صفحة 1
الكتاب: شرح الجامع الصحيح - الجزء 2
المؤلف: الإمام نور الدين/ عبد الله بن حميد السالمي
وكان تمام تبييضه ضحوة الخميس لأربع ليال مضين مِن ذي الحجة مِن شهور سنة 1325
مصدر الكتاب: كوكب المعرفة بموقع الشبكة الإباضية (شبكة أهل الحق والاستقامة) الصوم
بسم الله الرحمن الرحيم
وهو في اللغة الإمساك وفي الشرع إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص بشرائط مخصوصة ( وإنما ) قدمه على الزكاة لتقدم وجوبه عليها فإنه فرض في السنة الثانية من الهجرة لليلتين خلتا من شعبان وفي نصف شعبان حولت القبلة وفرضت الزكاة بعد ذلك كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى ( وهل ) كان قبله صوم ثم نسخ أولا قولان وعلى الأول فأي صوم وجب قبله في الإسلام فقيل عاشوراء ( وهو المذهب ) وقال القرطبي ثلاثة من كل شهر ويوم عاشوراء ( وهل ) نسخ ذلك برمضان أو بأيام معدودة ثم نسخت برمضان فيه خلاف.
وقال الفارابي أول ما فرض رمضان خير بينه وبين الإطعام ثم نسخ الجميع بقوله ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه )) وأوجب الصيام إلى الليل وأبيح الطعام والشراب والجماع إلى أن يصلي العشاء أو ينام فيحرم جميع ذلك واختان عمر رضي الله عنه زوجته فكذبها أنها نامت فوطئها فنزل قوله تعالى (( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم )) الآية
--- (1/1)
صفحة 2
في صيام رمضان في السفر
قوله في صيام رمضان في السفر ) قدمه على ذ كر الصيام في الحضر لكونه في الحضر معلوم الوجوب بالضرورة ووجوبه من قوله تعالى ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه )) فامتثل المسلمون ولم ينجح إلى البيان فوق بيان القرآن وأحكام السفر مخالفة في الصوم والصلاة لأحكام الحضر فمن ثم قدم المرتب ذكره (وإنما ) سمي هذا الشهر رمضان لأن وضعه وافق الرمض وهو شدة الحر وفي قوله صيام رمضان مطابقة لقول ابن عباس في الحديث الآتي عام الفتح في رمضان.
وكذلك قول الجملة من أصحابه صلى الله عليه وسلم في الحديث الثاني من الباب وذلك يدل على جواز استعمال رمضان من غير لفظ شهر بلا كراهة واليه ذهب البخاري وجماعة من المحققين (وكان ) مجاهد يقول لا تقولوا رمضان فانه اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان هكذا ذكره صاحب القوت قال وقد رفعه اسما عيل بن أبي زياد فجاء به مسندا ( ورد ) بوجهين أحدهما أن البيهقي ضعف الحديث مع انه لم ينقل عن أحد من العلماء أن رمضان من أسماء الله تعالى فلا يعمل به ( والثاني ) ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مما يدل على الجواز مطلقا كقوله إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة الحديث (وقال ) السهيلي ما ذكر مضافا إلى الشهر فإن المراد به بعضه وما ذكر بترك لفظ الشهر فالمراد به كله فالقرآن ما نزل في جميع الشهر إنما هو في بعض لياليه وقيام رمضان المطلوب فيه إدامة العمل به في جميع الشهر .
--- (1/2)
صفحة 3
ما جاء(في الصوم والفطر في السفر)
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال ((خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكد يد فأفطر فأفطر الناس معه وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من النبي صلى الله عليه وسلم ))
(قوله ابن عباس ) الحديث رواه البخاري ومسلم وأحمد غير أنهم ذكروه مطولا ذكروا فيه تاريخ وقت الخروج وعدد الجيش الذي خرج فيه إلا مسلما فلم يذكر شيئا منهما ونص الحديث عندهم عن ابن عباس أن صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة ومعه عشرة آلاف وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمة المدينة فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة يصوم ويصومون حتى إذا بلغ الكديد وهو ماء بين عسفان وقديد أفطر وأفطروا وإنما يؤخذ من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآخر فالآخر ( قوله الكديد ) بفتح الكاف وكسر الدال مكان معروف وقع تفسيره في رواية قومنا في نفس الحديث بأنه بين عسفان وقديد على صيغة التصغير وبين الكديد ومكة مرحلتان وهو ماء عليه نخل كثير ( قال القاضي ) عياض اختلفت الرواية في الموضع الذي افطر فيه النبي صلى الله عليه وسلم والكل في قضية واحدة وكلها متقاربة والجميع من عمل عسفان ( قوله وكانوا يأخذون ) هذا الكلام من كلام ابن عباس وهو إخبار عن الذي عرفه منهم ( قوله بالأحدث فالأحدث ) وفي رواية قومنا وإنما يؤخذ من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآخر فالأخر والمعنى واحد وذلك لأن الزمان كان زمان تبيين الشرائع وتعريف الأحكام فالمتأخر يكون ناسخا للمتقدم أو مبينا لمعناه ( وفي الحديث ) رد على زعم أن من استهل عليه رمضان في الحضر ثم سافر بعد ذلك فليس له أن يفطر لقوله تعالى ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه)) وقول أصحابنا وعليه أكثر أهل العلم أنه لا فرق بينه وبين من أستهل عليه رمضان في السفر لحديث الباب وهو (1/3)
صفحة 4
مبين لمعنى الآية وقال ابن عمر قوله تعالى ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه)) نسخها قوله فمن كان منكم مريضا أو على سفر الآية ( وفي الحديث ) .
أيضا جواز الإفطار في السفر ولو تقدمه صوم فيه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام حتى بلغ الكديد فأفطر وأفطروا (وقيل ) كل صوم في السفر يعقبه إفطار في السفر فهو باطل لأنه يجب عليه التزام أي الحكمين شاء الصوم أو الإفطار فإن اختار الصوم ثم أفطر فسد صومه في سفره والحديث يرد هذا القول والتزام أحد الحكمين لم يقم عليه دليل بل المسافر مخير مطلقا إن شاء صام وإن شاء أفطر وكذا المريض (واستدل ) به في الإيضاح لمن قال لا بدل على المسافر فيما مضى من صومه ولو أفطر في وقت من اليوم الذي أصبح فيه صائما قال لأن ذلك له في السفر وإنما عليه بدل يومه ثم ذكر الحديث ثم قال فظاهر هذا يدل أنه أفطر بعد أن بيت الصيام قال وأما الناس فلا شك أنهم أفطروا بعد تبييتهم الصوم ( ثم صحح ) عفا الله عنه القول بالبدل لقوله تعالى (( ولا تبطلوا أعمالكم )) واعترضه المحشي بأنه صلى الله عليه وسلم أدرى بالمراد من الآية ( ومعناه ) يجب حمل الآية على غير الإفطار في السفر خصوصا مع قوله تعالى ((فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ))كيف يكون ذلك إبطالا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فعله وفعله الناس معه والله تعالى يقول (( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا )) الآية ( ثم وجه ) المحشي كلام الإيضاح بأن يقال أنه صلى الله عليه وسلم إنما فعله لسبب وهو التقوى على العد وكما يشعر به الحديث الآتي والله أعلم ( قلت ) ومع ذلك فلا يدل على زوال الحكم مع زوال السبب وناهيك أن الإفطار والقصر شرعا في السفر لدفع المشقة وعدمها ولو كان ذلك مقصورا على السبب المشار إليه لبينه صلى الله عليه وسلم وحيث لم يبينه علمنا أن الحكم مستمر على ذلك في كل سفر والمريض كالمسافر في هذا كله والله أعلم .
--- (1/4)
صفحة 5
ما جاء(في اختيار الصوم على الإفطار في السفر إلا الحاجة )
( أبو عبيدة )عن جابر بن زيد قال (( سمعت جملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان فأمر الناس أن يفطروا قال تقوية على عدوكم فصام هو ولم يفطر قال ولقد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب الماء على رأسه من شدة الحر أو من العطش فقيل له يا رسول الله إن ناسا صاموا حين صمت قال فلما بلغ الكديد دعا بقدح من ماء فشرب فأفطر الناس معه ))
(قوله سمعت ) جملة الحديث رواه مالك عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه أحمد ومسلم وأبو داوود من حديث أبي سعيد وقد سمعه جابر رضي الله عنه من جملة من الصحابة ولعل أحدهم أبو سعيد كما في روايتهم وألفاظ الحديث مختلفة والمعنى متقارب ولفظه عندهم عن أبي سعيد قال ((سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام قال فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلا آخر فقال أنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فافطروا فكانت عزمة فأفطرنا ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول صلى الله عليه وسلم في السفر )) . (1/5)
صفحة 6
(قوله تقوية على عدوكم ) أي لأجل أن تتقووا على قتالهم فهو تعليل للحكم وأخذ منه بعضهم أن الفطر أولى لمن دنا من العدو لأنه ربما وصل إليهم العدو في موضعهم قال وأما إذا كان لقاء العدو متحققا فالافطار عزيمة لأن الصائم يضعف عن منازلة الأقران ولا سيما عند غليان مراجل الضرب والطعان قال ولا يخفى ما في ذلك من الإهانة لجنود المحقين وإدخال الوهن على عامة المجاهدين من المسلمين ( قوله فصام هو ولم يفطر ) لأنه يجد من نفسه قوة لا يجدونها لاعتدال مزاجه وقوة يقينه وفيه أن يصوم في السفر أفضل كما جاء في قوله تعالى (( وإن تصوموا خير لكم )) ( قوله قال ) المناسب قالوا لأن المخبرين جملة ولعله أفرده باعتبار كون الفاعل موصولا تقديره قال من حدثني وهو صادق على الجملة والإفراد وإنما يميز بينهما بالقرائن والقرينة هاهنا قوله ولقد رأيتنا ( قوله يصب الماء على رأسه ) وقع في رواية مالك تعيين الموضع الذي كان فيه الصب وهو العرج بفتح العين وسكون الراء المهملتين وبالجيم وهي قرية جامعة على نحو ثلاث مراحل من المدينة ( قوله من شدة الحر أو من العطش ) تحتمل أو الشك والتنويع فتحمل صلى الله عليه وسلم المشقة في نفسه لطلب الأفضل في حقه وكان لا يبالي بها في عبادة ربه ألا ترى إلى قيامه حتى تورمت قدماه ( قوله أن ناسا صاموا حين صمت ). (1/6)
صفحة 7
وذلك لأنهم فهموا أن أمره بالفطر ليس على الوجوب بدليل صيامه هو واختصاصه بمن شق عليه الصوم جدا والذين صاموا لم يكونوا كذلك ( قوله الكديد ) بفتح الكاف موضع تقدم ذكره ( قوله بقدح ) بفتحتين كسبب وزنا آنية معروفة يشرب فيها ( قوله فشرب ) أي علانية ليراه الصائمون أنه أفطر فلما رأوا ذلك أفطر الناس تأسيابه ( وزاد ) مسلم والترمذي عن جابر فقيل له بعد ذلك أن بعض الناس صام قال أولئك العصاة أولئك العصاة مرتين ( ( قال ) عياض وصفهم بذلك لأنه أمرهم بالفطر لمصلحة التقوي على العدو فلم يفعلوا حتى عزم عليهم بعد ( قال النووي ) أو يحمل على من تضرر بالصوم قال غيرهما أو عبر به في حثهم على الفطر رفقا بهم .
--- (1/7)
صفحة 8
أن الصوم والفطر في السفر مفوضان إلى اختيار المسافر
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال (( سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم من المفطر ولا المفطر من الصائم ))
( قوله عن أنس بن مالك ) الحديث رواه البخاري ومسلم واحمد ( قوله سافرنا ) ولفظ الرواية عند قومنا كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يفيد تكرار السفر مرارا ( قوله فلم يعب الصائم من المفطر ولا المفطر من الصائم ) أي فلم يعب رسول الله الصائم من بين المفطرين ولا المفطر من بين الصائمين فالصائم مفعول والفاعل ضمير مستتر يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله وللمفطر معطوف على الصائم ومن بين الموضعين لبيان الجنس وفي رواية قومنا فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم فالفاعل فيها الصائم والمفطر معطوف عليه والمعنى لم يعب بعضهم على بعض فالاستدلال على رواية المصنف من سكوته صلى الله عليه وسلم وعلى رواية القوم من سكوت بعضهم عن بعض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بل وفي سفره والحديث يدل على جواز الأمرين وكان ابن عباس يقول قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر فمن شاء صام ومن شاء افطر والله اعلم
--- (1/8)
صفحة 9
في صوم يوم عاشوراء ويوم عرفة
( قوله صوم يوم عاشوراء ويوم عرفة ) وثلاث من كل شهر وست من شوال وصيامه صلى الله عليه وسلم في شعبان وغيرة فهذه خمسة أشياء كان يجب أن يجعل لكل واحد منها باب بل وكان ينبغي أن يجعل باب في فضل صوم عاشوراء وهو الحديث ( الأول ) من الباب فيدخل تحت هذا الباب ستة أبواب لكن صنيع المرتب عفا الله عنه في جميع أبواب الكتاب على خلاف هذا الحال لقصده الاختصار فاقتصر في الترجمة على ذكر صوم عاشوراء وعرفة إشارة إلى أن الباب موضوع لصوم التطوع ولو ترجم عليه بصوم التطوع كان أمثل لأنه أدل على المقصود ( وعاشوراء ) بالمد على المشهور وحكى القصر وزعم ابن دريد انه اسم إسلامي وانه لا يعرف في الجاهلية ( ورد ) بأن الإعرابي حكي انه سمع من كلامهم حابوراء وبقول عائشة كانوا يصومونه قال المحشي والأخير لا دلالة فيه على رده يعني لاحتمال أن يكونوا يصومون اليوم ولا يسمونه بهذا الاسم ( واختلف ) أهل الشرع في تعيينه فقيل هو اليم العاشر من شهر الله المحرم وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية ( وقيل ) هو اليوم التاسع فعلى الأول فاليوم مضاف إلى الليلة الماضية وعلى الثاني هو مضاف إلى الليلة الآتية ( واحتج ) هؤلاء بما في حديث ابن عباس عند مسلم وأبي داوود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإذا كان عام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع قال فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم . (1/9)
صفحة 10
( والجواب ) انه إنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك ليخالف اليهود والنصارى كما يدل عليه صدر الحديث قال ابن عباس قال لما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله انه يوم تعظمة اليهود والنصارى فقال فإذا كان عام المقبل ثم ذكره ثم أن ما هم به من صوم التاسع يحتمل معناه انه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر إما احتياطا له وأما مخالفة لليهود والنصارى وهو على الأرجح كما يشعر به صدر الحديث المتقدم ولأحمد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعا صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود صوموا يوما قبله ويوما بعده وهذا كان في آخر الأمر وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان ولما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضا وصوم عاشوراء من ذلك فانه وافقهم أولا وقال نحن أحق بموسى منكم ثم أحب مخالفتهم فأمر أن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده خلافا لهم وعلى هذا فصوم عاشوراء على ثلاث مراتب أدناها أن يصام وحده وفوقه أن يصام التاسع معه وفوقه أن يصام معه التاسع والحادي عشر ( وقال بعضهم ) قوله صلى الله عليه وسلم لأصومن التاسع يحتمل أمرين أحدهما أنه أراد جعل العاشر إلى التاسع والثاني أراد أن يضيفه إليه في الصوم فلما توفي صلى الله عليه وسلم قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين ( وكان ) ابن عباس يوالي بين اليومين خشية أن يفوته ( وقيل ) أنه كان يقول صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود والله أعلم
--- (1/10)
صفحة 11
في فضل صوم يوم عاشوراء
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (( من صام يوم عاشوراء كان كفارة لستين شهرا وعتق عشر رقبات مؤمنات من ولد إسماعيل عليه السلام ))
(قوله عن ابن عباس ) الحديث تفرد به المصنف رضي الله عنه والذي في النسائي من حديث ابن عباس قال ما علمت النبي صلى الله عليه وسلم صام يوما يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم يعني شهر رمضان ويوم عاشوراء وفي جامع الترمذي عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله قال وفي الباب عن علي ومحمد بن صيفي وسلمة بن الأكوع وهند بن أسماء وابن عباس والربيع بنت معوذ بن عفراء وعبدا لرحمن بن سلمة الخز اعي عن عمه وعبدالله بن الزبير ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم انه حث على صيام يوم عاشوراء قال أبو عيسى لا نعلم في شيء من الروايات أنه قال صيام يوم عاشوراء كفارة سنة إلا في حديث أبي قتادة وبحديث أبي قتادة يقول أحمد وإسحاق ( قوله كفارة لستين شهرا ) وهي خمس سنين ويجمع بينه وبين حديث أبي قتادة عند الترمذي بما مر في فضل صلاة الجماعة وأنه صلى الله عليه وسلم قد أعطي أولا الفضل الأقل وهو كفارة سنة ثم زيد بعد ذلك حتى صار كفارة ستين شهرا وعتق عشر رقبات مؤمنات من ولد إسماعيل والله يضاعف لمن يشاء ونظيره ما ذكر الله تعالى في مدد الملائكة يوم بدر فإنه وعدهم بألف من الملائكة ثم زادهم على ذلك فوعدهم بثلاثة آلاف ثم زادهم ألفين فأمدهم بخمسة آلاف والألف والثلاثة داخلة تحت الخمسة. (1/11)
صفحة 12
ومن صفات الكريم أن يفي بما وعد ويزيد وهذه قاعدة تعرف بها الجمع بين كثير من الأحاديث المختلفة في تقدير الفضائل وبيان الثواب ( ومعنى ) قوله كفارة لستين شهرا أي يكفر الذنب الصغير الواقع في الماضي إلى ستين شهرا كما يدل عليه حديث أبي قتادة أن يكفر السنة التي قبله ( وقيل ) المراد غفران ما استقبل كأن يتمكن في التحفظ من الكبير والأول أرجح وأظهر لحديث أبي قتادة ولأن التفكير إنما يعبر به عن شيء قد وقع دون ما لم يقع ( قوله وعتق عشر رقبات ) جمع رقبة والمراد ثواب ذلك فمن صام عاشوراء حصل له شيئان غفران وثواب أما الغفران فإنه يكفر عنه ذنب ستين شهرا وأما الثواب فإنه يعطي ثواب من أعتق عشر رقبات مؤمنات من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وهم أولاد نزار بن معد بن عدنان وإنما خص المؤمنات لكونها أعظم أجرا وأكثر ثوابا وإنما خص ولد إسماعيل لقرب نسبهم من نسبه صلى الله عليه وسلم فإن نزارا يجمع نسبه صلى الله عليه وسلم مع أنسابهم وإسماعيل جد الكل فهم أقرب من غيرهم من عرب أو عجم أما العرب فلم يبق إلا اليمن وهم من ولد قحطان بن هود وليس إسماعيل جدا لهم وأما العجم فبعضهم من ولد يعقوب بن إبراهيم والباقي من غير ذلك وفي الحديث إشارة إلى احترام ولد إسماعيل وفيه أيضا إشارة إلى استرقاق العرب إذا أشركوا حتى ولد إسماعيل والله أعلم
--- (1/12)
صفحة 13
في صوم عاشوراء في الجاهلية والإسلام
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت (( كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك يوم عاشوراء ومن شاء صامه ومن شاء تركه ولكن في صيامه ثواب عظيم أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن معاوية بن أبي سفيان حين قدم من مكة ورقى المنبر فقال يا أهل المدينة أين علماؤكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهذا اليوم يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صومه وأنا صائمه فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر ولكن في صيامه ثواب عظيم وأجر كريم )) (1/13)
صفحة 14
( قوله عن عائشة ) الحديث رواه البخاري ومسلم واحمد إلا قوله آخر الحديث ولكن في صيامه ثواب عظيم فإنها زيادة تفرد بها المصنف رحمه الله عليه ( قوله يوم تصومه قريش في الجاهلية ) ولعلهم تلقوا ذلك من الشرع السالف فانه كان عندهم بقيه من شرع إبراهيم عليه السلام لكن هدموا ذلك بشرك والتبديل ومن تلك البقية تعظيمهم الكعبة وقيام المناسك وطواف واحترام الحرم والغسل من الجنابة ( وقال عكرمة ) أذنبت قريش ذنبا في الجاهلية فعظم في صدورهم فقيل لهم صوموا عاشوراء يكفر ذلك ( قوله يصومه في الجاهلية ) أي قبل أن يوحى اليه وذلك قبل الإسلام وقبل المراد قبل أن يهاجر وهو خلاف الظاهر لأنه لا جاهلية بعد الوحي غير أن القائل أخذ ذلك من مفهوم الخطاب حيث قابل ما قبل الهجرة بما بعدها ( قوله وأمر الناس بصيامه ) مفهومه انه كان قبل ذلك يصومه ولا يأمر أحدا بصيامه وهذا يدل أن الأمر بذلك كان أول قدومه المدينة ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الأولى وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان فعلى هذا لم يقع الأمر بصوم عاشوراء إلا في سنة واحدة ثم فوض الأمر في صومه إلى اختيار المتطوع ( ونقل عياض ) أن بعض السلف كان يرى بقاء فريضة عاشوراء لكنه انقرض القائلون بذلك . (1/14)
صفحة 15
( ونقل ابن عبد البر ) الإجماع انه ليس الآن بفرض والإجماع على انه مستحب ( وكان ) ابن عمر يكره قصده بصوم قيل ثم انعقد الإجماع على استحبابه ( قوله بلغني عن معاوية ) الحديث قيل رواه البخاري ومسلم واحمد وقوله في آخر الحديث ولكن في صيامه ثواب عظيم واجر كريم زيادة تفرد بها المصنف رحمه الله عليه وقد رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف انه سمع معاوية بن أبي سفيان يوم عاشوراء عام حج وهو على المنبر يا أهل المدينة أين علماؤكم الحديث ( قوله قدم من مكة ) أي إلى المدينة وذلك في حجه حجها في دولته وكان أول حجه حجها بعد ما تملك سنه أربع وأربعين وآخر حجه حجها سنة سبع وخمسين قال ابن حجر ويظهر أن المراد في هذا الحديث الحجة الاخيرة وكأنه تأخر بمكة أو بالمدينة بعد الحج إلى يوم عاشوراء ( وقوله أين علماؤكم ) سال عن النبي تنبيها لهم على الحكم أو استعانة بما عندهم على ما عنده أو توبيخا لهم حيث انه رأى أو سمع من خالفه أو أنه لم ير لهم اهتماما بصيامه وقد خطب به في ذلك الجمع العظيم ولم ينكر عليه فدل على ثبوت الحكم عند الكل ( قوله يوم عاشوراء ) بدل مما قبله أو عطف بيان وقوله ولم يكتب الله عليكم صومه أي لم يفترضه عليكم وهذا الكلام إلى آخرة من المرفوع عنه صلى الله عليه وسلم وأحتج به من قال انه لم يفرض قط ولا نسخ برمضان ( وتعقب ) بأن معاوية من مسلمة الفتح فإن كان سمع هذا بعد إسلامه فإنما سمعه سنة تسع أو عشر وذلك بعد نسخه برمضان فمعنى قوله لم يكتب أي لم يفرض بعد إيجاب رمضان جمعا بينه وبين الأدلة الصريحة في وجوبه وإن كان سمعه قبل إسلامه فيجوز كونه قبل افتراضه ونسخ عاشوراء برمضان في حديث عائشة الذي قبله.
--- (1/15)
صفحة 16
في صوم ثلاثة أيام من كل شهر
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( من صام في كل شهر ثلاثة أيام فكأنما صام الدهر كله ))
( قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي ذر ولأحمد ومسلم وأبي داود معناه من حديث أبي قتادة ( قوله ثلاثة أيام ) قيل هي أيام البيض لحديث أبي ذر عند أحمد والنسائي والترمذي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وهذا الحديث مؤيد لقول الجمهور في تعيين أيام البيض وأن أولها ثلاث عشرة وآخرها خمس عشرة ( وقيل ) هي الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر ولا دليل عليه ( وتفسير ) الثلاث المذكورة في الحديث بأيام البيض منقول عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبي ذر وغيرهم من الصحابة وجماعة من التابعين ( واستشكل ) بقول عائشة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم لا يبالي من أي الشهر صام ( وأجيب ) بأنه عليه الصلاة والسلام لعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعات ذلك أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز وكل ذلك في حقه أفضل والذي أمر به أمته ووصاهم به وعينه لهم صوم أيام البيض فيحمل مطاق الثلاث على الثلاث المذكورة ( واختار ) النخعي وآخرون أنها آخر الشهر لتكفر ما قبلها وهذا تعليل بمناسب ألغاه الشارع لأن المفهوم من لحن الخطاب أن صومها شرع لزيادة الأجر لا لتكفير السيئات فقط ( واختار ) الحسن البصري وجماعة أنها من أول الشهر ( واختارت ) عائشة وآخرون صيام السبت والأحد والاثنين من عدة شهر ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من الشهر الذي بعده لحديث روته عائشة في ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم رواه الترمذي وحسنة وقال البيهقي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يبالي من أي الشهر صام في حديث عائشة (1/16)
صفحة 17
قال فكل من رآه فعل نوعا ذكره وعائشة رأت جميع ذلك فأطلقت كذا قال وأراد بذلك الجمع بين أحاديث الباب .
( والجواب ) ما مر في الجواب عن الأشكال الأول وانه صلى الله عليه وسلم أمر أبا ذر بصوم الثلاث المخصوصة فهو السبيل في حقنا دونه لاحتمال فعله التخصيص ونحوه ( وروى ) عن مالك أنه يكره تعيين الثلاث ( وقيل ) استحباب صيام أيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر ( وقال الروياني ) صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب فإن اتفقت أيام البيض كان أحب ( قوله فكأنما صام الدهر ) كله ووقع بيان ذلك في حديث أبي ذر عند الترمذي وابن ماجه قال فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها اليوم بعشرة ( ومعناه ) أن الحسنة بعشر أمثالها فيعدل صيام الثلاثة الأيام من كل شهر صيام الشهر كله فيكون كمن صام الدهر ولا يلزم من التشبيه المساواة من كل وجه لأن التشبيه إلحاق ناقص بتام وذلك يصدق فيما إذا اشترك الطرفان ولو في وصف واحد ووجه الاشتراك في الحديث أصل الأجر الأصلي دون التضعيف الحاصل من الفعل ( واستدل ) بهذا الحديث وبقوله في حديث أبي أيوب الآتي فكأنما صام الدهر كله على جواز صوم الدهر بل على أفضليته مما شبه به ( وتعقب ) بأن التشبيه للأمر المقدور لا يقتضي جوازه فضلا عن استحبابه وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاث مئة وستين يوما ومن المعلوم أن المكلف لا يجوز له صيام جميع السنة فلا يدل التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه ( وقد اختلف ) الناس في صيام الدهر. (1/17)
صفحة 18
( فعن مالك ) إنه سمع أهل العلم يقولون لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها وهي أيام منى ويوم الأضحى والفطر فيما بلغنا قال وذلك أحب ما سمعت إلي في ذلك ( وعند جمهور ) الفقهاء أنه يستحب صوم الدهر لإطلاق الأدلة ( واختلف ) هؤلاء هل هو أفضل أو صوم يوم وإفطار يوم ( قال ) أهل الظاهر وإسحاق وأحمد في رواية بكراهة صوم الدهر وقال به ابن العربي من المالكية ( وشذ ) ابن حزم فقال من صام الدهر أثم لحديث الصحيحين لا صام من صام الأبد مرتين لأنه إن كان دعاء فيا ويح من أصابه دعاء المصطفى وإن كان خيرا فيا ويح من أخبر عنه أنه لم يصم ( وأجيب ) بأنه محمول على من تضرر به أو فوت به حقا ( ويؤيده ) إن النهي كان خطابا لعبدا لله بن عمرو بن العاص وفي مسلم والبخاري عنه أنه عجز في آخر عمره وندم على كونه لم يقبل رخصة النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه لعلمه بأنه سيعجز وأقر حمزة بن عمرو لعلمه بقدرته بلا ضرر وبأن معناه الخبر عن كونه لم يجد من المشقة ما يجده غيره لأنه إذا اعتاد ذلك لم يجد في صومه مشقة ( وتعقب ) بأنه مخالف لسياق الحديث إلا تراه نهاه أولا عن صيام الدهر كله ثم حثه على صوم داود والأولى أنه خبر عن إنه لم يمتثل أمر الشرع ( وقيل ) النهي محمول على حقيقته بأن يصوم العيدين وأيام التشريق وبهذا أجابت عائشة واختاره ابن المنذر وطائفة ( وتعقب ) بأنه صلى الله عليه وسلم قال لمن سأله عن صوم الدهر لا صام ولا أفطر وهو يؤذن بأنه لا أجر ولا وزر ومن صام الأيام المحرمة لا يقال فيه ذلك لأنه عند من أجازه يجيزه في غيرها فمن صام الكل يكون قد فعل مستحبا وحراما ( وأيضا ) فإن الأيام المحرمة مستثناة شرعا غير قابلة للصوم فهي بمنزلة الليل وأيام الحيض فلم تدخل في السؤال عند من علم بتحريمها ولا يصلح الجواب بقوله لا صام ولا أفطر لمن لم يعلم تحريمها والله أعلم .
--- (1/18)
صفحة 19
في صوم ستة أيام من شوال
قال الربيع بن حبيب عن أبي أيوب الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من صام رمضان ثم اتبعه بستة أيام من شوال فكأنما صام الدهر كله ))
( قوله عن أبي أيوب ) الحديث رواه أيضا الجماعة البخاري والنسائي ورواه أحمد من حديث جابر ولابن ماجة والنسائي معناه من حديث ثوبان ( قوله ثم اتبعه بستة أيام من شوال ) ظاهر التعبير بالإتباع يقتضي صومها أول شوال بعد الفطر حالا وهو الذي عليه العمل وبه قال بعض الناس وظاهر التعبير ثم يقتضي التراخي فيمكن إتيانها في الشهر كله قال المحشي وظاهره أيضا أنه لا فرق في ذلك بين أن تكون مجتمعة أو متفرقة والذي يدل عليه لحن الخطاب اجتماعها لأن تفريقها غير متبادر للأذهان حال الخطاب وإن احتمله اللفظ أهو الحديث يدل على استحباب صومها وهو قولنا وقول الشافعي وابن حنبل ( وكرهه ) مالك خوفا أن تلحق أهل الجهالة برمضان ما ليس منه ووافقه أبو يوسف على ذلك ( وروى ) مطرف عن مالك أنه كان يصومها في خاصة نفسه والقول بالكراهية خطأ لمصادمته النص والتعليل فاسد لأنه بمناسب ألغاه الشارع ( قوله فكأنما صام الدهر كله ) تقدم الكلام في نظيره وهو أن الحسنة بعشر أمثالها وقد جاء بيان ذلك مرفوعا في حديث ثوبان شهر رمضان بعشرة أشهر وستة أيام بشهرين وهما ستون يوما فذلك تمام سنة فمن لازم ذلك كان كمن صام الدهر كله ولا يشكل على هذا أنه يلزم من ذلك مساواة ثواب النفل للفرض لأنه إنما صار سنة بالتضعيف وهو مجرد فضل من الله تعالى والله أعلم .
--- (1/19)
صفحة 20
في صوم النبي صلى الله عليه وسلم وفضل صوم شعبان
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وما رأيته استكمل صيام شهر قط إلا رمضان وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان ))
( قوله عن عائشة ) الحديث رواه أيضا مالك والبخاري ومسلم والنسائي والترمذي كلهم عن عائشة وأخرجه النسائي من وجهين آخرين عن أبي سلمة عن أم سلمة ( قوله يصوم حتى نقول لا يفطر ) أي يكثر الصوم حتى يقع في الظن أنه لا يتركه بل يلازمه دائما ( قوله ويفطر حتى نقول لا يصوم ) أي يترك صوم التطوع حتى يقع في الظن إنه لا يصوم إلا الفرض وذلك لأحوال يشاهدها وأمور يعرفها الله أعلم بها وقد كان أبو خليل رحمة الله عليه يقوم الليل كله وربما قضى ليلته في ركعة وربما قضاها في سجدة وربما صلى بعض الليل ثم يرجع إلى أهله يهرول فتسأله امرأته عن ذلك فيقول إن للنفس إقبالا وأدبارا ( قوله صيام شهر قط ) وذلك لئلا نظن وجوبه وفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم وأحمد عن عائشة أيضا قالت لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم أكثر من شعبان فإنه كان يصومه كله ( وجمع ) بين الروايتين بأن رواية الكل محمولة على المجاز ففيها إطلاق اسم الكل على الأكثر وقد نقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر إن يقال صام الشهر كله ويقال قام فلان ليلته أجمع ولعله قد تعشى واشتعل ببعض أمره ( واستبعده ) الطيبي قال لأن لفظ كل تأكيد لإرادة الشمول ورفع التجوز وتفسيره بالبعض مناف له قال فيحمل على إنه كان يصوم شعبان كله تارة ويصوم معظمه أخرى لئلا يتوهم إنه واجب كله كرمضان. (1/20)
صفحة 21
( وقيل ) المراد بقولها كله إنه كان يصوم من أوله تارة ومن آخره أخرى ومن أثنائه طورا فلا يخلي شيئا منه من صيام ولا يخص بعضا منه بصيام دون بعض ( قوله وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان ) سمي شعبان بذلك لأن وضعه وافق تشعبهم في طلب المياه أو في الغارات بعد أن يخرج من شهر رجب الحرام ( والمعنى ) أن يصوم في شعبان وغيره وكان صيامه في شعبان تطوعا أكثر من صيامه في غيره ( واختلف ) في الحكمة في ذلك فقيل كان يشتغل عن صيام الثلاثة الأيام من كل شهر لسفر أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان ويؤيده ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فربما آخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان وفي إسناده ضعف ( وقيل ) كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان ويؤيده ما أخرجه الترمذي عن أنس قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم أي الصوم أفضل بعد رمضان فقال شعبان لتعظيم رمضان وإسناده ضعيف ( وقيل ) الحكمة في ذلك إن نساء كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان فكان يصوم معهن وقيل الحكمة في ذلك غفلة الناس عنهم لما أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة من حديث أسامة قال قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان قال ذاك شهر يغفل الناش عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلي وظاهر قوله أن شعبان شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان انه يستحب صوم رجب لأن الظاهر أن المراد انه يغفلون عن تعظيم شعبان بالصوم كما يعظمون رمضان ورجبا والله أعلم
--- (1/21)
صفحة 22
في صوم يوم عرفة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري (( اختلف أناس عند أم الفضل بنت الحارث وهي والدة عبدالله بن العباس في يوم عرفة في صيام رسول صلى الله عليه وسلم فقال قائلون هو صائم وقال آخرون ليس بصائم قال أبو سعيد فأرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن وهو واقف علي بعيره فشربه ))
( قوله اختلف أناس ) الخ أي تنازع طائفة من المؤمنين في عرفة في حضرة أم الفضل في صيام رسول الله-صلى الله عليه وسلم فقال قائل هو صائم وقال آخرون ليس بصائم وهذا يشعر بان صوم يوم عرفة كان معروفا عندهم معتادا لهم في الحضر وكأن من جزم بصيامه استدل بما ألفه من العادة ومن جزم بأنه غير صائم استحضر معنى السفر وانه عذر يبيح الفطر في الفرض فالنفل أحق بذلك ( والحاصل ) أن صوم يوم عرفة مستحب لغير الواقف بعرفة لحديث أبي قتادة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي ( وأما الواقف ) بعرفة فلا يستحب له الصوم لئلا يضعف عن الوقوف ولذلك تركه صلى الله عليه وسلم بعرفة كي يتأسى به أهل الموسم . (1/22)
صفحة 23
( وعن أبي هريرة ) قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفات رواه أحمد وابن ماجة فيكره صومه بعرفات لظاهر هذا الحديث بل أوجب فطره للحاج يحيى ابن سعيد الأنصاري من قومنا ولعله أخذ بظاهر النهي ( وقال عطاء ) من أفطره ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر صائم ( وقال قتادة ) لا بأس بصومه إذا لم يضعف عن الدعاء ( قوله وهو واقف ) على بعيره أي ناقته القصواء والبعير يطلق على الناقة والجمل كما أن الإنسان يطلق على المرأة والرجل زاد في بعض الروايات عند قومنا وهو يخطب الناس بعرفة ( وفيه ) مسنونية الوقوف على البعير للخلفية ونائبه ليأخذ الناس عنه مناسكهم فلو لم يكن على بعير ما رآه إلا القليل منهم ( وفيه ) جواز الجلوس على الراحلة وهي واقفة إن كان لمصلحة ومحل النهي عن ذلك حيث لم تكن مصلحة ( قوله فشربه ) زاد بعض الرواة عند قومنا والناس ينظرون واستدل به بعضهم على جواز الأكل والشرب في المحافل من غير كراهة ولا يدل على ذلك مطلقا وإنما يدل عليه حال الضرورة كما بعرفة فإنه لا يمكن فيها الاستتار ثم إن شربه صلى الله عليه وسلم بيان للحكم فلا يحمل غيره عليه في مثل ذلك إلا إذا نزل منزلة التبيين للأحكام والله أعلم وبالله التوفيق
--- (1/23)
صفحة 24
ما يفطر الصائم ووقت الإفطار والسحور
( قوله ما يفطر الصائم ووقت الإفطار والسحور ) يفطر بضم التحتيه وكسر الطاء المشددة من فطره بالتشديد إذا أدخل عليه الفطر وهو نقيض الصوم وهذا المفطر يكون مرة جائزا كالأكل والشرب في وقت الإفطار ومرة حراما كالغببة ومرة اختياريا وهو الإفطار المقصود على عمد كان جائزا أو ممتنعا وطورا ضروريا كمن أصبح جنبا على غير اختيار فإن ظاهر الحديث الآتي يوجب عليه النقض بذلك وقيل يعذر بالنسيان والخلاف في هذا نظير الخلاف فيمن أكل أو شرب ناسيا
--- (1/24)
صفحة 25
أن من أصبح جنبا أصبح مفطرا
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من أصبح جنبا أصبح مفطرا )) قال الربيع عن أبي عبيدة عن عروة بن الزبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وجملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون (( من أصبح جنبا أصبح مفطرا ))
( قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضا الشيخان ومالك في الموطأ وزادوا فيه أن أبا هريرة لما سئل عن ذلك قال لا علم لي بذلك إنما أخبرني مخبر كذا في الموطأ وفي مسلم فقال أبو هريرة سمعت ذلك من الفضل بن عباس ولم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وفي البخاري فقال كذلك أخبرني الفضل بن عباس وهو أعلم وعلى كل حال فهو ثابت الإسناد مشهور الصحة وكون أبي هريرة لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بل من الفضل لا يضره لأن مرسل الصحابي مقبول أجماعا ( قوله من أصبح جنبا أصبح مفطرا ) أي يفسد صومه بذلك فعليه البدل بلا كفارة إن لم يكن متعمدا وعليه الكفارة في التعمد لأنه تعرض لفساد صومه فهو وفي حكم من أفطر متعمدا وقد ثبتت الكفارة على مثل ذلك كما في الحديث الآتي ( قال الترمذي ) وقد بقي على العمل بحديث أبي هريرة هذا بعض التابعين وقد رواه المصنف عن أبي عبيدة عن جملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . (1/25)
صفحة 26
وعن عروة بن الزبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي من التابعين ورواه عبد الرزاق عن عروة بن الزبير أيضا وحكاه ابن المنذر عن طاوس قال ابن بطال وهو أحد قولي الشافعي ( وحكي ابن المنذر ) أيضا عن الحسن البصري وسالم بن عبدالله بن عمر أنه يتم صومه ثم يقضيه ( وروى ) عبد الرزاق عن عطاء مثل قولهما ( ونقل ) بعض المتأخرين من قومنا عن الحسن بن صالح إيجاب القضاء ( ونقل ) الطحاوي عنه استحبابه ونقل ابن عبد البر عنه وعن النخعي إيجاب القضاء في الفرض دون التطوع وقال الماوردي هذا الإختلاف كله إنما هو في حق الجنب ( قال ) وأما المحتلم فأجمعوا على أنه يجزئه ( وتعقب ) بما أخرجه النسائي بإسناد صحيح عن أبي هريرة أنه أفتى من أصبح جنبا من احتلام أن يفطر وفي رواية أخرى عنه عند النسائي أيضا من الليل أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم ( ومعنى ) قوله فلا يصم أي فلا صوم له وهذا في التطوع ظاهر و أما في الفرض فالمراد المبالغة في الإنكار ( وقال ) جمهور قومنا من أصبح جنبنا فصومه صحيح ولا قضاء عليه مطلقا وبالغ ابن دقيق العيد حين قال أنه صار ذلك إجماعا أو كالإجماع وقد تقدم القول بضد ما ادعى قبل وجوده بمئتين من السنين واحتج هؤلاء بحديث متفق عليه عندهم عن عائشة وأم سلمة أن صلى الله عليه وسلم كان جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان . (1/26)
صفحة 27
(والجواب) إن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم لان قوله عام وفعله خاص لا يتعداه إلى غيره إلا بوجوب الإتباع وهو دليل خارج عن نقس الفعل فنحن نتبعه صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله إلا ما خصنا فيه بحكم وقوله من أصبح جنبا أصبح مفطرا حكم عام يشملنا وإياه وفعله مخصص لهذا العموم فيبقى من عداه من الناس تحت هذا الحكم القولي ولا يصح أن يقال أن فعله ناسخ لقوله لأن ذلك يمكن أن لو كان الفعل شاهرا ظاهرا كالصلاة والمناسك فأما المستتر كالغسل من الجنابة فلا يصح أن يكون ناسخا لأنه صلى الله عليه وسلم قد كلف التبليغ على سواء والفعل المستتر يخالف ذلك فلو كان القول منسوخا لبينه بقول مثله حتى يعلم الحكم فيه ولا يترك الناس على غير بيان في دينهم ولا يصح تأخير البيان عن وقت الحاجة إجماعا والله أعلم ( قوله ويدرءون عنه الكفارة ) أي يدفعونها عنه وذلك لأن الكفارة فيها نوع عقوبة تشبه لحد وفي الحديث ادرءوا الحدود بالشبهات فالشبهة هاهنا حاصلة من تعارض الأدلة ولهذا اختلفت فيه الأمة والله أعلم.
--- (1/27)
صفحة 28
في كفارة من أفطر في رمضان
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة (( أفطر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا على قدر ما يستطيع من ذلك ))
(قوله عن أبي هريرة) الحديث رواه أيضا مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة يرفعه وأخرجه مسلم من طريق إسحاق بن عيسى وأبو داود عن القعنبي كلاهما عن مالك وروى الجماعة عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال هلكت يا رسول الله قال وما أهلكك قال وقعت على امرأتي في رمضان قال هل تجد ما تعتق رقبة قال لا قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا قال فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا قال لا قال ثم جلس فأتى صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر قال تصدق بهذا قال فهل على أفقر منا فما بين لابتيها أحوج إليه منا فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه فقال اذهب فأطعمه أهلك (وفي رواية ) أن رجلا أفطر في رمضان وفي رواية ملك جاء إعرابي إلى رسول الله وفي لفظ ابن ماجه قال اعتق رقبة قال لا أجدها قال صم شهرين متتابعين قال لا أطيق قال أطعم ستين مسكينا وذكره هذا الحديث أيضا موجود في القواعد والإيضاح وهما قضيتان اشتركتا في الإفطار واختلفتا في بيان المفطر فأطلقت رواية المصنف ومالك وعينت الرواية الأخرى أنه الوقاع ومن هاهنا نشأ الخلاف بين الناس في كفارة من أفطر بغير الوقاع فقال أصحابنا ومالك وأبو حنيفة وطائفة من غيرهم عليه الكفارة إذا تعمد أكلا أو شربا ونحوهما أخذا بظاهر رواية المصنف والموطأ والقياس يؤيد هذا الظاهر لأن الصوم شرعا الإمتناع من الطعام والجماع ونحوهما فإذا ثبت في وجه من ذلك شيء ثبت في نظيره والجامع إنتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدا. (1/28)
صفحة 29
( وقال الشافعي ) وأحمد ومن وافقهما أن الكفارة خاصة بالجماع لأن الذمة برئة فلا يثبت شيء فيها إلا بيقين وحملوا مطلق الإفطار في رواية المصنف ومالك على الإفطار بالوقاع المصرح به في رواية الجماعة ( قلنا ) هما قضيتان مختلفتان وقصة الجماع واقعة حال لا تقيد مطلقا ولا تخصص عموما على أن قياس سائر الإفطار على الجماع جلي من باب قياس المعنى الذي لا يمكن دفعه لعاقل كثبوت الحد على قاذف المحصن فإن الآية إنما صرحت بالحد في قاذف المحصنات ففهم المسلمون أن المعنى واحد لانتفاء الفارق قطعا فكذلك الحال هاهن ( ثم اختلفوا ) في أنواع الكفارة فقال أصحابنا ومالك وجماعة هي على التخير لظاهر حديث الباب الدال على أن الترتيب في الرواية الثانية عند الجماعة ليس بمراد ولأنه اقتصر على الإطعام في حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما( وقال أبو حنيفة) والشافعي وطائفة لا ينتقل عن العتق إلا عند العجز عنه ولا عن الصوم كذلك فهو عندهم على الترتيب أخذا بظاهر حديث المواقع ( وتعقب ) بأنه ليس في قوله هل تستطيع دلالة على الترتيب لا نصا ولا ظاهرا وإنما فيه البداءة بالأول وهو يصح على التخيير والترتيب وقد بينت الرواية الأخرى أن المراد التخيير ( قلت ) ويحتمل وجها آخر أن يلزم الترتيب في الجماع دون سائر المفطرات فإنه مخير معها وبهذا يتم الجمع يين الروايتين بلا تكلف والتشديد في الجماع معلوم مستقر في الشرع كفساد الحج به والله أعلم ( قوله أفطر رجل ) قيل هو سلمان ويقال فيه سلمة بن صخر البياضي( وتعقب ) بأن سلمة هو المظاهر في رمضان وإنما أتى أهله ليلا رأى خلخالها في القمر وقال ابن عبد البر أظن هذا وهما لأن المحفوظ أن سلمة أو سلمان إنما كان مظاهرا. (1/29)
صفحة 30
( وقال غيره ) سبب الوهم أن المظاهر كان ظهاره من امرأته في شهر رمضان وجامع ليلا كما هو صريح حديثه( وأما الآخر ) فإعرابي جامع نهارا فتغاير أو اشتركا في قدر الكفارة وفي الإتيان بالتمر وفي الإعطاء وفي قول كل منهما أعلى أفقر منا ولكن لا يلزم من ذلك اتحادهما ( قوله بعتق رقبة ) أي مؤمنة أخذا من قوله تعالى (( فتحرير رقبة مؤمنة )) (وقالت ) الحنفية بجواز عتق الكافرة أخذا من ظاهر الحديث وآية الكفارة فإن الرقبة فيهما مطلقة والجمهور يحملون هذا المطلق على المقيد في كفارة القتل على أن الحكمة الشرعية تأبى عتق الكافرة لأنه شرع رقها إهانة للكفر فالحث على تحريرها ينافي هذه الحكمة ( قوله متتابعين) أي بعضهما يتبع بعضا بلا فاصل وذلك لأن في الكفارة نوعا من العقوبة وفي الفصل راحة وفي التتابع تشديد فمن ثم شرط ولا يشكل عليك مشروعية العتق والإطعام في هذا الموضع فإنهما عقوبتان ماليتان وقد يتألم كثير من الناس بإخراج المال أكثر من تألمه بتوالي الصيام ويمكن أن يقال أن في العتق والإطعام مصلحة يتعدى نفعها إلى الغير فجعل ذلك التعدي مقوما لذلك التألم ( قوله على قدر ما يستطيع من ذلك ) أي على حسب ما يمكن من فعل ذلك فلو أمكنه الكل خير فيها فأيها شاء فعل وإن أمكن البعض تعين عليه فعله وإن تعذر عليه الكل جعله في وصيته لتعلق وجوبها عليه فلا تنحط عنه إلا بالأداء ويوسع له في التأخير حتى يستطيع فإن لم يستطع قضاه من بعده بوصيته إن وجد له شيء أو تبرع له متبرع وإن تعذر الإنفاذ عنه كان ذلك غاية ما عليه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ( فإن قيل ) لم لم تعذروه بالعجز وفي حديث الجماعة المتقدم ما يدل صريحا على العذر بالعجز ( قلنا ) قد عذرناه في التأخير ولا مشقة عليه في الوصية وقصة المجامع خاصة لا تتعداه لما جاء في بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اذهب فأطعمه أهلك ولا تجزي أحدا غيرك فهذا يدل على التخصيص والله
أعلم. (1/30)
صفحة 31
أن الغيبة تفطر الصائم
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء ))
( قوله عن ابن عباس ) الحديث تقدم شرحه في باب ما يجب منه الوضوء وقد تفرد به المنصف وللجماعة إلا مسلما والنسائي معناه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه وقد تقدم في باب آداب الوضوء وفرضه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله وهذا يتناول جميع المعاصي فهو يشمل الغيبة وغيرها ( قوله والغيبة تفطر الصائم ) أي تجعل الصائم مفطرا فلا صوم له وهو المراد بقوله في حديث أبي هريرة فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه فإنه كنياه عن عدم القبول كما يقول المغضب لمن رد عليه شيئا طلبه منه فلم يقم به لا حاجة لي في كذا (وقيل ) الصوم ثلاثة صوم العوام وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وصوم الخواص وهو منع الحواس كلها عن شهواتها ولذاتها المحرمة والمكروهات بل عن الانهماك في المباحات وعما ينافي كسر النفس وقمعها الذي هو المقصود من الصيام وصوم خواص الخواص وهو الإمساك عما دون الله وعدم الإلتفات إلى غيره والتعلق بما سواه ( وعند قومنا ) إن هذه الأفعال صغائر تكفر باجتناب الكبائر ( ومنهم ) من قال إنها تنقص ثواب الصوم ( وقال ) ابن العربي مقتضي هذا الحديث يعني حديث أبي هريرة أن لا يثاب على صيامه ومعناه إن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه وهذا كله مخالف لظاهر الأحاديث وليس الغيبة ولا قول الزور من الصغائر بل هما من الكبائر للأحاديث الدالة على ذلك والله أعلم
--- (1/32)
صفحة 32
في القبلة للصائم
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال (( سألت عائشة هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم قالت يصنع بنا ذلك وهو يضحك ))
( قوله سألت عائشة ) الحديث رواه أيضا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين وأخرجه البخاري عن عبدالله بن سلمة عن مالك بهذا السند وتابعه يحيى بن سعيد القطان عند البخاري وسفيان عند مسلم كلاهما عن هشام به وللجماعة إلا النسائي معناه ( قوله يقبل ) بضم المثناة التحتية وتشديد الموحدة المكسورة أي يلثم نسائه في حال الصوم والقبلة بالضم اللثمة وهذه المسألة من جملة المسائل التي أخجلت عائشة رضي الله عنها ( قوله يصنع بنا ذلك ) وفي حديث عروة عند مالك إنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقبل بعض أزواجه وهو صائم ثم ضحك وفي مسلم كان يقبلني وهو صائم ورواية المصنف تدل على أنه كان يقبلها وغيرها من نسائه عليه الصلاة والسلام وجاء إنه قبل أم سلمة كما في البخاري أو حفصة كما في مسلم أيضا والظاهر أن كل واحدة منهن أخبرت عن فعله معها وللبيهقي عن عائشة إنه صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها ( وفيه ) جواز الإخبار عن مثل هذا مما يجري بين الزوجين على الجملة للضرورة وإما في حال غير الضرورة منهي عنه ( قوله وهو يضحك ) أي مطايبة لها وتلطفا بها وإنبساطا معها وذلك من حسن السيرة وجميل العشرة وفي رواية عروة عن مالك ثم ضحكت فالضحك في رواية عروة صادر منها عند الإخبار. (1/33)
صفحة 33
وفي رواية المصنف صادر منه صلى الله عليه وسلم ويمكن الجمع بأن ذلك كله قد وقع وإنها إنما ضحكت عند عروة دون جابر لكونه منها محرما وهو ابن أختها أسماء ولعل ضحكها كان بسبب تذكر ضحكه صلى الله عليه وسلم معها ( وقيل ) ضحكت تنبيها على أنها صاحبة القصة ليكون أبلغ في الثقة بها وقد زاد ابن أبي شيبة عن شريك عن هشام عن أبيه فظننا أنها هي أو ضحكت تعجبا ممن خالفها في ذلك أو تعجبت من نفسها إذ حدثت بمثل هذا مما يستحي النساء من ذكر مثله للرجال لكن ألجأتها ضرورة تبليغ العلم إلى ذكر ذلك (والحديث ) يدل على جواز التقبيل للصائم وإنه لا يفسد به الصوم وفي بعضهم الخلاف عنه ( وأفتى ) ابن شبرمه من قومنا بإفطار من قبل ونقله الطحاوي عن قوم لم يسمهم ( وروى ) ابن أبي شيبه عن ابن عمر إنه كان يكره القبلة والمباشرة يعني مس البشرة باليد ونحوها وبه قال قوم وهو المشهور عند المالكية ( ونقل ) ابن المنذر وغيره عن قوم تحريمهما. (1/34)
صفحة 34
( وقيل ) بإباحة القبلة فقط وبالغ بعض الظاهرية فقال إنها مستحبة وفرق آخرون بين الشاب والشيخ فأباحوها للشيخ دون الشاب تمسكا بحديث أبي هريرة عند أبي داود أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له وأتاه آخر فنهاه عنها فإذا الذي رخص له شيخ وإذا الذي نهاه شاب وبه قال ابن عباس ( وفرق آخرون ) بين من يملك نفسه ومن لا يملك واستدلوا بحديث عائشة عند الجماعة إلا النسائي قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لا ربه وبه قال سفيان والشافعي ( وتعقب ) بأنه من قول عائشة فقط ولو تمسكوا بنهيه صلى الله عليه وسلم للشاب وإذنه للشيخ لكان أمثل لأنه يدل بالإشارة أنه لا يجوز التقبيل لمن خشي أن تغلبه الشهوة وظن أنه لا يملك نفسه عند التقبيل ومن نزل بهذه المنزلة فليس له أن يقبل لأنه يكون بذلك متعرضا لفساد صومه ولكل قائل تعلق واستدلال لا نطيل بذكره مخالفة التطويل والله أعلم
--- (1/35)
صفحة 35
في وقت السحور
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبيصلى الله عليه وسلم قال (( إذا سمعتم بلالا فكلوا وإذا سمعتم ابن أم مكتوم فكفوا يعني في رمضان ))
( قوله عن ابن عباس) الحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث ابن عمر ولفظه عندهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم قال وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت وفيه التصريح بالعلة التي لأجلها أبيح الأكل وهو أن بلالا ينادي بليل ( وقوله قي رواية المصنف إذا سمتم بلالا فكلوا ) يدل أن آذان بلال كان لأجل السحور فإن ذكر الوصف وهو سماع بلال مقرونا بالحكم وهو الأمر بالأكل يؤذن بأنه علة له وهذا يدل على أن تقديم الآذان على الفجر خاص برمضان لأجل أن يتسحر الناس ولهذا قال المصنف يعني في رمضان فلا معارضة بينه وبين النهي عن الآذان قبل الفجر على أنه قيل بضعف خبر النهي وقد وقع الخلاف في جواز تقديم الآذان في النصف الآخر من الليل وقد استوفيت بيان ذلك في الجزء الثالث من المعارج ( قوله وإذا سمعتم ابن أم مكتوم فكفوا ) أي فامتنعوا من الأكل لأنه لا يؤذن إلا حين يقال له أصبحت أصبحت وذلك بعد طلوع الفجر ( والحديث ) يدل على تأخير السحور وأنه لا يحرم الأكل والشرب حتى يطلع الفجر وهو معنى قوله تعالى (( وكلوا واشربوا حتى يتبن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر )) . (1/36)
صفحة 36
وهذا هو المذهب( وقيل ) طلوع الفجر نفسه هو المحرم للأكل والشرب حتى لو لم يتبين للناظر وفائدة الخلاف في من انكشف له أنه أكل بعد ما أصبح يظنه ليلا فقيل عليه قضاء يومه وقيل لا وهذا مبني على القول بأن التبين هو المحرم والأول على أن نفس طلوع الفجر هو المحرم لأن الله حده بالتبين وإذا طلع فقد تبين رآه الناظر أو لم يره ( وفيه ) أن التبين في الآية مضاف إلينا في قوله تعالى (( حتى يتبن لكم )) والتبين لنا هو ظهوره لنا دون ظهوره لنفسه والأمر بالكف عند أذان ابن أم مكتوم يدل على ذلك ( وقيل ) بوجوب الإمساك قبل طلوع الفجر للاحتياط والحديث يرده وقد اختلفت الرواية في ذلك عن ابن عباس فروي أنه قال لسائل سأله عن الوقت المحرم فيه الأكل على الصائم فقال له كل حتى تشك وروي أنه قال لآخر كل حتى لا تشك ( ويجمع ) بين الروايتين باختلاف حال السائلين فكأن أحد السائلين كان جاهلا بالوقت فأمره بالإمساك عند الشك والآخر عالم بالوقت فأطلق له الأكل حتى لا يشك أنه فجر والله أعلم ( وابن أم مكتوم ) هو عبدالله ابن قيس وقيل عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن هرم بن رواحة بن حجر بن عبد ابن معيص بن عامر بن لؤي القرشي العامري.
--- (1/37)
صفحة 37
في تعجيل الإفطار وتأخير السحور
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور ))
( قوله عن ابن عباس) الحديث رواه أحمد عن أبي ذر ولفظه عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر ( وعن سهل ابن سعد ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر رواه البخاري ومسلم وأحمد وعن أبي هريرة قال قال صلى الله عليه وسلم لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ( قوله بخير ) أي في عافية من أمر دينهم أي لا يزالون على السنة ما كانوا على هذا الحال لما تقدم في حديث أبي هريرة من قوله لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر وروى ابن حبان والحاكم من حديث سهل بن سعد لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم وعند الترمذي عن عائشة سألت عن رجلين من أصحاب صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة والآخر يؤخر الإفطار ويؤثر الصلاة فقالت أيهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة فقيل لها عبدلله بن مسعود قالت هكذا صنع صلى الله عليه وسلم والآخر أبو موسى ( قال ابن عبد البر ) أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة ( قوله ما عجلوا ) ما ظرفيه أي مدة فعلهم ذلك امتثالا للأمر ووقوفا عند حد الشرع ( والحكمة ) في ذلك أن لا يزاد في النهار من الليل وهو أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة ومخالفة لليهود فإنهم يفطرون عند ظهور النجوم وقد كان الشارع يأمر بمخالفتهم في أفعالهم وأقوالهم . (1/38)
صفحة 38
(واتفق العلماء ) على أن محل التعجيل إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عدلين أو عدل عند بعض وفي الحديث المتفق عليه عن ابن عمر قال سمعت صلى الله عليه وسلم يقول إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم وزاد البخاري في رواية من هاهنا وأشار بإصبعيه قبل المشرق والمراد وجود الظلمة وقد ذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور وهي وإن كانت متلازمة في الأصل لكنها قد تكون في الظاهر غير متلازمة فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة بل لوجود أمر يغطي ضوء الشمس وكذلك أدبار النهار فمن ثم قيد بغروب الشمس ( وأما تأخير السحور ) فهو أن يكون قبيل الفجر بيسير لحديث ابن عباس المتقدم إذا سمعتم بلالا فكلوا وإذا سمعتم ابن مكتوم فكفوا وذلك يقتضي التأخير كثيرا وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ندبية السحور وقد روى الجماعة إلا أبا داود عن أنس إن صلى الله عليه وسلم قال تسحروا فإن السحور بركة ( والمراد ) بالبركة الأجر والثواب وكونه يقوي على الصوم وينشط له ويخفف المشقة فيه وفي السحور مخالفة لأهل الكتاب فإنهم لا يتسحرون وأقل ما يحصل به التسحر ما يتناوله المؤمن من مأكول أو مشروب ولو جرعة من ماء والله أعلم.
--- (1/39)
صفحة 39
الباب الثاني والخمسون في ليلة القدر
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أريت هذه الليلة حتى تلاحا رجلان منكم فرفعت ملتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة )) قال الربيع أي مماريا (أبو عبيدة) عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأوسط من رمضان فاعتكف عاما حتى إذا كان إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه غدوتها قال من اعتكف معي فليعتكف في العشر الأواخر وقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها وقد رأيت أني أسجد في غدوتها في ماء وطين فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر ))
(قوله في القدر) سميت بذلك لعظم قدرها أي ذات القدر العظيم لنزول القرآن فيها ولوصفها بأنها خير من ألف شهر ولتنزل الملائكة أو لنزول البركة والمغفرة والرحمة فيها أو لما يحصل لمن أحياها بالعبادة من القدر الجسيم ( وقيل ) القدر هنا التضييق كقوله تعالى ومن قدر عليه رزقه ومعنى التضييق إخفاؤها عن العمل بتعيينها أو لضيق الأرض فيها عن الملائكة ( وقيل ) القدر هنا بمعنى القدر يفتح الدال المؤاخي للقضاء أي يقدر فيا أحكام السنة كقوله تعالى ( فيها يفرق كل أمر حكيم ) ونسبه النووي للعلماء ورواه عبد الرازق وغيره عن مجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم من المفسرين ( قيل ) والحكمة في التعبير بالقدر بسكون الدال عن القدر بفتحها ليعلم إنه لم يرد به نفس القضاء وإنما أريد به تفصيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة ليحصل ما يلقى إليهم فيها مقدارا بمقدار . (1/40)
صفحة 40
(وقيل) بسكون الدال ويجوز فتحها مصدر قدر الله الشيء قدرا وقدرا كالنهر والنهر أي كلاهما بمعنى (قوله عن أنس بن مالك) الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ عن حميد الطويل عن أنس بن مالك وقال شارحه قال ابن عبد البر هذا الحديث لا خلاف عن مالك في سنده ومتنه وإنما هو لأنس عن عبادة بن الصامت وقال الحافظ خالف مالكا أكثر أصحاب حميد فرووه عنه عن أنس عن عبادة وصواب ابن عبد البر إثبات عبادة وإن الحديث من مسنده فإن صح ذلك فهو مرسل صحابي ورواه أحمد ومسلم عن أبي سعيد في حديث له طويل ( قوله أريت ) بضم الهمزة لأبناء لما لم يسم فاعله ويحتمل إنها من رأى العلمية أو البصرية أي رأى علاماتها الدالة عليه ( قوله هذه الليلة ) أي ليلة القدر وفي البخاري خرجت لأخبركم بليلة القدر وفي رواية مالك أريت هذه الليلة في رمضان (قوله حتى تلاحا ) أي استمر علمها عندي إلى أن تلاحا رجلان فاشتغلت بالصلح بينهما فأنسيتها (ومعنى) تلاحا أي تماريا كما قال المصنف رحمة الله عليه ومعنى تماريا تنازعا وتخاصما وتشاتما (قوله رجلان منكم ) وفي البخاري رجلان من المسلمين وليس شيء منهما في رواية مالك قيل وكان رجلان من الأنصار وزعم ابن دحية أنهما عبدالله بن أبي حدرد وكعب بن مالك ( قوله فرفعت ) أي رفع بيانها أو علم تعبيرها من قلبي فنسيته للاشتغال بالمتخاصمين ( وقيل ) رفعت بركتها تلك السنة ( وقيل ) التاء في رفعت للملائكة لا لليلة والأول أظهر . (1/41)
صفحة 41
( وفي الحديث ) أنه قد يذنب البعض فتتعدى عقوبته إلى غيره فيجزى به من لا سبب له في الدنيا أما الآخرة فلا تزر وازرة وزر أخرى ومصداقه في قوله تعالى (( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة )) وقد قيل المراء والملاحاة شؤم ومن شؤمها حرموا ليلة القدر تلك الليلة ولم يحرموها بقية الشهر كما يدل عليه آخر الحديث (قوله فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة ) أي فاطلبوها من واحدة من هذه الثلاث ثم اختلفوا في وجه العدد فقيل المراد بالتاسعة تاسعة تبقى فتكون ليلة إحدى وعشرين والسابعة سابعة تبقى فتكون ليلة ثلاث وعشرين والخامسة خامسة تبقى فتكون ليلة خمس وعشرين على الأغلب لأن الشهر ثلاثون ( وقيل ) المراد بتاسعة تمضي فتكون ليلة تسع وعشرين وسبع وعشرين وخمس وعشرين ورجح الأول لما في أي داود من حديث عبادة تاسعة تبقى سابعة تبقى خامسة تبقى ( وعند ) أحمد ومسلم عن أبي نضرة عن أبي سعيد في حديث له قال قلت يا أبا سعيد إنكم أعلم بالعدد منا فقال أجل نحن أحق بذاك منكم قال قلت ما التاسعة والخامسة والسابعة قال إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها اثنان وعشرون فهي التاسعة فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها سابعة فإذا مضت خمس وعشرون فالتي تليها خامسة ( والحكمة ) في إخفائها الحث على قيام الشهر كله لأن إخفائها يستدعي ذلك بخلاف ما لو بقيت معرفتها بعينها وللبخاري فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم وأخذ بعض قومنا من الحديث استحباب كتمها لمن رآها لأن الله تعالى قدر لنبيه إنه لم يخبر بها والخير كله فيما قدره له ويستحب إتباعه في ذلك ( قال ) والحكمة فيه إنها كرامة والكرامة ينبغي كتمها ويستأنس له بقول يعقوب يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك الآية والله أعلم ( قوله عن أبي سعيد الخدري ) رواه أيضا مالك في الموطأ بنحو رواية المصنف ورواه البخاري ومسلم وأحمد بأبسط منها ( قوله العشر الأوسط ) هكذا في أكثر النسخ وهو أكثر روايات عند قومنا (1/42)
صفحة 42
والمراد به العشر الليالي وكان القياس أن يوصف بلفظ تأنيث لأن مرجعها مؤنث لكن وصف بالمذكر على إرادة الوقت والتقدير الثلث كأنه قال الليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر ووقع في بعض النسخ وفي رواية الموطأ العشر الوسط بضم الواو والسين جمع وسطين ويروى بفتح السين مثل كبري وكبر ويروى بإسكانها جمع واسط كبازل وبزل ( قوله فاعتكف عاما ) أي سنة من السنين يعني انه اعتكف العشر الأوسط كعادته فكان من أمره ما ذكر في الحديث . (1/43)
صفحة 43
( قوله حتى إذا كان ) حتى هذه إبتدائة دخلت على الجملة الشرطية وهي حرف لا يعمل شيئا إلا أنه وضع دلالة على ابتداء الكلام وإستئنافة ( قوله إحدى وعشرين ) وفي رواية الموطأ ليلة أحدى وعشرين ( قوله يخرج فيها من اعتكافه غدوتها ) وفي رواية الموطأ يخرج فيها من صبحها من اعتكافه كذا في رواية يحيى وابن بكير والشافعي ورواة جماعه يخرج فيها من اعتكافه لم يقولوا من صبحها والأولى موافقة في المعنى لرواية المصنف وقوله فيها غي بعدها وغدوتها بمعنى صبحها بدل بعض من كل ويصح أن تجعل الظرفية الاصليه فيكون المراد بإحدى وعشرين ما يشمل الليلة مع يومها وهذا ظاهر في رواية المصنف والأول أظهر في رواية مالك والحديث يدل إنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج من اعتكافه صبحا فهو يبيت في معتكفه وقد روى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك من اعتكف أول الشهر أو وسطه خرج إذا غابت الشمس آخر يوم من اعتكافه ومن اعتكف من آخر الشهر فلا ينصرف إلى بيته حتى يشهد العيد وهو مخالف لظاهر الحديث فإنه وارد في اعتكاف العشر الأوسط ثم إن المطلوب الأعظم من الاعتكاف في رمضان موافقة ليلة القدر فالمناسب المبيت في المعتكف ما دام في الشهر وليله الفطر ليست من رمضان ( واستشكل ) بأن ظاهر هذه الرواية إنه خطب أول اليوم الحادي والعشرين فأول ليالي اعتكافه الأخير ليلة اثنتين وعشرين فيخالف قوله في رواية مالك فأبصرت عيناي صلى الله عليه وسلم انصرف وعلى جبهته وانفه أثر الماء والطين من صبح ليله إحدى وعشرين فإنه ظاهر إن الخطبة كانت في صبح اليوم العشرين ووقوع المطر ليله إحدى وعشرين وهو الموافق لبقية الطرق ( وأجيب ) بأن في هذه الرواية تجوزا أي من الصبح الذي قبلها نسبة الصبح إليها مجاز والعرب تجعل ليلة اليوم الآتية بعده ومنه عشية أو ضحاها فأضافه إلى العشي وهو قبلها ويؤيده إن في رواية للشيخين فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه (1/44)
صفحة 44
وهذا في غاية الإيضاح.
( وقيل ) المعنى حتى إذا كان المستقبل من الليالي ليلة إحدى وعشرين ( قوله من اعتكف معي ) أي في العشر الأوسط وقوله فليعتكف في العشر الأواخر أي فليلازم الاعتكاف في العشر الأواخر وفي رواية الشيخين فخطبنا صبة عشرين وفي أخرى لهما فخطب الناس فأمرهم ما شاء الله ثم قال كنت أجاور هذا العشر ثم بدا لي أن أجاور هذا العشر الأواخر فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه وفي مسلم من وجه آخر عن أبي سعيد أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على سدتها حصير فأخذه فنجاه في ناحية القبة ثم كلم الناس فقال إني اعتكف العشر الأول التمس هذه الليلة ثم أعتكف العشر الأوسط ثم أتيت فقيل لي أنها في العشر الأواخر فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف فاعتكف الناس معه وعند البخاري إن جبريل أتاه في المرتين فقال له إن الذي تطلب أمامك أي قدامك ( قوله وقد رأيت هذه الليلة ) أي أبصرت علاماتها أو رأيتها في منامي ورؤيا الأنبياء حق وفي رواية في الموطأ أريت بهمزة مضمومة في أوله مبنيا للمفعول أي أعلمت هذه الليلة أي أخبرت أنها ليلة كذا ( قوله ثم أنسيتها ) بهمزة مضمومة مبنيا للمجهول والمعنى ذهب عني علمها وبقي عندي علامة واحدة وهي أني رأيت أني أسجد في غدوتها في ماء وطين ( قوله وقد رأيت أني ) في رواية مالك رأيتني بلا ألف قبل النون وهو بضم التاء وفيه عمل الفعل في ضمير الفاعل والمفعول وهو المتكلم وذلك من خصائص أفعال القلوب أي رأيت نفسي أسجد الخ ( قوله في غدوتها ) في رواية مالك من صبحتها والمعنى واحد ومن في رواية مالك بمعنى في ( قوله في ماء وطين ) وذلك علامة جعلت له وفي رواية عند البخاري أن أبا سعيد قال فرجعنا وما ترى في السماء قزعة أي قطعة من سحاب رقيقة فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد وهو من جريد النخل وأقيمت الصلاة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء (1/45)
صفحة 45
والطين حتى رأيت أثر الطين في جبينه ( قوله فالتمسوها ) أي فاطلبوها.
( وقوله في العشر الأواخر ) أي من رمضان فإنها مظنة وجودها ( وقوله في كل وتر ) يعني من أوتار العشر الأواخر فهو تخصيص بعد تخصيص وأول أوتارها ليلة إحدى وعشرين وآخرها ليلة تسع وعشرين وهذا الالتماس يحتمل في ذلك العام خاصة ويحتمل أنه الأغلب من وجودها في كل عام زاد مالك قال أبو سعيد فأمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد قال أبو سعيد فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبح ليلة إحدى وعشرين ( وفي أحاديث ) الباب دليل على مشروعية الاعتكاف وهو متفق عليه قال مالك فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة إتباعهم للأثر فوقع في نفسي أنه كالوصال وأراهم تركوه ولم يبلغني عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبدالرحمن ( ورد ) بأنه حكي عن غير واحد من الصحابة أنه اعتكف وليس الاعتكاف كالوصال بل هذه سنة مؤكدة وعبادة مرغب فيها والوصال أمر منهي عنه وناهيك أنه صلى الله عليه وسلم قال من اعتكف معي فليعتكف في العشر الأواخر والله أعلم .
--- (1/46)
صفحة 46
النهي عن صيام العيدين ويوم الشك
( قوله النهي عن صيام العيدين ويوم الشك ) وعن الوصال وقتل الضفدع والصفرد والصرد والمراد بالعيدين عيد الفطر وعيد النحر والمراد بيوم الشك اليوم الذي يشك فيه هل هو من شعبان أم من رمضان أما النهي عن صوم العيدين فللتحريم إجماعا وأما صوم يوم الشك ففيه خلاف يأتي واستظهر المحشي حمله على التحريم قال ولم يعترض للنهي عن صيام أيام التشريق فإنه لم يبلغ درجة النهي عن صيام هذه الثلاثة ( قلت ) لا ولكنه لم يثبت عند المصنف رضي الله عنه في ذلك شيء وقد روي أحمد ومسلم عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق فناديا أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن وأيام منى أيام أكل وشرب وروى أحمد والبزار عن سعد بن أبي وقاص قال أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أنادي أيام من أنها أيام أكل وشراب لا صوم فيها يعني أيام التشريق.
وفي الباب عن أنس عند الدارقطي وعن عائشة عند البخاري وقد استدل بهذه الأحاديث على تحريم صوم أيام التشريق وفي ذلك خلاف بين الصحابة فمن بعدهم وقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبي طلحة من الصحابة الجواز مطلقا وعن علي وعبدالله بن عمرو بن العاص المنع مطلقا ( وهو المذهب ) وبه قال الشافعي وعن ابن عمر وعائشة وعبيد بن عمير في آخرين منعه إلا للمتمتع الذي لا يجد الهدي وهو قول مالك والشافعي في القديم وقال الأوزاعي وغيره بصومها القارن ولكل تمسك ولا نطيل بذكره وأحاديث الباب دالة على المنع والله أعلم.
--- (1/47)
صفحة 47
في رؤية الهلال
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان (( لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غمي عليكم فاقدروا وفي رواية أخرى فأتموا لثلاثين ))
(قوله عن أبي سعيد الخدري ) الحديث رواه مالك والبخاري ومسلم من حديث عبدالله ابن عمر ولفظه عندهم عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا لم وفي رواية عند مسلم وأحمد أنه قال إنما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له زاد أحمد قال نافع وكان عبدالله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يوما يبعث من ينظر فإن رأى فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما ( قوله لا تصوموا ) أي لا تأخذوا في الصوم الواجب حتى تروا الهلال أو تكمل عدة شعبان وفي النهي عن ذلك نهي عن صوم يوم الشك وإياه قصد المرتب بإيراد الحديث في الباب وسيأتي الكلام عليه في الحديث الذي يليه قال الباجي مقتضاه منع صوم آخر شعبان وحمل بعضهم كلامه على معنى التلقي لرمضان أو الاحتياط قال وأما النفل فيجوز واستحب ابن عباس وجماعة الفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو يومين أو أيام كما استحبوا الفصل بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو مشي أو تقدم أو تأخر من المكان وصح مرفوعا إذا بقي نصف شعبان فلا تصوموا ولم يأخذ به أئمة الفتوى لأنه صلى الله عليه وسلم صام شعبان كله أو أكثره قالت عائشة ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما منه في شعبان كان يصومه إلا قليلا بل كان يصومه كله. (1/48)
صفحة 48
وقد تقدم ذلك ( قوله حتى تروا الهلال ) أي هلال رمضان ( وقوله ولا تفطروا حتى تروه ) أي لا تفطروا من صومكم حتى تروه ليلة شوال فرؤية الهلال سبب لوجوب الصيام والإفطار ومن البديهي وجوب تقدم السبب على المسبب فالصوم والإفطار إنما يكونان بعد الرؤية فإذا رأيناه ليلة رمضان أصبحنا صواما وكذا القوا في الفطر وإن رئي الهلال في النهار فقيل هو من الليلة المستقبلة في أي وقت رئي قبل الزوال أم بعده وقيل إذا رثي قبل الزوال خلف الشمس فهو من الليلة الماضية فإن رئي بعد الزوال فهو من الليلة المقبلة لأن القمر لا يرى والشمس باقية إلا وهو بعيد عنها لأنه حينئذ يكون أكثر من قوس الرؤية ( وليس المراد ) من الحديث تعليق الصوم بالرؤية في حق كل أحد بل المراد بذلك الرؤية في الجملة فإذا رآه بعضهم وهو من يثبت به ذلك وجب إما واحد وهو على رأي الجمهور أو اثنان على رأي آخرين وعليه المالكية وفي القواعد يصام بأمين واحد وبأمينين وبأمين وامرأتين وبثلاثة نفر من أهل الجملة إذا لم يسترابوا وبالشهرة التي لا تدفع ( وذكر في الإيضاح ) من الريبة قولهم إذا قالوا رأوه وهم بين الناس في ليلة شديدة الغمام أو كانوا في موضع مستتر عن مواضع الأهلة أو كانوا في حبس وكذلك من جر إلى نفسه أو دفع عنها مضرة لم تجز شهادته أمينا كان أو غير أمين. (1/49)
صفحة 49
( وقالت الحنيفة ) يصام برؤية الواحد إذا كان عليه شيء ثم غيم أو غيره كالغبار وإن كان صحوا لم يقبل إلا من جمع كثير يقع العلم بخبرهم (ومشهور ) المذهب عندنا معشر المشارقة الصوم برؤية العدل الواحد ولا يفطر إلا برؤية عدلين ووافقنا في الإفطار جميع من خالفنا في الصيام إلا أبا ثور وذلك لأن الأول شاهد على نفسه بتعلق الصوم عليه والثاني شاهد لها بجواز الإفطار فكأنهم أدخلوا عليه الريبة من هاهنا ( والدليل ) على الصوم بواحد حديث ابن عباس في السنن قال جاء إعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت الهلال فقال أتشهد أن لا إله إلا الله أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا ( وروى ابن داود وابن حبان عن ابن عمر قال تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه ) (قوله فإن غمي عليكم ) أكثر الروايات عند قومنا فإن غم بضم الغين وتشديد الميم وذكر ابن حجر في شرح البخاري روايات أخر بعضها من طريق الكشمهيني أغمي ومن رواية السرخس غبي بفتح الغين وتخفيف الموحدة وأغمي وغم وغمي بتشديد الميم وتخفيفها فهو مغموم والكل بمعنى ( والمراد ) خفاء الهلال بستر الغيم إياه وأما غبي فمأخوذ من الغباوة وهي عدم الفطنة وهي استعارة لخفاء الهلال ونقل ابن العربي أنه روي عمي بالعين المهملة من العمي وهو بمعناه لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات أو ذهاب البصيرة عن المعقولات. (1/50)
صفحة 50
( قوله فاقدروا ) بهمزة وصل وضم الدال والرواية عند قومنا فاقدروا له وليس عند المصنف له ولعلها سقطت من أيدي النساخ أو أنه سمعه كذلك والمعنى قدروا عدد الشهر فأكملوا شعبان ثلاثين كما صرحت به الرواية الأخرى وهي قوله فأتموا ثلاثين والحديث يفسر بعضه بعضا وبهذا التفسير قال جمهور السلف والخلف وخالف أحمد فقال معناه ذروه تحت السحاب أي قد روه موجودا هناك وقال جماعة منهم بن سريج ومطرف بين عبدالله وابن قتيبة أن معناه قدروه بحساب المنازل قال ابن عبد البر لا يصح هذا عن مطرف وأما ابن قتيبة فليس هو ممن يعرج عليه في مثل هذا ونقل ابن العربي عن ابن سريج إن قوله فاقدروا له خطاب لمن خصه الله تعالى بهذا العلم وقوله فأكملوا العدة خطاب للعامة ( فلزمه ) من ذلك اختلاف وجوب رمضان فيجب على قوم بحساب الشمس والقمر وعلى آخرين بحساب العدد وهذا كله خلاف الظاهر والحق ما عليه الجمهور والله أعلم ( قوله وفي رواية أخرى ) الظاهر أن هذه الرواية من رواية أبي سعيد الخدري أيضا وهي عند أبي داود من حديث ابن عباس وروى مالك من حديث ابن عباس يرفعه لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا المدة ثلاثين وهذا يتناول شعبان ورمضان فكل واحد منهما يكمل عدة ثلاثين يوما إن لم ير الهلال وهذا مفسر ومبين لقوله في الرواية قبله فاقدروا له وإنما أمر بإتمام ثلاثين لأن غالب الشهور إنما تكون كذلك ولأن الأصل براءة النفس من تعلق الوجوب فإذا تعلق بها وجب شرعي كان الأصل بقائه حتى يؤدي على وجهه ويخرج وقته بموجب شرعي والله أعلم .
--- (1/51)
صفحة 51
في النهي عن صوم يوم الشك والعيدين
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الشك وهو آخر يوم من شعبان ويوم الفطر ويوم الأضحى قال من صامهما فقد قارف إثما )) ( أبو عبيدة ) عن جابر بن زيد قال (( بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى بالناس يوم العيد ثم انصرف فخطب الناس ثم قال إن هذين يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم ويوم تأكلون فيه من نسككم )) (1/52)
صفحة 52
(قوله نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الشك وهو آخر يوم من شعبان ويوم الفطر ويوم الأضحى ) وقوله ( في حديث عمر أن هذين يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما ) كلا الحديثين دل على النهي عن صوم يوم العيدين والأول دال أيضا على النهي عن صوم يوم الشك ولأرباب السنن معنى الحديثين من طرق متعددة والنهي في صوم العيدين محمول على التحريم أجماعا سواء صامهما عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك ولو نذر صومهما متعمدا لعينهما لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاؤه وقال أبو حنيفة ينعقد ويلزمة قضاؤهما قال فإن صامهما أجزاه وخالف الناس كلهم ( وأما النهي ) عن صوم يوم الشك ففيه خلاف حمله بعضهم على المنع ونسب القول بذلك إلى الجمهور من الصحابة والتابعين ومنهم عمر وعلي وحذيفة وابن مسعود وعمار وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا ( وعن عمار ) بن ياسر قال من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم محمداً صلى الله عليه وسلم رواه الخمسة إلا أحمد وصححه الترمذي وهو للبخاري تعليقا وقيل لا يجوز صومه عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك وسبب هذا القول إلى مالك وأبي حنيفة وهو الذي يوجبه نظر الشيخ عامر في إيضاحه قال لأن علة النهي عن صومه من أجل أن صيامه على الشك يغير انعقاد نيته على يوم معروف وسمع مالك أهل العلم ينهون أن يصام اليوم الذي يشك فيه من شعبان إذا نوى به صيام رمضان ويرون أن على من صامه على غير رؤية. (1/53)
صفحة 53
ثم جاء الثبت إنه من رمضان أن عليه قضاءه ولا يرون بصيامه تطوعا بائسا قال مالك وهذا الأمر عندنا والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا يعني المدينة ( وقيل ) بجواز صومه ونسب إلى جماعة من الصحابة والتابعين ( وقيل ) باستحباب صومه وليس هذا القول في الذهب والأقوال الثلاثة قبله كلها موجودة المذهب أيضا والنهي ينافي القول بالاستحباب بل القول بالجواز لأن أدنى درجة النهي الكراهة وهي غير الإباحة والله أعلم (قوله ومن صامها ) يعني يوم الفطر ويوم النحر ( قوله قارف إثما ) أي فعل ذنبا وهذا صريح في تحريم صومها وقول أبي حنيفة إنه يجزي صومهما عن نذره أن نذر أن يصومهما مخالف لهذا النص مع الإجماع ( قوله صلى بالناس ) أي في أيام خلافته ( قوله فخطب الناس ) أي خطبة العيد وهو دليل على أن المعروف عندهم تأخر الخطبة في العيد عن الصلاة ومعنى قوله ثم انصرف أي عن القبلة وواجه الناس بوجهه كما هو شأن الخطيب ( قوله يوم فطركم ) برفع يوم إما أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هما أو بدل من قوله يومان قيل والفائدة في وصف اليومين الإشارة إلى العلة في وجوب فطرهما وهو الفصل من الصوم وإظهار تمام رمضان بفطر ما بعده والآخر لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح معنى وعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك لأنه يريد فائدة التنبيه على التعليل والنحر لا يستلزم ذلك ( والمراد ) بالنسك هنا الذبيحة المتقرب بها قطعا ( قيل ) ويستنبط من وجوب الفطر تعيين السلام للفصل من الصلاة والله أعلم.
--- (1/54)
صفحة 54
في النهي عن الوصال
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال ((نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال أن يوصل الرجل صوم يوم وليلة ونهى عن قتل الصفرد والصرد من الطيور ))
( قوله عن الوصال ) بكسر الواو وهو أن يوصل الرجل صوم يوم وليلة والظاهر أن هذا التفسير من ابن عباس الراوي للحديث عند المصنف ( وقيل ) الوصال أن يصل صوم النهار بإمساك الليل مع صوم الذي بعده من غير أن يطعم شيئا ( وقيل ) الوصال وصل صوم يوم بصوم يوم آخر ( وقيل ) هو الترك في ليالي الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد والمعنى واحد وإن اختلفت العبارات ( والنهي ) عن الوصال في حق الأمة متفق على ثبوته وقد واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إنك تفعله فقال إني لست كأحدكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني وهذا يدل على أنه مخصوص بذلك وفيه أن النهي كان للشفقة عليهم وفي حديث عائشة عند الشيخين وأحمد قالت نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم وفي حديث بشير بن الخصاصية عند أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال وقال إنما يفعل ذلك النصارى وهذا يدل أن حكمة النهي مخالفة النصارى والأول يدل أن الحكمة الشفقة بهم والرحمة لهم ولا يمتنع الجمع بأن يكون كل واحد مقصودا ( ثم اختلفوا ) في وجه النهي فحمله الجمهور على التحريم لأنه الأصل في النهي وحمله آخرون على الكراهة واستدلوا بقول عائشة نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم وثبت في البخاري وغيره أنه صلى الله عليه وسلم واصل بأصحابه لما أبوا أن ينتهوا عن الوصال فواصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال لم تأخر لزدتكم كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا ( وأجاب ) الجمهور بأن قوله رحمة لا يمنع التحريم فإن من رحمته لهم إن حرمه عليهم ( وأما ) مواصلته صلى الله عليه وسلم بهم بعد نهيه لهم فليس (1/55)
صفحة 55
بتقرير بل تقريعا وتنكيلا واحتمل ذلك منهم لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم بأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي مكان ذلك ادعى إلى قبولهم لما يترتب عليه من الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك .
( وقيل ) بجواز الوصال عند عدم المشقة ونسب إلى عبدالله بن الزبير وأخت أبي سعيد من الصحابة وروى ابن أبي شيبة عن عبدالله بن الزبير أنه كان يواصل خمسة عشر يوما وبه قال بعض التابعين وهؤلاء حملوا النهي على حالة المشقة ولم يروا جوازه خالصا بالمصطفى عليه صلاة الله وسلامه وكأنهم فهموا ذلك من حديث ابن عمر عند الشيخين وأحمد وفيه أني لست كأحدكم وعندهم من حديث أبي هريرة فاكلفوا من العمل ما تطيقون أي تحملوا منه ما قدرتم ( وفيه ) أن النبي أعلم بمصالح أمته وهو أدرى بما يستطيعونه من العمل وقد نهاهم عن الوصال جميعا وفيهم القوي والضعيف ولم يرخص لأحد دون أحد فما يكون مبلغ فهم أخت أبي سعيد وابن الزبير وغيرهما والله أعلم ( قوله ونهى عن قتل الصفرد والصرد من الطيور ) وفي نسخة عن قتل الضفدع والصفرد وعليها فقوله من الطيور وصف للصفرد خاصة لأن الضفدع من الدواب لا من الطيور ( والصفرد ) بكسر أوله وسكون ثانيه كعربد طائر من خساس الطير وفي المثل أجبن من صفرد ( والضفدع )بكسر الضاد والدال وفتحها غير جيد ( والصرد ) بضم الصاد المهملة وفتح الراء طائر فوق العصفور ضخم الرأس والمنقار نصفه أبيض ونصفه أسود. (1/56)
صفحة 56
( وروى البيهقي ) في سننه عن سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل خمسة النملة والنحلة والضفدع والصرد والهدهد وفي مسند أبي داود الطيالسي وسنن أبي داود والنسائي والحاكم عن عبدالرحمن بن عثمان التيمي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن طبيبا سأله عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه صلى الله عليه وسلم عن قتلها ( وقيل ) وإنما نهي عن قتل الصرد لأن العرب كانت تتشاءم به وبصوته وقيل أنه كان دليل إبراهيم عليه السلام حين خرج من الشام لبناء البيت ( وأما الصفرد ) فلأنه كان دليل آدم عليه السلام من الجنة إلى الأرض أربعين سنة ( وأما الضفدع ) فلأن الذي نسمع منها تسبيح وتقديس وإن إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار استأذنت دواب البر والطير أن تطفيء النار عن إبراهيم فأذن الله للضفادع فأزكت عليها فذهب ثلثاها وبقي الثلث فأبدل الله لها بحرارة النار برد الماء ذكر ذلك في عليه السلام(القواعد في حديث يرفعه في النهي عن قتل ستة ذكر منها النمل فإن سليمان خرج يستسقي إذا بنملة رافعة يديها تقول اللهم أنا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن فضلك فاسقنا مطرا تنبت لنا به ثمرا فقال سليمان ارجعوا فقد سقيتم ( ومنها النحل ) فإنها تضع لكم طيبا ( ومنها الهدهد ) فإنه أحب أن يعبد الله حيث لم يكن عبد ( ومنها الخطاف ) فإن دورانه الذي ترونه جزع على بيت المقدس حين أحرق قال وشدد أصحابنا في هذه الأجناس حتى جعلوا الدية على قاتلها درهمين لكل واحد منها وجعلوا في الضفدع نعجة بجزتها قال والله أعلم بهذا إن كان عن أثر أثروه أو عن نظر منهم رأوه ( قلت ) بل الظاهر أنه نظر منهم وسياسة فإن في دفع ذلك إلى الفقراء كفارة لارتكاب النهي وردعا عن التجاسر عليه والاسترسال فيه وهو مأخوذ من قوله تعالى (( إن الحسنات يذهبن السيئات )) ومن قوله صلى الله عليه وسلم ((اتبع السيئة الحسنة تمحها )) ومن قوله تعالى ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها (1/57)
صفحة 57
)) والله أعلم ( وهذا ) التشديد من أصحابنا رحمهم الله تعالى يدل على أن النهي محمول عندهم على التحريم والله أعلم.
--- (1/58)
صفحة 58
الباب الرابع والخمسون في فضل رمضان
(قوله فضل رمضان ) أي ثوابه الذي يعطى صائمه وقد جاءت في ذلك أحاديث كثيرة من طرق متعددة لم يخرج المصنف منها إلا أربعة وذلك لأنه لم يثبت عنده من هذا الطريق العالي غيرها والله أعلم
ما جاء
( في من صام رمضان إيمانا واحتسابا )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ولو علمتم ما في فضل رمضان لتمنيتم أن يكون سنة ))
( قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضا الشيخان بزيادة في آخره ولم يذكروا فيه قوله ولو علمتم ما في فضل رمضان لتمنيتم أن يكون سنة ( قوله من صام رمضان ) يعني أيامه وفيه أنه لا يكره أن يقال رمضان بدون شهر وكرهه بعض قومنا وقد تقدم ( قوله إيمانا ) نصب على أنه مفعول له أي للإيمان وهو التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم والاعتقاد بفرضية الصوم وقيل تصديقا لثوابه وقيل نصب على الحال أي مصدقا له أو على المصدرية أي صوم إيمان أو صوم مؤمن وكذا القول في نصب احتسابا (والاحتساب ) طلب الثواب منه تعالى أو إخلاص العمل بحيث يكون الباعث على الصوم الإيمان لا الخوف من الناس ولا الاستحياء منهم ولا قصد السمعة والرياء . (1/59)
صفحة 59
( وقيل ) معناه اعتداده بالصبر المأمور به من الصوم وغيره والصبر عن المنهي عنه من الكذب والغيبة ونحوه طيبة به نفسه غير كارهة له ولا مستثقلة لصيامه ولا مستطيلة لأيامه ( قوله غفر له ما تقدم من ذنبه ) ما اسم جنس يتناول جميع الذنوب المتقدمة لكنه مخصوص عندنا وعند جمهور قومنا بقوله تعالى (( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم )) فالذنب في الحديث بمعنى السيئات وهي صغائر الذنوب فرمضان من الحسنات التي تذهب السيئات كالصلوات الخمس وصلاة الجمعة والوضوء والحج والعمرة والله أعلم ( قوله لو علمتم ) الخ هذه زيادة تفرد بها المصنف رضوان الله عليه والمراد منها المبالغة في فضل رمضان ( والمعنى ) لو كشف لكم ما يحصل لكم في رمضان من الخير العظيم لتمنيتم أن تطول أيامه حتى يكون شهره سنة كاملة وذلك يستلزم أن يتمنوا أن يكون الزمان كله رمضان وليس في هذا تمني دوام التكليف ولا طلب المشقة على النفس لأنه لم تقصد حقيقته وإنما أريد به المبالغة فقط على أن المتمني جانب الفضائل لا جانب المشقة والله أعلم .
--- (1/60)
صفحة 60
في خلوف فم الصائم
ومن طريقه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فارق عبدي شهوته وطعامه من أجلي فالصيام لي وأنا أجازي به ))
( قوله ومن طريقه ) يعني من طريق أبي هريرة بالسند المتقدم وإنما حذفه اختصارا والحديث رواه أيضا مالك في الموطأ ورواه البخاري عن القعنبي عن مالك لكنه وصله بحديث الصوم جنة الآتي آخر الباب لاتحاد اسنادهما عنده وقد فعل ذلك غير مرة وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ( قوله لخلوف ) في رواية قومنا والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم الخ ( وخلوف ) بضم الخاء المعجمة واللام وسكون الواو وبالفاء وكثير من الشيوخ شيوخ الحديث يروونه بفتح الخاء قال الخطابي وهو خطأ وحكى القابسي فيه الضم والفتح وقال أهل المشرق يقولونه بالوجهين والصواب الضم وهو تغير رائحة فم الصائم لخلو المعدة بترك الأكل وقيل تغير طعم الفم وريحه بتأخير الطعام وإنما سمي خلوفا لأنه يخلف طعم الفم ورائحته المعتادين عند الأكل ( قوله فم الصائم ) بإثبات الميم وفيه رد على من قال لا تثبت الميم في الفم إلا في ضرورة الشعر ( قوله أطيب ) أي أفضل وأرضى وأحب عند الله من ريح المسك عندكم فضل ما ينكره الناس من الصيام على أطيب ما يستلذون من جنسه قال المازري هو مجاز لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير ذلك لتقريب الصوم من الله فالمعنى أطيب أي أقرب إلى الله من ريح المسك عندكم أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم ( وقيل ) معناه أن الله يثيبه في الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك كما يأتي المكلوم وريح جرحه يفوح مسكا ( وقيل ) معناه أن صاحبه ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك لا سيما بالإضافة إلى الخلوف . (1/61)
صفحة 61
( وقيل ) معناه أن الخلوف أكثر ثوابا من المسك المندوب في الجمع والأعياد ومجالس الذكر والخير ( وقيل ) أن للطاعات يوم القيامة ريحا يفوح فريح الصيام فيها بين العبادات كالمسك ( وقيل ) المعنى أطيب عند ملائكة الله وإنهم يستطيبون الخلوف أكثر من المسك وإن كان عندنا بضد ذلك ( وبالجملة ) فقد اختلف في هذا الفضل الخاص هل يكون في الآخرة خاصة أم في الدارين معا فقيل هو في الآخرة خاصة عند الله لما جاء في رواية أبي صالح عن أبي هريرة عند مسلم والنسائي وفيها أطيب عند الله يوم القيامة ولأبي الشيخ بإسناد فيه ضعف عن أنس مرفوعا يخرج الصائمون من قبورهم يعرفون بريح أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك ( وروى الحسن ) ابن سفيان في مسنده عن جابر مرفوعا أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا قال وأما الثانية فإنهم يمسون وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك ( فإن قيل ) لم كان خلوفه أطيب ودم الشهيد ريحه ريح المسك مع ما فيه من المخاطرة بالنفس وبذل الروح ( أجيب ) بأن الصوم أحد أركان الإسلام فهو أعظم من الجهاد أو نظرا إلى أصل كل منهما فأصل الخلوف طاهر بخلاف الدم فكان ما أصله طاهر أطيب ريحا وبأن الجهاد فرض كفاية والصوم فرض عين وهو أفضل من الكفاية ومن هنا كانت النفقة على العيال أفضل من النفقة في الجهاد كما جاء ذلك مرفوعا في حديث عند أحمد ( واستدل ) بعضهم بالحديث على كراهة السواك للصائم آخر النهار لئلا يزول خلوفه وهذا الاستدلال مستقيم عند من جعل فضل الخلوف في الدارين ولا يستقيم عند من خصه بالآخرة ( قوله فارق عبدي ) أي ترك ذلك وفي رواية مالك إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ( والمراد ) بالشهوة الجماع لعطف الطعام عليه ولابن خزينة زوجته مكان شهوته ويحتمل أن تجعل الشهوة عامة وعطف ما بعدها عليها عطف خاص على عام ( قوله من أجلي ) أي من أجل امتثال شرعه الذي شرعته عليه وفيه التنبيه على الجهة التي يستحق بها الصائم ذلك وهو (1/62)
صفحة 62
الإخلاص الخاص به حتى لو صام لغرض آخر كأخذ أجرة دنيوية أو لأجل أن تخلو معدته من أثر التخمة لا يحصل له ذلك الفضل .
( قوله فالصيام لي ) الفاء سببية رتبت هذه الجملة على الجملة قبلها أي فارق شهوته من أجلي فبسبب ذلك كان الصوم لي وفي بعض الروايات كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ( واستشكل ) تخصيص الصيام بذلك مع إن الأعمال كلها له وهو الذي يجزى بها ( وأجيب ) بأجوبة منها أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره ويؤيد هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم ليس في الصيام رياء وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تختفي عن الناس ( والمعنى ) أن الرياء لا يدخله من حيث فعله وإنما يدخله من حيث الإخبار عنه وأما سائر الأعمال فإنه يدخلها من حيث فعلها ( ومنها ) أن معنى قوله الصوم لي أنه أحب العبادات إلي وهو المقدم عندي وقد روي عليك بالصوم فإنه لا مثل له ( ومنها ) أن المراد تشريف الصوم فهو نظير الإضافة في بيت الله وناقة الله وذلك أن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب جل جلاله فلما تقرن الصائم إليه بما يناسب صفاته أضافه إليه ( ومنها ) أنه لم يعبد به غير الله فلم نعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودا لهم بالصيام بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ونحو ذلك وهذا أظهر الوجوه . (1/63)
صفحة 63
( قوله وأنا أجازي به ) أي أعرض عنه الجزاء الذي ادخرته للصائمين وفي رواية قومنا وأنا أجزي به وزاد مالك وغيره كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به ( والمعنى ) إن جزاء الصيام ليس له غاية ينتهي إليها كسائر الأعمال بل جزاؤه بغير عدد ونظيره قوله تعالى ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) والصابرين الصائمون في أكثر الأقوال لأنهم يصبرون أنفسهم عن الشهوات ( ومعنى قوله ) أنا أجازي به أي إنفراد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته وغيره من العبادات قد يطلع عليها بعض الناس ( وقيل ) معناه أن الأعمال قد كشف مقادير ثوابها للناس وإنها تضاعف من عشر إلى سبعمائة إلى ما شاء الله إلا الصوم فإن الله يثيب عليه بغير تقدير والله أعلم .
--- (1/64)
صفحة 64
في بيان الصائم المستحق لفضيلة الصوم
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا إيمان لمن لا صلاة له ( الحديث إلى قوله ) إلا بالكف عن محارم الله ))
( قوله لا إيمان لمن لا صلاة له ) الحديث تقدم ذكره في آداب الوضوء وفرضه وتمامه ولا صلاة لمن لا وضوء له ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله والغرض منه في هذا الموضع قوله ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله فإنهم اتفقوا على أن المراد بالصائم المستحق للفضيلة المذكورة في الحديث قبله من سلم صيامه من المعاصي قولا وفعلا وخصه بعض الزهاد بصوم خواص الخواص فإنه قد قيل أن الصوم أربعة أنواع صيام العوام وهو الصوم عن المفطرات وصيام خواص العوام وهو الصوم عن المفطرات مع اجتناب المحرمات قولا وفعلا وصيام الخواص وهو الصوم عن غير ذكر الله وعبادته وصيام خواص الخواص وهو الصوم عن غير الله فلا فطر لهم إلى يوم لقائه وهذا مقام عال لكن لا يصح قصر الفضائل عليه والله أعلم .
--- (1/65)
صفحة 65
أن الصوم جنة ونهي الصائم عن الرفث والمشاتمة
ومن طريق أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم ))
( قوله ومن طريق أبي هريرة ) الحديث رواه أيضا مالك والبخاري ومسلم وأبو داود ( قوله الصوم جنة ) وفي رواية مالك الصيام جنة والجنة بضم الجيم وتشديد النون الوقاية والستر ( واختلفوا ) في معناه فقيل إنه جنة من المعاصي لأنه يكسر الشهوة ويضعفها ولذا قيل أنه لجام المتقين وجنة المحاربين ورياضة الأبرار والمقربين ( وقيل ) إنه جنة من النار لأنه إمساك عن الشهوات والنار محفوفة بها وقد وقع في بعض الروايات عند الترمذي وغيره جنة من النار والتفسيران متلازمان لأنه إذا كف نفسه عن المعاصي في الدنيا كان ذلك سترا له من النار ( قوله فلا يرفث ) بالمثلثة وتثليث الفاء أي لا يفحش ولا يتكلم بالكلام القبيح ويطلق أيضا على الجماع ومقدماته وعلى ذكره من النساء أو مطلقا ويحتمل أن النهي لما هو أعم منها ( قوله ولا يجهل ) أي لا يفعل فعل الجهال كصياح وسفه وسخرية ونحو ذلك ووقع في بعض الروايات زيادة ولا يجادل وهذه الثلاث وهي الرفث والجهل والجدال ممنوعة مطلقا لكنها تتأكد بالصوم والجهل على معنيين أحدهما ضد العلم يتعدى بغير حرف جر والثاني ضد الحلم وهذا يتعدى بحرف الجر قال الشاعر : (1/66)
صفحة 66
( قوله قاتله أو شاتمه ) معنى قاتله دافعه ونازعه ويكون بمعنى شاتمه ولاعنه وقد جاء القتل بمعنى اللعن وفي رواية أبي صالح فإن سابه أحد أو قاتله ( واستشكل ) ظاهره بأن المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين مع أن الصائم مأمور بأن يكف نفسه عن ذلك ( وأجيب ) بثلاثة أجوبة ( أحدها ) إن المفاعلة هنا للواحد كسافر قال في المصياح ولا تكاد تستعمل المفاعلة من واحد ولها فعل ثلاثي من لفظها إلا نادرا نحو صادمه الحمار بمعنى صدمه أو زاحمه بمعنى زحمه وشاتمه بمعنى شتمه قال ويدل على هذا الحديث الصحيح وإن امرؤ قاتله أو شاتمه قال فيجوز شتم وشوتم ولكن الأولى شتم بغير واو لأته من الباب الغالب ( وثانيها ) أن المعنى فإن أراد أن يشاتمه أو يقاتله قليقل ذلك ( وثالثها ) أن المعنى إن وجدت منهما جميعا فليذكر الصوم ولا يستدم ذلك ( قوله فليقل إني صائم ) وفي رواية مالك فليقل إني صائم كرره مرتين تأكيدا قوله ذلك يجوز أن يحمل على الكلام اللساني وهو الظاهر فيقول ذلك بلسانه. (1/67)
صفحة 67
ويدل عليه قول عيسى عليه السلام لأمه فقولي إني نذرت للرحمن صوما ويجوز حمله على الكلام النفساني والمعنى لا يجيبه بلسانه بل بقلبه ويجعل حاله حال من يقول كذلك ومثله قوله تعالى (( إنما نطعمكم لوجه الله )) الآية وهم لم يقولوا ذلك بلسانهم بل كان حالهم حال من يقوله وقد رجح هذا الاحتمال بعض الناس ورجح آخرون الأول واستحسن آخرون الجمع بينهما وقالوا إن ذكرها في حديث مالك مرتين إشارة إلى ذلك فيقولها بقلبه يكف نفسه وبلسانه ليكف خصمه ( وقيل ) إن كان في رمضان فبلسانه وإلا ففي نفسه وادعى بعضهم أن الخلاف في النفل أما الفرض فبلسانه قطعا ( قيل ) والحكمة في قوله ذلك تأكيد المنع من المشاتمة فكأنه يقول لخصمه إني صائم تحذيرا وتهديدا بالوعيد المتوجه على من انتهك حرمة الصائم وتذرع إلى تنقيص أجره بإيقاعه في المشاتمه أو يذكر نفسه تشديد المنع المعلل بالصوم ويكون من إطلاق القول على الكلام النفسي قيل وظاهر كون الصوم جنة أنه يقي صاحبه من أن يؤذى والله أعلم.
--- (1/68)
صفحة 68
كتاب الزكاة والصدقة
أما الزكاة فهي في اللغة النماء يقال زكى الزرع إذا نمى وترد أيضا بمعنى التطهير وهي في الشرع اسم لمن يخرج من مال عن مال أو بدن على وجه مخصوص لطائفة مخصوصة بالنية وهي مأخوذة من زكى الزرع إذا نمى فإن إخراجها يستجلب بركة المال وللنفس فضيلة الكرم أو من الزكاة بمعنى الطهارة فإنها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل.
( وأما الصدقة ) فالمراد بها هنا صدقة التطوع خاصة فعطفها على الزكاة عطف مغايرة وهي في الأصل تطلق على المفروضة والتطوع ( وقيل ) تطلق الزكاة أيضا على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والحق والعفو عنه ( والزكاة ) هي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها وكان نزول فرضها في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر ( وقيل ) في الرابعة ( وقيل ) قبل الهجرة وبينت بعدها والله أعلم.
