صفحة 1
الكتاب: شرح الجامع الصحيح - الجزء 3
المؤلف: الإمام نور الدين/ عبد الله بن حميد السالمي
مصدر الكتاب: كوكب المعرفة بموقع الشبكة الإباضية (شبكة أهل الحق والاستقامة) باب الربا والانفساخ والغش
(الرِّبا) مقصور وحُكيَ مدُّه وهو شاذ، ومن من رَبَا يَربو فيكتب بالألف، ولكن وقع في خط المصحف بالواو، وأصل الربا الزيادة، وأما في وأما في مقابله كدرهم بدرهمين فقيل: } اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ { نفس الشيء كقوله تعالى: هو حقيقة فيهما، وقيل: حقيقة في الأول مجاز في الثاني، وقيل: في الثاني حقيقة شرعية، وقد يطلق الرِّبا على كل بيع محرَّم، ومنه قولهم: في بيع الخضراوات قبل إدراكها إنه رباً، وكذلك قولهم: في بيع الجزر في الأرض أنه من الربا وأشباه ذلك، وهذا الإطلاق إما حقيقة عرفية أو مجاز عرفي، حيث شبَّهوا المحرَّم في مثل هذه الأمور بالمحرَّم من الربويات.
وأما (الانفساخ) فهو صفة توجب عدم الاعتداء بالعُقد بسبب الإخلال ببعض شروطه مثل الجهل في الثمن أو المثمن أو الأجل وما أشبه ذلك، ويدخل فيه بعض الغَرَ.
وأما (الغِشُّ) بكسر فسكون: اسم من غشَّه غِشاً من باب قتّل، إذا لم ينصحه وزيَّن له غير المصلحة، وهو عند البيع إظهار حسن السلعة وإخفاء قبحها، ومنه تغيير الصورة عن حالها كتعطيش الحيوان وسقيه عند البيع، وغسل الثوب بالصابون ليُري جديداً وهو قديم، ورش المنسول بالماء أو تبييتها في الندى لتُري غليظةً ثقيلةً وأشباه ذلك، قال في الإيضاح: وبالجملة إن الغش هو ما يظهره بائع السلعة من أحسن ما فيها ويكتم قبيحها ولا يظهره في وقت البيع وربما يظهر بعد ذلك، فهذا شؤم وغش لا يجوز والله أعلم.
--- (1/1)
صفحة 2
ما جاء في الأصناف التي يجري فيها الربا
65- أبو عُبيدةَ عن جَابر بن زيد عن ابن عباس قال: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهبُ بالذهبِ، والفضةُ بالفضيةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والمِلحُ بالمِلحْ يداً بيدٍ».
وذكر في الباب عدة أحاديث عن ابن عباس(1 ) وأبي سعيد( 2) وعمر ابن الخطاب( 3) وعُبادة بن الصامت( 4).
1- قوله: «الذهب بالذهب»: أي بيع الذهب بالذهب، وهو( 5) مبتدأ خبره قوله: «يد بيد»، ويدخل في الذهب جميع أنواعه من مضروب ومنقوش وجيد ورديء وصحيح ومكسر وحَلْي وتبرٍ وخالصٍ ومغشوشٍ، وقد نقل النووي وغيره الإجماع على ذلك.
2- قوله: «والفضة بالفضة»: أي وبيع الفضة بالفضة يد بيد كالذهب بالذهب، والمراد بالفضة(6 ) جميع أنواعها مضروبة أو غير مضروبة.
3- قوله: «والبر بالبر» بضم الباء فيهما ثم راء مهملة: من أسماء الحنطة.
4- قوله: «والشَعير» بفتح أوله: معروف، حُكي جواز كسره واستدل بعطف الشعير على البر من قال أنهما جنسان( 7) وقد تقدم ذلك.
5- قوله: «والمِلْح» بكسر فسكون: معروف يذكَّر ويؤنث، قال الصاغاني: والتأنيث أكثر، فاقتصر الزمخشري عليه. (1/2)
صفحة 3
6- وقوله: «يد بيد»: أي حاضر بحاضر، وهو بالرفع خبر للمبتدأ في أول الحديث، وهو في حديث عبادة الآتي منصوب على الحال لوجود العامل هنالك، ويقال: بعته يداً بيد أي حاضراً بحاضر، والتقدير في حال كونه ماداً يده بالعرض وفي حال كوني ماداً يدي بالعوض فكأنه قال: بعته في حال كون اليدين ممدودتين بالمعوّضين، واستدل به على أنه يُشترط القبض في الصرف عند الإيجاب بالكلام، ولا يجوز التراخي ولو كان في المجلس، وهو الظاهر من الحديث وعليه الفتوى وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي والجمهور من قومنا إن المعتبر القابض في المجلس وإن تراخى عن الإيجاب، وأخرج عبدالرازق وأحمد وابن ماجه عن ابن عمر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اشترِ الذهب بالفضة فإذا أخذتَ واحداً منهما فلا تفارقْ صاحبك وبينكما لبْس»، فيمكن أن يقال إن هذه الرواية تدل على اعتبار المجلس والله أعلم.
---------------------------------------
(1 ) والحديث 66 عن ابن عباس.
(2 ) وحديثه: الذهبُ بالذهبِ، والفضَّةُ بالفضةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعيرُ بالشعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء، رواه أحمد والبخاري.
(3 ) وحديث عمر: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم61541;: الذهب بالورقِ رباً إلا هاءَ وهاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ رباً إلا هاءَ وهاءَ، والشعيرُ بالشعيرِ رباً إلا هاءَ وهاَ، والتمرُ بالتمرِ رباً إلا هاءَ وهاءَ، متفق عليه.
(4 ) وحديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم61541; قال: الذهبُ بالذهبِ، والفضةُ بالفضةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعيرُ بالشعيرِ، والتمرُ بالتمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مثلاً بمثل، سواءً بسواءٍ، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد، رواه أحمد ومسلم، والنسائي وابن ماجه وأبي داود نحوه. (1/3)
صفحة 4
(5 ) هو أي «الذهب» مبتدأ، خبره «يدٌ بيدٍ».
(6 ) كما سلف في تفسير «الذهب بالذهب».
(7 ) وفيه رد الأوزاعي من قال أن البر أو الشعير صنف واحد، وهو مالك والليث والأوزاعي.
--- (1/4)
صفحة 5
ما جاء في وجوب التماثل في الجنس الواحد إذا كان يداً بيد والكلام في بيان ذلك
66- أبو عُبيدةَ عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخُدري قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعُوا الذهب بالذهبِ ولا الفضَّةَ بالفضَّةِ، ولا البُرَّ بالبُرِّ إلا مثلاً بمُثلٍ، ولا تبيعوا بعضها ببعض على التأخير».
1- قوله: «لا تبيعوا»: النهي للتحريم لثبوت الوعيد على الربا.
2- قوله: «إلا مِثلاً بمثل» بكسر الميم وإسكان المثلثة في الموضعين ونصب الأول على أنه مصدر، أي إلا بيعاً موزوناً بموزون( 1) وظاهره يمنع الزيادة في بيع الجنس بجنسه، وإن كان «يداً بيد»، وكذلك قوله في حديث عبادة: «إلا مثلاً بمثل ويداً بيد سواءً بسواءٍ عيناً بعينٍ»، وكذلك قوله للعامل المشتري للتمر الجنيب الصاعُ بصاعين والصاع بثلاثة «لا تفعل بيع الجمع بالدرهم وابْتَعْ بالدراهم جنيباً»، فهذا كله يدل على منع المفاضلة في الجنس الواحد، وقد صرح بذلك حديث أبي هريرة عند مسلم( 2): «فمن زاد أو استزاد فقد أربا إلا ما اختلفت ألوانه»، وقد أخذ بذلك جمهور قومنا. (1/5)
صفحة 6
وذهب أصحابنا إلى أن الربا إنما يختص بالنسيئة وأنه لا بأس بالزيادة في الجنس الواحد إذا كان يداً بيد، وهو قول ابن عباس وابن عمر وأسامة بن زيد وزيد ابن أرقم وابن الزبير وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وحجتهم على ذلك حديث سلمة عند الشيخين(3 ) وغيرهما بلفظ: «إنما الربا في النسيئة» زاد مسلم في رواية عن ابن عباس: «لا ربا فيما كان يداً بيد» وأخرج الشيخان والنسائي عن أبي النهال قال: سألت زيد بن أرقم والبَراء بن عازب عن الصرف فقالا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق ديناً، وأخرج مسلم عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن الصرف فقال: «إلا يداً بيد» قلت: نعم، قال: فلا بأس، فأخبرت أبا سعيد فقال: أوَ قال ذلك؟ إنا سنكتب إليه فلا يُفتيكمُوه، وله من وجه آخر عن أبي نَضرة، سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا بأساً وإني لقاعدٌ عند أبي سعيد فسألته عن الصَّرف فقال: ما زاد فهو رباً، فأنكرت ذلك لقولهما فذكر الحديث، وأخرج ابن ماجه عن عمر بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: الدرهم بالدرهم والدينار بالدينار، فقلت: إن سمعت ابن عباس يقول غير ذلك، قال: أما إني لقيت ابن عباس فقلت: أخبرني عن هذا الذي تقول في الصرف، أشيءٌ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم شيءٌ وجدته في كتاب الله؟ قال: ما وجدته في كتاب الله ولا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أخبرني أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الربا في النسيئة»، قال في الفتح: واتفق العلماء على صحة حديث أسامة، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد فقيل: إن حديث أسامة منسوخ؟ لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل المعنى في قوله: لا ربا إلا الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب: «لا عالم في البلد إلا زيد» مع أنه فيها علماء غيره، وأن القصد نفي (1/6)
صفحة 7
الأكمل لا نفي الأصل، وأيضاً ففي تحليل ربا الفَضْل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم، فيقدم عليه حديث أبي سعيد لأن دلالته بالمنطوق فيُحمل حديث أسامة على الربا الأكبر هذا كلامه، وللقائلين بجواز التفاضل نحو ذلك في ترجيح قولهم، فمنهم من ادَّعى نسخ وجوب المماثلة والمساواة كما ادّعى مخالفهم نسخ حديث أسامة، ولكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ومنهم من ذهب إلى الترجيح كالشيخ عامر في إيضاحه، وقد أخرج مسلم( 4) عن ابن عباس أنه: «لا ربا فيما كان يداً بيد» قال في الإيضاح: وروي عن ابن عباس وأبي بكر الصديق وأسامة بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ربا إلا في النسيئة».
قلت: ويؤيده قوله إلى قوله(6 ): } وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ { تعالى(5 ): فإنه يدل أن الربا الذي } وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ { جاءت الآية بتحريمه إنما هو في النسيئة، إذ لولا ذلك لما كان لذكر رؤوس الأموال معنى، وكذلك النظرة إلى الميسرة، فعلمنا من كتاب الله مصداق ما روى أسامة، وسيأتي أنه صلى الله عليه وسلم ابتاع بعيراً ببعيرين، وأجازَ بيع عبد بعبدين، قال ابن عباس: لأن هذا «يداً بيد»، قال في الإيضاح: وروي أن أسامة بن زيد وزيد بن أرقم كانا يأتيان وادي القُرى فعاب عليهما ناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتي أسامة بن زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاله له النبي صلى الله عليه وسلم: بأساً.- عليه السلام -«يداً بيد»، فقال: نعم، ولم نرَ به (1/7)
صفحة 8
3- قوله: «ولا تبيعوا بعضها ببعض على التأخير»: أي لا تبيعوا بعض هذه الأجناس ببعض إلا يداً بيد، فقوله: «على التأخير» في موضع الحال، والمراد به النسيئة، وفي رواية عند الشيخين(7 ) وأحمد: ولا تبيعوا منهما غائباً بناجز، بالنون والجيم والزاي، وهو الحاضر أي لا تبيعوا مؤجلاً بحال، ويحتمل أن يُراد بالغائب ما هو أعم من المؤجل كالغائب عن المجلس مطلقاً، مؤجلاً كان أو حالاً، واستُدل به على منه التقاصص بين الذهب والفضة، وذلك أن يكون لرجل على آخر دنانير، وللآخر عليه دراهم، فإنه قيل لا يجوز أن يقاص أحدهما الآخر بماله عليه لأنه يدخل في معنى بيع الذهب بالورق ديناً، لأنه إذا لم يجز غائب بناجز فأحرى أن لا يجوز غائب بغائب، وقيل: يجوز التقاصُّ لأن أرباب السنن أخرجوا عن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع أبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: لا بأس به إذا كان بسعر يومه ولم تفترقا وبينكما شيء والله أعلم.
-----------------------------------------
(1 ) أو على أنه مصدر مؤكد: أي يوزن وزناً بوزن.
(2 ) مسلم (الحلبي) 3/1211، ورقم الحديث 83.
(3 ) البخاري (3/98) مطبعة البابي الحلبي 1345 في [باب بيع الدينار بالدينار نسْأ]، ومسلم (الحلبي) 3/1217 في [كتاب المساقاة]، ورقم الحديث 101 و102 و104.
(4 ) مسلم (الحلبي) 2/1218 من [باب بيع الطعام مثلاً بمثل]، ورقم الحديث 103.
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا { (5 ) الآية (2/279) ونصها: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ . } أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ
(6 ) الآية (2/28) ونصها: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ { . } لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (1/8)
صفحة 9
(7 ) البخاري (3/74) هو الحديث الثاني من [باب بيع الفضة بالفضة] ومسلم (الحلبي) 3/1208 أول [باب الربا]، ورقم الحديث 76
--- (1/9)
صفحة 10
ما جاء في الصَّرف
67- أبو عبيدةَ عن جابر بن زيد قال: بلغني عن طَلْحةَ ابن عُبيدالله أنه التمسَ من رجلٍ صَرفاً، فأخذ طلحةُ الذهبَ بيده يقلِّبُه، فقال: حتى يجيئني خازني من الغابة وعمر بن الخطاب رضي الله عنه حاضرٌ يسمع كلامهما، فقال: «واللهِ لا أفارقهما حتى يتمَّ الأمرُ بينكما فإني سمعتُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال: الذهبُ بالورَقِ رباً إلا هاء وهاءَ، والبُرُّ بالبرِّ رباً إلا هاءَ وهاء، والتمرُ بالتمرِ رباً إلا هاءَ وهاءَ، والشعيرُ بالشعيرِ رباً إلا هاءَ وهاءَ».
الحديث رواه البخاري(1 ) من طريق مالك والترمذي( 2) من طريق الليث عن ابن شهاب بن مالك بن أوس بن الحدثان أنه قال: أقبلتُ أقول: من يَصْطرف الدراهم؟ فقال طلحة بين عبيدالله: وهو عند عمر بن الخطاب: أرنا ذهبك، ثم إننا إذا جاء خادمنا نعطيك ورقك، فقال عمر بن الخطاب: كلا والله لتعطينَّه ورقه أو لترُدَّن إليه ذهبه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « بالورَقِ الذهبُ رباً إلا هاء وهاءَ...إلخ»، وهذا لفظ الترمذي، وقال البخاري عن ابن شهاب بن مالك بن أوس أخبره أنه التمس صَرفاً بمائة دينار فدعاني طلحة بن عبيدالله فتراوضنا حتى اصطرف مني، فأخذ الذهب يقلبها في يده ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع ذلك فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب رباً إلا هاء وهاء...إلخ».
1- قوله: «التمسَ»: أي طلب، وقد تقدم أن الملتمِس لذلك وهو مالك بن أوس، ولعله إنما نسب الالتماس إلى طلحة نظراً إلى أن طلحة دعاه إلى ذلك بعد قوله: مَن يصطرف الدراهم؟ فإن طلحة دعاه لذلك، فكان كل واحد منهما ملتمساً الصرف من صاحبه، ونسبته إلى طلحة أظهر، لأن مالكاً إنما طلب ذلك في الجملة، وطلحة قَصَده للالتماس. (1/10)
صفحة 11
2- قوله: «من رجل»: هو مالك بن أوس بن الحدثان.
3- وقوله: «صَرْفاً» بفتح الصاد المهلمة: هو بيع الدراهم بالذهب أو عكسه، وسمي بذلك لصرفه عن مقتضى البياعات من جواز التفاضل فيها، وهذا قول من يمنع التفاضل في ذلك، وقيل من الصَّريف وهو تصويتهما في الميزان.
4- قوله: «الذهب»: اسم للنوع الخاص من النقدين، وهو أشرفهما يذكر ويؤنث، وكان قدر الذهب الذي أراد مالك المصارفة به مائة دينار كما في رواية البخاري.
5- قوله: «حتى يجيء خازني» بالخاء والزاي المعجمتين ثم نون: أمينه على خزانته، وفي رواية الليث عند الترمذي خادمي، قال ابن حجر: ولم أقف على تسمية الخادم الذي أشار إليه طلحة.
6- قوله: «من الغابة» بالغين المعجمة وبعد الألف موحدة: موضع قريب من المدين من عواليها، وبها أموال لأهلها، وهو المذكور في حديث المنبر أن عُمل من طَرْفاء الغابة، وفي حديث السباق وفي حديث تركة الزبير، وغير ذلك، وأصل الغابة الأجمة ذات الشجر المتكاثف لأنها تُغيِّب ما فيها وجمعها غابات.
7- قوله: «الذهب بالورق»: هكذا ذكر في رواية الشيخين(3 ) وأحمد والترمذي وعليها شرح ابن حجر، قال ابن عبدالبر: لم يختلف على مالك فيه، وحمله على الحُفَّاظ حتى رواه يحيى بن أبي كثير عن الأوزاعي عن مالك وتابعه معمَّر والليث وغيرهما، وكذلك رواه الحُفَّاظ عن ابن عُيَيْنة وشذَّ أبو نعيم عنه، وقال الذهب بالذهب، وكذلك رواه ابن إسحاق عن الزهري، ويجوز في قوله: «الذهب بالورق» الرفع أي بيع الذهب بالورق، فحذف المضاف للعلم به، أو المعنى الذهب يباع بالذهب، والذهب يطلق على جميع أنواعه المضروبة وغيرها.
و«الورق»: الفضة وهو بفتح الواو وكسر الراء وبإسكانها على المشهور، ويجوز فتحهما، وقيل بكسر الواو المضروبة وبفتحها: المال، والمراد هنا جميع أنواع الفضة مضروبةً وغير مضروبة. (1/11)
صفحة 12
8- قوله: «إلا هاء وهاء»: بالمد وفتح الهمزة، وقيل بالكسر، وقيل بالسكون، وحكي القَصر بغير همز، وخطأها الخطابي، وردَّ عليه النووي وقال: هي صحيحة لكن قليلة، والمعنى خذْ وهات، وحكي «هاك» بزيادة كاف مكسورة، ويقال: «هاءِ» بكسر الهمزة بمعنى هات، وبفتحها بمعنى خذ بغير تنوين، وقال ابن الأثير: هاء وهاء هو أن يقول كل واحد من البيعين هاء فيعطيه ما في يده كالحديث الآخر «إلا يداً بيد» يعني مقابضةً في المجلس، وقيل معناه خذ وأعط، وقال ابن مالك: هاء اسم فعل يعني خذ، وإن وقعت بعد «إلا» فيجب تقدير قول قبله يكون به محكياً، فكأنه قيل ولا الذهب بالذهب إلا مقولاً عنده من المتبايعين «هاء وهاء»، وقال الخليل: كلمة تستعمل عند المناولة، والمقصود من هاء وهاء أن يقول كل واحد من المتعاقدين لصاحبه: هاء فيتقابضان في المجلس، وقال ابن مالك: حقها أن لا تقع بعد إلا كما لا يقع بعدها خذ، قال فالتقدير لا تبيعوا الذهب بالورق إلا مقولاً بين المتعاقدين هاء وهاء. (1/12)
صفحة 13
9- قوله: «والتمر بالتمر رباً إلا هاء وهاء» سواء كان كلاهما يابساً أو أحدهما رطباً، وقد تقدم في ذلك في المنهي عن المزابنة، وهو بيع التمرة على رؤوس النخل بالتمرة وسيأتي الرخصة في بيع العرايا، قال ابن عبدالبرّ في هذا الحديث أن الكبير يلي البيع والشراء لنفسه، وإن كان له وكلاء وأعوان يكفونه، وفيه المماكسة في البيع والمراوضة وتقليب السلعة، وفائدته الأمن من الغبن، وإن من العلم ما يخفى على الرجل الكبير القدر حتى يذكِّره غيره، وإن الإمام إذا سمع أو رأى شيئاً لا يجوز ينهى عنه ويرشد إلى الحق، وأن من أفتى بحكم حَسُن أن يذكر دليله، وفيه أن الإمام يتفقد أحوال رعيته ويهتم بمصالحهم، وفيه اليمين لتأكيد الخبر، وفيه الحجة بخبر الواحد، وأن الحجة على من خالف في حكم من أحكام كتاب الله أو حديث رسوله، وفيه أن النسيئة لا تجوز في بيع الذهب بالورق، وإذا لم يجز فيهما مع تفاضلهما فأحرى أن لا يجوز في الذهب بالذهب وهو جنس واحد، وكذا الورق بالورق.
قال ابن حجر(4 ): يعني إذا لم تكن رواية ابن إسحاق ومن تابعه محفوظة فيؤخذ الحكم على دليل الخطاب، وقد نقل ابن عبدالبر وغيره الإجماع على هذا الحكم أي التسوية في البيع بين الذهب والذهب، وبين الذهب بالورق، فيستغنى حينئذ بذلك عن القياس والله أعلم.
-------------------------------------------
(1 ) البخاري (3/74) وهو الحديث الأول من [باب بيع الشعير بالشعير] وسنده: حدثنا عبدالله بن يوسف «أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن مالك بن أوس».
(2 ) صحيح الترمذي (5/252)، وهو الحديث الثالث من [باب ما جاء في الصرف].
(3 ) البخاري (3/98) من [باب بيع الورق بالذهب نسيئة]، ومسلم 3/1209 من [باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً] ورقم الحديث 79.
(4 ) في فتح الباري 4/316.
--- (1/13)
صفحة 14
ما جاء في الإنكار على من عمل بالربا جهلاً بالحكم أو تجاهلاً به
68- الربيعُ عن عُبادة ابن الصامت قال: خرجنا في غزوةٍ وعلينا مُعاوية فأصَبْنا ذَهباً وفضَّةً، فأمر مُعاويةُ رَجُلاً يبيعها للناس في أعطياتهم، فسارَعَ الناسُ فيها، فقامَ عُبادةُ فنهاهُمْ فردوها، فأتى الرجُل معاوية فشكى إليه، فقامَ معاويةُ خطيباً فقال: «ما بالُ رجالٍ يحدَّثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديثَ يَكْذبونَ فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم لمْ نَسْمعها مِنهُ!»، فقامَ عُبادةُ فقال: «واللهِ لأُحَدثنَّ بما سَمِعْتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كَرِهَ مُعاوية، فقال: «قال رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لا تَبيعوا الذَّهَبَ بالذهَبِ، ولا الفِضَّةَ بالفضَّةِ، ولا البُرّ بالبُرِّ، ولا الشعيرَ بالشعيرِ، ولا المِلحَ بالملحِ إلا مثلاً بمثْلْ، يداً بيدٍ، سواءً بسواءٍ، عيْناً بعينٍ».- (1/14)
صفحة 15
1- قوله: «عن عُبادة بن الصامت» الحديث رواه أيضاً مسلم(1 ) والنسائي(2 ) من طرق متعددة بألفاظ مختلفة مؤادها واحد، قال مسلم في سنده عن أيوب عن أبي قلابة قال: كنتُ بالشام في حلقةٍ فيها مسلم بن يسار فجاء أبو الأشعث قال قالوا: أبو الأشعث أبو الأشعث، فجلس، فقلت له: حدِّث أخانا حديث عبادة بن الصامت، قال: نعم، غزونا غزاةً وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضَّة، فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارَعَ الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب، وذكر الحديث(3 )، ثم قال: فردَّ الناس ما أخذوا فبلغ ذلك معاوية فقام خطيباً فقال: «ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه؟» فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال: لنحدثنَّ بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية، أو قال وإن رَغِمَ ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء.
2- قوله: «في غزوة»: لم أقف على اسمها، وكأنها من غزوات معاوية في أيام إمارته على الشام في آخر أيام عثمان، لأن الحال يشهد بذلك إذ لم يكن قبله تقية لمعاوية، وقد مات عبادة في سنة أربع وثلاثين على الصحيح، فلم يدرك دولة معاوية، وقيل إنه مات في سنة خمس وأربعين أيام معاوية، فإن صحَّ هذا القول فتكون هذه الغزوة من غزوات معاوية في أيام دولته، وهي بالشام لما في رواية ذكرها ابن الأثير من طريق قتادة عن مسلم بن يسار عن ابن الأشعث الصنعاني عن عبادة بن الصامت أنه قام في الشام خطيباً.
3- قوله: «وعلينا معاوية»: يعني أنه أمير عليهم.4-
4- قوله: «فأصبنا ذهباً وفضة»: فسِّر ذلك رواية مسلم «فكان فيما غنمنا آنية من فضة»، ولم يذكر الذهب، ولعل الفضة كانت آنية وكان الذهب حَلْياً وبهذا الاحتمال يُجمع بين الروايتين. (1/15)
صفحة 16
5- قوله: «رجلاً»: لم أقف على اسمه.-
6-قوله: «في أعطياتهم»: أي بأعطياتهم، والمراد بها ما يجعله الإمام أو السلطان للرعايا من النصيب المقدر في بيت المال يأخذونه على كل سنة أو شهر كلٌّ على قدر منزلته، وأول من جعل ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
7- قوله: «فسارع الناس فيها»: أي في شرائها، ورواية مسلم «فتسارع الناس في ذلك» وإنما تسارعوا إلى ذلك لأنهم يأخذونه في الحال والنفس مجبولة على حب العاجل.
8- قوله: «فنهاهم»: أي وذكر لهم الحديث كما في رواية مسلم.-
9- قوله: «فأتي الرجل»: هو المأمور ببيع الذهب والفضة.
10- قوله: «فشكى إليه»: أي ما كان من عبادة، فإن الناس قبلوا من عبادة وردُّوا ما أخذوا كما في رواية مسلم.
11- قوله: «ما بال رجال...إلخ»: أي ما شأنهم وأي شيء حملهم على ذلك، وفي رواية مسلم: «ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه».
12- قوله: «لم نسمعها منه»: قال بعض الحنفية في حاشيته على النسائي: هذا استدلال بالنفي على رد الحديث الصحيح بعد ثبوته مع اتفاق العقلاء على بطلان الاستدلال بالنفي وظهور بطلانه بأدنى نظر بل بديهةٍ، قال: فهذا جرأة عظيمة ثم استغفر له.
13- قوله: «والله لأحدثنَ...إلخ»: إنما حمله على ذلك ما رواه النسائي من طريق قتادة عن مسلم بن يسار عن أبي الأشعث الصنعاني عن عبادة بن الصامت وكان بدرياً، وكان بايع النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يخاف في الله لومة لائم، فظاهره أن الحامل له على الإنكار هذه البيعة، قال محشي النسائي: وإلا لما قام خوفاً من معاوية. (1/16)
صفحة 17
14- قوله: «ولو كره معاوية»: وفي رواية مسلم: «وإن كره معاوية» أو قال وإن رَغِمَ ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء، قال النووي: يقال رَغِمَ بكسر الغين وفتحها، ومعناه ذلَّ وصار كاللاصق بالرَّغام وهو التراب، وفي هذا الاهتمام بتبليغ السنن، وفسَّر العلم وإن كرهه من كرهه لمعنى وفيه القول بالحق وإن كان المقول له كبيراً.
15- وقوله: «إلا مثلاً بمثل يداً بيد سواءً بسواءٍ عيناً بعين» لم يذكر في رواية مسلم قوله: «مثلاً بمثل يداً بيد» بل اقتصر على الأخيرين، وذكر في رواية النسائي قوله: «إلا سواء بسواء مثلاً بمثل» قيل: وإنما أعاد ذكر هذه الألفاظ للتأكيد، وقيل معنى «مثلاً بمثل» المماثلة في الصفة كالجود والرداءة، فإن تخالفا لم يجز ولو استويا في الكمية، ومعنى «سواء بسواء» المساواة في الكمية، ومعنى «عيناً بعين» حاضراً تراه العين بحاضر تراه العين، وهو معنى قوله: «يداً بيد» زاد مسلم والنسائي في رواية قوله «فمن زاد وازداد فقد أربى»، وهو يدل على تحريم ربا الفضل يداً بيد عند اتحاد الجنس. (1/17)
صفحة 18
قال القطب متعنا الله بحياته: ولولا حديث عبادة لقيَّدنا قوله: «فمن زاد أو ازداد فقد أربى» بالنسيئة لحديث «إنما الربا في النسيئة»، كما قيل لمحل الدليل قام عند أصحابنا، على أن حديث عبادة الذي تقدم منسوخ بابتياعه صلى الله عليه وسلم بعيراً ببعيرين وإجازته بيع عبد بعبدين، ولو كان احتجاج عبادة به على معاوية ظاهراً في عدم نسخه، قال: وقد روي عن ابن عباس أنه استدل بحديث «إنما الربا في النسيئة» على أنه لا ربا في النقد، وأكثر الأمة على أن في الفضل يداً بيد رباً كما في الفضل بالنسيئة، بل قال الإمام الماهر أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم: أن الأمة اجتمعت عليه إلا ابن عباس فإنه حصر الربا في النسيئة، وذكر عنه أنه رجع عن هذا الحصر إلى إثبات الربا في الفضل يداً بيد لا في النسيئة أيام مرض موته بالطائف، وقال أردنا أن نسد عنكم أبواب الربا فأبيتم إلا فتحها، قال: وتعجب بعض المتأخرين مما ذكره أبو يعقوب، قال والتحقيق أن «مثلاً بمثل» بالتأخير ربا إلا القرض فإنه غير ربا إلى أن قال: فباب القرض صورة رباً أباحها الله لنا بفضله واستثناها من الربا المحرَّم، ذكره الربيع ثوباً بثوب نسيئة، وحرَّمه أبو عبدالله #61561;، وكلام أبي يعقوب يميل إلى تحريم المفاضلة يداً بيد، وكذلك كلام القطب وإن كان ميله أخفى، وقدمت الكلام في حكم ذلك والإجماع الذي ادّعاه أبو يعقوب غير مسلم، بل الخلاف في المسألة باق مستمر من الصحابة ومن بعدهم، ورجوع ابن عباس لم يصح بل ذكر بعض قومنا رجوعه حين أخبره أبو سعيد عن حديثه المتقدم، وبعض لم يذكر رجوعه وذكروا رجوع ابن عمر، واحتجاج عبادة بالحديث عن معاوية لا ينافي النسخ ولو صحَّ أنه إنما احتجَّ به على منع بيعهم الفاسد، وهو بيع الذهب والفضة في أعطياتهم، وهو مجمع على تحريمه لأنه بيع بعضها ببعض على التأخير وهو بيع غائب منها بناجز والله أعلم. (1/18)
صفحة 19
--------------------------------------------------------------
(1 ) مسلم (الحلبي) 3/1210 من [باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً] ورقم الحديث 80.
(2 ) النسائي (الميمنية) 3/221 في [باب بيع الشعير بالشعير].
(3 ) وبقيته: والفضَّةُ بالفضةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعيرُ بالشعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ إلا سواءً بسواءٍ عيناً بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، فرد الناس… إلخ.
--- (1/19)
صفحة 20
ما جاء في بيع الحيوان بعضه متفاضلا ً
69- أبو عُبيدةَ عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ابتاعَ بَعيراً ببعيرين وأجازَ بيعَ عبدٍ بعبدين إلا أن هذا يداً بيد.
وإنما ذكر المرتب هذا الحديث بعد حديث عبادة إشارة إلى نسخ وجوب التماثل كما قال به بعضهم، وذكر النووي الإجماع على جواز بيع عبد بعبدين إذا كان نقداً، وهو عندهم مخالف لحكم الربويَّات، فلا يرونه معارضاً للأحاديث الموجبة للتماثل والتساوي في الأجناس الربوية، ونحن نرى أنه معارَض فنُرجِّح الأخذ به لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وأجاز فعله: ابتاع بعيراً ببعيرين، قال القطب: أي اشتراه بهما يداً بيد.
1- قوله: «وأجاز بيع عبد بعبدين» قال القطب: اشترى له رجل عبدين بعبد فأجاز بيعه، قال: وأباح أيضاً بيع عبد بأربعة يداً بيد(1 )، وروى الخمسة وصحَّحه الترمذي(2 ) عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى عبداً بعبدين، وروى مسلم( 3) معناه، ولفظه «عن جابر قال جاء عبدٌ فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بعنيه، فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحداً بعدُ حتى يسأله أعبد هو؟» وروى أحمد ومسلم وابن ماجه(4 ) عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى صفية بسبعة أرؤس من دِحيةَ الكلبي. (1/20)
صفحة 21
2- قوله: «إلا أن هذا يداً بيد»: هذا من كلام ابن عباس رضي الله عنهما، وذكره ليبين أن التفاضل في الجنس الواحد إذا كان يداً بيد جائز، وروى الخمسة وصحَّحه الترمذي(5 ): عن الحسن بن سَمُرة قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وروى عبدالله بن أحمد مثله من رواية جابر بن سمرة، وهذا يؤيد ما قاله ابن عباس في تقييد ذلك، وهو يدل على أن الحيوان كغيره من الأجناس، فما جاز في غيره وما امتنع امتنع، فلا يجوز عندنا بيع شيء من ذلك بجنس نسيئة، ويجوز يداً بيد، وبذلك قال أحمد بن حنبل وأبو حنيفة وغيره من الكوفيين، وأجاز الجمهور من قومنا ببيع الحيوان بالحيوان نسيئة متفاضلاً مطلقاً وشرط مالك أن يختف الجنس وهو أقرب مما قبله، وحديث سمُرة يرد عليهم، وتكلفوا الجواب عنهم مرة بالطعن فيه وأخرى بتكلف التأويل، ولا داعي إلى ذلك كله والله أعلم.
------------------------
(1 ) البخاري (3/108) في [باب بيع العبيد والحيوان بالحيوان نسيئة]، ونص روايته: واشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه.
(2 ) الترمذي (المطبعة المصرية 1931)، والحديث في [باب ما جاء في شراء العبد بالعبدين]: 5/247.
(3 ) مسلم (3/1225) في [باب جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلاً]، ورقم الحديث 123.
(4 ) سنن ابن ماجه (2/763) في [باب الحيوان بالحيوان متفاضلاً يداً بيد] ورقم الحديث 2272.
(5 ) صحيح الترمذي (5/246) في [باب ما جاء في كراهية بيع الحيوان بالحيوان نسيئة].
--- (1/21)
صفحة 22
ما جاء في بيع التمر بالتمر
70- أبو عُبيدةَ عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخُدريّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اسْتعمََ على خيبر رجلاً فجاءهُ بتمرٍ جَنيب(1 )، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكلُّ تمر خيبر هكذا؟» فقال: لا واللهِ إنَّنا لنأخُذ الصَّاع من هذا بصَاعين والصَّاعَ بثلاثة، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَفعل بِع الجمعَ بالدراهم وابتَعْ بالدراهم جنيباً».
1- قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث رواه أيضاً البخاري(2 ) ومسلم( 3) والنسائي( 4) عن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال: حدثنا أبو سعيد الخدري قال: كنا نُرزق تمر الجمع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنبيع الصاعين بالصاع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا صاعيْ تمر بصاع ولا صاعيْ حنطة بصاع ولا درهماً بدرهمين.
2- قوله: «استعملَ»: أي اجعل عاملاً عليها.
3- قوله: «رجلاً»: قيل اسمه سَوادُ بن غزية بمعجمه فزاي فياء مشددة كعطية، الأنصاري من بني عدي بن النجار، وقيل: هو حليف لهم من بَلي بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة، قال ابن الأثير: وهو كان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر فأتاه بتمر جنيب قد اشترى منه صاعاً بصاعين من الجمع، وفي النسائي عن أبي سعيد قال: أتى بلال رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر برنيّ، فقال: ما هذا؟ فقل: اشتريته صاعاً بصاعين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوْهِ! عينُ الربا لا تقربه، وقوله: «أوْهِ» كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجّع، وهي ساكنة الواو مكسورة الهاء، وربما قلبوا الواو ألفاً فقالوا (آهِ) وربما شددوا الواو وكسروها وسكنوا الهاء فقالوا (أوِّه). (1/22)
صفحة 23
4- قوله: «جنيب»: بجيم مفتوحة فنون مكسورة وياء مسكنة وآخره موحدة، قيل هو الطيِّب من التمر، وقيل هو الصلب، وقيل ما أخرج منه حشفه ورديئه، وقيل ما لا يختلط بغيره، وقيل هو تمر جيد.
5- قوله: «والصاع بثلاثة»: في رواية البخاري(5 ) ومسلم، والصاعين بثلاثة بالتثنية، والمعنى أنهم يأخذون القليل من الجنيب في الكثير من غيره، حتى أنهم يزيدون النصف والثلثين.
6- قوله: «لا تفعل»: أي لما في ذلك من التفاضل، فإن كان الواقع من العامل بيعاً نسيئة، فظاهر عند الكل لأنه المحرَّم إجماعاً، وإن كان يداً بيد كما هو الظاهر من سياق الحديث فهو حجة لمن يمنع المفاضلة في الجنس الواحد، ولو كان بيعاً يداً بيد، ويكون الكلام فيه على نحو ما تقدم في حديثي أبي سعيد وعبادة.
7- قوله: «بع الجَمْع»: بفتح الجيم وسكون الميم، قيل: هو التمر المختلط من أنواع متفرقة وليس مرغوباً فيه، وما يخلط إلا لردائته، وقيل هو كل لون من النخيل لا يعرف اسمه.
8- قوله: «وابتع بالدراهم جنيباً»: أي اشتر الجَنيب بالدراهم، فكأن العامل قال: إن أهل التمر لا يُعطون من الجيد مقابلة الرديء بقدره ولا يرضون به فكيف نفعل إذا بعنا الجيد، هل نزيد لهم من الرديء؟ فبيَّن له صلى الله عليه وسلم أن من أراد تحصيل الجيد ينبغي له أن يبيع رديئه بنقد ثم يشتري به الجيد، وليس فيه أن يبيع الرديء من صاحب الجيد لكن بإطلاقه يشمل ما إذا باع، فكأنه لهذا الإطلاق استدلَّ به بعضهم على جواز حيلة الربا المعروف ببيع الذرائع وبيع العَيْنة، قالوا أمره صلى الله عليه وسلم أن يشتري بثمن الجمع جنيباً، ويمكن أن يكون بائع الجنيب منه هو الذي اشترى منه الجمع فيكون قد عادت إليه الدراهم التي هي عين ماله لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره أن يشتري الجنيب من غير من باع منه الجمع وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم. (1/23)
صفحة 24
وتُعقَّب بأنه مطلق، والمطلق لا يشمل فإذا عُمِلَ به في صورة سقط الاحتجاج به في غيرها، فلا يصح الاستدلال به على جواز الشراء ممن باع منه تلك السلعة بعينها، والله أعلم.
---------------------------------
(1 ) الجنيب: التمر الجيد.
(2 ) البخاري (3/58) الحديث الأول من بيع التمر بالتمر، [باب بيع الخلط من التمر].
(3 ) مسلم (3/1215) في [باب بيع الطعام مثلاً بمثل]، ورقم الحديث98.
(4 ) النسائي (3/221) من [باب بيع التمر بالتمر متفاضلاً].
(5 ) البخاري(3/102)، وهو الحديث الأول من [باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه].
--- (1/24)
صفحة 25
ما جاء من الرخصة في بيع العرايا
71- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخُدري أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّصَ لصاحب العَرايا أن يبيعها بخَرْصِها تمراً.
قال الربيع: قال جابر: وبلغنا ذلك أيضاً عن زيد ابن ثابت رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الربيع: «العَرَايا» نخل يُعطي الرجُلُ ثمرها للآخر ثمَّ يقولُ له بعدَ ذلك لا طريقَ لك عليَّ، فرخَّص له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعها بخرصها تمراً.
وقد ذُكر في ذلك حديثين: أحدهما حديث أبي سعيد، والثاني حديث زيد بن ثابت، رواه جابر بلاغاً، وهو عند مالك في الموطأ والبخاري( 1) ومسلم عن نافع عن عبدالله بن عمر عن زيد بن ثابت، وروى أحمد والبخاري والترمذي عن رافع بن خديج وسهل بن أبي حَثمة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة وعن بيع الثمر بالثمر إلا أصحاب العرايا فإنه قد أذن لهم، رواه أحمد زاد الترمذي وعن بيع العنب بالزبيب، وعن كل ثمر بخرصه.
1- قوله: «رخَّص»: بالتشديد من الترخيص، وفي رواية أرْخَصَ بالهمزة من الإرخاص وكلاهما بمعنى واحد وهو بذل الرخصة في استباحة ما كان ممنوعاً، فبيع العرايا مستثنى من النهي عن بيع المزابنة(2 ) المتقدم في باب المناهي، وفي بيع التمر بالتمر متفاضلاً المذكور قبل هذا الحديث. (1/25)
صفحة 26
2- والعَرَايا جمع عَريَة(3 ) بفتح المهملة وشد التحتية، قال الربيع: العرايا نخل يعطي الرجل ثمرها للآخر ثم يقول له بعد ذلك: لا طريق لك عليَّ، فرخَّص له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعها بخرصها تمراً، وقال غيره: وهي في الأصل عطيَّة ثمر النخل دون الرقبة، كانت العرب في الجدب تتطوَّع بذلك على من لا ثمر له كما يتطوَّع صاحب الشاء أو الإبل بالمنيحة(4 ) وهي عطية اللبن دون الرقبة، ويقال عَريَتِ النخل بفتح العين وكسر الراء يُعْرَ: إذا أفردت عن حكم أخواتها(5 ) بأن أعطاها المالك فقيراً، وقال مالك: العرية أن يُعري الرجلُ الرجلَ النخلة، أي يهبها أو يهب له ثمرها ثم يتأذى بدخوله عليه، ويرخص الموهوبُ له للواهب أن يشتري رُطبها منه بتمر يابس، وقال الشافعي: إن العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة بخرصه من التمر بشرط التقابض في الحال، واشترط مالك أن يكون التمر مؤجلاً، فهي عنده مستثناة من بيع النسيئة أيضاً، والمذهب يسوّغه، والحديث يدل عليه الإطلاق، والتقييد يحتاج إلى دليل، وقال ابن إسحاق( 6) في حديثه عن ابن عمر: أن يعري الرجل الرجل أن يهب له في ماله النخلة والنخلتين فيشق عليه أن يقوم عليها فيبيعها بمثل خرصها، وأخرج أحمد عن سفيان بن حسين: أن العرايا نخل كانت توهب للمساكين فلا يستطيعون أن ينتظروا بها، فرخَّص لهم أن يبيعوها بما شاؤوا من التمر، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: العرية أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رُطباً بخرصها تمراً.
3- قوله: «بخرصها»: بفتح الخاء المعجمة، وقيل بكسرها وجزم بن ابن العربي وأنكر الفتحَ، وجوزهما النووي وقال: الفتح أشهر قال: ومعناه بقدر ما فيه إذا صار تمراً، فمن فتح قال: هو اسم الفعل، ومن كسر قال: هو اسم للشيء المخروص، واصل الخَرْص: التخمين والحَدْس.
4- قوله: «قال جابر»: يعني ابن زيد. (1/26)
صفحة 27
5- قوله: «وبلغنا ذلك»: يعني حديث الترخيص في بيع العرايا، أي بلغه في ذلك عن زيد بن ثابت الصحابي المشهور مثل حديث أبي سعيد المتقدم، وروى مالك عن نافع عن عبدالله بن عمر عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لصاحب العربية أن يبيعها بخرصها، والحديث ذكره في الموطأ، وأخرجه عنه البخاري( 7) ومسلم عن زيد بن ثابت.
6- قوله: «فرخَّص له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعها بخرصها تمراً»: هذا من كلامه رضي الله عنه، يدل أن الرخصة في ذلك ثابتة مستمرة، ويخصص عموم الحديث بما في رواية أبي هريرة عند الشيخين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق، ذلك قدر النصاب في الزكاة، فالرخصة إنما وقعت فيما دون ذلك لأجل الحاجة أو الضرورة، وما فوق قدر النصاب لا يكون غالباً إلا للتجارة، وممَّن قال بقصر الرخصة فيما دون خمسة أوسق الشافعية والحنابلة وأهل الظاهر، وهو قول عن مالك قالوا: لأن الأصل التحريم وبيع العرايا رُخصة، فيؤخذ بما يتحقق فيه الجواز ويلقى ما وقع فيه الشك، وقصر أبو حنيفة العرية على الهبة، وهي أن يعري الرجل الرجل تمر نخلة من نخلة، ولا يسلم ذلك، ثم يبدو له أن يرتجع تلك الهبة، فرُخِّص له أن يحتبس ذلك ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب بخرصه تمراً وحمله على ذلك أخذه بعموم النهي عن بيع التمر بالتمر.
وتُعقِّبَ بالتصريح باستثناء العرايا في الأحاديث، قال ابن المنذر: الذي رخص في العرية هو الذي نهي عن بيع التمر بالتمر في لفظ واحد من رواية جماعة من الصحابة، قال: ونظير ذلك الإذن في التسليم مع قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تبع ما ليس عندك» والله أعلم.
------------------------------------------------
(1 ) البخاري (3/99) وهو الحديث الأول من [باب تفسير العرايا].
(2 ) في الحديث رقم 57 والصفحة 180 في [باب ما جاء في النهي عن المزابنة والمحاقلة. (1/27)
صفحة 28
(3 ) في لسان العرب (عرا): وأعراه النخلة: وهب له ثمرة عامها، و(العَريَّة): النخلة المعراة، قال سويد بن الصامت الأنصاري:
ليست بسَنْهاءَ ولا رُجَبيَّةٍ ولكن عرايا في السنين الجوائح
(4 ) قال الجوهري في صحاحه: المنيحة منحة اللبن كالناقة أو الشاة تعطيها غيرك يحتلبها ثم يردّها عليك، وفي الحديث: هل من أحد يمنح من إبله ناقةً أهلَ بيتٍ لا درَّ لهم؟
(5 ) وقال الأزهري: ويجوز أن تكون العرية مأخوذة من عَرِيَ يَعرى كأنها عَريت من جملة التحريم، أي حلت وخرجت منها في عرية فعيلة بمعنى فاعلة، وهي بمنزلة المستثناة من الجملة، وقال الأزهري: وأعرى فلانٌ فلاناً ثمر نخلة: إذا أعطاه إياها يأكل رُطبها، وليس في هذا بيع، وإنما هو فضل ومعروف.
(6 ) وفي البخاري (3/100) في [باب تفسير العرايا]: قال ابن إسحاق في حديثه عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما. الحديث.
(7 ) البخاري (3/99) وهو الحديث الخامس من [باب بيع المزابنة]، وسنده: حدثنا عبدالله بن سلمة: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر عن زيد ابن ثابت، الحديث.
--- (1/28)
صفحة 29
ما جاء في استقراض الحيوان والقضاء بالأفضل من جنسه
72- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: استَسْلَف رسول الله صلى الله عليه وسلم بَكراً فجاءَتهُ إِبِلُ الصَّدَقةِ، فأمرَني أن أقضي الرجُلَ بَكْرةً، فقُلت له: لم أجدْ في الإبِلِ إلا جملاً رباعيَّاً خِياراً، فقالَ: افْضهِ إيَّاهُ فإن خَيرَ الناسِ أحسَنُهم قَضَاءً.
1- قوله: «عن أبي رافع»: الحديث رواه الجماعة إلا البخاري، وهو عند المصنف من حديث ابن عباس عن أبي رافع، ففيه من لطائف الإسناد رواية صحابي عن صحابي وقد تقدم له مثل ذلك.
واسم أبي رافع قيل: أسلم، وقيل إبراهيم، وقيل صالح، وقيل ثابت، وقيل هرمز، وقيل سنان، وقيل يسار، وقيل عبدالرحمن، وقيل يزيد، وقيل فرمان: أقوال عشرة، قال ابن عبدالبر: أشهر ما قيل في اسمه أسلم القبطي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم قبل بدر ولم يشهدها، وشهد أحُداً وما بعدها، وقيل: كان مولى العباس فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه، وروى عنه أحاديث، ومات في أول خلافة علي على الصحيح، وقيل في خلافة عثمان.
2- قوله: «استسلف»: أي اقترض، وقيل السين تكون فيه للطلب وقد تكون للتحقيق وهي هن كذلك، لأنه إخبار عن ماضٍ. (1/29)
صفحة 30
3- قوله: «بَكْر» بفتح الموحدة وسكون الكاف: وهو الفتيُّ من الإبل كالغلام من الذكور، والقلوص الفتية من النوق كالجارية من الإناث، وفيه جواز أخذ الدين للضرورة، فإن قيل كيف عَمَرَ ذمته بالدَّين وقد كان يكرهه؟ وقال في حديث: وإياكم والدين فإنه شين، وفي آخر: فإنه هم بالليل ومذلة بالنهار، وكان كثيراً ما يتعوَّذ منه، حتى قيل: ما أكثر ما تستعيذ من المَغْرم! فقال: لأنَّ الرجل إذا غَرِمَ حدَّث فكذب، أجيب بأنه إنما تداين لضرورة، ولا خلاف في جوازه لها، فإن قيل: لا ضرورة لأن الله خيَّره أن تكون بطحاء مكة له ذهباً، أجيب بأنه لما خيره اختار الإقلال من الدنيا والقناعة، وما عدل عنه زهداً فيه لا يرجع إليه، فالضرورة لازمة، وأيضاً فالدين إنما هو مذموم لتلك اللوازم المذكورة وهو معصوم منها؟
4- قوله: «إبل الصدقة»: أي الزكاة.واستشكل أن الصدقة لا تحلُّ له صلى الله عليه وسلم فكيف يقضي منها.
وأجيب باحتمالات:
أحدها أن هذا قبل تحريمها عليه كما قيل.
وثانيها يحتمل أن الصدقة قد بلغت محلها للفقراء ونحوهم ثم صارت له صلى الله عليه وسلم بشراء أو غيره.
ثالثها يحتمل أن يكون استقراضه صلى الله عليه وسلم إنما كان لواحد من أهل الصدقة، فكان من الغارمين فيكون فضل الشيء صدقة عليه، فلا يقال: كيف قضى من إبل الصدقة أجودَ مما يستحقه الغريم؟ وعن أبي هريرة: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه فأغلظ له، فهمَّ به بعض أصحابه، فقال صلى الله عليه وسلم: دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً، ثم قال: أعطوه سناً(1 ) مثل سنه، قالوا: يا رسول الله لا نجد إلا أمثل من سنه، قال: اشتروه فأعطوه إياه فإن خيركم أحسنكم قضاءً، فيحتمل أن ذلك كله قضية واحدة، فحفظ أبو رافع أن أصله من إبل الصدقة، وحفظ أبو هريرة الشراء، وحديث أبي هريرة في الصحيحين(2 ) واللفظ لمسلم. (1/30)
صفحة 31
5- قوله: «أن أقضي الرجل»: لم يسمِّ ذلك الرجل وفي مسند أحمد أنه أعرابي، وفي أواسط الطبراني عن العرباض ما يفهم أنه هو، لكن في النسائي والحاكم ما يقتضي أنه غيره، فكأن القصة وقعت لأعرابي ووقع نحوها للعرباض.
6- قوله: «بَكرة»: بتاء التأنيث: أي بكراً مثل بكرة الذي تسلف منه.
7- قوله: «رباعياً» بتخفيف الياء وفتح الراء والأنثى الرباعية، وهو ما دخل في السنة السابعة، قال الهروي: إذا ألقى البعير رباعيته في السنة السابعة فهو رباعي، ورباعيات الأسنان الأربعة، التي تلي الثنايا من جانبها.
8- قوله «فإن خير الناس أحسنهم قضاءً»: قيل أراد أن الله يوفق لهذا خيار الناس، قيل: وهو الكرم الخفي اللاحق بصدقة السر، فإن المعطي له لا يشعر بأنه صدقة سرّ في علانية ويورث ذلك صحبة ووداداً( 3)، وفي الحديث جواز قرض الحيوان ونسب القول إلى الجمهور، ومنع من جوازه الكوفيون قالوا: لأنه نوع من البيع مخصوص، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان كما سلف، والحديث يرد عيهم، ودعوى النسخ لا تقبل بالاحتمال، فقرض الحيوان جائز كالدراهم والدنانير إلا الولائد، فإن قرضها لا يجوز لأنه يؤدي إلى عارية الفروج، وأجازه بعض المالكية بشرط أن يرد غير ما استقرضه، وأجازه بعض أصحاب الشافعي وبعض المالكية فيمن يحرم وطؤه على المستقرض، وقد حكى إمام الحرمين عن السلف والغزالي عن الصحابة النهي عن قرض الولائد، وفيه جواز رد ما هو أفضل من المثل المقترض(4 ) إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد، وبه قال الجمهور وعن المالكية: إن كانت الزيادة في العقد حرُم اتفاقاً، ولا يلزم من جواز الزيادة في القضاء جواز الهدية ونحوها، قيل: القضاء لأنها بمنزلة الرشوة فلا تحل. (1/31)
صفحة 32
واستدل به في الإيضاح على شيئين: أحدهما جواز أن يجعل الحيوان ثمناً للأشياء كما إذا باعه داره بكذا وكذا ثوراً في سن كذا على وصف مخصوص وسن معلوم، ووجه الاستدلال عنده ثبوت الحيوان في الذمة، فكما أنه ثبت في القرض لحديث الباب كذلك يثبت في الدَّين والسلف والله أعلم.
-----------------------
(1 ) أي بعيراً له مثل بعيره، وفي حديث أبي هريرة دليل على جواز المطالبة بالدين إذا حلَّ أجله، وفيه كذلك دليل على حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وإنصافه وحسن معاملته لمن أغلظ عليه حتى همَّ به أصحابه فقال: «دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً».
(2 ) البخاري (بولاق) 3/153 وهو أول حديث من [باب استقراض الإبل].
( 3) بعكس القرض بالزيادة وللمنفعة لا للتعاون مع أخيه المسلم فإنه مما يورث الحقد والعداوة، ومما يدل على عدم حل قرض المنفعة ما أخرجه البيهقي في المعرفة عن فُضالة بن عبيد موقوفاً بلفظ: «كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا»، ورواه في السنن الكبرى عن ابن مسعود وأبيّ بن كعب وعبدالله بن سلام وابن عباس موقوفاً عليهم.
( 4) وأما إذا قضى المقترض المقرض دون حقه وحلَّله من البقية كان ذلك جائزاً، وقد استدل البخاري على جوازه بحديث جابر في دين أبيه وفيه: «فسألتهم أن يقبلوا ثمرة حائطي ويحللوا أبي».
--- (1/32)
صفحة 33
ما جاء في تحريم الغش
73- أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا ومَن غَشَّنا فليس مِنَّا ومن لم يَرحَم صغيرنا ولم يوقِّر كبيرَنا فليسَ منا» يعني ليس بوليٍّ لنا.
