى خيبر ) وفي رواية البخاري إساقط من وهي من نسخة في المسند أيضاً . ومن للتبعيض لأن الصهباء طرف خيبر . وفي رواية للبخاري ( على روحة من خيبر ) والجمع بين الروايتين أن يقال أنها من حريم خيبر وتعد من أطرافها وإن كانت منها على روحة ، وقال أبو عبيدة البكري على بريد . (3/140)
صفحة 698
قوله ( فدعا بالأزواد ) فيه جمع الرفقاء على الزاد في السفر وإن كان بعضهم أكثر أكلاً ، وفيه حمل الأزواد في الأسفار وأن ذلك لا يقدح في التوكل . واستنبط منه أن الإمام يأمر المحتكر بإخراج الطعام عند قلته ليبيعوه من أهل الحاجة وأن الإمام ينظر لأهل العسكر فيجمع الزاد ليصيب منه من لا زاد معه .
قوله ( بالسويق ) بفتح المهملة وكسر الواو هو من الحبوب ما جود تحميسه وطحنه ثم غسل دفعة بماء حار وأخرى ببارد ليزول ما اكتسبه في القلي من اليبس والحرارة وسويق الفواكه ما جفف وسحق بعد قليه كذا في تذكرة الأنطاكي والمراد في الحديث سويق الحبوب دون الفواكه وأكثر ما تستعمله العرب من البر والشعير .
قوله ( فثري ) بضم المثلثة وكسر المهملة مشددة بعدها ياء تحتانية أي بل بقليل ماء . وفي نسخة فثرد بدال مهملة من ثردت الخبز ثرداُ من باب قتل وهو أن تفته ثم تبله بمرق .
قوله ( ثم قام إلى المغرب ) أي ليصليها وكان على وضوء فلم يجدده لكن مضمض فاه فقط ، وإنما مضمضه والحال أنه لا دسم فيه لئلا تحتبس بقاياه بين الأسنان أو نواحي الفم فيشغله تتبعه عن أحوال الصلاة .
قوله ( ولم يتوضأ ) أي من أكل السويق . قال الخطابي : فيه دليل أن الوضوء مما مست النار منسوخ لأنه متقدم وفتح خيبر كانت سنة سبع . واستدل به البخاري على جواز صلاتين فأكثر بوضوء واحد وعلى استحباب المضمضة بعد الطعام ، والله أعلم .
ما جاء في صيد البحر (3/141)
صفحة 699
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن جابر بن عبدالله قال بعث رسول الله r بعثاً وأمّر علينا أبا عبيدة بن الجراح وهو في ثلاثمائة وأنا فيهم فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق ففني الزاد فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمعه وكان مزودي تمر وكان يقوتنا كل يوم قليلاً قليلا حتى فني ولم يصبنا إلا تمرة تمرة قال ولقد وجدنا فقدها حين فنيت . قال : ثم انتهينا إلى البحر فإذا بحوت مثل الظرب فأكل منه ذلك الجيش ثمان عشرة ليلة ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعها فنصبتا فأمر براحلته فرحلت ثم مر تحتها فلم يصبهما .
قال الربيع : الظرب الجبل .
---------------------------------
قوله ( بلغني عن جابر بن عبدالله ) الحديث رواه أيضاً مالك والبخاري ومسلم وأحمد والأربعة بطرق مختلفة وألفاظ متعددة . (3/142)
صفحة 700
قوله ( بعث ) أي وجه جيشاً ..الخ . والبعث الجيش وكان هذا البعث يسمى جيش الخبط بفتحتين وهو ورق السمر لأنهم أكلوه من شدة الجوع ، وسماه البخاري غزوة سيف البحر لأن الغزوة كانت نحو الساحل وكان فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسلهم يتلقون عيراً لقريش كما في رواية مسلم وفي رواية عنده أيضاً إلى أرض جهينة ولا منافاة بينهما فالجهة أرض جهينة والقصد تلقي عير قريش وهو الإبل المحملة بالطعام أو غيره . وكانت هذه السرية في شهر رجب سنة ثمان من الهجرة وذلك بعدما نكثت قريش العهد وقبل الفتح فإنه كان في رمضان من السنة المذكورة . وتعقب بأن كونه في رجب وهم غير محفوظ إذ لم يحفظ أنه r غزا في الشهر الحرام ولا أغار فيه ولا بعث فيه سرية . وأجيب بأنه مبني على القول أن تحريم القتال في الأشهر الحرم غير منسوخ وهو قول الظاهرية وعطاء ومعظم الأمة على نسخه . وقال ابن حجر : مقتضى ما في الصحيح أن يكون البعث في سنة ست أو قبلها قبل هدنة الحديبية . قال : ويحتمل أن تلقيهم للعير ليس لحربهم بل لحفظهم من جهينة ولهذا لم يقع في شيء من طرق الخبر أنهم قاتلوا أحداً بل فيه أنهم أقاموا نصف شهر أو أكثر في مكان واحد . قلت : هذا خلاف الظاهر من سياق الحديث وكونهم لم يقاتلوا لا يدل على ذلك لأنهم لم يلقوا كيداً ولو لقوا لقاتلوا .
قوله ( بعثاً ) أي جيشاً زاد في رواية مالك قبل الساحل وزاد في رواية عمرو بن دينار عن جابر في الصحيحين ( يرصداً عيراً لقريش ) ولمسلم عن عبيد الله بن مقسم عن جابر ( بعثنا إلى أرض جهينة ) وذكر ابن سعد أن بعثهم إلى حي من جهينة بالقبلية بفتح القاف والموحدة وكسر اللام وشد التحتية مما يلي ساحل البحر بينه وبين المدينة خمس ليال وأنهم انصرفوا فلم يلقوا كيداً أي حرباً . قال بعضهم : ولا منافاة لاحتمال أن البعث للمتصدين رصد عير قريش وقصد محاربة حي من جهينة .
قوله ( وأمّر ) بشد الميم أي جعل أميراً عليهم . (3/143)
صفحة 701
قوله ( أبا عبيدة بن الجراح ) قيل اسمه عامر بن عبدالله بن الجراح ، وقيل عبدالله بن عامر والأول أصح وهو عامر بن عبدالله بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النظر القرشي الفهري أحد العشرة ، شهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد مع رسول الله r وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية ولما دخل عمر بن الخطاب السام ورأى عيش أبي عبيدة وما هو عليه من الشدة قال له : كلنا غيرته الدنيا غيرك يا أبا عبيدة . وتوفي رضي الله عنه في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة وصلى عليه معاذ بن جبل .
قوله ( في ثلاثمائة ) هذا هو المشهور في الروايات في الكتب الستة وبه جزم أهل السير كابن سعد وبين أنهم من المهاجرين والأنصار وللنسائي أيضاً بضع عشرة وثلاثمائة فإن صحت فلعله اقتصر في الرواية المشهورة على ثلاثمائة استسهالاً لأمر الكسر لقتله .
قوله ( وأنا فيهم ) زاد في رواية مسلم ( وفيهم عمر بن الخطاب ) ، وزاد البخاري ومسلم عن هشام بن عروة عن وهب ( نحمل زادنا على رقابنا ) .
قوله ( ففني الزاد ) بفتح الفاء وكسر النون أي فرغ وجوز بعضهم أن يكون معنى فنى أشرف على الفناء وذكروا أن المراد بالزاد الذي فني الزاد الذي كان للعموم وهو جراب التمر الذي زودهم النبي r .
قوله ( فأمر أبا عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمعه ) أي جمع الموجود منه وهذا نظير فعله r في الصهباء من أدنى خيبر المتقدم ذكره في السويق ، وإنما أمر بجمع الأزواد لتحصل البركة بالاجتماع ولتحصل المواساة بين من عنده بقية من زاد وبين من لا بقية له . وظاهر هذا السياق أنه كان لهم أزواد بطريق العموم وأزواد بطريق الخصوص فلما فني الذي بطريق العموم اقتضى رأي أبي عبيدة أن يجمع الذي بطريق الخصوص لقصد المواساة بينهم . (3/144)
صفحة 702
قوله ( مزودي تمر ) بكسر الميم وإسكان الزاي وفتح الواو والدال تثنية مزود بالكسر ما يجعل فيه الزاد ، والمعنى أنه كان المتحصل من المجموع قدر مزودي تمر . وفي رواية للبخاري مزود تمر بالإفراد ، والتثنية أثبت وهي الواردة في رواية المصنف ومالك وغيرهما وهو رواية للبخاري أيضاً .
قوله ( يقوتنا ) وفي رواية مالك ( يقوتناه ) بزيادة الهاء وهي ضمير يعود إلى المتحصل من الأزواد ويقوت بفتح أوله والتخفيف من الثلاثي وبضمه والتشديد من التويقت .
قوله ( قليلاً قليلا ) بالنصب على الحال وقيل على المفعولية وليس بشيء لأنه بيان لحالة التويقت لا صفة للمقتات .
قوله ( حتى فني ) أي حتى نفد المتحصل من الأزواد .
قوله ( فلم يصبنا إلا تمرة تمرة ) يعني من آخر ما بقي من المتحصل وجوز بعضهم أن يكون معنى فني أشرف على الفناء ، وفي رواية ( فقلت أزوادنا حتى ما كان يصيب الرجل منا إلا تمرة ) ، وفي رواية عمرو بن دينار عن جابر في الصحيحين وغيرهما ( فأقمنا على الساحل حتى فني زادنا فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط ) بفتح المعجمة والموحدة وطاء مهملة أي ورق السلم بفتحتين شجر عظيم له شوك كالعوسج والطلح قيل وهو الذي أكلوا ورقه .
قوله ( قال ولقد وجدنا فقدها حين فنيت ) قائل ذلك هو جابر بن عبدالله وهو جواب لسؤال لم يذكر في رواية المصنف وهو مذكور في رواية مالك عن وهب بن كيسان مولى قريش ( قال وقلت وما تغني تمرة فقال لقد وجدنا فقدها حيث فنيت ) ومعنى قوله ( لقد وجدنا فقدها ) أي أدركنا لفقدها في الوجدان أثراً لأنها خير من العدم تحلي الفم وترد بعض ألم الجوع . ولمسلم عن أبي الزبير أنه أيضاً سأل عن ذلك فقال له لقد وجدنا فقدها فقلت ما كنتم تصنعون قال نمصها كما يمص الصبي الذي ثم نشرب عليها من الماء فيكفينا يومنا إلى الليل .
قوله ( ثم انتهينا إلى البحر ) أي وصلنا إليه وهو البحر الذي بساحل جهينة . (3/145)
صفحة 703
قوله ( فإذا بحوت ) وفي رواية مالك عن وهب بن كيسان ( فإذا حوت ) ، ولمسلم عن أبي الزبير عن جابر ( فوقع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر ) ، وفي رواية عمرو بن دينار ( ألقى لنا البحر دابة يقال لها العنبر ) ، وفي رواية عنه أيضاً ( فألقى لنا البحر حوتاً ميتاً لم نر مثله يقال له العنبر ) والحوت اسم جنس لجميع السمك وقيل مخصوص بما عظم منه . والعنبر دابة بحرية كبيرة يتخذ من جلدها الترس ويقال إن العنبر المشموم رجيع هذه الدابة ، وقيل المشموم يخرج من الشجر وإنما يوجد في أجواف السمك الذي تبتلعه . وقال الأزهري : العنبر سمكة تكون بالبحر الأعظم يبلغ طولها خمسين ذراعاً يقال لها بالة وليست بعربية .
وقوله ( مثل الظرب ) بفتح الظاء المعجمة المشالة وكسر الراء المهملة بعدها موحدة وحكى بعضهم أنه بالمعجمة الساقطة والأول أصوب . قال الربيع : الظرب الجبل . وقال مالك : الظرب الجبيل بضم الجيم إشارة إلى صغره . وفي رواية عنه الجبل الصغير . وقيل هو بسكون الراء إذا كان منبسطاً ليس بالعالي .
قوله ( ثمان عشرة ليلة ) وفي رواية عمرو بن دينار ( فأكلنا منه نصف شهر ) ، وفي رواية أبي الزبير ( فأقمنا عليه شهرا ) قال ابن حجر : ويجمع بأن من قال ثماني عشرة ضبط ما لم يضبطه غيره ومن قال نصف شهر ألقى الكسر الزائد وهو ثلاثة أيام ومن قال شهراً جبر الكسر أو ضم بقية المدة التي كانت قبل وجدانهم الحوت إليها . قال ووقع في رواية الحاكم اثني عشر يوما وهي شاذة . قال : وأشد منها شذوذاً رواية الخولاني فأقمنا عليها ثلاثاً زاد في رواية عمرو بن دينار عن جابر ( وادّهنا من ودكه حتى ثابت إلينا أجسامنا ) وثابت بمثلثة وموحدة أي رجعت وفيه إشارة إلى أنه حصل لهم هزال من الجوع السابق . (3/146)
صفحة 704
وقوله ( ثم أمر .. الخ ) إنما فعل ذلك رضي الله عنه ليختبر عظمها حتى يخبروا من ورائهم عن كبرها فيكون الخبر عن صحة وضبط فيحصل الاعتبار للسامع كما حصل للمشاهد .
وقوله ( بضلعين ) تثنية ضلع بكسر الضاد وأما اللام فتفتح في لغة الحجاز وتسكن في لغة تميم وهى أنثى وجمعها أضلع وأضلاع وضلوع وهي عظام الجنبين .
وقوله ( براحلته ) بزيادة هاء الضمير العائد إلى المر وهو أبو عبيدة وفي رواية مالك ( براحلة ) على الإبهام وفي رواية المصنف زيادة بيان .
وقوله ( فرحلت ) بتخفيف الحاء وتشديدها وبالبناء للمفعول أي جعل عليها الرحل .
وقوله ( ثم مر ) أي أبو عبيدة لأن الراحلة كانت له كما تقدم .
وقوله ( فلم يصبهما ) أي فلم ينلهما برأسه لارتفاعهما ، وفي رواية مالك ( فلم تصبهما ) بالمثناة الفوقية والضمير للراحلة وفي رواية للبخاري فعمد إلى أطول رجل معه فمر تحته ) وعند ابن إسحاق عن عبادة بن الصامت ثم أمر بأجسم بعير معنا فحمل عليه أجسم رجل منا فخرج من تحتها وما مست رأسه ولعل ذلك كله قد كان من أبي عبيدة رضي الله عنه فيكون مرة جرب الناقة برحلها ومرة مر هو عليها ومرة عمد إلى أجسم بعير فحمل عليه أجسم رجل من القوم وجزم في المقدمة بأن الرجل قيس بن سعد بن عبادة وقال في الفتح : لم أقف على اسمه وأظنه قيساً فإنه مشهور بالطول وقصته مع معاوية مغروفة لما أرسل إليه ملك الروم أطول رجل منهم ونزع له قيس سراويله فكانت طول قامة الرومي بحيث كان طرفها على أنفه وطرفها على الأرض وعوتب قيس في نزع سراويله فقال :
أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه سراويل عاديّ نمته ثمود
للبخاري عن أبي الزبير عن جابر ( فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي r فقال : كلوا رزقاً أخرجه الله أطعمونا إن كان معكم فأتاه بعضهم بعضو منه فأكله ) والله أعلم .
ما جاء في الأحوال المنهي عنها عند الأكل (3/147)
صفحة 705
أبو عبيدة قال : نهى رسول الله r في الأكل عن ثلاثة أوجه عن التقشير والترميل والتنقيب ، فالقشار الذي يأكل من كل ناحية ويقشر وجه الطعام ، والمرمل الذي يرفع لفيه مالا يسع ، والنقّاب الذي يحفر في الطعام خبة ويرجع إليه الأدام .
-------------------------------------
قوله ( نهى رسول الله ) الحديث لم أجد ي شيء من كتب الحديث ولعله مما تفرد به المصنف رضي الله عنه ، وذكر نحوه الشيخ إسماعيل في قواعده .
قوله ( في الأكل ) أي عند الأكل أو في حالة الأكل .
قوله ( عن ثلاثة أوجه ) أي أحوال مأخوذ من قولهم فلان أحسن القوم وجهاً أي حالاً .
قوله ( عن التقشير ) وما بعده بدل من ثلاثة أوجه بدل كل من كل وفائدته التفسير . (3/148)
صفحة 706
والتقشير مصدر قشره إذا أولت قشره ومنه قشر الطعام إذا أخذ أعلاه . والقشار بالتشديد الذي يأكل من كل ناحية ويقشر وجه الطعام . وروى مالك وغيره عن وهب بن كيسان أنه قال : أتي رسول الله r بطعام ومعه ربيبه عمر بن أبي سلمة فقال له رسول الله r : سم الله وكل مما يليك . وذلك حين رأى يده تطيش في الصحفة كما في رواية الوليد بن كثير وذلك أن الكل من موضع يد صاحبه سوء عشرة وترك مروءة لنفور النفس لا سيما في الأمراق وفيه إظهار الحرص والنهم وسوء الأدب وأشباهها . وفي التقشير زيادة على ذلك لأنه يأخذ وجه الطعام الذي فيه الأدام والنهي للكراهة عند جمهور قومنا والظاهر التحريم كما أشار إليه بعضهم لأنه أذى وسوء صحبة والكل حرام ويستثنى من ذلك ما إذا كان الطعام غير لون أو كان تمراً أو رطباً أو نحوه من الفواكه فإنه يجوز الأكل مما يلي الآخر وقد تتبع رسول الله r الدباء من المرقة كما في حديث أنس عند البخاري . وروى ابن ماجة وغيره عن عائشة كان r إذا أتي بطعام أكل مما يليه وإذا أتي بالتمر جالت يده فيه . وروى الترمذي وابن ماجة عن ع كراش بن ذؤيب قال : أخذ بيدي r إلى بيت أم سلمة فقال : هل من طعام فأتيناه بجفنة كثيرة الثريد والودك فأكلنا منها فخبطت بيدي على نواحيها وأكل r من بين يديه وقبض بيده اليسرى على يدي اليمنى ثم قال يا عكراش كل من موضع واحد فإنه طعام واحد ثم أتينا بطبق فيه ألوان التمر والرطب فجعلت آكل من بين يدي وجالت يده صل الله عليه وسلّم في الطبق فقال : يا عكراش كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد . وفي إسناده ضعف لكن له شواهد تقويه . (3/149)
صفحة 707
وأما الترميل فهو مصدر رمل بالتشديد مبالغة في رمل بالتخفيف يقال رمل في مشيه إذا هرول وأسرع . والرمل بضم الميم الأولى وتشديد الثانية مع كسرها اسم فاعل من الترميل وهو في الأكل المتابع للقم بعجلة كما في القواعد ، وقيل هو الذي يرفع لفيه ما لا يسع كما عند المصنف والأول أنسب بالاشتقاق فإنه شبه تتابع اللقم بعجلة بتتابع نقل الرجلين في الهرولة ، ولعل القول الثاني مأخوذ من أرمل الرجل إذا افتقر وضاق حاله فإن الفم يضيق بما لا يسع .
وأما التنقيب فمصدر نقب بالتشديد مبالغة في نقب بالتخفيف يقال نقب الحائط ونحوه نقباً من باب قتل إذا خرقه ومنه تنقيب الطعام أي خرقه .
والنقاب بالتشديد مبالغة في الناقب وهو الذي يحفر في الطعام خبة ويرجع الأدام فيختص به دون أصحابه وهو سوء عشرة وضعف أدب ، والله أعلم .
ما جاء في الشرب قائماً
أبو عبيدة عن ابن عباس عن النبي r أنه نهى عن الشرب قائماً . ويروى أنه شرب من زمزم قائماً . قال ابن عباس : المرجع فيه إلى كتاب الله وهو قوله ( كلوا واشربوا ) الآية فهذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال إلا في موضع خصه النهي من النبي r .
---------------------------------
قوله ( عن ابن عباس ) الحديث رواه أحمد ومسلم عن أبي سعيد . وروى أيضاً أحمد ومسلم والترمذي عن قتادة عن أنس أن النبي r زجر عن الشرب قائماً قال قتادة فقلنا فالأكل ؟ قال : ذلك شر وأخبث . (3/150)
صفحة 708
قوله ( نهى عن الشرب قائماً ) وذلك لأنه يحرك أخلاطاً . وقال النخعي : إنما نهي عن ذلك لداء البطن . وقال غيره : للشرب قائماً آفات عديدة منها أنه لا يحصل به الري التام ولا يستقر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة إلى المعدة فيخشى منه أن تبرد حرارته ويسرع إلى النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج وكل هذا يضر بالشارب قائماً فإذا فعله نادراً لم يضره وبهذا يجمع بين النهي والفعل فشربه r من زمزم قائماً نادر وقد فعله لبيان الجواز فالنهي محمول عندنا وعند الجمهور على كراهة التنزيه وفعله r لبيان الجواز لا يدخل تحت الكراهة لأن البيان عليه واجب أو مندوب ولا يكون فعل الواجب أو المندوب مكروها. واستظهر بعضهم أن النهي للتحريم لا سيما وقد أكد ذلك قوله في حديث أبي هريرة عند مسلم لا يشربن أحدكم قائماً فإن نسي فليستقيء أي يتقيأه لأن التقيء يذهب بتلك الأخلاط المتولدة من الشرب قائماً . قالوا فهذا يدل على التشديد في المنع والمبالغة في التحريم وظاهر كلام هذا البعض أن النهي للتحريم لكنه منسوخ لما ذكر بعد ذلك من الكلام الدال على ذلك . وقد قال بذلك قوم .وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال وأيضاً فالجمع ممكن فلا حاجة إلى تكلف القول بالنسخ . وتكلف بعض المالكية في النهي تأويلاً بعيداً فقالوا لعل النهي منصرف إلى من أتى أصحابه بماء فبادر يشربه قائماً استبداداً به وخروجاً عن كون الساقي آخرهم شرباً . قال المازري وأيضاً فإن الحديث تضمن المنع من الأكل قائماً ولا خلاف في جواز الأكل قائماً . قال : والذي يظهر لي أن أحاديث شربه قائماً تدل على الجواز وأحاديث النهي تحمل على الاستحباب والحث على ما هو أولى وأكمل . قال : ويحمل الأمر بالقيء على أن الشرب قائماً يحرك خلطاً يكون القيء دواءه ويؤيده قول النخعي إنما نهي عن ذلك لداء البطن وحاصله أن النهي عنده طبي لا شرعي وفيه أنه نهي جاء من الشارع وهو أعلم بالمضار (3/151)
صفحة 709
والمنافع على أن الإضرار بالنفس حرام شرعاً والله أعلم .
قوله ( ويروى أنه شرب من زمزم قائماً ) الراوي لذلك هو ابن عباس نفسه كما صرحت به رواية الشيخين وأحمد . وفي الصحيحين عن ابن عباس أتيت النبي r بدلو من ماء زمزم فشرب منه وهو قائم . وفي البخاري وأحمد أن علياً شرب في رحبة الكوفة وهو قائم ثم قال إن ناساً يكرهون الشرب قائماً وإن رسول الله r صنع مثل ما صنعت . وفي الموطأ عن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان كانوا يشربون قياماً . وفي الشرح وقال جبير بن مطعم رأيت أبا بكر الصديق يشرب قائماً . وروى مالك عن ابن شهاب أن عائشة أم المؤمنين وسعد بن أبي وقاص كانا لا يريان بشرب الإنسان وهو قائم باسا . وروى أيضاً مالك عن أبي جعفر القاري أنه قال رأيت عبدالله بن عمر يشرب قائماً . وروى مالك عن عبدالله بن الزبير عن ابنه أنه كان يشرب قائماً .
قال ابن عباس : المرجع فيه إلى كتاب الله تعالى وهو قوله ( كلوا واشربوا ) فهذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال إلا في موضع خصه النهي عن النبي r . وهذا الكلام من ابن عباس رضي الله عنه إشارة إلى تساقط الحديثين حديث النهي والفعل بالتعارض إن لم يمكن الجمع بحمل النهي على موضع مخصوص فتبقى الإباحة المذكورة في قوله تعالى ( كلوا واشربوا ) فإنه تعالى قد أباح ذلك على الإطلاق ما لم يبلغ الإسراف فالإباحة متحققة والنهي معارض بالفعل . ونسب بعضهم القول بالجواز إلى الجمهور وغلى الخلفاء الأربعة تمسكاً بشربه من زمزم قائماً . قالوا وكأنهم رأوه متأخراً عن النهي فإنه في حجة الوداع فهو ناسخ وحقق ذلك فعل خلفائه بخلاف النهي قالوا ويبعد خفاؤه عليهم مع شدة ملازمتهم له وتشددهم في الدين وهذا وإن لم يصلح دليلاً للنسخ فيصلح لترجيح أحد الحديثين . ولابن حجر :
إذا رمت تشرب فاقعد تفز بسنة صفوة أهل الحجاز
وقد صححوا شربه قائماً ولكنه لبيان الجواز (3/152)
صفحة 710
ما جاء في النهي عن الشرب من في السقاء
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي r أنه نهى عن الشرب من فم السقاء . وروي أنه خنث سقاء فشرب منه . قال ابن عباس : وإنما نهى عن ذلك إشفاقاً أن تكون فيه دابة .
---------------------------------
قوله ( عن ابن عباس ) الحديث رواه أيضاً الجماعة إلا مسلما ولفظه عندهم ( عن ابن عباس قال : نهى رسول الله r عن الشرب من في السقاء ) . ورواه أيضاً البخاري وأحمد من حديث أبي هريرة .
واختلفوا في هذا النهي فحمله الأكثر على التنزيه وهو عند ابن عباس للإشفاق . وجزم ابن حزم بالتحريم لثبوت النهي وحمل أحاديث الرخصة على أصل الإباحة وأطلق أبو بكر الأثرم صاحب أحمد أن أحاديث النهي ناسخة للإباحة لأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى وقع دخول الحية في بطن الذي شرب من في السقاء فنسخ الجواز .
ونقل غيره عن مالك أنه أجاز الشرب من أفواه القرب وقال لم يبلغني فيه نهي . قال ابن حجر : لم أر في شيء من الأحاديث المرفوعة ما يدل على الجواز إلا من فعله r وأحاديث النهي كلها من قوله فهي أرجح . قال : وإذا نظرنا إلى علة النهي عن ذلك فإن جميع ما ذكره العلماء في ذلك يقتضي أنه مأمون منه r . (3/153)
صفحة 711
قوله ( وروي أنه خنث سقاء فشرب منه ) خنث بالخاء المعجمة والنون المشددة بعدها مثلثة أي عطف فمه نحوه فشرب منه مأخوذ من الخنث وهو في الأصل الانطواء والتكسر والانثناء . والسقاء الإناء المتخذ من الأدم صغيراً كان أو كبيراً . وقيل هو الصغير فقط وعيه عرفنا . والقربة أعم منه فإنها قد تكون صغيرة وقد تكون كبيرة . روى ابن ماجة والترمذي وصححه عن عبدالرحمن بن أبي عمرة عن جدته كبشة قالت : دخل عليّ رسول الله r فشرب من في قربة معلقة قائماً فقمت إلى فيها فقطعته . وروى أحمد وابن شاهين والترمذي في الشمائل عن أم سليم قالت : دخل عليّ رسول الله r وفي البيت قربة معلقة فشرب منها وهو قائم فقطعت فاها فإنه لعندي . قال ابن عباس : وغنما نهي عن ذلك إشفاقاً أن تكون فيه دابة أي فتلدغه أو تدخل بطنه فتضره أو تطبق في حلقه فتشرقه . وزاد أحمد بعد حديث أبي هريرة قال أيوب : فأنبئت أن رجلاً شرب من في السقاء فخرجت حية . وعند ابن أبي شيبة شرب رجل من سقاء فانساب في بطنه حيتان فنهى رسول الله r عن ذلك . قال ابن حجر : وهذا يقتضي أنه لو ملأ السقاء وهو يشاهد الماء الذي يدخل فيه ثم ربطه ربطاً محكماً ثم شرب منه لم تناوله النهي . قال : وقد أخرج الحاكم من حديث عائشة بسند قوي بلفظ ( نهى أن يشرب من في السقاء لأن ذلك ينتنه ) قال : وهذا يقتضي أن يكون النهي خاصاً بمن يشرب فيتنفس داخل السقاء أو باشر بفمه باطن السقاء أما من صب من الفم إلى ادخل فمه من غير مماسة فلا . ومن جملة ما علل به النهي أن الذي يشرب من فم السقاء قد يغلبه الماء فينصب منه أكثر من حاجته فلا يأمن أن يشرق به أو يبل ثيابه . قال ابن العربي : واحدة من هذه العلل تكفي في ثبوت الكراهة ومجموعها تقوي الكراهة جداً . قال ابن أبي جمرة : الذي يقتضيه الفقه أن لا يبعد أن يكون النهي بمجموع هذه الأمور وفيها ما يقتضي الكراهة وفيها ما يقتضي التحريم والعادة في مثله ترجيح ما يقتضي (3/154)
صفحة 712
الكتاب: شرح الجامع الصحيح - الجزء 1 و 2
المؤلف: الإمام نور الدين/ عبد الله بن حميد السالمي
وكان تمام تسويده عشية الاثنين لسبع مضين مِن ربيع الأول سنة خمس وعشرين بعد ثلاثمائة وألف مِن الهجرة الإسلامية على مهاجرها أفضل صلاة وتحية.
مصدر الكتاب: كوكب المعرفة بموقع الشبكة الإباضية (شبكة أهل الحق والاستقامة) التحريم . قال العراقي : لو فرق بين ما يكون لعذر كأن تكون القربة معلقة ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناء ولم يتمكن من التناول بكفه فلا كراهة حينئذ وعلى هذا تحمل الأحاديث المذكورة ، وبين ما يكون لغير عذر فتحمل أحاديث النهي . قال ابن حجر : ويؤيده أن أحاديث الجواز كلها فيها أن القربة كانت معلقة والشراب من القربة المعلقة أخص من الشرب من مطلق القربة . قال : ولا دلالة في أخبار الجواز على الرخصة مطلقاً بل على تلك الصورة وحدها ، وحملها على حال الضرورة جمعاً بين الخبرين أولى من حملها على النسخ . والله أعلم .
ما جاء في أن السنة في الشراب الأيمن فالأيمن
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال : أتي رسول الله r بلبن شيب بماء وعلى يمينه أعرابي وعلى يساره أبو بكر وأعطى الأعرابي وقال : الأيمن فالأيمن .
---------------------------------
قوله ( عن أنس ) الحديث رواه أيضاً الجماعة إلا النسائي وفي بعض الألفاظ عن أنس قال فحلبت لرسول الله r شاة داجن وشيب لبنها بماء من البئر التي في دار انس فأعطي رسول الله r القدح فشرب وعلى يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي فقال عمر أعط أبو بكر يا رسول الله فأعطى الأعرابي الذي على يمينه ثم قال الأيمن فالأيمن . وفي رواية الأيمنون الأيمنون ألا فيمنوا .
قوله ( أتي ) بضم أوله وكسر ثانيه مبنياً للمفعول ولم يسم هذا الآتي إلا أن القصة كانت في دار انس .
قوله ( شيب ) بكسر المعجمة بعدها تحتانية على البناء للمجهول من الشوب وهو المزج والخلط وإنما كانوا يمزجون اللبن بالماء لأن اللبن عند الحليب يكون حاراً وتلك البلاد في الغالب حارة فكانوا يكسرون حر اللبن بالماء البارد . (3/155)
صفحة 713
قوله ( وعلى يمينه أعرابي ) وفي رواية قومنا عن مكان على والمراد بالكل الحصول عن اليمين وهذا الأعرابي لم يسم ومن زعم أنه خالد بن الوليد فقد غلط غلطاً فاحشاً سرى عليه من اشتباه هذا الحديث بحديث الغلام الصغير المتقدم وهو غلط من جهتين إحداهما أن الأعرابي هنا كان عن يمينه r وخالد كان عن يساره في حديث الغلام ، والثانية أنه لا يقال لخالد أعرابي إذ هو من أجلة قريش . قال ابن حجر : ووقع عند الطبراني من حديث عبدالله بن أبي حبيبة قال : أتانا رسول الله r من مسجد قباء فجئت فجلست عن يمينه وجلس أبو بكر عن يساره ثم دعى بشراب فشرب وناولني عن يمينه . قال : وأخرجه أحمد لكن لم يسم الصحابي . قال : ولا يمكن تفسير المبهم في حديث أنس به أيضاً لأن هذه القصة كانت بقباء وتلك في دار أنس وأيضاً فهو أنصاري ولا يقال له أعرابي كما استبعد ذلك في حق خالد بن الوليد .
قوله ( وأعطى الأعرابي ) أي بعد أن شرب ولم يستأذنه في إعطاء أبي بكر كما استأذن الغلام في إعطاء الأشياخ في الحديث المتقدم مخافة إيحاشه وتألفاً لقلبه لقرب عهده بالجاهلية وعدم تمكنه من معرفة خلق رسول الله r وإنما استأذن الغلام وهو ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إدلالاً عليه وتطييباً لنفسه بالاستئذان لا سيما والأشياخ أقاربه منهم خالد بن الوليد رضي الله عنه . وفي بعض الروايات عمك وابن عمك وفعل ذلك استئناساً لقلوب الأشياخ وإعلاماً بودهم وإيثاراً لكرامتهم . (3/156)
صفحة 714
قوله ( الأيمن فالأيمن ) يجوز فيه الرفع والنصب أما الرفع فعلى أنه مبتدأ محذوف الخبر أي الأيمن مقدم أو أحق . أو على أنه نائب الفاعل أي يقدم الأيمن . وأما النصب فعلى تقدير قدموا أو أعطوا . واستنبط بعضهم من تكرير الأيمن أن السنة إعطاء من على اليمين ثم الذي يليه وهم جرا وهي عادة مشهورة عند العرب معدودة في مكارم الأخلاق ومن ذلك قول عمرو كلثوم في الجاهلية ( وكان الكأس مجراها اليمينا ) فأقرها الشارع عليه الصلاة والسلام لأنه بعث ليتم مكارم الأخلاق وفعله هذه السنة مستحب عند الجمهور . وقال ابن حزم : يجب ولا فرق بين شرب اللبن وغيره . ونقل عن مالك أنه خصه بالماء . قال ابن عبد البر : لا يصح عن مالك . وقال عياض : يشبه أن يكون مراده أن السنة ثبتت في الماء خاصة وتقديم الأيمن في غير شرب الماء يكون بالقياس . قال ابن العربي : كان اختصاص الماء بذلك لكونه قد قيل أنه لا يملك بخلاف سائر المشروبات .
قلت : حديث الباب نص في اللبن المشاب بالماء فلا يتم لهم ما ذكروا من الفرق بين الماء وغيره وكذلك لا يتم توجيه عياض بأن السنة ثبتت نصاً في الماء خاصة لأن حديث الباب نص في اللبن ، والله أعلم .
ما جاء في النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري عن أم سلمة قالت قال : رسول الله r من شرب في آنية الذهب والفضة فكأنما يجرجر في جوفه نار جهنم .
--------------------------------- (3/157)
صفحة 715
قوله ( عن أم سلمة ) هي زوج رسول الله r والحديث عند المصنف من رواية أبي سعيد عنها فهو رواية صحابي عن صحابية . وقد رواه مالك عن نافع عن زيد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق عن أم سلمة ولم يذكر الذهب . ولمسلم من طريق عثمان بن مرة عن عبدالله بن عبدالرحمن عن خالته أم سلمة مرفوعاً ( من شرب من إناء ذهب أو فضة ) وله أيضاً من رواية علي بن مسهر عن عبيدالله بن عمر عن نافع أن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة لكن تفرد ابن مسهر بقوله ( يأكل ) .
قوله ( آنية ) على وزن أفعلة جمع إناء وهو الوعاء .
وقوله ( يجرجر ) بضم التحتية وفتح الجيم الأولى وكسر الثانية بينهما راء ساكنة وآخره راء أيضاً تردد صوت البعير في حنجرته إذا هاج ، وصوت صب الماء في الحلق إذا جرعه جرعاً متداركاً .
وقوله ( في جوفه ) أي بطنه .
وقوله ( نار جهنم ) مفعول يجرجر على أن الجرجرة بمعنى الصب أو التجرع فالفاعل ضمير الشارب وسماه مجرجراً للنار تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه مجازاً للمبالغة على حد قوله تعالى ( إنما يأكلون في بطونهم نارا ) . وقيل يجوز في النار الرفع على الفاعلية والمعنى أن النار هي التي تصوت في البطن والأول أشهر .
والحديث يدل على حرمة الشرب في الذهب والفضة ومثله الأكل كما صرحت به رواية مسلم ويقاس عليه الطهارة فيه والتجمر بمجمر منهما والبول في غناء منهما ، ويحرم التزين بإنائهما واتخاذه في البيوت والبول فيه أيضاً لأن المقصود من تحريم الشرب والأكل تحريم مطلق التأني بهما لأن ذلك لنا في الآخرة وللكفرة في الدنيا ، ولا فرق في ذلك بين رجل وامرأة ، وإنما فرق بينهما في التحلي لما يقصد في المرأة من الزينة للزوج ، والله أعلم .
ما جاء في الضب (3/158)
صفحة 716
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال قال خالد بن الوليد المخزومي دخلت على رسول الله r في بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله r بيده فقال بعض النسوة التي في البيت أخبرن رسول الله r بما يريد أن يأكل منه فقيل هو ضب يا رسول الله فرفع يده . قال خالد فقلت : أحرام هو يا رسول الله ؟ قال : لا ، ولكن ليس هو بأرض قومي فتجدني أعافه . قال خالد : فاجتررته وأكلته ورسول الله ينظر .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن ابن عمر قال جاء رجل إلى رسول الله r قال : ما تقول في الضب يا رسول الله ؟ قال : لست بآكله ولا محرمه .
وحديث أبي طلحة قد تقدم .
---------------------------------
قوله ( عن ابن عباس ) الحديث رواه أيضاً البخاري ومسلم وأحمد وفيه رواية صحابي عن صحابي . قال ابن حجر : وهذا الخبر مما اختلف فيه على الزهري هل هو من مسند ابن عباس أو مسند خالد . (3/159)
صفحة 717
قوله ( قال خالد ..الخ ) لفظه عند البخاري ( عن عبدالله بن عباس عن خالد بن الوليد أنه دخل على مع رسول الله r فأتي بضب محنوذ .. الخ . وخالد بن الوليد بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم أبو سليمان وقيل أبو الوليد القرشي المخزومي أمه لبابة الصغرى وقيل الكبرى والأول اصح وهي بنت الحارث بن حزن الهلالية وهي أخت ميمونة ابنة الحارث زوج النبي r وأخت لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب عم النبي r وهو ابن خالة أولاد العباس بن عبد المطلب الذين من لبابة ، وكان أحد أشراف قريش في الجاهلية وكان إليه القبة وأعنة الخيل في الجاهلية . أما القبة فكانوا يضربونها يجمعون فيها ما يجهزون به الجيش ، وأما الأعنة فإنه كان يكون المقدم على خيول قريش في الحرب . وقد اختلف في وقت اسلامه وهجرته فقيل هاجر بعد الحديبية وقبل خيبر وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست وخيبر بعدها في المحرم سنة سبع . وقيل بل كان إسلامه سنة خمس بعد فراغ رسول الله r من بني قريظة وليس بشيء . وقيل بل كان إسلامه سنة ثمان ، وقال بعضهم كان على خيل رسول الله r يوم الحديبية وكانت الحديبية سنة ست وهذا القول مردود فإن في الصحيح أن خالد بن الوليد كان على خيل المشركين يوم الحديبية ولم يحفظ له مع رسول الله r مشهد قبل الفتح ولم يزل من حين أسلم يوليه رسول الله r أعنة الخيل فيكون في مقدمتها لمحاربة العرب وشهد مع رسول الله r فتح مكة فأبلى فيها وبعثه رسول الله r أميراً على بعوث عديدة واستعمله أبو بكر رضي الله عنه على قتال المرتدين والفرس والروم وله في كل ذلك مواقف محمودة وآثار مشكورة . ولما حضرته الوفاة قال : لقد شهدت مائة زحف أو زهائها وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية وهاأنا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت عين الجبناء وما من عمل أرجى من لا إله إلا الله وأنا منترس بها . وتوفي بحمص من الشام وقيل بل توفي في المدينة سنة إحدى (3/160)
صفحة 718
وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب وأوصى إلى عمر رضي الله عنهما ، والله أعلم .
قوله ( فأتي بضب محنوذ ) بمهملة ساكنة ونون مضمومة وآخره ذال معجمة أي مشوي بالحجارة المحماة . قال ابن حجر : وقع في رواية معمر بضب مشوي والمحنوذ أخص والحنيذ بمعناه زاد يونس في روايته ( قدمت به حفيدة ) بمهملة وفاء مصغراً . قال : ومضى في رواية سعيد بن جبير أن أم حفيدة بنت الحارث بن حزن خالة ابن العباس أهدت للنبي r سمناً وأقطاً وأضباً . والضب دويبة تشبه الجرذون لكنه أكبر من الجرذون ويكنى أبا حسل بمهملتين مكسورة ثم ساكنة ويقال للأنثى ضبة وبه سميت القبيلة . وذكر ابن خالويه أن الضب يعيش سبعمائة سنة وأنه لا يشرب الماء ويبول في كل أربعين يوماً قطرة ولا يسقط له سن ويقال بل أسنانه قطعة واحدة . وحكى غيره أن أكل لحمه يذهب العطش ومن الأمثال لا أفعل كذا حتى يرد الضب يقوله من أراد أن لا يفعل الشيء لأن الضب لا يرد بل يكتفي بالنسيم وبرد الهواء زلا يخرج من جحره في الشتاء .
قوله ( فأهوى إليه رسول الله r بيده ) أي مدها غليه ليأخذه يقال أهوى إلى الشيء بيده إذا مدها ليأخذه إذا كان عن قرب فإن كان عن بعد قيل هوى إليه بغير ألف .
وقوله ( فقال بعض النسوة التي في البيت أخبرن ) بنون النسوة أي أعلمن رسول الله r بما يريد أن يأكل منه . وفي البخاري ( أخبروا ) بواو الجمع . وإنما قالت النسوة ذلك بعد أن أهوى إليه r بيده لظنهن أنه سيسأل عنه قبل أن يأكل كما كانت عادته . وقد جاء في رواية أنه كان r قل ما يقدم يده لطعام حتى يسمى له . (3/161)
صفحة 719
قوله ( فقيل هو ضب يا رسول الله ) جاء في بعض الروايات أن قائل ذلك ميمونة وهي زوج رسول الله r وكانت القصة في بيتها . قال ابن حجر : وعند الطبراني في الأوسط من وجه آخر صحيح ( فقالت ميمونة : أخبروا رسول الله r ما هو ) وهذا يدل على أن بعض النسوة القائلة ( أخبرن رسول الله ..الخ ) هي ميمونة أيضاً فكأنها قالت لهن ذلك وكأنها رضي الله عنها أرادت غيرها يخبره فلما لم يخبره أحد بادرت هي فأخبرت .
قوله ( فرفع يده ) قال ابن حجر : زاد يونس ( عن الضب ) . قال : ويؤخذ منه أنه أكل من غير الضب مما كان قدم له .
قوله ( ليس هو بأرض قومي ) يعني قريشاً فيختص النفي بمكة وما حولها فلا يشكل وجود الضباب كثيراً بأرض الحجاز .
قوله ( فتجدني أعافه ) بمثناة فوقية في جميع نسخ المسند التي بأيدينا ومعناه فتلقاني يا مخاطب أعافه . وفي رواية قومنا فأجدني بالهمزة أي فأجد نفسي تعافه .
وقوله ( أعافه ) بعين مهملة وفاء خفيفة أي أكره أكله يقال عاف الرجل الطعام والشراب يعافه من باب تعب عيافة بالكسر إذا كرهه .
قوله ( فاجتررته ) بجيم وراءين هذا هو المعروف في كتب الحديث وضبطه بعض الشراح بزاي قبل الراء وقد غلط .
قوله ( ورسول الله ينظر ) أي ينظر إليه حال أكله فلا ينكر عليه .
والحديث يدل على جواز أكل الضب . وحكى عياض عن قوم تحريمه وعن الحنفية كراهته وتمسكوا بأحاديث وردت في النهي عن أكله . وأجيب بأنها كانت قبل أن يعلم أن الممسوخ لا نسل له وهو r إنما نهى عنها مخافة أن تكون من الأمم الممسوخة . وقد أخرج أبو داود من حديث عبدالرحمن بن حسنة ( نزلنا أرضاً كثيرة الضباب ) الحديث وفيه أنهم طبخوا منها فقال النبي r : إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض فأخشى أن تكون هذه فاكفؤها ) والله أعلم .
قوله ( بلغني عن ابن عمر ) الحديث رواه أيضاً الشيخان وأحمد . (3/162)
صفحة 720
قوله ( جاء رجل ) الخ . قال ابن حجر : يحتمل أن يكون هذا الرجل خزيمة بن جزء فقد أخرج ابن ماجة من حديث ( قلت يا رسول الله ما تقول ؟ فقال لا آكله ولا أحرمه . قال فقلت فإني آكل ما لم تحرم ) وسنده ضعيف .
قوله ( لست بآكله ولا محرمه ) أي لا آكله لأنه ليس بأرض قومي فأجدني أعافه ولا أحرمه لمن شاء أكله لأن الله لم ينزل عليّ تحريمه . ووقع في حديث يزيد بن الأصم ( أخبرت ابن عباس بقصة الضب فأكثر القوم حوله حتى قال بعضهم قال رسول الله r لا آكله ولا أنهى عنه ولا أحرمه . فقال ابن عباس : بئسما قلتم ما بعث نبي الله إلا محرماً أو محللاً ) أخرجه مسلم . قال ابن العربي : ظن ابن عباس أن الذي أخبر بقوله r لا آكله أراد لا أحله فأنكر عليه لأن خروجه من قسم الحلال والحرام محال .
قوله ( وحديث أبي طلحة قد تقدم ) أي في باب أفضل ما يتصدق به والبركة في الطعام . والمراد بحديث أبي طلحة حديث أنس بن مالك ( قال أبو طلحة لأم سليم : قد سمعت صوت رسول الله r ضعيفاً أعرف فيه الجوع هل عندك من شيء ؟ قالت : نعم . فأخرجت أقراصاً من شعير .. الخ ) وقد تقدم شرحه والغرض من الإشارة إليه أن الحديث قد جاء في ذكر الطعام وفيه من آدابه أنهم قد دخلوا عشرة عشرة بعد الإذن . والله أعلم .
ما جاء في أن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي r أنه قال : أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام .
--------------------------------- (3/163)
صفحة 721
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مسلم ولفظه ( كل ذي ناب من السابع فأكله كرام ) ولم يذكر ذا مخلب من الطير . ولأحمد والترمذي عن جابر قال : حرّم رسول الله r يعني يوم خيبر لحوم الحمر الإنسية ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع . وروى الجماعة إلا البخاري وأبا داود عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله r قال : كل ذي ناب من السباع فأكله حرام . وهذا الحديث رواه مالك عن أبي ثعلبة وعن أبي هريرة . قال مالك في الموطأ : وهو الأمر عندنا يعني القول بتحريم ذلك وهو المعتمد عندهم بالمدينة والمشهور من مذهبه عند أصحابه القول بالكراهة فقط وهو المنقول عن أبي عبيدة عندنا قيل وكان أبو عبيدة ومالك في عصر واحد هذا في البصرة وذلك في المدينة ولعلهم يحملون التحريم في الحديث على المنع الصادق بالكراهة وما قيل أنهما يطعنان في حديث أبي هريرة فلا يثبت وهو بعيد جداً لأن أبا عبيدة رواه عن جابر بن زيد عن أبي هريرة وهذا الطريق لا يتأتى فيه الطعن بوجه من الوجوه . وقد روى مالك التحريم من وجهين كما مر فيبعد أن ينكره . ومذهب الجمهور القول بالتحريم وقيل بالإباحة والأقوال الثلاثة كلها في المذهب وأصحها التحريم لحديث الباب . قال الترمذي : وعليه العمل عند أكثر أهل العلم .
ويليه في الصحة القول بالكراهة وكأنه مأخوذ به أيضاً عند إخواننا من أهل المغرب . قال البدر الشماخي رحمه الله تعالى : أن أيوب بن العباس الفارس المشهور في أيام الإمام عبدالوهاب رضي الله عنه جاز على أسد ولبوة وأشبال فقطع أرجلها فجاز على حي فقال : من يبتغ اللحم المكروه فعليه بالوادي فذهبوا مبادرين فمن يأكل المكروه أخذ . (3/164)
صفحة 722
وأما القول بالحل ففي غاية الضعف . واحتجوا على ذلك بعموم قوله تعالى ( قل لا أجد فيما أوحي إليّ ) الآية . والجواب أنها مكية وحديث التحريم بعد الهجرة . وأيضاً فقد قيل أن آية الأنعام خاصة ببهيمة الأنعام لأنه تقدم قبلها حكاية عن الجاهلية أنهم يحرمون أشياء من الأزواج الثمانية بآرائهم فنزلت الآية ( قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ) أي من المذكورات إلا الميتة منها والدم المسفوح وما أهل به لغير الله . ولا يرد كون لحم الخنزير ذكر معها لأنه قرنت به علة تحريمه وهو كونه رجساً . وحكى القرطبي عن قوم أن آية الأنعام المذكورة نزلت في حجة الوداع فتكون ناسخة . وردّ بأنها مكية كما صرّح به كثير من العلماء ويؤيده ما تقدم قبلها من الآيات في الرد على مشركي العرب في تحريمهم ما حرموه من الأنعام وتخصيصهم بعض ذلك لآلهتهم إلى غير ذلك مما سبق للرد عليهم وذلك كله قبل الهجرة إلى المدينة .
قوله ( كل ذي ناب من السباع ) أصل الناب السن الذي خلف الرباعية جمعه أنياب . قال ابن سينا : لا يجتمع في حيوان واحد ناب وقرن معا . واختلف القائلون بالتحريم في المراد بماله تاب فقيل إن ما يتوقى به ويصول على غيره ويصطاد ويعدو بطبعه غالباً كالأسد والفهد ، وأما ما لا يعدو كالضبع والثعلب فلا . وإلى هذه ذهب قوم منا ومن غيرنا . وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس بها ، وأما الثعلب فورد في تحريمه حديث خزيمة بن جزء عند الترمذي وابن ماجو ولكن سنده ضعيف .
وقوله ( وذي مخلب ) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح اللام بعدها موحدة هو للطير كالظفر لغيره لكنه أشد منه وأغلظ وأحد وهو له كالناب للسبع يصطاد به ويعدو ولهذا يسمى سباع الطير وذلك كالصقر والعقاب ونحوهما . والله أعلم .
ما جاء في النهي عن لحوم الحمر الإنسية
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن علي بن أبي طالب قال : نهى رسول الله r عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الإنسية . (3/165)
صفحة 723
---------------------------------
قوله ( بلغني عن علي بن أبي طالب ) الحديث رواه أيضاً البخاري قال ( حدثنا عبدالله بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عبدالله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي ثم ذكره ) .
قوله ( نهى رسول الله r .. الخ ) اختلف العلماء في توجيه النهي عن ذلك فمنهم من حمله على التحريم ومنهم من حمله على الكراهة والتحريم أقوى لأدلة أخر ولأنه الأصل في النهي عند الإطلاق .
قوله ( عن متعة النساء ) وذلك أنها كانت حلالاً في الجاهلية وفي صدر الإسلام وهي أن يتزوج الرجل بالمرأة بكذا وكذا على شرط أيام معلومة فإذا تم الأجل أعطاها أجرها الذي فرض لها فإن أحب أن تزيده في الأيام قال لها أزيدك في الأجرة وتزيدينني في الأيام فإن شاءت المرأة فعلت ذلك ولا بد فيه من ولي وشاهدين كغيره من النكاح إلا أنهما لا يتوارثان وكذلك لا عدة ولا نفقة ولا سكنى ولا كسوة وأكثر القول انه منسوخ قيل نسخته آية الميراث وقيل نسخه هذا الحديث . وقيل أنها باقية لم تنسخ وهو قول الأقل من الناس وبه قال من أئمة المذهب الربيع وأبو صفرة عبدالملك بن صفرة ومحمد بن محبوب رضي الله عنهم ويوجد عن أبي صفرة : لو وجدت من يمتعني لاستمتعت . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لو أطاعني عمر في نكاح المتعة لم يجلد على الزنا إلا شقي . وفي وفيات الأعيان قال : وحدّث محمد بن منصور قال : كنا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة فقال يحي بن أكثم لي ولأبي العيناء أبكرا غداًً إليه فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا وإلا فاسكتا إلى أن أدخل . قال : فدخنا عليه وهو يستاك ويقول مغتاظاً متعتان كانتا على عهد رسول الله r وعلى عهد أبي بكر رضي الله عنه وأنا أنهى عنهما ومن أنت يا جعل حتى تنهى عما فعله رسول الله r وأبي بكر رضي الله عنه فأومأ أبو العيناء إلى محمد بن منصور وقال رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن . فأمسكنا (3/166)
صفحة 724
فجاء يحي بن أكثم فجلس وجلسنا فقال المأمون ليحيى : مالي أراك متغيراً ؟ فقال : هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام . قال : وما حدث فيه ؟ قال : النداء بتحليل الزنا . قال : الزنا ؟ قال : نعم المتعة زنا . قال : ومن أين قلت هذا ؟ قال : من كتاب الله عزوجل وحديث رسول الله r قال الله تعالى ( قد أفلح المؤمنون ) إلى قوله ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين ؟ قال : لا . قال : فهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها ؟ قال : لا . قال : فقد صار متجاوز هذين من العادين ، وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبدالله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن علي بن أبي طالب قال : أمرني رسول الله r أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان قد أمر بها . فالتفت إلينا المأمون فقال : المحفوظ من هذا حديث الزهري ؟ فقلنا : نعم يا أمير المؤمنين رواه جماعة منهم مالك . فقال : استغفر الله نادوا بتحريم المتعة فنادوا بها . كذا ذكره في الوفيات وهي مناظرة حسنة ولهذا نقلتها كما وجدتها وكان المأمون يميل إلى التشيع وإنما يدعونه بأمير المؤمنين جرياً على قاعدتهم في إثبات الإمارة بالقهر والغلبة . (3/167)
صفحة 725
وقوله ( وعن أكل لحوم الحمر الإنسية ) بكسر الهمزة وسكون النون منسوبة على الإنس ويقال فيه أنسية بفتحتين وهي التي تأنس الناس ولا تستوحش منهم ويقال لها الأهلية أيضاً كما في حديث العرباض بن سارية وعند أحمد والترمذي عن جابر قال : حرّم رسول الله r يعني يوم خيبر لحوم الحمر الإنسية ولحوم البغال وكل ذي ناب من السابع وكل ذي مخلب من الطير . وهذا نص في التحريم . وقال مالك : إن أحسن ما سمع في الخيل والبغال والحمير أنها لا تؤكل لأن الله تبارك وتعالى قال : ( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ) وقال تبارك وتعالى في الأنعام ( لتركبوا منها ومنها تأكلون ) وقال تبارك وتعالى ( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) . قال مالك : فذكر الله تعالى الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة وذكر الأنعام للركوب والأكل . وفي البخاري قال عمرو يعني ابن دينار قلت لجابر بن زيد يزعمون أن رسول الله r نهى عن الحمر الأهلية ؟ فقال : قد كان يقول ذاك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس فقرأ ( قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ) وفي رواية ابن مردويه وصححه الحاكم من طريق محمد بن شريك عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذراً فبعث الله نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه فما احل فيه فهو حلال وما حرم فيه فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو وتلا هذا ( قل أجد ) إلى آخرها . وتعقب بأن الاستدلال بهذا الحل إنما يتم فيما لم يأت فيه نص عن النبي r بتحريمه وقد تواردت الاخبار بذلك والتنصيص على التحريم مقدم على عموم التحليل وعلى القياس ، وفي المغازي من البخاري عن ابن عباس أنه توقف في النهي عن الحمر هل كان لمعنى خاص أو للتأبيد ففيه عن الشعبي عنه أنه قال لا أدري أنهى عنه رسول الله r من أجل أنه (3/168)
صفحة 726
كان حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم أو حرمها ألبته يوم خيبر . وفي المغازي من البخاري أيضاً من حديث ابن أبي أوفى إنما نهى عنها لأنها لم تخمس . وجاء في حديث سلمة الأمر بغسل الإناء من لحومها . قال القرطبي : وهذا حكم المتنجس فيستفاد منه تحريم أكلها . قال : وهو دال على تحريمها ليعنها لا لمعنى خارج .
قلت : بل يحتمل ما قيل أن الوصف خارجي وهو كونها تأكل العذرة فإن حكم الجلالة حكم نجس الذات حتى تنتقل إلى حال الطهارة بطول الحبس وأكل الطيب . والله أعلم .
ما جاء في الانتفاع بجلد الميتة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : مر رسول الله r بشاة ميتة كانت قد أعطيتها مولاة ميمونة فقال : هلا انتفعتم بجلدها . قيل : يا رسول الله إنها ميتة . قال : إنما حرم أكلها ، وأيما إهاب دبغ فقد طهر .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت : أمر رسول الله r أن ينتفع بجلد الميتة إذا دبغ .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله r : شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الأغنياء ويترك المساكين .
--------------------------------
قوله ( عن ابن عباس ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحيهما وسائر الجماعة إلا ابن ماجة قال فيه عن ميمونة جعله من مسندها وليس فيه عندهم قوله ( وأيما إهاب دبغ فقد طهر ) لكن روى هذه الزيادة عن ابن عباس أحمد ومسلم وابن ماجة والترمذي وقال فيه حسن صحيح ورواها أيضاً غير من ذكرنا وجعلوها حديثاً مستقلا .
قوله ( بشاة ميتة ) بتشديد الياء وتخفف .
قوله ( كانت قد أعطيتها ) بالبناء للمفعول وفي رواية مالك كان قد أعطاها مولاة لميمونة والمعطي حينئذ هو رسول الله r ، وزاد في رواية يونس ( من الصدقة ) ولا يشكل عليه أن العبيد ليسوا أهلاً للصدقة أي الزكاة لأن المولاة اسم للعتيقة لا المملوكة . (3/169)
صفحة 727
قوله ( لمولاة لميمونة ) زاد مالك ( زوج النبي r ) وهذه المولاة لم تسم . وقال ابن حجر : لم أعرف اسمها .
قوله ( هلا انتفعتم بجلدها ) وفي رواية مالك ( أفلا انتفعتم بجلدها) وفي رواية ( بإهابها ) وهو الجلد دبغ أو لم يدبغ . ولمسلم من طريق ابن عيينة ( هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ) .
قوله ( قيل يا رسول الله ) وفي رواية مالك ( فقالوا يا رسول الله إنها ميتة ) ، وفي البخاري ( قالوا ) . قال ابن حجر : لم أقف على تعيين القائل .
قوله ( إنما حرم أكلها ) بفتح الحاء وضم الراء وبضم الحاء وكسر الراء الثقيلة روايتان وفيه تخصيص الكتاب بالسنة لأن قوله تعالى ( حرمت عليكم الميتة ) شامل لجميع أجزائها في كل حال فخصه بالأكل . (3/170)
صفحة 728
قوله ( وأيما إهاب دبغ فقد طهر ) وقوله في حديث عائشة ( أمر رسول الله صلى اله عليه وسلّم أن ينتفع بجلد الميتة إذا دبغ ) كلا الحديثين لجواز الانتفاع بالدباغ فلا يصح الانتفاع به قبل ذلك خلافاً للزهري في تجويزه الانتفاع به مطلقاً دبغ أو لم يدبغ وظاهر العموم جواز الانتفاع بجلد مطلق الميتة إذا دبغ أي ميتة كانت واستثنى قوم وعليه الأكثر من أصحابنا جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما لنجاسة عينهما عندهم ، وأخذ بعض بعموم الحديث فلم يستثنوا شيئاً . وقصر قوم الجواز على المأكول لحمه لورود الحديث في الشاة وقواه بعض بأن الدباغ لا يزيد في التطهير على الذكاة وغير المأكول ولو ذكي لم يطهر بالذكاة فكذلك الدباغ . وأجيب بأن التمسك بعموم اللفظ أولى من اعتبار خصوص السبب وبأن الإذن بالانتفاع عام . ومنع قوم الانتفاع بالميتة بشيء دبغ الجلد أو لم يدبغ لحديث عبدالله بن غليم - بضم الغين ولام مصغر - قال أتانا كتاب رسول الله r قبل موته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب رواه أحمد والأربعة وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان وأعله بعضهم بالاضطراب . والجواب بعد تسليم صحته أنه يحمل على الانتفاع به قبل الدبغ فإن لفظ أهاب منطبق عليه وبعد البداغ يسمى أديماً وجلداً وسختياناً . والله أعلم .
قوله ( عن عائشة ) الحديث رواه أيضاً مالك وأبو داود والترمذي والنسائي .
قوله ( أمر رسول الله r أن ينتفع بجلد الميتة إذا دبغ ) وفي رواية مالك ( أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت ) والمعنى واحد والأمر للإباحة وفيه التقييد لجواز الانتفاع بالدباغ كما مر ، والله أعلم .
قوله ( شر الطعام ) الحديث تقدم شرحه في باب جامع الصدقة والطعام ، وروايته هنالك ( ويترك الفقراء ) مكان قوله ( ويترك المساكين ) وهما روايتان أيضاً عند قومنا ، والله أعلم .
كتاب الحج (3/171)
صفحة 729
( قوله الحج ) هو في اللغة القصد وقال الخليل كثرة القصد إلى معظم وفي الشرع القصد إلى البيت الحرام بأعمال مخصوصة وهو بفتح المهملة وبكسرها لغتان قيل أن الكسر لغة أهل نجد والفتح لغيرهم ( وقيل ) بالفتح الاسم وبالكسر المصدر وقيل بالعكس وهو الظاهر ( ووجوب الحج ) معلوم من الدين بالضرورة وهو أحد أركان الإسلام التي بني عليها وأجمعوا أنه لا يتكرر إلا لعارض كالنذر وتجديد الإسلام بعد الردة لمن حج في الإسلام الأول ( واختلف ) هل هو على الفور أو على التراخي وهو خلاف مشهور (ثم اختلف ) في وقت ابتداء فرضه فقيل فرض قبل الهجرة وهو شاذ ( وقيل ) بعد الهجرة ثم اختلف في سنة فرضه فالجمهور من قومنا على أنها سنة ست وقيل سنة خمس وقيل سنة تسع وقيل سنة عشر وحج بالناس سنة ثمان وهي عام الفتح عتاب بن أسيد وحج بهم أبو بكر في سنة تسع من الهجرة وكانت حجته صلى الله عليه وسلم سنة عشر ( قال المحشي ) والمنصوص عليه عندنا أنه فرض عاو تسع وحج صلى الله عليه وسلم عام عشر قال وهو دليل من قال أنه على التراخي ( وقال غيره ) ليس يتحقق في تأخيره عليه الصلاة والسلام تعريض الفوات وهو الموجب للفور لأنه كان يعلم أنه يعيش حتى يحج ويعلم الناس مناسكهم تكميلا للتبليغ وقيل الأظهر أنه عليه الصلاة والسلام أخره عن سنة خمس أو ست لعدم فتح مكة وأما تأخيره عن سنة ثمان فلا جل النسيء وأما تأخيره عن سنة تسع فلكراهة الاختلاط بالمشركين الذين يطوفون بالبيت عراة والله أعلم
في فرض الحج
( قوله في فرض الحج ) أي في الأدلة الدالة على فرضه من السنة أما الكتاب فقد نطق بوجوبه في غير موضع من ذلك قوله تعالى (( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا )) وقوله (( وأتموا الحج والعمرة لله )) والإجماع على فرضه لمن استطاع معلوم بالضرورة
ما جاء (3/172)
صفحة 730
( في من أدركته فريضة الحج وهو شيخ هرم ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال (( كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل بن عباس ينظر إليها وتنظر إليه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر قالت يا رسول الله إن فريضة الله على العباد في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكنت قاضية عنه قالت نعم قال فداك ذاك ))
( ما جاء فيمن أدركته فريضة الحج وهو شيخ هرم ) (3/173)
صفحة 731
( قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه أيضا الجماعة إلا قوله قال أرأيت لو كان على أبيك دين الخ فإنهم لم يذكروه في هذا الحديث وإنما ذكره البخاري عن ابن عباس في امرأة من جهينة سألت النبي عن حج نذرت به أمها فماتت قبل أن تحج ولأحمد والنسائي معناه من حديث عبدالله بن الزبير في رجل من خثعم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه وقد أدركه الإسلام وهو شيخ كبير ثم ذكر معنى حديث الباب ولاختلاف الرواية في ذلك اختلف العلماء هل المسئول عنه رجل أو امرأة والصحيح أنهما قضيتان روى كلتيهما المصنف رضي الله عنه وأن الخثعمية سألت عن أبيها وفي حديث أنس الآتي سؤال رجل عن أمه ( قوله كان الفضل بن العباس ) هو ابن عبد المطلب شقيق عبدالله بن عباس يكنى أبا عبد الله وقيل أبا محمد وهو أكبر ولد العباس وبه كان العباس يكنى وكذلك أم الفضل لبابة بنت الحارث غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم الفتح وحنينا وثبت معه حين انهزم الناس وشهد معه حجة الوداع وكان رديفه يومئذ وكان من أجمل الناس وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس عن أخيه الفضل بن عباس قال أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع إلى منى فلم نزل نلبي حتى رمى الجمرة وشهد الفضل غسل النبي صلى الله عليه وسلم وكان يصب الماء على علي بن أبي طالب ( وقتل ) يوم مرج الصفر وقيل يوم أجنادين وكلاهما سنة ثلاث عشرة في قول ( وقيل ) بل مات في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة بالشام وقيل بل استشهد يوم اليرموك سنة خمس عشرة ولم يترك ولدا إلا أم كلثوم تزوجها الحسن بن علي ثم فارقها فتزوجها أبو موسى الأشعري ( قوله رديف رسول الله ) أي على عجز دابته وذلك في حجة الوداع كما تقدم ( قوله من خثعم ) بفتح الخاء المعجمة والعين المهملة أبو قبيلة كبيرة من اليمن سموا به ويجوز منعه وصرفه ( قوله تستفتيه ) أي تطلب منه بيان الحكم في قضيتها المذكورة في الحديث ( قوله فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه (3/174)
صفحة 732
) وكان كل واحد منهما وضيئا جميلا ( قوله يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر ) وذلك أنه عليه الصلاة والسلام أخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها ووقع في رواية الطبري في حديث علي وكان الفضل غلاما جميلا فإذا جاءت الجارية من هذا الشق صرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه الفضل إلى الشق الآخر فإذا جاءت إلى الشق الآخر صرف وجهه عنه وقال في آخره رأيت غلاما حدثا وجارية حدثة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان ( قوله فريضة الله على العباد في الحج ) هذا هو موضع الاستدلال بالحديث في الباب فإنه صلى الله عليه وسلم أقرها على قولها هذا ( وفيه ) أن فرضه معلوم عندهم مستقر في أذهان صغارهم وكبارهم ورجالهم ونسائهم ( قوله أدركت أبي شيخا كبيرا ) وذلك بأن أسلم شيخا وله مال أو حصل له مال في هذا الحال أو نزل فرض الحج وهو شيخ هرم وفيه دليل على وجوب الحج على الزمن والشيخ العاجز عن الحج بنفسه ( وقيل ) إذا لم يسبق الوجوب حالة الشيخوخة بأن لم يملك ما يوصله إلا بعدها فلا يلزمه الحج لاشتراط الاستطاعة في الحج وليس للزمن استطاعة ( قوله أفأحج عنه ) أي أيجزيه إن حججت عنه ( قوله أرأيت ) بكسر التاء أي أخبريني ( ودين ) بفتح الدال هو حق العباد ( وقوله فقضيته ) بكسر التاء أي دفعته إلى صاحبه ( وقوله فداك ذاك ) أي فالحج مثل الدين وفي رواية عند الشيخين عن ابن عباس في الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نذر أخته بالحج وماتت قبل أن تحج فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لو كان عليها دين أكنت قاضيه قال نعم قال فاقض دين الله فهو أحق بالقضاء ( وفي الحديث ) قياس دين الله تعالى على دين العباد وقد استدل به الأصوليون على ثبوت القياس من السنة وهو واضح وفيه أيضا دليل على أنه يجزي حج الغير عن المكلف إذا كان به آفة لا يرجى برؤها مثل الهرم فإنه لا يرجى زواله أما إذا كان علة يرجى برؤها مثل المرض والجنون فلا يصح أن يحج عنه في (3/175)
صفحة 733
حياته ( وقيل ) لا بد في صحة التحجيج عنه من وجود أمرين عدم ثباته على الراحلة والخشية من الضرر عليه من شده فمن لا يضره الشد كالذي يقدر على المحفة لا يجزيه حج الغير عنه لما سيأتي في حديث أنس من قول الرجل في أمه لا تستطيع أن أركبها على البعير وإن ربطتها خفت عليها أن تموت وكأن الربيع رضي الله عنه قد استنبط من هذا الحديث جوابه لإمام المسلمين بالمغرب عبدالوهاب بن عبدالرحمن رضي الله عنهما حين أراد الحج فمنعه علماء نفوسة خوفا عليه من بني العباس واستفتى في أمره الإمامين في الدين الربيع بن حبيب البصري ومحمد لبن عباد المصري فكان من جواب الربيع جواز إعطاء الأجرة لمن يحج عنه حيث كان مشغولا بأمر المسلمين والإسلام مع خوفه على نفسه من ملوك الشرق وكان من جواب ابن عباد سقوط فرض الحج بالكلية عمن كان بهذه الصفة والخلاف في هذه المسئلة فرع الخلاف في مسئلة من وجد المال بعد الهرم فأخذ الإمام بقول الربيع رضي الله عن الجميع ( واتفق ) القائلون بإجزاء الحج عن فريضة الغير بأنه لا يجزي إلا عن موت أو عدم قدرة من عجز ونحوه بخلاف النفل فإنه قيل بجواز النيابة عن الغير فيه مطلقا للتوسيع في النفل ( وقيل ) الحج عن فرض الغير لا يجزي أحدا وأن هذا الحكم يختص بصاحبة هذه القصة ( ورد ) بأن الاختصاص خلاف الأصل ( وقيل ) تختص النيابة بالولد لأن الواقعة وقعت في ذلك ( والجواب ) أنها واقعة حال لا تخصص الحكم ثم أنه وقع في رواية الشيخين عن ابن عباس نظير هذه القضية في رجل سأل عن أخته ثم أنه عليه الصلاة والسلام نبه عن العلة بقوله أرأيت لو كان على أبيك دين الخ فجعله كالدين والدين يصح أن يقضيه غير الولد بالاتفاق والله أعلم
ما جاء
( في وجوب الحج على التراخي )
ومن طريقه أيضا أن(( رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا بعد عشر حجج من هجرته ولا أنكر على من تخلف عن الحج من أمته ))
( ما جاء في وجوب الحج على التراخي ) (3/176)
صفحة 734
( قوله ومن طريقه ) يعني ابن عباس بالسند المتقدم ( قوله لم يحج إلا بعد عشر حجج ) بكسر المهملة أي سنين يعني أنه صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد الهجرة إلا بعد عشر سنين منها وهي حجة الوداع وكانت في السنة العاشرة من الهجرة قال ابن سعد لم يحج غيرها منذ نتبا إلى أن توفاه الله وفي البخاري عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة وأنه حج بعدما هاجر حجة واحدة وهي حجة الوداع ولم يحج بعدها قال ابن اسحق وأخرى بمكة ( وقيل ) حج بمكة حجتين ( وقال ) ابن حزم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتمر قبل النبوءة وبعدها وقبل الهجرة وبعدها حججا وعمرا لا يعلمها إلا الله وكذا قال ابن أبي الفرج وقال السهيلي لا ينبغي أن يضاف إليه في الحقيقة إلا حجة الوداع وإن حج مع الناس إذا كان بمكة فلم يكن ذلك الحج على سنة الحج فقد ذكر أن أهل الجاهلية كانوا ينقلون الحج عن حساب الشهور الشمسية ويؤخرونه في كل سنة أحد عشر يوما وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يحج مقفله من تبوك وذلك إثر فتح مكة بيسير ثم ذكر أن بقايا المشركين يحجون ويطوفون بالبت عراة فأخر الحج حتى نبذ إلى الحج كل ذي عهد عهده وذلك في السنة التاسعة ثم حج في العاشرة بعد إمحاء رسوم الشرك والله أعلم ( قوله ولا أنكر على من تخلف ) الخ هذا منه رضي الله عنه استدلال على أن وجوب الحج على التراخي واستدلاله بوجهين أحدهما فعله صلى الله عليه وسلم في تأخير الحج إلى السنة العاشرة والثاني تقريره وهو عدم إنكاره على المؤرخين والقول بالتراخي هو مذهب الجمهور منا وبه قال الأوزاعي وأبو يوسف ومحمد والشافعي وقال قوم أنه على الفور وبه قال بعض أصحابنا وأبو حنيفة ومالك وأحمد وبعض أصحاب الشافعي ( وأجابوا ) عن الاستدلال المتقدم بأنه قد اختلف في الوقت الذي فرض فيه الحج ومن جملة الأقوال أنه فرض في سنة عشر فلا تأخير ولو سلم أنه فرض قبل العاشرة فتراخيه صلى الله (3/177)
صفحة 735
عليه وسلم إنما كان لكراهة الاختلاط في الحج بأهل الشرك لأنهم كانوا يحجون ويطوفون بالبت عراة فلما طهر الله البت الحرام منهم حج صلى الله عليه وآله وسلم فتراخيه لعذر ومحل النزاع التراخي مع عدم العذر ( وحجة القائلين ) بالفور حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعجلوا إلى الحج يعني الفريضة فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له رواه أحمد وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل أو أحدهما عن الآخر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتعرض الحاجة )) رواه ابن ماجة وعن الحسن قال قال عمر بن الخطاب لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين رواه سعيد في سننه والله أعلم
ما جاء
( أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ذات يوم فجلس فقال سلوني عما شئتم ولا يسألني أحد عن شيء إلا أخبرته به فقال الأقرع بن حابس يا رسول الله الحج علينا واجب في كل عام فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه فقال والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لم تفعلوا ولو لم تفعلوا لكفرتم ولكن إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ))
( ما جاء أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة ) (3/178)
صفحة 736
( قوله عن أنس بن مالك ) الحديث لأحمد والنسائي معناه من حديث ابن عباس ولهما أيضا ولمسلم من حديث أبي هريرة ( قوله صلى الظهر ذات يوم فجلس ) الظاهر أن هذا كان بعد افتراض الحج لسؤال الأقرع عن وجوبه كل عام وفي حديث أبي هريرة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل كل عام يا رسول الله فسكت الخ ونحوه في حديث ابن عباس ويجمع بينه وبين حديث الباب بأنه صلى الله عليه وسلم خطب الناس بعد صلاة الظهر بفرض الحج ثم جلس فقال سلوني عما شئتم الخ ( قال المحشي ) هذا الحديث هو سبب نزول قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسوءكم )) على ما ذكره بعضهم ( قوله فقال الأقرع بن حابس ) بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مع عطارد ابن حاجب بن زرارة والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم وغيرهم من أشراف تميم بعد فتح مكة وقد كان الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنينا وحضرا الطائف وكانا من المؤلفة قلوبهم والظاهر أن الأقرع كان يومئذ كافرا لأن إسلامه كان في قدومه مع وفد تميم بعد الفتح وشهد الأقرع مع خالد بن الوليد حرب أهل العراق وشهد معه فتح الأنبار وهو كان على مقدمة خالد بن الوليد واستعمله عبدالله بن عامر على جيش سيره إلى خراسان فأصيب بالجوزجان هو والجيش ( قوله الحج علينا واجب في كل عام ) قيل إنما سأل عن ذلك لأن الحج في تعارفهم هو القصد بعد القصد فكانت الصيغة موهمة للتكرار وقيل بل الأظهر إنه قاس الحج على سائر الأعمال من الصلاة والصوم وزكاة الأموال ولم يدر أن تكراره كل عام بالنسبة إلى جميع المكلفين من جملة المحال ( قوله لو قلت نعم لوجبت ) أي فريضة الحج واستدل به القائلون أن الإيجاب كان مفوضا إليه صلى الله (3/179)
صفحة 737
عليه وسلم كما استدلوا بقوله تعالى (( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة)) وفي المسئلة خلاف مبسوط في الأصول ( ورد ) بأن قوله لو قلت نعم أعم من أن يكون من تلقاء نفسه أو بوحي نازل أو برأي يراه إن جوزنا له الاجتهاد مع أن القول من تلقاء نفسه مجردا عن وحي جلي أو خفي مردود لقوله تعالى (( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى )) ( وأما ) تحريم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل وألبانها فقد قيل لنذر نذره كان به عرق النساء فنذر أن شفي أن يحرم على نفسه أحب الطعام إليه وكان ذلك أحبه إليه فحرمه ( وقيل ) أشارت عليه الأطباء باجتنابه ففعل ذلك بإذن من الله فهو كتحريم الله ابتداء ( قوله ولو وجبت لم تفعلوا ) أي لم تؤدوها لعجزكم عن ذلك فإن الاستطاعة لا تحصل لجميع الناس في كل عام وفي حديث ابن عباس ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها ( قوله ولو لم تفعلوا لكفرتم ) وذلك لتركهم الفرض حينئذ وترك الفرض كفر نعمة وقد قال الله تعالى (( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين )) ومعنى قوله ومن كفر أي بترك الحج بعد وجوبه عليه بالاستطاعة ففي الآية والحديث دليل على أن تارك الفرض يسمى كافرا ( قوله إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا ) أي فاتركوه كله فإن فاعل بعض المنهي عنه مرتكب لنهي الشرع ومن هنا قيل أن التوبة عن بعض المعاصي لا تصح لأنه لا يصح أن يكون مصرا تائبا في حال واحد ( قوله وإذا أمرتكم بشيء فاتوا ما استطعتم منه ) ولك لأن الاستطاعة شرط في تعلق الوجوب وتوجه الأمر قال تعالى (( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )) وإذا استطاع بعض المأمور به دون بعض فعل ما استطاع وسقط عنه ما لم يستطع ولا يجوز ترك الكل لأن مالا يدرك كله لا يترك كله بل يفعل المقدور عليه لهذا الحديث قال الطيبي هذا من أجل قواعد الإسلام ومن جوامع الكلم قال ويندرج فيه (3/180)
صفحة 738
مالا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها فإنه إذا عجز عن بعض أركانها وشروطها يأتي بالباقي منها والله أعلم
ما جاء
( في حج الرجل عن أمه )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال (( أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أمي عجوز كبيرة لا تستطيع أن أركبها على البعير وإن ربطتها خفت عليها أن تموت أفأحج عنها قال نعم ))
( ما جاء في حج الرجل عن أمه )
( قوله أتى رجل ) قيل اسمه حصين بن عوف الخثعمي والظاهر أن هذه القصة غير قصة الخثعمية لأن الخثعمية إنما سألت عن الحج عن أبيها والرجل إنما سأل عن أمه فهما قصتان واستظهر ابن حجر أن السائل رجل وكانت ابنته معه فسألت أيضا والمسئول عنه أبو الرجل وأمه جميعا وهذا منه ذهاب إلى إتحاد القصتين قال ووقع فيها السؤال من رجل عن أبيه واستظهر غيره أن هذه القصة غير قصة الخثعمية قال ومن جمع بينهما فقد أبعد وتكلف قال واسم الرجل السائل عن أبيه لقيط بن عامر وهو أبو رزين بفتح الراء وكسر الزاء العقيلي بالتصغير ( قوله قال نعم ) أي حج عنها قيل ويؤخذ منه أنه إذا تبرع أحد بالحج عن غيره لزمه الحج عن ذلك وإن كان لا يجب عليه الحج ووجهه أن الرجل لم يبين أن أمه مستطيعة للزاد والراحلة ولم يستفسر صلى الله عليه وسلم عن ذلك وهذا إن أريد به اللزوم بعد الدخول في الحج بالإحرام فمسلم وهو ظاهر الصواب لكن سياق الحديث لا يساعده وإن أريد به لزوم قبل ذلك فمردود بأنه ليس في الحديث إلا الإجزاء لا الوجوب فإن الوجوب لم يتعرض له وبأنه يجوز أن الرجل قد عرف وجوب الحج على أمه لأن شرط الاستطاعة معلوم عندهم والله أعلم
( في المواقيت في الإحرام )
( قوله في المواقيت في الإحرام ) وفي حرم مكة والمدينة وفي بعض النسخ باب المواقيت ولم يذكر الإحرام والمواقيت جمع ميقات وهو الموضع المحدود للشروع في الإحرام وأصل التوقيت أن يجعل للشيء وقت مختص به ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضا (3/181)
صفحة 739
ما جاء
( في بيان المواقيت )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال (( وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة أن يهلوا من ذي الحنيفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرنا ولأهل اليمن يلملم ولأهل العراق ذات عرق ))
( ما جاء في بيان المواقيت )
( قوله وقت ) بتشديد القاف أي جعل ذلك الموضع ميقات الإحرام أي بين حد الإحرام وعين موضعه ( قوله أن يهلوا ) أي يرفعوا أصواتهم بالتلبية للإحرام ( قوله من ذي الحليفة ) بمهملة مضمومة تصغير حلفة وزان قصبة وهي نبت في الماء جمعها حلفاء وذو الحليفة على فرسخين من المدينة وعشر مراحل من مكة وهو ماء من مياه بني جشم وقد اشتهر الآن ببئر علي ولم يعرف مسمى هذا الاسم وما قيل أن عليا قاتل الجن في بئر فيها كذب لا أصل له وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خرب ( قوله ولأهل الشام الجحفة ) بضم الجيم وسكون الحاء موضع بين مكة والمدينة من الجانب الشامي يحاذي ذا الحليفة على خمسين فرسخا من مكة على ما ذكروا وكان اسمه مهيعة فاجحف السيل بأهلها فسميت جحفة يقال أجحف إذا ذهب به وسيل جحاف إذا جرف الأرض وذهب بها قال ابن الكلبي كان العماليق يسكنون بيثرب فوقع بينهم وبين بني عيل بفتح المهملة وكسر الموحدة وهم اخوة عاد حرب فأخرجهم من يثرب فنزلوا مهيعة فجاء سيل فاجتحفهم أي استأصلهم فسميت الجحفة واختصت الجحفة بالحمى فلا ينزلها أحد إلا حم وهي قرية قديمة وهي الآن خراب ولذا يحرمون الآن من رابغ قبلها بمرحلة لوجود الماء بها للإغتسال ( والجحفة ) ميقات لأهل الشام إن لم يمروا بالمدينة فإن مروا بها لزمهم الإحرام من ذي الحليفة قيل اجماعا وحكى بعضهم الترخيص عن أبي ثور والمالكية قالوا له التأخير إلى الجحفة وعن الحنفية يجوز للمدني أيضا تأخيره إلى الجحفة والمشهور عندنا أنه إذا مر بميقات لا يجاوزه إلا محرما والخلاف أيضا موجود في كتب المذهب ( قوله ولأهل نجد قرنا ) ويسمى أيضا قول المنارل وهو (3/182)
صفحة 740
بسكون الراء وتحريكها خطأ جبل مدرو أملس كأنه بيضة مشرف على عرفات ( ونجد ) اسم لكل مكان مرتفع وسمي به عشرة مواضع والمراد منها هنا التي أعلاها تهامة واليمن وأسفلها الشام والعراق ( قوله ولأهل اليمن يلملم ) بياء قبل اللام الأولى ويقال ألملم بإبدال الياء همزة ويقال أيضا يرمرم بإبدال اللامين راء وقيل يقال أيضا رمرم بلا ياء وفي أكثر نسخ المسند لملم بلامين بعد كل واحدة منهما ميم ولم أجده في شيء من كتب اللغة وهي لغة مشهورة في لغتنا وبذلك ذكرها ابن النظر في قصيدة الحج من دبمائمه وهو أحفظ أهل زمانه بلغة العرب وقد ذكرها أهل اللغة في باب الميم من فصل اللام وكأنهم أشاروا بذلك إلى زيادة الياء وهو جبل بين جبال تهامة على ليلتين من مكة ( قوله ولأهل العراق ذات عرق ) بكسر العين موضع فيه عرق وهو الجبل الصغير على مرحلتين من مكة وكون ذات عرق ميقاتا لأهل العراق ثبت بهذا الحديث عند المصنف وبحديث جابر عند مسلم وأحمد وابن ماجة وبحديث عائشة عند أبي داود والنسائي ( وقيل ) كون ذات عرق ميقاتا ثبت باجتهاد عمر رضي الله عنه أي أسستا حينئذ إذ هما إسلاميتان أتوا عمر فقالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنا وإذا أردنا أن نأتي قرنا يشق علينا قال فانظروا حدودها من طريقكم فحد لهم ذات عرق ( وجمع ) بينهما بأن عمر رضي الله عنه لم يبلغه الخبر فاجتهد فيه فأصاب ووافق السنة فهو من عاداته في موافقاته ولا ينافي ذلك أن العراق لم يفتح إلا بعد وفاته عليه الصلاة والسلام لأنه علم أنه سيفتح فوقت لأهله ذلك كما وقت لأهل الشام الجحفة قبل فتحها ( وكان ) أبو سفيان رضي الله عنه يقول لو أن وفدا قدموا من العراق حتى انتهوا إلى ذات عرق فلم يدروا من أين الإحرام فقال لهم إعرابي يبول على عقبيه لا ينبغي لأحد أن يجاوز هذا الحد إلى مكة إلا وهو محرم لزمهم ذلك وقد قامت عليهم الحجة وهذا منه رضي الله عنه بناء على أن ذات عرق من جملة (3/183)
صفحة 741
المواقيت المنصوص عليها ويجوز تقديم الإحرام قبل الميقات ( قال أبو صفرة ) رحمه الله تعالى كنا نحرم من جدة في الصيف فلما جاء الشتاء شق ذلك بنا فصرنا نحرم من ذات عرق وذلك أنه كان رحمة الله عليه من أهل العراق وكلامه هذا يدل على أن جدة كانت أبعد من مكة من ذات عرق فهم يحرمون منها قبل الميقات فمن فهم من كلامه أن جدة ميقات مستقل فليس بسديد ثم أن أهل خراسان ونحوهم كأهل العراق ميقات الكل ذات عرق لأنهم يمرون عليها والمواقيت إنما وقتت لأهل تلك الجهة ولمن مر عليها من غيرهم كما في حديث ابن عباس عند الشيخين قال فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة فمن كان دونهن فمهله من أهله وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها وفي الترمذي وحسنه أنه صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق وهذا لا ينافي حديث الباب فإن عرقا جبل مشرف على العقيق فمن أحرم من العقيق فقد تقدم إحرامه على الميقات بقليل والإحرام منه أحوط ونظيره الجحفة ورابغ فإنه مقدم عليها كما مر والاحتياط في الإحرام من السابق ( وقرية ذات عرق ) خربت ومن ثم قيل يجب على العراقي أن يتحراها ويطلب آثارها القديمة ليحرم منها ومعنى وجوب ذلك أي لا يجاوزها غير محرم وإلا فيصح له أن يقد إحرامه عليها احتياطا ( ورأى ) سعيد بن جبير رجلا قصد ذات عرق ليحرم منها فأخذ بيده حتى خرج به من البيوت فقطع به الوادي حتى وافى به المقابر فقال هذه ذات عرق الأولى لا تلك والله أعلم
ما جاء
( في حرم المدينة )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال هذا جبل يحبنا ونحبه اللهم إن إبراهيم حرم مكة وأنا أحرم ما بين لا بتيها )) ( قال الربيع ) يعني ما بين حريتها
( ما جاء في حرم المدينة ) (3/184)
صفحة 742
( قوله طلع له أحد ) أي ظهر له وذلك عند رجوعه من غزوة خيبر وقد أخرج البخاري الحديث مطولا ( وأحد ) بضمتين جبل مشهور بالمدينة على أقل من فرسخ سمي ذلك لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك وكان به الوقعة المشهورة في أوائل شوال سنه ثلاث من الهجرة قيل وفيه قبر هارون اخو موسى عليهما السلام وهو مذكر فينصرف وقيل يجوز التأنيث على معنى البقية فيمتنع صرفه وليس بالقوي ( قوله هذا جبل يحبنا ونحبه ) اختلف العلماء في معنى هذا الكلام على أقوال ( أحدها ) أنه على حذف مضاف والتقدير يحبنا أهله والمراد بهم الأنصار لأنهم جيرانه ( ثانيها ) أنه قال ذلك للمسرة بلسان الحال عند قدومه من السفر لقربه من أهله ولقياهم وذلك فعل من يحب لمن يحب ( ثالثها ) إن الحب من الجانبين على حقيقته والكلام على ظاهره لكون أحد من جبال الجنة لحديث أبي عبس بن جبر مرفوعا جبل أحد يحبنا ونحبه وهومن جبال الجنة أخرجه أحمد ولا مانع في جانب الجبال من أماكن الحب كما جاز التسبيح منها وقد خاطبه صلى الله عليه وسلم مخاطبة من يعقل فقل لما أضطرب اسكن أحد ( ورابعها ) أنه كان صلى الله عليه وسلم يحب الفال الحسن والاسم الحسن ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الاحدية حركات حروف الرفع وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه فتعلق الحب من صلى الله عليه وسلم به لفظا ومعنى مختص من بين الجبال بذلك والله أعلم ( والمختار ) عندي إبقاء الكلام على ظاهره كما رجحه جماعة وليس وضع الحب فيه محالا فقد سخر سبحانه وتعالى الجبال أن يسبحن مع داود بالعشي والإشراق ووضع الخشية في بعض الحجارة حتى هبط منها الماء وقد حن الجذع لفراقه صلى الله عليه وسلم حتى سمع الناس حنينه وسلم عليه الحجر والشجر فلا ينكر وضع حب الأنبياء في الجمادات وذلك إشارة إلى مزيد حبه وتعالى إياه حتى وضع حبه في الحجر مع فرط يبسه وقوة صلابته وأما حبه صلى الله عليه وسلم للجبل فلا بعد فيه إذ حب البقاع معهود عند الناس (3/185)
صفحة 743
والله أعلم (قوله إن إبراهيم حرم مكة ) أي بتحريمك إياها على لسانه فإن إبراهيم عليه السلام إنما حرمها بأمر الله لا باجتهاده لما جاء في بعض الروايات هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض والمعنى إن الله قضى يوم خلق السماوات والأرض إن إبراهيم سيحرم مكة أو المعنى إن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس وكان قبل ذلك عند الله حراما وأول من أظهره بعد الطوفان ( قوله وأنا أحرم ما بين لا بتيها ) يعني المدينة واللا بتان بتخفيف الموحدة تثنية لا به وهي الحرة وهي أرض ذات حجارة سود وقد اكتنف المدينة حرار أربع والمراد في الحديث الشرقية والغربية وأما القبلية والجنوبية فمتصلتان بها وقد ردها حسان إلى حرة واحدة في قوله :
لنا حرة مأطورة بجبالها *** بنى العز فيها بيته فتأفلا (3/186)
صفحة 744
ومعنى مأطورة أي معطوفة بجبلها لا ستدارة الجبال بها والجبال هي الحجارة السود وتحريمه صلى الله عليه وسلم ما بين لا بتيها إنما كان في حق الصيد وأما الشجر فبريدفي بريدفي دورها كلها وقد روى أبو داود من حديث عدي بن زيد قال حمى صلى الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريدا بريدا ولا يخبط شجره ولا يعق إلا ما يساق به الجمل ووقع في رواية الشيخين كما حرم إبراهيم مكة والتشبيه في الحرمة فقط لا الجزاء لأنه لم يكن في شريعة إبراهيم جزاء الصيد وإنما هو شيء ابتلى الله به هذه الأمة كما قال عز من قائل (( ليبلونكم الله بشيء من الصيد )) ولم يكن قبل ذلك الصحابة فهموا المراد في تحريم صيد المدينة فتلقوه بالجواب دون جزاء والأصل براءة الذمة فلا يجب فيها شيء إلا بيقين هذا قول أكثر العلماء (وقالت ) فرقة من قومنا ومال إليه أبو محمد من أصحابنا في صيدها الجزاء لأنه حرم نبي كما أن مكة حرم نبي وهذا القياس غير كاف في إثبات المطلوب لأن أمر الجزاء شيء غير التحريم وقالت الحنفية ليس للمدينة حرم كمكة فلا يحم عنده صيدها ولا قطع شجرها قالوا لأن حل الاصطياد عرف بالنصوص القاطعة فلا يحرم إلا ببراهين ساطعة قالوا ومرويهم محتمل وهو لا يصلح حجة ( والجواب ) أن حل الصيد بالمعلومات محتمل للتخصيص وإن حديث الباب كاف لذلك لأن العموم يخصص بالآحاد ولا شك في صحة الخبر وتأويل التحريم بالاحترام بعيدا جدا والله أعلم .