--- (1/69)
صفحة 69
الباب الخامس والخمسون :في النصاب
( قوله في النصاب ) بكسر النون هو القدر المعتبر لوجوب الزكاة قال الأزهري وابن فارس نصاب كل شيء أصله والجمع نصب وأنصبة مثل حمار وحمر وأحمرة ومنه نصاب الزكاة وقد ذكر في هذا الباب أربعة أحاديث بعضها في نصاب الفضة والذهب والإبل والغنم والثمار وهو الحديث الثاني وبعضها في نصاب الركاز وهو الحديث الرابع وأما الحديث الأول والثالث فلا تعلق لهما بالباب لأن الأول في مقدار ما يخرج من الثمار والثالث في مقدار ما يخرج من الأبدان في زكاة الفطر فكان ينبغي للمرتب عفا الله عنه أن يجعل لكل واحد من الحديثين بابا منفردا على أن الحديث الأول يوجب الزكاة في الثمار والثالث يوجبها في الأبدان فلهما من هذا الوجه أيضا بابان آخران ويعتذر له عن ذكر الحديث الأول بأنه إنما ساقه ليبين إن عمومه مخصص بالحديث الذي يليه فهو كالتمهيد لذكر النصاب من الثمار. (1/70)
صفحة 70
وأيضا فإن بعض الناس وهم الحنفية وعبدالله بن عبدالعزيز ( من المحبوبين بعض من الأباضية ) لم يشترطوا في وجوب الزكاة من الثمار النصاب بل أخذوا بعموم الحديث فيكون المرتب رحمه الله تعالى قد لاحظ في ذكره تعلقهم به وعليه فتنقسم أحاديث الباب إلى قسمين أحدهما في بيان ما يشترط فيه النصاب إجماعا في بعض المواطن وعند الجمهور في بعضها وهو الحديث الثاني والرابع والقسم الثاني ما لا يشترط فيه النصاب أما إجماعا كفطرة الأبدان المذكورة في الحديث الثالث أو عند بعض الناس كما في الثمار المذكورة في الحديث الأول ( وقد قال ) أن لفطرة الأبدان نصابا وهو الغنى المخصوص فإنها لا تجب على معدم إجماعا واختلافهم في قدر الغنى الموجب لذلك لا يضر فإن النصاب ثابت على كل قول قيل به في المسألة ( والجواب ) أن الغني سبب للوجوب لا نصاب له ( وفيه ) أن للغنى وجهين أحدهما سبب للوجوب وهو نفس الملك والثاني نصابه وهو الحد الذي يجب معه الإخراج وكلاهما سبب للوجوب ولعل المرتب رحمه الله لحظ ها المعنى فساق الحديث هاهنا وإن نظره لطويل ( ويمكن ) أنه أراد أن يذكر في الباب الأسباب الموجبة للزكاة واقتصر على النصاب في الترجمة فيكون ذلك من باب الترجمة عن الشيء والزيادة عليه والله أعلم .
--- (1/71)
صفحة 71
في زكاة الثمار
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( فيما سقت السماء والعيون العشر وما سقي بالدوالي والغرب نصف العشر ))
( قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه أيضا الجماعة من طرق متعددة بألفاظ متقاربة في المعنى ولم يقع لهم من حديث ابن عباس كما وقع للمصنف وإنما ذكروه في حديث ابن عمر وعند بعضهم عن جابر وذكره مالك مرسلا من حديث سليمان بن يسار ويسر بن سعيد ولم يذكر ابن عمر ( قوله فيما سقت السماء والعيون ) المراد بالسماء المطر مجازا من باب ذكر المحل وإرادة الحال ومنه قول الشاعر : إذا نزل السماء بأرض قوم ( والعيون ) جمع عين وهي الأنهار الجارية على وجه الأرض التي لا يتكلف في رفع مائها الآلة ولا الحمل وبمعناه ما شرب بعروقه من الأرض ولم يحتج إلى سقي سماء ولا آلة ويسمى بعلا بموحدة مفتوحة وعين مهملة ساكنة وقد صرحت به رواية مالك وهو الذي عبر عنه في حديث ابن عمر عند الجماعة إلا مسلما بقوله أو كان عثريا بفتح العين المهملة وبالمثلثة الخفيفة وكسر لراء وشد التحتية فالعشر واجب في هذه الأصناف بعد بلوغ النصاب ( قوله بالدوالي والغرب ) الدوالي جمع دالية وهو الدلو الصغيرة والغرب بفتح المعجمة وسكون المهملة الدلو العظيمة يستقى بها على السانية وفي المصباح الدالية دلو ونحوها وخشب يصنع كهيئة الصليب ويشد برأس الدلو ثم يؤخذ حبل يربط طرفه بذلك وطرفه بجذع قائم على رأس البئر ويسقى بها فاعله بمعنى مفعولة والجمع الدوالي وشذ الفارابي وتبعه الجوهري ففسرها بالمجنون ( والمراد ) في الحديث ما يستخرج من الآبار والأنهار بآله وإنما وجب فيه نصف العشر لثقل المؤنة فناسب أن يخفف عنه في قدر الواجب ووقع في حديث ابن عمر وفيما سقي بالنضح نصف العشر. (1/72)
صفحة 72
وفي حديث جابر بالسانية مكان النضح والسانية البعير الذي يسقى به الماء من البئر ويقال له الناضح وذكره في الحديث مثل يقاس عليه ما كان في معناه من البقر والحمير ونحوها ( وعموم ) الحديث ظاهر في عدم شرط النصاب في إيجاب زكاة كل ما يسقى بمؤنه وبغير مؤنه لكن خصه الجمهور بالمعنى الذي سيق لأجله وهو التعبير بين ما يجب فيه العشر أو نصفه بخلاف حديث ليس فيها دون خمسة أوسق صدقه فإنه مساق لبيان جنس المخرج منه وقدره فأخذ به الجمهور عملا بالدليلين وأخذ أبو حنيفة بعمومه ( ورد ) بأن الخاص يقضي على العام وان فيما سقت عام يشمل النصاب ودونه وليس فيما دون خمسة أوسق صدقه خاصا بقدر النصاب ومقتضى مذهب أبي حنيفة وجوب الزكاة في جميع ما أنبتت الأرض من الثمار والخضروات وعند الجمهور لا تجب إلا في أجناس مخصوصة من التمر والزيت وأنواع الحبوب وضابطه أنها لا تجب إلا فيما يكال مما يدخر للاقتيات في حال الاختيار وتمسكوا بما روي مرفوعا لا زكاه في الخضروات رواه الدار قطنى عن معاذ مرفوعا وقال الترمذي لا يصح فيه شيء إلا مرسل موسى بن طلحة عن صلى الله عليه وسلم وهو دال على أن الزكاة إنما هي فيها يكال مما يدخر للاقتيات في حال الاختيار كما قال الجمهور والله أعلم .
--- (1/73)
صفحة 73
في مقادير النصاب من كل صنف من أصناف الزكاة
ومن طريقة عنه عليه السلام (( قال ليس فيما دون خمس أواق صدقة وإلا وقية أربعون درهما وليس فيما دون عشرين مثقالا صدقة و ليس فيما دون خمس ذود صدقة يعني خمس أبعرة وليس فيما دون أربعين شاة صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ))
( قوله ومن طريقه ) يعني ابن عباس بالسند المتقدم والحديث رواه أيضا أرباب السنين من طرق متعددة عن كثير من الصحابة ولم يقع عندهم من طريق ابن عباس كما وقع عند المصنف ولم يذكروا فيه نصاب الذهب والغنم ولا تفسير الأوقيه ( قوله عنه عليه السلام ) أي عن صلى الله عليه وسلم ( قوله ليس فيما دون خمس أواق صدقة ) أي زكاة واجبة وأواق كجوار مخففا وأصله التشديد جمع أوقية بضم الهمزة وبالتشديد وهي عند العرب أربعون درهما وكذلك وقعت مفسرة في هذا الحديث على طريق العليم بحيث يعلم السامع انه ليس من كلام المصطفى وهذا هو النصاب في الفضة الخالصة سواء كان مضروبا أو غير مضروب فلا زكاة فيما دون خمس أواق وهي مائتا درهم وحكى أبو عبيد في كتاب الأموال إن الدرهم لم يكن معلوم القدر حتى جاء عبد الملك بن مروان فجمع العلماء فجعلوا كل عشر دراهم سبعة مثاقيل (ورد ) بأنه يلزم منه أن يكون صلى الله عليه وسلم أحال نصاب الزكاة على أمر مجهول وهو مشكل قال عياض والصواب أن معنى ما نقل من ذلك إنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام وكانت مختلفة الوزن بالنسبة إلى العدد فعشرة مثاقيل وزن عشرة دراهم وعشرة وزن ثمانية فأتفق رأيهم على أن تنقش بالعربية ويسيروا بها وزنا واحدا . (1/74)
صفحة 74
( وقال ) ابن زرقون إنما أوجب صلى الله عليه وسلم الزكاة في أواق معلومة ولم يوجبها في دراهم معلومة فلا يضر أن تكون الدراهم مختلفة إذ لا اعتبار بالأوقية المعلومة وهو يشير إلى اعتبار الوزن دون العدد وقال غيرهما لم يتغير المثقال في جاهلية ولا إسلام أما الدراهم فأجمعوا على إن كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم ولم يخالف أحد في أن نصاب الزكاة مائتا درهم يبلغ مائة وأربعين مثقالا من الفضة الخالصة إلا ابن حبيب من المالكية فإنه إنفرد بقوله إن أهل كل بلد يتعاملون بدراهمهم وإلا ما ذكر عن بعض المتأخرين من أصحابنا قالوا إن الدرهم ثلثا مثقال وعلى هذه فيكون مبلغ النصاب مائة وثلاثة وثلاثين مثقالا وثلث مثقال وخرق بعض قومنا الإجماع فاعتبر النصاب بالعدد لا بالوزن ( قوله عشرين مثقالا ) أي من الذهب الخالص وهذه زيادة تفرد بها المصنف كما تفرد بالحديث من هذه الطريق قال مالك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا إن الزكاة تجب في عشرين دينارا عينا كما تجب في مائتي درهم ( قلت ) والدينار كالمثقال وزنا ولم يثبت عند قومنا مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم في نصاب الذهب شيء إلا ما روى الحسن بن عمارة عن علي إنه صلى الله عليه وسلم قال هاتوا زكاة الذهب من كل عشرين دينارا قالوا وابن عمارة متروك الحديث لسوء حظه وكثرة خطأه ورواه الحفاظ موقوفا على علي لكن عليه جمهور العلماء منهم ولم يختلف فيه أصحابنا وقالت طائفة لا زكاة في الذهب حتى يبلغ صرفها مائتي درهم فإذا بلغها زكيت كانت أكثر من عشرين دينارا أو أقل إلا أن تبلغ أربعين دينارا ففيها دينار ولا يراعى حينئذ الصرف . (1/75)
صفحة 75
( وقال الحسن ) البصري وأكثر أصحاب داود ورواية عن الثوري لا زكاة في الذهب حتى يبلغ أربعين دينارا ففيها ربع عشرة ما زاد فبحسابه وهذان القولان لغيرنا والحق ما قدمت لك وهو الذي في حديث المصنف أنها تجب من عشرين مثقالا وليس فيما دون ذلك شيء وفي العشرين نصف دينار وما زاد على العشرين فليس فيه شيء حتى يبلغ الزائد أربعة مثاقيل ففيه عشر مثقال كما وجب في أربعين درهما زادت على المائتين درهم واحد وهكذا في كل زائد إلى ما لا نهاية له وجعل أبو حنيفة وجماعة من أهل العراق في العين أوقاصا كالماشية وهو قول في المذهب أيضا ونظيره عندهم الحبوب فإنها تجب في كل زائدة بعد استقرار النصاب والجمهور على الأول والله أعلم ( قول ذود ) بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة اسم يقع على الثلاثة من الإبل إلى العشرة لا واحد له من لفظه إنما يقال للواحد بعير قال النووي الرواية المشهورة بإضافة خمس إلى ذود وروي بتنوين خمس ويكون بدلا منه ( وسمي ) ذلك العدد من الإبل ذودا لأن مالكه ذاد الفقر عن نفسه فهو مأخوذ من ذاد الشيء يذوده إذا دفعه ومن ها هنا كانت الخمس نصابا للزكاة في الإبل فلا زكاة فيما دونها ( قوله أربعين شاة ) أي من المعز والضأن والأربعون منها نصاب لوجوب الزكاة وليس فيما دونها شيء ولم يذكر المصنف رضي الله عنه كتاب الصدقة الذي ذكره أصحاب السنين عن أنس إن أبا بكر كتب لهم إن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين التي أمر الله بها ورسوله فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سأل فوق ذلك فلا يعطه فيما دون خمس وعشرين من الإبل والغنم في كل خمس ذود شاة فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل إلى ستين فإذا بلغت واحدة وستين ففيها جذعة إلى (1/76)
صفحة 76
خمس وسبعين فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون إلى تسعين فإذا بلغت واحدة وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومائه فإذا زادت على عشرين ومائه ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة فإذا تباين أسنان الإبل في فرائض الصدقات فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده الجذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرنا له أو عشرين درهما.
ومن بلغت عنده صدقة الحقة ولست عنده إلا جذعة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده وعند ابنة لبون فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرنا له أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده إلا حقة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده ابنة لبون وعنده ابنة مخاض فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرنا له أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة ابنة مخاض وليس عنده إلا ابن لبون ذكر فإنه يقبل منه وليس معه شيء ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها ( وفي صدقة الغنم ) في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة فإذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة فإذا زادت ففي كل مائة شاة ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدق ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها . (1/77)
صفحة 77
( وفي الرقة ) ربع العشر فإذا لم يكن المال معين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها رواه أحمد والنسائي وأبو داود والبخاري بقطعه في عشرة مواضع ورواه الدار قطني كذلك وله فيه في رواية في صدقة الإبل فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة قال الدر قطني هذا إسناد صحيح وأخرجه أيضا الشافعي والبيهقي والحاكم ( قال ابن حزم ) هذا كتاب في نهاية الصحة عمل به الصديق بحضرة العلماء ولم يخالفه أحد وصححه أيضا ابن حيان وغيره وهذا الكتاب هو مستند غالب أبواب الزكاة وإليه المرجع في كثير من تفاصيلها وهو الأصل في بيان زكاة المواشي والرقة والله أعلم ( قوله خمسة أوسق ) جمع وسق بفتح فسكون وحكى بعضهم كسر الواو وجمعه حينئذ على أوساق مثل حمل وأحمال وقد جاءت الرواية بهذا وهذا وروى أحمد وابن ماجة عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الوسق ستون صاعا وقال الأزهري الوسق ستون صاعا على هذا الحساب مائة وستون منا والوسق ثلاثة أقفزة ( وأصل ) الوسق الجمع وفي التنزيل (( والليل وما وسق )) ويطلق أيضا على حمل البعير من التمر يقال عنده وسق من تمر وها الحديث مخصص عند الجمهور لحديث فيما سقت السماء كما تقدم والله أعلم.
--- (1/78)
صفحة 78
في زكاة الفطر
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت (( سن رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الحر والعبد والكر والأنثى والصغير والكبير صاعا من تمر أو صاعا من زبيب أو بر أو شعير أو من أقط ))
( قوله عن عائشة ) الحديث تفرد به المصنف من هذا الطريق وللجماعة معناه من طرق متعددة ويجتمع للشيخين معناه من حديثي ابن عمر وأبي سعيد ( قوله سن ) أي جعل ذلك سنة متبعة وطريقة مسلوكة وفي حديث ابن عمر عند الجماعة فرض بدل قوله سن ولاختلاف الروايتين ثبت الخلاف بين الفقهاء في حكمها فذهب المشارقة من أصحابنا والجمهور من قومنا إلى وجوبها وحكى ابن المنذر الإجماع على ذلك وكذا ابن عبد البر مضعفا قول من قال بالسنية يعني فلا يقدح في حكاية الإجماع على أنه يمكنهم الجمع بأن يقولوا إنها سنة واجبة فهي سنة باعتبار أنها طريقة مسلوكة وفرض باعتبار الإلزام والتكليف ( وقال المغاربة ) من أصحابنا وبعض قومنا أنها سنة الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة وتمسكوا بظاهر حديث عائشة عند المصنف ( وقال إبراهيم ) بن علية وأبو بكر بن كيسان الأصم وهما من قومنا أنها كانت فرضا فنسخ بزكاة الأموال وهو قول في المذهب أيضا ودليلهم على ذلك ما رواه النسائي وغيره عن قيس بن سعد بن عبادة قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله ( وتعقب ) بأن في إسناده راويا مجهولا وعلى تقدير الصحة فلا دليل على النسخ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر ( قوله زكاة الفطر ). (1/79)
صفحة 79
وتسمى صدقة الفطر وزكاة الفطرة وفطرة الأبدان ومعنى زكاة الفطر أي الفطر من رمضان فإنها تجب بسببه وفي حديث ابن عمر زكاة الفطر من رمضان ومعنى زكاة الفطر أو فطرة الأبدان أنها زكاة النفوس مأخوذ من الفطرة التي هي أصل الخلقة ( قوله على الحر والعبد ) الخ الغرض من ذكر هؤلاء التنصيص على ثبوتها عليهم وأنها مخالفة لسائر العبادات البدنية والمالية أما البدنية فإنها لا تجب على الصبيان ولا المجانين وأما المالية فإنها لا تجب على العبد وزكاة الفطر تجب على الكل أما الحر فإنها تجب عليه استقلالا بوجود ما يمكنه دفعه بعد أداء اللازم من مؤنة العيال وأما العبد فإن المخاطب بزكاته سيده وأما الصغير فوليه فإن كان للصغير مال دفعها من ماله وإلا فمن مال الولي الذي يجب عليه مؤنته وفي الزوجة خلاف قيل على زوجها أن يخرج عنها ذلك وقيل إنما يلزمها بنفسها وقيل إن كانت غنية أخرجت عن نفسها وإن كانت فقيرة أخرج عنها زوجها ( وقال داود ) الظاهري تجب على العبد نفسه وإنه يجب على السيد أن يمكنه من الاكتساب لها كما يجب عليه أن يمكنه من الصلاة وهذا منه تمسك بظاهر الحديث وخالفه أصحابه والناس لحديث أبي هريرة ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر ومقتضاه أنها على السيد بسبب العبد فالعبد لا تجب عليه لأنه فقير. (1/80)
صفحة 80
( قوله صاعا من تمر ) انتصب صاعا على التمييز أو أنه مفعول ثاني وذكر التمر وما بعده لأنه أصناف القوت في ذلك الزمان وقد حدثت أنواع من المأكولات لاتساع الحال كالأرز ونحوه فينبغي للإنسان أن يخرجها من غالب قوت أهله كما ذكر ذلك الكتاب العزيز في خصال الكفارة فإنه قال (( من أوسط ما تطعمون أهليكم )) فنبهنا هذا القيد على اعتبار هذا المعنى في زكاة الفطر أيضا لأن المقصود من الكل دفع خصاصة الفقراء والمقصود من جانب الدفع في الكفارة محو الوقع من الحنث وفي الفطرة طهرة الصيام فالمعاني متقاربة ( والأقط ) بفتح الهمزة وكسر القاف وقد تسكن القاف للتخفيف مع فتح الهمزة وكسرها مثل تخفيف كبد وهو شيء يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل وقد اختلف في أجزائه فقيل يجزي وهو الراجح لحديث الباب ولحديث أبي سعيد عند الشيخين وهما حديثان صحيحان ولا معارض لهما ( وعليه المذهب ) وبه قال مالك وأحمد وقيل لا يجزي لأنه غير مقتات وبه قال أبو حنيفة إلا أنه أجاز إخراجه بدلا عن القيمة على قاعدته وقيل يجزي مع عدم وجدان غيره وهو رواية عن أحمد وقيل يجزي عن أهل البادية دون أهل الحاضرة ( واللائق ) بسهولة الحنيفية أن يخرج كل واحد مما يجد من الأصناف فإن وجد الكل فقيل مخير وقيل يتعين عليه من غالب قوته في ذلك الفصل وقيل في رمضان وقيل غير ذلك والله أعلم .
--- (1/81)
صفحة 81
في زكاة الركاز
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( جرح العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس ))
( قوله عن أبي سعيد الخدري ) الحديث رواه الجماعة من حديث أبي هريرة ( قوله جرح العجماء ) لفظه عند الجماعة العجماء جرحها جبار والجرح بفتح الجيم مصدر وبضمها الاسم قال بعضهم وهو هنا بالفتح لا غير والعجماء بفتح المهملة وسكون الجيم وبالمد تأنيث أعجم وهو البهيمة ويقال أيضا لمن لا يفصح والمراد هنا الأول وإنما سميت البهيمة عجماء لأنها لا تتكلم والمراد بجرحها ما يحصل بالواقع منها من الجراحة وليست الجراحة مخصوصة بذلك بل كل الإتلافات ملحقة بها قال عياض وإنما عبر بالجرح لأنه الأغلب أو مثال نبه به على ما عداه ( وقوله جبار ) بضم الجيم وتخفيف الموحدة هو الهدر الذي لا شيء فيه والمراد الدابة المرسلة في رعيها أو المنفلته من صاحبها وإن ضيع في حفظها لزمه الضمان ومن حفظها بما يوثق به مثلها فإذا فعل ذلك ثم انفلتت فلا ضمان عليه فيما أتلفت والله أعلم ( قوله والبئر جبار ) البئر بكسر الموحدة ثم ياء ساكنة مهموزة ويجوز تسهيلها وهي مؤنثه وقد تذكر على معنى القليب والطوي ( قال أبو عبيدة ) المراد بالبئر هنا العادية القديمة التي لا يعلم لها مالك تكون في البادية ويقع فيها إنسان أو دابة فلا شيء في ذلك على أحد ( وقيل ) يتأول بوجهين بأن يحفر الرجل بئرا بأرض فلاة فيسقط فيها إنسان فيهلك وبأن يستأجر الرجل من يحفر له البئر في ملكه فينهار عليه فإنه لا يلزم بشيء من ذلك. (1/82)
صفحة 82
( قوله المعدن ) كمجلس الجوهر المستخرج من مكان خلقه الله تعالى فيه سمي بذلك من قولهم عدن بالمكان يعدن إذا أقام به ومعنى كونه حبارا أي هدرا وذلك بأن يستأجر رجلا ليعمل في معدن مثلا فيهلك فهو هدر لا شيء على من استأجره وفي معناه من استأجر جدارا ليقيمه فإنهدم عليه أو فلجأ يخدمه كذلك أو نخلة يطلعها فسقط منها أو عملا من الأعمال فإنه هدر كالمعدن لإتحاد المعنى ( ثم إن ) المعدن يكون من الذهب والفضة ومن اللؤلؤ واليواقيت ومن الحديد وأنواع النحاس فإن كان من الذهب أو الفضة ففيه الزكاة ربع العشر مثل زكاتهما وهل يشترط فيه النصاب والحول أم لا فيه خلاف والأصل في زكاته قبل الإجماع قوله تعالى (( أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا الم من الأرض )) والمعادن من جملة ذلك وذكر الحاكم في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم أخذ من المعادن القبلية الصدقة. (1/83)
صفحة 83
( وأيضا ) فهو داخل في حكم النقدين وزكاتهما ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع ( قوله وفي الركاز الخمس ) الركاز بكسر أوله مخففا على وزن كتاب هو مصدر بمعنى المفعول أي المركوز في الأرض وهو المدفون فيها والمراد به ما كان من دفن الجاهلية ولهذا وجب فيها الخمس كالغنيمة لأنه من أشياء المشركين وهذا فيما إذا وجده في مباح من الأرض ووجد عليه علامة المشركين كالصليب ونحوه فإن وجده في ملك الغير من دار أ وأرض فقيل هو للواجد وقيل لمالك الأرض أو الدار ولا يأخذه عندنا إلا من يأخذ الغنيمة فلا يأخذه من ذمي ولا عبد ولا امرأة ولا صبي ولا يجب فيه الخمس عندنا إلا إذا كان خمسة دوانق فصاعدا لأن ما دونها لا يخمس ولعل هذا هو الوجه في ذكر هذا الحديث في باب النصاب وكفى به حاذقا حيث أشار إلى شيء لم يذكر في الحديث وإن لم يوجد عليه علامة المشركين أو وجد عليه علامة المسلمين فإنه لقطة وفيه أحكامها وقد بسطنا القول في أحكام المعدن والركاز في السابع من المعارج ( فائدة ) ذكر العلقمي عن شيخه أنه وقع في زمن العز بن عبد السلام إن رجلا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال له اذهب إلى موضع كذا فأحفره فإن فيه ركازا فخذ ذلك ولا خمس عليه لصحة الرؤيا وأفتى الشيخ ابن عبد السلام بأن عليه الخمس قال وأكثر ما ينزل منامه منزلة حديث روي بإسناد صحيح وقد عارضه ما هو أصح منه وهو الحديث المخرج في الصحيحين في الركاز الخمس ( قلت ). (1/84)
صفحة 84
والحق عند ابن عبد السلام إلا في قوله بتعارض المنام والحديث فإنه لا تعارض هنا لأن الأحكام لا تبني على المنام وقد تقررت الشريعة واستقرت بانقضاء أجله عليه الصلاة والسلام فلا ناسخ بعده ولا مخصص لانقطع الوحي واستقرار الشرع والعجب من المحشي كيف استظهر القول برفع الخمس اعتبارا بالمنام وجعل ذلك كالتخصيص في زمانه صلى الله عليه وسلم والفرق واضح أرأيت لو رأى رجل أن (النبي ) قال له أن في الموضع الفلاني دن خمر وهو لك خاصة مباح أيحل لهذا أن يشربه كلا وربي وحاش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيح ما حرم الله وفي المنام عجائب وقد يظن الرائي أنه رأى ( النبي ) وليس هو ذلك لكن جهله به أوقعه في الوهم والله أعلم
--- (1/85)
صفحة 85
الباب السادس والخمسون :ما لا يؤخذ في الزكاة
ما جاء فيما يمنع أخذه من الماشية
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للسعاة لا تأخذوا من أرباب الماشية سخلة ولا ربا ، ولا أكولة ، ولا فحلاً ، ولا شارفة ، ولا ذات هزال ، ولا ذات عوار .
قال الربيع: السخلة التي تتبع أمها وهي ترضع عليها . والربا التي تربي ولدها . والأكولة شاة اللحم وهي السمينة .
أبو عبيدة قال : بلغني عن عمر الخطاب رضي الله عنه قال لسعاته : تأخذوا حزرات الناس ولا الحافل .
قال الربيع : الحزرات الخيار وذات الضرع العظيم
قوله ( ما لا يؤخذ في الزكاة ) يعني الأشياء التي لا يصح للساعي أخذها من الفريضة لرداءتها أو شرفها أو لضرر بالمالك أو بالبهيمة .
قوله ( بلغني عن رسول الله r ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ موقوفاً على عمر بن الخطاب وفيه زيادة نقص عما ذكر المصنف رضوان الله عليه ، وأخرجه الشافعي وابن حزم ، ورواه ابن أبي شيبة مرفوعاً ونص الحديث عند مالك ( عن أبي سفيان بن عبدالله أن عمر بن الخطاب بعثه مصدقاً فكان يعد على الناس بالسخل فقالوا أتعد علينا بالسخل ولا تأخذ منه شيئا ؟ فلما قدم على عمر بن الخطاب ذكر له ذلك فقال : نعم تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعي ولا تأخذها ولا تأخذ الأكولة ولا الربا ولا الماخض ولا فحل الغنم وتأخذ الجذعة والثنية وذلك عدل بين غثاء الغنم وخياره . وقال ابن أبي شيبة : حدثنا أبو أسامة عن الهاس بن فهم عن الحسن بن مسلم قال : بعث رسول الله r سفيان بن عبدالله على الصدقة . الحديث .
قوله ( للسعاة ) جمع ساع وهو العامل على الصدقة يقال سعى الرجل على الصدقة يسعى سعياً إذا عمل في أخذها من أربابها . (1/86)
صفحة 86
قوله ( من أرباب الماشية ) أي من أصحابها والماشية المال من الإبل والغنم قال ابن السكيت وجماعة ، وبعضهم يجعل البقر من الماشية .
قوله ( سخلة ) بفتح فسكون كتمرة . قال الربيع : السخلة التي تتبع أمها وهي ترضع عليها . وفي المصباح : تطلق على الذكر والأنثى من أولاد الضأن والمعز ساعة تولد والجمع سخال وتجمع أيضاً على سخل مثل تمرة وتمر . قال الأزهري : وتقول العرب لأولاد الغنم ساعة تضعها أمهاتها من الضأن والمعز ذكراً كان أو أنثى سخلة ثم هي بهمة للذكر والأنثى أيضاً فإذا بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها فما كان من أولاد المعز فالذكر جفر والأنثى جفرة فإذا رعى وقوي فهو عتود وهو في ذلك كله جدي والأنثى عناق ما لم يأت عليه حول فالأنثى عنز والذكر تيس ثم يجذع في السنة الثانية فالذكر جذع والأنثى جذعة ثم يثنى في السنة الثالثة فالذكر ثني والأنثى ثنية ثم يكون رباعياً في الرابعة وسداسياً في الخامسة وصالعاً في السادسة وليس بعد الصلوع سن .
ولا يؤخذ في زكاة الغنم إلا المسنة المثنية من الضأن فما فوقها والرباعية من المعز فما فوقها وإن أعطى الجذعة من الضأن فالثنية من العز فلا بأس وهو أقل ما يجزي من الضحايا ، وإن كانت الغنم كلها سخالاً هل تؤخذ منها سخلة قيل لا تؤخذ وعليه أن يحضر ما يجزي في الصدقة لحديث الباب ، وقيل بل تؤخذ منه سخلة لأن زكاة المال منه ولا يكلف أن يخرج من غير ما يملك وهو أقوى في القياس ويدل عليه قول أبي بكر رضي الله عنه ( والله لو منعوني عناقاً ) بفتح العين وهي الصغيرة من أنثى المعز فإنه لو لم تكن واجبة في بعض المواضع ما كان لتخصيصها بالذكر معنى ، وحديث الباب يحتمل التخصيص وهو محمول على ما إذا كان المال مختلطاً بالسخال وغيرها ، وكذا القول فيما إذا كانت الماشية كلها هرمة أو ذات هزال أو عوار لا يكلف أن يخرج من غيرها على المختار عندي ويكلف على القول الثاني ، والله أعلم . (1/87)
صفحة 87
قوله ( ولا ربا ) بضم الراء وتشديد الموحدة . قال الربيع : الربا التي تربي ولدها . وقيل هي التي تربى في البيت للبنها . وقيل هي الشاة التي وضعت حديثاً قيل يطلق عليها هذا الاسم إلى خمس عشرة يوماً من ولادتها وقيل إلى شهرين، وقيل تختص بالمعز ، وقيل بل تكون من المعز والضأن جميعاً وربما جاء في الإبل أيضاً .
وإنما نهي عن أخذها لأنها من كرائم الأموال ، وقيل بل لهزالها لقرب عهدها من الولادة ، وقيل لئلا يفرق بينها وبين ولدها .
قوله ( أكولة ) بفتح الهمزة وضم الكاف . قال الربيع : الأكولة شاة اللحم وهي السمينة . وقيل هي الشاة التي تعزل للأكل وتسمن . وقيل هي العاقر من الشياه والشاة تعزل للأكل . وأما الأكولة بضم الهمزة والكاف فهي قبيحة المأكول .
قوله ( ولا فحلا ) وهو ما أعد للضراب ويسمى في الغنم تيساً وقيل التيس مخصوص بالمعز دون الضأن .
وإنما نهي عن أخذه لأنه لا منفعة فيه لدر ولا نسل وإنما يؤخذ في الزكاة ما فيه منفعة للنسل . وقيل لأن المالك يحتاج إليه لينزو على الغنم .
قوله ( ولا شارفة ) ويقال لها شارفاً وهي المسنة من النوق وبمعناها الهرمة .
قوله ( ولا ذات هزال ) بكسر الهاء ضد السمن يقال هزلت الدابة على ما لم يسم فاعله هزالاً وهزلها صاحبها من باب ضرب فهي مهزولة .
قوله ( ولا ذات عوار ) بفتح المهملة وضمها لغة أي ذات العيب ، وقيل بالضم العور . واختلف في ضبطه فالأكثر على أنه ما ثبت به الرد في البيع ، وقيل ما يمنع الإجزاء في الضحية ويدخل في المعيب المريض ، والله أعلم .
قوله ( حزرات ) بهملة فزاي معجمة فراء مهملة جمع حزرة مثل سجدة وسجدات وهي خيار المال ، وقد يسكن ثانية في الجمع على توهم الصفة ، وتطلق الحزرة على الذكر والأنثى ، ويروى حرزة بتقديم الراء على الزاي قيل سميت بذلك لأن صاحبها يحرزها أي يصونها عن الابتذال . (1/88)
صفحة 88
قوله ( ولا الحافل ) بحاء مهملة فألف بعدها فاء مكسورة هي ذات الضرع العظيم وهو كناية عن كثرة لبنها يقال ضرع حافل أي ممتلئ لبناً وأصل الحافل الاجتماع يقال حفل اللبن وغيره حفولاً إذا اجتمع ، وسمي الضرع أو الشاة حافلاً لاجتماع اللبن فيه .
--- (1/89)
صفحة 89
النهي أن يخرج الرديء الصدقة والحث على إخراج الخمس
أبو عبيدة قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمد إلى أشر ماله فيزكي
منه . قال : وخيركم عند الله من يخرج من ماله أحسنه .
---------------------------------
قوله ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم ) الحديث مرسل عند المصنف وله قوة الاتصال لكثرة شواهده منها قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد ) . أخرج ابن جرير عن عبيدة السلماني قال : سألت علي بن أبي طالب عن قول الله ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم . الآية ) فقال : نزلت هذه الآية في الزكاة المفروضة كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه فيعزل الجيد ناحية فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الرديء فقال الله ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) يقول ولا يأخذ أحدكم هذا الرديء حتى يهضم له . وعن الزهري عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه قال : نهى رسول الله r عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذ في الصدقة . قال الزهري : تمرين من تمر المدينة . رواه أبو داود . وعن أبي أمامة بن سهل في الآية التي قال الله عز وجل ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) قال : هو الجعرور ولون الحبيق فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ في الصدقة الرذالة . وذكر مالك في الموطأ عن زياد بن سعد عن ابن شهاب أنه قال : لا يؤخذ في الصدقة النخل الجعرور ولا مصران الفارة ولا عذق ابن حبيق . قال : وهو يعد على صاحب المال ولا يؤخذ منه في الصدقة . قال مالك : وإنما مثّل ذلك الغنم تعد على صاحبها سخالها والسخل لا يؤخذ منه في الصدقة وقد يكون في الأموال ثمار لا تؤخذ منه الصدقة وذلك البردي وما أشبهه ولا (1/90)
صفحة 90
تؤخذ من أدناه كما لاتؤخذ من خياره وإنما تؤخذ الصدقة من أوساط المال . والجعرور بضم الجيم وإسكان المهملة زنة عصفور نوع رديء من التمر إذا جفف صار حشفاً . ومصران الفارة ضرب رديء من التمر سمي بذلك لأنه إنما على النوى قشرة رقيقة . وعذق ابن حبيق بفتح العين جنس من النخل والعذق بكسرها القنو وحبيق بمهملة فموحدة مصغر اسم للدقل من التمر سمي به لرداءته . والبردي بضم الموحدة وإسكان الراء ودال مهملتين وياء من أجود التمر .
قوله ( أن يعمد ) أي يقصد يقال عمدت للشيء عمداً من باب ضرب وعمدت إليه قصدت وتعمدته أي قصدت إليه . وقال الصاغاني : أي فعلت ذلك عمداً على عين وعمد أي عين أي بجد ويقين وهي دقيقة منه عليها تفيد الاحتراز من نحو من يرى شبحاً فيظنه صيداً فيرميه فإنه لا يسعى عمد عين لأنه إنما تعمد صيداً على ظنه .
قوله ( أشر ماله ) أي أسوأه وأخبثه فالتفضيل على بابه بصيغة أفعل لكونها الأصل فيه وفي غيره في باب التفضيل وكثر حذف الهمزة في هذا الموضع فقالوا هذا شر من ذاك والأصل أشر واستعمال الأصل لغة لبني عامر وقرئ في الشاذ ( من الكذاب الأشر ) على هذه اللغة .
قوله ( وخيركم ) أي أكرمك فلفظ خير للتفضيل وفي لغة بني عامر إثبات الألف فيقولون هذا أخير من ذاك كما يقولون أشر منه وسائر العرب تسقط الألف منهما . (1/91)
صفحة 91
قوله ( يخرج من ماله أحسنه ) أي أطيبه وأجوده ، وإنما كان هذا خيراً عند الله لأنه فعل الواجب وزاد عليه فهو محسن بأداء الواجب محسن بالزيادة . وروى أحمد عن أبي بن كعب قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقاً فمررت برجل ولم أجد عليه في ماله إلا أبنت مخاض فأخبرته أنها صدقته . فقال : ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر وما كنت لأقرض الله ما لا لبن فيه ولا ظهر ولكن هذه ناقة سمينة فخذها . فقلت : ما أنا آخذ ما لم أومر به فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم منك قريب . فخرج معي وخرج بالناقة حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاك الذي عليك وإن تطوعت بخير قبلناه منك وآجرك الله فيه . قال : فخذها . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلمبقبضها ودعا له بالبركة . وجاء رجل إلى الشيخ يبيب بن زلغين المغربي يطلب منه جملاً فأتاه بجمل . فقال الرجل : رزقك الله الجنة . فقال الشيخ : دعه ما هذا جمل الجنة . ثم عمد على جمل من خيار إبله فأتاه به . وهذا من الشيخ رحمه الله تعالى تطوع لا صدقة . والحديث يعم الفرض والنفل وإن مسوقاً في الفرض فإن النفل داخل تحت عمومه ( ولكل درجات مما عملوا ) ، والله أعلم .
--- (1/92)
صفحة 92
الباب السابع والخمسون :ما عفي عن زكاته
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس في الجارة ولا في الكسعة ولا في النخة ولا في الجبهة صدقة .
قال الربيع : الجارة التي تجر بالزمام وتذهب وترجع بقوت أهل البيت ، والكسعة الحمير ، والنخة الرقيق ، والجبهة الخيل .
قال الربيع : قال أبو عبيدة ليس في شيء من هذا صدقة ما لم تكن للتجارة .
------------------------------------
قوله (ما عفي عن زكاته ) أي ما لا زكاة فيه يقال عفا عن الحق إذا أسقطه مأخوذ من عفته الريح إذا محته وعفا الله عنك إذا محا ذنوبك وإنما أثر التعبير بهذا إشارة إلى حديث علي عند أحمد وأبي داوود والترمذي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة ) الحديث . (1/93)
صفحة 93
قوله ( ليس في الجارة ) بجيم ثم راء مهملة مشّددة . قال الربيع : الجارة الإبل التي تجر بالزمام وتذهب وترجع بقوت أهل البيت . قال الشيخ عامر : سميت جارة بمعنى مجرورة كما يقال سر كاتم أي مكتوم وقوله تعالى ( من ماء دافق ) أي مدفوق . وإنما عفي عن زكاتها لأنها لم تتخذ للاقتناء والنماء وإنما اتخذت للعمل وفي معناها الإبل النواضح وبقر الحرث . وقد جاء في حديث علي عند الدارقطني ( ولا في العوامل صدقة ) وهي جمع عاملة وهذا الاسم يصدق على الإبل والبقر إذا اتخذت للعمل . وقد أخذ بظاهر الحديث بعض أصحابنا منهم أبو عبيدة وبعض قومنا فلم يوجبوا الزكاة في العوامل من الإبل والبقر وأوجبها آخرون منا وبه قال مكحول وقتادة ومالك ابن أنس . قال ابن جعفر وغيره : وهذا هو المأخوذ به عند أصحابنا . وكأني بهم إنما أخذوا به في جانب الدافع دون الساعي لأن في الدفع منها ضرباً من الاحتياط ومذهبهم رحمهم الله تعالى مبني على الاحتياط أما الساعي فلم أجد لهم نصاً أنه يأخذها من العوامل وكان اللائق أن ينصوا على المنع لظاهر الحديث . ومن قال بوجوب الزكاة فيها تمسك بالعموم الوارد في زكاة الأنعام وحديث الباب خاص والخاص قاض على العام فيجب المصير إليه .
قوله ( ولا في الكسعة ) بضم الكاف وسكون المهملة هي الحمير .
والنخة بفتح النون وتشديد المعجمة الرقيق أي العبيد وبه جزم المصنف رضي الله عنه . وقيل البقر العوامل قال ثعلب : وهو الصواب لأنه من النخ وهو السوق الشديد . وقال الكسائي : هو بالضم وهي البقر العوامل .
والجبهة بفتح الجيم وسكون الموحدة الخيل سميت بذلك لأنها خيار البهائم كما يقال وجه السلعة لخيارها ووجه القوم وجبهتهم لسيدهم . وقال بعضهم هي خيار الخيل .وقيل الجبهة الخيل والبغال والعبيد . وتعقب بأن فيه بعداً وتكلفاً . (1/94)
صفحة 94
قوله ( ما لم تكن للتجارة ) وذلك أن يشتريها للربح في قيمتها لا للقنوة والانتفاع بذواتها فإنه إذا أخذها للتجارة وجبت فيها زكاة التجارة وهي ربع العشر كالذهب والفضة لأنهما أصلها ووجوب الزكاة في التجارة مأخوذ من قوله تعالى ( أنفقوا من طيبات ما كسبتم ) وقد أجمع الناس عليها وخالف داود بن علي وهو محجوج بالآية والإجماع ، ثم إن الأدلة المصرحة بوجوب الزكاة في النقدين دالة على وجوبها في التجارة بطريق الاستلزام لوجوب إعطاء الفرع حكم الأصل ، والله أعلم .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس على الرجل في عبده ولا في فرسه صدقة .
---------------------------------
قوله ( عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً الجماعة ولفظه عندهم ( ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه ) ، ولأبي داود ( ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر ) ، ولأحمد ومسلم ( ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر ) .
قوله ( في عبده ولا فرسه ) العبد في المملوك من الجنس الإنساني ، والفرس الخيل يعني انه لا يلزم المسلم أن يزكي عن هذين الجنسين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عفا عن زكاتهما . وخالف أبو حنيفة فقال بوجوب الزكاة في الخيل إذا كانت ذكراناً وإناثا نظراً على النسل فإن انفردت ففيه عنه روايتان ثم إن عنده أن المالك يتخير بين أن يخرج عن كل فرس ديناراً أو تقوم ويخرج ربع العشر . وردّ عليه بحديث الباب . وأجيب بحمل النفي فيه على الرقبة لا على القيمة وهو تكلف بعيد عن معنى الحديث ولو صح لجاز أن يقال بمثله في العبد وهو باطل إجماعاً . واستدل بالحديث من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة في العبد والفرس مطلقاً ولو كانا للتجارة . والجواب : أن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله غير واحد من العلماء فيخصص به عموم هذا الحديث ، والله أعلم .
--- (1/95)
صفحة 95
الباب الثامن والخمسون :الوعيد في منع الزكاة
قوله ( منع الزكاة ) منعها عدم تسليمها إلى أهلها والوعيد التخويف بالشر والوعد ضده فإنه يختص بالخير وكلاهما خبر وأخبار الله تعالى لا يجوز خلفها لاستحالة الكذب عليه فهو تعالى لا يبدل القول لديه وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته هذا في حق الله تعالى وأما في حق البشر فإن العرب كانت تعد خلف الوعد كذباً وخلف الوعيد كرماً كما قال الشاعر :
وقد قاس بعض الفرق في هذا الباب وعيد الرب تعالى بوعيد البشر فأجازوا عليه الخلف في وعيده وغفلوا عن قوله عز من قائل ( إن الله لا يخلف الميعاد ) والوعيد في أحاديث الباب متوجه على منع الزكاة وهل تأخيرها مع إمكان دفعها داخل في الوعيد كمنعها فيه خلاف منشؤه هل يدل الأمر المطلق على الفور أم لا والصحيح عندي أن مؤخرها بلا عذر عاص لأنه يفضي على ذهابها والتهاون بشأنها وهو قول لبعضهم فالعصيان للتمادي وخشية التضييع لا للقول بالفورية في أدائها وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس الآتي في الباب ( لا صلاة لمانع الزكاة ) .
وقيل من فرّط فيها مع التمكن حتى يدخل حول في حول فهو هالك . وقيل لا يهلك مال لم يمت مضيعاً لها وهو اختيار الشيخ أبي سعيد رضي الله عنه وبه جزم في مواضع من استقامته وتبعه عليه أتباعه من بعده فهم يرجحون هذا القول على غيره .
وغرض الشيخ من ذلك التوسعة كي لا يتبرأ من متمسك برأي لأن مقصوده البحث في أسباب البراءة فلو سئل عن العمل لحث على الإخراج عند الإمكان . والقول بعصيان مؤخرها عن وقت الإمكان هو اختيار أبي محمد بن بركة وهو أقوى في النظر ولا يبرأ من أخذ برأي من آراء المسلمين إلا إذا حكم الإمام بخلافه فإنه يلزم الانقياد لحكم الإمام إجماعاً ، والله أعلم .
--- (1/96)
صفحة 96
ما جاء في مانع الزكاة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مانع الزكاة يقتل
قوله ( عن ابن عباس ) الحديث تفرد به المصنف وللبخاري ومسلم معناه من حديث عبدالله بن عمر وأبي هريرة وهو للنسائي أيضاً ، ولمسلم والنسائي من حديث جابر بن عبدالله وحديث المصنف أصرح في المراد وفي الجامع الصغير عن أنس عند الطبراني في الصغير وفي نسخة في الأوسط ( مانع الزكاة يوم القيامة في النار ) قال المناوي : وفي حلية الأبرار للنووي أن الله تعالى ينزل في كل سنة اثنتين وسبعين لعنة على اليهود ولعنة على النصارى وسبعين لعنة على مانع الزكاة .
قوله ( مانع الزكاة يقتل ) قال أبو عبيدة : ذلك إذا منعها من كان يستحق أخذها وأما غيره فلا يقتل من منعه إياها لأنه ليس بأهل لأخذها ولا تلزم الناس طاعته وكيف يلزمهم دفع زكواتهم إليه على أنه تعالى قد أوجبها لأصناف مخصوصة وليس الجبار من تلك الأصناف ولا هو بالمأمون على وضعها فيهم وصاحب المال مخاطب بها ويلزمه دفعها إلى الإمام العادل إن وجد وإلا فعليه وضعها في محلها من الأصناف الثمانية حتى يكون من أدائها على يقين فلو منعها من الأصناف هلك بلا خلاف ، لكن ليس لأحد قتله على ذلك لأن الأصناف كثيرة وأفرادهم عديدة وليس بعضهم أولى بها من بعض فلا تتعين المطالبة لواحد منهم بعينه . ولما كان الإمام العادل قائماً في مطالبتها مقام الأصناف الثمانية لأنه المخاطب بأخذها وبقسمتها ووضعها في أهلها كان له قتل مانعها . وأيضاً فإن قتله حد من حدود الله تعالى وأمر الحدود إلى الإمام العادل ولا يجوز للجائر إقامته في هذا الموضع حتى على رأي من أجاز للجائر إقامة الحدود لأن الحد هاهنا فيه نوع شبهة لكثرة أصناف الزكاة فلا يتحقق المنع بخلافه في السرقة ونحوها والحدود تدرأ بالشبهات ، والله أعلم . (1/97)
صفحة 97
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغنا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال : لو منعوني عقالاً لقاتلتهم عليه .
قال الربيع : قال أبو عبيدة : ذلك إذا منعها من إمام يستحق أخذها وأما غيره فلا يقتل من منعه إياها .
---------------------------------
قوله ( بلغنا أن أبا بكر ) الحديث رواه أيضاً الجماعة مطولاً عن أبي هريرة إلا ابن ماجة لكن في رواية بعضهم ( عناقاً ) مكان ( عقالاً ) ولفظه عندهم ( عن أبي هريرة لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر كفر من كفر من العرب فقال عمر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا غله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله تعالى ؟ فقال : والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها . قال عمر : فوالله ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق ) وفي لفظ مسلم والترمذي وأبي داود ( لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه ) .
والعناق بفتح العين بعدها نون ، الأنثى من ولد المعز لم تبلغ سنة .
والعقال بكسر العين الحبل الذي يشد به ساق البعير إلى عضده . (1/98)
صفحة 98
وقد اختلفوا في المراد به فذهب كثير من المحققين على أن المراد به المبالغة في الحقارة لأن الكلام خرج مخرج التهديد والتضييق فيقتضي التقليل والتحقير . وقيل المراد بالعقال زكاة عام قالوا وهو معروف في اللغة وهذا قول الكسائي والنضر بن شميل وأبي عبيد والمبرد وغيرهم من أهل اللغة وهو قول جماعة من الفقهاء وحملهم على ذلك أن العقال الذي هو الحبل لا يجب دفعه في الزكاة فلا يجوز حمل الحديث عليه . وتعقب بأن المراد المبالغة كما تقدم والحقيقة غير مرادة في الحديث . وقيل المراد العقال الذي يؤخذ مع الفريضة لأن على صاحبها تسليمها برباطها . قال الخطابي : أهل الردة كانوا صنفين صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعدلوا إلى الكفر وهم الذين عناهم أبو هريرة وهذه الفرقة طائفتان إحداهما أصحاب مسيلمة الكذاب من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوة وأصحاب الأسود العنسي ومن استجاب له من أهل اليمن وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنوبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مدعية النبوة لغيره فقاتلهم أبو بكر حتى قتل مسيلمة باليمامة والعنسي بصنعاء وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم ، والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدين فأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين وعادوا على ما كانوا عليه في الجاهلية فلم يكن يسجد لله في الأرض إلا في ثلاثة مساجد مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد عبد القيس . (1/99)
صفحة 99
قال : والصنف الآخر هم الذين فرّقوا بين الصلاة وبين الزكاة فأنكروا وجوبها ووجوب أدائها إلى الإمام . قال : وهؤلاء على الحقيقة أهل البغي وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصاً لدخولهم في غمار أهل الردة وأضيف الاسم في الجملة إلى أهل الردة إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما وأرخ مبدأ قتال أهل البغي من زمن علي بن أبي طالب إذ كانوا منفردين في زمانه ولم يخلطوا بأهل الشرك وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بها ولم يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع فإنهم قد كانوا جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر فراجع أبا بكر وناظره ( واحتج ) عليه بقول (النبي صلى الله عليه وسلم ) أمرت أن أقاتل الناس . الحديث . (1/100)
صفحة 100
وكان هذا من عمر تعلقا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل شرائطه فقال له أبو بكر إن الزكاة حق المال يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال متعلقة بأطراف شرائطها والحكم المتعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم ثم قايسه بالصلاة وردّ الزكاة إليها فكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعاً من الصحابة ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه , وقد اجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر بالعموم ومن أبي بكر بالقياس ودل ذلك على أن العموم يخص بالقياس وأن جميع ما تضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد من شرط واستثناء مراعى فيه ومعتبر صحته فلما استقر عند عمر صحة رأي أبي بكر وبان له صوابه تابعه على قتال القوم وهو معنى قوله ( فعرفت أنه الحق ) يشير إلى انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها والبرهان الذي أقامه نصاً ودلالة . انتهى المراد منه وهو كلامه حسن إلا قوله في منكري وجوب الزكاة أنهم في الحقيقة أهل بغي فإن الحق أن منكر وجوبها مشرك كافر وأهل الردة إنما أنكروا وجوب أدائها إلى غير النبي لا نفس الوجوب في الجملة فهم بذلك بغاة متأولون ، ومنهم من أنكر نفس الوجوب وهم بذلك مشركون ، والله أعلم .
--- (1/101)
صفحة 101
مانع الزكاة لا تقبل صلاته
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا صلاة لمانع الزكاة قالها ثلاثاً والمتعدي فيها كمانعها .
قال الربيع : المتعدي فيها هو الذي يدفعها لغير أهلها .
-----------------------------------
قوله ( لا صلاة لمانع الزكاة ) أي من منع الزكاة لا يقبل الله له صلاة لأنه غير متق ولا يقبل الله العبادة إلا من المتقين ( إنما يتقبل الله من المتقين ) وأيضاً فإن الزكاة ركن من أركان الإسلام كالصلاة فإن الإسلام بني على خمس منها الصلاة والزكاة وإذا إنهدم بعض أركان الإسلام إنهدم جميعه ولا ينتفع بالبعض دون البعض كالبيت إذا انهدمت بعض قواعده التي بني عليها فإنه لا ينتفع به لزوال منفعته بتهدم أركانه فلو تاب هذا المانع وأدى الزكاة على وجهها لم يلزمه بدل الصلاة البيت إذا أصلح المنهدم منه فإنه يستقيم كما هو ولا يحتاج القائم من أركانه إلى البناء .
قوله ( قالها ثلاثاً ) أي كرر القول بذلك ثلاث مرات تغليظاً في الإنكار وتشديداً على المتهاون .
قوله ( والمتعدي فيها كمانعها ) قال الربيع : المتعدي فيها هو الذي يدفعها لغير أهلها ، وكذلك من يدفعها تقية عن نفسه أو ماله فإن الزكاة لا يدفع بها مغرم ، وكذلك من يدفعها ليأخذ عنها عوضاً دنيوياً لأن الزكاة لا يجلب بها مغنم ، وكذلك من أخرجها من أردء ماله وأخبثه فإنه لا يجزي عنه ذلك . وإنما كان هذا متعدياً لأنه قد تجاوز ما حد له من أمر الزكاة فلم يؤدها على وجهها . ومعنى التعدي مجاوز الحد ، وإنما كان المتعدي فيها كمانعها لأن كل واحد منهما ظالم في حقها فالمانع ظالم من حيث المنع والمتعدي ظالم من حيث الأداء ، لأن الأداء إذا كان خلاف المطلوب شرعاً فليس بأداء ، ولا يقبل الله عبادة على خلاف ما شرع يوم القيامة ، والله أعلم .
--- (1/102)
صفحة 102
تعذيب مانع الزكاة
وعنه عليه السلام قال : من كثر ماله ولم يزكه جاءه يوم القيامة في صورة شجاع أقرع له زبيبتان موكل بعذابه . يعني حتى يقضي الله بين الخلائق .
قال الربيع : يعني ثعباناً أقرع يكون في فمه من كلا الجانبين رغوة السم بمنزلة الزبيبتين في التحماحهما ولم يرد بها العينين .
---------------------------------
قوله ( وعنه عليه السلام ) هذا معطوف على الحديث الذي قبله فهو من مسند ابن عباس عند المصنف ، ورواه البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثّل له ماله يوم القيامة شجاعاًَ أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا ( ولا تحسبن الذين يبخلون ) الآية . وفي هذه الرواية بيان للعذاب المبهم في رواية المصنف وينقطع ذلك بالفراغ من الحساب كما في رواية المصنف لكن ينقلب إلى شر منه والعياذ بالله تعالى . (1/103)
صفحة 103
قوله ( من كثر ماله ) المراد بالكثرة هاهنا بلوغه حد النصاب الذي تجب معه الزكاة فمن ملك النصاب فقد كثر ماله ، والمراد بالمال الذهب والفضة كما دلت عليه رواية البخاري في قوله ( أنا مالك أنا كنزك ) . قال ابن حجر : ووقع في رواية زيد بن أسلم ( ما من صاحب ذهب وفضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جبهته وظهره . قال : ولا تنافي بين الروايتين لاحتمال وقوع الأمرين معاً فرواية ابن دينار توافق الآية التي ذكرها وهي ( سيطوقون ) ورواية زيد بن أسلم توافق قوله تعالى ( يوم يحمى عليها في نار جهنم ) الآية . وأما عذاب مانعها من الماشية فقد جاء عند الشيخين من حديث أبي ذر أن النبي r قال : ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس .
قوله ( ولم يزكه ) أي لم يخرج زكاته .
وقوله ( جاءه ) أي يجيئه ماله يوم القيامة في صورة شجاع أقرع ، وفي رواية البخاري ( مثّل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع ) والمعنى أن الله تعالى يصير ماله شجاعاً أقرع يعذبه جزاء لمنعه حق الله منه ولا بدع في خلق الله فإنه عز وجل يخلق الأشياء من غير شيء ويخلق بعضها من بعض وإن اختلفت أجناسها وقد خلق تعالى آدم عليه السلام من طين لازب وخلق الجان من مارج من نار فليس خلق الحية من الذهب بأشد من ذلك ونعلم أن الله على كل شيء قدير . (1/104)
صفحة 104
والشجاع بضم الشين ويكسر هو الثعبان وهو الحية العظيمة ويقع على الذكر والأنثى والجمع ثعابين . وفي المختار : الثعبان ضرب من الحيات طوال . وقيل الشجاع الحية الذكر . وقيل الذي يقوم على ذنبه ويواثب الفارس . والأقرع الذي يقرع رأسه أي يتمعط لكثرة سمه. وقيل سمي أقرع أن شعر رأسه يتمعط لجمع السم فيه . وتعقب بأن الحية لا شعر في رأسها فلعله يذهب جلد رأسه . وقيل سمي أقرع لأنه يقرئ السم ويجمعه في رأسه حتى تتمعط فروة رأسه . وقيل الأقرع من الحيات الذي ابيّض رأسه من السم والأقرع من الناس الذي لا شعر برأسه .
قوله ( زبيبتان ) تثنية زبيبة بفتح الزاء وموحدتين وهما الزبدتان اللتان في الشدقين يقال تكلم حتى زبّب شدقاه أي خرج الزبد منهما . وقيل هما النكتتان السوداوان فوق عينيه . وقيل حلقتان يكتنفان فاه . وقيل هما في حلقه بمنزلة زلمتي العنز . وقيل لحمتان على رأسه مثل القرنين . وقيل نابان يخرجان من فيه .
قوله ( موكل بعذابه ) أي مفوض إليه عذابه بالتسلط عليه والتمكن منه فهو في عذابه بمنزلة الوكيل في المال .
قوله ( حتى يقضي الله ) أي حتى يتم القضاء بين الناس فهو غاية لتوكيله بعذابه ثم يؤخذ للنار والعياذ بالله . وهل يعذب بالشجاع بعد فراغه من حسابه أم قبله ثم يحاسب بعد أن يقضي الله بين خلقه ؟ لم أجد فيه نصاً وكلا الوجهين محتمل .
قوله ( رغوة السم ) الرغوة بفتح الراء وضمها وحكي الكسر الزبد يعلو الشيء عند غليانه . والسم بالفتح في الأكثر والضم لغة لأهل العالية والكسر لغة لبني تميم وهو القاتل من المطعومات .
قوله ( بمنزلة الزبيبتين في التماحهما ) يعني أن إطلاق الزبيبتين على الرغوة مجاز استعاري لأنهما يلوحان للناظر عند التماحهما كأنهما زبيبتان وذلك من قوة سمه . (1/105)
صفحة 105
قوله ( ولم يرد بهما العينين ) أي لم يرد بالزبيبتين في الحديث العينين وإن كانتا تشبهانهما في شكل خلقتهما وهيئة حدتهما وكذلك لم يرد النكتتين السوداوين فوق عينيه لأن سياق الحديث لتهويل الأمر وتعظيمه والمعنى الأول أنسب بذلك دون النكتتين وإن كان سيء الحال لكنه يخفى وصفه على كثير من الناس وأيضاً فالأول أسوأ حالاً ، والله أعلم .
--- (1/106)
صفحة 106
الباب التاسع والخمسون :في الصدقة
ما جاء في لأن الصدقة تطفئ النار
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن الصدقة تطفئ النار .
----------------------------------
قوله ( في الصدقة ) أي في فضلها والمراد بالصدقة التطوع .
قوله ( عن النبي صلى الله عليه وسلم ) الحديث رواه البخاري ومسلم والنسائي عن عدي بن حاتم لكن ليس عندهم قوله ( فإن الصدقة تطفئ النار ) ، وفي رواية عند الشيخين وأحمد ( اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة ) .
قوله ( اتقوا النار .. الخ) أي اجعلوا بينكم وبينها وقاية من الصدقات وأعمال البر ولو كان الاتقاء المذكور بشق تمرة فإنه يسد الرمق سيما للطفل فلا يحتقر المتصدق ذلك . والشق بكسر الشين المعجمة جانب الشيء أو نصفه . والمراد الحث على الصدقة كثيرها وقليلها ونظيره قوله تعالى ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ) فإن في شق التمرة مثاقيل من الذر . وقال مالك : بلغني أن مسكيناً استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يدها عنب فقالت لإنسان خذ حبة فأعطه إياها فجعل ينظر إليها ويتعجب فقالت عائشة : أتعجب كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة .
قوله ( فإن الصدقة تطفئ النار ) كناية عن سلامة المتصدق من النار وبمعناه ما ورد أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ المار النار ، وأن الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء ، والله أعلم .
--- (1/107)
صفحة 107
ما جاء أن اليد العليا خير من اليد السفلى
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اليد العليا خير من اليد السفلى والعليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة .
---------------------------------
قوله بلغني ) الحديث رواه البخاري عن عبدالله بن عمر أن رسول الله r قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف والمسألة اليد العليا خير من اليد السفلى فاليد العليا هي المنفقه والسفلى هي السائلة . وعن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب أن حكيم بن حزام قال : سألت رسول الله r فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال : يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع اليد العليا خير من اليد السفلى . فقال حكيم : فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا . فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيماً على العطاء فيأبى أن يقبله منه ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا .
فقال : إني أشهدكم معشر المسلمين على حكيم أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه . فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد رسول الله r حتى توفي .
قوله اليد العليا ) المراد باليد هنا جارحة الأخذ والإعطاء كما يدل عليه تفسيرها في الحديث وعليه جمهور الأمة .وقال ابن نباتة : اليد هنا هي النعمة وكأن المعنى أن العطية الجزيلة خير من العطية القليلة . قال : وهذا حث على المكارم بأوجز لفظ . وهذا مخالف للنص في تفسير اليد فلا يقبل . (1/108)
صفحة 108
قوله والعليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة ) المراد بالمنفقة المعطية والمراد بالسائلة الطالبة وهما كنايتان عن المعطي والسائل وتفسير العليا والسفلى بهذا المعنى من نفس الحديث وقد تظافرت عليه الروايات وهو قول الجمهور .
وقيل) اليد السفلى الآخذة سواء كان بسؤال أم بغير سؤال . ورد) بأن
الصدقة تقع في يد الله قبل يدي المتصدق عليه فأن يدي الله هي المعطية ويد الله هي الآخذة وكلتاهما عليا وكلتاهما يمين وفيه) نظرا لأن البحث في الآدميين وأن يد الله باعتبار كونه مالك كل شيء نسبت يده إلى الإعطاء وباعتبار قبوله للصدقة ورضاه بها نسبة يده للأخذ ويده العليا على كل حال .
وعن الحسن البصري : اليد العليا المعطية والسفلى المانعة ولم يوافق عليه .
وقال قوم من المتصوفة أن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقاً عكس ما جاء به النص وخلاف ما اتفقت عليه الأمة . قال ابن قتيبة : وما أرى هؤلاء إلا قوماً استطابوا السؤال فهم يحتجون بالدناءة ولو جاز هذا لكان المولى من فوق هو الذي كان رقيقاً فأعتق والمولى من أسفل هو السيد الذي أعتقه .
فائدة : بالآدمي أربع : يد المعطي وقد تظافرت الأخبار بأنها عليا .
ثانيها : يد السائل وقد تظافرت بأنها سفلى سواء أخذت أم لا وهذا موافق لكيفية الإعطاء والأخذ غالباً وللمقابلة بين العلو والسفل المشتق منها .
ثالثها : يد المتعفف عن الأخذ ولو بعد أن تمد إليه يد المعطي مثلا فهذه توصف بكونها عليا علوا معنوياً .
رابعها : يد الآخذ بغير سؤال وهذه قد اختلف فيها فذهب جمع إلى أنها سفلى وهذا بالنظر إلى الأمر المحسوس وأما المعنوي فلا يطّرد فقد تكون عليا في بعض الصور وعليه يحمل الكلام من أطلق كونها عليه ، والله أعلم .
--- (1/109)
صفحة 109
ما جاء أن الصدقة تقي مصارع السوء
ومن طريق ابن عباس عنه عليه السلام قال : تصدقوا فإن الصدقة تقي مصارع السوء وتدفع ميتة السوء .
-------------------------
قوله ومن طريق ابن عباس ) أي بالسند المتقدم . وأخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث أنس أن النبي r قال : إن صدقة السر لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء .
قوله تقي ) أي تحفظ صاحبها من ذلك يقال وقاه الله السوء يقيه وقاية بالكسر إذا حفظه منه .
والمصارع جمع مصرع وهو الموضع الذي يقع فيه السوء .
والميتة بكسر الميم الحالة التي يموت عليها الإنسان .
والسوء بفتح السين كل ما يغم الإنسان من الأمور ويعبّر عن كل ما يقبح وذلك قوبل بالحسنى في قوله تعالى ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوء ) كما قال للذين أحسنوا الحسنى ) والمراد بميتة السوء سوء الخاتمة ،وقيل أراد ما لا تحمد عاقبته من الحالات الرديئة كالحرق والغرق ، والله أعلم .
--- (1/110)
صفحة 110
ما جاء أن النفقة على الأهل صدقة
قال الربيع : بلغني عن أبي مسعود الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نفقة الرجل على أهله صدقة .
----------------------------
قوله عن أبي مسعود الأنصاري ) الحديث رواه أيضاً البخاري والترمذي .
قوله نفقة الرجل ) النفقة وزان رقبة اسم من انفق الدراهم إذا أنفذها والمراد بها هنا ما ينفذه الرجل على خاصته من لازم ومستحب .
والمراد بأهله كل من يعولهم ويتأهل بهم من زوجة وخادم وولد .
ومعنى كونها صدقة أي يؤجر عليها كما يؤجر على الصدقة بشرط الاحتساب وهو أن يريد بها وجه الله ويطلب بها الثواب من عنده .
--- (1/111)
صفحة 111
ما جاء في الحث على إعطاء السائل
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله : ردوا السائل ولو بظلف محرق .
----------------------------
قوله عن أنس بن مالك ) الحديث ذكره في الجامع الصغير من رواية أحمد في مسنده والبخاري في تاريخه ومالك كلهم عن حواء بنت الساكن ، وروى الترمذي وأبو داود معناه .
قوله ردوا السائل ) أي أعطوه شيئاً يرد به ولو كان قليلاً ولا تردوه رد حرمان .
والظلف بكسر الظاء المعجمة وسكون اللام وهو للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس والحمير فيقال لما في رجل البعير خف ولما في رجل البقر والغنم ظلف ولما في رجل الفرس والحمار حافر .
والمحرق بضم الميم هو الذي أحرقته النار وذكره لمزيد المبالغة في الحقارة . قال أبو عمر : في ذكر القليل تنبيه على فضل الكثير لمن فهم معنى الخطاب .
وقد أحسن القائل :
--- (1/112)
صفحة 112
جاء في فضل من أطعم مسلماً أو سقاه
أبو عبيدة قال : بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أطعم مسلماً تمرة أطعمه الله من ثمار الجنة ، ومن سقاه سقاه الله من الرحيق المختوم .
----------------------------
قوله بلغني ) الحديث عند أب داود والترمذي من رواية أبي سعيد بزيادة فيه ، ولفظه عندهم عن أبي سعيد قال قال رسول الله r : أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عري كساه الله من خضر الجنة ، وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة ، وأيما مسلم سقى مسلماً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم .
قوله تمرة ) هي واحدة التمر وهو من ثمار النخل كالزبيب من العنب وهو اليابس بإجماع أهل اللغة لأنه يترك على النخل بعد إرطابه حتى يجف أو يقارب ثم يقطع ويترك في الشمس حتى ييبس . قال أبو حاتم : وربما وجدت النخلة وهي باسرة بعدما أحلت ليخفف عنها أو لخوف السرقة فتترك حتى تكون تمراً .
قوله من ثمار الجنة ) هو ما تخرجه أشجارها من أنواع الأطعمة . وفيه إشارة إلى أن ثمارها أفضل أطعمتها .
قوله من الرحيق المختوم ) أي من خمر الجنة أو شرابها . والرحيق صفوة الخمر والشراب الخالص الذي لا غش فيه .
والمختوم هو المصون الذي لم يبتذل لأجل ختامه ولم يصل إليه غير أصحابه وهو عبارة عن نفاسته . وقيل الذي يختم بالمسك مكان الطين والشمع ونحوه . وقيل المراد أن آخر ما يجدون منه في الطعم رائحة المسك من قولهم ختمت الكتاب أي انتهيت إلى آخره وفيه إيماء إلى قوله تعالى يسقون من رحيق مختوم ) والله أعلم .
--- (1/113)
صفحة 113
ما جاء في وصف المسكين
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان . قالوا : فمن المسكين يا رسول الله ؟ قال : الذي لا يجد غناء يغنيه ولا يفطن به فيعطى ولا يقوم فيسأل الناس .
---------------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً الشيخان وأحمد.
قوله ليس المسكين ) مفعيل من السكون فكأنه من قلة المال سكنت حركاته .
قوله الطواف ) بفتح الطاء وتشديد الواو فعال من قولهم طاف بالشيء يطوف طوفاً وطوافاً إذا استدار ، والمراد بالطواف هنا من يدور على بيوت الناس يسألهم أن يطعموه .
قوله ترده اللقمة واللقمتان ) أي يقنع باليسير فيرجع عن أهل البيت .
قوله لا يجد غناء يغنيه .. الخ ) إنما قصر المسكين على الموصوف بهذه الصفات لأن الصبر معها أشد وأيضاً فإن للطواف حركة في طوافه لسؤال الناس ولا حركة لهذا الصابر القانع بما عنده . والغناء بالفتح والمد الكفاءة من الشيء .
قوله فيعطى ) وقوله فيسأل ) هما بالنصب في جواب النفي . وفي الحديث استحباب الحياء في كل الأحوال وحسن الإرشاد في وضع الصدقة وأن يتحرى وضعها فيمن صفته التعفف دون الإلحاح . وفيه دلالة لمن يقول أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين وأن المسكين الذي له شيء لكنه لا يكفيه فالفقير الذي لا شيء له ويؤيده قوله تعالى أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ) فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة يعملون فيها . وقيل المسكين أسوأ حالاً من الفقير . وقيل هما سواء . وقيل الفقير الذي يسأل والمسكين الذي لا يسأل ولكل واحد تمسك واحتجاج ذكرت جميع ذلك في السابع من المعارج ، والله أعلم .
--- (1/114)
صفحة 114
ما جاء في فضل النفقة في سبيل الله
أبو عبيدة قال : بلغني عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أنفق زوجين نودي في الجنة يا عبدالله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصوم دعي من باب الريان . قال أبو بكر ك ما على من يدعى من هذه الأبواب كلها من ضرورة فهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها يا رسول الله ؟ قال : نعم وأرجو أن تكون منهم .
قال الربيع : زوجين يعني مثل خفين أو نعلين وما كان من زوجين مثلهما ، والله أعلم .
---------------------------------
قوله بلغني عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً البخاري ومسلم والنسائي .
قوله زوجين ) زاد في رواية الشيخين من شيء من الأشياء في سبيل الله ) أي في مرضاته من أب باب من أبواب الخير . وقيل مخصوص بالجهاد وعليه النسائي فإنه ذكر الحديث في كتاب الجهاد وعلى الأول صنيع المرتب رحمه الله تعالى حيث ذكر الحديث في فضل الصدقة . ومعنى الزوجين الشفع من جنس مثل خفين أو نعلين وما كان من زوجين فهو مثلهما فالمراد من الزوجين الاثنان من جنس واحد وهذا التفسير ذكره النسائي في رواية له عن أبي قتادة قال قال رسول الله r : ما من عبد مسلم ينفق من كل ماله زوجين في سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده . قلت وكيف ذلك ؟ قال : إن كانت إبلاً فبعيرين وإن كانت بقراً فبقرتين .
قوله نودي في الجنة ) وفي رواية الشيخين دعي من أبواب الجنة ) أي دعته الخزنة من جميع أبوابها ومعنى رواية المصنف أي ينادى في الجنة بقوله يا عبد الله هذا خير . يعني أنه يشهر بذلك إعلاماً بفعله الحسن ورفعاً لدرجته ثم يدعى إلى الجنة من الباب الذي هو من أهله . (1/115)
صفحة 115
قوله هذا خير ) أي فعل والمراد به ثواب ما أنفق من الزوجين . وقيل معناه هذا خير من الخيرات . والتنوين فيه للتعظم وبه تظهر الفائدة .
قوله فمن كان من أهل الصلاة ) أي ممن يكثر النفل ، وقيل المراد ممن يحسن الصلاة .
قوله دعي من باب الصلاة ) وهو أفضل الأبواب فيقال له يا عبد الله ادخل من هذا الباب .
قوله ومن كان من أهل الصدقة ) أي ممن يكثرها لوجه الله .
وقوله من باب الصدقة ) أي من الباب الذي يسمى بذلك ويختص به المعروفون بالتصدق .
قوله ومن كان من أهل الصوم ) أي ممن يكثر صوم النفل أو ممن يحسن الصوم .
قوله دعي من باب الريان ) بفتح الراء وتشديد التحتانية فعلان من الري اسم باب من أبواب الجنة يختص بالدخول منه الصائمون وهو مما وقعت المناسبة فيه بين اللفظ ومعناه لأنه مشتق من الري وهو مناسب لحال الصائم . واكتفى بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه أو لكونه أشق على الصائم من الجوع . وفي رواية لأحمد لكل أهل عمل باب يدعون منه بذلك العمل ) ، وفي رواية الشيخين وللجنة أبواب أي ثمانية كما في الأحاديث الصحيحة وكل باب منها يسمى بباب عبادة من أمهات الطاعة يدخل منها من غلب عليه تلك العبادة ومن استكثر منها كلها بوصف الزيادة دعي من جميع الأبواب الواردة تكريماً لأرباب الرفادة .
قوله ما على من يدعى .. الخ ) ما نافية ، ومن في قوله من ضرر ) زائدة وهي اسم ما أي ليس ضرورة واحتياج على من يدعى من جميع الأبواب لحصول المقصود وهو دخول الجنة وهذا تمهيد للسؤال في قوله فهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها ) فأجابه بقوله نعم أي يكون جماعة يدعون من جميع الأبواب تعظيماً وتكريماً لهم لكثرة صلاتهم وصدقتهم وصيامهم وغير ذلك من أبواب الخير .
قوله أن تكون منهم ) وإنما رجا له ذلك لأنه كان جامعاً لهذه الخيرات كلها ، والله أعلم .
--- (1/116)
صفحة 116
جاء في فضل صدقة السر
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبعة يظلهم لله في ظله يوم لا ظل إلا ظله . وذكر الحدث حتى قال : ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفقه يمينه .
قوله سبعة يظلهم لله ) الحديث . تقدم شرحه في باب الولاية والأمارة والغرض من ذكره هنا قوله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وفي الرواية المتقدمة ما أنفقته يمينه وهومبالغة في الإخفاء فمن أخفى صدقته ابتغاء وجه الله تعالى استحق هذه الفضيلة وهو أنه تعالى يظله يوم لا ظل إلا ظله . وروى أحمد عن مرثد بن عبدالله قال : حدثني بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته . وهذا إن أراد به صدقة السر فهو مطابق لحديث المصنف وعليه فالمعنى أن صدقته في الدنيا سبب ظله في القيامة ، وإن أراد مطلق الصدقة فالظل في حديث الباب ظل خاص وهو في حديث مرثد ظل صدقته التي أسداها إلى الناس بأن تتجسد صدقته فتظله أو يجعل ثوابها ظلها ، والله أعلم .
--- (1/117)
صفحة 117
ما جاء في الصدقة من المال الحلال
ومن طريقه عنه عليه السلام قال : المال الحلال رائح بصاحبه إلى الجنة .
قال الربيع : معناه يروح بصاحبه وكذلك معناه في حديث أبي طلحة الذي قدمنا ذكره .
------------------------------------
قوله ومن طريقه ) يعني أنس ابن مالك بالسند المتقدم .
قوله المال الحلال ) هو الذي أخذه بحقه من إرث أو هبة أو ضرب في الأرض أو غنيمة في جهاد وقد راعى في أخذه ووضعه أوامر الله تعالى والتزم شروطه وأدى حقوقه فذلك المال هو الذي يروح بصاحبه إلى الجنة أي يكون سبباً لدخوله فيها بأداء الحقوق والتطوع بالصدقات والإحسان إلى الأقارب والأجانب . وإنما ذكر الحديث في هذا الباب إشارة إلى أن فضل الصدقة المذكور في الأحاديث المتقدمة إنما يحصل لمن تصدق من المال الحلال كما صرّحت به رواية أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما قال قال رسول الله r : من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل . والحديث يدل على مدح الغنى إذا كان من حلال وأخرجت منه الحقوق . وفي حديث أبي ذر عند مسلم أن ناساً من أصحاب رسول الله r قالوا للنبي r : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم .. الحديث . فأقرهم رسول الله r على قولهم ذلك . والدثور بمثلثة الأموال الكثيرة والأجور الدرجات الزائدة في الثواب بسبب زيادتهم بالتصدق .
قوله رائح ) فاعل من راح بمعنى صار وفسّره الربيع بقوله : يروح أي يصير . إشارة إلى أن اسم الفاعل هنا للاستقبال وفيه الرد على من رواه بالباء الموحدة في حديث لأبي طلحة الآتي .
قوله في حديث أبي طلحة ) هو الحديث الذي سيأتي ذكره في أول الباب الآتي . (1/118)
صفحة 118
قوله الذي قدمنا ذكره ) يدل على أنه كان مقدماً في وضع الربيع وإنما أخره المرتب ولم يغير عبارة المصنف بل أبقاها على ما هي ليفهم منها أنه كان مقدماً ، والله أعلم .
--- (1/119)
صفحة 119
الباب الستون :في أفضل ما يتصدق به والبركة في الطعام
ما جاء في من تصدق بأحب ماله إليه وأن أفضل الصدقة في الأقارب
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال : كان أبو طلحة أكثر الأنصار مالاً بالمدينة من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من مائها وهو طيب . قال أنس : فلما نزلت هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) قال أبو طلحة : إن أحب أموالي إليّ بيرحاء وإنها لصدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث شئت . فقال له : رسول الله صلى الله عليه وسلم : بخ بخ ذلك مال رائح يروح بصاحبه إلى الجنة وقد سمعت ما قلت وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين . قال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله . فقسّمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه .
---------------------------------
قوله في أفضل ما يتصدق به والبركة في الطعام ) ذكر في المعنى الأول حديثين أحدهما حديث أنس في تصدق أبي طلحة بأحب أمواله وهو بيرحاء ، والثاني حديث أبي هريرة في المنيحة الصفي . وذكر في المعنى الثاني حديثاً واحداً وهو حديث انس في أقراص من شعير أشبعت سبعين رجلاً ببركته صلى الله عليه وسلم .
قوله عن أنس بن مالك ) الحديث رواه أيضاً الشيخان ومالك وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وغيرهم .
قوله كان أبو طلحة ) هو زيد بن سهل الأنصاري وكان زوج أم أنس أم سليم وقد تقدم ذكره في الجزء الأول . (1/120)
صفحة 120
قوله بيرحاء ) بفتح الموحدة وسكون الياء وفتح الراء والحاء المهملة . وقال ابن الأثير : هي اسم مال وموضع بالمدينة قال : وهذه اللغة كثيراً ما تختلف ألفاظ المحدثين فيها فيقولون بيرحاء بفتح الباء وكسرها وبفتح الراء وتقديمها على التحتانية . قال : وفي سنن أبي داود باريحا مثله لكن بزيادة ألف . وقال الباجي : أفصحها بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء مقصور . وكذا جزم الصاغاني وقال : إنه فيعلى من البراح . قال : ومن ذكره بكسر الموجدة وظن أنها بئر من آبار المدينة فقد صحّف . وقال غيره : البراح المكان الذي لا سترة فيه من شجر أو غيره كأنها زالت . قال : وبيرحا فيعلى منه وهي بستان لأبي طلحة الأنصاري بالمدينة . وقيل حاء اسم رجل أضيف إليه البئر . وقيل الإضافة بمثل حرف الهجاء وعلى هذا فحركات الإعراب في الراء وأنكره بعضهم .
قوله مستقبلة المسجد ) أي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . واستقبالها إياه من كمال شرفها وهو من أعظم دواعي الرغبة فيها .
قوله يدخلها ويشرب من مائها ) هاتان الخصلتان من كمالها أيضاً أما أولاً فلأنها مما يرغب فيها إذ لو لم تكن كذلك ما رغب فيها المصطفى عليه صلاة الله وسلامه ، وأما ثانياً فإن المسلمين يلتمسون البركة من آثاره صلى الله عليه وسلم
قوله وهو طيب ) أي حلو الحلال لا شبهة فيه .
قوله لن تنالوا البر ) أي لن تكونوا أبرارا حتى تنفقوا مما تحبون قاله الحسن وقيل البر التقوى وقيل الطاعة وقيل الخير وقيل الجنة وهذا القول يروى عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد .
قوله برها وذخرها ) أي خيرها ونتيجتها المذخرة وفائدتها المنتظرة يعني لا أريد ثمرتها العاجلة الدنيوية الفانية بل أطلب مثوبتها الآجلة الأخروية الباقية عند الله .
قوله فضعها ) أي فاصرفها حيث شئت من وجوه البر وفي رواية الشيخين حيث أراك الله ) . (1/121)
صفحة 121
قوله بخ بخ ) بفتح الباء وسكون المعجمة وكسرها مع التنوين وبدونه وبضمها منوناً وبتشديدها مضموماً ومنوناً وقيل إن وصلت خفضت ونونت وكررها للمبالغة وهي كلمة يقولها المتعجب من الشيء وقال عند المدح والرضا بالشيء .
قوله مال رائح ) بالياء المهموزة من الرواح بمعنى الصيرورة وقد وقع تفسيره في الحديث عند المصنف بقوله يروح بصاحبه على الجنة وهي زيادة تفرد بها ويحتمل أنها للراوي فاندرجت في الحديث بسقوط الفاصل . وقيل معناه رائح عليها أجره . وقيل معناه أن مسافته قريبة وذلك أنفس الأموال . وقيل معناه يروح بالأجر ويغدو به واكتفى بالرواح عن الغدو وفي بعض الروايات عند قومنا ذلك مال رابح ) بالموحدة أي ذو ربح كلابن وتامر لمن كان ذا لبن وتمر . وقيل فاعل فيه بمعنى مفعول أي مربوح . وادّعى الإسماعيلي أن من رواها بالتحتانية فقد صحّف . وأشار المصنف إلى عكسه فيما تقدم .
قوله وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين ) يعني في أقارب أبي طلحة وفيهم الفقراء والمساكين . وإنما رأى ذلك صلى الله عليه وسلم لأن فيه الجمع بين الصدقة والصلة . وفي حديث سلمان بن عامر عند أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة . وروى الشيخان عن ميمونة بنت الحارث أنها أعتقت وليدة في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك .
قوله أفعل يا رسول الله ) بصيغة المضارع أي أمتثل ما أشرت به إليّ .
قوله في أقاربه وبني عمه ) عموم يحتمل التخصيص . وقد وقع في رواية لمسلم وغيره أنه قسّمه بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب . والله أعلم .
--- (1/122)
صفحة 122
ما جاء في المنيحة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم الصدقة المنيحة الصفي تروح بغناء وتغدو بآخر .
قال الربيع : المنيحة الشاة ، والصفي الغزيرة اللبن .
---------------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث روى الشيخان معناه ولفظه عندهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم الصدقة اللقحة الصفي منحة والشاة الصفي منحة تغدو بإناء وتروح بآخر ) . واللقحة بكسر اللام ويجوز فتحها الناقة ذات اللبن القريبة العهد بالنتاج .
قوله نعم الصدقة المنيحة ) فعيلة بمعنى مفعوله وهو اسم لما يمنح من شاة أو ناقة يعطيها صاحبها رجلاً يشرب لبنها ثم يردها إذا انقطعت ، وتسمى أيضاً المنحة بالكسر وهذا الاسم في الأصل كان مختصاً بها ثم كثر استعماله حتى أطلق على كل عطاء.
والصفي على وزن غني غزيرة اللبن من شاة أو ناقة جمعها صفايا قال سيبويه لا تجمع بالألف والتاء لن الهاء لم تدخل في حد الإفراد . ويقال أيضاً للنخلة الكثيرة الحمل صفي .
وإنما مدح التصدق بالمنيحة الصفي لما فيها من حصول المنفعة التامة لما يراد منها .
قوله تروح بإناء وتغدو بآخر ) أي يحلب من لبنها ملء إناء وقت الرواح وملء إناء آخر وقت الغدو . والجملة صفة مادحة المنحة أو استئناف جواب عمن سأل عن سبب كونها ممدوحة .
ولعل بعض أسخياء العرب كانوا يذمون هذه العطية لأنها مخالفة لطبع الكرام على طريق السجية فمدحها رداً عليهم بان ما لا يدرك كله لا يترك كله وأن القليل له أجر جزيل وثناء جميل . أو أنه ذكره إشارة إلى أن أفضل الصدقة ما كان أكثر منفعة وأن أفضل ذلك أدومه ، والله أعلم .
--- (1/123)
صفحة 123
ما جاء في البركة في الطعام
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال أبو طلحة لأم سليم : قد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفاً أعرف فيه الجوع هل عندك من شيء ؟ قالت : نعم . فأخرجت أقراصاً من شعير ثم أخذت خماراً لها فلفت الخبز ببعضه ودسته تحت يدي وردتني ببعضه ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أنس : فذهبت فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في المسجد ومعه الناس فوقفت . فقال : أرسلك أبو طلحة ؟ قلت : نعم : فقال : أبطعام ؟ فقلت : نعم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه قوموا . قال انس : فانطلقنا حتى جئنا أبو طلحة فأخبرته . قال أبو طلحة : يا أم سليم لقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم . قال أنس : فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أم سليم ما عندك ؟ فأتيت بذلك الخبز فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتت فعصرت عليه أم سليم عكة فأدمته ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : على الطعام ما قال ، ثم قال : ائذن لعشرة فدخلوا فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم أذن لعشرة فدخلوا فأكلوا حتى شبعوا كذلك حتى أكل القوم أجمعون وكانوا سبعين رجلاً .
---------------------------------
قوله عن أنس بن مالك ) الحديث رواه أيضاً البخاري ومسلم .
قوله أبو طلحة ) هو الأنصاري زوج أم سليم أم أنس .
قوله لأم سليم ) بضم السين المهملة هي أم أنس وقد تقدم ذكرها وذكر زوجها أبي طلحة وابنها أنس فهو ربيب أبي طلحة .
قوله قد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم .. الخ ) ظاهر كلام المواهب أن هذه القصة كانت في غزوة الخندق .
قوله ضعيفا ) أي واهياً والضعف خلاف القوة والصحة .
قوله هل عندك من شيء ) أي من المأكول ولو قليلا . (1/124)
صفحة 124
قوله أقراصا ) جمع قرص مقل قفل وإقفال وهو قطع صغار من الخبز يقال قرصت العجين بالتثقيل إذا قطعته فرصا قرصا .
والخمار ) بكسر الخاء المعجمة ثوب تغطي به المرأة رأسها والجمع خمر مثل كتاب وكتب .
قوله فلفت الخبز ) أي جعلته في بعض الخمار وجمعت جوانبه عليه .
قوله ودسته ) أي أخبته وأخفته .
قوله وردتني ببعضه ) أي ببعض الخمار يعني أنها لفت الخبز في بعض الخمار وجعلت باقيه على أنس كالرداء وفي رواية عند قومنا ولا تثني ببعضه بالثاء المثلثة أي عممتني ببعضه .
قوله وقيل ) معناه لففتني به مأخوذ من اللوث وهو لف الشيء بالشيء وإدارته عليه وفيه دلالة على قلة الخبز حيث دس تحت يد أنس وهو صبي وكذلك يدل على قلته التعبير عنه بالأقراص وجعله في بعض الخمار مع اشتمال أنس بسائره . وفي إخفائه إشارة إلى ما كانت عليه مكارم أخلاقهم فإنهم كانوا يتحرجون من الاستبداد بالشيء الذي تقع عليه عين الغير ويلتزمون مواساته منه أو إيثاره به إذا رأته عينه والحال في الخبز قلة لا يسع المواساة وقد أوثر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا فضل فوقه حتى يؤثر به .
قوله في المسجد ) قيل المراد بالمسجد الموضع الذي أعده النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه حين محاصرة الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق .
قوله أرسلك ) بهمزة مقدرة وقيل بهمزة ممدودة للاستفهام أي أبعثك إليّ أبو طلحة ؟ فقلت : نعم . أي بعثني إليك أبو طلحة . وهو لا ينافي إرسال أمه لأن مؤداهما واحد ومآلهما متحد ولعله r عدل عن ذكرها احتشاماً أو لأن أبا طلحة هو الباعث الأول . (1/125)
صفحة 125
قوله أبطعام ) أي أرسلك بطعام ومزيد البحث للإطلاع على الحقيقة لأن الرسول صبي فقد لا يحسن التبليغ . وفيه الحث على التثبت في الأمور والاستفسار عما أبهم ويدل على إجابة الداعي ولو كان على لسان صبي . وفي دخول الباء عليه إشارة إلى أنه r قد علم أن الطعام أرسل به انس وأنه حاضر معه لكنه أراد بقيامه والجماعة معه أن يظهر لأخل البيت البركة فلهذا قال لمن معه قوموا .
وقال ابن حجر : ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله فلذا قال لمن حوله قوموا ، وأول الكلام يقتضي أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس فيجمع بأنهما أراد بإرسال الخبز مع أنس أن يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فيأكله فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس استحى وظهر له أن يدعو النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم وحده إلى المنزل فيحصل مقصودهم من إطعامه ، ويحتمل أن يكون ذلك على رأي من أرسله عهد إليه إذا رأى كثرة الناس دعا النبي صلى الله عليه وسلم خشية أن لا يكفيهم ذلك الشيء وقد عرفوا إيثار النبي صلى الله عليه وسلم وأن لا يأكل وحده .
وردّ بأن هذا الكلام كله غير مستقيم على المنهج القويم لأنه صلى الله عليه وسلم لما عرف بنور الوحي أن أبا طلحة أرسل أنساً بطعام وأخبره به كيف يفهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله ثم قوله وأول الكلام يقتضي .. الخ ليس في محله لأنه صريح في ذلك المرام ثم لا دلالة للاستحياء والاستدعاء المنسوبين لأنس لأنه ليس له تصرف في ذلك ولا على رأي من أرسله لأنه لو كان بأمر أبي طلحة لما حصل له فزع واضطراب لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم إليه . فالصواب أنه صلى الله عليه وسلم أراد إظهار المعجزة وهو إشباع جمع كثير بخبز قليل مع أنس وأمه ليحصل لهم بركة عظيمة بحسن نيتهم وإخلاص طويتهم وآداب خدمتهم . (1/126)
صفحة 126
قوله فانطلقنا ) في رواية الشيخين قال أنس : فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته ) وفيها بيان لتقدم أنس بين أيديهم كهيئة الخادم والمضيف ولإيصال الخبر ويدل على هذا قوله فأخبرته ) وقول أبي طلحة يا أم سليم .. الخ ) .
قوله بالناس ) أي معهم .
قوله وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم ) أي غير ما أرسلناه إليه ومعه جمع من الناس فكيف نقدم لهم شيئاً قليلا . زاد في رواية الشيخين فقالت الله ورسوله اعلم فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه ) وفي قولها الله ورسوله أعلم منقبة عظيمة ودلالة على عظم دينها ورجحان عقلها وقوة يقينها تعني انه صلى الله عليه وسلم علم قدر الطعام وهو أعلم بالمصلحة ولو لم يعلم المصلحة لما فعلها .
قوله ما عندك ) يعني أي شيء عندك، وفي رواية الشيخين هلمي يا أم سليم ما عندك ) أي عجلي في إحضاره .
قوله ففتت ) بصيغة المجهول أي جعل فتيتاً أي قطعاً صغاراً وعصرت عليه أم سليم عكة .
والعكة بضم فتشديد قربة صغيرة وقيل وعاء من جلد مستدير ويختص بالسمن والعسل وهو بالسمن أخص .
قوله فأدمته ) بفتح الهمزة أي جعلت ما خرج من العكة وهو السمن إداماً لذلك الفتيت .
قوله على الطعام ما قال ) وفي رواية الشيخين ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما شاء الله أن يقول أي من الدعاء أو الأسماء . وفي رواية ثم قال بسم الله اللهم أعظم فيهما البركة . يعني الخبز والأدام . وفي رواية فقال : هل من سمن ؟ فقال أبو طلحة : قد كان في العكة شيء فجاء بها يعصرانها حتى يخرج ثم مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم القرص فانتفخ وقال بسم الله فلم يزل يصنع ذلك والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة يتسع . وفي رواية فجئت بها ففتح رباطها ثم قال بسم الله اللهم أعظم فيها البركة . (1/127)
صفحة 127
قوله ائذن لعشرة ) الظاهر أن المأمور بذلك أنس ويحتمل أنه أبو طلحة أو غيره . وإنما أذن لعشرة عشرة ليكون أرفق بهم فإن القصعة التي فيها الطعام لا يتحلق عليها أكثر من عشرة إلا بضرر يلحقهم لبعدها عنهم . وقيل إنما فرّقهم لأن الجمع الكثير إذا نظروا على طعام قليل يزداد حرصهم إلى الأكل ويظنون أن ذلك الطعام لا يشبعهم والحرص يمحق البركة . قيل ويحتمل أن يكون عليه الصلاة والسلام خاف أن يؤثر بعضهم بعضاً أو يستحيوا من الأكل الكثير لقلة الطعام وكثرة الناس . وقيل فرّقهم لضيق المنزل .
قوله ثم أذن ) بكسر المعجمة على صيغة الماضي أي أطلق وأباح الدخول لعشرة الفاعل النبي صلى الله عليه وسلم ) بواسطة رسوله وفي رواية الشيخين ثم قال ائذن لعشرة ثم لعشرة فأكل القوم كلهم وشبعوا قوله وكانوا سبعين رجلا ) وفي رواية عند الشيخين والقوم سيعون أو ثمانون رجلا وفي رواية لمسلم أنه قال ائذن لعشرة فدخلوا فقال كلوا وسموا الله فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً ثم أكل النبي صلى الله عليه وسلم وأهل البيت وترك سؤراً ) وفي رواية للبخاري قال أدخل عليّ عشرة حتى عدّ أربعين ثم أكل النبي صلى الله عليه وسلم فجعلت أنظر هل نقص منها شيء ) ، وفي رواية لمسلم ثم أخذ ما بقي فجمعه ثم دعا فيه بالبركة فعاد كما كان فقال : دونكم هذا ) وجمع بين الروايات بأن الناس الذين جاءوا مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا أربعين ثم لحقهم ثلاثون ثم عشرة ثم زادوا قليلاً فأخبر كل راو عما شاهد أو سمع واللاحقون إما أن يكونوا مع الناس الذين جلسوا مع النبي صلى الله عليه وسلم عند دعاء انس له فتخلفوا لبعض شأنهم ثم لحقوا وإما أن يكونوا غير حاضرين لكن استدعاهم صلى الله عليه وسلم لذلك فحضروا ، والله أعلم .
--- (1/128)
صفحة 128
الباب الحادي والستون :من تكره له الصدقة والمسألة
قوله من تكره له الصدقة والمسألة ) أي سؤال الناس ، وقد ذكر في الباب ثلاثة أحاديث أحدهما فيمن تكره له الصدقة أي الزكاة والآخران في كراهية السؤال .
والمراد بالكراهة في الموضعين التحريم على حد قوله تعالى بعد ذكر جملة من الكبائر كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها ) وفي الصحيح أن الله عز وجل كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال . وكان السلف يستعملون الكراهة في معناها الذي استعمل فيه كلام الله ورسوله ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم وتركه أرجح من فعله ثم حمل من حمل منهم كلام السلف على الاصطلاح الحادث فغلط في ذلك وأقبح منه غلطاً من حمل لفظ الكراهة أو لفظ لا ينبغي في كلام الله تعالى ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث وقد اطرد في كلام الله ورسوله استعمال لا ينبغي في المحظور شرعاً وقدراً والمستحيل عقلاً كقوله تعالى وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ) وقوله وما علمناه الشعر وما ينبغي له ) وقوله وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم ) وقوله على لسان نبيه كذبني ابن آدم وما ينبغي له وشتمني ابن آدم وما ينبغي له ) وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله لا ينام ولا ينبغي له ) ، وقوله r في لباس الحرير لا ينبغي هذا ) فالواجب التنبه لهذه النكتة فإنها مزلة الأقدام وقد انجر بنا الكلام بالاستطراد في ذكرها لعظم خطرها ، والله أعلم .
--- (1/129)
صفحة 129
ما جاء في من لا تحل له الصدقة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ولا لمتأثل مالاً .
قال الربيع : ذو المرة السوي القوي المحترف ، والمتأثل الجامع المال .
---------------------------------
قوله عن عائشة ) الحديث رواه أحمد والترمذي وأبو داود والدارقطني عن عبدالله بن عمر ورواه النسائي وابن ماجة وأحمد عن أبي هريرة إلا قوله ولا لمتأثل مالاً ) فإنها زيادة تفرد بها المصنف رضوان الله عليه . (1/130)
صفحة 130
قوله ولا تحل الصدقة ) أي الزكاة المفروضة فإنها حرام على الغني لقوله تعالى إنما الصدقات للفقراء ) . وقد اختلف العلماء في حد الغنى الذي لا تحل معه الصدقة واختار في القواعد ما ذهب غليه بعض أصحابنا من لم يكن له مال يكفيه هو وعياله لنفقتهم ومؤنتهم إلى الحول فهو فقير ويأخذ الصدقة . ثم اختلفوا فمنهم من اعتبر في ذلك قيمة الأصل ما لو باعه ما خلا بيتاً يسكنه وخادماً يخدمه ، ومنهم من قال لا ينظر في ذلك إلى القيمة وإنما ينظر إلى الغلة ولا بد من صرف ما لا يحتاج إليه . وقال بعضهم إذا كان من أهل القرار وله بيت يسكنه وخادم يخدمه وجنان يأكل منه الثمار أيام الغلة وكان له دابة يركبها وله قوت سنة وليس عليه دين فلا يأخذ الزكاة وإن كان من أهل البادية وكان له بيت يسكنه وحمولة يحمل عليها ثقله ودابة يركبها وخادم يخدمه وغنم يحلبها وعنده قوت سنة ولم يكن عليه دين فإذا اجتمعت عنده هذه المعاني فلا يأخذ الزكاة . ومنهم من حرر المقام فقسّم الغنى ثلاثة أقسام غنى يوجب الزكاة وهو ملك نصاب حولي تام ، وعنى يحرم الصدقة ويوجب صدقة الفطر والأضحية وهو ملك ما يبلغ فيه نصاب من الأموال الفاضلة عن حاجته الأصلية ، وعنى يحرم السؤال دون الصدقة وهو أن يكون له قوت يومه وما يستر عورته . (1/131)
صفحة 131
قوله ولا لذي مرة سوي ) المرة بكسر الميم وتشديد الراء القوة . والسوي صحيح البدن تام الخلقة . وقال الربيع : ذو المرة السوي القوي المحترف أي القادر على الاحتراف وهو السعي في كسب المعيشة . وقيل في معناه لا تحل الزكاة لمن أعضاؤه صحيحة وهو قوي يقدر على الاكتساب بقدر ما يكفيه وعياله . وقيل المعنى ولا لذي عقل وشدة وهو كناية عن القادر على الكسب . وقيل في الحديث نفي كمال الحل لا نفس الحل والمعنى إن تركها أولى وهو خلاف الظاهر. وقيل المعنى لا تحل له بالسؤال وهو مع بعده أقرب مما قبله . وقيل لا تحل له إذا كان متأثلاً بها مالاً أي جامعاً له وأما إذا احتاج إليها في طلب علم أو معيشة فلا بأس . وقيل يأخذها ليقضي ما عليه من دين أو تباعة أو كفارة . وقيل يأخذها أيضاً ليتزوج بها أو يتسرى إذا احتاج إلى ذلك وليس له مال يستغني به . ولا يأخذها ليبني بها مسجداً ولا لأكفان الموتى ولا لإصلاح الطرق ولا ليطعم بها الأضياف ولا ليحج بها نافلة ولا ليزوج بها أولاده ولا ليصل بها قرابته . والأصل في هذا أن الله إنما أباح الزكاة لمن احتاج إليها إما لمعيشة لا بد له منها وإما لقضاء دين يجب عليه قضاؤه . (1/132)
صفحة 132
قوله ولا لمتأثل مالا ) قال الربيع : المتأثل الجامع للمال . وفي المختار التأثل اتخاذ أصل مال قال : وفي الحديث في وصي اليتيم أنه يأكل من ماله غير متأثل مالا . والمعنى أن الصدقة لا تحل لمن يتخذ الأصول ويجمع الأموال لأن الله تعالى قد شرعها لأصناف مخصوصين لا تحل لغيرهم ولو حلت لمن يجمع الأموال ويتأصلها لأفضى ذلك إلى استبداد الأغنياء بها . وقد اختلف الناس في قدر ما يجوز للفقير أخذه منها فمنهم من بالغ في التضييق حتى أوجب الاقتصار على قوت يومه وليلته ، ومنهم من بالغ في التوسيع فأجاز أن يأخذ إلى حد الغنى وهو نصاب الزكاة وقالوا له أن يأخذ لنفسه ولكل واحد من عياله نصاب الزكاة ، ومنهم من قال له أن يأخذ مقدار ما يشتري به ضيعة فيستغني طول عمره أو يهيئ بضاعة ليتجر فيها ويستغني لأن هذا هو الغنى . وقال عليه الصلاة والسلام : خير الصدقة ما أبقت غنى . وقال عمر رضي الله عنه : إذا أعطيتم فأغنوا . وقال قوم : من افتقر فله أن يأخذ مقدار ما يعود به إلى مثل حالته ولو كان عشرة آلاف درهم إلا إذا خرج عن حد الاعتدال ، والأقرب إلى حد الاعتدال أن يأخذ ما يكفيه سنة وفيما وراءها نظر وفيما دونها تضييق . ويقال للورع استفت قلبك وإن أفتوك . وأقوال التوسيع لا ينافيها الحديث على تفسير الربيع المتأثل بالجامع لحصول الفرق بين المستغني بالمال وبين الجامع له فإن الجمع شيء فوق الغنى وينافيها على تفسير التأثل بالتأصل كما في المختار فيحتاج المجتهد في ترجيح الأقوال إلى التماس المرجح من خارج ، والله أعلم .
--- (1/133)
صفحة 133
ما جاء في التنفير عن المسئلة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال : كان ناس من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم ثلاثاً حتى نفد ما عنده ثم قال : ما يكون عندي من خير لن أذخره عنكم ومن يستعفف يعففه الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن تصبر يصبره الله ، وما أعطي أحد عطاء هو خير له وأوسع من الصبر .
---------------------------------
قوله عن أبي سعيد الخدري ) الحديث رواه أيضاً البخاري ومسلم . وفي أسد الغابة : قال أبو سعيد : قتل أبي يوم أحد شهيداً وتركنا بغير مال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله شيئاً فحين رآني قال : من استغنى أغناه الله ومن يستعفف أعفه الله . قلت ما يريد غيري فرجعت ) . وروى النسائي من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ما يدل على أن أبا سعيد راوي هذا الحديث خوطب بشيء من معانيه وخوطب أيضاً حكيم بن حزام ببعض ذلك .
قوله ناس من الأنصار ) أي جماعة منهم . قال ابن حجر : لم تعين أسماؤهم .
قوله حتى نفد ) بكسر الفاء والدال المهملة أي فني وفرغ .
قوله ما يكون عندي من خير ) أي مال ومن بيان لما وما خبرية متضمنة للشرط أي كل شيء من المال موجود عندي أعطيكم فلن أذخره عنكم . ومعنى أذخره أخبؤه وأحبسه وأمنعكم إياه منفرداً به عنكم .
وفيه إشعار بما كان عليه من السخاء .
وفيه إعطاء السائل مرتين .
وفيه اعتذار إلى السائل عند العدم .
وفيه الحض على التعفف وجواز السؤال للحاجة وإن كان الأولى تركه والصبر حتى يأتيه رزقه بغير مسألة .
وفيه أن سؤال السلطان ليس بعار .
وفيه جواز الرد بعد الثلاث .
قوله ومن يستعفف ) أي يطلب لنفسه العفة عن السؤال أو يطلب العفة من الله تعالى . (1/134)
صفحة 134
قوله يعففه الله ) وفي بعض النسخ يعفه بالإدغام وهي موافقة لرواية الشيخين ، والمعنى يجعله الله عفيفاً من الإعفاف وهو إعطاء العفة وهي الحفظ عن المناهي يعني من قنع بأدنى قوت وترك السؤال تسهل عليه القناعة وهي كنز لا يفنى .
قوله ومن يستغن ) أي يظهر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس والتعفف عن السؤال حتى يحسبه الجاهل غنياً من التعفف .
قوله يغنه الله ) أي يجعله غنياً يعني غني القلب ,في الحديث ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس ) .
قوله ومن تصبر ) وفي رواية الشيخين يتصبر ) أي يطلب التوفيق على الصبر من الله تعالى أو يحمل نفسه على الصبر ويتكلف مشاقه وهو تعميم بعد تخصيص لأن الصبر يشتمل على الصبر على الطاعة وعن المعصية وعلى البلايا وعن السؤال وعن التطلع إلى ما في أيدي الناس أن يتجرع مرارة ذلك ولا يشكو حاله لغير ربه .
قوله يصبره الله ) أي يسهل عليه الصبر .
قوله وما أعطي أحد عطاء هو خير له وأوسع من الصبر ) يعني أن الصبر نعمة لا يفوقها شيء مما يعطى العبد لأن مقام الصبر أعلى المقامات لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات ولذا قدم على الصلاة في قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة ) ومعنى كونه أوسع أنه تتسع به المعارف والمشاهد والأعمال والمقاصد . فإن قيل الرضاء أفضل منه كما صرّحوا به . أجيب بأن الرضاء غاية الصبر التي لا يعتد به إلا معها فليس أجنبياً عنه كما يرشد إليه قوله تعالى إنا وجدنا صابراً ) إذ المراد به في حقه ونحوه ما يكون معه رضا وإلا فهو مقام ناقص جداً وفي هذا المعنى قال تعالى فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) واصبر وما صبرك إلا بالله ) ، والله أعلم .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ليأخذ أحدكم حبلاً فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلاً آتاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه . (1/135)
صفحة 135
---------------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث روى البخاري ومسلم وأحمد معناه ولفظه عندهم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لئن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق منه وستغني عن الناس خير له من أن يسأل رجلاً أعطاه أو منعه ) . وأخرج البخاري عن الزبير بن العوام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكفي الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه .
قوله والذي نفسي بيده ) إنما أقسم صلى الله عليه وسلم ليتأكد هذا المعنى في نفس السامع وفيه ثبوت الحلف على الشيء المقطوع بصدقه .
قوله ليأخذ أحدكم ) قال المحشي : هكذا فيما رأيناه من النسخ بلام داخلة على المضارع ولعله لئن يأخذ بلام داخلة على أن المصدرية كما في البخاري فتسبك مع ما بعدها بمصدر يكون مبتدأ خبره قوله خير من أن يأتي .. الخ والجملة الاسمية جواب القسم . قال : ويحتمل أن يكون قد حذفت منه أن الناصبة للمضارع على حد ومن آياته يريكم البرق ) وقولهم تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ، والله أعلم .
وقوله حبلاً فيحتطب على ظهره ) الحبل معروف والاحتطاب جمع الحطب ، وقوله على ظهره ) متعلق بمحذوف أي فيحمله على ظهره أو متعلق بيحتطب والمعنى فيجمع الحطب في الحبل على ظهره وفيه جواز الاحتطاب لكل أحد وإن عظم منصبه وأنه خير من سؤال الناس وإن شق على النفس .