1- قوله: «ألا ومن غشنَّا فليس منا»: يعني ليس بوليٍّ لنا، وقيل: معناه ليس ممَّن اهتدى بهديي واقتدى بعلمي وعملي وحسن طريقتي، كما يقول الرجل لولده إذا لم يرضَ فعله: لستَ مني، وهكذا في نظائره مثل قوله: من حمل علينا السلاح فليس منا، وكان سُفيان بن عُيينة يكره تفسير مثل هذا ويقول: بئس مثلُ القول، بل يمسكُ عن تأويله ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزَّجر، وفيه تحريم الغش وهو مجمع عليه، وقد روى الجماعة إلا البخاري والنسائي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ برجل يبيع طعاماً فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول فقال: من غشنا فليس منا.
2- قوله: «ومن لم يرحم صغيرنا»: يعني الصغير من المسلمين، والرحمة والشفقة عليه والإحسان إليه وملاعبته.
3- وقوله: «ولم يوقِّر كبيرنا»: يعني الكبير من المسلمين، وهو ذو الشيبة في الإسلام وتوقيره: تعظيمه وتجليله بحسب ما يليق بقدره كلٌّ على منزلته في الإسلام، فذو الشيبة العالم أفضل من غيره، وبعده ذو الشيبة الزاهد، وبعده مستور الحال، فإن تساووا في الفضل فالأصغر سناً يُعظِّم الأكبر منه، ولا تعظيم في الإسلام لمن تعدّى حدود الله وخالف أحكامه ولو بلغ في الشيب الهرم، لأن قوله صلى الله عليه وسلم: «كبيرنا» يدلُّ على أن المراد الكبير الذي على طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوفاء بدين الله تعالى، أما الفاسق فقد أوجب الشرع علينا البراءة منه ومباعدته حتى يرجع إلى أمر الله تعالى والله أعلم.
--- (1/33)
صفحة 34
ما جاء في اختلاف الجنسين
74- ومن طريقه عنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اختلفَ الجنسانِ» الحديث.
75- وقال الربيع عن عُبادة بن الصَّامت قال: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا اخْتلَفَ الجنسان فبيعوا كيفَ شئتم».
1- قوله: «ومن طريقه»: يعني ابن عبَّاس بالسند المتقدم(1 ).
2- قوله: «الحديث»: إشارة إلى تقدمه في بيع الشرط(2 ) ونصه هنالك: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إلا ما نهيتكم عنه»، وقد تقدَّم شرحه هنالك.
3- قوله: «عن عبادة بن الصامت»: إثبات للحديث من طريق عبادة أيضاً، كما ثبت عن طريق ابن عباس، وقد أخرج معناه الدارقطني عن أنس وعبادة، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به، ولمسلم( 3) معناه في قوله: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم» لكن زاد فيه قوله: «إذا كان يداً بيد»، وعنده أيضاً من حديث أبي هريرة: «فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه».
والحديث يدل على اعتبار الجنس في معنى الربا سواء كان من الأجناس المنصوص عليها في الأحاديث أو من غيرها، وقد اختلف الناس في ذلك فقصرت الظاهرة حكم الربا على الأجناس المذكورة في الأحاديث وزعموا أنه لا يلحق بها غيرها في ذلك، وذهب من عداهم من العلماء إلى أنه يلحق بها ما يشاركها في العلة.
واختلفوا في العلة ما هي؟ فقيل: الاتفاق في الجنس والطعم فيما عدا النقدين، وأما هما فلا يلحق بهما غيرهما من الموزونات، واستدل على اعتبار الطعم بقوله صلى الله عليه وسلم: «الطعام بالطعام»، وقيل: العلة الجنس والتقدير والاقتيات، وقيل: اتفاق الجنس ووجوب الزكاة، وقيل: العلة في جميعها اتفاق الجنس والتقدير بالكيل والوزن، وقيل: العلة في ذلك المالية بشرط اتفاق الجنس وحصول الأجل والزيادة، ونسبه صاحب النيل إلى أكثرنا فلا يتحقق الربا عندهم إلا باجتماع ذلك كله والله أعلم.
---------------------------------
( 1) والسند هو: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي e، وذكره في نسخة القطب.
(2 ) في بيع الخيار والشرط ورقمه 571.
( 3) مسلم 3/1211 من [باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً]، ورقم الحديث 81 و83.
--- (1/34)
صفحة 35
ما جاء في التسعير
76- وأخرج أبو عُبيدةَ عن جابر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سُئِل عام سنةٍ (وإنما سُمي عام سنةٍ لشدَّة غلائها) إن يُسَعِّرَ عليهُم الأسواق، فامتنع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القابضُ الباسِطُ هو المُسَعِّرُ ولكن اسألوا اللهَ».
وأخرج الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي(1 ) عن أنس قال: غلا( 2) السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله لو سعَّرتَ، فقال: «إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعِّر، وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى ولا يظلمني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دمٍ ولا مال».
1- قوله: «عام سنةٍ»: بفتح المهملة والنون، قال ابن عباس: إنما سمي عامَ سنة لشدة غلائها، وأصل السنة الزمان المعروف، ثم أطلق على الجدب، يقال: أخذتهم السنة إذا أجدبوا وأقحطوا، وهي من الأسماء الغالبة نحو الدابة في الفرس والمال في الإبل، وقد خصوها بقلب لامها تاء في (أسنتوا) إذا أجدبوا.
2- قوله:«أن يسعر»: بضم أوله، من التسعير، وهو أن يأمر السلطان أو نوابه أو كلُ من ولي من أمور المسلمين أمراً أهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا فيمنع من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة.
3- قوله: «القابض الباسط»: صفتان لله تعالى، ومعنى القابض أي يقبض الرزق عمَّن شاء أن يحبسه عنه اختباراً أيصبر أم يجزع؟ ومعنى الباسط أن يوسع الرزق لمن يشاء امتحاناً أيشكر أم يكفر؟ بحسب ما اقتضته الحكمة.
4- قوله: «هو المسعر»: أي مقدِّر التسعير، واستدلَّ به على أن المسعر من أسماء الله الحسنى وأنها لا تنحصر في التسعة والتسعين المعروفة. (1/36)
صفحة 36
5- قوله: «ولكن اسألوا الله»: أي اطلبوا منه رُخص الأسعار، وعند أحمد وأبي داود عن أبي هريرة قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله سعِّره، فقال: بل الله يخفض ويرفع، وقد استدلَّ بالحديث وما في معناه على تحريم التسعير، وأنه مظلمة، ووجهه أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره بمصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به منافٍ لقوله تعالى:(إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، ورُوي عن مالك أنه يجوز للإمام التسعير، وأحاديث الباب تردُّ عليه، وظاهر الأحاديث أنه لا فرق بين حالة الغلاء وحالة الرخص، ولا فرق بين المجلوب وغيره، وإلى ذلك مال الجمهور، وفي وجه للشافعية جواز التسعير في حالة الغلاء، وهو مردود، وجوَّز بعض الناس التسعير فيما عدا قوت الآدمي والبهيمة، وقيل لأهل المنازل أن يردوا أسعار منازلهم إلى سعر السوق القائم المعروف حولهم، والتخصيص يحتاج إلى دليل والمناسب الملغي لا ينتهض لتخصيص صرائح الأدلة والله أعلم.
-------------------------------
( 1) الترمذي 6/53 من باب في الترمذي وسنده: حدثنا محمد بن بشار حدثنا الحجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة وثابت وحميد عن أنس ولفظه قال: غلا السعر على عهد رسول الله e فقالوا: يا رسول الله سعِّر لنا، فقال: «إن الله هو المسعِّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دمٍ ولا مال»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود 3/272 من [باب التسعير] ورقم الحديث 3451.
( 2) وفي الأصل: غلي السعر، وهو من سهو الناسخ، لأنه يقال: غلا السعر، وغلت القدر، لا إلى ولا غَلِيت، ويقال: غَلِيَ الرجل: اشتد غضبه.
--- (1/37)
صفحة 37
ما جاء في إفلاس الغريم
77- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيَّما رجُل أفْلَس فأدْركَ الرجلُ ماله بعينه فهو أحقُّ به من غيره».
جاء في إفلاس الغريم حديث أبي هريرة وكأنه رحمه الله تعالى أشار بذكره في الباب إلى ما استدل به بعضهم على فسخ البيع بالإفلاس، قالوا: وكذلك إذا امتنع المشتري من أداء الثمن مع قدرته بمطل أو هرب قياساً على الإفلاس بجامع تعذر الوصول إليه حالاً، وذكر ابن حجر أن الأصح من قول العلماء أن لا ينفسخ.
1- قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ(1 ) والبخاري(2 ) في صحيحه.
2- قوله: «أيما»: مركبة من أي وهي اسم ينوبُ منابَ صيغة الشرط وما المبهمة المزيدة.
3- قوله: «رجل»: بالجر لإضافة أي إليه وبالرفع بدل من أيّ وليس المبدل منه على نية الطرح وما زائدة، وذكر الرجل غالبيُّ والمراد إنسان.
4- قوله: «أفلس»: أي ذهب ما عنده، يقال: أفلس الرجل كأنه صار إلى حال ليس له فلوس، ويقال: معناه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير فهو مفلس والجمع مفاليس، وحقيقته الانتقال من حالة اليسر إلى حالة العسر، وقيل: المفلس لغة من لا عين له ولا عرض، وشرعاً من قصَّر ما بيده عما عليه من الديون.
5- قوله: «فأدرك»: أي وجد.
6- قوله: «الرجل»: أي الذي باعه أو أقرضه.
7- قوله: «ماله بعينه»: أي وجده باقياً على حاله لم يتغير، وهذا يدل على أنه إن باعه المشتري فأدرك ثمنه فلا يأخذه بل يكون فيه هو والغرماء سواء، ثم إن ظاهره يدل على أن لصحاب المتاع أن يأخذه بغير حكم، وقيل: هو الأصح، وقيل: يتوقف على حكم الحاكم كما توقف ثبوت التفليس على ذلك. (1/38)
صفحة 38
8- قوله: «فهو أحق به من غيره»: أي لا يشاركه فيه الغرماء، وبهذا قال الجمهور من العلماء وهو قول أبي عبدالله محمد بن محبوب رضي الله عنه، وقالت الحنفية وبعض أصحابنا منهم أبو محمد(3 ): هو كالغرماء لقوله تعالى:(وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)(4 )، قالوا: فاستحق النظرة إليها بالآية، وليس له الطلب قبلها، قالوا: ولأن العقد يوجب ملك الثمن للبائع في ذمة المشتري وهو الدين، وذلك وصف في الذمة ولا يتصور قبضه، وحملوا حديث الباب على المغصوب والعواري والإجارة والرهن وما أشبهها، فإن ذلك ماله بعينه فهو أحق به، قالوا: وليس البيعُ مالاً ولا متاعاً له، وإنما هو مال المشتري إذ هو قد خرج عن ملكه وعن ضمانه بالبيع والقبض، وقال أبو معاوية عزان بن الصَّقر وتبعه على تلك أكثر من جاء بعده من فقهاء الأصحاب: إن كان إفلاسه من بعدما اشترى فالبائع والغرماء سواءٌ في المتاع، وإن اشتراه وهو مفلس ولم يعلم البائع بإفلاسه فإن أدرك متاعه أخذه، وإن لم يدرك متاعه لم يدخل مع الغرماء، وإن اشتراه بعد إفلاسه ثم مات فهو بمنزلة المغتصب، فإن وجد المتاعَ بعينه أخذه، وإن لم يوجد المتاع فثمن المتاع في ماله، وله الوفاء دون الغرماء، وهو في غاية من التحقيق لولا ظاهر الحديث، لأن البيع ينعقد قبل الإفلاس لا بعده، فيكون البيع بعد الإفلاس باطلاً فيثبت له عينُ ماله، بخلافه قبل ذلك، لكن الأخذ بظاهر الحديث أولى، على أنه قد وقع النصُّ في حديث الباب أنه في صورة البيع، فأخرج ابن خزيمة وابن حِبَّان من طريق سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمر بن عبدالعزيز عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ابتاع الرجلُ سلعةً ثم أفلس وهي عنده بعينها فهو أحقُّ بها من الغرماء»(5 )، ولمسلم من رواية ابن أبي حسين عن أبي بكر بن محمد بسنده في (1/39)
صفحة 39
الرجل الذي يُعدِمْ إذا وجد عنده المتاع ولم يعرفه أنه لصاحبه الذي باعه، فتبين أن الحديث وارد في صورة البيع(6 )، فلا وجه لتخصيصه بما قله الحنفية وابن بركة وغيرهم، ولا خلاف أن صاحب الوديعة وما أشبهها أحق بها سواء وجدها عند المفلس أو غيره، وقد شرط الإفلاس في الحديث.
قال البيهقي: وهذه الرواية الصحيحة الصريحة في البيع والسلعة تمنع من حمل الحكم فيها على الودائع والعواري والمنصوب مع تعليقه إياه في جميع الروايات بالإفلاس، قال غيره: وأيضاً فصاحب الشرع جعل لصاحب المتاع الرجوع إذا وجد بعينه، والمودع أحق بماله سواء كان في صفته أو تغير عنها فلم يجز حمل الحديث عليه، ووجب حمله على البائع لأنه إنما يرجع بعينه إذا كان على صفته لم يتغير فإذا تغير فلا رجوع له، وأيضاً لا مَدخل للقياس إلا إذا عدمت السنة، فإن وجدت فهي حجة على من خالفها، وقال ابن عبدالبر بعد مرسل مالك في معنى حديث الباب: هذا الحديث صحيح ثابت في رواية الحجازيين والبصريين، وأجمع على القول بجملته فقهاء المدينة والحجاز والبصرة والشام وإن اختلفوا في بعض فروعه، ودفعه الكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه، وهو ما يُعدُّ عليهم في السُّنن التي ردوها بغير سنة صاروا إليها، وأدخلوا النظر حيث لا مدخل له مع صحيح الأثر، وحجتهم أن السلعة مالُ المشتري وثمنها في ذمته فغرماؤه أحقُّ بها كسائر ماله، وهذا ما لا يخفى على أحد لولا أن صاحب الشريعة جعل لصاحب السلعة إذا وجدها بعينها أخذها(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً)(7 ) الآية، قال: لو جاز مثل رد هذه السنة المشهورة عند علماء المدينة وغيرهم بإمكان الوهم والغلط فيها لجاز ذلك في سائر السنن حتى لا تبقى سنة إلا قليل مما أجمع عليه، وهذه السنة أصلٌ برأسها ولا (1/40)
صفحة 40
سبيل أن ترد إلى غيرها لأن الأصول لا تقاس، وإنما تنقاس الفروع رداً على أصولها، قال: ولا أعلم للكوفيين سلفاً إلا م رواه قتادة عن خلاس بن عمرو عن علي قال: فيها أسوة الغرماء إذا وجدوها بعينها، قال: وأحاديث خلاس عن علي ضعيفة ليس في شيء منها إذا انفرد حجَّة، قال: وروى مثله عن إبراهيم النخعي، وليس في قوله حجَّة على الجمهور إذ الواجب عليه الرجوع للسنة، فكيف يقلد ويتع! وهو كلام نفيس جداً.
--------------------------------------
( 1) وسنده: عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، ولفظ الحديث: «أيما رجل باعَ متاعاً فأفلسَ الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئاً فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتركي فصاحبُ المتاع أسوة الغُرماء»، رواه أبو داود وهو مرسل.
( 2) البخاري ج/3 في [باب إذا وجد ماله عند مُفلس في البيع والقرض، والوديعة فهو أحق به]، وفي مسلم 3/1193 في [باب من أدرك ما باعه المشتري وقد أفلس فله الرجوع فيه].
(3 ) هو أبو محمد بن بركة البهلي.
(4 ) من الآية 2/280 ونصها: ]وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ[.
(5 ) وفي لفظ لابن حبان: «إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته»، وفي لفظ لمسلم والنسائي: «أنه لصاحبه إذا باعه».
(6 ) وهو قول الحافظ ونصه: فظهر بهذا أن الحديث وارد في صورة البيع، ويلتحق به القرض وسائر ما ذكر يعني من العارية والوديعة بالأولى.
(7 ) الأحزاب من الآية 33/36.
--- (1/41)
صفحة 41
ما جاء في الشفعة والرهن والقراض
78- أبو عُبيدةَ عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا شُفعة إلا لشريكٍ ولا رهنَ إلا بقبضٍ ولا قِرَاضَ إلا بعَين».
وفي الشفعة والرهن والقراض ذكر حديث ابن عبَّاس، ولعله مما تفرَّد به المصنف( 1) رضي الله عنه، وإنما ذكره في هذا الباب لأن الشفعة تفسخ حكم البيع وتنقله من المشتري إلى المستشفِع، والرهن وإن لم يُقبض لا يثبت فيه حق المرتهن، والقِراض إن لم يكن بعين فهو فاسد، فالثلاث كلها داخلة في أبواب الانفساخ الذي ترجم عنه أول الباب، والشُّفعة بضم المعجمة وسكون الفاء وحكي ضمها، وقال بعضهم لا يجوز غير السكون، وهي في اللغة الضم من شفعت الشيء ضممته فهي ضم نصيب إلى نصيب، ومنه شفع الأذان، وقيل: من الشفع ضد الوتر لأنه ضم نصيب شريكه إلى نصيبه، وهذا قريب مما قبله، وقيل من الزيادة لأنه يزيد ما يأخذه منه إلى ماله، وقيل في قوله تعالى:(مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً): من يزد عملاً صالحاً إلى عمله، وقيل: من الشفاعة لأنه يتشفَّع بنصيبه إلى نصيب صاحبه، وقيل: لأنهم كانوا في الجاهلية إذا باع الشريك حصته أتى المجاور شافعاً إلى المشتري ليوليه ما اشتراه، وهي في الشرع استحقاق شريك أخْذ مبيع شريكه بثمن(2 ). (1/42)
صفحة 42
1- قوله: «لا شفعة إلا لشريك»: نصَّ على نفي الشفعة بغير الشركة وهي الخلطة، ولو في سبب من أسباب المبيع كطريق وجدار وقياس وغير ذلك، قال أبو سعيد: في قول أصحابنا لا تشفع الأموال إلا بثلاثة وجوه: المشاع والقياس بين النخل الحقائق والطريق والسواقي، وهذه الأشياء أنواع للشركة، وأراد بالمشاع قياس الأرض التي تكون بين النخلتين الثابتتين، فإن الأرض إذا كانت لا تسع بينهما فَسلة فإنها تقسم بينهما بالقياس فهي شركة في الأرض المقايسة بينهما، و(الحقائق) من النخل الثوابت التي يثبت لها القياس، والشركة في الطريق أن يشتركا في المدخل أو المخرج، والشركة في السواقي أن يتَّحد المسقي، وقد أثبتوا الشفعة أيضاً في الماء المبيع إذا كانت البادة يتساقونها يتقدَّم هذا حيناً ولو كثر أهلها، فكلهم شفعاء لأنهم فيها شركاء، فأيهما سبق إليها كان بها أحقَّ، وإن كان الماء فيها مربوطاً لا يتقدم ولا يتأخر فإن الشفعة للذي يسد عنه البائع، لأن الضرر على المسدود عنه، وهذه شركة في ترداد الماء فجميع أسباب الشفعة عندنا منحصرة في الشركة وقد أثبت بعض مخالفينا (وسوَّغه الشيخ أبو سعيد بل وحسَّنه): الشفعة بالجوار لحديث الشريد بن سُويد عند أحمد والنسائي وابن ماجه قال: قلت: يا رسول الله (أرض ليس لأحد فيها شرك ولا قسم إلا الجوار)، فقال: الجار أحق بسقبَه ما كان.
وقوله: (بسقبه) بفتح السين المهملة والقاف وبعدها باء موحدة ويقال بالصاد المهملة بدل السين المهملة القرب والمجاورة.
وأجيب عنه بجوابين:
أحدهما(3 ): ليس في هذا الحديث ذكر الشفعة، فيحتمل أن يكون المراد به الشفعة، ويحتمل أن يكون أحق بالبر والمعونة، وهو احتمال بعيد. (1/43)
صفحة 43
والجواب الثاني(4 ): حمل هذا المطلق على المقيَّد في حديث جابر عند الخمسة إلا النسائي، وفيه إذا كان طريقهما واحداً(5 ) لا يقال أن نفي الشركة فيها يدل على عدم اتحاد الطريق فلا يصحُّ تقييده بحديث جابر: إنا نقول إنما نفي الشركة عن الأرض فقط لا عن طريقها.
2- قوله: «ولا رهن إلا بقبض»: الرَّهْن بفتح الراء وسكون الهاء في اللغة مطلق الحبس(6 )، وفي الشرع: حبس الشيء بحق يمكن أخذه منه كالدين، ويطلق على المرهون تسمية للمفعول باسم المصدر، والحديث يدل على اشتراط القبض في الرهن لأنه نفي حقيقة الرهن إلا بالقبض، وهو قول الجمهور حتى قالوا: إذا خرج الرهن من يد المرتهن إلى يد الراهن بطل لأنه فارق ما جُعل له، وأجازه مالك بالإيجاب والقبول بدون القبض، والحديث يرده، وكذلك ظاهر قوله تعالى:(فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)( 7) ويجوز قبضُ وكيل المرتهن وقبض المسلط، وقال الحكم بن عيينه: لا يصح قبض الوكيل، وذلك أن يوكل على القبض، وأما أن يوكل على المداينة والارتهان فجائز قبضه إجماعاً، واختلف القائلون بشرط القبض فقيل: إن وقع بلا قبض بطل، وهو الذي يقتضيه ظاهر الحديث، وقيل: يجبر الراهن على تقبيض المرتهن. (1/44)
صفحة 44
3- قوله: «ولا قِراض إلا بعين»: القِراض بكسر أوله هو المضاربة، فأهل الحجاز يسمونه القَراض وأهل العراق يسمونه المضاربة، ولا يقولون قراضاً ألبتَّة، وأخذوا ذلك من قوله تعالى:(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) وقوله تعالى:(وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْض)(8 ) وكان في الجاهلية فأقِرَّ في الإسلام، وعمل به صلى الله عليه وسلم لخديجة قبل البعثة، ونثلته الكافَّة إلى الكافَّة كما نُقلت الدية، ولا خلاف في جوازه لكن يشترط أن يكون بعين، والمراد بعين ما ضرب من الدنانير أو الدراهم، وقيل: العين النقد، والحديث ينفي صحة القراض إلا في العين، فمن دفع في القراض سلعة فقد خالف أمر الشرع، والسلعة على ذمة صاحبها، والمقارض أمينٌ فيها، وما تحصَّل منها فهو لصاحبها، وللمقارض فيها أجر عنائه والله أعلم.
--------------------------------------
(1 ) المصنف هو صاحب المسند الربيع بن حبيب رحمه الله.
(2 ) وبعبارة أخرى: الشُّفعة انتقال حصة شريك إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبيّ بمثل العوض المسمَّى.
(3 ) هو الجواب الذي ذكره البغوي وقال في آخره: ولا يخفى بعد الحمل، لاسيما بعد قوله: ليس لأحد فيها شِرْكٌ.
(4 ) ثم قال صاحب الجواب الثاني: ولو سُلّلم عدمُ صحة التقييد باتحاد الطريق فأحاديث إثبات الشفعة بالجوار مخصَّصة بما سلف، ولو فرض عدم صحة التخصيص بنفي الشركة، فهي ما فيها من المقال لا تنهض لمعارضة الأحاديث القاضية بنفي شُفعة الجار الذي ليس بمشارك.
(5 ) وحديث جابر الذي رواه الخمسة إلا النسائي هو: عن عبدالملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الجار أحق بشفعة جاره وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً».
(6 ) من قولهم: رهن الشيء إذا دام وثبت، ومنه قوله جلَّ وعزَّ: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ).
(7 ) البقرة 2/282 ونص الآية: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ).
(8 ) قال الرافعي: ولم يشتق للمالك منه اسم فاعل، لأن العامل يختصُّ بالضرب في الأرض، فعلى هذا تكون المضاربة من المفاعلة التي تكون من واحد مثل: عاقبت اللصَّ.
--- (1/45)
صفحة 45
كتاب الأحكام
الأحكام: جمع حُكم، والمراد به القضاء بين الخصوم لا الحكمُ المعروف عند أهل الأصول المعبَّر عنه بأثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء والتخيير والوضع، فإن الحكم بهذا المعنى شامل لأنواع التكاليف وأسبابها، وليس ذلك مراداً هنا بل المراد فصل الخُصومة بحسب الظاهرة على وَفْق ما أمر به الشرع، ومادة الحكم من الأحكام: وهو الإتقان للشيء ومنعه من العيب، ويشتق منه الحاكم لمن وُلي الحكم وهو شامل للخليفة والقاضي والله أعلم.
--- (1/47)
صفحة 46
ما جاء أن حكم الحاكم لا يحلل حراما ً
79- أبو عُبيدةَ عن جَابر بن زيد عن ابن عبَّاس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بَشَرٌ مثلُكم تختصمونَ إليَّ فأحكُمُ بينكم، ولعل بعضكم ألْحَنُ بحُجَّتِهِ من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمعُ منه، فمن قضيتُ له بشيءٍ من حَق أخيه فلا يأخُذْ منهُ شيئاً، فإنما أقطعُ له قِطْعةُ من نارْ».
قال الربيع: «ألحَنُ»»: أقطَعُ وأبلَغُ وأحَقُّ.
1- قوله: «عن ابن عباس»: الحديث رواه الجماعة عن أم سلمة(1 )، وقد احتج به من لم ير للحاكم أن يحكم بعلمه.
2- قوله: «إنما أنا بشر مثلكم»: البشر يطلق على الجماعة والواحد، وبمعنى أنه منهم، والمراد أنه صلى الله عليه وسلم مشارك للبشر في أصل الخليقة ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختصَّ بها في ذاته وصفاته، والحصر هنا مجاز لأنه صلى الله عليه وسلم يختصُّ بالعلم الباطن الذي يطلعه الله عليه من عجائب الملك والملكوت وأحوال الآخرة، ويسمى قصر قلب، لأنه أتى به رداً على من زعم أن من كان رسولاً فإنه يعلم كل غيب حتى لا يخفى عليه المظلوم من الظالم، والحكمة في ذلك أنه كان يمكن إطلاعه بالوحي على كل حكومة أنه لما كان مشرِّعاً كان يحكم بما شُرع للمكلَّفين ويعتمده الحاكم بعده، فقوله: «إنما أنا بشر مثلكم»(2 ) : أي في إجراء الأحكام على الظاهر الذي يستوي فيه جميع المكلفين، فأمر أن يحكم بمثل ما أمروا أن يحكموا به ليتم الإقتداء وتطيب نفوس العباد بالانقياد إلى الأحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن، والحاصل أن هنا شيئين: أحدهما طريق الحكم وهو الذي كلف المجتهد بالتبصر فيه، وبه يتعلق الخطأ والصواب، والآخر ما يبطنه الخصم ولا يطلع عليه إلا الله ومن شاء من رسله، وهذا لم يقع التكليف به. (1/48)
صفحة 47
3- قوله: «تختصمون إليَّ»: أي تنتهون إليَّ في الفصل بينكم فيما اختصمتم فيه من أمور دنياكم.
4- قوله: «فأحكم بينكم»: أي فأفصل الخصوم بعضهم من بعض بما أمرني الله تعالى به في الفصل في حكم الظاهر(3 ).
5- قوله: «ألحَنُ بحجَّتهِ»: قال الربيع: ألحَنُ: أقطعُ وأبلَغُ وأحقُّ أي في ظاهر الأمر، وقال غيره: ألحَنَ بحجَّته أي أفطن بها، ويجوز أن يكون معناه أفصح تعبيراً عنها وأظهر احتجاجاً، حتى يخيَّل للسامع أنه محق وهو في الحقيقة مبطل، وقال في النهاية: اللحن الميل عن جهة الاستقامة، يقال لحَنَ فلانٌ في كلامه إذا مال عن صحيح المنطق، وأراد أن بعضهم يكون أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره، ويقال: لحَنْتُ لفلان إذا قلتُ له قولاً يفهمه ويخفى على غيره لأنك تميله بالتورية(4) عن الواضح المفهوم.
6- قوله: «من حق أخيه»: وفي رواية أخرى: «من حق مسلم»: والمراد واحد، وفي نسخة: «من حق فلان»، وفلان كناية عن الأناسي، وفي المختار: فلان كناية عن اسم سمي به المحدّث عنه خاص غالب. (1/49)
صفحة 48
7- قوله: «فلا يأخذ منه شيئاً»: نهى فيه أن يأخذ المحكوم له شيئاً من حق صاحبه بنفس الحكم، فالحكم تمليك مال أو إزالة ملك أو إثبات نكاح أو فرقة أو نحو ذلك إن كان في الباطن كما هو في الظاهر نفذ على ما حكم به، وإن كان في الباطن على خلاف ما استند إليه الحاكم من الشهادة وغيرها لم يكن الحكم موجباً للتمليك ولا الإزالة ولا النكاح ولا الطلاق ولا غيرها، وهو قولنا وقول الجمهور من قومنا وأبي يوسف من الحنفية، وفصَّل آخرون من قومنا فقالوا: إن كان الحكم في مال وكان الأمر في الباطن بخلاف ما استند إليه الحاكم من الظاهر لم يكن ذلك موجباً لحله للمحكوم له، وإن كان في نكاح أو طلاق فإنه ينفذ ظاهراً وباطناً، وحملوا حديث الباب على ما ورد فيه وهو المال، واحتجوا بما عداه بقصة المتلاعنين، فإنه صلى الله عليه وسلم فرَّق بين المتلاعنين مع احتمال أن يكون الرجل قد كذب فيما رماها به، قالوا: فيؤخذ من هذا أن كل قضاء ليس فيه تمليك مال أنه على الظاهر ولو كان الباطن بخلافه، وإن حكم الحاكم يحدث في ذلك التحريم والتحليل بخلاف الأموال.
وتُعُقِّبَ بأن الفرقة في اللعان إذا وقَّعت عقوبة للعلم بأن أحدهما كاذب، وهو أصل برأسه فلا يقاس عليه. (1/50)
صفحة 49
8- قوله: «فإنما أقطعُ له قطعةً من نار»: أي الذي قضيتُ له بحسب الظاهر إذا كان في الباطن لا يستحقه، فهو عليه حرام يؤول به إلى النار، وهو يُفهم منه شدة التعذيب على ما يتعاطاه، فهو من مجاز التشبيه كقوله تعالى: (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً)(5 )، والحديث يدل على إثم من خاصم في باطل حتى يستحق به في الظاهر شيئاً هو في الباطن حرام عليه، وإن من اختار لأمر باطل بوجه من وجوه الحيل حتى يصير حقاً في الظاهر، فيحكم له به أنه لا يحل له تناوله في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم، والحديث نصَّ في مال الغير ويتفرع عليه الحكم في مسائل الخلاف كما لو كان المحكوم له يعتقد خلاف ما حكم له، هل يحل له أخذ ما حكم له به أو لا، كمن مات ابن ابنه وترك أخاً شقيقاً فرفعه لقاض يرى رأي أبي بكر الصديق، فحكم له بجميع الإرث دون الأخ الشقيق، وكان الجد المذكور يرى رأي من يجعل للأخ ميراثاً عند الجد، نقل ابن المنذر عن الأكثر أنه يجب على الجد أن يشارك الأخ الشقيق عملاً بما يعتقده، وقيل غير ذلك، واستدل بالحديث(6) على من ادَّعى مالاً ولم يكن له بيَّنة، فحلف المدعي عليه وحكم الحاكم ببراءة الحالف أنه لا يبرأ في الباطن(7)، وأن المدعي لو قام ببيَّنة بعد ذلك سمعت وبطل الحكم، وهي مسألة نزاع بين الأصحاب، وقد استخرج ابن حجر من الحديث فوائد كثيرة غالبها خارجٌ عن معنى الحديث، فلا يدل عليها بعبارة ولا إشارة والله أعلم.
وقول الربيع: «أقطع وأبلغ وأحق»: صفات متلازمة متقاربة المعنى، [فالأقطع] لحجَّته هو الذي يقوى على إخراج الكلام القاطع للخصومة، و[الأبلغ] هو الذي يبلغ بعبارة لسانه كُنْهَ ما في قلبه، وقيل: هو الذي يوصل المعنى إلى الغير بأحسن لفظ، و[الأحق] هو الذي يكون في ظاهر الأمر أولى بالشيء من غيره، والمراد الأثبت في الدعوة في حكم الظاهر.
---------------------------------------------- (1/51)
صفحة 50
(1 ) رواه البخاري في الجزاء التاسع في [باب موعظة الإمام للخصوم] ونصه: حدثنا عبدالله بن مسلمة عن مالك بن هشام عن أبيه عن زينب ابنة أبي سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بشرٌ وإنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكم أنْ يكون ألْحَنَ بحجَّته من بعض فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيتُ له بحقِّ أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطعُ له قطعة من النار»، ورواه أحمد وأبو داود وأخرجه ابن ماجه ونصه: عن أم سلمة قالت: جاء رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد دَرِسَتْ ليس بينما بيَّنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم تختصمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أنا بشر، ولعلَّ بعضكم ألْحَنُ بحجَّته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيتُ له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطعُ له قطعةً من النار يأتي بها أسطاماً في عنقه يوم القيامة»، فبكى الرجلان، وقال كلُّ واحد منهما: حقي لأخي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إذْ قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخَّيا الحق، ثم استهما، ثم ليُحَلِّلْ كلُّ واحد منكما صاحبه».
(2 ) البشر يطلق على الواحد كما جاء في الحديث، وعلى الجمع نحو قوله تعالى: (نَذِيراً لِلْبَشَرِ)، والمراد: أنه مشارك لغيره في البشرية، وإن كان زائداً عليهم بما أعطاه الله من المعجزات الظاهرة والإطلاع على بعض الغيوب.
(3 ) أي في حكم ما يظهر من الألفاظ مع جواز كون الباطن خلافه، ولم يتعبَّد بالبحث عن البواطن باستعمال الأشياء التي تقضي في بعض الأحوال إلى ذلك كأنواع المُداهاة والسياسة.
(4 ) ومن هذا القبيل ممَّا مال بالتَّورية عن الواضح المفهوم قول مالك بن أسماء [البيان والتبيين 1/147]: (1/52)
صفحة 51
وقد فهم الجاحظ أن مالك بن أسماء أراد باللحن الخطأ في الكلام، ثم رجع عن هذا الرأي -بعد أن سار كتابه (البيان والتبيين) في الآفاق- وفسَّر اللحن بأنه التعريض والتَّورية.
(5 ) النساء 4/10 ونص الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً).
(6 ) وممن استدل بالحديث «على من ادَّعى مالاً ولم يكن له بيَّنة» الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
(7 ) لا يبرأ في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم.
--- (1/53)
صفحة 52
ما جاء في التشديد في أمر القضاء
80- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي القاضي يومَ القيامةِ مغلولَ اليدين إمَّا أن يفُكَّ عنه عدلُه أو يهوي به جَورُهُ في النَّار».
1- قوله: «عن جابر بن زيد»: الحديث مرسل عند المصنف، وقد روى معناه أحمد وابن ماجه والبيهقي في شُعب الإيمان عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من حاكم يحكم بين الناس إلا جاء يوم القيامة(1 ) وملَكٌ آخذ بقفاه، ثم يرفع رأسه إلى السماء، فإن قال ألقه ألقاه في مهواة أربعين خريفاً»، وروى الدارمي والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أمير عَشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً حتى يَفُكَّ عند العدل أو يوقعه الجَوْر»، ولأحمد معناه من حديث أبي أمامة(2 ).
2- قوله: «يأتي القاضي»: أي كل قاضٍ عادلاً كان أو جائراً، بدليل قوله آخر الحديث: إما أن يفك عنه عدله أو يهوي به جوره إلى النار.
3- قوله: «مغلول اليدين»: أي ممنوعتان من التصرف، ويجعل الغل فيهما وهو بضم الغين: الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال أنها جامعة أيضاً(3 )، وهذا الحال عكس ما كان عليه في الدنيا، فإن يديه كانتا مبسوطتين في إرادة نفسه وإنفاذ حكمه.
4- قوله: «إما أن يفك عنه عدله»: أي إن كان عادلاً خلَّصه عدله من الهلكة وفكَّ عنه الغل.
5- قوله: «أو يهوي به جوره إلى النار»(4 ): أي إن كان جائراً سقط به جوره في النار فكان ذلك آخر أمره، والمعنى لم يزل مغلولاً حتى يحله العدل أو يهلكه الظلم، فيرى به الغل ما الغلُّ في جنبه السلامة.
--------------------------------------------------- (1/54)
صفحة 53
(1 ) وفي لفظ آخر: «إلا حُبس يوم القيامة، وملَكٌ آخذ بقفاه حتى يقفَه ، فإن قال: ألقِه، ألقاه في مهوىً أربعين- عز وجل -على جهنم ثمَّ يرفع رأسه إلى الله خريفاً».
(2 ) وروى أحمد عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أمير عشرة إلا جيء به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه، حتى يطلقه الحق أو يوبقه».
(3 ) ويجمع الغُلُّ على أغلال لا يكسَّر على غير ذلك، ويقال: في رقبته غُل من حديد، وقد غُلَّ فهو مغلول، وقال تعالى وتقدَّس: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً) وهي الجوامع تجمع أيديهم إلى أعناقهم.
(4 ) ويروى الحديث من طريق آخر بلفظ: «فكَّهُ عدلُه وغَلُّهُ جَوْرُه» أي جعل في يده وعنقه الغُلّ.
--- (1/55)
صفحة 54
ما جاء أن من حكم بين اثنين فقد ذبح نفسه بغير سكين
81- أبو عبيدة قال: سمعتُ ناساً من الصحابة يقولون: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَن حكَمَ بين اثنينِ فكأنما ذَبَحَ نفسه بغير سكين».والحديث عند المصنف من سماع أبي عبيدة عن ناس من الصحابة، وهو يدل على صحة ما قيل إن أبا عبيدة أدركَ مَن أدركه جابر، ولأحمد والترمذي وأبي داود وابن ماجه معناه(1 ) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جُعل قاضياً بين الناس فقد ذُبح بغير سكين».
1- قوله: «من حكم بين اثنين»: أي من قضى بينهما، وذكر الاثنين مبالغة في التعليل، إذَ لا يتصوَّر القضاء في أقل منهما، بل لابد من مدَّعٍ ومدعى عليه.
2- وقوله: «فكأنما ذبح نفسه بغير سكين»(2 ): تمثيل لشدة حاله الذي وقع فيه لأنه يكون بين عذاب الدنيا إن رشد وبين عذاب الآخرة إن فسد، قيل: وإنما عدل عن الذبح بالسكين ليُعلم أن المراد ما يخاف من هلاك دينه دون بدنه، وقيل: لأن الذبح بالسكين فيه إراحة للمذبوح، وبغير السكين كالخنق وغيره يكون الألم فيه أكثر، فذكر ليكون أبلغ في التحذير.
ومن الناس من فُتِنَ بحب القضاء، فأخرجه عما يتبادر إليه الفهمُ من سياقه، فقال: إنما قال ذلك إشارة إلى الرفق به ولو ذبح بالسكين لكان أشقَّ عليه، ولا يخفى فساده. (1/56)
صفحة 55
ومنهم من قال: إن القاضي لمَّا استسلم لحكم الله واصطبر على مخالفة الأباعد والأقارب في خصوماتهم، لم تأخذه في الله لومة لائم حتى قاده ذلك إلى مرَّ الحق جعله ذبيحاً للحق وبلغ به حال الشهداء الذين لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله، وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً ومعاذاً ومَعقل بن يسار فنعمَ الذابحُ ونعم المذبوحُ، وفي كتاب الله الدليل على الترغيب فيه بقوله: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا) إلى آخر الآيات، ورُدَّ بأن حديث الباب وارد في ترهيب القضاة لا في ترغيبهم، وهذا هو الذي فهمه السلف والخلف، ومن جعله من الترغيب فقد أبعد، وقد استروح كثير من القضاة إلى ما ذكره هذا المتأول(3 ) وقد ورد الترغيب في القضاء ما يُغني عن مثل ذلك التكلُّف والله أعلم.
------------------------------------------------
(1 ) رواه الخمسة إلا النسائي، وأخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي والدارقطني وحسَّنه الترمذي وصحَّحه ابن خزيمة وابن حِبَّان.
(2 ) ذُبح: بضم الذال المعجمة مبني للمجهول.
(3 ) هو أبو العباس أحمد بن القاص الطبري شيخ الشافعية في طبرستان [-- 335هـ]، وذكر ذلك ابن رسلان في شرح السنن، وهو القائل في حديث أبي هريرة هذا الذي ذكره أحمد والترمذي وأبو داود: ليس في هذا الحديث عندي كراهية القضاء وذمه: إذ الذبح بغير سكين مجاهدة النفس وترك الهوى، والله يقول: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا).
--- (1/57)
صفحة 56
ما جاء في لزوم الفقير وأن المدعي ما ليس له والمنكر ما عليه كافران
82- أبو عبيدةَ عن جابر بن زيد عن ابن مسعود يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لزومُ الفقيرِ حَرَام والمُدَّعي ما ليسَ له والمُنكرُ لما عليه كافران».
1- قوله: «لزوم الفقير حرام»: المراد بالفقير من لا يقدر علىالوفاء(1 ) والمراد بلزومه(2):
الإلحاح عليه في الطلب ومرافعته إلى الحاكم والتضييق عليه في ذلك، فإن كان كله أذىً له ولا يحل أذاه وهو معدم، وقد أمرنا الله تعالى بإنظار المُعسر في قوله عزَّ من قائل: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) ومنهم من حمل الآية على المعسر برأس المال في الربا، لذكر ذلك في الآية قبلها، وحديث الباب يؤيد الأول، وهذه فيمن صحَّ إفلاسه.
فأما من ادَّعى العُدْمَ فقيل لا يحبس حتى يصحُّ كذبه، وقيل: يحبس حتى يصح عُدْمه، وقيل: إن كان الدين من عوض كقرض وشراء سلعة ونحو ذلك حُبس حتى يصح عدمه، وإن كان من غير عوض لم يحبس حتى يصحَّ غِناه، ونسب إلى أكثر أصحابنا، وذلك أن الحكم فيما كان من عوض بقاء ذلك الشيء أو عوضِه، والحكم فيما كان من ضمان أو نحوه عدم الشيء حتى يصح الوجود والأقوال الثلاثة في المذهب، وذُكر عن شُريح(3) أن رجلاً خاصم رجلاً إليه فقضى عليه وأمر بحبسه ليقضي ما عليه من أمانة أتلفها، فقال رجل كان عند شريح: إنه معسر والله تعالى يقول في كتابه: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) فقال شريح: إنما ذلك في الربا وإن الله تعالى قال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)(4)، ولا يأمرنا الله بشيء ثم يعذبنا عليه: أي حكمت بما أمرني به فكيف يعذبني عليه؟ (1/58)
صفحة 57
2- قوله: «والمدعي ما ليس له»: هو الذي يطلب أموال الناس بالدعوى الباطلة يزعم أنها له.
3- قوله: «والمنكر لما عليه»: هو الرجل يكون عليه الحق لآخر فيجحده ويقول ليس لك عليَّ شيء.
4- وقوله: «كافران»: تثنية كافر خبر عن المدعي والمنكر، والمراد أنهما كافرا نعمة الإسلام حيث كان الواجب في شرع الإسلام إعطاء كل ذي حق حقه، فمن لم يمتثل أوامر الشرع فقد كفر نعمته، وفي حديث أبي ذر عند الشيخين وأحمد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس من رجل ادَّعى بغير أبيه وهو يعلم إلا كفر، ومن ادَّعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار»، وفي الحديث إثبات كفر النعمة، وقد أنكره قومنا، وسيأتي الرد عليهم في الجزء الرابع والله أعلم.
-----------------------------------------------------------------
(1 ) ابنُ السِّكيت: الفقير الذي له بُلغة من العيش، قال الراعي يشكو ظلم الجُباة إلى عبدالملك بن مروان:
قال: والمسكين الذي لا شيء له، وذهب الأصمعيّ إلى أن المسكين أحسنُ حالاً من الفقير.
(2 ) اللزوم: مصدر لَزِمَ الشيء لزْماً ولُزوماً: إذا تمسَّك به ولم يفارقه، ورجل لُزَمَة: يلزم الشيء فلا يفارقه.
(3 ) شُريح بن الحارثُ بن قيس بن الجهم الكندي [-- 78هـ] من أشهر القضاة الفقهاء في صدر الإسلام، أصله من اليمن، وليَ قضاء الكوفة في زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية، وكان ثقة في الحديث، مأموناً في القضاء، وله باع في الأدب والشعر، ومات في الكوفة رحمه الله.
(4 ) النساء 4/58، وتتمتها: (…إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً).
--- (1/59)
صفحة 58
ما جاء أن البينة على من ادَّعى واليمين على من أنكر
83- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «البينةُ على من ادَّعى واليمينُ على من أنكر».
1- قوله: «عن ابن عباس»: الحديث رواه الشيخان وأحمد بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين على المدَّعى عليه(1 )، وفي لفظ عند مسلم(2 ) وأحمد: «لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى ناسٌ دماء رجالٍ وأموالهم ولكن اليمين على المدَّعى عليه»، وفي شرح النووي على مسلم قال: وجاء في رواية البيهقي بإسناد حسن وصحيح زيادة عن ابن عباس موقوفاً: «لكن البينة على المدَّعي واليمين على المنكر».
2- قوله: «البيَّنة»: أي الحجة فيعلة من البينونة أو البيان.
3- قوله: «على من ادَّعى»: أي طلب الحق بدعواه أنه له، واختلفوا في بيان المدَّعي والمدَّعى عليه، فقيل: المدَّعي من تخالف دعواه الظاهر، والمدَّعى عليه بخلافه، وقيل: المدَّعي من إذا سكت تُرك، والمدَّعى عليه من لا يخلى إذا سكت، وبمعناه ما قيل: إن المدَّعي من لا يجبر على الخصومة والمدَّعى عليه من يجبر عليها، وأورد على الأول بأن المودع إذا ادَّعى الرد أو التلف، فإن دعواه تخالف الظاهر ومع ذلك فالقول قوله. (1/60)
صفحة 59
4- قوله: «واليمين على من أنكر»: أي أنكر الدَّعوى فإنه يحلف بعد حكم الحاكم عليه بذلك، فلو حلف قبل الحكم لم يُجِزه، وكذلك إذا حلَّفه الحاكم قبل طلب المدَّعي فإنه لا يجزيه ذلك من لا يكون قاطعاً لدعوى الخصم، فلو طلب أن يحلفه ثانية كان له ذلك، قال النووي: هذا الحديث قاعدة شريفة كليَّة من قواعد أحكام الشرع، ففيه أنه لا يقبل قولُ الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعوه بل يحتاج إلى بينة أو تصديق المدَّعى عليه، فإن طلب يمين المدَّعى عليه فله ذلك، قال: وقد بين صلى الله عليه وسلم الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه أنه لو أعطى بمجردها لادَّعى قومٌ دماءَ قومٍ وأموالهم واستبيح ذلك، ولا يتمكن المدَّعى عليه من صون ماله ودمه(3 ).
وقال جماعة من أهل العلم: الحكمة في ذلك أن جانب المدَّعي ضعيف لأنه يقول بخلاف الظاهر، فكُلِّف الحجَّة القوية، وهي البيَّنة لأنها لا تجلب لنفسها نفعاً ولا تدفع عنها ضرراً فيقوى بها ضعف المدَّعي، وأما جانب المدَّعى عليه فهو قوي لأن الأصل فراغ ذمته فاكتفى فيه باليمين، وهي حجة ضعيفة لأن الحالف يجلب لنفسه النفع ويدفع عنها الضرر، فكان ذلك في غاية الحكمة، ولا مانع من اجتماع حكمتين أو أكثر في معنى واحد، على أن الحكمة التي أشار إليها الحديث متعلقة بالمصالح العامة المترتبة على نفس القضاء، والحكمة التي استنبطها العلماء إنما هي مجرد مناسبة لأنها تبين الوجه الذي لأجله اختص المدّعي بالبيَّنة والمنكر باليمين، واستدل بالحديث لمذهب الجمهور في وجوب البينة على كل من ادَّعى واليمين على كل من أنكر، فحملوا الحديث على عمومه في حق كل أحد سواءٌ كان بين المدَّعي والمدَّعى عليه اختلاط أم لا، وقال مالك وأصحابه الفقهاء السبعة وفقهاء المدينة: إن اليمين لا تتوجه إلا على من بينه وبينه خُلطة لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل بتحليفهم مراراً في اليوم الواحد، فاشترطوا الخُلطة لدفع هذه المفسدة. (1/61)
صفحة 60
واختلفوا في تفسير الخُلطة فقيل: هي معرفته بمعاملته ومداينته بشاهد أو بشاهدين، وقيل: تكفي الشبهة، وقيل: هي أن يليق به الدَّعوى بمثلها على مثله، وقريب من هذا المعنى ما قيل أن قرائن الحال إذا شهدت تكذب المدَّعي لم يلتفت إلى دعوه، ورُدَّ بأن الحديث عام، ولم يرد ما يُخصِّصُه من كتاب ولا سنة ولا إجماع والله أعلم.
---------------------------------------------------
(1 ) وسنده في البخاري [باب اليمين على المدَّعى عليه في الأموال والحدود]: حدثنا أبو نعيم حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مُليكة قال: كتب ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين على المدَّعى عليه.
(2 ) مسلم 3/1336 في [باب اليمين على المدَّعى عليه] وسنده عن ابن أبي مُليكة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحديث).
(3 ) وأما المدَّعي فيمكنه صيانتهما بالبيَّنة.
--- (1/62)
صفحة 61
ما جاء أن بين كل حالفين يمين
84- ومن طريقه أيضاً عنه عليه السلام قال: «بين كل حالفين يمين».
1- قوله: «ومن طريقه»: يعني ابن عباس بالسند المتقدِّم(1 ).
2- قوله: «بين كل حالفين يمين»: المراد بالحالفين الخصمان اللذان عدما البينة في الشيء الذي يدعيانه وليس لأحدهما فيه يدٌ، فإن اليمين تتوجَّه عليهما معاً، فإن حلفا جميعاً قسم بينهما نصفين، وإن نكل أحدهما عن اليمين فهو للذي حلف وإن تنازعا في التقدّم أقرَع بينهما.
وروى البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض على قوم فأسرعوا فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيُّهم يحلف(2 )، وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أن رجلين اختصما في دابة وليس لهما بيَّنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: استهما على اليمين، وصوَّر بعض قومنا المسألة أن رجلين إذا تداعيا متاعاً في يد ثالث ولم يكن لهما بينة أو لكل واحد منهما بيَّنة وقال الثالث لا أعلم بذلك يعني أنه لكما أو لغيركما، قال: محكمها أن يُقرَعَ بين المتداعيين، فأيهم خرجت له القرعة يحلف معها ويقضي له بذلك المتاع، قال: وبهذا قال علي بن أبي طالب: قال: وعند الشافعي يترك في يد الثالث، وعند أبي حنيفة يجعل بين المتداعيين نصفين، وقال غيره: ويقول علي قال أحمد والشافعي في أحد أقواله وفي قول الآخر وبه قال أبو حنيفة أيضاً إنه يجعل بين المتداعيين نصفين مع يمين كل منهما، وفي قول آخر: يُترك في يد الثالث.
قلت: وإنما ذكرت كلامه على هذا الحال تسويغاً للأقوال، فإن المقام مقامُ نظر واجتهاد، والموجود في المذهب ما قدَّمت لك في معنى الحديث والله أعلم.
-----------------------------------------------
(1 ) وهو: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس.
(2 ) وفي رواية إن رجلين تدارآ في دابة ليس لواحد منهما بينة، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستهما على اليمين أحبَّا أو كرها: رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وفي رواية أخرى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كره الاثنان اليمين أو استحبَّاها فليستهما عليها»، رواه أحمد وأبو داود.
--- (1/63)
صفحة 62
ما جاء فيمن يأتي بشهادته قبل أن يسأل عنها
85- ومن طريق عائشة رضي الله عنها عنه عليه السلام: «ألا أخبركم بخيرِ الشُّهداء؟» قالوا: بلى يا رسولَ الله، قال: «الذي يأتي بشهادتِه قبلَ أن يُسْأل عنها».
1- قوله: «ومن طريق عائشة»: أي بالسند المتقدم، والحديث روى معناه مسلم وأحمد وابن داود والترمذي وابن ماجه عن زيد بن خالد الجُهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بالشهادة قبل أن يُسألها»، وفي لفظ لأحمد: «الذين يَبْدأون بشهادتهم من غير أن يُسألوا عنها».
2- قوله: «بخير الشهداء»: جمع شهيد، كظرفاء جمع ظريف، ويجمع أيضاً على شهود، والمراد بخير الشهداء أكملهم في رتبة الشهادة وأكثرهم ثواباً عند الله.
3- قوله: «قبل أن يُسأل عنها»: وفي رواية عن زيد بن خالد: «قبل أن يُسألها»(1 )، وفي رواية: «قبل أن يُسْتَشْهَد»، وقد أخذ بظاهره قومنا فأجازوا للشاهد أن يشهد قبل أن يُستشهد، وتأوَّله أصحابنا والجمهور من قومنا ثم اختلفوا في وجه التأويل فقيل: محمولٌ على شهادة الحِسْبة في غير حقوق الآدميين كالطلاق والعِتق والوقف والوَصايا العامة والحدود ونحو ذلك، قالوا: فمُظْهِر شهادته في نحو هذا خيرُ الشهداء، لأنه لو لم يظهرها لضاع حكم من أحكام الدين وقاعدة من قواعد الشرع حتى قيل: إن من عَلم شيئاً من هذا النوع وجب عليه رفعه إلى القاضي وإعلامه به، قال تعالى: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)(2 ). (1/65)
صفحة 63
وقيل: محمولٌ على من عنده شهادة لإنسان بحق ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له لأنها أمانة له عنده(3 )، ويقرب منه ما قيل إن ذلك في الأمانة والوديعة ليتيمٍ لا يعلم مكانها غيره فيخبر بما يعلم من ذلك، وكذا القول في المجنون والميت، قال بعض أصحابنا: ولكن ينبغي له أن يقول للقاضي عندي لفلان الطفل الصغير أو فلان المجنون أو فلان الميت شهادة فإن سألتني عنها شهدتُ بها، فإن أمره القاضي شهد بما عنده ولا يبتدئ بالشهادة قبل الأمر، وقيل محمولٌ على المبالغة في أداء الشهادة بعد طلبها.
كما يقال الجواد يعطي قبل السؤال: أي يعطي سريعاً عقيب السؤال من غير توقف، قالوا: وليس في هذا الحديث مناقضة للحديث الآخر من قوله صلى الله عليه وسلم: «يشهدون ولا يُستشهدون»، لأنه محمول على من عنده شهادة لإنسان وهو عالم بها فيشهد قبل أن يطلب منه، وقيل: المراد شاهد الزور، وهو الذي يشهد بما لا أصل له(4 )، وقيل: المراد الذي انتصبَ شاهداً وليس هو من أهل الشهادة والله أعلم.