ما جاء
( في حرم مكة )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مكة حرام حرمها الله لا تحل لقطتها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا اختلاء خلاها فقال عمه العباس ألا الأخر يا رسول الله فقال ألا الأذخر ( قال الربيع ) لا يعضد أي لا يقطع والخلا الكلا والأذخر نبت يصنع منه الحصر وتسقف منه البيوت ))
( ما جاء في حرم مكة ) (3/187)
صفحة 745
( قوله مكة حرام ) أي محرمة محترمة لا يجوز لأحد إنهاك حرمتها إلى يوم القيامة ( وقوله حرمها الله ) تأكيد لهذا التحريم وأيمان إلى عدم النسخ ولا ينافيه قوله أن إبراهيم حرم مكة لأن إبراهيم عليه السلام مبلغ بأوامر ربه ومظهر لأحكامه فالحكم بتحريم على الحقيقة هو لله تعالى أظهره على لسان إبراهيم فهو يضاف مرة إلى فاعله الحقيقي ومرة إلى مبلغه ( قوله لا تحل لقطتها ) هذا وما بعده تفصيل للمحرم من مكة والمعنى أن لقطتها لا تحل لأخذها إلا إذا أخذها ليعر فيها لأهلها فيعطيهم إياها واستثناء المعرف جاء عند الشيخين في حديث ابن عباس وهو عند المصنف أيضا من بلاغ أبي عبيدة في آخر خطبته صلى الله عليه وسلم عام الفتح ومن هنا قيل ليس في لقطة الحرم إلا التعريف فلا يتملكها أحد ولا يتصدق بها وإنما اختصت بذلك عندهم لا مكان إيصالها إلى ربها لأنها إن كانت لمكي فظاهر وإن كانت لآفاقي فلا يخلو أفق غالبا من وارد إليها فإذا عرفها في كل عام سهل التوصيل إلى معرفة صاحبها ( وقال قوم ) هي كغيرها من البلاد وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف واحتجوا لذلك بظاهر الاستثناء من النفي وهو قوله في حديث ابن عباس عند الشيخين إلا من عرفها قالوا بقى الحل واستثنى المنشد فدل على أن الحل ثابت لمنشد لأن الاستثناء من النفي إثبات والظاهر الأول لأنه المتبادر المعنى الحديث وأيضا فلو أراد نفس المبالغة في التعريف لبينه ولم يسند التحريم لنفس اللقطة وبإسناده إليها يظهر إن أخذها حرام وإنها لا تحل إلا لصاحبها تعظيما لحرم الله تعالى فمن شق عليه تعريفها فاليعرض عنها ولا يتعرض لها بشيء قال أبو إسحاق قال قيس بن سليمان اللقطة في الحرم يستحب تركها إلا أن يعرف مالكها وذلك لحال إن الملتقط لا يقدر أن يعم الخلق في ذلك الموقف لتعريفها ولعله يعود إليها صاحبها من ساعته فلا يجدها والله أعلم ( قوله ولا يعضد شجرها ) وفي حديث ابن عباس عند الشيخين لا يعضد شوكه (3/188)
صفحة 746
يعني الحرم والعضد القطع والمعنى إن قطع شجرها حرام ولم كان شوكا وهذه هي الفائدة في إطلاق الشوك على الشجر في حديث ابن عباس ولذلك قيل بتحريم قطع الشوك ولو حصل التأذي به وقيل بجواز قطع المؤذي منه ( ورد ) بأنه مخالف لإطلاق النص ( وقيل ) يشبه أن يكون المحظور منه الشوك الذي يرعاه الإبل دون الصلب الذي لا ترعاه فإنه يكون بمنزلة الحطب ( وقال القرطبي ) خص الفقهاء الشجر المنهي عن قطعه بما ينبته الله تعالى من غير صنع آدمي فأما ما نبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه والجمهور على الجواز ( قلت ) وقد حكى المحشي الإجماع على جواز قطع ما أنبته الناس ( ثم اختلفوا ) في جزاء ما قطع من النوع الأول فذهب أصحابنا وعليه الشافعي ثبوت الجزاء فيه فعن ابن عباس إنه قال في الدوحة وهي الشجرة الكبيرة بقرة وفي الجزلة وهي الشجرة الوسطى شاة وفي القضيب درهم ( وقيل ) في الدوحة جزور وفي العود درهم وفي القضيب الصغير نصف درهم وفي الورقة طعام مسكين ( وقال مالك ) لا جزاء فيه بل يأثم ( وقال عطاء ) يستغفر ( وقال أبو حنيفة ) يؤخذ بقيمته هدي وسبب الخلاف عدم النص في الجزاء فمن أوجبه قاس الشجر على الصيد بجامع التحريم والحرمة ومن لم يوجبه تعلل بعدم النص وبراءة الذمة في الأصل ( قوله ولا ينفر صيدها ) بضم أوله وتشديد الفاء المفتوحة قبل وهو كناية عن الاصطياد وقيل على ظاهره وهو الإزعاج عن موضعه فإن نفره عصى سواء تلف أولا فإن تلف في نفارة قيل سكونه ضمن وإلا فلا ( قال العلماء ) يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى ( وقد جاء ) الكتاب العزيز بثبوت الجزاء في قتل الصيد قال تعالى (( ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة )) وألحق الجمهور بالعمد الخطأ وقالوا يلزمه الجزاء بالخطأ كالعمد وقيل إن الجزاء في الخطأ ثبت بالسنة وقال سعيد بن جبير لا أرى في الخطأ شيئا وهو رواية عن الحسن والقول به (3/189)
صفحة 747
شاذو الآية إنما ذكرت العمد موافقة حال لأنها نزلت في العمد وأيضا ذكر العمد ليترتب عليه قوله ( وما عاد فينتقم الله منه ) فليس ذكره قيدا وقاس أبو محمد وجوب الجزاء في قتل الصيد خطأ على وجوب الدية والكفارة في قتل المؤمن خطأ حيث كان الكل خطأ في محرم إتلافه ولما لم يكن الخطأ في قتل المؤمن دافعا للديه والكفارة فكلك لا يدفع جزاء الصيد والله أعلم ( وقوله ولا يختلا خلاها ) أي لا يجز حشيشها والخلا بالمعجمة والقصر الرطب من النبات الواحدة خلاة مثل حصى وحصاة ( وقيل ) الخلا ما كان غضا من الكلأ وأما الحشيش فهو اليابس ويقال اختليت الخلاء اختلاء إذا قطعته ويقال أيضا خليته خليا من باب رمى مثله والفاعل مختل وخال ( واستدل ) بالنهي عن قطعه على تحريم رعيه لكونه أشد من الاحتشاش ( وقال الشافعي ) لا بأس بالرعي لمصلحة البهائم وهو عمل الناس خلاف الاحتشاش فإنه النهي عنه فلا يتعدى مالك إلى غيره ( وفي تخصيص ) التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس واختلائه وقيل لا بأس فيما أخرج من حطب الحرم اليابس الميت وفيما يسقط الشجر من الورق والثمر ومنه من رخص فيما يأكل الناس من شجر الحرم ومنه من رخص في السنا المكي أن يؤخذ للدواء بشرط ألا يقلعه ولا يقطع له أصلا ( وتعقب ) هذا كله بأن في استثناء الأذخر إشارة إلى تحريم ما ذكر إذ لو كان في غير الأذخر رخصة لاستثناه عليه الصلاة والسلام والحال أنه لم يستثن إلا الأذخر فبقي ما عداه على التحريف والله أعلم ( قوله فقال عمه العباس ) أي عم النبي صلى الله عليه وسلم وهو العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبدمناف إلى آخر نسبه ( وأمه ) نتيلة بنت خباب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر وهو الضحيان بن سعد ابن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط وهي أول عربية كست البيت الحرير والديباج وأصناف الكسوة وسببه إن العباس ضاع وهو صغير فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت فوجدته ففعلت ( (3/190)
صفحة 748
وكنيته ) أبو الفضل وكان صنو عبدالله والد النبي صلى الله عليه وسلم وكان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين وقيل بثلاث سنين وكان رئيسا في قريش وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والساقية للجاهلية أما الساقية فمعروفة وأما عمارة المسجد الحرام فإنه كان لا يدع أحد يسب في المسجد الحرام ولا يقول فيه هجرا ولا يستطيعون لذلك امتناعا لأن ملأ قريش كانوا قد اجتمعوا وتعاقدوا على ذلك فكانوا له أعوانا عليه وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة لما بايعه الأنصار ليشدد له العقد وكان حينئذ مشركا وكان ممن خرج مع المشركين يوم بدر وأسر يومئذ فيمن أسر وفدى نفسه وابني أخيه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث ( وأسلم ) عقيل ذلك ثم هاجر وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة وانقطعت الهجرة وشهد حنينا وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انهزم الناس وقحط الناس في خلافة عمر فاستسقى به عمر فسقاهم الله فأخصبت الأرض ( وتوفي ) بالمدينة يوم الجمعة باثنتي عشر ليلة خلت من رجب وقيل بل من رمضان سنة اثنتين وثلاثين قبل قتل عثمان بسنتين وصلى عليه عثمان ودفن بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين سنة رضي الله عنه وأرضاه ( قوله إلا الأذخر ) بكسر الهمزة والخاء نبات معروف ذكي الريح وإذا جف ابيض ( وقال الربيع ) نبت يصنع منه الحصر وتسقف منه البيوت وزاد غيره له أصل مندفن وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب ويسدون به الخلل بين اللبنات في القبور ويستعملونه بدلا من الحلفاء في الوقود ( قوله فقال إلا الأذخر ) هذا جواب منه صلى الله عليه وسلم لعمه العباس إسعافا له بما طلب استثناءه لحاجة الناس إليه ( واختلفوا ) هل كان قوله صلى الله عليه وسلم إلا الأذخر باجتهاد أو وحي وقيل كأن الله تعالى فوض له الحكم في هذه المسألة مطلقا وقيل أوحى إليه قبل ذلك إنه من طلب أحد استثناء شيء من ذلك فأجب سؤاله (3/191)
صفحة 749
( واستدل ) به على جواز النسخ قبل الفعل وليس بواضح وعلى جواز الفصل بين المستثني والمستثنى منه ( وأجيب ) بأن هذا الاستثناء في حكم المتصل لاحتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم أراد أن يقول إلا الأذخر فشغله العباس بكلامه فوصل كلامه بكلام نفسه قلت وينافيه ما سيأتي آخر خطبته صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فإنه ذكر فيها أنه صلى الله عليه وسلم سكت بعد كلام العباس قليلا والله أعلم.
الإهلال للحج والتلبية
( قوله الإهلال للحج والتلبية ) الإهلال رفع الصوت وأهل المحرم إذا رفع صوته بالتلبية وأهل المولود إهلالا إذا خرج صارخا والكل مأخوذ من رفع الصوت عند رؤية الهلال يقال أهلوا الهلال إذا رفعوا أصواتهم برؤيته ثم استعمل في رفع الصوت والمراد منه ها هنا رفع الصوت بالتلبية أو التكبير أو الذكر لأنه رحمه الله تعالى ذكر في الباب الأحاديث الدالة على الأنواع الثلاثة ( وأما التلبية ) فهي قول المحرم لبيك اللهم لبك إلى آخر الحديث وهي ركن لا يمكن الدخول في الإحرام إلا بها كتكبيرة الإحرام في الصلاة وهو قولنا ووافقنا على ذلك الثوري وأبو حنيفة وابن حبيب من المالكية وبعض الشافعية وأهل الظاهر وهو قول ابن عمر وعطاء وطاوس وعكرمة إلا أن أبا حنيفة قال يجزي مكانها ما في معناها من تسبيح وتهليل وسائر الأذكار كما قال ذلك في تكبيرة الإحرام ( وذهب ) مالك والشافعي وأحمد وآخرون إلى أنها سنة ليست بركن ولا شرط فيصح الحج بدونها عندهم وقيل أوجب مالك الدم ولم يوجبه الشافعي وقال بعض أصحابه هي واجبة تجبر بالدم ويصح الحج بدونها وهؤلاء يرون أن الذي لا يتم النسك بدونه نية الدخول في النسك لخبر إنما الأعمال بالنيات ( والجواب ) إن التلبية من الأعمال المتوقفة على النية فلا تكفي النية عن العمل ولا يدا الحديث على ذلك وإنما غاية ما فيه توقف العمل على النية لا إقامة النية مقام العمل والله أعلم
ما جاء
( في تلبية النبي صلى الله عليه وسلم ) (3/192)
صفحة 750
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال (( إن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك قال نافع وكان ابن عمر يزيد فيها لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغبة والعمل ))
( ما جاء في تلبية النبي صلى الله عليه وسلم )
( قوله إن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الحديث رواه مالك عن نافع عن عبدالله ابن عمر فذكره وفي رواية الشيخين من حديث ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبيا يقول لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لا يزيد على هؤلاء الكلمات ( قوله لبيك اللهم لبيك ) أي أببت يا رب بخدمتك البابا بعد الباب من ألب بالمكان أقام به أي أقمت على طاعته إقامة بعد إقامة (وقيل ) أي أجبت دعائك إجابة بعد إجابة والمراد بالتثنية التكفير كقوله تعالى (( فارجع البصر كرتين )) أي كرة بعد كرة وحذف الزوائد للتخفيف وحذف النون للإضافة ثم إنه لا خلاف من التلبية جواب الدعاء وإنما الخلاف في الداعي من هو فقيل هو الله تعالى وقيل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل هو الخليل عليه الصلاة والسلام وهو الأظهر عند بعض واستصوب غيره إن خطاب الجواب لله تعالى فإنه الداعي أما حقيقته وأما حكما ثم على القول بأن المنادي إبراهيم عليه الصلاة والسلام قيل وقف على مقامه أو بالحجون أو على جبل أبي قبيس ولا مانع من وقوع الجميع وقيل لما فرغ إبراهيم عليه الصلاة والسلام من بناء البيت قيل له أذن في الناس بالحج قال ربي وما يبلغ صوتي قال أذن وعلي البلاغ قال فنادى إبراهيم ( يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت ) فسمعه من بين السماء والأرض أفلا ترون الناس يجيبون من أقصى الأرض يلبون وفي رواية عن ابن عباس أنهم أجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء وأول من أجابه أهل اليمن فليس حاج يحج من يومئذ إلى (3/193)
صفحة 751
أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ ( قوله لبيك لا شريك لك لبيك ) قيل التلبية الأولى المؤكدة للثانية لإثبات الألوهية وهذه بطرفيها لنفي الشركة الندية والمثلية في وجوب الذات والصفات الثبوتية ولهذا كررت أربعة ( قولن إن الحمد والنعمة لك والملك ) بكسر همزة إن في المختار رواية ودراية وقد روي بالفتح والمعنى ألبي لأنك مستحق للحمد هذا وجه الفتح وقال ثعلب الكسر أجود لأن معنى الفتح لبيك بهذا السبب ومعنى الكسر مطلق ( والملك ) بالنصب عطف على الحمد ولذا يستحب الوقف عند قوله والملك ويبتدأ بما بعده وجوز بعضهم الرفع على إنه مبتدأ محذوف الخبر والتقدير والملك كذلك قيل وإنما قرن الحمد والنعمة وأفرد الملك لأن الحمد متعلق النعمة ولهذا يقال الحمد لله على نعمة فجمع بينهما كأنه قال لا حمد إلا لك لأنه لا نعمة إلا لك وأما الملك فهو معنى مستقل بنفسه ذكر لتحقق أن النعمة كلها لله لأنه صاحب الملك ( قوله لا شريك ) لك أي في استحقاق الحمد وإيصال النعمة قال تعالى (( وما بكم من نعمة فمن الله )) وفي تقديم الحمد على النعمة إيماء إلى عموم معنى الحمد وإشارة إلى أنه بذاته يستحق الحمد سواء أنعم أو لم ينعم فله تعالى الحمد على كل حال ( قوله قال نافع ) وهو مولى ابن عمر يكنى أبا عبدالله المدني وهو أحد الأعلام في زمانه قال البخاري أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر ( وقال العجلي ) وابن خراش والنسائي هو ثقة ( توفي ) سنة عشرين ومائة ( قوله يزيد فيها ) الخ استحب العلماء الاقتصار على تلبية الرسول صلى الله عليه وسلم واختلفوا في جواز الزيادة عليها وكرامتها وبالكراهة قال مالك والشافعي في أحد قوليه لأنه صلى الله عليه وسلم علمهم التلبية ثم فعلها هو ولم يقل لبوا بما شئتم مما هو من جنس هذا بل علمهم ذلك كما علمهم التكبير في الصلاة فلا ينبغي أن يتعدى في ذلك شيئا مما علمه وسمع سعد بن أبي وقاص رجلا يقول لبيك ذا المعارج (3/194)
صفحة 752
فقال إنه لذو المعارج وهكذا كنا نلبي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
( وأجازه ) آخرون بلا كراهة لفعل عمر وابنه والأحاديث جاءت من طريق ابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس (فإن قيل )كيف زاد ابن عمر في التلبية ما ليس منها مع إنه كان شديد التحري لا تباع السنة وقد تقدمت روايته إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد على هذه الكلمات أي المذكوره أولا (واجب ) بأنه رأى إن الزيادة على النص ليست نسخا وإن الشيء وحده كذلك هو مع غيره فزيادته لا تمنع من إتيانه لتلبيته صلى الله عليه وسلم أو فهم عدم القصر على أولئك الكلمات وإن الثواب يتضاعف بكثرة العمل واقتصار المصطفى بيان لأقل ما يكفي على إنه ليس في خلط السنة بغيرها بل لما أتى بما سمعه ضم إليه ذكرا آخر في معناه وباب الأذكار لا تحجير فيه إذا لم يؤد إلى تحريف ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم فإن الذكر خير موضوع والاستكثار منه حسن على إن أكثر هذا الذي زاده كان صلى الله عليه وسلم يقوله في دعائه وفي مسلم عن ابن عمر كان عمر يهل بإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الكلمات ويقول لبيك اللهم لبيك وسعديك إلى آخر ما زاده هنا قال الحافظ وأخرج ابن أبي شيبة عن المسور بم مخرمة قال كانت تلبية عمر فذكر مثل المرفوع وزاد لبيك مرغوبا ومر هو بااليك ذا النعماء والفضل الحسن ( قوله لبيك وسعديك ) في رواية الموطأ تكرير لبيك ثلاثا وبذلك يكون عدد المزيد أربعا كما في الأصل ( وسعديك ) إفرادها وتثنيتها كلبيك معناه ساعدت على طاعتك مساعدة بعد مساعدة وإسعادا بعد إسعاد أو ساعدت دينك كلك وهو من المصادر المنصوبة بفعل لا يظهر في الاستعمال قال الجرمي لم يسمع سعديك مفردا ( قوله والخير بيديك ) أي كل الخير بقدرتك وكرمك وهذا من حسن التخاطب كقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام ( وإذا مرضت فهو يشفين ) وإلا فالأشياء كلها بيد الله خيرها وشرها ونفعها وضرها ( قوله لبيك والرغبة والعمل ) (3/195)
صفحة 753
وفي رواية الموطأ والرغي إليك ومعناها الطلب والمسئلة إلى من بيده الأمر على حد قوله تعالى (( وإلى ربك فارغب )) وقوله والعمد إليك أي يقصد به وينتهي به إليك ويحتمل أن يقدر والعمل لك وعلى كل وجه فالرغبة والعمل مبتدآن حذف خبرهما عند المصنف وذكر خبر الأول دون الثاني في رواية الموطأ والله أعلم ( تنبيه ) رفع الصوت في التلبية استحبه الجمهور وأوجبه أهل الظاهر هذا في الرجل وأما المرأة فيجمع على أنها تسمع نفسها لأنها مأمورة بخفض الصوت والله أعلم
ما جاء
(في ما يقوله من أقبل من حج أو غزو أو عمرة )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أقبل من حج أو غزو أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آئبون تائبون ساجدون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ))
( ما جاء في ما يقوله من أقبل من حج أو غزو أو عمرة ) (3/196)
صفحة 754
( قوله من حج أو غزو أو عمرة ) أي إذا فرغ منها وأقبل نحو وطنه كان يقول بهذه الأذكار المخصوصة في المواضع وظاهر الحديث اختصاص ذلك بهذه الأمور الثلاثة وجمله الجمهور على أنه واقعة حال لأن سفره صلى الله عليه وسلم منحصر في الثلاث فقالوا يشرع قول ذلك في كل سفر طاعة كصلة رحم وطلب علم بما يشمل الجميع من اسم الطاعة ( قيل ) يتعدى أيضا إلى السفر المباح لأن المسافر فيه لا ثواب له فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب ( وتعقب ) بأن الذي يخصه بسفر الطاعة لا يمنع من مسافر في مباح من الإكثار من ذكر الله وإنما النزاع في خصوص هذا الذكر في هذا الوقت المخصوص فذهب قوم إلى الاختصاص لكونها عبادات مخصوصة شرع لها ذكر مخصوص فتختص به كالذكر المأثور عقب الأذان وعقب الصلاة ( والشرف ) بفتح المعجمة والراء بعدها فاء المكان العالي من الأرض ووجه التكبير عند ذلك هو ندب الذكر عند تجدد الأحوال والتقلبات وكان صلى الله عليه وسلم يراعي ذلك في الزمان والمكان ( وقيل ) مناسبته أن الاستعلاء محبوب للنفس وفيه ظهور وغلبة فينبغي للمتلبس به أن يذكر عنده أنه الله أكبر من كل شيء ويكرر ذلك ويستمطر منه المزيد ( قوله لا إله إلا الله ) أي لا معبود بحق سواه وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات وأنه المعبود في جميع الأماكن ( قوله وحده ) حال مؤكدة بمعنى الجملة قبله ومعنى وحده أي منفردا ( وقوله لا شريك له ) أي ليس له شريك في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في ملكه بل الشريك مستحيل عقلا ونقلا وإلهكم إله واحد ( وقوله له الملك ) بضم الميم السلطان والقدرة وأصناف المخلوقات ( قوله وله الحمد ) أي الثناء الجميل المقرون بالتعظيم والتبجيل وفي تقديم الجار والمجرور على الملك وعلى الحمد إشارة إلى اختصاصه تعالى بذلك ( وقوله آيبون ) بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي نحن آيبون وهو جمع آئب بوزن راجع ومعناها راجعون إلى (3/197)
صفحة 755
الله وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع من السفر فإنه تحصيل للحاصل بل الرجوع في حالة مخصوصة وهي تلبسهم بالعبادة المخصوصة والاتصاف بالصفات المذكورة ( وقوله تائبون ) أي راجعون عما هو مذموم شرعا إلى ما هو محمود شرعا ( وفيه ) إشارة إلى التقصير في العبادة وإن بذل المتكلف جهده وفيه تعليم للأمة كيف يقولون ( قوله ساجدون ) أي خاضعون منقادون ( وقوله عابدون ) أي موجهون للعبادة لربنا تعالى ( وقوله لربنا ) متعلق بعابدون أو بحامدون قدم عليه للاهتمام والمراعاة الفاصلة وفي رواية الموطأ تقديم عابدون على ساجدون ( وقوله حامدون ) أي دائمون على الثناء لربنا تعالى بالجميل لاستحقاقه ذلك فله الحمد كثيرا دائما مستمرا كما يحب ربنا ويرضى ( قوله صدق الله وعده ) أي فيما وعد به من إظهار دينه كقوله (وعدكم الله مغانم كثيرة ) وقوله تعالى (( وعلى الله للذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض )) الآية وهذا في سفر الغزو وأما الحج والعمرة فالوعد في قوله تعالى (( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين )) ( قوله ونصر عبده ) يعني نفسه صلى الله عليه وسلم (3/198)
صفحة 756
(( من كان يظن أنه لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء )) الآية ( ألا تنصره فقد نصره الله ) (قوله وهزم الأحزاب وحده أي من غير فعل أحد من الآدميين ولا سبب من جهتهم وهذا معنى الحقيقة فإن العبد وفعله خلق لربه والكل منه وإليه ولو شاء أن يبيد الكفار بلا قتال فعل وفيه التفويض إلى الله تعالى ( والمشهور ) أن الأحزاب هنا كفار قريش ومن وافقهم الذين تحزبوا أي تجمعوا في غزوة الخندق ونزل فيهم سورة الأحزاب ( وقيل ) المراد أحزاب الكفار في جميع الأيام والمواطن ( وتعقب ) بأن غزواته صلى الله عليه وسلم التي خرج فيها بنفسه محصورة والمطابق منها لذلك غزوة الخندق لظاهر قوله تعالى (( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال)) ( وأصل الحزب ) القطعة المجتمعة من الناس فلام إما جنسية أي كل من تحزب من الكفار وأما عهدية والمراد من تقدم وهو الأقرب ( قلا القرطبي ) ويحتمل أن يكون هذا الخبر بمعنى الدعاء أي اللهم اهزم الأحزاب والأول أظهر وفي الحديث جواز السجع في الدعاء والكلام بلا تكلف وإنما ينهى عن المتكلف لأنه يشغل عن الإخلاص ويقدح في النية والله أعلم .
ما جاء
( في الإهلال يوم التروية ) (3/199)
صفحة 757
أبو عبيدة عن جابر قال (( جاء رجل إلى عبدالله بن عمر فقال يا أبا عبدالرحمن لقد رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا يصنعها من أصحابك قال وما هن قال ( رايتك لا تمس من الأركان إلا اليماني ورأيتك تلبس النعال السبتية ورأيتك تصبغ بالصفرة ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهلل إلى يوم التروية قال له ابن عمر أما الأركان فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس إلا اليماني وأما النعال فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها وأما الهلال فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته قال الربيع النعال السبتية لا شعر لها ))
( ما جاء في الإهلال يوم التروية من مكة ) (3/200)
صفحة 758
( قوله عن جابر ) يعني ابن زيد أبي الشعثاء رضي الله عنه وهو المراد في مثل هذا الإطلاق ( قوله جاء رجل ) هو عبيد بن جريج المدني مولى تيم ( قوله يا أبا عبدالرحمن ) هي كنية عبدالله بن عمر ( قوله لم أر أحدا يصنعها من أصحابك ) قال المحشي يحتمل أن المراد لا يصنعها غيرك مجتمعة وإن كان يصنع بعضها ( قوله رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليماني ) أي لا تستلم شيئا من أركان البيت إلا اليماني فأجابه ابن عمر بأنه لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس إلا اليماني ولا ينافيه حديث سالم بن عبدالله عن أبيه قال لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين فإن المراد بالأركان في حديث الباب ما عدا الحجر فإن استلامه وتقبيله معلوم عندهم لا يتركه أحد وإنما السؤال عن غيره والمراد باليمانيين في حديث سالم ركن الحجر والذي يليه من جهة اليمن قيل وإنما اقتصر عليه الصلاة والسلام على استلام اليمانيين لأنهما باقيان على قواعد إبراهيم عليه السلام بخلاف الشاميين فإنهما تغيرا ببناء قريش حين لم تف نفقتهم بذلك فحطموا منها الحطيم وفي البخاري قال محمد بن بكر أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء أنه قال ومن يتقي شيئا من البيت وكان معاوية يستلم الأركان فقال له ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا يستلم هذان الركنان فقال ليس شيء من البيت مهجور وحدث الربيع رحمه الله بذلك عن معاوية فاستحسنه أبو عبيدة وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن ( قوله ورأيتك تلبس النعال السبتية ) بكسر السين واسكاب الباء الموحدة هي التي لا شعر فيها قالوا وهي مشتقة من السبت بفتح السين وهو الحلق والإزالة ( وقيل ) سميت بذلك لأنها انسبتت بالدباغ أي لانت يقال رطبت منسبتة أي لينه ( وقيل ) السبت كل جلد مدبوغ وقال أبو زيد السبت جلود البقر مدبوغة كانت أو غير مدبوغة ( وقيل ) هي نوع من الدباغ يقلع الشعر قيل والأصح أن يكون اشتقاقها (3/201)
صفحة 759
وإضافتها إلى الجلد المدبوغ لأن السين مكسورة في نسبتها ولو كانت من السبت الذي هو الحلق كما قالوا لكانت النسبة سبتيه بفتح السين ولم يروها أحد في هذا الحديث فيما علمت إلا بالكسر ( قيل ) وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها غير مدبوغة وكانت المدبوغة تعمل بالطائف وغيره وإنما كان يلبسها أهل الرفاهية ولهذا استغرب الرجل لبس ابن عمر إياها فأجابه بأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها ( قوله ورأيتك تصبغ بالصفرة ) قيل المراد صبغ الشعر وهو الأظهر وقيل صبغ الثوب وهو الأشبه عند المازني وفي مسند أبي داود أن ابن عمر كان يصفر لحيته ويحتج لأن النبي صلى الله عليه وسلم يصفر لحيته بالورس والزعفران ( وقيل ) أن الخضاب بالأصفر محبوب لأنه سبحانه أشار إلى مدحه بقوله (( تسر الناظرين )) ونقل عن ابن عباس أن من طلب حاجة بنعل أصفر قضيت لأن حاجة بني إسرائيل قضيت بجلد أصفر وصبغه صلى الله عليه وسلم نادر جدا ولهذا استغربه الرجل من ابن عمر ولو كان الصبغ من عادته لما تركه أكثر أصحابه ولما تفرد باستعماله ابن عمر وقد روي من طرق صحيحة عن أنس بن مالك نفي الخضاب وهو أعلم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان يلازمه للخدمة ( قال النووي ) والمختار أنه صلى الله عليه وسلم خضب في وقت لما دل عليه حديث ابن عمر في الصحيحين ولا يمكن تركه ولا تأويله وتركه في معظم الأوقات فأخبر كل بما رأى وهو صادق والله أعلم ( وقال غيره ) اختلف أهل العلم سلفا وخلفا هل الخضاب أحب أم تركه أولى فذهب جمع إلى الأول مستدلين بحديث أبي هريرة رفعه أن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم أخرجه الشيخان والنسائي وغيرهم وبحديث أبي أمامة قال (( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال يا معشر الأنصار حمروا أو صفروا وخالفوا أهل الكتاب )) أخرجه أحمد بسند حسن ولهذا خضب الحسن والحسين وجمع كثير من كبراء الصحابة ( ومال ) كثير (3/202)
صفحة 760
من العلماء أن ترك الخضاب أولى لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا من شاب شيبه فهي له نور إلا أن ينتفها أو يخضبها هكذا رواه الطبري لكن قال العسقلاني أخرجه الترمذي وحسنه ولم أر في شيء من طرقه الاستثناء المذكور ( وأخرج ) الترمذي وابن ماجة من حديث كعب بم مرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من شاب شيبه في الإسلام كان له نورا يوم القيامة )) وأخرجه الترمذي من حديث عمرو بن عبسة أيضا وقال صحيح ( وأخرج الطبراني ) من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره تغيير الشيء ولهذا لم يخضب علي وسلمة بن الأكوع وأبي بن كعب وجمع جم من كبار الصحابة ( وجمع الطبري ) بين الأخبار الدالة على الخضب والأخبار الدالة على خلافه بأن الأمر لم يكون شيبه مستبشعا فيستحب له الخضاب وما كان بخلافه فلا يستحب في حقه وهو جمع حسن ( ثم اختلف ) القائلون باستحباب الخضاب هل يجوز الخضاب بالسواد فذهب أكثرهم إلى كراهته وعند النووي أنها كراهة تحريم ومنهم من رخص فيه في الجهاد ولم يرخص في غيره واستحبوا الخضاب بالحمرة أو الصفرة لحديث جابر قال أتي بأبي قحافة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم غيروا هذا واجتنبوا السواد وزاد الطبري وابن أبي عاصم من وجه آخر عن جابر فذهبوا به وحمروه ( والثغامة ) بضم المثلثة وتخفيف المعجمة نبات شديد البياض زهرة وتمرة ( قوله ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذ رأوا الهلال ولم تهل إلا يوم التروية ) المراد بالهلال هلال ذي الحجة والمراد بيوم التروية اليوم الثامن منه سمي بذلك لأن الماء كان قليلا بمنى فكانوا يرتوون فيه من الماء وهذا السؤال يدل على أن ابن عمر قد تفرد بالهلال يوم التروية وأن الناس كانوا يهلون إذا رأوا الهلال قال مالك عن عبدالرحمن ابن القاسم عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال يا أهل مكة ما شأن الناس يأتون (3/203)
صفحة 761
شعثا وأنتم مدهنون فأهلوا إذا رأيتم الهلال ( وروى مالك ) عن هشام بن عروة عن عبدالله ابن الزبير أقام بمكة تسع سنين يهل بالحج لهلال ذي الحجة وعروة بن الزبير معه يفعل ذلك (ولا خلاف) في جواز الأمرين الإهلال برؤية الهلال وتأخيره إلى يوم التروية وإنما الخلاف في الأفضل من ذلك وبكل واحم من القولين قال جماعة من السلف ( روى مالك ) أن ابن عمر كان يهل لهلال ذي الحجة وروى عبدالرزاق عن نافع أهل ابن عمر مرة بالحج حين رأى الهلال ومرة أخرى بعد الهلال من جوف الكعبة ومرة أخرى حين راح إلى منى ( وروى ) أيضا عن مجاهد قلت لابن عمر أهللت فينا إهلالا مختلفا قال أما أول عام فاتخذت مأخذ أهل بلدي ثم نظرت فإذا أنا أدخل على أهلي حراما وأحرج حراما وليس كذلك كنا نفعل قلت فبأي شيء تأخذ قال نحرم يوم التروية ( قوله حتى تنبعث به راحلته ) أي تقوم به من مبركها والمعنى إنه إنما أهل يوم التروية لكونه لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته قال المازني أجابه ابن عمر بضرب من القياس حيث لم يتمكن من الاستدلال بنفس فعل النبي صلى الله عليه وسلم على المسئلة بعينها واستدل بما في معناه ووجه قياسه أن ( رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أحرم عند الشروع في الحج والذهاب إليه فأخر ابن عمر الإحرام إلى حال شروعه في الحج وتوجه إليه ( وسئل عطاء ) عن المجاور يلبي بالحج فقال كان ابن عمر يلبي يوم التروية إذا صلى الظهر واستوى على راحلته وقال عبد الملك عن عطاء عن جابر رضي الله عنه قدمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأحللنا حتى يوم التروية وجعلنا مكة بظهر لبينا بالحج وقال أبو الزبير عن جابر أهللنا من البطحاء ذكر ذلك كله البخاري ( تنبيه ) يحرم من مكان مكة بالحج من جوفها إما من الأبطح أو من تحت الميزاب أو من مسجد الجن فمن حيث أحرم أجزاه إذا كان في جوفها وإن شاء أحرم من باب داره الذي نزله هذا في الحج وأما العمرة فلا بد (3/204)
صفحة 762
للمكي أن يخرج للإحرام بها إلى الحل فإن شاء خرج إلى التنعيم وأحرم ثم دخل الحرم وطاف وسعى وأحل وعلى ذلك عمل الناس في زماننا وإن شاء خرج إلى الجعرانة فأحرم ولا بد أن يجمع في العمرة بين الحل والحرم كما يجمع بينهما في الحج فإن المحرم بالحج في مكة يخرج إلى الموقف بعرفات وبذلك يجتمع له الحل والحرم والله أعلم .
ما جاء
( في التلبية والتكبير من منى إلى عرفة )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال (( اصطحب محمد بن أبي بكر وأنس بن مالك إلى عرفات فقال محمد بن أبي بكر كيف تصنعون في مثل هذا اليوم وأنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يهل منا المهل فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه ))
( ما جاء في التلبية والتكبير من منى إلى عرفة )
( قوله محمد بن أبي بكر ) ابن عوف الثقفي الحجازي وثقه النسائي قال ابن حجر وليس لمحمد المذكور في الصحيح عن أنس ولا غيره غير هذا الحديث الواحد وقد وافق أنيسا على روايته عبدالله بن عمر أخرجه مسلم ( قوله كيف تصنعون في مثل هذا اليوم ) أي من الذكر ولمسلم من طريق موسى بن عقبة عن محمد بن أبي بكر قلت لأنس غداة عرفه ما تقول في التلبية هذا اليوم ( قوله يهل) أي يلبي ( وقوله فلا ينكر عليه ) بضم أوله على البناء للمجهول وفي رواية موسى بن عقبة لا يعيب أحدنا على صاحبه والحديث يدل على جواز الأمرين لتقريره صلى الله عليه وسلم إياهم على ذلك وفي حديث ابن عمر من طريق عبدالله بن أبي سلمة عن عبيدالله بن عمر عن أبية غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مني إلى عرفات منا الملبي ومنا المكبر وفي رواية له قال يعنى عبدالله بن أبي سلمة فقلت له يعني لعبيدالله عجبا لكم كيف لم تسألوه ماذا رأيت رسول الله صلى عليه وسلم يصنع وأراد عبدالله بن أبي سلمة بذلك الوقوف على الأفضل والله أعلم.
( في غسل المحرم ) (3/205)
صفحة 763
( قوله في غسل المحرم ) في حياته وبعد موته ولم يذكر رضي الله عنه سل للإهلال وهو مأمور به للمحدث وغير المحدث أما المحدث فلأن أسماء بنت عميس ولت محمد بن أبي بكر بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مرها فلتغتسل ثم لتهلل ذكره في باب ما تفعل الحائض في الحج ورواه مالك في الموطأ وفيه صحة إحرام النفساء ومثلها الحائض وأةل منها الجنب لأنهما شاركتاه في شمول اسم الحديث وزادتا عليه لسيلان الدم وقد يؤخذ منه الاغتسال للإحرام مطلقا لأن النفساء إذا أمرت به مع أنها غير قابلة للطهارة كالحائض فغيرها أولى ( وأما ) غير المحدث فقد روى مالك عن نافع أن عبدالله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم ولدخوله مكة ولوقوفه عشية عرفة وعند البخاري من رواية أيوب عن نافع حتى إذا جاء أي ابن عمر ذا طوى بات به حتى يصبح فإذا صلى الغداة اغتسل ويحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك والله أعلم
ما جاء
( في غسل المحرم بعد موته )
أبو عبيدة عن جابر ابن زيد عن ابن عباس قال (( يغسل المحرم بماء وسدر ومن طريقه أنه عليه السلام قال إذا مات المحرم غسل ولا يكفن إلا في ثوبيه الذي أحرم فيهما ولا يمس بطيب ولا يخمر رأسه ))
( ما جاء في غسل المحرم بعد موته ) (3/206)
صفحة 764
( قوله في غسل المحرم بعد موته ) ويؤخذ منه جواز ذلك في حياته لمحافظة الشارع عليه الصلاة والسلام على أحكامه حيا وميتا لأنه يبعث ملبيا ( قوله يغسل ) بضم أوله مبنيا للمفعول ( قوله المحرم ) أي إذا مات ( وقوله بماء سدر ) وهو المدقوق من ورق السدر وذلك هو المأمور به في غسل الموتى من كان محرما أو غير محرم أما غير المحرم فظاهر وأما المحرم فلأن السدر ليس بطيب وهذا الأثر رواه الجماعة مرفوعا في الحديث الآتي ويجوز أيضا للمحرم الحي الاغتسال بالماء والسدر ( ورخص ) الربيع رحمه الله في الريحان العربي وقال أنه ليس من أمر الطيب وبه قال ابن عباس وأما الطيب فحرام على المحرم إجماعا واختلفوا في جوازه له عند الإحرام قبل الاغتسال والمذهب أنه مكروه وذكر عن ابن عباس أنه كره للرجل أن يمس الطيب قبل أن يحرم بيومين ( قوله ومن طريقه ) أي ابن عباس وقوله عنه يعني النبي صلى الله عليه وسلم والحديث رواه أيضا الجماعة ولفظه عندهم عن ابن عباس قال بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيا وقال في الفتح لم أقف في شيء من الطرق على تسمية المحرم المذكور قال وهم بعض المتأخرين فزعم أن اسمه واقد بن عبدالله وعزاه إلى ابن قتيبة في ترجمة عمر من كتاب المغازي قال وسبب الوهم أن ابن قتيبة لما ذكر ترجمة عمر ذكر أولاده ومنهم عبدالله بن عمر ثم ذكر أولاد عبدالله فذكر فيهم واقد ابن عبدالله بن عمر فقال وقع عن بعيره وهو محرم فهلك فظن هذا المتأخر أن لواقد بن عبدالله صحبة وأن صاحب القصة التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وليس كما ظن فإن واقد المذكور لا صحبة له فإن أمه صفية بنت أبي عبيد وإنما تزوجها أبوه في خلافة عمر وفي الصحابة واقد بن عبدالله آخر ولكنه مات في (3/207)
صفحة 765
خلافة عمر كما ذكر ابن سعد ( قوله غسل ) أي بماء وسدر كما تقدم وهو فعل ماض مبني للمجهول والجملة إنشائية معنى لأنها في معنى الأمر ( قوله ولم يكفن إلا في ثوبيه الذين أحرم فيهما ) قال الطبري وإنما لم يزده ثوبا ثالثا تكرمة له كما في الشهيد حيث قال زملوهم بدمائهم ويؤخذ منه أن الوتر في الكفن ليس شرطا في الصحة وأن الكفن من رأس المال لأمره صلى الله عليه وسلم بتكفينه في ثوبيه ولم يستفسر هل عليه دين مستغرق أم لا ( ويدل ) أيضا على استحباب تكفين المحرم في ثياب الإحرام وإن إحرامه باق وأنه لا يكفن في المخيط وأن التكفين بالثياب الملبوسة جائز ( قوله ولا يمس بالطيب ) بالبناء للمفعول أي لا يمسه أحد بذلك لحرمة الطيب على المحرم في حياته فأمرنا بالمحافظة على ذلك بعد مماته كما أمرنا بتغسيل الميت الغسل الذي كان مأمورا به في حياته ( وقوله ولا يخمر رأسه ) أي لا يغطى كما كان في حياته لا يغطيه لحال الإحرام وذلك لأن إحرام الرجل في رأسه قال البيهقي فيه دليل على أن غير المحرم يحنط كما يخمر رأسه وأن النهي وقع لأجل الإحرام خلافا لمن قال من المالكية وغيرهم أن الإحرام ينقطع بالموت فيصنع بالميت ما يصنع بالحي والخلاف في المذهب أيضا قالوا إن قصة هذا الرجل وقعة غير لا عوم لها ( وأجيب ) بأن الحديث ظاهر في أن العلة هي كونه في النسك وهي عامة في كل يوم الأصل إن كل ما ثبت لواحد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت لغيره حتى يثبت التخصيص ( واستدل ) بعضهم بهذا الحديث على أن إحرام الرجل في رأسه وهو مجمع عليه وأما الوجه ففيه خلاف سببه هل الوجه من الرأس أو لا وصحح في الإيضاح أنه من الرأس وذكر أن له أن يغطي أنفه من النتن إذا مر به ويغطي لحيته وذلك لحال الضرورة وفي الحديث أن من شرع في عمل طاعة ثم حال بينه وبين إتمامه الموت رجيء له أن يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل ( قيل ) ويدل على ترك النيابة في الحج لأنه صلى الله عليه (3/208)
صفحة 766
وسلم لم يأمر أحدا أن يكمل عن هذا المحرم أفعال الحج والله أعلم
ما جاء
( في غسل المحرم رأسه )
وعن ابن عباس أيضا قال (( اختلفت أنا والمسور بن مخرمة بالأبواء فقلت يغسل المحرم رأسه وقال هو لا يغسله قال ابن عباس فأرسلت رجلا اسمه عبدالله بن حنين إلى أبي أيوب الأنصاري فوجده الرجل يغتسل بين القرنين وهو يستتر بثوب فسلم عليه فقال له من هذا فقال الرجل أنا رسول ابن عباس إليك يسألك كيف يغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم قال الرجل فوضع يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه ثم قال لإنسان يصب عليه أصبب فصب على رأسه ثم حركه بيده فأقبل بهما وأدبر ثم قال هكذا رأيته يفعل صلوات الله عليه (قال الربيع ) القرنان عمودان بالأبواء مملسان يكونان على سانية البئر ))
( ما جاء في غسل المحرم رأسه ) (3/209)
صفحة 767
( قوله وعن ابن عباس أيضا ) يعني بالسند المتقدم والحديث رواه الجماعة إلا الترمذي عن عبدالله بن حنين أن ابن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء فقال ابن عباس يغسل المحرم رأسه وقال المسور لا يغسل المحرم رأسه قال فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري فوجدته يغتسل بين القرنين إلى آخر الحديث وهو عند المصنف ثابت من طريق ابن عباس كما ترى 0 قوله والمسور بن مخرمة ) المسور بكسر الميم وسكون السين وفتح الواو ومخرمة بفتح الميم وسكون الخاء وفتح الراء وهو المسور بن مخرمة بن نوفل ابن اهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري وكنيته أبو عبدالرحمن له صحبة وأمه عاتكة بنت عوف أخت عبدالرحمن بن عوف وقيل اسمها الشفاء ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين وكان فقيها من أهل العلم والدين ولم يزل مع خاله عبدالرحمن في أمر الشورى وكان هواه فيها مع علي وأقام بالمدينة إلى أن قتل عثمان ثم سار إلى مكة فلم يزل فيها حتى توفي معاوية وكره بيعة بزيد وأقام مع ابن الزبير بمكة حتى قدم الحصين بن نمير إلى مكة في جيش من الشام لقتال ابن الزبير بعد وقعة الحرة فقتل المسور أصحابه حجر منجنيق وهو يصلي في الحجر فقتله مستهل ربيع الأول من سنة أربع وستين وصلى عليه ابن الزبير وكان عمره اثنين وستين سنة ( قوله بالأبواء ) بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد جبل قرب مكة وعنده بلدة تنسب إليه قيل سمي بذلك لوبائه وهو على اللقب وإلا لقيل الأوباء ( وقيل ) لأن السيول تنبؤه أي تحله ( قوله فقلت يغسل المحرم رأسه وقال هو لا يغسله ) قال ابن المنذر أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة واختلفوا فيما عدا ذلك وروى مالك في الموطأ عن نافع أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم من الاحتلام وروي عن مالك أنه كره للمحرم أن يغطي رأسه في الماء والحديث يدل على جواز ذلك قال ابن عبد البر الظاهر أن ابن عباس كان عنده في ذلك نص من النبي صلى الله عليه وسلم أخذه عن أبي أيوب (3/210)
صفحة 768
أو عن غيره ولهذا قال عبدالله بن حنين لأبي أيوب يسألك كيف كان يغسل رأسه أولا على حسب ما وقع فيه اختلاف المسور وابن عباس ( قوله عبدالله بن حنين ) مولى ابن عباس مدني يروي عن أبي أيوب وعن مولاه ابن عباس وروى عنه ابنه إبراهيم وخالد بن معدان وابن المنكدر وثقه ابن حبان 0 مات في أول خلافة يزيد بن مالك ( قوله بين القرنين ) أي قرني البئر وهما عمودان بالأبواء مملسان يكونان على سانية البئر ( قوله فطأطأه ) أي خفضه عن محاذاة رأسه ( قوله حتى بدا لي رأسه ) أي انكشف وظهر وإنما فعل ذلك ليريه كيف يصنع إذا غسله ( قوله لإنسان ) قال ابن حجر لم أقف على اسمه ( قوله هكذا رأيته يفعل صلوات الله عليه ) زاد في رواية للبخاري فرجعت إليهما فأخبرتهما فقال المسور لابن عباس لا أماريك أبدا أي لا أجادلك والحديث يدل على جواز الاغتسال للمحرم وتغطية الرأس باليد حال الغسل وفي الحديث فوائد ليس هذا موضع ذكرها والله أعلم
الباب الخامس
( ما يتقي المحرم وما لا يتقي )
( قوله ما يتقي المحرم وما لا يتقي ) من اللباس وغيره والمحرم اسم فاعل من أحرم بمعنى دخل في الحرمة أي دخل نفسه وصيرها متلبسة بالسبب المقتضي للحرمة لأنه دخل في عبادة الحج أو العمرة أو هما معا فحرم عليه الأنواع السبعة لبس المخيط والطيب وده الرأس واللحية وإزالة الشعر والظفر والجماع ومقدماته والصيد والله أعلم
ما جاء
( فيما يتقي المحرم من اللباس )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا السراويلات ولا البرانس ولا الأخفاف فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ولا يلبس المحرم شيئا من ثياب مسها الزعفران ولا الورس ))
( ما جاء فيما يتقي المحرم من اللباس ) (3/211)
صفحة 769
( قوله عن أبي سعيد الخدري ) الحديث رواه الجماعة من حديث ابن عمر ( قوله لا يلبس ) بالرفع على الخبر الذي في معنى النهي وروي بالجزم على النهي قال عياض أجمع المسلمون على أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المحرم ( وقال غيره ) وقد أجمعوا على أن هذا مختص بالرجل فلا يحق به المرأة قال ابن المنذر أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ذلك وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو الورس ( وعن ابن عمر ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين رواه أحمد والبخاري والنسائي والترمذي وصححه (و الإنتقاب ) لبس غطاء للوجه فيه نقبان على العينين تنظر المرأة منهما ( والقفازين ) بضم القاف وتشديد الفاء وبعد الألف زاي ما تلبس المرأة في يديها فيغطي أصابعها وكفيها عند معاناة الشيء كغزل ونحوه وهو لليد كالخف للرجل وفي رواية عند أحمد وأبي داود عن ابن عمر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهي النساء في الإحرام عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب وزاد أبو داود ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب ( قوله ولا عمامة ) سميت بذلك لأنها تعمر جميع الرأس ( والسراويلات ) جمع سروال فارسي معرب وفيه لغة بالنون مكان اللام وأخرى الشين المعجمة أيضا ( والبرانس ) جمع برنس بضم النون قلنسوة طويلة أو كل ثوب رأسه منه دراعة كان أوجبه ( والخفاف ) بكسر الخاء جمع خف قالوا فنبه بالقميص على كل ما في معناه وهو المخيط المعمول على قدر البدن وبالسراويل على المخيط المعمول على قدر عضو منه كالتبان والقفاز وغيرهما وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطي الرأس مخيطا أو غيره وبالخفاف على كل ما يستر الرجل من مداس وجورب وغيرهما ( قال الخطابي ) ذكر العمامة والبرنس معا ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر ومنه المكتل يحمله على رأسه قال ابن حجر إن أراد لبسه كالقبع صح ما قال (3/212)
صفحة 770
وإلا فمجرد وضعه على رأسه على هيئة الحامل له لا يضر في مذهبه كالانغماس في الماء فإنه لا يسعى لابسا وكذا ستر الرأس باليد ( وذكر ) في الإيضاح أن الفقهاء قاسوا ما لم يذكر في هذا الحديث على ما ذكر مما هو في معناه وذلك أنه ذكر القميص فكذلك جميع الأطواق وذكر العمائم فكذلك تغطية الرأس والوجه بغير العمائم إلا أن يكون فوقه ظل لا يمسه فلا بأس وذكر السراويلات فكذلك لا يربط المحرم ولا يشد على رأسه ولا على جسده ولا يحترم ولا يزر عليه ثوبا ولا يعقد على نفسه عقدة ولا يتقلد سيفا ولا قوسا وإن كان خائفا فيمسكه ولا يتقلده وكذلك لا يتقلد بالتعاويذ والحروز ( قوله فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين ) هذا تبيين لقوله ولا الإخفاف والكلام ملتئم متناسب لا يحتاج إلى تقدير شيء فإنه صلى الله عليه وسلم لما نهى عن الإخفاف احتاج إلى بيان الحالة التي يجوز فيها لبسها وهي الحالة التي عدم فيها النعلين فإنه حينئذ يجوز أن يلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين وهما العظمان النائتان عند مفصل الساق والقدم وهما في عرفنا الجوزان ومفهوم الحديث إن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين وهو قول الجمهور وأجازه الحنفية وبعض الشافعية قال ابن العربي إن صارا كالنعلين جاز وإلا فمتى سترا من ظاهر الرجل شيئا لم يجز إلا للفاقد ( وظاهر الحديث ) أنه لا فدية على من لبسها إذا لم يجد نعلين وقال الحنفية تجب كما إذا احتاج لحلق رأسه يحلق ويفتدي ( وتعقب ) بأنها لو وجبت لبينها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه وقت الحاجة ( وأيضا ) لو وجبت فدية لم يكن للقطع فائدة لأنها تجب إذا لبسها بلا قطع فإن لبسها مع وجود نعلين افتدى عندنا وعند مالك والليث وقال أبو يوسف لا فدية وعن الشافعي القولان ( وظاهره ) أيضا أن قطعهما شرط في جواز لبسهما خلافا للمشهور عن أحمد في إجازة لبسهما بلا قطع لإطلاق حديث ابن عباس وجابر في الصحيحين بلفظ ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين وفي (3/213)
صفحة 771
رواية عن عمرو بن دينار أن أبا الشعثاء أخبره عن ابن عباس أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ويقول من لم يجد إزارا ووجد سراويل فليلبسها ومن لم يجد نعلين ووجد خفين فليلبسهما ( وتعقب ) بأن أحمد يوافق على حمل المطلق على المقيد فينبغي أن يقول به هنا فإن حمله عليه جيد لأن التقييد ورد بصيغة الأمر وذلك زيادة على الصور المطلقة فلو عمل بالمطلق ألغي الأمر ( قوله مسها الزعفران ولا الورس ) بفتح الواو وسكون الراء وسين مهملة نبت أصفر طيب الريح يصبغ به ( وقيل ) ليس الورس بطيب ولكنه نبه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملايمة الشم فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم وهو مجمع عليه فيما يقصد به الطيب وهذا الحكم شامل للنساء أيضا ( وقال العراقي ) نبه بالزعفران والورس على ما هو أطيب رائحة منهما كالمسك والعنبر ونحوهما وإذا حرم في الثوب ففي البدن أولى وفي معناه تحريم أكله في الطعام لأن الناس يقصدون تطييب طعامهم كما يقصدون تطييب لباسهم وقيل لا يحرم لأن الوارد اللبس والتطيب والأكل لا يعد تطيبا والخلاف فيما يقصد للتطيب به أما الفواكه كالأترج والتفاح وأزهار البر كالشيح والقيصوم ونحوهما فليس بحرام لأنه لا يقصد للتطيب ( والحكمة ) في منع المحرم من اللباس والطيب أنه يدعوا إلى الجماع ولأنه مناف للحج فإن الحاج أشعث أغبر والقصد أن يبعد عن الترفه وزينة الدنيا وملاذها ويجتمع همه لمقاصد الآخرة والاتصاف بصفة الخاشع وليتذكر القدوم على ربه فيكون أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب المحظورات وليتذكر به الموت ولبس الأكفان ويتذكر البعث يوم القيامة حفاة عراة وليتفاءل بتجرده عن ذنوبه والله أعلم
ما جاء
( في بيان الدواب التي يجوز للمحرم قتلها ) (3/214)
صفحة 772
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( خمس من الدواب ليس على الحرم في قتلهن جناح الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور ))
( ما جاء في بيان الدواب التي يجوز للمحرم قتلها )
( قوله عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ) الحديث عند الجماعة إلا الترمذي من رواية ابن عمر وحديث عائشة عند الشيخين وأحمد لفظه قالت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحل والحرم الحديث قال عياض سموا فواسق لخروجهم عن السلامة منهم إلى الأضرار والأذى فخرجت بالأذى عن حبسها من الحيوان ( وقيل ) لخروجها عن الانتفاع بها ( وقيل ) بتحريم أكلها كما قال تعالى (( وإنه لفسق )) عند ذكر المحرمات وقالت عائشة من يأكل الغراب فقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقا ( وقال الفراء ) سميت الفأرة بذلك لخروجها عن جحرها واغتيالها أموال الناس بالفساد وأصل الفسق الخروج ( وقال ) ابن العربي أمر بالقتل وعلل بالفسق فيتعدى الحكم إلى كل ما وجدت فيه العلة ونبه بالخمسة على خمسة أنواع من الفسق فنبه بالغراب على ما يجانسه من سباع الطير وكذا في الحدأة ويزيد الغراب بحل سفرة المسافر ونقب جرابه وبالحية على كل ما يلسع والعقرب كذلك والحية تلسع وتفترس والعقرب تلدغ ولا تفترس وبالفأرة على ما يجانسها من هوام المنزل المؤذية وبالكلب العقور على كل مفترس قال ومعنى فسقهن خروجهن عن حد الكف إلى الأذية ( قوله خمس من الدواب ) ليس لها العدد مفهوم فلا ينحصر الحكم في الخمس لثبوت الزيادة عليها في أحاديث أخر فقد جاء الأمر بقتل الحية في حديث ابن مسعود عند مسلم وعنده أيضا في حديث ابن عمر وزاد أبو داود من حديث أبي سعيد السبع العادي وزاد ابن خزينه وابن المنذر من حديث أبي هريرة الذئب والنمر فصارت تسعة ولقد صدق من قال ذكر الخمس لينبه بها على خمسة أنواع من الفسق الخ فهي أصول (3/215)
صفحة 773
لأجناس المضار وما ذكر من الحية والسبع والذئب والنمر تفصيل لبعض أجناسها ( قال في القواعد ) ولم ير هؤلاء قتل الصغار من السباع لأنها لا تعدو ولا قتل ما لا يعدو من كبارها مثل الضبع والثعلب والهر ( وقال قوم ) كل محرم الأكل فهو في معنى الخمس ( ويجوز ) قتل صغار الحيات والعقارب قيل ويقتل صغار الغربان ( والمذهب ) يقتضي أن لا تقتل إلا الكبار المؤذية ( ثم اختلفوا ) فقيل يقتلهن إذا خافهن وقال آخرون لم يرد ذكر الخوف يعني أن الأمر بقتلها ورد مطلقا والتقييد بالخوف محتاج إلى دليل ( قال المحشي ) ولعل الخلاف في غير الحية والعقرب وأما هما فيقتلان مطلقا ( قوله جناح ) بضم الجيم أي إثم ( وقوله الغراب ) بضم الغين معروف وإنما أبيح قتله لأنه مختلس وينقر ظهر البعير وينزع عينيه زاد في رواية سعيد بن المسيب عن عائشة عند مسلم إلا بقع وهو الذي في ظهره أو في بطنه بياض وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث ورجح الأكثر الإطلاق لأن رواياته أصح وفي الأثر ولا يرمي الغراب إلا أن يريد خرق وعائه أو يجرح ظهر راحلته فإنه يرميه وإن قتله فلا شيء عليه ( وعن علي ) ومجاهد لا يقتل الغراب ولكن يرميه وعند أبي داود والترمذي وقال حسن وابن ماجه عن أبي سعيد مرفوعا ويرمي الغراب ولا يقتله ( وقال الخطابي ) يشبه أن يكون المراد به الغراب الصغير الذي يأكل الحب ( وإن قتل ) الغراب من غير عله فقيل عليه الفداء وقيل لا شيء عليه وهو الموافق لظاهر الحديث ومال إليه صاحب الإيضاح ( قوله والحدأة ) بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين مهموزة وجمعها حدأ بكسر الحاء والقصر والهمز كعنب وعنبة وهي أخس الطير ( قوله والفأرة ) بهمزة ساكنة ويجوز تسهيلها ولم يختلف ( 188 ) العلماء في جواز قتلها للمحرم إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي إنه قال فيها جزاء إذا قتلها المحرم أخرجه ابن المنذر وقال هذا خلاف السنة وخلاف قول جميع أهل العلم وحكي عنه غيره لا يجوز للمحرم قتل الفأرة (3/216)
صفحة 774
قال الخطابي هذا مخالف للنص خارج عن أقاويل العلماء ( قوله والعقرب ) واحدة العقارب لها ثمانية أرجل وعيناها في ظهرها تلدغ وتألم إيلاما شديدا وربما ماتت بلسعتها الأفعى وتقتل الفيل والبعير بلسعتها ولا تضرب النائم ولا الميت حتى يتحرك شيء من بدنه فتضربه وتأوي إلى الخنافس وتسالمها ( قوله والكلب العقور ) فعول بمعنى فاعل فهو مبالغة في عاقر بمعنى جارح قال مالك هو كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب وهو قول الجمهور وقال الأوزاعي وأبو حنيفة والحسن بن صالح المراد بالكلب المعروف خاصة وألحقوا به الذئب ودليل الجمهور قوله في حديث أبي سعيد والسبع العالي فكل ما كان هذا نعتا له من أسد ونمر ونحوهما ثبت له هذا الحكم ودعاؤه صلى الله عليه وسلم على عتيبة بن أبي لهب قال اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فعدا عليه الأسد فقتله ( قال الباجي ) لا خلاف أنه لا يجوز قتل سباع الطير غير ما في الحديث ابتداء ومن قتلها فعليه الفدية فإن ابتدأت بالضرر فلا جزاء على قاتلها ( قلت ) وفي جواز قتل ما ذكر للمحرم دليل على جواز قتاله من بغى عليه وتعدى وفي تهيء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه للمدافعة وهم محرمون بالعمرة عام الحديبية دليل على ذلك ( وفي جواز ) قتلها في الحرم دليل على جواز قتل من وجب عليه قتل القصاص أو رجم بزنا أو محاربة أو غير ذلك في الحرم أو خارجه ثم لجأ صاحبه إلى الحرم وبه قالت طائفة من أهل العم ( وقال قوم ) ما ارتكبه من ذلك في الحرم يقام عليه فيه وما فعله خارجه ثم لجأ إليه إن كان إتلاف نفس لم يقم عليه في الحرم بل يضيق عليه ولا يكلم ولا يجالس ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج منه فيقام عليه خارجه وما كان دون النفس يقام عليه وروي عن ابن عباس وعطاء والشعبي والحكم نحوه لكنهم لم يفرقوا بين النفس وما دونها والله أعلم
ما جاء (3/217)
صفحة 775
( في دخول مكة بغير إحرام وفي قتل الجاني فيها ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال (( دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاءه رجل فقال له يا رسول الله ابن خطل متعلق بأستار الكعبة قال اقتلوه قال جابر وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ غير محرم ))
( ما جاء في دخول مكة بغير إحرام وفي قتل الجاني فيها )
( قوله عام الفتح ) أي فتح مكة وذلك في رمضان سنة ثمان من الهجرة ( والمغفر ) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء ثم راء ما يجعل من فضل درع الحديد على الرأس مثل القلنسوة وقيل ما غطى الرأس من السلاح كالبيضة وشبهها من حديد كان أو غيره ولمسلم وأحمد وأصحاب السنن عن جابر دخل صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام ورواه ابن عبد البر من طريق نالك عن أبي الزبير عن جابر وقال إنه غريب عن مالك قالوا ولا معارضة بينه وبين حديث أنس لا مكان أن المغفر فوق العمامة وهي تحته وقاية لرأسه من صدأ الحديد أو كانت العمامة السوداء ملفوفة فوق المغفر إشارة للسودد وثبات دينه وإنه لا يغير ( وقيل ) يحتمل أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر ثم أزاله ولبس العمامة بعد ذلك فحكى كل من أنس وجابر ما رآه ( وعلى كل حال ) فقد صح دخوله صلى الله عليه وسلم مغطيا رأسه وهو مخالف لحالة الإحرام وقد صرحوا بأنه لم يكن يومئذ محرما وأيضا فلم يرو أحد أنه تحلل يومئذ من إحرامه وذلك دليل على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد حجا ولا عمرة وقد اختلف الفقهاء في ذلك قال أبو سعيد جاء ت السنة فيما قيل أن من دخل مكة يريد حجا أو عمرة فعليه الإحرام والوداع قال ولا أعلم في ذلك اختلافا قال واختلف فيما سوى ذلك ثم ذكر الخلاف مفصلا ونقل غيره عن علي بن أبي طالب لا يدخل أحد مكة إلا محرما وقال ابن عباس لا يدخل أحد مكة بغير إحرام إلا العلافين والحطابين وأصحاب (3/218)
صفحة 776
منافعها وعن ابن عباس أيضا قال لولا أن يشق علي السعي بين الصفا والمروة ما دخلت من حل إلى حرم إلا بإحرام وهذا منه يدل على أن قوله الأول على جهة الاستحباب وكان عطاء يرخص للحطابين من أهل مكة أن يدخلوها بغير إحرام ( وقيل ) إن كان منزله دون الميقات دخل مكة بغير إحرام ( وقيل ) إن كان قد أحرم في سنته فلا إحرام عليه ولو تكرر دخوله في تلك السنة وعليه في السنة القابلة الإحرام إن دخل ( ومنهم ) من يرخص لمن لم يرد حجا ولا عمرة أن يدخلها بغير إحرام ولو جاء من وراء المواقيت وهذا هو الموافق للحديث ولعل المشددين يرون فعله صلى الله عليه وسلم خاصا به لأنها قد أحلت له ساعة من النهار ولا يحل لأحد بعده وكان الربيع رحمه الله من المشددين حتى قال على من دخلها بغير إحرام دم يهريقه إلا الحطابين والبقالين وعليهم أن يطوفوا قبل أن يخرجوا من مكة وأنت خبير بأن العمرة لا يجب تكرارها إجماعا فلو قلنا بوجوب الإحرام على كل من دخل مكة لوجب القول بوجوب تكرارها مرارا عديدة ولم يقل بذلك أحد وإنما اختلفوا في وجوبها مرة واحدة فقط وبهذا يظهر لك أن الأمر بالإحرام لمن لم يرد أحد النسكين إنما هو على غير الوجوب فلا معنى لإلزامه الدم والله أعلم ( قوله جاءه رجل )قيل هو أبو برزة وقيل سعيد بن حريث ( قوله ابن خطل ) بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة ولأم أسمه عبد العزى فلما أسلم سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبدالله ومن قال اسمه هلال فقد التبس عليه بأخ له يسمى بذلك وهو احد من أهدر صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح وقال لا أؤمنهم في حل ولا حرم وذلك لأنه اسلم فبعثه صلى الله عليه وسلم مصدقا وبعث معه رجلا من الأنصار وكان معه مولى مسلم يخدمه فنزل منزلا فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع له طعاما ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فقتله ثم ارتد ولحق بمكة واتخذ قينتين تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم ولما كان يوم الفتح خرج إلى الخندمة (3/219)
صفحة 777
ليقاتل على فرس وبيده قناة فلما رأى خيل الله والقتال دخله رعب حتى ما يستمسك من الرعدة فرجع حتى انتهى إلى الكعبة فنزل من فرسه فطرح سلاحه ودخل تحت أستارها فأخذ رجل من بني كعب سلاحه وفرسه فاستوى عليه وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلوه ( قوله اقتلوه ) زاد الوليد بن مسلم عن مالك فقتل أخرجه ابن عائذ وصححه ابن حبان ( واخرج عمرو ) بن سبة في كتاب مكة عن السائب بن يزيد قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استخرج من تحت أستار الكعبة ابن خطل فضربت عنقه صبرا بين زمزم ومقام إبراهيم وقال لا يقتل قرشي بعد هذا صبرا ( واختلف ) في قاتله فقيل سعيد بن حريث وقيل عمار بن ياسر وقيل سعيد بن أبي وقاص وقيل سعيد بن زيد وقيل أبو برزة الأسلمي وهو الأصح وتحمل بقية الروايات المخالفة على أنهم ابتدروا قتله فكان المباشر منه أبا برزة وجزم ابن هشام في تهذيب السيرة بأن سعيد بن حريث وأبا برزة اشتركا في قتله ( والحديث ) يدل على جواز قتل الجاني في الحرم وأن البيت لا يعيذه ( قيل ) لبعض العلماء فلو تعلق بالكعبة أخرج منها وأقيم عليه الحد قال نعم والحديث يشهد له ( وقيل ) يقام عليه ما دون القتل فإنه يخرج من الحرم ثم يقتل ( وقيل ) يضيق عليه المقام في الحرم فلا يبايع ولا يشاري ولا يجالس حتى يضطر إلى الخروج فإذا خرج أخذ فقتل والخلاف عند أهل المذهب وغيره وهؤلاء تأولوا الحديث بأنه كان في الساعة التي أبيح له القتل بها ( وأجيب ) بأنه إنما أبيحت له ساعة من الدخول حتى استولى عليها وقتل ابن خطل بعد ذلك ( وتعقب ) بأن الساعة ما بين أول النهار ودخول وقت العصر كما في مسند أحمد وقتل ابن خطل كان قبل ذلك قطعا لقوله فلما نزع المغفر وذلك عند استقراره بمكة ( قوله قال جابر ) هو ابن زيد رضي الله عنه ( قوله وقد بلغني ) بلاغه رضوان الله عليه صحيح كما تقدم ( قوله يومئذ ) أي يوم فتح مكة ( وقوله غير (3/220)
صفحة 778
محرم ) أي لا بحجة ولا بعمرة وفي الموطأ قال مالك ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ محرما والله أعلم وروى مسلم من حديث جابر دخل صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن طاوس قال لم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة إلا محرما إلا يوم فتح مكة والله أعلم
الباب السادس
( في الكعبة والمسجد والصفا والمروة )
( قوله في الكعبة والمسجد والصفا والمروة أما الكعبة فإنه ذكر فيها أحاديث منها في الصلاة فيها ومنها في بنائها ومنها في الطواف بها ومنها خبر احتراقها لست ليال خلون من ربيع الأول سنة أربع وستين وأن ذلك هو سبب خوض الناس في القدر ومنه نشأ اختلافهم فيه ( وأما المسجد ) فالمراد به ما أحاط بالكعبة وقد ذكره في حديث جابر بن عبدالله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرج من المسجد الخ ( وأما الصفا والمروة ) فقد ذكرهما للسعي بينهما في حديث جابر وعروة بن الزبير
ما جاء
( في الصلاة في البيت )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال (( بلغني عن ابن عمر قال سألت بلالا يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة كيف صنع وما فعل قال جعل عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه والبيت يومئذ على ستة أعمدة ثم صلى وجعل بينه وبين الجدار نحوا من ثلاثة أذرع ( قال الربيع )قال أبو عبيدة من صلى داخلها أو على ظهرها فلا قبلة له ))
( ما جاء في الصلاة في البيت ) (3/221)
صفحة 779
( قوله بلغني عن ابن عمر ) الحديث رواه أيضا مالك عن نافع بن عبدالله بن عمرو ورواه البخاري عن عبدالله بن يوسف ومسلم عن يحيى كلاهما عن مالك بالسند المتقدم وتابع مالكا جماعة عن نافع في الصحيحين وغيرهما وأول الحديث عندهم عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة وبلال بن رباح وعثمان بن طلحة الحجي فأغلقها عليه ومكث فيها قال عبدالله فسألت بلالا حين خرج ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الخ ( قوله يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة ) وذلك عام الفتح كما سيأتي ( قيل ) وفيه استحباب دخول الكعبة في العمرة مرة كما دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدخلها وهو محرم لأنه صلى الله عليه وسلم إنما دخلها وهو حلال قيل وإن دخلها مرارا فلا بأس ( وقيل ) ليس في دخولها فضل لحديث عائشة عند الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندي وهو قرير العين طيب النفس ثم رجع إلي وهو حزين فقلت له فقال إني دخلت الكعبة وودت أني لم أكن فعلت إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي وذلك أنه لو كان فيه فضل ما ندم على فعله وقد غلا بعض قومنا حتى عد دخولها من المناسك وليس شيء قال ابن المنذر وقد روينا عن ابن عباس أن دخول البيت ليس من نسككم ( قوله كيف صنع وما فعل ) أي كيف صنع في دخوله منذ احتجب عنا وأي شيء فعل هناك فهو سؤال عن شيئين أجابه عن الأول بقوله جعل عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه وأجابه عن الثاني بقوله ثم صلى وجعل بينه وبين الجدار نحوا من ثلاثة أذرع ( قوله جعل عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه ) وفي نسخة جعل عمودا عن يساره وعمودا عن يمينه بإفراد عمود فيهما وهما روايتان عند قومنا ( واستشكل ) الإفراد في الموضعين مع قوله وكان البيت الخ لأنه يشعر بأن ما عن يمينه أو يساره اثنان ( وجمع ) بأنه حيث ثنى أشار (3/222)
صفحة 780
إلى ما كان عليه البيت في زمنه صلى الله عليه وسلم وحيث أفرد أشار إلى ما صار إليه بعد ذلك ويرشد إيه قوله وكان البيت يومئذ لأنه يشعر بأنه تغير عن هيئته الأولى ( وقيل ) لفظ عمود جنس يحتمل الواحد والاثنين فهو مجمل بينته رواية التثنية ( وقيل ) يجوز أن هناك ثلاثة أعمدة مصطفة وصلى إلى جنب الأوسط فمن قال جعل عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره لم يعتبر الذي صلى إلى جنبه ومن قال عمودين اعتبره وفيه بعد ( وقيل ) فيه باحتمالات أخر لا نطيل بذكرها ( وفيه ) جواز الصلاة بين السواري لكن روى الحاكم بإسناد صحيح عن أنس نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بين السواري وروى ابن ماجة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونطرد عنها طردا فدل فعله صلى الله عليه وسلم على أن النهي للكراهة ( قوله والبيت يومئذ على ستة أعمدة ) وذلك قبل أن ينهدم ويبنى زمن الزبير وأما الآن ففي البخاري عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا دخل الكعبة مشى قبل الوجه حتى يدخل ويجعل الباب قبل الظهر يمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبا من ثلاثة أذرع فيصلي يتوخى المكان الذي أخبره بلال أنه صلى الله عليه وسلم صلى فيه ( وقوله ثم صلى ) أي ركعتين كما سيأتي في بلاغ أبي عبيدة ورواه الشيخان عن مجاهد عن ابن عمر وأحمد وغيره عن عثمان بن طلحة والبزار عن أبي هريرة والطبراني عن عبدالرحمن بن صفوان وشيبة بن عثمان وفيه جواز الصلاة في الكعبة وهو ظاهر في النفل لأنه الواقع من النبي صلى الله عليه وسلم ويمنع الفرض للأمر باستقبالها خص منه النفل بالسنة فلا يقاس عليه الفرض لأنه قد ثبت من التوسع في النفل ما لم يثبت في الفرض كالصلاة على الراحلة في الاختيار وصلاته قاعدا من غير ضرورة وقيد قوم النفل بغير الرواتب وما يطلب فيه الجميع ( وأجاز ) جمهور قومنا فيها الفرض والنفل أما النفل (3/223)
صفحة 781
فبالسنة وأما الفرض فبالقياس عليه ( قال الربيع ) قال أبو عبيدة من صلى داخلها أو على ظهرها فلا قبلة له وعن ابن عباس لا تصح الصلاة فيها مطلقا وعلله بلزوم استدبار بعضها وقد أمر باستقبالها فيحمل على استقبال جميعها ( وقال أبو سفيان ) رأى أبو الشعثاء رجلا من الحجبة يصلي فوق الكعبة فقال من المصلي لا قبلة له وكان ابن عباس في ناحية المسجد فسمع قوله أو أخبر به فقال إن كان جابر في شيء من البلد فهذا القول منه ولعل ابن عباس ومن بعده رأوا أن فعله صلى الله عليه وسلم خاص به فلا يتعداه إلى غيره أو أنهم حملوا الصلاة على الدعاء ويؤيده ما رواه عمرو بن شبة بسند صحيح عن حماد ابن أبي حمزة قلت لابن عباس كيف أصلي بالكعبة قال كما تصلي على الجنازة تسبح وتكبر ولا تسجد ثم عند أركان البيت سبح وكبر وتضرع واستغفر ولا تركع ولا تسجد ( ويرده ) ما سيأتي أنه صلى الله عليه وسلم صلى فيها ركعتين والله أعلم
ما جاء
( في بناء الكعبة )
أبو عبيدة قال بلغني عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ألم تري قومك حين بنوا البيت اقتصروا عن قواعد إبراهيم عليه السلام فقالت يا رسول الله ألا تردها إلى قواعد إبراهيم قال لولا حدثان قومك بالكفر ))
( ما جاء في بناء الكعبة ) (3/224)
صفحة 782
وقد اختلف في أول من بناها فحكى الطبري أن الله وضعها أولا لا ببناء أحد وللأزرقي عن علي بن الحسين أن الملائكة بنتها قبل آدم ولعبدالرزاق عن عطاء أول من بني البيت آدم وعن وهب بن منبه أول من بناها شيت بن آدم ( وقيل ) أول من بناها إبراهيم ( وتعقب )بأنه وردت آثار تدل على تقدم بنائه قبل إبراهيم عليه السلام وأنه رفع يوم الطوفان وإن الأنبياء كانوا يحجون بعد ذلك ولا يعلمون مكانه حتى بوأه الله لإبراهيم فبناه على أساس آدم وجعل طوله في السماء سبعة أذرع بذراعه وذرعه في الأرض ثلاثين ذراعا بذراعهم وادخل الحجر في البيت ولم يجعل له سقفا وجعل له بابا وحفر له بئرا عند بابه ويلقى فيها ما يهدى للبيت ( وروى ) ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهما عن علي أن بناء إبراهيم لبث ما شاء الله أن يلبث ثم إنهدم فبنته العمالقة ثم إنهدم فبنته جرهم ثم بناه قصي ابن كلاب ثم قريش فجعلوا ارتفاعها ثمانية عشر ذراعا وفي رواية عشرين ولعل راويها جبر الكسر ونقصوا من طولها ومن عرضها أذرعا أدخلوها في الحجر لضيق النفقة بهم ثم لما حوصر ابن الزبير من جهة يزيد بن معاوية تضعضعت من الرمي بالمنجنيق فهدمها في خلافته وبناها على قواعد إبراهيم فأعاد طولها على ما هو عليه الآن وأدخل من الحجر تلك الأذرع وجعل لها بابا آخر فلما قتل ابن الزبير شاور الحجاج عبدالملك بن مروان في نقض بناء ابن الزبير فكتب إليه أما ما زاده في طولها فأقره وأما ما زاده في الحجر فرده إلى بنائه وسد الباب الذي فتحه ففعل كما في مسلم عن عطاء وذكر الفاكهي أن عبدالملك ندم على إذنه للحجاج في هدمها ولعن الحجاج وبقى بناء الحجاج إلى الآن ( ونقل ) ابن عبد البر وغيره أن الرشيد أو أباه المهدي أوجده المنصور أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير فناشده مالك وقال أخشى أن تصير ملعبة للملوك فترك وهذا المعنى بعينه هو الذي خافه عبدالله بن العباس حين أشار إلى ابن الزبير لما أراد هدمها (3/225)
صفحة 783
وتجديد بنائها بأن يرمي ما وهي منها ولا يتعرض لها بزيادة ولا نقص وقال لا آمن من يجيء بعدك فيغير الذي صنعت ( قوله بلغني عن عائشة ) الحديث رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن سالم ابن عبدالله أن عبدالله بن محمد بن أبي بكر الصديق اخبر عبدالله ابن عمر عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألم تري قومك الحديث ورواه الشيخان من طرق كلها عن مالك بهذا السند وله طرق أخر في الصحيحين وغيرهما ( قوله ألم تري ) بحذف النون أي ألم تعرفي أن قومك الخ ( وفيه ) تحدث الرجل مع أهله في الأمور العامة قال بعضهم وفيه علم من أعلام النبوءة فإنه صلى الله عليه وسلم أعلم عائشة بذلك وكان الذي تولى نقضها وبناءها ابن أختها عبدالله بن الزبير ولم ينقل عنه أنه قال ذلك لغيرها من الرجال والنساء ( قوله قومك ) أي قريشا ( قوله حين بنوا البيت ) أي الكعبة وذلك قبل المبعث بخمس سنين وفي حديث أبي الطفيل عند عبدالرزاق والطبراني والحاكم قال كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالوضم ليس فيها مدر وكانت قدر ما تفتحها العناق وكانت ثيابها توضع عليها تسدل سدلا وكانت ذات ركنين هكذا ( ) فأقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانوا قريبا من جدة انكسرت فخرجت قريش ليأخذوا خشبها فوجدوا الرومي الذي فيها نجارا فقدموا به وبالخشب ليبنوا به البيت فكلما أرادوا هدمه بدت لهم حية فاتحة فاها فبعث الله طيرا أعظم من النسر فغرز مخالبه فيها فألقاها نحوا من جياد فهدمت قريش الكعبة وبنوها بحجارة الوادي فرفعوها في السماء عشرين ذراعا فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يحمل الحجارة من جياد وعليه نمرة فضاقت عليه فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته من صغرها فنودي يا محمد خمر عورتك فلم ير عريانا بعد ذلك وكان بين ذلك وبين المبعث خمس سنين وعند ابن راهوية عن علي فلما أرادوا رفع الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا يحكم بيننا أول من يخرج من هذه السكة فكان النبي صلى الله عليه وسلم أول (3/226)
صفحة 784
من خرج فحكم أن يجعلوه في ثوب ثم يرفعوه من كل قبيلة رجل وللطيالسي قالوا نحكم أول من يدخل من باب بني شيبة فكان النبي صلى الله عليه وسلم أول من دخل منه فأخبروه فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب فرفعوه ثم أخذه فوضعه بيده صلى الله عليه وسلم ( قوله إقتصروا على قواعد إبراهيم ) جمع قاعدة وهي الأساس وفي الصحيحين عن عائشة فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجدار من البيت هو قال نعم قلت فما لهم لم يدخلوه في البيت قال إن قومك قصرت عليهم النفقة قلت فما شأن بابه مرتفعا قال فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ( قوله لولا حدثان ) بكسر الحاء وسكون الدال المهملتين وفتح المثلثة فألف فنون بمعنى الحدوث أي قرب عهدهم بالكفر وجواب لولا محذوف تقديره لفعلت كما صرحت به رواية مالك وفي رواية للشيخين لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت البيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا فبلغت فيه أساس إبراهيم وزاد مالك في الموطأ فقال عبدالله بن عمر لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين الذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم ( وفي الحديث ) ترك ما هو صواب خوف وقوع مفسدة أشد واستئلاف الناس إلى الإيمان واجتناب ولي الأمر ما يتسارع الناس إلى إنكاره وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا وتألف قلوبهم مما لا يترك فيه أمر واجب كمساعدتهم على ترك الزكاة وشبه ذلك وفيه تقديم الأهم فالأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة وأنهما إذا تعارضا بدىء بدفع المفسدة والله أعلم .