قوله خير له ) عبّر بصيغة التفضيل بحسب اعتقاد السائل وتسمية الذي يعطاه خيراً وهو في الحقيقة شراً إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب .
قوله آتاه الله من فضله ) أي أعطاه مالاً والمراد الغنى أي الاحتطاب خير من سؤال الغني إن أعطاه الغني أو منعه لأن في كلا الجانبين شراً فإن أعطاه كان اشر في التذلل والأخذ وإن منعه كان الشر في تذلل السؤال وغم المنع وذله . (1/136)
صفحة 136
وفي الحديث الحث على التعفف والتنزه عن سؤال الناس ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكاب المشقة في ذلك ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال ومن ذل الرد إذا لم يعط ولما يدخل على المسئول من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل .
خاتمة في من تحل له المسألة :
أخرج مسلم عن قبيصة بن مخارق قال : تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال : أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ثم قال : يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذي الحجا من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا . وأخرج أحمد وأبو داود عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : المسألة لا تحل إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع . (1/137)
صفحة 137
والحمالة : ما يتحملها الإنسان من الغرامة في إصلاح ذات البين ودفع البلاء عن المسلمين . والجائحة : الآفة والحادثة المستأصلة وهي الآفة المهلكة للثمار والأموال . والقوام : ما تقوم به بنيته بدفع الضرورة عنه . والسداد : بالكسر وهو ما يسد به الفقر . والفاقة : الحاجة الشديدة يشتهر بها بين قومه . والحجا : بكسر الحاء وفتح الجيم العقل الكامل . والسحت : بضمتين وبسكون ثانيه هو الحرام الذي لا يحل كسبه . والفقر المدقع : بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر القاف هو الفقر الشديد الملصق صاحبه بالدقعاء وهي الأرض التي لا نبات بها . والمفظع : بضم الميم وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة وبالعين المهملة الشديد الشنيع الذي جاوز الحد . وذو الدم الموجع : هو الذي يتحمل دية عن قريبه أو حميمه أو نسيبه القاتل يدفعها إلى أولياء المقتول وإن لم يدفعها قتل قريبه أو حميمه الذي يتوجع لقتله وإراقة دمه ، والله أعلم .
--- (1/138)
صفحة 138
الباب الثاني والستون :جامع الصدقة والطعام
ما جاء في مساهمة الجار
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا نساء المؤمنات لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو كراع شاة محرّق .
---------------------------------
قوله جامع الصدقة والطعام ) أي جامع لأحاديث تتعلق بها أحكام الصدقة والطعام .
قوله بلغني ) الحديث روى البخاري ومسلم معناه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة . والفرسن بكسر الفاء والسين لحم بين ظلفي الشاة أريد بذكره المبالغة في تحقيره .
قوله يا نساء المؤمنات ) قيل في إعرابه ثلاثة أوجه : الأول نصب النساء وجر المؤمنات على الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته ويقدر عند البصريين موصوف أي نساء الطوائف المؤمنات . والثاني ضم النساء على النداء ورفع المؤمنات إتباعاً له على لفظه . الثالث نصب المؤمنات مراعاة للمحل .
قوله لا تحقرن ) بفتح حرف المضارعة وكسر القاف وبالنون الثقيلة أي لا تستحقر إهداء شيء والتصدق به .
قوله لجارتها ) متعلق بمحذوف تقديره الإهداء أو التصدق والمعنى لا تستحقر ما تهديه لجارتها وإن كانت هي فقيرة والجارة غنية أو من الأكابر . (1/139)
صفحة 139
قوله ولو كراع شاة محرق ) أي ولو كان المتصدق به حقيراً بالغاً في الحقارة هذا المبلغ . والكراع بضم الكاف من الغنم والبقر بمنزلة الوظيف من الفرس وهو مستدق الساعد . والمحرق بضم الميم وفتح الراء مخففاً نعت مقطوع إلى الرفع لأن الكراع منصوب خبراً لكان المقدرة بعد لو ووقع في رواية الموطأ محرقاً بالنصب نعتاً لكراع تابعاً له في إعرابه . والكراع مؤنث فكان حق النعت أن يؤنث إلا أنه وقع هكذا في رواية المسند والموطأ وغيرهما ، وحكى ابن الأعرابي أن بعض العرب يذكره فلعل الرواية على تلك اللغة والمعنى لا تمتنع إحداكن من الهدية أو الصدقة لجارتها احتقاراً للموجود عندها . وقيل يجوز أن يكون الخطاب لمن أهدى إليهن فالمعنى لا تحقرن إحداكن هدية جارتها بل تقبلها وإن كانت قليلة . وفيه حث على الهدية واستجلاب القلوب بالعطية ، والله أعلم .
--- (1/140)
صفحة 140
ما جاء في أن طعام الاثنين كافي الثلاثة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : طعام الاثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة .
---------------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً الشيخان ومالك الترمذي والنسائي .
قوله طعام الاثنين ) أي الطعام المعد لشبع شخصين .
قوله كافي الثلاثة ) أي يكفيهم لتقويتهم به على وجه القناعة .
قوله وطعام الثلاثة ) أي المهيأ لشبعهم .
قوله كافي الأربعة ) أي يكفيهم لسد الجوع ودفع الضرورة . وفي مسلم عن عائشة مرفوعاً طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية . وفي ابن ماجة من حديث عمر : طعام الواحد يكفي الاثنين وأن طعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة وأن طعام الأربعة يكفي الخمسة والستة . قال المهلب : المراد بهذه الأحاديث الحض على المكارم والتقنع بالكفاية . ومعنى كلامه ليس المراد الحصر في مقدار الكفاية وإنما المراد المواساة وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث في طعامهما ورابع أيضاً بحسب من يحضر . وعند الطبراني ما يرشد إلى العلة في ذلك وأوله كلوا جميعاً ولا تفرقوا فإن طعام الواحد يكفي الاثنين الحديث . (1/141)
صفحة 141
فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع وأن الجمع كلما كثر زادت البركة . وقيل معناه أن يضع من بركته فيه ما وضع لنبيه فيزيد حتى يكفيهم . قيل وهذا إذا صحت نيتهم وانطلقت ألسنتهم به فإن قالوا لا يكفينا قيل لهم البلاء موكل بالمنطق . واستشكل بأنه إن أريد الإخبار عن الواقع فطعام الاثنين لا يكفي إلا اثنين وإن كان له معنى آخر فما هو . والجواب من وجهين أحدهما أنه خبر بمعنى الأمر أي أطعموا طعام الاثنين الثلاثة . والثاني أنه للتنبيه على أن ذلك يقوت الثلاثة لئلا تجزع . وقيل إن شرط الكفاية الاجتماع على الأكل وأن معنى الحديث طعام الاثنين إذا كانا مفترقين كافي الثلاثة إذا أكلوا مجتمعين . وفي الحديث استحباب الاجتماع على الطعام وأن لا يأكل المرء وحده . وفيه أيضاً إشارة إلى أن المواساة إذا حصلت حصل معها البركة وأنه لا ينبغي للمرء أن يستحقر ما عنده فيمتنع من تقديمه فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء بمعنى حصول قيام البنية لا حقيقة الشبع ، والله أعلم .
--- (1/142)
صفحة 142
ما جاء في التصدق بأول الثمرة
ومن طريقه أيضاً عنه عليه السلام قال : كان الناس إذا رأوا أول الثمرة جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أخذه دعا للمدينة بالبركة ثم يدعو أصغر ولد يراه فيعطيه تلك الثمرة .
---------------------------------
قوله ومن طريقه ) يعني أبا هريرة بالسند المتقدم والحديث رواه أيضاً مالك ومسلم مطولاً وهو عند المصنف مختصر .
قوله كان الناس ) يعني أهل المدينة .
والثمرة بفتح المثلثة والميم معروفة وأولها هو السابق في النضاج .
وقوله جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وذلك إما هدية وجلالة ومحبة وإما تبركاً بدعائه لهم بالبركة وهو الذي يدل عليه سياق الحديث . وقيل يفعلون ذلك رغبة في دعائه ورجاء تمام ثمرتهم بذلك وإعلاماً ببدو صلاحها مما يتعلق بذلك من حقوق الشرع .
قوله فإذا أخذه ) قال شارح الموطأ : زاد فبي بعض طرق الحديث وضعه على وجهه .
قوله دعا للمدينة بالبركة ) أي بالنمو والزيادة وذكر مالك صفة الدعاء أنه r قال : اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه ا. هـ . وهذه هي الزيادة التي في رواية مالك . ومعنى قوله ومثله معه ) أي في أمر الرزق والسعة . قال شارح الموطأ : وقد أجب الله دعاءه ولا يعارض ذلك ما جاء أنه أصابهم في المدينة جهد وشدة إذ لا منافاة بين ثبوت البركة ووجود الشدة في بعض الأحيان . والمراد البركة في تحصيل القوت وأن المد بها يشبع ثلاثة فتكون الشدة في تحصيل والبركة في تضعيف القوت به .
قوله أصغر ولد يراه ) وفي رواية مالك أصغر وليد فعيل بمعنى مفعول أي مولود . (1/143)
صفحة 143
وقوله فيعطيه تلك الثمرة ) أي التي جاءوا بها قيل يحتمل أن يريد بذلك أعظم الأجر وإدخال المسرة على من لا ذنب له لصغره فإن سروره به عظم من سرور الكبير . قال عياض : تخصيصه أصغر وليد حضره لأنه ليس فيه ما يقسم على الولدان ومن كبر ملحق بأخلاق الرجال وتلويحاً إلى التفاؤل بنماء الثمار وزيادتها كما قيل في قلب الرداء . وفي الحديث من الآداب وجميل الأخلاق إعطاء الصغير وإتحافه بالطرفة لأنه أولى من الكبير لقلة صبره ولفرحه في ذلك وفي رسول الله أسوة حسنة ، والله أعلم .
--- (1/144)
صفحة 144
ما جاء في إجابة الدعاء للوليمة
أبو عبيدة قال : بلغني عن ابن عمر يروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها .
---------------------------------
قوله بلغني عن ابن عمر ) الحديث رواه أيضاً مالك والبخاري ومسلم .
وقوله يروي ) بفتح الياء وكسر الواو مبنياً للفاعل وهو ضمير يعود إلى ابن عمر .
قوله إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها ) أي فليأت مكانها . (1/145)
صفحة 145
والوليمة طعام العرس يكون بعد البناء وتخصيصها بطعام العرس هو المنقول عن الخليل وثعلب وغيرهما وجزم به الجوهري وابن الأثير . وقيل الوليمة طعام العرس والإملاك وهو الذي يحضر بعد العقد . وقيل الوليمة كل طعام صنع لعرس وغيره . وقيل الوليمة كل طعام يتخذ لسرور حادث من عرس وإملاك وغيرهما لكن استعمالها مطلقة في العرس أشهر وتحتاج في غيره إلى القيد فيقال وليمة ختان أو غيره . قلت وهذا يدل على أنها مجاز في غير العرس . والأمر بإجابة الداعي إلى وليمة العرس للوجوب عند الأكثر بل نقل النووي الاتفاق على الوجوب . وفيه نظر لثبوت الخلاف في المسألة فإن بعضهم قال باستحباب الإجابة ثم اختلف القائلون بالوجوب فمنهم من قال أنه فرض عين ومنهم من قال أنه فرض كفاية . وقيل إن عمت الدعوة كانت الإجابة فرض كفاية وإن خص كل واحد بالدعوة فإن الإجابة تتعين على من دعي . وأما وليمة غير العرس فالأكثر أن الإجابة لا تجب لما روى مسلم من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر : إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب . ودعي عثمان بن العاص إلى ختان فلم يجب وقال : لم نكن ندعى له في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه أحمد .وقيل تجب الإجابة له أيضاً لظاهر الحديث ولما في مسلم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً : إذا دعا أحدكم أخوه فليجب عرساً كان أو غيره . وفيه أيضاً من طريق الزبيدي عن نافع عن ابن عمر : من دعي إلى عرس أو غيره فليجب . وكره مالك لأهل الفضل الإجابة لكل طعام دعي إليه . وشرط وجوبها أن يكون الداعي مكلفاً حراً رشيداً غير ظالم ولا صاحب ريبة ولا فاسق ولا مبتدع أو شرير ولا متكلف فإنه لا تجب إجابة هؤلاء بل يستحب تركها فإن أجاب من يؤمر بإجابته فليتأدب بآداب المجلس ولا يقابل بيت الناس أو النساء ويغض بصره ولا يكثر الالتفات إلى مجيء الطعام فإنه دليل الشره ، وإن رأى في الدار منكراً فليغيره وإن لم يقدر فليخرج ، والله أعلم .
--- (1/146)
صفحة 146
ما جاء في طعام الوليمة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء .
---------------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه مالك موقوفاً عن أبي هريرة وكذلك رواه أيضاً البخاري ومسلم كلاهما عن مالك موقوفاً . قال ابن عبد البر : جل رواة مالك لم يصرحوا برفعه . قال : ورواه روح بن القاسم عنه مصرحاً برفعه ، وكذا أخرجه الدارقطني في الغرائب من طريق إسماعيل بن سلمة بن قعنب عن مالك مصرحاً برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله شر الطعام طعام الوليمة ) يعني أن طعام الوليمة من شر الأطعمة ، وليس المراد أنه شر الطعام على الإطلاق فإن من الطعام ما يكون شراً منه ، وإنما سماه شراً لقوله يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء ) يعني أن الغالب فيها ذلك فكأنه قال طعام الوليمة التي من شأنها هذا فاللفظ وإن أطلقه فالمراد به التقييد بما ذكر عقبه وكيف يريد به الإطلاق وقد أمر بالوليمة وأوجب إجابة الداعي . وقيل إن التعريف في الوليمة للعهد الخارجي وكان من عادتهم مراعاة الأغنياء فيها وتخصيصهم بالدعوة وإيثارهم . وقوله يدعى .. الخ ) استئناف بياني بين كونها شر الطعام . (1/147)
صفحة 147
وقال النووي : بين الحديث وجه شر الطعام لأنه يدعى له الغني عن أكله ويترك المحتاج لأكله والأولى العكس وليس فيه ما يدل على حرمة الأكل إذ لم يقل أحد بحرمة الإجابة وإنما هو من باب ترك الأولى كخبر خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها ، ولم يقل أحد بحرمة الصلاة في الصف الأخير . والقصد من الحديث الحث على دعوة الفقير وأن لا يقتصر على الأغنياء . وقد كره العلماء تخصيص الأغنياء بالدعوة فإن فعل فقال ابن مسعود : إذا خص الأغنياء أمرنا أن لا نجيب . وقال ابن حبيب من المالكية : من فارق السنة في وليمته فلا دعوة له . وقال أبو هريرة : أنتم العاصون في الدعوة . ودعي ابن عمر في وليمة الأغنياء والفقراء فجاءت قريش ومعها المساكين فقال لهم هاهنا فاجلسوا لا تفسدوا عليهم ثيابهم فسنطعمكم مما يأكلون والله أعلم . زاد مالك ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله وفيه دليل على وجوب الإجابة لأن العصيان لا يطلق إلا على ترك الواجب ، والله أعلم .
--- (1/148)
صفحة 148
ما جاء في النهي عن منع الماء ليمنه به الكلا
ومن طريقه عنه عليه السلام : لا يمنع أحدكم فضل الماء ليمنع له الكلا .
معنى ذلك رجل له بئر فيمنع ماءها ليمنع ما حوله من الرعي .
---------------------------------
قوله ومن طريقه ) يعني أبا هريرة بالسند المتقدم . والحديث رواه أيضاً البخاري ومسلم ولفظه عندهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلاء ) ، وفي رواية لها أيضاً لا يباع فضل الماء ليباع الكلا ) . وروى أبو داود عن بهيسة عن أبيها أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الشيء الذي لا يحل منعه ؟ قال : الماء . قال : يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه ؟ قال : الملح . قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه ؟ قال : أن تفعل الخير خير لك . (1/149)
صفحة 149
قوله لا يمنع أحدكم فضل الماء ليمنع به الكلا ) المراد بفضل الماء ما فضل عن حاجة الإنسان . والكلا بفتحتين مقصوراً العشب رطبه ويابسه . والمعنى كما قال المصنف رضي الله عنه رجل له بئر فيمنع ماءها ليمنع ما حوله من الرعي . وقال الخطابي : تأويله أن رجلاً إذا حفر بئراً في موات فيملكها بالإحياء فإذا قوم ينزلون في ذلك المكان للموات ويرعون نباتها وليس هناك ماء إلا تلك البئر فلا يجوز له أن يمنع ذلك القوم من شرب ذلك الماء لأنه لو منعهم منه لا يمكنهم رعي ذلك فكان منعه عنهم عناداً وإذاً لا يجوز ومن هاهنا وقع النهي عن بيع الفاضل من الماء فإنه يصير بذلك كالبائع للكلا لأن الوارد حول ما أعد للرعي إذا منعه عن الورود إلا بعوض اضطر لشرائه فيصير كمن اشترى الكلا لأجل الماء . وقيل معناه لا يبيع فضل الماء ليكون القصد في بيعه وعدم بذله لجميع الكلا الحاصل ثم قيل هذا النهي للتحريم وقيل للتنزيه وهو الأظهر عند بعض . ثم إن النهي عن بيع الماء إنما هو لمن أراد أن يشرب أو يسقي دابته فأما إن أراد أن يسقيه الزرع أو النخل جاز لصاحب الماء أن لا يعطيه إلا بعوض والله أعلم .
--- (1/150)
صفحة 150
ما جاء في فضل العطية والقرض
ومن طريق ابن عباس عنه عليه السلام قال : مكتوب على باب الجنة العطية بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر .
---------------------------------
قوله ومن طريق ابن عباس ) يعني بالسند المتقدم . والحديث رواه ابن ماجة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوباً الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت يا جبرائيل : ما بال القرض أفضل من الصدقة ؟ قال : لأن السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة . وفي هذه الزيادة بيان لوجه أفضلية القرض على العطية وذلك لأن الرد واجب الأداء فلا يختاره أحد إلا لحاجة إليه . وفي ابن ماجة أيضاً عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقتها مرة . ولا يخفى ما بين الحديثين من التعارض فيحتاج إلى الجمع ولعل ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص فقد يكون في حق بعض الناس القرض أفصل من الصدقة كقرض القادر على الرد بلا تكلف وقد تكون العطية أفضل في حق من لا يستطيع الرد . وقيل تفضيل القرض منسوخ بمعنى أنه كان كذلك ثم فضلت عليه الصدقة .
قوله العطية بعشر أمثالها ) وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها فجزاء الحسنة حسنة والتسع محض فضل من الله تعالى لهذه الأمة والله يضاعف لمن يشاء . (1/151)
صفحة 151
قوله والقرض بثمانية عشر ) فهو يزيد على العطية بثمان . قال البلقيني : الحديث دال على أن درهم القرض بدرهمي صدقة لكن الصدقة لم يعدلها شيء والقرض عادله منه بدرهم فسقط مقابله وبقي ثمانية عشر . انتهى . والحديث دال على فضيلة القرض وفي ذلك أحاديث وعمومات الأدلة القرآنية والحديثية القاضية بفضل المعاونة وقضاء حاجة المسلم وتفريج كربته وسد فاقته شاملة له ولا خلاف بين المسلمين في مشروعيته ولا في جواز سؤاله عند الحاجة ولا نقص على طالبه ولو كان فيه شيء لما استسلف النبي صلى الله عليه وسلم وهو جائز في جميع الممتلكات التي يجوز بيعها وتحصرها الصفة ويقدر على الوفاء بها إلا الجواري فإنه لا يجوز لأنه يؤدي إلى إعادة الفروج وذلك لأن من اقترض شيئاً فله أن يرد عين ذلك الشيء إن بقي على الصفة التي أخذه بها وله أن يرد المثل فإذا اقترض جارية فله وطؤها ثم له أن يردها بحكم القرض فلو جاز ذلك لأدى إلى ردهن بعد وطئهن وهو عين إعارة الفروج قيل إلا أن يكون القرض لامرأة أو لذي محرم أو كانت في سن من لا توطأ وبعض جوّز ذلك بشرط أن يرد المثل فقط واستظهره المحشي ، والله أعلم .
--- (1/152)
صفحة 152
ما جاء في المرافقة بين الجيران
ومن طريق أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فإن ذلك حق واجب عليه .
---------------------------------
قوله ومن طريق أبي هريرة ) يعني بالسند المتقدم والحديث رواه أيضاً البخاري إلا قوله فإن ذلك حق واجب عليه ) ولفظ البخاري : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يمنع جاراً جاره أن يغرز خشبة في جداره . ثم يقول أبي هريرة : مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمينها بين أكتافكم ) .
قوله لا يمنع ) بالجزم على أن لا ناهية وهو الأظهر ويجوز الرفع على أنه خبر بمعنى النهي ويؤيد الوجه الأول رواية أحمد لا يمنعن ) بزيادة نون التوكيد .
قوله أن يغرز خشبة في جداره ) وذلك كوتد أو جذع أو نحو ذلك مما يحتاج إليه الجار . والواقع في رواية المصنف إفراد الخشبة وكذلك في بعض نسخ البخاري وفي بعضها بصيغ الجمع . قال ابن عبد البر : روى اللفظان في الموطأ والمعنى واحد لأن المراد بالواحد الجنس . قال ابن حجر : وهذا الذي يتعين بالجمع بين الروايتين وإلا فالمعنى يختلف باعتبار أن أمر الخشبة الواحدة أخف في مسامحة الجار بخلاف الخشب الكثير . (1/153)
صفحة 153
قوله فإن ذلك حق له ) أي ولا يحل له منع الواجب وهذا يدل على أن الجدار إذا كان لواحد وله جار فأراد أن يضع جذعه عليه لزم صاحب الجدار أن يأذن له . وقال احمد وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث وابن حبيب من المالكية : يجوز له أن يضع جذعه في الجدار سواء أذن المالك أم لا فإن امتنع أجبر وبه قال الشافعي في القديم وعنه في الجديد قولان أشهرهما اشتراط إذن المالك فإن امتنع لم يجبر وهو قول الحنفية وحملوا النهي في الحديث على التنزيه جمعاً بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه . والمذهب وجوب الإذن إذا لم يحصل على المالك ضرر ولا يجبر عليه لما جاء في ألفاظ الحديث إذا استأذن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه فقد شرط في هذه الرواية الاستئذان فلا يحل التصرف في ملك الغير إلا بإذنه وإن وجب على المالك أن يأذن حيث لا ضرر لأن كثيراً من الحقوق الواجبة للجار وغيره خوطب الإنسان بأدائها ولا يحل للجار أو غيره أخذها إلا عن إذن المخاطب بها ويدل على ذلك قول أبي هريرة في الحديث عند البخاري مالي أراكم عنها معرضين ) ولو جاز وضع الخشبة عند الإذن وعند عدمه ما كان لذكر الإعراض معنى . أما الوجوب فيدل عليه ظاهر الحديث وروي أن عمر قضى به ولم يخالفه أحد من أهل عصره ومن الناس من حمل الضمير في جداره على صاحب الخشبة أي لا يمنعه أن يضع جذعه على جدار نفسه ولو تضرر به من جهة منع الضوء مثلا ولا يخفى بعده . ومحل الوجوب عند من قال به أن يحتاج إليه الجار ولا يضع عليه ما يتضرر به المالك ولا يقدم على حاجة المالك ولا فرق بين أن يحتاج في وضع الجذع إلى ثقب الجدار أو لا لأن رأس الجذع يسد المنفتح من الجدار ، والله أعلم .
--- (1/154)
صفحة 154
الباب الثالث والستون في آداب الطعام والشراب
ما جاء أن المسلم يأكل في معي واحد والكافر في سبعة أمعاء
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يأكل المسلم في معي واحد والكافر في سبعة أمعاء .
ومن طريقه عنه عليه السلام قال : طعام الاثنين كافي الثلاثة . الحديث .
أبو عبيدة عنه أيضاً قال : أضاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ضيفاً فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها حتى شرب حلاب سبع شياه ثم إنه أصبح فأسلم فأمر له النبي صلى الله عليه وسلم بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أخرى فلم يكملها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن المؤمن ليأكل في معي واحد والكافر في سبعة أمعاء .
---------------------------------
قوله في آداب الطعام والشراب ) يعني فيما يؤمر به من ذلك وما ينهى عنه وما يجوز فعله وما يحرم فالأدب متناول لجميع ذلك وإن خص عرفاً بما دون اللازم فمراد المرتب المعنى الأول لذكره في الباب ما يجب اجتنابه كالشرب في آنية الذهب والفضة والنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ونحو ذلك ، والله أعلم . (1/155)
صفحة 155
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك والبخاري . وقد ذكر البخاري في رواية له أخرى أن رجلاً كان يأكل أكلاً كثيراً فأسلم وكان يأكل قليلاً فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء . كذا رواه البخاري عن أبي هريرة . قال بعض شرّاح الحديث : وكذا أحمد والترمذي والنسائي عن ابن عمر وأحمد ومسلم عن جابر وأحمد والشيخان وابن ماجة عن أبي هريرة ومسلم وابن ماجة عن أبي موسى ، وروى مسلم عن أبي موسى وابن عمر المسند منه فقط وهو قوله إن المؤمن يأكل .. الحديث ) وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو الضيف الذي أمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلاب الشاة الآتي ذكرها في الرواية الآتية ، ويحتمل أن يكون غيره .
قوله يأكل المسلم في معي واحد والكافر في سبعة أمعاء ) المعاء المصران وهو بكسر الميم منوناً ويكتب بالياء وقصره أشهر من المد وجمعه أمعاء مثل عنب وأعناب وجمع الممدود أمعية مثل حمار وأحمرة . والمراد بالمسلم الجنس وكذلك الكافر والمسلم والكافر سواء في أصل الخلقة فالأمعاء الموجودة في أحدهما موجودة في الآخر وعليه فلا بد للحديث من تأويل لأن الظاهر غير مراد قطعاً ومن هاهنا اضطربت الإفهام في بيان معناه فقيل أراد به أن المؤمن يقل حرصه وشرهه على الطعام ويبارك له في مأكله ومشربه فيشبع من قليل ، والكافر يكون كثير الحرص شديد الشره لا مطمح لبصره إلا إلى المطاعم والمشارب كالأنعام فمثل ما بينهما من التفاوت في الشره بما بين من يأكل في معي واحد وبين من يأكل في سبعة أمعاء وهذا باعتبار الأعم الأغلب وإلى هذا أشار المرتب رحمه الله تعالى بذكر حديث طعام الاثنين كافي الثلاثة بعد هذا الحديث فإنه ساقه بعده ليكون بياناً للمعنى فإن طعام الاثنين إنما يكفي الثلاثة مع زوال الحرص وذهاب الشره . (1/156)
صفحة 156
وقيل إن المؤمن يسمي الله تعالى عند طعامه فلا يشركه فيه شيطان والكافر لا يسميه فيشاركه الشيطان .
وقيل المؤمن يقتصد في أكله فيشبعه امتلاء بعض أمعائه ، والكافر لشرهه وحرصه لا يكفيه إلا ملء كل الأمعاء .
وقيل يحتمل أن المراد بالسبعة الأمعاء الصفات السبع الحرص والشره وطول الأمل والطمع وسوء الطبع والحسد والسمن .
وقيل يحتمل أن يراد بالمؤمن تام الإيمان المعرض عن الشهوات المقتصر على سد خلته .
وقيل إن بعض المؤمنين يأكل في معي واحد وأن أكثر الكفار يأكلون في سبعة أمعاء ولا يلزم أن كل واحد من السبعة مثل معي المؤمن .
وقيل يبارك له في طعامه بركة التسمية حتى تقع النسبة بينه وبين الكافر كنسبة من يأكل في سبعة أمعاء ويتحقق ذلك المعنى بما إذا قدرنا ذلك في شخص واحد أو في أشخاص متماثلين من حيث الوصف فتجد حال ذلك الواحد في الأكل وهو كافر خلاف حاله وهو مؤمن وكذلك في الأشخاص المتماثلين ويؤيده ما في نفس هذا الحديث على رواية البخاري فإنه وارد في شخص واحد اختلف أكله باختلاف حاليه كافراً ومؤمنا وكذا يؤيده أيضاً الحديث الآتي في ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقيل معناه يأكل الكافر في سبعة أمثال أكل المؤمن أي تكون شهوته أمثال شهوة المؤمن فتكون الأمعاء كناية عن الشهوات أو المراد أن المؤمن لا يأكل إلا من جهة واحدة وهي مجرد الحلال والكافر يأكل من جهات مختلفة مشوبة وهي سبع الغارة والغصب والسرقة والبيع الفاسد والربا والخيانة والحلال .
وقيل هذه عبارة عن كثرة الأكل وقلته أي خلق المؤمن قلة الأكل وخلق الكافر كثرته فالمراد بالسبعة التكثير .
وقيل هذا مثل ضربه صلى الله عليه وسلم لزهد المؤمن وحرص الكافر عليها فهذا يأكل بلغة وقوتاً فيشبعه القليل وذاك يأكل شهوة وحرصاً فلا يكفيه الكثير وبعض هذه الأقوال داخل في بعض وأكثرها خارج عن معنى الحديث والصحيح المختار ما أيده ظاهر الحديث كما أشرنا إليه فيما تقدم ، والله أعلم . (1/157)
صفحة 157
قوله طعام الاثنين كافي الثلاثة ) الحديث تقدم شرحه في جامع الصدقة والطعام والمقصود من ذكره هاهنا الإشارة إلى أن من أدب الطعام الاجتماع وتوسيع الخلق وترك الحرص ومجانبة الشح ، وفيه إشارة إلى ترجيح القول الأول من الأقوال الموجودة في بيان معنى الحديث الذي قبله وقد تقدم بيان ذلك والله أعلم .
قوله عنه أيضا ) يعني أبا هريرة والحديث رواه أيضاً مسلم وأحمد والترمذي .
قوله أضاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ضيفاً ) أي أنزله وأقرأه وفي رواية مسلم ضافه ضيف ) أي نزل به ضيف . قال ثعلب : ضفته إذا نزلت به وأنت ضيف عنده وأضفته بالألف إذا أنزلته عند ضيفاً . والضيف معروف ويطلق لفظ واحد على الواحد وغيره لأنه مصدر في الأصل من ضاف ضيفاً من باب باع إذا نزل عنده . والضيف المذكور في الحديث اسمه جهجاه بن سعيد الغفاري كان يكثر الأكل في حال كفره فلما أسلم قلّل الأكل فمدحه النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله حلابها ) بكسر المهملة أي لبنها .
قوله فلم يكملها ) أي فلم يقدر أن يشرب لبن الشاة الثانية على التمام ، وفي رواية مسلم فلم يستتمها ) والمعنى واحد .
قوله إن المؤمن.. الخ ) تقدم شرحه في الحديث الذي قبله . وفي رواية مسلم إن المؤمن يشرب في معي واحد والكافر في سبعة أمعاء ) ، والله أعلم .
--- (1/158)
صفحة 158
ما جاء في الشرب من سؤر الحائض
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قالت عائشة رضي الله عنها : كنت أشرب أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالقدح فيجعل فاه على موضع في فيشرب وأنا حائض .
---------------------------------
قوله قالت عائشة رضي الله عنها ) الحديث رواه أيضاً الجماعة إلا البخاري والترمذي لكن بزيادة في آخره ولفظه عندهم عن عائشة قالت : كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في فيشرب وأتعرق العرق وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في ) . ومعنى أتعرق العرق أي آخذ اللحم من العرق بأسناني . والعرق بفتح العين وسكون الراء عظم أخذ منه معظم اللحم وبقيت عليه بقية .
قوله بالقدح ) بفتحتين أنية معروفة جمعه أقداح كسبب وأسباب .
قوله فيجعل فاه على موضع في فيشرب ) أي يجعل صلى الله عليه وسلم فمه على موضع فمها من القدح وهذا من غاية مخالفته لليهود بغضاً ومن نهاية موافقته لها حباً . وفيه إشارة إلى كمال تواضعه وطيب نفسه صلى الله عليه وسلم . والحديث يدل على جواز مؤاكلة الحائض وجالستها وعلى أن أعضاءها من الفم واليد وغيرهما ليست بنجسة وكذلك يدل على أن ريقها طاهر وكذلك سؤرها من طعام وشراب . وقال بعضهم : ولا أعلم فيه خلافاً . وقال غيره : وما نسب إلى أبي يوسف من أن بعضها نجس غير صحيح . قال المحشي : ومثل الحائض النفساء . قال : وأما ما تفعله نساء أهل زماننا من حكمهن بنجاسة سؤر النفساء ولو نظفن أيديهن بالغسل غاية النظافة ودفنهن نوى التمرة الذي أكلته النفساء في الأيام السبع الأوائل فمن الغلو في الدين المنهي عنه . قلت : ولعل هذا كان في نساء بدله خاصة فإنه لا يوجد والحمد لله في بلادنا ، والله أعلم .
--- (1/159)
صفحة 159
ما جاء في الذباب يقع في الشراب
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء وإنه يقدم الداء ويؤخر الشفاء .
قال الربيع : امقلوه أي اغمسوه .
وقال أبو عبيدة عن جابر بن زيد : وهذا يدل على أن الذباب وما ليس فيه دم لا ينجس ما وقع فيه .
---------------------------------
قوله سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الحديث رواه البخاري وابن ماجة من حديث أبي هريرة إلا قوله وإنه يقدم الداء ويؤخر الدواء ) قال ابن ماجة : معناه من حديث أبي سعيد .
قوله إذا وقع الذباب ) الذباب معروف واحده ذبابة وهو أصناف كثيرة متولدة من العفونة ولم يخلق لها أجفان لصغر أحداقها ومن شأن الأجفان أن تصقل مرآة الحدقة من الغبار فجعل الله لها يدين تصقل بهما مرآة حدقتهما فلهذا ترى الذباب يمسح عينيه بيديه . وللحيوانات ذباب وأصله دود صغار يخرج من أبدانهن فيصير ذباباً وزنابير وذباب الناس متولد من الزبل ، ويكثر إذا هاجت ريح الجنوب ، ويخلق في تلك الساعة وإذا هاجت ريح الشمال خف وتلاشى ، وهو من ذوات الخراطيم كالبعوض .
قوله في إناء أحدكم ) أي في وعاء شرابه أو أدامه ، وفي رواية للبخاري وابن ماجة في شراب أحدكم ) ورواية المصنف أعم لدخول الأدام فيها وهي رواية للبخاري أيضاً والمراد بالشراب جميع ما يشرب ماء كان أو غيره .
قوله فامقلوه ) بالقاف بعد الميم أي اغمسوه ، وقد وقع مصرحاً به في رواية البخاري وابن ماجة فإن فيها فليغمسه ) ويقال مقله في الماء إذا غمسه والأمر بذلك للإرشاد وقيل للندب زاد في روايتهما ثم لينزعه ) بكسر الزاي وفي رواية ثم ليطرحه ) . (1/160)
صفحة 160
قوله فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء .. الخ ) الجناح يذكر ويؤنث ، وقيل التأنيث باعتبار اليد ، وجزم بعضهم بأنه لا يؤنث وحقيقته للطائر ويقال لغيره على سبيل المجاز كما في قوله تعالى واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) والجملة تعليل لقوله فامقلوه ) .
قوله وإنه يقدم الداء ويؤخر الدواء ) وعند ابن ماجة من حديث أبي سعيد مرفوعاً في أحد جناحي الذباب سم وفي الآخر شفاء فإذا وقع في الطعام فامقلوه فيه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء ) ، ووقع في رواية أبي داود وصححه ابن حبّان وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء ) . ولم يقع في شيء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره لكن ذكره بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء ، والمناسبة في ذلك ظاهرة . وفي حديث أبي سعيد إنه يقدم السم ويؤخر الشفاء ) ويستفاد منه تفسير الداء الواقع في حديث الباب وأن المراد به السم . وذكر بعض حذاق الأطباء أن في الذباب قوة سمية يدل عليها الورم والحكة العارضة عند لسعته وهي له بمنزلة السلاح فإذا سقط فيما يؤذيه تلقاه بسلاحه فأمر الشارع أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله في الجناح الآخر من الشفاء بإذن الله تعالى ، والله أعلم . (1/161)
صفحة 161
قوله وقال أبو عبيدة عن جابر بن زيد : وهذا يدل أن الذباب وما ليس فيه دم لا ينجس ما وقع فيه ) وفي بعض النسخ إسقاط قوله عن جابر بن زيد وعليها فالمستنبط لهذا الحكم أبو عبيدة بخلافه على نسختنا فإن فيها أن المستنبط جابر ووجه الاستنباط أنه صلى الله عليه وسلم لا يأمر بغمس ما ينجس الماء إذا مات فيه لأن ذلك إفساد , وتعقب بأنه لا يلزم من غمس الذباب موته فقد يغمسه برفق فلا يموت والحي لا ينجس ما يقع فيه . والجواب : أن الأمر بغمسه يتناول صوراً منها أن يغمسه محترزاً عن موته كما هو المدعى هنا وأن لا يتحرز بل يغمسه سواء مات أو لم يمت ويتناول ما لو كان الشراب حاراً فإن الغالب أن في هذه الصورة يموت بخلاف البارد فلما لم يقع التقييد حمل على العموم .
واستشكل بعضهم إلحاق غير الذباب به في الحكم المذكور بأنه إذا ورد النص في الذباب ففي تعديته إلى كل ما نفس له سائلة نظر لجواز أن تكون العلة في الذباب قاصرة وهي عموم البلوى به وهذه مستنبطة أو التعليل بأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء وهذه منصوصة . قال : وهذان المعنيان لا يوجدان في غيره فيبعد كون العلة مجرد كونه لا دم له سائل بل الذي يظهر أنه جزء علة لا علة كاملة .
والجواب أن طهارة ميتته مستفادة من الإشارة لا من صريح اللفظ ولم نجد لميتته معنى يخالف بها ميتة سائر الحيوانات إلا خلوه من الدم السائل فأعطينا هذا الحكم لكل ما شاركه في المعنى وهو علة مستقلة بهذا الحكم وهو طهارة ميتته وليست بجزء علة وإنما يكون جزء على للأمر بالغمس في الإناء وهو شيء غير ما نحن فيه .
وقد رجح جماعة من متأخري قومنا واستقواه ابن حجر أن ما يعم وقوعه في الماء كالذباب والبعوض لا ينجس الماء وما لا يعم كالعقارب ينجس وهذا منهم بناء على أن العلة عموم البلوى ونحن لا نسلّم ذلك بل نقول إن العلة خلوه من الدم السائل ، والله أعلم .
--- (1/162)
صفحة 162
ما جاء في الشرب من الماء الذي شربت منه الهرة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ماء مسته الهرة : فإنها من الطوافين والطوافات عليكم .
---------------------------------
قوله في ماء مسته الهرة ) أي أصابته بفمها لتشرب منه . والحديث تقدم شرحه في أحكام المياه ورواه جابر هنالك بلاغاً عن كبيشة بنت كعب وصبها الماء لأبي قتادة إلى آخر القصة والغرض من ذكره هنا جواز الشرب من الماء الذي تمسه الهرة لأنه ليس بنجس وإذا لم يكن نجساً فلا يحرم الشرب منه ، والله أعلم .
--- (1/163)
صفحة 163
ما جاء في النهي عن التنفس في الإناء
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني أن أبا سعيد الخدري دخل على مروان بن الحكم فقال له مروان : هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن التنفس في الشراب ؟ فقال أبو سعيد : نعم ، فقيل له يا رسول الله إني لا أروى عن نفس واحد . فقال له : فأبن القدح عن فيك ثم تنفس . فقال الرجل : فإني أرى القذى . قال : فأهرقه .
قال الربيع : قال أبو عبيدة : وكذلك في الطعام لا ينفخ فيه وإن كان حاراً فليبرده .
---------------------------------
قوله بلغني أن أبا سعيد ..الخ ) الحديث رواه عن أبي سعيد أيضاً أحمد والترمذي وصححه لكنه عندهما في النهي عن النفخ في الشراب وهو عند المصنف عن التنفس في الشراب والمعنى متقارب . وقد روى الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي عن ابن عباس أن النبي r نهى أن يتنفس في الإناء وينفخ فيه . وفي الباب عن أبي قتادة عند الشيخين وأحمد . والحكمة في النهي عن ذلك لأنه ربما يخرج من المتنفس ريق فيعلق بالماء فيستقذره من يشرب بعده وربما حصل للشراب تغير من النفس إما لكون المتنفس كان متغير الفم بمأكول مثلاً أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة أو لأن النفس يخرج ببخار المعدة والنفخ في هذه الأحوال كلها أشد من التنفس .
قوله في الشراب ) يتناول كل مشروب من ماء وغيره ومثله النفخ في الطعام كما سيأتي عن أبي عبيدة وكذلك لا يتجشأ فيه ولا يتعطس فإن عناه شيء من ذلك فلينح وجهه جانباً .
قوله فقيل له ) في رواية أحمد والترمذي فقال رجل ) ولم أقف على اسم هذا الرجل وفي روايتهما تقديم السؤال عن القذاة وتأخير السؤال عن عدم الري من نفس واحد وهو عند المصنف على عكس ذلك .
قوله لا أروى عن نفس واحد ) أي لا أكتفي من الماء إلا إذا تنفست في خلال ذلك . (1/164)
صفحة 164
قوله فأبن القدح ) أي نحه من قولهم أبنت الشيء عن الشيء إذا فصلته عنه وجعلته في ناحية منه . وظاهر هذا يقتضي جواز الشرب في النفس الواحد لمن قدر على ذلك وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس وكره ذلك جماعة منهم ابن عباس في رواية عكرمة وطاووس وقال هو شرب الشيطان .
قوله فقال الرجل ) هذا الرجل هو السائل الأول كما صرحت به رواية أحمد والترمذي فأل فيه للعهد الذكري على حد قوله تعالى وليس الذكر كالأنثى ) .
قوله فإني أرى القذى ) وفي رواية أحمد والترمذي القذاة ) ومعناه إني أبصر في الشراب ما استقذره فهل أنفخه ليزول ؟
قوله فأهرقه ) أي صبه من أهرقه لغة في أراق ، وإنما قالوا أنا أهريقه ولا يقولون أنا أريقه لاستثقال الهمزتين . قال سيبويه : أبدلوا من الهمزة الهاء ثم التزمت فصارت كأنها من نفس الحرف ثم أدخلت الألف بعد على الهاء وتركت الهاء عوضاً من حذفهم حركة العين لأن أصل أهرق أريق وفيه لغة ثالثة اهراق اهريق اهرياق فهو مهريق وفي هذا الجواب إرشاد إلى ما يفعله بالقذى إذا رآه فكأنه قال لا تزله بالنفخ ولكن بالصب .
قوله وكذلك في الطعام لا ينفخ فيه ) للعلة المتقدمة وهي خوف أن يخرج عند النفخ بزاق أو ريح كريهة فيستقذره الغير وهذا من أبي عبيدة رحمه الله قياس للطعام على الشراب لاتحاد العلة وهو عند غيره مستنبط من حديث ابن عباس عند الخمسة إلا النسائي أن النبي r نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه لأن الإناء يشمل إناء الطعام أو الشراب .
قوله وإن كان حاراً فليبرده ) أي بغير النفخ وذلك أن يتركه حتى يبرد أو يلهبه بالمروحة وأمر بتبريده للبركة فإنه لا بركة في حار مفرط الحرارة وليس المراد من التبريد زوال حرارته بالكلية فقد قالوا ما أنضجته الشمس يؤكل بارداً وما أنضجته النار يؤكل حاراً أي يوجد فيه بعض الحارة لأنه أهنأ للأكل وأنفع للجسد والله أعلم .
--- (1/165)
صفحة 165
ما جاء أن الجالس على يمين الشارب أحق بالشرب بعده
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن رسول الله r أنه أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام صغير وعن يساره شيوخ من أصحابه فقال للغلام : أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ؟ فقال : لا والله لا أوثر بنفسي منك أحداً . قال : فتله رسول الله r في يديه .
---------------------------------
قوله بلغني ) الحديث رواه مالك والبخاري ومسلم وأحمد كلهم من حديث سهل بن سعد الأنصاري الساعدي .
قوله أتي ) بضم الهمزة وكسر الفوقية أي جيء إليه بذلك .
قوله بشراب ) أي لبن ، وفي رواية عند قومنا أتي بقدح من لبن ) .
قوله فشرب منه ) يعني النبي r وإنما لم يشربه كله لقصد المواساة أو الإيثار .
قوله غلام صغير ) وهو أصغر القوم كما في رواية للبخاري وغيره وهو عبدالله بن عباس ، وقيل الفضل بن العباس .
قوله وعن يساره شيوخ من أصحابه ) وفي رواية قومنا وعن يساره الأشياخ وليس فيها قوله من أصحابه ) وقد ذكر بعضهم خالد بن الوليد وبعضهم أبا بكر .
قوله أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ) الإشارة على الشيوخ الذين هم على اليسار وظاهره أنه لو أذن لأعطاهم مع أن الغلام أحق بذلك فيستفاد منه شيئان أحدهما جواز الإيثار بمثل ذلك لأنه من باب التقدم في الشرف واكتساب الرفعة والجاه ، وثانيهما أن مناولة حق الأيمن له فلا يصح صرف ذلك عنه إلا بإذنه .
قوله لا أوثر بنفسي منك أحدا ) وفي رواية قومنا قال والله يا رسول الله لا أثرت بنصيبي منك أحد ) فالنفس في رواية المصنف بمعنى النصيب المصرح به في رواية قومنا وقد تطلق النفس عند العرب على نحو ذلك ومنه إطلاقهم النفس على قدر دبغة أو دبغتين والدبغة بكسر الدال وفتحها ما يدبغ به الأديم من قرط وغيره يقال هب لي نفساً من دباغ قال الشاعر : (1/166)
صفحة 166
ومعنى قوله لا أوثر ) أي لا أفضل غيري بنصيبي منك والمراد بنصيبه منه ما يناله من البركة بشرب سؤره أو بالشرب بعده حالاً حيث لم يفصل بينهما فاصل .
قوله فتله ) بفتح المثناة الفوقية وتشديد اللام أي وضعه . وقال الخطابي : وضعه بعنف وأصله من الرمي على التل وهو المكان العالي المرتفع ثم استعمل في كل شيء يرمى به وفي كل إلقاء ، وقيل هو من التلتل بلام ساكنة بين المثناتين المفتوحتين وآخره لام وهو العنف ومنه وتله للجبين ) أي صرعه وجعل جبينه إلى الأرض والتفسير الأول أليق بحديث الباب .
وفي الحديث أن سنة الشرب العامة تقديم اليمين في كل موطن وأن تقديم الذي على اليمين ليس لمعنى فيه بل لمعنى في جهة اليمين وهو فضلها على جهة اليسار فيؤخذ منه أن ذلك ليس ترجيحاً لمن هو على اليمين بل هو ترجيح لجهته .
وفيه أن من سبق إلى مجلس علم أو مجلس رفعة لا ينحى منه بمجيء من هو أولى منه بالجلوس في الموضع المذكور بل يجلس الآتي حيث انتهى به المجلس لكن إن آثره السابق جاز وأن من استحق شيئاً لم يدفع عنه إلا بإذنه كبيراً كان أو صغيراً إذا كان ممن يجوز إذنه .
وفيه أن الجلساء شركاء فيما يقرب إليهم على سبيل الفضل لا اللزوم للإجماع على أن المطالبة بذلك لا تجب قاله ابن عبد البر . وقال غيره محل ذلك إذا لم يكن فيهم الإمام أو من يقوم مقامه فإن كان فالتصرف في ذلك له ، والله أعلم .
--- (1/167)
صفحة 167
ما جاء في النهي عن عب الماء
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تعبوا الماء عباً فإذن منذ لك يتولد البهر ولكن مصوه مصاً .
---------------------------------
قوله بلغني ) الحديث ذكر معناه في الجامع الصغير من حديث أنس عند البيهقي في شعب الإيمان ، ورمز له بأنه حديث أنس ، ولفظه مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً ) قال شارحه : زاد في رواية فإن الكباد من العب ) .
قوله لا تعبوا الماء عباً ) العب شرب الماء من غير مص يقال عب الرجل الماء عباً من باب قتل شربه من غير تنفس .
قوله البهر ) بضم الباء وسكون الهاء تتابع النفس .
قوله مصوه مصاً ) أمر من مصه مصاً من باب قتل ومن باب تعب لغة ومنهم من يقتصر عليها وامتصه بمعناه كذا في المصباح .
وفي الحديث النهي عن عب الماء للإشفاق على الأمة من الداء المعروف بضيق النفس والأمر بمصه للإرشاد إلى المصلحة الدينية في التأدب بآداب الشرع والدنيوية في دفع البلاء عن النفس وكان صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثاً ويقول إنه أروى وأمرى وأبرى رواه مسلم . والحكمة في مص الماء تردده على المعدة الملتهبة دفعات فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه والثالثة ما عجزت عنه الثانية .
وأيضاً فإنه أسلم لحرارة المعدة وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة فإنه أسلم عاقبة وآمن غائلة من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشدة برده وكثرة كميته أو يضعفها فيؤدي إلى فساد المعدة والكبد أو إلى أمراض ردية خصوصاً في سكان البلاد الحارة في الأزمنة الحارة فإن الشرب فيها وهلة واحدة مخوف عليهم جداً وهذا هو السر في النهي عن العب ، والله أعلم .
--- (1/168)
صفحة 168
ما جاء في أكل الحيس
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة قالت : قدمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيساً ... الحديث .
---------------------------------
قوله قدمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيساً ) الحديث تقدم ذكره في ما يجب منه الوضوء وتمامه .. حيساً ملتتاً بسمن فأكل منه ولم يتوضأ ) والغرض من ذكره هنا الإشارة إلى جواز أكل الحيس المبلول بالسمن . قال الربيع : الحيس السويق الملتت بالسمن .
وقال غيره : الحيس تمر ينزع نواه ويدق مع أقط ويعجنان بالسمن ثم يدلك باليد حتى يبقى كالثريد وربما جعل معه سويق وهو مصدر في الأصل يقال حاس الرجل حيساً من باب باع إذا اتخذ ذلك . ويستفاد من الحديث جواز أكل الطيبات من الرزق لأن الحيس كان من أطيب الموجود عند العرب ، والله أعلم .
--- (1/169)
صفحة 169
ما جاء في أكل السويق
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قال ابن النعمان خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالصهباء وهي أدنى خيبر فصلى العصر فدعا بالأزواد ولم يؤت إلا بالسويق فأمر به فثري فأكل وأكلنا ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ثم صلى ولم يتوضأ .
---------------------------------
قوله قال ابن النعمان ) هو سويد بن النعمان بن مالك بن عامر بن مجدعة بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي شهد أحداً وما بعدها من المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعد في أهل المدينة . والحديث أخرجه أيضاً عنه البخاري في موضعين من صحيحه .
قوله خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يعني عام خيبر كما صرحت به رواية البخاري .
قوله بالصهباء ) بفتح المهملة والمد .
قوله وهي أدنى خيبر ) وفي رواية البخاري إساقط من وهي من نسخة في المسند أيضاً . ومن للتبعيض لأن الصهباء طرف خيبر . وفي رواية للبخاري على روحة من خيبر ) والجمع بين الروايتين أن يقال أنها من حريم خيبر وتعد من أطرافها وإن كانت منها على روحة ، وقال أبو عبيدة البكري على بريد .
قوله فدعا بالأزواد ) فيه جمع الرفقاء على الزاد في السفر وإن كان بعضهم أكثر أكلاً ، وفيه حمل الأزواد في الأسفار وأن ذلك لا يقدح في التوكل . واستنبط منه أن الإمام يأمر المحتكر بإخراج الطعام عند قلته ليبيعوه من أهل الحاجة وأن الإمام ينظر لأهل العسكر فيجمع الزاد ليصيب منه من لا زاد معه . (1/170)
صفحة 170
قوله بالسويق ) بفتح المهملة وكسر الواو هو من الحبوب ما جود تحميسه وطحنه ثم غسل دفعة بماء حار وأخرى ببارد ليزول ما اكتسبه في القلي من اليبس والحرارة وسويق الفواكه ما جفف وسحق بعد قليه كذا في تذكرة الأنطاكي والمراد في الحديث سويق الحبوب دون الفواكه وأكثر ما تستعمله العرب من البر والشعير .
قوله فثري ) بضم المثلثة وكسر المهملة مشددة بعدها ياء تحتانية أي بل بقليل ماء . وفي نسخة فثرد بدال مهملة من ثردت الخبز ثرداُ من باب قتل وهو أن تفته ثم تبله بمرق .
قوله ثم قام إلى المغرب ) أي ليصليها وكان على وضوء فلم يجدده لكن مضمض فاه فقط ، وإنما مضمضه والحال أنه لا دسم فيه لئلا تحتبس بقاياه بين الأسنان أو نواحي الفم فيشغله تتبعه عن أحوال الصلاة .
قوله ولم يتوضأ ) أي من أكل السويق . قال الخطابي : فيه دليل أن الوضوء مما مست النار منسوخ لأنه متقدم وفتح خيبر كانت سنة سبع . واستدل به البخاري على جواز صلاتين فأكثر بوضوء واحد وعلى استحباب المضمضة بعد الطعام ، والله أعلم .
--- (1/171)
صفحة 171
ما جاء في صيد البحر
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن جابر بن عبدالله قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً وأمّر علينا أبا عبيدة بن الجراح وهو في ثلاثمائة وأنا فيهم فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق ففني الزاد فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمعه وكان مزودي تمر وكان يقوتنا كل يوم قليلاً قليلا حتى فني ولم يصبنا إلا تمرة تمرة قال ولقد وجدنا فقدها حين فنيت . قال : ثم انتهينا إلى البحر فإذا بحوت مثل الظرب فأكل منه ذلك الجيش ثمان عشرة ليلة ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعها فنصبتا فأمر براحلته فرحلت ثم مر تحتها فلم يصبهما .
قال الربيع : الظرب الجبل .
---------------------------------
قوله بلغني عن جابر بن عبدالله ) الحديث رواه أيضاً مالك والبخاري ومسلم وأحمد والأربعة بطرق مختلفة وألفاظ متعددة . (1/172)
صفحة 172
قوله بعث ) أي وجه جيشاً ..الخ . والبعث الجيش وكان هذا البعث يسمى جيش الخبط بفتحتين وهو ورق السمر لأنهم أكلوه من شدة الجوع ، وسماه البخاري غزوة سيف البحر لأن الغزوة كانت نحو الساحل وكان فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسلهم يتلقون عيراً لقريش كما في رواية مسلم وفي رواية عنده أيضاً إلى أرض جهينة ولا منافاة بينهما فالجهة أرض جهينة والقصد تلقي عير قريش وهو الإبل المحملة بالطعام أو غيره . وكانت هذه السرية في شهر رجب سنة ثمان من الهجرة وذلك بعدما نكثت قريش العهد وقبل الفتح فإنه كان في رمضان من السنة المذكورة . وتعقب بأن كونه في رجب وهم غير محفوظ إذ لم يحفظ أنه صلى الله عليه وسلم غزا في الشهر الحرام ولا أغار فيه ولا بعث فيه سرية . وأجيب بأنه مبني على القول أن تحريم القتال في الأشهر الحرم غير منسوخ وهو قول الظاهرية وعطاء ومعظم الأمة على نسخه . وقال ابن حجر : مقتضى ما في الصحيح أن يكون البعث في سنة ست أو قبلها قبل هدنة الحديبية . قال : ويحتمل أن تلقيهم للعير ليس لحربهم بل لحفظهم من جهينة ولهذا لم يقع في شيء من طرق الخبر أنهم قاتلوا أحداً بل فيه أنهم أقاموا نصف شهر أو أكثر في مكان واحد . قلت : هذا خلاف الظاهر من سياق الحديث وكونهم لم يقاتلوا لا يدل على ذلك لأنهم لم يلقوا كيداً ولو لقوا لقاتلوا .
قوله بعثاً ) أي جيشاً زاد في رواية مالك قبل الساحل وزاد في رواية عمرو بن دينار عن جابر في الصحيحين يرصداً عيراً لقريش ) ولمسلم عن عبيد الله بن مقسم عن جابر بعثنا إلى أرض جهينة ) وذكر ابن سعد أن بعثهم إلى حي من جهينة بالقبلية بفتح القاف والموحدة وكسر اللام وشد التحتية مما يلي ساحل البحر بينه وبين المدينة خمس ليال وأنهم انصرفوا فلم يلقوا كيداً أي حرباً . قال بعضهم : ولا منافاة لاحتمال أن البعث للمتصدين رصد عير قريش وقصد محاربة حي من جهينة .
قوله وأمّر ) بشد الميم أي جعل أميراً عليهم . (1/173)
صفحة 173
قوله أبا عبيدة بن الجراح ) قيل اسمه عامر بن عبدالله بن الجراح ، وقيل عبدالله بن عامر والأول أصح وهو عامر بن عبدالله بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النظر القرشي الفهري أحد العشرة ، شهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية ولما دخل عمر بن الخطاب السام ورأى عيش أبي عبيدة وما هو عليه من الشدة قال له : كلنا غيرته الدنيا غيرك يا أبا عبيدة . وتوفي رضي الله عنه في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة وصلى عليه معاذ بن جبل .
قوله في ثلاثمائة ) هذا هو المشهور في الروايات في الكتب الستة وبه جزم أهل السير كابن سعد وبين أنهم من المهاجرين والأنصار وللنسائي أيضاً بضع عشرة وثلاثمائة فإن صحت فلعله اقتصر في الرواية المشهورة على ثلاثمائة استسهالاً لأمر الكسر لقتله .
قوله وأنا فيهم ) زاد في رواية مسلم وفيهم عمر بن الخطاب ) ، وزاد البخاري ومسلم عن هشام بن عروة عن وهب نحمل زادنا على رقابنا ) .
قوله ففني الزاد ) بفتح الفاء وكسر النون أي فرغ وجوز بعضهم أن يكون معنى فنى أشرف على الفناء وذكروا أن المراد بالزاد الذي فني الزاد الذي كان للعموم وهو جراب التمر الذي زودهم النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله فأمر أبا عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمعه ) أي جمع الموجود منه وهذا نظير فعله صلى الله عليه وسلم في الصهباء من أدنى خيبر المتقدم ذكره في السويق ، وإنما أمر بجمع الأزواد لتحصل البركة بالاجتماع ولتحصل المواساة بين من عنده بقية من زاد وبين من لا بقية له . وظاهر هذا السياق أنه كان لهم أزواد بطريق العموم وأزواد بطريق الخصوص فلما فني الذي بطريق العموم اقتضى رأي أبي عبيدة أن يجمع الذي بطريق الخصوص لقصد المواساة بينهم . (1/174)
صفحة 174
قوله مزودي تمر ) بكسر الميم وإسكان الزاي وفتح الواو والدال تثنية مزود بالكسر ما يجعل فيه الزاد ، والمعنى أنه كان المتحصل من المجموع قدر مزودي تمر . وفي رواية للبخاري مزود تمر بالإفراد ، والتثنية أثبت وهي الواردة في رواية المصنف ومالك وغيرهما وهو رواية للبخاري أيضاً .
قوله يقوتنا ) وفي رواية مالك يقوتناه ) بزيادة الهاء وهي ضمير يعود إلى المتحصل من الأزواد ويقوت بفتح أوله والتخفيف من الثلاثي وبضمه والتشديد من التويقت .
قوله قليلاً قليلا ) بالنصب على الحال وقيل على المفعولية وليس بشيء لأنه بيان لحالة التويقت لا صفة للمقتات .
قوله حتى فني ) أي حتى نفد المتحصل من الأزواد .
قوله فلم يصبنا إلا تمرة تمرة ) يعني من آخر ما بقي من المتحصل وجوز بعضهم أن يكون معنى فني أشرف على الفناء ، وفي رواية فقلت أزوادنا حتى ما كان يصيب الرجل منا إلا تمرة ) ، وفي رواية عمرو بن دينار عن جابر في الصحيحين وغيرهما فأقمنا على الساحل حتى فني زادنا فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط ) بفتح المعجمة والموحدة وطاء مهملة أي ورق السلم بفتحتين شجر عظيم له شوك كالعوسج والطلح قيل وهو الذي أكلوا ورقه .
قوله قال ولقد وجدنا فقدها حين فنيت ) قائل ذلك هو جابر بن عبدالله وهو جواب لسؤال لم يذكر في رواية المصنف وهو مذكور في رواية مالك عن وهب بن كيسان مولى قريش قال وقلت وما تغني تمرة فقال لقد وجدنا فقدها حيث فنيت ) ومعنى قوله لقد وجدنا فقدها ) أي أدركنا لفقدها في الوجدان أثراً لأنها خير من العدم تحلي الفم وترد بعض ألم الجوع . ولمسلم عن أبي الزبير أنه أيضاً سأل عن ذلك فقال له لقد وجدنا فقدها فقلت ما كنتم تصنعون قال نمصها كما يمص الصبي الذي ثم نشرب عليها من الماء فيكفينا يومنا إلى الليل .
قوله ثم انتهينا إلى البحر ) أي وصلنا إليه وهو البحر الذي بساحل جهينة . (1/175)
صفحة 175
قوله فإذا بحوت ) وفي رواية مالك عن وهب بن كيسان فإذا حوت ) ، ولمسلم عن أبي الزبير عن جابر فوقع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر ) ، وفي رواية عمرو بن دينار ألقى لنا البحر دابة يقال لها العنبر ) ، وفي رواية عنه أيضاً فألقى لنا البحر حوتاً ميتاً لم نر مثله يقال له العنبر ) والحوت اسم جنس لجميع السمك وقيل مخصوص بما عظم منه . والعنبر دابة بحرية كبيرة يتخذ من جلدها الترس ويقال إن العنبر المشموم رجيع هذه الدابة ، وقيل المشموم يخرج من الشجر وإنما يوجد في أجواف السمك الذي تبتلعه . وقال الأزهري : العنبر سمكة تكون بالبحر الأعظم يبلغ طولها خمسين ذراعاً يقال لها بالة وليست بعربية .
وقوله مثل الظرب ) بفتح الظاء المعجمة المشالة وكسر الراء المهملة بعدها موحدة وحكى بعضهم أنه بالمعجمة الساقطة والأول أصوب . قال الربيع : الظرب الجبل . وقال مالك : الظرب الجبيل بضم الجيم إشارة إلى صغره . وفي رواية عنه الجبل الصغير . وقيل هو بسكون الراء إذا كان منبسطاً ليس بالعالي .
قوله ثمان عشرة ليلة ) وفي رواية عمرو بن دينار فأكلنا منه نصف شهر ) ، وفي رواية أبي الزبير فأقمنا عليه شهرا ) قال ابن حجر : ويجمع بأن من قال ثماني عشرة ضبط ما لم يضبطه غيره ومن قال نصف شهر ألقى الكسر الزائد وهو ثلاثة أيام ومن قال شهراً جبر الكسر أو ضم بقية المدة التي كانت قبل وجدانهم الحوت إليها . قال ووقع في رواية الحاكم اثني عشر يوما وهي شاذة . قال : وأشد منها شذوذاً رواية الخولاني فأقمنا عليها ثلاثاً زاد في رواية عمرو بن دينار عن جابر وادّهنا من ودكه حتى ثابت إلينا أجسامنا ) وثابت بمثلثة وموحدة أي رجعت وفيه إشارة إلى أنه حصل لهم هزال من الجوع السابق . (1/176)
صفحة 176
وقوله ثم أمر .. الخ ) إنما فعل ذلك رضي الله عنه ليختبر عظمها حتى يخبروا من ورائهم عن كبرها فيكون الخبر عن صحة وضبط فيحصل الاعتبار للسامع كما حصل للمشاهد .
وقوله بضلعين ) تثنية ضلع بكسر الضاد وأما اللام فتفتح في لغة الحجاز وتسكن في لغة تميم وهى أنثى وجمعها أضلع وأضلاع وضلوع وهي عظام الجنبين .
وقوله براحلته ) بزيادة هاء الضمير العائد إلى المر وهو أبو عبيدة وفي رواية مالك براحلة ) على الإبهام وفي رواية المصنف زيادة بيان .
وقوله فرحلت ) بتخفيف الحاء وتشديدها وبالبناء للمفعول أي جعل عليها الرحل .
وقوله ثم مر ) أي أبو عبيدة لأن الراحلة كانت له كما تقدم .
وقوله فلم يصبهما ) أي فلم ينلهما برأسه لارتفاعهما ، وفي رواية مالك فلم تصبهما ) بالمثناة الفوقية والضمير للراحلة وفي رواية للبخاري فعمد إلى أطول رجل معه فمر تحته ) وعند ابن إسحاق عن عبادة بن الصامت ثم أمر بأجسم بعير معنا فحمل عليه أجسم رجل منا فخرج من تحتها وما مست رأسه ولعل ذلك كله قد كان من أبي عبيدة رضي الله عنه فيكون مرة جرب الناقة برحلها ومرة مر هو عليها ومرة عمد إلى أجسم بعير فحمل عليه أجسم رجل من القوم وجزم في المقدمة بأن الرجل قيس بن سعد بن عبادة وقال في الفتح : لم أقف على اسمه وأظنه قيساً فإنه مشهور بالطول وقصته مع معاوية مغروفة لما أرسل إليه ملك الروم أطول رجل منهم ونزع له قيس سراويله فكانت طول قامة الرومي بحيث كان طرفها على أنفه وطرفها على الأرض وعوتب قيس في نزع سراويله فقال :
للبخاري عن أبي الزبير عن جابر فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : كلوا رزقاً أخرجه الله أطعمونا إن كان معكم فأتاه بعضهم بعضو منه فأكله ) والله أعلم .
--- (1/177)
صفحة 177
ما جاء في الأحوال المنهي عنها عند الأكل
أبو عبيدة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأكل عن ثلاثة أوجه عن التقشير والترميل والتنقيب ، فالقشار الذي يأكل من كل ناحية ويقشر وجه الطعام ، والمرمل الذي يرفع لفيه مالا يسع ، والنقّاب الذي يحفر في الطعام خبة ويرجع إليه الأدام .
-------------------------------------
قوله نهى رسول الله ) الحديث لم أجد ي شيء من كتب الحديث ولعله مما تفرد به المصنف رضي الله عنه ، وذكر نحوه الشيخ إسماعيل في قواعده .
قوله في الأكل ) أي عند الأكل أو في حالة الأكل .
قوله عن ثلاثة أوجه ) أي أحوال مأخوذ من قولهم فلان أحسن القوم وجهاً أي حالاً .
قوله عن التقشير ) وما بعده بدل من ثلاثة أوجه بدل كل من كل وفائدته التفسير .
والتقشير مصدر قشره إذا أولت قشره ومنه قشر الطعام إذا أخذ أعلاه . والقشار بالتشديد الذي يأكل من كل ناحية ويقشر وجه الطعام . وروى مالك وغيره عن وهب بن كيسان أنه قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام ومعه ربيبه عمر بن أبي سلمة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : سم الله وكل مما يليك . وذلك حين رأى يده تطيش في الصحفة كما في رواية الوليد بن كثير وذلك أن الكل من موضع يد صاحبه سوء عشرة وترك مروءة لنفور النفس لا سيما في الأمراق وفيه إظهار الحرص والنهم وسوء الأدب وأشباهها . وفي التقشير زيادة على ذلك لأنه يأخذ وجه الطعام الذي فيه الأدام والنهي للكراهة عند جمهور قومنا والظاهر التحريم كما أشار إليه بعضهم لأنه أذى وسوء صحبة والكل حرام ويستثنى من ذلك ما إذا كان الطعام غير لون أو كان تمراً أو رطباً أو نحوه من الفواكه فإنه يجوز الأكل مما يلي الآخر. (1/178)
صفحة 178
وقد تتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم الدباء من المرقة كما في حديث أنس عند البخاري . وروى ابن ماجة وغيره عن عائشة كان صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعام أكل مما يليه وإذا أتي بالتمر جالت يده فيه . وروى الترمذي وابن ماجة عن ع كراش بن ذؤيب قال : أخذ بيدي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أم سلمة فقال : هل من طعام فأتيناه بجفنة كثيرة الثريد والودك فأكلنا منها فخبطت بيدي على نواحيها وأكل صلى الله عليه وسلم من بين يديه وقبض بيده اليسرى على يدي اليمنى ثم قال يا عكراش كل من موضع واحد فإنه طعام واحد ثم أتينا بطبق فيه ألوان التمر والرطب فجعلت آكل من بين يدي وجالت يده صل الله عليه وسلّم في الطبق فقال : يا عكراش كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد . وفي إسناده ضعف لكن له شواهد تقويه .
وأما الترميل فهو مصدر رمل بالتشديد مبالغة في رمل بالتخفيف يقال رمل في مشيه إذا هرول وأسرع . والرمل بضم الميم الأولى وتشديد الثانية مع كسرها اسم فاعل من الترميل وهو في الأكل المتابع للقم بعجلة كما في القواعد ، وقيل هو الذي يرفع لفيه ما لا يسع كما عند المصنف والأول أنسب بالاشتقاق فإنه شبه تتابع اللقم بعجلة بتتابع نقل الرجلين في الهرولة ، ولعل القول الثاني مأخوذ من أرمل الرجل إذا افتقر وضاق حاله فإن الفم يضيق بما لا يسع .
وأما التنقيب فمصدر نقب بالتشديد مبالغة في نقب بالتخفيف يقال نقب الحائط ونحوه نقباً من باب قتل إذا خرقه ومنه تنقيب الطعام أي خرقه .
والنقاب بالتشديد مبالغة في الناقب وهو الذي يحفر في الطعام خبة ويرجع الأدام فيختص به دون أصحابه وهو سوء عشرة وضعف أدب ، والله أعلم .
--- (1/179)
صفحة 179
ما جاء في الشرب قائما ً
أبو عبيدة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الشرب قائماً . ويروى أنه شرب من زمزم قائماً . قال ابن عباس : المرجع فيه إلى كتاب الله وهو قوله كلوا واشربوا ) الآية فهذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال إلا في موضع خصه النهي من النبي صلى الله عليه وسلم .
---------------------------------
قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه أحمد ومسلم عن أبي سعيد . وروى أيضاً أحمد ومسلم والترمذي عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائماً قال قتادة فقلنا فالأكل ؟ قال : ذلك شر وأخبث .
قوله نهى عن الشرب قائماً ) وذلك لأنه يحرك أخلاطاً . وقال النخعي : إنما نهي عن ذلك لداء البطن . وقال غيره : للشرب قائماً آفات عديدة منها أنه لا يحصل به الري التام ولا يستقر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة إلى المعدة فيخشى منه أن تبرد حرارته ويسرع إلى النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج وكل هذا يضر بالشارب قائماً فإذا فعله نادراً لم يضره وبهذا يجمع بين النهي والفعل فشربه صلى الله عليه وسلم من زمزم قائماً نادر وقد فعله لبيان الجواز فالنهي محمول عندنا وعند الجمهور على كراهة التنزيه وفعله صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز لا يدخل تحت الكراهة لأن البيان عليه واجب أو مندوب ولا يكون فعل الواجب أو المندوب مكروها. واستظهر بعضهم أن النهي للتحريم لا سيما وقد أكد ذلك قوله في حديث أبي هريرة عند مسلم لا يشربن أحدكم قائماً فإن نسي فليستقيء أي يتقيأه لأن التقيء يذهب بتلك الأخلاط المتولدة من الشرب قائماً . قالوا فهذا يدل على التشديد في المنع والمبالغة في التحريم وظاهر كلام هذا البعض أن النهي للتحريم لكنه منسوخ لما ذكر بعد ذلك من الكلام الدال على ذلك . (1/180)
صفحة 180
وقد قال بذلك قوم .وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال وأيضاً فالجمع ممكن فلا حاجة إلى تكلف القول بالنسخ . وتكلف بعض المالكية في النهي تأويلاً بعيداً فقالوا لعل النهي منصرف إلى من أتى أصحابه بماء فبادر يشربه قائماً استبداداً به وخروجاً عن كون الساقي آخرهم شرباً . قال المازري وأيضاً فإن الحديث تضمن المنع من الأكل قائماً ولا خلاف في جواز الأكل قائماً . قال : والذي يظهر لي أن أحاديث شربه قائماً تدل على الجواز وأحاديث النهي تحمل على الاستحباب والحث على ما هو أولى وأكمل . قال : ويحمل الأمر بالقيء على أن الشرب قائماً يحرك خلطاً يكون القيء دواءه ويؤيده قول النخعي إنما نهي عن ذلك لداء البطن وحاصله أن النهي عنده طبي لا شرعي وفيه أنه نهي جاء من الشارع وهو أعلم بالمضار والمنافع على أن الإضرار بالنفس حرام شرعاً والله أعلم .
قوله ويروى أنه شرب من زمزم قائماً ) الراوي لذلك هو ابن عباس نفسه كما صرحت به رواية الشيخين وأحمد . وفي الصحيحين عن ابن عباس أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء زمزم فشرب منه وهو قائم . وفي البخاري وأحمد أن علياً شرب في رحبة الكوفة وهو قائم ثم قال إن ناساً يكرهون الشرب قائماً وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت . وفي الموطأ عن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان كانوا يشربون قياماً . وفي الشرح وقال جبير بن مطعم رأيت أبا بكر الصديق يشرب قائماً . وروى مالك عن ابن شهاب أن عائشة أم المؤمنين وسعد بن أبي وقاص كانا لا يريان بشرب الإنسان وهو قائم باسا . وروى أيضاً مالك عن أبي جعفر القاري أنه قال رأيت عبدالله بن عمر يشرب قائماً . وروى مالك عن عبدالله بن الزبير عن ابنه أنه كان يشرب قائماً . (1/181)
صفحة 181
قال ابن عباس : المرجع فيه إلى كتاب الله تعالى وهو قوله كلوا واشربوا ) فهذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال إلا في موضع خصه النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا الكلام من ابن عباس رضي الله عنه إشارة إلى تساقط الحديثين حديث النهي والفعل بالتعارض إن لم يمكن الجمع بحمل النهي على موضع مخصوص فتبقى الإباحة المذكورة في قوله تعالى كلوا واشربوا ) فإنه تعالى قد أباح ذلك على الإطلاق ما لم يبلغ الإسراف فالإباحة متحققة والنهي معارض بالفعل . ونسب بعضهم القول بالجواز إلى الجمهور وغلى الخلفاء الأربعة تمسكاً بشربه من زمزم قائماً . قالوا وكأنهم رأوه متأخراً عن النهي فإنه في حجة الوداع فهو ناسخ وحقق ذلك فعل خلفائه بخلاف النهي قالوا ويبعد خفاؤه عليهم مع شدة ملازمتهم له وتشددهم في الدين وهذا وإن لم يصلح دليلاً للنسخ فيصلح لترجيح أحد الحديثين . ولابن حجر :
--- (1/182)
صفحة 182
ما جاء في النهي عن الشرب من في السقاء
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الشرب من فم السقاء . وروي أنه خنث سقاء فشرب منه . قال ابن عباس : وإنما نهى عن ذلك إشفاقاً أن تكون فيه دابة .
---------------------------------
قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه أيضاً الجماعة إلا مسلما ولفظه عندهم عن ابن عباس قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من في السقاء ) . ورواه أيضاً البخاري وأحمد من حديث أبي هريرة .
واختلفوا في هذا النهي فحمله الأكثر على التنزيه وهو عند ابن عباس للإشفاق . وجزم ابن حزم بالتحريم لثبوت النهي وحمل أحاديث الرخصة على أصل الإباحة وأطلق أبو بكر الأثرم صاحب أحمد أن أحاديث النهي ناسخة للإباحة لأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى وقع دخول الحية في بطن الذي شرب من في السقاء فنسخ الجواز .
ونقل غيره عن مالك أنه أجاز الشرب من أفواه القرب وقال لم يبلغني فيه نهي . قال ابن حجر : لم أر في شيء من الأحاديث المرفوعة ما يدل على الجواز إلا من فعله صلى الله عليه وسلم وأحاديث النهي كلها من قوله فهي أرجح . قال : وإذا نظرنا إلى علة النهي عن ذلك فإن جميع ما ذكره العلماء في ذلك يقتضي أنه مأمون منه صلى الله عليه وسلم . (1/183)
صفحة 183
قوله وروي أنه خنث سقاء فشرب منه ) خنث بالخاء المعجمة والنون المشددة بعدها مثلثة أي عطف فمه نحوه فشرب منه مأخوذ من الخنث وهو في الأصل الانطواء والتكسر والانثناء . والسقاء الإناء المتخذ من الأدم صغيراً كان أو كبيراً . وقيل هو الصغير فقط وعيه عرفنا . والقربة أعم منه فإنها قد تكون صغيرة وقد تكون كبيرة . روى ابن ماجة والترمذي وصححه عن عبدالرحمن بن أبي عمرة عن جدته كبشة قالت : دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب من في قربة معلقة قائماً فقمت إلى فيها فقطعته . وروى أحمد وابن شاهين والترمذي في الشمائل عن أم سليم قالت : دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت قربة معلقة فشرب منها وهو قائم فقطعت فاها فإنه لعندي . قال ابن عباس : وغنما نهي عن ذلك إشفاقاً أن تكون فيه دابة أي فتلدغه أو تدخل بطنه فتضره أو تطبق في حلقه فتشرقه . وزاد أحمد بعد حديث أبي هريرة قال أيوب : فأنبئت أن رجلاً شرب من في السقاء فخرجت حية . وعند ابن أبي شيبة شرب رجل من سقاء فانساب في بطنه حيتان فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك . (1/184)
صفحة 184
قال ابن حجر : وهذا يقتضي أنه لو ملأ السقاء وهو يشاهد الماء الذي يدخل فيه ثم ربطه ربطاً محكماً ثم شرب منه لم تناوله النهي . قال : وقد أخرج الحاكم من حديث عائشة بسند قوي بلفظ نهى أن يشرب من في السقاء لأن ذلك ينتنه ) قال : وهذا يقتضي أن يكون النهي خاصاً بمن يشرب فيتنفس داخل السقاء أو باشر بفمه باطن السقاء أما من صب من الفم إلى ادخل فمه من غير مماسة فلا . ومن جملة ما علل به النهي أن الذي يشرب من فم السقاء قد يغلبه الماء فينصب منه أكثر من حاجته فلا يأمن أن يشرق به أو يبل ثيابه . قال ابن العربي : واحدة من هذه العلل تكفي في ثبوت الكراهة ومجموعها تقوي الكراهة جداً . قال ابن أبي جمرة : الذي يقتضيه الفقه أن لا يبعد أن يكون النهي بمجموع هذه الأمور وفيها ما يقتضي الكراهة وفيها ما يقتضي التحريم والعادة في مثله ترجيح ما يقتضي التحريم . قال العراقي : لو فرق بين ما يكون لعذر كأن تكون القربة معلقة ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناء ولم يتمكن من التناول بكفه فلا كراهة حينئذ وعلى هذا تحمل الأحاديث المذكورة ، وبين ما يكون لغير عذر فتحمل أحاديث النهي . قال ابن حجر : ويؤيده أن أحاديث الجواز كلها فيها أن القربة كانت معلقة والشراب من القربة المعلقة أخص من الشرب من مطلق القربة . قال : ولا دلالة في أخبار الجواز على الرخصة مطلقاً بل على تلك الصورة وحدها ، وحملها على حال الضرورة جمعاً بين الخبرين أولى من حملها على النسخ . والله أعلم .
--- (1/185)
صفحة 185
ما جاء في أن السنة في الشراب الأيمن فالأيمن
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن شيب بماء وعلى يمينه أعرابي وعلى يساره أبو بكر وأعطى الأعرابي وقال : الأيمن فالأيمن .
---------------------------------
قوله عن أنس ) الحديث رواه أيضاً الجماعة إلا النسائي وفي بعض الألفاظ عن أنس قال فحلبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة داجن وشيب لبنها بماء من البئر التي في دار انس فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم القدح فشرب وعلى يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي فقال عمر أعط أبو بكر يا رسول الله فأعطى الأعرابي الذي على يمينه ثم قال الأيمن فالأيمن . وفي رواية الأيمنون الأيمنون ألا فيمنوا .
قوله أتي ) بضم أوله وكسر ثانيه مبنياً للمفعول ولم يسم هذا الآتي إلا أن القصة كانت في دار انس .
قوله شيب ) بكسر المعجمة بعدها تحتانية على البناء للمجهول من الشوب وهو المزج والخلط وإنما كانوا يمزجون اللبن بالماء لأن اللبن عند الحليب يكون حاراً وتلك البلاد في الغالب حارة فكانوا يكسرون حر اللبن بالماء البارد . (1/186)
صفحة 186
قوله وعلى يمينه أعرابي ) وفي رواية قومنا عن مكان على والمراد بالكل الحصول عن اليمين وهذا الأعرابي لم يسم ومن زعم أنه خالد بن الوليد فقد غلط غلطاً فاحشاً سرى عليه من اشتباه هذا الحديث بحديث الغلام الصغير المتقدم وهو غلط من جهتين إحداهما أن الأعرابي هنا كان عن يمينه صلى الله عليه وسلم وخالد كان عن يساره في حديث الغلام ، والثانية أنه لا يقال لخالد أعرابي إذ هو من أجلة قريش . قال ابن حجر : ووقع عند الطبراني من حديث عبدالله بن أبي حبيبة قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد قباء فجئت فجلست عن يمينه وجلس أبو بكر عن يساره ثم دعى بشراب فشرب وناولني عن يمينه . قال : وأخرجه أحمد لكن لم يسم الصحابي . قال : ولا يمكن تفسير المبهم في حديث أنس به أيضاً لأن هذه القصة كانت بقباء وتلك في دار أنس وأيضاً فهو أنصاري ولا يقال له أعرابي كما استبعد ذلك في حق خالد بن الوليد .
قوله وأعطى الأعرابي ) أي بعد أن شرب ولم يستأذنه في إعطاء أبي بكر كما استأذن الغلام في إعطاء الأشياخ في الحديث المتقدم مخافة إيحاشه وتألفاً لقلبه لقرب عهده بالجاهلية وعدم تمكنه من معرفة خلق رسول الله r وإنما استأذن الغلام وهو ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إدلالاً عليه وتطييباً لنفسه بالاستئذان لا سيما والأشياخ أقاربه منهم خالد بن الوليد رضي الله عنه . وفي بعض الروايات عمك وابن عمك وفعل ذلك استئناساً لقلوب الأشياخ وإعلاماً بودهم وإيثاراً لكرامتهم . (1/187)
صفحة 187
قوله الأيمن فالأيمن ) يجوز فيه الرفع والنصب أما الرفع فعلى أنه مبتدأ محذوف الخبر أي الأيمن مقدم أو أحق . أو على أنه نائب الفاعل أي يقدم الأيمن . وأما النصب فعلى تقدير قدموا أو أعطوا . واستنبط بعضهم من تكرير الأيمن أن السنة إعطاء من على اليمين ثم الذي يليه وهم جرا وهي عادة مشهورة عند العرب معدودة في مكارم الأخلاق ومن ذلك قول عمرو كلثوم في الجاهلية وكان الكأس مجراها اليمينا ) فأقرها الشارع عليه الصلاة والسلام لأنه بعث ليتم مكارم الأخلاق وفعله هذه السنة مستحب عند الجمهور . وقال ابن حزم : يجب ولا فرق بين شرب اللبن وغيره . ونقل عن مالك أنه خصه بالماء . قال ابن عبد البر : لا يصح عن مالك . وقال عياض : يشبه أن يكون مراده أن السنة ثبتت في الماء خاصة وتقديم الأيمن في غير شرب الماء يكون بالقياس . قال ابن العربي : كان اختصاص الماء بذلك لكونه قد قيل أنه لا يملك بخلاف سائر المشروبات .
قلت : حديث الباب نص في اللبن المشاب بالماء فلا يتم لهم ما ذكروا من الفرق بين الماء وغيره وكذلك لا يتم توجيه عياض بأن السنة ثبتت نصاً في الماء خاصة لأن حديث الباب نص في اللبن ، والله أعلم .
--- (1/188)
صفحة 188
ما جاء في النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري عن أم سلمة قالت قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرب في آنية الذهب والفضة فكأنما يجرجر في جوفه نار جهنم .
---------------------------------
قوله عن أم سلمة ) هي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث عند المصنف من رواية أبي سعيد عنها فهو رواية صحابي عن صحابية . وقد رواه مالك عن نافع عن زيد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق عن أم سلمة ولم يذكر الذهب . ولمسلم من طريق عثمان بن مرة عن عبدالله بن عبدالرحمن عن خالته أم سلمة مرفوعاً من شرب من إناء ذهب أو فضة ) وله أيضاً من رواية علي بن مسهر عن عبيدالله بن عمر عن نافع أن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة لكن تفرد ابن مسهر بقوله يأكل ) .
قوله آنية ) على وزن أفعلة جمع إناء وهو الوعاء .
وقوله يجرجر ) بضم التحتية وفتح الجيم الأولى وكسر الثانية بينهما راء ساكنة وآخره راء أيضاً تردد صوت البعير في حنجرته إذا هاج ، وصوت صب الماء في الحلق إذا جرعه جرعاً متداركاً .
وقوله في جوفه ) أي بطنه .
وقوله نار جهنم ) مفعول يجرجر على أن الجرجرة بمعنى الصب أو التجرع فالفاعل ضمير الشارب وسماه مجرجراً للنار تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه مجازاً للمبالغة على حد قوله تعالى إنما يأكلون في بطونهم نارا ) . وقيل يجوز في النار الرفع على الفاعلية والمعنى أن النار هي التي تصوت في البطن والأول أشهر . (1/189)
صفحة 189
والحديث يدل على حرمة الشرب في الذهب والفضة ومثله الأكل كما صرحت به رواية مسلم ويقاس عليه الطهارة فيه والتجمر بمجمر منهما والبول في غناء منهما ، ويحرم التزين بإنائهما واتخاذه في البيوت والبول فيه أيضاً لأن المقصود من تحريم الشرب والأكل تحريم مطلق التأني بهما لأن ذلك لنا في الآخرة وللكفرة في الدنيا ، ولا فرق في ذلك بين رجل وامرأة ، وإنما فرق بينهما في التحلي لما يقصد في المرأة من الزينة للزوج ، والله أعلم .
--- (1/190)
صفحة 190
ما جاء في أكل الضب
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن ابن عمر قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما تقول في الضب يا رسول الله ؟ قال : لست بآكله ولا محرمه .
وحديث أبي طلحة قد تقدم
---------------------------------
قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه أيضاً البخاري ومسلم وأحمد وفيه رواية صحابي عن صحابي . قال ابن حجر : وهذا الخبر مما اختلف فيه على الزهري هل هو من مسند ابن عباس أو مسند خالد .
قوله قال خالد ..الخ ) لفظه عند البخاري عن عبدالله بن عباس عن خالد بن الوليد أنه دخل على مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي بضب محنوذ .. الخ . وخالد بن الوليد بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم أبو سليمان وقيل أبو الوليد القرشي المخزومي أمه لبابة الصغرى وقيل الكبرى والأول اصح وهي بنت الحارث بن حزن الهلالية وهي أخت ميمونة ابنة الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأخت لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خالة أولاد العباس بن عبد المطلب الذين من لبابة ، وكان أحد أشراف قريش في الجاهلية وكان إليه القبة وأعنة الخيل في الجاهلية . أما القبة فكانوا يضربونها يجمعون فيها ما يجهزون به الجيش ، وأما الأعنة فإنه كان يكون المقدم على خيول قريش في الحرب . وقد اختلف في وقت اسلامه وهجرته فقيل هاجر بعد الحديبية وقبل خيبر وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست وخيبر بعدها في المحرم سنة سبع . وقيل بل كان إسلامه سنة خمس بعد فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني قريظة وليس بشيء . (1/191)
صفحة 191
وقيل بل كان إسلامه سنة ثمان ، وقال بعضهم كان على خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وكانت الحديبية سنة ست وهذا القول مردود فإن في الصحيح أن خالد بن الوليد كان على خيل المشركين يوم الحديبية ولم يحفظ له مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهد قبل الفتح ولم يزل من حين أسلم يوليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أعنة الخيل فيكون في مقدمتها لمحاربة العرب وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة فأبلى فيها وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم أميراً على بعوث عديدة واستعمله أبو بكر رضي الله عنه على قتال المرتدين والفرس والروم وله في كل ذلك مواقف محمودة وآثار مشكورة . ولما حضرته الوفاة قال : لقد شهدت مائة زحف أو زهائها وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية وهاأنا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت عين الجبناء وما من عمل أرجى من لا إله إلا الله وأنا منترس بها . وتوفي بحمص من الشام وقيل بل توفي في المدينة سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب وأوصى إلى عمر رضي الله عنهما ، والله أعلم . (1/192)
صفحة 192
قوله فأتي بضب محنوذ ) بمهملة ساكنة ونون مضمومة وآخره ذال معجمة أي مشوي بالحجارة المحماة . قال ابن حجر : وقع في رواية معمر بضب مشوي والمحنوذ أخص والحنيذ بمعناه زاد يونس في روايته قدمت به حفيدة ) بمهملة وفاء مصغراً . قال : ومضى في رواية سعيد بن جبير أن أم حفيدة بنت الحارث بن حزن خالة ابن العباس أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم سمناً وأقطاً وأضباً . والضب دويبة تشبه الجرذون لكنه أكبر من الجرذون ويكنى أبا حسل بمهملتين مكسورة ثم ساكنة ويقال للأنثى ضبة وبه سميت القبيلة . وذكر ابن خالويه أن الضب يعيش سبعمائة سنة وأنه لا يشرب الماء ويبول في كل أربعين يوماً قطرة ولا يسقط له سن ويقال بل أسنانه قطعة واحدة . وحكى غيره أن أكل لحمه يذهب العطش ومن الأمثال لا أفعل كذا حتى يرد الضب يقوله من أراد أن لا يفعل الشيء لأن الضب لا يرد بل يكتفي بالنسيم وبرد الهواء زلا يخرج من جحره في الشتاء .
قوله فأهوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ) أي مدها غليه ليأخذه يقال أهوى إلى الشيء بيده إذا مدها ليأخذه إذا كان عن قرب فإن كان عن بعد قيل هوى إليه بغير ألف .
وقوله فقال بعض النسوة التي في البيت أخبرن ) بنون النسوة أي أعلمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يريد أن يأكل منه . وفي البخاري أخبروا ) بواو الجمع . وإنما قالت النسوة ذلك بعد أن أهوى إليه صلى الله عليه وسلم بيده لظنهن أنه سيسأل عنه قبل أن يأكل كما كانت عادته . وقد جاء في رواية أنه كان صلى الله عليه وسلم قل ما يقدم يده لطعام حتى يسمى له . (1/193)
صفحة 193
قوله فقيل هو ضب يا رسول الله ) جاء في بعض الروايات أن قائل ذلك ميمونة وهي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت القصة في بيتها . قال ابن حجر : وعند الطبراني في الأوسط من وجه آخر صحيح فقالت ميمونة : أخبروا رسول الله rصلى الله عليه وسلم ما هو ) وهذا يدل على أن بعض النسوة القائلة أخبرن رسول الله ..الخ ) هي ميمونة أيضاً فكأنها قالت لهن ذلك وكأنها رضي الله عنها أرادت غيرها يخبره فلما لم يخبره أحد بادرت هي فأخبرت .
قوله فرفع يده ) قال ابن حجر : زاد يونس عن الضب ) . قال : ويؤخذ منه أنه أكل من غير الضب مما كان قدم له .
قوله ليس هو بأرض قومي ) يعني قريشاً فيختص النفي بمكة وما حولها فلا يشكل وجود الضباب كثيراً بأرض الحجاز .
قوله فتجدني أعافه ) بمثناة فوقية في جميع نسخ المسند التي بأيدينا ومعناه فتلقاني يا مخاطب أعافه . وفي رواية قومنا فأجدني بالهمزة أي فأجد نفسي تعافه .
وقوله أعافه ) بعين مهملة وفاء خفيفة أي أكره أكله يقال عاف الرجل الطعام والشراب يعافه من باب تعب عيافة بالكسر إذا كرهه .
قوله فاجتررته ) بجيم وراءين هذا هو المعروف في كتب الحديث وضبطه بعض الشراح بزاي قبل الراء وقد غلط .
قوله ورسول الله ينظر ) أي ينظر إليه حال أكله فلا ينكر عليه .
والحديث يدل على جواز أكل الضب . وحكى عياض عن قوم تحريمه وعن الحنفية كراهته وتمسكوا بأحاديث وردت في النهي عن أكله . وأجيب بأنها كانت قبل أن يعلم أن الممسوخ لا نسل له وهو صلى الله عليه وسلم إنما نهى عنها مخافة أن تكون من الأمم الممسوخة . وقد أخرج أبو داود من حديث عبدالرحمن بن حسنة نزلنا أرضاً كثيرة الضباب ) الحديث وفيه أنهم طبخوا منها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض فأخشى أن تكون هذه فاكفؤها ) والله أعلم .
قوله بلغني عن ابن عمر ) الحديث رواه أيضاً الشيخان وأحمد . (1/194)
صفحة 194
قوله جاء رجل ) الخ . قال ابن حجر : يحتمل أن يكون هذا الرجل خزيمة بن جزء فقد أخرج ابن ماجة من حديث قلت يا رسول الله ما تقول ؟ فقال لا آكله ولا أحرمه . قال فقلت فإني آكل ما لم تحرم ) وسنده ضعيف .
قوله لست بآكله ولا محرمه ) أي لا آكله لأنه ليس بأرض قومي فأجدني أعافه ولا أحرمه لمن شاء أكله لأن الله لم ينزل عليّ تحريمه . ووقع في حديث يزيد بن الأصم أخبرت ابن عباس بقصة الضب فأكثر القوم حوله حتى قال بعضهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا آكله ولا أنهى عنه ولا أحرمه . فقال ابن عباس : بئسما قلتم ما بعث نبي الله إلا محرماً أو محللاً ) أخرجه مسلم . قال ابن العربي : ظن ابن عباس أن الذي أخبر بقوله صلى الله عليه وسلم لا آكله أراد لا أحله فأنكر عليه لأن خروجه من قسم الحلال والحرام محال .
قوله وحديث أبي طلحة قد تقدم ) أي في باب أفضل ما يتصدق به والبركة في الطعام . والمراد بحديث أبي طلحة حديث أنس بن مالك قال أبو طلحة لأم سليم : قد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفاً أعرف فيه الجوع هل عندك من شيء ؟ قالت : نعم . فأخرجت أقراصاً من شعير .. الخ ) وقد تقدم شرحه والغرض من الإشارة إليه أن الحديث قد جاء في ذكر الطعام وفيه من آدابه أنهم قد دخلوا عشرة عشرة بعد الإذن . والله أعلم .
--- (1/195)
صفحة 195
ما جاء في أن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام .
---------------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مسلم ولفظه كل ذي ناب من السابع فأكله كرام ) ولم يذكر ذا مخلب من الطير . ولأحمد والترمذي عن جابر قال : حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني يوم خيبر لحوم الحمر الإنسية ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع . وروى الجماعة إلا البخاري وأبا داود عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كل ذي ناب من السباع فأكله حرام . وهذا الحديث رواه مالك عن أبي ثعلبة وعن أبي هريرة . قال مالك في الموطأ : وهو الأمر عندنا يعني القول بتحريم ذلك وهو المعتمد عندهم بالمدينة والمشهور من مذهبه عند أصحابه القول بالكراهة فقط وهو المنقول عن أبي عبيدة عندنا قيل وكان أبو عبيدة ومالك في عصر واحد هذا في البصرة وذلك في المدينة ولعلهم يحملون التحريم في الحديث على المنع الصادق بالكراهة وما قيل أنهما يطعنان في حديث أبي هريرة فلا يثبت وهو بعيد جداً لأن أبا عبيدة رواه عن جابر بن زيد عن أبي هريرة وهذا الطريق لا يتأتى فيه الطعن بوجه من الوجوه . وقد روى مالك التحريم من وجهين كما مر فيبعد أن ينكره . ومذهب الجمهور القول بالتحريم وقيل بالإباحة والأقوال الثلاثة كلها في المذهب وأصحها التحريم لحديث الباب . قال الترمذي : وعليه العمل عند أكثر أهل العلم . (1/196)
صفحة 196
ويليه في الصحة القول بالكراهة وكأنه مأخوذ به أيضاً عند إخواننا من أهل المغرب . قال البدر الشماخي رحمه الله تعالى : أن أيوب بن العباس الفارس المشهور في أيام الإمام عبدالوهاب رضي الله عنه جاز على أسد ولبوة وأشبال فقطع أرجلها فجاز على حي فقال : من يبتغ اللحم المكروه فعليه بالوادي فذهبوا مبادرين فمن يأكل المكروه أخذ .
وأما القول بالحل ففي غاية الضعف . واحتجوا على ذلك بعموم قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إليّ ) الآية . والجواب أنها مكية وحديث التحريم بعد الهجرة . وأيضاً فقد قيل أن آية الأنعام خاصة ببهيمة الأنعام لأنه تقدم قبلها حكاية عن الجاهلية أنهم يحرمون أشياء من الأزواج الثمانية بآرائهم فنزلت الآية قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ) أي من المذكورات إلا الميتة منها والدم المسفوح وما أهل به لغير الله . ولا يرد كون لحم الخنزير ذكر معها لأنه قرنت به علة تحريمه وهو كونه رجساً . وحكى القرطبي عن قوم أن آية الأنعام المذكورة نزلت في حجة الوداع فتكون ناسخة . وردّ بأنها مكية كما صرّح به كثير من العلماء ويؤيده ما تقدم قبلها من الآيات في الرد على مشركي العرب في تحريمهم ما حرموه من الأنعام وتخصيصهم بعض ذلك لآلهتهم إلى غير ذلك مما سبق للرد عليهم وذلك كله قبل الهجرة إلى المدينة .
قوله كل ذي ناب من السباع ) أصل الناب السن الذي خلف الرباعية جمعه أنياب . قال ابن سينا : لا يجتمع في حيوان واحد ناب وقرن معا . واختلف القائلون بالتحريم في المراد بماله تاب فقيل إن ما يتوقى به ويصول على غيره ويصطاد ويعدو بطبعه غالباً كالأسد والفهد ، وأما ما لا يعدو كالضبع والثعلب فلا . وإلى هذه ذهب قوم منا ومن غيرنا . وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس بها ، وأما الثعلب فورد في تحريمه حديث خزيمة بن جزء عند الترمذي وابن ماجو ولكن سنده ضعيف . (1/197)
صفحة 197
وقوله وذي مخلب ) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح اللام بعدها موحدة هو للطير كالظفر لغيره لكنه أشد منه وأغلظ وأحد وهو له كالناب للسبع يصطاد به ويعدو ولهذا يسمى سباع الطير وذلك كالصقر والعقاب ونحوهما . والله أعلم .
--- (1/198)
صفحة 198
ما جاء في النهي عن لحوم الحمر الإنسية
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن علي بن أبي طالب قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الإنسية .
---------------------------------
قوله بلغني عن علي بن أبي طالب ) الحديث رواه أيضاً البخاري قال حدثنا عبدالله بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عبدالله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي ثم ذكره ) .
قوله نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. الخ ) اختلف العلماء في توجيه النهي عن ذلك فمنهم من حمله على التحريم ومنهم من حمله على الكراهة والتحريم أقوى لأدلة أخر ولأنه الأصل في النهي عند الإطلاق . (1/199)
صفحة 199
قوله عن متعة النساء ) وذلك أنها كانت حلالاً في الجاهلية وفي صدر الإسلام وهي أن يتزوج الرجل بالمرأة بكذا وكذا على شرط أيام معلومة فإذا تم الأجل أعطاها أجرها الذي فرض لها فإن أحب أن تزيده في الأيام قال لها أزيدك في الأجرة وتزيدينني في الأيام فإن شاءت المرأة فعلت ذلك ولا بد فيه من ولي وشاهدين كغيره من النكاح إلا أنهما لا يتوارثان وكذلك لا عدة ولا نفقة ولا سكنى ولا كسوة وأكثر القول انه منسوخ قيل نسخته آية الميراث وقيل نسخه هذا الحديث . وقيل أنها باقية لم تنسخ وهو قول الأقل من الناس وبه قال من أئمة المذهب الربيع وأبو صفرة عبدالملك بن صفرة ومحمد بن محبوب رضي الله عنهم ويوجد عن أبي صفرة : لو وجدت من يمتعني لاستمتعت . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لو أطاعني عمر في نكاح المتعة لم يجلد على الزنا إلا شقي . وفي وفيات الأعيان قال : وحدّث محمد بن منصور قال : كنا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة فقال يحي بن أكثم لي ولأبي العيناء أبكرا غداًً إليه فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا وإلا فاسكتا إلى أن أدخل . قال : فدخنا عليه وهو يستاك ويقول مغتاظاً متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد أبي بكر رضي الله عنه وأنا أنهى عنهما ومن أنت يا جعل حتى تنهى عما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه فأومأ أبو العيناء إلى محمد بن منصور وقال رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن . (1/200)
صفحة 200
فأمسكنا فجاء يحي بن أكثم فجلس وجلسنا فقال المأمون ليحيى : مالي أراك متغيراً ؟ فقال : هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام . قال : وما حدث فيه ؟ قال : النداء بتحليل الزنا . قال : الزنا ؟ قال : نعم المتعة زنا . قال : ومن أين قلت هذا ؟ قال : من كتاب الله عزوجل وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى قد أفلح المؤمنون ) إلى قوله والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين ؟ قال : لا . قال : فهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها ؟ قال : لا . قال : فقد صار متجاوز هذين من العادين ، وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبدالله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن علي بن أبي طالب قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان قد أمر بها . فالتفت إلينا المأمون فقال : المحفوظ من هذا حديث الزهري ؟ فقلنا : نعم يا أمير المؤمنين رواه جماعة منهم مالك . فقال : استغفر الله نادوا بتحريم المتعة فنادوا بها . كذا ذكره في الوفيات وهي مناظرة حسنة ولهذا نقلتها كما وجدتها وكان المأمون يميل إلى التشيع وإنما يدعونه بأمير المؤمنين جرياً على قاعدتهم في إثبات الإمارة بالقهر والغلبة . (1/201)
صفحة 201
وقوله وعن أكل لحوم الحمر الإنسية ) بكسر الهمزة وسكون النون منسوبة على الإنس ويقال فيه أنسية بفتحتين وهي التي تأنس الناس ولا تستوحش منهم ويقال لها الأهلية أيضاً كما في حديث العرباض بن سارية وعند أحمد والترمذي عن جابر قال : حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني يوم خيبر لحوم الحمر الإنسية ولحوم البغال وكل ذي ناب من السابع وكل ذي مخلب من الطير . وهذا نص في التحريم . وقال مالك : إن أحسن ما سمع في الخيل والبغال والحمير أنها لا تؤكل لأن الله تبارك وتعالى قال : والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ) وقال تبارك وتعالى في الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ) وقال تبارك وتعالى ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) . قال مالك : فذكر الله تعالى الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة وذكر الأنعام للركوب والأكل . وفي البخاري قال عمرو يعني ابن دينار قلت لجابر بن زيد يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحمر الأهلية ؟ فقال : قد كان يقول ذاك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس فقرأ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً ) وفي رواية ابن مردويه وصححه الحاكم من طريق محمد بن شريك عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذراً فبعث الله نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه فما احل فيه فهو حلال وما حرم فيه فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو وتلا هذا قل أجد ) إلى آخرها . (1/202)
صفحة 202
وتعقب بأن الاستدلال بهذا الحل إنما يتم فيما لم يأت فيه نص عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريمه وقد تواردت الاخبار بذلك والتنصيص على التحريم مقدم على عموم التحليل وعلى القياس ، وفي المغازي من البخاري عن ابن عباس أنه توقف في النهي عن الحمر هل كان لمعنى خاص أو للتأبيد ففيه عن الشعبي عنه أنه قال لا أدري أنهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنه كان حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم أو حرمها ألبته يوم خيبر . وفي المغازي من البخاري أيضاً من حديث ابن أبي أوفى إنما نهى عنها لأنها لم تخمس . وجاء في حديث سلمة الأمر بغسل الإناء من لحومها . قال القرطبي : وهذا حكم المتنجس فيستفاد منه تحريم أكلها . قال : وهو دال على تحريمها ليعنها لا لمعنى خارج .
قلت : بل يحتمل ما قيل أن الوصف خارجي وهو كونها تأكل العذرة فإن حكم الجلالة حكم نجس الذات حتى تنتقل إلى حال الطهارة بطول الحبس وأكل الطيب . والله أعلم .
--- (1/203)
صفحة 203
ما جاء في الانتفاع بجلد الميتة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة ميتة كانت قد أعطيتها مولاة ميمونة فقال : هلا انتفعتم بجلدها . قيل : يا رسول الله إنها ميتة . قال : إنما حرم أكلها ، وأيما إهاب دبغ فقد طهر
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينتفع بجلد الميتة إذا دبغ .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الأغنياء ويترك المساكين .
--------------------------------
قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحيهما وسائر الجماعة إلا ابن ماجة قال فيه عن ميمونة جعله من مسندها وليس فيه عندهم قوله وأيما إهاب دبغ فقد طهر ) لكن روى هذه الزيادة عن ابن عباس أحمد ومسلم وابن ماجة والترمذي وقال فيه حسن صحيح ورواها أيضاً غير من ذكرنا وجعلوها حديثاً مستقلا .
قوله بشاة ميتة ) بتشديد الياء وتخفف .
قوله كانت قد أعطيتها ) بالبناء للمفعول وفي رواية مالك كان قد أعطاها مولاة لميمونة والمعطي حينئذ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزاد في رواية يونس من الصدقة ) ولا يشكل عليه أن العبيد ليسوا أهلاً للصدقة أي الزكاة لأن المولاة اسم للعتيقة لا المملوكة .
قوله لمولاة لميمونة ) زاد مالك زوج النبي صلى الله عليه وسلم ) وهذه المولاة لم تسم . وقال ابن حجر : لم أعرف اسمها .
قوله هلا انتفعتم بجلدها ) وفي رواية مالك أفلا انتفعتم بجلدها) وفي رواية بإهابها ) وهو الجلد دبغ أو لم يدبغ . ولمسلم من طريق ابن عيينة هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ) . (1/204)
صفحة 204
قوله قيل يا رسول الله ) وفي رواية مالك فقالوا يا رسول الله إنها ميتة ) ، وفي البخاري قالوا ) . قال ابن حجر : لم أقف على تعيين القائل .
قوله إنما حرم أكلها ) بفتح الحاء وضم الراء وبضم الحاء وكسر الراء الثقيلة روايتان وفيه تخصيص الكتاب بالسنة لأن قوله تعالى حرمت عليكم الميتة ) شامل لجميع أجزائها في كل حال فخصه بالأكل .