-----------------------------------------------------------
(1 ) وهي رواية مسلم 3/1344 في [باب بيان خير الشهود].
(2 ) الطلاق 65/2 ونصها: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً).
(3 ) وهنالك وجه آخر وهو: أن يموت صاحبها العالم بها ويخلِّف ورثة فيأتي الشاهد إلى ورثته فيعلمهم بذلك، قال الحافظ ابن حجر: وهذا أحسن الأجوبة، وبه أجاب يحيى بن سعيد الشيخ مالك، ومالك وغيرهما.
(4 ) وهذا حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم.
--- (1/66)
صفحة 64
ما جاء في منع الشهادة على غير الحق
86- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني أن رجلاً يسمى بَشيراً أتى بابنه النعمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: يا رسول الله إني نَحَلتُ ابني هذا غُلاماً كانَ لي، فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكُلَّ وَلدك نحَلْتَ مثلَ هذا؟» فقال: لا!، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُشْهدْنا إلا عَلى الحَق».
1- قوله: «بلغني»: الحديث رواه البخاري(1 ) ومسلم(2 ) وغيرهم من طرق كثير، وقد رويَ هذا الحديث عن النعمان بن بشير صاحب القصة وعدد كثير من التابعين منهم عروة بن الزبير وأبو الضحى والفضل بن المهلب وعبدالله بن عتبة بن مسعود وعامر الشعبي، وقد رواه مالك عن ابن شهاب بن حميد ابن عبدالرحمن ابن عوف وعن محمد بن النعمان بن بشير أنهما حدثاه عن النعمان ابن بشير أنه قال: أن أباه بشيراً أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكل ولدك نحلته مثل هذا؟» قال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فارتجعه» هكذا رواه أكثر أصحاب الزهري وأخرجه النسائي من طريق الأوزاعي عن ابن شهاب أن محمد بن النعمان وحميد بن عبدالرحمن حدثاه عن بشير بن سعد جعله من مسند بشير فشذ بذلك، والمحفوظ أنه عنهما عن النعمان.
2- قوله: «يسمَّى بشيراً»: هو ابن سعد بن ثعلبة ابن الجُلاس، بضم الجيم وخفة اللام آخره مهملة، الخزرجي البدري وشهد غيرها، ومات في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة، وقيل: عاش إلى خلافة عمر، ويقال أنه أول من بايع أبا بكر من الأنصار، وتقدم ذكره في كتاب الأذكار. (1/67)
صفحة 65
3- قوله: «بابنه النعمان»: هو النعمان بن بشير الخزرجي، سكن الشام ثم ولي إمرة الكوفة ثم قتل بحمص سنة خمس وستين وله أربع وستون سنة، وهو صحابي وأبواه صحابيان، وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبدالله بن رواحة، وهي التي سألت زوجها بشيراً أن يهب ابنها النعمان هبة دون إخوته، ففعل فقالت له: أشْهِد على هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكل بنيك…» (الحديث).
4- قوله: «نحلتُ»: بفتح النون والمهملة وإسكان اللام: أي أعطيت(3 ).
5- قوله: «ابني هذا»: إشارة إلى النعمان.
6- قوله: «غلاماً»: لم يذكر اسمه.
7- قوله: «أكلُّ ولدك» بهمزة الاستفهام الاستخباري، ولمسلم: «أكلهم وهبتَ له مثل هذا»، وقال مسلم لما رواه من طريق الزهري، أما يونس ومعمر فقالا: «أكلُّ بنيك»، وأما الليث وابن عُيينه فقالا: «ألا كل ولدك»، ولا منافاة بينهما، لأن لفظ ولد يشمل الذكور والإناث، وأما لفظ بنين فإن كانوا ذكوراً فظاهر، وإن كانوا إناثاً وذكوراً فعلى سبيل التغليب، ولم يذكر ابن سعد لبشير ولداً غير النعمان، وذكر له بنتاً اسمها أبيَّة بموحدة تصغير أبيّ.
8- قوله: «لا تُشهدنا إلا على الحق»: وفي وراية الشيخين: قال: «لا تُشهدني على جَوْر»، وفي أخرى: «لا أشهدُ على جور»، ولمسلم فقال: «فلا تشهدني إذن، فإني لا أشهد على جور»، والمعنى واحد وإن اختلفت الألفاظ بتصرف الرواة في تأدية المعنى بالعبارات المختلفة لقصد الإيضاح في مراعاة الأحوال، وتمسَّك به من أوجب التسوية في عطية الأولاد، وهو قول أكثر أصحابنا وطاووس وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق والبخاري وبعض المالكية. (1/68)
صفحة 66
ثم اختلف هؤلاء فمنهم من قال: إنها باطلة إن وقعت، وقيل تصحُّ ويأثم صاحبها إن لم يرجع فيها، وهو ظاهر المذهب وعليه أحمد، وقيل: يجوز التفاضل لسبب كما إذا احتاج الولد لزمانته(4 ) أو دَيْنه أو نحو ذلك دون الباقين، وقيل: تجب التسوية إذا قصد بالتفضيل الإضرار.
ثم اختلفوا في صفة التسوية فقيل: العدل أن يعطى الذكر حظين كالميراث لأنه حظه لو أبقاه الواهب حتى مات، وقيل: لا فرق بين الذكر والأنثى، وإن هذا بخلاف الإرث لأن الوارث راضٍ بما فرض الله له بخلاف هذا، وبأن الذكر والأنثى إنما يختلفان في الميراث بالعُصوبة، أما بالرحم المحدود فهما فيه سواء كالأخوة والأخوات من الأم، والهبة للأولاد أمر بها صلةُ للرحم، والقول الأول أقوى في النظر.
وقال جمهور قومنا: التسوية مستحبة فإن فضَّل بعضهم صحَّ وكُره، وندبت المبادرة إلى التسوية والرجوع، وأجابوا على حديث الباب بأجوبة لا ينبغي لنا الاشتغال بذكرها، وأقوى ما احتجوا به عمل أبي بكر وعمر بعده صلى الله عليه وسلم، فأبو بكر نَحَلَ عائشة دون سائر ولده، وعمر نَحَلَ ابنه عاصماً دون سائر أولاده، وقد أجاب عروة عن قاصة عائشة بأن أخواتها كانوا راضين بذلك، ويُجاب بمثله عن قصة عمر.
ورخَّص في الإيضاح في أشياء نقلها عن الأثر، قال: وما أعطاه الوالد لواحد من أولاده مثل أداة العمل أو معونة عبد يعمل له أو مثل ذلك من المعروف الذي يكون بين الناس فليس عليه من ذلك شيء، قال: وكذلك إذا كثر العيالُ على واحد من أولاده فأدركته فيهم الرأفة وجعل يعطي لعيال ابنه شيئاً فلا بأس عليه في ذلك والله أعلم.
-------------------------------------------------- (1/69)
صفحة 67
(1 ) البخاري: الجزء الثالث في [باب الهبة للولد] وسنده: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبدالرحمن ومحمد بن النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلتُ ابني هذا غلاماً، فقال: «أكلُّ ولدك نحلتَ مثله؟» قال: لا، قال: «فارْجعه»، وانظر بعد هذا الباب [باب الإشهاد في الهبة] ففيه مزيد تفصيل.
(2 ) مسلم (الحلبي) 3/1241 ورقم الحديث 1623 في [باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة].
(3 ) قال في النهاية: النُّحل: العطية والهبة ابتداءً من غيرها عِوض ولا استحقاق، يقال: نَحَله ينحَله ونُحل المرأة مهرها، والاسم النّحْلة، تقول: أعطيتُها مَهرها نِحْلة: إذا لم ترد منها عوضاً، وفي التنزيل الجليل: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).
(4 ) الزَّمانة: العاهة، من زَمِنَ يَزْمِنُ زَمناً وزُمنة وزمانةً فهو زَمِنٌ وزمين، والجمع زَمْنى، لأنه جنس للبلايا التي يصابون بها وهم لها كارون كجريح وجَرحى وكليم وكلمى.
--- (1/70)
صفحة 68
ما جاء في جواز الصلح للحاكم
87- أبو عبيدة قالَ: بَلَغَني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصُّلحُ خيرُ الأحكام» أو قال: «سّيّدُ الأحكامِ، وهو جائزٌ بينَ الناس إلا صُلْحاً أحَلَّ حرَاماً أو حرَّمَ حَلالاً، وهو أحرزُ للحاكمِ من الإثمِ والجَوْرِ».
1- قوله: «بلغني»: الحديث لم أجده عند غيره فكأنه مما تفرَّد به.
2- قوله: «الصلح خير الأحكام»: أو قال: «سيّدُ الأحكامِ» شك الراوي واللفظتان بمعنى واحد، والصلحُ لغة قطعُ المنازعة(1 ) وشرعاً عقد يحصل به ذلك، وأحكامه أحكام البيع صحةُ وفساداً، فينقضه ما ينقض البيع من الجهالة والعيب، وهل هو رخصة أو أصل بنفسه؟ فقيل: رخصة مستثناة من المحضورات.
وقيل: هو أصل بنفسه مندوب إليه، فمن قال بالأول الحديث مجمل، ومن قال بالثاني قال: إنه عام، وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا ترددت في نوع من الصلح، فإن جعلته مجملاً لم يصح الاستدلال بالخبر على جوازه، وعلى الثاني يجوز إلا أن يقوم دليل على تخصيصه، وهو المذهب وسياق الحديث يشهد له، ولا إجمال فيه بل هو واضح الدلالة، فالصلح أصل بنفسه، وهو نوع من الأحكام لكنه أفضل منها لما فيه من الألفة بين الناس والمقاربة بين الأقارب، وعن عمر رضي الله عنه قال: ردُّوا الخصومة ليصطلحوا فإن الحكم يورث بينهم الضغائن، فمن هنا كان الصلح سيد الأحكام.
وذكر الشيخ أبو زكريا: من فوائده عشر خصال، موافقة كتاب الله، وموافقة السنة، وتحبه الملائكة، ويُصلح ويرضي الفريقين، وفيه نجاة الحاكم من الجور، والعالم من الميل في الفتيا، والشاهدين من الزور، والمزكِّين من إثم التزكية، مع ما فيه من الفضل الكثير للصلحاء بكل كلمة حسنة.
3- قوله: «وهو جائز بين الناس»(2 ): الصلح جائز بين الناس أي لا إثم فيه بل فيه الفضل الكثير إن وافقَ موضعه. (1/71)
صفحة 69
4- قوله: «إلا صلحاً أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالاً»: فالأول كالذي يصالحُ على خمر أو نحوه، أو من له دراهم فصالح على أكثر منها، وذلك كما إذا كان لرجل على آخر دين وطالبه فيه فصالحه على أن يؤخر عنه ويزيده على دراهمه، فهذا صلح أحلَّ حراماً وهو باطل لأنه ربا، وكذلك من منه المباح من الأرض فصُلح على شيءٍ يدفع إليه فإن ذلك عليه حرام.
وأما الصلح الذي حرَّم حلالاً فكالذي يصالح امرأته على أن لا يطأ ضرَّتها أو أمته، وكالصلح الذي يمنع من التصرف في المصالح.
قال أبو زكريا: الصلح جائز على وجهين:
أحدهما رجل وقع على مال رجل ظلماً وعدواناً، فإن الصلحاء يقولون في ذلك للمظلوم: ائذن لنا أن ندفع عنك ظلم هذا الظالم بما وجدنا دفعه من مالك، وهذا النوع جائز بالنظر إلى الصلحاء والمظلوم دون الظالم، فإنه إنما يأكل سُحتاً، وليس هو في الحقيقة من الصلح وإنما هو من التقية.
قال والوجه الثاني: رجلان تخاصما في شيء، فلم يُدْرَ المحقُّ منهما من المبطل، فللصلحاء أن يصلحوا بينهما بجهد رأيهم.
5- قوله: «وهو أحرز للحاكم»: أي أحصن وأمنع، والمراد بالحاكم القاضي، والحديث يدل أن للحاكم أن يصلح بين الخصوم ويأمرهم بالصلح ويدعوهم إليه، ولو لم يطلبوا ذلك، ولكن لا يجبرهم عليه، وقيل: ليس له أن يأمرهم ويدعوهم إليه وحمله أبو سعيد على معنى الجبر.
وقيل أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل رجلاً على القضاء، فاختصم إليه رجلان في دينار فأطلق من كم قميصه ديناراً فدفعه إليهما، فبلغ ذلك عمر فكتب إليه أن اعتزل قضاءنا، وحملوه على تقوية القضاة على إنفاذ الحق بين الناس.
وذكر محمد بن سيرين أن شُريحاً ارتفع إليه رجل استودع امرأة مائة درهم وديعة فوقع حريق قريب منها فحولتها إلى رجل فضاعت، فسأل شريح الرجل عن المرأة هل يتهمها في شيء؟ فقال: لا، فقال: إن شئتَ رضيتَ منها بخمسين درهماً
فقال ابن سيرين: فما رأيته أمر بصلح غير ذلك اليوم والله أعلم. (1/72)
صفحة 70
-----------------------------------------------
(1 ) والصُّلح: السلم، يذكر ويؤنث، وقد اصطلحوا وتصالحوا واصَّالحوا (مشدَّدة الصاد، قلبوا التاء صاداً وأدغموها في الصاد) بمعنى واحد.
(2 ) وفي سنن أبي داود 3/304 عن أبي هريرة: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالاً، وفي صحيح الترمذي 6/103 في [باب ما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلح بين الناس]: حدثنا كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً، والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً»، قال أبو عيسى الحسن الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من طرق عديدة ومقتضى القرآن وإجماع الأئمة على لفظه ومعناه.
--- (1/73)
صفحة 71
ما جاء في إسناد القضاء الموافق للحق إلى كتاب الله وفي تكلم الخصوم بين يدي الحاكم
88- أبو عُبيدةَ عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس قال: اختصَمَ رجلانِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدُهما: اقْضِ بيننا بكتاب الله، وقال الآخر: أجَلْ يا رسول الله، اقضِ بيننا بكتاب الله وأْذَنْ لي أن أتكلَّم، فقال: «تكلَّم»، فقال: إنَّ ابني كان عسيفاً(1 ) لهذا الرجُلُ فزَنا بامرأته فأخبِرْتُ أن على ابني الرَّجْمُ فافتديتُه منه بمائةِ شاةٍ وبجاريةٍ، ثم إني سألتُ أهلَ العِلم فأخبروني أن على ابني مائةَ جلدةٍ وتغريب عام، وإنما الرَّجمُ على المرأة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكم بكتاب الله، أما غَنَمُكَ وجاريتكَ فردٌّ عليك»، وجَلَدَ ابنَهُ مائةَ جلدة وغرَّبهُ عاماً وأمر أُنيساً الأسلميَّ أن يأتيَ امرأةَ الأخرَ فإن اعترفت رَجمَها، فاعترفت فرجمَها.
1- قوله: «عن ابن عباس»: الحديث رواه الجماعة من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجُهني.
2- قوله: «اختصم رجلان»: لم يذكر اسمهما، وفي رواية أن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، وقال الخصم الآخر: وهو أفقه منه: فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي في الحديث.
3- قوله: «فقال الآخر»: بفتح الخاء الخصم الثاني.
4- قوله: «أجل»: بفتح الهمزة والجيم وخفة اللام: أي نعم، وإنما سألاه ذلك وهما يعلمان أنه لا يحكم إلا بحكم الله ليحكم بينهما بالحكم الصِّرف لا بالتصالح والترغيب فيما هو الأرفق بهما، أو أمرهما بالصلح إذ للحاكم أن يفعل ذلك.
5- قوله: «إن ابني»: لم يذكر اسمه. (1/74)
صفحة 72
6- قوله: «عسيفاً» بفتح العين وكسر السين المهملتين وإسكان التحتية وبالفاء: أي أجيراً، سمي بذلك لأنه يعسف الطرق أي يسلكها متردداً في الاشتغال، والجمع عسفاء بزنة أجَراء.
7- قوله: «بامرأته»: لم يذكر اسمها وهي امرأة من أسلم.
8- قوله: «فأخْبِرتُ» بالبناء للمفعول، ولم يذكر من أخبره بذلك.
9- قوله: «فافتديته منه»: أي جعلت الشاء والجارية فداءً لولدي من الرجم، فـ«مِن» للبدل نحو: (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ).
10- قوله: «أهل العلم» قال ابن حجر: لم أقف على أسمائهم ولا على عددهم، وفيه أن الصحابة كانوا يُفتون في زمنه صلى الله عليه وسلم وفي بلده، وذكر ابن سعد من حديث سهل بن أبي حثمة أن الذين كانوا يفتون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: عمر وعثمان وعلي وأبيّ بن كعب ومُعاذ بن جبل وزيد بن ثابت، وعن ابن عمر: كان أبو بكر وعمر يفتيان في زمنه صلى الله عليه وسلم، وعن حراش الأسلمي: كان عبدالرحمن بن عوف ممَّن يفتي في زمنه صلى الله عليه وسلم.
11- قوله: «وتغريب عام»: يأتي شرحه في باب الرجم والحدود.
12- وقوله: «والذي نفسي بيده»: أي في قبضته وقدرته.
13- قوله: «لأقضينَّ بينكم بكتاب الله»: وقيل المراد بكتاب الله ما حكم به الله وكتبه على عباده، وقيل: المراد بالقرآن وهو المتبادر، ثم اختلف في معناه فقيل: يحتمل أن المراد ما تضمَّنه قوله: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً)، فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن السبيل جَلْدُ البكر ونفيه ورجمُ الثيِّب، وقيل: المراد الآية المنسوخ لفظها الثابت حكمها، وهو قول عمر: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، فإنا قد قرأناها، وقد أجمعوا على أن من القرآن ما نُسخ حكمه وثبت خطه، وعكسه في القياس مثله. (1/75)
صفحة 73
وتُعُقب بأنه ليس في المنسوخ ذكر التغريب، فالمختار المعنى الأول، وهو أن المراد بالكتاب حكم الله وقضاؤه كقوله تعالى: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ): أي حكمُهُ فيكم وقضاؤه عليكم، وما قضى به صلى الله عليه وسلم إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، - هو حكم الله، (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)، فلما أمر بإتباعه وطاعته جاز أن يقال لكل حكمٍ حكم به حكم الله وقضاؤه، إذ ليس في القرآن: أن من زنى وافتدى يُردُّ فداؤه، ولا أن عليه نفيَ سن مع الجلد، ولا أن على الثيب الرجم، وقد أقسم أن يقضي بينهم بكتاب الله فهو صادق.
14- قوله: «فردٌّ عليك»: أي مردود عليك هو من إطلاق المصدر على المفعول نحو نسجُ اليمن أي منسوجه، ولذا كان بلفظ الواحد للجمع والواحد.
15- قوله: «وجلد ابنه»: أي أمر من يجلد فجلده، وهذا لم يسمَّ غير أنه في الأثر شابٌّ من الأنصار.
16- قوله: «وغرَّبه عاماً»: أي أخرجه من وطنه إلى خير سنة كاملة عقوبة ونكالاً، وهذا يقتضي أن ابنه كان بكراً وأنه اعترف بالزنا، فإن إقرار الأب عليه لا يُبل، وقرينة اعترافه وحضوره مع أبيه كما في رواية أخرى «إن ابني هذا»، وسكوته على ما نسب إليه، وفي النسائي عن عمرو بن شعيب عن الزهري: كان ابن أجيراً لامرأة هذا، وابني لم يحصن فصرَّح بأنه بكر وفيه تغريب البكر الزاني، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في باب الرجم والحدود.
17- قوله: «أنيساً» بضم الهمزة مصغراً: قيل هو أنيس بن الضحاك الأسلمي، وقيل: أنيس بن أبي مرثد، وهو خطأ لأنه غَنَوي(2 ) وهذا أسلمي كذا في الإصابة، ووهم ابن التين في قوله: إنه أنس بن مالك ولكنه صُغِّر، وإنما خصَّ الأسلمي لأن المرأة كانت أسلمية، وكانت السياسة أنه لا يؤمَّر في القبيلة إلا رجل منهم لنفورهم عن حكم غيرهم. (1/76)
صفحة 74
18- قوله: «أن يأتي امرأة الآخر» بفتح الخاء: أي يذهب إليها فيخبرها أن الرجل قذفها بابنه، فإن اعترفت وإلا كان لها عليه حدَّ القذف، فتطالبه أو تعفوَ عنه.
19- قوله: «فإن اعترفت»: أي أقرَّت.
20- وقوله: «فرجمَهَا»: أي أنيس لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكَّمه في ذلك لقول الراوي: فإن اعترفت رجمها، وفي رواية الليث عن الزهري: فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجمت، وهو ظاهر في أن أنيساً إنما كان رسولاً ليسمع إقرارها بلفظ فقط وإن تنفيذ الحكم إنما كان منه صلى الله عليه وسلم.
ويُشكلُ كونه اكتفى بشاهد واحد، وأجيب بأن رواية مالك الموافقة لرواية المصنف أولى لما تقرَّر من ضبطه، وخصوصاً في حديث الزهري فإنه أعرف الناس به، والظاهر أن أنيساً كان حاكماً في القضية، ولئِنْ سُلِّمَ أنه رسول فليس في الحديث نص على انفراده في الشهادة فيحتمل أن غيره شهد عليها، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن أنيساً بُعِثَ حاكماً فاستوفى شروط الحكم، ثم استأذنه صلى الله عليه وسلم في رجمها فأذِن له.
وفيه حجة في جواز إنفاذ الحاكم رجلاً واحداً من الأعذار، وفي أن يتخذ واحداً يثق به يكشف عن حال الشهود في السر، كما يجوز له قبول الواحد فيما طريقه الخبر لا الشهادة، وبه يحتج من يثبت حد الزنا بالإقرار مرة، ومن يقتصر في حد المحصن على الرجم وهو قول الجمهور، وذهبت جماعة من قومنا إلى إيجاب الجلد مع الرجم على المحصن والحديث يردُّه.
وفيه أن الأولى بالقضاء الخليفةُ العالم بوجوه القضاء، وأن المدعي أولى بالقول والطالب أحقُّ بالتقدم بالكلام وإن بدأ المطلوب ورد الباطل من الأجرة، وأنه لا يدخل بقبضه في ملكه ولا يصححه القبض وعليه ردُّه وأنه لا يحلُّ له بذلك والله أعلم.
------------------------------------------------------------- (1/77)
صفحة 75
(1 ) وفي لسان العرب (عسف)، والعسيف: الأجير المستهان به، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ابني كان عسيفاً على رجل كان معه، وإنه زنى بامرأته: أي كان أجيراً، وفي الحديث: «لا تقتلوا عسيفاً ولا أسيفاً»، والأسيف: العبد، والجمع عُسفاء على القياس وعِسفة على غير القياس.
(2 ) نسبة إلى غنيّ وهم حيّ من غطفان.
--- (1/78)
صفحة 76
ما جاء في الحكم في مطل الغني
89- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَطْلُ الغَنيِّ ظُلم».
1- قوله: «عن ابن عباس»: الحديث رواه الجماعة(1 ) من حديث أبي هريرة بزيادة في آخره.
2- قوله: «مطل الغني ظلم»: أصل المطل المد، يقال: مطلت الحديدة مطلاً إذا مددتها لتطول.
وقال الأزهري: المطل المدافعة، والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر، والغنيُّ مختلف في تعريفه، ولكن المراد به هنا من قدر على الأداء فأخَّره ولو كان فقيراً، وهو من إضافة المصدر للفاعل عند الجمهور، والمعنى أنه يحرم على الغني القادر أن يَمطُل بالدين بعد استحقاقه بخلاف العاجز، وقيل: هو من إضافة المصدر للمفعول، والمعنى يجب وفاء الدين ولو كان مستحقه غنياً، ولا يكون غناه سبباً لتأخير حقه، وإذا كان كذلك في حق الغني فهو في حق الفقير أولى، وفيه الزجر عن المطل، ولفظ المطل يُشعر بتقديم الطلب منه أن الغني لو أخَّر الدفع مع عدم طلب صاحب الحق له لم يكن ظالماً، وهو المشهور، وقضية كونه ظلماً أنه كبيرة، لأنه منع الحق بعد طلبه وانتفاء العذر من أدائه كالغَصْب(2 )، والغصب كبيرة والله أعلم.
------------------------------------------------------------------
(1 ) رواه البخاري في [باب مَطْلُ الغنيّ ظلم] وسنده فيه: حدثنا مسدّد حدثنا عبدالأعلى عن معمر عن همام بن منبِّه (أخي وهب بن منبِّه) أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم»، ورواه مسلم في [باب تحريم مطل الغني] وسنده فيه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مطل الغني ظلم، وإذا أتبِعَ أحدكم على مليءٍ فليتبع».
(2 ) الغصْب: أخذ الشيء ظلماً، وتكرر في الحديث ذكر الغصب، وهو أخذ مال الغير ظلماً وعدواناً. (1/79)
صفحة 77
ما جاء في الحكم في أخذ الإنسان حقه من مال خصمه بغير علمه
90- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أذِنَ لهند ابنةِ عُتْبَة، وقد شَكَت إليه زوجها أبا سُفيانَ بن حرب أنهُ قَطَع عنها وعن أولادها النفقة والكسوة أن تأخُذَ من ماله بِغيرِ إذن.
1- قوله: «عن ابن عباس»: الحديث روى معناه الجماعة(1 ) إلا الترمذي عن عائشة أن هنداً قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني وولدي إلا ما أخذتُ منه وهو لا يعلم، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، و(هند) بنت عتبة بن ربيعة بن عبدشمس بن عبدمناف القرشية، امرأة أبي سفيان بن حرب، وهي أم معاوية، أسلمت في الفتح بعد إسلام زوجها أبي سفيان وأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم على نكاحها وكان بينهما في الإسلام ليلة واحدة، وكانت امرأة لها نفس وأنَفة ورأيٌ وعقل، وشهدت أحُداً كافرة، وهي القائلة يومئذ:
نحن بنات طارقْ نمشي على النمارقْ
إنْ تُقبلوا نعانقْ أو تدبروا نفارقْ
فِراقَ غير وامقْ
فلما قُتل حمزة مثَّلت به وشقَّت بطنه واستخرجت كبده فلاكتها فلم تطلق إساغتها، وقيل إن الذي مثَّل بحمزة غيرُها، ثم أن هنداً أسلمت وحسُن إسلامها وتوفيت هند في خلافة عمر بن الخطاب في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة والد أبي بكر الصديق.
2- قوله: «وقد شكت إليه»: وذلك في عام الفتح بعد أن أسلمت.
3- قوله: «النفقة والكسوة»: فيه بيان لما أجملته رواية الجماعة من قولها: وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذتُ منه وهو لا يعلم.
4- قوله: «أن تأخذ من ماله بغير إذن»: متعلق بقوله: «أذِنَ لهند»: أي أباح لها ذلك، والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم أباح لها أن تأخذ من ماله بغير إذنه ما يكفيها وولدها بالمعروف كما صرحت به رواية الجماعة، والمراد (1/81)
صفحة 78
بالمعروف القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية، وهذه الإباحة وإن كانت مطلقة لفظاً فهي مقيَّدة معنى كأنه قال: إن صحَّ ما ذكرتِ، والحديث يدل على وجوب نفقة الزوجة على زوجها وهو مجمع عليه، وعلى وجوب نفقة الولد على الأب، وأنه يجوز لمن وجبت له النفقة شرعاً على شخص أن يأخذ منه ما يكفيه إذا لم يقع منه الامتثال وأصرَّ على التمرُّد، وفيه جواز استماع كلام أحد الخصمين مع غيبة الآخر، وجواز استماع كلام الأجنبية عند الحكم والإفتاء عند من يقول أن صوتها عورة، ويقول: جاز هنا للضرورة، وفيه إن القول قول الزوجة في قبض النفقة لأنه لو كان القول قول الزوج إنه منصف لكلفت هي البيَّنة على إثبات عدم الكفاية، وفيه أن النفقة بالكفاية لا بالإمداد، وفيه أن للمرأة مدخلاً في القيام على أولادها وكفالتهم والإنفاق عليهم.
وقد أفتى الربيع رضي الله عنه: أن المرأة إذا احتاجت تبيع من أصل مال ولدها وتأكل منه وتكتسي، يتيماً كان أو بالغاً، فقد أجاز تصرفها في ماله كالأب، واستدلَّ به على جواز القضاء على الغائب، وهو قول موسى بن علي، وصحح عدم الجواز وأن الاستدلال بالحديث لا يصح لأن القضية كانت بمكة وكان أبو سفيان حاضراً بها، وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائباً عن البلد أو مستتراً لا يقدر عليه أو متعذراً، وليس هذا الشرط موجوداً في أبي سفيان.
قال الخطابي: يؤخذُ من حديث هند جواز أخذ الجنس وغير الجنس، لأن بيته لا يجمع جميع ما يحتاج إليه من النفقة والكسوة وسائر المنافع، وفيه أيضاً جواز ذكر الإنسان بما يكره إذا كان على وجه الاستفتاء أو الاشتكاء أو نحو ذلك، وهو أحد المواضع التي تباح بها الغيبة والله أعلم.
-------------------------------------------------------------
(1 ) جاء في البخاري الحديث الأول من [باب نفقة المرأة إذا غاب زوجها عنها ونفقة الولد] وسنده: حدثنا ابن مقاتل أخبرنا عبدالله أخبرنا يونس عن ابن شهاب أخبرني عروة أن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت هند بنت عتبة فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مِسِّيك، فهل عليَّ حرجٌ أن أطعم من الذي له عيالنا. قال: «لا، إلا بالمعروف»، والحديث رواه مسلم في [باب قضية هند] من كتاب الأقضية، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها في رواية أخرى: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيكِ». (1/82)
صفحة 79
ما جاء في الحكم في جرح العجماءات والبئر والمعدن وخمس الركاز
91- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخُدري قال: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جُرحُ العَجْماء جُبَارٌ» الحديث، حتى قال: «وفي الركاز الخمسُ».
1- قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث تقدَّم شرحه في باب النصاب من كتاب الزكاة، وهو عند الجماعة(1 ) من حديث أبي هريرة، وإنما ساقه المصنف هاهنا لبيان الحكم في جرح العجماء والمعدن والبئر وخمس الركاز، ونصُّ الحديث المتقدم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جرح العجماء جُبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس».
والجُرح: بضم الجيم الاسم وبفتحها المصدر، والعجماء: البهيمة(2 )، والمراد بجرحها ما يحصل بالواقع منها من الأثر في غيرها إذا لم يضيَّع في حفظها، والعجماء الدابة، و«الجُبار» بضم الجيم وتخفيف الموحدة: الهدر الذي لا شيء فيه(3 ) ومعنى قوله: «البئر جبار»: أن البئر تكون في البادية ويقع فيها إنسان أو دابة فلا شيء في ذلك على أحد، و«المعدن» كمجلس: الجوهر المستخرج من مكان خلقه الله تعالى فيه، وذلك بأن يستأجر رجلاً ليعمل في معدن مثلاً فهلك فهو هدر لا شيءَ على من استأجره.
وفي معناه من استأجر جداراً ليقيمه فانهدم عليه، أو فلجاً يخدمه أو نخله يطلعها فسقط فإنه هدر كالمعدن لاتحاد المعنى، و«الركاز» بكسر أوله مخففاً على وزن كتاب: ما كان من دفين الجاهلية(4 )، ولهذا وجب فيه الخمس كالغنيمة، لأنه من أشياء المشركين، وقد تقدم شرح الحديث في كتاب الزكاة فراجعه والله أعلم.
--------------------------------------------------------------- (1/84)
صفحة 80
(1 ) البخاري في الجزء التاسع [باب العجماء جُبار] وله فيه سندان: الأول حدثنا عبدالله بن يوسف حدثنا الليث حدثنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العجماء جُرحها جُبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس»،
والسند الثاني: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:- رضي الله عنه -حدثنا شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة «العجماء عقلها جُبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس»، ورواه مسلم 3/1334 في [باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار].
(2 ) العجماء: هي كل الحيوان سوى الآدمي، وسميت البهيمة عجماء لأنها لا تتكلم.
(3 ) الجُبار: الهدر، يقال: ذهب دمه هدراً وجُباراً وظَلفاً بمعنى واحد، والحرب الجُبار: التي لا قودَ فيها ولا دية، قال الشاعر:
حَتمَ الدَّهر علينا أنه ظَلَفٌ، ما زال منا، وجُبار
(4 ) وهو قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة والثوري وغيرهما: إن المعدن ركاز، واحتجَّ لهم بقول العرب: أركز الرجلُ: إذا أصابَ ركازاً، وهي قطع من الذهب تخرج من المعادن، واحتجَّ من لا يقول أن المعدن ركاز بما وقع في حديث الباب من التفرقة بينهما بالعطف الدال على المغايرة.
--- (1/85)
صفحة 81
ما جاء في الحكم في العمرى
93- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن جابر ابن عبدالله قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أيَّما رجُلٍ عُمِّر عُمْرَى له ولِعقْبِهِ فهي للذي يُعطَاها أبَداً».
1- قوله: «عن جابر بن عبدالله»: الحديث رواه مالك في الموطأ ومسلم في صحيحه(1 ) ولفظه عندهما: عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل أعْمِرَ عُمْرى له ولعقبهِ فإنها للذي يُعطها لا ترجعُ إلى الذي أعطاها أبداً».
2- قوله: «أيَّما»: مركبة من «أي» اسم ينوبُ منابَ حرف الشرط، و«ما» الزائدة للتعميم.
3- قوله: «رجل»: بالجر لإضافة أي إليه، وبالرفع بدل من أي وما زائدة، وذكر الرجل غالبيّ، والمراد كل إنسان يصح تصرفه.
4- قوله: «عُمِّرَ» بضم أوله وتشديد الميم: مبني للمفعول، وفي وراية مالك: «أعمر»: أي أعطي مالاً مدة عمره، يقال أعمرته داراً أو أرضاً أو بلاداً: إذا أعطيته إياها، وقلتَ: هي لك عُمْرى(2 ) أو عمركَ: إذا متَّ رَجَعتْ إليَّ، و«العُمْرى» بضم العين وسكون الميم اسم من ذلك.
5- قوله: «لهُ ولعَقبه»: أي أعطي إياها هو وولده، و«العقِب»: بكسر القاف ويجوز إسكانها مع فتح العين وكسرها: أولاد الإنسان ما تناسلوا.
6- قوله: «فهي للذي يُعطاها»: بضم أوله مبني للمفعول: أي تكون لذلك المعطى وعقبه أبداً لا ترجع إلى الذي أعطى، قال أبو سلمة: لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث، وفي رواية الليث عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر مرفوعاً: من أعمر رجلاً عمرى له ولعقبه فقد قطع قوله حقَّه، وهي لمن أعمرها ولعقبه، أخرجه مسلم، وله من طريق معمر عن الزهري: إنما العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها. (1/86)
صفحة 82
قال معمر: وكان الزهري يفتي به، ولمسلم(3 ) أيضاً من طريق أبي الزبير عن جابر قال: جعل الأنصار يُعمِرون المهاجرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعْمِرها حياً وميتاً ولعقبه»، والحديث يدل على صحة العمرى، وإليه ذهب الجمهور إلا ما حُكي عن داود وطائفة، ثم اختلف القائلون بصحتها قيل: تتوجَّه إلى الرَّقبة كسائر الهباـ ونسب إلى الجمهور، وقيل إلى المنفعة فقط ففي رجوعها إلى المعطي معقبة أم لا؟ خلاف، فقيل: ترجع إليه مطلقاً كانت معقبة أو غير معقبة، ونسب إلى مالك بن أنس، والحديث يرده.
وقيل: لا ترجع إليه مطلقاً وهو ، وقال ابن عبدالعزيز: لا تكون لورثته إلا- رضي الله عنهم -قول ابن عباس وجابر بن زيد وأبي عبيده أن يقول له: هي لكَ ولعقبك، وإذا لم يقل ذلك فهي راجعة إلى الأولى بموت المعطي، وذكر أن ذلك قول غير أبي عبيدة من الفقهاء وأنها عارية، واستدلَّ على ذلك بأن لصاحب الشيء أن يقول إنما أعطيتها للرجل حياته ولم أجعلها لعقبه من بعده، فكيف يكون لهما ما لم أجعل لهم إليه سبيلاً بعطاء، وإنما أعطيته على جهة العارية؟ والدليل على قولي أنها عارية استثنائي أنها لك حياتكَ ولم أجعلها له بعد مماته، وهذا القول أسعد بظاهر الحديث، وهو قول ابن شهاب وأبي حنيفة والشافي في الجديد(4 ). (1/87)
صفحة 83
قيل لابن عبدالعزيز: يرد عليك قوله صلى الله عليه وسلم: «من عمَر شيئاً فهو له حياته وبعد مماته»، فقال: يا عاجز! لو اتفق الناس على هذا الحديث لم يجاوزه أحد من الفقهاء بالقياس فيه ولا الرغبة عنه، لأن ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي لأحد أن يخالف فيه، وقال ابن عبدالبر انتصاراً لمذهب مالك: ومن أحسن ما احتجوا به أن ملك المعطي للمعمر ثابت بإجماع قبل أن يحدث العمرى فلما أحدثها اختلف العلماء فقال بعضهم: قد أزال لفظه ذلك ملكه عن رقبة ما أعمره، وقال بعضهم: لم يزلك ملكه عن رقبة ماله بهذا اللفظ، فالواجب بحق النظر أن لا يزول ملكه إلا بيقين وهو الإجماع، لأن الاختلاف لا يثبت به يقين، وقد ثبت «الأعمال بالنيات»، وهذا الرجل لم ينوِ بلفظه ذلك إخراج شيئهِ عن ملكه، وقد اشترط فيه شرطاً فهو على شرطه لحديث: «المسلمون على شروطهم».
-----------------------------------------------------------------
(1 ) مسلم (الحلبي) 3/1245 في [باب العمرى] من كتاب الهبات، ورقم الحديث 1625 وسنده: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأتُ على مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيَّما رجل أعمرَ عُمرْى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها، لأنه أعطي عطاءً وقعت فيه المواريث»، وفي البخاري في [باب ما قيل في العُمرى قال: قضى- رضي الله عنه -والرُّقبى]: حدثنا أبو نعيم حدثنا شيبان عن يحيى عن أبي سلمة عن جابر النبي صلى الله عليه وسلم بالعُمرى أنها لمن وُهبت له. (1/88)
صفحة 84
(2 ) أصل (العُمرى) من العمر، وهي ما تجعله للرجل طول عمركَ أو عمره، وقال ثعب: العمرى أن يدفع الرجل إلى أخيه داراً فيقول: هذه لك عمرك أو عمري أيُّنا ماتَ دُفعت الدار إلى أهله، وكذلك كان فعلهم في الجاهلية، والعمري المصدر من ذلك الرًُّجعى، وفي الحديث: «لا تُعمِروا ولا تُرقِبوا فمن أعمر داراً أو أرقبها فهي له ولورثته من بعده»، وقد أبطل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك عمل أهل الجاهلية.
(3 ) مسلم 3/1246 وقوله: «أمسكوا عليكم أموالكم» المراد به إعلامهم أن العمري هبة صحيحة ماضية يملكها الموهوب له ملكاً تاماً لا يعود إلى الواهب أبداً، فإذا علموا ذلك من شاء أعمر ودخل على بصيرة ومن شاء ترك، لأنهم كانوا يتوهمون أنها كالعارية ويرجع فيها.
(4 ) هذا فيما لو قال: جعلتُ هذه الدار لك عمركَ، ولم يتعرض لما سواه فإن للشافعي في صحة هذا العقد قولين: أصحُّهما، وهو الجديد، صحته، ومثل ذلك في صحة العقد وبلا خلاف لو قال: أعمرتك هذه الدار فإذا متُّ فهي لورثتك أو لعقبك، فإنه يملك بهذه اللفظة رقبة الدار، وهي في الواقع هبة بعار طويلة.
--- (1/89)
صفحة 85
الباب السادس والثلاثون : في الرجم والحدود
قوله: «باب في الرجم والحدود»: فيه عطف عام على خاص، لأن الرجم بعض الحدود، وهو في اللغة الرمي بالرَّجم بفتحتين، وهي الحجارة.
يقال: رجمته رجماً من باب قتل إذا ضربته بالرجم، وهو في الشرع اسم لحدِّ الزاني، وصفتُه أن تحفر حفرة ويدفن فيها الزاني المحصن قول إلى حقويه وقول إلى منكبيه، وتكتَّف يداه ويرميه الإمام إن كان مقراً، وإن كان مشهوداً عليه رماه شاهد بعد شاهد، ويقول من يرميه من الشهود: أشهدُ بالله إنك زانٍ، ولا يرمي النساء ولا العبيد ولا الصبيان، وأما الحدود فهي جمع حدّ وهو في اللغة المنع، ومنه سمي البواب حداداً لأنه يمنع من الدخول، وهي في الشرع اسم لعقوبات مخصوصة مترتبة على أسباب معلومة، سميت بذلك لأنها تمنع العاصي غالباً من العود إلى تلك المعصية التي حدَّ عليها، وتطلق الحدود أيضاً على مطلق الأحكام التي حدَّها الله لعباده ومنعهم من مجاوزتها، وذلك معنى قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
--- (1/90)
صفحة 86
ما جاء في الإحصان
94- أبو عُبيدةَ عن جابر قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أحْصَنَ من مَلَكَ أو مُلِّكَ لهُ».
1- قوله: «بلغني»: الحديث تفرَّد بذكره المصنف رضي الله عنه.
2- قوله: «أحصنَ»: أي صار محصناً، وأصل الإحصان المنع(1 )، ثم أطلق على التزويج، يقال: أحْصِنَ الرجل بالألف: تزوَّج، واسم الفاعل محصن بالكسر على القياس قاله ابن القطَّاع، ومحصَن بالفتح على غير قياس قال في النهاية(2) وهو أحد الثلاثة التي جئن نوادر، يقال: أحصَنَ فهو مُحصَنٌ وأسهَبَ فهو مُسهَبٌ وألفَجَ فهو مُلفَجٌ، ثم أطلق الإحصان على الحال الذي يكون شرطاً لرجم الزاني، وهو حال مركب من أشياء سموها شروط الإحسان وهي في الحقيقة أجزاؤه، وإنما سموها شروطاً لملاحظة معناه اللغوي، وهو التزوج، وقد جمعها الناظم في قوله:
شروط الحصانة ستٌ أتتْ إذا كنتَ عن ذاك مستفهما
بُلوغٌ وعقلٌ وحريِّةٌ ورابعُها كونه مُسلِما
وعقدٌ صحيحٌ ووطءٌ مُباحٌ متى اختلَّ شَرْطٌ فلن يُرجما
فهذه ستة أشياء الإجماع منها على ثلاث، والخلاف في الإسلام والوطء والحرية هي تشترط في الإحصان أم لا؟ وسيأتي ذلك.
3- قوله: «من ملَكَ أو مُلِّكَ له»: أي من تزوَّج أو تُزُزِّجَ له عن إذنه ورضي بذلك فقد أحصَن، يقال: ملكتُ المرأة أملُكها من باب ضَرب إذا تزوجتُها، وقد يقال: مَلَكتُ بامرأة، على لغة من قال: تزوجتً بامرأة، ويتعدّى بالتضعيف والهمزة إلى مفعول آخر، فيقال: مَلَّكْتُه امرأة، وعليه قوله عليه السلام: «مَلَّكْتُها بما معك من القرآن» أي زوَّجتُكها.
والحديث يدل أن نفس العقد الصحيح يكون إحصاناً إذا كملت شروطه، ولو لم يدخل بها أو بظاهره، قال ابن عباس وجابر بن زيد رضي الله عنهما: وعليه الرجم إذا زنى، وقيل: لا رجم عليه ولكن يجلد الحدّ. (1/91)
صفحة 87
وهو قول أبي بكر الصديق والربيع بن حبيب رضي الله عنهما، وعلى هذا القول فلابدّ من الدخول فإن لم يدخل فليس بمحصن، والخلاف أيضاً في المرأة هل تكون محصنة بذلك أم لا؟ على نحو الخلاف في الرجل، وادَّعى ابن المنذر الإجماع أنه لا يكون بمجرد العقد محصناً، وهو مردود بما ذكره غيره من الخلاف، قال ابن المنذر: واختلفوا فيما إذا دخل بها وادَّعى أنه لم يصبها، ومقتضى المذهب أنه لا يصدق في ذلك إذا حصلت الخلوة، والقول: (يدرأ الرجم عنه يصح ما لم يثبت المسيس بالإقرار أو البيَّنة) سائغ الحديث: «ادْرأوا الحدودَ بالشبهات» والله أعلم.
فائدة:
اختُلف في الإحصان فقيل:
لا يُحصن الحرَّ المسلم إلا الحرةُ المسلمةٌ، فلا تحصنه الكتابة ولا الأمة، وقيل: تحصنه الحرة للكتابية ولا تحصنه الأمة، وقيل: يحصنه جميع ذلك، وأما الذميًّة فيحصنها المسلم الحر والزوج الحر من أهل دينها، وقيل: يحصنها العبد المسلم أيضاً، وأما العبيد فقد اختلف في إحصانهم فقيل: لا تحصن العبد إلا الحرةُ المسلمة، وقيل: تحصنه الكتابة أيضاً، وقيل: تحصنه الأمة أيضاً، وكذلك الأمة لا يحصنها إلا الحر المسلم، وقيل: يحصنها العبد أيضاً.
وأجمعوا أن الحر المسلم يحصن الحرة المسلمة والحرة الكتابة والأمة، وكذلك أجمعوا أن الحرة المسلمة تحصن الحر المسلم والعبد المسلم والخلاف فيما سوى ذلك، وأجمعوا أنه إذا تزوَّج الرجل زوجة واحدة أو تزوجت المرأة زوجاً واحداً مما يكون فيه محصناً، ثم وقع الفراق بطلاق أو موت أو سائر أنواع الفراق أنه محصن أبداً، وتلحقه أحكام الإحصان، وأجمعوا أنه لا رجم على العبد ولا على الأمة، وإنما عليها نصف جلد الحر، وأجمعوا أن الرجل على المحصن والمحصنة من المسلمين ومن أهل الكتاب ومن لزمه أحكام الإسلام للعهد، وأجمعوا أنه لا حدَّ على العبد والأمة ولو زنيا حتى يحصنا كذا ذُكر في الأثر. (1/92)
صفحة 88
وقال غيره: هذا إجماع أصحابنا في هذه المسألة، قال: واختلفوا في العبد والأمة إذا أحصنا ثم عُتقا ثم زنيا بعد عتقهما من غير أن يحصنا في حريتهما فقال من قال: عليهما الحد مائة جلدة حتى يحصنا بعد عتقهما، وقال من قال: عليهما الرجم إذا زنيا في الحرية، أما إذا زنيا في العبودية ثم عتقا قبل إقامة الحد، فالله أعلم يلزمهما حد الحرية أو حد العبودية، قال: وما معنا إلا أن يلزمهما جلد الحرية، لأن الحرية لا تزيده إلا إثباتاً في الأحكام، وقيل: لا يلزمهما إلا حد العبودية والله أعلم.
----------------------------------------------------------
(1 ) المنع: بمعنى المناعة، والرجل المنيع الذي تمنعه عشيرته، والمرأة المنيعة التي لا يستطاع غصبها، والحصن المنيع الذي لا يقتحم.
(2 ) روى الأزهري هذه الثلاثة عن ابن الأعرابي، وزاد ابن سيدة: وأسهمَ فهو مُسهم، وفي الحديث ذكر الإحصان والمحصنات من النساء في غير موضع، والمرأة تكون محصنة بالإسلام والعفاف والحرية والتزويج، والمرأة حَصان بفتح الحاء: أي عفيفة بيَّنة الحصانة، وفي شعر حسَّان يثني على عائشة رضي الله عنها:
حَصانٌ رَزانٌ ما تُزن بريبةٍ وتصبحُ غرثى من لحومِ الغوافلِ
--- (1/93)
صفحة 89
ما جاء أن الرجم سنة واجبة
95- أبو عُبيدة عن جابر قال: الرَّجْمُ والاخْتِتَان والاسْتنْجَاءُ والوترُ سُننٌ واجبةٌ، فأمَّا الوترُ فلقولهِ عليه السلام لأصحابهِ: «زَادكم اللهُ صلاةَ هي الوِتْرُ».
1- قوله: «الرجم والاختتان والاستنجاء والوتر سننٌ واجبةٌ.. إلخ»: تقدَّم شرحه في فرض الصلاة، وكون الرجم سنة واجبة يدل على حديث ابن عباس المتقدم: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أنيساً الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها».
وقد رواه الجماعة من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجُهني(1 )، وروى أحمد عن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر باليهوديين فرُجما، قال ابن عمر: «فرأيتً الرجل يجافي على المرأة يقيها الحجارة»(2 )، وهو سنة مجمع عليها، وحُكي عن الخوارج والنظَّام وأصحابه من المعتزلة إنكاره ولا مستند لهم، إلا أنه لم يُذكر في القرآن وهذا باطل، فإنه قد ثبت بالسنة المتواترة المجمع عليها، وأيضاً هو ثابت بنص القرآن لحديث عمر عند الجماعة(3 ) قال: «إنه كان مما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الرجم فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده»، ونسخ التلاوة لا يستلزم نسخ الحكم كما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس، وقد أخرج أحمد والطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة بن سهل عن خالته العجماء: أن فيما أنزل الله من القرآن «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة بما قضيا من اللذة»، وأخرجه ابن حِبَّان في صحيحه من حديث أبيّ بن كعب بلفظ: «كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة وكان فيها آية الرجم «الشيخ والشيخة» الحديث والله أعلم.
------------------------------------------------------------ (1/94)
صفحة 90
(1 ) رواه البخاري في [باب الاعتراف بالزنا] وسنده: حدثنا علي بن عبدالله حدثنا سفيان قال: حفظناه من في (فم) الزهري قال: أخبرني عبيدالله أنه سمع أبا هريرة وزيد بن خالد، وفي آخر الحديث، ما لفظه: «واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها»، ورواه مسلم 3/1324 في [باب من اعترف على نفسه بالزنى] عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجُهني.
(2 ) وحديث ابن عمر في البخاري [باب أحكام أهل الذمة] ولفظه فيه: «فرأيت الرجل يحني على المرأة (وفي رواية: يجنأ) يقيها الحجارة»، والحديث في مسلم في [باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى] ولفظ ابن عمر فيه قال: كنتُ فيمن رجمها، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه.
(3 ) هذا الحديث رواه البخاري في [باب رجم الحُبلى من الزنا إذا أحصنت] ولفظ عمر فيه: «إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان ممَّا أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده».
--- (1/95)
صفحة 91
ما جاء في اللعان
96- أبو عُبيدة عن جابر قال: سألَ سعدُ بن عُبادة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيتَ لو وجدتُ مع امرأتي رجُلاً أَأُمْهِلُهُ حتِّى آتي بأربعة؟، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «نَعم!».
1- قوله: ًسأل سعد بن عبادة» بضم العين: سيد الخزرج تقدم ذكره، وهذا السؤال إنما كان قبل نزول آية اللعان(1 ) وهو من مقدمات أسباب نزولها، والحديث مرسل لأن جابراً لم يدرك زمان السؤال، وكان شيخه في ذلك ابن عباس، فقد أخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ)(2 ) الآية.
قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار، ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ فقالوا: يا رسول الله لا تلمه فإنه رجلٌ غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكراً وما طلق امرأة قط فاجترأ رجلٌ منا أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من الله، ولكني تعجَّبتُ، إني لو وجدتُ لَكاعاً(3 ) قد تفخَّذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته. (1/96)
صفحة 92
قال: فما لبثوا إلا يسيراً حتِّى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تيبَ عليهم، فجاء من أرضه عِشاءً فدخل على امرأته فوجد عندها رجلاً، فرأى بعينه وسمع بأذنيه، فلم يهجم حتى أصبح فندا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني جئتُ أهلي عشاءً فوجدتُ عندها رجلاً، فرأيتُ بعيني وسمعتُ بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتدَّ به، فاجتمعت الأنصار فقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة الآن، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلالَ بن أمية وأبطل شهادته في المسلمين.
فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجاً، فقال: يا رسول الله إني قد أرى ما اشتدَّ عليك مما جئتُ به، واللهُ يعلم أني لصادق، وذكر في الحديث ما يدل أن هذه القصة هي سبب نزول آية اللعان(4 )، وسيأتي في حديث عاصم بن عديّ أن سبب نزولها قصة عُويمر العجلاني وامرأته(5 ) وقد اختلف أهل العلم في الراجح من ذلك، ومنهم(6 ) من جمع بين القصتين بأن يكون هلال سأل أولاً ثم سأل عُويمر فنزلت في شأنها معاً.
وقيل يحتمل أن عاصماً سأل قبل النزول ثم جاء هلال بعده فنزلت عند سؤاله، فجاء عُويمر في المرة الثانية التي قال فيها إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به.
2- قوله: «أرأيتَ»: أي أخبرني.
3- قوله: «مع امرأتي رجلاً»: كناية عن الفاحشة إذ المراد معيَّة خاصة.
4- قوله: «أمهله»: أي أؤخرهُ ولا أهيجه ولا أحركه حتَّى آتي بأربعة، أي إلى أن أجيء بأربعة شهود، وهذا من سعد استبعاد للأمر واستعظام للمقام، فإن الإمهال صعب على النفس جداً، وأيضاً فقد يقضي الرجل حاجته قبل وصول الشهود. (1/97)
صفحة 93
5- وقوله: «نعم»: أي أمهله حتى تأتي بأربعة، وهذا قبل نزول آية اللعان وإحضار الشهود لبراءته من حد القذف، والحديث يدل على جواز إحضار الشهود لذلك، والمصرَّح به في الاستقامة المنع من تعمد النظر إليهما لتحمل الشهادة، فلعل هذا كان خاصاً بالزوج قبل نزول آية اللعان ثم نسخ بنزولها حيث كان الفرج حاصلاً بغير الإشهاد، ويحتمل إبقاء الحكم لضرورة الإشهاد، وقد جاء الترخيص في النظر إلى الفروج لأجل الضرورة والله أعلم بحقيقة الأمر.
-----------------------------------------------
(1 ) قال في الفتح: اللعان مأخوذ من اللعن لأن الملاعن يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وإنما خصَّت المرأة بلفظ الغضب في قولها: وعليّ غضب الله إن كان من الصادقين، لعظم الذنب بالنسبة إليها، ويقال للزوجين: قد تلاعنا ولاعنا والتعنا.
(2 ) النور 24/6 ونص الآية: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ).
(3 ) تقول العرب: رجلٌ ألكع ولُكع ولكيع ولكاع وملكعان: أي لئيم دنيء.
(4 ) أي قصة هلال بن أمية، وهو قول الجمهور لما ذكر أنه كان أول رجل لاعنَ في الإسلام.
(5 ) قال النووي في شرح مسلم: السبب في نزول آية اللعان قصة عُويمر العجلاني، واستدلَّ على ذلك بقوله: «قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآناً».
(6 ) وهو قول الخطيب والنووي وتبعهما الحافظ في احتمال الجمع بين القصتين.