ما جاء
( في دخوله صلى الله عليه وسلم الكعبة عام الفتح )
أبو عبيدة قال (( بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة عام الفتح فصلى فيها ركعتين )) (3/227)
صفحة 785
( ما جاء في دخوله صلى الله عليه وسلم الكعبة عام الفتح )
( قوله دخل الكعبة عام الفتح ) أي فتح مكة وذلك في رمضان في السنة الثامنة من الهجرة وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أقبل يوم الفتح من أعلى مكة وهو مردف أسامة على القصواء ومعه بلال وعثمان بن طلحة حتى أناخ في المسجد وفي رواية عند البيت وقال لعثمان آتنا بالمفتاح فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه فقال والله لتعطينه أو لأخرجن هذا السيف من صلبي فلم رأت ذلك أعطته فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح الباب وروى الفاكهي من طريق ضعيعة عن ابن عمر قال كان بنو أبي طلحة يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم فأخذ صلى الله عليه وسلم المفتاح ففتحها بيده ودخل هو وأسامة بن زيد وبلال بن رباح وعثمان بن طلحة الحجي فأغلقها عليه ومكث فيها زمانا طويلا وفي رواية أيوب عن نافع فمكث فيها ساعة ( وروى ) الأزرقي عن سفيان عن غير واحد من أهل العلم أنه صلى الله عليه وسلم إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح ثم حج ولم يدخلها وقال النووي لا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة يوم الفتح لا في حجة الوداع ( وتعقب ) بما رواه أبو داود والترمذي وصححه هو وابن خزيمة والحاكم عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم خرج من عندها وهو قرير العين ثم رجع وهو كئيب فقال دخلت الكعبة وأخاف أن أكون شققت على أمتي فإن ظاهره أن ذلك في حجة الوداع لأن عائشة لم تكن معه في الفتح ولا في عمرته وبه جزم البيهقي قد دخلها صلى الله عليه وسلم مرتين ( وأجيب ) بأنه يحتمل أنه قال لها ذلك بالمدينة بعد رجوعه من الفتح فليس في السياق ما يمنع ذلك ( وتعقب ) بأنه احتمال بعيد والظاهر يخالفه والله أعلم ( قوله فصلى فيها ركعتين ) تقدم شرحه في الصلاة في البيت .
ما جاء في أنه لا يطوف بالبيت عريان (3/228)
صفحة 786
أبو عبيدة قال : سئل علي بن أبي طالب : بأي شيء بعثك رسول الله r إلى أبي بكر في حجة عام تسع ؟ فقال : أربع خصال : أن لا يطوف بالبيت عريان ولا تدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم بعد عامهم هذا ، ومن كان له عند النبي r عهد فإلى عهده ومن لم يكن له عهد فإلى أربعة أشهر .
--------------------------------------------
قوله ( سئل علي بن أبي طالب ) لم يسم هذا السائل .
قوله ( بعثك ) أي أرسلك . (3/229)
صفحة 787
وقوله ( في حجة عام تسع ) أي من الهجرة وذلك أن رسول الله r بعث أبا بكر أميراً على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم ونزلت بعد بعثه أياه سورة براءة في نقض ما بين رسول الله r وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينهم وبينه أن لا يصد عن البيت أحد جاءه ولا يخاف أحد في الشهر الحرام وكان ذلك عهداً عاماً بينه وبين أهل الشرك وكان بين ذلك عهود خصائص بينه وبين قبائل العرب إلى آجال مسماة فنزلت فيه وفيمن تخلف من المنافقين عن تبوك وفي قول من قال منهم فكشف الله سرائر قوم كانوا يستخفون بغير ما يظهرون فقيل لرسول الله r لو بعثت فيها إلى أبي بكر . فقال : لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي . وذلك لأن العرب لا تقبل نقض العهد إلا ممن عقده معهم أو من رجل يكون من أهل بيته فعاملهم r بعادتهم في ذلك فدعا بعلي بن أبي طالب وقال : اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس بالحج يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله r عهد فهو إلى مدته فخرج علي على ناقة رسول الله r العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق في الطريق فلما رآه أبو بكر قال : أميراً أم مأمورا ؟ قال : بل مأمور . فمضيا حتى قدما مكة فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم عن مناسكهم حتى إذا فرغ قام علي فقرأ على الناس البراءة التي أرسلها رسول الله r حتى ختمها فأقام أبو بكر بالناس الحج والعرب في تلك السنة على منازلهم من أمور الحج التي كانوا عليها في زمن الجاهلية حتى إذا كانوا يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله r وأجّل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيه ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله r عهد إلى مدة فهو إلى مدته فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ولك يطف بالبيت عريان وكانت (3/230)
صفحة 788
البراءة تسمى في عهد رسول الله r المبعثرة لما كشفت عن سرائر الناس ثم رجع أبو بكر وعليّ قافلين إلى المدينة .
قوله ( أن لا يطوف بالبيت عريان ) وذلك أن قريشاً ابتدعت قبل الفيل أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد ممن يقدم عليهم من غيرهم أول ما يطوف إلا في ثياب أحدهم فإن لم يجد طاف عرياناً فإن خالف فطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ ثم لم ينتفع بها فعلوا ذلك زعماً منهم أنهم لا يعبدون ربهم في ثياب أذنبوا فيها وللإيماء إلى كمال التجريد عن الذنوب أو تفاؤلاً بالتعري من العيوب فجاء الإسلام بإبطال ذلك وفي الحديث دليل على وجوب ستر العورة في حال الطواف فلا يصح الطواف عرياناً عندنا وعند جمهور قومنا فسترها شرط لصحته وقالت الحنفية ليس شرطاً فمن طاف عرياناً عندهم أعاد ما دام بمكة فإن خرج لزمه دم ومن المعلوم أن كشف العورة حرام في غير الطواف وهو في الطواف أشد فكيف تصح طاعة في معصية .
قوله ( ولا تدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ) أي متصفة بالإيمان الذي هو نقيض الكفر إذ الناس كلهم إما مؤمن وإما كافر ( إنا هديناه السبيل إما شاركاً وإما كفورا ) والكافر يشمل كافر النعمة وهو الفاسق صاحب الكبيرة والكافر بالله تعالى وهو المشرك فهذان الصنفان وهما المشرك وكافر النعمة ليسا بمؤمنين لشمول اسم الكفر لهما والكفر ضد الإيمان ولا يكون مؤمناً كافراً لاستحالة اجتماع الضدين فمن خرج عن الإيمان دخل في الكفر لا محالة ومن دخل في الفكر فقد خرج عن الإيمان قطعاً فلا يدخل الجنة مشرك ولا كافر نعمة لنهما ليسا بمؤمنين ويتوب الله على من تاب . (3/231)
صفحة 789
قوله ( ولا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم بعد عامهم هذا ) هو معنى قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) وهو عام تسع ، وذكر سبحانه وتعالى علة منعهم في قوله ( إنما المشركون نجس ) فلنجاستهم منعوا أن يقربوا المسجد الحرام بعد هذا العام وكان المشركون يحجونه وكان المسلمون لا يتعرضون لمن قصد البيت وفاء بالعقد المذكور في قوله تعالى ( أوفوا بالعقود ) إلى قوله ( ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من الله ورضوانا ) أي يبتغون ذلك في زعمهم الفاسد ا،هم على هدى فنسخ ذلك بقوله ( فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) فمن يومئذ منع المشركون من المسجد الحرام وقاس أصحابنا عليه سائر المساجد وعلى الوثني كل مشرك فالمذهب عندنا أنه لا يدخل المسجد مشرك مطلقاً وكذلك مواضع الصلاة ومجالس الذكر ينهى عن ذلك وإن لم ينته ضرب ولا ينهى عن قراءة القرآن ودراسة الكتب وقيل ينهى وقيل إن منعهم من سائر المساجد مأخوذ من قوله تعالى ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ) وهو استدلال الأكثر من أصحابنا وفسر أبو حنيفة وأصحابه قوله تعالى ( فلا يقربوا المسجد الحرام ) بأن لا يحجوا ولا يعتمروا . وقال الزمخشري لا يمنعون من دخول الحرم عندهم . (3/232)
صفحة 790
قوله ( ومن كان له عند النبي r عهد فإلى عهده ) أي من كان له عهد إلى مدة معلومة فعده ثابت إلى انقضاء مدته ما لم ينقضه بنفسه وهؤلاء هم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز بقوله ( إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) قيل وهم بنو ضمرة وبنو كنانة وبنو مدلج عاهدهم r في المسجد الحرام وقيل في جهة قريبة منه عام الفتح . وقال السدي وابن عباد وإسحاق : هم بنو جزيمة . وقال ابن إسحاق : قبائل بكر دخلوا وقت الحديبية في المدة التي كانت بين رسول الله r وبين قريش فلم يكن نقض إلا من قريش وبنى الدليل فأمر الله بإتمام العهد لمن لم ينقضه . قال القطب : وهو الصحيح . وقال مجاهد : هم خزاعة ورد بإسلامها عام الفتح وأغرب منه قول أبي زيد أنهم قريش قال نزلت الآية فلم يستقيموا بل نقضوا فنزل تأجيلهم أربعة الأشهر . وردّ بأنهم وقت الأذان قد اسلموا وكذلك خزاعة .
قوله ( ومن لم يكن له عهد ) أي من سائر الكفار وهم الذين لم يأخذوا عهداً أصلاً أو أخذوا فنقضوا . (3/233)
صفحة 791
قوله ( فإلى أربعة أشهر ) أي فأجلهم إلى هذا الوقت يسيحون في الأرض كيف شاءوا آمنين وهو معنى قوله عز من قائل ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) وابتداء هذه الأربعة يوم الحج الأكبر من تلك السنة وانقضاؤها تمام عشر من ربيع الآخر . وقال ابن عباس والزهري : الأشهر الأربعة شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وإن نزلت الآية في شوال وقيل من الحادي عشر من ذي القعدة إلى عشرين من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم ثم صار في السنة بعدها في ذي الحجة واستمر إلى يوم القيامة . والأربعة أجل لمن لم يكن له عهد قيل ومن كان له عهد دونها فإنه رفع إليها وكذلك من له عهد إلى أربعة فإن الكل داخل تحت هذا التأجيل وينقضي تأمينهم بانقضاء الأربعة ومن كان له عهد فوقها فإلى تمام عهده فأتموا لهم عهدهم إلى مدتهم . قيل وقد بقي لضمرة من عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر وإنما أجلوا هذه المدة ليتفكروا فيها ويختاروا فإنه ليس بعدها إلا الإسلام أو القتل وذلك إعلام لهم وخروج عن توهم الغدر وبانسلاخها أبيح قتل المشركين حيث ما وجدوا وهي الأشهر الحرم المذكورة في قوله ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وإنما سميت حرماً لثبوت حرمة التأجيل فيها ، وقيل للتغليب لأن ذا الحجة والمحرم من الأشهر الحرم فأطلق الاسم على الأربعة تغليباً للبعض وبذلك نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم التي هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب فإن القتال كان حراماً في هذه الأشهر فنسخ بقوله ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم ) أي الأربعة الأجل 0 فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) الآية . فقد أبيح لنا قتلهم بعد الأربعة مطلقاً حيث وجدوا ومتى وجدوا إلا في أمان أو صلح أو جوار . والله أعلم .
ما جاء في الرمل والطواف والوقوف على الصفا والمروة والسعي في بطن الوادي بينهما والنحر (3/234)
صفحة 792
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن جابر بن عبدالله قال : رأيت رسول الله r رمل إلى الحجر الأسود حتى انتهى إليه في ثلاثة أطواف فإذا وقف على الصفا كبّر ثلاثاً ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير ويصنع على المروة مثل ذلك ثلاثاً ثلاثاً وإذا نزل منه على الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا خرج منه نحر بعض هديه بيده ونحر بعضه غيره .
------------------------------------
( ما جاء في الرمل والطواف والوقوف على الصفا والمروة والسعي في بطن الوادي بينهما والنحر) فهي أربعة جمعها حديث الباب ولهذا قطعه في الموطأ في أربعة أبواب . (3/235)
صفحة 793
قوله ( رأيت رسول الله r ) أي في حجة الوداع كما رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وغيرهم فإنهم رووا الحديث عن جابر بن عبدالله في صفة حجة الوداع وهذا يدل على أنه r رمل في الطواف حيث لم يكن هنالك مشرك . وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قدم رسول الله r وأصحابه وقال المشركون أنه يقدم عليكم وقد وهنهم حمى يثرب فأمرهم النبي r أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم . وفي البخاري أيضاً أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ما لنا والرمل إنما كنا رأينا المشركين وقد أهلكهم الله ثم قال شيء صنعه النبي r فلا نحب أن نتركه . فهذان الخبران يدلان على أن الرمل إنما كان في عمرة القضاء وهي التي كانت بعد الحديبية بعام فإنهم دخلوها للعمرة بالصلح الواقع في الحديبية وفي مكة يومئذ المشركون فأظهروا لهم القوة والجلد . وقد اختلف في مشروعية الرمل في الطواف مع الاتفاق على وقوعه منه r فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ليس هو بسنة من شاء رمل ومن شاء لم يرمل . وذكر له قوم يزعمون أنه سنة فقال : صدقوا وكذبوا . أي صدقوا أن النبي r فعله هو وأصحابه وكذبوا إذ جعلوه سنة لا يجوز تركها . وهذا من ابن عباس يدل على أنه إنما فعل لإظهار الجلد والقوة للمشركين كما تقدم عنه آنفاً وقد زالت العلة فزال بزوالها الحكم وبهذا أخذ أكثر أصحابنا رضي الله عنهم وكان أكثر فقههم مأخوذاً عن البحر ابن عباس ، ومنهم من قال ببقائه وأنه سنة لكن هذا القول متروك عندهم والعمل على القول الأول . وذهب جمهور قومنا إلى أنه سن باقية لأنه r رمل في حجة الوداع كما في حديث جابر وقد أمن الناس وأسلمت البلاد . ثم اختلفوا فقال أصحاب الشافعي لا يستحب الرمل إلا في طواف واحد في حج أو عمرة أما إذا طاف في غير حج أو عمرة فلا رمل ولا يشرع عندهم أيضاً في كل طوافات (3/236)
صفحة 794
الحج بل إنما يشرع في واحد منها وهو طواف يعقبه سعي . وقيل لا يشرع إلا في طواف القدوم سواء أراد السعي بعده أم لا ويشرع في طواف العمرة إذ ليس فيها طواف واحد وهذه كلها أقوال الغير . والمذهب قد تقدم والله أعلم .
وقوله ( رمل ) بفتحتين وفي بعض النسخ برمل بصيغة المضارع . والرمل بفتح الراء والميم هو الإسراع . وقال ابن دريد هو شبيه بالهرولة وأصله أن يحرك الماشي منكبيه في مشيه .
قوله ( إلى الحجر الأسود حتى انتهى إليه ) هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا ورواية الموطأ من الحجر الأسود حتى انتهى إليه أي رأيته ابتدأ الرمل من الحجر حتى انتهى إليه في آخر شوطه ومعنى رواية المسند ان جابراً رآه يرمل في شوطه الأول حتى انتهى إلى الحجر الأسود ثم في شوطه الثاني حتى انتهى إليه أيضاً وكذلك الثالث فتكون رؤيته إياه يرمل بعد أن دخل في الطواف وعلى الرواية الموطأ تكون الرؤية من حين الابتداء في الطواف .
قوله ( في ثلاثة أطواف ) وهي الأشواط الأول وظاهره استعياب الرمل في جميع الطوفة وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قد رسول الله r وأصحابه فقال المشركون إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب فأمرهم النبي r أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يشموا ما بين الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم . وهذا صريح في عدم الاستيعاب فيعارض حديث جابر . وأجيب بأنه متأخر لكونه في حجة الوداع في سنة عشر فهو ناسخ لحديث ابن عباس في عمرة القضية سنة سبع وكان في المسلمين ضعف في البدن فرملوا إظهاراً للقوة واحتاجوا إلى ذلك فيما عدا ما بين الركنين اليمانيين لأن المشركين كانوا جلوساً في الحجر فلا يرونهم بينهما فلما حج r سنة عشر رمل من الحجر إلى الحجر فكان هذا ناسخاً للأول والله أعلم . (3/237)
صفحة 795
قوله ( فإذا وقف على الصفا ) فيه مسنونية الوقوف على الصفا للدعاء وفي مسلم عن جابر أيضاً فرقى عليه أي الصفا حتى رأى البيت فاستقبل القبلة .
قوله ( كبّر ثلاثاً ) أي قال الله أكبر ثلاث مرات .
وقوله ( لا إله إلا الله ) أي لا معبود بحق سواه .
وقوله ( وحده ) نصب على الحال أي منفرداً .
وقوله ( لا شريك له ) أي لا أحد يشاركه في شيء من الأشياء فالشريك مستحيل عقلاً وسمعا .
وقوله ( له الملك ) بضم الميم أصناف المخلوقات .
وقوله ( وله الحمد ) أي الثناء الجميل في الأولى والآخر .
وقوله ( يحي ويميت ) أي يحي من أراد حياته من أصناف المخلوقات ويميت من أراد موته من أصنافهم أيضاً فهو تعالى فعال لما يريد .
وقوله ( وهو على كل شيء قدير ) تذييل على ما قبله وتكميل لفائدته وفيه بيان أن القدرة واسعة قاهرة غير منحصرة على الإحياء والإماتة . زاد في مسلم لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات . وكان جابر بن زيد رضي الله عنه إذا رقى الصفا يرفع صوته بالذكر كأنه أعرابي جافي .
قوله ( ويصنع على المروة مثل ذلك ) أي مثل الذي فعله على الصفا من الوقوف والذكر .
وقوله ( ثلاثاً ثلاثاً ) أي يقول ما ذكر ثلاثاً على الصفا وثلاثاً على المروة في كل شوط وفيه مشروعية الرقي على الصفا والمروة وهو سنة عند الجمهور ليس بشرط ولا واجب فلو تركه صح سعيه لكن فاتته الفضيلة قيل ولا حد في الذكر والدعاء عند أحد من العلماء وإنما هو بحسب ما يقدر عليه المرء ويحضره .
قوله ( يمشي ) أي المشي المعتاد .
قوله ( انصبت قدماه ) أي انحدرت فهو مجاز من قولهم صب الماء وانصب إذا انحدر ومنه إذا مشى كأنه ينحط في صبب أي موضع منحدر .
وقوله ( في بطن الوادي ) هو ما بين العلمين الأخضرين .
وقوله ( سعى ) أي مشى بقوة وهو الإسراع في المشي وفي رواية مسلم وغيره رمل . (3/238)
صفحة 796
وقوله ( حتى إذا خرج منه ) هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا ولعله سقط منها جواب الشرط وهو قوله مشى أو حذف للدلالة عليه بما قبله والمعنى أنه إذا خرج من بطن الوادي مشى مشيه المعتاد ورواية الموطأ ( حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج منه ) .
والسعي في هذا الموضع سنة يلزم تاركها عمداً الدم وليس على المرأة رمل ولكن تسرع المشي ولا يلزم الناسي شيء . وقال الأبدلاني من أصحابنا المغاربة رحمة الله عليهم : ومن لم يهرول في سعيه حتى قصر فعليه دم ويعيد السعي فإن لم يقصر أعاد ولا شيء عليه وإن ترك الهرولة في أكثر الساعات فعليه دم إن أحل وإلا أعاد ما عليه وإن ترك الأقل أعاد قبل الإحلال ولا شيء عليه بعده ومن نسي الرمل حتى جاوز موضعه رجع إليه ما لم يجاوز الموضع بثلاث خطوات أو خطوتين والرمل والهرولة والإسراع في المشي ألفاظ لمعان متقاربة . وأجمعوا أن السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط لكن اختلفوا هل يحسب الرجوع من المروة إلى الصفا شوطاً أم لا فذهب أصحابنا وجمهور قومنا إلى أنه يعد شوطا . وقيل لا يعدو بذلك قال أبو عبد الرحمن بن بنت الشافعي وأبو حفص بن الوكيل وأبو بكر الصيرفي والعمل في زماننا على القول الأول والله أعلم . (3/239)
صفحة 797
قوله ( ونحر بعض هديه بيده ونحر بعضه غيره ) وهو علي بن أبي طالب وكان الهدي مائة بدنة كما في الصحيحين عن علي والمعنى أن بعض هديه صلى الله عليه وسلّ/ وهو الأكثر بيده الشريفة ونحر بعضه علي . وفي أبي داود عن علي لما نحر r بدنه نحو ثلاثين بيده وأمرني فنحرت سائرها . وفي مسلم وغيره عن جابر ثم انصرف r إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بيده ثم أعطى علياً فنحر ما غبر وهذا أصح . وجمع بينهما بأنه r نحر ثلاثين ثم أمر علياً أن ينحر سبعاً وثلاثين ثم نحر r ثلاثاً وثلاثين . قال عياض : والظاهر أنه r نحر البدن التي جاءت معه من المدينة وكانت ثلاثاً وستين كما جاء في رواية الترمذي وأعطى علياً البدن التي جاءت معه من اليمن وهي تمام المائة . وذكر بعضهم أن حكمة نحره ثلاثاً وستين بدنة بيده أنه قصد بها سني عمره وهي ثلاث وستون على كل سنة بدنة ، والله أعلم .
ما جاء في طواف المريض راكبا
أبو عبيدة قال : بلغني عن عروة بن الزبير قال قالت لي أم سلمة زوج النبي r شكوت إلى رسول الله r أني أشتكي قال : طوفي بالبيت وراء الناس وأنت راكبة . فطفت ورسول الله r إلى جانب البيت وهو يقرأ والطور وكتاب مسطور .
---------------------------------------
…قوله ( بلغني عن عروة بن الزبير ) الحديث رواه مالك عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة بن الزبير عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة زوج النبي r ، ورواه البخاري عن إسماعيل والعقنبي والقنيسي ومسلم عن يحيى الأربعة عن مالك بالسند المتقدم ، فبلاغه رضي الله عنه عن عروة صحيح على أن عروة عند المصنف إنما أخذ الحديث عن أم سلمة نفسها وهو عند مالك إنما أخذه عن ابنتها عنها .
…قوله ( شكوت ) أي ذكرت لرسول الله r ما اشتكي من المرض وذلك في طواف الوداع في حجة الوداع ، وفي بعض الروايات أن رسول الله r أراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت فقال لها : إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك . (3/240)
صفحة 798
…قوله ( إني اشتكي ) أي اتوجع والمعنى أني مريضة .
…قوله ( وراء الناس ) وذلك لأن سنة النساء التباعد عن الرجال في الطواف ولأنه يخاف من قربها تأذي الناس بدابتها وقطع صفوفهم .
…قوله ( وأنت راكبة ) أي على بعيرك وفيه جواز طواف الراكب لعذر ويلحق به المحمول بعذر أما بلا عذر فقيل بمنعه وقيل بكراهيته لقوله تعالى ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) قالوا من طاف راكباً لم يطف به وإنما طاف به غيره قالوا وركوبه r إنما كان لعذر ففي أبي داود عن ابن عباس قدم النبي r مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته . وفي حديث جابر عند مسلم طاف راكباً ليراه الناس وليسألوه ، ويحتمل أنه فعل ذلك للأمرين وكذا ركوب أم سلمة لعذر . ومنهم من قال إن هذا من خصائصه r فلا يلحق به غيره وفيه نظر لقوله r خذوا عني مناسككم .
…قوله ( يصلي ) أي صلاة الصبح كان يصلي بالناس إلى جانب البيت ، وفيه جواز الطواف حال صلاة الجماعة إذا لم يؤذ بعضهم بعضا .
…قوله ( وهو يقرأ والطور وكتاب مسطور ) وفي رواية الموطأ وهو يقراً بالطور أي بسروة الطور وهو علم على هذه السورة ولهذا حذف الواو في رواية مالك .
والطور المقسم به هو الجبل الذي كلّم الله عليه موسى وهو بمدين .
والكتاب الذي يكتب فيه الأعمال ، وقيل هو ما كتبه الله لموسى وهو يسمع صرير القلم ، وقيل اللوح المحفوظ ، وقيل القرآن .
والرق الصحيفة وقيل الجلد الذي يكتب فيه ، والله أعلم .
ما جاء في البدء بالصفا
أبو عبيدة عن جابر بن عبدالله قال : سمعت رسول الله r يقول حين خرج من المسجد وهو يريد الطواف : نبدأ بما بدأ الله به .
--------------------------------------- (3/241)
صفحة 799
…قوله ( سمعت رسول الله ..الخ ) هذه قطعة من حديث طويل روى مالك في الموطأ أيضاً بعضه كالمصنف واستوفى ذكره مسلم وغيره في قصة حجة الوداع عن جابر بن عبدالله وفيها أنه قال فطاف سبعاً فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) فصلى ركعتين وجعل المقام بينه وبين البيت ، وفي رواية أنه قرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصف قرأ ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة .. الخ .
قوله ( وهو يريد الطواف ) أي التردد بين الصفا والمروة لأداء النسك وهو المعروف بالسعي عندنا .
قوله ( بما بدأ الله به ) يعني في قوله ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) وفيه أن الترتيب الذكري له اعتبار في الأمر الشرعي إما وجوباً أو استحباباً وإن كانت الواو لمطلق الجمع في الآية فمن لم يبدأ بالصفا طرح ذلك الشوط واستأنف العمل من الصفا كما صنع النبي r . واختلف العز بن عبد السلام وتلميذه القرافي وكلاهما من قومنا في تفضيل الصفا على المروة فقال الشيخ بتفضيل المروة وقال التلميذ بتفضيل الصفا . واعترضا بأنه لا ثمرة لهذا التفضيل مع أن العبادة المتعلقة بهما لا تتم بأحدهما دون الآخر ، والله أعلم .
ما جاء في السعي بين الصفا والمروة (3/242)
صفحة 800
أبو عبيدة قال : بلغني عن عروة بن الزبير قال : قلت لعائشة وأنا يومئذ حديث السن أرأيت قول الله تعالى ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) فما أرى على أحد بأساً أن لا يطوف بهما . قالت عائشة رضي الله عنها : كلا لو كان الأمر كما تقول كان فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما وإنما نزلت هذه الآية في الأنصار وكانوا يهلون من مناة وكانت مناة خلف قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله r عن ذلك فأنزل الله تبارك وتعالى ( إن الصفا والمروة ) الآية .
قال الربيع : مناة حجر بقديد كانت الجاهلية يعبدونه .
------------------------------------
قوله ( بلغني عن عروة بن الزبير ) الحديث رواه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه ، وأخرجه البخاري في التفسير عن عبدالله بن يوسف ، وأبو داود هنا عن القعنبي ، والنسائي من طريق ابن القاسم ، وأبو داود أيضاً من طريق ابن وهب وكلهم عن مالك بهذا السند المتقدم ، وأخرجه مسلم من طريق أبي أسامة وأبي معاوية بنحوه ، وله طرق في الصحيحين وغيرهما .
قوله ( قلت لعائشة ) أي أم المؤمنين وهي خالته أخت أمه .
قوله ( وأنا يومئذ حديث السن ) أي صغير كناية عن الشباب فالسن العمر وفيه تقديم عذره في السؤال وأن التباسه عليه نشأ من الحداثة .
قوله ( أرأيت قول الله تعالى ) أي أخبريني عن مفهوم قوله تبارك وتعالى .
وقوله ( إن الصفا والمروة ) هما جبلا السعي اللذان يسعى من أحدهما إلى الآخر ، والصفا في الأصل جمع صفاة وهي الصخرة والحجر الأملس ، والمروة في الأصل حجر ابيض براق .
قوله ( من شعائر الله ) أي من المعالم التي ندب الله إليها وأمر بالقيام عليها ، وقيل الشعائر أعمال الحج وكل ما جعل علماً لطاعة الله .
وقوله ( فمن حج البيت أو اعتمر ) أي فمن قصده لأحد النسكين الحج والعمرة .
قوله ( فلا جناح عليه ) أي فلا إثم عليه . (3/243)
صفحة 801
وقوله ( أن يطوف ) بتشديد الطاء وأصله يتطوف أبدلت التاء طاء لقرب مخرجه أو أدغمت التاء في الطاء والمعنى يسعى بينهما .
قوله ( فما أرى على أحد بأساً أن لا يطوف بهما ) أي فما أعتقد على أحد إثماً بترك ذلك أو ما أظن على أحد بأساً بتركه إذ مفهوم الآية أن السعي ليس بواجب لأنها دلت على رفع الجناح وهو الإثم عن فاعله وذلك يدل على إباحته ولو كان واجباً لما قيل فيه ذلك لأن رفع الاسم الاثم علامة الإباحة ويزاد المستحب بإثبات الأجر والوجوب بعقاب التارك .
وقوله ( قالت عائشة ) أي في الرد عليه لما اعتقده أو ظنه من مفهوم الآية .
وقوله ( كلا ) أي ارتدع وازدجر عن ذلك ، وفي رواية الزهري بئس ما قلت يا ابن أختي . (3/244)
صفحة 802
وقوله ( لو كان الأمر كما تقول كان فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ) أي لو كان الأمر كما فهمت لكان اللفظ فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما أي لا جناح في ترك الطواف بهما فكانت تدل على رفع الاثم عن التارك وذلك حقيقة المباح أما ولفظها بدون لا فهي ساكتة عن الوجوب وعدمه مصرحة بعد الاثم عن الفاعل وحكمته مطابقة جواب السائلين لأنهم توهموا من فعلهم ذلك في الجاهلية أن لا يستمر ذلك في الإسلام فجاء الجواب مطابقاً لسؤالهم . وأما الوجوب فمستفاد من أدلة أخر كفعله r له ومواظبته عليه في كل نسك مع قوله ( خذوا عني مناسككم ) قال المازري من قومنا : هذا من فقه عائشة ومعرفتها بأحكام الألفاظ لأن الآية إنما اقتضى ظاهرها رفع الحرج عن الطائف بينهما وليس نصاً في سقوط الوجوب فأخبرته أن ذلك محتمل فلو كان نصاً لقال أن لا يطوف وقد يكون العمل واجباً ويعتقد إنسان أنه قد يمنع من إيقاعه على صفة خاصة فيقال له لا حرج عليك إن فعلت فالجواب صحيح فلا يقتضي نفي وجوب الفعل عليه ثم بينت له أن التعبير بنفي الجناح لوروده على سبب فقال وإنما نزلت هذه الآية في الأنصار .. الخ . وقد اختلف الناس في حكم السعي بعد الإجماع على أنه مشروع فقال جمهور أصحابنا وأهل الكوفة والحسن وقتادة وأبو حنيفة وسفيان الثوري هو سنة واجبة فمن تركه عصى ويجبر بالدم . قال في الإيضاح : وكذلك من ختم سعيه بالصفا وانصرف عن ستة أشواط وأحل فعليه دم . وقال بعض أصحابنا أنه فريضة وهو مروي عن عائشة وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق فمن لم يسع عند هؤلاء حتى وطيء النساء فلا حج له في عامه ذلك وعليه الحج من قابل وهو معنى تعبير بعض قومنا عنه بالركن . وقال قوم إنه تطوع تمسكاً بالمعنى الذي فهمه عروة من الآية ، وروي ذلك عن أنس بن مالك وعبدالله بن الزبير وابن سيرين ولعلهم يحتجون بقوله تعالى ( فمن تطوع خيراً فهو خير له ) والجواب أن هذا راجع إلى أصل الحج والعمرة لا إلى خصوص (3/245)
صفحة 803
السعي لإجماع المسلمين على ان التطوع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع والله أعلم .
قوله ( إنما نزلت هذه الآية ) تعني قوله تعالى ( إن الصفا والمروة ) .
وقوله ( في الأنصار ) هم الأوس والخزرج .
وقوله ( يهلون ) أي يحرمون للحج أو العمرة قبل إسلامهم .
ومناة بفتح الميم والنون الخفيفة فألف ثم تاء مخفوض بالفتحة للعلمية والتأنيث وهو حجر بقديد كانت الجاهلية يعبدونه . وقال ابن الكلبي : كانت صخرة نصبها عمرو بن يحيى لهذيل فكانوا يعبدونها . وسميت مناة لأن النسائك كانت تمنى أي تراق عندها .
وقوله ( خلف قديد ) وفي رواية الموطأ حذو قديد بفتح المهملة وسكون المعجمة أي مقابلها ولعلها كانت مقابلها من الجهة البعدى بحيث يصدق عليها أنها خلف باعتبار وحذو باعتبار .
وقديد بضم القاف وفتح المهملة بعدها تحتية ثم مهملة قرية جامعة بين مكة والمدينة كثيرة المياه قاله أبو عبيد البكري .
وقوله ( يتحرجون ) بالمهملة والجيم أي يتحرزون أن يطوفوا بين الصفا والمروة أي يتركون ذلك خشية الحرج وهو الاثم مثل قولهم يتحنث ويتأثم أي ينفي الحنث والإثم عن نفسه ، والمعنى أنهم كانوا في الجاهلية لا يطوفون بينهما فيقتصرون على الطواف بمناة ، وفي رواية سفيان عن الزهري عند مسلم ( وإنما كان من أهل بمناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة ) ، وله من رواية يونس عن الزهري ( أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وعسان يهلون بمناة وكان ذلك في آبائهم من أحرم بمناة لم يطف بين الصفا والمروة . (3/246)
صفحة 804
وقوله ( لما جاء الإسلام .. الخ ) صريح أن المذكور سبب لنزول الآية الكريمة ، وروى الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : قالت الأنصار إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية فأنزل الله الآية . وروى الفاكهي وإسماعيل القاضي عن الشعبي قال : كان صنم بالصفا يدعى أساف ووثن بالمروة يدعى نائلة وكان أهل الجاهلية يسعون بينهما فلما جاء الإسلام رمى بهما ، وقال إنما كان يصنعه أهل الجاهلية من أجل أوثانهم فأمسكوا عن السعي بينهما فأنزل الله الآية . وذكر الواحدي عن ابن عباس نحوه وزاد فيه يزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة فمسخا حجرين فوضعا على الصفا والمروة ليعتبر بهما فلما طالت المدة عبدا .
وفي الحديث أنه لا بأس بمباحثة الصغير الكبير واستنباطه بحضوره من القرآن وتعبير بلفظ أرأيت ، وبلفظ ما أرى لأن عائشة لم تنكر شيئاً من ذلك ، والله أعلم .
ما جاء في استلام الركن اليماني
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : جاء رجل إلى عبدالله ابن عمر فقال يا أبا عبدالرحمن رأيتك تصنع أربعاً .. الحديث .
------------------------------------ (3/247)
صفحة 805
قوله ( جاء رجل إلى ابن عمر .. الخ ) الحديث قد تقدم في باب الإهلال وتقدم شرحه هنالك وذكر من جملة الأربع قوله ( رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليماني وأجابه بقوله فإن لم أر رسول الله r يمس إلا اليماني ) والمراد بالمس الاستلام ولهذه الخصلة أشار إليه المرتب هاهنا ، والحصر في قوله ( إلا اليماني ) إضافي لا حقيقي فإنه إنما نفى المس عن الركنين الشاميين دون الحجر إذ لا بد من استلامه ، وعند الشيخين عن ابن عمر قال : ما تركنا استلام هذين الركنين اليماني والحجر في شدة ولا رخاء منذ رأيت رسول الله r يستلمهما ، وفي البخاري سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر فقال : رأيت رسول الله r يستلمه ويقبله قلت أرأيت إن زاحمت أرأيت إن غلبت قال : اجعل أرأيت باليمن رأيت رسول الله r يستلمه ويقبله فظاهره أن ابن عمر لم ير الزحام عذراً في ترك الاستلام . والمذهب عندنا أنه يستلم الحجر بيده ويقبله بفمه إن أمكنه ذلك وإلا أشار إليه بيده من بعيد ، وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال قال رسول الله r لعبد الرحمن بن عوف كيف صنعت يا أبا محمد في استلام الركن قال عبدالرحمن استلمت وتركت فقال له رسول الله r أصبت فهذا يدل على أنه لا تنبغي المزاحمة وقد روى الفاكهي من طرق ابن عباس كراهتها وقال لا تؤذي ولا تؤذى ، وروى الشافعي وأحمد وغيرهما عند عبد الرحمن بن الحراث قال قال رسول الله r لعمر يا أبا حفص إنك رجل قوي فلا تزاحم على الركن فإنك تؤذي الضعيف ولكن إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فكبر وامض وهو مرسل جيد الإسناد واستلام الحجر استلام لركنه لا بعضه وأما الركن اليماني فإنه إنما يسن استلامه دون تقبيله ، والله أعلم .
ما جاء في احتراق البيت الحرام
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : لما احترق بيت الله الحرام من أجل شرارة طارت بها الريح قال بعض الناس قدر الله هذا ، وقال آخرون لم يقدر الله ان يحترق بيته ، فمن ثم وقع الخلاف الأول في القدر . (3/248)
صفحة 806
قال أبو عبيدة : وكان احتراقه يوم السبت لست ليال خلون من ربيع الأول سنة أربع وستين .
------------------------------------
قوله ( لما احترق بيت الله الحرام .. الخ ) كان المناسب ذكر القصة في باب القدر لأنها كانت سبب الخوض فيه وإنما ذكرها في هذا الباب لأنها من جملة الأحوال المتعلقة بالكعبة وقد تقدم أول الباب ذكر بنائها وأن ابن الزبير جدده في الإسلام على الصفة التي في حديث عائشة المتقدم وكان هذا الاحتراق يوم السبت لست ليال خلون من ربيع الأول سنة أربع وستين في أيام ابن الزبير وذلك أن الكعبة كانت على ما بنتها قريش إلى السنة المذكورة فحاصرها الحصين بن نمير السكوني وهو أمير استخلفه أمير يزيد بن معاوية الذي ولاه على الجيش الذي قاتل أهل المدينة فكانت وقعة الحرة ثم سار إلى مكة فمات في الطريق فاستخلف الحصين وأتوا مكة فحاصروا ابن الزبير وقاتلوه ورموه بالمنجنيق واحترقت من شرارة من نيرانهم أستار الكعبة وسقفها وقرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل وكان في السقف . وقيل أنهم كانوا يرمون البيت بالمنجنيق ويرتجزون بقولهم :
خطارة مثل الفنيق المزبد ترمى بها عيدان هذا المسجد
وقال آخر منهم :
كيف ترى صنيع أم فروة تأخذهم من الصفا والمروة (3/249)
صفحة 807
وأم فروة اسم منجنيق فمالت حيطان الكعبة مما رمين به من حجارة المنجنيق وأنها مع ذلك احترقت وكان السبب فيه أنهم كانوا يوقدون حولها فأقبلت شرارة هبت بها الريح فأحرقت باب الكعبة فاحترق خشب البيت . وقال الواقدي : حدثني عبدالله بن زيد قال حدثني عروة بن أذينة قال قدمت مكة مع أبي يوم احترقت الكعبة وقد خلصت إليها النار ورأيت الركن قد أسود وانصدعت منه ثلاثة أمكنة فقلت ما أصاب الكعبة فأشاروا إلى رجل من أصحاب الزبير قالوا احترقت بسبب هذا أخذ قبساً في رأس رمح له فطارت الريح به فضربت أستار الكعبة ما بين الركن اليماني والحجر الأسود . وقال بعضهم كان السبب في ذلك أن امرأة كانت تبخر البيت فطارت شرارة من النار فاحترق البيت وكان أول ما تكلم الناس في القدر يومئذ فقال قوم هو من قدر الله وهو الحق الذي لا يصح غيره ، وقال قوم ليس من قدر الله وهو باطل قالوا فهدم عبدالله بن الزبير الكعبة حتى سواها بالأرض وكان الناس يطوفون بها من وراء الأساس وذلك أنه دخل المسجد الحرام والناس وقوف والبيت مهدوم فقال : ( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ) فلما رآه الناس طاف طافوا وهذه من مناقب أبي الشعثاء ومن فضائله التي لا يدرك شأوها والله يدخر من مواهبه لمن شاء من عباده والله ذو الفضل العظيم ، وجعل ابن الزبير الحجر الأسود عنده في تابوت في خرقة من حرير وجعل ما كان من حلي البيت وما وجد فيه من ثياب وطيب عند الحجبة في خزانة البيت ثم أعاد بناءها على الوصف الذي تقدم في حديث عائشة في بناء الكعبة .
قوله ( قال بعض الناس قدر الله هذا ) أي كان بقدرته وإرادته وهؤلاء هم أهل الحق . (3/250)
صفحة 808
وقوله ( وقال آخرون لم يقدر الله أن يحترق بيته ) وهؤلاء هم القدرية . قال أبو القاسم البرادي رحمه الله تعالى : وأول من تكلم في القدر في أيام الصحابة غيلان الدمشقي ومعبد الجهني ويونس الاسواري وبعدهم أبو حذيفة واصل بن عطاء انتصب لمذهب القدرية وهو قد تلمذ للحسن البصري ومكث في مجالسته عشرين سنة وهو المقرر لقواعد القول بقدرة العبد وخلقه الفعل وقال : أن الباري عادل حكيم لا يجوز أن يضاف إليه شين ولا ظلم ، ولا يجوز عليه أن يريد من العباد خلاف ما يأمرهم به ، ولا يجوز عليه أن يخلق للعباد شيئاً ثم يجازيهم عليه والعبد هو الفاعل للخير والشر والطاعة والمعصية والله سبحانه يجازيه بفعله . وقال : ليس من الحكمة أن يكون الله سبحانه يخلق الكفر للكافرين به وهو مبغض للكفر معاد للكافرين فيكون في ذلك كمن أعان على شتم نفسه . وقال : جميع الأمة قويها وضعيفها وصغيرها وكبيرها القدر خيره وشره من الله سبحانه وهو الخالق للخير والشر والقاضي والمريد والمقدر والمكون له في أوقاته التي يكون فيها وهو مع هذا كله فعل العبد والعبد فاعله وهو له مريد مختار قاصد إليه متحرك أو ساكن به غير مجبور عليه ولا مضطر إليه إلا ما كان من جهم بن صفوان وأصحابه فقد نقض الإجماع وقال : القدر خيره وشره من الله سبحانه لا على ما قاله الأولون بل على جهة الجبر والإكراه والاضطرار للعباد إلى أعمالهم ولا قدرة للعبد في شيء من ذلك ولا قصد ولا اختيار ولا إرادة قالوا وماذا إلى العبد من الأفعال وهو متصرف في قبضة الأمر ومصرف بمقتضى العلم والإرادة والمشيئة قالوا وقد وجدنا الله سبحانه وتعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء وقال ( ومن يضلل الله فلا هادي له ) فمن شاء الله خلق له الخير ومن شاء خلق له الشر فهذه مقالتهم الباطلة وقد تقدم في باب القضاء والقدر من صريح السنة ما يرد هذه الآراء الفاسدة والأهوية الباطلة وبالجملة فقد كان الاحتراق فتنة هلك بسببها (3/251)
صفحة 809
الخائضون في القدر انجر بهم الكلام من احتراق البيت إلى أفعال العباد ومنها إلى صفات الرب سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا ، والله أعلم .
ما جاء في خطبته r يوم الفتح على باب الكعبة
أبو عبيدة قال : بلغني أن رسول الله r دخل الكعبة عام الفتح فصلى فيها ركعتين ثم خرج وقد أفضى بالناس حول الكعبة فأخذ بعضادتي الباب فقال : الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ماذا تقولون وماذا تظنون ؟ قالوا : نقول خيراً ونظن خيراً أخ كريم قدرت فاسجح . قال : وأنا أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ، ألا وان، كل ربا في الجاهلية ودم ومال أو مأثرة فهي تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج فغني قد أمضيتهما لأهلهما على ما كانتا عليه ، ألا وأن الله تعالى قد أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بالآباء ، كلكم لآدم وآدم من تراب ليس إلا مؤمن تقي او فاجر شقي ، وأكرمكم عند الله أتقاكم إلا في قتيل العصا والسوط والخطا شبه العمد الدية مغلظة مائة من الإبل منها أربعون خلفة ، مكة حرام حرمها الله تعالى إلى يوم القيامة لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار . قال فغمزها النبي r بيده وقال : لا ينفر صيدها ولا يقطع شجرها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ولا يختلي خلاها فقال له العباس عمه وكان شيخاً مجرباً إلا الأذخر يا رسول الله فإنه لا بد منه للقبور ولظهور البيوت . فسكت النبي r قليلاً ثم قال : إلا الأذخر فإنه حلال .
------------------------------------
قوله ( دخل الكعبة ) تقدم شرحه وكذلك قوله ( فصلى فيها ركعتين ) . (3/252)
صفحة 810
قوله ( وقد أفضى بالناس ) أي بلع بهم المكان الواسع الذي كان حول الكعبة وهو إما مبني للفاعل والضمير للنبي r لأنه الآمر بذلك فإسناد الإفضاء إليه مجاز عقلي على حد هزم الأمير الجند ، وإما مبني للمفعول والفاعل لم يسم لأن المأمور بجمعهم مثلاً لم يذكر والغرض من الإفضاء بهم إسماعهم هذه الخطبة الجامعة النافعة .
قوله ( بعضادتي الباب ) بكسر المهملة تثنية عضادة بكسرها أيضاً وهي جانب العتبة من الباب .
قوله ( الحمد لله ) هذا شروع في الخطبة وإنما صدرها بقوله ( الذي صدق وعده .. الخ ) تحدثاً بنعمة الله تعالى وتذكيراً لقريش بالوعد الذي كان يذكره لهم أول النبوة ، وقد تقدم شرح ما بعده في باب الإهلال .
قوله ( ماذا تقولون وماذا تظنون ) أي ما يقول بعضكم لبعض في أمري وأي شيء تظنون أني صانع بكم .
قوله ( أخ كريم ) أي معروف بالكرم ومن شأن المعروف بذلك أن يعفو ويصفح فلا يقال في مثله الأخير ولا يظن به الأخير ، وإنما سموه أخاً لأنه من عشيرتهم والعرب تقول لمن كان من القبيلة أخو بني فلان ومنه قولهم للعربي يا أخا العرب ومنه قوله تعالى ( إذ قال لهم أخوهم هود ) ( إذ قال أخوهم صالح ) وإنما جمعوا بين وصفي الأخوة والكرم ليتم لهم حنوه ويرق لهم فلا يعاقبهم بما صدر منهم في جانبه الرفيع .
قوله ( قدرت فاسجح ) بقطع الهمزة بعدها مهملة ثم جيم ثم حاء مهملة أي قدرت فسهل القول وأحسن العفو والمثل السائر ملكت فاسجح وإنما غير فقالوا قدرت فراراً من الملك إذ القدرة قد تكون لمن لا يذعن به بالملك وقد قالت عائشة لعلي يوم الجمل حين ظهر ملكت فاسجح .
قوله ( أخي يوسف ) إنما سماه أخاً لأنه نبي مثله وأيضاً فهو من ولد إبراهيم عليهم جميعاً الصلاة والسلام .
قوله ( لا تثريب ) أي لا تعيير ولا توبيخ ، والتثريب التعيير والاستقصاء في اللوم ، ويقال ثرب عليه تثريباً إذا قبح عليه فعله . (3/253)
صفحة 811
وقوله ( يغفر الله لكم ) دعاء بالمغفرة وهي ستر ما كان من الذنوب فإن كان القوم قد أسلموا يومئذ فالأمر واضح ، وإن كان فيهم المسلم والمشرك كما يدل عليه ظاهر الحال انصرف الدعاء لمن كان مسلماً وإن كانوا جميعاً مشركين احتيج إلى بيان وجه الدعاء مع قوله تعالى ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ) الآية . وحينئذ فنقول إن هذا الدعاء كان قبل نزول هذه الآية لأن غالب آيات التوبة إنما نزلت في السنة التاسعة بعد رجوعه r من تبوك والدعاء إنما كان يوم الفتح وهو في السنة الثامنة فهو منسوخ بالآية . وأجاز بعض قومنا الاستغفار للمشرك الحي زاعماً أن الاستغفار له طلب لتوفيقه للإيمان . والجواب أن طلب التوفيق غير طلب الغفران فهما شيئان قد يجوز في أحدهما ما لا يجوز في الآخر ، وفي الخميس نقلاً من الاكتفاء لما نزل رسول الله r واطمأن الناس خرج إلى البيت فطاف به سبعاً على راحلته يستلم الركن بالمحجن في يده فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة وأخذ منه مفتاح الكعبة وفتحت له فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها ثم وقف على باب الكعبة فقال لا إله إلا الله صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ، يا معشر قريش إن الله قد اذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالآباء الناس لآدم وآدم خلق من تراب أو يا أهل مكة ماذا ترون أني فاعل فيكم ؟ قالوا : خيراً أخ كريم وابن أخ كريم . فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء . فأعتقهم رسول الله r وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوة فلذلك تسمى أهل مكة الطلقاء أي الذين فلم يسترقوا ولم يؤسروا والطليق هو الأسير إذا أطلق . (3/254)
صفحة 812
قوله ( ألا وإن كل ربا في الجاهلية ودم ومال أو مأثرة فهي تحت قدمي هاتين ) أي مهدورة لا يطالب بها أما هذر الربا فلتحريمه في الإسلام ، وأما الدم والمال فلأن المطالبة بشيء منهما تهيج الفتن وتشمل الحروب بين القبائل لا سيما وقد كثر في الجاهلية النهب والقتل على سبيل الاستحلال والانتهاك فلو أذن لهم في مطالبتها ما خمدت الحروب ولما ذهبت حزازات القلوب .
وأما المأثرة فلأنهم كانوا ربما عدوا القبائح مآثر . والمأثرة بفتح الثاء وضمها المكرمة لأنها تؤثر أي تذكر ويؤثرها قرن عن قرن يتحدثون بها ، ولفظ هذه القطعة في حديث جابر عند مسلم وغيره في خطبة خطبها عليه السلام يوم عرفة : ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وأن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله .
قوله ( إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ) بكسر المهملة فيهما والسدانة خدمة البيت وولاية مفتاحه يقال سدنت الكعبة سدناً من باب قتل خدمتها فالواحد سادن والجمع سدنة مثل كافر وكفرة . (3/255)
صفحة 813
والسقاية في الأصل الموضع يتخذ لسقي الناس وسقاية الحاج قيل زمزم وقيل كان عبد مناف يحمل الماء في الروايا والقرب إلى مكة ويسكبه في حياض من أدم بفناء الكعبة للحاج ثم فعله ابنه هاشم بعده ثم عبد المطلب فلما خفروا زمزم كان يشتري الزبيب فينبذه في ماء زمزم ويسقي الناس . قال ابن إسحاق : لما ولي قصي بن كلاب أمر الكعبة كان إليه الحجابة والسقاية واللواء والرفادة ودار الندوة . قال : فلما كبر قصي ورق عظمه وكان عبد الدار بكره وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه وذهب كل مذهب وكذلك عبد العزى وعبد قال قصي لعبد الدار أما والله يا بني لألحقنك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليك . قال فأعطاه دار الندوة التي لا تقضي قريش أمراً من الأمور إلا فيها فأعطاه الحجابة واللواء والسقاية والرفادة . قال : وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب فيصنع به طعاماً للحاج فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد ، ثم إن بني عبد مناف بن قصي أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم وفضلهم في قومهم فتفرقت عند ذلك قريش . قال : ثم تصالحوا على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار .ا.هـ. مختصرا . ثم أبطل الإسلام جميع ذلك إلا سدانة البيت وهي الحجابة التي كانت في بني عبد الدار وإلا سقاية الحاج وكانت في بني عبد مناف فأقرهما الإسلام كما هما ، ولما فرغ r من خطبته جلس في المسجد فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال : يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك . فقال رسول الله r : أين عثمان بن طلحة . فدعي له فقال : هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء . وقيل إن العباس هو الذي سأل ذلك من النبي r فمنعه ودفع المفتاح لعثمان بن طلحة أحد بني عبد الدار . وقبض العباس السقاية وكانت في يده حتى توفي فوليها (3/256)
صفحة 814
بعده عبدالله بن عباس فكان يفعل فيها كفعله دون بني عبد المطلب وكان محمد بن الحنفية قد كلم فيها ابن عباس فقال له ابن عباس : مالك ولها نحن أولى بها في الجاهلية والإسلام وقد كان أبوك تكلم فيها فأقمت البينة طلحة بن عبيد الله وعامر بن ربيعة وأزهر بن عوف ومخرمة بن نوفل أن العباس بن عبد المطلب كان يليها في الجاهلية بعد عبد المطلب وجدك أبو طالب في إبله في باديته بعرفة وأن رسول الله r أعطاها العباس يوم الفتح دون بني عبد المطلب فعرف ذلك من حضر وكانت بيد عبدالله بن عباس يفعل فيها كفعل أبيه وجده ويأتيه بالزبيب من ماله بالطائف وينبذه حتى توفي فكانت في يد ولده .
قوله ( ونخوة الجاهلية ) بفتح النون الكبر والعظمة يقال انتخى فلان علينا أي افتخر وتعاظم .
قوله ( وتكبرها بالآباء ) أي وتعاظمها بسبب شرف الآباء وكان ذلك شأن الجاهلية وأعظم مفاخرها .
قوله ( كلكم لآدم ) أي كلكم أبناء لآدم وآدم خلق من تراب ففيما التفاخر والتعاظم والأصل واحد والمرجع إلى تراب .
قوله ( ليس إلا مؤمن تقي أو فاجر شقي ) أي لم يبق من الأصناف المعتبرة بين الناس إلا هذان الصنفان أحدهما في غاية الشرف وإن لم يعرف له نسب ولا حسب وهو المؤمن التقي قال تعالى ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ، والثاني في غاية الخسة وإن كان في غاية من شرف قومه وهو الفاجر الشقي قال تعالى ( إنا هديناه السبيل إما شاركاً وإما كفورا ) ولم إما شريفاً وإما وضيعا . (3/257)
صفحة 815
قوله ( إلا في قتيل العصا والسوط .. الخ ) فيه إثبات نوع من القتل وهو شبه العمد وهو أن يضربه بما لا يقتل في العادة كالعصا والسوط الدقيقين في الظهر ونحوه وكذلك إن ضربه بريشة أو رماه ببعرة ولم يقصد قتله ثم مات من ذلك فهذا النوع هو الذي ذكره في الحديث وهو خطأ شبه العمد وإنما أشبه العمد لأنه تعمد ضربه أو رميه بغير القاتل وهو خطأ لأنه لم يقصد قتله فصار عمداً خطأ ، وزعم بعض قومنا أن القتل لا يكون إلا عمداً محضاً أو خطأ قالوا فأما شبه العمد فلا يعرف وهو قول مالك والحديث يرده . واستدل به أبو حنيفة على أن القتل بالمثقل شبه عمد لا يوجب القصاص . ورد بان الحديث في السوط والعصا الخفيفة والقتل الحاصل بهما يكون قتلاً بطريق شبه العمد فأما المثقل الكبير فملحق بالمحدد الذي هو معد للقتل .
قوله ( والخطأ شبه العمد ) معطوف على قتيل العصا والسوط عطف عام على خاص تنبيهاً على أن شبه العمد غير منحصر في قتيل العصا والسوط ، وفي إعراب شبه العمد وجوه أحدهما أن يكون صفة الخطأ وهو معرفة وجاز لأن قوله شبه العمد وقع بين الضدين ، وثانيها أن يراد بالخطأ الجنس فهو بمنزلة النكرة . وثالثها أن يكون شبه العمد بدلاً من الخطأ أو عطف بيان .
وقوله ( الدية ) مبتدأ خبره قوله ( في قتيل العصا .. الخ ) .
وقوله ( مائة من الإبل ) عطف بيان للدية أو بدل منها . (3/258)
صفحة 816
وقوله ( مغلظة ) حال من الدية على رأي من أجاز مجيء الحال من المبتدأ وعامله متعلق بالخبر المحذوف تقديره الدية كائنة في قتيل العصا حال كونها مغلظة والدية تنقسم إلى مغلظة ومخففة فالمغلظة منها أربعون خلفة وثلاثون حقة وثلاثون جذعة وتكون في العمد بدلاً من القود وفي شبه العمد على القاتل استقلالاً وبه جزم صاحب القواعد رحمه الله تعالى . وقيل في شبه العمد الدية مخففة . والمخففة نوعان أحدهما دية شبه العمد عند القائلين بذلك وهي على أربعة أجزاء خمسة وعشرون بنات مخاض وخمسة وعشرون بنات لبون وخمسة وعشرون حقة وخمسة وعشرون جذعة . والنوع الثاني دية الخطأ المحض وهي على خمسة أجزاء عشرون بنات مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة وتؤدى في ثلاث سنين وتطلب من العاقلة إلا دية العمد وشبهه فإنها تؤدى في سنة واحدة وهي على الجاني دون عاقلته ، وقيل تؤدى أيضاً في ثلاث سنين وهذا إذا لم يصطلحوا على تعيين وقت لأدائها فإن اصطلحوا على وقت كانوا على ما اصطلحوا وشبه العمد كالعمد ، والله أعلم .