قوله وأيما إهاب دبغ فقد طهر ) وقوله في حديث عائشة أمر رسول الله صلى اله عليه وسلّم أن ينتفع بجلد الميتة إذا دبغ ) كلا الحديثين لجواز الانتفاع بالدباغ فلا يصح الانتفاع به قبل ذلك خلافاً للزهري في تجويزه الانتفاع به مطلقاً دبغ أو لم يدبغ وظاهر العموم جواز الانتفاع بجلد مطلق الميتة إذا دبغ أي ميتة كانت واستثنى قوم وعليه الأكثر من أصحابنا جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما لنجاسة عينهما عندهم ، وأخذ بعض بعموم الحديث فلم يستثنوا شيئاً . وقصر قوم الجواز على المأكول لحمه لورود الحديث في الشاة وقواه بعض بأن الدباغ لا يزيد في التطهير على الذكاة وغير المأكول ولو ذكي لم يطهر بالذكاة فكذلك الدباغ . وأجيب بأن التمسك بعموم اللفظ أولى من اعتبار خصوص السبب وبأن الإذن بالانتفاع عام . ومنع قوم الانتفاع بالميتة بشيء دبغ الجلد أو لم يدبغ لحديث عبدالله بن غليم - بضم الغين ولام مصغر - قال أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب رواه أحمد والأربعة وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان وأعله بعضهم بالاضطراب . والجواب بعد تسليم صحته أنه يحمل على الانتفاع به قبل الدبغ فإن لفظ أهاب منطبق عليه وبعد البداغ يسمى أديماً وجلداً وسختياناً . والله أعلم .
قوله عن عائشة ) الحديث رواه أيضاً مالك وأبو داود والترمذي والنسائي . (1/205)
صفحة 205
قوله أمر رسول الله r أن ينتفع بجلد الميتة إذا دبغ ) وفي رواية مالك أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت ) والمعنى واحد والأمر للإباحة وفيه التقييد لجواز الانتفاع بالدباغ كما مر ، والله أعلم .
قوله شر الطعام ) الحديث تقدم شرحه في باب جامع الصدقة والطعام ، وروايته هنالك ويترك الفقراء ) مكان قوله ويترك المساكين ) وهما روايتان أيضاً عند قومنا ، والله أعلم .
--- (1/206)
صفحة 206
كتاب الحج
قوله الحج ) هو في اللغة القصد وقال الخليل كثرة القصد إلى معظم وفي الشرع القصد إلى البيت الحرام بأعمال مخصوصة وهو بفتح المهملة وبكسرها لغتان قيل أن الكسر لغة أهل نجد والفتح لغيرهم وقيل ) بالفتح الاسم وبالكسر المصدر وقيل بالعكس وهو الظاهر ووجوب الحج ) معلوم من الدين بالضرورة وهو أحد أركان الإسلام التي بني عليها وأجمعوا أنه لا يتكرر إلا لعارض كالنذر وتجديد الإسلام بعد الردة لمن حج في الإسلام الأول .
واختلف ) هل هو على الفور أو على التراخي وهو خلاف مشهور ثم اختلف ) في وقت ابتداء فرضه فقيل فرض قبل الهجرة وهو شاذ وقيل ) بعد الهجرة ثم اختلف في سنة فرضه فالجمهور من قومنا على أنها سنة ست وقيل سنة خمس وقيل سنة تسع وقيل سنة عشر وحج بالناس سنة ثمان وهي عام الفتح عتاب بن أسيد وحج بهم أبو بكر في سنة تسع من الهجرة وكانت حجته صلى الله عليه وسلم سنة عشر قال المحشي ) والمنصوص عليه عندنا أنه فرض عاو تسع وحج صلى الله عليه وسلم عام عشر قال وهو دليل من قال أنه على التراخي وقال غيره ) ليس يتحقق في تأخيره عليه الصلاة والسلام تعريض الفوات وهو الموجب للفور لأنه كان يعلم أنه يعيش حتى يحج ويعلم الناس مناسكهم تكميلا للتبليغ وقيل الأظهر أنه عليه الصلاة والسلام أخره عن سنة خمس أو ست لعدم فتح مكة وأما تأخيره عن سنة ثمان فلا جل النسيء وأما تأخيره عن سنة تسع فلكراهة الاختلاط بالمشركين الذين يطوفون بالبيت عراة والله أعلم
--- (1/207)
صفحة 207
في فرض الحج
قوله في فرض الحج ) أي في الأدلة الدالة على فرضه من السنة أما الكتاب فقد نطق بوجوبه في غير موضع من ذلك قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا )) وقوله وأتموا الحج والعمرة لله )) والإجماع على فرضه لمن استطاع معلوم بالضرورة
--- (1/208)
صفحة 208
ما جاء في من أدركته فريضة الحج وهو شيخ هرم )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل بن عباس ينظر إليها وتنظر إليه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر قالت يا رسول الله إن فريضة الله على العباد في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكنت قاضية عنه قالت نعم قال فداك ذاك )) (1/209)
صفحة 209
قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه أيضا الجماعة إلا قوله قال أرأيت لو كان على أبيك دين الخ فإنهم لم يذكروه في هذا الحديث وإنما ذكره البخاري عن ابن عباس في امرأة من جهينة سألت النبي عن حج نذرت به أمها فماتت قبل أن تحج ولأحمد والنسائي معناه من حديث عبدالله بن الزبير في رجل من خثعم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه وقد أدركه الإسلام وهو شيخ كبير ثم ذكر معنى حديث الباب ولاختلاف الرواية في ذلك اختلف العلماء هل المسئول عنه رجل أو امرأة والصحيح أنهما قضيتان روى كلتيهما المصنف رضي الله عنه وأن الخثعمية سألت عن أبيها وفي حديث أنس الآتي سؤال رجل عن أمه قوله كان الفضل بن العباس ) هو ابن عبد المطلب شقيق عبدالله بن عباس يكنى أبا عبد الله وقيل أبا محمد وهو أكبر ولد العباس وبه كان العباس يكنى وكذلك أم الفضل لبابة بنت الحارث غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم الفتح وحنينا وثبت معه حين انهزم الناس وشهد معه حجة الوداع وكان رديفه يومئذ وكان من أجمل الناس وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس عن أخيه الفضل بن عباس قال أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع إلى منى فلم نزل نلبي حتى رمى الجمرة وشهد الفضل غسل النبي صلى الله عليه وسلم وكان يصب الماء على علي بن أبي طالب وقتل ) يوم مرج الصفر وقيل يوم أجنادين وكلاهما سنة ثلاث عشرة في قول وقيل ) بل مات في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة بالشام وقيل بل استشهد يوم اليرموك سنة خمس عشرة. (1/210)
صفحة 210
ولم يترك ولدا إلا أم كلثوم تزوجها الحسن بن علي ثم فارقها فتزوجها أبو موسى الأشعري قوله رديف رسول الله ) أي على عجز دابته وذلك في حجة الوداع كما تقدم قوله من خثعم ) بفتح الخاء المعجمة والعين المهملة أبو قبيلة كبيرة من اليمن سموا به ويجوز منعه وصرفه قوله تستفتيه ) أي تطلب منه بيان الحكم في قضيتها المذكورة في الحديث قوله فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه ) وكان كل واحد منهما وضيئا جميلا قوله يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر ) وذلك أنه عليه الصلاة والسلام أخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها ووقع في رواية الطبري في حديث علي وكان الفضل غلاما جميلا فإذا جاءت الجارية من هذا الشق صرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه الفضل إلى الشق الآخر فإذا جاءت إلى الشق الآخر صرف وجهه عنه وقال في آخره رأيت غلاما حدثا وجارية حدثة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان قوله فريضة الله على العباد في الحج ) هذا هو موضع الاستدلال بالحديث في الباب فإنه صلى الله عليه وسلم أقرها على قولها هذا وفيه ) أن فرضه معلوم عندهم مستقر في أذهان صغارهم وكبارهم ورجالهم ونسائهم قوله أدركت أبي شيخا كبيرا ) . (1/211)
صفحة 211
وذلك بأن أسلم شيخا وله مال أو حصل له مال في هذا الحال أو نزل فرض الحج وهو شيخ هرم وفيه دليل على وجوب الحج على الزمن والشيخ العاجز عن الحج بنفسه وقيل ) إذا لم يسبق الوجوب حالة الشيخوخة بأن لم يملك ما يوصله إلا بعدها فلا يلزمه الحج لاشتراط الاستطاعة في الحج وليس للزمن استطاعة قوله أفأحج عنه ) أي أيجزيه إن حججت عنه قوله أرأيت ) بكسر التاء أي أخبريني ودين ) بفتح الدال هو حق العباد وقوله فقضيته ) بكسر التاء أي دفعته إلى صاحبه وقوله فداك ذاك ) أي فالحج مثل الدين وفي رواية عند الشيخين عن ابن عباس في الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نذر أخته بالحج وماتت قبل أن تحج فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لو كان عليها دين أكنت قاضيه قال نعم قال فاقض دين الله فهو أحق بالقضاء وفي الحديث ) قياس دين الله تعالى على دين العباد وقد استدل به الأصوليون على ثبوت القياس من السنة وهو واضح وفيه أيضا دليل على أنه يجزي حج الغير عن المكلف إذا كان به آفة لا يرجى برؤها مثل الهرم فإنه لا يرجى زواله أما إذا كان علة يرجى برؤها مثل المرض والجنون فلا يصح أن يحج عنه في حياته . (1/212)
صفحة 212
وقيل ) لا بد في صحة التحجيج عنه من وجود أمرين عدم ثباته على الراحلة والخشية من الضرر عليه من شده فمن لا يضره الشد كالذي يقدر على المحفة لا يجزيه حج الغير عنه لما سيأتي في حديث أنس من قول الرجل في أمه لا تستطيع أن أركبها على البعير وإن ربطتها خفت عليها أن تموت وكأن الربيع رضي الله عنه قد استنبط من هذا الحديث جوابه لإمام المسلمين بالمغرب عبدالوهاب بن عبدالرحمن رضي الله عنهما حين أراد الحج فمنعه علماء نفوسة خوفا عليه من بني العباس واستفتى في أمره الإمامين في الدين الربيع بن حبيب البصري ومحمد لبن عباد المصري فكان من جواب الربيع جواز إعطاء الأجرة لمن يحج عنه حيث كان مشغولا بأمر المسلمين والإسلام مع خوفه على نفسه من ملوك الشرق وكان من جواب ابن عباد سقوط فرض الحج بالكلية عمن كان بهذه الصفة والخلاف في هذه المسئلة فرع الخلاف في مسئلة من وجد المال بعد الهرم فأخذ الإمام بقول الربيع رضي الله عن الجميع واتفق ) القائلون بإجزاء الحج عن فريضة الغير بأنه لا يجزي إلا عن موت أو عدم قدرة من عجز ونحوه بخلاف النفل فإنه قيل بجواز النيابة عن الغير فيه مطلقا للتوسيع في النفل وقيل ) الحج عن فرض الغير لا يجزي أحدا وأن هذا الحكم يختص بصاحبة هذه القصة ورد ) بأن الاختصاص خلاف الأصل وقيل ) تختص النيابة بالولد لأن الواقعة وقعت في ذلك والجواب ) أنها واقعة حال لا تخصص الحكم ثم أنه وقع في رواية الشيخين عن ابن عباس نظير هذه القضية في رجل سأل عن أخته ثم أنه عليه الصلاة والسلام نبه عن العلة بقوله أرأيت لو كان على أبيك دين الخ فجعله كالدين والدين يصح أن يقضيه غير الولد بالاتفاق والله أعلم
--- (1/213)
صفحة 213
ما جاء في وجوب الحج على التراخي )
ومن طريقه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا بعد عشر حجج من هجرته ولا أنكر على من تخلف عن الحج من أمته ))
قوله ومن طريقه ) يعني ابن عباس بالسند المتقدم قوله لم يحج إلا بعد عشر حجج ) بكسر المهملة أي سنين يعني أنه صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد الهجرة إلا بعد عشر سنين منها وهي حجة الوداع وكانت في السنة العاشرة من الهجرة قال ابن سعد لم يحج غيرها منذ نتبا إلى أن توفاه الله وفي البخاري عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة وأنه حج بعدما هاجر حجة واحدة وهي حجة الوداع ولم يحج بعدها قال ابن اسحق وأخرى بمكة وقيل ) حج بمكة حجتين وقال ) ابن حزم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتمر قبل النبوءة وبعدها وقبل الهجرة وبعدها حججا وعمرا لا يعلمها إلا الله وكذا قال ابن أبي الفرج وقال السهيلي لا ينبغي أن يضاف إليه في الحقيقة إلا حجة الوداع وإن حج مع الناس إذا كان بمكة فلم يكن ذلك الحج على سنة الحج فقد ذكر أن أهل الجاهلية كانوا ينقلون الحج عن حساب الشهور الشمسية ويؤخرونه في كل سنة أحد عشر يوما وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يحج مقفله من تبوك وذلك إثر فتح مكة بيسير ثم ذكر أن بقايا المشركين يحجون ويطوفون بالبت عراة فأخر الحج حتى نبذ إلى الحج كل ذي عهد عهده. (1/214)
صفحة 214
وذلك في السنة التاسعة ثم حج في العاشرة بعد إمحاء رسوم الشرك والله أعلم قوله ولا أنكر على من تخلف ) الخ هذا منه رضي الله عنه استدلال على أن وجوب الحج على التراخي واستدلاله بوجهين أحدهما فعله صلى الله عليه وسلم في تأخير الحج إلى السنة العاشرة والثاني تقريره وهو عدم إنكاره على المؤرخين والقول بالتراخي هو مذهب الجمهور منا وبه قال الأوزاعي وأبو يوسف ومحمد والشافعي وقال قوم أنه على الفور وبه قال بعض أصحابنا وأبو حنيفة ومالك وأحمد وبعض أصحاب الشافعي وأجابوا ) عن الاستدلال المتقدم بأنه قد اختلف في الوقت الذي فرض فيه الحج ومن جملة الأقوال أنه فرض في سنة عشر فلا تأخير ولو سلم أنه فرض قبل العاشرة فتراخيه صلى الله عليه وسلم إنما كان لكراهة الاختلاط في الحج بأهل الشرك لأنهم كانوا يحجون ويطوفون بالبت عراة فلما طهر الله البت الحرام منهم حج صلى الله عليه وآله وسلم فتراخيه لعذر ومحل النزاع التراخي مع عدم العذر وحجة القائلين ) بالفور حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعجلوا إلى الحج يعني الفريضة فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له رواه أحمد وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل أو أحدهما عن الآخر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتعرض الحاجة )) رواه ابن ماجة وعن الحسن قال قال عمر بن الخطاب لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين رواه سعيد في سننه والله أعلم
--- (1/215)
صفحة 215
ما جاء أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ذات يوم فجلس فقال سلوني عما شئتم ولا يسألني أحد عن شيء إلا أخبرته به فقال الأقرع بن حابس يا رسول الله الحج علينا واجب في كل عام فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه فقال والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لم تفعلوا ولو لم تفعلوا لكفرتم ولكن إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم )) (1/216)
صفحة 216
قوله عن أنس بن مالك ) الحديث لأحمد والنسائي معناه من حديث ابن عباس ولهما أيضا ولمسلم من حديث أبي هريرة قوله صلى الظهر ذات يوم فجلس ) الظاهر أن هذا كان بعد افتراض الحج لسؤال الأقرع عن وجوبه كل عام وفي حديث أبي هريرة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل كل عام يا رسول الله فسكت الخ ونحوه في حديث ابن عباس ويجمع بينه وبين حديث الباب بأنه صلى الله عليه وسلم خطب الناس بعد صلاة الظهر بفرض الحج ثم جلس فقال سلوني عما شئتم الخ قال المحشي ) هذا الحديث هو سبب نزول قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسوءكم )) على ما ذكره بعضهم قوله فقال الأقرع بن حابس ) بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مع عطارد ابن حاجب بن زرارة والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم وغيرهم من أشراف تميم بعد فتح مكة وقد كان الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنينا وحضرا الطائف وكانا من المؤلفة قلوبهم والظاهر أن الأقرع كان يومئذ كافرا لأن إسلامه كان في قدومه مع وفد تميم بعد الفتح وشهد الأقرع مع خالد بن الوليد حرب أهل العراق وشهد معه فتح الأنبار وهو كان على مقدمة خالد بن الوليد واستعمله عبدالله بن عامر على جيش سيره إلى خراسان فأصيب بالجوزجان هو والجيش قوله الحج علينا واجب في كل عام ) قيل إنما سأل عن ذلك لأن الحج في تعارفهم هو القصد بعد القصد فكانت الصيغة موهمة للتكرار وقيل بل الأظهر إنه قاس الحج على سائر الأعمال من الصلاة والصوم وزكاة الأموال ولم يدر أن تكراره كل عام بالنسبة إلى جميع المكلفين من جملة المحال قوله لو قلت نعم لوجبت ) أي فريضة الحج واستدل به القائلون أن الإيجاب كان مفوضا إليه صلى الله عليه وسلم . (1/217)
صفحة 217
كما استدلوا بقوله تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة)) وفي المسئلة خلاف مبسوط في الأصول ورد ) بأن قوله لو قلت نعم أعم من أن يكون من تلقاء نفسه أو بوحي نازل أو برأي يراه إن جوزنا له الاجتهاد مع أن القول من تلقاء نفسه مجردا عن وحي جلي أو خفي مردود لقوله تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى )) وأما ) تحريم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل وألبانها فقد قيل لنذر نذره كان به عرق النساء فنذر أن شفي أن يحرم على نفسه أحب الطعام إليه وكان ذلك أحبه إليه فحرمه وقيل ) أشارت عليه الأطباء باجتنابه ففعل ذلك بإذن من الله فهو كتحريم الله ابتداء قوله ولو وجبت لم تفعلوا ) أي لم تؤدوها لعجزكم عن ذلك فإن الاستطاعة لا تحصل لجميع الناس في كل عام وفي حديث ابن عباس ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها قوله ولو لم تفعلوا لكفرتم ) وذلك لتركهم الفرض حينئذ وترك الفرض كفر نعمة وقد قال الله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين )). (1/218)
صفحة 218
ومعنى قوله ومن كفر أي بترك الحج بعد وجوبه عليه بالاستطاعة ففي الآية والحديث دليل على أن تارك الفرض يسمى كافرا قوله إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا ) أي فاتركوه كله فإن فاعل بعض المنهي عنه مرتكب لنهي الشرع ومن هنا قيل أن التوبة عن بعض المعاصي لا تصح لأنه لا يصح أن يكون مصرا تائبا في حال واحد قوله وإذا أمرتكم بشيء فاتوا ما استطعتم منه ) ولك لأن الاستطاعة شرط في تعلق الوجوب وتوجه الأمر قال تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )) وإذا استطاع بعض المأمور به دون بعض فعل ما استطاع وسقط عنه ما لم يستطع ولا يجوز ترك الكل لأن مالا يدرك كله لا يترك كله بل يفعل المقدور عليه لهذا الحديث قال الطيبي هذا من أجل قواعد الإسلام ومن جوامع الكلم قال ويندرج فيه مالا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها فإنه إذا عجز عن بعض أركانها وشروطها يأتي بالباقي منها والله أعلم
--- (1/219)
صفحة 219
ما جاء في حج الرجل عن أمه )
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أمي عجوز كبيرة لا تستطيع أن أركبها على البعير وإن ربطتها خفت عليها أن تموت أفأحج عنها قال نعم ))
قوله أتى رجل ) قيل اسمه حصين بن عوف الخثعمي والظاهر أن هذه القصة غير قصة الخثعمية لأن الخثعمية إنما سألت عن الحج عن أبيها والرجل إنما سأل عن أمه فهما قصتان واستظهر ابن حجر أن السائل رجل وكانت ابنته معه فسألت أيضا والمسئول عنه أبو الرجل وأمه جميعا وهذا منه ذهاب إلى إتحاد القصتين قال ووقع فيها السؤال من رجل عن أبيه واستظهر غيره أن هذه القصة غير قصة الخثعمية قال ومن جمع بينهما فقد أبعد وتكلف قال واسم الرجل السائل عن أبيه لقيط بن عامر وهو أبو رزين بفتح الراء وكسر الزاء العقيلي بالتصغير قوله قال نعم ) أي حج عنها قيل ويؤخذ منه أنه إذا تبرع أحد بالحج عن غيره لزمه الحج عن ذلك وإن كان لا يجب عليه الحج ووجهه أن الرجل لم يبين أن أمه مستطيعة للزاد والراحلة ولم يستفسر صلى الله عليه وسلم عن ذلك وهذا إن أريد به اللزوم بعد الدخول في الحج بالإحرام فمسلم وهو ظاهر الصواب لكن سياق الحديث لا يساعده وإن أريد به لزوم قبل ذلك فمردود بأنه ليس في الحديث إلا الإجزاء لا الوجوب فإن الوجوب لم يتعرض له وبأنه يجوز أن الرجل قد عرف وجوب الحج على أمه لأن شرط الاستطاعة معلوم عندهم والله أعلم
--- (1/220)
صفحة 220
في المواقيت في الإحرام )
قوله في المواقيت في الإحرام ) وفي حرم مكة والمدينة وفي بعض النسخ باب المواقيت ولم يذكر الإحرام والمواقيت جمع ميقات وهو الموضع المحدود للشروع في الإحرام وأصل التوقيت أن يجعل للشيء وقت مختص به ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضا
--- (1/221)
صفحة 221
ما جاء في بيان المواقيت
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة أن يهلوا من ذي الحنيفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرنا ولأهل اليمن يلملم ولأهل العراق ذات عرق ))
قوله وقت ) بتشديد القاف أي جعل ذلك الموضع ميقات الإحرام أي بين حد الإحرام وعين موضعه قوله أن يهلوا ) أي يرفعوا أصواتهم بالتلبية للإحرام قوله من ذي الحليفة ) بمهملة مضمومة تصغير حلفة وزان قصبة وهي نبت في الماء جمعها حلفاء وذو الحليفة على فرسخين من المدينة وعشر مراحل من مكة وهو ماء من مياه بني جشم وقد اشتهر الآن ببئر علي ولم يعرف مسمى هذا الاسم وما قيل أن عليا قاتل الجن في بئر فيها كذب لا أصل له وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خرب قوله ولأهل الشام الجحفة ) بضم الجيم وسكون الحاء موضع بين مكة والمدينة من الجانب الشامي يحاذي ذا الحليفة على خمسين فرسخا من مكة على ما ذكروا وكان اسمه مهيعة فاجحف السيل بأهلها فسميت جحفة يقال أجحف إذا ذهب به وسيل جحاف إذا جرف الأرض وذهب بها قال ابن الكلبي كان العماليق يسكنون بيثرب فوقع بينهم وبين بني عيل بفتح المهملة وكسر الموحدة وهم اخوة عاد حرب فأخرجهم من يثرب فنزلوا مهيعة فجاء سيل فاجتحفهم أي استأصلهم فسميت الجحفة واختصت الجحفة بالحمى فلا ينزلها أحد إلا حم وهي قرية قديمة وهي الآن خراب ولذا يحرمون الآن من رابغ قبلها بمرحلة لوجود الماء بها للإغتسال والجحفة ) ميقات لأهل الشام إن لم يمروا بالمدينة فإن مروا بها لزمهم الإحرام من ذي الحليفة قيل اجماعا. (1/222)
صفحة 222
وحكى بعضهم الترخيص عن أبي ثور والمالكية قالوا له التأخير إلى الجحفة وعن الحنفية يجوز للمدني أيضا تأخيره إلى الجحفة والمشهور عندنا أنه إذا مر بميقات لا يجاوزه إلا محرما والخلاف أيضا موجود في كتب المذهب قوله ولأهل نجد قرنا ) ويسمى أيضا قول المنارل وهو بسكون الراء وتحريكها خطأ جبل مدرو أملس كأنه بيضة مشرف على عرفات ونجد ) اسم لكل مكان مرتفع وسمي به عشرة مواضع والمراد منها هنا التي أعلاها تهامة واليمن وأسفلها الشام والعراق قوله ولأهل اليمن يلملم ) بياء قبل اللام الأولى ويقال ألملم بإبدال الياء همزة ويقال أيضا يرمرم بإبدال اللامين راء وقيل يقال أيضا رمرم بلا ياء وفي أكثر نسخ المسند لملم بلامين بعد كل واحدة منهما ميم ولم أجده في شيء من كتب اللغة وهي لغة مشهورة في لغتنا وبذلك ذكرها ابن النظر في قصيدة الحج من دبمائمه وهو أحفظ أهل زمانه بلغة العرب وقد ذكرها أهل اللغة في باب الميم من فصل اللام وكأنهم أشاروا بذلك إلى زيادة الياء وهو جبل بين جبال تهامة على ليلتين من مكة قوله ولأهل العراق ذات عرق ) بكسر العين موضع فيه عرق وهو الجبل الصغير على مرحلتين من مكة وكون ذات عرق ميقاتا لأهل العراق ثبت بهذا الحديث عند المصنف وبحديث جابر عند مسلم وأحمد وابن ماجة وبحديث عائشة عند أبي داود والنسائي وقيل ) كون ذات عرق ميقاتا ثبت باجتهاد عمر رضي الله عنه أي أسستا حينئذ إذ هما إسلاميتان أتوا عمر فقالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنا وإذا أردنا أن نأتي قرنا يشق علينا قال فانظروا حدودها من طريقكم فحد لهم ذات عرق وجمع ) بينهما بأن عمر رضي الله عنه لم يبلغه الخبر فاجتهد فيه فأصاب ووافق السنة فهو من عاداته في موافقاته ولا ينافي ذلك أن العراق لم يفتح إلا بعد وفاته عليه الصلاة والسلام لأنه علم أنه سيفتح فوقت لأهله ذلك كما وقت لأهل الشام الجحفة قبل فتحها وكان ) أبو سفيان رضي الله عنه يقول لو (1/223)
صفحة 223
أن وفدا قدموا من العراق حتى انتهوا إلى ذات عرق فلم يدروا من أين الإحرام فقال لهم إعرابي يبول على عقبيه لا ينبغي لأحد أن يجاوز هذا الحد إلى مكة إلا وهو محرم لزمهم ذلك وقد قامت عليهم الحجة وهذا منه رضي الله عنه بناء على أن ذات عرق من جملة المواقيت المنصوص عليها ويجوز تقديم الإحرام قبل الميقات .
قال أبو صفرة ) رحمه الله تعالى كنا نحرم من جدة في الصيف فلما جاء الشتاء شق ذلك بنا فصرنا نحرم من ذات عرق وذلك أنه كان رحمة الله عليه من أهل العراق وكلامه هذا يدل على أن جدة كانت أبعد من مكة من ذات عرق فهم يحرمون منها قبل الميقات فمن فهم من كلامه أن جدة ميقات مستقل فليس بسديد ثم أن أهل خراسان ونحوهم كأهل العراق ميقات الكل ذات عرق لأنهم يمرون عليها والمواقيت إنما وقتت لأهل تلك الجهة ولمن مر عليها من غيرهم كما في حديث ابن عباس عند الشيخين قال فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة فمن كان دونهن فمهله من أهله وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها وفي الترمذي وحسنه أنه صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق وهذا لا ينافي حديث الباب فإن عرقا جبل مشرف على العقيق فمن أحرم من العقيق فقد تقدم إحرامه على الميقات بقليل والإحرام منه أحوط ونظيره الجحفة ورابغ فإنه مقدم عليها كما مر والاحتياط في الإحرام من السابق وقرية ذات عرق ) خربت ومن ثم قيل يجب على العراقي أن يتحراها ويطلب آثارها القديمة ليحرم منها ومعنى وجوب ذلك أي لا يجاوزها غير محرم وإلا فيصح له أن يقد إحرامه عليها احتياطا ورأى ) سعيد بن جبير رجلا قصد ذات عرق ليحرم منها فأخذ بيده حتى خرج به من البيوت فقطع به الوادي حتى وافى به المقابر فقال هذه ذات عرق الأولى لا تلك والله أعلم
--- (1/224)
صفحة 224
ما جاء في حرم المدينة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال هذا جبل يحبنا ونحبه اللهم إن إبراهيم حرم مكة وأنا أحرم ما بين لا بتيها )) قال الربيع ) يعني ما بين حريتها ما )
قوله طلع له أحد ) أي ظهر له وذلك عند رجوعه من غزوة خيبر وقد أخرج البخاري الحديث مطولا وأحد ) بضمتين جبل مشهور بالمدينة على أقل من فرسخ سمي ذلك لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك وكان به الوقعة المشهورة في أوائل شوال سنه ثلاث من الهجرة قيل وفيه قبر هارون اخو موسى عليهما السلام وهو مذكر فينصرف وقيل يجوز التأنيث على معنى البقية فيمتنع صرفه وليس بالقوي قوله هذا جبل يحبنا ونحبه ) اختلف العلماء في معنى هذا الكلام على أقوال أحدها ) أنه على حذف مضاف والتقدير يحبنا أهله والمراد بهم الأنصار لأنهم جيرانه ثانيها ) أنه قال ذلك للمسرة بلسان الحال عند قدومه من السفر لقربه من أهله ولقياهم وذلك فعل من يحب لمن يحب ثالثها ) إن الحب من الجانبين على حقيقته والكلام على ظاهره لكون أحد من جبال الجنة لحديث أبي عبس بن جبر مرفوعا جبل أحد يحبنا ونحبه وهومن جبال الجنة أخرجه أحمد ولا مانع في جانب الجبال من أماكن الحب كما جاز التسبيح منها وقد خاطبه صلى الله عليه وسلم مخاطبة من يعقل فقل لما أضطرب اسكن أحد ورابعها ) أنه كان صلى الله عليه وسلم يحب الفال الحسن والاسم الحسن ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الاحدية حركات حروف الرفع وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه فتعلق الحب من صلى الله عليه وسلم به لفظا. (1/225)
صفحة 225
ومعنى مختص من بين الجبال بذلك والله أعلم والمختار ) عندي إبقاء الكلام على ظاهره كما رجحه جماعة وليس وضع الحب فيه محالا فقد سخر سبحانه وتعالى الجبال أن يسبحن مع داود بالعشي والإشراق ووضع الخشية في بعض الحجارة حتى هبط منها الماء وقد حن الجذع لفراقه صلى الله عليه وسلم حتى سمع الناس حنينه وسلم عليه الحجر والشجر فلا ينكر وضع حب الأنبياء في الجمادات وذلك إشارة إلى مزيد حبه وتعالى إياه حتى وضع حبه في الحجر مع فرط يبسه وقوة صلابته وأما حبه صلى الله عليه وسلم للجبل فلا بعد فيه إذ حب البقاع معهود عند الناس والله أعلم قوله إن إبراهيم حرم مكة ) أي بتحريمك إياها على لسانه فإن إبراهيم عليه السلام إنما حرمها بأمر الله لا باجتهاده لما جاء في بعض الروايات هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض والمعنى إن الله قضى يوم خلق السماوات والأرض إن إبراهيم سيحرم مكة أو المعنى إن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس وكان قبل ذلك عند الله حراما وأول من أظهره بعد الطوفان قوله وأنا أحرم ما بين لا بتيها ) يعني المدينة واللا بتان بتخفيف الموحدة تثنية لا به وهي الحرة وهي أرض ذات حجارة سود وقد اكتنف المدينة حرار أربع والمراد في الحديث الشرقية والغربية وأما القبلية والجنوبية فمتصلتان بها وقد ردها حسان إلى حرة واحدة في قوله : (1/226)
صفحة 226
ومعنى مأطورة أي معطوفة بجبلها لا ستدارة الجبال بها والجبال هي الحجارة السود وتحريمه صلى الله عليه وسلم ما بين لا بتيها إنما كان في حق الصيد وأما الشجر فبريدفي بريدفي دورها كلها وقد روى أبو داود من حديث عدي بن زيد قال حمى صلى الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريدا بريدا ولا يخبط شجره ولا يعق إلا ما يساق به الجمل ووقع في رواية الشيخين كما حرم إبراهيم مكة والتشبيه في الحرمة فقط لا الجزاء لأنه لم يكن في شريعة إبراهيم جزاء الصيد وإنما هو شيء ابتلى الله به هذه الأمة كما قال عز من قائل ليبلونكم الله بشيء من الصيد )) ولم يكن قبل ذلك الصحابة فهموا المراد في تحريم صيد المدينة فتلقوه بالجواب دون جزاء والأصل براءة الذمة فلا يجب فيها شيء إلا بيقين هذا قول أكثر العلماء وقالت ) فرقة من قومنا ومال إليه أبو محمد من أصحابنا في صيدها الجزاء لأنه حرم نبي كما أن مكة حرم نبي وهذا القياس غير كاف في إثبات المطلوب لأن أمر الجزاء شيء غير التحريم وقالت الحنفية ليس للمدينة حرم كمكة فلا يحم عنده صيدها ولا قطع شجرها قالوا لأن حل الاصطياد عرف بالنصوص القاطعة فلا يحرم إلا ببراهين ساطعة قالوا ومرويهم محتمل وهو لا يصلح حجة والجواب ) أن حل الصيد بالمعلومات محتمل للتخصيص وإن حديث الباب كاف لذلك لأن العموم يخصص بالآحاد ولا شك في صحة الخبر وتأويل التحريم بالاحترام بعيدا جدا والله أعلم .
--- (1/227)
صفحة 227
ما جاء في حرم مكة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة حرام حرمها الله لا تحل لقطتها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا اختلاء خلاها فقال عمه العباس ألا الأخر يا رسول الله فقال ألا الأذخر قال الربيع ) لا يعضد أي لا يقطع والخلا الكلا والأذخر نبت يصنع منه الحصر وتسقف منه البيوت ))
قوله مكة حرام ) أي محرمة محترمة لا يجوز لأحد إنهاك حرمتها إلى يوم القيامة وقوله حرمها الله ) تأكيد لهذا التحريم وأيمان إلى عدم النسخ ولا ينافيه قوله أن إبراهيم حرم مكة لأن إبراهيم عليه السلام مبلغ بأوامر ربه ومظهر لأحكامه فالحكم بتحريم على الحقيقة هو لله تعالى أظهره على لسان إبراهيم فهو يضاف مرة إلى فاعله الحقيقي ومرة إلى مبلغه قوله لا تحل لقطتها ) هذا وما بعده تفصيل للمحرم من مكة والمعنى أن لقطتها لا تحل لأخذها إلا إذا أخذها ليعر فيها لأهلها فيعطيهم إياها واستثناء المعرف جاء عند الشيخين في حديث ابن عباس وهو عند المصنف أيضا من بلاغ أبي عبيدة في آخر خطبته صلى الله عليه وسلم عام الفتح ومن هنا قيل ليس في لقطة الحرم إلا التعريف فلا يتملكها أحد ولا يتصدق بها وإنما اختصت بذلك عندهم لا مكان إيصالها إلى ربها لأنها إن كانت لمكي فظاهر وإن كانت لآفاقي فلا يخلو أفق غالبا من وارد إليها فإذا عرفها في كل عام سهل التوصيل إلى معرفة صاحبها وقال قوم ) هي كغيرها من البلاد وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف واحتجوا لذلك بظاهر الاستثناء من النفي وهو قوله في حديث ابن عباس عند الشيخين إلا من عرفها قالوا بقى الحل واستثنى المنشد فدل على أن الحل ثابت لمنشد لأن الاستثناء من النفي إثبات والظاهر الأول لأنه المتبادر المعنى الحديث. (1/228)
صفحة 228
وأيضا فلو أراد نفس المبالغة في التعريف لبينه ولم يسند التحريم لنفس اللقطة وبإسناده إليها يظهر إن أخذها حرام وإنها لا تحل إلا لصاحبها تعظيما لحرم الله تعالى فمن شق عليه تعريفها فاليعرض عنها ولا يتعرض لها بشيء قال أبو إسحاق قال قيس بن سليمان اللقطة في الحرم يستحب تركها إلا أن يعرف مالكها وذلك لحال إن الملتقط لا يقدر أن يعم الخلق في ذلك الموقف لتعريفها ولعله يعود إليها صاحبها من ساعته فلا يجدها والله أعلم قوله ولا يعضد شجرها ) وفي حديث ابن عباس عند الشيخين لا يعضد شوكه يعني الحرم والعضد القطع والمعنى إن قطع شجرها حرام ولم كان شوكا وهذه هي الفائدة في إطلاق الشوك على الشجر في حديث ابن عباس ولذلك قيل بتحريم قطع الشوك ولو حصل التأذي به وقيل بجواز قطع المؤذي منه ورد ) بأنه مخالف لإطلاق النص وقيل ) يشبه أن يكون المحظور منه الشوك الذي يرعاه الإبل دون الصلب الذي لا ترعاه فإنه يكون بمنزلة الحطب وقال القرطبي ) خص الفقهاء الشجر المنهي عن قطعه بما ينبته الله تعالى من غير صنع آدمي فأما ما نبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه والجمهور على الجواز قلت ) وقد حكى المحشي الإجماع على جواز قطع ما أنبته الناس ثم اختلفوا ) في جزاء ما قطع من النوع الأول فذهب أصحابنا وعليه الشافعي ثبوت الجزاء فيه فعن ابن عباس إنه قال في الدوحة وهي الشجرة الكبيرة بقرة وفي الجزلة وهي الشجرة الوسطى شاة وفي القضيب درهم وقيل ) في الدوحة جزور وفي العود درهم وفي القضيب الصغير نصف درهم وفي الورقة طعام مسكين وقال مالك ) لا جزاء فيه بل يأثم وقال عطاء ) يستغفر وقال أبو حنيفة ) يؤخذ بقيمته هدي وسبب الخلاف عدم النص في الجزاء فمن أوجبه قاس الشجر على الصيد بجامع التحريم والحرمة ومن لم يوجبه تعلل بعدم النص وبراءة الذمة في الأصل قوله ولا ينفر صيدها ) بضم أوله وتشديد الفاء المفتوحة قبل وهو كناية عن الاصطياد وقيل على ظاهره وهو الإزعاج عن موضعه (1/229)
صفحة 229
فإن نفره عصى سواء تلف أولا فإن تلف في نفارة قيل سكونه ضمن وإلا فلا .
قال العلماء ) يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى وقد جاء ) الكتاب العزيز بثبوت الجزاء في قتل الصيد قال تعالى ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة )) وألحق الجمهور بالعمد الخطأ وقالوا يلزمه الجزاء بالخطأ كالعمد وقيل إن الجزاء في الخطأ ثبت بالسنة وقال سعيد بن جبير لا أرى في الخطأ شيئا وهو رواية عن الحسن والقول به شاذو الآية إنما ذكرت العمد موافقة حال لأنها نزلت في العمد وأيضا ذكر العمد ليترتب عليه قوله وما عاد فينتقم الله منه ) فليس ذكره قيدا وقاس أبو محمد وجوب الجزاء في قتل الصيد خطأ على وجوب الدية والكفارة في قتل المؤمن خطأ حيث كان الكل خطأ في محرم إتلافه ولما لم يكن الخطأ في قتل المؤمن دافعا للديه والكفارة فكلك لا يدفع جزاء الصيد والله أعلم وقوله ولا يختلا خلاها ) أي لا يجز حشيشها والخلا بالمعجمة والقصر الرطب من النبات الواحدة خلاة مثل حصى وحصاة وقيل ) الخلا ما كان غضا من الكلأ وأما الحشيش فهو اليابس ويقال اختليت الخلاء اختلاء إذا قطعته ويقال أيضا خليته خليا من باب رمى مثله والفاعل مختل وخال واستدل ) بالنهي عن قطعه على تحريم رعيه لكونه أشد من الاحتشاش وقال الشافعي ) لا بأس بالرعي لمصلحة البهائم وهو عمل الناس خلاف الاحتشاش فإنه النهي عنه فلا يتعدى مالك إلى غيره وفي تخصيص ) التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس واختلائه وقيل لا بأس فيما أخرج من حطب الحرم اليابس الميت وفيما يسقط الشجر من الورق والثمر ومنه من رخص فيما يأكل الناس من شجر الحرم ومنه من رخص في السنا المكي أن يؤخذ للدواء بشرط ألا يقلعه ولا يقطع له أصلا وتعقب ) هذا كله بأن في استثناء الأذخر إشارة إلى تحريم ما ذكر إذ لو كان في غير الأذخر رخصة لاستثناه عليه الصلاة والسلام والحال أنه لم (1/230)
صفحة 230
يستثن إلا الأذخر فبقي ما عداه على التحريف والله أعلم قوله فقال عمه العباس ) أي عم النبي صلى الله عليه وسلم وهو العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبدمناف إلى آخر نسبه وأمه ) نتيلة بنت خباب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر وهو الضحيان بن سعد ابن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط وهي أول عربية كست البيت الحرير والديباج وأصناف الكسوة وسببه إن العباس ضاع وهو صغير فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت فوجدته ففعلت وكنيته ) أبو الفضل وكان صنو عبدالله والد النبي صلى الله عليه وسلم . (1/231)
صفحة 231
وكان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين وقيل بثلاث سنين وكان رئيسا في قريش وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والساقية للجاهلية أما الساقية فمعروفة وأما عمارة المسجد الحرام فإنه كان لا يدع أحد يسب في المسجد الحرام ولا يقول فيه هجرا ولا يستطيعون لذلك امتناعا لأن ملأ قريش كانوا قد اجتمعوا وتعاقدوا على ذلك فكانوا له أعوانا عليه وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة لما بايعه الأنصار ليشدد له العقد وكان حينئذ مشركا وكان ممن خرج مع المشركين يوم بدر وأسر يومئذ فيمن أسر وفدى نفسه وابني أخيه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وأسلم ) عقيل ذلك ثم هاجر وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة وانقطعت الهجرة وشهد حنينا وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انهزم الناس وقحط الناس في خلافة عمر فاستسقى به عمر فسقاهم الله فأخصبت الأرض وتوفي ) بالمدينة يوم الجمعة باثنتي عشر ليلة خلت من رجب وقيل بل من رمضان سنة اثنتين وثلاثين قبل قتل عثمان بسنتين وصلى عليه عثمان ودفن بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين سنة رضي الله عنه وأرضاه قوله إلا الأذخر ) بكسر الهمزة والخاء نبات معروف ذكي الريح وإذا جف ابيض وقال الربيع ) نبت يصنع منه الحصر وتسقف منه البيوت وزاد غيره له أصل مندفن وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب ويسدون به الخلل بين اللبنات في القبور ويستعملونه بدلا من الحلفاء في الوقود قوله فقال إلا الأذخر ) هذا جواب منه صلى الله عليه وسلم لعمه العباس إسعافا له بما طلب استثناءه لحاجة الناس إليه واختلفوا ) هل كان قوله صلى الله عليه وسلم إلا الأذخر باجتهاد أو وحي وقيل كأن الله تعالى فوض له الحكم في هذه المسألة مطلقا وقيل أوحى إليه قبل ذلك إنه من طلب أحد استثناء شيء من ذلك فأجب سؤاله واستدل ) به على جواز النسخ قبل الفعل وليس بواضح وعلى جواز الفصل بين المستثني (1/232)
صفحة 232
والمستثنى منه وأجيب ) بأن هذا الاستثناء في حكم المتصل لاحتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم أراد أن يقول إلا الأذخر فشغله العباس بكلامه فوصل كلامه بكلام نفسه قلت وينافيه ما سيأتي آخر خطبته صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فإنه ذكر فيها أنه صلى الله عليه وسلم سكت بعد كلام العباس قليلا والله أعلم.
--- (1/233)
صفحة 233
الإهلال للحج والتلبية
قوله الإهلال للحج والتلبية ) الإهلال رفع الصوت وأهل المحرم إذا رفع صوته بالتلبية وأهل المولود إهلالا إذا خرج صارخا والكل مأخوذ من رفع الصوت عند رؤية الهلال يقال أهلوا الهلال إذا رفعوا أصواتهم برؤيته ثم استعمل في رفع الصوت والمراد منه ها هنا رفع الصوت بالتلبية أو التكبير أو الذكر لأنه رحمه الله تعالى ذكر في الباب الأحاديث الدالة على الأنواع الثلاثة وأما التلبية ) فهي قول المحرم لبيك اللهم لبك إلى آخر الحديث وهي ركن لا يمكن الدخول في الإحرام إلا بها كتكبيرة الإحرام في الصلاة وهو قولنا ووافقنا على ذلك الثوري وأبو حنيفة وابن حبيب من المالكية وبعض الشافعية وأهل الظاهر.
وهو قول ابن عمر وعطاء وطاوس وعكرمة إلا أن أبا حنيفة قال يجزي مكانها ما في معناها من تسبيح وتهليل وسائر الأذكار كما قال ذلك في تكبيرة الإحرام وذهب ) مالك والشافعي وأحمد وآخرون إلى أنها سنة ليست بركن ولا شرط فيصح الحج بدونها عندهم وقيل أوجب مالك الدم ولم يوجبه الشافعي وقال بعض أصحابه هي واجبة تجبر بالدم ويصح الحج بدونها وهؤلاء يرون أن الذي لا يتم النسك بدونه نية الدخول في النسك لخبر إنما الأعمال بالنيات والجواب ) إن التلبية من الأعمال المتوقفة على النية فلا تكفي النية عن العمل ولا يدا الحديث على ذلك وإنما غاية ما فيه توقف العمل على النية لا إقامة النية مقام العمل والله أعلم
--- (1/234)
صفحة 234
ما جاء في تلبية النبي صلى الله عليه وسلم
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال إن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك قال نافع وكان ابن عمر يزيد فيها لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغبة والعمل ))
قوله إن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الحديث رواه مالك عن نافع عن عبدالله ابن عمر فذكره وفي رواية الشيخين من حديث ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبيا يقول لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لا يزيد على هؤلاء الكلمات قوله لبيك اللهم لبيك ) أي أببت يا رب بخدمتك البابا بعد الباب من ألب بالمكان أقام به أي أقمت على طاعته إقامة بعد إقامة وقيل ) أي أجبت دعائك إجابة بعد إجابة والمراد بالتثنية التكفير كقوله تعالى فارجع البصر كرتين )) أي كرة بعد كرة وحذف الزوائد للتخفيف وحذف النون للإضافة ثم إنه لا خلاف من التلبية جواب الدعاء وإنما الخلاف في الداعي من هو فقيل هو الله تعالى وقيل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل هو الخليل عليه الصلاة والسلام وهو الأظهر عند بعض واستصوب غيره إن خطاب الجواب لله تعالى فإنه الداعي أما حقيقته وأما حكما ثم على القول بأن المنادي إبراهيم عليه الصلاة والسلام قيل وقف على مقامه أو بالحجون أو على جبل أبي قبيس ولا مانع من وقوع الجميع وقيل لما فرغ إبراهيم عليه الصلاة والسلام من بناء البيت قيل له أذن في الناس بالحج قال ربي وما يبلغ صوتي قال أذن وعلي البلاغ قال فنادى إبراهيم يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت ) فسمعه من بين السماء والأرض أفلا ترون الناس يجيبون من أقصى الأرض يلبون وفي رواية عن ابن عباس أنهم أجابوه بالتلبية في أصلاب (1/235)
صفحة 235
الرجال وأرحام النساء وأول من أجابه أهل اليمن فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ قوله لبيك لا شريك لك لبيك ).
قيل التلبية الأولى المؤكدة للثانية لإثبات الألوهية وهذه بطرفيها لنفي الشركة الندية والمثلية في وجوب الذات والصفات الثبوتية ولهذا كررت أربعة قولن إن الحمد والنعمة لك والملك ) بكسر همزة إن في المختار رواية ودراية وقد روي بالفتح والمعنى ألبي لأنك مستحق للحمد هذا وجه الفتح وقال ثعلب الكسر أجود لأن معنى الفتح لبيك بهذا السبب ومعنى الكسر مطلق والملك ) بالنصب عطف على الحمد ولذا يستحب الوقف عند قوله والملك ويبتدأ بما بعده وجوز بعضهم الرفع على إنه مبتدأ محذوف الخبر والتقدير والملك كذلك قيل وإنما قرن الحمد والنعمة وأفرد الملك لأن الحمد متعلق النعمة ولهذا يقال الحمد لله على نعمة فجمع بينهما كأنه قال لا حمد إلا لك لأنه لا نعمة إلا لك وأما الملك فهو معنى مستقل بنفسه ذكر لتحقق أن النعمة كلها لله لأنه صاحب الملك قوله لا شريك ) لك أي في استحقاق الحمد وإيصال النعمة قال تعالى وما بكم من نعمة فمن الله )) وفي تقديم الحمد على النعمة إيماء إلى عموم معنى الحمد وإشارة إلى أنه بذاته يستحق الحمد سواء أنعم أو لم ينعم فله تعالى الحمد على كل حال قوله قال نافع ) وهو مولى ابن عمر يكنى أبا عبدالله المدني وهو أحد الأعلام في زمانه قال البخاري أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر وقال العجلي ) وابن خراش والنسائي هو ثقة توفي ) سنة عشرين ومائة قوله يزيد فيها ) الخ استحب العلماء الاقتصار على تلبية الرسول صلى الله عليه وسلم واختلفوا في جواز الزيادة عليها وكرامتها وبالكراهة قال مالك والشافعي في أحد قوليه لأنه صلى الله عليه وسلم علمهم التلبية ثم فعلها هو ولم يقل لبوا بما شئتم مما هو من جنس هذا بل علمهم ذلك كما علمهم التكبير في الصلاة فلا ينبغي أن يتعدى في ذلك شيئا مما (1/236)
صفحة 236
علمه وسمع سعد بن أبي وقاص رجلا يقول لبيك ذا المعارج فقال إنه لذو المعارج وهكذا كنا نلبي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأجازه ) آخرون بلا كراهة لفعل عمر وابنه والأحاديث جاءت من طريق ابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس فإن قيل )كيف زاد ابن عمر في التلبية ما ليس منها مع إنه كان شديد التحري لا تباع السنة وقد تقدمت روايته إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد على هذه الكلمات أي المذكوره أولا واجب ) بأنه رأى إن الزيادة على النص ليست نسخا وإن الشيء وحده كذلك هو مع غيره فزيادته لا تمنع من إتيانه لتلبيته صلى الله عليه وسلم أو فهم عدم القصر على أولئك الكلمات وإن الثواب يتضاعف بكثرة العمل واقتصار المصطفى بيان لأقل ما يكفي على إنه ليس في خلط السنة بغيرها بل لما أتى بما سمعه ضم إليه ذكرا آخر في معناه وباب الأذكار لا تحجير فيه إذا لم يؤد إلى تحريف ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم فإن الذكر خير موضوع والاستكثار منه حسن على إن أكثر هذا الذي زاده كان صلى الله عليه وسلم يقوله في دعائه وفي مسلم عن ابن عمر كان عمر يهل بإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الكلمات ويقول لبيك اللهم لبيك وسعديك إلى آخر ما زاده هنا قال الحافظ وأخرج ابن أبي شيبة عن المسور بم مخرمة قال كانت تلبية عمر فذكر مثل المرفوع وزاد لبيك مرغوبا ومر هو بااليك ذا النعماء والفضل الحسن قوله لبيك وسعديك ) في رواية الموطأ تكرير لبيك ثلاثا وبذلك يكون عدد المزيد أربعا كما في الأصل وسعديك ) إفرادها وتثنيتها كلبيك معناه ساعدت على طاعتك مساعدة بعد مساعدة وإسعادا بعد إسعاد أو ساعدت دينك كلك وهو من المصادر المنصوبة بفعل لا يظهر في الاستعمال قال الجرمي لم يسمع سعديك مفردا قوله والخير بيديك ). (1/237)
صفحة 237
أي كل الخير بقدرتك وكرمك وهذا من حسن التخاطب كقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام وإذا مرضت فهو يشفين ) وإلا فالأشياء كلها بيد الله خيرها وشرها ونفعها وضرها قوله لبيك والرغبة والعمل ) وفي رواية الموطأ والرغي إليك ومعناها الطلب والمسئلة إلى من بيده الأمر على حد قوله تعالى وإلى ربك فارغب )) وقوله والعمد إليك أي يقصد به وينتهي به إليك ويحتمل أن يقدر والعمل لك وعلى كل وجه فالرغبة والعمل مبتدآن حذف خبرهما عند المصنف وذكر خبر الأول دون الثاني في رواية الموطأ والله أعلم تنبيه ) رفع الصوت في التلبية استحبه الجمهور وأوجبه أهل الظاهر هذا في الرجل وأما المرأة فيجمع على أنها تسمع نفسها لأنها مأمورة بخفض الصوت والله أعلم
--- (1/238)
صفحة 238
ما جاءفي ما يقوله من أقبل من حج أو غزو أو عمرة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أقبل من حج أو غزو أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آئبون تائبون ساجدون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ))
قوله من حج أو غزو أو عمرة ) أي إذا فرغ منها وأقبل نحو وطنه كان يقول بهذه الأذكار المخصوصة في المواضع وظاهر الحديث اختصاص ذلك بهذه الأمور الثلاثة وجمله الجمهور على أنه واقعة حال لأن سفره صلى الله عليه وسلم منحصر في الثلاث فقالوا يشرع قول ذلك في كل سفر طاعة كصلة رحم وطلب علم بما يشمل الجميع من اسم الطاعة قيل ) يتعدى أيضا إلى السفر المباح لأن المسافر فيه لا ثواب له فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب وتعقب ) بأن الذي يخصه بسفر الطاعة لا يمنع من مسافر في مباح من الإكثار من ذكر الله وإنما النزاع في خصوص هذا الذكر في هذا الوقت المخصوص فذهب قوم إلى الاختصاص لكونها عبادات مخصوصة شرع لها ذكر مخصوص فتختص به كالذكر المأثور عقب الأذان وعقب الصلاة والشرف ) بفتح المعجمة والراء بعدها فاء المكان العالي من الأرض ووجه التكبير عند ذلك هو ندب الذكر عند تجدد الأحوال والتقلبات. (1/239)
صفحة 239
وكان صلى الله عليه وسلم يراعي ذلك في الزمان والمكان وقيل ) مناسبته أن الاستعلاء محبوب للنفس وفيه ظهور وغلبة فينبغي للمتلبس به أن يذكر عنده أنه الله أكبر من كل شيء ويكرر ذلك ويستمطر منه المزيد قوله لا إله إلا الله ) أي لا معبود بحق سواه وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات وأنه المعبود في جميع الأماكن قوله وحده ) حال مؤكدة بمعنى الجملة قبله ومعنى وحده أي منفردا وقوله لا شريك له ) أي ليس له شريك في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في ملكه بل الشريك مستحيل عقلا ونقلا وإلهكم إله واحد . (1/240)
صفحة 240
وقوله له الملك ) بضم الميم السلطان والقدرة وأصناف المخلوقات قوله وله الحمد ) أي الثناء الجميل المقرون بالتعظيم والتبجيل وفي تقديم الجار والمجرور على الملك وعلى الحمد إشارة إلى اختصاصه تعالى بذلك وقوله آيبون ) بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي نحن آيبون وهو جمع آئب بوزن راجع ومعناها راجعون إلى الله وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع من السفر فإنه تحصيل للحاصل بل الرجوع في حالة مخصوصة وهي تلبسهم بالعبادة المخصوصة والاتصاف بالصفات المذكورة وقوله تائبون ) أي راجعون عما هو مذموم شرعا إلى ما هو محمود شرعا وفيه ) إشارة إلى التقصير في العبادة وإن بذل المتكلف جهده وفيه تعليم للأمة كيف يقولون قوله ساجدون ) أي خاضعون منقادون وقوله عابدون ) أي موجهون للعبادة لربنا تعالى وقوله لربنا ) متعلق بعابدون أو بحامدون قدم عليه للاهتمام والمراعاة الفاصلة وفي رواية الموطأ تقديم عابدون على ساجدون وقوله حامدون ) أي دائمون على الثناء لربنا تعالى بالجميل لاستحقاقه ذلك فله الحمد كثيرا دائما مستمرا كما يحب ربنا ويرضى قوله صدق الله وعده ) أي فيما وعد به من إظهار دينه كقوله وعدكم الله مغانم كثيرة ) وقوله تعالى وعلى الله للذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض )) الآية وهذا في سفر الغزو وأما الحج والعمرة فالوعد في قوله تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين )) قوله ونصر عبده ) يعني نفسه صلى الله عليه وسلم . (1/241)
صفحة 241
من كان يظن أنه لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء )) الآية ألا تنصره فقد نصره الله ) قوله وهزم الأحزاب وحده أي من غير فعل أحد من الآدميين ولا سبب من جهتهم وهذا معنى الحقيقة فإن العبد وفعله خلق لربه والكل منه وإليه ولو شاء أن يبيد الكفار بلا قتال فعل وفيه التفويض إلى الله تعالى والمشهور ) أن الأحزاب هنا كفار قريش ومن وافقهم الذين تحزبوا أي تجمعوا في غزوة الخندق ونزل فيهم سورة الأحزاب وقيل ) المراد أحزاب الكفار في جميع الأيام والمواطن وتعقب ) بأن غزواته صلى الله عليه وسلم التي خرج فيها بنفسه محصورة والمطابق منها لذلك غزوة الخندق لظاهر قوله تعالى ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال)) وأصل الحزب ) القطعة المجتمعة من الناس فلام إما جنسية أي كل من تحزب من الكفار وأما عهدية والمراد من تقدم وهو الأقرب قلا القرطبي ) ويحتمل أن يكون هذا الخبر بمعنى الدعاء أي اللهم اهزم الأحزاب والأول أظهر وفي الحديث جواز السجع في الدعاء والكلام بلا تكلف وإنما ينهى عن المتكلف لأنه يشغل عن الإخلاص ويقدح في النية والله أعلم .
--- (1/242)
صفحة 242
ما جاء في الإهلال يوم التروية
أبو عبيدة عن جابر قال جاء رجل إلى عبدالله بن عمر فقال يا أبا عبدالرحمن لقد رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا يصنعها من أصحابك قال وما هن قال رايتك لا تمس من الأركان إلا اليماني ورأيتك تلبس النعال السبتية ورأيتك تصبغ بالصفرة ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهلل إلى يوم التروية قال له ابن عمر أما الأركان فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس إلا اليماني وأما النعال فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها وأما الهلال فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته قال الربيع النعال السبتية لا شعر لها )) .
--- (1/243)
صفحة 243
ما جاء في الإهلال يوم التروية من مكة
قوله عن جابر ) يعني ابن زيد أبي الشعثاء رضي الله عنه وهو المراد في مثل هذا الإطلاق قوله جاء رجل ) هو عبيد بن جريج المدني مولى تيم قوله يا أبا عبدالرحمن ) هي كنية عبدالله بن عمر قوله لم أر أحدا يصنعها من أصحابك ) قال المحشي يحتمل أن المراد لا يصنعها غيرك مجتمعة وإن كان يصنع بعضها قوله رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليماني ) أي لا تستلم شيئا من أركان البيت إلا اليماني فأجابه ابن عمر بأنه لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس إلا اليماني ولا ينافيه حديث سالم بن عبدالله عن أبيه قال لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين فإن المراد بالأركان في حديث الباب ما عدا الحجر فإن استلامه وتقبيله معلوم عندهم لا يتركه أحد وإنما السؤال عن غيره والمراد باليمانيين في حديث سالم ركن الحجر والذي يليه من جهة اليمن قيل وإنما اقتصر عليه الصلاة والسلام على استلام اليمانيين لأنهما باقيان على قواعد إبراهيم عليه السلام بخلاف الشاميين فإنهما تغيرا ببناء قريش حين لم تف نفقتهم بذلك فحطموا منها الحطيم. (1/244)
صفحة 244
وفي البخاري قال محمد بن بكر أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء أنه قال ومن يتقي شيئا من البيت وكان معاوية يستلم الأركان فقال له ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا يستلم هذان الركنان فقال ليس شيء من البيت مهجور وحدث الربيع رحمه الله بذلك عن معاوية فاستحسنه أبو عبيدة وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن قوله ورأيتك تلبس النعال السبتية ) بكسر السين واسكاب الباء الموحدة هي التي لا شعر فيها قالوا وهي مشتقة من السبت بفتح السين وهو الحلق والإزالة وقيل ) سميت بذلك لأنها انسبتت بالدباغ أي لانت يقال رطبت منسبتة أي لينه وقيل ) السبت كل جلد مدبوغ وقال أبو زيد السبت جلود البقر مدبوغة كانت أو غير مدبوغة وقيل ) هي نوع من الدباغ يقلع الشعر قيل والأصح أن يكون اشتقاقها وإضافتها إلى الجلد المدبوغ لأن السين مكسورة في نسبتها ولو كانت من السبت الذي هو الحلق كما قالوا لكانت النسبة سبتيه بفتح السين ولم يروها أحد في هذا الحديث فيما علمت إلا بالكسر قيل ) وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها غير مدبوغة وكانت المدبوغة تعمل بالطائف وغيره وإنما كان يلبسها أهل الرفاهية ولهذا استغرب الرجل لبس ابن عمر إياها فأجابه بأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها قوله ورأيتك تصبغ بالصفرة ) قيل المراد صبغ الشعر وهو الأظهر وقيل صبغ الثوب وهو الأشبه عند المازني وفي مسند أبي داود أن ابن عمر كان يصفر لحيته ويحتج لأن النبي صلى الله عليه وسلم يصفر لحيته بالورس والزعفران وقيل ) أن الخضاب بالأصفر محبوب لأنه سبحانه أشار إلى مدحه بقوله تسر الناظرين )) ونقل عن ابن عباس أن من طلب حاجة بنعل أصفر قضيت لأن حاجة بني إسرائيل قضيت بجلد أصفر وصبغه صلى الله عليه وسلم نادر جدا ولهذا استغربه الرجل من ابن عمر ولو كان الصبغ من عادته لما تركه أكثر أصحابه ولما تفرد باستعماله ابن عمر وقد روي من طرق صحيحة عن أنس بن مالك نفي الخضاب (1/245)
صفحة 245
وهو أعلم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان يلازمه للخدمة قال النووي ) والمختار أنه صلى الله عليه وسلم خضب في وقت لما دل عليه حديث ابن عمر في الصحيحين ولا يمكن تركه ولا تأويله وتركه في معظم الأوقات فأخبر كل بما رأى وهو صادق والله أعلم .
وقال غيره ) اختلف أهل العلم سلفا وخلفا هل الخضاب أحب أم تركه أولى فذهب جمع إلى الأول مستدلين بحديث أبي هريرة رفعه أن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم أخرجه الشيخان والنسائي وغيرهم وبحديث أبي أمامة قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال يا معشر الأنصار حمروا أو صفروا وخالفوا أهل الكتاب )) أخرجه أحمد بسند حسن ولهذا خضب الحسن والحسين وجمع كثير من كبراء الصحابة ومال ) كثير من العلماء أن ترك الخضاب أولى لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا من شاب شيبه فهي له نور إلا أن ينتفها أو يخضبها هكذا رواه الطبري لكن قال العسقلاني أخرجه الترمذي وحسنه ولم أر في شيء من طرقه الاستثناء المذكور وأخرج ) الترمذي وابن ماجة من حديث كعب بم مرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاب شيبه في الإسلام كان له نورا يوم القيامة )) وأخرجه الترمذي من حديث عمرو بن عبسة أيضا وقال صحيح وأخرج الطبراني ) من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره تغيير الشيء ولهذا لم يخضب علي وسلمة بن الأكوع وأبي بن كعب وجمع جم من كبار الصحابة وجمع الطبري ) بين الأخبار الدالة على الخضب والأخبار الدالة على خلافه بأن الأمر لم يكون شيبه مستبشعا فيستحب له الخضاب وما كان بخلافه فلا يستحب في حقه وهو جمع حسن ثم اختلف ) القائلون باستحباب الخضاب هل يجوز الخضاب بالسواد فذهب أكثرهم إلى كراهته وعند النووي أنها كراهة تحريم ومنهم من رخص فيه في الجهاد ولم يرخص في غيره واستحبوا الخضاب بالحمرة أو الصفرة لحديث جابر قال أتي بأبي قحافة إلى رسول الله صلى (1/246)
صفحة 246
الله عليه وسلم يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم غيروا هذا واجتنبوا السواد وزاد الطبري وابن أبي عاصم من وجه آخر عن جابر فذهبوا به وحمروه والثغامة ) بضم المثلثة وتخفيف المعجمة نبات شديد البياض زهرة وتمرة قوله ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذ رأوا الهلال ولم تهل إلا يوم التروية ) المراد بالهلال هلال ذي الحجة والمراد بيوم التروية اليوم الثامن منه سمي بذلك لأن الماء كان قليلا بمنى فكانوا يرتوون فيه من الماء وهذا السؤال يدل على أن ابن عمر قد تفرد بالهلال يوم التروية وأن الناس كانوا يهلون إذا رأوا الهلال قال مالك عن عبدالرحمن ابن القاسم عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال يا أهل مكة ما شأن الناس يأتون شعثا وأنتم مدهنون فأهلوا إذا رأيتم الهلال . (1/247)
صفحة 247
وروى مالك ) عن هشام بن عروة عن عبدالله ابن الزبير أقام بمكة تسع سنين يهل بالحج لهلال ذي الحجة وعروة بن الزبير معه يفعل ذلك ولا خلاف) في جواز الأمرين الإهلال برؤية الهلال وتأخيره إلى يوم التروية وإنما الخلاف في الأفضل من ذلك وبكل واحم من القولين قال جماعة من السلف روى مالك ) أن ابن عمر كان يهل لهلال ذي الحجة وروى عبدالرزاق عن نافع أهل ابن عمر مرة بالحج حين رأى الهلال ومرة أخرى بعد الهلال من جوف الكعبة ومرة أخرى حين راح إلى منى وروى ) أيضا عن مجاهد قلت لابن عمر أهللت فينا إهلالا مختلفا قال أما أول عام فاتخذت مأخذ أهل بلدي ثم نظرت فإذا أنا أدخل على أهلي حراما وأحرج حراما وليس كذلك كنا نفعل قلت فبأي شيء تأخذ قال نحرم يوم التروية قوله حتى تنبعث به راحلته ) أي تقوم به من مبركها والمعنى إنه إنما أهل يوم التروية لكونه لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته قال المازني أجابه ابن عمر بضرب من القياس حيث لم يتمكن من الاستدلال بنفس فعل النبي صلى الله عليه وسلم على المسئلة بعينها واستدل بما في معناه ووجه قياسه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أحرم عند الشروع في الحج والذهاب إليه فأخر ابن عمر الإحرام إلى حال شروعه في الحج وتوجه إليه وسئل عطاء ) عن المجاور يلبي بالحج فقال كان ابن عمر يلبي يوم التروية إذا صلى الظهر واستوى على راحلته وقال عبد الملك عن عطاء عن جابر رضي الله عنه قدمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأحللنا حتى يوم التروية وجعلنا مكة بظهر لبينا بالحج. (1/248)
صفحة 248
وقال أبو الزبير عن جابر أهللنا من البطحاء ذكر ذلك كله البخاري تنبيه ) يحرم من مكان مكة بالحج من جوفها إما من الأبطح أو من تحت الميزاب أو من مسجد الجن فمن حيث أحرم أجزاه إذا كان في جوفها وإن شاء أحرم من باب داره الذي نزله هذا في الحج وأما العمرة فلا بد للمكي أن يخرج للإحرام بها إلى الحل فإن شاء خرج إلى التنعيم وأحرم ثم دخل الحرم وطاف وسعى وأحل وعلى ذلك عمل الناس في زماننا وإن شاء خرج إلى الجعرانة فأحرم ولا بد أن يجمع في العمرة بين الحل والحرم كما يجمع بينهما في الحج فإن المحرم بالحج في مكة يخرج إلى الموقف بعرفات وبذلك يجتمع له الحل والحرم والله أعلم .
--- (1/249)
صفحة 249
ما جاء في التلبية والتكبير من منى إلى عرفة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال اصطحب محمد بن أبي بكر وأنس بن مالك إلى عرفات فقال محمد بن أبي بكر كيف تصنعون في مثل هذا اليوم وأنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يهل منا المهل فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه ))
قوله محمد بن أبي بكر ) ابن عوف الثقفي الحجازي وثقه النسائي قال ابن حجر وليس لمحمد المذكور في الصحيح عن أنس ولا غيره غير هذا الحديث الواحد وقد وافق أنيسا على روايته عبدالله بن عمر أخرجه مسلم قوله كيف تصنعون في مثل هذا اليوم ) أي من الذكر ولمسلم من طريق موسى بن عقبة عن محمد بن أبي بكر قلت لأنس غداة عرفه ما تقول في التلبية هذا اليوم قوله يهل) أي يلبي وقوله فلا ينكر عليه ) بضم أوله على البناء للمجهول وفي رواية موسى بن عقبة لا يعيب أحدنا على صاحبه والحديث يدل على جواز الأمرين لتقريره صلى الله عليه وسلم إياهم على ذلك وفي حديث ابن عمر من طريق عبدالله بن أبي سلمة عن عبيدالله بن عمر عن أبية غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مني إلى عرفات منا الملبي ومنا المكبر وفي رواية له قال يعنى عبدالله بن أبي سلمة فقلت له يعني لعبيدالله عجبا لكم كيف لم تسألوه ماذا رأيت رسول الله صلى عليه وسلم يصنع وأراد عبدالله بن أبي سلمة بذلك الوقوف على الأفضل والله أعلم.
--- (1/250)
صفحة 250
في غسل المحرم
قوله في غسل المحرم ) في حياته وبعد موته ولم يذكر رضي الله عنه سل للإهلال وهو مأمور به للمحدث وغير المحدث أما المحدث فلأن أسماء بنت عميس ولت محمد بن أبي بكر بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مرها فلتغتسل ثم لتهلل ذكره في باب ما تفعل الحائض في الحج ورواه مالك في الموطأ وفيه صحة إحرام النفساء ومثلها الحائض وأةل منها الجنب لأنهما شاركتاه في شمول اسم الحديث وزادتا عليه لسيلان الدم وقد يؤخذ منه الاغتسال للإحرام مطلقا لأن النفساء إذا أمرت به مع أنها غير قابلة للطهارة كالحائض فغيرها أولى وأما ) غير المحدث .
فقد روى مالك عن نافع أن عبدالله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم ولدخوله مكة ولوقوفه عشية عرفة وعند البخاري من رواية أيوب عن نافع حتى إذا جاء أي ابن عمر ذا طوى بات به حتى يصبح فإذا صلى الغداة اغتسل ويحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك والله أعلم
--- (1/251)
صفحة 251
ما جاء في غسل المحرم بعد موته
أبو عبيدة عن جابر ابن زيد عن ابن عباس قال يغسل المحرم بماء وسدر ومن طريقه أنه عليه السلام قال إذا مات المحرم غسل ولا يكفن إلا في ثوبيه الذي أحرم فيهما ولا يمس بطيب ولا يخمر رأسه ))
قوله في غسل المحرم بعد موته ) ويؤخذ منه جواز ذلك في حياته لمحافظة الشارع عليه الصلاة والسلام على أحكامه حيا وميتا لأنه يبعث ملبيا قوله يغسل ) بضم أوله مبنيا للمفعول قوله المحرم ) أي إذا مات وقوله بماء سدر ) وهو المدقوق من ورق السدر وذلك هو المأمور به في غسل الموتى من كان محرما أو غير محرم أما غير المحرم فظاهر وأما المحرم فلأن السدر ليس بطيب وهذا الأثر رواه الجماعة مرفوعا في الحديث الآتي ويجوز أيضا للمحرم الحي الاغتسال بالماء والسدر ورخص ) الربيع رحمه الله في الريحان العربي وقال أنه ليس من أمر الطيب وبه قال ابن عباس وأما الطيب فحرام على المحرم إجماعا واختلفوا في جوازه له عند الإحرام قبل الاغتسال والمذهب أنه مكروه وذكر عن ابن عباس أنه كره للرجل أن يمس الطيب قبل أن يحرم بيومين قوله ومن طريقه ) أي ابن عباس. (1/252)
صفحة 252
وقوله عنه يعني النبي صلى الله عليه وسلم والحديث رواه أيضا الجماعة ولفظه عندهم عن ابن عباس قال بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيا وقال في الفتح لم أقف في شيء من الطرق على تسمية المحرم المذكور قال وهم بعض المتأخرين فزعم أن اسمه واقد بن عبدالله وعزاه إلى ابن قتيبة في ترجمة عمر من كتاب المغازي قال وسبب الوهم أن ابن قتيبة لما ذكر ترجمة عمر ذكر أولاده ومنهم عبدالله بن عمر ثم ذكر أولاد عبدالله فذكر فيهم واقد ابن عبدالله بن عمر فقال وقع عن بعيره وهو محرم فهلك فظن هذا المتأخر أن لواقد بن عبدالله صحبة وأن صاحب القصة التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وليس كما ظن فإن واقد المذكور لا صحبة له فإن أمه صفية بنت أبي عبيد وإنما تزوجها أبوه في خلافة عمر وفي الصحابة واقد بن عبدالله آخر ولكنه مات في خلافة عمر كما ذكر ابن سعد قوله غسل ) أي بماء وسدر كما تقدم وهو فعل ماض مبني للمجهول والجملة إنشائية معنى لأنها في معنى الأمر قوله ولم يكفن إلا في ثوبيه الذين أحرم فيهما ) قال الطبري وإنما لم يزده ثوبا ثالثا تكرمة له كما في الشهيد حيث قال زملوهم بدمائهم ويؤخذ منه أن الوتر في الكفن ليس شرطا في الصحة وأن الكفن من رأس المال لأمره صلى الله عليه وسلم بتكفينه في ثوبيه ولم يستفسر هل عليه دين مستغرق أم لا ويدل ) أيضا على استحباب تكفين المحرم في ثياب الإحرام وإن إحرامه باق وأنه لا يكفن في المخيط وأن التكفين بالثياب الملبوسة جائز قوله ولا يمس بالطيب ) بالبناء للمفعول أي لا يمسه أحد بذلك لحرمة الطيب على المحرم في حياته فأمرنا بالمحافظة على ذلك بعد مماته كما أمرنا بتغسيل الميت الغسل الذي كان مأمورا به في حياته وقوله ولا يخمر (1/253)
صفحة 253
رأسه ) أي لا يغطى كما كان في حياته لا يغطيه لحال الإحرام وذلك لأن إحرام الرجل في رأسه.
قال البيهقي فيه دليل على أن غير المحرم يحنط كما يخمر رأسه وأن النهي وقع لأجل الإحرام خلافا لمن قال من المالكية وغيرهم أن الإحرام ينقطع بالموت فيصنع بالميت ما يصنع بالحي والخلاف في المذهب أيضا قالوا إن قصة هذا الرجل وقعة غير لا عوم لها وأجيب ) بأن الحديث ظاهر في أن العلة هي كونه في النسك وهي عامة في كل يوم الأصل إن كل ما ثبت لواحد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت لغيره حتى يثبت التخصيص واستدل ) بعضهم بهذا الحديث على أن إحرام الرجل في رأسه وهو مجمع عليه وأما الوجه ففيه خلاف سببه هل الوجه من الرأس أو لا وصحح في الإيضاح أنه من الرأس وذكر أن له أن يغطي أنفه من النتن إذا مر به ويغطي لحيته وذلك لحال الضرورة وفي الحديث أن من شرع في عمل طاعة ثم حال بينه وبين إتمامه الموت رجيء له أن يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل قيل ) ويدل على ترك النيابة في الحج لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا أن يكمل عن هذا المحرم أفعال الحج والله أعلم
--- (1/254)
صفحة 254
ما جاء في غسل المحرم رأسه
وعن ابن عباس أيضا قال اختلفت أنا والمسور بن مخرمة بالأبواء فقلت يغسل المحرم رأسه وقال هو لا يغسله قال ابن عباس فأرسلت رجلا اسمه عبدالله بن حنين إلى أبي أيوب الأنصاري فوجده الرجل يغتسل بين القرنين وهو يستتر بثوب فسلم عليه فقال له من هذا فقال الرجل أنا رسول ابن عباس إليك يسألك كيف يغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم قال الرجل فوضع يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه ثم قال لإنسان يصب عليه أصبب فصب على رأسه ثم حركه بيده فأقبل بهما وأدبر ثم قال هكذا رأيته يفعل صلوات الله عليه قال الربيع ) القرنان عمودان بالأبواء مملسان يكونان على سانية البئر )) (1/255)
صفحة 255
قوله وعن ابن عباس أيضا ) يعني بالسند المتقدم والحديث رواه الجماعة إلا الترمذي عن عبدالله بن حنين أن ابن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء فقال ابن عباس يغسل المحرم رأسه وقال المسور لا يغسل المحرم رأسه قال فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري فوجدته يغتسل بين القرنين إلى آخر الحديث وهو عند المصنف ثابت من طريق ابن عباس كما ترى قوله والمسور بن مخرمة ) المسور بكسر الميم وسكون السين وفتح الواو ومخرمة بفتح الميم وسكون الخاء وفتح الراء وهو المسور بن مخرمة بن نوفل ابن اهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري وكنيته أبو عبدالرحمن له صحبة وأمه عاتكة بنت عوف أخت عبدالرحمن بن عوف وقيل اسمها الشفاء ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين وكان فقيها من أهل العلم والدين ولم يزل مع خاله عبدالرحمن في أمر الشورى وكان هواه فيها مع علي وأقام بالمدينة إلى أن قتل عثمان ثم سار إلى مكة فلم يزل فيها حتى توفي معاوية وكره بيعة بزيد وأقام مع ابن الزبير بمكة حتى قدم الحصين بن نمير إلى مكة في جيش من الشام لقتال ابن الزبير بعد وقعة الحرة فقتل المسور أصحابه حجر منجنيق وهو يصلي في الحجر فقتله مستهل ربيع الأول من سنة أربع وستين وصلى عليه ابن الزبير وكان عمره اثنين وستين سنة قوله بالأبواء ) بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد جبل قرب مكة وعنده بلدة تنسب إليه قيل سمي بذلك لوبائه وهو على اللقب وإلا لقيل الأوباء وقيل ) لأن السيول تنبؤه أي تحله قوله فقلت يغسل المحرم رأسه وقال هو لا يغسله ) قال ابن المنذر أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة واختلفوا فيما عدا ذلك وروى مالك في الموطأ عن نافع أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم من الاحتلام وروي عن مالك أنه كره للمحرم أن يغطي رأسه في الماء والحديث يدل على جواز ذلك قال ابن عبد البر الظاهر أن ابن عباس كان عنده في ذلك نص من النبي صلى الله عليه وسلم أخذه عن أبي أيوب أو عن غيره (1/256)
صفحة 256
ولهذا قال عبدالله بن حنين لأبي أيوب يسألك كيف كان يغسل رأسه أولا على حسب ما وقع فيه اختلاف المسور وابن عباس قوله عبدالله بن حنين ) مولى ابن عباس مدني يروي عن أبي أيوب وعن مولاه ابن عباس وروى عنه ابنه إبراهيم وخالد بن معدان وابن المنكدر وثقه ابن حبان مات في أول خلافة يزيد بن مالك قوله بين القرنين ) أي قرني البئر وهما عمودان بالأبواء مملسان يكونان على سانية البئر قوله فطأطأه ) أي خفضه عن محاذاة رأسه قوله حتى بدا لي رأسه ) أي انكشف وظهر وإنما فعل ذلك ليريه كيف يصنع إذا غسله قوله لإنسان ) قال ابن حجر لم أقف على اسمه قوله هكذا رأيته يفعل صلوات الله عليه ) زاد في رواية للبخاري فرجعت إليهما فأخبرتهما فقال المسور لابن عباس لا أماريك أبدا أي لا أجادلك والحديث يدل على جواز الاغتسال للمحرم وتغطية الرأس باليد حال الغسل وفي الحديث فوائد ليس هذا موضع ذكرها والله أعلم
--- (1/257)
صفحة 257
الباب الخامس ما يتقي المحرم وما لا يتقي
قوله ما يتقي المحرم وما لا يتقي ) من اللباس وغيره والمحرم اسم فاعل من أحرم بمعنى دخل في الحرمة أي دخل نفسه وصيرها متلبسة بالسبب المقتضي للحرمة لأنه دخل في عبادة الحج أو العمرة أو هما معا فحرم عليه الأنواع السبعة لبس المخيط والطيب وده الرأس واللحية وإزالة الشعر والظفر والجماع ومقدماته والصيد والله أعلم
--- (1/258)
صفحة 258
ما جاء فيما يتقي المحرم من اللباس
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا السراويلات ولا البرانس ولا الأخفاف فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ولا يلبس المحرم شيئا من ثياب مسها الزعفران ولا الورس ))
قوله عن أبي سعيد الخدري ) الحديث رواه الجماعة من حديث ابن عمر قوله لا يلبس ) بالرفع على الخبر الذي في معنى النهي وروي بالجزم على النهي قال عياض أجمع المسلمون على أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المحرم وقال غيره ) وقد أجمعوا على أن هذا مختص بالرجل فلا يحق به المرأة قال ابن المنذر أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ذلك وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو الورس وعن ابن عمر ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين رواه أحمد والبخاري والنسائي والترمذي وصححه و الإنتقاب ) لبس غطاء للوجه فيه نقبان على العينين تنظر المرأة منهما والقفازين ) بضم القاف وتشديد الفاء وبعد الألف زاي ما تلبس المرأة في يديها فيغطي أصابعها وكفيها عند معاناة الشيء كغزل ونحوه وهو لليد كالخف للرجل وفي رواية عند أحمد وأبي داود عن ابن عمر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهي النساء في الإحرام عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب وزاد أبو داود ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب قوله ولا عمامة ). (1/259)
صفحة 259
سميت بذلك لأنها تعمر جميع الرأس والسراويلات ) جمع سروال فارسي معرب وفيه لغة بالنون مكان اللام وأخرى الشين المعجمة أيضا والبرانس ) جمع برنس بضم النون قلنسوة طويلة أو كل ثوب رأسه منه دراعة كان أوجبه والخفاف ) بكسر الخاء جمع خف قالوا فنبه بالقميص على كل ما في معناه وهو المخيط المعمول على قدر البدن وبالسراويل على المخيط المعمول على قدر عضو منه كالتبان والقفاز وغيرهما وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطي الرأس مخيطا أو غيره وبالخفاف على كل ما يستر الرجل من مداس وجورب وغيرهما قال الخطابي ) ذكر العمامة والبرنس معا ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر ومنه المكتل يحمله على رأسه قال ابن حجر إن أراد لبسه كالقبع صح ما قال وإلا فمجرد وضعه على رأسه على هيئة الحامل له لا يضر في مذهبه كالانغماس في الماء فإنه لا يسعى لابسا وكذا ستر الرأس باليد وذكر ) في الإيضاح أن الفقهاء قاسوا ما لم يذكر في هذا الحديث على ما ذكر مما هو في معناه وذلك أنه ذكر القميص فكذلك جميع الأطواق وذكر العمائم فكذلك تغطية الرأس والوجه بغير العمائم إلا أن يكون فوقه ظل لا يمسه فلا بأس وذكر السراويلات فكذلك لا يربط المحرم ولا يشد على رأسه ولا على جسده ولا يحترم ولا يزر عليه ثوبا ولا يعقد على نفسه عقدة ولا يتقلد سيفا ولا قوسا وإن كان خائفا فيمسكه ولا يتقلده وكذلك لا يتقلد بالتعاويذ والحروز قوله فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين ). (1/260)
صفحة 260
هذا تبيين لقوله ولا الإخفاف والكلام ملتئم متناسب لا يحتاج إلى تقدير شيء فإنه صلى الله عليه وسلم لما نهى عن الإخفاف احتاج إلى بيان الحالة التي يجوز فيها لبسها وهي الحالة التي عدم فيها النعلين فإنه حينئذ يجوز أن يلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين وهما العظمان النائتان عند مفصل الساق والقدم وهما في عرفنا الجوزان ومفهوم الحديث إن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين وهو قول الجمهور وأجازه الحنفية وبعض الشافعية قال ابن العربي إن صارا كالنعلين جاز وإلا فمتى سترا من ظاهر الرجل شيئا لم يجز إلا للفاقد وظاهر الحديث ) أنه لا فدية على من لبسها إذا لم يجد نعلين وقال الحنفية تجب كما إذا احتاج لحلق رأسه يحلق ويفتدي وتعقب ) بأنها لو وجبت لبينها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه وقت الحاجة وأيضا ) لو وجبت فدية لم يكن للقطع فائدة لأنها تجب إذا لبسها بلا قطع فإن لبسها مع وجود نعلين افتدى عندنا وعند مالك والليث وقال أبو يوسف لا فدية وعن الشافعي القولان وظاهره ) أيضا أن قطعهما شرط في جواز لبسهما خلافا للمشهور عن أحمد في إجازة لبسهما بلا قطع لإطلاق حديث ابن عباس وجابر في الصحيحين بلفظ ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين وفي رواية عن عمرو بن دينار أن أبا الشعثاء أخبره عن ابن عباس أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ويقول من لم يجد إزارا ووجد سراويل فليلبسها ومن لم يجد نعلين ووجد خفين فليلبسهما . (1/261)
صفحة 261
وتعقب ) بأن أحمد يوافق على حمل المطلق على المقيد فينبغي أن يقول به هنا فإن حمله عليه جيد لأن التقييد ورد بصيغة الأمر وذلك زيادة على الصور المطلقة فلو عمل بالمطلق ألغي الأمر قوله مسها الزعفران ولا الورس ) بفتح الواو وسكون الراء وسين مهملة نبت أصفر طيب الريح يصبغ به وقيل ) ليس الورس بطيب ولكنه نبه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملايمة الشم فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم وهو مجمع عليه فيما يقصد به الطيب وهذا الحكم شامل للنساء أيضا وقال العراقي ) نبه بالزعفران والورس على ما هو أطيب رائحة منهما كالمسك والعنبر ونحوهما وإذا حرم في الثوب ففي البدن أولى وفي معناه تحريم أكله في الطعام لأن الناس يقصدون تطييب طعامهم كما يقصدون تطييب لباسهم وقيل لا يحرم لأن الوارد اللبس والتطيب والأكل لا يعد تطيبا والخلاف فيما يقصد للتطيب به أما الفواكه كالأترج والتفاح وأزهار البر كالشيح والقيصوم ونحوهما فليس بحرام لأنه لا يقصد للتطيب والحكمة ) في منع المحرم من اللباس والطيب أنه يدعوا إلى الجماع ولأنه مناف للحج فإن الحاج أشعث أغبر والقصد أن يبعد عن الترفه وزينة الدنيا وملاذها ويجتمع همه لمقاصد الآخرة والاتصاف بصفة الخاشع وليتذكر القدوم على ربه فيكون أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب المحظورات وليتذكر به الموت ولبس الأكفان ويتذكر البعث يوم القيامة حفاة عراة وليتفاءل بتجرده عن ذنوبه والله أعلم
--- (1/262)
صفحة 262
ما جاء في بيان الدواب التي يجوز للمحرم قتلها
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس من الدواب ليس على الحرم في قتلهن جناح الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور ))
قوله عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ) الحديث عند الجماعة إلا الترمذي من رواية ابن عمر وحديث عائشة عند الشيخين وأحمد لفظه قالت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحل والحرم الحديث قال عياض سموا فواسق لخروجهم عن السلامة منهم إلى الأضرار والأذى فخرجت بالأذى عن حبسها من الحيوان وقيل ) لخروجها عن الانتفاع بها وقيل ) بتحريم أكلها كما قال تعالى وإنه لفسق )) عند ذكر المحرمات وقالت عائشة من يأكل الغراب فقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقا وقال الفراء ) سميت الفأرة بذلك لخروجها عن جحرها واغتيالها أموال الناس بالفساد وأصل الفسق الخروج وقال ) ابن العربي أمر بالقتل وعلل بالفسق فيتعدى الحكم إلى كل ما وجدت فيه العلة ونبه بالخمسة على خمسة أنواع من الفسق فنبه بالغراب على ما يجانسه من سباع الطير . (1/263)
صفحة 263
وكذا في الحدأة ويزيد الغراب بحل سفرة المسافر ونقب جرابه وبالحية على كل ما يلسع والعقرب كذلك والحية تلسع وتفترس والعقرب تلدغ ولا تفترس وبالفأرة على ما يجانسها من هوام المنزل المؤذية وبالكلب العقور على كل مفترس قال ومعنى فسقهن خروجهن عن حد الكف إلى الأذية قوله خمس من الدواب ) ليس لها العدد مفهوم فلا ينحصر الحكم في الخمس لثبوت الزيادة عليها في أحاديث أخر فقد جاء الأمر بقتل الحية في حديث ابن مسعود عند مسلم وعنده أيضا في حديث ابن عمر وزاد أبو داود من حديث أبي سعيد السبع العادي وزاد ابن خزينه وابن المنذر من حديث أبي هريرة الذئب والنمر فصارت تسعة ولقد صدق من قال ذكر الخمس لينبه بها على خمسة أنواع من الفسق الخ فهي أصول لأجناس المضار وما ذكر من الحية والسبع والذئب والنمر تفصيل لبعض أجناسها قال في القواعد ) ولم ير هؤلاء قتل الصغار من السباع لأنها لا تعدو ولا قتل ما لا يعدو من كبارها مثل الضبع والثعلب والهر وقال قوم ) كل محرم الأكل فهو في معنى الخمس ويجوز ) قتل صغار الحيات والعقارب قيل ويقتل صغار الغربان والمذهب ) يقتضي أن لا تقتل إلا الكبار المؤذية ثم اختلفوا ) فقيل يقتلهن إذا خافهن وقال آخرون لم يرد ذكر الخوف يعني أن الأمر بقتلها ورد مطلقا والتقييد بالخوف محتاج إلى دليل قال المحشي ) ولعل الخلاف في غير الحية والعقرب وأما هما فيقتلان مطلقا قوله جناح ) بضم الجيم أي إثم وقوله الغراب ) بضم الغين معروف وإنما أبيح قتله لأنه مختلس وينقر ظهر البعير وينزع عينيه زاد في رواية سعيد بن المسيب عن عائشة عند مسلم إلا بقع وهو الذي في ظهره أو في بطنه بياض وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث ورجح الأكثر الإطلاق لأن رواياته أصح وفي الأثر ولا يرمي الغراب إلا أن يريد خرق وعائه أو يجرح ظهر راحلته فإنه يرميه وإن قتله فلا شيء عليه وعن علي ) ومجاهد لا يقتل الغراب ولكن يرميه وعند أبي داود والترمذي وقال حسن وابن (1/264)
صفحة 264
ماجه عن أبي سعيد مرفوعا ويرمي الغراب ولا يقتله وقال الخطابي ) يشبه أن يكون المراد به الغراب الصغير الذي يأكل الحب وإن قتل ) الغراب من غير عله فقيل عليه الفداء وقيل لا شيء عليه وهو الموافق لظاهر الحديث ومال إليه صاحب الإيضاح قوله والحدأة ) بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين مهموزة وجمعها حدأ بكسر الحاء والقصر والهمز كعنب وعنبة وهي أخس الطير قوله والفأرة ) بهمزة ساكنة ويجوز تسهيلها ولم يختلف 188 ) العلماء في جواز قتلها للمحرم إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي إنه قال فيها جزاء إذا قتلها المحرم أخرجه ابن المنذر وقال هذا خلاف السنة وخلاف قول جميع أهل العلم. (1/265)
صفحة 265
وحكي عنه غيره لا يجوز للمحرم قتل الفأرة قال الخطابي هذا مخالف للنص خارج عن أقاويل العلماء قوله والعقرب ) واحدة العقارب لها ثمانية أرجل وعيناها في ظهرها تلدغ وتألم إيلاما شديدا وربما ماتت بلسعتها الأفعى وتقتل الفيل والبعير بلسعتها ولا تضرب النائم ولا الميت حتى يتحرك شيء من بدنه فتضربه وتأوي إلى الخنافس وتسالمها قوله والكلب العقور ) فعول بمعنى فاعل فهو مبالغة في عاقر بمعنى جارح قال مالك هو كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب وهو قول الجمهور وقال الأوزاعي وأبو حنيفة والحسن بن صالح المراد بالكلب المعروف خاصة وألحقوا به الذئب ودليل الجمهور قوله في حديث أبي سعيد والسبع العالي فكل ما كان هذا نعتا له من أسد ونمر ونحوهما ثبت له هذا الحكم ودعاؤه صلى الله عليه وسلم على عتيبة بن أبي لهب قال اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فعدا عليه الأسد فقتله قال الباجي ) لا خلاف أنه لا يجوز قتل سباع الطير غير ما في الحديث ابتداء ومن قتلها فعليه الفدية فإن ابتدأت بالضرر فلا جزاء على قاتلها قلت ) وفي جواز قتل ما ذكر للمحرم دليل على جواز قتاله من بغى عليه وتعدى وفي تهيء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه للمدافعة وهم محرمون بالعمرة عام الحديبية دليل على ذلك وفي جواز ) قتلها في الحرم دليل على جواز قتل من وجب عليه قتل القصاص أو رجم بزنا أو محاربة أو غير ذلك في الحرم أو خارجه ثم لجأ صاحبه إلى الحرم وبه قالت طائفة من أهل العم وقال قوم ) ما ارتكبه من ذلك في الحرم يقام عليه فيه وما فعله خارجه ثم لجأ إليه إن كان إتلاف نفس لم يقم عليه في الحرم بل يضيق عليه ولا يكلم ولا يجالس ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج منه فيقام عليه خارجه وما كان دون النفس يقام عليه وروي عن ابن عباس وعطاء والشعبي والحكم نحوه لكنهم لم يفرقوا بين النفس وما دونها والله أعلم
--- (1/266)
صفحة 266
ما جاء في دخول مكة بغير إحرام وفي قتل الجاني فيها
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاءه رجل فقال له يا رسول الله ابن خطل متعلق بأستار الكعبة قال اقتلوه قال جابر وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ غير محرم ))
قوله عام الفتح ) أي فتح مكة وذلك في رمضان سنة ثمان من الهجرة والمغفر ) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء ثم راء ما يجعل من فضل درع الحديد على الرأس مثل القلنسوة وقيل ما غطى الرأس من السلاح كالبيضة وشبهها من حديد كان أو غيره ولمسلم وأحمد وأصحاب السنن عن جابر دخل صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام ورواه ابن عبد البر من طريق نالك عن أبي الزبير عن جابر وقال إنه غريب عن مالك قالوا ولا معارضة بينه وبين حديث أنس لا مكان أن المغفر فوق العمامة وهي تحته وقاية لرأسه من صدأ الحديد أو كانت العمامة السوداء ملفوفة فوق المغفر إشارة للسودد وثبات دينه وإنه لا يغير وقيل ) يحتمل أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر ثم أزاله ولبس العمامة بعد ذلك فحكى كل من أنس وجابر ما رآه وعلى كل حال ). (1/267)
صفحة 267
فقد صح دخوله صلى الله عليه وسلم مغطيا رأسه وهو مخالف لحالة الإحرام وقد صرحوا بأنه لم يكن يومئذ محرما وأيضا فلم يرو أحد أنه تحلل يومئذ من إحرامه وذلك دليل على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد حجا ولا عمرة وقد اختلف الفقهاء في ذلك قال أبو سعيد جاء ت السنة فيما قيل أن من دخل مكة يريد حجا أو عمرة فعليه الإحرام والوداع قال ولا أعلم في ذلك اختلافا قال واختلف فيما سوى ذلك ثم ذكر الخلاف مفصلا ونقل غيره عن علي بن أبي طالب لا يدخل أحد مكة إلا محرما وقال ابن عباس لا يدخل أحد مكة بغير إحرام إلا العلافين والحطابين وأصحاب منافعها وعن ابن عباس أيضا قال لولا أن يشق علي السعي بين الصفا والمروة ما دخلت من حل إلى حرم إلا بإحرام وهذا منه يدل على أن قوله الأول على جهة الاستحباب وكان عطاء يرخص للحطابين من أهل مكة أن يدخلوها بغير إحرام وقيل ) إن كان منزله دون الميقات دخل مكة بغير إحرام وقيل ) إن كان قد أحرم في سنته فلا إحرام عليه ولو تكرر دخوله في تلك السنة وعليه في السنة القابلة الإحرام إن دخل ومنهم ) من يرخص لمن لم يرد حجا ولا عمرة أن يدخلها بغير إحرام ولو جاء من وراء المواقيت وهذا هو الموافق للحديث ولعل المشددين يرون فعله صلى الله عليه وسلم خاصا به لأنها قد أحلت له ساعة من النهار ولا يحل لأحد بعده وكان الربيع رحمه الله من المشددين حتى قال على من دخلها بغير إحرام دم يهريقه إلا الحطابين والبقالين وعليهم أن يطوفوا قبل أن يخرجوا من مكة وأنت خبير بأن العمرة لا يجب تكرارها إجماعا فلو قلنا بوجوب الإحرام على كل من دخل مكة لوجب القول بوجوب تكرارها مرارا عديدة ولم يقل بذلك أحد وإنما اختلفوا في وجوبها مرة واحدة فقط وبهذا يظهر لك أن الأمر بالإحرام لمن لم يرد أحد النسكين إنما هو على غير الوجوب فلا معنى لإلزامه الدم والله أعلم. (1/268)
صفحة 268
قوله جاءه رجل )قيل هو أبو برزة وقيل سعيد بن حريث قوله ابن خطل ) بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة ولأم أسمه عبد العزى فلما أسلم سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبدالله ومن قال اسمه هلال فقد التبس عليه بأخ له يسمى بذلك وهو احد من أهدر صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح وقال لا أؤمنهم في حل ولا حرم وذلك لأنه اسلم فبعثه صلى الله عليه وسلم مصدقا وبعث معه رجلا من الأنصار وكان معه مولى مسلم يخدمه فنزل منزلا فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع له طعاما ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فقتله ثم ارتد ولحق بمكة واتخذ قينتين تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم ولما كان يوم الفتح خرج إلى الخندمة ليقاتل على فرس وبيده قناة فلما رأى خيل الله والقتال دخله رعب حتى ما يستمسك من الرعدة فرجع حتى انتهى إلى الكعبة فنزل من فرسه فطرح سلاحه ودخل تحت أستارها فأخذ رجل من بني كعب سلاحه وفرسه فاستوى عليه وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلوه قوله اقتلوه ) زاد الوليد بن مسلم عن مالك فقتل أخرجه ابن عائذ وصححه ابن حبان واخرج عمرو ) بن سبة في كتاب مكة عن السائب بن يزيد قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استخرج من تحت أستار الكعبة ابن خطل فضربت عنقه صبرا بين زمزم ومقام إبراهيم وقال لا يقتل قرشي بعد هذا صبرا واختلف ) في قاتله فقيل سعيد بن حريث وقيل عمار بن ياسر وقيل سعيد بن أبي وقاص وقيل سعيد بن زيد وقيل أبو برزة الأسلمي وهو الأصح وتحمل بقية الروايات المخالفة على أنهم ابتدروا قتله فكان المباشر منه أبا برزة وجزم ابن هشام في تهذيب السيرة بأن سعيد بن حريث وأبا برزة اشتركا في قتله . (1/269)
صفحة 269
والحديث ) يدل على جواز قتل الجاني في الحرم وأن البيت لا يعيذه قيل ) لبعض العلماء فلو تعلق بالكعبة أخرج منها وأقيم عليه الحد قال نعم والحديث يشهد له وقيل ) يقام عليه ما دون القتل فإنه يخرج من الحرم ثم يقتل وقيل ) يضيق عليه المقام في الحرم فلا يبايع ولا يشاري ولا يجالس حتى يضطر إلى الخروج فإذا خرج أخذ فقتل والخلاف عند أهل المذهب وغيره وهؤلاء تأولوا الحديث بأنه كان في الساعة التي أبيح له القتل بها وأجيب ) بأنه إنما أبيحت له ساعة من الدخول حتى استولى عليها وقتل ابن خطل بعد ذلك وتعقب ) بأن الساعة ما بين أول النهار ودخول وقت العصر كما في مسند أحمد وقتل ابن خطل كان قبل ذلك قطعا لقوله فلما نزع المغفر وذلك عند استقراره بمكة قوله قال جابر ) هو ابن زيد رضي الله عنه قوله وقد بلغني ) بلاغه رضوان الله عليه صحيح كما تقدم قوله يومئذ ) أي يوم فتح مكة وقوله غير محرم ) أي لا بحجة ولا بعمرة وفي الموطأ قال مالك ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ محرما والله أعلم وروى مسلم من حديث جابر دخل صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن طاوس قال لم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة إلا محرما إلا يوم فتح مكة والله أعلم
--- (1/270)
صفحة 270
الباب السادس في الكعبة والمسجد والصفا والمروة
قوله في الكعبة والمسجد والصفا والمروة أما الكعبة فإنه ذكر فيها أحاديث منها في الصلاة فيها ومنها في بنائها ومنها في الطواف بها ومنها خبر احتراقها لست ليال خلون من ربيع الأول سنة أربع وستين وأن ذلك هو سبب خوض الناس في القدر ومنه نشأ اختلافهم فيه وأما المسجد ).
فالمراد به ما أحاط بالكعبة وقد ذكره في حديث جابر بن عبدالله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرج من المسجد الخ وأما الصفا والمروة ) فقد ذكرهما للسعي بينهما في حديث جابر وعروة بن الزبير
--- (1/271)
صفحة 271
ما جاء في الصلاة في البيت
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن ابن عمر قال سألت بلالا يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة كيف صنع وما فعل قال جعل عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه والبيت يومئذ على ستة أعمدة ثم صلى وجعل بينه وبين الجدار نحوا من ثلاثة أذرع قال الربيع )قال أبو عبيدة من صلى داخلها أو على ظهرها فلا قبلة له )) (1/272)
صفحة 272
قوله بلغني عن ابن عمر ) الحديث رواه أيضا مالك عن نافع بن عبدالله بن عمرو ورواه البخاري عن عبدالله بن يوسف ومسلم عن يحيى كلاهما عن مالك بالسند المتقدم وتابع مالكا جماعة عن نافع في الصحيحين وغيرهما وأول الحديث عندهم عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة وبلال بن رباح وعثمان بن طلحة الحجي فأغلقها عليه ومكث فيها قال عبدالله فسألت بلالا حين خرج ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الخ قوله يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة ) وذلك عام الفتح كما سيأتي قيل ) وفيه استحباب دخول الكعبة في العمرة مرة كما دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدخلها وهو محرم لأنه صلى الله عليه وسلم إنما دخلها وهو حلال قيل وإن دخلها مرارا فلا بأس وقيل ) ليس في دخولها فضل لحديث عائشة عند الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندي وهو قرير العين طيب النفس ثم رجع إلي وهو حزين فقلت له فقال إني دخلت الكعبة وودت أني لم أكن فعلت إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي وذلك أنه لو كان فيه فضل ما ندم على فعله وقد غلا بعض قومنا حتى عد دخولها من المناسك وليس شيء قال ابن المنذر وقد روينا عن ابن عباس أن دخول البيت ليس من نسككم قوله كيف صنع وما فعل ) أي كيف صنع في دخوله منذ احتجب عنا وأي شيء فعل هناك فهو سؤال عن شيئين أجابه عن الأول بقوله جعل عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه. (1/273)
صفحة 273
وأجابه عن الثاني بقوله ثم صلى وجعل بينه وبين الجدار نحوا من ثلاثة أذرع قوله جعل عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه ) وفي نسخة جعل عمودا عن يساره وعمودا عن يمينه بإفراد عمود فيهما وهما روايتان عند قومنا واستشكل ) الإفراد في الموضعين مع قوله وكان البيت الخ لأنه يشعر بأن ما عن يمينه أو يساره اثنان وجمع ) بأنه حيث ثنى أشار إلى ما كان عليه البيت في زمنه صلى الله عليه وسلم وحيث أفرد أشار إلى ما صار إليه بعد ذلك ويرشد إيه قوله وكان البيت يومئذ لأنه يشعر بأنه تغير عن هيئته الأولى وقيل ) لفظ عمود جنس يحتمل الواحد والاثنين فهو مجمل بينته رواية التثنية وقيل ) يجوز أن هناك ثلاثة أعمدة مصطفة وصلى إلى جنب الأوسط فمن قال جعل عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره لم يعتبر الذي صلى إلى جنبه ومن قال عمودين اعتبره وفيه بعد وقيل ) فيه باحتمالات أخر لا نطيل بذكرها وفيه ) جواز الصلاة بين السواري لكن روى الحاكم بإسناد صحيح عن أنس نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بين السواري وروى ابن ماجة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونطرد عنها طردا فدل فعله صلى الله عليه وسلم على أن النهي للكراهة قوله والبيت يومئذ على ستة أعمدة ) وذلك قبل أن ينهدم ويبنى زمن الزبير وأما الآن ففي البخاري عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا دخل الكعبة مشى قبل الوجه حتى يدخل ويجعل الباب قبل الظهر يمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبا من ثلاثة أذرع فيصلي يتوخى المكان الذي أخبره بلال أنه صلى الله عليه وسلم صلى فيه وقوله ثم صلى ) أي ركعتين كما سيأتي في بلاغ أبي عبيدة. (1/274)
صفحة 274
ورواه الشيخان عن مجاهد عن ابن عمر وأحمد وغيره عن عثمان بن طلحة والبزار عن أبي هريرة والطبراني عن بدالرحمن بن صفوان وشيبة بن عثمان وفيه جواز الصلاة في الكعبة وهو ظاهر في النفل لأنه الواقع من النبي صلى الله عليه وسلم ويمنع الفرض للأمر باستقبالها خص منه النفل بالسنة فلا يقاس عليه الفرض لأنه قد ثبت من التوسع في النفل ما لم يثبت في الفرض كالصلاة على الراحلة في الاختيار وصلاته قاعدا من غير ضرورة وقيد قوم النفل بغير الرواتب وما يطلب فيه الجميع وأجاز ) جمهور قومنا فيها الفرض والنفل أما النفل فبالسنة وأما الفرض فبالقياس عليه قال الربيع ) قال أبو عبيدة من صلى داخلها أو على ظهرها فلا قبلة له وعن ابن عباس لا تصح الصلاة فيها مطلقا وعلله بلزوم استدبار بعضها وقد أمر باستقبالها فيحمل على استقبال جميعها وقال أبو سفيان ) رأى أبو الشعثاء رجلا من الحجبة يصلي فوق الكعبة فقال من المصلي لا قبلة له وكان ابن عباس في ناحية المسجد فسمع قوله أو أخبر به فقال إن كان جابر في شيء من البلد فهذا القول منه ولعل ابن عباس ومن بعده رأوا أن فعله صلى الله عليه وسلم خاص به فلا يتعداه إلى غيره أو أنهم حملوا الصلاة على الدعاء ويؤيده ما رواه عمرو بن شبة بسند صحيح عن حماد ابن أبي حمزة قلت لابن عباس كيف أصلي بالكعبة قال كما تصلي على الجنازة تسبح وتكبر ولا تسجد ثم عند أركان البيت سبح وكبر وتضرع واستغفر ولا تركع ولا تسجد ويرده ) ما سيأتي أنه صلى الله عليه وسلم صلى فيها ركعتين والله أعلم
--- (1/275)
صفحة 275
ما جاء في بناء الكعبة
أبو عبيدة قال بلغني عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم تري قومك حين بنوا البيت اقتصروا عن قواعد إبراهيم عليه السلام فقالت يا رسول الله ألا تردها إلى قواعد إبراهيم قال لولا حدثان قومك بالكفر ))
وقد اختلف في أول من بناها فحكى الطبري أن الله وضعها أولا لا ببناء أحد وللأزرقي عن علي بن الحسين أن الملائكة بنتها قبل آدم ولعبدالرزاق عن عطاء أول من بني البيت آدم وعن وهب بن منبه أول من بناها شيت بن آدم وقيل ) أول من بناها إبراهيم وتعقب )بأنه وردت آثار تدل على تقدم بنائه قبل إبراهيم عليه السلام وأنه رفع يوم الطوفان وإن الأنبياء كانوا يحجون بعد ذلك ولا يعلمون مكانه حتى بوأه الله لإبراهيم فبناه على أساس آدم وجعل طوله في السماء سبعة أذرع بذراعه وذرعه في الأرض ثلاثين ذراعا بذراعهم وادخل الحجر في البيت ولم يجعل له سقفا وجعل له بابا وحفر له بئرا عند بابه ويلقى فيها ما يهدى للبيت وروى ) ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهما عن علي أن بناء إبراهيم لبث ما شاء الله أن يلبث ثم إنهدم فبنته العمالقة ثم إنهدم فبنته جرهم ثم بناه قصي ابن كلاب ثم قريش فجعلوا ارتفاعها ثمانية عشر ذراعا وفي رواية عشرين ولعل راويها جبر الكسر ونقصوا من طولها ومن عرضها أذرعا أدخلوها في الحجر لضيق النفقة بهم ثم لما حوصر ابن الزبير من جهة يزيد بن معاوية تضعضعت من الرمي بالمنجنيق فهدمها في خلافته وبناها على قواعد إبراهيم فأعاد طولها على ما هو عليه الآن وأدخل من الحجر تلك الأذرع وجعل لها بابا آخر فلما قتل ابن الزبير شاور الحجاج عبدالملك بن مروان في نقض بناء ابن الزبير فكتب إليه أما ما زاده في طولها فأقره وأما ما زاده في الحجر فرده إلى بنائه وسد الباب الذي فتحه ففعل كما في مسلم عن عطاء وذكر (1/276)
صفحة 276
الفاكهي أن عبدالملك ندم على إذنه للحجاج في هدمها ولعن الحجاج وبقى بناء الحجاج إلى الآن .