--- (1/98)
صفحة 94
97- أبو عبيدةَ عن جابر قال: أتى رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقالُ له عاصِمُ بن عَديّ الأنصاري، فقال: يا رسول الله أرأيتَ رجلاً وجَدَ مع امرأة رجلاً أيقتلُهُ أم كيفَ يصنع؟ فكرِهَ النبي صلى الله عليه وسلم المسْألة حتَّى عابَها، وبَلَغَ ذلك بالرجلِ مَبلغاً عظيماً، ثم أتاه بعد ذلكَ رجلٌ يقالُ له عُويمر العَجلاني فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المسألة بعينها، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قد أُنزلتْ فيكَ وفي صاحبتك فاذهب فأتِ بها»، فأتى بها فتلاعنَان، ففرَّق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بينهما.
قال الربيع: قال أبو عُبيدة: لا تحلُّ له أبداً، وإنْ نكحت زوجاً غيرهُ فمات عنها أو طلَّقها.
1- قوله: «يقال له عاصم بن عديّ»: بن الجدّ بن العجلان بن حارثة ابن ضُبيعة بن حرام بن جُعل بن عمرو بن ودم بن ذبيان بن هميم بن ذهل بن بَليّ البَلويُّ حليف بني عبيد بن زيد من بني عَمرو بن عوف من الأوس من الأنصار، يُكنى أبا عبدالله، وقيل: أبو عمرو، وهو أخو مَعن بن عدي، وكان عاصم سيد بني العجلان شهد بدراً وأحُد والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: لم يشهد بدراً بنفسه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردَّه من الروحاء واستخلفه على العالية من المدينة، وضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره، وتوفي سنة خمس وأربعين وقد عاش مائة سنة وخمس عشرة سنة، وقيل: عاش مائة سنة وعشرين سنة. (1/99)
صفحة 95
2- قوله: «أرأيت رجلاً»: أي أخبرني عن حكم رجل هذا شأنه، وإنما سأل عاصم عن ذلك لما طلب منه عويمر أن يسأل له عن ذلك، أخرج أحمد والبخاري(1 ) ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال: سَلْ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فقتله أيقتل به أم كيف يصنع. فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل فلقيه عويمر فقال: ما صنعت؟ فقال: إنك لن تأتيني بخير سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فعابَ المسائل، فقال: والله لآتينَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأسألنَّه، فأتاه فوجده قد أنزل عليه فدعى بهما، فلاعن بينهما.
3- قوله: «أيقتله فتقتلونه؟»: أي قصاصاً، وإنما قال ذلك لتقدم علمه بحكم القصاص لعموم قوله: «النفس بالنفس» لكن طرقه الاحتمال أن يخصَّ من ذلك ما يقع بالسبب الذي لا يُقدر على الصبر عليه غالباً من الغيرة التي رُكزت في طبع البشر، ولهذا قال: «أم كيف يفعل؟».
وقد اختلف العلماء فيمن وجد مع امرأته رجلاً وتحقق وجود الفاحشة منهما فقتله هل يُقتل به أم لا؟ فمنع قوم الإقدام، وقال: يقتص منه إلا أن يأتي ببينة الزنا أو يعترف المقتول بذلك إذا أدركت حياته أو اعترف بذلك ورثته بشرط أن يكون محصناً، وقيل: بل يُقتل لأنه ليس له أن يقيم الحدَّ بغير إذن الإمام، وقال بعض السلف: لا يقتل أصلاً ويعذر فيما فعله إذا ظهرت أمارات صدقه، وشرط أحمد وإسحاق ومن تبعهما أن يأتي بشاهدين أنه قتله بسبب ذلك، ووافقهم ابن القاسم وابن حبيب من المالكية لكن زاد أن يكون المقتول قد أحصن، وقيل(2 ): يجوز للرجل أن يقتل من وجده مع زوجته وأمته وولده حال الفعل، وأما بعده فيُقاد به إن كان بكراً. (1/100)
صفحة 96
4- قوله: «فكره النبي صلى الله عليه وسلم المسألة حتى عابها»: أي كرهها كراهة شديدة، قال عياض: يحتمل أنه كره قذف الرجل امرأته بلا بيَّنة لاعتقاد الحد لأن ذلك كان قبل نزول حكم اللعان بدليل قوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية: «البينة أو الحد في ظهرك»(3 )، ويحتمل أنه كره السؤال لقبح النازلة وهتك ستر المسلم، أو لما كان منهياً عنه من كثرة السؤال، وقد نهى عن كثرته سداً لباب سؤال أهل التشغيب(4 )، أو لما في كثرته من التضييق في الأحكام التي لو سكتوا عنها لم تلزمهم ونزلت لاجتهادهم فيها كما قال: «اتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم لكثرة سؤالهم أنبيائهم»، ولقوله: «أعظم الناس جُرماً من سأل عما لم يحرم فحرِّم من أجل مسألته»، قال المازري: أما إذا كانت المسائل مضطراً إليها فلا بأس بالسؤال عنها، وقد كان يُسأل عن الأحكام فلا يكره، وعاصم إنما سأل لغيره من غير حاجة، وإن كان السؤال على وجه التعنيت فهذا الذي يُكره.
5- قوله: «بالرجل»: يعني عاصماً.
6- قوله: «ثم أتاهُ»: يعني أتى النبي صلى الله عليه وسلم.
7- قوله: «عُويمر» بضم العين وفتح الواو: تصغير عامر، هو عويمر بن الحارث بن زيد بن الجد بن عجلان العجلاني، وفي رواية عويمر بن أشقر، وفي أخرى عويمر بن أبيض، قال ابن حجر: فلعل أباه كان يلقب أشقر وأبيض، وفي الصحابة: عويمر بن أشقر آخر مازني، روى له ابن ماجه حديثاً في الأضاحي.
8- قوله: «قد أنزلت»: يعني آية اللعان، وإنما قال له ذلك وهو لم يصرح بأنه قد رأى ما رأى لظهور القرائن وشدة الإلحاح في المسألة، فكان ذلك منه تعريضاً يقرب من التصريح. (1/101)
صفحة 97
9- قوله: «وفي صاحبتك»: أي زوجتك، وهي خولة بنت قيس(5 ) وقيل: بنت عاصم بن عدي المذكور في الحديث، وقيل: بنت أخيه، وأخرج ابن مردويه مرسلاً أن عاصماً لما نزلت: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) قال: يا رسول الله أين لأحدنا أربعة شهداء؟ فابتلى به في بنت أخيه، وفي سنده ضعف، وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل: لما سمع عن ذلك ابتلي به في أهل بيته، فأتاه ابن عمه تحته بنت عمه رماها بابن عمه، والمرأة والزوج والخليل ثلاثتهم بنو عم عاصم.
10- قوله: «فاذهب فأتِ بها»: استُدلَّ به على أن اللعان يكون عند الحاكم وبأمره، فلو تراضيا برجل يلاعن بينهما فلاعن لم يصح، لأن في اللعان من التغليظ ما يقتضي أن يختصَّ به الحاكم.
11- قوله: «فتلاعنا»: زاد رواية بعد العصر، وفي أخرى فتلاعنا في المسجد(6 )، وفي حديث ابن عمر عند مسلم: فتلاهنَّ (أي الآيات) عليه ووعظه وذكَّره(7 ) وأخبره أن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، قال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبتُ عليها، ثم دعاها ووعظها وذكَّرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، قالت: كلا والذي بعثني بالحق إنه لكاذب، فبدأ بالرجل(8 ) فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة فشدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ثم فرَّق بينهما.
واختلف في الوقت الذي وقع فيه اللعان، فجزم الطبري وأبو حاتم وابن حِبَّان أنه كان في شهر شعبان سنة تسع، وقيل: كان في السنة التي توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع في البخاري عن سهل بن سعد أنه شهد قصة المتلاعنين وهو ابن خمسة عشرة سنة، وقد ثبت أنه قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة، وقيل: كانت القصة في سنة عشر، ووفاته صلى الله عليه وسلم في سنة إحدى عشر. (1/102)
صفحة 98
12- قوله: «ففرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما»: أي فراقاً أبدياً لا يجتمعان أبداً فتُحرمُ عليه بمجرد اللعان تحريماً مؤبداً ظاهراً وباطناً، سواءٌ صدقت أو صدق، وهو معنى قول أبي عبيدة رضي الله عنه: «لا تحلُّ له أبداً وإن نكحت زوجاً غيره فمات عنها أو طلقها» .
قال سهل بن سعد: فمضت السنة بعدُ في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً، رواه أبو داود، وفي رواية عن سهل بن سعد: ففرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال: لا يجتمعان أبداً، وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبداً»، وعن علي قال: مضت السنة في المتلاعنين أن لا يجتمعا أبداً، وعن علي وابن مسعود قالا: مضت السنة أن لا يجتمع المتلاعنان، رواهنَّ الدارقطني، وبمقتضاها قال أصحابنا وجمهور قومنا، وذكر عن أبي حنيفة وصاحبه محمد أن اللعان لا يقتضي التحريم المؤبد لأنه طلاق زوجة مدخول بها بغير عوض لم ينوَ به التثليث فيكون كالرجعى، وفي رواية عن أبي حنيفة أنها إنما تحل له إذا أكذب نفسه لا إذا لم يكذب نفسه فإنه في هذه الصورة يوافق الجمهور.
والحق أن اللعان ليس بطلاق، وإنما هو فرقة أبدية حكماً شرعياً كما تقتضيه الأدلة الصحيحة الصريحة(9 )، فلا يصح العدول عنها، وقد وقع الخلاف هل اللعان فسخ أو طلاق؟ فذهب الجمهور إلى أنه فسخ، وذهب أبو حنيفة ورواية عن محمد إلى أنه طلاق.
---------------------------------------------------
(1 ) البخاري في الحديث الأول من [باب اللعان ومن طلَّق بعد اللعان].
(2 ) وهو قول الهادويَّة. (1/103)
صفحة 99
(3 ) من حديث لابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك بن سَمحاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة أو حدّ في ظهرك…إلخ»، وفيه دليل على أن الزوج إذا قذف امرأة بالزنا وعجز عن إقامة البينة وجب عليه حد القاذف، وإلا فإن اللعان يدفع الحدّ ويسقطه.
(4 ) الشَّغْب بسكون الغين وفتحها، والتغشيب: تهييج الشر، وأنشد الليث:
وإني، على ما نالَ مني بصرفهِ على الشاغبين التاركي الحق، مِشْغبُ
(5 ) حكاه القرطبي عن مقاتل بن سليمان، وقال ابن منده في كتاب الصحابة وأبو نعيم: إنها خولة بنت عاصم بن عدي العجلاني، وذكر ابن مردويه أنها بنت أخي عاصم المذكور.
(6 ) وفي البخاري [باب التلاعن في المسجد].
(7 ) وفيه دليل على أن يشرح للإمام موعظة المتلاعنين قبل اللعان تحذيراً لهما وتخويفاً من المعصية.
(8 ) البدء بالرجل من السنة، وفيه دليل على أن على الإمام أن يبدأ بالرجل في اللعان، واختلف في وجوب ذلك، فذهب الشافعي ومن تبعه، وأشهب من المالكية، ورجحه ابن العربي إلى أنه واجب، وذهب أبو حنيفة ومالك وابن القاسم إلى أنه لو وقع الابتداء باملرأة صحَّ واعتُدَّ به، واحتجوا بأن الله تعالى عطف في القرآن بالواو، وهو لا يقتضي الترتيب.
(9 ) لا جرم أن الأدلة الصحيحة قاضية بالتحريم المؤبد، وكذلك أقوال الصحابة، وهو الذي يقتضيه حكم اللعان، فإن لعنة الله وغضبه قد حلَّت في الواقع بأحد المتلاعنين، وهو ما يقتضي التحريم المؤبد.
--- (1/104)
صفحة 100
ما جاء في رجم المشركين
98- أبو عبيدةَ عن جابر بن زيد عن ابن عمر قال: إن اليهودَ جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أنَّ رَجُلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم: ما تجدونَ في التوراة في شأن الرَّجم؟ فقالوا: نفضَحَهُما ويُجلدان»، فقال لهم عبدالله بن سَلام: كذبتم، إنَّ فيها للرجمِ آيةً فأتوا بالتوراةِ فأتلوها، قالَ: فأتوا بها ونَشروها، فوضعَ أحدُهم يَدهُ على أيةِ الرَّجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقالَ له ابن سلام: ارفَع يدَكَ، فرفعَ يدهُ، فإذا آية الرجمِ تَتَلألأ، فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمرَ بهما رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فرُجما.
قال ابن عمر: فرأيتُ الرَّجُلَ يُجافي على المرأةِ يقيها الحجارةِ.
1- قوله: «عن ابن عمر»: الحديث رواه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري(1 ) ومسلم وغيرهما.
2- قوله: «إن اليهود»: منهم كعب بن الأشرف وكعب بن الأسعد وسعيد بن عمر ومالك بن الصيَّف وكنانة بن أبي الحُتيق وشاس بن قيس ويوسف ابن عازوراء.
3- قوله: «جاءوا»: من خيبر وذلك في ذي القعدة سنة أربع من الهجرة.
4- قوله: «إن رجلاً منهم وامرأة»: أما الرجل فلم يذكر اسمه، وأما المرأة فقيل اسمها بُسرة (بضم الموحدة وسكون المهملة)، وقيل: اسمها سوارة، وفي رواية أن الرجل والمرأة كانا من أشراف أهل خيبر.
5- قوله: «زنيا»: أي بعد الإحصان كما ورد ذلك من طريق عند الطبراني(2 )، وأخرج ذكر ذلك أبو داود من حديث أبي هريرة، والحاكم من حديث ابن عباس، وكان السبب في مجيئهم طلب التخفيف عنهما، فإنهما كالشريفين أرادوا لهما التخفيف عن الرجم.
6- قوله: «ما تجدون في التوراة»: أي أيُّ شيء تجدونه في التوراة من حكم ذلك؟ (1/105)
صفحة 101
7- قوله: «في شأن الرجم»: أي في حكمه، وهذا السؤال ليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم وإنما هو لإلزامهم ما يعتقدونه في كتابهم الموافق لحكم الإسلام، إقامةً للحجة عليهم وإظهاراً لما كتموه وبدَّلوه من حكم التوراة فأرادوا تعطيل نصها، ففضحهم الله، وذلك إما بوحي من الله تعالى إليه أنه موجود في التوراة لم يغيَّر، وإما بإخبار من أسلم منهم كعبدالله بن سلام.
8- قوله: «نَفْضحهما» بفتح النون والضاد المعجمة بينهما فاء ساكنة: من الفضيحة وهي كشف المساوئ وتبيينها للناس، وفي رواية: فقالوا: نُسَخِّمُ وجوههما ونحممهما ونخزيهما، وفي وراية: نسوِّد وجوههما ونحمِّمها(3 ) ونخالف بين وجوههما ويُطافٌ بهما.
9- قوله: «ويُجلدان» بضم أوله وفتح ثالثه مبيناً للمفعول، أي نجد أن نفضحهما ويجلدان، فهو معمول على الحكاية لنجد المقدر أن ذلك في التوراة وهم كاذبون، ويحتمل أن يكون ذلك مما فسروا به التوراة ويكون مقطوعاً عن الجواب، ويكون المعنى أن الحكم عندنا أن نفضحهما ويُجلدان، ويكون(4 ) خبر مبتدأ محذوف، وبُني أحد الفعلين للفاعل والآخر للمفعول إشارة إلى أن الفضيحة موكلة إليهم وإلى اجتهادهم.
10- قوله: «عبدالله بن سلام»: الإسرائيلي الحبر من ذرية يوسف بن يعقوب حليف الخزرج.
11- قوله: «فأتوا بالتوراة فأتلوها»: أي فأقرأها، وهو خطاب من عبدالله بن سلام لليهود، وفي رواية للشيخين: فقال عبدالله بن سلام: أدعهم يا رسول الله بالتوراة، فأتي بها، وفي رواية أيوب: قال (أي النبي صلى الله عليه وسلم) فأتوا بالتوراة فأتلوها إن كنتم صادقين، ويحتمل الجمع بوقوع ذلك كله.
12- قوله: «فأتوا بها» بفتح الهمزة والفوقية، أي جاءوا بها.
13- قوله: «ونشروها»: أي فتحوها وبسطوها، زاد في رواية: فقالوا لرجل ممن يرضون يا أعور اقرأ. (1/106)
صفحة 102
14- قوله: «فوضع أحدهم»: هو ذلك القارئ، وهو عبدالله بن صوريا اليهودي، وإنما وضع يده عليها لئلا تظهر لمن كان يعرف قراءة التوراة ممَّن أسلم منهم.
15- قوله: «فإذا آية الرجم تتلألأ»: أي تلوح، وقع بيانها عند أبي داود من حديث أبي هريرة ولفظه: «المحصن المحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رُجما، وإن كانت المرأة حُبلى تربَّص بها حتى تضع ما في بطنها، وعند أبي داود أيضاً من حديث جابر: «إنا نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رُجما».
16- قوله: «فقالوا صدق…إلخ»: زاد في رواية أيوب: «ولكنا نكاتمه بيننا»، وفي رواية البزَّار قال (يعني النبي صلى الله عليه وسلم): «فما منعكم أن ترجموها؟ قالوا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل»، زاد في حديث البرا: «نجد الرجم ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم»، ولأبي داود عن جابر: «فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فجاؤا أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل المِرود في المكحلة».
17- قوله: «فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجما»: زاد في رواية الشيخين: «عند البلاط»، وهو مكان بين السوق والمسجد النبوي.
18- قوله: «يجافي» بضم التحتية فجيم فألف ففاء: أي ينحني عليها ليقيها الحجارة بنفسه لحبه إياها(5 )، وفي رواية «يجني» بفتح الياء وإسكان المهملة وكسر النون، وفي أخرى: «يَجْنأ» بالجيم والهمزة: أي يميل، وقد جمع بعضهم في جملة الأقوال الحاصلة في هذه اللفظة، فأنهاها إلى عشرة وجوه ترجع إلى معنى واحد. (1/107)
صفحة 103
والحديث يدل على ثبوت الرجم على أهل الكتاب، وقد اختلف في ذلك العلماء من أصحابنا وغيرهم، فاشترط قومٌ في الإحصان الإسلام فلا يكون الرجم على مشرك عندهم، وهو قول المالكية ومعظم الحنفية وربيعة شيخ مالك وبعض أصحابنا.
واعتمده أبو إسحاق في خصاله، وأجابوا عن حديث الباب بأنه صلى الله عليه وسلم إنما رجمها بحكم التوراة وليس هو من حكم الإسلام في شيء، وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم، فإن في التوراة الرجم على المحصن وغير المحصن، قالوا: وكان ذلك أول دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان مأموراً بإتباع حكم التوراة والعمل بها حتى ينسخ ذلك في شرعه، فرجم اليهوديين على ذلك الحكم، قالوا: ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) إلى قوله: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً)(6 ) .
ثم نسخ ذلك أيضاً بالتفرقة بين من أحصن ومن لم يحصن، وقال الجمهور بمقتضى ظاهر الحديث وفي الأثر، وأجمعوا أن الرجم على المحصن والمحصنة من المسلمين، ومن أهل الكتاب ومن لزمه أحكام الإسلام من أهل العهد، ولعله أراد بالإجماع إجماعاً خاصاً من أهل المذهب في الزمان الأول، فإنهم يتساهلون في التعبير بلفظ الإجماع فيطلقونه على اتفاق الأصحاب في بعض الموضع مع تسويغ الخلاف وضعاً عرفياً، وهذا القول أسعد بظاهر الحديث وكونه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك عند مقدمه المدينة لا ينافي لثبوت المشروعية، فإن هذا حكم شرعه الله تعالى لأهل الكتاب . (1/108)
صفحة 104
وقرره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا طريق لنا إلى ثبوت الأحكام التي توافق أحكام الإسلام إلا بمثل هذه الطريق، ولم يتعقَّب ذلك في شرعنا ما يبطله، ولاسيما وهو مأمور بأن يحكم بينهم بما أنزله الله ومنهيّ عن إتباع أهوائهم كما صرح بذلك القرآن العزيز، وقد أتوه صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الحكم ولم يأتوه ليعرفهم شرعهم، فحكم بينهم بشرعه ونبههم إلى ذلك ثبات في شرعهم كثبوته في شرعه، ولا يجوز أن يقال أنه حكم بينهم بشرعهم مع مخالفته لشرعه، لأن الحكم منه عليهم بما هو منسوخ عنده لا يجوز على مثله، وإنما أراد بقوله: «فأنا أحكم بينكم بالتوراة كما وقع في رواية من حديث أبي هريرة» إلزامهم الحجة.
وأما الاحتجاج بقوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) فغاية ما فيه أنَّ الله شرع هذا الحكم بالنسبة إلى نساء المسلمين، وهو مخرَّج على الغالب كما في الخطابات الخاصة بالمؤمنين والمسلمين مع أن كثيراً منها يستوي فيها الكافر والمسلم بالإجماع، ولو سلمنا أن الآية تدل بمفهومها على أن نساء الكفار خارجات عن ذلك الحكم، فهذا المفهوم قد عارضه منطوق حديث الباب(7 ) فإنه مصرَّح بأنه صلى الله عليه وسلم رجم اليهودية مع اليهودي، ومن غرائب التعصبات ما رُوي عن مالك أنه قال: «إنما رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين لأن اليهود يومئذ لم يكن لهم ذمة فتحاكموا إليه».
وتُعُقب بأنه صلى الله عليه وسلم إذا أقام الحدَّ على من لا ذمة له فلأن يقيمه على من له ذمة بالأولى، وأيضاً فإن مجيء اليهود(8 ) كسائلين له صلى الله عليه وسلم يوجب لهم أماناً كما لو دخلوا للتجارة فإنهم في أمان إلى أن يُردُّوا إلى مأمنهم والله أعلم، وللحديث فوائد يطول بذكرها المقام.
-------------------------------------------------------------------------- (1/109)
صفحة 105
(1 ) رواه البخاري في [باب أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا ورفعوا إلى الإمام] وهو الحديث الثاني وسنده: حدثنا إسماعيل بن عبدالله حدثني مالك عن نافع عن عبدالله بن عمر، وهو في مسلم الحديث الأول من [باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى] ورقم الحديث 1699.
(2 ) ثبت في طريق الطبراني «أن أحبار اليهود واجتمعوا في بيت المداس، وقد زنى رجل منهم بامرأة بعد إحصانهما»، ولفظ ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة: «زنى رجل وامرأة من اليهود وقد أحصنا»، ولفظ الحاكم من حديث ابن عباس: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي ويهودية قد أحصنا»، مما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم قد علم الإحصان بإخبارهم له، لأنهم جاءوا إليه سائلين يطلبون رخصة، فيبعد أن يكتموا عنه الإحصان.
(3 ) وفي صحيح مسلم وأكثر النسخ: نحمِّلهما (أي نحملهما على جمل)، وفي بعضها: نجمِّلهما (أي نحملهما على جمل) تشهيراً، وفي بعضها: نحمِّمهما (أي نسوِّد وجوههما بالحُمم) وهو الفحم.
(4 ) أي أن جملة (نفضحهما ويجلدان) خبر لمبتدأ محذوف تقديره: حُكماً فضيحتهما وجلدهما، والفعل المبني للفاعل هو «نفضحهما» والمبني للمفعول (يجلدان).
(5 ) أصل الجفاء: بمعنى البعد وترك الصلة والبر، يقال: جفا جنبه عن الفراش وتجافى، وجافيته فتجافى، فالمعنى «يجافي» أي يباعد الحجارة عنها بانحنائه عليها، وفي رواية: فعلِق (يجافئ) عليها ليقيها الحجارة: أي يكبُّ عليها، ولعله من التصحيف لتقارب الرسمين، وفي رواية «يجنأ» وأخرى «يُجنئ» عليها، فجنأ على الشيء كجعل وفرح كأجنأ وجانأ وتجانأ بمعنى واحد، والرجل الأجنأ: من أشرف كاهله على صدره وليس بأحدب، والمُجنأ بضم الميم: الترس لا حديد فيه.
(6 ) النساء 4/15، ونص الآية: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً).
(7 ) وهو حديث ابن عمر (98) الذي رواه عنه جابر بن .- رضي الله عنه -زيد
(8 ) وهو قول القرطبي معترضاً على مالك.
--- (1/110)
صفحة 106
ما جاء في الانتفاء من ولد الملاعنة
99- أبو عبيدة عن أبي سعيد أن رجُلاً لاعَنَ عن امرأته في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فانتفى من الولد ففرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحَقَ الولد بالمرأة.
الحديث رواه الجماعة(1 ) من حديث عبدالله بن عمر.
1- قوله: «إن رجلاً»: قيل هو عُويمر العجلاني صاحب القصة المتقدمة في حديث عاصم، وفي حديث ابن عباس عن أحمد وأبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعن بين هلال بن أمية وامرأته وفرَّق بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، ولا يرمى ولدها من رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميراً على مصر وما يدعى لأب، وهذا يدل أن الرجل هلال بن أمية، ويحتمل أن كل واحد من الرجلين قد انتفى من الولد.
2- قوله: «امرأته»: هي خولة بنت قيس العجلانية إن كان الرجل عويمراً، وغيرها إن كان هلالاً، وامرأة هلال لم تسمَّ، وفي (أسد الغابة) خولة بنت عاصم امرأة هلال بن أمية التي لاعنها ففرَّق الني صلى الله عليه وسلم بينهم، أخرجها ابن مندة وأبو نعيم، وتقدم أن خولة بنت عاصم بن عدي امرأة عويمر في بعض القول، وقد اشتبه على الناس أمر القضيتين لاتفاقهما في غالب الصور.
3- قوله: «في زمان النبي صلى الله عليه وسلم»: قيل كان ذلك في شهر شعبان سنة تسع، وقيل كان في السنة التي توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل كان سنة عشرة، ووفاته صلى الله عليه وسلم سنة إحدى عشر.
4- قوله: «فانتفى من الولد»: أي أنكر الولد الذي في بطنها وزعم أنه ليس منه، وفي رواية «وانْتَفَلَ» بألف فنون ساكنة ففوقية ففاء فلام: أي تبرأ، قيل: والفاء في قوله: «فانتفى» سببية، أي الملاعنة كانت سبباً لانتفاء الرجل من ولد المرأة وإلحاقه بها. (1/112)
صفحة 107
وتُعُقب بأنه إن أراد أنها سبب ثبوت الانتفاء فجيد، وإن أراد أنها سبب وجود الانتفاء فليس كذلك، فإنه لم يتعرض لنفي الولد في الملاعنة لم ينتفِ.
5- قوله: «ففرَّق» بالتشديد: أي حكم بالفرقة بينهما إنفاذاً لما أوجب الله من المباعدة بينهما بنفس اللعان، وبظاهره تمسك الحنيفة في قولهم: إن مجرد اللعان لا يحصل به التفريق، وأنه لابد من حكم حاكم، وأجاب الجمهور بأن المراد الإفتاء والإخبار عن حكم الشرع بدليل قوله في رواية سعيد بن جبير عن ابن عمر في الصحيحين(2 ): «لا سبيل لك عليها، قال: ماليَّ، قال: لا مالك لك إن كنت صدَقتَ عليها فهو بما استحللتَ من فَرْجها، وإن كنتَ عذبت عليها فذاك أبعد لك».
6- قوله: «وألحق بالولد» بالمرأة: أي صيَّره لها وحدها ونفاه عن الزوج، فلا توارث بينهما، وأما أمه فترث منه ما فرض الله لها، والباقي لعصبتها.
وهو قول أبو عبيدة رضي الله عنه، وقيل: معنى إلحاقه بأمه أنه صيَّرها له أباً وأماً، فترث جميع ماله إذا لم يكن له وارث آخر من ولد ونحوه، وهو قول ابن مسعود ووائلة وطائفة، وقيل(3 ): معناه أن عصبة أمه تصير عصبة له، وهو قول علي وابن عمر، وقيل: ترثه أمه وإخوته منها بالفرض والرد(4 ).
والحديث يدل أن ولد الملاعنة إذا انتفى منه الزوج يلحق بأمه، وقيل(5 ): ينتفي الولد بمجرد اللعان وإن لم يتعرض الرجل لذكره في اللعان، وفيه نظر لأنه لو استلحقه لحقه، وقيل: إن كانت غير مدخول بها فظهر بها حمل فجحده الزوج، فإنه ينفي عنه الولد بعد اللعان، وهو قول أبي إسحاق في خصاله. (1/113)
صفحة 108
وقال الشافعي: إن نَفي الولد في الملاعنة انتفى وإن لم يتعرض له فله أن يُعيد اللعان لانتفائه، ولا إعادة على المرأة، وإن أمكنه الرفع إلى الحاكم فأخر بعير عذر حتى ولدت لم يكن له أن ينفيه كما في الشفعة، وظاهر الحديث أولى بالعمل، وسيأتي قريباً قوله صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، ويجمع بينه وبين حديث الباب بأن محل ذلك فيما إذا لم يلاعن أمه أو لاعنها فلم ينتف من الولد فإنه في الحالتين معاً يكون للفراش ويلحق بأبيه.
----------------------------------------------------
(1 ) رواه البخاري في [باب إحلاف الملاعن]، وليس في حديثه الذي رواه نافع عن عبدالله بن عمر زيادة «وألحق الولد بالمرأة» قال الدارقطني الذي لم يطلع على حديث الباب: تفرَّد مالك بهذه الزيادة، وقال ابن عبدالبر: ذكروا أن مالكاً تفرَّد بهذه اللفظة، وقد جاءت من أوجه أخر، وقد جاءت بألفاظ تشابهها في حديث سهل بن سعد عند أبي داود بلفظ: «فكان الولد ينسب إلى أمه»، ومن رواية أخرى: «وكان الولد يدعى لأمه»، وأخرى: «وكان ابنها يدعى لأمه».
(2 ) ورواية سعيد بن جبير رواها البخاري في [باب قول الإمام للمتلاعنين: أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟] وسند الحديث فيه: حدثنا علي بن عبدالله حدثنا سفيان قال عمرو: سمعت سعيد بن جبير قال: سألتُ ابن عمر عن المتلاعنين (الحديث).
(3 ) وقد روي ذلك عن ابن القاسم وهو المشهور عن أحمد.
(4 ) وهو قول أبي عبيدة ومحمد بن الحسن ورواية عن أحمد، قال: فإن لم يرثه ذو فرض بحال فعصبته عصبة أمه.
(5 ) وهذا القول مرويٌّ عن أحمد.
--- (1/114)
صفحة 109
ما جاء أن الولد للفراش وللعاهر الحجر
100- أبو عُبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانَ عُتبةُ بن أبي وقَّاص عَهِدَ إلى أخيه سعد بن أبي وقاص، فقال: «إن ابن وليدة زَمْعة هو ابني فاقبضهُ إليكَ»، فلمَّا كانَ عامُ الفتح أخذهُ سعد بن أبي وقَّاص وقال: «ابنُ أخي، وقد كانَ عَهَدَه إليَّ فيه»، فقامَ إليهِ عَبْد بن زَمَعَة وقالَ: «أخي وابنُ وليدة أبي(1 )، وقد كان وُلدَ على فَراشهِ»، فتساوَقاه إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فتكلَّمَ سعدُ بحجَّته، وتكلَّمَ عبد بن زَمعة بحجَّته، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «هوَ لكَ يا عبدُ بن زَمعة(2 ): الولدُ للفراشِ وللعَاهِر الحَجْر»، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لزوجتهِ سَوْدَة بنت زَمعة: «إحْتجبِي منه يا سَوْدة»، لما رأى أشباهه عُتبةَ، قالت عائشة: «فما رآها حتى لقيَ الله».
قال الربيع: العاهِر الزاني، ومعنى «له الحَجْر»: الرَّجم.
قال ابن عبدالبر: حديث الولد للفراش من أصح ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، جاء عن بضعة وعشرين نفساً من الصحابة.
1- قوله: «عن عائشة رضي الله عنها»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري(3 ) ومسلم وغيرهما، و(عُتبة) بضم المهملة وإسكان الفوقية: هو أخو سعد بن أبي وقَّاص، واسم أبي وقَّاص مالك بن وهب، وقيل: أهيب بن عبدمناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وعتبة بن أبي وقَّاص قيل مات على شركه، يقال أنه هو الذي كسر رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحُد، وروي أنه صلى الله عليه وسلم دعا عليه يومئذ أن لا يحول عليه الحول حتى يموت كافراً، فما حال عليه الحول حتى مات كافراً إلى النار.
2- قوله: «عَهِدَ» بفتح العين وكسر الهاء: أي أوصى. (1/115)
صفحة 110
وقوله: «إلى أخيه سعد»: هو أول من رمى بسهم في سبيل الله، روى ابن إسحاق عنه: «ما حرصت على قتل رجل قط حرصي على قتل أخي عتبة بما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كفاني منه قوله صلى الله عليه وسلم: اشتد غضب الله على من أدمى وجهَ رسوله»، وتقدم ذكره في التمتع من كتاب الحج، و«الوليدة» بفتح الواو وكسر اللام: هي الجارية، و«وزَمعة» بفتح الزاي وسكون الميم وقد تفتح: هو زَمْعة بن قيس بن عبدشمس بن عبد وَدّ بن نصر بن مالك بن حسن بن عامر بن لؤي القرشي، و«سَودة»: أم المؤمنين رضي الله عنها، و«وليدة زمعة»: لم يذكر اسمها لكن قيل إنها يمانية، وابنها المتنازع فيه صحابي صغير واسمه عبدالرحمن بن زمعة.
3- قوله: «فاقْبِضهُ» بهمزة وصل وكسر الموحدة: أي فضمَّه إليك، وأصل هذه القصة أنه كانت لهم في الجاهلية إماء يزنين، وكانت ساداتهن تأتينهن في خلال ذلك، فإذا أتت إحداهن بولد فربما يدَّعيه السيد، وربما يدَّعيه الزاني، فإن مات السيد ولم يكن ادعاه ولا أنكر فادعاه ورثته لحث به، إلا أنه لا يشارك مستلحقه في ميراثه إلا أن يستلحقه قبل القسمة، وإن كان أنكره السيد لم يلحق به، وكان لزمعة بن قيس أمة على ما وصف، وعليها ضريبة وهو يلم بها، وظهر بها حمل كان يظن أنه من عتبة أخي سعد، فعهد عتبة إلى أخيه سعد قبل موته أن يستلحق الحمل الذي بأمه وزمعة، فلما كان عام الفتح أخذه سعد وقال: ابن أخي قد كان عهد إليَّ فيه، وفي رواية معمر عن الزهري: فلما كان يوم الفتح رأى سعد الغلام وعرفه بالشبه فاحتضنه وقال: «ابن أخي ورب الكعبة»، إلى آخر القصة.
4- قوله: «عام الفتح»: برفع عام الفتح اسم كان، وفي رواية بنصبه بتقدير في عام الفتح وكان في السنة الثامنة من الهجرة.
5- قوله: عهد إليَّ»: أي أوصى إليَّ فيه، فاحتج باستلحاق عُتبة على عادة الجاهلية. (1/116)
صفحة 111
6- قوله: «عبد» بلا إضافة: هو عبد بن زمعة بن قيس أخو سودة أم المؤمنين، أسلم يوم الفتح، قال ابن عبدالبر: كان من سادات الصحابة.
7- قوله: «ابن وليدة أبي»: أي جاريته.
8- قوله: «ولد على فراشه»: أي من أمته المذكورة، كأنه سمع أن الشرع أثبت حكم الفراش فاحتجَّ به، وقد كانت عادة الجاهلية إلحاق النسب بالزنا، وكانوا يستأجرون الإماء للزنا، فمن اعترفت الأم أنه له لحق به، ولم يقع إلحاق من وليدة زمعة في الجاهلية، إما لعدم الدعوى، وإما لأن الأمة لم تعترف لعتبة، وقيل: كانت مَوَالي الولائد يخرجونهن للزنى ويضربون عليهن الضرائب، وكانت وليدة زمعة كذلك.
قال ابن حجر: والذي يظهر في سياق القصة أنها كانت أمة مستفرشة لزمعة فزنى بها عتبة، وكانت عادة الجاهلية في مثل ذلك أن السيدة إذا استلحقه لحقه وإن نفاه انتفى عنه، وإن ادعاه غيره رُدَّ ذلك إلى السيد أو القافة.
9- قوله: «فتساوقاه»: أي تدافعاه، أي ساقاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد تخاصمهما فيه، وفي رواية: فتساوقا (بلا هاء): أي ساق كل واحد منهما صاحبه فيما ادعاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
10- قوله: «فتكلَّم» سعد بحجته»: وهي قوله: «ابن أخي وقد كان عهد إليَّ فيه».وٌلد على فراشه»، وفيه تقديم المدَّعي بالتكلم بين يدي الحاكم.
12- قوله: «هو لك يا عبد»: بضم الدال على الأصل ويروى بفتحها، وعلى الوجهين فنون ابن مفتوح، ومعنى قوله: «هو لك» أي هو أخوك كما ادعيت، قيل: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بعلمه، لأن زمعة كان صهره، ففراشه كان معروفاً عنده صلى الله عليه وسلم، وإن كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وفي القضاء بالعلم خلاف في حق غيره صلى الله عليه وسلم، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم قضى باعتراف سعد أنها فراش زمعة لأنه لم ينكر ذلك. (1/117)
صفحة 112
13- قوله: «الولد للفراش»: أي للحالة التي يمكن فيها الافتراش، وهو تأتِّي الوطء، فالحُرَّة فِراش بالعقد عليها مع إمكان الوطء، والحمل لا ينتفي عن زوجها سواء أشبهه أم لا، وتجري بينهما الأحكام من إرث وغيره إلا بلعان، والأمة فراش إن أقرَّ سيدها بوطئها أو ثبت ببيَّنة، والفرق بين الحرة والأمة في ذلك أن الحرة لما كانت لا تُراد إلا للوطء جعل العقد عليها بمنزلة الوطء، والأمة تُشترى لوجوه كثيرة فلا تكون فراشاً حتى يثبت الوطء، وقيل: المراد بالفراش الزوجة، لأن الفراش يجعل لها غالباً، ومنه (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ)، وقيل: المراد به الزوج(4 ) لأنه صاحب الفراش، والأول أظهر وأسلم من التكلف.
14- قوله: «وللعاهر الحجر»: قال الربيع: العاهر الزاني اسم فاعل من عَهَرَ الرجل المرأة: إذا أتاها للفجور، وعهرت هي وتعهرت إذا زنت، والعُهر: الزنا، وقيل: يختص بفعل ذلك في الليل، قال الربيع: ومعنى «له الحجر» الرجم بالحجارة، وتُعقب بأنه لي كل زانٍ يُرجم بل المحصن، وأيضاً فلا يلزم من رجمه نفي الولد، والحديث إنما هو في نفيه عنه، وقال الباجي: يريد الرجم واللفظ خرج على العموم، ولما قصد عيب الزنا أخبر بأشد أحكامه، وقيل(5 ): هو كناية عن الخيبة، والمعنى لا حقَّ له في الولد، والعرب تكني عن الحرمان بقولهم: له الحجر وبفيه التراب، يريدون الخيبة. (1/118)
صفحة 113
وظاهر الحديث أن فراش الأمة كفراش الحرة، لأنه يدخل تحت عموم الفراش، وحديث الباب نصَّ في ذلك، لأن النزاع بين عبد بن زمعة وسعد بن أبي وقاص في ابن وليدة زمعة، وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يعتبر في ثبوت فراش الأمة الدعوى من الأب للولد، وقيل: الأمة لا يثبت فراشها إلا إذا ادَّعى السيد الولد، وأن الإقرار بالوطء لا يكفي، فإن لم يدعه ولداً له كان ملكاً، ونسب هذا القول إلى أبي حنيفة والثوري، وردَّ بأن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق ولد زمعة به، ولم يستفصل هل ادعاه زمعة أم لا؟ بل جعل العلة في الإلحاق أنه صاحب الفراش.
15- قوله: «لزوجته سَودة بنت زمعة»: ابن قيس أخت عبد المذكور، وهي بفتح السين المهملة، وأمها الشموس بنت قيس بن زيد بن عمرو من بني عدي بن النجار، تزوجها صلى الله عليه وسلم بمكة بعد وفاة خديجة قبل عائشة، وقيل بعدها، وكانت قبله تحت ابن عمها السُّكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي، وكان مسلماً وتوفي عنها فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة ثقيلة ثَبِطة(6 ) وأسنَّت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تصب منه ولداً، وتوفيت في آخر خلافة عمر رضي الله عنه.
16- قوله: «احتجبي منه»: أي من المولود المتنازع فيه، واسمه عبدالرحمن، والمراد: امنعيه من الدخول عليكِ.
17- قوله: «لما رأى»: أي لما أبصر، بكسر اللام وتخفيف الميم، أي لأجل ما رأى من مشابهته لعتبة بن أبي وقاص. (1/119)
صفحة 114
18- قوله: «إشباهه»: بكسر الهمزة: مصدر أشبهه، والهاء فاعلة وعتبة معمولة، واستدل به البخاري على التنزه من الشبهات، وقال عياض وغيره: قيل هو على وجه الندب، لاسيما في حق أزواجه صلى الله عليه وسلم وتغليظ أمر الحجاب عليهن وزيادتهن فيه على غيرهن، قال القرطبي: فهو كقوله لأم سلمة وميمونة وقد دخل عليهن ابن أم مكتوم: احتجبا منه، فقالتا: إنه أعمى، فقال: أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟ وقال لفاطمة بنت قيس: انتقلي إلى بيت ابن أم مكتوم فتضعين ثيابك عنده فإنه لا يراكِ، فأباح لها ما منعه لأزواجه.
19- قوله: «حتى لقي الله»: أي حتى مات، ولم أجد تاريخاً لوفاته، والظاهر أنه مات قبل سودة، قيل: وله عقب وهم بالمدينة والله أعلم.
-------------------------------------------------------------
(1 ) ورواية مسند الربيع (الطبعة الثالثة) ص67: «أخي ابن وليدة أبي» بدون واو.
(2 ) وفي رواية أبي داود ورواية للبخاري: «هو أخوكَ يا سعد».
(3 ) رواه البخاري في [باب للعاهر الحجر] وسنده: حدثنا أبو الوليد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، ومن لفظه: «الولد للفراش واحتجبي منه يا سَوْدة» زاد لنا قتيبة عن الليث: «وللعاهر الحجر».
(4 ) روي ذلك عن أبي حنيفة، وأنشد ابن الأعرابي مستدلاً على هذا المعنى قول جريج:
«باتت تعانقه وباتَ فراشها»
(5 ) قال أبو عبيد: معنى قوله: «وللعاهر الحجر»: أي لا حق له في النسب ولا حظ له في الولد، وإنما هو لصاحب الفراش، أي لصاحب أم الولد، وهو زوجها أو مولاها، وهو كقول الآخر: «له التراب»: أي لا شيء له.
(6 ) وفي لسان العرب «ثبط» وفي الحديث: «كانت سودة امرأة ثَبطية» أي ثقيلة بطيئة: من التثبيط وهو التعويق والشِّغل عن المراد، وفي التنزيل الجليل: (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ): أي كره أن يخرجوا معكم فردهم عن الخروج.
--- (1/120)
صفحة 115
ما جاء في جار البكر ورجم المحصن إذا زنيا
101- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: اختصَمَ رجُلانِ إلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال أحدُهما: «اقضِ بيننا بكتاب الله».
الحديث تقدم ذكره في باب الأحكام(1 ) وقد تقدم شرحه أيضاً، والغرض من ذكره هنا إثبات الحد للزاني وبيان حد البكر والمحصَن، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم جلد البكر مائة جلدة وغرَّبه عاماً وأمر أنيساً الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها، والحديث يدل على ثبوت الرجم للمحصن وقد تقدم ذكره، وعلى ثبوت الجلد والتغريب للبكر، فأما الجلد فجمع عليه لا خلاف بين أحد من الناس فيه، وأما التغريب فقد اختلف الناس فيه، فقال جمهور قومنا: إنه من جملة الحد، وقال أصحابنا وأبو حنيفة وحماد والقاسمية: إن التغريب غير واجب.
ثم اختلفوا في معنى فعله صلى الله عليه وسلم لذلك، فمنهم من قال أنه من باب السياسة ومراعاة المصالح وليس هو من الحدِّ في شيء، ومنهم من قال أنه كان في صدر الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)، ومن قال بالنسخ من قومنا الحازمي والمنذري.
وصحَّح القطب متعنا الله بحياته في تفسيره بقاء التغريب لوروده في صحيح الربيع رحمه الله، وقال: وإن أبا بكر وعمر جلدا وغرَّبا، غيره: عدم ذكر التغريب في آية الجلد لا يدل على مطلق العدم، وقد ذكر التغريب في الأحاديث الصحيحة الثابتة باتفاق أهل العلم بالحديث من طريق جماعة من الصحابة بعضها ذكره المصنف في الباب وبعضها لم يذكره، وليس بين ذكر التغريب في الأحاديث وبين عدم ذكره في الآية منافاة. (1/121)
صفحة 116
وقال ابن المنذر: أقسم النبي صلى الله عليه وسلم في قصة العسيف أنه يقضي بكتاب الله تعالى، ثم قال: أن عليه جلد مائة وتغريب عام وهو المبين لكتاب الله تعالى، وخطب عمر بذلك على رؤوس المنابر وعمل بن الخلفاء الراشدون، ولم ينكره أحد فكان إجماعاً، وأقول: إن صحَّ ما ادعاه من عمل الخلفاء الراشدين فلا سبيل إلى دفعه، لكن أئمتنا رضي الله عنهتركوا ذلك مع شدة تحرزهم في الديانة وتحريهم للصواب والتماسهم للهدى وقبولهم الحق ممن جاء به قريباً كان أو بعيداً؟ فلو لو يثبت عندهم أنه ليس من جملة الحد المؤبد ما تركوه، ولو صحَّ عندهم ما ادعاه ابن المنذر لكانوا أولى الناس بالأخذ به.
ولم يبق بعد اختلاف الأمة وضرب بعضها رقاب بعض خلفاء راشدون ولا أئمة هادون مهتدون، إلا من كان على سيرتهم الغراء وطريقتهم الزهراء، أقول هذا وأنا أعلم أن المسألة مسألة اجتهاد والموضع مقام نزاع، ولكن عمل الأئمة الهادين المهتدين كافٍ في ترجيح قول على مقابله، وإن ظاهر الحديث يرجع إثبات التغريب، إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يُعلم زواله.
قال القطب متعنا الله بحياته: ولا جلد ولا رجم ولا تغريب على طفل أو مجنون، قال: ولا رجم على عبد أو أمة بل عليهما جلد خمسين، أحصنا أو لم يحصنا نصف جلد الحر غير المحصن، وقيل: أربعين إن لم يحصنا وخمسين إن أحصنا، قال: وعلى بقاء تغريب البكر سنة بعد جلده مائة يغرَّب العبد والأمة بعد الجلد المذكور نصف سنة نصف تغريب الحر، وقيل: لا يغرَّب العبد وإنما يغرَّب الحر لنه مال، قال: وتغريب المرأة كالرجل في القول بتغريبه. (1/122)
صفحة 117
وقال مالك والأوزاعي: لا تغريب على النساء لأنهنَّ عورات، وفي تغريبهن تضييع لهن وتعريض للفتنة، قال: ويرد عليه حديث عبادة: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب سنة»، وإن أبا بكر وعمر جلدا وغرَّبا، قلت: إن صحَّ أن أبا بكر وعمر جلدا وغرَّبا وجب قبول ذلك، وظاهر حديث عبادة لا يمكن الأخذ به، فإن ظاهره يقتضي تخصيص الجلد والتغريب في زنا البكر، ولا قائل بتخصيصه بذلك بل الأمر المجمع عليه من الأمَّة أن حكم البكر واحد زنا ببكر أم بثيب؟ والله أعلم.
قال القطب: والمشرك كالمسلم في جميع أحكام الرجم والجلد والتغريب، وقال أبو حنيفة: لا رجم على مشرك، ويرده رجمه صلى الله عليه وسلم يهودياً ويهودية والله أعلم.
--------------------------------------------------------
(1 ) ص ورقم الحديث 88.
--- (1/123)
صفحة 118
ما جاء في قطع يد السارق
102- أبو عبيدةَ عن جابر عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «القطعُ في رُبُعِ دينارٍ فصاعداً».
1- قوله: «عن عائشة رضي الله عنها»: الحديث رواه أيضاً الشيخان(1 ) والنسائي وابن ماجه، ولفظه عندهم: عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقطعُ يد السارق إلا بربع دينار فصاعداً»، وفي رواية الشيخين: «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً»، ورواية الموطأ عن عائشة قالت: «ما طالَ عليَّ وما نسيتُ، القطع في ربع دينار فصاعداً».
2- قوله: «القطعُ»: أي قطع يد السارق، والمراد يمينه.
3- قوله: «في ربع دينار»: أي بسبب أخذه سرقة من حرز، والرُبُع: بضم الباء ويسك، والدينار صرف من الذهب وزنه مثقال، وهو في المعاملة يزيد في صرف الدراهم وينقص، وأما في الديَّات والأروش والجزية فإنه يحسب اثني عشر درهماً، ودينار الزكاة عشرة دراهم، وبسبب ذلك وقع الخلاف في ربع الدينار في نصاب القطع، فقال جمهور قومنا: إنه ثلاثة دراهم لأن الدينار في ذلك الزمان عن صرف اثني عشر درهماً فربعه ثلاثة دراهم، وقد فرض عمر الديَّة على أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار.
وقيل: إن ربع الدينار أربعة دراهم، وبه أخذ أصحابنا وعليه جرت فتاويهم، فنصاب القطع عندهم أربعة دراهم، وكأنهم يستندون في ذلك إلى حديث أبي سعيد الآتي في الباب: إن قيمة المجن الذي قطع النبي صلى الله عليه وسلم فيه أربعة دراهم، وقد نقل ابن المنذر وغيره ذلك عن أبي سعيد وأبي هريرة ونقله عياض عن بعض الصحابة.
4- وقوله: «فصاعدا»: منصوب على الحال: أي فزائد، ويستعمل بالفاء وبثم لا بالواو، وفي رواية مسلم: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فما فوقه».
----------------------------------------------------------- (1/124)
صفحة 119
(1 ) رواه البخاري في [باب قول الله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)] وسنده ونصه: حدثنا عبدالله بن مسلمة حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عمرة عن عائشة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تقطع اليدُ في ربع دينار فصاعداً» تابعه عبدالرحمن بن خالد وابن أي الزهري ومعمر عن الزهري، ورواه مسلم في [باب حدّ السرقة ونصابها] عن الزهري عن عمرة عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع السارق في ربع دينار فصاعداً»، وفي رواية أخرى من حديث ابن وهب قال: أخبرني مخرمة عن أبيه عن سليمان بن يسار عن عمرة أنها سمعت عائشة تحدث أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فما فوقه».
--- (1/125)
صفحة 120
103- أبو عبيدةً عن جابر عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطَعَ يدَ سارق في مِجَنٍّ قيمتُه أربعةُ دراهم.
قال الربيع: المِجَن: الترس.
1- قوله: «عن أبي سعيد»: الحديث مما تفرد به المصنف رضوان الله عليه، ولم أجده لغيره من هذا الطريق ولا بهذا التقدير، وعند الجماعة من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مِجَنّ ثمنه ثلاثة دراهم.
2- قوله: «قطع»: أي أمر من يقطعها، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يباشر القطع بنفسه، وقد روي أن بلالاً هو الذي باشر قطع يد المخزومية، فيحتمل أن يكون هو الذي كان موكلاً بذلك، ويحتمل غيره.
3- قوله: «يد سارق»: لم أجد اسمه.
4- قوله: «في مِجَنّ»: بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون: وهو الترس، سمي بذلك لأنه يستر صاحبه عن الضرب، فهو مأخوذ من جنَّ بمعنى ستر، ويقال له جُنَّة بضم الجيم والدرفة بفتحتين.
5- قوله: «قيمته»: وفي بعض الروايات «ثمنه»: والمعنى واحد، وقيمة الشيء ما تنتهي إليه الرغبة فيه، وأصلها قومة فأبدلت الواو ياء لوقوعها بعد كسرة، والثمن ما يقابل به المبيع عند البيع.
6- قوله: «أربعة دراهم»: وفي حديث ابن عمر عند الجماعة ثلاثة دراهم(1 )، وعند البيهقي والطحاوي من حديث ابن عباس قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُقوَّم عشرة دراهم، وعند النسائي نحوه، وأخرج عنه أبو داود أن ثمنه كان ديناراً أو عشرة دراهم.
وأخرج البيهقي عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم، وبذلك احتجت الحنفية وسائر فقهاء العراق في جعلهم النصاب في القطع عشرة دراهم، وزعموا أنه لا قطع فيما دون ذلك، قالوا: والأخذ بهذه الروايات أحفظ وإن كان غيره أصح، لأنها أورثت شبهة، والحدود تُدرأ بالشبهات. (1/126)
صفحة 121
وأجيب بأن في إسنادها محمد بن إسحاق وقد عنعن، ولا يحتج بمثله إذا جاء الحديث مُعنعناً فلا يصح لمعارضة أحاديث الباب، وقد تعسَّف الطحاوي فزعم أن حديث عائشة مضطرب، ثم بين الاضطراب بما يفيد بطلان قوله، ولو سلمنا صلاحية روايات تقدير ثمن المجن بعشرة دراهم لم يكن ذلك مفيداً للمطلوب.
أعني عدم ثبوت القطع فيما دون ذلك لما في الباب من إثبات القطع في ربع الدينار، وهو دون عشرة دراهم اتفاقاً، فيتعين الرجوع إلى هذه الرواية وطرح الروايات المتعارضة في ثمن المجن، ولما ثبت عن أصحابنا من حديث أبي سعيد عند المصنف أن قيمة المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم أربعة دراهم جملوها مبينة لربع الدينار المذكور في حديث عائشة ولم يقطعوا فيما دونها.
وللأمة في نصاب القطع مذاهب أوصلها بعضهم إلى عشرين قولاً أقلها أنه يقطع في القليل والكثير، حكي ذلك عن الحسن البصري وداود والخوارج، وأكثرها لا يجب القطع إلا في أربعة دنانير أو أربعين درهماً، حكي ذلك عن النخعي وهو قول لا دليل عليه، وأما الذي قبله فإن أربابه تمسكوا بإطلاق قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)(2 ).
والجواب أن إطلاق الآية مقيَّد بالأحاديث المذكورة في الباب، قالوا: حديث أبي هريرة عند الشيخين(3 ) وأحمد: «لعن الله السارقَ يسرق البيضة فتُقطع يده ويسرق الحبل وتقطع يده»، قلنا(4 ): المراد المبالغة في التنفير عن السرقة بجعل ما لا يقطع فيه بمنزلة ما يقطع كما في حديث من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة، وحديث تصدقي ولو بظلف مُحرَّق، مع أن مفحص القطاة لا يكون مسجداً، والظلف المحرق لا ينتفع به والله أعلم.