قوله ( خلفة ) بفتح المعجمة وكسر اللام الحامل من الإبل وجمعها مخاض من غير لفظها كما تجمع المرأة على النساء من غير لفظها وهي اسم فاعل يقال خلفت خلفاً من باب تعب إذا حملت فهي خلفة مثل تعبة وربما جمعت على لفظها فقيل خلفات وتخذف الهاء أيضاً فيقال خلف . (3/259)
صفحة 817
قوله ( مكة حرام .. الخ ) تقدم شرحه في حديث انس آخر باب المواقيت وزاد هنا قوله ( حرمها الله تعالى إلى يوم القيامة لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار قال فغمزها النبي r بيده يعني أنه أشار إلى تقليلها بيده يقال غمزه غمزاً من باب ضرب إذا أشار إليه بعين أو حاجب وغمزته بيدي من قولهم غمزت الكبش بيدي إذا جسسته لتعرف سمنه والساعة المشار إليها ما بين أول النهار ودخول وقت العصر كما في مسند أحمد وذلك يوم الفتح والحديث يدل على تحريم دخول مكة بحرب وإن قصد العدل لأنه r ذكر حرمتها على من بعده وأن حربها خصوصية له وإنما يجوز دخولها على قصد إظهار الحق دون الحرب لمن وجد القوة على ذلك فيأمر وينهي ويظهر الحق وينشر الأحكام فإن قوتل على ذلك قاتل قال الله تعالى ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ) والآية محكمة عند ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد فلا يجوز عندهم قتال أحد عند المسجد إلا بعد أن يقاتل . واستثنى القطب المشرك فإنه إن دخل الحرم أو المسجد الحرام وأمر بالخروج فأبى قوتل ولو لم يقاتل ، والنهي عند جمهور قومنا وقتادة منسوخ بقوله ( اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) . وقيل منسوخ بقوله ( قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) ونسب لقتادة والله أعلم . وحديث الباب يؤيد القول الأول وهو أن الآية محكمة لأنه كان يوم الفتح والأمر بالقتال كان قبل ذلك والله أعلم .
قوله ( وكان شيخاً مجربا ) بضم الميم وكسر الراء المشددة فاعل من جربت الشيء تجريباً إذا اختبرته مرة بعد أخرى والله أعلم .
الباب السابع في عرفة والمزدلفة ومنى (3/260)
صفحة 818
قوله ( في عرفة والمزدلفة ومنى ) يعني في ذكر ما عن رسول الله r من المناسك في المواضع الثلاثة وعرفة وعرفات موضع وقوف الحجيج ويقال بينهما وبين مكة نحو تسعة أميال وبعضهم يقول عرفة هي الجبل وعرفات جمع عرفة تقديراً لأنه يقال وقفت بعرفة كما يقال وقفت بعرفات .
وأما المزدلفة فاسم لموضع مبيت الحجيج ليلة النحر سميت بذلك لقربها من عرفة والزلفة القربة وقيل مأخوذ من قولهم أزلفت الشيء إذا جمعته ومن هاهنا سميت أيضاً جمعاً لجمعها الناس ليلة النحر .
وأما منى فاسم موضع بالحرم وهو موضع النحر للحجيج وفيه إقامتهم يوم النحر وأيام التشريق ويقال بينه وبين مكة ثلاثة أميال ، وسمي منى لما يمنى فيها من الدماء أي يراق والله أعلم . (3/261)
صفحة 819
وروى مسلم عن جابر أن رسول الله r قال : نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف . والإشارة إلى منحره r بمنى وموقفه في عرفة والمزدلفة وقد كان منحره قريباً من مسجد الخيف ووقوفه بعرفة قرب الصخرات السود عند جبل الرحمة ووقوفه بالمزدلفة عند المشعر الحرام قيل وهو البناء الموجود بها الآن ، وفي حديث جابر عند مسلم وغيره في حجة الوداع قال : فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب النبي r فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله r ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله r حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى ركن الوادي فخطب الناس وقال : إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث وكان مسترضعاً في بني سعد فقتله هذيل وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله وأنتم تسئلون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت . فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات ، ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى (3/262)
صفحة 820
غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص وأردف أسامة ودفع حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الحذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده ثم أعطى علياً فنحر ما غبر وأشركه في هديه .. الخ وإنما ذكرت منه هذه القطعة بطولها لما فيها من الفوائد المتعلقة بالمواضع الثلاثة ، والله أعلم .
الباب السابع
ما جاء في الوقوف بعرفة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري اختلف ناس عند أم الفضل بنت الحارث وهي والدة عبدالله بن العباس في يوم عرفة في صيام رسول الله r فقال قائلون هو صائم وقال آخرون ليس بصائم . قال أبو سعيد : فأرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه .
------------------------------------
قوله ( اختلف ناس .. الخ ) تقدم شرحه في آخر كتاب الصوم وإنما أورده هاهنا لما فيه من بيان صفة وقوفه r بعرفة وأنه كان واقفاً على بعيره وهي ناقته القصواء بالمد مع فتح القاف والبعير يقع على الذكر والأنثى كالإنسان يقال حلبت بعيري والجمل يختص بالذكر والناقة تختص بالأنثى وإنما وقف r على بعيره ليراه الناس فيأخذوا عنه مناسكهم وليبلغ كلامه حيث لم يبلغ لو كان راجلاً قيل ولهذا طاف أيضاً راكباً وهي الحكمة في وضع المنبر للخطيب وجعل مالك الوقوف على الدابة من السنة فقال يقف راكباً إلا أن يكون به أو بدابته علة فالله أعذر بالعذر . (3/263)
صفحة 821
وفي الحديث أن الوقوف على ظهور الدواب لمنافع وأغراض لراكبها جائز ما لم يكن مجحفاً بالدابة أو لغير غرض صحيح وأن النهي في ذلك في الأغلب والأكثر ولم يتخذ ذلك عادة للتحدث عليها كما كانت تفعله الجاهلية وأما من كان راكباً عليها فأخذه الحديث مع جماعة ولم يطل ذلك كثيراً حتى يضر بها فلا يدخل في النهي ومن فعل ذلك قاصداً لغرض صحيح كفعل النبي r في تبليغ كلامه او لخوف على الدابة إن تركها أو على نفسه فيركبها ليحرزها ويحرز نفسه بذلك فلا حرج ، والله أعلم .
ما جاء في الدفع من عرفة وصلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة
أبو عبيدة عن جابر قال : بلغني عن أسامة بن زيد قال دفع رسول الله r من عرفة حتى إذا كان بالشعب فنزل وبال وتوضأ ولم يسبغ الوضوء فقلت له : الصلاة . فقال : الصلاة أمامك . فكب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ وأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يفصل بينهما بشيء .
قال الربيع : قال أبو عبيدة يستحب بعد المغرب ركعتان خفيفتان .
---------------------------------------
قوله ( بلغني عن أسامة بن زيد ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحيهما وأبو داود في سننه وله عندهم طرق عن أسامة .
قوله ( دفع رسول الله r من عرفة ) وذلك بعدما غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً كما في حديث جابر بن عبدالله عند مسلم وغيره وهو أول وقت المغرب . (3/264)
صفحة 822
قوله ( بالشعب ) بكسر المعجمة وهو في اللغة الطريق وقيل الطريق في الجبل وهو في عرفنا طريق الماء من السيل اليسير ولعله المراد من الحديث وفي بعض روايات البخاري أنه الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة ، وفي بعض أنه قرب المزدلفة وكان ابن عمر يقتدي برسول الله r في ذلك أي في كونه يقضي الحاجة ويتوضأ ولا يصلي وكان ملوك بني أمية يصلون المغرب في هذا الشعب فلم يوافقهم ابن عمر على ذلك وقال عكرمة : اتخذه رسول الله r مبالاً واتخذتموه مصلى .
قوله ( ولم يسبغ الوضوء ) قيل معناه أنه توضأ وضوءاً خفيفاً كما وقع في بعض روايات البخاري ومعناه فيما قال ابن حجر : أي توضأ مرة مرة وخفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته . وقيل معناه ثم توضأ ولم يسبغ أي استنجى وأطلق عليه اسم الوضوء اللغوي لأنه من الوضاءة وهي النظافة ومعنى الإسباغ الإكمال أي لم يكمل وضوءه ، وقيل أن معناه لم يتوضأ في جميع أعضاء الوضوء بل اقتصر على بعضها .
قوله ( فقلت له الصلاة ) بالنصب على إضمار الفعل أي تذكر الصلاة أو صل ، ويجوز الرفع على تقدير حضرت الصلاة مثلاً وكأن أسامة ظن أنه r نسي صلاة المغرب ورأى وقتها وقد كاد أن يخرج أو خرج فأعلمه النبي r أنها في تلك الليلة يشرع تأخيرها للجمع مع العشاء بالمزدلفة ولم يكن أسامة يعرف تلك السنة قبل ذلك .
قوله ( الصلاة أمامك ) بالرفع على الابتداء وأمامك بفتح الهمزة وبالنصب على الظرفية بمعنى قدامك وهو خبر المبتدأ والمعنى الصلاة ستصلى بين يدك وأطلق الصلاة على مكانها أي المصلى بين يديك . وفي الحديث تذكير التابع لما تركه متبوعه ليفعله أو يعتذر عنه أو يبين له وجه صوابه ، والله أعلم .
قوله ( وأسبغ الوضوء ) أي أتمه على الصفة التي تعودها في تمام الوضوء وهي أن يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً . (3/265)
صفحة 823
قوله ( ثم أقيمت الصلاة ) يعني صلاة المغرب والحال أنهم أرادوا الجمع بين الصلاتين وهي السنة للدافع من عرفة فتعين الجمع في عرفة والمزدلفة من جملة المناسك وجواز الجمع من موجبات السفر فقد اجتمع في الفعلين نسك وهو تعين الجمع وترخص للسفر وهو جواز الجمع وذلك أنه لو لم يجز ما تعين .
قوله ( ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ) هذا فعل وقع بين الصلاتين والمقصود الجمع وكان ذلك بحضرته r فلم ينكره فيدل على أنه لا بأس بالعمل اليسير بين الصلاتين ولا ينقض ذلك الجمع وفي الإيضاح لا يبطل القران غير الكلام في جميع عمل الجوارح . قال : ورخص بعضهم في الكلام اليسير الذي لا يستغنى عنه . قال ابن حجر : وكأنهم صنعوا ذلك رفقاً بالدواب أو للأمن من تشوشهم بها . وقال الكوفيون يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة . وقال الشافعي في الجديد وقواه الثوري وهو رواية عن أحمد يجمع بينهما بإقامتين فقط وهو ظاهر حديث الباب حيث لم يذكر أذانا . والجواب أنه قد ذكر غيره فدل على أنه قد كان أذان لم يذكره أسامة إما لكونه معلوماً عندهم أو للغفلة عنه ، وقد جاء عن ابن عمر كل واحد من هذه الصفات وكأنه يرى أنه من الأمر الذي يتخير فيه الإنسان وهو المشهور عن أحمد .
قوله ( ثم أقيمت العشاء ) أي بلا أذان فالجمع بين الصلاتين إنما يكون بأذان واحد وإقامتين كما فعله r في عرفة والمزدلفة صرحت بذلك رواية جابر بن عبدالله عند مسلم وغيره وهو مذهبنا وعليه أكثر قومنا . (3/266)
صفحة 824
قوله ( ولم يفصل بينهما بشيء ) يعني من التطوع ، وفي بعض النسخ ( ولم يصل بينهما بشيء ) ، وفي رواية قومنا ( ولم يصل بينهما شيئا ) والمعنى واحد . ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة قال لأنهم اتفقوا على أن السنة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة قال ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما وكذا نقل الشيخ إسماعيل الإجماع في ذلك وذكر خلاف أبي عبيدة الذي ذكره المصنف رضي الله عنه وهو قول متروك لشذوذه عند الفقهاء ولخلافه ظاهر الحديث على أن أبا عبيدة رضي الله عنه لم ينفرد به ففي البخاري أن عبدالله بن مسعود صلى بينهما ركعتين ثم دعا بعشاء فتعشى ثم أمر رجلاً فأذن وأقام ومذهب الشافعية أن الترتيب والولاء شرطان في جمع التقديم دون جمع التأخير .
قوله ( يستحب بعد المغرب .. الخ ) تقدم الكلام عليه قريباً قال المحشي يتعجب من أبي عبيدة رحمه الله كيف يروي الحديث ثم يقول بخلافه ولم يستدل لذلك بحديث ولا بأثر قال ولعله رحمه الله استدل بالأثر المروي عن ابن مسعود الذي رواه البخاري . قلت : وقد تقدم أن أبا عبيدة لم يتفرد بذلك بل قال به أيضاً الشافعية في جمع التأخير وأن معتمدهم الأثر عن ابن مسعود وقد تقدم ذكره والجمهور على خلافه ، والله أعلم .
ما جاء في خطبته r بعرفة
أبو عبيدة قال : لما أذن الله تعالى عام أن يحج حجة الوداع وهي حجة التمام فوقف بعرفة وقال يا أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض فلا شهر ينسأ ولا عدة تحصى ألا وأن الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة .
------------------------------------ (3/267)
صفحة 825
وقد تقدم ذكرها في شرح أول الباب من حديث جابر بن عبدالله عند مسلم وغيره وهي قبل الصلاة كما تقدم ذكرها ، وفي البخاري قال : حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة قال أخبرني عمرو قال سمعت جابر بن زيد قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما قال سمعت النبي r يخطب بعرفات تابعه ابن عيينة عن عمرو .
قوله ( لما أذن الله تعالى ) أي أمر نبيه r بذلك ليعلم الناس مناسكهم وليكون الحج خاتمة عمله من المناسك . وفي قوله ( أذن ) إشعار بأنه إنما أخر r إلى هذا الوقت بأمر من الله تعالى حيث لم يأذن له في الخروج إلى الحج بعد الهجرة إلا في هذا العام وقد تقدم ما في حكمة ذلك .
قوله ( حجة الوداع ) بفتح الواو اسم مصدر لودعه توديعاً هو أن تشيعه عند سفره وإنما سميت هذه الحجة بذلك لأن رسول الله r ودّع فيها الناس بعد خطبته بمنى فقالوا هذه حجة الوداع .
قوله ( وهي حجة التمام ) تفسير لما قبله وإنما فسرها بذلك لأنها آخر عهده صلى الله عليه وسلّ/ بالبيت وآخر عهده بالمناسك وآخر عهده باجتماع الناس بمنى ولأنها كانت على تمام عمره الشريف صلوات الله عليه وسلامه .
قوله ( فوقف بعرفة .. الخ ) هذا صريح أن هذه الخطبة إنما كانت بعرفة حال وقوفه r بها ، وقد روى الشيخان قطعة من أولها من حديث أبي بكرة قال : خطبنا صلى الله عليه وسلّ/ يوم النحر قال إن الزمان قد استدار .. الخ ، فذكر خطبة طويلة ولعله قد تكرر ذكره r لهذه القطعة فذكرها مرة بعرفة وهو الثابت عند أبي عبيدة رضي الله عنه وذكرها مرة في خطبته يوم النحر وهو الثابت عند الشيخين .
قوله ( إن الزمان قد استدار ) الزمان اسم لقليل الوقت وكثيره والمراد هنا السنة ، ومعنى استدار أي دار ورجع على حاله الأول الذي خلقه الله عليه قبل أن تغيره الجاهلية بنسيئها . (3/268)
صفحة 826
وقوله ( كهيئة يوم ) بالإضافة كذا في نسخ المسند التي بأيدينا وهو نسخة أيضاً في رواية قومنا وفي نسخة أخرى ( كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض ) . والهيئة صورة الشيء وشكله وحالته والكاف صفة مصدر محذوف أي استدار استدارة مثل حالته يوم خلق الله السموات والأرض وما فيها من النيرين اللذين تعرف بهما الأيام والليالي والسنة والأشهر . والمعنى ان الزمان عاد إلى أصل الحساب والوضع الذي اختاره الله ووضعه يوم خلق السموات والأرض وهو أن يكون كل عام اثني عشر شهرا وكل شهر ما بين تسعة وعشرين إلى ثلاثين يوما . وكانت العرب في جاهليتهم غيروا ذلك فجعلوا عاماً اثني عشر شهراً وعاماً ثلاثة عشر فإنهم كانوا ينسئون الحج في كل عامين من شهر إلى شهر آخر بعده ويجعلون الشهر الذي نسئوه ملغي فتصير تلك السنة ثلاثة عشر وتبتدل أشهرها فيحلون الأشهر الحرم ويحرمون غيرها كما قال تعالى ( إنما النسيء زيادة في الكفر ) الآية . فأبطل الله تعالى ذلك وقرره على مداره الأصلي فالسنة التي حج فيها رسول الله r حجة الوداع هي السنة التي صول ذو الحجة إلى موضعه وقال النبي r : فلا شهر ينسأ ولا عدة تحصى ألا وأن الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة .
ومعنى قوله ( فلا شهر ينسأ ) أي يؤخر عن وقته المقدر في أول الزمان إلى يوم القيامة . (3/269)
صفحة 827
ومعنى قوله ( ولا عدة تحصى ) أي تعد في الأشهر غير العدة التي وضعها عليها ربنا تعالى . وقال البيضاوي : كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون احلوه وحرموا مكانه شهراً آخر حتى رفوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرد العدد . وقال مجاهد : كانوا يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ذي الحجة عامين ثم حجوا في المحرم عامين وكذلك في باقي الشهور فوافقت حجة أبي بكر قبل حجة الوداع السنة الثانية من ذي القعدة ثم حج النبي r في العام المقبل وخطب اليوم العاشر بمنى وأعلمهم أن أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان وعاد الأمر إلى ما جعل الله عليه حساب الأشهر يوم خلق الله السموات والأرض وأمرهم بالمحافظة عليه لئلا تتبدل في مستأنف الأيام ، والله أعلم .
ما جاء في وقت الدفع من عرفة والمزدلفة
قال أبو عبيدة لما تم حجه خطب الناس بعرفة فقال إن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من عرفات إذا صارت الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم ، ويدفعون من المزدلفة إذا طلعت الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم وإنا لا ندفع من عرفات حتى تغرب الشمس ويفطر الصائم وندفع من المزدلفة غداً إن شاء الله قبل طلوع الشمس هدينا مخالف لهدي أهل الشرك والأوثان .
------------------------------------
قوله ( لما تم حجه ) أي وقوفه بعرفة وقد جاء ( الحج عرفة ) أي ركنه الأعظم الوقوف بعرفة ومنه التوبة والندم . (3/270)
صفحة 828
قوله ( خطب الناس بعرفة .. الخ ) ذكر هذه الخطبة في المشكاة من رواية محمد بن قيس بن مخرمة قال خطب رسول الله r فقال إن أهل الجاهلية .. الخ . ثم قال رواه البيهقي وقال خطبنا وساقه . وقال شارحه أي في شعب الإيمان ذكره الجرزي يعني ان البيهقي رواه في شعب الإيمان وقول ابن حجر رواه مسلم الله أعلم بصحته وقد طالعته من بابه فلم أجده ، وروى الجماعة إلا مسلماً عن عمر قال : كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس فيقولون اشرق فخالفهم النبي r فأفاض قبل طلوع الشمس ، وفي رواية أحمد وابن ماجة أشرق ثبير كيما نغير . فقوله أشرق أي دخل في الشروق وهو طلوع الشمس ، وثبير بفتح المثلثة وكسر الموحدة وسكون التحتية بعدها راء مهملة جبل معروف بمكة وهو أعظم جبالها . وقوله ( كيما نغير ) أي ندفع مأخوذ من قولهم أغار الفرس إذا أسرع .
قوله ( إن أهل الشرك والأوثان ) وهم أهل الجاهلية من العرب والمراد بهم ما عدا قريشاً فإن قريشاً كانوا لا يقفون بعرفة مع الناس وإنما يقفون بالمزدلفة خصوصية جعلوها لنفسهم يمتازون بها عن سائر العرب في زعمهم وفيهم نزل قوله تعالى ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) .
وقوله ( يدفعون ) أي يرجعون .
وقوله ( إذا صارت الشمس .. الخ ) تشبيه لحالتها قبل الغروب بيسير .
وقوله ( في وجوههم ) أي في وجوه الرجال وذلك أن الشمس قبل الغروب تكون في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم وذلك بأن ينحدر شيء من عمامة الرجل على وجهه وإنما لم يقل على رؤوسهم لأن الشمس وقت الغروب إنما يقع ضوءها على ما يقابلها ولم يتعد إلى ما فوقه من الرأس لانحطاطها ، وكذا وقت الطلوع وقد شبه ما يقع على رؤوس الجبال من الضوء بطرفي النهار حينما دنت الشمس من الأفق بالعمامة المنحدرة على الوجه لأنه يلمع في جانب رأس الجبل لمعان بياض العمامة والإضافة في عمائم لمزيد التوضيح أو للاحتراز عن نساء الأعراب فإن على رؤوسهن ما يشبه العمائم . (3/271)
صفحة 829
وقوله ( وإنا ) أي معشر المسلمين .
وقوله ( لا ندفع من عرفات حتى تغرب الشمس ويفطر الصائم ) أي يدخل في وقت الإفطار فيحل له الأكل والشرب سواء أفطر أو لم يفطر وتأخير الدفع إلى هذا الوقت واجب عندنا وعند أكثر قومنا فمن دفع قبل الغروب قيل يفسد حجه وقيل عليه دم فقط وإن رجع فأدرك الوقوف قبل الغروب فلا شيء عليه وإن لم يدركه فهو كمن لم يرجع والله أعلم .
قوله ( قبل طلوع الشمس ) أي عند الإسفار فيكره المكث بها إلى طلوع الشمس اتفاقاً ، قال جابر بن زيد رحمه الله : الدفعة من جمع حين ينظر الناس والدواب مواضع قوائمهم .
قوله ( هدينا ) بفتح الهاء وسكون الدال أي سيرتنا وطريقتنا .
وقوله ( مخالف لهدي أهل الشرك والأوثان ) أي لسيرتهم وطريقتهم ، والأوثان الأصنام . وأهلها عبادها ، وأهل الشرك أصحابه المتلبسون به ، والله أعلم .
ما جاء في السير في الدفع
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : سئل أسامة بن زيد كيف كان رسول الله r يسير في حجة الوداع حين دفع ؟ قال : كان يسير العنق فإذا وجد فرجة نص والنص فوق العنق والعنق هو السرعة في السير .
------------------------------------
قوله ( سئل أسامة بن زيد ) بالبناء للمفعول وهذا السائل لم يسم ، وفي الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه قال سئل أسامة بن زيد وأنا جالس معه ، ولمسلم من طريق حماد بن زيد عن هشام عن أبيه سئل أسامة وأنا شاهد أو قال سألت أسامة بن زيد وإنما سألوه عن ذلك ليقتدوا بفعله r ، وإنما خص أسامة بالسؤال عن ذلك لأنه رديف رسول الله r من عرفة إلى المزدلفة . والحديث رواه مالك في الموطأ والشيخان وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم .
قوله ( حين دفع ) زاد في رواية عند قومنا ( من عرفة ) ومعنى دفع أي انصرف من عرفة قيل وإنما يستعمل الدفع في الإفاضة لأن الناس في مسيرهم ذلك يدفع بعضهم بعضا ، وقيل معنى دفع أي دفع نفسه عن عرفة ونحاها . (3/272)
صفحة 830
قوله ( العنق ) بفتح المهملة والنون بعدها قاف سير بين الإبطاء والإسراع ، وقيل سير سهل في سرعة ، وقيل هو الخطو الفسيح ، وقيل سير يتحرك به عنق الدابة . وانتصب على المصدرية انتصاب القهقرى أو على الوصفية أي يسير السير العنق .
وقوله ( فرجة ) بضم الفاء وفتحها وسكون الراء كذا في نسخ المسند التي بأيدينا وهو رواية عند قومنا وفي أكثر الوراية عندهم ( فجوة ) بفتح الفاء وسكون الجيم فواو مفتوحة وهما بمعنى واحد كما ذكره ابن عبد البر وغيره والمراد المكان المتسع .
وقوله ( نص ) بفتح النون والصاد المهملة الثقيلة أي أسرع ، قال أبو عبيد : النص تحريك الدابة حتى تستخرج به أقصى ما عندها وأصله غاية الشيء . قال ابن عبد البر : ليس في هذا الحديث أكثر من معرفة كيفية السير في الدفع من عرفة إلى المزدلفة . قال وهو مما يلزم أئمة الحاج فمن دونهم فعله لأجل الاستعجال للصلاة لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة أي فيجمع بين المصلحتين الوقار والسكينة عند الزحمة وبين الإسراع عند عدمها لأجل الصلاة . وقال ابن خزيمة فيه دليل على أن حديث ابن عباس عن أسامة قال فما رأيت ناقته رافعة يديها حتى أتى جمعا محمول على حال الزحام دون غيره . وفي الحديث أيضاً أن السلف كانوا يحرصون على السؤال عن كيفية أحواله r في جميع حركاته وسكونه ليقتدوا به في ذلك . (3/273)
صفحة 831
قوله ( والنص فوق العنق ) أي أرفع منه في السرعة وظاهر هذا التفسير أنه عن غير أسامة لكنه مدرج في الحديث وكذا أدرجه يحيى القطان عند البخاري وسفيان عند النسائي وعبد الرحيم بن سليمان ووكيع عند ابن خزيمة وعند مالك أن التفسير من هشام بن عروة وكذا بين حميد بن عبد الرحمن عند مسلم وأنس بن عياض عند أبي عوانة كلاهما عن هشام أن التفسير من كلامه وعند إسحاق بن راهويه أن التفسير من وكيع وعند ابن خزيمة أنه من سفيان وهما إنما أخذاه عن هشام فرجع التفسير إليه عند قومنا وهو عند المصنف محتمل أن يكون من كلام جابر أو من كلام أبي عبيدة والأول أظهر ، والله أعلم .
حديث أبي أيوب الأنصاري في الصلاة بالمزدلفة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن أبي أيوب الأنصاري صاحب النبي r قال : صليت مع رسول الله r في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعاً .
------------------------------------
وقد تقدم شرحه في باب القرآن في الصلاة وكذا تقدم شرح الصلاة بالمزدلفة في حديث أسامة المتقدم آنفاًَ.
قوله ( بلغني عن أبي أيوب الأنصاري ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وسند مالك فيه عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت الأنصاري أن عبدالله بن يزيد الخطمي أخبره أن أبا أيوب الأنصاري أخبره أنه صلى مع رسول الله r في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا .
ما جاء في وادي السرر بمنى
أبو عبيدة قال : بلغني عن ابن عمر قال قال رسول الله r إذا كنت بين الأخشبين بمنى ونفخ بيده نحو المشرق فإن هناك وادياً يقال له وادي السرر فيه سرحة سر تحتها سبعون نبياً يعني قطعت فيه سررهم حين ولدوا .
قال الربيع : السرحة الشجرة العظيمة والأخشبان جبلان مشرفان على منى .
------------------------------------ (3/274)
صفحة 832
قوله ( بلغني عن ابن عمر ) الحديث رواه أيضاً مالك عن محمد بن عمرو بن حلحلة الدئلي عن محمد بن عمران الأنصاري عن أبيه أنه قال : عدل إلي عبدالله بن عمر وأنا نازل تحت سرحة بطريق مكة فقال : ما أنزلك تحت هذه السرحة ؟ فقلت : أردت ظلها . فقال : هل غير ذلك ؟ قلت : ما أنزلني إلا ذلك . فقال عبدالله بن عمر قال رسول الله r إذا كنت بين الأخشبين من منى .. الحديث . وأخرجه النسائي من طريق ابن القاسم عن مالك بالسند المتقدم .
قوله ( بين الأخشبين ) قال الربيع رحمه الله تعالى : الأخشبان جبلان مشرفان على منى . وقال ابن وهب : أراد بهما الجبلين الذين تحت العقبة بمنى فوق المسجد والأخاشب الجبال ويقال إنها اسم لجبال مكة ومنى خاصة .
قوله ( ونفخ ) بخاء معجمة أي أشار .
وقوله ( وادي السرر ) وفي رواية مالك يقال له السرر بغسقاط لفظ الوادي وهو بضم السين وكسرها مع فتح الراء جمع سرة وهو ما تقطعه القابلة من سرة الصبي .
قوله ( فيه سرحة ) بفتح السين والحاء المهملتين بينهما راء ساكنة . قال الربيع : هي الشجرة العظيمة . وقال غيره : شجرة طويلة لها شعب . وفي رواية مالك به شجرة . والمعنى واحد وإن كانت رواية المصنف أخص وهي على المعنى أنص .
قوله ( سر تحتها سبعون نبياً ) قال جابر بن زيد رضي الله عنه يعني قطعت فيه سررهم حين ولدوا وذلك أنهم ولدوا تحتها فقطعت سررهم . وقال بعض قومنا قطعت سررهم مجاز لعلاقة المجاورة لان السرة الموضع الذي يقطع منه . وقال مالك : بشروا تحتها بما يسرهم . قال ابن حبيب : فهو من السرور أي تنبؤا تحتها واحداً بعد واحد فسروا بذلك .
وفي الحديث التبرك بمواضع النبيين . والله أعلم .
ما جاء في المبيت بمنى ليالي التشريق
أبو عبيدة قال : رخص رسول الله r لرعاة الإبل في البيتوتة ويرمون يوم النحر ثم يرمون بالغداة ومن بعد الغد يرمون يومين ثم يرمون يوم النفر .
----------------------------------- (3/275)
صفحة 833
وهو واجب عندنا فلا يجوز للحاج المبيت في غيرها قبل النفر فإن فعل فعليه دم لكل ليلة باتها ووجوبه مأخوذ من فعله وقوله عليه الصلاة والسلام وروى مالك عن نافع بن عبدالله ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال : لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة ويستثنى من ذلك رعاة الإبل كما في حديث الباب وأصحاب السقاية كما في حديث ابن عباس وابن عمر عند الشيخين وأحمد أن العباس استأذن رسول الله r أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له . وذهب بعضهم إلى اختصاص ذلك بالعباس وهو جمود . وقيل يدخل معه آله . وقيل فريقه وهم بنو هاشم .وقيل كل من احتاج إلى السقاية فله ذلك ثم قيل يختص الحكم بسقاية العباس حتى لو عمل سقاية لغيره لم يرخص لصاحبها في المبيت لجلها ومنهم من عممه والعلة في ذلك إعداد الماء للشاربين وهل يختص ذلك بالماء أو يلحق به ما في معناه من الأكل وغيره محل احتمال والجمهور على اختصاص ذلك .
قوله ( قال رخص ) الحديث مرسل عند المصنف رضي الله عنه ورواه الخمسة ومالك عن عاصم بن عدي وصححه الترمذي .
قوله ( لرعاة ) بضم الراء جمع راع كقضاة جمع قاض ، وفي رواية قومنا لرعاء بكسر الراء والمد جمع راع أيضا .
وقوله ( في البيتوتة ) مصدر بات زاد في رواية قومنا ( عن منى ) أي خارجاً عنها .
قوله ( فيرمون يوم النحر ) أي جمرة العقبة حين يرمى الناس .
قوله ( ثم يرمون بالغداة ) أي باليوم الذي بعد النحر وذلك بعد أن تزول الشمس حين يرمي الناس الجمار ، وإنما أطلق عليها الغداة مجازاً من إطلاق اسم الشيء على مجاورة لقرب ما بين الغداة والزوال ، وفي رواية مالك ثم يرمون الغد فلا تجوز فيها وذلك أن أصحاب الإبل يبيتون في إبلهم ثم يصبحون مع الناس .
قوله ( ومن بعد الغد ) معطوف على قوله بالغداة . (3/276)
صفحة 834
وقوله ( يرمون يومين ) تفسير لما قبله والمعنى أنهم يرمون بالغداة وهي أول أيام التشريق ويرمون في اليوم الذي بعده وهو ثاني أيام التشريق فهم يرمون في يومين .
وقوله ( ثم يرمون يوم النفر ) بفتح النون وإسكان الفاء وهو الانصراف من منى وذلك اليوم الثالث من أيام التشريق وفيه يكون النفر الثاني . قال المحشي : يعني إن تأخروا إليه . قال : وأما إن تعجلوا فلا إثم عليهم كغيرهم . وعند جماعة من العلماء أن رخصة الرعاة إنما هي جمع بين رمي يومين في يوم واحد . قال مالك تفسير الحديث أنهم يرمون يوم النحر فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد وذلك يوم النفر الأول فيرمون لليوم الذي مضى ثم يرمون ليومهم ذلك لأنه لا يقضي أحد شيئاً حتى يجب عليه فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء بعد ذلك . قال : فإن بدل لهم النفر فقد فرغوا وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر ونفروا هذا تفسير الحديث عنده لكن لفظ الحديث عنده يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين والجمهور على اختصاص الرخصة في المبيت بأهل السقاية والرعاء وألحق الشافعية بذلك من له مال يخاف ضياعه أو أمر يخاف فوته أو مريض يتعاهده . وقال المالكية : يجب الدم في المذكورات سوى الرعاء وأهل السقاية فمن ترك المبيت بمنى من غيرهما وجب عليه دم عن كل ليلة وهو المذهب . وقال الشافعي : عن كل ليلة طعام مسكين ، وعنه أيضاً التصدق بدرهم ، والمشهور عن أحمد وعن الحنفية لا شيء عليه ، والله أعلم .
الباب الثامن
في الهدي والجزاء والفدية
ما جاء في ان تقليد الهدي لا يوجب الإحرام (3/277)
صفحة 835
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال : كتب زياد بن أبي سفيان إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فقال إن عبدالله بن عباس يقول من أهدى هدياً يحرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه وقد بعثت بهدي فاكتبي إلي بأمرك . قال قالت عائشة : وليس كما قال ابن عباس أنا فتلت قليد هدي رسول الله r بيدي ثم قلدها رسول الله r ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم رسول الله r شيئاً أحله الله له حتى ينحر هديه .
------------------------------------
قوله ( في الهدي والجزاء والفدية ) أما الهدي فهو ما يهدى إلى الحرم من النعم يثقل ويخفف الواحدة هدية بالثقيل والتخفيف أيضاً ، وقيل الهدي بالتثقيل جمع المخفف وأهديت للرجل كذا بالألف بعثت به إليه إكراماً فهو هدية بالتثقيل لا غير ، وأهديت الهدي إلى الحرم سقته .
وأما الجزاء فهو ما يلزم المحرم عقوبة على جنايته في إحرامه أو جنايته في الصيد ونحوه مأخوذ من قوله تعالى ( فجزاء مثل ما قتل من النعم ) الآية .
وأما الفدية فهو القدر الذي يبذله الإنسان يقي به نفسه من تقصير وقع منه في عبادة أو نحوها مأخوذ من قوله تعالى ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) ، والله أعلم .
قوله ( عن أبي سعيد الخدري ) الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم كلهم من حديث عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية . (3/278)
صفحة 836
قوله ( كتب زياد بن أبي سفيان ) أي صخر بن حرب والد معاوية بن أبي سفيان وكأن أبا سعيد حدث جابراً بذلك في زمان بني أمية حين شهر زياد بهذه النسبة عند العامة بعد استلحاق معاوية إياه بأبيه مكراً وخديعة فاتقاهم الناس فقالوا زياد بن أبي سفيان خوفاً من سطوة الأمراء والتقية بذلك واسعة ولما انقرضت دولة بني أمية ما كان يقال له إلا زياد بن أبيه وزياد بن سمية وقبل استلحاق معاوية له كان يقال له زياد بن عبيد وكانت أمه سمية مولاة الحارث بن كلدة الثقفي تحت عبيد المذكور فولدت له زياداً على فراشه وكان ينسب إليه فلما كان في خلافة معاوية شهد جماعة من أتباع معاوية على إقرار أبي سفيان بان زيادأً ولده فاستلحقه معاوية . وسبب ذلك فيما ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى أن علياً كان ولى زياداً فارس حين أخرج منها سهل بن حنيف فضرب زياد ببعضهم بعضا حتى غلب عليها وما زال ينتقل في كورها حتى صلح أمر فارس ثم ولاه على اصطخر وكان معاوية يتهدده ثم أخذ بسر بن أرطأة عبيدالله وسلمان ولديه وكتب إليه يقسم ليقتلنهما إن لم يرجع ويدخل في طاعة معاوية ويرده على عمله فقدم زياد على معاوية وكان المغيرة بن شعبة قال لزياد قبل قدومه على معاوية أرم الغرض الأقصى ودع عنك الفضول فإن هذا الأمر لا يمد إليه أحد أبداً إلا الحسن بن علي وقد بايع لمعاوية فخذها لنفسك قبل التوطين . قال زياد : فأشر عليّ . قال : أرى أن تنقل أصلك إلى أصله وتصل حبلك بحبله وتعير الناس أذناً صماء . فقال زياد : يا بن شعبة أغرس عوداً في عير منبته ولا مدرة فتحييه ولا عرق فيسقيه . ثم إن زياداً عزم على قبول الدعوى وأخذ برأي ابن شعبة فأرسلت جويرية بنت أبي سفيان عن أمر أخيها فأتاها فأذنت له وكشفت عن شعرها بين يديه وقالت أنت أخي أخبرني بذلك أبو مريم ، ثم أخرجه معاوية إلى المسجد وجمع الناس فقام أبو مريم السلولي فقال : أشهد أن أبا سفيان قدم علينا بالطائف وأنا خمار في الجاهلية (3/279)
صفحة 837
فقال ابغني بغياً فأتيته وقلت لم أجد إلا جارية الحارث بن كلدة سمية فقال ائتني بها على ذفرها وقذرها فقال له زياد : مهلاً يا أبا مريم إنما بعثت شاهداً ولم تبعث شاتما . فقال أبو مريم : لو كنتم أغنتيموني لكان أحب إلي وإنما شهدت بما عاينت ورأيت والله لقد أخذ بكم درعها وأغلقت الباب عليهما وقعدت دهشان فلم ألبث أن خرج علي يمسح جبينه فقلت مه يا أبا سفيان فقال ما أصبت مثلها يا أبا مريم لولا استرخاء من ثديها وذفر من فيها . فقام زياد فقال : يا أيها الناس هذا الشأن قد ذكر ما سمعتم ولست أدري حق ذلك من باطله وإنما كان عبيد نبيا مبروراً ولياً مشكوراً والشهود أعلم بما قالوا . فقام يونس بن عبيد أخو صفية بنت عبيد بن أسد بن علاج الثقفي وكانت صفية مولاة سمية فقال : يا معاوية قضى رسول الله r أن الولد للفراش وللعاهر الحجر وقضيت أنت أن الولد للعاهر وأن الحجر للفراش مخالفة لكتاب الله وانصرافاً عن سنة رسول الله r بشهادة أبي مريم على زنا أبي سفيان . فقال معاوية : والله يا يونس لتنتهين أو لأطيرن بك طيرة بطيئاً وقوعها . فقال يونس : هل إلا إلى الله ثم اقع ؟ قال : نعم واستعفر الله . فقال عبد الرحمن بن أم الحكم في ذلك ويقال أنه ليزيد بن مقرع الحميري :
ألا أبلغ معاوية بن حرب
ssمغلغلة عن الرجل اليماني
Ss
sأتغضب أن يقال أبوك عف
ssوترضى أن يقال أبوك زاني
Ss
sفأشهد أن رحمك من زياد
ssكرحم الفيل من ولد الأتان
Ss
sss (3/280)
صفحة 838
قوله ( من أهدى هدياً يحرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه ) أخذاً من قوله تعالى ( ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) ومن قوله r لحفصة في حديث أبي سعيد الآتي : إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر ، وذلك أنه رضي الله عنه قاس التولية في أمر الهدي على المباشرة له أو أنه اعتمد على سنة حفظها ولم يبلغه ناسخها روى الطحاوي وغيره عن عبد الملك بن جابر عن أبيه جابر بن عبدالله قال : كنت جالساً عند النبي r فقد قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه فقال إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على مكان كذا فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج من قميصي من رأسي . وإسناده ضعيف فلا حجة فيه . وقد وافق ابن عباس على ذلك ابن عمر وقيس بن سعد بن عبادة وعمر وعلي والنخعي وعطاء وابن سيرين وآخرون وبه أفتى الربيع فقال أبو سفيان خرجت أم عمرو إلى مكة فلما كانت على مرحلة من البصرة أمرت مولى لها يقال له مسلم السقط وكان فاضلاً يا مسلم اشتر لي بدنة قال فاشترى لها بدنة فقال له اشعرها فقال ففعل قال فقالت ما صنعنا إنا نخاف أن يدخل علينا شيء من ذلك قال فأقامت مكانها فوجهت مسلماً إلى الربيع تسأله قال فقال لها : قد وجب عليك الإحرام فأمسكي عما يمسك عنه المحرم حتى تنحري بدنتك . وقيّد الشيخ الكدمي ذلك بمن ساق الهدي للحج أو العمرة قال وإن ساقه نفلاً لغير معنى الحج والعمرة فلا أعلم وجوب الإحرام عليه . وقال ابن مسعود وعائشة وأنس وابن الزبير وآخرون لا يضير بذلك محرماً وإلى ذلك ذهب فقهاء الأمصار . وقال الزهري أول من كشف الغماء عن الناس وبيّن لهم السنة في ذلك عائشة فذكر الحديث عن عمرة عنها وقال لما بلغ الناس قولها أخذوا به وتركوا فتوى ابن عباس . (3/281)
صفحة 839
قوله ( فاكتبي إليّ بأمرك ) زاد في رواية مالك ( أو مري صاحب الهدي ) أي الذي معه الهدي بما يصنع وكأنه كتب إليها لما بلغه إنكارها عليه روى سعيد ابن منصور عن عائشة وقيل لها إن زياداً إذا بعث بالهدي أمسك عما يمسك عنه المحرم حتى ينحر هديه فقالت عائشة أوله كعبة يطوف بها .
قوله ( قال ) أي أبو سعيد الخدري .
وقوله ( وليس كما قال ابن عباس ) أي ليس السنة في ذلك كما أفتى ابن عباس وإنما السنة فيه ما أخبركم به عن مشاهدة وخبرة .
وقوله ( أنا فتلت .. الخ ) إخبار بما عاينت من فعله r وفتل الشيء بالفاء ليه . والقليد بفتح أوله ما يقلد به الهدي ليعلم أنه هدي فيكف الناس عنه ، وفي رواية قومنا أنا فتلت قلائد هدي رسول الله r بيدي بصيغة الجمع وهو جمع قلادة بالكسر والمعنى واحد .
وقولها ( بيدي ) بفتح الدال وشد الياء ، وفي رواية الإفراد على إرادة الجنس وفيه دفع توهم المجاز أن تكون أرادت أنها فتلت بأمرها .
وقولها ( مع أبي ) بفتح الهمزة وكسر الموحدة الخفيفة تريد أباها أبا بكر الصديق فأفادت أن وقت البعث كان سنة تسع عام حج أبو بكر بالناس . قال ابن التين أرادت عائشة بذلك علمها بجميع القصة . قال ويحتمل أن تريد أنه آخر فعل النبي r لأنه حج في العام الذي يله حجة الوداع لئلا يظن ظان أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ فأرادت إزالة هذا اللبس وأكملت ذلك بقولها فلم يحرم رسول الله r شيئاً أحله الله له حتى نحر هديه بالبناء للمفعول أي ينحره من أمر بنحره . وفي رواية لمسلم فأصبح فينا حلالاً يأتي ما يأتي الحلال من أهله .
وفي الحديث تناول الكبير الشيء بنفسه وإن كان له من يكفيه إذا كان مما يهتم به ولا سيما ما كان من إقامة الشرائع وأمور الديانة .
وفيه اعتراض بعض العلماء على بعض وردّ الاجتهاد بالنص ، وأن الأصل في أفعاله r التأسي به حتى تثبت الخصوصية ، والله أعلم .
ما جاء أن من ساق الهدي لا يتحلل من عمل العمرة (3/282)
صفحة 840
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال قالت حفصة زوج النبي r : ما بال الناس أحلوا بعمرة ولم تحل أنت من عمرتك . فقال : إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر .
قال الربيع : والتلبيد أن يعمد إلى غاسول أو صمغ فيعصب به رأسه ويلبد به شعره .
------------------------------------
قوله ( عن أبي سعيد الخدري ) الحديث رواه الجماعة إلا الترمذي عن حفصة أم المؤمنين قالت قلت للنبي r ما شأن الناس .. الخ .
قوله ( قالت حفصة ) هي بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وهذا السؤال إنما كان منها رضي الله عنها في حجة الوداع ، وفي حديث جابر بن عبدالله عند مسلم وغيره في قصة حجة الوداع أن النبي r نادى وهو على المروة والناس تحته فقال : لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة .
قوله ( ما بال الناس ) أي ما شأنهم وأي شيء حملهم على مخالفتك في الفعل حيث أحلوا بعمرة ولم تحل أنت من عمرتك التي أدخلتها على الحج بوادي العقيق . وهذا السؤال منها بحث عن العلة الحاملة على المخالفة إذ كانت تعلم أنهم لا يفعلون ذلك إلا عن أمره ولهذا أجابها عن علة ذلك بقوله ( إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر ) وذلك لقوله تعالى ( ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) فحكم من لبد رأسه عند الإحرام أو قلد الهدي أن لا يحل حتى ينحر هديه أما الهدي فظاهر من معنى الآية وقد بينته السنة وأما التلبيد فلأن فيه التهيء لطول المكث في الإحرام فمن احل قبل أن يفرغ من النسكين فقد أشبه الراجع عن قصده .
والتلبيد أن يعمد إلى غاسول أو صمغ فيعصب به رأسه ويلبد به شعره ياقل لبد شعر رأسه أي جعل فيه شيئاً نحو الضمغ ليجتمع شعره لئلا يتشعث في الإحرام ويقع فيه القمل .
والغاسول الأشنان ويقال له غسول كصبور وتنور . (3/283)
صفحة 841
والصمغ واحد صموغ الأشجار وأنواعه كثيرة والصمغ العربي صمغ الطلح والقطعة منه صمغة .
والتقليد أن يجعل في عنق البعير أو غيره حبل فيعلق فيه نعلان أو نعل واحدة ليعلم أنه هدي فهو له قلادة بكسر القاف ورأي الربيع رحمه الله تعالى أن الغنم لا تقلد والله أعلم .
وظاهر هذا الحديث يقتضي أن النبي r كان محرماً بالعمرة كحديث سعد بن وقاص الآتي في الباب الذي بعده في التمتع مع أنه سيأتي عن عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام أفرد الحج ، وسيأتي إن شاء الله كيفية الجمع بين هذه الأحاديث والله أعلم .
ما جاء في ركوب الهدي
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة أن رسول الله r رأى رجلاً يسوق بدنة فقال : اركبها . فقال يا رسول الله : إنها بدنة . قال : اركبها . قال : إنها بدنة . قال : اركبها : ويلك في الثانية أو الثالثة .
------------------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً الشيخان وأحمد ولهم عن أنس نحوه .
قوله ( رأى رجلاً ) قال ابن حجر ك لم أقف على اسمه بعد طول البحث وقد نقل كلامه هذا من جاء بعده من الحفاظ ولم يزيدوا شيئا .
قوله ( يسوق بدنة ) بفتح أوله وثانيه أي ناقة وتطلق البدنة أيضا على البقرة وزاد الأزهري إطلاقها على البعير الذكر قال ولا تقع البدنة على الشاة . وقيل البدنة هي الإبل خاصة سميت بذلك لعظم بدنها قالوا وإنما الحق البقرة بالإبل بالسنة وهو قوله عليه الصلاة والسلام ( تجزي البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة ) قالوا ففرق الحديث بينهما بالعطف إذ لو كانت البدنة في الوضع تطلق على البقرة لما ساغ عطفها لن المعطوف غير المعطوف عليه ، وفي رواية لمسلم ( يسوق بدنة مقلدة ) ، وفي رواية ( فلقد رأيته راكبها يساير النبي r والنعل في عنقها ) . (3/284)
صفحة 842
قوله ( إنها بدنة ) أراد أنها بدنة مهداة إلى البيت الحرام لأن كونها من الإبل معلوم والظاهر أن الرجل ظن أنه خفي على النبي r كونها هدياً فقال إنها بدنة . قال بعضهم والحق أنه لم يخف ذلك على النبي r لكونها كانت مقلدة ولهذا قال لما زاد في مراجعته ويلك . وحديث الباب يدل على جواز ركوب الهدي من غير فرق بينما كان منه واجباً أو تطوعاً لتركه r الاستفصال وبه قال قوم منا ومن غيرنا . وقيل يكره ركوبه لغير حاجة ونسب إلى أكثر الفقهاء ، وقيّد بعضهم الجواز بالاضطرار . وقيل يركب عند الضرورة ركوباً غير فادح . وقيل يركب للضرورة فإذا استراح نزل . وقيل لا يجوز ركوب الهدي مطلقاً . وقيل يجوز مع الحاجة ويضمن ما نقص منها بالركوب . وقال بعض أهل الظاهر يجب الركوب تمسكاً بظاهر الأمر ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البحيرة والسائبة . وردّ بأن الذين ساقوا الهدي في عهد النبي r كانوا كثيراً ولم يأمر أحداً منهم بذلك . واختلف من أجاز الركوب هل يجوز أن يحمل عليها متاعه فمنعه مالك وأجازه الجمهور من قومنا وكذلك أجازوا أن يحمل عليها غيره على التفصيل المتقدم ونقل عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها . واختلفوا أيضاً في اللبن إذا احتلب منه شيء فقال قوم يتصدق به فإن شربه تصدق بثمنه . وقيل لا يشرب منه فإن شرب لم يغرم .
قوله ( ويلك ) كلمة تدعم بها العرب كلامها ولا تقصد معناها كقولهم لا أم لك ، وقيل إنها كلمة تقال لمن وقع في هلكة قال الهروي يقال ويل لمن وقع في هلكة يستحقها وويح لمن وقع في هلكة لا يستحقها ، وقال القرطبي قالها له تأديباً لأجل مراجعته له ، قال ويحتمل أن يكون فهم عنه أنه يترك ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة وغيرها فزجره عن ذلك .
قوله ( في الثانية أو الثالثة ) شك من الراوي أي قال له ويلك في المراجعة الثانية أو في الثالثة . (3/285)
صفحة 843
وفي الحديث تكرير الفتوى والندب إلى المبادرة إلى امتثال الأمر وزجر من لم يبادر إلى ذلك وتوبيخه وأن الكبير إذا رأى مصلحة الصغير لا يأنف من إرشاده إليها . واستنبط منه البخاري جواز انتفاع الواقف بوقفه ، قال ابن حجر وهو موافق للجمهور في الأوقاف العامة وأما الخاص فالوقف على النفس لا يصح عند الشافعية ومن وافقهم .
قلت وهو الصحيح عندي ، والله أعلم .
ما جاء في أن البدنة عن سبعة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال جابر بن عبدالله نحرنا مع رسول الله r عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة .
------------------------------------
قوله ( عن جابر بن عبدالله ) الحديث رواه أيضاً الشيخان وأحمد في رواية عندهم عن جابر قال أمرنا رسول اله r أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة . والسبعة بيان لغاية الإجزاء وشرط لصحته فقد يصح فيما دون ذلك وكذلك يصح في غير الإفراد أيضاً لأنه r أشرك علياً في هديه كما في حديث جابر عند مسلم وغيره . والاشتراك في جميع الهدي جائز إلا في هدي جزاء الصيد لأن الواجب عليه الجزاء مثل ما قتل من النعم . وقال أبو حنيفة يشترط في الاشتراك أن يكونوا كلهم متقربين وزاد زفر أن تكون أسبابهم واحدة واشترط قوم أن يكونوا مفترضين وعن داود وبعض المالكية يجوز في هدي التطوع دون الواجب وعن مالك لا يجوز مطلقاً والحديث يرده .
قوله ( نحرنا .. الخ ) فيه دليل على جواز النحر للإبل والبقر معاً أما الإبل فهو السنة فيها وأما البقر فقالوا يجوز فيها النحر والذبح والحديث يدل على الأول .
وقوله ( عام الحديبية ) هو عام ست من الهجرة . (3/286)
صفحة 844
وقوله ( البدنة عن سبعة ) أي مجتزين بها عن سبعة ولا تجزي عنهم إلا إذا كانت بمنزلة سبع شياه فصاعداً كما يفهم من تسميتها بدنة لأنها إنما سميت بذلك لعظم بدنها ولهذا قال في الأثر ابنة مخاض وابن مخاض وابنة لبون وابن لبون وحقة عن واحد ودون ابن مخاض لا يجزي قال والجذعة عن خمسة والثنية فما فوقها عن سبعة قال والجذعة من البقر عن ثلاثة والثنية عن خمسة والمسنة فما فوقها عن سبعة .
قوله ( والبقرة عن سبعة ) عطف خاص على عام عند من جعل البدنة عامة للنوعين من الإبل والبقر وهو عطف مغائر عند من جعلها خاصة بالإبل وقد تقدم الخلاف في ذلك في ركوب الهدي والله أعلم .
ما جاء في نحر البقر عن النساء
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : خرجنا مع رسول الله r لخمس ليال بقين من ذي القعدة ولا نرى إلا أنه الحج فلما دنونا من مكة أمر رسول الله r من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يحل قالت فدخل علينا بلحم بقر يوم النحر فقلت ما هذا اللحم قال نحر رسول الله r عن أزواجه .
------------------------------------
قوله ( عن عائشة ) الحديث رواه أيضاً الشيخان وأحمد .
قوله ( خرجنا ) تعني نساء النبي r جميعاً فإنهن حججن معه في حجة الوداع وكن تسعا .
قوله ( لخمس ليال من ذي القعدة ) أي في سنة عشر من الهجرة وذو القعدة بفتح القاف وكسرها وسمي بذلك لأنهم كانوا يقعدون فيه عن القتال وإنما عبرت بالليالي لأن خرجوه r من المدينة كان بين الظهر والعصر فنزل بذي الحليفة فصلى بها العصر ركعتين ثم بات بها وصلى بها المغرب والعشاء والصب والظهر وكان نساؤه كلهن معه فطاف عليهن تلك الليلة ثم اغتسل غسلاً ثانياً لإحرامه غير غسل الجماع .
قوله ( ولا نرى ) بضم النون وفتح الراء أي لا نظن إلا أ،ه الحج حين خروجهم من المدينة أو لم يقع في نفوسهم إلا ذلك لأنهم كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحج . (3/287)
صفحة 845
وقد اختلف الناس فيما أحرمت به عائشة أولاً فقيل إنها عمرة مفردة لما ثبت عنها في الصحيح أنها قالت فكنت ممن أهل بعمرة . وقيل إنها أحرمت بالحج أولاً وكانت مفردة لما ثبت عنها في الصحيح خرجنا مع رسول الله r لا نرى إلا أنه الحج وثبت عنها في حديث آخر لبينا مع رسول الله r بالحج . وقيل أنها كانت قارنة وإليه ذهب الجمهور من قومنا لقوله r يسعك طوافك لحجك وعمرتك .
قوله ( فلما دنونا ) أي قربنا من مكة وذلك حين كانوا بسرف كما جاء عنها في رواية أخرى .
وقوله ( أمرنا رسول الله r .. الخ ) تقدم من رواية جابر عند مسلم أنه r أمر بذلك بعد طوافه بين الصفا والمروة وأنه قال ذلك وهو على المروة ، ويجمع بينهما باحتمال تكريره الأمر بذلك مرتين في الموضعين وأن العزيمة كانت آخراً حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة والله أعلم .
وقوله ( أن يحل ) بفتح أوله وكسر ثانيه أي يصير حلالاً بأن يتمتع وبظاهر هذا الحديث ونحوه تمسك أبو حنيفة وأحمد في قولهم من أحرم لعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه أي أن المتمتع إذا كان معه الهدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر ، وقال مالك والشافعي يحل من عمرته لمجرد فراغ أعمالها وإن ساق الهدي واحتجوا بالقياس على حل الحاج من حجه وإن لم ينحر وقال أصحابنا في معنى قوله تعالى ( حتى يبلغ الهدي محله ) أي حيث يحل ذبحه وأكله والانتفاع به قالوا فمن كان حاجاً فمحله يوم النحر وإن كان معتمراً فمحله يوم يبلغ هديه .
قوله ( فدخل ) بضم الدال وكسر الخاء مبنياً للمفعول ولم يسم الداخل .
قوله ( بلحم بقر ) استدل به على الأكل من دم القران وهذا إنما يصح على قول من زعم أن عائشة كانت قارنة . (3/288)
صفحة 846
وقوله ( نحر رسول الله r عن أزواجه ) وفي رواية عند البخاري ذبح مكان نحر واختلاف الروايتين يدل على جواز الأمرين في البقر واستحب لها الذبح لقوله تعالى ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) واستدل البخاري باستفهام عائشة عن ذلك على جواز ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن لأنه لو كان الذبح بعلمها لم تحتج إلى الاستفهام . وتعقب بأنه يحتمل تقدم علمها بذلك وأنها أذنت بذلك لكنها استغربت إدخال اللحم عليهن ، وقال النووي : هذا محمول على أنه استأذنهن لأن التضحية عن الغير لا تجوز إلا بإذنه . وقال غيره : كأن البخاري علم بأن الأصل عدم الاستئذان ، والله أعلم .
ما جاء في فدية من حلق رأسه عن أذى وهو محرم
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : خرج علينا كعب بن عجرة يريد الحج مع رسول الله r فآذاه القمل في رأسه فأمره رسول الله r أن يحلق وقال له صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين أو أنسك بشاة أي ذلك فعلت أجزاك .
------------------------------------
قوله ( عن ابن عباس ) الحديث رواه جماعة منهم مالك والشيخان وأحمد عن كعب بن عجرة نفسه وهو عند المصنف رضي الله عنه من طريق ابن عباس كما ترى . (3/289)
صفحة 847
قوله ( خرج كعب بن عجرة ) بضم العين المهملة وسكون الجيم وفتح الراء ابن أمية بن عدي بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم بن سواد بن مري بن أراشة بن عامر بن عبيلة بن قميل بن فران بن بلي البلوي حليف الأنصار قيل هو حليف بني حارثة بن الحارث بن الخزرج وقيل هو حليف لبني عوف بن الخزرج وقبل هو حليف بني سالم من الأنصار . وقال الواقدي ليس بحليف للأنصار ولكنه من أنفسهم قال ابن سعد طلبت اسمه في نسب الأنصار فلم أجده ، يكنى أبا محمد وكان ممن تأخر إسلامه ثم أسلم وشهد المشاهد كلها وروى عنه ابن عمر وجابر بن عبدالله وعبدالله بن عمرو بن العاص وابن عباس وطارق بن شهاب وأبو وائل وزيد بن وهب وابن أبي ليلى وأولاده إسحاق وعبد الملك ومحمد والربيع أولاد كعب وغيرهم وفيه نزلت ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) ، وسكن الكوفة ، وتوفي بالمدينة سنة إحدى وخمسين وقيل اثنتين وقيل ثلاث وخمسين وعمره سبع وسبعون وقيل خمس وسبعون سنة .
قوله ( يريد الحج ) هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا والمعروف عند أهل السنن من قومنا ان القصة واقعة عام الحديبية كما صرحت به رواية للشيخين وأبي داود وأحمد وغيرهم عن كعب بن عجرة قال : أتى عليّ رسول الله r زمن الحديبية فقال : كأن هوام رأسك تؤذيك .. الخ . فقول ابن عباس عند المصنف يريد الحج إما على ظاهره فيجب التماس الجمع ولا وجه له سوى القول بتكرار القصة مرتين مرة بالحديبية ومرة بحجة الوداع لأنه r لم يخرج من المدينة يريد الحج إلا في حجة الوداع ولا يبعد تكرار القصة وإن كانت في شخص واحد لاحتمال أنه نسي الحكم الأول أو ظن أن ذلك خاص بالمحصر أو بالعمرة دون الحج . وإما أن يكون كلام ابن عباس مأولاً وذلك أن تقول أطلق الحج على العمرة لاشتراكهما في قصد البيت والطواف والسعي حالة الإحرام أو تقول أراد الحج نفس القصد إلى البيت وهو المعنى اللغوي وهذا التأويل بعيد جداً والأظهر تكرر الواقعة والله أعلم . (3/290)
صفحة 848
قوله ( فآذاه القمل في رأسه ) وفي البخاري عن كعب بن عجرة قال وقف عليّ رسول الله r بالحديبية ورأسي يتهافت قملاً ، وفي رواية ( والقمل يتناثر على وجهي ) ولأحمد ( وقع القمل في رأسي ولحيتي حتى وشاربي فقال قال r لقد أصابك بلاء ) .
قوله ( فأمره رسول الله r أن يحلق .. الخ ) قال ابن قدامة لا نعلم خلافاً في إلحاق الإزالة بالحلق سواء كان بموسى أو مقص أو نورة أو غير ذلك . وأغرب ابن حزم فأخرج النتف عن ذلك فقال تلحق جميع الإزالات إلا النتف .. الخ . وأنت تعلم أن للمحرم إزالة التفث لا خصوص الحلق ومن هاهنا أحلق أصحابنا رحمهم الله تعالى بحلق الرأس كل شيء احتاج المحرم إلى إزالته لدفع الضرر فإن حكمه في ذلك حكم الحلق يفعله ويفتدي . وقال جابر بن زيد رحمه الله : من أصابه في رأسه أذى فعممه أو حلقه أو مرض في جسده فداواه فكفارة ذلك أحد الخصال التي ذكرها الله تعالى ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) . وقيل إن حلق محرم أو قصّر لمحرم مثله أو غير محرم فعلى كل واحد منهما دم على الخطأ والعمد وإن كان المقصر له نائماً فعليه دم أيضاً ، وقال آخرون لا شيء على النائم .
وإن عمل المحرم شيئاً مما يحتاج إليه أو مشى تحت محمل فأدماه أو قطع شيئاً من شعر رأسه فلا شيء عليه عند المرخصين وكذلك إن وقع من بعيره فانجرح لا شي عليه وإن جز الشعر لدواء الجرح فعليه الفدية قياساً على الحلق للأذى . واستدل به بعض قومنا على ترتب الفدية أيضاً على قتل القمل . وتعقب بذكر الحلق فالظاهر أن الفدية مرتبة عليه .
قوله ( صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين أو أنسك بشاة ) وفي رواية مالك ( أو أطعم ستة مساكين مدين مدين لكل إنسان ) بالتكرير لإفادة عموم التثنية ، وإنما لم يتكرر في رواية المصنف لأن الأصل عدم التكرار والمعنى مستقيم بدونه فإنه جعل لكل مسكين مدين لا لمجموعهم . (3/291)
صفحة 849
والمد بالضم كيل وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز فهو ربع صاع لن الصاع خمسة أرطال وثلث وعليه معنى الحديث وهو عند أهل العراق رطلان فالصاع عندهم ثمانية أرطال وقد ذكرت اختلافهم مبسوطاً في السابع من المعارج .
قال جابر بن زيد رحمه الله تعالى في بيان الفدية فالصيام صيام ثلاثة أيام إلى ستة أيام والصدقة إطعام ستة مساكين إلى عشرة والنسك شاة . قال : والذبح والإطعام بمكة والصيام حيث كان أجزأه . وكأنه رحمه الله رأى أن التحديد في الحديث بيان لأقل ما يجزي من ذلك .
وقال غيره : أعلى النسك بدنة وأوسطه بقرة وأقله شاة . قال وأما الصوم فإنه يصوم حيث شاء من البلاد ، وأما النسك والإطعام فقيل يجب أن يكون بمكة . وقيل في أي موضع شاء لأن ذكر ذلك مبهم في الآية . وقيل إن الصيام عشرة أيام قياساً على صيام التمتع والإطعام لعشرة مساكين لقوله تعالى في جزاء الصيد ( أو عدل ذلك صياما ) وهو قياس مع النص فلا يقبل والحق ما صرح به حديث الباب ولعل من خالفه لم يبلغه الخبر فعدل إلى القياس والله أعلم .
قوله ( أي فعلت ذلك أجزأك ) وفي رواية الموطأ ( أجزأ عنك ) وإنما صرح بذلك بعد التعبير بأو المفيدة للتخيير زيادة في البيان . أخرج غير واحد عن ابن عباس قال : كل شيء في القرآن ( أو ) فصاحبه مخير . فإذا كان لم يجد فهو الأول فالأول ومثله في القول بالتخيير مع أو عن عمرو بن دينار وابن جريح وعطاء وإبراهيم النخعي وعكرمة ومجاهد والضحاك . قال ابن جريح إلا في قوله تعالى ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) فليس بمخير فيها والله أعلم .
الباب التاسع
في التمتع والإفراد والقران والرخصة
---------------------------- (3/292)
صفحة 850
قوله ( في التمتع والقران والرخصة ) في تقديم نسك على نسك كالحلق قبل الذبح وكالنحر قبل الرمي خطأ ، وقد ترجم في الباب عن أربعة أشياء . أما التمتع فهو الاعتمار في أشهر الحج ثم التحلل من تلك العمرة والإهلال بالحج في تلك السنة سمي بذلك لأن فاعله يتمتع أي يتلذذ بين العمرة بما شاء من النساء وغيرها مما أبيح له . ويطلق التمتع في عرف السلف على القران قال ابن عبد البر : ومن التمتع أيضاً القران ومن التمتع أيضاً فسخ الحج إلى العمرة .
وأما الإفراد فهو الإهلال بالحج وحده والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء ولا خلاف في جوازه .
وأما القران فهو الإهلال بالحج والعمرة معاً وهو أيضاً متفق على جوازه أو الإهلال بالعمرة ثم يدخل عليها الحج أو عكسه وهذا مختلف فيه .
وقد اختلف في حجه r هل كان قراناً أو تمتعاً أو إفراداً وقد اختلفت الأحاديث في ذلك فروي أنه حج قراناً من جهة جماعة من الصحابة منهم ابن عمر عند الشيخين وعائشة عندهما أيضاً وعند أبي داود ومالك في الموطأ وجابر عند الترمذي وسعد بن أبي وقاص كما سيأتي في حديث الباب .
وأما حجه إفراداً فروي عن عائشة كما في حديث الباب وعنها عند البخاري أيضاً وعن ابن عمر عند أحمد ومسلم وابن عباس عند مسلم وجابر عند ابن ماجة وعنه أيضاً عند مسلم . (3/293)
صفحة 851
وقد اختلفت الأنظار واضطربت الأقوال لاختلاف هذه الأحاديث فمن أهل العلم من جمع بين الروايات فقال إن كلاً أضاف إلى النبي ما أمر به اتساعاً ، وقيل إن كل من روى عنه الإفراد حمل الحال على ما أهل به في أول الأمر ، وكل من روى عنه التمتع أراد ما أمر به أصحابه ، وكل من روى عنه القران أراد ما استقر عليه الأمر . وقيل إن التمتع عند الصحابة يتناول القران فتحمل عليه رواية من روى أنهه حج تمتعاً ، وكل من روى الإفراد قد روى أنه حج r تمتعاً وقراناً فيتعين الحمل على القران وأنه أفرد أعمال الحج ثم فرغ منها وأتى بالعمرة ، ومن أهل العلم من صار إلى التعارض فرجح نوعاً وأجاب عن الأحاديث القاضية بما يخالفه وهي جوابات طويلة أكثرها متعسف وأوّل كل منهم لما اختاره مرجحات أقواها وأولاها مرحجات القران لأن أحاديثه مشتملة على زيادة والزيادة مقبولة إذا خرجت من مخرج صحيح وأيضاً فكل من روى الإفراد والتمتع اختلف عليه في ذلك لأنهم جميعاً روي عنهم أنه r حج قراناً وأيضاً فروايات القران لا تحتمل التأويل بخلاف روايات الإفراد والتمتع فإنها تحتمله .
ثم اختلفوا هل القران أفضل من التمتع والإفراد فذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن القران أفضل وذهب جمع آخر من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن التمتع أفضل وهو المذهب وعليه العمل عند أصحابنا وذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى أن الإفراد أفضل . وقال بعض العلماء أن الأنواع الثلاثة في الفضل سواء . وقال أبو يوسف القران والتمتع في الفضل سواء وهما أفضل من الإفراد . وقيل من ساق الهدي فالقران أفضل له ليوافق فعل النبي r ومن لم يسق الهدي فالتمتع أفضل له ليوافق ما تمناه رسول الله r وأمر به أصحابه ولكل فريق حجج لا نطيل بذكرها خوف التطويل الخارج عما نحن بصدده من الاقتصار ، والله أعلم .
ما جاء في التمتع بالعمرة إلى الحج (3/294)
صفحة 852
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس اختلفا في التمتع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك : لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله . فقال سعد : بئس ما قلت . فقال الضحاك : إن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك . فقال سعد : قد صنعها رسول الله r وصنعناها معه .
قال الربيع : قال أبو عبيدة من أراد التمتع فعل ومن شاء ترك وكل ذلك واسع .
--------------------------------------
قوله ( بلغني عن سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن محمد بن عبدالله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب أنه حدثه أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك بن قيس لا يفعل ذلك إلا من جهل أمر الله ثم ساق الحديث .. الخ . ورواه أيضاً الترمذي وقال صحيح والنسائي جميعاً عن قتيبة بن سعيد عن مالك بالسند المتقدم وأول حجة حجها معاوية بعد تملكه سنة أربع وأربعين وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين والمراد الأولى لأن سعداً مات سنة خمس وخمسين على الصحيح . وسعد بن أبي وقاص هو سعد بن مالك بن وهيب وقيل أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي الزهري يكنى أبا إسحاق وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس وقيل حمنة بنت أبي سفيان بن أمية ، أسلم بعد سنة وقيل بعد أربعة وعمره يومئذ سبع عشرة سنة ، وشهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله r ، واستعمله عمر بن الخطاب على الجيوش اللذين سيرهم لقتال الفرس وهو كان أمير الجيش الذي هزم الفرس بالقادسية وبجلولاء وهو الذي فتح مدائن كسرى بالعراق وبنى الكوفة واعتزل عن القتال مع علي في جميع حروبه فكان من الشكاك في أمر الفتنة فيما قيل . وتوفي سنة خمس وخمسين وقيل سنة أربع وخمسين وقيل سنة ثمان وخمسين والله أعلم . (3/295)
صفحة 853
والضحاك بن قيس بن خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النظر بن كنانة القرشي الفهري يكنى أبا أينس وقيل أبو عبد الرحمن وأمه أميمة بنت ربيعة الكنانية وهو أخو فاطمة بنت قيس كان أصغر سناً منها قيل أنه ولد قبل وفاة النبي r بسبع سنين أو نحوها وروى عن النبي r وكان على شرطة معاوية وله في الحروب بلاء عظيم وسيره معاوية على جيش أغار فيه على سواد العراق ثم رجع ثم استعمله على الكوفة بعد زياد سنة ثلاث وخمسين وعزله سنة سبع وخمسين ولما توفي معاوية صلى الضحاك عليه وضبط البلد حتى قدم يزيد بن معاوية فكان مع يزيد وابنه معاوية إلى أن ماتا فبايع بدمشق لعبدالله بن الزبير فغلب مروان بن الحكم على بعض الشام فقاتله الضحاك بمرج راهط عند دمشق فقتل الضحاك بالمرج وقتل معه كثير من قيس عيلان . وكان قتله منتصف ذي الحجة من سنة أربع وستين .
قوله ( اختلفا في التمتع بالعمرة إلى الحج ) أي في الإحرام بالعمرة في أشهر الحج ثم يتحلل منها ويهل بالحج بعد ذلك من مكة في سنته هذا هو المراد من التمتع الذي اختلفا فيه وعليه يتنزل كلام أبي عبيدة عقب الحديث وهو قوله من أراد التمتع فعل ومن شاء ترك وكل ذلك واسع ، واستظهر المحشي أن المراد بالتمتع الذي اختلفا فيه التمتع الطارئ وهو فسخ الحج إلى العمرة بدليل قول الضحاك لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله ولقول سعد وصنعناها معه قال فإن الذي صنعوه إنما هو فسخ الحج إلى العمرة إلا من كان معه هدي وهذا وإن كان ظاهراً من دليليه مخالف لظاهر اللفظ فإن الخلاف بين الضحاك وسعد واقع في نفس التمتع بالعمرة إلى الحج وهو المجمع على جوازه بعد ذلك . (3/296)
صفحة 854
قوله ( لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله ) وفي رواية الموطأ ( لا يفعل ) مكان يصنع والمراد بأمر الله تعالى قوله تعالى ( وأتموا الحج والعمرة لله ) فأمره بالإتمام يقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحج ومنع التحلل والمتمتع يتحلل بما كان محظوراً عليه في إحرامه وجهل الضحاك قوله تعالى ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) .
قوله ( بئس ما قلت ) زاد في رواية الموطأ ( يا ابن أخي ) قال ذلك ملاطفة وتانيساً .
قوله ( إن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك ) أي عن التمتع روى الشيخان واللفظ لمسلم عن أبي موسى كنت أفتي الناس بذلك أي بجواز التمتع في إمارة أبي بكر وعمر فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل فقال إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك فلما قدم قلت يا أمير المؤمنين ما أحدثت في شأن النسك فقال أن تأخذ بكتاب الله فإن الله تعالى قال ( وأتموا الحج والعمرة لله ) وأن تأخذ بسنة نبينا فإنه r لم يحل حتى نحر الهدي . ولمسلم أيضاً فقال عمر : قد علمت النبي r قد فعله وأصحابه ولكن كرهت أن تظلوا بهن أي النساء في الأراك ثم تروحون في الحج تقطر رؤوسكم . فبيّن عمر العلة التي لأجلها كره التمتع وكان من رأيه عدم الترفه للحجاج بكل طريق فكره قرب عهدهم بالنساء لئلا يستمر إلى ذلك الوقت بخلاف من بعد عهده به ومن تفطم ينفطم . (3/297)
صفحة 855
قوله ( قد صنعها رسول الله r وصنعناه معه ) يعني في حجة الوداع والمراد بصنعه r لذلك مع أنه لم يتحلل لسوق الهدي مشارفته على التحلل وتمنيه لذلك في قوله ( ولولا أن معي الهدي لأحللت ) فأنزل سعد هذا التمني منزلة الفعل على أنه قد أمرهم بذلك إلا من ساق الهدي فصنعهم صنع له وإنما أجاب بذلك لأن السنة هي المقدمة على الاستنباط بالرأي فإن الآية إنما دلت على وجوب إتمام الحج والعمرة وذلك صادق بأنواع الإحرام الثلاثة وأما فعل النبي r فمبين لا إجمال فيه كيف وقد أمر به وتمناه . وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن عمران بن الحصين نزلت آية المتعة في كتاب الله يعني متعة الحج وأمرنا بها رسول الله r ثم لم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها r حتى مات قال رجل برأيه ما شاء . وفي لفظ لمسلم يعني عمر . ووقع ذلك من عثمان أيضاً ولمعاوية مع سعد بن أبي وقاص قصة في ذلك عند مسلم . وقيل المتعة التي نهى عنها عمر فسخ الحج إلى العمرة وهو الذي استظهره المحشي وحمل الخلاف في حديث الباب عليه . قال عياض : ولهذا كان يضرب الناس عليها كما في مسلم بناء على معتقده أن النسخ كان خاصاً بالصحابة في سنة حجة الوداع فقط ، ويؤيده رواية مسلم عن جابر قال عمر إن الله يحل لرسوله ما شاء وإن القرآن قد نزل منازله وأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله . واختار النووي أن الذي نهى عنه عمر المتعة المعروفة وأنه إنما نهى عنها للتنزيه ترغيباً في الإفراد ثم انعقد الإجماع على جواز التمتع بلا كراهة وبقي الخلاف في الأفضل . قلت وقد تقدم الكلام في ذلك وقول أبي عبيدة رضي الله عنه من أراد التمتع فعل ومن شاء ترك ومشهور المذهب أن التمتع أفضل كما تقدم والله أعلم .
ما جاء في الإفراد بالحج
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت : أفرد رسول الله r الحج .
----------------------------------
قوله ( عن عائشة ) الحديث رواه الجماعة إلا البخاري عن القاسم عن عائشة . (3/298)
صفحة 856
قوله ( أفرد رسول الله r الحج ) تعني في أول الأمر عند الإهلال الأول ثم أدخل عليه العمرة حين كان في وادي العقيق فصار مقروناً ، روى البخاري وأحمد وابن ماجة وأبو داود عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله r وهو بوادي العقيق يقول أتاني الليلة آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة . وفي رواية للبخاري وقل عمرة وحجة . والمراد بالآتي جبريل عليه السلام ولهذا سمعه أنس يلبي بالحج والعمرة جميعاً يقول لبيك عمرة وحجا . وقد تقدم الكلام في الجمع بين الأحاديث المختلفة في بيان وجه إحرامه r في أول الباب ولا تنافي بين هذا الحديث وبين ما سيأتي عن عائشة أيضاً أنها قالت خرجنا مع رسول الله r في حجة الوداع فأهللنا بعمرة لأنها إنما أخبرت عن نفسها ومن كان معها أما النبي r فقد أخبرت عنه بالإفراد كما في حديث الباب وكذلك أيضاً لا ينافيه ما تقدم عنها في باب الهدي خرجنا مع رسول الله r لخمس ليال بقين من ذي القعدة ولا نرى إلا أنه الحج لأنها إنما قالت ذلك لما وقع في نفسها وهو ظن ناشئ مما استقر عندهم من تجنب العمرة في أشهر الحج وكذلك لا ينافيه ما تقدم أن حفصة قالت لرسول الله r ما بال الناس أحلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك لأن المراد عمرته التي أدخلها على الحج حين كان بوادي العقيق وبهذا تجتمع الأحاديث المختلفة وتتحد معانيها ويلتئم نظامها والعلم عند الله تعالى .
ما جاء في الرخصة في تقدم الحلق على الذبح والنحر على الرمي خطأ
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال في حجة الوداع إن رجلاً جاء إلى رسول الله r فقال يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال له اذبح ولا حرج فجاءه آخر فقال يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي فقال أرم ولا حرج فما سئل في ذلك اليوم عن شيء إلا قال ولا حرج .
قال الربيع : قال أبو عبيدة هذه رخصة من النبي r في ذلك اليوم . (3/299)
صفحة 857
---------------------------------
قوله ( عن عبدالله بن عمرو بن العاص ) الحديث رواه أيضاً الشيخان ولغيرهما معناه من طرق أخر .