ونقل ) ابن عبد البر وغيره أن الرشيد أو أباه المهدي أوجده المنصور أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير فناشده مالك وقال أخشى أن تصير ملعبة للملوك فترك وهذا المعنى بعينه هو الذي خافه عبدالله بن العباس حين أشار إلى ابن الزبير لما أراد هدمها وتجديد بنائها بأن يرمي ما وهي منها ولا يتعرض لها بزيادة ولا نقص وقال لا آمن من يجيء بعدك فيغير الذي صنعت قوله بلغني عن عائشة ) الحديث رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن سالم ابن عبدالله أن عبدالله بن محمد بن أبي بكر الصديق اخبر عبدالله ابن عمر عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألم تري قومك الحديث ورواه الشيخان من طرق كلها عن مالك بهذا السند وله طرق أخر في الصحيحين وغيرهما قوله ألم تري ) بحذف النون أي ألم تعرفي أن قومك الخ وفيه ) تحدث الرجل مع أهله في الأمور العامة قال بعضهم وفيه علم من أعلام النبوءة فإنه صلى الله عليه وسلم أعلم عائشة بذلك وكان الذي تولى نقضها وبناءها ابن أختها عبدالله بن الزبير ولم ينقل عنه أنه قال ذلك لغيرها من الرجال والنساء قوله قومك ) أي قريشا قوله حين بنوا البيت ) أي الكعبة وذلك قبل المبعث بخمس سنين وفي حديث أبي الطفيل عند عبدالرزاق والطبراني والحاكم قال كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالوضم ليس فيها مدر وكانت قدر ما تفتحها العناق وكانت ثيابها توضع عليها تسدل سدلا وكانت ذات ركنين هكذا ) فأقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانوا قريبا من جدة انكسرت فخرجت قريش ليأخذوا خشبها فوجدوا الرومي الذي فيها نجارا فقدموا به وبالخشب ليبنوا به البيت فكلما أرادوا هدمه بدت لهم حية فاتحة فاها فبعث الله طيرا أعظم من النسر فغرز مخالبه فيها فألقاها نحوا من جياد فهدمت قريش الكعبة وبنوها بحجارة الوادي فرفعوها في السماء عشرين ذراعا فبينما النبي صلى (1/277)
صفحة 277
الله عليه وسلم يحمل الحجارة من جياد وعليه نمرة فضاقت عليه فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته من صغرها فنودي يا محمد خمر عورتك فلم ير عريانا بعد ذلك وكان بين ذلك وبين المبعث خمس سنين وعند ابن راهوية عن علي.
فلما أرادوا رفع الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا يحكم بيننا أول من يخرج من هذه السكة فكان النبي صلى الله عليه وسلم أول من خرج فحكم أن يجعلوه في ثوب ثم يرفعوه من كل قبيلة رجل وللطيالسي قالوا نحكم أول من يدخل من باب بني شيبة فكان النبي صلى الله عليه وسلم أول من دخل منه فأخبروه فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب فرفعوه ثم أخذه فوضعه بيده صلى الله عليه وسلم قوله إقتصروا على قواعد إبراهيم ) جمع قاعدة وهي الأساس وفي الصحيحين عن عائشة فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجدار من البيت هو قال نعم قلت فما لهم لم يدخلوه في البيت قال إن قومك قصرت عليهم النفقة قلت فما شأن بابه مرتفعا قال فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا قوله لولا حدثان ) بكسر الحاء وسكون الدال المهملتين وفتح المثلثة فألف فنون بمعنى الحدوث أي قرب عهدهم بالكفر وجواب لولا محذوف تقديره لفعلت كما صرحت به رواية مالك وفي رواية للشيخين لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت البيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا فبلغت فيه أساس إبراهيم وزاد مالك في الموطأ فقال عبدالله بن عمر لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين الذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم وفي الحديث ) ترك ما هو صواب خوف وقوع مفسدة أشد واستئلاف الناس إلى الإيمان واجتناب ولي الأمر ما يتسارع الناس إلى إنكاره وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا وتألف قلوبهم مما لا يترك فيه أمر واجب (1/278)
صفحة 278
كمساعدتهم على ترك الزكاة وشبه ذلك وفيه تقديم الأهم فالأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة وأنهما إذا تعارضا بدىء بدفع المفسدة والله أعلم .
--- (1/279)
صفحة 279
ما جاء في دخوله صلى الله عليه وسلم الكعبة عام الفتح
أبو عبيدة قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة عام الفتح فصلى فيها ركعتين ))
قوله دخل الكعبة عام الفتح ) أي فتح مكة وذلك في رمضان في السنة الثامنة من الهجرة وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أقبل يوم الفتح من أعلى مكة وهو مردف أسامة على القصواء ومعه بلال وعثمان بن طلحة حتى أناخ في المسجد وفي رواية عند البيت وقال لعثمان آتنا بالمفتاح فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه فقال والله لتعطينه أو لأخرجن هذا السيف من صلبي فلم رأت ذلك أعطته فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح الباب وروى الفاكهي من طريق ضعيعة. (1/280)
صفحة 280
عن ابن عمر قال كان بنو أبي طلحة يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم فأخذ صلى الله عليه وسلم المفتاح ففتحها بيده ودخل هو وأسامة بن زيد وبلال بن رباح وعثمان بن طلحة الحجي فأغلقها عليه ومكث فيها زمانا طويلا وفي رواية أيوب عن نافع فمكث فيها ساعة وروى ) الأزرقي عن سفيان عن غير واحد من أهل العلم أنه صلى الله عليه وسلم إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح ثم حج ولم يدخلها وقال النووي لا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة يوم الفتح لا في حجة الوداع وتعقب ) بما رواه أبو داود والترمذي وصححه هو وابن خزيمة والحاكم عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم خرج من عندها وهو قرير العين ثم رجع وهو كئيب فقال دخلت الكعبة وأخاف أن أكون شققت على أمتي فإن ظاهره أن ذلك في حجة الوداع لأن عائشة لم تكن معه في الفتح ولا في عمرته وبه جزم البيهقي قد دخلها صلى الله عليه وسلم مرتين وأجيب ) بأنه يحتمل أنه قال لها ذلك بالمدينة بعد رجوعه من الفتح فليس في السياق ما يمنع ذلك وتعقب ) بأنه احتمال بعيد والظاهر يخالفه والله أعلم قوله فصلى فيها ركعتين ) تقدم شرحه في الصلاة في البيت .
--- (1/281)
صفحة 281
ما جاء في أنه لا يطوف بالبيت عريان
أبو عبيدة قال : سئل علي بن أبي طالب : بأي شيء بعثك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر في حجة عام تسع ؟ فقال : أربع خصال : أن لا يطوف بالبيت عريان ولا تدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم بعد عامهم هذا ، ومن كان له عند النبي صلى الله عليه وسلم عهد فإلى عهده ومن لم يكن له عهد فإلى أربعة أشهر .
--------------------------------------------
قوله سئل علي بن أبي طالب ) لم يسم هذا السائل .
قوله بعثك ) أي أرسلك . (1/282)
صفحة 282
وقوله في حجة عام تسع ) أي من الهجرة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر أميراً على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم ونزلت بعد بعثه أياه سورة براءة في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينهم وبينه أن لا يصد عن البيت أحد جاءه ولا يخاف أحد في الشهر الحرام وكان ذلك عهداً عاماً بينه وبين أهل الشرك وكان بين ذلك عهود خصائص بينه وبين قبائل العرب إلى آجال مسماة فنزلت فيه وفيمن تخلف من المنافقين عن تبوك وفي قول من قال منهم فكشف الله سرائر قوم كانوا يستخفون بغير ما يظهرون فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو بعثت فيها إلى أبي بكر . فقال : لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي . وذلك لأن العرب لا تقبل نقض العهد إلا ممن عقده معهم أو من رجل يكون من أهل بيته فعاملهم صلى الله عليه وسلم بعادتهم في ذلك فدعا بعلي بن أبي طالب وقال : اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس بالحج يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته فخرج علي على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق في الطريق فلما رآه أبو بكر قال : أميراً أم مأمورا ؟ قال : بل مأمور . (1/283)
صفحة 283
فمضيا حتى قدما مكة فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم عن مناسكهم حتى إذا فرغ قام علي فقرأ على الناس البراءة التي أرسلها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها فأقام أبو بكر بالناس الحج والعرب في تلك السنة على منازلهم من أمور الحج التي كانوا عليها في زمن الجاهلية حتى إذا كانوا يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجّل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيه ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة فهو إلى مدته فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ولك يطف بالبيت عريان وكانت البراءة تسمى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المبعثرة لما كشفت عن سرائر الناس ثم رجع أبو بكر وعليّ قافلين إلى المدينة .
قوله أن لا يطوف بالبيت عريان ) وذلك أن قريشاً ابتدعت قبل الفيل أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد ممن يقدم عليهم من غيرهم أول ما يطوف إلا في ثياب أحدهم فإن لم يجد طاف عرياناً فإن خالف فطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ ثم لم ينتفع بها فعلوا ذلك زعماً منهم أنهم لا يعبدون ربهم في ثياب أذنبوا فيها وللإيماء إلى كمال التجريد عن الذنوب أو تفاؤلاً بالتعري من العيوب فجاء الإسلام بإبطال ذلك وفي الحديث دليل على وجوب ستر العورة في حال الطواف فلا يصح الطواف عرياناً عندنا وعند جمهور قومنا فسترها شرط لصحته وقالت الحنفية ليس شرطاً فمن طاف عرياناً عندهم أعاد ما دام بمكة فإن خرج لزمه دم ومن المعلوم أن كشف العورة حرام في غير الطواف وهو في الطواف أشد فكيف تصح طاعة في معصية . (1/284)
صفحة 284
قوله ولا تدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ) أي متصفة بالإيمان الذي هو نقيض الكفر إذ الناس كلهم إما مؤمن وإما كافر إنا هديناه السبيل إما شاركاً وإما كفورا ) والكافر يشمل كافر النعمة وهو الفاسق صاحب الكبيرة والكافر بالله تعالى وهو المشرك فهذان الصنفان وهما المشرك وكافر النعمة ليسا بمؤمنين لشمول اسم الكفر لهما والكفر ضد الإيمان ولا يكون مؤمناً كافراً لاستحالة اجتماع الضدين فمن خرج عن الإيمان دخل في الكفر لا محالة ومن دخل في الفكر فقد خرج عن الإيمان قطعاً فلا يدخل الجنة مشرك ولا كافر نعمة لنهما ليسا بمؤمنين ويتوب الله على من تاب .
قوله ولا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم بعد عامهم هذا ) هو معنى قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) وهو عام تسع ، وذكر سبحانه وتعالى علة منعهم في قوله إنما المشركون نجس ) فلنجاستهم منعوا أن يقربوا المسجد الحرام بعد هذا العام وكان المشركون يحجونه وكان المسلمون لا يتعرضون لمن قصد البيت وفاء بالعقد المذكور في قوله تعالى أوفوا بالعقود ) إلى قوله ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من الله ورضوانا ) أي يبتغون ذلك في زعمهم الفاسد ا،هم على هدى فنسخ ذلك بقوله فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) فمن يومئذ منع المشركون من المسجد الحرام وقاس أصحابنا عليه سائر المساجد وعلى الوثني كل مشرك فالمذهب عندنا أنه لا يدخل المسجد مشرك مطلقاً وكذلك مواضع الصلاة ومجالس الذكر ينهى عن ذلك وإن لم ينته ضرب ولا ينهى عن قراءة القرآن ودراسة الكتب وقيل ينهى وقيل إن منعهم من سائر المساجد مأخوذ من قوله تعالى ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ) وهو استدلال الأكثر من أصحابنا وفسر أبو حنيفة وأصحابه قوله تعالى فلا يقربوا المسجد الحرام ) بأن لا يحجوا ولا يعتمروا . وقال الزمخشري لا يمنعون من دخول الحرم عندهم . (1/285)
صفحة 285
قوله ومن كان له عند النبي صلى الله عليه وسلم عهد فإلى عهده ) أي من كان له عهد إلى مدة معلومة فعده ثابت إلى انقضاء مدته ما لم ينقضه بنفسه وهؤلاء هم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز بقوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) قيل وهم بنو ضمرة وبنو كنانة وبنو مدلج عاهدهم صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام وقيل في جهة قريبة منه عام الفتح . وقال السدي وابن عباد وإسحاق : هم بنو جزيمة . وقال ابن إسحاق : قبائل بكر دخلوا وقت الحديبية في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش فلم يكن نقض إلا من قريش وبنى الدليل فأمر الله بإتمام العهد لمن لم ينقضه . قال القطب : وهو الصحيح . وقال مجاهد : هم خزاعة ورد بإسلامها عام الفتح وأغرب منه قول أبي زيد أنهم قريش قال نزلت الآية فلم يستقيموا بل نقضوا فنزل تأجيلهم أربعة الأشهر . وردّ بأنهم وقت الأذان قد اسلموا وكذلك خزاعة .
قوله ومن لم يكن له عهد ) أي من سائر الكفار وهم الذين لم يأخذوا عهداً أصلاً أو أخذوا فنقضوا . (1/286)
صفحة 286
قوله فإلى أربعة أشهر ) أي فأجلهم إلى هذا الوقت يسيحون في الأرض كيف شاءوا آمنين وهو معنى قوله عز من قائل فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) وابتداء هذه الأربعة يوم الحج الأكبر من تلك السنة وانقضاؤها تمام عشر من ربيع الآخر . وقال ابن عباس والزهري : الأشهر الأربعة شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وإن نزلت الآية في شوال وقيل من الحادي عشر من ذي القعدة إلى عشرين من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم ثم صار في السنة بعدها في ذي الحجة واستمر إلى يوم القيامة . والأربعة أجل لمن لم يكن له عهد قيل ومن كان له عهد دونها فإنه رفع إليها وكذلك من له عهد إلى أربعة فإن الكل داخل تحت هذا التأجيل وينقضي تأمينهم بانقضاء الأربعة ومن كان له عهد فوقها فإلى تمام عهده فأتموا لهم عهدهم إلى مدتهم . قيل وقد بقي لضمرة من عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر وإنما أجلوا هذه المدة ليتفكروا فيها ويختاروا فإنه ليس بعدها إلا الإسلام أو القتل وذلك إعلام لهم وخروج عن توهم الغدر وبانسلاخها أبيح قتل المشركين حيث ما وجدوا وهي الأشهر الحرم المذكورة في قوله فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وإنما سميت حرماً لثبوت حرمة التأجيل فيها ، وقيل للتغليب لأن ذا الحجة والمحرم من الأشهر الحرم فأطلق الاسم على الأربعة تغليباً للبعض وبذلك نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم التي هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب فإن القتال كان حراماً في هذه الأشهر فنسخ بقوله فإذا انسلخ الأشهر الحرم ) أي الأربعة الأجل 0 فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) الآية . فقد أبيح لنا قتلهم بعد الأربعة مطلقاً حيث وجدوا ومتى وجدوا إلا في أمان أو صلح أو جوار . والله أعلم .
--- (1/287)
صفحة 287
ما جاء في الرمل والطواف والوقوف على الصفا والمروة...
ما جاء في الرمل والطواف والوقوف على الصفا والمروة والسعي في بطن الوادي بينهما والنحر
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن جابر بن عبدالله قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل إلى الحجر الأسود حتى انتهى إليه في ثلاثة أطواف فإذا وقف على الصفا كبّر ثلاثاً ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير ويصنع على المروة مثل ذلك ثلاثاً ثلاثاً وإذا نزل منه على الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا خرج منه نحر بعض هديه بيده ونحر بعضه غيره .
------------------------------------
ما جاء في الرمل والطواف والوقوف على الصفا والمروة والسعي في بطن الوادي بينهما والنحر) فهي أربعة جمعها حديث الباب ولهذا قطعه في الموطأ في أربعة أبواب . (1/288)
صفحة 288
قوله رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي في حجة الوداع كما رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وغيرهم فإنهم رووا الحديث عن جابر بن عبدالله في صفة حجة الوداع وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم رمل في الطواف حيث لم يكن هنالك مشرك . وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال المشركون أنه يقدم عليكم وقد وهنهم حمى يثرب فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم . وفي البخاري أيضاً أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ما لنا والرمل إنما كنا رأينا المشركين وقد أهلكهم الله ثم قال شيء صنعه النبي صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه . فهذان الخبران يدلان على أن الرمل إنما كان في عمرة القضاء وهي التي كانت بعد الحديبية بعام فإنهم دخلوها للعمرة بالصلح الواقع في الحديبية وفي مكة يومئذ المشركون فأظهروا لهم القوة والجلد . وقد اختلف في مشروعية الرمل في الطواف مع الاتفاق على وقوعه منه صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ليس هو بسنة من شاء رمل ومن شاء لم يرمل . وذكر له قوم يزعمون أنه سنة فقال : صدقوا وكذبوا . أي صدقوا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله هو وأصحابه وكذبوا إذ جعلوه سنة لا يجوز تركها . وهذا من ابن عباس يدل على أنه إنما فعل لإظهار الجلد والقوة للمشركين كما تقدم عنه آنفاً وقد زالت العلة فزال بزوالها الحكم وبهذا أخذ أكثر أصحابنا رضي الله عنهم. (1/289)
صفحة 289
وكان أكثر فقههم مأخوذاً عن البحر ابن عباس ، ومنهم من قال ببقائه وأنه سنة لكن هذا القول متروك عندهم والعمل على القول الأول . وذهب جمهور قومنا إلى أنه سن باقية لأنه صلى الله عليه وسلم رمل في حجة الوداع كما في حديث جابر وقد أمن الناس وأسلمت البلاد . ثم اختلفوا فقال أصحاب الشافعي لا يستحب الرمل إلا في طواف واحد في حج أو عمرة أما إذا طاف في غير حج أو عمرة فلا رمل ولا يشرع عندهم أيضاً في كل طوافات الحج بل إنما يشرع في واحد منها وهو طواف يعقبه سعي . وقيل لا يشرع إلا في طواف القدوم سواء أراد السعي بعده أم لا ويشرع في طواف العمرة إذ ليس فيها طواف واحد وهذه كلها أقوال الغير . والمذهب قد تقدم والله أعلم .
وقوله رمل ) بفتحتين وفي بعض النسخ برمل بصيغة المضارع . والرمل بفتح الراء والميم هو الإسراع . وقال ابن دريد هو شبيه بالهرولة وأصله أن يحرك الماشي منكبيه في مشيه .
قوله إلى الحجر الأسود حتى انتهى إليه ) هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا ورواية الموطأ من الحجر الأسود حتى انتهى إليه أي رأيته ابتدأ الرمل من الحجر حتى انتهى إليه في آخر شوطه ومعنى رواية المسند ان جابراً رآه يرمل في شوطه الأول حتى انتهى إلى الحجر الأسود ثم في شوطه الثاني حتى انتهى إليه أيضاً وكذلك الثالث فتكون رؤيته إياه يرمل بعد أن دخل في الطواف وعلى الرواية الموطأ تكون الرؤية من حين الابتداء في الطواف . (1/290)
صفحة 290
قوله في ثلاثة أطواف ) وهي الأشواط الأول وظاهره استعياب الرمل في جميع الطوفة وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال المشركون إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يشموا ما بين الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم . وهذا صريح في عدم الاستيعاب فيعارض حديث جابر . وأجيب بأنه متأخر لكونه في حجة الوداع في سنة عشر فهو ناسخ لحديث ابن عباس في عمرة القضية سنة سبع وكان في المسلمين ضعف في البدن فرملوا إظهاراً للقوة واحتاجوا إلى ذلك فيما عدا ما بين الركنين اليمانيين لأن المشركين كانوا جلوساً في الحجر فلا يرونهم بينهما فلما حج صلى الله عليه وسلم سنة عشر رمل من الحجر إلى الحجر فكان هذا ناسخاً للأول والله أعلم .
قوله فإذا وقف على الصفا ) فيه مسنونية الوقوف على الصفا للدعاء وفي مسلم عن جابر أيضاً فرقى عليه أي الصفا حتى رأى البيت فاستقبل القبلة .
قوله كبّر ثلاثاً ) أي قال الله أكبر ثلاث مرات .
وقوله لا إله إلا الله ) أي لا معبود بحق سواه .
وقوله وحده ) نصب على الحال أي منفرداً .
وقوله لا شريك له ) أي لا أحد يشاركه في شيء من الأشياء فالشريك مستحيل عقلاً وسمعا .
وقوله له الملك ) بضم الميم أصناف المخلوقات .
وقوله وله الحمد ) أي الثناء الجميل في الأولى والآخر .
وقوله يحي ويميت ) أي يحي من أراد حياته من أصناف المخلوقات ويميت من أراد موته من أصنافهم أيضاً فهو تعالى فعال لما يريد . (1/291)
صفحة 291
وقوله وهو على كل شيء قدير ) تذييل على ما قبله وتكميل لفائدته وفيه بيان أن القدرة واسعة قاهرة غير منحصرة على الإحياء والإماتة . زاد في مسلم لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات . وكان جابر بن زيد رضي الله عنه إذا رقى الصفا يرفع صوته بالذكر كأنه أعرابي جافي .
قوله ويصنع على المروة مثل ذلك ) أي مثل الذي فعله على الصفا من الوقوف والذكر .
وقوله ثلاثاً ثلاثاً ) أي يقول ما ذكر ثلاثاً على الصفا وثلاثاً على المروة في كل شوط وفيه مشروعية الرقي على الصفا والمروة وهو سنة عند الجمهور ليس بشرط ولا واجب فلو تركه صح سعيه لكن فاتته الفضيلة قيل ولا حد في الذكر والدعاء عند أحد من العلماء وإنما هو بحسب ما يقدر عليه المرء ويحضره .
قوله يمشي ) أي المشي المعتاد .
قوله انصبت قدماه ) أي انحدرت فهو مجاز من قولهم صب الماء وانصب إذا انحدر ومنه إذا مشى كأنه ينحط في صبب أي موضع منحدر .
وقوله في بطن الوادي ) هو ما بين العلمين الأخضرين .
وقوله سعى ) أي مشى بقوة وهو الإسراع في المشي وفي رواية مسلم وغيره رمل .
وقوله حتى إذا خرج منه ) هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا ولعله سقط منها جواب الشرط وهو قوله مشى أو حذف للدلالة عليه بما قبله والمعنى أنه إذا خرج من بطن الوادي مشى مشيه المعتاد ورواية الموطأ حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج منه ) . (1/292)
صفحة 292
والسعي في هذا الموضع سنة يلزم تاركها عمداً الدم وليس على المرأة رمل ولكن تسرع المشي ولا يلزم الناسي شيء . وقال الأبدلاني من أصحابنا المغاربة رحمة الله عليهم : ومن لم يهرول في سعيه حتى قصر فعليه دم ويعيد السعي فإن لم يقصر أعاد ولا شيء عليه وإن ترك الهرولة في أكثر الساعات فعليه دم إن أحل وإلا أعاد ما عليه وإن ترك الأقل أعاد قبل الإحلال ولا شيء عليه بعده ومن نسي الرمل حتى جاوز موضعه رجع إليه ما لم يجاوز الموضع بثلاث خطوات أو خطوتين والرمل والهرولة والإسراع في المشي ألفاظ لمعان متقاربة . وأجمعوا أن السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط لكن اختلفوا هل يحسب الرجوع من المروة إلى الصفا شوطاً أم لا فذهب أصحابنا وجمهور قومنا إلى أنه يعد شوطا . وقيل لا يعدو بذلك قال أبو عبد الرحمن بن بنت الشافعي وأبو حفص بن الوكيل وأبو بكر الصيرفي والعمل في زماننا على القول الأول والله أعلم .
قوله ونحر بعض هديه بيده ونحر بعضه غيره ) وهو علي بن أبي طالب وكان الهدي مائة بدنة كما في الصحيحين عن علي والمعنى أن بعض هديه صلى الله عليه وسلّ/ وهو الأكثر بيده الشريفة ونحر بعضه علي . وفي أبي داود عن علي لما نحر صلى الله عليه وسلم بدنه نحو ثلاثين بيده وأمرني فنحرت سائرها . وفي مسلم وغيره عن جابر ثم انصرف صلى الله عليه وسلم إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بيده ثم أعطى علياً فنحر ما غبر وهذا أصح . وجمع بينهما بأنه صلى الله عليه وسلم نحر ثلاثين ثم أمر علياً أن ينحر سبعاً وثلاثين ثم نحر صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وثلاثين . قال عياض : والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم نحر البدن التي جاءت معه من المدينة وكانت ثلاثاً وستين كما جاء في رواية الترمذي وأعطى علياً البدن التي جاءت معه من اليمن وهي تمام المائة . وذكر بعضهم أن حكمة نحره ثلاثاً وستين بدنة بيده أنه قصد بها سني عمره وهي ثلاث وستون على كل سنة بدنة ، والله أعلم .
--- (1/293)
صفحة 293
ما جاء في طواف المريض راكبا
أبو عبيدة قال : بلغني عن عروة بن الزبير قال قالت لي أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي قال : طوفي بالبيت وراء الناس وأنت راكبة . فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب البيت وهو يقرأ والطور وكتاب مسطور .
---------------------------------------
قوله بلغني عن عروة بن الزبير ) الحديث رواه مالك عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة بن الزبير عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، ورواه البخاري عن إسماعيل والعقنبي والقنيسي ومسلم عن يحيى الأربعة عن مالك بالسند المتقدم ، فبلاغه رضي الله عنه عن عروة صحيح على أن عروة عند المصنف إنما أخذ الحديث عن أم سلمة نفسها وهو عند مالك إنما أخذه عن ابنتها عنها .
وله شكوت ) أي ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما اشتكي من المرض وذلك في طواف الوداع في حجة الوداع ، وفي بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت فقال لها : إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك .
قوله إني اشتكي ) أي اتوجع والمعنى أني مريضة .
قوله وراء الناس ) وذلك لأن سنة النساء التباعد عن الرجال في الطواف ولأنه يخاف من قربها تأذي الناس بدابتها وقطع صفوفهم . (1/294)
صفحة 294
قوله وأنت راكبة ) أي على بعيرك وفيه جواز طواف الراكب لعذر ويلحق به المحمول بعذر أما بلا عذر فقيل بمنعه وقيل بكراهيته لقوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق ) قالوا من طاف راكباً لم يطف به وإنما طاف به غيره قالوا وركوبه صلى الله عليه وسلم إنما كان لعذر ففي أبي داود عن ابن عباس قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته . وفي حديث جابر عند مسلم طاف راكباً ليراه الناس وليسألوه ، ويحتمل أنه فعل ذلك للأمرين وكذا ركوب أم سلمة لعذر . ومنهم من قال إن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم فلا يلحق به غيره وفيه نظر لقوله صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم .
قوله يصلي ) أي صلاة الصبح كان يصلي بالناس إلى جانب البيت ، وفيه جواز الطواف حال صلاة الجماعة إذا لم يؤذ بعضهم بعضا .
قوله وهو يقرأ والطور وكتاب مسطور ) وفي رواية الموطأ وهو يقراً بالطور أي بسروة الطور وهو علم على هذه السورة ولهذا حذف الواو في رواية مالك .
والطور المقسم به هو الجبل الذي كلّم الله عليه موسى وهو بمدين .
والكتاب الذي يكتب فيه الأعمال ، وقيل هو ما كتبه الله لموسى وهو يسمع صرير القلم ، وقيل اللوح المحفوظ ، وقيل القرآن .
والرق الصحيفة وقيل الجلد الذي يكتب فيه ، والله أعلم .
--- (1/295)
صفحة 295
ما جاء في البدء بالصفا
أبو عبيدة عن جابر بن عبدالله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرج من المسجد وهو يريد الطواف : نبدأ بما بدأ الله به .
---------------------------------------
قوله سمعت رسول الله ..الخ ) هذه قطعة من حديث طويل روى مالك في الموطأ أيضاً بعضه كالمصنف واستوفى ذكره مسلم وغيره في قصة حجة الوداع عن جابر بن عبدالله وفيها أنه قال فطاف سبعاً فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) فصلى ركعتين وجعل المقام بينه وبين البيت ، وفي رواية أنه قرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصف قرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله ) أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة .. الخ .
قوله وهو يريد الطواف ) أي التردد بين الصفا والمروة لأداء النسك وهو المعروف بالسعي عندنا .
قوله بما بدأ الله به ) يعني في قوله إن الصفا والمروة من شعائر الله ) وفيه أن الترتيب الذكري له اعتبار في الأمر الشرعي إما وجوباً أو استحباباً وإن كانت الواو لمطلق الجمع في الآية فمن لم يبدأ بالصفا طرح ذلك الشوط واستأنف العمل من الصفا كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم . واختلف العز بن عبد السلام وتلميذه القرافي وكلاهما من قومنا في تفضيل الصفا على المروة فقال الشيخ بتفضيل المروة وقال التلميذ بتفضيل الصفا . واعترضا بأنه لا ثمرة لهذا التفضيل مع أن العبادة المتعلقة بهما لا تتم بأحدهما دون الآخر ، والله أعلم .
--- (1/296)
صفحة 296
ما جاء في السعي بين الصفا والمروة
أبو عبيدة قال : بلغني عن عروة بن الزبير قال : قلت لعائشة وأنا يومئذ حديث السن أرأيت قول الله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) فما أرى على أحد بأساً أن لا يطوف بهما . قالت عائشة رضي الله عنها : كلا لو كان الأمر كما تقول كان فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما وإنما نزلت هذه الآية في الأنصار وكانوا يهلون من مناة وكانت مناة خلف قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله r عن ذلك فأنزل الله تبارك وتعالى إن الصفا والمروة ) الآية .
قال الربيع : مناة حجر بقديد كانت الجاهلية يعبدونه .
------------------------------------
قوله بلغني عن عروة بن الزبير ) الحديث رواه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه ، وأخرجه البخاري في التفسير عن عبدالله بن يوسف ، وأبو داود هنا عن القعنبي ، والنسائي من طريق ابن القاسم ، وأبو داود أيضاً من طريق ابن وهب وكلهم عن مالك بهذا السند المتقدم ، وأخرجه مسلم من طريق أبي أسامة وأبي معاوية بنحوه ، وله طرق في الصحيحين وغيرهما .
قوله قلت لعائشة ) أي أم المؤمنين وهي خالته أخت أمه .
قوله وأنا يومئذ حديث السن ) أي صغير كناية عن الشباب فالسن العمر وفيه تقديم عذره في السؤال وأن التباسه عليه نشأ من الحداثة .
قوله أرأيت قول الله تعالى ) أي أخبريني عن مفهوم قوله تبارك وتعالى .
وقوله إن الصفا والمروة ) هما جبلا السعي اللذان يسعى من أحدهما إلى الآخر ، والصفا في الأصل جمع صفاة وهي الصخرة والحجر الأملس ، والمروة في الأصل حجر ابيض براق .
قوله من شعائر الله ) أي من المعالم التي ندب الله إليها وأمر بالقيام عليها ، وقيل الشعائر أعمال الحج وكل ما جعل علماً لطاعة الله . (1/297)
صفحة 297
وقوله فمن حج البيت أو اعتمر ) أي فمن قصده لأحد النسكين الحج والعمرة .
قوله فلا جناح عليه ) أي فلا إثم عليه .
وقوله أن يطوف ) بتشديد الطاء وأصله يتطوف أبدلت التاء طاء لقرب مخرجه أو أدغمت التاء في الطاء والمعنى يسعى بينهما .
قوله فما أرى على أحد بأساً أن لا يطوف بهما ) أي فما أعتقد على أحد إثماً بترك ذلك أو ما أظن على أحد بأساً بتركه إذ مفهوم الآية أن السعي ليس بواجب لأنها دلت على رفع الجناح وهو الإثم عن فاعله وذلك يدل على إباحته ولو كان واجباً لما قيل فيه ذلك لأن رفع الاسم الاثم علامة الإباحة ويزاد المستحب بإثبات الأجر والوجوب بعقاب التارك .
وقوله قالت عائشة ) أي في الرد عليه لما اعتقده أو ظنه من مفهوم الآية .
وقوله كلا ) أي ارتدع وازدجر عن ذلك ، وفي رواية الزهري بئس ما قلت يا ابن أختي . (1/298)
صفحة 298
وقوله لو كان الأمر كما تقول كان فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ) أي لو كان الأمر كما فهمت لكان اللفظ فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما أي لا جناح في ترك الطواف بهما فكانت تدل على رفع الاثم عن التارك وذلك حقيقة المباح أما ولفظها بدون لا فهي ساكتة عن الوجوب وعدمه مصرحة بعد الاثم عن الفاعل وحكمته مطابقة جواب السائلين لأنهم توهموا من فعلهم ذلك في الجاهلية أن لا يستمر ذلك في الإسلام فجاء الجواب مطابقاً لسؤالهم . وأما الوجوب فمستفاد من أدلة أخر كفعله صلى الله عليه وسلم له ومواظبته عليه في كل نسك مع قوله خذوا عني مناسككم ) قال المازري من قومنا : هذا من فقه عائشة ومعرفتها بأحكام الألفاظ لأن الآية إنما اقتضى ظاهرها رفع الحرج عن الطائف بينهما وليس نصاً في سقوط الوجوب فأخبرته أن ذلك محتمل فلو كان نصاً لقال أن لا يطوف وقد يكون العمل واجباً ويعتقد إنسان أنه قد يمنع من إيقاعه على صفة خاصة فيقال له لا حرج عليك إن فعلت فالجواب صحيح فلا يقتضي نفي وجوب الفعل عليه ثم بينت له أن التعبير بنفي الجناح لوروده على سبب فقال وإنما نزلت هذه الآية في الأنصار .. الخ . (1/299)
صفحة 299
وقد اختلف الناس في حكم السعي بعد الإجماع على أنه مشروع فقال جمهور أصحابنا وأهل الكوفة والحسن وقتادة وأبو حنيفة وسفيان الثوري هو سنة واجبة فمن تركه عصى ويجبر بالدم . قال في الإيضاح : وكذلك من ختم سعيه بالصفا وانصرف عن ستة أشواط وأحل فعليه دم . وقال بعض أصحابنا أنه فريضة وهو مروي عن عائشة وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق فمن لم يسع عند هؤلاء حتى وطيء النساء فلا حج له في عامه ذلك وعليه الحج من قابل وهو معنى تعبير بعض قومنا عنه بالركن . وقال قوم إنه تطوع تمسكاً بالمعنى الذي فهمه عروة من الآية ، وروي ذلك عن أنس بن مالك وعبدالله بن الزبير وابن سيرين ولعلهم يحتجون بقوله تعالى فمن تطوع خيراً فهو خير له ) والجواب أن هذا راجع إلى أصل الحج والعمرة لا إلى خصوص السعي لإجماع المسلمين على ان التطوع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع والله أعلم .
قوله إنما نزلت هذه الآية ) تعني قوله تعالى إن الصفا والمروة ) .
وقوله في الأنصار ) هم الأوس والخزرج .
وقوله يهلون ) أي يحرمون للحج أو العمرة قبل إسلامهم .
ومناة بفتح الميم والنون الخفيفة فألف ثم تاء مخفوض بالفتحة للعلمية والتأنيث وهو حجر بقديد كانت الجاهلية يعبدونه . وقال ابن الكلبي : كانت صخرة نصبها عمرو بن يحيى لهذيل فكانوا يعبدونها . وسميت مناة لأن النسائك كانت تمنى أي تراق عندها .
وقوله خلف قديد ) وفي رواية الموطأ حذو قديد بفتح المهملة وسكون المعجمة أي مقابلها ولعلها كانت مقابلها من الجهة البعدى بحيث يصدق عليها أنها خلف باعتبار وحذو باعتبار .
وقديد بضم القاف وفتح المهملة بعدها تحتية ثم مهملة قرية جامعة بين مكة والمدينة كثيرة المياه قاله أبو عبيد البكري . (1/300)
صفحة 300
وقوله يتحرجون ) بالمهملة والجيم أي يتحرزون أن يطوفوا بين الصفا والمروة أي يتركون ذلك خشية الحرج وهو الاثم مثل قولهم يتحنث ويتأثم أي ينفي الحنث والإثم عن نفسه ، والمعنى أنهم كانوا في الجاهلية لا يطوفون بينهما فيقتصرون على الطواف بمناة ، وفي رواية سفيان عن الزهري عند مسلم وإنما كان من أهل بمناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة ) ، وله من رواية يونس عن الزهري أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وعسان يهلون بمناة وكان ذلك في آبائهم من أحرم بمناة لم يطف بين الصفا والمروة .
وقوله لما جاء الإسلام .. الخ ) صريح أن المذكور سبب لنزول الآية الكريمة ، وروى الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : قالت الأنصار إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية فأنزل الله الآية . وروى الفاكهي وإسماعيل القاضي عن الشعبي قال : كان صنم بالصفا يدعى أساف ووثن بالمروة يدعى نائلة وكان أهل الجاهلية يسعون بينهما فلما جاء الإسلام رمى بهما ، وقال إنما كان يصنعه أهل الجاهلية من أجل أوثانهم فأمسكوا عن السعي بينهما فأنزل الله الآية . وذكر الواحدي عن ابن عباس نحوه وزاد فيه يزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة فمسخا حجرين فوضعا على الصفا والمروة ليعتبر بهما فلما طالت المدة عبدا .
وفي الحديث أنه لا بأس بمباحثة الصغير الكبير واستنباطه بحضوره من القرآن وتعبير بلفظ أرأيت ، وبلفظ ما أرى لأن عائشة لم تنكر شيئاً من ذلك ، والله أعلم .
--- (1/301)
صفحة 301
ما جاء في استلام الركن اليماني
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : جاء رجل إلى عبدالله ابن عمر فقال يا أبا عبدالرحمن رأيتك تصنع أربعاً .. الحديث .
------------------------------------
قوله جاء رجل إلى ابن عمر .. الخ ) الحديث قد تقدم في باب الإهلال وتقدم شرحه هنالك وذكر من جملة الأربع قوله رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليماني وأجابه بقوله فإن لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس إلا اليماني ) والمراد بالمس الاستلام ولهذه الخصلة أشار إليه المرتب هاهنا ، والحصر في قوله إلا اليماني ) إضافي لا حقيقي فإنه إنما نفى المس عن الركنين الشاميين دون الحجر إذ لا بد من استلامه ، وعند الشيخين عن ابن عمر قال : ما تركنا استلام هذين الركنين اليماني والحجر في شدة ولا رخاء منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما . (1/302)
صفحة 302
وفي البخاري سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر فقال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله قلت أرأيت إن زاحمت أرأيت إن غلبت قال : اجعل أرأيت باليمن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله فظاهره أن ابن عمر لم ير الزحام عذراً في ترك الاستلام . والمذهب عندنا أنه يستلم الحجر بيده ويقبله بفمه إن أمكنه ذلك وإلا أشار إليه بيده من بعيد ، وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف كيف صنعت يا أبا محمد في استلام الركن قال عبدالرحمن استلمت وتركت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبت فهذا يدل على أنه لا تنبغي المزاحمة وقد روى الفاكهي من طرق ابن عباس كراهتها وقال لا تؤذي ولا تؤذى ، وروى الشافعي وأحمد وغيرهما عند عبد الرحمن بن الحراث قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر يا أبا حفص إنك رجل قوي فلا تزاحم على الركن فإنك تؤذي الضعيف ولكن إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فكبر وامض وهو مرسل جيد الإسناد واستلام الحجر استلام لركنه لا بعضه وأما الركن اليماني فإنه إنما يسن استلامه دون تقبيله ، والله أعلم .
--- (1/303)
صفحة 303
ما جاء في احتراق البيت الحرام
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : لما احترق بيت الله الحرام من أجل شرارة طارت بها الريح قال بعض الناس قدر الله هذا ، وقال آخرون لم يقدر الله ان يحترق بيته ، فمن ثم وقع الخلاف الأول في القدر .
قال أبو عبيدة : وكان احتراقه يوم السبت لست ليال خلون من ربيع الأول سنة أربع وستين .
------------------------------------
قوله لما احترق بيت الله الحرام .. الخ ) كان المناسب ذكر القصة في باب القدر لأنها كانت سبب الخوض فيه وإنما ذكرها في هذا الباب لأنها من جملة الأحوال المتعلقة بالكعبة وقد تقدم أول الباب ذكر بنائها وأن ابن الزبير جدده في الإسلام على الصفة التي في حديث عائشة المتقدم وكان هذا الاحتراق يوم السبت لست ليال خلون من ربيع الأول سنة أربع وستين في أيام ابن الزبير وذلك أن الكعبة كانت على ما بنتها قريش إلى السنة المذكورة فحاصرها الحصين بن نمير السكوني وهو أمير استخلفه أمير يزيد بن معاوية الذي ولاه على الجيش الذي قاتل أهل المدينة فكانت وقعة الحرة ثم سار إلى مكة فمات في الطريق فاستخلف الحصين وأتوا مكة فحاصروا ابن الزبير وقاتلوه ورموه بالمنجنيق واحترقت من شرارة من نيرانهم أستار الكعبة وسقفها وقرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل وكان في السقف . وقيل أنهم كانوا يرمون البيت بالمنجنيق ويرتجزون بقولهم : (1/304)
صفحة 304
وأم فروة اسم منجنيق فمالت حيطان الكعبة مما رمين به من حجارة المنجنيق وأنها مع ذلك احترقت وكان السبب فيه أنهم كانوا يوقدون حولها فأقبلت شرارة هبت بها الريح فأحرقت باب الكعبة فاحترق خشب البيت . وقال الواقدي : حدثني عبدالله بن زيد قال حدثني عروة بن أذينة قال قدمت مكة مع أبي يوم احترقت الكعبة وقد خلصت إليها النار ورأيت الركن قد أسود وانصدعت منه ثلاثة أمكنة فقلت ما أصاب الكعبة فأشاروا إلى رجل من أصحاب الزبير قالوا احترقت بسبب هذا أخذ قبساً في رأس رمح له فطارت الريح به فضربت أستار الكعبة ما بين الركن اليماني والحجر الأسود . وقال بعضهم كان السبب في ذلك أن امرأة كانت تبخر البيت فطارت شرارة من النار فاحترق البيت وكان أول ما تكلم الناس في القدر يومئذ فقال قوم هو من قدر الله وهو الحق الذي لا يصح غيره ، وقال قوم ليس من قدر الله وهو باطل قالوا فهدم عبدالله بن الزبير الكعبة حتى سواها بالأرض وكان الناس يطوفون بها من وراء الأساس وذلك أنه دخل المسجد الحرام والناس وقوف والبيت مهدوم فقال : إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ) فلما رآه الناس طاف طافوا وهذه من مناقب أبي الشعثاء ومن فضائله التي لا يدرك شأوها والله يدخر من مواهبه لمن شاء من عباده والله ذو الفضل العظيم ، وجعل ابن الزبير الحجر الأسود عنده في تابوت في خرقة من حرير وجعل ما كان من حلي البيت وما وجد فيه من ثياب وطيب عند الحجبة في خزانة البيت ثم أعاد بناءها على الوصف الذي تقدم في حديث عائشة في بناء الكعبة .
قوله قال بعض الناس قدر الله هذا ) أي كان بقدرته وإرادته وهؤلاء هم أهل الحق . (1/305)
صفحة 305
وقوله وقال آخرون لم يقدر الله أن يحترق بيته ) وهؤلاء هم القدرية . قال أبو القاسم البرادي رحمه الله تعالى : وأول من تكلم في القدر في أيام الصحابة غيلان الدمشقي ومعبد الجهني ويونس الاسواري وبعدهم أبو حذيفة واصل بن عطاء انتصب لمذهب القدرية وهو قد تلمذ للحسن البصري ومكث في مجالسته عشرين سنة وهو المقرر لقواعد القول بقدرة العبد وخلقه الفعل وقال : أن الباري عادل حكيم لا يجوز أن يضاف إليه شين ولا ظلم ، ولا يجوز عليه أن يريد من العباد خلاف ما يأمرهم به ، ولا يجوز عليه أن يخلق للعباد شيئاً ثم يجازيهم عليه والعبد هو الفاعل للخير والشر والطاعة والمعصية والله سبحانه يجازيه بفعله . وقال : ليس من الحكمة أن يكون الله سبحانه يخلق الكفر للكافرين به وهو مبغض للكفر معاد للكافرين فيكون في ذلك كمن أعان على شتم نفسه . وقال : جميع الأمة قويها وضعيفها وصغيرها وكبيرها القدر خيره وشره من الله سبحانه وهو الخالق للخير والشر والقاضي والمريد والمقدر والمكون له في أوقاته التي يكون فيها وهو مع هذا كله فعل العبد والعبد فاعله وهو له مريد مختار قاصد إليه متحرك أو ساكن به غير مجبور عليه ولا مضطر إليه إلا ما كان من جهم بن صفوان وأصحابه فقد نقض الإجماع وقال : القدر خيره وشره من الله سبحانه لا على ما قاله الأولون بل على جهة الجبر والإكراه والاضطرار للعباد إلى أعمالهم ولا قدرة للعبد في شيء من ذلك ولا قصد ولا اختيار ولا إرادة قالوا وماذا إلى العبد من الأفعال وهو متصرف في قبضة الأمر ومصرف بمقتضى العلم والإرادة والمشيئة قالوا وقد وجدنا الله سبحانه وتعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء وقال ومن يضلل الله فلا هادي له ) فمن شاء الله خلق له الخير ومن شاء خلق له الشر فهذه مقالتهم الباطلة وقد تقدم في باب القضاء والقدر من صريح السنة ما يرد هذه الآراء الفاسدة والأهوية الباطلة وبالجملة فقد كان الاحتراق فتنة هلك بسببها الخائضون في (1/306)
صفحة 306
القدر انجر بهم الكلام من احتراق البيت إلى أفعال العباد ومنها إلى صفات الرب سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا ، والله أعلم .
--- (1/307)
صفحة 307
ما جاء في خطبته صلى الله عليه وسلم يوم الفتح على باب الكعبة
أبو عبيدة قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة عام الفتح فصلى فيها ركعتين ثم خرج وقد أفضى بالناس حول الكعبة فأخذ بعضادتي الباب فقال : الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ماذا تقولون وماذا تظنون ؟ قالوا : نقول خيراً ونظن خيراً أخ كريم قدرت فاسجح . قال : وأنا أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ، ألا وان، كل ربا في الجاهلية ودم ومال أو مأثرة فهي تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج فغني قد أمضيتهما لأهلهما على ما كانتا عليه ، ألا وأن الله تعالى قد أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بالآباء ، كلكم لآدم وآدم من تراب ليس إلا مؤمن تقي او فاجر شقي ، وأكرمكم عند الله أتقاكم إلا في قتيل العصا والسوط والخطا شبه العمد الدية مغلظة مائة من الإبل منها أربعون خلفة ، مكة حرام حرمها الله تعالى إلى يوم القيامة لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار . قال فغمزها النبي صلى الله عليه وسلم بيده وقال : لا ينفر صيدها ولا يقطع شجرها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ولا يختلي خلاها فقال له العباس عمه وكان شيخاً مجرباً إلا الأذخر يا رسول الله فإنه لا بد منه للقبور ولظهور البيوت . فسكت النبي صلى الله عليه وسلم قليلاً ثم قال : إلا الأذخر فإنه حلال .
------------------------------------
قوله دخل الكعبة ) تقدم شرحه وكذلك قوله فصلى فيها ركعتين ) . (1/308)
صفحة 308
قوله وقد أفضى بالناس ) أي بلع بهم المكان الواسع الذي كان حول الكعبة وهو إما مبني للفاعل والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه الآمر بذلك فإسناد الإفضاء إليه مجاز عقلي على حد هزم الأمير الجند ، وإما مبني للمفعول والفاعل لم يسم لأن المأمور بجمعهم مثلاً لم يذكر والغرض من الإفضاء بهم إسماعهم هذه الخطبة الجامعة النافعة .
قوله بعضادتي الباب ) بكسر المهملة تثنية عضادة بكسرها أيضاً وهي جانب العتبة من الباب .
قوله الحمد لله ) هذا شروع في الخطبة وإنما صدرها بقوله الذي صدق وعده .. الخ ) تحدثاً بنعمة الله تعالى وتذكيراً لقريش بالوعد الذي كان يذكره لهم أول النبوة ، وقد تقدم شرح ما بعده في باب الإهلال .
قوله ماذا تقولون وماذا تظنون ) أي ما يقول بعضكم لبعض في أمري وأي شيء تظنون أني صانع بكم .
قوله أخ كريم ) أي معروف بالكرم ومن شأن المعروف بذلك أن يعفو ويصفح فلا يقال في مثله الأخير ولا يظن به الأخير ، وإنما سموه أخاً لأنه من عشيرتهم والعرب تقول لمن كان من القبيلة أخو بني فلان ومنه قولهم للعربي يا أخا العرب ومنه قوله تعالى إذ قال لهم أخوهم هود ) إذ قال أخوهم صالح ) وإنما جمعوا بين وصفي الأخوة والكرم ليتم لهم حنوه ويرق لهم فلا يعاقبهم بما صدر منهم في جانبه الرفيع .
قوله قدرت فاسجح ) بقطع الهمزة بعدها مهملة ثم جيم ثم حاء مهملة أي قدرت فسهل القول وأحسن العفو والمثل السائر ملكت فاسجح وإنما غير فقالوا قدرت فراراً من الملك إذ القدرة قد تكون لمن لا يذعن به بالملك وقد قالت عائشة لعلي يوم الجمل حين ظهر ملكت فاسجح .
قوله أخي يوسف ) إنما سماه أخاً لأنه نبي مثله وأيضاً فهو من ولد إبراهيم عليهم جميعاً الصلاة والسلام .
قوله لا تثريب ) أي لا تعيير ولا توبيخ ، والتثريب التعيير والاستقصاء في اللوم ، ويقال ثرب عليه تثريباً إذا قبح عليه فعله . (1/309)
صفحة 309
وقوله يغفر الله لكم ) دعاء بالمغفرة وهي ستر ما كان من الذنوب فإن كان القوم قد أسلموا يومئذ فالأمر واضح ، وإن كان فيهم المسلم والمشرك كما يدل عليه ظاهر الحال انصرف الدعاء لمن كان مسلماً وإن كانوا جميعاً مشركين احتيج إلى بيان وجه الدعاء مع قوله تعالى ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ) الآية . وحينئذ فنقول إن هذا الدعاء كان قبل نزول هذه الآية لأن غالب آيات التوبة إنما نزلت في السنة التاسعة بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من تبوك والدعاء إنما كان يوم الفتح وهو في السنة الثامنة فهو منسوخ بالآية . وأجاز بعض قومنا الاستغفار للمشرك الحي زاعماً أن الاستغفار له طلب لتوفيقه للإيمان . والجواب أن طلب التوفيق غير طلب الغفران فهما شيئان قد يجوز في أحدهما ما لا يجوز في الآخر.
وفي الخميس نقلاً من الاكتفاء لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم واطمأن الناس خرج إلى البيت فطاف به سبعاً على راحلته يستلم الركن بالمحجن في يده فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة وأخذ منه مفتاح الكعبة وفتحت له فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها ثم وقف على باب الكعبة فقال لا إله إلا الله صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ، يا معشر قريش إن الله قد اذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالآباء الناس لآدم وآدم خلق من تراب أو يا أهل مكة ماذا ترون أني فاعل فيكم ؟ قالوا : خيراً أخ كريم وابن أخ كريم . فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء . فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوة فلذلك تسمى أهل مكة الطلقاء أي الذين فلم يسترقوا ولم يؤسروا والطليق هو الأسير إذا أطلق . (1/310)
صفحة 310
قوله ألا وإن كل ربا في الجاهلية ودم ومال أو مأثرة فهي تحت قدمي هاتين ) أي مهدورة لا يطالب بها أما هذر الربا فلتحريمه في الإسلام ، وأما الدم والمال فلأن المطالبة بشيء منهما تهيج الفتن وتشمل الحروب بين القبائل لا سيما وقد كثر في الجاهلية النهب والقتل على سبيل الاستحلال والانتهاك فلو أذن لهم في مطالبتها ما خمدت الحروب ولما ذهبت حزازات القلوب .
وأما المأثرة فلأنهم كانوا ربما عدوا القبائح مآثر . والمأثرة بفتح الثاء وضمها المكرمة لأنها تؤثر أي تذكر ويؤثرها قرن عن قرن يتحدثون بها ، ولفظ هذه القطعة في حديث جابر عند مسلم وغيره في خطبة خطبها عليه السلام يوم عرفة : ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وأن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله .
قوله إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ) بكسر المهملة فيهما والسدانة خدمة البيت وولاية مفتاحه يقال سدنت الكعبة سدناً من باب قتل خدمتها فالواحد سادن والجمع سدنة مثل كافر وكفرة . (1/311)
صفحة 311
والسقاية في الأصل الموضع يتخذ لسقي الناس وسقاية الحاج قيل زمزم وقيل كان عبد مناف يحمل الماء في الروايا والقرب إلى مكة ويسكبه في حياض من أدم بفناء الكعبة للحاج ثم فعله ابنه هاشم بعده ثم عبد المطلب فلما خفروا زمزم كان يشتري الزبيب فينبذه في ماء زمزم ويسقي الناس . قال ابن إسحاق : لما ولي قصي بن كلاب أمر الكعبة كان إليه الحجابة والسقاية واللواء والرفادة ودار الندوة . قال : فلما كبر قصي ورق عظمه وكان عبد الدار بكره وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه وذهب كل مذهب وكذلك عبد العزى وعبد قال قصي لعبد الدار أما والله يا بني لألحقنك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليك . قال فأعطاه دار الندوة التي لا تقضي قريش أمراً من الأمور إلا فيها فأعطاه الحجابة واللواء والسقاية والرفادة . قال : وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب فيصنع به طعاماً للحاج فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد ، ثم إن بني عبد مناف بن قصي أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم وفضلهم في قومهم فتفرقت عند ذلك قريش . قال : ثم تصالحوا على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار .ا.هـ. مختصرا . ثم أبطل الإسلام جميع ذلك إلا سدانة البيت وهي الحجابة التي كانت في بني عبد الدار وإلا سقاية الحاج وكانت في بني عبد مناف فأقرهما الإسلام كما هما ، ولما فرغ صلى الله عليه وسلم من خطبته جلس في المسجد فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال : يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين عثمان بن طلحة . فدعي له فقال : هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء . وقيل إن العباس هو الذي سأل ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فمنعه ودفع المفتاح لعثمان بن طلحة أحد بني عبد الدار . (1/312)
صفحة 312
وقبض العباس السقاية وكانت في يده حتى توفي فوليها بعده عبدالله بن عباس فكان يفعل فيها كفعله دون بني عبد المطلب وكان محمد بن الحنفية قد كلم فيها ابن عباس فقال له ابن عباس : مالك ولها نحن أولى بها في الجاهلية والإسلام وقد كان أبوك تكلم فيها فأقمت البينة طلحة بن عبيد الله وعامر بن ربيعة وأزهر بن عوف ومخرمة بن نوفل أن العباس بن عبد المطلب كان يليها في الجاهلية بعد عبد المطلب وجدك أبو طالب في إبله في باديته بعرفة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها العباس يوم الفتح دون بني عبد المطلب فعرف ذلك من حضر وكانت بيد عبدالله بن عباس يفعل فيها كفعل أبيه وجده ويأتيه بالزبيب من ماله بالطائف وينبذه حتى توفي فكانت في يد ولده .
قوله ونخوة الجاهلية ) بفتح النون الكبر والعظمة يقال انتخى فلان علينا أي افتخر وتعاظم .
قوله وتكبرها بالآباء ) أي وتعاظمها بسبب شرف الآباء وكان ذلك شأن الجاهلية وأعظم مفاخرها .
قوله كلكم لآدم ) أي كلكم أبناء لآدم وآدم خلق من تراب ففيما التفاخر والتعاظم والأصل واحد والمرجع إلى تراب .
قوله ليس إلا مؤمن تقي أو فاجر شقي ) أي لم يبق من الأصناف المعتبرة بين الناس إلا هذان الصنفان أحدهما في غاية الشرف وإن لم يعرف له نسب ولا حسب وهو المؤمن التقي قال تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ، والثاني في غاية الخسة وإن كان في غاية من شرف قومه وهو الفاجر الشقي قال تعالى إنا هديناه السبيل إما شاركاً وإما كفورا ) ولم إما شريفاً وإما وضيعا . (1/313)
صفحة 313
قوله إلا في قتيل العصا والسوط .. الخ ) فيه إثبات نوع من القتل وهو شبه العمد وهو أن يضربه بما لا يقتل في العادة كالعصا والسوط الدقيقين في الظهر ونحوه وكذلك إن ضربه بريشة أو رماه ببعرة ولم يقصد قتله ثم مات من ذلك فهذا النوع هو الذي ذكره في الحديث وهو خطأ شبه العمد وإنما أشبه العمد لأنه تعمد ضربه أو رميه بغير القاتل وهو خطأ لأنه لم يقصد قتله فصار عمداً خطأ ، وزعم بعض قومنا أن القتل لا يكون إلا عمداً محضاً أو خطأ قالوا فأما شبه العمد فلا يعرف وهو قول مالك والحديث يرده . واستدل به أبو حنيفة على أن القتل بالمثقل شبه عمد لا يوجب القصاص . ورد بان الحديث في السوط والعصا الخفيفة والقتل الحاصل بهما يكون قتلاً بطريق شبه العمد فأما المثقل الكبير فملحق بالمحدد الذي هو معد للقتل .
قوله والخطأ شبه العمد ) معطوف على قتيل العصا والسوط عطف عام على خاص تنبيهاً على أن شبه العمد غير منحصر في قتيل العصا والسوط ، وفي إعراب شبه العمد وجوه أحدهما أن يكون صفة الخطأ وهو معرفة وجاز لأن قوله شبه العمد وقع بين الضدين ، وثانيها أن يراد بالخطأ الجنس فهو بمنزلة النكرة . وثالثها أن يكون شبه العمد بدلاً من الخطأ أو عطف بيان .
وقوله الدية ) مبتدأ خبره قوله في قتيل العصا .. الخ ) .
وقوله مائة من الإبل ) عطف بيان للدية أو بدل منها . (1/314)
صفحة 314
وقوله مغلظة ) حال من الدية على رأي من أجاز مجيء الحال من المبتدأ وعامله متعلق بالخبر المحذوف تقديره الدية كائنة في قتيل العصا حال كونها مغلظة والدية تنقسم إلى مغلظة ومخففة فالمغلظة منها أربعون خلفة وثلاثون حقة وثلاثون جذعة وتكون في العمد بدلاً من القود وفي شبه العمد على القاتل استقلالاً وبه جزم صاحب القواعد رحمه الله تعالى . وقيل في شبه العمد الدية مخففة . والمخففة نوعان أحدهما دية شبه العمد عند القائلين بذلك وهي على أربعة أجزاء خمسة وعشرون بنات مخاض وخمسة وعشرون بنات لبون وخمسة وعشرون حقة وخمسة وعشرون جذعة . والنوع الثاني دية الخطأ المحض وهي على خمسة أجزاء عشرون بنات مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة وتؤدى في ثلاث سنين وتطلب من العاقلة إلا دية العمد وشبهه فإنها تؤدى في سنة واحدة وهي على الجاني دون عاقلته ، وقيل تؤدى أيضاً في ثلاث سنين وهذا إذا لم يصطلحوا على تعيين وقت لأدائها فإن اصطلحوا على وقت كانوا على ما اصطلحوا وشبه العمد كالعمد ، والله أعلم .
قوله خلفة ) بفتح المعجمة وكسر اللام الحامل من الإبل وجمعها مخاض من غير لفظها كما تجمع المرأة على النساء من غير لفظها وهي اسم فاعل يقال خلفت خلفاً من باب تعب إذا حملت فهي خلفة مثل تعبة وربما جمعت على لفظها فقيل خلفات وتخذف الهاء أيضاً فيقال خلف . (1/315)
صفحة 315
قوله مكة حرام .. الخ ) تقدم شرحه في حديث انس آخر باب المواقيت وزاد هنا قوله حرمها الله تعالى إلى يوم القيامة لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار قال فغمزها النبي صلى الله عليه وسلم بيده يعني أنه أشار إلى تقليلها بيده يقال غمزه غمزاً من باب ضرب إذا أشار إليه بعين أو حاجب وغمزته بيدي من قولهم غمزت الكبش بيدي إذا جسسته لتعرف سمنه والساعة المشار إليها ما بين أول النهار ودخول وقت العصر كما في مسند أحمد وذلك يوم الفتح والحديث يدل على تحريم دخول مكة بحرب وإن قصد العدل لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر حرمتها على من بعده وأن حربها خصوصية له وإنما يجوز دخولها على قصد إظهار الحق دون الحرب لمن وجد القوة على ذلك فيأمر وينهي ويظهر الحق وينشر الأحكام فإن قوتل على ذلك قاتل قال الله تعالى ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ) والآية محكمة عند ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد فلا يجوز عندهم قتال أحد عند المسجد إلا بعد أن يقاتل . واستثنى القطب المشرك فإنه إن دخل الحرم أو المسجد الحرام وأمر بالخروج فأبى قوتل ولو لم يقاتل ، والنهي عند جمهور قومنا وقتادة منسوخ بقوله اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) . وقيل منسوخ بقوله قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) ونسب لقتادة والله أعلم . وحديث الباب يؤيد القول الأول وهو أن الآية محكمة لأنه كان يوم الفتح والأمر بالقتال كان قبل ذلك والله أعلم .
قوله وكان شيخاً مجربا ) بضم الميم وكسر الراء المشددة فاعل من جربت الشيء تجريباً إذا اختبرته مرة بعد أخرى والله أعلم .
--- (1/316)
صفحة 316
الباب السابع في عرفة والمزدلفة ومنى
قوله في عرفة والمزدلفة ومنى ) يعني في ذكر ما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المناسك في المواضع الثلاثة وعرفة وعرفات موضع وقوف الحجيج ويقال بينهما وبين مكة نحو تسعة أميال وبعضهم يقول عرفة هي الجبل وعرفات جمع عرفة تقديراً لأنه يقال وقفت بعرفة كما يقال وقفت بعرفات .
وأما المزدلفة فاسم لموضع مبيت الحجيج ليلة النحر سميت بذلك لقربها من عرفة والزلفة القربة وقيل مأخوذ من قولهم أزلفت الشيء إذا جمعته ومن هاهنا سميت أيضاً جمعاً لجمعها الناس ليلة النحر .
وأما منى فاسم موضع بالحرم وهو موضع النحر للحجيج وفيه إقامتهم يوم النحر وأيام التشريق ويقال بينه وبين مكة ثلاثة أميال ، وسمي منى لما يمنى فيها من الدماء أي يراق والله أعلم . (1/317)
صفحة 317
وروى مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف . والإشارة إلى منحره صلى الله عليه وسلم بمنى وموقفه في عرفة والمزدلفة وقد كان منحره قريباً من مسجد الخيف ووقوفه بعرفة قرب الصخرات السود عند جبل الرحمة ووقوفه بالمزدلفة عند المشعر الحرام قيل وهو البناء الموجود بها الآن ، وفي حديث جابر عند مسلم وغيره في حجة الوداع قال : فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى ركن الوادي فخطب الناس وقال : إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث وكان مسترضعاً في بني سعد فقتله هذيل وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله وأنتم تسئلون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت . (1/318)
صفحة 318
فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات ، ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص وأردف أسامة ودفع حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الحذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده ثم أعطى علياً فنحر ما غبر وأشركه في هديه .. الخ وإنما ذكرت منه هذه القطعة بطولها لما فيها من الفوائد المتعلقة بالمواضع الثلاثة ، والله أعلم .
--- (1/319)
صفحة 319
الباب السابع ما جاء في الوقوف بعرفة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري اختلف ناس عند أم الفضل بنت الحارث وهي والدة عبدالله بن العباس في يوم عرفة في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قائلون هو صائم وقال آخرون ليس بصائم . قال أبو سعيد : فأرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه .
------------------------------------
قوله اختلف ناس .. الخ ) تقدم شرحه في آخر كتاب الصوم وإنما أورده هاهنا لما فيه من بيان صفة وقوفه صلى الله عليه وسلم بعرفة وأنه كان واقفاً على بعيره وهي ناقته القصواء بالمد مع فتح القاف والبعير يقع على الذكر والأنثى كالإنسان يقال حلبت بعيري والجمل يختص بالذكر والناقة تختص بالأنثى وإنما وقف صلى الله عليه وسلم على بعيره ليراه الناس فيأخذوا عنه مناسكهم وليبلغ كلامه حيث لم يبلغ لو كان راجلاً قيل ولهذا طاف أيضاً راكباً وهي الحكمة في وضع المنبر للخطيب وجعل مالك الوقوف على الدابة من السنة فقال يقف راكباً إلا أن يكون به أو بدابته علة فالله أعذر بالعذر .
وفي الحديث أن الوقوف على ظهور الدواب لمنافع وأغراض لراكبها جائز ما لم يكن مجحفاً بالدابة أو لغير غرض صحيح وأن النهي في ذلك في الأغلب والأكثر ولم يتخذ ذلك عادة للتحدث عليها كما كانت تفعله الجاهلية وأما من كان راكباً عليها فأخذه الحديث مع جماعة ولم يطل ذلك كثيراً حتى يضر بها فلا يدخل في النهي ومن فعل ذلك قاصداً لغرض صحيح كفعل النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ كلامه او لخوف على الدابة إن تركها أو على نفسه فيركبها ليحرزها ويحرز نفسه بذلك فلا حرج ، والله أعلم .
--- (1/320)
صفحة 320
ما جاء في الدفع من عرفة وصلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة
أبو عبيدة عن جابر قال : بلغني عن أسامة بن زيد قال دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالشعب فنزل وبال وتوضأ ولم يسبغ الوضوء فقلت له : الصلاة . فقال : الصلاة أمامك . فكب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ وأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يفصل بينهما بشيء .
قال الربيع : قال أبو عبيدة يستحب بعد المغرب ركعتان خفيفتان .
---------------------------------------
قوله بلغني عن أسامة بن زيد ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحيهما وأبو داود في سننه وله عندهم طرق عن أسامة .
قوله دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة ) وذلك بعدما غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً كما في حديث جابر بن عبدالله عند مسلم وغيره وهو أول وقت المغرب .
قوله بالشعب ) بكسر المعجمة وهو في اللغة الطريق وقيل الطريق في الجبل وهو في عرفنا طريق الماء من السيل اليسير ولعله المراد من الحديث وفي بعض روايات البخاري أنه الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة ، وفي بعض أنه قرب المزدلفة وكان ابن عمر يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك أي في كونه يقضي الحاجة ويتوضأ ولا يصلي وكان ملوك بني أمية يصلون المغرب في هذا الشعب فلم يوافقهم ابن عمر على ذلك وقال عكرمة : اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم مبالاً واتخذتموه مصلى . (1/321)
صفحة 321
قوله ولم يسبغ الوضوء ) قيل معناه أنه توضأ وضوءاً خفيفاً كما وقع في بعض روايات البخاري ومعناه فيما قال ابن حجر : أي توضأ مرة مرة وخفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته . وقيل معناه ثم توضأ ولم يسبغ أي استنجى وأطلق عليه اسم الوضوء اللغوي لأنه من الوضاءة وهي النظافة ومعنى الإسباغ الإكمال أي لم يكمل وضوءه ، وقيل أن معناه لم يتوضأ في جميع أعضاء الوضوء بل اقتصر على بعضها .
قوله فقلت له الصلاة ) بالنصب على إضمار الفعل أي تذكر الصلاة أو صل ، ويجوز الرفع على تقدير حضرت الصلاة مثلاً وكأن أسامة ظن أنه صلى الله عليه وسلم نسي صلاة المغرب ورأى وقتها وقد كاد أن يخرج أو خرج فأعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أنها في تلك الليلة يشرع تأخيرها للجمع مع العشاء بالمزدلفة ولم يكن أسامة يعرف تلك السنة قبل ذلك .
قوله الصلاة أمامك ) بالرفع على الابتداء وأمامك بفتح الهمزة وبالنصب على الظرفية بمعنى قدامك وهو خبر المبتدأ والمعنى الصلاة ستصلى بين يدك وأطلق الصلاة على مكانها أي المصلى بين يديك . وفي الحديث تذكير التابع لما تركه متبوعه ليفعله أو يعتذر عنه أو يبين له وجه صوابه ، والله أعلم .
قوله وأسبغ الوضوء ) أي أتمه على الصفة التي تعودها في تمام الوضوء وهي أن يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً .
قوله ثم أقيمت الصلاة ) يعني صلاة المغرب والحال أنهم أرادوا الجمع بين الصلاتين وهي السنة للدافع من عرفة فتعين الجمع في عرفة والمزدلفة من جملة المناسك وجواز الجمع من موجبات السفر فقد اجتمع في الفعلين نسك وهو تعين الجمع وترخص للسفر وهو جواز الجمع وذلك أنه لو لم يجز ما تعين . (1/322)
صفحة 322
قوله ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ) هذا فعل وقع بين الصلاتين والمقصود الجمع وكان ذلك بحضرته صلى الله عليه وسلم فلم ينكره فيدل على أنه لا بأس بالعمل اليسير بين الصلاتين ولا ينقض ذلك الجمع وفي الإيضاح لا يبطل القران غير الكلام في جميع عمل الجوارح . قال : ورخص بعضهم في الكلام اليسير الذي لا يستغنى عنه . قال ابن حجر : وكأنهم صنعوا ذلك رفقاً بالدواب أو للأمن من تشوشهم بها . وقال الكوفيون يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة . وقال الشافعي في الجديد وقواه الثوري وهو رواية عن أحمد يجمع بينهما بإقامتين فقط وهو ظاهر حديث الباب حيث لم يذكر أذانا . والجواب أنه قد ذكر غيره فدل على أنه قد كان أذان لم يذكره أسامة إما لكونه معلوماً عندهم أو للغفلة عنه ، وقد جاء عن ابن عمر كل واحد من هذه الصفات وكأنه يرى أنه من الأمر الذي يتخير فيه الإنسان وهو المشهور عن أحمد .
قوله ثم أقيمت العشاء ) أي بلا أذان فالجمع بين الصلاتين إنما يكون بأذان واحد وإقامتين كما فعله صلى الله عليه وسلم في عرفة والمزدلفة صرحت بذلك رواية جابر بن عبدالله عند مسلم وغيره وهو مذهبنا وعليه أكثر قومنا . (1/323)
صفحة 323
قوله ولم يفصل بينهما بشيء ) يعني من التطوع ، وفي بعض النسخ ولم يصل بينهما بشيء ) ، وفي رواية قومنا ولم يصل بينهما شيئا ) والمعنى واحد . ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة قال لأنهم اتفقوا على أن السنة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة قال ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما وكذا نقل الشيخ إسماعيل الإجماع في ذلك وذكر خلاف أبي عبيدة الذي ذكره المصنف رضي الله عنه وهو قول متروك لشذوذه عند الفقهاء ولخلافه ظاهر الحديث على أن أبا عبيدة رضي الله عنه لم ينفرد به ففي البخاري أن عبدالله بن مسعود صلى بينهما ركعتين ثم دعا بعشاء فتعشى ثم أمر رجلاً فأذن وأقام ومذهب الشافعية أن الترتيب والولاء شرطان في جمع التقديم دون جمع التأخير .
قوله يستحب بعد المغرب .. الخ ) تقدم الكلام عليه قريباً قال المحشي يتعجب من أبي عبيدة رحمه الله كيف يروي الحديث ثم يقول بخلافه ولم يستدل لذلك بحديث ولا بأثر قال ولعله رحمه الله استدل بالأثر المروي عن ابن مسعود الذي رواه البخاري . قلت : وقد تقدم أن أبا عبيدة لم يتفرد بذلك بل قال به أيضاً الشافعية في جمع التأخير وأن معتمدهم الأثر عن ابن مسعود وقد تقدم ذكره والجمهور على خلافه ، والله أعلم .
--- (1/324)
صفحة 324
ما جاء في خطبته صلى الله عليه وسلم بعرفة
أبو عبيدة قال : لما أذن الله تعالى عام أن يحج حجة الوداع وهي حجة التمام فوقف بعرفة وقال يا أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض فلا شهر ينسأ ولا عدة تحصى ألا وأن الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة .
------------------------------------
وقد تقدم ذكرها في شرح أول الباب من حديث جابر بن عبدالله عند مسلم وغيره وهي قبل الصلاة كما تقدم ذكرها ، وفي البخاري قال : حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة قال أخبرني عمرو قال سمعت جابر بن زيد قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات تابعه ابن عيينة عن عمرو .
قوله لما أذن الله تعالى ) أي أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك ليعلم الناس مناسكهم وليكون الحج خاتمة عمله من المناسك . وفي قوله أذن ) إشعار بأنه إنما أخر صلى الله عليه وسلم إلى هذا الوقت بأمر من الله تعالى حيث لم يأذن له في الخروج إلى الحج بعد الهجرة إلا في هذا العام وقد تقدم ما في حكمة ذلك .
قوله حجة الوداع ) بفتح الواو اسم مصدر لودعه توديعاً هو أن تشيعه عند سفره وإنما سميت هذه الحجة بذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودّع فيها الناس بعد خطبته بمنى فقالوا هذه حجة الوداع .
قوله وهي حجة التمام ) تفسير لما قبله وإنما فسرها بذلك لأنها آخر عهده صلى الله عليه وسلّ/ بالبيت وآخر عهده بالمناسك وآخر عهده باجتماع الناس بمنى ولأنها كانت على تمام عمره الشريف صلوات الله عليه وسلامه . (1/325)
صفحة 325
قوله فوقف بعرفة .. الخ ) هذا صريح أن هذه الخطبة إنما كانت بعرفة حال وقوفه صلى الله عليه وسلم بها ، وقد روى الشيخان قطعة من أولها من حديث أبي بكرة قال : خطبنا صلى الله عليه وسلّ/ يوم النحر قال إن الزمان قد استدار .. الخ ، فذكر خطبة طويلة ولعله قد تكرر ذكره صلى الله عليه وسلم لهذه القطعة فذكرها مرة بعرفة وهو الثابت عند أبي عبيدة رضي الله عنه وذكرها مرة في خطبته يوم النحر وهو الثابت عند الشيخين .
قوله إن الزمان قد استدار ) الزمان اسم لقليل الوقت وكثيره والمراد هنا السنة ، ومعنى استدار أي دار ورجع على حاله الأول الذي خلقه الله عليه قبل أن تغيره الجاهلية بنسيئها .
وقوله كهيئة يوم ) بالإضافة كذا في نسخ المسند التي بأيدينا وهو نسخة أيضاً في رواية قومنا وفي نسخة أخرى كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض ) . والهيئة صورة الشيء وشكله وحالته والكاف صفة مصدر محذوف أي استدار استدارة مثل حالته يوم خلق الله السموات والأرض وما فيها من النيرين اللذين تعرف بهما الأيام والليالي والسنة والأشهر . والمعنى ان الزمان عاد إلى أصل الحساب والوضع الذي اختاره الله ووضعه يوم خلق السموات والأرض وهو أن يكون كل عام اثني عشر شهرا وكل شهر ما بين تسعة وعشرين إلى ثلاثين يوما . وكانت العرب في جاهليتهم غيروا ذلك فجعلوا عاماً اثني عشر شهراً وعاماً ثلاثة عشر فإنهم كانوا ينسئون الحج في كل عامين من شهر إلى شهر آخر بعده ويجعلون الشهر الذي نسئوه ملغي فتصير تلك السنة ثلاثة عشر وتبتدل أشهرها فيحلون الأشهر الحرم ويحرمون غيرها كما قال تعالى إنما النسيء زيادة في الكفر ) الآية . فأبطل الله تعالى ذلك وقرره على مداره الأصلي فالسنة التي حج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع هي السنة التي صول ذو الحجة إلى موضعه وقال النبي صلى الله عليه وسلم : فلا شهر ينسأ ولا عدة تحصى ألا وأن الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة . (1/326)
صفحة 326
ومعنى قوله فلا شهر ينسأ ) أي يؤخر عن وقته المقدر في أول الزمان إلى يوم القيامة .
ومعنى قوله ولا عدة تحصى ) أي تعد في الأشهر غير العدة التي وضعها عليها ربنا تعالى . وقال البيضاوي : كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون احلوه وحرموا مكانه شهراً آخر حتى رفوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرد العدد . وقال مجاهد : كانوا يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ذي الحجة عامين ثم حجوا في المحرم عامين وكذلك في باقي الشهور فوافقت حجة أبي بكر قبل حجة الوداع السنة الثانية من ذي القعدة ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم في العام المقبل وخطب اليوم العاشر بمنى وأعلمهم أن أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان وعاد الأمر إلى ما جعل الله عليه حساب الأشهر يوم خلق الله السموات والأرض وأمرهم بالمحافظة عليه لئلا تتبدل في مستأنف الأيام ، والله أعلم .
--- (1/327)
صفحة 327
ما جاء في وقت الدفع من عرفة والمزدلفة
قال أبو عبيدة لما تم حجه خطب الناس بعرفة فقال إن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من عرفات إذا صارت الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم ، ويدفعون من المزدلفة إذا طلعت الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم وإنا لا ندفع من عرفات حتى تغرب الشمس ويفطر الصائم وندفع من المزدلفة غداً إن شاء الله قبل طلوع الشمس هدينا مخالف لهدي أهل الشرك والأوثان .
------------------------------------
قوله لما تم حجه ) أي وقوفه بعرفة وقد جاء الحج عرفة ) أي ركنه الأعظم الوقوف بعرفة ومنه التوبة والندم .
قوله خطب الناس بعرفة .. الخ ) ذكر هذه الخطبة في المشكاة من رواية محمد بن قيس بن مخرمة قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن أهل الجاهلية .. الخ . ثم قال رواه البيهقي وقال خطبنا وساقه . وقال شارحه أي في شعب الإيمان ذكره الجرزي يعني ان البيهقي رواه في شعب الإيمان وقول ابن حجر رواه مسلم الله أعلم بصحته وقد طالعته من بابه فلم أجده ، وروى الجماعة إلا مسلماً عن عمر قال : كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس فيقولون اشرق فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم فأفاض قبل طلوع الشمس ، وفي رواية أحمد وابن ماجة أشرق ثبير كيما نغير . فقوله أشرق أي دخل في الشروق وهو طلوع الشمس ، وثبير بفتح المثلثة وكسر الموحدة وسكون التحتية بعدها راء مهملة جبل معروف بمكة وهو أعظم جبالها . وقوله كيما نغير ) أي ندفع مأخوذ من قولهم أغار الفرس إذا أسرع . (1/328)
صفحة 328
قوله إن أهل الشرك والأوثان ) وهم أهل الجاهلية من العرب والمراد بهم ما عدا قريشاً فإن قريشاً كانوا لا يقفون بعرفة مع الناس وإنما يقفون بالمزدلفة خصوصية جعلوها لنفسهم يمتازون بها عن سائر العرب في زعمهم وفيهم نزل قوله تعالى ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) .
وقوله يدفعون ) أي يرجعون .
وقوله إذا صارت الشمس .. الخ ) تشبيه لحالتها قبل الغروب بيسير .
وقوله في وجوههم ) أي في وجوه الرجال وذلك أن الشمس قبل الغروب تكون في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم وذلك بأن ينحدر شيء من عمامة الرجل على وجهه وإنما لم يقل على رؤوسهم لأن الشمس وقت الغروب إنما يقع ضوءها على ما يقابلها ولم يتعد إلى ما فوقه من الرأس لانحطاطها ، وكذا وقت الطلوع وقد شبه ما يقع على رؤوس الجبال من الضوء بطرفي النهار حينما دنت الشمس من الأفق بالعمامة المنحدرة على الوجه لأنه يلمع في جانب رأس الجبل لمعان بياض العمامة والإضافة في عمائم لمزيد التوضيح أو للاحتراز عن نساء الأعراب فإن على رؤوسهن ما يشبه العمائم .
وقوله وإنا ) أي معشر المسلمين .
وقوله لا ندفع من عرفات حتى تغرب الشمس ويفطر الصائم ) أي يدخل في وقت الإفطار فيحل له الأكل والشرب سواء أفطر أو لم يفطر وتأخير الدفع إلى هذا الوقت واجب عندنا وعند أكثر قومنا فمن دفع قبل الغروب قيل يفسد حجه وقيل عليه دم فقط وإن رجع فأدرك الوقوف قبل الغروب فلا شيء عليه وإن لم يدركه فهو كمن لم يرجع والله أعلم .
قوله قبل طلوع الشمس ) أي عند الإسفار فيكره المكث بها إلى طلوع الشمس اتفاقاً ، قال جابر بن زيد رحمه الله : الدفعة من جمع حين ينظر الناس والدواب مواضع قوائمهم .
قوله هدينا ) بفتح الهاء وسكون الدال أي سيرتنا وطريقتنا .
وقوله مخالف لهدي أهل الشرك والأوثان ) أي لسيرتهم وطريقتهم ، والأوثان الأصنام . وأهلها عبادها ، وأهل الشرك أصحابه المتلبسون به ، والله أعلم .
--- (1/329)
صفحة 329
ما جاء في السير في الدفع
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : سئل أسامة بن زيد كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع حين دفع ؟ قال : كان يسير العنق فإذا وجد فرجة نص والنص فوق العنق والعنق هو السرعة في السير .
------------------------------------
قوله سئل أسامة بن زيد ) بالبناء للمفعول وهذا السائل لم يسم ، وفي الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه قال سئل أسامة بن زيد وأنا جالس معه ، ولمسلم من طريق حماد بن زيد عن هشام عن أبيه سئل أسامة وأنا شاهد أو قال سألت أسامة بن زيد وإنما سألوه عن ذلك ليقتدوا بفعله صلى الله عليه وسلم ، وإنما خص أسامة بالسؤال عن ذلك لأنه رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة . والحديث رواه مالك في الموطأ والشيخان وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم .
قوله حين دفع ) زاد في رواية عند قومنا من عرفة ) ومعنى دفع أي انصرف من عرفة قيل وإنما يستعمل الدفع في الإفاضة لأن الناس في مسيرهم ذلك يدفع بعضهم بعضا ، وقيل معنى دفع أي دفع نفسه عن عرفة ونحاها .
قوله العنق ) بفتح المهملة والنون بعدها قاف سير بين الإبطاء والإسراع ، وقيل سير سهل في سرعة ، وقيل هو الخطو الفسيح ، وقيل سير يتحرك به عنق الدابة . وانتصب على المصدرية انتصاب القهقرى أو على الوصفية أي يسير السير العنق .
وقوله فرجة ) بضم الفاء وفتحها وسكون الراء كذا في نسخ المسند التي بأيدينا وهو رواية عند قومنا وفي أكثر الوراية عندهم فجوة ) بفتح الفاء وسكون الجيم فواو مفتوحة وهما بمعنى واحد كما ذكره ابن عبد البر وغيره والمراد المكان المتسع . (1/330)
صفحة 330
وقوله نص ) بفتح النون والصاد المهملة الثقيلة أي أسرع ، قال أبو عبيد : النص تحريك الدابة حتى تستخرج به أقصى ما عندها وأصله غاية الشيء . قال ابن عبد البر : ليس في هذا الحديث أكثر من معرفة كيفية السير في الدفع من عرفة إلى المزدلفة . قال وهو مما يلزم أئمة الحاج فمن دونهم فعله لأجل الاستعجال للصلاة لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة أي فيجمع بين المصلحتين الوقار والسكينة عند الزحمة وبين الإسراع عند عدمها لأجل الصلاة . وقال ابن خزيمة فيه دليل على أن حديث ابن عباس عن أسامة قال فما رأيت ناقته رافعة يديها حتى أتى جمعا محمول على حال الزحام دون غيره . وفي الحديث أيضاً أن السلف كانوا يحرصون على السؤال عن كيفية أحواله صلى الله عليه وسلم في جميع حركاته وسكونه ليقتدوا به في ذلك .
قوله والنص فوق العنق ) أي أرفع منه في السرعة وظاهر هذا التفسير أنه عن غير أسامة لكنه مدرج في الحديث وكذا أدرجه يحيى القطان عند البخاري وسفيان عند النسائي وعبد الرحيم بن سليمان ووكيع عند ابن خزيمة وعند مالك أن التفسير من هشام بن عروة وكذا بين حميد بن عبد الرحمن عند مسلم وأنس بن عياض عند أبي عوانة كلاهما عن هشام أن التفسير من كلامه وعند إسحاق بن راهويه أن التفسير من وكيع وعند ابن خزيمة أنه من سفيان وهما إنما أخذاه عن هشام فرجع التفسير إليه عند قومنا وهو عند المصنف محتمل أن يكون من كلام جابر أو من كلام أبي عبيدة والأول أظهر ، والله أعلم .
--- (1/331)
صفحة 331
حديث أبي أيوب الأنصاري في الصلاة بالمزدلفة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن أبي أيوب الأنصاري صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعاً .
------------------------------------
وقد تقدم شرحه في باب القرآن في الصلاة وكذا تقدم شرح الصلاة بالمزدلفة في حديث أسامة المتقدم آنفاًَ.
قوله بلغني عن أبي أيوب الأنصاري ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وسند مالك فيه عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت الأنصاري أن عبدالله بن يزيد الخطمي أخبره أن أبا أيوب الأنصاري أخبره أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا .
--- (1/332)
صفحة 332
ما جاء في وادي السرر بمنى
أبو عبيدة قال : بلغني عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنت بين الأخشبين بمنى ونفخ بيده نحو المشرق فإن هناك وادياً يقال له وادي السرر فيه سرحة سر تحتها سبعون نبياً يعني قطعت فيه سررهم حين ولدوا .
قال الربيع : السرحة الشجرة العظيمة والأخشبان جبلان مشرفان على منى .
------------------------------------
قوله بلغني عن ابن عمر ) الحديث رواه أيضاً مالك عن محمد بن عمرو بن حلحلة الدئلي عن محمد بن عمران الأنصاري عن أبيه أنه قال : عدل إلي عبدالله بن عمر وأنا نازل تحت سرحة بطريق مكة فقال : ما أنزلك تحت هذه السرحة ؟ فقلت : أردت ظلها . فقال : هل غير ذلك ؟ قلت : ما أنزلني إلا ذلك . فقال عبدالله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنت بين الأخشبين من منى .. الحديث . وأخرجه النسائي من طريق ابن القاسم عن مالك بالسند المتقدم .
قوله بين الأخشبين ) قال الربيع رحمه الله تعالى : الأخشبان جبلان مشرفان على منى . وقال ابن وهب : أراد بهما الجبلين الذين تحت العقبة بمنى فوق المسجد والأخاشب الجبال ويقال إنها اسم لجبال مكة ومنى خاصة .
قوله ونفخ ) بخاء معجمة أي أشار .
وقوله وادي السرر ) وفي رواية مالك يقال له السرر بغسقاط لفظ الوادي وهو بضم السين وكسرها مع فتح الراء جمع سرة وهو ما تقطعه القابلة من سرة الصبي .
قوله فيه سرحة ) بفتح السين والحاء المهملتين بينهما راء ساكنة . قال الربيع : هي الشجرة العظيمة . وقال غيره : شجرة طويلة لها شعب . وفي رواية مالك به شجرة . والمعنى واحد وإن كانت رواية المصنف أخص وهي على المعنى أنص . (1/333)
صفحة 333
قوله سر تحتها سبعون نبياً ) قال جابر بن زيد رضي الله عنه يعني قطعت فيه سررهم حين ولدوا وذلك أنهم ولدوا تحتها فقطعت سررهم . وقال بعض قومنا قطعت سررهم مجاز لعلاقة المجاورة لان السرة الموضع الذي يقطع منه . وقال مالك : بشروا تحتها بما يسرهم . قال ابن حبيب : فهو من السرور أي تنبؤا تحتها واحداً بعد واحد فسروا بذلك .
وفي الحديث التبرك بمواضع النبيين . والله أعلم .
--- (1/334)
صفحة 334
ما جاء في المبيت بمنى ليالي التشريق
أبو عبيدة قال : رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاة الإبل في البيتوتة ويرمون يوم النحر ثم يرمون بالغداة ومن بعد الغد يرمون يومين ثم يرمون يوم النفر .
-----------------------------------
وهو واجب عندنا فلا يجوز للحاج المبيت في غيرها قبل النفر فإن فعل فعليه دم لكل ليلة باتها ووجوبه مأخوذ من فعله وقوله عليه الصلاة والسلام وروى مالك عن نافع بن عبدالله ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال : لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة ويستثنى من ذلك رعاة الإبل كما في حديث الباب وأصحاب السقاية كما في حديث ابن عباس وابن عمر عند الشيخين وأحمد أن العباس استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له . وذهب بعضهم إلى اختصاص ذلك بالعباس وهو جمود . وقيل يدخل معه آله . وقيل فريقه وهم بنو هاشم .وقيل كل من احتاج إلى السقاية فله ذلك ثم قيل يختص الحكم بسقاية العباس حتى لو عمل سقاية لغيره لم يرخص لصاحبها في المبيت لجلها ومنهم من عممه والعلة في ذلك إعداد الماء للشاربين وهل يختص ذلك بالماء أو يلحق به ما في معناه من الأكل وغيره محل احتمال والجمهور على اختصاص ذلك .
قوله قال رخص ) الحديث مرسل عند المصنف رضي الله عنه ورواه الخمسة ومالك عن عاصم بن عدي وصححه الترمذي .
قوله لرعاة ) بضم الراء جمع راع كقضاة جمع قاض ، وفي رواية قومنا لرعاء بكسر الراء والمد جمع راع أيضا .
وقوله في البيتوتة ) مصدر بات زاد في رواية قومنا عن منى ) أي خارجاً عنها .
قوله فيرمون يوم النحر ) أي جمرة العقبة حين يرمى الناس . (1/335)
صفحة 335
قوله ثم يرمون بالغداة ) أي باليوم الذي بعد النحر وذلك بعد أن تزول الشمس حين يرمي الناس الجمار ، وإنما أطلق عليها الغداة مجازاً من إطلاق اسم الشيء على مجاورة لقرب ما بين الغداة والزوال ، وفي رواية مالك ثم يرمون الغد فلا تجوز فيها وذلك أن أصحاب الإبل يبيتون في إبلهم ثم يصبحون مع الناس .
قوله ومن بعد الغد ) معطوف على قوله بالغداة .
وقوله يرمون يومين ) تفسير لما قبله والمعنى أنهم يرمون بالغداة وهي أول أيام التشريق ويرمون في اليوم الذي بعده وهو ثاني أيام التشريق فهم يرمون في يومين .
وقوله ثم يرمون يوم النفر ) بفتح النون وإسكان الفاء وهو الانصراف من منى وذلك اليوم الثالث من أيام التشريق وفيه يكون النفر الثاني . قال المحشي : يعني إن تأخروا إليه . قال : وأما إن تعجلوا فلا إثم عليهم كغيرهم . وعند جماعة من العلماء أن رخصة الرعاة إنما هي جمع بين رمي يومين في يوم واحد . قال مالك تفسير الحديث أنهم يرمون يوم النحر فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد وذلك يوم النفر الأول فيرمون لليوم الذي مضى ثم يرمون ليومهم ذلك لأنه لا يقضي أحد شيئاً حتى يجب عليه فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء بعد ذلك . قال : فإن بدل لهم النفر فقد فرغوا وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر ونفروا هذا تفسير الحديث عنده لكن لفظ الحديث عنده يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين والجمهور على اختصاص الرخصة في المبيت بأهل السقاية والرعاء وألحق الشافعية بذلك من له مال يخاف ضياعه أو أمر يخاف فوته أو مريض يتعاهده . وقال المالكية : يجب الدم في المذكورات سوى الرعاء وأهل السقاية فمن ترك المبيت بمنى من غيرهما وجب عليه دم عن كل ليلة وهو المذهب . وقال الشافعي : عن كل ليلة طعام مسكين ، وعنه أيضاً التصدق بدرهم ، والمشهور عن أحمد وعن الحنفية لا شيء عليه ، والله أعلم .
--- (1/336)
صفحة 336
الباب الثامن في الهدي والجزاء والفدية
ما جاء في ان تقليد الهدي لا يوجب الإحرام
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال : كتب زياد بن أبي سفيان إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فقال إن عبدالله بن عباس يقول من أهدى هدياً يحرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه وقد بعثت بهدي فاكتبي إلي بأمرك . قال قالت عائشة : وليس كما قال ابن عباس أنا فتلت قليد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً أحله الله له حتى ينحر هديه .
------------------------------------
قوله في الهدي والجزاء والفدية ) أما الهدي فهو ما يهدى إلى الحرم من النعم يثقل ويخفف الواحدة هدية بالثقيل والتخفيف أيضاً ، وقيل الهدي بالتثقيل جمع المخفف وأهديت للرجل كذا بالألف بعثت به إليه إكراماً فهو هدية بالتثقيل لا غير ، وأهديت الهدي إلى الحرم سقته .
وأما الجزاء فهو ما يلزم المحرم عقوبة على جنايته في إحرامه أو جنايته في الصيد ونحوه مأخوذ من قوله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم ) الآية .
وأما الفدية فهو القدر الذي يبذله الإنسان يقي به نفسه من تقصير وقع منه في عبادة أو نحوها مأخوذ من قوله تعالى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) ، والله أعلم .
قوله عن أبي سعيد الخدري ) الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم كلهم من حديث عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية . (1/337)
صفحة 337
قوله كتب زياد بن أبي سفيان ) أي صخر بن حرب والد معاوية بن أبي سفيان وكأن أبا سعيد حدث جابراً بذلك في زمان بني أمية حين شهر زياد بهذه النسبة عند العامة بعد استلحاق معاوية إياه بأبيه مكراً وخديعة فاتقاهم الناس فقالوا زياد بن أبي سفيان خوفاً من سطوة الأمراء والتقية بذلك واسعة ولما انقرضت دولة بني أمية ما كان يقال له إلا زياد بن أبيه وزياد بن سمية وقبل استلحاق معاوية له كان يقال له زياد بن عبيد وكانت أمه سمية مولاة الحارث بن كلدة الثقفي تحت عبيد المذكور فولدت له زياداً على فراشه وكان ينسب إليه فلما كان في خلافة معاوية شهد جماعة من أتباع معاوية على إقرار أبي سفيان بان زيادأً ولده فاستلحقه معاوية . وسبب ذلك فيما ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى أن علياً كان ولى زياداً فارس حين أخرج منها سهل بن حنيف فضرب زياد ببعضهم بعضا حتى غلب عليها وما زال ينتقل في كورها حتى صلح أمر فارس ثم ولاه على اصطخر وكان معاوية يتهدده ثم أخذ بسر بن أرطأة عبيدالله وسلمان ولديه وكتب إليه يقسم ليقتلنهما إن لم يرجع ويدخل في طاعة معاوية ويرده على عمله فقدم زياد على معاوية وكان المغيرة بن شعبة قال لزياد قبل قدومه على معاوية أرم الغرض الأقصى ودع عنك الفضول فإن هذا الأمر لا يمد إليه أحد أبداً إلا الحسن بن علي وقد بايع لمعاوية فخذها لنفسك قبل التوطين . قال زياد : فأشر عليّ . قال : أرى أن تنقل أصلك إلى أصله وتصل حبلك بحبله وتعير الناس أذناً صماء . فقال زياد : يا بن شعبة أغرس عوداً في عير منبته ولا مدرة فتحييه ولا عرق فيسقيه . (1/338)
صفحة 338
ثم إن زياداً عزم على قبول الدعوى وأخذ برأي ابن شعبة فأرسلت جويرية بنت أبي سفيان عن أمر أخيها فأتاها فأذنت له وكشفت عن شعرها بين يديه وقالت أنت أخي أخبرني بذلك أبو مريم ، ثم أخرجه معاوية إلى المسجد وجمع الناس فقام أبو مريم السلولي فقال : أشهد أن أبا سفيان قدم علينا بالطائف وأنا خمار في الجاهلية فقال ابغني بغياً فأتيته وقلت لم أجد إلا جارية الحارث بن كلدة سمية فقال ائتني بها على ذفرها وقذرها فقال له زياد : مهلاً يا أبا مريم إنما بعثت شاهداً ولم تبعث شاتما . فقال أبو مريم : لو كنتم أغنتيموني لكان أحب إلي وإنما شهدت بما عاينت ورأيت والله لقد أخذ بكم درعها وأغلقت الباب عليهما وقعدت دهشان فلم ألبث أن خرج علي يمسح جبينه فقلت مه يا أبا سفيان فقال ما أصبت مثلها يا أبا مريم لولا استرخاء من ثديها وذفر من فيها . فقام زياد فقال : يا أيها الناس هذا الشأن قد ذكر ما سمعتم ولست أدري حق ذلك من باطله وإنما كان عبيد نبيا مبروراً ولياً مشكوراً والشهود أعلم بما قالوا . فقام يونس بن عبيد أخو صفية بنت عبيد بن أسد بن علاج الثقفي وكانت صفية مولاة سمية فقال : يا معاوية قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الولد للفراش وللعاهر الحجر وقضيت أنت أن الولد للعاهر وأن الحجر للفراش مخالفة لكتاب الله وانصرافاً عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهادة أبي مريم على زنا أبي سفيان . فقال معاوية : والله يا يونس لتنتهين أو لأطيرن بك طيرة بطيئاً وقوعها . فقال يونس : هل إلا إلى الله ثم اقع ؟ قال : نعم واستعفر الله . فقال عبد الرحمن بن أم الحكم في ذلك ويقال أنه ليزيد بن مقرع الحميري : (1/339)
صفحة 339
قوله من أهدى هدياً يحرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه ) أخذاً من قوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) ومن قوله صلى الله عليه وسلم لحفصة في حديث أبي سعيد الآتي : إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر ، وذلك أنه رضي الله عنه قاس التولية في أمر الهدي على المباشرة له أو أنه اعتمد على سنة حفظها ولم يبلغه ناسخها روى الطحاوي وغيره عن عبد الملك بن جابر عن أبيه جابر بن عبدالله قال : كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فقد قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه فقال إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على مكان كذا فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج من قميصي من رأسي . وإسناده ضعيف فلا حجة فيه . وقد وافق ابن عباس على ذلك ابن عمر وقيس بن سعد بن عبادة وعمر وعلي والنخعي وعطاء وابن سيرين وآخرون وبه أفتى الربيع فقال أبو سفيان خرجت أم عمرو إلى مكة فلما كانت على مرحلة من البصرة أمرت مولى لها يقال له مسلم السقط وكان فاضلاً يا مسلم اشتر لي بدنة قال فاشترى لها بدنة فقال له اشعرها فقال ففعل قال فقالت ما صنعنا إنا نخاف أن يدخل علينا شيء من ذلك قال فأقامت مكانها فوجهت مسلماً إلى الربيع تسأله قال فقال لها : قد وجب عليك الإحرام فأمسكي عما يمسك عنه المحرم حتى تنحري بدنتك . وقيّد الشيخ الكدمي ذلك بمن ساق الهدي للحج أو العمرة قال وإن ساقه نفلاً لغير معنى الحج والعمرة فلا أعلم وجوب الإحرام عليه . وقال ابن مسعود وعائشة وأنس وابن الزبير وآخرون لا يضير بذلك محرماً وإلى ذلك ذهب فقهاء الأمصار . وقال الزهري أول من كشف الغماء عن الناس وبيّن لهم السنة في ذلك عائشة فذكر الحديث عن عمرة عنها وقال لما بلغ الناس قولها أخذوا به وتركوا فتوى ابن عباس . (1/340)
صفحة 340
قوله فاكتبي إليّ بأمرك ) زاد في رواية مالك أو مري صاحب الهدي ) أي الذي معه الهدي بما يصنع وكأنه كتب إليها لما بلغه إنكارها عليه روى سعيد ابن منصور عن عائشة وقيل لها إن زياداً إذا بعث بالهدي أمسك عما يمسك عنه المحرم حتى ينحر هديه فقالت عائشة أوله كعبة يطوف بها .
قوله قال ) أي أبو سعيد الخدري .
وقوله وليس كما قال ابن عباس ) أي ليس السنة في ذلك كما أفتى ابن عباس وإنما السنة فيه ما أخبركم به عن مشاهدة وخبرة .
وقوله أنا فتلت .. الخ ) إخبار بما عاينت من فعله صلى الله عليه وسلم وفتل الشيء بالفاء ليه . والقليد بفتح أوله ما يقلد به الهدي ليعلم أنه هدي فيكف الناس عنه ، وفي رواية قومنا أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بصيغة الجمع وهو جمع قلادة بالكسر والمعنى واحد .
وقولها بيدي ) بفتح الدال وشد الياء ، وفي رواية الإفراد على إرادة الجنس وفيه دفع توهم المجاز أن تكون أرادت أنها فتلت بأمرها .
وقولها مع أبي ) بفتح الهمزة وكسر الموحدة الخفيفة تريد أباها أبا بكر الصديق فأفادت أن وقت البعث كان سنة تسع عام حج أبو بكر بالناس . قال ابن التين أرادت عائشة بذلك علمها بجميع القصة . قال ويحتمل أن تريد أنه آخر فعل النبي صلى الله عليه وسلم لأنه حج في العام الذي يله حجة الوداع لئلا يظن ظان أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ فأرادت إزالة هذا اللبس وأكملت ذلك بقولها فلم يحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً أحله الله له حتى نحر هديه بالبناء للمفعول أي ينحره من أمر بنحره . وفي رواية لمسلم فأصبح فينا حلالاً يأتي ما يأتي الحلال من أهله .
وفي الحديث تناول الكبير الشيء بنفسه وإن كان له من يكفيه إذا كان مما يهتم به ولا سيما ما كان من إقامة الشرائع وأمور الديانة . (1/341)
صفحة 341
وفيه اعتراض بعض العلماء على بعض وردّ الاجتهاد بالنص ، وأن الأصل في أفعاله صلى الله عليه وسلم التأسي به حتى تثبت الخصوصية ، والله أعلم .
--- (1/342)
صفحة 342
ما جاء أن من ساق الهدي لا يتحلل من عمل العمرة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال قالت حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : ما بال الناس أحلوا بعمرة ولم تحل أنت من عمرتك . فقال : إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر .
قال الربيع : والتلبيد أن يعمد إلى غاسول أو صمغ فيعصب به رأسه ويلبد به شعره .
------------------------------------
قوله عن أبي سعيد الخدري ) الحديث رواه الجماعة إلا الترمذي عن حفصة أم المؤمنين قالت قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ما شأن الناس .. الخ .
قوله قالت حفصة ) هي بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وهذا السؤال إنما كان منها رضي الله عنها في حجة الوداع ، وفي حديث جابر بن عبدالله عند مسلم وغيره في قصة حجة الوداع أن النبي صلى الله عليه وسلم نادى وهو على المروة والناس تحته فقال : لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة .
قوله ما بال الناس ) أي ما شأنهم وأي شيء حملهم على مخالفتك في الفعل حيث أحلوا بعمرة ولم تحل أنت من عمرتك التي أدخلتها على الحج بوادي العقيق . وهذا السؤال منها بحث عن العلة الحاملة على المخالفة إذ كانت تعلم أنهم لا يفعلون ذلك إلا عن أمره ولهذا أجابها عن علة ذلك بقوله إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر ) وذلك لقوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) فحكم من لبد رأسه عند الإحرام أو قلد الهدي أن لا يحل حتى ينحر هديه أما الهدي فظاهر من معنى الآية وقد بينته السنة وأما التلبيد فلأن فيه التهيء لطول المكث في الإحرام فمن احل قبل أن يفرغ من النسكين فقد أشبه الراجع عن قصده . (1/343)
صفحة 343
والتلبيد أن يعمد إلى غاسول أو صمغ فيعصب به رأسه ويلبد به شعره ياقل لبد شعر رأسه أي جعل فيه شيئاً نحو الضمغ ليجتمع شعره لئلا يتشعث في الإحرام ويقع فيه القمل .
والغاسول الأشنان ويقال له غسول كصبور وتنور .
والصمغ واحد صموغ الأشجار وأنواعه كثيرة والصمغ العربي صمغ الطلح والقطعة منه صمغة .
والتقليد أن يجعل في عنق البعير أو غيره حبل فيعلق فيه نعلان أو نعل واحدة ليعلم أنه هدي فهو له قلادة بكسر القاف ورأي الربيع رحمه الله تعالى أن الغنم لا تقلد والله أعلم .
وظاهر هذا الحديث يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان محرماً بالعمرة كحديث سعد بن وقاص الآتي في الباب الذي بعده في التمتع مع أنه سيأتي عن عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام أفرد الحج ، وسيأتي إن شاء الله كيفية الجمع بين هذه الأحاديث والله أعلم .
--- (1/344)
صفحة 344
ما جاء في ركوب الهدي
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة فقال : اركبها . فقال يا رسول الله : إنها بدنة . قال : اركبها . قال : إنها بدنة . قال : اركبها : ويلك في الثانية أو الثالثة .
------------------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً الشيخان وأحمد ولهم عن أنس نحوه .
قوله رأى رجلاً ) قال ابن حجر ك لم أقف على اسمه بعد طول البحث وقد نقل كلامه هذا من جاء بعده من الحفاظ ولم يزيدوا شيئا .