------------------------------------------------------------------ (1/127)
صفحة 122
(1 ) وحديث ابن عمر في البخاري، هو الحديث الثامن من [باب قول الله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)] وسنده: حدثنا إسماعيل حدثني مالك بن أنس عن نافع مولى عبدالله بن عمر عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم.
(2 ) المائدة 5/38 ونصها: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
(3 ) وسند الحديث في البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبدالواحد حدثنا الأعمش قال: سمعتُ أبا صالح قال: سمعت أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله…» الحديث بنصه.
(4 ) قال جماعة: المراد بالبيضة بيضة الحديد وحبل السفينة، وكل واحد منهما يساوي أكثر من ربع دينار، وأنكر المحققون هذا وضعَّفوه فقالوا: بيضة الحديد وحبل السفينة لها قيمة ظاهرة، وبلاغة القول تقضي أن يكون التمثيل بالقليل لا الكثير كمفحص القطاة والظلف المحرَّق، والمراد التنبيه على عظم ما خسر السارق وهي يده في مقابلة شيء حقير كبيضة الدجاجة وحبل المنزل، فالصواب ما ذهب إليه الشارح السالمي الدرَّاكه رحمه الله.
--- (1/128)
صفحة 123
ما جاء في جلد الأمة إذا زنت
104- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سُئِل عن الأمَة إذا زنتْ ولم تُحْصَنْ، فقال: «إن زنتْ فاجلدوها، ثم إن زَنَتْ فاجلدوها، ثم إن زَنَتْ فاجلدوها، ثم إن زَنَتْ فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير» يعني بحبلٍ.
1- قوله: «عن ابن عباس»: الحديث عند الشيخين(1 ) وأحمد من رواية أبي هريرة وزيد بن خالد الجُهني، غير أنهم ذكروا الجلد ثلاثاً، ثم قال ابن شهاب: لا أدري بعد المرة الثالثة أو الرابعة، يعني أنه شكَّ هل قال الراوي ثم بيعوها بعد المرة الثالثة أو الرابعة؟ وذكر أحمد وداود: في الرابعة الجلد والبيع فهو على نحو ما ذكر المصنف.
2- قوله: «سُئِل»: بالباء للفعول: أي سأله سائل عن حكم وفي بعض الروايات: أتى رجلٌ النبي صلى الله ذلك،عليه وسلم قال: جاريتي زنت فبين زناها، قال: فاجلدها، قال ابن حجر: ولم أقف على اسم هذا الرجل.
3- قوله: «ولم تحصن»: أي لم تتزوج، وقد اختلف الناس في إحصان الأمة، فقال الأكثر: إحصانها التزويج، وقيل: العتق، والأول قول ابن عباس وهو الصحيح.
4- قوله: «إذا زنت فاجلدوها»: أي الجلد اللائق بها، وذكر الزنا في الجواب غير مقيَّد بالإحصان للتنبيه على أن الإحصان لا أثر له في الجلد، بل موجب الجلد في الأمة مطلق الزنا، والإحصان علامة توجب نصف حد الحرائر لا مطلق الجلد، فالجلد في الحديث مبهم يصدق على التعزير وعلى نصف الحد، فحمله على المعنى الأول هو المطابق لمفهوم قوله تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَاب)، لأن مفهوم الآية اشتراط الإحصان في إقامة الحد على الإماء. (1/129)
صفحة 124
والحديث يوجب الجلد بنفس الزنا، والجمع بينهما واجب، فتعين تفسير الجلد في الحديث بجلد التعزير، واشتراط الإحصان في إقامة الحد على الإماء مذهبنا، وهو قول ابن عباس وطاووس وعطاء وابن جريح، وذهب الجمهور من قومنا إلى خلاف ذلك، فلم يشترطوا الإحصان بل أوجبوا الحد بنفس الزنا، وتمسكوا بحديث الباب ولا تمسَّك لهم بذلك، لأن الجلد مبهم والآية مفسرة لمعناه فلا يمكن العدول عن الواضح إلى المبهم، ولا رجم على المملوك وإن أحصن، وهو قولنا وقول أكثر قومنا لأن الرجم لا ينتصف، والآية أوجبت عليهم نصف ما على المحصنات من العذاب، وخالف الزهري وأبو ثور وتمسكوا بعموم الأدلة أدلة الرجم.
قلنا: العموم مخصص بآية التصنيف.
5- قوله: «فاجلدوها ثم بيعوها»: هذا صريح أنها تجلد في الرابعة أيضاً ثم تباع، وبذلك يرد على النووي حيث قال: أنها في الثالثة تباع من غير جلد، والأمر بالبيع مستحب عند الجمهور، وقيل: أنه منسوخ ولا نعلم له ناسخاً، وقال أهل الظاهر: بوجوب البيع تمسكاً بظاهر الأمر، ولأن ترك مخالطة الفسقة واجبة، وبيع الكثير بالحقير جائز، قال ابن بطَّال: حمل الفقهاء الأمر بالبيع على الحضِّ على مباعدة من تكرر من الزنا لئلا يظن بالسيد الرضا بذلك، ولما في ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنا، قال: وحمله بعضهم على الوجوب ولا سلف له في الأمة فلا يشتغل به.
6- قوله: «ولو بضفير»: بفتح الضاد المعجمة غير المشالة ثم فاء: بمعنى الحبل، وهو فعيل بمعنى مفعول، وأصل الضفر نسج الشعر وإدخال بعضه في بعض، ومنه ضفار شعر الرأس للمرأة والرجل، وقيل: لا يكون مضفوراً إلا إن كان من ثلاث، وذكر البيع بالضفير مبالغة في حقارة الثمن. (1/130)
صفحة 125
واستشكل الأمر ببيع الرقيق إذا زنا مع أن كل مؤمن مأمور أن يرى لأخيه ما يرى لنفسه، وأجيب بأن السبب الذي باعه لأجله ليس محقَّق الوقوع عند المشتري لجواز أن يرتدع الرقيق إذا علم أنه متى عاد أخرج، فإن الإخراج من الوطن المألوف شاق، ويجوز أن يقع الإعفاف عند المشتري بنفسه أو بغيره.
وفي الحديث فوائد:
منها أن الزنا يرد به الرقيق للأمر بالحط من قيمة المرقوق إذا وجد منه الزنا.
ومنها أن من زنا فأقيم عليه الحد ثم عاد أعيد عليه بخلاف من زنا مراراً قبل الحد فإنه يكتفى فيه بإقامة الحد عليه مرة واحدة.
ومنها العِفَّة عن مخالطة الفساق ومعاشرتهم.
ومنها جواز عطف الأمر المقتضي للندب على الأمر المقتضي للوجوب، لأن الأمر بالجلد واجب والأمر بالبيع مندوب عند الجمهور خلافاً لأبي ثور وأهل الظاهر.
ومنها أن السيد يتولى تعزير عبده بنفسه، قيل: وكذلك فإنه يقيمه عليه بنفسه، وإلى ذلك ذهب جماعة من السلف، وبه قال الشافعي وهو قول في المذهب، ومشهور المذهب أن الحدود إلى الإمام، وبه قالت الحنفية، وروى الطحاوي عن مسلم بن يسار أنه قال: كان رجل من الصحابة يقول: الزكاة والحدود والفيء والجمعة إلى السلطان، قال الطحاوي: لا نعلم له مخالفاً من الصحابة، وتعقَّبه ابن حزم بأنه خالفه اثنا عشر صحابياً.
-------------------------------------------------------
(1 ) البخاري [باب إذا زنت الأمة] ومسلم 3/1328 ورقم الحديث 1703 من كتاب الحدود.
--- (1/131)
صفحة 126
الباب السابع والثلاثون في الضَّالة
على وزن دابَّة، والجمع ضوالّ كدواب، والأصل في الضلال الغَيْبَة، ومنه قيل للحيوان الضائع: ضالَّة بالهاء ذكراً أو أنثى، ويقال لغير الحيوان: ضائع، ولُقَطة، وضلَّ البعير: غاب وخفي عن موضعه، وأضللته بالألف: فقدته، قاله الزهري.
--- (1/132)
صفحة 127
ما جاء أنه لا يأوي الضالة إلا ضال وإن ضالة المؤمن حرق النار
105- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَأوي(1 ) الضالةَ إلا ضالّ»، وقال: «ضالةُ المؤمنُ حَرَق النار».
1- قوله: «عن ابن عباس»: الحديث رواه أحمد ومسلم(2) والنسائي عن زيد بن خالد الجُهني، وزادوا في آخره ما لم يعرفها ولم تثبت هذه الزيادة عند المصنف، فالضلال على رواية زيد(3) مشروط بعدم التعريف، وهو مطلق على رواية المصنف، وهو الفرق بين الضالة واللقطة في الحكم، قال العلماء: حكمة النهي عن التقاط الإبل أن فقدها حيث ضلَّت أقرب إلى وجدان مالكها من تطلبه لها في رحال الناس.
وذكر مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيِّب أن عمر بن الخطاب قال وهو مسند ظهره إلى الكعبة: من أخذ ضالة فهو ضالّ، والمراد بالضالة ضالة الإبل، أو ما كان في معناها من كل بهيمة تمتنع بقوتها من السبع كالبقر، أما ضالة الغنم فإنها تُؤوى(4) لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس عند المصنف وزيد بن خالد عند الشيخين وأحمد: «خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب».
2- قوله: «إلا ضال»: أي غائب عن طريق الصواب فيلزمه الإثم والضمان شرعاً، وقيل: معنى ضال: ضامن إن هلكت عنده عبر به عن الضمان للمشاكلة(5)، والأول أظهر، ويؤيده سياق الأحاديث، وإنما كان ضالاً لأنه إذا التقطها فلم يعرفها فقد أضرَّ بصاحبها وصار سبباً في تضليله عنها، فكان مخطئاً ضالاً عن الحق.
3- قوله: «وقال»: أي النبي صلى الله عليه وسلم وهو معطوف على ما قبله، فهو من رواية ابن عباس عند المصنف، وهو عند قومنا من حديث الجارود بن المعلى وعبدالله بن الشحير وعصمة ابن مالك.
4- قوله: «ضالة المؤمن»: في رواية قومنا لقطة المسلم. (1/133)
صفحة 128
5- قوله: «حرق النار»: بالتحريك وقد تسكن: أي لهبها، والمعنى ضالة المسلم إذا أخذها الإنسان أدَّته إلى النار لأن التعرض لها معصية، وسببه الحديث عن الجارود، قال: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن على إبل عجاف فقلنا: إنا نمر بموضع قد سماه فنجد إبلاً فنركبها، قال: ضالة المسلم فذكره، والله أعلم.
--------------------------------------------------------
(1 ) قوله: «لا يأوي الضالة إلا ضالّ»: يفيدان «أوي» لازم ومتعد معاً، فقد ذكر الأزهري بعد هذه العبارة النبوية ما نصه: هكذا رواه فصحاء المحدثين بالباء قال: وهو عنه صحيح لا ارتياب فيه كما رواه أبو عبيد عن أصحابه، وقال ابن الأثير: هذا كله من أوى يأوي، يقال: أويتُ إلى المنزل، وأويتُ غيري وآويته: وأنكر بعضهم المقصور المتعدي، قال الأزهري: هي لغة فصيحة، ومن المقصور اللازم الحديث الآخر: «وأما أحدهم فأوى إلى الله» أي رجع إليه، ومن الممدود حديث الدعاء: «الحمد لله الذي كفانا وآوانا»: أي ردَّنا إلى مأوى ولم يجعلنا منتشرين كالبهائم.
(2 ) رواه مسلم في الحديث الثاني من كتاب اللقَطة ص1348، وسنده: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حُجر قال (ابن حجر، أخبرنا إسماعيل، ابن جعفر) عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة.. إلى آخر الحديث.
(3 ) أي زيد بن خالد الجهني.
(4 ) أي تخبأ في مأواة الغنم فلا يهتدي لها مالكها، أو يأكلها الذئب كما جاء في الحديث، فلواجِدها أخذُها.
(5 ) أي المجانسة اللفظية بين (ضالة وضال) والمشاكلة في علم البديع نحو: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) ومكره تعالى بإبطال تأثير مكرهم وإحباط مكائدهم.
--- (1/134)
صفحة 129
ما جاء في ضالة الغنم والإبل
106- ومن طريق ابن عباس عنه عليه السلام أنه سُئلَ عن ضالَّة الغنمِ فقالَ: «خُذها فهي لكَ أو لأخيكَ أو للذئبْ» ثمَّ قيلَ له: ما تقولُ في ضالَّةِ الإبلِ؟، فاحمرَّ وجهه وغَضِبَ وقالَ: «مالكَ ولها؟ معها حِذاؤها وسِقاؤها تَردُ الماء فتأكل(1 ) الشجر حتى يجدها ربُّها».
قال الربيع: حِذاؤها أخفافها، وسقاؤها: يعني أنها تصبر عن الماء من أجلِ أن كرُوشها(2 ) تمسكه زماناً.
1- قوله: «من طريق ابن عباس»: أي بالسند المتقدم ذكره في نسخته والحديث رواه أحمد والبخاري ومسلم من حديث زيد بن خالد الجهني.
2- قوله: «سُئِل»: بالبناء المفعول، ولم يبين السائل ولا وقفتُ على اسمه، وكلام ابن حجر يدل أنه سويد الجُهني، ولعله سويد بن صخر الجُهني، أسلم قديماً وشهد الحُديبية وبايع بيعة الرضوان، وهو أحد الأربعة الذين حملوا ألويةً لجهينة يوم الفتح.
3- قوله: «عن ضالة الغنم»: في حديث زيد بن خالد وسأله عن الشاة، فقال: خذها…إلخ.
4- قوله: «خذها»: أمر إباحة أو إرشاد، وفيه الرد(3 ) على من قال: إن الشاة لا تُلتَقط.
5- قوله: «فهي لك أو لأخيك أو للذئب»: علة لجواز الأخذ، كأنه قال هي ضعيفة لعدم الاستقلال معرَّضة للهلاك مترددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك أو الذئب، والمراد بأخيك ما هو أعمَّ من صاحبها أو من ملتقط آخر، والمراد بالذئب جنس ما يأكل الشاة من السباع، وفيه حث على أخذها لأنه إذا علم أنها إذا لم تؤخذ بقيت للذئب كان ذلك أدعى له إلى أخذها، وتمسَّك به مالك في أنه يملكها(4 ) بالأخذ، ولا تلزمه غرامة ولو جاء صاحبها، واحتجَّ على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم سوَّى بين الذئب والملتقط والذئب لا غرامة عليه، فكذلك الملتقط. (1/135)
صفحة 130
وقال الجمهور: يجب تعريفها فإذا انقضت مدة التعريف أكلها إن شاء وغرم لصاحبها، وقال الشافعي: لا يجب تعريفها إذا وجدت في الفلاة، وأما في القرية فيجب في الأصح.
6- قوله: «ثم قيل له»: قائل هذا هو السائل الأول كما يدل عليه حديث زيد بن خالد عن الشيخين( ) وأحمد.
7- قوله: «فاحمر وجهه»(5 ): أي ظهر أثر الغضب في وجهه، فعطفُ الغضب عليه عطفُ تفسير، وغضبه صلى الله عليه وسلم دليل على منع التعرض لها، والجمهور على الأخذ بظاهر الحديث في أنها لا يجوز التقاطها، وحمل بعضهم النهي على من التقطها ليتملكها لا ليحفظها، وظاهر الحديث يردَّه، وذكر مالك في الموطأ أنه سمع ابن شهاب يقول: كانت ضوالُّ الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلاً مؤبلة(6 ) تناتج لا يمسكها أحد، حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها، وقال الربيع رحمه الله: من قَبضَ ضالة فهو لها ضامن إلا أن تموت أو يأكلها سبع من غير ضيَاع.
8- قوله: «حِذاؤها»: بكسر المهملة بعدها ذال معجمة مع المد: أي خفها، وأصل الحذاء النعل وما وطئ عليه البعير من خفة والفرس من حافره.
9- وقوله: «سِقاؤها»: بكسر المهملة مع المد: السقاء وعاء يكون للماء واللبن، والجملة تعليل لمنع التعرض لها فكنى بالحذاء عن قوة الامتناع عن صغار السباع، وبالسقاء عن الصبر على العطش، وقيل: المراد بسقائها عنقها وقيل جوفها، ولهذا قال الربيع رحمه الله تعالى: يعني أنها تصبر عن الماء من أجل أن كروشها تمسكه زماناً، وعلى القولين في إطلاق السقاء مجاز التشبيه(7 ). (1/136)
صفحة 131
وقيل: أشار بذلك إلى استغنائها عن الحفظ لها بما رُكِّب في طباعها من الجلادة على العطش، وتناول المأكول بغير تعب لطول عنقها، أي فلا تحتاج إلى مُلتقط، وهذا هو الفرق بين ضالة الإبل والغنم، فإن ضالة الغنم ليس لها القوة على الامتناع والمعاش مثل ما لضالة الإبل، ويلحق بها ما كان مثلها من ضوال البقر، وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن منذر بن جرير قال: كنت مع أبي جرير بالبوازيج(8 ) في السَّواد فراحت البقرى فرأى بقرة أنكرها.
فقال: ما هذه البقرة؟ قالوا: بقرة لحقت بالبقر فأمر بها فطردت حتى توارت، ثم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يؤوي الضالة إلا ضالَّ»، وقاس موسى رحمه الله ضالة العبيد بضالة الإبل، فأمر الرجل الذي أخذ العبد ضال غلطاً يظنه لصاحب أن يرده إلى الموضع الذي أخذه منه بحضرة شاهديْ عدل، وكانا بشير ومُنازل قد حضرا الإفتاء، فلم ينقل عنهما إنكار، والله أعلم.
------------------------------------------------
(1 ) وفي مسند الربيع ص69 ورقم الحديث فيه 615: ترد الماء تأكل الشجر، وكذلك جاء في صحيح البخاري في [باب ضالة الإبل] وفي [باب ضالة الغنم] وفي صحيح مسلم ص1348 جاء: ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربُّها.
(2 ) ولعل الأصل كان: وسقاؤها كروشها.
(3 ) أي على ما روي عن أحمد في رواية «إن الشاة لا تلتقط».
(4 ) في الأصل: في أنه يملكها، والصواب: لا يملكها بالأخذ ولا تلزمه غرامة.
(5 ) نصوص الأحاديث تدل على اتحاد شخص السائل مثاله: أن أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال له: «إعرف عِفاصها ووكاءها..» ثم قال: (أي الأعرابي): كيف ترى في ضالة الغنم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خذها فإنما هي لك أو لأخيك…» ثم قال (الأعرابي): كيف ترى في ضالة الإبل؟ إلى آخر الحديث، ومثل ذلك جاء في صحيح مسلم. (1/137)
صفحة 132
(6 ) وفي الحديث [باب ضالة الإبل]: فتعمرَّر وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء في لسان العرب (معر) وفي الحديث: فتعمَّر وجهه، وأصله قلة النضارة وعدم إشراق اللون من قولهم: مكان أمعر، وهو المجدب الذي لا خِصب فيه، ومعَّر وجهه: غيَّره، والممعور: المقطِّب غضباً لله تعالى.
(7 ) كمُعظَّمة: أي كثيرة متخذة للقنية.
(8 ) أي التشبيه البليغ، وهو عند بعض علماء البيان من قبيل الاستعارة أو مجاز التشبيه إذا كان التشبيه مكنوناً في الضمير، إذ يجوز أن يتوهم السامع أن المراد باسم المشبه به ما هو موضوع له، فلا يعلم قصد التشبيه فيه إلا بعد شيءٍ من التأمل، ويمتنع ذلك حين يكون المشبَّه مذكوراً أو مقدوراً، (انظر شرحنا لتهذيب الإيضاح للجلال القزويني ص156) والتشبيه البليغ هنا في الحديث قوله: «معها حذاؤها وسقاؤها» والضمير راجع إلى الناقة، أراد: خُفّها حذاؤها وكرشها سقاؤها، أي كحذائها ووعاء سقيها، وهو كقولك: زيد أسد من بليغ التشبيه ومجازه.
(9 ) في الأصل (بالبواريج) والصواب (بالبوازيج) بالزاي المعجمة، كذا ضبطه البكري في (معجم البلدان) ثم قال: كذا اتفقت الروايات فيه عند أبي داود، وقال ابن السمعاني (بوازيج): بلدة قديمة فوق بغداد خرج منها جماعة من العلماء، وقال المنذري: بوازيج الأنبار فتحها جرير بن عبدالهل وبها قوم من مواليه، وليست بوازيج الملك التي بين تكريت وأربيل.
--- (1/138)
صفحة 133
باب اللقطة
والمراد بها الشيء الذي يلتقط من غير الحيوانات، وهي بضم اللام وفتح القاف على المشهور(1 ) عند أهل اللغة والمحدثين، وقال عياض: لا يجوز غيره، وقال الزمخشري: هي بفتح القاف والعامة تسكنها، وجزم الخليل بالسكون، قال: وأما بالفتح فهو اللاقط، وقال الأزهري: ما قاله هو القياس لكن الذي سُمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة والحديث الفتح، وفيها لغة ثالثة لُقاطة بضم اللام ورابعة لََقْطة بفتح اللام أيضاً.
-------------------------------------------------------------
(1 ) قال الليث: واللقطة (بتسكين القاف): اسم الشيء الذي تجده ملقى فتأخذه، وكذلك المنبوذ من الصبيان لقطة، وأما اللقطة فهو الرجل اللقَّاط، قال ابن بري: وهذا هو الصواب، لأن الفعلة للمفعول كالضُّحة (والهُمزة واللُّمزة)، قال: وكذلك التخمة بالسكون هو الصحيح والنخبة بالتحريك نادر، قال الأزهري: وكلام العرب الفصحاء غير ما قال الليث في اللقْطة واللقَطة، وروى أبو عبيد عن الأصمعي والأحمر قالا: هي اللقَطة والقُصعة، والنفعة مثقلات كلها، قال: وهذا قول حُذَّاق النحويين لم أسمع لقْطة لغير الليث، وهكذا رواه المحدثون عن أبي عبيد، قال: وأما الصبي المنبوذ يجده إنسان فهو اللقيط عند العرب، والذي يأخذ الصبي أو الشيء الساقط يقال له: الملتقِط.
--- (1/139)
صفحة 134
ما جاء في تعريف اللقطة سنة وأن الحكم فيها بالعلامة
107- ومن طريق ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم سأله أعرابي عن لُقَطة التقَطها فقال: «عَرِّفها سنةً، فإن جاء مُدَّعيها بوصف عِفاصِها ووكائها فهي له، وإلا فانتفعْ بها».
قال الربيع: العِفاص الوعاء، والوكاء الخيْط الذي يُشدّ به.
1- قوله: «ومن طريق ابن عباس»: أي بالسند المتقدم وذكره في نسخة والحديث قطعة من حديث الضالة المتقدم ذكره، وهو عند قومنا من رواية زيد ابن خالد الجُهني وله طرق في الصحيحين وغيرهما.
2- قوله: «أعرابي» بفتح الهمزة: هو فيما يظهر سويد بن صخر الجهني.
3- قوله: «عن لُقطة التقطها»: أي من ذهب أو ورق كما يدل عليه حديث زيد بن خالد عند الشيخين وأحمد، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق (الحديث).
4- قوله: «عرِّفها» بتشديد الراء المكسورة: أي أذكرها للناس، قال العلماء: ومحل ذلك المحافل كأبواب المسجد، والأسواق ونحو ذلك يقول: من ضاعت له نفقة ونحو ذلك من العبارات، ولا يذكر شيئاً من الصفات.
5- قوله: «سنة»: أي عاماً، ويكون التعريف على حسب المعتاد، لأن الاستيعاب(1 ) غير مراد قطعاً إذ لا يمكن عادة، فلا يلزم التعري بالليل ولا استيعاب الأيام، بل على المعتاد من ذلك فيعرف في الابتداء كل يوم مرتين في طرفي النهار، ثم في كل يوم مرة ثم في كل أسبوع مرة، ثم في كل شهر مرة، ولا يشترط أن يعرفها بنفسه، بل يجوز له توكيل غيره ويعرِّفها في مكان وجودها. (1/140)
صفحة 135
وفي غيره كذا قال العلماء، وظاهره وجوب التعريف لأن الأمر يقتضي الوجوب، ولاسيما وقد سمَّى صلى الله عليه وسلم مَن لم يعرِّفها ضالاً في وجوب المبادرة إلى التعريف خلاف مبناه هل الأمر يقتضي الفور أم لا؟ وظاهره أيضاً أنه لا يجب التعريف بعد السنة، وبه قال الجمهور وادَّعى بعض قومنا الإجماع على ذلك، وسيأتي في حديث زيد بن ثابت أنه صلى الله عليه وسلم أمره أن يعرِّفها سنتين.
قال أبو محمد ابن بركة: يحتمل أن الأعرابي التقط شيئاً يسيراً، ويحتمل أنه كان فقيراً فأمره بالانتفاع بها، قال: وأما أمره لزيد بن ثابت بتعريفها سنتين فيحتمل أن يكون لعظم خطرها، وجاء أن تصير إلى صاحبها، وقال أبو المؤثر: اللقطة مختلفة منها تُعرَّف سنة ومنها تعرًَّف أقل منها تعرَّف أكثر على قدرها ودنائتها، وقيل: تعريف السنتين محمول على قدر مزيد التورع عن التصرف في اللقطة والمبالغة في التعفف عنها، وحديث الباب محمول على ما لابد منه(2 ).
6- قوله: «بوصف عِفاصها ووِكائها»: بكسر أولهما مع المد، قال الربيع: العِفاص الوعاء والوكاء الخيط الذي يشد به، وقال الأزهري قال أبو عبيد: العفاص الوعاء الذي تكون فيه النفقة من جلد أو خرقة أو غير ذلك، ولهذا يسمى الجلد الذي يلبسه رأس القارورة العفاص لأنه كالوعاء لها، قال: وليس هذا بالصمام الذي يدخل في فم القارورة فيكون سِداداً لها.
والغرض من وصف عفاصها ووكائها الدلالة على أنه كان عارفاً بها ولا يعرفها بذلك غالباً إلا مالكها، ويلتحق بها معرفة الجنس والصفة والقدر، وهو الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن والذَّرع فيما يذرع.
7- قوله: «فهي له»: حكماً بظاهر الحال، وفيه مشروعية الحكم بالأمارة.
8- قوله: «وإلا فانتفع بها»(3 ): أي إن عرَّفتها سنة ولم يأتي مدعيها بوصفها الخاص فاجعلها في منافعك. (1/141)
صفحة 136
قال أبو محمد: يحتمل أنه التقط شيئاً يسيراً ويحتمل أنه كان فقيراً، فأمره بالانتفاع بها لفقره، وإنما قال ذلك لاعتقاده أنها لا تحل لملتقطها الغني، والحديث مطلق والأصحاب أمروا الغني بالتصديق بها تعففاً وتورعاً لا وجوباً محتوماً، قال أبو جابر: يعرِّفها سنة ويسأل عن صاحبها، فإن لم يقدر عليه باعها واجتهد وتصدق بثمنها على الفقراء، فإن جاء صاحبها خُيِّر بينها وبين الأجر، فإن طلبها فعليه له غُرمها، وذكر أبو محمد اتفاق أصحابنا على ذلك، قال ووافقهم عليه الحسن البصري، قال: ولم أعلم أن أحداً من أهل الخلاف أوجب الضمان عليه إذا بالغ في طلب ربِّها ثم تصدق بها بعد سنة أو سنتين على ما جاء من الخلاف بينهم في ذلك والله أعلم.
-------------------------------------------------
(1 ) الإفراط في التعريف غير مُراد.
(2 ) وقد وقع في وراية من حديث أبيّ عند البخاري وغيره بلفظ: وجدت صرةً فيها مائة دينار فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «عرِّفها حَوْلاً»، فعرَّفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته ثانية فقال: «عرِّفها حَولاً»، فلم أجد، ثم أتيته ثالثاً، فقال: «احفظ وعاءَها وعددها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها»، فاستمتعت فلقيته بعدُ بمكة فقال: لا أدري؛ ثلاثة أحوال أم حولاً واحداً؟، قال ابن الجوزي: ولا يؤخذ إلا بما لم يشك فيه لا بما يشك فيه روايه، وجزم ابن حزم بأن الزيادة في حديث أبيّ غلط. (1/142)
صفحة 137
(3 ) وجاء في صحيح مسلم: «فاستنفقها ولتكن وديعة عندك»، وقد جزم برفع هذه العبارة يحيى بن سعيد وخالد بن مخلد عن سليمان بن ربيعة عند مسلم، وقد أشار البخاري إلى رجحان رفعها فترجم [باب إذا جاء صاحب اللقطة ردّها عليه] لأنها وديعة عنده فيجب ردها لمودعها، وتجوَّز بذكر الوديعة عن وجوب رد بدلها بعد الاستنفاق لأنها وديعة حقيقية يجب أن تبقى عينها، لأن المأذون في استنفاقه لا تبقى عينه، كذا قال ابن دقيق العيد، ويستفاد من كونها وديعة أنها لو تلفت لم يكن عليه ضمانها، قال في الفتح: هو اختيار البخاري تبعاً لجماعة من ( ) الإفراط في التعريف غير مُراد.
--- (1/143)
صفحة 138
ما جاء في تعريف اللقطة سنتين
108- ومن طريق ابن عباس أيضاً أن زيد بن ثابت التقَطَ صُرةً فيها مائة دينار فجاءَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «عَرِّفها سنةً فمن جاءك بالعَلامة فادفعها له»، فجاءه عند تمام السنة فقال له: عرِّفتُها يا رسولَ الله سنة، فقال له: «عرِّفها سنةً أخرى»، فقال: «هو مالُ الله يؤتيه من يشاء»، وفي مكة لا تحل لقطتها إلا لمنشد في كتاب الحج.
1- قوله: «من طريق ابن عباس»: أي بالسند المتقدم، والحديث عند البخاري وغيره من حديث أبي بن كعب، قال: وجدتُ صرة فيها مائة دينار..إلخ، وهو يدل على أن الملتقط أبيّ بن كعب، والحديث عندهم من روايته، والملتقط في رواية ابن عباس عند المصنف زيد بن ثابت، ولابد من الجمع بين الروايتين، والأشبه أن القصة قد تكررت فوقعت مرة لزيد وأخرى لأبي، وهو أولى من الحكم على بعض الرواة بالسهو من القول بترجيح رواية المباشر على غيره، لأنه لا يُصار إلى أحد الحالين إلا عند تعذر الجمع.
2- قوله: «زيد بن ثابت» بن الضحَّاك بن زيد بن لوذان بن عمر ابن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار، كنيته أبو سعيد وقيل أبو عبدالرحمن وقيل أبو خارجة، وكان عمره لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة إحدى عشر سنة وشهد أحداً، وقيل لم يشهدها وإنما شهد الخندق أول مشاهده، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي وغيره.
وكانت ترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب بالسريانية(1 ) فأمر زيداً فتعلمها، وتوفي سنة خمس وأربعين وقيل اثنتين وقيل ثلاث وأربعين وقيل خمس وخمسون، وصلى عليه مروان بن الحكم، والصرة: وزن غرفة دراهم أو دنانير تجمع في ثوب أو نحوه فيشد عليها بخيط أو نحوه.
3- قوله: «فمن جاءك بالعلامة»: هو أعم من قوله في الحديث الأول بوصف عفاصها ووكائها، لأن العلامة تصدق على هذا وغيره. (1/144)
صفحة 139
4- قوله: «عرفها سنة أخرى»: اختلف في وجهه مع الاقتصار في الحديث الأول على تعريف السنة، وقد تقدم وجه الجمع بينهما وأنه قيل: أن تعريف السنة واجب وما فوقها ورع واحتياط، وقيل: أن ذلك يختلف باختلاف قلة الماء وكثرته، وقيل يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم عرف أن تعريفها لم يقع على الوجه الذي ينبغي فأمر ثانياً بإعادة التعريف، كما قال للمسيء صلاته: ارجعْ فصلِ فإنك لم تصل.
واستُبعد ذلك من فقهاء الصحابة وفضلائهم، قال المنذري: لم يقل أحد من أئمة الفتوى إن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام إلا شريح عن عمر، وقد حكاه الماوردي عن شوار من الفقهاء.
5- قوله: «هو مال الله يؤتيه من يشاء»: إشارة إلى جواز انتفاعه بها فهو نظير قوله للأعرابي: انتفع بها، قال أبو محمد: قال بعض مخالفينا إنه قال: «هي لك، وهي مالُ الله يؤتيه من يشاء»، قال: ولم تصح عندنا هذه الزيادة وأحاديث الباب تدل على جواز الانتفاع باللقطة لملتقطها بعد التعريف، فالقول بتعريفها على الفقراء استحبابٌ لا إيجاب، وتدل على جواز التقاطها لمن قصد الحفظ، وكره جابر بن زيد أخذ اللقطة، ولعله إنما ذكره ذلك لما رأى من شدة ميل الناس إلى الأطماع العاجلة فقلَّ من يقصد بأخذها الحفظ لربِّها.
6- قوله: «وفي مكة لا تحل لقطتاه إلا لمنشٍ»: تقدم في كتاب الحج في آخر خطبته صلى الله عليه وسلم على باب الكعبة عام الفتح، وروى أحمد ومسلم عن عبدالرحمن بن عثمان قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الحاج(2 ) واحتج بها من قال لا تلتقط للتملك بل للتعريف خاصة، قيل: وإنما اختصت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى أربابه، لأنها إن كانت للمكيُّ فظاهر؛ وإن كانت للآفاقي فلا يخلو أفق غالباً من وارد إليها. (1/145)
صفحة 140
فإذا عرَّفها في كل عام سهَّل التوصل إلى معرفة صاحبها، وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هي كغيرها من البلاد وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود، فاحتاج الملتقط لها إلى المبالغة في التعريف والله أعلم.
------------------------------------------------------
(1 ) أو العبرانية وهما والعربية من أصل واحد فيسهل تعلمها على العربي الذكي كزيد بن ثابت، ومن عرب فلسطين اليوم من يتقنها؛ ومَن عرف لغة قوم أمن من مكرهم، واليهود أمكر البشر، ولا نملك إلا الدعاء أن يجمع الله شمل العرب ويرد لهم فلسطين ويرد لها أهلها المشردين، وينصر عُمان وأهلها تحت لواء إمامهم الغالب على أعوان الاستعمار والمستعمرين.
(2 ) عن عبدالرحمن بن عثمان قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الحاج، رواه أحمد ومسلم، وقد سبق قوله في مكة: «ولا تحل لقطتها إلا لمعرّف»، وفي فظ آخر: «ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد».
--- (1/146)
صفحة 141
كتاب الذبائح
وفي أكثر النسخ (باب الذبائح) جمع ذبيحة مثل كرائم وكريمة، وهي ما يذبح من الحيوان(1 )، وأصل الذبح الشَّق ثم نقله الشرع إلى الذكاة المخصوصة: وهي قطع الحلقوم والمري والوَدَجين، وتذكر اسم الله عليها وتتركها حتى تبرُد(2 )، وذكر الشيخ عامر: من شروط الذكاة التسمية والنية واستقبال القبلة، قال: فأما التسمية فلقوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)(3 )، وأما النية فإن الذكاة عبادة تصلح فيها النية، ومثل ذلك من طعن جملاً برمح في موضع النحر.
فإنه إن ذكر اسم الله عنى النحر فإنه يؤكل، وإن لم يعنِ النحر فلا يؤكل، وأما استقبال القبلة فإنه مستحبٌّ، وإن تعمَّد وذبح لغير القبلة، فإنه ليس في ذلك تحريم ما لم يعتقد في ذلك مخالفة المسلمين، فإذا اعتقد مخالفتهم لم تؤكل، قال: وكذلك من ذبح بشماله فإنه من خالف ما جاءت به الشريعة، فإن لم يرد بذلك مخالفة السنة لم تكن بذلك خبيثة، وهذا من قوله رحمه الله يدل أنه أراد بشروطها ما يتناول اللازم والمستحب، ولهذا ذكر آداب الذبح عقب المذكور من الشروط فقال: والمأمور أن تُضْجَعَ(4 ) الذبيحة إلى القبلة على شِقّها الأيسر ويذبح باليمين.. إلخ.
----------------------------------------------
(1 ) الأزهري: الذبيحة اسم لما يذبح من الحيوان، وأنث لأنه ذهب بها مذهب الأسماء لا مذهب النعت، فإن قلت: شاة ذبيح أو كبش ذبيح أو نعجة ذبيح لم تدخل فيها الهاء، لأن فعيلاً إذا كان نعتاً في معنى مفعول يذكر ويؤنث، يقال: امرأة قتيل وكف خضيب.
(2 ) أي حتى تموت، وهو صحيح في الاشتقاق لأنه عدم حرارة الروح، وفي حديث عمر: فهبره بالسيف حتى يرد (أي مات).
(3 ) الأنعام 6/118 ونص الآية: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ). (1/147)
صفحة 142
(4 ) كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المستحب، ولا تذبح قائمةً ولا باركة بل مُضجعة لأنه أرفق بها، وبهذا جاءت الأحاديث وأجمع عليه المسلمون كما قال النووي، واتفقوا على أن إضجاعها يكون على جانبها الأيسر، لأنه أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين وأمساك رأسها باليسار.
--- (1/148)
صفحة 143
ما جاء في ميتة السمك والجراد
109- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: أُحلَّتْ لكم ميتتانِ ودمانِ، فالميتتانِ: الجَرادُ والسَّمكُ، والدمانِ: الكَبدُ والطحالُ».
1- قوله: «عن ابن عباس»: الحديث عند أحمد وابن ماجه والدارقطني من حديث عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر، وهو للدارقطني أيضاً من رواية عبدالله بن زيد بن أسلم عن أبيه بإسناد.
قال أحمد وابن المديني: عبدالرحمن بن زيد ضعيف وأخوه عبدالله ثقة.
2- قوله: «ميتتان»: تثنية ميتة وهي ما فارقه الروح من غير ذكاة شرعية، قال في المصباح: المراد بالميتة في عرف الشرع ما مات حَتْفَ أنفه أو قُتل على هيأة غير مشروعة، أما الفاعل أو في المفعول فما ذُبح للصنم، أو في حال الإحرام، أو لم يقطع منه الحُلقوم ميتة، وكذا ما لا يؤكل لا يفيدُ الحِل، قالوا: ويستثنى من ذلك للحِل ما فيه نص.
3- قوله: «الجَراد»: جنس يقع على الذكر والأنثى ويميز واحده بالتاء، وسمي جراداً لأنه يجرد ما ينزل عليه، أو لأنه أجرد (أي أملس) وهو من صيد البر وإن كان أصله بحرياً عند الأكثر، وقيل أنه بحري، واستدلوا بأحاديث لا تخلوا من ضعف(1 )، ونقل النووي الإجماع على حلَّ أكل الجراد، وفصل ابن العربي بين جراد الحجاز وجراد الأندلس، قال في جراد الأندلس: لا يؤكل لأنه ضررٌ محض، وهذا إن ثبت أن أكله يضر دون غيره من جراد البلاد تعين استثناؤه.
وذهب الجمهور إلى حل أكل الجراد ولو مات بغير سبب، وعند المالكية اشتراط التذكية، وهي هنا أن يكون موته بسبب آدمي، أما بأن يُقطع رأسه أو بعضه أو يسلق أو يلقى في النار حياً، فإن مات حتف أنفه أو في وعاء لم يحلّ عندهم، ولا دليل على هذا التفصيل، وكره بعض أصحابنا القاءه في النار حيا من باب الرحمة لخلق الله لا من باب التحريم. (1/149)
صفحة 144
4- قوله: «والسمك»: هو حوت البحر، وقد تقدم في باب المياه قوله صلى الله عليه وسلم في البحر: «هو الطهور ماؤه الحِلُّ ميتته»، وتقدم أيضاً في آداب الطعام والشراب حديث جابر بن عبدالله في الحوت الذي ألقاه لهم والبحر، وذلك كله يدل على حل ميتة السمك، وكذلك قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ)، قال عمر: صيده ما اصطيد وطعامه ما رمي به، وقال ابن عباس: طعامه ميتته إلا ما قذرت منها، قال ابن عباس: كل من صيد البحر صيد يهودي أو نصراني أو مجوسي، وكره عطاء وسعيد بن جبير صيد المجوسي.
5- قوله: «الكبد» بفتح الكاف وكسر الباء، ويجوز إسكان الباء مع فتح الكاف وكسرها كما في نظائرها:
وهي لحمة سوداء تشبه الدم وهي من جملة الأمعاء محلها الجانب الأيمن، و(الطِّحال) بكسر الطاء من الأمعاء معروف ومحله الجانب الأيسر، ويقال: هو لك ذي كرش غلا الفرس فلا طحال له، وصحَّ استثناء الكبد والطحال من جملة الدماء لأنهما كالدم المنعقد، فقد يتوهم من لا علم له بحكمهما أنهما كالدم حكماً كما أنه مثله لوناً، فنبَّه الشارع صلى الله عليه وسلم على الفرق وأجاز أكلهما لأنهما لحمتان والله أعلم.
---------------------------------------------- (1/150)
صفحة 145
(1 ) منها ما روي عن أبي هريرة أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حج أو عمرة فاستقبلنا رَجْلٌ من جراد فجعلنا نضربهن بنعالنا وأسواطنا فقال صلى الله عليه وسلم: «كلوه فإنه من صيد البحر»، وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه بإسناد ضعيف، وأخرج نحوه أبو داود والترمذي من طريق أخرى عن أبي هريرة وفي إسناده أبو المُهزم (بضم الميم وكسر الزاي) وهو ضعيف، وأخرج ابن ماجه من حديث أنس مرفوعاً: «إن الجَراد نَشْرَة حوت من البحر»: أي عطسته، وهو ضعيفٌ أيضاً، إذ لا علاقة في علم الحيوان وتشريحه للجراد بالحيتان، لأن الجراد من الحشرات والوثَّابة ومن رتبة مستقيمات الأجنحة ومواطنها الأصلية في البر لا البحر، وقوله صلى الله عليه وسلم: «أنه من صيد البحر» أي حلال كصيد البحر.
والجراد يكافح اليوم دولياً لأنه يهدد البلاد الأوروبية والآسيوية والأمريكية على السواء، ومواطنه الأصلية جنوب جزيرة العرب، ويبحث الرحالون عنه في الربع الخالي وعُمان وحضرموت ومراكش والسنغال وصحراء المغرب وأمريكا الشمالية والأرجنتين، حمى الله خلقه من الجراديْن: جراد الديار وجراد الاستعمار بمنته ورحمته.
--- (1/151)
صفحة 146
ما جاء في الذبح بغير الحديد
110- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد قال: كانت جارية لكعب بن مالك ترعى غنماً له، فأصِيبت منها شاة فذبحتها بحجرٍ، فسُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلكَ فقالَ: «لا بأس بها فكلوها».
1- قوله: «عن أبي سعيد»: الحديث روى معناه أحمد والبخاري(1 ) من حديث كعب بن مالك، ورواه مالك في الموطأ عن معاذ بن سعد أو سعد بن معاذ كذا وقع على الشك.
2- قوله: «كانت جارية»: لم يذكر اسمها، ووقع في رواية «أمَة» وفي أخرى: «امرأة»، وذلك يدل أنها كانت أمة لكعب بن مالك، ولا ينافيه تسميتها في بعض الروايات امرأة، لأن اسم المرأة أعمْ، وفي التخصيص زيادة وبيان.
3- قوله: «ترعى غنماً»: أي لكعب، زاد في رواية لقومنا بسلع بفتح المهملة وسكون اللام وعين مهملة: جبل بالمدينة، وفي هذه الزيادة بيان لموضع الرعي.
4- قوله: «فذبحتها بحجر»(2 ): أي قبل أن تموت، وفي رواية مالك: «فأدركتها فذكتها بحجر»، وفي رواية للبخاري: «فكسرت حجراً وذبحتها به».
5- قوله: «فسُئِل»: بالبناء للفاعل: والسائل كعب، أو بالبناء للمفعول على أن السائل مجهول، كما في رواية للبخاري: فقال كعب لأهله لا تأكلوا حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله، أو حتى أرسل من يسأله، فأتاه أو بعث إليه.
6- قوله: «لا بأس بها فكلوها»: وفي نسخة: «فكلها» بالإفراد، وهي تؤيد تعيين السائل وأنه كعب بن مالك والأمر للإباحة. (1/152)
صفحة 147
وفي الحديث فوائد: منها جواز ذبيحة المرأة وإن كانت أمَة، طاهرة كانت أم لا، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبحث عن حال الجارية بل أطلق الإباحة، ولم ير جابر رحمه الله تعالى بأساً بذبيحة المرأة ولا بذبيحة الغلام إذا عقل الصلاة، ومثله عن إبراهيم النخعي، لكن قال: إذا أطاق الذبيحة وحفظ التسمية، ونقل ابن عبدالحكيم عن مالك كراهة ذبيحة المرأة.
ومنها جواز الذبح بغير الحديد، وكان الربيع رحمه الله ينهى عن الذبح بالحجر والفضة والخشب، فكأنه رحمه الله تعالى قصر الإجازة على موضع الضرورة، وقال أبو عبدالله: إنما يذبح بالحجارة والمَرْوة وهي البيضاء والحمراء ولا يذبح بما سواه من الحجارة.
ومنها ثبوت الاحتساب في مال الغائب وجواز أكل ما ذبح على ذلك، وإليه ذهب الجمهور وخالفه في ذلك طاووس وعكرمة وإسحاق وأهل الظاهر فلم يروا أكل ما ذبح بغير إذن مالكه والله أعلم.
---------------------------------------------
(1 ) روى معناه البخاري في الحديث الأول من [باب ما أنهرَ الدم من القَصَب والمَروة والحديد] وسنده: حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا مُعمِّر عن عبيدالله عن نافع سمع ابن كعب بن مالك يخبر ابن عمر أن أباه أخبره: أن جارية لهم كانت ترعى غنماً بسَلْعِ فأبصرت بشاة من غنمها موتاً فكسرت حجراً فذبحتها، فقال لأهله: لا تأكلوا حتى آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله، أو حتى أرسل إليه من يسأله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، أو بعث إليه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأكلها.
(2 ) لعله كان من المَرْو والظِّران (الصُّوان) فإنه إذا كسر تشظَّي، والشظية منه دقيقة الطرف حادَّة تقطع كالسكين، يدل على ذلك قول حديث البخاري: «فكسرت حجراً فذبحتها به».
--- (1/153)
صفحة 148
ما جاء في الوجوه المنهي عنها عند الذبح
111- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: سمعتُ ناساً من الصحابة يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الذبْح عن أربعةِ أوجُهٍ: الخَزْل والوَخْزِ والنَّخعِ والتَّردادِ.
قال الربيع: الخزلُ إدخال الحديدة تحت الجلدِ واللحمِ ويَبحُ قُبالتُه، والوَخْزُ: الطعنُ برأس الحديدة في رقبة الشاة بعد الذبح، والنخعُ: كسر الرَّقبَةِ، والتَّردادُ: الذبحُ بالحديدة الكليلة التي تتردَّدُ في اللحمِ.
1- قوله: «سمعتُ ناساً من الصحابة»: الحديث لم أجده عند غيره، وكأنه مما تفرَّد به، وقد سمعه جابر من عدد من الصحابة وهو الموثوق بسماعه.
2- قوله: «عن أربعة أوجه»: إلخ ذكر في الإيضاح تحريم الذبيحة بالوخز والنخع دون الخزل والترداد، والنهي واقع على الأربعة بصيغة واحدة، وظاهره التحريم، وحمله على الكراهة متعذر فينبغي النظر في بيان الفرق، ولعلهم فرَّقوا بالنظر إلى المعنى، فإن النخع والوخز أشد تأثيراً من الخزل والترداد، والفاعل عندهم أن كل شيء يفعله الذابح مما يعين على قتل الذبيحة يكون محرماً لها.
3- قوله: «الخَزْل» بمعجمتين: فسره الربيع بأنه إدخال الحديدة تحت الجلد واللحم ويذبح قبالته، وهو تفسير بالمراد في الحديث، وأصل الخزل في اللغة القطع(1 )، يقال: اختزلته أي اقتطعته، و«الوخز»(2) بمعجمتين أيضاً هو الطعن برأس الحديدة في رقبة الشاة كما ذكر الربيع، وهو تفسير بالمراد أيضاً، وأصل الوخز الطعن عير النافذ، و«النَّخع»(3 ) بنون فمعجمه فمهملة: هو كسر الرقبة، كذا قال الربيع، وذكر غيره أنه المجاوزة بالسكين منتهى الذبح إلى النخاع، وهو خيط أبيض داخل عظم الرقبة يمتدُّ إلى الصلب يكون في جوف الفقار. (1/154)
صفحة 149
والتِّرداد الذبح بالحديدة الكليلة التي تتردد في اللحم، يقال: ترردتُ عليه إذا رجعت إليه مرة بعد أخرى، وعند مسلم من حديث شدّاد بن أوس يرفعه: «وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحدَّ أحدكم شرفته وليرح ذبيحته».
-------------------------------------------------
(1 ) يقال خزلته فانخزل: أي قطعته فانقطع، وقول الشاعر:
يكاد الخصر ينخزل: معناه ينقطع لضُمره، وليس في القاموس المحيط ولا اللسان ما فسر الربيع الخزل به.
(2 ) الوخز: النخز والنخس بإبرة ورأس حديدة كالمسمار والإبرة كما فسره به الربيع.
(3 ) النَّخع: قطع النخاع، ولا يقطع إلا بكسر الرقبة أو فقار الظهر، والنخاع عرق أبيض داخل العنق متصل بالدماغ، وهو ينقاد في فقار الظهر حتى يبلغ عجب الذنب، ونخع الشاة: قطع نخاعها، والمنخع: موضع قطع النخاع، وفي الحديث: ألا لا تنخغوا الذبيحة حتى تجيب، أي لا تقطعوا رقبتها وتفصلوها قبل أن تسكن حركتها، والنَّخع: قبيلة من الأزد رهط إبراهيم النخعي.
--- (1/155)
صفحة 150
ما جاء في ادخار لحوم الأضاحي والانتفاع بجلودها
112- أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها قالت: دَفّ ناسٌ من أهل المدينة حضرةَ الأضحى في زمانِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كلوا وتصَدَّقوا بما بقي بعد ثلاثة أيام»، قالت: فلمَّا كان بعد ذلك قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانَ النَّاسُ يَنتفعُون بضحاياهم، ويجعلون جُمَّ الودك ويتخذونَ منه الأسقية، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وما ذلكَ؟»، فقالوا: يا رسولَ الله نهيْتَ عن إمساك الضحايا بعد ثلاثة أيامٍ!، فقال: «إنما نهيتكم من أجل الدَّافَّةِ التي دفَّت عليكُم(1 ) فكُلوا وتصدَّقوا وادِّخروا».
قال الربيع: والدَّافة: القادمون.
1- قوله: «عن عائشة»: الحديث رواه مالك في الموطأ وأحمد والبخاري(2 ) ومسلم(3 ) وأبو داود.
2- قوله: «دفَّ» بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء: أي جاء.
3- قوله: «من أهل المدينة» في رواية قومنا: «من أهل البادية»، وفي أخرى: «دفَّ أهل أبيات من أهل البادية»، ويجمع بينها أن البادية كانت حول المدينة بالقرب منها، فصحَّ أن يطلق على أهلها أنهم من أهل المدينة.
4- قوله: «حضرة» بفتح الحاء وضمها وكسرها والضاد ساكن فيها كلها وحكي فتحها وهو ضعيف، وإنما تفتح إذا حذفت الهاء(4 ): والمراد بها الوقت، أي جاءوا وقت الأضحى.
5- قوله: «كلوا»: أي من لحوم ضحاياكم.
6- قوله: «تصدقوا»: أي على القادمين وغيرهم.
7- قوله: «بما بقي بعد ثلاثة أيام»: وفي رواية مالك: «ادخروا لثلاث وتصدقوا بما بقي»، وقال القرطبي: اختُلف في أول الثلاث التي كان الادخار فيها جائزاً فقيل أولها النحر، وقيل: أولها يوم يضحَّى، فلو ضحَّى آخر أيام النحر جاز له أن يمسك ثلاثاً بعدها.
8- قوله: «بعد ذلك»: أي في العام المقبل. (1/156)
صفحة 151
9- قوله: «قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم»: أي ذكر معه الحال الذي كان عليه الناس في الانتفاع بضحاياهم، وأنهم كانوا قبل النهي يتخذون من شحومها الوَدك الكثير ومن جلودها الأسقية(5 ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما ذلك؟» (أي ما ذاك الذي منعهم من الانتفاع بها؟) فذكروا له النهي الواقع في العام الماضي وأخبرهم إنما كان ذلك لأجل الدافة القادمين عليهم فيتصدقون عليهم بالباقي، فكان المنع من الادخار لأجل هذه العلة.
10- قوله: «ويجعلون»: بمثناة تحتية فجيم ساكنة فعين مهملة: أي يصنعون، و«جم الودك»: أي كثيره، يقال: ماء جم أي كثير، و«الودك» بفتحتين: دسم اللحم والشحم وهو ما يتحلل من ذلك، و«الأسقية» جمع سقاء: وهي إناء يتخذ من جلد الغنم.
11- قوله: «وما ذلك؟»: وفي نسخة: «وما ذاك؟»: وهو بحث عن المانع الذي منعهم من الانتفاع والادخار، فكأنه صلى الله عليه وسلم نسي الني أو ظن أنهم كانوا يعرفون وجهه، وأنه إنما نهى لعلة لا للدوام.
12- قوله: «فكلوا وتصدقوا وادخروا»: أطلق لهم الأمر بالادخار بعد ما كان ممنوعاً إلا إلى ثلاث، وقد اختلف الناس في هذه الإباحة، فمنهم من قال: أنها مستمرة على حال وجعلوه من نسخ السنة بالسنة، ونسب القول بذلك إلى الجمهور، وادعى ابن عبدالبر رفع الخلاف في ذلك، ونقل الربيع عن أبي الشعثاء أنه لم يرَ بأساً ببيع جلود الأضاحي، وقال الربيع عن أبي الرحيل قال: ذبحنا يوماً بمكة أضحية نسكاً فاشتركنا فيه. (1/157)
صفحة 152
قال لي أبو الشعثاء: بع جلده، وقال الشافعي: إذا دفَّت الدافة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، فإذا لم تدف دافته فالرخصة ثابتة بالأكل والتزود والادخار والصدقة، قال: ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث منسوخ، قال القرطبي: حديث سلمة وعائشة نص على أن المنع كان لعلة فلما ارتفعت ارتفع موجبه فتعين الأخذ به، ويعود الحكم بعود العلة، فلو قدم على أهل بلد ناسٌ محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة ليسدوا بها فاقتهم إلا الأضاحي، لتعين عليهم ألا يدخروا فوق ثلاث، قال ابن حجر: والتقييد بالثلاث واقعة حال، فلو لم تُسد الخلة إلا بتفرقة الجميع للزم على هذا التقرير عدم الإمساك.
قلت: وما أشبه هذا الخلاف بالخلاف الواقع في سهم المؤلفة من الزكاة، وهل هو منسوخ أم باق معلق على احتياج الإمام إلى تأليفهم؟ والظاهر من سياق الحديث بقاء الحكم عند وجود مقتضيه والله أعلم.