وعبدالله بن عمرو بن العاص تقدم نسبه في نسب أبيه في باب التيمم يكنى أبا محمد وقيل أبو عبد الرحمن ، أمه ريطة بنت منبه بن الحجاج السهمي ، وكان أصغر من أبيه باثنتي عشرة سنة ، أسلم قبل أبيه واستأذن النبي r أن يكتب عنه فأذن له وقال يا رسول الله أكتب ما أسمع في الرضا والغضب ؟ قال : نعم فإني لا أقول إلا حقا . قال أبو هريرة ما كان أحد أحفظ مني لحديث رسول الله r إلا عبدالله بن عمرو بن العاص فإنه كان يكتب ولا أكتب . وقال عبدالله : حفظت عن رسول الله r ألف مثل . وتوفي سنة ثلاث وستين وقيل سنة خمس وستين بمصر وقيل سنة سبع وستين بمكة وقيل توفي سنة خمس وخمسين بالطائف وقيل سنة ثمان وستين وقيل سنة ثلاث وسبعين ، وكان عمره اثنتين وسبعين سنة وقيل اثنتان وتسعون سنة شك ابن بكير في سبعين وتسعين .
قوله ( قال في حجة الوداع ) بفتح الحاء والواو أي قال في صفتها وفي الأخبار عنها بما ذكر وفي رواية عند قومنا أن رسول الله r وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاءه رجل .. الخ .
قوله ( أن رجلاً ) لم أقف على اسمه ولعله لم يسم لكثرة السائلين يومئذ مع كثرة الزحام فلم يتبين لهم سائل من سائل .
قوله ( لم أشعر ) بضم العين أي ما عرفت تقديم بعض المناسك وتأخيرها فيكون جاهلاً لقرب وجوب الحج أو فعلت ما ذكرت من غير شعور من كثرة الأشغال فيكون مخطئاً وهذا أظهر .
قوله ( اذبح ولا حرج ) أي اذبح الآن ولا إثم عليك فيما أخطأت به وكذا القول في سؤال الثاني . (3/300)
صفحة 858
قوله ( فما سئل في ذلك اليوم عن شيء إلا قال ولا حرج ) وفي رواية قومنا فما سئل النبي r عن شيء قدم أو أخر إلا قال افعل ولا حرج . وأفعال يوم النحر أربعة رمي جمرة العقبة ثم الذبح ثم الحلق ثم طواف الإفاضة وهذا الترتيب مجمع عليه لكن اختلفوا في حكمه فقيل هو سنة فلا يجب بتركها شيء وتمسكوا بظاهر الحديث قالوا لأن قوله r ولا حرج يقتضي رفع الإثم والفدية معاً لأن المراد بنفي الحرج نفي الضيق وفي إيجاب أحدهما ضيق وأيضاً لو كان الدم واجباً لبينه r لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز . وقال آخرون بوجوب الترتيب وأوجبوا على من تركه دم . وروي وجوب الدم في ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والحسن والنخعي وأصحاب الرأي وعليه أكثر أهل المذهب وبه قال أبو حنيفة ومالك . ثم اختلفوا في معنى قوله ولا حرج فمنهم من حمله على رفع الاثم دون الفدية كما قالوا في رفع الخطأ والنسيان إذا وقع في الأنفس أو الأموال فإنه لا إثم عليه ويلزمه الضمان قالوا ويدل على هذا أن ابن عباس روى مثل هذا الحديث وأوجب الدم قالوا فلولا أنه فهم ذلك وعلم أنه المراد لما أمر بخلافه . ومنهم من ذهب فيه إلى التخصيص قال الربيع قال أبو عبيدة هذه رخصة من النبي r في ذلك اليوم أي دون ما بعده من الأيام لأن الناس يومئذ لم يعلموا أحكام المناسك على التمام وإنما خرجوا معه r ليأخذوا عنه مناسكهم فناسب أن يعذر المخطيء يومئذ لتعذر الإطلاع من جميع الأشخاص على أفعال المصطفى في الوقت الواحد فرخص لهم في ذلك اليوم لهذا العذر وقد استقرت الأحكام وانتشرت بعد ذلك اليوم فلا عذر لجاهل ولا مخطئ عن وجوب الفداء . وذهب قوم إلى تخصيص الرخصة بالناسي والجاهل دون العامد واستدلوا على ذلك بقول السائل لم أشعر أي لم أعلم فهذا يدل على أن الرخصة لهذا الجاهل أو المخطيء ويؤيد ذلك ما في رواية عند مسلم فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض (3/301)
صفحة 859
وأشباهها إلا قال رسول الله r افعلوا ولا حرج ، وأيضاً فإن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول r في الحج بقوله ( خذوا عني مناسككم ) والأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه قد قرنت بقول السائل لم أشعر فيختص هذا الحكم بهذه الحالة وتبقى صورة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج ، وأيضاً الحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبراً لم يجز اطراحه ولا شك أن عدم الشعور مناسب لعدم المؤاخذة وقد علق به الحكم فلا يصح اطراحه ، والله أعلم .
الباب العاشر
في الصيد للمحرم
---------------------------------
قوله ( في الصيد للمحرم ) والمراد به صيد البر لقوله تعالى ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) وقد ذكر في الباب حديثين أحدهما يدل على منع المحرم من أكله والثاني يدل على جوازه إن لم يصده أو يصد له وقد اختلف العلماء في ذلك سلفاً وخلفاً فقال قوم وعليه العمل عند أصحابنا بتحريمه مطلقاً ونسب إلى علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر والليث والثوري وإسحاق . وقال آخرون يجوز للمحرم أكل لحم الصيد مطلقاً وهو مذهب الكوفيين وعليه طائفة من السلف . وفصّل قوم فأجازوا أكل ما لم يصد له ورموا ما صيد لأجله وجمعوا بهذا التفصيل بين الأحاديث المختلفة والاحتياط ترك أكله من غير تحريم وقد روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت له يا ابن أختي إنما هي عشر ليال فإن تخلج في نفسك شيء فدعه تعني أكل لحم الصيد والله أعلم .
ما جاء في منع أكل الصيد
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال أهدى رجل إلى رسول الله r حماراً وحشياً بالأبواء يعني موضعاً فرده عليه فلما رأى رسول الله r الكراهة في وجهه قال إنا لم نرده عليك إلا أنا محرمون .
--------------------------------- (3/302)
صفحة 860
قوله ( عن ابن عباس ) الحديث رواه مالك عن ابن شهاب عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن عبدالله بن عباس عن الصعب بن جثامة أنه أهدى إلى رسول الله r حماراً وحشياً ثم ذكر الحديث . وأخرجه أيضاً البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة كلهم من طريق مالك ولم يختلف على مالك في إسناد هذا الحديث وأنه من مسند الصعب وهو عند المصنف من مسند ابن عباس ووقع في موطأ ابن وهب عن ابن عباس أن الصعب فجعله من مسند ابن عباس وكذا أخرجه مسلم عن سعيد بن جبير . والرجل الذي أهدى إلى رسول الله r الحمار الوحشي هو الصعب بن جثامة - بفتح الجيم والمثلثة الثقيلة فألف فميم - ابن قيس بن ربيعة بن عبدالله ابن يعمر الليثي حليف قريش أمه أخت أبي سفيان بن حرب واسمها فاختة وقيل زينب ويقال أخو مجلم بن جثامة وكان الصعب ينزل ودان ، مات في خلافة عثمان على الأصح ، ويقال مات آخر خلافة عمر والأخبار تؤيد الأول ، روى ابن إسحاق عن عروة قال لما ركب أهل العراق في الوليد بن عقبة أي يشكونه لعثمان وكانوا خمسة منهم الصعب بن جثامة وله أحاديث ، وآخى رسول الله r بينه وبين عوف بن مالك . (3/303)
صفحة 861
قوله ( حماراً وحشيا ) هكذا في أكثر الروايات وجاء في رواية عند مسلم أهديت له من لحم حمار وحشي ، وفي أخرى له رجل حمار وحش ، وفي أخرى له شق حمار وحش قال الشافعي حديث مالك أن الصعب أهدى حماراً أثبت من حديث من روى أنه أهدى لحم حمار . وقال الترمذي : روى أكثر أصحاب الزهري في الصعب لحم حمار وحش . وقال ابن جريح : قلت لبن شهاب الحمار عقير ؟ قال لا أدري . وقال القرطبي : يحتمل أن الصعب أحضر الحمار مذبوحاً ثم قطع منه عضواً بحضرة النبي r فقدمه له فمن قال أهدى حماراً أراد بتمامه مذبوحاً ومن قال لحم حمار أراد ما قدمه للنبي r . قال : ويحتمل أنه أحضره له حياً فلما رده عليه ذكّاه وأتاه بعضو منه ظناً منه أنه إنما رده لمعنى يختص بجملته فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء حكم الكل . قال بعضهم : وإنما تأول رواية لحم حماره لاحتياجها للتأويل فأما رواية حمار وحش فلا تحتاج لتأويل لأن المحرم لا يجوز له مسك صيد حياً وعلى هذا التأويل تتفق الأحاديث .
قوله ( بالأبواء ) بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد جبل بينه وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا سمي بذلك لنوء السيول به لا لما فيه من الوباء إذ لو كان كذلك لقيل الأوباء .
قوله ( فرده عليه ) أي رد رسول الله r الحمار على الصعب وقد بيّن r علة الرد بقوله إنا لم نرده عليك إلا أنا محرمون وبذلك تمسك من حرم لحم الصيد على المحرم مطلقاً وهو المذهب وقد تقدم ذكره وتأوله من أجاز أكل ما لم يصد له فقال الشافعي إن كان الصعب أهدى حماراً حياً فليس للمحرم أن يذبح حماراً وحشياً حياً وإن كان أهدى لحماً فيحتمل أن يكون علم أنه صيد له ونقل الترمذي عن الشافعي أنه رده لظنه انه صيد من أجله فتركه على وجه التنزه .
وقوله ( الكراهة في وجهه ) أي التغير الناشىء من عدم الرضا فإن الإنسان إذا كره الشيء ظهر أثر ذلك في وجهه . (3/304)
صفحة 862
وقوله ( إنا لم نرده ) بفتح الدال في رواية المحدثين وقال النحاة الصواب ضم الدال كآخر المضاعف من كل مضاعف مجزوم اتصل به ضمير المذكر مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء فكأن ما قبلها ولي الواو ولا يكون ما قبل الواو إلا مضموماً في المذكر أما المؤنث مثل يردها فمفتوح الدال مراعاة للألف وجوز الكسر وهو ضعيف أضعف من الفتح وإنما ذكر له r علة الرد تطييباً لخاطره حين رأى ما به من الانكسار والتغير برد هديته وهو من الخلق العظيم الذي وصفه الله به في كتابه العزيز ( وإنك لعلى خلق عظيم ) .
ما جاء في أكل المحرم لحم الصيد إذا لم يصد من أجله
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قال ابن عباس خرج رسول الله r يريد مكة وهو محرم حتى إذا بلغ الروحاء إذا هو بحمار وحش عقير فذكر لرسول الله r فقال : دعوه يوشك أن يأتيه صاحبه . وأتى البهزي وهو صاحبه فقال يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار فأمر رسول الله r أبا بكر فقسمه بين الرفاق ثم مضى حتى إذا كان بالأثابة بين الرويثة والعرج وهي مواضع فإذا بظبي حاقف في ظل وفيه سهم فأمر رسول الله r رجلاً أن يقف عليه ولا يريبه أحد حتى يجاوزه .
قال الربيع : العقير المعقور ، والحاقف في الظل والمحتقف في موضع المفازة وقوله ولا يريبه أي لا يمسه بسوء .
------------------------------------
وهو مذهب عطاء بن أبي رباح ومالك والشافعي وجماعة واستدلوا بحديث الباب ونحوه وتأولوا الحديث الأول وحملوه على إذا ما صيد من أجله وجمعوا بهذا التأويل بين الحديثين ولعل أصحابنا ومن قال بقولهم جعلوا حديث الباب منسوخاً لأن قضيته كانت بالروحاء وقصة الصعب بن جثامة في الحديث الأول كانت بالأبواء فهي متأخرة عن قصة البهزي وكانوا بأخذون بالأحدث ثم الأحدث من أمره r . (3/305)
صفحة 863
قوله ( قال ابن عباس ) الحديث رواه مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال أخبرني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن عيسى بن طلحة بن عبيدالله بن عمير بن سلمة الضمري عن البهزي أن رسول الله r خرج يريد مكة .. الخ . ورواه حماد بن زيد وهشيم ويزيد بن هارون وعلي بن مسهر عن يحيى بن سعيد فلم يقولوا عن البهزي فهو عندهم من مسند عمير بن سلمة وعند مالك من مسند البهزي وعند الربيع من مسند ابن عباس .
قوله ( يريد مكة ) يشبه أن يكون هذا الخروج هو خروجه r في حجة الوداع .
قوله ( الروحاء ) بفتح الراء وإسكان الواو وحاء مهملة والمد موضع بين مكة والمدينة .
وقوله ( إذا هو بحمار وحش ) وفي رواية ( إذا حمار وحشي ) ، وفي رواية أحمد والنسائي ( وجد الناس حمار وحش ) .
وقوله ( عقير ) أي معقور كجريح وزناً ومعنى .
وقوله ( فذكر لرسول الله r ) أي ذكر له بعض الناس الحمار فقيل يا رسول الله هذا حمار عقير كما في رواية عند قومنا .
وقوله ( دعوه ) أي اتركوه ولا تتعرضوا له بشيء .
وقوله ( يوشك أن يأتيه صاحبه ) بضم الياء وكسر الشين المعجمة وجوّز فتحها والأول أفصح وهو عبارة عن سرعة قرب الشيء المنتظر وقوعه .
وذكره r لهم إشارة إلى أن صاحبه أحق به .
وفيه منع أخذ الشيء المملوك إذا كان مما يرجع إليه صاحبه .
وفيه أن اللقطة لا يلزم حفظها كل من نظرها .
وفيه أن الصيد يصير ملكاً لعاقره ولو لم يقبضه بيده .
وقوله ( وأتى البهزي ) بفتح الموحدة وإسكان الهاء وبالزاء المعجمة هو زيد بن كعب السلمي ثم البهزي .
وقوله ( وهو صاحبه ) أي صاحب الحمار .
وقوله ( شأنكم بهذا الحمار ) أي اصنعوا فيه ما شئتم . (3/306)
صفحة 864
وقوله ( بين الرفاق ) بكسر الراء وقيل مصدر كالمرافقة وقيل جمع رفقة بضم الراء وكسرها القوم المترافقون في السفر وفيه جواز هبة المشاع وأن الصائد إذا أثبت الصيد برمحه أو نبله فقد ملكه لأنه سماه صاحبه وقيل فيه هبته وأن لحم الصيد حلال للمحرم إذا لم يصد من أجله وقد تقدم الكلام في ذلك .
وقوله ( بالإثابة ) بضم الهمزة ومثلثة فألف فتحتية فهاء موضع فيه مسجد نبوي أو بئر دون العرج .
والرويثة بضم الراء وفتح الواو وإسكان التحتية وفتح المثلثة والهاء موضع .
والعرج بفتح المهملة وإسكان الراء وبالجيم موضع بين الحرمين .
وقوله ( فإذا بظبي حاقف في ظل وفيه سهم ) قد رمي به ، وزاد أبو عبيد ( في ظل شجرة ( والحاقف بحاء مهملة فألف فقاف ففاء أي واقف منحني رأسه بين يديه إلى رجليه ، وقيل الحاقف الذي لجأ إلى حقف وهو ما انعطف من الرمل . وقال أبو عبيد : حاقف يعني قد انحنى وتثنى في نومه ، وقيل الحاقف الرابض في حقف من الرمل أو يكون منطوياً كالحقف وقد انحنى وتنثى في نومه . وقال الربيع رحمه الله تعالى : الحاقف في الظل والمحتقف في موضع المفازة يعني أن اسم الحاقف مختص بما وجد منثنياً في المفازة فإنه يخص باسم المحتقف بضم الميم وفتح المثناة الفوقية بينهما مهملة ساكنة ثم قاف ثم فاء وهذا الفرق لم أجده لغيره وكفى به حجة وعليه فالتقييد بالظل في الحديث إنما هو لكشف الحال .
قوله ( فأمر رسول الله r رجلا ) لم يسم فقال يا فلان قف هاهنا حتى يمر الناس لا يريبه أحد بشيء هكذا رواه أبو عبيد . (3/307)
صفحة 865
…وقوله ( لا يريبه ) بفتح الياء وكسر الراء فتحتية فموحدة . قال الربيع : أي لا يمسه بسوء . وقال غيره أي لا يمسه ولا يحركه ولا يهيجه وذلك لأنه لا يجوز للمحرم أن ينفر الصيد ولا يعين عليه وهذا صحيح إن كان الظبي حياً وتفسير الربيع يتناوله حياً وميتاً لعموم السوء لكل فعل خالف الشرع . قال بعضهم وفيه دليل على أن يشرع للرئيس إذا رأى صيداً لا يقدر على حفظ نفسه بالهرب إما لضعف فيه أو لجناية أصابته أن يأمر من يحفظه من أصحابه . قلت : إذا ثبت هذا في الصيد فهو في العاجز من الناس أثبت لحرمة الإنسانية . والله أعلم .
الباب الحادي عشر ما تفعل الحائض في الحج
ما جاء في إدخال الحج على العمرة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : خرجنا مع رسول الله r في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله r من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يتمهما جميعا . قالت فقدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله r فقال انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة . قالت : ففعلت فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله r مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت فقال : هذا مكان عمرتك . قالت : فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً .
-----------------------------------------
قوله ( ما تفعل الحائض في الحج ) عند قدومها إلى مكة وعند خروجها منها وكذلك النفساء .
قوله ( عن عائشة أم المؤمنين ) الحديث رواه الشيخان وأحمد من طريق عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها ، ولهم أيضاً معناه من حديث جابر بن عبدالله . (3/308)
صفحة 866
قوله ( فأهللنا بعمرة ) وفي رواية عنها عند الشيخين وأحمد قالت : خرجنا مع رسول الله r فقال من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل . قالت : أهل رسول الله r بالحج وأهل به ناس معه وأهل معه ناس بالعمرة والحج وأهل ناس بعمرة وكنت فيمن أهل بعمرة . وهذا الحديث ونحوه ينافي ما تقدم عنها في باب الهدي أنها قالت : ولا نرى إلا أنه الحج . ولعل قولها ذلك إنما كان قبل أن يبين لهم r وجوه الإحرام فإنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج فلما بيّن لهم r وجوه الإحرام اختار كل صنف منهم وجهاً وكانت عائشة ممن اختار التمتع فأحرمت بعمرة مع من أحرم بها ثم قال r من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يتمهما جميعا فأمر أصحاب الهدي بالقران بعد أن خيرهم قبل ذلك بين الوجوه الثلاثة ثم حاضت عائشة بسرف فشكت إليه أمرها بعد أن دخلت مكة فأمرها بالإعراض عن العمرة والإحرام بالحج فأدخلت الحج على العمرة فهي قارنة بعد أن كانت متمتعة وقد تقدم الخلاف في كيفية حجها على ثلاثة أقوال وسبب الخلاف اختلاف ظاهر الروايات وهذا الوجه الذي ذكرته يجمع بين مختلفها .
وقوله ( فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ) إنما تركت الطواف بالبيت لأنه لا يصح إلا بطهر وأيضاً فالحائض لا تدخل المسجد وأما السعي فلأنه مترتب على الطواف . فإن قلت من أين علمت عائشة هذا الحكم . فالجواب أنه تقدم لها علم ذلك من رسول r فعند الشيخين عنها قالت خرجنا مع النبي r لا نذكر إلا الحج فلما كنا بسرف طمثت فدخل النبي r وأنا أبكي فقال لعلك نفست ؟ قلت : نعم . قال ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري . (3/309)
صفحة 867
وقولها ( بمكة فشكوت ذلك إلى رسول الله r ) إنما كان شكوى تحسر وتأسف على ما فاتها من الطواف والسعي فأجابها عليه الصلاة والسلام بقوله انقضي رأسك .. الخ . وقد استشكل بعض أهل العلم أمره لها بنقض رأسها ثم بالامتشاط وكان الشافعي يتأوله على أنه أمرها أن تدع العمرة وتدخل عليها الحج فتصير قارنة . وتعقب بأنه لا يشاكل القصة . وقيل كان مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة . وتعقب بأنه لا يعلم وجهه . وقيل كانت مضطرة إلى ذلك . وقيل يحتمل ان يكون نقض رأسها كان لأجل الغسل لتهل بالحج ولا سيما إن كانت ملبدة فيحتاج إلى نقض الظفر ، وأما الامتشاط فلعل المراد به تسريح شعرها بأصابعها برفق حتى لا يسقط منه شيء ثم تظفره كما كان . ونقض الرأس بالقاف والضاد المعجمة حل ظفائره . والامتشاط تسريح الشعر بالمشط . (3/310)
صفحة 868
وقوله ( ودعي العمرة ) أي اعرضي عن عملها وأقبلي إلى عمل الحج وليس المراد إبطال عمرتها بالكلية لما جاء في حديث جابر بن عبدالله عند الشيخين وأحمد حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة ثم قال قد حللت من حجتك وعمرتك جميعا. فقالت يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت . قال فاذهب بها يا عبد الرحمن فاعمرها من التنعيم . وذلك ليلة الحصبة فهذا يدل على أن العمرة التي اعتمرتها عائشة من التنعيم إنما هي زيادة فضل لها وأن قوله r هذه مكان عمرتك إنما كان لتطييب نفسها حين وجدت في نفسها ما وجدت من ترك الطواف بالبيت فهو نظير العمرة التي اعتمرها رسول الله r في السنة السابعة وسموها عمرة القضاء وعمرة القضية وذلك لأنها كانت بعد عمرة الحديبية التي صد فيها رسول الله r عن البيت فنحر وحلق دون البيت فكانت له ولأصحابه بذلك عمرة تامة واعتمروا مكانها في العام المقبل لا لفساد في الأولى إذا لم يتركوا الطواف اختياراً ولكن لمانع وهو صد العدو فكذلك حال عائشة في عمرتيها والمانع في حقها الحيض والله أعلم .
وفي قوله ( وأهلي بالحج ) جواز إدخال الحج على العمرة وإليه ذهب الجمهور لكن بشرط أن يكون الإدخال قبل الشروع في طواف العمرة وقيل إن كان قبل مضي أربعة أشواط صد وهو قول الحنفية وقيل ولو بعد تمام الطواف وهو قول المالكية . ونقل ابن عبد البر أن أبا ثور شذ فمنع إدخال الحج على العمرة قياساً على منع إدخال العمرة على الحج . (3/311)
صفحة 869
قولها ( أرسلني .. الخ ) كان ذلك الإرسال ليلة الصد وهي ليلة الرجوع من منى . وعبد الرحمن بن أبي بكر هو أخو عائشة لأبويها ، يكنى أبا عبد الله وقيل أبو محمد وقيل أبو عثمان ، سكن المدينة وتوفي بمكة ولا يعرف في الصحابة أربعة متوالون أب وبنوه بعده كل منهم ابن الذي قبله أسلموا وصحبوا النبي r إلا أبو قحافة وابنه أبو بكر الصديق وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر وابنه محمد بن عبد الرحمن أبو عتيق وكان عبد الرحمن شقيق عائشة شهد مع الكفار بدراً وأحداً ودعا إلى البراز فقام إليه أبو بكر فقال له رسول الله r متعني بنفسك . وكان عبد الرحمن شجاعاً رامياً حسن الرمي ، وأسلم في هدنة الحديبية وحسن إسلامه ، وتوفي سنة ثلاث وخمسين وقيل سنة خمس وخمسين وقيل سنة ست وخمسين والأول أكثر .
وقوله ( إلى التنعيم ) بفتح المثناة وسكون النون وكسر المهملة مكان معروف خارج مكة وهو على أربعة أميال من مكة إلى المدينة . وقال الطبري التنعيم أبعد من أدنى الحل إلى مكة بقليل وليس بطرف الحل بل بينهما نحو من ميل ومن أطلقه على أدنى الحل فقد تجوز . وروى الفاكهي من طريق عبيد بن عمير قال إنما سمي التنعيم لأن الجبل الذي عن يمين الداخل يقال له ناعم والذي عن اليسار يقال له منعم والوادي نعمان . وقال ابن جريح : رأيت عطاء يصف الموضع الذي اعتمرت فيه عائشة قال فأشار إلى الموضع الذي بنى فيه محمد بن شافع المسجد الذي وراء الأكمة وهو المسجد الخرب .
وقوله ( هذا مكان عمرتك ) أي هذا الفعل مكان عمرتك التي أردت أن تكون منفردة عن الحج ، وفي رواية قومنا ( هذه مكان عمرتك ) بالإشارة إلى المؤنث والمراد العمرة . (3/312)
صفحة 870
قوله ( فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم ) وهؤلاء هم المتمتعون فالطواف الأول مع سعيه إنما كان للعمرة التي دخلوا بها مكة والطواف الثاني إنما هو للحج الذي أحرموا به يوم التروية من مكة وهو طواف الزيارة وطواف الإفاضة سمي بذلك لأن فيه زيارة البيت بعد عرفة وجمع ومنى وسمي طواف الإفاضة لنه يعقب الإفاضة من المزدلفة إلى منى أو لأن المسير إلى زيارة البيت إفاضة أيضاً والرجوع من منى إلى مكة شيئان أحدهما لزيارة البيت وهذا يكون بعد الحلق يوم النحر فيطوف ويسعى ثم يرجع للمبيت بمنى والرجوع الثاني هو النفر من منى والمراد به في حديث الباب الرجوع الأول . (3/313)
صفحة 871
وقوله ( وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً ) وهؤلاء صنفان الأول منهما مفردون الحج ولا يلزمهم إلا طواف واحد لحجهم وهو طواف الزيارة ، وقيل يلزمهم أيضاً طواف القدوم والأول مجمع عليه والثاني مختلف فيه . والصنف الثاني القارنون وهم الذين جمعوا بين النسكين وذكرت عائشة في هذا الحديث أنهم إنما طافوا طوافاً واحداً كالصنف الأول وبه تمسك من قال يجزي القارن طواف واحد وسعي واحد لحجه وعمرته وهو المنقول عن ابن عمر وجابر وعائشة وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وداود . وقال آخرون يلزم القارن طوافان وسعيان وحكي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وبه قال الشعبي والنخعي وأبو حنيفة والخلاف في المذهب وحجة هؤلاء حديث جابر بن عبد الله في قصة الوداع عند مسلم وغيره وفيه ذكر طوافه r وسعيد بين الصفا والمروة وأمره من لم يسق الهدي أن يتحلل من عمرته . وأخرج عبد الرزاق والدارقطني وغيرهما عن علي أنه جمع بين الحج والعمرة وطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين ثم قال هكذا رأيت رسول الله r . وأجب بعض الناس عن حديث الباب بأن عائشة أرادت بقولها جمعوا بين الحج والعمرة جمع متعة لا جمع قران وهذا مما يتعجب منه فإن حديث عائشة مصرح بفصل من تمتع ممن قرن وما يفعله كل واحد منهما كما في حديث الباب وأدلة الفريقين صحيحة فلا بد من الجمع بينهما ولا وجه للجمع إلا أن تقول أن كلا الأمرين واسع كما يدل عليه حديث جابر عند الشيخين وأحمد أنه r قال لها بعد طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة قد حللت من حجتك وعمرتك جميعا . وروى مسلم وأحمد عن طاووس عن عائشة أنها أهلت بالعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حين حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج وقال لها النبي r يوم النفر يسعك طوافك لحجك وعمرتك فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج فقوله ( يسعك ) دليل على جواز الاقتصار على طواف واحد وسعي واحد لا سيما (3/314)
صفحة 872
عند العذر والله أعلم .
والحديث يدل على جواز الخلوة بالمحارم سفراً وحضراً واستدل به على تعيين الخروج إلى الحل لمن أراد العمرة ممن كان بمكة وهو قول الأكثر ، وقيل تصح العمرة ويجب عليه دم لترك الميقات . واستدل به أيضاً على أن أفضل جهات الحل التنعيم ، وتعقب بأن إحرام عائشة من التنعيم إنما وقع لكونه أقرب جهات الحل إلى الحرم لا لأنه من الأفضل والله أعلم .
ما جاء في حكم الوداع للحائض
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت قلت لرسول الله r إن صفية بنت حيي قد حاضت . قال لها رسول الله r لعلها حابستنا ألم تكن قد طافت معكن بالبيت ؟ قلت : بلى . قال : فاخرجن .
-----------------------------------
قوله ( عن عائشة رضي الله عنها ) الحديث رواه المصنف رضي الله عنه من هذا الطريق بروايتين متحد معناهما مختلفتان في بعض اللفظ فكأن جابراً رضي الله عنه سمعه من عائشة مرتين فرواه كما سمعه بعبارتين ، وقد رواه أيضاً البخاري ومسلم وأحمد .
قوله ( قلت لرسول الله r إن صفية بنت حيي قد حاضت ) وفي رواية للبخاري أنها قالت حججنا مع النبي r فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية فأراد رسول الله r منها ما يريد الرجل من أهله فقلت يا رسول الله إنها حائض قال أحابستنا هي قالوا يا رسول الله هي أفاضت يوم النحر قال اخرجوا . (3/315)
صفحة 873
وصفية بنت حيي ابن أخطب بن سعنة بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النظير بن النحام بن ناخوم وقيل تنخوم وقيل نخوم والأول قاله اليهود وهم أعلم بلسانهم ، وبنو النظير من بني إسرائيل من سبط لاوي ابن يعقوب ثم من ولد هارون بن عمران أخي موسى صلى الله عليهم . وأم صفية برة بنت السموأل وكانت صفية زوج سلام بن مشكم اليهودي ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق وهما شاعران فقتل عنها كنانة يوم خيبر روى أنس بن مالك أن رسول الله r لما افتتح خيبر وجمع السبي أتاه دحية بن خليفة فقال أعطني جارية من السبي قال : اذهب فخذ جارية . فذهب فأخذ صفية قيل يا رسول الله إنها سيدة قريضة والنظير ما تصلح إلا لك فقال له رسول الله r خذ جارية من السبي غيرها وأخذها رسول الله r واصطفاها وحجبها وأعتقها وتزوجها وقسم لها وكانت عاقلة من عقلاء النساء ، وتوفيت رضي الله عنها سنة ست وثلاثين وقيل سنة خمسين والله أعلم .
قوله ( قال لها ) أي لصفية أي قال لأجلها هذا القول أو قال في شأنها لعلها حابستنا فاللام إما للتعليل أو بمعنى في والضمير على الوجهين لصفية . (3/316)
صفحة 874
قوله ( لعلها حابستنا ) وفي الرواية الآتية ( أحابستنا هي ) ومثلها رواية الشيخين وأحمد والمعنى لعلها مانعتنا من التوجه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه ظناً منه r أنها ما طافت طواف الإفاضة ولهذا قال ألم تكن قد طافت معكن بالبيت يعني طواف الزيارة ، ولعل في الحديث للإشفاق والاستفهام لكشف الحال فهو على حقيقته وإنما قال ذلك r لأنه لا يتركها ويتوجه ولا يأمرها بالتوجه معه وهي باقية على إحرامها فيحتاج أن يقيم حتى تطهر وتطوف وتحل الحل الثاني . واستدل به على أمور منها أن أمير الحاج يلزمه أن يؤخر الرحيل لأجل من تحيض ممن لم تطف للإفاضة . وتعقب باحتمال أن تكون إرادته r بأنه احتمال بعيد من ظاهر الحديث على أنه قد ورد من طريق أبي هريرة مرفوعاً أميران وليسا بأميرين من تبع جنازة فليس له أن ينصرف حتى تدفن أو يأذن أهلها والمرأة تحج أو تعتمر مع قوم فتحيض قبل طواف الركن فليس لهم أن ينصرفوا حتى تطهر أو تأذن لهم . ومنها حبس الجمال للحائض إذا لم تطف طواف الزيارة فإنهم قالوا يحبس لها إلى انقضاء أكثر مدة الحيض وكذا على النفساء زاد أبو سعيد رضي الله عنه أنه يحبس عليها حتى تطوف يشرط عليه ذلك أو لم يشرط لأن ذلك معروف من حال النساء والعلم به قائم مقام ذكره في الشرط . واستشكل بأنه فيه تعريضاً للفساد كقطع الطريق ، وأجيب بأن كل ذلك مع أمن الطريق كما أن محله أن يكون من المرأة محرم وأما أبو سعيد فإنه يرى عليه ذلك وإن خاف الضرر بتخلفه عن رفقته فإن شاء الرحيل جعل مكانه نائباً يقوم مقامه في حمل المرأة والله أعلم . (3/317)
صفحة 875
ومنها وجوب طواف الزيارة على الحائض وغيرها وقد أجمع العلماء أن هذا الطواف ركن من أركان الحج لا يصح الحج إلا به واتفقوا على أنه يستحب فعله يوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق فإن أخره عنه وفعله في أيام التشريق أجزأ ولا دم عليه بالإجماع فإن أخره إلى بعد أيام التشريق وأتى به بعدها أجزأه ولا شيء عليه عند الجمهور ، وقال أبو حنيفة ومالك إذا تطاول لزم معه دم وهذا ما لم يطأ النساء فإن وطئ قبل أن يطوف فسد حجه والله أعلم . (3/318)
صفحة 876
قوله ( فاخرجن ) وفي الرواية الأخرى ( فلا إذاً ) أي فلا تحبسنا حينئذ ، وفي رواية للشيخين ( فلتنفر إذاً ) ، وفي رواية للبخاري ( فلا بأس انفري ) ، وفي رواية له أخرى ( أخري ) ، وفي رواية ( فلتنفر ) ومعانيها متقاربة والمراد بها الرحيل من منى إلى جهة المدينة . واستدل به على أنه لا يلزم الحائض طواف الوداع وهو ظاهر وعليه عامة فقهاء الأمصار وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضاً لطواف الوداع فكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة فلو حاضت قبله لم يسقط عنها قيل وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك ، وقيل اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في المرأة إذا حاضت وقد طافت بالبيت يوم النحر فقال زيد يكون آخر عهدها بالبيت وقال ابن عباس تنفر إن شاءت فقالت الأنصار لا نتابعك يا ابن عباس وأنت تخالف زيداً فقال اسألوا صاحبتكم أم سليم فقالت : حضت بعدما طفت بالبيت وأمرني رسول الله r أن أنفر وحاضت صفية فقالت لها عائشة حبستنا فأمرها النبي r أن تنفر والنفساء في ذلك كالحائض . وقيل المريض لا يلزمه طواف الوداع قياساً على الحائض وأما غير هؤلاء فيلزمهم وداع البيت لحديث ابن عباس عند وأحمد ومسلم وأبي داود وابن ماجة قال كان الناس ينصرفون في كل وجه وقال رسول الله r ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت وقد فعله r وأمر به فدل ذلك على الوجوب والقول بوجوبه هو مذهبنا ومذهب أكثر العلماء من قومنا ويلزم بتركه دم وقال مالك وداود وابن المنذر هو سنة ولا شيء في تركه .
وقيل واجب للأمر به إلا أنه لا يجب بتركه شيء والله أعلم .
ما جاء في أن فعل المناسك على غير طهارة جائز إلا الطواف بالبيت (3/319)
صفحة 877
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت قدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك غلى رسول الله r قال افعلي ما يفعل الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت حتى تطهري .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت إن صفية بنت حيي زوج النبي r حاضت فذكرت ذلك لرسول الله r قال : أحابستنا هي فقيل إنها قد أفاضت قال فلا إذاً .
--------------------------------------
…قوله ( عن عائشة رضي الله عنها ) الحديث تقدم شرحه أول الباب ، وقد رواه رضي الله عنه مرتين مطولاً ومختصراً لأنه كذلك سمعه منها رضي الله عنها فحدثته مرة حديثها الأول بطوله ومرة بهذا الخبر المختصر من تلك القصة .
وقوله ( قدمت مكة ) أي في حجة الوداع وأنا حائض وإنما لم تطف بين الصفا والمروة لأن الطواف بينهما مرتب على الطواف بالبيت لا لكون الطهارة شرطاً فيه فإنه لو حاضت المرأة بعدما طافت بالبيت فإنها تسعى وهي حائض لأن الطهارة في السعي مستحبة فقط كغيره من المناسك .
قوله ( افعلي ما يفعل الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ) وذلك أن الطواف صلاة فحكمه في الطهارة حكمها وقد تقدم بيان ذلك والحديث يعم جميع المناسك من إحرام ووقوف وسعي ورمي وغير ذلك فالطهارة في الجميع مستحبة لا واجبة فكل أمر تصنعه الحائض من أمر الحج فالرجل يصنعه وهو غير طاهر ثم لا يكون عليه شيء في ذلك حتى لو كان جنباً لأنه r أباح لها الفعل ولم يجعل عليها شيئاً فكذلك الرجل ولكن الفضل أن يكون الرجل في ذلك كله طاهراً متوضئاً لفعله وكذلك فعل r ولا ينبغي له أن يتعمد عدم الطهارة في تلك الأماكن والله أعلم . (3/320)
صفحة 878
قوله ( عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ) الحديث تقدم شرحه آنفاً وإنما رواه رضي الله عنه مرتين بعبارتين لأنه كذلك سمعه من عائشة فكأنها حدثته الخبر مرتين وهذا يدل أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينقلون الحديث بمعناه فيصبونه في قالب الألفاظ المؤدية للمعنى وهي مسألة اختلف فيها أهل الأصول فمنهم من أجاز للعارف نقل الحديث بالمعنى وعليه أصحابنا من أهل عمان ومنهم من منع وقد بسطت القول فيها في الثاني من طلعة الشمس .
وقولها ( فذكرت ) بضم التاء لأنها هي الذاكرة ذلك .
وقوله ( أحابستنا هي ) الاستفهام في معنى الإشفاق المعبر عنه بلعل في الحديث المتقدم وهو قوله ( لعلها حابستنا ) .
وقوله ( فقيل له ) قائل ذلك هي عائشة كما تقدم التصريح به في الرواية الأولى في قولها 0 قلت بلى ) ويحتمل أن غيرها أيضاً قال له ذلك فنسبت القول إلى نفسها في الخبر الأول نظراً إلى إخبارها بنفسها وأبهمت القائل هاهنا نظراً إلى الاشتراك في المقالة .
وقوله ( قد أفاضت ) أي من منى إلى البيت فطافت طواف الإفاضة .
وقوله ( فلا إذاً ) أي فلا حبس علينا حينئذ أي إذا أفاضت فلا مانع لنا من التوجه لأن الذي عليها قد فعلته والله أعلم .
ما جاء في اغتسال النفساء للإهلال
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : إن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله r فقال مرها فلتغتسل ثم لتهلل .
-------------------------------------
ومثلها الحائض وقد تقدم في حديث عائشة أول الباب أنه r أمرها أن تنقض شعرها وتمتشط للإهلال بالحج فوق العمرة وهي حائض . (3/321)
صفحة 879
قوله ( عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ) الحديث رواه أيضاً مسلم وأبو داود وابن ماجة من طريق عبيدالله بن عمر عن عبد الرحمن عن أبيه عن عائشة ورواه مالك بإسنادين أحدهما عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن أسماء بنت عميس والقاسم لم يلق أسماء فهو مرسل عنده والإسناد الثاني عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر بذي الحليفة فأمرها أبو بكر أن تغتسل ثم تهل وهو في هذا الإسناد موقوف على أبي بكر رضي الله عنه .
قوله ( إن أسماء بنت عميس ) بضم العين آخره سين مهملة ابن معبد بن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك بن بشير بن وهب بن شهران بن عفرس بن خلف بن أقبل وهو خثعم ، وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث الكنانية ، أسلمت أسماء قديماً وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فولدت له بالحبشة عبدالله وعوناً ومحمداً ثم هاجرت إلى المدينة فلما قتل عنها جعفر بن أبي طالب تزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر ثم مات عنها فتزوجها علي بن أبي طالب فولدت له يحيى لا خلاف في ذلك وأسماء أخت ميمونة بنت الحارث وج النبي r وأخت أم الفضل امرأة العباس وأخت أخواتها لأمهم وكن عشر أخوات لأم وقيل تسع أخوات وقيل إن أسماء تزوجها حمزة بن عبد المطلب فولدت له بنتاً ثم تزوجها بعده شداد بن الهاد ثم جعفر وهذا ليس بشيء إنما التي تزوجها حمزة سلمى بنت عميس أخت أسماء وكانت أسماء بنت عميس أكرم الناس أصهاراً فمن أصهارها النبي r وحمزة والعباس رضي الله عنهما وغيرهم . (3/322)
صفحة 880
قوله ( بالبيداء ) بالباء الموحدة بعدها مثناة تحتية ممدوداً موضع بطرف ذي الحليفة فلا ينافيه ما في بعض الرواية عند قومنا أنها ولدته بذي الحليفة قال عياض : يحتمل أنها نزلت بطرف البيداء لتبعد عن الناس ونزل النبي r بذي الحليفة حقيقة وهناك بات وأحرم فسمي منزل الناس كلهم باسم منزل إمامهم .
قوله ( فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله r ) إنما ذكره له ليبين له حكم إحرامها في حال نفاسها .
وقوله ( مرها فلتغتسل ) هذا الأمر منه r لأبي بكر أمر لأسماء بالاغتسال عند بعض الأصوليين ، وقيل ليس بأمر لها على الحقيقة والظاهر الأول لأن أبا بكر مبلغ فقط والخلاف لفظي لأنه يرجع إلى نفس التسمية هل يسمى أمراً لها أم لا مع اتفاقهم على وجوب الامتثال في موضع الوجوب وندبيته في موضع الندب .
وقوله ( ثم لتهلل ) أي تحرم وتلبي ففيه صحة إحرام النفساء ومثلها الحائض وأولى منهما الجنب لأنهما شاركتاه في شمول اسم الحدث وزادتا عليه بسيلان الدم . وفيه أيضاً الاغتسال للإحرام مطلقاً لأن النفساء إذا أمرت به مع أنها غير قابلة للطهارة كالحائض فغيرها أولى والأمر بذلك ليس للوجوب عند الجمهور وهو سنة مؤكدة حتى قيل أنه أكد من غسل الجمعة وأوجبه أهل الظاهر والحسن وعطاء في أحد قوليه على مريد الإحرام طاهراً أم لا . وفيه أن ركعتي الإحرام ليستا بشرط في الحج لأن أسماء لم تصلهما ، وفيه أن عادة الصحابة تحمل السنن بعضهم عن بعض واكتفاؤهم بذلك عن سماعها من النبي r والله أعلم .
الباب الثاني عشر
في فضل الحج والعمرة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله r العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة .
------------------------------------ (3/323)
صفحة 881
…قوله ( في فضل الحج والعمرة ) وقد ذكر فيه حديثين أحدهما حديث أبي هريرة وهو ظاهر في مناسبة الترجمة والثاني حديث عائشة ووجه مناسبته للترجمة دعاؤه r بالرحمة للمحلقين والمقصرين وهؤلاء إنما فعلوا جزءاً من المناسك فاستحقوا بذلك هذا الدعاء على هذا النسك ولهم على سائر المناسك أضعاف ذلك . والعمرة بضم فسكون لغة الزيارة وشرعاً قصد الطواف والسعي فيحرم لها الميقات إن مر عليه وإلا فمن الحل في أي موضع كان ثم يتحلل بعد السعي .
…قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً الشيخان .
وقوله ( العمرة إلى العمرة ) أي العمرة المنضمة إلى العمرة أو المنتهية إلى العمرة . (3/324)
صفحة 882
وقوله ( كفارة لما بينهما ) أي من الصغائر وذلك لمن اجتنب الكبائر ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عن سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريما ) والحديث يدل على جواز تكرار العمرة في السنة الواحدة بل يدل على أن ذلك فضل عظيم لما فيه من تكفير السيئات وهي مسألة وقع فيها النزاع بين العلماء فقال عمر وابن عباس وعائشة وعلي بن أبي طالب وأنس يعتمر ما أمكنه ، وقال عطاء إن شاء اعتمر كل شهر مرتين ، وقال مالك إذا ذهبت أيام التشريق فاعتمر ما شئت ، وكان الربيع رحمه الله يقول للرجل أن يعتمر في غير أشهر الحج مراراً ، وكان أبو مالك يأمر أن لا يحرم من الميقات إلا بعمرة وقال فعل ذلك أصحاب رسول الله r وأمر به . وكان جابر بن زيد رحمه الله يقول ليس العمرة في السنة إلا مرة ، وقال الحسن البصري لا يعتمر في السنة إلا مرة ، وقال ابن سيرين تكره العمرة في السنة مرتين ، وبقول جابر رضي الله عنه أخذ قدماء أصحابنا ثم اختار متأخر وهم العمل بقول الربيع وأول من فتح الباب في ذلك الشيخ أبو سعيد رضي الله عنه فإنه مال إلى جواز تكرارها في السنة وفعلها في كل وقت قال إلا أنها لا تدخل على الحج ما دامت أيام الحج فإذا انقضت أيام الحج فلا أعلم مانعاً يمنع العمرة لأنها فضل وليس لها حد محدود في وقت معروف . قلت وهذا هو الصحيح لحديث الباب ولأن عائشة رضي الله عنها اعتمرت في حجة الوداع مرتين عن أمر النبي r كما تقدم في حديثها في باب ما تفعل الحائض . وقالت الهادوية إن العمرة في أشهر الحج مكروهة وهو موافق لمفهوم الربيع المتقدم لكنهم عللوه بأنها تشغل عن الحج في وقته . وردّ بأنه r قد اعتمر ا { بع عمر كلها في أشهر الحج بل كلها في ذي القعدة في سنين متعددة فعل ذلك كله لإبطال زعم الجاهلية أن العمرة في أشهر الحج من افجر الفجور . (3/325)
صفحة 883
قوله ( والحج والمبرور ) أي المقبول ومنه قول الملائكة لآدم عليهم جميعاً السلام بر حجك يا آدم . وقيل المبرور الذي لا يخالطه إثم ، وقيل الذي لا رياء فيه . وقال القرطبي هذه الأقوال متقاربة المعنى والمراد الحج الذي وفيت أحكامه ووقعت موقع ما طلب من المكلف على الوجه الأكمل . وعلامة المبرور أن يرجع خيراً مما كان قبل الحج .
قوله ( ليس له جزاء ) أي ثواب .
وقوله ( إلا الجنة ) بالرفع والنصب على حد قولهم ليس الطيب إلا المسك فإن بني تميم يرفعونه حملاً لها على ما في الإهمال عند انتقاض النفي كحمل أهل الحجاز ما على ليس والله أعلم .
ما جاء في فضل التحليق على التقصير
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله r اللهم ارحم المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال المقصرين .
----------------------------------- (3/326)
صفحة 884
قوله ( عن عائشة رضي الله عنها ) الحديث من هذا الطريق تفرد به المصنف رضي الله عنه وهو عند قومنا من رواية ابن عمر وابن عباس وابن أم الحصين ومأرب وأبي سعيد وأبي مريم وحبشي بن جنادة وأبي هريرة ، وفي بعض الروايات تكرار قوله اللهم ارحم المحلقين مرتين وفي بعضها ثلاثاً ، وفي رواية الليث عن نافع عند مسلم والترمذي وعلقها البخاري ارحم المحلقين مرة أو مرتين قالوا والمقصرين قال والمقصرين والشك فيه من الليث وإلا فأكثرهم يرويها بالتكرار مرتين وورود الحديث من طريق عائشة رضي الله عنها يرجح قول من قال إن هذا الدعاء كان منه r في حجة الوداع لأن عائشة لم تشهد عام الحديبية وقد شهدت حجة الوداع . وقد اختلفوا في وقت ذلك فقال بعضهم كان هذا في حجة الوداع وقال بعضهم في الحديبية لما أمرهم بالحلق فلم يفعلوا طمعاً في دخول مكة وجمع قوم بين القولين فقالوا بوقوعه مرتين مرة بالحديبية ومرة في حجة الوداع قالوا والسبب في الموضعين مختلف فالذي في الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال لما دخل عليه من الحزن بكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك فخالفهم النبي r وصالح قريشاً على أن يرجع من العام المقبل فلما أمرهم بالإحلال توقفوا فأشارت إليه أم سلمة أن يحل هو r قبلهم ففعل فتبعوه فحلق بعضهم وقصر بعضهم فكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس عند ابن ماجة وغيره أنهم قالوا يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم قال لأنهم لم يشكوا . وأما السبب في حجة الوداع فإن أكثر من حج معه r لم يسق الهدي فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها ويحلقوا رؤوسهم فشق عليهم ثم لما لم يكن بد من الطاعة كان التقصير في أنفسهم أخف من الحلق ففعله أكثرهم فرجح r فعل من حلق لكونه أبين في امتثال الأمر . وقيل إن عادة العرب (3/327)
صفحة 885
أنها كانت تحب توفير الشعر والتزين به وكان الحلق فيهم قليلاً وربما كانوا يرونه من الشهرة ومن فعل الأعاجم فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير .
قوله ( اللهم ارحم المحلقين ) بضم الميم وكسر اللام المشددة اسم فاعل من حلق رأسه بالتشديد إذا بالغ في حلقه وهو الاستقصاء في إزالة شعره بالموسى ونحوه وهذه الصيغة تقتضي حلق جميع الرأس وقد أوجبه مالك وأحمد واستحبه الكوفيون والشافعي ويجزي البعض عندهم وهو المذهب . ثم اختلفوا في هذا البعض المجزي فعند الحنفية الربع غلا أبا يوسف فقال النصف وقال بعض أصحابنا والشافعي أقل ما يجزي حلق ثلاث شعرات وهو مخالف للمفهوم من معنى التحليق والمسألة نظير مسألة مسح الرأس في الوضوء . والتقصير كالحلق يأخذ الرجل من جميع شعره من قرب أصله استحباباً فإن أخذ من أطرافه أجزأ وإن لم يزد على قدر ما تأخذه المرأة وهو قدر أصبعين من طرف شعرها جملة وقيل أقل ذلك قدر أنملة وكان أبو عبيدة مسلم رحمه الله أو غيره يرى للمرأة الكثيرة الشعر أن تأخذ منه ثلاثة أو أربعة وقليلة الشعر أن تأخذ دون ذلك . والمشروع في حق النساء التقصير بإجماع وفي أبي داود عن ابن عباس مرفوعاً ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير ، وللترمذي عن علي نهى أن تحلق المرأة رأسها .
قوله ( قالوا يا رسول الله والمقصرين ) بضم الميم وتشديد المهملة المكسورة وهم الذين قصروا شعورهم أي أخذوا شيئاً من طولها والقائل بذلك بعض الصحابة أما المحلقون أو المقصرون أو هما جميعاً احتمالات ثلاث أظهرها البعض من كلا النوعين ، وقال ابن حجر : لم أقف في شيء من طرقه على الذي تولى السؤال في ذلك البحث الشديد . (3/328)
صفحة 886
قوله ( قال والمقصرين ) أي قال رسول الله r وارحم المقصرين ففيه إعطاء المعطوف حكم المعطوف عليه ولو تخلل بينهما السكوت بلا عذر ، ثم هو كذلك فيما رأيناه من نسخ المسند الدعاء للمحلقين مرة واحدة وعطف المقصرين عليهم في المرة الثانية وفي معظم الروايات عن مالك من حديث ابن عمر الدعاء للمحلقين مرتين وعطف المقصرين عليهم في المرة الثالثة وفي رواية البخاري لما كانت الرابعة قال والمقصرين وقد تقدم أن في رواية الليث عن نافع عند مسلم والترمذي ارحم المحلقين مرة أو مرتين قالوا والمقصرين قال والمقصرين ورواية التكرار جميعها من طريق ابن عمر فإن صحت النسخ التي بأيدينا فلا تكرار في حديث عائشة لوقوعه في حجة الوداع فلا سبب يقتضي التكرار بخلاف قضية الحديبية .
وفي الحديث فوائد منها : أن التقصير يجزي عن الحلق وهو مجمع عليه إلا رواية عن الحسن البصري تعين الحلق أول حجة ، وثبت عنه خلافه .
ومنها أن الحلق أفضل لأنه أبلغ في العبادة وأبين في الخضوع والذلة وأدل على قصد النية والمقصر يبقى على نفسه شيئاً مما يتزين به بخلاف الحالق فيشعر بأنه ترك ذلك لله وإشارة إلى التجرد .
ومنها الدعاء لمن فعل ما شرع له وطلب الدعاء لمن فعل الجائز وإن كان مرجوحاً والله أعلم .
تنبيهان : الأول الناس بالنظر إلى الحلق والتقصير على ثلاثة أصناف صنف يتعين في حقه الحلق وهو الذي يتعذر عليه التقصير كالملبد رأسه وكذلك الذي ليس له شعر فإنه يجري على رأسه الموسى وكذلك من كان شعره لطيفاً لا يمكن تقصيره . وصنف يتعين في حقه التقصير وهي النساء فإن الحلق في حقهن مثلة فلا يجوز وقد تقدم النهي عن ذلك . وصنف يجوز له الأمران وهم غير من ذكرنا . (3/329)
صفحة 887
الثاني : اختلف الناس في الحلق والتقصير والمشهور عند الموافق والمخالف أنه نسك من مناسك الحج والعمرة وركن من أركانهما لا يحصل واحد منهما إلا به . وقيل إنه استباحة محظورة كالطيب واللباس وليس بنسك والخلاف في هذا نظير الخلاف في التسليم من الصلاة وقد تقدم ذكره في بابه ، والله أعلم .
كتاب الجهاد
--------------------------------
بكسر الجيم أصله المشقة يقال جهدت جهاداً إذا بلغت المشقة ، وفي الشرع بذل الجهد في قتال الكفار ، ويطلق على مجاهدة النفس لتعلم أمور الدين ثم العمل بها ثم على تعليمها وعلى مجاهدة الشيطان بدفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات وعلى مجاهدة الفساق باليد ثم اللسان ثم القلب وهو إنكار المنكر والمراد به هنا المعنى الأول وهو مجاهدة الكفار باليد والمال واللسان والقلب . وشرع بعد الهجرة اتفاقاً . واختلفوا هل كان في زمنه r فرض عين أو كفاية قولان ، وقيل كان فرض عين على المهاجرين دون غيرهم . ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح على كل من أسلم إلى المدينة لنصر الإسلام ، وقيل كان عيناً على الأنصار دون غيرهم ويؤيده مبايعتهم النبي r ليلة العقبة على أن يؤووه وينصروه . وقيل يتعين في حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق وفي حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداءً ويؤيد هذا ما وقع في قصة بدر ، وقيل كان عيناً في الغزوة التي يخرج فيها النبي r وعلى من عيّنه ولو لم يخرج هذه أقوالهم في حكم الجهاد في زمان المصطفى ، وأما بعده ففرض كفاية على المشهور إلا أن تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدو المصر أو البلد أو الجماعة فإنه يلزم القادر دفعه وكذلك يتعين على من عينه الإمام لذلك وتحصل الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور لأن الجزية بدل عنه وإنما تجب في السنة مرة اتفاقاً فبدلها كذلك . وقيل يجب كلما أمكن وهو قوي قال بعضهم والتحقيق أن جهاد الكفار متعين على كل مسلم إما بيده وإما بلسانه وإما (3/330)
صفحة 888
بماله وإما بقلبه والله أعلم .
الباب الثالث عشر
في البيعة
ما جاء في البيعة على السمع والطاعة في العسر واليسر وأن لا يخاف في الله لومة لائم
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال سمعت عن عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله r على السمع والطاعة في العسر واليسر والمكره والمنشط ولا ننازع الأمر أهله وأن نقول الحق ونقوم بالحق حيث ما كنا ولا نخاف في الله لومة لائم .
------------------------------
قوله ( في البيعة ) وهي في الأصل الصفقة على إيجاب البيع وتطلق أيضاً على المبايعة والطاعة والمراد بها في الترجمة إعطاء العقد الأكيد على الطاعة والامتثال إما مطلقاً أو في شيء مخصوص فمن أعطى ذلك من نفسه لزمه أن يلتزمه فإن لم يفعل لقي الله خائناً ولا يجب الوفاء بما فيه معصية الله تعالى بل يحرم ذلك ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق والله أعلم .
قوله ( سمعت عن عبادة بن الصامت ) أي سمعت من حدثني عن عبادة بهذا الخبر . والحديث رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد قال أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده قال بايعنا .. الخ . وأخرجه البخاري في كتاب الأحكام عن إسماعيل عن مالك بالسند المتقدم . وأخرجه مسلم في المغازي من طريق عبدالله بن إدريس عن يحيى بن سعيد وعبدالله بن عمر عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده به .
وعبادة بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة المفتوحة أحد نقباء الأنصار شهد العقبة الأولى والثانية وكان نقيباً على القوافل بني عوف بن الخزرج وقد تقدم نسبه وذكر بعض خبره في الجزء الأول . (3/331)
صفحة 889
فقوله ( بايعنا ) يعني معشر الأنصار في العقبتين معا . وكانت العقبة الأولى في السنة الثانية عشر من النبوة قبل الهجرة عشرة من الخزرج منهم عبادة بن الصامت واثنان من الأوس اسلموا وبايعوا على بيعة النساء أي وفق بيعتهن التي نزلت بعد فتح مكة وهي أن لا نشرك بالله شيئاً ولا تسرق ولا تزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف والسمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقول بالحق حيث كنا ولا نحاف في الله لومة لائم ثم قال عليه السلام فإن وفيتم لكم الجنة ومن غشني وفعل من ذلك شيئاً كان أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه . (3/332)
صفحة 890
ولم يفرض يومئذ القتال ثم انصرفوا إلى المدينة وبعث رسول الله r معهم مصعب بن عمير إلى المدينة يعلم أهلها الأحكام ويقريء القرآن . وكانت العقبة الثانية هي العقبة الكبرى في ذي الحجة من السنة الثالثة عشر من النبوة قبل الهجرة بثلاثة أشهر وذلك أنه قدم مكة في موسم الحج قريباً من خمس مائة نفر وفي رواية ثلاثمائة نفر من الأوس والخزرج وخرج معهم مصعب بن عمير إلى مكة واتفق منهم سبعون رجلاً قال ابن سعد يزيدون رجلاً أو رجلين وامرأتان نسيبة بنت كعب أم عمارة وأسماء بنت عمر ، وقال ابن إسحاق ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان ، وقال الحاكم : خمس وسبعون نفساً لا قوا رسول الله r فواعدهم أن يحضروا شعب العقبة في الليلة الثالثة من ليالي التشريق للمبايعة وأمرهم أن لا ينبهوا نائماً ولا ينتظروا غائباً ولما فرغوا من الحج وكانت الليلة الموعودة خرج القوم بعد هدئ r ومعه العباس وليس معه غيره وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه يحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويوثق له فتكلم العباس وتكلم عبدالله بن عمرو بن حزام والبراء بن معرور والعباس بن عبادة بن نضلة ثم قال رسول الله r أخرجوا منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم فأخرجوا اثني عشر نقيباً تسعة من الخزرج منهم عبادة بن الصامت وثلاثة من الأوس وقال رسول الله r أنتم على قومكم لما فيهم كفلاء كفالة الحواريين لعيسى ابن مريم قالوا نعم فبنوا النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يد رسول الله r للبيعة وبنو عبد الأشهل يقولون بل أبو الهيثم ابن التيهان قال كعب بن مالك أول من ضرب على يد رسول الله r البراء بن معرور ثم تتابع القوم وكانت البيعة يومئذ أنه r قال لهم بايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله ولا تخافوا لومة لائم وعلى أن تمنعوني مما تمنعوا منه أنفسكم وأبناءكم وأزواجكم فأخذ البراء (3/333)
صفحة 891
بيده ثم قال والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعنك مما نمنع منه العزيز فينا .
قوله ( على السمع والطاعة ) أصل السمع معنى في الأذن بد تدرك الأصوات ثم أطلق على نفس إدراك الصوت ثم توسعوا فأطلقوه على فهم الخطاب ثم أطلقوه أيضاً على الطاعة وهو المراد في الحديث فعطف الطاعة عليه عطف تفسير والمراد بالطاعة الامتثال عند المر والنهي .
والعسر بضم المهملة الأولى وإسكان الثانية الفقر سمي بذلك لما فيه من الصعوبة والشدة .
واليسر بضم المثناة التحتية وسكون المهملة الغناء والثروة وهو ضد العسر سمي بذلك لما فيه من سهولة المعاش وتيسير الأمور .
والمكره بفتح الأول والثالث وسكون الثاني وكذلك المنشط والمراد بهما حالتا الكسل والنشاط . وقيل المراد بهما المكروه والمحبوب أي الأشياء التي يكرهونها والتي يحبونها وعليه فهما مصدران بمعنى اسم المفعول فهذه أربع صفات اثنتان منها يتعلقان بالأموال وهما العسر واليسر واثنتان بالأحوال النفسية وهما المكره والمنشط وهو مفعل من النشاط وهو الأمر الذي تنشط له وتخف إليه وتؤثر فعله أو مصدر بمعنى النشاط . (3/334)
صفحة 892
قوله ( ولا ننازع الأمر أهله ) المراد بالأمر الملك والإمارة والمراد بأهله القوام بحقه وهم الأمراء الذين تلزم الناس طاعتهم وهم القائمون بأمر الله سبحانه وتعالى المنفذون لأحكامه المحافظون على حدوده فإذا خالفوا أمر الله تعالى ونبذوا أحكامه وتعدوا حدوده فليسوا بأهل للأمر وليس لهم على الناس طاعة ( ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ( وفي آية الفاسقون وفي أخرى الكافرون . وقد تقدم في باب الولاية والإمارة من الجزء الأول قال عبادة بن الصامت لعثمان بن عفان ألا أخبرك بشيء سمعته من رسول الله r سمعته يقول ستكون أمراء من بعدي يقرأون كما تقرأون ويعملون ما تنكرون فليس لأولئكم عليكم طاعة . وفي رواية للبخاري بعد قوله ( ولا ننازع الأمر أهله ) زيادة استثناء وهي قوله ( إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان . قال النووي : المراد بالكفر هنا المعصية . قال ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام فأنكروا عليهم وبوءوا بالحق حيثما كنتم . ونقل ابن التين عن الداودي إن الذي عليه العلماء في أئمة الجور إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب وإلا فالواجب الصبر . قال المحشي : وهذا أيضاً كلام صحيح والله أعلم .
قوله ( ولا نخاف في الله لومة لائم ) أي لا نخشى عذل عاذل في دين الله تعالى بل يبذلون الجهد في نصر الدين من غير ملاحظة لوم اللائمين فلا يداهنون في شيء من أمورهم بل ينصرون الدين باليد واللسان والمال عن صدق عزم وإخلاص نية رضي من رضي وركه من كره . واللومة المرة من اللوم وهو العذل قال الزمخشري وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قال لا نخاف شيئاً قط من لوم أحد من اللوام والله أعلم .
ما جاء في البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع والبيعة على أن لا يفروا (3/335)
صفحة 893
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عمر قال بايعنا رسول الله r على السمع والطاعة ويقول فيما استطعتم .
قال جابر : وسمعت من الصحابة من يقول بايعهم على أن لا يفروا .
------------------------------------
قوله ( عن ابن عمر ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم .
قوله ( بايعنا رسول الله r .. الخ ) الظاهر أن هذه المبايعة كانت يوم الحديبية لقول جابر الآتي فإنه كان في الحديبية وهو الذي يقتضيه صنيع مسلم أيضاً وهي بيعة كانت بعد ما ظهر الإسلام وجرت أحكامه وحديث عبادة المتقدم إنما كان في بيعة العقبتين فلا يتقيد إطلاقه بهذا الحديث خلافاً لابن حجر والمحشي لن المطلوب في أول الأمر أشد منه في آخره مع قلة المسلمين أولاً وكثرتهم ثانياً وناهيك أنه كان الواجب في أول الإسلام ثبات الواحد من المسلمين لعشرة من العدو وثبت العشرين لمائتين ثم خفف عنهم فصار الواجب ثبات المائة لمائتين والألف لألفين وبقي هذا الحكم مستمراً إلى يوم القيامة .
قوله ( على السمع والطاعة ) أي على مطلق الامتثال من غير تقييد بالاستطاعة .
قوله ( فيما استطعتم ) أي يقول لنا رسول الله r قولوا فيما استطعتم ولا تطلقوا القول إطلاقاً لئلا تلزموا أنفسكم ما لا تستطيعون وهذا من كمال شفقته r ورأفته بأمته .
وفيه أنه إذا رأى الإنسان من يلتزم ما لا يطيقه ينبغي أن يقول له لا تلتزم ما لا تطيق فيترك بعضه وهو من نحو قوله r ( عليكم من الأعمال ما تطيقون ) والله أعلم .
قوله ( قال جابر ) يعني ابن زيد رحمة الله عليه . (3/336)
صفحة 894
وقوله ( سمعت من الصحابة من يقول بايعهم على أن لا يفروا ) وهذه البيعة إنما كانت يوم الحديبية حين صدهم المشركون عن البيت والقائل من الصحابة بذلك جابر بن عبدالله ومعقل بن يسار كما في صحيح مسلم وعند البخاري ومسلم أيضاً عن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع قال قلت لسلمة على أي شيء بايعتم رسول الله r يوم الحديبية قال على الموت . وفي البخاري أن نافعاً قال بايعهم على الصبر وهي أيضاً رواية عن أبي عمر والمراد بالصبر الثبات وعدم الفرار سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا وهذه الرواية تجمع المعاني كلها وتبين مقصود كل الروايات فالبيعة على أن لا يفروا معناه الصبر حتى يظفروا بعدوهم أو يقتلوا وهو معنى البيعة على الموت أي نصبر وإن آل بنا ذلك إلى الموت لا أن الموت هو المقصود في نفسه ، والله أعلم .
ما جاء في البيعة على الإسلام وأنه لا تصح الإقالة فيها
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال سمعت جابر بن عبدالله يقول بايع أعرابي رسول الله r وأصاب الأعرابي وعك بالمدينة فقال يا رسول الله أقلني بيعتي فأبى له رسول الله r ثم جاءه ثانية وثالثة فأبى له فخرج الأعرابي فقال رسول الله r إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وتمسك طيبها .
--------------------------------
قوله ( عن جابر بن عبدالله ) الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم .
وقوله ( بايع أعرابي ) بفتح الهمزة نسبة إلى الأعراب بفتحها وهم أهل البادية من العرب قال ابن حجر لم أقف على اسمه إلا أن الزمخشري ذكر في ربيع الأبرار أنه قيس بن أبي حازم قال وهو مشكل لأنه تابعي كبير مشهور وصرحوا بأنه هاجر فوجد النبي r قد مات قال فإن كان محفوظاُ فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه قال وفي الذيل لأبي موسى المديني وفي الصحابة قيس بن حازم المنقري فيحتمل أن يكون هو هذا أي زيد في اسم أبيه أداة الكنية سهواً أو غلطاً وزاد في رواية قومنا على الإسلام أي بايعه على فعل خصال الإسلام . (3/337)
صفحة 895
والوعك بفتح الواو وسكون العين المهملة الحمى .
وقوله ( بالمدينة ) أي في المدينة .
قوله ( أقلني بيعتي ) أي التي بايعتك بها على الإسلام كذا قيل ، وقال بعض الشراح إنما استقاله من الهجرة ولم يرد الارتداد عن الإسلام بدليل أنه لم حل ما عقده إلا بموافقة النبي r على ذلك ولو أراد الردة ووقع فيها لقتله . وحمله بعضهم على الإقالة من المقام بالمدينة .
قوله ( فأبى له ) أي فامتنع عليه وأبى أن يقيله فاللام في له بمعنى على .
وقوله ( ثم جاءه ثانية ) أي مرة ثانية وثالثة في كل ذلك يمتنع عليه أن يقيله لأنها إن كانت بعد الفتح فهي على الإسلام فلم يقله لأنه لا يحل الرجوع إلى الكفر وإن كانت قبل الفتح فهي على الهجرة والمقام معه بالمدينة ولا يحل للمهاجر أن يرجع إلى وطنه .
قوله ( فخرج الأعرابي ) أي من المدينة إلى البلد وبغير إذن من النبي r .
والكير بكسر القاف المنفخ الذي ينفخ به النار أو الموضع المشتمل على النار .
وقوله ( تنفي ) بفتح الفوقية وسكون النون وبالفاء أي تذهب .
والخبث بفتح المعجمة والموحدة والمثلثة ما تبرزه النار من وسخ وقذر . قال بعض الشراح ويروى بضم الخاء وسكون الباء وهو الشيء الخبيث ووقع في بعض نسخ المسند تنفي خبيثها والأول أشبه لمناسبة الكير . (3/338)
صفحة 896
قوله ( وتمسك طيبها ) بكسر الطاء وسكون التحتية الخفيفة . قال بعض الشراح وفي رواية طيبها بشد التحتية مكسورة أي مع فتح الطاء قال بعضهم وهي الرواية الصحيحة قال وهي أقوم معنى لأنه ذكره في مقابلة الخبيث قال وأي مناسبة بين الكير والطيب شبه النبي r المدينة وما يصيب ساكنها من الجهد بالكير وما يدور عليه من إزالة الخبيث عن الطيب فيذهب الخبيث ويبقى الطيب وكذلك المدينة تنفي شرارها بالحمى والجوع وتطهر خيارهم وتزكيهم وهذا تشبيه حسن لن الكير بشدة نفخه ينفي عن النار السخام والدخان والرماد حتى لا يبقى غلا خالص الجمر هذا إن أريد بالكير المنفخ الذي ينفخ به النار وإن أريد به الموضع فالمعنى أن ذلك لشدة حرارته ينزع خبث الحديد والذهب والفضة ويخرج خلاصة ذلك والمدينة تنفي شرار الناس بالحمى والوصب وشدة العيش وضيق الحال التي تخلص النفس من الاسترسال في الشهوات وتطهر خيارهم وتزكيهم ، وقد توجد هذه الخصلة في غير المدينة إذا كانت بلداً يظهر فيها العدل وشهر في أهلها الفضل مع ضيق الحال وشدة المؤنة فإنه لا يلبث فيها مع وجود ما هو أوسع منها حالاً وأرغد عيشاً إلا من قوي إيمانه وخلصت نيته وكملت في الإسلام رغبته . واستدل بهذا الحديث أن المدينة أفضل البلاد قالوا لأن المدينة هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإسلام فصار الجميع في صحائف أهلها ولأنها تنفي الخبيث . وأجيب عن الأول بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة فالفضل ثابت للفريقين فلا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين . وعن الثاني بأن ذلك إنما هو في خاص من الناس ومن الزمان بدليل قوله تعالى ( ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ) والمنافق خبيث بلا شك وقد خرج من المدينة بعد النبي r معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة ثم علي وطلحة وعمار والزبير وآخرون وهم من أكابر الصحابة فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس ووقت دون وقت . وذكر ابن حزم أن ذلك خاص (3/339)
صفحة 897
بزمنه r لأنه لا يصبر على الهجرة والمقام معه إلا من ثبت إيمانه وزمن الدجال لما ورد أنه في آخر الزمان عندما ينزل بها الدجال ترجف بأهلها فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه قال وأما بين ذلك فلا والله أعلم .
الباب الرابع عشر
في عدة الشهداء
--------------------------------
قوله ( في عدة الشهداء ) أي في عددهم فهو على حد قوله تعالى ( إن عدة الشهور عند الله ) وقد ترجم له أبو داود بفضل من مات في الطاعون والترمذي بقوله باب ما جاء في الشهداء من هم وابن ماجة بقوله ما يرجى فيه الشهادة .
والشهداء جمع شهيد وهو اسم وضعه الشرع لمن قتل في سبيل الله طالباً أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى هذا معنى الشهيد في أول الأمر ثم أطلق على سائر الأصناف المذكورين في الباب كالمقتول دون ماله والميت بالطاعون ونحوه ، واختلف في تسميته بذلك فقيل سمي شهيداً لأنه حي وكأن روحه شاهدة أي حاضرة ، وقيل سمي شهيداً لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة ، وقيل لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعد له من الكرامة ، وقيل لأنه يشهد له بالأمان من النار ، وقيل لأنه لا يشهده عند موته إلا ملائكة الرحمة ، وقيل لأنه الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرسل ، وقيل لأن الملائكة تشهد له بحسن الخاتمة ، وقيل لأن الأنبياء تشهد له بحسن الأتباع لهم ، وقيل غير ذلك والله أعلم .
ما جاء أن المقتول دون ماله شهيد وأن أفضل الأعمال كلمة حق عند سلطان جائر
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي r قال : المقتول دون ماله شهيد .
وقال أيضاً : أفضل الأعمال كلمة حق يقتل عليها صاحبها عند سلطان جائر .
-------------------------------- (3/340)
صفحة 898
قوله ( المقتول دون ماله شهيد ) أي من قاتل الصائل على ماله حيواناً كان أو غيره فقتل في المدافعة فهو شهيد في حكم الآخرة لا في الدنيا أي له ثواب شهيد عند الله تعالى كما في الشهيد في سبيل الله مع ما بين الثوابين من التفاوت وتفاوت المنازل لا يقدح في كونه شهيداً فإن شهداء المعركة أيضاً متفاوتون في المنازل ، ومعنى كونه شهيداً في الآخرة لا في الدنيا أي يعطى حكم الشهيد في الآخرة فقط أما الدنيا فإن أحكامه فيها أحكام سائر الموتى من غسل وكفن وغير ذلك وهو الذي يسمونه قتيل اللصوص .
والدفع عن المال جائز بل مستحب سواء ظن النجاة أو الموت لظاهر حديث الباب ، وقيل إن غلب على ظنه أنه يقتل فلا يقاتل وهذا إذا كان على جهة النظر في سياسة الناس وطلب استبقائهم فلا بأس به عند ظهور المصلحة في ذلك ، وإن كان على جهة المنع الشرعي فحديث الباب يرده وقد روي الطبراني عن فهيد بن مطرف الغفاري أن رجلاً قال يا رسول الله إن عدا علي عاد قال إن قتلك فأنت في الجنة وإن قتلته فهو في النار . وأخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد أن رجلاً قال يا رسول الله أرأيت من لقيني يريد أن يأخذ مالي قال فأنشده ثلاث مرات فإن أبى قالته فإن قتلك دخلت الجنة وإن قتلته دخل النار .
قوله ( وقال أيضاً ) يعني رسول الله r والظاهر أن هذا الحديث أيضاً من مسند ابن عباس لنه معطوف على قوله قال المقتول دون ماله شهيد وهو من حديث ابن عباس فمثله المعطوف عليه وما هنا تدليس فلا شك في إرادة هذا الظاهر فإنه لو كان لغير ابن عباس لبينه رضي الله عنه ن وقد رواه ابن ماجة عن أبي سعيد وأبي أمامة وهو عند أحمد والنسائي من حديث طارق بن شهاب وعند أحمد أيضاً من حديث أبي أمامة وليس عندهم قوله ( يقتل عليها صاحبها ) . (3/341)
صفحة 899
قوله ( أفضل الأعمال ) وفي رواية قومنا ( أفضل الجهاد ) فيؤخذ منها أن المراد بالأعمال عند المصنف أعمال الجهاد وذلك أن للجهاد أعمالاً منها الغزو والرباط والصبر والمصابرة والثبات والمواقفة ونحوها ومنها التكلم بكلمة حق عند سلطان جائر وهذه أفضل أعماله لظاهر حديث الباب . وقيل بل المعنى أن هذه أفضل من الجهاد لا أنها أفضل أعماله .
وقوله ( كلمة حق ) بالإضافة قيل وبدونها أيضاً والمراد بالكلمة ما أفاد أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر من لفظ أو ما في معناه من ككتابة ونحوها وإنما كان ذلك أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو كان متردداً بين رجاء وخوف لا يدري هل يغلب أو يغلب وصاحب السلطان مقهور في يده فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف وأهدف نفسه للهلاك فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف .
وقوله ( يقتل عليها صاحبها عند سلطان جائر ) أي ظالم وفي القناطر عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله تعالى قال رجل قام إلى وال جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك فإن لم يقتله فإن القلم لا يجري عليه بعد ذلك وإن عاش ما عاش . والمعنى أن الله يحفظه ويسدده فلا يفعل شيئاً يكتب عليه ألبتة وإنما يفعل ما يكتب له من الأعمال حفظاً من عند الله تعالى وتوفيقاً حتى يلقاه على الحالة التي بذل فيها نفسه ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) وعن الحسن البصري عنه r أنه قال : أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك فذلك الشهيد منزلته في الجنة بين حمزة وجعفر . والله أعلم .
ما جاء أن الشهداء خمسة
أبو عبيدة عن أبي هريرة قال : الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله .
---------------------------- (3/342)
صفحة 900
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً الترمذي عن أبي هريرة على نحو ما ذكره المصنف رحمة الله عليه ثم قال وفي الباب عن أنس وصفوان بن أمية وجابر بن عتيك وخالد بن عرفطة وسليمان بن صرد وأبي موسى وعائشة قال أبو عيسى حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح وأبو عيسى هو الترمذي .
والمطعون هو الميت بالطاعون وذلك لن الطعن وخز أعدائنا الجن فهو شهادة لهذه الأمة .
والمبطون قيل هو صاحب الإسهال . وقيل هو الذي يموت بمرض بطنه كالاستسقاء ونحوه . وقيل هو صاحب القولنج . وقيل المراد ما يعم ذلك كله وفي الترمذي عن أبي إسحاق السبيعي قال قال سليمان بن صرد لخالد بن عرفطة أو خالد لسليمان أما سمعت رسول الله r يقول من قتله بطنه لم يعذب في قبره فقال أحدهما لصاحبه نعم .
والغريق هو الذي يموت غرقاً في الماء . وإطلاقه مقيد بمن ركب البحر ركوباً غير محرم .