قوله يسوق بدنة ) بفتح أوله وثانيه أي ناقة وتطلق البدنة أيضا على البقرة وزاد الأزهري إطلاقها على البعير الذكر قال ولا تقع البدنة على الشاة . وقيل البدنة هي الإبل خاصة سميت بذلك لعظم بدنها قالوا وإنما الحق البقرة بالإبل بالسنة وهو قوله عليه الصلاة والسلام تجزي البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة ) قالوا ففرق الحديث بينهما بالعطف إذ لو كانت البدنة في الوضع تطلق على البقرة لما ساغ عطفها لن المعطوف غير المعطوف عليه ، وفي رواية لمسلم يسوق بدنة مقلدة ) ، وفي رواية فلقد رأيته راكبها يساير النبي صلى الله عليه وسلم والنعل في عنقها ) . (1/345)
صفحة 345
قوله إنها بدنة ) أراد أنها بدنة مهداة إلى البيت الحرام لأن كونها من الإبل معلوم والظاهر أن الرجل ظن أنه خفي على النبي صلى الله عليه وسلم كونها هدياً فقال إنها بدنة . قال بعضهم والحق أنه لم يخف ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم لكونها كانت مقلدة ولهذا قال لما زاد في مراجعته ويلك . وحديث الباب يدل على جواز ركوب الهدي من غير فرق بينما كان منه واجباً أو تطوعاً لتركه صلى الله عليه وسلم الاستفصال وبه قال قوم منا ومن غيرنا . وقيل يكره ركوبه لغير حاجة ونسب إلى أكثر الفقهاء ، وقيّد بعضهم الجواز بالاضطرار . وقيل يركب عند الضرورة ركوباً غير فادح . وقيل يركب للضرورة فإذا استراح نزل . وقيل لا يجوز ركوب الهدي مطلقاً . وقيل يجوز مع الحاجة ويضمن ما نقص منها بالركوب . وقال بعض أهل الظاهر يجب الركوب تمسكاً بظاهر الأمر ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البحيرة والسائبة . وردّ بأن الذين ساقوا الهدي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا كثيراً ولم يأمر أحداً منهم بذلك . واختلف من أجاز الركوب هل يجوز أن يحمل عليها متاعه فمنعه مالك وأجازه الجمهور من قومنا وكذلك أجازوا أن يحمل عليها غيره على التفصيل المتقدم ونقل عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها . واختلفوا أيضاً في اللبن إذا احتلب منه شيء فقال قوم يتصدق به فإن شربه تصدق بثمنه . وقيل لا يشرب منه فإن شرب لم يغرم .
قوله ويلك ) كلمة تدعم بها العرب كلامها ولا تقصد معناها كقولهم لا أم لك ، وقيل إنها كلمة تقال لمن وقع في هلكة قال الهروي يقال ويل لمن وقع في هلكة يستحقها وويح لمن وقع في هلكة لا يستحقها ، وقال القرطبي قالها له تأديباً لأجل مراجعته له ، قال ويحتمل أن يكون فهم عنه أنه يترك ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة وغيرها فزجره عن ذلك .
قوله في الثانية أو الثالثة ) شك من الراوي أي قال له ويلك في المراجعة الثانية أو في الثالثة . (1/346)
صفحة 346
وفي الحديث تكرير الفتوى والندب إلى المبادرة إلى امتثال الأمر وزجر من لم يبادر إلى ذلك وتوبيخه وأن الكبير إذا رأى مصلحة الصغير لا يأنف من إرشاده إليها . واستنبط منه البخاري جواز انتفاع الواقف بوقفه ، قال ابن حجر وهو موافق للجمهور في الأوقاف العامة وأما الخاص فالوقف على النفس لا يصح عند الشافعية ومن وافقهم .
قلت وهو الصحيح عندي ، والله أعلم .
--- (1/347)
صفحة 347
ما جاء في أن البدنة عن سبعة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال جابر بن عبدالله نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة .
------------------------------------
قوله عن جابر بن عبدالله ) الحديث رواه أيضاً الشيخان وأحمد في رواية عندهم عن جابر قال أمرنا رسول اله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة . والسبعة بيان لغاية الإجزاء وشرط لصحته فقد يصح فيما دون ذلك وكذلك يصح في غير الإفراد أيضاً لأنه صلى الله عليه وسلم أشرك علياً في هديه كما في حديث جابر عند مسلم وغيره . والاشتراك في جميع الهدي جائز إلا في هدي جزاء الصيد لأن الواجب عليه الجزاء مثل ما قتل من النعم . وقال أبو حنيفة يشترط في الاشتراك أن يكونوا كلهم متقربين وزاد زفر أن تكون أسبابهم واحدة واشترط قوم أن يكونوا مفترضين وعن داود وبعض المالكية يجوز في هدي التطوع دون الواجب وعن مالك لا يجوز مطلقاً والحديث يرده .
قوله نحرنا .. الخ ) فيه دليل على جواز النحر للإبل والبقر معاً أما الإبل فهو السنة فيها وأما البقر فقالوا يجوز فيها النحر والذبح والحديث يدل على الأول .
وقوله عام الحديبية ) هو عام ست من الهجرة .
وقوله البدنة عن سبعة ) أي مجتزين بها عن سبعة ولا تجزي عنهم إلا إذا كانت بمنزلة سبع شياه فصاعداً كما يفهم من تسميتها بدنة لأنها إنما سميت بذلك لعظم بدنها ولهذا قال في الأثر ابنة مخاض وابن مخاض وابنة لبون وابن لبون وحقة عن واحد ودون ابن مخاض لا يجزي قال والجذعة عن خمسة والثنية فما فوقها عن سبعة قال والجذعة من البقر عن ثلاثة والثنية عن خمسة والمسنة فما فوقها عن سبعة . (1/348)
صفحة 348
قوله والبقرة عن سبعة ) عطف خاص على عام عند من جعل البدنة عامة للنوعين من الإبل والبقر وهو عطف مغائر عند من جعلها خاصة بالإبل وقد تقدم الخلاف في ذلك في ركوب الهدي والله أعلم .
--- (1/349)
صفحة 349
ما جاء في نحر البقر عن النساء
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس ليال بقين من ذي القعدة ولا نرى إلا أنه الحج فلما دنونا من مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يحل قالت فدخل علينا بلحم بقر يوم النحر فقلت ما هذا اللحم قال نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه .
------------------------------------
قوله عن عائشة ) الحديث رواه أيضاً الشيخان وأحمد .
قوله خرجنا ) تعني نساء النبي صلى الله عليه وسلم جميعاً فإنهن حججن معه في حجة الوداع وكن تسعا .
قوله لخمس ليال من ذي القعدة ) أي في سنة عشر من الهجرة وذو القعدة بفتح القاف وكسرها وسمي بذلك لأنهم كانوا يقعدون فيه عن القتال وإنما عبرت بالليالي لأن خرجوه صلى الله عليه وسلم من المدينة كان بين الظهر والعصر فنزل بذي الحليفة فصلى بها العصر ركعتين ثم بات بها وصلى بها المغرب والعشاء والصب والظهر وكان نساؤه كلهن معه فطاف عليهن تلك الليلة ثم اغتسل غسلاً ثانياً لإحرامه غير غسل الجماع .
قوله ولا نرى ) بضم النون وفتح الراء أي لا نظن إلا أ،ه الحج حين خروجهم من المدينة أو لم يقع في نفوسهم إلا ذلك لأنهم كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحج . (1/350)
صفحة 350
وقد اختلف الناس فيما أحرمت به عائشة أولاً فقيل إنها عمرة مفردة لما ثبت عنها في الصحيح أنها قالت فكنت ممن أهل بعمرة . وقيل إنها أحرمت بالحج أولاً وكانت مفردة لما ثبت عنها في الصحيح خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرى إلا أنه الحج وثبت عنها في حديث آخر لبينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج . وقيل أنها كانت قارنة وإليه ذهب الجمهور من قومنا لقوله صلى الله عليه وسلم يسعك طوافك لحجك وعمرتك .
قوله فلما دنونا ) أي قربنا من مكة وذلك حين كانوا بسرف كما جاء عنها في رواية أخرى .
وقوله أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. الخ ) تقدم من رواية جابر عند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم أمر بذلك بعد طوافه بين الصفا والمروة وأنه قال ذلك وهو على المروة ، ويجمع بينهما باحتمال تكريره الأمر بذلك مرتين في الموضعين وأن العزيمة كانت آخراً حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة والله أعلم .
وقوله أن يحل ) بفتح أوله وكسر ثانيه أي يصير حلالاً بأن يتمتع وبظاهر هذا الحديث ونحوه تمسك أبو حنيفة وأحمد في قولهم من أحرم لعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه أي أن المتمتع إذا كان معه الهدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر ، وقال مالك والشافعي يحل من عمرته لمجرد فراغ أعمالها وإن ساق الهدي واحتجوا بالقياس على حل الحاج من حجه وإن لم ينحر وقال أصحابنا في معنى قوله تعالى حتى يبلغ الهدي محله ) أي حيث يحل ذبحه وأكله والانتفاع به قالوا فمن كان حاجاً فمحله يوم النحر وإن كان معتمراً فمحله يوم يبلغ هديه .
قوله فدخل ) بضم الدال وكسر الخاء مبنياً للمفعول ولم يسم الداخل .
قوله بلحم بقر ) استدل به على الأكل من دم القران وهذا إنما يصح على قول من زعم أن عائشة كانت قارنة . (1/351)
صفحة 351
وقوله نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه ) وفي رواية عند البخاري ذبح مكان نحر واختلاف الروايتين يدل على جواز الأمرين في البقر واستحب لها الذبح لقوله تعالى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) واستدل البخاري باستفهام عائشة عن ذلك على جواز ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن لأنه لو كان الذبح بعلمها لم تحتج إلى الاستفهام . وتعقب بأنه يحتمل تقدم علمها بذلك وأنها أذنت بذلك لكنها استغربت إدخال اللحم عليهن ، وقال النووي : هذا محمول على أنه استأذنهن لأن التضحية عن الغير لا تجوز إلا بإذنه . وقال غيره : كأن البخاري علم بأن الأصل عدم الاستئذان ، والله أعلم .
--- (1/352)
صفحة 352
ما جاء في فدية من حلق رأسه عن أذى وهو محرم
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : خرج علينا كعب بن عجرة يريد الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآذاه القمل في رأسه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق وقال له صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين أو أنسك بشاة أي ذلك فعلت أجزاك .
------------------------------------
قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه جماعة منهم مالك والشيخان وأحمد عن كعب بن عجرة نفسه وهو عند المصنف رضي الله عنه من طريق ابن عباس كما ترى .
قوله خرج كعب بن عجرة ) بضم العين المهملة وسكون الجيم وفتح الراء ابن أمية بن عدي بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم بن سواد بن مري بن أراشة بن عامر بن عبيلة بن قميل بن فران بن بلي البلوي حليف الأنصار قيل هو حليف بني حارثة بن الحارث بن الخزرج وقيل هو حليف لبني عوف بن الخزرج وقبل هو حليف بني سالم من الأنصار . وقال الواقدي ليس بحليف للأنصار ولكنه من أنفسهم قال ابن سعد طلبت اسمه في نسب الأنصار فلم أجده ، يكنى أبا محمد وكان ممن تأخر إسلامه ثم أسلم وشهد المشاهد كلها وروى عنه ابن عمر وجابر بن عبدالله وعبدالله بن عمرو بن العاص وابن عباس وطارق بن شهاب وأبو وائل وزيد بن وهب وابن أبي ليلى وأولاده إسحاق وعبد الملك ومحمد والربيع أولاد كعب وغيرهم وفيه نزلت ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) ، وسكن الكوفة ، وتوفي بالمدينة سنة إحدى وخمسين وقيل اثنتين وقيل ثلاث وخمسين وعمره سبع وسبعون وقيل خمس وسبعون سنة . (1/353)
صفحة 353
قوله يريد الحج ) هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا والمعروف عند أهل السنن من قومنا ان القصة واقعة عام الحديبية كما صرحت به رواية للشيخين وأبي داود وأحمد وغيرهم عن كعب بن عجرة قال : أتى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية فقال : كأن هوام رأسك تؤذيك .. الخ . فقول ابن عباس عند المصنف يريد الحج إما على ظاهره فيجب التماس الجمع ولا وجه له سوى القول بتكرار القصة مرتين مرة بالحديبية ومرة بحجة الوداع لأنه صلى الله عليه وسلم لم يخرج من المدينة يريد الحج إلا في حجة الوداع ولا يبعد تكرار القصة وإن كانت في شخص واحد لاحتمال أنه نسي الحكم الأول أو ظن أن ذلك خاص بالمحصر أو بالعمرة دون الحج . وإما أن يكون كلام ابن عباس مأولاً وذلك أن تقول أطلق الحج على العمرة لاشتراكهما في قصد البيت والطواف والسعي حالة الإحرام أو تقول أراد الحج نفس القصد إلى البيت وهو المعنى اللغوي وهذا التأويل بعيد جداً والأظهر تكرر الواقعة والله أعلم .
قوله فآذاه القمل في رأسه ) وفي البخاري عن كعب بن عجرة قال وقف عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ورأسي يتهافت قملاً ، وفي رواية والقمل يتناثر على وجهي ) ولأحمد وقع القمل في رأسي ولحيتي حتى وشاربي فقال قال صلى الله عليه وسلم لقد أصابك بلاء ) . (1/354)
صفحة 354
قوله فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق .. الخ ) قال ابن قدامة لا نعلم خلافاً في إلحاق الإزالة بالحلق سواء كان بموسى أو مقص أو نورة أو غير ذلك . وأغرب ابن حزم فأخرج النتف عن ذلك فقال تلحق جميع الإزالات إلا النتف .. الخ . وأنت تعلم أن للمحرم إزالة التفث لا خصوص الحلق ومن هاهنا أحلق أصحابنا رحمهم الله تعالى بحلق الرأس كل شيء احتاج المحرم إلى إزالته لدفع الضرر فإن حكمه في ذلك حكم الحلق يفعله ويفتدي . وقال جابر بن زيد رحمه الله : من أصابه في رأسه أذى فعممه أو حلقه أو مرض في جسده فداواه فكفارة ذلك أحد الخصال التي ذكرها الله تعالى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) . وقيل إن حلق محرم أو قصّر لمحرم مثله أو غير محرم فعلى كل واحد منهما دم على الخطأ والعمد وإن كان المقصر له نائماً فعليه دم أيضاً ، وقال آخرون لا شيء على النائم .
وإن عمل المحرم شيئاً مما يحتاج إليه أو مشى تحت محمل فأدماه أو قطع شيئاً من شعر رأسه فلا شيء عليه عند المرخصين وكذلك إن وقع من بعيره فانجرح لا شي عليه وإن جز الشعر لدواء الجرح فعليه الفدية قياساً على الحلق للأذى . واستدل به بعض قومنا على ترتب الفدية أيضاً على قتل القمل . وتعقب بذكر الحلق فالظاهر أن الفدية مرتبة عليه .
قوله صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين أو أنسك بشاة ) وفي رواية مالك أو أطعم ستة مساكين مدين مدين لكل إنسان ) بالتكرير لإفادة عموم التثنية ، وإنما لم يتكرر في رواية المصنف لأن الأصل عدم التكرار والمعنى مستقيم بدونه فإنه جعل لكل مسكين مدين لا لمجموعهم .
والمد بالضم كيل وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز فهو ربع صاع لن الصاع خمسة أرطال وثلث وعليه معنى الحديث وهو عند أهل العراق رطلان فالصاع عندهم ثمانية أرطال وقد ذكرت اختلافهم مبسوطاً في السابع من المعارج . (1/355)
صفحة 355
قال جابر بن زيد رحمه الله تعالى في بيان الفدية فالصيام صيام ثلاثة أيام إلى ستة أيام والصدقة إطعام ستة مساكين إلى عشرة والنسك شاة . قال : والذبح والإطعام بمكة والصيام حيث كان أجزأه . وكأنه رحمه الله رأى أن التحديد في الحديث بيان لأقل ما يجزي من ذلك .
وقال غيره : أعلى النسك بدنة وأوسطه بقرة وأقله شاة . قال وأما الصوم فإنه يصوم حيث شاء من البلاد ، وأما النسك والإطعام فقيل يجب أن يكون بمكة . وقيل في أي موضع شاء لأن ذكر ذلك مبهم في الآية . وقيل إن الصيام عشرة أيام قياساً على صيام التمتع والإطعام لعشرة مساكين لقوله تعالى في جزاء الصيد أو عدل ذلك صياما ) وهو قياس مع النص فلا يقبل والحق ما صرح به حديث الباب ولعل من خالفه لم يبلغه الخبر فعدل إلى القياس والله أعلم .
قوله أي فعلت ذلك أجزأك ) وفي رواية الموطأ أجزأ عنك ) وإنما صرح بذلك بعد التعبير بأو المفيدة للتخيير زيادة في البيان . أخرج غير واحد عن ابن عباس قال : كل شيء في القرآن أو ) فصاحبه مخير . فإذا كان لم يجد فهو الأول فالأول ومثله في القول بالتخيير مع أو عن عمرو بن دينار وابن جريح وعطاء وإبراهيم النخعي وعكرمة ومجاهد والضحاك . قال ابن جريح إلا في قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) فليس بمخير فيها والله أعلم .
--- (1/356)
صفحة 356
الباب التاسع في التمتع والإفراد والقران والرخصة
قوله في التمتع والقران والرخصة ) في تقديم نسك على نسك كالحلق قبل الذبح وكالنحر قبل الرمي خطأ ، وقد ترجم في الباب عن أربعة أشياء . أما التمتع فهو الاعتمار في أشهر الحج ثم التحلل من تلك العمرة والإهلال بالحج في تلك السنة سمي بذلك لأن فاعله يتمتع أي يتلذذ بين العمرة بما شاء من النساء وغيرها مما أبيح له . ويطلق التمتع في عرف السلف على القران قال ابن عبد البر : ومن التمتع أيضاً القران ومن التمتع أيضاً فسخ الحج إلى العمرة .
وأما الإفراد فهو الإهلال بالحج وحده والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء ولا خلاف في جوازه .
وأما القران فهو الإهلال بالحج والعمرة معاً وهو أيضاً متفق على جوازه أو الإهلال بالعمرة ثم يدخل عليها الحج أو عكسه وهذا مختلف فيه .
وقد اختلف في حجه صلى الله عليه وسلم هل كان قراناً أو تمتعاً أو إفراداً وقد اختلفت الأحاديث في ذلك فروي أنه حج قراناً من جهة جماعة من الصحابة منهم ابن عمر عند الشيخين وعائشة عندهما أيضاً وعند أبي داود ومالك في الموطأ وجابر عند الترمذي وسعد بن أبي وقاص كما سيأتي في حديث الباب .
وأما حجه إفراداً فروي عن عائشة كما في حديث الباب وعنها عند البخاري أيضاً وعن ابن عمر عند أحمد ومسلم وابن عباس عند مسلم وجابر عند ابن ماجة وعنه أيضاً عند مسلم . (1/357)
صفحة 357
وقد اختلفت الأنظار واضطربت الأقوال لاختلاف هذه الأحاديث فمن أهل العلم من جمع بين الروايات فقال إن كلاً أضاف إلى النبي ما أمر به اتساعاً ، وقيل إن كل من روى عنه الإفراد حمل الحال على ما أهل به في أول الأمر ، وكل من روى عنه التمتع أراد ما أمر به أصحابه ، وكل من روى عنه القران أراد ما استقر عليه الأمر . وقيل إن التمتع عند الصحابة يتناول القران فتحمل عليه رواية من روى أنهه حج تمتعاً ، وكل من روى الإفراد قد روى أنه حج صلى الله عليه وسلم تمتعاً وقراناً فيتعين الحمل على القران وأنه أفرد أعمال الحج ثم فرغ منها وأتى بالعمرة ، ومن أهل العلم من صار إلى التعارض فرجح نوعاً وأجاب عن الأحاديث القاضية بما يخالفه وهي جوابات طويلة أكثرها متعسف وأوّل كل منهم لما اختاره مرجحات أقواها وأولاها مرحجات القران لأن أحاديثه مشتملة على زيادة والزيادة مقبولة إذا خرجت من مخرج صحيح وأيضاً فكل من روى الإفراد والتمتع اختلف عليه في ذلك لأنهم جميعاً روي عنهم أنه صلى الله عليه وسلم حج قراناً وأيضاً فروايات القران لا تحتمل التأويل بخلاف روايات الإفراد والتمتع فإنها تحتمله .
ثم اختلفوا هل القران أفضل من التمتع والإفراد فذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن القران أفضل وذهب جمع آخر من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن التمتع أفضل وهو المذهب وعليه العمل عند أصحابنا وذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى أن الإفراد أفضل . وقال بعض العلماء أن الأنواع الثلاثة في الفضل سواء . وقال أبو يوسف القران والتمتع في الفضل سواء وهما أفضل من الإفراد . وقيل من ساق الهدي فالقران أفضل له ليوافق فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن لم يسق الهدي فالتمتع أفضل له ليوافق ما تمناه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به أصحابه ولكل فريق حجج لا نطيل بذكرها خوف التطويل الخارج عما نحن بصدده من الاقتصار ، والله أعلم .
--- (1/358)
صفحة 358
ما جاء في التمتع بالعمرة إلى الحج
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس اختلفا في التمتع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك : لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله . فقال سعد : بئس ما قلت . فقال الضحاك : إن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك . فقال سعد : قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه .
قال الربيع : قال أبو عبيدة من أراد التمتع فعل ومن شاء ترك وكل ذلك واسع .
-------------------------------------- (1/359)
صفحة 359
قوله بلغني عن سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن محمد بن عبدالله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب أنه حدثه أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك بن قيس لا يفعل ذلك إلا من جهل أمر الله ثم ساق الحديث .. الخ . ورواه أيضاً الترمذي وقال صحيح والنسائي جميعاً عن قتيبة بن سعيد عن مالك بالسند المتقدم وأول حجة حجها معاوية بعد تملكه سنة أربع وأربعين وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين والمراد الأولى لأن سعداً مات سنة خمس وخمسين على الصحيح . وسعد بن أبي وقاص هو سعد بن مالك بن وهيب وقيل أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي الزهري يكنى أبا إسحاق وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس وقيل حمنة بنت أبي سفيان بن أمية ، أسلم بعد سنة وقيل بعد أربعة وعمره يومئذ سبع عشرة سنة ، وشهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستعمله عمر بن الخطاب على الجيوش اللذين سيرهم لقتال الفرس وهو كان أمير الجيش الذي هزم الفرس بالقادسية وبجلولاء وهو الذي فتح مدائن كسرى بالعراق وبنى الكوفة واعتزل عن القتال مع علي في جميع حروبه فكان من الشكاك في أمر الفتنة فيما قيل . وتوفي سنة خمس وخمسين وقيل سنة أربع وخمسين وقيل سنة ثمان وخمسين والله أعلم . (1/360)
صفحة 360
والضحاك بن قيس بن خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النظر بن كنانة القرشي الفهري يكنى أبا أينس وقيل أبو عبد الرحمن وأمه أميمة بنت ربيعة الكنانية وهو أخو فاطمة بنت قيس كان أصغر سناً منها قيل أنه ولد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسبع سنين أو نحوها وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان على شرطة معاوية وله في الحروب بلاء عظيم وسيره معاوية على جيش أغار فيه على سواد العراق ثم رجع ثم استعمله على الكوفة بعد زياد سنة ثلاث وخمسين وعزله سنة سبع وخمسين ولما توفي معاوية صلى الضحاك عليه وضبط البلد حتى قدم يزيد بن معاوية فكان مع يزيد وابنه معاوية إلى أن ماتا فبايع بدمشق لعبدالله بن الزبير فغلب مروان بن الحكم على بعض الشام فقاتله الضحاك بمرج راهط عند دمشق فقتل الضحاك بالمرج وقتل معه كثير من قيس عيلان . وكان قتله منتصف ذي الحجة من سنة أربع وستين .
قوله اختلفا في التمتع بالعمرة إلى الحج ) أي في الإحرام بالعمرة في أشهر الحج ثم يتحلل منها ويهل بالحج بعد ذلك من مكة في سنته هذا هو المراد من التمتع الذي اختلفا فيه وعليه يتنزل كلام أبي عبيدة عقب الحديث وهو قوله من أراد التمتع فعل ومن شاء ترك وكل ذلك واسع ، واستظهر المحشي أن المراد بالتمتع الذي اختلفا فيه التمتع الطارئ وهو فسخ الحج إلى العمرة بدليل قول الضحاك لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله ولقول سعد وصنعناها معه قال فإن الذي صنعوه إنما هو فسخ الحج إلى العمرة إلا من كان معه هدي وهذا وإن كان ظاهراً من دليليه مخالف لظاهر اللفظ فإن الخلاف بين الضحاك وسعد واقع في نفس التمتع بالعمرة إلى الحج وهو المجمع على جوازه بعد ذلك . (1/361)
صفحة 361
قوله لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله ) وفي رواية الموطأ لا يفعل ) مكان يصنع والمراد بأمر الله تعالى قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله ) فأمره بالإتمام يقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحج ومنع التحلل والمتمتع يتحلل بما كان محظوراً عليه في إحرامه وجهل الضحاك قوله تعالى فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) .
قوله بئس ما قلت ) زاد في رواية الموطأ يا ابن أخي ) قال ذلك ملاطفة وتانيساً .
قوله إن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك ) أي عن التمتع روى الشيخان واللفظ لمسلم عن أبي موسى كنت أفتي الناس بذلك أي بجواز التمتع في إمارة أبي بكر وعمر فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل فقال إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك فلما قدم قلت يا أمير المؤمنين ما أحدثت في شأن النسك فقال أن تأخذ بكتاب الله فإن الله تعالى قال وأتموا الحج والعمرة لله ) وأن تأخذ بسنة نبينا فإنه صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى نحر الهدي . ولمسلم أيضاً فقال عمر : قد علمت النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله وأصحابه ولكن كرهت أن تظلوا بهن أي النساء في الأراك ثم تروحون في الحج تقطر رؤوسكم . فبيّن عمر العلة التي لأجلها كره التمتع وكان من رأيه عدم الترفه للحجاج بكل طريق فكره قرب عهدهم بالنساء لئلا يستمر إلى ذلك الوقت بخلاف من بعد عهده به ومن تفطم ينفطم . (1/362)
صفحة 362
قوله قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناه معه ) يعني في حجة الوداع والمراد بصنعه صلى الله عليه وسلم لذلك مع أنه لم يتحلل لسوق الهدي مشارفته على التحلل وتمنيه لذلك في قوله ولولا أن معي الهدي لأحللت ) فأنزل سعد هذا التمني منزلة الفعل على أنه قد أمرهم بذلك إلا من ساق الهدي فصنعهم صنع له وإنما أجاب بذلك لأن السنة هي المقدمة على الاستنباط بالرأي فإن الآية إنما دلت على وجوب إتمام الحج والعمرة وذلك صادق بأنواع الإحرام الثلاثة وأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فمبين لا إجمال فيه كيف وقد أمر به وتمناه . وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن عمران بن الحصين نزلت آية المتعة في كتاب الله يعني متعة الحج وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها صلى الله عليه وسلم حتى مات قال رجل برأيه ما شاء . وفي لفظ لمسلم يعني عمر . ووقع ذلك من عثمان أيضاً ولمعاوية مع سعد بن أبي وقاص قصة في ذلك عند مسلم . وقيل المتعة التي نهى عنها عمر فسخ الحج إلى العمرة وهو الذي استظهره المحشي وحمل الخلاف في حديث الباب عليه . قال عياض : ولهذا كان يضرب الناس عليها كما في مسلم بناء على معتقده أن النسخ كان خاصاً بالصحابة في سنة حجة الوداع فقط ، ويؤيده رواية مسلم عن جابر قال عمر إن الله يحل لرسوله ما شاء وإن القرآن قد نزل منازله وأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله . واختار النووي أن الذي نهى عنه عمر المتعة المعروفة وأنه إنما نهى عنها للتنزيه ترغيباً في الإفراد ثم انعقد الإجماع على جواز التمتع بلا كراهة وبقي الخلاف في الأفضل . قلت وقد تقدم الكلام في ذلك وقول أبي عبيدة رضي الله عنه من أراد التمتع فعل ومن شاء ترك ومشهور المذهب أن التمتع أفضل كما تقدم والله أعلم .
--- (1/363)
صفحة 363
ما جاء في الإفراد بالحج
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت : أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج .
----------------------------------
قوله عن عائشة ) الحديث رواه الجماعة إلا البخاري عن القاسم عن عائشة .
قوله أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج ) تعني في أول الأمر عند الإهلال الأول ثم أدخل عليه العمرة حين كان في وادي العقيق فصار مقروناً ، روى البخاري وأحمد وابن ماجة وأبو داود عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي العقيق يقول أتاني الليلة آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة . وفي رواية للبخاري وقل عمرة وحجة . والمراد بالآتي جبريل عليه السلام ولهذا سمعه أنس يلبي بالحج والعمرة جميعاً يقول لبيك عمرة وحجا .
وقد تقدم الكلام في الجمع بين الأحاديث المختلفة في بيان وجه إحرامه صلى الله عليه وسلم في أول الباب ولا تنافي بين هذا الحديث وبين ما سيأتي عن عائشة أيضاً أنها قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة لأنها إنما أخبرت عن نفسها ومن كان معها أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخبرت عنه بالإفراد كما في حديث الباب وكذلك أيضاً لا ينافيه ما تقدم عنها في باب الهدي خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس ليال بقين من ذي القعدة ولا نرى إلا أنه الحج لأنها إنما قالت ذلك لما وقع في نفسها وهو ظن ناشئ مما استقر عندهم من تجنب العمرة في أشهر الحج وكذلك لا ينافيه ما تقدم أن حفصة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال الناس أحلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك لأن المراد عمرته التي أدخلها على الحج حين كان بوادي العقيق وبهذا تجتمع الأحاديث المختلفة وتتحد معانيها ويلتئم نظامها والعلم عند الله تعالى .
--- (1/364)
صفحة 364
ما جاء في الرخصة في تقدم الحلق على الذبح والنحر على الرمي خطأ
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال في حجة الوداع إن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال له اذبح ولا حرج فجاءه آخر فقال يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي فقال أرم ولا حرج فما سئل في ذلك اليوم عن شيء إلا قال ولا حرج .
قال الربيع : قال أبو عبيدة هذه رخصة من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم .
---------------------------------
قوله عن عبدالله بن عمرو بن العاص ) الحديث رواه أيضاً الشيخان ولغيرهما معناه من طرق أخر .
وعبدالله بن عمرو بن العاص تقدم نسبه في نسب أبيه في باب التيمم يكنى أبا محمد وقيل أبو عبد الرحمن ، أمه ريطة بنت منبه بن الحجاج السهمي ، وكان أصغر من أبيه باثنتي عشرة سنة ، أسلم قبل أبيه واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب عنه فأذن له وقال يا رسول الله أكتب ما أسمع في الرضا والغضب ؟ قال : نعم فإني لا أقول إلا حقا . قال أبو هريرة ما كان أحد أحفظ مني لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عبدالله بن عمرو بن العاص فإنه كان يكتب ولا أكتب . وقال عبدالله : حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل . وتوفي سنة ثلاث وستين وقيل سنة خمس وستين بمصر وقيل سنة سبع وستين بمكة وقيل توفي سنة خمس وخمسين بالطائف وقيل سنة ثمان وستين وقيل سنة ثلاث وسبعين ، وكان عمره اثنتين وسبعين سنة وقيل اثنتان وتسعون سنة شك ابن بكير في سبعين وتسعين .
قوله قال في حجة الوداع ) بفتح الحاء والواو أي قال في صفتها وفي الأخبار عنها بما ذكر وفي رواية عند قومنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاءه رجل .. الخ . (1/365)
صفحة 365
قوله أن رجلاً ) لم أقف على اسمه ولعله لم يسم لكثرة السائلين يومئذ مع كثرة الزحام فلم يتبين لهم سائل من سائل .
قوله لم أشعر ) بضم العين أي ما عرفت تقديم بعض المناسك وتأخيرها فيكون جاهلاً لقرب وجوب الحج أو فعلت ما ذكرت من غير شعور من كثرة الأشغال فيكون مخطئاً وهذا أظهر .
قوله اذبح ولا حرج ) أي اذبح الآن ولا إثم عليك فيما أخطأت به وكذا القول في سؤال الثاني .
قوله فما سئل في ذلك اليوم عن شيء إلا قال ولا حرج ) وفي رواية قومنا فما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم أو أخر إلا قال افعل ولا حرج . وأفعال يوم النحر أربعة رمي جمرة العقبة ثم الذبح ثم الحلق ثم طواف الإفاضة وهذا الترتيب مجمع عليه لكن اختلفوا في حكمه فقيل هو سنة فلا يجب بتركها شيء وتمسكوا بظاهر الحديث قالوا لأن قوله صلى الله عليه وسلم ولا حرج يقتضي رفع الإثم والفدية معاً لأن المراد بنفي الحرج نفي الضيق وفي إيجاب أحدهما ضيق وأيضاً لو كان الدم واجباً لبينه صلى الله عليه وسلم لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز . وقال آخرون بوجوب الترتيب وأوجبوا على من تركه دم . وروي وجوب الدم في ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والحسن والنخعي وأصحاب الرأي وعليه أكثر أهل المذهب وبه قال أبو حنيفة ومالك . ثم اختلفوا في معنى قوله ولا حرج فمنهم من حمله على رفع الاثم دون الفدية كما قالوا في رفع الخطأ والنسيان إذا وقع في الأنفس أو الأموال فإنه لا إثم عليه ويلزمه الضمان قالوا ويدل على هذا أن ابن عباس روى مثل هذا الحديث وأوجب الدم قالوا فلولا أنه فهم ذلك وعلم أنه المراد لما أمر بخلافه . (1/366)
صفحة 366
ومنهم من ذهب فيه إلى التخصيص قال الربيع قال أبو عبيدة هذه رخصة من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم أي دون ما بعده من الأيام لأن الناس يومئذ لم يعلموا أحكام المناسك على التمام وإنما خرجوا معه صلى الله عليه وسلم ليأخذوا عنه مناسكهم فناسب أن يعذر المخطيء يومئذ لتعذر الإطلاع من جميع الأشخاص على أفعال المصطفى في الوقت الواحد فرخص لهم في ذلك اليوم لهذا العذر وقد استقرت الأحكام وانتشرت بعد ذلك اليوم فلا عذر لجاهل ولا مخطئ عن وجوب الفداء . وذهب قوم إلى تخصيص الرخصة بالناسي والجاهل دون العامد واستدلوا على ذلك بقول السائل لم أشعر أي لم أعلم فهذا يدل على أن الرخصة لهذا الجاهل أو المخطيء ويؤيد ذلك ما في رواية عند مسلم فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها إلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم افعلوا ولا حرج ، وأيضاً فإن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في الحج بقوله خذوا عني مناسككم ) والأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه قد قرنت بقول السائل لم أشعر فيختص هذا الحكم بهذه الحالة وتبقى صورة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج ، وأيضاً الحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبراً لم يجز اطراحه ولا شك أن عدم الشعور مناسب لعدم المؤاخذة وقد علق به الحكم فلا يصح اطراحه ، والله أعلم .
--- (1/367)
صفحة 367
الباب العاشرفي الصيد للمحرم
قوله في الصيد للمحرم ) والمراد به صيد البر لقوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) وقد ذكر في الباب حديثين أحدهما يدل على منع المحرم من أكله والثاني يدل على جوازه إن لم يصده أو يصد له وقد اختلف العلماء في ذلك سلفاً وخلفاً فقال قوم وعليه العمل عند أصحابنا بتحريمه مطلقاً ونسب إلى علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر والليث والثوري وإسحاق .
وقال آخرون يجوز للمحرم أكل لحم الصيد مطلقاً وهو مذهب الكوفيين وعليه طائفة من السلف . وفصّل قوم فأجازوا أكل ما لم يصد له ورموا ما صيد لأجله وجمعوا بهذا التفصيل بين الأحاديث المختلفة والاحتياط ترك أكله من غير تحريم وقد روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت له يا ابن أختي إنما هي عشر ليال فإن تخلج في نفسك شيء فدعه تعني أكل لحم الصيد والله أعلم .
--- (1/368)
صفحة 368
ما جاء في منع أكل الصيد
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال أهدى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً بالأبواء يعني موضعاً فرده عليه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الكراهة في وجهه قال إنا لم نرده عليك إلا أنا محرمون .
---------------------------------
قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه مالك عن ابن شهاب عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن عبدالله بن عباس عن الصعب بن جثامة أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً ثم ذكر الحديث . وأخرجه أيضاً البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة كلهم من طريق مالك ولم يختلف على مالك في إسناد هذا الحديث وأنه من مسند الصعب وهو عند المصنف من مسند ابن عباس ووقع في موطأ ابن وهب عن ابن عباس أن الصعب فجعله من مسند ابن عباس وكذا أخرجه مسلم عن سعيد بن جبير . والرجل الذي أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمار الوحشي هو الصعب بن جثامة - بفتح الجيم والمثلثة الثقيلة فألف فميم - ابن قيس بن ربيعة بن عبدالله ابن يعمر الليثي حليف قريش أمه أخت أبي سفيان بن حرب واسمها فاختة وقيل زينب ويقال أخو مجلم بن جثامة وكان الصعب ينزل ودان ، مات في خلافة عثمان على الأصح ، ويقال مات آخر خلافة عمر والأخبار تؤيد الأول ، روى ابن إسحاق عن عروة قال لما ركب أهل العراق في الوليد بن عقبة أي يشكونه لعثمان وكانوا خمسة منهم الصعب بن جثامة وله أحاديث ، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عوف بن مالك . (1/369)
صفحة 369
قوله حماراً وحشيا ) هكذا في أكثر الروايات وجاء في رواية عند مسلم أهديت له من لحم حمار وحشي ، وفي أخرى له رجل حمار وحش ، وفي أخرى له شق حمار وحش قال الشافعي حديث مالك أن الصعب أهدى حماراً أثبت من حديث من روى أنه أهدى لحم حمار . وقال الترمذي : روى أكثر أصحاب الزهري في الصعب لحم حمار وحش . وقال ابن جريح : قلت لبن شهاب الحمار عقير ؟ قال لا أدري . وقال القرطبي : يحتمل أن الصعب أحضر الحمار مذبوحاً ثم قطع منه عضواً بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فقدمه له فمن قال أهدى حماراً أراد بتمامه مذبوحاً ومن قال لحم حمار أراد ما قدمه للنبي صلى الله عليه وسلم . قال : ويحتمل أنه أحضره له حياً فلما رده عليه ذكّاه وأتاه بعضو منه ظناً منه أنه إنما رده لمعنى يختص بجملته فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء حكم الكل . قال بعضهم : وإنما تأول رواية لحم حماره لاحتياجها للتأويل فأما رواية حمار وحش فلا تحتاج لتأويل لأن المحرم لا يجوز له مسك صيد حياً وعلى هذا التأويل تتفق الأحاديث .
قوله بالأبواء ) بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد جبل بينه وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا سمي بذلك لنوء السيول به لا لما فيه من الوباء إذ لو كان كذلك لقيل الأوباء .
قوله فرده عليه ) أي رد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمار على الصعب وقد بيّن صلى الله عليه وسلم علة الرد بقوله إنا لم نرده عليك إلا أنا محرمون وبذلك تمسك من حرم لحم الصيد على المحرم مطلقاً وهو المذهب وقد تقدم ذكره وتأوله من أجاز أكل ما لم يصد له فقال الشافعي إن كان الصعب أهدى حماراً حياً فليس للمحرم أن يذبح حماراً وحشياً حياً وإن كان أهدى لحماً فيحتمل أن يكون علم أنه صيد له ونقل الترمذي عن الشافعي أنه رده لظنه انه صيد من أجله فتركه على وجه التنزه .
وقوله الكراهة في وجهه ) أي التغير الناشىء من عدم الرضا فإن الإنسان إذا كره الشيء ظهر أثر ذلك في وجهه . (1/370)
صفحة 370
وقوله إنا لم نرده ) بفتح الدال في رواية المحدثين وقال النحاة الصواب ضم الدال كآخر المضاعف من كل مضاعف مجزوم اتصل به ضمير المذكر مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء فكأن ما قبلها ولي الواو ولا يكون ما قبل الواو إلا مضموماً في المذكر أما المؤنث مثل يردها فمفتوح الدال مراعاة للألف وجوز الكسر وهو ضعيف أضعف من الفتح وإنما ذكر له صلى الله عليه وسلم علة الرد تطييباً لخاطره حين رأى ما به من الانكسار والتغير برد هديته وهو من الخلق العظيم الذي وصفه الله به في كتابه العزيز وإنك لعلى خلق عظيم ) .
--- (1/371)
صفحة 371
ما جاء في أكل المحرم لحم الصيد إذا لم يصد من أجله
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قال ابن عباس خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد مكة وهو محرم حتى إذا بلغ الروحاء إذا هو بحمار وحش عقير فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : دعوه يوشك أن يأتيه صاحبه . وأتى البهزي وهو صاحبه فقال يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق ثم مضى حتى إذا كان بالأثابة بين الرويثة والعرج وهي مواضع فإذا بظبي حاقف في ظل وفيه سهم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً أن يقف عليه ولا يريبه أحد حتى يجاوزه .
قال الربيع : العقير المعقور ، والحاقف في الظل والمحتقف في موضع المفازة وقوله ولا يريبه أي لا يمسه بسوء .
------------------------------------
وهو مذهب عطاء بن أبي رباح ومالك والشافعي وجماعة واستدلوا بحديث الباب ونحوه وتأولوا الحديث الأول وحملوه على إذا ما صيد من أجله وجمعوا بهذا التأويل بين الحديثين ولعل أصحابنا ومن قال بقولهم جعلوا حديث الباب منسوخاً لأن قضيته كانت بالروحاء وقصة الصعب بن جثامة في الحديث الأول كانت بالأبواء فهي متأخرة عن قصة البهزي وكانوا بأخذون بالأحدث ثم الأحدث من أمره صلى الله عليه وسلم .
قوله قال ابن عباس ) الحديث رواه مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال أخبرني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن عيسى بن طلحة بن عبيدالله بن عمير بن سلمة الضمري عن البهزي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة .. الخ . ورواه حماد بن زيد وهشيم ويزيد بن هارون وعلي بن مسهر عن يحيى بن سعيد فلم يقولوا عن البهزي فهو عندهم من مسند عمير بن سلمة وعند مالك من مسند البهزي وعند الربيع من مسند ابن عباس . (1/372)
صفحة 372
قوله يريد مكة ) يشبه أن يكون هذا الخروج هو خروجه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع .
قوله الروحاء ) بفتح الراء وإسكان الواو وحاء مهملة والمد موضع بين مكة والمدينة .
وقوله إذا هو بحمار وحش ) وفي رواية إذا حمار وحشي ) ، وفي رواية أحمد والنسائي وجد الناس حمار وحش ) .
وقوله عقير ) أي معقور كجريح وزناً ومعنى .
وقوله فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي ذكر له بعض الناس الحمار فقيل يا رسول الله هذا حمار عقير كما في رواية عند قومنا .
وقوله دعوه ) أي اتركوه ولا تتعرضوا له بشيء .
وقوله يوشك أن يأتيه صاحبه ) بضم الياء وكسر الشين المعجمة وجوّز فتحها والأول أفصح وهو عبارة عن سرعة قرب الشيء المنتظر وقوعه .
وذكره صلى الله عليه وسلم لهم إشارة إلى أن صاحبه أحق به .
وفيه منع أخذ الشيء المملوك إذا كان مما يرجع إليه صاحبه .
وفيه أن اللقطة لا يلزم حفظها كل من نظرها .
وفيه أن الصيد يصير ملكاً لعاقره ولو لم يقبضه بيده .
وقوله وأتى البهزي ) بفتح الموحدة وإسكان الهاء وبالزاء المعجمة هو زيد بن كعب السلمي ثم البهزي .
وقوله وهو صاحبه ) أي صاحب الحمار .
وقوله شأنكم بهذا الحمار ) أي اصنعوا فيه ما شئتم .
وقوله بين الرفاق ) بكسر الراء وقيل مصدر كالمرافقة وقيل جمع رفقة بضم الراء وكسرها القوم المترافقون في السفر وفيه جواز هبة المشاع وأن الصائد إذا أثبت الصيد برمحه أو نبله فقد ملكه لأنه سماه صاحبه وقيل فيه هبته وأن لحم الصيد حلال للمحرم إذا لم يصد من أجله وقد تقدم الكلام في ذلك .
وقوله بالإثابة ) بضم الهمزة ومثلثة فألف فتحتية فهاء موضع فيه مسجد نبوي أو بئر دون العرج .
والرويثة بضم الراء وفتح الواو وإسكان التحتية وفتح المثلثة والهاء موضع .
والعرج بفتح المهملة وإسكان الراء وبالجيم موضع بين الحرمين . (1/373)
صفحة 373
وقوله فإذا بظبي حاقف في ظل وفيه سهم ) قد رمي به ، وزاد أبو عبيد في ظل شجرة والحاقف بحاء مهملة فألف فقاف ففاء أي واقف منحني رأسه بين يديه إلى رجليه ، وقيل الحاقف الذي لجأ إلى حقف وهو ما انعطف من الرمل . وقال أبو عبيد : حاقف يعني قد انحنى وتثنى في نومه ، وقيل الحاقف الرابض في حقف من الرمل أو يكون منطوياً كالحقف وقد انحنى وتنثى في نومه . وقال الربيع رحمه الله تعالى : الحاقف في الظل والمحتقف في موضع المفازة يعني أن اسم الحاقف مختص بما وجد منثنياً في المفازة فإنه يخص باسم المحتقف بضم الميم وفتح المثناة الفوقية بينهما مهملة ساكنة ثم قاف ثم فاء وهذا الفرق لم أجده لغيره وكفى به حجة وعليه فالتقييد بالظل في الحديث إنما هو لكشف الحال .
قوله فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ) لم يسم فقال يا فلان قف هاهنا حتى يمر الناس لا يريبه أحد بشيء هكذا رواه أبو عبيد .
وقوله لا يريبه ) بفتح الياء وكسر الراء فتحتية فموحدة . قال الربيع : أي لا يمسه بسوء . وقال غيره أي لا يمسه ولا يحركه ولا يهيجه وذلك لأنه لا يجوز للمحرم أن ينفر الصيد ولا يعين عليه وهذا صحيح إن كان الظبي حياً وتفسير الربيع يتناوله حياً وميتاً لعموم السوء لكل فعل خالف الشرع . قال بعضهم وفيه دليل على أن يشرع للرئيس إذا رأى صيداً لا يقدر على حفظ نفسه بالهرب إما لضعف فيه أو لجناية أصابته أن يأمر من يحفظه من أصحابه . قلت : إذا ثبت هذا في الصيد فهو في العاجز من الناس أثبت لحرمة الإنسانية . والله أعلم .
--- (1/374)
صفحة 374
الباب الحادي عشر ما تفعل الحائض في الحج
ما جاء في إدخال الحج على العمرة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يتمهما جميعا . قالت فقدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة . قالت : ففعلت فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت فقال : هذا مكان عمرتك . قالت : فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً .
-----------------------------------------
قوله ما تفعل الحائض في الحج ) عند قدومها إلى مكة وعند خروجها منها وكذلك النفساء .
قوله عن عائشة أم المؤمنين ) الحديث رواه الشيخان وأحمد من طريق عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها ، ولهم أيضاً معناه من حديث جابر بن عبدالله . (1/375)
صفحة 375
قوله فأهللنا بعمرة ) وفي رواية عنها عند الشيخين وأحمد قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل . قالت : أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج وأهل به ناس معه وأهل معه ناس بالعمرة والحج وأهل ناس بعمرة وكنت فيمن أهل بعمرة . وهذا الحديث ونحوه ينافي ما تقدم عنها في باب الهدي أنها قالت : ولا نرى إلا أنه الحج . ولعل قولها ذلك إنما كان قبل أن يبين لهم صلى الله عليه وسلم وجوه الإحرام فإنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج فلما بيّن لهم صلى الله عليه وسلم وجوه الإحرام اختار كل صنف منهم وجهاً وكانت عائشة ممن اختار التمتع فأحرمت بعمرة مع من أحرم بها ثم قال صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يتمهما جميعا فأمر أصحاب الهدي بالقران بعد أن خيرهم قبل ذلك بين الوجوه الثلاثة ثم حاضت عائشة بسرف فشكت إليه أمرها بعد أن دخلت مكة فأمرها بالإعراض عن العمرة والإحرام بالحج فأدخلت الحج على العمرة فهي قارنة بعد أن كانت متمتعة وقد تقدم الخلاف في كيفية حجها على ثلاثة أقوال وسبب الخلاف اختلاف ظاهر الروايات وهذا الوجه الذي ذكرته يجمع بين مختلفها .
وقوله فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ) إنما تركت الطواف بالبيت لأنه لا يصح إلا بطهر وأيضاً فالحائض لا تدخل المسجد وأما السعي فلأنه مترتب على الطواف . فإن قلت من أين علمت عائشة هذا الحكم . فالجواب أنه تقدم لها علم ذلك من رسول صلى الله عليه وسلم فعند الشيخين عنها قالت خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج فلما كنا بسرف طمثت فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال لعلك نفست ؟ قلت : نعم . قال ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري . (1/376)
صفحة 376
وقولها بمكة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) إنما كان شكوى تحسر وتأسف على ما فاتها من الطواف والسعي فأجابها عليه الصلاة والسلام بقوله انقضي رأسك .. الخ . وقد استشكل بعض أهل العلم أمره لها بنقض رأسها ثم بالامتشاط وكان الشافعي يتأوله على أنه أمرها أن تدع العمرة وتدخل عليها الحج فتصير قارنة . وتعقب بأنه لا يشاكل القصة . وقيل كان مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة . وتعقب بأنه لا يعلم وجهه . وقيل كانت مضطرة إلى ذلك . وقيل يحتمل ان يكون نقض رأسها كان لأجل الغسل لتهل بالحج ولا سيما إن كانت ملبدة فيحتاج إلى نقض الظفر ، وأما الامتشاط فلعل المراد به تسريح شعرها بأصابعها برفق حتى لا يسقط منه شيء ثم تظفره كما كان . ونقض الرأس بالقاف والضاد المعجمة حل ظفائره . والامتشاط تسريح الشعر بالمشط . (1/377)
صفحة 377
وقوله ودعي العمرة ) أي اعرضي عن عملها وأقبلي إلى عمل الحج وليس المراد إبطال عمرتها بالكلية لما جاء في حديث جابر بن عبدالله عند الشيخين وأحمد حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة ثم قال قد حللت من حجتك وعمرتك جميعا. فقالت يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت . قال فاذهب بها يا عبد الرحمن فاعمرها من التنعيم . وذلك ليلة الحصبة فهذا يدل على أن العمرة التي اعتمرتها عائشة من التنعيم إنما هي زيادة فضل لها وأن قوله صلى الله عليه وسلم هذه مكان عمرتك إنما كان لتطييب نفسها حين وجدت في نفسها ما وجدت من ترك الطواف بالبيت فهو نظير العمرة التي اعتمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة وسموها عمرة القضاء وعمرة القضية وذلك لأنها كانت بعد عمرة الحديبية التي صد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت فنحر وحلق دون البيت فكانت له ولأصحابه بذلك عمرة تامة واعتمروا مكانها في العام المقبل لا لفساد في الأولى إذا لم يتركوا الطواف اختياراً ولكن لمانع وهو صد العدو فكذلك حال عائشة في عمرتيها والمانع في حقها الحيض والله أعلم .
وفي قوله وأهلي بالحج ) جواز إدخال الحج على العمرة وإليه ذهب الجمهور لكن بشرط أن يكون الإدخال قبل الشروع في طواف العمرة وقيل إن كان قبل مضي أربعة أشواط صد وهو قول الحنفية وقيل ولو بعد تمام الطواف وهو قول المالكية . ونقل ابن عبد البر أن أبا ثور شذ فمنع إدخال الحج على العمرة قياساً على منع إدخال العمرة على الحج . (1/378)
صفحة 378
قولها أرسلني .. الخ ) كان ذلك الإرسال ليلة الصد وهي ليلة الرجوع من منى . وعبد الرحمن بن أبي بكر هو أخو عائشة لأبويها ، يكنى أبا عبد الله وقيل أبو محمد وقيل أبو عثمان ، سكن المدينة وتوفي بمكة ولا يعرف في الصحابة أربعة متوالون أب وبنوه بعده كل منهم ابن الذي قبله أسلموا وصحبوا النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو قحافة وابنه أبو بكر الصديق وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر وابنه محمد بن عبد الرحمن أبو عتيق وكان عبد الرحمن شقيق عائشة شهد مع الكفار بدراً وأحداً ودعا إلى البراز فقام إليه أبو بكر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم متعني بنفسك . وكان عبد الرحمن شجاعاً رامياً حسن الرمي ، وأسلم في هدنة الحديبية وحسن إسلامه ، وتوفي سنة ثلاث وخمسين وقيل سنة خمس وخمسين وقيل سنة ست وخمسين والأول أكثر .
وقوله إلى التنعيم ) بفتح المثناة وسكون النون وكسر المهملة مكان معروف خارج مكة وهو على أربعة أميال من مكة إلى المدينة . وقال الطبري التنعيم أبعد من أدنى الحل إلى مكة بقليل وليس بطرف الحل بل بينهما نحو من ميل ومن أطلقه على أدنى الحل فقد تجوز . وروى الفاكهي من طريق عبيد بن عمير قال إنما سمي التنعيم لأن الجبل الذي عن يمين الداخل يقال له ناعم والذي عن اليسار يقال له منعم والوادي نعمان . وقال ابن جريح : رأيت عطاء يصف الموضع الذي اعتمرت فيه عائشة قال فأشار إلى الموضع الذي بنى فيه محمد بن شافع المسجد الذي وراء الأكمة وهو المسجد الخرب .
وقوله هذا مكان عمرتك ) أي هذا الفعل مكان عمرتك التي أردت أن تكون منفردة عن الحج ، وفي رواية قومنا هذه مكان عمرتك ) بالإشارة إلى المؤنث والمراد العمرة . (1/379)
صفحة 379
قوله فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم ) وهؤلاء هم المتمتعون فالطواف الأول مع سعيه إنما كان للعمرة التي دخلوا بها مكة والطواف الثاني إنما هو للحج الذي أحرموا به يوم التروية من مكة وهو طواف الزيارة وطواف الإفاضة سمي بذلك لأن فيه زيارة البيت بعد عرفة وجمع ومنى وسمي طواف الإفاضة لنه يعقب الإفاضة من المزدلفة إلى منى أو لأن المسير إلى زيارة البيت إفاضة أيضاً والرجوع من منى إلى مكة شيئان أحدهما لزيارة البيت وهذا يكون بعد الحلق يوم النحر فيطوف ويسعى ثم يرجع للمبيت بمنى والرجوع الثاني هو النفر من منى والمراد به في حديث الباب الرجوع الأول . (1/380)
صفحة 380
وقوله وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً ) وهؤلاء صنفان الأول منهما مفردون الحج ولا يلزمهم إلا طواف واحد لحجهم وهو طواف الزيارة ، وقيل يلزمهم أيضاً طواف القدوم والأول مجمع عليه والثاني مختلف فيه . والصنف الثاني القارنون وهم الذين جمعوا بين النسكين وذكرت عائشة في هذا الحديث أنهم إنما طافوا طوافاً واحداً كالصنف الأول وبه تمسك من قال يجزي القارن طواف واحد وسعي واحد لحجه وعمرته وهو المنقول عن ابن عمر وجابر وعائشة وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وداود . وقال آخرون يلزم القارن طوافان وسعيان وحكي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وبه قال الشعبي والنخعي وأبو حنيفة والخلاف في المذهب وحجة هؤلاء حديث جابر بن عبد الله في قصة الوداع عند مسلم وغيره وفيه ذكر طوافه صلى الله عليه وسلم وسعيد بين الصفا والمروة وأمره من لم يسق الهدي أن يتحلل من عمرته . وأخرج عبد الرزاق والدارقطني وغيرهما عن علي أنه جمع بين الحج والعمرة وطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأجب بعض الناس عن حديث الباب بأن عائشة أرادت بقولها جمعوا بين الحج والعمرة جمع متعة لا جمع قران وهذا مما يتعجب منه فإن حديث عائشة مصرح بفصل من تمتع ممن قرن وما يفعله كل واحد منهما كما في حديث الباب وأدلة الفريقين صحيحة فلا بد من الجمع بينهما ولا وجه للجمع إلا أن تقول أن كلا الأمرين واسع كما يدل عليه حديث جابر عند الشيخين وأحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال لها بعد طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة قد حللت من حجتك وعمرتك جميعا . وروى مسلم وأحمد عن طاووس عن عائشة أنها أهلت بالعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حين حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج وقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر يسعك طوافك لحجك وعمرتك فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج فقوله (1/381)
صفحة 381
يسعك ) دليل على جواز الاقتصار على طواف واحد وسعي واحد لا سيما عند العذر والله أعلم .
والحديث يدل على جواز الخلوة بالمحارم سفراً وحضراً واستدل به على تعيين الخروج إلى الحل لمن أراد العمرة ممن كان بمكة وهو قول الأكثر ، وقيل تصح العمرة ويجب عليه دم لترك الميقات . واستدل به أيضاً على أن أفضل جهات الحل التنعيم ، وتعقب بأن إحرام عائشة من التنعيم إنما وقع لكونه أقرب جهات الحل إلى الحرم لا لأنه من الأفضل والله أعلم .
--- (1/382)
صفحة 382
ما جاء في حكم الوداع للحائض
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن صفية بنت حيي قد حاضت . قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلها حابستنا ألم تكن قد طافت معكن بالبيت ؟ قلت : بلى . قال : فاخرجن .
-----------------------------------
قوله عن عائشة رضي الله عنها ) الحديث رواه المصنف رضي الله عنه من هذا الطريق بروايتين متحد معناهما مختلفتان في بعض اللفظ فكأن جابراً رضي الله عنه سمعه من عائشة مرتين فرواه كما سمعه بعبارتين ، وقد رواه أيضاً البخاري ومسلم وأحمد .
قوله قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن صفية بنت حيي قد حاضت ) وفي رواية للبخاري أنها قالت حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ما يريد الرجل من أهله فقلت يا رسول الله إنها حائض قال أحابستنا هي قالوا يا رسول الله هي أفاضت يوم النحر قال اخرجوا . (1/383)
صفحة 383
وصفية بنت حيي ابن أخطب بن سعنة بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النظير بن النحام بن ناخوم وقيل تنخوم وقيل نخوم والأول قاله اليهود وهم أعلم بلسانهم ، وبنو النظير من بني إسرائيل من سبط لاوي ابن يعقوب ثم من ولد هارون بن عمران أخي موسى صلى الله عليهم . وأم صفية برة بنت السموأل وكانت صفية زوج سلام بن مشكم اليهودي ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق وهما شاعران فقتل عنها كنانة يوم خيبر روى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما افتتح خيبر وجمع السبي أتاه دحية بن خليفة فقال أعطني جارية من السبي قال : اذهب فخذ جارية . فذهب فأخذ صفية قيل يا رسول الله إنها سيدة قريضة والنظير ما تصلح إلا لك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ جارية من السبي غيرها وأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم واصطفاها وحجبها وأعتقها وتزوجها وقسم لها وكانت عاقلة من عقلاء النساء ، وتوفيت رضي الله عنها سنة ست وثلاثين وقيل سنة خمسين والله أعلم .
قوله قال لها ) أي لصفية أي قال لأجلها هذا القول أو قال في شأنها لعلها حابستنا فاللام إما للتعليل أو بمعنى في والضمير على الوجهين لصفية . (1/384)
صفحة 384
قوله لعلها حابستنا ) وفي الرواية الآتية أحابستنا هي ) ومثلها رواية الشيخين وأحمد والمعنى لعلها مانعتنا من التوجه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه ظناً منه صلى الله عليه وسلم أنها ما طافت طواف الإفاضة ولهذا قال ألم تكن قد طافت معكن بالبيت يعني طواف الزيارة ، ولعل في الحديث للإشفاق والاستفهام لكشف الحال فهو على حقيقته وإنما قال ذلك صلى الله عليه وسلم لأنه لا يتركها ويتوجه ولا يأمرها بالتوجه معه وهي باقية على إحرامها فيحتاج أن يقيم حتى تطهر وتطوف وتحل الحل الثاني . واستدل به على أمور منها أن أمير الحاج يلزمه أن يؤخر الرحيل لأجل من تحيض ممن لم تطف للإفاضة . وتعقب باحتمال أن تكون إرادته صلى الله عليه وسلم بأنه احتمال بعيد من ظاهر الحديث على أنه قد ورد من طريق أبي هريرة مرفوعاً أميران وليسا بأميرين من تبع جنازة فليس له أن ينصرف حتى تدفن أو يأذن أهلها والمرأة تحج أو تعتمر مع قوم فتحيض قبل طواف الركن فليس لهم أن ينصرفوا حتى تطهر أو تأذن لهم . ومنها حبس الجمال للحائض إذا لم تطف طواف الزيارة فإنهم قالوا يحبس لها إلى انقضاء أكثر مدة الحيض وكذا على النفساء زاد أبو سعيد رضي الله عنه أنه يحبس عليها حتى تطوف يشرط عليه ذلك أو لم يشرط لأن ذلك معروف من حال النساء والعلم به قائم مقام ذكره في الشرط . واستشكل بأنه فيه تعريضاً للفساد كقطع الطريق ، وأجيب بأن كل ذلك مع أمن الطريق كما أن محله أن يكون من المرأة محرم وأما أبو سعيد فإنه يرى عليه ذلك وإن خاف الضرر بتخلفه عن رفقته فإن شاء الرحيل جعل مكانه نائباً يقوم مقامه في حمل المرأة والله أعلم . (1/385)
صفحة 385
ومنها وجوب طواف الزيارة على الحائض وغيرها وقد أجمع العلماء أن هذا الطواف ركن من أركان الحج لا يصح الحج إلا به واتفقوا على أنه يستحب فعله يوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق فإن أخره عنه وفعله في أيام التشريق أجزأ ولا دم عليه بالإجماع فإن أخره إلى بعد أيام التشريق وأتى به بعدها أجزأه ولا شيء عليه عند الجمهور ، وقال أبو حنيفة ومالك إذا تطاول لزم معه دم وهذا ما لم يطأ النساء فإن وطئ قبل أن يطوف فسد حجه والله أعلم . (1/386)
صفحة 386
قوله فاخرجن ) وفي الرواية الأخرى فلا إذاً ) أي فلا تحبسنا حينئذ ، وفي رواية للشيخين فلتنفر إذاً ) ، وفي رواية للبخاري فلا بأس انفري ) ، وفي رواية له أخرى أخري ) ، وفي رواية فلتنفر ) ومعانيها متقاربة والمراد بها الرحيل من منى إلى جهة المدينة . واستدل به على أنه لا يلزم الحائض طواف الوداع وهو ظاهر وعليه عامة فقهاء الأمصار وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضاً لطواف الوداع فكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة فلو حاضت قبله لم يسقط عنها قيل وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك ، وقيل اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في المرأة إذا حاضت وقد طافت بالبيت يوم النحر فقال زيد يكون آخر عهدها بالبيت وقال ابن عباس تنفر إن شاءت فقالت الأنصار لا نتابعك يا ابن عباس وأنت تخالف زيداً فقال اسألوا صاحبتكم أم سليم فقالت : حضت بعدما طفت بالبيت وأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنفر وحاضت صفية فقالت لها عائشة حبستنا فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنفر والنفساء في ذلك كالحائض . وقيل المريض لا يلزمه طواف الوداع قياساً على الحائض وأما غير هؤلاء فيلزمهم وداع البيت لحديث ابن عباس عند وأحمد ومسلم وأبي داود وابن ماجة قال كان الناس ينصرفون في كل وجه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت وقد فعله صلى الله عليه وسلم وأمر به فدل ذلك على الوجوب والقول بوجوبه هو مذهبنا ومذهب أكثر العلماء من قومنا ويلزم بتركه دم وقال مالك وداود وابن المنذر هو سنة ولا شيء في تركه .
وقيل واجب للأمر به إلا أنه لا يجب بتركه شيء والله أعلم .
--- (1/387)
صفحة 387
ما جاء في أن فعل المناسك على غير طهارة جائز إلا الطواف بالبيت
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت قدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك غلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال افعلي ما يفعل الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت حتى تطهري .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت إن صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم حاضت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أحابستنا هي فقيل إنها قد أفاضت قال فلا إذاً .-
-------------------------------------
قوله عن عائشة رضي الله عنها ) الحديث تقدم شرحه أول الباب ، وقد رواه رضي الله عنه مرتين مطولاً ومختصراً لأنه كذلك سمعه منها رضي الله عنها فحدثته مرة حديثها الأول بطوله ومرة بهذا الخبر المختصر من تلك القصة .
وقوله قدمت مكة ) أي في حجة الوداع وأنا حائض وإنما لم تطف بين الصفا والمروة لأن الطواف بينهما مرتب على الطواف بالبيت لا لكون الطهارة شرطاً فيه فإنه لو حاضت المرأة بعدما طافت بالبيت فإنها تسعى وهي حائض لأن الطهارة في السعي مستحبة فقط كغيره من المناسك . (1/388)
صفحة 388
قوله افعلي ما يفعل الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ) وذلك أن الطواف صلاة فحكمه في الطهارة حكمها وقد تقدم بيان ذلك والحديث يعم جميع المناسك من إحرام ووقوف وسعي ورمي وغير ذلك فالطهارة في الجميع مستحبة لا واجبة فكل أمر تصنعه الحائض من أمر الحج فالرجل يصنعه وهو غير طاهر ثم لا يكون عليه شيء في ذلك حتى لو كان جنباً لأنه صلى الله عليه وسلم أباح لها الفعل ولم يجعل عليها شيئاً فكذلك الرجل ولكن الفضل أن يكون الرجل في ذلك كله طاهراً متوضئاً لفعله وكذلك فعل صلى الله عليه وسلم ولا ينبغي له أن يتعمد عدم الطهارة في تلك الأماكن والله أعلم .
قوله عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ) الحديث تقدم شرحه آنفاً وإنما رواه رضي الله عنه مرتين بعبارتين لأنه كذلك سمعه من عائشة فكأنها حدثته الخبر مرتين وهذا يدل أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينقلون الحديث بمعناه فيصبونه في قالب الألفاظ المؤدية للمعنى وهي مسألة اختلف فيها أهل الأصول فمنهم من أجاز للعارف نقل الحديث بالمعنى وعليه أصحابنا من أهل عمان ومنهم من منع وقد بسطت القول فيها في الثاني من طلعة الشمس .
وقولها فذكرت ) بضم التاء لأنها هي الذاكرة ذلك .
وقوله أحابستنا هي ) الاستفهام في معنى الإشفاق المعبر عنه بلعل في الحديث المتقدم وهو قوله لعلها حابستنا ) .
وقوله فقيل له ) قائل ذلك هي عائشة كما تقدم التصريح به في الرواية الأولى في قولها 0 قلت بلى ) ويحتمل أن غيرها أيضاً قال له ذلك فنسبت القول إلى نفسها في الخبر الأول نظراً إلى إخبارها بنفسها وأبهمت القائل هاهنا نظراً إلى الاشتراك في المقالة .
وقوله قد أفاضت ) أي من منى إلى البيت فطافت طواف الإفاضة .
وقوله فلا إذاً ) أي فلا حبس علينا حينئذ أي إذا أفاضت فلا مانع لنا من التوجه لأن الذي عليها قد فعلته والله أعلم .
--- (1/389)
صفحة 389
ما جاء في اغتسال النفساء للإهلال
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : إن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مرها فلتغتسل ثم لتهلل .
-------------------------------------
ومثلها الحائض وقد تقدم في حديث عائشة أول الباب أنه صلى الله عليه وسلم أمرها أن تنقض شعرها وتمتشط للإهلال بالحج فوق العمرة وهي حائض .
قوله عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ) الحديث رواه أيضاً مسلم وأبو داود وابن ماجة من طريق عبيدالله بن عمر عن عبد الرحمن عن أبيه عن عائشة ورواه مالك بإسنادين أحدهما عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن أسماء بنت عميس والقاسم لم يلق أسماء فهو مرسل عنده والإسناد الثاني عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر بذي الحليفة فأمرها أبو بكر أن تغتسل ثم تهل وهو في هذا الإسناد موقوف على أبي بكر رضي الله عنه . (1/390)
صفحة 390
قوله إن أسماء بنت عميس ) بضم العين آخره سين مهملة ابن معبد بن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك بن بشير بن وهب بن شهران بن عفرس بن خلف بن أقبل وهو خثعم ، وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث الكنانية ، أسلمت أسماء قديماً وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فولدت له بالحبشة عبدالله وعوناً ومحمداً ثم هاجرت إلى المدينة فلما قتل عنها جعفر بن أبي طالب تزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر ثم مات عنها فتزوجها علي بن أبي طالب فولدت له يحيى لا خلاف في ذلك وأسماء أخت ميمونة بنت الحارث وج النبي صلى الله عليه وسلم وأخت أم الفضل امرأة العباس وأخت أخواتها لأمهم وكن عشر أخوات لأم وقيل تسع أخوات وقيل إن أسماء تزوجها حمزة بن عبد المطلب فولدت له بنتاً ثم تزوجها بعده شداد بن الهاد ثم جعفر وهذا ليس بشيء إنما التي تزوجها حمزة سلمى بنت عميس أخت أسماء وكانت أسماء بنت عميس أكرم الناس أصهاراً فمن أصهارها النبي صلى الله عليه وسلم وحمزة والعباس رضي الله عنهما وغيرهم .
قوله بالبيداء ) بالباء الموحدة بعدها مثناة تحتية ممدوداً موضع بطرف ذي الحليفة فلا ينافيه ما في بعض الرواية عند قومنا أنها ولدته بذي الحليفة قال عياض : يحتمل أنها نزلت بطرف البيداء لتبعد عن الناس ونزل النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة حقيقة وهناك بات وأحرم فسمي منزل الناس كلهم باسم منزل إمامهم .
قوله فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ) إنما ذكره له ليبين له حكم إحرامها في حال نفاسها . (1/391)
صفحة 391
وقوله مرها فلتغتسل ) هذا الأمر منه صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أمر لأسماء بالاغتسال عند بعض الأصوليين ، وقيل ليس بأمر لها على الحقيقة والظاهر الأول لأن أبا بكر مبلغ فقط والخلاف لفظي لأنه يرجع إلى نفس التسمية هل يسمى أمراً لها أم لا مع اتفاقهم على وجوب الامتثال في موضع الوجوب وندبيته في موضع الندب .
وقوله ثم لتهلل ) أي تحرم وتلبي ففيه صحة إحرام النفساء ومثلها الحائض وأولى منهما الجنب لأنهما شاركتاه في شمول اسم الحدث وزادتا عليه بسيلان الدم . وفيه أيضاً الاغتسال للإحرام مطلقاً لأن النفساء إذا أمرت به مع أنها غير قابلة للطهارة كالحائض فغيرها أولى والأمر بذلك ليس للوجوب عند الجمهور وهو سنة مؤكدة حتى قيل أنه أكد من غسل الجمعة وأوجبه أهل الظاهر والحسن وعطاء في أحد قوليه على مريد الإحرام طاهراً أم لا . وفيه أن ركعتي الإحرام ليستا بشرط في الحج لأن أسماء لم تصلهما ، وفيه أن عادة الصحابة تحمل السنن بعضهم عن بعض واكتفاؤهم بذلك عن سماعها من النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم .
--- (1/392)
صفحة 392
الباب الثاني عشرفي فضل الحج والعمرة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة .
------------------------------------
قوله في فضل الحج والعمرة ) وقد ذكر فيه حديثين أحدهما حديث أبي هريرة وهو ظاهر في مناسبة الترجمة والثاني حديث عائشة ووجه مناسبته للترجمة دعاؤه صلى الله عليه وسلم بالرحمة للمحلقين والمقصرين وهؤلاء إنما فعلوا جزءاً من المناسك فاستحقوا بذلك هذا الدعاء على هذا النسك ولهم على سائر المناسك أضعاف ذلك . والعمرة بضم فسكون لغة الزيارة وشرعاً قصد الطواف والسعي فيحرم لها الميقات إن مر عليه وإلا فمن الحل في أي موضع كان ثم يتحلل بعد السعي .
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً الشيخان .
وقوله العمرة إلى العمرة ) أي العمرة المنضمة إلى العمرة أو المنتهية إلى العمرة . (1/393)
صفحة 393
وقوله كفارة لما بينهما ) أي من الصغائر وذلك لمن اجتنب الكبائر إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عن سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريما ) والحديث يدل على جواز تكرار العمرة في السنة الواحدة بل يدل على أن ذلك فضل عظيم لما فيه من تكفير السيئات وهي مسألة وقع فيها النزاع بين العلماء فقال عمر وابن عباس وعائشة وعلي بن أبي طالب وأنس يعتمر ما أمكنه ، وقال عطاء إن شاء اعتمر كل شهر مرتين ، وقال مالك إذا ذهبت أيام التشريق فاعتمر ما شئت ، وكان الربيع رحمه الله يقول للرجل أن يعتمر في غير أشهر الحج مراراً ، وكان أبو مالك يأمر أن لا يحرم من الميقات إلا بعمرة وقال فعل ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به . وكان جابر بن زيد رحمه الله يقول ليس العمرة في السنة إلا مرة ، وقال الحسن البصري لا يعتمر في السنة إلا مرة ، وقال ابن سيرين تكره العمرة في السنة مرتين ، وبقول جابر رضي الله عنه أخذ قدماء أصحابنا ثم اختار متأخر وهم العمل بقول الربيع وأول من فتح الباب في ذلك الشيخ أبو سعيد رضي الله عنه فإنه مال إلى جواز تكرارها في السنة وفعلها في كل وقت قال إلا أنها لا تدخل على الحج ما دامت أيام الحج فإذا انقضت أيام الحج فلا أعلم مانعاً يمنع العمرة لأنها فضل وليس لها حد محدود في وقت معروف . قلت وهذا هو الصحيح لحديث الباب ولأن عائشة رضي الله عنها اعتمرت في حجة الوداع مرتين عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في حديثها في باب ما تفعل الحائض . وقالت الهادوية إن العمرة في أشهر الحج مكروهة وهو موافق لمفهوم الربيع المتقدم لكنهم عللوه بأنها تشغل عن الحج في وقته . وردّ بأنه صلى الله عليه وسلم قد اعتمر ا{بع عمر كلها في أشهر الحج بل كلها في ذي القعدة في سنين متعددة فعل ذلك كله لإبطال زعم الجاهلية أن العمرة في أشهر الحج من افجر الفجور . (1/394)
صفحة 394
قوله والحج والمبرور ) أي المقبول ومنه قول الملائكة لآدم عليهم جميعاً السلام بر حجك يا آدم . وقيل المبرور الذي لا يخالطه إثم ، وقيل الذي لا رياء فيه . وقال القرطبي هذه الأقوال متقاربة المعنى والمراد الحج الذي وفيت أحكامه ووقعت موقع ما طلب من المكلف على الوجه الأكمل . وعلامة المبرور أن يرجع خيراً مما كان قبل الحج .
قوله ليس له جزاء ) أي ثواب .
وقوله إلا الجنة ) بالرفع والنصب على حد قولهم ليس الطيب إلا المسك فإن بني تميم يرفعونه حملاً لها على ما في الإهمال عند انتقاض النفي كحمل أهل الحجاز ما على ليس والله أعلم .
--- (1/395)
صفحة 395
ما جاء في فضل التحليق على التقصير
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ارحم المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال المقصرين .
-----------------------------------
قوله عن عائشة رضي الله عنها ) الحديث من هذا الطريق تفرد به المصنف رضي الله عنه وهو عند قومنا من رواية ابن عمر وابن عباس وابن أم الحصين ومأرب وأبي سعيد وأبي مريم وحبشي بن جنادة وأبي هريرة ، وفي بعض الروايات تكرار قوله اللهم ارحم المحلقين مرتين وفي بعضها ثلاثاً ، وفي رواية الليث عن نافع عند مسلم والترمذي وعلقها البخاري ارحم المحلقين مرة أو مرتين قالوا والمقصرين قال والمقصرين والشك فيه من الليث وإلا فأكثرهم يرويها بالتكرار مرتين وورود الحديث من طريق عائشة رضي الله عنها يرجح قول من قال إن هذا الدعاء كان منه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع لأن عائشة لم تشهد عام الحديبية وقد شهدت حجة الوداع . (1/396)
صفحة 396
وقد اختلفوا في وقت ذلك فقال بعضهم كان هذا في حجة الوداع وقال بعضهم في الحديبية لما أمرهم بالحلق فلم يفعلوا طمعاً في دخول مكة وجمع قوم بين القولين فقالوا بوقوعه مرتين مرة بالحديبية ومرة في حجة الوداع قالوا والسبب في الموضعين مختلف فالذي في الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال لما دخل عليه من الحزن بكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم وصالح قريشاً على أن يرجع من العام المقبل فلما أمرهم بالإحلال توقفوا فأشارت إليه أم سلمة أن يحل هو صلى الله عليه وسلم قبلهم ففعل فتبعوه فحلق بعضهم وقصر بعضهم فكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس عند ابن ماجة وغيره أنهم قالوا يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم قال لأنهم لم يشكوا . وأما السبب في حجة الوداع فإن أكثر من حج معه صلى الله عليه وسلم لم يسق الهدي فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها ويحلقوا رؤوسهم فشق عليهم ثم لما لم يكن بد من الطاعة كان التقصير في أنفسهم أخف من الحلق ففعله أكثرهم فرجح صلى الله عليه وسلم فعل من حلق لكونه أبين في امتثال الأمر . وقيل إن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعر والتزين به وكان الحلق فيهم قليلاً وربما كانوا يرونه من الشهرة ومن فعل الأعاجم فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير . (1/397)
صفحة 397
قوله اللهم ارحم المحلقين ) بضم الميم وكسر اللام المشددة اسم فاعل من حلق رأسه بالتشديد إذا بالغ في حلقه وهو الاستقصاء في إزالة شعره بالموسى ونحوه وهذه الصيغة تقتضي حلق جميع الرأس وقد أوجبه مالك وأحمد واستحبه الكوفيون والشافعي ويجزي البعض عندهم وهو المذهب . ثم اختلفوا في هذا البعض المجزي فعند الحنفية الربع غلا أبا يوسف فقال النصف وقال بعض أصحابنا والشافعي أقل ما يجزي حلق ثلاث شعرات وهو مخالف للمفهوم من معنى التحليق والمسألة نظير مسألة مسح الرأس في الوضوء . والتقصير كالحلق يأخذ الرجل من جميع شعره من قرب أصله استحباباً فإن أخذ من أطرافه أجزأ وإن لم يزد على قدر ما تأخذه المرأة وهو قدر أصبعين من طرف شعرها جملة وقيل أقل ذلك قدر أنملة وكان أبو عبيدة مسلم رحمه الله أو غيره يرى للمرأة الكثيرة الشعر أن تأخذ منه ثلاثة أو أربعة وقليلة الشعر أن تأخذ دون ذلك . والمشروع في حق النساء التقصير بإجماع وفي أبي داود عن ابن عباس مرفوعاً ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير ، وللترمذي عن علي نهى أن تحلق المرأة رأسها .
قوله قالوا يا رسول الله والمقصرين ) بضم الميم وتشديد المهملة المكسورة وهم الذين قصروا شعورهم أي أخذوا شيئاً من طولها والقائل بذلك بعض الصحابة أما المحلقون أو المقصرون أو هما جميعاً احتمالات ثلاث أظهرها البعض من كلا النوعين ، وقال ابن حجر : لم أقف في شيء من طرقه على الذي تولى السؤال في ذلك البحث الشديد . (1/398)
صفحة 398
قوله قال والمقصرين ) أي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وارحم المقصرين ففيه إعطاء المعطوف حكم المعطوف عليه ولو تخلل بينهما السكوت بلا عذر ، ثم هو كذلك فيما رأيناه من نسخ المسند الدعاء للمحلقين مرة واحدة وعطف المقصرين عليهم في المرة الثانية وفي معظم الروايات عن مالك من حديث ابن عمر الدعاء للمحلقين مرتين وعطف المقصرين عليهم في المرة الثالثة وفي رواية البخاري لما كانت الرابعة قال والمقصرين وقد تقدم أن في رواية الليث عن نافع عند مسلم والترمذي ارحم المحلقين مرة أو مرتين قالوا والمقصرين قال والمقصرين ورواية التكرار جميعها من طريق ابن عمر فإن صحت النسخ التي بأيدينا فلا تكرار في حديث عائشة لوقوعه في حجة الوداع فلا سبب يقتضي التكرار بخلاف قضية الحديبية .
وفي الحديث فوائد منها : أن التقصير يجزي عن الحلق وهو مجمع عليه إلا رواية عن الحسن البصري تعين الحلق أول حجة ، وثبت عنه خلافه .
ومنها أن الحلق أفضل لأنه أبلغ في العبادة وأبين في الخضوع والذلة وأدل على قصد النية والمقصر يبقى على نفسه شيئاً مما يتزين به بخلاف الحالق فيشعر بأنه ترك ذلك لله وإشارة إلى التجرد .
ومنها الدعاء لمن فعل ما شرع له وطلب الدعاء لمن فعل الجائز وإن كان مرجوحاً والله أعلم .
تنبيهان : الأول الناس بالنظر إلى الحلق والتقصير على ثلاثة أصناف صنف يتعين في حقه الحلق وهو الذي يتعذر عليه التقصير كالملبد رأسه وكذلك الذي ليس له شعر فإنه يجري على رأسه الموسى وكذلك من كان شعره لطيفاً لا يمكن تقصيره . وصنف يتعين في حقه التقصير وهي النساء فإن الحلق في حقهن مثلة فلا يجوز وقد تقدم النهي عن ذلك . وصنف يجوز له الأمران وهم غير من ذكرنا . (1/399)
صفحة 399
الثاني : اختلف الناس في الحلق والتقصير والمشهور عند الموافق والمخالف أنه نسك من مناسك الحج والعمرة وركن من أركانهما لا يحصل واحد منهما إلا به . وقيل إنه استباحة محظورة كالطيب واللباس وليس بنسك والخلاف في هذا نظير الخلاف في التسليم من الصلاة وقد تقدم ذكره في بابه ، والله أعلم .
--- (1/400)
صفحة 400
كتاب الجهاد
بكسر الجيم أصله المشقة يقال جهدت جهاداً إذا بلغت المشقة ، وفي الشرع بذل الجهد في قتال الكفار ، ويطلق على مجاهدة النفس لتعلم أمور الدين ثم العمل بها ثم على تعليمها وعلى مجاهدة الشيطان بدفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات وعلى مجاهدة الفساق باليد ثم اللسان ثم القلب وهو إنكار المنكر والمراد به هنا المعنى الأول وهو مجاهدة الكفار باليد والمال واللسان والقلب . وشرع بعد الهجرة اتفاقاً . واختلفوا هل كان في زمنه صلى الله عليه وسلم فرض عين أو كفاية قولان .
وقيل كان فرض عين على المهاجرين دون غيرهم . ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح على كل من أسلم إلى المدينة لنصر الإسلام ، وقيل كان عيناً على الأنصار دون غيرهم ويؤيده مبايعتهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة على أن يؤووه وينصروه . وقيل يتعين في حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق وفي حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداءً ويؤيد هذا ما وقع في قصة بدر ، وقيل كان عيناً في الغزوة التي يخرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم وعلى من عيّنه ولو لم يخرج هذه أقوالهم في حكم الجهاد في زمان المصطفى ، وأما بعده ففرض كفاية على المشهور إلا أن تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدو المصر أو البلد أو الجماعة فإنه يلزم القادر دفعه وكذلك يتعين على من عينه الإمام لذلك وتحصل الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور لأن الجزية بدل عنه وإنما تجب في السنة مرة اتفاقاً فبدلها كذلك . وقيل يجب كلما أمكن وهو قوي قال بعضهم والتحقيق أن جهاد الكفار متعين على كل مسلم إما بيده وإما بلسانه وإما بماله وإما بقلبه والله أعلم .
--- (1/401)
صفحة 401
الباب الثالث عشر في البيعة
ما جاء في البيعة على السمع والطاعة في العسر واليسر وأن لا يخاف في الله لومة لائم
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال سمعت عن عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمكره والمنشط ولا ننازع الأمر أهله وأن نقول الحق ونقوم بالحق حيث ما كنا ولا نخاف في الله لومة لائم .
------------------------------
قوله في البيعة ) وهي في الأصل الصفقة على إيجاب البيع وتطلق أيضاً على المبايعة والطاعة والمراد بها في الترجمة إعطاء العقد الأكيد على الطاعة والامتثال إما مطلقاً أو في شيء مخصوص فمن أعطى ذلك من نفسه لزمه أن يلتزمه فإن لم يفعل لقي الله خائناً ولا يجب الوفاء بما فيه معصية الله تعالى بل يحرم ذلك ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق والله أعلم .
قوله سمعت عن عبادة بن الصامت ) أي سمعت من حدثني عن عبادة بهذا الخبر . والحديث رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد قال أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده قال بايعنا .. الخ . وأخرجه البخاري في كتاب الأحكام عن إسماعيل عن مالك بالسند المتقدم . وأخرجه مسلم في المغازي من طريق عبدالله بن إدريس عن يحيى بن سعيد وعبدالله بن عمر عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده به .
وعبادة بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة المفتوحة أحد نقباء الأنصار شهد العقبة الأولى والثانية وكان نقيباً على القوافل بني عوف بن الخزرج وقد تقدم نسبه وذكر بعض خبره في الجزء الأول . (1/402)
صفحة 402
فقوله بايعنا ) يعني معشر الأنصار في العقبتين معا . وكانت العقبة الأولى في السنة الثانية عشر من النبوة قبل الهجرة عشرة من الخزرج منهم عبادة بن الصامت واثنان من الأوس اسلموا وبايعوا على بيعة النساء أي وفق بيعتهن التي نزلت بعد فتح مكة وهي أن لا نشرك بالله شيئاً ولا تسرق ولا تزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف والسمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقول بالحق حيث كنا ولا نحاف في الله لومة لائم ثم قال عليه السلام فإن وفيتم لكم الجنة ومن غشني وفعل من ذلك شيئاً كان أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه .
ولم يفرض يومئذ القتال ثم انصرفوا إلى المدينة وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير إلى المدينة يعلم أهلها الأحكام ويقريء القرآن . وكانت العقبة الثانية هي العقبة الكبرى في ذي الحجة من السنة الثالثة عشر من النبوة قبل الهجرة بثلاثة أشهر وذلك أنه قدم مكة في موسم الحج قريباً من خمس مائة نفر وفي رواية ثلاثمائة نفر من الأوس والخزرج وخرج معهم مصعب بن عمير إلى مكة واتفق منهم سبعون رجلاً قال ابن سعد يزيدون رجلاً أو رجلين وامرأتان نسيبة بنت كعب أم عمارة وأسماء بنت عمر ، وقال ابن إسحاق ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان . (1/403)
صفحة 403
وقال الحاكم : خمس وسبعون نفساً لا قوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فواعدهم أن يحضروا شعب العقبة في الليلة الثالثة من ليالي التشريق للمبايعة وأمرهم أن لا ينبهوا نائماً ولا ينتظروا غائباً ولما فرغوا من الحج وكانت الليلة الموعودة خرج القوم بعد هدئ صلى الله عليه وسلم ومعه العباس وليس معه غيره وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه يحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويوثق له فتكلم العباس وتكلم عبدالله بن عمرو بن حزام والبراء بن معرور والعباس بن عبادة بن نضلة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجوا منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم فأخرجوا اثني عشر نقيباً تسعة من الخزرج منهم عبادة بن الصامت وثلاثة من الأوس وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم على قومكم لما فيهم كفلاء كفالة الحواريين لعيسى ابن مريم قالوا نعم فبنوا النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم للبيعة وبنو عبد الأشهل يقولون بل أبو الهيثم ابن التيهان قال كعب بن مالك أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور ثم تتابع القوم وكانت البيعة يومئذ أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم بايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله ولا تخافوا لومة لائم وعلى أن تمنعوني مما تمنعوا منه أنفسكم وأبناءكم وأزواجكم فأخذ البراء بيده ثم قال والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعنك مما نمنع منه العزيز فينا .
قوله على السمع والطاعة ) أصل السمع معنى في الأذن بد تدرك الأصوات ثم أطلق على نفس إدراك الصوت ثم توسعوا فأطلقوه على فهم الخطاب ثم أطلقوه أيضاً على الطاعة وهو المراد في الحديث فعطف الطاعة عليه عطف تفسير والمراد بالطاعة الامتثال عند المر والنهي . (1/404)
صفحة 404
والعسر بضم المهملة الأولى وإسكان الثانية الفقر سمي بذلك لما فيه من الصعوبة والشدة .
واليسر بضم المثناة التحتية وسكون المهملة الغناء والثروة وهو ضد العسر سمي بذلك لما فيه من سهولة المعاش وتيسير الأمور .
والمكره بفتح الأول والثالث وسكون الثاني وكذلك المنشط والمراد بهما حالتا الكسل والنشاط . وقيل المراد بهما المكروه والمحبوب أي الأشياء التي يكرهونها والتي يحبونها وعليه فهما مصدران بمعنى اسم المفعول فهذه أربع صفات اثنتان منها يتعلقان بالأموال وهما العسر واليسر واثنتان بالأحوال النفسية وهما المكره والمنشط وهو مفعل من النشاط وهو الأمر الذي تنشط له وتخف إليه وتؤثر فعله أو مصدر بمعنى النشاط . (1/405)
صفحة 405
قوله ولا ننازع الأمر أهله ) المراد بالأمر الملك والإمارة والمراد بأهله القوام بحقه وهم الأمراء الذين تلزم الناس طاعتهم وهم القائمون بأمر الله سبحانه وتعالى المنفذون لأحكامه المحافظون على حدوده فإذا خالفوا أمر الله تعالى ونبذوا أحكامه وتعدوا حدوده فليسوا بأهل للأمر وليس لهم على الناس طاعة ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون وفي آية الفاسقون وفي أخرى الكافرون . وقد تقدم في باب الولاية والإمارة من الجزء الأول قال عبادة بن الصامت لعثمان بن عفان ألا أخبرك بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول ستكون أمراء من بعدي يقرأون كما تقرأون ويعملون ما تنكرون فليس لأولئكم عليكم طاعة . وفي رواية للبخاري بعد قوله ولا ننازع الأمر أهله ) زيادة استثناء وهي قوله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان . قال النووي : المراد بالكفر هنا المعصية . قال ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام فأنكروا عليهم وبوءوا بالحق حيثما كنتم . ونقل ابن التين عن الداودي إن الذي عليه العلماء في أئمة الجور إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب وإلا فالواجب الصبر . قال المحشي : وهذا أيضاً كلام صحيح والله أعلم .
قوله ولا نخاف في الله لومة لائم ) أي لا نخشى عذل عاذل في دين الله تعالى بل يبذلون الجهد في نصر الدين من غير ملاحظة لوم اللائمين فلا يداهنون في شيء من أمورهم بل ينصرون الدين باليد واللسان والمال عن صدق عزم وإخلاص نية رضي من رضي وركه من كره . واللومة المرة من اللوم وهو العذل قال الزمخشري وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قال لا نخاف شيئاً قط من لوم أحد من اللوام والله أعلم .
--- (1/406)
صفحة 406
ما جاء في البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع والبيعة على أن لا يفروا
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عمر قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة ويقول فيما استطعتم .
قال جابر : وسمعت من الصحابة من يقول بايعهم على أن لا يفروا .
------------------------------------
قوله عن ابن عمر ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم .
قوله بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. الخ ) الظاهر أن هذه المبايعة كانت يوم الحديبية لقول جابر الآتي فإنه كان في الحديبية وهو الذي يقتضيه صنيع مسلم أيضاً وهي بيعة كانت بعد ما ظهر الإسلام وجرت أحكامه وحديث عبادة المتقدم إنما كان في بيعة العقبتين فلا يتقيد إطلاقه بهذا الحديث خلافاً لابن حجر والمحشي لن المطلوب في أول الأمر أشد منه في آخره مع قلة المسلمين أولاً وكثرتهم ثانياً وناهيك أنه كان الواجب في أول الإسلام ثبات الواحد من المسلمين لعشرة من العدو وثبت العشرين لمائتين ثم خفف عنهم فصار الواجب ثبات المائة لمائتين والألف لألفين وبقي هذا الحكم مستمراً إلى يوم القيامة .
قوله على السمع والطاعة ) أي على مطلق الامتثال من غير تقييد بالاستطاعة .
قوله فيما استطعتم ) أي يقول لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا فيما استطعتم ولا تطلقوا القول إطلاقاً لئلا تلزموا أنفسكم ما لا تستطيعون وهذا من كمال شفقته صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته .
وفيه أنه إذا رأى الإنسان من يلتزم ما لا يطيقه ينبغي أن يقول له لا تلتزم ما لا تطيق فيترك بعضه وهو من نحو قوله صلى الله عليه وسلم عليكم من الأعمال ما تطيقون ) والله أعلم .
قوله قال جابر ) يعني ابن زيد رحمة الله عليه . (1/407)
صفحة 407
وقوله سمعت من الصحابة من يقول بايعهم على أن لا يفروا ) وهذه البيعة إنما كانت يوم الحديبية حين صدهم المشركون عن البيت والقائل من الصحابة بذلك جابر بن عبدالله ومعقل بن يسار كما في صحيح مسلم وعند البخاري ومسلم أيضاً عن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع قال قلت لسلمة على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية قال على الموت . وفي البخاري أن نافعاً قال بايعهم على الصبر وهي أيضاً رواية عن أبي عمر والمراد بالصبر الثبات وعدم الفرار سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا وهذه الرواية تجمع المعاني كلها وتبين مقصود كل الروايات فالبيعة على أن لا يفروا معناه الصبر حتى يظفروا بعدوهم أو يقتلوا وهو معنى البيعة على الموت أي نصبر وإن آل بنا ذلك إلى الموت لا أن الموت هو المقصود في نفسه ، والله أعلم .
--- (1/408)
صفحة 408
ما جاء في البيعة على الإسلام وأنه لا تصح الإقالة فيها
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال سمعت جابر بن عبدالله يقول بايع أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصاب الأعرابي وعك بالمدينة فقال يا رسول الله أقلني بيعتي فأبى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاءه ثانية وثالثة فأبى له فخرج الأعرابي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وتمسك طيبها .
--------------------------------
قوله عن جابر بن عبدالله ) الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم .
وقوله بايع أعرابي ) بفتح الهمزة نسبة إلى الأعراب بفتحها وهم أهل البادية من العرب قال ابن حجر لم أقف على اسمه إلا أن الزمخشري ذكر في ربيع الأبرار أنه قيس بن أبي حازم قال وهو مشكل لأنه تابعي كبير مشهور وصرحوا بأنه هاجر فوجد النبي صلى الله عليه وسلم قد مات قال فإن كان محفوظاُ فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه قال وفي الذيل لأبي موسى المديني وفي الصحابة قيس بن حازم المنقري فيحتمل أن يكون هو هذا أي زيد في اسم أبيه أداة الكنية سهواً أو غلطاً وزاد في رواية قومنا على الإسلام أي بايعه على فعل خصال الإسلام .
والوعك بفتح الواو وسكون العين المهملة الحمى .
وقوله بالمدينة ) أي في المدينة .
قوله أقلني بيعتي ) أي التي بايعتك بها على الإسلام كذا قيل ، وقال بعض الشراح إنما استقاله من الهجرة ولم يرد الارتداد عن الإسلام بدليل أنه لم حل ما عقده إلا بموافقة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولو أراد الردة ووقع فيها لقتله . وحمله بعضهم على الإقالة من المقام بالمدينة .
قوله فأبى له ) أي فامتنع عليه وأبى أن يقيله فاللام في له بمعنى على . (1/409)
صفحة 409
وقوله ثم جاءه ثانية ) أي مرة ثانية وثالثة في كل ذلك يمتنع عليه أن يقيله لأنها إن كانت بعد الفتح فهي على الإسلام فلم يقله لأنه لا يحل الرجوع إلى الكفر وإن كانت قبل الفتح فهي على الهجرة والمقام معه بالمدينة ولا يحل للمهاجر أن يرجع إلى وطنه .
قوله فخرج الأعرابي ) أي من المدينة إلى البلد وبغير إذن من النبي صلى الله عليه وسلم .
والكير بكسر القاف المنفخ الذي ينفخ به النار أو الموضع المشتمل على النار .
وقوله تنفي ) بفتح الفوقية وسكون النون وبالفاء أي تذهب .
والخبث بفتح المعجمة والموحدة والمثلثة ما تبرزه النار من وسخ وقذر . قال بعض الشراح ويروى بضم الخاء وسكون الباء وهو الشيء الخبيث ووقع في بعض نسخ المسند تنفي خبيثها والأول أشبه لمناسبة الكير .
قوله وتمسك طيبها ) بكسر الطاء وسكون التحتية الخفيفة . قال بعض الشراح وفي رواية طيبها بشد التحتية مكسورة أي مع فتح الطاء قال بعضهم وهي الرواية الصحيحة قال وهي أقوم معنى لأنه ذكره في مقابلة الخبيث قال وأي مناسبة بين الكير والطيب شبه النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وما يصيب ساكنها من الجهد بالكير وما يدور عليه من إزالة الخبيث عن الطيب فيذهب الخبيث ويبقى الطيب وكذلك المدينة تنفي شرارها بالحمى والجوع وتطهر خيارهم وتزكيهم وهذا تشبيه حسن لن الكير بشدة نفخه ينفي عن النار السخام والدخان والرماد حتى لا يبقى غلا خالص الجمر هذا إن أريد بالكير المنفخ الذي ينفخ به النار وإن أريد به الموضع فالمعنى أن ذلك لشدة حرارته ينزع خبث الحديد والذهب والفضة ويخرج خلاصة ذلك والمدينة تنفي شرار الناس بالحمى والوصب وشدة العيش وضيق الحال التي تخلص النفس من الاسترسال في الشهوات وتطهر خيارهم وتزكيهم . (1/410)
صفحة 410
وقد توجد هذه الخصلة في غير المدينة إذا كانت بلداً يظهر فيها العدل وشهر في أهلها الفضل مع ضيق الحال وشدة المؤنة فإنه لا يلبث فيها مع وجود ما هو أوسع منها حالاً وأرغد عيشاً إلا من قوي إيمانه وخلصت نيته وكملت في الإسلام رغبته . واستدل بهذا الحديث أن المدينة أفضل البلاد قالوا لأن المدينة هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإسلام فصار الجميع في صحائف أهلها ولأنها تنفي الخبيث . وأجيب عن الأول بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة فالفضل ثابت للفريقين فلا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين . وعن الثاني بأن ذلك إنما هو في خاص من الناس ومن الزمان بدليل قوله تعالى ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ) والمنافق خبيث بلا شك وقد خرج من المدينة بعد النبي صلى الله عليه وسلم معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة ثم علي وطلحة وعمار والزبير وآخرون وهم من أكابر الصحابة فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس ووقت دون وقت . وذكر ابن حزم أن ذلك خاص بزمنه صلى الله عليه وسلم لأنه لا يصبر على الهجرة والمقام معه إلا من ثبت إيمانه وزمن الدجال لما ورد أنه في آخر الزمان عندما ينزل بها الدجال ترجف بأهلها فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه قال وأما بين ذلك فلا والله أعلم .
--- (1/411)
صفحة 411
الباب الرابع عشرفي عدة الشهداء
قوله في عدة الشهداء ) أي في عددهم فهو على حد قوله تعالى إن عدة الشهور عند الله ) وقد ترجم له أبو داود بفضل من مات في الطاعون والترمذي بقوله باب ما جاء في الشهداء من هم وابن ماجة بقوله ما يرجى فيه الشهادة .
والشهداء جمع شهيد وهو اسم وضعه الشرع لمن قتل في سبيل الله طالباً أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى هذا معنى الشهيد في أول الأمر ثم أطلق على سائر الأصناف المذكورين في الباب كالمقتول دون ماله والميت بالطاعون ونحوه .
واختلف في تسميته بذلك فقيل سمي شهيداً لأنه حي وكأن روحه شاهدة أي حاضرة ، وقيل سمي شهيداً لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة ، وقيل لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعد له من الكرامة ، وقيل لأنه يشهد له بالأمان من النار ، وقيل لأنه لا يشهده عند موته إلا ملائكة الرحمة ، وقيل لأنه الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرسل ، وقيل لأن الملائكة تشهد له بحسن الخاتمة ، وقيل لأن الأنبياء تشهد له بحسن الأتباع لهم ، وقيل غير ذلك والله أعلم .
--- (1/412)
صفحة 412
ما جاء أن المقتول دون ماله شهيد وأن أفضل الأعمال كلمة حق عند سلطان جائر
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : المقتول دون ماله شهيد .
وقال أيضاً : أفضل الأعمال كلمة حق يقتل عليها صاحبها عند سلطان جائر .
--------------------------------
قوله المقتول دون ماله شهيد ) أي من قاتل الصائل على ماله حيواناً كان أو غيره فقتل في المدافعة فهو شهيد في حكم الآخرة لا في الدنيا أي له ثواب شهيد عند الله تعالى كما في الشهيد في سبيل الله مع ما بين الثوابين من التفاوت وتفاوت المنازل لا يقدح في كونه شهيداً فإن شهداء المعركة أيضاً متفاوتون في المنازل ، ومعنى كونه شهيداً في الآخرة لا في الدنيا أي يعطى حكم الشهيد في الآخرة فقط أما الدنيا فإن أحكامه فيها أحكام سائر الموتى من غسل وكفن وغير ذلك وهو الذي يسمونه قتيل اللصوص .
والدفع عن المال جائز بل مستحب سواء ظن النجاة أو الموت لظاهر حديث الباب ، وقيل إن غلب على ظنه أنه يقتل فلا يقاتل وهذا إذا كان على جهة النظر في سياسة الناس وطلب استبقائهم فلا بأس به عند ظهور المصلحة في ذلك ، وإن كان على جهة المنع الشرعي فحديث الباب يرده وقد روي الطبراني عن فهيد بن مطرف الغفاري أن رجلاً قال يا رسول الله إن عدا علي عاد قال إن قتلك فأنت في الجنة وإن قتلته فهو في النار . وأخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد أن رجلاً قال يا رسول الله أرأيت من لقيني يريد أن يأخذ مالي قال فأنشده ثلاث مرات فإن أبى قالته فإن قتلك دخلت الجنة وإن قتلته دخل النار . (1/413)
صفحة 413
قوله وقال أيضاً ) يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم والظاهر أن هذا الحديث أيضاً من مسند ابن عباس لنه معطوف على قوله قال المقتول دون ماله شهيد وهو من حديث ابن عباس فمثله المعطوف عليه وما هنا تدليس فلا شك في إرادة هذا الظاهر فإنه لو كان لغير ابن عباس لبينه رضي الله عنه ن وقد رواه ابن ماجة عن أبي سعيد وأبي أمامة وهو عند أحمد والنسائي من حديث طارق بن شهاب وعند أحمد أيضاً من حديث أبي أمامة وليس عندهم قوله يقتل عليها صاحبها ) .
قوله أفضل الأعمال ) وفي رواية قومنا أفضل الجهاد ) فيؤخذ منها أن المراد بالأعمال عند المصنف أعمال الجهاد وذلك أن للجهاد أعمالاً منها الغزو والرباط والصبر والمصابرة والثبات والمواقفة ونحوها ومنها التكلم بكلمة حق عند سلطان جائر وهذه أفضل أعماله لظاهر حديث الباب . وقيل بل المعنى أن هذه أفضل من الجهاد لا أنها أفضل أعماله .
وقوله كلمة حق ) بالإضافة قيل وبدونها أيضاً والمراد بالكلمة ما أفاد أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر من لفظ أو ما في معناه من ككتابة ونحوها وإنما كان ذلك أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو كان متردداً بين رجاء وخوف لا يدري هل يغلب أو يغلب وصاحب السلطان مقهور في يده فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف وأهدف نفسه للهلاك فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف . (1/414)
صفحة 414
وقوله يقتل عليها صاحبها عند سلطان جائر ) أي ظالم وفي القناطر عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله تعالى قال رجل قام إلى وال جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك فإن لم يقتله فإن القلم لا يجري عليه بعد ذلك وإن عاش ما عاش . والمعنى أن الله يحفظه ويسدده فلا يفعل شيئاً يكتب عليه ألبتة وإنما يفعل ما يكتب له من الأعمال حفظاً من عند الله تعالى وتوفيقاً حتى يلقاه على الحالة التي بذل فيها نفسه ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) وعن الحسن البصري عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك فذلك الشهيد منزلته في الجنة بين حمزة وجعفر . والله أعلم .
--- (1/415)
صفحة 415
ما جاء أن الشهداء خمسة
أبو عبيدة عن أبي هريرة قال : الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله .
----------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً الترمذي عن أبي هريرة على نحو ما ذكره المصنف رحمة الله عليه ثم قال وفي الباب عن أنس وصفوان بن أمية وجابر بن عتيك وخالد بن عرفطة وسليمان بن صرد وأبي موسى وعائشة قال أبو عيسى حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح وأبو عيسى هو الترمذي .
والمطعون هو الميت بالطاعون وذلك لأن الطعن وخز أعدائنا الجن فهو شهادة لهذه الأمة .
والمبطون قيل هو صاحب الإسهال . وقيل هو الذي يموت بمرض بطنه كالاستسقاء ونحوه . وقيل هو صاحب القولنج . وقيل المراد ما يعم ذلك كله وفي الترمذي عن أبي إسحاق السبيعي قال قال سليمان بن صرد لخالد بن عرفطة أو خالد لسليمان أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من قتله بطنه لم يعذب في قبره فقال أحدهما لصاحبه نعم .
والغريق هو الذي يموت غرقاً في الماء . وإطلاقه مقيد بمن ركب البحر ركوباً غير محرم .
والهدم بفتح الهاء والدال ما تهدم فسقط كالذي يهدم من جانب البئر فيسقط فيه . والمراد بصاحبه هو الذي يموت فيه وهو والغريق إنما يعدان من الشهداء إذا لم يهملا التحرز عن الهلكة فإن فرطا في التحرز حتى هلكا فهما عاصيان والله أعلم .
--- (1/416)
صفحة 416
ما جاء أن الشهيد يغفر له عند أول قطرة من دمه ويجار من عذاب القبر
قال الربيع قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : الشهيد يغفر له عند أول قطرة تقطر من دمه في سبيل الله ويجار من عذاب القبر .
---------------------------------
قوله الشهيد ) أي شهيد المعركة بدليل ما بعده .
وقوله يغفر له عند أول قطرة تقطر من دمه ) أي غفر الله له ذنوبه عند أول قطرة من دمه ويعطى بباقي القطرات عظيم الدرجات فيلقى ربه مغفوراً له منعماً مكرما .
قوله ويجار من عذاب القبر ) أي ينقذ منه بفضل الشهادة وثبت في السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد رفعه كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر ) وعند مسلم والنسائي والبزار من حديث سلمان رفعه رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل وأمن الفتان ) والله أعلم .
--- (1/417)
صفحة 417
ما جاء أن الشهيد يغفر له عند أول قطرة من دمه ويجار من عذاب القبر
قال الربيع قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : الشهيد يغفر له عند أول قطرة تقطر من دمه في سبيل الله ويجار من عذاب القبر .
---------------------------------
قوله الشهيد ) أي شهيد المعركة بدليل ما بعده .