وقول الربيع: الدافة: القادون تفسير لـ«دفَّ ناسٌ» في أول الحديث، قال أهل اللغة الدافَّة بتشديد الفاء: قومٌ يسيرون جميعاً سيراً خفيفاً، ودافَّة الأعراب: من يريد منهم المبصر، والمراد هنا من ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة والله أعلم.
---------------------------------------------------------
(1 ) الدفيف: الدبيب على البدل، فإن الباء والفاء من مخرج شفوي واحد، ولذلك فسروا الدافة بالقوم يسيرون جماعة سيراً ليس بالتشديد، قاله أبو عمرو، وفي لسان العرب: (دفف) وفي حديث لحوم الأضاحي: إنما نهيتكم عنها من أجل الدافَّة (التي لا دفَّت عليكم)، يقال: دفَّت دافَّة: أي أتى قومٌ من أهل البادية قد أُقحِموا، ودافَّة الأعراب من يرد المصر من ضعفائهم للمواساة. (1/158)
صفحة 153
(2 ) روى البخاري معناه في [باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها] من كتاب الأضاحي، ورواه أيضاً مسلم في [باب ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام ونسخه وإباحته إلى متى شاء].
(3 ) لفظ راوية مسلم في الحديث رقم 1971 من الباب المذكور.
(4 ) فيقال: بحضر فلان، ولا يزال هذا التعبير من لغة التخاطب في بلاد الشام.
(5 ) جمع سِقاء، وهو جلد السخلة إذا أجذع، ولا يكون إلا للماء كالقربة وأنشد ابن الأعرابي:
يُجبن بنا عرضَ الفلاةِ وما لنا عليهنَّ إلا وخدهُنَّ سقاءُ
وأسقاه إهاباً: أعطاه إياه ليدبغه ويتخذ منه سقاء، وقال عمر بن الخطاب للذي استفتاه في ظبي رماه فقتله وهو محرم: خذ شاة من الغنم فتصدَّق بلحمها وأسْقِ إهابها: أي أعطِ إهابها من يتخذه سقاءً، والوطْب للبن خاصة والنحي للسمن خاصة، قال ابن السكيت: السَقاء يكون للبن والماء، والجمع أسقية، وجمع الجمع: أساقِ.
--- (1/159)
صفحة 154
ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أصلعين
113- ومن طريق ابن عباس عنه عليه السلام قال: «مَن خافَ من شدَّة المَيْعةِ» (الحديث) حتى قالَ: «ضحَّى بكبشين أملحين مَوجُوءَيْن».
والأملحان: الأبْلقان.
1- قوله: «ومن طريق ابن عباس»: أي بالسند المتقدم من باب السبايا والعزلة، والغرض منه هنا قول الربيع رضي الله عنه في تفسير الوجاء بالخصاء، قال مثل ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم «ضحى بكبشين أملحين موجوءين»، والأملحان: الأبلقان.
والحديث في ذلك أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي من حديث جابر بن عبدالله، وأخرجه أحمد أيضاً من حديث أبي رافع(1 ) وعائشة، وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة وعائشة: «كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين(2 ) موجوأين»، وهذا يدل على اختيار الخصيين لسمنهما وجواز خصي الأنعام لطلب المصلحة، وأنه ليس ذلك من تغيير خَلق الله.
و«الموجوء»: منزوع الأنثيين(3 )، و«البَلَق»: سوادٌ وبياض، و«المُلحة»: من الألوان بياضٌ يخالطه سواد، يقال: كبشٌ أملح وتيسٌ أملح إذا كان شعره خَليساً مختلط البياض بالسواد، وقيل: الأملح نقي البياض، وقيل: ليس بخالص البياض بل فيه غبرة، وفي الحديث إشارة إلى أن الذكر أفضل من الأنثى فإن لحمه أطيب، و«الكبش»: الحمل إذا أثنى أو إذا خرجت رُباعيته.
--------------------------------------------- (1/160)
صفحة 155
(1 ) حديث أبي رافع أخرجه أيضاً الحاكم، قال في مجمع الزائد: وإسناده حسن، وحديث عائشة أخرجه أيضاً ابن ماجه والبيهقي والحاكم من حديثها وحديث أبي هريرة، ومدار طرقه كلها على عبدالله بن محمد بن عقيل، وفيه مقال وفي إسناد أبي هريرة وعائشة: عيسى بن عبدالرحمن بن فروة، وهو ضعيف، و(في الباب) عن جابر عند الحاكم من طريق ابن عقيل، وله شاهد من حديث جابر أيضاً من طريق أخرى عند أبي داود والبيهقي، وعن أبي الدرداء عند أحمد والطبراني.
(2 ) قوله: «أملحين» قال الأصمعي: الأملح الأبلق بسواد وبياض، والمُلحة من الألوان بياض تشوبه شعرات سود، والذكر أملح والأنثى ملحاء، وكل شعر وصوف فيه بياض وسواد فهو أملح، وجعل بعضهم الأملح الأبيض النقي البياض، والكتيبة الملحاء الزرقاء الضاربة إلى البياض، قال حسَّان بن ربيعة الطائي:
لقد علم القبائلُ أن قومي ذوو حدِّ إذا لُبِسَ الحديدُ
وإنا نضربُ الملحاء حتى تُوليّ، والسيوفُ لنا شهودُ
(3 ) كما ذكره الجوهري وابن منظور وغيرهما، وقيل هو المشقوق عرق الأنثيين والخصيتان بحالهما.
--- (1/161)
صفحة 156
ما جاء في العقيقة
114- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن العَقيقة فقالَ: «لا أحُبُّ العُقوق، ثم قالَ: من وُلِد لهُ ولدٌ وأحَبَّ أن ينسُك عن ولدهِ فليفعل».
قال الربيع: قال أبو عبيدة: مَنْ أراد ذلكَ فعن الذكرِ شاتان وعن الأنثى شاة.
العقيقة: بفتح العين المهمة وأصلها الشاة التي تذبحُ في اليوم السابع من ولادة المولود، وفيه يسمى، قيل: وأصلها الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، سميت بذلك لأنه يحلق عنه ذلك الشعر عند ذبحها، قال أبو عبيدة: فهو من تسمية الشيء باسم غيره إذا كان معه أو من سببه .
وقيل: العقيقة الذبيحة نفسها سميت بذلك لأن مَذبحها يُعقّ أي يشق ويقطع، وذكر العقيقة بعد الضحايا يدل أنها مندوب إليها، قال في الإيضاح: وحكم لحمها حكم لحم الضحايا في الأكل والصدقة لأنها نسك، قال: وكذلك يجزي فيها ما يجزي في الضحايا من الأزواج الثمانية والله أعلم.
وقال غيره: تتعين الشاة في العقيقة للنص عليها في الأحاديث.
1- قوله: «سُئل النبي صلى الله عليه وسلم»: الحديث رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه أنه قال، فذكره وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولم أقف(1 ) على اسم السائل.
2- قوله: «لا أحب العقوق»: أي العصيان وترك الإحسان، زاد في رواية قومنا وكأنه إنما كره الاسم، وقد تقرر في علم الأدب احتراز من لفظ يشترك فيه معنيان أحدهما مكروه فيجاء به مطلقاً.
3- قوله: «ثم قال»: زاد في رواية عمرو بن شعيب: فقالوا يا رسول الله إنما نسألك عن أحدنا يولد له، قال: «من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل، عن الغلام شاتان مكافئتان(2 ) وعن الجارية شاة». (1/162)
صفحة 157
4- قوله: «وأحب أن ينْسُك»: بضم السين من باب نصر، أي يتطوع بقربة لله تعالى عن ولده فليفعل، وفي جعل ذلك موكولاً إلى محبتهم مع تسميته نسكاً إشارة إلى الاستحباب، وفيه الرد على من زعم أنها بدعة، وعلى من زعم نفي مشروعيتها وأنها نسخت بالضحية كما ادَّعى محمد بن الحسن من الحنفية.
قال الشافعي: أفرط في العقيقة رجلان، رجل قال هي بدعة، والآخر قال هي واجبة، واستحب بعضهم تسميتها نسيكة أو ذبيحة، وكرهوا تسميتها عقيقة لهذا الحديث.
5- قوله: «فعلى الذكر شاتان وعلى الأنثى شاة»: كما تقدم في حديث عمرو بن شعيب، وكذلك جاء عن عائشة ترفعه عنه أحمد والترمذي وصححه، وكذلك أيضاً عندهما في حديث أم كرز الكعبية كلهم ذكروا: «على الذكر شاتين وعلى الأنثى شاة»، ونسب القول بذلك إلى الجمهور.
والحكمة في كون الأنثى على النصف من الذكر أن المقصود استبقاء النفس فأشبهت الفدية، وقال مالك: إنها شاة عن الذكر والأنثى لأن النبي صلى الله عليه وسلم عقَّ عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً، وقيل: أن في اقتصاره صلى الله عليه وسلم على ذلك دليلاً على أن الشاتين مستحبة فقط وليست بمتعينة، والشاة جائزة غير مستحبة، وقيل: إنه لم يتيسر في ذلك الحال الإشارة والله أعلم.
-----------------------
(1 ) هنا سائل مجهول وسائلة هي أم كُرز الكعبية في الحديث، رواه أحمد والترمذي وصححه وأخرجه النسائي وابن حِبَّان والحاكم والدارقطني، عن أم كرز الكعبية أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال: «نعم عن الغلام شاتان وعن الأنثى واحدة لا يضركم ذكرناً كنَّ أو إناثاً». (1/163)
صفحة 158
(2 ) قال النووي: بكسر الفاء بعدها همزة، والمحدثون يفتحون الفاء، قال أبو داود في سننه: أي مستويتان أو متقاربتان، وكذا قال أحمد، وقال الخطابي: المراد التكافؤ في السن، وقيل: أن يذبح إحداهما مقابلة للأخرى، وفي هذا الحديث وأحاديث أم كرز وبريدة وابن عباس وأبي رافع دليلٌ على أن المشروع في الحقيقة شاتان عن الذكر، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود والإمام يحيى وحكاه في الفتح عن الجمهور، وذهب مالك إلى أنها شاة عن الذكر والأنثى قال في البحر وهو المذهب.
--- (1/164)
صفحة 159
كتاب الأشربة من الخمر والنبيذ
الأشربة جمع شراب كطعام وأطعمة اسم لما يُشرب، وليس مصدراً لأن المصدر هو الشرب مثلث الأول، وأما الخمر فهو الشراب المسكر المتخذ من عصير العنب، وقيل: هي اسم لكل مسكر خمَّر العقل أي غطَّاه، وعليه فالنبيذ نوع منها، وهو فعيل بمعنى مفعول من نبذته (إذا ألقيته) سمي بذلك لأنه يُنْبَذْ أي يترك حتى يشتد.
--- (1/165)
صفحة 160
ما جاء في إراقة الخمر وتحريم الانتفاع به
115- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: أهْدَى رجُلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم راويتي خَمر فقال له: «أما علمتَ أن الله حرَّمها؟»، فقال: لا، فسارَّ إنساناً، فقال له صلى الله عليه وسلم: «بِمَ ساررته؟»، فقال له: أمرته أن يبيعها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها»، ففتح المزادتين، وهما الراويتان، حتى ذهبَ ما فيهما.
1- قوله: «عن ابن عباس»: الحديث رواه مالك في الموطأ ومسلم في البيع من صحيحه(1 ) وأحمد والنسائي.
2- قوله: «أهدى رجل»: هو كيسان الثقفي كما رواه أحمد من حديثه، وفي رواية: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صديق من ثقيف أو دوس فلقيه يوم الفتح براحلة أو راوية من خمر يهديها إليه.
3- قوله: «راويتي خمر»: تثنية راوية وهي المزادة، وفي رواية مالك بالإفراد، وأصل الراوية البعير يحمل الماء، والهاء فيه للمبالغة، ثم أطلقت الراوية على كل دابة يحمل الماء ثم على المزادة(2 ).
4- قوله: «أما علمت» بفتح الهمزة وتخفيف الميم، وفي رواية: «هل علمت».
5- قوله: «إن الله حرَّمها»: أي بآية: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) إلى: (فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(3 ).
6- قوله: «فسارَّ» بالتثقيل: أي ناجى إنساناً، وفي رواية: «فأقبلَ الرجلُ على غلامه فقال: اذهب فبعها»، وهي تدل أن المأمور بذلك غلام الرجل.
7- قوله: «ساررته»: أي بأي شيء كلمته خفية.
8- قوله: «أن يبيعها»: أن ينتفع بثمنها.
9- قوله: «إن الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها»: وذلك في قوله تعالى: (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)، والرجس لا يصح بيعه ولأن بيعها يؤدي إلى شربها. (1/166)
صفحة 161
10- قوله: «ففتح المزادتين» بفتح الميم والزاء: وهما الراويتان والواحدة مزادة وهي القربة سميت بذلك لأنها يتزوَّد فيها الماء(4 ).
والحديث يدل على وجوب إراقة الخمر وتحريم الانتفاع بها ولو كانت فيها منفعة بوجه من الوجوه ما أمر صلى الله عليه وسلم بإراقتها والله أعلم.
-------------------------------------------------------------------
(1 ) مسلم في [باب تحريم بيع الخمر] الحديث الثاني برقم 1579.
(2 ) قوله: «ثم على المزادة» بطريق المجاورة على المجاز المرسل، قال الجلال القزويني في كتابه الإيضاح الذي هذبناه وشرحناه 2/130: «الرواية للمزاودة مع كونها للبعير الحامل لها لحمله إياها، وكالخفض للبعير مع كونه لمتاع البيت لحمله إياها»، قال ابن سيدة: والرواية للمزادة فيها الماء، ويسمى البعير رواية على تسمية الشيء باسم غيره لقربه منه (المجاورة)، وقلت مثلها في الإطلاق وعلاقة المجاورة إطلاقهم الحفض كمرض على البعير، قال يونس: ربيعة كلها تجعل الحفض البعير، وقيس تجعل الحفض المتاع.
(3 ) المائدة 5-90 والآية بنصها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). (1/167)
صفحة 162
(4 ) جاء في لسان العرب (زود) المزادة مفعلة من الزاد، الرواية قال أبو عبيد: لا تكون إلا من جلدين تُفأم بجلد ثالث بينهما لتتسع، وكذلك السطيحة والشعيب، والجمع المزاد والمزايد، قال ابن سيدة: سميت بذلك لمكان الزيادة، وقيل: هي المشعوبة من جانب واحد فإن خرجت من وجهين فهي الشعيب، وقالوا: البعير يحمل الزاد والمزاد: أي الطعام والشراب، قال ابن شميل: السطيحة جلدان متقابلان، وقد تكرر ذكر المزادة غير مرة في الحديث، وهي الظَّرف الذي يحمل فيه الماء كالراوية والقربة والسطيحة، وقال: والجمع المزاود، والميم زائدة، والمزادة مفعلة من الزيادة والجمع المزايد.
--- (1/168)
صفحة 163
ما جاء في لعن الخمر وعمالها
116- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لعَنَ اللهُ الخمرَ وبايعَها ومشتريها وعاصِرها وحاملها والمحمولة إليهِ وشاربها».
1- قوله: «عن ابن عباس»: الحديث أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر وزاد في آخره: وآكل ثمنها.
2- قوله: «لعن الله الخمر»: أي أبعدها من ساحة الرحمة لكونها ليست من الحلال، والمراد لعن الله شارب الخمر، ويكون قوله: «شاربها..إلخ»: بياناً لذلك، وقيل: معنى لعنت الخمر وحرمت: وعليه فيكون المعنى حرَّم الله الخمر ولعن بائعها، ويحتمل أن يجعل «لعن» مشتركاً بين التحريم والإبعاد، فيكون من استعمال المشترك في معنييه، ويجعل مجازاً في التحريم فيكون من استعمال الكلمة في حقيقتها ومجازها عند من أجاز ذلك، ويكون من عموم المجاز عند من منعه.
3- قوله: «وعاصرها»: هو مستخرجها من العنب ونحوه، يقال: عصرتُ العنب ونحوه عصراً من باب ضراب إذا استخرجتَ ماءه واعتصرته، كذلك واسم ذلك الماء العصير فعيل بمعنى مفعول.
4- قوله: «وحاملها»: هو الذي ينقلها من موضع إلى موضع.
5- قوله: «والمحمولة إليه»: الذي تنقل لأجله.
والحديث يدل على تحريم التعاون على الإثم وتحريم الوسيلة إليه، وأنه تعالى إذا حرَّم شيئاً حرَّم التوسل إليه بكل وجه والله أعلم.
--- (1/169)
صفحة 164
ما جاء فيمن يستعمل الخمر ويسميها بغير اسمها
117- الربيع عن عُبَّادة بن الصامت قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ليَسْتحِلَّنَّ آخرُ أُمَّتي الخمرَ بأسماءٍ يُسمونها بها».
1- قوله: «عن عبادة بن الصامت»: الحديث روى معناه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث مالك الأشعري.
2- قوله: «ليستحلنَّ»: أي والله ليستحلن، أي يشربونها ويعتقدون حِلها بسبب اختلاف أسمها عندهم، وفي هذا الأخبار شائبة الإنكار، وهو إخبار عن غيب فهو من أعلام النبوة.
3- قوله: «آخر أمتي»: المراد البعض منهم كما في حديث أبي مالك أنه قال: «ليشربنَّ ناسٌ من أمتي الخمر».
4- قوله: «بأسماءٍ يسمونها»: أي يعتقدون حلها بسبب الأسماء الحادثة التي وضعوها لها، وقيل: يستترون في شربها بأسماء الأنبذة، وقيل: يتوصلون إلى شربها بأسماء الأنبذة المباحة كماء العسل وماء الذرة ونحو ذلك، ويزعمون أنه غير محرَّم لأنه ليس من العنب والتمر، وهم فيه كاذبون لأن كل مسكر حرام.
فالمدار على حرمة المسكر فلا يضر شربُ القهوة المأخوذ من ثمر شجر معروف حيث لا سكر فيها مع الإكثار منها، وإن كانت القهوة من أسماء الخمر لأن الاعتبار بالمسمَّى كما في نفس الحديث، وأما التشبه بشرب الخمر فهو منهيٌّ عنه إذا تحقق ول شرب الماء واللبن وغيرهما.
والحديث يدل على تحريم الاحتيال في تناول المحرم، قال ابن العربي: وهو أصل في أن الأحكام إنما تتعلق بمعاني الأسماء لا بألفاظها والله أعلم.
--- (1/170)
صفحة 165
ما جاء أن من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إن لم يتب
118- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخُدري قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ شَرِبَ الخمرَ في الدُّنيا ثم لم يتُب منها حُرِمها في الآخرة».
1- قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث رواه الجماعة(1 ) إلا الترمذي من حديث ابن عمر.
2- قوله: «ثم لم يتُب منها»: أي من شربها، فهو على حذف مضاف.
3- قوله: «حُرمها في الآخرة»: بضم المهملة وكسر الراء الخفيفة وتشديدها، والأول من الحرمان: أي مُنع من شربها في الآخرة، قال الخطابي والبغوي: معنى الحديث لا يدخل الجنة، لأن الخمر شراب أهل الجنة فإذا حُرمَ شربها دلَّ على أنه لا يدخل الجنة.
قال ابن عبدالبر: هذا وعيدٌ شديدٌ يدل على حرمان دخول الجنة، لأن الله تعالى أخبر أن في الجنة (أَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ)(2 )، وأنهم (لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ)(3 )، فلو دخلها وقد علم أن فيها خمراً أو أنه حُرّمها عقوبة له لزم وقوع الهم والحزن، والجنة لا همَّ فيها ولا حزن، وإن لم يعلم بوجودها في الجنة ولا أنه حرُرّمها عقوبة له لم يكن عليه في فقدها ألم، فلهذا قال بعض من تقدم: إنه لا يدخل الجنة أصلاً، وهو كلامٌ حسن ناقض لمعتقد القوم أن أهل الكبائر يدخلون الجنة، وقد تكلَّف ابن عبدالبر بعد كلامه المتقدم تكلفاً في تأويل الحديث لا يحسن ذكره، والتوفيق بيد الله تعالى
---------------------------------------------------------------
(1 ) الحديث في البخاري وهو الأول من [كتاب الأشربة] وسنده فيه: حدثنا عبدالله بن يوسف أخبرنا مالك عن نافع عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الحديث بلفظه). (1/171)
صفحة 166
(2 ) محمد 47/15 ونص الآية: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ).
(3 ) الواقعة 56/19 والآية: (لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ) وقبلها: (وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ).
--- (1/172)
صفحة 167
ما جاء في كسر آنية الخمر
119- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: كنتُ أسقي أبا دُجانة وأبا طلْحة وأبيّ بن كعب شراباً من فضيخ التمر، فجاءهم آتٍ فقال: إن الخمرَ قد حُرِّمت، فقالَ أبو طلحةَ: يا أنس قُمْ إلى هذه الجِرارِ فاكسرها، قال أنس: فقمتُ إلى مِهراسٍ لنا، فضربتها بأسفله حتى انكسرت.
1- قوله: «عن أنس بن مالك»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري(1 ) ومسلم(2 ) وله عند أرباب السنن طرقٌ متعددة بألفاظ مختلفة.
2- قوله: «كنتُ أسقي»: أي قبل تحريم الخمر.
3- قوله: «أبا دُجانة» بضم الدال وتخفيف الجيم بعد الألف نون: اسمه سِماك بن خرشة (بمعجمتين بينهما راء مفتوحة) وقيل: سماك بن أوس بن خرشة ابن لوذان ابن عبد ودّ بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي، شهد بدراً وأحُداً وجميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستُشهد يوم اليمامة بعدما أبلى فيها بلاءً عظيماً، وقيل: بل عاش حتى شهد صفين مع علي، والأول أصح وأكثر والله أعلم.
4- قوله: «أبا طلحة»: هو زيد بن سهل الأنصاري زوج أم أنس تقدم ذكره في الجزء الأول.
5- قوله: «وأبيّ بن كعب»: سيد القراء وكبير الأنصار وأعلمهم، وقد تقدم ذكره أيضاً، وفي رواية عن قومنا «أبا عبيدة»(3 ) مكان أبا دُجانة، وفي أخرى سهيل بن بيضاء ومعاذ بن جبل وأبا أيوب، وفي أخرى أن القوم كانوا أحد عشر رجلاً، وبها يجمع بين اختلاف الروايات، فقد يذكر أنس مرة هذا ومرة هذا.
6- قوله: «من فَضيخ» بالفاء ثم معجمتين وزن عظيم: اسم للبسر إذا شُدِخَ ونُبذ وأضافه إلى التمر، لأن الفضيخ يطلق على خليط البسر والتمر، ويطلق على البسر وحده وعلى التمر وحده.
7- قوله: «آتٍ» بمد الهمزة وبالمثناة الفوقية: اسم فاعل من أتى يأتي إذا جاء، وهذا الآتي لم يذكر اسمه. (1/173)
صفحة 168
8- قوله: «يا أنس..إلخ»: إذا خصَّه بالخطاب لكونه ربيبه ولأنه ساقي القوم، والجِرار (بكسر الجيم): وهي الآنية التي فيها الشراب المذكور.
و«المِهراس» بكسر الميم وإسكان الهاء فراء فألف فسين مهملة: حجر مستطيل ينقل ويدق فيه ويتوضأ، وقد استعير للخشبة التي يُدق فيها الحب، فقيل لها مهراس على التشبيه بالمهراس من الحجر أو الصُّفر الذي يهرس فيه الحبوب وغيرها.
والحديث يدل على جواز كسر آنية الخمر، فإن الجرار وإن كانت ملكاً لأبي طلحة مثلاً فإنه صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال ولو لم يكن كسرها جائزاً لدخل تحت الإضاعة، وفيه حجة قوية في قبول خبر الواحد(4 ) وأنه حجة في تبليغ الأحكام الشرعية فإنهم قبلوه في نسخ الشيء الذي كان مباحاً حتى قدموا من أجله على تحريم الشراب وسب الخمر وكسر أوانيها، وقد تقدم نظير ذلك في تحويل القبلة والله أعلم.
--------------------------------------------------------
(1 ) البخاري في [باب نزل تحريم الخمر وهي من البُسر والتمر] الحديث الأول وسنده: حدثنا إسماعيل بن عبدالله قال حدثني مالك بن أنس عن إسحاق بن عبدالله قال: كنتُ أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبيّ بن كعب من- رضي الله عنه -بن أبي طلحة عن أنس بن مالك فضيخ زَهوٍ وتمرٍ، فجاءهم آتٍ فقال: إن الخمر قد حرّمت، فقال أبو طلحة: قمْ يا أنس فأهْرقها، فأهرقتها.
(2 ) مسلم (الحلبي) 3/1205 والحديث رقم 1578 يرويه عبيدالله بن عمر القواريري عن عبدالأعلى بن عبدالأعلى أبو همام قال: حدثنا سعيد الجُريْري عن أبي نظرة عن أبي سعيد الخُدري، وآخر الحديث: فاستقبل الناس مما كان عنده منها من طريق المدينة فسفكوها، أي أراقوها.
(3 ) وهي رواية البخاري في الحديث الأول من [باب نزل تحريم الخمر وهي من البسر والتمر]. (1/174)
صفحة 169
قبلوا خبر الآتي- رضي الله عنهم -(4 ) لأن الصحابة في الحديث: «...فجاءهم آتٍ فقال: إن الخمر قد حرّمت»، وقبلوا قوله فصبُّوا الخمر وكسروا أوانيها، ففي هذا الحديث حجة قوية في قبول خبر الواحد، وأنه حجة في تبليغ الأحكام الشرعية.
--- (1/175)
صفحة 170
ما جاء أن كل مسكر حرام
120- أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها قالت: سُئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن شربا البِتْع فقالَ: «كلُّ شرابٍ أسْكَرَ فهوَ حرامٌ».
والبِتْعُ: المقرِّص.
الحديث رواه مالك في الموطأ وأحمد والبخاري ومسلم.
1- قوله: «سُئل» بالبناء المفعول: والسائل أبو موسى الأشعري كما في رواية عند الشيخين وأحمد.
[COLOR=SandyBrown]2- قوله: «عن شراب البتع» بكسر الموحدة وسكون الفوقية وقد تفتح وعين مهملة: وهو شراب العسل وكان أهل اليمن يشربونه(1 ).[/COLOR]
3- قوله: «كل شراب أسكر فهو حرام»: هذه قاعدة كلية شاملة لما يتخذ من عصير العنب ومن غيره، ولهذا قال أبو موسى عند ذلك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه، قال أبو عمر: إذا خرج الخبر بتحريم المسكر على شراب العسل فكل مسكر مثله في الحكم(2 ).
ولذا قال عمر: كل مسكر خمر فيتناول المشروب وغيره، وتدخل الحشيشة الظاهرة في أواخر المائة السادسة أو السابعة، قال في تاريخ الخميس: واختلف هل هذه مسكرة فيجب فيها الحد أو مفسدة للعقل فيجب التعزير. قال: والذي أجمع عليه الأطباء أنها مسكرة، قال: وبه جزم الفقهاء، قال: وقد تضافرت الأدلة على حرمته، ففي صحيح مسلم: كل مسكر حرام، وقد قال الله تعالى: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ)( . (1/176)
صفحة 171
وأي خبيث أعظم مما يفسد العقول التي اتفقت الملل والشرائع على إيجاب حفظها، ولا ريب أن متناول الحشيشة يظهر به التغير في انتظام الفعل وقول المستمد كماله من نور العقل، قال وروى أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن أم سلمة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتِّر، قال العلماء: المفتر كل ما يورث الفتور من المخدرات، قال: وقد نقل الإجماع على تحريمها غير واحد، قال: وقد جمع بعضهم في الحشيشة مائة وعشرين مضرَّة دينية وبدنية، قال بعضهم: كل ما في الخمر من المذمومات موجود في الحشيشة وزيادة، فإن أكثر ضرر الخمر في الدين لا في البدن وضررها(3 ) فيهما، فمن ذلك فساد العقل وعدم المروءة وكشف العورة وترك الصلاة والوقوع في المحرمات ونتن الفم وسقوط الشعر والأجفان وحَفر الأسنان وتسويدها وضيق النفس وتصفير اللون وتثقيب الكبد، قال: ولقد أحسن القائل فيما قال:
قل لمن يأكلُ الحَشيشة جهلاً يا خسيساً قد عشتَ شرَّ معيشه
دية العقلِ بَدرةٌ(4 ) فلماذا يا سفيهاً قد بعتَها بحشيشه
4- قوله: «والبتعُ المقرَّص»: وزن معظم اسم لهذا الشراب المخصوص ولعله إنما سمي بذلك لأنه يترك حتى يحمضّ، ويمكن في ضبطه أن يكون بوزن اسم الفاعل وسمي بذلك لما فيه من الحموضة، يقال: نبيذ قارص إذا كان يُحذي اللسان من قوته والله أعلم.
-----------------------------------------------------
(1 ) ولي لسان العرب (بتع) البِتْع والبتَع مثل القِمَع: نبيذ يتخذ من العسل كأنه الخمر صلابة، وقال أبو حنيفة: البتع الخمر المتخذة من العسل، فأوقع الخمر على العسل، والبتع أيضاً: الخمر يمانية، والبَتَّاع الخمَّار، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه سُئل عن البتع فقال: «كل مسكر حرام، قال: هو نبيذ العسل وهو خمر أهل اليمن». (1/177)
صفحة 172
(2 ) قلت: ومثل البتع الِجعة وهي (البيرة) نبيذ الذرة فإنها كنبيذ العنب في الإسكار مع الإكثار، ومنهم من يحللها، وقد حذا الترك في صنعها ببلادهم وشربها حذوَ الألمان، حمى الله أبناء هذا العصر من العرب من شربها واحتقاب إثمها، فإن البيرة لعمري مبيرة، وهي من الرجس الذي أمرنا باجتنابه.
(3 ) الأعراف 7/156 والآية: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
(4 ) أي في الدين والبدن جميعاً، ومثل الحشيشة في التحريم المخدرات أو المفتِّرات الكيماوية مثل الكوكايين والأفيون والمورفين والهيدرونين وأشباهها، فهي أشد ضرراً للعقول وإفساداً لسجايا العرب والمسلمين.
(5 ) البَدرة (بفتح الباء) في الأصل: مَسْك السَّخلة والمسك ما دامت توضع شَكوة وللسمن عُكَّة، فإذا فطمت فمسكها للبن بدرة وللسمن مسْأد، فإذا أجذعت فمسكها للبن وطب وللسمن نحْي، والبَدرة: كيس فيه ألف أو عشرة آلاف، سميت بِبدرة السَّخلة كما بيناه.
--- (1/178)
صفحة 173
ما جاء في شرب الخليطين
121- أبو عبيدة عن جابر عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يُشربَ التَّمرُ والزبيب جميعاً، وكذلك كلَّ خَليطينِ.قال الربيع: قال أبو عبيدة: «ذلكَ إذا اختمرا وفَسَدا، وأمَّا على غيرِ ذلكَ فلا بأسَ به».
وأصل الخَلط(1 ) تداخل أجزاء الأشياء بعضها ببعض.
1- قوله: «عن أبي سعيد»: الحديث رواه أيضاً أحمد ومسلم والترمذي.
2- قوله: «نهى أن يشرب التمر والزبيب جميعاً وكذلك كل خليطين»: وفي رواية أحمد ومسلم(2 ) والترمذي: «نهى عن التمر والزبيب أن يخلط بينهما، وعن التمر والبُسر أن يخلط بينهما، يعني في الانتباذ»، وفي لفظ: نهانا أن نخلط بسراً بتمر وزبيباً بتمر وزبيباً ببسر، وقال: من شربه منكم فليشربه زبيباً فرداً أو تمراً فرداً أو بسراً فرداً، رواه مسلم والنسائي، وروى أبو داود من طريق قتادة عن جابر بن زيد وعكرمة أنهما كانا يكرهنا البسر وحده ويأخذان ذلك عن ابن عباس، وقال ابن عباس: نخشى أن يكون المزاء الذي نهيت عنه عبدالقيس، قال الراوي فقلتُ لقتادة: ما المزاء؟ قال: النبيذ في الحنتم والمزفت.
واختلفوا في سبب النهي عن الخليطين فقال قوم: سبب ذلك أن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يشتد فيظن الشارب أنه لم يبلغ حد الإسكار وقد بلغه، وقال آخرون ونسب إلى الجمهور وهو مقتضى قول أبي عبيدة: إن النهي للتنزيه، وإنما يحرم إذا صار مسكراً ولا تخفى علامته، وقال بعض المالكية: وهو للتحريم واختُلف في خلط نبيذ البسر إذا لم يشتد مع نبيذ التمر الذي لم يشتد عند الشراب هل يمتنع أو يختص النهي عن الخلط بالانتباذ؟ فقال الجمهور: لا فرق، وقال الليث: لا بأس بذلك وهو لازم مذهب أبي عبيدة، وقيل أن المنهي عنه خلط النبيذ بالنبيذ لا إذا نبذا معاً. (1/179)
صفحة 174
3- قوله: «ذلك إذا اختمر أو فسدا»: يعني أن المنهي عن شرب الخليطين إنما هو محمول على ما إذا اختمرا وفسدا، أي إذا صار خمراً مسكراً، وعطف الفساد على الاختمار عطف بيان والله أعلم.
---------------------------------------------------
(1 ) الخَلط: التداخل، والخِلط بكسر الخاء ما خالط الشيء والجمع أخلاط، ومنه أخلاط الطيب والدواء والعَلف ونحوه، قال الأزهري: وأما تفسير الخليطين الذي جاء في الأشربة وما جاء من النهي عن شربه فهو شراب يتخذ من التمر والبسر أو من العنب والزبيب معاً، وإنما نهي عن ذلك لأن الأنواع إذا اختلفت في الانتباذ كانت أسرع للشدة والتخمير؛ والنبيذ المعمول من خليطين ذهب قوم إلى تحريمه وإن لم يُسكر أخذاً بظاهر الحديث، وبه قال مالك وأحمد وعامة المحدثين، قالوا: من شربه قبل حدوث الشدة فهو آثم من جهة واحدة، ومن شربه بعد حدوثها فهو آثم من جهتين: شرب الخليطين وشرب المُسكر، وغيرهم رخص فيه وعللوا التحريم بالإسكار.
(2 ) مسلم 3/1574 في [باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين] ورقم الحديث 8986 وسنده: حدثنا شيبان بن فرُّوخ حدثنا جرير بن حازم سمعت عطاء بن أبي رباح حدثنا جابر بن عبدالله الأنصاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخلط الزبيب والتمر والبُسر والتمر، وفي رواية أخرى عن جابر بن عبدالله: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجمعوا بين الرطب والبسر، وبين الزبيب والتمر نبيذاً».
--- (1/180)
صفحة 175
ما جاء في الأوعية المنهي عن الانتباذ فيها
122- أبو عبيدة عن جابر بن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يُنتَبَذَ في الدبَّاء والمُزفَّتِ والنَّقيرِ والحَنْتمِ.
قال الربيع: الدُّباء: القَرع، والمزفَّت: الذي يطلى بالزفت، والنَّقيرُ: حجر، والحُنتم: القلال الخُضر.
123- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: الذي يُروى عن عبدالله بن مسعود ليلة الجنّ في إجازة النبي صلى الله عليه وسلم له أن يتوضأ بالنبيذ، تقدمَ في باب الوُضوء.
1- قوله: «عن أبي سعيد»: الحديث رواه أيضاً أحمد ومسلم(1 ) ولم يذكر المزفَّت، وهو عندهما والبخاري من حديث ابن عباس وعائشة(2 ).
2- قوله: «نهى أن يُنبذ..إلخ»: وذلك لسرعة الفساد في هذه الأوعية، ثم اختلف الناس في بقاء هذا النهي فقال جماعة ببقائه، منهم ابن عمر وابن عباس وبه قال أصحابنا ومالك وأحمد وإسحاق، وقال آخرون: إن النهي إنما كان أولاً ثم نُسخ، قالوا: والمعنى في النهي أن العهد بإباحة الخمر كان قريباً، فلما اشتهر التحريم أبيح لهم في كل وعاء بشرط أن لا يشربوا مسكراً، فهو نظير النهي عن زيارة القبور في أول الأمر ثم أذن في زيارتها.
3- و«الدباء» بضم الدال المهملة وتشديد الباء: وهو القَرع وهو من الآنية التي يسرع فيها الشراب إلى الشدة، و«المزفَّت»: اسم مفعول، وهو الإناء المطلي بالزفت وهو نوع من القار، و«النقير» فعيل بمعنى مفعول من نقر ينقر، وكانوا يأخذون أصل النخلة فينقرونه في جوفه ويجعلونه إناء ينبذون فيه، لأن له تأثيراً في شدة الشراب، و«الحنتم» بفتح الحاء المهملة جرار خضر مدهونة كانت تحتمل الخمر فيها إلى المدينة ثم اتسع فيها فقيل للخزف كله حنتم، وأحدها حنتمة، وهي أيضاً مما تسرع فيها الشدة. (1/181)
صفحة 176
وقول الربيع رحمه الله تعالى في النقير: أنه حجر يدل أن النقير عندهم آنية من حجر أيضاً، فإن ثبت هذا وإلا فالنهي متوجه إليه أيضاً من حيث المعنى لأنه من الآنية الغليظة، وهو أشد من الخشن والحنتم لكن تفسير النقير بما تقدم جاء مرفوعاً من حديث أبي سعيد عند أحمد، قال: إن وفد عبدالقيس(3) قالوا: يا رسول الله ماذا يصلح لنا من الأشربة؟ قال: «لا تشربوا في النقير»، فقالوا: جعلنا الله فداك أوَ تدري ما النقير؟ قال: «الجذع ينقر في وسطه..إلى آخر الحديث»، والله أعلم.
4- قوله: «الذي يروى عن عبدالله بن مسعود»: الحديث تقدم شرحه والله أعلم.
-------------------------------------------------------
(1 ) مسلم 3/1577 في [باب النهي عن الانتباذ في المزفَّت والدُّباء والحنتم والنقير] والسند فيه: حدثني محمد بن حاتم حدثني بُهر حدثنا وُهيب عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن المزفَّت والحنتم والنقير، قال: قيل لأبي هريرة: ما الحنتم؟ قال: الجِرار الخضر.
(2 ) البخاري [باب ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم في الأوعية والظروف بعد النهي] حدثنا علي بن عبدالله حدثنا سفيان بن سليمان بن أبي مسلم الأحول عن مجاهد عن أبي عياض عن عبدالله عن عمرو رضي الله عنهما قال: لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الأسقية قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ليس كل الناس يجد سقاء، فرخص لهم في الجرّ غير المزفّت، ومسند حديث عائشة: حدثني عثمان حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم قلت للأسود: هل سألت عائشة أم المؤمنين عما يُكره أن ينتبذ فيه؟ فقال: نعم، قلت: يا أم المؤمنين، عمَّ نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن ينتبذ فيه؟ قالت: نهانا في ذلك أهل البيت أن ننتبذ في الدُّباء، والمزفَّت، قلت: أما ذكرتِ الجر والحنتم، قال: إنما أحدثك بما سمعت/ أحُدِّث ما لم أسمع؟!. (1/182)
صفحة 177
(3 ) حديث عبدالقيس لم أجده بين أحاديث (كتاب الأشربة) في البخاري، وهو في مسلم (الحلبي) 3/1579 وسنده: حدثنا حمَّاد بن زيد عن أبي جمرة قال: سمعت ابن عباس يقول: قدم وفد عبدالقيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنهاكم عن الدُّباء والحنتم النقير والمقير»، وفي حديث حمَّاد: جعل مكان المقير المزفَّت.
--- (1/183)
صفحة 178
المحرمات من الأفعال والأقوال ( ما جاء في ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن )
124- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: نهى عن ثمنِ الكلبِ، ومهْرِ البَغي وحُلوانِ الكاهِن.
قال الربيع: مهْوُ البَغي ما تأخذهُ المرأةُ على أن يُزنى بها، والحُلوانُ: الأجرةُ، والكاهنُ: الذي ينظُر في المكتَّف.
1- قوله: «عن ابن عباس»: الحديث رواه الجماعة(1 ) من حديث أبي مسعود وعٌقبة بن عمرو البدري.
2- قوله: «نهى عن ثمن الكلب»: أي قيمته التي تدفع في شرائه، والنهي للتحريم وظاهره عدم الفرق بين المعلَّم وغيره، سواءٌ مما يجوز اقتناؤه أو مما لا يجوز، ونسب القول بهذا الظاهر إلى الجمهور.
واختلفوا في علة النهي فقيل نجاسته مطلقاً وهي قائمة في المعلَّم وغيره، وقيل: العلة النهي عن اتخاذه والأمر بقتله، وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه وهو مخالف للحديث، وقال عطاء والنخعي: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره، ويدل عليه ما أخرجه النسائي من حديث جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب إلا كلبَ صيد، وقد اختلفوا أيضاً: هل تجب القيمة على متلفه؟ فمن قال بتحريم بيعه قال بعدم الوجوب، ومن قال بجوازه قال بالوجوب، ومن فصَّل في البيع فصَّل في لزوم القيمة، وعن مالك أنه لا يجوز بيعه وتجب القيمة، وروي عنه أنه قال: بيعه مكروه فقط.
3- قوله: «ومهر البغي»: هو ما تأخذ الزانية على الزنا وهو مجمع على تحريمه، والبغي بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتانية: الزانية، وأصل البغي الطلب، غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد(2 )، والتقييد بالبغي يخرج المُكرَهَة على الزنا، فإنا يلزم مكرهها صداقه، ولها أخذه إذ ليست ببغيّ. (1/184)
صفحة 179
4- قوله: «وحُلوان الكاهن»: هو ما يأخذه على التكهن، وهو بالضم مصدر حَلوته حُلواناً إذا أعطيته، وأصله من الحلاوة شبَّه بالشيء الحلو من حيث أنه يأخذه سهلاً بلا كلفة ولا مشقة، يقال: حلوته إذا أطعمته(3 ) الحلو.
والكاهن هو الذي يدعي مطالعة علم الغيب ويخبر الناس عن الكوائن، وفسره الربيع بأنه هو الذي ينظر في الكتف وهو كتف الذبيحة، يزعم أنه يستدل بذلك النظر على ما سيكون من نزول المطر ونحوه، والفرق بينه وبين العرَّاف أن الكاهن يتعاطى الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار، والعراف هو الذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالَّة ونحوهما، وأخذ الأجرة على النوعين حرام، وكذلك طلب معرفة ما عند الكاهن، والعرافة حرام وهي التكهن، وفي معناها التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاطاه العارفون من الإطلاع على الغيب والله أعلم.
-----------------------------------------------------
(1 ) فهو في آخر [كتاب البيوع] من البخاري وسنده فيه: حدثنا عبدالله بن أن- رضي الله عنه -يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبدالرحمن عن أبي مسعود الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن، وهو بالسند نفسه والمتن في مسلم في [كتاب المساقاة] 3/1198 ورقم الحديث 1567.
(2 ) قال ابن خالويه: البغاء مصدر بغت المرأة: زنت، والبِغاء ج بغيّ لا بغيّة، قال الأعشى:
يهب الجلة الجراجر كالبستان تحفو لدروق أطفالِ
والبغايا يركضن أكسية الأضريح والشَّر عبيَّ ذا الأذيالِ
أراد: ويهب البغايا لأن الحرَّرة لا توهب، ثم كثر في كلامهم حتى عموا به الفواجر إماءً كنَّ أو حرائر، وفي التنزيل: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ)، والبغاء: الفجور ولا يراد به الشتم وإن سمِّين بذلك في الأصل لفجوره، وفي الحديث: امرأة بغي دخلت الجنة في كلب: أي فاجرة، ولا يقال للرجل بغي. (1/185)
صفحة 180
(3 ) وللحلوان معانٍ أخرى، منها مهر المرأة، أو ما كانت تُعطاه على متعتها بمكة، والحُلوان أن يزوج ابنته أو أخته بمهر مسمَّى على أن يجعل له من المهر شيئاً مسمَّى، وكانت العرب تُعيِّر به، والحلوان أيضاً: الكاهن كما جاء في الحديث، قال الأصمعي: الحلوان ما يعطاه الكاهن ويجعل له على كهانته نقول منه: حَلوتُه أحلوه حُلواناً إذا حبوتَه، وقال اللحياني: أجرة الدلال خاصة، وهو الرشوة أيضاً، وعن ابن الأعرابي: الحلوان مصدر كالغفران ونونه زائدة وأصله من الحَلا.
--- (1/186)
صفحة 181
ما جاء في عسب الفحل
125- أبو عُبيدة عن جابر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن عَسْبِ الفَحْلِ.
قال الربيع: ذكرَ العَسْبَ، وأراد ما يُؤخذُ منه عليه من الأجرة، والعَسْبُ: ضِراب الفحل.
1- قوله: «عن ابن عباس»: الحديث رواه أحمد والبخاري(1 ) والنسائي وأبو داود من حديث ابن عمر، وله طرق متعددة عن غير واحد من الصحابة.
2- قوله: «نهى عن عسب الفحل»: العسب بفتح العين المهملة وإسكان السين المهملة أيضاً وفي آخره موحدة، ويقال له: العسيب أيضاً، والفحل الذكر من كل حيوان فرساً كان أو جملاً أو تيساً أو غير ذلك، واختلف في عسبه فقيل: هو ماؤه، وقيل: أجرة الجماع.
وقال الربيع: العسب ضِرابُ الفحل، قيل: وهو أشهر التفاسير فيه، والمراد بالضراب التروان، و يتعلق به النهي فتعين تقدير مضاف يقع عليه النهي وهو الأجرة، ولهذا قال الربيع: ذكر العسب وأراد ما يؤخذ عليه من الأجرة، والصحيح أن النهي للتحريم، وقد تقدم الكلام في ذلك في النهي عن بيع الملاقيح والله أعلم.
--------------------------------------------------------
(1 ) البخاري في [باب عسب الفحل]: حدثنا مسدَّد حدثنا عبدالواحد وإسماعيل بن إبراهيم عن علي بن الحكم عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن عسب الفحل، وفي مسلم 3/1197 ورقم الحديث 1565، وسنده: حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا روح بن عبادة حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ضراب الجمل، أي نهى عن أجرة ضرابه، وقد اختلف العلماء في أجرة الفحل وغيره، من الدواب للضراب.
--- (1/187)
صفحة 182
ما جاء في زناء العينين والجوارح
126- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العينان تزنيان، واليدانِ تزنيانِ، والرِّجلان تزنيان، ويُصدِّق ذلك ويُكذِّبه الفَرْجُ.
1- قوله: «العينان تزنيان»: وزناهما النظر إلى ما حرَّم الله تعالى من العورات.
2- قوله: «واليدان تزنيان»: وزناهما اللمس: لمس ما حرَّم الله تعالى من الأبدان.
3- قوله: «والرجلان تزنيان»: وزناهما المشي إلى الفاحشة، وفي إطلاق الزنا على هذه الأحوال مجاز مرسل من إطلاق اسم المسبب على سببه، لأن النظر واللمس والمشي أسباب الزنا.
4- قوله: «ويصدق ذلك ويكذبه الفرج»: يعني أن الزنا بالفرج حمل عليه مقدماته بالصدق والكذب، فإن وقع الزنا بالفرج حمل عليه مقدماته من النظر وما بعده، وكان الجميع زناً وفاحشة، وإن حفظ فرجه وصان نفسه صارت المقدمات كذباً ودخلت اللَّمم المعفوة باجتناب الكبائر.
واستشكل نسبة التصديق والتكذيب إلى الفرج لأنهما من صفات الأخبار وهنا بخلافه، وأجيب بأن إطلاقهما هنا على سبيل التشبيه فهو مجاز، ويحتمل أن يريد أن الإيقاع يستلزم الحكم بها عادة فيكون كناية والله أعلم.
--- (1/188)
صفحة 183
ما جاء في تحريم الزمر والنياحة
127- ومن طريق ابن عباس عنه عليه السلام قال: «صَوتانِ ملعونانِ في الدنيا والآخرة: صوتُ مزمارٍ عند نعمةٍ، وصوتُ مُرنَّةٍ عند مصيبة»، وزيد فيها في رواية أخرى: «لُعنت النائحةُ والجالسة إليها والمُسمعة».
قال الربيع: المُرِنَّة: النائحة، وصوت مزمار: صوت مغنية.
1- قوله: «ومن طريق ابن عباس»: أي بالسند المتقدم، وذكره في نسخة والحديث ذكره في الجامع الصغير من رواية أنس عن البزَّار والضياء، قال شارحه بإسناد صحيح.
2- قوله: «صوتان ملعونان»: أي ملعون صاحبهما ومطرود من رحمة الله، و«المِزمار» بكسر الميم: آلة الزمر.
3- قوله: «عند نعمة» بالعين المهملة: والمراد الزمر بالمزمار عند حادث سرور، ومنهم من ضبط بالغين المعجمة: وهي جرس الكلام وحسن الصوت في القراءة ونحوها.
وفسَّر الربيع صوت المزمار بالمغنية فهو من مجاز التشبيه، و«المُرنِّة» بضم الميم اسم فاعل من أرَنّ إذا صوَّت(1 ) وله رنة: أي صيحة.
وفسر الربيع رحمه الله المرنة بالنائحة، وهو تفسير بالمراد وإلا فالنائحة أعمّ من المرنة، والمرنة هي الصالقة، بالصاد المهملة والقاف: أي التي ترفع صوتها بالبكاء وترِنُّ منها الأرض.
4- قوله: «عند مصيبة»: من موت أو ذهاب مال: أي صيحة مشتملة على سخط وجزع، ولا مفهوم للعندية بل هما محرَّمان مطلقاً، إلا أنهما من الموضعين أشد وأقبح، وفهم القشيري من قومنا تقييد التحريم بالموضعين فقط، وقال مفهومه الحل في غيرهما وهو باطل. (1/189)
صفحة 184
5- قوله: «وزيد فيها»: أي في هذه الرواية: يعني أن بعض الرواة زادوا في الرواية المتقدمة قوله: «لُعنت النائحة والجالسة إليها والمستمعة»، والمراد بالجالسة إليها هي التي تجلس حولها لتغطيها لها وإكراماً لجلالة قدرها عندها ولاستحسان فعلها، والمراد بالمستمعة التي تستمع نياحتها تلذذاً واستحساناً وبينها وبين الجالسة إليها عموم وخصوص من وجه، لأنها قد تستمع من بعيد والجالسة إليها قد تجلس لغير الاستماع والله أعلم.
----------------------------------------
(1 ) وفي لسان العرب (رنن) قال ابن سيد: الرَّنة والرنين والإرنان: الصيحة الشديدة والصوت الحزين عند الغناء أو البكاء، وقال ابن الأعرابي: الإرنان صوت الشهيق مع البكاء، وقال العجاج يصف قوساً:
تُرنُّ إرناناً إذا ما أنضبا إرنانَ محزونٍ إذا تحوِّبا
والمرنة والمِرنان: القوس.
--- (1/190)
صفحة 185
ما جاء في تحريم أحوال تفعلها النساء في أنفسهن
128- ومن طريق ابن عباس عنه عليه السلام قال: «لعَنَ اللهُ النامصة والمتنمِّصة والواصِلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والمُتفلِّجاتُ للحُسن».
قال الربيع: النامِصةُ: التي تأخذُ من شعر حاجبها ليكون رقيقاً معتدلاً، والمتنمِّصة التي يُفعلُ بها ذلك، والواصِلة تَصلُ شعرَ رأسها ليُقال إنَّه طويل، والمستوصلة التي يُفعلُ بها ذلك، والواشِمة التي تجعلُ الوشمَ في وجهها أو في ذراعها، والمستوشمة التي يُفعَلُ بها ذلك، والمُتفلجاتُ اللاتي يُفلِّجن ما بين أسنانهن للجمال.
1- قوله: «ومن طريق ابن عباس»: أي بالسند المتقدم ذكره في نسخة، والحديث على هذا الحال مما تفرد به المصنف، وهو عند المحدثين قطع متفرقة من طرق متعددة تجتمع معانيه عند الشيخين(1 )، وأحمد من حديث ابن مسعود وابن عمر وأسماء بنت أبي بكر، قالت أسماء: أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت: يا رسول الله إن لي ابنةً عريساً فإنه أصابها حصبة فتمزق شعرها أفأصِلُه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الواصلة والمستوصلة»، واللعن دليل التحريم بل يدل أن الفعل كبيرة.
2- قوله: «النامصة» بنون وصاد مهملة: ناتفة الشعر من الوجه، وقال الربيع: التي تأخذ من شعر حاجبيها ليكون رقيقاً معتدلاً.
3- قوله: «والمتنمصة» بالتاء الفوقية ثم نون ثم صاد مهملة: هي التي تستدعي نتف الشعر من وجهها، فالنامصة تفعل ذلك بنفسها في نفسها والمتنمصة تطلب فعله من غيرها، والكل حرام، واستثنى بعضهم ما إذا نبتت للمرأة لحية أو شارب، قال: فلا تحرم إزالتها بل تستحب، وقيل: لا يجوز حلق لحيتها ولا عنفقتها ولا شاربها لدخوله تحت النمص على تفسير الجمهور، ويخرج عنه على تفسير الربيع رحمه الله. (1/191)
صفحة 186
4- قوله: «والواصلة»: هي التي تصل شعر امرأة بشعر امرأة أخرى لتكثر به شعر المرأة.
وقال الربيع: هي التي تصل شعر رأسها ليقال إنه طويل(2 ).
5- قوله: «والمستوصلة»: هي التي تستدعي أن يفعل بها ذلك، ويقال لها: موصولة، واختلف الناس في حكم الوصل فقال الأكثرون: إنه ممنوع بكل شيء سواء وصلته بشعر أو صوف أو خِرَق لظاهر الحديث، وقال الليث بن سعد: النهي يختص بالوصل بالشعر ولا بأس بوصله بصوف أو خِرَق أو غيرهما وهو محجوج بإطلاق الأحاديث، قال القاضي عياض: فأما ربط خيوط الحرير الملونة ونحوها مما لا يشبه الشعر فليس بمنهي عنه، لأنه ليس بوصل ولا هو في معنى مقصود بوصل، وإنما هو للتجمل والتحسين، وتُعقب بأن التخصيص لا يكون إلا بدليل فما هو؟
6- قوله: «والواشمة»: فاعلة الوشم وهو أن يغرز بالإبرة في ظهر الكف أو المعصم أو الشفة حتى يسيل الدم ثم يحشى ذلك الموضع بالكحل أو النور وهو دخان الشحم، فيخضر ذلك الموضع وهو ما تستحسنه الفساق.
وقال الربيع: الواشمة التي تجعل الوشم في وجهها أو في ذارعها، وهو قريب مما قبله، وقد يكون الوشم بدارات ونقوش وقد يكثر ويقلُّ، وهو بجميع أنواعه حرام لظاهر الحديث وعليها التوبة من ذلك وإزالة الوشم إن لم تخف ضرراً، فإن خافته فإن الله غفور رحيم وهو يقبل توبة التائبين.