والهدم بفتح الهاء والدال ما تهدم فسقط كالذي يهدم من جانب البئر فيسقط فيه . والمراد بصاحبه هو الذي يموت فيه وهو والغريق إنما يعدان من الشهداء إذا لم يهملا التحرز عن الهلكة فإن فرطا في التحرز حتى هلكا فهما عاصيان والله أعلم .
ما جاء أن الشهيد يغفر له عند أول قطرة من دمه ويجار من عذاب القبر
قال الربيع قال ابن عباس قال النبي r : الشهيد يغفر له عند أول قطرة تقطر من دمه في سبيل الله ويجار من عذاب القبر .
---------------------------------
قوله ( الشهيد ) أي شهيد المعركة بدليل ما بعده .
وقوله ( يغفر له عند أول قطرة تقطر من دمه ) أي غفر الله له ذنوبه عند أول قطرة من دمه ويعطى بباقي القطرات عظيم الدرجات فيلقى ربه مغفوراً له منعماً مكرما . (3/343)
صفحة 901
قوله ( ويجار من عذاب القبر ) أي ينقذ منه بفضل الشهادة وثبت في السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد رفعه ( كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر ) وعند مسلم والنسائي والبزار من حديث سلمان رفعه ( رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل وأمن الفتان ) والله أعلم .
ما جاء في الشهداء بغير السيف
وقال r إن لم يكن الشهداء من أمتي إلا من قتل بالسيف فهم إذاً قليل ثم قال r القتيل شهيد وصاحب الهدم شهيد والمبطون شهيد والغريق شهيد ومن أكله السبع شهيد والسليم شهيد - يعني اللديغ - وصاحب السل شهيد ومن مات مرابطاً في سبيل الله شهيد ومن ذكر الله تعالى إذا أخذ مضجعه ثم مات فهو شهيد والنفساء ومن مات على فراشه يريد أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى .
---------------------------- (3/344)
صفحة 902
قوله ( إن لم يكن الشهداء .. الخ ) ذكر أبو داود في سننه عن عبدالله بن عبدالله بن جابر بن عتيك عن عتيك بن الحارث بن عتيك وهو جد عبدالله بن عبدالله أبو أمه أنه أخبره أن جابر بن عتيك أخبره أن رسول الله r جاء يعود عبدالله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به رسول الله r فلم يجبه فاسترجع رسول الله r وقال : غلبنا عليك يا أبا الربيع فصاح النسوة وبكين فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال رسول الله r دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية قالوا فما الوجوب يا رسول الله قال الموت قالت ابنته والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيداً فإنك كنت قد قضيت جهازك قال رسول الله r إن الله عز وجل قد أوقع أجره على قدر نيته وما تعدون الشهادة قالوا القتل في سبيل الله قال رسول الله r الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة . والحديث أخرجه أيضاً ابن ماجة مختصراً في ذكر سببه .
وذات الجنب مرض معروف . (3/345)
صفحة 903
وجمع بضم الجيم وسكون المهملة هو أن تموت وفي بطنها ولد والمعنى أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها وهذه هي الحامل وهي غير النفساء المذكورة في حديث الربيع وقد زاد غيرهما أنواعاً من الشهادة قال إنها جاءت من طرق جيدة منها المقتول دون دينه أو دمه أو أهله أو مظلمته ومن خرج في سبيل الله فوقصه فرسه أو بعيره أو مات على فراشه على أي حتف شاء الله والخار عن دابته ومن صبر في الطاعون ومن يتردى من رؤوس الجبال ومن مات غريباً زاد العلقمي الميت في السجن وقد حبس ظلماً والميت وهو طالب للعلم ومن تقع عليه الصخرة ومن قتل دون أخيه ومن قتل دون جاره والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر قال والغيرة على زوجها كالمجاهدة في سبيل الله فلها اجر شهيد قال والميت عشقا . فإن قيل إن جعل هؤلاء كلهم شهداء ينافيه قوله r في حديث أبي هريرة الشهداء خمسة وكذلك قوله في حديث جابر بن عتيك الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله وأيضاً فلكل واحد من حديثي أبي هريرة وجابر ابن عتيك يخالف صاحبه في العدد فالجواب أنه r علم بالأقل ثم علم بالزيادة على ذلك فأخبر بها والله يزيد من فضله ما شاء لمن شاء . قال ابن التين هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد بان جعلها تمحيصاً لذنوبهم وزيادة في أجورهم يبلغهم مراتب الشهداء . قال ابن حجر : والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواء ويدل عليه ما روي أن أفضل الجهاد من عقر جواده وأهريق دمه . وقال علي بن أبي طالب كل موتة يموت بها المسلم فهو شهيد غير أن الشهادة تتفاضل . انتهى مختصرا .
قوله ( من أمتي ) فيه دليل أن تعدد أسباب الشهادة خصوصية لهذه الأمة ولم يكن في الأمم السابقة شهادة إلا القتل في سبيل الله خاصة على ما ذكره بعض قومنا .
وقوله ( فهم إذاً قليل ) أي إذا انحصرت الشهادة في أمتي في قتيل السيف قل الشهداء منهم والحال أن شهداءهم كثيرون من فضل الله عليهم . (3/346)
صفحة 904
قوله ( والقتيل شهيد ) أي قتيل السيف في سبيل الله وكذلك من قتل دون ماله أو قتله جائر على كلمة حق قالها أو قتل ظلماً على نحو ما تقدم ذكره .
وصاحب الهدم بفتحتين تقدم تفسيره هو وما بعده في حديث أبي هريرة .
ومن أكله السبع بضم الباء وإسكانها لغة وهو كل ما له ناب يعدو به ويفترس كالذئب والفهد والنمر .
والسليم وزان كريم اللديغ سموه بذلك تفاؤلاً له بالسلامة ومن ذلك تسمية المهلمة مفازة ومنه قولهم سلمت الشمس إذا غربت وقولهم تعافت الشمس وتعافى القمر إذا أصابهما الكسوف كل ذلك تفاؤلاً بالفوز والسلامة والعافية .
وصاحب السل بكسر المهملة وتشديد اللام قروح تحدث في الرئة لا يكاد صاحبه يسلم منه وهو من أمراض الشباب لكثرة الدم فيهم . (3/347)
صفحة 905
قوله ( ومن مات مرابطاً في سبيل الله شهيد ) أي ولو يقتله العدو ، والمرابطة الملازمة لثغر العدو ولما خرج رسول الله r إلى تبوك خرج معه عبدالله ذو البجادين وقال رسول الله ادع الله لي بالشهادة فقال ائتني بلحاء سمرة - أي قشرها - فأتاه بها فأخذها رسول الله r فربطها على عضده فقال : اللهم إني أحرم أو قال حرم دمه على الكفار . قال : يا رسول الله ليس هذا ما أردت . قال : إنك إذا خرجت في سبيل الله فأخذتك الحمى وقتلتك فأنت شهيد ولا تبال بأيه كان فلما نزلوا تبوك وأقاموا بها أياماً أخذته الحمى فتوفي بها ودفن هناك بالليل وأخذ بلال شعلة من نار فوقف بها على القبر فكان عبدالله بن مسعود يحدث قال قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله r في غزوة تبوك فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها أنظر إليها فإذا رسول الله r وأبو بكر وعمر وإذا عبدالله ذو البجادين قد مات فإذا هم قد حفروا له ورسول الله r نزل في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه إليه وهو يقول أدليا إلي أخاكما فدلياه إليه فلما هيئاه لشقه ووضعه في اللحد قال اللهم إني قد أمسيت راضياً عنه فارض عنه يقول عبدالله بن مسعود يا ليتني كنت أنا صاحب هذه الحفرة .
قوله ( ومن ذكر الله تعالى إذا أخذ مضجعه ) بفتح الميم وسكون الضاد موضع الاضطجاع وأخذ المضجع كناية عن المآوات إلى الفراش للنوم فمن ذكر الله تعالى عند ذلك ثم مات في ليلته تلك فهو شهيد من شهداء الآخرة لفضل ذكر الله تعالى حيث ختم به عمله وقد جاء عن رسول الله r في بيان الأذكار التي تقال عند ذلك أحاديث كثيرة جمع منها ابن السني في عمل اليوم والليلة ثمانية عشر نوعا.
قوله ( والنفساء ) أي شهيد فهو مبتدأ حذف خبره للعلم به مما تقدم وكذا القول فيما بعده وإنما كانت النفساء شهيداً لأجل ما حصل لها من المشقة من ألم الولادة والمرض يكفر الخطايا كما يكفرها الجهاد فلها عند الله أجر شهيد . (3/348)
صفحة 906
قوله ( ومن مات ) مبتدأ وما بعده صلته وخبره محذوف تقديره شهيد وهو النفساء عطف على ما قبلها .
وكلمة الله قول لا إله إلا اله محمد رسول الله وما يتبعها من الأوامر والنواهي .
وكلمة الذين كفروا القول بتعدد الآلهة وعبادة غير الله تعالى وما يتبع ذلك من أمور الجاهلية فمن مات على فراشه وهو ساع لإعلاء كلمة الله وإطفاء الشرك وذهاب كلمته فهو شهيد لأنه في معنى المجاهد وذلك لأن المجاهد لم يخرجه من بيته إلا إعلاء كلمة الله تعالى على كلمة الذين كفروا فقد تشاركا في المطلب واتفقا في المعنى مع تفاوت المراتب بحسب الأعمال ولكل درجات مما علموا والله أعلم .
الباب الخامس عشر في فضل الشهادة
ما جاء في تمني الشهادة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي r قال : والذي نفسي بيده لو وددت أن أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل .
----------------------
قوله ( في فضل الشهادة ) وهي القتل في سبيل الله لإعلاء كلمة الله والمراد بفضلها ثوابها عند الله تعالى والغرض من ذكر فضلها الترغيب في الجهاد فإن النفس إذا علمت قدر ثواب العمل نشطت في فعله وتاقت إلى فضله .
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهم وله طرق كثيرة في الصحيحين وغيرهما .
قوله ( والذي نفسي بيده ) أي في ملكه وقبضته .
قوله ( لوددت ) بلام مفتوحة في جواب القسم وفي رواية عند قومنا بغير لام وهو بكسر الدال الأولى وسكون الثانية . (3/349)
صفحة 907
قوله ( فأقتل ) بضم الهمزة في الثلاثة المواضع كلها وكذلك قوله ثم أحيا بضم الهمزة في الموضعين والكل مبني للمفعول . وحاصله أنه r تمنى أن تحصل له الشهادة ثلاث مرات . وثم وإن دلت على تراخي الزمان لكن الحمل على تراخي الرتبة هو الوجه لأن المتمنى حصول الدرجات بعد القتل والإحياء لم يحصل ، قيل ومن ثم كررها لنيل مرتبة بعد مرتبة . واستشكل هذا التمني منه r مع علمه بأنه لا يقتل . وأجيب بأن تمني الفصل والخير لا يستلزم الوقوع فقد قال r وددت لو أن موسى صبر وله نظائر فكأنه r أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد وتحريض المسلمين عليه . وفي الحديث استحباب طلب القتل في سبيل الله وجواز قوله وددت حصول كذا من الخير وإن علم أنه لا يحصل لأن فيه إظهار محبة الخير والرغبة فيه والأجر يقع على قدر النية وفيه تمني ما يمتنع عادة والله أعلم .
ما جاء في فضل من يكلم في سبيل الله
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي r قال والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك .
ومن طريقه عنه عليه السلام قال : مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الذي لا يفتر عن صلاة ولا صيام حتى يرجع .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قال رسول الله r أفضل الأعمال كلمة حق يقتل عليها صاحبها عند سلطان جائر .
-----------------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهم .
قوله ( بيده ) أي في قدرته أو في ملكه .
وقوله ( لا يكلم ) بضم الياء وسكون القاف وفتح اللام أي يجرح .
وقوله ( في سبيل الله ) أي الجهاد . (3/350)
صفحة 908
وقوله ( والله أعلم بمن يكلم في سبيله ) جملة معترضة بين المستثنى منه والمستثنى مؤكدة لمعنى المعترض وفيه تفخيم شأن من يكلم في سيبل الله نظيره قوله تعالى ( قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت ) أي بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور . ويمكن أن يكون تتميماً للصيانة عن الرياء والسمعة وتنبيهاً على الإخلاص في الغزو وأن الثواب المذكور إنما هو لمن أخلص القصد لتكون كلمة الله هي العليا .
وقوله ( يثعب ) بفتح الياء المثناة تحت وإسكان المثلثة وفتح المهملة فموحدة أي يجري متفجراً أي كثيراً . (3/351)
صفحة 909
وقوله ( اللون لون الدم والريح ريح المسك ) أي لون ذلك الجاري لون الدم وريحه ريح المسك إذ ليس هو مسكاً حقيقة بخلاف لون الدم فلا تقدير فيه لأنه دم دقيقة فليس له من أحكام الدماء وصفاتها إلا اللون فقط . والحكمة في بعثه كذلك ليكون معه شاهد على فضيلته ببذله نفسه في طاعة الله تعالى وشاهد على من ظلمه . وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يستشهد أو تبراً جراحته . قال ابن حجر : ويحتمل أن المراد ما مات صاحبه به قبل اندماله لا ما اندمل في الدنيا فإن أثر الجراحة وسيلان الدم يزول ولا ينفي ذلك أن له فضلاً في الجملة لكن الظاهر أن الذي يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً من فارق الدنيا كذلك ويؤيده ما لابن حبان عن معاذ مرفوعاً ( عليه طابع الشهداء ) ولأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم عن معاذ مرفوعاً ( من جرح في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها الزعفران وريحها المسك ) قال وعرف بهذه الزيادة أن الصفة المذكورة لا تختص بالشهيد بل تحصل لكل من جرح . قالوا وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار يدخل فيه من جرح في سبيل الله في قتال البغاة وقطاع الطريق وفي إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك لأن الجميع سيبل الله عز وجل . واستدل بعضهم لذلك بقوله r من قتل دون ماله فهو شهيد . وتعقب بأن قوله r والله أعلم بمن يكلم في سبيله إشارة إلى اعتبار الإخلاص والمقاتل دون ماله إنما يقصد صون ماله وحفظه فهو يفعل ذلك بداعية الطبع لا بداعية الشرع ولا يلزم من كونه شهيداً أن يكون دمه يوم القيامة كريح المسك والله أعلم .
قوله ( ومن طريقه أيضاً ) يعني أبا هريرة بالسند المتقدم .
قوله ( عنه عليه السلام ) يعني النبي r . (3/352)
صفحة 910
وقوله ( مثل المجاهد ) بفتح الميم والمثلثة أي صفة المجاهد في سبيل الله أي حاله عند الله تعالى كحال الصائم القائم الذي لا يفتر عن صلاة ولا صيام ولا يضيع ساعة من ساعاته بلا ثواب حتى يرجع من جهاده قال تعالى ( ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ) الآيتين . ووجه التشبيه أن الصائم القائم ممسك لنفسه عن الأكل والشرب والنوم واللذات والمجاهد ممسك لها على محاربة العدو حابس لها على من يقاتله .
وقوله ( لا يفتر ) بضم التاء والراء أي لا يضعف ولا ينكسر عن ذلك ليلاً ولا نهارا . قال بعضهم يحتمل أنه ضرب ذلك مثلاً وإن كان أحد لا يستطيع كونه قائماً مصلياً لا يفتر ليلاً ولا نهاراً أو يحتمل أنه أراد التكثير . قال الباجي : أحال ثواب الجهاد على الصائم القائم وإن كنا لا نعرف مقداره لما قرره الشرع من كثرته وعرف من عظمه . قال عياض : هذا تفخيم عظيم للجهاد لأن الصيام وغيره مما ذكر من الفضائل قد عدلها كلها الجهاد حتى صارت جميع حالات المجاهد وتصرفاته المباحة تعدل أجر المواظبة على الصلاة وغيرها وفيه أن الفضائل لا تدرك بالقياس وإنما هي إحسان من الله لم يشاء . وقال ابن دقيق العيد القياس يقتضي أن الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل لأن الجهاد وسيلة إلى إعلاء الدين ونشره وإخماد الكفر ودحضه ففضله بحسب فضل ذلك والله أعلم .
قوله ( أفضل الأعمال كلمة حق .. الخ ) تقدم شرحه في باب عدة الشهداء والغرض من ذكره هنا بيان فضله وأنه المرتبة العليا من مراتب الشهادة والحديث في هذا الموضع من مرسل جابر وقد تقدم أن الظاهر من ذكره في الباب السابق بعد حديث ابن عباس أنه من مسند ابن عباس والله أعلم بذلك وغيره .
ما جاء في تكفل الله للمجاهد في سبيله (3/353)
صفحة 911
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي r : تكفل الله للمجاهد في سبيل الله ولا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيل الله وتصديق كلماته بأن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة .
---------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم .
قوله ( تكفل الله ) ولمسلم من رواية أبي زرعة عن أبي هريرة ( تضمن الله ) وللبخاري ( انتدب الله ) وكلها بمعنى واحد ومحصله تحقيق الوعد المذكور في قوله تعالى ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) وذلك التحقيق على وجه الفضل منه سبحانه وتعالى وعبر r عن تفضله تعالى بالثواب بلفظ الضمان ونحوه مما جرت به عادة المخاطبين فيما تطمئن به نفوسهم .
قوله ( ولا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيل الله .. الخ ) وصف للمجاهد الذي تكفل الله له بذلك الوعد فإنه هو الذي لا يخرجه من بيته غرض دنيوي ولا سمعة ولا رياء وإنما يخرجه طلب الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله طمعاً في ثواب الله وابتغاء مرضاة الله .
وقوله ( وتصديق كلماته ) أي كلام الله تعالى في الإخبار بما للمجاهدين من عظيم الثواب . وقيل المراد بالكلمات كلمة الشهادتين . والمعنى لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص لله تعالى .
وقوله ( بأن يدخله الجنة ) متعلق بقوله تكفل والمعنى تكفل الله له إن استشهد في غزاته بإدخاله الجنة بلا حساب فتكون الشهادة مكفرة لذنوبه أو المراد يدخله الجنة ساعة موته كما ورد أن أرواح الشهداء تسرح في الجنة وقال تعالى ( أحياء عند ربهم يرزقون ) .
وقوله ( أو يرده ) بالنصب عطفاً على يدخله .
وقوله ( إلى مسكنه ) أي منزله الذي خرج منه . (3/354)
صفحة 912
وقوله ( مع ما نال من أجر أو غنيمة ) أي من أجر خالص لا غنيمة معه أو غنيمة مع أجر دون أجر من لم يغنم شيئا . وقيل معناه أن المجاهد إما أن يستشهد أولا والثاني لا ينفك من أجر أو غنيمة مع إمكان اجتماعهما والقضية مانعة خلولا جمع . وقيل أن أو بمعنى الواو وقد وقع في بعض الروايات عند قومنا بالواو لكن فيها مقال . واستشكل لأنه يقتضي وقوع الضمان بمجموع المرين لكل من رجع وقد لا يتفق ذلك لأن كثيراً من الغزاة يرجع بلا غنيمة . ويؤيد التأويل الأول ما روى مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص مرفوعاً ( ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم ) . وذكر بعضهم في ذلك حكمة لطيفة قالوا إن الله أعد للمجاهدين ثلاث كرامات دنيويتان وأخروية فالدنيويتان السلامة والغنيمة والأخروية دخول الجنة فإذا رجع سالماً غانماً فقد حصل له ثلثا ما أعد الله وبقي له الثلث وإن رجع بلا غنيمة عوضه الله عن ذلك ثواباً في مقابلة ما فاته فكان المعنى الحديث أن يقال للمجاهد إذا فاتك شيء من أجر الدنيا عوضتك عنه ثواباً وأما الثواب المختص بالجهاد فحاصل للفريقين معا وغاية ما فيه أن غير النعمتين الدنيويتين الجنة وإنما هي بفضل الله . واستشكل نقص ثواب المجاهد بأخذ الغنيمة لمخالفته لما دل عليه أكثر الأحاديث واشتهر من تمدح النبي r بحل الغنيمة وجعلها من فضائل أمته فلو نقصت الأجر ما وقع التمدح بها وأيضاً فإن ذلك يستلزم أن أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أحد مثلاً مع أن أهل بدر أفضل باتفاق . والجواب عن الأول أنه إنما وقع التمدح بحل الغنيمة لهذه الأمة حيث كان في مقابلة تحريمها على من كان قبلنا من الأمم فتحليلها نعمة من نعم الدنيا وفيها قوة للإسلام وتقوية لضعفاء المسلمين . والجواب عن الثاني لا نسلم أنه يلزم من ذلك تفضيل غير البدري على البدري لأن التقابل بين كمال (3/355)
صفحة 913
الأجر ونقصه لمن يغزو بنفسه إذا لم يغنم أو يغزو فيغنم أن حال أهل بدر مثلاً عند عدم الغنيمة أفضل منه عند وجودها وإنما امتاز أهل بدر بذلك لأنها أول غزوة شهدها النبي r في قتال الكفار وكانت مبدأ اشتهار الإسلام وقوة أهله ، والله أعلم .
ما جاء أن الشهادة تكفر كل خطيئة إلا الدين
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال حدثني عبدالله ابن عمر قال جاء رجل إلى رسول الله r فقال يا رسول الله إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر أيكفر الله عني خطاياي ؟ قال : نعم . فلما أدبر الرجل ناداه رسول الله r فنودي له فقال كيف قلت فأعاد قوله فقال نعم إلا الدين كذلك قال لي جبريل عليه السلام .
---------------------------------
قوله ( حدثني عبدالله بن عمر ) الحديث رواه مالك في الموطأ من حديث أبي قتادة .
قوله ( جاء رجل ) لم يذكر اسمه وفي رواية الليث عند مسلم أنه r قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال فقام رجل .. الخ .
وقوله ( في سبيل الله ) يعني الجهاد .
وقوله ( صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر ) أحوال من التاء في قوله قتلت أي حال كوني على هذه الأوصاف .
والمحتسب هو من أخلص عمله لله طمعاً في ثواب الله .
والمقبل هو من أعطى العدو وجهه .
وقوله ( غير مدبر ) تأكيد له إذ قد يقبل مرة ويدبر أخرى فيصدق عليه أنه مقبل فارتفع هذا الاحتمال بقوله غير مدبر .
وقوله ( أيكفر الله عني خطاياي ) جمع خطيئة وهي ما يفعله الإنسان مخالفاً للواسع كان عن عمد أو خطأ والمعنى أيغفرها الله لي إن قتلت على هذا الحال فأجابه r بقوله نعم . وفيه أن الخطايا تكفر بالأعمال الصالحة مع الاحتساب والنية في العمل وأن أعمال البر المقبولة لا تكفر من الذنوب إلا ما بين العبد وبين ربه فأما التبعات فلا بد فيها من الخلاص .
وقوله ( ناداه ) أي دعاه . (3/356)
صفحة 914
وقوله ( فنودي له ) أي دعي له لما دعاه فحضر فقال r كيف قلت يعني في سؤالك المتقدم فأعاد السؤال فقال r نعم إلا الدين .
والدين بفتح الدال هو ما يلزم العبد من أموال الناس فإنه لا يكفره إلا عفو صاحبه أو استيفاؤه قيل وهذا في دين ترك له وفاءً ولم يوص به أو قدر على الأداء فلم يؤد أو أدائه في غير حق أو إسراف ومات ولم يقضه . وفيه تنبيه على تعظيم حقوق الآدميين وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا تكفر حقوق الآدميين وإنما تكفر حقوق الله تعالى . وقيل يمكن أن يقال هذا محمول على الدين الذي هو خطيئة وهو ما استدانة صاحبه على وجه لا يجوز له فعله بان أخذه بحيلة أو غصب فثبت في ذمته أو أدان غير عازم على الوفاء لأنه استثنى ذلك من الخطايا والأصل في الاستثناء أن يكون من الجنس ويكون الدين المأذون فيه مسكوتاً عنه في هذا الاستثناء فلا يلزم المؤاخذة به لما يلطف الله بعبده من استيهابه له وتعويض صاحبه من فضل الله .
فإن قيل ما تقول فيمن مات وهو عاجز عن الوفاء ولو وجد وفى ؟ قلت : إن كان الذي لزم ذمته إنما لزمها بطريق لا يجوز تعاطي مثله كغصب أو إتلاف محجور فلا تبرأ الذمة من ذلك إلا بوصوله إلى أهله أو بإبرائه منه ولا تسقطه التوبة وإنما تنفع التوبة في إسقاط العقوبة الأخروية فيما يختص بحق الله تعالى وإن كان ذلك المال لزمه بطريق سائغ وهو عازم على الوفاء ولمي قدر فهذا ليس بصاحب ذنب حتى يتوب ويرجى له الخير في العقبى ما دام على هذا الحال . (3/357)
صفحة 915
قوله ( كذلك قال لي جبريل ) هذا يدل على أن قول جبريل عليه السلام ذلك إنما كان بعد أن أفتى r الرجل ومضى فأتاه جبريل بهذا الاستثناء وكأن الأمر كان عاماً قبل ذلك ولهذا لم يستثن r شيئاً ثم نزل الوحي بالاستثناء . وقال ابن عبد البر : فيه دليل على أن من الوحي ما يتلى وما لا يتلى وما هو قرآن وما ليس بقرآن وقد قيل في قوله تعالى ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ) أن القرآن الآيات والحكمة السنة وكل من عند الله فإنه لا ينطق عن الهوى ، والله أعلم
.
ما جاء أن شهيد المعركة لا يغسل
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي r قال : المقتول في المعركة لا يغسل فإن دمه يعود مسكاً يوم القيامة .
أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس قال قال رسول الله r في الشهداء زملوهم في ثيابهم أي لفوهم فيها من غير غسل .
--------------------------- (3/358)
صفحة 916
قوله ( المقتول في المعركة لا يغسل ) المعركة موضع القتال والمراد قتال الكفار من مشرك وباغ على الإمام طالب لإخماد الكلمة وذهاب الدولة فقتيل الفريقين شهيد دنيا وأخرى بخلاف قتيل اللصوص ونحوه فإنه شهيد في الآخرة وأحكامه في الدنيا أحكام سائر الموتى وإن حمل الشهيد من المعركة وفيه رمق حياة ومات من بعد فإنه يغسل لأنه مات في غير المعركة . وفي أثر أصحابنا النفوسيين أن المجروح إذا مات في يومه ذلك لا يغسل ولا يتيمم له قال في الإيضاح وأظن أنهم ألحقوا النساء بالمجروح لأنها مذكورة من أصناف الشهداء في حديث النبي عليه السلام . وروى مالك عن نافع عن عبدالله بن عمر أن عمر بن الخطاب غسل وكفن وصلي عليه وكان شهيداً يرحمه الله وإنما غسل رضي الله عنه لكونه قتيل اللصوص عندنا ولكونه مات في غير موضع القتل عند مالك وبه استدل على أن شهيد المعركة لا يغسل جمعاً بين الدليلين واستثنى في الإيضاح الجنب قال إنه يغسل وإن كان شهيداً واستدل بتغسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر الأنصاري رضي الله عنه وهو من شهداء أحد . (3/359)
صفحة 917
قوله ( فإن دمه يعود مسكاً يوم القيامة ) أي يصير كالمسك في طيب رائحته وأما لونه فلون الدم وهذا تعليل لرفع الغسل عنهم . والحكمة في ذلك بقاء أثر الدم عليهم يوم القيامة ليكون شاهداً لهم ببذل أنفسهم في رضاء ربهم وشاهداً على خصمهم بظلمهم وهذا التعليل يقتضي أن هذه الصفة خاصة بشهيد المعركة وما تقدم في حديث أبي هريرة يقتضي أنها تكون لكل من جرح في سبيل الله فإن جعلنا العلة عامة لزم ترك الغسل لكل شهيد جرح في سبيل الله تعالى ومات بجرحه ذلك ووجب إلغاء المفهوم من قوله المقتول في المعركة وإن قلنا أن الصفة المذكورة خاصة بشهيد المعركة عارضه حديث أبي هريرة المقتضي للتعميم ولا بد من الجمع بين الحديثين على حالة لا يسقط معها المفهوم من التقييد بالمعركة فنقول إن العلة في رفع الغسل مركبة من شيئين أحدهما موت الشهيد في المعركة وهو أمر مشاهد والثاني كون دمه يعود مسكاً يوم القيامة وهو أمر معلوم من الوحي فعود دمه مسكاً جزء العلة لا نفس العلة . ويمكن أن يقال أن العلة كونه قتيل المعركة فقط وأن قوله فإن دمه يعود مسكاً بيان لحكمة ذلك وقد تكون الحكمة عامة لأشياء متعددة لكل واحد منها علة مستقلة والله أعلم .
قوله ( في الشهداء ) أي شهداء أحد وكذلك حكم كل شهيد قتل في المعركة لأن المعنى واحد وإليه أشار ابن عباس بقوله في الشهداء فأتى بلام الجنس المقتضية للتعميم عند من لم يسبق له فيهم علم وهي للعهد الذهني عند من علم ذلك على أنه لو لم ير التعميم لبين الشهداء المخصوصين بذلك وهذا فرض وتقدير وأما المسألة فلا خلاف فيها بين الأمة أن من كان مثل شهداء أحد لا يغسل . (3/360)
صفحة 918
قوله ( زملوهم في ثيابهم ) أي لفوهم فيها من غير غسل فكفن الشهيد ثوبه الذي استشهد فيه ولا يزاد عليه شيء إلا إذا كان ثوبه لا يكفي لكفنه فإنه يزاد عليه حتى يواري جسده ولما قتل مصعب بن عمير رضي الله عنه يوم أحد كان عليه نمرة إن غطي بها رأسه انكشفت رجلاه وإن غطيت بها رجلاه انكشفت رأسه فأمر r أن يغطى رأسه ويجعل على رجليه الأذخر . ومفهوم قوله بثيابهم يخرج غير الثياب من اللباس فلا يزمل في درعه بل ينزع عنه جميع الحديد وكذلك ينزع عنه ما ليس بثوب من اللباس فينزع منه الخاتم والنعلان والخف والقرن والبرنوس ما لم يبن عليه العمامة وتزميلهم بثيابهم كرامة لهم كدفنهم بدمائهم والحكمة في ذلك واحدة والعلم عند الله تعالى .
ما في تمني الغزو في سبيل الله وجواز التخلف لأجل الأصحاب
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله r : لولا أن أشق على أمتي لأحببت أن لا أتخلف عن سرية تخرج في سبيل الله ولكن لا أجد ما أحملكم عليه ولا تجودن ما تحملون عليه ويشق عليكم أن تتخلفوا بعدي .
-----------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم .
وقوله ( لولا أن أشق على أمتي ) المراد بالأمة هنا أصحابه الذين كانوا معه بدليل قوله ولكن لا أجد .. الخ . ويمكن أن يكون المراد مطلق الأمة لأنه إذا تخلف هو عليه الصلاة والسلام عن سرية تخرج في سبيل الله كان حقاً على غيره أن لا يتخلف ويتعين الخروج على كل خليفة بعده فرأى أن التخلف أرفق بأمته ويمكن أنه خاف أن يفرض عليهم ذلك ولا يجدون ما يحملهم فتركه خشية الوجوب كما ترك الجماعة في قيام رمضان وكما ترك الأمر بالسواك عند كل صلاة وكل وضوء . وقيل المراد بالمشقة ما ذكره في حديث الباب وذلك أن نفوسهم لا تطيب بالتخلف ولا يقدرون على التأهب لعجزهم عن آلة السفر من مركوب وغيره وتعذر وجوده عند النبي r . (3/361)
صفحة 919
وفي الحديث فضيلة الغزو وتنمي الخير قيل وفيه أن الجهاد من فروض الكفاية لا من العين . وتعقب بأنه قد يصير عيناً . وفيه ما كان عليه الصلاة والسلام من الشفقة على المسلمين والرأفة بهم وأنه كان يترك بعض ما يختاره للرفق بالمسلمين فإنه إذا تعارضت المصالح يؤثر أهمها .
وفيه جواز التخلف عن الغزو لأجل الرفق بالأصحاب ومثله سائر أنواع الطاعة كطول القيام بالليل وكثرة الصوم بالنهار إذا كان ممن يقتدى به ولا تطيب نفس أصحابه إلا في اتباعه وفيهم من يشق عليه الأتباع فإن ترك بعض ذلك للرفق بهم جاز له لحديث الباب والله أعلم .
الباب السادس عشر في الخيل
ما جاء في المسابقة بالخيل
أبو عبيدة قال بلغني عن رسول الله r أنه سابق بين الخيل التي ضمرت من الحفياء وكان أمدها ثنية الوداع وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني رزيق . وقد بلغني أن عبدالله بن عمر كان ممن سبق بها .
------------------------------
قوله ( في الخيل ) أي في المسابقة بها والحمل عليها في سبيل الله وأجر من ربطها جهاداً في سبيل الله ووزر من ربطها نواء على أهل الإسلام .
والخيل جماعة الأفراس لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط والنفر ، وقيل مفرده خائل قاله أبو عبيدة وهي مؤنثة والجمع خيول وقيل في تصغيرها خييل . وسميت الخيل خيلاً لاختيالها في المشية فهو على هذا اسم للجمع عند سيبويه وجمع عند أبي الحسن والله أعلم .
قوله ( قال بلغني عن رسول الله r ) الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهم عن نافع عن عبدالله بن عمر وحينئذ فمعنى قوله آخر الحديث أن عبدالله بن عمر ممن سبق بها نظير قول الرجل عن نفسه إن العبد فعل كذا .
قوله ( سابق بين الخيل ) أي أمر بالمسابقة بها وكان ذلك في السنة الخامسة من الهجرة بالمدينة . (3/362)
صفحة 920
وقوله ( ضمرت ) بضم الضاد وكسر الميم المشددة مبنياً للمفعول فيجوز فيه أضمرت أيضاً وهو الواقع في رواية الموطأ والضمر من الخيل هي التي علفت حتى سمنت وقويت ثم قلل علفها بقدر القوت وأدخلت بيتاً وغشيت بالجلال حتى حميت وعرقت فإذا جف عرقها خف لحمها وقويت على الجري .
والحفياء بفتح المهملة وسكون الفاء فتحتية ومد مكان خارج المدينة ويجوز القصر وحكى الحازمي تقديم التحتية على الفاء وحكي ضم أوله وخطأه عياض وغيره .
وأمدها بفتح الهمزة والميم غايتها .
وثنية الوداع بالمثلثة وفتح الواو سميت بذلك لأن الخارج من المدينة يمشي معه المودعون إليها قال سفيان : الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة ، وقال موسى بن عقبة بينهما ستة أميال أو سبعة رواهما البخاري قال ابن حجر : وهو اختلاف قريب وسفيان هو الثوري .
وقوله ( لم تضمر ) بضم التاء وفتح الضاد المعجمة الثقيلة . قال بعض الشراح وفي رواية بسكون الضاد وخفة الميم .
وقوله ( من الثنية ) بالمثلثة أس ثنية الوداع فأل فيها للعهد الذكري .
وبني رزيق بضم الزاء ثم راء مفتوحة وسكون التحتية فقاف هو رزيق بن عامر وهم قبيلة من الأنصار وإضافة مسجد إليهم إضافة تمييز لا ملك وبين الثنية ومسجد بني رزيق ميل في قول سفيان الثوري وقال موسى بن عقبة ميل أو نحوه .
قوله ( ممن سبق بها ) أي بالخيل أو بهذه المسابقة ، ولمسلم من رواية أيوب عن نافع عن ابن عمر قال فسبقت الناس فطفف بي الفرس مسجد بني رزيق أي جاوز به المسجد الذي هو الغاية . وأصل التطفيف مجاوزة الحد . وفي رواية مالك وأن عبدالله بن عمر كان فيمن سابق بها . وعند الإسماعيلي قال ابن عمر وكنت فيمن أجرى فوثب بي الفرس جداراً . (3/363)
صفحة 921
وفي الحديث مشروعية المسابقة وأنه ليس من العبث بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والاتنفاع بها عند الحاجة وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك . قال القرطبي : لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب مجاناً وعلى الأقدام وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة لما في ذلك من التدريب على الحرب .
وفيه جواز تضمير الخيل وهو مستحب للخيل المعدة للغزو .
وفيه مشروعية الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة .
وفيه نسبة الآمر إلى الآمر به لأن قوله سابق أي أمر .
وفيه جواز إضافة المسجد إلى قوم مخصوصين وعليه الجمهور خلافاً للنخعي في منعه لقوله ( وأن المساجد لله ) .
وفيه جواز معاملة البهائم عند الحاجة بما يكون تعذيباً لها في غير الحاجة كالإجاعة والإجراء .
وفيه تنزيل الخلق منازلهم لأنه r غاير بن منزلة المضمر وغير المضمر ولو خلطهما لتعب ما لم تضمر والله أعلم .
ما جاء في الفرس يحمل عليها الرجل ثم يجدها تباع
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حمل رجلاً على فرس عتيق في سبيل الله فوجده يباع في السوق فسأل عنه النبي r فقال : لا تبتعه ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالكلب العائد في قيئه .
----------------------------
قوله ( عن أبي سعيد الخدري ) الحديث روى معناه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وهو عندهم من حديث عمر بن الخطاب وابنه عبدالله . (3/364)
صفحة 922
قوله ( حمل ) بفتح الحاء المهملة والميم أي جعله حمولة لرجل مجاهد ليس له حمولة أي تصدق به عليه ووهبه له ليقاتل عليه ، وفي رواية سالم عن أبيه أن عمر تصدق بفرس في سبيل الله وظاهره أنه حمله عليه حمل تمليك ليغزو عليه ولذا ساغ له بيعه وقيل إن عمر وقفه وإنما ساغ للرجل بيعه لأنه حصل فيه هزال عجز لأجله عن اللحاق بالخيل وضعف عن ذلك وانتهى إلى عدم الانتفاع به وهي دعوى لم يقم عليها دليل وسياق الحديث يخالفه .
واسم الفرس الورد أهداه تميم الداري للنبي r فأعطاه عمر فحمل عليه . أخرجه ابن سعد عن سهل بن سعد .
والرجل المحمول قال ابن حجر لم أقف على اسمه .
والعتيق الكريم السابق والجمع عتاق والعتيق أيضاً الفائق من كل شيء .
وسبيل الله الجهاد .
والمراد بالسوق سوق المدينة .
وقوله ( فسأل عنه ) أي سأل عن حكم شرائه له بعد أن أخرجه لله تعالى وفيه دلالة على أن الفرس كان هبة إذ لو كان وقفاً لم يرد أن يشتريه ولا ساغ بيعه لمن كان في يده .
وقوله ( لا تبتعه ) بالجزم أي لا تشتره .
وقوله ( ولا تعد ) بالجزم أيضاً أي ولا ترجع في صدقتك وفيه دلالة أيضاً على أنه كان تمليكاً إذ لو كان وقفاً لقال في وقفك أو حبسك وسمي الشراء عوداً في الصدقة لأن العادة جرت بالمسامحة من البائع في مثل ذلك للمشتري فأطلق على القدر الذي يسامح به أنه رجوع . (3/365)
صفحة 923
قوله ( فإن العائد في صدقته .. الخ ) تعليل للحكم في النهي عن العود والمعنى أن الرجوع في الصدقة يقبح جداً كما يقبح أن يتقيأ ثم يرجع يأكل قيئه فشبه الراجع في صدقته بأخس الحيوان في أخس أحواله تصويراً للتهجين وتنفيراً منه وبه استدل على حرمة ذلك لأن القيء حرام . وذهب الجمهور من قومنا إلى أنه مكروه فقط قالوا لأن فعل الكلب لا يوصف بالتحريم لعدم تكليفه فالتشبيه عندهم للتمثيل خاصة لأن القيء مما يستقذر . قلنا الغرض من التشبيه المبالغة في خسة الراجع وأنه مثل الكلب في أخس أحواله وذلك مثل السوء لا يضرب إلا لمن كان من أعداء الله ( فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) فالتحريم مستفاد من هذه الحالة . ويلحق بالصدقة ما شابهها من كفارة ونذر وغيرهما من القربات . ويلحق بالشراء الهبة ونحوها مما يتملكه باختياره وأما إذا أورثه فلا كراهة وقال الطبري يخص من عموم هذا الحديث من وهب بشرط الثواب ووالد وهب لولده والهبة التي لم تقبض والتي ردها الميراث إلى الواهب لثبوت الأخبار واستثناء كل ذلك . قال وما عدا ذلك كالغني يهب للفقير ونحوه من يصل رحمه فلا رجوع لهؤلاء قال وما لا رجوع فيه مطلقاً الصدقة يراد بها ثواب الآخرة .
ما جاء أن الخيل لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله r الخيل لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر ، فأما التي هي أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كان له حسنات فلو أنها قطعت طيلها ذلك فاستنت شرفاً أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن تشرب كان له ذلك حسنات فهي له أجر ، ورجل ربطها فخراً ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر .
قال الربيع : أطال لها إذا ربطها في مرج فأطال لها حتى تتمكن من الرعي .
فاستنت أي مرحت تجري . (3/366)
صفحة 924
ولم ينس حق الله أي لم يترك حق الله .
ونواء لأهل الإسلام أي عداوة لأهل الإسلام .
----------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري في غير موضع من صحيحه وذكروا الأصناف الثلاثة الذي هي له أجر والذي هي له ستر والذي هي عليه وزر إلا البخاري في كتاب الجهاد خاصة فإنه رواه كالمصنف بحذف بيان من هي له ستر قال شارحه : إنما حذفه اختصاراً قال وهو كما ثبت في آخر كتاب الشرب رجل ربطها تغنياً وتعففاً ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر قال وسيأتي في علامات النبوة .
قوله ( الخيل لرجل أجر ) أي ثواب في الآخر.
وقوله ( ولرجل ستر ) بكسر المهملة وسكون المثناة الفوقية أي ساتر لفقره ولحاله .
وقوله ( وعلى رجل وزر ) أي إثم ووجه الحصر في الثلاثة أن الذي يقتنيها إما لركوب أو تجارة وكل منهما إما أن يقترن به فعل الطاعة وهو الأول أو معصية وهو الأخير أو لا ولا وهو الثاني وقد فهم بعض الشراح من الحديث الحصر في الثلاثة فقال اتخاذ الخيل لا يخرج عن أن يكون مطلوباً أو مباحاً أو ممنوعاً فدخل في المطلوب الواجب والمندوب وفي الممنوع المكروه والحرام بحسب اختلاف المقاصد . واعترض بأن المباح لم يذكر في الحديث لأن القسم الثاني الذي يتخيل فيه ذلك قيد بقوله ( ولم ينس حق الله فيها ) فيلحق بالمندوب . والسر فيه أنه r غالباً إنما يعتني بذكر ما فيه حض أو منع أما المباح الصرف فيسكت عنه لما علم أن سكوته عنه عفو ، ويمكن أن يقال القسم الثاني هو في الأصل مباح إلا أنه ربما ارتقى إلى الندب بخلاف القسم الأول فإنه من ابتدائه مطلوب .
وقوله ( ربطها في سبيل الله ) أي أعدها للجهاد .
وقوله ( فأطال لها ) أي الحبل الذي ربطها فيه حتى تسرح للرعي .
والمرج بفتح الميم وإسكان الراء وبجيم موضع كلاء وأكثر ما يطلق في الموضع المطمئن .
والمروضة موضع الكلاء أيضاً وأكثر ما تطلق على الموضع المرتفع . (3/367)
صفحة 925
وقوله ( فما أصابت ) أي أكلت وشربت ومشت .
وقوله ( في طيلها ) بكسر الطاء المهملة وفتح التحتية فلام حبلها الذي تربط به ويطول لها لترعى ويقال له طول بالواو المفتوحة أيضاً ولم تأت به رواية هنا كما زعم بعضهم وإنما ورد في حديث أبي هريرة موقوفاً عند البخاري ( أن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات ) .
قوله ( فاستنت ) بمهملة ساكنة وفوقية مفتوحة وتشديد النون أي جرت بنشاط .
وقوله ( شرفاً أو شرفين ) بفتح المعجمة والراء فيهما شوطاً أو شوطين سمي به لأن العادي يشرف على ما يتوجه إليه والرشف العالي من الأرض .
وقوله ( آثارها ) بالمد والمثلثة مواضع الحوافر منها .
وقوله ( وأرواثها ) بالمثلثة جمع روث .
وقوله ( بنهر ) بفتح الهاء وسكونها الماء الجاري من عيون الأرض .
وقوله ( ولم يرد أن تشرب ) أي من ذلك النهر والجملة حالية والمعنى أن يؤجر على ذلك ولو لم يقصده . وفيه أن الإنسان يؤجر على التفاصيل التي تقع في فعل الطاعة إذا قصد أجرها في الجملة وإن لم يقصد تلك الأشياء بعينها ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) . وقيل إنما أجر لأن ذلك وقت لا ينتفع بشربها فيه فيغتم صاحبها بذلك فيؤجر . وقيل إن المراد حيث تشرب من ماء الغير بغير إذنه فيغتم صاحبها فيؤجر وكل ذلك عدول عن القصد .
والقسم الثاني لم يذكر المصنف وهو رجل ربطها تغنياً وتعففاً ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر .
وقوله ( فخراً ) بالنصب للتعليل أي لأجل الفخر وهو التعاظم .
وقوله ( ورياء ) أي مظهراً للطاعة وهو في الباطن على خلاف ذلك . (3/368)
صفحة 926
قوله ( نواء ) بكسر النون والمد أي مناوأة وعداوة . قال الخليل : ناوأت الرجل ناهضته بالعداوة وحكى عياض فتح النون والقصر وحكاه الإسماعيلي عن رواية أبي أويس فإن ثبت فمعناه بعداً . والظاهر أن الواو فيه وفيما قبله بمعنى أو لأن هذه الأشياء قد تنفرد في الأشخاص وكل واحد منها مذموم على حدته .
وفي الحديث بيان فضل الخيل وأنها إنما تكون في نواصيها الخير والبركة إذا اتخذت في طاعة أو مباح وإلا فهي مذمومة والله أعلم .
وقول الربيع أي مرحت تجري معناه انطلقت بنشاط . وقيل في معنى المرح أن ترفع يديها وتطرحهما معا . وقيل معناه أن تلح في عدوها مقبلة ومدبرة .
قوله ( ولم ينس حق الله ) أي ولم يترك حق الله وهذا يدل أن الصنف الساقط من الأصناف الثلاثة إنما سقط من أيدي النساخ أما المصنف فقد رواه بدليل هذا التفسير إذ لا معنى لتفسير شيء لم يذكر في الحديث . والحاصل أن الربيع رحمه الله فسر النسيان بالترك ولم يفسر نفس الحق الثابت في رقابها ولا في ظهورها والحق الثابت في رقابها الإحسان إليها والقيام بعلفها والشفقة عليها في ركوبها وخص رقابها بالذكر لأنها تستعار كثيراً في الحقوق اللازمة كقوله تعالى ( فتحرير رقبة ) . وأما الحق الثابت في ظهورها فهو إطراق فحلها والحمل عليها في سبيل الله وأن لا يحملها ما لا تطيقه ونحو ذلك هذا قول من لا يوجب الزكاة في الخيل وهو قولنا وقول جمهور قومنا . وقيل المراد بالحق الزكاة وهو قول حماد وأبي حنيفة وخالفه صاحباه قال أبو عمر لا أعلم أحداً سبقه إلى ذلك ولا حجة له في الحديث لطروق الاحتمال والله أعلم .
الباب السابع عشر
جامع الغزو في سبيل الله
ما جاء في قتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال قال رسول الله r أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها . (3/369)
صفحة 927
وفي رواية أخرى دماؤكم وأموالكم عليكم حرام .
----------------------------
…قوله ( جامع الغزو في سبيل الله ) أي جامع لأحكام الجهاد والغزو في الأصل مصدر عزا يغزو من باب عدا والاسم الغزاة .
قوله ( عن ابن عباس ) الحديث عند قومنا من رواية أبي هريرة وعبدالله بن عمرو وأنس بن مالك وفي بعضها زيادة على بعض ففي حديث ابي هريرة الاقتصار على قول لا إله إلا الله كما في حديث الباب وفي حديثه من وجه آخر حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وفي حديث ابن عمر زيادة وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وفي حديث أنس فإذا صلوا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا . وجمع بينها بأن الأول قاله في حالة قتاله لأهل الأوثان لا يقرون بالتوحيد ، وأما الثاني فقاله في حالة قتال أهل الكتاب الذين يعترفون بالتوحيد ويجحدون نبوته عموماً أو خصوصاً . وأما الثالث ففيه الإشارة إلى أن من دخل في الإسلام وشهد\ بالتوحيد وبالنبوة ولم يعمل بالطاعات أن حكمهم أن يقاتلوا حتى يذعنوا إلى ذلك . وقيل اقتصر في حديث الباب على قول لا إله إلا الله ولم يذكر الرسالة وهي مراد لأن قول لا إله إلا الله صار علماً على الجمل الثلاث لأن الإنسان لا يخرج من الشرك إلى الإيمان حتى يأتي بالجمل الثلاث ونظيره قولهم قرأت الحمد تريد السورة كلها .
قوله ( أمرت ) أي أمرني الله لأنه لا آمر لرسول الله r إلا الله وقياسه في الصحابي إذا قال أمرت فالمعنى أمرني رسول الله r ولا يحتمل أن يريد أمرني صحابي آخر لأنهم من حيث أنهم مجتهدون لا يحتجون بأمر مجتهد آخر وإذا قاله التابعي احتمل . والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منه أن الآمر له هو ذلك الرئيس .
قوله ( أن أقاتل ) أي بأن أقاتل وحذف الجار مع أن كثير . (3/370)
صفحة 928
قوله ( حتى يقولوا .. الخ ) جعلت غاية المقاتلة وجود ما ذكر فمقتضاه أن من قال ذلك عصم دمه وماله ولو جحد باقي الأحكام . والجواب أن قوله في الحديث إلا بحقها بدخل فيه جميع ذلك فمن جحد شيئاً من الأحكام قوتل بحق لا إله إلا الله وقد استدل بذلك أبو بكر رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة .
قوله ( عصموا ) أي منعوا وأصل العصمة من العصام وهو الخيط الذي يشد به فم القربة ليمنع سيلان الماء . وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر ويؤخذ منه ترك تشريك أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع وقبول توبة الكافر من كفره من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن . وفيه تحريم أموال من أقر بالتوحيد إلا عن طيبة نفس وإليه أشار المصنف بقوله وفي رواية أخرة .. الخ .
فإن قيل مقتضى الحديث قتال كل من امتنع من التوحيد فكيف ترك قتال مؤدي الجزية والمعاهد ؟
فالجواب من أوجه : أحدها دعوى النسخ بأن يكون الإذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخراً عن هذه الأحاديث بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى ( اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) .
ثانيها : أن يكون من العام الذي خص منه البعض فإن المقصود من الأمر حصول المطلوب فإذا تخلف البعض بدليل لم يقدح في العموم .
ثالثها : أن يكون من العام الذي أريد به الخاص فيكون المراد بالناس في قوله ( أقاتل الناس ) المشركين من غير أهل الكتاب ويدل عليه رواية النسائي بلفظ ( أمرت أن أقاتل المشركين ) .
رابعها : أن يكون المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها التعبير عن إعلاء كلمة الله بإذعان المخالفين فيحمل في بعض بالقتل وفي بعض بالجزية وفي بعض بالمعاهدة .
خامسها : أن المراد بالقتال هو أو ما يقوم مقامه من جزية أو غيرها .
سادسها : أن يقال الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام وسبب السبب سبب فكأنه قال حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام والله أعلم . (3/371)
صفحة 929
قوله ( وفي رواية أخرى ) هي عند البخاري وأحمد من رواية أبي بكرة قال خطبنا النبي r يوم النحر فقال : أتدرون أي يوم هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس هذا يوم النحر قلنا بلى قال أي شهر هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليس ذا الحجة ؟ قلنا بلى قال أي بلد هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليست البلدة قلنا بلى قال فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض .
قوله ( دماؤكم وأموالكم عليكم حرام ) هكذا ساقه البخاري في الحج وذكره في كتاب الجهاد بزيادة وأعراضكم وكذا ذكر هذه الزيادة في الحج من حديث ابن عباس ومن حديث ابن عمر وهو على حذف مضاف أي سفك دمائكم وأخذ اموالكم وسلب أعراضكم . والعرض بكسر العين موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان سلفه أو نفسه . فإن قيل ظاهر الحديث تحريم دماء من أقر بالتوحيد وتحريم اموالهم وأنه لا تحل دماؤهم إلا حيث تحل أموالهم وقتال البغاة جائز إجماعاً فما الوجه في ذلك ؟ فالجواب : أن قتال البغاة جائز لقوله تعالى ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) فظاهر الحديث غير مراد لهذه الآية فإنه سبحانه وتعالى قد أحل دماء البغاة حتى يفيئوا إلى أمر الله في هذه الآية وبقيت أموالهم على التحريم لظاهر الحديث وإنما تحرم الدماء والأموال معاً في حق من أسلم ولم يبغ على المسلمين والله أعلم .
ما جاء أن من حمل علينا السلاح فليس منا
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله r : من حمل علينا السلاح فليس منا .
قال الربيع : قال أبو عبيدة يريد من حمله إلى أرض العدو . (3/372)
صفحة 930
--------------------------
قوله ( عن عائشة رضي الله عنها ) الحديث ذكره البخاري من رواية ابن عمر وأبي موسى الأشعري .
قوله ( من حمل علينا السلاح فليس منا ) قال الربيع قال أبو عبيدة يريد حمله إلى أرض العدو . وهو الذي يبيع السلاح على الكفار المحاربين للمسلمين وإنما جعل حاملاً على المسلمين لأنه إذا حمله إلى أرض العدو استعانوا به على المسلمين فلما كان هو السبب في ذلك صح جعله حاملاً للسلاح على المسلمين وهذا تفسير من أبي عبيدة رضي الله عنه لما تقرر معه من أنه المراد بالحديث وكأنه قد اطلع على سببه ففسره به وإذا كان هذا التشديد فيمن أعان العدو ببيع السلاح فما ظنك بمن حمله بنفسه مقاتلاً للمسلمين فهو أشد بعداً عن طريقة محمد r . ومعنى الحديث عند قومنا فيمن حمل السلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حق لما في ذلك من تخويفهم وإدخال الرعب عليهم قالوا وكأنه كنى بالحمل عن المقاتلة أو القتل للملازمة الغالبة وقال ابن دقيق العيد يحتمل أن يريد بالحمل ما يضاد الوضع ويكون كناية عن القتال . ويحتمل أن يراد بالحمل حمله لإرادة القتل به لقرينة قوله ( علينا ) ويحتمل أن يكون المراد حمله للضرب به وعلى كل حال ففيه دلالة على تحريم قتال المسلمين والتشديد فيه . قال ابن حجر ك جاء الحديث بلفظ ( من شهر علينا السلاح ) أخرجه البزار من حديث أبي بكرة ومن حديث سمرة ومن حديث عمرو بن عوف قال وفي سند كل منهما لين لكنها يعضد بعضها بعضا . قال وعند أحمد ( من رمانا بالنبل فليس منا ) وهو عند الطبراني في الأوسط بلفظ الليل بدل النبل . قال وعند البزار من حديث بريدة مثله . قلت وهذا كله لا يرد تأويل أبي عبيدة فإنه إنما فسر حديث الباب بما علم من سببه وذلك لا ينافي تحريم سل السلاح وإشهاره على المسلمين وكذلك لا ينافي رميهم بالنبل بل يؤكد ذلك ويقويه وفيه زيادة حكم وهو تحريم حمل السلاح إلى بلاد العدو . (3/373)
صفحة 931
وقوله ( فليس منا ) أي ليس على طريقتنا أو ليس متبعاً لطريقتنا لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه لا أن يعين عليه عدوه أو يخوفه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله أو قتله ونظيره ( من غشنا فليس منا ) ( وليس منا من ضرب الخود وشق الجيوب ) وهذه كلها عبارات عن البراءة من فاعل ذلك وضده في الولاية قوله تعالى ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) . والوعيد المذكور في الحديث لا يتناول من قاتل البغاة أهل الحق لأنهم مأمورون بقتالهم وأيضاً فليس البغاة منا حتى يحمل الوعيد في الحديث عليهم وعلى من كان مثلهم والله أعلم .
ما جاء في الغدوة والروحة في سبيل الله
الربيع عن أبي أيوب الأنصاري قال : سمعت رسول الله r يقول : غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس .
----------------------------
قوله ( عن أبي أيوب الأنصاري ) الحديث رواه أحمد ومسلم والنسائي وللبخاري مثله من حديث ابي هريرة .
قوله ( غدوة في سبيل الله ) أي الجهاد والغدوة بالفتح المرة الواحدة من الغدو وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه . والروحة المرة الواحدة من الرواح وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها . (3/374)
صفحة 932
قوله ( خير مما طلعت عليه الشمس ) زاد في رواية قومنا ( وغربت ) وفي حديث انس عند الشيخين وأحمد ( خير من الدنيا وما فيها ) والمعنى واحد لأن الدنيا اسم لما تحت السماء وفوق الأرض من العوالم وذلك هو الذي تطلع عليه الشمس . ومعنى تفضيل الغدوة أو الروحة على الدنيا وما فيها يحتمل وجهين ذكرهما ابن دقيق العيد أحدهما : أن يكون من باب تنزيل الغائب منزلة المحسوس تحقيقاً له في النفس لكون الدنيا محسوسة في النفس مستعظمة في الطباع ولذلك وقعت المفاضلة بها وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا لا يساوي ذرة مما في الجنة . والثاني أن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها لأنفقها في طاعة الله تعالى ويؤيد هذا الثاني ما رواه ابن المبارك في كتاب الجهاد من مرسل الحسن قال بعث رسول الله r جيشاً فقال له النبي صلى الله عليه وسلّ/ والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم . والحاصل أن المراد تحقير أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد وأن من حصل له في الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له جميع ما في الدنيا فكيف لمن حصل منها أعلى الدرجات . والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا فاقتضى الحال تحقيرها في عيونهم والله أعلم .
ما جاء أن من قتل قتيلاً كان له سلبه (3/375)
صفحة 933
أبو عبيدة قال بلغني عن أبي قتادة قال خرجنا مع رسول الله r عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين قال فاستدرت له حتى أتيته من خلفه وضربته بالسيف على حبل عاتقه حتى قطعت الدرع قال فأقبل عليّ وضمني فوجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني ثم مضيت فسمعت رسول الله r يقول من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه قال فقمت فقلت من يشهد لي فجلست ثم قال رسول الله r أيضاً فقلت من يشهد لي ثم قال الثالثة فقمت فقال رسول الله r مالك يا أبا قتادة فقصصت عليه القصة فقال رجل من القوم صدق يا رسول الله وسلبه عنه فأرضه منه فقال ابو بكر الصديق لا والله لا يعمد إلى أسد من أسود الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه قال رسول الله r فأعطه إياه قال أبو قتادة فأعطانيه فبعت الدرع وابتعت منها مخرفاً في بني سلمة وإنه لأول مال تأثلته في الإسلام .
قال الربيع : المخرف بستان من نخل ، وتأثلته اكتسبته .
--------------------------
قوله ( بلغني عن أبي قتادة ) الحديث رواه أيضاً الشيخان وأحمد ومالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمد مولى قتادة عن أبي قتادة وهو عند الشيخين من طريق مالك وغيره . واسم أبي قتادة الحارث بن ربعي بن بلدمة بن خناس بن عبيد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد الأنصاري الخرجي السلمي فارس رسول الله r وقيل اسمه النعمان ، وأمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة ، اختلف في شهوده بدراً فقال بعضهم كان بدرياً ولم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين ، وشهد أحداً وما بعدها من المشاهد كلها ، وتوفي سنة أربع وخمسين في المدينة في قول وقيل توفي بالكوفة في خلافة علي وصلى عليه علي فكبر سبعاً ، وروى الشعبي أن علياً كبر عليه ستاً قال وكان بدرياً وقال الحسن بن عثمان توفي سنة أربعين . (3/376)
صفحة 934
قوله ( عام حنين ) بمهملة ونون واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال وكان الخروج إليه سنة ثمان عقب فتح مكة .
قوله ( جولة ) بفتح الجيم وسكون الواو أي حركة فيها اختلاط وتقدم وتأخر وعبر بذلك احترازاً عن لفظ الهزيمة ولم تكن هذه الجولة في الجيش كله بل ثبت النبي r وطائفة معه أكثر ما قيل فيهم مائة وقد نقل الإجماع على أ،ه لا يجوز عليه r الانهزام ولم يرو قط أنه انهزم في موطن بل الأحاديث الصحيحة جاءت بإقدامه وثباته في جميع المواطن لا سيما يوم حنين فإنه جعل يركض بغلته نحو الكفار ويقول :
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
ثم نزل عن البغلة واستنصر ثم قبض قبضة من تراب ثم استقبل به وجوههم فقال شاهت الوجوه فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة فولوا منهزمين ثم تراجع إليه من ولي من المسلمين .
قوله ( فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين ) أي ظهر عليه وأشرف على قتله وصرعه وجلس عليه ليقتله . قال ابن حجر لم أقف على اسمهما .
وقال ابن الأثير الذي قتله ابو قتادة هو مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذيفة بن بدر بن حذيفة الفزاري قال ومن ولده عبدالله وعبد الرحمن ابنا مسعدة ولي عبدالله الصائفة لمعاوية وولي عبد الرحمن الصائفة لعبد الملك بن مروان .
قوله ( فاستدرت له ) من الاستدارة وقال بعض الشراح ويروى ( فاستدبرت ) من الاستدبار .
قوله ( على حبل عاتقه ) بفتح المهملة وسكون الموحدة عرق او عصب عند موضع الرداء من العاتق بين العنق والمنكب .
وقوله ( حتى قطعت الدرع ) بكسر المهملة الأولى وسكون الثانية لباس الحرب والمعنى أنه ضربه بالسيف على حبل عاتقه فقطع درعه وخلصت الضربة إلى حبل عاتقه فقطعته وقطعت يده وقد جاء في رواية الليث عند البخاري أنه قطع يده وذلك هو الذي برده عن معانقة أبي قتادة بعدما وجد ريح الموت . (3/377)
صفحة 935
قوله ( فوجدت منها ريح الموت ) أي شدة كشدته ويحتمل أن المعنى قاربت الموت وفيه إشعار بأن هذا المشرك كان شديد القوة جداً .
وقوله ( فأرسلني ) أي أطلقني .
قوله ( ثم مضيت ) وفي رواية الليث عند البخاري ثم قتلته وانهزم المسلمون فانهزمت معهم فإذا بعمر بن الخطاب ، وفي رواية مالك ثم أدركه الموت فأرسلني ثم لقيت عمر بن الخطاب فقلت ما بال الناس فقال أمر الله ثم إن الناس رجعوا فقال رسول الله r من قتل قتيلاً له عليه بينه فله سلبه .
قوله ( عليه بينة ) أي أنه هو الذي قتله والمراد بالبينة ما يحصل به البيان وتزول به التهمة أي شيء كان من البيانات المقالية والشواهد الحالية ولا ينحصر ذلك في الشهدين . ونقل ابن عطية عن أكثر الفقهاء أن البينة هنا شاهد واحد يكتفى به واتفق الجمهور على انه لا يقبل قول مدعيه بلا بينة تشهد له انه قتله لمفهوم حديث الباب . وقال الأوزاعي يقبل بلا بينة تشهد له لأنه r أعطاه لأبي قتادة بلا بينة . وتعقب بأن في مغازي الواقدي أن أوس بن خولي شهد له . قلت وعلى تقدير أن ذلك لم يصح فقد أقر لأبي قتادة بالسلب للرجل الذي في يده السلب وهو كاف في البيان . (3/378)
صفحة 936
قوله ( فله سلبه ) بفتح المهملة واللام وموحدة ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره عند الجمهور . وقيل لا تدخل في السلب الدابة . وقيل يختص بأداة الحرب ثم اختلف الناس في بقاء هذا الحكم مستمراً فقال الجمهور من الناس أن القاتل يستحق السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلاً فله سلبه أم لا أخذاً بظاهر حديث الباب وهو عندي الصواب إذ لم يثبت ما ينسخه وآية الخمس نزلت قبل ذلك بنحو ست سنين وهي عامة في الغنائم والحديث خاص بالسبب فلا يمكن إلغاء الخاص مع ثبوته وقال قوم لا يستحقه القاتل إلا إن شرط له الإمام ذلك . وقيل الخيار في ذلك إلى الإمام فإن شاء أعطاه القاتل وإن شاء خمسه . وقيل إذا كثرت الأسلاب خمست . وقال قوم بخمس مطلقاً واحتجوا بقوله تعالى ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ) الآية . قلت نزلت يوم بدر وحديث الباب يوم حنين وأيضاً فهي عامة وحديث الباب خاص والله أعلم .
قوله ( ثم قال في الثالثة ) أي المرة الثالثة أي قال تلك المقالة المرة الثالثة .
وقوله ( فقمت ) أي استشرف من يشهد لي فنكره r وسأله عن حاله فأخبره .
قوله ( فقال رجل من القوم ) ذكر الواقدي أن اسمه أسود بن خزاعي يعني حليف بني سلمة وهو من الأنصار . وتعقب بأن في الرواية الصحيحة أن الذي أخذ السلب قرشي .
قوله ( فأرضه منه ) بهمزة قطع وكسر الهاء أي أعطه عنه ما يرضيه . (3/379)
صفحة 937
قوله ( فقال أبو بكر الصديق .. الخ ) قال بعض أهل العلم لو يكن من فضيلة الصديق إلا هذا فإنه لثاقب علمه وشدة صرامته وقوة إنصافه وصحة توفيقه وصدق تحقيقه بادر إلى القول الحق فزجروا فتى وأمضى وأخبر في الشريعة عند النبي r بحضرته وبين يديه بما صدقته فيه وأجراه على قوله وهذا من خصائصه الكبرى إلى ما لا يحصى من فضائله الأخرى ، ووقع في حديث أنس عند أحمد أن الذي قال ذلك عمر والراجح أن قائل ذلك أبو بكر كما رواه أبو قتادة وهو صاحب القصة فهو أتقن لما وقع فيها من غيره ويحتمل الجمع بأن يكون عمر أيضاً قال ذلك تقوية لقول أبي بكر .
قوله ( لا والله ) وفي رواية قومنا ( لا ها لله ) وفيها الاستثناء عن واو القسم بحرف التنبيه ولم يسمع إلا مع الله فلا يقال لا ها الرحمن كما سمع والرحمن .
قوله ( لا يعمد ) بالتحتية وبكسر الميم أي لا يقصد النبي r .
وقوله ( إلى أسد ) بفتحتين أي رجل كأنه أسد في الشجاعة .
وقوله ( من أسود الله ) أي من الأسود المضافين إلى الحق تعالى لبذل أنفسهم في رضاه والإضافة للتشريف .
وقوله ( يقاتل عن الله ورسوله ) أي يذب عن دين الله إعلاء لكلمة الله ناصراً لأولياء الله أو المعنى يقاتل لنصر دين الله وشريعة رسوله لتكون كلمة الله هي العلياء أو المعنى أن قتاله صدر عن رضى الله ورسوله أي بسببهما كقوله تعالى ( وما فعلته عن أمري ) .
وقوله ( فيعطيك سلبه ) أي سلب قتيله الذي قتله بغير طيب نفسه وأضاف السلب إليه باعتبار أنه ملكه .
وقوله ( فأعطه ) بهمزة قطع أمر للذي اعترف بأن السلب عنده .
قوله ( فبعت الدرع ) بكسر الدال وراء وعين مهملتين لبوس الحرب ذكر الواقدي أن الذي اشتراه منه حاطب بن أبي بلتعة بسبع أواق فضة . (3/380)
صفحة 938
وقوله ( وابتعت منه ) أي اشتريت من قيمته مخرفاً وفي رواية قومنا ( فاشتريت به مخرفاً ) وعليها فمن في رواية المصنف بمعنى بدل أي وابتعت بدله مخرفاً . والمخرف بفتح الميم والراء ويجوز كسر الراء البستان سمي به لأنه يخترف منه الثمر أي يجتنى . وقيل المرخف السكة من النخيل يكون صفين يخترف من أيهما شاء . وقيل هي الجنينة الصغيرة . وقيل نخلات يسيرة . وأما المخرف بكسر الميم فهو اسم الآلة التي يخترف بها .
وقوله ( في بني سلمة ) بكسر اللام بطن من الأنصار وهم قوم أبي قتادة .
وقوله ( تأثلته ) بفوقية فألف فمثلثة أي اقتنيته وتأصلته وأثلة كل شيء أصله . وقال الربيع : تأثلته اكتسبته وهو تفسير بالمعنى اللازم والله أعلم .
ما جاء في وقت الإغارة
أبو عبيدة قال سمعت عن أنس بن مالك قال خرج رسول الله r إلى خيبر فأتاها ليلاً وكان إذا أتى قوماً ليلاً لم يغر حتى يصبح فأصبح فخرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوه قالوا محمد والله والخميس فقال رسول الله r الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين .
-----------------------
قوله ( سمعت عن أنس بن مالك ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهم بطرق متعددة وسند مالك فيه عن حميد الطويل عن أنس بن مالك .
قوله ( إلى خيبر ) بوزن جعفر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة من جهة الشام . قال أبو عبيدة البكري سميت باسم رجل من العماليق نزلها . قال ابن إسحاق خرج إليها النبي r في بقية المحرم سنة سبع فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر .
…قوله ( فأتاها ليلاً ) أي قرب منها ، وذكر ابن إسحاق أنه نزل بواد يقال له الرجيع بينهم وبين غطفان لئلا يمدوهم وكانوا حلفاءهم قال فبلغني أن غطفان تجهزوا فقصدوا خيبراً فسمعوا حساً فظنوا أن المسلمين خلفوهم في ذراريهم فرجعوا وأقاموا وخذلوا أهل خيبر . (3/381)
صفحة 939
قوله ( وكان إذا أتى قوماً ليلاً .. الخ ) فيه دليل أن هذا الحال كان قد اتخذه عليه الصلاة والسلام عادة فيستفاد منه استحباب الإغارة وقت الصباح وهي عادة العرب في جاهليتهم وإسلامهم وقد أقرها الشارع فصارت سنة مشروعة وطريقة مسلوكة وفيه البركة للغازي من هذه الأمة .
قوله ( لم يغر ) بضم الياء وكسر الغين المعجمة من أغار وفي لفظ عند قومنا ( لا يغير عليهم ) ولبعض الرواة عندهم ( لم يقربهم ) بفتح الياء وسكون القاف وفتح الراء وسكون الموحدة وصحح الأول.
…قوله ( حتى يصبح ) بضم الياء أي حتى يدخل في الصباح ويطلع عليه الفجر وفي رواية عند البخاري ( كأن إذا غزا قوماً لم يغر بنا حتى يصبح وينظر فإذا سمع أذاناً كف عنهم وإلا أغار قال فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلاً فلما أصبح ولم يسمع أذاناً ركب فخرجت يهود .. الخ ) .
…قوله ( فأصبح ) أي من تلك الليلة وأغار عليهم .
…وقوله ( فخرجت يهود ) وزاد احمد ( إلى زرعهم ) وذكر الواقدي أنهم سمعوا بقصده r إليهم وكانوا يخرجون كل يوم متسلحين مستعدين فلا يرون أحداً حتى إذا كانت الليلة التي قدم فيها المسلمون ناموا فلم تتحرك لهم دابة ولم يصح لهم ديك .
…وقوله ( بمساحيهم ) بمهملتين مخففاً جمع مسحاة بكسر الميم آلة من حديد . قال ابن حجر هي من آلآت الحرب . وقال المحشي المتعارف الآن أنها من آلات الحفر . قلت تصلح للجميع ولا غنى للحراثين عنها .
والمكاتل بفوقية جمع مكتل بكسر الميم القفة الكبيرة يحول فيها الرتاب وغيره .
قوله ( فلما رأوه ) أي رأوا النبي r مقبلاً بأصحابه .
وقوله ( محمد والله والخميس ) أي هذا محمد والخميس الجيش سمي بذلك لأنه خمسة أقسام ميمنة وميسرة ومقدمة وقلب وجناحان وضبطه عياض وغيره بالرفع عطفاً على محمد والنصب مفعولاً معه وفي بعض الروايات فلجؤوا إلى الحصن وتحصنوا به . (3/382)
صفحة 940
قوله ( الله أكبر ) كبر r حين أنجز الله له وعده زاد في رواية للبخاري ثلاثاً ، وفي أخرى ( فرفع يديه وقال الله أكبر ) .
وقوله ( خربت خيبر ) أي صارت خراباً قال ذلك قيل تفاؤلاً بخرابها لما رآه في أيديهم من آلات الخراب من المساحي والمكاتل ، وقيل أخذه من اسمها وصحح بعضهم أن الله أعلمه بخرابها ، وقال السهيلي يؤخذ منه التفاؤل لأنه r لما رأى آلة الهدم مع أن لفظ المسحاة من سحوت إذا قشرت أخذ منه أن مدينتهم ستخرب .
وقوله ( بساحة قوم ) أي بفنائهم وقريتهم وحصونهم وأصل الساحة الفضاء بين المنازل .
قوله ( فساء صباح المنذرين ) أي بئس الصباح صباح من أنذر بالعذاب . وفيه جواز التمثل والاستشهاد بالقرآن والاقتباس قاله غير واحد من الشراح وقال بعضهم : لا أعلم خلافاً في جوازه في النثر في غير المجون والخلاعة وهزل الفساق وشربة الخمر . قال : وألّف في جواز ذلك قديماً أبو عبيد القاسم بن سلاك كتاباً جمع ماو قع للصحابة والتابعين من ذلك بالأسانيد المتصلة إليهم .
وفيه أيضاً استحباب التكبير عند الحرب وتثليثه وقد قال تعالى ( إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ) والله أعلم .
ما جاء أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وأنها لم تكن لرسول الله r
الربيع عن عبادة بن الصامت قال صلى بنا رسول الله r ومر بنا بعير من المغنم فلما انصرف تناول قرادة من دبر البعير فقال ما يحل لي من غنائمكم ما يزن هذه إلا الخمس وهو مردود فيكم .
وغزوة ذات السلاسل مذكورة في باب التيمم .
وغزوة ذي نمار مذكورة في باب الثياب .……
وغزوة أبي عبيدة بن الجراح مذكورة في باب الطعام .
----------------------------
قوله ( عن عبادة بن الصامت ) الحديث رواه أيضاً احمد في المسند والنسائي وابن ماجة لكن في بعض ألفاظه مخالفة لرواية المصنف قال المنذري وروي أيضاً من حديث جبير بن مطعم والعرباض بن سارية . (3/383)
صفحة 941
قوله ( صلى بنا ) لم أجد تعيين هذه الصلاة والقضية إنما كانت في غزوة حنين لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في قصة هوازن أن النبي r دنا من بعير فأخذ وبرة من سنامه ثم قال يا أيها الناس إنه ليس لي من هذا الفيء شيء ولا هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط والمخيط . رواه أحمد وأبو داود والنسائي ولم يذكر أبو داود الخيط والمخيط ورواه مالك مرسلا .
وقوله ( مر بنا بعير من المغنم ) أي من الغنيمة وفي رواية قومنا ( صلى بهم في غزوتهم إلى بعير من المقسم فلما سلّم قام إلى البعير من المقسم فتناول وبرة بين أنمليته فقال إن هذا من غنائمكم وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم .
قوله ( فلما انصرف ) أي سلّم من صلاته .
والقرادة بضم القاف واحدة القردان كغربان والذكر قراد كغراب وهو ما يتعلق بالبعير ونحوه وهو للبهائم كالقمل للإنسان وإنما مثل بها لحقارتها وأنها لا تزن شيئاً في نفوس القوم فالتمثيل بها مبالغة فائدتها التنفير عن التناول من الغنائم قبل القسمة والتبيين للناس أنه r كغيره من الناس لا يحل له من المغنم إلا ما يحل لغيره إلا الخمس فإنه يقسمه باجتهاده .
…قوله ( إلا الخمس ) إنما استثناه لأنه خارج عن حكم الأربعة الأخماس التي تكون شركة بين الجيش فإنه لمن ذكر الله تعالى في كتابه بقوله ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فان لله خمسه ) الآية . (3/384)
صفحة 942
…قوله ( فهو مردود فيكم ) أي غالب الخمس مردود فيكم فإنه r يقسمه على حسب ما فصله الله تعالى ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل . وروى الطبراني في الأوسط وابن مردويه في التفسير من حديث ابن عباس قال كان رسول الله r إذا بعث سرية قسم خمس الغنيمة فضرب ذلك الخمس في خمسة ثم قرأ ( واعلموا أنما غنمتم من شيء ) الآية . فجعل سهم الله وسهم رسوله واحداً وسهم ذوي القربى هو والذي قبله في الخيل والسلاح وجعل سهم اليتامى وسهم المساكين وسهم ابن السبيل لا يعطيه غيرهم .
وفي الحديث دليل على أنه ليس لرسول الله r من غير الخمس شيء إلا نصيبه مع الجيش . وأخرج أبو داود عن الشعبي وابن سيرين وقتادة أنهم قالوا كان لرسول الله r سهم يدعى الصفي . وأخرج أحمد والترمذي وقال حسن غريب عن ابن عباس أن النبي r تنفل سيفه ذي الفقار يوم بدر وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد . وأخرج أبو داود عن عائشة قالت كانت صفية من الصفي وبهذا ونحوه احتج من قال بثبوت الصفي في المغنم وهي لا تقاوم بحديث الباب لقوة طرقه على أنه قد قيل أن الغنائم كانت يوم بدر له خاصة فنسخ بالتخميس فأخذه لذي الفقار كان قبل النسخ . وأما صفية بنت حيي بن اخطب فهي من غنائم خيبر ولم يقسم النبي r للغانمين منها إلا البعض فكان حكمها حكم ذلك البعض الذي لم يقسم ومعناه أن النبي r أعطى من خيبر ناساً قدموا بعد فتحها فكان ذلك في حكم المستثنى من قاعدة الغنائم على أنه قد روي أنها وقعت في سهم دحية بن خليفة الكلبي فاشتراها منه r بسبعة أرؤس والله أعلم .