وقوله يغفر له عند أول قطرة تقطر من دمه ) أي غفر الله له ذنوبه عند أول قطرة من دمه ويعطى بباقي القطرات عظيم الدرجات فيلقى ربه مغفوراً له منعماً مكرما .
قوله ويجار من عذاب القبر ) أي ينقذ منه بفضل الشهادة وثبت في السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد رفعه كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر ) وعند مسلم والنسائي والبزار من حديث سلمان رفعه رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل وأمن الفتان ) والله أعلم .
--- (1/418)
صفحة 418
ما جاء في الشهداء بغير السيف
وقال صلى الله عليه وسلم إن لم يكن الشهداء من أمتي إلا من قتل بالسيف فهم إذاً قليل ثم قال صلى الله عليه وسلم القتيل شهيد وصاحب الهدم شهيد والمبطون شهيد والغريق شهيد ومن أكله السبع شهيد والسليم شهيد - يعني اللديغ - وصاحب السل شهيد ومن مات مرابطاً في سبيل الله شهيد ومن ذكر الله تعالى إذا أخذ مضجعه ثم مات فهو شهيد والنفساء ومن مات على فراشه يريد أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى .
----------------------------
قوله إن لم يكن الشهداء .. الخ ) ذكر أبو داود في سننه عن عبدالله بن عبدالله بن جابر بن عتيك عن عتيك بن الحارث بن عتيك وهو جد عبدالله بن عبدالله أبو أمه أنه أخبره أن جابر بن عتيك أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبدالله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : غلبنا عليك يا أبا الربيع فصاح النسوة وبكين فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية قالوا فما الوجوب يا رسول الله قال الموت قالت ابنته والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيداً فإنك كنت قد قضيت جهازك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل قد أوقع أجره على قدر نيته وما تعدون الشهادة قالوا القتل في سبيل الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة . والحديث أخرجه أيضاً ابن ماجة مختصراً في ذكر سببه .
وذات الجنب مرض معروف . (1/419)
صفحة 419
وجمع بضم الجيم وسكون المهملة هو أن تموت وفي بطنها ولد والمعنى أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها وهذه هي الحامل وهي غير النفساء المذكورة في حديث الربيع وقد زاد غيرهما أنواعاً من الشهادة قال إنها جاءت من طرق جيدة منها المقتول دون دينه أو دمه أو أهله أو مظلمته ومن خرج في سبيل الله فوقصه فرسه أو بعيره أو مات على فراشه على أي حتف شاء الله والخار عن دابته ومن صبر في الطاعون ومن يتردى من رؤوس الجبال ومن مات غريباً زاد العلقمي الميت في السجن وقد حبس ظلماً والميت وهو طالب للعلم ومن تقع عليه الصخرة ومن قتل دون أخيه ومن قتل دون جاره والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر قال والغيرة على زوجها كالمجاهدة في سبيل الله فلها اجر شهيد قال والميت عشقا . فإن قيل إن جعل هؤلاء كلهم شهداء ينافيه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة الشهداء خمسة وكذلك قوله في حديث جابر بن عتيك الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله وأيضاً فلكل واحد من حديثي أبي هريرة وجابر ابن عتيك يخالف صاحبه في العدد فالجواب أنه صلى الله عليه وسلم علم بالأقل ثم علم بالزيادة على ذلك فأخبر بها والله يزيد من فضله ما شاء لمن شاء . قال ابن التين هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد بان جعلها تمحيصاً لذنوبهم وزيادة في أجورهم يبلغهم مراتب الشهداء . قال ابن حجر : والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواء ويدل عليه ما روي أن أفضل الجهاد من عقر جواده وأهريق دمه . وقال علي بن أبي طالب كل موتة يموت بها المسلم فهو شهيد غير أن الشهادة تتفاضل . انتهى مختصرا .
قوله من أمتي ) فيه دليل أن تعدد أسباب الشهادة خصوصية لهذه الأمة ولم يكن في الأمم السابقة شهادة إلا القتل في سبيل الله خاصة على ما ذكره بعض قومنا . (1/420)
صفحة 420
وقوله فهم إذاً قليل ) أي إذا انحصرت الشهادة في أمتي في قتيل السيف قل الشهداء منهم والحال أن شهداءهم كثيرون من فضل الله عليهم .
قوله والقتيل شهيد ) أي قتيل السيف في سبيل الله وكذلك من قتل دون ماله أو قتله جائر على كلمة حق قالها أو قتل ظلماً على نحو ما تقدم ذكره .
وصاحب الهدم بفتحتين تقدم تفسيره هو وما بعده في حديث أبي هريرة .
ومن أكله السبع بضم الباء وإسكانها لغة وهو كل ما له ناب يعدو به ويفترس كالذئب والفهد والنمر .
والسليم وزان كريم اللديغ سموه بذلك تفاؤلاً له بالسلامة ومن ذلك تسمية المهلمة مفازة ومنه قولهم سلمت الشمس إذا غربت وقولهم تعافت الشمس وتعافى القمر إذا أصابهما الكسوف كل ذلك تفاؤلاً بالفوز والسلامة والعافية .
وصاحب السل بكسر المهملة وتشديد اللام قروح تحدث في الرئة لا يكاد صاحبه يسلم منه وهو من أمراض الشباب لكثرة الدم فيهم . (1/421)
صفحة 421
قوله ومن مات مرابطاً في سبيل الله شهيد ) أي ولو يقتله العدو ، والمرابطة الملازمة لثغر العدو ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك خرج معه عبدالله ذو البجادين وقال رسول الله ادع الله لي بالشهادة فقال ائتني بلحاء سمرة - أي قشرها - فأتاه بها فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فربطها على عضده فقال : اللهم إني أحرم أو قال حرم دمه على الكفار . قال : يا رسول الله ليس هذا ما أردت . قال : إنك إذا خرجت في سبيل الله فأخذتك الحمى وقتلتك فأنت شهيد ولا تبال بأيه كان فلما نزلوا تبوك وأقاموا بها أياماً أخذته الحمى فتوفي بها ودفن هناك بالليل وأخذ بلال شعلة من نار فوقف بها على القبر فكان عبدالله بن مسعود يحدث قال قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها أنظر إليها فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وإذا عبدالله ذو البجادين قد مات فإذا هم قد حفروا له ورسول الله صلى الله عليه وسلم نزل في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه إليه وهو يقول أدليا إلي أخاكما فدلياه إليه فلما هيئاه لشقه ووضعه في اللحد قال اللهم إني قد أمسيت راضياً عنه فارض عنه يقول عبدالله بن مسعود يا ليتني كنت أنا صاحب هذه الحفرة .
قوله ومن ذكر الله تعالى إذا أخذ مضجعه ) بفتح الميم وسكون الضاد موضع الاضطجاع وأخذ المضجع كناية عن المآوات إلى الفراش للنوم فمن ذكر الله تعالى عند ذلك ثم مات في ليلته تلك فهو شهيد من شهداء الآخرة لفضل ذكر الله تعالى حيث ختم به عمله وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان الأذكار التي تقال عند ذلك أحاديث كثيرة جمع منها ابن السني في عمل اليوم والليلة ثمانية عشر نوعا. (1/422)
صفحة 422
قوله والنفساء ) أي شهيد فهو مبتدأ حذف خبره للعلم به مما تقدم وكذا القول فيما بعده وإنما كانت النفساء شهيداً لأجل ما حصل لها من المشقة من ألم الولادة والمرض يكفر الخطايا كما يكفرها الجهاد فلها عند الله أجر شهيد .
قوله ومن مات ) مبتدأ وما بعده صلته وخبره محذوف تقديره شهيد وهو النفساء عطف على ما قبلها .
وكلمة الله قول لا إله إلا اله محمد رسول الله وما يتبعها من الأوامر والنواهي .
وكلمة الذين كفروا القول بتعدد الآلهة وعبادة غير الله تعالى وما يتبع ذلك من أمور الجاهلية فمن مات على فراشه وهو ساع لإعلاء كلمة الله وإطفاء الشرك وذهاب كلمته فهو شهيد لأنه في معنى المجاهد وذلك لأن المجاهد لم يخرجه من بيته إلا إعلاء كلمة الله تعالى على كلمة الذين كفروا فقد تشاركا في المطلب واتفقا في المعنى مع تفاوت المراتب بحسب الأعمال ولكل درجات مما علموا والله أعلم .
--- (1/423)
صفحة 423
الباب الخامس عشر في فضل الشهادة
ما جاء في تمني الشهادة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : والذي نفسي بيده لو وددت أن أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل .
----------------------
قوله في فضل الشهادة ) وهي القتل في سبيل الله لإعلاء كلمة الله والمراد بفضلها ثوابها عند الله تعالى والغرض من ذكر فضلها الترغيب في الجهاد فإن النفس إذا علمت قدر ثواب العمل نشطت في فعله وتاقت إلى فضله .
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهم وله طرق كثيرة في الصحيحين وغيرهما .
قوله والذي نفسي بيده ) أي في ملكه وقبضته .
قوله لوددت ) بلام مفتوحة في جواب القسم وفي رواية عند قومنا بغير لام وهو بكسر الدال الأولى وسكون الثانية .
قوله فأقتل ) بضم الهمزة في الثلاثة المواضع كلها وكذلك قوله ثم أحيا بضم الهمزة في الموضعين والكل مبني للمفعول . وحاصله أنه صلى الله عليه وسلم تمنى أن تحصل له الشهادة ثلاث مرات . وثم وإن دلت على تراخي الزمان لكن الحمل على تراخي الرتبة هو الوجه لأن المتمنى حصول الدرجات بعد القتل والإحياء لم يحصل ، قيل ومن ثم كررها لنيل مرتبة بعد مرتبة . واستشكل هذا التمني منه صلى الله عليه وسلم مع علمه بأنه لا يقتل . وأجيب بأن تمني الفصل والخير لا يستلزم الوقوع فقد قال صلى الله عليه وسلم وددت لو أن موسى صبر وله نظائر فكأنه صلى الله عليه وسلم أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد وتحريض المسلمين عليه . وفي الحديث استحباب طلب القتل في سبيل الله وجواز قوله وددت حصول كذا من الخير وإن علم أنه لا يحصل لأن فيه إظهار محبة الخير والرغبة فيه والأجر يقع على قدر النية وفيه تمني ما يمتنع عادة والله أعلم .
--- (1/424)
صفحة 424
ما جاء في فضل من يكلم في سبيل الله
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك .ومن طريقه عنه عليه السلام قال : مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الذي لا يفتر عن صلاة ولا صيام حتى يرجع .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الأعمال كلمة حق يقتل عليها صاحبها عند سلطان جائر .
-----------------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهم .
قوله بيده ) أي في قدرته أو في ملكه .
وقوله لا يكلم ) بضم الياء وسكون القاف وفتح اللام أي يجرح .
وقوله في سبيل الله ) أي الجهاد .
وقوله والله أعلم بمن يكلم في سبيله ) جملة معترضة بين المستثنى منه والمستثنى مؤكدة لمعنى المعترض وفيه تفخيم شأن من يكلم في سيبل الله نظيره قوله تعالى قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت ) أي بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور . ويمكن أن يكون تتميماً للصيانة عن الرياء والسمعة وتنبيهاً على الإخلاص في الغزو وأن الثواب المذكور إنما هو لمن أخلص القصد لتكون كلمة الله هي العليا .
وقوله يثعب ) بفتح الياء المثناة تحت وإسكان المثلثة وفتح المهملة فموحدة أي يجري متفجراً أي كثيراً . (1/425)
صفحة 425
وقوله اللون لون الدم والريح ريح المسك ) أي لون ذلك الجاري لون الدم وريحه ريح المسك إذ ليس هو مسكاً حقيقة بخلاف لون الدم فلا تقدير فيه لأنه دم دقيقة فليس له من أحكام الدماء وصفاتها إلا اللون فقط . والحكمة في بعثه كذلك ليكون معه شاهد على فضيلته ببذله نفسه في طاعة الله تعالى وشاهد على من ظلمه . وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يستشهد أو تبراً جراحته . قال ابن حجر : ويحتمل أن المراد ما مات صاحبه به قبل اندماله لا ما اندمل في الدنيا فإن أثر الجراحة وسيلان الدم يزول ولا ينفي ذلك أن له فضلاً في الجملة لكن الظاهر أن الذي يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً من فارق الدنيا كذلك ويؤيده ما لابن حبان عن معاذ مرفوعاً عليه طابع الشهداء ) ولأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم عن معاذ مرفوعاً من جرح في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها الزعفران وريحها المسك ) قال وعرف بهذه الزيادة أن الصفة المذكورة لا تختص بالشهيد بل تحصل لكل من جرح . قالوا وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار يدخل فيه من جرح في سبيل الله في قتال البغاة وقطاع الطريق وفي إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك لأن الجميع سيبل الله عز وجل . واستدل بعضهم لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم من قتل دون ماله فهو شهيد . وتعقب بأن قوله صلى الله عليه وسلم والله أعلم بمن يكلم في سبيله إشارة إلى اعتبار الإخلاص والمقاتل دون ماله إنما يقصد صون ماله وحفظه فهو يفعل ذلك بداعية الطبع لا بداعية الشرع ولا يلزم من كونه شهيداً أن يكون دمه يوم القيامة كريح المسك والله أعلم .
قوله ومن طريقه أيضاً ) يعني أبا هريرة بالسند المتقدم .
قوله عنه عليه السلام ) يعني النبي صلى الله عليه وسلم . (1/426)
صفحة 426
وقوله مثل المجاهد ) بفتح الميم والمثلثة أي صفة المجاهد في سبيل الله أي حاله عند الله تعالى كحال الصائم القائم الذي لا يفتر عن صلاة ولا صيام ولا يضيع ساعة من ساعاته بلا ثواب حتى يرجع من جهاده قال تعالى ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ) الآيتين . ووجه التشبيه أن الصائم القائم ممسك لنفسه عن الأكل والشرب والنوم واللذات والمجاهد ممسك لها على محاربة العدو حابس لها على من يقاتله .
وقوله لا يفتر ) بضم التاء والراء أي لا يضعف ولا ينكسر عن ذلك ليلاً ولا نهارا . قال بعضهم يحتمل أنه ضرب ذلك مثلاً وإن كان أحد لا يستطيع كونه قائماً مصلياً لا يفتر ليلاً ولا نهاراً أو يحتمل أنه أراد التكثير . قال الباجي : أحال ثواب الجهاد على الصائم القائم وإن كنا لا نعرف مقداره لما قرره الشرع من كثرته وعرف من عظمه . قال عياض : هذا تفخيم عظيم للجهاد لأن الصيام وغيره مما ذكر من الفضائل قد عدلها كلها الجهاد حتى صارت جميع حالات المجاهد وتصرفاته المباحة تعدل أجر المواظبة على الصلاة وغيرها وفيه أن الفضائل لا تدرك بالقياس وإنما هي إحسان من الله لم يشاء . وقال ابن دقيق العيد القياس يقتضي أن الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل لأن الجهاد وسيلة إلى إعلاء الدين ونشره وإخماد الكفر ودحضه ففضله بحسب فضل ذلك والله أعلم .
قوله أفضل الأعمال كلمة حق .. الخ ) تقدم شرحه في باب عدة الشهداء والغرض من ذكره هنا بيان فضله وأنه المرتبة العليا من مراتب الشهادة والحديث في هذا الموضع من مرسل جابر وقد تقدم أن الظاهر من ذكره في الباب السابق بعد حديث ابن عباس أنه من مسند ابن عباس والله أعلم بذلك وغيره .
--- (1/427)
صفحة 427
ما جاء في تكفل الله للمجاهد في سبيله
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : تكفل الله للمجاهد في سبيل الله ولا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيل الله وتصديق كلماته بأن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة .
---------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم .
قوله تكفل الله ) ولمسلم من رواية أبي زرعة عن أبي هريرة تضمن الله ) وللبخاري انتدب الله ) وكلها بمعنى واحد ومحصله تحقيق الوعد المذكور في قوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) وذلك التحقيق على وجه الفضل منه سبحانه وتعالى وعبر صلى الله عليه وسلم عن تفضله تعالى بالثواب بلفظ الضمان ونحوه مما جرت به عادة المخاطبين فيما تطمئن به نفوسهم .
قوله ولا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيل الله .. الخ ) وصف للمجاهد الذي تكفل الله له بذلك الوعد فإنه هو الذي لا يخرجه من بيته غرض دنيوي ولا سمعة ولا رياء وإنما يخرجه طلب الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله طمعاً في ثواب الله وابتغاء مرضاة الله .
وقوله وتصديق كلماته ) أي كلام الله تعالى في الإخبار بما للمجاهدين من عظيم الثواب . وقيل المراد بالكلمات كلمة الشهادتين . والمعنى لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص لله تعالى .
وقوله بأن يدخله الجنة ) متعلق بقوله تكفل والمعنى تكفل الله له إن استشهد في غزاته بإدخاله الجنة بلا حساب فتكون الشهادة مكفرة لذنوبه أو المراد يدخله الجنة ساعة موته كما ورد أن أرواح الشهداء تسرح في الجنة وقال تعالى أحياء عند ربهم يرزقون ) .
وقوله أو يرده ) بالنصب عطفاً على يدخله .
وقوله إلى مسكنه ) أي منزله الذي خرج منه . (1/428)
صفحة 428
وقوله مع ما نال من أجر أو غنيمة ) أي من أجر خالص لا غنيمة معه أو غنيمة مع أجر دون أجر من لم يغنم شيئا . وقيل معناه أن المجاهد إما أن يستشهد أولا والثاني لا ينفك من أجر أو غنيمة مع إمكان اجتماعهما والقضية مانعة خلولا جمع . وقيل أن أو بمعنى الواو وقد وقع في بعض الروايات عند قومنا بالواو لكن فيها مقال . واستشكل لأنه يقتضي وقوع الضمان بمجموع المرين لكل من رجع وقد لا يتفق ذلك لأن كثيراً من الغزاة يرجع بلا غنيمة . ويؤيد التأويل الأول ما روى مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص مرفوعاً ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم ) . وذكر بعضهم في ذلك حكمة لطيفة قالوا إن الله أعد للمجاهدين ثلاث كرامات دنيويتان وأخروية فالدنيويتان السلامة والغنيمة والأخروية دخول الجنة فإذا رجع سالماً غانماً فقد حصل له ثلثا ما أعد الله وبقي له الثلث وإن رجع بلا غنيمة عوضه الله عن ذلك ثواباً في مقابلة ما فاته فكان المعنى الحديث أن يقال للمجاهد إذا فاتك شيء من أجر الدنيا عوضتك عنه ثواباً وأما الثواب المختص بالجهاد فحاصل للفريقين معا وغاية ما فيه أن غير النعمتين الدنيويتين الجنة وإنما هي بفضل الله . (1/429)
صفحة 429
واستشكل نقص ثواب المجاهد بأخذ الغنيمة لمخالفته لما دل عليه أكثر الأحاديث واشتهر من تمدح النبي صلى الله عليه وسلم بحل الغنيمة وجعلها من فضائل أمته فلو نقصت الأجر ما وقع التمدح بها وأيضاً فإن ذلك يستلزم أن أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أحد مثلاً مع أن أهل بدر أفضل باتفاق . والجواب عن الأول أنه إنما وقع التمدح بحل الغنيمة لهذه الأمة حيث كان في مقابلة تحريمها على من كان قبلنا من الأمم فتحليلها نعمة من نعم الدنيا وفيها قوة للإسلام وتقوية لضعفاء المسلمين . والجواب عن الثاني لا نسلم أنه يلزم من ذلك تفضيل غير البدري على البدري لأن التقابل بين كمال الأجر ونقصه لمن يغزو بنفسه إذا لم يغنم أو يغزو فيغنم أن حال أهل بدر مثلاً عند عدم الغنيمة أفضل منه عند وجودها وإنما امتاز أهل بدر بذلك لأنها أول غزوة شهدها النبي صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار وكانت مبدأ اشتهار الإسلام وقوة أهله ، والله أعلم .
--- (1/430)
صفحة 430
ما جاء أن الشهادة تكفر كل خطيئة إلا الدين
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال حدثني عبدالله ابن عمر قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر أيكفر الله عني خطاياي ؟ قال : نعم . فلما أدبر الرجل ناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي له فقال كيف قلت فأعاد قوله فقال نعم إلا الدين كذلك قال لي جبريل عليه السلام .
---------------------------------
قوله حدثني عبدالله بن عمر ) الحديث رواه مالك في الموطأ من حديث أبي قتادة .
قوله جاء رجل ) لم يذكر اسمه وفي رواية الليث عند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال فقام رجل .. الخ .
وقوله في سبيل الله ) يعني الجهاد .
وقوله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر ) أحوال من التاء في قوله قتلت أي حال كوني على هذه الأوصاف .
والمحتسب هو من أخلص عمله لله طمعاً في ثواب الله .
والمقبل هو من أعطى العدو وجهه .
وقوله غير مدبر ) تأكيد له إذ قد يقبل مرة ويدبر أخرى فيصدق عليه أنه مقبل فارتفع هذا الاحتمال بقوله غير مدبر .
وقوله أيكفر الله عني خطاياي ) جمع خطيئة وهي ما يفعله الإنسان مخالفاً للواسع كان عن عمد أو خطأ والمعنى أيغفرها الله لي إن قتلت على هذا الحال فأجابه صلى الله عليه وسلم بقوله نعم . وفيه أن الخطايا تكفر بالأعمال الصالحة مع الاحتساب والنية في العمل وأن أعمال البر المقبولة لا تكفر من الذنوب إلا ما بين العبد وبين ربه فأما التبعات فلا بد فيها من الخلاص .
وقوله ناداه ) أي دعاه .
وقوله فنودي له ) أي دعي له لما دعاه فحضر فقال صلى الله عليه وسلم كيف قلت يعني في سؤالك المتقدم فأعاد السؤال فقال صلى الله عليه وسلم نعم إلا الدين . (1/431)
صفحة 431
والدين بفتح الدال هو ما يلزم العبد من أموال الناس فإنه لا يكفره إلا عفو صاحبه أو استيفاؤه قيل وهذا في دين ترك له وفاءً ولم يوص به أو قدر على الأداء فلم يؤد أو أدائه في غير حق أو إسراف ومات ولم يقضه . وفيه تنبيه على تعظيم حقوق الآدميين وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا تكفر حقوق الآدميين وإنما تكفر حقوق الله تعالى . وقيل يمكن أن يقال هذا محمول على الدين الذي هو خطيئة وهو ما استدانة صاحبه على وجه لا يجوز له فعله بان أخذه بحيلة أو غصب فثبت في ذمته أو أدان غير عازم على الوفاء لأنه استثنى ذلك من الخطايا والأصل في الاستثناء أن يكون من الجنس ويكون الدين المأذون فيه مسكوتاً عنه في هذا الاستثناء فلا يلزم المؤاخذة به لما يلطف الله بعبده من استيهابه له وتعويض صاحبه من فضل الله .
فإن قيل ما تقول فيمن مات وهو عاجز عن الوفاء ولو وجد وفى ؟ قلت : إن كان الذي لزم ذمته إنما لزمها بطريق لا يجوز تعاطي مثله كغصب أو إتلاف محجور فلا تبرأ الذمة من ذلك إلا بوصوله إلى أهله أو بإبرائه منه ولا تسقطه التوبة وإنما تنفع التوبة في إسقاط العقوبة الأخروية فيما يختص بحق الله تعالى وإن كان ذلك المال لزمه بطريق سائغ وهو عازم على الوفاء ولمي قدر فهذا ليس بصاحب ذنب حتى يتوب ويرجى له الخير في العقبى ما دام على هذا الحال .
قوله كذلك قال لي جبريل ) هذا يدل على أن قول جبريل عليه السلام ذلك إنما كان بعد أن أفتى صلى الله عليه وسلم الرجل ومضى فأتاه جبريل بهذا الاستثناء وكأن الأمر كان عاماً قبل ذلك ولهذا لم يستثن صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم نزل الوحي بالاستثناء . وقال ابن عبد البر : فيه دليل على أن من الوحي ما يتلى وما لا يتلى وما هو قرآن وما ليس بقرآن وقد قيل في قوله تعالى واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ) أن القرآن الآيات والحكمة السنة وكل من عند الله فإنه لا ينطق عن الهوى ، والله أعلم
.
--- (1/432)
صفحة 432
ما جاء أن شهيد المعركة لا يغسل
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : المقتول في المعركة لا يغسل فإن دمه يعود مسكاً يوم القيامة
عبيدة عن جابر عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشهداء زملوهم في ثيابهم أي لفوهم فيها من غير غسل .
---------------------------
قوله المقتول في المعركة لا يغسل ) المعركة موضع القتال والمراد قتال الكفار من مشرك وباغ على الإمام طالب لإخماد الكلمة وذهاب الدولة فقتيل الفريقين شهيد دنيا وأخرى بخلاف قتيل اللصوص ونحوه فإنه شهيد في الآخرة وأحكامه في الدنيا أحكام سائر الموتى وإن حمل الشهيد من المعركة وفيه رمق حياة ومات من بعد فإنه يغسل لأنه مات في غير المعركة . وفي أثر أصحابنا النفوسيين أن المجروح إذا مات في يومه ذلك لا يغسل ولا يتيمم له قال في الإيضاح وأظن أنهم ألحقوا النساء بالمجروح لأنها مذكورة من أصناف الشهداء في حديث النبي عليه السلام . وروى مالك عن نافع عن عبدالله بن عمر أن عمر بن الخطاب غسل وكفن وصلي عليه وكان شهيداً يرحمه الله وإنما غسل رضي الله عنه لكونه قتيل اللصوص عندنا ولكونه مات في غير موضع القتل عند مالك وبه استدل على أن شهيد المعركة لا يغسل جمعاً بين الدليلين واستثنى في الإيضاح الجنب قال إنه يغسل وإن كان شهيداً واستدل بتغسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر الأنصاري رضي الله عنه وهو من شهداء أحد . (1/433)
صفحة 433
قوله فإن دمه يعود مسكاً يوم القيامة ) أي يصير كالمسك في طيب رائحته وأما لونه فلون الدم وهذا تعليل لرفع الغسل عنهم . والحكمة في ذلك بقاء أثر الدم عليهم يوم القيامة ليكون شاهداً لهم ببذل أنفسهم في رضاء ربهم وشاهداً على خصمهم بظلمهم وهذا التعليل يقتضي أن هذه الصفة خاصة بشهيد المعركة وما تقدم في حديث أبي هريرة يقتضي أنها تكون لكل من جرح في سبيل الله فإن جعلنا العلة عامة لزم ترك الغسل لكل شهيد جرح في سبيل الله تعالى ومات بجرحه ذلك ووجب إلغاء المفهوم من قوله المقتول في المعركة وإن قلنا أن الصفة المذكورة خاصة بشهيد المعركة عارضه حديث أبي هريرة المقتضي للتعميم ولا بد من الجمع بين الحديثين على حالة لا يسقط معها المفهوم من التقييد بالمعركة فنقول إن العلة في رفع الغسل مركبة من شيئين أحدهما موت الشهيد في المعركة وهو أمر مشاهد والثاني كون دمه يعود مسكاً يوم القيامة وهو أمر معلوم من الوحي فعود دمه مسكاً جزء العلة لا نفس العلة . ويمكن أن يقال أن العلة كونه قتيل المعركة فقط وأن قوله فإن دمه يعود مسكاً بيان لحكمة ذلك وقد تكون الحكمة عامة لأشياء متعددة لكل واحد منها علة مستقلة والله أعلم .
قوله في الشهداء ) أي شهداء أحد وكذلك حكم كل شهيد قتل في المعركة لأن المعنى واحد وإليه أشار ابن عباس بقوله في الشهداء فأتى بلام الجنس المقتضية للتعميم عند من لم يسبق له فيهم علم وهي للعهد الذهني عند من علم ذلك على أنه لو لم ير التعميم لبين الشهداء المخصوصين بذلك وهذا فرض وتقدير وأما المسألة فلا خلاف فيها بين الأمة أن من كان مثل شهداء أحد لا يغسل . (1/434)
صفحة 434
قوله زملوهم في ثيابهم ) أي لفوهم فيها من غير غسل فكفن الشهيد ثوبه الذي استشهد فيه ولا يزاد عليه شيء إلا إذا كان ثوبه لا يكفي لكفنه فإنه يزاد عليه حتى يواري جسده ولما قتل مصعب بن عمير رضي الله عنه يوم أحد كان عليه نمرة إن غطي بها رأسه انكشفت رجلاه وإن غطيت بها رجلاه انكشفت رأسه فأمر صلى الله عليه وسلم أن يغطى رأسه ويجعل على رجليه الأذخر . ومفهوم قوله بثيابهم يخرج غير الثياب من اللباس فلا يزمل في درعه بل ينزع عنه جميع الحديد وكذلك ينزع عنه ما ليس بثوب من اللباس فينزع منه الخاتم والنعلان والخف والقرن والبرنوس ما لم يبن عليه العمامة وتزميلهم بثيابهم كرامة لهم كدفنهم بدمائهم والحكمة في ذلك واحدة والعلم عند الله تعالى .
--- (1/435)
صفحة 435
ما في تمني الغزو في سبيل الله وجواز التخلف لأجل الأصحاب
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لولا أن أشق على أمتي لأحببت أن لا أتخلف عن سرية تخرج في سبيل الله ولكن لا أجد ما أحملكم عليه ولا تجودن ما تحملون عليه ويشق عليكم أن تتخلفوا بعدي .
-----------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم .
وقوله لولا أن أشق على أمتي ) المراد بالأمة هنا أصحابه الذين كانوا معه بدليل قوله ولكن لا أجد .. الخ . ويمكن أن يكون المراد مطلق الأمة لأنه إذا تخلف هو عليه الصلاة والسلام عن سرية تخرج في سبيل الله كان حقاً على غيره أن لا يتخلف ويتعين الخروج على كل خليفة بعده فرأى أن التخلف أرفق بأمته ويمكن أنه خاف أن يفرض عليهم ذلك ولا يجدون ما يحملهم فتركه خشية الوجوب كما ترك الجماعة في قيام رمضان وكما ترك الأمر بالسواك عند كل صلاة وكل وضوء . وقيل المراد بالمشقة ما ذكره في حديث الباب وذلك أن نفوسهم لا تطيب بالتخلف ولا يقدرون على التأهب لعجزهم عن آلة السفر من مركوب وغيره وتعذر وجوده عند النبي صلى الله عليه وسلم .
وفي الحديث فضيلة الغزو وتنمي الخير قيل وفيه أن الجهاد من فروض الكفاية لا من العين . وتعقب بأنه قد يصير عيناً . وفيه ما كان عليه الصلاة والسلام من الشفقة على المسلمين والرأفة بهم وأنه كان يترك بعض ما يختاره للرفق بالمسلمين فإنه إذا تعارضت المصالح يؤثر أهمها .
وفيه جواز التخلف عن الغزو لأجل الرفق بالأصحاب ومثله سائر أنواع الطاعة كطول القيام بالليل وكثرة الصوم بالنهار إذا كان ممن يقتدى به ولا تطيب نفس أصحابه إلا في اتباعه وفيهم من يشق عليه الأتباع فإن ترك بعض ذلك للرفق بهم جاز له لحديث الباب والله أعلم .
--- (1/436)
صفحة 436
الباب السادس عشر في الخيل
ما جاء في المسابقة بالخيل
أبو عبيدة قال بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سابق بين الخيل التي ضمرت من الحفياء وكان أمدها ثنية الوداع وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني رزيق . وقد بلغني أن عبدالله بن عمر كان ممن سبق بها .
------------------------------
قوله في الخيل ) أي في المسابقة بها والحمل عليها في سبيل الله وأجر من ربطها جهاداً في سبيل الله ووزر من ربطها نواء على أهل الإسلام .
والخيل جماعة الأفراس لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط والنفر ، وقيل مفرده خائل قاله أبو عبيدة وهي مؤنثة والجمع خيول وقيل في تصغيرها خييل . وسميت الخيل خيلاً لاختيالها في المشية فهو على هذا اسم للجمع عند سيبويه وجمع عند أبي الحسن والله أعلم .
قوله قال بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهم عن نافع عن عبدالله بن عمر وحينئذ فمعنى قوله آخر الحديث أن عبدالله بن عمر ممن سبق بها نظير قول الرجل عن نفسه إن العبد فعل كذا .
قوله سابق بين الخيل ) أي أمر بالمسابقة بها وكان ذلك في السنة الخامسة من الهجرة بالمدينة .
وقوله ضمرت ) بضم الضاد وكسر الميم المشددة مبنياً للمفعول فيجوز فيه أضمرت أيضاً وهو الواقع في رواية الموطأ والضمر من الخيل هي التي علفت حتى سمنت وقويت ثم قلل علفها بقدر القوت وأدخلت بيتاً وغشيت بالجلال حتى حميت وعرقت فإذا جف عرقها خف لحمها وقويت على الجري .
والحفياء بفتح المهملة وسكون الفاء فتحتية ومد مكان خارج المدينة ويجوز القصر وحكى الحازمي تقديم التحتية على الفاء وحكي ضم أوله وخطأه عياض وغيره .
وأمدها بفتح الهمزة والميم غايتها . (1/437)
صفحة 437
وثنية الوداع بالمثلثة وفتح الواو سميت بذلك لأن الخارج من المدينة يمشي معه المودعون إليها قال سفيان : الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة ، وقال موسى بن عقبة بينهما ستة أميال أو سبعة رواهما البخاري قال ابن حجر : وهو اختلاف قريب وسفيان هو الثوري .
وقوله لم تضمر ) بضم التاء وفتح الضاد المعجمة الثقيلة . قال بعض الشراح وفي رواية بسكون الضاد وخفة الميم .
وقوله من الثنية ) بالمثلثة أس ثنية الوداع فأل فيها للعهد الذكري .
وبني رزيق بضم الزاء ثم راء مفتوحة وسكون التحتية فقاف هو رزيق بن عامر وهم قبيلة من الأنصار وإضافة مسجد إليهم إضافة تمييز لا ملك وبين الثنية ومسجد بني رزيق ميل في قول سفيان الثوري وقال موسى بن عقبة ميل أو نحوه .
قوله ممن سبق بها ) أي بالخيل أو بهذه المسابقة ، ولمسلم من رواية أيوب عن نافع عن ابن عمر قال فسبقت الناس فطفف بي الفرس مسجد بني رزيق أي جاوز به المسجد الذي هو الغاية . وأصل التطفيف مجاوزة الحد . وفي رواية مالك وأن عبدالله بن عمر كان فيمن سابق بها . وعند الإسماعيلي قال ابن عمر وكنت فيمن أجرى فوثب بي الفرس جداراً .
وفي الحديث مشروعية المسابقة وأنه ليس من العبث بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والاتنفاع بها عند الحاجة وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك . قال القرطبي : لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب مجاناً وعلى الأقدام وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة لما في ذلك من التدريب على الحرب .
وفيه جواز تضمير الخيل وهو مستحب للخيل المعدة للغزو .
وفيه مشروعية الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة .
وفيه نسبة الآمر إلى الآمر به لأن قوله سابق أي أمر .
وفيه جواز إضافة المسجد إلى قوم مخصوصين وعليه الجمهور خلافاً للنخعي في منعه لقوله وأن المساجد لله ) . (1/438)
صفحة 438
وفيه جواز معاملة البهائم عند الحاجة بما يكون تعذيباً لها في غير الحاجة كالإجاعة والإجراء .
وفيه تنزيل الخلق منازلهم لأنه صلى الله عليه وسلم غاير بن منزلة المضمر وغير المضمر ولو خلطهما لتعب ما لم تضمر والله أعلم .
--- (1/439)
صفحة 439
ما جاء في الفرس يحمل عليها الرجل ثم يجدها تباع
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حمل رجلاً على فرس عتيق في سبيل الله فوجده يباع في السوق فسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لا تبتعه ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالكلب العائد في قيئه .
----------------------------
قوله عن أبي سعيد الخدري ) الحديث روى معناه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وهو عندهم من حديث عمر بن الخطاب وابنه عبدالله .
قوله حمل ) بفتح الحاء المهملة والميم أي جعله حمولة لرجل مجاهد ليس له حمولة أي تصدق به عليه ووهبه له ليقاتل عليه ، وفي رواية سالم عن أبيه أن عمر تصدق بفرس في سبيل الله وظاهره أنه حمله عليه حمل تمليك ليغزو عليه ولذا ساغ له بيعه وقيل إن عمر وقفه وإنما ساغ للرجل بيعه لأنه حصل فيه هزال عجز لأجله عن اللحاق بالخيل وضعف عن ذلك وانتهى إلى عدم الانتفاع به وهي دعوى لم يقم عليها دليل وسياق الحديث يخالفه .
واسم الفرس الورد أهداه تميم الداري للنبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه عمر فحمل عليه . أخرجه ابن سعد عن سهل بن سعد .
والرجل المحمول قال ابن حجر لم أقف على اسمه .
والعتيق الكريم السابق والجمع عتاق والعتيق أيضاً الفائق من كل شيء .
وسبيل الله الجهاد .
والمراد بالسوق سوق المدينة .
وقوله فسأل عنه ) أي سأل عن حكم شرائه له بعد أن أخرجه لله تعالى وفيه دلالة على أن الفرس كان هبة إذ لو كان وقفاً لم يرد أن يشتريه ولا ساغ بيعه لمن كان في يده .
وقوله لا تبتعه ) بالجزم أي لا تشتره . (1/440)
صفحة 440
وقوله ولا تعد ) بالجزم أيضاً أي ولا ترجع في صدقتك وفيه دلالة أيضاً على أنه كان تمليكاً إذ لو كان وقفاً لقال في وقفك أو حبسك وسمي الشراء عوداً في الصدقة لأن العادة جرت بالمسامحة من البائع في مثل ذلك للمشتري فأطلق على القدر الذي يسامح به أنه رجوع .
قوله فإن العائد في صدقته .. الخ ) تعليل للحكم في النهي عن العود والمعنى أن الرجوع في الصدقة يقبح جداً كما يقبح أن يتقيأ ثم يرجع يأكل قيئه فشبه الراجع في صدقته بأخس الحيوان في أخس أحواله تصويراً للتهجين وتنفيراً منه وبه استدل على حرمة ذلك لأن القيء حرام . وذهب الجمهور من قومنا إلى أنه مكروه فقط قالوا لأن فعل الكلب لا يوصف بالتحريم لعدم تكليفه فالتشبيه عندهم للتمثيل خاصة لأن القيء مما يستقذر . قلنا الغرض من التشبيه المبالغة في خسة الراجع وأنه مثل الكلب في أخس أحواله وذلك مثل السوء لا يضرب إلا لمن كان من أعداء الله فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) فالتحريم مستفاد من هذه الحالة . ويلحق بالصدقة ما شابهها من كفارة ونذر وغيرهما من القربات . ويلحق بالشراء الهبة ونحوها مما يتملكه باختياره وأما إذا أورثه فلا كراهة وقال الطبري يخص من عموم هذا الحديث من وهب بشرط الثواب ووالد وهب لولده والهبة التي لم تقبض والتي ردها الميراث إلى الواهب لثبوت الأخبار واستثناء كل ذلك . قال وما عدا ذلك كالغني يهب للفقير ونحوه من يصل رحمه فلا رجوع لهؤلاء قال وما لا رجوع فيه مطلقاً الصدقة يراد بها ثواب الآخرة .
--- (1/441)
صفحة 441
ما جاء أن الخيل لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيل لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر ، فأما التي هي أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كان له حسنات فلو أنها قطعت طيلها ذلك فاستنت شرفاً أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن تشرب كان له ذلك حسنات فهي له أجر ، ورجل ربطها فخراً ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر .
قال الربيع : أطال لها إذا ربطها في مرج فأطال لها حتى تتمكن من الرعي .
فاستنت أي مرحت تجري .
ولم ينس حق الله أي لم يترك حق الله .
ونواء لأهل الإسلام أي عداوة لأهل الإسلام .
----------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري في غير موضع من صحيحه وذكروا الأصناف الثلاثة الذي هي له أجر والذي هي له ستر والذي هي عليه وزر إلا البخاري في كتاب الجهاد خاصة فإنه رواه كالمصنف بحذف بيان من هي له ستر قال شارحه : إنما حذفه اختصاراً قال وهو كما ثبت في آخر كتاب الشرب رجل ربطها تغنياً وتعففاً ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر قال وسيأتي في علامات النبوة .
قوله الخيل لرجل أجر ) أي ثواب في الآخر.
وقوله ولرجل ستر ) بكسر المهملة وسكون المثناة الفوقية أي ساتر لفقره ولحاله . (1/442)
صفحة 442
وقوله وعلى رجل وزر ) أي إثم ووجه الحصر في الثلاثة أن الذي يقتنيها إما لركوب أو تجارة وكل منهما إما أن يقترن به فعل الطاعة وهو الأول أو معصية وهو الأخير أو لا ولا وهو الثاني وقد فهم بعض الشراح من الحديث الحصر في الثلاثة فقال اتخاذ الخيل لا يخرج عن أن يكون مطلوباً أو مباحاً أو ممنوعاً فدخل في المطلوب الواجب والمندوب وفي الممنوع المكروه والحرام بحسب اختلاف المقاصد . واعترض بأن المباح لم يذكر في الحديث لأن القسم الثاني الذي يتخيل فيه ذلك قيد بقوله ولم ينس حق الله فيها ) فيلحق بالمندوب . والسر فيه أنه صلى الله عليه وسلم غالباً إنما يعتني بذكر ما فيه حض أو منع أما المباح الصرف فيسكت عنه لما علم أن سكوته عنه عفو ، ويمكن أن يقال القسم الثاني هو في الأصل مباح إلا أنه ربما ارتقى إلى الندب بخلاف القسم الأول فإنه من ابتدائه مطلوب .
وقوله ربطها في سبيل الله ) أي أعدها للجهاد .
وقوله فأطال لها ) أي الحبل الذي ربطها فيه حتى تسرح للرعي .
والمرج بفتح الميم وإسكان الراء وبجيم موضع كلاء وأكثر ما يطلق في الموضع المطمئن .
والمروضة موضع الكلاء أيضاً وأكثر ما تطلق على الموضع المرتفع .
وقوله فما أصابت ) أي أكلت وشربت ومشت .
وقوله في طيلها ) بكسر الطاء المهملة وفتح التحتية فلام حبلها الذي تربط به ويطول لها لترعى ويقال له طول بالواو المفتوحة أيضاً ولم تأت به رواية هنا كما زعم بعضهم وإنما ورد في حديث أبي هريرة موقوفاً عند البخاري أن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات ) .
قوله فاستنت ) بمهملة ساكنة وفوقية مفتوحة وتشديد النون أي جرت بنشاط .
وقوله شرفاً أو شرفين ) بفتح المعجمة والراء فيهما شوطاً أو شوطين سمي به لأن العادي يشرف على ما يتوجه إليه والرشف العالي من الأرض .
وقوله آثارها ) بالمد والمثلثة مواضع الحوافر منها .
وقوله وأرواثها ) بالمثلثة جمع روث . (1/443)
صفحة 443
وقوله بنهر ) بفتح الهاء وسكونها الماء الجاري من عيون الأرض .
وقوله ولم يرد أن تشرب ) أي من ذلك النهر والجملة حالية والمعنى أن يؤجر على ذلك ولو لم يقصده . وفيه أن الإنسان يؤجر على التفاصيل التي تقع في فعل الطاعة إذا قصد أجرها في الجملة وإن لم يقصد تلك الأشياء بعينها ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) . وقيل إنما أجر لأن ذلك وقت لا ينتفع بشربها فيه فيغتم صاحبها بذلك فيؤجر . وقيل إن المراد حيث تشرب من ماء الغير بغير إذنه فيغتم صاحبها فيؤجر وكل ذلك عدول عن القصد .
والقسم الثاني لم يذكر المصنف وهو رجل ربطها تغنياً وتعففاً ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر .
وقوله فخراً ) بالنصب للتعليل أي لأجل الفخر وهو التعاظم .
وقوله ورياء ) أي مظهراً للطاعة وهو في الباطن على خلاف ذلك .
قوله نواء ) بكسر النون والمد أي مناوأة وعداوة . قال الخليل : ناوأت الرجل ناهضته بالعداوة وحكى عياض فتح النون والقصر وحكاه الإسماعيلي عن رواية أبي أويس فإن ثبت فمعناه بعداً . والظاهر أن الواو فيه وفيما قبله بمعنى أو لأن هذه الأشياء قد تنفرد في الأشخاص وكل واحد منها مذموم على حدته .
وفي الحديث بيان فضل الخيل وأنها إنما تكون في نواصيها الخير والبركة إذا اتخذت في طاعة أو مباح وإلا فهي مذمومة والله أعلم .
وقول الربيع أي مرحت تجري معناه انطلقت بنشاط . وقيل في معنى المرح أن ترفع يديها وتطرحهما معا . وقيل معناه أن تلح في عدوها مقبلة ومدبرة . (1/444)
صفحة 444
قوله ولم ينس حق الله ) أي ولم يترك حق الله وهذا يدل أن الصنف الساقط من الأصناف الثلاثة إنما سقط من أيدي النساخ أما المصنف فقد رواه بدليل هذا التفسير إذ لا معنى لتفسير شيء لم يذكر في الحديث . والحاصل أن الربيع رحمه الله فسر النسيان بالترك ولم يفسر نفس الحق الثابت في رقابها ولا في ظهورها والحق الثابت في رقابها الإحسان إليها والقيام بعلفها والشفقة عليها في ركوبها وخص رقابها بالذكر لأنها تستعار كثيراً في الحقوق اللازمة كقوله تعالى فتحرير رقبة ) . وأما الحق الثابت في ظهورها فهو إطراق فحلها والحمل عليها في سبيل الله وأن لا يحملها ما لا تطيقه ونحو ذلك هذا قول من لا يوجب الزكاة في الخيل وهو قولنا وقول جمهور قومنا . وقيل المراد بالحق الزكاة وهو قول حماد وأبي حنيفة وخالفه صاحباه قال أبو عمر لا أعلم أحداً سبقه إلى ذلك ولا حجة له في الحديث لطروق الاحتمال والله أعلم .
--- (1/445)
صفحة 445
الباب السابع عشرجامع الغزو في سبيل الله
ما جاء في قتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها .
وفي رواية أخرى دماؤكم وأموالكم عليكم حرام .
----------------------------
قوله جامع الغزو في سبيل الله ) أي جامع لأحكام الجهاد والغزو في الأصل مصدر عزا يغزو من باب عدا والاسم الغزاة .
قوله عن ابن عباس ) الحديث عند قومنا من رواية أبي هريرة وعبدالله بن عمرو وأنس بن مالك وفي بعضها زيادة على بعض ففي حديث ابي هريرة الاقتصار على قول لا إله إلا الله كما في حديث الباب وفي حديثه من وجه آخر حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وفي حديث ابن عمر زيادة وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وفي حديث أنس فإذا صلوا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا . وجمع بينها بأن الأول قاله في حالة قتاله لأهل الأوثان لا يقرون بالتوحيد ، وأما الثاني فقاله في حالة قتال أهل الكتاب الذين يعترفون بالتوحيد ويجحدون نبوته عموماً أو خصوصاً . وأما الثالث ففيه الإشارة إلى أن من دخل في الإسلام وشهد\ بالتوحيد وبالنبوة ولم يعمل بالطاعات أن حكمهم أن يقاتلوا حتى يذعنوا إلى ذلك . وقيل اقتصر في حديث الباب على قول لا إله إلا الله ولم يذكر الرسالة وهي مراد لأن قول لا إله إلا الله صار علماً على الجمل الثلاث لأن الإنسان لا يخرج من الشرك إلى الإيمان حتى يأتي بالجمل الثلاث ونظيره قولهم قرأت الحمد تريد السورة كلها . (1/446)
صفحة 446
قوله أمرت ) أي أمرني الله لأنه لا آمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الله وقياسه في الصحابي إذا قال أمرت فالمعنى أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحتمل أن يريد أمرني صحابي آخر لأنهم من حيث أنهم مجتهدون لا يحتجون بأمر مجتهد آخر وإذا قاله التابعي احتمل . والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منه أن الآمر له هو ذلك الرئيس .
قوله أن أقاتل ) أي بأن أقاتل وحذف الجار مع أن كثير .
قوله حتى يقولوا .. الخ ) جعلت غاية المقاتلة وجود ما ذكر فمقتضاه أن من قال ذلك عصم دمه وماله ولو جحد باقي الأحكام . والجواب أن قوله في الحديث إلا بحقها بدخل فيه جميع ذلك فمن جحد شيئاً من الأحكام قوتل بحق لا إله إلا الله وقد استدل بذلك أبو بكر رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة .
قوله عصموا ) أي منعوا وأصل العصمة من العصام وهو الخيط الذي يشد به فم القربة ليمنع سيلان الماء . وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر ويؤخذ منه ترك تشريك أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع وقبول توبة الكافر من كفره من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن . وفيه تحريم أموال من أقر بالتوحيد إلا عن طيبة نفس وإليه أشار المصنف بقوله وفي رواية أخرة .. الخ .
فإن قيل مقتضى الحديث قتال كل من امتنع من التوحيد فكيف ترك قتال مؤدي الجزية والمعاهد ؟
فالجواب من أوجه : أحدها دعوى النسخ بأن يكون الإذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخراً عن هذه الأحاديث بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) .
ثانيها : أن يكون من العام الذي خص منه البعض فإن المقصود من الأمر حصول المطلوب فإذا تخلف البعض بدليل لم يقدح في العموم .
ثالثها : أن يكون من العام الذي أريد به الخاص فيكون المراد بالناس في قوله أقاتل الناس ) المشركين من غير أهل الكتاب ويدل عليه رواية النسائي بلفظ أمرت أن أقاتل المشركين ) . (1/447)
صفحة 447
رابعها : أن يكون المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها التعبير عن إعلاء كلمة الله بإذعان المخالفين فيحمل في بعض بالقتل وفي بعض بالجزية وفي بعض بالمعاهدة .
خامسها : أن المراد بالقتال هو أو ما يقوم مقامه من جزية أو غيرها .
سادسها : أن يقال الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام وسبب السبب سبب فكأنه قال حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام والله أعلم .
قوله وفي رواية أخرى ) هي عند البخاري وأحمد من رواية أبي بكرة قال خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال : أتدرون أي يوم هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس هذا يوم النحر قلنا بلى قال أي شهر هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليس ذا الحجة ؟ قلنا بلى قال أي بلد هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليست البلدة قلنا بلى قال فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض . (1/448)
صفحة 448
قوله دماؤكم وأموالكم عليكم حرام ) هكذا ساقه البخاري في الحج وذكره في كتاب الجهاد بزيادة وأعراضكم وكذا ذكر هذه الزيادة في الحج من حديث ابن عباس ومن حديث ابن عمر وهو على حذف مضاف أي سفك دمائكم وأخذ اموالكم وسلب أعراضكم . والعرض بكسر العين موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان سلفه أو نفسه . فإن قيل ظاهر الحديث تحريم دماء من أقر بالتوحيد وتحريم اموالهم وأنه لا تحل دماؤهم إلا حيث تحل أموالهم وقتال البغاة جائز إجماعاً فما الوجه في ذلك ؟ فالجواب : أن قتال البغاة جائز لقوله تعالى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) فظاهر الحديث غير مراد لهذه الآية فإنه سبحانه وتعالى قد أحل دماء البغاة حتى يفيئوا إلى أمر الله في هذه الآية وبقيت أموالهم على التحريم لظاهر الحديث وإنما تحرم الدماء والأموال معاً في حق من أسلم ولم يبغ على المسلمين والله أعلم .
--- (1/449)
صفحة 449
ما جاء أن من حمل علينا السلاح فليس منا
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حمل علينا السلاح فليس منا .
قال الربيع : قال أبو عبيدة يريد من حمله إلى أرض العدو .
--------------------------
قوله عن عائشة رضي الله عنها ) الحديث ذكره البخاري من رواية ابن عمر وأبي موسى الأشعري .
قوله من حمل علينا السلاح فليس منا ) قال الربيع قال أبو عبيدة يريد حمله إلى أرض العدو . وهو الذي يبيع السلاح على الكفار المحاربين للمسلمين وإنما جعل حاملاً على المسلمين لأنه إذا حمله إلى أرض العدو استعانوا به على المسلمين فلما كان هو السبب في ذلك صح جعله حاملاً للسلاح على المسلمين وهذا تفسير من أبي عبيدة رضي الله عنه لما تقرر معه من أنه المراد بالحديث وكأنه قد اطلع على سببه ففسره به وإذا كان هذا التشديد فيمن أعان العدو ببيع السلاح فما ظنك بمن حمله بنفسه مقاتلاً للمسلمين فهو أشد بعداً عن طريقة محمد صلى الله عليه وسلم . (1/450)
صفحة 450
ومعنى الحديث عند قومنا فيمن حمل السلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حق لما في ذلك من تخويفهم وإدخال الرعب عليهم قالوا وكأنه كنى بالحمل عن المقاتلة أو القتل للملازمة الغالبة وقال ابن دقيق العيد يحتمل أن يريد بالحمل ما يضاد الوضع ويكون كناية عن القتال . ويحتمل أن يراد بالحمل حمله لإرادة القتل به لقرينة قوله علينا ) ويحتمل أن يكون المراد حمله للضرب به وعلى كل حال ففيه دلالة على تحريم قتال المسلمين والتشديد فيه . قال ابن حجر ك جاء الحديث بلفظ من شهر علينا السلاح ) أخرجه البزار من حديث أبي بكرة ومن حديث سمرة ومن حديث عمرو بن عوف قال وفي سند كل منهما لين لكنها يعضد بعضها بعضا . قال وعند أحمد من رمانا بالنبل فليس منا ) وهو عند الطبراني في الأوسط بلفظ الليل بدل النبل . قال وعند البزار من حديث بريدة مثله . قلت وهذا كله لا يرد تأويل أبي عبيدة فإنه إنما فسر حديث الباب بما علم من سببه وذلك لا ينافي تحريم سل السلاح وإشهاره على المسلمين وكذلك لا ينافي رميهم بالنبل بل يؤكد ذلك ويقويه وفيه زيادة حكم وهو تحريم حمل السلاح إلى بلاد العدو .
وقوله فليس منا ) أي ليس على طريقتنا أو ليس متبعاً لطريقتنا لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه لا أن يعين عليه عدوه أو يخوفه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله أو قتله ونظيره من غشنا فليس منا ) وليس منا من ضرب الخود وشق الجيوب ) وهذه كلها عبارات عن البراءة من فاعل ذلك وضده في الولاية قوله تعالى ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) . والوعيد المذكور في الحديث لا يتناول من قاتل البغاة أهل الحق لأنهم مأمورون بقتالهم وأيضاً فليس البغاة منا حتى يحمل الوعيد في الحديث عليهم وعلى من كان مثلهم والله أعلم .
--- (1/451)
صفحة 451
ما جاء في الغدوة والروحة في سبيل الله
الربيع عن أبي أيوب الأنصاري قال : سمعت رسول اللهصلى الله عليه وسلم يقول : غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس .
----------------------------
قوله عن أبي أيوب الأنصاري ) الحديث رواه أحمد ومسلم والنسائي وللبخاري مثله من حديث ابي هريرة .
قوله غدوة في سبيل الله ) أي الجهاد والغدوة بالفتح المرة الواحدة من الغدو وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه . والروحة المرة الواحدة من الرواح وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها .
قوله خير مما طلعت عليه الشمس ) زاد في رواية قومنا وغربت ) وفي حديث انس عند الشيخين وأحمد خير من الدنيا وما فيها ) والمعنى واحد لأن الدنيا اسم لما تحت السماء وفوق الأرض من العوالم وذلك هو الذي تطلع عليه الشمس . ومعنى تفضيل الغدوة أو الروحة على الدنيا وما فيها يحتمل وجهين ذكرهما ابن دقيق العيد أحدهما : أن يكون من باب تنزيل الغائب منزلة المحسوس تحقيقاً له في النفس لكون الدنيا محسوسة في النفس مستعظمة في الطباع ولذلك وقعت المفاضلة بها وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا لا يساوي ذرة مما في الجنة . (1/452)
صفحة 452
والثاني أن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها لأنفقها في طاعة الله تعالى ويؤيد هذا الثاني ما رواه ابن المبارك في كتاب الجهاد من مرسل الحسن قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً فقال له النبي صلى الله عليه وسلّ/ والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم . والحاصل أن المراد تحقير أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد وأن من حصل له في الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له جميع ما في الدنيا فكيف لمن حصل منها أعلى الدرجات . والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا فاقتضى الحال تحقيرها في عيونهم والله أعلم .
--- (1/453)
صفحة 453
ما جاء أن من قتل قتيلاً كان له سلبه
أبو عبيدة قال بلغني عن أبي قتادة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين قال فاستدرت له حتى أتيته من خلفه وضربته بالسيف على حبل عاتقه حتى قطعت الدرع قال فأقبل عليّ وضمني فوجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني ثم مضيت فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه قال فقمت فقلت من يشهد لي فجلست ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً فقلت من يشهد لي ثم قال الثالثة فقمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك يا أبا قتادة فقصصت عليه القصة فقال رجل من القوم صدق يا رسول الله وسلبه عنه فأرضه منه فقال ابو بكر الصديق لا والله لا يعمد إلى أسد من أسود الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطه إياه قال أبو قتادة فأعطانيه فبعت الدرع وابتعت منها مخرفاً في بني سلمة وإنه لأول مال تأثلته في الإسلام .
قال الربيع : المخرف بستان من نخل ، وتأثلته اكتسبته .
-------------------------- (1/454)
صفحة 454
قوله بلغني عن أبي قتادة ) الحديث رواه أيضاً الشيخان وأحمد ومالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمد مولى قتادة عن أبي قتادة وهو عند الشيخين من طريق مالك وغيره . واسم أبي قتادة الحارث بن ربعي بن بلدمة بن خناس بن عبيد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد الأنصاري الخرجي السلمي فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل اسمه النعمان ، وأمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة ، اختلف في شهوده بدراً فقال بعضهم كان بدرياً ولم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين ، وشهد أحداً وما بعدها من المشاهد كلها ، وتوفي سنة أربع وخمسين في المدينة في قول وقيل توفي بالكوفة في خلافة علي وصلى عليه علي فكبر سبعاً ، وروى الشعبي أن علياً كبر عليه ستاً قال وكان بدرياً وقال الحسن بن عثمان توفي سنة أربعين .
قوله عام حنين ) بمهملة ونون واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال وكان الخروج إليه سنة ثمان عقب فتح مكة .
قوله جولة ) بفتح الجيم وسكون الواو أي حركة فيها اختلاط وتقدم وتأخر وعبر بذلك احترازاً عن لفظ الهزيمة ولم تكن هذه الجولة في الجيش كله بل ثبت النبي صلى الله عليه وسلم وطائفة معه أكثر ما قيل فيهم مائة وقد نقل الإجماع على أ،ه لا يجوز عليه صلى الله عليه وسلم الانهزام ولم يرو قط أنه انهزم في موطن بل الأحاديث الصحيحة جاءت بإقدامه وثباته في جميع المواطن لا سيما يوم حنين فإنه جعل يركض بغلته نحو الكفار ويقول :
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
ثم نزل عن البغلة واستنصر ثم قبض قبضة من تراب ثم استقبل به وجوههم فقال شاهت الوجوه فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة فولوا منهزمين ثم تراجع إليه من ولي من المسلمين .
قوله فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين ) أي ظهر عليه وأشرف على قتله وصرعه وجلس عليه ليقتله . قال ابن حجر لم أقف على اسمهما . (1/455)
صفحة 455
وقال ابن الأثير الذي قتله ابو قتادة هو مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذيفة بن بدر بن حذيفة الفزاري قال ومن ولده عبدالله وعبد الرحمن ابنا مسعدة ولي عبدالله الصائفة لمعاوية وولي عبد الرحمن الصائفة لعبد الملك بن مروان .
قوله فاستدرت له ) من الاستدارة وقال بعض الشراح ويروى فاستدبرت ) من الاستدبار .
قوله على حبل عاتقه ) بفتح المهملة وسكون الموحدة عرق او عصب عند موضع الرداء من العاتق بين العنق والمنكب .
وقوله حتى قطعت الدرع ) بكسر المهملة الأولى وسكون الثانية لباس الحرب والمعنى أنه ضربه بالسيف على حبل عاتقه فقطع درعه وخلصت الضربة إلى حبل عاتقه فقطعته وقطعت يده وقد جاء في رواية الليث عند البخاري أنه قطع يده وذلك هو الذي برده عن معانقة أبي قتادة بعدما وجد ريح الموت .
قوله فوجدت منها ريح الموت ) أي شدة كشدته ويحتمل أن المعنى قاربت الموت وفيه إشعار بأن هذا المشرك كان شديد القوة جداً .
وقوله فأرسلني ) أي أطلقني .
قوله ثم مضيت ) وفي رواية الليث عند البخاري ثم قتلته وانهزم المسلمون فانهزمت معهم فإذا بعمر بن الخطاب ، وفي رواية مالك ثم أدركه الموت فأرسلني ثم لقيت عمر بن الخطاب فقلت ما بال الناس فقال أمر الله ثم إن الناس رجعوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلاً له عليه بينه فله سلبه . (1/456)
صفحة 456
قوله عليه بينة ) أي أنه هو الذي قتله والمراد بالبينة ما يحصل به البيان وتزول به التهمة أي شيء كان من البيانات المقالية والشواهد الحالية ولا ينحصر ذلك في الشهدين . ونقل ابن عطية عن أكثر الفقهاء أن البينة هنا شاهد واحد يكتفى به واتفق الجمهور على انه لا يقبل قول مدعيه بلا بينة تشهد له انه قتله لمفهوم حديث الباب . وقال الأوزاعي يقبل بلا بينة تشهد له لأنه صلى الله عليه وسلم أعطاه لأبي قتادة بلا بينة . وتعقب بأن في مغازي الواقدي أن أوس بن خولي شهد له . قلت وعلى تقدير أن ذلك لم يصح فقد أقر لأبي قتادة بالسلب للرجل الذي في يده السلب وهو كاف في البيان .
قوله فله سلبه ) بفتح المهملة واللام وموحدة ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره عند الجمهور . وقيل لا تدخل في السلب الدابة . وقيل يختص بأداة الحرب ثم اختلف الناس في بقاء هذا الحكم مستمراً فقال الجمهور من الناس أن القاتل يستحق السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلاً فله سلبه أم لا أخذاً بظاهر حديث الباب وهو عندي الصواب إذ لم يثبت ما ينسخه وآية الخمس نزلت قبل ذلك بنحو ست سنين وهي عامة في الغنائم والحديث خاص بالسبب فلا يمكن إلغاء الخاص مع ثبوته وقال قوم لا يستحقه القاتل إلا إن شرط له الإمام ذلك . وقيل الخيار في ذلك إلى الإمام فإن شاء أعطاه القاتل وإن شاء خمسه . وقيل إذا كثرت الأسلاب خمست . وقال قوم بخمس مطلقاً واحتجوا بقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ) الآية . قلت نزلت يوم بدر وحديث الباب يوم حنين وأيضاً فهي عامة وحديث الباب خاص والله أعلم .
قوله ثم قال في الثالثة ) أي المرة الثالثة أي قال تلك المقالة المرة الثالثة .
وقوله فقمت ) أي استشرف من يشهد لي فنكره صلى الله عليه وسلم وسأله عن حاله فأخبره . (1/457)
صفحة 457
قوله فقال رجل من القوم ) ذكر الواقدي أن اسمه أسود بن خزاعي يعني حليف بني سلمة وهو من الأنصار . وتعقب بأن في الرواية الصحيحة أن الذي أخذ السلب قرشي .
قوله فأرضه منه ) بهمزة قطع وكسر الهاء أي أعطه عنه ما يرضيه .
قوله فقال أبو بكر الصديق .. الخ ) قال بعض أهل العلم لو يكن من فضيلة الصديق إلا هذا فإنه لثاقب علمه وشدة صرامته وقوة إنصافه وصحة توفيقه وصدق تحقيقه بادر إلى القول الحق فزجروا فتى وأمضى وأخبر في الشريعة عند النبي صلى الله عليه وسلم بحضرته وبين يديه بما صدقته فيه وأجراه على قوله وهذا من خصائصه الكبرى إلى ما لا يحصى من فضائله الأخرى ، ووقع في حديث أنس عند أحمد أن الذي قال ذلك عمر والراجح أن قائل ذلك أبو بكر كما رواه أبو قتادة وهو صاحب القصة فهو أتقن لما وقع فيها من غيره ويحتمل الجمع بأن يكون عمر أيضاً قال ذلك تقوية لقول أبي بكر .
قوله لا والله ) وفي رواية قومنا لا ها لله ) وفيها الاستثناء عن واو القسم بحرف التنبيه ولم يسمع إلا مع الله فلا يقال لا ها الرحمن كما سمع والرحمن .
قوله لا يعمد ) بالتحتية وبكسر الميم أي لا يقصد النبي صلى الله عليه وسلم .
وقوله إلى أسد ) بفتحتين أي رجل كأنه أسد في الشجاعة .
وقوله من أسود الله ) أي من الأسود المضافين إلى الحق تعالى لبذل أنفسهم في رضاه والإضافة للتشريف .
وقوله يقاتل عن الله ورسوله ) أي يذب عن دين الله إعلاء لكلمة الله ناصراً لأولياء الله أو المعنى يقاتل لنصر دين الله وشريعة رسوله لتكون كلمة الله هي العلياء أو المعنى أن قتاله صدر عن رضى الله ورسوله أي بسببهما كقوله تعالى وما فعلته عن أمري ) .
وقوله فيعطيك سلبه ) أي سلب قتيله الذي قتله بغير طيب نفسه وأضاف السلب إليه باعتبار أنه ملكه .
وقوله فأعطه ) بهمزة قطع أمر للذي اعترف بأن السلب عنده . (1/458)
صفحة 458
قوله فبعت الدرع ) بكسر الدال وراء وعين مهملتين لبوس الحرب ذكر الواقدي أن الذي اشتراه منه حاطب بن أبي بلتعة بسبع أواق فضة .
وقوله وابتعت منه ) أي اشتريت من قيمته مخرفاً وفي رواية قومنا فاشتريت به مخرفاً ) وعليها فمن في رواية المصنف بمعنى بدل أي وابتعت بدله مخرفاً . والمخرف بفتح الميم والراء ويجوز كسر الراء البستان سمي به لأنه يخترف منه الثمر أي يجتنى . وقيل المرخف السكة من النخيل يكون صفين يخترف من أيهما شاء . وقيل هي الجنينة الصغيرة . وقيل نخلات يسيرة . وأما المخرف بكسر الميم فهو اسم الآلة التي يخترف بها .
وقوله في بني سلمة ) بكسر اللام بطن من الأنصار وهم قوم أبي قتادة .
وقوله تأثلته ) بفوقية فألف فمثلثة أي اقتنيته وتأصلته وأثلة كل شيء أصله . وقال الربيع : تأثلته اكتسبته وهو تفسير بالمعنى اللازم والله أعلم .
--- (1/459)
صفحة 459
ما جاء في وقت الإغارة
أبو عبيدة قال سمعت عن أنس بن مالك قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فأتاها ليلاً وكان إذا أتى قوماً ليلاً لم يغر حتى يصبح فأصبح فخرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوه قالوا محمد والله والخميس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين .
-----------------------
قوله سمعت عن أنس بن مالك ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهم بطرق متعددة وسند مالك فيه عن حميد الطويل عن أنس بن مالك .
قوله إلى خيبر ) بوزن جعفر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة من جهة الشام . قال أبو عبيدة البكري سميت باسم رجل من العماليق نزلها . قال ابن إسحاق خرج إليها النبي صلى الله عليه وسلم في بقية المحرم سنة سبع فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر .
قوله فأتاها ليلاً ) أي قرب منها ، وذكر ابن إسحاق أنه نزل بواد يقال له الرجيع بينهم وبين غطفان لئلا يمدوهم وكانوا حلفاءهم قال فبلغني أن غطفان تجهزوا فقصدوا خيبراً فسمعوا حساً فظنوا أن المسلمين خلفوهم في ذراريهم فرجعوا وأقاموا وخذلوا أهل خيبر .
قوله وكان إذا أتى قوماً ليلاً .. الخ ) فيه دليل أن هذا الحال كان قد اتخذه عليه الصلاة والسلام عادة فيستفاد منه استحباب الإغارة وقت الصباح وهي عادة العرب في جاهليتهم وإسلامهم وقد أقرها الشارع فصارت سنة مشروعة وطريقة مسلوكة وفيه البركة للغازي من هذه الأمة .
قوله لم يغر ) بضم الياء وكسر الغين المعجمة من أغار وفي لفظ عند قومنا لا يغير عليهم ) ولبعض الرواة عندهم لم يقربهم ) بفتح الياء وسكون القاف وفتح الراء وسكون الموحدة وصحح الأول. (1/460)
صفحة 460
قوله حتى يصبح ) بضم الياء أي حتى يدخل في الصباح ويطلع عليه الفجر وفي رواية عند البخاري كأن إذا غزا قوماً لم يغر بنا حتى يصبح وينظر فإذا سمع أذاناً كف عنهم وإلا أغار قال فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلاً فلما أصبح ولم يسمع أذاناً ركب فخرجت يهود .. الخ ) .
قوله فأصبح ) أي من تلك الليلة وأغار عليهم .
وقوله فخرجت يهود ) وزاد احمد إلى زرعهم ) وذكر الواقدي أنهم سمعوا بقصده صلى الله عليه وسلم إليهم وكانوا يخرجون كل يوم متسلحين مستعدين فلا يرون أحداً حتى إذا كانت الليلة التي قدم فيها المسلمون ناموا فلم تتحرك لهم دابة ولم يصح لهم ديك .
وقوله بمساحيهم ) بمهملتين مخففاً جمع مسحاة بكسر الميم آلة من حديد . قال ابن حجر هي من آلآت الحرب . وقال المحشي المتعارف الآن أنها من آلات الحفر . قلت تصلح للجميع ولا غنى للحراثين عنها .
والمكاتل بفوقية جمع مكتل بكسر الميم القفة الكبيرة يحول فيها الرتاب وغيره .
قوله فلما رأوه ) أي رأوا النبي صلى الله عليه وسلم مقبلاً بأصحابه .
وقوله محمد والله والخميس ) أي هذا محمد والخميس الجيش سمي بذلك لأنه خمسة أقسام ميمنة وميسرة ومقدمة وقلب وجناحان وضبطه عياض وغيره بالرفع عطفاً على محمد والنصب مفعولاً معه وفي بعض الروايات فلجؤوا إلى الحصن وتحصنوا به .
قوله الله أكبر ) كبر صلى الله عليه وسلم حين أنجز الله له وعده زاد في رواية للبخاري ثلاثاً ، وفي أخرى فرفع يديه وقال الله أكبر ) .
وقوله خربت خيبر ) أي صارت خراباً قال ذلك قيل تفاؤلاً بخرابها لما رآه في أيديهم من آلات الخراب من المساحي والمكاتل ، وقيل أخذه من اسمها وصحح بعضهم أن الله أعلمه بخرابها ، وقال السهيلي يؤخذ منه التفاؤل لأنه صلى الله عليه وسلم لما رأى آلة الهدم مع أن لفظ المسحاة من سحوت إذا قشرت أخذ منه أن مدينتهم ستخرب .
وقوله بساحة قوم ) أي بفنائهم وقريتهم وحصونهم وأصل الساحة الفضاء بين المنازل . (1/461)
صفحة 461
قوله فساء صباح المنذرين ) أي بئس الصباح صباح من أنذر بالعذاب . وفيه جواز التمثل والاستشهاد بالقرآن والاقتباس قاله غير واحد من الشراح وقال بعضهم : لا أعلم خلافاً في جوازه في النثر في غير المجون والخلاعة وهزل الفساق وشربة الخمر . قال : وألّف في جواز ذلك قديماً أبو عبيد القاسم بن سلاك كتاباً جمع ماو قع للصحابة والتابعين من ذلك بالأسانيد المتصلة إليهم .
وفيه أيضاً استحباب التكبير عند الحرب وتثليثه وقد قال تعالى إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ) والله أعلم .
--- (1/462)
صفحة 462
ما جاء أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين
ما جاء أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وأنها لم تكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم
الربيع عن عبادة بن الصامت قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومر بنا بعير من المغنم فلما انصرف تناول قرادة من دبر البعير فقال ما يحل لي من غنائمكم ما يزن هذه إلا الخمس وهو مردود فيكم .
وغزوة ذات السلاسل مذكورة في باب التيمم .
وغزوة ذي نمار مذكورة في باب الثياب .
وغزوة أبي عبيدة بن الجراح مذكورة في باب الطعام .
----------------------------
قوله عن عبادة بن الصامت ) الحديث رواه أيضاً احمد في المسند والنسائي وابن ماجة لكن في بعض ألفاظه مخالفة لرواية المصنف قال المنذري وروي أيضاً من حديث جبير بن مطعم والعرباض بن سارية .
قوله صلى بنا ) لم أجد تعيين هذه الصلاة والقضية إنما كانت في غزوة حنين لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في قصة هوازن أن النبي صلى الله عليه وسلم دنا من بعير فأخذ وبرة من سنامه ثم قال يا أيها الناس إنه ليس لي من هذا الفيء شيء ولا هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط والمخيط . رواه أحمد وأبو داود والنسائي ولم يذكر أبو داود الخيط والمخيط ورواه مالك مرسلا .
وقوله مر بنا بعير من المغنم ) أي من الغنيمة وفي رواية قومنا صلى بهم في غزوتهم إلى بعير من المقسم فلما سلّم قام إلى البعير من المقسم فتناول وبرة بين أنمليته فقال إن هذا من غنائمكم وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم .
قوله فلما انصرف ) أي سلّم من صلاته . (1/463)
صفحة 463
والقرادة بضم القاف واحدة القردان كغربان والذكر قراد كغراب وهو ما يتعلق بالبعير ونحوه وهو للبهائم كالقمل للإنسان وإنما مثل بها لحقارتها وأنها لا تزن شيئاً في نفوس القوم فالتمثيل بها مبالغة فائدتها التنفير عن التناول من الغنائم قبل القسمة والتبيين للناس أنه صلى الله عليه وسلم كغيره من الناس لا يحل له من المغنم إلا ما يحل لغيره إلا الخمس فإنه يقسمه باجتهاده .
قوله إلا الخمس ) إنما استثناه لأنه خارج عن حكم الأربعة الأخماس التي تكون شركة بين الجيش فإنه لمن ذكر الله تعالى في كتابه بقوله واعلموا أنما غنمتم من شيء فان لله خمسه ) الآية .
قوله فهو مردود فيكم ) أي غالب الخمس مردود فيكم فإنه صلى الله عليه وسلم يقسمه على حسب ما فصله الله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل . وروى الطبراني في الأوسط وابن مردويه في التفسير من حديث ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية قسم خمس الغنيمة فضرب ذلك الخمس في خمسة ثم قرأ واعلموا أنما غنمتم من شيء ) الآية . فجعل سهم الله وسهم رسوله واحداً وسهم ذوي القربى هو والذي قبله في الخيل والسلاح وجعل سهم اليتامى وسهم المساكين وسهم ابن السبيل لا يعطيه غيرهم . (1/464)
صفحة 464
وفي الحديث دليل على أنه ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم من غير الخمس شيء إلا نصيبه مع الجيش . وأخرج أبو داود عن الشعبي وابن سيرين وقتادة أنهم قالوا كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم يدعى الصفي . وأخرج أحمد والترمذي وقال حسن غريب عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تنفل سيفه ذي الفقار يوم بدر وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد . وأخرج أبو داود عن عائشة قالت كانت صفية من الصفي وبهذا ونحوه احتج من قال بثبوت الصفي في المغنم وهي لا تقاوم بحديث الباب لقوة طرقه على أنه قد قيل أن الغنائم كانت يوم بدر له خاصة فنسخ بالتخميس فأخذه لذي الفقار كان قبل النسخ . وأما صفية بنت حيي بن اخطب فهي من غنائم خيبر ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم للغانمين منها إلا البعض فكان حكمها حكم ذلك البعض الذي لم يقسم ومعناه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى من خيبر ناساً قدموا بعد فتحها فكان ذلك في حكم المستثنى من قاعدة الغنائم على أنه قد روي أنها وقعت في سهم دحية بن خليفة الكلبي فاشتراها منه صلى الله عليه وسلم بسبعة أرؤس والله أعلم .
قوله وغزوة ذات السلاسل مذكورة في باب التيمم ) في باب الزجر عن غسل المريض والإشارة إلى حديث ابن عباس في خروج عمرو بن العاص أكيراً في غزوة ذات السلاسل وقد تقدم شرحها هنالك .
وقوله وغزوة ذات أنمار في باب الثياب ) والصلاة فيها وذلك في آخر كتاب الصلاة أمام باب صلاة الجمعة والإشارة إلى حديث جابر بن عبدالله في غزوة ذي أنمار .
وقوله غزوة أبي عبيدة بن الجراح مذكورة في باب الطعام ) أي في باب أدب الطعام والشراب والإشارة إلى حديث جابر بن عبدالله في غزوة سيف البحر وإنما ذكرها في ذلك الباب للاستدلال بها على أكل ما ألقاه البحر من صيده وإن كان ميتاً وقد تقدم تفسير ذلك كله والله أعلم .
--- (1/465)
صفحة 465
ما جاء الغلول
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر ولم نغنم ذهباً ولا فضة إلا الموال والمتاع فأهدى رجل من بني الضبيب يقال له رفاعة بن زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً أسود بقال له مدعم فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى حتى إذا كنا بها بينما مدعم يحط رحال رسول الله r إذ جاء سهم غرب فأصابه فقتله فقال الناس هنيئاً له الجنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها من المغانم يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بشراك أو شركين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم شراك أو شراكان من النار .
----------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والشيخان وأحمد . (1/466)
صفحة 466
قوله خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر ) هكذا رواه جابر بن زيد هاهنا ومالك في الموطأ عن ثور بن زيد الدئلي عن أبي الغيث سالم مولى ابن مطيع عن أبي هريرة وكذلك رواه البخاري أيضاً في المغازي من طريق مالك بنحوه وهذا يدل على أن أبا هريرة شهد فتح خيبر كما ذكر ابن الأثير في أسد الغابة قال أسلم أبو هريرة عام خيبر وشهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لزمه . وقيل إن أبا هريرة لم يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر وإنما قدم بعد خروجهم وقدم عليهم خيبر بعد أن فتحت ، وقد روى أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة قال قدمت المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر وقد استخلف سباع بن عرفط . الحديث . وفيه فزودنا شيئاً حتى أتينا خيبر وقد افتتحها النبي صلى الله عليه وسلم فكلم المسلمين فأشركونا في سهامهم والأول أصح لحديث الباب والأحاديث المخالفة له لا تقاومه في الصحة . (1/467)
صفحة 467
قوله ولم نغنم ذهباً ولا فضة إلا الأموال والمتاع ) وفي رواية الموطأ إلا الأموال الثياب والمتاع ) ، وفي أخرى إلا الأموال والثياب والمتاع ) بحرف العطف ورواية البخاري افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهباً ولا فضة إنما غنمنا الإبل والبقر والمتاع والحوائط ) ، وفي الحديث أن بعض العرب وهي دوس لا تسمي العين مالاً وإنما الأموال عندهم الثياب والمتاع والعروض وعند غيرهم المال الصامت من الذهب والورق وقال ابن حجر مقتضاه أن الثياب والمتاع لا يسمى مالاً وقد نقل ثعلب عن أبي الأعرابي عن المفضل الضبي قال المال عند العرب الصامت والناطق فالصامت الذهب والفضة والجوهر والناطق البعير والبقر والشاء فاذا قلت عن حضري كثر ماله فالمراد الصامت وإذا قلت عن بدوي كثر ماله فالمراد الناطق والذي يظهر أن المال ماله قيمة لكن قد يغلب على قوم تخصيصه بشيء كما حكاه المفضل وقد أطلق ابو قتادة على البستان مالاً كما مر من قوله فابتعت منها مخرفا في بني سلمة وإنه لأول مال تاثلته في الإسلام ) فتحمل الأموال على المواشي والحوائط والأمتعة التي ذكرها في الحديث ولا يراد بها النقود لأنه نفاها أولاً . (1/468)
صفحة 468
قوله من بني الضبيب ) بضم المعجمة وفتح الموحدة وإسكان التحتية هكذا وقد هاهنا وعند مسلم أيضاً وفي رواية محمد بن إسحاق رفاعة بن زيد الجذامي ثم الضبني بضم المعجمة وفتح الموحدة بعدها نون وقيل بفتح المعجمة وكسر الموحدة نسبة إلى بطن من جذام . وقال ابن الأثير رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي ثم الضبيبي من بني الضبيب قال هكذا يقوله بعض أهل الحديث وأما أهل النسب فيقولون الضبيبي من بني ضبيبة بن جذام قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية قبل خيبر في جماعة من قومه فأسلموا وعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وأهدى لرسول الله غلاماً أسود اسمه مدعم المقتول بخيبر كذا ذكر ابن الأثير ولعل مراده المقتول في غزوة خيبر نظراً إلى أن وادي القرى من توابعها لأنه لم ستقل بغزوة من المدينة .
وقوله يقال له مدعم ) بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين مهملتين هو العبد الأسود الذي أهداه رفاعة بن زيد الجذامي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعته رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل لم يعتقه .
قوله فوجه ) بفتح الواو أي قصد وقيل بضمها مبنياً للمفعول والمعنى أن الله وجهه .
قوله وادي القرى ) بضم القاف وفتح الراء مقصور موضع بقرب المدينة فيه اليهود .
وقوله حتى إذا كنا بها ) أي بوادي القرى .
قوله بينما مدعم يحط رحال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وفي رواية الموطأ يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، وزاد البيهقي وقد استقبلتنا يهود بالرمي ولم نكن على تعبية ) .
وقوله سهم غرب ) بفتح المعجمة وسكون المهملة وبفتحها أيضاً يجوز مع كل واحد أن يكون صفة لسهم ومضافاً غليه أي لا يدرى من رمى به .
والشملة بفتح الشين المعجمة وسكون الميم كساء يشتمل به ويلتف فيه وقيل إنما تسمى شملة إذا كان لها هدب .
وقوله لم تصبها المقاسم ) أي لم يؤخذ منها أقسام المسلمين . (1/469)
صفحة 469
وقوله لتشتعل ) بزنة تفتعل مبنياً للفاعل وقيل بالبناء للمجهول . واشتعالها عليه ناراً يحتمل أن يكون حقيقة بان تصير الشملة نفسها ناراً فيعذب بها وهو المتبادر ، ويحتمل أن المراد أنها سبب لعذاب النار وكذا يقال في الشراك الآتي .
قوله جاء رجل ) قال ابن حجر لم أقف على اسمه .
والشراك بكسر الشين المعجمة وخفة الراء سير النعل على ظهر القدم .
وقوله أو شراكين ) شك من الراوي وهو أبو هريرة .
وقوله شراك أو شراكان من النار ) بصيغة الشك من الراوي أيضاً ومعناه يكون ذلك ناراً يعذب بها أو أنه سبب لعذابه بالنار كما تقدم في الشملة .
وفي الحديث تهويل شأن الغلول وإن قل وأنه ليس كل مقتول في الجهاد شهيداً بل الشهيد المقتول الذي لم يصر على معصية .
وفيه التمسك بحكم الظاهر حتى ينكشف غيره .
وفيه حجة على المخالفين في قولهم أن صاحب الكبيرة لا يقطع بتعذيبه .
وفيه قبول الإمام للهدية من رعيته ، والله أعلم .
--- (1/470)
صفحة 470
كتاب الجنائز
الباب الثامن عشر في الكفن والغسل
ما جاء في استحباب البياض للباس الأحياء وتكفين الأموات وأنه لا يجوز في الكف للميت إلا ما يجوز ان يلبسه في حياته
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عليكم بهذه الثياب البيض البسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم فغنها خير ثيابكم ولا تكفنوهم في حرير ولا مع شيء من الذهب لأنها محرمان على رجال أمتي ومحللان لنسائها .
-------------------------------
بفتح الجيم جمع جنازة بالفتح والكسر لغتان قال ابن قتيبة وجماعة الكسر أفصح وقيل بالكسر للنعش وبالفتح للميت قالوا لا يقال نعش إلا إذا كان عليه الميت وأورد المرتب رحمه الله هذا الكتاب عقب كتاب الجهاد إما نظراً منه إلى اتحادهما في الحكم بحيث يكون حكم الكل عنده فرض كفاية أو لمناسبة معنوية وهي ان الجهاد يفضي إلى ذهاب النفوس ومفارقة الحياة فيحتاج بعد الكلام فيه إلى بيان حكم ما يصدر عنه في المقتولين كما بين في آخر أبوابه أحكام الغنائم الحاصلة من أموال المشركين بسبب الجهاد ولعل هذا الوجه أظهر في المناسبة ويمكن ملاحظة المعنيين والله أعلم .
قوله الكفن والغسل ) الكفن ثوب الميت الذي يدفن فيه ، والغسل تطهيره بعد موته وكان الواجب تقديم الغسل على الكفن في الذكر والوضع كما ا،ه مقدم في الفعل من جهة الشرع . (1/471)
صفحة 471
قوله عن ابن عباس ) الحديث في لباس البياض للأحياء والأموات رواه أيضاً عن ابن عباس والشافعي وأحمد وأصحاب السنن إلا النسائي بلفظ ألبسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم ) ، وأخرجه ابن حبان والحاكم والبيهقي بمعناه وفي لفظ للحاكم خير ثيابكم البياض فألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم ) . وفي الباب أيضاً عن سمرة بن جندب عند أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة وصححه الترمذي وقال ابن حجر إسناده صحيح وصحح حديث ابن عباس ابن القطان والترمذي وابن حبان .
قوله عليكم ) حث وإغراء والمعنى ألزموها في الحالتين .
وقوله بهذه ) إشارة إلى أصناف البياض من الثياب الموجودة في ذلك الزمان من الصوف أو القطن أو الكتان . وذكر في الإيضاح أن ثياب الكتان الطاهرة الجديدة أولى واستدل بحديث الباب قاله المحشي وكأنه رحمه الله صح عنده الإشارة إلى ثياب كتان طاهرة جديدة أو لأن الأصل في الثياب أن تكون من الكتان أو لأن الأصل في الأشياء الطهارة وكونها جديدة ولفظ الحديث إنما يدل على البياض فقط والله أعلم . قلت وجه استدلال صاحب الإيضاح ما فهمه من الحث على البياض وأن الكتان من أعلى أصنافه وتحسين الكفن مطلوب شرعاًَ وما أحسن استدلال الشيخ إسماعيل في قواعده بالحديث على عموم الجنس على أن الإشارة ليست لحاضر يرى وإنما هي لشيء يعهد في الأذهان .
--- (1/472)
صفحة 472
ما جاء في النهي عن استعجال الإجابة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول دعوت فلم يستجب لي .
------------------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم .
قوله يستجاب ) من الاستجابة بمعنى الإجابة . قال الشاعر : فلم يستجبه عند ذاك مجيب .
قوله لأحدكم ) أي واحد منكم لأن الاسم المضاف مفيد للعموم على الأصح .
قوله ما لم يعجل ) بفتح التحتية والجيم بينهما عين ساكنة أي يستعجل .
وقوله فيقول دعوت فلم يستجب لي ) تفسير للاستعجال . قال بعضهم يحتمل أن يريد بقوله يستجاب ) الإخبار عن وجوب وقوع الإجابة أي تحقق وقوعها أو الإخبار عن جواز وقوعها فإن أريد الوجوب فهو بأحد ثلاثة أشياء تعجيل ما سأله أو يكفر عنه به أو يدخر له فإذا قال دعوت .. الخ بطل وجوب أحد هذه الثلاثة وعري الدعاء عن جميعها وإن أريد الجواز فيكون الإجابة بفعل ما دعي به ومنعه قوله دعوت فلم يستجب لي لأنه من ضعف اليقين والسخط . وفي مسلم والترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً لا يزال يستجاب للعبد ما يدع بإثم أو قطعية رحم وما لم يستعجل قيل وما الاستعجال قال يقول قد دعوت فلم أر يستجاب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء . ويستحسر بمهملات استفعال من حسر إذا أعيا وتعب وتكرار ودعوت للإستمرار أي دعوت مراراً كثيرة . (1/473)
صفحة 473
وقال غيره من له ملالة من الدعاء لا يقبل دعاؤه لأن الدعاء عبادة حصلت الإجابة أو لم تحصل فلا ينبغي للمؤمن أن يمل من العبادة وتأخير الإجابة إما لأنه لم يأت وقتها وإما لأنه لم يقدر في الأزل قبول دعائه في الدنيا ليعطى عوضه في الآخرة وإما أن يؤخر القبول ليلح ويبالغ في ذلك فإن الله يحب الملحين في الدعاء مع ما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار ومن يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له ومن يكثر الدعاء يوشك أن يستجاب له , والله أعلم .
وقوله فإنها خير ثيابكم ) تعليل للأمر بلبسها والتكفين فيها . وفي حديث أبي الدرداء عند ابن ماجة أحسن ما زرتم الله به في قبوركم ومساجدكم البياض ) وقد فسر وجه هذا التفضيل في حديث سمرة بن جندب بقوله فإنها اطهر وأطيب ثيابكم ) ، وأما كونها أطيب فظاهر وأما كونها أطهر فلأن أدنى شيء يقع على البياض يظهر فيغسل إذا كان من جنس النجاسة فيكون نقياً كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في دعائه ونقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ) والأمر المذكور في الحديث ليس للوجوب أما في اللباس فلما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لبس غير البياض وأنه ألبس جماعة من الصحابة ثياباً غير بيض وأنه أقر جماعة منهم على غير لبس البياض وأما في الكفن فلما ثبت عند أبي داود من حديث جابر مرفوعاً إذا توفي أحكم فوجد شيئاً فليكفن في ثوب حبرة ) والحبرة كعنبة برد يماني يكون من كتان او قطن سميت حبرة لأنها محبرة أي مزينة والتحبير التزيين والتحسين والتخطيط . (1/474)
صفحة 474
قوله ولا تكفنوهم في حرير ولا مع شيء من الذهب ) أي إذا كانوا من جنس الرجال دون النساء فإن ذلك في النساء جائز ما لم يفض إلى الإسراف فإن الإسراف حرام في المحيا وفي الممات ويدل على جواز ذلك للنساء التعليل في قوله لأنها محرمان على رجال أمتي ومحللان لنسائها ) والقول بجوازه هو الموجود عن موسى فإنه أجازه للنساء والصبيان وكرهه محمد بن محبوب رضي الله عنهم .
والحديث يدل على وجوب مراعاة الأحكام الشرعية في حق الحي والميت فأوجب الله على الأحياء أن يراعوا ذلك من أنفسهم وفي أمواتهم حفظاً لأوامر الشرع الشريف حتى يلقوا الله تعالى على الحالالذي يحبه منهم ويرضاه فإذا ضيع الحي حق الميت فكفنه في محرم عليه في حياته كان إثم ذلك على المضيع ولا شيء على الميت ما لم يوص به أو يخبر قبل موته فيرضى ونظير هذا تكفين المحرم في ثوبيه ولا يقرب طيباً ولا يغطى رأسه ومثله منع الطيب للمحدة بعد موتها ومن مراعاة الأحوال تزميل الشهداء في ثيابهم من غير غسل وقد تقدم ذلك والله أعلم .
--- (1/475)
صفحة 475
ما جاء أن المقتول في المعركة لا يغسل
ومن طريقه أيضاً عنه عليه السلام قال : المقتول في المعركة لا يغسل فإنه دمه يعود يوم القيامة مسكا .
--- (1/476)
صفحة 476
ما جاء أن الكفن من رأس المال
قال ابن عباس الكفن من رأس المال لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ميت مات بحضرته كفنوه في ثوبيه فأضافهما إليه .
----------------------------
قوله ومن طريقه ) يعني ابن عباس بالسند المتقدم . والحديث تقدم شره في باب فضل الشهادة والله أعلم .
قوله قال ابن عباس الكفن من رأس المال ) فهو مقدم على الوصايا وعلى أسهام الوارثين فلا يرثون إلا ما فضل منه ولا تنفذ الوصايا إلا من الثلث الباقي بعده فهو من رأس المال كالدين لأنه حق للميت كما أن الديون حقوق لسائر الناس وهل يقدم على الدين أم لا خلاف تظهر فائدته فيمن مات ولم يترك إلا عشرة دراهم وعليه دين مثلها ولم يوجد له كفن إلا بقدرها فإنه قيل يشترى له بها كفن وهو أحق من الدين لأنه بمنزلة كسوته في الحياة وقيل يقضى بها الدين ويدفن عارياً إن لم يوجد له كفن لأن الله لا يسأله عن دفنه كذلك وإنما يسأله عن دينه . والقول بأن الكفن من رأس المال نسبه ابن المنذر إلى جميع أهل العلم قال إلا رواية شاذة عن خلاس بن عمرو قال الكفن من الثلث وعن طاوس قال من الثلث إن كان قليلاً وحكى غيره عن الزهري وطاوس أنه من الثلث إن كان معسراً. (1/477)
صفحة 477
واستدل ابن عباس أنه من رأس المال بقوله صلى الله عليه وسلم كفنوه في ثوبيه قال فأضافهما إليه أي واصل الإضافة أن تكون للملك وأيضاً فإنه صلى الله عليه وسلم أمر بذلك ولم يستأذن الورثة ولا سأل عن دينه فهذا من أمره يدل أن الكفن مقدم على الوارث والدين . واستدل غيره على ذلك بحديث خباب بن الأرث عند الجماعة إلا ابن ماجة أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد ولم يترك إلا نمرة فكنا إذا غطينا رجليه بدا رأسه وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطي بها رأسه ونجعل على رجليه شيئاً من الأذخر وهذا أظهر في الاستدلال لقول الراوي فيه ولم يترك إلا نمرة ) فإنه صرح بأن تلك النمرة هي جميع التركة ولم يستأذن في تكفينه بها الوارث فلو كان من الثلث لكان ثلث النمرة للوارث .
قوله في ميت مات بحضرته ) هذا الميت هو الرجل الذي وقصته راحلته وهو واقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال صلى الله عليه وسلم اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبياً وقد تقدم شرحه في غسل المحرم من كتاب الحج والله أعلم .
--- (1/478)
صفحة 478
ما جاء في صفة الكفن للمرأة
ومن طريق ابن عباس قال دفع النبي صلى الله عليه وسلم في كفن ابنته أم كلثوم خمسة أثواب .
-------------------------
قوله ومن طريق ابن عباس .. الخ ) هذا الحديث من هذا الوجه على هذا الوصف مما تفرد به المصنف رضي الله عنه .
قوله ابنته أم كلثوم ) بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمها خديجة بنت خويلد قيل هي أسن من رقية ومن فاطمة وصحح ابن الأثير أنها أصغر من رقية لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج رقية من عثمان فلما توفيت زوجه من أم كلثوم وما كان ليزوج الصغرى ويترك الكبرى والله أعلم . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوج رقية وأم كلثوم من عتبة وعتيبة ابني أبي لهب فلما أنزل الله عز وجل تبت يدا أبي لهب ) قال أبو لهب لابنيه رأسي من رؤوسكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمد ، وقالت أم جميل أمهما حمالة الحطب بنت حرب بن أمية لابنيها إن رقية وأم كلثوم قد صبتا فطلقاهما ففعلا فطلقاهما قبل الدخول بهما فزوج النبي صلى الله عليه وسلم رقية من عثمان فلما توفيت زوجه أم كلثوم .
وكان نكاحه إياها في ربيع الأول من سنة ثلاث وبنى بها في جمادى الآخرة من السنة المذكورة ولم تلد منه ولدا . وتوفيت سنة تسع وصلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي التي غسلتها أم عطية وحكت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك وهو الحديث الآتي من طريق محمد بن سيرين ، ونزل في قبرها علي والفضل وأسامة بن زيد وقيل أن أبا طلحة الأنصاري استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل معهم فأذن له وقال لو أن لنا ثالثة لزوجنا عثمان بها . (1/479)
صفحة 479
قوله خمسة أثواب ) هي الحقو ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم اللفافة كما جاء بذلك الحديث عند أحمد وأبي داود عن ليلى بنت قانف الثقفية قالت كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاتها وكان أول ما أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحقو ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر .
وروى الخوارزمي من طريق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن هشام بن حسان عن حفصة عن أم عطية أنها قالت فكفناها في خمسة أثواب وخمرناها كما نخمر الحي . قال ابن حجر : وهذه الزيادة صحيحة الإسناد . والحديث يدل أن المرأة تكفن في خمس أثواب وذلك مستحب عندنا ويجزي دون ذلك والله أعلم .
--- (1/480)
صفحة 480
ما جاء في صفة تكفين الرجل
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة .
قال الربيع : السحولية موضع يسمى سحولا وهو موضع بأرض اليمن .
-----------------------------
قوله عن عائشة ) الحديث رواه أيضاً الجماعة وهو عندهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلّ/ .
قوله كفن ) بالبناء للمجهول أي كفن وإن ولي أمره من أقاربه صلى الله عليه وسلم .
وقوله في ثلاثة أثواب ) قال الترمذي وتكفينه في ثلاثة أثواب بيض أصح ما ورد في كفنه . وقال ابن عبد البر هذا أثبت حديث في كفنه صلى الله عليه وسلم .
وقوله بيض ) يدل على استحباب التكفين في الأبيض قال النووي وهو مجمع عليه واستحب الحنفية أن يكون في إحداهما ثوب حبرة لما في أبي داود عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم كفن في ثوبين وبرد حبرة وإسناده حسن ، لكن روى مسلم والترمذي عن عائشة أنهم نزعوها عنه قال عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة لف صلى الله عليه وسلم في حبرة جفف فيه ثم نزع عنه .
قوله سحولية ) بفتح المهملة الأولى وضم الثانية وقيل بضمهما قال النووي وفتح أوله أشهر وهو رواية الأكثرين وهي منسوبة إلى سحول قرية باليمن . وقيل النسبة إلى القرية بالضم وأما بالفتح فنسبة إلى القصار فإنه يسحل الثياب أي ينقيها . قال ابن الأعرابي وغيره هي ثياب بيض نقية لا تكون إلا من القطن . وقال ابن قتيبة ثياب بيض ولم يخصها بالقطن . (1/481)
صفحة 481
قوله ليس فيهما قميص ولا عمامة ) بكسر المهملة أي ليس مع الثلاثة الأثواب غيرها لا قميص ولا عمامة وهو قول الجمهور . وقيل معناه ليس في الثلاثة الأثواب غيرها لا قميص ولا عمامة معدودان من جملة الثلاثة بل زائدان عليها . وقيل معناه ليس فيها قميص جديد غسل فيه أو كفن فيه أو ملفوف الأطراف والأول أظهر وأصح وفي القولين الأخيرين تكلف . واتفقوا على استحباب ثلاثة الأثواب في كفن الرجل فلو شح بعض الورثة في الثاني أو الثالث لا يلتفت إليه لأنه من حق الرجل في ماله . واختلفوا في القميص والعمامة فقيل باستحبابهما أيضاً وقيل بجوازهما فقط وقيل بكراهتهما . وكان الربيع رحمه الله لا يرى للرجل عمامة ولا للمرأة خماراً وأوجب غيره الخمار . واستدل القائلون بالاستحباب بما روى مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال الميت يقمص ويؤزر ويلف في الثوب الثالث فإن لم يكن له إلا ثوب واحد كفن فيه . وأيضاً فإنه صلى الله عليه وسلم كسى عبدالله بن أبي بعدما أدخل حفرته قميصه . وقول الربيع رضي الله عنه من موضع يسمى سحولا أي نسبت إليه تلك الثياب . وفي المصباح مثل رسول بلدة باليمن يجلب منها الثياب وينسب إليها على لفظها فيقال أثواب سحولية قال وبعضهم يقول سحولية بالضم نسبة إلى الجمع وهو غلط لأن النسبة إلى الجمع إذا لم يكن علماً وكان له واحد من لفظه ترد إلى الواحد بالاتفاق ا.هـ. والله أعلم .
--- (1/482)
صفحة 482
ما جاء في صفة غسل الميت
أبو عبيدة قال بلغنا عن محمد بن سيرين قال قالت أم عطية الأنصارية دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلمحين توفيت ابنته فقال أغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة شيئاً من كافور فإذا فرغتن فآذنني فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوه وقال اشعرنها إياه .
قال الربيع : الحقو الإزار .وقوله أشعرنها إياه أي تقينها إياه .
--------------------------
قوله بلغنا عن محمد بن سيرين ) بكسر المهملتين بينهما تحتية ساكنة مولى الأنصار يكنى أبا بكر وهو بصري معاصر لأبي الشعثاء جابر بن زيد رضي الله عنه وكان من كبار التابعين ، روى عن مولاه أنس وزيد بن ثابت وعمران بن حصين وأبي هريرة وعائشة وأم عطية وطائفة من كبار التابعين . قال أحمد : لم يسمع من ابن عباس . وقال خالد الحذاء : كل شيء يقول فيه يثبت عن ابن عباس إنما سمعه من عكرمة أيام المختار . قال حماد بن زيد : مات سنة عشر ومائة .
وأم عطية الأنصارية اسمها نسيبة بنت الحارث وقيل نسيبة بنت كعب قال بعضهم وفيه نظر وكانت من كبار نساء الصحابة وكانت تغسل الموتى وتغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وروى عنها محمد ابن سيرين وأخته حفصة وعبد الملك بن عمير وعلي بن الأقمر .
وحديث الباب أخرجه الجماعة عن أم عطية .
قوله ابنته ) هي أم كلثوم كما تقدم في صفة الكفن للمرأة وقيل زينب كما وقع عند مسلم وهو المشهور عندهم وكانت وفاة زينب في أول سنة ثمان وتوفيت أم كلثوم في سنة تسع ويمكن الجمع بأن تكون حضرتهما جميعاً وقد جزم ابن عبد البر بأن أم عطية كانت غاسلة الميتات . (1/483)
صفحة 483
وقوله أغسلنها ) أمر لأم عطية ومن معها من النسوة ومن جملة من كان معها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب وليلى ابنة قانف بقاف ونون الثقفية ودلت بعض الروايات على حضور أم سليم أيضاً . واستدل به على وجوب غسل الميت لأن حقيقة الأمر الوجوب لكن قوله ثلاثاً ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء فالاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد لأن لفظ ثلاثاً لا يستقل بنفسه فلا بد من دخوله تحت الأمر فيراد به الوجوب بالنسبة لأصل الغسل والندبية بالنسبة إلى الإيتار .
وذهب الحسن والكوفيون وأهل الظاهر والمزني إلى وجوب الثلاث قالوا وإن خرج منه شيء بعدها غسل موضعه فقط ولا يزاد على الثلاث وهو خلاف ظاهر الحديث .
قوله أو خمساً ) وفي رواية حفصة عن أم عطية أغسلنها وتراً وليكن ثلاثاً أو خمساً . أو للترتيب لا للتخيير وحاصله أن الإيتار مطلوب والثلاثة مستحبة فإن حصل الإنقاء لم يشع ما زاد وإلا زيد وتر حتى يحصل الإنقاء والواجب مرة واحدة تعم جميع البدن وفي الانتقال من الثلاث إلى الخمس إشارة إلى الإيتار .
قوله أو أكثر من ذلك ) بكسر الكاف لأنه خطاب للمؤنث وفي رواية أيوب عن حفصة عن أم عطية عند البخاري ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً وهو تفسير للأكثر في رواية المصنف وبه قال أحمد وكره الزيادة على السبع وقال ابن عبد البر لا أعلم أحد قال بمجاوزة السبع .
وقوله إن رأيتن ذلك ) تفويض إلى اجتهادهن بحسب الحاجة لا التشهي . وقال ابن المنذر إنما فوض إليهن بالشرط المذكور وهو الإيتار . وقال بعضهم يحتمل ان يرجع إلى الأعداد المذكورة ويحتمل أن معناه إن رأيتن فعل ذلك وإلا فالإنقاء يكفي وفي هذه اللفظة من الفقه رد عدد الغسلات إلى الغاسل على حسب ما يرى بعد الثلاث من بلوغ الوتر فيها . (1/484)
صفحة 484
قوله بماء وسدر ) متعلق بقوله أغسلنها وظاهره أن السدر يخلطه في كل مرة من مرات الغسل وقال القرطبي بجعل السدر في ماء ويخضخض إلى أن تخرج رغوته ويدلك به جسده ثم يصب عليه الماء القراح فهذه غسلة وقال قوم يطرح ورقات السدر في الماء لئلا يمازج الماء فيتغير عن وصف المطلق وأنكر ذلك أحمد فقال يغسل في كل مرة بالماء والسدر .
والمستحب عندنا أولاهن بماء قراح والثانية بماء وسدر والثالثة بماء وكافور ما لم يكن محرماً فإنه حينئذ يغسل بماء وسدر فقط ولا يمس طيباً وانظر في استحباب تخصيص الثانية بالسدر مع أن الحديث مطلق والتقييد يحتاج إلى دليل وكأنهم فهموا أن الغرض منه وقوع ذلك ولو مرة واحدة وأنه لا يلزم تكراره في جميع الغسلات لأن الغرض المقصود الإنقاء وهو يحصل بالمرة المسبوقة بالماء القراح . وقال بعض الشراح هذا الحديث أصل في التطهير بالماء المضاف إذا لم يسلب الماء الإطلاق .
وقوله واجعلن في الآخرة ) بكسر الخاء أي في الغسلة الأخيرة .
وقوله شيئاً من كافور ) هو طيب معروف يكون من شجر بجبال الهند والصين يظل خلقاً كثيراً وتألفه النمور وخشبه أبيض هش ويوجد في أجوافه الكافور وهو أنواع ولونه أحمر وإنما يبيض بالتصعيد وظاهره جعل الكافور في الماء وهو المذهب وبه قال جمهور قومنا . وقال النخعي والكوفيون إنما يجعل في الحنوط بعد انتهاء الغسل والتجفيف وهو مخالف لظاهر الحديث وحكمة الكافور تطيييب رائحة الموضع للحاضرين والملائكة وغيرهم . وفيه تجفيف وتبريد وقوة نفوذ وخاصية في تنظيف بدن الميت وطرد الهوام عنه ورد ما يتحلل من الفضلات ومنع إسراع الفساد إليه وهو أقوى الروائح الطيبة في ذلك وهذا سر جعله في الغسلة الأخيرة إذ لو كان في الأولى مثلاً لأذهبه الماء وهل يقوم المسك مثلاً مقامه إن نظر إلى مجرد التطيب نعم وإلا فلا وقد يقال إذا عدم الكافور قام غيره مقامه إذا ماثله ولو بخاصية واحدة . (1/485)
صفحة 485
قوله فآذنني ) بمد الهمزة وكسر المعجمة وفتح النون الولى مشددة وكسر الثانية أي أعلمنني .
وقولها آذناه ) أي أعلمناه .
وقولها حقوه ) بفتح الحاء المهملة ويجوز كسرها وهي لغة هذيل بعدها قاف ساكنة وهو إزاره صلى الله عليه وسلم .