7- قوله: «والمُتفلِّجات للحسن»: هنَّ اللاتي يفلجن بين أسنانهن للجمال، جمع متفلجة بالفاء والجيم من (الفَلَجْ) بفتح الفاء واللام: وهي الفرجة بين الثنايا والرباعيات، تفعل ذلك العجوز ومن قاربها في السن إظهاراً للصغر وحسن الأسنان لأن هذه الفرجة اللطيفة بين الأسنان تكون للبنات الصغائر، فإذا عجزت المرأة كبرت سنُّها فتربدها بالمبرد لتصير لطيفة حسنة المنظر وتوهم كونها صغيرة ويقال له: الفلج، وهو حرام على الفاعلة والمفعول بها والله أعلم.
----------------------------------------------- (1/192)
صفحة 187
(1 ) هو في البخاري 7/212 في [باب المتفلِّجات للحسن] وسنده ومتنه: حدثنا عثمان حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيِّرات خلق الله تعال، مالي لا ألعنُ من لعن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ)، وفي مسلم 3/1678 في [باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة...] والحديث برقم 2125، وسنده ومتنه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعثمان بن أبي شيبة (واللفظ لإسحاق) أخبرنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات (وفي حديث مفضل) الواشمات والموشومات والنامصات والمتنمصات والمتفلِّجات للحسن المغيرات خلق الله.
(2 ) ويفهم من قول الربيع رحمه الله «ليقال إنه طويل»: أنها تريد بذلك خدع الخاطب الذي يهوى طول الشعر، والخداع غشّ، وليس منا من غشَّ، كذلك حرَّم النمص والوشم والتفليج لما في ذلك من الخداع والغش وتغيير خلق الله، قلت: ويدخل في هذا الخداع والتغيير صبغ الشفاه بالأحمر (أحمر الشفاه) وهو من أزياء النساء في هذا العصر تقليداً لنساء الفرنج، وسمرة الشفاه العربيات (اللَّمى) هي من صبغة الله والفطرة العربية ومن أحسن من الله صبغة!.
--- (1/193)
صفحة 188
ما جاء في تحريم النظر إلى العورة وتحريم كشفها للناس
129- ومن طريق ابن عباس عنه عليه السلام قال: «مَلعونٌ مَن نظرَ إلى فَرْجِ أخيهِ» أو قال: «إلى عَورة أخيهِ، وملعونٌ من أبْدى عَورتُهُ للنَّاس».
1- قوله: «ومن طريق ابن عباس»: أي بالسند المتقدم وذكره في نسخة، والحديث لم أجده عند غيره فكأنه مما تفرد به وله شواهد كثيرة.
2- قوله: «ملعون»: أي مطرود عن القرب ومبعد عن الرحمة.
3- قوله: «من نظر إلى فرج أخيه»: أو قال: «إلى عورة أخيه»: شك من الراوي وبينهما عموم وخصوص، لأن الفرج بعض العورة، والمراد بأخيه أخوه الآدمي، فإن النظر إلى العورات حرام من جميع المكلفين إلا الزوجة والسرية، وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، واختلفوا في السرة والركبة هل هما من العورة أم لا؟
وقال بشير: النظر المحرَّم ما كان من حدِّ منابت الشعر إلى مستغلظ الفخذين، والنساء كلها على الرجل عورة إلا الوجه والكفين، وعورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل.
4- قوله: «من أبدى عورته للناس»: أي أظهرها لهم، وفي التقييد بالناس إشارة إلى أن حكم الخلوة بخلاف ذلك فإن مُظهرها في الخلوة لا يستحق اللعن، وإن كان منافياً للحياء من الله عز وجل.
والحديث يدل أن النظر إلى العورة كبيرة، وكذلك كشفها لأن اللعن من علامات الكبيرة، وبذلك صرح بعض العلماء، وزعم بعض قومنا وهو المعتمد عند الشافعي أنها صغيرة يوجب الفسق إن تكرَّر، وهو في حضرة الناس خارم للمروءة فيُسقِط العدالة والحديث يرد عليهم، واستدل به في الإيضاح على انتقاض وضوء من نظر على العمد إلى فرج البالغين من بني آدم والله أعلم.
--- (1/194)
صفحة 189
ما جاء في اتخاذ النساء القصة
130- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني عن معاوية بن أبي سفيان قال هو على المِنْبر عامَ حجٍ، فتناولَ قُصة من شعرٍ في يد حَرسي فقال: يا أهل المدينة، أينَ علماؤكم؟ سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما هَلَكَت بنو إسرائيلَ حينَ اتخذت مثلَ هذه نساؤهم.
1- قوله: «بلغني عن معاوية»: الحديث رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج...إلخ، ورواه البخاري(1 ) ومسلم(2 ) من طريق مالك بالسند المتقدم.
2- قوله: «وهو على المنبر»: يعني منبر النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بالمدينة.
3- قوله: «عام حج»: أي حجته الأخيرة في أيام دولت÷ن وذلك سنة سبع وخمسين، قال ابن جرير: أول حجة حجها بعد تملكه سنة أربع وأربعين وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين.
4- قوله: «فتناول قُصَّة»: أي أخذ قصة(3 )، وهي بضم القاف وشد الصاد المهملة: خصلة من شعر تزيدها المرأة في شعرها لتوهم كثرته.
5- قوله: «في يد حَرَسيّ» بفتح الحاء المهملة والراء وكسر السين المهملات وتحتية: نسبة إلى الحرس وهم خدم الأمير الذين يحرسونه(4 ).
6- قوله: «أين علماؤكم»: أي أين ذهبوا عن الإنكار لمثل هذه؟ وأي شيء أسكتهم عن الصدع بالحق أجهل أم تجاهل؟
7- قوله: «إنما هلكت» ولمسلم: «إنما عُذب» بنو إسرائيل(5 )..إلخ، وفيه أن القُوَّام بالأمر يعذبون بعصيان من كان تحت أمرهم إذا ضيعوا الإنكار، ومصداقه قوله تعالى: (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)، وقال أبو عمر: فيه الاعتبار والحكم بالقياس لخوفه على هذه الأمة الهلاك كبني إسرائيل، فإن من فعله مثله استحقه أو يعفو الله، وفيه وجوب اجتناب عمل هلك به قوم والله أعلم. (1/195)
صفحة 190
----------------------------------------------------------
(1 ) رواه البخاري في [باب الوصل في الشعر]: حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عامَ حج وهو على المنبر وهو يقول: وتناول قُصَّة من شعرٍ كانت بيد حَرَسي، أين علماؤكم؟ سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه ويقول: «إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم».
(2 ) وهذا الحديث رواه بلفظه مسلم 3/1679 في [باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة...] ورقم الحديث 2127، وفي رواية أخرى من حديث معمر: إنما عذب بنو إسرائيل.
(3 ) قال الأصمعي وغيره: القُصَّة شعر مقدم الرأس المقبل على الجبهة، وقيل شعر الناصية، قال عديّ بن زيد يصف فرساً:
لهُ قٌصَّة فَشَغت حاجبَيـ ـهِ، والعينُ تبصرُ ما في الظُّلَمْ
(4 ) وفي اللسان (حرس) والحَرَس: حرس السلطان، الواحد حرسيّ لأنه قد صار (الحرس) اسم جنس فنسب إليه، ولا تقل حارس إلا أن تذهب به إلى معنى الحراسة دون الجنس.
(5 ) سورة المائدة 5/79 وقبلها: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ).
--- (1/196)
صفحة 191
باب الطاعون
الطاعون بوزن فاعول من الطعن(1 ) عدلوا به عن أصله ووضعوه دالاً على الموت العام كالوباء، قال صلى الله عليه وسلم: «الطاعون وَخْزُ أعدائكم من الجن وهو لكم شهادة»، صححه الحاكم وغيره.
وفي وقوعه في أعدل الفصول وأصح البلاد هواء وأطيبها ماء دلالةٌ على أنه إنما يكون من طعن الجن، لأنه لو كان بسبب فساد الهواء وانصباب الدم إلى عضو فيحدث ذلك كما زعم الأطباء لتدام ذلك، لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى، والطاعون يذهب أحياناً ويجيء أحياناً على غير قياس ولا تجربة.
وربما جاء سنة على سنة وربما أبطأ سنين، ولو كان من فساد الهواء لعمَّ الناس والحيوان(2 )، وربما يصيب الكثير من الناس ولا يصيب من هو بجانبهم ممن هو في مثل مزاجهم، وربما يصيب من بعض أهل بيت واجد ويسلم منه باقيهم، قال الحافظ ابن حجر: وما يذكر أنه من وَخْز إخوانكم الجن لم أجده في شيء من طرق الحديث المسندة ولا في الكتب المشهورة ولا الأجزاء المشهورة بعد التتبع الطويل البالغ، قال: وعزاه في آكام المرجان لمسند أحمد والطبراني أو كتاب الطواعين لابن أبي الدنيا، قال: ولا وجود له في واحد منها(3 ).
فإن قيل: إذا كان الطعن من الجن فكيف يقع في رمضان والشياطين تصفد فيه وتسلسل؟ أجيب: باحتمال أنهم يطعنون قبل دخول رمضان، ولا يظهر التأثير إلا بعد دخوله، قلت: ويحتمل أن يكون التصفيد والغل لمردتهم والطعن يصدر من عامتهم والله أعلم.
--------------------------------
(1 ) ويجمع على طواعين، ويقال: طُعن الرجلُ فهو مطعون وطعين: أصابه الطاعون، وفي الحديث: نزلتُ على أبي هاشم بن عتبة وهو طعين، ورجلٌ مِطعَن ومِطعان: كثير الطعن للعدو قال:
مطاعينُ في الهيجا مكاشيفُ للدجى إذا اغبرَّ آفاقُ السماء من القرص (1/197)
صفحة 192
(2 ) ليس الطاعون كما ذكر من فساد الهواء، وإنما هو من تلوث مياه الشرب بجراثيم الطاعون، وكثيراً ما أجرم المستعمرون بإفساد الماء وتلويثه بإلقاء جراثيم الطاعون في مياه الشرب فتفسد وينتشر وباء الطاعون بين الأهلين والمجاهدين، فيهلكهم وباءان مجتاحان: الطاعون والاستعمار.
(3 ) ونحمد الله أن حديث وخز الجن لم يجده مثل الحافظ بن حجر في شيء من طرق الحديث ولا في الكتب المشهورة، والحديث الصحيح لا يخالف العلم الصحيح ولا سننَ الله التي لا نجد لها تبديلاً.
--- (1/198)
صفحة 193
ما جاء في الطاعون
131- أبو عبيدة قال سعدُ بن أبي وقَّاص لأسامة بن زيد: ماذا سمعت مِنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ في الطاعون؟ قال: سمعتُه يقول: «الطاعُونُ رجْزٌ أرسل على طائفة من بني إسرائيل، أو على من كانَ قبلكم، فإذا سمعتم به بأرضٍ فلا تدخُلوها عليهِ، وإذا وَقعَ في أرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فِراراً منه».
1- قوله: «قال سعد بن أبي وقاص»: الحديث رواه مالك في الموطأ عن محمد بن المنكدر وعن سالم أبي النظر عن النظر مولى عمر بن عبيدالله عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سمعه يسأل أسامة بن زيد: ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون؟ فقال أسامة: (وذكر الحديث) ورواه البخاري في ذكر بني إسرائيل ومسلم في الطب، كلاهما من طريق مالك بالسند المتقدم.
2- قوله: «رجز» بالزال على المعروف: أي عذاب، ووقع لبعض الرواة (رجس) بالسين المهملة بدل الزال والمحفوظ الأول، قيل: ويطلق الرجس على العقوبة، ومنه قوله تعالى: (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ).
3- قوله: «على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم»: بالشك من الراوي، والتنصيص على بني إسرائيل أخص، وكأنه أشار بذلك إلى ما جاء في قصة بلعام. (1/199)
صفحة 194
أخرج الطبري من طريق سليمان التيمي أحد صغار التابعين عن يَسار أن رجلاً كان يقال له بلعام(1 ) كان مجاب الدعوة، وأن موسى أقبل من بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام فأتاه قومه فقالوا: ادعُ الله عليهم، فقال: حتى أؤامِر ربي، فتمنع فأتوه بهدية فقبلها، وسألوه ثانياً فقال: حتى أؤامِر ربي، فلم يرجع إليه بشيء، فقالوا: لو كره لنهاك، فدعا عليهم، فصار يجري على لسانه ما يدعو به على بني إسرائيل فينقلب على قومه، فلاموه على ذلك فقال: سأدلكم على ما فيه هلاكهم، أرسلوا النساء في عسكرهم ومُرُوهنَّ لا يمتنعن من أحد، فعسى أن يزنو فيهلكوا، فكان ممن خرج بنت الملك فأرادها بعض الأسباط وأخبرها بمكانه، فمكنته من نفسها فوقع في بني إسرائيل الطاعون، فمات منهم سبعون ألفاً في يوم، وجاء رجل من بني هرون ومعه الرمح فطعنهما وأيده الله فانتظمها جميعاً.
وذكر ابن إسحاق في المبتدأ: أن بني إسرائيل لما كثر عصيانهم أوحى الله إلى داود فخيَّرهم ما بين ثلاث: إما أن أبتليهم بالقحط أو العدو شهرين أو الطاعون ثلاثة أيام، فأخبرهم فقالوا: اخترْ لنا، فاختار الطاعون، فمات منهم إلى أن زالت الشمس سبعون ألفاً، وقيل: مائة ألف، فتضرع داود إلى ربه فرفعه.
وورد وقوع الطاعون في غير بني إسرائيل، فيحتمل أن يكون هو المراد بقوله: «أو من كان قبلكم» فمن ذلك ما أخرجه الطبري وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: أمر موسى بني إسرائيل أن يذبح كل رجل منهم كبشاً ثم يخضب كفه في دمه ثم يضرب به على بابه ففعلوا، فسألهم القبط عن ذلك فقالوا: إن الله يبعث عليكم عذاباً وإنا ننجو منه بهذه العلامة، فأصبحوا وقد مات من قوم فرعون سبعون ألفاً، فقال فرعون عند ذلك لموسى: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْز) الآية، فدعا فكشفه عنهم. (1/200)
صفحة 195
وأخرج عبدالرزاق في تفسيره وابن جرير عن الحسن في قوله تعالى: (الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ) قال: فروا من الطاعون، فقال لهم الله: موتوا، ثم أحياهم ليكملوا بقية آجالهم، فأقدم من وقفنا عليه في المنقول من وقع الطاعون به من بني إسرائيل في قصة بلعام، ومن غيرهم في قصة فرعون، وتكرر بعد ذلك لغيرهم.
4- قوله: «فلا تدخلوها عليه»: أي لا تدخلوا تلك الأرض وهو فيها لأنه تهوُّر وإقدام على الخطر، ولأن الامتناع أسكن للنفس وأطيب للعيش، ولئلا يقعوا في اللوم المنهي عنه، فنهوا عن ذلك تأديباً لئلا يلوموا أنفسهم فيما لا لوم فيه، لأن الباقي والناهض لا يتجاوز أحد منهم أجله.
5- قوله: «فلا تخرجوا فراراً منه»: أي لأنه فرار من القدر، ولئلا تضيع المرضى بعدم من يتفقدهم، والموتى بعدم من يجهزهم، فالنهي الأول تأديب وتعليم، والثاني تفويض وتسليم، وقيل: هو تعبُّدي لأن الفرار من المهالك مأمور به وقد نهي عن هذا فهو لسرٍّ فيه ولا يُعلم معناه، والله أعلم. (1/201)
صفحة 196
132- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام حتى إذا كان بسَرْغ وهو موضع بالشام لقيه أمراء الأجناد: أبو عُبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه مع أصحابه، وأخبروه أن الوَباء وقعَ في أرض الشام فاختلفوا، فقال بعضُهم: خرجتَ لأمرٍ ولا نَرى أن تَرجعَ عنه، وقال بعضهم: معك بقيةُ الناس وأصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نَرى أن تُقدِمهم على هذا الوباء، فقال عمر: ارتفعوا عني، قال ابن عباس: فقال عمر: ادعُ لي المهاجرين الأولين، فدعوتُهم فاستشارهم فاختلفوا، فقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تُقدمهم على هذا الوباء، وقال بعضهم: خرجتَ لأمر ولا نرى أن ترجعَ عنه، فقال: ارتفعوا عني، فارتفعوا؛ ثم قال: ادعُ ليَ الأنصار، فدعوتُهم، فاستشارهم فسَلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، فارتفعوا، ثم قال ادعُ لي من كان هاهنا من مشيخة قريش ومن مُهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تُقدِمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس:
إني مُصْبِحٌ على ظَهرٍ، فأصبحوا عليه.
فقال أبو عبيدة: أفِراراً من قدَر الله يا عمر؟
فقال عمر: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة! نعم، نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله.
قال ابن عباس: فجاء عبدُالرحمن بن عوف، وكان متغيَّباً في بعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه».
قال: فحمد الله عمر وأثنى عليه ثم انصرف.
1- قوله: «عن ابن عباس»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم من طريق مالك وغيره. (1/202)
صفحة 197
2- قوله: «خرج إلى الشام»: وذلك في سنة ثمانيَ عشرة، وقيل سنة سبعَ عشرة، وإنما خرج ليتفقد أحوال الرعية، وكان طاعون عمواس بفتح العين المهملة والميم فألف فسين مهملة، وسمي به لأنه عمَّ وأساء ووقع بالشام في محرم وصفر ثم ارتفع فكتبوا إلى عمر فخرج حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد فأخبروه أن الوباء وقع في أرض الشام كأشد ما كان، فشاور أصحابه على نحو ما ذكر ابن عباس.
3- و«سَرْغ» بفتح السين المهملة وسكون الراء على المشهور وغين معجمة: قرية بوادي تبوك يجوز فيها الصرف وعدمه، وقيل: هي مدينة افتتحها أبو عبيدة وهي اليرموك والجابية متصلات، وبينها وبين المدينة ثلاثَ عشرة مرحلة.
4- قوله: «أمراء الأجناد» بالفتح: جمع جند، وكان عمر قسم الشام أجناداً: الأردن جند وحمص جند ودمشق جند وفلسطين جند وقِنِّسرين جند وجعل على كل جند أميراً، فأمراء الأجناد أبو عبيدة عامر بن الجراح، وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص، وكانوا قد تلقوا عمر بن الخطاب عند قدومه وأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام.
5- و«الوَباء» مهموز وقصره أفصح من مده: هو الطاعون، والمراد بالمهاجرين الأولين هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقدَّمهم لتقدمهم.
6- قوله: «بقية الناس»: أي الصحابة وعطف ما بعده عليه عطف تفسير.
7- قوله: «تُقْدِمهم» بضم الفوقية وسكون القاف وكسر الدال: أي تجعلهم قادمين على هذا الوباء.
8- قوله: «من مشيخة» بفتح الميم: جمع شيخ وهو من طعن في السن.
9- قوله: «مهاجرة الفتح» بضم الميم وكسر الجيم: قيل: هم الذين أسلموا قبل الفتح وهاجروا عامه (أي عام الفتح) إذ لا هجرة بعده، وقيل: هم مُسْلمة الفتح الذين هاجروا بعده، واستظهر عياض قال: لأنهم الذين يطلق عليهم مشيخة قريش، وأطلق على من تحوَّل إلى المدينة بعد الفتح لأنه مهاجر صورة وإن انقطع حكم الهجرة بالفتح احترازاً من غيرهم ممن أقام بمكة ولم يهاجر. (1/203)
صفحة 198
10- قوله: «إني مُصْبحٌ» بضم الميم وسكون الصاد وكسر الموحَّدة الخفيفة، وبفتح الصاد المهملة وكسر الموحدة الثقيلة: أي مسافر في الصباح.
11- وقوله: «على ظهر»: أي راكب على راحلة، وأطلق الظهر على الراحلة لأنه موضع الركوب منها، فهو مجاز مرسل من إطلاق اسم البعض على الكل، وإنما أخذ برأي المشيخة لأنه أحوط للمسلمين لأنهم أهل السن والتجربة، وقد وافقهم عليه كثير من الناس، ومستند الطائفتين في اختلافهم مبنيّ على أصلين شرعيين: الأول التوكل والتسليم لقضاء الله وقدره، والثاني الحذر وترك إلقاء اليد إلى التهلكة.
12- قوله: «لو غيرك قالها»: لكان أولى منك بتلك المقالة لأنها لا تليق بمثلك، أو هي للتمني ولا تحتاج إلى جواب، والمعنى أن غيرك ممن لا فهم له إذا قال ذلك يُعذر.
13- قوله: «نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله»: أي نفر من البلاء الذي قدره الله وأنزله على أهل تلك الناحية على السلامة التي قدرها الله لأه الناحية الأخرى، وأطلق على الرجوع اسم الفرار لشبهه به في الصورة، وإن كان ليس فراراً شرعياً ولا معنوياً، وفيه مشورة من يوثق بفهمهم وعقله عند نزول المُعْضل، وأن مسائل الاجتهاد لا يجوز لأحد القائلين فيها أن يعيب من خالفه، ولا أن يطعن عليه، وأن الإمام إذا نزلت به نازلة ليس لها ذكر في الكتاب ولا في السنة كان عليه أن يجمع ذوي الرأي ويشاورهم، فإن لم يأت واحد منهم بدليل فعليه الميل إلى الأصلح والأخذ بما يراه، وفيه أن الاختلاف لا يوجب حكماً وإنما يوجبه الإجماع.
14- قوله: «وكان متغيباً في بعض حاجته»: يعني أنه لم يحضر المشورة. (1/204)
صفحة 199
15- قوله: «إن عندي من هذا علماً»: فيه إشارة إلى أن العلم محصور عندهم فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم دون ما يستند إلى محض الرأي، قال ابن دقيق العبد: الذي يترجَّح عندي في النهي عن الفرار والنهي عن القدوم أن الإقدام عليه تعرض للبلاء، ولعله لا يُصبر عليه، و بما كان فيه ضرب من الدعوة لمقام الصبر أو التوكل.
فمنع ذلك لاغترار النفس ودعواها ما لا تثبت عليه عند التحقق؛ وأما الفرار فقد يكون داخلاً في باب التوغل في الأسباب، متصوراً بصورة من يحاول النجاة مما قُدر عليه، فيقع التكلُّف في القدوم كما يقع التكلف في الفرار فأمر بترك التلكف فيهما(2 ).
16- قوله: «فحمد الله عمر وأثنى عليه»: أي لموافقة اجتهاده واجتهاد معظم الصحابة للحديث النبوي.
17- قوله: «ثم انصرف»: أي رجع إلى المدينة، والحديث دليل قوي على وجوب العمل بخبر الواحد بأنه كان بمحضر جمع عظيم من الصحابة فلم يقولوا لعبدالرحمن أنت واحد وإنما يجب قبول خبر الكافة، والله أعلم.
---------------------------------------------------
(1 ) وفي لسان العرب (بلعم): وبلعم اسم رجل، حكاه ابن دريد، ولا أحسبه عربياً، قلت: هو في العبرانية بمعنى (نهم) وجاء في «قاموس الكتاب المقدس» في لغته وأسمائه وتاريخه (1/247): بلعام هو ابن بعور من فتور قرية فيما بين النهرين، وكان نبياً مشهوراً في جيله، والظاهر أنه كان موحداً يعبد الله، ولي ذلك بعجيب، لأنه من وطن إبراهيم الخليل حيث يظن أنه جرثومة هذه العبادة (التوحيد) كانت لم تزل معروفة عند أهل تلك البلاد (ما بين النهرين) في أيام هذا الرجل. (1/205)
صفحة 200
وقد ذاع صيت هذا النبي بين أهل ذلك الزمان فعلا شأنه وصارت تقصده الناس من جميع أنحاء البلاد ليتنبأ لهم عن أمور مختصة بهم، أو ليباركهم ويبارك مقتنياتهم وما أشبه، ومما هو جدير بالذكر أن بالاق ملك مؤاب استدعاه إليه ليلعن شعب إسرائيل، وأما هو فسأل ربه ليلةَ قدمت عليه رسل مؤاب فلم يؤذن له، فلما كان الصباح رفض طلب بالاق وصرح أن الرب لم يسمح له بذلك، ثم عاد بالاق فأرسل إليه ثانية فيما كان أرسل إليه من قبل فأذن الله لبلعام أن يذهب إلى بالاق، وفيما هو في طريقه أمره أن يبني سبعة مذابح، ويقدم على كل منها ثوراً وكبشاً، ثم سأل اله فيما يصنعه؟ فأمر أن يُبارك إسرائيل، فباركهم على مسمع من بالاق وقومه، وهم وقوفٌ حوله، وخسر بالاق ما كان أطْرفَ به بلعام من الهدايا مع رسله بغية أن يستميله ليلعن له إسرائيل، فاغتاظ بالاق وذهب كل منهما إلى بلدته.
قلت: وقد لعن الله بني إسرائيل لنقضهم الميثاق وتحريف الكلم ولخياناتهم المستمرة بقوله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً)، (أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ).
(2 ) أي بترك التكلف في القدوم والفرار.
--- (1/206)
صفحة 201
باب عدة الشهداء
133- أبو عبيدةَ عن جابر عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الشُّهداءُ خمسة: المطعونُ والمبطونُ والغريقُ وصاحبُ الهدم والشهيدُ في سبيلِ الله».
الحديث(1 ) قد تقدم في عدة الشهداء من كتاب الجهاد، وقد تقدم شرحه هناك، والمراد من ذكره هنا ذكر المطعون أنه من جملة الشهداء، وذلك يؤيد أن الطعن من وخز أعدائنا من الجن، وقد تقدم الكلام في ذلك والله أعلم.
1- قوله: «الشهداء خمسة»: وفسرها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «إن لم يكن الشهداء من أمتي إلا من قُتل بالسيف فهم إذن قليل».
---------------------------------------------
(1 ) وهو في السند المطبوع [الطبعة الثالثة بالقدس] ص31 الحديث الخامس من كتاب الجهاد.
--- (1/207)
صفحة 202
في الحمى والوعك
(الحُمَّى) بضم الحاء وتشديد الميم والقصر: حرارة غزيرة تشتعل في القلب وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العروق إلى جميع البدن، وهي قسمان(1 ): (عرضية) وهي الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس أو القبض الشديد ونحوها، و(مرضية) وهي ثلاثة أنواع وتكون عن مادة، ثم منها ما يسخن جميع البدن، فإن كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حمى يوم لأنها تقع غالباً في يوم، ونهايتها في ثلاثة أيام، وإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية فهم حمى دِق(2 ) وهي أخطرها، وإن كان تعلقها بالأخلاط سميت عفَنية، وهي بعدد الأخلاط الأربعة وتحت هذه الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الإفراد والتركيب.
وأما (الوعك) فقيل هو الحمى، فعطفه على الحمى عطف تفسير، وقيل: هو ألم الحمى وقيل: مغثها(3 )، وقد تقدمن ذكر ذلك كله، والله أعلم.
---------------------------------------------------------
(1 ) أما في الطب الحديث فتقسم باعتبار مدة ارتفاع الحرارة وانقطاعها إلى: مستمرة ومتقطعة كحمّى الربع وهي إتيانها في اليوم الرابع، وذلك أن يُحمَّ يوم ويترك يومين، ثم يحم في اليوم الرابع، وحمى الغبَّ؛ يقال: أغبَّته الحمى إذا أخذته يوماً وتركته آخر، ومن الوجهة العملية تقسم أقساماً ثلاثة:
1- حمى عصبية (كحمى الصرع والجهد الدماغي والمراكز العصبية).
2- حمى تسممية: وهي أكثر الحميات عدداً، ويقسمها الأطباء إلى حمى غريب (ناشئة عن سم أجنبي مثل الستربكينين والأيزرين) وحمى تسمم ذاتي حينما يكون السم مما ولده البدن (كالحمى القطرية وحمى الإجهاد والنمو والبول والقبض). (1/208)
صفحة 203
3- حمى معدية أو جرثومية ناشئة عن عمل الجراثيم الفتاكة، وتعالج بالكينين في الملارية والسليسيلات في الرثية المفصلية (الروماتزمية)، ويعالج ارتفاع الحرارة بإنقاص الاحتراق العضوي بمثل الكينين والأنتيبرين والأنتيرغيرين والفناستين ونحوها.
(2 ) وفي اللسان (دقق) وشيءٌ دقيق: غامض، والدقيق: الذي لا غلظ له، وكذلك الدُّقاق بالضم، والدِّق بالكسر مثله، ومنه حمى الدِّق، قلتُ: ومن أخطر الحميات حمى التيفوس والحصباء.
(3 ) وقيل: أذى الحمى ووجعها في البد، والوَعك أيضاً: الألمُ يجده الإنسان من شدة التعب.
--- (1/209)
صفحة 204
ما جاء في إطفاء الحُمَّى بالماءِ
134- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخُدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الحُمَّى من فَيح جهنَّم فأطفِئوها بالماءِ».
1- قوله: «عن أبي سعيد الخدري»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري(1 ) ومسلم، وحديث ابن عمر وهو عند الشيخين أيضاً من حدث رافع بن خديج وعائشة أم المؤمنين وله طرق كثيرة في الصحيحة وغيرهما.
2- قوله: «الحمَّى من فيح جهنَّم» بفتح الفاء وسكون التحتية وحاء مهملة أي سطوع حرها وفورانه، أرسلت إلى الدنيا نذيراً للكافرين وبشيراً للمؤمنين لأنها كفارة لذنوبهم، فاللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من نار جهنم قدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك كما أن أنواع الفَرح واللذة من نعيم الجنَّة أظهرها الله في هذه الدار عبرة ودلالة.
وقيل: هو من باب التشبيه، شبه اشتعال حرارة الطبيعة في كونها مذيبة للبدن ومعذبة له بنار جهنم، ففيه تنبيه للنفوس على شدة حر النار، والأول أولى قال الطيِّبيُّ «مِن» ليست ببيا نيَّة حتى تكون شبيها كقوله: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) فهي إما ابتدائية أي الحمى نشأت وحصلت من فيح جهنم، أو تبعيضية أي بعض منها، قال: ويدل على هذا التأويل ما في الصحيح اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكلَ بعضي بعضاً فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فكما أن حرارة الصيف أثر من فيحها كذلك الحمَّى. (1/210)
صفحة 205
3- قوله: «فأطفئوها بالماء» بقطع الهمزة وكسر الفاء بعدها همزة مضمومة أمر بإطفاء حرارتها بالماء البارد شرباً وغسلاً على ما يليق بالزمان والمزاج والمكان وذلك أن الماء البارد رطب ينساغ لسهولته فيصل بلطافته إلى أماكن العلة من غير حاجة إلى معاونة الطبيعة، وهذا إنما هو في بعض الحميَّات(2 ) دون بعض، وفي بعض الأزمان دون بعض، كذلك المكان لأن بعض البلاد حارة وبعضها باردة، والحاصل أن الحمى أنواع: منها ما يصلح له الإبراد بالماء، ومنها ما لا يصلح.
والذي يصلح إبراده بالماء يختلف أيضاً فمنه ما يصلح أن يرشَّ بين بدن المحمُوم وجيبه كما في حديث أسماء الآتي أو يقطر على صدره من السقاء فلا يجاوز ذلك، ومنها ما يحتاج إلى صب الماء على رأسه وسائر بدنه أو إلى انغماسه في النهر الجاري مرة فأكثر وذلك باختلاف نوع المرض والمزاج والزمان والمكان، فلا يساوي بين الشتاء والصيف ولا بين الشام والحجاز.
قال المازري: لا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجاً إلى التفصيل حتى أن المريض يكون الشيء دواؤه في ساعة ثم يصير داء له في الساعة التي تليها لعارض يعرض له كغضب يحمي مزاجه مثلاً فيتغير علاجه، ومثل ذلك كثير فإذا فرض وجود الشفاء لشخص بشيء في حالة لم يلزم وجود الشفاء به له أو لغيره في سائر الأحوال(3 ) وأجمع الأطباء على أن الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والعادة والغذاء المقدَّم والتأثير المألوف وقوة الطِّباع.
135- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن الزبير أن أسماء بنت أبي بكر إذا أُتيت بامرأة قد حُمَّت تدعو لها وتأخذُ الماء وتصبُّه بينها وبين جيبها، وقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرُنا أن نبردها بالماء. (1/211)
صفحة 206
1- قوله: «عن جابر بن زيد عن ابن الزبير»: وفي نسخة من طريق ابن الزبير، وفي أخرى: أبو عبيدة من طريق ابن الزبير بإسقاط جابر، والمراد بابن الزبير عورة بن الزبير، ورواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر أن أسماء بنت أبي بكر ثم ذكره، وفاطمة بنت المنذر أسماء بنت أبي بكر ثم ذكره، وفاطمة بنت المنذر زوجة هشام وهي بنت عمة المنذر بن الزبير وأسماء جدتهما.
2- قوله: «أتيت»: بضم الهمزة مبنياً للمفعول.
3- قوله: «حُمَّت»: بضم الحاء وفتح الميم مشددة.
4- قوله: «جيبها»: بفتح الجيم وسكون التحتية وكسر الموحدة أي بين طوقها وجسدها.
5- قوله: «أن نبردها»: بفتح النون وسكون الموحدة وضم الراء، وفي رواية بضم النون وفتح الموحدة وكسر الراء المشددة(1 ) وفي فعل أسماء صفة التبريد المطلق في الأحاديث، وهو أولى ما تفسر به لأن الصحابي أعلم بالمراد من غيره، وادَّعى ابن الأنباري أن المراد التصدُّق بالماء، وأن الجزاء من جنس العمل، وهو تأويل بعيد والله أعلم.
--------------------------------------------------
(1 ) رواه البخاري في [باب الحمَّى من فيح جهنم] وهو الحديث الأول من هذا الباب، وسنده فيه: حدثنا يحيى بن سليمان حدثني ابن وهب قال: حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحمَّى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء»، قال نافع: وكان عبدالله يقول: اكشف عنا الرِّجز.
(2 ) والطب الحديث يشير إلى أن الحمى المرزغية (الملارية) تعالج الكنين كما تعالج الرثيات (الروماتزمية) وهي أمراض المفاصل بالسَّلسيلات، ويشير أطباء هذا العصر في بعض الحميَّات الشديدة لإنقاص الاحتراق العضوي بتخفيف حرارة بدن المحموم بتبريده، وذلك باستعمال الحمَّامات الباردة، أو بلف المحموم بنسيح مبلول، وهو ما جاء به الطب النبوي، وما كانت تصفه الطبيبة ذات النطاقين أسماء للمحمومات من النساء. (1/212)
صفحة 207
(3 ) وعلى أهل المريض استشارة الطبيب المسلم البارع، فإن للأمراض اختلاطات تستعصي بها، ولكلٍّ منها دواء.
(4 ) وفي رواية: «أن نُبرِدَها» بضم النون وسكون الباء وكسر الرَّاء، قال الجوهري في صحاحه: بَرد الشيء بالضم، وبرَدته أنا فهو مبرود، وبرَّدته تبريداً، ولا يقال: أبردته، إلا في لغة رديئة؛ قلت: ومن الفصيح أبرَدَهُ بمعنى جاء به بارداً، وأبردَ له: سقاه بارداً.
--- (1/213)
صفحة 208
ما جاء في حمَّى المدينة
136- أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وُعك أبو بكر وبلال، فدخلت عليهما فقلت: يا أبتِ كيف تجدك؟ وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كُلّ امرئ مُصبَّح في أهله والموتُ أدنى من شِراك نعلهِ
وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمَّى يرفع عقيرته(1 ) ويقول:
ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلة بوادٍ وحولي إذخِرٌ وجليلُ
وهل أُرِدن يوماً مياهَ مجنَّة(2 ) وهل يبدُونّ لي شامة وطفيلُ
قالت عائشة رضي الله عنها: فجئتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: «اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبّنا مكة وصحِّحها وبارك لنا في صاعِها ومُدها وانقل حماها واجعلها في الجَحْفة».
قال الربيع: «الجليل» نبت والعقيرة الصَّوت، و«شامة وطفيل» جبلان مشرفان على مجنَّة، ومجنَّة سوق بأسفل مكة على بريد منها.
137- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال سمعتُ جابر بن عبدالله يقول بايع أعرابيٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأصاب الأعرابيّ وعَك... الحديث.
1- قوله: «عن عائشة»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري(3 ) ومسلم.
2- قوله: «لما قّدِمَ»: أي مُهاجراً إلى المدينة وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول في أحد الأقوال، وكانت المدينة أوْبأ أرض الله، قال هشام: وكان وباؤها معروفاً في الجاهلية وكان الإنسان إذا دخلها وأراد أن يسلم من وبائها قيل: إنهق، فنقه كما ينهق الحمار، قال عياض قدومه على الوباء مع صحة نهيه عنه، لأن النهي إنما هو في الموت الذريع والطاعون، والذي بالمدينة إنما كان وخماً يمرض به كثير من الغرباء وإن قدومه المدينة كان قبلَ النهي لأن النهي كان بالمدينة.
3- قوله: «وُعِكَ»: بضم الواو وكسر العين أي: حُمَّ. (1/214)
صفحة 209
4- قوله: «فدخلت عليهما»: أي للعيادة وذلك بعدما استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في عيادتهما، وكان ذلك قبل أن يُضرب عليهن الحجاب.
5- قوله: «كيفَ تجدك؟»: بفتح الفوقية وكسر الجيم: أي كيف تجد نفسك أو كيف تجد جسمك؟
6- وقوله: «مُصبَّح» بضم الميم وفتح الصد المهملة والموحدة الثقيلة أي مصابٌ بالموت صباحاً أو يسقى الصَّبوح وهو شرب الغّداة، وقيل المراد يقال له: صَبَّحك الله بالخير.
7- وقوله: «أدنى»: أي أقرب.
8- وقوله: «من شراكِ» بكسر المعجمة وخفة الراء: سَير النعل الذي على ظهر القدم، والمعنى أن الموت أقربُ إليه من شراك نعله لرجله وذكر عمر بن شعبة في أخبار المدنية أن هذا الرجز لحنظلة بن سيَّار، وقاله يوم ذي قار وتمثل به الصديق.
9- قوله: «أقلعت» بفتح الهمزة واللام وفي رواية بضم الهمزة وكسر اللام: أي كفت(4 ) وزالت عنه الحمى.
10- قوله: «يرفع عقيرته»: بفتح المهملة وكسر القاف وسكون التحتية: فعيلة بمعنى مفعولة، قال الربيع: العقيرة: الصوت، وقال غيره: أي يرفع صوته ببكاء أو غناء، قال الأصمعي: أصله أن رجلاً انعقرت رجله فرفعها على الأخرى وجعل يصيح، فصار كل من رفع صوته، يقال: رفع عقيرته وإن لم يرفع رجله، قال ثعلب: وهذا من الأسماء التي استعملت على غير أصلها.
11- قوله: «ألا» بخفة اللام: أداة الاستفتاح.
12- قوله: «ليت شعري»: أي شعوري، والمعنى: ليتني أعلم هل يقع لي ما أطلب من المبيت بمكة.. إلى أخره.
13- قوله: «بواد»: أي بوادي مكة.
14- قوله: «إذخِر» بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين: حشيش مكة(5 ) ذو الرائحة الطيبة.
و«جليل»(6 ): بجيم مفتوحة ولام مكسورة: نبت ضعيف يحشى به (خَصاصُ) البيوت وغيرها، وقيل: أنه الثمام، قال أبو عمر: إذخر وجليل ونبتان من الكلأ طيبا الرائحة يكونان بمكة وأوديتهما لا يكادان يوجدان في غيرها.
15- قوله: «أردَنْ»: أرد بنون التوكيد الخفيفة. (1/215)
صفحة 210
و«مجنَّة»: بفتح الجيم والنون المشددة وبكسر الجيم: موضع على أميال من مكة كان به سوق في الجاهلية، وقال الربيع: مجنَّة سوق بأسفل مكة على بريد منها، والبريد اثنا عشر ميلاً.
16- قوله: «يَبْدُون»: بنون التوكيد الخفيفة: يظهرن.
17- قوله: «شامة»: بمعجمة وميم مخففاً، و«طفيل» بفتح الطاء المهملة وكسر الفاء، قال الربيع: شامة وطفيل جبلان مشرفان على مجنَّة، وكذا قال غيره أيضاً، وزاد على بريد من مكة، وقال الأكثر: جبلان بقرب مكة على نحو ثلاثين ميلاً منها، وقال الخطابي: كنت أحسبهما جبلين حتى مررت بهما ووقفت عليهما فإذا هما عينان من ماء، وقوَّاه السهيلي وجمع باحتمال أن العينين بقرب الجبلين.
18- قوله: «اللهم حبب إلينا المدينة»: قال بعضهم: فاستجاب الله دعاءه، فكانت أحبّ إليه من مكة، وكان يحرك دابته إذا رأى المدينة من حبها.
19- قوله: «وصححها»: أي من الوباء.
20- قوله: «وبارك»: أي أنْمِ وزدْ، و«الصاع»: كيل يسع أربعة أمداد، والمُدُّ كيل وهو رطل وثلث، وعند أهل الحجاز ربع صاع لأن الصاع عندهم خمسة أرطال وثلث.
21- قوله: «وانقل» بضم القاف: أي حوّل حمَّاها إلى الجحفة.
والجَحفة بفتح الجيم وسكون المهملة وفتح الفاء: قرية جامعة على اثنتين وثلاثين ميلاً من مكة، وكانت تسمى مهيعة وكانت يومئذ مسكن اليهود، ولذا توجه دعاؤه عليهم، وفيه جواز الدعاء على الكفار بالأمراض(7 ) والهلاك وللمسلمين بالصحة، وفيه معجزة عجيبة فإنها(8 ) من يومئذ وبيئة لا يشرب أحد من مائها إلا حُمَّ ولا يمر بها طائر إلا حًُمّ وسقط والله أعلم. (1/216)
صفحة 211
22- قوله: «بايع أعرابي»: الحديث قد تقدم في بابا البيعة من كتاب الجهاد، وتقدم شرحه هنالك، والغرض من ذكره هنا بيان وباء المدينة، وأن وباءها فضل لأهلها، ونص الحديث: بايع أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصاب الأعرابي وَعَكٌ بالمدينة، فقال: يا رسول الله أقلني بيعتي، فأبى له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء ثانية وثالثة فأبى له، فخرج الأعرابي فقال: إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وتمسك طيبها.
--------------------------------------------------------------
(1 ) قوله: «يرفع عقيرته» أي صوته، وأصل التعبير أن رجلاً عُقرت رجله فرفع العقيرة ووضعها على الصحيحة وبكى عليها بأعلى صوته فقيل: رفع عقيرته، ثم كثر ذلك حتى صير الصوت بالغناء عقيرة، وقال الجوهري: قيل لكل من رفع صوته عقيرة ولم يقيّد بالغناء.
(2 ) مَجِنّة: هكذا في نسخة البخاري اليونينية مضبوطة بالميم المفتوحة والجيم المكسورة، وهي في القسطلاني بكسر الميم وفتح الجيم وفي القاموس المحيط: إن الجيم بالفتح فقط، وأما الميم فمفتوحة وقد تكسر.
(3 ) البخاري كتاب الطب و[باب الحمّى من فيح جهنم] الحديث الثاني من هذا الباب وسنده: حدثنا عبدالله بن مسلمة عن مالك عن هشام عن فاطمة بنت المنذر: أن أسماء بنتَ أبي بكر رضي الله عنها كانت، إذا أتيت بالمرأة وقد حُمَّت تدعو لها، أخذت الماء فصبَّته بينها وبين جيبها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نبرّدها بالماء، ويكاد الحديث يكون بلفظه في البخاري ومسلم.
(4 ) ورواية البخاري: وكان بلال إذا أقْلِعَ عنه يرفع عقيرته. (1/217)
صفحة 212
(5 ) قال العسَّاب العربي أبو حنيفة الدينوري: الأذخر له أصل مندفن دُقاق دفر الريح، وهو مثل أسل الكولان إلا أنه أعرض وأصغر كعوباً، وله ثمرة كأنها مكاسح القصب إلا أنه أرق وأصغر يطحن فيدَّخر في الطيب، وهي تنبت في الحزون والسهول، وقلما تنبت الأذخرة منفردة، ويسقف بها البيوت فوق الخشب، وهمزتها زائد، وفي الحديث في صفة مكة: «وأعْذَق إذخرُها»: أي صار له أعذاق.
(6 ) وفي لسان العرب (جلل) والجليل الثُّمام حجازية، وهو نبت ضعيف يحشى به خصاص البيوت، واحدته جليلة.
(7 ) أما الكفار فإنهم لا ينشرون الأمراض بين العرب والمسلمين بالدعاء بل بإلقاء الجراثيم الفتاكة في عيون مائهم وآبارهم وأنهارهم فيلوثونها بجراثيم الموت، قاتلهم الله وأباد غضراءهم.
(8 ) أي الجحفة، وزعم ابن الكلبي أن العماليق أخرجوا بني عبيل، وهم إخوة عاد، من يثرب فنزلوا الجحفة، وكان اسمها مهيعة، فجاءهم سيل فاجتحفهم فسميت جُحفة.
--- (1/218)
صفحة 213
ما جاء في الرقية عن الوعك
138- الربيع عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رقاه جبريل وهو يوعك. (الحديث).
139- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ إذا اشتكى يقرأ على نفسهِ بالمعوَّذتين وينفُثُ، فلما اشتد عليهِ الوجع كنتُ أقرأ عليه بهما وأنفثُ وأمسحُ بيده رجاءَ بركتها.
قال الربيع: ينفُثُ: أي يبصُ من غير بُصاق.
140- أبو عبيدة عن جابر قال: بَلغني عن رجُلٌ من الصَّحابة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكى إليه من شِدَّة الوَجع، فقالَ له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «امسح بيمينك سبع مرَّات(1 )، وقل بعزَّة اللهِ وبقدرته من شرِّ ما أجد»، قال: ففعلتُ ذلك ففرَّج اللهُ عني ما كانَ فلم أزلْ آمرُ بها أهلي وغيرهم.
1- قوله: «رقاه جبريل وهو يوعَك»: الحديث قد تقدم في كتاب الأذكار في باب الدعاء(2 ) ونصه: «الربيع عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام رقاه وهو يوعك فقال: بسم الله أرقيك من كل داء يؤذي ومن كل حاسد إذا حسد ومن كل عين واسم الله يشفيك»، وتقدم شرحه هناك.
2- قوله: «عن عائشة»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم من طريق مالك وغيره.
3- قوله: «إذا اشتكى»: أي مرض، والشكاية: المرض.
4- قوله: «بالمعوَّذتين»: بضم الميم وكسر الواو: وهما الفلق والناس، وفي نسخة وهي رواية عند قومنا «بالمعوذتين» بصيغة الجمع وفسروها بالإخلاص والفلق والناس، وأطلق على الإخلاص معوذة تغليباً ولما اشتملت عليه من صفة الله تعالى.
5- قوله: «وينفُثُ» بكسر الفاء وضمها بعدها مثلثة: أي يخرج الريح من فمه في يده مع شيء من ريقه. (1/219)
صفحة 214
وقال الربيع: من غير بصاق وهو معنى قول بعضهم: نفخ يشبه البصاق بلا ريق، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يجمع يديه ويقرأ فيهما وينفث ثم يمسح بهما على موضع الألم، قال معمر: قلتُ للزهري: كيف ينفث؟ قال: ينفث على يده ثم يمسح بها وجهه، رواه البخاري(3 )، قال عياض: وفائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة والهواء الذي مسه الذكر كما يتبرك بغُسالة ما يكتب من الذكر، وفيه تفاؤل بزوال الألم ونقصانه كانفصال ذلك النفث، وخصَّ المعوذات لما فيها من الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلاً.
6- قوله: «فلما اشتد عليه الوجع»: وهو مرضه الذي مات فيه.
7- قوله: «وامسح بيده»: أي يمسح على جسده بيده الشريفة رجاءَ بركتها، وفي رواية مالك: وامسح عليه بيمينه، وفيها بيان اليد أنها اليمين(5 ).
وفي الحديث إثبات الرقيّ والرد على منكره من أهل الإسلام، وفيه الرقيّ بالقرآن، وفي معناه صار الذكر وإباحة النفث فيه والمسح باليد عند الرَّقية، وفي معناه مسحها على كل ما يُرجى بركته وشفاؤه وخيرُه كالمسح على رأس اليتيم والتبرك بآثار الصالحين قياساً على فعل عائشة، والتبرك باليمين دون الشمال وتفضيلها عليها.
8- قوله: «بلغني عن رجل من الصحابة»: الحديث رواه مالك في الموطأ ومسلم والترمذي وقال: هذا حديث صحيح والرجل هو عثمان بن أبي العاصي الثقفي استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف ومات في خلافة معاوية بالبصرة.
9- قوله: «فاشتكى إليه من شدة الوجع»: وفي رواية مالك قال عثمان: وبي وجع قد كاد يهلكني، ولمسلم وغيره من رواية الزهري عن عثمان أنه شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعاً يجده في جسده منذ أسلم.
10- قوله: «امسح بيمينك»: أي على موضع الألم. (1/220)
صفحة 215
11- قوله: «سبع مرات»: إنما أمره بذلك لأن تكراره يكون أنجح وأبلغ كتكرار الدواء الطبيعي لاستقصاء إخراج المادة، وفي السبع خاصة لا توجد في غيرها، وقد خصَّ صلى الله عليه وسلم السبع في غير موضع، والتأثير مشروط بقوة اليقين وصدق النية، وللطبراني والحاكم أنه يقول ذلك في كل مسحة من السبع.
12- قوله: «أعوذ»: أي أعتصم وألتجئ.
13- قوله: «بعزة الله وقدرته»: أي بالعزيز القادر.
14- قوله: «من شرِّ ما أجد»: أي من شر ما أحس به من الوجع، زاد في رواية مسلم: وأحاذر.
15- قوله: «فلم أزل آمر بها»: أي هذه الاستعاذة وذلك لأنها من الأدوية الإلهية والطب النبوي، لما في من ذكر الله والتفويض إليه والاستعاذة بقدرته وعزته، وفي أحاديث الباب دليل على جواز الاسترقاء بالقرآن والذكر، قال ابن التين: الرقي بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى هو الطب الروحاني إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله، فلما عزَّ هذا النوع(6 ) فزع الناس إلى الطب الجسماني وتلك الرقى المنهي عنها التي يستعملها المعزّم وغيره، فمن يدعي تسخير الجن له فأتى بأمور مشبهة مركبة من حق وباطل، ويجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بمردتهم، ويقال أن الحية لعداوتها للإنسان تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم.
فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت، فلذلك كره من الرُّقي ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة وباللسان العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئاً من شوب الشرك وعلى كراهة الرقي بغير كتاب الله وعلماء الأمة.
قال القرطبي: الرقي ثلاثة أقسام:
أحدها ما كان يُرقى في الجاهلية مما لا يعقل معناه فجيب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدي إلى الشرك.
الثاني ما كان بكلام الله وبأسمائه فيجوز، فإن كان مأثوراً فيستحب. (1/221)
صفحة 216
الثالث ما كان بأسماء غير الله من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات كالعرش قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه ولا من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله والتبرك بأسمائه ليكون تركه أولى لا أن يتضمن تعظيم المرقيّ به فينبغي أن يجتنب كالحلف بغير الله، والله أعلم.
----------------------------------------------
(1 ) وفي معنى هذا الحديث حديث ابن عباس عند أبي داود والنسائي والترمذي وحسَّنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عاد مريضاً لم يحضر أجلُه فقال عنده سبع مرَّات: أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيك، إلا عافاه الله من ذلك المرض»، وفي إسناد زيد بن عبدالرحمن أبو خالد المعروف بالدالاتي، وقد تكلم فيه غير واحد، ووثقه أبو حاتم، وهناك من الأحاديث ما يدل على استحباب الدعاء للمريض وشرعيته.
(2 ) ورقم الحديث في مسند الربيع 447.
(3 ) رواه البخاري في [باب النفث في الرقية] في الحديث الأول وسنده: حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله الأويسي حدثنا سليمان عن يونس عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عها قالت: (الحديث).
(4 ) ويؤكد هذا المسح للبركة حديث عائشة بنت سعد عن أبيها قال: اشتكيت فجاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني ووضع يده على جبهتي ثم مسح صدري وبطني ثم قال: «اللهم اشفِ سعداً وأتممْ له هجرته»، أخرجه البخاري وأبو داود.
(5 ) من الناس وهم أبرار الخلق.
--- (1/222)
صفحة 217
ما جاء في أجر المريض
141- ومن طريق عائشة رضي الله عنها قالت: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُصيبُ مُصيبة إلا كفَّر الله بها خطاياهُ حتى الشوكة».
142- أبو عبيدة عن جار عن أبي هريرة قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «من يُرِدِ الله به خيراً يُصِبْ منه».
1- قوله: «من طريق عائشة»: أي بالسند المتقدم، والحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري(1 ) ومسلم والنسائي.
2- قوله: «مصيبة» بضم الميم: فاعل من أصابه إذا لم يخطئه الرمي بالسهم، ثم استعملت في كل نازلة، وقال الراغب: أصاب يستعمل في الخير والشر، قال تعالى: (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ) الآية، وقيل: الإصابة بالخير مأخوذ من الصواب أو المطر الذي لا ينزل إلا بقدر الحاجة من غير ضرر، وفي الشر مأخوذة من إصابة السهم، وقيل: الصيبة في اللغة ما ينزل بالإنسان مطلقاً، وفي العرف: ما نزل به من مكروه خاصة وهو المراد هاهنا.
3- قوله: «إلا كفَّر الله بها خطايا»: أي تكون تلك المصيبة سبباً لمحو الخطايا لكون ذلك عقوبة بسبب ما كان صدر منه من المعصية ولكونه سبباً لمغفرة ذنبه.
4- قوله: «حتى الشوكة»: زاد في رواية عند قومنا(2 ) «يُشاكها»، والشوكة المرة من مصدر شاكه بدليل جعلها غاية للمعاني، ولقوله في الرواية الأخرى يشاكها، ولو أراد الواحدة من النبات لقال (يشاك بها) وجوَّزوا في الشوكة الحركات الثلاث، فالجر بمعنى الغاية: أي ينتهي إلى الشوكة، والنصب بتقدير عامل أي حتى وجد أنه الشوكة، والرفع عطفاً على مصيبة والله أعلم.
5- قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري في الطب(3 ).
6- قوله: «خيراً»: أي عظيماً فالتنكير للتعظيم، أو جميع الخيرات فالتنكير للتعميم. (1/223)
صفحة 218
7- قوله: «يُصِبْ منه»: بضم التحتية وكسر الصاد عند أكثر المحدثين وهو الأشهر في الرواية والفاعل ضمير لله، وقرأه بعضهم بفتح الصاد، قال الطيبي: وهو الأليق بالآداب لقوله تعالى: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)(4 ).
قلت: الأليق كما نطق به المصطفى، وللخطاب مقامات والأحوال تختلف، ومعنى الحديث أن وقوع المصائب على المؤمن من علامات إرادة الخير له، فمن أراد الله به خيراً ينل منه بالمصائب ليثيبه عليها، وذلك لأن الابتلاء طب إلهي يداوى به الإنسان من أمراض الذنوب المهلكة والله أعلم.