قوله ( وغزوة ذات السلاسل مذكورة في باب التيمم ) في باب الزجر عن غسل المريض والإشارة إلى حديث ابن عباس في خروج عمرو بن العاص أكيراً في غزوة ذات السلاسل وقد تقدم شرحها هنالك . (3/385)
صفحة 943
وقوله ( وغزوة ذات أنمار في باب الثياب ) والصلاة فيها وذلك في آخر كتاب الصلاة أمام باب صلاة الجمعة والإشارة إلى حديث جابر بن عبدالله في غزوة ذي أنمار .
وقوله ( غزوة أبي عبيدة بن الجراح مذكورة في باب الطعام ) أي في باب أدب الطعام والشراب والإشارة إلى حديث جابر بن عبدالله في غزوة سيف البحر وإنما ذكرها في ذلك الباب للاستدلال بها على أكل ما ألقاه البحر من صيده وإن كان ميتاً وقد تقدم تفسير ذلك كله والله أعلم .
ما جاء الغلول
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال خرجنا مع رسول الله r عام خيبر ولم نغنم ذهباً ولا فضة إلا الموال والمتاع فأهدى رجل من بني الضبيب يقال له رفاعة بن زيد إلى رسول الله r غلاماً أسود بقال له مدعم فوجه رسول الله r إلى وادي القرى حتى إذا كنا بها بينما مدعم يحط رحال رسول الله r إذ جاء سهم غرب فأصابه فقتله فقال الناس هنيئاً له الجنة فقال النبي r لا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها من المغانم يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بشراك أو شركين فقال له رسول الله r شراك أو شراكان من النار .
----------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والشيخان وأحمد . (3/386)
صفحة 944
قوله ( خرجنا مع رسول الله r عام خيبر ) هكذا رواه جابر بن زيد هاهنا ومالك في الموطأ عن ثور بن زيد الدئلي عن أبي الغيث سالم مولى ابن مطيع عن أبي هريرة وكذلك رواه البخاري أيضاً في المغازي من طريق مالك بنحوه وهذا يدل على أن أبا هريرة شهد فتح خيبر كما ذكر ابن الأثير في أسد الغابة قال أسلم أبو هريرة عام خيبر وشهدها مع رسول الله r ثم لزمه . وقيل إن أبا هريرة لم يخرج مع النبي r إلى خيبر وإنما قدم بعد خروجهم وقدم عليهم خيبر بعد أن فتحت ، وقد روى أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة قال قدمت المدينة والنبي r بخيبر وقد استخلف سباع بن عرفط . الحديث . وفيه فزودنا شيئاً حتى أتينا خيبر وقد افتتحها النبي r فكلم المسلمين فأشركونا في سهامهم والأول أصح لحديث الباب والأحاديث المخالفة له لا تقاومه في الصحة . (3/387)
صفحة 945
قوله ( ولم نغنم ذهباً ولا فضة إلا الأموال والمتاع ) وفي رواية الموطأ ( إلا الأموال الثياب والمتاع ) ، وفي أخرى ( إلا الأموال والثياب والمتاع ) بحرف العطف ورواية البخاري ( افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهباً ولا فضة إنما غنمنا الإبل والبقر والمتاع والحوائط ) ، وفي الحديث أن بعض العرب وهي دوس لا تسمي العين مالاً وإنما الأموال عندهم الثياب والمتاع والعروض وعند غيرهم المال الصامت من الذهب والورق وقال ابن حجر مقتضاه أن الثياب والمتاع لا يسمى مالاً وقد نقل ثعلب عن أبي الأعرابي عن المفضل الضبي قال المال عند العرب الصامت والناطق فالصامت الذهب والفضة والجوهر والناطق البعير والبقر والشاء فاذا قلت عن حضري كثر ماله فالمراد الصامت وإذا قلت عن بدوي كثر ماله فالمراد الناطق والذي يظهر أن المال ماله قيمة لكن قد يغلب على قوم تخصيصه بشيء كما حكاه المفضل وقد أطلق ابو قتادة على البستان مالاً كما مر من قوله ( فابتعت منها مخرفا في بني سلمة وإنه لأول مال تاثلته في الإسلام ) فتحمل الأموال على المواشي والحوائط والأمتعة التي ذكرها في الحديث ولا يراد بها النقود لأنه نفاها أولاً . (3/388)
صفحة 946
قوله ( من بني الضبيب ) بضم المعجمة وفتح الموحدة وإسكان التحتية هكذا وقد هاهنا وعند مسلم أيضاً وفي رواية محمد بن إسحاق رفاعة بن زيد الجذامي ثم الضبني بضم المعجمة وفتح الموحدة بعدها نون وقيل بفتح المعجمة وكسر الموحدة نسبة إلى بطن من جذام . وقال ابن الأثير رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي ثم الضبيبي من بني الضبيب قال هكذا يقوله بعض أهل الحديث وأما أهل النسب فيقولون الضبيبي من بني ضبيبة بن جذام قدم على النبي r في هدنة الحديبية قبل خيبر في جماعة من قومه فأسلموا وعقد له رسول الله r على قومه وأهدى لرسول الله غلاماً أسود اسمه مدعم المقتول بخيبر كذا ذكر ابن الأثير ولعل مراده المقتول في غزوة خيبر نظراً إلى أن وادي القرى من توابعها لأنه لم ستقل بغزوة من المدينة .
وقوله ( يقال له مدعم ) بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين مهملتين هو العبد الأسود الذي أهداه رفاعة بن زيد الجذامي لرسول الله r فأعته رسول الله r وقيل لم يعتقه .
قوله ( فوجه ) بفتح الواو أي قصد وقيل بضمها مبنياً للمفعول والمعنى أن الله وجهه .
قوله ( وادي القرى ) بضم القاف وفتح الراء مقصور موضع بقرب المدينة فيه اليهود .
وقوله ( حتى إذا كنا بها ) أي بوادي القرى .
قوله ( بينما مدعم يحط رحال رسول الله r ) وفي رواية الموطأ ( يحط رحل رسول الله r ) ، وزاد البيهقي ( وقد استقبلتنا يهود بالرمي ولم نكن على تعبية ) .
وقوله ( سهم غرب ) بفتح المعجمة وسكون المهملة وبفتحها أيضاً يجوز مع كل واحد أن يكون صفة لسهم ومضافاً غليه أي لا يدرى من رمى به .
والشملة بفتح الشين المعجمة وسكون الميم كساء يشتمل به ويلتف فيه وقيل إنما تسمى شملة إذا كان لها هدب .
وقوله ( لم تصبها المقاسم ) أي لم يؤخذ منها أقسام المسلمين . (3/389)
صفحة 947
وقوله ( لتشتعل ) بزنة تفتعل مبنياً للفاعل وقيل بالبناء للمجهول . واشتعالها عليه ناراً يحتمل أن يكون حقيقة بان تصير الشملة نفسها ناراً فيعذب بها وهو المتبادر ، ويحتمل أن المراد أنها سبب لعذاب النار وكذا يقال في الشراك الآتي .
قوله ( جاء رجل ) قال ابن حجر لم أقف على اسمه .
والشراك بكسر الشين المعجمة وخفة الراء سير النعل على ظهر القدم .
وقوله ( أو شراكين ) شك من الراوي وهو أبو هريرة .
وقوله ( شراك أو شراكان من النار ) بصيغة الشك من الراوي أيضاً ومعناه يكون ذلك ناراً يعذب بها أو أنه سبب لعذابه بالنار كما تقدم في الشملة .
وفي الحديث تهويل شأن الغلول وإن قل وأنه ليس كل مقتول في الجهاد شهيداً بل الشهيد المقتول الذي لم يصر على معصية .
وفيه التمسك بحكم الظاهر حتى ينكشف غيره .
وفيه حجة على المخالفين في قولهم أن صاحب الكبيرة لا يقطع بتعذيبه .
وفيه قبول الإمام للهدية من رعيته ، والله أعلم .
كتاب الجنائز
الباب الثامن عشر في الكفن والغسل
ما جاء في استحباب البياض للباس الأحياء وتكفين الأموات وأنه لا يجوز في الكف للميت إلا ما يجوز ان يلبسه في حياته
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال قال رسول الله r : عليكم بهذه الثياب البيض البسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم فغنها خير ثيابكم ولا تكفنوهم في حرير ولا مع شيء من الذهب لأنها محرمان على رجال أمتي ومحللان لنسائها .
------------------------------- (3/390)
صفحة 948
بفتح الجيم جمع جنازة بالفتح والكسر لغتان قال ابن قتيبة وجماعة الكسر أفصح وقيل بالكسر للنعش وبالفتح للميت قالوا لا يقال نعش إلا إذا كان عليه الميت وأورد المرتب رحمه الله هذا الكتاب عقب كتاب الجهاد إما نظراً منه إلى اتحادهما في الحكم بحيث يكون حكم الكل عنده فرض كفاية أو لمناسبة معنوية وهي ان الجهاد يفضي إلى ذهاب النفوس ومفارقة الحياة فيحتاج بعد الكلام فيه إلى بيان حكم ما يصدر عنه في المقتولين كما بين في آخر أبوابه أحكام الغنائم الحاصلة من أموال المشركين بسبب الجهاد ولعل هذا الوجه أظهر في المناسبة ويمكن ملاحظة المعنيين والله أعلم .
قوله ( الكفن والغسل ) الكفن ثوب الميت الذي يدفن فيه ، والغسل تطهيره بعد موته وكان الواجب تقديم الغسل على الكفن في الذكر والوضع كما ا،ه مقدم في الفعل من جهة الشرع .
قوله ( عن ابن عباس ) الحديث في لباس البياض للأحياء والأموات رواه أيضاً عن ابن عباس والشافعي وأحمد وأصحاب السنن إلا النسائي بلفظ ( ألبسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم ) ، وأخرجه ابن حبان والحاكم والبيهقي بمعناه وفي لفظ للحاكم ( خير ثيابكم البياض فألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم ) . وفي الباب أيضاً عن سمرة بن جندب عند أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة وصححه الترمذي وقال ابن حجر إسناده صحيح وصحح حديث ابن عباس ابن القطان والترمذي وابن حبان .
قوله ( عليكم ) حث وإغراء والمعنى ألزموها في الحالتين . (3/391)
صفحة 949
وقوله ( بهذه ) إشارة إلى أصناف البياض من الثياب الموجودة في ذلك الزمان من الصوف أو القطن أو الكتان . وذكر في الإيضاح أن ثياب الكتان الطاهرة الجديدة أولى واستدل بحديث الباب قاله المحشي وكأنه رحمه الله صح عنده الإشارة إلى ثياب كتان طاهرة جديدة أو لأن الأصل في الثياب أن تكون من الكتان أو لأن الأصل في الأشياء الطهارة وكونها جديدة ولفظ الحديث إنما يدل على البياض فقط والله أعلم . قلت وجه استدلال صاحب الإيضاح ما فهمه من الحث على البياض وأن الكتان من أعلى أصنافه وتحسين الكفن مطلوب شرعاًَ وما أحسن استدلال الشيخ إسماعيل في قواعده بالحديث على عموم الجنس على أن الإشارة ليست لحاضر يرى وإنما هي لشيء يعهد في الأذهان .
وقوله ( فإنها خير ثيابكم ) تعليل للأمر بلبسها والتكفين فيها . وفي حديث أبي الدرداء عند ابن ماجة ( أحسن ما زرتم الله به في قبوركم ومساجدكم البياض ) وقد فسر وجه هذا التفضيل في حديث سمرة بن جندب بقوله ( فإنها اطهر وأطيب ثيابكم ) ، وأما كونها أطيب فظاهر وأما كونها أطهر فلأن أدنى شيء يقع على البياض يظهر فيغسل إذا كان من جنس النجاسة فيكون نقياً كما ثبت عنه r في دعائه ( ونقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ) والأمر المذكور في الحديث ليس للوجوب أما في اللباس فلما ثبت عنه r أنه لبس غير البياض وأنه ألبس جماعة من الصحابة ثياباً غير بيض وأنه أقر جماعة منهم على غير لبس البياض وأما في الكفن فلما ثبت عند أبي داود من حديث جابر مرفوعاً ( إذا توفي أحكم فوجد شيئاً فليكفن في ثوب حبرة ) والحبرة كعنبة برد يماني يكون من كتان او قطن سميت حبرة لأنها محبرة أي مزينة والتحبير التزيين والتحسين والتخطيط . (3/392)
صفحة 950
قوله ( ولا تكفنوهم في حرير ولا مع شيء من الذهب ) أي إذا كانوا من جنس الرجال دون النساء فإن ذلك في النساء جائز ما لم يفض إلى الإسراف فإن الإسراف حرام في المحيا وفي الممات ويدل على جواز ذلك للنساء التعليل في قوله ( لأنها محرمان على رجال أمتي ومحللان لنسائها ) والقول بجوازه هو الموجود عن موسى فإنه أجازه للنساء والصبيان وكرهه محمد بن محبوب رضي الله عنهم . والحديث يدل على وجوب مراعاة الأحكام الشرعية في حق الحي والميت فأوجب الله على الأحياء أن يراعوا ذلك من أنفسهم وفي أمواتهم حفظاً لأوامر الشرع الشريف حتى يلقوا الله تعالى على الحالالذي يحبه منهم ويرضاه فإذا ضيع الحي حق الميت فكفنه في محرم عليه في حياته كان إثم ذلك على المضيع ولا شيء على الميت ما لم يوص به أو يخبر قبل موته فيرضى ونظير هذا تكفين المحرم في ثوبيه ولا يقرب طيباً ولا يغطى رأسه ومثله منع الطيب للمحدة بعد موتها ومن مراعاة الأحوال تزميل الشهداء في ثيابهم من غير غسل وقد تقدم ذلك والله أعلم .
ما جاء أن المقتول في المعركة لا يغسل
ومن طريقه أيضاً عنه عليه السلام قال : المقتول في المعركة لا يغسل فإنه دمه يعود يوم القيامة مسكا .
ما جاء أن الكفن من رأس المال
قال ابن عباس الكفن من رأس المال لقول رسول الله r في ميت مات بحضرته كفنوه في ثوبيه فأضافهما إليه .
----------------------------
قوله ( ومن طريقه ) يعني ابن عباس بالسند المتقدم . والحديث تقدم شره في باب فضل الشهادة والله أعلم . (3/393)
صفحة 951
قوله ( قال ابن عباس الكفن من رأس المال ) فهو مقدم على الوصايا وعلى أسهام الوارثين فلا يرثون إلا ما فضل منه ولا تنفذ الوصايا إلا من الثلث الباقي بعده فهو من رأس المال كالدين لأنه حق للميت كما أن الديون حقوق لسائر الناس وهل يقدم على الدين أم لا خلاف تظهر فائدته فيمن مات ولم يترك إلا عشرة دراهم وعليه دين مثلها ولم يوجد له كفن إلا بقدرها فإنه قيل يشترى له بها كفن وهو أحق من الدين لأنه بمنزلة كسوته في الحياة وقيل يقضى بها الدين ويدفن عارياً إن لم يوجد له كفن لأن الله لا يسأله عن دفنه كذلك وإنما يسأله عن دينه . والقول بأن الكفن من رأس المال نسبه ابن المنذر إلى جميع أهل العلم قال إلا رواية شاذة عن خلاس بن عمرو قال الكفن من الثلث وعن طاوس قال من الثلث إن كان قليلاً وحكى غيره عن الزهري وطاوس أنه من الثلث إن كان معسراً ، واستدل ابن عباس أنه من رأس المال بقوله r كفنوه في ثوبيه قال فأضافهما إليه أي واصل الإضافة أن تكون للملك وأيضاً فإنه r أمر بذلك ولم يستأذن الورثة ولا سأل عن دينه فهذا من أمره يدل أن الكفن مقدم على الوارث والدين . واستدل غيره على ذلك بحديث خباب بن الأرث عند الجماعة إلا ابن ماجة أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد ولم يترك إلا نمرة فكنا إذا غطينا رجليه بدا رأسه وأمرنا رسول الله r أن نغطي بها رأسه ونجعل على رجليه شيئاً من الأذخر وهذا أظهر في الاستدلال لقول الراوي فيه ( ولم يترك إلا نمرة ) فإنه صرح بأن تلك النمرة هي جميع التركة ولم يستأذن في تكفينه بها الوارث فلو كان من الثلث لكان ثلث النمرة للوارث .
قوله ( في ميت مات بحضرته ) هذا الميت هو الرجل الذي وقصته راحلته وهو واقف مع رسول الله r بعرفة فقال r اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبياً وقد تقدم شرحه في غسل المحرم من كتاب الحج والله أعلم .
ما جاء في صفة الكفن للمرأة (3/394)
صفحة 952
ومن طريق ابن عباس قال دفع النبي r في كفن ابنته أم كلثوم خمسة أثواب .
-------------------------
قوله ( ومن طريق ابن عباس .. الخ ) هذا الحديث من هذا الوجه على هذا الوصف مما تفرد به المصنف رضي الله عنه .
قوله ( ابنته أم كلثوم ) بنت رسول الله r وأمها خديجة بنت خويلد قيل هي أسن من رقية ومن فاطمة وصحح ابن الأثير أنها أصغر من رقية لأن رسول الله r زوج رقية من عثمان فلما توفيت زوجه من أم كلثوم وما كان ليزوج الصغرى ويترك الكبرى والله أعلم . وكان رسول الله r قد زوج رقية وأم كلثوم من عتبة وعتيبة ابني أبي لهب فلما أنزل الله عز وجل ( تبت يدا أبي لهب ) قال أبو لهب لابنيه رأسي من رؤوسكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمد ، وقالت أم جميل أمهما حمالة الحطب بنت حرب بن أمية لابنيها إن رقية وأم كلثوم قد صبتا فطلقاهما ففعلا فطلقاهما قبل الدخول بهما فزوج النبي r رقية من عثمان فلما توفيت زوجه أم كلثوم . وكان نكاحه إياها في ربيع الأول من سنة ثلاث وبنى بها في جمادى الآخرة من السنة المذكورة ولم تلد منه ولدا . وتوفيت سنة تسع وصلى عليها رسول الله r وهي التي غسلتها أم عطية وحكت قول رسول الله r أغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك وهو الحديث الآتي من طريق محمد بن سيرين ، ونزل في قبرها علي والفضل وأسامة بن زيد وقيل أن أبا طلحة الأنصاري استأذن رسول الله r أن ينزل معهم فأذن له وقال لو أن لنا ثالثة لزوجنا عثمان بها . (3/395)
صفحة 953
قوله ( خمسة أثواب ) هي الحقو ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم اللفافة كما جاء بذلك الحديث عند أحمد وأبي داود عن ليلى بنت قانف الثقفية قالت كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله r عند وفاتها وكان أول ما أعطانا رسول الله r الحقو ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر . وروى الخوارزمي من طريق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن هشام بن حسان عن حفصة عن أم عطية أنها قالت فكفناها في خمسة أثواب وخمرناها كما نخمر الحي . قال ابن حجر : وهذه الزيادة صحيحة الإسناد . والحديث يدل أن المرأة تكفن في خمس أثواب وذلك مستحب عندنا ويجزي دون ذلك والله أعلم .
ما جاء في صفة تكفين الرجل
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت : كفن رسول الله r في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة .
قال الربيع : السحولية موضع يسمى سحولا وهو موضع بأرض اليمن .
-----------------------------
قوله ( عن عائشة ) الحديث رواه أيضاً الجماعة وهو عندهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلّ/ .
قوله ( كفن ) بالبناء للمجهول أي كفن وإن ولي أمره من أقاربه r .
وقوله ( في ثلاثة أثواب ) قال الترمذي وتكفينه في ثلاثة أثواب بيض أصح ما ورد في كفنه . وقال ابن عبد البر هذا أثبت حديث في كفنه r .
وقوله ( بيض ) يدل على استحباب التكفين في الأبيض قال النووي وهو مجمع عليه واستحب الحنفية أن يكون في إحداهما ثوب حبرة لما في أبي داود عن جابر أنه r كفن في ثوبين وبرد حبرة وإسناده حسن ، لكن روى مسلم والترمذي عن عائشة أنهم نزعوها عنه قال عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة لف r في حبرة جفف فيه ثم نزع عنه . (3/396)
صفحة 954
قوله ( سحولية ) بفتح المهملة الأولى وضم الثانية وقيل بضمهما قال النووي وفتح أوله أشهر وهو رواية الأكثرين وهي منسوبة إلى سحول قرية باليمن . وقيل النسبة إلى القرية بالضم وأما بالفتح فنسبة إلى القصار فإنه يسحل الثياب أي ينقيها . قال ابن الأعرابي وغيره هي ثياب بيض نقية لا تكون إلا من القطن . وقال ابن قتيبة ثياب بيض ولم يخصها بالقطن .
قوله ( ليس فيهما قميص ولا عمامة ) بكسر المهملة أي ليس مع الثلاثة الأثواب غيرها لا قميص ولا عمامة وهو قول الجمهور . وقيل معناه ليس في الثلاثة الأثواب غيرها لا قميص ولا عمامة معدودان من جملة الثلاثة بل زائدان عليها . وقيل معناه ليس فيها قميص جديد غسل فيه أو كفن فيه أو ملفوف الأطراف والأول أظهر وأصح وفي القولين الأخيرين تكلف . واتفقوا على استحباب ثلاثة الأثواب في كفن الرجل فلو شح بعض الورثة في الثاني أو الثالث لا يلتفت إليه لأنه من حق الرجل في ماله . واختلفوا في القميص والعمامة فقيل باستحبابهما أيضاً وقيل بجوازهما فقط وقيل بكراهتهما . وكان الربيع رحمه الله لا يرى للرجل عمامة ولا للمرأة خماراً وأوجب غيره الخمار . واستدل القائلون بالاستحباب بما روى مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال الميت يقمص ويؤزر ويلف في الثوب الثالث فإن لم يكن له إلا ثوب واحد كفن فيه . وأيضاً فإنه r كسى عبدالله بن أبي بعدما أدخل حفرته قميصه . وقول الربيع رضي الله عنه من موضع يسمى سحولا أي نسبت إليه تلك الثياب . وفي المصباح مثل رسول بلدة باليمن يجلب منها الثياب وينسب إليها على لفظها فيقال أثواب سحولية قال وبعضهم يقول سحولية بالضم نسبة إلى الجمع وهو غلط لأن النسبة إلى الجمع إذا لم يكن علماً وكان له واحد من لفظه ترد إلى الواحد بالاتفاق ا.هـ. والله أعلم .
ما جاء في صفة غسل الميت (3/397)
صفحة 955
أبو عبيدة قال بلغنا عن محمد بن سيرين قال قالت أم عطية الأنصارية دخل علينا رسول الله r حين توفيت ابنته فقال أغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة شيئاً من كافور فإذا فرغتن فآذنني فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوه وقال اشعرنها إياه .
قال الربيع : الحقو الإزار .وقوله أشعرنها إياه أي تقينها إياه .
--------------------------
قوله ( بلغنا عن محمد بن سيرين ) بكسر المهملتين بينهما تحتية ساكنة مولى الأنصار يكنى أبا بكر وهو بصري معاصر لأبي الشعثاء جابر بن زيد رضي الله عنه وكان من كبار التابعين ، روى عن مولاه أنس وزيد بن ثابت وعمران بن حصين وأبي هريرة وعائشة وأم عطية وطائفة من كبار التابعين . قال أحمد : لم يسمع من ابن عباس . وقال خالد الحذاء : كل شيء يقول فيه يثبت عن ابن عباس إنما سمعه من عكرمة أيام المختار . قال حماد بن زيد : مات سنة عشر ومائة .
وأم عطية الأنصارية اسمها نسيبة بنت الحارث وقيل نسيبة بنت كعب قال بعضهم وفيه نظر وكانت من كبار نساء الصحابة وكانت تغسل الموتى وتغزو مع رسول الله r ، وروى عنها محمد ابن سيرين وأخته حفصة وعبد الملك بن عمير وعلي بن الأقمر .
وحديث الباب أخرجه الجماعة عن أم عطية .
قوله ( ابنته ) هي أم كلثوم كما تقدم في صفة الكفن للمرأة وقيل زينب كما وقع عند مسلم وهو المشهور عندهم وكانت وفاة زينب في أول سنة ثمان وتوفيت أم كلثوم في سنة تسع ويمكن الجمع بأن تكون حضرتهما جميعاً وقد جزم ابن عبد البر بأن أم عطية كانت غاسلة الميتات . (3/398)
صفحة 956
وقوله ( أغسلنها ) أمر لأم عطية ومن معها من النسوة ومن جملة من كان معها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب وليلى ابنة قانف بقاف ونون الثقفية ودلت بعض الروايات على حضور أم سليم أيضاً . واستدل به على وجوب غسل الميت لأن حقيقة الأمر الوجوب لكن قوله ثلاثاً ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء فالاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد لأن لفظ ثلاثاً لا يستقل بنفسه فلا بد من دخوله تحت الأمر فيراد به الوجوب بالنسبة لأصل الغسل والندبية بالنسبة إلى الإيتار . وذهب الحسن والكوفيون وأهل الظاهر والمزني إلى وجوب الثلاث قالوا وإن خرج منه شيء بعدها غسل موضعه فقط ولا يزاد على الثلاث وهو خلاف ظاهر الحديث .
قوله ( أو خمساً ) وفي رواية حفصة عن أم عطية أغسلنها وتراً وليكن ثلاثاً أو خمساً . أو للترتيب لا للتخيير وحاصله أن الإيتار مطلوب والثلاثة مستحبة فإن حصل الإنقاء لم يشع ما زاد وإلا زيد وتر حتى يحصل الإنقاء والواجب مرة واحدة تعم جميع البدن وفي الانتقال من الثلاث إلى الخمس إشارة إلى الإيتار .
قوله ( أو أكثر من ذلك ) بكسر الكاف لأنه خطاب للمؤنث وفي رواية أيوب عن حفصة عن أم عطية عند البخاري ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً وهو تفسير للأكثر في رواية المصنف وبه قال أحمد وكره الزيادة على السبع وقال ابن عبد البر لا أعلم أحد قال بمجاوزة السبع .
وقوله ( إن رأيتن ذلك ) تفويض إلى اجتهادهن بحسب الحاجة لا التشهي . وقال ابن المنذر إنما فوض إليهن بالشرط المذكور وهو الإيتار . وقال بعضهم يحتمل ان يرجع إلى الأعداد المذكورة ويحتمل أن معناه إن رأيتن فعل ذلك وإلا فالإنقاء يكفي وفي هذه اللفظة من الفقه رد عدد الغسلات إلى الغاسل على حسب ما يرى بعد الثلاث من بلوغ الوتر فيها . (3/399)
صفحة 957
قوله ( بماء وسدر ) متعلق بقوله أغسلنها وظاهره أن السدر يخلطه في كل مرة من مرات الغسل وقال القرطبي بجعل السدر في ماء ويخضخض إلى أن تخرج رغوته ويدلك به جسده ثم يصب عليه الماء القراح فهذه غسلة وقال قوم يطرح ورقات السدر في الماء لئلا يمازج الماء فيتغير عن وصف المطلق وأنكر ذلك أحمد فقال يغسل في كل مرة بالماء والسدر . والمستحب عندنا أولاهن بماء قراح والثانية بماء وسدر والثالثة بماء وكافور ما لم يكن محرماً فإنه حينئذ يغسل بماء وسدر فقط ولا يمس طيباً وانظر في استحباب تخصيص الثانية بالسدر مع أن الحديث مطلق والتقييد يحتاج إلى دليل وكأنهم فهموا أن الغرض منه وقوع ذلك ولو مرة واحدة وأنه لا يلزم تكراره في جميع الغسلات لأن الغرض المقصود الإنقاء وهو يحصل بالمرة المسبوقة بالماء القراح . وقال بعض الشراح هذا الحديث أصل في التطهير بالماء المضاف إذا لم يسلب الماء الإطلاق .
وقوله ( واجعلن في الآخرة ) بكسر الخاء أي في الغسلة الأخيرة .
وقوله ( شيئاً من كافور ) هو طيب معروف يكون من شجر بجبال الهند والصين يظل خلقاً كثيراً وتألفه النمور وخشبه أبيض هش ويوجد في أجوافه الكافور وهو أنواع ولونه أحمر وإنما يبيض بالتصعيد وظاهره جعل الكافور في الماء وهو المذهب وبه قال جمهور قومنا . وقال النخعي والكوفيون إنما يجعل في الحنوط بعد انتهاء الغسل والتجفيف وهو مخالف لظاهر الحديث وحكمة الكافور تطيييب رائحة الموضع للحاضرين والملائكة وغيرهم . وفيه تجفيف وتبريد وقوة نفوذ وخاصية في تنظيف بدن الميت وطرد الهوام عنه ورد ما يتحلل من الفضلات ومنع إسراع الفساد إليه وهو أقوى الروائح الطيبة في ذلك وهذا سر جعله في الغسلة الأخيرة إذ لو كان في الأولى مثلاً لأذهبه الماء وهل يقوم المسك مثلاً مقامه إن نظر إلى مجرد التطيب نعم وإلا فلا وقد يقال إذا عدم الكافور قام غيره مقامه إذا ماثله ولو بخاصية واحدة . (3/400)
صفحة 958
قوله ( فآذنني ) بمد الهمزة وكسر المعجمة وفتح النون الولى مشددة وكسر الثانية أي أعلمنني .
وقولها ( آذناه ) أي أعلمناه .
وقولها ( حقوه ) بفتح الحاء المهملة ويجوز كسرها وهي لغة هذيل بعدها قاف ساكنة وهو إزاره r .
وقوله ( أشعرنها ) بهمزة قطع أي اجعلنه شعارها والشعار الثوب الذي يلي الجسد وهو معنى قول الربيع رحمه الله تقينها إياه أي اجعلنه لها وقاء دون غيره وإنما أمر بذلك تبركاً . وحكمة تأخير الإزار معه حتى فرغن من الغسل ليكون قريب العهد من جسه الكريم بلا فاصل بين انتقاله من جسده إلى جسدها وهو أصل التبرك بآثار الصالحين . وقول الربيع الحقو الإزار تفسير بالملازم لن الحقو في الأصل معقد الإزار فأطلق على الإزار مجازاً .
وقوله ( أي تقينها ) بفوقية مفتوحة فقاف مكسورة فتحتية ساكنة بعدها نون النسوة وهو فعل مضارع من وقاه يقيه مجزوم بلام الأمر المحذوفة لأنه تفسير للأمر بالشعار والمعنى اجعلنه لها وقاء والوقاء مثل كتاب كل ما وقيت به شيئاً والله أعلم .
ما جاء في المبادرة إلى تجهيز الميت
ومن طريق ابن عباس قال : لا ينبغي أن تحبس جيفة مسلم بين ظهراني أهله .
-----------------------------
قوله ( ومن طريق ابن عباس ) الحديث رواه أبو داود عن الحصين بن وحوح أن طلحة ابن البراء مرض فأتاه النبي r يعوده فقال إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله . وفي الباب عن علي أن رسول الله r قال ثلاث يا علي لا يؤخرن الصلاة إذا آنت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت كفؤاً . أخرجه أحمد والترمذي وقال هذا حديث غريب وما أ { ى إسناده متصل .
قوله ( لا ينبغي ) أي لا يحسن ولا يليق ولا يصح هذا والجيفة الجسد بعد أن تفارقه الروح . وفي إضافتها إلى المسلم إشارة إلى أن المشرك لا يستحق هذا الحكم فليس لجيفته حق إلا أنها تدفن لئلا تؤذي الحي برائحتها أو بالنظر إليها . (3/401)
صفحة 959
وقوله ( بين ظهراني أهله ) بفتح النون قال ابن فارس ولا تكسر وقال جماعة الألف والنون زائدتان للتأكيد وقولهم بين ظهريهم وبين أظهرهم وبين ظهرانيهم كلها بمعنى بينهم وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم والإستناد إليهم وكأن المعنى أن ظهراً منهم قدامه وظهراً وراءه فكأنه مكنوف من جانبيه هذا أصله ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم وإن كان غير مكنوف بينهم .
والحديث يدل على مشروعية التعجيل بالميت والإسراع في تجهيزه وتشهد له أحاديث الإسراع بالجنازة والله أعلم .
ما جاء في غسل الموتى
وقال r : اغسلوا موتاكم فوجب غسل الميت على من حضره لقوله عليه السلام .
---------------------------
قوله ( وقال r : اغسلوا موتاكم ) الحديث رواه المصنف تعليقاً كما ترى واستدل به على وجوب غسل الميت ويحتمل اتصاله برواية ابن عباس فيكون هو المستدل على ذلك وهو المتبادر قبل التأمل وعلى كل حال فهو على هذا الحال مما تفرد به المصنف رضوان الله عليه . وقد أخرج ابن ماجة معناه من طريق ضعيف عن عبدالله بن عمر قال قال رسول الله r ليغسل موتاكم المأمونون أي من تأمنهم على إخفاء ما لا يليق إظهاره للناس إن رأوه من الميت . وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بغسل الميت قولاً وفعلاً منها حديث غسل الذي وقصته ناقته وحديث الأمر بغسل ابنته r ، وأما الفعل فكان شائعاً ذائعاً فيهم وقد حكى غير واحد الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية وخالف في ذلك بعض المالكية ورجح القرطبي أنه سنة وقال الحسن وسعيد بن المسيب يغسل لأن كل ميت يجنب أي يمكن أن تصدر منه الجنابة قبل ذلك فيغسل احتياطاً وتعقب بوجوب غسل من لم يبلغ الحلم فلو كان مشروعية الغسل لأجل الاحتياط من الجنابة ما كان لغسل هؤلاء معنى والله أعلم . (3/402)
صفحة 960
قوله ( على من حضره ) يعني من حضر موته من أقاربه أو غيرهم وكذلك إن وجدوه ميتاً في الصحراء فإن اجتمع عنده ناس فيهم الأقارب وغيرهم كان أقربه أولى به وأهل الأمانة منهم أولى من غيرهم وإن استعانوا بالغير وجب عليه أن يعينهم فإن لم تحضر الأقارب وجب جهازه على الحاضرين من غيرهم فإن كان في القرية أمير كان أولى بجهازه وإن لم يكن أمير فجماعة المسلمين وإن غابوا فعلى من حضر والإمام العدل وواليه أحق بذلك من غيرهم والله أعلم .
ما جاء في تفريق شعر المرأة عند غسلها
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال سئل رسول الله r عن امرأة ماتت فأمر بتفريق شعر رأسها عند غسلها والله أعلم .
----------------------------
قوله ( عن ابن عباس ) الحديث تفرد به المصنف رضوان الله عليه ولم أجده عند غيره .
قوله ( فأمر بتفريق شعر رأسها ) أي من غير تضفير وبه أخذ أصحابنا وقال الأوزاعي والحنفية يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها مفرقاً وهو قريب مما قاله أصحابنا إن لم يكن بعينه . وقال بعض قومنا يضفر شعرها ثلاثة قرون ناصيتها وقرناها واستدلوا على ذلك بما يوجد في بعض الروايات عن أم عطية في غسل بنت رسول الله r أنها قالت فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها رواه الشيخان وأحمد . وقال القرطبي وكأن سبب الخلاف أن الذي فعلته أم عطية هل استندت فيه إلى النبي r فيكون مرفوعاً أو هو شيء رأته ففعلته استحباباً كلا المرين محتمل لكن الأصل أن لا يفعل في الميت شيء من جنس القرب إلا بإذن الشرع ولم يرد ذلك مرفوعاً كذا قال . وقال النووي الظاهر عدم إطلاع النبي r وتقريره له ا.هـ. والله أعلم .
تنبيهان :
الأول : إذا مات الرجل وعليه جمة فلا يسحج شعره ولا يفرق ولكن يسرح كما هو فغ، خرج من رأسه شعر فليرده إلى رأسه وكذلك أيضاً شعر المرأة . (3/403)
صفحة 961
الثاني : لا يقلم للميت ظفر ولا يجز له شعر ولا يسرح ولا يدهن . وقيل إن كانت أظفاره طويلة وشاربه طويلاً أخذ منه وأصحابنا يكرهون ذلك لأن الإنسان ممنوع من البسط في جسد غيره إلا بدليل يجب التسليم له . ورأت عائشة امرأة يكدون رأسها بمشط فقالت علام تنصون ميتكم . قال أبو عبيد هو من نصوت إذا مددت الناصية والمعنى أن الميت لا يحتاج إلى تسريح وذلك بمنزلة الأخذ من الناصية والله أعلم .
الباب التاسع عشر
صلاة الجنائز
ما جاء أن الأولى بالصلاة على الميت أفضل القوم ورعا
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي r قال أولى بالصلاة على الميت أفضل القوم ورعا وأسنهم في ذكر الله .
------------------------------
قوله ( في صلاة الجنائز ) وهي حق للمسلم الميت على الحي الحاضر من المسلمين شفاعة خاصة ورحمة عامة ينتفع بها الحي بنيل الثواب والميت بنيل الغفران إن كان من أهل المغفرة وهي عبادة لا ركوع فيها ولا سجود مخالفة لسائر الصلوات أركانها التكبير والمقصود منها الدعاء للميت نسأل الله منها الحظ الوافر .
قوله ( عن ابن عباس ) الحديث في هذا الباب مما تفرد به المصنف رضوان الله عليه أما في صلاة الجماعة فقد روى معناه هو وغيره من المحدثين . (3/404)
صفحة 962
قوله ( أولى بالصلاة على الميت أفضل القوم ورعا ) أي أحق بالتقدم في صلاة الجنازة أورع الحاضرين وإن لم يكن من أقارب الميت فإن كان الإمام حاضراً أو واليه أو أمير الجيش فهم أولى من غيرهم لاجتماع الفضل والإمارة وإن لم يكونوا فالقريب الأفضل أولى من غيره لاجتماع الفضل والقرابة وإن لم يوجد الأفضل إلا في الأجانب كان أولى من القريب المفضول وهو معنى قول من قال من أصحابنا وغيرهم إن أفضل القوم أولى بالتقدم في ذلك وهو الموافق لظاهر الحديث . وقال قوم منا ومن مخالفينا إن الأقرب أحق بالتقدم وعليه أكثر الأصحاب ثم ذهبوا في ترتيب القرابة مراتبها وجعلوا الأولى في ذلك الأقرب ثم الأقرب فإن تقدم الأبعد فلا يتقدم إلا عن إذن الأقرب حتى أن بعضهم قال باستئذان القريبة من النساء إذا لم يكن له قريب من الرجال وحتى قال آخرون باستئذان الأب الذمي إذا حضر جنازة ولده المسلم وأنت خبير أنه لا حق للنساء ولا للذمي في الإمامة فكيف يستأذن فيها من لا حق له فيها فإن احتجوا بقوله تعالى ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) قلنا ذلك في غير ما قضى به الدليل أن غيرهم أولى به فالآية عامة وحديث الباب خاص وأيضاً فالآية محتملة والحديث نص في المعنى على أن القائلين بتقديم القرابة لا يقولون باطلاق ذلك في كل موضع فقد يكون القريب عبداً أو أخاذمياً أو ابن عم ذمياً فهؤلاء ونحوهم أقارب صرحوا بأن غيرهم من المسلمين أولى بذلك فلم يأخذوا بعموم الآية في كل موضع بل ذهبوا إلى تخصيصها فأخرجوا منها أشياء فسقط تعلقهم بعمومها لأن القرابة لم تغن شيئاً والله أعلم .
ما جاء في التكبير على الجنائز والصلاة على الغائب
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة أن النبي r نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى فصفهم وكبّر أربع تكبيرات .
------------------------------ (3/405)
صفحة 963
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهم وله طرق كثيرة .
قوله ( نعى للناس ) أي أخبرهم بموته في اليوم الذي مات فيه في رجب سنة تسع وقيل كان موته قبل الفتح وفيه جواز الإعلام بالجنازة ليجتمع الناس للصلاة والنعي المنهي عنه هو الذي يكون معه صياح خلافاً لمن تأوله من قومنا على الإعلام بالموت للإجتماع لجنازته . وفي حديث من صلى على جنازة كان له من الأجر كذا . وقوله r لا يموت أحد
ما جاء
( في صلاته صلى الله عليه وسلم على أهل البقيع ) أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها قالت (( قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فلبس ثيابه ثم قام فأمرت جاريتي بريرة تتبعه فتبعته حتى جاء إلى البقيع فوقف فوقفت بقربه ما شاء الله أن يقف فانصرف فسبقته فأخبرتني فلم أذكر شيئا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح فسألته فقال بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم ))
( ما جاء في صلاته صلى الله عليه وسلم على أهل البقيع ) (3/406)
صفحة 964
( قوله عن عائشة رضي الله عنها ) الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ والنسائي ( قوله ذات يوم ) وفي رواية مالك ذات ليلة وهي أصرح من رواية المصنف فإنه يدل على أنه قام من نوم كان قد وضع فيه ثياب اليقظة وفي إطلاق اليوم على الليلة مجاز إرسالي لعلاقة المجاورة وكان استغفاره صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع في المحرم من السنة الحادية عشر مرجعه من حجته قال أبو مويهة اشتكى صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بأيام وفي رواية عنه فما لبث بعد ذلك الاستغفار إلا سبعا أو ثمانيا حتى قبض وكان مأمورا بالاستغفار عليهم ( قوله فأمرت جاريتي بريرة تتبعه ) أي لتستفيد علما أو غيرة منها مخافة أن يأتي بعض حجر نسائه وقد روى ذلك وبريرة بموحدة مفتوحة ورائين بلا نقط بينهما تحتية ساكنة ثم هاء صحابية مشهورة وهي مولاة لعائشة رضي الله عنها وكانت مولاة لبعض بني هلال وقيل كانت مولاة لأبي أحمد بن جحش وقيل كانت مولاة أناس من الأنصار فباعوها من عائشة فأعتقتها وعاشت إلى زمن يزيد بن معاوية وفيه جواز استخدام المولى لمن أعتقه إذا كان ذلك عن رضى وإنه لا ينقص من أجره شيئا ( وقوله البقيع ) بالموحدة اتفاقا وهو مقبرة من مات من أهل المدينة في الإسلام ( وقوله فوقف ) زاد في الموطأ في أدناه أي أقربه إلى المدينة ( وقوله فوقفت بقربه ) يعني بريرة ( وقوله ما شاء الله أن يقف ) ليس فيه تعيين لمدة الوقوف وهو يشعر بأنه كان طويلا ( وقوله فانصرف ) أي من موقفه راجعا إلى المدينة ( وقوله فسبقته ) أي بريرة ( وقوله فأخبرتني ) أي بما فعل في خروجه ( وقوله فسألته ) أي عن قيامه بالليل ولأي شيء كان ( وقوله بثت ) أي أرسلت ( وقوله إلى أهل البقيع ) هم أموات المسلمين المدفونين في تلك البقعة ( وقوله لأصلي عليهم ) قيل يحتمل أن الصلاة هنا الدعاء والاستغفار ويحتمل أن تكون الصلاة على الموتى خصوصية له لأن صلاته على من صلى عليه رحمة فكأنه أمر أن يستغفر لهم قيل وأما بعثه (3/407)
صفحة 965
ومسيره إليهم فلا يدري لمثل هذا علة ويحتمل أنه أراد ليكرمهم بالصلاة منه عليهم لأنه ربما دفن منهم من لم يصل عليه كالمسكينة ومثلها من دفن ليلا ولم يشعر به ليكون مساويا بينهم في صلاته عليهم ولا يؤثر بعضهم بذلك ليتم عدله وقيل أنه خرج لذلك كالمودع للأحياء والأموات وأخرج ابن عبد البر عن أبي مويهة مرفوعا أني قد أمرت أن استغفر لأهل البقيع فاستغفر لهم ثم انصرف فأقبل علي فقال يا أبا مويهة إن الله قد خيرني في مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة ولقاء ربي فاخترت لقاء ربي فأصبح من تلك الليلة فبدأه وجعه الذي مات منه صلى الله عليه وسلم ( وفي الحديث ) جواز الصلاة على القبور وهي مسألة وقع فيها النزاع بين العلماء وقد بسطت القول فيها في المعارج وادعى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يصلى على قبر مرتين ولا يصلى على قبر من صلي عليه إلا إذا كان قريب العهد قال وأكثر ما قيل ستة أشهر والله أعلم
الباب العشرون
(في القبور)
( قوله في القبور ) جمع قبر وهو الموضع الذي يدفن فيه الميت من بني آدم وقد أمتن به سبحانه وتعالى في قوله (( ثم أماته فأقبره )) أي جعله ممن يقبر ولم يجعله ممن يلقى إلى الكلاب فالقبر مما أكرم به بنو آدم والمراد ذكر أحكام القبور الخاصة بها كالزيارة والنهي عن التجصيص وأحوالها الخاصة كتعذيب الكافر فيها والعرض على الميت مقعده من الجنة أو النار ونحو ذلك.
ما جاء
( في زيارة القبور )
أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا أي لا تدعوا بالويل والعويل وبما يسخط الرب ))
( ما جاء في زيارة القبور ) (3/408)
صفحة 966
( قوله عن ابن عباس ) الحديث ذكره في الجامع الصغير وقال رواه الحاكم عن أنس وزاد فيه قوله فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة وللترمذي معناه من حديث بريدة ( قوله كنت نهيتكم عن زيارة القبور ) كان النهي أول الأمر لقرب عهدهم من الجاهلية فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل فنهاهم عن ذلك فلما استقرت قواعد الإسلام وتمهدت الأحكام أبيح لهم الزيارة واحتاط صلى الله عليه وسلم بقوله ولا تقولوا هجرا قال النووي وهذا من الأحاديث التي جمعت الناسخ والمنسوخ ( قوله ألا فزوروها ) الأمر للإباحة بعد الحظر وقد حكى جماعة اتفاق أهل العلم على أن زيارة القبور للرجال جائزة وروى غيرهم عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي والشعبي أنهم كرهوا ذلك مطلقا حتى قال الشعبي لولا نهي النبي صلى الله عليه وسلم لزرت قبر ابنتي وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ وذهب ابن حزم إلى أن زيارة القبور واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر به وهذا يتنزل على الخلاف في الأمر بعد النهي هل يفيد الوجوب أو مجرد الإباحة فقط والسياق يدل على أن الغرض الإباحة فقط وهو الحق ( قوله ولا تقولوا هجرا ) بضم الهاء أي قبيحا وفحشا يقال أهجر في منطقة يهجر إهجارا إذا فحش وكذا إذا أكثر الكلام في ما لا ينبغي وقال المصنف أي لا تدعوا بالويل والعويل وبما يسخط الرب فكأنه رحمه الله فسر الهجر بنوع خاص من الكلام لعلمه بالحال المنهي عنه في ذلك المقام وهو الذي كانت تفعله الجاهلية عند قبور موتاهم ( والحكمة في زيارة ) القبور مذكره في حديث أنس من قوله فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة قال بعضهم ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه أن يكثر من ذكرها دم اللذات ومفرق الجماعات ومؤتم البنين والبنات ويواضب على مشاهدة المحتضرين وزيارة قبور أموات المسلمين فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسا قلبه ولزمه ذنبه أن يستعين بها على دوائه فإن انتفع بالإكثار (3/409)
صفحة 967
من ذكر الموت ولان قلبه فذاك وإلا شاهد المحتضرين والأموات وزار القبور فليس الخبر كالمعاينة والله أعلم.
ما جاء
( في النهي عن تجصيص القبور ) ومن طريق ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه نهى عن تقصيص القبور أي عن تجصيصها ))
( ما جاء في النهي عن تجصيص القبور )
( قوله ومن طريق ابن عباس ) أي بالسند المتقدم والحديث روى معناه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه من حديث جابر بن عبدالله ( قوله نهى عن تقصيص القبور ) أي تجصيصها فالتقصيص بالقاف وصادين مهملتين هو التجصيص والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة هي الجص وهو الآجر وفيه تحريم تجصيص القبور وأما التطيين فحكى الترمذي فيه الترخيص عن الحسن البصري والشافعي وقيل يكره التطيين أيضا وذلك كله فرار عن الشهرة فإن خير القبور ما درس والله أعلم.
ما جاء
( في تعذيب الميت ببكاء أهله )
أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها سمعت أن ( عبدالله بن عمر يقول أن الميت ليعذب ببكاء الأحياء ) قالت عائشة يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ ولعله إنما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال حين مر بيهودية ماتت وأهلها يبكون فقال إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها ( قال جابر ) قالت عائشة رضي الله عنها ( ولا يعذب أحد ببكاء أهله وإنما يعذب بعمله السوء ).
( ما جاء في تعذيب الميت ببكاء أهله ) (3/410)
صفحة 968
( قوله عن عائشة رضي الله عنها ) الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم ( قوله سمعت ) بتاء التأنيث والفاعل ضمير عائشة وهي إنما سمعت ذلك من ابن عباس رضي الله عنه ( قوله يقول ) أي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت ليعذب ببكاء الأحياء جمع حي مقابل للميت وفي رواية الموطأ ببكاء الحي على الأفراد قال شارحه الظاهر أنه مقابل الميت ويحتمل القبيلة واللام بدل من الضمير أي حيه أي قبيلته فيوافق رواية ابن أبي مليكة ببكاء أهله وفي رواية لمسلم من يبكي عليه يعذب ولفظها أعم وفيه أنه ليس خاصا بالكافر ( وقولها يغفر الله لأبي عبد الرحمن ) دعاء له بطلب الغفران وهو من الآداب الحسنة قدمته تمهيدا ودفعا لمن يتوحش من نسبته إلى النسيان والخطأ فيه أن الخطأ في الإخبار لا يقدح في الولاية وأبو عبد الرحمن كنيته عبدالله بن عمر ( وقولها أما أنه لم يكذب ) أي لم يتعمد الكذب وذلك أن الكذب الإخبار بما يخالف الواقع كان عمدا أو خطأ يدل عليه حديث من كذب علي متعمدا ( وقوله نسي ) أي ذهب عنه حفظ ذلك على وجهه ( وقوله وأخطأ ) أي غلط في الإخبار بعد النسيان حيث ظن أن الأمر كما أخبر وهو على خلاف ذلك ثم ذكرت نفس الواقع من قوله صلى الله عليه وسلم في اليهودية التي ماتت وأهلها يبكون عليها ومر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيها ما قال وليس في رواية الموطأ قولها ولعله إنما سمع بل الذي فيها الجزم بقوله إنما مر برسول الله صلى الله عليه وسلم الخ وفي رواية المصنف أشعار بأن عائشة لم تقطع بأن الشبهة في إخبار ابن عمر هذا السبب لكونها ظنت ذلك لقولها ولعله إنما سمع الخ وتعذيب اليهودية إنما كان لكفرها لا لبكاء أهلها عليها ولم يتفرد ابن عمر برواية ذلك بل رواه أبوه صهيب بن سنان كما في الصحيحين من طريق ابن مليكة عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه فقال ابن عباس لما أصيب عمر دخل صهيب (3/411)
صفحة 969
يبكي يقول واأخاه واصاحباه فقال عمر يا صهيب أتبكي علي وقد قال صلى الله عليه وسلم أن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه قال ابن عباس فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت يرحم الله عمر والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله فقالت حسبكم القرآن ((ولا تزر وازرة وزر أخرى )) قال ابن عباس والله هو أضحك وأبكى قال ابن مليكة والله ما قال ابن عمر شيئا وفي الصحيحين أيضا وعن أبي موسى لما أصيب عمر جعل صهيب يبكي ويقول يا أخاه فقال عمر أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن الميت ليعذب ببكاء الحي وفيه دلالة أن صهيبا سمعه من المصطفى أيضا وكأنه نسيه حتى ذكره به عمر قال القرطبي ليس سكوت ابن عمر لشك طرأ له بعد ما صرح بلفظ الحديث ولكن احتمل عنده قبوله للتأويل ولم يتعين له محل يحمله عليه حينئذ أو كان المجلس لا يقبل الممارات ولم تتعين الحاجة إليها حينئذ وقال غيره يحتمل أن ابن عمر فهم من استشهاد ابن عباس بالآية قبول روايته لأنها يمكن أن يتمسك بها في أن الله له أن يعذب بلا ذنب ويكون بكاء الحي علامة على ذلك ( قلت ) وإن جاز له سبحانه وتعالى أن يعذب بلا ذنب فإن حكمته سبحانه وتعالى قد اقتضت أن لا يعذب إلا بذنب وأخبر بذلك عباده ووعدهم وتوعدهم ولا يبدل القول لديه فلا يصح أن تحمل عليه أخبار الشرع فلا يمكن أن يكون محتملا عند من استقر عنده علم الشريعة وقال الخطابي الرواية إذا ثبتت لم يكن إلى دفعها سبيل بالظن وقد رواه عمر وابنه وليس فيما روت عائشة ما يدفع روايتهما فالخبران معا صحيحان ولا منافاة بينهما فالميت إنما يعذب إذا أوصى بذلك في حياته وكان ذلك مشهورا في العرب موجودا في أشعاره كقول طرفة :
إذا مت فانعيني بما أنا أهله * وشقي الجيب يا ابنة معبد
وقول لبيد : (3/412)
صفحة 970
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
وعلى هذا حمل الجمهور حديث عمر وابنه وقال النووي أنه الصحيح وأجمعوا على أن المراد بالبكاء هنا البكاء بصوت ونياحة لا بمجرد دمع العين ( واعترض ) بأن التعذيب بسبب الوصية بمجرد صدورها والحديث دال على أنه إنما يقع عند امتثالها ( وأجيب ) بأنه لا حصر في السياق فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا ( ومنهم ) من حمله على من كانت عادته النوح والبكاء فمشى أهله على عادته ( ومنهم ) من حمله على من أهمل نهي أهله عن ذلك قال بعضهم إذا علم المرء ما جاء في النهي عن النوح وعرف من شأن أهله فعله ولم يعلمهم بحرمته ولا زجرهم عن تعاطيه فإذا عذب على ذلك فبفعل نفسه لا بفعل غيره وقيل معنى التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به كما رواه أحمد عن أبي موسى مرفوعا الميت يعذب ببكاء الحي إذا قالت النائحة واعضداه واناصراه واكاسباه جبذ الميت وقيل له أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسبها ورواه الترمذي وابن ماجه بنحوه وفي البخاري عن النعمان بن بشير قال أغمي على ابن رواحة فجعلت أخته تقول واجبلاه واكذا واكذا فقال حين أفاق ما قلت شيئا إلا قيل لي أنت كذلك وقيل معنى التعذيب تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها وقيل يحتمل الجمع بتنزيل هذه التوجيهات على اختلاف الأشخاص فمن كانت طريقته النوح فمشى أهله عليها أو أوصاهم بذلك وهو بالغ عذب بصنعه ومن كان ظالما فندب بأفعاله الجائرة عذب بما ندب به ومن علم من أهله النياحة وأهمل نهيهم عنها راضيا بذلك التحق بالأول وإن كان غير راض عذب بالنوح لأنه أهمل النهي ومن سلم من ذلك كله فاحتاط فنهاهم ثم خالفوه فعذابه تألمه بما يراه من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربه.
ما جاء
( أن الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي ) (3/413)
صفحة 971
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة و إن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ))
( ما جاء أن الميت يعرض عليه مقعدة بالغداة والعشي )
( قوله عن أبي سعيد الخدري ) الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم والنسائي كلهم من حديث ابن عمر وهو عند المصنف من حديث أبي سعيد فكأنه مما تفرد به من هذا الطريق ( قوله عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ) أي فيهما ويحتمل أن المراد غداة واحدة وعشية واحدة ويحتمل كل غداة وكل عشي والعرض لا يكون إلا على حي يعلم ما يعرض عليه ويفهم ما يخاطب به فهو محمول على أنه يحي منه جزء ليدرك ذلك ولا يمتنع أن تعاد الحياة إلى جزء من الميت أو أجزاء وتصح مخاطبته والعرض عليه وقال القرطبي يجوز أن هذا العرض على الروح فقط ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن قال والمراد بالغداة والعشي وقتهما وإلا فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء ثم هو مخصوص بغير الشهداء ويحتمل أن يقال فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها فإن فيه قدرا زائدا على ما هي فيه الآن ( قوله إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ) اتحد فيه الشرط والجزاء لفظا فلا بد من تقدير يكشف معناه فقيل التقدير فمقعد من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه وقيل المراد أنه يرى بعد البعث من كرامة الله ما ينسيه هذا المقعد وذلك أن الشرط والجزاء إذا اتحدا لفظا دل على الفخامة والمعنى إن كان من أهل الجنة فسيبشر بما لا يدرك كنهه ويفوز بما لا يقدر قدره وإن كان من أهل النار فعلى عكس ذلك لأن هذه المنزلة طليعة تباشير السعادة الكبرى ومقدمة تباريح الشقاوة العظمى وفي ذلك تنعيم لمن هو من أهل الجنة وتعذيب لمن هو من أهل النار بمعاينة ما (3/414)
صفحة 972
أعد له وانتظاره ذلك إلى اليوم الموعود ونظيره في الكتاب العزيز قوله تعالى (( النار يعرضون عليها غدوا وعشيا )) ( قوله فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ) أي يقول له الملك ذلك تبشيرا إن كان من أهل الخير وتعذيبا إن كان من أهل الشر فإن ذكر الغاية مشعر بذلك وفي الحديث إثبات عذاب القبر وأن الروح لا تفنى بفناء الجسد لأن العرض لا يقع على حي قال ابن عبد البر ( واستدل ) به على أن الأرواح على أفنية القبور قال وهو الصحيح قال لأن الأحاديث بذلك أصح من غيرها قال والمعنى عندي أنها تكون على أفنية القبور لا أنها تفارقها بل هي كما قال مالك بلغني أن الأرواح تسرح حيث شاءت والله أعلم.
ما جاء
( في ما يقال عند زيارة القبور )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين الحديث.
( ما جاء في ما يقال عند زيارة القبور ) (3/415)
صفحة 973
( قوله عن أبي هريرة ) الحديث تقدم ذكره في باب الأمة مطولا وقد اختصره هنا لبيان ما يقال عند المقابر ورواه أيضا عن أبي هريرة أحمد ومسلم والنسائي وتمامه قوله وإنا إن شاء الله بكم لاحقون و لأحمد من حديث عائشة مثله وزاد اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم وروى أحمد ومسلم وابن ماجة عن بريدة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية ( قوله دار قوم مؤمنين ) قيل نصب دار على النداء أي يا أهل دار فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وقيل وهو الصحيح منصوب على الاختصاص وقيل يجوز جره على البدل من الضمير في عليكم وهو من الضعف بمكان وفي الحديث إن اسم الدار يقع على المقابر وهو يطلق في اللغة على الربع المسكون وعلى الخراب غير المأهول ( قوله وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ) التقييد بالمشيئة على سبيل التبرك وامتثال قوله تعالى (( ولا تقولن لشيء أني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله )) وقيل المشيئة عائدة إلى الكون معهم في تلك التربة وقيل غير ذلك ( وفي الحديث ) دليل على استحباب التسليم على أهل القبور وفي الأحاديث الأخرى استحباب الدعاء لهم بالعافية ( وفيه ) أيضا أن السلام على الأحياء والأموات سواء في تقديم السلام على عليكم بخلاف ما كانت عليه الجاهلية من التفرقة بينهما فإنهم قالوا في السلام على الحي بتقديم السلام وفي السلام على الميت بتقديم عليكم والله أعلم.
ما جاء
( في تقسيم الميت إلى مستريح ومستراح منه )
أبو عبيدة قال (( مرت جنازة برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مستريح أو مستراح منه فقالوا يا رسول الله ما المستريح والمستراح منه قال العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رمة الله والعبد الفاجر تستريح منه العباد والناس والدواب والشجر )) (3/416)
صفحة 974
( ما جاء في تقسيم الميت إلى مستريح ومستراح منه )
والحديث رواه مالك في الموطأ عن محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي عن معبد بن كعب بن مالك عن أبي قتادة بن ربعي أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فقال مستريح ومستراح منه الحديث وأخرجه البخاري عن إسماعيل ومسلم عن قتيبة ابن سعيد كلاهما عن مالك بالسند المتقدم ( قوله مرت جنازة ) في إسناد المرور إلى الجنازة تجوز لأنها يمر بها لا تمر والمراد أن الحاملين لها مروا ( برسول صلى الله عليه وسلم وهي على عواتقهم وسوغ التجوز أن المرور كان بسببها ( قوله مستريح أو مستراح منه ) يعني أن الميت المحمول لا يخلو من أحد هذين النوعين إما مستريح من نصب الدنيا أو يستريح غيره من أذاه يقال أراح الرجل واستراح إذا رجعت إليه نفسه بعد الإعياء ثم أطلق على كل راحة تحصل للإنسان ولما كان الأمر خفيا سألوه عن معنى ذلك فبينه لهم عليه الصلاة والسلام كل البيان ( ونصب الدنيا ) بفتحتين تعبها ومشقتها ( وأذاها ) أعم من نصبها ففيه عطف عام على خاص قال مسروق ما غبطت شيئا لشيء كمؤمن في لحده أمن من عذاب الله واستراح من الدنيا ( وقوله والعبد الفاجر ) هو الكافر العاصي كان مشركا أو منافقا فإن البلاد تستريح منه وكذلك الناس والدواب والشجر ( وأما ) استراحة البلاد فمما كان يفعله فيها من المعاصي فيحصل الجدب فيهلك الحرث والنسل أو لغصبها ومنعها من حقها ( وأما ) استراحة الدواب فلاستعماله لها فوق طاقتها وتقصيره في علفها وسقيها ( وأما ) استراحة الشجر فلقلعه إياها غصبا أو لغصب ثمرها قال الطيبي أما استراحة البلاد والأشجار فإن الله تعالى بفقده يرسل السماء مدرارا ويحي به الأرض والشجر والدواب بعد ما حبس بشؤم ذنوبه الأمطار لكن إسناد الراحة إليها مجاز إذ الراحة إنما هي لمالكها والله أعلم.
ما جاء (3/417)
صفحة 975
( في عذاب القبر بترك الاستبراء من البول وبالمشي بين الناس بالنميمة ) أبو عبيدة عن جابر قال (( بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مر برجلين يعذبان في القبر فقال يعذبان وما يعذبان بكبيرة أما أحدهما فقد كان لا يستبريء من البول وأما الآخر فقد كان يمشي بين الناس بالنميمة )) ( أبو عبيدة ) وكان جابر ممن ( يثبت عذاب القبر ).
( ما جاء في عذاب القبر بترك الاستبراء من البول وبالمشي بين الناس بالنميمة ) (3/418)
صفحة 976
( قوله قال بلغنا ) الحديث رواه البخاري والنسائي عن ابن عباس وهو عند النسائي أيضا من حديث ابن عمر وزادوا في آخره حديث الجريدة التي شقها رسول الله صلى الله عليه وسلم نصفين ولم يذكر ذلك المصنف وكأنه لم يصح معه ذلك ( قوله مر برجلين يعذبان في القبر ) لفظ الحديث في النسائي عن ابن عباس قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحائط من حيطان مكة والمدينة سمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعذبان وما يعذبان في كبير ثم قال بلى كان أحدهما لا يستبريء من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة فقيل له ( يا رسول الله ) لم فعلت هذا قال لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا أو إلى أن ييبسا ( قوله بكبيرة ) في رواية البخاري والنسائي وما يعذبان في كبير بلا هاء أي بسبب كبير أو لأجل كبير من الذنوب ومعناه أنه لا يعذبان في كبيرة في ظنهما وهي كبيرة عند الله تعالى أولا يعذبان في كبيرة في اعتقادكم لاحتقار ذلك الحال عند العامة أولا يعذبان في ما يثقل عليهما الاحتراز عنه وقيل كبير بمعنى أقرب أي ليس ذلك بأكبر الكبائر كالقتل مثلا وإن كان كبيرا في الجملة وقيل المعنى ليس بكبير في الصورة لان تعاطي ذلك يدل على الدناءة والحقارة وقيل ليس بكبير في الفعل وهو كبير في الذنب وقيل ليس بكبير بمجرده وإنما صار كبيرا بالمواظبة عليه وهذا القول يقتضي أن ترك الاستبراء والمشي بالنميمة من الصغائر وليس كذلك بل هما من الكبائر ( أما البول ) فإنه نجس فيلزم التنزه عنه ويجب التطهر منه للصلاة فمن لم يستبرء فقد تعرض لفساد وضوئه وصلاته إذ لا صلاة إلا بطهور ( وأما المشي ) بالنميمة فإنه كبيرة بلا خلاف بين الناس ( قوله لا يستبريء من البول ) أي لا يتنزه وقد روى أصحاب السنن الأربعة أستنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه والأصل استبرأ ذكره من بقية بوله بالنتر والتحريك (3/419)
صفحة 977
حتى يعلم أنه لم يبق فيه شيء وقال الزمخشري استبرأت الشيء طلبت آخره لقطع الشبهة ( قوله بالنميمة ) هي في الأصل نقل كلام الناس والمراد به هنا ما كان لقصد الإضرار فأما ما كان يقتضي فعل مصلحة أو ترك مفسدة فهو مطلوب وقيل النميمة نقل كلام الغير بقصد الإضرار وهي من أقبح القبائح والحديث يدل على ثبوت عذاب القبر وهو الصحيح ولهذا قال أبو عبيدة بعد ذكر الحديث وكان جابر ممن يثبت عذاب القبر والأحاديث في ذلك كثيرة متوافرة متواترة معنى وإن اختلفت ألفاظها فإن موادها واحد ولا سبيل إلى العدول من مقتضاها إلى محض القول بالرأي وليت شعري أي مدخل للرأي فيما غاب عنا علمه ولم تصل إليه عقولنا بل الواجب في هذا ونحوه التسليم لإخبار الشارع فيه وقبول ما جاء فيها من لسانه فمن بلغه التواتر في ذلك وجب عليه القطع بوقوعه عل حسب الأخبار ومن لم يبلغه التواتر فلا أقل من التصديق بالأخبار لأنها جاءت من طرق صحيحة والمنكرون لعذاب القبر لا يدفعونها وإنما يتأولونها بأوهامهم الفاسدة رأوا أن الميت إذا كان بين أيديهم لا يحس بشيء فقضوا باستحالة عذابه على تلك الحالة وغفلوا عن اتساع القدرة وأنه تعالى يفعل ما يشاء وأن عقولنا لا تصل إلى شيء من ذلك (( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا )) والله أعلم.
ما جاء
( في سماع عذاب القبر )
الربيع عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((سمع صوتا حين غربت الشمس فقال هذه أصوات اليهود يعذبون في قبورهم ))
( ما جاء في سماع عذاب القبر ) (3/420)
صفحة 978
( قوله عن أبي أيوب الأنصاري ) الحديث أوصله النسائي أخبرنا عبيد الله بن سعيد قال حدثنا يحيى عن شعبة قال أخبرني عون بن أبي جحيفة عن أبيه عن البراء بن عازب عن أبي أيوب قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما غربت الشمس فسمع صوتا فقال يهود تعذب في قبورها وفي رواية عند الطبراني خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غربت الشمس ومعي كوز من ماء فانطلق لحاجته حتى جاء فوضأته فقال أتسمع ما أسمع قلت الله ورسوله أعلم قال أسمع أصوات اليهود يعذبون في قبورهم وهذه الرواية مفسرة لما في رواية المصنف وغيرها ( وقولها حين غربت الشمس ) مصداق لما تقدم أن الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي ( وقوله هذه أصوات اليهود الخ ) يدل على أن التعذيب كان واقعا على الروح والجسد معا فإن المعهود صدور الصوت من الجسد الحي دون الميت وقد جاء ما يدل أن روح الميت ترجع إليه في قبره حتى يسأله الملكان ولم يثبت أنها تخرج منه بعد ذلك بل ورد أن الملكين يقولان للمؤمن نم نومة العروس وعرض مقعده عليه بالغداة والعشي مؤيد لذلك وكأنه تبقى معه حاسيته دون الحياة الكاملة وسماع أصوات الأموات المعذبين في قبورهم ممكن للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب أتسمع ما أسمع وأخرج النسائي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوتا من قبر فقال متى مات هذا قالوا مات في الجاهلية فسر بذلك وقال لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر وقد سمعه بعض الخواص بل وبعض العوام على ما ذكروا وقد أنكره العلامة الصبحي وقال لعل ذلك أصوات الجن بناء على إنكار عذاب القبر ولا سبيل إلى إنكاره والعلم عند الله تعالى.
ما جاء
( أن الحي آخر الزمان يغبط الميت في قبره )
أبو عبيدة عن جابر عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل فيقول ياليتني مكانه )) (3/421)
صفحة 979
( ما جاء أن الحي آخر الزمان يغبط الميت في قبره )
قوله عن ( أبي هريرة ) الحديث رواه أيضا مالك والشيخان وأحمد ( قوله لا تقوم الساعة ) أي القيامة أولا تحشر الدنيا حتى يبلغ الحال من الشدة مبلغا عظيما وعليه فالمراد بالساعة النفخة الأولى التي ينفخها اسرافيل في الصور وهي مقدمة القيامة فإذا وقعت مات بها كل حي ولم يبق إلا النفخة الثانية التي يحيي بها كل ميت فلهذا صح إسناد القيام إليها ( قوله حتى يمر الرجل بقبر الرجل ) ومثله المرأة وإنما ذكر الرجل جريا على الغالب و إلا فغيره كذلك لكن لما كان الغالب أن الرجال هم المبتلون بالشدائد والنساء محجبات لا يصلين نار الفتنة خصهم بالذكر (كما قيل )
كتب القتل والقتال علينا * وعلى الغانيات جر الذيول
( وقوله فيقول ياليتني مكانه ) أي في قبره وإنما ذلك لما يصيبه من البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء فيتمنى المصيبتين في اعتقاده وعن ابن مسعود قال سيأتي عليكم زمان لو وجد أحدكم الموت يباع لاشتراه وعليه قول الشاعر :
وهذا العيش مالا خير فيه * ألا موت يباع فأشتريه (3/422)
صفحة 980
قال العراقي ولا يلزم كونه في كل بلد ولا كل زمن ولا في جميع الناس بل يصدق على اتفاقه للبعض في بعض الأقطار في بعض الأزمان وفي تعليق تمنيه بالمرور أشعار بشدة ما نزل بالناس من فساد الحالة حينئذ إذ المرء قد يتمنى الموت من غير استحضار شيء فإذا شاهد الموتى ورأى القبور نشز بطبعه ونفر بسجيته من تمنيه فلقوة الشدة لم يصرفه عنه ما شاهده من وحشة القبور ولا يناقض هذا النهي عن تمني الموت لأن الحديث إخبار عما يكون وليس فيه تعرض لحكم شرعي وقيل أن تمني الموت لخوف الفتنة جائز لقوله صلى الله عليه وسلم وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون وقول عمر اللهم قد ضعفت قوتي وكبرت سني وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط( قلت) وفي الدليلين نظر لأنه صلى الله عليه وسلم إنما سأل ربه أن يقبضه إليه غير مفتون لا أن يقبضه فقط فهو سؤال للسلامة من الفتنة لا لنفس الموت وكذلك دعاء عمر وفي النسائي عن أنس أن صلى الله عليه وسلم قال لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا ولكن ليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي والله أعلم.
الباب الحادي والعشرون
( كتاب الأذكار)
( في الدعاء )
( كتاب الأذكار )
جمع ذكر أي ذكر الله تعالى والمراد به ما يشمل الدعاء والتسبيح والثناء فلهذا جعل الكتاب في ثلاث أبواب.
( في الدعاء ) (3/423)
صفحة 981
( قوله الدعاء ) وهو الطلب من الله تعالى والابتهال إليه في تحصيل ما طلب وهو من أشرف الطاعات أمر الله به عباده فضلا وكرما وتفضل بالإجابة فقال (( ادعوني استجب لكم )) وروى أحمد بإسناد لا بأس به عن أبي هريرة مرفوعا من لم يدع الله غضب عليه ولأبي يعلى عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه في حديث وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة وقيل المراد بالدعاء في الآية العبادة لقوله (( إن الذين يستكبرون عن عبادتي )) والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله (( إن يدعون من دونه إلا إناثا )) ( واعترض ) بأن هذا ترك للظاهر وقال بعضهم الأولى حمل الدعاء على ظاهره قال وأما قوله عن عبادتي فوجهه أن الدعاء أخص من العبادة فمن استكبر عنها استكبر عن الدعاء وتخلف الإجابة إنما لفقد شروط الدعاء التي منها أكل الحلال الخالص وصون اللسان والفرج ( واستشكل ) حديث من أشغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين فإنه يقتضي فضل ترك الدعاء حينئذ والآية تقتضي الوعيد الشديد على تركه ( وأجيب ) بأن العقل إذا استغرق في الثناء كان أفضل من الدعاء لأن الدعاء طلب الجنة والاستغراق في معرفة جلال الله أفضل من الجنة أما إذا لم يحصل الاستغراق فالدعاء أولى لاشتماله على معرفة لربوبية وذل العبودية.
ما جاء
( في تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الدعاء ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من فتنة( المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ))
( ما جاء في تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الدعاء ) (3/424)
صفحة 982
( قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ ومسلم ( قوله كما يعلمهم السورة في القرآن ) تشبيه في تحفيظ حروفه وترتيب كلماته ومنع الزيادة والنقص منه والدرس له والمحافظة عليه وقال مسلم بعد ما ذكر هذا الدعاء بلغني أن طاوسا قال لابنه أدعوت بها في صلاتك قال لا قال أعد صلاتك لأن طاوسا رواه عن ثلاثة أو أربعة وقال غيره وهذا البلاغ أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح قال وهو يدل على أنه يرى وجوبه وبه قال أهل الظاهر وفي مسلم عن أبي هريرة مرفوعا إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر المسيح الدجال قال ابن حجر فهذا يعين أن هذه الاستعاذة بعد الفراغ من التشهد فيكون سابقا على غيره من الأدعية وما ورد أن المصلي يتخير من الدعاء ما يشاء يكون بعد هذه الاستعاذة وقبل السلام ( قوله اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ) العذاب اسم للعقوبة والمصدر التعذيب فهو مضاف إلى الفاعل المجازي والإضافة من إضافة المظروف إلى ظرفه على تقدير في أي من العذاب في القبر وفيه رد على من أنكره وقدم في رواية مالك الاستعاذة من عذاب جهنم ولعله إنما قدم فيها لأنه أشد من عذاب القبر والواقع في رواية المصنف أنسب فإن القبر مقدم على جهنم في الوجود الحسي ( قوله وأعوذ بك من عذاب جهنم ) أي عقوبتها والإضافة مجازية أو من إضافة المظروف إلى ظرفه ( قوله وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ) الفتنة الامتحان والاختبار والمسيح بفتح الميم وتخفيف السين المكسورة وحاء مهملة وصحف من أعجمها يطلق على الدجال وعلى عيسى عليه السلام لكن إذا أريد الأول قيد بالدجال كما في الحديث وسمي الدجال بذلك لأنه خلق ممسوحا لا عين فيه ولا حاجب أو لأنه يمسح الأرض إذا خرج ( قوله أعوذ بك من فتنة المحيا والممات ) المراد بفتنة المحيا يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها والعياذ (3/425)
صفحة 983
بالله أمر الخاتمة عند الموت والمراد بفتنة الممات الاختبار عند الاحتضار ( وقيل ) هي فتنة القبر وقيل يحتمل الأمرين وقال ابن دقيق العيد يجوز أنها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه وفتنة المحيا ما قبل ذلك ويجوز أنها فتنة القبر وقد صح أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبا من فتنة الدجال ولا يتكرر مع قوله عذاب القبر لأن العذاب مرتب على الفتنة والسبب غير المسبب وقيل فتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر وفتنة الممات السؤال في القبر مع الحيرة وهو من العام بعد الخاص لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات وفتنة الدجال داخلة تحت فتنة المحيا.