وقوله أشعرنها ) بهمزة قطع أي اجعلنه شعارها والشعار الثوب الذي يلي الجسد وهو معنى قول الربيع رحمه الله تقينها إياه أي اجعلنه لها وقاء دون غيره وإنما أمر بذلك تبركاً . وحكمة تأخير الإزار معه حتى فرغن من الغسل ليكون قريب العهد من جسه الكريم بلا فاصل بين انتقاله من جسده إلى جسدها وهو أصل التبرك بآثار الصالحين . وقول الربيع الحقو الإزار تفسير بالملازم لن الحقو في الأصل معقد الإزار فأطلق على الإزار مجازاً .
وقوله أي تقينها ) بفوقية مفتوحة فقاف مكسورة فتحتية ساكنة بعدها نون النسوة وهو فعل مضارع من وقاه يقيه مجزوم بلام الأمر المحذوفة لأنه تفسير للأمر بالشعار والمعنى اجعلنه لها وقاء والوقاء مثل كتاب كل ما وقيت به شيئاً والله أعلم .
--- (1/486)
صفحة 486
ما جاء في المبادرة إلى تجهيز الميت
ومن طريق ابن عباس قال : لا ينبغي أن تحبس جيفة مسلم بين ظهراني أهله .
-----------------------------
قوله ومن طريق ابن عباس ) الحديث رواه أبو داود عن الحصين بن وحوح أن طلحة ابن البراء مرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله .
وفي الباب عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثلاث يا علي لا يؤخرن الصلاة إذا آنت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت كفؤاً . أخرجه أحمد والترمذي وقال هذا حديث غريب وما أ{ى إسناده متصل .
قوله لا ينبغي ) أي لا يحسن ولا يليق ولا يصح هذا والجيفة الجسد بعد أن تفارقه الروح . وفي إضافتها إلى المسلم إشارة إلى أن المشرك لا يستحق هذا الحكم فليس لجيفته حق إلا أنها تدفن لئلا تؤذي الحي برائحتها أو بالنظر إليها .
وقوله بين ظهراني أهله ) بفتح النون قال ابن فارس ولا تكسر وقال جماعة الألف والنون زائدتان للتأكيد وقولهم بين ظهريهم وبين أظهرهم وبين ظهرانيهم كلها بمعنى بينهم وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم والإستناد إليهم وكأن المعنى أن ظهراً منهم قدامه وظهراً وراءه فكأنه مكنوف من جانبيه هذا أصله ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم وإن كان غير مكنوف بينهم .
والحديث يدل على مشروعية التعجيل بالميت والإسراع في تجهيزه وتشهد له أحاديث الإسراع بالجنازة والله أعلم .
--- (1/487)
صفحة 487
ما جاء في غسل الموتى
وقال صلى الله عليه وسلم : اغسلوا موتاكم فوجب غسل الميت على من حضره لقوله عليه السلام .
---------------------------
قوله وقال صلى الله عليه وسلم : اغسلوا موتاكم ) الحديث رواه المصنف تعليقاً كما ترى واستدل به على وجوب غسل الميت ويحتمل اتصاله برواية ابن عباس فيكون هو المستدل على ذلك وهو المتبادر قبل التأمل وعلى كل حال فهو على هذا الحال مما تفرد به المصنف رضوان الله عليه . وقد أخرج ابن ماجة معناه من طريق ضعيف عن عبدالله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليغسل موتاكم المأمونون أي من تأمنهم على إخفاء ما لا يليق إظهاره للناس إن رأوه من الميت .
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بغسل الميت قولاً وفعلاً منها حديث غسل الذي وقصته ناقته وحديث الأمر بغسل ابنته صلى الله عليه وسلم ، وأما الفعل فكان شائعاً ذائعاً فيهم وقد حكى غير واحد الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية وخالف في ذلك بعض المالكية ورجح القرطبي أنه سنة وقال الحسن وسعيد بن المسيب يغسل لأن كل ميت يجنب أي يمكن أن تصدر منه الجنابة قبل ذلك فيغسل احتياطاً وتعقب بوجوب غسل من لم يبلغ الحلم فلو كان مشروعية الغسل لأجل الاحتياط من الجنابة ما كان لغسل هؤلاء معنى والله أعلم .
قوله على من حضره ) يعني من حضر موته من أقاربه أو غيرهم وكذلك إن وجدوه ميتاً في الصحراء فإن اجتمع عنده ناس فيهم الأقارب وغيرهم كان أقربه أولى به وأهل الأمانة منهم أولى من غيرهم وإن استعانوا بالغير وجب عليه أن يعينهم فإن لم تحضر الأقارب وجب جهازه على الحاضرين من غيرهم فإن كان في القرية أمير كان أولى بجهازه وإن لم يكن أمير فجماعة المسلمين وإن غابوا فعلى من حضر والإمام العدل وواليه أحق بذلك من غيرهم والله أعلم .
--- (1/488)
صفحة 488
ما جاء في تفريق شعر المرأة عند غسلها
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن امرأة ماتت فأمر بتفريق شعر رأسها عند غسلها والله أعلم .
----------------------------
قوله عن ابن عباس ) الحديث تفرد به المصنف رضوان الله عليه ولم أجده عند غيره .
قوله فأمر بتفريق شعر رأسها ) أي من غير تضفير وبه أخذ أصحابنا وقال الأوزاعي والحنفية يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها مفرقاً وهو قريب مما قاله أصحابنا إن لم يكن بعينه . وقال بعض قومنا يضفر شعرها ثلاثة قرون ناصيتها وقرناها واستدلوا على ذلك بما يوجد في بعض الروايات عن أم عطية في غسل بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها رواه الشيخان وأحمد . وقال القرطبي وكأن سبب الخلاف أن الذي فعلته أم عطية هل استندت فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مرفوعاً أو هو شيء رأته ففعلته استحباباً كلا المرين محتمل لكن الأصل أن لا يفعل في الميت شيء من جنس القرب إلا بإذن الشرع ولم يرد ذلك مرفوعاً كذا قال . وقال النووي الظاهر عدم إطلاع النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره له ا.هـ. والله أعلم .
تنبيهان :
الأول : إذا مات الرجل وعليه جمة فلا يسحج شعره ولا يفرق ولكن يسرح كما هو فغ، خرج من رأسه شعر فليرده إلى رأسه وكذلك أيضاً شعر المرأة .
الثاني : لا يقلم للميت ظفر ولا يجز له شعر ولا يسرح ولا يدهن . وقيل إن كانت أظفاره طويلة وشاربه طويلاً أخذ منه وأصحابنا يكرهون ذلك لأن الإنسان ممنوع من البسط في جسد غيره إلا بدليل يجب التسليم له . ورأت عائشة امرأة يكدون رأسها بمشط فقالت علام تنصون ميتكم . قال أبو عبيد هو من نصوت إذا مددت الناصية والمعنى أن الميت لا يحتاج إلى تسريح وذلك بمنزلة الأخذ من الناصية والله أعلم .
--- (1/489)
صفحة 489
الباب التاسع عشرصلاة الجنائز
ما جاء أن الأولى بالصلاة على الميت أفضل القوم ورعا
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أولى بالصلاة على الميت أفضل القوم ورعا وأسنهم في ذكر الله .
------------------------------
قوله في صلاة الجنائز ) وهي حق للمسلم الميت على الحي الحاضر من المسلمين شفاعة خاصة ورحمة عامة ينتفع بها الحي بنيل الثواب والميت بنيل الغفران إن كان من أهل المغفرة وهي عبادة لا ركوع فيها ولا سجود مخالفة لسائر الصلوات أركانها التكبير والمقصود منها الدعاء للميت نسأل الله منها الحظ الوافر .
قوله عن ابن عباس ) الحديث في هذا الباب مما تفرد به المصنف رضوان الله عليه أما في صلاة الجماعة فقد روى معناه هو وغيره من المحدثين .
قوله أولى بالصلاة على الميت أفضل القوم ورعا ) أي أحق بالتقدم في صلاة الجنازة أورع الحاضرين وإن لم يكن من أقارب الميت فإن كان الإمام حاضراً أو واليه أو أمير الجيش فهم أولى من غيرهم لاجتماع الفضل والإمارة وإن لم يكونوا فالقريب الأفضل أولى من غيره لاجتماع الفضل والقرابة وإن لم يوجد الأفضل إلا في الأجانب كان أولى من القريب المفضول وهو معنى قول من قال من أصحابنا وغيرهم إن أفضل القوم أولى بالتقدم في ذلك وهو الموافق لظاهر الحديث . (1/490)
صفحة 490
وقال قوم منا ومن مخالفينا إن الأقرب أحق بالتقدم وعليه أكثر الأصحاب ثم ذهبوا في ترتيب القرابة مراتبها وجعلوا الأولى في ذلك الأقرب ثم الأقرب فإن تقدم الأبعد فلا يتقدم إلا عن إذن الأقرب حتى أن بعضهم قال باستئذان القريبة من النساء إذا لم يكن له قريب من الرجال وحتى قال آخرون باستئذان الأب الذمي إذا حضر جنازة ولده المسلم وأنت خبير أنه لا حق للنساء ولا للذمي في الإمامة فكيف يستأذن فيها من لا حق له فيها فإن احتجوا بقوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) قلنا ذلك في غير ما قضى به الدليل أن غيرهم أولى به فالآية عامة وحديث الباب خاص وأيضاً فالآية محتملة والحديث نص في المعنى على أن القائلين بتقديم القرابة لا يقولون باطلاق ذلك في كل موضع فقد يكون القريب عبداً أو أخاذمياً أو ابن عم ذمياً فهؤلاء ونحوهم أقارب صرحوا بأن غيرهم من المسلمين أولى بذلك فلم يأخذوا بعموم الآية في كل موضع بل ذهبوا إلى تخصيصها فأخرجوا منها أشياء فسقط تعلقهم بعمومها لأن القرابة لم تغن شيئاً والله أعلم .
--- (1/491)
صفحة 491
ما جاء في التكبير على الجنائز والصلاة على الغائب
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى فصفهم وكبّر أربع تكبيرات .
------------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهم وله طرق كثيرة .
قوله نعى للناس ) أي أخبرهم بموته في اليوم الذي مات فيه في رجب سنة تسع وقيل كان موته قبل الفتح وفيه جواز الإعلام بالجنازة ليجتمع الناس للصلاة والنعي المنهي عنه هو الذي يكون معه صياح خلافاً لمن تأوله من قومنا على الإعلام بالموت للإجتماع لجنازته .
وفي حديث من صلى على جنازة كان له من الأجر كذا . وقوله صلى الله عليه وسلم لا يموت أحد .
--- (1/492)
صفحة 492
ما جاء في صلاته صلى الله عليه وسلم على أهل البقيع
أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها قالت قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فلبس ثيابه ثم قام فأمرت جاريتي بريرة تتبعه فتبعته حتى جاء إلى البقيع فوقف فوقفت بقربه ما شاء الله أن يقف فانصرف فسبقته فأخبرتني فلم أذكر شيئا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح فسألته فقال بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم ))
قوله عن عائشة رضي الله عنها ) الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ والنسائي قوله ذات يوم ) وفي رواية مالك ذات ليلة وهي أصرح من رواية المصنف فإنه يدل على أنه قام من نوم كان قد وضع فيه ثياب اليقظة وفي إطلاق اليوم على الليلة مجاز إرسالي لعلاقة المجاورة وكان استغفاره صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع في المحرم من السنة الحادية عشر مرجعه من حجته قال أبو مويهة اشتكى صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بأيام وفي رواية عنه فما لبث بعد ذلك الاستغفار إلا سبعا أو ثمانيا حتى قبض وكان مأمورا بالاستغفار عليهم قوله فأمرت جاريتي بريرة تتبعه ) أي لتستفيد علما أو غيرة منها مخافة أن يأتي بعض حجر نسائه وقد روى ذلك وبريرة بموحدة مفتوحة ورائين بلا نقط بينهما تحتية ساكنة ثم هاء صحابية مشهورة وهي مولاة لعائشة رضي الله عنها وكانت مولاة لبعض بني هلال وقيل كانت مولاة لأبي أحمد بن جحش وقيل كانت مولاة أناس من الأنصار فباعوها من عائشة فأعتقتها وعاشت إلى زمن يزيد بن معاوية وفيه جواز استخدام المولى لمن أعتقه إذا كان ذلك عن رضى وإنه لا ينقص من أجره شيئا وقوله البقيع ) بالموحدة اتفاقا وهو مقبرة من مات من أهل المدينة في الإسلام . (1/493)
صفحة 493
وقوله فوقف ) زاد في الموطأ في أدناه أي أقربه إلى المدينة وقوله فوقفت بقربه ) يعني بريرة وقوله ما شاء الله أن يقف ) ليس فيه تعيين لمدة الوقوف وهو يشعر بأنه كان طويلا وقوله فانصرف ) أي من موقفه راجعا إلى المدينة وقوله فسبقته ) أي بريرة وقوله فأخبرتني ) أي بما فعل في خروجه وقوله فسألته ) أي عن قيامه بالليل ولأي شيء كان وقوله بثت ) أي أرسلت وقوله إلى أهل البقيع ) هم أموات المسلمين المدفونين في تلك البقعة وقوله لأصلي عليهم ) قيل يحتمل أن الصلاة هنا الدعاء والاستغفار ويحتمل أن تكون الصلاة على الموتى خصوصية له لأن صلاته على من صلى عليه رحمة فكأنه أمر أن يستغفر لهم قيل وأما بعثه ومسيره إليهم فلا يدري لمثل هذا علة ويحتمل أنه أراد ليكرمهم بالصلاة منه عليهم لأنه ربما دفن منهم من لم يصل عليه كالمسكينة ومثلها من دفن ليلا ولم يشعر به ليكون مساويا بينهم في صلاته عليهم ولا يؤثر بعضهم بذلك ليتم عدله وقيل أنه خرج لذلك كالمودع للأحياء والأموات وأخرج ابن عبد البر عن أبي مويهة مرفوعا أني قد أمرت أن استغفر لأهل البقيع فاستغفر لهم ثم انصرف فأقبل علي فقال يا أبا مويهة إن الله قد خيرني في مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة ولقاء ربي فاخترت لقاء ربي فأصبح من تلك الليلة فبدأه وجعه الذي مات منه صلى الله عليه وسلم .
وفي الحديث ) جواز الصلاة على القبور وهي مسألة وقع فيها النزاع بين العلماء وقد بسطت القول فيها في المعارج وادعى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يصلى على قبر مرتين ولا يصلى على قبر من صلي عليه إلا إذا كان قريب العهد قال وأكثر ما قيل ستة أشهر والله أعلم.
--- (1/494)
صفحة 494
الباب العشرون :في القبور )
قوله في القبور ) جمع قبر وهو الموضع الذي يدفن فيه الميت من بني آدم وقد أمتن به سبحانه وتعالى في قوله ثم أماته فأقبره )) ي جعله ممن يقبر ولم يجعله ممن يلقى إلى الكلاب فالقبر مما أكرم به بنو آدم.
والمراد ذكر أحكام القبور الخاصة بها كالزيارة والنهي عن التجصيص وأحوالها الخاصة كتعذيب الكافر فيها والعرض على الميت مقعده من الجنة أو النار ونحو ذلك.
--- (1/495)
صفحة 495
ما جاء في زيارة القبور
أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا أي لا تدعوا بالويل والعويل وبما يسخط الرب ))
--- (1/496)
صفحة 496
ما جاء في زيارة القبور
قوله عن ابن عباس ) الحديث ذكره في الجامع الصغير وقال رواه الحاكم عن أنس وزاد فيه قوله فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة وللترمذي معناه من حديث بريدة قوله كنت نهيتكم عن زيارة القبور ) كان النهي أول الأمر لقرب عهدهم من الجاهلية فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل فنهاهم عن ذلك فلما استقرت قواعد الإسلام وتمهدت الأحكام أبيح لهم الزيارة واحتاط صلى الله عليه وسلم بقوله ولا تقولوا هجرا قال النووي وهذا من الأحاديث التي جمعت الناسخ والمنسوخ قوله ألا فزوروها ) الأمر للإباحة بعد الحظر وقد حكى جماعة اتفاق أهل العلم على أن زيارة القبور للرجال جائزة وروى غيرهم عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي والشعبي أنهم كرهوا ذلك مطلقا حتى قال الشعبي لولا نهي النبي صلى الله عليه وسلم لزرت قبر ابنتي وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ. (1/497)
صفحة 497
وذهب ابن حزم إلى أن زيارة القبور واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر به وهذا يتنزل على الخلاف في الأمر بعد النهي هل يفيد الوجوب أو مجرد الإباحة فقط والسياق يدل على أن الغرض الإباحة فقط وهو الحق قوله ولا تقولوا هجرا ) بضم الهاء أي قبيحا وفحشا يقال أهجر في منطقة يهجر إهجارا إذا فحش وكذا إذا أكثر الكلام في ما لا ينبغي وقال المصنف أي لا تدعوا بالويل والعويل وبما يسخط الرب فكأنه رحمه الله فسر الهجر بنوع خاص من الكلام لعلمه بالحال المنهي عنه في ذلك المقام وهو الذي كانت تفعله الجاهلية عند قبور موتاهم والحكمة في زيارة ) القبور مذكره في حديث أنس من قوله فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة قال بعضهم ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه أن يكثر من ذكرها دم اللذات ومفرق الجماعات ومؤتم البنين والبنات ويواضب على مشاهدة المحتضرين وزيارة قبور أموات المسلمين فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسا قلبه ولزمه ذنبه أن يستعين بها على دوائه فإن انتفع بالإكثار من ذكر الموت ولان قلبه فذاك وإلا شاهد المحتضرين والأموات وزار القبور فليس الخبر كالمعاينة والله أعلم.
--- (1/498)
صفحة 498
ما جاء في النهي عن تجصيص القبور
ومن طريق ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن تقصيص القبور أي عن تجصيصها ))
ما جاء في النهي عن تجصيص القبور )
قوله ومن طريق ابن عباس ) أي بالسند المتقدم والحديث روى معناه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه من حديث جابر بن عبدالله قوله نهى عن تقصيص القبور ) أي تجصيصها فالتقصيص بالقاف وصادين مهملتين هو التجصيص والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة هي الجص وهو الآجر وفيه تحريم تجصيص القبور.
وأما التطيين فحكى الترمذي فيه الترخيص عن الحسن البصري والشافعي وقيل يكره التطيين أيضا وذلك كله فرار عن الشهرة فإن خير القبور ما درس والله أعلم.
--- (1/499)
صفحة 499
ما جاء في تعذيب الميت ببكاء أهله
أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها سمعت أن عبدالله بن عمر يقول أن الميت ليعذب ببكاء الأحياء ) قالت عائشة يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ ولعله إنما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال حين مر بيهودية ماتت وأهلها يبكون فقال إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها .
قال جابر ) قالت عائشة رضي الله عنها ولا يعذب أحد ببكاء أهله وإنما يعذب بعمله السوء ).
--- (1/500)
صفحة 500
قوله عن عائشة رضي الله عنها ) الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم قوله سمعت ) بتاء التأنيث والفاعل ضمير عائشة وهي إنما سمعت ذلك من ابن عباس رضي الله عنه قوله يقول ) أي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت ليعذب ببكاء الأحياء جمع حي مقابل للميت وفي رواية الموطأ ببكاء الحي على الأفراد قال شارحه الظاهر أنه مقابل الميت ويحتمل القبيلة واللام بدل من الضمير أي حيه أي قبيلته فيوافق رواية ابن أبي مليكة ببكاء أهله وفي رواية لمسلم من يبكي عليه يعذب ولفظها أعم وفيه أنه ليس خاصا بالكافر وقولها يغفر الله لأبي عبد الرحمن ) دعاء له بطلب الغفران وهو من الآداب الحسنة قدمته تمهيدا ودفعا لمن يتوحش من نسبته إلى النسيان والخطأ فيه أن الخطأ في الإخبار لا يقدح في الولاية وأبو عبد الرحمن كنيته عبدالله بن عمر وقولها أما أنه لم يكذب ) أي لم يتعمد الكذب وذلك أن الكذب الإخبار بما يخالف الواقع كان عمدا أو خطأ يدل عليه حديث من كذب علي متعمدا وقوله نسي ) أي ذهب عنه حفظ ذلك على وجهه وقوله وأخطأ ) أي غلط في الإخبار بعد النسيان حيث ظن أن الأمر كما أخبر وهو على خلاف ذلك ثم ذكرت نفس الواقع من قوله صلى الله عليه وسلم في اليهودية التي ماتت وأهلها يبكون عليها ومر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيها ما قال وليس في رواية الموطأ قولها ولعله إنما سمع بل الذي فيها الجزم بقوله إنما مر برسول الله صلى الله عليه وسلم الخ وفي رواية المصنف أشعار بأن عائشة لم تقطع بأن الشبهة في إخبار ابن عمر هذا السبب لكونها ظنت ذلك لقولها ولعله إنما سمع الخ وتعذيب اليهودية إنما كان لكفرها لا لبكاء أهلها عليها. (2/1)
صفحة 501
ولم يتفرد ابن عمر برواية ذلك بل رواه أبوه صهيب بن سنان كما في الصحيحين من طريق ابن مليكة عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه فقال ابن عباس لما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول واأخاه واصاحباه فقال عمر يا صهيب أتبكي علي وقد قال صلى الله عليه وسلم أن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه قال ابن عباس فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت يرحم الله عمر والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله فقالت حسبكم القرآن ولا تزر وازرة وزر أخرى )) قال ابن عباس والله هو أضحك وأبكى قال ابن مليكة والله ما قال ابن عمر شيئا وفي الصحيحين أيضا وعن أبي موسى لما أصيب عمر جعل صهيب يبكي ويقول يا أخاه فقال عمر أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن الميت ليعذب ببكاء الحي وفيه دلالة أن صهيبا سمعه من المصطفى أيضا وكأنه نسيه حتى ذكره به عمر قال القرطبي ليس سكوت ابن عمر لشك طرأ له بعد ما صرح بلفظ الحديث ولكن احتمل عنده قبوله للتأويل ولم يتعين له محل يحمله عليه حينئذ أو كان المجلس لا يقبل الممارات ولم تتعين الحاجة إليها حينئذ. (2/2)
صفحة 502
وقال غيره يحتمل أن ابن عمر فهم من استشهاد ابن عباس بالآية قبول روايته لأنها يمكن أن يتمسك بها في أن الله له أن يعذب بلا ذنب ويكون بكاء الحي علامة على ذلك قلت ) وإن جاز له سبحانه وتعالى أن يعذب بلا ذنب فإن حكمته سبحانه وتعالى قد اقتضت أن لا يعذب إلا بذنب وأخبر بذلك عباده ووعدهم وتوعدهم ولا يبدل القول لديه فلا يصح أن تحمل عليه أخبار الشرع فلا يمكن أن يكون محتملا عند من استقر عنده علم الشريعة وقال الخطابي الرواية إذا ثبتت لم يكن إلى دفعها سبيل بالظن وقد رواه عمر وابنه وليس فيما روت عائشة ما يدفع روايتهما فالخبران معا صحيحان ولا منافاة بينهما فالميت إنما يعذب إذا أوصى بذلك في حياته وكان ذلك مشهورا في العرب موجودا في أشعاره كقول طرفة :
وعلى هذا حمل الجمهور حديث عمر وابنه وقال النووي أنه الصحيح وأجمعوا على أن المراد بالبكاء هنا البكاء بصوت ونياحة لا بمجرد دمع العين واعترض ) بأن التعذيب بسبب الوصية بمجرد صدورها والحديث دال على أنه إنما يقع عند امتثالها وأجيب ) بأنه لا حصر في السياق فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا ومنهم ) من حمله على من كانت عادته النوح والبكاء فمشى أهله على عادته ومنهم ) من حمله على من أهمل نهي أهله عن ذلك قال بعضهم إذا علم المرء ما جاء في النهي عن النوح وعرف من شأن أهله فعله ولم يعلمهم بحرمته ولا زجرهم عن تعاطيه فإذا عذب على ذلك فبفعل نفسه لا بفعل غيره . (2/3)
صفحة 503
وقيل معنى التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به كما رواه أحمد عن أبي موسى مرفوعا الميت يعذب ببكاء الحي إذا قالت النائحة واعضداه واناصراه واكاسباه جبذ الميت وقيل له أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسبها ورواه الترمذي وابن ماجه بنحوه وفي البخاري عن النعمان بن بشير قال أغمي على ابن رواحة فجعلت أخته تقول واجبلاه واكذا واكذا فقال حين أفاق ما قلت شيئا إلا قيل لي أنت كذلك وقيل معنى التعذيب تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها .
وقيل يحتمل الجمع بتنزيل هذه التوجيهات على اختلاف الأشخاص فمن كانت طريقته النوح فمشى أهله عليها أو أوصاهم بذلك وهو بالغ عذب بصنعه ومن كان ظالما فندب بأفعاله الجائرة عذب بما ندب به ومن علم من أهله النياحة وأهمل نهيهم عنها راضيا بذلك التحق بالأول وإن كان غير راض عذب بالنوح لأنه أهمل النهي ومن سلم من ذلك كله فاحتاط فنهاهم ثم خالفوه فعذابه تألمه بما يراه من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربه.
--- (2/4)
صفحة 504
ما جاء أن الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة و إن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ))
--- (2/5)
صفحة 505
قوله عن أبي سعيد الخدري ) الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم والنسائي كلهم من حديث ابن عمر وهو عند المصنف من حديث أبي سعيد فكأنه مما تفرد به من هذا الطريق قوله عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ) أي فيهما ويحتمل أن المراد غداة واحدة وعشية واحدة ويحتمل كل غداة وكل عشي والعرض لا يكون إلا على حي يعلم ما يعرض عليه ويفهم ما يخاطب به فهو محمول على أنه يحي منه جزء ليدرك ذلك ولا يمتنع أن تعاد الحياة إلى جزء من الميت أو أجزاء وتصح مخاطبته والعرض عليه وقال القرطبي يجوز أن هذا العرض على الروح فقط .
ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن قال والمراد بالغداة والعشي وقتهما وإلا فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء ثم هو مخصوص بغير الشهداء ويحتمل أن يقال فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها فإن فيه قدرا زائدا على ما هي فيه الآن قوله إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ) اتحد فيه الشرط والجزاء لفظا فلا بد من تقدير يكشف معناه فقيل التقدير فمقعد من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه وقيل المراد أنه يرى بعد البعث من كرامة الله ما ينسيه هذا المقعد وذلك أن الشرط والجزاء إذا اتحدا لفظا دل على الفخامة والمعنى إن كان من أهل الجنة فسيبشر بما لا يدرك كنهه ويفوز بما لا يقدر قدره وإن كان من أهل النار فعلى عكس ذلك لأن هذه المنزلة طليعة تباشير السعادة الكبرى ومقدمة تباريح الشقاوة العظمى وفي ذلك تنعيم لمن هو من أهل الجنة وتعذيب لمن هو من أهل النار بمعاينة ما أعد له وانتظاره ذلك إلى اليوم الموعود ونظيره في الكتاب العزيز قوله تعالى النار يعرضون عليها غدوا وعشيا )) . (2/6)
صفحة 506
قوله فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ) أي يقول له الملك ذلك تبشيرا إن كان من أهل الخير وتعذيبا إن كان من أهل الشر فإن ذكر الغاية مشعر بذلك وفي الحديث إثبات عذاب القبر وأن الروح لا تفنى بفناء الجسد لأن العرض لا يقع على حي قال ابن عبد البر واستدل ) به على أن الأرواح على أفنية القبور قال وهو الصحيح قال لأن الأحاديث بذلك أصح من غيرها قال والمعنى عندي أنها تكون على أفنية القبور لا أنها تفارقها بل هي كما قال مالك بلغني أن الأرواح تسرح حيث شاءت والله أعلم.
--- (2/7)
صفحة 507
ما جاء في ما يقال عند زيارة القبور
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين الحديث.
--- (2/8)
صفحة 508
ما جاء في ما يقال عند زيارة القبور
قوله عن أبي هريرة ) الحديث تقدم ذكره في باب الأمة مطولا وقد اختصره هنا لبيان ما يقال عند المقابر ورواه أيضا عن أبي هريرة أحمد ومسلم والنسائي وتمامه قوله وإنا إن شاء الله بكم لاحقون و لأحمد من حديث عائشة مثله وزاد اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم وروى أحمد ومسلم وابن ماجة عن بريدة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية قوله دار قوم مؤمنين ) قيل نصب دار على النداء أي يا أهل دار فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وقيل وهو الصحيح منصوب على الاختصاص وقيل يجوز جره على البدل من الضمير في عليكم وهو من الضعف بمكان وفي الحديث إن اسم الدار يقع على المقابر وهو يطلق في اللغة على الربع المسكون وعلى الخراب غير المأهول قوله وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ) التقييد بالمشيئة على سبيل التبرك وامتثال قوله تعالى ولا تقولن لشيء أني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله )) وقيل المشيئة عائدة إلى الكون معهم في تلك التربة وقيل غير ذلك وفي الحديث ) دليل على استحباب التسليم على أهل القبور وفي الأحاديث الأخرى استحباب الدعاء لهم بالعافية وفيه ) أيضا أن السلام على الأحياء والأموات سواء في تقديم السلام على عليكم بخلاف ما كانت عليه الجاهلية من التفرقة بينهما فإنهم قالوا في السلام على الحي بتقديم السلام وفي السلام على الميت بتقديم عليكم والله أعلم.
--- (2/9)
صفحة 509
ما جاء في تقسيم الميت إلى مستريح ومستراح منه
أبو عبيدة قال مرت جنازة برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مستريح أو مستراح منه فقالوا يا رسول الله ما المستريح والمستراح منه قال العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رمة الله والعبد الفاجر تستريح منه العباد والناس والدواب والشجر ))
--- (2/10)
صفحة 510
والحديث رواه مالك في الموطأ عن محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي عن معبد بن كعب بن مالك عن أبي قتادة بن ربعي أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فقال مستريح ومستراح منه الحديث وأخرجه البخاري عن إسماعيل ومسلم عن قتيبة ابن سعيد كلاهما عن مالك بالسند المتقدم قوله مرت جنازة ) في إسناد المرور إلى الجنازة تجوز لأنها يمر بها لا تمر والمراد أن الحاملين لها مروا برسول صلى الله عليه وسلم وهي على عواتقهم وسوغ التجوز أن المرور كان بسببها قوله مستريح أو مستراح منه ) يعني أن الميت المحمول لا يخلو من أحد هذين النوعين إما مستريح من نصب الدنيا أو يستريح غيره من أذاه يقال أراح الرجل واستراح إذا رجعت إليه نفسه بعد الإعياء ثم أطلق على كل راحة تحصل للإنسان ولما كان الأمر خفيا سألوه عن معنى ذلك فبينه لهم عليه الصلاة والسلام كل البيان ونصب الدنيا ) بفتحتين تعبها ومشقتها وأذاها ) أعم من نصبها ففيه عطف عام على خاص.
قال مسروق ما غبطت شيئا لشيء كمؤمن في لحده أمن من عذاب الله واستراح من الدنيا وقوله والعبد الفاجر ) هو الكافر العاصي كان مشركا أو منافقا فإن البلاد تستريح منه وكذلك الناس والدواب والشجر وأما ) استراحة البلاد فمما كان يفعله فيها من المعاصي فيحصل الجدب فيهلك الحرث والنسل أو لغصبها ومنعها من حقها وأما ) استراحة الدواب فلاستعماله لها فوق طاقتها وتقصيره في علفها وسقيها وأما ) استراحة الشجر فلقلعه إياها غصبا أو لغصب ثمرها قال الطيبي أما استراحة البلاد والأشجار فإن الله تعالى بفقده يرسل السماء مدرارا ويحي به الأرض والشجر والدواب بعد ما حبس بشؤم ذنوبه الأمطار لكن إسناد الراحة إليها مجاز إذ الراحة إنما هي لمالكها والله أعلم.
--- (2/11)
صفحة 511
ما جاء في عذاب القبر بترك الاستبراء من البول وبالمشي بين الناس بالنميمة
أبو عبيدة عن جابر قال بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مر برجلين يعذبان في القبر فقال يعذبان وما يعذبان بكبيرة أما أحدهما فقد كان لا يستبريء من البول وأما الآخر فقد كان يمشي بين الناس بالنميمة )) أبو عبيدة ) وكان جابر ممن يثبت عذاب القبر ).
--- (2/12)
صفحة 512
قوله قال بلغنا ) الحديث رواه البخاري والنسائي عن ابن عباس وهو عند النسائي أيضا من حديث ابن عمر وزادوا في آخره حديث الجريدة التي شقها رسول الله صلى الله عليه وسلم نصفين ولم يذكر ذلك المصنف وكأنه لم يصح معه ذلك قوله مر برجلين يعذبان في القبر ) لفظ الحديث في النسائي عن ابن عباس قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحائط من حيطان مكة والمدينة سمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعذبان وما يعذبان في كبير ثم قال بلى كان أحدهما لا يستبريء من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة فقيل له يا رسول الله ) لم فعلت هذا قال لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا أو إلى أن ييبسا قوله بكبيرة ) في رواية البخاري والنسائي. (2/13)
صفحة 513
وما يعذبان في كبير بلا هاء أي بسبب كبير أو لأجل كبير من الذنوب ومعناه أنه لا يعذبان في كبيرة في ظنهما وهي كبيرة عند الله تعالى أولا يعذبان في كبيرة في اعتقادكم لاحتقار ذلك الحال عند العامة أولا يعذبان في ما يثقل عليهما الاحتراز عنه وقيل كبير بمعنى أقرب أي ليس ذلك بأكبر الكبائر كالقتل مثلا وإن كان كبيرا في الجملة وقيل المعنى ليس بكبير في الصورة لان تعاطي ذلك يدل على الدناءة والحقارة وقيل ليس بكبير في الفعل وهو كبير في الذنب وقيل ليس بكبير بمجرده وإنما صار كبيرا بالمواظبة عليه وهذا القول يقتضي أن ترك الاستبراء والمشي بالنميمة من الصغائر وليس كذلك بل هما من الكبائر أما البول ) فإنه نجس فيلزم التنزه عنه ويجب التطهر منه للصلاة فمن لم يستبرء فقد تعرض لفساد وضوئه وصلاته إذ لا صلاة إلا بطهور وأما المشي ) بالنميمة فإنه كبيرة بلا خلاف بين الناس قوله لا يستبريء من البول ) أي لا يتنزه وقد روى أصحاب السنن الأربعة أستنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه والأصل استبرأ ذكره من بقية بوله بالنتر والتحريك حتى يعلم أنه لم يبق فيه شيء وقال الزمخشري استبرأت الشيء طلبت آخره لقطع الشبهة . (2/14)
صفحة 514
قوله بالنميمة ) هي في الأصل نقل كلام الناس والمراد به هنا ما كان لقصد الإضرار فأما ما كان يقتضي فعل مصلحة أو ترك مفسدة فهو مطلوب وقيل النميمة نقل كلام الغير بقصد الإضرار وهي من أقبح القبائح والحديث يدل على ثبوت عذاب القبر وهو الصحيح ولهذا قال أبو عبيدة بعد ذكر الحديث وكان جابر ممن يثبت عذاب القبر والأحاديث في ذلك كثيرة متوافرة متواترة معنى وإن اختلفت ألفاظها فإن موادها واحد ولا سبيل إلى العدول من مقتضاها إلى محض القول بالرأي وليت شعري أي مدخل للرأي فيما غاب عنا علمه ولم تصل إليه عقولنا بل الواجب في هذا ونحوه التسليم لإخبار الشارع فيه وقبول ما جاء فيها من لسانه فمن بلغه التواتر في ذلك وجب عليه القطع بوقوعه عل حسب الأخبار ومن لم يبلغه التواتر فلا أقل من التصديق بالأخبار لأنها جاءت من طرق صحيحة والمنكرون لعذاب القبر لا يدفعونها وإنما يتأولونها بأوهامهم الفاسدة رأوا أن الميت إذا كان بين أيديهم لا يحس بشيء فقضوا باستحالة عذابه على تلك الحالة وغفلوا عن اتساع القدرة وأنه تعالى يفعل ما يشاء وأن عقولنا لا تصل إلى شيء من ذلك وما أوتيتم من العلم إلا قليلا )) والله أعلم.
--- (2/15)
صفحة 515
ما جاء في سماع عذاب القبر
الربيع عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوتا حين غربت الشمس فقال هذه أصوات اليهود يعذبون في قبورهم ))
قوله عن أبي أيوب الأنصاري ) الحديث أوصله النسائي أخبرنا عبيد الله بن سعيد قال حدثنا يحيى عن شعبة قال أخبرني عون بن أبي جحيفة عن أبيه عن البراء بن عازب عن أبي أيوب قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما غربت الشمس فسمع صوتا فقال يهود تعذب في قبورها وفي رواية عند الطبراني خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غربت الشمس ومعي كوز من ماء فانطلق لحاجته حتى جاء فوضأته فقال أتسمع ما أسمع قلت الله ورسوله أعلم قال أسمع أصوات اليهود يعذبون في قبورهم وهذه الرواية مفسرة لما في رواية المصنف وغيرها وقولها حين غربت الشمس ) مصداق لما تقدم أن الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي وقوله هذه أصوات اليهود الخ ) يدل على أن التعذيب كان واقعا على الروح والجسد معا. (2/16)
صفحة 516
فإن المعهود صدور الصوت من الجسد الحي دون الميت وقد جاء ما يدل أن روح الميت ترجع إليه في قبره حتى يسأله الملكان ولم يثبت أنها تخرج منه بعد ذلك بل ورد أن الملكين يقولان للمؤمن نم نومة العروس وعرض مقعده عليه بالغداة والعشي مؤيد لذلك وكأنه تبقى معه حاسيته دون الحياة الكاملة وسماع أصوات الأموات المعذبين في قبورهم ممكن للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب أتسمع ما أسمع وأخرج النسائي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوتا من قبر فقال متى مات هذا قالوا مات في الجاهلية فسر بذلك وقال لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر وقد سمعه بعض الخواص بل وبعض العوام على ما ذكروا وقد أنكره العلامة الصبحي وقال لعل ذلك أصوات الجن بناء على إنكار عذاب القبر ولا سبيل إلى إنكاره والعلم عند الله تعالى.
--- (2/17)
صفحة 517
ما جاء أن الحي آخر الزمان يغبط الميت في قبره
أبو عبيدة عن جابر عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل فيقول ياليتني مكانه ))
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضا مالك والشيخان وأحمد قوله لا تقوم الساعة ) أي القيامة أولا تحشر الدنيا حتى يبلغ الحال من الشدة مبلغا عظيما وعليه فالمراد بالساعة النفخة الأولى التي ينفخها اسرافيل في الصور وهي مقدمة القيامة فإذا وقعت مات بها كل حي ولم يبق إلا النفخة الثانية التي يحيي بها كل ميت فلهذا صح إسناد القيام إليها قوله حتى يمر الرجل بقبر الرجل ) ومثله المرأة وإنما ذكر الرجل جريا على الغالب و إلا فغيره كذلك لكن لما كان الغالب أن الرجال هم المبتلون بالشدائد والنساء محجبات لا يصلين نار الفتنة خصهم بالذكر كما قيل )
وقوله فيقول ياليتني مكانه ) أي في قبره وإنما ذلك لما يصيبه من البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء فيتمنى المصيبتين في اعتقاده وعن ابن مسعود قال سيأتي عليكم زمان لو وجد أحدكم الموت يباع لاشتراه وعليه قول الشاعر :
قال العراقي ولا يلزم كونه في كل بلد ولا كل زمن ولا في جميع الناس بل يصدق على اتفاقه للبعض في بعض الأقطار في بعض الأزمان وفي تعليق تمنيه بالمرور أشعار بشدة ما نزل بالناس من فساد الحالة حينئذ إذ المرء قد يتمنى الموت من غير استحضار شيء فإذا شاهد الموتى ورأى القبور نشز بطبعه ونفر بسجيته من تمنيه فلقوة الشدة لم يصرفه عنه ما شاهده من وحشة القبور ولا يناقض هذا النهي عن تمني الموت لأن الحديث إخبار عما يكون وليس فيه تعرض لحكم شرعي وقيل أن تمني الموت لخوف الفتنة جائز لقوله صلى الله عليه وسلم وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون. (2/18)
صفحة 518
وقول عمر اللهم قد ضعفت قوتي وكبرت سني وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط قلت) وفي الدليلين نظر لأنه صلى الله عليه وسلم إنما سأل ربه أن يقبضه إليه غير مفتون لا أن يقبضه فقط فهو سؤال للسلامة من الفتنة لا لنفس الموت وكذلك دعاء عمر وفي النسائي عن أنس أن صلى الله عليه وسلم قال لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا ولكن ليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي والله أعلم.
--- (2/19)
صفحة 519
الباب الحادي والعشرون كتاب الأذكار ) في الدعاء
جمع ذكر أي ذكر الله تعالى والمراد به ما يشمل الدعاء والتسبيح والثناء فلهذا جعل الكتاب في ثلاث أبواب.
في الدعاء )
قوله الدعاء ) وهو الطلب من الله تعالى والابتهال إليه في تحصيل ما طلب وهو من أشرف الطاعات أمر الله به عباده فضلا وكرما وتفضل بالإجابة فقال ادعوني استجب لكم )) وروى أحمد بإسناد لا بأس به عن أبي هريرة مرفوعا من لم يدع الله غضب عليه ولأبي يعلى عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم .
فيما يروي عن ربه في حديث وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة وقيل المراد بالدعاء في الآية العبادة لقوله إن الذين يستكبرون عن عبادتي )) والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله إن يدعون من دونه إلا إناثا )) واعترض ) بأن هذا ترك للظاهر وقال بعضهم الأولى حمل الدعاء على ظاهره قال وأما قوله عن عبادتي فوجهه أن الدعاء أخص من العبادة فمن استكبر عنها استكبر عن الدعاء وتخلف الإجابة إنما لفقد شروط الدعاء التي منها أكل الحلال الخالص وصون اللسان والفرج واستشكل ) حديث من أشغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين فإنه يقتضي فضل ترك الدعاء حينئذ والآية تقتضي الوعيد الشديد على تركه وأجيب ) بأن العقل إذا استغرق في الثناء كان أفضل من الدعاء لأن الدعاء طلب الجنة والاستغراق في معرفة جلال الله أفضل من الجنة أما إذا لم يحصل الاستغراق فالدعاء أولى لاشتماله على معرفة لربوبية وذل العبودية.
--- (2/20)
صفحة 520
ما جاء في تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الدعاء
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ))
قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ ومسلم قوله كما يعلمهم السورة في القرآن ) تشبيه في تحفيظ حروفه وترتيب كلماته ومنع الزيادة والنقص منه والدرس له والمحافظة عليه وقال مسلم بعد ما ذكر هذا الدعاء بلغني أن طاوسا قال لابنه أدعوت بها في صلاتك قال لا قال أعد صلاتك لأن طاوسا رواه عن ثلاثة أو أربعة وقال غيره وهذا البلاغ أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح قال وهو يدل على أنه يرى وجوبه وبه قال أهل الظاهر وفي مسلم عن أبي هريرة مرفوعا إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر المسيح الدجال قال ابن حجر فهذا يعين أن هذه الاستعاذة بعد الفراغ من التشهد فيكون سابقا على غيره من الأدعية وما ورد أن المصلي يتخير من الدعاء ما يشاء يكون بعد هذه الاستعاذة وقبل السلام قوله اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ) العذاب اسم للعقوبة والمصدر التعذيب فهو مضاف إلى الفاعل المجازي والإضافة من إضافة المظروف إلى ظرفه على تقدير في أي من العذاب في القبر وفيه رد على من أنكره وقدم في رواية مالك الاستعاذة من عذاب جهنم ولعله إنما قدم فيها لأنه أشد من عذاب القبر. (2/21)
صفحة 521
والواقع في رواية المصنف أنسب فإن القبر مقدم على جهنم في الوجود الحسي قوله وأعوذ بك من عذاب جهنم ) أي عقوبتها والإضافة مجازية أو من إضافة المظروف إلى ظرفه قوله وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ) الفتنة الامتحان والاختبار والمسيح بفتح الميم وتخفيف السين المكسورة وحاء مهملة وصحف من أعجمها يطلق على الدجال وعلى عيسى عليه السلام لكن إذا أريد الأول قيد بالدجال كما في الحديث وسمي الدجال بذلك لأنه خلق ممسوحا لا عين فيه ولا حاجب أو لأنه يمسح الأرض إذا خرج قوله أعوذ بك من فتنة المحيا والممات ) المراد بفتنة المحيا يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت والمراد بفتنة الممات الاختبار عند الاحتضار وقيل ) هي فتنة القبر وقيل يحتمل الأمرين وقال ابن دقيق العيد يجوز أنها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه وفتنة المحيا ما قبل ذلك ويجوز أنها فتنة القبر وقد صح أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبا من فتنة الدجال ولا يتكرر مع قوله عذاب القبر لأن العذاب مرتب على الفتنة والسبب غير المسبب وقيل فتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر وفتنة الممات السؤال في القبر مع الحيرة وهو من العام بعد الخاص لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات وفتنة الدجال داخلة تحت فتنة المحيا.
--- (2/22)
صفحة 522
ما جاء في دعائه صلى الله عليه وسلم من جوف الليل
أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل قال اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن أنت الحق وقولك الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت ))
قوله عن ابن عباس ) الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ عن أبي الزبير المكي عن طاوس اليماني عن ابن عباس وأخرجه مسلم في الصلاة عن قتيبة بن سعيد والترمذي في الدعوات من طريق معن كلاهما عن مالك بالسند المتقدم وله طرق في الصحيحين وغيرهما قوله إلى الصلاة ) يعني صلاة التهجد وهي قيام الليل وقوله في جوف الليل ) أي في وسطه وأصل الجوف الخلاء وهو مصدر من باب تعب فهو أجوف والاسم الجوف بسكون الواو والجمع أجواف ثم استعمل في ما يقبل الشغل والفراغ فقيل جوف الدار لباطنها وداخلها وجوف الليل لوسطه قوله قال اللهم لك الحمد الخ ) جواب الشرط والجملة الشرطية خبر كان وظاهره أنه كان يقول ذلك أول ما يقوم إلى الصلاة وورد أنه يقول ذلك بعدما يكبر وقيل كان يقول ذلك بعد تكبيرة الإحرام وفي مسلم أنه قال لما أراد أن يخرج إلى صلاة الصبح ولا مانع من وقوع ذلك كله والظاهر من رواية المصنف القول الأول قوله لك الحمد ) أي الوصف بالجميل وأل فيه للاستغراق قوله أنت نور السماوات والأرض ) أي منورهما وبك يهتدي من فيهما وقيل معناه أنت المنزه من كل عيب يقال فلان منور أي مبرأ من كل عيب ويقال هو مدح تقول فلان نور البلد أي زينه. (2/23)
صفحة 523
وقوله قيوم السماوات والأرض ) وفي رواية الموطأ أنت قيام وفي رواية للصحيحين قيم والكل بمعنى واحد والمعنى أن السماوات والأرض قامتا به وكذلك ما فيهما فهو سبحانه وتعالى يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه وقيل القيوم الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه وقال قتادة القيام القائم بنفسه بتدبير خلقه المقيم لغيره وقوله ولك الحمد ) أي الوصف بالجميل كرره لتكرر النعم الموجبة لذلك وليناط به كل مرة صفة أخرى وقوله ومن فيهن ) عبر بمن تغليبا للعقلاء على غيرهم فهو رب كل شيء ومليكه وكافله ومغذيه ومصلحه العواد عليه بنعمه قوله أنت الحق ) أي المتحقق الوجود الثابت بلا شك قال القرطبي هذا الوصف له سبحانه وتعالى بالحقيقة خاص به لا ينبغي لغيره إذ وجوده بنفسه فلم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم بخلاف غيره وقيل يحتمل أنت الحق بالنسبة إلى من يدعي أنه إله أو بمعنى من سماك إلها فقد قال الحق قوله وقولك الحق ) أي مدلول قولك ثابت لا شك فيه قوله ووعدك الحق ) أي لا يدخله خلف ولا شك في وقوعه وهو من ذكر الخاص بعد العام لأن الوعد بعد القول وهو ما وعد الله به عباده في الآخرة قوله ولقاؤك حق ) المراد باللقاء البعث بعد الموت وهو عبارة عن مآل الخلق في الآخرة بالنسبة إلى الجزاء على الأعمال. (2/24)
صفحة 524
وقيل المراد الموت قال النووي وهو باطل هنا قال ابن حجر وهذا وما بعده داخل تحت الوعد لكن الوعد مصدر وما بعده هو الموعود به ويحتمل أنه من الخاص بعد العام قوله والجنة حق ) أي دار الثواب ثابتة موجودة لا شك فيها وقوله والنار حق ) أي دار العقوبة ثابتة موجودة لا شك فيها وفيه إشارة إلى وجودهما الآن قوله الساعة حق ) أي يوم القيامة ثابت لا شك فيه وأصل الساعة قطعة من الزمان وإطلاق اسم الحق على ما ذكر من الأمور معناه أنه لا بد من كونها وأنها مما يجب أن يصدق بها وتكرار لفظ حق مبالغة في التأكيد وعرف الحق في الثلاثة الأول قيل للحصر لأن الله هو الحق الثابت وما سواه في معرض الزوال قال لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل ) وكذا قوله وكذا وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره والتنكير في البواقي للتعظيم وقيل التعريف للدلالة على أنه المستحق لهذا الاسم بالحقيقة إذ هو مقتضى الأداة وكذا قوله ووعده لأن وعده كلامه في البواقي لأنها أمور محدثة والمحدث لا يجب له البقاء من جهة ذاته وبقاء ما يدوم منه علم من خبر الصادق لا من جهة استحالة فنائه وهذا قول من يرى قدم الكلام الإلهي والحق الذي لا شبهة معه أنه لا قديم إلا الله الواحد الأحد قوله لم أسلمت ) أي انقدت وخضعت لأمرك ونهيك قوله وبك آمنت ) أي صدقت وقوله وعليك توكلت ) أي فوضت أموري تاركا للنظر في الأسباب العادية قوله وإليك أنبت ) أي رجعت إليك مقبلا بقلبي عليك قوله وبك خاصمت ) أي بما أعطيتني من البرهان وبما لقنتني من الحجة خاصمت من خاصمني من الكفار أو بتأييدك ونصرك قاتلت قوله وإليك حاكمت ) أي إلى حكمك حاكمت كل من جحد الحق وما أرسلتني به لا إلى من كانت الجاهلية تتحاكم إليه من كاهن ونحوه وقدم جميع صلات هذه الأفعال عليها أشعارا بالتخصيص وإفادة للحصر. (2/25)
صفحة 525
وكذا قوله ولك الحمد قوله فاغفر لي ما قدمت ) أي قبل هذا الوقت وقوله وأخرت ) أي بعد هذا الوقت وقوله وأسررت ) أي أخفيت وقوله وأعلنت ) أي أظهرت والمراد بالإسرار ما حدثت به النفس وبالإظهار ما تحرك به اللسان زاد في رواية للبخاري وما أنت أعلم به مني وهو من العام بعد الخاص وقال ذلك مع أنه مغفور له إما تواضعا وهضما لنفسه وإجلالا وتعظيما لربه أو تعليما لأمته ليقتدي به وقيل المراد مجموع ذلك إذ لو كان للتعليم فقط لكفى فيه أمرهم بأن يقولوا قوله أنت إلهي ) أي معبودي لا أعبد سواك .
وقوله لا إله إلا أنت ) أي لا معبود بحق إلا أنت زاد في رواية للبخاري ولا حول ولا قوة إلا بالله قال بعضهم هذا الحديث من جوامع الكلم لأن لفظ القيم إشارة إلى أن وجود الجواهر وقوامها منه والنور إلى أن الإعراض أيضا منه والملك إلى أنه حاكم عليها إيجادا وعد ما يفعل ما يشاء كل ذلك من نعمه على عباده فلذا قرن كلا منها بالحمد وخصص الحمد به ثم فوله أنت الحق إشارة إلى المبدأ والقول ونحوه إلى المعاش والساعة ونحوها إشارة إلى المعاد وفيه الإشارة إلى النبوءة وإلى الجزاء ثوابا وعقابا ووجوب الإيمان به والإسلام والتوكل والإنابة والتضرع إلى الله والخضوع وقال غيره وفيه زيادة معرفة صلى الله عليه وسلم بعظمة ربه وعظيم قدرته ومواظبته على الذكر والدعاء والثناء على ربه والإعتراف لله بحقوقه والإقرار بصدق وعده ووعيده والله أعلم.
--- (2/26)
صفحة 526
ما جاء في دعائه صلى الله عليه وسلم حين يرى الهلال
الربيع عن عبادة بن الصامت قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال الله أكبر مرتين الحمد لله الحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله اللهم إني أسألك خير هذا الشهر وأعوذ بك من سوء القدر ومن شر يوم المحشر ))
قوله عن عبادة بن الصامت ) الحديث رواه أيضا أحمد الطبراني قوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ هذه الصيغة تشعر بتكرار هذا الدعاء منه صلى الله عليه وسلم عند رؤية الهلال وقد رويت عنه صلى الله عليه وسلم عند رؤيته أدعية أخرى فهو إما إنه يقولها مع هذا الدعاء أو أنه كان في غالب أحواله يقول بهذا الدعاء وفي بعض الأحول يقول بغيره ومن ذلك حديث طلحة بن عبيدالله عن الترمذي وقال حديث حسن غريب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله عن قتادة بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال هلال خير ورشد هلال خير ورشد هلال خير ورشد آمنت بالذي خلقك ثلاث مرات ثم يقول الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا رواه أبو داود قوله الهلال ). (2/27)
صفحة 527
وهو يكون من الليلة الأولى والثانية والثالثة ثم هو قمر قوله الله أكبر الله أكبر مرتين ) لعل السر في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم استحضر ذهاب الشهر الأول وإقبال الثاني وإن كل واحد منهما آية من آيات الله العظام فكبر مرتين على ظهور الآيتين وفيه مسنونية الذكر عند ظهور الآيات وإنما آثر صلى الله عليه وسلم تقديم التكبير على سائر الأذكار لما فيه من الرد على عباد القمر فإن في ذلك إشارة إلى أن الله تعالى الكبير المتعالي هو الذي أطلعه بعد غروبه وأظهره بعد خفائه لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون)) قوله الحمد لله ) كذا وقع في بعض النسخ بإفراد الحمد وهو موافق لما في رواية أحمد والطبراني ووقع في غالب النسخ تكرار الحمد مرتين وكأنه صلى الله عليه وسلم حمد الله على خروج الشهر الأول ودخول الثاني وقد وقع في حديث قتادة عند أبي داود الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا قوله لا حول ولا قوة إلا بالله ) أي ليس لأحد من الخلق احتيال ولا قوة في جلب نفع ولا دفع ضر إلا بالله العلي العظيم وفيه رد لزعم أهل الجاهلية ومن حذا حذوهم بإضافة الأفعال إلى الكواكب ومنها الشمس والقمر فقالوا الشمس سلطان الفلك والقمر وزيره وسائر الكواكب السيارة فعالة في التأثير في العالم السفلي وقد غلوا في ذلك حتى أن منهم من عبد الكواكب لهذه الشبهة . (2/28)
صفحة 528
قوله اللهم إني أسألك خير هذا الشهر ) وفي رواية قومنا من خير هذا الشهر والمراد الشهر الذي رأى هلاله ولما نفى صلى الله عليه وسلم عن سائر الخلق الحول والقوة طلب الخير من فاعله ومعطيه فالتجأ إلى ربه تعالى فسأله خير الشهر لأنه خالق الأشياء كلها وهو المدبر لجميع العالم وبعد أن سأله الخير استعاذ من ضده إذ في كل شهر بل وفي كل يوم وساعة تجري مقادير الرب بما قضاه في الأزل قوله وأعوذ بك من سوء القدر ) أي ألتجئ إليك واعتصم بجلالك من سوء ما قدرته على عبادك وسوء القدر يتناول جميع المكروهات معاشا ومعادا ودينا ودنيا وروى الطبراني عن نافع بن خديج اللهم إني أسألك من خير هذا الشهر وخير القدر وأعوذ بك من شره ثلاث مرات وروى ابن أبي شيبة عن علي موقوفا اللهم ارزقنا خيره ونصره وبركته وفتحه ونوره ونعوذ بك من شره وشر ما بعده قوله ومن شر يوم المحشر ) هو يوم القيامة سمي بذلك لأن الله تعالى يحشر فيه الخلائق أي يجمعهم وشر ذلك اليوم أعظم الشر وهو صلى الله عليه وسلم قد علم نجاته منه بغفران الله له فسؤاله تعبد وتواضع لجلال ربه وتعليم للأمة وفي الحديث التنبيه على أن الدعاء مستحب عند ظهور الآيات وتقلب الحالات والله أعلم.
--- (2/29)
صفحة 529
ما جاء في دعائه صلى الله عليه وسلم في مرض موته
أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت وهو مستند إلى صدري وأصغيت إليه اللهم أغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق) قال وبلغنا عن عائشة أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من نبي يموت حتى يخير سمعته وهو يقول اللهم الرفيق الأعلى) فعرفت أنه ذاهب إلى الأعلى ))
قوله عن عائشة ) الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وله أيضا طرق في الصحيحين وغيرهما قوله مستند إلى صدري ) أي معتمد عليه وفي رواية عند البخاري وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال اللهم في الرفيق الأعلى فقلت إذن لا يختارنا قوله وأصغيت إليه ) أي أملت سمعي إليه لأسمع ما يقول قوله اللهم اغفر لي وارحمني ) أي استر ذنوبي وارحم ضعفي وفيه ندب الدعاء بهما ولا سيما عند الموت وإذا دعا بذلك المصطفى فأين غيره منه والدعاء مخ العبادة لما فيه من الإخلاص والخضوع والضراعة والرجاء وذلك صريح الإيمان قوله وألحقني ) بهمزة قطع والرفيق الأعلى ) وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ومعنى كونهم رفيقا تعاونهم على الطاعة وارتفاق بعضهم ببعض وأفرده إشارة إلى أهل الجنة يدخلون على قلب رجل واحد وفي حديث أبي موسى عند النسائي وصححه ابن حبان فقال اللهم الرفيق الأعلى الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل وظاهره أن الرفيق المكان الذي تحصل المرافقة فيه مع المكورين وقال ابن عند البر هو أعلى الجنة وقال الجوهري هو الجنة ويؤيدة ما عند ابن إسحاق الرفيق الأعلى الجنة. (2/30)
صفحة 530
وقيل الرفيق ألأعلى الله عز وجل لأنه من أسمائه وفي مسلم وأبي داود مرفوعا أن الله رفيق يحب الرفق وهو صفة ذات كالحليم أو صفة فعل وغلط الأزهري هذا القول ولا وجه لتغليطه لأن تأويله على ما يليق بالله سائغ وفي البخاري من رواية تذكوان عن عائشة فجعل يقول في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده ولأحمد من رواية المطلب عن عائشة فقال مع الرفيق الأعلى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين إلى قوله رفيقا وهذا نص في تفسير الرفيق الأعلى وهو عين القول الأول وعليه أكثر الناس قال السهيلي الحكمة في اختتام كلام المصطفى بهذه الكلمة تضمنها التوحيد والذكر بالقلب حتى يستفاد منه الرخصة لغيره أنه لا يشترط أن يكون الذكر باللسان لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع فلا يضره إذا كان قلبه عامرا بالذكر قال وفي بعض كتب الواقدي أول ما تكلم به صلى الله عليه وسلم وهو مسترضع عند حليمة الله أكبر وآخر ما تكلم به ما في حديث عائشة يعني في الصحيحين قالت عائشة فكانت آخر ما تكلم به صلى الله عليه وسلم قوله اللهم الرفيق الأعلى وروى الحاكم عن أنس آخر ما تكلم به جلال ربي الرفيع قد بلغت ثم قضي وجمع بأن هذا آخر على الإطلاق بعد ما كرر اللهم الرفيق الأعلى قبل جلال أي اختار جلال ربي الرفيع قد بلغت ما أوحي إلي قوله قال وبلغنا عن عائشة ) قائل هذا جابر بن زيد رضي الله عنه. (2/31)
صفحة 531
وكذلك رواه مالك أيضا بلاغا وأخرجه البخاري ومسلم من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عروة عن عائشة وقوله ما من نبي ) أراد ما يشمل الرسول وقوله حتى يخير) بضم أوله مبنيا للمفعول أي يخير بين الدنيا والآخرة وهذه المقالة منه صلى الله عليه وسلم كان يقولها وهو صحيح كما في بعض روايات البخاري قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صحيح يقول أنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يحيى أو يخير فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه فلما أفاق شخص بصره نحوه سقف البيت ثم قال اللهم في الرفيق الأعلى فقلت إذن لا يختارنا فعرفت أنه حديثه الذي كان وهو صحيح قوله فسمعته ) أي في مرض موته كما تقدم قوله فعرفت أنه ذهب إلى الأعلى ) وليس فيه رواية مالك قوله إلى الأعلى والمعنى أن عائشة علمت من دعائه ذلك أنه ذاهب إلى الرفيق الأعلى وأنه خير فلم يختر البقاء في الدنيا وفهم عائشة هذا نظير فهم أبيها رضي الله عنه من قوله صلى الله عليه وسلم أن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده أن المراد بالعبد النبي صلى الله عليه وسلم حتى بكى.
--- (2/32)
صفحة 532
ما جاء في رقية جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم
الربيع عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام رقاه وهو يوعك فقال باسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك ومن كل حاسد إذا حسد ومن كل عين واسم الله يشفيك ))
قوله عن عبادة بن الصامت ) الحديث رواه أيضا ابن ماجة مع بعض مخالفة في بعض الألفاظ ولمسلم معناه من حديث عائشة قوله رقاه ) من باب رمى يقال رقاه رقيا إذا عوذه بالله والاسم الرقيا على وزن فعلى والمرة رقية والجمع رقى مثل مدية ومدى وقوله وهو يوعك ) مضارع من وعك من باب وعد وهو مبني للمفعول من وعكته الحمى فهو موعوك والوعك مغث الحمى وقيل ألم الحمى وقيل نضها وقيل أرعادها وعن الأصمعي الوعك الحر قال ابن حجر فإن كان محفوظا فلعل الحمى سميت وعكا لحرارتها قلت ) هو موجود في لسان العامة من العرب قوله بسم الله أرقيك ) أي أعوذك باسم الله تعالى قوله من كل داء يؤذيك ) وفي رواية ابن ماجة من كل شيء يؤذيك والمراد بالشيء هو الداء المصرح به في رواية المصنف .
قوله ومن كل حاسد إذا حسد ) الحاسد هو من تمنى زوال نعمة الغير وفي رواية ابن ماجة من حسد حاسد ومن كل عين الله يشفيك قوله ومن كل عين ) هي سهام تخرج من نفس الحاسد أو العائن نحو المحسود والمعيون قوله واسم الله يشفيك ) أي ببركة اسم الله تشفى من مرضك وتبرى من وعكك أو أن لفظ اسم مقحم أي الله يبريك وفي الحديث جواز الرقية من الوعك والحسد والعين بل ومن كل داء وقد جاء التصريح بذلك في أحاديث متعددة والله أعلم.
--- (2/33)
صفحة 533
ما جاء في دعائه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله تعالى أن يأتينا برحمة قال أنس فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة فجاء رجل إلى رسول صلى الله عليه وسلم فقال إنهدمت البيوت وهلكت المواشي وانقطعت السبل فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في دعائه اللهم على رءوس الجبال والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر قال أنس ) فانجابت السحابة عن المدينة كانجياب الثوب قال الربيع ) الآكام الكدى الصغار وقوله فانجابت مثل نقرة جيب القميص أي فدارت السحابة بالمدينة وليس بينها وبين السماء سحاب ))
قوله عن أنس بن مالك ) الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهما قوله جاء رجل) قال ابن حجر لم أقف على اسمه في حديث أنس قال وروى أحمد عن كعب بن مرة ما يمكن أن يفسر هذا المبهم بأنه كعب المذكور وللبيهقي مرسلا ما يمكن أن يفسر بأنه خارجة بن حصن الفزاري لكن رواه ابن ماجة عن شرحبيل بن السمط أنه قال لكعب بن مرة يا كعب حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم . (2/34)
صفحة 534
فقال يا رسول الله أستسق الله فرفع يديه فقال اللهم أسقنا ففي هذا أنه غير كعب وفي رواية اسحق بن أبي طلحة عن أنس أنه إعرابي وفي رواية يحيى ابن سعيد عن أنس أتى رجل إعرابي من أهل البادية ولا يعارض ذلك قول ثابت عن أنس فقام الناس فصاحوا الاحتمال أنهم سألوا بعد أن سأل الرجل أو نسب إليهم لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه من دعائه صلى الله عليه وسلم ولأحمد عن ثابت عن أنس إذ قال بعض أهل المسجد وهو يرجع الاحتمال الأول وزعم بعضهم أنه أبو سفيان بن حرب وهم لأنه جاء في واقعة أخرى قبل إسلامه وينفي زعمه قوله يا رسول الله أي لأنه لا يقولها قبل إسلامه قوله هلكت المواشي ) أي لعدم ما تعيش به من الأقوات لحبس المطر وفي رواية عند قومنا الأموال والمراد بها هنا المواشي الصامت وفي لفظ الكراع بضم الكاف الخيل وغيرها وفي رواية هلكت الماشية هلك العيال هلك الناس وهو من العام بعد الخاص قوله وانقطعت السبل ) أي انقطع المار فيها لأن الإبل ضعفت بقلة القوت عن السفر أو أنها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم أودها وقيل المراد نفاد ما عند الناس من الطعام أو قلته فلا يجدون ما يحملونه إلى الأسواق وفي رواية قتادة عن أنس قحط المطر بفتح القاف والطاء وحكي بضم فكسر وفي رواية ثابت وأحمر الشجر كناية عن يبس ورقها لعدم شربها الماء أو لانتشاره فيصير الشجر أعوادا بلا ورق ولا حمد في رواية قتادة وأمحلت الأرض وهذه الألفاظ قيل يحتمل أن الرجل قالها كلها ويحتمل أن بعض الرواة روى شيئا مما قاله بالمنى فإنها متقاربة وقيل بعضها غلط من بعض الرواة لأن الثابت منها شيء واحد قوله فادع الله أن يأتينا برحمة ) أي مطر وأطلق عليه اسم الرحمة لأنه أثرها وفي رواية فادع الله يغثنا وفي رواية أن يسقينا وفي أخرى فاستسق ربك قوله فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وفي رواية عند قومنا فرفع صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال اللهم أغثنا ثلاث مرات قوله (2/35)
صفحة 535
فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ) فيه إشارة إلى أن هذا الدعاء كان في يوم الجمعة وقد وقع التصريح بذلك في بعض روايات البخاري وفي رواية قال أنس ولا والله ما نرى في السماء سحابا ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت فلا والله ما رأينا الشمس سبتا وفي رواية فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا وفي مسلم فأمطرنا حتى رأيت الرجل تهمه نفسه أن يأتي أهله قوله فجاء رجل ) ظاهره أنه غير الأول لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد وقد قال شريك في آخر هذا الحديث سألت أنسا أهو الرجل قال لا أدري ومقتضاه أنه لم يجزم بالتغاير والظاهران القاعدة أغلبية لأن أنسا من أهل اللسان وفي رواية إسحاق وقتادة عن أنس فقام ذلك الرجل أو غيره وهذا يقتضي أنه كان يشك فيه وفي رواية يحيى بن سعيد عن أنس فجاء الرجل فقال يا رسول الله ومثله لأبي عوانه عن حفص عن أنس بلفظ فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الرجل الأعرابي في الجمعة الأخرى وأصله في مسلم وهذا يقتضي الجزم بأنه واحد فلعل أنسا كان يتردد تارة ويجزم أخرى باعتبار ما يغلب على ظنه قوله انهدمت البيوت ) أي من كثرة المطر . (2/36)
صفحة 536
وقوله وهلكت المواشي ) أي لانقطاع المرعى بكثرة الماء أو لعدم ما يكنه من المطر وقوله وانقطعت السبل ) أي انقطع المار فيها لتعذر سلوك الطريق من كثرة الماء فهو سبب غير الأول وفي رواية حميد عن أنس عند ابن خزيمة واحتبست الركبان قوله اللهم ) أي يا الله وقوله على رءوس الجبال ) الخ أي أنزل المطر على رءوس الجبال الخ ورءوس الجبال أعاليها وفي رواية مالك ظهور الجبال الآكام ) بكسر الهمزة وقد تفتح وتمد جمع أكمة بفتحات قيل هو التراب المجتمع وقيل هو أكبر من الكدية وقيل هي التي من حجر واحد وهو قول الخليل وقيل هي الهضبة الضخمة وقيل الجبل الصغير وقيل ما ارتفع من الأرض وقال الثعالبي الأكمة أعلى من الرابية وبطون الأودية ) ما يتحصل فيه الماء لينتفع به قالوا ولم يسمع أفعلة جمع فاعل إلا أودية جمع وادي وتعقب ) بأنه ورد أنديه جمع ناد ومنابت الشجر ) جمع منبت بكسر الموحدة أي ما حولها مما يصلح أن ينبت فيه لأن نفس المنبت لا يقع عليه المطر والمراد موضع نباتها قبل أن تنبت وفي رواية للبخاري فرفع صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر قوله فانجابت ) بجيم وموحدة أي خرجت السحابة عن المدينة كما يخرج الثوب عن لابسه وقال الربيع رحمه الله مثل نقرة جيب القميص ومعناه انقطعت من حذاء المدينة كمثل نقرة جيب القميص وهو الموضع الذي يقطع لإدخال الرأس وقال ابن القاسم قال مالك معناه تدورت عن المدينة كما يدور جيب القميص وقال ابن وهب يعني تقطعت عنها كما يقطع الثوب الخلق وفي رواية فما هو إلا أن تكلم صلى الله عليه وسلم تمزق السحاب حتى ما نرى منه شيء أي في المدينة واستشكل ) بأن بقاء المطر في ما سوى المدينة يقتضي أنه لم يرتفع الإهلاك ولا القطع وهو خلاف مطلوب السائل لقوله تهدمت البيوت وهلكت الماشية وانقطعت السبل وأجيب ) بأنه استمر في ما حولها من آكام وظراب وبطون (2/37)
صفحة 537
الأودية لا في الطرق المسلوكة ولا البيوت ووقوع المطر في بقعة دون بقعة كثير ولو كانت تجاورها وإذا جاز ذلك جاز أن يوجد للمواشي أماكن تكنها ويرعى فيها بحيث لا يضرها ذلك المطر وفي الحديث ) الأدب في الدعاء حيث لم يدع برفع المطر مطلقا لاحتمال الاحتياج إلى استمراره فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضرر وإبقاء النفع ومنه استنبط أن أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يسخطها لعارض يعرض فيها بل سأل الله رفع العارض وإبقاء النعمة وفيه ) أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل وفيه ) قيام الواحد بأمر الجماعة.
وإنما لم يباشر ذلك أكابر الصحابة لسلوكهم الأدب بالتسليم وترك الابتداء بالسؤال ومنه قول أنس يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية فيسأله وفيه ) علم من أعلام النبوة في إجابة دعائه عقبه أو معه ابتداء في الاستسقاء وانتهاء في الاستصحاء وامتثال السحاب أمره بمجرد الإشارة وقول الربيع ) الآكام الكدي الصغار يقتضي أن بين الآكام والكي عموما وخصوصا مطلقا فكل أكمة كدية ولا عكس وقد تقدم ذكر الخلاف في بيان ذلك وفي المصباح الأكمة تل وقيل شرفة كالرابية وهو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد وربما غلظ وربما لم يغلظ والجمع أكم وأكمات مثل قصبة وقصب وقصبات وجمع الأكم آكام مثل جبل وجبال وجمع الآكام أكم بضمتين مثل كتاب وكتب وجمع الأكم آكام مثل عنق وأعناق والكدي ) جمع كدية الأرض الصلبة مثل مدية ومدى والله أعلم.
--- (2/38)
صفحة 538
ما جاء في دعائه صلى الله عليه وسلم في سجوده
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبته فوقعت يدي على أخمص رجليه الحديث ))
قوله عن عائشة ) الحديث رواه أيضا مسلم وأبو داود والنسائي ورواه مالك في الموطأ مرسلا عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي أن عائشة أم المؤمنين قالت كنت نائمة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففقدته من الليل فلمسته بيدي فوضعت بيدي فوضعت يدي على قدميه وهو ساجد يقول أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت علة نفسك وليس عند المصنف قوله وبك منك الخ.
وإنما الثابت عنده ما تقدم في باب ما يجب منه الوضوء وهو قوله أعوذ بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك وقد تقدم شرحه هنالك وقوله الحديث ) إشارة إلى تقدمه في الباب المذكور والله أعلم.
--- (2/39)
صفحة 539
الباب الثاني والعشرون أدب الدعاء وفضيلته
قوله أدب الدعاء وفضيلته ) المراد بأدب الدعاء ما ينبغي للإنسان أن يلازمه كالمواظبة بيا ذا الجلال والإكرام والجزم في الدعاء وقوة الرجاء الإجابة واختيار الثلث الآخر من الليل وعدم التعجل الإجابة والمراد بفضله ما يحصل للداعي من الإجابة .
--- (2/40)
صفحة 540
ما جاء في الحث على الدعاء بيا ذا الجلال والإكرام
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام قال الربيع ) يريد تحفظوا به الدعاء فإنه قيل كلما يدعو به الرجل غلا أستجيب له وأنا أردت أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ))
قوله عن عائشة رضي الله عنها ) الحديث أيضا رواه الترمذي عن أنس وأحمد والنسائي والحاكم عن ربيعة بن عامر قوله ألظوا ) بهمزة قطع ولام مكسورة وظاء مشالة مشددة أمر من ألظ قال بعض الشراح .
وفي رواية بحاء مهملة أي ألزموا قولكم ذلك في دعائكم قال الزمخشري ألظ وألب وألح أخوات في معنى اللزوم والدوام قوله يا ذا الجلال والإكرام ) أي صاحب العظمة والعطاء الجزيل المستمر على كل أحد من خلقك وهو اسم من أسماء من أسماء الله الحسنى وقد ذهب بعضهم إلى إنه هو اسم الله الأعظم وإلى هذا أشار الربيع رحمه الله تعالى بقوله فإنه قل ما يدعو به الرجل إلا استجيب له وقوله تحفظوا به عند الدعاء ) تفسير لقوله صلى الله عليه وسلم ألظوا وهو تفسير للشيء يلازمه فإن التحفظ بالشيء من لوازم ولازمته والدوام عليه والله أعلم.
--- (2/41)
صفحة 541
ما جاء إنه صلى الله عليه وسلم قد اختبأ دعوته شفاعة لأمته يوم القيامة
أبو عبيدة ) قال بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكل نبي دعوة ))
وهو من آداب دعائه صلى الله عليه وسلم قوله بلغني ) الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة فبلاغه رضي الله عنه صحيح قوله لكل نبي دعوة ) زاد في البخاري مستجابة يدعو بها وزاد في بعض الروايات بعده عند غيره فتعجل كل نبي دعوته وزاد أيضا بعده في بعض الروايات فاستجيب له واستشكل ) ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة لا سيما نبينا صلى الله عليه وسلم وظاهره أن لكل نبي دعوة مجابة فقط وأجيب ) بأن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة.
وقيل معنى قوله لكل نبي دعوة أي أفضل دعواتهم ولهم دعوات أخرى وقيل لكل نبي منهم دعوة عامة مستجابة في أمته أما بإهلاكهم وأما بنجاتهم وأما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب ومنها مالا يستجاب وقيل لكل نبي مهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه لقول نوح لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) وقول زكريا فهب لي من لدنك وليا يرثني ) وقول سليمان وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ) وقوله اختبئ ) بسكون المعجمة وفتح الفوقية وكسر الموحدة فهمزة أي أدخر دعوتي المقطوع بإجابتها شفاعة لأمته في الآخرة في أهم أوقات حاجاتهم ففيه كمال شفقته على أمته ورأفته بهم واعتناؤه بالنظر في مصالحهم جزاه الله عنا أفضل ما جزى نبيا عن أمته قال بعضهم ). (2/42)
صفحة 542
وفي الحديث بيان فضيلة نبينا على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابه ولم يجعلها أيضا دعاء عليهم كما وقع لغيره ممن تقدم وقول بعض ) الشراح المراد أن كل نبي دعا على أمته بالإهلاك إلا أنا فلم ادع فأعطيت الشفاعة عوضا عن ذلك للصبر على أذاهم متعقب بأنه صلى الله عليه وسلم دعا على أحياء من العرب وعلى أناس من قريش بأسمائهم فدعا على رعل وذكوان ومضر والأولى أن يقال جعل الله لكل نبي دعوة تستجاب في حق أمته فنالها كل منهم في الدنيا وأما نبينا فإنه لما دعا على بعض أمته نزل عليه ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم ) فأبقى تلك الدعوة المستجابة مدخرة للآخرة قوله شفاعة لأمتي ) هي سؤال فعل الخير ودفع الضرر عن الغير على سبيل التبرع والمراد بها الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف بتعجيل دخول الجنة وهي المراد بالمقام المحمود المذكور في قوله تعالى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا )) وسمي بذلك لأنه صلى الله عليه وسلم يحمده فيه الأولون والآخرون والله أعلم.
--- (2/43)
صفحة 543
ما جاء في الحث على الدعاء في الرخاء والتضرع لله والتواضع له
أبو عبيدة قال بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تضرعوا إلى ربكم وادعوه في الرخاء فإن الله قال من دعاني في الرخاء أجبته في الشدة ومن سألني أعطيته ومن تواضع لي رفعته ومن تضرع إلي رحمته ومن استغفرني غفرت له ))
قوله قال بلغني ) الحديث لم أجده في شيء من كتب الحديث ولعله مما تفرد به المصنف رحمة الله عليه قوله تضرعوا ) أي تذللوا واخضعوا وقوله فادعوه ) أي اطلبوا منه دفع الضر وجلب الرخاء سعة الرزق وصحة البدن والشدة عكسه وقوله من دعاني في الرخاء أجبته في الشدة ) أي من واظب على دعائي حال الصحة والسعة أجبت دعاءه إذا دعاني حال الشدة وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء وأخرج ابن أبي حاتم وغيره من رواية أبي يزيد الرقاشي عن أنس يرفعه أن يونس عليه السلام لما دعي في بطن الحوت قالت الملائكة يا رب هذا صوت معروف من بلاد غريبة فقال الله عز وجل أما تعرفون ذلك قالوا ومن هو قال عبدي يونس قالوا عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة قال نعم قالوا يا رب أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنحيه من البلاء قال بلى فأمر الله الحوت فطرحه بالعراء وقال الضحاك بن قيس اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة إن يونس عليه السلام كان يذكر الله تعالى فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون )) . (2/44)
صفحة 544
وأن فرعون كان طاغيا ناسيا لذكر الله فلما أدركه الغرق قال آمنت فقال الله تعالى الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين )) وقال سلمان الفارسي إذا كان الرجل دعاء في السراء فنزلت به ضراء فدعا الله تعالى قالت الملائكة صوت معروف فشفعوا له وإذا كان ليس بدعاء في السراء فنزلت به الضراء فدعا الله قالت الملائكة صوت ليس بمعروف فلا يشفعون له وقال رجل لأبي الدرداء أوصني فقال اذكر الله في السراء يذكرك الله عز وجل في الضراء وعنه أنه قال ادع الله في يوم سرائك لعله أن يستجيب لك في يوم ضرائك قوله من سألني أعطيته ) أي من طلب مني شيئا أعطيته إياه وهذا من باب ذكر العام بعد الخاص فإن الله تعالى وعد بإجابة الداعي إذا دعاه كان قد تقدم له دعاء في الرخاء أو لم يكن لكن الإجابة لمن تقدم له دعاء في الرخاء أشد رجاء والملائكة عليهم السلام تشفع له بخلاف من لم يسبق له دعاء في الرخاء وأيضا ) فإن الداعي على الإطلاق قد يستجاب له في حاجته وقد يؤخر له فيعطى في الآخرة ثواب دعائه وجاء عنه صلى الله عليه وسلم ما من مسلم يدعو الله بالدعاء إلا استجيب له فإما أن يعجل له في الدنيا. (2/45)
صفحة 545
وأما أن يدخر له في الآخرة وأما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم وقال الحسن البصري أن الله تعالى يجيب كل الدعاء فأما أن تظهر الإجابة في الدنيا وأما أن يكفر عنه وأما أن يدخر له أجر في الآخرة وقال جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقف بين يديه فيقول عبدي إني أمرتك أن تدعوني ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعوني فيقول نعم يا رب فقال أما أنك لم تدعني ألا أستجيب لك الست دعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك ففرجت عنك فيقول نعم يا رب فيقول أني عجلتها لك في الدنيا ودعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجا قال نعم يا رب فيقول إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا ودعوتني في حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا فقضيتها فيقول نعم يا رب فيقول فإني عجلتها لك في الدنيا ودعوتني في يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك فلم ترها قضيت فيقول نعم يا رب فيقول إني ادخرت لك في الجنة كذا وكذا. (2/46)
صفحة 546
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين له أما أن يكون عجل له في الدنيا وأما أن يكون ادخر له في الآخرة قال فيقول المؤمن في ذلك المقام ياليتة لم يكن عجل لي شيء من دعائي قوله ومن تواضع لي رفعته ) أي من تواضع لعظمتي رفعت قدرة في الدنيا والآخرة قوله ومن تضرع إلي رحمته ) أي من تذلل لعزتي وجلالي أوصلت أليه أثر رحمتي وقوله ومن استغفرني ) أي طلبني غفران ذنوبه وقوله غفرت له ) أي غفرت له ذنوبه أي سترتها عن الناس فلا يفضح بها في الدنيا ولا في الآخرة ولا يعاقب على شيء منها وهذا وعد منه تبارك وتعالى بقبول توبة التائب فهو على حد قوله تعالى وأني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى )) وقوله تعالى غافر الذنب وقابل التوب )) وفي هذا الحديث من جوامع الكلم وقواعد الدين ما يبهر فكرة الناظر والعلم عند الله تعالى .
--- (2/47)
صفحة 547
ما جاء في الحث على الدعاء في الثلث الآخر من الليل
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ربنا تبارك وتعالى حين يبقى ثلث الليل الآخر من يدعني فأستجيب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له .
----------------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري في مواضع من صحيحه وأوله عندهم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له . الحديث . ولم تثبت هذه القطعة عند المصنف فلهذا لم يذكرها وهي من الأحاديث المتشابهة المحتاجة إلى التأويل ومعناه ينزل أمره أو رحمته في ذلك الوقت . وحكى ابن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكاً . قال ابن حجر ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة عن أبي سعيد أن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر منادياً يقول هل من داع فيستجاب له .
الحديث . وحديث عثمان بن أبي العاصي عند أحمد ينادي هل من داع يستجاب له الحديث . قال القرطبي وبهذا يندفع الإشكال .
قوله يقول ربنا تبارك وتعالى ) أي على لسان ذلك الملك الذي يبعثه منادياً في ذلك الوقت .
قوله حين يبقى ثلث الليل الآخر ) بكسر الخاء يعني الأخير وهو مرفوع صفة لثلث وخص ذلك الوقت لأنه وقت التهجد وغفلة الناس عن التعرض لنفحات رحمة الله تعالى وعند ذلك تكون النية خالصة والرغبة إلى الله وافرة وذلك مظنة القبول والإجابة .
قوله من يدعني ) بحذف واو العلة في رواية المصنف وذلك يقتضي أن من شرطية وهي مثبتة في رواية مالك وذلك يقتضي أن من للاستفهام .
قوله فأستجيب له ) أي أجيب له دعاءه فليست السين للطلب . (2/48)
صفحة 548
قوله ومن يسألني فأعطيه ) أي أجيب له دعاءه فليست السين للطلب .
قوله ومن يسألني فأعطيه ) أي أعطيه ما سأل .
قوله ومن يستغفرني فأغفر له ) بإثبات الواو قبل من في رواية المصنف وليس في رواية مالك واو والمعنى من يطلب مني غفران ذنبه فأغفر له والفرق بين الثلاثة أن المطلوب أما رفع المضار أو جلب المسار وذلك أما دنيوي أو ديني فالاستغفار إشارة إلى الأول والدعاء إشارة إلى الثاني والسؤال إشارة إلى الثالث . وقيل يحتمل أن الدعاء ما لا طلب فيه والسؤال الطلب ويحتمل أن المقصود واحد وإن اختلف اللفظ . وفي الحديث تفضيل آخر الليل على أوله وأنه أفضل للدعاء والاستغفار ويشهد له قوله تعالى والمستغفرين بالأسحار ) وأن الدعاء ذلك الوقت مجاب ولا يعترض بتخلفه عن بعض الداعين لأن سببه وقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء كالاحتراز في المطعم والمشرب والملبس واستعجال الداعي أو يكون الدعاء بإثم أو قطعية رحم أو تحصل الإجابة فيتأخر وجود المطلوب لمصلحة العبد أو لأمر يريده الله تعالى والله أعلم .
--- (2/49)
صفحة 549
جاء في النهي أن يقول اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ولكن ليعزم على المسألة لا مكره له .
-----------------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري وأبو داود وهو في الصحيحين أيضاً عن أنس .
قوله لا يقولن أحدكم ) اختلف في هذا النهي فحمله بعضهم على التحريم وبعضهم على الكراهة كراهة التنزيه وهو عند الفريقين من آداب الدعاء .
قوله اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ) زاد في رواية للبخاري اللهم ارزقني إن شئت ) وذكر الثلاثة تمثيل لباقي الأشياء فإن مقصود النهي إنما هو عن التعليق بالمشيئة لأن التعليق بالمشيئة إنما يحتاج إليه إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشيء فيخفف الأمر عليه ويعلمه بأنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلا برضاه والله تعالى منزه عن ذلك فلا فائدة للتعليق وقيل لأن فيه صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه وأشار بعضهم إلى أن الممنوع من ذلك أن يقولها كالمستثني لا إذا قالها على سبيل التبرك فإنه لا يمنع وظاهر الحديث يخالفه .
قوله ليعزم على المسألة ) أي يجتهد ويلح ولا يقول إن شئت .
وقوله لا مكره له ) بكسر الراء فاعل من أكرهه على الشيء إذا حمله على خلاف ما يحب والمعنى أن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فلا مكره له على فعل شيء من أفعاله ولا على تركه فهو إن شاء أجاب دعاء السائل وإن شاء لم يجب فلا يحتاج إلى التعليق بالمشيئة ، والله أعلم .
--- (2/50)
صفحة 550
الباب الثالث والعشرون في التسبيح والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما جاء في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من أحد يصلي علي في يوم مائة مرة إلا كتب من الذاكرين .
----------------------------------
قوله في التسبيح والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أما التسبيح فهو قول سبحان الله ومعنى التسبيح التنزيه لجناب الحق عن كل ما لا يليق بجلاله ويدخل فيه قول لا إله إلا الله وقول الحمد لله فإنه ذكرهما في الباب ولم ينص عليهما في الترجمة اكتفاء بذكر التسبيح أو هو من باب الترجمة عن الشيء والزيادة عليه وهو محمود بخلاف الترجمة عن الشيء والنقص منه .
وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فهي الدعاء له المخصوص بقوله تعالى صلوا عليه وسلموا تسليما ) والله أعلم .
قوله عن جابر بن زيد ) الحديث مرسل عند المصنف لسقوط الصحابي وهو من مراسيل جابر بن زيد المحكوم بصحتها فلا يضره ما سقط في سنده ولم أجده في شيء من كتب الحديث ولعله مما تفرد به المصنف رضي الله عنه .
قوله ما من أحد يصلي علي في يوم مائة مرة إلا كتب من الذاكرين ) وذلك لأن الصلاة عليه مشتملة على ذكر الله وتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم والاشتغال بأداء حقه عن أداء مقاصد نفسه فمن واظب عليها كل يوم مائة مرة كتب من الذاكرين وهم غير الغافلين أو من الذاكرين الله كثيراً الممدوحين في كتاب الله عز وجل والمراد بكتابته أنه يكتب في صحف أعماله والمراد بالمائة حقيقة العدد أو المبالغة في التكثير. (2/51)
صفحة 551
وقد جاءت أحاديث في فضل الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم منها حديث أبي هريرة عند مسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشر أي رحمه وضاعف أجره كقوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) . وعن أنس عند النسائي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى علي صلاة واحدة هلي الله عليه عشر صلوات وحطت عنه عشر خطيئات ورفعت له عشر درجات ، والله أعلم .
--- (2/52)
صفحة 552
ما جاء في صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي مسعود قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك فسكت حتى نسينا أنه سأله فقال قولوا اللهم صل على نبينا محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم .
قال الربيع : قال أبو عبيدة السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبكراته كما علمناه .
------------------------------
قوله عن أبي مسعود ) هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري صحابي جليل مات قبل الأربعين وقيل بعدها وقد تقدمت ترجمته في الجزء الأول والحديث رواه مالك في الموطأ ومسلم والنسائي مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ . (2/53)
صفحة 553
قوله في مجلس سعد بن عبادة ) بن دلين بن حارثة بن أبي خزيمة وقيل حارثة بن حزام بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج الأنصاري الساعدي يكنى أبا ثابت وقيل أبا قيس والأول أصح وكان نقيب بني ساعدة عند جميعهم وشهد بدراً عند بعضهم وكان سيداً جواداً وهو صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها وكان وجيهاً في الأنصار ذا رياسة وسيادة يعترف قومه له بها وكان يحمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم كل يوم جفنة ثريداً ولحماً تدور معه حيث دار يقال لم يكن في الأوس ولا في الخزرج أربعة مطعمون يتوالون في بيت واحد إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم وله ولأهله في الجود أخبار حسنة ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم طمع في الخلافة فجلس في سقيفة بني ساعدة ليبايع لنفسه فجاء إليه أبو بكر وعمر فبايع الناس أبا بكر وعدلوا عن سعد فلم يبايع سعد أبا بكر ولا عمر وسار إلى الشام فأقام به بحوران إلى أن مات سنة خمس عشرة وقيل أربع عشرة وقيل مات سنة إحدى عشرة ولم يختلفوا أنه وجد ميتاً على مغتسله وقد اخضر جسده ولم يشعر بموته بالمدينة حتى سمعوا قائلاً يقول من بئر ولا يرون أحداً :
فلما سمع الغلمان ذلك ذعروا فحفظ ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه سعد بالشام قيل إن البئر التي سمع منها الصوت بئر منبه وقيل بئر سكن .
قوله بشير بن سعد ) أما بشير فهو بفتح الموحدة وكسر المعجمة بعدها مثناة تحتية وسعد بسكون العين هو ابن ثعلبة بن خلاس بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج يكنى أبا النعمان بابنه النعمان بن بشير شهد العقبة الثانية وبدراً وأحداً والمشاهد بعدها يقال انه أول من بايع أبا بكر الصديق رضي الله عنه يوم السقيفة من الأنصار وقتل يوم عين التمر مع خالد بن الوليد بعد انصرافه من اليمامة سنة اثنتي عشرة .
قوله أمرنا الله أن نصلي عليك ) يعني بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليما ) . (2/54)
صفحة 554
قوله فكيف نصلي عليك ) أي علمنا كيف اللفظ اللائق بالصلاة عليك .
قوله فسكت ) يحتمل أن يكون سكوته حياء أو تواضعاً في إذ في ذلك الرفعة له فأحب أن لو قالوا هم ذلك ويحتمل أنه ينتظر ما أمره الله به من الكلام الذي ذكره لأنه أكثر مما في القرآن .
قوله حتى نسينا أنه سأله ) أي من طول السكوت نسينا السؤال وفي رواية مالك حتى تمنينا أنه لم يسأله أي مخافة أن يكون كرهه وشق عليه .
قوله قولوا ) الأمر بالصلاة للوجوب اتفاقاً فقيل في العمر مرة واحدة وقيل في كل تشهد يعقبه سلام وقيل كلما ذكر وأما الصلاة عليه بنفس هذه الصيغة فلا أعلم أن أحداً قال بوجوبها ولكنها فضل لمن قالها ويد على عدم وجوبها سكوته عليه الصلاة والسلام عن تعليمهم إياها حتى سأله بشير بن سعد ولو كانت واجبة لبينها من حين نزل قوله تعالى صلوا عليه وسلموا تسليما ) لأنه وقت الحاجة إلى البيان .
قوله اللهم صل على نبينا محمد ) أي عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته وأيد فضيلته بالمقام المحمود .
قوله وعلى آل محمد ) أي أتباعه قال مالك بن أنس لقوله تعالى أدخلوا آل فرعون ) ورجحه النووي وقيده القاضي حسين والراغب بالأتقياء منهم وعليه يحمل كلام من أطلق ويؤيده قوله تعالى إن أولياؤه إلا المتقون ) وقوله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم إن أوليائي منكم المتقون . وفي بعض الأحاديث آل محمد كل تقي . واستظهر المحشي هذا القول وهو الحق في مقام الدعاء بخلافه في تحريم الصدقة وقيل آله هم الذين لا تحل لهم الصدقة وهم أقربه المؤمنون من بني هاشم وبني عبد المطلب بن عبد مناف وقيل أزواجه وذريته وقيل أهل بيته وقيل الأزواج ومن تحرم عليهم الصدقة ويدخل فيهم الذرية وقيل المراد بالآل ذرية فاطمة خاصة وقيل هم جميع قريش والأول هو الحق والله أعلم . (2/55)
صفحة 555
قوله كما صليت على إبراهيم ) قال ابن حجر اشتهر السؤال عن موضع التشبيه مع أن المقرر أن المشبه دون المشبه به والواقع هنا عكسه لأنه محمداً صلى الله عليه وسلم وحده أفضل من إبراهيم وآل إبراهيم ولا سيما وقد أضيف إليه آل محمد وقضية كونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره . وأجيب عن بأجوبة الأول أنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم . وتعقب بأنه لو كان كذلك لغير الصلاة عليه بعد أنه علم أنه أفضل .
الثاني أنه قال ذلك تواضعاً وشرع ذلك لأمته ليكتسبوا بذلك فضيلة الإتباع .
الثالث أن التشبيه إنما هو لأصل الصلاة لا للقدر فهو كقوله تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ) وقوله كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) وهو كقولك أحسن إلى فلان كما أحسنت إلى فلان وتريد بذلك أصل الإحسان لا قدره ومنه قوله تعالى وأحسن كما أحسن الله إليك ) ورجح هذا الجواب القرطبي .
الرابع : أن الكاف للتعليل كما في قوله كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم ) وفي قوله واذكروه كما هداكم ) .
الخامس : أن المراد أن يجعله خليلاً كما جعل إبراهيم خليلا وأن يجعل له لسان صدق كما جعل لإبراهيم ذلك .
السادس : أن قوله اللهم صل على محمد مقطوع عن التشبيه فيكون بالتشبيه متعلقاً بقوله وصل على آل محمد . وتعقب بأن غير الأنبياء لا يمكن أن يساوي الأنبياء فكيف يطلب لهم صلاة مثل الصلاة التي وقعت لإبراهيم والأنبياء من آله .
السابع : أن التشبيه إنما هو للمجموع بالمجموع فإن في الأنبياء من آل إبراهيم كثرة فإذا قوبلت تلك الذوات الكثيرة من إبراهيم وآل إبراهيم بالصفات الكثيرة التي لمحمد أمكن بقاء التفاضل . قلت وهذا الجواب لا يتأتى على رواية المصنف فإن فيها ذكر إبراهيم دون آله . (2/56)
صفحة 556
قوله وبارك ) أي أظهر بركتك على محمد وعلى آل محمد كما أظهرتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم والمراد بالبركة الزيادة من الخير والكرامة . وقيل المراد التطهير من العيوب والتزكية . وقيل المراد ثبات ذلك واستمراره من قولهم بركت الإبل أي ثبتت على الأرض .
وآل إبراهيم قيل هم ذريته من إسماعيل وإسحاق ثم المراد المسلمون منهم ثم المتقون فيدخل فيهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون دون من عداهم ثم إن ثبت أن لإبراهيم نسلاً من غير سارة وهاجر فهم داخلون في آله لا محالة .
قوله في العالمين ) المراد بالعالمين أصناف الخلق وقيل ما حواه بطن الفلك وقيل كل محدث وقيل ما فيه روح وقيل العقلاء منهم وقيل الإنس والجن فقط .
قوله إنك حميد مجيد ) أما الحميد فهو فعيل من الحمد بمعنى محمود وأبلغ منه وهو من حصل له من صفات الحمد أكملها . وقيل هو بمعنى الحامد أي يحمد أفعال عباده . وأما المجيد فهو من المجد وهو صفة من كمل في الشرف وهو مستلزم للعظمة والجلال كما أن الحمد يدل على صفة الإكرام ومناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله لنبيه وثناؤه عليه والتنويه به وزيادة تقريبه وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل للمطلوب وهو كالتذييل له والمعنى أنك فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المترادفة كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك .. الخ . (2/57)
صفحة 557
قوله والسلام كما علمتم ) روي بفتح العين وكسر اللام المخففة وبضم العين وشد اللام أي علمتموه والأول من العلم والثاني من التعليم قيل الأول أصح وقيل كلاهما صحيح والمراد به ما علموه من السلام في التشهد ولهذا قال الربيع رحمه الله قال أبو عبيدة السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته كما علمناه أي في التشهد . قال ابن حجر : وتفسير السلام بذلك هو الظاهر وحكى ابن عبد البر فيه احتمالاً وهو أن المراد به السلام الذي يتحلل به من الصلاة وقال الأول أظهر وكذا ذكره عياض وغيره ورد بعضهم الاحتمال المذكور بأن سلام التحلل لا يتقيد به اتفاقاً كذا قيل قال وفي نقل الاتفاق نظر فقد جزم جماعة من المالكية بأنه يستحب للمصلي أن يقول عند سلام التحلل السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام عليك ذكره عياض وقبله ابن زيد وغيره ا. هـ . والله أعلم .
--- (2/58)
صفحة 558
ما جاء في فضل التهليل
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا من عمل أكثر من ذلك .
-----------------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم .
قوله لا إله إلا الله ) قيل التقدير لا إله لنا في الوجود غيره . وتعقب بأن نفي الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة لانتفائها مع كل قيد فإذا نفيت مقيدة دلت على سلب الماهية مع التقييد المخصوص فلا يلزم نفيها مع قيد آخر . واعترض بأن هذا كلام من لا يعرف لسان العرب فإن إله في موضع المبتدأ على قول سيبويه وعند غيره اسم لا وعلى التقديرين فلا بد من خبر للمبتدأ أو للا فإن الاستغناء عن الإضمار فاسد وأما قوله إذا لم يضمر كان نفياً للإلهية مطلقة فليس بشيء لأن الماهية فيها نفي الوجود ولا تتصور الماهية عندنا إلا مع الوجود فلا فرق بين لا ماهية ولا وجود وقوله إلا الله في موضع رفع بدل من لا إله لا خبر لأن لا تعمل في المعارف ولو قلنا الخبر للمبتدأ أو للا فلا يصح أيضاً لما يلزم عليه من تنكير المبتدأ وتعريف الخبر لكن أجاز الشلو بين أن خبر المبتدأ يكون معرفة ويسوغ الابتداء بالنكرة في النفي .
قوله وحده لا شريك له ) تأكيد أن للحصر المستفاد من لا إله إلا الله فوحده حال مؤولة بمنفرد لن الحال لا تكون معرفة ولا شريك له حال ثاني مؤكدة لمعنى الأول .
قوله له الملك ) بضم الميم مطلق التصرف .
قوله وله الحمد ) أي الثناء على الجميل . (2/59)
صفحة 559
قوله وهو على كل شيء قدير ) جملة حالية أيضاً ومن منع تعدد الحال جعل لا شريك له ) حالاً من ضمير وحده المؤولة بمفرد وكذا له الملك ) حال من الضمير المجرور في له وما بعد ذلك معطوفات .
قوله في يوم ) أي من الأيام يفيد أن من قالها مائة مرة في يوم واحد ولم يزد على ذلك حصل له الثواب المذكور فمن ضاعف ضوعف له .
قوله كانت ) أي هذه الكلمة .
وقوله عدل ) بفتح العين أي مثل ثواب إعتاق عشرة رقاب . وعشر بسكون السين .
قوله وكتب له مائة حسنة ) وفي رواية مالك وكتبت ) بزيادة التاء وكلا الوجهين جائز .
قوله ومحيت عنه مائة سيئة ) أي من صغائر ذنوبه .
قوله حرزاً ) بكسر الحاء وسكون الراء وبالزاي أي حصناً من الشيطان فقد حصل له ثواب هذا الذكر أشياء منها ثواب المعتق لعشر رقاب ومنها ثواب المحصل لمائة حسنة ومنها تكفير مائة سيئة ومنها أنه يحفظ من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي . (2/60)
صفحة 560
قوله إلا من عمل أكثر من ذلك ) في رواية مالك إلا أحد عمل أكثر من ذلك ) وهو على الروايتين استثناء منقطع أي لكن أحد عمل أكثر مما عمل فإنه يزيد عليه أو متصل بتأويل قال ابن عبد البر فيه تنبيه على أن المائة غاية في الذكر وأنه قل من يزيد عليه وقال إلا أحد لئلا يظن أن الزيادة على ذلك ممنوعة كتكرار العمل في الوضوء ويحتمل أن يريد لا يأتي أحد من سائر أبواب البر بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل من هذا الباب أكثر من عمله ونحوه قول القاضي عياض ذكر المائة دليل على أنها غاية للثواب المذكور وقوله إلا أحد يحتمل أن يريد الزيادة على هذا العدد فيكون لقائله من الفضل بحسابه لئلا يظن أنه من الحدود التي نهي عن تعديها وأنه لا فضل في الزيادة عليها كما في ركعات السنن المحدودة كأعداد الطهارة ويحتمل أن تراد الزيادة من غير هذا الجنس من الذكر وغيره أي إلا أن يزيد أحد عملاً آخر من الأعمال الصالحة وظاهر إطلاق الحديث يقتضي أن الأجر يحصل لمن قال هذا التهليل في اليوم متوالياً أو مفرقاً في مجلس أو مجالس في أول النهار أو في آخره لكن الأفضل أن يأتي به متوالياً في أول النهار ليكون له حرزاً في جميع نهاره وكذا في أول الليل ليكون له حرزاً في جميع ليله .
--- (2/61)
صفحة 561
ما جاء في فضل التسبيح بعد الصلاة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال على أثر صلاته سبحان الله والحمد لله مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات يوم بأصحابه فلما انصرف من صلاته أقبل على الناس فقال من المتكلم آنفا وهو يقول ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه . الحديث .
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أقبل من حج أو غزو يكبر على كل شرف ثلاث تكبيرات .
---------------------------------
قوله عن أبي هريرة ) الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم مع اختلاف يسير .
قوله على أثر صلاته ) وفي رواية مالك من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة .. الخ .وفي بعض الروايات من قال حين يمسي وحين يصبح . وذكر النووي أن الأفضل أن يقول ذلك متولياً في أول النهار وفي أول الليل وهذا يتجه على رواية مالك ولا يتجه على رواية المصنف لأنه قال على أثر صلاته والمراد بها صلاة الفريضة .
قوله سبحان الله ) أي تنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص فيلزم نفي الشريك والصاحبة والولد وجميع الرذائل ويطلق التسبيح ويراد به جميع ألفاظ الذكر ويطلق ويراد به صلاة النافلة وسبحان اسم منصوب على أنه واقع موقع المصدر لفعل محذوف تقديره سبحت الله سبحانا كسبحت الله تسبيحاً ولا يستعمل غالباً إلا مضافاً وهو مضاف إلى المفعول أي سبحت الله ويجوز كونه مضافاً إلى الفاعل أي نزه الله نفسه والمشهور الأول وجاء غير مضاف في الشعر كقوله سبحانه ثم سبحاناً أنزهه .
قوله الحمد لله ) أي الثناء الجميل لله وفي رواية مالك وبحمد أي متلبساً بحمده . (2/62)
صفحة 562
قوله مائة مرة ) أي متوالية أو متفرقة .
قوله حطت خطاياه ) وفي رواية مالك حطت عنه خطاياه والمراد بالخطايا ما يكون بينه وبين ربه من التضييع لحق الله عليه والمعنى أنه يكون فيذلك كفارة له كقوله تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات ) .
قوله وإن كانت مثل زبد البحر ) كناية عن المبالغة في الكثرة نحو ما طلعت عليه الشمس . قال القاضي عياض : وقد يشعر هذا بفضل التسبيح على التهليل لأن عدد زبد البحر أضعاف أضعاف المائة المذكورة في مقابلة التهليل فيعارض قوله ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به ) فيجمع بينهما بأن التهليل أفضل مما زيد من رفع الدرجات وكتب الحسنات ثم ما جعل مع ذلك من عتق الرقاب قد يزيد على فضل التسبيح وتكفير الخطايا جميعها لأنه جاء من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار فحصل بهذا العتق تكفير الخطايا عموماً بعد حصر ما عدد منها خصوصاً مع زيادة مائة درجة وما زاده عتق الرقاب الزائدة على الواحدة ويؤيده الحديث الآخر أفضل الذكر التهليل وأنه أفضل ما قاله هو والنبيون من قبله وهو كلمة التوحيد والإخلاص وقيل أنه اسم الله الأعظم وجميع ذلك داخل في ضمن لا إله إلا الله في الحديث السابق والتهليل صريح في التوحيد والتسبيح متضمن له فمنطوق سبحان الله تنزيه ومفهومه توحيد ومنطوق لا إله إلا الله توحيد ومفهومه تنزيه فيكون أفضل من التسبيح لأن التوحيد أصل والتنزيه ينشأ عنه قال ابن بطال والفضائل الواردة في التسبيح والتحميد ونحو ذلك إنما هي لأهل الشرف في الدين والكمال كالطهارة من الحرام وغير ذلك فلا يظن ظان أن من أدمن الذكر وأصر على شاء من شهواته وانتهك دين الله وحرماته أن يلتحق بالمطهرين الأقدسين ويبلغ منازل الكاملين بكلام أجراه على لسانه ليس معه تقوى ولا عمل صالح . (2/63)
صفحة 563
قوله سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات يوم بأصحابه فلما انصرف من صلاته أقبل على الناس فقال من المتكلم آنفا وهو يقول ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ) الحديث تقدم ذكره في باب الركوع والسجود من كتاب الصلاة وتمامه قال رجل منهم أنا يا رسول الله فقال لقد رأيت بضعاً وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أولاً وقد تقدم شرحه هنالك والحديث مرسل عند المصنف وقد أخرجه مالك والبخاري وأحمد وأبو داود والنسائي من حديث رفاعة بن رافع والله أعلم .
قوله كان إذا أقبل من حج أو غزو يكبر على كل شرف ثلاث تكبيرات ) مذكور في باب الإهلال للحج والتلبية من كتاب الحج وقد تقدم شرحه هنالك وتمامه ثم يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون ساجدون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده . انتهى .
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه الكاملين في كل شرف وعلى كل من بهداهم اقتدى وبفضلهم اعترف وكان تمام تبييضه ضحوة الخميس لأربع ليال مضين من ذي الحجة من شهور سنة 1325 ويليه إن شاء الله الجزء الثالث . (2/64)