---------------------------------------------------------------
(1 ) رواه البخاري في كتاب الطب وهو الحديث الأول من [باب ما جاء في كفَّارة المرض] وسنده ومتنه: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عودة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مصيبة تصيبُ المسلم إلا كفَّر الله بها عنه حتَّى الشوكة يُشاكها».
ورواية الحديث الثاني الذي بعده: «ما يصيب المسلمُ من نصَب ولا وَصَب، ولا همّ ولا حزن ولا أذىًَ ولا غمّ حتى الشوكة يُشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه».
(2 ) وهي عبارة الحديث الأول والثاني من كتاب الطب في البخاري وقد مرّ بنا الآن ذكرهما.
(3 ) وسنده فيه: حدثني عبدالله بن محمد حدثنا عبدالملك بن عمرو حدثنا زهير بن محمد عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخُدري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(4 ) الآية 80 من سورة الشعراء.
--- (1/224)
صفحة 219
الرقية من لدغة العقرب
143- أبو عبيدة عن جابر عن أبي هريرة أن رجلاً من أسلم قال: ما نمتُ الليلة، قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «من أي شيء؟»، قالَ: لدغَتني عَقْرب، فقال عليه السلام: «أما إنك لو قلتَ حينَ أمسيتَ أعُوذ بكلمات الله التامَّات العامَّات من شرِّ ما خلق لم يضُرَّك شيء إن شاء الله».
1- قوله: «إن رجلاً من أسلم»: لم يذكر اسمه، والحديث رواه مسلم وأبو داود ولابن ماجه معناه.
2- قوله: «أما» بفتح الهمزة وتخفيف الميم: استفتاحية كـ(ألا).
3- قوله: «أمسيت»: أي دخلت في المساء.
4- قوله: «أعوذ»: أي أعتصم والتجئ.
5- قوله: «وكلمات الله»: القرآن.
6- قوله: «التامَّات العامَّات»: وصف للكلمات.
ولم يذكر في رواية قومنا «العامَّات» فهي زيادة عند المصنف، ومعن وصفها بالتمام أي لا يدخلها نقص ولا عيب كما يدخل كلام الناس، وقد سماها تامة لنه لا يجوز أن يكون في كلامه تعالى عيبٌ أو نقصٌ كما يكون في كلام الآدميين.
ومعنى وصفها بـ«العامَّات» أنها النافعات الكافيات الشافيات من كل ما يُتعوَّذ عنه، فهي تامة في نفسها عامة في نفعها.
7- قوله: «من شر ما خلق»: أي من شر خلقه، وشرهم ما يفعله المكلفون من المعاصي والآثام ومُضارَّة بعضهم من ظلم وبغي وقتل وضرب وشتم وغير ذلك، وما يفعله غير المكلفين من الأكل والنهش واللدغ والعض كالسباع والحشرات.
8- قوله: «لم يضرَّك شيءٍ إن شاء الله»: وذلك لبركة هذه الاستعاذة وعميم نفعها، قال العلقمي: هذا قول الصادق الذي علمنا صدقه دليلاً وتجرةب، فإني منذ سمعتُ هذا الخبر عملتُ به فلم يضرني إلى أن تركته فلدغتني عقربٌ بالمهدية ليلاً، فتفكرتُ في نفسي فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات. (1/225)
صفحة 220
وتمسك القائلون بقدم القرآن بمعاني هذا الحديث قالوا: لو كان القرآن محدثاً ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتعوذ به مع نهيه عن التعوذ بالمخلوقين، والله تعالى يقول: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً)(1 ).
والجواب هذا من خصوصيات القرآن، وأنه ليس كغيره من المخلوقات، وناهيك أن الكعبة مخلوقة بإجماع الأمة، ومع ذلك فقد أمر الله تعالى بتعظيمها والطواف بها وافترض ذلك على عباده مع تحريمه تعظيمَ الأحجار والطواف بها على جهة التعبد شرك إجماعاً، وفي الكعبة عبادة إجماعاً فظهر الفرق، وعلمنا أن الخصوصيات من مواهب الله يهبها لمن يشاء من خلقه، وأن الحكم لله يحكم على عباده بما شاء وكيف يشاء لا معقِّب لحكمه والله أعلم.
------------------------------------------------------
(1 ) الآية 6 من سورة الجن، وجاء في لسان العرب (رهق) وقال الزجَّاج في قوله تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ) قيل: كان أهل الجاهلية إذا مرت رُفقة منهم بواد يقولون: نعوذ بعزيز هذا الوادي من مردة الجن، (فَزَادُوهُمْ رَهَقاً): أي ذلة وضعفاً، قال: ويجوز، والله أعلم، أن الإنسان إذا عاذوا به من الجن زادهم رهقاً: أي ذلة، وقال قتادة: زادوهم إثماً، وقال الكلبي: زادوهم غياً، وقال الأزهري: فزادوهم رهقاً هو السرعة إلى الشر، وقيل في قوله: (فَزَادُوهُمْ رَهَقاً): أي سفهاً وطغياناً، وقيل في ### والرهق: الظلم وقيل: الطغيان والفساد والعظمة والسفه والذلة.
--- (1/226)
صفحة 221
ما جاء في عيادة المريض
144- قال الربيعُ: قال أبو عبيدة: رَغِبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في زيارة القرابةِ وعيادة المرضى، وقال: «لو علمتم ما فيهما من الأجر ما تخلَّفتم عنهما، واللهُ يكتبُ بكل خُطوة في ذلك عشر حسنات».
1- قوله: «رغب»: أي حَثَّ الناس على ذلك حين ذكر لهم الثواب المترتب عليه في قوله: «لو علمتم ما فيهما من الأجر ما تخلفتهم عنهما...إلخ»، والترغيب يكون في فعل الواجب والمندوب فلا يدل كلامه على عدم الوجوب(1 ).
2- قوله: «في زيارة القرابة»: أي في الوصول إليهم بالأقدام، والقرابة اسم لمن قرب إليك من الأرحام، وقد أجمع الناس على وجوب حق القرابة، وإن اختلفوا في كيفية ذلك، وإن منعه الخوف عن زيارتهم فليواصلْهم ولو بالسلام في الكتاب ولا يقطعهم وإن قطعوه.
3- قوله: «وعيادة المرضى»: هي زيارتهم والنظر في أحوالهم، وكأنها سميت بذلك لأن زائرهم يتردد إليهم مرة بعد أخرى، وإطلاق الحديث أن العيادة تقيد بوقت دون وقت، لكن جرت العادة بها طرفي النهار مراداً بها تخفيف الجلسة وقلة السؤال وإظهار الرقة والدعاء له بالعافية، وغض البصر عن عورات الموضع، وتمامها أن يضع أحكم يده على جبهته أو على يده ويسأله كيف حاله.
4- قوله: «لو علمتم ما فيهما»: أي زيارة القرابة وعيادة المرضى، وذكر هذا الإجمال لتشويق النفوس إلى التفصيل الآتي في قوله: «والله يكتب بكل خطوة من ذلك عشر حسنات».
5- قوله: «يكتب»: أي يثبت ذلك في كتاب الحسنات أو في صحف الملائكة، و«الخطوة» بالضم: ما بين الرجلين وجمعه خُطى وخُطوات مثل غرفة وغرفات، وإنما كتل له عن كل خطوة عشرُ حسنات لأن لكل خطوة حسنة، والله تعالى يقول: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)(2 ) والله يضاعف لمن يشاء ويرزق من يشاء بغير حساب. (1/227)
صفحة 222
والحديث يدل على مشروعية زيارة القرابة وعيادة المرضى، بل يدل على أن في ذلك فضلاً عظيماً، واستثنى(3 ) بعضهم الأرمد وصاحب الضرس والدماميل، وذكر في ذلك حديثاً مرفوعاً أن الثلاثة لا يُعادون والله أعلم.
----------------------------------------------------------
(1 ) في هذا الحديث دلالة بيَّنة على شرعية العيادة وهي مشروعة بالإجماع، وجزم البخاري بوجوبها فقال: [باب وجوب عيادة المريض]، وقال ابن بطَّال: يحتمل أن يكون الوجوب للكفاية كإطعام الجائع وفك الأسير، ويحتمل أن يكون الوارد فيها محمولاً على الندب، وبه قال الجمهور، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض، وعن الطبري: تتأكد من حق من تُرجى بركته، ثم جزم النوويُّ بعدم وجوب عيادة الكافر، والخلاصة إن في عيادة المريض أحاديث يقوي بعضها بعضاً تقوية تؤكد مشروعية زيارة المريض كحديث أبي هريرة: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس»، وهو حديث متفق عليه، وكحديث ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في مَخرفة الجنة حتى يرجع»، رواه أحمد ومسلم والترمذي.
(2 ) الأنعام 6/160.
(3 ) ويرد على (بعضهم) هذا حديث زيد بن أرقم قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع كان بعيني، رواه أحمد وأبو داود والمنذري، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد وصححه الحاكم، ومن أمراض العين ما هو من أشدّ الأمراض وجعاً وما يوجب ملازمة الفراش ويستوجب العيادة.
--- (1/228)
صفحة 223
كتاب الأيمان والنذور ( ما جاء في النهي عن الحلف بغير الله )
145- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن كانَ منكم حالفاً فليَحْلفْ بالله أو ليصْمُت».
146- أبو عبيدة عن جابر عن أبي سعيد الخُدري أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رَكب يحلِفُ بأبيه، فقالَ: إن اللهَ نهاكم أن تحلفوا بأبائكم، فمن كانَ منكم حالفاً فليَحْلِفْ باللهِ أو ليَصْمُت.
(الأيمان) بفتح الهمزة جمع يمين: وأصل اليمين في اللغة اليد، وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالوا أخذ كلٌّ بيمين صاحبه، وقيل: لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء فسمي الحلف بذلك لحفظ المحلوف عليه، وعرَّفت شرعاً بأنها توكيد الشيء بذكر اسم الله وصفته.
والنذور جمع نذر، وأصله الإنذار بمعنى التخويف، وعرف شرعاً بأنه إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر.
1- قوله: «عن ابن عباس»: وقوله في الحديث الثاني «عن أبي سعيد الخُدري»: الحديثان في معنى واحد.
وفي الحديث الثاني ذكر السبب، وروى أحمد والبخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع عمر وهو يحلف بأبيه فقال: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلفق بالله أو ليصمت، وفي لفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان منكم حالفاً فلا يحلف إلا بالله». (1/229)
صفحة 224
فكانت قريش تحلف بآبائها، فقال: «لا تحلفوا بآبائكم» رواه أحمد ومسلم والنسائي، وعن قُتيلة بنت صيفي أن يهودياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تنذرون(1 ) وإنكم تشركون وتقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة ويقول أحدهم: ما شاء الله ثم شئت، رواه أحمد والنسائي، ولا تنافي بين هذه الأسباب لاحتمال أن يكون السبب الأصلي قول اليهودي ذلك، وأصل إنكار اليهودي حلف قريش بغير الله، وأن عمر لم يسمع النهي فحلف كعادتهم فأنكر عليه صلى الله عليه وسلم.
2- قوله: «من كان منكم حالفاً فليحلف بالله أو ليصمُت» بضم الميم أي يسكت: والمعنى من شاء منكم أن يحلف فليحلف بالله تعالى، ومن لم يشأ أن يحلف بالله فليسكت ولا يحلف بغير الله، قال العلماء: والسرُّ في النهي أن الحلف بالشيء، يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، فلا يحلف إلا بالله وذاته وصفاته، وعلى ذلك اتفق العلماء.
واختلف في وجه النهي فقيل: حرام، وقيل: مكروه، وحكى ابن عبدالبر الإجماع على عدم الجواز، وقيل: إن اعتُقِد في المحلوف ما يعتقد في الله تعالى من العظمة كان بذلك الاعتقاد كافراً مشركاً.
وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير الله تعالى ففيه جوابان: أحدهما أن فيه حذفاً والتقدير ورب الشمس ونحوه، والثاني: أن ذلك يختص بالله، فإذا أراد تعظيم شيء من مخلوقاته أقسم(2 ) به وليس لغيره، ذلك هو الوجه الذي اعتمده ابن النظر في قوله:
فبالله حقاً يقسم الله ربنا وبالخلق مما شاء من خلقه قَسَمْ
كوالتين بل والليل والطور مثله وليس لخلق واسعاً غيرهُ قسَمْ
وأما ما وقع مما يخالف ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم لأعرابي: «أفلح وأبيهِ إن صدق»، فقد أجيب عنه بأجوبة: الأول: الطعن في صحة هذه اللفظة كما قال ابن عبدالبر أنها غير محفوظة(3 )، وزعم أن أصل الرواية: «أفلح والله» فصحفها. (1/230)
صفحة 225
والثاني: أن ذلك كان يقع من العرب ويجر على ألسنتهم دون قصد القسم، والنهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف.
والثالث: أنه كان يقع في كلامهم على وجهين: للتعظيم والتأكيد، والنهي إنما وقع عن الأول.
والرابع: أن ذلك كان جائزاً ثم نًسِخ، فيحمل ذلك على الحال الذي كان قبل النسخ وعليه أكثر الشراح.
وتعقب بأن دعوة النسخ ضعيفة لا مكان الجمع ولعدم تحقق التاريخ، وأحاديث الباب تدل على أن الحلف بغير الله لا ينعقد، لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه، وإليه ذهب الجمهور، وقال بعض الحنابلة: إن الحلف بنبينا صلى الله عليه وسلم ينعقد وتجب الكفارة والله أعلم.
3- قوله: «في ركب» كصعب جمع راكب، وكان ذلك في غزاة غزاها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
4- قوله: «نهاكم أن تحلفوا بآبائكم»: في بعض الروايات قال عمر: فحدثت قوماً حديثاً فقلت: لا وأبي، فقال رجل من خلفي: لا تحلفوا بآبائكم، فالتفتُّ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك والمسيخ خيرٌ من أن #### والتعبير بالهلاك يقتضي تحريم الفعل والله أعلم.
---------------------------------------------------
(1 ) وفي الأصل، وهو من التصحيف «تُندِّدون»: أي تجعلون لله أنداداً، وتُشركون: أي تجعلون لله شركاء، وهو عطف عربي منسجم، وليس في الحديث ما يدل على النذر بل على الشرك باتخاذ الأنداد والشركاء، وعلى ذلك جاءت الرواية الصحيحة، وفي هذا الحديث النهي عن الحلف بالكعبة وعن قول الرجل: ما شاء الله وشئت، ثم أمرهم أن يأتوا بما لا تنديد فيه ولا شرك فيقولون: ورب الكعبة، وما شاء الله ثم شئت، وفي قولهم: ما شاء الله وشئت، تشريك في مشيئته تعالى، وهي منفردة لله سبحانه وتعالى، وإذا نُسبت لغيره فبطريق المجاز. (1/231)
صفحة 226
(2 ) لأن الله جل وعز إذا أقسم بشيءٍ عظيم من مخلوقاته رجع التعظيم إلى الخالق المبدع العظيم وليس لغيره مثل ذلك، لأن من اعتقد في المخلوق ما يعتقده في الله من العظمة كان بذلك كما قال الشارع كافراً مشركاً، وشتان ما هما.
(3 ) وحكى ابن عبدالبر الإجماع على عدم جواز الحلف بغير الله، ومراده نفي الجواز أي الكراهة، وهي أعمُّ من التحريم والتنزيه كما صُرح به في موضع آخر، وجمهور الشافعية على أنه مكروه تنزيهاً، وجزم ابن حزم بالتحريم، وجزم غيره بالتفصيل: فإنه إن اعتقد في المحلوف به ما يعتقد في الله تعالى كان حلفه بذلك لاعتقاد كفراً لا مكروهاً ولا محرَّماً.
--- (1/232)
صفحة 227
ما جاء فيمن حلف على شيء فرأى غيره خيراً منه
147- ومن طريق أبي هريرة عنه عليه السلام قال: «مَن حلفَ يميناً فرأى خيراً منها فليُكفِّر عن يمينه ويفعلْ ما حلف عليه».
1- قوله: «ومن طريق أبي هريرة»: يعني بالسند المتقدم وصرح به في نسخة ورواه أحمد ومسلم(1 ) والترمذي وصححه وله عند علماء الحديث طرق كثيرة.
2- قوله: «من حلف يميناً»: أي على شيء لا يفعله أو لا يتركه.
3- وقوله: «فرأى خيراً منها»: أي وقع في رأيه أن الحنث خير من مراعاة اليمين وأعظم أجراً، ويختلف ذلك باختلاف حكم المحلوف عليه، فإن حلف على فعل واجب أو ترك حرام فيمينه طاعة والمحافظة عليها واجبة والحِنث معصية، وعكسهُ بالعكس، وإن حلف على فعل نفل فيمينه طاعة(2) والحنث مكروهٌ، وإن حلف على ترك مندوب فبعكس الذي قبله وإن حلف على فعل مباح فإن كان يتجاذبه رجحان الفعل وترك كما لو حلف (لا يأكل طيّباً ولا يلبس ناعماً) ففيه خلاف(3)، والصَّواب أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال(4)، وإن كان مستوى الطرفين فالأصح أن المحافظة على اليمين أولى لقوله في حديث عبدالرَّحمن ابن سَمُرة عند الشيخين وأحمد يرفعه «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرَها خيراً منها فأت الذي هو خير».
4- قوله: «فليكفِّر عن يمينه ويفعل ما حلف عليه»: هكذا ورد في هذه الرواية الصحيحة بتقديم الكفارة على الحنث، وقد صحَّح نحوها غير واحد من الحُفَّاظ، وهي تدلُّ على جواز التكفير قبل الحنث، وهو قول الجمهور من أهل العلم وحكي عن أربعة عشر صحابياً.
وقال آخرون لا تجزي الكفارة قبل الحنث، واحتجوا بأنها بعد الحنث فرض وإخراجها قبله تطوّع، فلا يقوم التطوُّع مقامَ المفروض وهو قياس مخالف لظاهر الحديث على أنه إنما يجزي تقديمها بشرط إرادة الحنث، وإلا فلا تجزي كما في تقديم الزكاة. (1/233)
صفحة 228
وقال عياض: اتفقوا على أن الكفارة لا تجب إلا بالحنث وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث، واستحب قوم(5) تأخيرها بعد الحنث، واحتجوا للقول الأول بأن عقد اليمين لما كان يحله الاستثناء وهو كلام فلأن تحله الكفارة وهي فعل مالي أو بدنيّ أولى وهو قياس يؤكد ظاهر الحديث والله أعلم.
-------------------------------------------------------------
(1 ) رواه مسلم عن أبي هريرة ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير»، ورواه أحمد والترمذي وصححه، وفي لفظ: «فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه»، وفيه دليل على أن الحنث في اليمين أفضل من المحافظة عليها إذا كان في الحنث مصلحة.
(2 ) فيمينه طاعة، والتمادي: المحافظة على اليمين مستحب، والحِنث مكروه.
(3 ) الخلافُ عند الشافعية.
(4 ) قاله ابن الصباغ وصوَّبه المتأخرون، بأنَّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال.
(5 ) منهم مالك والشافعي والأوزاعي والثوري، وقال عياض: ومنع بعض المالكية تقديمَ كفارة حِنث المعصية، لأن فيه إعانة على المعصية ورده الجمهور.
--- (1/234)
صفحة 229
ما جاء فيمن حلف على مال امرئ مسلم ليقطعه
148- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلفَ يميناً على مال امرئ مسلم ليقطعه لقي الله وهو عليه غضبان».
1- قوله: «عن ابن عباس»: الحديث أخرج أرباب السنن معناه(1 ) من طرق متعددة، وثبت عند المصنَّف من طريقين :
أحدهما في طريق ابن عباس وهو حديث الباب.
والثاني في طريق أنس ابن مالك وهو الحديث الآتي آخر الباب.
وذكر أحمد والنسائي وغيرهما عن عدي ابن بجيرة قال: كان بين يدي امرئ القيس ورجل في حضرموت خصومة فارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرميّ: بيَّنتك وإلا فيمينه، قال يا رسول الله إن حلف ذَهَبَ بأرضي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين كاذبة ليقطع بها حقَّ أخيه لقي الله وهو عليه غضبان»، فقال امرؤ القيس: يا رسول الله فما لمن تركها وهو يعلم أنها حق؟ قال: «الجنَّة»، فقال: أشهدك أني قد تركتها فنزلت هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً...) إلى آخر الآية.
2- قوله: «ليقطعه»: أي يقطع المال عن صاحبه أو يضمه إليه بيمينه الفاجرة، ويحتمل أن يكون الضمير عائداً إلى امرئ القيس ويكون المعنى ليقطع دعواه عن المال باليمين الفاجرة.
3- قوله: «لقي الله وهو عليه غضبان»: المراد بلقاء الله لقاءُ ما وعد الله به العباد وهو البعث بعد الموت وما وراء ذلك من الأحوال، والمراد بالغَضب إيصال الشر إليه، وفي الحديث القطع بتعذيب أهل الكبائر من الذنوب والله أعلم.
--------------------------------------------------------------- (1/235)
صفحة 230
(1 ) وأخرج البخاري من حديث ابن عمر قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ فذكر حديث أبي هريرة ولفظه: «خمسٌ ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حقَّ، وبَهْتُ مؤمنٍ، والفرار يوم الزحف، ويمين صابرة يقتطع بها مالاً بغير حق».
--- (1/236)
صفحة 231
ما جاء أن النذر بمعصية الله لا يصح
149- ومن طريق عائشة رضي الله عنها عنه عليه السلام قالَ: «من نذرَ أن يطيعَ الله فليطعه ومن نذرَ أن يعصيه فلا يعصهِ فإنه لا نذرَ في معصية الله».
1- قوله: «ومن طريق عائشة»: أي بالسند المتقدم، وذكره في نسخة والحديث رواه الجماعة(1 ) إلا مسلماً.
2- قوله: «أن يطيع الله»: الطَّاعة أعم من أن تكون واجبة أو غير واجبة، فيتصوَّر النذر في الواجب بأن يؤقِّته، كمن ينذر أن يصلي الصَّلاة في أول وقتها فيجب عليه ذلك بقدر ما وقَّته، وأمَّا المستحب في جميع العبادات المالية والبدنية فينقلب بالنَّذر واجباً، ويتقيد بما يتقيد به الناذر.
3- وقوله: «فليطعه»: أي فليفعل الطَّاعة وفاء بنذره.
4- وقوله: «ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه»: أي من نذر أن يفعل شيئاً حرَّمه الله تعالى فلا يحلّ له أن يفعله لأن نذره لا يبيح له ما حرَّم الله، ولا نذر في معصية الله تعالى، لأن المشروع من النَّذر ما كان لوجه الله تعالى دون سواه.
واختلفوا في وجوب الكفَّارة عليه، ونقل الترمذي الخلاف عن الصَّحابة مع اتفاقهم على تحريم النذر بالمعصية واحتجَّ في أوجب الكفارة، بحديث عائشة عند الخمسة: «لا نذر في معصيته وكفارته كفارة يمين»، ونحوه عن ابن عباس عن أبي داود.
وأجيب بأن في الحديثين مقالاً، وحديث الباب يدل على عدم انعقاد النذر في المعصية، وعلى وجوب الوفاء به في الطاعة.
وبقي المباح(2 ) فقيل يصح النذر فيه، ويجب الوفاء بالعقود، وقيل: لا ينعقد النذر في المباح لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نذر إلا فيما ابتُغي به وجهُ الله تعالى»، رواه أحمد وأبو داود والله أعلم.
----------------------------------------------------------- (1/237)
صفحة 232
(1 ) روى الخمسة معناه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نذرَ في معصية وكفَّارته كفارة يمين»، واحتجَّ به أحمد وإسحاق، وقال البخاري عنه: تركوه وتكلَّم فيه جماعة منهم عمرو بن علي وأبو داود وأبو زُرعة والنسائي وابن حِبَّان والدارقطني، وله طرق أخرى عن عائشة عند الدارقطني من وراية غالب بن عبدالله الجزري عن عطاء عن عائشة (مرفوعاً) بلفظ: «من جعل عليه نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين»، وله طرق أخرى عند أبي داود من حديث كريب عن ابن عباس، وإسنادها حسن، وقال أبو داود: (موقوفاً) يعني والموقوف أصحّ، وقد صحَّحه الطحاوي وأبو علي بن السكن، ورواه أحمد وأصحاب السنن والبيهقي من رواية الأزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال الحافظ: وإسناده صحيح إلا أنه معلول بأنه (منقطع)، لأن الزهري لم يَروهِ عن أبي سَلمة.
(2 ) قيل: يصح النذر في المباح لأنه لما نفى النذر في المعصية بقيَِ ما عداه ثابتاً.
--- (1/238)
صفحة 233
ما جاء في قضاء النذر عن الميت
150- ومن طريق ابن عباس رضي الله عنه قال: استفتى سعدُ بن عُبادة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها نذرٌ ولم تقضهِ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقضهِ عنها».
1- قوله: «ومن طريق ابن عباس»: أي بالسند المتقدم وقد وقع التصريح به في نسخة ورواه أبو داود والنسائي وأصله في الصحيحين(1 ).
2- قوله: «استفتى»: أي طلب بيان الحكم في ذلك.
3- قوله: «إن أمي»: هي عمرة بنت سعد بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك ابن النجار، وقيل: عمرة بنت سعد بن قيس، وقيل: عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمر بن عدي بن عمرو توفيت سنة خمس من الهجرة.
4- قوله: «وعليها نذر»: اختلف في تعيينه فقيل: كان صوماً لما رواه مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال جاء رجل فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها قال: نعم، الحديث.
وأجيب بأنه لم يكن فيه أن الرَّجل سعد وقال ابن عبدالبر كان نذرها عتقاً واستدل بما أخرجه من طريق القاسم بن محمَّد أن سعدَ بن عبادة قال: يا رسول الله إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ قال: نعم، وقيل كان نذرها صدقة لما رواه في الموطأ وغيرها أن سعداً خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم فقل لأمه أوصي قالت: المال مال سعد، وتُوفيت قبل أن يقدم فقال: يا رسول الله: هل ينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: نعم، وينافيه ما سيأتي عند المصنَّف في الوصيَّة أنها ماتت بغتة، وأيضاً فليسَ فيه ولا الذي قبله ذكرُ النذر، واستظهر عياض أن نذرها كان في مال أو مبهماً، وظاهر حديث الباب أنه كان معيناً عند سعد.
5- قوله: «اقضه عنها»: أخذ بظاهره ابن حزم وأتباعه من الظاهرية فقالوا: يلزم الوارث قضاء النُّذر عن مورِّثه. (1/239)
صفحة 234
وقال جمهور قومنا إن كان النذر مالياً قضاؤه من رأس ماله، وإن لم يوص به إلا أن وقع النذر في مرض الموت فيكون من الثلث، وشرط المالكيَّة والحنفية أن يوصي بذلك مطلقاً، وعند أصحابنا أن كل واجب لم يتعيَّن على صاحبه لا يجب على الورثة إلا بالوصية.
واختلفوا إذا أوصى به، هل يخرج في جملة المال أو الثلث؟ وهذا في غير حقوق العباد فأما في الثابت منها يقضي من رأس المال قولاً واحداً.
وفي الحديث استفتاء الأعلم وبر الوالدين(2 ) بعد الموت، والتوصل إلى براءة ما في ذمتهما والله أعلم.
------------------------------------------------------------------
(1 ) وهو على شرط الصحيح، قال البخاري: وأمر ابن عمر امرأة جعلت أمُّها على نفسها صلاة بقُباء: يعني ثم ماتت، فقال: صَلِّي عنها، قال: وقال ابن عباس نحوه، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح.
(2 ) وفي الحديث قضاء الحقوق الواجبة عن الميت، وقد ذهب الجمهور إلى أن من مات وعليه نذر ماليّ، فإنه يجب قضاؤه من رأس ماله، وإن لم يوص إلا أن وقع النذر في مرض الموت فيكون من الثلث، وشرط المالكية والحنفية أن يوصي بذلك مطلقاً.
--- (1/240)
صفحة 235
ما جاء في التشديد في اليمين الفاجرة
151- أبو عبيدة عن جابر بن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقتطعَ حقَّ مسلم بيمينهِ حرَّم اللهُ عليهِ الجنةّ وأوجبَ له النَّارَ»، قال رجل: وإن كان شيئاً قليلاً يسيراً يا رسولَ الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإن كان قضيباً من أراك».
1- قوله: «عن أنس بن مالك»: الحديث رواه مالك في الموطأ وأحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه من حديث أمامة الحارثي الأنصاري.
2- قوله: «من اقتطعَ»: افتعل من القطع قوله: «حق مسلم»: أي موحد وذكره للغالب وإلا فمثله الذمي والمعاهد.
3- وقوله: «بيمينه»: أي بحلفه الكاذب.
4- قوله: «حرَّم اللهُ عليه الجنَّة»: أي منعه من دخولها إن لم يتب.
5- قوله: «وأوجب له النار»: أي حكم له باستحقاق النار ودخولها إن لم يتب، ففيه حجَّة على القطع بتعذيب أهل الكبائر(1 ) وإن الجنَّة عليهم حرام إن لم يتوبوا، وتوبة الظالم أن يؤدي المظلمة إلى صاحبها إن كان حيَّاً وإلى ورثته إن كان ميِّتاً، فإن تعذرت معرفة أربابه أنفذه في الفقراء وندم واستغفر، وهو قول الموسِّعين من أصحابنا، وعليه جمهور المشارقة، وبه قال عمرو بن فتح من المغاربة رحمه الله تعالى، وكان عالماً فاضلاً مجاهداً وقتل شهيداً أخذ العلم عن مشايخ أهل الدعوة وعن محمد بن محبوب حين لقيه بالحجاز في خروجهما إلى الحج.
ومنهم من يشدِّد في المظلمة إذا جهل ربُّها ويقولون: قُفل ضاع مفتاحه كما قال ابن عباس، فيمن قتل مؤمناً عمداً، قال عمرو وهو من شأن المسلمين أن لا يؤيسوا أحداً من رحمة الله تعالى.
6- قوله: «رجل»: لم أقف على اسمه وفي رواية مالك: «قالوا» بصيغة الجمع.
7- قوله: «قضيباً»: فعيل بمعنى مفعول أي غصناً مقضوباً أي مقطوعاً. (1/241)
صفحة 236
8- قوله: «من أراك»: بفتح الهمزة شجر يستاك بقضبانه، الواحدة أراكة ويقال هي شجرة طويلة ناعمة كثيرة الورق والأغصان ولها ثمر في عناقيد يسمَّى البرير بموحدة وزان أمير يملأ العنقود الكف وفي رواية مالك تكرار قوله: «وإن كان قضيباً من أراك» ثلاث مرات، وهو مبالغة في القلة وإن استحقاق النار والعياذ بالله يكونُ بمجرد اليمين في اقتطاع الحق وإن كان شيئاً يسيراً لا قيمة له(2 ) والله أعلم.
-------------------------------------------------------
(1 ) ومن الكبائر اقتطاع مال المسلم باليمين وهو كاذب، وهي اليمين الغَموس التي تغمس في النار صاحبها ولا كفارة لها كسائر الكبائر الخمس ليس لهن كفارة، وهي الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت المؤمن، والفرار يوم الزحف، واليمين الغموس.
(2 ) وهذه المبالغة في القلة ضرورية لأن من تسوِّغ له نفسه باستحلال اقتطاع القليل تسوغ له بالاعتياد اقتطاع الكثير واستحلاله.
--- (1/242)
صفحة 237
في الديات والعقل
152- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: «الدِّيةُ مائةٌ من الإبل».
1- قوله: «في الديات والعقل»: وهما بمعنى واحد وهو المال الذي وجب بدل النفس، سمي دية تسمية بالمصدر والجمع ديات كهبة وهبات، قال الأصمعي: وسميت الدية عقلاً تسمية بالمصدر، لأن الإبل كانت تُعقل بفناء وليِّ القتيل، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية إبلاً كانت أو نقداً، وعَقِلت عنه غرِمَت عنه ما لَزمه من دية وجناية، وهذا هو الفرق بين عقلته وعقلت عنه، ومن الفرق بينهما أيضاً عقلت له دم فلان إذا تركت القوَد للدية.
وعن الأصمعي: كلمت القاضي أبا يوسف بحضرة الرشيد في ذلك فلم يفرِّق بين عقلته وعقلت عنه حتَّى فهمته، ودافع الدية عاقل لأنه يعقل الإبل بفناء ولي المقتول والجمع عاقلة(1 ) وجمع العاقلة عواقل والله أعلم.
---------------------------------------------------
(1 ) وفي الحديث: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية شبه العمد والخطأ المحض على العاقلة يؤدونها في ثلاث سنين إلى ورثة المقتول، و«العاقلة» هم العَصبة وهم القرابة من قبل الأب الذي يعطون الدية في قتل الخطأ، وهي صفة جماعة عاقلة، وأصلها اسم فاعلة من العقل وهي من الصفات الغالبة، قال إسحاق بن منصور: قتلُ لأحمد ابن حنبل: مَن العاقلة؟ فقال: القبيلة إلا أنهم يحملون بقدر ما يطيقون، قال: فإن لم تكن عاقلة لم تجعل في مال الجاني بل تُهدر عنه، قال إسحاق: إذا لم تكن العاقلة أصلاً فإنه يكون في بيت المال ولا تهدر الدية.
--- (1/243)
صفحة 238
ما جاء في قدر الدية الكاملة
1- قوله: «الدية مائة من الإبل»: الاقتصار على هذا النوع من أنواع الدية يدل على أنه الأصل في الوجوب، كما ذهب إليه بعض العلماء، قالوا: وبقية الأصناف كانت مصالحة لا تقديراً شرعياً، وقال قوم: بل هي من الإبل للنص ومن النقدين تقويماً إذ هما قيمُ المتلفات وما سواهما صلح، وقال آخرون: إن الدية من الإبل مائة، ومن البقر مائتان، ومن الغنم ألفان، ومن الذهب ألف مثقال.
واختلفوا في الفضة، فقيل: عشرة آلاف درهم، وقيل: اثنا عشر ألف درهم، وهي من الحُلل مائتا حُلة، الحُلة إزار ورداء وقميص وسراويل، وأخرج أبو داود من حديث عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان مائة دينار أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين، قال: فكان ذلك كذلك حتى استُخلف عمر، فقام خطيباً فقال: ألا إن الإبل قد غَلَت، قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار.
وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة بألفي شاة، وعلى أهل الحلل بمائتي حلة يمانية إزار ورداء، وعلى أهل الذهب بألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وقيل: اثنا عشر ألفا، ولا يشكل عليك الاختلاف في تقدير ذلك من الذهب والفضة، فإن قدر الدرهم والدينار كان مختلفاً، فرُبَّ درهم يكون عن درهم وخمس دينار، ورُبَّ درهم يكون عن درهم ودانق، فعشرة آلاف درهم في الجنس الأعلى تقوم مقام اثني عشر ألفاً من الجنس الذي دونه، وكذا القول في الدنانير والله أعلم.
--- (1/244)
صفحة 239
ما جاء في دية المرأة
153- ومن طريقه أيضاً عليه السلام قال: «دِيةُ المرأةِ نِصفُ ديةِ الرَّجل».
1- قوله: «ومن طريقه أيضاً»: أي من طريق ابن عباس بالسند المتقدم، وصرح به في نسخة.
2- قوله: «دية المرأة نصف دية الرجل»: ونحوه عن معاذ بن جبل عند قومنا يرفعه، وبه أخذ أصحابنا فجعلوا دية المرأة نصف دية الرجل في النفس وما دونها.
وهو قول عمر وعلي وبه قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة والليث والثوري والشافعية والحنفية، وقيل: دية المراة مثل دية الرجل حتى يبلغ الثلث من ديته ثم ترجع إلى النصف، وهو قول أهل المدينة وبه قال مالك وأصحابه، وقيل: أرشها يساوي أرش الرجل(1 ) حتى يبلغ أرشها خمساً من الإبل ثم ينصَّف، وقيل: أرض جرحها مثل أرش جراحة الرجل إلا الموضحة فإنها على النصف، وقيل: يستويان فيما دون خمس عشرة من الإبل، وقيل: يستويان إلى النصف ثم ينصَّف، وقيل: ديتها مثل دية الرجل، وهذه كلها أقوال الغير، ولا دليل عليها فالحق الأخذ بظاهر الحديث والله أعلم.
-------------------------------------------
(1 ) الأرش كما جاء في لسان العرب (أرش) دية الجراحات، وقد تكرر في الحديث ذكر الأرش المشروع في الحكومات، وهو الذي يأخذه المشتري من البائع إذا اطلع على عيب في المبيع، وأروش الجنايات والجراحات جائزة لها عما حصل من النقص، وسمي أرشاً لأنها من أسباب النزاع، يقال: أرَّشتُ بين القوم: إذا أوقعت بينهم.
--- (1/245)
صفحة 240
ما جاء في تخفيف دية الخطأ وتغليظ دية العمد
154- ومن طَريقه أيضاً عليه السلام قال: «ديَةُ الخطأ في ثلاثةِ أعوامٍ، في كل سنةٍ ثُلتُ الديةِ، وديَةُ العمدِ في عام واحدٍ».
1- قوله: «ومن طريقه»: يعني ابن عباس، وهو بالسند المتقدم، وصرح به في نسخة.
2- قوله: «دية الخطأ»: أي الدية التي يسببها الخطأ، كالذي يقصد قتل كافر فيقع في مسلم، وكالذي يقصد طيراً فيصيب إنساناً أو نحو ذلك، فإن هذا الخطأ يوجب الدية على عاقلة الجاني والكفارة، والكفارة على الجاني تحرير رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وليس عليه من الدية إلا جمعها، وقيل: يكون كرجل من العاقلة ويلزمه مثل ما يلزم واحداً منها، والأول أكثر.
3- قوله: «في ثلاثة أعوام»: أي تؤدَّى في ثلاثة أعوام في كل سنة ثلث الدية، وقيل: يؤدى النصف في عامين والثلث في عام واحد، وهو مخالف للحديث، والحكمة من تنجيمها أثلاثاً التخفيف على العاقلة.
حيث كانت الجناية على الخطأ من أحدهم فناسب التخفيف في الأداء، وكذلك نفس الدية تخفيف دون دية العمد فتجعل خمسة أجزاء: عشرون بنت مخاض وعشرون ابن لبون وعشرون بنت لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة، هذا قول أصحابنا وبه قال الزهري وعكرمة والليث والثوري وعمر ابن عبدالعزيز وسليمان ابن يسار ومالك والحنفية والشافعية، وهو قول ابن مسعود.
وقيل: تكون أرباعاً: رُبعاً جِذعاً، ورُبعاً حِقاقاً، ورُبعاً بنات لبون، ورُبعاً بنات مخاض، وهو قول الحسن البصري والشعبي وغيرهما، وقيل: تكون ثلاثين جذعة وثلاثن حِقة وعشرين ابن لبون وعشرين بنت مخاض، ونسب القول بذلك إلى عثمان ابن عفان وزيد بن ثابت. (1/246)
صفحة 241
4- قوله: «ودية العَمد»: أي الدية المنسوبة على العمد، وهي التي يكون سببها العمد، وذلك أن يتعمد قتل مسلم بغير حق، فإن عليه في ذلك القَود(1 ) فإن رضي الولي بالدية وجبت مغلظة في عام واحد، إلا أن يرضى الولي بالتنجيم أو يرضى بما دون المغلظة، فإن ذلك العفو المذكور في قوله تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه)(2 ).
والمغلظة تكون أثلاثاً، ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفه من بطون أمهاتها أولادها، وجميعها على الجاني لا يلزم العاقلة منها شيء.
وتخيير الولي بين الثلاثة أمور: القصاص وأخذ الدية والعفو من خصوصيات هذه الأمة، لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص ألبتة، وحرَّم العفو وأخذ الدية، وكتب على أهل الإنجيل العفو وحرم القصاص والدية، وخيِّرت هذه الأمة بين الثلاثة توسعة عليهم وتيسيراً والله أعلم.
----------------------------------------------------
(1 ) القَوَد بالتحريك: قتل النفس بالنفس شاذ، لتحرك الواو وانفتاح ما قبلها كالحوكة والخَونة، والقياس الحاكة والخانة؛ ويقال: قد استقدته فأقادني، وقال الجوهري: القَود القصاص، وأقدت القاتل بالقتيل: أي قتلتَه به، فإن قتله السلطان بقود قيل: أقاد السلطان فلاناً وأقصَّه.
(2 ) الشورى 42/40 ونص الآية: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).
--- (1/247)
صفحة 242
ما جاء أن المسلمين تتكافأ دماؤهم
155- ومن طريقه أيضاً عنه عليه السلام قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، وأموالهم بينهم حَرَام، وهم يدٌ على من سِواهم يَسْعى بذمَّتهم أدناهم، ويردُّ عليهم أقصاهم، ولا يُقْتَلُ ذو عهد في عهده، ولا يُقْتلُ مُسلمٌ بكافرٍ، ولا يَرِثُ الكافرُ المسلمَ ولا المسلمُ الكافر».
قال الربيع: تتكافأ دماؤهم: أي هم سواءٌ في الدية والقتل، وهم يدٌ على من سواهم: أي هم أقوى وأفضل من غيرهم، يسعى بذمتهم أدناهم: أي إذا أعطى أدنى رجل من المسلمين العد لَزِمهم، ويردّ عليهم أقصاهم أي من ردَّ العهدَ من المسلمين كان راداً.
وقال جابر: إلا باتفاق الإمام أو جماعة أهل الفضل في الإسلام.
1- قوله: «ومن طريقه أيضاً»: يعني ابن عباس(1 ) بالسند المتقدم ذكره، في نسخة، لكن سقط منها ابن عباس فصار مرسلاً، والصواب اتصاله كما في نسختنا.
2- قوله: «المسلمون»: أي الموحدون.
3- قوله: «تتكافأ دماؤهم»: أي تستوي في حكم القصاص(2 ) فيُقتل دنيهم بشريفهم وشريفهم بدنيهم، وكذا القصاص فيقتل في سائر الجوارح، إلا أنه لا يقتل الحر بالعبد ويقتل العبد بالحر والكافر بالمسلم والمرأة بالرجل، وعلى أوليائها نصف الدية لأولياء المقتول.
ويقتل الرجل بالمرأة ويؤدي أولياؤها لأوليائه نصف ديته قبل أن يقتل، وقيل: بعد أن يقتل، وقيل: لا رد في الموضعين، والرد مذهبنا لأن ديتها نصف ديته كما تقدم، وعلى قاتل العبد قيمته لسيده، وإن قتل العبدُ الحرُّ دُفِع برمته إلى أولياء المقتول إلا إن شاءوا قيمته فإن لمه الخيار في ذلك. (1/248)
صفحة 243
والحديث رد على العرب في تطاول بعضهم على بعض، قال سعيد بن جبير: إن حيَّين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتل العبد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العِدَّة والأموال، فحلفوا أن يرضوا حتى يكون العبد منا بالحر منهم وبالمرأة منا بالرجل منهم، فنزل فيهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى)(3 ).
4- قوله: «وأموالهم بينهم حرام»: أي أموال بعضهم حرام على بعض إلا بالتراضي، وقد تقدم شرح ذلك.
5- قوله: «وهم يدٌ على من سواهم»: أي على غيرهم.
قال الربيع في معناه: هم أقوى وأفضل من غيرهم، أي قوتهم مع اجتماعهم أفضل من قوة غيرهم، وفضلهم أعظم من فضل غيرهم، وهذا منه رضي الله عنه حمل للحديث على معنى الخبر، وذلك أن تقول أنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن قوة المسلمين وفضلهم على سائر الأمم، ولك أن تجعله في معنى الأمر فتقول: أن صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين أن يكونوا يداً واحدة على من سواهم، فيستلزم النهي عن التفرق والتشتيت كما صرح به قوله تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)(4 )، والظاهر أن هذا الوجه أظهر. (1/249)
صفحة 244
6- قوله: «يسعى بذمتهم أدناهم»: قال الربيع: أي إذا أعطى أدنى الرجل من المسلمين العدَ لزمهم، وقيل: معناه أن أمانهم واحد، فإذا أمَّن الكافة واحد منهم حرم على غيره التعرض له، والمعنيان متقاربان، والذمة العهد لأنه يذم متعاطيها على إضاعتها، ومعنى يسعى بها: أي يتولاها ويذهب بها ويجيء، والمعنى أن ذمة المسلمين سواءٌ صدرت من واحد أو أكثر، شريف أو وضيع، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة والحر والعبد، لأن المسلمين كنفس واحدة، وقيل: لا أمان للعبد إلا أن قاتلَ، وقيل: إذا أذن له سيده في القتال صح أمانه وإلا فلا.
وأما الصبي والمجنون فلا أمان لهما بلا خلاف، وقيل: بالفرق بين الصبي المميِّز وغيره والمراهق وغيره، فجعلوا محل الإجماع على غير المميِّز، لأن مدار هذا الأمر على العقد والإسلام، وليس للكافر على المؤمنين ذمة، وقال الأوزاعي: إن غزا الذميّ مع المسلمين فأمّن أحداً فإن شاء الإمام أمضاه وإلا فليرُدُّه إلى مأمنه، وقيل: يستثنى من الرجال الأسير في أرض الحرب فإنه لا ينفذ أمانه لأنه مقهور في يد العدو.
وقيل: أمر الأمان مطلقاً إلى الإمام، فإن أجازه جاز وإن رده رُدَّ، وتأولوا ما ورد مما يخالف ذلك على قضاياها خاصة وهو معنى قول جابر: إلا باتفاق الإمام أو جماعة أهل الفضل في الإسلام.
7- قوله: «ويرد عليهم أقصاهم»: قال الربيع: من رد العهد من المسلمين كان رداً، ومعناه أنه كما ثبت تأمين الواحد على جميع المسلمين، كذلك يثبت رده للأمان على جميعهم، فيكون سلمهم واحداً وحربهم واحداً، وقال جابر بن زيد رضي الله عنه: إلا باتفاق الإمام أو جماعة أهل الفضل في الإسلام. (1/250)
صفحة 245
وفي نسخة: وجماعة بلا ألف، والمعنى أن الرد لا يكون على الجميع إلا أن يتفق الإمام وأهل الفضل من جماعة المسلمين على رده، فإن اتفقوا ثبت ذلك على خاصة المسلمين وعامتهم، وكان أمانهم واحداً وحربهم واحداً، وإن لم يتفقوا فليس للعامة رد أمانهم وذمتهم، وهذا وجه قويّ لأن أمر الرد شديد والإمام وجماعة المسلمين أدرى بقوة المسلمين وضعفهم، فهم ينظرون لهم المصالح ويطلبون لهم الخير، وأمان العامة ثابت إن لم يتقدم عليهم الإمام بالمنع، فإن تقدم عليهم كان الواجب امتثال أمره، وليس لأحد خلافه، فمن أمَّن بعد الحجر فلا أمان له.
8- قوله: «ولا يقتل ذو عهدٍ في عهده»: المراد بذي العهد من أعطاه المسلمون عهداً وذمة، فإنه لا يُقتل في ذلك الحال حتى تنقضي مدة عهده أو ينقض ذلك بنفسه، فمن قتله في عهده لا يُرَحْ رائحة الجنة(5 )، والتقييد بقوله: «في عهده»: يخرج من كان له عهد فانقضى وقته أو نكثه بنفسه فإنه يقتل في غير عهده.
9- قوله: «ولا يُقتل مسلمٌ بكافر»: أي إذا قتل المسلم الكافر فلا يقتل به، وإن كان ذميَّاً لكن عليه ديته، وللإمام في عقوبته النظر(6 ).
واستثني مالك الذي قال فإنه يقتل به، وقالت الحنفية: يقتل المسلم بالذميّ إذا قتله بغير استحقاق، ولا يقتل بالمستأمِن، وعن الشعبي والنخعي: يقتل باليهودي دون المجوسي، والصحيح المنع مطلقاً، وهو ظاهر الحديث وعليه الأصحاب، لأن العبرة بعموم اللفظ حتى يقوم دليل على التخصيص، ولأن الحكم الذي يبنى في الشرع على الإسلام والكفر إنما هو لشرف الإسلام أو نقص الكفر أولها جميعاً، فإن الإسلام ينبوع الكرامة والكفر ينبوع الهوانة.
10- قوله: «ولا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر»: يأتي شرحه في الباب الآتي إن شاء الله تعالى والله أعلم.
------------------------------------------------------ (1/251)
صفحة 246
(1 ) وجاء هذا الحديث من طريق علي رواه أحمد والنسائي وأبو داود، ولفظه: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يدٌ على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يُقتل مؤمنٌ بكافر ولا ذو عهد في عهده».
(2 ) من الكفء: النظير والمساوي، ومنه الكفاءة في النكاح، والمراد أنه لا فرق بين الشريف والوضيع في الدم بخلاف ما كان عليه الجاهلية من المفاضلة وعدم المساواة.
(3 ) البقرة 2/178 ونصها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
(4 ) الأنفال 8/46 ونصها: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).
(5 ) كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه، عن عبدالله بن عمر: «من قتل مُعاهداً لم يُرَحْ رائحة الجنة».
(6 ) ويؤيده ما جاء في حديث علي أيضاً عن أبي جُحيفة قال: قلتُ لعلي: هل عندكم شيء من الوحي ما ليس في القرآن؟ قال: لا والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلتُ: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفِكاك الأسير «وأن لا يُقتل مسلم بكافر»، رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود والترمذي.
--- (1/252)
صفحة 247
ما جاء في دية الجنين
156- أبو عبيدة قال: سمعتُ عن أبي هريرة قال: إنَّ امرأتين من هُذيل رمت إحداهُما الأخرى، فطرحت جنيناً ميتاً فقَضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم بغُرة عبدٍ أو أمَةٍ.
1- قوله: «سمعت عن أبي هريرة»: الحديث منقطع عند المصنف لأن أبا عبيدة وإن أدرك أبا هريرة لكن قوله: «سمعت عنه»: يدلُّ على أنه لم يسمعه منه، وهو مع انقطاعه صحيحُ بلا خلاف، وقد رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف عن أبي هريرة، ورواه البخاري(1 ) ومسلم عن طريق مالك وغيره ومعناه ثابت عند أرباب السنن.
2- قوله: «امرأتين»: هما زوجتا حمل بن مالك بن النابغة(2 ) وكانتا ضرتين اسم الرامية أمّ عفيف بنت مشروح واسم المرميَّة مُليكة.
3- قوله: «من هُذيل» بضم الهاء وفتح الذال المعجمة نسبة إلى هذيل ابن مدركة بن الياس بن مضر، ولا يخالفه رواية الليث عن ابن شهاب امرأتين من بني لحيان لأنه بطن من هذيل.
4- قوله: «رمت إحداهما الأخرى»: قيل: بحجر فأصاب بطنها، وقيل: بعمود فسطاط، وقيل: بمسطح وهو خشبة أو عود يرقق به الخبز.
5- قوله: «جنيناً»: بفتح الجيم بعده نونان بينهما ياء ساكنة تحتية بوزن عظيم: وهو حمل المرأة ما دام في بطنها سمي بذلك لاستتاره، فإن خرج حياً فهو ولد، أو ميتاً فهو سِقط، وقد يطلق عليه الجنين وقيل الجنين ما ألقته المرأة مما يعرف أنه ولد سواء كان ذكراً أم أنثى ما لم يستهل صارخاً.
6- قوله: «فقضى فيه»: أي بعد أن اختصموا فيه، زاد في حديث المغيرة عند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي فقضى فيها على عصبة القاتل بالدية في الجنين غُرَّة فقال عصبتها: أندي ما لا طعم ولا شرب ولا صاح ولا أستهلَّ مثل ذلك يطلَ، فقال سجع مثل سجع الأعراب. (1/253)
صفحة 248
7- قوله: «بغُرَّة» بضم الغين المعجمة(3 ) وتشديد الراء وأصلها البياض في وجه الفرس قال الجوهري: كأنه عبَّر بالغرة عن الجسم كله كما قالوا اعتق رقبة.
8- قوله: «عبد أو أمة»: تفسير للغرة فاختلف الرُّواة في تنوين الغرة فقرأه العامَّة بالإضافة وغيرهم بالتنوين، وحكى القاضي عياض الاختلاف وقال: التنوين أوجهُ لأنه بيان للغرة ما هي، وتوجيه الإضافة أن الشيء قد يضاف إلى نفسه لكنه نادر.
و«أو» في قوله: «أو أمة»: للتنويع وهو الظاهر، وقيل: المرفوع من الحديث قوله: «بغرة»، وأما قوله: «عبد أو أمة»: فشك من الراوي في المراد بهما وهو ضعيف إذ لا أصل له إلا محض الوهم، والمراد من الغرة العبد والأمة، وإن كانا أسودين، وإن كان الأصل في الغرة البياضَ في الوجه لكن توسَّعوا في إطلاقها على الجسد كله كما قالوا: اعتق رقبة، وقال بعض قومنا(4 ): المراد الأبيض لا الأسود، إذ لولا أنه صلى الله عليه وسلم أراد بالغرة معنى زائداً على شخص العبد ولأمة لما ذكرها.
وتُعقِّب بأنه خلافٌ ما اتفق عليه الفقهاء في إجراء الغُرَّة السوداء قال أهل اللغة: الغُرَّة عند العرب أنفسُ الشيء، وأطلقت هنا على الإنسان لأن الله تعالى خلقهُ في أحسن تقويم، فهو أنفس المخلوقات والله أعلم.
-----------------------------------------------------------------
(1 ) رواه البخاري في [باب ميراث المرأة والزوج مع الولد وغيره] ولفظه: حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن ابن المسيِّب عن أبي هريرة أنه قال: قضى رسول الله في جنين امرأة من بني لحيان سقطَ ميتاً بغرة عبد أو أمة ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغُرَّة توفيت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العَقل على عصبتها وهذا الحديث متفق عليه. (1/254)
صفحة 249
(2 ) حَمَل: بفتح الحاء المهملة والميم، وفي بعض الروايات: «حمل بن النابغة» وهو نسبة إلى جده، وكثيراً ما تنسب العرب إلى الجد ولاسيما إن كان أكثر هرة من الأب، وإلا فهو حمل بن مالك بن النَّابغة.
(3 ) الغُرَّة في الأصل: بياض في الجبهة وفي الصحاح: في جبهة الفرس: فرس أغرّ وغراء، وفي اللسان (غرر): والغُرَّة العبد أو الأمة كأنه عبَّر عن الجسم كله بالغرة وقال الراجز:
كل قتيل في كليب غره حتى ينال القتلَ آلُ مرَّه
يقول: كلهم ليسوا بكفء لكليب إنما هم بمنزلة العبيد والإماء إن قتلتهم، حتى أقتل آل مُرة فإنهم الأكفاء حينئذٍ.
(4 ) وقد روي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال في تفسيره «الغُرَّة» الجنين: الغرة عبد أبيض أو أمة بيضاء، وفي التهذيب: لا تكون إلا أبيض الرقيق، وقال ابن الأثير: ولا يقبل في الدية عبد أسود ولا جارية سوداء، قال: وليس ذلك شرطاً عند الفقهاء، وإنما الغُرَّة عندهم ما بلغ ثمنها عُشر الدية من العبيد والإماء. (1/255)