ما جاء
( في دعائه صلى الله عليه وسلم من جوف الليل ) أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل قال (( اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن أنت الحق وقولك الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت ))
( ما جاء في دعائه صلى الله عليه وسلم من جوف الليل ) (3/426)
صفحة 984
( قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ عن أبي الزبير المكي عن طاوس اليماني عن ابن عباس وأخرجه مسلم في الصلاة عن قتيبة بن سعيد والترمذي في الدعوات من طريق معن كلاهما عن مالك بالسند المتقدم وله طرق في الصحيحين وغيرهما ( قوله إلى الصلاة ) يعني صلاة التهجد وهي قيام الليل ( وقوله في جوف الليل ) أي في وسطه وأصل الجوف الخلاء وهو مصدر من باب تعب فهو أجوف والاسم الجوف بسكون الواو والجمع أجواف ثم استعمل في ما يقبل الشغل والفراغ فقيل جوف الدار لباطنها وداخلها وجوف الليل لوسطه ( قوله قال اللهم لك الحمد الخ ) جواب الشرط والجملة الشرطية خبر كان وظاهره أنه كان يقول ذلك أول ما يقوم إلى الصلاة وورد أنه يقول ذلك بعدما يكبر وقيل كان يقول ذلك بعد تكبيرة الإحرام وفي مسلم أنه قال لما أراد أن يخرج إلى صلاة الصبح ولا مانع من وقوع ذلك كله والظاهر من رواية المصنف القول الأول ( قوله لك الحمد ) أي الوصف بالجميل وأل فيه للاستغراق ( قوله أنت نور السماوات والأرض ) أي منورهما وبك يهتدي من فيهما وقيل معناه أنت المنزه من كل عيب يقال فلان منور أي مبرأ من كل عيب ويقال هو مدح تقول فلان نور البلد أي زينه ( وقوله قيوم السماوات والأرض ) وفي رواية الموطأ أنت قيام وفي رواية للصحيحين قيم والكل بمعنى واحد والمعنى أن السماوات والأرض قامتا به وكذلك ما فيهما فهو سبحانه وتعالى يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه وقيل القيوم الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه وقال قتادة القيام القائم بنفسه بتدبير خلقه المقيم لغيره ( وقوله ولك الحمد ) أي الوصف بالجميل كرره لتكرر النعم الموجبة لذلك وليناط به كل مرة صفة أخرى ( وقوله ومن فيهن ) عبر بمن تغليبا للعقلاء على غيرهم فهو رب كل شيء ومليكه وكافله ومغذيه ومصلحه العواد عليه بنعمه ( قوله أنت الحق ) أي المتحقق الوجود الثابت بلا شك قال القرطبي هذا الوصف له سبحانه وتعالى (3/427)
صفحة 985
بالحقيقة خاص به لا ينبغي لغيره إذ وجوده بنفسه فلم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم بخلاف غيره وقيل يحتمل أنت الحق بالنسبة إلى من يدعي أنه إله أو بمعنى من سماك إلها فقد قال الحق ( قوله وقولك الحق ) أي مدلول قولك ثابت لا شك فيه ( قوله ووعدك الحق ) أي لا يدخله خلف ولا شك في وقوعه وهو من ذكر الخاص بعد العام لأن الوعد بعد القول وهو ما وعد الله به عباده في الآخرة ( قوله ولقاؤك حق ) المراد باللقاء البعث بعد الموت وهو عبارة عن مآل الخلق في الآخرة بالنسبة إلى الجزاء على الأعمال وقيل المراد الموت قال النووي وهو باطل هنا قال ابن حجر وهذا وما بعده داخل تحت الوعد لكن الوعد مصدر وما بعده هو الموعود به ويحتمل أنه من الخاص بعد العام ( قوله والجنة حق ) أي دار الثواب ثابتة موجودة لا شك فيها ( وقوله والنار حق ) أي دار العقوبة ثابتة موجودة لا شك فيها وفيه إشارة إلى وجودهما الآن ( قوله الساعة حق ) أي يوم القيامة ثابت لا شك فيه وأصل الساعة قطعة من الزمان وإطلاق اسم الحق على ما ذكر من الأمور معناه أنه لا بد من كونها وأنها مما يجب أن يصدق بها وتكرار لفظ حق مبالغة في التأكيد وعرف الحق في الثلاثة الأول قيل للحصر لأن الله هو الحق الثابت وما سواه في معرض الزوال قال لبيد ( ألا كل شيء ما خلا الله باطل ) وكذا قوله وكذا وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره والتنكير في البواقي للتعظيم وقيل التعريف للدلالة على أنه المستحق لهذا الاسم بالحقيقة إذ هو مقتضى الأداة وكذا قوله ووعده لأن وعده كلامه في البواقي لأنها أمور محدثة والمحدث لا يجب له البقاء من جهة ذاته وبقاء ما يدوم منه علم من خبر الصادق لا من جهة استحالة فنائه وهذا قول من يرى قدم الكلام الإلهي والحق الذي لا شبهة معه أنه لا قديم إلا الله الواحد الأحد ( قوله لم أسلمت ) أي انقدت وخضعت لأمرك ونهيك ( قوله وبك آمنت ) أي صدقت ( وقوله وعليك توكلت ) أي فوضت أموري تاركا للنظر (3/428)
صفحة 986
في الأسباب العادية ( قوله وإليك أنبت ) أي رجعت إليك مقبلا بقلبي عليك ( قوله وبك خاصمت ) أي بما أعطيتني من البرهان وبما لقنتني من الحجة خاصمت من خاصمني من الكفار أو بتأييدك ونصرك قاتلت ( قوله وإليك حاكمت ) أي إلى حكمك حاكمت كل من جحد الحق وما أرسلتني به لا إلى من كانت الجاهلية تتحاكم إليه من كاهن ونحوه وقدم جميع صلات هذه الأفعال عليها أشعارا بالتخصيص وإفادة للحصر وكذا قوله ولك الحمد ( قوله فاغفر لي ما قدمت ) أي قبل هذا الوقت ( وقوله وأخرت ) أي بعد هذا الوقت ( وقوله وأسررت ) أي أخفيت ( وقوله وأعلنت ) أي أظهرت والمراد بالإسرار ما حدثت به النفس وبالإظهار ما تحرك به اللسان زاد في رواية للبخاري وما أنت أعلم به مني وهو من العام بعد الخاص وقال ذلك مع أنه مغفور له إما تواضعا وهضما لنفسه وإجلالا وتعظيما لربه أو تعليما لأمته ليقتدي به وقيل المراد مجموع ذلك إذ لو كان للتعليم فقط لكفى فيه أمرهم بأن يقولوا ( قوله أنت إلهي ) أي معبودي لا أعبد سواك ( وقوله لا إله إلا أنت ) أي لا معبود بحق إلا أنت زاد في رواية للبخاري ولا حول ولا قوة إلا بالله قال بعضهم هذا الحديث من جوامع الكلم لأن لفظ القيم إشارة إلى أن وجود الجواهر وقوامها منه والنور إلى أن الإعراض أيضا منه والملك إلى أنه حاكم عليها إيجادا وعد ما يفعل ما يشاء كل ذلك من نعمه على عباده فلذا قرن كلا منها بالحمد وخصص الحمد به ثم فوله أنت الحق إشارة إلى المبدأ والقول ونحوه إلى المعاش والساعة ونحوها إشارة إلى المعاد وفيه الإشارة إلى النبوءة وإلى الجزاء ثوابا وعقابا ووجوب الإيمان به والإسلام والتوكل والإنابة والتضرع إلى الله والخضوع وقال غيره وفيه زيادة معرفة صلى الله عليه وسلم بعظمة ربه وعظيم قدرته ومواظبته على الذكر والدعاء والثناء على ربه والإعتراف لله بحقوقه والإقرار بصدق وعده ووعيده والله أعلم.
ما جاء (3/429)
صفحة 987
( في دعائه صلى الله عليه وسلم حين يرى الهلال )
الربيع عن عبادة بن الصامت قال (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال الله أكبر مرتين الحمد لله الحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله اللهم إني أسألك خير هذا الشهر وأعوذ بك من سوء القدر ومن شر يوم المحشر ))
( ما جاء في دعائه صلى الله عليه وسلم حين يرى الهلال )
( قوله عن عبادة بن الصامت ) الحديث رواه أيضا أحمد الطبراني ( قوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ هذه الصيغة تشعر بتكرار هذا الدعاء منه صلى الله عليه وسلم عند رؤية الهلال وقد رويت عنه صلى الله عليه وسلم عند رؤيته أدعية أخرى فهو إما إنه يقولها مع هذا الدعاء أو أنه كان في غالب أحواله يقول بهذا الدعاء وفي بعض الأحول يقول بغيره ومن ذلك حديث طلحة بن عبيدالله عن الترمذي وقال حديث حسن غريب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله عن قتادة بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال هلال خير ورشد هلال خير ورشد هلال خير ورشد آمنت بالذي خلقك ثلاث مرات ثم يقول الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا رواه أبو داود ( قوله الهلال ) وهو يكون من الليلة الأولى والثانية والثالثة ثم هو قمر ( قوله الله أكبر الله أكبر مرتين ) لعل السر في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم استحضر ذهاب الشهر الأول وإقبال الثاني وإن كل واحد منهما آية من آيات الله العظام فكبر مرتين على ظهور الآيتين وفيه مسنونية الذكر عند ظهور الآيات وإنما آثر صلى الله عليه وسلم تقديم التكبير على سائر الأذكار لما فيه من الرد على عباد القمر فإن في ذلك إشارة إلى أن الله تعالى الكبير المتعالي هو الذي أطلعه بعد غروبه وأظهره بعد خفائه (( لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون)) ( قوله الحمد لله ) كذا وقع (3/430)
صفحة 988
في بعض النسخ بإفراد الحمد وهو موافق لما في رواية أحمد والطبراني ووقع في غالب النسخ تكرار الحمد مرتين وكأنه صلى الله عليه وسلم حمد الله على خروج الشهر الأول ودخول الثاني وقد وقع في حديث قتادة عند أبي داود الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا ( قوله لا حول ولا قوة إلا بالله ) أي ليس لأحد من الخلق احتيال ولا قوة في جلب نفع ولا دفع ضر إلا بالله العلي العظيم وفيه رد لزعم أهل الجاهلية ومن حذا حذوهم بإضافة الأفعال إلى الكواكب ومنها الشمس والقمر فقالوا الشمس سلطان الفلك والقمر وزيره وسائر الكواكب السيارة فعالة في التأثير في العالم السفلي وقد غلوا في ذلك حتى أن منهم من عبد الكواكب لهذه الشبهة ( قوله اللهم إني أسألك خير هذا الشهر ) وفي رواية قومنا من خير هذا الشهر والمراد الشهر الذي رأى هلاله ولما نفى صلى الله عليه وسلم عن سائر الخلق الحول والقوة طلب الخير من فاعله ومعطيه فالتجأ إلى ربه تعالى فسأله خير الشهر لأنه خالق الأشياء كلها وهو المدبر لجميع العالم وبعد أن سأله الخير استعاذ من ضده إذ في كل شهر بل وفي كل يوم وساعة تجري مقادير الرب بما قضاه في الأزل ( قوله وأعوذ بك من سوء القدر ) أي ألتجئ إليك واعتصم بجلالك من سوء ما قدرته على عبادك وسوء القدر يتناول جميع المكروهات معاشا ومعادا ودينا ودنيا وروى الطبراني عن نافع بن خديج اللهم إني أسألك من خير هذا الشهر وخير القدر وأعوذ بك من شره ثلاث مرات وروى ابن أبي شيبة عن علي موقوفا اللهم ارزقنا خيره ونصره وبركته وفتحه ونوره ونعوذ بك من شره وشر ما بعده ( قوله ومن شر يوم المحشر ) هو يوم القيامة سمي بذلك لأن الله تعالى يحشر فيه الخلائق أي يجمعهم وشر ذلك اليوم أعظم الشر وهو صلى الله عليه وسلم قد علم نجاته منه بغفران الله له فسؤاله تعبد وتواضع لجلال ربه وتعليم للأمة وفي الحديث التنبيه على أن الدعاء مستحب عند ظهور الآيات وتقلب الحالات والله (3/431)
صفحة 989
أعلم.
ما جاء
( في دعائه صلى الله عليه وسلم في مرض موته ) أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت سمعت (( رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت وهو مستند إلى( صدري وأصغيت إليه اللهم أغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق) قال وبلغنا عن عائشة أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من نبي يموت حتى يخير سمعته وهو يقول اللهم الرفيق الأعلى) فعرفت أنه ذاهب إلى الأعلى ))
( ما جاء في دعائه صلى الله عليه وسلم في مرض موته ) (3/432)
صفحة 990
( قوله عن عائشة ) الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وله أيضا طرق في الصحيحين وغيرهما ( قوله مستند إلى صدري ) أي معتمد عليه وفي رواية عند البخاري وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال اللهم في الرفيق الأعلى فقلت إذن لا يختارنا ( قوله وأصغيت إليه ) أي أملت سمعي إليه لأسمع ما يقول ( قوله اللهم اغفر لي وارحمني ) أي استر ذنوبي وارحم ضعفي وفيه ندب الدعاء بهما ولا سيما عند الموت وإذا دعا بذلك المصطفى فأين غيره منه والدعاء مخ العبادة لما فيه من الإخلاص والخضوع والضراعة والرجاء وذلك صريح الإيمان ( قوله وألحقني ) بهمزة قطع ( والرفيق الأعلى ) وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ومعنى كونهم رفيقا تعاونهم على الطاعة وارتفاق بعضهم ببعض وأفرده إشارة إلى أهل الجنة يدخلون على قلب رجل واحد وفي حديث أبي موسى عند النسائي وصححه ابن حبان فقال اللهم الرفيق الأعلى الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل وظاهره أن الرفيق المكان الذي تحصل المرافقة فيه مع المكورين وقال ابن عند البر هو أعلى الجنة وقال الجوهري هو الجنة ويؤيدة ما عند ابن إسحاق الرفيق الأعلى الجنة وقيل الرفيق ألأعلى الله عز وجل لأنه من أسمائه وفي مسلم وأبي داود مرفوعا أن الله رفيق يحب الرفق وهو صفة ذات كالحليم أو صفة فعل وغلط الأزهري هذا القول ولا وجه لتغليطه لأن تأويله على ما يليق بالله سائغ وفي البخاري من رواية تذكوان عن عائشة فجعل يقول في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده ولأحمد من رواية المطلب عن عائشة فقال مع الرفيق الأعلى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين إلى قوله رفيقا وهذا نص في تفسير الرفيق الأعلى وهو عين القول الأول وعليه أكثر الناس قال السهيلي الحكمة في اختتام كلام المصطفى بهذه الكلمة تضمنها التوحيد والذكر بالقلب حتى يستفاد منه (3/433)
صفحة 991
الرخصة لغيره أنه لا يشترط أن يكون الذكر باللسان لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع فلا يضره إذا كان قلبه عامرا بالذكر قال وفي بعض كتب الواقدي أول ما تكلم به صلى الله عليه وسلم وهو مسترضع عند حليمة الله أكبر وآخر ما تكلم به ما في حديث عائشة يعني في الصحيحين قالت عائشة فكانت آخر ما تكلم به صلى الله عليه وسلم قوله اللهم الرفيق الأعلى وروى الحاكم عن أنس آخر ما تكلم به جلال ربي الرفيع قد بلغت ثم قضي وجمع بأن هذا آخر على الإطلاق بعد ما كرر اللهم الرفيق الأعلى قبل جلال أي اختار جلال ربي الرفيع قد بلغت ما أوحي إلي ( قوله قال وبلغنا عن عائشة ) قائل هذا جابر بن زيد رضي الله عنه وكذلك رواه مالك أيضا بلاغا وأخرجه البخاري ومسلم من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عروة عن عائشة ( وقوله ما من نبي ) أراد ما يشمل الرسول ( وقوله حتى يخير) بضم أوله مبنيا للمفعول أي يخير بين الدنيا والآخرة وهذه المقالة منه صلى الله عليه وسلم كان يقولها وهو صحيح كما في بعض روايات البخاري قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صحيح يقول أنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يحيى أو يخير فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه فلما أفاق شخص بصره نحوه سقف البيت ثم قال اللهم في الرفيق الأعلى فقلت إذن لا يختارنا فعرفت أنه حديثه الذي كان وهو صحيح ( قوله فسمعته ) أي في مرض موته كما تقدم ( قوله فعرفت أنه ذهب إلى الأعلى ) وليس فيه رواية مالك قوله إلى الأعلى والمعنى أن عائشة علمت من دعائه ذلك أنه ذاهب إلى الرفيق الأعلى وأنه خير فلم يختر البقاء في الدنيا وفهم عائشة هذا نظير فهم أبيها رضي الله عنه من قوله صلى الله عليه وسلم أن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده أن المراد بالعبد النبي صلى الله عليه وسلم حتى بكى.
ما جاء
( في رقية جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم ) (3/434)
صفحة 992
الربيع عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أن جبريل عليه السلام رقاه وهو يوعك فقال باسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك ومن كل حاسد إذا حسد ومن كل عين واسم الله يشفيك ))
( ما جاء في رقية جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم )
( قوله عن عبادة بن الصامت ) الحديث رواه أيضا ابن ماجة مع بعض مخالفة في بعض الألفاظ ولمسلم معناه من حديث عائشة ( قوله رقاه ) من باب رمى يقال رقاه رقيا إذا عوذه بالله والاسم الرقيا على وزن فعلى والمرة رقية والجمع رقى مثل مدية ومدى ( وقوله وهو يوعك ) مضارع من وعك من باب وعد وهو مبني للمفعول من وعكته الحمى فهو موعوك والوعك مغث الحمى وقيل ألم الحمى وقيل نضها وقيل أرعادها وعن الأصمعي الوعك الحر قال ابن حجر فإن كان محفوظا فلعل الحمى سميت وعكا لحرارتها ( قلت ) هو موجود في لسان العامة من العرب ( قوله بسم الله أرقيك ) أي أعوذك باسم الله تعالى ( قوله من كل داء يؤذيك ) وفي رواية ابن ماجة من كل شيء يؤذيك والمراد بالشيء هو الداء المصرح به في رواية المصنف ( قوله ومن كل حاسد إذا حسد ) الحاسد هو من تمنى زوال نعمة الغير وفي رواية ابن ماجة من حسد حاسد ومن كل عين الله يشفيك ( قوله ومن كل عين ) هي سهام تخرج من نفس الحاسد أو العائن نحو المحسود والمعيون ( قوله واسم الله يشفيك ) أي ببركة اسم الله تشفى من مرضك وتبرى من وعكك أو أن لفظ اسم مقحم أي الله يبريك وفي الحديث جواز الرقية من الوعك والحسد والعين بل ومن كل داء وقد جاء التصريح بذلك في أحاديث متعددة والله أعلم.
ما جاء (3/435)
صفحة 993
( في دعائه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء ) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك (( جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله تعالى أن يأتينا برحمة قال أنس فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة فجاء رجل إلى رسول صلى الله عليه وسلم فقال إنهدمت البيوت وهلكت المواشي وانقطعت السبل فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في دعائه اللهم على رءوس الجبال والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر ( قال أنس ) فانجابت السحابة عن المدينة كانجياب الثوب ( قال الربيع ) الآكام الكدى الصغار وقوله فانجابت مثل نقرة جيب القميص أي فدارت السحابة بالمدينة وليس بينها وبين السماء سحاب ))
( ما جاء في دعائه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء ) (3/436)
صفحة 994
( قوله عن أنس بن مالك ) الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهما ( قوله جاء رجل) قال ابن حجر لم أقف على اسمه في حديث أنس قال وروى أحمد عن كعب بن مرة ما يمكن أن يفسر هذا المبهم بأنه كعب المذكور وللبيهقي مرسلا ما يمكن أن يفسر بأنه خارجة بن حصن الفزاري لكن رواه ابن ماجة عن شرحبيل بن السمط أنه قال لكعب بن مرة يا كعب حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أستسق الله فرفع يديه فقال اللهم أسقنا ففي هذا أنه غير كعب وفي رواية اسحق بن أبي طلحة عن أنس أنه إعرابي وفي رواية يحيى ابن سعيد عن أنس أتى رجل إعرابي من أهل البادية ولا يعارض ذلك قول ثابت عن أنس فقام الناس فصاحوا الاحتمال أنهم سألوا بعد أن سأل الرجل أو نسب إليهم لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه من دعائه صلى الله عليه وسلم ولأحمد عن ثابت عن أنس إذ قال بعض أهل المسجد وهو يرجع الاحتمال الأول وزعم بعضهم أنه أبو سفيان بن حرب وهم لأنه جاء في واقعة أخرى قبل إسلامه وينفي زعمه قوله يا رسول الله أي لأنه لا يقولها قبل إسلامه ( قوله هلكت المواشي ) أي لعدم ما تعيش به من الأقوات لحبس المطر وفي رواية عند قومنا الأموال والمراد بها هنا المواشي الصامت وفي لفظ الكراع بضم الكاف الخيل وغيرها وفي رواية هلكت الماشية هلك العيال هلك الناس وهو من العام بعد الخاص ( قوله وانقطعت السبل ) أي انقطع المار فيها لأن الإبل ضعفت بقلة القوت عن السفر أو أنها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم أودها وقيل المراد نفاد ما عند الناس من الطعام أو قلته فلا يجدون ما يحملونه إلى الأسواق وفي رواية قتادة عن أنس قحط المطر بفتح القاف والطاء وحكي بضم فكسر وفي رواية ثابت وأحمر الشجر كناية عن يبس ورقها لعدم شربها الماء أو لانتشاره فيصير الشجر أعوادا بلا ورق ولا حمد في رواية قتادة وأمحلت الأرض وهذه الألفاظ (3/437)
صفحة 995
قيل يحتمل أن الرجل قالها كلها ويحتمل أن بعض الرواة روى شيئا مما قاله بالمنى فإنها متقاربة وقيل بعضها غلط من بعض الرواة لأن الثابت منها شيء واحد ( قوله فادع الله أن يأتينا برحمة ) أي مطر وأطلق عليه اسم الرحمة لأنه أثرها وفي رواية فادع الله يغثنا وفي رواية أن يسقينا وفي أخرى فاستسق ربك ( قوله فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وفي رواية عند قومنا فرفع صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال اللهم أغثنا ثلاث مرات ( قوله فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ) فيه إشارة إلى أن هذا الدعاء كان في يوم الجمعة وقد وقع التصريح بذلك في بعض روايات البخاري وفي رواية قال أنس ولا والله ما نرى في السماء سحابا ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت فلا والله ما رأينا الشمس سبتا وفي رواية فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا وفي مسلم فأمطرنا حتى رأيت الرجل تهمه نفسه أن يأتي أهله ( قوله فجاء رجل ) ظاهره أنه غير الأول لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد وقد قال شريك في آخر هذا الحديث سألت أنسا أهو الرجل قال لا أدري ومقتضاه أنه لم يجزم بالتغاير والظاهران القاعدة أغلبية لأن أنسا من أهل اللسان وفي رواية إسحاق وقتادة عن أنس فقام ذلك الرجل أو غيره وهذا يقتضي أنه كان يشك فيه وفي رواية يحيى بن سعيد عن أنس فجاء الرجل فقال يا رسول الله ومثله لأبي عوانه عن حفص عن أنس بلفظ فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الرجل الأعرابي في الجمعة الأخرى وأصله في مسلم وهذا يقتضي الجزم بأنه واحد فلعل أنسا كان يتردد تارة ويجزم أخرى باعتبار ما يغلب على ظنه ( قوله انهدمت البيوت ) أي من كثرة المطر ( وقوله وهلكت المواشي ) أي لانقطاع المرعى بكثرة الماء أو لعدم ما يكنه من المطر ( وقوله وانقطعت السبل ) أي انقطع المار فيها لتعذر سلوك الطريق من كثرة الماء فهو سبب غير الأول وفي رواية حميد (3/438)
صفحة 996
عن أنس عند ابن خزيمة واحتبست الركبان ( قوله اللهم ) أي يا الله ( وقوله على رءوس الجبال ) الخ أي أنزل المطر على رءوس الجبال الخ ورءوس الجبال أعاليها وفي رواية مالك ظهور الجبال ( الآكام ) بكسر الهمزة وقد تفتح وتمد جمع أكمة بفتحات قيل هو التراب المجتمع وقيل هو أكبر من الكدية وقيل هي التي من حجر واحد وهو قول الخليل وقيل هي الهضبة الضخمة وقيل الجبل الصغير وقيل ما ارتفع من الأرض وقال الثعالبي الأكمة أعلى من الرابية ( وبطون الأودية ) ما يتحصل فيه الماء لينتفع به قالوا ولم يسمع أفعلة جمع فاعل إلا أودية جمع وادي ( وتعقب ) بأنه ورد أنديه جمع ناد ( ومنابت الشجر ) جمع منبت بكسر الموحدة أي ما حولها مما يصلح أن ينبت فيه لأن نفس المنبت لا يقع عليه المطر والمراد موضع نباتها قبل أن تنبت وفي رواية للبخاري فرفع صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر ( قوله فانجابت ) بجيم وموحدة أي خرجت السحابة عن المدينة كما يخرج الثوب عن لابسه وقال الربيع رحمه الله مثل نقرة جيب القميص ومعناه انقطعت من حذاء المدينة كمثل نقرة جيب القميص وهو الموضع الذي يقطع لإدخال الرأس وقال ابن القاسم قال مالك معناه تدورت عن المدينة كما يدور جيب القميص وقال ابن وهب يعني تقطعت عنها كما يقطع الثوب الخلق وفي رواية فما هو إلا أن تكلم صلى الله عليه وسلم تمزق السحاب حتى ما نرى منه شيء أي في المدينة ( واستشكل ) بأن بقاء المطر في ما سوى المدينة يقتضي أنه لم يرتفع الإهلاك ولا القطع وهو خلاف مطلوب السائل لقوله تهدمت البيوت وهلكت الماشية وانقطعت السبل ( وأجيب ) بأنه استمر في ما حولها من آكام وظراب وبطون الأودية لا في الطرق المسلوكة ولا البيوت ووقوع المطر في بقعة دون بقعة كثير ولو كانت تجاورها وإذا جاز ذلك جاز أن يوجد للمواشي أماكن تكنها ويرعى فيها بحيث لا يضرها ذلك (3/439)
صفحة 997
المطر ( وفي الحديث ) الأدب في الدعاء حيث لم يدع برفع المطر مطلقا لاحتمال الاحتياج إلى استمراره فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضرر وإبقاء النفع ومنه استنبط أن أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يسخطها لعارض يعرض فيها بل سأل الله رفع العارض وإبقاء النعمة ( وفيه ) أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل ( وفيه ) قيام الواحد بأمر الجماعة وإنما لم يباشر ذلك أكابر الصحابة لسلوكهم الأدب بالتسليم وترك الابتداء بالسؤال ومنه قول أنس يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية فيسأله ( وفيه ) علم من أعلام النبوة في إجابة دعائه عقبه أو معه ابتداء في الاستسقاء وانتهاء في الاستصحاء وامتثال السحاب أمره بمجرد الإشارة ( وقول الربيع ) الآكام الكدي الصغار يقتضي أن بين الآكام والكي عموما وخصوصا مطلقا فكل أكمة كدية ولا عكس وقد تقدم ذكر الخلاف في بيان ذلك وفي المصباح الأكمة تل وقيل شرفة كالرابية وهو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد وربما غلظ وربما لم يغلظ والجمع أكم وأكمات مثل قصبة وقصب وقصبات وجمع الأكم آكام مثل جبل وجبال وجمع الآكام أكم بضمتين مثل كتاب وكتب وجمع الأكم آكام مثل عنق وأعناق ( والكدي ) جمع كدية الأرض الصلبة مثل مدية ومدى والله أعلم.
ما جاء
( في دعائه صلى الله عليه وسلم في سجوده )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت (( فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبته فوقعت يدي على أخمص رجليه الحديث ))
( ما جاء في دعائه صلى الله عليه وسلم في سجوده ) (3/440)
صفحة 998
( قوله عن عائشة ) الحديث رواه أيضا مسلم وأبو داود والنسائي ورواه مالك في الموطأ مرسلا عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي أن عائشة أم المؤمنين قالت كنت نائمة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففقدته من الليل فلمسته بيدي فوضعت بيدي فوضعت يدي على قدميه وهو ساجد يقول أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت علة نفسك وليس عند المصنف قوله وبك منك الخ وإنما الثابت عنده ما تقدم في باب ما يجب منه الوضوء وهو قوله أعوذ بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك وقد تقدم شرحه هنالك ( وقوله الحديث ) إشارة إلى تقدمه في الباب المذكور والله أعلم.
الباب الثاني والعشرون
( أدب الدعاء وفضيلته )
( قوله أدب الدعاء وفضيلته ) المراد بأدب الدعاء ما ينبغي للإنسان أن يلازمه كالمواظبة بيا ذا الجلال والإكرام والجزم في الدعاء وقوة الرجاء الإجابة واختيار الثلث الآخر من الليل وعدم التعجل الإجابة والمراد بفضله ما يحصل للداعي من الإجابة .
ما جاء
( في الحث على الدعاء بيا ذا الجلال والإكرام )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم (( قال ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام ( قال الربيع ) يريد تحفظوا به الدعاء فإنه قيل كلما يدعو به الرجل غلا أستجيب له وأنا أردت أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ))
( ما جاء في الحث على الدعاء بيا ذا الجلال والإكرام ) (3/441)
صفحة 999
( قوله عن عائشة رضي الله عنها ) الحديث أيضا رواه الترمذي عن أنس وأحمد والنسائي والحاكم عن ربيعة بن عامر ( قوله ألظوا ) بهمزة قطع ولام مكسورة وظاء مشالة مشددة أمر من ألظ قال بعض الشراح وفي رواية بحاء مهملة أي ألزموا قولكم ذلك في دعائكم قال الزمخشري ألظ وألب وألح أخوات في معنى اللزوم والدوام ( قوله يا ذا الجلال والإكرام ) أي صاحب العظمة والعطاء الجزيل المستمر على كل أحد من خلقك وهو اسم من أسماء من أسماء الله الحسنى وقد ذهب بعضهم إلى إنه هو اسم الله الأعظم وإلى هذا أشار الربيع رحمه الله تعالى بقوله فإنه قل ما يدعو به الرجل إلا استجيب له ( وقوله تحفظوا به عند الدعاء ) تفسير لقوله صلى الله عليه وسلم ألظوا وهو تفسير للشيء يلازمه فإن التحفظ بالشيء من لوازم ولازمته والدوام عليه والله أعلم
ما جاء
( إنه صلى الله عليه وسلم قد اختبأ دعوته شفاعة لأمته يوم القيامة )
( أبو عبيدة ) قال (( بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكل نبي دعوة ))
( ما جاء إنه صلى الله عليه وسلم قد اختبأ دعوته شفاعة لأمته يوم القيامة ) (3/442)
صفحة 1000
وهو من آداب دعائه صلى الله عليه وسلم ( قوله بلغني ) الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة فبلاغه رضي الله عنه صحيح ( قوله لكل نبي دعوة ) زاد في البخاري مستجابة يدعو بها وزاد في بعض الروايات بعده عند غيره فتعجل كل نبي دعوته وزاد أيضا بعده في بعض الروايات فاستجيب له ( واستشكل ) ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة لا سيما نبينا صلى الله عليه وسلم وظاهره أن لكل نبي دعوة مجابة فقط ( وأجيب ) بأن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة وقيل معنى قوله لكل نبي دعوة أي أفضل دعواتهم ولهم دعوات أخرى وقيل لكل نبي منهم دعوة عامة مستجابة في أمته أما بإهلاكهم وأما بنجاتهم وأما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب ومنها مالا يستجاب وقيل لكل نبي مهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه لقول نوح ( لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) وقول زكريا ( فهب لي من لدنك وليا يرثني ) وقول سليمان ( وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ) ( وقوله اختبئ ) بسكون المعجمة وفتح الفوقية وكسر الموحدة فهمزة أي أدخر دعوتي المقطوع بإجابتها شفاعة لأمته في الآخرة في أهم أوقات حاجاتهم ففيه كمال شفقته على أمته ورأفته بهم واعتناؤه بالنظر في مصالحهم جزاه الله عنا أفضل ما جزى نبيا عن أمته ( قال بعضهم ) وفي الحديث بيان فضيلة نبينا على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابه ولم يجعلها أيضا دعاء عليهم كما وقع لغيره ممن تقدم ( وقول بعض ) الشراح المراد أن كل نبي دعا على أمته بالإهلاك إلا أنا فلم ادع فأعطيت الشفاعة عوضا عن ذلك للصبر على أذاهم متعقب بأنه صلى الله عليه وسلم دعا على أحياء من العرب وعلى أناس من قريش بأسمائهم فدعا على رعل وذكوان ومضر والأولى أن يقال جعل الله لكل نبي دعوة تستجاب في حق أمته فنالها كل منهم في الدنيا وأما (3/443)
صفحة 1001
نبينا فإنه لما دعا على بعض أمته نزل عليه ( ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم ) فأبقى تلك الدعوة المستجابة مدخرة للآخرة ( قوله شفاعة لأمتي ) هي سؤال فعل الخير ودفع الضرر عن الغير على سبيل التبرع والمراد بها الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف بتعجيل دخول الجنة وهي المراد بالمقام المحمود المذكور في قوله تعالى (( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا )) وسمي بذلك لأنه صلى الله عليه وسلم يحمده فيه الأولون والآخرون والله أعلم.
ما جاء
( في الحث على الدعاء في الرخاء والتضرع لله والتواضع له ) أبو عبيدة قال (( بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تضرعوا إلى ربكم وادعوه في الرخاء فإن الله قال من دعاني في الرخاء أجبته في الشدة ومن سألني أعطيته ومن تواضع لي رفعته ومن تضرع إلي رحمته ومن استغفرني غفرت له ))
( ما جاء في الحث على الدعاء في الرخاء والتضرع لله والتواضع له ) (3/444)
صفحة 1002
( قوله قال بلغني ) الحديث لم أجده في شيء من كتب الحديث ولعله مما تفرد به المصنف رحمة الله عليه ( قوله تضرعوا ) أي تذللوا واخضعوا ( وقوله فادعوه ) أي اطلبوا منه دفع الضر وجلب الرخاء سعة الرزق وصحة البدن والشدة عكسه ( وقوله من دعاني في الرخاء أجبته في الشدة ) أي من واظب على دعائي حال الصحة والسعة أجبت دعاءه إذا دعاني حال الشدة وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء وأخرج ابن أبي حاتم وغيره من رواية أبي يزيد الرقاشي عن أنس يرفعه أن يونس عليه السلام لما دعي في بطن الحوت قالت الملائكة يا رب هذا صوت معروف من بلاد غريبة فقال الله عز وجل أما تعرفون ذلك قالوا ومن هو قال عبدي يونس قالوا عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة قال نعم قالوا يا رب أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنحيه من البلاء قال بلى فأمر الله الحوت فطرحه بالعراء وقال الضحاك بن قيس اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة إن يونس عليه السلام كان يذكر الله تعالى فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى (( فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون )) وأن فرعون كان طاغيا ناسيا لذكر الله فلما أدركه الغرق قال آمنت فقال الله تعالى (( الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين )) وقال سلمان الفارسي إذا كان الرجل دعاء في السراء فنزلت به ضراء فدعا الله تعالى قالت الملائكة صوت معروف فشفعوا له وإذا كان ليس بدعاء في السراء فنزلت به الضراء فدعا الله قالت الملائكة صوت ليس بمعروف فلا يشفعون له وقال رجل لأبي الدرداء أوصني فقال اذكر الله في السراء يذكرك الله عز وجل في الضراء وعنه أنه قال ادع الله في يوم سرائك لعله أن يستجيب لك في يوم ضرائك ( قوله من سألني أعطيته ) أي من طلب مني شيئا أعطيته إياه وهذا من باب ذكر العام بعد الخاص فإن الله تعالى (3/445)
صفحة 1003
وعد بإجابة الداعي إذا دعاه كان قد تقدم له دعاء في الرخاء أو لم يكن لكن الإجابة لمن تقدم له دعاء في الرخاء أشد رجاء والملائكة عليهم السلام تشفع له بخلاف من لم يسبق له دعاء في الرخاء ( وأيضا ) فإن الداعي على الإطلاق قد يستجاب له في حاجته وقد يؤخر له فيعطى في الآخرة ثواب دعائه وجاء عنه صلى الله عليه وسلم ما من مسلم يدعو الله بالدعاء إلا استجيب له فإما أن يعجل له في الدنيا وأما أن يدخر له في الآخرة وأما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم وقال الحسن البصري أن الله تعالى يجيب كل الدعاء فأما أن تظهر الإجابة في الدنيا وأما أن يكفر عنه وأما أن يدخر له أجر في الآخرة وقال جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقف بين يديه فيقول عبدي إني أمرتك أن تدعوني ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعوني فيقول نعم يا رب فقال أما أنك لم تدعني ألا أستجيب لك الست دعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك ففرجت عنك فيقول نعم يا رب فيقول أني عجلتها لك في الدنيا ودعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجا قال نعم يا رب فيقول إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا ودعوتني في حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا فقضيتها فيقول نعم يا رب فيقول فإني عجلتها لك في الدنيا ودعوتني في يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك فلم ترها قضيت فيقول نعم يا رب فيقول إني ادخرت لك في الجنة كذا وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين له أما أن يكون عجل له في الدنيا وأما أن يكون ادخر له في الآخرة قال فيقول المؤمن في ذلك المقام ياليتة لم يكن عجل لي شيء من دعائي ( قوله ومن تواضع لي رفعته ) أي من تواضع لعظمتي رفعت قدرة في الدنيا والآخرة ( قوله ومن تضرع إلي رحمته ) أي من تذلل لعزتي وجلالي أوصلت أليه أثر رحمتي ( وقوله ومن (3/446)
صفحة 1004
استغفرني ) أي طلبني غفران ذنوبه ( وقوله غفرت له ) أي غفرت له ذنوبه أي سترتها عن الناس فلا يفضح بها في الدنيا ولا في الآخرة ولا يعاقب على شيء منها وهذا وعد منه تبارك وتعالى بقبول توبة التائب فهو على حد قوله تعالى (( وأني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى )) وقوله تعالى(( غافر الذنب وقابل التوب )) وفي هذا الحديث من جوامع الكلم وقواعد الدين ما يبهر فكرة الناظر والعلم عند الله تعالى .
ما جاء في الحث على الدعاء في الثلث الآخر من الليل
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن أبي هريرة قال قال رسول الله r يقول ربنا تبارك وتعالى حين يبقى ثلث الليل الآخر من يدعني فأستجيب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له .
----------------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري في مواضع من صحيحه وأوله عندهم عن أبي هريرة أن رسول الله r قال ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له . الحديث . ولم تثبت هذه القطعة عند المصنف فلهذا لم يذكرها وهي من الأحاديث المتشابهة المحتاجة إلى التأويل ومعناه ينزل أمره أو رحمته في ذلك الوقت . وحكى ابن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكاً . قال ابن حجر ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة عن أبي سعيد أن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر منادياً يقول هل من داع فيستجاب له . الحديث . وحديث عثمان بن أبي العاصي عند أحمد ينادي هل من داع يستجاب له الحديث . قال القرطبي وبهذا يندفع الإشكال .
قوله ( يقول ربنا تبارك وتعالى ) أي على لسان ذلك الملك الذي يبعثه منادياً في ذلك الوقت . (3/447)
صفحة 1005
قوله ( حين يبقى ثلث الليل الآخر ) بكسر الخاء يعني الأخير وهو مرفوع صفة لثلث وخص ذلك الوقت لأنه وقت التهجد وغفلة الناس عن التعرض لنفحات رحمة الله تعالى وعند ذلك تكون النية خالصة والرغبة إلى الله وافرة وذلك مظنة القبول والإجابة .
قوله ( من يدعني ) بحذف واو العلة في رواية المصنف وذلك يقتضي أن من شرطية وهي مثبتة في رواية مالك وذلك يقتضي أن من للاستفهام .
قوله ( فأستجيب له ) أي أجيب له دعاءه فليست السين للطلب .
قوله ( ومن يسألني فأعطيه ) أي أجيب له دعاءه فليست السين للطلب .
قوله ( ومن يسألني فأعطيه ) أي أعطيه ما سأل .
قوله ( ومن يستغفرني فأغفر له ) بإثبات الواو قبل من في رواية المصنف وليس في رواية مالك واو والمعنى من يطلب مني غفران ذنبه فأغفر له والفرق بين الثلاثة أن المطلوب أما رفع المضار أو جلب المسار وذلك أما دنيوي أو ديني فالاستغفار إشارة إلى الأول والدعاء إشارة إلى الثاني والسؤال إشارة إلى الثالث . وقيل يحتمل أن الدعاء ما لا طلب فيه والسؤال الطلب ويحتمل أن المقصود واحد وإن اختلف اللفظ . وفي الحديث تفضيل آخر الليل على أوله وأنه أفضل للدعاء والاستغفار ويشهد له قوله تعالى ( والمستغفرين بالأسحار ) وأن الدعاء ذلك الوقت مجاب ولا يعترض بتخلفه عن بعض الداعين لأن سببه وقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء كالاحتراز في المطعم والمشرب والملبس واستعجال الداعي أو يكون الدعاء بإثم أو قطعية رحم أو تحصل الإجابة فيتأخر وجود المطلوب لمصلحة العبد أو لأمر يريده الله تعالى والله أعلم .
ما جاء في النهي عن استعجال الإجابة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله r يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول دعوت فلم يستجب لي .
------------------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم . (3/448)
صفحة 1006
قوله ( يستجاب ) من الاستجابة بمعنى الإجابة . قال الشاعر : فلم يستجبه عند ذاك مجيب .
قوله ( لأحدكم ) أي واحد منكم لأن الاسم المضاف مفيد للعموم على الأصح .
قوله ( ما لم يعجل ) بفتح التحتية والجيم بينهما عين ساكنة أي يستعجل .
وقوله ( فيقول دعوت فلم يستجب لي ) تفسير للاستعجال . قال بعضهم يحتمل أن يريد بقوله ( يستجاب ) الإخبار عن وجوب وقوع الإجابة أي تحقق وقوعها أو الإخبار عن جواز وقوعها فإن أريد الوجوب فهو بأحد ثلاثة أشياء تعجيل ما سأله أو يكفر عنه به أو يدخر له فإذا قال دعوت .. الخ بطل وجوب أحد هذه الثلاثة وعري الدعاء عن جميعها وإن أريد الجواز فيكون الإجابة بفعل ما دعي به ومنعه قوله دعوت فلم يستجب لي لأنه من ضعف اليقين والسخط . وفي مسلم والترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً لا يزال يستجاب للعبد ما يدع بإثم أو قطعية رحم وما لم يستعجل قيل وما الاستعجال قال يقول قد دعوت فلم أر يستجاب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء . ويستحسر بمهملات استفعال من حسر إذا أعيا وتعب وتكرار ودعوت للإستمرار أي دعوت مراراً كثيرة . وقال غيره من له ملالة من الدعاء لا يقبل دعاؤه لأن الدعاء عبادة حصلت الإجابة أو لم تحصل فلا ينبغي للمؤمن أن يمل من العبادة وتأخير الإجابة إما لأنه لم يأت وقتها وإما لأنه لم يقدر في الأزل قبول دعائه في الدنيا ليعطى عوضه في الآخرة وإما أن يؤخر القبول ليلح ويبالغ في ذلك فإن الله يحب الملحين في الدعاء مع ما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار ومن يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له ومن يكثر الدعاء يوشك أن يستجاب له , والله أعلم .
ما جاء في النهي أن يقول اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله r لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ولكن ليعزم على المسألة لا مكره له .
----------------------------------- (3/449)
صفحة 1007
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري وأبو داود وهو في الصحيحين أيضاً عن أنس .
قوله ( لا يقولن أحدكم ) اختلف في هذا النهي فحمله بعضهم على التحريم وبعضهم على الكراهة كراهة التنزيه وهو عند الفريقين من آداب الدعاء .
قوله ( اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ) زاد في رواية للبخاري ( اللهم ارزقني إن شئت ) وذكر الثلاثة تمثيل لباقي الأشياء فإن مقصود النهي إنما هو عن التعليق بالمشيئة لأن التعليق بالمشيئة إنما يحتاج إليه إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشيء فيخفف الأمر عليه ويعلمه بأنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلا برضاه والله تعالى منزه عن ذلك فلا فائدة للتعليق وقيل لأن فيه صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه وأشار بعضهم إلى أن الممنوع من ذلك أن يقولها كالمستثني لا إذا قالها على سبيل التبرك فإنه لا يمنع وظاهر الحديث يخالفه .
قوله ( ليعزم على المسألة ) أي يجتهد ويلح ولا يقول إن شئت .
وقوله ( لا مكره له ) بكسر الراء فاعل من أكرهه على الشيء إذا حمله على خلاف ما يحب والمعنى أن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فلا مكره له على فعل شيء من أفعاله ولا على تركه فهو إن شاء أجاب دعاء السائل وإن شاء لم يجب فلا يحتاج إلى التعليق بالمشيئة ، والله أعلم .
الباب الثالث والعشرون
في التسبيح والصلاة على رسول الله r
ما جاء في فضل الصلاة على النبي r
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن النبي r قال ما من أحد يصلي علي في يوم مائة مرة إلا كتب من الذاكرين .
---------------------------------- (3/450)
صفحة 1008
قوله ( في التسبيح والصلاة على رسول الله r ) أما التسبيح فهو قول سبحان الله ومعنى التسبيح التنزيه لجناب الحق عن كل ما لا يليق بجلاله ويدخل فيه قول لا إله إلا الله وقول الحمد لله فإنه ذكرهما في الباب ولم ينص عليهما في الترجمة اكتفاء بذكر التسبيح أو هو من باب الترجمة عن الشيء والزيادة عليه وهو محمود بخلاف الترجمة عن الشيء والنقص منه . وأما الصلاة على النبي r فهي الدعاء له المخصوص بقوله تعالى ( صلوا عليه وسلموا تسليما ) والله أعلم .
قوله ( عن جابر بن زيد ) الحديث مرسل عند المصنف لسقوط الصحابي وهو من مراسيل جابر بن زيد المحكوم بصحتها فلا يضره ما سقط في سنده ولم أجده في شيء من كتب الحديث ولعله مما تفرد به المصنف رضي الله عنه .
قوله ( ما من أحد يصلي علي في يوم مائة مرة إلا كتب من الذاكرين ) وذلك لأن الصلاة عليه مشتملة على ذكر الله وتعظيم الرسول r والاشتغال بأداء حقه عن أداء مقاصد نفسه فمن واظب عليها كل يوم مائة مرة كتب من الذاكرين وهم غير الغافلين أو من الذاكرين الله كثيراً الممدوحين في كتاب الله عز وجل والمراد بكتابته أنه يكتب في صحف أعماله والمراد بالمائة حقيقة العدد أو المبالغة في التكثير وقد جاءت أحاديث في فضل الصلاة عليه r منها حديث أبي هريرة عند مسلم قال قال رسول الله r من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشر أي رحمه وضاعف أجره كقوله تعالى ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) . وعن أنس عند النسائي قال قال رسول الله r من صلى علي صلاة واحدة هلي الله عليه عشر صلوات وحطت عنه عشر خطيئات ورفعت له عشر درجات ، والله أعلم .
ما جاء في صفة الصلاة على النبي r (3/451)
صفحة 1009
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي مسعود قال أتانا رسول الله r في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك فسكت حتى نسينا أنه سأله فقال قولوا اللهم صل على نبينا محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم .
قال الربيع : قال أبو عبيدة السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبكراته كما علمناه .
------------------------------
قوله ( عن أبي مسعود ) هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري صحابي جليل مات قبل الأربعين وقيل بعدها وقد تقدمت ترجمته في الجزء الأول والحديث رواه مالك في الموطأ ومسلم والنسائي مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ .
قوله ( في مجلس سعد بن عبادة ) بن دلين بن حارثة بن أبي خزيمة وقيل حارثة بن حزام بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج الأنصاري الساعدي يكنى أبا ثابت وقيل أبا قيس والأول أصح وكان نقيب بني ساعدة عند جميعهم وشهد بدراً عند بعضهم وكان سيداً جواداً وهو صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها وكان وجيهاً في الأنصار ذا رياسة وسيادة يعترف قومه له بها وكان يحمل إلى النبي r كل يوم جفنة ثريداً ولحماً تدور معه حيث دار يقال لم يكن في الأوس ولا في الخزرج أربعة مطعمون يتوالون في بيت واحد إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم وله ولأهله في الجود أخبار حسنة ولما توفي النبي r طمع في الخلافة فجلس في سقيفة بني ساعدة ليبايع لنفسه فجاء إليه أبو بكر وعمر فبايع الناس أبا بكر وعدلوا عن سعد فلم يبايع سعد أبا بكر ولا عمر وسار إلى الشام فأقام به بحوران إلى أن مات سنة خمس عشرة وقيل أربع عشرة وقيل مات سنة إحدى عشرة ولم يختلفوا أنه وجد ميتاً على مغتسله وقد اخضر جسده ولم يشعر بموته بالمدينة حتى سمعوا قائلاً يقول من بئر ولا يرون أحداً : (3/452)
صفحة 1010
نحن قتلنا سيد الخز رج سعد بن عبادة
فرميناه بسهمـ ـين فلم نخطئ فؤاده
فلما سمع الغلمان ذلك ذعروا فحفظ ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه سعد بالشام قيل إن البئر التي سمع منها الصوت بئر منبه وقيل بئر سكن .
قوله ( بشير بن سعد ) أما بشير فهو بفتح الموحدة وكسر المعجمة بعدها مثناة تحتية وسعد بسكون العين هو ابن ثعلبة بن خلاس بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج يكنى أبا النعمان بابنه النعمان بن بشير شهد العقبة الثانية وبدراً وأحداً والمشاهد بعدها يقال انه أول من بايع أبا بكر الصديق رضي الله عنه يوم السقيفة من الأنصار وقتل يوم عين التمر مع خالد بن الوليد بعد انصرافه من اليمامة سنة اثنتي عشرة .
قوله ( أمرنا الله أن نصلي عليك ) يعني بقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليما ) .
قوله ( فكيف نصلي عليك ) أي علمنا كيف اللفظ اللائق بالصلاة عليك .
قوله ( فسكت ) يحتمل أن يكون سكوته حياء أو تواضعاً في إذ في ذلك الرفعة له فأحب أن لو قالوا هم ذلك ويحتمل أنه ينتظر ما أمره الله به من الكلام الذي ذكره لأنه أكثر مما في القرآن .
قوله ( حتى نسينا أنه سأله ) أي من طول السكوت نسينا السؤال وفي رواية مالك حتى تمنينا أنه لم يسأله أي مخافة أن يكون كرهه وشق عليه .
قوله ( قولوا ) الأمر بالصلاة للوجوب اتفاقاً فقيل في العمر مرة واحدة وقيل في كل تشهد يعقبه سلام وقيل كلما ذكر وأما الصلاة عليه بنفس هذه الصيغة فلا أعلم أن أحداً قال بوجوبها ولكنها فضل لمن قالها ويد على عدم وجوبها سكوته عليه الصلاة والسلام عن تعليمهم إياها حتى سأله بشير بن سعد ولو كانت واجبة لبينها من حين نزل قوله تعالى ( صلوا عليه وسلموا تسليما ) لأنه وقت الحاجة إلى البيان . (3/453)
صفحة 1011
قوله ( اللهم صل على نبينا محمد ) أي عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته وأيد فضيلته بالمقام المحمود .
قوله ( وعلى آل محمد ) أي أتباعه قال مالك بن أنس لقوله تعالى ( أدخلوا آل فرعون ) ورجحه النووي وقيده القاضي حسين والراغب بالأتقياء منهم وعليه يحمل كلام من أطلق ويؤيده قوله تعالى ( إن أولياؤه إلا المتقون ) وقوله r إن أوليائي منكم المتقون . وفي بعض الأحاديث آل محمد كل تقي . واستظهر المحشي هذا القول وهو الحق في مقام الدعاء بخلافه في تحريم الصدقة وقيل آله هم الذين لا تحل لهم الصدقة وهم أقربه المؤمنون من بني هاشم وبني عبد المطلب بن عبد مناف وقيل أزواجه وذريته وقيل أهل بيته وقيل الأزواج ومن تحرم عليهم الصدقة ويدخل فيهم الذرية وقيل المراد بالآل ذرية فاطمة خاصة وقيل هم جميع قريش والأول هو الحق والله أعلم .
قوله ( كما صليت على إبراهيم ) قال ابن حجر اشتهر السؤال عن موضع التشبيه مع أن المقرر أن المشبه دون المشبه به والواقع هنا عكسه لأنه محمداً r وحده أفضل من إبراهيم وآل إبراهيم ولا سيما وقد أضيف إليه آل محمد وقضية كونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره . وأجيب عن بأجوبة الأول أنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم . وتعقب بأنه لو كان كذلك لغير الصلاة عليه بعد أنه علم أنه أفضل .
الثاني أنه قال ذلك تواضعاً وشرع ذلك لأمته ليكتسبوا بذلك فضيلة الإتباع .
الثالث أن التشبيه إنما هو لأصل الصلاة لا للقدر فهو كقوله تعالى ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ) وقوله ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) وهو كقولك أحسن إلى فلان كما أحسنت إلى فلان وتريد بذلك أصل الإحسان لا قدره ومنه قوله تعالى ( وأحسن كما أحسن الله إليك ) ورجح هذا الجواب القرطبي . (3/454)
صفحة 1012
الرابع : أن الكاف للتعليل كما في قوله ( كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم ) وفي قوله ( واذكروه كما هداكم ) .
الخامس : أن المراد أن يجعله خليلاً كما جعل إبراهيم خليلا وأن يجعل له لسان صدق كما جعل لإبراهيم ذلك .
السادس : أن قوله اللهم صل على محمد مقطوع عن التشبيه فيكون بالتشبيه متعلقاً بقوله وصل على آل محمد . وتعقب بأن غير الأنبياء لا يمكن أن يساوي الأنبياء فكيف يطلب لهم صلاة مثل الصلاة التي وقعت لإبراهيم والأنبياء من آله .
السابع : أن التشبيه إنما هو للمجموع بالمجموع فإن في الأنبياء من آل إبراهيم كثرة فإذا قوبلت تلك الذوات الكثيرة من إبراهيم وآل إبراهيم بالصفات الكثيرة التي لمحمد أمكن بقاء التفاضل . قلت وهذا الجواب لا يتأتى على رواية المصنف فإن فيها ذكر إبراهيم دون آله .
قوله ( وبارك ) أي أظهر بركتك على محمد وعلى آل محمد كما أظهرتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم والمراد بالبركة الزيادة من الخير والكرامة . وقيل المراد التطهير من العيوب والتزكية . وقيل المراد ثبات ذلك واستمراره من قولهم بركت الإبل أي ثبتت على الأرض .
وآل إبراهيم قيل هم ذريته من إسماعيل وإسحاق ثم المراد المسلمون منهم ثم المتقون فيدخل فيهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون دون من عداهم ثم إن ثبت أن لإبراهيم نسلاً من غير سارة وهاجر فهم داخلون في آله لا محالة .
قوله ( في العالمين ) المراد بالعالمين أصناف الخلق وقيل ما حواه بطن الفلك وقيل كل محدث وقيل ما فيه روح وقيل العقلاء منهم وقيل الإنس والجن فقط . (3/455)
صفحة 1013
قوله ( إنك حميد مجيد ) أما الحميد فهو فعيل من الحمد بمعنى محمود وأبلغ منه وهو من حصل له من صفات الحمد أكملها . وقيل هو بمعنى الحامد أي يحمد أفعال عباده . وأما المجيد فهو من المجد وهو صفة من كمل في الشرف وهو مستلزم للعظمة والجلال كما أن الحمد يدل على صفة الإكرام ومناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله لنبيه وثناؤه عليه والتنويه به وزيادة تقريبه وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل للمطلوب وهو كالتذييل له والمعنى أنك فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المترادفة كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك .. الخ .
قوله ( والسلام كما علمتم ) روي بفتح العين وكسر اللام المخففة وبضم العين وشد اللام أي علمتموه والأول من العلم والثاني من التعليم قيل الأول أصح وقيل كلاهما صحيح والمراد به ما علموه من السلام في التشهد ولهذا قال الربيع رحمه الله قال أبو عبيدة السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته كما علمناه أي في التشهد . قال ابن حجر : وتفسير السلام بذلك هو الظاهر وحكى ابن عبد البر فيه احتمالاً وهو أن المراد به السلام الذي يتحلل به من الصلاة وقال الأول أظهر وكذا ذكره عياض وغيره ورد بعضهم الاحتمال المذكور بأن سلام التحلل لا يتقيد به اتفاقاً كذا قيل قال وفي نقل الاتفاق نظر فقد جزم جماعة من المالكية بأنه يستحب للمصلي أن يقول عند سلام التحلل السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام عليك ذكره عياض وقبله ابن زيد وغيره ا. هـ . والله أعلم .
ما جاء في فضل التهليل (3/456)
صفحة 1014
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله r من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا من عمل أكثر من ذلك .
-----------------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم .
قوله ( لا إله إلا الله ) قيل التقدير لا إله لنا في الوجود غيره . وتعقب بأن نفي الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة لانتفائها مع كل قيد فإذا نفيت مقيدة دلت على سلب الماهية مع التقييد المخصوص فلا يلزم نفيها مع قيد آخر . واعترض بأن هذا كلام من لا يعرف لسان العرب فإن إله في موضع المبتدأ على قول سيبويه وعند غيره اسم لا وعلى التقديرين فلا بد من خبر للمبتدأ أو للا فإن الاستغناء عن الإضمار فاسد وأما قوله إذا لم يضمر كان نفياً للإلهية مطلقة فليس بشيء لأن الماهية فيها نفي الوجود ولا تتصور الماهية عندنا إلا مع الوجود فلا فرق بين لا ماهية ولا وجود وقوله إلا الله في موضع رفع بدل من لا إله لا خبر لأن لا تعمل في المعارف ولو قلنا الخبر للمبتدأ أو للا فلا يصح أيضاً لما يلزم عليه من تنكير المبتدأ وتعريف الخبر لكن أجاز الشلو بين أن خبر المبتدأ يكون معرفة ويسوغ الابتداء بالنكرة في النفي .
قوله ( وحده لا شريك له ) تأكيد أن للحصر المستفاد من لا إله إلا الله فوحده حال مؤولة بمنفرد لن الحال لا تكون معرفة ولا شريك له حال ثاني مؤكدة لمعنى الأول .
قوله ( له الملك ) بضم الميم مطلق التصرف .
قوله ( وله الحمد ) أي الثناء على الجميل . (3/457)
صفحة 1015
قوله ( وهو على كل شيء قدير ) جملة حالية أيضاً ومن منع تعدد الحال جعل ( لا شريك له ) حالاً من ضمير وحده المؤولة بمفرد وكذا ( له الملك ) حال من الضمير المجرور في له وما بعد ذلك معطوفات .
قوله ( في يوم ) أي من الأيام يفيد أن من قالها مائة مرة في يوم واحد ولم يزد على ذلك حصل له الثواب المذكور فمن ضاعف ضوعف له .
قوله ( كانت ) أي هذه الكلمة .
وقوله ( عدل ) بفتح العين أي مثل ثواب إعتاق عشرة رقاب . وعشر بسكون السين .
قوله ( وكتب له مائة حسنة ) وفي رواية مالك ( وكتبت ) بزيادة التاء وكلا الوجهين جائز .
قوله ( ومحيت عنه مائة سيئة ) أي من صغائر ذنوبه .
قوله ( حرزاً ) بكسر الحاء وسكون الراء وبالزاي أي حصناً من الشيطان فقد حصل له ثواب هذا الذكر أشياء منها ثواب المعتق لعشر رقاب ومنها ثواب المحصل لمائة حسنة ومنها تكفير مائة سيئة ومنها أنه يحفظ من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي . (3/458)
صفحة 1016
قوله ( إلا من عمل أكثر من ذلك ) في رواية مالك ( إلا أحد عمل أكثر من ذلك ) وهو على الروايتين استثناء منقطع أي لكن أحد عمل أكثر مما عمل فإنه يزيد عليه أو متصل بتأويل قال ابن عبد البر فيه تنبيه على أن المائة غاية في الذكر وأنه قل من يزيد عليه وقال إلا أحد لئلا يظن أن الزيادة على ذلك ممنوعة كتكرار العمل في الوضوء ويحتمل أن يريد لا يأتي أحد من سائر أبواب البر بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل من هذا الباب أكثر من عمله ونحوه قول القاضي عياض ذكر المائة دليل على أنها غاية للثواب المذكور وقوله إلا أحد يحتمل أن يريد الزيادة على هذا العدد فيكون لقائله من الفضل بحسابه لئلا يظن أنه من الحدود التي نهي عن تعديها وأنه لا فضل في الزيادة عليها كما في ركعات السنن المحدودة كأعداد الطهارة ويحتمل أن تراد الزيادة من غير هذا الجنس من الذكر وغيره أي إلا أن يزيد أحد عملاً آخر من الأعمال الصالحة وظاهر إطلاق الحديث يقتضي أن الأجر يحصل لمن قال هذا التهليل في اليوم متوالياً أو مفرقاً في مجلس أو مجالس في أول النهار أو في آخره لكن الأفضل أن يأتي به متوالياً في أول النهار ليكون له حرزاً في جميع نهاره وكذا في أول الليل ليكون له حرزاً في جميع ليله .
ما جاء في فضل التسبيح بعد الصلاة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله r من قال على أثر صلاته سبحان الله والحمد لله مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال سمعت أن رسول الله r صلى ذات يوم بأصحابه فلما انصرف من صلاته أقبل على الناس فقال من المتكلم آنفا وهو يقول ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه . الحديث .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله r كان إذا أقبل من حج أو غزو يكبر على كل شرف ثلاث تكبيرات .
--------------------------------- (3/459)
صفحة 1017
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم مع اختلاف يسير .
قوله ( على أثر صلاته ) وفي رواية مالك من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة .. الخ .وفي بعض الروايات من قال حين يمسي وحين يصبح . وذكر النووي أن الأفضل أن يقول ذلك متولياً في أول النهار وفي أول الليل وهذا يتجه على رواية مالك ولا يتجه على رواية المصنف لأنه قال على أثر صلاته والمراد بها صلاة الفريضة .
قوله( سبحان الله ) أي تنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص فيلزم نفي الشريك والصاحبة والولد وجميع الرذائل ويطلق التسبيح ويراد به جميع ألفاظ الذكر ويطلق ويراد به صلاة النافلة وسبحان اسم منصوب على أنه واقع موقع المصدر لفعل محذوف تقديره سبحت الله سبحانا كسبحت الله تسبيحاً ولا يستعمل غالباً إلا مضافاً وهو مضاف إلى المفعول أي سبحت الله ويجوز كونه مضافاً إلى الفاعل أي نزه الله نفسه والمشهور الأول وجاء غير مضاف في الشعر كقوله سبحانه ثم سبحاناً أنزهه .
قوله ( الحمد لله ) أي الثناء الجميل لله وفي رواية مالك وبحمد أي متلبساً بحمده .
قوله ( مائة مرة ) أي متوالية أو متفرقة .
قوله ( حطت خطاياه ) وفي رواية مالك حطت عنه خطاياه والمراد بالخطايا ما يكون بينه وبين ربه من التضييع لحق الله عليه والمعنى أنه يكون فيذلك كفارة له كقوله تعالى ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) . (3/460)
صفحة 1018
قوله ( وإن كانت مثل زبد البحر ) كناية عن المبالغة في الكثرة نحو ما طلعت عليه الشمس . قال القاضي عياض : وقد يشعر هذا بفضل التسبيح على التهليل لأن عدد زبد البحر أضعاف أضعاف المائة المذكورة في مقابلة التهليل فيعارض قوله ( ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به ) فيجمع بينهما بأن التهليل أفضل مما زيد من رفع الدرجات وكتب الحسنات ثم ما جعل مع ذلك من عتق الرقاب قد يزيد على فضل التسبيح وتكفير الخطايا جميعها لأنه جاء من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار فحصل بهذا العتق تكفير الخطايا عموماً بعد حصر ما عدد منها خصوصاً مع زيادة مائة درجة وما زاده عتق الرقاب الزائدة على الواحدة ويؤيده الحديث الآخر أفضل الذكر التهليل وأنه أفضل ما قاله هو والنبيون من قبله وهو كلمة التوحيد والإخلاص وقيل أنه اسم الله الأعظم وجميع ذلك داخل في ضمن لا إله إلا الله في الحديث السابق والتهليل صريح في التوحيد والتسبيح متضمن له فمنطوق سبحان الله تنزيه ومفهومه توحيد ومنطوق لا إله إلا الله توحيد ومفهومه تنزيه فيكون أفضل من التسبيح لأن التوحيد أصل والتنزيه ينشأ عنه قال ابن بطال والفضائل الواردة في التسبيح والتحميد ونحو ذلك إنما هي لأهل الشرف في الدين والكمال كالطهارة من الحرام وغير ذلك فلا يظن ظان أن من أدمن الذكر وأصر على شاء من شهواته وانتهك دين الله وحرماته أن يلتحق بالمطهرين الأقدسين ويبلغ منازل الكاملين بكلام أجراه على لسانه ليس معه تقوى ولا عمل صالح . (3/461)
صفحة 1019
قوله ( سمعت أن رسول الله r صلى ذات يوم بأصحابه فلما انصرف من صلاته أقبل على الناس فقال من المتكلم آنفا وهو يقول ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ) الحديث تقدم ذكره في باب الركوع والسجود من كتاب الصلاة وتمامه قال رجل منهم أنا يا رسول الله فقال لقد رأيت بضعاً وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أولاً وقد تقدم شرحه هنالك والحديث مرسل عند المصنف وقد أخرجه مالك والبخاري وأحمد وأبو داود والنسائي من حديث رفاعة بن رافع والله أعلم .
قوله ( كان إذا أقبل من حج أو غزو يكبر على كل شرف ثلاث تكبيرات ) مذكور في باب الإهلال للحج والتلبية من كتاب الحج وقد تقدم شرحه هنالك وتمامه ثم يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون ساجدون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده . انتهى .
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه الكاملين في كل شرف وعلى كل من بهداهم اقتدى وبفضلهم اعترف وكان تمام تبييضه ضحوة الخميس لأربع ليال مضين من ذي الحجة من شهور سنة 1325 ويليه إن شاء الله الجزء الثالث .
فهرست الجزء الثاني من حاشية الجامع الصحيح
كتاب الصوم
الباب التاسع والأربعون في صيام رمضان في السفر
ما جاء في الصوم والفطر في السفر
ما جاء في اختيار الصوم على الإفطار في السفر إلا لحاجة .
ما جاء أن الصوم والفطر مفوضان إلى اختيار المسافر
الباب الخمسون في صوم يوم عاشوراء
ما جاء في فضل صوم يوم عاشوراء
ما جاء في صوم يوم عاشوراء في الجاهلية والإسلام
ما جاء في صوم ثلاثة أيام من كل شهر
ما جاء في صوم ستة أيام من شوال
ما جاء في صوم النبي r وفضل صوم شعبان
ما جاء في صوم يوم عرفة
الباب الحادي والخمسون فيما يفطر الصائم ووقت الإفطار والسحور
ما جاء في أن من اصبح جنباً أصبح مفطرا
ما جاء في كفارة من أفطر في رمضان (3/462)
صفحة 1020
ما جاء في أن الغيبة تفطر الصائم
ما جاء في القبلة للصائم
ما جاء في وقت السحور
ما جاء في تعجيل الإفطار وتأخير السحور
الباب الثاني والخمسون في ليلة القدر
الباب الثالث والخمسون في النهي عن صيام يوم العيدين ويوم الشك
ما جاء في رؤية الهلال
ما جاء في النهي عن صوم يوم الشك والعيدين
ما جاء في النهي عن الوصال
الباب الرابع والخمسون في فضل رمضان
ما جاء في من صام رمضان إيماناً واحتساباً
ما جاء في خلوف فم الصائم
ما جاء في بيان الصائم المستحق لفضيلة الصوم
ما جاء في أن الصوم جنة ونهي الصائم عن الرفث والمشاتمة
كتاب الزكاة والصدقة
الباب الخامس والخمسون في النصاب
ما جاء في زكاة الثمار
ما جاء في مقادير النصاب من كل صنف من أصناف الزكاة
ما جاء في زكاة الفطر
ما جاء في زكاة الركاز
الباب السادس والخمسون مالا يؤخذ في الصدقة
ما جاء فيما يمنع أخذه من الماشية
ما جاء في النهي أن يخرج الرديء عن الصدقة والحث على إخراج الخمس
الباب السابع والخمسون ما عفي عن زكاته
الباب الثامن والخمسون الوعيد في منع الزكاة
ما جاء في قتل مانع الزكاة
ما جاء أن مانع الزكاة لا تقبل صلاته
ما جاء في تعذيب مانع الزكاة
الباب التاسع والخمسون في الصدقة
ما جاء أن الصدقة تطفئ النار
ما جاء أن اليد العليا خير من اليد السفلى
ما جاء أن الصدقة تقي مصارع السوء
ما جاء أن النفقة على الأهل صدقة
ما جاء في الحث على إعطاء السائل
ما جاء في فضل من أطعم مسلماً أو سقاه
ما جاء في وصف المسكين
ما جاء في فضل النفقة في سبيل الله
ما جاء في فضل صدقة السر
ما جاء في الصدقة من المال الحلال
الباب الستون في افضل ما يتصدق به والبركة في الطعام
ما جاء فيمن تصدق بأحب ماله إليه وأن أفضل الصدقة في الأقارب
ما جاء في المنيحة
ما جاء في البركة في الطعام
الباب الحادي والستون من تكره له الصدقة والمسألة
ما جاء في من لا تحل له الصدقة
ما جاء في التنفير عن المسألة (3/463)
صفحة 1021
الباب الثاني والستون جامع الصدقة والطعام
ما جاء في مساهمة الجار
ما جاء أن طعام الاثنين كافي الثلاثة
ما جاء في التصدق بأول الثمرة
ما جاء في إجابة الدعاء للوليمة
ما جاء في طعام الوليمة
ما جاء في النهي عن منع الماء ليمنع به الكلا
ما جاء في فضل العطية والقرض
ما جاء في المرافقة بين الجيران
الباب الثالث والستون في آداب الطعام
ما جاء أن المسلم يأكل في معي واحد والكافر في سبعة أمعاء
ما جاء في الشرب من سؤر الحائض
ما جاء في الذباب يقع في الشراب
ما جاء في الشرب من الماء الذي شربت منه الهرة
ما جاء في النهي عن التنفس في الإناء
ما جاء أن الجالس على يمين الشارب أحق بالشرب بعده
ما جاء في النهي عن عب الماء
ما جاء في أكل الحيس
ما جاء في أكل السويق
ما جاء في صيد البحر
ما جاء في الأحوال المنهي عنها عند الأكل
ما جاء في الشرب قائما
ما جاء أن السنة في الشراب الأيمن
ما جاء في النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة
ما جاء في الضب
ما جاء أن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير حرام
ما جاء في النهي عن لحوم الحمر الإنسية
ما جاء في الانتفاع بجلد الميتة
كتاب الحج
الباب الأول في فرض الحج
ما جاء في من أدلكه الحج وهو هرم
ما جاء في وجوب الحج على التراخي
ما جاء أن الحج يجب في العمر مرة
ما جاء في حج الرجل عن أمه
الباب الثاني في المواقيت في الإحرام
ما جاء في بيان المواقيت
ما جاء في حرم المدينة
ما جاء في حرم مكة
الباب الثالث الإهلال والتلبية
ما جاء في تلبية النبي r
ما جاء فيما يقوله من اقبل من حج أو غزو
ما جاء في الإهلال يوم التروية من مكة
ما جاء في التلبية والتكبير من منى لعرفة
الباب الرابع في غسل المحرم
ما جاء في غسل المحرم بعد موته
ما جاء في غسل المحرم رأسه
الباب الخامس ما يتقي المحرم وما لا يتقي
ما جاء فيما يتقي المحرم من اللباس
ما جاء في بيان الدواب التي جوز للمحرم قتلها (3/464)
صفحة 1022
ما جاء في دخول مكة بغير إحرام وفي قتل الجاني فيها
الباب السادس في الكعبة والمسجد والصفا والمروة
ما جاء في الصلاة في البيت
ما جاء في بناء الكعبة
ما جاء في دخوله r الكعبة عام الفتح
ما جاء أنه لا يطوف بالبيت عريان
ما جاء في الرمل في الطواف والوقوف على الصفا والمروة والسعي في بطن الوادي بينهما والنحر
ما جاء في طواف المريض راكبا
ما جاء في البدء بالصفا
ما جاء في أصل السعي بين الصفا والمروة
ما جاء في استلام الركن اليماني
ما جاء في احتراق البيت الحرام
ما جاء في خطبته r يوم الفتح على باب الكعبة
الباب السابع في عرفة والمزدلفة ومنى
ما جاء في الوقوف بعرفة
ما جاء في الدفع من عرفة وصلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة
ما جاء في خطبته r بعرفة
ما جاء في وقت الدفع من عرفة والمزدلفة
ما جاء في السير في الدفع
حديث أبي أيوب في الصلاة بالمزدلفة
ما جاء في وادي السرر بمنى
ما جاء في المبيت بمنى ليالي التشريق
الباب الثامن في الهدي والجزاء والفدية
ما جاء في أن تقليد الهدي لا يوجب الإحرام
ما جاء أن من ساق الهدي لا يتحلل
ما جاء في ركوب الهدي
ما جاء في البدنة عن سبعة
ما جاء في نحر البقر عن النساء
ما جاء في فدية من حلق رأسه عن أذى وهو محرم
الباب التاسع في التمتع والإفراد والقران والرخصة
ما جاء في التمتع بالعمرة إلى الحج
ما جاء في الإفراد بالحج
ما جاء في الرخصة في تقديم الحلق على الذبح والنحر على الرمي خطأ
الباب العاشر في الصيد للمحرم
ما جاء في منع المحرم من أكل الصيد
ما جاء في أكل المحرم لحم الصيد إذا لم يصد من أجله
الباب الحادي عشر ما تفعل الحائض في الحج
ما جاء في إدخال الحج على العمرة
ما جاء في حكم الوداع للحائض
ما جاء أن فعل المناسك على غير طهارة جائز إلا الطواف بالبيت
ما جاء في اغتسال النفساء للإهلال
الباب الثاني عشر فضل الحج والعمرة
ما جاء في فضل التحليق على التقصير
كتاب الجهاد
الباب الثالث عشر في البيعة (3/465)
صفحة 1023
ما جاء في البيعة على السمع والطاعة في السعر واليسر وأن لا يخاف في الله لومة لائم
ما جاء في البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع والبيعة على أن لا يفروا
ما جاء في البيعة على الإسلام وأنه لا تصح الإقالة فيها
الباب الرابع عشر في عدة الشهداء
ما جاء أن المقتول دون ماله شهيد وأن أفضل الأعمال كلمة حق عند سلطان جائر
ما جاء أن الشهداء خمسة
ما جاء أن الشهيد يغفر له عند أول قطرة
ما جاء في الشهداء بغير السيف
الباب الخامس عشر في فضل الشهادة
ما جاء في تمني الشهادة
ما جاء في فضل من يكلم في سبيل الله
ما جاء فيما تكفل الله للمجاهد في سبيله
ما جاء أن الشهادة تكفر كل خطيئة إلا الدين
ما جاء أن شهيد المعركة لا يغسل
ما جاء في تمني الغزو وجواز التخلف لأجل الأصحاب
الباب السادس عشر في الخيل
ما جاء في المسابقة بالخيل
ما جاء في الفرس يحمل عليها الرجل ثم يجدها تباع
ما جاء لأن الخيل لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر
الباب السابع عشر جامع الغزو في سبيل الله
ما جاء في قتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله
ما جاء أن من حمل علينا السلاح فليس منا
ما جاء في الغدوة والروحة في سبيل الله
ما جاء أن من قتل قتيلاً كان له سلبه
ما جاء في وقت الإغارة
ما جاء أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وأنها لم تكن لرسول الله r
ما جاء في الغلول
كتاب الجنائز
الباب الثامن عشر في الكفن والغسل
ما جاء في استحباب البياض للبس الأحياء وتكفين الأموات وأنه لا يجوز في الكفن للميت إلا ما يجوز أن يلبسه في حياته
ما جاء أن المقتول في المعركة لا يغسل
ما جاء أن الكفن من رأس المال
ما جاء في صفة الكفن للمرأة
ما جاء في صفة تكفين الرجل
ما جاء في صفة غسل الميت
ما جاء في المبادرة إلى تجهيز الميت
ما جاء في تفريق شعر المرأة عند غسلها
الباب التاسع عشر في صلاة الجنائز
ما جاء أن الأولى بالصلاة على الميت أفضل القوم ورعا (3/466)
صفحة 1024
ما جاء في التكبير على الجنائز والصلاة على الغائب
ما جاء في صلاته r على أهل البقيع
الباب العشرون في القبور
ما جاء في زيارة القبور
ما جاء في النهي عن تجصيص القبور
ما جاء في تعذيب الميت ببكاء أهله
ما جاء أن الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي
ما جاء فيما يقال عند زيارة القبور
ما جاء في تقسيم الميت إلى مستريح ومستراح منه
ما جاء في عذاب القبر بترك الاستبراء من البول وبالمشي بين الناس بالنميمة
ما جاء في سماع عذاب القبر
ما جاء أن الحي آخر الزمان يغبط الميت في قبره
كتاب الأذكار
الباب الحادي والعشرون في الدعاء
ما جاء في تعليم رسول الله r أصحابه الدعاء
ما جاء في دعائه r من جوف الليل
ما جاء في دعائه r حين يرى الهلال
ما جاء في دعائه r في مرض موته
ما جاء في رقية جبريل عليه السلام للنبي r
ما جاء في دعائه r في الاستسقاء
ما جاء في دعائه r في سجوده
الباب الثاني والعشرون أدب الدعاء وفضيلته
ما جاء في الحث على الدعاء بياذا الجلال والإكرام
ما جاء أنه r قد اختبأ دعوته شفاعة لأمته يوم القيامة
ما جاء في الحث على الدعاء في الرخاء والتضرع لله والتواضع له
ما جاء في الحث على الدعاء في الثلث الآخر من الليل
ما جاء في النهي عن استعجال الإجابة
ما جاء في النهي أن يقول اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت
الباب الثالث والعشرون في التسبيح والصلاة على رسول الله r
ما جاء في فضل الصلاة على النبي r
ما جاء في صفة الصلاة على النبي r
ما جاء في فضل التهليل
ما جاء في فضل التسبيح بعد الصلاة (3/467)